كتاب : فرحة الأديب
المؤلف : الغندجاني

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
قال أبو محمد الأعرابي: تأملت ما فسره أبو محمد يوسف بن الحسن بن عبد الله السيرافي من أبيات كتاب سيبويه، فوجدته فيها مثل ما قال جزء بن ضرار أخو الشماخ:
قضيت أموراً ثم غادرت بعدها ... بوائج في أكمامها لم تفتق
وذلك أنه قد فسر من أبيات ذلك الكتاب غيضاً من فيض، والقليل الذي فسره فيه خلل كثير وفساد ظاهر. فكان كما قال بشر بن حكيم أخو بني ربيعة بن مالك:
ما كثرت فينا عدي فتتقى ... ولا طاب إذ قلت عدي قليلها
فمن بيت صحف فيه، وشعر نسبه إلى غير قائله، ومعنى حرفه عن جهة الصواب، ولفظ عدل به عن مبانيه. فبنيت مواضع الخطأ من جميع ذلك، وأثبت الصواب تحت كل بيت، وخدمت به مجلس الرئيس أبي سعيد بندار بن جهشتيار، لأنه معدن الأدب، ومعني بعلم العرب، وبالله التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال ابن السيرافي قال مزاحم العقيلي
ومن ير جدوى مثل ما قد رأيتها ... تشقه وتجهده إليها التكاليف
ووجدي بها وجد المضل بعيره ... بنخلة لم تعطف عليه العواطف
قال س: هذا موضع المثل:
ظلت حفافين على مهشمه ... ذائدها العبد وساقيها الأمه
من فسر هذا الشعر الغريب، ولم يستقر أشعار العرب المجاهيل، ولم يقتلها علماً، كان كمن يعطو في الحمض.
قدم ابن السيرافي ها هنا ما وجب أن يؤخر، وأخر ما يجب أن يقدم، وبين البيتين أبيات لا يكاد ينتظم نظامها إلا بها. ونظام الأبيات:
ووجدي بها وجد المضل بعيره ... ببكة لم تعطف عليه العواطف
رأى من رفيقيه جفاء وفاته ... ببرقتها المستعجلات الخوانف
فقالا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من أوفى منى أنا عارف
ولم أنس منها ليلة الجزع إذ مشت ... إلي وأصحابي منيخ وواقف
فمدت بناناً للصفاح كأنه ... بنات النقا مالت بهن الأحاقف
تذكرني جدوى على النأي والعدى ... طوال الليالي والحمام الهواتف
وإلفان ريعا بالفراق فمنهما ... مجدٌ ومقصور له القيد راسف
ومن ير جدوى مثل ما قد رأيتها ... تشقه وتجهده إليها التكاليف
فللباكر الغادي مع القوم سائق ... عنيف وللتالي مع القيد واقف
كصعدة مرانٍ جرى تحت ظلها ... خليج أمرته البحور الزغارف
قال س: وهي طويلة، لكن يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
باب المصادر
قال ابن السيرافي قال سيبويه في باب المصادر، قال المرار
لقد علمت أولى المغيرة أنني ... كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا
قال ابن السيرافي: " وجدت في هذا الباب البيت منسوباً إلى المرار، ورأيته في شعر مالك بن زغبة الباهلي، وكان بنو ضبيعة قد أغارت على باهلة، فلحقتهم باهلة وهزمتهم " .
قال س: هذا موضع المثل:
وهل يشفين النفس من سقم بها ... غناءٌ إذا ما فارقت وركوب
لا يكاد يشفي المستفيد ما ذكره ابن السيرافي، سيما والقليل الذي ذكره مختل، والبيت لمالك بن زغبة الباهلي يعني مسمع بن شيبان أحد بني قيس بن ثعلبة، وكان خرج هو وابن كدراء الذهلي، يطلبان بدماء من قتلته باهلة من بكر ابن وائل، يوم قتل أبو الأعشى بن جندل، فبلغ ذلك باهلة، فلقوهم فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت بنو قيس ومن كان معها من بني ذهل، وضرب مسمع بن شيبان فأفلت جريحاً.
والبيت أول أبيات، نظامها:
لقد علمت أولى المغيرة أنني ... لحقت فلم أنكل عن الضرب مسمعاً
ولو أن سيفي لم يخني صبيه ... لغادرت طيراً تعتفيه وأضبعا
وفر ابن كدراء السدوسي بعدما ... تناول منه في المكرة منزعا
أجئتم لكيما تستبيحوا حريمنا ... فصادفتم ضرباً وطعناً مجدعا
فأبتم خزايا صاغرين أذلةً ... شريجة أرماحٍ لأكتافكم معا
قال ابن السيرافي قال الأخوص اليربوعي
سيأتي الذي أحدثتم في أخيكم ... رفاقاً من الآفاق شتى مآبها

مشائيم ليسوا مصلحين عشيرةً ... ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غرابها
قال ابن السيرافي: النعب: صوت الغراب، والناعب هو الغراب، وقال الأخوص ذلك في حرب كانت بين بطون بني يربوع قتل فيها أبو بدر الغداني. في كلام يشبه هذا لا طائل فيه.
قال س: هذا موضع المثل:
يا ليت حظي منك ذات البرقع
أن لا تضريني وألا تنفعي
لو سكت ابن السيرافي عن تفسير هذا الشعر الذي لم يعرف قضيته ولا نظام أبياته لكان أجدى على مستفيده، وذلك أنه قال: إن هذا الشعر قيل في حرب كانت بين بطون بني يربوع.
وإنما كان القتال بين بني يربوع وبني دارم، فأراد الشاعر بقوله مشائيم بني دارم بن مالك لا بني يربوع. وكان من قصة هذا الشعر، أن ناساً من بني يربوع وبني دارم، اجتمعوا على القرعاء، فقتل بينهم رجل من بني غدانة يكنى أبا بدر، فقالت بنو يربوع: والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا، فقالت بنو دارم: إنا لا نعرف قاتله، فأقيموا قسامة نعطكم حقكم، فقالت بنو غدانة: نحن نفعل. فأخرجوا خمسين، فحلفوا كلهم إلا رجلاً أن الذي قتل أبا بدر عبيد بن زرعة، فقال الباقي من الخمسين: أليس تدفعون إلينا عبيداً إذا أنا كملت الخمسين؟ قالوا: لا ولكنا نديه لأنا لا ندري من قتله. فقال الباقي عند ذلك - وهو أبو بيض الغداني - : والله لا أكملهم أبداً ولا يفارقنا عبيد حتى نقتله.
فقام ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وشيبان بن حنظلة بن بشر بن عمرو فكفلا بعبيد، فدفعته بنو غدانة إليهما، فلما جنهم الليلي قال ضرار وشيبان لعبيد: انطلق حيث شئت.
وغدت بنو غدانة على بني دارم فقالوا لهم: إن صاحبكم هرب، ولكن هذه الدية فاقبلوها من إخوتكم، ولا تطلبوا غير ذلك فتكونوا كجادع أنفه، ولو علمنا مكان صاحبكم قصدنا إليه. فلما سمعهم الأخوص يذكرون الدية قال: دعوني أتكلم، قالوا: تكلم يا أبا خولة. فقال الأخوص:
ليس بيربوعٍ إلى العقل فاقةٌ ... ولا دنسٌ تسود منه ثيابها
فكيف بنوكي مالكٍ إن غفرتم ... لهم هذه أم كيف بعد سبابها
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرةً ... ولا ناعبٍ إلا بشؤمٍ غرابها
فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم ... فكونوا بغايا بالأكف عيابها
ستخبر ما أحدثتم في أخيكم ... رفاقٌ من الآفاق شتى مآبها
وهي أبيات ذكرت منها ما لا غنى عنه في معنى بيت الكتاب.

قال ابن السيرافي قال الجعدي
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
قال: أبو مرحب من بني عمه، وأظنه من بني قشير، يريد أن أبا مرحب قطعه وجفاه في سببٍ كان احتاج إليه فيه.
قال س: هذا موضع المثل:
تنحلت نعت الخيل لا أنت قدتها ... ولا قادها جداك في سالف الدهر
لو اقتصر ابن السيرافي على ذكر الإعراب واللغة، ولم يعرض لذكر الرجال والأنساب، لما استهدف للسان الطاعنين، لكن الشقي بكل كف يصفع.
أبو مرحب هنا، الذي يقول لك إذا لقيك: أهلاً ومرحباً، وليس غير ذلك. وبيت الجعدي في المعنى مثل بيت الكميت:
يراني في اللمام له صديقاً ... وشادنة العسابر رعبليب
ومثل قول الآخر:
رجلٌ صديقٌ ما بدت لك عينه ... فإذا تغيب فاحترس من دعلج
ومثل قول الآخر:
صديق حضارة وصديق عينٍ ... وليس لمن تغيب بالصديق
وقال ابن السيرافي قال أبو الأسود الدؤلي رضي الله عنه
إذا جئت بواباً له قال مرحبا ... ألا مرحبٌ واديك غير مضيق
يخاطب البواب: ألا واديك يا بواب مرحبٌ غير مضيق.
قال س: هذا موضع المثل:
وكيف يرحل من ليست له إبل
كثيراً ما يزل في مثل هذا الاسم من لم يمارس علم النسب، وهو قوله: أبو الأسود الدؤلي، وكذا كان يقوله من تقدم من النحويين، وليس من علمهم.
أخبرنا أبو الندى قال: هو أبو الأسود الديلي. قال: واسمه ظالم بن عمرو ابن سفيان بن يعمر بن حلس بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.

قال: وفي ربيعة: الدول بن حنيفة بن لجيم. وفي الأزد: الديل بن هداد بن زيد مناة بن الحجر. وفي عنزة: الدول بن صباح بن عتيك بن أسلم بن يذكر بن عنزة. وفي تغلب: الديل بن زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب. وفي ضبة: الدول بن ثعلبة بن سعد بن ضبة. وفي الرباب: الدول بن جلى بن عدي بن عبد مناة. وفي عبد القيس: الديل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى.
وفي الهون: الدئل - مهموز على مثال: الدعل - بن محلم بن غالب بن عائذة ابن يثيع بن مليح بن الهون بن خزيمة. وفي إياد: الديل بن أمية بن حذافة بن زهير بن إياد. وفي الأزد: الدول بن سعد مناة بن غامد. وفي قيس: الديل بن حمار بن ناج بن أبي مالك بن عكرمة.

قال ابن السيرافي قال المرار
صرمت ولم تصرم وأنت صروم ... وكيف تصابي من يقال حليم
وصدت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم
قال: يقول صرمت هذه المرأة من قبل أن تصرمك، يخاطب نفسه. ثم قال: وكيف يتصابى من قد كبر وحلم، وصدت هذه المرأة وأطولت أنت الصدود، ومع طول الصدود لا يبقى من المودة والمحبة شيء.
قال س: هذا موضع المثل:
يا أهل ذي المروة خلوها تمر ... فإنما أنتم نبيطٌ وحمر
هذا من أفضح ما جاء بن ابن السيرافي، وذلك أن هذا الشعر ليس من الغريب الذي يشتبه على أحد. والصواب: صددت فأطولت الصدود ونظام الأبيات:
صرمت ولم تصرم وأنت صروم ... وكيف تصابي من يقال حليم
يقول: صرمت ولم تصرم صرم ثبات ولكن صرم دلال.
صددت فأطولت الصدود ولا أرى ... وصالاً على طول الصدود يدوم
كأنه يخاطب نفسه ويلومها على طول الصدود. أي لا يدوم وصال الغواني إلا لمن يلازمهن ويخضع لهن، وفسر ذلك بالبيتين بعدهما، وهما:
وليس الغواني للجفاء ولا الذي ... له عن تقاضي دينهن هموم
ولكنما يستنجز الوعد تابعٌ ... مناهن حلافٌ لهن أثيم
قال ابن السيرافي قال المرار
أنا ابن التارك البكري بشرٍ ... عليه الطير ترقبه وقوعا
موضع ترقبه نصب على الحال، أي ترقب موته لتأكله.
علاه بضربة بعثت بليلٍ ... نوائحه وأرخصت البضوعا
قال: عنى بشر بن عمرو بن مرثد وقتله رجل من بني أسد، ففخر المرار بقتله. وبشر: هو بكر بن وائل. وأرخصت البضوعا: أي أرخصت الضربة اللحم على الطير. وزعم بعض الرواة أنه يعني بالبضوع بضوع نسائه، أي نكاحهن. يقول: لما قتلوه سبوا نساءه فنكحوهن بلا مهر. والبضوع: النكاح. والتفسير الأول أعجب إلي.
قال س: هذا موضع المثل:
أصبحت من ذكر أرجوانة كال ... مرسل ماءً فأمسك الزبدا
ما أكثر ما يرجح ابن السيرافي الرديء على الجيد، والزائف على الجائز، وذلك أنه مال إلى القول بأن البضوع هنا اللحم، ولعمري إنها لو كانت لحوم المعزى والإبل لجاز أن يقع عليها اسم الرخص والغلاء، وهذه غباوة تامة.
والصواب أنهم لما قتلوه عرضوا نساءه للسباء، لأنه لم يبق لهن من يحميهن ويذود عنهن. ثم إنه لم يذكر قاتل بشر من أي قبائل بني أسد كان، وإذا لم تعرف حقيقة هذا، لم يدر لأي شيء افتخر المرار بذلك.
وقاتله سبع بن الحسحاس الفقعسي، ورئيس الجيش جيش بني أسد ذلك اليوم: خالد بن نضلة الفقعسي وهو جد المرار بن سعيد بن حبيب بن خالد ابن نضلة.
وكان من حديث هذا اليوم - وهو يوم قلاب - أن حياً من بني الحارث بن ثعلبة بن دودان، غزوا وعليهم خالد بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس، فقالوا لكاهن لهم: انظر هل يخبرك صاحبك عن الماء، فتسجى بثوبه، فأتاه شيطانه، فقال: اركبوا شنخوبا وطبلالا، فاقتاسوا الأرض أميالاً، فإنكم سترون قارات طوالا، وإن بينهن بلالا.
فحملوا رجلاً منهم على أحد الفرسين، فأجراه فوجد قارات بينهن غدير من ماء السماء، فاستقى القوم وسقوا وأكلوا تمراً من زادهم. فاعترض بشر بن عمرو لآثارهم فقال: هذه آثار بني أسد، فلما وردوا الماء قال: انظروا ما يصنعون بالنوى، إن كان بني أسد فإنهم يطرحون النوى من خلفهم، وإن كانت تميم فإنهم يرمون النوى من بين أيديهم.

فلما وجدوا مطرح نواهم قال: هذه بنو الحارث بن ثعلبة، يأسر أحدهم عقاص المرأة، ويفدي بالمئة، عليكم القوم. قال له ابنه: إن في بني الحارث بن ثعلبة بن فقعس، وإن تلقهم تلق القتال. فقال اسكت، فإن وجهك شبيه بوجه أمك عند البناء. فنفذ القوم.
فلما التقوا هزم جيش بشر، فأتبعته الخيل وهو مجيد - أي صاحب أفراس جياد - حتى توالى في أثره ثلاثة فوارس وما بينهم قريب. فكان أولهم سبع بن الحسحاس الفقعسي، وأوسطهم عميلة بن المقتبس الوالبي، وآخرهم خالد بن نضلة. فأدركت نبل الوالبي الأوسط فرس بشر بن عمرو برمية رماه بها فعقرته، ولحقه سبع فاعتنقه ، وجاء خالد وقال: يا سبع لا تقتله فإنا لا نطلبه بدم، وعنده مال كثير، وهو سيد من هو منه.
فأجلساه بينهما واعتزل الوالبي، وأتتهم الخيل، فإذا مر به رجل أمرهم بقتله، حتى جعل بعض القوم يوعده فيزجر عنه خالد، ثم إن رجلاً هم أن يوجه إليه السنان، فنشز خالد على ركبتيه وقال: اجتنب إليك أسيري. فغضب سبع أن يدعيه خالد، فدفع سبع في نحر بشر فوقع مستلقياً فأخذ برجله ثم أتبع السيف فرج الدرع حتى خاض به كبده. فقال بشر: أجيروا سراويلي فإني لم أستعن. ثم أرسله، وعمد إلى فرسه فاقتاده. فقال حين قتله وهو غضبان: أسيرك وأسير أبيك.
فقالت الخرنق تعير عبد عمرو بن بشر حين حضض على طرفة والمتلمس:
هلا ابن حسحاسٍ قتلت وخالداً ... هنالك لم تقتل هناك ولم تشر
هم طعنوا أباك في فرج درعه ... ووليت لا تلوي على مجحر تجري

قال ابن السيرافي قال مسكين الدارمي
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحهوهل ينهض البازي بغير جناح
أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
قال س: هذا موضع المثل:
يعسجني بالخوتله ... يبصرني لا أحسبه
قدم ابن السيرافي من البيتين ما يجب أن يؤخر، وأخر ما يجب أن يقدم. والصواب:
أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحهوهل ينهض البازي بغير جناح
قال ابن السيرافي قال الأعشى
أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما ... يضم إلى كشحيه كفاً مخضبا
وما عنده مجد تليد ولا له ... من الريح فضلٌ لا الجنوب ولا الصبا
قال: كأنه من شدة غضبه قد قطعت كفه، فضم يده إلى جنبيه وهي مقطوعة. يقول: هذا الرجل ينظر إلي نظر غضبان كأني قد قطعت يده، وما له من مجد تليد - أي ليس له مجد قديم - ولا له من الريح فضل - أي ليست له مقدرة على جهة من الجهات - . كذا رأيته فسر. يهجو بذلك عمرو بن المنذر وقومه، وهو من بني عم الأعشى.
قال س: هذا موضع المثل:
وإن الذي يرعى هذيمٌ شياهه ... لمعترفٌ للذيب والحرب القسر
كل من عول على هذا القدر الذي ذكره ابن السيرافي، لم يستفد كبير طائل، وذلك أنه لم يذكر القصة التي جرت هذا العتاب والهجاء.
وكان سبب ذلك، أن رجلاً من قيس عيلان كان جاراً لعمرو بن المنذر بن عبدان بن حذاقة بن حبيب بن ثعلبة بن قيس بن ثعلبة، فسرقت راحلة له، فوجد بعض لحمها في بيت هداج قائد الأعشى، فضرب والأعشى جالس، فقال يعاتبهم بالقصيدة التي منها هذه الأبيات.
قال ابن السيرافي وقال الأعشى
نحن الفوارس يوم الحنو ضاحيةً ... جنبي فطيمة لا ميلٌ ولا عزل
قال: فطيمة هذه، هي فطيمة بنت شراحيل بن عوسجة من بني قيس بن ثعلبة قوم الأعشى، فكان لها ابنان من رجل من غير قومها يقال له أصرم، فأراد أصرم أن ينزع ابنيها ويرهنهما من يزيد بن مسهر الشيباني، فاستغاثت بقومها، فاجتمعوا وهزموا بني شيبان، ففخر بذلك الأعشى. والحنو: منعطف الوادي.
قال س: هذا موضع المثل:
قلت لما نصلا من قنةٍ ... كذب العير وإن كان برح
يعني الفرس والبعير.
هذا محال، لأن فطيمة هي بنت حبيب بن ثعلبة بن سعد بن قيس بن ثعلبة، والحنو ها هنا مكان بعينه وهو حنو قراقر الذي ذكره الأعشى بقوله:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... وراكبها يوم اللقاء وقلت
هم ضربوا بالحنو حنو قراقرٍ ... مقدمة الهامرز حتى تولت
وقراقر: من مياه بكر بن وائل.
قال ابن السيرافي قال حميد الأرقط - وكان يهجو الضيف إذا نزل به
ومرملين على الأقتاب بزهم ... مدارعٌ وعباءٌ فيه تفنين
باتوا وجلتنا الشهريز بينهم ... كأن أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنوى عالي معرسهم ... وليس كل النوى يلقي المساكين
قال، قوله: ليس كل النوى يلقي المساكين، يريد أن من كان شديد الجوع محتاجاً إلى الطعام وليس معه ما ينفقه، فينبغي له أن يأكل التمر مع النوى ليشبع عن قرب، ولا يأكل تمراً كثيراً، أراد حميد أن يأكل أضيافه التمر بنواه ولا يلقوا منه شيئا.
قال س: هذا موضع المثل:
وهل يعلم الأدواء إلا طبيبها
لم يعرف ابن السيرافي نظائر هذه الأبيات، ولم يحسن تفسير البيت الذي فسره في النوى والمساكين ومثل هذا من الشعر لا يعرفه إلا من نضج في استقراء الشعر وعني به. ونظام الأبيات:
ومرملين على الأقتاب بزهم ... حقائبٌ وعباءٌ فيه تفنين
مقدمين أنوفاً في عصائبهم ... حجناً، ألا جدعت تلك العرانين
أعطوا التنقب في نفرٍ إذا اندفعوا ... وكل خير عليهم بعد مخزون
لا مرحباً بوجوه القوم إذ رحلوا ... كأنهم إذ أنا خوابي الشياطين
يسطرون لنا الأخبار إذ نزلوا ... وكل ما سطروا للقم تمكين
ولو تحرزت حيث العصم عاقلةٌ ... أو حيث تلحس عن أولادها العين
ظننت لا تنتهي عنا ضيافتهم ... حتى نكون ومبدانا البساتين
أرضٌ تحم بها العقبان نابتةً ... من حيث ينبت في الصيف العراجين
باتوا وجلتنا الشهريز بينهم ... كأن أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنوى عالي معرسهم ... وليس كل النوى يلقي المساكين
ومعنى هذا البيت الأخير أنهم قد أكلوا أكثر التمر بنواه حرصاً وشرهاً، ومع ذلك فقد كوموا معرسهم بالنوى الذي ألقوه. ويعني بالمساكين هؤلاء الضيفان، كأنهم كوموا: أي اتخذوا لأنفسهم كومة.
أشار إليهم فقال: وليس كل النوى يلقي المساكين. وهذا في الإشارة مثل قول الآخر:
سما البرق من نحو الحجاز فشاقني ... وكل حجازي له البرق شائق
أي هذا البرق بعينه.
وأخبرنا أبو الندى قال: نزل بحميد الأرقط بريد من قبل الحجاج، فقراه وأكرمه، فلما أتى بالطعام أقبل أعرابي فسلم وجلس، وجعل يسأل عن الحجاج وحاله، فقال له حميد الأرقط: كل ودع الرجل يطعم، فإنك تسأل عما ليس من بالك. وقال حميد.
إذا ما قرينا وارد المصر منهم ... تأوب ناري أصفر القعب قافل
تراءت له ناري بأروقة الحمى ... ووادي الصليب دوننا والأفاكل
قال: وأخبرنا رحمه الله - قال: بخلاء مضر: الحطيئة واللعين المنقري وحميد الأرقط وأبو الأسود الديلي.
قال ابن السيرافي وقال طفيل الغنوي
وكان هريمٌ من سنانٍ خليفةً ... وحصنٍ ومن أسماء لما تغيبوا
ومن قيسٍ الثاوي برمان بيته ... ويوم حقيلٍ فاد آخر معجب
وبالسهب ميمون النقيبة قوله ... لملتمس المعروف أهلٌ ومرحب
قال: هؤلاء جماعة من قوم طفيل هلكوا فرثاهم. ورمان موضع بعينه، وأراد ببيته قبره، وحقيل موضع معروف، وفاد: مات، والسهب: الفضاء من الأرض. مع هذيان شبيه بهذا.
قال س: هذا موضع المثل:
غناءٌ قليلٌ عن عجائز جوعٍ ... قراطيس في أجوافهن خطوط
هذا الذي ذكره ابن السيرافي لا يغني فتيلاً، فمعروف أن هؤلاء رجال لا جمال، وهذه مواضع لا براذع، ولكن إذا لم تعرف قصة هؤلاء الرجال وأيامهم، وأسماء هذه المنازل بأعيانها وما جرى فيها، لم يكمل معناه.
وفي البيت الأول غلط، وفي الثالث تصحيف. والصواب:
وكان سنان بن هريمٍ خليفةً

بتقديم سنان على هريم، لأن هريماً هو الميت، وسنان هو سنان بن عمرو ابن يربوع بن طريف بن خرشبة بن عبيد بن سعد بن كعب بن حلان بن غنم بن غني، وكان فارساً حسيباً وقد كان قاد ورأس، وهو صاحب ابن هدم العبسي طريد الملك، قال له الملك: كيف قتلته؟ قال: حملت عليه في الكبه - يعني معظم الجيش - فطعنته في السبه، حتى خرج الرمح من اللبه.
وهريم عم سنان، وقد قاد ورأس. وأسماء بن واقد من بني رياح بن يربوع ابن ثعلبة بن سعد بن عوف بن كعب بن حلان بن غنم بن غني، وهو من النجوم. وحصن بن يربوع بن طريف، وأمه جيدع بنت عمرو بن الأعرج بن مالك ابن سعد بن عوف. وقيس هو ابن يربوع بن طريف.
وكان قيس هذا قدم على بعض الملوك، فقال الملك: لأضعن تاجي على أكرم العرب، فوضعه على رأس قيس، وأعطاه ما شاء، ثم خلى سبيله إلى بلده. فلقيته طيء برمان وهو راجع إلى أهله فقتلوه، ثم عرفوه بعد ذلك، وذكروا أيادي كانت له عندهم فندموا، فدفنوه وبنوا عليه بيتاً.
وهو قيس بن جيدع وهي أمه، وإخوته هريم وعمرو وحصن والأعرج، أمهم جيدع بنت عمرو، وأبوهم يربوع بن طريف. و حقيل في بلاد بني أسد، قتلت فيه بنو أسد الحارث بن مويلك الغنوي، وفي بلاد عكل له حقيل وهو غير هذا الموضع، وهو الذي ذكره الراعي:
من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا
وقوله وبالسهب هو تصحيف، والصواب: وبالشهد، يعني بديل ابن واقد. وكان أسماء وبديل ابنا واقد صاحبي الوقائع في طيئ، وأصابا عشرة كلهم يأخذ لواء قومه يقال لهم بنو حمل، فقالت أخت لهم ترثيهم:
يا عين إلا ما بكيت بني حمل ... فوارس أبطالاً على شدة الوهل
لعمري وما عمري علي بهينٍ ... لقد ذهبت منا غنيٌّ على مهل
فإن تقد الأيام غنم بن واقد ... وأسماء تثقفه الرماح على علل
ثم إن طيئاً لقيت غنياً فأصابت بديلاً، وكان سيداً ورئيساً، فخاف أن تمثل به طيئ لما أوقع بهم، وكان مرداس بن مويلك يسعى في أمره ليفتديه فأبوا، فقتل نفسه، وقتلوا أسماء. فقال مرداس بن مويلك يرثي بديلاً:
تشكى إلي الأين والسام خلتي ... وتنسين ما يلقى أسير الملاقط

قال ابن السيرافي قال شقيق بن جزء الباهلي، يرد على جحل بن نضلة الباهلي
أتوعدني بقومك يا بن جحلٍ ... أشاباتٍ يخالون العبادا
بما جمعت من حضنٍ وعمروٍ ... وما حضنٌ وعمروٌ والجيادا
إذا خطرت بنو سعد ورائي ... وذادوا بالقنا عني ذيادا
قال: يخالون: يظنون أنهم عبيد، وحضن وعمرو والجياد: قبائل.
قال س: هذا موضع المثل:
كري إلى أهلك يا عجوز ... إن بياع الليل لا يجوز
هذا أفضح ما جاء به ابن السيرافي، وذلك أنه ذكر أن الجياد قبيلة، وهذا يدل على غباوة تامة وجهل ظاهر. إن الجياد ها هنا عتاق الخيل، يقول: ما هؤلاء وعتاق الخيل، أي ليسوا فرسان الخيل العتاق.
وقوله: وعنى بالعباد ها هنا العبيد، خطأ أيضاً. فإنما عنى بالعباد قوماً كانوا يجتمعون على باب النعمان خولاً من كل قبيلة. شبه هؤلاء بأولئك، أي أنهم أخلاط.
والبيت الأول فيه خبط أيضاً، وذلك أنه قال: أتوعدني بقومك يا بن جحل، وإنما الخطاب لجحل نفسه لا لابنه، فكيف يقول يا بن جحل، والصواب:
أتوعدني برهطك يا جحيلاً
وفي الأبيات التي أوردها تقديم وتأخير وخلل كثير، وستأتيك على نظامها بمعونة الله.
قال جحل بن نضلة يجيب شقيق بن جزء الباهلي:
لقد منتك نفسك يا بن جزء ... أحاميقاً سيسر عن النفادا
أردت لكي تشتت أمر قومٍ ... وحاولت القطيعة والفسادا
فمهلاً يا شقيق فإن حربي ... تكون لمن يلقحها فسادا
وكم من معشر قد حاربونا ... عبأت لهم مجلحة نآدا
فلم يك غير أن شاموا سناها ... فكان مبينها خيلاً تعادا
عليها من بني عمرو كهولٌ ... وشبان يهزون الصعادا
فظلوا يخصفونهم بسمرٍ ... كما نظمت في الجلل الجرادا
فآبوا بالرجال محنبيها ... يسوقون الطرائف والتلادا
ونصرك نازحٌ عني بطيءٌ ... كأن بكم إلى خذلي جوادا
فأجابه شقيق بن جزء فقال:

سرحت على بلادكم جيادي ... فأدت منكم كوماً جلادا
بما لم تشكروا المعروف عندي ... وإن شئتم تعاودنا عوادا
أتأمل أن تساوي حي أعيا ... وصحباً، خاب ما ترجو وزادا
بما جمعت من حضنٍ وعمروٍ ... أشاباتٍ يخالون العبادا
إذا خطرت بنو سعد ورائي ... وذادوا بالقنا عني ذيادا
رأيت الموت دوني فانتهيتم ... ولم تسطع دعائمها الشدادا
أتوعدني برهطك يا جحيلاً ... وما عمرو بن حصنٍ والجيادا

قال ابن السيرافي قال سيبويه قالت درني بنت عبعبة من بني قيس بن ثعلبة،
والذي وجدته قالت درنى بنت سيار بن صبرة ابن حطان بن سيار بن عمرو بن ربيعة
وقد زعموا أني جزعت عليهما ... وهل جزعٌ أن قلت وابأباهما
هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوماً نبوةً فدعاهما
قال س: هذا موضع المثل:
بين المطيع وبين المدبر العاصي
هذا التفسير يحير الإنسان، فلا يدري ما الصواب من الخطأ، ولا يدري بأيهما يتعلق: أبدرنى بنت عبعبة، أم بدرنى بنت سيار وهذا يدل على أنه لم يكن يتصور الغث من السمين منهما.
والصواب: درنى بنت سيار على النسب الثاني، قالت ترثي أخويها، وهي أبيات رائقة، دخل نظامها - على ما أنشدها ابن السيرافي - في خلل. ونظامها وتمامها:
أبى الناس إلا أن يقولوا هما هما ... ولو أننا اسطعنا لكانوا سواهما
هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوماً نبوة فدعاهما
إذا افتقرا لم يلحما خشية الردى ... ولم يخش رزءاً منهما موليا هما
إذا استغنيا حب الجميع إليهما ... وجاد على الأدنين فضل غناهما
هما يلبسان المجد أحسن لبسةٍ ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما
وقد زعموا أني جزعت عليهما ... وهل جزعٌ أن قلت وابأباهما
وأهلي فداء العاصمين كليهما ... ولا عشت إن كان الفؤاد قلاهما
إذا هبطا الأرض المخوف بها الردى ... يسكن من جأشيهما منصلاهما
ولا يلبث العرشان يستل منهما ... عظام الرواسي أن يميل غماهما
قال ابن السيرافي قال جرير
خل الطريق لمن يبني المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر
قال: برزة: أم عمر بن لجأ.
قال س: هذا موضع المثل:
ضرط وردان بأرضٍ قي
هذا باطل، أخبرنا أبو الندى رحمه الله قال: برزة إحدى جدات عمر بن لجأ المغنيات.
قال ابن السيرافي قال الراجز
أأنت يا بسيطة التي التي
هيبنيك في المقيل صحبتي
لقد علمت أي حين عقبتي
هي التي عند الهجير قالت
إذا النجوم في السماء ولت
قال: البسيطة: الأرض المنبسطة الممتدة.
قال س: هذا موضع المثل: لا يدعى لنجدةٍ إلا أخوها غلط ابن السيرافي ها هنا آنفاً، لأنه لم يكن يعرف منازل العرب ومحالها، ومن فسر أيضاً مثل هذا الشعر ولم يتقن ثلاثة أنواع من العلم: النسب، وأيام العرب، ومحالها ومنازلها - كثرت سقطاته.
والبسيطة ها هنا هي أرض بعينها، وهي بين الكوفة فالحزن، حزن بني يربوع بن عمرو، وفيها يقول عدي بن عمرو الطائي:
لولا توقد ما ينفيه خطوهما ... على البسيطة لم تدركهما الحدق
قال ابن السيرافي قال ثروان بن فزارة بن عبد يغوث
فإنك لا تبالي بعد حول ... أظبيٌ كان أمك أم حمار
فقد لحق الأسافل بالأعالي ... وماج اللؤم واختلط النجار
قال: الذي في الكتاب: أظبي كان أمك أم حمار، والذي في شعره: أظبيٌ كان خالك أم حمار.
قال س: هذا موضع المثل: كان حماراً فاستأتن كيف يكون الحمار والظبي أمين وهما أذكر الحيوان، حتى إن المثل يضرب بالحمار فيقال: من ينك العير ينك نياكاً.
والصواب ما أنشده أبو الندى رحمه الله: أظبيٌ ناك أمك أم حمار

وإنما قلبت اللفظة تحرجاً فيما أرى، ثم استشهد به النحويون على ظاهره. وهذه قطعة طريفة، أكتبناها أبو الندى، وذكر أنها لثروان بن فزارة بن عبد يغوث بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر. وهي:
وكائن قد رأيت من أهل دارٍ ... دعاهم رائدٌ لهم فساروا
فأصبح عهدهم كمقص قرنٍ ... فلا عينٌ تحس ولا أثار
مقص: موضع تقتص فيه الأرض. أي لا يوجد لهم ولعهدهم أثر، كما لا يوجد أثر من يمشي على صخرة وقرن جبل.
لقد بدلت أهلاً بعد أهلٍ ... فلا عجبٌ بذاك ولا سخار
فإنك لا يضرك بعد عامٍ ... أظبيٌ ناك أمك أم حمار
فقد لحق الأسافل بالأعالي ... وماج القوم واختلط النجار
وعاد الفند مثل أبي قبيسٍ ... وسيق مع المعلهجة العشار
كناية عن الرجل الوضيع، أبو قبيس: الرجل الشريف، المعلهجة: الفاسدة النسب، أي تزوجت هذه المعلهجة ومهرت مهر الشريفة. كذا أنشدناه أبو الندى: وعاد الفند ورواية الناس العبد وذكر أبو الندى أنه تصحيف.

قال ابن السيرافي قال الزرافة الباهلي
هل في القضية أن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا تكون كريهةٌ أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا لعمركم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
عجبٌ لتلك قضيةً وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب
قال س: هذا موضع المثل:
وأين المحيا من بلاد المسلم
ما بين الصواب وما ذكره ابن السيرافي في هذه الأبيات:
أبعد من رهوة من نساح
و نساح غير منون، ورهوة بنجد، ونساح باليمامة. وذلك أنه زعم أن هذه الأبيات للزرافة الباهلي، ولم يخلق الله في باهلة من اسمه زرافة، بلى في بني أسد شاعر يقال له زرافة، وهو القائل:
ومن لا ينل حتى يسد خلاله ... يجد شهوات النفس غير قليل
وذكر أبو عبيدة في كتاب العققة والبررة أن هذه الأبيات لهني بن أحمر الكناني، فأنكر أبو للندى ذلك وقال: إنها لعمرو بن الغوث بن طيء، وقد كنت ذكرت لك أن من لم يتقن علم النسب والأيام ومنازل العرب، ثم أقدم على تفسير هذا الشعر العتيق افتضح.
أكتبنا أبو الندى رحمه الله قال: بينا طيئ ذات يوم جالساً مع ولده بالجبلين، إذ أقبل رجل من بقايا جديس، ممتد الخلق، عادي الجبلة، كاد يسد الأفق طولاً ويفرعهم باعاً، وإذا هو الأسود بن عفار بن الصبور الجديسي، الذي نجا من حسان تبع يوم اليمامة، فلحق بالجبلين فقال لطيئ: من أدخلكم بلادي وإرثي من آبائي، اخرجوا عنها وإلا فعلت وفعلت. فقال طيئ: البلاد بلادنا وملكنا في أيدينا، وإنما ادعيتها حين وجدتها خلاءً. قال الأسود: اضرب بيننا وبينك وقتاً نقتتل فيه، فأينا غلب استحق البلد.
فاتعدا لوقتٍ، فقال طيئ لجندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيئ، وأمه جديلة بنت سبيع من حمير وبها يعرفون، فهم جديلة طيئ، وكان طيئ لها مؤثرا. فقال لجندب هذا: قاتل عن مكرمتك. فقالت أمه: الله، لتتركن بنيك، ولتعرضن ابني للقتل، لا يفعل. فقال طيئ: ويحك، إنما خصصته بذلك، فأبت.
فقال طيئ لعمرو بن الغوث بن طيئ: فدونك يا عمرو الرجل فقاتله. فقال عمرو لا أفعل، وأنشأ يقول في ذلك - وهو أول من قال الشعر في طيئ بعد طيئ - :
يا طيء أخبرني فلست بكاذب ... وأخوك صادقك الذي لا يكذب
أمن القضية أن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرةً ... أجحرنكم فأنا الحبيب الأقرب
عجباً لتلك قضيةً وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب
ولكم معاً طيب المياه ورعيها ... ولي الثماد ورعيهن المجدب
هذا لعمركم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
وإذا تكون كريهةٌ أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب

فسار البيت الأخير مثلاً. يعني جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيئ. فقال طيئ: يا بني إنها أكرم دار في العرب. قال عمرو: لن أفعل إلا على شرط، أن لا يكون لبني جديلة في الجبلين نصيب. فقال طيئ لعمرو بن الغوث: لك شرطك.
وبنو جديلة: جندب وحور أبناء جديلة بنت سبيع من حمير، وهي أمهما، وأبوهما خارجة بن سعد بن فطرة بن طيئ. فأما حور فدرج لا عقب له، وعدد بني جديلة راجع لابني جندب، فهم جديلة طيئ.
فأقبل الأسود بن عفار الجديسي للميعاد ومعه قوس من حديد ونشاب من حديد، فقال: يا عمرو، إن شئت صارعتك، وإن شئت ناضلتك، وإلا سابقتك. قال عمرو: الصراع أعجب إلي، فاكسر قوسك لأكسرها أيضاً ونصطرع.
وكانت مع عمرو بن الغوث بن طيئ قوس موصولة بزرافين، إذا شاء شدها. فأهوى بها عمرو إلى الجبل فانفتحت الزرافين، واعترض الأسود بقوسه ونشابه الجبل فكسرها، فلما رأى ذلك عمرو أخذ قوسه فركبها وأوترها، وناداه: يا أسود، استعن بقوسك فالرمي أحب إلي فقال الأسود: خدعتني؟ فقال عمرو: الحرب خدعة، فسارت مثلاً، فرماه عمرو ففلق قلبه.

قال ابن السيرافي قال منذر بن درهم الكلبي
وأحدث عهدٍ من أمينة نظرةٌ ... على جانب العلياء إذا أنا واقف
تقول: حنانٌ ما أتى بك ها هنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف
قال: تقديره أي شيء أتى بك ها هنا، أذو نسب، معناه: أأنت ذو نسب في الحي، أم أنت عارف بهم فتقصد إليهم؟ .
قال س: هذا موضع المثل:
أقول لليلي رجلي لي جمتي ... بقية ما أبقى حسين بن مرجح
ههنا بقية معنى لا يتم إلا بمعرفة البيت الثالث، وهو:
فقلت أنا ذو حاجة ومسلمٌ ... فضم علينا المأزق المتضايف
وهي أبيات طريفة، أنشدها أبو الندى لمنذر بن درهم الكلبي، وأولها:
أمن حب أم الأشيمين وذكرها ... فؤادك معمودٌ له أو مقارف
تمنيتها حتى تمنيت أن أرى ... من الوجد كلباً للوكيعين آلف
سقى روضة المثري عنا وأهلها ... ركامٌ سرى من آخر الليل رادف
أقول ومالي حاجة في ترددي ... سواها بأهل الروض: هل أنت عاطف
وأحدث عهدٍ من أمينة نظرةٌ ... على جانب العلياء إذ أنا واقف
تقول: حنانٌ ما أتى بك ها هنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف
فقلت أنا ذو حاجة ومسلمٌ ... فصم علينا المأزق المتضايف
قال ابن السيرافي قال قيس بن ذريح
تبكي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر
فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت ... فللدهر والدنيا بطون وأظهر
قال: قوله " فللدهر والدنيا بطون وأظهر " يريد أن الدنيا لا يطلع الإنسان فيها إلا على ظواهرها، ولا يعرف ما في عواقبها.
قال س: هذا موضع المثل:
ومارست الأمور بغير حزمٍ ... فما تدري أغثٌ أم سمين
لم يعرف ابن السيرافي ثالث البيتين، وهو جواب قوله: " فإن تكن .. " والصواب في قوله فللدهر: " وللدهر والدنيا بطون وأظهر " بالواو، فظن أن ذلك جواب، وإنما هو تمام المصراع اعتراضٌ بين إن وجوابها. والأبيات:
تبكي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر
ومعنى قوله: " وأنت عليها أقدر " أنه قد خدع عنها حتى طلقها، فندم على طلاقها.
فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت وللدهر والدنيا بطون وأظهر
ومعنى قوله " بطون وأظهر " شدة ورخاء.
فقد كان فيها للأمانة موضع ... وللكف مرتادٌ وللعين منظر
وللحائم العطشان ريٌ يقوته ... وللمرح الذيال خمر ومسكر
كأني في أرجوحة بين أحبلٍ ... إذا ذكرةٌ منها على الأرض تخطر
قال ابن السيرافي قال عامر بن الطفيل
قالوا لها إنا طردنا خيله ... قلح الكلاب وكنت غير مطرد
فلأبغينكم قناً وعوارضاً ... ولأقبلن الخيل لابة ضرغد

قال: قوله " قالوا لها " يعني لامرأةٍ كان يهواها من بني فزارة يقال لها أسماء، يعني أن بني فزارة ذكروا لها أنهم هزموه وطردوه، وكان بين بني فزارة وبني عامر وقعة كانت على بني عامر، وقتل فيها جماعة، وضرغد مكان معروف.
قال س: هذا موضع المثل:
لا تدرك الخيل وأنت تذأل ... إلا بمرٍّ مر الأجدل
لا يعرف معنى هذا الشعر إلا بمعرفة ما يتعلق به من الأيام، ثم إذا لم يعرف: ضرغد وقنا وعوارض، حقيقة أنها في أي موضع من المواضع من بلاد الله - لم يعرف المخاطب بقوله.
وإنما قال هذا عامر يوم الرقم، يوم هزمتهم بنو مرة، ففر عامر، واختنق أخوه الحكم بن الطفيل. وفي ذلك اليوم قتل عقبة بن أنيس بن خليس الأشجعي مئة وخمسين رجلاً من بني عامر، أدخلهم شعب الرقم فذبحهم، فسمي عقبة ذلك اليوم مذبحاً.
وقنا وعوارض جبلان من بلاد بني فزارة. وفيها يقول الشماخ بن ضرار:
كأنها وقد بدا عوارض
وأدبيٌّ في السراب غامض
والليل بين قنوين رابض
بجيزة الوادي قطا نواهض
والمخاطب بشعر عامر بنو مرة وفزارة، وأسماء هي أسماء السكينية من بني فزارة، كان يهواها عامر ويشبب بها في شعره، وكان قد فجر بها، وفيها يقول:
أنازلةٌ أسماء أم غير نازله ... أبيني لنا يا أسم ما أنت فاعله
وفيها يقول خراشة العبسي في يوم الرقم:
فمن مبلغٌ عني خليلي عامراً ... أسليت عن أسماء أم أنت ذاكر
فإن وراء الجزع غزلان أيكةٍ ... مضمخةً آذانها والغفائر
وضرغد من مياه بني مرة.

قال ابن السيرافي قال خفاف بن ندبة، ويقال عباس بن مرداس
فقال لي قول ذي رأي ومقدرةٍ ... مجربٍ عاقلٍ نزهٍ عن الريب
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
قال س: هذا موضع المثل:
كميتٌ ووردٌ إن ذاك من الغلط
ليس البيت لواحد من الرجلين، وإنما هو لأعشى بني طرود، وهم من بني فهم ابن عمرو، وعدادهم من بني سليم، في قصيدة مليحة أولها:
يا دار أسماء بين السهل والرحب
ولم يذكر ابن السيرافي من الذي قال له: أمرتك الخير. وإنما يحكي الشاعر هذا عن أبيه ويفتخر به، وسيأتي ذكره في الشعر.
قال أعشى بني طرود:
يا دار أسماء بين السفح والرحب ... أقوت وعفى عليها ذاهب الحقب
فما تبين منها غير منتضدٍ ... وراسياتٍ ثلاثٍ حول منتصب
وعرصة الدار تستن الرياح بهاً ... تحن فيها حنين الوله السلب
دارٌ لأسماء إذ قلبي بها كلفٌ ... وإذ أقرب منها غير مقترب
إن الحبيب الذي أمسيت أهجره ... عن غير مقليةٍ مني ولا غضب
أصد عنه ارتقاباً أن ألم به ... ومن يخف قالة الواشين يرتقب
إني حويت على الأقوام مكرمةً ... قدماً، وحذرني ما يتقون أبي
وقال لي قول ذي علم وتجربة ... بسالفات أمور الدهر والحقب
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب
قال ابن السيرافي قال تليد العبشمي
شفيت الغليل من سميرٍ وجعونٍ ... وأفلتنا رب الصلاصل عامر
وأيقن أن الخيل إن تلتبس به ... يكن لفسيل النخل بعده آبر
قال: وسبب هذا الشعر: أن طوائف من عبد القيس، أغارت على الأبناء من بني سعد، فهزمتهم الأبناء وقتلوا منهم سميراً وجعونة. وقال في الشعر وجعون فرخمه في غير النداء.
ورب الصلاصل: يجوز أن يكون أراد به أنه صاحب سلاح وخيل، والصلصلة: صوت الحديد، وكذا وجدته على هذا اللفظ وعلى هذا الهجاء. والله أعلم بالصواب.
قال س: هذا موضع المثل:
إذا اعترضت كاعتراض الهره ... يوشك أن تسقط في أفره
لو سكت ابن السيرافي عن تفسير مثل هذا الشعر من شعر القبيل، الذي يبلح فيه حذاق العلماء والنسابين - لم يجعل نفسه غرضاً لكل رام. وروي عن أبي عثمان المازني قال: حملنا منتخبات المفضل، فقرأناها على الأصمعي، فكل ما كان فيها من أشعار الشعراء المعروفين أجاب فيها، فلما صرنا إلى أشعار القبائل بلح فيها أبو سعيد.

وهذا باب صعب، وكنت قد قلت: إن من لم يتقن علم النسب ومنازل العرب، وخاض في تفسير مثل هذا الشعر زلت قدمه.
والصواب ما أنشدناه أبو الندى رحمه الله:
شفينا الغليل من سمير وجعونٍ ... وأفلتنا رب الصلاصل عامر
بضم الصاد من الصلاصل، وذكر أنه ماء لعامر هذا، في واد يقال له الجوف، به نخيل كثيرة ومزارع جمة.
ولا يكادون يقولون: فلان رب كذا، إلا أن يكون عظيماً من عظمائهم، وسيداً من ساداتهم، كما قالوا: رب مروان، ورب معد، ورب خصاف، وكما قالوا: رب الخورنق والسدير وأشباه ذلك.
قال س: وذكر أن رهطاً من عبد القيس وفدوا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فتحاكموا إليه في هذا الماء، أعني الصلاصل، فأنشده بعض القوم قول تليد العبشمي هذا، فقضى بالماء لولد عامر هذا. وهي أبيات شريفة أنشدناها أبو الندى رحمه الله.
والقصة ما ذكره ابن السيرافي، إلا أنه لم يذكر أسماءهم وألقابهم، وأنا ذاكر ذلك بعد إيراد الأبيات. وهي:
أتتنا بنو قيس بجمعٍ عرمرم ... وشنٌ وأبناء العمور الأكابر
فباتوا مناخ الضيف حتى إذا زقا ... مع الصبح في الروض المنير العصافر
نشأنا إليهم وانتضينا سلاحنا ... يمانٍ ومأثورٌ من الهند باتر
ونبلٌ من الوادي بأيدي رماتنا ... وجردٌ كأشطان الجرور عواتر
شفينا الغليل من سمير وجعونٍ ... وأفلتنا رب الصلاصل عامر
وأيقن أن الخيل إن يعلقوا به ... يكن لفسيل الجوف بعده آبر
ينادي بصحراء الفروق وقد بدت ... ذرا ضبعٍ: أن افتح الباب جابر
والأبناء هم العقد: عوف وعوافة ومالك وجشم بنو سعد، تحالفوا والعمور من عبد القيس: الديل وعجل ومحارب بنو عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس.

قال ابن السيرافي قال أبو سدرة الأسدي
تحسب هواسٌ وأيقن أنني ... بها مفتدٍ من واحد لا أغامره
فقلت له: فاها لفيك فإنها ... قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره
قال: في الكتاب: أبو سدرة الأسدي، وزعم بعضهم أنه هجيمي من بني الهجيم.
قال س: هذا موضع المثل:
رزقت بالنوك فالزم ما رزقت به ... ما يصنع الأحمق المرزوق بالكيس
لو رزق ابن السيرافي على قدر إصابته لأكل القد جوعاً، وكل من لا يعرف أن أبا سدرة هجيمي أو أسدي فإنه لا يتعرض للكلام على مثل هذا الشعر.
وأبو سدرة، وهو سحيم بن الأعرف، من بني الهجيم بن عمر بن تميم، وله مقطعات مليحة في كتاب بني الهجيم بن عمرو بن تميم. منها قوله:
إلى حسان من أكناف نجدٍ ... رحلنا العيس تنفخ في براها
نعد قرابةً ونعد صهراً ... ويسعد بالقرابة من رعاها
وأياً ما فعلت فإن نفسي ... تعد صلاح نفسك من غناها
قال ابن السيرافي قال الراجز
أنعت عيراً من حمير خنزره
في كل عيرٍ مائتان كمره
قال: خنزرة موضع فيما أرى، والرجز المنسوب إلى الأعور بن براء الكلابي، يهجو أم زاجر وهما من بني كلاب:
أنعت أعياراً وردن أحمره
وكل عير مبطنٌ بعشره
في كل عير أربعون كمره
لاقين أم زاجر بالمزدره
قال س: هذا موضع المثل:
يا عطشاً والماء مني دان ... والرطب البرني في ثباني
لم يعرف ابن السيرافي من هذا الشعر ما ينقع به غله إلى الصادي، والشعر إذا لم يعرف تمامه وقصته، لم تكن له حلاوة في حنك المستفيد.
وكان من قصة هذا الرجز فيما أملاه علينا أبو الندى رحمه الله - أنه تهاجت امرأة ورجل من بني عبد الله بن كلاب، فأما الرجل بهو الأعور بن براء، وأما المرأة فهي أم زاجر، وهما عبدان. فقال الأعور بن براء:
أنعت أعياراً وردن أحمره
وكل عير مبطن بعشره
في كل عيرٍ أربعون كمره
لاقين أم زاجر بالمزدره
فكمنها مقبلة ومدبره
حتى إذا ما لاح ضوء الزهره
جئن بغمرٍ مثل حز الكركره
وقالت أم زاجر:
يا بن التي تضر باللقاح
ثم تغشيها إلى الصباح
ثم تكام في حرٍ قياح
يكومها الأزعر أو فلاح

قال: فالتقت أم زاجر والأعور عند رجل من قريش أرسل ساعياً على بني كلاب، فبينما القرشي مجتمعٌ عليه الناس وهو يصدق، سمع أم زاجر وقد ثارت وهي تقول: " صه صاقع، صه صاقع، أير أبيكم فاقع، يلقم الضفادع، والرأس والأكارع، وكل ضب خادع " .
قال: وبينهما مقاولات قبيحة.

قال ابن السيرافي قال الشاعر
لعمري لئن أمسيت يا أم جحدرٍ ... نأيت لقد أبليت في طلبٍ عذرا
تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي ... بجاريةٍبهراً لهم بعدها بهرا
وقال في عقيب هذا: قال الشاعر:
ألا لا تلطي الستر يا أم جحدرٍ ... كفى بذرا الأعلام من دوننا سترا
ألا ليت شعري هل إلى أم جحدرٍ ... سبيلٌ فأما الصبر عنها فلا صبرا
قال س: هذا موضع المثل:
وإن تحملت أمراً أو عنيت به ... فلا يكونن تقصيرٌ ولا غبن
مثل هذا الشعر إذا لم يعرف قائله، ولم يذكر السبب الذي جره كان كما قيل:
وبعض القول ليس له عياجٌ ... كمخض الماء ليس له إتاء
وسبب هذا الشعر أن ابن ميادة كان ينسب بأم جحدر بنت حسان المرية، فحلف أبوها ليخرجنها إلى رجل من غير عشيرته ولا يزوجها بنجد، فقدم عليه رجل من الشام فزوجه إياها، فاهتداها وخرج بها إلى الشام، فتبعها ابن ميادة حتى أدركه أهل بيته، فردوه مصمتاً لا يتكلم من الوجد. وقد أثبت لك كل الأبيات لأنها من قلائد الشعر:
ألا حييا ربعاً بذي العش دارساً ... وربعاً على الممدور مستعجماً قفرا
أضربه حتى تنكر عهده ... حراجف يسفرن الرغام به سفرا
فذا العش أسقيت الغمام ولا يزل ... ترود بك الآجال مغلولباً نضرا
خليلي من غيظ بن مرة بلغا ... رسائل منا لا تزيد كما وقرا
ومرا على تيماء نسأل يهودها ... فإن على تيماء من ركبها ذكرا
وبالغمر قد جازت وجار مطيها ... فأسقى الغوادي بطن نيان فالغمرا
ولما رأت أن قد قربن أبايراً ... عواسف سهبٍ تاركاتٍ بها ثجرا
أثار لها شحط الديار وجمجمت ... أموراً وحاجاتٍ تضيق بها صدرا
إذا جاوزت بصرى تقطع وصلها ... وأغلق بوابان من دونها قصرا
فلا وصل إلا أن تقارب بيننا ... قلائص يجسرن الفلاة بنا جسرا
غريرية الأنساب أوا ماطليةٌ ... تنازع أيدي القوم ملويةً سمرا
إذا الشمس دارت من مدار ووضعت ... طنافسها ولينها الأعين الخزرا
ألا ليت شعري هل إلى أم جحدرٍ ... سبيلٌ فأما الصبر عنها فلا صبرا
ولو كان نذرٌ مدنياً أم جحدر ... إلي لقد أوجبت في عنقي نذرا
ألا لا تلطي الستر يا أم جحدرٍ ... كفى بذرا الأعلام من دوننا سترا
لعمري لئن أمسيت يا أم جحدرٍ ... نأيت لقد أبليت من طلبٍ عذرا
ألا ليت شعري هل يحلن أهلنا ... وأهلك روضاتٍ ببطن اللوى خضرا
وهل تطرقن الريح تدرج موهناً ... برياك تعروري بها الجرع العفرا
قال ابن السيرافي قالت الخنساء
تبكي لحزنٍ هي العبرى وقد عبرت ... ودونه من جديد الأرض أستار
حنين والهةٍ ضلت أليفتها ... لها حنينان إصغارٌ وإكبار
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
قال: الوالهة يجوز أن تكون بقرة أو ظبية أو ناقة.
قال س: هذا موضع المثل:
إحدى خزاعة أو مزينة أو ... إحدى فزارة أو بني عبس
قول ابن السيرافي: يجوز أن تكون الوالهة كذا أو كذا أو كذا يزيد المستفيد حيرة، وبدعه في لبس، ولا يدري بأيها يأخذ، ويدل هذا القول أيضاً على بلادة ابن السيرافي، فإن العرب لا تضرب المثل في شدة الحنين والوله بالظباء والبقر، ولا يقولون: أحن من بقرة ولا أحن من ظبية، وقد قالوا: أحن من شارف. قال متمم بن نويرة:
وما وجد أظآرٍ ثلاثٍ روائمٍ ... وجدن مجراً من حوارٍ ومصرعا

يذكرن ذا البث الحزين ببثه ... إذا حنت الأولى سجعن لها معا
بأوجد مني يوم فارقت مالكاً ... وقام به الناعي السميع فأسمعا
وقال آخر - أنشدناه أبو الندى رحمه الله - :
وتفرقوا بعد الجميع لنيةٍ ... لا بد أن يتفرق الجيران
لا تصبر الإبل الجلاد تفرقت ... حتى تحن، ويصبر الإنسان
وقال أعرابي من بني كلاب:
من يك لم يغرض فإني وناقتي ... بحجرٍ إلى أهل الحمى غرضان
تحن وتبدي ما بها من صبابةٍ ... وأخفي الذي لولا الأسى القضاني

قال ابن السيرافي قال حبر بن عبد الرحمن
تربعت بلوى إلى رهائها
حتى إذا ما طار من عفائها
وصار كالريط على أقرائها
تتبع صات الهدر من أثنائها
جابت عليه الحبر من ردائها
تذكرت تقتد برد مائها
وعتك البول على أنسائها
قال س: هذا موضع المثل:
والله للنوم بجرعاء الحفر ... أهون من عكم الجلود بالسحر
لو اشتغل ابن السيرافي بالإعراب، وقليلٍ من اللغة، ولم يعرض مثل هذا الرجز الذي لم يعرف قائله ولا نظام أبياته - لكان أهون عليه، وأقل لاجتذاب الطعن عليه. ونسق الأبيات على ما أثبته لك ها هنا على ما أكتبناه أبو الندى رحمه الله، وذكر أنها لأبي وجزة السعدي.
ظلت بذاك القهر من سوائها
بين أقيبين إلى رنقائها
فيما أقر العين من أكلائها
من عشب الأرض ومن ثمرائها
حتى إذا ما تم من أظمائها
وعتك البول على أنسائها
وحازها الأضعف من رعائها
حوز الكعاب الثني من ردائها
تذكرت تقتد برد مائها
والقصب العادي من أطوائها
فبذت العاجز من رعائها
وصبحت أشعث من إبلائها
يبارك النزع على ظمائها
طلحاً يبيت الليل في ذرائها
كأنها إذ حضرت لمائها
كتيبة فاءت إلى لوائها
قد هزها الأعداء من لقائها
تكاد في الزحم وفي اعتدائها
تقطر الجلعد من أثنائها
إذا عوى الصيفي من غذائها
ألح مثل الرعد من غنائها
قال أبو الندى: تقتد: قرية بالحجاز، بينها وبين قلهى جبل يقال له أديمة، وبأعلى هذا الوادي رياض تسمى الفلاج بالجيم معجمة، جامعة للناس أيام الربيع، وبها مساك كثير لماء السماء، يكتفون به صيفهم وربيعهم إذا مطروا.
قال ابن السيرافي قال جرير
أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهية والخشابا
قال: ثعلبة ورياح قبيلتان من بني يربوع وهم قوم جرير، وطهية من بني مالك ابن حنظلة بن مالك وهم أقرب إلى الفرزدق منهم إلى جرير.
يخاطب الفرزدق بذلك، وينكر عليه أن يسوي طهية والخشاب بني ثعلبة وبني رياح.
قال س: هذا موضع المثل:
نصيبان من قلبي: نصيب أطاعني ... وبان بوصل الغانيات نصيب
ذكر ابن السيرافي بعض ما في البيت غير مستوٍ، وهو نسب طهية من بني مالك ابن حنظلة، وإنما هي: أم عون وأبي سود ابني مالك بن حنظلة، وطهية هي بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، والخشاب - وهو ما لم يعرفه - ربيعة ورزام ابنا مالك بن حنظلة، ويقال لهما الأخشبان، وإذا جمعوا قالوا: الخشاب.
وقوله: ثعلبة ورياح قبيلتان من بني يربوع، من عمى قلبه في النسب، لأنه يقال فلان وفلان قبيلتان من بني فلان، إذا كان بينهما وبين القبيل الأعظم أجداد وآباء، فأما إذا كان من صلبه فإنما يقال: هما ابناه، وثعلبة ورياح هما ابنا يربوع بن حنظلة.
قال ابن السيرافي قال عمرو بن معد يكرب
أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
فلو لاقيتني للقيت قرناً ... وصرح شحم قلبك عن سواد
قال: وسبب هذا الشعر أن عمرو بن معد يكرب، غزا هو ورجل من مراد يقال له أبي، فلما أرادا أن يقتسما الغنيمة، التمس من عمرو أن يعطيه مثل ما يأخذ، فأبى عمرو أن يفعل ذلك، فتوعده أبي، وبلغ عمراً أنه يتوعده فقال هذا الشعر.
قال س: هذا موضع المثل:
فإن بهذا الغور غور تهامةٍ ... هوى النفس لا بالجلس من مستوى نجد

مراد الشاعر بهذا البيت ليس بأبي الذي ذكره ابن السيرافي، وكيف يكون ذلك، وأبي هو أبي بن معاوية بن صبح، من بني مسلية بن عامر بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد، وليس هو من مراد، فكيف يقول: من خليلك من مراد؟ وإنما المراد بهذا البيت: قيس بن هبيرة بن عبد يغوث المرادي، وهو ابن أخت عمرو بن معد يكرب، وهبيرة هو المكشوح، فأما أبي - وهو من بني مسلية - فهو الذي يقول فيه عمرو في كلمة له أخرى:
تمناني ليلقاني أبيٌ ... نعامة قفرة بغت المبيضا
وفيه يقول أيضاً:
وابن صبح سادراً يوعدني
وسبب هذا الشعر أن قيس بن المكشوح قال يخاطب عمراً في كلمة له طويلة:
ألا أبلغ أبا ثورٍ رسولاً ... فما بيني وبينك من وداد
تمنى أن تلاقيك المنايا ... أبا ثورٍ فهل لك في الجلاد
فإن كنت الغداة تريد قرناً ... فأدن إذن سوادك من سوادي
بخيلٍ تلتقي منا ومنكم ... وإلا فالأحاد إلى الأحاد
فأجابه عمرو في كلمة له طويلة:
أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
ومن يشرب بماء الجوف يعذر ... على ما كان من حمق الفؤاد

قال ابن السيرافي قال شقيق بن جزء بن رياح الباهلي
وعاد عليه أن الخيل كانت ... طرائق بين منقيةٍ ورار
كأن عذيرهم بجنوب سلى ... نعامٌ فاق في بلدٍ قفار
قال: سلى موضع بعينه. وكانت بنو ضبة غزت باهلة، وعليهم حكيم بن قبيصة بن ضرار الضبي، فهزمتهم باهلة، وجرحوا حكيماً، وقتلوا عبيدة الضبي.
قال س: هذا موضع المثل:
آب الكرام بالسبايا غنيمةً ... وآب بنو نهد بأيرين في سفط
جاء ابن السيرافي بغلطين فاحشين في تفسير هذا الشعر، لأنه ذكر أن بني ضبة أغارت على بني باهلة، فهزمتهم باهلة. وهذا بجهله بسلى أنها في بلاد باهلة أو ببلاد ضبة، وجاء بالأبيات أيضاً متفرقة لا متوالية، وفيها أيضاً تقديم وتأخير.
والصواب ما أملاه علينا أبو الندى رحمه الله قال: أغار شقيق بن جزء الباهلي على بني ضبة بسلى وساجر، وهما روضتان لعكل، و إياهما عنى سويد ابن كراع بقوله:
أشت فؤادي من هواه بساجرٍ ... وآخر كوفي هوىً متباعد
وضبة وعكل وعدي وتيم حلفاء متج ... اورن، وفيهم يقول لقيط بن زرارة:
ألا من رأى العبدين إذ ذكرا له ... عدي وتيمٌ تبتغي من تحالف
فحالف فلا والله تهبط تلعةً ... من الأرض إلا أنت للذل عارف
وضبة عبدٌ ثالث لا أخا له ... كما زيف النمي بالكف صارف
رجع إلى الحديث - فهزمهم، وأفلت عوف بن ضرار في ذلك اليوم، وحكيم بن قبيصة بن ضرار بعد أن جرح، وقتلوا عبيدة بن قضيب الضبي.
وقال شقيق بن جزء في إفلات عوف بن ضرار:
أفلتنا لدى الأسلات عوفٌ ... لدى الورهاء تطعن في اللجام
وكان هو الشفاء فأحرزته ... صنيع المتن رابية الحزام
كأن حمامة ورقاء يرمى ... بها الرجوان من ورق الحمام
أهان لها الطعام فلم تضعه ... غداة الروع إذ أزمت أزام
وقال شقيق في يوم سلى:
لقد قرت لهم عيني بسلى ... وروضة ساجرٍ ذات العرار
جزيت الملحبين بما أزلت ... من البوسى رماح بني ضرار
نكسر في متونهم العوالي ... وتمضي السمهرية في انئطار
وأفلت من أسنتنا حكيمٌ ... جريضاً مثل إفلات الحمار
وعاد إليه أن الخيل كانت ... طرائق بين منقيةٍ ورار
كأن عذيرهم بجنوب سلى ... نعامٌ فاق في بلد قفار
ولما أن رأيت أبا حديرٍ ... صريع القوم حق به حذاري
ولم أك نافساً شيئاً عليه ... ولم يك نافعي إلا اتياري
تركت الطير عاكفةً عليهم ... كما عكف النساء على دوار
ولولا الليل عاد لهم بنحسٍ ... بأشأم طائرٍ راقٍ وجار

فإما تقتلن أبا حديرٍ ... فإني قد شفى نفسي انتصاري
تركن عبيدة الضبي يكبو ... على الكفين مرتمل الإزار

قال ابن السيرافي قال العجير السلولي
فباتت هموم الصدر شتى يعدنه ... كما عيد شلوٌ بالعراء قتيل
فبيناه يشري رحله قال قائلٌ ... لمن جملٌ رخو الملاط طويل
محلى بأطواقٍ عتاقٍ كأنها ... بقايا لجينٍ جرسهن صليل
قال س: هذا موضع المثل:
مالك من بثينة إلا ما ترى
شوقٌ يعنيك وغربات النوى
ليس للمستفيد مما أورد ابن السيرافي في هذه الأبيات إلا هناتٌ وهنابث وتخاليط، لا يحلى الإنسان منها بطائل.
وما هذا الشعر للعجير السلولي، ولا الأبيات مستوية النظام. بل الصواب أنها للمخلب الهلالي كما أنشدناه أبو الندى رحمه الله، وقال لنا: ليس في الأرض بدوي إلا وهو يحفظ هذه القصيدة:
وجدت بها وجد الذي ضل نضوه ... بمكة يوماً والرفاق نزول
بغى ما بغى حتى أتى الليل دونهم ... وريحٌ تعلي بالتراب جفول
أتى صاحبيه بعد ما ضل سعيه ... بحيث تلاقت عامرٌ وسلول
فقال احملا رحلي ورحليكما معا ... فقالا له كل السفاه تقول
فقال احملني واتركا الرحل إنه ... بمنزلةٍ والعاقبات تدول
فقالا معاذ الله. فاستر بعتهما ... ورحليهما مهريةٌ وذمول
شكا من رفيقيه الجفاء ونقده ... إذا قام يستام الركاب قليل
فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جملٌ رخو الملاط ذلول
محلى بأطواقٍ عتاقٍ ترشه ... أهلة جنٍّ بينهن فصول
فهلل حيناً تم راح بنضوه ... وقد حان من شمس النهار أفول
فما تم قرن الشمس حتى أناخه ... بقرنٍ وللمستعجلات زليل
فلما طوى الشخصين وازور منهما ... ووطنه بالنقر وهو ذلول
فقاما يجران الثياب كلاهما ... لما قد أسرا بالخليل قبيل
فقال ارفعا رحليكما وترفعا ... فماء الأداوى بالفلاة قليل
قال: وللمخلب هذا مقطعات طريفة، فمنها قوله:
بدهنا الملاح الأدم بالصرم بعدما ... جرى بيننا مستطرفات الوسائل
أبى القلب إلا حبه غير معجلٍ ... ذوات الثنايا والفروع الموائل
عريضات أقطانٍ مريضات أعينٍ ... مليحات ما تبدي ثنايا الجدائل
كأن جلياً من أباريق فضةٍ ... إذا قمن يبدو من خلال الغلائل
أولئك يسبين الفتى الغر نفسه ... ويوثقن من نازعنه في الحبائل
وهو القائل أيضاً:
أما وجلال الله لو كان يشترى ... وصالٌ لأغلينا إذاً بوصالك
ولو يشترى قرب النوى لاشتريته ... بسوم غلاءٍ أو بحكم رجالك
ولو يقتدي من غربة الدار واحدٌ ... بشيءٍ لأغليت الفدا من زيالك
ولو ذبحوا بالسيف أوجد واجدٍ ... بكم، أيقنت نفسي بأني ذلك
فجني قلوص المالكي على الوجا ... إلى أرض حبى في حرود نعالك
فلله إن بلغت رحلي لأهلها ... بهضب الصفا أن تطلقي من حبالك
وألا تخطي سبسباً بعد سبسبٍ ... وألا تبيتي ليلةً في عقالك
وأن تهبطي ذات السليم فتسمعي ... بها صوت قرقار الشبا من جمالك
قال ابن السيرافي قال عامر بن جوين الطائي
ألم تركم بالجزع من ملكات ... وكم بالصعيد من هجانٍ مؤبله
ولم أر مثلها خباسة واحدٍ ... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
قال: الجزع: منعطف الوادي، وملكات جمع ملكة، والصعيد: وجه الأرض.
قال س: هذا موضع المثل:
رويد يأتين على سواج
هناك يبدو خبر الأعلاج
والقين والكربج والنساج

هذا أرقع ما جاء به ابن السيرافي، ولو كان له حياء لما استحسن لنفسه أن يدخلها في مثل هذا التصحيف الشنيع، ولكن لا دواء لمن لا حياء له.
والصواب: ما بالجزع من ملكان، وملكان: جبل من بلاد بني طيئ، وكان يقال له: ملكان الروم، لأن الروم كانت تسكنه في الجاهلية مرة.
وأنشد أبو الندى رحمه الله:
أبى ملكان الروم أن يشكروا لنا ... ويومٌ بنعف القور لم يتصرم
قال: ونظير ملكان في الوزن ورقان، وهو الذي يقول فيه الخضري - وهو من بني خضر بن محارب بن خصفة - :
لو أن الشم من ورقان زالت ... وجدت مودتي بك لا تزول
فقل لحمامة الخرجاء سقياً ... لظلك حيث يدركك المقيل
ونظيره أيضاً بدلان، وهو الذي ذكره امرؤ القيس:
ليالينا بالنعف من بدلان
ونظير ذلك كثير.
وهذه الأبيات قالها عامر بن جوين الطائي في هند أخت امرئ القيس بن حجر، لما هرب من النعمان بن المنذر، ونزل عليه، فأراد عامر الغدر به، فتحول عنه. وهي:
أأظعان هندٍ تلكم المتحمله ... لتحزنني أم خلتي متدلله
فما بيضةٌ بات الظليم يحفها ... ويفرشها زفاً من الريش مخمله
ويجعلها بين الجناح ودفه ... إلى جؤجؤ جاف بميثاء حومله
بأحسن منها يوم قالت: ألا ترى ... تبدل خليلاً إنني متبدله
ألم تر ما بالجزع من ملكان ... وما بالصعيد من هجان مؤبله
فلم أر مثلها خباسة واحد ... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله

قال ابن السيرافي قال الشماخ
وواعدتني ما لا أحاول نفعه ... مواعيد عرقوبٍ أخاه بيترب
يترب: موضع على مثال يرمع وهو غير يثرب.
قال س: هذا موضع المثل:
يحيي البيض ويقتل الفراخ
كثيراً ما يلهج ابن السيرافي بالتصحيف الفاحش، ويدع الصريح الصر نقح جانباً.
يترب ها هنا في وزن يرمع كما ذكره ابن السيرافي - تصحيف فاحش، والصواب في هذا البيت يثرب وهي مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، كانت تسمى في الجاهلية يثرب، وثم جرت قصة عرقوب. فأما يترب وبلاد فهما بلدان قريبان من حجر اليمامة، تجود سهمانها. والبيت من أبيات الشماخ وهي:
أواعدتني ما لا أحاول نفعه ... مواعيد عرقوبٍ أخاه بيثرب
وواعدتني عاديةً بين جولها ... وبين رجاها نصف شأوٍ مغرب
تميل كما مالت على أخواتها ... خرود عذارى في خباء مطنب
وأنشدنا أبو الندى رحمه الله في مواعيد عرقوب - وهو بيت مثل - :
كأن مواعيد القضاعي جاره ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
قال ابن السيرافي قالت ليلى الأخيلية
إن الخليع ورهطه من عامرٍ ... كالقلب ألبس جؤجؤاً وحزيما
لا تقربن الدهر آل مطرفٍ ... إن ظالماً فيهم وإن مظلوما
قال: تمدح بذلك همام بن مطرف، وهو من ولد الخليع.
قال س: هذا موضع المثل:
إن المحامين عن المجد قلل
معرفة مثل هذا الشعر وما فيه من النسب - عزيز، ليس البيت لليلى الأخيلية، بل هو لحميد بن ثور الهلالي في كلمته التي أولها:
لما تخايلت الحمول حسبتها ... دوماً بأيلة ناعماً مكموما
وهي أبيات.
ولم يذكر ابن السيرافي الخليع، أنه من أي الناس. وهو من بني عقيل، والخلعاء: عمرو وعامر وعويمر من بني ربيعة بن عقيل، وإياهم عنى الخطيم اللص بقوله:
فلو كنت من رهط الأصم بن مالكٍ ... أو الخلعاء أو زهير بني عبس
إذاً لرمت قيسٌ ورائي بالحصى ... وما أسلم الجاني لما جر بالأمس
قال ابن السيرافي قال حميد بن ثور
وما هي إلا في إزار وعلقةٍ ... مغار ابن همامٍ على حي خثعما
قال: هو عمرو بن همام بن مطرف من الخلعاء، كانت خثعم قتلت أباه همام بن مطرف، فأتى نجدة بن عامر الحروري فأظهر له أنه على رأيه، وسأله أن يبعث معه ناساً من أصحابه، فأرسل معه نجدة خيلاً، فأغار على خثعم فأصاب منهم فأدرك بثأر أبيه، وصار رأساً في الخوارج. ولما قضى حاجته رجع إلى قومه فنزل فيهم، ثم وضع السيف في النجدية.
قال س: هذا موضع المثل:

قد غرني برداك من خدافلي ... يا ليت من خدافلي على حري
غر ابن السيرافي قصيدة حميد الميمية، التي أولها:
سل الربع أنى يممت أم سالم ... وهل عادةٌ للربع أن يتكلما
فتوهم أن هذا البيت منها، والكمر أشباه الكمر والبيت للطماح بن عامر ابن الأعلم بن خويلد العقيلي، وهو شاعر مجيد، وله مقطعات حسان، وهو القائل في كلمة له يفتخر فها:
وسارا من الملحين ملحي صعايدٍ ... وتثليث سيراً يمتطي فقر البزل
فما قصرا في السير حتى تناولا ... بني أسدٍ في دراهم وبني عجل
يقودون جرداً من بنات مخالسٍ ... وأعوج تقفى بالأجلة والرسل
قال الطماح العقيلي:
عرفت لسلمى رسم دارٍ تخالها ... ملاعب جنٍ أو كتاباً منمنما
وعهدي بسلمى والشباب كأنه ... عسيبٌ نما في ريةٍ فتقوما
وما هي إلا ذات وثرٍ وشوذرٍ ... مغار ابن همامٍ على حي خثعما
جويريةٌ ما أخلفت من لفافة ... ولا الثدي منها ما عدا أن تحلما
تعلقتها وسط الجواري غريرةً ... وما حليت إلا الجمان المنظما
إلى أن دعت بالدرع قبل لداتها ... وعادت ترى منهن أبهى وأفخما
وغص سواراها فما يألوانها ... إذا بلغا الكفين أن يتقوما
وعادت كهيلٍ من نقاً متلبدٍ ... وأفعمت الحجلين حتى تفصما

قال ابن السيرافي قال حريث بن جبلة العذري
حتى كأن لم يكن إلا تذكره ... والدهر أيتما حالٍ دهارير
قال س: هذا موضع المثل:
اختلط الليل بألوان الحصى
خلط ابن السيرافي في هذا الاسم، إنما هو جبلة بن الحويرث العذري، وقد أورد ابن السيرافي تمام الأبيات.
قال ابن السيرافي قال عمرو بن قميئة
قد ساءلتني بنت عمروٍ عن ال ... أرضين إذ تنكر أعلامها
لما رأت ساتيد ما استعبرتلله در اليوم من لامها
تذكرت أرضاً بها أهلها ... أخوالها فيها وأعمامها
قال: ساتيد ما جبل، واستعبرت بكت.
قال س: هذا موضع المثل:
من لم يسمن جواداً كان يركبه ... في الخصب قام به في الجدب مهزولا
كنت قد أعلمتك أن من لم بمارس علم المنازل لم يفلح في مثل هذا من الشعر، وذلك أن المستفيد إذا لم يعرف ساتيدما أي بلاد الله، لم يتصور معنى هذا البيت، وسبب بكائها، ومعنى أنها لما فارقت بلاد قومها، ووقعت إلى بلاد الروم بكت وندمت على ذلك.
وإنما أراد عمرو بهذه الأبيات نفسه لا بنته، وإنما كنى عن نفسه بها. وساتيد ما: جبل ما بين ميا فارقين وسعرت. كذا أخبرناه أبو الندى.
وقال عمرو هذا الشعر، حين خرج مع امرئ القيس إلى الروم، وقصتهما معروفة.
قال ابن السيرافي قال ضابئ بن الحارث البرجمي
من يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيارٌ بها لغريب
وما عاجلات الطير تدني من الفتى ... نجاحا ولا عن ريثهن يخيب
قال: قيار اسم جمله.
قال س: هذا موضع المثل:
بدلٌ من البازي غرابٌ أبقع
جعل ابن السيرافي في مكان فرسٍ جواد جملاً ثفالاً، وقيار اسم فرسه لا اسم جمله، وهو الفرس الذي أوطأه ضابئٌ بعض صبيان أهل المدينة حتى أخذه عثمان وحبسه.
قال ابن السيرافي قال شاعر من همدان
يمرون بالدهنا خفافاً عيابهم ... ويخرجن من دارين بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جل أمورهم ... فندلاً زريق المال ندل الثعالب
قال: زريق نداء، وهي قبيلة، كأنه قال: اندلي يا زريق المال. والدهناء: موضع، ودارين موضع أيضاً، وقوله: على حين ألهى الناس جل أمورهم: يريد حين اشتغل الناس بالفتن والحروب. وقيل: إنه يصف قوماً تجاراً، يحملون المتاع من دارين ويبيعونه، ويمرون بالدهناء بعدما باعوا متاعهم. وقيل: إنه يصف لصوصاً، يأتون إلى دارين فيسرقون ويملأون حقائبهم، ثم يفرغونها ويعودون إلى دارين.
قال س: هذا موضع المثل:
يسقيه من كل يدٍ بكاس ... فالقلب بين طمعٍ وياس

تكلم ابن السيرافي بكل ما عنده من الكلام في هذا الشعر، إلا أنه لم يفلح ولم ينجح، وذلك لما قلت لك: إن من لم يرض نفسه في علم الأنساب والأيام، فاعترض على مثل هذا الشعر بكلامه، أهدف نفسه لألسنة الطاعنين. وإذا لم يعرف المتأدب القائل لهذا الشعر، ولا من قيل فيه، ولا القبيل المخاطب به: من هم، وممن هم - لم يتحقق معاني هذه الأبيات.
وكان من قصتها أن النعمان بن العجلان بن النعمان بن عامر الزرقي وزريق هو ابن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج - ولاه علي عليه السلام البحرين، فقال رجل من الأنصار:
أرى فتنةً قد ألهت الناس عنكم ... فندلاً زريق المال ندل الثعالب
فإن ابن عجلان الذي قد علمتم ... يبدد مال الله فعل المناهب
يمرون بالدهنا خفافاً عيابهم ... ويخرجن من دارين بجر الحقائب
فإذا عرفت القصة ونظام الأبيات، لاح لك المعنى بحقيقته، ونادى على نفسه.

قال ابن السيرافي قال الشاعر
وأنت مكانك من وائلٍ ... مكان القراد من است الجمل
يعني أنه أخس قبائل بكر بن وائل وأوضعها، فإنه في خسة المنزلة وسقوطه لا يلتفت إليه، مثل القراد يتعلق باست الجمل.
قال س: هذا موضع المثل:
فلو كان يكفي واحداً لكفيته ... ولكن بريشٍ ما يطيرن طائر
كيف يكون هذا المهجو أخس بكر بن وائل وهو رجل من بني تغلب، وهذا أيضاً لجهل ابن السيرافي بالنسب الذي لا بد منه في معرفة مثل هذا من الشعر.
وقائل البيت عتبة بن الوغل التغلبي، يهجو كعب بن جعيل التغلبي، فهو إذاً أخس بني تغلب لا أخس بني بكر بن وائل. وهي قصيدة مليحة، أولها:
عسى أن تريع بسلمى النوى ... ويجمع ربي شتيت الأمل
سبتني بأشنب شتى النبا ... ت عذب المقبل صافٍ رتل
وفيها يقول:
وسميت كعباً بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل
وأنت مكانك من وائلٍ ... مكان القراد من است الجمل
أي كمكان القراد، أي أنت في مآخير القوم.
قال ابن السيرافي قال الراجز
إذا أكلت سمكاً وفرضا
ذهبت طولاً وذهبت عرضا
قال: كأنه قال: ذهبت في جهة طويلاً، وذهبت في جهة عريضاً، وأراد أن أكله السمك وهذا الضرب من التمر قد أطاله وأعرضه وأسمنه.
قال س: وهذا موضع المثل:
قد أدبر الأمر حتى ظل محتبياً ... أبو حبيرة يفتي وابن شداد
الذي يدل على جهل ابن السيرافي بهذا الرجز، وإقدامه على ما لم يكن يعرفه وتصديه لطلب التصدر بغير كفاية - أنه جاء بهذين البيتين متفرقين لا متوالين، ثم تفسيره له: أن هذا الضرب من السمك والتمر قد أطاله وأعرضه وأسمنه. وما أجود ما قال القائل:
من كل داء طبيب يستطب به ... إلا الحماقة ما يشفي مداويها
نظام الأبيات على ما أملاه علينا أبو الندى - وزعم أنها من مداعبات الأعراب - :
لو اصطبحت قارصاً ومحضا
ثم أكلت رابياً وفرضا
والزبد يعلو بعض ذاك بعضا
ثم شربت بعده المرضا
سمقت طولاً وذهبت عرضا
كأنما آكل مالاً قرضا
قال أبو الندى: هذا مثل قولهم:
إذا تغديت وطابت نفسي
فليس في الحي غلام مثلي
إلا غلامٌ قد تغدى قبلي
وقوله: سمقت طولاً وذهبت عرضا، يعني من الخيلاء.
قال ابن السيرافي قال رجل من خثعم
عزمت على إقامة ذي صباحٍ ... لأمرٍ ما يسود من يسود
قال: يريد عزمت على الإقامة إلى وقت الصباح، لأني رأيت الرأي والحزم يوجبان ذلك.
قال س: هذا موضع المثل:
كل فضل من أبي كعبٍ درك
القدر الذي ذكره ابن السيرافي في تفسير هذا البيت كثير منه، وذلك أنه لم يعرف قائل البيت، ولا السبب الذي أوجب قوله:
عزمت على إقامة ذي صباح
وهذا البيت هو لأنس بن مدرك الخثعمي، وذلك أنه غزا هو ورئيس آخر من قومه بعض قبائل العرب متساندين، فلما قربا من القوم أمسيا، فباتا حتى جن عليهم الليل، فقام صاحبه فانصرف ولم يغنم، وأقام أنس حتى أصبح، فشن عليهم الخيل، فأصاب وغنم وغنم أصحابه. فهذا معنى قوله:
عزمت على إقامة ذي صباح
وهو آخر الأبيات.

قال أبو الندى: كان أنس مجاوراً لبني الحارث بن كعب، فوجد أصحابه منهم جفاءً، فأرادوا أن يفارقوهم، فقال لهم: أقيموا إلى الصباح. فلما ظفر بنو الحارث ببني عامر يوم فيف الريح، قال عند ذلك ما قال. وأول الأبيات:
دعوت بني قحافة فاستجابوا ... فقلت ردوا فقد طاب الورود
دعوت إلى المصاع فجاوبوني ... بوردٍ ما ينهنهه المزيد
كأن غمامةً برقت عليهم ... من الأصياف ترجسها الرعود
عزمت على إقامة ذي صباحٍ ... لأمرٍ ما يسود من يسود

قال ابن السيرافي قال جرير
أبا لأراجيز يا بن اللؤم توعدنيوفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
قال: أراد بهذا الكلام عمر بن لجأ، يقول: أتهددني بالأراجيز، وفي الأراجيز خلت لؤم الشعراء وخورهم.
قال س: هذا موضع المثل:
لا در در ابني قريعة بعدها ... في بدء وافدةٍ ولا تعقيب
لم يوفق ابن السيرافي للصواب في هذا البيت، بل أخطأ فيه من جهتين: الأولى أنه نسب البيت إلى جرير، وإنما هو للعين المنقري.
والثانية أنه غير القافية من الفشل إلى الخور.
وأخطأ من جهة ثالثة أيضاً، وهو أنه جعل هذا البيت هجاء لعمر بن لجأ التيمي، وهو هجاء لرؤبة بن العجاج.
والأبيات للعين المنقري يهجو رؤبة، وهي:
إني أنا ابن جلا إن كنت تعرفني ... يا روب والحية الصماء في الجبل
أبا الأراجيز يا بن الوقب توعدني ... وفي الأراجيز بيت اللؤم والفشل
ما في الدوابر في رجلي من عقلٍ ... عند الرهان ولا أكوى من العفل
وكانت أم مالك بنت سعد من كلب، وكانت ضرائرها تسميها عفيل، ورؤبة من بني مالك بن سعد، وبنو مالك بن سعد هؤلاء يسمون بني العفيل.
قال ابن السيرافي قال الشاعر
كونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال
قال: يقول: اقربوا من بني أبيكم وعاضدوهم، وليكن مكانكم منهم كمكان الكليتين من الطحال.
قال س: لا أعرف هذا البيت على هذا الإنشاد، وأعرف " مكان الكليتين من الطحال " في أبيات لشعبة بن قمير المازني، ولعل هذا ذاك فغير. وأبيات شعبة:
فأبلغ مالكاً عني رسولاً ... وما يغني الرسول إليك مال
تخادعنا عنا وتوعدنا رويداً ... كدأب الذئب يأدو للغزال
فلا تفعل فإن أخاك جلدٌ ... على العزاء فيها ذو احتيال
وأنا سوف نجعل موليينا ... مكان الكليتين من الطحال
ونغنى في الحوادث عن أخينا ... كما تغنى اليمين عن الشمال
قال ابن السيرافي قال الشماخ
أقب كأن منخره إذا ما ... أرن على تواليهن كير
له زجلٌ كأنه صوت حادٍ ... إذا طلب الوسيقة أو زمير
قال س: هذا موضع المثل:
ضرط البلقاء جالت في الرسن
هذا باطل، وليس البيت للشماخ، إنما هو لربيع بن قعنب الفزاري.
قال ابن السيرافي قال مضرس الأسدي
كلابيةٌ وبريةٌ حبتريةٌ ... نأتك وخانت بالمواعيد والذمم
قال: في الكتاب حبترية بباء وتاء معجمة بنقطتين. وفي شعره حنثرية بنون وثاء منقوطة بثلاث نقط، ونأتك يعني نأت عنك.
قال س: هذا موضع المثل:
حقرته حتى إذا ظهري عرق ... خليت عنه وهو ناجٍ منطلق
حام ابن السيرافي على الصواب ولم يرد، وذاك أنه ذكر أن في الكتاب حبترية بباء وتاء معجمة بنقطتين، ثم قال: وفي شعره حنثرية بنون وثاء منقوطة بثلاث نقط، ثم سكت ولم يرجح الصواب على الخطأ، حتى لا يدري المستفيد أياً يأخذ وأياً يدع، وهذه رقاعة تامة.
والصواب في بيت الكتاب حنثرية بالنون والثاء المعجمة ثلاثاً من فوق، وهو حنثر بن وهب بن وبر بن الأضبط بن كلاب.
وفي تميم أيضاً - وليس هذا موضعه - حنثر بن غوي بن سلامة بن غوي ابن جروة بن أسيد. وفي أسد أيضاً حنثر بن كاهل بن أسد.
فأما حبتر بالباء والتاء المعجمة بثنتين من فوق، فهو حبتر بن عدي بن سلول من خزاعة. ومثل قول مضرس في الترتيب، قول سنجاع بن ركاض السلمي، أنشدناه أبو الندى:

أبى القلب إلا حبها عامريةً ... نأت دارها عني ولست أنالها
ضبابيةً حصينةً أرطويةً ... كثيراً بأكناف الأراك احتلالها
وما هي إلا أن توائم غارةٌ ... ترى الخيل فيها مستقراً رعالها

قال ابن السيرافي قال رؤبة
يا دار عفراء ودار البخدن
بك المهامن مطفلٍ ومشدن
قال: البخدن يروى على وجهين: بخدن على وزن جعفر، وبخدن على وزن زبرج.
قال س: هذا موضع المثل: الذليل من تأكله النعامه، وتأكله الرخمة والهامه الأحمق من يغره هذا القول من ابن السيرافي، كيف يجوز: البخدن والبخدن وهو اسم علم، والأسامي لا تزال عن قواعدها، وكما لا يجوز أن تقول كلثم بكسر الكاف والثاء مكان كلثم، فكذلك لا يجوز البخدن بكسر الباء والدال.
قال ابن السيرافي قال امرؤ القيس
لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريف بن مالٍ ليلة الجوع والخضر
قال: الشاهد فيه على ترخيم مالك في غير النداء.
قال س: هذا موضع المثل: ذروا الغزو إلا أن تبيعوا وتمعسوا لم يكن ابن السيرافي من رجال الأنساب، فغلط في قول طريف بن مالك غلطاً لا يلتقي طرفاه، كيف يكون مال ترخيم مالك كما زعم، وإنما اسم الرجل مل، وهو طريف بن مل بن عميرة بن تيم بن عوف بن مالك بن ثعلبة من طيئ.
قال ابن السيرافي قال الفرزدق
ورثت أبي أخلاقه عاجل القرى ... وضرب عراقيب المتالي شبوبها
قال: الشبوب: السيف.
قال س: هذا موضع المثل:
تبجحي بجاحه ... فليس منك راحه
فلما يجيء ابن السيرافي بشيء فيه خير، متى سمي السيف شبوباً، وإنما هو تصحيف.
والصواب: سبوبها بالسين غير المعجمة، يعني أنه يعرقب الإبل، والسب: القطع. ومنه قول ذي الخرق:
فما كان ذنب بني مالكٍ ... بأن سب منهم غلام فسب
بأبيض ذي شطبٍ باترٍ ... يتر العظام ويبري العصب
ويعني ب سبوبها نفس الممدوح.
قال ابن السيرافي قال لبيد
نحن بني أم البنين الأربعه
ونحن خير عامر بن صعصعه
قال: أم البنين هي امرأة مالك بن جعفر بن كلاب، ولدت له خمسة بنين: معاوية بن مالك، ويقال له معود الحكماء، وعامر بن مالك ملاعب الأسنة، وسلمى بن مالك نزال المضيق، وربيعة بن مالك ربيع المقترين وهو أبو لبيد، والطفيل بن مالك فارس قرزل. فاحتاج لبيد لأجل الشعر فقال: أم البنين الأربعة، وهم خمسة.
قال س: هذا موضع المثل: حوابة بلقاء تروي صادرا الحوابة: الدلو. مثل هذا من النسب يكد ابن السيرافي وأمثاله ممن لم يعمل في علم النسب، ولم يجهد نفسه فيه.
أخطأ ابن السيرافي في قوله: إن سلمى بن مالك هو من ولد أم البنين، لأن ولد أم البنين خمسة: عبيدة وطفيل ومعاوية معود الحكماء، وعامر ملاعب الأسنة، وربيعة أبو لبيد الشاعر - بنو مالك بن جعفر، وأمهم أم البنين بنت عمرو بن عامر بن صعصعة.
فأما سلمى وعتبة ابنا مالك فأمهما هند، امرأةٌ من بني سليم. ولم يكن عبيدة بن مالك مثل إخوته في الشهرة والنباهة، إلا أنه صدق وبر. وإنما ذكر لبيد الأربعة الأعيان.
قال ابن السيرافي قال قيس بن ذريح
تكنفني الوشاة فأزعجوني ... فيا للناس للواشي المطاع
قوله: " فيا للناس للواشي المطاع " أراد أنها تطيعهم إذا حملوها على هجره والبعد عنه.
قال س: هذا موضع المثل: اقلب قلاب قلب ابن السيرافي معنى هذا البيت من الصواب إلى الخطأ، وإنما المطيع الواشي ههنا قيسٌ لا لبنى، وذلك أنه اجتمع عليه أبوه وجماعةٌ من قومه حتى طلق لبنى، فندم، فأنشأ يقول في كلمة له طويلة:
واحزنا وعاودني رداعي ... وكان فراق لبنى كالخداع
تكنفني الوشاة فأزعجوني ... فيا للناس للواشي المطاع
فأصبحت الغداة ألوم نفسي ... على شيء وليس بمستطاع
كمغبونٍ يعض على يديه ... تبين غبنه بعد البياع
قال ابن السيرافي قال العجير السلولي
لا تجعلي ضيفي ضيفٌ مقربٌ ... وآخر معزولٌ عن البيت جانب
ولا تجعلي لي خادماً لا أحبه ... فتأخذني من ذاك حمى وصالب

قال: يريد لا ترتبي أضيافي، فتكرمي بعضهم وتهيني بعضهم، بل أكرمي جماعتهم ولا تحقري واحداً منهم.
قال: وقوله ولا تجعلي لي خادماً لا أحب خدمته، فيأخذني من كراهيتي لخدمته حمى.
قال س: هذا موضع المثل:
إذا ما جئت عنبسة بن يحيى ... رجعت مقلداً خفى حنين
أي فائدة للمستفيد فيما ذكره ابن السيرافي ها هنا من قوله: لا ترتبي أضيافي، فتكرمي بعضهم، وتهيني بعضاً، من غير أن يذكر ما علة ذلك، ولم يكره قائل هذا الشعر إكرام بعضٍ وإهانة آخرين؟ وهذه والله أحموقة ظاهرة، وحماقات الرجال كثيرة.
وإنما أراد العجير بهذا القول أنه إذا أكرمت بعض الضيفان دون بعض، فلهوى امرأته فيه، وكذلك إذا استخدمت خادماً يكرهه العجير، فإن ذلك أيضاً لأمرٍ ما مريب. ومن لم يعرف قصة هذه الأبيات وأبيات القصيدة كلها - فإن كل بيت منها يدل على ما قلت لك - لم يعرف معنى هذا الشعر.
وذلك أن امرأة العجير كانت نشزت عليه، فرابه أمرها، وقالت لا بد لي من الحج، وقال ابنها: لا بد لأمي من الحج، فدعها ترتحل أحد أبعرتها هؤلاء. فلم يرها إلا تقود إحداها قد جاءت به وخطمته، فقال - وهي عثمة بنت معبد بن عبد الرحمن - :
يا رب لا تغفر لعثمة ذنبها ... وإن لم يعاقبها العجير فعاقب
ولم أرها إلا تقود بعيرها ... فقالت: أرحني أي ركبٍ أصاحب
فقلت لها: قد راح قبلك فتيةٌ ... على قطرياتٍ خفاف الحقائب
أخاف عليك الله أن يجعل التقى ... سواك، وتلقي بعض تلك الصقالب
أخاف إذا ماجت حبالٌ وغيرت ... وغيب عنك القوم وخد النجائب
وشمر مجنونٌ على شمريةٍ ... بصيرٌ بعرس الشيخ والشيخ غائب
فلما تناولت القلوص لتركبي ... هوت كفه تفتات إحدى العجائب
فملت التواءً غير نفرٍ وليتني ... أراك، وللمقدور حين الجوالب
فما شابك الأنياب قد شال خطره ... يحوط القصايا محنقاً في السلائب
بأسرع مني غيرةً فاحذرنني ... على الرأس، أو ضرباً خلاف الرواجب
وما صقر حجاج بن يوسف ممسكاً ... بأسرع مني لمح عينٍ بحاجب
حرامٌ عليك الحج لا تقربنه ... إذا حان حج المسلمات التوائب
ولا تجعلي ضيفي ضيف مقربٌ ... وآخر معزولٌ عن البيت جانب
ولا تجعلي لي خادماً لا أحبه ... فيأخذني من ذاك حمى وصالب
وضمي رحال القوم أو أبرزيهم ... ولا تفعلي ما ليس مثلي يقارب
سمت عينها والعيس ينفخن في البرى ... إلى راكبٍ من دونه ألف راكب

قال ابن السيرافي قالت الخنساء
وجاريةٍ من بنات الملو ... ك قعقعت بالخيل خلخالها
ككرفية الغيث ذات الصبير ... تأتى السحاب وتأتالها
فلا مزنةٌ ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
قال: تأتى السحاب: تقصد إلى جملة السحاب، تسير إلى السحاب برفق وتؤدة، وتأتال: تصلح السحاب بانضمامها إليه. وتأتال تفتعل، من: آل الشيء يؤوله إذا أصلحه.
قال س: هذا موضع المثل:
لليل خودٍ بين ماشطاتها
وبين داياتٍ وأمهاتها
أهون من ليل معانداتها
لو ترك ابن السيرافي مثل هذا الشعر، الذي لم يعرفه، ولم يعرف قائله، وجاء به متفرقاً لا متوالياً، ولم يفسر قوله تأتالها: تصلح السحاب وتشاغل بإعراب وطرف من - كان أهدى سبيلا.
ليست هذه الأبيات للخنساء، وقد سقط منها أيضاً بيت وهو أجودها، وقوله: تأتالها أي تصلح السحاب فضيحة، لأنه لو كان كذلك، أوجب أن يرفع اللام، لأنه لا ناصب ها هنا للفعل.
والأبيات لعامر بن جوين الطائي، ونظامها:
وجاريةٍ من بنات الملو ... ك قعقعت بالرمح خلخالها
ككرفئة الغيث ذات الصبي ... ر ترمي السحاب ويرمى لها
تواعدها بعد مر النجو ... م كلفاء تكثر تهطالها
فلا مزنةٌ ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها

وإنما نسب ابن السيرافي هذا الشعر إلى الخنساء لأنه اغتر بكلمتها التي أولها:
ألا ما لعينك أم مالها
" وما كل سوداء تمرة " وقد أدخل في كلمة الخنساء هذه بيتان من هذه الأبيات وهما: " وجارية وككرفئة " وجعل الخطاب فيهما بصخر، ولا يخفى ذلك على البصير الناقد.
وقوله: " ترمي السحاب ويرمى لها " تقول العرب: نشأت سحابة فجعل السحاب يرمى لها، أي ينضم إليها. وقال جامع بن عمرو بن مرخية الكلابي:
أسقى منازل من دهماء قد درست ... بالرمل ساريةٌ خضرٌ تواريها
خضراء تحيي رميم الأرض قد بليت ... يقص ساريها بالدجن غاديها
بحرية نشأت يرمى السحاب لها ... حتى تهلل نجدياً تهاميها

قال ابن السيرافي قال حسان بن ثابت
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الجواد المفضل
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
قال: يمدح بذلك آل جفنة الغساني، وبلادهم بالشام، ومارية ذات القرطين هي أم جفنة بن عمرو مزيقياء.
يغشون: يغشاهم الطالبون والسائلون ويكثرون عندهم. في كلام يشبه هذا.
قال س: هذا موضع المثل:
ذهبت معدٌ بالعلاء ونهشلٌ ... من بين تالي شعره وممرق
ذهب العلماء بمعرفة ما في هذا البيت من معنى رائق، هو المعنى الذي ابن السيرافي عنه بمعزل، وكذلك ما فيه من النسب.
أما مارية، فهي بنت الأرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، وهي ذات القرطين الدرتين كأنهما بيضتا نعامة أو حمامة كانتا لها، وهي أم الحارث بن ثعلبة بن جفنة ابن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء. وقوله: " حول قبر أبيهم " وهو المعنى الذي لم يعرفه ابن السيرافي - يعني أنهم ملوك لا يفارقون بلدهم وحيث قبر أبيهم، ليسوا أعراباً ناجعة يتحولون من بلد إلى بلد، كما قال امرؤ القيس يذكر امرأة بدوية تتنقل من ماء إلى ماء:
أمن أجل أعرابية، حل أهلها ... جنوب الملا عيناك تبتدران
فدمعهما سحٌ وسكبٌ وديمةٌ ... ورشٌ وتوكاف وتنهملان
قال ابن السيرافي قال زيد الخيل
تمنى مزيدٌ زيداً فلاقى ... أخا ثقةٍ إذا اختلف العوالي
كمنيه جابرٍ إذا قال ليتي ... أصادفه وأفقد بعض مالي
قال: مزيد رجل من بني أسد، كان يتمنى أن يلقى زيد الخيل، فلقيه زيد الخيل فطعنه فهرب منه، فقال زيد في ذلك شعراً أوله ما أنشدته.
قال س: هذا موضع المثل:
إذا كان جار البيت بين محاربٍ ... وعبسٍ، فلا يبشر بعزٍّ ولا نصر
دفاعهم عنه إذا ما تجمعواوجدوا دفاع الإسكتين عن البظر
هذا القدر الذي ذكره ابن السيرافي من قصة هذا البيت لا يغني عن المستفيد شيئاً، ولم يذكر جابراً أيضاً أنه من أي الناس. وهو رجل من غطفان، تمنى زيداً وهو من باهلة، حتى صبحه زيد، فقالت له امرأته: قد كنت تتمنى زيداً فعندك، فالتقيا، فاختلفا طعنتين وهما دارعان كلاهما، فاندق رمح جابر ولم يغن شيئاً، وطعنه زيد برمح له يسمى علاجاً - وكانت على كل كعب ضبة من حديد - فأندره فتقلب ظهراً لبطن، وانكسر ظهره ولم يقتله. فقالت امرأته حين أتته - وهي ترفعه منكسرا ظهره - : كنت تمنيت زيداً فلاقيت أخا ثقة.
قال السيرافي قال أبو الخثارم البجلي - في منافرة بجيلة وكلب، فتحاكموا
إلى الأقرع بن حابس، فقالت بجيلة نحن إخوة نزار ولهم أحاديث - فقال في ذلك أبو الخثارم
يا أقرع بن حابسٍ يا أقرع
إني أخوك فانظرن ما تصنع
إنك إن تصرع أخاك تصرعوا
إني أنا الداعي نزاراً فاسمعوا
قال: جعل تصرعوا للجماعة، يريد الأقرع وقومه، ولا شاهد فيه على هذا الوجه. ويروى هذا الرجز مجروراً و أنشد:
يا أقرع بن حابسٍ يا أقرع
إني أنا الداعي نزاراً فاسمع
في باذخٍ من عزةٍ ومفزع
وقائماً ثمت قل في المجمع
للمرء أرطاةٍ أنا ابن الأقرع
ها إن ذا يوم علاً ومجمع
ومنظرٍ لمن رأى ومسمع
قال س: هذا موضع المثل:
خليلي هل يشفي القلوب من الجوى ... بدو ذرا الأعلام، لا بل يزيدها

القدر الذي عرفه ابن السيرافي في هذا الرجز وذكره لا يجدي نفعاً على المستفيد، بل يزيده جهلاً وعمى، ثم إنه أخطأ في القدر الذي ذكره من جهات شتى: منها أنه نسب هذا الرجز إلى أبي الخثارم البجلي، وإنما هو ابن الخثارم، وهو عمرو بن الخثارم البجلي.
ومنها أنه ذكر أن المنافرة كانت بين بجيلة وكلب، وإنما كانت بين رجلين لا قبيلتين، هما: جرير بن عبد الله البجلي، وخالد بن أرطاة بن خشين بن شبث الكلبي.
ومنها قوله: قالت بجيلة نحن إخوة نزار، ولم يبين الأخوة من أي جهة هي.
ومنها أنه قال: يروى هذا الرجز مجروراً، وإنما هما أرجوزتان، فخلط المرعي بالهمل وإحدى الأرجوزتين مرفوعة، والأخرى مجرورة. وسيأتيك بيان ذلك إن شاء الله.
أملى علينا أبو الندى قال: كان سبب المنافرة بين جرير بن عبد الله البجلي، وبين خالد بن أرطاة بن خشين بن شبث الكلبي - أن كلباً أصابت في الجاهلية رجلاً من بجيلة، يقال له: مالك بن عتبة من بني عادية بن عامر بن قداد، فوافوا به عكاظ، فمر العادي بابن عم له يقال القاسم بن عقيل بن أبي عمرو بن كعب بن عريج بن الحويرث بن عبد الله بن مالك بن هلال بن عادية بن عامر بن قداد - يأكل تمراً، فتناول من ذلك التمر شيئاً ليتحرم به، فجذبه الكلبي، فقال له القاسم: إنه رجل من عشيرتي، فقال له: لو كانت له عشيرة منعته . .
فانطلق القاسم إلى بني عمه بني زيد بن الغوث فاستتبعهم، فقالوا: نحن منقطعون في العرب، وليست لنا جماعة نقوى بها. فانطلق إلى أحمس فاستتبعهم فقالوا: كلما طارت وبرة من بني زيد في أيدي العرب أردنا أن نتبعها. فانطلق عند ذلك إلى جرير بن عبد الله فكلمه، فكان القاسم يقول: إن أول يوم أريت فيه الثياب المصبغة والقباب الحمر، اليوم الذي جئت فيه جريراً في قسر، وكان سيد بني مالك بن سعد بن زيد بن قسر، وهم بنو أبيه.
فدعاهم في انتزاع العادي من كلب فتبعوه، فخرج يمشي بهم حتى هجم على منازل كلب بعكاظ، فانتزع منهم مالك بن عتبة العادي، وقامت كلب دونه، فقال جرير: زعمتم أن قومه لا يمنعونه فقال كلب: إن جماعتنا خلوف. فقال جرير: لو كانوا لم يدفعوا عنكم شيئاً. فقالوا: كأنك تستطيل على قضاعة . . إن شئت قايسناكم المجد - وزعيم قضاعة يومئذ: خالد بن أرطاة بن خشين بن شبث - قال: ميعادنا من قابل سوق عكاظ.
فجمعت كلبٌ وجمعت قسر، ووافوا عكاظ من قابل. وصاحب أمر كلب الذي أقبل بهم في المقبل خالد بن أرطأة. فحكموا الأقرع بن حابس بن عقال ابن محمد بن سفيان بن مجاشع، حكمه جميع الحيين، ووضعوا الرهون على يدي عتبة بن ربيعة بن عبد شمس في أشرافٍ من قريش، وكان في الرهن من قسر: الأصرم بن عوف بن عويف بن مالك بن ذبيان بن ثعلبة بن عمرو بن يشكر بن علي ابن مالك بن سعد بن نذير بن قسر. ومن أحمس حازم بن أبي حازم، وصخر ابن العلبة. ومن بني زيد بن الغوث بن أنمار رجل.
ثم قام خالد بن أرطاة فقال لجرير: ما نجعل؟ قال: الخطر في يدك. قال: ألف ناقة حمراء في ألف ناقة حمراء. فقال جرير: ألف قينة عذراء في ألف قينة عذراء، وإن شئت فألف أوقية صفراء لألف أوقية صفراء.
قال: من لي بالوفاء؟ قال: كفيلك اللات والعزى وإساف ونائلة وشمس ويعوق وذو الخلصة ونسر. فمن عليك بالوفاء؟ قال: ود ومناة وفلس ورضا. قال جرير: لك بالوفاء سبعون غلاماً معماً مخولاً يوضعون على أيدي الأكفاء من أهل الله. فوضعوا الرهن من بجيلة ومن كلب على أيدي من سمينا من قريش، وحكموا الأقرع بن حابس وكان عالم العرب في زمانه.
فقال الأقرع: ما عندك يا خالد؟ فقال: نحن ننزل البراح، ونطعن بالرماح، ونحن فتيان الصباح.
فقال الأقرع: ما عندك يا جرير؟ قال: نحن أهل الذهب الأصفر، والأحمر المعصفر، نخيف ولا نخاف، ونطعم ولا نستطعم، ونحن حيٌ لقاح، نطعم ما هبت الرياح، نطعم الشهر ونضمن الدهر، ونحن الملوك لقسر.
فقال الأقرع: واللات والعزى، لو فاخرت قيصر ملك الروم، وكسرى عظيم فارس، والنعمان ملك العرب، لنفرتك عليهم. وأقبل نعيم بن حجبة النمري - وقد كانت قسر وفدته بفرس إلى جرير، فركبه من قبل وحشيه، فقيل: لم يحسن أن يركب الفرس. فقال جرير: الخيل ميامن، وإنا لا تركبها إلا من وجوهها.
وقد كان نادى عمرو بن الخثارم أحد بني جشم بن عامر بن قداد فقال:
لا يغلب اليوم فتى والاكما

يا بني نزارٍ انصرا أخاكما
إن أبي وجدته أباكما
ولم أجد لي نسباً سواكما
غيثٌ ربيعٌ سبط نداكما
حتى يحل الناس في مرعاكما
أنتم سرور عين من رآكما
قد ملئت فما ترى سواكما
قد فاز يوم الفخر من دعاكما
ولا يعد أحدٌ حصاكما
وإن بنوا لم يدركوا بناكما
مجداً بناه لكما أباكما
ذاك ومن ينصره مثلاكما
يوماً إذا ما سعرت ناراكما
وقال أيضاً:
يا لنزارٍ قد نمى في الأخشب
دعوة داعٍ دعوة المثوب
يا لنزارٍ ثم فاسعي واركبي
يا لنزارٍ ليس عنكم مذهبي
إن أباكم هو جدي وأبي
لم ينصر المولى إذا لم تغضبي
يا لنزارٍ إنني لم أكذب
أحسابكم أحظرتها وحسبي
ومن تكونوا عزه لا يغلب
ينمي إلى عزٍّ هجان مصعب
كأنه في البرج عند الكوكب
وقال أيضاً:
يا لنزارٍ دعوةً صباحا
قد فاضح الأمر بنا فضاحا
وقال أيضاً:
يا أقرع بن حابس يا أقرع
إني أخوك فانظرن ما تصنع
إنك إن يصرع أخوك تصرع
إني أنا الداعي نزاراً فاسمعوا
لي باذخٌ من عزه ومفزع
به يضر قادرٌ وينفع
وأدفع الضيم غداً وأنفع
عزٌ ألد شامخٌ لا يقمع
يتبعه الناس ولا يستتبع
هل هو إلا ذنبٌ وأكرع
وزمعٌ مؤتشبٌ مجمع
وحسبٌ وغل وأنف أجدع
وقال أيضاً:
يا أقرع بن حابسٍ يا أقرع
إنك إن تصرع أخاك تصرع
إني أنا الداعي نزاراً فاسمع
في باذخٍ من عزه ومفزع
قم قائماً ثمت قل في المجمع
للمرء أرطاةٍ أيا ابن الأفدع
ها إن ذا يوم علاً ومجمع
ومنظرٍ لمن رأى ومسمع
فنفره الأقرع بمضر وربيعة، ولولاهم نفر الكلبي.
قال س: كانت القرابة بين بجيلة وولد نزار، أن إراش بن عمرو بن الغوث ابن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان - خرج حاجاً، فتزوج سلامة بنت أنمار بن نزار، وأقام معا في الدار بغور تهامة، فأولدهما أنمار بن إراش ورجالاً.
فلما توفي إراش وقع بين أنمار بن إراش وإخوته اختلاف في القسمة، فتنحى عن إخوته، وأقام إخوته في الدار مع أخوالهم، وتزوج أنمار بن إراش بهند بنت مالك بن غافق بن الشاهد، فولدت أقيل وهو خثعم، ثم توفيت.
فتزوج بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، فولدت له عبقر، فسمته باسم جدها وهو سعد، ولقب بعبقر لأنه ولد على جبل يقال له عبقر، وولدت أيضاً الغوث ووادعة وصهيبة وخزيمة وأشهل وشهلاء وسنية وطريفاً وفهماً وجدعة والحارث.

قال ابن السيرافي قال ضرار بن الأزور
فلو سألت عنا جنوب لخبرت ... عشية سالت عقرباء من الدم
عشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النبل إلا المشرفي المصمم
قال: عقرباء: موضع بعينه، وجنوب: امرأة، وأراد أنهم اقتتلوا قتالاً شديداً بعقرباء، حتى سالت الدماء فيها. قال س: هذا موضع المثل:
إن جنابيها إذا تفرقا
يطحطحان القروي الأخرقا
لم يكن ابن السيرافي من رجال هذا الشعر في جعل البيت الأول مقوى، وليس فيه إقواء عند من يعرفه، وذكر أن عقرباء موضع بعينه، وأي فائدة تحت هذا الكلام إذا لم يعرف عقرباء في أي البلاد، وأي شيء كان سبب ذكر ضرار لها. وإذا وقفت على قصة هذا الشعر علمت أن ابن السيرافي كان قاصراً عن معرفته.
أكتبناه أبو الندى قال: ضرار بن الأزور، وهو فارس المحبر في الردة لبني أسد بن خزيمة، وكان خالد بن الوليد بعثه في خيل على البعوضة - أرض لبني تميم - فقتل عليها مالك بن نويرة فارس بني يربوع، وبنو تميم تدعي أنه آمنه. فقاتل يومئذ ضرار بن الأزور قتالاً شديداً، فقال في ذلك - وبلغه ارتداد قومه من بني أسد:
بني أسدٍ قد ساءني ما صنعتم ... وليس لقومٍ حاربوا الله محرم
وأعلم حقاً أنكم قد غويتم ... بني أسدٍ فاستأخروا أو تقدموا
نهيتكم أن تنهبوا صدقاتكم ... وقلت لكم يا آل ثعلبة اعلموا
عصيتم ذوي أحلامكم وأطعتم ... ضجيماً، وأمر ابن اللقيطة أشأم

وقد بعثوا وفداً إلى أهل دومةٍ ... فقبح من وفدٍ ومن يتيمم
ولو سألت عنا جنوب لخبرت ... عشية سالت عقرباء بها الدم
عشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النبل إلا المشرفي المصمم
فإن تبتغي الكفار غير منيبةٍ ... جنوب فإني تابع الدين فاعلموا
أقاتل إذ كان القتال غنيمةً ... ولله بالعبد المجاهد أعلم
ضجيم هو طلحة بن خويلد، وكانت أمه حميريةً أخيذة، وابن اللقيطة عيينة بن حصن، وقوله: يا آل ثعلبة: أراد ثعلبة الحلاف بن دودان بن أسد.
وقال لنا أبو الندى: عقرباء بالباء أرض باليمامة. قال وعقرماء بالميم باليمن، وأنشد لرجل من جعفي في قتل مالك بن مازن أحد بني ربيعة بن الحارث:
جدعتم بأفعى بالذهاب أنوفنا ... فملنا بأنفيكم فأصبح أصلما
فمن كان محزوناً بمقتل مالك ... فإنا تركناه صريعاً بعقرما

قال ابن السيرافي قال قيس بن الخطيم
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وأضربهم يوم الحديقة حاسراً ... كأن يدي بالسيف مخراق لاعب
قال س: هذا موضع المثل:
وإني لأشقى الناس إن كنت غارماً ... هوامي ما بين اللوى وأبان
ما أنفك من تعب في إعادة ما يخطئ فيه ابن السيرافي إلى حال الصواب، كأني لأمه جمل. وذلك أنه نسب بيتاً لرقيم المحاربي إلى قيس بن الخطيم، فأفسد البيت ليجعله شاهداً في النحو.
والأبيات لرقيم المحاربي، وهي مرفوعة القوافي لا مجرورة.
ونحن بنو الحرب العوان نشبها ... وبالحرب سمينا فنحن محارب
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
فذلك أفنانا وأبقى قبائلاً ... توقوا بنا إذ قارعتنا الكتائب
قال ابن السيرافي قال حسان
رب حلمٍ أضاعه عدم الما ... ل وجهلٍ غطى عليه النعيم
ما أبالي أنب بالحزن تيسٌ ... ألم لحاني بظهر غيبٍ لئيم
قال س: هذا موضع المثل:
أنى بك اليوم وأنى منك
ركبٌ أناخوا موهناً بالنبك
أي كيف يدركك ويدنو منك. كيف يكون هذا البيت الثاني تالياً للأول، والأول لحسان، والثاني لعبد الرحمن ابنه، في أبيات هجا بها مسكين بن عامر الدارمي، وهي ثلاثة أبيات، أوردها:
أيها الشاتمي ليحسب مثلي ... إنما أنت في الضلال تهيم
لا تسبنني فلست بسبي ... إن سبي من الرجال الكريم
ما أبالي أنب بالحزن تيسٌ ... أم لحاني بظهر غيبٍ لئيم
قال ابن السيرافي قال العجير السلولي
ومستلحم قد صكه الخصم صكةً ... قليل الموالي نيل ما كان يمنع
رددت له ما أفرط القول بالضحى ... وبالأمس حتى اقتافه وهو أضرع
وما ذاك أن كان ابن عمي ولا أخي ... ولكن متى ما أملك الضر أنفع
قال: ورب مستلحمٍ قد صكه خصمه بحجة.
قال س: هذا موضع المثل:
أصبحت تنهض في ضلالك سادراً ... إن الضلال ابن الألال فأقصر
ضل ابن السيرافي ها هنا في قوله " ورب مستلحم " من حيث أنه لم يعرف البيت الذي يتقدم هذا البيت، وأنه معطوف عليه. والبيت الذي قبله:
بلى سوف تبكيني خصوم ومجلسٌ ... وشعثٌ أهينوا حضرة الدار جوع
وأول الأبيات:
إذا مت كان الناس نصفان: شامتٌ ... وآخر مثنٍ بالذي كنت أصنع
بلى سوف تبكيني خصوم ومجلسٌ ... وشعثٌ أهينوا حضرة الدار جوع
ومضطهدٌ قد صكه الخصم صكةً ... ذليل الموالي نيل ما كان يمنع
فلفظ البيت مضطهد لا مستلحم كما زعم ابن السيرافي.
رددت له ما سلف القوم بالضحى ... وبالأمس حتى ناله وهو أضلع
ولست بمولاه ولا بابن عمه ... ولكن متى ما أملك الضر أنفع
قال ابن السيرافي قال الكلحبة واسمه هبيرة بن عبد الله من بني عرين بن
ثعلبة بن يربوع
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... ولا أمر للمعصي إلا مضيعا

قال س: هذا موضع المثل:
وكل هوى إلا لسعدى مخلصٌ ... إلى أهله من عندنا بسلام
يجب أن ترد هذه الحكمة على ابن السيرافي ذميمة، فإن الرجل هو ابن الكلحبة لا الكلحبة كما ذكره. والكلحبة أمه وهي امرأة من جرم بن ربان، واسمه هبيرة بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع، وهو عم واقد ابن عبد الله بن عبد مناف.

قال ابن السيرافي قال رؤبة
تقول بنتي قد أنى أناكا
فاستعزم الله ودع عساكا
يا أبتا علك أو عساكا
قال س: هذا موضع المثل: حوب حوب إنه ليوم دعقٍ وشوب خلط ابن السيرافي ها هنا من حيث أن النوى أشباه، وصحف في كلمة من البيت أيضاً وهو قوله: يا أبتا وإنما هو تأنياً وسيأتيك بيانه في موضعه إن شاء الله.
وذلك أن قوله:
فاستعزم الله ودع عساكا
من أرجوزة، وقوله:
تأنياً علك أو عساكا
من أرجوزة أخرى. فالتي فيها " فاستعزم الله " هي قوله يمدح الحارث بن سليم الهجيمي:
تقول بنتي قد أنى أناكا
فاستعزم الله ودع عساكا
ويدرك الحاجة مختطاكا
قد كان يطوي الأرض مرتقاكا
تخشى وترجى ويرى سناكا
فقلت إني عائك معاكا
غيثاً ولا أنتجع الأراكا
فابلغ بني أمية الأملاكا
بالشام والخليفة الملاكا
وبخراسان فأين ذاكا
مني ولا قدرة لي بذاكا
أو سر لكرمان تجد أخاكا
إن بها الحارث إن لاقاكا
أجدى بسيبٍ لم يكن ركاكا
وهي أبيات ذكرت منها القدر المحتاج إليه ها هنا.
والأرجوزة الأخرى مدح بها إبراهيم بن عربي، وهي:
لما وضعت الكور والوراكا
عن صلب ملاحكٍ لحاكا
أسر من أمسيها نسعاكا
أصفر من هجم الهجير صاكا
تصفير أيدي العرس المداكا
تأنياً علك أو عساكا
يسأل إبراهيم ما ألهاكا
من سنتين أتتا دراكا
تلتحيان الطلح والأراكا
لم تدعا نعلاً ولا شراكا
قال ابن السيرافي قال عتر بن دجاجة، وربما وقع في النسخ عنز بن دجاجة بن
العتر، والرواية الأولى أشهر، ونسبه في شعره دجاجة بن العتر. ويروى لمعاوية بن كاسر المازني
يل ليلتي ما ليلتي بالبلدة ... حارت على نجومها فارتدت
وهي أبيات.
قال س: هذا موضع المثل:
إن الطفاوي أخا اليعسوب
في كل حي منهم نصيب
ما ترك ابن السيرافي اسماً إلا جعل فيه لهذا الاسم نصيباً، وذلك لجهله بالأسامي والأنساب.
والصواب ما أخبرنا به أبو الندى، أنه دجاجة بن عتر، بكسر الدال في دجاجة، والعين من عتر والتاء المعجمة بثنتين من فوق، والراء غير المعجمة. قال: واسم الرجل دجاجة بالكسر، والطائر دجاجة بفتح الدال. والمقطعة الثانية لدجاجة هذا لا لمعاوية بن كاسر.
قال ابن السيرافي قال سعد بن المتنحر وهو جاهلي
أيا بجي أبا بجي أد أخي
إن أخي لفيكم غير دعي
وولدته حرةٌ غير زني
من ولد عمران بن عمرو بن عدي
قال ابن السيرافي: أراد يا بجيلة، فرخم ترخيماً بعد ترخيم، وهذا الشعر يوضح ما ذهب إليه سيبويه.
قال س: هذا موضع المثل:
لا ماء في المقراة إن لم تنهضي ... كراً برأس الجمل المعرض
كنت ذكرت لك في غير موضع من هذا الكتاب أن من شرع في تفسير مثل هذا من الشعر، فيما يتعلق بنسب أو قصة، من غير أن يكون قد أتقن هذين العلمين - كان بعرض الافتضاح. فلو قرن بهذا الشعر: كتاب سيبويه وحدود الفراء، ما كان ليعرف معناه إلا بمعرفة قصته، والبيت الأخير فيه خلل أيضاً، وصوابه:
من ولد عمرو بن عمران بن عدي
وكان من قصة هذا الشعر، أن أم والان بن عمرو بن عمران بن عدي بن حارثة بن عمرو بن مزيقياء بن عامر بن ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وهي عزة بنت مالك من بجيلة، ووالان هو شكر، وإنما هو شكر قرني، لقب، فذهبت به إلى بجيلة، فكانت بجيلة تقول: هو منا. فقال سعد بن المتنحر البارقي، جاهلي:
أيا بجي أيا بجي أد أخي
إن أخي لفيكم غير دعي
وولدته حرة غير زني
وإنه كانت حليلة أبي
من ولد عمرو بن عمران بن عدي
باب إن
قال ابن السيرافي قال دجاجة بن عبد القيس في باب إن
أتتني يمينٌ من أناسٍ ليركبن ... علي ودوني هضب غولٍ مقادم
تحلل وعالج ذات نفسك وانظرن ... أبا جعلٍ، لعلما أنت حالم
قال: الهضب: جمع هضبة وهي الجبل، ومقادم: متقدمة، وواحد المقادم: متقدم، وغول: موضع بعينه. و هضب مرفوع بالابتداء، ويجوز أن يروى ليركبن على ما سمي فاعله، ويكون المقادم فاعله، ويكون جمع مقدام، ويكون دوني خير هضب.
قال س: هذا موضع المثل:
أي التواءٍ يلتوي مياح ... وماله في جزعٍ رداح
اجتهد ابن السيرافي وهذى في هذا الشعر بعد أن صحف فيه فلم يفلح، وهذا من أفضح ما جاء به وهو قوله " هضب غولٍ مقادم " وهذا لجهله بالمنازل.
والصواب:
هضب غولٍ فقادم
وهما واديان للضباب، وقلما يجيء غول في شعر منفرداً من قادم. وأنشدنا للحارث بن عمرو بن خرجة الفزاري:
ذكرت ابنة السعدي ذكرى ودونها ... رحى جابرٍ واحتل أهلي الأداهما
فحزم قطياتٍ إذ البال صالحٌ ... فكبشة معروفٍ فغولاً فقادما
وبيت الكتاب لدجاجة بن عبد القيس، لا لدجانة بن عبد القيس كما ذكر ابن السيرافي.
؟قال ابن السيرافي قال حاتم بن عبد الله الطائي:
ورد جازرهم حرفاً مصرمةً ... في الرأس منها وفي الأصلاب تمليح
إذا اللقاح غدت ملقىً أصرتها ... ولا كريم من الولدان مصبوح
قال س: هذا موضع المثل:
أما البعير فشيءٌ لست معطيه ... وحبك الشاة حب الوالد الولد
لا في الشعر يفلح ابن السيرافي ولا في النسب ولا في أسامي المنازل والمناهل، كما قيل: أعييتني غب السماء وغب البناء وغب النوم وغب النعاس هذا البيت لرجل من الأنصار من النبيت، وله مع حاتم وماوية بنت عفزر قصة طويلة معروفة، ولأجل ذلك تركت ذكرها. والأبيات:
هلا سألت النبيتيين ما حسبي ... عند الشتاء إذا ما هبت الريح
ورد جازرهم حرفاً مصرمةً ... في الرأس منها وفي الأصلاب تمليح
وقال رائدهم سيان ما لهم ... مثلان: مثلٌ لمن يرعى وتسريح
إذا اللقاح غدت ملقىً أصرتها ... ولا كريم من الولدان مصبوح
فانظر كم وقع من التخليط فيما أورده ابن السيرافي من هذا الشعر.
؟قال ابن السيرافي قال رجل من بني سليم وهو أنس ابن العباس:
لا نسب اليوم ولا خلةً ... اتسع الخرق على الراقع
وفي بعض النسخ:
اتسع الفتق على الراتق
قال: وزعم بعض الرواة أن النعمان بن المنذر بعث جيشاً إلى بني سليم، لشيء كان وجد عليهم من أجله، وكان على الجيش رجل يعرف بكافر بن فرتنا أو عمرو بن فرتنا، فمر بالجيش على غطفان فاستجاشوهم على بني سليم، فهزمت بنو سليم الجيش، وطعن عمرو بن فرتنا وأسر، ومتت غطفان إلى سليم بالرحم التي بينهم، فقال أبو عامر جد العباس بن مرداس قصيدة فيها: إن ما بيننا وبين غطفان قد انقطع بما عملوا. أولها:
إن بغيضاً نسبٌ فاسق ... ليس بموثوق ولا واثق
لا نسب اليوم ولا خلةً ... اتسع الخرق على الراتق
لا صلح بيني فاعلموه ولابينكم ما حملت عاتقي
سيفي، وما كنا بنجدٍ وما ... قرقر قمر الواد بالشاهق
قال: وقوله قمر الواد: يريد القمر التي تكون أعشاشها في شجر الوادي تطير على الجبال وتصيح.
قال س: هذا موضع المثل:
وردوا بحارشة الضباب كأنما ... وردوا بنيب عمارة بن زياد
أطال ابن السيرافي الكلام في تفسير هذا الشعر وأعرضه، ثم جاء بعقب هذه الخيلاء بما لا يجدي نفعاً. وذلك أنه أتى بقصة تدخل في حكم السمر، وهو قوله: كان النعمان بعث جيشاً .. إلى آخر القصة، وفي الأبيات التي أوردها اضطراب ونقص، ولم يعرف معنى البيت الأخير الذي هو المعني.
وكان من قصة هذا الشعر - فيما قرأته على أبي الندى في كتاب بني سليم - قال: جاور أبو عامر بن حارثة السلمي أخواله بني مرة، فأطردوا إبله، فخرج هو ومرة بن جارية، وسنة بن جارية، وسنان بن جارية، حتى أوقعوا ببني مرة بين أبانين فقتلوا أناساً منهم، وأطردوا إبلاً لهم عظيمة. فانصرف مرة بن جارية وهو يرتجز:

يا مر إني لكم الصفي
وأنت خالي وأنا السمي
وقد يهان النسب القصي
وأبو عامر يرتجز ويقول في ذلك:
يسألني الأقوام أين مالي
لا تسألوني واسألوا أخوالي
يا رب ماءٍ لك بالأجدال
بغيبغٍ ينزع بالعقال
يخر فيه ثمر الهدال
وقال أبو عامر في ذلك:
أعرف أخوالي وأدعوهم ... كأن أمي ثم من بارق
لا نسب اليوم ولا خلةً ... اتسع الخرق على الراتق
إن بغيضاً نسبٌ فاسخٌ ... ليس بموثوق ولا واثق
أسيافنا يأخذن أولاهم ... خطف عصي المورد الواسق
لا صلح بيني فاعلموه ولا ... بينكم ما حملت عاتقي
سيفي وما كنا بنجد وما ... قرقر قمر الواد بالشاهق
ومعنى قوله: " وما قرقر قمر الواد بالشاهق " يعني أنه يجيء من السيل ما لا يمكن أن يسكن الرياض، فيلجأ إلى الأشجار والشواهق، فحينئذ يكثر الكلأ والخصب، فيهيج الحرب بينهم.
؟قال ابن السيرافي قال ابن الرقيات:
لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطلب
قال: الشاهد فيه أنه حرك الياء من الغواني بالكسر للضرورة.
قال س: هذا موضع المثل: يحملها الجوع على مر الشجر إنما يكون البيت حجة عند الضرورة، إذا لم يكن في موضع الشاهد منه رواية أخرى هي أجود من الأولى، ولم يمكن رواية ذلك على وجه آخر.
فأما هذا البيت الذي أورده، فقد روي فيه وجه آخر رواه الأصمعي، وهو:
لا بارك الله في الغواني وهل ... يصبحن إلا لهن مطلب
وتعلق المحتج بهذا البيت، يدل على أنه لم يكن غزيراً في رواية الشعر، فلو احتج بقول القائل
قد كاد يذهب بالدنيا ولذتها ... مواليٌ ككباش العوس سحاح
ما فيهم واحد إلا بحجزته ... لبابه من علاج القين مفتاح
لكان أقوى وأقوم للحجة.
؟قال ابن السيرافي قال الأخضر بن هبيرة الضبي:
فما أنا يوم الرقمتين بناكلٍ ... ولا السيف إن جردته بكليل
وما كنت ضفاطاً ولكن طالباً ... أقام قليلاً فوق ظهر سبيل
قال: قال الأخضر بن هبيرة الضبي هذا الشعر في شأن ابنٍ له قتلته طهية في حرب بينهم.
قال س: هذا موضع المثل:
يومٌ على ذات الشقوق ضاح ... يعقب محلاً في بطون الراح
مثل هذا من الشعر يكد المفسر له - إذا لم يكن متبحراً في معرفة الأيام، ولم يكن غزيراً في رواية الشعر.
غلط ابن السيرافي ها هنا من جهات: منها أنه نسب هذا الشعر إلى الأخضر بن هبيرة وليس هوله، ثم إنه قد أتى ببيتين محرفين عن جهة الصواب. ومثل هذا من الشعر - إذا لم تعرف قصته مستوفاةً - لم يعرف معناه البتة.
وكان من قصته أن الحارث بن حاطب الجمحي كان على صدقات عمرو بن حنظلة، وكان مروان بن الحكم ولاه، فصنعت له بنو طهية طعاماً، وصنع له عوف بن القعقاع طعاماً، فأدرك طعام بني طهية قبل طعام عوف، فأكل الحارث طعامهم، وأهدى ظهير بن شداد الميثاوي جفنة حيسٍ لعوف بن القعقاع، فردها وقال: يظن أنا نأكل حيساً بات خصيا ظهير ينطفان فيه. ووقع بينهم شر، فارتموا، فرمى رجل منهم قيس بن عوف بن القعقاع بحجر على عمود كبده فمات، فقال راجز بني طهية:
نحن قتلنا في العراك قيسا
ثم أكلنا بعد ذاك الحيسا
فاستعدوا الحارث بن حاطب، وادعوا الرمي على ظهير بن شداد، فأقاموا عليه ببينة، فدعا الحارث بن طهية، فجرحت الشهود، فقام الأخضر بن هبيرة ابن المنذر بن ضرار الضبي فقال للشاهد الذي شهد على ظهير: لا أعلمني رأيت فاحشة إلا وقد رأيت هذا يركبها، إلا أني لم أره ينكح أمه. فأبطلوا عنه شهادة هذا الرجل. فقال الأخضر بن هبيرة:
منعت ظهيراً بعدما ظن أنه ... مخالط جدٍّ ليس في الجد باطل
منعت وألقيت الشراشر دونه ... مواصلةً لن يعدم الخير واصل
على ساعةٍ لا يستطيع خطابها ... من القوم إلا أن يوفق قائل

وكان قيس بن عوف ترك ابنين: مورق بن قيس، وشهاب بن قيس، وكان اسم مورق عتيبة، وسمي مورقاً لأنه كانت حرب بين بني القعقاع بن معبد، وبين بني عبيد بن خزيمة بن زرارة، فرآه جده عوف بن القعقاع وفرسه تمرق به من الغبار، فقال: من صاحب هذا الفرس المورق؟ قيل: عتبة ابنك، فسمي مورقاً.
فحضرت شهاباً الوفاة، فقال لأخيه مورق: يا أخي، إني مت لئيماً، فمت كريماً. فخرج رجل من بني طهية يقال له: حكيم بن برق نحره حاجاً، فعرض له مورق بن قيس - وفد أكمن له رجلين معه - فقال مورق: يا عماه، إنا ركبٌ نزلنا مدفع هذا الوادي، وإنا اشتجرنا وليس بيننا ذو حجى يصلح بيننا، فلو ملت فأصلحت بين فرقة من المسلمين، فمضى معه. فلما هبط الوادي وثب عليه الرجلان فأناخا به، فأمسكاه، فضربه مورق فقتله، وأنشأ يقول:
ما أنا يوم الرقمتين بعاجز ... ولا السيف إذ أمضيته بكليل
فلا تجزعوا يا رهط أمي فإنني ... أبات قتيلاً منكم بقتيل
وما كنت ضفاطاً ولكن ثائراً ... أناخ قليلاً فوق ظهر سبيل
فلو تخبر الأصداء شيئاً لخبرت ... شهاباً بأني قد شفيت غليلي
؟قال ابن السيرافي قال إمام بن أقرم النميري - وأنا أشك في أقرم هل هو بالراء أبو بالزاي - :
ولما أنا برزت إلى سلاحي ... وبشرى قلت: ما أنا بالفقير
طليق الله لم يمنن عليه ... أبو داود وابن أبي كثير
ولا جزءٌ ولا ابن أبي شريفٍ ... ولا مولى الأمير ولا الأمير
ولا الحجاج عيني بنت ماءٍ ... تقلب طرفها حذر الصقور
قال س: هذا موضع المثل:
قوم صدور العيس يا بن بشر
ذات اليمين من مغيب النسر
إياك والشك وضعف الأمر
إذا كان المفسر متشككاً، فكيف يكون حال المفسر له. ومن يكون مبلغه من معرفة الشعر هذا المبلغ، فإنه لا يتصدى لتفسير مثل هذا الشعر وذكر قائله.
والصواب أقرم بالراء غير المعجمة، ولم يفسر ابن السيرافي بشرى أيضاً، وهي أغرب ما في هذا الشعر، وهي فرس إمام بن أقرم النميري.
؟قال ابن السيرافي قال نبيه بن الحجاج السهمي:
سالتاني الطلاق إذ رأتاني ... قل مالي، قد جئتماني بنكر
ويكأن من يكن له نشبٌ يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضر
ولعلي سيكثر المال عندي ... ويعرى من المغارم ظهري
ويرى أعبدٌ لنا وإماءٌ ... ومناصيف من خوادم عشر
قال س: هذا موضع المثل:
ترك البدوء من العظام لأهلها ... وأحال ينقي مخة العرقوب
جهل ابن السيرافي قائل هذا الشعر، وهو من أخيار قريش، ونسب الشعر إلى نبيه بن الحجاج وهو من أشرارهم. وهذا الشعر لزيد بن نفيل، وأوله على النسق:
إن عرسي تنطقان لي اللو ... م على عمدٍ قول زورٍ وهجر
سالتاني الطلاق إذ رأتاني ... قل مالي قد جئتماني بنكر
خفضا لا لديكما غير الأم ... ر ولا بد للضريك بصبر
فلعلي أن يكثر المال عندي ... ويخلى من المغارم ظهري
ويرى أعبدٌ لنا وإماءٌ ... ومناصيف من ولائد عشر
فنجر الذيول في نعمة زو ... ل تقولان ضع عصاك لدهر
ويكأن من يكن له نشبٌ يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضر
ويجنب سر الأمور ولكن ... ن ذوي المال محضرو كل سر
؟قال ابن السيرافي قال عبد الله بن رواحة:
لأن تبيت نائماً موسدا
تنازع الجلباب أو تلوي اليدا
أهون من سوقك حتى تنجدا
لم يكن ابن السيرافي ممن أتقن علم الرجز واستقراه، وذلك أنه لم يأت بهذه الأبيات متوالية على قلتها. والصواب:
يا زيد زيد اليعملات الذبل
وزيد داوي الفلاة المجهل
تطاول الليل هديت فانزل
فانقض زيدٌ كانقضاض الأجدل
وهو زيد بن الأرقم الأنصاري، قاله في توجه جيش المسلمين إلى مؤتة.
؟قال ابن السيرافي قال حسان:
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
قال س: هذا موضع المثل: لا دواء لمن ليس له حياء

من تكون هذه بضاعته من الشعر، حق له ألا يتعرض لتفسير الشعر وذكر قائليه على جهله بهم.
ليس هذا البيت لحسان، إنما هو لغيره، وهو المتوكل الليثي يعظ ابنه، وهو شعر معروف " لا يخفى على الضبع " .
؟قال ابن السيرافي قال عمرو بن معد يكرب:
قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا
شككت بالرمح حيازيمه ... والخيل تجري زيماً بيننا
قال: قطر الفارس: ألقاه على أحد قطريه، وهما جانباه. في كلام يشبه هذا.
قال س: هذا موضع المثل:
طال النهار على من لا شراب له ... ولا معلل إلا سجن دوار
قل غناءً على المستفيد هذا القدر الذي ذكره ابن السيرافي من تفسير هذا الشعر، وذلك أنه لا يكاد يعرف حقيقة معناه إلا بمعرفة القصة المتعلق هو بها. وذلك أن عمرو بن معد يكرب حمل يوم القادسية على مرزبان - وهو يرى أنه رستم - فقتله، فقال في ذلك:
ألمم بسلمى قبل أن تظعنا ... إن لسلمى عندنا ديدنا
قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا
شككت بالرمح حيازيمه ... والخيل تعدو زيماً بيننا
؟قال ابن السيرافي قال مسكين الدارمي:
ونابغة الجعدي بالرمل بيته ... عليه صفيحٌ من رخامٍ موضع
أتى ابن جعيلٍ بالجزيرة يومه ... وقد فارق الدنيا وما كان يجمع
قال: أراد أن قبر النابغة بالرمل، وذكر حال الشعراء المتقدمين، وأنهم فنوا وذهبوا ولم يبق منهم أحد. يصغر أمر الدنيا وحقره.
قال س: هذا موضع المثل: انظر بعينيك وهل يشفي النظر هذا الذي ذكره ابن السيرافي من تفسير هذا الشعر لا يجدي فتيلاً، وذلك أنه لم يأت بالبيتين على ولاء، وترك بينهما بيتاً، ثم أساء في قوله: إن قبر النابغة في الرمل. ولولا أن الشاعر أراد بهذا معنىً خفي على ابن السيرافي - ولم يرد رملاً من الرمال ههنا نكرة - لكان قد أصاب فيما قاله، ولكنه أراد ها هنا رمال بني جعدة، وهي رمال وراء الفلج. وإنما خص هذه الرمال أن فيها قبر النابغة الجعدي، لأنها بلاده.
وذكر في هذه القصيدة شعراء، كل واحد منهم نسب قبره إلى بلده ومسقط رأسه، والأبيات تدل على ما قلت لك، وهي لمسكين بن عامر الدارمي:
ولست بأحيا من رجالٍ رأيتهم ... لكل امرئٍ يوماً حمامٌ ومصرع
دعا ضابئاً داعي المنايا فجاءه ... ولما دعوا باسم ابن دارة أسمعوا
وحصنٌ بصحراء الثوية بيته ... ألا إنما الدنيا متاعٌ ممتع
وأوس بن مغراء القريعي قد ثوى ... له فوق أبيات الرياحي مضجع
ونابغة الجعدي بالرمل بيته ... عليه صفيحٌ من رخام موضع
وما رجعت من حميريٍّ عصابةٌ ... إلى ابن وثيلٍ نفسه حين تنزع
أرى ابن جعيلٍ بالجزيرة بيته ... وقد ترك الدنيا وما كان يجمع
بنجران أوصال النجاشي أصبحت ... تلوذ به طيرٌ عكوفٌ ووقع
ألا ترى أنه جعل بيت ابن جعيل بالجزيرة، لأنها بلاد بني تغلب، وجعل قبر النجاشي بنجران لأنه من اليمن بلاد بني الحارث بن كعب.
وقد مات شماخٌ ومات مزردٌ ... وأي عزيز لا أبا لك يمنع
أولئك قوم قد مضوا لسبيلهم ... كما مات لقمان بن عادٍ وتبع
؟قال ابن السيرافي قال الأخطل:
فإن تبخل سدوس بدرهميها ... فإن الريح طيبةٌ قبول
قال: قوله: " فإن الريح طيبة قبول " قيل في تفسيره: إن الأرض واسعة، يقصدة منها الإنسان حيث شاء، و في أي جهات الريح شاء أن يسلك سلك.
قال س: هذا موضع المثل:
أريد وصاله ويريد هجري ... وهيهات العلوق من الرؤوم
أراد الأخطل بهذا البيت غير المعنى الذي ذهب إليه ابن السيرافي. ومعنى قوله: " فإن تبخل سدوس بدرهميها .. البيت " أي نحن على حالنا أغنياء، لم يضرر بنا منعهم إيانا ولم نتضعضع. ومثله في المعنى قول نصر بن سيار لبني تميم:
فإن تنصرونا لا نعز بنصركم ... وإن تخذلونا فالسماء سماء
؟قال ابن السيرافي قال عدي بن ربيعة التغلبي - أخو كليب ومهلهل ابني ربيعة - يرثي مهلهلاً، ويذكر من هلك من قومه:

ظبيةٌ من ظباء وجرة تعطو ... بيديها في ناضر الأوراق
ضربت صدرها إلي وقالت ... يا عدياً لقلبك المشتاق
ما نرجي بالعيش بعد ندامى ... قد تراهم سقوا بكأس حلاق
قال: يريد أنه مشتاق إلى من هلك من قومه.
قال س: أخطأ ابن السيرافي في عجز البيت الثاني. والصواب:
يا عدياً لقد وقتك الأواقي
؟قال ابن السيرافي قال زهير:
لئن حللت بجوٍّ في بني أسدٍ ... في دين عمروٍ وحالت بيننا فدك
قال: الجو الوادي، والدين الطاعة، وعمرو هو عمرو بن هند الملك.
قال س: هذا موضع المثل:
تلمحت بكلام كنت أرفعها ... عنه، وجاءت سليمى بالدقارير
كثيراً ما يصحف ابن السيرافي في أشياء ظاهرةٍ لا يصحف فيها صبيان المكاتب، وذلك قوله: " لئن حللت بجو في بني أسد " بالجيم المعجمة واحدة من تحت، ثم تفسيره له بالوادي، وقد أخطأ في هذا أيضاً.
والصواب: " لئن حللت بخوٍّ " بالخاء المعجمة من فوق. وخو: واد لبني أسد، وثم قتل عتيبة بن الحارث بن شهاب. وأنشدنا أبو الندى لرامة بنت حصين الأسدية - وكانت جاهلية كما زعم، وذكرت خواً وبلاداً أخر من بلاد بني أسد - :
ألام على نجدٍ ومن يك ذا هوى ... بنجدٍ يهجه الشوق شتى نزائعه
تهجه الجنوب حين تغدو بنشرها ... يمانيةً والبرق إن لاح لامعه
ومن لامني في حب نجدٍ وأهله ... فليم على مثلٍ وأوعب جادعه
لعمرك للغمران غمرا مقلدٍ ... فذو نجبٍ غلانه ودوافعه
وخوٌّ إذا خوٌّ سقته ذهابه ... وأمرع منه تينه وربائعه
وصوت مكاكيٍّ تجاوب موهناً ... من الليل من يأرق له فهو سامعه
أحب إلينا من فراريج قريةٍ ... تزاقى ومن حيٍّ تنق ضفادعه
قال: والربائع أكناف من بلاد بني أسد، وأنشدنا:
وبين خوين زقاقٌ واسع
زقاق بين التين والربائع
والتين: جبل لبني أسد. وأنشد غيره:
أرقني الليلة برقٌ لامع
من دونه التينان والربائع
فوارداتٌ فقنا فالنائع
ومن ذرا لامان هضبٌ فارع
وقال العوام بن عبد الرحمن يذكر التين، فثناه أيضا:
أحقاً ذرا التينين أن لست رائياً ... قلالكما إلا لعيني ساكب
وفدك: على ثلاثة عشر يوماً من مكة في بلاد بني سليم.
؟قال ابن السيرافي قال الفرزدق:
ما زلت أفتح أبواباً وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار
حتى أتيت فتىً محضاً ضريبته ... مر المريرة حراً وابن أحرار
قال: يمدح أبا عمرو بن العلاء، وعمار جدٌّ من أجداده.
قال س: هذا موضع المثل:
فيا ليت مرة كان أمراً ... يطيق السلاح فيكفي عصابا
لو عرف ابن السيرافي هذا القدر الظاهر من النسب لكفيت أنا الكلام فيه. وعمار: هو جده الأدنى، وليس بجد من أجداده كما زعم. هو: أبو عمرو زبان بن العلاء بن عمار المازني، من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وإياه عنى قراد بن العيار المازني بقوله:
إذا المرء لم يغضب له حين يغضب ... فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبوا
ولم يحبه بالنصر قوم أعزةٌ ... ...
وهي أبيات معروفة.
قال ابن السيرافي قالت بنت أبي الحصين من مذحج:
إنا وباهلة بن يعصر بيننا ... داء الضرائر بغضةً وتقافي
من يثقفن منا فليس بآيبٍ ... أبداً، وقتل بني قتيبة شافي
قال: قالت هذه الأبيات في حرب بينهم وبين باهله.
قال س: هذا موضع المثل:
هيهات تطلب شيئاً لست مدركه ... من للأصم بصوت البم والزير
هيهات أن ينتفع المستفيد مما ذكره ابن السيرافي في هذا الشعر بشيء.
ليس هذا الشعر لبنت أبي الحصين بن مذحج، وإنما هو لابنة مرة ابن عاهان، قالته حين قتلت باهلة أباها بأرمام، وهو:
إنا وباهلة بن يعصر بيننا ... داء الضرائر بغضة وتقافي
من يثقفوا منا فليس بوائل ... أبداً، وقتل بني قتيبة شافي

ذهبت قتيبة في اللقاء بفارسٍ ... لا طائشٍ رعشٍ ولا وقاف
؟؟

قال ابن السيرافي قال الأخزم بن قارب الطائي، ويقال المقعد بن عمرو
ويقول قائلهم ويلحظ خلفه ... يا طول ذا يوماً أما يتصرم
لحقت حلاق بهم على أكسائهم ... ضرب الرقاب ولا يهم المغنم
قال: حلاق هي المنية، وهي صفة غالبة مثل جداع: وهي السنة المجدبة.
قال س: هذا موضع المثل:
فلا أر عمراً قافلا بعد هذه ... ولا جاءنا يوماً لينفعنا عمرو
ما جاء ابن السيرافي ها هنا بطائل، وذلك أنه شكك المستفيد بهذا الشعر، فقال مرة: هو للأخزم، وقال مرة للمقعد. ثم إنه قد أخلط في قوله: " لحقت حلاق بهم " والصواب ها هنا:
لحقت لحاق بهم
ولحاق من لفظ الفعل، كما قال:
إذا قال أوفى أدركته دروكة
والأبيات للأخزم السنبسي، قالها يوم قارات حوق بين جديلة والغوث. وهي:
لما التقى الغاران غارا طيئٍ ... كلٌّ يقول: قبيلنا لا يهزم
فتصاادم الجمعان ثم علاهما ... نكدٌ وسيفٌ للمنية مخذم
جردٌ تواهق بالكماة إلى الوغى ... تترى عصائبها إذا ما تلجم
فتلاء قد ذعر الصياح فؤادها ... ربذٌ قوائمها وأجرد شظيم
تدعوا جديلة والرماح تكبهم ... حتى استتب بهم طريقٌ أدهم
ويقول قائلهم ويلحظ خلفه ... يا طول ذا يوماً أما يتصرم
لحقت لحاق بهم على أقفائهم ... حز الرقاب ولا يهم المغنم
إلا بقتل سراتهم إذ فرطوا ... قد قدموا من حينهم ما قدموا
يوحي بجيرٌ والسنان بنحره ... ويقول: نحن لكم أعق وأظلم
زعموا بأنا لا نكر جيادنا ... وهم الفوارس والفوارس أعلم
قال ابن السيرافي قال يزيد بن سنان بن أبي حارثة المري
فلم أجبن ولم أنكل ولكن ... يممت بها أبا صخر بن عمرو
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يهلك فذلك كان قدري
قال: كان يزيد بن سنان قتل أبا عمرو بن صخر القيني وكان سيد بني القين، والذي في الكتاب: أبا صخر بن عمرو، والذي وجدته في الشعر: أبا عمرو بن صخر.
قال س: هذا موضع المثل:
أظن بها الظنون ولست أدري ... أسعدى أوقدتها أم رميم
تحير ابن السيرافي ها هنا: فقال مرةً قتل يزيد بن سنان أبا صخر بن عمرو، وقال مرة أخرى: والذي وجدته في الشعر: أبا عمرو بن صخر. ولم يخرج من ظلمة الشك، ولم يعرف أيضاً قصة هذا الشعر مستويةً، ثم جاء بآخر بين من هذا الشعر فجعله في أوله، فاستحق أن يتمثل فيه بالمثل:
شنظيرةٌ زوجنيه أهلي ... غشمشمٌ يحسب رأسي رجلي
ولم يعرف قصة الأبيات أيضاً.
وسبب هذا الشعر أن بني القين قتلوا قيس بن زحل المري، فلقيهم يزيد بن سنان بن أبي حارثة، فقتل أبا عمرو بن صخر القيني، فقال:
لما أن رأيت بني حييٍّ ... ذكرت شناءتي فيهم ووتري
رميتهم بوجزة إذ تواصلوا ... ليرموا نحرها كثباً ونحري
إذا نفذتهم عادت عليهم ... كأن فلوها فيهم وبكري
بذات الرمث إذ خفضوا العوالي ... كأن ظباتهن فضاض جمر
فلم أجبن ولم أنكل ولكن ... يممت بها أبا عمرو بن صخر
شككت مجامع الأمطاء منه ... بنافذةٍ على دهشٍ وذعر
تركت الرمح يخطر في صلاه ... كأن سنانه خرطوم نسر
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يهلك فذلك كان قدري
قال ابن السيرافي قال الحطم القيسي
قد لفها الليل بسواقٍ حطم
قال: كذا وجدته في الكتاب، وهذا البيت يختلف في قائله، ووجدته لأبي زغبة الأنصاري في شعر قاله يوم أحد:
أنا أبو زغبة أعدو بالهرم
لم تمنع المخزاة إلا بالألم
يحمي الذمار خزرجيٌّ من جشم
قد لفها الليل بسواق حطم
قال س: هذا موضع المثل:
لا تجاوز إلى فتى تعتفيه ... حين تلقى المساور بن رباب

كان يجب ألا يتخطى ما وجده في الكتاب كما قال: إنه للحطم القيسي، وهو صريح صحيح. والحطم: هو شريح بن ضبيعة بن شرحبيل بن عمرو بن مرثد، وإنما سمي الحطم؛ لأنه حين رجع من غزاته من حضرموت، قال وهو يسوق بأصحابه:
قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبلٍ ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم
وهي أبيات مشهورة.

قال ابن السيرافي قال نصيب الأسود - ونصيب هذا ليس بنصيب الأسود المرواني
-
ظللت بذي دوران أنشد بكرتي ... ومالي عليه من قلوصٍ ولا بكر
وذكر أربعة أبيات أخر.
قال س: هذا موضع المثل: جرفٌ منهال، وسحاب منجال إعراض ابن السيرافي عن تحقيق هذا الشعر لقائله بعد هذه الخيلاء - ينادي بجهله به، وذلك أنه ذكر أن قائله نصيب الأسود وليس بنصيب المرواني، فإذا لم يكن لهذا ولا لذاك فهو لنصيب المني؟ والشعر لنصيب بن رباح الأسود الحبكي مولى بني الحبيك بن عبد مناة ابن كنانة، وأولها:
ألا يا عقاب الوكر وكر ضرية ... سقيت العغوادي من عقابٍ على وكر
أبيني لنا لا زال ريشك ناعماً ... ولا زلت من طيرٍ مخضبة الظفر
رأيتك في طيرٍ تروقين فوقها ... بمنعرج الوادي المحقف ذي السدر
تمر الليالي ما مررن ولا أرى ... مرور الليالي منسياتي ابنة النضر
تقول: صلني واهجرني وقد ترى ... إذا هجرت ألا وصال مع الهجر
فلم أرض ما قالت ولم أبد سخطةً ... وضاق بما جمجمت من حبها صدري
فهل أنا إلا مثل سيقة العدى ... إن استقدمت نحر وإن جبأت عقر
ظللت بذي دوران أنشد ناقتي ... ومالي عليه من قلوص ولا بكر
وما أنشد الرعيان إلا تعلةً ... بواضحة الأنياب طيبة النشر
فقال لي الرعيان لم تلتبس بنا ... فقلت بلى قد كنت منها على ذكر
وقد ذكرت لي بالكثيب مؤالفاً ... قلاص سليم أو قلاص بني وبر
فقال فريقٌ لا، وقال فريقهم ... نعم، وفريق قال: ويلك ما ندري
أما والذي حج الملبون بيته ... وعظم آيات الذبائح والنحر
لقد زادني للجفر حباً وأهله ... ليالٍ أقامتهن ليلى على الجفر
فهل يأثمني الله في أن ذكرتها ... وعللت أصحابي بها ليلة النفر
وطرت وما بي من سآم ومن كرى ... وما بالمطايا من كلالٍ ومن فتر
قال ابن السيرافي قال عوف بن عطية
هلا كررت على ابن أمك معبدٍ ... والعامري يقوده بصفاد
وذكرت من لبن المحلق شربةً ... والخيل تعدو بالصعيد بداد
قال س: غلط ابن السيرافي في رواية هذا البيت، وهو قوله: " هلا كررت على ابن أمك معبدٍ " والصواب:
هلا عطفت على أخيك معبدٍ
لأنه خاطب بهذا الشعر لقيطاً، ومعبدٌ أخوه لأبيه وأمه.
قال ابن السيرافي قال الأغلب العجلي
جاريةٌ من قيسٍ بن ثعلبه
قباء ذات سرةٍ مقعبه
ممكورة الأعلى رداح الحقبه
كأنها حلية سيف مذهبه
قال: قوله " كأنها حلية سيف " يعني في بريقها وحسنها.
قال س: هذا موضع المثل:
هوى ناقتي خلفي وقادمي الهوى ... وإني وإياها لمختلفان
مراد الشاعر في هذه الأبيات غير ما ذهب إليه ابن السيرافي، وذلك أنه توهم أنه أبيات غزل أريد بها أمر جميل لم يعرف ما بعده، فإنه ينجر إلى هجاء مقذع، وأن هذه الصفة استطراد له.
وهذه الأبيات للأغلب يهجو بها كلبة، وكانت كلبة تهاجيه، وهي التي تقول للأغلب:
ناك أبو كلبة أم الأغلب
فهي على جردانه توثب
توثب الكلب لحس الأرنب
وأبيات الأغلب هيه:
جاريةٌ من قيسٍ بن ثعلبه
قباء ذات سرةٍ مقعبه
ممكورة الأعلى رداح الحجبه
كأنها خلة سيف مذهبه
أهوى لها شيخ شديد العصبه
خاظي البضيع أيره كالخشبه
فضربت بالود فوق الأرنبه
ثم انثنت به فويق الرقبه
فأعلنت بصوتها أن يا أبه
كل فتاة بأبيها معجبه

فقال في الألطاف عند الأربه
يكفي عتاب الفارك المخضبه
عردٌ كساق البكرة المشذبه
في رأسه مثل الفري المكربه
يعجل قبل ما بها بالقبقبه
وقال الأغلب أيضاً فيها:
هل يغلبني شاعرٌ رطبٌ حره
مختلطٌ أسوده وأحمره
سلاحه يوم الهياج مجمره
رخصٌ إذا عارك قرناً يبهره
مكحل العينين حلوٌ منظره
أتم منه لونه ومحجره
والجسم قد تم وتم مخبره
مقلداً تقصاره وجبره
أقب قدماً زانه مؤخره
مثل نقا الرمل حشاه ميزره
مخضب الأطراف حرٌّ بشره
يرضي الضجيع دله ونظره
وهي تنادي تحته وتذمره
وهو شديدٌ نعظه وذكره
حتى يغيب في القراب مسبره
قالت له في بعض ما تشطره
من يشتري سيفي وهذا أثره
هذا مثل يقول: من يريد هذا وهذا أثره؟ كأنها ترغب في متاعها، تقول: هذا هو.

قال ابن السيرافي قالت ليلى الأخيلية
تساور سواراً إلى المجد والعلا ... وفي ذمتي لئن فعلت ليفعلا
قال: سوار هو سوار القشيري، وكان يهاجي النابغة الجعدي، فقال النابغة لسوار شيئاً أغضب ليلى، فهجت النابغة.
قال س: هذا موضع المثل: لا تنشد القريض فسر ابن السيرافي هذا الشعر من غير روية. لم تغضب ليلى لما قاله ابن السيرافي، وإنما غضبت لأجل قول النابغة فيها في كلمة له:
دعي عنك تهجاه الرجال وأقبلي ... على أذلعيٍّ يملأ استك فيشلا
وإنما هجاها النابغة لقولها:
قشيرٌ وإن أمدح قشيراً فإنهم ... بناة مساعي عامرٍ وقرومها
فلما هجاها النابغة قالت ليلى في كلمة لها تجيبه: " تساور سواراً .. البيت " .
قال ابن السيرافي قال الشاعر
علم القبائل من معد وغيرها ... أن الجواد محمد بن عطارد
قال: هو محمد بن عطارد بن حاجب بن زرارة الدارمي.
قال س: خفي على ابن السيرافي هذا النسب، وإنما غره الشعر، والشعر موضع ضرورة، وهو محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة.
قال ابن السيرافي قال الشماخ
ألا عللاني قبل غارة سنجال ... وقبل منايا باكراتٍ وآجال
وقبل اختلاف القوم من بين سالبٍ ... وآخر مسلوبٍ هوى بين أبطال
قال: سنجال موضع بناحية أذربيجان، أو اسم رجل. ورثى الشماخ بهذه القصيدة رجلاً من بني ليث بن عبد مناة بن كنانة.
قال س: هذا موضع المثل:
فما يعرف الجعدي بالغيل لبه ... ولا الفلج العادي إلا توهما
توهم ابن السيرافي لا يستفاد منه يقين، ويدل ذلك على قصور كان فيه وهو قوله: سنجال اسم رجل أو اسم موضع.
وسنجال: قرية من قرى أذربيجان، والمرثي بالشعر بكير بن شداد ابن خالد بن عامر بن الملوح بن الشداخ بن يعمر بن عوف بن كعب بن عامر ابن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.
قال ابن السيرافي قال سيبويه في الجمع المكسر، قال حكيم بن معية الربعي
من بني تميم
فيها عياييل أسودٌ ونمر
قال: الذي في شعره غياييل والعيال: المتبختر وجمعه عياييل. وصف قبل البيت قناة نبتت في موضع محفوف بالجبال والشجر فقال:
حفت بأطوادٍ جبالٍ وسمر
في أشب الغيطان ملتف الحظر
فيه عياييل أسودٌ ونمر
قال: والذي في شعره أسودٍ مجرورة بإضافة عياييل إليه.
قال س: هذا موضع المثل:
أتاك مني خبرٌ نقاخ
حقٌّ إذا ما كذب الوضاخ
صحف ابن السيرافي في قوله عياييل أنه بالعين غير المعجمة فكذب.
والصواب غياييل بالغين المعجمة جمع الغيل على غير قياس. وقوله: وصف قناة فإنه يهوس الإنسان، فيتوهم أنه أراد بالقناة ها هنا رمحاً طعن به، وإنما أراد بالقناة ها هنا العزة القعساء والشرف العود، ويدلك على ذلك ما يتقدمه من الأبيات. وهو:
أحمي قناةً صلبةً ما تنكسر
صماء تمت في نيافٍ مشمخر
حفت بأطوادٍ جبالٍ وسمر
في أشب العيصان ملتف الحظر
فيها غياييل أسودٌ ونمر
خطارةٌ تدمي خياشيم النعر
إذا الثقاف عضها لم تنأطر
قال ابن السيرافي قال زبان بن سيار الفزاري
رحلت إليك من جنفاء حتى ... أنخت فناء بيتك بالمطالي

فإن قلائصاً طوحن شهراً ... ضلالاً ما رحلن إلى ضلال
قال: كان زبان بن سيار أنعم على حنظلة بن الطفيل بن مالك، ثم رحل زبان إليه يستثيبه. والمطالي جمع مطلاء وهي أرض سهلة.
يقول: إن إبلاً طوحت شهراً ضلالا، يعني أنها بعد سيرها ووصولها ثم تحظ بشيء مما أرادته، فسيرها كان ضلالاً. يقول: إن قلائص سارت شهراً في ضلال ما رحلت ضلالاً إلى الذي سارت إليه، لأنه كافأه وأثابه فلم تكن قلائصه رحلت ضلالاً، مثل قلائص رجل آخر سار شهراً إلى موضعٍ أراده لم ينل منه شيئاً.
قال س: هذا موضع المثل:
حطبتها من يابسٍ ورطب
إلى خباها يتناهى حطبي
نفض ابن السيرافي ها هنا كنانته، فأتى بهذيان كثير لا تصح منه سنة، وكنت قد ذكرت لك أن من تصدى لتفسير هذا الشعر، من غير إتقانٍ لعلم النسب، وأيام العرب، ومعرفة المنازل والمناهل؛ كثرت سقطاته.
أي فائدة في قوله: كان زبان بن سيار أنعم على حنظلة بن الطفيل بن مالك، ثم رحل إليه زبان يستثيبه - إذا لم يذكر أنه أثابه أو لم يثبه، فترك الكلام مبتوراً لجهله بهذه القصة.
ولو عرف المنازل والمناهل؛ لعلم أن قوله: المطلاء: الأرض السهلة فاحش، والصواب المطلى بفتح الميم والقصر، وهو وادٍ في بلاد بني كلاب لبني أبي بكر، وإياه عنى القائل حيث يقول - أنشدناه أبو الندى - :
غنى الحمام على أفنان غيطلةً ... من سدر بيشة ملتفٍّ أعاليها
غنين لا عربياتٍ بألسنةٍ ... عجمٍ، وأملح إيحاءٍ تواحيها
فقلت والعيس خوصٌ في أزمتها ... يلوي بأثواب أصحابي تباريها:
أرعى الأراك قلوصي ثم أوردها ... ماء الحريرة والمطلى فأسقيها
يا نخلتي بطن مطلوبٍ ألفتكما ... فالنفس لا تنتهي عنكم أمانيها
وإليكما قذرٌ بالناس لا رحمٌ ... تدنيه منا ولا نعمى يجازيها
محفوفتين بظل الموت أشرفتا ... في رأس رابيةٍ صعبٍ مراقيها
من يعطه الله في الدنيا ظلالكما ... يكتب له درجاتٌ عالياً فيها
تندى ظلالكما والشمس طالعةٌ ... حتى يواريها في الغور حاديها
كلتاهما قضب الريحان نبتتها ... فاعتم بالباسق الريان ضاحيها
ومطلوب: ماء لبني أبي بكر، وجمع زبان المطلى بما حوله فجعله المطالي وربما ثنوا المطالي فقالوا مطليان.
وقال أعرابي:
وردت جريراً يوم أذرعه الهوى ... وبصرى وقادتك الرياح الجنائب
سقى الله نجداً من ربيعٍ وصيفٍ ... وخص بها أشرافها والجوانب
إلى أجلى فالمطليين فراهصٍ ... هناك الهوى لو أن شيئاً يقارب
ولم يعرف ابن السيرافي جنفاء أيضاً أنها في بلاد بني فزارة وأن زبان قال: إنما رحلت إليك من جنفاء، أي من بلاد قومي. وفي جنفاء يقول الراجز - وقصره ضرورة، وهو بيت مثل - :
إذا بلغت جنفا فنامي
واستكثري ثم من الأحلام
وقوله بالمطالي أراد بلاد حنظلة بن الطفيل بن مالك، فإنه لو عرف قصة الشعر كما هيه؛ لم يقل في معنى قوله " ضلالاً ما رحلن إلى ضلال " أنه مديح، وهذه بلاهة تامة.
وقصة هذا الشعر أن زبان بن سيار أسر حنظلة بن الطفيل بن مالك، فأنعم عليه، ثم أتاه يستثيبه فلم يرض ثوابه، ويقال إنه حبسه وبعث أخاه بفدائه. فقال:
تسائل عني الحسناء لما ... أتى من دون وافدها الشهور
علام تقول يحبسني وعندي ... مواشكةٌ وأنساعٌ وكور
فما زال ابتغاء الشكر حتى ... قعدت رهينةً وأخي نذير
أسيراً في بلاد بني طفيلٍ ... وكيف ينام في القد الأسير
وقال زبان أيضاً:
ألا من مبلغٌ عني طفيلاً ... وحنظلة الذي أبزى سؤالي
بأن قلائصاً طرحن شهراً ... ضلالاً ما رحلن إلى ضلال
رحلناهن من جنفاء حتى ... أنخن فناء بيتك بالمطالي
فإن الضان قد ربحت لديكم ... وإني لن أسد بها خلالي
فإنك إن سألت أباك عني ... وأمك يوم أمعز ذي طلال
فإنهم على السبي استغاثوا ... ببلدة شنأٍ صهب السبال

أآمن بعد حنظلة ابن أنثى ... بشيء ما هدت قدمي قبالي
تغيب عنك ذاك الشهر حتى ... أتاك لليلةٍ بعد الهلال
وقال أبوك: إما جاء ربي ... له أربٌ فلا تعطوه مالي
فإن تشكر فقد أنعمت فيكم ... وإن تكفر فإني لا أبالي
ولولا عامرٌ والمرء عمروٌ ... رميت إليكما رمي المغالي
ولولا عتبة المحمود أدنى ... إليك الركب وسماً غير بالي

قال ابن السيرافي قال السليك
كأن حوافر النحام لما ... تروح صحبتي أصلاً محار
على قرماء عاليه شواه ... كأن بياض غرته خمار
قال: النحام اسم فرسه، وكان النحام نفق. قال: ورأيت بعض من يفسر الشعر ذكر غير هذا، وفسر الشعر على أن الفرس حي وقال: قوله عاليه شواه: أراد أنه تام ليس به قصر.
قال س: هذا موضع المثل:
إذا خير السيدي بين غوايةٍ ... ورشدٍ، أتى السيدي ما كان غاويا
كثيراً ما يتعلق ابن السيرافي بالرديء ويدع الجيد جانباً، وذلك لجهله بالشعر ومعانيه وإنما هو مرثية النحام لا مدحه. ولم يعرف قرماء أيضاً أنها في أي بلاد. وقرماء: قرية لبني نمير، وثم نفق النحام.
قال ابن السيرافي قال الراجز
تقول يا رباه يا رب هل
إن كنت من هذا منجي أحبلي
إما بتطليقٍ وإما بارحلي
كأن خصييه من التدلدل
ظرف عجوزٍ فيه ثنتا حنظل
قال س: هذا موضع المثل:
إذا اعتملت فاعتمل بجد
ولا تكن مثل عطين القد
لم يعرف ابن السيرافي هذا الرجز ولم يعرف قائله، وتهاون في استخراج أبياته على جهة الصواب، والأبيات الثلاثة التي أوردها قبل قوله: " كأن خصييه " مختلة كلها. ولم يعرف قائل الأرجوزة أيضاً.
وقائلها خطام الريح المجاشعي، ونظام الأبيات على ما أثبته لك هنا، وهي:
يا رب بيضاء بوعس الأرمل
شبيهة العين بعيني مغزل
فيها طماحٌ عن حليلٍ حنكل
وهي تداوي ذاك بالتجمل
قد شغفت بناشئٍ هبركل
ينفض عطفي خضيلٍ مرجل
يحسب مختالاً وإن لم يختل
دس إليها برسولٍ مجمل
عن كيف بالوصل لكم أم كيف لي
فلم تزل عن زوجها المخشل
ابعث فكن في الرائحين أو كل
وكل ما أكلت في محلل
وأوقرن يا هديت جملي
حتى إذا دب الرضا في المفصل
وكان في القلب تحيت المسعل
ثم غدا الشيخ لها بأزفل
من الرضا جنعدل التكتل
كأن خصييه من التدلدل
ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل
لما غدا تبهلت لا تأتلي
عن: رب يا رب عليه عجل
برهصةٍ تقتله أو دمل
أو حيةٍ تعض فوق المقصل
قال ابن السيرافي قال عمرو بن العاص في يوم صفين
إذا تخازرت وما بي من خزر
ثم كسرت العين من غير عور
ألفيتني ألوى بعيد المستمر
ذا صولةٍ في المصمئلات الكبر
قال: ويروى هذا الرجز للنجاشي الحارثي، وأظن أنه يروى لغيرهما أيضاً.
قال س: هذا موضع المثل:
لا مي إلا أن تظن ظنا
وإن تغنى البوم أو أرنا
إذا فسر المفسر الشعر بأظن وعسى ويجوز ويروى - فاعلم أنه برذون فيه. وهذا الشعر للمساور بن هند، وأوله:
أنا لمن أنكر شاني القمر
أختن من شئت ومن شئت أذر
إذا تعاورت وما بي من عور
ثم خزرت العين من غير خزر
ألفيتني ألوى بعيد المستمر
ذا نهمةٍ في المصمئلات الكبر
أبذى إذا نوديت من كلبٍ ذكر
أعقد بوالٍ يغذى في الشجر
حمال ما حملت من خيرٍ وشر
حية وادٍ بين قفٍّ وحجر
قد كدت أن أعرف آيات الكبر
نوم العشاء والسعال بالسحر
وحدة الطرف وتجميح النظر
؟
قال ابن السيرافي قال مزاحم العقيلي
وقالوا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من وافى مني أنا عارف
قال: تعرفها مثل اعرفها، وما كل من وافى منى أنا عارف: موضعه الذي هو نازل فيه.
قال س: غلط ابن السيرافي في قوله " وقالوا " وإنما هو وقالا وقبل البيت:
ووجدي بها وجد المضل بعيره ... بمكة لم تعطف عليه العواطف

رأى من رفيقيه جفاء وفاته ... بفرقتها المستعجلات الخوانف
فقالا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من وافى منى أنا عارف
وتعرفها معناه أنشدها، وتفسير ابن السيرافي البيت يتوه الإنسان، فيتوهم أن قوله " أنا عاف " يعبر به مزاحم عن نفسه، وإنما ذكر ذلك حكايةً عمن أضل بعيره، وقد مر ذكره في البيت الأول من هذه الأبيات الثلاثة، فاعرفه.

قال ابن السيرافي قال الجعدي
ماذا رأيت السيلحين وبارقاً ... أغنين عن حجر بن أم قتال
ملك الخورنق والسدير ودانها ... ما بين حمير أهلها وأوال
قال: المعنى أنه ما أغنى عن حجرٍ هذا الملك، ولا دفع عنه الموت ما ملك وجمع. في كلام يشبه هذا.
قال س: هذا موضع المثل: جاء بخصيي دكين ما جاء ابن السيرافي ها هنا بشيء فيه خير، وذلك أنه غير لفظ البيت وأفسد. والصواب:
أغنين عن عمروٍ وأم قتال
يعني عمرو بن هند الملك، وأم قتال امرأته.
قال ابن السيرافي قال جرير
أعبداً حل في شعبى غريباً ... ألؤماً لا أبالك واغترابا
يهجو جرير بهذا الشعر العباس ين يزيد الكندي. وشعبى وادٍ أو موضع.
قال س: هذا موضع المثل: لا يشهد الحلبة إلا معرب كل من لا يعرف أسامي المنازل محققةً - كما ذكرت لك قبل هذا - يزل عن مثل هذا المقام الدحض، وذاك أن ابن السيرافي لم يذكر سبب قول جرير للعباس بن يزيد:
أعبداً حل في شعبى غريباً
لم جعله هجاء، وأي عيب في حلوله شعبى. وإنما عيره في أنه حليف لبني فزارة، وشعبى من بلادهم، وهو كندي غريب الدار منهم. والحليف عند العرب عار، ومنه قول لقيط بن زرارة:
ألا من رأى العبدين إذ ذكرا له ... عديٌّ وتيمٌ تبتغي من تحالف
قال ابن السيرافي قال المرار الفقعسي
سل الهموم بكل معطي رأسه ... ناجٍ مخالط صهبةٍ متعيس
قال: المتعيس: الذي يضرب إلى البياض.
قال س: الصواب:
مخالط صهبةٍ وتعيس
أي خلط الصهبة بالتعيس فعطف المصدر على المصدر.
قال ابن السيرافي قال حصين بن يزيد الحارثي
أكل عامٍ نعمٌ تحوونه
يلقحه قومٌ وتنتجونه
قال س: قائل هذا البيت رجل من بني ضبة قاله يوم الكلاب الثاني
قال ابن السيرافي قال ذو الرمة
فانم القتود على عيرانةٍ أجد ... مهريةٍ مخطتها غرسها العيد
نظارةٍ حين تعلو الشمس راكبها ... طرحاً بعيني لياحٍ فيه تحديد
قال: العيد قبيلة من مهرة.
قال س: جاء العيد، في الشعر ضرورة، فظن ابن السيرافي أنه تحقيق، لغباوته بعلم النسب. وإنما هو: العيدي بن الندغي بن مهرة بن حيدان. وقال الراعي:
من العيدي يحملني ورحلي
قال ابن السيرافي قال طفيل الغنوي
تظل مداريها عوازب وسطه ... إذا أرسلته أو كذا غير مرسل
إذا هي لم تستك بعود أراكةٍتنخل فاستاكت به عود إسحل
قال س: هذا موضع المثل:
أيهات بين اللؤم بونٌ والكرم
أبعد مما بين بصرى والحرم
بين البيتين أبيات كثيرة لم يذكرها ابن السيرافي فينتسب نظامها. والبيت الأول من البيتين في صدره اضطراب، وصوابه ونظام الأبيات:
تضل المدارى في ضفائرها العلا ... إذ أرسلت أو هكذا غير مرسل
كأن الرعاث والسلوس تصلصلت ... على خششاوي جأبه القرن مغزل
أملت شهور الصيف بين إقامةٍ ... ذلولاً لها الوادي ورملٍ مسهل
بأبطح تلفيها فويق فراشها ... ثقال الضحى لم تنتطق عن تفضل
يغني الحمام فوقها كل شارقٍ ... غناء السكارى في عريشٍ مظلل
إذا وردت يسقي بحسيٍ رعاؤها ... قصير الرشاء قعره غير محبل
يزين مراد العين ما بين جيبها ... ولباتها أجواز جزعٍ مفصل
كجمر غضاً هبت له وهو ثاقببمروحة لم تستتر ريح شمأل
ووحفٌ يغادى بالدهان كأنه ... مديدٌ غذاه السيل من نبت عنصل
إذا هي لم تستك بعود أراكةٍتنخل فاستاكت به عود إسحل
فانظر الآن كم بين البيتين - هلى ما أورده ابن السيرافي.
قال ابن السيرافي قال النجاشي
فقلت له يا ذئب هل لك في أخ ... يواسي بلا منٍّ عليك ولا بخل
فقال: هداك الله للرشد إنما ... دعوت لما لم يأته سبعٌ قبلي
قال س: هذا موضع المثل: لا يعرف الهيء من الجيء
قال ابن السيرافي قال شريح بن عمران من بني قريظة، ويقال إن الشعر لمالك
بن العجلان الخزرجي
بين بني جحجبى وبين بني ... زيدٍ فأنى لجاري التلف
الحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائهم وكف
قال: الحافظو مرفوع لأنه مدح، كأنه قال: هم الحافطو عورة، في كلام يشبه هذا لا ينفع سامعه.
قال س: هذا موضع المثل:
إن بني الأحمر من فزاره
لا يرهبون أبةً وغاره
لو كان ابن السيرافي يرهب عاراً ويتئب من مخزاة لما رضي لنفسه أن يفسر الشعر بيقال وأظن ويروى وأشباه ذلك.
البيت الثاني لعمرو بن امرئ القيس قي كلمة له ينهى مالك بن العجلان عن الحرب.
والبيت الأول من قصيدة أخرى، ولا تعلق له بالبيت الثاني، فجاء بهما وبقائلهما خبط العشواء. وأبيات عمرو بن امرئ القيس:
يا مال والسيد المعمم قد ... يبطره بعض رأيه السرف
لا يرفع العبد فوق سنته ... والحق يوفى به ويعترف
إن بجيراً عبدٌ لغيركم ... يا مال، والحق عنده فقفوا
فسوف يأتي الوفاء معترفاً ... بالحق فيه لكم فلا تكفوا
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلف
نحن المكيثون نحمد بال ... مكث ونحن المصالت الأنف
الحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائهم وكف
والله لا تزدهي عشيرتنا ... أسد عرينٍ مقيلها الغرف
إذا مشينا في الفارسي كما ... تمشي جمالٌ مصاعبٌ عطف
نمشي إلى الموت من حفائظنا ... مشياً ذريعاً وحكمنا نصف
إن سميراً أبت عشيرته ... أن يغرموا فوق حق ما نطفوا
أو يصدروا الخيل وهي حافلةٌ ... تحت صواها جماجمٌ جفف
أو تجرعوا الغيظ ما بدا لكم ... فمارسوا الحرب حيث تنصرف
إني لأنمي إذا نميت إلى ... عزٍ رفيعٍ وقومنا شرف
بيضٌ خفافٌ كأن أعينهم ... يكحلها في الملاحم السدف
قال ابن السيرافي قال دريد بن الصمة
أسرك أن يكون الدهر وجهاً ... عليك بسيبه يغدو ويسري
وأن لا ترزئي أهلاً ومالاً ... يضرك هلكه ويطول عمري
فقد كذبتك نفسك فاكذبيها ... فإن جزعاً وإن إجمال صبر
قال: يخاطب امرأته، يقول لها: إن كنت تظنين أو تحدثك نفسك في هذا الذي حدثتك به. في كلام يشبه هذا.
قال س: هذا موضع المثل: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء لم يكن غرض دريد في ضربه هذا المثل وخطابه به امرأته، إلا معنى جعل هذا الاستطراد، وهو أنه يرثي بهذا الشعر معاوية بن عمرو بن الحارث بن الشريد أخا الخنساء، قتلته بنو مرة. والأبيات:
ألا بكرت تلوم بغير قدر ... وقد أحفيتني ودخلت ستري
فإن لا تتركي عذلي سفاهاً ... تلمك علي نفسك أي عصر
أسرك أن يكون الدهر سدى ... علي بشره يغدو ويسري
وألا ترزئي نفساً ومالاً ... يضرك هلكه ويطول عمري
فقد كذبتك نفسك فاكذبيها ... فإن جزعٌ وإن إجمال صبر
فإن الرزء يوم وفقت أدعو ... فلم يسمع معاوية بن عمرو
رأيت مكانه فعرضت زوراً ... وأي مقيل زورٍ يا بن بكر
إلى إرمٍ وأحجار وصيرٍ ... وأغصان من السلمات سمر
وبنيان القبور أتى عليها ... طوال الدهر من سنةٍ وشهر
ولو أسمعته لأتى حثيثاً ... سريع السعي أو لأتاك يجري
بشكة حازم لا عيب فيه ... إذا لبس الكماة جلود نمر
فإما تمس في جدثٍ مقيماً ... بمسهكةٍ من الأرواح قفر

فعز علي هلكك يا بن عمروٍ ... وما لي عنك من عزمٍ وصبر

قال ابن السيرافي قال ابن مقبل
يا عين بكي حنيفاً رأس حيهم ... الكاسرين القنا في عورة الدبر
قال: حنيف في بني العجلان حي.
قال س: هذه الفائدة من ابن السيرافي تزيد المتأدب جهلاً بهذا النسب. إنما يقال: فلان من بني فلان، إذا كان بينه وبين الجد الأكبر آباء وأجداد، فأما إذا كان لصلبه، فإنه يقال هو ابنه. وحنيف هو ابن العجلان، واسم العجلان: عبد الله ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
قال ابن السيرافي قال ابن مقبل
طافت بأعلاقه خودٌ يمانيةٌ ... تدعو العرانين من عمروٍ وما جمعوا
قال: عمرو قبيلة وهو عمرو بن كلاب فيما أرى، ويجوز أن يريد به بني عمرو ابن تميم. ويروى: " العرانين من بكر " ويجوز أن يريد ببكر بني أبي بكر بن كلاب. وقوله " يمانية " لا يوافق هذا التفسير، لأن القبائل التي ذكرتها كلها من نزار.
قال س: هذا موضع المثل:
أثرت من الداء ما قد عفا ... كما عفت الريح نؤي التراب
لو لم يتكلم ابن السيرافي في هذا البيت لم تظهر عورة لسانه - سخنت عينه - جهتين: إحداهما أنه قال: يجوز أن يريد: بني عمرو بن تميم. وأين بنو العجلان من تميم، وإنما هو عمرو بن كلاب.
والأخرى أنه قال: قوله يمانية لا يوافق هذا التفسير، لأن القبائل التي ذكرتها كلها من نزار. ولم يدر أن بني عامر ينسبون إلى اليمن، لأنهم كانوا ينزلون نجداً مما يلي اليمن، وأن غطفان يسمون شامية لأنهم ينزلون نجداً مما يلي الشام. فلذلك قال النابغة الذبياني في هجائه لزرعة بن عمرو بن خويلد بن الصعق من بني نفيل بن عمرو بن كلاب:
وكنت أمينه لو لم تخنه ... ولكن لا أمانة لليماني
فأجابه زرعة بن عمرو:
وأي الناس أغدر من شآمٍ ... له صردان منطلق اللسان
قال ابن السيرافي في قول النابغة الجعدي
فظل لنسوة النعمان منا ... على سفوان يومٌ أروناني
قال: ينشد البيت في القصيدة أروناني منسوب، وقد خفف ياء النسبة منه، أراد أرونانيٌّ فخفف. ومثله:
إني لمن أنكرني ابن اليثربي
قتلت علباء وهند الجملي
قال: أراد " اليثربي والجملي " وينبغي أن يكتب بياء لأنه منسوب وتزول عنه الشبهة.
قال س: هذا موضع المثل:
لذا أصلٌ فماذا أصل هذا ... وما أنا عن أشاروى بالفحوص
الجملي منسوب كما ذكر، فأما اليثربي فإنه اسم محقق غير منسوب، كما قالوا: مكي بن سوادة، وفدكي بن عمرو، وعيدي بن الندغي وأشباه ذلك كثير في كلام العرب.
ولم يعرف ابن السيرافي قائل هذا الشعر، ولا من قيل فيه. وهو لعبد الله ابن يثربي الضبي. وهند الجملي: هو هند بن عمرو بن جندلة بن كعب بن ربيعة بن جمل بن كنانة بن ناجية بن يحابر وهو مراد، قتل رحمه الله مع علي بن أبي طالب عليه السلام يوم الجمل، قتله عبد الله بن يثربي الضبي. وقال:
إن تنكروني فأنا ابن يثربي
قاتل علباء وهند الجملي
ثم ابن صوحان على دين علي
قال ابن السيرافي قال جندل الطهوي
غرك أن تقاربت أبا عري
وأن رأيت الدهر ذا الدوائر
حنى عظامي وأراه ثاغري
وكاحلاً عيني بالعواور
قوله: تقاربت أبا عري: يريد أنه ترك السفر والرحلة إلى الملوك، فإبله مجتمعة لا يفارق بعضها بعضاً.
قال س: غلط ابن السيرافي ها هنا، معنى تقاربت قلت، يعني من قلتها قرب بعضها من بعض.
قال ابن السيرافي قال مقاس العائذي، واسمه النعمان
فدىً لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يومٌ ذو كواكب أشهب
أشصت بنا كلب شصوصاً وأوجهت ... على وافدينا بالجزيرة تغلب
قال: كانت كلب شكت إلى يزيد بن معاوية، أن رجلاً من بني شيبان كان نازلاً على بعض المياه، إذا مر به قوم مسافرون منعهم من الماء. فكتب إلى زياد، وجرت بين بعض بني شيبان وبعضٍ حروب جرها هذا الأمر.
قال س: هذا موضع المثل:
بذات غسل ما بذات غسل
وثرمداء شعبٌ من عقلي

عزب عقل ابن السيرافي ها هنا، وجاء بهوس من الكلام لا يشبه بعضه بعضاً ولا يلائمه، وذلك لجهله بأحوال العرب الجاهلية والإسلامية وما بين ذلك.
متى لحق مقاس العائذي يزيد بن معاوية وهو في الجاهلية الجهلاء، وقد رثى شريك بن عمرو أبا الحوفزان، ولم يدرك الحوفزان الإسلام. وهو القائل في شريك بن عمرو:
عين بكي فتى الحروب ابن عمروٍ ... واندبيه فقد رزئت جليلا
يا نديم الملوك يسقى بكأس الر ... ري لا مترفاً ولا مملولا
وإنما أبيات مقاس هي أبيات فخر ببني شيبان، افتخر بها وهو من عائذة قريش، إلا أن عداده في بني شيبان. والأبيات:
فدىً لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يومٌ ذا كواكب أشهب
إذا الكشح أمسى مقشعراً كأنه ... متمٌّ بآلافٍ من الخيل مقرب
أشصت بنا كلب شصوصاً وأوجهت ... على وافدينا بالجزيرة تغلب
أطارت قطاة الهد من كل جانب ... فكاد المنادي بالأنام يغلب
ترى الخيل تردي حاظلاتٍ كأنما ... عليهن آجام السواد المقصب
يذاد بها عن نسوةٍ غير فحشٍ ... وأثلاب شيخ كان ما إن يسبب
ومن لا يجد مستنبياً لجبينه ... بنابٍ لنا مستقدم القرن أشيب
ومن لا يقوم بيته أهل عزه ... يقم بيتنا عزٌّ عزيز مؤرب
ومن يك منهم نائياً عن نصابه ... فإن نصابي فيهم لمركب
أصب عليهم بالثناء كأنني ... إذا جن ليلٌ شائقٌ متطرب
وإن حياتي علقت بحياتهم ... وفي هالكيهم طائري يتسقب

قال ابن السيرافي قال رؤبة
لولا ارقي على الأشراف
ألحمتني في النفنف النفناف
في مثل مهوى هوة الوصاف
قولك أقوالاً مع التحلاف
فيها ازدهافٌ أيما ازدهاف
والله بين القلب والأضعاف قال: الهوة: الوهدة، والمهوى: ما بين أعلى الشيء وأسفله، والوصاف: رجل من أهل البادية، أضاف الهوة إليه.
قال س: هذا موضع المثل:
شر المعينين إذا استعنته
شيخ إذا نبهته حك استه
قول ابن السيرافي: الوصاف ها هنا رجل من أهل البادية يدل على أنه كان ضعيفاً في علم النسب. وقوله الهوة: الوهدة، يدل أيضاً على ضعفه - كان - في معرفة منازل العرب ومناهلها. وأي فائدة في قوله: إن الوصاف رجل من أهل البادية، وسواء كان بدوياً أو حضرياً - إذا لم تعرف اسمه وسببه.
هوة الوصاف في شعر رؤبة دحلٌ بالحزن لبني الوصاف من بني عجل. والوصاف: هو مالك بن عامر بن كعب بن سعد بن ضبيعه بن عجل بن لجيم. وهوة الوصاف: مثل في العرب، يستعملونه في الدعاء على الإنسان، وأنشد للهدار بن حكيم يدعو على مقرف:
من غال أو أقرف بعض الإقراف
فخصه الله بحمى قرقاف
وبحميمٍ محرقٍ للأجواف
والزمهرير بعد ذاك الزفزاف
وكبه في هوة ابن الوصاف
حتى بعد قبره في الأجداف
ما لك عندي كدرٌ ولا صاف
إلا دعاء الله غير مجتاف
هو الذي يخلق ما في الأضعاف
وعلم الخط بميمٍ أو كاف
قال ابن السيرافي قال أبو ثروان، ويروى للمعلوط ابن بدل
إن الغزال الذي ترجون غرته ... جمعٌ يضيق به العتكان أو أطد
مستحقبي حلق الماذي يحفزها ... بالمشرفي وغابٌ فوقها حصد
العتكان: تثنية اسم موضع، وأطد معطوف عليه، والماذي: الدروع، في كلام يشبه هذا الهوس.
قال س: هذا موضع المثل: ليس المرء في شيء ولا اليربوع في شيء لا أبو ثروان من هذا الشعر في شيء ولا المعلوط، إنما هو للزبرقان بن بدر. ولم يذكر ابن السيرافي أيضاً من تفسيره ما يدل على شيء فيه فائدة، وذلك أنه لم يعرف قصته، ومثل هذا الشعر إذا لم تعرف قصته لم يعرف معناه البتة.
وكان من قصة هذا الشعر، أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام بعث الزبرقان بن بدر على صدقات عوف بن كعب، وعبشمس بن سعد، وامرئ القيس ابن زيد مناة. فقبض النبي صلى الله عليه وآله وقد اجتمعت في يده إبل كثيرة من الصدقة، فارتدت قبائل وسعاة من سعاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذهبوا بما كان في أيديهم.

وكان ممن ارتد قيس بن عاصم المنقري، فقسم صدقة النبي صلى الله عليه وسلم على قومه، فلما رأت ذلك بنو عوف وناس من أصحاب الزبرقان قالوا: اصنع بنا كما صنع قيس، فجعل يمنيهم. وأرادت الأبناء أبناء سعد أن يطلبوها، فواعدهم أن تلقوني غداً، ثم ضمها فصاح بها إلى أبي بكر هو وبنوه وقال: يا بني هذه نجاة الآخرة ومجد الدنيا. فطردها هو وبنوه ستة: حزن وتغلب وعياش والحر وزياد وبجالة بنو الزبرقان، وعياش لا عقب له، فقال في الأبناء حين تختله عنها في كلمة له:
يا عجباً عقد الأبناء تختلني ... والله أعلم ماذا تختل العقد
العقد: عوف وعوافة ومالك وجشم بنو سعد، وهم الأبناء، تحالفوا
ساروا إلينا بنصف الليل فاحتملوا ... ولا رهينة إلا سيدٌ صمد
فقد رأيت حلولاً غير نازحةٍ ... منكم قريباً مغباً دونها الأسد
سيروا رودياً وإنا لن نفوتكم ... وإن ما بيننا سهلٌ لكم جدد
إن الغزال الذي ترجون غرته ... جمعٌ يضيق به العتكان أو أطد
مستحقبو حلق الماذي يحفزه ... ضربٌ طلخفٌ وطعن بينه حصد
العتكان وأطد أودية لبني بهدلة.

قال ابن السيرافي قال العجاج
ضرباً هذاذيك وطعناً وخضا
يمضي إلى عاصي العروق النحضا
حتى تشظوا خرزاً منفضا
قال: ضرباً منصوب بإضمار: نضربهم ضرباً هذاذيك، أي يهذ اللحم هذاً بعد هذ. في كلام يشبه هذا لا يشفي جوى. وذلك أنه لم يذكر الممدوح بهذا الشعر، فيتوهم المتوهم أنه أبيات فخر، وإنما هو أبيات مديح، مدح بها الحجاج بن يوسف، وهو:
فوجدوا الحجاج يأبى الهضا
لا فانياً ولا حديثاً غضا
ومن صريح الأكرمين محضا
يجزيهم بطعن قرضٍ قرضا
وتارةً يسلفون فرضا
ضرباً هذاذيك وطعناً وخضا
يمضي إلى عاصي العروق النحضا
حتى تشظوا خرزاً منفضا
وهي أبيات. فقوله " ضرباً وطعناً " إنما هو بدل من قوله " فرضا " وليس ما قاله ابن السيرافي بصحيح.
قال ابن السيرافي قال الملبد بن حرملة من بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان
يشكو إلي جملي طول السرى
صبرٌ جميلٌ فكلانا مبتلى
وفي شعره:
يشكو إلي فرسي وقع القنا
قال س: اتفاق شعر الملبد وأبيات الكتاب.
ليس بيت الكتاب الملبد بن حرملة الشيباني، إنما سئل أبو عبيدة عن قائله فقال: هو لبعض السواقين، فأنشد:
يشكو إلي جملي طول السرى
يا جملي ليس إلي المشتكى
صبرٌ جميلٌ فكلانا مبتلى
الدرهمان كلفاني ما ترى
قال س: حفظي: " صبراً جميلي " .
وأما أبيات الملبد، فليس فيه " صبر جميل " وهي:
يشكو إلي فرسي وقع القنا
اصبر جميل فكلانا مبتلى
قال ابن السيرافي قال ابن الزبير الأسدي
أبلغ يزيد ابن الخليفة أنني ... لقيت من الظلم الأغر المحجلا
فلو أنها إياك عضتك مثلها ... جررت على ما شئت نحراً وكلكلا
وكنت أخاك الحق في كل مشهدٍ ... ألم ولو أغلوا بلحمي مرجلا
ذكر ابن السيرافي في تفسير هذه الأبيات شيئاً من الإعراب واللغة، لا يجدي على قارئه طائلا، وكنت ذكرت لك أن مثل هذا الشعر إذا لم تعرف قصته لم يعرف معناه بتةً.
هجا ابن الزبير بهذا الشعر عبد الرحمن بن عبد الله بن ربيعة بن حبيب الثقفي، وأمه أم الحكم بنت صخر بن حرب بن أمية، وكان على الكوفة.
وكان سبب هجائه إياه: أن ناساً من بني علقمة بن قيس بن الأعشى بن نجرة، قتلوا ابن عمٍ لابن الزبير من ولد الأشيم بن الأعشى، فضمن عبد الرحمن لابن الزبير ديتين على القوم وأبى أن يقيده، فغضب عبد الله وأبى أن يقبل.
فخرج إلى يزيد بن معاوية - وكان يزيد يبغض عبد الرحمن - فبعث عبد الرحمن في طلبه فرد إليه، فهرب منه، فأخذ نساءه فحبسهن وهدم داره. فقال ابن الزبير:
أبلغ يزيد ابن الخليفة أنني ... لقيت من الظلم الأغر المحجلا
لقيت بقياسٍ من الأمر شقةً ... ويوماً بجوٍّ كان أعنى وأطولا
وكنت أخاك الحق في كل موطنٍ ... ألم ولو أغلوا بلحمي مرجلا

ولو أنها إياك عضتك مثلها ... جررت على ما شئت نحراً وكلكلا
وكنت يميناً في شمالك أينما ... أشارت بها كفاك حتى تزيلا
وإن ابن عودٍ للبزيخ أناخ بي ... فجوٍّ، لقد أثويت مثوىً مضللا
قيل لأم الحكم وهي عند عبد الله: تزوجت هذا الثقفي وأنت أنت وهو هو فقالت: زوج من عود خير من قعود.

قال ابن السيرافي قال الأغلب
طول الليالي أسرعت في نقضي
أخذن بعضي وتركن بعضي
حنين طولي وحنين عرضي
أقعدنني من بعد طول نهضي
قال س: ليس هذا الرجز للأغلب، هو كغيره من شوارد الرجز. وأوله وتمامه:
أصبحت لا يحمل بعضي بعضي
منفهاً أروح مثل النقض
مر الليالي أسرعت في نقضي
طوين طولي وطوين عرضي
ثم التحين عن عظامي نحضي
أقعدنني من بعد طول نهضي
قال ابن السيرافي قال الشاعر
وأنت امرؤ من أهل نجد وأهلنا ... تهامٍ، فما النجدي والمتغور
أي أنت امرؤ مخالف لنا في المكان الذي تسكنه من الأرض، أنت من أهل نجد، ونحن من أهل تهامة، والموضعان مختلفان، فنحن لا نتفق، ويبعد ما بيننا كبعد بلادنا من بلادك.
قال س: هذا موضع المثل:
أريد هناتٍ من هنين فتلتوي ... علي، وأنى من هنين هنات
ليس معنى البيت وغرض الشاعر ما ذهب إليه ابن السيرافي، وبين الصواب وبين ما قاله ما بين جابلق وجابرس.
ومعنى البيت - وهو لجميل - أن أهلي يرتابون بك إذا وجدوك عندهم، لأنك غريب بعيد الدار منهم، فينكرون كونك بين ظهرانيهم، فيجب أن تجنب وتعرض. تحذره بني عمها. يحكي ذلك عن بثينة، والأبيات تبين لك هذا المعنى إن شاء الله، وهي من كلمة له:
وآخر عهدٍ لي بها يوم ودعت ... ولاح لنا خدٌّ نقيٌّ ومحجر
عشية قالت لا تضيعن سرنا ... إذا غبت عنا وارعه حين تحضر
ولا تعلمن الحي إن جئت زائراً ... فإنك تبغيناه لا حين تدبر
وطرفك إما جئتنا فاحفظنه ... وزيغ الهوى بادٍ لمن كان ينظر
وأعرض إذا لاقيت عيناً تخافها ... وأظهر ببعضٍ إن ذلك أستر
فإنك إن عرضت بي في مقالةٍ ... يزد في الذي قد قلت واشٍ مكثر
وينشر قولاً في الصديق وغيره ... يعز علينا نشره حين ينشر
وما زلت في إعمال طرفك نحونا ... بعينيك حتى كاد سرك يظهر
لأهلي حتى لامني كل ناصحٍ ... شفيقٍ له قربى لدي وأيصر
وقطعني فيك الصديق ملامةً ... وإني لأعصي نهيهم حين أزجر
وما قلت هذا فاعلمن لصرمنالحبلٍ، ولا هذا بساعة أقصر
ولكنني أهلي فداؤك أتقيعليك عيون الكاشحين وأحذر
وأخشى بني عمي عليك وربما ... يخاف وينقى عرضه المتفكر
وأنت امرؤٌ من أهل نجدٍ وأهلنا ... تهامٍ، فما النجدي والمتغور
غريبٌ إذا ما جئت طالب حاجةٍ ... وحولي أعداءٌ وأنت مشهر
فقلت لها: أوصيت يا بثن كافياً ... وكل امرئ لم يرعه الله معور
قال ابن السيرافي في تفسير قوله
ومسحت باللثتين عصف الإثمد
لم يكن الإثمد من الأشياء التي تكون في بلاد العرب، فهم لا يقفون على حقيقته. ومثل ذلك قول أبي نخيلة:
برية لم تأكل المشققا
ولم تذق من البقول الفستقا
قال س: صحف ابن السيرافي في البيت الذي استشهد به، فجعل النقول وهي بالنون البقول بالباء، لأجل ما يقول هو وغيره أن أبا نخيلة توهم أن الفستق من البقول. ولم يكن أبو نخيلة ممن لا يعرف الفستق، فقد عرفه ممن هو أقدم منه وهو أبو القمقام بن مصعب الأسدي.
وإنما معنى قول أبي نخيلة: أن هذه المرأة البدوية لا تأكل الرقاق، ولا تتنقل بالفستق متاع الحضريات، إنما تغذى بألبان اللقاح المحض والقارص، كما قال بشر:
غذاها قارصٌ يجري عليها ... ومحضٌ حيث تنبعث العشار
وأبيات أبي القمقام:
أعد نعلين لرجلي هدلق
إنك إلا تحذه يفرق
شعب شياهٍ عشن بالتعلق
وقل له خيراً وإن لم تصدق

وارعد ولا تمطر بشيء وابرق
تسألني عن طيبات الفستق
وإنما عشت بحب العشرق
وبحسوٍ من شعيرٍ محرق
قال ابن السيرافي قال الفرزدق:
وجدنا نهشلاً فضلت فقيماً ... كفضل ابن المخاض على الفصيل
إذا حلوا لصاف بنوا عليها ... بيوت اللؤم والذل الطويل
قال: نهشل وفقيم ابنا دارم.
قال س: قول ابن السيرافي إن نهشلاً وفقيماً ابنا دارمٍ يدل على أنه كان سيئ التبصر بأنساب العرب، وإنما فقيم ابن أخي نهشل، وهو فقيم بن جرير ابن دارم. وترك بين البيتين بيتاً لا يصح معنى البيت الأول إلا به. ونظام الأبيات - وهي ثلاثة - :
وجدنا نهشلاً فضلت فقيماً ... كفضل ابن المخاض على الفصيل
كلا البكرين أردا ما يليه ... ولكن ريم بينهما قليل
إذا حلوا لصاف بنوا عليها ... بيوت اللؤم والذل الطويل

قال ابن السيرافي قال مالك بن الريب
علي دماء البدن إن لم تفارقي ... أبا حردبٍ يوماً وأصحاب حردب
قال: أبو حردبة هذا من اللصوص، وكان يقطع الطريق هو ومالك بن الريب وجماعة معهما، وفيه يقول الراجز:
الله نجاك من القصيم
من بطن فلجٍ وبني تميم
ومن غويثٍ فاتح العكوم
ومن أبي حردبة الأثيم
ومالكٍ وسيفه المشؤوم
قال: وعنى بقوله " إن لم تفارقي " راحلته، أراد أنه يفارق أصحابه. ويجوز أن يريد إبلاً كانوا أخذوها فأراد مالك أن يأخذها منهم.
قال س: هذا موضع المثل: قد قاتلوا لو ينفخون في فحم أكثر ابن السيرافي في تفسير هذا البيت لو أصاب الفص وطبق المفصل، فإنه قد ذكر كل شيء فيه إلا معنى قوله " إن لم تفارقي أبا حردب " وهو عمدة معنى البيت، ولا يعرف إلا بعد معرفة القصة.
وكان من قصة ذلك: أن رجلاً من الأنصار من أهل المدينة استعمل عليهم، فتقدم فأخذ مالكاً وأبا حردبة، فبعث بأبي حردبة وتخلف مع القوم الذين فيهم مالك، فأمر غلاماً له فجعل يسوق مالكاً، فتغفل مالكٌ غلام الأنصار وعليه السيف، فانتزعه منه ثم ضربه به حتى قتله، ثم شد على الأنصاري فقتله، ثم هرب حتى قدم البحرين، ثم مضى إلى فارس فراراً من ذلك الحدث، فلم يزل مقيماً حتى قدم عليه سعيد بن عثمان فاستصحبه فخرج معه.
وفي هذه القصة ومفارقته أبا حردبة يقول مالك:
سرت في دجى ليلٍ فأصبح دونها ... مفاوز حمران الشريف فغرب
تطالع من وادي الكلاب كأنها ... وقد أنجدت منه فريدة ربرب
علي دماء البدن إن لم تفارقي ... أبا حردبٍ ليلاً وأصحاب حردب
قال ابن السيرافي قال أبو محجن
يا رب مثلك في النساء غريرةٍ ... بيضاء قد متعتها بطلاق
غلط ابن السيرافي في نسب هذا البيت إلى أبي محجن، وإنما غره أن قائل هذا البيت ثقفي، لكنه ليس بأبي محجن، إنما هو غيلان بن سلمة الثقفي، وهما بيتان، والثاني:
لم تدر ما تحت الضلوع وغرها ... مني تجمل عشرتي وخلاقي
قال ابن السيرافي قال سالم بن دارة
أنا ابن دارة معروفاً لها نسبي ... وهل بدارة يا للناس من عار
من جذم قيسٍ وأخوالي بنو أسدٍ ... أكارم الناس زندي فيهم واري
قال: دارة: جد سالم.
قال س: غلط ابن السيرافي في ذلك، إنما دارة أم سالم وعبد الرحمن ابني دارة، امرأة من بني أسد شبهت لجمالها بدارة القمر.
قال ابن السيرافي قال الأشهب بن رميلة
وكم قد فاتني بطلٌ كمي ... وياسر شتوةٍ سمحٌ هضوم
فهل زال النهار فكان ليلاً ... وهل تركت مطالعها النجوم
قال: يقول، فهل زال النهار لفقده وموته، وهل غارت النجوم من أجل المصيبة به. يريد: أن الدنيا؛ العادة فيها أن يهلك الناس، وهي لا تتغير لفقد من فقد منها وإن كان كريماً.
قال س: هذا موضع المثل:
إن تك سادات الهجيم ومازنٍ ... قليلاً، فما نوكاهم بقليل
إن كان إصابة ابن السيرافي قليلاً؛ فتخاليطه كثيرة. قدم السيرافي بيتاً يجب أن يؤخر، وأخر بيتاً يجب أن يقدم.

فالبيت الذي يجب أن يقدم، قوله: " فهل زال النهار " وهو في صفة ليل طويل. والبيت الآخر مرثية رجل قتيل، وليس واحد من البيتين متعلقاً بالآخر في المعنى.
ومثل هذا الشعر إذا لم تعرف قصته وتمامه؛ لم يتضح معناه البتة. وأنا أقدم الأبيات التي توضح لك معنى البيتين، ثم أذكر لك قصتهما بعدها إن شاء الله.
والأبيات:
أرقت ولم تنم عنك الهموم ... وعاد فؤادك الطرب القديم
تمارس جوز أدهم ذي ظلالٍ ... كما يحتم لليل السقيم
كأن نجومه أجآل عينٌ ... تعرض في السماء وما تريم
فهل زال النهار فكان ليلاً ... وهل تركت مطالعها النجوم
إلى ها هنا تمام صفة طول الليل. ثم أنشأ يرثي من فقد من قومه، ويذكر فقدهم. كما قال عمرو بن معد يكرب:
كم من أخٍ لي صالحٍ ... بوأته بيدي لحدا
ما إن جرعت ولا هلع ... ت ولا يرد بكاي زندا
رجع إلى أبيات الأشهب:
وكم قد فاتني بطل شجاعٌ ... وياسر شتوةٍ سمحٌ هضوم
وأباءٌ إذا ما سيم خسفاً ... ألد إذا تعرضت الخصوم
مضوا لسبيلهم وقعدت وحدي ... تجور بي المنون وتستقيم
كأن حوادث الأيام تأتي ... على خلقاء ليس بها كدوم
إلى هنا تمام معنى البيتين. ثم نذكر باقي الأبيات بعد ذكر القصة إن شاء الله.
وكان من قصة هذا الشعر - وهي حديث رباب بن رميلة - أن رميلة كانت أمةً لخالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم، مولدة، يزعمون أنها من سبايا العرب، فابتاعها ثور بن حارثة بن عبد المنذر بن جندل بن نهشل بن دارم، وكان معها في إبله، فتزوجها، فولدت له: رباباً وحجناً والأشهب وسويطاً.
فكانوا من أشد إخوةٍ في العرب ألسناً وأيدياً، وأمنعهم جانباً، وكثرت أموالهم في الإسلام، وكان ابتاع ثورٌ رميلة في الجاهلية، وكانوا إذا بدا الناس عن مياههم، عمد رباب إلى قطيفةٍ له حمراء، فإذا مطر الناس احتاض في خبار الصمان، فأخذ هدبها فجعل يجعل على الشجر منه - أي قد سبقت إلى هذا - فلا يقربنه أحد، فيأخذ ما له فيه حاجة وما ليس له فيه حاجة.
فمطروا، ففعل ذلك في خبراء الصمان، واحتاض معه فيها ناس من بني قطن بن نهشل. وكانت بنو قطن وبنو زيد بن نهشل وبنو مناف بن دارم - حلفاء، وكانت الأحجار حلفاء عليهم، ومخربة أيضاً كانوا معهم، فورد رجل من بني مناف بن دارم يقال له سمرة بن عودة يكنى أبا كرشاء، وهو الذي يقول له الفرزدق:
وإن أبا كرشاء ليس بسارقٍ ... ولكن متى ما يسرق القوم يأكل
ورد المنافي بعض حياض رباب فأشرع بعيره، فلطم رباب بعيره، فانطلق مغضباً إلى من كان هناك من بني قطن، وهم بنو أربد بن ضمرة ابن جابر بن قطن بن نهشل، فأخبرهم فغضبوا، فوقع الشر واقتتل القوم، فضرب رباب بن ثور بشر بن صبيح بن أربد بن ضمرة، وهو ابن العبسية، أمه بنت أبي بن حمام بن قراد بن مخزوم - وبشر هو أبو بذال - بعمود فسطاطه، فتطاير الشعر عن هامته ودق ما تحت الجلد من رأسه، ولم يسل دم، ولم يمت مكانه، بقي حياً. فقال رباب:
قلت له: صبراً أبا بذال
إني وبيت الله ما أبالي
ألا تؤوب آخر الليالي
ثم تحاجز الحيان، وجمع كل واحد منهما لصاحبه. فقالت بنو قطن: يا بني جندل ويا بني صخر وجرول، قد ضرب صاحبكم صاحبنا هذه الضربة، ولا ندري أيموت منها أم يعيش فأنصفونا، ادفعوا إلينا صاحبكم وخذوا صاحبنا وداووه، فإن صح فسلونا نهب لكم، وإن كانت الأخرى فهو قاتلنا، فإن عفونا عفونا عن حقنا، وإن أخذنا بقودٍ أو ديةٍ أخذنا بحقنا.
فأبى القوم، فاقتتلوا يومهم ذاك إلى الليل، لكن أبي بن أشيم أخا بني جرول - وهو سيدهم - خرج في حاجة، فلقيه بعض بني قطن فأخذه وأتى به أصحابه، فقال نهشل بن حري: يا بني نهشل، أطيعوني اليوم واعصوني أبداً، قالوا: نعم نطيعك، قال: إن هذا ليس بقاتلكم، وإنه بريء لا يحل لكم دمه، وإن قومه أحد من يقاتلكم، فخلوا سبيله. قالوا: انظر رأيك.

فقال نهشل: يا أبا أسماء، إنا لسنا نبالي من حال بيننا وبين قاتلنا قبلنا، وإنك وقومك قد قاتلتمونا دون حقنا، وقد أمكننا الله منك، فأنت والله أوفى دماً عندنا من بني رميلة، فوالله لأقتلنك أو لتعطيني ما سألتك . . قال: سلني، قال: تجعل لي الله لتصرفن عني بني جرول جمعاً، فإن لم يطيعوك انصرفت عني ببني أشيم، فإن لم يطيعوك أتيتنا. قال: نعم، فخلى سبيله تحت الليل.
فأتاهم وهم حيث يرى بعضهم بعضاً فقال: بني جرول، انصرفوا، ألا تتقون الله، تعرضون دون قوم يطلبون حقهم؟ فانصرف معه منهم أكثر من سبعين رجلاً. فلما رأى ذلك بنو ضخر وبنو جندل قالوا: والله إنا لنظلم رهطنا، لا نقاتلهم، فتخاذل القوم.
فلما رأى ذلك الأشهب بن رميلة قال: ويلكم، في ضربة عصا تسفكون دماءكم، والله ما به من بأس، فأعطوا قومكم بحقهم. قال أبو ثور: هيهات قد غلق القيد وأودى المفتاح هم قد أخذوا من جمعكم رجلاً يرضون به - يعني أبا أسماء، ولا يعلم أنهم قد خلوا عنه - قالوا: قد أرسلوه، قال حجن ورباب: والله لننصرفن، ولنلحقن بغيركم ولا نعطي بأيدينا.
فجعل الأشهب بن رميلة يقول: ويلكم، أتتركون دار قومكم في ضربة عصا لم تبلغ شيئاً . . فلم يزل حتى جاؤوا برباب، فدفعوه إلى قطن وأخذوا منهم أبا بذال، فمات في تلك الليلة وهو في أيديهم، فكتموه، وأرسلوا إلى عباد بن مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي، وإلى عوف ومعبد ابني القعقاع بن معبد، فعرضوا الدية، قالوا: وما بال الدية وصاحبنا حي؟ قالوا: فإن صاحبكم ليس بحي.
فاحتمل بنو قطن حتى أصبحوا، فساروا غير كثير ثم قالوا لرباب: أوصنا بذال، فمات في تلك الليلة وهو في أيديهم، فكتموه، وأرسلوا إلى عباد بن والله إني كنت إلى ربي ذا حاجة، ولكن ما منعني من الصلاة أكثر ما صليت إلا مخافة أن يروا أن إكثاري فرقٌ من الموت. ليضربني رجل منكم شديد الساعد، فدفعوه إلى رجل شديد الساعد، فدفعوه إلى حزيمة بن بشير أبي بذال، فضرب عنقه، ثم دفنوه فيهم، وذلك في الفتنة قبل مقتل عثمان.
فلما استقام الناس لمعاوية قال رجل لابن رميلة: إنما قتل أخوك صاحبهم خطأ، وقد قتلوا أخاك تعمداً، فاستعد عليهم. فاستعدى عليهم بعد ذلك مروان بن الحكم، ونشبة بن مالك بن قتاد بن سلمى بن جندل، وصقر بن مالك أخو نشبه. فجمعهم مروان بالمدينة. فقال بنو قطن: قتلنا صاحبهم ولم يكن سلطان نستعديه، فأعطى ابن رميلة خمسين من الإبل متلية. فقال الأشهب بن رميلة:
ما زال نصي العيس حتى سقتها ... خمسين يتبعها أبو بذال
فقال الفرزدق يرد عليه:
أرفق بقومك يا محرر خالدٍ ... واذكر مقاد أخيك يوم الأول
عرم الهجين على موالي أمه ... فخصوه من قبل القفا بالمنصل
مروان يعلم إذ يسن دياتكم ... خمسين، أن دياتكم لم تكمل
وقال الفرزدق أيضاً:
دعا دعوة الحبلى رباب وقد رأى ... بني قطنٍ هزوا القنا فتزعزعا
فرد عليه الأشهب بن رميلة:
أعيني قلت عبرةٌ من لأخيكما ... بأن تسهرا الليل التمام ويجزعا
وباكيةٍ تبكي رباباً وقائلٌ ... جزى الله خيراً ما أعف وأمنعا
وأضرب في الغمى إذا حمس الوغى ... وأطعم إذ أمسى المراضيع جوعا
إذا ما اعترضنا في أخينا أخاهم ... روينا ولم نشف الغليل فننقعا
قرونا دماً والضيف منتظر القرى ... ودعوة داعٍ قد دعانا فأسمعا
مددنا وكانت هفوةً من حلومنا ... بثديٍ إلى أولاد ضمرة أقطعا
وقد لامني قومي ونفسي تلومني ... بما قال راءٍ في رباب وضيعا
فلو كان قلبي من حديدٍ لقد وهى ... ولو كان من صم الصفا لتصدعا
قتلنا عميد القوم لا عرض دونه ... ولم يك بالأحجار منعٌ فأمنعا
شمت ابن قينٍ أن أصابت مصيبةٌ ... كريماً ولم يترك لك الدهر مسمعا
بقتل امرئٍ أحمى عليك سلاحه ... وأنت ذليلٌ منبت الحمض أجمعا
وقال:
أرى العين من ذكرى ربابٍ كأنها ... بها رمدٌ لا يقبل الكحل عائره

جزى الله قومي من شفيعٍ وطالبٍ ... جزاء مسيءٍ حين تبلى سرائره
هم فقأوا عيني لا العري آمرٌ ... بخيرٍ، ولا ذو الذنب إذ كان غافره
ولو رهط مرداس بن حيان أحدثوا ... وعى العظم وانضمت عليه جبائره
فما كنت فيما نابني أول امرئٍ ... جنى حدثاً أو أسلمته عشائره
دعا إذ دعا قومٌ عليه أخاهم ... تماضره إذا أسلمته تماضره
ألا طالما رجيتكم وامتدحتكم ... فهذا أوان الشتم أشأم طائره
فلم يشقني ربي ولم يخزني أخي ... إذا غار نجمٌ من تهامة غائره
بسطت فلم تترك لنفسك مقدماً ... سوى قرض بؤسى أن ذا القرض ذاكره
وقال الأشهب في ذلك أيضاً:
أرقت ولم تنم عنك الهموم ... وعاد فؤادك الطرب القديم
تمارس جوز أدهم ذي ظلالٍكما يحتم لليل السقيم
كأن نجومه أجآل عينٌ ... تعرض في السماء وما تريم
فهل زال النهار فكان ليلاً ... وهل تركت مطالعها النجوم
وكم قد فاتني بطلٌ شجاعٌ ... وياسر شتوةٍ سمحٌ هضوم
وأباءٌ إذا ما سيم خسفاً ... ألد إذا تعرضت الخصوم
مضوا لسبيلهم وقعدت وحدي ... تجور بي المنون وتستقيم
كأن حوادث الأيام تأتي ... على خلقاء ليس بها كدوم
ألا أبلغ بني سلمى رسولاً ... فلم يك عندنا منهم مليم
هم غضبوا لنا وحنوا علينا ... كما تحنو على البو الرؤوم
فإن تك نهشلٌ ثبتت فإنا ... لنا منا المكارم والأروم
ليعلم عالمٌ ما كان فينا ... لنا البأساء والسلب الكريم
أحقٌ ما يقول بنو صبيحٍ ... فتعلمه قضاعة أو تميم
ألا تنهاهم أن يظلمونا ... حلومهم وليس لهم حلوم
حلفت بهاجرين الغسل شعثٍ ... وما جمع المشاعر والحطيم
لئن جمعت جوامع بين قومي وظلم الأصل مرتعه وخيم
لنلتمسن بأنفسنا نساءً ... تبين في المناكح أو تئيم
وقتلى أجهض الأبطال عنها ... ظماءٌ في وجوههم سهوم
قال س: قد أطلنا في هذه القصة الكلام، وما ذلك إلا لأن يشفى غليل المستفيد، فلا يبقى في قلبه حرارة.
؟قال ابن السيرافي قال أمية بن أبي الصلت:
رب ما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجةٌ كحل العقال
قال: الضمير في قوله " له فرجة " يعود إلى ما أي: لهذا الشيء المكروه فرجة، أي انفراج. والمعنى واضح.
قال س: هذا بيت مثلٍ ضربه لأبياتٍ تقدمته، لا تتم معرفة معناه إلا بتلك. وهي:
مع إبراهيم الموفي بالنذ ... ر وإسحاق حامل الأجذال
ابنه لم يكن ليصبر عنه ... لو رآه في معشر أقتال
قال يا بني إني نذرتك لل ... ه شحيطاً فاصبر فدى لك خالي
فأجاب الغلام أن قال فيه ... كل شيء لله غير انتحال
أبتا إني جزيتك بالل ... ه تقياً به على كل حال
فاقض ما قد نذرت لله واكفف ... عن دمي أن يمسه سر بالي
واشدد الصفد أن أحيد من السك ... كين حيد الأسير ذي الأغلال
إنني آلم المحز وإني ... لا أمس الأذقان ذات السبال
وله مديةٌ تخيل في اللح ... م هذامٌ جليةٌ كالهلال
بينما يخلع السرابيل عنه ... فكه ربه بكبشٍ جلال
قال خذه وأرسل ابنك إني ... للذي فعلتما غير قالي
والدٌ يتقي وآخر مولو ... دٌ فطارا منه بسمعٍ معال
رب ما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجةٌ كحل العقال
؟قال ابن السيرافي قال الأسود بن يعفر:
أحقاً بني أبناء سلمى بن جندلٍ ... وعيدكم إياي وسط المجالس

قال: أراد يا بني أبناء سلمى بن جندل، والمعنى واضح، وكانوا يهددونه بسبب فرس أخذها ابنه الجراح بن الأسود لرجل من تيم الله ابن ثعلبة، يقال له فارس العصا. وحديثه معهم يطول.
قال س: هذا موضع المثل:
غناءٌ قليلٌ عن عيال وصبيةٍ ... غدوٌّ إلى الضيني ثم رواح
هذا الذي ذكره ابن السيرافي وما يتعلق به من الأخبار لا يغني فتيلاً ولا يجدي، وقد يغر المستفيد قوله: المعنى واضح، حتى يقتصر على هذيانه، ولا يتتبع استقصاء معناه، ومعرفة حقيقة قصته. وأنا ذاكر ما يلوح به المعنى إن شاء الله.
كان من قصة هذا الشعر: أنه لما هزم أبو جعل أخو بني عمرو بن حنظلة البرجمي وأصحابه، وأسرتهم بكر بن وائل، لحق رجل من بني يتم الله ابن ثعلبة من بني الجذعة - وهو فارس العصماء - بناسٍ من بني نهشل، فيهم الجراح بن الأسود، وحرير بن شمر بن هذان بن زهير بن جندل، ورافع ابن صهيب بن حارثة بن جندل، وعمرو بن حدير، والحارث بن حرير بن سلمى ابن جندل - قال لهم: هلم إلي، أنتم طلقاء، فقد أعجبني قتالكم منذ اليوم، وأنا خير لكم من العطش، فأجابوه.
فنزل إليهم ليوثقهم، وتفرس الجراح في فرسه الجودة، فجال في متنها فنجا عليها. فقال التيمي لرافع وحرير وأصحابهما: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم، ونحن لك خفراء بفرسك.
فلما أتى الجراح أباه بها، أمره أن ينطلق بها في بني سعد، فابتطنها ثلاثة أبطن. فلما رجع رافع وحرير وأصحابهما إلى بني نهشل قالوا: إنا خفراء فارس العصماء، وأوعدوا الجراح.
وكان بنو جرول حلفاء بني سلمى بن جندل، على بني حارثة بن جندل، فأعاد تيحان بن بلج رافعاً وحريراً على الجراح، حتى ردوا إلى التيمي فرسه. فقال في ذلك الأسود بن يعفر:
أتاني ولم أخش الذي ابتعثا به ... خفيراً بني سلمى حريرٌ ورافع
هما خيباني كل يوم غنيمةً ... فأهلكتهم لو أن ذلك نافع
فأتبعث أخراهم طريق ألاهم ... كما قيل نجمٌ قد خوى متتايع
وخير الذي أعطيكم وهي شره ... مهولةٌ فيها سيوفٌ لوامع
فلا أنا معطيكم علي ظلامةًولا الحق معروفاً لكم أنا مانع
فإن يك مدلولاً علي فإنني ... أخو الحرب لا قحمٌ ولا متجازع
وإني لشهمٌ حين تبغى شهومتي ... وصعبٌ قيادي لم ترضني القنادع
وإني لأقري الضيف وصى به أبي ... وجار أبي تيحان طيان جائع
فقولا لتيحان بن عاقرة استها ... أمجرٍ فلاقي الغي أم أنت نازع
ولكن تيجان بن عاقرة استها ... له ذنبٌ في أمره وتوابع
فلو شاء تيحان بن عاقرة استها ... لأرشدته وللأمور مطالع
وإني لأرعى السر حتى أرده ... إلى أهله، والشر أشنع شائع
فإن أنت أعطيت ابن أسود حقه ... فقام بموسى فوق أنفك جادع
عمانيةً أو ذات خلفين عربةً ... مدربةً قد أرهفتها المواقع
فحلفوا أنهم خفراء التيمي، فأعطاهم الأسود الفرس بعينها، وأمسك مهارتها، فعاوده الخفراء وأوعدوه، فأنشأ يقول:
أتاني من الأبناء أن مجاشعاً ... وآل فقيمٍ والكراديس أصفقوا
ورهط جريسٍ قلت يكفي جريسكم ... سنانٌ كنبراس النهامي مفتق
معاوية وقيس ابنا مالك بن زيد مناة بن تميم، إنما يقال لهما الكردوسان فقال الكراديس، وجريس رجل من البراجم.
نمته العصا حتى استقل كأنه ... شهابٌ بكفي فارسٍ يتحرق
بكفي غلامٍ خاله غير قعددٍ ... كريمٌ أبوه جندلٌ أو مطلق
وقال أيضاً:
أحقاً بني أبناء سلمى بن جندلٍ ... وعيدكم إياي وسط المجالس
فهلا جعلتم نخوةً من وعيدكم ... على رهط قعقاعٍ ورهط ابن حابس
فهم منعوا منكم تراث أبيكم ... فصار التراث للكرام الأكايس
وهم أوردوكم ضفة البحر طامياً ... وهم تركوكم بين خازٍ وناكس

قال ابن السيرافي قال حضرمي بن عامر بن مجمع
وكل قرينة قرنت بأخرى ... وإن ضنت بها ستفرقان

وكل أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
قال: يعني أن كل اثنين يحب أحدهما الآخر سيقطع عنه، وإن كان ضنيناً به، شديد التمسك بإخائه، في كلام يشبه هذا.
قال س: هذا الذي ذكره ابن السيرافي في هذين البيتين لا يكاد يشفي، إلا بعد أن يعرف ما قبلهما، فإنهما مثلٌ ضربه للتسلي عمن فجع به من إخوانه وعشائره. وقبلهما:
وذي فجعٍ عزفت النفس عنه ... حذار الشامتين وقد شجاني
أخي ثقةٍ إذا ما الليل أغسى ... إلى تمريد حبلي قد كفاني
قطعت قرينتي عنه فأغنى ... غناه فلن أراه ولن يراني
وكل قرينة قرنت بأخرى ... وإن ضنت بها ستفرقان
وكل أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان

قال ابن السيرافي قال الأخطل
كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ ... غلس الظلام من الرباب خيالا
قال ابن السيرافي: واسط موضع بنواحي الشام.
قال س: غلط ابن السيرافي في هذا، ليس بنواحي الشام موضع يقال له واسط، واسط ها هنا: واسط الجزيرة. وأخبرني أبو الندى قال: للعرب سبعة أواسط: وساط نجد، وهو الذي ذكره خداش بن زهير:
عفا واسط أكلاؤه فمحاضره ... إلى حيث نهياسيله فصدائره
وواسط الحجاز، هو الذي ذكره كثير:
أجدوا فأما آل عزة غدوةً ... فبانوا، وأما واسطٌ فمقيم
وواسط الجزيرة، وهو الذي ذكره الأخطل في البيت الذي مر آنفاً، وفي بيته الآخر:
عفا واسطٌ من آل رضوى فنبتلٌ ... فمجتمع الحرين فالصبر أجمل
وواسط اليمامة، وهو الذي ذكره الأعشى في شعر.
وواسط العراق. وقد أنسيت اثنين.
قال ابن السيرافي قال فروة بن مسيك
فإن نهزم فهزامون قدماً ... وإن نغلب فغير مغلبينا
وما إن طبنا جبنٌ ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
قال: قوله " فإن نهزم فهزامون قدماً " يقول: إن انهزمنا في هذه الوقعة، فقد هزمنا الناس قبلها مراراً كثيرة. مع كلام يشبه هذا لا يدل على معنى البيت.
قال س: هذا موضع المثل:
فهيهات القرارة أن تراها ... أتى من دونها القدر المتاح
بعيد على المستفيد معرفة معنى قوله " فإن نهزم " وأنه لم اعترف بالانهزام مع ما فيه من العار - إذا لم يعرف القصة. وكنت قد ذكرت لك أن الشعر إذا كان متعلقاً بقصة، فإن أصحاب المعاني لا يقدرون على استخراج معناه إلا بها.
وكان من قصة هذا الشعر: أنه كان صنم مراد في أعلى وأنعم وهما بطنان من مراد، فقالت أشرافٌ من مراد: ما بال آلهتنا لا تكون في عرانيننا . . فأرادوا انتزاع الآلهة منهم. فخرجوا منهم فأتوا على بني الحارث فاستجاروا بهم، وأرسلت مراد إلى بني الحارث: أن أخرجوا إخوتنا من داركم، وابعثوا إلينا برجلين منكم لنقتلهما بصاحبنا - وكانت مراد تطلب بني الحارث بدم - فلما رأى الحصين بن يزيد بن قنان أن مراداً قد ألحت في طلب أصحابهم، هابهم وعلم أنه لا طاقة له بهم.
وكانت مراد إذا قتل منهم رجل قتلوا به رجلين، وكانوا لا يأخذون الدية إلا مضاعفة. فسار حصين بن يزيد وهو رئيس بني الحارث إلى عمير ذي مران، فسأله أن يركب معه إلى أرحب فيصلح بينه وبينهم، ويسألهم الحلف على مراد.
فقال الحصين: يا معشر أرحب، إني لست بأسعد - بهلاك مراد منكم، وكانت أرحب تغاور مراداً قبل ذلك، فحالفته أرحب، وغدوا: فسار حصين بن يزيد بن الحارث، وسارت البادية من همدان وعليهم يزيد بن ثمامة الأرحبي الأصم. وأقبلت مراد كأنهم حرة سوداء يدفون دفيفاً، وعليهم الحارث بن ظبيان المثلم وكان يكنى أبا قيس الأنعمي.
فاقتتلوا بموضع يقال له الرزم إلى جنب أياء قتالاً شديداً، فتضعضعت بنو الحارث، وأقبل عليهم الحصين فقال: يا بني الحارث، والله لئن لم تضربوا وجوه مراد بالسيوف حتى يخلوا لكم العرصة لأتركنكم تنفلون في العرب.
ثم أقبل على بادية همدان فقال: يا معشر همدان، الصبر الصبر، لا تقول مراد إنا لجأنا إلى عدد همدان وعزها فلم يغنوا عنا.

فاقتتل القوم قتالاً شديداً، فقتل الحصين، وصبر الفريقان جميعاً، فتهيأت بنو الحارث للفرار، وتضعضعت أرحب - وقد كانوا أحضروا النساء معهم فجعلوهن خلف ظهورهم - فلما رأت أرحب النساء قد بدت خلاخيلها للفرار؛ عادوا للقتال وقالوا: لا نفر حتى يفر يغوث. وصبروا للقوم، وصبرت بنو الحارث عليهم، فانهزمت مراد، واستذرع القتل فيهم، وسبوا نساءً من نسائهم، فأدرك الإسلام وهن في دور همدان.
وقتل يومئذ المثلم رئيس مراد، وعزيز وقيس ونمران وسمي المراديون. وقتل في ذلك اليوم الحصين بن يزيد الحارثي. فقال في ذلك يزيد ابن ثمامة الأرحبي:
لقد علم الحي المصبح أنني ... بجنب أياءٍ غير نكس مواكل
تركت عزيزاً تحجل الطير حوله ... وغشيت قيساً حد أبيض قاصل
ونمران قد قضيت منه حزازةً ... على حنقٍ يوم التفاف القبائل
عكبٌّ شفيت النفس منه وحارثٌ ... بنافذةٍ في صدره ذي عوامل
وأردت سمياً في المكر رماحنا ... وصادف موتاً عاجلاً غير آجل
قال س: إذا لم يعرف معنى القصة لم يعرف معنى البيت:
فإن نهزم فهزامون قدماً ... وإن نغلب فغير مغلبينا

قال ابن السيرافي قال النابغة الجعدي
إلا كمعرضٍ المحسر بك ... ريه يسببني على الظلم
قال: معناه، لكن معرضاً يدور في الأحياء يشتمني، ومعرض ليس بسوار، ولا مستثنى منه، فهو استثناء بمعنى لكن. وقوله " المحسر بكريه " تثنية بكر، والبكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس.
قال س: هذا موضع المثل:
يخبطه تاراً وتاراً يلبطه
كأنما يكرمه أو يسفطه
تكلم ابن السيرافي على هذا البيت بما يوهم أنه أصاب فيه، وجاء بمغزى المستفيد. ولقد طاش سهمه، فإنه لم يذكر معرضاً من أي قبيلة هو وتركه مجهولاً، وذكر أن البكرين هنا تثنية بكر، وأنه الفتي من الإبل.
ومعرض ها هنا رجل من بني الحريش، أمر رجلين من بني الحريش أن يشتما النابغة، وهما بكراه، فهذا معنى قوله: " إلا كمعرض المحسر بكريه " .
قال ابن السيرافي قال الأعشى
وأهل جوٍّ أتت عليهم ... فأفسدت عيشهم فباروا
ومر دهرٌ على وبار ... فهمدت جهرةً وبار
قال: وبار، زعموا مدينة كانت الجن تسكنها، وقيل: وبار موضع بالدهناء، وزعم بعضهم أنها بلاد كان بها إبل حوشية، ونخل كثير ليس له من ينزع كربه ولا يجتني ثمره. وأن رجلاً وقع إليها، فركب فحلا من ذلك الإبل، وذهب نحو أرض قومه فتبعته الإبل.
قال س: هذا موضع المثل:
قد جئت يا بحشر بالبجري
حيث توفى ثلل الركي
تكلم ابن السيرافي في هذا البيت وأكثر، فتحير فيه وحير، ثم جاء بحديث أمتين بكذب ومين.
والصواب أن وباراً هي من ناحية الشحر، آخر رمال بني سعد بن زيد مناة بن تميم. وذلك أن وبار بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح نزلها فسميت به.
قال ابن السيرافي قال معاوية بن مالك بن جعفر
رأبت الصدع من كعبٍ وكانوا ... من الشنآن قد صاروا كعابا
قال س: ضرب ابن السيرافي بيتين في بيت فجعلهما بيتاً واحداً. والصواب:
رأبت الصدع من كعبٍ قد أودى ... وكان الصدع لا يعد ارتئابا
فأمسى كعبهم كعباً وكانت ... من الشنآن قد دعيت كعابا
قال ابن السيرافي قال رؤبة
لقد خشيت أن أرى جدبا
في عامنا ذا بعد ما أخصبا
إذا الدبا فوق المتون دبا
وهبت الريح به وهبا
تترك ما أبقى الدبا سبسبا
والتبن والحلفاء فالتهبا
كأنه السيل إذا اسلحبا
قال س: توهم ابن السيرافي أن الأراجيز كلها لرؤبة لأجل أن رؤبة كان راجزاً، وهذه عامية فيه. وليست الأبيات لرؤبة، بل هي من شوارد الرجز لا يعرف قائلها، والأبيات التي جاء بها مختل أكثرها. والصواب
إني لأرجو أن أرى جدبا
في عامكم ذا بعد ما أخصبا
إذا الدبا فوق المتون دبا
وهبت الريح بمورٍ هبا
تترك ما أبقى الدبا سبسبا
والتبن والحلفاء فالتهبا
كأنه السيل إذا اسلحبا
وتمام الأبيات، ولا يتم معنى البيت إلا بها:
حين ترى البويزل الأزبا

والسدس الضواضئ المحبا
من عدم المرعى قد اجلعبا

قال ابن السيرافي قال خداش بن زهير
ألا جفان ولا فرسان غاديةً ... إلا تجشؤكم عند التنانير
أنتم مجاهيل حرامون ثاويكم ... وفي الحروب مقاليعٌ عواوير
قال: هجا خداشٌ بهذا الشعر قوماً من بني سهم، من أجل مسابقة كانت بينه وبينهم.
قال س: هذا موضع المثل:
لا يمنع الحي في الخابور إذا فزعوا ... إلا فوارس أمثال ابن حمران
كنت قد ذكرت لك في عدة مواضع: أن من لم يكن ضابطاً لأنساب العرب وأيامهم، وأفاض في تفسير مثل هذا من الشعر - استهدف للسان الطاعن.
غلط ابن السيرافي ها هنا من جهات: منها أنه ذكر أن خداشاً خاطب بهذا الشعر قوماً من بني سهم، وإنما خاطب بها قوماً من بني تيم الأدرم.
ومنها أنه ذكر أن المسابقة كانت بين خداش وبينهم، وإنما كانت المسابقة بين بني العرقة من تيم الأدرم، وبين كرز بن ربيعة بن عمرو بن عامر، وهو من رهط خداش. ثم إنه لم يعرف القصة فيتبين المعنى، ويشفى المستفيد.
وكان من قصة هذا الشعر: أنه كان أول ما هاج بين قريش وبين بني عامر ابن صعصعة - أن كرز بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، راهن أسيداً وعمراً وعبد الله بني العرقة، من بني تيم بن غالب وهو تيم الأدرم - على فرسٍ لهم يقال له البرق، والسيق ثلاثون معها مثلها، ليس فيها حذاء ولا حراء ولا أباء ولا حنفاء ولا ذات عوار، وجعلوا المدى والمضمار إلى كرز.
فجعل المدى ما بين السجسج إلى ذات الفلج من سواء كشت، وجعل آخر المضمار بياض ركبة فلامه قومه فقال: والله ما أخاف عليكم منه من شيء: ما غيل قط، ولا تفرع في كل مكان صينٍ قط، وإنه ليصبح في جمته. غير أنه قد كان به رهصة رهصها وهو فلو، ثم ما زالت في دهن، وإنه اليوم لرباع. فإن تنخرق قبل أن يجري ميلاً يجئ سابقاً، وإن تمكث كما هي فلا أدري.
فأرسلوا الفرسين، وحمل كرز على فرسه: المجالد بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر، فلم يجر ميلاً حتى تخرقت الرهصة فجاء سابقاً، وهلك البرق في ركبة، فأخذ السيق. فناشدوه رحم مجد بنت تيم بن غالب وهي أم بني ربيعة بن عامر بن صعصعة، فأبى أن يرد السيق. فلبثوا قريباً من سنتين.
ثم ركب بنو العرقة، فلقوا: أسيد بن مالك، وعمرو بن مالك، وعثمان بن أسيد من بني عامر بن ربيعة بأسفل العقيق في إبل لهم، فيها بكرة فوارة يقال لها العنب، عشراء، فطردوا الإبل، فاستقبلها عثمان بن أسيد ينفر بها بثوبه، وبعث الأمة نحو أبيه وعمه مغوثاً، فركب أبوه فرساً كبيرة، وركب عمه بنتها فرساً صعبة.
فلما لحق بالقوم قال عمرو بن مالك: أعلمونا من أنتم؟ قالوا قريش. قالوا وأيهم؟ قالوا بنو العرقة. قالوا فهل كان من حدث؟ قالوا: لا إلا يوم البرق. فقال لهم: احبسوا العنب، احبسوا اللقحة لقحة من لا يغدر، فقال لهم عمرو: لا والله لا ترضع منها قادماً ولا آخراً. قال: إنا لا نرضع الإبل ولكن نحتلبها، وحمل عليه فقتله، وحمل أسيد بن مالك على أسيد ابن العرقة فقتله. فقال في ذلك:
إني كذاك أضرب الكمي
ولم يكن يشقى بي السمي
فذلك يوم العنب.
وقال خداش بن زهير في ذلك:
نكب الكماة لأذقانها ... إذا كان يومٌ طويل الذنب
كذاك الزمان وتصريفه ... وتلك فوارس يوم العنب
ثم وقع بينهم بعد ذلك التغاور والقتال، فقال في ذلك خداش بن زهير:
أبلغ أبا كنفٍ إما عرضت به ... والأبجرين ووهباً وابن منظور
ألا جفان ولا فرسان عاديةً ... إلا تحشؤكم عند التنانير
ثم احضرونا إذا ما احمر أعيننا ... في كل يومٍ يزيل الهام مذكور
تلقوا فوارس لا ميلاً ولا عزلاً ... ولا هلابيج رواثين في الدور
تلقوا أسيداً وعمراً وابن عمهما ... ورقاء في النفر الشعث المغاوير
من آل كرزٍ غداة الروع قد عرفوا ... عند القتال إلى ركنٍ ومحبور
يحدون أقرانهم في كل معتركٍ ... طعناً وضرباً كشقٍ بالمناشير
فاسأل فوارس منكم يوم ذي سرفٍ ... عنكم وفرسانكم يوم اليعامير

يعدو بنا كل معصوبٍ أسافله ... وكل شعثاء بالوعثاء محضير
كلا ورب القلاص الراقصات بنا ... عشية النفر أمثال القراقير
لا تتركن ولما نبل نجدتكم ... ولم نغاوركم ضرب المغاوير
حتى نذيقكم ضرباً بمخلصةٍ ... هنديةٍ وقتالٍ ليس بالزور
الشاتمي ومن دوني ذرا حضنٍ ... والفعل مختلبٌ والقول مأثور
أنتم مجاهيل حرامون ثاويكم ... وفي الحروب مقاليعٌ عواوير
لا تبرحون على أبواب ملأمةٍ ... تعازرون بها ما لألأ الفور
كأنكم نبطياتٌ بمزرعةٍ ... قشر الأنوف درادير مآدير
ترى صدورهم سمراً محشرةً ... وفي أسافلهم نشرٌ وتشمير
إذ هم شعارير بالأشراف تبطحهم ... زرق الأسنة والبيض المباتير
تدعو أواخرهم أولاهم جزعاً ... والخيل مكرهةٌ والموت محذور
والمقصيات إذا ما العسر دار بنا ... والمكرمات إذا دار المياسير
والحاملاتهم في كل معتركٍ ... فيه إسارٌ وتقتيلٌ وتعفير

قال ابن السيرافي قال زياد بن واصل
فلما تبين أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا
قال: يريد أنهن لما عرفن أصواتهم بكين إليهم حتى يستنقذوهن، وفد ينهم بآبائهن.
قال س: هذا موضع المثل:
يا نافثاً شر الأحاديث الكذب
يكفيك من إناخةٍ ثني الركب
كذب ابن السيرافي في تفسير هذا البيت ولم يعرف منه قليلاً ولا كثيراً. كيف ركبن إليهم حتى يستنقذوهن وهن سبايا كما زعم.
وإنما معنى البيت: أن زياداً افتخر في هذه الأبيات بآباء قومه وبأمهاتهم من بني عامر، وأنهم قد أبلوا في حروبهم ومعاونتهم، فلما عادوا إلى حللهم وعند نسائهم وعرفن أصواتهم فدينهم، لأجل أنهم قد أبلوا في الحروب.
والأبيات تدل على صحة هذا المعنى، وأولها - وهي لزياد بن واصل السلمي - :
عزتنا نساء بني عامرٍ ... فسمن الرجال هواناً مهينا
ونحن بنوهن يوم الصفا ... ق إذ نقبل القوم وعثاً حزونا
بضربٍ كولغ ذكور الذئا ... ب تسمع للهام فيه رنينا
ورميٍ على كل عزافة ... ترد الشمال وتعطي اليمينا
وكنا مع الخيل حتى استوت ... شباب الرجال وسروا العيونا
ولما تبين أصواتنا ... رئمن وفديننا بالأبينا
فهذا آخر فرحة الأديب، أودعته ذكر ما عثر فيه ابن السيرافي من تفسيره أبيات كتاب سيبويه، وأوضحته وسددته، وهديت المستفيد إلى صوابه وأرشدته، ولئن صغر حجمه لقد كثر علمه، ومن تنبه فنظر بعين الإنصاف، أقر بفضل كثير من الأخلاف على الأسلاف، ولكن أكثر الناس يتعثرون في أذيال الخبط والهبط، وقلة التحصيل والبيان، وكثرة التخليط والهذيان. فأما أهل التحقيق:
فقد كنا نعدهم قليلاً ... وقد صاروا أقل من القليل
وسأتبعه من آنف ما أصنعه بما يعظم به النفع، ويهتز لروايته السمع، وفاءً لشروط الخدمة، وقضاء لحق النعمة، والله المعين على ما في النية والهمة، إنه واسع الرحمة.
أبقى لنا الله مولانا ولا برحت ... أيامنا أبداً في ظله جددا
إن الرئيس لما يوليه من نعمٍ ... لمستحلٌّ لصيد العلم في حرمي
لا شيء أحسن من نعمى له سبغت ... شكري لها شكر روض الحرن للرهم
آخر نسخة الأصل، وهي التي رمزت إليها ب أ
تم الكتاب والحمد لله كما هو أهل، والصلاة على نبيه محمد وآله، وذلك يوم الأحد تاسع وعشرين شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمئة، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطاهرين وسلامه وحسبنا الله ونعم الوكيل. كملت المقابلة بحمد الله وعونه.
وآخر نسخة البغدادي، وهي التي رمزت إليها ب ب

تم هذا الكتاب بعون الله تعالى، على يد الفقير إلى رحمة ربه الغفور: عبد القادر بن عمر بن بايزيد بن الحاج أحمد البغدادي، كتبه لنفسه، ولمن شاء الله من بعده. وكان بدء الكتابة في يوم الأحد، وآخرها في ضحوة يوم الاثنين التاسع عشرين من شهر شوال المبارك من شهور سنة ثمان وسبعين بعد الألف من الهجرة، وكان تاريخ الأصل الذي كتبته منه يوم الأحد تاسع وعشرين شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمئة. هكذا رأيته مؤرخاً، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وفي الهامش فيكون مدة الكتابة تسعة أيام مع أشغال عائقة عنها، والحمد لله عليه.