كتاب : الحماسة المغربية
المؤلف : الجرّاوي

ذا خفقتْ بالبذلِ أرواحُ جودِهِم ... حَدَاها النَّدَى واسْتَنْتَقَتها المطامِعُ
رياحٌ كريحِ العنبرِ المحضِ في الرِّضا ... ولكنَّها يومَ اللِّقاءِ زعازِعُ
أصارتْ لهمْ أرضَ العدوِّ قطائعاً ... نُفُوسٌ لحدِّ المُرهفاتِ قطائِعُ
بكلِّ فتًى ما شابَ مِن روعِ وقعةٍ ... ولكنَّهُ قدْ شِبنَ منهُ الوقائِعُ
إذا ما أغارُوا فاحتَوَوْا مالَ معشرٍ ... أغارتْ عليهمْ فاحْتَوَتهُ الصَّنائِعُ
هُمُ قوَّموا دَرْءَ الشَّآمِ وأيقظُوا ... بنجدٍ عيونَ الحربِ وهيَ هواجِعُ
يمدُّونَ بالبيضِ القواطِعِ أيْدياً ... وهُنَّ سوادٌ والسّيوفُ القواطِعُ
وقال ابن أبي عيينة:
أفنَى تميماً سعدَهَا وربابَهَا ... بالسِّندِ قتلُ مُغيرَةَ بنِ يزيدِ
صعقتْ عليهمْ صعقةٌ عَتَكيَّةٌ ... جعلتْ لهمْ يوماً كيومِ ثَمُودِ
ذاقتْ تميمٌ عَرْكتينِ عذابَنَا ... بالسِّندِ من عُمَرٍ ومِن داوُودِ
قُدنا الجيادَ مِنَ العراقِ إليهمُ ... مثلَ القَطَا مُستنَّةً لوُرُودِ
يحملنَ مِن وَلَدِ المهلَّبِ عُصبةً ... خُلقتْ قلوبهُمُ قُلُوبَ أسودِ
وقال أخوه أبو عُيَينة:
أعاذلُ صَهْ لستَ من شِيمَتي ... وإنْ كنتَ لي ناصحاً مُشفقا
أراكَ تفرِّقُني دائِباً ... وما ينبَغي ليَ أنْ أفْرَقَا
أنا ابنُ الَّذي شادَ لي منصباً ... وكانَ السِّماكُ إذا حلَّقا
قريعُ العراقِ وبِطريقُهُمْ ... ومجدُهُمُ المُرتَجَى المتَّقى
أنا ابنُ المهلَّبِ ما فوقَ ذا ... لعالٍ إلى شرفٍ مُرتَقَى
فمنْ يستطيعُ إذا ما ذَهَبْ ... تُ أنطِقُ في المجدِ أنْ ينْطِقا
وقال ابنُ أبو عُيَينة أيضاً:
أنا ابنُ أبي عُيَينةَ فرعُ قومي ... وكعبٌ والدي وأبي كِلابُ
وقيسٌ كلُّها خالٌ وجدٌّ ... وفي الأزْدِ المركَّبِ والنِّصابِ
بأعمامي وأخوالي أقامتْ ... قريشٌ مُلكَهَا وبهمْ تُهابُ
وأُسدُ الغابِ ثعلبَةُ بنُ عمرٍو ... لُيُوثٌ ليسَ يَستُرُهنَّ غابُ
رجالٌ مُصحِرونَ لكلِّ حيٍّ ... معاقلُهُمْ طعانٌ أو ضرابُ
هُمُ آوَوْا وهمْ نصَرُوا وفيهمْ ... تفسَّختِ النُّبوَّةُ والكتابُ
وجدَّ محمَّدٍ ولَدُوا فطابُوا ... بمنْ ولَدُوا ومَنْ ولَدُوا أطابُوا
وقال دِعبل بنُ عليٍّ الخزاعيُّ من قصيدةٍ:
وإذا صافيتُ أكَّدتُ الصَّفا ... وإذا أدبرتُ يوماً لم أعُجْ
وإذا عاذَ بقومِي عائذٌ ... وتَرَ النَّاسَ جميعاً لم يهُجْ
أسَّسوا المجدَ لنا مِن سعيِهِمْ ... فَبَنينا ثمَّ أعْلينا الدَّرَجْ
فَعَلى أيمانِنا يجري النَّدَى ... وعلى أسيافِنا تَجري المُهَجْ
وقال أيضاً:
تصدَّقتُ على قومِي ... بما أبقيتُ مِن عُمري
فإنْ أسلمْ فَذُو حمدٍ ... وإنْ أهلِكْ فَذُو أجرِ
أنا ابنُ القادةِ الذَّادَ ... ةِ وابنُ الغُررِ الزُّهرِ
إذا ما التقتِ الخيلا ... نِ بالشَّحناءِ والغمرِ
رأيتَ الموتَ منشوراً ... على راياتِنا الحُمرِ
إذا ما أخلَفَ القطرُ ... خَلَفْنا سبلَ القطرِ
إذا ما أعضَلَ الأمرُ ... دَفَعْنا الشَّرَّ بالشَّرِّ
وما للحرِّ مَنجاةٌ ... كمثلِ السَّيْفِ والصَّبرِ
وقال إبراهيم بن العبَّاس الصُّولي:
أميلُ مع الذّمامِ علَى ابنِ عمِّي ... وآخُذُ للصَّديق من الشَّقيقِ
وإنْ ألفَيْتَني حرّاً مطاعاً ... فإنَّك واجِدِي عبدَ الصَّديقِ
أُفرِّقُ بينَ معرُوفي ومَنِّي ... وأجمَعُ بينَ مالي والحُقوقِ
وقال أيضاً:
لنا إبلٌ كُومٌ يضيقُ بها الفَضَا ... وتفتُرُ عنها أرضُها وسماؤها
فمنْ دونِها أنْ تُستباحَ دِماؤنا ... ومِن دونِنا أنْ تُستباحَ دِماؤها
حمًى وقِرًى فالموتُ دونَ مَرامِها ... وأيسَرُ خطبٍ يومَ حُقَّ فَناؤها
وقال الوليد بنُ عبيدٍ البُحتريُّ من قصيدةٍ:
ذهبتْ طيِّئٌ بسابقةِ المجْ ... دِ على العالمينَ بأساً وجودَا

نَزَلوا كاهِلَ الحجازِ فأضحَى ... لهُمُ ساكنوهُ طرّاً عَبيدا
منزِلاً قارَعُوا عليهِ العَمالي ... قَ وعاداً في عزِّها وثمُودا
بلدٌ ينبتُ المعالي فَمَا يَثَّ ... غِرُ الطِّفلُ فيهمُ أو يسُودا
ولُيُوثٌ من طيِّئٍ وغُيُوثٌ ... لهُمُ المجدُ طارِفاً وتِليدا
فإذا المحْلُ جاءَ جاؤُوا سُيُولاً ... وإذا النَّقعُ ثارَ ثارُوا أُسُودا
يحسُنُ الذِّكرُ عنهُمُ والأحادي ... ثُ إذا حدَّثَ الحديدُ الحديدا
في مقامٍ تخرُّ في ضَنْكِهِ البِي ... ضُ على البِيضِ ركَّعاً وسجُودا
نحنُ أبناءُ يعربٍ أعرَبُ النَّا ... سِ لساناً وأنضَرُ النَّاسِ عُودا
ملَكُوا الأرضَ قبلَ أنْ تُملَكَ الأرْ ... ضُ وقادُوا في حافَتَيْها الجُنُودا
وجَرَوْا عندَ مولِدِ الدَّهْرِ في السُّؤْ ... دُدِ والمكرماتِ شأواً بعيدا
وقال عبد الله ابن المعتزّ:
سلِي بِي إذا ما الحربُ ثارتْ بأهلِها ... ولم يكُ منها للجَبانِ قرارُ
وقامَ لها الأبطالُ بالبِيضِ والقَنَا ... وهبَّتْ رياحُ الآخرينَ فطارُوا
إذا شئتُ أوقرتُ البلادَ حوافراً ... وقامتْ ورائي هاشمٌ ونزارُ
وعمَّ السَّمَاءَ النَّقعُ حتَّى كأنَّهُ ... دخانٌ وأطرافُ الرِّماحِ شرارُ
ولي كلُّ خوَّارِ العِنانِ مجرَّبٌ ... كُميتٌ عناهُ الجريُ فهْوَ مُطارُ
كأنَّ الرِّياحَ الهُوجَ تحملُ سرجَهُ ... إذا شُدَّ منهُ محزَمٌ وعِذارُ
وعضبٌ حسامُ الحدِّ ماضٍ كأنَّهُ ... إذا لاحَ في نقعِ الكتيبةِ نارُ
وقُمْصٌ حديدٌ ضافياتٌ ذُيُولها ... لها حِلَقٌ خُزْرُ العيونِ صغارُ
وَبَيضٌ كأنصافِ البُدُورِ أبيَّةٌ ... إذا امتَحَنتْهنَّ السُّيوفُ خِيارُ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
ما زلتُ أدعُو بضوءِ الصُّبحِ مُغترباً ... يفري دُجا اللَّيْلِ منهُ شخصُ حرَّانِ
أزالَهُ الدَّهْرُ عن أهلٍ وأبدلَهُ ... أهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيرانِ
ما نالَ منْ نِعمَتي شيئاً بلحظتِهِ ... إلاَّ وسُلطانُهُ فيهِ كسُلطاني
وقدْ يشقُّ غبارَ الحربِ بِي فَرَسٌ ... مُستقدمٌ غيرُ هيَّابٍ ولا وانِي
يلقَى وجوهَ الثَّرى منهُ بأربعةٍ ... صمٍّ وعدَّتُها في الأرضِ ثِنتانِ
تَرَى حوافرَهُ إن حَثَّ راكبُهُ ... يقعنَ موقِعَ أقصَى طرفِهِ الرَّاني
سلِي فديتُكِ هل عرَّيتُ مِن مِنَني ... خَلقاً وهل رحتُ في أثوابِ منَّانِ
وهلْ نزعتُ إلى أمرٍ فلمْ يَرَهُ ... حَزْمي ولمْ يأتِهِ مِن قبلِ إتْياني
لا يأمَنُ الخائنُ النَّائي مُعاقَبَتي ... ولا يخافُ شَذاتِي الصَّاحبُ الدَّاني
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
لنا إبِلٌ ما وفَّرتْها دِياتُنا ... ولا ذعَرَتْها في الصَّباحِ الصَّوائِحُ
تقسَّمَهُنَّ الجودُ إلاَّ بقيَّةً ... تُرَدُّ عليهِ حينَ تُخشى الجوانِحُ
إذا غدرتْ ألبانُها بضُيُوفنا ... وفتْ بالقِرى لبَّاتُها والصَّفائحُ
وقيَّدَها بالنَّصلِ خِرْقٌ كأنَّهُ ... إذا جدَّ لولا ما جَنَى السَّيْفُ مازحُ
كأنَّ أكفَّ القومِ في جَفَناتِهِ ... قطاً لم ينفِّرهُ عنِ الماءِ سارحُ
فإنْ متُّ فانْعيني إلى المجدِ والتُّقى ... ولا تخْزُني دمعاً إذا قامَ نائحُ
وقُولي هَوَى عرشُ المكارِمِ والعُلا ... وعُطِّلَ ميزانٌ من العلمِ راجحُ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
لا أرحَلُ العيسَ إلى ذي نائلٍ ... ولا إلى رغبةٍ ولا رهَبْ
ولي فؤادٌ في الوَغَى مَيْتُ الرِّضا ... وحيثُ لا وترَ لهُ مَيْتُ الغَضَبْ
وليلةٍ ضمَّ إليَّ جُنْحُها ... ضَيفي وناري باليَفَاعِ تنتسبْ
جَرَى بهِ المقدارُ نحوَ عاشقٍ ... لحمدِهِ صبٍّ بتفريقِ النَّشَبْ
أنا ابنُ عبَّاسٍ إليهِ أنتَمِي ... بهِ لَعَمْرِي حزتُ أخطارَ القَصَبْ
أليسَ من أعجبِ ما يلقَى امرؤٌ ... من دهرِهِ والدَّهْرُ يأتي بالعَجَبْ
أنِّي أُرامي دونَ قوْمي وهُمُ ... يرمُونَني بكلِّ سهمٍ مِن كَثَبْ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:

وقدْ أشهَدُ الغاراتِ والموتُ حاكمٌ ... يَجُورُ بأطرافِ الرِّماحِ ويعدِلُ
بطعنٍ تضيعُ الكفُّ في لَهَواتِهِ ... وضربٍ كَمَا شُقَّ المزادُ المُرَعْبَلُ
وخيلٍ طَوَاها القَوْدُ حتَّى كأنَّها ... أنابيبُ سُمْر مِن قَنَا الخطِّ ذُبَّلُ
صَبَبْنا عَلَيْها ظالمينَ سِياطَنَا ... فطارتْ بها أيدٍ سراعٌ وأرجُلُ
أغارُ على المعروفِ في السُّخطِ والرِّضا ... وأُحسنُ في صدِّ الصَّديقِ وأُجملُ
فكلُّ الَّذي سرَّ الفَتَى قد أصبْتُهُ ... وساعَدَني منهُ أخِيرٌ وأوَّلُ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
وغمرةٍ للموتِ كشَّفْتُها ... بلهْذَمٍ من صِبغةِ الموتِ قانْ
وصَعدةٍ تُحسنُ نظمَ الحَشَى ... وتسبقُ الطَّرفَ بوَشْكِ الطِّعانْ
وأشهبٍ صيَّرتُهُ أشقراً ... مُضمَّخَ الرِّدفِ كريمَ اللَّبانْ
ومُعتفٍ صيَّرتُهُ يُعتفى ... وموثَقٍ أطلقتُهُ وهو عانْ
وحاسدٍ رامَ مَكَاني وهلْ ... يبلُغُني والمجدُ أدنَى مكانْ
وقال أيضاً:
يا عاذِلي في النَّدَى لا تعذلنَّ فتًى ... أفنَى شبابَ الغِنَى في صاغَةِ الكرمِ
هلِ الغِنَى غيرُ ما جادتْ يدايَ بهِ ... لسائلٍ ظلَّ يشكُو سطوَةَ العَدَمِ
جرَى إلى حيثُ تجرِي الرِّيحُ جودُ يَدي ... وخيَّمتْ فوقَ آفاقِ العُلا هِمَمي
تأبَى ليَ الذَّمَّ كفٌّ غيرُ جامدةٍ ... يُغنيكَ عارِضُها عنْ عارِضِ الدِّيَمِ
يا رُبَّ حربٍ تَوَاطأْتُ القَنَا قُصُداً ... فيها وخضتُ المنايا ثمَّ لمْ أَخِمِ
إذْ لا ظلالَ لَنَا إلاَّ صوارِمُنا ... ولا مشارِبَ إلاَّ مِن حياضِ دَمِ
لَدَفعُ أركانِ صرفِ الدَّهْرِ أيسَرُ مِنْ ... دفعِ عُداةِ الوَغَى عنْ مُستوى قَدَمي
وقال أيضاً:
وغادَرَ منِّي الدَّهْرُ عضباً مهنَّداً ... يفلُّ شَبَا خصْمي وقلباً مُشيَّعا
وجوداً يحلُّ الكفَّ عنْ خيرِ مالِها ... إذا عُقدتْ كفُّ البَخيلِ تَمَنُّعا
ورأياً كمِرآةِ الصَّناعِ أَرَى بهِ ... سرائرَ غيبِ الدَّهْرِ حيثُ تلفَّعا
وقال أيضاً:
إذا أنا لم أجزِ الزَّمَانَ بفعلِهِ ... تقلَّبَ منِّي الدَّهْرُ في جانبٍ سهلِ
عزمتُ فما أُعطي الحوادثَ طاعةً ... وليسَ يطيعُ الحادثاتِ فتًى مِثلي
إذا ضحكتْ حربٌ عن البِيضِ والقَنَا ... رأيتَ الدُّموعَ تَجري على نَصْلي
أَبَينا سَمَاحاً أن نَصُونَ تُراثَنَا ... عنِ الضَّيفِ والعافينَ في الخِصبِ والمحْلِ
ونُصلحُ ما أبقَى لَنَا منهُ جودُنا ... لنَجْزي ما عِشنا على عادةِ الفضلِ
وقال أبو الطَّيِّب المتنبِّي من قصيدةٍ:
سأطلُبُ حقِّي بالقَنَا ومشايخٍ ... كأنَّهم مِن طولِ ما أُلْثموا مُرْدُ
ثقالٍ إذا لاقَوْا خِفافٍ إذا دُعُوا ... كثيرٍ إذا شَدُّوا قليلٍ إذا عُدُّوا
وطعنٍ كأنَّ الطَّعنَ لا طعنَ عندَهُ ... وضربٍ كأنَّ النَّارَ من حرِّهِ برْدُ
إذا شئتُ حفَّت بي على كلِّ سابحٍ ... رجالٌ كأنَّ الموتَ في فمِها شهدُ
ومنْ نكَدِ الدُّنيا على الحرِّ أن يَرَى ... عدوّاً لهُ ما مِن صداقتِهِ بدُّ
بقلبي وإنْ لم أروَ منها مَلالةٌ ... وبي عنْ غَوانيها وإنْ وَصلتْ صدُّ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
أُهمُّ بشيءٍ واللَّيالي كأنَّها ... تُطاردُني عن كونِهِ وأُطاردُ
وحيدٌ من الخلاَّنِ في كلِّ بلدةٍ ... إذا عظمَ المطلوبُ قلَّ المساعدُ
وتُسعدُني في غمرةٍ بعدَ غمرةٍ ... سبوح لها منها عَلَيْها شواهدُ
تَثَنَّى على قدرِ الطِّعانِ كأنَّما ... مفاصلُها تحتَ الرِّماحِ مَراودُ
وأُوردُ نفسي والمهنَّدُ في يَدي ... مواردَ لا يُصدرنَ مَنْ لا يُجالدُ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
عشْ عزيزاً أو متْ وأنتَ كريمٌ ... بينَ طعنِ القَنَا وخفقِ البنودِ
فرؤوسُ الرِّماحِ أذهَبُ للغيْ ... ظِ وأشفَى لغِلّ صدرِ الحَقُودِ
لا بقومي شَرُفتُ بل شَرُفوا بي ... وبنفسي فخرتُ لا بجُدودي

إنْ أكنْ مُعجَباً فعجبُ عَجيبٍ ... لم يجدْ فوقَ نفسِهِ من مَزيدِ
أنا تربُ النَّدَى وربُّ القوافي ... وسمامُ العِدا وغيظُ الحَسُودِ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
ولا بدَّ من يومٍ أغرَّ محجَّلٍ ... يطولُ استِماعي بعدَهُ للنَّوادِبِ
يهونُ على مِثلي إذا رامَ حاجةً ... وقوعُ العَوَالي دونَها والقواضِبِ
إليَّ لَعَمْرِي قصدُ كلِّ عجيبةٍ ... كأنِّي عجيبٌ في عُيُونِ العجائِبِ
بأيِّ بلادٍ لم أجرَّ ذَوَائبي ... وأيُّ مكانٍ لم تطأْهُ رَكائِبِي
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
وجاهلٍ مدَّهُ في جهلِهِ ضَحِكي ... حتَّى أتتهُ يدٌ فرَّاسةٌ وَفَمُ
إذا رأيتَ نيوبَ اللَّيثِ بارزةً ... فلا تظنَّنَّ أنَّ اللَّيثَ مبتسمُ
ومهجة مهجتي من همِّ صاحِبِها ... أدركْتُها بجوادٍ ظهرُهُ حَرَمُ
رِجلاهُ في الرَّكضِ رجلٌ واليدانِ يدٌ ... وفعلُهُ ما تريدُ الكفُّ والقَدَمُ
ومُرهفٍ سرتُ بين الجحْفَلَينِ بهِ ... حتَّى ضربتُ وموجُ البحرِ يلتطمُ
فالخيلُ واللَّيْلُ والبيداءُ تعرفُني ... والطَّعنُ والضَّربُ والقِرطاسُ والقَلَمُ
أنا الَّذي نظَرَ الأعمى إلى أَدَبي ... وأسمعتْ كلِماتي مَن بهِ صَمَمُ
ما أبعَدَ العيبَ والنُّقصانَ عن شَرَفي ... أنا الثُّريَّا وذانِ الشَّيبُ والهَرَمُ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
وفي الجسمِ نفسٌ لا تشيبُ بشيبةٍ ... ولو أنَّ ما في الوجهِ منهُ حرابُ
لها ظُفُرٌ إنْ كلَّ ظفرٌ أُعدُّهُ ... ونابٌ إذا لم يبقَ في الفمِ نابُ
يُغيّرُ منِّي الدَّهْرُ ما شاءَ غيرَهَا ... وأبلغُ أقصَى العمرِ وهي كَعَابُ
وإنِّي لنجمٌ تهتَدي بيَ صُحبتي ... إذا حالَ مِن دونِ النُّجومِ سحابُ
غنيٌّ عنِ الأوطانِ لا يستفزُّني ... إلى بلدٍ سافرتُ عنهُ إيابُ
وعنْ ذَملانِ العيسِ إنْ سامحتْ بهِ ... وإلاَّ ففي أكوارهنَّ عُقابُ
وأصْدى فلا أُبدي إلى الماءِ حاجَةً ... وللشَّمسِ فوقَ اليعْمَلاتِ لُعابُ
وللسِّرِّ منِّي موضعٌ لا ينالُهُ ... نديمٌ ولا يُفضي إليهِ شرابُ
والخَوْدِ منِّي ساعةٌ ثمَّ بينَنَا ... فلاةٌ إلى غيرِ اللِّقاءِ تُجابُ
وغيرُ فؤادي للغَوَاني رميَّةٌ ... وغيرُ بَنَاني للزُّجاجِ ركابُ
تَرَكنا لأطرافِ القَنَا كلَّ شهوةٍ ... فليسَ لنا إلاَّ بهنَّ لِعابُ
نُصرِّفُهُ للطَّعنِ فوقَ حواذرٍ ... قد انقصَفَتْ فيهنَّ منهُ كِعابُ
أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ ... وخيرُ جليسٍ في الزَّمَانِ كِتابُ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
أبدُو فيسجُدُ مَن بالسّوءِ يذكُرُني ... ولا أُعاتبُهُ صفحاً وإهوانا
وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطني ... إنَّ النَّفيسَ غريبٌ حيثُما كانا
محسَّدُ الفضلِ مكذوبٌ على أَثَري ... ألْقى الكميَّ وَيَلقاني إذا حانا
لا أشرئبُّ إلى ما لم يفتْ طمعاً ... ولا أبيتُ على ما فاتَ حَسْرانا
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
لقد تصبَّرتُ حتَّى لاتَ مصطَبَرٍ ... فالآن أُقحمُ حتى لاتَ مُقتحمِ
لأتركنَّ وجوهَ الخيلِ ساهمَةً ... والحربُ أقوَمُ مِن ساقٍ على قَدَمِ
والطَّعن يحرقُها والزَّجرُ يقلِقُها ... حتَّى كأنَّ بها ضرباً منَ اللَّممِ
قد كلَّمتْها العَوَالي فهي كالحةٌ ... كأنَّما الصَّابُ معصوبٌ على اللَّجمِ
بكلِّ منصلتٍ ما زالَ منتظِري ... حتَّى أدلْتُ لهُ مِن دولةِ الخَدَمِ
شيخٌ يَرَى الصَّلواتِ الخمسَ ناقلَةً ... ويستحلُّ دمَ الحجَّاجِ في الحرمِ
وكلّما نُطحتْ تحتَ العجاجِ بهِ ... أُسدُ الكتائِبِ رامتْهُ ولم يَرَمِ
تُنسي البلادَ بروقَ الجوِّ بارِقتي ... وتَكتفي بالدّمِ الجاري منَ الدِّيَمِ
رِدي حياضَ الرَّدى حَوباءُ واتَّرِكي ... حياضَ خوفِ الرَّدى للشَّاءِ والنَّعمِ
إنْ لم أزدكِ على الأرماحِ سائلَةً ... فلا دُعيتُ ابنَ أُمِّ المجدِ والكرمِ
أيملِكُ الملكَ والأسيافُ ظامئةٌ ... والطَّيرُ جائعةٌ لحمٌ على وَضَمِ

مَنْ لو رآني ماءً ماتَ من ظمأٍ ... ولو مَثَلتُ لهُ في النَّومِ لمْ يَنَمِ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
وما سَكَني سِوى قتلِ الأعادي ... فهلْ من زَورةٍ تشفي القُلُوبا
تظلُّ الطَّيرُ منها في حديثٍ ... تردُّ بهِ الصَّراصرَ والنَّعيبا
وقدْ لبستْ دماؤهُمُ عليهمْ ... حِداداً لم تشقَّ لها جُيُوبا
أَدَمنا طعنهمْ والقتلَ حتَّى ... خلطْنا في عظامهمُ الكُعُوبا
كأنَّ خيولَنَا كانتْ قديماً ... تُسقَّى في قُحُوفهمُ الحَليبا
فمرَّتْ غيرَ نافرةٍ عليهمْ ... تدوسُ بنا الجماجمَ والتَّريبا
يُقدِّمُها وما خُضبتْ شَوَاها ... فتًى الحروبُ بهِ الحُرُوبا
شديدُ الخُنْزُوانَةِ لا يُبالي ... أصابَ إذا تنمَّرَ أمْ أُصيبا
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
أُفكِّرُ في مُعاقرةِ المَنَايا ... وقوْدِ الخيلِ مشرفةَ الهَوَادي
زعيماً للقَنَا الخطِّيِّ عزْمي ... بسفكِ دَمِ الحواضِرِ والبَوَادي
إلى كمْ ذا التَّخلُّفُ والتَّواني ... وكم هذا التَّمادي في التَّمادي
وشغلُ النَّفسِ عن طلبِ المَعَالي ... ببيعِ الشِّعرِ في سوقِ الكَسَادِ
وما ماضي الشَّبابِ بمستردٍّ ... ولا يومٌ يمرُّ بمُستعادِ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
جَفَتني كأنِّي لستُ أَنطقَ قومِها ... وأطعَنهم والشُّهبُ في صورةِ الدُّهْمِ
يُحاذرُني حَتفي كأنِّيَ حتفُهُ ... وتنكُزني الأفعَى فيقتلُها سُمِّي
طوالُ الرُّدَينيَّاتِ يقصفُها دَمي ... وبيضُ السُّرَيْجيَّاتِ يقطَعُها لحمِي
برتْني السُّرى برْيَ المُدى فتركْنَني ... أخفَّ على المركوبِ من نَفسي جِرْمِي
وأبصَرَ منْ زرقاء جوٍّ لأنَّني ... إذا نظرتْ عينايَ شاءهُما عِلْمي
كأنِّي دَحَوْتُ الأرضَ مِن خِبرتي بها ... كأنِّي بَنى الإسكندَرُ السَّدَّ مِن عَزمي
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
محبٌّ كَنى بالبِيض عن مُرهفاتِهِ ... وبالحُسنِ في أجسامهنَّ عن الصَّقلِ
وبالسُّمرِ عن سُمرِ القَنَا غير أنَّني ... جَنَاها أحبائي وأطرافُها رُسْلي
عدِمتُ فؤاداً لم تبتْ فيه فضلةٌ ... لغيرِ الثَّنايا الغرِّ والحَدَقِ النُّجْلِ
فما حرَّمتْ حسناءُ بالهجرِ غِبطَةً ... ولا بلَّغَتْها مَن شَكَا الهجرَ بالوصلِ
ذَريني أنلْ ما لا يُنالُ من العُلا ... فصعبُ العُلا في الصَّعبِ والسَّهلُ في السَّهلِ
تريدينَ لُقيانَ المَعَالي رخيصَةً ... ولا بدَّ دونَ الشَّهدِ من إبرِ الَّنحلِ
وقال من قصيدةٍ يرثي جدّته:
لئنْ لذَّ يومُ الشَّامتينَ بموْتها ... فقد ولدتْ منِّي لآنافِهِمْ رَغما
تَغرّبَ لا مستعظماً غيرَ نفسِهِ ... ولا قابلاً إلاَّ لخالقِهِ حُكما
ولا سالكاً إلاَّ فؤادَ عجاجةٍ ... ولا واجداً إلاَّ لمكرمةٍ طَعما
يقولونَ لي ما أنتَ في كلِّ بلدةٍ ... وما تبتَغي ما أبتَغي جلَّ أنْ يُسمَى
كأنَّ بَنيهمْ عالمونَ بأنَّني ... جَلُوبٌ إليهم من معادنِهِ اليُتما
ولكنَّني مُستنصرٌ بذُبابِهِ ... ومُرتكبٌ في كلِّ حالٍ بهِ الغَشْما
وجاعلُه يومَ اللِّقاءِ تحيَّتي ... وإلاَّ فلستُ السَّيِّدَ البطلَ القِرما
إذا قلَّ عزمي عن مدًى خوفَ بعدِهِ ... فأبعَدُ شيءٍ ممكنٌ لم يجدْ عَزْما
وإنِّي لمنْ قومٍ كأنَّ نُفُوسَنَا ... بها أَنَفٌ أن تسكنَ اللَّحمَ والعَظْما
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
تمرستُ بالآفاتِ حتَّى تركتُها ... تقولُ أماتَ الموتُ أم ذُعِرَ الذُّعرُ
وأقدمتُ إقدامَ الأتيّ كأنَّ لي ... سوى مهجتي أو كانَ لي عندهَا وترُ
ذَرِ النَّفسَ تأخذ وُسعَهَا قبلَ بينِها ... فمفترقٌ جارانِ دارُهما العمرُ
ولا تحسَبَنَّ المجدَ زِقّاً وقَينةً ... فما المجدُ إلاَّ السَّيْفُ والفتكةُ البِكرُ
وتضريبُ أعناقِ الملوكِ وأن تُرى ... لكَ الهَبواتُ السُّودُ والعسكرُ المَجْرُ
وتركُكَ في الدُّنيا دويّاً كأنَّما ... تَداولَ سمعَ المرءِ أنمُلُهُ العشرُ

عليَّ لأهلِ الجَورِ كلُّ طمرَّةٍ ... عَلَيْها غلامٌ ملءُ حيزُومِهِ غِمرُ
يديرُ بأطرافِ الرِّماحِ عليهُمُ ... كؤوسَ المَنَايا حيثُ لا تُشتهَى الخمرُ
وقال أيضاً من القصيدة الَّتي أوَّلها:
حتَّى مَ نحنُ نُساري النَّجمَ في الظُّلَمِ
في بعض النسخ:
أنا الزَّعيمُ بأنْ أُغزي ديارهُمُ ... خَيلي فتغدُو وما فيهنَّ مِن إرَمِ
في فتيةٍ مِن بَني حامٍ وجوههُمُ ... في الخطبِ بيضٌ وإن أصبحْنَ كالحممِ
يلقَى مُحاربُهُمْ قِدماً منِيَّتَهُ ... فليسَ يقتَلُ إلاَّ غيرَ منهزمِ
وما انتِظاري وسَيفي ليسَ يوحشُهُ ... في راحَتي قلَّةُ الأعوانِ والحَشَمِ
لولا مُحافظَةٌ منِّي لَنَازَلَني ... حبُّ النُّزولِ على الأعناقِ والقِممِ
ولوْ يُسلّ بآنافٍ برِمْتُ بها ... شُمٍّ لَغادَرَها جُدْعاً بلا شَمَمِ
أفْديهِ مِن صاحبٍ ما زالَ قائمُهُ ... يُذِمُّ لي حينَ ألْقى مُخفِرَ الذِّممِ
لمَّا وَفَى دونَ النَّاسِ أمَّنني ... كلَّ امرئ غادِرِ الأخلاقِ والشِّيمِ
كم قدْ سقيتُ ظُباهُ مِنْ نجيعِ دمٍ ... في حينِ يُسقى بهِ مِن باردٍ شَبِمِ
يَخيمُ عِندي شجاعٌ لوْ يُفاجئُهُ ... ليثُ العَرينِ أبو الأشبالِ لم يخِمِ
ينفِّرُ الخيلَ منِّي بعدَ فاتِكِها ... قَوْدي وإقحامُها في كلِّ مُقتحَمِ
مَضَى وقدْ عوَّدتْني البِيضُ عادَتَها ... ضربَ الرّؤوسِ وهتكَ البَيضِ واللِّممِ
مَن يعفِرُ الأُسدَ غَيري بعدَ عافِرِها ... أبي شُجاعٍ وقدْ أفضَى إلى الرُّجُمِ
وقال أبو فراس الحارث بن سعيد الحمدانيّ:
وإنِّي لنزَّالٌ بكلِّ مَخُوفةٍ ... كثيرٌ إلى نُزَّالِها النَّظَرُ الشَّزْرُ
وإنِّي لجرَّارٌ لكلِّ كتيبةٍ ... معوَّدةٍ أنْ لا يُخلَّ بها النَّصرُ
فأظمأُ حتَّى ترتَوي البِيضُ والقَنَا ... وأسغَبُ حتَّى يشبَعَ الذِّئبُ والنَّسرُ
ويا رُبَّ دارٍ لمْ تَخَفني مَنيعةٍ ... طلعتُ عَلَيْها بالرَّدى أنا والفجرُ
ولا باتَ يُطْغيني بأثوابِهِ الغِنَى ... ولا باتَ يَثنيني عن الكرمِ الفقرُ
وما حاجَتي بالمالِ أبْغي وُفُورهُ ... إذا لمْ أَفْر عِرضي فلا وفَرَ الوفرُ
سيذكُرني قَومي إذا جدَّ جدُّهمْ ... وفي اللَّيلةِ الظَّلماءِ يُفتقدُ البدرُ
ولو سدَّ غَيري ما سَدَدتُ اكتَفَوْا بهِ ... وما كانَ يغلُو التِّبرُ لو نَفَق الصُّفرُ
ونحنُ أُناسٌ لا توسُّطَ عندَنَا ... لنا الصَّدرُ دونَ العالمينَ أو القبرُ
وقال أيضاً:
لنا أوَّلٌ في المكرماتِ وآخرُ ... وباطنُ مجدٍ تغلبيٍّ وظاهرُ
تبوَّأتُ من قَرْمَيْ مَعَدٍّ كلَيهما ... مَكَاناً أراني كيفَ تُبنَى المفاخرُ
أُناضلُ عن أحسابِ قومِي بفضلِهِ ... وأفخَرُ حتَّى لا أَرَى مَنْ يُفاخرُ
وأسْعى لأمرٍ عُدَّتي لمنالِهِ ... أَوَاخِيُّ مِن آرائِهِ وأواصرُ
أنا الحارثُ المُختارُ مِن نسلِ حارثٍ ... إذا لمْ تسُدْ في القومِ إلا الأخايِرُ
يسرُّ صَديقي أنَّ أكثَرَ واصِفِي ... عدوِّي وإنْ ساءتْهُ المفاخرُ
وهلْ تُجحَدُ الشَّمْسُ المنيرَةُ ضَوْءها ... ويستَرُ نورُ البدرِ والبدرُ زاهرُ
وقال أيضاً:
إذا كانَ منَّا واحدٌ في قبيلةٍ ... عَلاها وإن ضاقَ الخناقُ حَمَاها
وما اشْتَورتْ إلاَّ وأصبحَ شيخَهَا ... ولا أحْرَبَتْ إلاَّ وكانَ فَنَاها
ولا ضُربتْ بينَ القبابِ قبابُهُ ... وأصبَحَ مأوَى الطَّارقينَ سِواها
وقال أيضاً:
إذا مررتَ بوادٍ جاشَ غاربُهُ ... فاعقلْ قَلُوصكَ وانزلْ ذاكَ وَادِينا
وإنْ عبرتْ بنادٍ لا تُطيفُ بهِ ... أهلُ السَّفاهةِ فاجلسْ ذاكسَ نادِينا
نُغيرُ في الهجمةِ الغرَّاءِ ننحرُها ... حتَّى ليعطَشَ في الأحيانِ راعينا
وتجفلُ الشَّولُ بعدَ الخمسِ صاديةً ... إذا سمعنَ على الأمواهِ حادِينا
وتُصبحُ الكُومُ أشتاتاً مروَّعةً ... لا تأمَنُ الدَّهْرَ إلاَّ من أعادِينا

ويصبحُ الضَّيفُ أوْلانا بمنزِلِنا ... نرضَى بذاكَ ويَمضي حكمُهُ فِينا
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
لقدْ ضلَّ مَن تَحوي هواهُ خَريدَة ... وقدْ ذلَّ مَن تَقضي عليهِ كَعابُ
ولكنَّني والحمدُ للهِ حازمٌ ... أعزُّ إذا ذلَّتْ لهنَّ رِقابُ
ولا تملكُ الحسناءُ قلبي كلَّهُ ... وإنْ شمِلتْها رقَّةٌ وشبابُ
وأجري ولا أُعطي الهَوَى فضلَ مِقوَدي ... وأهفُو ولا يَخْفى عليَّ صوابُ
إذا الخِلُّ لم يهجركَ إلاَّ ملالةً ... فليسَ لهُ إلاَّ الفراقَ عِتابُ
إذا لم أجدْ من خلَّةٍ ما أُريدُهُ ... فعندي لأُخرى عزمةٌ ورِكابُ
صبورٌ ولوْ لم تبقَ منِّي بقيَّةٌ ... قؤولٌ ولو أنَّ السُّيوفَ جوابُ
وقورٌ وأحداثُ الزَّمَانِ تَنُوشُني ... وللموتِ جوْلي جيئةٌ وذَهَابُ
وألحَظُ أحوالَ الزَّمَانِ بمقلةٍ ... بها الصِّدقُ والكِذَابُ كِذَابُ
وما كلُّ فعَّالٍ يُجازى بفعلِهِ ... ولا كلُّ قوَّالٍ لديَّ يجابُ
وربَّ كلامٍ مرَّ فوقَ مسامِعِي ... كما طنَّ في لُوحِ الهجيرِ ذُبابُ
ستذكُرُ أيَّامي نُميرٌ وعامرٌ ... وكعبٌ على علاَّتها وكِلابُ
أنا الجارُ لا زادِي بطيءٌ عليهُمُ ... ولا دونَ مالي للحوادِثِ بابُ
ولا أطلُبُ العوراءَ منهمْ أُصيبُها ... ولا عَوْرَتي للطَّالبينَ تُصابُ
وقال لابن عمّه سيف الدولة يعاتبه:
فليتَكَ تحلُو والحياةُ مريرةٌ ... وليتَكَ ترضَى والأنامُ غضابُ
وليتَ الَّذي بيني وبينكَ عامرٌ ... وبيني وبينَ العالمينَ خرابُ
وقال أيضاً:
غَيري يغيِّرُهُ الفِعالُ الجافي ... ويَحُولُ عن شيمِ الكريمِ الوافي
لا أرتَضي ودّاً إذا هوَ لم يدمْ ... عندَ الجفاءِ وقلَّةِ الإنصافِ
تعِسَ الحريصُ وقلَّ ما يأتِي بهِ ... عِوضاً عن الإلحاحِ والإلحافِ
إنَّ الغنيَّ هو الغنيُّ بنفسِهِ ... ولَوَ أسنَّهُ عاري المناكب حافِ
وتعافُ لي طَمَعَ الحريص أُبوَّتي ... ومُروءتي وقَنَاعتي وعَفَافي
ما كثرَةُ الخيلِ الجيادِ بزائِدِي ... شرفاً ولا عَدَدُ السَّوامِ الضَّافي
خيلي وإن قلَّتْ كثيرٌ نفعُها ... بينَ الصَّوارِمِ والقَنَا الرَّعَّافِ
ومكارمي عددُ النُّجومِ ومنزِلِي ... مأوَى الكرام ومنزلُ الأضيافِ
لا أقْتني لصروفِ دَهري عدَّةً ... حتَّى كأنَّ صروفَهُ أحلافي
شيَمٌ عُرفتُ بهنَّ مذ أنا يافعٌ ... ولقد عَرَفتُ بمثلها أسْلافي
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
وما المرءُ إلاَّ حيثُ يجعَلُ نفسَهُ ... وإنِّي لها فوقَ السِّماكينِ جاعِلُ
وللوفرِ مِتلافٌ وللحمدِ جامعٌ ... وللشَّرِّ ترَّاكٌ وللخيرِ فاعلُ
فمثليَ مَنْ نالَ المَعَالي بنفسِهِ ... ورُبَّتَما عالَتْهُ عنها الغَوائلُ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
تطالبُني بيضُ الصَّوارِمِ والقَنَا ... بنا وعَدَتْ جدَّيَّ فيَّ المَخَايلُ
ولستُ بِجَهْمِ الوجهِ في وجهِ صاحِبِي ... ولا قائل للضَّيفِ هلْ أنتَ راحلُ
ينالُ اختيارَ الصَّفحِ عنْ كلِّ مُذنبٍ ... له عندَنَا ما لا تنالُ الوسائلُ
أصاغِرُنا في المكرماتِ أكابرٌ ... أواخِرُنا في المأْثُراتِ أوائلُ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
نَدَبْتَ لحسنِ الصَّبرِ قلبَ نجيبِ ... ونادَيْت بالتَّسليمِ خيرَ مُجيبِ
ولمْ يبقَ منِّي غيرُ قلبٍ مشيَّعٍ ... وعُودٍ على نابِ الزَّمَانِ صليبِ
لَقيتُ من الأيَّامِ كلَّ عظيمةٍ ... وقابَلَني دَمعي بوجهِ قَطُوبِ
ولم ينتقصْ منِّي تشعُّبُ حادثٍ ... ولا كرهتْ نفسي لقاءَ شعُوبِ
وقدْ علمتْ أُمِّي بأنَّ منيَّتي ... بحدِّ سنانٍ أو بحدِّ قضيبِ
كما علمتْ مِنْ قبلِ أنْ يغرقَ ابنُها ... بمهلكِهِ في الماءِ أُمُّ شَبيبِ
تجشَّمتُ خوفَ العارِ أعظَمَ خطَّةٍ ... وأمَّلتُ نصراً كانَ غيرَ قريبِ
وللعارِ خلَّى ربُّ غسَّانَ ملكَهُ ... وفارَقَ دينَ اللهِ غيرَ مُصيبِ

ولم يرتغِبْ في العيشِ عيسى بنُ مصعبٍ ... ولا خفَّ خوفَ الحربِ قلبُ حَبيبِ
رضيتُ لنفْسي كانَ غيرَ موفَّقٍ ... ولم ترضَ نفْسي كانَ غيرَ نَجيبِ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
ألمْ تَرَنا أعزَّ النَّاسِ جاراً ... وأمرعَهُم وأمنعَهُمْ جَنَابا
لنا الجبلُ المطلُّ على نزارٍ ... حَلَلْنا النَّجدَ منهُ والهضابا
وقدْ علمتْ رَبيعَةُ بلْ نزارٌ ... بأنَّا الرَّأسُ والنَّاسَ الذُّنابى
ولمَّا ثارَ سيفُ الدِّينِ ثُرنا ... كما هيَّجتْ آساداً غِضابا
أسنَّتهُ إذا لاقى طِعاناً ... صوارمُهُ إذا لاقى ضرابا
دَعَانا والأسنَّةُ مشرعاتٌ ... فكنَّا عندَ دعوتِهِ الجَوَابا
صنائعُ فاقَ صانِعُها ففاقتْ ... وغرسٌ طابَ غارسُهُ فطابا
وكنَّا كالسِّهامِ إذا أصابتْ ... مَرامِيها فَرَاميها أَصَابا
وقال أيضاً:
ومُضطغِنٍ يراودُ فيَّ عيباً ... سيلْقاهُ إذا سُكنتْ وَبَارُ
وأحسبُ أنَّه سيجرُّ حرباً ... على قومٍ ذُنُوبهُمُ صغارُ
كما خزيتْ برَاعيها نُميرٌ ... وجرَّ على بَني أَسَدٍ يَسَارُ
إذا ما العزُّ أصبَحَ في مكانٍ ... سموتُ لَهُ وإنْ بعُدَ المزارُ
مُقامي حيثُ لا أهْوى قليلٌ ... ونَومي عندَ مَنْ أقْلِي غِرارُ
أبتْ لي همَّتي وغِرارُ سيفي ... وعَزمي والمطيَّةُ والقِفارُ
ونفسٌ لا تجاوِرُها الدَّنايا ... وعِرضٌ لا يرفُّ عليهِ عارُ
وقومٌ مثلُ مَن صَحبوا كرامٌ ... وخيلٌ مثلُ مَن حملتْ خِيارُ
وخيلٌ خفَّ جانِبُها فلمَّا ... ذُكرنا بينَهَا نُسيَ الفرارُ
إذا أمستْ نزارُ لنا عَبيداً ... فإنَّ النَّاسَ كلُّهُمُ نزارُ
وقال أيضاً:
وأنا الَّذي ملأَ البسيطَةَ كلَّها ... ناري وطنَّبَ في السَّمَاءِ دُخاني
ولطالَمَا حطَّمتُ صدرَ مثقَّفٍ ... ولطالَمَا أرعفتُ أنفَ سِناني
إنْ لم تكنْ طالتْ سنِّي فإنَّ لي ... رأْيُ الكهولِ ونجدَةَ الشُّبَّانِ
قَمِنٌ بما ساءَ الأعادي موقفي ... والدَّهْرُ يبرزُ لي معَ الأقرانِ
أو أنْ تَكون وقيعةٌ مشهورةٌ ... ما لي بها أثرٌ معَ الفرسانِ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
ممالكُنا مَكَاسبُنا إذا ما ... توارَثَها رجالٌ عنْ رجالِ
وما تَجني سَرَاةُ بني أبينا ... سوَى ثمراتِ أطرافِ العوالي
نمدُّ بيوتَنَا في كلِّ فجٍّ ... بهِ بينَ الأراقِمِ والصِّلالِ
مخافَةَ أنْ يقالَ بكلِّ أرضٍ ... بنو حمدانَ كُفُّوا عنْ قتالِ
ومَنْ وَرَدَ المهالكَ لم ترعْهُ ... رَزَايا الدَّهْرِ في أهلٍ ومالِ
ألا هلْ مُنكرٌ يا بني نزارٍ ... مَقامي يومَ ذلكَ أو مَقَالي
تركتُ ذوابلَ المُرَّانِ فيها ... مخضَّبةً محطَّمَةَ الأعالي
وعدتُ أجرُّ رُمحي عنْ مقامٍ ... تحدِّثُ عنهُ ربَّاتُ الحِجالِ
ومُهري لا يمسُّ الأرضَ زهواً ... كأنَّ تُرابها قطبُ النَّبالِ
كأنَّ الخيلَ تعرفُ مَنْ عَلَيْها ... ففي بعضٍ على بعضٍ تَعَالِ
عَلَيْنا أنْ نُعاودَ كلَّ يومٍ ... رخيصٌ عندَهُ المهَجُ الغَوالي
وقال أيضاً:
إذا ما عنَّ لي أَرَبٌ بأرضٍ ... ركبتُ لَهُ ضميناتِ النَّجاحِ
ولي عندَ العداةِ بكلَّ أرضٍ ... دُيُونٌ في كَفَالاتِ الرِّماحِ
يخفُّ بها إلى الغَمَراتِ طودٌ ... منَ الأطوادِ ممتنعُ النَّواحي
أشدُّ الفارسينِ وإنْ أبَرَّا ... أخفُّ الفارسينِ إلى الصِّياحِ
لأملاكِ البلادِ عليَّ طعنٌ ... يحلُّ عزيمَةَ الدِّرعِ الوَقَاحِ
ويومٍ للكماةِ بهِ اعتناقٌ ... ولكنَّ التَّصافُحَ بالصِّفاحِ
أُصاحبُ كلَّ خالٍ بالتَّجافي ... وآسُو كلَّ داءٍ بالسَّماحِ
وقال أيضاً:
لنا بيتٌ على عُنُقِ الثُّريَّا ... بعيدُ مذاهِبِ الأكنافِ سامِ
تُظلِّلهُ الفوارسُ بالعَوَالي ... وتفرشُهُ الولائدُ بالطَّعامِ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
لقيتُ نُجُومَ الأُفقِ وهي صوارمٌ ... وخُضتُ سوادَ اللَّيْلِ وهو خُيُولُ

ولمْ أرعَ للنَّفسِ الكريمةِ خلَّةً ... عشيَّةَ لمْ يعطفْ عليَّ خليلُ
ولكنْ لقيتُ الموتَ حتَّى تركتُها ... وفيها وفي حدِّ الحُسامِ فُلُولُ
إذا اللهُ لم ينصرْكَ لم تلقَ ناصراً ... وإنْ جلَّ أنصارٌ وعزَّ قبيلُ
وإنْ هوَ لمْ يدلُلْكَ في كلِّ مسلكٍ ... ضللتَ ولوْ أنَّ السِّماكَ دليلُ
وما لمْ يُرِدهُ الله في الأمرِ كلِّهِ ... فليسَ لمخلوقٍ إليهِ سبيلُ
وقال أبو العشائر الحمدانيّ:
أَأَخا الفوارِسِ لو رأيتَ مواقِفِي ... والخيل مِنْ خيلِ الفوارِسِ تنحطُ
لقرأْتَ منها ما تخطُّ يَدُ الوَغَى ... والبِيضُ تشكُلُ والأسنَّةُ تنقطُ
وقال أبو زهير مهلهل بن نصر بن حمدان:
وقدْ علِمتْ بما لاقتْهُ منَّا ... قبائلُ يعربٍ وابْنَيْ نزارِ
لقيناهمْ بأرماحٍ طوالٍ ... تبشِّرُهُمْ بأعمارٍ قصارِ
وقال أبو نصر بن نباتة السَّعديّ:
ولو يكونُ سوادُ الشّعرِ في ذممي ... ما كانَ للشَّيبِ سلطانٌ على اللِّمَمِ
فالحزمُ والعزمُ في الأقوامِ من خُلُقي ... كما الفصاحَةُ في الأقوالِ منْ كلِمي
ما زلتُ أعطفُ أيَّامي فتمنَحُني ... نيلاً أدقَّ منَ المعدومِ في العَدَمِ
حتَّى تخوَّفَ صرفُ الدَّهْرِ بادِرَتي ... فردَّ كفِّي وأوْمى أنْ يسدَّ فمِي
وما أظنُّ بناتِ الدَّهر تترُكُني ... حتَّى تسدَّ عَلَيْها طُرقَهَا هِممي
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
وعنَّفني في مركبِ الموتِ معشرٌ ... وقالوا أيَهْوَى الجدبَ من كانَ في الخصبِ
وإنِّي لأدرِي أنَّ في العجزِ راحَتي ... وأعلَمُ أنَّ السَّهلَ أو طامِنَ الصَّعبِ
ولو طلَبَ النَّاسُ المَعَالي كلُّهُمْ ... لكانَ الغِنَى كالفقرِ والعبدُ كالرَّبِّ
ولكنَّ أشخاصَ المعالي خفيَّةٌ ... على كلِّ عينٍ ليسَ تبصرُ باللُّبِّ
لقدْ زادَني حربُ الزَّمَانِ تجارباً ... فلا عشتُ في يومٍ بلا حربِ
ومَنْ يكُ يعتادُ الكُرُوبَ فؤادُهُ ... فإنَّكَ يا قلبي خُلقتَ منَ الكرْبِ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
ومغرورٍ يحاولُ نيلَ شأْوي ... فقلتُ لهُ الكواكبُ لا تنالُ
يُعاين في المكارمِ فيض كفِّي ... ويزعم أنَّه ذهبَ النَّوالُ
أُحمِّلُ ضَعفَ جِسمي فضلَ نَفْسي ... ونفْسي ليسَ تحملُها الجبالُ
وقال أيضاً:
وأنا البصيرُ بكلِّ علمٍ غامضٍ ... فإذا رأيتُ مذلَّةً فأنا العَمِي
والذّلُّ أثقلُ مِن جبالِ تِهامةٍ ... عِندي وأعذَبُ منهُ طعمُ العلقمِ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
إذا ما هززتَ العُزَّالَ نُباتَةٍ ... هززتَ مُتُونَ المُرهفاتِ القواضِبِ
ألا نادِ في الأحياءِ هلْ من مُفاخرٍ ... يُفاخرُنا في النَّاسِ أوْ مِنْ مُحارِبِ
ونحنُ بَنُو سعدٍ تزورُ جِفانُنا ... أباعِدَنَا في الجدبِ قبلَ الأقارِبِ
إذا السَّنَةُ العُظمى أناختْ بمعشرٍ ... أنَخْنا إليهمْ باللُّهى والرَّغائبِ
نَزَلنا منَ السَّبعِ السَّمواتِ منزلاً ... وَضَعْنا بهِ الأقدامَ فوقَ الكواكِبِ
وقال أبو محمَّد بنُ وكيع من قصيدةٍ:
لي همَّةٌ ليسَ تَرضى أنْ يكونَ لها ... صرفُ الزَّمَانِ ومَن فيهِ منَ الخَدَمِ
إن لم أكنْ فارسَ الهيجاءِ مِن هَوَجٍ ... فإنَّني فارسُ القِرطاسِ والقلمِ
إنِّي امرؤٌ كِسرويٌّ حين تنسُبُني ... من كلِّ أروَعَ سامي الطَّرفِ ذي شممِ
أنْمي إلى معشرٍ كالقطرِ عدَّتهمْ ... وواحدٌ منهمُ يُغني عن الأُممِ
لو أنَّ آراؤهمْ في ظلمةٍ نَجَمتْ ... لعادَ صُبحاً بها مُحْلولكُ الظَّلمِ
من كلِّ مُعتصبٍ بالتَّاجِ مُنتبهٍ ... للمجدِ عزمتُهُ كالصَّارِمِ الحذمٍ
ولا يكلَّمُ في حالٍ لهَيْبتِهِ ... إنْ ظلَّ مُبتسماً أو غيرَ مُبتسمٍ
وقال أيضاً:
قَومي يظلُّ الضَّيفُ بينَ رِحالِهِمْ ... ماضي المشيئةِ مُؤثر الإيثارِ
متحكِّماً فيما أرادَ كأنَّما ... تَمضي إرادتُهُ على المقدارِ
وكأنَّ ربَّ الدَّارِ بعضُ عيالهٍ ... وكأنَّهُ في الدَّارِ ربُّ الدَّارِ

وقال الشريف الرَّضي من قصيدةٍ:
أنا ابنُ السَّابقينَ إلى المَعَالي ... إذا الأمَدُ الطَّويلُ ثَنَى البِطاءَ
إذا رَكِبوا تضايقتِ الفَيافي ... وعطَّلَ بعضُ جمعهمُ الفضاءَ
نَماني مِن أُباةِ الضَّيمِ نامٍ ... أفاضَ عليَّ تلكَ الكِبرياءَ
ونحنُ النَّازلونَ بكلِّ ثغرٍ ... نُريقُ على جوانبِهِ الدِّماءَ
ونحنُ الخائضونَ بكلِّ هولٍ ... إذا دبَّ الجَبانُ بهِ الضّراءَ
أَقَمْنا بالتَّجارِبِ كلَّ أمرٍ ... أَبَى إلاَّ اعْوِجاجاً والتواءَ
ونأْبى أنْ ينالَ النّصْفُ منَّا ... وأنْ نُعطي مُقارِعنا السّواءَ
ولوْ كانَ العداءُ يَسُوغُ فينا ... لَمَا سَمَوْنا الوَرَى إلاَّ العداءَ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
ما عذرُ من ضرَبَتْ بهِ أعراقُهُ ... حتَّى بلغنَ إلى النَّبيّ محمَّدِ
أنْ لا يمدَّ إلى المكارِمِ باعَهُ ... ويَنَالَ أغراضَ العُلا والسُّؤددِ
متحلِّقاً حتَّى تكونَ ذيولُهُ ... أبَدَ الزَّمَانِ عمائماً للفرقدِ
أَعِنِ المقادرَ لا تكنْ هبَّابةً ... وتأزَّرِ اليومَ العَصَبْصَبَ وارْتَدِ
لا تغبِطنَّ على البقاءِ مُعمّراً ... فلَقُربُ يومِ منيَّةٍ مِنْ مولِدِ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
لهاشمٍ غُررٌ تلقَى لسائِلِها ... طلاَّعةٌ من ثَنَايا البأسِ والكرمِ
أرْغَتْ معدٌّ وأثْغى مَنْ يُناضلُها ... ومَنْ يقايسُ بينَ الشَّاءِ والنَّعَمِ
الجِدُّ لا يقتضي إسماعَ مُلْهيَةٍ ... والهزلُ يكمُنُ في الأوتارِ والنَّغمِ
إذا العدوُّ عَصَاني خافَ يدي ... وعِرضُهُ آمنٌ مِنْ هاجراتِ فَمي
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
لنا الدَّولَةُ الغرَّاءُ ما زالَ عندَهَا ... منَ الجَوْرِ واقٍ أو منَ الظُّلمِ مُنصفُ
ونحنُ أعزُّ النَّاسِ شرقاً ومغرباً ... وأكرمُ أبصارٍ على الأرضِ تَطرفُ
بَنُو كلِّ فيَّاضِ اليَدَينِ منَ النَّدَى ... إذا جاءَ ألْغى ما يَقُولُ المعنّفُ
وكلّ محيّاً بالسَّلامِ معظَّمٍ ... كثيرٍ إليهِ النَّاظرُ المتشوِّفُ
وأبيَضَ بسَّامٍ كأنَّ جبينَهُ ... سَنَا قمرٍ أو بارقٌ متكشِّفُ
أَبُونا الَّذي أبدَى بِصِفِّينَ سيفُهُ ... ضُغاءَ ابنِ هندٍ والقَنَا يتقصَّفُ
ومِنْ قبلِ ما أبْلى ببدرٍ وغيرِها ... ولا موقفٌ إلاَّ لهُ فيهِ موقفُ
لأبتذلَنَّ النَّفسَ حتَّى أصونَهَا ... وغيريَ في قيدٍ منَ الذُّلِّ يرسُفُ
فقدْ طالَمَا ضيَّعتُ في الدَّهْرِ فُرصةً ... وهلْ ينفَعُ الملهوفَ ما يتلهَّفُ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
إلى كمْ ذا التَّردُّدُ في الأماني ... وكمْ يُلوي بناظريَ السَّرابُ
ولا نقعٌ يثارُ ولا قتامٌ ... ولا طعنٌ يشبُّ ولا ضِرابُ
ولا خيلٌ معقَّدةُ النَّواصي ... يموجُ على شَكَائِمِها اللُّعابُ
عَلَيْها كلُّ ملتهِبِ الحَوَاشي ... يُصيبُ منَ العدوِّ ولا يصابُ
وأينَ يحيدُ عن مُضَرٍ عدوٌّ ... إذا زَخَرتْ وعبَّ لها العُبابُ
وقدْ زأَرتْ ضراغِمُها الضَّواري ... وقد هدرتْ مصاعبُها الصِّعابُ
سأخطُبُها بحدِّ السَّيْفِ فِعلاً ... إذا لمْ يُغنِ قولٌ أو خطابُ
وآخُذُها وإنْ رُغمتْ أُنُوفٌ ... مغالَبَةً وإنْ ذلَّتْ رقابُ
وإنَّ مُقامَ مثلي في الأعادي ... مُقامُ البدرِ تنبَحُهُ الكلابُ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
وإذا نظرتُ إلى الزَّمَانِ رأيتُهُ ... تعبَ الشّريفِ وراحةَ المَشروفِ
أعليَّ يَستلُّ الدَّنيُّ لسانَهُ ... سيذوقُ مَوْبأَ مَربعي وَمَصيفي
أبِمعشري وهُمُ الأُلى عاداتهُم ... في الرَّوع ضربُ طُلًى وخرقُ صفوفِ
من كلِّ وضَّاحِ الجبينِ مغامرٍ ... عندَ العظائِمِ باسمِهِ مهتوفِ
وإذا قَرَعتُ فهم صدورُ ذَوَابلي ... ومن العدوِّ مَعَاقلي وُكُهوفي
أوفيتُ مُعتلياً عليكمْ واضعاً ... قَدَمي على قمرِ السَّماء الموفي
وَوَليتُكُمْ فحَزَزتُ في عيدانِكم ... حتَّى أقامَ مَميلَهَا تَثقيفي

وفطمتُكُمْ بالزَّجرِ عن عاداتكمْ ... ورددتُ منكَرَكُمْ إلى المعروفِ
فلئنْ صُرفتُ عن شرفِ العُلا ... ومقاعِدِ العُظماءِ بالمصروفِ
ولئنْ بقيتُ لكم فإنَّني واحدٌ ... أبداً أُقوَّمُ منكُمُ بأُلوفِ
وقال أبو القاسم محمَّد بن هانئ الأندلسيّ:
مَن يذعَرُ السِّرحانُ بعدَ رَكَائِبِي ... أمْ مَن يَصِي ليلَ التّمامِ كما أَصِي
ذَرْني وَمَيْدانَ الجيادِ فإنَّما ... تُبلى السَّوابقُ عندَ مدِّ المقبضِ
لُقِّيتُ نعماءَ الخُطُوبِ وبؤسَهَا ... وسُبكتُ سبكَ الجوهرِ المتخلَّصِ
فإذا سعيتُ إلى العُلا لم اتَّئدْ ... وإذا شَرَيتُ الحمدَ لمْ أسترخِصِ
شارفتُ أعناقَ السَّمَاءِ بهمَّتي ... ووطئتُ بَهْرامَ النُّجومِ بأخْمَصي
وقال تميم بن المعزّ من قصيدةٍ:
ليهنِ المَعَالي أنَّني أنا ربُّها ... وأنِّي مَتَى ما رمتُ صعباً تيسَّرا
غَذَتْني مذْ كنتُ النُّبوَّةُ والهدى ... فحسبيَ أنْ كانا هُما ليَ عنصُرا
فمنْ شاءَ فليحسُدْ ومَنْ شاءَ فليَدَعْ ... فلستُ أُبالي مَنْ أقلَّ وأكثَرَا
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
هِممي أنافَتْ بي على الهممِ ... قبلَ الفِطامِ ومبلغِ الحُلُمِ
وسَمَا بقدري في العُلا أَدَبي ... حتَّى وطئتُ كواكبَ الظُّلمِ
في كلِّ صالحةٍ مددتُ يَدي ... ولكلِّ مكرمةٍ سَعَتْ قَدَمي
فاسأل خُطُوبَ الدَّهْرِ عن جَلَدي ... وغوامضَ الأشياءِ عنْ فَهَمي
المجدُ أصلٌ فرعُهُ كَرَمي ... والدَّهْرُ رمحٌ سِنُّه قَلَمي
لمْ أخشَ قطُّ حُلُولَ حادثةٍ ... واللَّيثُ لا يخشَى منَ النَّعَمِ
لا غروَ أنِّيَ مانعٌ شَرَفي ... ومبينُ فضلِ عُلايَ للأُممِ
فلتعلمِ الدُّنيا وساكنُها ... أنِّي عَظُمتُ بها عنِ العِظَمِ
جَدِّي النَّبيّ المُستضاءُ بهِ ... وأبي المُعزُّ مجلِّلُ النِّعَمِ
أُرجَى وأُخشَى سطوةً وندًى ... يُرجَى ندايَ وتتَّقى نِقَمي
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
نحنُ الَّذينَ بهمْ تسامتْ هاشمٌ ... حتَّى حوتْ شرَفَ المعالي أجمَعَا
نحنُ الَّذينَ بنا الكتابُ منزَّلٌ ... وبنا يجيبُ اللهُ دعوَةَ مَنْ دَعَا
لمْ نلفَ إلاَّ ماجداً أو راشداً ... أو رافداً أو صاعداً أو مِصعَقَا
أبَني عليٍّ إنْ نكنْ نُنْمى إلى ... حَسَبٍ أنافَ بنا وجدٍّ أرْوَعَا
فلقدْ علمتمْ أنَّ كفِّي لمْ تزلْ ... في النَّائباتِ لكمْ ربيعاً مُترعا
فإذا وعدتُ وفيتُ لا متبرّماً ... وإذا هممتُ فعلتُ لا متوقّعا
لا تُبطرُ السَّرَّاءُ بي خُلُقاً ولا ... أغدو على ضرَّائها متخشِّعا
لي في المشارِقِ والمغارِبِ جولةٌ ... يغدو بها قلبُ الزَّمَانِ مروَّعا
فادْفعْ بحدِّ السَّيْفِ كلَّ ظُلامةٍ ... ما لمْ تجدْ بسواهُ يوماً مدفَعَا
فبذاكَ وصَّاني أبي وجدودُهُ ... وعليَّ فرضٌ أن أُطيعَ وأسمَعَا
والفرعُ ليسَ يخالفُ الأصلَ الَّذي ... منهُ ابْتَدَا نبتاً وعنهُ تفرَّعا
واللهِ لا ستَرَ الضُّحَى بيمينهِ ... أحدٌ ولا منَعَ السَّنا أنْ يلمَعَا
والمرءُ لا يحوي العُلا بجدودِهِ ... إذْ لا ينالُ المرءُ إلاَّ ما سَعَى
وقال أبو العلاء المعرِّي من قصيدةٍ آخرها في باب الأمثال:
ألا في سبيلِ المجدِ ما أنا فاعلُ ... عفافٌ وإقدامٌ وحزمٌ ونائلُ
أعندي وقدْ مارستُ كلَّ حقيقة ... يصدّقُ واشٍ أو يخيَّبُ سائلُ
تعدُّ ذُنُوبي عندَ قومٍ كثيرةً ... ولا ذنبٍ لي إلاَّ العُلا والفواضلُ
كأنِّي إذا طلتُ الزَّمَانَ وأهلَهُ ... رجعتُ وعندِي للأنامِ طوائلُ
وقدْ سارَ ذِكْري في البلادِ فمنْ لهمْ ... بإخفاءِ شمسٍ ضوؤُها متكاملُ
وأنِّي وإنْ كنتُ الأخيرَ زمانُهُ ... لآتٍ بما لمْ تستطعْهُ الأوائلُ
وأغدُو ولو أنَّ الصَّباحَ صوارمٌ ... وأسْري ولوْ أنَّ الظَّلامَ جحافلُ
وأيُّ جوادٍ لمْ يُحلَّ لجامُهُ ... ونِضْوٍ يمانٍ أغفلتْهُ الصَّياقلُ

وإنْ كانَ في لبسِ الفَتَى شرفٌ لهُ ... فما السَّيْفُ إلاَّ غمدُهُ والحمائلُ
ولي منطقٌ لمْ يرضَ لي كُنْهَ مَنْزلي ... على أنَّني فوقَ السِّماكينِ نازلُ
لَدَى موطنٍ يشتاقُهُ كلُّ سيّدٍ ... ويقصُرُ عنْ إدراكِهِ المتناولُ
ينافسُ يومي فيَّ أمْسي تشرُّفاً ... وتحسُدُ أسْحاري عليَّ الأصائلُ
وقال أيضاً من قصيدةٍ:
ولمَّا أنْ تجهَّمني مُرادي ... جريتُ معَ الزَّمَانِ كَمَا أرادا
وهوَّنتُ الخُطُوبَ عليَّ حتَّى ... كأنِّي صرتُ أمنَحُها الوِدادا
أَأُنكِرُها ومنبِتُها فؤادي ... وكيفَ تنكِّرُ الأرضُ القَتَادا
وكمْ مِنْ طالبٍ أَمَدي سيلقى ... دُوَينَ مَكَانيَ السَّبعَ الشِّدادا
يؤجِّجُ في شعاعِ الشَّمْسِ ناراً ... ويقدَحُ في تلهُّبِها زِنادا
ويُظهرُ لي مودَّتهُ مَقَالاً ... ويُبغضُني ضميراً واعْتِقادا
فلا وأبيكَ ما أخْشى انتِقاصاً ... ولا وأبيكَ ما أرجُو ازْدِيادا
ليَ الشَّرفُ الَّذي يطأُ الثُّريَّا ... معَ الفضلِ الَّذي بهَرَ العِبادا
وكمْ عينٌ تؤمِّلُ أنْ تَرَاني ... وتفقِدُ عندَ رؤيتِيَ السَّوادا
ولوْ ملأَ السُّها عينيهِ منِّي ... أبرَّ على مَدَى زُحَلٍ وَزَادا
أفلُّ نوائبَ الأيَّامِ وَحْدي ... إذا جمَعَتْ كَتَائبَهَا احْتِشادا
وقال أيضاً:
تعاطَوْا مَكَاني وقدْ فُتُّهُمْ ... فما أدرَكُوا غيرَ لمحِ البصرْ
وقدْ نَبَحُوني فَمَا هجتُهُمْ ... كَمَا نبحَ الكلبُ ضوءَ القَمَرْ
وقال أبو بكر بن عمارٍ من قصيدةٍ:
كيفَ التَّخلُّصُ بالخديعةِ مِن يَدَيْ ... رَجُلِ الحقيقةِ مِنْ بَني عمَّارِ
رَجُلٌ تطعَّمَهُ الزَّمَانُ فجاءهُ ... طَرَفينِ في الإحلاءِ والإمرارِ
سلسُ القيادِ إلى الجميلِ فإنْ يهجْ ... يَدَع العنانَ لهبَّةِ التَّيَّارِ
طبنٌ بأغراضِ الأُمورِ مجرّبٌ ... فطنٌ لأسرارِ المكايِدِ دارِ
راضتْهُ أحرارُ الأُمورِ وراضَهَا ... فكأنَّهُ منها وفيها جارِ
ماضٍ إذا برَزَتْ إليهِ مصمّمٌ ... مرنٌ إذا التفَّتْ عليهِ مُدارِ
كشَّافُ مظلمةٍ وسائسُ أُمَّةٍ ... نفَّاعُ أهل زمانِهِ الضَّرَّارِ
عجباً لأشمط راضعٍ ثديَ الوَغَى ... منهُ وطودٍ في القَنَا الخطَّارِ
شرَّابُ أكواسِ المُدامِ وتارةً ... شرَّابُ أكواسِ الدمِ الموَّارِ
جرَّار أذيالِ الوَغَى ظنُّوا بهِ ... قد زارَكُم في الجحفَلِ الجرَّارِ
وكأنَّكمْ بنجومِهِ ورجومِهِ ... تَهوي إليكمْ مِن سماءِ غُبارِ
وقال أبو القاسم بن عبَّاد:
الجودُ أحلَى على قلبي منَ الظَّفرِ ... ومنْ منالِ قصيِّ السُّؤالِ والوَطَرِ
وقدْ حننتُ إلى ما اعْتدتُ من كَرَمٍ ... حنينَ أرضٍ إلى مستأخِرِ المطرِ
وقدْ تناهَتْ يدِي عن كأسِها غضباً ... ومجَّتِ الأُذنُ أيضاً نغمَةَ الوترِ
حتَّى أُملِّكَ هذي ما تجودُ بهِ ... وأسمَعَ الحمدَ بالأُخرى على الأَثَرِ
فهاتِها خِلَعاً أُرضي السَّماحَ بها ... محفوفَةً في أكُفِّ الشَّرْبِ بالبِدَرِ
وقال أبو العَرَب الصِّقليُّ من قصيدةٍ:
ولا بدَّ لي أن أسأَلَ العيسَ حاجةً ... تشقُّ على أخفافِها والغوارِبِ
فيا وَطَني إنْ بنتَ عنِّي فأنني ... سأُوطَنُ أكوارَ العِتاقِ النَّجائِبِ
إذا كانَ أصلي منْ ترابٍ فكلُّها ... بلادِي وكلُّ العالمينَ أقارِبي
وما ضاقَ عنِّي في البسيطَةِ جانبٌ ... وإنْ جلَّ إلاَّ اعْتَضتُ عنهُ بجانبٍ
وإنَّ الفَتَى مَن حمَّلَ اللَّيْلَ همَّهُ ... ودانَ بدينِ النَّيِّراتِ الثَّواقِبِ
ولكنَّني مُستنجدٌ بمهنَّدٍ ... يحدِّثُ عن يومِ التُّقى والذَّنائِبِ
تنزَّهَ عنْ روضِ الدِّماءِ ذُبابُهُ ... وغنَّى عليهِ في العُصُورِ الذَّواهِبِ
فمنْ ضلَّ عنْ طُرقِ العلاءِ فإنَّني ... دُللتُ عَلَيْها بالقَنَا والقواضِبِ
وإنِّي لمِنْ قومٍ رَسَا العزُّ فيهُمُ ... وقامُوا بمَيلِ الأرضِ ذاتِ المناكبٍ

إذا اضطرَمَتْ نارُ الجِلادِ ببِيضِهِمْ ... غَدَا ساقطاً فيها فراشُ الحواجِبِ
وتُشرقُ في ليلِ العَجَاجِ رماحُهُمْ ... كأنَّ العَوَالي نُصِّلتْ بالكواكِبِ
وإنَّا لنَسْقي الأرضَ غيثاً منَ الطُّلَى ... وآخَرَ يجري مِنْ عيونِ الشَّوارِبِ
وتخضَعُ أعناقُ الأعادِي لعزِّنَا ... كَمَا خضَعَتْ أموالُنَا للمواهِبِ
وإنْ أعشَبَتْ بالبغيِ هامُ قبيلةٍ ... أَسَمْنا بها بِيضاً رِقاقَ المَضَارِبِ
لَعَمْرِي لقدْ سارَ الزَّمَانُ بفخرِنا ... إلى غايةٍ تنأَى على كلِّ طالِبِ
نجز باب الفخر والحمد لله ربّ العالمين

باب
المراثي
ما رُثي به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
قال حسَّان بن ثابت رضي الله عنه:
بطيبةَ رسمٌ للرسولِ ومعهدُ ... منيرٌ، وقد تعفو الرُّسومُ وتهمدُ
ولا تمَّحي الآياتُ من دارِ حرمةٍ ... بها منبرُ الهادي الَّذي كان يصعدُ
وواضحُ آياتٍ وباقي معالمٍ ... وربعٌ له فيه مصلىً ومسجدُ
بها حجراتٌ كانَ ينزلُ وسطها ... من اللهِ نورٌ يستضاءُ ويوقدُ
معارفُ لم تُطمس على العهدِ آيُها ... أتاها البلى فالآيُ منها تجدّدُ
فبوركتَ يا قبرَ الرَّسول وبوركت ... بلادٌ ثوى فيها الرَّشيدُ المُسدَّدُ
وبوركَ لحدٌ منكَ ضُمِّنَ طيِّباً ... عليه بناءٌ من صفيحٍ منضَّدُ
وهل عدلتْ يوماً رزيَّة هالكٍ ... رزيَّة يومٍ ماتَ فيهِ محمَّدُ
تقطَّعَ فيه منزلَ الوحي عنهُمُ ... وقد كانَ ذا نورٍ يغورُ وينجدُ
وقال أيضاً:
إلى صلواتِ اللهِ تترى ورحمةٍ ... تزيدُ، على من طاب حيّاً وميِّتا
على من يُنادى للصَّلاةِ بذكرهِ ... إذا ما دعا الله المُنادي وصوَّتا
وقال أيضاً:
ما بالُ عينكَ لا تنام كأنَّما ... كحلتْ مآقيها بكحلِ الأرمدِ
جزعاً على المهدي أصبح ثاوياً ... يا خيرَ من وطئَ الثَّرى: لا تبعدِ
وجهي يقيك التُّرب، لهفي، ليتني ... غُيِّبت بعدك في بقيعِ الغرقدِ
فظللتُ بعدَ وفاتهِ مُتبلِّداً ... متلدِّداً، يا ليتني لم أُولدِ !
يا ويحَ أنصارِ النَّبيِّ ورهطه ... بعد المُغيَّب في سواءِ الملحدِ
صلّى الإله ومن يحُفَّ بعرشهِ ... والطَّيِّبُونَ على المباركِ أحمدِ
وقالت فاطمةُ ابنتهُ ترثيهِ:
اغبرَّ آفاقُ السماءِ وكُوِّرت ... شمسُ النَّهارِ وأظلمَ العصرانِ
فالأرضُ من بعدِ النَّبيِّ كئيبةٌ ... أسفاً عليه، كثيرةُ الرَّجفانِ
فليبكهِ شرقُ البلاد وغربُها ... ولتبكِهِ مضرٌ وكلُّ يمانِ
وليبكهِ الطَّودُ المعظّم جوّهُ ... والبيتُ ذو الأستارِ والأركانِ
يا خاتمَ الرُّسلِ المباركُ ضوؤهُ ... صلَّى عليكَ منزِّلُ القرآنِ
وقال أبو سُفيان بن الحارثِ بن عبد المطَّلب:
أرقْتُ فباتَ ليلي لا يزولُ ... وليلُ أخي المُصيبةِ فيهِ طولُ
وأسعدَني البكاءُ وذاكَ ممَّا ... أُصيبَ المُسلمُون به قليلُ
لقد عظُمتْ مُصِيبتُنا وجلَّتْ ... عشيَّةَ قيلَ قد قُبضَ الرَّسولُ
وأضحتْ أرضُنا ممّا عراها ... تكادُ بنا جوانبُها تميلُ
فقدْنا الوحيَ والتَّنزيلَ فينا ... يروحُ بهِ ويغدُو جبرَئيلُ
وذاكَ أحقُّ ما سالَتْ عليهِ ... نفوسُ النَّاس أو كادتْ تسيلُ
نبيٌّ كانَ يجلُو الشَّكَّ عنَّا ... بما يُوحى إليهِ وما يقولُ
ويهدِينا فلا تخشَى ضلالاً ... علينا والرَّسول لنا دليلُ
أفاطمُ إنْ جزعتِ فذاكَ عذرٌ ... وإنْ لم تجزَعي ذاكَ السَّبيلُ
فقبرُ أبيكِ سيَّد كلِّ قبرٍ ... وفيهِ سيَّدُ النَّاسِ الرَّسولُ
وقال حسَّان بن ثابت يرثي النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما:
ثلاثةٌ برَّزُوا بسيفهم ... نصرهُمْ ربُّهمْ إذا نُشُروا
عاشُوا بلا فُرقةٍ حياتهُمُ ... واجتمعوا في المماتِ إذ قُبرُوا
فليسَ من مسلمٍ له بصرٌ ... يُنكرهُمْ فضلهُمْ إذا ذُكرُوا
وقالَ أيضاً يرثي أبا بكرٍ رضي الله عنه:

إذا تذكَّرتَ شجواً من أخي ثقةٍ ... فاذكُرْ أخاكَ أبا بكرٍ بما فَعَلا
خيرَ البريَّةِ أتقاها وأعدلَها ... بعدَ النَّبيِّ وأوفاها بما حَمَلا
التَّاليَ الثَّانيَ المحمودَ مشهدُهُ ... وأوَّلَ النَّاسِ طُرَّاً صدَّق الرُّسُلا
والثَّانيَ اثنينِ في الغارِ المُنيفِ وقدْ ... طافَ العدُوُّ به إذ صعَّدَ الجبلا
وكانَ حِبَّ رسولِ اللهِ قد عَلمِوا ... من البريَّةِ لم يعدِل به رَجُلا
وقال آخرُ يرثي النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم:
يا خيرَ منْ دُفنتْ في التُّربِ أعظُمُهُ ... فطابَ من طيبهنَّ القاعُ والأكمُ
أنتَ النَّبيُّ الَّذي تُرجَى شفاعتُه ... عندَ الصِّراطِ إذا ما زلَّتِ القدمُ
نَفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُهُ ... فيهِ العَفافُ وفيه الجُودُ والكرمُ
وقال الشَّمَّاخ بن ضرارٍ يرثي عمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه:
جزى اللهُ خيراً من إمامٍ وباركتْ ... يدُ اللهِ في ذاكَ الأديمِ الممزَّقِ
فمنْ يسعَ أو يركبْ جناحيْ نعامةٍ ... ليُدركَ ما قدَّمتَ بالأمسِ يُسبقِ
قضيتَ أموراً ثم غادرتَ بعدَها ... بوائجَ من أكمامِها لم تُفتَّقِ
أبعدَ قتيلٍ بالمدينةِ أظلمتْ ... لهُ الأرضُ تهتزُّ العِضاهُ بأسؤُقِ
وما كُنتُ أخشى أن تكونَ وفاتُهُ ... بكفَّيْ سبنتى أزرقِ العينِ مُطرقِ
وقال آخر يرثي عثمان بن عفَّان رضي الله عنه:
لعَمرُ أبيكَ فلا تَذهلنَّ ... لقد ذهبَ الخيرُ إلاَّ قليلا
وقد فُتنَ النَّاسُ في دينهمْ ... وخلّى ابنُ عفَّانَ سِرّاً طويلا
وقال الرَّاعي النُّميريُّ يرثيه:
قَتَلُوا ابنَ عفَّانَ الخليفةَ مُحرِماً ... ودعا فلم أرَ مثلهُ مخذُولا
فتفرَّقتْ من بعدِ ذاكَ عصاهُمُ ... شِققاً وأصبحَ سيفُهُمْ مَسلُولا
وقال آخرُ يرثي عليَّ بن أبي طالبٍ رضيَ الله عنه:
غدا عليُّ بنُ أبي طالبٍ ... فاغتالَهُ بالسَّيفِ أشقَى مرادْ
شُلَّتْ يداهُ وهوتْ أمُّهُ ... أيَّ امرئٍ دبَّ لهُ في السَّوادْ
عزَّ على عينيكَ لو أبصرتْ ... ما اجترحتْ بعدكَ أيدي العبادْ
لانت قناةُ الدِّينِ واستأثرتْ ... بالفيءِ أفواه الكِلابِ العَوادْ
وقال بكرُ بن حمَّاد يرثيه:
وهزَّ عليٌّ بالعراقينِ لحيةً ... مُصيبتُها جلَّت على كلِّ مُسلمِ
وقالَ سيأتيها من الله حادثٌ ... ويخضبُها أشقى البريَّة بالدَّمِ
فباكرهُ بالسَّيفِ شُلَّت يمينهُ ... لشؤمِ قطامٍ عندَ ذاكَ ابنُ مُلجمِ
فيا ضربةً من خاسرٍ ضلَّ سعيُهُ ... تبوَّأ منها مقعداً في جهنَّمِ
وقال أيضاً يرثيه:
قُل لابنِ ملجمَ والأقدارُ غالبةٌ ... هدَّمتَ ويحكَ للإسلامِ أركانا
قتلتَ أفضلَ من يمشي على قدمٍ ... وأوَّلَ النَّاسِ إسلاماً وإيمانا
وأعلمُ النَّاسِ بالقرآنِ ثمَّ بما ... سَنَّ الرَّسول لنا شرعاً وتبياناً
صهرَ النَّبيِّ ومولاهُ وناصرهُ ... أضحتْ مناقبهُ نوراً وبُرهانا
وكان منهُ على رَغمِ الحسودِ لهُ ... مكانَ هارونَ من موسى ابن عمرانا
وكانَ في الحربِ سيفاً صارماً ذكراً ... ليثاً إذا لقيَ الأقرانُ أقرانا
ذكرتُ قاتلهُ والدَّمعُ منحدرٌ ... وقلتُ سبحانَ ربِّ النَّاس سُبحانا
إنِّي لأحسبُه ما كان من بشرٍ ... يخشى المعادَ ولكن كان شيطانا
أشقى مرادٍ إذا عدَّت قبائلُها ... وأخسرُ النَّاس عندَ اللهِ ميزانا
كعاقرِ النَّاقة الأولى وقد جلبتْ ... على ثمودٍ بأرضِ الحِجرِ خُسرانا
قد كانَ يخبرهُمْ أن سوف ينحرُها ... قبل المنيَّة أزماناً فأزمانا
فلا عفا اللهُ عنهُ ما تحمَّله ... ولا سقى قبرَ عمران بن حطَّانا
وقال منصور النمريّ يرثي الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
أُريقَ دمُ الحُسينِ ولم يُراعُوا ... وفي الأحياءِ أمواتُ العُقولِ
فدتْ نفسي جبينكَ من جبينٍ ... جرى دمُهُ على خدٍّ أسيلِ
أيخلو قلبُ ذي ورعٍ ودينٍ ... من الأحزانِ والألمِ الطَّويلِ

وقد شرقتْ رماحُ بني زيادٍ ... بريٍّ من دماءِ بني الرَّسولِ
فما وُجدتْ على الأكتافِ منِهمْ ... ولا الأقفاءِ آثارُ النُّصولِ
ولكنَّ الوجوهَ بها كلومٌ ... وفوقَ نُحورهِم مجرى السُّيولِ
بتُربةِ كربلاءَ لهم ديارٌ ... نيام الأهلِ دارسةُ الطُّلولِ
وأوصالُ الحُسينِ ببطن قاعٍ ... ملاعِبُ للدَّبور وللقبولِ
وقال دعبل بن عليٍّ يرثي أهل البيت عليهم السَّلام:
مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ ... ومنزلُ حيّ مُقفرُ العرصاتِ
لآلِ رسولِ الله بالخيفِ من منىً ... وبالبيتِ والتَّعريفِ والجمراتِ
ديارُ عليٍّ والحسينِ وجعفرٍ ... وحمزةَ والسَّجَّاد ذي الثَّفناتِ
قِفا نسألِ الدَّار الَّتي خفَّ أهلُها ... متى عهدُها بالصَّومِ والصَّلواتِ
وأينَ الأُلى شطَّت به غُربةُ النَّوى ... أفانينَ في الآفاقِ مفترقاتِ؟
أُحبُّ قصيَّ الدَّار من أجلِ حُبِّهم ... وأهجرُ فيهم أُسرتي وبناتي
ألم تر أنَّي مُذ ثلاثينَ حِجَّةً ... أروحُ وأغدُو دائمَ الحَسراتِ؟
أرى فيئهُم في غيرهِمْ متقسَّماً ... وأيديهُم من فيئِهِم صفراتِ
إذا وُترُوا مدَّوا إلى واتريهمُ ... أكُفّاً عن الأوتارِ منقبضاتِ
قُصارايَ منهم أن أؤوبَ بغُصَّةٍ ... تردَّدُ بين الصَّدرِ واللَّهواتِ
كأنَّكَ بالأضلاعِ قد ضاقَ رُحبُها ... لما ضُمِّنتْ من شدَّةِ الزَّفراتِ
وقال سليمان بن قتَّة العدوي في أهل البيت أيضاً:
مررتُ على أبياتِ آلَ محمَّدٍ ... فلمْ أرها كعهدها يومَ حُلَّتِ
فلا يبعدِ اللهُ الدِّيارَ وأهلَها ... وإن أصبحت من أهلِها قد تخلَّتِ
ألا إنَّ أهلَ الطَّفِّ من آلِ هاشمٍ ... أذلّت رِقابَ المسلمين فذلَّتِ
وكانُوا غياثاً ثُمَّ أضحوا رزيَّة ... لقد عظُمت تلكَ الرَّزايا وجلَّتِ
وقال رجلٌ يرثي عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
قد غيَّبَ الدَّافنونَ اللَّحدَ إذا دفنوا ... بديرِ سمعانَ قسطاسَ الموازينِ
من لم يكنْ همُّهُ عيناً يفجِّرُها ... ولا النَّخيلَ ولا ركضَ البراذينِ
أقولُ لمَّا أتاني ثمَّ مهلكهُ ... لا يبعدنَّ قوامُ المُلكِ والدِّينِ
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
أمنَ المنون وريبه تتوجَّعُ ... والدَّهرُ ليس بمعتبٍ من يجزعُ
أودى بنيَّ وأعقبُوني حسرةٌ ... بعد المماتِ وعبرةٌ ما تقلعُ
سبقُوا هويَّ وأعنقوا لهواهُمُ ... فتُخرِّموا ولكلِّ جنبٍ مصرعُ
ولقد حرصتُ بأن أدافعُ عنهمُ ... فإذا المنيَّة أقبلتْ لا تُدفعُ
وإذا المنيَّة أنشبتْ أظفارها ... ألفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ
وتجلُّدي للشَّامتين أريهمُ ... أنِّي لريبِ الدَّهرِ لا أتضعضعُ
حتَّى كأنِّي للحوادثِ مروةً ... بصفا المُشقَّر كلَّ يومٍ تقرعُ
وقال النَّابغةُ الجعديُّ:
ألمْ تعلمِي أنَّي رُزِئتُ محارباً ... فمالكِ منهُ اليومَ شيءُ ولا ليا
ومن قبلهِ ما قد رُزئتُ بوحوحٍ ... وكان ابنَ أُمِّي والخليلَ المُصافيا
فتىً كمُلتْ خيراتهِ غيرَ أنَّهُ ... جوادٌ فما يُبقي من المالِ باقيا
فتىً تمَّ فيهِ ما يسُرُّ صديقهُ ... على أنَّ فيهِ ما يسوءُ الأعاديا
أشمُّ طويلُ السَّاعدينِ سميدعٌ ... إذا لم يُرحْ للمجدِ أصبحَ غاديا
وقالت جليلة بنت مرَّة أخت جسَّاس بن مرَّة:
يا ابنةَ الأقوامِ إنْ لمتِ فلا ... تعجلي باللَّوم حتَّى تسألي
فإذا أنتِ تبيَّنتِ الَّتي ... عندها اللَّوم فلُومي واعجلي
فعلُ جسَّاسٍ وإنْ كانَ أخي ... قاصمٌ ظهري ومدنُ أجلي
لو بعينٍ ندبت عيني سوى ... أُختها فانفقأت لم أحفلِ
تحمِلُ العينُ قذى العينِ كما ... تحمِلُ الأُمُّ أذى ما يقتل
يا قتيلاً قوَّضَ الدَّهر به ... سقفَ بيتيَّ جميعاً من علِ
هدَّمَ البيتَ الَّذي استحدثتُهُ ... وانثنى في هدمِ بيتي الأوَّلِ
ليسَ من يبكي ليومينِ كمنْ ... إنَّما يبكي ليومٍ ينجلي!
وقالت الخنساء بنت عمرو بن الشريد السُّلميَّة:

ألا يا صخرُ إن أبكيتَ عيني ... لقد أضحكتني دهراً طويلا
بكيتُكَ في نساءٍ معولاتٍ ... وكنتُ أحقَّ من أبدى العويلا
دفعتُ بكَ الجليلَ وأنتَ حيٌّ ... فمن ذا يدفَعُ الخطبَ الجليلا
إذا قبُحَ البكاءُ على قتيلٍ ... رأيتُ بكاءكَ الحسنَ الجميلا
وقالت أيضاً:
أعينيَّ جُودا ولا تجمُدا ... ألا تبكيان لصخرِ النَّدى؟
ألا تبكيانِ الجريءَ الجميلَ ... ألا تبكيانِ الفتى السَّيدا
طويلَ النِّجادِ رفيعَ العمادِ ... سادَ عشيرتهُ أمردا
إذا القومُ مدُّوا بأيديهمِ ... إلى المجدِ مدَّ إليهِ يدا
فنالَ الذي فوقَ أيديهمُ ... من المجدِ ثم مضى مُسعدا
يُكلِّفه القومُ ما عالهُمْ ... وإن كان أصغَرهُم مولِدا
وقالت أيضاً:
تعرَّقني الدَّهر نهساً وحزَّا ... وأوجعنِي الدَّهرُ قرعاً وغمزا
وأَفنى رجالي فبادُوا معاً ... فأصبحتُ من بينهِمْ مُستفزَّا
كأنْ لم يكونوا حمىً يُتَّقى ... إذ النَّاس إذ ذاكَ من عزَّ بزَّا
وكانوا سراةَ بني مالكٍ ... وفخرَ العشيرةِ مجداً وعِزَّا
وهُمْ في القديمِ سراةُ الأديمِ ... والكائِنُونَ من الخوفِ حرزا
همُ منعُوا جارهُمْ والنَّساءَ ... يحفَّزُ أحشاءَها الخوفُ حفزَا
غداةَ لقُوهُمْ بملمُومةٍ ... رداحٍ تغادِرُ للأرضِ ركزا
وخيلٍ تكدَّسَ بالدَّراعينَ ... تحتَ العجاجةِ يجمِزنَ جَمزا
ببيضِ الصِّفاح وسُمرِ الرِّماحِ ... فبالبيضِ ضرباً وبالسُّمرِ وخزا
جززنَا نواصي فُرسانِهَا ... وكانُوا يظُنُّونَ ألاَّ تُجزَّا
ومنْ ظنَّ ممَّن يُلاقي الحُرُوبَ ... بأنْ لا يُصابَ فقد ظنَّ عجزا
نُضيفُ ونعرفُ حقَّ القِرى ... ونتَّخذُ الحمدَ ذُخراً وكنزا
ونلبسُ في الحربِ ثوبَ الحديدِ ... ونلبسُ في السِّلمِ خزَّاً وقزَّا
وقالت أيضاً:
وإنَّ صخراً لوالِينَا وسيِّدنُا ... وإنَّ صخراً إذا نشتُو لنحَّارُ
وإنَّ صخراً لتأتمُّ الهداةُ به ... كأنَّه علمٌ في رأسهِ نارُ
لم ترهُ جارةٌ يمشي بِساحتِهَا ... لريبةٍ حين يُخلي بيتهُ الجارُ
وقالت أيضاً:
يؤرِّقُني التَّذكُّر حينَ أُمسي ... ويردعُني مع الأحزانِ نُكسي
على صخرٍ وأيُّ فتىً كصخرٍ ... ليومِ كريهةٍ وطعانِ حِلسِ
ولولا كثرةُ الباكينَ حولي ... على إخوانِهِم لقتلتُ نفسي
وما يبكُونَ مثلَ أخِي ولكنْ ... أعزِّي النَّفسَ عنهُ بالتَّأسي
يذكِّرُني طلوعُ الشَّمسِ صخراً ... وأبكيهِ لكلِّ غروبِ شمسِ
وقالت أيضاً:
أعينيَّ هلاَّ تبكيانِ على صخرٍ ... بدمعٍ حثيث لا بكيءٍ ولا نزرِ
ألا ثكِلتْ أُمُّ الَّذينَ غدوا بهِ ... إلى القبرِ ماذا يحملونَ إلى القبرِ
وقائلةٍ والنَّعشُ قد فاتَ خطوها ... لتُدركهُ: يا لهفَ نَفسي على صخرِ
فمن يعرفُ المعروفَ في صُلبِ مالِهِ ... ضمانكَ أو يقري الضُّيوفَ كما تقري؟
فشأنُ المنايا إذ أصابكَ ريبُها ... لتغدُو على الفتيان ويحك أو تسري
وقالت أيضاً:
أبعدَ ابن عمروٍ من آلِ الشريدِ ... حلَّت به الأرضُ أثقالها
فإن تكُ مُرَّةُ أودت بهِ ... فقد كانَ يكثرُ تقتالَها
لعمرُ أبيهِ لنعمَ الفتى ... إذا النَّفسُ أعجبها ما لها
فخرَّ الشَّوامخُ من فقدِهِ ... وزُلزلتِ الأرضُ زلزالها
هممتُ لنفسي بعضَ الهُمُومِ ... فأولى لنفسي أولى لها
سأحمِل نَفسي على آلةٍ ... فإمَّا عليها وإمَّا لها
وقال حسَّان بن ثابت:
لا يبعدنَّ ربيعة بن مكدَّمٍ ... وسقى الغوادِي قبرَهُ بذنُوبِ
نفرتْ قَلُوصي من حجارةِ حَرَّةٍ ... نصبت على طلق اليدين وهوبِ
لا تبعدي يا ناقُ منهُ فإنَّه ... شرِّيبُ خمرٍ مسعرٌ لحُرُوبِ
لولا السِّفار وبُعدُ قفرٍ مهمهٍ ... لتركتُها تحبُو على العُرقُوبِ
نِعمَ الفتى أدَّى نبيشةُ رحله ... يوم الكديدِ، نبيشةُ بن حبيبِ
وقال متمِّمُ بن نُويرةٍ من قصيدة:

فما وَجدُ أَظآرٍ ثلاثٍ روائمٍ ... رأينَ مجرّاً من حُوارٍ ومصرَعا
يُذكِّرنَ ذا البثِّ الحزينَ ببثِّهِ ... إذا حنَّتِ الأولى سجعنَ لها معا
بأوجعَ منِّي يومَ فارقتُ مالكاً ... ونادى بهِ النَّاعي الرَّفيع فأسمعا
وكنَّا كندمانيْ جُذيمة حقبةً ... من الدَّهرِ حتَّى قيل لن يتصدَّعا
فلمَّا تفرَّقنا كأنِّي ومالكاً ... لطولِ اجتماعٍ لم نبتْ ليلةً معا
وعِشنا بخيرٍ في الحياةِ وقَبلنا ... أصابَ المنايا رهطَ كِسرى وتُبَّعا
فإن تكنِ الأيامُ فرَّقنَ بيننا ... فقد بانَ محموداً أخي يومَ ودَّعا
ولو أنَّ ما ألقى أصاب مُتالعاً ... أو الرُّكنَ من سلمى إذاً لتضعضعا
وقال أيضاً:
جميلُ المُحيَّا ضاحكٌ عند ضيفِهِ ... أغرُّ جميعُ الرَّأيِ مشتملُ الرَّحلِ
وقورٌ إذا القومُ الكرامُ تقاولُوا ... فحُلّت حباهُمْ واستُطيروا من الجهلِ
وكُنتَ إلى نفسي أشدَّ حلاوةً ... من الماءِ بالماذيّ من عسلِ النَّحلِ
وكلُّ فتىً في النَّاسِ بعد ابن أُمِّهِ ... كساقطةٍ إحدى يديهِ من الخَبلِ
وبعضُ الرِّجالِ نخلةٌ لا جَنى لها ... ولا ظِلَّ إلاَّ أن تُعدَّ من النَّخلِ
وقالت فاطمة بنت الأحجم:
قد كُنتَ لي جبلاً ألوذُ بظلِّهِ ... فتركتني أضحَى بأجردَ ضاحِ
قد كُنتُ ذاتَ حميَّةٍ ما عشتَ لي ... أمشي البرازَ وكُنتَ أنتَ جناحي
فاليومَ أخضعُ للذَّليلِ وأتَّقي ... منهُ وأدفعُ ظالمي بالرَّاحِ
وإذا دعت قمريةٌ شجناً لها ... يوماً على فنن دعوت صباحي
وقال الحريث بن زيد الخيل:
ألا بكرَ النَّاعي بأوسِ بن خالدٍ ... أخي الشَّتوةِ الغبراء والزَّمن المحلِ
فإنْ تقتُلُوا بالغدر أوساً فإنَّني ... تركتُ أبا سفيانَ ملتزمَ الرَّحلِ
فلا تجزعي يا أُمَّ أوسٍ فإنَّهُ ... تُصيبُ المنايا كُلَّ حافٍ وذي نعلِ
قتلنا بقتلانا من القومِ عصبةٌ ... كِراماً ولم نأكلْ بهم حشفَ النَّخلِ
ولولا الأسا ما عِشتُ في النَّاس بعدهُ ... ولكن إذا ما شِئتُ جاوبني مثلي
وقال دريد بن الصِّمَّة من قصيدة:
أمرتُهُمُ أمري بمُنعرجِ اللِّوى ... فلم يستبينُوا الرُّشدَ إلا ضُحى الغدِ
فقلتُ لهُمْ: ظُنُّوا بألفيْ مدجَّجٍ ... سراتُهُمُ بالفارسيِّ المُسرَّدِ
فلمَّا عصوني كنتُ منهمْ وقد أرى ... غوايتهُم وأنَّني غيرُ مُهتدِ
وهل أنا إلاَّ من غزيَّة إن غوتْ ... غويتُ وإن ترشُد غزيَّة أرشُدِ
تنادَوا فقالُوا: أردتِ الخيلُ فارِساً ... فقلتُ: أعبدُ اللهِ ذلكُمُ الرَّدي
فجئتُ إليه والرِّماحُ تنُوشُه ... كوقعِ الصَّياصي في النَّسيج المُمدَّدِ
فطاعنتُ عنهُ الخيلَ حتَّى تبدَّدت ... وحتَّى علاني حالِكُ اللَّونِ أسودِ
قتالَ امرئٍ آسى أخاهُ بنفسهِ ... ويعلمُ أنَّ المرءَ غيرُ مخلَّدِ
فإن يكُ عبدُ اللهِ خلَّى مكانهُ ... فما كانَ وقَّافاً ولا طائشَ اليدِ
صبا ما صبا حتَّى علا الشَّيبُ رأسهُ ... فلمَّا علاهُ قال للباطلِ: أبعدِ
وهوَّنَ وجدي أنَّما هو فارطٌ ... أمامي وأنَّي هامةُ اليومِ أو غدِ
وقال كعب بن زهير:
لقد ولَّى أليَّته جويٌّ ... معاشِرَ غيرَ مطلولٍ أخوها
فإنْ تهلكْ جويُّ فإنَّ حرباً ... كظنِّكَ كان بعدكَ مُوقِدُوها
وما ساءتْ ظُنُونُك يوم تُولي ... بأرماحٍ وفى لكَ مُشرعُوها
ولو بلغَ القتيلَ فعالُ قومٍ ... لسرَّكَ من سيُوفكَ مُنتضُوها
كأنَّكَ كُنتَ تعلمُ يومَ بزَّت ... ثيابُكَ ما سيلقى سالِبُوها
وقال عبدة بن الطَّبيب:
عليكَ سلامُ الله قيسَ بن عاصمٍ ... ورحمتهُ ما شاءَ أن يترحَّما
تحيَّةَ من غادرتهُ غرضَ الردَّى ... إذا زارَ عن شحطٍ بلادكَ سلَّما
فما كان قيسٌ هُلكهُ هلكَ واحدٍ ... ولكنَّه بنيانُ قومٍ تهدَّما
وقال أبو عطاء السِّنديّ:
ألا إنَّ عيناً لم تجد يوم واسطٍ ... عليكَ بجاري دَمعِها لجمودُ

عشيَّةَ قام النَّائحاتُ وشقِّقت ... جيوبٌ بأيدي مأتمٍ وخدودُ
فإن تُمسِ مهجورَ الفناءِ فربَّما ... أقامَ بهِ بعدَ الوفُودِ وُفُودُ
فإنَّك لم تبعدْ على مُتعهِّدٍ ... بلى، كُلُّ من تحتَ التُّرابِ بعيدُ
وقال محمَّد بن بشيرٍ المدنيُّ:
نِعمَ الفتى فجعتْ به إخوانَهُ ... يومَ البقيعِ حوادثُ الأيَّامِ
سهلُ الفناءِ إذا حللتَ ببابهِ ... طلقُ اليدينِ مؤدَّبُ الخُدَّامِ
وإذا رأيتَ شقيقهُ وصديقهُ ... لم تدرِ أيُّهُما أخُو الأرحامِ
وقال أرطأة بن سهيَّة:
هلَ انتَ ابنَ ليلى إن ذكرتُكَ رائحٌ ... مع الرَّكبِ أو غادٍ غداة غدٍ معي
وقفتُ على قبرِ ابنِ ليلى فلم يكُنْ ... وقوفي عليهِ غيرَ مبكىً ومجزعِ
على الدَّهرِ فاصفحْ إنَّه غيرُ مُعتبٍ ... وفي غيرِ من قد وارتِ الأرضُ فاطمعِ
وقال عكرشة يرثي ابنه:
قد كان شغبٌ لو أنَّ اللهَ عمَّرهُ ... عِزَّاً تُزادُ به في عِزِّها مُضرُ
فارقتُ شَغباً وقد قوَّستُ من كبرٍ ... لبئستِ الخُلَّتانِ الشَّيب والكِبرُ
ليتَ الجبالَ تداعتْ عندَ مصرعِهِ ... دكَّاً فلم يبقَ من أحجارِها حجرُ
وقال آخر:
إذا ما دعوتُ الصَّبرَ بعدكَ والبُكا ... أجابَ البُكا طوعاً ولم يُجبِ الصَّبرُ
فإنْ ينقطعْ منكَ الرَّجاءُ فإنَّهُ ... سيبقى عليكَ الحُزنُ ما بقيَ الدَّهرُ
وقال لبيد بن ربيعة:
ذهبَ الَّذينَ يُعاشُ في أكنافِهم ... وبقيتُ في خلفٍ كجلدِ الأجربِ
يتحدَّثونَ مخالةً وملاذةً ... ويُعابُ قائلهُمْ وإنْ لم يشغبِ
يا أربدَ الخيرِ الكريمَ جُدودهُ ... غادرتني أمشي بقرنٍ أعضبِ
إن الرَّزيَّةَ لا رزيَّة مِثلُها ... فقدانُ كلِّ أخٍ كضوءِ الكوكبِ
وقال عقيل بن علَّفة المرِّيُّ:
لِتعدُ المنايا حيثُ شاءتْ فإنَّها ... مُحلَّلةٌ بعدَ الفتى ابن عقيلِ
فتىً كانَ مولاهُ يحلُّ بنجوةٍ ... فحلَّ الموالي بَعدهُ بمسيلِ
طويلُ نجادِ السَّيفِ وهمٌ كأنما ... يصولُ إذا استنجدتهُ بقبيلِ
كأنَّ المنايا تبتغي في خِيارنَا ... لها ترةٍ أو تهتدِي بدليلِ
وقال زياد بن سليمان الأعجم:
قُلْ للقوافلِ والغُزيِّ إذا غَزَوا ... والباكرينَ وللمجدِّ الرِّائحِ
إن السَّماحة والمروءةَ ضُمِّنا ... قبراً بمروَ على الطَّريق الواضحِ
فإذا مررتَ بقبرهِ فاعقر بهِ ... كُومَ الهجانِ وكُلَّ طرفٍ سابحِ
وانضحْ جوانبَ قبرهِ بدمائِها ... فلقدْ يكونُ أخا دمٍ وذبائحِ
يا من بمغدى الشمس من حيِّي إلى ... ما بينَ مطلعِ قرنِها المتنازحِ
ماتَ المغيرةُ بعد طولِ تعرُّضٍ ... للموتِ بينَ أسنَّةٍ وصفائحِ
والقتلُ ليسَ إلى القتالِ ولا أرى ... حيَّاً يُؤخَّر للشَّفيقِ النَّاصحِ
وقال آخر:
أسكَّانَ بطنِ الأرضِ لو يُقبلُ الفِدى ... فُديُتمْ وأعطينا بكُمْ ساكِنِي الظَّهرِ
فياليتَ من فيها عليها وليتَ من ... عليها ثوى ميتاً مُقيماً إلى عَشرِ
فماتُوا كأنْ لم يعرفِ الموتُ غيرهُم ... فثُكلٌ على ثكلٍ وقبرٌ على قبرِ
تجرَّا عليَّ الدَّهرُ لمَّا فقدتهُ ... ولو كانَ حيَّاً لاجترأتُ على الدَّهرِ
وقاسمني دهرِي بنيَّ مشاطراً ... فلمَّا توفَّى شطرهُ عادَ في شطري
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي:
رمى الحَدثانِ نسوةَ آلِ حربٍ ... بمقدارٍ سهدنَ له سُهُودا
فردَّ شُعُورهنَّ السُّودَ بيضاً ... وردَّ وجوههنَّ البيضَ سودا
وإنَّك لو سمعتَ بكاءَ هندٍ ... ورملةَ إذ تصُكَّانِ الخُدودا
سمعتَ بكاءَ باكيةٍ وباكٍ ... أبانَ الدَّهرُ واحدِها الفقيدا
وقال محمد بن مناذر من قصيدة:
كلُّ حيٍّ لاقي الحِمام فمودي ... مالحيٍّ مؤمَّلٌ من خُلودِ
لا تهابُ المنونُ شيئاً ولا تُب ... قِي على والدِ ولا مولودِ
أين ربُّ الحصنِ الحصينِ بسورا ... ءَ وربُّ القصرِ المنيفِ المشيِد
شادَ أركانَهُ وبوَّبهُ با ... بي حديدٍ وحفَّهُ بجنودِ

كانَ يُهدى إليهِ ما بينَ صنعا ... ء فمصرِ إلى قُرى يبرودِ
وترى خلفهُ زرافاتِ خيلٍ ... حافلاتٍ تعدُو بمثلِ الأسُودِ
فرمى شخصهُ فأقصدَهُ الدَّه ... رُ بسهمٍ من المنايا سديدِ
ثُمَّ لم يُنجهِ من الموتِ حصنٌ ... دونهُ خندقٌ وبابا حديدِ
وملوكٌ من قبلهِ عمرُوا الأر ... ضَ أُعِينُوا بالنَّصرِ والتأييدِ
فلو أنَّ الأيَّامَ أخلدنَ حيَّاً ... لعلاءٍ أخلدنَ عبدَ المجيدِ
ما درى نعشُهُ ولا حاملوهُ ... ما على النَّعشِ من عفافٍ وجودِ
ويحَ أيدٍ حثتْ عليهِ وأيدٍ ... دفنتهُ ما غَّيبت في الصَّعيدِ
حين تمَّت آدابهُ وتردَّى ... برداءٍ من الشَّبابِ جديدِ
وسقاهُ ماءُ الشبيبةِ فاهت ... زَّ اهتزازَ الغُصنِ النَّدي الأملودِ
وسمت نحوهُ العيونُ وما كا ... نَ عليهِ لزائدٍ من مزيدِ
وكأنِّي أدعوهُ وهو قريبٌ ... حين أدعوهُ من مكانٍ بعيدِ
فلئنْ صارَ لا يجيبُ لقد كا ... ن سميعاً هشَّاً إذا هو نودي
يا فتىً كانَ للمقاماتِ زيناً ... لا أراهُ في المحفلِ المشهودِ
فبرغمي كُنتَ المقدَّمِ قبلي ... وبكرهِي دُلِّيتَ في ملحودِ
كُنتَ لي عصمةً وكنتَ سماءً ... بكَ تحيا أرضي ويخضُّر عودي
وقال عبدُ العزيز بن عبد الرَّحيم الهاشمي:
بموتكَ يا عبدَ الرَّحيم بن جعفرٍ ... تفاحشَ صدعُ الدِّين عن ألؤم الكسرِ
فيابن النبيِّ المصطفى وابنَ بنتهِ ... ويابنَ عليٍّ والفواطمِ والحَبرِ
ويابنَ اختيارِ اللهِ من آلِ آدمٍ ... أباً فأباً، طُهراً يؤدِّي إلى طُهرِ
ويابنَ سليمانَ الَّذي كان ملجأ ... لمن ضاقتِ الدُّنيا به من بني فهرِ
ومن ملأ الدُّنيا سماحاً ونائلاً ... وروَّى حجيجاً بالُملمَّعة القفرِ
فوا حزنا لو في الوغى كانَ موتهُ ... بكينا عليه بالرُّدينيَّة السُّمرِ
وكنَّا وقيناهُ القنا بنُحورِنا ... وبات كذا في غيرِ صيحٍ ولا نفرِ
وقال الحسين بن مطير الأسديّ:
ألِمَّا على معن فقُولا لقبرهِ ... سقتكَ الغوادي مربعاً ثمَّ مربعا
فيا قبرَ معنٍ أنتَ أوَّلُ حفرةٍ ... من الأرضِ خطَّت للسَّماحة مضجعا
ويا قبر معنٍ كيفَ واريتَ جُودهُ ... وقد كان مِنهُ البرُّ والبحرُ مترعا
بلى قد وسعتَ الجودَ والجودُ ميِّتُ ... ولو كان حيَّاً ضِقتَ حتَّى تصدَّعا
فتىً عشتُ في معرُوفهِ بعد موتهِ ... كما كان السَّيلِ مجراهُ مرتعا
ولمّا مضى معنٌ مضى الجودُ وانقضى ... وأصبحَ عرنينُ المكارمِ أجدعا
وقال آخر:
واحزني من فراقِ قومٍ ... همُ المصابيحُ والحصونُ
والأُسدُ والمزنُ والرَّواسي ... والخفضُ والأمنُ والسُّكونُ
لم تتنكَّر لنا اللَّيالي ... حتى توفَّتهم المنونُ
فكلُّ نارٍ لنا قلوبٌ ... وكلُّ ماءٍ لنا عيونُ
وقال أشجع السلميّ:
مضى ابن سعيدٍ حين لم يبقَ مشرقٌ ... ولا مغربٌ إلاَّ لهُ فيهِ مادحُ
وما كنتُ أدري ما فواضلُ كفِّهِ ... على النَّاسِ حتَّى غيَّبتهُ الصَّفائحُ
وأصبحَ في لحدٍ من الأرضِ ميتاً ... وكانت به حيَّاً تضيقُ الصَّحاصحُ
سأبكيكَ ما فاضت دُمُوعي فإن تغِضْ ... فحسبُك منِّي ما تُجنُّ الجوانحُ
كأنْ لم يمتْ حيٌّ سواكَ ولم تقُم ... على أحدٍ إلا عليكَ النَّوائحُ
لئنْ حسُنتْ فيكَ المراثي وذكرُها ... لقد حسُنت من قبلُ فيكَ المدائحُ
وقالت أخت الوليد بن طريف ترثيه:
أيا شجرَ الخابورِ مالكَ مورقاً ... كأنَّكَ لم تجزعْ على ابنِ طريفِ
فتىً لا يحبُّ الزَّادَ إلاَّ من التُّقى ... ولا المالَ إلا من قنا وسيوفِ
فقدناهُ فقدانَ الرَّبيع وليتنا ... فديناهُ من ساداتِنا بألوفِِ
عليكَ سلامُ اللهِ وقفاً فإنَّني ... أرى الموتَ وقَّاعاً بكُلِّ شريفِ
وقال أبو محمد التَّيمي وتروى لمسلم بن الوليد:
أحقٌّ أنَّه أودى يزيدُ ... تأمَّل أيُّها النَّاعي المشيدُ

أحامي المجدِ والإسلامِ أودى ... فما للأرضِ ويحكَ لا تميدُ
تأمَّل هل ترى الإسلامَ مالت ... دعائمهُ وهل شابَ الوليدُ
وهل شيمتْ سيوفُ بني نزارٍ ... وهل وُضِعتْ عن الخيلِ اللُّبودُ
وهل تسقي البلادَ عشارُ مزنٍ ... بدَّرتِها وهل يخضُّر عُودُ
أما هُدَّت لمصرعهِ نزارٌ ... بلى وتقَّوضَ المجدُ المشيدُ
وحلَّ ضريحهُ إذ حلَّ فيهِ ... طريفُ المجدِ والحسبُ التليدُ
أما واللهِ ما تنفكُّ عيني ... عليكَ بدمعِها أبداً تجودُ
أبعدَ يزيدَ تختزنُ البواكي ... دُموعاً أو تصانُ لها خُدودُ
فإن يهلكْ يزيدُ فكلُّ حيٍّ ... فريسٌ للمنيَّة أو طريدُ
ألم تعجبْ لهُ أنَّ المنايا ... فتكنَ بهِ وهنَّ لهُ جنودُ
لقد عزَّى ربيعةَ أنَّ يوماً ... عليها مثلَ يومكَ لا يعودُ
وقال أبو العتاهية:
صاحبٌ كانَ لي هلكْ ... والسَّبيلُ الَّتي سلكْ
يا عليَّ بن ثابتٍ ... غفر اللهُ لي ولكْ
كلُّ حيٍّ مملَّكٍ ... سوفَ يفنى وما ملكْ
وقال أيضاً:
طوتكَ خطوبُ دهركَ بعد نشرٍ ... كذاكَ خطوبُهُ نشراً وطيَّاً
فلو نشرتْ قُواكَ لي المنايا ... شكوتُ إليكَ ما صنعتْ إليّا
بكيتكَ يا أُخيَّ بدمعِ عيني ... فلم يغنِ البكاءُ عليكَ شيّا
كفى حزناً بدفِنك ثمَّ إنَّي ... نفضتُ ترابَ قبركَ من يديا
وكانت في حياتكَ لي عظاتٌ ... فأنتَ اليومَ أوعظُ منكَ حيّا
وقال العباس بن الأحنف يرثي جارية الرّشيد:
يا منْ تباشرتِ القبورُ بموتها ... قصدَ الزَّمانُ بسهمهِ مرماكِ
أبغي الأنيسَ فلا أرى مؤنساً ... إلا التَّردّد حيثُ كنتُ أراكِ
ملكٌ بكاكِ وطالَ بعدكِ حُزنهُ ... لو يستطيعُ بملكهِ لفداكِ
يحمي الفُؤادَ على النِّساء حفيظةٌ ... كي لا يحلَّ سوى الفُؤادِ سواكِ
وقال أيضاً فيها:
ريحانتي قد خُلِستْ من يدي ... أبكي عليها آخرَ المُسندِ
كانت هي الأُنسَ إذا استوحشت ... نفسي من الأقربِ والأبعدِ
وروضةً لي لم تزل مرتعاً ... ومشرباً لي لم يزل موردي
كانت يداً تمَّت بها قوَّتي ... فاختلسَ الدَّهرُ يدي من يدي
وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطَّائيُّ:
كذا فليجلَّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ ... فليسَ لعينٍ لم يفضْ ماؤُها عذرُ
وما كانَ إلا مالَ من قلَّ مالهُ ... وذخراً لمن أمسى وليسَ له ذخرُ
توفِّيت الآمالُ بعد محمَّدٍ ... وأصبحَ في شغلٍ عن السَّفرِ السَّفرُ
وما كان يدري مجتدي جُود كفِّهِ ... إذا ما استهلَّت أنَّه خُلِق العسرُ
ألا في سبيلِ الله من عُطِّلت له ... فِجاجُ سبيلِ اللهِ وانثغرَ الثَّغرُ
فتىً كلَّما فاضت عيونُ قبيلةٍ ... دماً ضحكت عنه الأحاديثُ والذِّكرُ
فتىً ماتَ بين الضَّرب والطَّعن ميتةً ... تقومُ مقامَ النَّصرِ إذ فاتهُ النَّصرُ
وما ماتَ حتَّى ماتَ مضربُ سيفهِ ... من الضَّربِ واعتلَّت عليهِ القنا السُّمرُ
وقد كان فوتُ الموتِ سهلاً فردَّهُ ... إليهِ الحفاظُ المرُّ والخلقُ الوعرُ
ونفسٌ تعافُ العارَ حتَّى كأنَّه ... هو الكفرُ يومَ الرَّوعِ أو دونَهُ الكفرُ
فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجلهُ ... وقال لها: من تحتِ أخمصكِ الحشرُ
تردَّى ثيابَ الموتِ حمراً فما أتى ... لها اللَّيلُ إلاَّ وهي من سُندسٍ خضرُ
كأنَّ بني نبهانَ يوم وفاتهِ ... نجومُ سماءٍ خَرَّ من دُونِها البدرُ
سقى الغيثُ غيثاً وارتِ الأرضُ شخصهُ ... وإن لم يكنْ فيهِ سحابُ ولا قطرُ
وكيفَ احتمِالي للسَّحابِ صنيعةً ... بإسقائِها قبراً وفي لحدهِ البحرُ
مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبق روضةٌ ... غداةَ ثوى إلاَّ اشتهتْ أنَّها قبرُ
ثوى في الثَّرى من كانَ يحيا به الثَّرى ... ويغمرُ صرفَ الدَّهرِ نائلهُ الغمرُ
عليكَ سلام الله وقفاً فإنَّني ... رأيتُ الكريمَ الحُرَّ ليسَ لهُ عمرُ
وقال أيضاً:

أصمَّ بكَ النَّاعي وإنْ كان أسمعا ... وأصبحَ مغنى الجُودِ بعدكَ بلقعا
للحد أبي نصرٍ تحيَّةُ مزنةٍ ... إذا هي حيَّت مُمعراً عادَ ممرعا
فلم أرَ يوماً كان أشبه ساعةً ... بيومي من اليومِ الَّذي فيه ودَّعا
مصيفٌ أفاضَ الحزنُ فيه جداولاً ... من الدَّمعِ حتَّى خِلته عاد مربعا
ووالله لا تقضي العيونُ الَّتي لهُ ... عليها ولو سالت مع الدَّمعِ أدمعا
فتىً كلَّما ارتاد الشُّجاعُ من الرَّدى ... مفرَّاً غداةَ المأزقِ ارتاد مصرعا
فتىً كان شِرباً للعفاةِ ومرتعاً ... فأصبحَ للهنديَّة البيضِ مرتعا
إذا ساءَ يومٌ في الكريهةِ منظراً ... تصلاَّه عِلماً أن سيحسنُ مسمعا
فإن تُرمَ عن عمرٍ تدانى به المدى ... فخانكَ حتَّى لم يجِد فيك منزعا
فما كنتَ إلاَّ السَّيفَ لاقى ضريبةً ... فقطَّعها ثمَّ انثنى فتقطَّعا!
وقال أيضاً:
بني مالكٍ قد نبَّهت خاملَ الثَّرى ... قبورٌ لكم مستشرفاتُ المعالمِ
رواكدُ قيسُ الكفِّ من متناولٍ ... وفيها عُلاً لا تُرتقى بالسَّلالمِ
قضيتم حقوقَ الأرضِ منكم بأعظمٍ ... عظامٍ قضتْ دهراً حقوقَ المكارمِ
وقال أيضاً:
هو الدَّهرُ لا يشوي وهنَّ المصائبُ ... وأكثرُ آمالِ الرِّجالِ كواذبُ
فيا غالباً لا غالبٌ لرزيَّةٍ ... بل الموتُ لا شكَّ الَّذي هو غالبُ
وقلتُ أخي، قالوا أخٌ ذو قرابةٍ؟ ... فقلتُ لهم: إنَّ الشُّكولَ أقاربُ
نسيبي في عَزمي ورأيي ومذهبي ... وإن باعدتنا في الأصولِ المَناسبُ
عجبتُ لصبري بعدهُ وهو ميِّتٌ ... وكنتُ امرأً أبكي دماً وهو غائبُ
على أنَّها الأيَّامُ قد صرنَ كلُّها ... عجائبَ حتَّى ليسَ فيها عجائبُ!
وقال أبو عبادة البحتري:
أأخيَّ نهنهْ دمعكَ المسفوكا ... إنَّ الحوادثَ ينصرمنَ وشيكا
الدَّهر أنصفُ منكَ في أحكامهِ ... إذ كان يأخذُ بعضَ ما يُعطيكا
وقليلُ هذا السَّعي يكسبكَ الغِنى ... إن كانَ يغنيك الَّذي يكفيكا
نلقى المنونَ حقائقاً وكأنَّنا ... من غرَّةٍ نلقى بهنَّ شكوكا
هذا سليمانُ بنُ وهبٍ بعدما ... طالت مساعيهِ النُّجوم سموكا
أغرت بهِ الأقدارُ بغتَ ملمَّةٍ ... ما كانَ رسُّ حديثِها مأفوكا
أبلغْ عبيدَ اللهِ فارعَ مذحجٍ ... شرفاً ومعطى فضلِها تمليكا
أنتَ الَّذي لو قيل للجُود: اتَّخذ ... خِلاَّ أشارَ إليك لا يعدوكا
إنَّ الرَّزيَّةَ في الفقيدِ فإن هفا ... جزعٌ بصبركَ فالرَّزيَّةُ فيكا
ومتى وجدتَ النَّاسَ إلاَّ تاركاً ... لحميمهِ في التُّربِ أو متروكا؟
وفجيعةُ الأيَّامِ قسمٌ سوِّيت ... فيه البريّةُ: سوقةً وملوكا
وقال أبو الطيّب المتنبِّي:
تصفو الحياةُ لجاهلٍ أو غافلٍ ... عمَّا مضى فيها وما يُتوقَّع
ولمن يغالطُ في الحقائقِ نفسهُ ... ويسومُها طلبَ المحالِ فتطمعُ
أين الذي الهرمان من بنيانهِ ... ما قومهُ ما يومه ما المصرعُ
تتخلَّف الآثارُ عن أصحابها ... حيناً ويدركها الفناء فتتبعُ
لم يُرضِ قلبَ أبي شجاعٍ مبلغٌ ... قبل الممات ولم يسعهُ موضعُ
يا من يبدّلُ كل يوم حلّةً ... أنّى رضيتَ بحلَّةٍ لا تنزعُ
ما زلتَ تخلعُها على من شاءها ... حتَّى لبستَ اليوم ما لا تخلعُ
ما زلتَ تدفعُ كلَّ أمرٍ فادحٍ ... حتَّى أتى الأمرُ الَّذي لا يُدفعُ
فظللتَ تنظرُ لا رماحُك شُرَّعٌ ... فيما عراك ولا سيوفك قُطّعُ
من للمحافلِ والجحافل والسُّرى ... فقدت بفقدِك نيِّراً لا يطلعُ
ومن اتخذتَ على الضيوفِ خليفة ... ضاعوا ومثلُك لا يكادُ يضيِّعُ
من كان فيه لكلّ قوم ملجأ ... ولسيفهِ في كلِّ يوم مرتعُ
إن حلَّ في فُرسٍ ففيها ربُّها ... كسرى تذُّل له الرقابُ وتخضعُ
أو حلَّ في رومٍ ففيها قيصرٌ ... أو حلَّ في عُرب ففيها تبَّعُ
قد كان أسرع فارسٍ في طعنةٍ ... فرساً ولكنَّ المنيَّة أسرعُ

لا قلّبت أيدي الفوارس بعده ... رمحاً، ولا حملت جواداً أربعُ
وقال أيضاً: " من الوافر "
نعدُّ المشرفيّة والعوالي ... وتقتلنا المنونُ بلا قتالِ
ونرتبطُ السَّوابقَ مقرباتٍ ... وما ينجينَ من خببِ الليالي
ومن لم يعشقِ الدُّنيا قديماً؟ ... ولكن لا سبيلَ إلى الوصالِ
نصيبكَ في حياتكَ من حبيبٍ ... نصيبكَ في منامكَ من خيالِ
رماني الدَّهر بالأرزاءِ حتّى ... فؤادي في غشاءٍ من نبالِ!
فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ ... تكسَّرت النِّصال على النِّصالِ
وهانَ فما أبالي بالرَّزايا ... لأنّي ما انتفعتُ بأن أبالي
وهذا أوّلُ الناعين طرّاً ... لأوّل ميتةٍ في ذا الجلالِ
كأن الموتَ لم يفجع بنفسٍ ... ولم يخطر لمخلوقٍ ببال!ِ
حصانٌ مثلُ ماءِ المزنِ فيه ... كتومُ السِّرِّ صادقةُ المقالِ
ولو كان النساءُ كمن فقدنا ... لفضِّلت النِّساء على الرِّجالِ
وما التَّأنيثُ لاسم الشَّمس عيبٌ ... ولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ
أسيفَ الدَّولة استنجد بصبرٍ ... وكيف بمثلِ صبركَ للجبالِ؟
فأنت تعلّمُ النّاسَ التَّعزِّي ... وخوضَ الموتِ في الحربِ السّجالِ
وحالاتُ الزمانِ عليكَ شتَّى ... وحالكَ واحدٌ في كلِّ حالِ
فإن تفقِ الأنامَ وأنتَ منهمْ ... فإنَّ المِسك بعضُ دمِ الغزالِ
وقال أبو الحسن التِّهاميّ من قصيدةٍ:
حكمُ المنيّة في البريَّة جارِ ... ما هذه الدُّنيا بدارِ قرارِ
بينا يرى الإنسانُ فيها مُخبراً ... حتَّى يرى خبراً من الأخبارِ
والنَّفسُ إن رضيت بذلك أو أبتْ ... منقادةٌ بأزِمَّة الأقدارِ
طبعت على كدرٍ وأنت تريدُها ... صفواً من الأقذارِ والأكدارِ
وإذا رجوتَ المستحيلَ فإنَّها ... تبني الرَّجاءَ على شفيرٍ هارِ
العيشُ نومٌ والمنيَّةُ يقظةٌ ... والمرءُ بينهما خيالٌ سارِ
فاقضوا مآربكمْ عجالاً إنَّما ... أعماركمْ سفرٌ من الأسفارِ
وتراكضُوا خيلَ الشَّباب وبادروا ... أن تُستردَّ فإنَّهنَّ عوارِ
ليس الزَّمانُ وإن حرصتَ مسالماً ... خلقُ الزَّمانِ عداوة الأحرارِ
إنِّي وُترتُ بصارمٍ ذي رونقٍ ... أعددتهُ لطلابةِ الأوتارِ
أُثني عليهِ بإثره ولو أنَّه ... لم يُعتبطْ أثنيتُ بالآثارِ
يا كوكباً ما كانَ أقصرَ عمرهِ ... وكذاكَ عمرُ كواكبِ الأسحارِ
وهلالَ أيَّام مضى لم يستدرْ ... بدراً ولم يمهلْ لوقتِ سرارِ
عجلَ الخسوفُ إليه قبلَ تمامهِ ... فمحاهُ قبلَ مظنَّةِ الإبدارِ
واستلَّ من أترابهِ ولداتهِ ... كالمقلةِ استُلَّت من الأشفارِ
وكأنَّ قلبي قبره وكأنَّه ... في طيِّه سرٌّ من الأسرارِ
إن يُحتقر صغراً فربَّ مفخَّمٍ ... يبدو ضئيلَ الشَّخص للنُّظَّارِ
إنَّ الكواكبَ في عُلوِّ مكانها ... لتُرى صغاراً وهي غير صغارِ
ولد المعزَّى بعضهُ فإذا انقضى ... بعضُ الفتى فالكلُّ في الآثارِ
أبكيهِ ثم أقولُ معتذراً له ... وفِّقتَ حين تركتَ ألأمَ دارِ
جاورتُ أعدائي وجاورَ ربَّه ... شتَّان بين جوارهِ وجواري
أشكُو بعادكَ لي وأنت بموضعٍ ... لولا الرَّدى لسمعتَ فيه سراري
والشَّرقُ نحو الغربِ أقربُ شقَّةً ... من بُعدِ تلك الخمسةِ الأشبارِ
هيهاتَ قد علقتكَ أشراكُ الرَّدى ... واعتاق عمركَ قاطعُ الأعمارِ
وقال أيضاً:
أبا الفضلِ طالَ اللَّيل أم خانني صبري ... فخيِّل لي أنَّ الكواكبَ لا تسري
أرى الرَّملةَ البيضاءَ بعدكَ أصبحت ... سواداً فدهري ليسَ يفضي إلى فجرِ
وما ذاك إلاَّ أنَّ فيها وديعةً ... أبى ربُّها أن تُستردَّ إلى الحشرِ
رزئت بملء العين يحسب كوكباً ... تولَّد بين الشَّمسِ والقمرِ البدرِ
بأبلجَ لو يخفى لنمَّ ضياؤهُ ... عليهِ كما نمَّ النَّسيمُ على الزَّهرِ
بنفسي هلالٌ كنتُ أرجو تمامهُ ... فعاجلهُ المقدارُ في غرَّة الشَّهرِ

وشبلٍ رجونا أن يكونَ غضنفراً ... فماتَ ولم يجرح بنابٍ ولا ظفرِ
أتاهُ قضاءُ الله في دارِ غربةٍ ... بنفسي غريبُ الأصلِ والنَّفس والقدرِ
أحمِّلهُ ثقلَ التُّرابِ وإنَّني ... لأخشى عليه الثِّقل من موطئِ الذَّرِّ
وأُودعهُ غبراءَ غيرَ أمينةٍ ... عليه ولكن قادَ شرٍّ إلى شرِّ
ووالله لو أسطيع قاسمُتهُ الرَّدى ... فمتنا جميعاً أو لقاسمني عمري
ولكنها أرواحُنا ملكُ غيرنا ... فماليَ في نفسي ولا فيهِ من أمرِ
وما اقتضتِ الأيَّامُ إلا هباتها ... فهلاَّ اقتضتها قبل أنْ ملأتْ صدري
ومن قبل أن يجري هواه وإلفهُ ... بقلبي جريَ الماءِ في الغصنِ النَّضرِ
فلا حزنَ إلا يومَ واريتُ شخصهُ ... فرحتُ ببعض النَّفس والبعض في القبرِ
وأعلمُ أنَّ الحادثاتِ بمرصدٍ ... لتأخذَ كلِّي مثلما أخذتْ شطري
طواهُ الرَّدى طيَّ الرِّداء فأصبحتْ ... مغانيهِ ما فيهنَّ منه سوى الذِّكرِ
ينغَّصُ نومي كل يومٍ وليلةٍ ... خيالٌ له يسري وذكرٌ له يجري
وقالوا سيُسليه التَّأسِّي بغيرهِ ... فقلت لهمْ: هل يُطفأ الجمرُ بالجمرِ
وضاعفَ وجدي أن قضيتَ ولم تقمْ ... مقامَ الشَّجى المعروضِ في ثغرةِ النَّحرِ
ولم تلقَ صفَّاً من عداكَ بمثلهِ ... كما أسندَ الكتَّاب سطراً إلى سطرِ
ولمَّا تُضفْ في نصرةِ الله طعنةً ... إلى ضربةٍ كالتِّبنِ فوق شفى نهرِ
ولم تخفقِ النِّيران حولكَ للقِرى ... كما خفقتْ أطرافُ ألويةٍ حمرِ
ولمَّا تُبارِ النَّجمَ ضوءاً ورفعةً ... وصيتاً وأنواءً وهدياً لمن يسري
ولم تخجلِ الرَّوضَ الأنيقَ وطيبهُ ... مفوَّفةَ الأرجاءِ بالنَّظمِ والنَّشرِ
ولمَّا تقف في مشهدٍ بعد مشهدِ ... تصدَّقُ أخبارَ المخايلِ بالخبرِ
عليك سلامُ الله ربِّي فإن تكن ... عبرتَ إلى الأُخرى فنحنُ على الجسرِ
وقال أيضاً:
أتى الدَّهرُ من حيث لا أتَّقي ... وخانَ من السَّبب الأوثقِ
مضى بأبي الفضلِ شطرَ الحياةِ ... وما مرَّ أنفسُ ممَّا بقي
فقُلْ للمنيَّةِ من بعدهِ ... أسفِّي بمن شئتِ أو حلِّقي
أمنتكِ لم يبقَ لي ما أخافُ ... عليه الحمامَ ولا أتَّقي
ولمَّا قضى دون أترابه ... تيقَّنتُ أنَّ الرَّدى ينتقي
مضى حينَ ودَّع درَّ الرِّضاعِ ... لدرِّ التَّفصُّحِ في المنطقِ
وهزَّ اليراع أنابيبه ... وهُنِّئ بالكاتبِ المفلقِ
وقيلَ سيشرفُ هذا الغلامُ ... وقالت مخايلهُ: أخلقِ
كأنَّ اللِّثام على وجههِ ... هلالٌ على كوكبٍ مشرقِ
وما النَّوم إلاَّ التقاءُ الجفونِ ... فكيفَ أنامُ وما تلتقي
يعزُّ على حاسدي أنَّني ... إذا طرقَ الخطبُ لم أطرقِ
وأنَّي طودٌ إذا صادمتهُ ... رياحُ الحوادثِ لم يقلقِ
وقال الشَّريف الرَّضيُّ:
أعلمتَ من حملوا على الأعوادِ ... أرأيتَ كيف خبا ضياءُ النادي
جبلٌ هوى لو خرَّ في البحرِ اغتدى ... من وقعهِ متتابعِ الإزبادِ
ما كنتُ أعلمُ قبلَ حطَّكَ في الثَّرى ... أنَّ الثرى يعلو على الأطوادِ
بعداً ليومك في الزَّمان فإنَّه ... أقذى العيونَ وفتَّ في الأعضادِ
لا ينفدُ الدَّمعُ الذي يبكى بهِ ... إنَّ القلوبَ له من الأمدادِ
طاحت بتلكَ المكرماتِ طوائحٌ ... وعدت على ذاكَ الجوادِ عوادي
والدَّهر تدخلُ نافذاتُ سهامهِ ... مأوى الصِّلال ومربضَ الآسادِ
أعزز عليَّ بأن يفارقَ ناظري ... لمعانَ ذاك الكوكبِ الوقَّادِ
أعزز عليَّ بأن نزلتَ بمنزلٍ ... متشابهِ الأمجادِ والأوغادِ
في عصبةٍ جُنبوا إلى آجالهم ... والدَّهرُ يُعجلهم عن الإروادِ
ضَربوا بمدرجةِ الفناءِ قبابهم ... من غيرِ أطنابٍ ولا أوتادِ
ركبٌ أناخوا لا يرجَّى منهمُ ... قصدٌ لإتهامٍ ولا إنجادِ
فتهافتُوا عن رحلِ كلِّ مذلَّل ... وتطاوحوا عن سرجِ كلِّ جوادِ
بادُونَ في صورِ الجميع وإنَّهم ... متفرّدونَ تفرُّد الآحادِ

مما يطيلُ الهمَّ أنَّ أمامنا ... طولُ الطَّريقِ وقلَّة الأزوادِ
عمري! لقد أغمدتُ منك مُهنّداً ... قي التُّربِ كان ممزق الأغمادِ
قد كنتُ أهوى أن أشاطركَ الرَّدى ... لكن أرادَ اللهُ غيرَ مرادي
ولقد كبا طرفُ الرُّقادِ بناظري ... أسفاً عليك فلا لعاً لرقادي
ثكلتكَ أرضٌ لم تلدْ لك ثانياً ... أنَّى ومثلُك معوزُ الميلادِ
من للفصاحةِ والبلاغةِ إن همى ... ذاك الغمامُ وعبَّ ذاك الوادي
من للممالكِ لا يزال يلمُّها ... بسدادِ أمرٍ ضائعٍ وسدادِ
من للموارقِ يستردُّ قلوبها ... بزلازلِ الإبراقِ والإرعادِ
وصحائفٍ فيها الأراقمُ كمَّنٌ ... مرهوبةٌ الإصدارِ والإيرادِ
تدمى طوائعُها إذا استعرضتها ... من شدَّةِ التَّحذيرِ والإيعادِ
حمرٌ على نظرِ العدوِّ كأنَّما ... بدمٍ يخطُّ بهنَّ لا بمدادِ
سوَّدتَ ما بين الفضاءِ وناظري ... وغسلتَ من عينيَّ كلَّ سوادِ
ليسَ الفجائعُ بالذَّخائرِ مثلها ... بأماجدِ الأعيانِ والأفرادِ
وقال أيضاً:
ألقي السِّلاح ربيعةَ بن نزارِ ... أودى الرَّدى بقريعكِ المغوارِ
وترجَّلي عن كلِّ أجردَ سابحٍ ... ميلَ الرِّقابِ نواكسَ الأبصارِ
ودعي الأعنَّة من أكفّك إنَّها ... فقدت مصرّفها ليومِ مغارِ
مستنزلُ الأسدِ الهزبرِ برمحهِ ... ولَّى، وفالقُ هامةِ الجبّارِ
أين القبابُ الحمرُ تفهقُ بالقرى ... مهتوكةَ الأستارِ للزُّوَّارِ؟
أين الفناءُ تموجُ في جنباتهِ ... بصهيل جردٍ أو رغاءِ عشارِ؟
أين الجيادُ مللنَ من طولِ السُّرى ... يقذفنَ بالمهراتِ والأمهارِ؟
من معشرٍ غُلب الرِّقاب جحاجحٍ ... غلبوا على الأقدارِ والأخطارِ
من كلِّ أروعَ طاعنٍ أو ضاربٍ ... أو واهبٍ أو خالعٍ أو قارِ
وفوارسٍ كالشُّهبِ تطرحُ ضوءها ... يوم الوغى وأوار حرِّ النّارِ
ركبوا رماحهمُ إلى أغراضِهِم ... أممَ العلا وجروا بغيرِ عثارِ
واستنزلُوا أرزاقَهُم بسيوفهم ... فغنوا بغيرِ مذلَّةٍ وصغارِ
كثُر النَّصيرُ لهم فلمَّا جاءهُم ... أمرُ الرَّدى وجدوا بلا أنصارِ
هم أعجلوا داعي المنون تعرُّضاً ... للطَّعن بين ذوابلٍ وشفارِ
أوليس يكفينا تسلُّط بأسها ... حتّى تُسلّطها على الأعمارِ
نزلوا بقارعةٍ تشابهَ عندها ... ذلُّ العبيدِ وعزةَ الأحرارِ
صاروا قراراً للمنون، وإنَّما ... كانوا لسيلِ الذّلِّ غير قرارِ
وقال أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن نباتة:
سقامٌ ما يصابُ له طبيبُ ... وأيَّام محاسنُها عيوبُ
ودهرٌ ليسَ يقبلُ من أديبٍ ... كما لا يقبلُ التأديبُ ذيبُ
يحبُّ على المصائب والرَّزايا ... فلا كان المحبُّ ولا الحبيبُ
نظرتُ فما أرى إلا غفولاً ... يمدُّ رجاءه الطَّمع الكذوبُ
أبعدَ الأريحيِّ أبي شجاعٍ ... يسرُّ بعيشهِ الفطن اللَّبيبُ
وقد ملك البلاد وما أذرَّت ... عليه الشَّمس تطلع أو تغيبُ
فما علم المنجِّم حين يقضي ... بربِّك ما تجيء به الغيوبُ
ولا عرف الطَّبيب دواءَ داءٍ ... سواءٌ أنت فيه والطَّبيبُ
تجرَّأت الحوادثُ، واستطالت ... علينا بعد فرقتك الخطوبُ
وقال أبو العلاء المعرِّي:
صاح هذي قبورنا تملأ الرُّح ... ب فأين القبورُ من عهدِ عادِ
خفِّف الوطءَ ما أظنُّ أديم ال ... أرض إلاَّ من هذه الأجسادِ
وقبيحٌ بنا وإن قدُم العه ... د هوانُ الآباءِ والأجدادِ
سرْ إن اسطعت في الهواء رويداً ... لا اختيالاً على رفاتِ العبادِ
ربَّ لحدٍ قد صارَ لحداً مراراً ... ضاحكٍ من تزاحم الأضدادِ
ودفينٍ على بقايا دفينٍ ... في طوالِ الأزمان والآبادِ
فاسألِ الفرقدين عمَّن أحسَّا ... من قبيل وآنسا من بلادِ
كم أقاما على زوالِ نهار ... وأنارا لمدلجٍ في سوادِ
تعبٌ كلُّها الحياة فما أع ... جبُ إلا لراغبٍ في ازديادِ

إنَّ حزناً في ساعة الموت أضعا ... فُ سرورٍ في ساعةِ الميلادِ
خلُقَ النَّاسُ للبقاءِ فضلَّت ... أمةٌ يحسبونهُم للنَّفادِ
إنَّما يُنقلونَ من دارِ أعما ... ل إلى دار شقوةٍ أو رشادِ
زحلٌ أشرفُ الكواكبِ داراً ... من لقاء الرَّدى على ميعادِ
ولنارِ المرِّيخ من حدثان الد ... هر مطفٍ وإن علت في اتِّقادِ
والثُّريَّا رهينةٌ بافتراق الش ... مل حتَّى تعدُّ في الأفرادِ
وقال أيضاً:
نقمت الرِّضا حتَّى على ضاحكِ المزنِ ... فلا جادني إلاَّ عبوسٌ من الدَّجن
أبي حكمتْ فيه اللَّيالي ولم تزلْ ... رماحُ المنايا قادراتٍ على الطَّعن
مضى طاهرَ الجثمانِ والنَّفسِ والكرى ... وسهدِ المُنى والجيبِ والذَّيل والرُّدن
على أمِّ دفرٍ غضبةُ الله إنَّها ... لأجدرُ أنثى أن تخونَ وأن تخني
كعابٌ دُجاها فرعها ونهارها ... مُحيّاً لها قامت لهُ الشَّمس بالحسنِ
وما قارنت شخصاً من الخلقِ ساعةً ... من الدَّهر إلاَّ وهي أفتكُ من قرنِ
وجدنا أذى الدُّنيا لذيذاً كأنَّما ... جنى النَّحل أصنافُ الشَّقاء الَّذي نجني
وخوفُ الرَّدى آوى إلى الكهفِ أهلهُ ... وعلَّم نوحاً وابنه عملَ السُّفن
وما استعذبتهُ نفسُ موسى وآدمٍ ... وقد وعدا من بعده جنَّتي عدنِ
أمولى القوافي كم أراكَ انقيادُها ... لك الفصحاءَ العرب كالعجمِ اللُّكنِ
هنيئاً لك البيت الجديد موسَّداً ... يمينكَ فيه بالسَّعادة واليمنِ
مجاورَ سكنٍ في ديارٍ بعيدةٍ ... من الحيَّ سقيا للدِّيارِ وللسَّكنِ
أمرُّ بربعٍ كنتَ فيه كأنَّما ... أمرُّ من الإجلالِ بالحجرِ والرُّكنِ
وإجلالُ مغناكَ اجتهادُ مقصِّر ... إذا النَّصلُ أودى فالعفاءُ على الجفنِ
وقال مهيار الدَّيلميُّ:
لمن الجيادُ مع الصَّباحِ بموتهِ ... تُنضي الظَّلامَ وما نضا أجسامها
صبغَ السَّواد ولم تكن مصبوغةً ... أعرافها ظُلماً وعمَّ لمامها
كلحَ الصَّباح بموتهِ عن ليلةٍ ... نفضت على وجهِ الصَّباحِ ظلامها
صدعَ الحمامُ صفاةَ آل محمد ... صدعَ الرِّداء به وحلَّ نظامها
بالفارسِ العلويِّ شقَّ غُبارها ... والنَّاطقِ العربيِّ شقَّ كلامها
سلبَ العشيرةَ يومهُ مصباحَها ... ورمى الرَّدى عمَّا لها علاَّمها
بُرهان حُجَّتها الَّتي بهرت به ... أعداءها وتقدَّمت أعمامها
فلئن مضى بعُلاك يوم صانها ... فلقد أتى برداك يومٌ ضامها
من هدَّ هضبتكَ المنيفة بعدما ... عيي الزَّمانُ فما استطاعَ زمامها
فضَّ الحمام إليك حلقة هيبةٍ ... ما خلتُ حادثةً تفضُّ ختامها
أبكيكَ للدُّنيا الَّتي طلَّقتها ... وقد اصطفتك شبابها وعُرامها
ورميتَ غاربها بفضلةِ حبلها ... زُهداً وقد ألقت إليكَ زمامها
والأرضُ كنتَ على قفارةِ ظهرها ... علماً إذا كتمَ الدُّجى أعلامها
ولقولةٍ عوصاءَ أرتجَ بابها ... ففتحتها لمَّا ولجتَ خصامها
وقلائدٍ قذفت بحارُك درَّها ... وقضى لسانُك رصفها ونِظامها
هي آيةُ العربِ الَّتي انفردت بها ... راعيتَ فيها عهدها وذمامها
حمَّستَ حتَّى قيل: صبَّ دماءها ... وغزلتَ حتَّى قيلَ صبَّ مُدامها
ماتت بموتكَ غير ما خلَّدتهُ ... في الصُّحف إذ أمددتهُ أقلامها
قد كُنتَ ترضاني إذا سَّومتها ... تبعاً وأرضى أن تسير أمامها
وقال أبو العبَّاس التُّطيلي:
استنفدَ الدَّمع أنَّ الصَّبر قد نفدا ... لا يحسن الدَّهر رزءاً مثلهُ أبدا
وقل لصرفِ الزَّمان احتل على ثقةٍ ... من السِّباقِ فقد أحرزتَ كل مدى
اليومَ حين لقيتَ المجد في كفنٍ ... نفسي الفداءُ على أن لات حين فدا
في ذمَّة الله قبرٌ ما مررتُ به ... إلا اختلستُ أسىً إن لم أمت كمدا
تضمَّن الدِّين والدُّنيا بأسرهما ... والحزمَ والعزمَ والإيمانَ والرَّشدا
والسؤددَ الضَّخمَ مضروباً سرادقه ... قد ودَّت الشِّمسُ لو كانت له عُمُدا

ملءَ القلوبِ جلالاً والعيونِ سناً ... والحربِ بأساً وأكنافِ النَّديِّ ندى
من لا يقدِّم في غيرِ العلا قدماً ... ولا يمدُّ لغيرِ المكرماتِ يدا
أودى الزَّمانُ وكيف اسطاعه؟ بفتىً ... قد طال ما راحَ في أتباعه وغدا
كأنَّه كان ثأراً بات يطلبهُ ... حتَّى رآه فلم يعدلْ به أحدا
هل نافعي والأماني كلُّها خدعُ ... قولي له اليومَ: لا تبعد! وقد بعُدا
يا عادياً لم يكن شيءٌ يقومُ لهُ ... أما توقَّاكَ صرفُ الدَّهر حين عدا
إذا ونتْ بكَ خيلُ الدَّمعِ جدَّ بها ... مجرٍ من الشَّوق لم يحدد لها أمدا
قل للمحدِّثِ عن لقمان أو لبدٍ ... لم يتركِ الدَّهر لقماناً ولا لُبدا
وللَّذي همُّهُ البنيانُ يرفعه: ... إنَّ الرَّدى لم يغادر في الشَّرى أسدا
ما لابن آدمَ لا تفنى مطالبهُ ... يرجو غداً وعسى ألاَّ يعيش غدا
وقال أيضاً:
ألا حدِّثاني عن فلٍّ وفلان ... لعلِّي أرى باقٍ على الحدثانِ
وعن دول جسنَ الدَّيار وأهلها ... فنينَ وصرفُ الدَّهر ليس بفانِ
وعن هرمي مصر الغداةَ، أمتِّعا ... بشرخِ شبابٍ أم هما هرمانِ
وعن نخلتيْ حلوانَ كيف تناءتا ... ولم تطويا كشحاً على شنآنِ
وطال ثواءُ الفرقدينِ بغبطةٍ ... أما علما أن سوفَ يفترقانِ
وزايلَ بين الشِّعريين تصرُّفٌ ... من الدَّهر لا وانٍ ولا متوانِ
فإن تذهبِ الشِّعرى العبورُ لشأنها ... فإنَّ الغُميصا في بقيَّة شانِ
وجنَّ سهيلٌ بالثُّريَّا جنونهُ ... ولكن سلاه: كيف يعترفانِ
وهيهاتَ من عدل القضاءِ وجورهِ ... شآميةٌ ألوت بدينِ يمانِ
فأزمعَ عنها آخر الدَّهر سلوةً ... على طمعٍ خلاَّه للدَّبرانِ
وأعلنَ صرفُ الدَّهر لابني نويرةٍ ... بيومِ تناءٍ غالَ كُلَّ تدانِ
وكانا كندمانيْ جذيمةَ حقبةً ... من الدَّهرِ لو لم ينصرِفْ لأوانِ
وأيُّ قبيلٍ لم يصدَّع جميعهُ ... ببكرٍ من الأرزاءِ أو بعوانِ
خليليَّ أبصرتُ الرَّدى وسمعتهُ ... فإن كنتما في مريةٍ فسلاني
خذا من فمي هلاَّ وسوفَ فإنَّني ... أرى بهما غير الَّذي تريانِ
ولا تعِداني أن أعيشَ إلى غدٍ ... لعلَّ المنايا دونَ ما تعدانِ
تقولانِ: لا تبعدْ وللهِ درُّهم ... " وقد حيل بين العيرِ والنَّزوانِ "
ويأبونَ إلاَّ ليته ولعلَّه ... ومن أينَ للمقصُوص بالطَّيرانِ
نجزت المراثي والحمد لله ربِّ العالمين

باب
النَّسيب
قال كعب بن زهير من قصيدة يمدح بها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم مدحها في أوَّل الكتاب:
بانت سعادُ فقلبي بها متبولُ ... متيَّمٌ عبرهَا لم يُجزَ مكبولُ
وما سعادُ غداةَ البينِ إذ رحلوا ... إلاَّ أغنُّ غضيضُ الطَّرفِ مكحولُ
فما تدوم على حالٍ تكون بها ... كما تلَّون في أثوابها الغولُ
ولا تمسَّك بالعهد الَّذي زعمت ... إلاَّ كما تمسكُ الماءُ الغرابيلُ
كانت مواعيدُ عرقوبٍ لها مثلاً ... وما مواعيدها إلاَّ الأباطيلُ
فلا يغرَّنك ما منَّت وما وعدت ... إنَّ الأمانيَّ والأحلام تضليلُ
وقال حسان بن ثابت:
منع النَّوم بالعشاء الهمومُ ... وخيال إذا تغور النُّجومُ
من حبيبٍ أصاب قلبكَ منه ... سقمٌ فهو داخلٌ مكتومُ
يالقومٍ هل يقتلُ المرء مثلي ... واهنُ البطشِ والعظامِ سؤومُ
لو يدبُّ الحوليُّ من ولد الذَّر ... ر عليها لأندبتها الكلومُ
شأنُها العطرُ والفراشُ ويعلو ... ها لجينٌ ولؤلؤ منظومُ
لم تقُفها شمسُ النَّهار بشيءٍ ... غير أنَّ الشَّباب ليس يدومُ
وقال امرؤ القيس بن حجرٍ:
أغرَّك منِّي أنَّ حبَّك قاتلي ... وأنَّك مهما تأمري القلب يفعلِ؟
وما ذرفتْ عيناكَ إلاَّ لتقدحي ... بسهميكَ في أعشارِ قلبٍ مقتَّلِ
وبيضةِ خدرٍ لا يرام خباؤها ... تمتَّعتُ من لهوٍ بها غير معجلِ
تجاوزتُ أحراساً وأهوالَ معشرٍ ... عليَّ حراصٌ لو يشُّرون مقتلي

إذا التفتت نحوي تضوَّع ريحُها ... نسيمَ الصَّبا جاءت بريَّا القرنفلِ
مهفهفةٌ بيضاءُ غير مفاضةٍ ... ترائبُها مصقولةٌ كالسَّجنجلِ
كبكرِ مقاناةِ البياضِ بصفرةٍ ... غذاها نميرُ الماءِ غيرُ المحلَّلِ
تصدُّ وتبدي عن أسيلٍ وتتَّقي ... بناظرةٍ من وحشِ وجرة مطفلِ
وجيدٍ كجيدِ الرِّئم ليس بفاحشِ ... إذا هي نصَّتهُ ولا بمعطَّلِ
وفرعٍ يغشِّي المتنَ أسودَ فاحمٍ ... أثيثٍ كقنو النَّخلةِ المتعثكلِ
غدائرهُ مستشزراتٌ إلى العلا ... تضلُّ المداري في مُثنًّى ومرسلِ
وكشحٍ لطيفٍ كالجديلِ مخصَّرٍ ... وساقٍ كأنبوبِ السَّقيِّ المذلَّلِ
وتعطو برخصٍ غير شثنٍ كأنَّه ... أساريعُ ظبيٍ أو مساويكُ إسحلِ
تضيءُ الظَّلامَ بالعشاءِ كأنَّها ... منارةُ مُمسى راهب متبتلِ
وتضحي فتيت المسكِ فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضُّلِ
إلى مثلها يرنُو الحليمُ صبابةً ... إذا ما اسبكرَّت بين درعٍ ومجولِ
وقال أيضاً:
خليليَّ مرَّا بي على أمِّ جندبِ ... نقضُّ لبانات الفؤادِ المعذَّب
فإنَّكما إن تُنظراني ساعةً ... من الدَّهر تنفعني لدى أم جندب
ألم ترَ أنَّي كلَّما جئتُ طارقاً ... وجدتُ بها طيباً وإن لم تطيَّب
عقيلةُ أترابٍ لها لا دميمةُ ... ولا ذاتُ خلقٍ إن تأمَّلتَ جأنب
وقال أعشى بكر من قصيدة:
عهدي بها في الحيِّ قد سربلتْ ... بيضاءُ مثلُ المهرةِ الضَّامرِ
قد حجمَ الثَّدي على نحرها ... في مشرقٍ ذي بهجةٍ ناضرِ
كبيعةٍ صوِّر محرابُها ... بمذهبٍ ذي مرمرٍ مائرِ
أو بيضةٍ في الدِّعصِ مكنونةٍ ... أو درَّةٍ شيفت إلى تاجرِ
لو أسندتْ ميتاً إلى نحرها ... عاشَ ولم يحمل إلى قابِرِ
حتَّى يقول النَّاس ممَّا رأوا ... يا عجباً للميِّت النَّاشرِ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
تهيمُ إلى نُعمٍ فلا الشَّملُ جامعٌ ... ولا الحبلُ موصولٌ ولا القلبُ مقصرُ
ولا قربُ نعمٍ إن دنت لك نافعٌ ... ولا نأيُها يُسلي ولا أنت تصبرُ
إذا زُرتَ نعماً لم يزل ذو قرابةٍ ... لها كلَّما لاقيتهُ يتنمَّرُ
ألكني إليها بالسَّلام فإنَّني ... يشهَّر إلمامي بها ويُنكَّرُ
على أنَّها قالت غداة لقيتُها ... بمدفعِ أكنانٍ أهذا المُشهَّرُ؟
قفي فانظري يا أسمَ هل تعرفينهُ ... أهذا المغيريُّ الَّذي كان يُذكرُ؟
أهذا الَّذي أطريتِ نعتاً فلم أكن ... وعيشكِ أنساهُ إلى يوم أُقبرُ؟
لئن كانَ إياه لقد حال بيننا ... عن العهدِ، والإنسانُ قد يتغيَّرُ
فقالت: نعمْ لا شكَّ غيَّر لونه ... سرى اللَّيل يحيي نصَّه والتَّهجُّرُ
ومنها:
يمجُّ ذكيَّ المسكِ منها مفلَّجٌ ... نقيُّ الثَّنايا ذو غروب مؤشَّرُ
يرفُّ إذا تفترُّ عنه كأنَّهُ ... حصى بردٍ أو أقحوانٌ منوِّرُ
وترنو بعينيها إليَّ كما رنا ... إلى ربربٍ وسطَ الخميلةِ جؤذرُ
وقال أيضاً:
جرى ناصحٌ بالودِّ بيني وبينها ... فقرَّبني يومَ الحصابِ إلى قتلي
فما أنسَ مِ الأشياءِ لا أنس موقفي ... وموقفها يوماً بقارعةِ النَّخلِ
فلمَّا تواقفنا عرفتُ الَّذي بها ... كمثلِ الَّذي بي حذوك النَّعل بالنَّعلِ
فسلَّمتُ واستأنستُ خيفةَ أن يرى ... عدوٌّ مكاني أو يرى كاشحٌ فعلي
وقال أيضاً:
هل تعرفَ الدَّار والأطلال والدِّمنا ... زدنَ الفؤاد عل علاَّته حزنا
دارٌ لأسماءَ قد كانت تحلُّ بها ... وأنت إذ ذاك قد كانت لكُم وطنا
لم يُحبب القلبُ شيئاً مثل حبِّكمُ ... ولم ترَ العينُ شيئاً بعدكُم حسنا
ما إن أبالي إذا ما الله قرَّبكمُ ... من كان شطَّ من الأحياءِ أو ظعنا
فإن نأيتمْ أصابَ القلبَ نأيكمُ ... وإن دنت داركم كانت لنا سكنا
إن تبخلي لا يُسلِّي القلبَ بخلكمُ ... وإن تجودي فقد عنَّيتنا زمنا
وقال أيضاً:
نظرتُ إليها بالمحصَّبِ من منىً ... ولي نظرٌ لولا التحرُّجُ عارمُ

وقلت: أشمسٌ أم مصابيحُ راهبٍ ... بدتْ لكَ خلفَ السِّجف أم أنتَ حالمُ
بعيدةُ مهوى القرطِ إمَّا لنوفلٍ ... أبوها وإمَّا عبدُ شمسٍ وهاشمُ
طلبنَ الهوى حتَّى إذا ما وجدنهُ ... صددنَ وهنَّ المسلماتُ الكرائمُ
وقال جميل بن معمر:
لقد فرحَ الواشونَ أن صرمت حبلي ... بثينةُ أو أبدتْ لنا جانبَ البخلِ
يقولون: مهلاً يا جميلُ، وإنَّني ... لأقسمُ مالي عن بثينةَ من مهلِ
أحلماً؟ فقبلَ اليومِ كان أوانهُ ... أم أخشى؟ فقبلَ اليوم أوعدتُ بالقتلِ
فيا ويح نفسي! حسبُ نفسي الَّذي بها ... ويا ويح أهلي! ما أُصيب به أهلي
خليليَّ فيما عِشتُما هل رأيتُما ... قتيلاً بكى من حُبِّ قاتله قبلي
وقال أيضاً:
لمَّا دنا البينُ بين الحيِّ واقتسموا ... حبلَ النَّوى فهو في أيديهمُ قطعُ
جادتْ بأدمُعِها ليلى وأعجلنِي ... وشكُ الفراقِ فما أبقي وما أدعُ
يا قلبُ ويحكَ ما عيشي بذي سلمِ ... ولا الزَّمان الَّذي قد مرَّ مرتجعُ
أكلَّما بانَ حيٌّ لا تلائمهُم ... ولا يبالونَ أن يشتاق من فجعوا
علَّقتني بهوى منهم فقد جعلتْ ... من الفراقِ حصاةُ القلبِ تنصدعُ
وقال أيضاً:
رحلَ الخليطُ جمالهُمْ بسوادِ ... وحدا على إثرِ البخيلةِ حادِ
ما إن شعرتُ ولا سمعتُ ببينهم ... حتَّى سمعتُ به الغُرابَ ينادي
لمَّا رأيتُ البينَ قلتُ لصاحبي: ... صدعت مصدِّعةُ القلوب فؤادي
بانوا وغُودر في الدِّيار متيَّم ... كلفٌ بحبِّك يا بثينةُ صادِ
وقال أيضاً:
ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بوادي القُرى؟ إنِّي إذاً لسعيدُ
إذا قلتُ: ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحبِّ، قالت: ثابتٌ ويزيدُ
وإن قلت: ردِّي بعض عقلي أعشْ بهِ ... مع النَّاس، قال: ذاك منك بعيدُ
فلا أنا مردودٌ بما جئتُ طالباً ... ولا حبُّها فيما يبيدُ يبيدُ
يموتُ الهوى منَّي إذا ما ذكرتُها ... ويحيا إذا فارقتُها فيعودُ
خليليَّ، ما ألقى من الوجدِ قاتلي ... ودمعِي بما قلتُ الغداةَ شهيدُ
يقولون: جاهد يا جميلُ بغزوةٍ ... وأيُّ جهادٍ دونهنَّ أريدُ
لكلِّ حديثٍ نلتقيهِ بشاشةٌ ... وكلُّ قتيلٍ بينهنَّ شهيدُ
وقال أيضاً:
أعدُّ اللَّيالي ليلةً بعد ليلةٍ ... وقد كنتُ دهراً لا أعدُّ اللَّياليا
ذكرتُكِ بالدَّيرينِ يوماً فأشرفتْ ... بناتُ الهوى حتَّى بلغنَ التَّراقيا
وأنتِ الَّتي إن شئت أشقيتِ عيشتي ... وإن شئتِ بعد الله أنعمتِ باليا
وأنتِ الَّتي ما من صديقٍ ولا عدا ... يرى نضوَ ما أبقيتِ إلاَّ رثى ليا
وما زلتِ بي يا بثنُ حتَّى لو أنَّني ... من الوجدِ أستبكي الحمامَ بكى ليا
وددتُ على حبِّ الحياةِ لو أنَّني ... يزاد لها في عُمرها من حياتيا
وما أحدثَ النَّأي المفرِّق بيننا ... سُلُوَّاً ولا طولُ اجتماعٍ تقاليا
ولا زادني الواشونَ إلاَّ صبابةً ... ولا كثرةُ الناهينَ إلاَّ تماديا
ألم تعلمي يا عذبةَ الماء أنَّني ... أظلُّ إذا لم أسقَ ماءكِ صاديا
لقد خِفتُ أن ألقى المنيَّةَ بغتة ... وفي النَّفس حاجاتٌ إليك كما هيا
وقال أيضاً:
أبُثينَ إنَّكِ قد ملكتِ فأسجحي ... وخذي بحظِّك من كريمٍ واصلِ
ولربَّ عارضةٍ علينا وصلها ... بالجدِّ تخلطهُ بقولِ الهازلِ
فأجبتُها بالقولِ بعد تستُّرٍ: ... حُبَّي بثينةَ عن وصالكِ شاغلي
لو كانَ في قلبي كقدرِ قلامةٍ ... فضلاً وصلتكِ أو أتتكِ رسائلي
ويقلنَ: إنَّك قد رضيتَ بباطلٍ ... منها فهل لك في اجتناب الباطلِ؟
ولباطلٌ ممَّن أُحبُّ حديثهُ ... أشهى إليَّ من البغيض الباذلِ
وقال أيضاً:
إنَّي لأحفظ غيبكم ويسرَّني ... إذ تذكرين بصالح أن تذكري
ويكون يوم لا أرى لك مرسلاً ... أو نلتقي فيه عليَّ كأشهرِ
ياليتني ألقى المنيَّة بغتةً ... إن كان يومُ لقائكُم لم يقدرِ

إنِّي إليكِ بما وعدتِ لناظرٌ ... نظر الفقيرِ إلى الغنَّي المكثرِ
ما أنتِ والوعدُ الَّذي تعدينني ... إلاَّ كبرقِ غمامةٍ لم تمطرِ
يهواكِ ما عشتُ الفؤادُ فإن أمتْ ... يتبعْ صداي صداكِ بين الأقبرِ
وقال أيضاً:
وإنِّي لأرضى من بثينةَ بالَّذي ... لو أبصرهُ الواشي لقرَّت بلابلهْ
بلا وبأن لا أستطيعُ وبالمنى ... وبالأملِ المرجوِّ قد خابَ أملهْ
وبالنَّظرة العجلى وبالحولِ: تنقضي ... أواخرهُ لا تنقضي وأوائلهْ
وقال أيضاً:
خليليَّ عوجا اليوم حتَّى تسلما ... على عذبةِ الأنيابِ طيَّبةِ النَّشرِ
وبوحا بذكري عند بثنةَ وانظرا ... أترتاحُ يوماً أم تهشُّ إلى ذكري
أعوذُ بك اللَّهمَّ أن تشحطَ النَّوى ... ببثنةَ في باقي حياتي ولا حشري
وجاور إذا ما متُّ بيني وبينها ... فيا حبَّذا موتي إذا جاورتْ قبري
هي البدرُ حسناً والنَّساءُ كواكبٌ ... وشتَّان مابين الكواكبِ والبدرِ
لقد فُضِّلت ليلى على النَّاسِ مثلما ... على ألفِ شهرٍ فضِّلت ليلةُ القدرِ
وقال أيضاً:
وهاتيك أعلامٌ لبثنةَ قد بدتْ ... كأنَّ ذراها عمَّمتهُ سبيبُ
طوامسُ لي من دونهنَّ عداوةٌ ... ولي من وراءِ الطَّامساتِ حبيبُ
بعيدٌ على من ليس يطلبُ حاجةً ... وأمَّا على ذي حاجةٍ فقريبُ
بثينةُ قالت: يا جميلُ أربتني ... فقلتُ: كلانا يا بثينَ مريبُ
وأريبنا من لا يؤدَّي أمانةً ... ولا يحفظُ الأسرارَ حينَ يغيبُ
وقال أيضاً:
وماذا عسى الواشونَ أن يتحدَّثوا ... سوى أن يقولوا إنَّني لك عاشقُ
نعم صدقَ الواشونَ أنتِ حبيبةٌ ... إلينا وإن لم تصفُ منكِ الخلائقُ
يضمُّ عليَّ اللَّيلُ أطرافَ حبَّها ... كما ضمَّ أطرافَ القميصِ البنائقُ
وقال قيس بن ذريح:
وما حائماتٍ حُمنَ يوماً وليلةً ... على الماء يغشينَ العصيَّ حوانِ
صوادي لا يصدُرن عنه لوجهةٍ ... ولا هنَّ من بردِ الحياضِ دوانِ
يرينَ حبابَ الماءِ والموتُ دونهُ ... فهنَّ لأصواتِ السُّقاةِ روانِ
بأكثر منِّي غلَّةً وصبابةً ... إليك ولكنَّ العدوَّ عداني
وقال أيضاً:
تكادُ بلادُ الله يا أمَّ معمرٍ ... بما رحبتْ يوماً عليَّ تضيقُ
تكذِّبني في الوُّدِّ لبنى فليتها ... تكلَّفُ منِّي مثلهُ فتذوقُ
ولو تعلمينَ الغيبَ أيقنتِ أنَّني ... لكم والهدايا المشعراتِ صديقُ
أذودُ سوامَ الطَّرفِ عنكِ وما لهُ ... إلى أحدٍ إلاَّ إليك طريقُ
وإنِّي وإن حاولتِ صرمي وهجرتي ... عليكِ من أحداثِ الرَّدى لشفيقُ
وحدَّثتني يا قلبُ أنَّك صابرٌ ... على الهجرِ من لبنى فسوفَ تذوقُ
فمتْ كمداً أو عشْ سقيماً فإنَّما ... تكلِّفني ما لا أرى فتطيقُ
صبوحي إذا ما ذرَّت الشَّمس ذكركمْ ... ولي ذكركُم عند المساءِ غبوقُ
وقال أيضاً:
تباكرُ أمْ تروحُ غداً رواحا ... ولن يسطيعَ مرتهنٌ براحا
سقيمٌ لا يصابُ له دواءٌ ... أصابَ الحبُّ مقلتهُ فناحا
وعذَّبه الهوى حتَّى براه ... كبري القينِ بالسَّفن القداحا
وكادَ يذيقهُ جرعَ المنايا ... ولو سقَّاه ذلك لاستراحا
وقال أيضاً:
وإنِّي لأهوى النَّوم من غير نعسةٍ ... لعلَّ لقاءً في المنامِ يكونُ
تحدِّثُني الأحلامُ أنِّي أراكمُ ... فياليتَ أحلامَ المنامِ يقينُ
شهدتُ بأنِّي لم أحلْ عن مودَّةٍ ... وأنِّي بكم لو تعلمينَ ضنينُ
وأنَّ فؤادي لا يلينُ إلى هوى ... سواكِ وإن قالوا: بلى سيلينُ
وقال أيضاً:
يبيتُ ويضحي كلَّ يومٍ وليلةٍ ... على منهجٍ تبكي عليه القبائلُ
قتيلٌ للُبنى صدَّع الحبُّ قلبهُ ... وفي الحبِّ شغلٌ للمحبِّينَ شاغلُ
وقال أيضاً:
وفي عروةَ العُذريِّ ان متُّ أسوةٌ ... وعمرو بن عجلانَ الَّذي قتلت هندُ
وبي مثل ما ماتا به غير أنَّني ... إلى أجلٍ لم يأتني وقتهُ بعدُ

هلِ الحُبُّ إلا عبرةٌ بعد عبرةٍ ... وحرٌّ على الأحشاءِ ليسَ له بردُ
وفيضُ دموعِ العين باللَّيل كلَّما ... بدا علمٌ من أرضكُمْ لم يكُن يبدو
وقال أيضاً:
ألا يا غرابَ البينِ قد طرتَ بالَّذي ... أحاذرُ من لبنى فهل أنت واقعُ
كأنَّ بلاد الله ما لم تكن بها ... وإن كان فيها الخلق وحش بلاقعُ
أقضِّي نهاري بالحديثِ وبالمنى ... ويجمعُني باللَّيلِ والهمَّ جامعُ
نهاري نهارُ النَّاس حتَّى إذا دجا ... لي اللَّيلُ هزَّتني إليكِ المضاجعُ
لقد ثبتت في القلبِ منكِ محبَّةٌ ... كما ثبتت في الرَّاحتين الأصابعُ
وقال أيضاً:
مضى زمنٌ والنَّاس يستشفعونّ لي ... فهل لي إلى لُبنى الغداة شفيعُ
يقولون صبٌّ بالنِّساءِ موكَّلٌ ... وما ذاك من فعل الرِّجال بديعُ
إلى الله أشكو نيَّةً شقَّتِ العصا ... هي اليومَ شتَّى وهي أمسِ جميعُ
لعمرُك إنِّي يومَ جرعاءِ مالكٍ ... لعاصٍ لأمرِ المرشدينَ مضيعُ
ندمتُ على ما كان منِّي فقدتُني! ... كما يندمُ المغبونُ حين يبيعُ
إذا ما لحاني العاذلاتُ بحبِّها ... أبت كبدٌ مما أُجنُّ صديعُ
وكيف أطيُع العاذلاتِ وحبُّها ... يؤرِّقني والعاذلات هجوعُ
وقال أيضاً :
لقد هتفت في جنحِ ليلٍ حمامةٌ ... على فننٍ وهناً وإنِّي لهائمُ
كذبتُ وبيتِ الله لو كنتُ عاشقاً ... لما سبقتني بالبُكاء الحمائمُ!
وقال قيس بن ذريح أيضاً:
راحوا يصيدون الظِّباءَ وإنَّني ... لأرى تصيُّدها عليَّ حراما
أشبهنَ منكِ سوالفاً ومدامعاً ... فأرى عليَّ لها بذاكَ ذماما
أعزِز عليَّ بأن أروِّع شبهها ... أو أن يذُقنَ على يديَّ حماما
وقال أيضاً قيس بن الملوح:
أمزمعةٌ ليلى ببينٍ ولم تمت ... كأنَّك عما قد أظلّك غافلُ
ستعلم إن شطت بهم غربةُ النَّوى ... وزالوا بليلى أنَّ عقلك زائلُ
وقال أيضاً:
وداعٍ دعا إذ نحنُ بالخيفِ من منىً ... فهيَّجَ أحزانَ الفؤادِ وما يدري
دعا باسمِ ليلى غيرها فكأنَّما ... أطار بليلى طائراً كان في صدري
وقال أيضاً:
ولم أرَ ليلى بعد موقفِ ساعةٍ ... ببطن منىً ترمي جمارَ المحصَّبِ
ويبدي الحصى منها إذا قذفت بهِ ... من البُرد أطرافَ البنانِ المخضَّبِ
فأصبحتُ من ليلى الغداةَ كناظرٍ ... مع الصُّبح في أعقابِ ليلٍ مغرَّبِ
ألا إنَّما غادرتِ يا أمَّ مالكٍ ... صدىً أينما تذهبْ به الرِّيحُ يذهبِ
وقال عروة بن حزام:
جعلتُ لعرَّافِ اليمامةَ حكمهُ ... وعرَّاف نجدٍ إن هما شفياني
فما تركا من حيلةٍ يعرفانها ... ولا رقيةٍ إلا بها رقياني
فقالوا: شفاكَ الله والله مالنا ... بما حملت منك الضُّلوع يدانِ
فويلي على عفراء ويلاً كأنه ... على الصَّدر والأحشاء حدُّ سنانِ
فعفراء أحظى الناس عندي مودَّة ... وعفراءُ عنِّي المعرضُ المتداني
كأنَّ قطاة علِّقت بجناحها ... على كبدي من شدَّة الخفقانِ
فياربِّ أنت المستعانُ على الَّذي ... تحمَّلتُ من عفراءَ منذُ زمانِ
وإنِّي لأهوى الحشر إذ قيل إنَّني ... وعفراءَ يومَ الحشرِ ملتقيانِ
تحمَّلتُ من عفراءَ ما ليسَ لي به ... ولا للجبال الرَّاسياتِ يدانِ
وقال توبة بن الحميِّر:
وهل تبكينْ ليلى إذا متُّ قبلها ... وقام على قبري النِّساء النوائحُ
كما لو أصابَ الموت ليلى بكيتُها ... وجادَ لها دمعٌ من العينِ سافحُ
وأغبطُ من ليلى بما لا أنالُهُ ... بلى كُلُّ ما قرَّت به العينُ صالحُ
ولو أنَّ ليلى الأخيليَّة سلَّمت ... عليَّ وفوقي تربةٌ وصفائحُ
لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أو زقا ... إليها صدّىً من جانبِ القبرِ صائحُ
وقال الصِّمَّة القشيريُّ:
حننتَ إلى ريَّا ونفسكَ باعدتْ ... مزاركَ من ريَّا وشعباكُما معا
فما حسنٌ أن تأتي الأمرَ طائعاً ... وتجزعَ أن داعي الصَّبابةِ أسمعا

قفا ودِّعا نجداً ومن حلَّ بالحمى ... وقلَّ لنجدٍ عندنا أن يودَّعا
بكتْ عيني اليُسرى فلمّا زجرتُها ... عن الجهلِ بعد الحلمِ أسبلتا معا
ولما رأيتُ البِشرَ أعرضَ دُوننا ... وجالتْ بناتُ الشَّوقِ يحننّ نزعا
تلَّفتُّ نحو الحيِّ حتَّى وجدتني ... وجعتُ من الإصغاءِ ليتاً وأخدعا
وأذكرُ أيَّامَ الحمى ثمَّ أنثني ... على كبدي من خشيةٍ أن تصدَّعا
فليست عشيَّاتُ الحمى برواجعٍ ... إليكَ ولكن خلِّ عينيك تدمعا
وقال جرير بن الخطفي:
تغالى فوق أجرعِكَ الخزامى ... بنورٍ واستهلَّ بك الغمامُ
متى كان الخيامُ بذي طلوحٍ ... سُقيت الغيثُ أيَّتها الخيامُ
ومن أمسى وأصبحَ لا أراه ... ويطرقُني إذا هجعَ النِّيامُ
أتنسى يومَ تصقلُ عارضيها ... بفرعِ بشامةٍ؟ سُقي البشامُ!
فلو وجد الحمامُ كما وجدنا ... بسلمانينَ لاكتأب الحمامُ
فما وجدٌ كوجدكِ يومَ قالوا ... على ربعٍ بناظرة السّلامُ
وقال عروة بن أذينة:
إنَّ الَّتي زعمت فؤادك ملَّها ... خُلقِت هواك كما خلقتَ هوىً لها
بيضاءُ باكرها النَّعيم فصاغها ... بلباقةٍ فأدقَّها وأجلَّها
منعتْ تحيَّتها فقلتُ لصاحبي ... ما كانَ أكثرها لنا وأقلَّها
فدنا وقال: لعلَّها معذورةٌ ... في بعضِ رقبتها فقلت: لعلَّها
فإذا وجدت لها وساوسَ سلوةٍ ... شفعَ الضَّميرُ لها إليَّ فسلَّها
ولعمرُها لو كانَ حُبُّكَ فوقها ... يوماً وقد ضحِيت إذاً لأظلَّها
وقال أيضاً:
إذا وجدتُ أُوارَ الحبَّ في كبدي ... أقبلتُ نحو سقاءِ القومِ أبتردُ
هوىً بردتُ ببردِ الماءِ ظاهرهُ ... فمن لحرٍّ على الأحشاء يتَّقدُ
وقال أيضاً:
قالت وأبثثتُها شجوي وبحتُ به: ... قد كنت عندي تحبُّ السِّتر فاستترِ
ألستَ تبصرُ من حولي؟ فقلتُ لها: ... غطَّى هواكِ وما ألقى على بصري
وقال أيضاً:
يقرُّ بعيني أن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأبرق المتقاودِ
وأن الماء الَّذي شربت به ... سليمى وقد ملَّ السُّرى كلُّ واخدِ
وألصق أحشائي ببرد ترابها ... وإن كان مخلوطاً بسمِّ الأساودِ
وقال كثيِّر بن عبد الرَّحمن:
خليليَّ هذا ربع عزَّة فاعقلا ... قلوصيكما ثمَّ ابكيا حيث حلَّتِ
وما كنتُ أدري قبل عزَّة ما البكا ... ولا موجعات البين حتَّى تولَّتِ
وكانت لقطع الحبل بيني وبينها ... كناذرة نذراً فأوفت وحلَّتِ
فقلت لها: يا عزُّ، كلُّ مصيبة ... إذا وطِّنت يوماً لها النَّفس ذلَّتِ
ولم يلقَ إنسان من الحبِّ ميعة ... تغمُّ ولا غمَّاء إلاَّ تجلَّتِ
كأنِّي أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصُّمِّ لو تمشي بها العصم زلَّتِ
أباحتْ حمىً لم يرعهُ النَّاسُ قبلها ... وحلَّت تلاعاً لم تكن قبل حلَّتِ
وكنتُ كذي رجلين: رجل صحيحة ... ورجلٌ رمى فيها الزَّمان فشلَّتِ
هنيئاً مريئاً غير داءِ مخامرٍ ... لعزَّة من أغراضنا ما استحلَّتِ
فلا يحسبِ الواشونَ أنَّ صبابتي ... بعزَّة كانت غمرةً فتجلَّتِ
فو اللهِ ثمَّ اللهِ ما حلَّ قبلها ... ولا بعدَها من خُلَّة حيثُ حلَّتِ
ولا مرَّ من يومٍ عليَّ كيومها ... وإن عظُمت أيَّام أُخرى وجلَّتِ
فيا عجباً للقلبِ كيفَ اعترافُهُ ... وللنَّفسِ لمَّا وطِّنتْ كيف ذلَّتِ
وإنَّي وتهيامي بعزَّةَ بعدما ... تخلَّيتُ ممَّا بيننا وتخلَّتِ
لكالمرتجي ظلَّ الغمامة: كلَّما ... تبوَّأ منها للمقيل اضمحلَّتِ
وقال أيضاً:
لا تغدرنَّ بوصلِ عزَّة بعدما ... أخذتْ عليكَ مواثقاً وعهودا
إنَّ المحبَّ إذا أحبَّ حبيبهُ ... صدقَ الصَّفاء وأنجزَ الموعودا
الله يعلمُ لو أردتُ زيادةً ... في حبِّ عزَّة ما وجدتُ مزيدا
رهبانُ مكَّةَ والَّذين رأيتهمْ ... يبكونَ من حذرِ العذابِ قعودا
لو يسمعونَ كما سمعتُ كلامها ... خرَّوا لعزَّةَ خاشعينَ سجودا
وقال أيضاً:

وأدنيتني حتَّى إذا ما سبيتني ... بقولٍ يحلُّ العصمَ سهلَ الأباطحِ
تناءيتِ عنِّي حينَ لا لي حيلةً ... وغادرتِ ما غادرتِ بين الجوانحِ
وقال آخر:
هل ركبُ مكَّة حاملونَ تحيَّةً ... تهدى إليها من مغنًّى مغرمِ
عطفَ الجفونَ على كرىً متبدِّدٍ ... وحنى الضُّلوعَ على جوىً متضرِّمِ
إن لم يبلِّغك الحجيجُ فلا رموا ... بالجمرتينِ ولا سُقُوا من زمزمِ!
ورموا ببائقةِ الفراقِ فإنَّها ... سلمُ السُّهاد وحربُ يوم السُّلمِ
ألوت بأربد عن لبيدٍ واعتدت ... لابني نويرة مالكٍ ومتمِّمِ
وقال آخر:
كفى حزناً ألاَّ يزالَ يعودني ... على النَّأيِ طيفٌ من خيالكِ يا نُعمُ
وأنتِ مكانُ النَّجمِ منَّا وهل لنا ... من النَّجم إلاَّ أن يقابلنا النَّجمُ
وقال آخر:
إذا الصَّبُّ الغريبُ رأى خشوعي ... وأنفاسي تزيَّن بالخُشوعِ
ولي عينٌ أضرِّ بها التفاتي ... إلى الأجزاعِ مطلقةُ الدُّموعِ
إلى الخلواتِ يامنَ فيكِ نفسي ... كما أنِسَ الوحيدُ إلى الجميعِ
وقال آخر:
طرقتكَ سُعدى بين شطَّي بارقِ ... أهلاً بطيفِ خيالها من طارقِ
يا دارَ حنظلةَ المهيجَ لي الأسى ... هل تستطيعُ دواءَ داءِ العاشقِ
فلقد تركتَ القلبَ مني هائماً ... صباً بحبِّك كالجناحِ الخافقِ
وقال عبد الله بن الدمينة الخثعمي:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجدِ ... لقد زادني مسراكَ وجداً على وجدي
أأن هتفتْ ورقاءُ في رونقِ الضُّحى ... على فننٍ غضِّ النَّبات من الرَّندِ
بكيتَ كما يبكي الوليدُ ولم تكنْ ... جليداً وأبديتَ الَّذي لم تكن تُبدي
وقد زعموا أن المحبَّ إذا دنا ... يملّ وأنَّ النَّأي يشفي من الوجدِ
بكلٍّ تداوينا فلم يُشفَ ما بنا ... على أنَّ قربَ الدَّار خيرٌ من البعدِ
على أنَّ قربَ الدَّار ليس بنافعٍ ... إذا كان من تهواهُ ليس بذي ودِّ
وقال أيضاً:
ألا لا أرى وادي المياهِ يثيبُ ... ولا النَّفسُ عن وادي المياهِ تطيبُ
أحبُّ هبوطَ الواديينِ وإنَّني ... لمشتهرٌ بالواديينِ غريبُ
أحقَّاً عبادَ الله أن لستُ وارداً ... ولا صادراً إلاَّ عليَّ رقيبُ
ولا زائراً وحدي ولا في جماعة ... من النَّاس إلاَّ قيل أنت مريبُ
وهل ريبةٌ في أنْ تحنَّ نجيبةٌ ... إلى إلفها أو أن يحنَّ نجيبُ
وإنَّ الكثيبَ الفردَ من جانبِ الحمى ... إليَّ وإن لم آتهِ لحبيبُ
وقال أيضاً:
تمارضتِ كي أشجى وما بك عِلَّةٌ ... تريدينَ قتلي قد رضيت بذلكِ
لئن ساءني أن نلتني بمساءةٍ ... لقد سرَّني أنَّي خطرتُ ببالكِ
وقال أيضاً:
أفي كلِّ يومٍ أنت رامٍ بلادها ... بعينين إنساناهُما غرقانِ
إذا اغرورقتْ عيناي قال صحابتي: ... لقد أولعت عيناكَ بالهملانِ
ألا فاحملاني باركَ الله فيكما ... إلى حاضرِ الرَّوحاءِ ثمَّ دعاني
وقال أبو صخر الهذليّ:
أما والَّذي أبكى وأضحكَ والَّذي ... أماتَ وأحيا والَّذي أمرهُ أمرُ
لقد كنتُ آتيها وفي النَّفسِ هجرُها ... بتاتاً لأخرى الدَّهرِ ما طلعض الفجرُ
فما هو إلاَّ أن أراها فجاءةً ... فأبهتُ لا عرفٌ لديَّ ولا نكرُ
أبى القلبُ إلاَّ حبَّها: عامريَّة ... لها كنيةٌ " عمرو " وليسَ لها عمرو
تكادُ يدي تندى إذا ما لمستُها ... وتنبتُ في أطرافِها الورقُ النُّضرُ
عجبتُ لسعيِ الدَّهرِ بيني وبينها ... فلمَّا انقضى ما بيننا سكنَ الدَّهرُ
هجرتكِ حتَّى قيل ما يعرِفُ الهوى ... وزرتكِ حتَّى قيل ليسَ له صبُر
وقال عمرو بن ضبيعة الرَّقاشي:
ألا ليقلْ من شاءَ ما شاءَ إنَّما ... يلامُ الفتى فيما استطاعَ من الأمرِ
قضى الله حبَّ المالكيَّة فاصطبر ... عليهِ فقد تجري الأمورُ على قدرِ
وقال غيره:
هلا شهدتَ لياليَ التَّشريقِ ... بمنّى وطيبَ نسيمها الموموقِ
والنَّارُ تضرمُ في قبائلَ مكَّةٍ ... والنَّاسُ قد نزلُوا بكلِّ طريق

حتَّى إذا بعدوا صبيحةَ بينهم ... ذهبوا بمهجةِ شائقٍ ومشوقِ
وقال يزيد بن الطَّثريَّة:
عقيليَّةٌ أمَّا ملاثُ إزارها ... فدعصٌ وأمَّا خصرُها فبتيلُ
تقيَّظُ أكنافَ الحمى ويظلُّها ... بنعمانَ من وادي الأراكِ مقيلُ
أليسَ قليلاً نظرةُ إن نظرتُها ... إليكِ؟ وكلاَّ ليس منكِ قليلُ
فيا خلَّة النَّفس الَّتي ليسَ دونها ... لنا من أخلاءِ الصَّفاءِ خليلُ
ويا من كتمنا حبَّهُ لم يطع بهِ ... عذولٌ ولم يؤمن عليهِ دخيلُ
أما من مقامٍ أشتكي غُربةَ النَّوى ... وخوفَ العدا فيه إليكِ سبيلُ
فديتكِ أعدائي كثيرٌ وشقَّتي ... بعيدٌ وأشياعي لديكِ قليلُ
وكنتُ إذا ما جئتُ جئتُ لعلَّةٍ ... فأفنيتُ عِلاَّتي فكيفَ أقولُ؟
فما كلَّ يومٍ لي بأرضكِ حاجة ... ولا كلَّ وقتٍ لي إليك سبيلُ
وقال ذو الرُّمَّة:
ألا يا اسلمي يا دارُ ميَّ على البلى ... ولازال منهلاًّ بجرعائكِ القطرُ
وإن لم تكوني غير شامٍ بقفرةٍ ... تجرُّ بها الأذيالَ صيفيَّةٌ كدرُ
أقامت به حتَّى ذوى العودُ في الثَّرى ... وساق الثُّريَّا في ملاءتهِ الفجرُ
تميميَّةٌ حلاَّلةٌ كلَّ شتوةٍ ... بحيث التقى الصَّمَّانُ والعقدُ العفرُ
لها بشرٌ مثلَ الحريرِ ومنطقٌ ... رخيمُ الحواشي لا هراءٌ ولا نزرُ
وعينان قال الله: كونا فكانتا ... فعولانِ بالألبابِ ما تفعلُ الخمرُ
وقال آخر:
هل الوجدُ إلاَّ أنَّ قلبي لو دنا ... من الجمرِ قيد الشِّبرِ لاحترقَ الجمرُ
أفي الحقِّ أنِّي مغرمٌ بكِ هائمٌ ... وأنَّك لا خلٌ لديَّ ولا خمرُ
فإن كنتُ مطلوباً فلا زلتُ هكذا ... وإن كنتُ مسحوراً فلا برأ السِّحرُ
وقال آخر:
لمَّا تبدَّت من الأستارِ قلتُ لها: ... سبحانَ سبحانَ ربِّي خالقِ الصُّورِ
ما كنتُ أحسب شمساً غير واحدةٍ ... حتَّى رأيتُ لها أختاً من البشرِ
كأنَّها هي إلاَّ أن يفضُّلها ... حسنُ الدَّلالِ وطرفٌ فاترُ النَّظرِ
وقال أعرابيٌّ:
إذا احتجبت لم يكفكَ البدرُ ضوءها ... وتكفيكَ ضوءَ البدرِ إن حُجبَ البدرُ
وما الصَّبرُ عنها إن صبرتُ وجدتهُ ... جميلاً، وهل في مثلِها يحسنُ الصَّبرُ
وحسبُكَ من خمرٍ يفوتكَ ريقها ... وواللهِ ما من ريقها حسبُكَ الخمرُ
ولو أنَّ جلد الذَّرِّ لامسَ جلدها ... لكانَ للمسِ الذَّرِّ في جِلدها أثرُ
وقال ابن أبي عيينة:
أرى عهدهَا كالوردِ ليسَ بدائمٍ ... ولا خيرَ فيمن لا يدومُ له عهدُ
وعهدي لها كالآسِ حُسناً ونضرةً ... له نَضرةٌ تبقى إذا فنيَ الوردُ
فقلتُ لأصحابي: هي الشّمسُ، ضوءها ... قريبٌ ولكن في تناولها بعدُ
وحدَّثتني يا سعدُ عنها فزدتني ... جُنوناً فزدنِي من حديثِكَ يا سعدُ
هواها هوىً لم تعرفِ النَّفس مثله ... فليسَ له قبلٌ وليسَ لهُ بعدُ
وقال أيضاً:
ضيَّعت عهدَ فتىً لعهدكِ حافظٍ ... في حفظهِ عجبٌ وفي تضييعكِ
ونأيتِ عنه فماله من حيلةٍ ... إلاَّ الوقوفُ إلى أوانِ رجوعكِ
متخشَّعاً يذري عليكَ دموعهُ ... أسفاً ويعجبُ من جمودِ دموعكِ
إن تقتليهِ وتذهبي بفؤادِهِ ... فبحُسن وجهكِ لا بحُسنِ صنيعكِ
وقال أيضاً:
أنا الفارغُ المشغولُ والحبُّ آفتي ... ألا فاسألوني عن فراغي وعن شُغلي
عجبتُ لتركِ الحبِّ دُنيا خليَّةً ... وإعراضهُ عنها وإقبالهُ قبلي
وما بالُها لمَّا كتبتُ تهاونت ... بكتبي وقد أرسلتُ فانتهرتْ رُسلي
وقد حلفت ألاَّ تخطَّ بكفِّها ... إلى قابلٍ خطّاً إليَّ ولا تملي
أبخلٌ علينا كلُّ ذا وقطيعةٌ ... رضيتُ لذنبي بالقطيعةِ والبخلِ
سلوا قلبَ دنيا كيفَ أطلقهُ الهوى ... فقد كانَ في غلٍّ وثيقٍ وفي كبلِ
فيا طيبَ طعمِ العيشِ إذ هي جارةٌ ... وإذ نفسُها نفسي وإذ أهلُها أهلي
فقد عفتِ الآثارُ بيني وبينها ... وقد أوحشت منِّي إلى دارها سُبلي

ولمَّا ذكرتُ الحبَّ بعد فراقِها ... قضيتُ على أمِّ المحبِّين بالثُّكلِ
وأصبحتُ معزولاً وقد كنتُ والياً ... وشتَّان ما بينَ الولايةِ والعزلِ
وقال خالد بن يزيد بن معاوية:
أليس يزيدُ السَّيرُ في كلِّ ليلةٍ ... وفي كلِّ يومٍ من أحبّتنا قربا
تجول خلاخيلُ النِّساء ولا أرى ... لرملة خلخالاً يجولُ ولا قلبا
فلا تكثروا فيها الملامَ فإنَّني ... تخيَّرتها منهم زبيريَّةٌ قلبا
أحبُّ بني العوَّام طرّاً لحبِّها ... ومن أجلها أحببتُ أخوالها كلبا
إذا نزلت أرضاً تحبِّبُ أهلّها ... إليها وإن كانت منازِلها جدبا
وقال الحكم بن قنبرٍ:
ويلي على من أطارَ النَّومَ فامتنعا ... وزاد قلبي على أوجاعهِ وجعا
ظبيٌ أغنُّ ترى في وجههِ سرجاً ... تُعشي العيونَ إذا ما نورهُ سطعا
كأنَّما الشَّمس في أثوابهِ بزغتْ ... حُسناً أو البدرُ من أزرارهِ طلعا
مستقبلٌ بالَّذي يهوى وإن كثرتْ ... منه الإساءةُ محموداً بما صنعا
في وجههِ شافعٌ يمحو إساءتهِ ... من القلوبِ وجيهٌ حيثُ ما شفعا
وقال الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
أراني الله يا سلمى حياتي ... وفي يومِ الحسابِ كما أراكِ
ألا تجزينَ من تيمتِ عصراً ... ومن لو تطلبينَ له قضاكِ
ومن لو متِّ ماتَ ولا تموتي! ... ولو أُنسي له أجلٌ بكاكِ
ومن لو كانَ يعطى ما تمنَّى ... من الدَّنيا العريضةِ ما عداكِ
ومن لو قلتِ: متْ، وأطاق موتاً ... إذاً ذاق المماتَ وما عصاكِ
أثيبي مغرماً قلقاً معنًّىً ... إذا خدِرت له قدمٌ دعاكِ!
وقال العبَّاس بن الأحنف:
أغيبُ عنكِ بودٍّ ما يغيِّره ... نأيُ المحلِّ ولا صرفٌ من الزَّمنِ
فإن أعشْ فلعلَّ الدَّهرَ يجمعنا ... وإن أمتْ فقتيل الهمِّ والحزنِ
قد حسَّن الله في عينيَّ ما صنعت ... حتَّى أرى حسناً ما ليس بالحسن!ِ
وقال أيضاً:
إن يمنعوني ممرِّي قربَ دارهمُ ... فسوف أنظرُ من بُعدٍ إلى الدَّارِ
سيما الهوى شهرت حتَّى عُرِفت بها ... إنِّي محبٌّ وما بالحبِّ من عارِ
ما ضرَّ جيرانهم والله يصلحهم ... لولا شقائي إقبالي وإدباري
لا يقدرُون على منعي وإن جهدوا ... إذا مررتُ وتسليمي بإجهارِ
وقال أيضاً: :من السريع "
قلبي إلى ما ضرَّني داعِ ... يكثرُ أسقامي وأوجاعي
وقلَّ ما أبقى على ما أرى ... يُوشكُ أن ينعاني النَّاعي
كيفَ احتراسي من عدوٍّ إذا ... كان عدوِّي بين أضلاعي؟
وقال أيضاً:
جرى السَّيل فاستبكانيَ السَّيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتيَّ غروبُ
وما ذاكَ إلاَّ أن تيقَّنتُ أنَّه ... يمرُّ بوادٍ أنتِ منه قريبُ
يكونُ أُجاجاً دونكمْ فإذا انتهى ... إليكم تلقَّى طيبكمْ فيطيبُ
فيا ساكني شرقيَّ دجلة كلكمْ ... إلى القلبِ من أجلِ الحبيب حبيبُ!
وقال أيضاً:
نزفَ البكاءُ دموعَ عينكَ فاستعر ... عيناً لغيركِ دمعُها مدرارُ
من ذا يعيركَ عينهُ تبكي بها ... أرأيتَ عيناً للبكاءِ تعارُ؟
وقال أيضاً:
هي الشَّمسُ مسكنُها في السَّماءِ ... فعزَّ الفؤاد عزاءً جميلا
فلن تستطيعَ إليها الصُّعودَ ... ولن تستطيع إليكَ النُّزولا
وقال أيضاً:
لقد شقينا لأن دُمنا كذا أبدا ... إذا سعينا لإصلاحِ الهوى فسدا
ما تطرفُ العينُ إلاَّ وهي باكيةٌ ... لو كنتُ أبكي بماءِ البحرِ قد نفدا
يا ربَّ ذي حسدٍ لي فيك يظهرهُ ... لو كانَ يعلمُ حظِّي منكَ ما حسدا
وقال أيضاً:
قالت: مرضتُ فعدتها فتبرَّمتْ ... وهي الصَّحيحةُ والمريضُ العائدُ
والله لو أنَّ القلوبَ كقلبها ... ما رقَّ للولدِ الصَّغيرِ الوالدُ
إن كانَ ذنبي في الزِّيارةِ فاعلمي ... إنِّي على كسبِ الذُّنوب لجاهدُ
ألقيتَ بينَ جفونِ عيني فرقةً ... فإلى متى أنا ساهرٌ يا راقدُ
يقعُ البلاءُ وينقضي عن أهلهِ ... وبلاءُ حبِّكِ كلَّ يومٍ زائدُ

سمَّوكِ قومٌ لي وقالوا: إنَّها ... لهيَ الَّتي تشقى بها وتكابدُ
فجحدتُهم ليكونَ غيرك ظنَّهم ... إنِّي ليعجبني المحبُّ الجاحدُ
لمَّا رأيتُ الصُّبح سدَّ طريقهُ ... عنِّي وعذَّبني الظَّلامُ الرَّاكدُ
والنَّجمُ في كبدِ السَّماءِ كأنَّه ... أعمىً تحيَّر ما لديه قائدُ
ناديتُ من أهواهُ: رفقاً بي فقد ... رقَّ العدوُّ لحالتي والحاسدُ
وقال أيضاً:
حرٌّ دعاهُ الهوى سرّاً فلبَّاه ... طوعاً فأضحكَ مولاهُ وأبكاهُ
فشاهدتْ بالَّذي تُخفي لواحظهُ ... وعذلتها بفيضِ الدَّمعِ عيناهُ
جازيتني إذ رعيتُ بالودَّ بعدك أن ... وكَّلت طرفي بنجم اللَّيلِ يرعاهُ
الله يعلمُ أنَّي لم أخُنكِ هوىً ... كفاكِ بيِّنةً أن يشهدَ الله
وقال أيضاً:
نامَ من أهدى لي الأرقا ... مستريحاً سامني قلقا
لو يبيتُ النَّاس كلُّهمُ ... بسهادي بيَّضَ الحدقا
كان لي قلبٌ أعيشُ به ... فاصطلى بالحبِّ فاحترقا
أنا لم أرزقْ مودَّتها ... إنَّما للعبدِ ما رُزقا
وقال أيضاً:
أحرمُ منكم بما أقولُ وقد ... نال بهِ العاشقونَ من عشقوا
صرتُ كأنَّي ذبالةٌ نُصبت ... تضيءُ للنَّاسِ وهي تحترقُ!
وقال أيضاً:
قد سحبَ النَّاس أذيالَ الظُّنونِ بنا ... وفرَّق النَّاسُ فينا قولهم فرقا
فكاذبٌ قد رمى بالظَّنِّ غيركمُ ... وصادقٌ ليس يدري أنَّه صدقا
وقال أيضاً: " من البسيط:
يا من لظمآنَ يغشى الماءَ قد منعوا ... منهُ الورودَ ولا يبقى على الصَّدرِ
يخفي الهوى وهو لا يخفى على أحدٍ ... أنَّى لمشتهرٍ من غير مشتهرِ
إذا كتبتُ كتاباً لم أجد ثقةً ... يُنهي الكتابِ ويأتي عنكِ بالخبرِ
إن أردتُ انتصاراً كان ناصرُكُم ... قلبي فما أنا من قلبي بمنتصرِ
لو كان قلبي سعيداً لم يكن كلِفاً ... قلبي بمن قلبهُ أقسى من الحجرِ
إن أحسنَ الفعلَ لم يُظهر تعمُّدهُ ... وإن أساءَ تمادى غير مُعتذرِ
هل تذكرينَ ... فدتك النَّفسُ مجلسنا يوم التقينا فلم أنطق من الحذرِ
لا أرفعُ الطَّرفَ حولي من مراقبةٍ ... بُقيا عليكِ وبعضُ الحزمِ في الحذرِ
قالت: قعدتَ فلم تنظُر فقلتُ لها: ... شغلتِ قلبي فلم أقدرْ على النظرِ
أوفى هواك على قلبي فدلَّههُ ... والقلبُ أعظمُ سلطاناً من البصرِ
لا عارَ في الحبِّ إن الحبَّ مكرمةٌ ... لكنَّه ربَّما أزرى بذي الخطرِ
وضعتُ خدِّي لأدنى من يطيفُ به ... حتَّى حُقرتُ وما مثلي بمحتقرِ
وقال أيضاً:
قد رقَّ أعدائي لمَّا حلَّ بي ... فليتَ أحبابي كأعدائي
أمَّلت بالهجرانِ لي راحةً ... من زفراتٍ بين أحشائي
فازدادَ جهدِي وبلائي به ... أنا الَّذي استشفيت بالدَّاءِ
وقال أيضاً:
وصالكمُ صرمٌ وحبُّكم قلىً ... وعطفكمُ صدٌّ وسلمكمُ حربُ
وأنتم بحمدِ الله ... فيكم فظاظةٌ فكلُّ ذلولٍ من جوانبكُم صعبُ
إذا ما رأتكِ العينُ من بعد غايةٍ ... وعارضَ فيك الشكُّ أثبتكِ القلبُ
ولو أنَّ ركباً يمَّموك لقادهُم ... نسيمُك حتَّى يستدلَّ بك الرَّكبُ
وقال أيضاً:
حلَّت رخاصُ ديارَ الحيِّ من مضرٍ ... فكلُّ شيء له من حُسنها كاسِ
لو يقسمُ الله جزءاً من محاسنها ... في النَّاسِ طرّاًلتمَّ الحسنُ في النَّاسِ
ما أسمجَ النَّاس في عيني وأقبحهم ... إذا نظرتُ فلم أبصرك في النَّاسِ
لو كنتُ أدعو بما أدعو به وعلاً ... أجابني من أعالي الشَّاهقِ الرَّاسي
يا قادحَ الزَّند قد أعيت قوادحهُ ... اقبس إذا شئتَ من قلبي بمقباسِ
وقال آخر:
كيف يخفى نحولُ من كادَ يخفى ... هل ترى لي إلاَّ لساناً وطرفا
كيف أبقى والجسم يزدادُ ضعفاً ... كلَّ يومٍ والسُّقمُ يزدادُ ضعفا
فسقى الله كلَّ كأسِ سرورٍ ... من سقاني كأسَ المنيَّة صرفا
وقال آخر:
قد سمعتُم أنينهُ من بعيدٍ ... فاطلبوا الشَّخص حيثُ كانَ الأنينُ

ما تراهُ العيونُ إلاَّ ظنوناً ... هو أخفى من أن تراهُ العيونُ
لم يعشْ أنَّهُ جليدٌ ولكن ... طلبتهُ فلم تجدهُ المنونُ!
وقال بشَّار بن برد:
كأنَّها حين راحت في مجاسدها ... فارتَّج أسفلُها واهتزَّ أعلاها
حوراءُ جاءت من الفردوسِ مقبلةٌ ... كالشَّمسِ طلعتُها والمسكِ ريَّاها
راحتْ ولم تعطهِ بُرءاً لعلَّته ... منها ولو سألتهُ النَّفسَ أعطاها
من اللَّواتي اكتست بُرداً وشقَّ لها ... من حسنهِ الحسنُ سربالاً فردَّاها
تغمُّهُ نفسهُ من طولِ صبوتهِ ... حتَّى لو اجتمعت في الكفِّ ألقاها
ما شهدَ القومَ إلا ظلَّ يذكرُها ... ولا خلا ساعةُ إلاَّ تمنَّاها
وقال أيضاً:
عجبتْ فطمةُ من نعتي لها ... هل يجيدُ النَّعت مكفوفُ البصرْ
بنتُ عشرٍ وثلاثٍ قُسِّمت ... بين دعصٍ وكثيبٍ وقمرْ
درَّةٌ بحريَّةٌ مكنونةٌ ... مازها التَّاجرُ من بينِ الدُّررْ
أذرتِ الدَّمعَ وقالت: ويلتي ... من ولوعِ القلبِ ركَّابِ الخطرْ
أمَّتا بدَّد هذا لُعبي ... ووشاحي حلَّه حتَّى انتثرْ
فدعوني معه يا أمَّتا ... علَّنا في خلوةٍ نقضي الوطرْ
أقبلتْ في خلوةٍ تضربُها ... واعتراها كجنونٍ مستعرْ
بأبي واللهِ ما أحسنهُ ... دمعَ عينٍ غسلَ الكحلَ قطرْ
أيُّها النُّوام هبُّوا ويحكم ... وسلُوني اليومَ ما طعمُ السَّهرْ!
وقال أيضاً:
يا قوم أُذني لبعضِ الحيِّ عاشقةٌ ... والأذن تعشقُ قبلَ العينِ أحيانا
قال: بمن لا ترى تهذي؟ فقلت لها: ... الأذنُ كالعينِ توفي القلبَ ما كانا !
ياليتني كنتُ تُفاحاً براحتها ... أو كنتُ من قُضُبِ الرَّيحان ريحانا
حتَّى إذا استنشقت ريحي وأعجبَها ... ونحنُ في خلوةٍ حوِّلتُ إنسانا!
وقال أيضاً:
أيُّها السَّاقيانِ صُبَّا شرابي ... واسقياني من ريقِ بيضاءَ رودِ
إنَّ دائي الصَّدى وإنَّ شفائي ... شربةٌ من رضابِ ثغرِ برودِ
عندها الصَّبرُ عن لقائي وعندي ... زفراتٌ يأكلنَ قلبَ الجليدِ
ولها مبسمٌ كنورِ الأقاحي ... وحديثٌ كالوشي وشيِ البرودِ
نزلت في السَّوادِ من حبَّةِ القل ... ب ونالت زيادة المستزيدِ
ثمَّ قالت: نلقاكَ بعد ليالٍ ... واللَّيالي يبلينَ كلَّ جديدِ
ما أبالي من صدّ عنَّي بوصلٍ ... إن قضى منكِ لي يومَ جودِ
وقال أيضاً:
تُلقى بتسبيحةٍ من حُسنِ ما خلقت ... وتستفزُّ حشا الرَّائي بإرعادِ
كأنَّما صوَّرت من ماءِ لؤلؤةٍ ... فكلُّ جارحةٍ وجهٌ لمرصادِ
وقال أيضاً:
درَّةٌ حيثما أُديرت أضاءت ... ومشمٌّ من حيثُ ما شُمَّ فاحا
وجناتٌ قال الإلهُ لها كو ... ني فكانت رُوحاً ورَوحاً وراحا
وقال أيضاً أبو الشيص:
وقف الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي ... متأخَّرٌ عنهُ ولا متقدَّمُ
أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً ... حبّاً لذكركِ فليلُمني اللُّوَّمُ
أشبهتِ أعدائي فصرتُ أحبُّهم ... إذ كانَ حظَّي منك حظَّي منهمُ!
وأهنتني فأهنتُ نفسي جاهداً ... ما من يهونُ عليكِ ممَّن أكرمُ
وقال أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم:
يا إخوتي إنَّ الهوى قاتلي ... فيسِّروا الأكفانَ من عاجلِ
لا تعذلوني في اتِّباعِ الهوى ... فإنِّني في شغلٍ شاغلِ
عيني على عتبةَ منهلَّة ... بدمعِها المُنسكبِ السَّائلِ
يا من رأى قبلي قتيلاً بكى ... من شدَّةِ الوجدِ على القاتلِ
لم يبقَ لي من حُبِّها ما خلا ... حشاشةً في بدنٍ ناحلِ
كأنَّها من حُسنِها درَّةٌ ... أخرجَهَا البحرُ إلى السَّاحلِ
كأنَّ في فيها وفي طرفِها ... سواحراً أقبلنَ من بابلِ
مددتُ كفِّي نحوكمْ سائلاً ... ماذا تردُّون على السَّائلِ
إن لم تنيلوهُ فقولوا له ... قولاً جميلاً بدلَ النَّائلِ
أو كنتُم العامَ على عُسرةٍ ... منهُ فمنُّوهُ إلى قابلِ
وقال أبو حفص الشَّطرنجي، وتروى للعبَّاس بن الأحنف:

تحبَّبْ فإنَّ الحبَّ داعيةُ الحبِّ ... وكم من بعيدٍ وهو مستوجبُ القربِ
إذا لم يكن في الحبِّ سخطُ ولا رضاً ... فأين حلاواتُ الرَّسائل والكتبِ
تفكَّر فإن حدِّثتَ أنَّ أخا هوى ... نجا سالفاً فارجُ النَّجاة من الحبِّ
وأطيبُ أيَّام الهوى يومك الَّذي ... تروَّع بالهجرانِ فيهِ وبالعتبِ
وقال حبيب بن أوس الطَّائي:
البينُ جرَّعني نقيعَ الحنظلِ ... والبينُ أثكلني وإن لم أثكلِ
ما حسرتي أن كدتُ أقضي إنَّما ... حسراتُ نفسي أنَّني لم أفعلِ
نقَّل فؤادكَ حيثُ شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلاَّ للحبيبِ الأوَّلِ
كم منزلٍ في الأرضِ يألفُه الفتى ... وحنينهُ أبداً لأوَّلِ منزلِ
وقال أيضاً:
غدتْ تستجيرُ الدَّمعَ خوفَ نوى غدِ ... وعاد قتاداً عندها كلُّ مرقدِ
وأنقذها من غمرةِ الموت أنَّهُ ... صدودُ فراقٍ لا صدودُ تعمُّدِ
فأجرى لها الإشفاقُ دمعاً موَّرداً ... من الدَّمعِ يجري فوق خدٍّ مورَّدِ
هي البدرُ يُغنيها تودُّد وجهِها ... إلى كُلِّ من لاقت وإن لم تودَّدِ
وقال أيضاً، مَّما ثبت في نوادر أبي عليٍّ القاليّ:
سقيمٌ لا يموتُ ولا يفيقُ ... قد أقرحَ جفنهُ الدَّمعُ الطَّليقُ
شديدُ الحزنِ يحزنُ من رآه ... أسيرُ الصَّبرِ ناظرهُ أريقُ
ضجيعُ صبابةٍ وحليفُ شوقٍ ... تحمَّل قلبهُ ما لا يطيقُ
يظلُّ كأنَّه ممَّا احتواه ... يسعَّر في جوانبهِ الحريقُ
وقال أبو عبادة البحتري:
رأى البرقَ مجتازاً فباتَ بلا لبٍّ ... وأصباه من ذكرى البخيلةِ ما يُصبي
وقد عاجَ في أطلالها غير ممسكٍ ... لدمعٍ، ولا مصغٍ إلى عدل الرَّكبِ
وكنتُ جديراً حين أعرفُ منزلاً ... لآل سليمى أن يُعنِّفني صحبي
عدتني عوادي البُعد عنها وزادني ... بها كلفاً أنَّ الوداع على عتبِ
وبي ظمأ لا يملكُ الماءُ دفعهُ ... إلى نهلةٍ من ريقها الخصرِ العذبِ
تزوَّدتُ منها نظرةً لم تجد بها ... وقد يؤخذُ العلق المُمنَّع بالغصبِ
وما كان حظُّ العين في ذاك بُغيتي ... ولكن رأيتُ العينَ ترمي إلى القلبِ
وقال أيضاً:
بات نديماً لي حتَّى الصَّباح ... أغيدُ مجدولُ مكان الوشاحْ
كأنَّما يبسمُ عن لؤلؤ ... منضَّدٍ أو بردٍ أو أقاحْ
أمزجُ كأسي بجنى ريقهِ ... وإنَّما أمزجُ راحاً براحْ
سحرُ العيونِ النُّجل مستهلكٌ ... لبِّي وتوريدُ الخدودِ الملاحْ
وقال أيضاً:
لمَّا مشين بذي الأراكِ تشابهت ... أعطافُ قضبانٍ به وقدودِ
في حلَّتي حبرٍ وروضٍ، فالتقى ... وشيان: وشيُ رباً ووشيُ برودِ
وسفرن فامتلأت عيونٌ راقها ... وردانِ: وردُ جنى ووردُ خدودِ
وضحكنَ فاغترفَ الأقاحي من ندىً ... غضٍّ وسلسالِ الرُّضاب برودِ
نرجو مقاربةَ الحبيبِ ودونه ... وخدٌ يبرِّح بالمهارى القودِ
ومتى يساعدنا الوصالُ ودهرنا ... يومان: يومٌ نوى ويومُ صُدودِ
وقال إبراهيم بن العبَّاس، وتروى لقيس المجنون:
تمرُّ الصِّبا صبحاً بساكنِ ذي الغضى ... فيصدعُ قلبي أن يهبَّ هبوبُها
قريبةُ عهدٍ بالحبيبِ وإنمَّا ... هوى كلِّ نفسٍ حيث كان حبيبُها
تطلَّع من نفسي إليك نوازعٌ ... عوارفُ أنَّ اليأس منكِ نصيبها
وزالت زوالَ الشَّمسِ عن مستقرِّها ... فمن مخبري في أيِّ أرض غروبها
خِلالٌ لليلى أن تروع فؤادهُ ... بهجرٍ، ومغفورٌ لليلى ذنوبُها
وقال عليُّ بن الجهم:
عيونُ المها بينَ الرُّصافةِ والجسرِ ... جلبنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدري
أعدنَ لي الشَّوقَ القديمَ ولم أكن ... سلوتُ ولكن زدتُ جمراً إلى جمرِ
سلمن وأسلمنَ العيون كأنَّما ... تشكُّ بأطرافِ الرُّدينية السُّمرِ
وقلن لنا: نحن الأهلَّة إنَّما ... تضيء لمن يسري بليلٍ ولا تقري
فلا نيلَ إلا ما تزوَّدَ ناظرٌ ... ولا وصلَ إلاَّ بالخيالِ الَّذي يسري
أما وبياضٍ راعهنَّ لربَّما ... غمزنَ بنا ما بين سحرٍ إلى نحرِ

وبتنا على رغمِ الحسودِ كأنَّنا ... خليطان من ماءِ الغمامةِ والخمرِ
وقال ابن الرُّومي:
تُشكي المحبَّ وتلقى الدَّهر شاكيةً ... كالقوسِ تُصمي الرَّمايا وهي مرنانُ
لا تلحياني وإيَّاها على ضرعي ... وزهوها، لجَّ مفتونٌ وفتَّانُ
إنِّي ملكتُ فلي بالرِّقِّ مسكنةٌ ... وملكتُ فلها بالملك طغيانُ
وقال أبو الطَّيِّب المتنبِّي:
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةً ... لمن بان عنهُ أن نلمَّ به ركبا
نذمُّ السَّحاب الغرَّ في فعلها به ... ونعرضُ عنه كلَّما طلعت عتبا
ومن صحبَ الدُّنيا طويلاً تقلَّبت ... على عينهِ حتَّى يرى صدقها كذبا
وكيف التذاذي بالأصائلِ والضُّحى ... إذا لم يعد ذاكَ النَّسيم الَّذي هبَّا
ذكرتُ به وصلاً كأن لم أفزْ به ... وعيشاً كأنِّي كنتُ أقطعُهُ وثبا
وفتَّانةَ العينين قتَّالة الهوى ... إذا نفحت شيخاً روائحُها شبّا
لها بشرُ الدُّرِّ الَّذي قلِّدت به ... ولم أرَ بدراً قبلها قلِّد الشُّهبا
فيا شوقُ ما أبقى، ويا لي من النَّوى ... ويا دمعُ ما أجرى ويا قلبُ ما أصبى
وقال أيضاً:
من الجآذرُ في زيِّ الأعاريب ... حمرُ الحُلى والمطايا والجلابيبِ
إن كنتَ تسألُ شكَّاً عن معارفها ... فمن بلاكَ بتسهيدٍ وتعذيبِ
لا تُجزني بضنىً بي بعدها بقرٌ ... تجزي دموعي مسكوباً بمسكوبِ
سوائرٌ ربَّما سارت هوادجُها ... منيعةً بين مطعونٍ ومضروبِ
وربَّما وخدت أيدي المطيِّ بها ... على نجيعٍ من الفرسانِ مصبوبِ
كم زورةٍ لك في الأعراب خافيةِ ... أدهى وقد رقدوا من زورةِ الذِّيبِ
أزورهم وسوادُ اللَّيل يشفع لي ... وأنثني وبياضُ الصُّبح يغري بي
قد وافقوا الوحشَ في سكنى مراتعها ... وخالفوها بتقويضٍ وتطنيبِ
جيرانُها وهم شرُّ الجوارِ لها ... وصحبُها وهم شرُّ الأصاحيبِ
ما أوجهُ الحضرِ المستحسناتِ بهِ ... كأوجهِ البدويَّاتِ الرَّعابيبِ
حسنُ الحضارةِ مجلوبٌ بتطريةٍ ... وفي البداوةِ حسنٌ غيرُ مجلوبِ
أين المعيزُ من الآرامِ ناظرةً ... وغير ناظرةٍ في الحُسنِ والطِّيبِ
أفدي ظباءَ فلاةٍ ما عرفنَ بها ... مضغ الكلام ولا صبغَ الحواجيبِ
ولا برزن من الحمَّام مائلةً ... أوراكهنَّ صقيلات العراقيبِ
وقال أيضاً:
لعينيكِ ما يلقى الفؤادُ وما لقي ... وللحبِّ ما لم يبقَ منِّي وما بقي
وما كنتُ ممَّن يدخلُ العشقُ قلبهُ ... ولكنَّ من يبصرُ جفونكِ يعشقِ
وبين الرِّضا والسُّخط والقربِ والنَّوى ... مجالٌ لدمعِ المقلةِ المترقرقِ
وأحلى الهوى ما شكَّ في الوصل ربُّه ... وفي الهجرِ فهو الدَّهر يرجو ويتَّقي
ولم أرَ كالألحاظ يوم رحيلهم ... بعثنَ بكلِّ القتلِ من كلِّ مشفقِ
أدرنَ عيوناً حائراتٍ كأنَّها ... مركَّبةٌ أحداقها فوق زئبقِ
عشيَّةَ يعدونا عن النَّظر البُكى ... وعن لذَّة التَّوديعِ خوفُ التَّفرُّقِ
وقال أيضاً:
قفي تغرمِ الأولى من اللَّحظِ مهجتي ... بثانيَّةٍ والمتلفُ الشَّيء غارمهْ
سقاكِ وحيَّانا بكِ الله إنَّما ... على العيسِ نورٌ والخدورُ كمائمهْ
وما حاجةُ الأظعانِ حولك في الدُّجى ... إلى قمرٍ؟ ما واجدٌ لك عادمهْ
إذا ظفرت منكِ العيون بنظرةٍ ... أثاب بها مُعيى المطيِّ ورازمهْ
وقال أيضاً:
هامَ الفؤادُ بأعرابيَّةٍ سكنت ... بيتاً من القلبِ لم تمددْ له طنبا
مظلومةُ القدِّ في تشبيهه غصناً ... مظلومةُ الرِّيق في تشبيههِ ضربا
بيضاءَ تطمعُ فيما تحت حلَّتها ... وعزَّ ذلك مطلوباً إذا طلبا
كأنَّها الشَّمس يعيي كفَّ قابضها ... شعاعها ويراهُ الطَّرف مقتربا
وقال أيضاً:
قد كان يمنعني الحياءُ من البكا ... فاليومُ يمنعه البُكا أن يمنعا
حتَّى كأنَّ لكلِّ عضوٍ رنَّة ... في جلدهِ ولكلِّ عرقٍ مدمعا
سفرت وبرقعهَا الحياءُ بصفرةٍ ... سترت محاسنها ولم تكُ برقعا

فكأنَّها والدَّمعُ يقطرُ فوقها ... ذهبٌ بسمطي لؤلؤ قد رصِّعا
كشفت ثلاثَ ذوائبَ من شعرها ... في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا
واستقبلت قمرَ السَّماءِ بوجهها ... فأرتني القمرين في وقتٍ معا
وقال أيضاً:
بأبي الشُّموسُ الجانحاتُ غواربا ... اللاَّبساتُ من الحرير جلاببا
حاولن تفديتي وخفن مراقباً ... فوضعنَ أيديهنَّ فوق ترائبا
وبسمنَ عن بردٍ خشيتُ أذيبهُ ... من حرِّ أنفاسي فكنتُ الذَّائبا
وقال أيضاً:
كأنَّ العيسَ كانت فوقَ جفني ... مناخاتٍ فلمَّا ثرن سالاَ
لبسنَ الوشي لا متجمَّلاتٍ ... ولكن كي يصنَّ به الجمالاَ
وضفَّرن الغدائر لا لحسنٍ ... ولكن خِفن في الشَّعر الضَّلالاَ
بجسمي من برتهُ فلو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤةٍ لجالاَ
بدت قمراً ومالت خوط بانٍ ... وفاحت عنبراً ورنت غزالاَ
وقال أيضاً:
فليتَ هوى الأحبَّةِ كان عدلاً ... فحمَّل كلَّ قلبٍ ما أطاقا
وقد أخذ التَّمامَ البدرُ فيهم ... وأعطانِي من السَّقم المحاقا
وبين الفرعِ والقدمين نورٌ ... يقودُ بلا أزمَّتها النِّياقا
وطرفٌ إن سقى العشَّاق كأساً ... بها نقصٌ سقانيها دهاقا
وخصرٌ تثبتُ الأبصارُ فيه ... كأنَّ عليه من حدقٍ نطاقا
وقال أيضاً:
أبعدُ نأي المليحةِ البخلُ ... في السَّيرِ ما لا تكلفُ الابلُ
كأنَّما قدُّها إذا انفتلت ... سكرانُ من خمرِ طرفها ثملُ
يجذبها تحت خصرِها عجزٌ ... كأنَّهُ من فراقها وجلُ
بي حرُّ شوقٍ إلى ترشُّفها ... ينفصلُ الصَّبر حينَ يتَّصلُ
النَّحرُ والثَّغرُ والمخلخلُ وال ... معصمُ دائي والفاحمُ الرَّجلُ
وقال أيضاً:
وشكيَّتي فقد السِّقام لأنَّه ... قد كان لمَّا كانَ لي أعضاءُ
مثَّلتِ عينك في حشاي جراحةً ... فتشابها كلتاهما نجلاءُ
نفذت عليَّ السابريَّ وربَّما ... تندقُّ فيه الصَّعدةُ السَّمراءُ
وقال أيضاً:
أمنعمةٌ بالعودةِ الظَّبية الَّتي ... بغيرِ وليِّ كان نائلها الوسمي
ترشَّفتُ فاها سحرةً فكأنَّني ... ترشَّفتُ حرَّ الوجد من باردِ الظلمِ
فتاةٌ تساوى عقدُها وكلامُها ... ومبسمُها الدُّرِّيُّ في النَّثر والنَّظمِ
ونكهتُها والمندليُّ وقرقفٌ ... معتَّقةٌ صهباءُ في الرِّيحِ والطَّعمِ
وقال أبو فراس الحمداني:
إذا اللَّيلُ أضواني بسطتُ يد الهوى ... وأذللتُ دمعاً من خلائقهِ الكبرُ
تكادُ تضيءُ النَّارُ بين جوانحي ... إذا هي أذكتها الصَّبابة والفكرُ
معلِّلتي بالوصلِ والموتُ دونه ... إذا متُّ ظمآناً فلا نزلَ القطرُ
بدوتُ وأهلي حاضرون لأنَّني ... أرى أنَّ داراً لستِ من أهلها قفرُ
وحاربتُ قومي في هواكِ وإنَّهم ... وإيَّاي لولا حبُّك الماءُ والخمرُ
فإن يكُ ما قال الوشاةُ ولم يكن ... فقد يهدمُ الإيمانُ ما شيَّد الكفرُ
تُسائلني: من أنتَ؟ وهي عليمةٌ ... وهل بفتى مثلي على حالهِ نكرُ
فقلتُ: كما شاءتْ وشاءَ لها الهوى ... قتيلكِ! قالت: أيُّهم؟ فهم كثرُ
فأيقنتُ أن لا عزَّ بعدي لعاشقٍ ... وأنَّ يدي ممَّا علَّقتُ به صفر!ُ
وقال أيضاً:
ووالله ما أضمرتُ في الحبِّ سلوةً ... ووالله ما حدَّثتُ نفسي بالصَّبرِ
فإنكِ في عيني لأبهى من الغِنى ... وإنِّكِ في قلبك لأحلى من النَّصرِ
وقال أيضاً:
أساءَ فزادته الإساءةُ حظوةً ... حبيبٌ على ما كان منه حبيبُ!
يعدُّ عليَّ الواشيان ذنوبهُ ... ومن أين للوجهِ المليحِ ذنوبُ؟
أيا أيُّها الجافي ونسأله الرِّضا ... ويا أيُّها الجاني ونحن نتوبُ!
لحى الله من يرعاكِ في القربِ وحدهُ ... ومن لا يحوط الغيبَ حين تغيبُ
وقال السَّريُّ الموصلي:
قسَّمتُ قلبي بين الهمِّ والكمدِ ... ومقلتي بين فيضِ الدَّمع والسُّهدِ
ورحتِ في الحسن أشكالاً مقسَّمةً ... بين الهلالِ وبين الغُصن والعقدِ

أريتني مطراً ينهَلُّ ساكبهُ ... من الجفونِ وبرقاً لاح من بردِ
ووجنةً لا يروِّي ماؤها ظمئي ... بخلاً وقد لذعت نيرانُها كبدي
وكيف أبقي على ماءِ الشؤونِ وما ... أبقى الغرامُ على صبري ولا جلدي
وقال أيضاً:
بلاني الحبُّ فيك بما بلاني ... فشأني أن تفيضَ غروبُ شاني
أبيتُ اللَّيل مرتفقاً أُناجي ... بصدقِ الوجدِ كاذبةَ الأماني
فتشهدُ لي على الأرقِ الثُّريَّا ... ويعلم ما أُجنُّ الفرقدانِ
إذا دنتِ الخيامُ بهم فأهلاً ... بذاك الخيمِ والخيم الدَّواني
فبينَ سجوفها أقمارُ تمٍّ ... وبين عمادها أغصانُ بانِ
ومذهبةِ الخدودِ بجلَّنارٍ ... مفضَّضةِ الثُّغورِ بأقحوانِ
سقانا الله من ريَّاك ريَّاً ... وحيَّانا بأوجهكِ الحسانِ
ستصرفُ طاعتي عمَّن نهاني ... دموعٌ فيك تلحى من لحاني
ولم أجهل نصيحتهُ ولكنْ ... جنونُ الحُبِّ أحلى من جناني
فيا ولع العواذلِ خلِّ عنِّي ... ويا كفَّ الغرامِ خذي عناني
وقال أبو الفرج الببَّغاء:
يا من تشابه منه الخَلقُ والخُلقُ ... فما تسافرُ إلاَّ نحوه الحدقُ
توريدُ دمعي من خدَّيك مختلسٌ ... وسقمُ جسمي من جفنيكَ مسترقُ
لم يبق لي رمقٌ أشكو هواكَ به ... وإنَّما يتشكَّى من بهِ رمقُ
وقال أبو الفرج الوأواء:
أتاني زائراً من كان يبدي ... لي الهجرَ الطويلَ ولا يزورُ
فقالَ النَّاسُ لمَّا أبصروهُ ... ليهنكَ زاركَ البدرُ المنيرُ
فقلتُ لهم ودمعُ العينِ يجري ... على خدٍّ له دمع نثيرُ:
متى أرعى بروضِ الحُسن منهُ ... وعيني قد تضمَّنها غديرُ
ولو نُصبت رحى بإزاءِ عيني ... لكانت من تحدُّرهِ تدورُ
وقال أيضاً:
قالت وقد فتكت فينا لواحظها: ... ما إن أرى لقتيلِ اللَّحظِ من قودِ؟!
وأسبلت لؤلؤاً من نرجسٍ وسقت ... ورداً وعضَّت على العنَّاب بالبردِ
إنسيَّةٌ لو بدت للشَّمسِ ما طلعت ... للنَّاظرينَ ولم تغرُب على أحدِ
وقال أحمد بن عبد ربِّه الأندلسي:
يا لؤلؤاً يسبي العقولَ أنيقاً ... ورشاً بتقطيعِ القلوبِ حقيقا
ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بمثله ... درَّاً يعودُ من الحياءِ عقيقا
وإذا نظرتَ إلى محاسنِ وجهها ... أبصرتَ وجهكَ في سناهُ غريقا
يا من تقطَّع خصرهُ من رقةٍ ... ما بالُ طرفك لا يكونُ رقيقا؟؟!!!
وقال أيضاً:
هيَّجَ البينُ دواعي سقمي ... وكسا جسمي ثوبَ الألمِ
أيُّها البينُ أقلني مرَّة ... فإذا عدتُ فقد حلَّ دمي
ولقد هاج لقلبي سقماً ... حبُّ من لو شاءَ داوى سقمي
وقال ابن هذيل الأندلسي:
إذا حبست على قلبي يدي بيدي ... وصحتُ في اللَّيلةِ الظلماءِ: واكبدي
ضجَّت كواكب ليلي في مطالعها ... وذابتِ الصَّخرةُ الصَّمَّاءُ من كبدي
وليس لي جَلدٌ في الحبِّ ينصرني ... فكيف أبقى بلا صبرٍ ولا جلدِ
وقال تميم بن المعزِّ:
ما هجرتُ المدامَ والبدرَ والور ... دَ بطوعٍ لكن برغمٍ وكرهِ
منعتني من الثَّلاثةِ من لو ... قتلتني والله لم أحكِ من هيْ
قالت: البدرُ والمدامةُ والور ... دُ رضابي ولونُ خدِّي ووجهيْ
قلت: بخلاً بملِّ شيءٍ؟ فقالت: ... لا ولكن بخلتُ بي وبشبهيْ
قلت: ياليتني شبيهكِ قالت: ... إنَّما يقتل المحبَّ التَّشهِّيْ
وقال التِّهامي:
لكلِّ سهم يعدُّ النَّاس سابغةً ... تردُّه عنك إلاَّ أسهمُ المقلِ
هامَ الفؤاد بشمسٍ ما يزايلها ... غربٌ من البين أو غيمٌ من الكللِ
يخفى شهابُ الهوى في بردِ ريقتها ... كما استكنَّ نقيع السُّمِّ في العسلِ
إيَّاك إيَّاك تطريفاً بأعينها ... فهي الأسنَّة في العسَّالة الذُّبلِ
ما بالُ طرفكَ لا ينجي رميَّتهُ ... كأنَّما هو رامٍ من بني ثعلِ
وقال أيضاً:
أسيلةُ خدٍّ دونها الأسلُ السُّمر ... ودون ارتشافِ الرِّيقِ من ثغرها ثغرُ
فتاةٌ براها الله أكملَ صورةٍ ... فأردفتِ الأردافُ واختُصر الخصرُ

ويقصرُ ليلي ما ألمَّت لأنَّها ... صباحٌ وهل يبقى الدُّجى إن أتى الفجرُ
مرى البين جفنيها على الخدِّ فالتقى ... بأدمِعها والمبسمُ الدُّرُّ
وقالوا أتسلو عن لذيذِ رضابها ... فقلت: وهل حلَّت لشاربه الخمرُ؟!
وقال الشَّريف الرَّضيّ:
يا ظبيةَ البانِ ترعى في خمائلهِ ... ليهنكِ اليوم أنَّ القلب مرعاكِ
الماءُ عندكَ مبذولٌ لشاربهِ ... وليس يرويكِ إلاَّ مدمعي الباكي
هبَّت لنا من رياح الغور رائحةٌ ... بعد الرُّقاد عرفناها بريَّاكِ
ثم انثنينا: إذا ما هزَّنا طربٌ ... على الرِّجال، تعلَّلنا بذكراكِ
سهمٌ أصابَ وراميه بذي سلمٍ ... من بالعراق، لقد أبعدتِ مرماكِ
حكت لحاظكِ ما في الرّيم من ملحٍ ... يوم اللِّقاء فكانَ الفضلُ للحاكي
أنتِ النَّعيمُ لقلبي والعذابُ له ... فما أمرَّكِ في قلبي وأحلاكِ
عندي رسائلُ شوقٍ لست أذكُرها ... لولا الرَّقيبُ لقد بلَّغتها فاكِ
هامت بك العين لم تتبع سواكِ هوىً ... من علَّم البينَ أنَّ القلب يهواك
لو كانت الَّلمَّة السوداءُ من عددي ... يوم الغميم لما أفلتِّ أشراكي
وقال أيضاً:
يا صاحب القلبِ الصَّحيحِ أما اشتفى ... ألم الجوى من قلبي المصدوعِ؟
أأسأت بالمشتاقِ حين ملكته ... وجزيتِ فرط نزاعهِ بنزوعِ؟
هيهاتَ لا تتكلَّفنَّ لي الهوى ... فضحَ التَّطبُّع شيمةَ المطبوعِ
كم قد نصبتُ لكَ الحبائلَ طامعاً ... فنجوتَ بعد تعرُّضٍ لوقوعِ
وتركتني ظمآنَ أشربُ غلَّتي ... أسفاً على ذاك اللَّمى الممنوعِ
قلبي وطرفي منك: هذا في حمى ... قيظ وهذا في رياضِ ربيعِ
كم ليلةٍ جرَّعته في طولها ... غصصَ الملامِ ومؤلم التَّقريعِ
أبكي ويبسمُ والدُّجى ما بيننا ... حتَّى أضاء بثغرهِ ودموعي
وقال أيضاً:
رماني كالعدوِّ يريدُ قتلي ... مغالطةً وقال: أنا الحبيبُ؟!
وأنكرني، فعرَّفني إليه ... لظى الأنفاسِ والنَّظرُ المريبُ
وقالوا: لم أطعت؟ وكيف أعصي ... أميراً من رعيَّته القلوبُ
وقال أيضاً:
وشممت في طفل العشيَّةِ نفحةً ... حبست برامة صُحبتي وركابي
متململينَ على الرِّحالِ كأنَّما ... مرُّوا ببعض منازلِ الأحبابِ
ذكرت لي الأربَ القديم من الهوى ... عهد الصِّبا ولياليَ الأطرابِ
فبعثتُ دمعي ثمَّ قلت لصاحبي: ... إيهٍ دموعكَ يا أبا الغلاَّبِ
في ساعةٍ لمّا التفتُّ إلى الصِّبا ... بعدت مسافتهُ على الطُّلابِ
أشكو إليك ومن هواك شكايتي ... ويهون عندكَ أن أبيتَ لما بي
يا ماطلاً بالدَّين، وهو محبَّبٌ ... من لي بدائمِ وعدكَ الكذَّابِ
وقال مهيار الدَّيلميّ: " من الرجز "
ظنَّ غداة الخيفِ أن قد سلما ... لما رأى سهماً وما أجرى دما
فعادَ يستقري حشاهُ فإذا ... فؤادهُ من بينها قد عدما
لم يدرِ من أين أصيبَ قلبهُ ... وإنَّما الرَّامي درى كيف رمى
يا قاتلَ الله العيون خُلقت ... جوارحاً فكيفَ عادت أسهُما
ورامياً لم يتحرَّج من دمي ... يا عجباً كيف استحلَّ الحرما
أودعني السُّقم ومرَّ هازئاً ... يقول: قم فاستشف ماء زمزما
ولو أباح ما حمى من ريقهِ ... لكان أشهى لي من الماء اللَّمى
وقال أيضاً:
ما على مُحسنكم لو أحسنا ... إنَّما أطلبُ شيئاً هيِّنا
قد جفاني النَّاسُ من بعدكمُ ... فالحقونا بأحاديثِ المنى
لا وسحرٍ بين أجفانكمُ ... فتن الحبُّ به من فتنا
وحديثٍ من مواعدكمُ ... تحسدُ العينُ عليهِ الأذنا
ما رحلتُ العيس عن أرضكمُ ... فرأت عيناي شيئاً حسنا
يا بني عروةَ إن خفناكمُ ... قدم المرداسُ منكم عذرنا
أخذت سمركمُ الثَّأر لكمْ ... لستُ أعني لكمُ سمر القنا
بين بصرى وضمير عربٌ ... يأمنُ الخائفُ فيهم ما جنى
كلَّما شنَّت عليهم غارةٌ ... أغمدوا البيضَ وسلُّوا الأعينا
طلعت للحسنِ فيهم مزنةٌ ... أنبتت في كلِّ حقفٍ غصنا

وقال أبو العلاء المعرِّي:
أسالت أتيَّ الدَّمع فوق أسيلِ ... ومالت لظلٍّ بالعراق ظليلِ
أيا جارةَ البيتِ الممنَّع جارُهُ ... غدوت ومن لي عندكم بمقيلِ
لغيري زكاةٌ من جمالٍ فإن تكن ... زكاةُ جمال فاذكري ابن سبيلِ
أسرتِ أخانا بالخداع وإنَّه ... يعدُّ إذا اشتدَّ الوغى بقبيلِ
فإن تُطلقيه تملكي شكرَ قومه ... وإن تقتُليه تؤخذي بقتيلِ
وإن عاش لاقى ذلَّة، واختيارهُ ... وفاةُ عزيزٍ لا حياةُ ذليلِ
وكيف يجرُّ الجيشَ يطلبُ غارةً ... أسيرٌ لمجرورِ الذُّيول كحيلِ
وقال أيضاً:
توقَّتك سرّاً وزارت جهاراً ... وهل تطلعُ الشَّمس إلاَّ نهارا
كأنَّ الغمامَ لها عاشقٌ ... يسايرُ هودجها أين سارا
وبالأرض من حبِّها صفرةٌ ... فما تنبتُ الأرضُ إلاَّ بهارا
فدتكِ ندامى لنا كالقسيِّ ... لا يستقيمونَ إلاَّ ازورارا
أذبتِ الحصى كمداً إذ رميتِ ... بالدُّرِّ يوم رميتِ الجمارا
وقال أبو عليٍّ الحسن بن رشيق:
عيناكِ أمكنتا الشَّيطانَ من جلدي ... إنَّ العيونَ لأعوانُ الشَّياطينِ
كم ليلةٍ بتُّ مطوياً على حزنٍ ... أشكو إلى النَّجم حتَّى كاد يشكُوني
ياما أميلحهُ ظبيٌ فُتنتُ به ... وأيُّ خلقٍ بظبيٍ غير مفتونِ
يجلو بناتِ أقاحٍ من لثاةِ فمٍ ... يسقي بمثلِ بنيَّاتِ الزَّراجينِ
ووجنتين هما تفَّاحتا قبلٍ ... فاترك سواها وتفَّاحَ البساتينِ
فتورُ عينيكِ ينهاني ويأمُرُني ... ووردُ خدَّيكِ يغرِ بي ويغريني
إنِّي لئن بعتُ ديني واشتريت به ... دنيا لما بعت فيك الدَّين بالدُّونِ
أستغفرُ الله، لا والله ما نفعت ... في سحرِ مقلتهِ آياتُ ياسينِ
سبحانَ من خلقَ الأشياء قاطبةً ... تراهُ صوَّر ذاكَ الجسم من طينِ؟
يا أهل صبرةَ والأحباب عندكمُ ... إن كانَ عندكمُ صبرٌ فواسوني
إنِّي أدينُ بدينِ الحبِّ ويحكمُ ... واللهُ قد قال: لا إكراهَ في الدَّينِ!
وقال أبو عامر بن شهيد:
أصبيحٌ شيم أم برقٌ بدا ... أم سنا المحبوب أورى أزندا
هبَّ من نومته مبكرِّاً ... مسبلاً للكمِّ مرخ للرِّدا
يمسحُ النَّعسةَ عن عيني رشاً ... صائدٍ في كلِّ يومٍ أسدا
قال لي يلعبُ: خُذ لي طائراً ... فتراني الدَّهرَ أجري بالكدى
وإذا استنجزت يوماً وعدهُ ... قال لي يمطلُ: ذكرَّني غدا
شربت أعطافهُ خمرَ الصِّبا ... وسقاه الحُسنُ حتَّى عربدا
رشأ بل غادةٌ ممكورةٌ ... عمَّمت صبحاً بليلٍ أسودا
أححت من عضَّتي في نهدِها ... ثمَّ عضَّت حُرَّ وجهي عمدا
فأنا المجروحُ من عضَّتها ... لا شفاني الله ربِّي أبدا
وقال سليمان بن الحكم المستعين الأمويّ:
عجباً! يهاب اللَّيث حدَّ سناني ... وأهاب لحظ فواترِ الأجفانِ
وأقارعُ الأبطالَ لا متهيِّباً ... منها سوى الإعراضِ والهجرانِ
وتملَّكت نفسي ثلاثٌ كالدُّمى ... زهرُ الوجوه نواعمُ الأبدانِ
ككواكبِ الظَّلماءِ لحن لناظرٍ ... من فوق أغصانٍ على كثبانِ
هذي الملاك وتلك بنتُ المشتري ... حسناً وهذي أختُ غصنِ البانِ
حاكمتُ فيهنَّ السُّلوَّ إلى الصِّبا ... فقضى بسلطانٍ على سلطانِ
فأبحنَ من قلبي الحمى وثنينني ... في عزِّ ملكي كالأسيرِ العاني
لا تعذلوا ملكاً تذلَّل للهوى ... ذلُّ الهوى عزُّ وملك ثانِ
ما ضرَّ أنِّي عبدهنَّ صبابةً ... وبنو الزَّمان وهنَّ من عبداني
إن لم أطع فيهنَّ سلطانَ الهوى ... كلفاً بهنَّ فلستُ من مروانِ
وإنَّما عارض بهذا هارون الرَّشيد في قوله:
ملكَ الثَّلاثُ الآنساتُ عناني ... وحللن من قلبي بكلِّ مكانِ
مالي تطاوعني البريَّةُ كلُّها ... وأطيعهنَّ وهنَّ في عصياني
ما ذاك إلاَّ أنَّ سلطان الهوى ... وبه قوين أعزُّ من سلطاني
وقال هارون أيضاً في جواريه الثَّلاث:
ثلاثٌ قد حللنَ حمى فؤادي ... وأعطينَ الرَّغائبُ من ودادي

نظمتُ قلوبهنَّ بخيطِ قلبي ... فهنَّ قرابتي حتَّى التَّنادي
فمن يكُ حلَّ من قلبي محلاًّ ... فهنَّ مع النَّواظرِ في السَّوادِ
وقال أبو الوليد بن زيدون:
أما رضاكِ فعلقٌ مالهُ ثمنٌ ... لو كان سامحني في وصلهِ الزمنُ
تبكي فراقك عينٌ أنتِ ناظرها ... قد لجَّ في هجرها عن هجركِ الوسنُ
إن الزَّمان الَّذي عهدي به حسنٌ ... قد حال مذ غابَ عنَّي وجهك الحسنُ
أنتِ الحياة فإن يقدر فراقكِ لي ... فليحفرِ القبرُ أو فليحضرِ الكفنُ
والله ما ساءني أني خفيت ضنىً ... بل ساءني أن سرِّي بالضَّنى علنُ
لو كان أمري في كتم الهوى بيدي ... ما كان يعلمُ ما في قلبي البدنُ
وقال أيضاً:
بنتم وبنَّا فما ابتلت جوانحنا ... شوقاً إليكم ولا جفَّت مآقينا
نكادُ حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسِّينا
حالت لفقدكمُ أيَّامنا فغدت ... سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
إذ جانبُ العيش طلقٌ من تألقنا ... ومورد اللَّهو صافٍ من تصافينا
ليبقَ عهدكمُ عهدَ السُّرور فما ... كنتم لأرواحنا إلاَّ رياحينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيِّرنا ... إن طالما غيَّر النَّأيُ المحبِّينا
يا ساري البرقَ غاد القصر فاسقِ به ... من كان صرف الهوى والودِّ يسقينا
وسل هنالك: هل عنَّى تذكُّرنا ... إلفاً تذكُّره أمسى يعنِّينا
ويا نسيمَ الصَّبا بلِّغ تحيَّته ... من لو على البعد حيَّى كان يحيينا
ربيبَ ملكٍ كأنَّ الله أنشأه ... مسكاً وقدَّر إنشاءَ الورى طينا
يا روضةً طالما أجنت لواحظنا ... ورداً جناه الصِّبا غضّاً ونسرينا
لسنا نسمِّيك إجلالاً وتكرمةً ... وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
إذا انفردت وما شوركت في صفةٍ ... فحسبك الوصفُ إيضاحاً وتبيينا
كأنَّنا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسَّعد قد غضَّ من أجفان واشينا
سرَّان في خاطر الظَّلماء يكتمنا ... حتَّى يكاد لسان الصُّبح يفشينا
إنَّا قرأنا الأسى يوم النَّوى سوراً ... مكتوبةً وأخذنا الصَّبر تلقينا
لم نجفُ أفقَ سماءٍ أنتِ كوكبهُ ... سالين عنه ولم نهجرهُ قالينا
ولا اختياراً تجنَّبناك عن كثبٍ ... لكن عدتنا على كرهٍ عوادينا
وقال أيضاً:
أغائبةً عني وحاضرةً معي ... أناديكِ لمَّا عيل صبري فاسمعي
أفي الحقِّ أن أشقى بحبِّك أو أرى ... حريقاً بأنفاسي غريقا بأدمعي؟
ألا عطفةٌ تشفى بها نفسُ عاشقٍ ... جعلتِ الرَّدى منه بمرأى ومسمعِ
صليني بعض الوصل حتى تبيَّني ... حقيقةَ حالي ثم ما شئت فاصنعي
وقال أيضاً:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سرٌّ إذا ذاعتِ الأسرارُ لم يذعِ
يا بائعاً حظَّه مني ولو بذلت ... لي الحياةُ بحظِّي منه لم أبعِ
يكفيكَ أنَّك لو حملت قلبي ما ... لا تستطيعُ قلوبُ النَّاس يستطعِ
ته أحتمل واستطل أصبر وعزَّ أهن ... وولِّ أُقبل وقل أسمع ومر أطعِ
وقال أيضاً:
أيوحشني الزَّمان وأنت أُنسي؟ ... ويظلمُ لي النَّهار وأنت شمسي؟
وأغرس في محبَّتك الأماني ... وأجني الموت من ثمراتِ غرسي؟
لقد جازيتِ غدراً عن وفائي ... وبعتِ مودتي ظلماً ببخسِ
ولو أنَّ الزَّمان أطاعَ حكمي ... فديتكِ من مكارههِ بنفسي
وقال أيضاً:
يا قمراً مطلعهُ المغربِ ... قد ضاق بي في حبُّك المذهبُ
أعتبُ في هجركَ لي ظالماً ... ويغلب الشَّوق فأستعتبُ
ألزمتني الذنبَ الذي جئته ... صدقت! فاصفح أيها المذنبُ!
وإنَّ من أعجب ما مرَّ بي ... أنَّ عذابي فيك مستعذبُ
وقال أيضاً:
يا نازحاً وضميرُ القلبِ يهواه ... أنستكَ دنياكَ عبداً أنتَ دنياهُ
ألهتكَ عنه فكاهاتٌ تلذُّ بها ... فليس تجري ببالٍ منك ذكراهُ
علَّ اللَّيالي تبقني إلى أملٍ ... الدَّهرُ يعلم والأيَّام معناهُ
وقال أيضاً:
سأحبُّ أعدائي لأنَّك منهم ... يا من يصحُّ بمقلتيه ويسقمُ

أصبحت تسخطني وأمنحُك الرِّضا ... محضاً وتظلمُني فلا أتظلَّمُ
يا من تألَّفَ ليلهُ ونهارهُ ... فالحسنُ بينهما مضيءٌ مظلمُ
قد كان في شكوى الصَّبابةِ راحةٌ ... لو أنَّني أشكو إلى من يرحمُ
وقال أبو بكر بن عمَّار:
وما لحمام الأيكِ تبكيكَ كلَّما ... تبسَّم ثغرٌ للصَّباحِ شنيبُ
تغنِّي فما تنفكُّ تشرب نغبةً ... من الدَّمع يُهديها إليكَ وجيبُ
نعم هجرُ ليلى كلَّف اللَّيل وصلتي ... وعلَّمَ دمعَ العين كيف يصوبُ
فتاة غذاها الحسنُ حتى كأنَّها ... هي الحسنُ أو إلفٌ إليه حبيبُ
فعينٌ كما عينُ المها ومقلَّدٌ ... كما ارتاع ظبيٌ بالفلاةِ ربيبُ
وردفٌ كما انهالَ الكثيبِ وضمَّه ... وشاحٌ كما غنى الحمام طروبُ
وثغرٌ كنورِ الأقحوانِ يشوبهُ ... لمىً: حسناتُ الصَّبرِ عنه ذنوبُ
شققتُ جيوبَ الصَّبرِ عنها بطفلةٍ ... تزرُّ عليها للجبال جيوبُ
ففاتكةُ الألحاظِ وهي عليلةٌ ... وناعمةُ الأعطاف وهي قضيبُ
كسا الخجلُ المعتاد صفحة خدِّها ... رداءٌ طرازاه: ندىً ولهيبُ
ودبَّت من الأصداغِ فيه عقاربٌ ... لها في فؤادِ المستهامِ دبيبُ
أما ونسيم الرَّوضِ زار نسيمها ... فأهدتهما نحو المشُوقِ جنوبُ
لقد حسنت حتّى كأنَّ محاسناً ... تقسَّمها هذا الأنام عيوبُ!
فيا ربَّة القرط اللَّعوب ترفَّقي ... فحسبكِ فالحلم الرَّسوب لعوبُ!
أطاعكِ قلبي لم يخنك أمانةً ... ولا نيل إلاَّ زفرة ونحيبُ
إلى الله أشكو أنَّ مالكِ في دمي ... شريك ولا لي في رضاكِ نصيبُ!
وقال أبو القاسم بن عبَّاد:
أباحَ لطيفي طيفها الخدَّ والنَّهدا ... فعضَّ بها تفاحةً واجتنى وردا
ولو قدرت زارت على حال يقظةٍ ... ولكن حجابُ البينِ ما بيننا مُدَّا
سقى الله صوبَ القطر أمَّ عبيدةٍ ... كما قد سقت قلبي على حرِّه بردا
هي الظَّبيُ جيداً والغزالة سنَّةً ... وروض الرُّبا عرفاً وغصن النَّقا قدَّا
وقال أيضاً:
تظنُّ بنا أمُّ الرَّبيع سآمة ... ألا غفر الرَّحمن ذنباً تواقعهْ
أأهجرُ ظبياً في فؤادي كناسهُ ... وبدر تمامٍ في ضلوعي مطالعهْ
وروضةَ حسنٍ أجتنيها وبارداً ... من الظُّلمِ لم تحظر عليَّ شرائعهْ
إذاً عدمت كفِّي نوالاً تفيضهُ ... على معتفيها، أو عدوّاً تقارعهْ
وقال أيضاً:
كتابي وعندي من فراقِك ما عندي ... وفي كبدي ما فيهِ من لوعةِ الوجدِ
وما خطَّت الأقلامُ إلاَّ وأدمعي ... تخطُّ كتابَ الشَّوق في صفحةِ الخدِّ
ولولا طلاب المجد زرتك طيَّه ... عميداً كما زار النَّدى ورق الوردِ
فقبَّلت ما تحت الِّلثام من اللّمى ... وعانقت ما تحت الوشاح من العقدِ
وقال أيضاً:
هذا الَّذي قد عاقَ طرفي حبُّه ... وصدودهُ ونفارهُ أن يرقدا
ارضَ اقترب صل كي أفوزَ بنظرةٍ ... فلطالما قد بتُّ فيك مسهَّدا
من شاء ينظرُ عزَّة وكُثيِّراً ... حيَّين فلينظر مُنىً ومحمَّدا
وقال أيضاً:
ألا حيِّ أوطاني بشلب أبا بكر ... وسلهنَّ: هل عهدُ الشبَّابِ كما أدري
وسلِّم على قصرِ الشَّراجيب عن فتىً ... له أبداً شوقٌ إلى ذلك القصرِ
منازل آسادٍ قد بتُّ أنعمُ جنحها ... بمخضبة الأردافِ مجدبة الخصرِ
وبيضٍ وسمرٍ فاعلاتٍ بمهجتي ... فعال الصِّفاح البيضِ والأسلِ السُّمرِ
وليلٍ بسدِّ النَّهرِ لهواً قطعتهُ ... بذاتِ سوارٍ مثل منعطفِ النَّهرِ
نضت بردها عن غصنِ بانٍ منعَّمٍ ... نضيرٍ كما انشقَّ الكمامُ عن الزَّهرِ
وقال أبو بكر بن عيسى الدَّاني:
أصبحتُ في الحبِّ آيةً عجباً ... متَّضح السَّير مبهم الطُّرقِ
يجني الورى نرجسَ الرُّبا وأنا ... يجني فؤادي من نرجسِ الحدقِ
لا أرتجي أن أفيقَ من مرضي ... من أمرضتهُ العيونُ لم يفقِ
وابأبي من جمالُ جملتهِ ... مجتمعٌ في صفاتِ مفترقِ
أسمرُ مثلُ القناة ذو هيفٍ ... وطرفهُ كالسِّنانِ ذو زرقِ

سنَّ له الحبُّ أن يريق دمي ... لو كان ممَّن يرقُّ لم يرقِ
قدٌّ كقدِّ الحسام قد علقت ... في صحفهِ صبغةٌ من العلقِ
لا واخذ الله لحظه فلقد ... أراحني بالحمامِ من حرقي
أين وميضُ البروقِ من لهبي؟ ... وأين عصفُ الرِّياح من قلقي؟
وأين من عبرتي مغيِّمةٌ؟ ... تسيل وطفاؤها على الأفقِ؟!
وقال عبد الجليل بن وهبون:
إن سرتُ عنك ففي يديك قيادي ... أو بنتُ عنك فما يبينُ فؤادي
صيَّرت فكري في بعادك مؤنسي ... وجعلتُ لحظي في ودادِك زادي
وعليَّ أن أذري دموعي كلَّما ... أبصرتُ شبهكِ في سبيل بعادي
كم في طريقي من قضيبٍ ناعمٍ ... أبكي عليه ومن صباحٍ بادِ
تلقاك في طيِّ النَّسيمِ تحيتي ... ويصوبُ في ديم الغمامِ ودادي
وقال عبد الجبَّار بن حمديس الصِّقلِّي:
ويلي على مملوكةٍ ملكت ... رقِّي بحسنِ مقالها، ويلي
غيداء تسحبُ كلَّما انعطفت ... من فرعها ذيلاً على ذيلِ
وكأنَّها شمسٌ على غصنٍ ... مترنِّح التَّقويم والميلِ
قالت وقد عانقتها سحراً: ... لم زرتنا في آخر اللَّيلِ؟
فأجبتها وغمرتها قُبلاً: ... هذا أوان إغارةِ الخيلِ
حتَّى إذا بزغت شبيهتها ... كالتَّاج فوق مفارقِ القيلِ
نزعت كنزع الرُّوحِ من جسدي ... عنِّي قلادةَ ساعدٍ غيلِ
فنهضت أشرقُ بالدُّموعِ كما ... شرقَ الفضاءُ بكثرةِ السَّيلِ
وقال أبو إسحاق بن خفاجة:
وعاذرٍ قد كان لي عاذلا ... في آمرٍ صار له آملا
ألوى بقلبي وهو في طيِّه ... فصار محمولاً به حاملا
أخوضُ في الحبِّ به لجَّةً ... لم ترم بي من سلوةٍ ساحلا
أما ترى أعجوبةً أن ترى ... في الحبِّ مقتولاً فدى قاتلا!
علَّقتهُ أحوى اللَّمى أحوراً ... عاطرُ أنفاسِ الصِّبا عاطلا
معتدلاً معتدياً في الهوى ... أحبب به معتدلاً مائلا
شطَّ ولي من شغف فكرةٌ ... أراه فيها قاطناً نازلا
فإنَّ لي طرفاً به ساهراً ... وجداً ودمعاً هامراً هاملا
كأنَّ نومي ضلَّ عن ناظري ... فبات دمعي سابلاً سائلا
وقال أبو عامر بن الحمارة:
أركبانَ أنضاءِ السِّفارِ ألا قفوا ... رسومَ المطايا في رسوم المنازلِ
نسائلُ متى عهد الدِّيار بسكنها ... وإن كُنَّ خرساً ما يبنُّ لسائلِ
ألا ليت شعري هل تعود كعهدنا ... ليالٍ طويناهنَّ طيَّ المراحلِ
إذا ذكرتها النَّفسُ كادت من الأسى ... تسرَّب في أولى الدُّموع الهواملِ
وإنِّي وتركي أمَّ طلحةَ بعدما ... تسلسلَ منِّي حبُّها في المفاصلِ
لظمآن نفرٍ أبصر الماء حرةً ... وقد ذيد عن أطرافه بالمناصلِ
ولولا رجائي عطفة الدَّهر لم أبل ... متى نزلت بالنَّفس إحدى النَّوازلِ
عن النَّوم سل عيناً به قرَّ عينها ... وكان قليلاً في ليالٍ قلائلِ
أبيت بمستنِّ الجبال ودونه ... طروق سهاد واعتياد بلابلِ
إذا ظنَّ وكراً مقلتي طائر الكرى ... رأى هدبها فارتاع خوف الحبائلِ!
وقال آخر:
ومن عجبٍ أنَّي أحنُّ إليهم ... وأسأل شوقاً عنهم وهم معي
وتبكيهمُ عيني وهم في سوادها ... ويشكو النَّوى قلبي وهم بين أضلعي
تمَّ البابُ.
أوصافُ النِّساء مفرداً من باب النَّسيب
ما قيل في الثُّغور
قال امرؤ القيس:
كأنَّ المدامَ وصوبَ الغمام ... وريحُ الخزامى ونشر القطرْ
يعلُّ به بردُ أنيابها ... إذا طرَّب الطَّائرُ المستحرْ
وقال النَّابغة الذُّبياني:
تجلو بقادمتي حمامةِ أيكةٍ ... برداً أُسفَّ لثاته بالإثمدِ
كالأقحوانِ غداة غبِّ سمائه ... جفَّت أعاليه وأسفله ندي
وقال جميل بن معمر:
تمنَّيت منها نظرةً وهي واقفٌ ... تريكَ نقيّاً واضح الثَّغر أشنبا
كأنَّ عريضاً من فضيض غمامةٍ ... هزيمِ الذُّرى تمري له الرِّيح هيدبا
يصفِّقُ بالمسكِ الذَّكيِّ رضابهُ ... إذا النَّجم من بعد الهدوءِ تصوَّبا
وقال أيضاً:

وكأنَّ طارقها على عللِ الكرى ... والنَّجم وهناً قد دنا لتغوُّرِ
يستافُ ريحَ مدامةٍ معلولةٍ ... برضابِ مسكٍ في ذكيِّ العنبرِ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
يمجُّ ذكيُّ المسك منها مفلَّج ... نقيٌّ الثَّنايا ذو غروب مؤشَّرُ
يرفُّ غذا تفترُّ عنه كأنَّه ... حصى برد أو أقحوان منوّرُ
وقال المتوكِّل اللَّيثيُّ:
كأنَّ مدامةً صهباء صرفاً ... ترقرقُ بين راووقٍ ودنِّ
تعلَّ به الثنايا من سليمى ... فراسةُ مقلتي وصحيحُ ظنِّي
وقال ذو الرُّمَّة:
وتجلو بفرعٍ من أراكٍ كأنَّه ... من العنبر الهنديِّ والمسك يصبحُ
ذرى أقحوانٍ واجه اللَّيل وارتقى ... إليه النَّدى من رامة المتروِّحُ
هجان الثَّنايا مغرباً لو تبسَّمت ... لأخرسَ عنه كاد بالقول يفصحُ
وقال بشار بن برد:
يا أطيب النَّاس ريقاً غير مختبر ... إلاَّ شهادةَ أطرافِ المساويكِ
قد زرتنا زورةً في الدَّهرِ واحدةً ... ثنِّي ولا تجعليها بيضة الدِّيكِ
يا رحمةَ الله حُلِّي في منازلها ... حسبي برائحةِ الفردوسِ من فيكِ
وقال آخر:
ترى الدُّرَّ منثوراً إذا ما تكلَّمت ... وكالدُّرِّ منظوماً إذا لم تكلَّمِ
تعبِّدُ أحرار القلوب بدلَّها ... وتملأ عين النَّاظرِ المتوسِّمِ
وقال البحتريّ:
ولمَّا التقينا والنَّقا موعدٌ لنا ... تعجَّب رائي الدُّرِّ حسناً ولاقطهْ
فمن لؤلؤٍ تجلوهُ عند ابتسامها ... ومن لؤلؤٍ عند الحديث تساقطهْ
وقال ابن الرُّوميّ:
يا رُبَّ ريقٍ بات بدرُ الدُّجى ... يمجُّه بين ثناياكا
يروي ولا ينهاكَ عن شربةٍ ... والماء يرويك وينهاكا
وقال عبيد الله بن عبد بن طاهر:
وإذا سألتكِ رشف ريقك قلت لي: ... أخشى عقوبة مالك الأملاكِ
ماذا عليك جُعلت قبلك في الثَّرى ... من أن أكون خليفة المسواكِ
أيجوز عندكِ أن يكون متيَّمٌ ... مغرىً بحبك دون عود أراكِ
وقال ابن الرُّومي:
تعلَّلت ريقاً يطرد الهمَّ برده ... ويشفي القلوبَ الحائماتِ الصَّواديا
وهل ثغبٌ حصباؤه مثل ثغرها ... يصادفُ إلاَّ طيِّب النَّشر صافيا
؟وممَّا قيل في الشُّعور
قال بكر بن النَّطَّاح:
بيضاءُ تسحبُ من قيامٍ فرعها ... وتغيبُ فيه وهو وحفٌ أسحمُ
فكأنَّها فيه نهارٌ مشرقٌ ... وكأنَّه ليلٌ عليها مظلمُ
وقال ابن الرُّومي:
وفاحمٍ واردٍ يقبَّل مم ... شاه إذا اختالَ مسبلاً عذرهْ
أقبلَ كاللَّيلِ في مفارقه ... منحدراً لا يلومُ منحدرهْ
حتَّى تناهى إلى مواطئهِ ... يلثم من كلِّ موطئٍ عفرهْ
كأنَّه عاشقٌ دنا شغفاً ... حتَّى قضى من حبيبهِ وطرهْ
وقال مسلم بن الوليد: :من الطويل "
أجدَّكِ هل تدرين أن رُبَّ ليلة ... كأنَّ دجاها من قرونكِ ينشرُ
نصبت لها حتَّى تجلَّت بغرَّةٍ ... كغرَّة يحيى حين يذكر جعفرُ
وقال ابن المعتزّ:
سقتني في ليل شبيهٍ بشعرها ... شبيهةٌ خدَّيها بغير رقيبِ
فأمسيت في ليلين للشَّعر والدُّجى ... وشمسين من خمرٍ وخدِّ حبيبِ
وقال المتنبِّي:
كشفت ثلاثَ ذوائبٍ من شعرها ... في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا
واستقبلت قمرَ السَّماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
وقال أيضاً:
لبسن الوشي لا متجمِّلاتٍ ... ولكن كي يضنَّ به الجمالا
وصفَّرن الغدائرَ لا لحسنٍ ... ولكن خفن في الشَّعر الضَّلالا
وقال أبو محمّد بن مطران:
ظباءٌ أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيونَ الجآذرُ
فمن حسن ذاك المشي جاءت فقبَّلت ... مواطئَ من أقدامهنَّ الغدائرُ؟
؟؟وممَّا قيل في حسن حديث النَّساء
قال القطاميّ:
يقتلننا بحديثٍ ليس يفهمه ... من يتَّقين ولا مكنونهُ بادي
فهنَّ ينبذن من قولٍ يصبن به ... مواقع القطر من ذي الغلَّة الصَّادي
وقال أبو حيَّة النُّميريّ:
إذا هُنَّ ساقطن الحديث إلى الفتى ... سقاط حصى المرجانِ من كفِّ ناظمِ

رمين فأقصدن القلوب ولن ترى ... دماً مائراً إلاَّ جوىً في الحيازمِ
وقال آخر:
وكنتُ إذا ما زرتُ سعدى بأرضها ... أرى الأرضَ تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفراتِ البيضِ ودَّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثةٌ لو تعيدها
وقال ابن الرُّومي:
وحديثها السِّحرُ الحلالُ لو أنَّه ... لم يجنِ قتلِ المسلمِ المتحرِّزِ
إن طالَ لم يملل وإن هي أوجزت ... ودَّ المحدِّث أنَّها لم توجزِ
شركُ العقولِ ورهبةٌ ما مثلها ... للمطمئنِّ وعقلةُ المستوفزِ
وقال مالك بن أسماء بن خارجة:
وحديثٍ ألذَّه هو ممَّا ... تشتهيه النُّفوس يوزن وزنا
منطقٌ صائبٌ وتلحن أحيا ... ناً وخير الحديثِ ما كان لحنا
ومن جيِّد هذا المعنى وقديمه قول النَّابغة الذُّبياني:
لو أنَّها عرضت لأشمط راهبٍ ... عبدَ الإلهَ صرورةٍ متعبِّدِ
لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولخاله رشداً وإن لم يرشدِ
وقال أبو حيَّة النُّميريّ:
حديثٌ لم تخشَ عيناً كأنَّه ... إذا ساقطته الشَّهد أو هو أعذبُ
لو أنَّك تستشفي به بعد سكرةٍ ... من الموتِ كادت سكرةُ الموتِ تذهبُ
وقال بشَّار بن برد:
حوراءُ إن نظرت إلي ... ك سقتك بالعينينِ خمرا
تنسي الغويُّ معادهُ ... وتكونُ للحلماء ذكرا
وكأنَّ لفظ حديثها ... قطع الرِّياض كُسين زهرا
وكأنَّ تحت لسانها ... هاروتُ ينفث فيها سحرا
وتخالُ ما جمعت علي ... ه ثيابها ذهباً وعطرا
وقال أيضاً:
ودعجاءِ النَّواظرِ من معدٍّ ... كأنَّ حديثها قطعُ الجمانِ
إذا قامت لصحبتها تثنَّت ... كأنَّ عظامَها من خيزرانِ
وقال حبيب بن أوس:
تعطيكَ منطقها فتعلم أنَّه ... لجنى عذوبتها يمرُّ بثغرها
وأظنُّ حبلَ وصالها لمحبِّها ... أوهى وأضعف قوَّةً من خصرها
وممَّا قيل في العيون
قال جرير:
إنَّ العيونَ الَّتي في طرفها حورٌ ... قتلننا ثُمَّ لم يحيينَ قتلانا
يصرعنَّ ذا اللُّبِّ حتَّى لا حراكَ به ... وهنَّ أضعفُ خلقِ الله أركانا
وقال ذو الرّمّة:
لها بشرٌ مثل الحريرِ ومنطقٌ ... رخيم الحواشي لا هراءٌ ولا نزرُ
وعينان قال الله: كونا فكانتا ... فعولان بالألبابِ ما تفعل الخمرُ
وقال عديُّ بن الرِّقاع:
لولا الحياءُ وأنَّ رأسي قد عسا ... فيه المشيبُ لزرت أمَّ القاسمِ
وكأنَّها بين النِّساء أعارها ... عينيه أحورُ من جآذر جاسمِ
وسنانُ أقصده النُّعاس فرنَّقت ... في عينيه سنةٌ وليس بنائمِ
وقال عبد الله بن الدُّمينة:
رمتني بطرفٍ لو كميّاً رمت به ... لبلَّ نجيعاً نحره وبنائقهْ
ولمحٍ بعينيها كأنَّ وميضهُ ... وميض الحيا تهدى لنجدٍ شقائقهْ
وقال أبو الطَّيِّب:
مثَّلتِ عينك في حشاي جراحةً ... فتشابها، كلتاهما نجلاءُ
نفذت عليَّ السَّابريَّ وربَّما ... تندقُّ فيه الصَّعدةُ السَّمراءُ
وممَّا قيل في تشبيه النِّساء بالرَّوضة
قال الأعشى:
ما روضةٌ من رياضِ الحزن مونقةٌ ... خضراءُ جادَ عليها مسبلٌ هطلُ
يضاحك الشَّمسَ فيها كوكب شرِقٌ ... موزَّرٌ بعميم النَّبت مكتهلُ
يوماً بأطيب منها نشر رائحةٍ ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصلُ
وقال كُثيِّر:
فما روضة بالحزن طيِّبة الثَّرى ... يمجُّ النَّدى جثاثها وعرارها
بمنخرقٍ من بطنِ وادٍ كأنَّها ... تلاقت به عطَّارة وتجارها
بأطيب من أردان عزَّة موهناً ... وقد أوقدت بالمندل الرَّطب نارها
وممَّا قيل في وصف مشي النِّساء
قال الأعشى:
غرَّاءُ فرعاءُ مصقول عوارضها ... تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحلُ
كأنَّ مشيتها من بيت جارتها ... مشي السَّحابةِ لا ريث ولا عجلُ
وقال تميم بن مقبل:
يهززن للمشي أوصالاً منعَّمةً ... هزَّ الجنوبِ معاً عيدان يبرينا
أو كاهتزازِ ردينيٍّ تداوله ... أيدي التِّجارِ فزادوا متنه لينا

يمشين هيل النَّقا مالت جوانبه ... ينهالُ حيناً وينهاه الثَّرى حينا
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أبصرتها غدوة ونسوتها ... يمشين بين المقام والحجرِ
بيضاً حساناً خرائداً قطفاً ... يمشين هوناً كمسية البقرِ
قد فزنَ بالحسنٍ والجمال معاً ... وفزن رسلاً بالدَّلِّ والخفرِ
وقال بشر بن أبي خازم:
حوراء يمنعها القيام إذا ... قامت تمام الخلق والبهرُ
مشي النَّزيف يجزُّ مئزره ... ذهبت بأكثر عقله الخمرُ
وقال بشَّار بن برد:
ويشكُّ فيها الناظرون إذا عدت ... وتسيل أو تمشي لهم تأويدا
درجت على قصب رواجح فانثنت ... كالخيزارنة غادة أملودا
وقال العبَّاس بن الأحنف:
شمس مقدَّرة في خلق جارية ... كأنَّما كشحها طيُّ الطَّواميرِ
كأنَّها حين تمشي في وصائفها ... تخطو على البيض أو خضر القواريرِ
وقال غيره:
شبهت مشيتها بمشية ظافر ... يختال بين أسنَّة وسيوفِ
صلف تناهت نفسه في نفسه ... لمَّا انثنى بسنانه المرعوفِ
وقال بكر بن النِّطَّاح: من المنسرح "
تمشي على الخزِّ من تترُّفها ... فتشتكي رجلها من التَّرفِ
لو مرَّ هارون في عساكره ... ما رفعت من الصَّلفِ
وقال المتنبِّي:
حسان التَّثنِّي ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسامهنَّ النَّواعمِ
ويبسمن عن درٍّ تقلَّدن مثله ... كأنَّ التَّراقي وشِّحت بالمباسمِ
وقال غيره:
يمشين مشي قطا البطاح تأوداً ... خمص البطون رواجح الأكفالِ
وإذا أردن زيارة فكأنَّما ... ينفضن أرجلهنَّ من أوحالِ
وقال كشاحم يصف سواد الشَّعر:
رنت فأصابت سرَّ قلبي بلحظها ... لها في الحسا لذع وليس لها جرحُ
وقد حسرت عن واضح الشَّعر قاتم ... بخطَّي ظلام شقَّ بينهما صبحُ
وقال سديف في جميع الصِّفات:
لفظ الخدور إليك حوراً عينا ... أنسين ما جمع الكناس قطينا
وإذا ابتسمن فعن بروق غمامة ... أو أقحوان الرَّمل بات معينا
وإذا نطقن تخالهنَّ نواظماً ... درّاً يفصَّل لؤلؤاً مكنونا
وإذا طرفن طرفن عن حدق المها ... وفضلنهنَّ محاجزاً وعيونا
فكأن أنفاس الظباء تمدها ... وحضورهن لطافة ولدونا
وأصحُّ ما رأت العيون رواجحاً ... ولهنَّ أمرض ما رأيت عيونا
وكأنَّما تلك الوجوه أهلَّة ... أقمرن بين العشر والعشرينا
وكأنَّهنَّ إذا نهضن لحاجة ... ينهضن بالعقدات من يبرينا
وقال امرؤ القيس في مثل ذلك:
مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسَّجنجلِ
كبكر مقاناة الباض بصفرةٍ ... غذاها نمير الماء غير المحلَّلِ
تصدُّ وتبدي عن أسيل وتتَّقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفلِ
وجيد كجيد الرّئم ليس بفاحش ... إذا هي نصَّته ولا بمعطَّلِ
وفرع يغشِّي المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النَّخلة المتعثكلِ
غدائره مسشزرات إلى العلا ... تضلُّ المداري في مثنَّى ومرسلِ
وكشح لطيف كالجديل مخصَّرٍ ... وساق كأنبوب السَّقيِّ المذلَّلِ
وتعطو برخص غير شثن كأنَّه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسى راهبٍ متبتِّلِ
وتضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضُّحى لم تنتطق عن تفضُّلِ
نجز باب النَّسيب والحمد لله ربِّ العالمين

باب
الأوصاف
وصف الخيل
قال امرؤ القيس بن حجر:
وقد أغتدي والطَّير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكلِ
مكرٍّ مفرٍّ مدبر معاً ... كجلمود صخر حطَّه السَّيل من علِ
كميت يزلُّ عن حال متنه ... كما زلَّت الصَّفواء بالمتنزَّلِ
مسحٍّ إذا ما السَّابحات على الونى ... أثرن غباراً بالكديد المركَّلِ
على العقب جيَّاش كأنَّ اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجلِ
يطير الغلام الخفُّ عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقَّلِ
درير كخذروف الوليد أمرَّه ... تقلُّب كفَّيه بخيط موصِّلِ

له أيطلاً ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفلِ
كأنَّ على الكتفين منه إذا انتحى ... مداك عروس أو صراية حنظلِ
وقال أيضاً:
وقد اغتدي والطَّير في وكناتها ... وماء النَّدى يجري على كلِّ مذنبِ
بمنجرد قيد الأوابد لاحه ... طراد الهوادي كلّ شأوٍ مغرِّبِ
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وصهوة غير قائم فوق مرقبِ
له أذنان تعرف العتق فيهم ... كسامعتي مذعورة وسط ربربِ
إذا ما جرى شأوين وابتلَّ عطفه ... تقول هزيز الرِّيح مرِّت بأثأبِ
فللسَّاق ألهوب وللسَّوط درَّة ... وللزَّجر منه وقع أهوج منعبِ
فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه ... يمرُّ كخذروف الوليد المثقَّبِ
وقال أيضاً:
وأركب في الرَّوع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشرْ
لها حافر مثل قعب الولي ... د رُكِّب فيه وظيف عجرْ
لها عجز كصفاة المسي ... ل أبرز عنها جحاف مضرّ
لها عذر كقرون النِّسا ... ء ركِّبن في يوم ريح وصرّ
وسالفة كسحوق اللُّبا ... ن أضرم فيه الغويُّ السُّعرْ
لها جبهة كسراة المجنِّ ... حذَّقه الصَّنع المقتدرْ
لها منخر كوجار السِّباع ... فمنه تريح إذا تنبهرْ
إذا أقبلت قلت دبَّاءة ... من الخضر مغموسة في الغدرْ
وإن أدبرت قلت أثفيَّة ... ململمة ليس فيها أثرْ
وإن أعرضت قلت سرعوفة ... لها ذنب خلفها مسبطرّ
وللسَّوط فيها مجال كما ... تنزَّل ذو برد منهمرْ
وقال أيضاً وتروى لغيره:
وقد أغتدي قبل العطاس بهيكل ... شديد مشكَّ الجنب فعم المنطَّقِ
كأنَّ غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر باز في السَّماء محلِّقِ
رأى أرنباً فانقضَّ يهوي أمامه ... سريعاً وجلاَّها بطرف ملقلقِ
فصاد لنا ثوراً وعيراً وأرنباً ... عداء ولم ينضج بماء فيعرقِ
كأنَّ دماء الهاديات بنحره ... عصارة حنَّاء بشيب مفرَّقِ
وقال علقمة بن عبدة:
وقد اغتدي والطَّير في وكناتها ... وماء النَّدى يجري على كلِّ مذنبِ
بمنجرد قيد الأوابد لاحه ... طراد الهوادي كلّ شأوٍ مغرِّبِ
إذا أنفذوا زاداً فإنَّ عنانه ... وأكرعه مستعملاً خير مكسبِ
رأينا شياهاً يرتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهذَّبِ
فبينا تمارينا وعقد عذاره ... خرجن عليه كالجمان المثقَّبِ
فأدركهنَّ ثانياً من عنانه ... يمرُّ كمرِّ الرَّائح المتحلِّبِ
وقال الأسعر الجعفيّ:
ولقد علمت على توقِّيَّ الرَّدى ... أنَّ الحصون الخيل لا مدر القرى
إنِّي وجدت الخيل عزّاً ظاهراً ... تنجي من الغمَّى ويكشفنَّ الدُّجى
ويبتن للثَّغر المخوف طلائعاً ... ويثبن للصُّعلوك جمَّة ذي الغنى
يخرجن من خلل الثَّنايا شرَّعاً ... كأصابع المقرور أقعى فاصطلى
وقال جرير بن الخطفى:
إنَّا لنذعر حيث كان عدوَّنا ... بالخيل لاحقة الأياطل قودا
ونحوط محمية وتحمي سرحنا ... جرد ترى لمغارها أخدودا
أجرى قلائدها وخدَّد لحمها ... ألاَّ يذقن مع الشَّكائم عودا
وطوى القياد مع الطِّراد بطونها ... طيَّ التِّجار بحضرموت برودا
وقال طفيل الغنويّ:
وفينا رباط الخيل: كل مطهَّم ... رجيل كسرحان الغضى المتأوِّبِ
وجرداء ممراح نبيل حزتمها ... طروح كعود النبعة المتنخب
إذا قيل نهنهها وقد جّد جدُّها ... ترامت تكخذروف الوليد المثقَّبِ
جلبنا من الأعراف أعراف عمرة ... وأعراف لبنى الخيل يا بعد مجلبِ!
وراداً وحوّاً مشرفاً حجباتها ... بنات حصان قد تعولم منجبِ
وكمتاً مدماة كأنَّ متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهبِ
كأن متون الماء فوق متونها ... أشارير ملح في مباءة مجربِ
وللخيل أيَّام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير تعقبِ
وقال أيضاً:
ولن تفارقني ما عشت سلهبة ... مثل النَّعامة في أوصالها طولُ
أو قارح في الغرابيّات ذو نسب ... وفي الجراء مسحُّ الشَّدِّ إجفيلُ

وغارة كحريق النّار زعزعها ... مخراق حرب كصدر السَّيف بهلولُ
شهدت ثمّت لم أحو الرّكاب إذا ... سوقطن: ذو قتب منها ومرحولُ
بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم فيه مبذولُ
وقال حبيب بن أوس الطّائيّ:
ما مقرب يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوقِ
بحوافر حفر وصلب صلَّب ... وأشاعر شعر وخلق أخلقِ
ذو أولق تحت العجاج وإنَّما ... من صحة إفراط ذاك الأولقِ
مسودٌّ شطر مثل ما اسودَّ الدُّجى ... مبيضُّ شطر كابيضاض المهرقِ
قد سالت الأوضاح سيل قرارة ... فيه فمفترق عليه وملتقِ
تغرى العيون ويفلق شاعر ... في نعته عفواً وليس بمفلقِ
بمصعَّد من حسنه ومصوَّب ... ومجمَّع في خلقه ومفرَّقِ
وقال أيضاً:
إن زار ميداناً سبى أهله ... أو نادياً قام إليه الجلوسْ
ترى رزان القوم قد أسمحت ... أعينهم في حسنه وهي شوسْ
كأنَّ لاح لهم بارق ... بالمحل أو زفَّت إليهم عروسْ
سام إذا استعرضته زانه ... أعلى رطيب وقرار يبيسْ
كأنَّما خامره أولق ... أو غازلت هامته الخندريسْ
وقال أبو عبادة البحتري:
وأغرَّ في الزَّمن البهيم محجَّل ... قد رحت منه على أغرَّ محجلِ
كالهيكل المبنيِّ إلاَّ أنَّه ... في الحسن جاء كصورة في الهيكلِ
يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت ... صيداً وينتصب انتصاب الأجدلِ
متوجِّس برقيقتين كأنَّما ... تريان من ورق عليه موصَّلِ
جذلان ينفض عذرة في غرَّة ... يقق تسيل حجولها في جندلِ
ذهب الأعالي حيث تذهب مقلة ... فيه بناظرها حديد الأسفلِ
صافي الأديم كأنَّما عينت له ... بصفاء نقبته مداوس صيقلِ
وتخاله كسي الخدود نواعماً ... مهما تواصلها بلحظ تخجلِ
وتظنَّ ريعان الشباب يروعه ... من جنَّة أو نشوة أو أفكلِ
ملك العيون فإن بدا أعطينه ... نظر المحبِّ إلى الحبيب المقبلِ
وقال أيضاً:
أما الجواد فقد بلونا يومه ... وكفى بيوم مخبر عن عامهِ
جارى الجياد فطار عن أوهامها ... سبقاً وكاد يطير عن أوهامهِ
جذلان تلطمه جوانب غرَّة ... جاءت مجيء البدر عند تمامهِ
واسودَّ ثمَّ صفت لعيني ناظر ... جنباته فأضاء في إظلامهِ
مالت جوانب عرفه فكأنَّها ... عذبات أثل مال تحت حمامهِ
ومقدم الأذنين تحسب أنَّه ... بهما يرى الشَّخص الَّذي لأمامهِ
وكأنَّ فارسه وراء قذاله ... ردف فلست تراه من قدَّامهِ
لانت معاطفه فخيَّل أنَّه ... للخيزران مناسب بعظامهِ
وكأنَّ صهلته إذا استعلى بها ... رعد يقعقع في ازدحام غمامهِ
وقال أيضاً:
فأعن على غزو العدوِّ بمنطوٍ ... أحشاؤه طيَّ الكتاب المدرجِ
إمَّا بأشقر ساطع أغشى الوغى ... منه بمثل الكوكب المتأجِّجِ
متسربل شية طلت أعطافه ... بدم فما تلقاه غير مضرَّجِ
أو أدهم صافي السَّواد كأنَّه ... تحت الكميِّ مظهَّر بيرندجِ
ضرم يهيج السَّوط من شؤبوبه ... هيج الجنائب من حريق العرفجِ
خفَّت مواقع وطئه فلو أنَّه ... يجري برملة عالج لم يرهجِ
أو أشهب يقق يضيء وراءه ... متن كمتن اللُّجَّة المترجرجِ
تخفى الحجول ولو بلغن لبانه ... في أبيض متألِّق كالدُّملجِ
أو أبلق يلقى العيون إذا بدا ... من كلِّ لون معجب بنموذجِ
جذلان تحسده الجياد إذا مشى ... عنقاً بأحسن حلَّة لم تنسجِ
أرمي به شوك القنا وأردُّه ... كالسَّمع أثَّر فيه شوك العوسجِ
وقال عليُّ بن جبلة: " من الرجز "
أبعد شأو اللَّهو في إجرائه ... وأقصد الخود وراء المحتجبْ
وأذعر الربرب عن أطفاله ... بأعوجي دلفي المنتسبْ
تحسبه من مرح العز به ... مستنفراً بروعة أو ملتهبْ
مضطرب يرتج من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريح فاضطربْ
وهو على إرهافه وطيه ... يقصر عنه المحزمان واللببْ
محتدم الجري يباري ظله ... ويسبق الأحقب في شوط الخببْ

إذا تظنينا به صدقنا ... وإن تظني فوته العير كذبْ
لا يبلغ الجهد به راكبه ... ويبلغ الريح به حيث طلبْ
وقال إسحاق بن خلف البهراني:
كم كم تجرِّعه المنون ويسلم ... لو يستطيع شكا إليك له فمُ
في كلِّ شعرة من جلده ... خطٌّ ينمِّقه الحسام المخذمُ
ما تدرك الأرواح أدنى جريه ... حتى يفوت الرِّيح وهو مقدَّمُ
رجعته أطراف الأسنَّة أشقراً ... واللَّون أدهم حين ضرَّجه الدَّمُ
وقال ابن المعتز:
أراجعتي فداك بأعوجيٍّ ... كقدح النَّبع في الرِّيش اللُّؤامِ
بأدهم كالظَّلام أغرَّ يجلو ... بغرَّته دياجير الظَّلامِ
ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في جوِّ الغمام
وقال أيضاً:
ربَّ ركب عرَّسوا ثمَّ هبُّوا ... نحو أسراجٍ وشدِّ رحالِ
وعدونا بأعنَّة خيلٍ ... تأكل الأرض بأيد عجالِ
زيَّتنها غررٌ ضاحكات ... كبدور في وجوه ليالِ
وقال أيضاً:
ولقد غدوت على طمر سابح ... عقدت سنابكه عجاجة قسطلِ
متلثم لجم الحديد يلوكها ... لوك الفتاة مساوكاً من إسحلِ
ومحجل غير اليمين كأنه ... متبختر يمشي بكم مسبلِ
وقال أيضاً:
ولقد وطئت الغيث يحملني ... طرف كلون الصبح حين وفدْ
طارت به رجل ملسعة ... رجامة لحصى الطريق ويدْ
بل المها بدمائهن ولم ... يبتل منه بالحميم جسدْ
جماع أطراف الصوار فما ال ... أولى عليه إذا جرى بأشدّ
لما أذيق السوط طار وقد ... جار الغلام عليه حين جلدْ
يمشي فيعرض في العنان كما ... صدف المشوق وذو الدلال وصدْ
فكأنه موج يذوب إذا ... أطلقته فإذا حبست جمدْ
وقال المتنبي:
وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكبُ
له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهبُ
شققت به الظلماء أدني عنانه ... فيطغى وأرخيه مراراً فيلعبُ
وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركبُ
وقال أيضاً:
ولكنَّ بالفسطاط بحراً أزرته ... حياتي ونصحي والهوى والقوافيا
وجرداً مددنا بين آذانها القنا ... فبتن خفافاً يتَّبعن العواليا
تماشى بأيد كلَّما وافت الصَّفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا
وينظرن من سود صوادق في الدُّجى ... يرين بعيدات الشُّخوص كما هيا
وتنصب للجرس الخفيَّ مسامعاً ... يخلن مناجاة الضَّمير تناديا
تجاذب فرسان الصَّباح أعنَّة ... كأنَّ على الأعناق منها أفاعيا
وقال أيضاً:
يقبِّلهم وجه كلِّ سابحة ... أربعها قبل طرفها تصلُ
جرداء ملء الحزام مجفرة ... تكون مثلي عسيبها الخصلُ
إن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت ما لها كفلُ
قد صبغت خدَّها الدِّماء كما ... يصبغ خدَّ الحريرة الخجلُ
وقال أيضاً:
ومهجة: مهجتي من همِّ صاحبها ... أدركتها بجواد ظهره حرمُ
رجلاه في الرَّكض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكفُّ والقدمُ
وقال أبو الفتح كشاجم:
قد لاح تحت الصُّبح ليل مظلم ... إذ راح في الصُّبح المحلَّى الأدهمُ
ديباج ألوان الجياد ولم يكن ... ليخصَّ بالدِّيباج إلاَّ الأكرمُ
ضحك اللُّجين على سواد أديمه ... وكذا الظَّلام تنير فيه الأنجمُ
فكأنَّه ببنات نعش ملبَّب ... وكأنَّما هو بالثُّريا ملجمُ
وقال أيضاً:
من شكَّ في فضل الكميت فبينه ... فيه وبين يقينه المضمارُ
في منظرٍ مستحسن أخباره ... محمودة إذ تبتلى الأخبارُ
ماء تدفَّق طاعة وسلاسة ... فإذا استدرَّ الحضر منه فنارُ
وصف الخلوق أديمه فكأنَّما ... أهدى الخلوق لجلده عطَّارُ
قصرت قلادة نحره وعذاره ... والرُّسغ وهي من العتاق قصارُ
لو لم تكن للخيل نسبة خلقه ... لحكته في أشكالها الأطيارُ
وقال أبو القاسم محمَّد بن هانئ:
أما وأبي الطِّرف المنجَّب إنَّه ... حريٌّ بأن يحظى لديك خليقُ

فإن لم أشاهده يجاري فإنَّه ... سيسبق عند النَّقع وهو يسوقُ
من البهم ورد اللَّون شيب بكمتة ... كما شيب بالمسك الفتيق خلوقُ
فلو مير منه كلُّ لون بذاته ... جرى سبج منه وذاب عقيقُ
تهلَّل مصقول النَّواحي كأنَّه ... إذا جال ماء الحسن فيه غريقُ
له منخر لا يملك البهر أمره ... ولا مسرح الأنفاس فيه يضيقُ
وينصت للهيجاء سمعاً كأنَّه ... سنان عتيد للطِّعان ذليقُ
ويخطو على صمٍّ خفيف وقوعها ... صلاب تردُّ الصُّمَّ وهي فليقُ
تنافس فيه أعين ومسامع ... وتكبو رياح خلفه وبروقُ
وقال أيضاً:
فكم قائل لمَّا رآها شوافناً: ... أما تركوا ظبياً بتيماء أعفرا
غداة غدت من أبلق ومجزَّع ... وورد ويحموم وأصدى وأشقرا
ومن أدرع قد قنِّع اللَّيل حالكاً ... على أنَّه قد سربل الصُّبح مسفرا
وأشعل ورديٍّ وأصفر مذهب ... وأدهم وضَّاح وأشهب أقمرا
وذي كمتة قد نازع الخمر لونها ... فما تدَّعيه الخمر إلاَّ تنمَّرا
محجّلة غرّاً وزهراً نواصعاً ... كأنَّ قباطيّاً عليها منشَّرا
وبهماً إذا استقللن حوَّاً كأنَّما ... عللن إلى الأرساع مسكاً وعنبرا
تودُّ البزاة البيض لو أنَّ قوتها ... عليها ولم ترزق جناحاً ومنسرا
وقال المعرِّيُّ:
وقد أغتدي والَّليل يبكي تأسفاً ... على نفسه والنَّجم للغرب مائلُ
بريح أعيرت حافراً من زبرجد ... لها التِّبرجسم والُّلجين خلاخلُ
كأنَّ الصَّبا ألقت إليَّ عنانها ... تخبُّ برحلي تارة وتناقلُ
إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت ... عن الماء فاشتاقت إليها المناهلُ
وقال أيضاً:
لقد جشَّمت نفسك مثقلات ... فجشِّمهنَّ أربعة عجالا
أذال الجري منه زبرجديّاً ... وما حقُّ المكرَّم أن يذالا
وقد يلفى زبرجده عقيقاً ... إذا شهد الأمير به القتالا
أخف من الوجيه يداً ورجلاً ... وأكرم في الجياد أباً وخالا
وكلُّ ذؤابة في رأس خود ... تمنَّى أن تكون له شكالا
يودُّ التِّبر لو أمسى حديداً ... إذا حذي الحديد له نعالا
نشأن نع النَّعام بكلِّ دوٍّ ... فقد ألفت نتائجها الرِّئالا
ولمَّا لم يسابقهنَّ شيء ... من الحيوان سابقن الظِّلالا
وقال القسطلِّيُّ:
سامي التَّليل كأنَّ عقد عذاره ... في رأس غصن البانة الميَّادِ
يهدى بمثل الفرقدين وناب عن ... رعي السِّماك بقلبه الوقَّادِ
وكأنَّما أطأ الأباطح والرُّبا ... بعقاب شاهقةٍ وحيَّة وادِ
وكأنَّه من تحت سوطي خارجاً ... في الرَّوع شعلة قادح بزنادِ
وقال يوسف بن هارون الرَّماديّ:
وقد أغتدي والصُّبح في توريسه ... تقضي العيون له بوجه عليلِ
بأقبَّ لون الآبنوس مفضَّض ... في غرّة منه وفي تحجيلِ
يزهى بتجلية الِّجام كما زها ... ملك محلَّى الرَّأس بالإكليلِ
مستغرق لصفات زيد الخيل وال ... غنويِّ والمزنيِّ والضِّلِّيلِ
متقلِّب مرح القضيب الَّلدن قد ... مالت به الأرواح كلَّ مميلِ
يعلو ويخفض في الصَّهيل كأنَّما ... هو مفرد لحناً لكلِّ صهيلِ
فكأنَّ في فيه الملاهي حرَّكت ... لك في خفيف تارة وثقيلِ
فبدت لنا بيض بعدن فلم تنل ... إلاَّ بعين الوهم والتخييلِ
ريح ولكن ما تغبُّ بإثرها ... برقاً فلم تمطله بالتطويلِ
قامت قوائمه لنا بطعامنا ... غضَّاً وقام العرف بالمنديلِ
وقال ابن خفاجة:
وأقبَّ وردي القميص بمثله ... يغشى الظلام وتقهر الظُّلمانُ
متخايل في نشوة متطاول ... في عزَّة فكأنَّه نشوانُ
ينقضُّ منه في العجاجة كوكب ... ويهيج في أشطانه شيطانُ
متعشِّق لو غازلته مقلة ... لسلا به عن ميَّة غيلانُ
فبدا وقد ملأ النفوس مسرَّةً ... وجرى فما ملئت به الأجفانُ
متخطف ما شاءه متعطف ... فكأنَّما هو العيان عنانُ
ولربَّ يوم كريهة قد خاضه ... سبحاً وميض سيوفه غدرانُ

ومن الحميم بمعطفيه فضَّة ... ومن النَّجيع بصدره عقيانُ
وقال ابن اللَّبَّانة:
ملأت أعنتها إليك رياحا ... خيل غدت أجسادها أرواحا
من كلِّ طيَّار يجيء كأنَّه ... من كلِّ عضو فيه هزَّ جناحا
لبس الجلال المعلمات ذيولها ... كالخود تلبس للهداء وشاحا
واهتزَّ غصناً من أمامي يانعاً ... وارتجَّ دعصاً خلف ذاك رداحا
وغدا مجال السَّرج منه قرارةً ... للماء ضاق مكانها وانداحا
من أدهم كاللَّيل راق أديمه ... فحسبت طيَّ ظلامه إصباحا
ومورِّد لو كان يعرق خلته ... ورداً بماء الورد شنَّ ففاحا
وكميت لون لا تشكُّ بأنَّه ... جمدت معاطفه وكانت راحا
شكراً لمهديها إليك فإنَّما ... أهدى البوارق نيِّراً وضَّاحا
وقال ابن حمديس:
وطائرة بذَّ الخيول بها سبقا ... وقد لبست للعين من فرس خلقا
إذا شئت ألقت بي على الغرب رجلها ... ونالت يد منها بوثبتها الشَّرقا
كريح ترى من نقعها سحباً لها ... ومن رشحها قطراً ومن لحظها برقا
وقال أيضاً:
ومجرِّر في الأرض ذيل عسيبه ... حمل الزَّبرجد منه جسم عقيقِ
يجري ولمع البرق في آثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيقِ
ويكاد يخرج سرعة عن ظلِّه ... لو كان يرغب في فراق رفيقِ
وقال أيضاً:
ودُجنَّة كالنِّقس صبَّ على الثَّرى ... مزَّقت منها بالسُّرى جلبابا
في متن ناهبة المدى يجري بها ... عرق تمكن في النِّجار وطابا
بزبرجديَّات إذا علت الصَّفا ... وقعت نواقلها عليه صلابا
ونكاد نشرب من تسامي جيدها ... ماء تسوق به الرِّياح سحابا
ذعرت غراب الَّليل بي فكأنَّني ... لأصيده منها ركبت عقابا
وقال عبد الكريم بن إبراهيم النَّهشليّ:
هنتك أمير الجود خير هديَّة ... تقدَّمها الإيمان واليمن والفخرُ
بيوم تسامى فيه ورد مسوَّم ... وأشقر يعبوب وسابحة حجرُ
ودهم كأنَّ الَّليل ألقى رداءه ... عليها فمرفوع النَّواحي ومنجرُّ
وقبلها ضوء الصَّباح كرامة ... فهنَّ إلى التحجيل مرثومة غرُّ
وبلق تقاسمن الدُّجنَّة والضُّحى ... فمن هذه شطر ومن هذه شطرُ
ولاحقة الأقراب لو جازت الصَّبا ... كبت خلفها واعتاق ريح الصَّبا حسرُ
كرائم مكتوب أبوها ومذهب ... تلوح عليهنَّ المشابه والنَّجرُ
مجزَّعة غرٌّ كأنَّ جلودها ... تجزَّع فيها اللؤلؤ الرَّطب والشَّذرُ
وصفر كأنَّ الزَّعفران خضابها ... وإلاَّ فمن ماء العقيق لها قشرُ
وشهب: من اللُّجِّ استعيرت متونها ... ومن طرر الأقمار أوجهها القمرُ
إذا هزَّها مشي العرضنة عارضت ... قدود العذارى هزَّ أعطافها السُّكرُ
عليها السُّروج المحكمات إذا مشت ... بها الخلاء الخيل رنَّحها الكبرُ
وقال أبو بكر بن العطَّار:
والجيش قد جعلت أبطاله مرحاً ... تختال عن خيلاء السُّبَّق العتقِ
إذا تسعَّرت الهيجاء أخمدها ... ما في معاطفها من ندوة العرقِ
هي البحور ولكن في كواثبها ... عند الكريهة منجاة من الغرقِ
وقال النَّحلي:
حمل البدر جواد سابح ... تقف الريح لأدنى مهلهْ
لبس اللَّيل قميصاً سابغاً ... فالثُّريَّا نقط في كفلهْ
وكأنَّ الصُّبح قد خيض بها ... فبدا تحجيله من بللهْ
كلُّ مطلوب وإن طارت به ... رجله من أجله في أجلهْ
وقال ابن وضَّاح المرسيُّ:
ولقد غدوت مشرّقاً حتّى إذا ... ما لم أشم برقاً لأفق المغربِ
بأغرَّ أوجس للسَّماء بسمعه ... يرميه بين المقلتين بكوكبِ
وتفتحت أوضاحه في شعره ... فأتاك بين مفضَّض ومذهَّبٍ!
أوصاف السِّلاح
وصف السُّيوف
قال النَّابغة الذُّبيانيُّ:
ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم ... بهنَّ فلول من قراع الكتائبِ
تورِّثن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جرَّبن كلَّ التَّجاربِ
تقدُّ السَّلوقيَّ المضاعف نسجه ... وتوقد بالصُّفَّاح نار الحباحبِ
وقال النَّمر بن تولب في سيف شبَّه نفسه به:

أبقى الحوادث والأيَّام من نمر ... آثار سيف قديم أثره بادِ
يكاد يحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذِّراعين والسَّاقين والهادي
وقال إسحاق بن خلف البهراني:
ألقى بجانب خصره ... أمضى من الأجل المتاحِ
وكأنَّما ذرَّ الهبا ... ء عليه أنفاس الرِّياحِ
وقال أبو الهول:
حاز صمصامة الزُّبيدي عمرو ... من جميع الأنام موسى الأمينُ
فكأنَّ الفرند والرَّونق الجا ... ري في صفحتيه ماء معينُ
يستطير الأبصار كالقبس المش ... عل يأتنسن فيه العيونُ
ما يبالي إذا الضَّريبة جاءت ... أشمال سطت به أم يمينُ
وقال منصور النّمري:
ذكر برونقه الدِّماء كأنَّما ... يعلو الرجال بأرجوان فاقعِ
وترى مساقط شفرتيه كأنَّما ... ملح تناثر من وراء الدراعِ
وكأنَّ وقعته بجمجمة الفتى ... خدر المنيَّة أو نعاس الهاجعِ
وقال البحتري:
يتناول الروح البعيد مناله ... عفواً ويفتح في القضاء المقفلِ
ماض وإن لم تمضه يد فارس ... بطل ومصقول وإن لم يصقلِ
يغشى الوغى فالتُّرس ليس بجنَّة ... من حدِّه والدِّرع ليس بمعقلِ
متوقِّد يبري بأوَّل ضربة ... ما أدركت ولو أنَّها في يذبلِ
مصغٍ إلى حكم الرَّدى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدلِ
وإذا أصاب فكلُّ شيء مقتل ... وإذا أصيب فما له من مقتلِ
وكأنَّما سود النِّمال وحمرها ... دبّت بأيدٍ في قراه وأرجلِ
حملت حمائله القديمة بقلة ... من عهد عاد غضَّة لم تذبلِ!
وقال ابن الرُّومي:
خير ما استعصمت به الكفُّ عضبٌ ... ذكر حدُّه أنيث المهزِّ
ما تأملته بعينيك إلاَّ ... أرعدت صفحتاه من غير هزِّ
مثله أفزع الشُّجاع على الدِّر ... ع فغالى به على ذكر كلِّ بزِّ
ما تبالي أصمَّمت شفرتاه ... في محزٍّ أم جارتا عن محزِّ!
وقال محمّد بن هاني:
وذي شطب قد جلَّ عن كلِّ جوهر ... فليس له شكل وليس له جنسُ
كما قابلت عين من اليمِّ لجّةً ... وقد نحرتها في مطالعها الشَّمسُ
وقال المعري:
دع اليراع لقوم يفخرون به ... وبالطِّوال الرُّدينيَّات فافتخرِ
وكلِّ أبيض هنديٍّ له شطب ... مثل التَّكسُّر في جار بمنحدرِ
تغايرت فيه أرواح تموت به ... من الضَّراغم والفرسان والجزرِ
ما كنت أحسب جفناً قبل مسكنه ... في الجفن يطوى على نار ولا نهرِ
ولا ظننت صغار النَّمل يمكنها ... مشي على اللُّجِّ أو سعي على السُّعرِ
وقال أبو بكر الخالدي:
مترقرق متوقِّد عجباً له ... نار وماء كيف يجتمعانِ!
وكأنَّما أبواه صرفا دهرنا ... أو كان يرضع درَّة الحدثانِ
تجري مضاربه دماً يوم الوغى ... فكأنَّما خدَّاه مفتصدانِ
وقال يحيى بن هذيل:
فاختصَّني بمهنَّد ذي هبَّة ... عضب إذا استنصرته لا يخذلُ
أوحى وأوجز من إعادة نظرة ... في وجه معشوقٍ يصدُّ ويبخلُ
يسري مع الرَّاح الرَّحيق وإنَّه ... منها لألطف في الجسوم وأدخلُ
ويريك أنّ على يدي مستلِّه ... نسجاً من الآل الذي يتخيَّلُ
لا يقدر الدّم أن يرى في نصله ... فكأنَّما لم ينفصل ما يفصلُ!
وقال أيضاً:
وموات حتَّى إذا حرَّكته ... من جناني إشارة فهو نازِ
فيه من صفحتيه ماء ونار ... خلطا فيهما بغير انحيازِ
كيف لا يفتكان هذا بهذا ... مثل هذا بغاية الإعجازِ!
ويصلِّي على الرؤوس ولكن ... أجره قطعها مع الأحوازِ
مشرئبٌّ وقد أبان ولكن ... لم تنله دماً مع الإنجازِ
وقال ابن حمديس:
روح إذا أخرجته من جسمه ... دخل الجسوم فأخرج الأرواحا
وكأنَّه قفر لعينك مقفر ... أبداً تمرُّ بمائه ضحضاحا
وكأنَّما جنٌّ تريك تخيُّلاً ... فيه الحسان من الوجوه قباحا!
وقال الأعمى:
هيم رواء لو أنَّ الماء صالحها ... لزلَّ أو زال عنها وهو ظمآنُ
موتى فإن خلعت أكفانها علمت ... أنَّ الدُّروع على الأبطال أكفانُ!
وقال أيضاً:

يكاد يسيل الغمد في ماء متنه ... وفي مضربيه النَّار والحطب الجزلُ
تغار عليه الشَّمس من كلِّ نظرة ... فتعشيه عنه وهو في متنه صقلُ
ترى حيثما أبصرته الموت كلَّه ... وإن لم يسلطه القتال ولا القتلُ
ويفهم عنه الحلم من كلِّ هزَّة ... وإن كان ممَّا هزَّ أعطافه الجهلُ
وربَّ جنون لا يداوى صريعه ... تعلَّم منه كيف يكتسب العقلُ
تراع الأسود الغلب من شفراته ... وقد أثَّرت فيه كما يزعم النَّملُ
به ما بأجسام المحبِّين من ضنى ... وإن لم يتيِّمه دلال ولا دلُّ
له بمكان العقد والحجل في الوغى ... مآرب ليس العقد منها ولا الحجلُ
له هبَّة لا من أناة ولا ونى ... إلى حيث لم يسبقه عذر ولا عذلُ
وقال ابن خفاجة:
لله أيُّ شهاب بأس ساطع ... أدمى ظباه أيُّ يوم عراكِ
فكأنَّه والنَّصر يخضب نصله ... ثغر عليه خضرة المسواكِ
أوصاف الرِّماح والدُّروع
قال امرؤ القيس بن حجر:
وأعددت للحرب وثَّابة ... جواد المحثَّة والمرودِ
ومشدودة السَّكِّ موضونة ... تضاءل في الطَّيِّ كالمبردِ
تفيض على المرء أردانها ... كفيض الأتيِّ على الجدجدِ
وقال عنترة:
لمَّا رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمَّمِ
يدعون عنتر والرِّماح كأنَّها ... أشطان بئر في لبان الأدهمِ
وقال الأعشى:
وأعددت للحرب أوزارها ... رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا
ومن نسج داوود موضونة ... تساق مع الحيِّ عيراً فعيرا
لها جرس كحفيف الحصا ... د صادف بالليل ريحاً دبورا
وقال عمرو بن معدي كرب:
تمنّاني وسابغتي دلاص ... كأنَّ قتيرها حدق الجرادِ
وقال المزرد أخو الشمّاخ:
أصمّ إذا ما هزَّ مالت سراته ... كما مال ثعبان الرِّمال الموائلُ
له رائد ماضي الغرار كأنَّه ... هلال بدا في ظلمة اللَّيل ناحلُ
ومطَّرد لدن الكعوب كأنَّما ... تغشاه منباع من الزَّيت سائلُ
وقال عبد القيس بن خفاف البرجميّ:
وأصبحت أعددت للنَّائبا ... ت عرضاً بريئاً وعضباً صقيلا
ووقع لسان كحدِّ السِّنان ... ورمحاً طويل القناة عسولا
وسابغة من جياد الدِّلا ... ص تسمع للبيض فيه صليلا
كفيض الغدير زفته الدُّبو ... ر يجرُّ المدجَّج منها فضولا
وقال حبيب بن أوس:
مثقَّفات سلبن الرُّوم زرقتها ... والعرب أدمتها والعاشق القضفا
ما إن رأيت سواماً قبلها هملاً ... ترعى فيهدي إليها رعيها عجفا
وقال أيضاً:
إذ لا معوَّل إلاَّ كلُّ معتدل ... أصمَّ يبرِّئ أقواماً من الصَّممِ
إن أجزمت لم تنصَّل من جرائمها ... وإن أساءت إلى الأقوام لم تلمِ
وقال ابن المعتزّ:
وفارس أغمد في لجَّة ... تقطِّع السيف إذا ما وردْ
كأنَّما ماء عليه جرى ... حتى إذا ما عاد فيه جمدْ
في كفِّه عضب إذا هزَّه ... حسبته من خوفه يرتعدْ
وقال أيضاً:
ولي كلُّ خوَّار العنان مجرّب ... كميت عناه الجري فهو مطارُ
وعضب حسام الحدِّ ماض كأنَّه ... إذا لاح في وقع الكتيبة نارُ
وقمص حديد ضافيات ذيولها ... لها حدق خزر العيون صغارُ
وبيض كأنصاف البدور أبيَّة ... إذا امتحنتهنَّ السُّيوف خيارُ
وقال المتنبّي:
نودِّعهم والبين فينا كأنَّه ... قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلقِ
قواض مواض نسج داوود عندها ... إذا وقعت فيه كنسج الخدرنقِ
هواد لأملاك الجيوش كأنَّها ... تخيَّر أرواح الكماة وتنتقي
تقدُّ عليهم كلَّ درع وجوشن ... وتفري إليهم كل سور وخندقِ
يغير بها بين اللُّقان وواسط ... ويركزها بين الفرات وجلَّقِ
ويرجعها حمراً كأنَّ صحيحها ... يبكِّي دماً من رحمة المتدقِّقِ
وقال أيضاً:
تردُّ عنه قنا الفرسان سابغة ... صوب الأسنَّة في أثنائها ديمُ
تخطُّ فيها العوالي ليس تنفذها ... كأنَّ كلَّ سنان فوقها قلمُ
وقال التِّهامي:

قوم إذا لبسوا الدُّروع حسبتها ... سحباً مزرّرة على أقمارِ
وكأنَّما ملؤوا عباب دروعهم ... وغمود أنصلهم سراب قفارِ
وكأنَّما صنع السَّوابغ عزَّه ... ماء الحديد فصاغ ماء قرارِ
زرداً وأحكم كل موضع حلقة ... بحبابة في موضع المسمارِ
فتدرعوا بمتون ماء راكد ... وتقنَّعوا بحباب ماء جارِ
وقال المعرِّيّ:
ملقِّي نواصي الخيل كلَّ مرشَّة ... من الطَّعن لا يرجو البقاء طعينها
ومثكل فرسان الوغى كلَّ نثرة ... يودُّ خليج راكد لو يكونها
إذا ألقيت في الأرض وهي مفازة ... من الماء خلت الأرض يجري معينها
وتبغي على القاع السَّويِّ تثبتّاً ... فيمنعها من أن تثبت لينها
وما برحت في ساحة السَّهل يرتمي ... بها موجها حتَّى نهته حزونها
غدير وشته الرِّيح وشية صانع ... فلم يتغيَّر حين دام سكونها
كأنَّ الدَّبى غرقى به غير أعين ... إذا رُدَّ فيها ناظر يستبينها
وما حيوان البرِّ فيها بسالم ... إذا لم يغثه سيفها أو سفينها
فلو لم يضعها عنه للسِّلم فارس ... لخلِّد ما دامت عليه غضونها
وقال أيضاً:
مناجد لبَّاسون كلَّ مفاضة ... كأنَّ غديراً فاض منها على الجسمِ
كأنَّهم فيها أسود خفيَّة ... ولكن على أكتادها حلل الرُّقمِ
وقال أيضاً:
أقائدها تغصُّ الجوَّ نقعاً ... وفوق الأرض من علق جسادُ
عليها اللاَّبسون لكلِّ هيج ... بروداً غمض لابسها سهادُ
كأثواب الأراقم مزَّقتها ... فحاطتها بأعينها الجرادُ!
وقال أبو الفضل بن شرف:
حيث السَّوابق تردى وهي دامية ... والبيض واضحة في العثير الكدرِ
والزَّاعبية لم يصحبن عن وهل ... والسَّابريَّة لم يلبسن عن خورِ
من كلِّ ماذيَّة أنثى فيا عجباً ... كيف استهانت بوقع الصَّارم الذّكرِ
مثل البوارق إذ أومضن عن سحبٍ ... أو الجداول لمَّا فضن عن غدرِ
إن قلت: نار، أتندى النَّار ملهبة؟ ... أو قلت: ماء أيرمي الماء بالشَّررِ؟!
وقال أيضاً:
جمع السَّرد قوى أزرارها ... فتآخذون بعهد موثقِ
تستزلُّ الكفَّ عن صفحتها ... فهي منها في صعيد زلقِ
وجلت في الحرب من وخز القنا ... فتوارت حلقاً في حلقِ
وقال التُّطيلي:
تهاب المنايا في عصاً أو حديدة ... وتوهن ما دارت به الأعين النُّجلُ
ولم أر شيئاً مثله طال طوله ... إلى الموت إلاَّ ما تنازعه النَّبلُ
جرى الموت في عطفيه بدأ وعودة ... كما كان يجري فيهما الماء من قبلُ
فأصبح ممَّا ذاق، منبته الكلى ... كما كان ميَّاداً ومنبته الرَّملُ

وصف الأقلام
قال حبيب بن أوس:
لك القلم الأعلى الَّذي بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصلُ
له الخلوات اللاَّء لولا نجيُّها ... لما احتفلت للملك تلك المحافلُ
لعاب الأفاعى القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسلُ
له ريقة طلٍّ ولكنَّ وقعها ... بآثاره في الشَّرق والغرب وابلُ
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجلُ
إذا ما امتطى الخمس الِّطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافلُ
أطاعته أطراف القنا وتقوَّضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافلُ
إذا استغزر الذِّهن الذَّكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافلُ
وقد رفدته الخنصران وسدَّدت ... ثلاث نواحيه الثَّلاث الأناملُ
رأيت جليلاً شأنه وهو مرهف ... ضنىً وسميناً خطبه وهو ناحلُ
وأنشد الصُّولي لطلحة بن عبيد اللَّه:
وإذا أمرَّ على المهارق كفَّه ... بأنامل يحملن شختاً مرهفا
متقاصراً متطاولاً ومفصَّلاً ... وموصَّلاً ومشتَّتاً ومؤلَّفا
ترك العداة رواجفاً أحشاؤها ... وقلاعها قلعاً هنالك رجَّفا
كالحيَّة الرَّقشاء إلاَّ أنَّه ... يستنزل الأروى إليه تلهُّفا
يرمي به قلم يمجُّ لعابه ... فيعود سيفاً صارماً ومثقَّفا
وقال أبو الفتح البستي:

إذا أقسم الأبطال يوماً بسيفهم ... وعدُّوه ممَّا يكسب العزَّ والكرمْ
كفى قلم الكتَّاب مجداً ورفعةً ... مدى الّهر أنَّ الله أقسم بالقلمْ
وقال محمّد بن أحمد الأصبهانيّ:
أخرس ينبيك بإطراقه ... عن كلِّ ما شئت من الأمرِ
يذري على قرطاسه دمعة ... يبدي بها السِّرَّ وما يدري
كعاشق أخفى هواه وقد ... نمَّت عليه عبرة تجري
تبصره في كلِّ أحواله ... عريان يكسو الناس أو يعري
يرى أسيراً في دواة وقد ... أطلق أقواماً من الأسرِ
أخرق لو لم تبره لم يكن ... يريش أقواماً وما يبري
كالبحر إذ يجري وكاللَّيل إذ ... يسري وكالصَّارم إذ يفري
وقال أحمد بن جرار:
أهيف ممشوق لتحريكة ... يحلُّ عقد السِّرِّ إعلانُ
ترى بسيط الفكر في نظمه ... شخصاً له روح وجثمانُ
كأنَّما يسحب في ذيله ... ذيلاً من الحكمة سحبانُ
لولاه ما قام منار الهدى ... ولا سما بالملك ديوانُ!
وقال ابن المعتزِّ:
قلم ما أراه أم فلك يج ... ري بما شاء قاسم ويسيرُ
خاشعاً في يديه يلثم قرطا ... ساً كما قبَّل البساط شكورُ
ولطيف المعنى جليل نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغيرُ
كم منايا وكم عطايا وكم حت ... ف وعيش تضمُّ تلك الصُّدورُ
نقشت بالدُّجى نهاراً فما أد ... ري أخطُّ فيهنَّ أم تصويرُ!
وقال عليُّ بن العبَّاس النُّوبختيّ:
إن يخدم القلم السَّيف الذي خضعت ... له الرّقاب ودانت خوفه الأممُ
فالموت والموت لا شيء يغالبه ... مازال يتبع ما يجري به القلمُ
بذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أنَّ السيوف لها مذ أرهفت خدمُ

باب
الأمثال والحكم
قال زهير بن أبي سلمى:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبا لك يسأمِ
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمَّر فيهرمِ
وأعلم علم اليوم والأمس دونه ... ولكنَّني عن علم ما في غد عمي
ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرِّس بأنياب ويوطأ بمنسمِ
ومن يك ذا فضل ويبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذممِ
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتَّقي الشَّتم يشتمِ
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدَّم ومن لا يظلم الناس يظلمِ
ومن هاب أسباب المنيَّة يلقها ... ولو رام أسباب السَّماء بسلَّمِ
ومن يعص أطراف الزجاج فإنَّه ... يطيع العوالي ركِّبت كلَّ لهذمِ
ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه ... إلى مطمئن الأرض لا يتجمجمِ
ومن يغترب يحسب عدوّاً صديقه ... ومن لا يكرِّم نفسه لا يكرَّمِ
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... ولو خالها تخفى على النَّاس تعلمِ
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يغنها يوماً من الدّهر يسأمِ
وقال أيضاً:
وهل ينبت الخطيَّ إلا وشيجه ... وتغرس إلاَّ في منابتها النَّخلُ؟
وقال أيضاً:
والسِّتر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من سترِ
وقال امرؤ القيس:
الله أنجح ما طلبت به ... والبرُّ خير حقيبة الرَّحلِ
وقال أيضاً:
ألا إنَّ بعد العدم للمرء قنوةً ... وبعد المشيب طول عمر وملبسا
وقال أيضاً:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزَّانِ
وقال أيضاً:
ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللِّسان كجرح اليدِ
وقال أيضاً:
وإنَّك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلَّبِ
وقال النّابغة الذُّبياني:
الرِّفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا
وقال أيضاً:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهبُ
ولست بمستبق أخاً لا تلمُّه ... على شعث أيُّ الرِّجال المهذَّبُ؟
وقال طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيَّام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوِّدِ
وقال أيضاً:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلُّ قرين بالمقارن مقتدي
وقال أيضاً:

وإنَّ لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوارته لدليلُ
وقال الحطيئة:
من يفل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنَّاسِ
وقال أيضاً:
ما كلَّف الله نفساً فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلاَّ بما تجدُ
وقال المرقَّش:
فمن يلق خيراً يحمد النَّاس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيِّ لائما
وقال أبو ذؤيب:
والنَّفس راغبة إذا رغَّبتها ... وإذا تردُّ إلى قليل تقنعِ
وقال طرفة أيضاً:
قد ينفع الأدب الأحداث في مهل ... وليس ينفع بعد الكبرة الأدبُ
إنَّ الغصون إذا قوَّمتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قوَّمتها الخشبُ
وقال أحيحة بن الجلاح:
وما يدري الفقير متى غناه ... ولا يدري الغنيُّ متى يعيلُ
وقال حسّان:
ربَّ علم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطَّى عليه النّعيمُ
وقال هدبة بن خشرم:
ولست بمفراحٍ إذا الدَّهر سرَّني ... ولا جازع من صرفه المتقلِّبِ
ولا أتبغَّى الشَّرَّ والشَّرُّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشَّرِّ أركبِ
وقال عمرو بن معدي كرب:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيعُ
وقال آخر:
من لم يؤدِّبه والداه ... أدبَّه اللَّيل والنَّهارُ
وقال آخر:
قدَّر الله وارداً ... حين يقضى ورودهُ
وأخو الحرص حرصه ... ليس ممَّا يزيدهُ
فأرد ما يكون إن ... لم يكن ما تريدهُ
وقال الأضبط بن قريع:
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعهْ
فاقنع من الدَّهر ما أتاك به ... من قرَّ عيناً بعيشه نفعهْ
وقال النَّابغة الجعديُّ:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدَّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أوردا الأمر أصدرا
وقال حاتم الطائي:
ومن يتخذ خيماً سوى خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النَّفس خيمها
وقال آخر:
لا تحمدن أمرأ حتَّى تجرِّبه ... ولا تذمَّنَّه من غير تجريبِ
فرب خدن وإن أبدى بشاشته ... يضحي على خديه أعدى من الذِّيبِ
وقال أبو الأسود الدُّؤلي:
لا تنه عن خلق وتأتي بمثله ... عار عليك إذا فعلت عظيمُ
فابدأ بنفسك فانهما عن غيِّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
وقال دعبل:
إنَّ الكرام إذا ما أسودوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشنِ
وقالت الخنساء:
إذا لم يكن منكنَّ ظلٌّ ولا جنى ... فأبعدكنَّ الله من شجراتِ!
لا أذود الطَّير عن شجر ... قد بلوت المرَّ من ثمرِهْ
وقال أوس بن حجر:
إذا أنت نأوات الرِّجال فلم تنؤ ... بقرنين عزَّتك القرون الأوائلُ
إذا ما قرناك لم يهتضمهما ... عزيز ولم يأكل ضعيفك آكلُ
وما يستوي قرن النِّطاح الذي به ... تنوء وقرن كلَّما قمت مائلُ!
وقال الأخطل:
وإذا افتقرت إلى الذَّخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمالِ
وقال الكميت:
إذا لم يكن إلاَّ الأسنَّة مركب ... فلا رأي للمضطرِّ إلاّ ركوبها
وقال كثيّر:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتبُ
ومن يتتبَّع جاهداً كلَّ عثرة ... يجدها ولا يسلم له الدَّهر صاحبُ
وقال القطامي:
قد يدرك المتأنِّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزَّللُ
وقال آخر:
خفِّض الصَّوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنَّهار صوب الكلامِ
وقال آخر:
وأجرأ من رأيت يظهر غيب ... على عيب الرِّجال ذوو العيوبِ
وقال آخر:
كأنَّ الفتى لم يعر يوماً إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكاً إذا ما تموَّلا
وقال آخر:
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهادُهُ
وقال محمَّد بن يسير:
أخلق بذي الصَّبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
وقال ربيعة الرَّقِّي:
فلا تخضعنَّ إلى ساقط ... ولو كانت الأرض في كفِّهِ
ولا تسأل الناس ما يملكون ... ولكن سل الله واستكفهِ

وقال الطرمّاح بن حكيم:
وما منعت دار ولا عزَّ أهلها ... من النَّاس إلا بالقنا والقنابلِ
وقال عبد الله بن معاوية:
وعين الرِّضا عن كلِّ عيب كليلة ... ولكنَّ عين السخط تبدي المساويا
وقال أيضاً:
إذا وترت امرأ فاحذر عداوته ... من يزرع الشَّوك لا يحصد به عنبا
إنَّ العدوَّ وإن أبدى مسالمة ... إذا رأى منك يوماً فرصة وثبا
وقال آخر:
وإنَّ امرأً يمسي ويصبح سالماً ... من النَّاس إلاَّ ما جنى لسعيدُ
وقال ابن مناذر:
ما يضرُّ البحر أمسى زاخراً ... إن رمى فيه وليد بحجرْ
وقال أيضاً:
وترى النَّاس كثيراً فإذا ... عدَّ أهل الفضل قلُّوا في العددْ
لا يقلُّ المرء في القصد ولا ... يعدم الإقلال من لم يقتصدْ
لا تقل شعراً ولا تهمم به ... وإذا قلت شعراً فأجدْ
وقال حبيب بن أوس:
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذاً من جهلهنَّ البهائمُ
وقال أيضاً:
والسيف مالم يلف فيه صيقل ... من سنخه لم ينتفع بصقالِ
وقال أيضاً:
قد ينعم الله البلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنِّعمِ
وقال أيضاً:
وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنَّها من مالهِ
وقال أيضاً:
وما السَّيف إلاَّ زبرة لو تركته ... على الخلقة الأولى لما كان يقطعُ
وقال أيضاً:
الحقُّ أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذارِ
وقال أيضاً:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسودِ
لولا اشتعال النَّار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العودِ
وقال يزيد المهلّبي:
من ذا الذي ترضى سجاياه كلَّها ... كفى المرء نبلاً أن تعدَّ معايبهْ
وإنَّ المسفَّ الجون يخلف ودقه ... وإنَّ الحسام العضب تنبو مضاربهْ
وقال ابن المعتزِّ:
كم نعمة لله في صرف نعمة ... ترجَّى ومكروه حلا بعد إمرارِ
وما كلُّ ما تهوى النُّفوس بصائر ... ولا كلُّ ما تخشى النُّفوس بضرَّارِ
وقال أيضاً:
كم فرصة ذهبت فصارت غصةً ... بذهابها تشجي بطول تلهُّف
وقال البحتري:
وما السَّيف إلاَّ بزُّ غاد لزينة ... إذا لم يكن أمضى من السَّيف حاملهْ
وقال عمارة بن عقيل:
وما النَّفس إلاَّ نطفة بقرارة ... إذا لم تكدَّر كان صفواً غديرها
وقال ابن أبي عيينة:
ما لا يكون فلا يكون بحيلة ... أبداً وما هو كائن سيكونُ
وقال آخر:
إذا ضيَّقت أمراً ضاق جدّاً ... وإن هوَّنت ما قد عزَّ هانا
فلا تهلك لشيء فات حزناً ... فكم أمرٍ تصعَّب ثمَّ لانا
وقال محمود:
لا تشعرن قلبك حبَّ الغنى ... إنَّ من العصمة ألاَّ تجدْ
كم واجد أطلق وجدانه ... عنانه في بعض مالم يردْ
وكم يد للفقر عند امرئ ... طأطأ منه الفقر حتَّى اقتصدْ
وقال منصور الفقيه:
رضيت بما قسم الله لي ... وفوَّضت أمري إلى خالقي
كما أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقي
وقال آخر:
ومن يطلب المعروف من غير أهله ... يجده وراء البحر أو في قرارهِ
وقال ابن الرّوميّ:
عدوُّك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنَّ من الصِّحابِ
فإنَّ الدَّاء أكثر ما تراه ... يكون من الطَّعام أو الشَّرابِ
وقال أبو فراس الحمداني:
عرفت الشَّرَّ لا للشَّر ... ر لكن لتوقِّيهِ
ومن لا يعرف الشَّرَّ ... من النَّاس يقع فيهِ!
وقال أيضاً :
وما الأسد الضِّرغام إلاَّ فريسة ... إذا لم تطل أنيابه وأظافرهُ
وقال أيضاً:
إنَّ الغني هو الغنيُّ بنفسه ... ولو أنَّه عاري المناكب حافِ
ما كلُّ ما فوق البسيطة كافياً ... وإذا قنعت فكلُّ شيء كافِ
وقال أيضاً:
إذا كان غير الله للمرء عدَّة ... أتته الرَّزايا من وجوه الفوائدِ
وقال المتنبّي:
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطَّعن وحده والنِّزالا
وقال أيضاً:
لولا المشقَّة ساد النَّاس كلُّهم ... الجود يفقر والإقدام قتَّالُ

وقال أيضاً:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللَّئيم تمرَّدا
ووضع النَّدى في موضع السَّيف بالعلا ... مضرٌّ كوضع السَّيف في موضع النَّدى
وقال أيضاً:
إذا أتتك مذمَّتي من ناقص ... فهي الشَّهادة لي بأنِّي فاضلُ
وقال أيضاً:
وإذا كانت النُّفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسامُ
وقال أيضاً:
أعزُّ مكان في الدُّنى سرج سابح ... وخير جليس في الزَّمان كتابُ
وقال أيضاً:
إذا نلت منك الودَّ فالمال هيِّن ... وكلُّ الَّذي فوق التُّراب ترابُ
وقال أيضاً:
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السَّقيمِ
وقال أيضاً:
ولم تزل قلَّة الإنصاف قاطعة ... بين الرِّجال وإن كانوا ذوي رحمِ
وقال أيضاً:
إذا رأيت نيوب اللَّيث بارزة ... فلا تظنَّنَّ أنَّ الَّليث مبتسمُ
وقال أيضاً:
ما كلُّ ما يتمنَّى المرء يدركه ... تجري الرِّياح بما لا تشتهي السُّفنُ
وقال أيضاً:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدَّق ما يعتاده من توهُّمِ
وقال أيضاً:
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به ... في طلعة الشَّمس ما يغنيك عن زحلِ
وقال أيضاً:
ومن يك ذا فم مرٍّ مريض ... يجد مرّاً به الماء الزُّلالا
وقال أيضاً:
وشبه الشَّيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطَّغامُ
وقال أيضاً:
ومن يجعل الضِّرغام للصَّيد بازه ... تصيَّده الضِّرغام فيما تصيَّدا
وقال أيضاً: " الوافر "
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيالِ
وقال ايضاً:
ولم أر في عيوب النَّاس عيباً ... كنقص القادرين على التَّمامِ
وقال عبد الله بن يزيد الهلالي:
الجدُّ أنهض بالفتى من عقله ... فانهض بجدٍّ في الحوادث أو ذرِ
ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم تقدرِ
وقال الشَّريف الرَّضيّ:
ومن يسأل الرُّكبان عن كلِّ غائب ... فلا بدَّ أن يلقى بشيراً وناعيا
وقال التِّهاميّ:
ومكلف الأشياء ضدَّ طباعها ... متطلِّب في الماء جذوة نارِ
وإذا رجوت المستحيل فإنَّما ... تبنيالرَّجاء على شفير هارِ
العيش نوم والمنيَّة يقظة ... والمرء بينهما خيال سارِ
إنَّ الكواكب في علوِّ مكانها ... لترى صغاراً وهي غير صغارِ
ثوب الرِّياء يشفُّ عمَّا تحته ... فإذا التحفت به فإنّك عارِ
والهون في ظلِّ الهوينا كامن ... وجلالة الأخطار في الأخطارِ
شيئان ينقشعان أوَّل وهلةٍ ... ظلُّ الشَّباب وخلُّة الأشرارِ
ومن الرِّجال مجاهل ومعالم ... ومن النُّجوم غوامض ودراري
والنَّاس مشتبهون في إيرادهم ... وتفاضل الأقوام في الإصدارِ
وقال آخر:
من تحلَّى ما هو منه ... فضحته شواهد الإمتحانِ
وقال آخر:
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسِّمت وجدودُ
وقال المعرِّيّ:
إذا ما النَّار لم تطعم ضراماً ... فأوشك أن تمرَّ بها رمادا
وقال أيضاً:
وليس يزاد في رزق حريص ... ولو ركب العواصف كي يزادا
وقال أيضاً:
والخلُّ كالماء يبدي ضمائره ... مع الصَّفاء ويخفيها مع الكدرِ
والنَّجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذَّنب للطَّرف لا للنَّجم في الصِّغرِ
والمرء ما لم تفد نفعاً إقامته ... غيم على الشَّمس لم يمطر ولم يسرِ
وقال أيضاً:
إذا أنت أعطيت السَّعادة لم تبل ... ولو نظرت شزراً إليك القبائلُ
وإن كنت تبغي العيش فابغ توسُّطاً ... فعند التَّناهي يقصر المتطاولُ
توقَّى البدور النَّقص وهي أهلَّة ... ويدركها النُّقصان وهي كواملُ
وقال أيضاً:
قد يدرك السَّاعي لباريه رضاً ... ورضا البريّة غاية لا تدركُ
وقال أيضاً:
سفاه ذاد عنك النَّاس: حلم ... وغيٌّ فيه منفعة: رشادُ!
وقال أيضاً:
إذا فعل الفتى ما عنه ينهى ... فمن جهتين لا جهة أساءَ
وقال ابن أبي سهلٍ الخشنيّ:

يا مطلقاً بضروب القول منطقه ... بغير فكر قبيحاً كان أو حسنا
أمسك لسانك عنَّا لا تزنّ به ... ولا يسرُّك عقباه إذا لقنا
زن الكلام فإن تمَّت رجاحنه ... كما تحبُّ فأخرجه كما أتَّزنا
فإن تشل بسخيف القول كفَّته ... فاخزنه فهو لعمري خير ما خزنا
واعمل بنصح وقدِّم صالحاً وأرد ... خيراً وعاشر بإنصاف وقل حسنا
واجعل لنفسك مقداراً ترفِّعها ... به ولا تجعل الدُّنيا لها ثمنا
من اشترى وهو مختار صيانته ... للدِّين والعرض والدُّنيا فما غبنا
وقال صالح بن عبد القدوّس:
لا أسأل النَّاس عمَّا في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
أرضى عن المرء ما أصفى مودَّته ... وليس شيء من البغضاء يرضيني
لا أبتغي ودَّ من يبغي مقاطعتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني!
وقال أبو مروان الجزيريّ:
وبضمَّر الأقلام يبلغ أهلها ... ما ليس يبلغ بالجياد الضُّمَّرِ
والعلم ليس بنافع أربابه ... ما لم يفد عملاً وحسن تبصُّرِ
سيان عندي علم من لم يستفد ... عملاً به وصلاة من لم يطهرِ
لا تخرجنَّ عن الجماعة إنَّها ... تأتم بالحقِّ الجليِّ الأنورِ
واشرح لكلِّ ملمَّة صدراً وخذ ... بالحزم في بهم الأمور وشمِّرِ
وإذا أتيت نذيَّ قوم فالقهم ... باسم السَّلام ورد بخير واصدرِ
واخزن لسانك واحترز من لفظه ... واحذر بوادر غيِّه ثمَّ احذرِ
واصفح عن العوراء إن قلّت وعد ... بالحلم منك على السَّفيه المعورِ
وكل المسيء إلى إساءته ولا ... تتعقّب الباغي ببغي تنصرِ
وادفع بكظم الغيظ آفة غيِّه ... فإن استخفَّك مرِّة فاستغفرِ
لا تشعرنَّ بعيب من لابسته ... فتذيعه ولعيب نفسك فاشعرِ
كم عائب قد عاب ظاهر خلَّة ... أمثالها فيه وإن لم تظهرِ
ومن العجائب ... والعجائب جمَّة أن يلهج الأعمى بعيب الأعورِ
لا تلفين ذا غيبة متحسِّساً ... متظنِّياً تقضي بما لم تخبرِ
والرِّزق أقسام فلا تظهر له ... همَّاً وقارب فرط لأيك تظفرِ
ليس الحريص بزائد في رزقه ... فأتمُّ حليته هشيمة إذخرِ!

باب
المُلَح
قال الشَّاعر:
يقول لي الأمير بغير علم ... تقدَّم حين جدَّ بنا المراسُ
فما لي إن أطعتك من حياة ... وما لي غير هذا الرأس راسُ
وقال محمَّد بن أبي حمزة:
باتت تشجّعني هند فقلت لها ... إنّ الشجاعة مقرون بها العطبُ
للحرب قوم أضلَّ الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى أهوالها وثبوا
فلست منهم ولا أهوى فعالهم ... لا الجدُّ يعجبني منها ولا اللَّعبُ!
وقال أبو دلامة، وتروى لغيره:
ألا لا تلمني إن فررت فإنَّني ... أخاف على فخَّارتي ان تحطَّما
فلو أنَّني أبتاع في السُّوق مثلها ... وحقِّك ما باليت أن أتقدَّما
وقالبعض الأسديِّين:
وإذا مررت به مررت بقانص ... متشمِّس في شرقة مقرورِ
للقمل حول أبي العلاء مصارع ... ما بين مقتول وبين عقيرِ
وكأنَّهنَّ لدى دروز قميصه ... فذٌّ وتوأم سمسم مقشورِ
ضرج الأنامل من دماء قتيلها ... حنق على أخرى العدوِّ مغيرِ
وقال آخر:
ألا فتى عنده خفان يحملني ... عليهما إنَّني شيخ على سفرِ
أشكو إلى الله أهوالاً أمارسها ... من الجبال وأنّي سيِّئ النَّظرِ
إذا سرى القوم لم أبصر طريقهم ... إن لم يكن لهم ضوء من القمرِ
قال الأصمعيّ: تزوج أعرابي من امرأتين فندم وقال:
تزوَّجت اثنتين لفرط جهلي ... بما يشقى به زوج اثنتينِ
فقلت أصير بينهما خروفاً ... أنعَّم بين أكرم نعجتينِ
فصرت كنعجة تضحي وتمسي ... تداول بين أخبث ذئبتينِ!
رضا هذي يهيِّج هذي ... فما أعرى من إحدى السَّخطتينِ
وألقى في المعيشة كلّ ضرٍّ ... كذاك الضُّرُّ بين الضَّرَّتينِ
فإن أحببت أن تبقى كريماً ... من الخيرات مملوء اليدينِ
وتدرك ملك ذي يزن وعمرو ... وذي جدن وملك الحارثينِ

وملك المنذرين وذي نواس ... وتبَّعٍ القديم وذي رعينِ
فعش عزباً فإن لم تستطعه ... فضرباً في عراض الجحفلينِ
وطلَّق أعرابيّ امرأة فندم وقال:
ندمت وما تغني النَّدامة بعدما ... خرجن ثلاثاً ما لهنَّ رجوعُ
ثلاث يحرِّمن الحلال على الفتى ... ويصدعن شعب الدَّار وهو جميعُ
وخطب رجل امرأة فقيل له: قد مات تحتها خمسة أزواج، ومات عندك أربع نسوة. فتزوَّجها وقال:
ثلاثة أعوام أذاعت بخمسةٍ ... وتعتدُّني إن لم يق الله ساديا
كلانا مطلٌّ مشرفٌ لغنيمةٍ ... يراها ويقضي الله ما كان قاضيا
ومن فبلها غيَّبت في التُّرب أربعاً ... وخامسة أعتدُّها في رجائيا
فلم يلبث يسيراً، فاستويا خمسةً وخمساً! وقال أعرابيٌّ وقد دخل بعض الأمصار فأصابته تخمةٌ من الطَّعام: :من البسيط "
أقول بالمصر لمّا ساءني شبعي ... ألا سبيل إلى أرض بها جوعُ
ألا سبيل إلى أرض بها غرث ... ينقي العظام من الأنقاء برقوعُ
وقال حرملة العبديّ:
فلمَّا وقفتم غدوة وعدوُّكم ... إلى مهجتي ولَّيت أعداءكم ظهري!
وطرت ولم أحفل مقالة عاجز ... يساقي المنايا بالرُّدينيَّة السُّمرِ
ووقف أعرابي إلى سوَّار القاضي في أمر فلم يجد عنده ما أحبَّ فقال:
رأيت رؤيا ثمَّ عبَّرتها ... وكنت للأحلام عبَّارا
بأنَّني أضرب في ليلتي ... كلباً وكان الكلب سوَّارا
ثمَّ انحنى على رأسه بالعصا حتى منع منه! فما عاقبه سوّار.
وقال أبو هفَّان:
هجوت ابن أبي طاه ... ر وهو العين والرَّاسُ
ولولا سرقه الشِّعر ... لما كان به باسُ
إذا أنشدكم شعراً ... فقولوا: أحسن النَّاسُ!
وقال يعقوب بن إسحاق الخريميّ:
لما رأيت القنا الخطيَّ مشرعة ... والمشرفيَّة في الأيدي مصاليتا
طأطأت رأسي فجازوني ولو وقفوا ... طأطأته أبداً أو يبلغ الحوتا
قالا: تعيَّر بعد اليوم قلت: ذرا ... عاري عليَّ وقوما أنتما موتا
وقال آخر:
وكنت إذا خاصمته خصماً كببته ... على الوجه حتّى خاصمتني الدَّراهمُ
فلمّا تنازعا الخصومة غلِّبت ... عليَّ وقالوا: قم فإنَّك ظالمُ
وقال آخر:
ولا أكتم الأسرار لكن أبثّها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
وإنَّ قليل العقل من بات ليلة ... تقلِّبه الأسرار جنباً إلى جنبِ
وقال آخر:
وما كنت أخشى أن تكون مطيَّتي ... مجرَّمة الأذنين ملمومة الذَّنبْ
وما عن رضاً كان الحمار مطيَّتي ... ولكنَّ من يمشي سيرضى بما ركبْ
وقال دعبل بن عليّ الخزاعيّ:
إعوذ بالله من ليل يقرِّبني ... إلى مضاجعة كالدَّلك بالمسدِ
لقد لمست معرَّاها فما وقعت ... ممَّا لمست يدي إلاَّ على وتدِ
في كلِّ عضو لها قرن تصكُّ به ... جنب الضَّجيع فيضحي واهي الجسدِ
وقال آخر:
يا أيُّها السَّائل عن منزلي ... نزلت في الخان على نفسي
يغدو عليّ الخبز من خابزٍ ... لا يقبل الرَّهن ولا ينسي
آكل من كيسي ومن كسرتي ... حتَّى لقد أوجعني ضرسي!
وقال آخر:
رغيف أبي عليٍّ حلَّ خوفاً ... من الأضياف منزلة السِّماكِ
إذا كسروا رغيف أبي عليٍّ ... بكى يبكي بكاءً فهو باكِ!
وقال مساور الورَّاق:
خرجنا غداة إلى نزهةٍ ... وفينا زياد أبو صعصعةْ
فستَّه رهط به خمسة ... وخمسة رهط به أربعةْ
وقال محمَّد بن هاني في أكول:
أنظر إليه وفي التَّحريك تسكين ... كأنَّما التقمت عنه التَّنانينُ
فليت شعري إذا أومى إلى فمه ... أخلفها لهوات أم ميادينُ!
كأنَّها وحثيث الزَّاد يضرمها ... جهنَّم قذفت فيها الشَّياطينُ
تبارك الله ما أمضى أسنَّته ... كأنَّما كلُّ فكٍّ منه طاحونُ
كأنَّ بيت سلاح فيه مختزن ... ممَّا أعدَّته للرُّسل الفراعينُ
أين الأسنَّة؟ بل أين الصَّوارم؟ بل ... أين الخناجر؟ بل أين السَّكاكينُ؟!؟
كأنَّما الحمل الحولي في يده ... ذو النُّون في الماء لمَّا عضَّه النُّونُ

لفَّ الجداء بأيديها وأرجلها ... كأنَّما افترسهنَّ السَّراحينُ
وغادر البطَّ من مثنى وواحدة ... كأنَّمااختطفهنَّ الشَّواهينُ
يخفِّض الوزَّ من قرن إلى قدم ... وللبلاعيم تطريب وتلحينُ
كأنَّما ينتقي العظم الصَّليب له ... من تحت كلِّ رحىً فهر وهاوونُ
كأنَّما كلُّ ركن من طبائعه ... نار وفي كلِّ عضو منه كانونُ
كأنَّما في الحشا من حرِّ معدته ... قرنفل وجواريش وكمُّونُ
نصحتكم فخذوا من شدقه وزراً ... أو لا فأنتم سويق فيه مطحونُ
فليس ترويه أمواج الفرات ولا ... يقوته فلك نوح وهو مشحونُ
وقال آخر:
لقد ساءني من زهدم أنَّ زهدماً ... يلحُّ على خبزي ويبكي على جملِ
فلو كنت عذريُّ العلاقة لم تكن ... سميناً وأنساك الهوى كثرة الأكلِ!
وقال ابن سكّرة:
أكره أن أدنو من داركم ... لأنَّني أخشى على نفسي
ضرسي طحون وعلى خبزكم ... من أكل مثلي آية الكرسي
هذا الَّذي أقعدني عنكم ... فكيف آتي ومعي ضرسي؟
وقال أبو الرَّبيع البلخي:
ما يوم مكروب حزي ... ن مستهام القلب خائفْ
بأمرَّ من ليل الظَّري ... ف إذا تجوَّع للقطائفْ!
وقال غيره:
ما ليلة المهجور با ... عدت النَّوى عنه أنيسهْ
أو ليلة الملسوع حا ... ذر ميتة النَّفس النَّفيسةْ
بأمرَّ من ليل الظَّري ... ف إذا تجوَّع للهريسةْ
وقال ابن سكّرة أيضاً:
قيل ما أعدت للبر ... د فقد جاء بشدَّةْ
قلت: درَّاعة عريٍ ... فوقها جبَّة رعدةْ
وقال دعبل في ديك أكله رجل يسمّى صالحاً وقوم معه:
أسر المؤذِّن صالح وضيوفه ... أسر الكميِّ هفا خلال الماقطِ
بعثوا عليه بناتهم وبنيهم ... من بين ناتفة وآخر سامطِ
يتنازعون كأنَّما قد أوثقوا ... خاقان أو هزموا كتائب ناعطِ
نهشوه فانتزعت لهم أسنانهم ... وتهشَّمت أقفاؤهم بالحائطِ
ورفع بعض الشعراء إلى الصّاحب بن عباد يمدحه وكان الشعر لابن عبّاد، فوقّع ابن عباد عليه فقال: " من المجتث "
سرقت شعري وغيري ... فيه يضام ويخدعْ
فسوف أجريك صفعاً ... يكدُّ ليتاً وأخدعْ
فسارق المال يقطع ... وسارق الشِّعر يصفعْ!
وقال محمَّد بن عبد العزيز السُّلمي في عييّ:
تكلَّف ألفاظاً ونظَّم أحرفاً ... ولكنَّها لم تحك ما في جنانهِ
وترجم فاحتاج المترجم بعده ... وقد زاد إشكالاً إلى ترجمانهِ
فتىً فات فهم الحافظين كلامه ... فما يعرفان الدَّهر ما يكتبانهِ
ورفع أحد الشعراء إلى سيف الدَّولة أبياتاً زعم أنَّه قالها في النَّوم يشكو فيها حاله، وهي حيث يقول:
كان رسم الثَّناء منِّي شعراً ... هو حسناً كلؤلؤ في نظامِ
لم أقدِّر لقاءك اليوم فاستظ ... هرت فيه بالقلِّ والإعدامِ
ولي الرَّسم من تطوُّلك الج ... مِّ وذاك الإفضال والإنعامِ
فتطوَّل به ورفِّع فإنِّي ... موثق الحال في يد الإعدامِ
زادك الله رفعة وعلوّاً ... وسروراً يبقى مع الأيَّامِ
فأمر المتنبَّي بإجابته فقال:
قد سمعنا ما قلت في الأحلام ... وأنلناك بدرة في المنامِ
وانتبهنا كما انتبهت بلا شي ... ءٍ فكان النَّوال قدر الكلامِ
كنت فيما كتبته نائم العي ... ن فهل كنت نائم الأقلامِ
أيُّها المشتكي إذا رقد الإع ... دام لا رقدة مع الإعدامِ
افتح الجفن واترك القول في النَّو ... م وميِّز خطاب سيف الإمامِ
الَّذي ليس عنه مغن ولا من ... ه بديل ولا لما رام حامِ
وقال السَّريّ الموصليّ:
يكفيك من جملة أخباري ... يسري من الحبِّ وإعساري
في سوقة أفضلهم مرتد ... نقصاً ففضلي بينهم عاري
وكانت الإبرة فيما مضى ... صائنة وجهي وأشعاري
وأصبح الرِّزق بها ضيِّقاً ... كأنَّه من ثقبها جارِ!
وقال الحموديّ في شاة سعيد بن أحمد:
أسعيد قد أعطيتني أضحيَّة ... مكثت زماناً عندكم ما تطعمُ

نضواً تغامزت الكلاب بها وقد ... شدُّوا عليها كي تموت فيولموا
وإذا الملا ضحكوا بها قالت لهم: ... لا تهزؤوا بي وارحموني ترحموا
مرَّت على علف فقامت لم ترم ... عنه وغنَّت والمدامع تسجمُ
" وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخَّر عنه ولا متقدَّمُ "
وقال أيضاً:
ما أرى إذ ذبحت شاة سعيد ... حاصلاً في يديَّ غير الإهابِ
ليس إلاَّ عظامها لو تراها ... قلت: هذي أرزان في جرابِ
من خشاش المواشي اللَّواتي إذا ما ... أبصروهنَّ قيل: شاء النِّهابِ
ستراهنَّ كيف ينفخن في وج ... ه المضحِّي بهنَّ يوم الحسابِ
وقال أيضاً فيها:
أيا سعيد لنا في شكاتك العبر ... جاءت وما إن لها بول ولا بعرُ
وكيف تبعر شاة عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان: الشَّمس والقمرُ
لو أنَّها أبصرت في نومها علفاً ... غنَّت به ودموع العين تنحدرُ:
" يا مانعي لذَّة الدُّنيا بما رحبت ... إنِّي ليقنعني من وجهك النَّظرُ "
وقال أيضاً فيها:
لسعيد شويهة ... مسَّها الضُّرُّ والعجفْ
قد تغنَّت وأبصرت ... رجلاً حاملاً علفْ
" بأي من بكفِّه ... برء دائي من الدَّنفْ "
فأتاها مطمَّعاً ... فأتته لتعتلفْ
فتولَّى فأقبلت ... تتغنَّى من الأسفْ:
" ليته لم يكن وقف ... عذَّب القلب وانصرفْ " !
وقال أيضاً:
طيلسان لابن حرب ... يتداعى: لا مساسا
قد طوى قرناً فقرناً ... وأناساً فأناسا
لبس الأيّام حتّى ... لم تدع فيه لباسا
غاب تحت الحسِّ حتَّى ... لا يرى إلاّ قياسا
وقال أيضاً:
طيلسان لابن حرب جاءني ... قد مضى التَّمزيق منه وطرهْ
أنا من خوفي عليه أبداً ... سامريٌّ ليس يألو حذرهْ
يا بن حرب خذه أو فابعث بما ... نشتري عجلاً بصوف عشرةْ
فلعلَّ الله يحييه لنا ... إن ضربناه ببعض البقرةْ
فهو قد أدرك نوحاً فعسى ... قد درى من علم نوح خبرهْ
أبداً يقرأ من أبصره: ... " أإذا كنَّا عظاماً نخرهْ "
وقال أيضاً فيه:
يا بن حرب كسوتني طيلساناً ... ملَّ من صحبة الزمان وصدا
فحسبنا نسج العناكب لوقي ... س إلى ضعف طيلسانك سدا
طال ترداده إلى الرفءِ حتى ... لو بعثناه وحده لتهدى
وقال أيضاً فيه:
قل لابن حرب طيلساً ... نُك قوم نوح منه أحدثْ
أفنى القرون ولم يزل ... عمَّن مضى من قبل يورثْ
يودي إذا لم أرفه ... فإذا رفأت فليس يلبثْ
كالكلب إن تحمل عليه الدَّهر أو تتركه يلهثْ
وقال أيضاً:
لطيلسان ابن حرب آية سلفت ... بها تبيَّن فضلي فهو متَّصلُ
قد كنت دهراً جهولاً ثمَّ حنَّنني ... عليه خوفي من الأقوام إن جهلوا
أظلُّ أجتنب الأقوام من حذر ... كأنَّما بي جرح ليس يندملُ
يا طيلساناً إذا الألحاظ جلن به ... فعلن فعل سهام فيه تنتضلُ
لئن بليت لكم أبليت من أمم ... تترى أبادتهم أيَّامك الأولُ؟
وكم رآك أخ لي ثمَّ أنشدني: ... " ودع هريرة إنَّ الرَّكب مرتحلُ "
وقال أبو نواس:
أظهرت للنِّيل هجراناً ومقلية ... مذ قيل لي: إنَّما التِّمساح في النِّيلِ
فمن رأى النِّيل رأي العين من كثب ... فلا أرى النِّيل إلاَّ في البواقيلِ
وقال ابن الرومي:
وأمَّا بلاء البحر عندي فإنَّه ... طواني على روع من الرُّوح واقبِ
فلو ثاب عقلي لم أدع ذكر بغضه ... ولكنَّه من هوله غير ثائبِ
وكيف ولو ألقيت فيه وصخرة ... لوافيت منه القعر أوَّل راسبِ
ولم أتعلَّم قطُّ من ذي سباحة ... سوى الغوص والمغلوب غير مغالبِ
وأيسر إشفاقي من الماء أنَّني ... أمرُّ به في الكوز مرَّ المجانبِ
وأخشى الرَّدى منه على نفس شارب ... فكيف بأمنيه على نفس راكبِ؟
وقال التِّهامي يرثي قطّاً له:
ولمَّا طواك البين واجتاحك الرَّدى ... بكيناك مالم يبك قطُّ على قطِّ
لقد كنت أنسي في الفراش لوحدتي ... إذا بعدت ذات الوشاحين والقرطِ

وقد كنت تخشى ما يدبُّ من الأذى ... إليَّ تدانى منك أو كان في شحطِ
وتحرسني كاللّيث يحرس شبله ... ويقتل من ناواه باللَّطم والخبطِ
ولو كنت أدري أنَّ بئراً تغولني ... بمهواك فيها لاحتبستك بالرَّبطِ
ولكنَّ أيدي الحادثات مصيبة ... إذا أرسلت سهم المنيَّة لا تخطي
وما كنت إلاَّ مثل حظيِّ الذي مضى ... وتصحيفه باقٍ تمثَّل: بالحطِِّ!
وقال عمارة الكلبيّ في النَّحويِّين:
ماذا لقيت من المستعربين ومن ... قياس قولهم هذا الَّذي ابتدعوا
إن قلت قافية بكراً يكون لها ... معنى يخالف ما قالوا وما وضوا
قالوا " لحنت، وهذا الحرف منخفض ... وذاك نصب وهذا الشيء يرتفعُ "
وضرَّبوا بين عبد الله واجتهدوا ... وبين زيد فطال الضَّرب والوجعُ
تكلُّف لا تزال النفس في تعب ... منه وما فيه إن حصَّلت منتفعُ
كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وبين قوم على إعرابه طبعوا!
وقال آخر:
أضرَّاب زيد مالكم تضربونه ... على غير ذنب ثمَّ لا ترحمونهُ
ألاَّ تتَّقون الله في ضربه وقد ... زعمتم وقلتم إنَّكم ترهبونهُ
فهلاّ رحمتم زيدكم وهو عبدكم ... مطيع لكم في كلِّ ما تأمرونهُ
فلو كان زيد في صلابة جلمد ... ويرضى بما ترضون إذ تعسفونهُ
لأفنيتموه بالَّذي عندكم له ... ولكنَّما الجلمود لا شكَّ دونهُ!
سمع أعرابيٌّ جريراً ينشد:
كاد الهوى يوم سلمانين يقتلني ... وكاد يقتلني يوماً بنعمانا
وكاد يقتلني يوماً بذي حسب ... وكاد يقتلني يوماً بسلمانا
فقال: هذا أفلت من الموت أربع مرَّات، لا يموت هذا أبداً! وقال أبو الشَّمقمق:
أتراني أرى من الدَّهر يوماً ... لي فيه مطيَّة غير رجلي
كلَّما كنت في جميع فقالوا: ... قرِّبوا للرَّحيل، قرَّبت نعلي
حيث ما كنت لا أخلِّف مهراً ... من رآني فقد رآني ورحلي!
وقال أيضاً:
أنا في حالٍ تعالى ... الله ربّي أيِّ حالِ!
ليس لي شيء إذا قي ... ل: لمن ذا؟ قلت: ذا لي
ولقد أهزلت حتَّى ... محت الشَّمس خيالي
ولقد أفلست حتَّى ... حلَّ أكلي لعيالي!
وقال أيضاً:
لو ركبت البحار صارت فجاجا ... لا ترى في متونها أمواجا
ولو أنَّي وضعت ياقوتة حم ... راء في راحتيَّ صارت زجاجا
ولو أنَّي وردت عذباً فراتاً ... عاد لا شكَّ فيه ملحاً أجاجا
فإلى الله أشتكي وإلى الفض ... ل فقد أصبحت بزاتي دجاجا!
وقال آخر:
وقفت فما أدري إلى أين أذهب ... وأيُّ أموري بالعزيمة أركبُ
عجبت لأقدارٍ عليَّ تتابعت ... بنحسٍ فأفنى طول عمري التَّعجُّبُ
ولمَّا التمست الرِّزق فانجذَّ حبله ... ولم يصف لي من بحره العذب مشربُ
خطبت إلى الإعدام إحدى بناته ... لدفع الغنى إيَّاي إذ جئت أخطبُ
فزوَّجنيها ثمَّ جاء جهازها ... وفيه من الحرمان تخت ومشجبُ
فأولدتها الجدب النَّقيَّ فما له ... على الأرض غيري والد حين ينسبُ
فلو تهت في البيداء والَّليل مسبل ... عليَّ جناحيه لما لاح كوكبُ
ولو خفت شرَّاً فاستترت بظلمة ... لأقبل ضوء الشَّمس من حيث تغربُ
ولو جاد إنسان عليَّ بدرهم ... لرحت إلى رحلي وفي الكفِّ عقربُ
ولو يمطر النَّاس الدَّنانير لم يكن ... بشيء سوى الحصباء رأسي يحصبُ
ولو لمست كفَّاي عقداً منظَّماً ... من الدُّرِّ أضحى وهو ودع مثقَّبُ
وإن يقترف ذنباً ببرقة مذنب ... فإنَّ برأسي ذلك الذَّنب يعصبُ
وإن أر خيراً في المنام فبارح ... وإن أر شرّراً فهو منِّي مقرَّبُ
ولم أغد في أمرٍ أريد نجاحه ... فقابلني إلاَّ غراب وأرنبُ
أمامي من الحرمان جيش عرمرم ... ومنه ورائي جحفل حين أركبُ
وقال غيره:
ليس إغلاقي لبابي أنَّ لي ... فيه ماأخشى عليه السُّرَّقا
إنَّما أغلقه كي لا يرى ... سوء حالي من يمرُّ بالطُّرقا
منزلي أوطنه الفقر فلو ... يدخل السَّارق فيه سرقا

أقسام الكتاب
1 2 3