كتاب : التمثيل والمحاضرة
المؤلف : الثعالبي

لا يقاس الملائكة بالحدادين. خطه خط الملائكة لأن خطها غير واضحٍ، وأجود الخط أبينه. وصف الجماز بعض البخلاء فقال: لا يحضر مائدته إلا أكرم الخلق وألامه، يعني الملائكة والذباب. نظر أعرابيٌ إلى متأدبٍ يكتب كل ما يلفظ به، فقال: ما أنت إلا الحفظة، تكتب لفظ اللفظة. يروى أن علياً عليه السلام قال في وصف عمر رضي الله تعالى عنهما: كأن ملكاً بين عينيه، يسدده الكلام. قيل لمزبد وقد صور بيته: إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تصاوير، فقال: ما أصنع بدخولهم بيتي، وهل فيهم إلا صاحب خبرٍ، أو قابض روح.

إبليس والشيطان
أطوع من آدم لإبليس. إبليس غلامه. إبليس يرضى منه رأساً برأس. ما فرحنا بإبليس، فكيف بأولاده!. فلانٌ يجيء بحيلٍ لا يهتدي لها الأبالسة. أقود من أبي مرّة.
عجبت من إبليس في نخوته ... وخبث ما أظهر من نيّته
تاه على آدم في سجدته ... وصار قوّاداً لذريته
صابر الحبّ لا يصدن ... ك عنه تجهّمٌ وعبوس
عرّضن للذي تحبّ بحبٍّ ... ثم دعه يروضه إبليس
فلانٌ من جند إبليس. فلانٌ من شياطين الإنس. شيطانٌ في أشطان، في وصف الفرس. الشيطان لا يخرب كرمه. فلان شيطانٌ خرج من البحر. هو كالشيطان للإنسان. كأنه ظل الشيطان، للمفرط في الطول. صبعه الشيطان، لمن تاه في ولايته. أصبح شيطانه ملكاً، للتائب.
في كفّه من رقي إبليس مفتاح
للخادع بحلاوة كلامه. هو يفر فرار الشيطان من القرآن.
كأنه الشيطان في طبعه ... صوّر من نارٍ وللنّار
آخر:
وإذا رأى إبليس غرّة وجهه ... حيّا وقال: فديت من لا يفلح
الخير والشر
خيرٌ من الخير من يفعله، وشرٌ من الشر من يأتيه. الخير عادةٌ والشر لجاجةٌ. خير الخير أعجله، وشر الشر أثقله. الشر يأتي من لا يأتيه. حسبك من شرٍ سماعه. الشر يبدؤه صغاره. بعض الشر أهون من بعضٍ. الخير يطلب أهله، كما يطلب طير الماء الحدور. من صنع خيراً أو شراً بدأ بنفسه. لقاء أهل الخير عمارة القلوب.
ألم تر أن سير الخير ريثٌ ... وأن الشّر راكبه يطير
أبو تمام:
وما خير خيرٍ لم تشبه شرارةٌ ... وما خير لحمٍ لا يكون على عظم
الحق والباطل
الحق ظلٌ ظليلٌ. من تعدى الحق ضاق مذهبه. قول الحق لم يدع لي صديقاً. ما يضر الحق تسمية أهل الباطل إياه باطلاً، كما لا يضر السيف تسمية أهل الجهل إياه خشبةً. الحق أبلج والباطل لجلج. للحق دولةٌ، وللباطل جولةٌ. الحق خير ما قيل. الحق جديدٌ لا يخلق. العاقل لا يبطل حقاً، ولا يحق باطلاً. الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل. الحق ثقيلٌ مريٌّ، والباطل خفيفٌ وبيٌّ.
القضاء والقدر والنوائب
القضاء غالبٌ، والأجل طالبٌ. المقدور كائنٌ، والهمّ فضلٌ. كل آتٍ فكأن قد. لا حذر من قدرٍ. من رضي بالقضاء طاب عيشه. إذا جاء القضاء ضاق الفضاء. إذا ذكر القضاء فأمسك. التوفيق موافقة القضاء. أبو دلف:
هي المقادير تجري في أعنّتها ... فاصبر لها صبرٌ على حال
أبو العتاهية:
هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر
آخر:
إذا عقد القضاء عليك أمراً ... فليس يحلّه إلا القضاء
ابن الرومي:
وإذا أتاك من الأمور مقدّرٌ ... فقررت منه فنحوه تتوجّه
المقادير تبطل التقدير. ابن المعتز: أعرف الناس بالله أرضاهم بأقداره. مواقع أقدار الله خيرٌ لك من مواقع آمالك. من لم يتعرض للنوائب تعرضت له. المرء نهب الحوادث. من أحب البقاء فليعد للنوائب قلباً صبوراً. المؤمن لا يثقله كثرة المصائب، وتواتر النوائب عن الرضا بأقدار الله تعالى، والتسليم لأمره وحكمه؛كالحمامة التي تؤخذ فراخها من وكرها، ثم تعود إليه.
ما يتمثل به من ذكر الكعبة والحج والحرم
أكسى من الكعبة. آمن من حمام الحرم.
وكعبة الله لا تكسى لإعواز
فلانٌ كالكعبة تزار ولا تستزار. الجماز: اتصلت بفلانٍ وأنا أكسى من الكعبة، وفارقته وأنا أعرى من الحجر الأسود.
زهت بك الخلعة الميمون طائرها ... كزهو خلعة بيت الله بالبيت

كالبيت فيه لزائريه يجتمع الأمن والمثوبة. وأنت الحجر الأسود لو يخلو لقبلته. بعض البلغاء، وهو البديع الهمذاني: حضرته كعبة الكرم، لا كعبة الحرم، ومشعر المحتاج، لا مشعر الحجاج، وقبلة الصلات، لا قبلة الصلاة. ليس عنده من آلة الحج إلا التلبية. أنفقت مالي وحج الجمل، لضياع السعي. فلانٌ محرمٌ لا للحج، إذا كان عرياناً. لجّ فحجّ. بشر وفد الله بفوائد الدارين. لا تكن صرورة إلا عن ضرورة. من لم يحج فليمت يهودياً أو نصرانياً.

الجنة والنار
عجبت من أقوامٍ يجرون إلى الجنة بالسلاسل. عليكم بالجنة، فإن النار في الكف. فلانٌ من أهل الجنة، كناية عن البله. شرطة أهل الجنة، كناية عن المرد. ابن عباد:
قال لي : إن رقيبي ... سيء الخلق فداره
قلت: دعني وجهك الجنّة حفّت بالمكاره
ما بال دارك حين تدخل جنّةٌ ... وبباب دارك منكرٌ ونكير
دارك الجنة، وبوابها مالك الجحيم.
وما بي دخول النار بل طنز مالك
صن عرضك عن العار، ونفسك عن النار. ليث بن نصر بن سيار:
النّار لا العار فكن سيّداً ... فرّ من العار إلى النّار
أبو تمام:
ما لي أرى القبّة الخضراء مقفلةُ ... دوني وقد طال ما استفتحت مقفلها
كأنّها جنّة الفردوس معرضةً ... وليس لي عملٌ زاكٍ فأدخلها
العامة: دخل فضوليٌ فقال: الحطب رطبٌ، كانه جاء من الجنة. للفائق الحسن:
قلت لأصحابي وقد مرّ بي ... أظنّه فرّ من الجنّه
ما يتمثل به من جميع الحيوانات
الفيل
على قدر جرم الفيل تبنى قوائمه
فلانٌ قد ركب الفيل، وقال: لا تبصروني. لا تحسن اللثغة بالفيل.
إن كنت أشكو من يدقّ ... عن الشكاية في قريضي
فالفيل يضجر وهو أع ... ظم ما رأيت من البعوض
أبو الفتح البستي:
إن القذى يؤذي العيون قليله ... ولربّما جرح البعوض الفيلا
سمع البحتري قول الشاعر:
ومغنٍّ يتغنّى ب ... طعامٍ وشراب
فإذا رمنا سكوتاً ... فبمالٍ وثياب
فقال: مثله كمثل صاحب الفيل، يركب بدانقٍ، وينزل بدرهم.
إذا تلاقى الفيول وازدحمت ... فكيف حال البعوض في الوسط
آخر:
أيا أقبح في المن ... ظر من دبٍّ على غول
ويا أسمج من طل ... عة شيطانٍ على فيل
آخر:
وكنت كصانع للفيل قرطاً ... يقوّمه على أذنٍ تمور
الإبل
الذود إلى الذود إبلٌ. اللقوح الربعية مالٌ وطعامٌ، يضرب لاجتماع خلتين محمودتين.
الفحل يحمي شوله معقولا
في المحاماة على الحرم. زاحم بعودٍ أودع، أي لا تستعن إلا بأهل المعرفة. هان على الأملس ما لاقى الدبر، الأملس: السليم من الدبر أي هان على المعافي ما لاقى المبتلي، لمن لا يهتم بأمر صاحبه. القرم من الأفيل. لا يضر الحوار وطأة أمه. الفرزدق:
فإنّا وسعداً كالحوار وأمّه ... إذا وطئته لم يضره اعتمادها
ارغوا لها حوارها تحن، أي أعطه حاجته يسكت.
إنما يجزى الفتى ليس الجمل
عودٌ يقلح، أي تنقى أسنانه، ويضرب للفاسد يستصلح. وقع القوم في سلا جملٍ، أي في محنةٍ غدراء، لأن الجمل لا سلا له. استنوق الجمل، للعزيز يذل. سير السواني سفرٌ لا ينقطع، للأمر الذي لا يكاد ينتهي. جاءوا على بكرة أبيهم، أي بأجمعهم. صبر من عودٍ بدفيه الجلب، للمجرب. يركب الصعب من لا ذلول له. ضربه ضرب غرائب الإبل. كل أزبّ نفورٌ، يضرب للجبان. رباعي الإبل لا يرتاع من الجرس. أغدةً كغدة البعير، وموتاً في بيت سلولية، في اجتماع خصلتين مكروهتين. إذا جرجر العود فزده ثقلاً، في ترك المبالاة بالشاكي. إن الضجور قد تحلب العلبة، في استخراج القليل من البخيل. رض من المركب بالتعليق، في القناعة باليسير. استنت الفصال حتى القرعى، للمتكلف ما ليس من أهله. اختلط المرعى بالهمل، عند اختلاط الأمر. غلبت جلتها حواشيها، في الصغار تعلو الكبار. إن تسلم الجلة فالسخل هدرٌ. لقوةٌ صادفت قبيساً، في موافقة الشيئين. لكل أناسٍ في بعيرهم خير. هما كر كبتي البعير، للمتساوين.

أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمل ... يا سعد ما تروى بهاذاك الإبل
لمن يريد إدراك حاجته عفواً من غير استعداد لها. آخرها أقلها شرباً، للمنع من التواني. أساء رعياً فسقى، لمن لا يحكم الأمر، ثم يريد إحكامه فيفسده. كالحادي وليس له بعير، للمتشبع بما لم يأكله وللمتكثر بما ليس عنده. ليس بعد الورد إلا الصدر. يخبط خبط عشواء، للمتهافت في الأمر. وقد يقطع الدوية الناب، لمن فيه بقيةٌ. العنوق بعد النوق، في الكبير يصغر. أحنّ من شارفٍ.
أوسعتهم سبّاً وأودوا بالإبل
لمن ينكى فيه عدوه، ولا يكون له منه إلا الوعيد. لقد كنت وما يقاد بي البعير، لمن يذل بعد العز. هذا أمرٌ لا تبرك عليه الإبل، للأمر العظيم. لا ناقة لي في هذا ولا جمل. لا يعدم الحوار من أمه حنةً، للحميم يهتم بحميمه. صدقني سن بكره، للصادق في خبره. عرف حميقٌ جمله، في استثبات الشيء. لا آتيك ما حنت النيب. كانت عليه كراعية البكر، لما يتشاءم به. أحلبت ناقتك أم أجلبت، أي أتت بأنثى لتحلب، أو بذكرٍ فيجلب للبيع. لا أحب أمران: آنف، وأمنع الضرع. لمن يظهر الشفقة، ويمنع خيره. كابن لبونٍ، لا ظهر فيركب، ولا لبن فيحلب. الإبل سفن البر، جلودها قربٌ، ولحومها نشبٌ، وبعرها حطبٌ. المولدون والعامة: الجمل في شيءٍ والجمال في شيءٍ. من تمام الحج ضرب الجمال. إذا جاء أجل البعير حام حول البير. بعيرٌ بدرهمٍ، والشأن في الدرهم. في اليميني من أمثال العجم:
أشارت الفرس في أجنادها مثلاً ... وللأعاجم في أيّامها مثل
قالوا: إذا جملٌ حانت منيّته ... أطاف بالبير حتى يهلك الجمل
لقد عظم البعير بغير لبٍّ ... فلم يستغن بالعظم البعير
وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرنٍ ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
فلا تحمل على ربعٍ فليست ... تنوء بحملها إلا الفحول
أبو تمام:
تلك بنات المخاض راتعةٌ ... والعود في كوره وفي قتبه
خلعوا عليه وزينو ... ه وسار في عزٍّ ومنعه
وكذاك يفعل بالجما ... ل لنحرها في يوم جمعه

الخيل
الخير معقودٌ بنواصي الخيل. خير الأموال فرسٌ، في بطنها فرسٌ، يتبعها فرسٌ. العزّ في نواصي الخيل، والذل في أذناب البقر.
على أعراقها تجري الجياد
الخيل تجري على مساويها. فيمن يستعمل كرمه على كل حال. الطرف يجري، وبه هزالٌ، والحر يعطي وبه إقلالٌ. فلانٌ أبلق الكتيبة، للمشهور. أعز من الأبلق العقوق. للشيء للمعوز. كان جواداً فخصي، للجلد يضعف. الخيل أعلم بفرسانها. إن الجواد قد يعثر. كالأشقر ، إن تقدم عقر، وإن تأخر نحر، لمن يخاف غائلته على كل حال. جري المذكيات غلابٌ، في مدح ذي السن وذي التجربة. جرى المذكى حسرت عنه الخمر. مذكيةٌ تقاس بالجذاع، لمن يقيس الكبير بالصغير. قد يبلغ القطوف الوساع، ويلحق الثني بالرباع، أي قد يلحق المتأخر السابق. جاء وقد لفظ لجامه. إذا انصرف مجهوداً. جاء ثانياً من عنانه، للمدرك حاجته. اتبع الفرس لجامه، والبعير زمامه، في استتمام الحاجة. هما كفرسي رهانٍ، للمتساوين. إن الجواد عينه فراره، لمن يغنيك شخصه عن اختباره. فحل السوء يبدأ بأمه. أحشك وتروثني، لمن تحسن إليه ويسيء إليك. عرفتني نساها الله، في الاستثبات. لمثل هذا كنت أحسيك الحسا، لمن تحمد بلاه بعد الإحسان إليه. استكرمت فأربط، أي وجدت علقاً نفيساً فاحفظه. يجري بليقٌ ويذم. الحريص يصيدك لا الجواد، أي يطلبك من له حرصٌ عليك، لا من لا هوى له فيك. ترك الخداع من أجرى على مائةٍ، للمجد في إزالة اللبس.
هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم
في الحث على الجدّ قبل الفوت.
أحقّ الخيل بالرّكض المعار
جذعٌ يبزّ على المذاكي القرّح
بجبهة العير يفدى حافر الفرس
فأوّل قرّح الخيل المهار
ويبين عتق الخيل في أصواتها
والطّرف يعرب عن عتقٍٍ إذا صهلا

لا يعدم شقيٌ مهيراً. العامة والمولدون: من أحب أفخاذ الخيل أفلح، ومن أحب أفخاذ النساء لم يفلح. ما عدا الفرس فلا حاجة بك إلى السوط. الجلّ خيرٌ من الفرس. الدابة لا تساوي مقرعة. ليس الفرس بجله وبرقعه. غضب الخيل على اللجم الثقال. يبقى على الآريّ شر الدواب.
وللقارح اليعبوب خيرٌ علالةً ... من الجذع المرخى وأبعد منزعا
يحمحم للشّعير إذا رآه ... ويعبس عند صلصلة اللّجام
المتنبي:
وما الخيل إلا كالصّديق قليلةٌ ... وإن كثرت في عين من لا يجرّب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيّب
وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام
آخر:
ولا أكون كمن ألقى رحالته ... على الحمار وخلّى صهوة الفرس
عند الرّهان تعرف السّوابق
وقد يترك المهر الذي هو فاره
أكرم الخيل أجزعها من السوط. ليس كبج الصعب الشرس إلا باللجام الشكس.

البغل
البغل نغلٌ، وهو لذلك أهلٌ. البغل الهرم لا يفزعه صوت الجلجل. قيل للبغل: من أبوك؟قال: الفرس خالي. فلانٌ بغلة أبي دلامة، للكثير العيوب. في سبيل الله سرجي وبغلي، فيمن يتصدق بما فاته وخاب منه. خالد بن صفوان: ارتفع عن ذلة العير، واتضع عن خيلاء الخيل، وخير الأمور أوساطها.
الحمار
" كمثل الحمار يحمل أسفاراً " . كل الصيد في جوف الفرا " قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان بن حرب رضي الله عنه متمثلاً، والفراء: الحمار الوحشي. أنكحنا الفرا فسوف نرى، لمن سأل رجلاً عظيماً حاجةً. أنصح من عير أبي سيارة. ذكرني فوك حمار أهلي، للمغرور يستبصرمن غفلته ويرعوي. دني حماريك فازجر، أي عليك بأدنى أمرك، ثم اشتغل بالأبعد. العير أوقى لدمه، في الحزم، والتحفظ. جاء كخاصي العير، أي مستجيباً. لا يأبى الكرامة إلا الحمار. فلانٌ حمار الحوائج، للممتهن. كان حماراً فاستأتن ، للعزيز يذل. أودى العير إلا ضرطاً، لمن سقطت قوته. ما بالعير من قماصٍ، لمن ذل بعد الامتناع. دون ذا وينفق الحمار. قيل عيرٌ، وما جرى في البكور، في السرعة في الأمر. تركته جوف حمارٍ، أي لا خير فيه، ومعناه أن جوف الحمار لا ينتفع به. حيل بين العير والنزوان. من ينك العير ينك نياكاً. من اتكل على عير جارته أصبح أيره في الندا. وقد صحفته العامة تصحيفاً عجيباً.
العير يضرط والمكواة في النّار
لمن ينتظر له السوء وهو غافل. هما كحماري العبادي، إذا كانا ساقطين. لا تكن أدنى العيرين إلى السهم، أي تباعد من الشر. الجحش إما فاتك الأعيار، في القناعة بما تيسر. عيرٌ عاره وتده، للجاني على نفسه. عيره ركلته، لمن يظلم ناصره. زل حماره في الطين. لا يقيم على الخسف إلا العير. ذهب الحمار يطلب قرنين، فعاد مصلوم الأذنين.
فصرت كالعير غدا يبتغي ... قرناً فلم يرجع بأذنين
إن رجع عيرٌ فعيرٌ في الرباط.
قد يقدم العير من ذعرٍ على الأسد
العامة: كالحمار في الجمد. زلق الحمار، وكان من شهوة المكاري. سافر بالحمار الهرم، فإن نقل وإلا دل على الطريق. ما يراد من الحمار الأعرج إلا الرمحة المستوية. أوحش من حمارٍ أعمى على معلفٍ خالٍ. الحمير نعت الإكافين. إذا عجز الحمار عن حمل برذعته كان عن وقره أعجز. ليس للحمار الواقع كصاحبه. الحمار مالٌ لا يزكى ولا يذكى. كذنب الحمار، لما لا يزيد ولا ينقص. هان على البيطار ما يمر باست الحمار. لا يمكن ركوب حمارين باستٍ واحدةٍ. كحمار القصار، إن جاع شرب، وإن عطش شرب.
بال الحمار فاستبال أحمرةٌ
للوضيع يأتي أمراً فيقتدي به أقرانه.
كنت كربّ الحمار أعيا ... فظلّ يسطو على الإكاف
كم من حمارٍ على جوادٍ ... ومن جوادٍ على حمار
حمارٌ ولج الكو ... ة قد قيل بجرجان
فهذا العير والكوّ ... ة يا قوم عتيدان
إنّ الحمار مع الحمار مطيّةٌ ... فإذا خلوت به فبئس الصّاحب
إذا ذهب الحمار بأمّ عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار
آخر:

أتتركني ودارك عند داري ... وتطلبني بمصر على حمار
ابن المعتز: ربّ عيرٍ يرعى ويعلف ما شاء، وليثٍ يجوع في الصحراء.
ما المرء إلا كعير السّوء يضربه ... سوط الزّمان ولا يجري على السّنن
شدّ الحمار مع البرذون في قرنٍ ... إن لم يجاوزه يوماً بألف السّننا
سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرسٌ تحتك أم حمار
كحمار السّوء إن أشبعته ... رمح النّاس وإن جاع نهق
ولو لبس الحمار ثياب خزٍّ ... لقال النّاس: يا لك من حمار

البقر
كالثّور يضرب لما عافت البقر
وما عليّ إذا لم تفهم البقر
نادى عليه كما ينادى على لحم البقر. الكلاب على البقر عند قلة المبالاة بالشيء. وجدت البقرة ظلفها، لمن وجد ما يوافقه. ليس لإثارة الأرض كالثيران. فلانٌ حمارٌ مبطنٌ بثورٍ، مغروزٌ بتيسٍ، مطرزٌ بقردٍ.
كممكنةٍ من ضرعها كفّ حالب ... ودافقةٍ من بعد ذلك ما حلب
الغنم والمعز
الغنم غنيمةٌ. وقيل في الحديث: " غنمٌ بركةٌ، غنمان بركتان، ثلاثةٌ غنيمةٌ " . الشاة تعجز أن تكون رعاءً. أذل من النقد. لا تنطح جماء ذات قرنٍ. كل شاةٍ برجلها ستناط. إرض للشاة جازرها. عند النطاح يغلب الكبش الأجم. بين الممخة والعجفاء، للمتوسط. كالخروف أينما مال اتقى الأرض بصوفٍ، يضرب لمن يجد معتمداً في كل حال. يا شاة أين تذهبين؟قالت: أجزّ مع المجزوزين، للأحمق الذي ينطلق مع القوم، ولا يدري ما هم فيه. حتفها تطلب ضانٌ بأظلافها، لمن يسعى في هلاك نفسه. المعزى تبهي ولا تبني، لمن يفسد ولا يصلح. قبح الله معزى خيرها خطة، يضرب لجملة شيءٍ ليس فيها خيرٌ. إذا تفرقت الغنم قادتها العنز الجرباء، في الوضيع يسد مسداً. أخفق حالب التيس. كمن يحلب تيساً من شهوة اللبن. عنزٌ استتيست. كان كراعاً فصار ذراعاً، للحقير إذا اعتلى.
نظرت إليك بأعينٍ مزوّرةٍ ... نظر التيوس إلى شفار الجازر
عنزٌ بها كل داءٍ، للكثير العيوب. فلانٌ يضرب بين الشاة والعلف. هما كركبتي العنز، للمتساوين؛لأن العنز إذا أرادت أن تربض وقعت ركبتاها معاً. لا تكن كالعنز تبحث عن المدية، للجاني على نفسه جنايةً فيها هلاكه. لقي فلانٌ يوم العنز، يضرب لمن يلقى ما يهلكه.
وكنت كعنز السّوء قامت لحتفها ... إلى مديةٍ تحت الثّرى تستثيرها
آخر:
وكانوا كشاءٍ غاب عنها رعاؤها ... معطّلةٍ تحت الظّلام لأذؤب
كعنز السّوء تنطح من خلاها ... وترأم من يحدّ لها الشّفارا
ابن الرومي:
عكست أمري الخطوب فعنزي ... أبداً حائلٌ وتيسي حلوب
أبو القاسم الداودي:
قالوا: ترفّق في الأمور فإنّه ... يجدي ومري الدّرّ بالإبساس
ولقد رفقت فما حظيت بطائلٍ ... ما ينفع الإبساس بالأتياس
الأسد
من يتبع الأسد لم يعدم لحماً. أجر أمن خاصي الأسد.
كمبتغي الصّيد في عرّيسة الأسد
ولا قرار على زأرٍ من الأسد
النّهر يشرب منه الكلب والأسد
والجوع يرضي الأسود بالجيف
واللّيث ليس يسيغ إلاّ ما افترس
وأجرأ من ليثٍ بخفّان خادر
ما استبقاك من عرضك للأسد. فلانٌ يسلب القطعة من شدق الأسد. إن الأسد ليفترس العير، فإذا أعياه صاد الأرنب. ليكن تشميرك للأمر الصغير كتشميرك للأمر الكبير، فإن الأسد يثب على الأرنب كوثبته على العير.
3و - من الرّديف وقد ركبت غضنفرا
عبالة عنق اللّيث من أجل أنّه ... إذا نابه أمرٌ أتاه بنفسه
آخر:
إذا التقت الأبطال كنتم ثعالباً ... وأسد الشّرى إن هيّجتكم مآدب
آخر:
المرء في بلدته ضائع ... واللّيث في غيضته جائع
البحتري:
وما الكلب محموماً وإن طال عمره ... ألا إنّما الحميّ على الأسد الورد
علي بن الجهم:
أو ما رأيت اللّيث يألف غيله ... كبراً وأوباش السّباع تردّد
المتنبي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغمٍ ... أدنى إلى شرفٍ من الإنسان
وله:

إذا رأيت نيوب اللّيث بارزةً ... فلا تظننّ أن اللّيث مبتسم
أبو فراس:
وما الأسد الضّرغام إلا فريسةً ... إذا لم تطل أنيابه والأظافر
ابن الرومي:
والليث لابس جنّةٍ من نفسه ... ذو هيئةٍ تكفيه أن يتأهّبا
وما شبل ذاك الليث إلا شبيهه ... وغير عجيبٍ أن ترى الشّبل يأسد
غيره:
وليس الليث من جوعٍ بغادٍ ... على جيفٍ تحيط بها كلاب
اللحام:
وقائلٍ لي: دنّست الهجاء بمن ... يدنس الكلب إن أقعى وإن شردا
فقلت: أحسنت، لكن هل سمعت بمن ... إن هرّ كلبٌ عليه نازل الأسدا
والليث حيث ألبّ في ... أرض فذاك له عرين
الرستمي:
ولا غرو أن يستحدث الليث بالشّرى ... عريناً وأن يستطرف البحر ساحلا
البستي:
لا يعدم المرء كنّاً يستكنّ به ... ومنعةً بين أهليه وأصحابه
ومن نأى عنهم قلّت مهابته ... كاللّيث يحقر لما غاب عن غابه
غيره:
وإن الهزبر الورد يصبر للأذى ... ويبدي إذا آذيته ضجر الكلب
قال سعيد بن حميد لبي هفان: أنا الأسد، فقال: ليس فيك من الأسد إلا البخر وطول الذنب.

الذئب
الذئب خالياً أشد، يضرب عند التحذير من الانفراد بمن يخاف غائلته. الذئب يغبط بذي بطنه، لمن يغبط بما لم ينله.
ألا ربّ ذئبٍ مرّ بالقوم خاوياً ... فقالوا: علاه البهر من كثرة الأكل
الذئب يأدو للغزال ليأكله، يضرب للخادع المحتال. من استرعى الذئب ظلم. لا تجمع بين السخل والذئب. خف رأساً من الذئب، لأنه قلّ ما ينام. سقط العشاء به على سرحان لمن أداه طلب مراده إلى تلفه. خشّ ذؤالة بالحبالة، في الإيعاد. قد كنت وما أخشى بالذئب، يقوله الضعيف وقد كان قوياً. غبار الغنم كحل عين الذئب. من لم يكن ذئباً أكلته الذئاب.
تعدو الذّئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي مربض المستأسد الضّاري
إذا ذكرت الذئب فأعد له العصا. الذئب يوعظ فيقول: أمسك فقد فاتت الغنم. الزريبة الخالية خيرٌ من ملئها ذئاباً.
ولست كمن يرضى بما غيره الرّضى ... ويمسح وجه الذّئب، والذّئب آكله
يعني إذا مال عليه فغلبه.
وكنت كذئب السّوء لما رأى دماً ... بصاحبه يوماً أحال على الدّم
لعمرك إني إذ أربّي عملّساً ... لكالمبر لي حتفه وهو لا يدري
ابن الرومي:
وما تجدي عليك ليوث غابٍ ... بنصرتها إذا أدماك ذيب
غيره:
وكنت شريك الذّئب في كلّ شأنه ... وإذ وثب الرّاعي وثبت مع الرّاعي
آخر:
علّم الذّئب بالخياطة رفقاً ... فهو بالخرق حاذقٌ وبصير
وإذا الذّئاب استنعجت لك مرّةً ... فحذار منها أن تعود ذئابا
فالذّئب أخبث ما يكون إذا اكتسى ... من جلد أولاد النّعاج ثيابا
فلانٌ كالذئب، إذا طلب هرب، وإذا تمكن وثب.
الكلب
الكلب لا يصيد كارهاً. الكلب يزمن حيث يسمن، ولا يتبع حين يشبع، وعند الجوع يهم بالرجوع. قد ينبح الكلب القمر فيلقم الحجر. لا يضر السحاب نباح الكلاب. احتاج إلى الصوف من جز كلبه. من جعل نفسه عظاماً أكلته الكلاب. الساجور خيرٌ من الكلب. كلبٌ جوالٌ خير من أسدٍ رابضٍ.
كلّ كلبٍ ببابه نبّاح ... وعلى باب غيره سلاّح
الكلب لا ينبح من في داره. جوع كلبك يتبعك. سمن كلبك يأكلك. اتبع النباح ولا تتبع الضباح، لأن النباح بالعمران، والضباح بالضد. أنجس ما يكون الكلب إذا اغتسل. فلانٌ كالكلب، إن شبع هر وإن جاع فر. جاهه جاه كلبٍ ممطور دخل الجامع يوم الجمعة. ذنب الكلب يكسب له الطعم، وفمه يكسب له الضرب. العرب: إذا رأيت كلباً ترك صاحبه وتبعك فارجمه، فإنه تاركك كما تركه. ذنب الكلب لا يستوي. رأس كلب أحب إلي من ذنب أسد. العائد في شيئه كالكلب يعود في قيئه. إذا أحسنت إلى الكلب لم ينبحك. نعم كلبٌ في بؤس أهله، يضرب لمن ينال خيراً بضرر صاحبه.
وهل يعضّ الكلب إن عضّا

على أهلها دلت براقش، وهو اسم كلبة دلت على قومٍ فقتلوا. أحب أهل العلم إلى كلبهم الظاعن - لمن يروم نفعه بضرر صاحبه. مطلٌ كنعاس الكلب. كالكلاب تتبع خبزاً. فلانٌ ما يعوى له ولا ينبح، أي ما يهجى ولا يمدح. لو لك عويت لم أعو، يضرب لمن صادف في طلبه ما كره. لا تقتن من كلب سوءٍ جرواً. اذكر الصديق وهيء له وسادةً، واذكر الكلب وأعد له آجرةً. أحرص من كلبٍ على جيفةٍ. أسرع من لحس الكلب انفه. الأم من كلبٍ على عرقٍ. أجوع من كلبة حومل.
كالكلب يأكل في بيوت النّاس
كان الأمير فصار كلب الحارس
كالكلب إن جاع لم يعدمك بصبصةٍ ... وإن ينل شبعةً ينبح من الأشر
آخر:
وإني وقيساً كالمسمّن كلبه ... فخدّشه أنيابه وأظافره
آخر:
أخاف كلاب الأبعدين وهرشها ... إذا لم تجاوبها كلاب الأقارب
آخر:
ولربّما قد رأيت الكلب متّخماً ... في اليوم يسغب فيه الذّئب والأسد
آخر:
هو الكلب إلا أن فيه ملالةً ... وسوء مراعاةٍ وما ذاك في الكلب
أمن بيت الكلاب طلبت عظماً ... لقد حدّثت نفسك بالمحال
آخر:
فلا تحسد الكلب أكل العظام ... فعند الخراءة ما ترحمه
وعمّا قليلٍ ترى باسته ... كلوماً جناها عليه فمه

الضبع
لا أكون كالضبع، تسمع اللدم فتخرج حتى تصاد. خامري أم عامرٍ، للغافل المغرور. روعي جعار وانظري أين المفر، عند استكانة الجبان. عرض عليه خصلتي الضبع، في الخلتين المكروهتين.
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
آخر:
فقلت لها: عيشي جعار وأبشري ... بلحم امرىءٍ لم يشهد اليوم ناصره
فليس يأكل إلا الميّت الضّبع
أبو فراس:
ما للعبيد من الذي ... يقضي به الله امتناع
ذدت الأسود عن الفرا ... ئس ثم تفرسني الضّباع
سائر السباع
النمر
لبست له جلد النمر. أمنع من است النمر. قال غلامٌ أعرابي لمن راوده عن نفسه: لا تحم حول است النمر فقد علمت منعتها.
الفهد
أنوم من فهدٍ. أوثب من فهدٍ.
وأمّا نومكم عن كلّ خيرٍ ... فنوم الفهد لا يقضى كراه
الثعلب
أروغ من ثعلبٍ.
لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب
أيّها العائب سلمى ... أنت عندي كثعاله
رام عنقوداً فلما ... أبصر العنقود طاله
قال: هذا حامضٌ لمّ ... ا رأى ألاّ يناله
ومتى كانت الثّعالب أسداً ... ومتى كانت النّساء رجالا
الخنزير
كرهت الخنازير الحميم الموغر، عند استشعار الجاهل الفزع. عند الخنازير تنفق العذرة. ابن الرومي:
أصبحت كالخنزير في الطّرائد ... ليس لمن يقتله من حامد
وربّما أتلف نفس الطّارد
جنةٌ ترعاها الخنازير، يضرب للبلدة الحسناء يسكنها اللئام.
القرد
القرد قبيحٌ لكنه مليحٌ. اسجد لقرد السوء في زمانه. ربّ قرودٍ في برود. ابن الرومي:
شركت القرد في قبحٍ وسخفٍ ... وما قصّرت عنه في الحكايه
وله:
ليتهم كانوا قروداً فحكوا ... شيم الناس كما تحكي القرود
القنفذ
ويقال للذكر منه: شيهم، ويقال له أيضاً. . . ، ولذلك ذهبوا. . . وقال الأعشى:
لترتحلن منّي على ظهر شيهم
وقال الأخطل:
مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت ... نجران أو بلّغت سوآتهم هجر
الهر والفأر
لا تأمن الهر على اللحم ولا الكلب على الشحم. إذا تعود السنور كشف القدر لم تصبر عنه. فلان ينصح نصيحة السنور للفأر.
كسنّور عبد الله بيع بدرهمٍ ... صغيراً فلما شبّ بيع بقيراط
ما في الفأر غرةٌ لا تعرفها الهرة. لا تباع الهرة في الجراب.
لا رأى السّنور في أولاده ... ما تمنّى فيه أولاد الجرذ

كهرةٍ تأكل أولادها. لا يدبر البقال إلا إذا تصالح السنور والفأر. أضل دريصٌ نفقه، لمن يعد حجةً فينساها عند الحاجة. فلانٌ يلجم الفأر في بيته، للبخيل. لم يسع الفأرة جحرها فاستصحبت مكنسةً.

الوحش
الظبي
أعز من ظبيٍ مقمرٍ. تركه ترك ظبيٍ ظله، لمن فر من شيءٍ ولم يرجع إليه، ولا يكاد يذكره. به داء ظبي، للصحيح، لأن الظبي لا داء به. لا بظبيٍ عند الشماتة. كأنه على قرن أعفر، إذا كان قلقاً. من لي بالسانح بعد البارح، لمن يرى من صاحبه ما يكره، فلا يطمع في خيره بعد ذلك. إنما هو كبارح الأروى، لمن يتشاءم به. لا يجتمع الأروى والنعام، لأن أحدهما في الجبل، والآخر في السهل. هل تصيد الظباء إلا الكلاب.
تفرّقت الظّباء على خراشٍ ... فما يدري خراشٌ ما يصيد
آخر:
وإن كنت لا أرمي الظباء فإنني ... أدسّ لها تحت التّراب الدّواهيا
النعام
أجبن من نعامةٍ. أعدى من نعامةٍ. أشرد من نعامةٍ. أشرد من هيقٍ. أموق من نعامةٍ، وموقها تركها بيضها، وحضنها بيض غيرها. ركب فلانٌ جناح نعامةٍ، إذا جد في أمره. ويقال للمنهزمين: أضحوا نعاماً. كاد النعام يطير. شالت نعامتهم، وخف رألهم ، إذا تفرقوا عند الفزع.
مثل النّعامة لا طيرٌ ولا جملٌ
كالنعامة تكون جملاً إذا قيل لها: طيري، وطائراً إذا قيل لها: احملي. أصح من ظليم. أصح من بيض النعام.
أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامةٌ
كتاركةٍ بيضها بالعراء ... وملبسةٍ بيض أخرى جناحا
الطير
كل طيرٍ مع شكله.
إنّ الطّيور على ألاّفها تقع
وكيف تنام الطير في وكناتها
وما طار طيرٌ فارتفع ... إلاّ كما طار وقع
فلانٌ واقع الطير، إذا كان ساكناً. كأن على رؤوسهم الطير، في الوقار. طار طائره، إذا هرب. حوصلي وطيري، لمن لا يمكث إذا أكل. ليس هذا بعشك فادرجي، للمستدفع عما يدعيه. ذاك عشه الذي فيه درج، ومنه خرج، في وصف مسقط الرأس والمنشأ. فلانٌ تحت جناح فلان إذا كان في داره وكنفه. كلما طار قص جناحه، لمن لا تطول مدة ولايته. هو في جناح الطائر، إذا كان قلقاً دهشاً. وركب جناح الطائر، إذا فارق وطنه.
بغاث الطّير أكثرها فراخاً ... وأمّ الصّقر مقلاتٌ نزور
لمن يكثر ولده من الغاغة.
خلالك الجوّ فبيضي واصفري
لمن يخلو ممن يزاحمه. فلانٌ مقصوص الجناح، إذا كان منكوباً.
ولكن الجناح إذا أصيبت ... قوادمه أسفّ على الأكام
المتنبي:
خير الطّيور على القصور وشرّها ... يأوي الخراب ويسكن النّاووسا
المهلبي الوزير:
كالنّبل عامدةً إلى أهدافها ... والطّير قاصدةً إلى الأبراج
عقله عقل طائرٍ، وهو في صورة الجمل. أبو بكر الخوارزمي:
علقٌ غدا بيّاعه ... مبتاعه لهوانه
كالفرخ لم يخطب فصا ... ر أبوه من أختانه
غيره:
إني لأرجو من أبي صابرٍ ... ما يرتجي الفرخ من الطّائر
العامة: ليس من شفقة الصائد على الطائر إلقاؤه الحب بين يديه. كلفه مخ البعوض ولبن الطائر، لما يعز وجوده.
والطّير لا تنقضّ من أوكارها ... إلا على ماءٍ وحبٍّ ساقط
نظر ابو بكر الصديق رضي الله عنه إلى طائرٍ على شجرةٍ فقال: هنيئاً لك يا طائر تقع على الشجر، وتأكل من الثمر، ولا تدري ما الخبر.
العنقاء والعقاب
أعز من عنقاء مغرب. حلقت به عنقاء مغرب. كمن يشتهي لحم عنقاء مغرب.
وما خبزه إلا كعنقاء مغرب
أبصر من العقاب. أحزم من فرخ العقاب، لأنه يكون في رؤوس الجبال الشاهقة، فإذا تحرك كاد يسقط.
إذا ما حامت العقبان ظهراً ... تستّرت الجوارح بالغياض
البازي
لا يفزع البازي من صياح الكركي.
وهل ينهض البازي بغير جناح
ومن يجعل الضّرغام للصّيد بازه ... تصيّده الضّرغام فيما تصيّدا
هو بازٍ صائدٍ ارسلته ... فابعثوه سالماً إن لم يصد
إذا لم ينفعك البازي فانتف ريشه. ليس يقوى ألف كركيٍ ببازٍ. ليس من هوان البازي تحاص عيناه. لا يرسل البازي في الضباب، في الأمر بالاحتياط. البحتري:

وبياض البازيّ أصدق حسناً ... إن تأملت من سواد الغراب
المتنبي:
وشرّ ما قنصته راحتي قنصٌ ... شهب البزاة سواءٌ فيه والرّخم
آخر:
وكنت كبازي الجوّ قصّ جناحه ... يرى حسراتٍ كلّما طار طائر
يرى طائرات الجوّ يخفضن حوله ... فيذكر إذ ريش الجناحين وافر
ابن سكرة:
وكلّ بازٍ يمسّه هرمٌ ... تخرى على رأسه العصافير
نصبوا اللّحم للبزاة ... على ذروتي عدن
ثم لاموا البزاة أن ... خلعت نحوها الرّسن

الصقر
وحقّ على ابن الصقر أن يشبه الصّقرا
وأمّ الصّقر مقلاتٌ نزور
صقرٌ يلوذ جمامه بالعوسج
للمهيب. أبو فراس:
والمرء ليس ببالغٍ في أرضه ... كالصّقر ليس بصائدٍ في وكره
النمري:
كنت صقراً آخذ الكر ... كيّ والطير العظاما
وإذا ما أرسل الصّق ... ر على الصّعو تعامى
فتقصّيت من الصّع ... و فأوهت لي القدامى
غيره:
زعموا بأن الصّقر صادف مرّةً ... عصفور برٍّ ساقه المقدور
فتكلّم العصفور تحت جناحه ... والصقر منقضٌّ عليه يطير
ما كنت خاميزاً لمثلك لقمةً ... ولئن شويت فإنني لحقير
فتهاون الصقر المدلّ بنفسه ... كرماً وأفلت ذلك العصفور
النسر
عمر من نسر لقمان. تصاب يا لبد، للكبير يتصابى. أتى أبدٌ على لبدٍ.
إن البغاث بأرضنا يستنسر
للضعيف يقوى. كتب أبو إسحق الصابي من الحبس إلى صديقٍ له:
نحن كالنّسرين في الصح ... بة لكنّي واقع
وعلى الطّائر أن يغ ... شى أخاه ويراجع
غيره:
مرّ نسرٌ ببعيرٍ مرةً ... وهو منقادٌ لغرٍّ في زمام
قال: تبّاً لك من ذي أربعٍ ... بازلٍ يبرك صغراً لغلام
قال: لا ألحاك فيما قلته ... إنني عاملتهم موتي زمام
الغراب
هو في خيرٍ لا يطير غرابه، للخصب والسعة. لا يكون ذلك حتى يشيب الغراب. طار غراب شبابه، أي ذهب شبابه. هو غرابٌ، لمن به داء سوءٍ؛لأن الغراب يواري سوأة أخيه. خذ من الغراب بكوره وكتمانه للسفاد.
هيهات طار غرابها بجرادتك
للأمر الذي فات لا يطمع فيه. العامة: ليس بصياح الغراب يجيء المطر.
وكم من غرابٍ رام مشية قبجةٍ ... فأنسي ممشاه ولم يمش كالحجل
آخر:
يواسي الغراب الذئب في كل صيده ... وما صادت الغربان في سعف النخل
المتنبي:
لا تشكونّ إلى خلقٍ فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرّخم
أبو الشيص:
والنّاس يلحون غرا ... ب البين لما جهلوا
وما غراب البين إلا ... ناقةٌ أو جمل
وله:
ومن يكن الغراب له دليلاً ... فناووس المجوس له مصير
القطا
أهدى من القطا. أهدى من القطا الكدر إلى الغدر. أهدى من الفقر إلى الحر. وما القطا بكذاب. العرب: لو ترك القطا ليلاً لناما، للأمر الذي يستدل به على الشر، وللساكن يحرك.
وإنّي وإيّاهم كمن نبّه القطا ... ولو لم تنبّه باتت الطير لا تسري
ليس قطاً مثل قطا، ولا المرعي في الأقو ... ام كالراعي يضرب في خطأ القياس.
قد يصاد القطا فينجو سليماً ... ويحلّ البلاء بالصيّاد
الحبارى
الحبارى سلاحها سلاحها. أقصر من إبهام الحبارى. عثمان بن عفان رضي الله عنه: كل شيءٍ يحب ولده حتى الحبارى. العرب: مات كمد الحبارى، لمن يقتله الحزن. وعيد الحبارى للصقر، للضعيف يتهدد القوي.
الديك والدجاجة

ليس من كرامة الديك تغسل رجلاه. كان ذلك بيضة الديك، للشيء الذي يكون مرةً واحدةٌ؛وكذلك قولهم، بيضة العقر. فلان كالديك، يأكل ويشرب وينيك. قيل للفرزدق: إن فلانة تقول الشعر، قال: إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فلتذبح. العامة: به حاجة الديك إلى الدجاجة. عاتب البازي الديك على نفاره من الناس إذا أرادوا أخذه، فقال له: لو رأيت بازياً على سفودٍ لكنت أشد نفوراً مني.
فإذا حكّت الدّجا ... جة بالنّقر ديكها
فاعلمن أن حكّها ... شهوةً أن ينيكها
ماتت الدجاجة التي كانت تبيض بيض الذهب.
الحمام والقمْري
مرضت الحمامة فعادها السنور؛فقال: كيف أنت؟فقالت: بخيرٍ ما عوفيت منك.
عيّوا بأمرهم كما ... عيّت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من ... نشمٍ وآخر من ثمامه
طوق الحمامة لا يبلى على القدم
وهل تنحل الأطواق ورق الحمائم
كأطواق الحمائم في الرّقاب
وكيف رواغ قمريٍّ ... ألحّ عليه شاهين

العصفور
كالعصفور، إن أرسلته فات، وإن قبضت عليه مات. العصفور في النزع، والصبيان في اللعب. عصفورٌ في يدك خيرٌ من كركيٍ في الهواء. صاحت عصافير بطنه، للجائع. العامة: خليت عن الجاورس، لئلا احتاج إلى خصومة العصافير.
إني لأحيا على عسري وتيسيري ... يوماً بيومٍ كما تحيا العصافير
سائر الطيور
أضيع من طاووسٍ على ناووس. ابن عباد:
وإنّ أباك إذ تعزى إليه ... لكالطاووس تقبح منه رجله
أعز من بيض الأنوق. حدأ حدأ وراءك بندقة، في التحذير. يصيد ما بين الكركي إلى العندليب، لمن يقول بالصغار والكبار. لاقى الأخيل، في الدعاء على المسافر. أسجد من هدهدٍ، للمتهم بسوءٍ.
وأنتن من هدهدٍ ميّتٍ ... أصيب فكفّن في جورب
ابن الرومي:
خفافيش أعشاها النّهار بضوئه ... فلاءمها قطعٌ من اللّيل غيهب
آخر:
تظلّ الطير تصفر آمناتٍ ... وللتّغريد ما حبس الهزار
الجراد
ثلاثةٌ شأنهم الفساد ... النّار والبربر والجراد
كلما كثر الجراد طاب لقطه. لا تكن كالجراد، يأكل ما وجده، ويأكله ما وجده. كالجراد لا يبقي ولا يذر.
مرّ الجراد على زرعي فقلت له: ... الزم طريقك لا تولع بإفساد
فقال منهم خطيب فوق سنبلةٍ ... إنّا على شفرٍ لا بدّ من زاد
إنّا جنودٌ لربّ العرش مرسلةٌ ... منّا حصيدٌ ومنّا غير حصّاد
آخر في رجلٍ يلقب بالجرادة:
أيرجى بالجراد صلاح أمرٍ ... وقد جبل الجراد على الفساد
النحل
ولا بدّ دون الشهد من إبر النّحل
الحر نحل الشكر، إن أجناه المرء من بره شكراً أجناه من شكره شهداً.
كالنّحل في أفواهها عسلٌ ... يحلو وفي أذنابها السّمّ
الذباب
أجرأ من الذباب؛لأنه يقع على أنف الملك وفم الأسد. أطيش من ذبابٍ. ما الذباب وما مرقته؟للأمر يحتقر.
نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذره أن ينالا
آخر:
وكنت كذبّانٍ على الشّهد علّقت ... قوائمها فيه لحينٍ ملازم
إنّ الذّباب على الماذيّ وقّاع
للدنيء يتولع بالشريف.
البعوض
قالت البعوضة للنخلة: استمسكي فإني عنك ناهضةٌ، فقالت: ما أحسست وقوعك، فكيف نهوضك!
النمل والذر
ّ
أكسب من نملةٍ. ما عسى أن يبلغ عض النملة وقرص القملة.
وإذا استوت للنّمل أجنحةٌ ... حتى يطير فقد دنا عطبه
أبو نصر العتبي:
الله يعلم أني لست ذا بخلٍ ... ولست ملتمساً في البخل لي عللا
لكنّ طاقة مثلي غير خافية ... والنمل يعذر في القدر الذي حملا
ابن الرومي:
رمت نداكم يا بني طاهرٍ ... فرمت مخّ الذّرّ في عسرته
الضّب
تعلمني بضبٍ أنا حرشته، لمن يعلم علماً لمن هو أعلم منه به. فلان أخبّ من ضبٍّ. خله درج
الضب
، لمن يستغنى عنه. كل ضبٍ عنده مرداته، لمن يعين على نفسه. إن تك ضباً فأنا حسله، في لقاء الرجل مثله.

وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضبّ يعدو بالواد

الحية والعقرب
لا يلسع المؤمن من جحرٍ مرتين. أظلم من حيةٍ. أدخل من حيةٍ. أعدى من حيةٍ، وبالراء أيضاً روايةٌ. لا تلد الحية إلا الحية. كالأرقم، إن يترك يلقم، وإن يقتل ينقم. من لسعه الأرقش يخشى الرشاء الأبرش. من نهشته الحية حذر الرسن. الحاوي لا ينجو من الحيات. المتلمس:
فاطرق إطراق الشّجاع ولو رأى ... مساغاً لنابيه الشّجاع لصمّما
أبو تمام:
والفتى من تعرّفته الليالي ... والفيافي كالحيّة النضناض
آخر:
متى تحمد صديق السّوء فاعلم ... بأنك بعد محمدةٍ تذمه
كطفلٍ راقه ترقيش صلٍّ ... فلما مسّه أرداه سمّه
لآخر:
وبالضّئيلة لينٌ في مجسّتها ... وسمّها ناقعٌ يردي إذا لسعت
أبو بكر الخوارزمي: لا تغرنّك هذه الأوجه الغرّ، فيا ربّ حيةٍ في رياض. أبو نصر سهل بن المرزبان:
قال لمّا قلت: لم تهجرنا ... إن أتى بردٌ وإن ثلجٌ وقع
أنا كالحيّة أشتو كامناً ... ثم أنساب إذا الصّيف رجع
أبو نصر العتبي:
تعلم من الأفعى أمالي طبعها ... وآنس إذا أوحشت تعف عن الذّم
لئن كان سمٌّ تحت نابها ... ففي لحمها ترياق غائلة السّمّ
دبت عقاربه. إن عادت العقرب عدنا لها. الأقارب عقارب. أخبث من عقربٍ. قيل للعقرب: لم لا تتشمسين في الشتاء؟قالت: من حسن أثري عندهم في الصيف أبرز إليهم في الشتاء.
سائر الحشرات
الخنفساء في عين أمها حسنةٌ. قالت الخنفساء لأمها: ما أمر بأحدٍ إلا بزق علي، قالت: يا بنية، لحسنك تعوذين.
وكلّ قرينٍ إلى شكله ... كأنس الخنافس بالعقرب
الأحنف العكبري:
العنكبوت بنت بيتاً على وهنٍ ... تأوي إليه ومالي مثله وطن
والخنفساة لها من جنسها سكنٌ ... وليس لي مثلها إلفٌ ولا سكن
خالد بن صفوان: لثلاثون من العيال في مالٍ أسرع من السوس في الصوف في الصيف. بلغت الأحنف وقيعة بعض السقاط فيه فقال: عثيثةٌ تقرض جلداً أملساً. العرب: أصنع من سرفةٍ. العامة: أذل من قرادٍ في لحية قواد. الصابي: أمضى من وقوع الذباب في الشراب، وتهافت الفراش في الشهاب. العامة: لا يصبر على الخل إلا دوده.
الفصل الرابع في سائر الفنون والأغراض
الفصل الأول منه أحوال الإنسان وأطواره
من هذا الفصل فيما ذكرمن أحوال الإنسان وأطواره أو يجري مجرى المثل من
ذكر أحوال الإنسان وأطواره المختلفة وما يأخذ مأخذها
وصف الشباب
غصن شبابه رطيب، وبرد حداثته قشيب. هو بعذرة الشباب وغرته؛كأنما قد سيره الآن.
والشّباب شرّةٌ وعيهق
أطاب الشباب وعزته، وأجاد الصبا وشرته. جر أزر الصبا، وأدال ذيول الهوى. ركض في ميدان التصابي، وجنى ثمرات الملاهي. الشباب باكورة الحياة.
إنّ الشّباب حجّة التصابي ... روائح الجنّة في الشّباب
أطيب العيش أوائله؛كما أن أطيب الثمار بواكرها. النمري:
ما كنت أوفي شبابي كنه غرّته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
آخر:
لا تكذبنّ فما الدّنيا بأجمعها ... من الشباب بيومٍ واحدٍ بدل
ابن الرومي:
وعزّاك عن ليل الشباب معاشرٌ ... فقالوا: نهار الشيب أهدى وأرشد
فقلت:
نهار المرء أهدى لسعيه ... ولكنّ ظلّ الليل أندى وأبرد
ذمّ الشباب
الشباب مظنة الجهل، ومطية الذنوب. سكر الشباب أشد من سكر الشراب.
إن الشباب جنونٌ برؤه الكبر
ابن المعتز: جهل الشباب معذورٌ، وعلمه محقورٌ. غيره: شبابه أعمى عن الرشد وأصم عن العذل.
لم أقل للشباب: في كنف الله ... وفي حفظه غداة استقلاّ
زائرٌ لم يزل مقيماً إلى أن ... سوّد الصّحف بالذّنوب وولّى
وصف الشيب

الشيب نورٌ غصن شبابه رطيبٌ. بدت في رأسه طلائع المشيب. أخذ الشيب بعنان شبابه. أغزاه الشيب جيوشه. أقمر ليل شبابه. لاحت الشعرات البيض، وجعلت تفرخ وتبيض. ألجمه الشيب بلجامه، وقاده بزمامه. علاه غبار وقائع الدهر. بينا هو راقدٌ في ليل شبابه، إذ أيقظه صبح المشيب. طوى مراحل الشباب، وأنفق من عمره بغير حساب. جاوز للشباب مراحل، وورد من المشيب مناهل. فك الدهر شبا شبابه، ومحا محاسن روائه.

مدح المشيب
الشيب حلية العقل وسمة الوقار. الشيب زبدةٌ مخضتها الأيام، وفضةٌ سبكتها الأعوام.
إنّ المشيب رداء العلم والأدب
يا عائب الشّيب لا بلّغته
سرى في طريق الرشد بمصباح الشيب. عصى شياطين الشباب، وأطاع ملائكة المشيب.
الشيب خير نذيرٍ ... لو كان يغني النّذير
وما خير ليلٍ ليس فيه نجوم
للشيخ الرأي، وللشاب الكيس. الشيخ يقول عن عيانٍ، والشاب عن سماعٍ. ابن المعتز: عظم الكبير، فإنه عرف الله قبلك، وارحم الصغير، فإنه أغر بالدنيا منك.
قد يشيب الفتى وليس عجيباً ... أن ترى النّور في القضيب الرّطيب
دعبل:
أحبّ الشّيب لما قيل: ضيفٌ ... لحبي للضيوف النّازلينا
وله:
إني أنا السّيف لا ترضيك حدّته ... وليس يرضيك إلا بعد إخلاق
أبو تمام:
ولا يروعك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرّأي والأدب
أبو الفتح البستي:
يا شيبتي دومي ولا تترحّلي ... وتيقّني أنّي بوصلك مولع
قد كنت أجزع من حلولك مرّةً ... والآن من خوف ارتحالك أجزع
ذمّ الشيب
عبيد بن الأبرص:
والشّيب شينٌ لمن يشيب
قيس بن عاصم: الشيب خطام المنية. أكثم بن صيفي: الشيب عنوان الموت. الحجاج: الشيب بريد الآخرة. مالك بن أنس: الشيب توأم الموت. العتبي: الشيب مجمع الأمراض. العتابي: الشيب نذير المنية. يونس النحوي: الشيب وكل عيب. محمود الوراق: الشيب إحدى المنيتين. ابن المعتز: الشيب أول مواعيد الفنا. غيره: الشيب ناعي الشباب، ورسول البلى. الشيب قناع الموت. الشيب عنوان الفساد. الشيب قذى عين الشباب. الشيب غمام قطره الغموم. الموت ساحل الحياة، والشيب سفينة تقرب من الساحل. الشيب شر العمائم. من عرف الشيب أنكر نفسه. نظر سليمان بن وهب في المرآة فرأى بلحيته شيباً كثيراً. فقال: عيبٌ لا عدمناه. مسلم بن الوليد:
الشّيب كرهٌ وكرهٌ أن يفارقني ... أعجب بشيءٍ على البغضاء مودود
غيره:
والشّيب أعظم حرماً عند غانيةٍ ... من ابن ملجم عند الفاطميينا
أبو تمام الطائي:
غدا الشيب مختطّاً بفوديّ خطةً ... طريق الردى منها إلى النّفس مهيع
هو الزّور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقع
له منظر في العين أبيضٌ ناصعٌ ... ولكنه في القلب أسود أسفع
ونحن نرجيه على الكره والرّضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
غيره:
تضاحكت لما رأت ... شيبي تلألأ غرره
قلت لها: لا تعجبي ... أنبيك عندي خبره
هذا غمامٌ للرّدى ... ودمع عيني مطره
منصور الفقيه:
من شاب قد مات وهو حيٌّ ... يمشي على الأرض مشي هالك
لو كان عمر الفتى حساباً ... لكان في شيبه فذلك
الصابي:
والعمر مثل الكأس ير ... سب في أواخرها القذى
مدح الخضاب
الخضاب أحد الشبابين. الخضاب تذكرة الشباب.
الشيب موتٌ ولكن في إماتته ... محيا ليالٍ قليلاتٍ وأيّام
المتنبي:
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيحٌ ولكن أحسن الشّعر فاحمه
ابن المعتز:
وقالوا: النّصول مشيبٌ جديدٌ ... فقلت: الخضاب شبابٌ جديدٌ
إساءة هذا بإحسان هذا ... فإن عاد هذا فهذا يعود
وللشباب تراعى حرمة الكتم
وللضّيف أن يقرى ويعرف حقّه
والشيب ضيفك فاقره بخضاب
عبدان الأصفهاني:
في مشيبي شماتةٌ لعداتي ... وهو ناعٍ منغّصٌ لحياتي

ويعيب الخضاب قومٌ وفيه ... لي أنسٌ إلى حضور وفاتي
لا ومن يعلم السّرائر مني ... ما به رمت خلّة الغانيات
إنما رمت أن يغيّب عني ... ما ترينيه كلّ يومٍ مرآتي
وهو ناعٍ إليّ نفسي ومن ذا ... سرّه أن يرى وجوه النّعاة

ذم الخضاب
الخضاب من شهود الزور. الخضاب حداد الشباب. إن خضبت الشيب، فكيف تخضب الكبر؟. الخضاب كفن الشيب.
تستّر بالخضاب؟وأيّ شيءٍ ... أدلّ على المشيب من الخضاب
محمود الوراق:
يا خاضب الشيب الذي ... في كلّ ثالثةٍ يعود
إن النّصول إذا بدا ... فكأنه شيبٌ جديد
وله بديهةٌ روعةٌ ... مكروهها أبداً عتيد
فدع المشيب كما أرا ... د فلن يعود كما تريد
غيره:
يا خاضب الشيب بالحنّاء تستره ... سل المليك له ستراً من النّار
المتنبي:
ومن هوى كلّ من ليست مموّهةً ... تركت لون مشيبي غير مخضوب
ومن هوى الصّدق في قولي وعادته ... رغبت عن شعرٍ في الوجه مكذوب
وصف الكبر ومشارفة الفناء
تضاعفت عقود عمره. أخذت الأيام من جسمه. ثلمه الدهر ثلم الإناء. تركه كذي الغارب المنكوب حتى قوسه الكبر. عوج المشيب قناته. أريق ماء شبابه. استشنّ أديمه. نضب غدير شبابه. نشر الزمان جناحه. نقض الدهر مرته. طوى ما نشر منه. قيده الكبر.
حنتني حانيات الدهر حتّى ... كأني خاتلٌ آدو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيداً أمشي بقيد
اختلفت إليه رسل المنية. قد خلق عمره، وانطوى عيشه، وبلغ ساحل الحياة، ووقف على ثنية الوداع، وأشرف على دار المقام. لم تبق منه إلا أنفاسٌ معدودةٌ، وحركاتٌ محصورةٌ.
وصف الغنى
هب عليه نسيم الثروة؛ومهد له فراش النعمة. درت له أخلاف الدنيا، ومطرته سحائب الغنى. اتسعت مواد أمواله، وتفرعت شعب أحواله. امتلأ واديه من ثاغية صباحٍ، وراغية رواحٍ. ورمت أكياسه فضة وتبراً. وعنده من العين ما تقر به العين. هو مستظهرٌ بخبايا الحقائب، وأسرار الأخراج، وضمائر الصناديق.
مدح المال والغنى
لو لم يكن في الغنى إلا أنه من صفات الله تعالى لكفى به فضلاً.
إن الغنى طويل الذيل ميّاس
استغن أو مت. قد شرف الوضيع بالمال.
إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال
المال في الغربة وطنٌ، والفقر في الوطن غربةٌ. الآمال متعلقةٌ بالأموال. ابن المعتز:
إذا كنت ذا ثروةٍ من غنىً ... فأنت المسوّد في العالم
وحسبك من نسبٍ صورةٌ ... تخبّر أنك من آدم
آخر:
كلّ النداء إذا ناديت يخذلني ... إلاّ ندائي إذا ناديت : يا مالي
آخر:
وباه تميماً بالغنى إنّ للغنى ... لساناً به المرء الهيوبة ينطق
المال يكسب أهله المحبة. لا مجد إلا بمالٍ. الرجال بالأموال. المال خير مآل. مال المرء موئله، وقوته قوّته. خير مالك ما نفعك.
ذم المال والغنى
قال تعالى: " إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى " . الغنى يورث البطر. ربّ نعلٍ شرٌ من الحفا. غنى النفس أفضل من غنى المال.
غني النّفس لمن يعق ... ل خيرٌ من غنى المال
وفضل الناس في الأنف ... س ليس الفضل في الحال
الغنى غنى القلب لا غنى المال. المال ملولٌ. المال ميالٌ. طبع المال طبع الصبي، لا يوقف على حين رضاه وسخطه. المال لا ينفعك ما لم يفارقك. قد يكون مال المرء سبب حتفه، كما أن الطاووس قد يذبح لحسن ريشه. يحيى بن معاذ: الدرهم عقربٌ، فإن أحسنت رقيتها، وإلا فلا تأخذها.
مدح الفقر
الفقر شعار الصالحين. الفقير مخفٌ، والغني مثقلٌ. الفقير أقل عدواً من الغني. إن من العصمة ألا تجد. الثوري: الصبر على الفقر يعدل الجهاد في سبيل الله. أبو العتاهية:
ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى ... وأن الغنى يخشى عليه من الفقر
آخر:
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى لو صحّ منك النظر
أنك تعصي الله تبغي الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر
ذم الفقر

الفقر مجمع العيوب. الفقر كنز البلاء. القلة ذلة. الفاقة الموت الأحمر. كاد الفقر أن يكون كفراً. لا فاقة كالفقر. الغنى مجلٌ مبجلٌ، والفقر مذلٌ متبذلٌ. لا أدري أيهما أمرّ؛موت الغني أم حياة الفقير؟!.
إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه
ولم أر بعد الدّين خيراً من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شراً من الفقر

وصف الفقير
يرتضع من الدهر ثدي عقيم، ويركب من الفقر ظهر بهيمٍ. لو بلغ الرزق فاه لولاه قفاه. جاء بوجهٍ قد غبر فيه الفقر، وانتزف ماءه الدهر. لا يملك غير الجلدة بردةً، ولا يلتقي لحياه رعدةً. قد أحلت له الضرورة ما حرم الله عليه. حيٌ كميتٌ، وفي بيتٍ بلا بيت. ليس معه عقدٌ على نقدٍ. غداؤه الخوى وعشاؤه الطوى. فلانٌ سراويله في زيقه، أي أن الحاجة والجهد أحوجاه إلى أن رقع قميصه بسراويله.
السعادة
أسعد الناس من كان له القضاء مساعداً، وكان لتلك المساعدة أهلاً. حسن الصورة أول السعادة. من سعادة المرء أن يطول عمره، ويرى في عدوه ما يسره. أسعد الناس من جعل الله النعمة وطاءه، والعافية غطاءه، والعقل عطاءه. الفلاسفة: السعادة أربعٌ: سلامة الخلقة، وجودة العقل، وتأتي المطلوبات، والمحبة في الناس.
الشقاوة
الشقي من لا يثق بأحدٍ، لسوء ظنه. الشقي من كان مشغولاً بلا دينٍ ولا دنيا. أشقى الشقاء الفقر والإثم. أشقى الناس من ذهبت مادته وبقيت عادته.
وفي كتاب المبهج
أشقى الأشقياء المكدود المكدي. الشقي من كان بين سخط الخالق وشماتة المخلوق.
الأمن
أدوم الناس سروراً الآمن. أحسن الناس عيشاً آمنهم. من أحب أن يعيش آمناً فليكف عن الذنوب. ربّ أمنٍ يشبه الخوف. الأمن نصف العيش.
إذا القوت تأتّى لك والصّحة والأمن
فأصبحت أخا خوفٍ ... فلا فارقك الحزن
الخوف
لا عيش لخائفٍ. ادن من الخوف تأمن. لا تسيء ولا تخف. المرض حبس البدن، والخوف حبس الروح. أنس الأمن يذهب وحشة الوحدة، ووحشة الخوف تذهب أنس الجماعة.
الشغل والفراغ
إن يكن الشغل مجهدةٌ يكن الفراغ مفسدةً. تناط الآمال بمن اتصلت عليه الأشغال.
افرغ لحاجتنا ما دمت مشغولاً ... لو قد فرغت لما أصبحت مأمولاً
من الفراغ تكون الصبوة.
ما العشق إلاّ شغل قلبٍ فارغ
ما أطيب الفراغ على النجح. ما أطيب العيش على الجدة.
لقد هاج الفراغ عليك شغلاً ... وأسباب البلاء من الفراغ
مدح السفر والغربة
في الخبر: سافروا تصحوا وتغنموا. في التوراة: يا ابن آدم، أحدث سفراً أحدث لك رزقاً. العامة والخاصة: البركات في الحركات. السفر أحد أسباب المعاش التي بها قوامه ونظامه. إن الله تعالى لم يجمع كل منافع الدنيا في أرضٍ، بل فرقها وأحوج بعضها إلى بعضٍ. المسافر يسمع العجائب، ويكسب التجارب، ويجلب المكاسب. السفر يشد الأبدان، وينشط الكسلان، ويسلي الثكلان، ويطرد الأسقام، ويشهي الطعام. من فضل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علماً بقدرة الله تعالى وحكمته، ويدعوه إلى شكر نعمته. حرك القدر يتحرك.
وإذا نبا بك منزلٌ فتحوّل
ليس بينك وبين بلدٍ نسبٌ، فخير البلاد ما حملك. أوحش أهلك إذا كان في إيحاشهم أنسك، واهجر وطنك إذا نبت عنه نفسك. سهل بن هارون: لست ممن يقطع نفسه في صلة وطنه. غيره: ربما أسفر السفر عن الظفر، وتعذر في الوطن قضاء الوطر.
ليس ارتحالك ترتاد الغنى سفراً ... بل المقام على خسفٍ هو السّفر
البحتري:
وإذا الزمان كساك حلّة معدمٍ ... فالبس له حلل النّوى وتغرّب
عروة بن الورد:
ومن يك مثلي ذا عيالٍ ومقتراً ... من المال يطرح نفسه كلّ مطرح
ليبلغ عذراً أو يصيب رغيبةً ... ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح
آخر:
تقول سليمى: لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أنّي للمقام أطوّف
ابن عباد: الخبر المنقول شهيدٌ أن المقبوض غريباً شهيدٌ.
ذم السفر والغربة
في الخبر: إن المسافر ومتاعه لعلى قلتٍ، إلا ما وقى الله تعالى. السفر قطعةٌ من العذاب. وقد قيل: إن العذاب قطعةٌ من السفر.

كلّ العذاب قطعةٌ من السّفر ... يا ربّ فارددني إلى ريف الحضر
إذا ما حمام المرء كان ببلدةٍ ... دعته إليها حاجةٌ أو تطرّب
شيئان لا يعرفهما إلا من ابتلي بهما: السفر الشاسع، والبناء الواسع. السفر والسقم والقتال ثلاثٌ متقاربةٌ، فالسفر سفينة الأذى، والسقم حريق الجسد، والقتال منبت المنايا. إذا كنت في غير بلدك فلا تنس نصيبك من الذل. الغربة كربةٌ، والقلة ذلة، والنقلة مثلة. الغريب كالفرس الذي زايل أرضه وفقد شربه، فهو ذاوٍ لا يثمر، وذابلٍ لا ينضر. الغريب كالوحشي النائي عن وطنه، فهو لكل سبعٍ فريسةٌ، ولكل رامٍ رميةٌ.
لقرب الدار في الإقتار خيرٌ ... من العيش الموسّع في اغتراب

الصحة والمرض
الصحة تشبه الشباب، والسقم يشبه الهرم. لا صديق أرفق من الصحة، ولا عدو أعدى من المرض. شيئان لا يعرفان إلا بعد ذهابهما: الصحة والشباب. بمرارة السقم توجد حلاوة الصحة. ما سلامة بدنٍ معرضٍ للآفات، وبقاء عمرٍ ينقص على الساعات. لا غنىً كصحة الجسم. بزرجمهر الحكيم: إن كان شيءٌ فوق الحياة فالصحة، وإن كان شيءٌ مثلها فالغنى، وإن كان شيءٌ فوق الموت فالمرض، وإن كان شيءٌ مثله فالفقر.
لا تشكون دهراً صححت به ... إن الغنى في صحة الجسم
هبك الإمام أكنت منتفعاً ... بلذاذة الدنيا مع السّقم
المتنبي:
آلة العيش صحةٌ وشبابٌ ... فإذا وليّا عن المرء ولّى
أبو النجم:
إن الفتى يصبح للأسقام ... كالغرض المنصوب للسّهام
أخطأ رامٍ وأصاب رام
والسّقم ينسيك ذكر المال والولد
أبو الفضل الميكالي:
عمر الفتى ذكره لا طول مدّته ... وموته خزيه لا يومه الدّاني
فاحي نفسك بالإحسان تزرعه ... تجمع به لك في الدنيا حياتان
الحياة
حياة المرء ثوبٌ مستعار
أنفاس المرء خطاه إلى أجله. لا شيء أنفس عند الحيوان من الحياة؛لأنه يختارها على الموت في كل حالٍ. خيرٌ من الحياة ما لا تطيب الحياة إلا به، وشرٌ من الموت ما يتمنى له الموت. علي بن عبيدة: يا ابن آدم؛إنك تقرض ساعاتك بطرفك، وتفني حياتك بحركات نبضك. الأخطل:
والناس همّهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذّخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال
الموت
الموت باب الآخرة. الحسن البصري: ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشكٍ لا يقين فيه من الموت. غيره: الناس في الدنيا أغراضٌ تتنصل فيها سهام المنايا، كأن من غاب لم يشهد، ومن مات لم يولد. العرب: ستساق إلى ما أنت لاقٍ. ابن المعتز: الموت كسهمٍ مرسلٍ إليك، وعمرك بقدر سفره نحوك. الناس وفد البلى، وسكان الثرى، ورهن المنايا. غيره: مرارة الموت في خوفه. المنايا رصدٌ للفتى حيث سلك. الموت يأتي كل محتجبٍ ولا يستأذن. المتنبي:
إذا تأملت الزمان وصرفه ... تيقّنت أن الموت ضربٌ من القتل
وما الموت إلا سارقٌ دقّ شخصه ... يصول بلا كفٍ ويسعى بلا رجل
وله:
نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف مالا بدّ من شربه؟
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمانٍ هي من كسبه
فهذه الأرواح من جوّه ... وهذه الأبدان من تربه
يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه
وله:
وقد فارق الناس الأحبّة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كلّ طبيب
مدح الموت
الموت راحةٌ.
ربّ عيشٍ أخفّ منه الحمام
المنية ولا الدنية. ربّ موتٍ خيرٌ من الحياة. لا يستكمل الإنسان حد الإنسانية إلا بالموت؛لأن الإنسان حيٌ ناطقٌ ميتٌ. الصالح إذا مات استراح والطالح إذا مات استريح منه.
وما الموت إلا رحلةٌ غير أنها ... من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي
جزى الله عنا الموت خيراً فإنه ... أبرّ بنا من كلّ برٍّ وأرأف
يعجّل تخليص النفوس من الأذى ... ويدني من الدّار التي هي أشرف
منصور الفقيه:

قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ... في الموت ألف فضيلةٍ لا تعرف
منها أمان لقائه بلقائه ... وفراق كلّ معاشرٍ لا ينصف
مثله لأبي أحمد الكاتب: "
من كان يرجو أن يعيش فإنني ... أصبحت أرجو أن أموت فأعتقا
في الموت ألف فضيلةٍ لو أنها ... عرفت لكان سبيله أن يعشقا
ابن المعتز:
رأيت حياة المرء ترخص قدره ... وإن مات أغلته المنايا الطوائح
كما يخلق الثوب الجديد ابتذاله ... كذا تخلق المرء العيون اللوامح
ابن لنكك:
نحن والله في زمانٍ غشومٍ ... لو رأيناه في المنام فزعنا
أصبح الناس فيه من سوء حالٍ ... حقّ من مات منهم أن يهنّا
آخر:
تبكي أناسٌ على الحياة وقد ... أفني دموعي شوقاً إلى الأجل
أموت من قبل أن يعمرنيالدّ ... هر فإني منه على وجل

الفصل الثاني من الفصل الرابع
المحاسن ومكارم الأخلاق
العقل والعاقل
العقل عقال النفس. عقول كل قومٍ على قدر زمانهم. العقل أشرف الأحساب. العقل جنةٌ واقيةٌ. العقل الإصابة بالظن، ومعرفة ما لم يكن بما كان. ابن المقفع: أشد الفاقة عدم العقل. لو صور العقل لأضاء معه الليل، ولو صور الجهل لأظلمت معه الشمس. كل عملٍ يأذن فيه العقل فهو صوابٌ، وما لم يأذن خطأ محض. أعرابي: كل شيءٍ إذا كثر رخص إلا العقل؛فإنه إذا كثر غلا. ابن المعتز: العقل غريزةٌ تربيها التجارب. إذا تم العقل نقص الكلام. حسن الصورة الجمال الظاهر، وحسن العقل الجمال الباطن. ليس الإنسان الصورة ، إنما الإنسان العقل. ما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل إن لم يصدئها الهوى. من غلبه الهوى فليس لعقله سلطانٌ. ينبغي للعاقل ان يكسب ببعض ما له المحمدة، ويصون نفسه ببعضه عن المسألة. من لم يتأمل الأمر بعين عقله لم يقع سيف حيلته إلا على مقاتله. العاقل من عقل لسانه، والجاهل من جهل قدره. العقل صفاء النفس، والجهل كدرها. العاقل لا يستقبل النعمة ببطرٍ، ولا يودعها بجزعٍ. العاقل لا يدعه ما ستر الله من عيوبه أن يفرح بما أظهره من محاسنه. لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره، وطاعة نفسه عليه ممتنعةٌ. أيدي العقول تمسك أعنة النفوس عن الهوى. أقصر عن شهوةٍ خالفت عقلك. أعقل الناس أعذرهم للناس. جهل العاقل أعقل من عقل الجاهل.
وفي كتاب المبهج
العقل أحصن معقلٍ. أحر بمن كان عاقلاً أن يكون عما لا يعنيه غافلاً.
الجود
إن الله جوادٌ يحب كل جوادٍ. الجود غاية الزهد، والزهد غاية الجود. الجود أن تكون بما لك متبرعاً، وعن مال غيرك متورعاً. ابن المعتز: الجود حارس العرض من الذم. إن الله يمتحن بالإنعام عليك الإنعام منك، فأفد من فائدته، واستفد بفضلك من فضله. أكثر الواجدين من لا يجود، وأكثر الأجاود من لا يجد. الأسخياء يقيدون من المال، والبخلاء يقيدهم المال. أفضل الجود أن تبذل من غير مسألةٍ، ثم تقدم العطية قبل الموعد.
التواضع
من تواضع لله رفعه الله. تواضعك في شرفك أحسن من شرفك. التواضع من مصائد الشرف. كل ذي نعمةٍ محسودٌ عليها، إلا التواضع. من لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره.
الكبر
في الخبر: من لبس الصوف وانتعل المخصوف، وركب حماره، وحلب شاته، وأكل مع عياله، وجالس المساكين فقد نحي عنه الكبر. يحيى بن خالد: الشريف إذا تقوى تواضع، والوضيع إذا تقوى تكبر. غيره: التواضع أوله توددٌ، وآخره سؤددٌ. يحيى بن معاذ: التكبر على المتكبر تواضعٌ.
القناعة
الحر عبدٌ إذا طمع، والعبد حرٌ إذا قنع. أنت العزيز ما التحفت بالقناعة. من لم يقنع باليسير لم يكتف بالكثير. ذو النون: من كانت قناعته سمنته طابت له كل مرقةٍ. غيره: القانع بما قسم الله تعالى له في حدائق النعم. أخفض العيش رضا المرء بحظه. أعرف الناس بالله أرضاهم بما قسم الله له. من تماسكت حاله عند أهل طبقته وجبت القناعة على عقله. من تجاوز الكفاف لم يغنه إكثار. من رضي بحاله استراح وأراح.
العفو

عفو الملك أبقى للملك. ما عفا عن الذنب من قرع به. أفضل العفو عند المقدرة. لا تشن وجه العفو بالتأنيب. اعف عمن أبطأ بالذنب وأسرع بالندم. أولى السائلين بالإسعاف من طلب العفو. العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم.

الصدق
من صدقت لهجته ظهرت حجته. من قلّ صدقه قلّ صديقه. الصدوق بين المهابة والمحبة. من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه. الصدق ينجي، والكذب يشجي. الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل، والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور. من عدم فضيلة الصدق من منطقه فقد لحع بأكرم أخلاقه. الصدق دليل التقوى، وجمال النجوى، وكمال الدين والدنيا. ابن المعتز: تمام الصدق الإخبار بما تحتمله العقول. غيره: أصدق الخبر ما حققه الأثر، وأفضل القول ما كان عليه دليلٌ من الفعل.
الحلم
الحلم حجاب الآفات. حلم ساعةٍ يرد سبعين آفةٍ. الحلم أجلّ من العقل، لأن الله تعالى وصف نفسه به. من ملك غضبه احترز من عدوه. حسب الحليم أن الناس من أنصاره.
فلا يغررك طول الحلم منّي ... فما أبداً تصادفني حليما
الحياء
الحياء شعبةٌ من الإيمان. الحياء خيرٌ كله. الحياء سببٌ إلى كل جميل. أحيوا الحياء بمجاورة من يستحيى منه. إن الله يحب الحيي المتعفف، ويبغض الوقاح الملحف. من كساه الحياء ثوبه ستر عن العيون عيبه. أحيى الناس من كان الذم أشد عليه من الفقر. خلاؤك أقنى لحيائك.
البشر
البشر علم من أعلام النجح. البشر دالٌ على الكرم، كما يدل النور على الثمر. البشر يعقد القلوب على المحبة. الطلاقة بعد الضيافة. البشر أصل كل برٍ. بشر الكريم في وجهه يلوح، ونشر الجود من ثوبه يفوح.
الصبر
صبراً على مجامر الكرام صبراً. الصبر حيلة من لا حيلة له. الصبر عند الصدمة الأولى. الصبر على البلية أهون من ركوب الهلكة. الصبر كاسمه. إن كان الصبر مراً فعاقبته حلوةٌ. إن غلا اللحم فالصبر رخيصٌ. الصبر تجرع الغصص، وانتهاز الفرص. من تبع الصبر تبعه النصر. الصبر صبران؛صبرٌ على ما تكره، وصبرٌ عما تحب، والرجل من جمعهما. اللئام أصبر أجساداً، والكرام أصبر أنفساً. ابن المعتز: الصبر على المصيبة مصيبةٌ على الشامت بها. دفع المصيبة بالصبر. الجزع أحد المصيبتين. اصبر مختاراً مأجوراً، وإلا صبرت مضطراً مأزوراً. أصبر الناس على الأذى المحتاج، والحريص إذا طمعا. ما أحسن الصبر في مواطنه.
وعاقبة الصّبر الجميل جميلةٌ
والصبر في كلّ موطنٍ حسنٌ ... حسبك من حسنه عواقبه
عواقب الصبر ما لها منن
وأفضل أخلاق الرّجال التصبّر
الشكر
النعمة وحشيةٌ، إن شكرت قرت، وإن كفرت فرت. الشكر قيد النعمة، ومفتاح الزيادة، وثمن الجنة. من كنت طليق بره فلتكن أسير شكره. النعمة كالروضة، والشكر كالزهرة. شكر المولى هو الأولى. الشكر صوان النعمة، ومادة الزيادة. الشكر ترجمان النية، ولسان الطوية. الشكر هو السبب إلى الزيادة، والطريق إلى السعادة. اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك. من شكر قليلاً استحق جزيلاً. النعمة عروسٌ، مهرها الشكر. ابن المعتز: إذا نزلت بك النعمة ضيفاً، فاجعل قراها الشكر. كل من أولي نعمةً فهو عبدها حتى يعتقه شكرها، ومن شكرها فقد استوجب مزيدها. ابن عباد: الشكر أزكى مقالٍ، ولشوارد النعمة أوثق عقالٍ. أبو إسحق الصابي: موقع الشكر من النعمة، موقع القرى من الضيف، إن وجده لم يرم، وإن فقده لم يقم. وفي كتاب المبهج: الشكر تميمةٌ لتمام النعمة. خالد بن صفوان: إن قصرت يداك عن المكافأة، فليطل لسانك بالشكر.
المشورة
المشورة لقاح العقول، ورائد الصواب. استشارة المرء رأي أخيه من عزم الأمور وحزم التدبير. بشار بن برد: المشاور بين إحدى الحسنتين؛صوابٌ يفوز بثمرته، أو خطأٌ يشارك في مكروهه. غيره: إذا شاورت العاقل صار نصف عقله لك. المشاورة قبل المساورة. المشورة عين الهداية. خاطر من استغنى برأيه. نصف رأيك مع أخيك فشاوره. ابن المعتز: المستشير على طرف النجاح. المشورة راحةٌ لك، وتعبٌ لغيرك. من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحاً، وعند الخطأ عاذراً. مشورة المشفق الحازم ظفرٌ، ومشورة المشفق غير الحازم خطرٌ.
إنجاز الوعد

أنجز حرٌ ما وعد. الوعد نافلةٌ، والإنجاز فريضةٌ. وعد الكريم نقدٌ، وتعجيل اللئيم وعدٌ. ابن المعتز: المسئول حرٌ حتى يعد، ومسترقٌ بالوعد حتى ينجز. الوعد سحابٌ، والإنجاز مطره. الوعد مرض المعروف، والإنجاز برؤه، والمطل تلفه. بعض العرب: لأن أموت عطشاً أحب إلي من أن أخلف وعداً. وفي كتاب المبهج: خلف الوعد خلق الوغد.

المداراة
إذا عز أخوك فهن. لاين إذا عزك من تخاشنه. بالمداراة تساس الأمور. بما تحت التنور يطلى التنور. من حسنت مداراته كان في ذمة الحمد والسلامة. ينبغي للعاقل أن يداري زمانه مداراة السابح للماء الجاري. من لم يلن للأمور عند التوائها تعرض لمكروه بلائها. أبو سليمان الخطابي:
ما دمت حيّاً فدار الناس كلّهم ... فإنّما أنت في دار المداراة
كتمان السر
استعينوا على الحوائج بالكتمان. سرك من دمك. كن على حفظ سرك أحرص منك على حقن دمك. من وهن الأمور إعلانه قبل إحكامه. ابن المعتز: لا تنكح خاطب سرك. كلما كثر خزان الأسرار ازدادت ضياعاً. قلوب العقلاء حصون الأسرار. انفرد بسرك، ولا تودعه حازماً فيزل، ولا جاهلاً فيخون.
التأني والرفق
الأناة حصن السلامة، والعجلة مفتاح الندامة. الأناة نجاةٌ. التأني مع الخيبة خيرٌ من التهور مع النجاح. اتئد تصب أو تكد. التأني في الأمور أول الحزم، والتسرع إلى الخطأ عين الجهل. بالتأني تدرك الفرص. ما دخل الرفق في شيءٍ إلا زانه. الرفق مفتاح النجاح. إن لم تدرك الحاجة بالرفق والدوام، فبأي شيءٍ تدرك؟. الخرق بالرفق يلحم. من رفق رتق، ومن خرق خرّق.
حسن الخلق
حسن الخُلق خير قرينٍ. من حسن خلقه استراح وأراح. من حسن خلقه وجب حقه. أطهر الناس أعراقاً أحسنهم أخلاقاً. أقوى الناس على إصلاح أخلاقه أقواهم رأياً. حسن الخلق يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد. إنما يستحق اسم الإنسانية من حسن خلقه، ويكاد سيء الخلق يعد من البهائم والسباع. حسن الخلق يوجب المودة.
المروءة
أرسطاطاليس: المروءة استحياء المرء من نفسه. أنوشروان: المروءة ألا تعمل عملاً في السر تستحيي منه في العلانية. غيره: المروءة اسمٌ جامعٌ للمحاسن كلها. المروءة التامة مباينة العامة. ظاهر المروءة باطن الفتوة. المروءة الخلق السجيح، والكف عن القبيح. نعم العون على المروءة المال.
وما المروءة إلا كثرة المال
وإنّ المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا
المعروف والصنيعة
المعروف حصن النعم من صروف الزمن. المعروف رقٌ، والمكافأة عنه عتقٌ. المعروف كنزٌ لا تأكله النار. صنائع المعروف تقي مصارع الحتوف. زكاة النعم اتخاذ الصنائع. الصنائع ودائع. الأيادي قروضٌ. إنما سمي المعروف معروفاً؛لأن الكرام عرفت فضله فأتته. في كل شيءٍ سرفٌ، إلا في المعروف. نعم العدة عند الحاجة إسلاف الصنيعة. أهنأ المعروف أعجله. أهنأ المعروف مالا تتبذل فيه الوجوه. ابن المعتز: خير المعروف ما لم يتقدمه مطلٌ، ولم يتبعه منٌّ. للجواد الحازم كنزٌ في الآخرة من عمله، وكنزٌ في الدنيا من معروفه. جود المقل من القليل. الجواد من يفيض عن غيضٍ. إن جود المقلّ غير قليلٍ. لا تستحي من القليل، فإن الحرمان أقلّ منه.
الطّرف يجري وبه هزال ... والسيف يمضي وبه انفلال
والحر يعطي وبه إقلال
وقال آخر:
افعل الخير ما استطعت وإن ... كان قليلاً فلن تحيط بكلّه
ومتى تفعل الكثير من الخ ... ير إذا كنت تاركاً لأقلّه
ليس جود الجواد من فضل مالٍ ... إنما الجود للمقلّ المواسي
بشار بن برد:
بثّ النّوال ولا تمنعك قلّته ... فكلّ ما سدّ فهو محمود
بذل الجاه والشفاعة
بذل الجاه أحد المالين
زكاة الجاه رفد المستعين
إعارة القًدْرِ تدفع سوء القَدَرِ، وشفاعة اللسان أفضل زكاة الإنسان. الشفاعات زكوات المروات. الشفيع جناح الطالب. البحتري:
وعطاء غيرك إن بذلت عنايةً فيه عطاؤك
التجربة

التجربة العلم الأكبر. أعدل الشهود التجارب. لسان التجربة أصدق. في التجارب علمٌ مستأنفٌ. من عرف التجارب طابت له المشارب. تجربة المجرب تضييع الأيام. مرآة العواقب في يدي ذي التجارب.

التقوى والعفة
التقوى هي العدة الوافية، والجنة الواقية. في ظاهر التقوى شرف الدنيا، وفي باطنها شرف الآخرة. سادة الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء. من عفت أطرافه حسنت أوصافه. عفةٌ مع حرفةٍ خيرٌ من سرورٍ مع فجورٍ. الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله. ما الخير والخيرة إلا مع التقى.
الصمت
الصمتٌ حكمٌ وقليلٌ فاعله ... يسعد بالقول ويشقى قائله
من أخافه الكلام أجاره الصمت. وعاء الخطايا بالصمت يختم. الصمت ينفع الناس والطير. أربع كلماتٍ صدرت عن أربعة ملوكٍ؛كأنها رميت عن قوسٍ واحدةٍ: قال كسرى: لم أندم على ما لم أقل، وقد ندمت على ما قلت مراراً. وقال قيصر: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وقال ملك الصين: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلم بها ملكتها. وقال ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بالكلمة، إن رفعت ضرته، وإن لم ترفع لم تنفعه.
الإصابة بالرأي والظن
العاقل من يرى بأول رأيه آخر الأمر. العقل: الإصابة بالظن. ابن الزبير رضي الله عنه: لا عاش بخيرٍ من لا يرى برأيه ما لم ير بعينه. عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: من لم ينفعك ظنه لم ينفعك يقينه. غيره: خير الرأي ما تخفي مكائده وتظهر عوائده. ظن الرجل قطعةٌ من عقله. ظن العاقل كهانةٌ. ظن العاقل خيرٌ من يقين الجاهل. لا تكاد الظنون المتفرقة تجتمع على أمرٍ مستورٍ إلا كشفت عنه. الألمعي منجمٌ. وفي بعض القلوب عيونٌ.
الاستدلال بالظاهر على ما وراءه
ما الدخان بأدل على النار، ولا العجاج على الريح بأدل من ظاهر الرجل على باطنه. ابن المقفع: حركات العيون تدل على ما في القلوب. خالد بن صفوان: ربّ طرفٍ أفصح من لسانٍ. ابن المعتز: العيون طلائع القلوب. اللحظ طرف الضمير. قد يستدل بظاهر عن باطن.
قد يستدلّ بظاهرٍ عن باطنٍ ... حيث الدّخان يكون موقد نار
إصلاح المال والاقتصاد فيه وحسن التدبير
من أصلح ماله فقد صان الأكرمين: الدين، والعرض. ما عال مقتصدٌ. أصلحوا أموالكم لنبوة الزمان، وجفوة السلطان. الإصلاح أحد الكاسبين. لا عيلة على مصلحٍ، ولا مال لأخرق، ولا جود مع تبذير، ولا بخل مع اقتصادٍ. التدبير يثمر اليسير، والتبذير يبدد الكثير. حسن التدبير مع الكفاف أكفى من الكثير مع الإسراف. القصد أسرع تبليغاً إلى الغاية وتحصيلاً للأمر. إن في إصلاح مالك جمال وجهك، وبقاء عزك، وصون عرضك، وسلامة دينك. التقدير نصف الكسب. أفضل القصد عند الجدة. عليك من المال بما يعولك ولا تعوله. من لم يحمد في التقدير، ولم يذم في التبذير، فهو سديد التدبير.
التوسط في الأمور
قال تعالى: " ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط " . عليك بالقصد بين الطريقتين، لا منع ولا إسراف، ولا بخل ولا إتلاف. لا تكن رطباً فتعصر، ولا يابساً فتكسر، ولا تكن حلواً فتسترط، ولا مراً فتلفظ. المأمون: الثناء بأكثر من الاستحقاق ملقٌ، والتقصير عن الاستحقاق عيٌ أو حسدٌ.
عليك بأوساط الأمور فإنّها ... نجاةٌ ولا تركب ذلولاً ولا صعبا
آخر:
وخير خلائق الأقوام خلقٌ ... توّسط لا احتشام ولا اغتناما
الإضافة والأضياف
إكرام الأضياف من عادات الأشراف. الضيف دليل الجنة. في الخبر: لا تتكلفوا للضيف فتبغضوه، ومن أبغض الضيف فقد أبغضه الله تعالى. شقيق البلخي: ليس شيءٌ أحب إلي من الضيف، لأن مؤونته على الله تعالى، ومحمدته لي. يحيى بن معاذ: لو كانت الدنيا لقمةً في يدي لوضعتها في فم ضيفي. إسحق الموصلي: الناس من الاحتفال في غلطٍ. المروءة تقديم ما حضر. وفي كتاب المبهج: التكلف للصديق لا يحظر تقديم ما يحضر.
وإذا دعوت فلا تذر ... وإذا طرقت فما حضر
إنّ الحديث جانبٌ من القرى
ولكنّما وجه الكريم خصيب
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
يا بنيّ اسمعوا فإن أباكم ... عاقه عائقٌ عن الأضياف

فاكفلوهم ولو بروح أبيكم ... أو بقطع الأعضاء والأطراف
وقال غيره:
مطيّة الضّيف عندي تلو صاحبها ... لن تكرم الضّيف حتى تكرم الفرسا

وصف الكريم والكرم
إنّ الكريم لمعتفيه غريم
الكريم للقليل شاكرٌ، واللئيم للكثير كافرٌ. من فضل المكارم اجتناب المحارم. حصر اللئيم إذا سئل، وحصر الكريم إذا سأل. ما زالت أم الكرم نزوراً، وأم اللؤم ولوداً. الكرم حسن الفطنة، واللؤم قبح التغافل. إن المكارم في المكاره، والمغانم في المغارم. الكريم المنكوب أجدى على الأحرار من اللئيم الموفور. الكريم تنفع عنده الكلمة، واللئيم لا تنفع عنده الحرمة. الكريم يظلم من فوقه، واللئيم يظلم من دونه. ينبغي لصاحب الكريم أن يصبر عليه إذا جمعتهما قسوة الزمان؛فليس ينتفع بالجوهرة الكريمة من لم ينتظر نفاقها.
إنّ الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيّاً وهو مجهود
آخر:
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
أي بلغوا إلى السعة والسهل.
قطعةٌ من ذكر المحاسن
المحسن معانٌ. أحق الناس بالإحسان إلى الناس من أحسن الله إليه. ليس حسن الجوار كف الأذى، ولكنه الصبر عليه. الإحسان إلى الجار من كرم النجار. ما حصنت النعمة بمثل المواساة. رأس السخاء أداء الأمانة. أفضل المعروف نصرة الملهوف. المكافأة تحط ثقل الصنيعة. الفضل للمبتدي وإن أحسن المقتدي.
أحسن وأنت معان ... يا أيّها الإنسان
إن الأيادي قروضٌ ... كما تدين تدان
آخر:
ليس في كلّ وهلةٍ وأوان ... تتهيا صنائع الإحسان
فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذراً من تعذر الإمكان
آخر:
أحزم النّاس من إذا أح ... سن الدهر تلقّى الإحسان بالإحسان
مواعظ تليق بهذا الفصل
اجلس حيث يؤخذ بيدك وتبر، لا حيث يؤخذ برجلك وتجر. أغض عينك على القذى، وإلا لم ترض أبداً. أجمل في الطلب، فسيأتيك ما قدر لك. صن عرضك، وإلا أخلقت وجهك. عاون الناس بالكف عن مساوئهم. انس رفدك، ولا تنس وعدك. كذب أسوأ الظنون بأحسنها. هب ما أنكرت لما عرفت، واعف عما أغضبك لما أرضاك. أغن من وليته عن السرقة، فليس يكفيك من لم تكفه. لا تظهر الشماتة بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك. لا تشمت بمن حلّ به بلاءٌ، فإنه إن عوفي كان مثلك، وأنت إن ابتليت كنت مثله. لا تكن نهماً على الطعام فتمقت، ولا جلداً على الشراب فتهلك. لا تتكلف ما كفيت، فتضيع ما وليت. المهلب لبنيه: إياكم والعينة، فإنها لعينةٌ، وقد تعينت مرةً بأربع مائة درهمٍ، فما تخلصت منها إلا بولاية البصرة.
الأحنف: أكرموا سفهاءكم، فإنهم يكفونكم العار والنار. ابن المعتز: لا تسرع إلى أرفع موضعٍ في المجلس، فالموضع الذي ترفع إليه خيرٌ من الموضع الذي تحط عنه. لا تذكر الميت بسوءٍ، فتكون الأرض أكتم عليه منك.
نبذ من فوائد المدح
أبو نواس:
وليس على الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد
وله:
وكّلت بالدّهر عيناً غير غافلةٍ ... من جود كفّيك تأسو كلّ ما جرحا
منصور النمري:
إن المكارم والمعروف أوديةٌ ... أحلّك الله منها حيث تجتمع
أبو تمام الطائي:
فلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطّباع
وله:
ولو لم يكن في كفّه غير روحه ... لجاد بها فليتقّ الله سائله
البحتري:
ولم أر أمثال الرّجال تفاوتت ... إلى الفضل حتى عدّ ألفٌ بواحد
وله:
عرف العالمون فضلك بال ... علم وقال الجهّال بالتّقليد
ابن الرومي:
لولا عجائب صنع الله ما نبتت ... تلك الفضائل في لحمٍ ولا عصب
كشاجم:
ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيبٍ يوقّيه من العين
المتنبي:
ولمّا رأيت الناس دون محلّه ... تيقّنت أن الدهر للنّاس ناقد
وله:
ذكر الأنام لنا فكان قصيدةً ... كنت البديع الفرد من أبياتها
وله:
قد شرّف اله أرضاً أنت ساكنها ... وشرّف النّاس إذ سوّاك إنسانا
النامي:

خلقت كما أرادتك المعالي ... فأنت لمن رجاك كما يريد
الوءواء الدمشقي:
وخلائقٍٍ كالخمر درّ فعاله ... حببٌ لهنّ وما لهنّ خمار
بديع الزمان:
وكاد يحكيك صوب المزن منسكباً ... لو كان طلق المحيّا يمطر الذّهبا
والليث لو لم يصد والشمس لو نطقت ... والدّهر لو لم يخن والبحر لو عذبا
نبذٌ من ألفاظ بلغاء العصر تجري مجرى الأمثال

لحسن استعارتها وبراعة تشبيهاتها
فلانٌ مسترضعٌ ثدي المجد، ومفترشٌ حجر الفضل. له مجدٌ يشير إليه النجم الثاقب، وتحفظ طرفيه المناقب. صدر تضيق عنه الدهناء، ويفزع إليه الدهماء. له في كل مكرمةٍ غرة الأوضاح، ومن كل فضيلةٍ قادمة الجناح. له صورةٌ تستنطق الأفواه بالتسبيح. له غرةٌ يترقرق فيها ماء الكرم، وتقرأ منها صحيفة حسن الشيم. يحيي القلوب بلقائه قبل أن يميت الفقر بعطائه. له خلقٌ لو مزج البحر به لنفى ملوحته، وصفى كدورته. هو غذاء الحياة، ونسيم العيش، ومادة الفضل. آراؤه سكاكين في مفاصل الخطوب. له همةٌ تعزل السماك الأعزل، وتجر ذيلها على المجرة. هو راجحٌ في موازين العقل، وسابقٌ في ميادين الفضل. يفترع أبكار المكارم، ويرفع منار المحاسن. ينابيع الجود تنفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله. هو بيت القصيد، وأول الجريدة، وعين الكتيبة، وواسطة القلادة، وإنسان الحدقة، ودرة التاج، وفص الخاتم، ونقش الفص. هو ملح الأرض، ودرع الملة، ولسان الشريعة، وحصن الأمة. هو غرة الزمان، وناظر الإيمان، وتاج الأوان. أخلاقٌ خلقن من الفضل، وشيمٌ تشام فيها بوارق المجد. أرخ الرجال بفضله، وعقم النساء بمثله. الجميل منه معتادٌ، والفضل لديه مبدأٌ ومعادٌ. ما له للعفاة مباحٌ، وفعاله في ظلمة الدهر مصباحٌ. كأن قلبه عينٌ، وكأن جسمه سمعٌ. يرى بأول رأيه أواخر الأمور. جوهرةٌ من جواهر الشرف، لا من جواهر الصدف، وياقوتةٌ من يواقيت الأحراز، لا من يواقيت الأحجار.
الفصل الثالث من الفصل الرابع
في ذكر المقابح ومساوىء الأخلاق
الجهل والحمق
الجهل موت الأحياء. الجهل في القلب كالأكلة في الجسد. لا مصيبة أعظم من الجهل. خرب أرضاً جاهلها. المشقة كلها في تأديب الجهال. من جهل قدر نفسه كان بقدر غيره أجهل. لا صاحب أخذل من الجهل. علي بن عبيدة: بئس شعار المرء جهله. ابن المعتز: نعمة الجاهل كروضةٍ على مزبلةٍ. كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد فيها قبحاً. لسان الجاهل مفتاح حتفه. لا ترى الجاهل إلا مفرِطاً أو مفرّطاً. ربّ صديقٍ يؤتى من جهله لا من نيته. غيره: الحمق داءٌ لا دواء له. الأحمق في شبابه خرفٌ. النظر إلى الأحمق سخنة عينٍ. مثل الأحمق كالثوب الخلق، إن رفأته من جانبٍ تخرق من جانبٍ. أحمق الناس من اتبع هواه، وتمنى على الله الأماني.
البخل
شر أخلاق الرجال البخل والجبن ، وهما من خير أخلاق النساء. البخيل أبداً ذليلٌ. لا مروءة لبخيلٍ. الشعبي: ما أفلح بخيلٌ قط. أما سمعتم قول الله تعالى: " ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون " . الواقدي: البخل بالموجود من سوء الظن بالمعبود. الجاحظ: الجبن والبخل غريزةٌ واحدةٌ، يجمعهما سوء الظن بالله. غيره: البخل يهدم مباني الكرم. ابن المعتز: بشر مال البخيل بحادثٍ أو وارثٍ. أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه.
وغيظ البخيل على من يجو ... د أعجب عندي من بخله
وصف البخيل

العرب: سواءٌ هو والعدم. سواءٌ غناه والفقر. سواءٌ منزله والفقر. ما تبلّ إحدى يديه الأخرى. لا تندى صفاته، ولا يبضّ حجره، ولا يثمر شجره. يمنع دره ودر غيره. المولدون: لا تسقط من كفه خردلةٌ. سائله محرومٌ، وماله مكتومٌ. لا يحين إنفاقه، ولا يحلّ خناقه. خبزه كآوى، يسمع بها ولا ترى. غناه فقرٌ، ومطبخه قفرٌ. يملأ بطنه والجار جائعٌ، ويحفظ ماله والعرض ضائعٌ. قد أطاع سلطان البخل بجهده، وانخرط كيف شاء في سلكه. سمين المال مهزول النوال. عظيم الرواق صغير الأخلاق. يصون فلسه ويبذل نفسه. لا يحلب إلا من ضرعٍ بكيٍّ، ولا يسقى إلا من أنضب ركيٍّ. فلانٌ قد جعل ميزانه وكيله، وضرسه أكيله، وكيسه أنيسه، وخبزه جليسه، ورغيفه أليفه، ومأكوله حليفه، وديناره شقيقه، ودرهمه رفيقه، ويمينه أمينه، ومفتاحه دفينه، وصناديقه صديقه، وخاتمه خادمه.

ومن أمثال البخلاء وحكمهم واحتجاجاتهم
بيتي يبخل لا أنا. شغلت شعابي جدواي، أي شغلتني أموري عن الناس. الشحيح أعذر من الطالب. بق نعليك، وابذل قدميك. عجبت ممن يسمي القصد بخلاً، والسرف جوداً. إن مالك لا يعم الناس، فاخصص به ذوي الحق. أبو الأسود الدؤلي: لا تجاودوا الله فإنه أمجد وأجود، ولو شاء أن يوسع على خلقه حتى لا يكون محتاجٌ فعله. لو أطعنا المساكين في إعطائهم ما يسألوننا لكنا أسوأ حالاً منهم. غيره: من جاد بماله فقد جاد بنفسه، لأنه جاد بما لا قوام له إلا به. الكندي: قول لا يدفع البلا، وقول نعم يزيل النعم، وسماع الغناء برسامٌ حاد. يا بني: كن مع الناس كاللاعب بالقمار، تأخذ شيئهم وتحفظ شيئك. غيره: منع الجميع أرضى للجميع. إذا حسن السؤال حسن المنع. علي بن الجهم: من وهب المال في عمله فهو أحمق، ومن وهبه بعد العزل فهو مجنونٌ، ومن وهبه من جوائز سلطانه أو ميراثٍ لم يتعب فيه فهو مخذولٌ، ومن وهبه من كيسه وما استفاد بحيلته فهو المطبوع على قلبه، المأخوذ بسمعه وبصره.
لا تجد بالعطاء في غير حقٍّ ... ليس في منع غير ذي الحقّ بخل
إنّما الجود أن تجود على من ... هو للجود منك والبذل أهل
ابن المعتز:
يا ربّ جودٍ جرّ فقر امرىءٍ ... فقام للنّاس مقام الذّليل
فاشدد عرى مالك واستبقه ... فالبخل خيرٌ من سؤال البخيل
آخر:
في كلّ شيءٍ سرف ... يكره حتى في الكرم
وربما قولك لا ... أفضل من ألفي نعم
الكبر والعجب
الكبر قائد البغض. التعزز بالتكبر ذل. الكبر فضل حمقٍ، لم يدر صاحبه أين يضعه. ما أسلب العجب للمحاسن. العجب أكذب، ومعرفة الرجل نفسه أصوب. ثمرة العجب المقت. التكبر على الملوك تعرضٌ للحتوف، وعلى الأنذال من ضعة النفس، وعلى الأكفاء جهلٌ عظيمٌ وسخف. من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه. الكبر داءٌ يعدي. الإفراط في الكبر يوجب البغضة، كما أن الإفراط في التواضع يوجب الذلة. ابن المعتز: لما عرف أهل النقص حالهم عندي ذوي الكمال استعانوا بالكبر، ليعظم صغيراً، ويرفع حقيراً وليس بفاعلٍ. منصور الفقيه:
تتيه وجسمك من نطفةٍ ... وأنت وعاءٌ لما تعلم
ووصف بليغٌ متكبراً فقال: كأن كسرى حامل غاشيته. وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكأن يوسف لم ينظر إلا بمقلته، ولقمان لم ينطق إلا بحكمته.
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأخلاق المماليك
الحرص والطمع
الحرص وعاءٌ حشوه الذل والمتالف.
أذلّ الحرص أعناق الرّجال
الحرص ينقص قدر الإنسان، ولا يزيد في رزقه. ربّ أكلةٍ تمنع أكلاتٍ. ربما شرق شارب الماء قبل ريه. الرزق قد يسبق جهد الحريص. كلمتان مقولتان، لم ير على التجربة أصح منهما: الحريص محرومٌ، والاستقصاء شومٌ. ربّ طمعٍ يهدي إلى طبعٍ. الطامع في وثاق الذل. لا تطمع في كل ما تسمع. أقل ما في الطمع الذل. الحرص ذلٌ عاجلٌ، والطمع فقرٌ حاضرٌ. ما أغفل النفس الطامعة عن العقبى الفاجعة. العامة: الطمع الكاذب يدق الرقبة. أخرج الطمع من قلبك يحلّ القيد من رجلك.
الكذب

الفلاسفة: الكذاب والميت سواءٌ، لأن الفضيلة الحي النطق، فإذا لم يوثق بكلامه فقد بطلت حياته. الحسن بن سهل: الكذاب شرٌ من اللص؛لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك. غيره: الكذاب بين مهانة الدنيا وعذاب الآخرة؛كما قال الله تعالى: " ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون " . شر الحديث الكذب. لا تأمن من كذب لك أن يكذب عليك، ولا من اغتاب عندك أن يغتابك عند غيرك. حسب الكاذب بفعله شتماً وقلبه خصماً. كن ذكوراً إذا كنت كذوباً. أما يخاف الكذوب أن يذوب. ابن المعتز: علامة الكذاب جوده باليمين من غير مستحلفٍ. اجتنب مصاحبة الكذاب؛فإن اضطررت إليه فلا تصدقه، ولا تعلمه أنك تكذبه فينتقل عن وده ولا ينتقل عن طبعه. يعتري حديث الكذاب من الاختلاف ما يعتري الجبان عند الحرب من الارتعاد. لا يكاد يصح للكذاب رؤياً؛لأنه يخبر عن نفسه في اليقظة بما لم يره، فيريه في النوم ما لا يكون. العرب: لا رأي لكذوبٍ. الرائد لا يكذب أهله. عند النوى يكذبك الصادق. العامة: كل شيءٍ شيءٌ، ومصادقة الكذوب لا شيء.

وصف الكذوب
فلانٌ يكذب لذيله على جيبه. الفاختة عنده أبو ذر. فلانٌ زاملة الأكاذيب.
لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السّوء أو من قلّة الأدب
المزح
المزاحة تذهب المهابة، وتورث الضغينة. المزاح سباب النوكي. لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيّ فيجترىء عليك. المزح يجلب الشر صغيره والحرب كبيره. المزح أوله فرحٌ وآخره ترحٌ. لو كان المزح فحلاً لم ينتج إلا شراً. المزاح هو السباب الأصغر، إلا أن صاحبه يضحك. الإفراط في المزح مجونٌ وجنونٌ، والاقتصاد فيه ظرفٌ، والتقصير عنه فدامةٌ. ابن المعتز: المزح يأكل الهيبة، كما تأكل النار الحطب. من كثر مزحه لم يسلم من استخفافٍ به أو حقدٍ عليه. من كثر مزاحه تنازعه الحقد والهوان. ربّ مزحٍ في غوره جدٌ وكدٌ. أول أسباب القطيعة المراء والمزح.
الغضب
الغضب صدأ العقل. إضمارك الغضب على من فوقك مهلكٌ أو مضنٍ. أحضر الناس جواباً من لم يغضب. احذر أخاك إذا غضب. الغضب يثير كامن الحقد. أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب. من أضاع غضبه أطاع أدبه. ابن المعتز: لا يقوم عز الغضب بذل الاعتذار. أبق لرضاك من سخطك، وإذا طرت فقع قريباً. الغضب يصدأ العقل حتى لا يرى صاحبه فيه صورة حسنٍ فيفعله، ولا صورة قبيحٍ فيجتنبه. أول الغضب جنونٌ، وآخره ندمٌ. شدة الغضب تعثر المنطق، وتقطع مادة الحجة، وتفرق الفهم. غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله. من ظهر غضبه قلّ كيده. لا يحملنك الغضب على اقتراف إثمٍ؛فتشفي غيظك، وتسقم دينك. أشد الجهاد مجاهدة الغيظ. عقوبة الغضب تبدأ بالغضبان، فتثلم دينه وتقبح صورته، وتعجل ندمه.
البغي
البغي مرتعه وخيمٌ. من سلّ سيف البغي قتل به. احذر مصارع البغي. لو بغى جبلٌ على جبلٍ لجعله الله تعالى دكاً. " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنّه الله " .
الحسد
الحسد داء الجسد. الحسود لا يسود. الحسد أول ذنبٍ عصي الله به في السماء والأرض. لا راحة لحسودٍ. ما رأيت ظالماً أشبه بمظلومٍ من الحسود. أقل الناس سروراً الحسود. حاسد النعمة لا يرضيه إلا زوالها. الحسود يأخذ نصيبه من غموم الناس؛فينضاف إلى ذلك غمه بسرور الناس فهو أبداً مغمومٌ. الحسود فقيرٌ، وعند الناس حقير. الحسود يعمى عن محاسن الصبح بعينٍ تدرك دقائق القبح. ابن المعتز: الحساد يحسدون أكثر مما في المحسود، لأن بعضهم يظن عند المحسود ما لا يملك فيحسده عليه. الحسد والنفاق والكذب أثافي الذل. الحاسد مغتاظٌ على من لا ذنب له، بخيلٌ بما لا يملكه، طالبٌ لما لا يجده. لا يرضى عنك الحسود حتى تموت. كأن الحاسد إنما خلق ليغتاظ. يكفيك من الحاسد أنه يغتم عند سرورك. الحاسد ساخط على أقدار الله تعالى. عقوبة الحاسد من نفسه. الحاسد يرى زوال نعمتك نعمةً عليه.
الظلم
الظلم أسرع شيء إلى تعجيل نقمةٍ، وتبديل نعمةٍ. من ظلم نفسه فهو لغيره أظلم. أجمع الخصال للذم الظلم. الْأم الظلم ظلم الضعيف. الظلم هو الطريق إلى سخط الله تعالى. من ذكر قدرة الله تعالى عليه لم يستعمل القوة في الظلم. أظلم الناس من ظلم لمنفعة غيره. بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. المتنبي:

والظّلم في خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفّةٍ فلعلّةٍ لا يظلم
آخر:
وما من يدٍ إلاّ يد الله فوقها ... وما ظالمٌ إلاّ سيبلى بظالم

الهوى
الهوى هوانٌ، ولكن غلط باسمه. من أطاع هواه أعطى عدوه مناه. الهوى شريك العمى. أكثر الصواب في مخالفة الهوى. جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم. أشجع الناس أقهرهم لهواه. من قوي هواه ضعف رأيه. عين الهوى لا تصدق. كم من عقلٍ كبيرٍ أسيرٍ عند هوىً حقيرٍ. أكثر الناس افتضاحاً أكثرهم في هواه جماحاً.
إذا طالبتك النّفس يوماً بشهوةٍ ... وكان عليها للخلاف طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنما ... هواك عدوٌّ والخلاف صديق
الرأي نائمٌ والهوى يقظان. آفة الرأي الهوى.
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
آخر:
نون الهوان من الهوى مسروقةٌ ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وإذا هويت فقد تعبّدك الهوى ... فاخضع لإلفك كائناً من كانا
سائر المساوىء والمعائب
العقوق ثكل من لم يثكل. قبر العاق خيرٌ منه، أي لا ينتفع به حياً، كمل لا ينتفع به ميتاً. الشماتة بالمنكوب لؤم. السعاية أحدّ من السيف. قلة الحياء كفرٌ. الملق أدنى الخلق. البطنة تذهب الفطنة. لا خلاق لسيء الأخلاق. المنة تهدم الصنيعة. ربّ صلفٍ أدى إلى تلفٍ. ما أقبح الاستطالة عند الغنى، والخضوع عند الحاجة. المماراة تنقص المؤاخاة. من هتك ستر غيره تكشفت عورات بيته. من خان حان أي هلك. أفحش الزمانة عدم الأمانة. ما استب اثنان إلا غلب الأمهما. عبد الشهوة أذل من عبد الرق. نفاق المرء من ذله. الشرير لا يظن بالناس خيراً؛لأنه يراهم بعين طبعه. أصل السخرية الطمأنينة إلى الكذب. أثقل الناس من شغل مشغولاً. الغيبة إدام كلاب الناس. السامع للغيبة أحد المغتابين. عار الفضيحة يكدر لذتها. النصح بين الملأ تقريع. النميمة سيفٌ قاتلٌ. النمام جسر الشر. الزلل مع العجل. من أسرع كثر عثاره. لا أشجع من بريءٍ، ولا أجبن من مريب. شر الأمور أكثرها شكاً، وخيرها ما أسفر عن اليقين. من عددّ نعمه محق كرمه. خلف الوعد خلق الوغد. الأماني تعمي عين البصائر.
أبياتٌ تليق بهذا الفصل
مسلم بن الوليد:
قبحت مناظرهم فحين بلوتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبر
أبو تمام:
مساوٍ لو قسمن على الغواني ... لما أمهرهن إلاّ بالطلاق
آخر:
ويأخذ عيب النّاس من عيب نفسه ... مرادٌ لعمري ما أراد قريب
آخر:
قومٌ إذا ما جنى جانيهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
آخر:
وما ينفع الأصل من هاشمٍ ... إذا كانت النّفس من باهله
مسلم بن الوليد:
أما الهجاء فدقّ عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرضٌ عززت به وأنت ذليل
جحظة:
يجد الجليس إذا دنا ... ريح النذالة من ثيابه
كشاجم رحمه الله:
وهو كالدّينار لا ... يكرم إلاّ من أذلّه
ألفاظ لبلغاء العصر وغيرهم في أنواع الذم
فلانٌ كالكمأة، لا أصلٌ ثابت؛ولا فرعٌ نابتٌ. عصارة لؤمٍ في قرارة خبثٍ. ألأم مهجةٍ في أسقط جثةٍ. بدنٌ فاجرٌ، وقلبٌ كافرٌ. يكاد من لؤمه يعدي من تسمى باسمه أو جلس إلى جنبه. قد أرضع بلبان اللؤم، وربي في حجر الشر، وفطم عن ثدي الخير، ونشأ في عرصة الخبث. قد طلق الكرم ثلاثاً، لم ينطق فيها باستثناء، وأعتق المجد بتاتاً، لم يستوجب عليه ولاءً. فوته غنيمةٌ، والظفر به هزيمةٌ. فلان قصير الشبر، صغير القدر، ضيق الصدر، نظيف القدر، لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه. وجهه كهول المطلع، وزوال النعمة، وقضاء السوء، وموت الفجاءة. وجهٌ كآخر الصك، وظلمة الشك. ما هو إلا قذى العين، وشجا الصدر، وأذى القلب، وحمى الروح. خلقة الشيطان، وعقل الصبيان.
لي صديقٌ في خلقة الشيطان ... وعقول النساء والصّبيان
من تظنّونه فقالوا جميعاً: ... ليس هذا إلاّ أبا هفّان

بيذق والشطرنج في القيمة والقامة. ريح صيفٍ وطارق طيفٍ. يغمض عن الذكر، ويصغر عن الفكر. أقل من تبنةٍ في لبنةٍ، ومن قلامةٍ في قمامةٍ. قلبٌ نغلٌ، وصدرٌ دغلٌ. هو من الطاووس رجله، ومن الورد شوكه، ومن الماء زبده، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها. له من الدينار قصره، ومن الورد صفرته، ومن السحاب ظلمته، ومن الأسد نكهته. هو من تخوفه أضغاث الأحلام، فكيف مسموع الكلام؟. تمثال اللؤم، وصورة الجهل، ومقر البخل. حسناته أغاليط وأفعاله تخاليط. سكيت الحلبة، وساقة الكتيبة، وآخر الجريدة. لسانه مقراض الأعراض. يأكل خبزه بلحوم الناس. غرضٌ يرشق بسهام الغيبة. نقل كل لسانٍ وضحكة كل إنسانٍ. لعنة العائب، وعرضة الشاهد والغائب. عيبة العيوب، وذنوب الذنوب. فلانٌ كالرصاص؛في برده وثقله ووسخه.
؟؟؟؟الفصل الرابع من الفصل الرابع
؟؟

في فنون شتى وأنحاء مختلفة الترتيب
؟
الولد والقرابة
ولد الرجل من أطيب كسبه. الولد ثمرة القلب. ابنك ريحانك سبعاً، وخادمك سبعاً؛ووزيرك سبعاً، ثم هو صديقٌ أثيرٌ أو عدوٌ كبيرٌ. وقيل لبعضهم: أي ولدك أحب إليك؟فقال : صغيرهم حتى يكبر، وغائبهم حتى يقدم، ومريضهم حتى يبرأ. يحيى بن خالد: ما أحدٌ رأى في ولده ما يسره إلا رأى في نفسه ما يكرهه.
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
المتنبي:
إنما أنت والدٌ والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولاد
العداوة في القرابة كالنار في الغابة. الحسد في القرابة جوهرٌ، وفي غيرهم عرضٌ. قيل لبعضهم: لم لا تطلب الولد؟، فقال: حبي له يمنعني من طلبه؛أي لئلا يبتلى بمكاره الدنيا. وقيل لآخر: لم تعقّ والديك؟، فقال: لأنهما أخرجاني من عالم الكون إلى عالم الفساد. الكندي رحمه الله: الأب ربٌّ، والأخ فخٌّ، والعم غمٌّ، والخال وبالٌ، والولد كمدٌ، والأقارب عقارب. ابن المعتز:
لحومهم لحمي وهم يأكلونه ... وما داهيات المرء إلا أقاربه
الإخوة والأصدقاء والمودة وما يتصل بها
العرب: أخوك من صدقك لا من صدّقك. من اتخذ إخواناً كانوا له أعواناً. عمرو بن العاص رضي الله عنه: من كثر إخوانه كثر غرماؤه. المغيرة: التارك للإخوان متروك. أسماء بن خارجه: إذا قدم الإخاء سمج الثناء. مسلم بن قتيبة: إن في لقاء الإخوان غنماً وإن قلّ. ابن المقفع: إكرامك صديق صديقك أوقع لديه من إكرامك إياه. العتبي: لقاء الإخوان نزهة القلوب. خالد بن صفوان: إنما نفقت على الاخوان، لأني لم أستعمل معهم النفاق، ولا قصرت بهم عن الارتحقاق.
الكندي: الصديق إنسان هو أنت إلا أنه غيرك.
عمرو بن مسعدة: العبودية عبودية الاخاء، لا عبودية الرق.
اسماعيل بن صبيح: الوذ أعطف من الرحم.
سعيد بن العاص: إن الكريم ليرعى من المعرفة ما يرعى الواصل من القرابة.
شبيب بن شعيب: عليك بالاخوان فانهم في الرخاء زينة وفي البلاء عدة.
ابراهيم بن العباس: مثل الاخوان كالنار قليلها متاع، وكثيرها بوار.
سليمان بن وهب النفس بالصديق انس منها بالعشيق، وغزل المودة ارق من غزل الصبابة.
الحسن بن وهب: من حقوق المودة أخذ عفو الاخوان، والاغضاء عن التقصير ان كان، وذكر محمد بن عبد الملك الزيات رجلاً فقال: ويحسبك أنه خلق كما يشتهي إخوانه.
غيره: المودة قرابة مستفادة. خير الاشياء جديدها، وخير الاخوان قديمهم، ما تواصل اثنان فطال تواصلهما الا لفضائلهما أو لفضل أحدهما.
أسرع الاشياء انقطاعاً مودة الاسرار.
المحروم من حرم صالح الاخوان.
لقاء الاخوان مسلاة للهموم.
لقاء الخليل شفاء الغليل. قلة الزيادة أمان من الملالة.
عليك باقلال الزيادة انها ... إذا كثرت كانت الى الهجر مسلكاً.
فاني رأيت القطر يسأم دائماص ... ويسأل بالايدي إذا هو أمسكا.
آخر:
ان اخاك الصديق من لم يخدعك ... وإن رأك طالباً سعى معك
ومن إذا ريب الزمان صدّعك ... شتّت فيك شمله ليجمعك

ابن المعتز: إنما سمي الصديق صديقاً لصدقه لك؛والعدو عدواً لعدوانه عليك، لو ظفر بك. إخوان السوء كشجرة النار يحرق بعضها بعضاً. علامة الصديق إذا أراد القطيعة أن يؤخر الجواب، ولا يبتدىء بالكتاب. لا يفسدنك الظن على صديقٍ قد أصلحك اليقين له. إذا كثرت ذنوب الصديق تمحق السرور به، وتسلطت التهم عليه. من لم يقدم الامتحان قبل الثقة، والثقة قبل الأنس، أثمرت مودته ندماً. غيره: إذا قدمت الحرمة تشبهت بالقرابة. خير الإخوان من نسي ذنبك فلم يقرعك به، ومعروفه عندك فلم يمنّ به عليك.

العتاب
العتاب حياة المودة. العتاب حديقة المتحابين. ظاهر العتاب خيرٌ من باطن الحقد.
إذا ذهب العتاب فليس ودٌ ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب
من لم يعاتب على الزلة، فليس بحافظٍ للخلة. من كثر حقده قلّ عتابه. ما أكثر من يعاتب ليطلب علةً للعفو. معاتبة الأخ خيرٌ من فقده. إفراط العتاب يولد الضغينة.
أبلغ أبا مسمعٍ مني مغلغلةً ... وفي العتاب حياةٌ بين أقوام
ترك العتاب إذا اسّتحقّ أخٌ ... منك العتاب ذريعة الهجر
آخر:
وليس عتاب المرء للناس نافعاً ... إذا لم يكن للمرء لبٌّ يعاتبه
ودع العتاب فربّ هج ... رٍ أولّه العتاب
ما جمش الود بمثل العتاب.
العداوة
كمون العداوة في الفؤاد ككمون الجمر في الرماد. القريب بعيدٌ بعداوته، والبعيد قريبٌ بمودته.
كم صاحبٍ عاديته في صاحبٍ ... فتصالحا وبقيت في الأعداء
آخر:
إنّ العدوّ وإن أبدى مسالمةً ... إذا رأى فيك يوماً فرصةً وثبا
الأخطل:
إن العداوة تلقاها وإن قدمت ... كالعرّ يكمن حيناً ثم ينتشر
ابن المعتز: لا تأمنن عدوك وإن كان مقهوراً، واحذره، فإن حدّ السيف فيه وإن كان مغموداً. غيره: لا تتعرضن لعدوك في دولته؛فإنها إذا زالت كفيت مؤونته. نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تأنيب. لا تأنسن لعدوك وإن تبسم إليك، ولا تيأسن من صديقك وإن تجهم عليك. كتب مروان إلى بعض الخوارج: إني وإياك كالحجر والزجاجة، إن وقع عليها رضها، وإن وقعت عليه قضها.
الحوائج
صاحب الحاجة أبله، لا يرى الرشد إلا في قضائها. أشد من فوت الحاجة طلبها من غير أهلها. صاحب الحاجة مستعجلٌ. الحوائج تضر بالجوانح.
إذا أرضعتها بلبانٍ أخرى ... أضرّ بها مشاركة الرّضاع
الحوائج تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء. إذا أردت أن تطاع، فسل ما يستطاع. من سأل فوق قدره استحق الحرمان. استعينوا على حوائجكم بالكتمان.
ليس للحاجات إلاّ ... من له وجهٌ وقاح
ولسانٌ ذو بيانٍ ... وغدوٌّ ورواح
إن تكن أبطأت الح ... اجات يوماً والسّراح
فعليّ السعي فيها ... وعلى الله النّجاح
الهدية والرشوة
تهادوا تحابوا. نعم الشيء الهدية أمام الحاجة. الهدية تفتح الباب المصمت. من قدم هديته نال أمنيته، ومن لم يقدم المؤونة لم يظفر بالمعونة. ما أرضي الغضبان، ولا استعطف السلطان، ولا سلت السخائم، ولا أغمدت الصوارم، بمثل الهدية.
إنّ الهديّة حلوةٌ ... كالسّحر يختلب القلوب
تدني البعيد عن الهوى ... حتى تصيّره قريبا
آخر:
للهدايا من القلوب مكانٌ ... وحقيقٌ بحبّها الإنسان
ابن عباد:
رويت في السنّة المشهورة البركة ... أن الهدية في الإخوان مشتركه
الرشوة تعمي عين الحكيم. الرشوة رشاء الحاجة.
لمع من الأعداد
في الخبر: شر ما في المرء جبنٌ خالعٌ، وشحٌ هالعٌ. بعض السلف: شيئان إذا أحرزتهما لم تبال ما ضيعت بعدهما: درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك. اثنان قد عزا وأعوزا: درهمٌ من حلالٍ، وأخٌ في الله تعالى. خالد بن صفوان: موطنان لا أعتذر من العي فيهما: إذا خاطبت جاهلاً، أو سألت حاجةً ممن لا يقضيها. أبو العيناء: موطنان تذهب فيهما العقول: المسابقة، والمباشرة. غيره: اثنان قلّ ما يجتمعان: اللسان البليغ، والشعر الجيد.
شيئان يعجز ذو الرياسة عنهما ... رأي النّساء، وإمرة الصبيان

أمّا النّساء فميلهنّ إلى الهوى ... وأخو الصّبا يجري بغير عنان
آخر:
شيئان لو بكت الدّماء عليهما ... عيناي حتى تؤذنا بذهاب
لم تقضيا المعشار من حقّيهما ... فقد الشّباب وفرقة الأحباب
آخر:
خلقان لا أرضى طريقهما ... تيه الغنى ومذلّة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطراً ... وإذا افتقرت فته على الدّهر
منصور الفقيه:
اثنان من النّاس ... حقيقٌ بهما الموت
فقيرٌ ما له تقوى ... وأعمى ما له صوت
في الخبر المأثور: ثلاثٌ منجياتٌ، وثلاثٌ مهلكاتٌ. أما المنجيات: فالعدل في الغضب والرضا، وخشية الله تعالى في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى. وأما المهلكات: فشحٌّ مطاعٌ، وهوىً متبعٌ، وإعجاب المرء بنفسه. مسلمة بن عبد الملك: العيش في ثلاثٍ: سعة المنزل، وكثرة الخدم، وموافقة الأهل. غيره: ليس لثلاثٍ حيلةٌ: فقيرٌ يخالطه كسلٌ، وخصومةٌ يداخلها حسدٌ، ومرضٌ يمازجه هرمٌ. ثلاثٌ تجب مداراتهم: الملك المسلط، والمريض والمرأة. ثلاثةٌ يعذرون على سوء الخلق: المريض ، المسافر، الصائم. ثلاثةٌ لا يستخف بهم عاقلٌ: السلطان، والعالم، والصديق؛لأنه من استخف بالسلطان أفسد دنياه، ومن استخف بالعالم فقد أفسد دينه، ومن استخف بالصديق أفسد مروءته. ثلاثةٌ لا يأنف الكريم من القيام عليها: أبوه، وضيفه، ودابته. خالد بن صفوان: السفر ثلاث عتباتٍ: أولها العزم، وثانيها العدة، والثالثة الرحيل؛وأشدهن العزم. ثلاثةٌ تسهر: قرض فأرٍ، وأنين مريضٍ، ووكف بيتٍ. ثلاثةٌ لا راحة منها إلا بالمفارقة عنها: السن المتآكلة المتحركة، والعبد الفاسد على مولاه، والمرأة الناشز على زوجها. إذا كان في الرجل ثلاث خصالٍ فلا تشكنّ في صلاحه: إذا حمده جاره، ورفيقه وقرابته. كدر العيش في ثلاثٍ: الجار السوء، والولد العاق، والمرأة السيئة الخلق. ثلاثةٌ الإقدام عليها غررٌ: شرب السم للتجربة، وركوب البحر للغنى، وإفشاء السر إلى النساء. ثلاثةٌ من عازّهم عادت عزته ذلةً: السلطان ، والوالد، والغريم. ثلاثةٌ تنبو العظة عن قلوبهم نبوة الكرة عن الصفا: امرأةٌ ثيبٌ مغرمةٌ برجلٍ، ورجلٌ مسنٌ مغرمٌ بشرب الخمر، وملكٌ فاجرٌ. ثلاثةٌ تزيد في المودات: الزيارات في الرحال، والتحادث على الموائد، ومعرفة الرجل حشم أخيه وخدمه. ثلاثةٌ تنفع في الدنيا مع ثوابها في الآخرة: الحج ينفي الفقر، والصدقة ترد البلاء، والبر يزيد في العمر. ثلاثةٌ لا يستحيى منها: طلب العلم، ومرض البدن، وذو القرابة الفقير. أربعٌ تحتاج إلى أربعٍ: الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودة، والعقل إلى التجربة. أربعٌ لا بقاء لها: مودة الأشرار، والبيت الذي ليس فيه تقدير، والمال الحرام، والكسب الذي ليس معه التدبير. أربعٌ تقبح، وهي في أربعة أقبح: البخل في الأغنياء، والفحش في النساء، والغضب في العلماء، والكذب في القضاة. أربعةٌ لا يستقل قليلها: الدَين، والنار، والعداوة، والمرض. الأذلاء أربعةٌ: النمام، والكذاب، والمديون، والفقير. أربعةٌ لا يستطاع إشباعهن: النار من الحطب، والبحر من الماء، والموت من الأرواح، والشره من المال. أربع لا تشبع من أربعٍ: عينٌ من نظرٍ، وأذنٌ من خبرٍ، وأنثى من ذكرٍ، وأرضٌ من مطرٍ. أربعٌ إذا كن في الرجل أهلكنه: حب النساء، والصيد، والقمار، والخمر. عمر بن عبد العزيز أعزه الله إعزازاً، وأكرمه إكراماً: من أحب الأشياء إلى الله أربعةٌ: القصد عند الجدة، والعفو عند القدرة، والحلم عند الغضب، والرفق بعباد الله في كل حال. المأمون: الناس أربع طبقاتٍ: بين إمارةٍ، وتجارةٍ، وصناعةٍ، فمن لم يكن منهم كان كلاً عليهم. أربعةٌ لا يستحيى من الختم عليها: المال لنفي التهمة، والجوهر لأمن الإبدال، والدواء للاحتياط، والطيب للصيانة.
أبو بكر الصديق العتيق رضوان الله عليه: ثلاثٌ من كن فيه كن عليه: المكر ، والبغي، والنكث، قال الله تعالى عزّ اسمه: " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه " . وقال عزّ من قائل: " ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله " . وقال عزّ جده: " إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا " . ؟؟

أقسام الكتاب
1 2