كتاب : البصائر والذخائر
المؤلف : أبو حيان التوحيدي

جاء مزبّد إلى بئرٍ ليستقي منها فوجد الحبل كثير العقد فقال: ليس هذا حبل، هذا سبحة العجوز؛ هكذا قال، ومتى أعربت برد اللفظ وخالف المحكيّ، والغرض غير ما قيل على ما قيل، ومتى حرّف زال عن الاستطراف، إلا أن يكون البيان عن عربيٍّ فصيح اللهجة أو أعرابي بيّن اللسان، فإن ذاك متى تحّرف أيضاً فسد.
حدثني بعض أصحابنا قال: رأيت جاريةً سوداء في درب الزعفراني - وكانت جسيمةً ضخمة - فقلت لصاحب لي: ما في الدنيا أضرط من سوداء، فقالت: من جانبٍ في لحيتك.
قال أبو العيناء: سمعت جاراً لي أحمق وهو يقول لجار له: والله لهممت أن أوكّل بك من يصفع رقبتك ويخرج هذا الجنون من أقصى حجر بخراسان.
قيل لبعض ولد أبي لهب: العن معاوية، قال: ما أشغلني ب تبّت.
أمر المتوكّل ببدرةٍ فوضعت في أقصى الدار، ودعا بعّبادة وبالزرجونة فقال لهما: من عدا إلى تلك البدرة وسبق وأخذها فهي له، فتعاديا جميعاً فسبقته الزرجونة فأخذت البدرة، فقال المتوكل: ويلك تسبقك امرأة؟ فقال: يا سيّدي هذه تعدو ببدادين وأنا أعدو بخرجين، وبيننا كثير.
قال أبو العيناء: بينا أنا في طريق مكّة في يومٍ حارٍّ إذا شيخٌ قد لجأ إلى ميلٍ وعليه شملةٌ خلقة، فقلت له: ممّن الرجل؟ فقال: من هذه القفرة، فقلت: فمن أين معاشكم؟ قال: منكم معاشر الحجّاج، قلت: نحن نأتيكم في السنة ثلاثة أسهر فالباقي من أين؟ فقال: إنّ الله عزّ وجلّ رزقنا من حيث لا ندري أكثر مما رزقنا من حيث ندري؛ قلت: هل لك في أرض الرّيف والخصب، أرض العراق أو الشام؟ قال: لولا أن الله تعالى أرضى بعض العباد بشرّ البلاد، ما وسع خير البلاد جميع العباد.
قال أبو العيناء في كلامٍ له: كان أبي يحبّني، فقال ابن مكرّم: كان أبوك يحب الخرا قال: فلو رآك إذاً للطعك.
قال رجلٌ لآخر في الحمّام: أيش تعمل ها هنا؟ قال: أسوّي لأمّك مهزّة.
لما مات عروة بن الورد قالت سلمى: يا عروة ما كان أكلك باجتحاف، ولا شربك باشتفاف، ولا لبستك بالتفاف، ولا نومك بالتحاف، وال كنت تشبع ليلة الأضياف، ولا تنام ليلةً تخاف.
فصلٌ لكاتب: وصل إليّ كتابك لا عدمتك إّلا برؤيته.
قال أعرابيٌّ لآخر في كلامٍ له: أتجلب التّمر إلى هجر؟ قال: نعم إذا أجدبت أرضها وجف نخلها.
شاعر: الطويل
تركت لك القصوى لتدرك فضلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
ولم يك بي عنها نكولٌ وإنّما ... تغاضيت عن حقّي فتمّ لك الحقّ
ولا بدّ لي من أن أكون مصلّياً ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السّبق
قال أبو العيناء، قال الأصمعي: قلت لأعرابي: أين منزلك؟ قال: من وراء اليمن بطالعين، يريد بشهرين.
غزا قاصٌّ فقيل له: أتحبّ الشهادة؟ فقال: أي والذي أسأله أن يردّني إليكم.
عرضت على مديني جاريةٌ فقال: ما أدقّ رأسها!فقالت: تريد أن تبني على رأسي غرفة.
دخل أبو العيناء على ابن مكرّم فقال له: كيف أنت؟ فقال له أبو العيناء: كما تحبّ، فقال: فلم أنت منطلق كالحزنبل؟ شاعر: الطويل
ألا ربّ همٍّ يمنع النوم برحه ... أقام كقبض الراحتين على الجمر
بسطت له وجهي لأكبت حاسداً ... وأبديت عن نابٍ ضحوكٍ وعن ثغر
وشوقٍ كأطراف الأسنّة في الحشا ... ملكت عليه طاعة الدمع أن يجري
دعا أعرابيٌّ فقال: اللهمّ ارزقني نفساً طيبة مطمئنة قانعةً بعطائك، راضيةً بقضائك، موقنةً بلقائك.
قال مساور بن هند لرجل: أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا المساور بن هند، قال: ما أعرفك، قال: فتعساً ونكساً لمن لا يعرف القمر.
قيل لصوفيّ: ما نصيبك من الحقّ؟ قال: نصيبي منه أنّي نصيبه وكفاني.
أبو العتاهية: المديد
اقطع الدنيا بما انقطعت ... وادفع الدنيا بما اندفعت
واقبل الدنيا إذا سلست ... واترك الدنيا إذا امتنعت
تطلب النفس الغنى أبداّ ... والغنى في النفس لو قنعت

كتب عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه وهو بالمدائن: أما بعد، فإنّ مثل الدنيا مثل الحيّة ليّنٌ مسّها، قاتلٌ سمّها، فأعرض عما يعجبك منها، لقلّة ما يصحبك عند مفارقتها، وضع عنك همومها لما تؤمن به من سرعة فراقها، ولتكن أسرّ ما تكون بها أحذر ما تكون لها، فإنّ كلّ من اطمأنّ إليها وإلى سرورها أشخصته إلى مكروهها.
قيل لصوفّي: ما الفرق بينك وبينك؟ قال: الحقّ.
قال الجمّاز لقينةٍ: البسيط
ماذا تقولين فيمن شفّه حزنٌ ... من شدّة الحبّ حتى صار حرّانا
فقالت:
إذا رأينا محبًّا قد أضرّ به ... جهد الصّبابة أوليناه إحسانا
قال جعفر بن محمد عليهما السلام: ما افتقرت كفٌّ تختّمت بفيروزج، وتفسيره ظفر؛ هكذا قال أبو جعفر ابن بابويه، وما لحقت شيخاً أكبر منه ولا أطول باعاً في العلم، وما أدري كيف حقيقة هذا، وللرافضة أخبار كثيرة يروونها عن جعفر بن محمد عليه السلام لم يقلها قط، ولا محصول لها، ولا فائدة معها، ولا حقيقة لشيءٍ منها، وتى رددتها عليهم غضبوا وشنعوا وقالوا: أنت رديْ الدين ولهذا تردّ على الصادقين.
خرج المأمون يوماً إلى ندمائه ومعه رقعةٌ مكتوب فيها: يا موسى، فقال: هل تعرفون لها معنى. فقالوا: لا، فقال إسحاق بن إبراهيم الطاهري: يا أمير المؤمنين، هذا إنسان يحذّر إنساناً، أما سمعت الله تعالى يقول " يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنّي لك من النّاصحين " فقال المأمون: صدقت، هذه صرف جاريتي، كتبت إلى أختها متيّم جارية عليّ بن هشام أننا على قتله فحذرته؛ فما ردعه ذاك عن قتله.
روي أن جاراً كان يتراءى لعائشة، فأمرت بقتله، فرأت في المنام قائلاً يقول لها: قتلت رجلاً من مسلمي الجنّ، قالت: لو كان مسلماً اطّلع على نساء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقيل: إنما كان يجيء فيستمع القرآن؛ فتصدقت باثني عشر ألف درهم.
قيل لداود بن رشيد: لم كره الناس أن يدخلوا بنسائهم في شوّال؟ قال: مات فيه بالطاعون الجارف تسع عشرة ألف عروس.
وصف أعرابيٌّ مطراً فقال: السماء واكفةٌ والأرض راشفةٌ.
لما عزم نوبخت على الإسلام كتب رقعتين، إحداهما " الدين والإسلام ومحمد وآله " وكتب في أخرى " المجوسية ومحبة الشمس " ودعا برجل من المسلمين فقال: ادفنهما حيث شئت، فدفنهما وخرج، ودخل نوبخت فأخذ الارتفاع، فوجد السعود كلها في ناحية المشرق فقال: الحق في المشرق، وأخرج الرقعة فإذا رقعة " الإسلام ومحمد وآله " وكان ذلك سبب تشيّعه.
قال ابن جدار المصري: قال لي أبو العمثيل شاعر بني طاهر النعمان اسمٌ من أسماء الدم، ولم يعن شقائق النعمان بن المنذر؛ قال أبو العمثيل: حدثت به الأصمعيّ وكتبه.
هذا غريب جداً، وليته وصله بشاهدٍ أو حديثٍ أو مثالٍ أو كتاب، فليس كلّ مرسلٍ مقبولاً ولا كلّ عارضٍ ثابتاً، ولولا الشاهد والمثل وقفت الرّواية وانتهى العلم وسقط التفاضل.
قال أعرابي: خير أموال الناس أشبههم بالناس، يعني النخل.
قال ثعلب: قول الناس " ماخور " لتردد الناس فيه، ومنه قول الله عزّ وجلّ " وترى الفلك مواخر فيه " قال اليزيدي: مخرت السفينة إذا شقّت الماء بجؤجؤها، والمواخر هي الشواقّ.

قال بعض العلماء: ما جيل من الأجيال ولا أمة من الأمم إّلا ولهم أمور قد اصطلحوا عليها وسنن قد ألفوها، يحمدون في بعضها ويذمّون، ولم يحو جيلٌ منها جميع المحمود، ولا احتازت أمةٌ منها جميع المذموم، ولكن تقاسموا المحامد والمذامّ تقاسماً بالجواهر والطبائع، وبالإكراه والاختيار، وبالدّواعي الظاهرة والأسباب الخافية. على ذلك تجد الهند والروم والفرس والعرب، وهؤلاء هم أرباب جميع الفضائل، والناس عليهم عيالٌ من بعد لأنهم الأركان والعمد والجراثيم والأصول، ومن عداهم تابعٌ لهم وآخذٌ منهم وسالكٌ سبيلاً من سبلهم. انظر إلى العرب مع فضلها وذكائها، ولسانها وبيانها، وسيفها وسنانها، وصبرها وعزائها، وسخائها وشجاعتها، ورأيها وبديهتها، وفكرها وغوصها، ومعرفتها التي هي خالص الجوهر وزبدة الطبيعة، لأنّ أمرهم في القديم جرى على هذه وبهذه الأسباب عرف، وذلك أنّ فساد الحاضرة ونفج المترفين ومحبّ الراحة ورعونة أصحاب النعم كانت بعيدةً عنهم، وكانوا في جميع متصرّفهم واختلاف أحوالهم لا يعرفون إّلا التساجل بالبيان والعقل، والتباهي بالصّواب والأدب، وكانوا في كلّ فصلٍ على أقصى حدوده وأعلى قلله، وعلى هذه الحال، فإذا فصلت أحوالهم وميّزت أمورهم أصبت أشياء هي في جانبٍ من العقل وعلى بعدٍ من الحقّ، مثل كيّهم السّليم من الإبل إذا أصابها العرّ ليذهب العرّ عن السّقيم؛ هذا زعمهم وعلمهم وعليه بصيرتهم وعملهم؛ وكشقّ الرجل برقع حبيبته وشقّ الحبيبة رداء حبيبها، وقولهم إنها متى لم تفعل هذا وهو متى لم يفعل ذاك عرض السيف بينهما واستحالت المحبة بغضاً، والاستحلاء مقتاً، والقبول رداً، وفيه قال عبد بني الحسحاس: الطويل
وكم قد شققنا من رداءٍ محبّرٍ ... ومن برقعٍ عن طفلةٍ غير عانس
إذا شقّ برد شقّ بالبرد برقع ... دواليك حتى كلّنا غير لابس
وكما علّقوا الحليّ على السليم رجاء إفاقته؛ قال النابغة: الطويل
يسهّد من بيت العشاء سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
وكما فقأوا عين الفحل إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً، فإن زادت على الألف فقأوا العين الأخرى: يزعمون أن ذلك يدفع عنها العارة والعين.
وكما سقوا العاشق ماء السلوان؛ قال الأصمعي: هي خرزةٌ تحلّ بماءٍ ثم تسقى أصحاب الهوى؛ فزعموا أنه يسلو صاحب العشق بذلك. قال: ويقال سلا يسلو سلوًّا إذا ذهلت نفسه عنه؛ قال: ويقال: سلي يسلى سلوًّا، ويقال أيضاً: سلى يسلى سلياً، قال رؤبة: الرجز
لو أشرب السلوان ما سليت ... ما بي غنىً عنك ولو غنيت
وكما أوقدوا خلف المسافر ناراً إذا كرهوا إيابه.
وكما ضرب الثور إذا امتنعت البقر من الماء.
وكما زعموا أنّ المقلات إذا وطئت رجلاً شريفاً مقتولاً عاش ولدها، والمقلات: التي لا يعيش لها ولد.
وكما زعموا أنّ الرجل إذا خدرت رجله فذكر أحبّ الناس إليه ذهب عنه الخدر.
وكما يحذف الصبيّ سنّه إذا سقطت في عين الشمس ويقول: أبدليني بها أحسن منها؛ ويزعمون أن الصبيّ متى لم يفعل هذا لم تنبت أسنانه إّلا عوجاً ولا تعلق.
وكما قالوا إن الفرس المهقوع - والهقعة دائرة تكون بالفرس - إذا ركبه رجلٌ فعرق الفرس اغتلمت امرأته وطمحت عينها إلى غير أبي مثواها، وقد قال رجلٌ من العرب: الطويل
إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت ... حليلته وازداد حرًّا عجانها
فأجابه آخر: الطويل
وقد يركب المهقوع من لست مثلةً ... وقد يركب المهقوع زوج حصان
وكما عقدوا السّلع والعشر في أذناب الثيران وأضرموا النار فيها وأصعدوها جبلاً وعراً يستسقون بذلك، ويدعون الله عزّ وجلّ، هذا إذا أمحل البلد وعزّ القطر.
وكما أن من ولد في القمر رجعت قلفته وكان كالمختون.
وكما عقدوا الرّتيمة بغصن الشجرة عند السّفر وتفقّدوها عند الإياب، فإذا وجدوها على حالها قضوا بأنّ الحليلة لم تخن، وإن وجدوها منحلّةً حكموا بفجورها.
وكما زعموا أن الداخل إلى بلد مخوف الوباء يجب أن يقف على أوائل البلد فينهق كما ينهق الحمار، ومتى فعل ذلك أمن وباءها.
وكما زعموا أن من علّق على نفسه كعب أرنبٍ لم تقربه الجنّ.

فأمّا ما كان مثل إمساكهم عن بكاء القتيل إلى أن يؤخذ بثأره، فالغرض فيه ظاهر، والعادة فيه مقبولة، وهذا الضّرب معروف السبب، صحيح العلّة، وليس من الأوّل في شيءٍ، لأنّ تلك دلّت على سفه الأحلام وعلى جهل الطباع وعلى فساد المعرفة.
وهكذا الفرس في كثيرٍ من أمورها وعاداتها وأخبارها ورواياتها.
ومتى حسنت غايتك بتصفّح أسرار العالم وأخلاق الأمم رأيت العجائب وعرفت الغرائب.
وللهند ما يربي على جميع الناس؛ وأقلّهم تخليطاً الروم، وذلك أيضاً لأسبابٍ؛ على أنهم ما خلوا ولا عروا.
شاعر: الكامل
يا من يؤمّل أن تكون خصاله ... كخصال عبد الله أنصت واسمع
فلأنصحنّك في المشورة والذي ... حجّ الحجيج إليه فاقبل أو دع
اصدق وعفّ وبرّ واصبر واحتمل ... واحلم ودار وكفّ واسمح واشجع
للخنساء ويقال لأبي المثلّم الهذلي: البسيط
لو أن للدهر مالاً كان متلده ... لكان للدهر صخرٌ مال قنيان
آبي الهضيمة حمّال العظيمة مت ... لاف الكريمة لا سقطٌ ولا وان
حامي الحقيقة نسّال الوديقة مع ... تاق الوسيقة جلدٌ غير ثنيان
ربّاء مرقبةٍ منّاع مغلبة ... ورّاد مشربةٍ قطّاع أقران
شهّاد أنديةٍ حمّال ألويةٍ ... هبّاط أوديةٍ سرحان فتيان
التارك القرن مصفرّاً أنامله ... كأنّ في ريطتيه نضح أرقان
يعطيك ما لا تكاد النفس تبلغه ... من التّلاد وهوبٌ غير منّان
قيل لعاصم بن عيسى: بم سدت قومك؟ قال:ببذل النّدى، وكفّ الأذى، ونصرة المولى.
من كلام الأوّلين على وجه الدهر: إذا زللت فارجع، وإذا ندمت فأقلع، وإذا أسأت فاندم، وإذا منيت فاكتم، وإذا قريت فأفضل، وإذا منعت فأجمل.
قيل لأبي هاشم الصوفي وقد جاء من ناحية النهر: في أيّ شيءٍ كنت اليوم؟ قال: في تعليم ما لا ينسى وليس لشيءٍ من الحيوان عنه غنى، قيل: وما هو؟ قال: السّباحة.
قال بعض الملوك لوزرائه: أيّ الرّجال خيرٌ؟ قال بعضهم: الشّجاع، قال: الشجاع يموت فيذهب ذكره؛ قال آخر: السّخيّ، قال: السخي ينفذ ما عنده؛ قال آخي: التّقيّ، قال: التقيّ تقواه لنفسه، قالوا: فمن؟ قال: الذي يموت ويبقى تدبيره.
شاعر: الكامل
ما زالت الدنيا تقلّب بالفتى ... طوراً تجود له وطوراً تسلبه
من لم يزل متعجّباً من حادثً ... تأتي به الأيام طال تعجّبه
قال الثوريّ لشريك بن عبد الله: لم ترض أن وليت القضاء لمنصور حتى وليت للمهدي؟ فقال: إني شيخٌ كبير وعليّ دينٌ ولي عيال، فقال سفيان: والله لأن تلقى الله ومعك دينك وعليك دينك أفضل من أن تلقاه وأنت عاملٌ لهم.
تزوج رجلٌ صغير الأير امرأةً، فلما دخل بها اعتذر إليها فقال: هو وإن كان صغيراً فهو ذكيّ، قالت: ليته كان كبيراً وهو أبله، أيش عليّ من بلهه؟! قال الكندي: من أراد الإلقاح فليقطر على الحشفة زئبقاً خالصاً ويذرّ عليها شيئاً من المسك ليطرد برد الفرج ريحه فإنه يلقح.
قال كسرى لبعض عمّاله: كيف نومك بالليل؟ قال: أنامه كلّه، قال: أحسنت، لو سرقت ما نمت هذا النوم كلّه.
ذكر المغيرة عمر فقال: كان به عقلٌ يمنعه من أن يخدع، ودينٌ يمنعه من أن يخدع.
قيل ليزيد بن المهلّب: بم نلت هذا الأمر؟ قال: بالعلم؛ قالوا: فقد رأينا من هو أعلم منك لم ينل ما نلت؛ قال: ذلك علمٌ أخطئ به مواضعه، وهذا علمٌ أصيب به فرصته.
قيل لفيلسوفٍ: فلانٌ يحسن القول فيك، قال: سأكافيه، قيل: بماذا؟ قال: بأن أحقّق قوله.
أغلظ سفيهٌ فقيل له: لم لم تغضب؟ فقال: إن كان صادقاً فليس ينبغي أن أغضب، وإن كان كاذباً فبالحري أن لا أغضب.
تقدّم إلى الشعبيّ رجلان فقال أحدهما: إني اشتريت من هذا غلاماً صبيحاً فصيحاً صحيحاً، فقال: هذه صفة محمد بن عمير سيّد بني تميم.
كان على سيف بعض الشّراة مكتوباً: ثأر الله من الظالمين.
شاعر: الطويل
حسامٌ غداة الرّوع ماضٍ كأنّه ... من الله في قبض النفوس رسول
قال رجل لآخر: أتدري لم غلا السّعر ببغداد؟ قال: لا، قال: لأنّ كلّ بلدٍ خبزه أكثر من أهله وبغداد أهله أكثرن خبزه.

قيل لأعرابي: أتحنّ إلى الحاضرة؟ فقال: البادية أفسح، والجسم فيها أصحّ.
كاتب: لي حرمةٌ سالفةٌ، وفيك أملٌ قديمٌ، وهما يقتضيانك حقاً لا تدفعه، ويطالبانك بذمامٍ لا تنكره.
قال واصل بن عطاء: لأن يقول الله عزّ وجلّ لي يوم القيامة: " هلاّ قلت " أحبّ إلي من أن يقول: " لم قلت " لأنه إذا قال: لم قلت؟ طالبني بالبرهان، وإذا قال: هلاّ قلت، فليس غير ذلك يزيد.
استدلّ هشام بن الحكم على أنّ الباري جلّ جلاله جسمٌ بقوله " لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ " ؛ قال: لو كان غير جسمٍ لم يكن هذا مدحاً.
وقال أبو حامد المروزوذي: ألا تعلم أنه لو كان جسماً لم كان هذا منفياً؟ وكان يقول: لا أدري ما فائدة هشام في اعتقاده أنه جسمٌ وهو يعلم اضطراراً أن نفي هذا الاسم على الحدّ المقتضى أدخل في التوحيد.
قال سهل الأحول - وكان يكتب لإبراهيم بن المهدي - : ما أحسن حسن الظنّ إّلا منه العجز، وما أقبح سوء الظنّ إّلا أن فيه الحزم.
قال بعض الناظرين في معاني القرآن: " وما قتلوه وما صلبوه " هذه الهاء للظن " إنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك ٍمنه ما لهم من علمٍ إّلا اتّباع الظّنّ وما قتلوه يقيناً " ذلك الظنّ.
مات أخٌ لجحا فقالت له أمه: اذهب فاشتر الكفن والحنوط، قال: لا أذهب، ابعثوا غيري، قالوا: لم ؟ قال: أخاف أن تفوتني الجنازة.
قال أبو العيناء: أكلت مع بعض أمراء البصرة فقدّم إلينا جديٌ سمينٌ، فضرب القوم بأيديهم إليه فقال: ارفقوا به فإنه بهيمة.
قال ابن مسعودٍ رحمه الله: ما الدّخان على النّار بأدلّ من الصّاحب على الصّاحب.
قال بعض المفسّرين: قوله تعالى " تفقّد صواع الملك " الصواع: الطرجهارة.
سئل أعرابيٌ عن راعٍ فقال: هو الرائح الباكر، الحالب العاصر، والحاذف الكاسر.
قال صالح بن سليمان: لا تستصغروا أحداً فإنّ العزيز ربما شرق بالذباب.
قيل لمزبّد: لم لا تكون كفلان؟ - يعني رجلاً موسراً - فقال: بأبي أنتم، كيف أشبه بمي يضرط فيشمّت، وأعطس فألطم؟ العرب تقول في أمثالها: ليس ابن أمّك كابن علّة.
قال بعض البلغاء لرجلٍ يصفه: لو أراد الخير أن يتلبّس لبوساً حسناً ما تلبّس إّلا بك.
شاعر: مجزوء الكامل
لم يبق من طلب الغنى ... إّلا التعرّض للحتوف
فلأفعلن وإن رأي ... ت الموت يلمع في السيوف
إني امرؤٌ لم أوت من ... طلبٍ ولا همٍّ شريف
لكنّه قدرٌ يزو ... ل عن القويّ إلى الضّعيف
كتب كسرى إلى هرمزد: استقلل كثير ما تعطي واستكثر قليل ما تأخذ، فإنّ قرّة عين الكريم فيما يعطي، وسرور اللئيم فيما يأخذ؛ ولا تجعل الشحيح أميناً، ولا الكذاب صفيّاً، فإنّه لا عفّة مع شحٍّ، ولا أمانة مع كذبٍ.
قال شاعر في وصف سيف: الكامل
إني لبست لحربكم فضفاضةً ... كالنّهي رقرقه رياح شمال
ومهنّداً كالملح ليس لحدّه ... عهدٌ بتمويهٍ ولا بصقال
ترضيك هزّته إذا ما شمته ... وتقول حين تراه: لمعة آل
شاعر يصف بعيراً: الرجز
كأنّما الزّمام والتصدير ... يمدّه حين يقال سيروا
عمود ساجٍ جوفه منجور ... عام به في لجةٍ قرقور
في ذي صراريّ له صرير
دخل سعيد بن عتبان الجعفري على هشام بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أصفك بصفتك، فإن ينحرف كلام فلهيبة الإمام وتصرّف الأعوام، فربّ جواد عثر في استنانه، وكبا في ميدانه، فرحم الله عبداً أقصر عن لفظه، وألصق الأرض بلحظه؛ فخاف هشامٌ أن يتكلّم بكلامٍ يقصّر به عن جائزته، فعزم عليه فسكت.
قيل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأثرد.
قام رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين،اذكر بمقامي هذا مقاماً لا يشغل الله عنك فيه كثرة من يختصم إليه حين تلقاه بلا ثقةٍ من عمل، ولا براءةٍ من ذنب؛ فبكى حتى غشي عليه، ثم قضى حاجته.

لما انصرف أبو مسلمٍ من حرب عبد الله بن علي رأى كأنّه على فيلٍ والشمس والقمر في حجره، فأرسل إلى عابرٍ يألفه ويسكن إليه فقصّ عليه فقال: الرسم، فقبض عشرة آلاف درهم، فقال: قل، فقال: اعهد عهدك فإنك هالكٌ، قال الله تعالى " ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل " وقال: " وجمع الشّمس والقمر يقول الإنسان يومئذٍ أين المفرّ " .
قال مالك بن طوق للعتّابي: إني رأيتك سألت فلاناً حاجةً فرأيتك قليلاً، قال: وكيف لا أكون قليلاً ومعي حيرة الحاجة، وذلّ المسألة، وخوف الرّدّ؟ قال ابن السّمّاك: اللهمّ إني آمر بطاعتك وربّما قصّرت، وأنهى عن معصيتك وربّما اقترفت، وقد تعلم إنّي إنما أدور على أن أعظّمك في صدور خلقك، فارحمني بذلك يا أرحم الراحمين.
تقدّم إلى سوّار بن عبد الله ثلاثة إخوة في قسمة ميراثٍ فقال: اجعلوا لأكبركم خير المواضع، فال أحدهم: لا أفعل حتى تقرع بيننا، قال: ويحك لم؟ قال: لأنّي بحظّي أوثق مني بعقلي، فأقرع فخرج خيرها له.
قال بهرام جور: إذا تقدّم في الأعمال قبل وقتها انتفع بها في وقتها، وإذا عملت في وقتها انتفع بها بعد وقتها، وإذا عملت بعد وقتها لم ينتفع بها.
شاعر في المأمون: الخفيف
خلّفوه بعرصتي طرسوس ... مثلما خلّفوا أباه بطوس
شاعر يهجو قوماً: البسيط
بيض المطابخ لا تشكو ولائدهم ... غسل القدور ولا غسل المناديل
قال ابن عبّاس رحمه الله: الحوت الذي كان مع موسى عليه السلام كان مشقوق البطن مملوحاً.
كان محمد بن أبي خالد من أحسن الناس وجهاً؛ قال: كنت أصلّي في يوم عيد خلف المأمون وإلى جانبي يحيى بن أكثم ومن الجانب الآخر عمرو بن مسعدة، فلما سجد قال لي يحيى في سجوده سرّاً: أنا والله ميتٌ من حبك يا حبيبي.
أظنّ يحيى بن أكثم لم يعبأ بصلاة العيد لأنها سنّة، ولعلّه لو كان في فريضةٍ لما عمل هذا، إن صحّت الحكاية.
لعمرو بن دعبل في محمد بن عبد الله بن بشر: الوافر
رغيف محمدٍ ضخمٌ ولكن ... مصافحة الكواكب دون لمسه
يبيت رغيفه معه ضجيعاً ... مخافة آكلٍ من دون عرسه
يصون رغيفه بخلاً عليه ... ويبذل عرضه من دون فلسه
ووجه محمد حسنٌ طريرٌ ... ولكن شانه بدناة نفسه
ولو غمس ابن بشرٍ في بحارٍ ... لجفّفها ويبّسها بيبسه
قال أعرابي: إنّ الباقي وإن كان عزيزاً لأهل أن يطلب، وإن الفاني وإن كان موجوداً لأهل أن يرفض.
قال أبو عبيدة: قلت لابن فضالة: أيما أفضل عندك اليمن أم العراق أم الشام؟ فقال: سبحان الله، ما يبغي لأحدٍ أن يسأل عن هذا وقد بينّه الله تعالى في كتابه فقال: " ادخلوا الأرض المقدّسة التي كتب الله لكم " يعني الشام، وقال في اليمن " بلدةٌ طيّبةٌ وربٌّ غفورٌ " وقال " يعلّمون النّاس السّحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت " يعني العراق.
قال العتبي لأحمد بن أبي خالد الأحول: هل أنكرت عليّ يوم دخولي إلى المأمون شيئاً؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال: ضحك من شيءٍ فكان ضحكك أكثر من ضحكه.
وهب رجلٌ لقاصٍّ خاتماً بلا فصٍّ فقال: وهب الله لك في الجنّة غرفةّ بلا سقف.
قال جحظة: قال لي ثعلب: المرأة الصالحة كالغراب الأعصم وهو الأبيض الرّجلين؛ قال: ولا يكاد يوجد.
وأنا أقول والرجل الصالح في هذا المكان كالكبريت الأحمر قال ميمون بن هارون: ثلاث غلاّتٍ في ثلاثة بلدانٍ متساويات: الزيتون بفلسطين، والتّمر بالبصرة، والأرز بالأهواز.
قال رجلٌ ليوسف عليه السلام: كيف صنع بك إخوتك حيث طرحوك في الجبّ؟ فقال: لا تسألني عن صنيع إخوتي ولكن سلني عن صنيع ربّي.
قال المتوكّل للفتح بن خاقان وقد خرج عليهم وصيفٌ الخادم المعروف بالصغير في أحسن زيّ: يا فتح أتحبّه؟ قال: أنا لا أحبّ من تحبّ، ولكني أحبّ من يحبّك لا سيّما مثل هذا.
هذا جواب عقلٍ شريف الجوهر على المحلّ.
حضر رجلٌ جنازةً فنظر إلى لحد الميت، فلما دلّي في الحفرة قال لأبي الهذيل: يا أبا الهذيل، الإيمان برجوع هذا صعب، فقال أبو الهذيل: الذي أنشأه يعيده.

هذا جوابٌ مستوفىً لانّ النشأة الثانية مقيسةٌ على النشأة الأولى، ولكنّ الجواب الذي يجري ف يمناقضة الرجل غير هذا، يقال للرجل: إن كان الإيمان برجوع هذا صعباً فإهماله على ما كان له وعليه أصعب، لأنّ هذا المتعجّب لا بدّ له من إثبات إحسانٍ وإساءةٍ وجورٍ وعدلٍ وخيرٍ وشرٍّ وحقٍّ وباطل، وكلّ هذا قد تصرّف فيه هذا الملحد، فليس رجوعه ليجزى بما صنع إّلا دون إبطاله جملةً، لأنّ الفاعل قد فعله في الأول وصرفه في الوسط، وأضاف إليه أشياء ووقف عليه أشياء، وتمام الحكمة فيما ابتدأ به مرتبطٌ بإعادته ومجازاته، وإّلا فقد خلت الحال الأولى من غرض الحكماء، وعادت العاقبة إلى لعب السفهاء، والخالق البارئ المصوّر جلّ فعله عما يشينه ويشكّك في حكمته ويذهل العقل عن معرفته، وإنما ذهلت العقول وكلّت المعارف عما تفرّد به في ذاته، فأمّا ما وصله بالخلق فقد أثار دفائنه وفتح خزائنه وقاد العقول إلى تحصيله، وصرف اللسان على إيضاحه، وبعث الخواطر في انتزاعه، وقرن التكليف في ذلك بتأييدٍ ولطفٍ وكفايةٍ وصنع. وإنما فتن هؤلاء القوم في هذه الأمور لتسرّعهم بالحكم قبل عرفان العلة وقضائهم بالأمر قبل استقرار الأصل واستراحتهم إلى السابق من غير اتهامٍ له، وهذا بلاءٌ قد عمّ وداءٌ قد دبّ؛ نعم وهل يصار إلى الوجدان إّلا بعد أن يبتلى بكرب الطلب، وهل يطمأنّ إلى ما نشأ من الأصل إّلا بعد التعب مع تأسيس الأصل، وهل يتنعّم بالمحبوب إّلا بعد عائقٍ شوّق إليه وتخوّف من الانقطاع عنه؟ هكذا الترتيب في الشاهد وبه يذلً كلّ جاحد. جعلنا الله ممن إذا قصد الحقّ أصاب، وإذا دعي إلى الخير أجاب، وإذا ألمّ بالشّبهة أقلع وأناب، وكفانا مؤونة الهوى، فإنّه أسحر من الشيطان الرجيم.
أتى عمرو بن معدي كرب مجاشع بن مسعودٍ بالبصرة فقال له: اذكر حاجتك، فقال: حاجتي صلة مثلي، فأعطاه عشرة آلاف درهم وفرساً من بنات الغبراء وسيفاً قاطعاً ودرعاً حصينة وغلاماً خياراً؛ فلما خرج من عنده قال له الناس: كيف وجدت صاحبك؟ قال: لله بنو سليمٍ ما أشدّ في الهيجاء لقاءها، وأكرم في اللّزبات عطاءها، وأثبت في المكرمات بناءها، لقد قاتلتها فما أجبنتها، وسألتها فما أبخلتها، وهاجيتها فما أفحمتها، وأنشد: الطويل
ولله مسؤولاً نوالاً ونائلاً ... وصاحب هيجا يوم هيجا مجاشع
نقلت هذا من خطّ ابن السّراج النّحوي؛ ومعنى قوله أجبنتها: أي ما وجدتهم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين، ومتى شدّدت الحرف فقلت: بخّلته انقلب المعنى إلى أنك تنسبه إلى البخل وبطل معنى وجدته، وهكذا نظائر هذا الحرف.
قال المدائني: قدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي على المهلّب بن أبي صفرة فرأى بنيه قد ركبوا عن آخرهم فقال: أنّس الله بتلاحقهم الإسلام، فوالله لئن لم يكونوا أسباط نبوّةٍ إنهم لأسباط ملحمةٍ.
قال قبيصة بن مسعود الشيباني يوم ذي قار يحرّض قومه: الحذر لا يغني من القدر، والدّنيّة أغلظ من المنيّة، واستقبال الموت خيرٌ من استدباره، والطعن في الثّغر خيرٌ منه وأكرم من الدّبر، يا بني بكر حاموا فما من المنايا بدّ؛ هالكٌ معذورٌ خيرٌ من ناجٍ فرور.
كان الحجاج يستثقل زياد بن عمرو العتكي، فلما أتى الوفد الذين قدموا على عبد الملك بن مروان من عند الحجاج وزياد حاضر قال زياد: يا أمير المؤمنين إنّ الحجّاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم؛ فلم يكن بعد ذلك أحد أخفّ على قلبه منه.
دخل جرير بن عبد الله على المنصور - وكان واجداً عليه - فقال له: تكلم بحجّتك، فقال: لو كان لي ذنبٌ تكلّمت بعذري، ولكنّ عفو أمير المؤمنين أحبّ إليّ من براءتي.
قال رجلّ لمالك بن طوق حين عزل عن عمله: أصبحت والله فاضحاً متعباً، أما متعباً فلكلّ والٍ بعدك أن يلحقك، وأما فاضحاً فلكلّ والٍ قبلك لحسن سيرتك.

قال العتبي: وقع ميراث بين ناسٍ من آل أبي سفيان وبني أمية فتشاحّوا وتضايقوا، فارتفعوا إلى عمرو بن عتبة فقال: إن لقريش لدرجاً تزلق عنها أقدام الرجال، وأفعالاً تخضع لها رقاب الأموال، وألسنا تكلّ عنها الشّفار المشحوذة، وغاياتٍ تقصّر عنها الجياد المنسوبة، فلو كانت الدنيا لهم ضاقت عن سعة أحلامهم، ولو احتفلت الدنيا ما تزيّنت إّلا بهم، ثم إنّ ناساً منهم تخلّقوا بأخلاق العوام وكان لهم رفقٌ في اللؤم، وخرقٌ في الحرص، لو أمكنهم لقاسموا الطّير أرزاقها، إن خافوا مكروهاً تعجّلوا له الفقر، وإن عجّلت لهم نعمةٌ أخّروا عنها الشكر.
كاتب: أعطاك الله حتى ترضى، وزادك بعد الرّضى وتوخّى لك من فضله وسعته ما لا تهتدي إليه مسألتك، ولا يحيط قلبك لمعرفته، وأضعف لك أضعافاً تجوز منى المتمنّين واستزادة المستزيدين، وجعل ذلك موصولاً بالنعمة والثواب الذي ذكره وذخره للمحسنين.
وقف أهل المدينة وأهل مكة بباب أبي جعفر، فأذن الربيع لأهل مكة قبل أن يأذن لأهل المدينة، فقال جعفر بن محمد عليهما السلام: أتأذن لأهل مكة قبل أهل المدينة؟ قال الربيع: إنّ مكّة العشّ، فقال جعفر عليه السلام: عشٌّ والله طار خيره وبقي شرّه.
قال الحسن: إن الدين فوق القصير ودون الغلوّ.
قال ابن عائشة لرجلٍ معه صبي: من هذا؟ قال: يتيمٌ لنا، قال: ابن من ؟ قال: ابن ابني، قيل به: أيكون من أنت أبوه يتيماً؟ فقال: قد سمّى الله عزّ وجلّ نبيّه يتيماً وعبد المطلب حيّ، فمن أعلى من عبد المطلب؟! وقف أعرابيٌّ على المدائني وكان همًّا والمدائني يأكل تمراً، فقال: شيخٌ همّ، غابر ماضين، ووافد محتاجين، أكلني الفقر، وأذلّني الدّهر، فأعن ضعيفاً؛ فأعطاه.
قال سهل بن هارون: أدخل على الفضل بن سهل ملك التبت وهو أسير فقال: أماترى الله عزّ زجلّ قد أمكن منك بغير عهدٍ ولا عقد، فما شكرك إن صفحت عنك ووهبت لك نفسك؟ قال: أجعل النفس التي وهبتها بذلةً لك متى أردتها؛ فقال الفضل: شكراً لله عزّ وجلّ؛ فكلّم المأمون فصفح عنه.
قال العتبي: ذم أعرابيٌّ رجلاً قال: تهون عليه عظام الذنوب، وتحسن لديه قباح العيوب، ولئن كان في الأرض سباخٌ إنه لمن سباخ بني آدم.
سئل يزيد بن هارون عن أكل الطّين فقال: حرام، فقال الرجل: أحرام؟ قال: نعم، من القرآن، قال الله عزّ وجلّ " يا أيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّباً " ولم يقل كلوا الأرض.
دعا أعرابيٌّ لرجلٍ فقال: اللهمّ كما كتبت لن عنده رزقاً فاكتب له عندك أجراً.
قال سهل بن صخر لابنه: يا بنيّ إذا ملكت ثمن غلامٍ فاشتر به غلاماً فإنّ الجدود في نواصي الرجال.
ذكر الشراب عند محمد بن واسع فقال: لولا أنهم يتكاتمون عيوبه لما شربوه.
قال كسرى لأصحابه: أيّ شيءٍ أضرّ على الإنسان؟ قالوا: الفقر، قال كسرى: الشحّ أضرّ منه، لأن الفقير إذا وجد اتّسع والشحيح لا يتسع وإن وجد.
قيل لجعفر بن محمد عليهما السلام: لم حرّم الله الرّبا؟ فقال: لئلا يتمانع الناس المعروف.
تعرّض أعرابي لمعاوية في طريقٍ وسأله، فمنعه، فتركه ساعة ثم عاوده في مكانٍ آخر، فقال له: ألم تسألني آنفاً؟ قال: بلى، ولكن بعض البقاع أيمن من بعضٍ؛ فوصله.
وصف العباس بن الحسن العلويّ جليساً فقال: جليسه لطيب عشرته أطرب من الإبل على الحداء ومن الثّمل على الغناء. وذم رجلاً فقال: ما الحمام على الإصرار، والدّين على الإقتار، وشدّة السّقم في الإسفار، إلا أخفّ من لقاء فلان.
قال الحجاج بن خيثمة لابنه: والله ما تشبهين، فقال: والله لأنا أشبه بك منك بأبيك، ولأنت كنت أشدّ تحصيناً لأمّي من أبيك وأمك.
ذكر الإماء عند بعض الخلفاء فقال: الإماء ألذّ مجامعة وأغلب شهوةً وأحسن في التبذل وآنق في التدلل؛ فقال بعض الحاضرين: تردّد ماء الحياء في وجه الحّرة أحسن من تبذّل الأمة.
قيل لجعفر بن محمد عليهما السلام: إن أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت إليه الخلافة إّلا الخشن، ولا يأكل إّلا الجشب، فقال: لم يا ويحه، مع ما مكّن الله له من السلطان وجبي إليه من الأموال؟ فقيل: إنما يفعل ذلك بخلاً وجمعاً للمال؛ فقال جعفر: الحمد لله الذي حرمه من دنياه ما له ترك دينه.
كاتب: أما بعد فحقّ لمن أزهر بقولٍ أن يثمر بفعلٍ.

لما مرض معاوية دخل إليه عمرو بن العاص فقال معاوية: أعائداً جئت أم شامتاً؟ فقال عمرو: ولم تقول هذا؟ فوالله ما كلفتني رهقاً، ولا أصعدتني زلقاً، ولا جرعتني علقماً، فلم أستثقل حياتك وأستبطئ وفاتك؟ فقال معاوية: الوافر
فهل من خالدٍ إمّا هلكنا ... وهل بالموت يا للنّاس عار
قال سلم بن قتيبة: لا تمازحوا فيستخفّ بكم الناس، ولا تدخلوا الأسواق فترقّ أخلاقكم، ولا ترجّلوا فتزدريكم أكفاؤكم.
قال عامر بن الطفيل لثابت بن قيس: والله لئن تعرضت لعنّي وفنّي وذكاء سنّي لتولينّ عني، فقال له ثابت: أما والله لئن ترضت لشبابي وشبا أنيابي وسرعة جوابي لتكرهنّ جنابي.
ورد العطويّ على والي الأهواز بكتابٍ مزوّرٍ فقال له: أقم، فلمّا كان اليوم الثاني خاصم الحاجب، فقال له: أتخاصم الحاجب؟! قال: فأردت مني أن يكون كتابي مزوّراً، وكلامي ضعيفاً؟! فاستطرفه ووصله.
سأل داود بن فلان جعفر بن حرب: ما المحال؟ فقال: ما لا يتصّور في الوهم مثل قائم قاعد، قال: وكلّ ما لا يتصور في الوهم محال؟ قال: نعم، قال: فإن الله عزّ وجلّ على زعمك محالٌ، فإنه لا يتصور في الوهم؛ فما أحار جواباً؛ معناه: ما ردّ جواباً. يقال: حار يحور أي رجع يرجع، وقال الله عزّ وجلّ " إنّه ظنّ أن لن يحور " أي ظنّ أنه لا يرجع. والحائر كأنه المتراجع المتدافع المتتابع، وكذلك الماء، وقد مرّ فيما سلف من هذا الفصل أشفّ من هذا.

625 - وأما المسألة والجواب ففيهما شيءٌ ما استوفيّ: اعلم أنّ الله تعالى عليٌّ بذاته وصفاته وحقيقته ومعناه من كل ما نحاه الفهم، وحصّله التّمييز، ودلّ عليه الوهم، ولحظه العقل، وساق إليه التعارف، وقربه القول، وتمثّله القلب، وتحدث به النفس. فزعم السائل أنه متى لم تقم في النفس صورته فهو محال جدلٌ، والجدل محطوطٌ عن الإنسان في معرفة صانعه وإثبات منشئه، وليس الله - على ما أخبرنا عنه - لعلّةٍ صريحةٍ وسببٍ قائمٍ ولحالٍ معروفةٍ، فإنه لو كان على ما هو عليه كشيءٍ من هذه الأشياء لكان منقوصاً من ذلك الوجه، بل النقص والكمال فعلان له، يوسف بهما من وهبهما له وساقهما إليه، وعلى ما يمكن أن يقال نقول في ذلك بما يغنيك عن الشكّ فيه وإن بعدت عن الطمأنينة إليه: أما تعلم أنه لو قام في النفس، أو التبس في العقل، أو تمثّل في القلب، أو برز بالتحصيل، أو أشير إليه في جهةٍ أو نفي من ناحية، أو أثبت في حال، كان تصرّف هذا كله علّةً ونقصاً، وأنه متى فرض كذلك فقد جهل من حيث قصد العلم به؛ وإنما انتهى العالمين به إلى أنه لا علم لهم به، فكان عجزهم عن لحوقهم لحوقاً، وجهلهم ما يستحيل تصويره علماً، ووقوفهم عند نهاياتهم تعبّداً، وبحثهم عما وراء ذلك اجتراءاً، وسؤالهم عما طوي عنهم فضولاً، وتشكّكهم بعد البرهان خذلاناً، وسكونهم إلى الظنّ خسراناً، وتصريفهم القول فيه بهتاناً. أتراك لا تعرف حقيقته ولا تعقل صفته إّلا بعد أن تكون موسوماً بسماتك ومردوداً إلى أحكامك؟ هيهات، إنه لو قبل نعتاً من نعوتك لكان خلقاً مثلك ولم يكن خالقاً لك، وإنما وجب أن يترقّى عنك وعن صفاتك لأنه فاعلك وفاعلها، فكيف يستعير وصفك وهو غنيٌّ عنك؟ أم كيف يشبهك وهو بعيدٌ منك؟ أم كيف يهتدي عقلك إليه وعقلك خلقٌ مثلك، وهو مبتلىً بمثل عجزك ومرميٌّ بقصور غايتك؟ وهل استفدت عقلك المضيء إّلا منه؟ وهل وجدت لسانك المبين إّلا عنده؟ وهل لجأت في النوائب إّلا إليه؟ أغرّك منه إحسانه إليك، وإنعامه عليك، ورفقه بك، ودعاؤه لك، ومناجاته إياك؟ الزم حدّك، وارجع إلى صفتك، واقض حقّ عبوديتك، واطلب المزيد بامتثال الأمر، وتسكين النفس، ورعاية ما هو متصلٌ منه بك، وثابتٌ له عندك، فلو قد سألك عنك - على قربك منك - لظهرت فضيحتك لشائع جهلك؛ ولو طالبتك بما له عليك لقيّدك العيّ عن الاحتجاج لنفسك؛ بل لو حاسبك على ما تجتنيه لنفسك، وتختاره لجمالك وتراه ذخراً لحياتك لبان خلل عقلك، وتلجلج فصيح لسانك، وحار ثاقب نظرك، ودحضت ثوابت حجّتك، ولكنت أوّل من يلوذ به، دامع العين، دامي الفؤاد، سليب العدة، ملطوم الخدّ، نادم القلب. هناك تعلم أنّ الملوك لا ينازعون ولا يتبدّلون، ولا يجادلون ولا يمتهنون. فحسبك منه أنه لاطف سرّك، وفتح ناظر قلبك، وعرض أصناف نعمه عليك، لتكون لنفسك خيراً مما أنت عليه، وتفارق ما أنت فيه لما أنت أحوج إليه.
قال رجل: قلب الله الدنيا، فقال المأمون: اذن تستوي! قال أبو خازم: الذي يلقى من لا يتقي الله من تقيّة الناس أشدّ مما يلقى من يتقي الله من تقيّة الله.
كان لخزيمة بن خازم كاتبٌ ظريف أديب، وكان يتنادر على خزيمة كثيراً، فقام يوماً بين يديه فقال: إلى أين تقوم يا هامان؟ فقال الكاتب: أبني لك صرحاً.
قال أعرابيٌّ يصف مطراً: احرنجأ من السحاب متكفّت الأعالي لاحق التّوالي، فهو غادٍ عليك أو سارٍ، سير السبلان وليّ الغدران.
قال جعفر بن محمد عليهما السلام: العقول خزائن الحكمة.
قال جعفر بن قدامة: سمعت أعجمياً يقول وهو يجمّش جاريةً لعائشة بنت المعتصم: يا ابن الزانية، أيّ شيء ينفعك إذا أذبحتني.
كتب ابن المعتزّ إلى رجلٍ يذمّه: ذكرت حاجة أبي فلان المكني ليعرق لا ليكرم، فلا وصلها الله بالنجاح، ولا يسّر بابها للانفتاح؛ وذكرت عذراً يفصح به عن نفسه، فوالله ما يفصح عنها لكنه يصحّ عليها؛ وأنا والله أصونك عنه، وأنصح لك فيه، فإنّه خبيث النيّة، متلقّف للمعايب، مقلّبٌ للسانه بالملق، يتأبّس بالتخلق وجه الخلق، موجودٌ عند النعمة، مفقودٌ عند الشّدّة، قد أنس بالمسألة، وضري بالردّ، فلا تعقّ عقلك باختياره، ولاتوحش النعمة بإذلالها به، والسلام.
قيل لمجنونٍ كان بالبصرة: عدّ لنا مجانين البصرة، قال: كلفتموني شططاً، أنا على عدّ عقلائهم أقدر.

قيل لأعرابي: لم يقال أباعك الله في الأعراب؟ قال: لأنّا نجيع كبده، ونعرّي جلده، ونطيل كدّه.
وصف أعرابيٌّ رجلاً فقال: كان إذا تكلّم أفاد، وإذا سئل جاد، وإذا ابتدأ أعاد.
شاعر: الرجز
يا إبلي روحي إلى الأضياف ... إن لم يكن فيك صبوحٌ كاف
فأبشري بالقدر والأثافي ... وغارفٍ ومغرفٍ غرّاف
قيل لفيلسوف: ما الحسن؟ قال: حسن الإنسان أن يكون ذا اعتدالٍ في الصورة، وقبولٍ في الرواء، ومنظر مليح الشمائل.
قال عمر بن ذرّ: اللهمّ إن كنا عصيناك فقد تركنا من معاصيك أبغضها إليك، وهو الإشراك بك، وإن كنّا قصّرنا عن بعض طاعتك فقد تمسكنا بأحبّها إليها، وهو شهادة أن لا إله إّلا الله وأن رسلك جاءت بالحقّ من عندك.
قال أبو العيناء: قفلت لمخنّث: كيف جوفك؟ قال: أدخل لسانك وذقه.
طلب اليونانيون ملكاً للملك بعد أن مات ملكهم، فقال بعض الحاضرين: فلان الفيلسوف: لا يصلح للملك، قيل: ولم؟ قال: لأنه كثير الخصومة، وليس يخلو في خصومته من أن يكون ظالماً، والظالم لا يصحّ للملك لظلمه، أو يكون مظلوماً، فأحرى أن لا يصلح لضعفه، فقيل له: أنت أحقّ بالملك ممّن ذكرنا.
قال أبو العيناء: قطعني ثلاثة؛ قلت مرةً لصوفي: ما هذه الصّفرة في وجهك؟ قال: لأكلك شهواتي؛ وقلت لعبّادة وقد تأوّه مرةً من شيء: من تحتي، فقال: ومعي ثلاثة؛ وقلت لمغنية غنت: أين الصّيحة؟ فقالت: خبّأتها لثالثك.
وقع في بعض العساكر بالليل هيج، فوثب خراسانيٌّ إلى دابّته ليلجمها فصيّر اللجام في الذنب من الدهش فقال: هب جبهتك عرضت ناصيتك كيف طالت؟ ها أنا عارضٌ عليك من كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم جملةً شريفةً تكون لك مادّةً في الباطن، وجمالاً في الظاهر، وعمدةً عند الشّبهات، وحجّةً يزم المنازعات، وهو الكلام الذي قد بان عليه النور، وأيّد بالبرهان، واستخلص من حق التقوى، يجمع لك الأدب والتأديب، ويدلّك على الصّلاح والتسديد، وقد سبق أبو عثمان إلى جمعه في " البيان والتبيّن " وليس على ما يأتي به عثمان مزيد، فإنه الشيخ المقدّم والبليغ المعظّم؛ لكنّي أرى أن لا أخلي هذا الكتاب من شعبةٍ كبيرة من ذلك، وأمرّ أيضاً بأطرافه مفسّراً وشارحاً ومنتصراً وناصحاً، فقد نسب إليه عليه وآله السلام ما يكثر قدره ولا يلصق البتة به.
قال صلّى الله عليه وآله، ورزقنا النظر إليه والوقوف يوم القيامة بين يديه: المؤمن مألفةٌ ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف؛ دخلت الهاء للمبالغة كما دخلت في راوية وعلاّمة ونسّابة، تقول: ألفته آلفه إلفاً وإلافاً، وألفته أولفه إيلافاً، وألّفته وتألّفته: استعلمته واستعطفته، وكأنه أراد بهذا أن المؤمن يفزع إليه ويقتبس منه. وهذا الخبر يمنع من الاعتزال والتفرّد وإن كانت السّلامة في الغالب فيهما، لأنّه لا يألف حتى يخالط، وكل هذا منافٍ للتعزّب والانقطاع عن الناس، والحكمة أيضاً في نظام العالم تقتضي معونة كلّ من لبس قميص الحياة خاصةً إذا كان شريكك في الصورة، أعني إذا كان قريباً منك: إمّا بالنّسب وإما بالأدب وإما بالبلد وإما بالصّناعة وإما بالتّخطيط وإما بالمشابهة، ولهذا السرّ يتعصّب هذا لأهل بلده وأرباب صناعته وبني جنسه، ويستدعي أيضاً عونهم لنفسه.
وقد يقال هنا أيضاً: لم عرضت المنافسة واشتدّ الحسد وكثر التتبّع حتى أفضى ذلك في بعض المواضع إلى البوار والقتل والجلاء والهلاك. وأفضل ما يتولّد منه الهجر الطويل والمنازعة الشديدة؟ والجواب عن هذا سيمر مع اخواتة في الموضع الذي نفددة لجميع مسائل هذا الكتاب مما سمعنا ووعيناه وغير ذلك مما أثرناه واستنبطناه. فالتمس هناك ذاك، فهذا موضعٌ قد جردناه لكلام رسول الله صلّى الله عليه وآله.
وقال عليه السلام: المرء مع من أحبّ، وهذا يتضمّن زجراً وبشرى، فأما الزجر فلمن قارن قرناء السّوء، وأما البشرى فلمن اقتدى بأهل التقوى.

وقال عليه السلام: حبّك الشيء يعمي ويصمّ؛ دلّ على أن محبّتك يمتزج بها الهوى، وتجاذبها الشهوة، وتذل معها النفس، ويكلّ عندها العقل، فذاك هو الإعماء والإصماء، وإنما أراد التّمثيل باللفظ والزّجر بالمعنى، وهذه المحبة بهذه الصفة مقصورة على ما اتصل بالدنيا وأسبابها، فأما أمور الآخرة وطرائق الدّين فإنّ حبّك لها لا يعمي ولا يصمّ، بل يزيدك في سمعك وضياء بصرك ونور قلبك وطهارة خاطرك.
وقال عليه السلام: الناس كإبلٍ مائة، لا تكاد تجد فيها راحلةً؛ دلّ بذلك على عزّ الموافق لك وقلة المتحمّل عنك. وليس هذا القول منافياً لقوله: الناس كأسنان المشط، لأن قوله الثاني مقصورٌ على ما لهم وعليهم من الأحكام التي قيدهم الله فيها بالتكليف، وقرن أمورهم فيها بالوعد والوعيد، وإّلا فالاختلاف بينهم قائم، وقد تفاضلوا بالعافية، وتباينوا بمراتب التّقوى.
وقال عليه السلام: المؤمن مرآة المؤمن؛ دلّ بهذا على أن المؤمن ينظر إلى أخيه فيقوّم نفسه به، وكذاك ذاك مع أخيه، وكأنهما يتواعظان ويتواصيان، وهذا كلامٌ جامعٌ لخير الدنيا والآخرة. وقد دلّ على الألفة، لأن الفارد لا مرآة له، والمرآة من الرؤية مفعال، كالآلة في مفعل كالمقطع، وجمعها مراءٍ على وزن مراعٍ. وربما سمعت من هؤلاء " مرايا " ، وذلك خطأ، ذكره أبو حاتم وأبو زيد. وأما المرايا فجمع مريّ، والمريّ الناقة التي تحلب كأنها تمري، يقال: مريتها وامتريتها - لا همزة في هذه الحروف، إن شئت ذكّرت وإن شئت أنّثت؛ وبالاستعارة يقال في الفرس إذا كان جواداً: مريته واستمريته، كأنك تستدعي الجري من الجواد كما تستدعي الدّرّ من الناقة، وكان القياس في المرايا أن يقال في واحدتها مريّة - بالهاء - لكنها شذّت عن بابها: ألا ترى أن العرايا واحدتها عريّ، والسّرايا واحدتها سريّة، والشّرايا واحدتها شريّة - وهي الجارية المشتراة - فكأنها شذّت لأنه لا مذكّر لها، فقام التذكير فيها مقام التأنيث، ولو زاحمها المذكّر بهذه الصفة لأخذت علامتها بحقّ واجب، وكأنها قامت مقام قولك: حائض، لما أمن من اللّبس، لأن الرجل لا يشاركها. هذا مذهبٌ في الملاحن يقال: رأيته، أي أصبت رئته، وهو مرئيٌّ مثل مرعيّ، وكذلك من الرؤية. فأما رويت - بالتخفيف - فمعناه حدّثت وأسندت وأنشدت، والرّواء: الحبل، فكأن معنى " رويت الحديث " : شددته بإسناده وأحكمته. وأمّا الرّواء - بفتح الراء - فالماء الذي يروي، وأما الرّواء - بضم الراء وهمزة - فالمنظر، وكأنه من الرؤية. وكذلك الرّيّ - مثل الرّعي - ومنه قوله " أثاثاً وريّاً " وقد يثقّل فيقال " ورئياً " على مذهب من قال رأيته؛ فقد اجتمع في " رأيت " ثلاثة معان: معنىً أخذ من الرؤية بالبصر، ومعنى أخذ من الرأي وهو مايرى القلب، ومعنى أخذ من الريّة؛ والعرب تقول: من أين ريّتكم، أي من أين ترتوون، أي من أين مستقاكم. وأمّا الريّة - بالتخفيف - فما يروى به النار؛ هكذا عند الأصمعي، وقال أبو حنيفة صاحب " النبات " : هي بالتشديد كالنّيّة من نويت.
وقد مضى هذا كالمستقصى بعد أن عرض على القوّام بهذا الشأن وبعد أن تتبّع به صحيح الكتب، فاجتهد في معرفتها وحفظ نظائرها، فإن الأدب أنسٌ إن شئت أنساً، وكنزٌ إن طلبت كنزاً، وجمالٌ إن أحببت جمالاً، ومثوبةٌ إن قصدت ثواباً؛ حفظك الله معيناً، وأعانك ناصراً.
وقال عليه السلام: " المؤمن من أمنه الناس " ؛ هذا وسفه لمن كان الإيمان لبوسه، والتوحيد عقيدته، والزهد في الدنيا قاعدته، وكأنّما أخذ هذه الصفة من اللفظ، لأنّ من أمن الناس أمنوه، أي إذا لم يخفهم لم يخافوه، وعلى هذا يؤخذ من الأمن، وكأنّ الأمن من الإيمان، والباب فيهما واحد. وكان بعض السّلف يقول: السلام المؤمن، أي يؤمّن الخائفين إذا وصلوا خوفهم بالطاعة، وكأنّ هذا يوجد في صفات ويصير بها مؤمناً للمؤمنين فيكون لفظ فعلة من الأمن ولفظ فعلهم فعله من الإيمان؛ وكذلك وصف الله تعالى الآخرة بدار السلام وبدار القرار وبدار الخلد، لأن هذه ممزوجة من الخوف. وقرأ ابن القعقاع " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلام لست مؤمناً " بفتح الميم - وهذا يؤخذ من الأمن كما قلت لك.

وقال صلّى الله عليه وآله: " حسن العهد من الإيمان " ؛ قال هذا في امرأةٍ كانت تغشاه في منزل عائشة، فكأنها وجدت في نفسها من ذلك. فقال عليه السلام: " إن هذه كانت تأتينا أيام خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان " : دلّ بهذا القول على حفظ الحالة السالفة ومراعاة من شوهد، وحثّ أيضاً على جميع ما كان موصولاً به قريباً منه، لأن اللفظ مطلقٌ إطلاقاً، وفي ضمنه إيضاحٌ عن حسن الخلق، وقد قال عليه السلام: " إنّ أحدكم ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم " . وكيف لا يقول هذا وقد قاله الله عزّ وجلّ " وإنّك لعلى خلقٍ عظيمٍ " .
651ب - سمعت القاضي أبا حامد يقول: لما نهض رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعبء الرسالة، وأدّى ما فيها من حقّ الأمانة، وبلغ الحدّ فيما رسمه التكليف وورد به الأمر، أمره الله عزّ وجلّ بأشياء تكميلاً لشأنه ودلالةً على فخامة أمره فقال " خذ العفو " وقال " فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ " ، فلم يقنع للعدوّ إّلا بمنزلة الوليّ حتى يكون حميماً - أي قريباً؛ فلما قضى ما عليه في جميع ذلك أثنى عليه وعجّب منه واستثبته فيه بقوله عزّ وجلّ " وإنّك لعلى خلقٍ عظيمٍ " وناهيك بعظيمٍ الله معظّمه، وناهيك بمحسنٍ الله تعالى مثن عليه.
651ج - وقال بعض مشايخنا: لولا أنّ الدّين مقدّم الشأن لقدّمت الخلق عليه لأنّي أجد الخلق إذا اعتدل وحسن وظهر، جامعاً لقرّة العين، وسرور البال، وطيب الحياة، وإحراز الخير، والسلامة من القيل والقال.
وكان بعض الأوائل يقول: إنما صار مرتبة الخلق هذه المرتبة لأن الخلق تابع للخلق، فكما لا يتمّ المشار إليه بحسن الخلق إّلا بأن يكون سويّ الخلق، كذلك لا يكمل سويّ الخلق إلا بأن يكون حسن الخلق.
وقال بعض الصّوفية: بالخلق يستفاد الكون، وبالخلق يستفاد الخلد؛ وكأنّ معنى هذا الرمز أنّا بالخلق نكون في هذه الدار، وبالخلق ننتقل إلى أخرى الآثار، هذه بائدةٌ وتلك باقية؛ والكالم في الأخلاق واسع، وفيما أشرنا إليه مقنعٌ.
وقال صلّى الله عليه وآله: " دع ما يريبك لما لا يريبك، فمن رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه؛ هذا دليلٌ على أمرٍ جامعٍ لخير الآجل والعاجل إذا وقعت العناية من الناظر فيه، لأنّه ما من شيءٍ من أمر الدنيا والدّين إّلا وفيه ما يريب؛ تقول: رابني يريبني، وأراب هو إذا أتى بريبةٍ أو دخل في ريبة؛ والرّيب: الشك. ومن تمسك بمعنى هذا الخبر في مقاصده كلها كان السلم والسلامة والأمن والأمانة صواحبه، وذلك أن فيما ينظر فيه مما يعلم أو يعمل ما يريب كما أن فيه ما يبين، فالأولى عند كل معتقدٍ أن يتوقّف عنه إذا راب، كما أنّ الواجب أن يمضي عليه إذا وضح. وما أحوج المتكلّمين إلى المصير إلى هذا، فإنّهم يمرّون على غلوائهم كأنّهم لا يريبهم رائب.
وقال صلّى الله عليه: " لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرّتين " ؛ هذا قاله لأبي عزّة الشاعر، وذلك أن النبيّ صلّى الله عليه وآله أسره يوم بدر، فسأله أن يمنّ عليه على أن لا يحضّض ولا يحرّض ولا يهجو رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ فلما خلص إلى مكة خدعه المشركون وأرغبوه، وكان ذا عيالٍ كثير وكرشٍ كبير، فعاد إلى الحال الأولى، وأخفر الذّمّة - هكذا يقال بالألف - ونبذ العهد، وكفر اليد، وجحد المنّة، واستحقّ اللعنة. فلما أسر من بعد أتي به إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله، فطلب العفو، فقال عليه السلام: " والله لا رجعت إلى مكة، ولا قعدت بفناء الكعبة تمسح عارضيك وتقول: سخرت من محمد مرّتين، ثم أمر فضرب عنقه " . يقال سخرت منه وبه، والأوّل أفصح؛ فكأنّ المعنى في الخبر أن المؤمن حازم، وأنه إذا أتي من شيء مرةً حذره وأعدّ له، وكان منه على يقظةٍ واحتراس، وما هكذا الفاجر، فإنه يجهل حظّه، وينسى نصيبه، ويذهب في هواه طلق الجموح، غير راعٍ ما عليه، ولا مرعٍ على ما هو إليه. ولفظ الخبر على مذهب الخبر، ولكنه قد اشتمل على النّهي وصورة النهي، كأنه قال: لا يؤتينّ أحدكم من سوء نظره وقلّة احتراسه.

وقال عليه السلام: " لا تنزع الرّحمة إلا من شقيّ؛ ثم قال: من لا يرحم لا يرحم " ؛ المعنى في قوله: من لا يرحم لا يرحم أبين منه في قوله: لا تنزع الرحمة إلا من شقي، وذلك أن الرحمة إذا نزعها الله عزّ وجلّ منه فإنه يشقى بضدّ الرحمة وهي القسوة. والمعتزليّ يقول لك: كيف لا يكون قاسياً من نزعت الرحمة منه، وكيف لا يكون ضريراً من سلب بصره؟ فإذا قيل له: فما تقول؟ قال: ليس الخبر حقًّا، فإن قيل على التهمة الواقعة لك: ما وجه القول؟ فليس يضيق مثل هذا الإطلاق عند جميع الأمّة عن تأويل يطّرد فيه المعنى ويتمّ عليه المغزى، فيقول على التكليف: كأنّ المراد أن الفاسق القاسي يعاقبه الله عزّ وجلّ على ذنوبه بنزع الرحمة من قلبه،وهذا بعد استحقاق العبد ذلك بما اجترم واجترح.
وسألتبعض الحكماء والعلماء عن هذا فتعسّف، وقال: كأنّ من شقي بسعيه وقدم القيامة صفراً من الخير كمن نزعت الرحمة من قلبه، أي لم يعامل بما يستحقه السعيد؛ فعلى هذا الرحمة من الله تعالى جزاءٌ إلا أنها منزوعةٌ عن هذا؛ وكلّ هذا واهٍ ضعيف، والكلام على جملته مفيد المعنى مقبول المراد غير مأبيٍّ ولا مردود.
ولست أحبّ من هؤلاء العلماء هذا التّنقير فيما هذا سبيله، فإنه أخذٌ بالكظم وحنقٌ على الجرّة وصدٌّ عن سبيل العلم والعمل، وشغلٌ بما لا يجدي ولعله يضّر، وبئس الشيء التكلّف؛ وإن هذا الباب سيجرّ الإنسان إلى تفتيش كلام الله عزّ وجلّ، وتكشيف كلام رسول الله صلّ ى الله عليه وآله،ومن ها هنا اجترأ هذا فقال: ليس هذا كلام الله، وليس هذا قول رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأنّ التالي قد حرّف، وأنّ الراوي قد خرّف.
أنا سمعت رجلاً بالمدينة - وكان من بلد المنصور - يقرأ: هذا صراط عليٍّ مستقيم، يضيف الصّراط إلى عليّ؛ فقلت: من تريد بعليّ؟ فقال: ابن أبي طالب عليه السلام، قلت: فأعرب آخر الكلام، فقال: مستقيم - بالكسر - فقلت: إن القراءة قد استمرّت على نحوين، إما " هذا صراطٌ عليٌّ مستقيمٌ " فتكون " عليّ " نعتاً للصراط وإما " صراطٌ عليّ مستقيمٌ " ؛ وما عرض لكسر مستقيم. فقال لي: أراك لا تفهم، أما تعلم أن الاستقامة بعليٍّ أليق منها بالصّراط؟ على أن الصّراط هو عليٌّ والمستقيم هو عليٌّ.
وقد غرّ بجهلهم واجترائهم وسوء تأويلهم وارتكابهم دين الله تعالى القويم والفتنة فيه إلى زيادة، وإلى الله المشتكى وعليه التوكّل في حفظ ما أمرنا بحفظه، وترك ما أمرنا بتركه، فما نقدر على خير إّلا بإذنه، ولا ننصرف عن شيءٍ إّلا بصنعه، وهو وليّنا ومولانا.
قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: " التّؤدة من الله عزّ وجلّ والعجلة من الشيطان " ؛ وليس هذا على أن الله يتئد والشيطان يعجل، ولكنّه على وجه العقل قريبٌ من الحق صحيحٌ في العقل، وذلك أن التؤدة كلها من الله تعالى أي بإذنه ودلالته وإرشاده، وكأن العجلة من الشيطان أي بتسويله وتزيينه ومراده، لأنّ الشيطان يتوقّع زلّتك، ويتمنّى غرّتك، لكنه لا يجد ذلك في تؤدتك وتثبّتك وأناتك، فهو يتمنّى ذلك في عجلتك؛ فحثّ عليه السلام على التؤدة لأن التّوقّي معها، والسلامة مع التوقّي، ونهى عن العجلة لأن الزّلّة مع العجلة والهلاك مع العثرة، يقال: اتّأد يتّئد اتّئاداً وتأيّد يتأيّد تأيّداً، وتأنّى يتأنّى تأنّياً، وهو مأخوذ من الونا - يقصر ويمدّ - وقد مرّ من قبل أشبع من هذا؛ ويقال منه أيضاً: استأنى يستأني استيناءً والأمر منه: استأن، ويقال إين في أمرك، أي ارفق، فأما إن فبمعنى حن إذا أمرت، لأنك تقول: حان يحين، كما تقول آن يئين، فأما يؤون فيترفّق.

وقال صلّى الله عليه وآله: الدنيا سجن المؤمن. سئل ابن الخلفاني عن هذا الحديث سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وأنا أسمع، فقال: حديثٌ حسن الإسناد، الناس قد تقبّلوه ورووه، وليس فيه ما يوهي أصلاً ويردّ نصاً ويفحش تأويلاً، وتأويله ظاهر وذلك أنّ المؤمن فيها غريبٌ لأنّه فيها مستوحشٌ، وعنها متجافٍ، وبها متبرّم، يرى الرّوح في جوار الله الكريم، ونعيمه المقيم، حيث لا لغو فيها ولا تأثيم، وهو كالحبيس عن مقرّه وموطنه، وقد وصل بالحديث: والدنيا جنّة الكافر لأنه لا يلحظ معاداً، ولا يشتاق ثواباً، ولا يخاف حساباً، يحبّ العاجلة وتذره الآخرة، يرى السعادة فيما تعجّل وصفا، وطاب وكفى. وكأنّ هذا الخبر غير منافٍ لقوله: الدنيا خير مطيّة المؤمن، هذا إذا كان قاله، فإني لا أثق بجميع ما روي، ولا أجيز كلّ ما أخبر، وإنما ألوذ بالقول مفيداً أو مستفيداً، وأرجو أن تسلم العاقبة مع سلامة النيّة وحسن القصد في القول والعمل، وإنما لم يناف الأول الثاني لأنّ المعنى في الثاني مستقلٌّ بنفسه، وذلك أنّ المؤمن ها هنا يحرث للآخرة، ومنها يتزوّد للآجلة، وبرغبته عنها يستحقّ الدرجة العالية.
وقال صلّى الله عليه وآله: " الدّالّ على الخير كفاعله " ؛ هذا حثٌّ على الخير وتشبيهٌ لمن وطّأ الطريق إليه ودلّ الطالب عليه بمن تفرّد بفعله، واشتراك بين من دلّ وبين من قبل ليقع التعاطف، ويعمّ التلاطف، وليكونوا كنفس واحدة. ألا تراه كيف نهى عن التّباين في قوله: لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً؟وإنما صحّ التشبيه لأنّ الدلالة من الدالّ على الخير خيرٌ، وقبول الدلالة من القابل خير، فكأنّ هذا بمّا دلّ وهذا بما قبل فاعلان خيراً.
وقال صلّى الله عليه وآله: " المؤمن ينظر بنور الله تعالى " ؛ قد أطال الناس القول في هذا وما تباعدوا عن ذلك، وفي الخبر زيادةٌ وهي: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.
658ب - سمعت بصراء العلماء يقولون: نور الله جلّ جلاله هو المعنى الذي خلص من الهوى ودواعيه، وتنزّه عن الرّياء وطرقه، فإنه كالضياء في أفق القلب، به يستدرك المؤمن غائب الأمر، ويتحقّق باطن الحال، ويطّلع على مكنون النفس. وسمعت البقّال يقول: ولعله أشار بالمؤمن إلى بعض من حضره، فخصّه بالوصف وأبانه بالتشريف، وهذا فيه بعدٌ فإن اللفظ مرسل. وقلا بعض الفلاسفة: هذا هو إشارةٌ إلى اقتباس النفس من العقل وإلقائها إلى الإنسان ومن ذلك الرؤيا؛ قال: ولذلك قال عليه السلام: الرؤيا الصادقة جزء من أجزاء النبوة. وللعابر أيضاً تصيّدٌ للدّليل واستشرافٌ للتمثيل، وقد مرّ من ذلك في هذا الكتاب ما هو كالبيان عن هذه الأصول، وفي مثله: سأل رجلٌ أبا عبد الله الزبيري الضرير عن رؤيا رآها، فقال الزبيري: سلني عنها بين يدي القاضي. وكان المستعير معدّلاً؛ فغدا إلى مجلس القاضي ووافى المعدّل، فابتدر فسأل وقال: إني رأيت كأنّي قاعدٌ عند الله عزّ وجلّ، والله تعالى يخلق السموات والأرضين، فأعظمت ذلك، فما تأويله؟ قال الزبيري: أيها القاضي أسقط عدالة هذا الرجل فإنّ الله تعالى يقول " ما أشهدتهم خلق السّموات والأرض " ورؤياه تدلّ على أنه شاهد زورٍ؛ ففحص القاضي عنه فوجد ذلك كذلك. وكلّ من كان أخلى بالاً مع الله عزّ وجلّ، وأشدّ التفاتاً إلى الآخرة،وأقلّ التباساّ بالدنيا، فإنّ كلامه أصوب، وحاسته أحدّ، وخاطره أثقب، وحكمه أنفذ، وظنّه أصدق، وحدسه أفتق، وقد شهدت التجربة بذلك على جري الدهر؛ يقال: كان ذلك على وجه الدهر وأشب الدهر وجري الدهر وسالف الدهر. والفراسة: الإصابة، ومنه افتراس الأسد فريسته؛ هكذا حفظته عن الثقة العالم، وإذا انضمت الثقة إلى العدل والعلم، سعد الرجل، وذلك أنك لا تشاء أن تجد عالماً لا ثقة له، أو ثقةً لا علم له إّلا وجدت، فأما العزيز فالعالم الثقة، وأعزّ منه الثقة الورع الدّين الزاهد، فقد يستعمل الثقة العالم الدين ولا ديانة له، ولا ورع معه، مدًّا لجاهه وبسطاً لأمره وتألفاً لطالبيه واختداعاً للراغبين فيه، وآفات العلماء لا يحصيها إّلا ربّ السماء، وما أحبّ بسط اللسان فيهم، رعايةً لذمام العلم وأخذاً بأدب النفس، ومصيراً إلى أحسن الهدي؛ ستر الله عليهم فضائحهم، ونقلهم إلى ما يرضى عنهم، إنه مالكهم، والقائم عليهم وجعلنا ممّن تغمّده بعفوه، وقرّبه من نجاته، وآواه إلى جنّته.

قال صلّى الله عليه وآله: " إنك لا تجد فقد شيءٍ تركته لله عزّ وجلّ " .
وقال عليه السلام: " المنتعل راكب " .
وقال: المرء كثيرٌ بأخيه يكسوه برفده. يقال رفدته، والرّفد: العطاء، والإرفاد: الإعطاء؛ وأبو تمام يقول: الطويل
أسائل نصرٍ لا تسله فإنّه ... أحنّ إلى الإرفاد منك إلى الرّفد
وقال صلّى الله عليه وسلّم: " لا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له " .
قال أنس: قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكّل؛ قال البقال: معنى هذا القول أن التوكّل مجانبٌ للإهمال والكسل؛ بل هو بعد إعمال الحزم وبذل الكيس ونفي اللّوم ورفع أسباب النّدم.
ولقد سمعت ابن الخليل يقول: فما وجه التوكّل بعد العقل؟ قيل: لأنه يعقلها ولم يستغن عن حفظها، فقد يحلّ العقال من أراد وينجو؛ وإنما أراد عليه السلام أن لا تبقى على صاحبها بقيةٌ من أسباب النّدم ولا حال تبعث اللائمة عليه، ولكن يبلي العذر، وينتظر القدر، ويتبع الأثر والخبر.
وسمعت بعض الصوفية يقول: التوكّل حالٌ تتوسّط الاسترسال والاعتمال، لئلاّ يكون المتوكّل باعتماله ساكناً إليه، ولا بتوكّله مهملاً له، ولكن يقبل أدب الله عزّ وجلّ في حفظ ما استحفظ، ثم يلوذ به فيما لا يستطيع حفظه إّلا بمعونته.
وكان أبو حامد يقول: قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: إن الله لا يقبل دعاء ثلاثة أو لا يجيب ثلاثة؛ رجلٍ يقول: اللهم خلّصني من هذه المرأة، فإنّ الله تعالى يقول: إنما جعلت طلاقها في يدك وأبحت ذلك، لئلا تظنّ أني قد ابتليتك فتطلب الفرج ممن قد سبق له الفرج ولا يجيب دعاء من يقول اللهم خلصني من هذه الأمة، فإنه يقول: قد جعلت لك أن تبيعها أو تعتقها؛ ولا يجيب دعاءً من يقول: اللهم اردد عليّ مالي - قال: يعني التاجر الذي اشترى ولم يشهد - فإنه يقول: قد ندبتك إلى الشّهادة حفظاً لمالك واحتياطاً في أمرك، فتركت الأمر وخالفت إلى النّهي، ثم عطفت تتمنّى الأماني، ليس لك عندي إّلا ما عرفت؛ وهذا كله حقّ، والاستعانة بالله عزّ وجلّ أحقّ وأحقّ.
وقال صلّى الله عليه وآله: لا حكيم إّلا ذو عثرة؛ وقال في مكان آخر: لا حكيم إّلا ذو أناة، ولا حكيم إّلا ذو تجربة؛ وفي اللفظ الأول معنى لطيف وهو أن الحكيم قد يعثر فلا يخرج بذلك من الحكمة والصّفة المستحقة، فكأنّ العبد إن تعلّت رتبته في الفضائل، وطالت يده في التجارب، فإنه يبين بعجزه عن حال من لا يزلّ ولا يهفو، وهذا أيضاً دليلٌ على انتفاء العصمة من صفات الإنسان، أعني أنه لا يحوي معنىً يصير به ممّن لا يجوز عليه الخطأ ولا يقع معه نسيانٌ على ما زعمت الرافضة في إمامها، فإنّ هذا نعت إله الخلق، وهم لفرط غلّوهم في أئمتهم يلحقونهم بصفات ربّهم ولا يبالون، كل ّذلك تجليحاً وجرأةً، ولهذا نشأت فيهم الغالية. ولقد قلت لسيخٍ منهم وكأني أتغابى عليه: لم قال هؤلاء إنّ علياً عليه السلام إله؟ قال: لأن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال لهم: عليٌّ إله؛ قلت: ولم إذا قال جعفر ذلك كان كذلك؟ ومن أين لك أن الإمام قال ذلك. قال: هذا كله من كلام الناصبة.
وكان الخليل بن أحمد السجستاني يقول: لا يجوز أن يتعبّد الله أحد من الخلق بمحبة أحدٍ من الخلق، لأن ذلك خارجٌ من الحكمة، وذلك أنّ الإنسان - بزعمه - لا يفعل المحبة ولا البغضة، وإنما المحبة والبغضة والشهوة والكراهية عوارض للإنسان من قبل الله عزّ وجلّ؛ فقيل له: فإنّا نحبّ الرسول وقد أمرنا بذلك، قال: تلك المحبة كنايةٌ عن الطاعة؛ ألا ترى أن الله عزّ وجلّ يحبّ على هذا المعنى، وقد قرن المحبة بالاتّباع، والاتّباع هو الطاعة في قوله تعالى " قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعون " فرسول الله محبوبٌ على ذلك؛ قيل له: فكيف تكون محبتنا لله كنايةً عن طاعتنا له؟ فقال: كما كان حبّ الله لنا كناية عن ثوابه لنا في قوله " يحببكم الله " .
قال ابن عباس، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: " ليس الخبر كالمعاينة؛ إنّ الله عزّ وجلّ قال لموسى عليه السلام: إنّ قومك فعلوا كذا وفعلوا كذا فلم يبال، فلما عاد وعاين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه " .

وقد سمعت بعض الحكماء يقول: إنما صار العيان يورث الاضطرار لأنه يشارط الحواسّ، والحواسّ سريعة التقلّب والتبدّل،والخبر يصحب العقل، والعقل كهف الدّعة، وجوهر القرار، ومعدن السّكون، ولهذا ترى هدي العاقل أهدى من ظاهر الأحمق، لأنّ الأحمق لا صمت له، ولا سمت معه، والحواسّ طلائع العقل وروّاده، وأقربها إلى العقل ما سلك إليه طريق السّمع. ألا ترى أنّ من سمع ففهم أشرف ممّن أبصر فعلم؟ والإنسان قد يفقد البصر ويجوز الفضل بكمال العقل، وقلّ ما يوجد من عدم السّمع ففاز بشرف العقل. قال: ويوضح هذا أن البصر يلقط من المشاهدات ما قابله، والسمع يحيط بكل ما يرعاه ويهديه إلى العقل، فكأنّ السمع أخدم للعقل، وعلى قدر خدمته له قربه منه، وعلى حسب قربه منه عنايته به.
وسمعت غير هذا الفاضل يقول: البصر في الجسم بمنزلة العقل في النفس، كأن العقل عين النفس، والبصر عين الجسم، ولهذا ما يستدلّ بسكون الطّرف وحسن تدوير الحماليق على زيادة الإنسان ونقصه.
قال عبد الله بن عمر: ما زلت أسمع " زر غبًّا تزدد حبًّا " حتى سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله بدور الظلام ونجوم الإسلام قال ذلك؛ يقال: زار يزور زيارةً، ورجل زورٌ وهم زور، وجمعٌ آخر، يقال: زوّار، والصحيح زائر وزائرون؛ والزّوار والمزاورة مثل الحوار والمحاورة والخصام والمخاصمة. يقال: فلانٌ زير نساءٍ: أخذ من هذا إذا كنّ يزرنه ويزورهنّ؛ فأما الغبّ والإغباب فهو أن تزور مرةً وتترك أياماً، ومنه لحمٌ غابٌّ أي بائت. والمعنى في " تزدد حباً " كنايةٌ عن الطّراوة والخفّة على قلب المزور ممن يزوره، والمزير: الفاضل؛ والمزر نوعٌ من النبيذ. فأما قول العامة: ما أمزره - في الشتم - فليس بعربية - ، وكذلك قولهم: مزّار؛ هكذا قال السيرافي.
وقال صلّى الله عليه وآله: " الخير عادةٌ والشرّ لجاجة " ؛ كأن الخير بالاعتياد ليس أن الخير عادة، وليس هذا حدّ الخبر ولا حقيقته، ولكن الخير بالعادة، ولوضوح المعنى أيضاً ما جاز أن يرسل اللفظ هكذا. والشرّ أيضاً إنما هو باللّجاجة، وما أكثر من يهمّ بشيءٍ من الشر طلباً للتّشفّي حتى إذا قرع بابه وفّر أنيابه تتابع ولجّ واستشرى، وأمعن واستقصى وبالغ، ولم يكن بلوغ تلك الغاية من أربه، ولا إليه ساق عقدة عزمه، ولكن تجاوز الحدّ باللجاجة. يقال: ألجّ ولجّ والتجّ والجّج، واللجوج ذميمٌ عند كل راءٍ وسامع، وبئس الخلق هو، وحسبك أنه مركبٌ إلى النار، ومجلبة للعار، ومذهبةٌ للأقدار والأخطار؛ واللجاجة كأنها ضيق النفس عن احتمال الحق.
وقال صلّى الله عليه وآله: " الخير كثيرٌ ومن بعمل به قليل " .
قال الحسن البصري: المعتبر كثير والمعتبر قليل؛ وقلت لأبي النّفيس: من المعتبر؟ فقال الفقيه عن الله عزّ وجلّ.
وقال صلّى الله عليه: " المستشار مؤتمن " ؛ كأنه أرشد من استشير إلى الأمانة بما وصفه به لأنّ المستشير لم يلق إليه ذات صدره حتى جعله أميناً في نفسه. والمشورة - بضم الشين - مثل المعونة وقد جيز بسكون الشين أيضاً، وأصل اشتقاق الكلمة من شرت الدابة إذا حركته لشور ما عنده؛ ومنه شرت العسل، أي أخذته ورقيت إليه، والسّين لطلب الفعل في قولك استشرته، ويقال: استشار الرجل إذا حسنت شارته، يقال: هو صيّرٌ شيّر إذا كان حسن الصورة والشارة.
وقال عليه السلام: " كلّ معروفٍ تصنعه إلى غنيٍّ أو فقير فهو صدقة " ؛ قال ابن قتيبة: المعروف كل ما عرفته النفس واطمأن إليه القلب، والله معروفٌ بسكون البال وفزع الإنسان إليه، والمؤمن عارفٌ بذلك.
وقال صلّى الله عليه: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " ؛ تقول: عناني هذا الأمر كأنه أشار إليك بطلوعه عليك أو باحتياجك إليه يعنيك؛ ويقال: عنيت بحاجتك، هكذا قال ثعلب في " الفصيح " بضم العين، وقال لغيره: يجوز عنيت - بفتح العين - .

سمعت بعض أصحاب الورع يقول: ترك ما لا يعني صعبٌ، وكان بعض المشايخ ممن يتحلى بالحكمة ويتظاهر بالفضيلة دخل حمّاماً فوجده حاراً، فقال لمن بجنبه: ما أحرّ هذا الحمام؟ قال هذا: ذاك كأني لا أعلم أنك تجد من حرارة هذا البيت ما أجد، حتى تتجرّد لهذا القول وتشغل نفسي بهذا الخبر، وتقيّد لسانك بهذا اللفظ، فما الذي أفاد هذا أحدنا؟ ولقد أخذ هذا الشيخ مأخذاً صعباً؛ وقيل: من التّوقّي ترك التّجنّي، وترك الإفراط في التوقي؛ وكأنّ هذا الرجل قريبٌ من صاحب الزّبيبة، فإن رجلاً رؤي بمنىً وعرفات وبيده زبيبة وهو ينادي: ألا من ضاعت له زبيبة؟ فقيل له: أمسك، فإنّ هذا من الورع الذي يمقته الله عزّ وجلّ، ولنفس حصةٌ ولها استراحة وعليها منها كدب ومع التزمت ومع التقبض هشاشة ومع التعمّل دماثة، وللإنسان من كلّ شيءٍ حظّ، ولكل شيءٍ منه نصيب، ولو كان الإنسان مصبوباً في قالب واحد، ومصوغاً على خطٍّ واحد، ولو كان الإنسان واحداً، ومسلولاً عن طبيعة واحدة، لكان هذا يستمرّ بعض الاستمرار، ويتجوّز فيه بعض التجوز؛ فأما وهو مؤلّفٌ من أخلاط، ومركّبٌ على طبائع، ومجموعٌ متضادات، فالا بدّ أن يميل إلى شيء، ويميل به شيء، ويرى مرة طافياً ومرة راسباً، ومرة راضياً ومرة غاضباً، ومرة هادئاً ومرة صاخباً، ومرة قانعاً ومرة ساخطاً، ومرة لاحقاً ومرة غالطاً، وأنه ما دام بين أشياء متعادية وأحوالٍ مترامية، فلا بدّ أن يترجح بالزّيادة والنقص، والربح والوكس، إلى أن يأخذ الله جلّت عظمته بيده، ويجذب بضبعه، ويؤويه إلى رضوانه. على أنّ هذا الشيخ قد استفاد بما كان منه لوماً لنفسه، وتنبيهاً لها من رقدته، ووصيّةً لغيره، وذكراً مأثوراً من بعده.
وقال صلّى الله عليه وآله: " إنما التجبّر في القلوب " .
وقال عليه السلام: " سوداء ولودٌ خيرٌ من حسناء لا تلد " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زورٍ " .
وقال عليه وآله السلام: " أعظم النّساء بركةً أقلّهن مؤونةً " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " اطلبوا الخير عند حسان الوجوه " ؛ قال لنا أبو الشيّخ الأصبهاني - وعليه قرأنا جميع ما اتصل في هذا الجزء من أمثال رسول الله صلّى الله عليه وآله: سمعت عليّ بن حزم يقول: تفسير هذا الحديث في قول عمر بن الخطاب، فإنه قال: إن للناس وجوهاً، فأكرموا وجوه الناس؛ فقال: فمن كان له في الناس وجهٌ قيل فلان حسن الوجه.
هذا الذي قاله الشيخ عن هذا الشيخ حسنٌ مرضيّ، كأنه ذهب إلى من كان له جاهٌ وكان وجهاً ووجيهاً، فمسألته تعطفه صيانةً لجاهه وطلباً لمنزلة الخير عند الله تعالى بذمائم عند الناس، فإن عباد الله في أرض الله شهود الله على خلق الله تعالى.
وسمعت بعض الحكماء يقول: السابق إلى النفس من هذا الخبر هو الحسن المتعارف؛ وإنما اختصّ رسول الله صلّى الله عليه وآله ذوي الوجوه الحسنة لأنّ حسن الظاهر دليلٌ على صحّة الباطن، أي لأنّ حسن المرأى شاهدٌ على اعتدال العقل، والعقل يأمر بالمواساة ويبعث على الخير. وقال أيضاً: إن الحسن موصولٌ بالحياء؛ لهذا قلّما ترى التجليح في ذي الوجه الصبيح، ومتى تمّ حياء الوجه ورقّ عليه اللسان عن الردّ وحرج الصدر بالحقّ، صار ذلك سبباً للرحمة وداعية إلى النجاح.
وهذا جوابٌ قريبٌ مقبول، ليس للقلب عنه نبّو، ولا للعقل عليه مستكرةٌ. والكلام في هذا الفنّ طويل الطّرفين، جمّ الفوائد، ولكنّي قد مللت بما أمللت، فلهذا أروي بعض ما أطوي ولا أفسّر خيفة الإطالة الجالبة للملالة، وبئس الشيء الملل في العلم واقتباسه، والكسل في العمل وإخلاصه، لكني من البشر، ممزوجٌ بالخير والشرّ.
وقال صلّى الله عليه وآله: " القناعة مالٌ لا ينفد " .
وقال عليه السلام: " ما عال من اقتصد " .
وقال عليه السلام: " أيّ داءٍ أدوى من البخل " .
وقال عليه السلام: " لا يجنى من الشّوك العنب " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " رأس العقل بعد الإيمان بالله عزّ وجلّ التودّد إلى الناس " .
وقال عليه السلام: " إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " اليسر يمنٌ والعسر شؤم " .
وقال عليه السلام: " الناس معادن " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " ما قلّ وكفى خيرٌ ممّا كثر وألهى " .
وقال عليه السلام: " من صمت نجا " .

وقال صلّى الله عليه وآله: " العائد في هبته كالكلب يقيء ثمّ يعود فيه " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " البس جديداً وعش حميداً، قال صلّى الله عليه وآله لعمر " .
وقال عليه السلام: " المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد وإذا أنيخ استناخ " ؛ أراد بهذه الدلالة على وطاءة جانبه وسماحة أخلاقه وسهولة أمره، وأنك لا تهزّه إلى خيرٍ لك أو له إّلا اهتزّ، ولا تدعوه إلى رشدٍ إّلا أسرع إليه، وأنه كثير الاسترسال، ظاهر التوكّل، قد ألقى مقاليده إلى الله عزّ وجلّ، وإلى أوليائه؛ وما تجد هكذا الفاجر المنافق، فإن الشراسة فيه غالبة، والاحتياط والحزم والتحرّز منه بنجوة، يتوهّم أنه إنما يعيش بتأتّيه وقدرته واستطاعته، وهذا ظنّ لا حقيقة له، ورأيٌ لا محصول معه. إنّ الله عزّ وجلّ مالك النواصي، ومصرّ ف الجوارح، ومقلّب القلوب، وباعث الخواطر.
والأنف - بقصر الحرف - هو الذي يشتكي أنفه، هكذا هو من البعير والإنسان وكلّ ذي أنفٍ؛ والأنف كالظّهر وهو الذي يشتكي ظهره، وإياك أن تقول: يشكو بطنه ويشتكي من بطنه، هذا كله لكنةٌ والعربية ما سلف. وقولهم أنف فلان من القبيح كأنه لوى أنفه عنه، وليّ الأنف في هذه الحال كنايةٌ عن زيّ الوجه، وزيّ الوجه كنايةٌ عن الإعراض، والإعراض كناية عن الانصراف وترك القبيح، وإذا قيل لك: أما تأنف من كذا وكذا؟ فهذا يراد بك، والأنف موضع الخنزوانة، والخنزوانة الكبر، يقال: فلان أنفٌ إذا كان يعاف القاذورة، وفلان نطفٌ إذا كان يأتي القاذورة، كأنه يسرع فيها ويسيل كالناطف - وهو السائل - ؛ وتقول: أنفت الرّجل إذا ضربت أنفه - والهمزة مفتوحة، والضمة لكنةٌ في ألسنة العامّة، وهو نظير قولك: جبهته وبطنته وصدرته، إذا ضربت جبهته وبطنه وصدره. وتقول: كان فلان في أنف شبابه يفعل كذا وكذا، أي في عنفوانه أو أوّله؛ وأما قولك فعلت كذا وكذا آنفاً، أي منذ الآن، واستأنفت الأمر أي أعدته، كأنك طلبت أنفه أي أوله؛ وقد أناف فلان على مائة سنة، أي أشرف عليها، كأنّ المعنى من شرف الأنف وإشرافه على الوجه، وفيه لغة، يقال: ناف أيضاً، ومنه عبد مناف كأنه مصدر ناف؛ وكلأٌ أنفٌ أي لم يرع بعد، وفلان قد أوفى على نيّفٍ وستّين سنة - تشدد الياء؛ هكذا قال أبو حاتم. فتأمّل هذا الأدب واحفظ هذا العلم، فقد سيق إليك وأنت مستريح.
وأما قوله: إذا أنيخ استناخ، هكذا يقال ولا يقال: أنيخ فناخ، إنما يقال: برك واستناخ، وقد شذّ عن وجه القياس إّلا أنه محفوظ.
وقال صلّى الله عليه وآله: " المؤمن القويّ أحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف " .
وقال عليه السلام: " فضل العلم خيرٌ من فضل العمل " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " ربّ مبلّغ أوعى من سامع " .
وقال عليه السلام: " لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه " ؛ قيل: يا رسول الله، وكيف يذلّ نفسه؟ قال: " يتعرض من البلاء لما لا يطيق " .
قال ابن عمر: سمعت من الحجّاج كلاماً أنكرته، فأردت أن أغيّر عليه، فذكرت قول النبيّ صلّى الله عليه وآله: " لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه " ، الخبر، فأمسكت؛ فرحم الله ابن عمر، وهل يجوز ترك الأمر بالمعروف بهذا التأويل؟ أما إنه متى شاع هذا بين الناس وجنحوا إليه، وعملوا عليه، ظهر الفساد في البرّ والبحر، وتعجّل كلّ واحدٍ في راحته وعزّه، وقبض يده ولسانه عمّا فرض الله عزّ وجلّ عليه من إقامة المعروف وإماتة المنكر؛ أما إنه موقوف على التأويل فإنك لا تجد قائلاً قولاً ولا فاعلاً فعلاً إّلا وهو في حاله تلك يبسط عذراً، ويدّعي سرّّا ويتعسف تأويلاً. ولعلّ هذا الحديث واهي الإسناد، فاسد المخرج، أو قد صحبه في الحال ما سقط منه عند الرواية، وما أظنّ أكثر من هذا؛ على أن حسن الظنّ أحسن.
قال صلّى الله عليه وآله: " من رزق من شيء فليلزمه؛ حثّ بهذا على استجلاب الرزق " .
وقال عليه السلام: " الشاهد يرى ما لا يرى الغائب " .

وقال صلّى الله عليه وآله: " المؤمن غرٌّ كريم والفاجر خبّ لئيم " ؛ أشار عليه السلام بهذا النّعت إلى سلامة صدر المؤمن لأنّ إيمانه يبعثه على حسن الظنّ والاسترسال، فيكون بعض ذلك غرارة، إّلا أن غرارة بإيمانٍ أنفع في الدين والدنيا من حذاقةٍ بفجور؛ الحزم كلّه حرس حريم الدّين وإن أباح سرّ الدنيا، والإضاعة كلّ الإضاعة فيما خلب وأهمل الدّين، وكلّ هذا يراه الإنسان - مع إيمانه القويّ، وسرّه المرضي - من حبّ العاجلة، ولعمري فطام النفس عنها شديد، ولكنّ الثّواب على قدر المشقّة والجزاء على قدر العمل.
والغرّ في اللغة هو الغرير وهو المغترّ، والغرارة - بفتح الغين - كالمصدر هو حالها؛ فأما الغرّ - بفتح الغين - فالحدّ، وهو ثني الثوب، العرب تقول: طويت فلاناً على غرّه، أي لبسته على دخل، والغرور - أيضاً بضم الغين - مصدر عر يغرّ غروراً، والغرور - بفتح الغين - يقال هو الشيطان، ويقال: هو الدنيا، وأما الغرارة - بكسر الغين - فالظّرف يحمل فيه التّبن وما أشبهه.
وكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله إذا تلاقوا تواصوا، وكان فيما يقولون: كونوا بلهاّ كالحمام، كان المعنى: فوّضوا أموركم إلى الله عزّ وجلّ ولا تتجاوزوا في الاحتياط والحزم والترقيح في المعيشة ما يليق بإيمانكم ويحفظ مروءاتكم. وقد قال السلف: تعايش الناس ملء مكيال، ثلثاه فطنةٌ وثلثه تغافل. والعرب تعتد في أمثالها قولها: الاستقصاء فرقة؛ وقال جعفر ابن محمد الصادق عليهما السلام: عظّموا أقداركم بالتغافل، فقد قال الله عزّ وجلّ " عرّف بعضه وأعرض عن بعضٍ " . وقال المبّرد: قال الله تعالى " ولستم بآخذيه إّلا أن تغمضوا فيه " .
واعلم أنّ هذا التأديب يجمع خير الدّين وروح الدنيا، ولهذا نوى أن المتكلمين في الدّين والمتجادلين بين المسلمين يأخذون أنفسهم وقرناءهم في بابٍ من الاستقصاء ضيّق، لا يدخله المتطامن فضلاً عن المنتصب. ولهذا قلّ التألّه فيهم، ورحلت هيبة الله عن قلوبهم، وكثر التأويل في كلّ أمورهم عليهم، وطمع فيهم الشيطان في جميع أحوالهم. والله لقد تصفّحت خلقاً لا أحصي عددهم ببغداد منذ سنة خمسين إلى يومنا هذا، فما رأيت منهم من ترجى له السّلامة إّلا رجاءً قليلاً، منهم أبو القاسم الواسطي، بل هو أشفّهم فيما تجلّى للعين وطهر للحسّ، على أنه يرمى بالنّفاق، ويقرف بالقبيح، ولا سليم على الناس، ولا معصوم من الخلق. فأما جعل فمن دونه، فنسأل الله عزّ وجلّ أن لا يهتك أستارنا كما هتك أستارهم، ولا يقبّح أخبارنا كما قبّح أخبارهم.
حدّثني القاضي الموفّق المراغي قال: كان سبب نكبة أبي عمرو الأصبهاني، وزير عليّ بن ركن الدولة شؤم النّصيبيّ أبي إسحاق، غلام جعل، وذلك أنه فتح عليه باب الخنا، وسوّغ له التهالك في المجون، وهوّن عليه أمر الدّين، ومنعه من أسباب البّر والصدقة والتعبّد، فقسا قلب ذلك الرجل، وجمدت كفّه، وجعد بنانه، وطال هذيانه، وعظم طغيانه، فأخذه الله تعالى أخذةً، جعلها نقمةً له وموعظةً للناظر إليه.
وكان القاضي هذا يقول: سمعت النّصيبيّ يقول وقد انتشى من الصّرف من الخمر: لو صحّ أمر الدّين في نفسي لما وجدتني عاكفاً على هذا، لكنّي ما أجد صحةّ ولا أعرف حقيقةً، وأما الكلام الذي نديره بيننا وبين الخصوم مثاله مثال قول القائل: أين الباب المجصّص؟ فيقول له المجيب: عند الدّرب المرصّص، فيقول السائل: فأين الدرب المرصّص؟ فيقال: عند الباب المجصّص.

هذا قليلٌ من كثير ما ينطوي عليه هذا وأشباهه من الناس، والطريف أنّ القوم يقطعون بالوعيد، ويحكمون بالتخليد، ويأخذون بأشدّ التشديد، ثم يركبون من الدنيا سنامها ويقتحمون من النار جاحمها؛ على هذا تجد القاضي الأسداباذي قاضي الرّي وابن عبّاد ومن لفّ لفّهما، وما أدري ما أقول في هذه الطائفة الداعية إلى الحقّ بزعمها، العاكفة على الفسوق والكفر باختيارها. ما هذا إّلا العناد ومجاهرة ربّ العالمين بالإلحاد. ولولا أنّي أجد لهيباً في نفسي من هذه الأمور المتناقضة، لما شغلت خاطري بهم ولا أعملت لساني فيهم، فلهم ربّ يجزيهم جزاءهم ويحاسبهم حسابهم، ولكنّي يدركني أسفٌ على دين الله عزّ وجلّ كيف يتلعّب به قومٌ لا خلاق لهم، ولا من عقيدة معهم، وإنما أتوا من الفضل الذي تقدّم هذا الكلام، وهو أنهم رضوا من أنفسهم في الدين بالكلام فيه، والتشكيك عليه، وإنشاء مسائل لا يسأل عنها أحد، ولا يدلّ عليها وسواس، وادّعوا أن الإقبال على هذا النوع تصحيحٌ للتوحيد، ومعرفةٌ بالأصول، وإثباتٌ للحقّ، ثم فارقوا العمل وإخلاصه، وأعرضوا عن الآخرة وطلبها بالتهجّد والصّوم وطول الصّمت وبذل النفس. ومتى واقفتهم شاغبوك وصاخبوك ورموك بدائهم، وازدحموا عليك بكيدهم.
فجانب - أيدك الله - هذه الخصلة القادحة في عقد الدّين، الفاضحة لأصول الأخلاق - أعني الجدل والنّقار والاستقصاء - واعلم أنّ الله عزّ وجلّ ورسوله صلّى الله عليه وآله قد أوضحا لك منهج السلامة، وسلكا بك طريق الرّشد، فما لاح لك من ذلك فقل به واعمل عليه، وما أشكل فقف عنه ولذ بالله فيه، واتّق الله عزّ وجلّ، فإنّ له مقاحم هي مهالك؛ وإياك والتهاون بما ألقيت إليك، فإنّي لم أجد فساد الدّين والدنيا إّلا من هذه الخصلة النكدة.
وقال صلّى الله عليه وآله لرجلٍ من جهينة: " ما لك من مالك إّلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت " .
وقال عليه السلام لرجلٍ قال له: " أوصني، فقال: عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنّه فقرٌ حاضر " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " أنزلوا الناس منازلهم " ؛ سألت القاضي أبا حامدٍ عن هذا فقال: ليس يعني في منازلهم عند الله، فإنّ تلك مطويّةٌ عن معارف الخلق، وإنما ذلك على ما ظهر من حليهم، ونطق به شاهدهم، ودلّ عليه ما تعاطوا بينهم. وكان أبو السائب القاضي ببغداد يشنأ رجلاً، فدخل إليه المشنوء يوماً فلم يحفل به أبو السائب ولم يرفع إليه طرفه، فوجد الرجل من ذلك، فجرّ الحديث إلى أن قال لأبي السائب: أيّها القاضي، أنزل الناس منازلهم، فقد وصّى رسول الله صلّى الله عليه وآله بذلك، فقال أبو السائب: يا غلام، خذ بيد الشيخ إلى الكنيف فما أعرف له منزلاً غيره، وقد أمسكت عن إقامة السّنّة فيه فأبى، فأخذ الشيخ إلى الكنيف وبقي يومه حتى كلّم أبو السائب فيه فأطلقه. وكان أبو السائب داهية الأرض، وكان قد ربع الآفاق وتصوّف، وعرف الأمور وقلب الدهور.
وقال صلّى الله عليه وآله لرجلٍ: " أولم ولو بشاةٍ " ؛ هذا قاله لرجلٍ خطب كريمة قومٍ، فأحبّ عليه السلام بذلك التئام الشّمل وإشادة الأمور وتمام الألفة واجتلاب المحمدة واستدعاء البركة؛ يقال: أولم يولم إيلاماً مثل آلم يؤلم إيلاماً، ولكنّ الأشهر في أولم الوليمة، والإيلام على بابه في قياسه. فأما ألم يألم ألماً فالمؤلم؛ وقيل في الأليم إنه المؤلم، كذا فسّر أرباب الكلام في القرآن.
وكان سلام والد أبي عبيدٍ مملوكاً، وكان لا يفصح، فأسلم قاسماً في المكتب، وكان يضربه ويطالبه بما يتعلم؛ وكان يقول: إنما أدربك حتى تألم أي أضربك حتى تعلم، فجعل الضاد دالاً والعين ألفاً. ثم إن الله تعالى أنبت أبا عبيدٍ نباتاً حسناً، وكفله وتولاّه، وفتح عليه باباً في تفسير غريب حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يسبقه إليه أحدٌ، والناس من بعده سلكوا طريقه، وكان ثقةً عالماً ورعاً، وكتبه كلها جليلة القدر خطيرة، لا يقوم بها إّلا عالم.
وقال صلّى الله عليه وآله: " الصبر عند الصّدمة الأولى " .
وقال عليه السلام: " أفضل العمل أدومه وإن قلّ " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " مداراة الناس صدقة " .
وقال صلّى الله عليه وآله بدور الظلام ونجوم الإسلام: " ما تقص مالٌ من صدقة " .

سمعت بعض الناس يقول: هذا المحال بعينه وكذبٌ من الرّواية؛ كيف يضاف إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي هو الحقّ من الله، الباطل؟ كيف لا ينقص مالٌ من صدقة؟ إذا أخذت من درهم دانقاً فما ينقص منه دانق؟ وإذا أخذت من عشرةٍ درهماً فما يصير تسعة؟ وهذا إنما قاله عن عطن ضيّقٍ وجهلٍ متراكم، والعجب أنه من الشعراء ويترفّض ويدّعي تحقّقاً بمذاهب الإمامية، ولكن هذا من ثمرة عقلٍ سخيف، وكذلك تجد أكثرهم؛ وإنما المعنى على الاختصار إنما هو على أن الناقص عند المصّدق مرعيٌّ عند الله عزّ وجلّ بالخلف عليه والبركة فيه، وهذا الباطن فيه يوفي في وضوحه على الظاهر اللفظ، لأن التناقض منفيٌّ عن كلام كثيرٍ من السّفهاء فضلاً عن كلام الحكماء والأنبياء عليهم السلام، فضلاً عن كلام سيّد الأنبياء عليه السلام، وأمثال هؤلاء الذين بهرجوا الحكم، وشدّوا باب التأويل، ومنعوا من موارد العلم، وصدّوا عن سواء السبيل، أعانوا إخوانهم من الشياطين في الضّلال والتضليل.
وقال صلّى الله عليه وآله: " من صدق الله نجا " .
وقال عليه السلام: " سكّان الكفور كسكّان القبور " ؛ وقال أهل العلم باللغة: الكفور جمع كفر، والكفر: القرية؛ ورووا أيضاً: تخرجكم الرّوم منها كفراً كفراً، أي قريةً قريةً، وكأنه دلّ عليه السلام على أنّ سكّان الأطراف والقرى يبغي لهم أن يخالطوا الحاضر للتعلم والتفقه والتأدب والتنبه، فبالاجتماع والتلاقي يقع التفاصح عن المعاني، والتعاون على البر. والكفر: التغطية، ومنه كفر فلانٌ كأنه ستر نعمة الله عليه بالجحود والعنود، ومنه الكافر في السلاح أي الداخل فيه، ويقال: تكفّر في درعه، والكافر: الزارع، هكذا قاله الناس، وزعموا أنه من هذا المعنى.
ورأيت كثيراً من المتكلمين يسرعون إلى تكفير قومٍ من أله القبلة لخلاف عارضٍ في بعض فروع الشريعة، وهذا الإقدام عندي مخوف العاقبة مذموم البديّ، وكيف يخرج الإنسان من دين يجمع أحكاماً كثيرة، وقد تحلّى منه بأشياء كثيرة ليست خطأ منه، وليس المعارض له بالتكفير بأسعد منه في نقل الاسم إليه؛ كذلك أبو هاشم يكفر أباه أبا علي الجبّائي وأبو علي يكفّر ابنه، وحدّثني أبو حامد المروروذي أن أختاً لأبي هاشم تكفّر أباها وأخاها؛ وأما أصحاب أبي بكر ابن الإخشيذ كالأنصاري وابن كعب وابن الرّمّاني وغيرهم، فكلّهم يكفّرون أبا هاشم وأصحابه وجعلاً وتلامذته، وخذ على هذا غيرهم، وما أدري ما هذه المحنة الراكدة بينهم، والفتنة الدائرة معهم! أين التقوى والورع والعمل الصالح ولزوم الأولى والأحوط؟ إلى متى تذال الأعراض وقد حماها الدّين، إلى متى تهتك الأستار وقد أسبلها الله عزّ وجلّ؟ إلى متى يستباح الحريم وقد حظره الله إلي متى تسفك الدماء وقد حرمها الله ما أعجب هذا الأمر! كانّ الله تعالى لم يأمرهم بالألفة والمعاونة، ولم يحثّهم على المرحمة والتعاطف، وكأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يحذّرهم التفرّق في الدين والطعن على سلف المسلين.
وقال عليه السلام: " الشديد من غلب هواه " .
وقال عليه السلام: " المستشير مغاث " .
وقال: " الولد ريحان من الجنة " .
وقال: " خيركم خيركم لأهله " .
وقال: " السّفر قطعةٌ من العذاب " .
وقال عليه السلام: " خيركم من طال عمره وحسن عمله " .
وقال: " حسن الجوار عمارةٌ للديار " .
وقال: " الأنصار شعارٌ والناس دثار " .
وقال: " لا سهل إّلا ما جعلت سهلاً " .
وقال: " خير النّساء الولود الودود " .
قولا: " الإبل عزٌّ والغنم بركة " .

وقال: " ما نحل والدٌ ولده أفضل من أدبٍ حسن " ، يقال: المعنى ما وهب له، والنحلة: نحلة المرأة، وكأنّ النّحلة التي هي العقيدة وجمعها النّحل إنما هي كالهبة من الله عزّ وجلّ، انتحل فلانٌ كذا أي ذهب إليه واشتمل عليه، وتنحّل إذا تكذب في الدعوى، يقال ما انتحل ولكن تنحّل إذا أظهر غير ما أضمر. فأما نحل الإنسان - في الّلازم - فمعناه هزل - بضم الهاء، ولا يقال هزل بفتح الهاء - وهزله الله يدلك عليه، وهو مهزول اللحم، واللحم الهزيل كأنه الغثّ الذي لا شحم له أو ليس بغريض. والغريض: الطّريّ؛ والطريّ بتشديد الياء - يدلك عليه قوله تعالى " لتأكلوا منه لحماً طريّاً وتستخرجوا " . فأما الطارئ - بالهمزة - فالذي يطرأ بلداً أي يرد ويقدم؛ والغريض الإغريض: الجمّار، والغريض: الغضّ، والهمزة زيدت في الإغريض لفرق، وإّلا فالغريض الأصل الذي هو الطّراوة، والطّراوة الجدّة - والجدة بتشديد الدال - فإما الجدة - بتخفيف الدال - فالغنى والإصابة؛ تقول: وجد يجد جدةً، كما تقول: وعد يعد عدةً، ووصف يصف صفةً، ووزن يرن زنةً، وومق يمق مقةً، ووثق يثق ثقةً، ووقر يقر قرةً، والقرة: الثقل في الأذن وغيرها، وفي المثل: نعوذ بالله من طئة الذّليل أي أخذته شديدة ومسّه خشنٌ كالجبان الظافر، فإنّه يجهز ولا يقال يجيز، إنما الإجازة في الحديث أو في الطريق فأما الإجهاز ففي الجريح إذا لم يترك على جراحته، ولكن أتي عليه، ولا يكون الإجهاز إلا بعد أن يثخن ويؤتى عليه. والطّراوة غير الطّلاوة، يقال طلاوة وطلاوة، فأما حلاوة فبفتح الحاء، وإن رفعت الحاء تحوّل المعنى إلى حلاوة القفا، تقول: طرحته على حلاوة القفا. الطّراوة: الغضوضة؛ هكذا قال أبو حنيفة، وأبى أن يقال: الغضاضة؛ وقال: إنما الغضاضة هي فيما يغصّ من الإنسان أي يوكس حقّه ويستهان بقدره. وقد يكون الشيء طريًّا لا طلاوة له، والطّلاوة: الماء والترقرق، وفي الإنسان: الدّماثة والقبول؛ والدّماثة: السهولة، يقال: أرضٌ دمثةٌ إذا كانت سهلة المحافر والمواطئ وكانت كريمة النّبات؛ هكذا يقول أبو حنيفة أعني الدّينوري أحمد بن داود صاحب كتاب النّبات والأنواء، وكان ثقةً صدوقاً عالماً شديد التحقّق بالحكمة، وله لهجةٌ بدويّةٌ وبيانٌ شافٍ ووصفٌ مستقصىً، يزيد بهذه الخاصة على علماء كانوا قبله، فإنّك لن تجد لواحدٍ منهم غزارته واسحنفاره - الاسحنفار: المضيّ في الكلام؛ ويقال: له مضاء وغناء، وكأنّ المضاء كالنّفاذ، والمضيّ كالنّفوذ، وليس بينهما فضلٌ مشعورٌ به ولكنّ للنفس عندهما وقفةً وتحيراً.
وقال عليه وآله السلام: الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر.
وقال: حسن الملكة نماء؛ النّماء ممدود، وهو الاسم، ويقال نمى ينمي نمياً، وهو المختار، ولغة أخرى: نما ينمو نموّاً ونماءً؛ والنّماء: الزيادة؛ ويقال نمى إليّ حديث كذا، فكأنه زاد فشوّه حتى بلغه؛ ويقال: لا تقطعوا نامية الله عزّ وجلّ، زعم الرّواة أنه عنى به النهي عن الخصاء؛ وفي الدّعاء يقال: نماه الله، وقد قيل: أنماه الله، وهو أقيس وهو أقلّ.
وقال عليه السلام: من بدا جفا؛ زعم العلماء أن معناه: من سكن البادية غلظ، كأنه إنما تستفاد الرّقّة بالحاضرة لأنهم أهل المحاضرة؛ والمحاضرة فيها تفهيم واستفهام، والرقّة تابعةٌ لهذه الحال، ومعنى بدا: ظهر، كأنه من خرج إلى ظاهر المدن، لأنّ من سكن هناك فهو ظاهرٌ لا يستره الجدار ولا يكنّه البنيان. وتقول منه: بدا يبدو فهو بادْ والمصدر البدوّ، فأما البدء فالابتداء؛ وقلا سيبويه: يقال: بدا لي كذا يبدو بداً وبداءً، والقصر عند غيره مرذول.
والناس يقولون إنّ طائفة من الشيعة تقول بالبداء، وزعموا أنّ أصل هذا القول نشأ عن المختار، فإنّه كان يعد أصحابه عن الله عزّ وجلّ الظّفر، فإذا حال معنى الوعد قال: بدا لله، خيفة أن يقال: أخلف الله.

وقال عليه وآله السلام: لو كان لابن آدم واديان من ذهبٍ لابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إّلا التّراب ويتوب الله على من تاب؛ يقال: كان هذا في القرآن، وعلى ظاهره مسحة تلك الطريقة، والله أعلم بحقيقة الحال فيه، وإنما تقول ما قالوا ونسكت عن ما سكتوا، ولسنا أعلم ممّن سلف، بل الأقدمون هم المقدّمون والأوّلون هم الأولون، وإنما نحن لهم تبع، والجميع في الحق شرع. ومعنى شرع: سواء، والشريعة: الموردة لاستواء الشاربة في الارتواء.
وقال عليه وآله السلام: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرّب؛ يعني أن البشرية تعجز عن تحمّل الحكم، والعقل يحجزه عن تكرّه القضاء، فيبدي من الحزن ما تقتضيه الرحمة، ويضمر من التسليم ما يوجبه حال العصمة.
وقال صلّى الله عليه وآله لرجلٍ: " أخذنا فألك من فيك " ، الفأل هاهنا مهموز، فأما الرجل الفال إذا كان فائل الرأي فلا همزة فيه، وقد مرّ الكلام في هذه الكلمة آخذاً بنصيبه من الإيضاح والشرح.
وقال: " من عمل عملاً ردّاه الله عمله " ، أي ألبسه ذلك، أي جزاه جزاءه، وكأنه بيان قوله جلّت عظمته " فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًّا يره " يقال في اللغة: حسن الرّدية كما يقال: حسن المشية وحسن النّيمة - من النوم - وحسن الفضلة، والتفضل هو التبذل بالثوب الواحد، كأنّه خلاف الحفلة، لأنّ الحفلة للمباهاة، والفضلة للمباسطة؛ وأما الرّدى فالهلاك، يقال: أرداه الله أي أهلكه، وتردّى هو أيضاً معناه هلك، ومنه قوله تعالى " والمتردّية " والتردي كأنه من علٍ يكون. فأما قول العامة: ترادى فلان فإني سألت عنه السيرافي - وكان إمام عصره حفظاً وضبطاً وعرافةً وثقةً - فقال: كلام مهزولٌ لا مجال له في شريف كلام العرب.
وقال عليه وآله السلام: غبار الجهاد ذريرة الجنّة؛ حدثنا بهذا الحديث ميسرة بن علي إمام جامع قزوين في سنة خمسين وثلاثمائة عن محمد بن أيوب الرازي، وسألت عنه ابن الجعابي فزوى وجهه كأنه لم يره صحيحاً.
وعلى ذكر ابن الجعابي، فإني سألته عن قوله عليه السلام لعمار: يا عمّار تقتلك الفئة الفئة الباغية، قال: لا أصل له ولا فضل، وإنما ولّده مولد. كذا قاله، وأما غيره فإنّه قال: هو من المعجزات لأنه إخبارٌ بالغيب، وقد قال عمرو بن العاص لما قيل لمعاوية إنّ ابنه يذكر سماعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: " يا عمّار تقتلك الباغية " ، فأجابه بأن قاتله من جاء به إلى القتال؛ فإن كان الأمر على ما قاله فالشّهداء الذي قتلوا في غزواتهم مع النبيّ صلّى الله عليه وآله كلهم هو قتلهم، والله المستعان.
وقال عليه السلام للأنصار يصفهم مادحاً ومبيناً لما رأى منهم: " إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع " ؛ قد فسر المبرّد هذا في أول كتابه الكامل وأوضح المعنى فيه، وعلى التقريب نقول: الفزع ينقسم مرةً إلى الرّوع الذي يبقى فيه الإنسان حتى تعتريه الحيرة ويخامره الرّعب، فكأنّه فاتحة المكروه، وينقسم مرةً إلى أنه إغاثةٌ وإصراخٌ ومعونة وإنجاد. وهذا المعنى من رسول الله صلّى الله عليه وآله في تقريظ الأنصار: أي أنتم عند المعونة والنصرة تكثرون لشرفكم وشجاعتكم، فأما عند الفيء والقسمة وما عرض من أكثر الناس. وهذا من روائع الكلام الذي هو بنفسه يدلّ على علوّ قائله وشرف الناطق به.
وقال عليه السلام: " إنّ الله عزّ وجلّ يحبّ معالي الأخلاق ويكره سفسافها " ؛ السفساف: الخسيس، وسفسف فلانٌ في كذا إذا أدقّ نظره وتتبّع حواشيه خيفة أن يفوته منه شيءٌ.
وقال عليه السلام: " أمّتي كالمطر لا يدرى آخره خيرٌ أن أوّله " ؛ ليس هذا منافياّ لقوله: " خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم على ذلك " ، وليس هذا أيضاً منافياً لقوله في وصف الزمان: " لا يزداد الزمان إّلا صعوبةً، ولا الناس إّلا شحاً، ولا تقوم الساعة إّلا على شرار الناس " . وإذا عبرت بجواب ما تقدّم من المسائل رأيت الكلام في هذا واقعاً موقعه ومستمراً مريره.
وقال عليه السلام: " لا عيش إّلا عيش الآخرة " .
وقال: " خزائن الخير والشرّ مفاتيحها الرّجال " .
وقال: " أعظم النكاح بركةً أيسره مؤونةً " .
وقال: " قيّدوا العلم بالكتاب " .
وقال: " كاد الفقر أن يكون كفراً " .
وقال: " همّة العلماء الرعاية وهمّة السّفهاء الرّواية " .

وقال: " التمسوا الرزّق في خبايا الأرض " .
وقال: " ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً " .
وقال عليه وآله السلام: " في كل كبدٍ حرّى أجرٌ " ؛ والحرّى العطشى، والمعروف الحّران في المذكّر، وحرّان لا ينصرف، ومعنى قوله لا ينصرف: لا ينّون آخر الكلمة، ولعلك إن لم تأخذه من حرّ - إذا عطش - يحرّ حرّة انصرف، لأنك تجعله إذ ذاك من حرن فهو حرّان مكان حرون؛ ألا ترى أنك إذا صرفت حسّان وتيّان وحيّان وزمّان عن باب فعلان إلى باب فعّال صرفت، فإنك إذ أخذت حسّان من حسن يحسن حسناً فهو حسّان كان فعّالاً وصرفت، وإذا أخذته من حسّ كان فعلان ولم يصرف؛ وإذا أخذت حيّان من حان فهو حيان كان فعّالاً وصرفت، وإذا أخذته من الحياة أو الحيا كان فعلان ولم يصرف، وكذلك إذا أخذت تيان من التّين - وهو بائعه وجامعه - كان فعالاً وصرفت، وإذا أخذته من تيّ كان فعلان ولم يصرف، وكذلك زمّان إن أخذته من زمن بالمكان إذا أقام كان فعالاً وصرفت، وإن أخذته من زمّ يزمّ كان فعلان ولم يصرف، والكلام في زمان سيمرّ أشبع. ومن هذا الحرّ، يقال: حرّ يومنا إذا وهجت شمسه، وحرّ المملوك بحرّ وحرّ اليوم يحرّ، وما هاهنا فاصلٌ طبيعيٌّ ولا شاهدٌ عقليٌّ، والسّماع في مثله عزيز. وهذا غاية ما أقدر عليه، وأجد سبيلاً إليه، وإنما أتكلف ما يستطاع.
فخذ من كلّ ما يقرع سمعك ويروق فهمك صافيه، ودع عليّ كدره واغفر لي خطئي في هذا الكتاب لصوابه، ولا تنكر حسني فيه لقبيحي منه، واعلم أن من طلب عيباً وجده.
وقال عليه السلام: " أفضل الصّداقة على ذي رحمٍ كاشحٍ " ؛ الكاشح: العدوّ؛ كأنه من كشح عني إذا أعرض أي طوى كشحه. وسمعت من يقول: لأنه أضمر العداوة في كشحه. وكشحته إذا ضربت كشحه، كما تقول بطنته ورأسته وفأدته وكبدته إذا ضربت هذه المواضع منه، أعني البطن والرأس والفؤاد والكبد، وكذلك طحلته، من الطّحال، وكأن بابه متلئبٌ أي مطّرد ومتتابع؛ هكذا حفظت. وناقة مكشوحةٌ إذا كويت في كشحها، وجمع الكشح كشوح، وقد سمعت أكشاحاً، والعرب تقول: أصبح فلانٌ وصاحبه يتكاشحان ولا يتناصحان، ويتكاشران ولا يتعاشران.
وقال عليه السلام: " أصحابي كالنّجوم بأيّهم اقتديتم فقد اهتديتم " ، وكان أبو حامد يقول: جمع النبيّ صلّى الله عليه وآله وأصحابه بهذه الكلمة تحت الشّرف والعمل والعلم، وهذا هو التزكية، وناهيك بمن رسول الله صلّى الله عليه وآله مزكّيه والدّاعي إليه، وإن كان التفاضل قائماً بينهم، وهكذا يوجب حكم المثل من قوله أيضاً، لأن النجوم تجتمع في الإزهار والإضاءة ثم إنها تتفاضل في ذلك، وليس فيها ما لا يهتدي به، ولا يبصر بضيائه، ولا يقتبس من نوره؛ هكذا أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله. ومن كان منهم أقدمهم مولداً، وأكبرهم سنًّا، وأسبقهم هجرةً، وأكثرهم تجربةً، وأشدّهم ملابسةً، كأبي بكر الصديق، كان أولى بالاقتداء به والمصير إلى قوله وفعله وهديه.
وكان يقول: كيف يطلق عليه السلام هذا القول وهو قد عرف - بزعم الرافضة - أنه سيكفر فيرتد ويضلّ ويحمل أمةً قد تعب محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم في إرشادها وهدايتها إلى الله عزّ وجلّ وإنقاذها من النار، على الضلالة والردة والكفر والفسوق؟ هذا لا يسع توهّمه فكيف اعتقاده والإيمان به؟ فقيل لأبي حامد وأنا أسمع: هذا الخبر لا يقتضي هذا الكلام كله وهذا التهجين للقوم جملة، لأنه من الآحاد، والمذهب في الخبر الواحد معروف، لأنه لا يجب به علم، وإن كان يصار به إلى عمل لانقطع بصحة موقعه من الله عزّ وجلّ ورسوله صلّى الله عليه وآله، فقال أبو حامد: إن الخبر لما أسند إلى ما عرف من حال الصحابة في هجرتها ونصرتها وسابقتها وعلمها وعملها وغنائها وجميل بلائها وغير ذلك من أفعال وأخلاق وعقود، وما أثنى الله عزّ وجلّ عليهم بها، وتمّت كلمة الله تعالى معها، وطارت الشريعة في آفاقها، وثبتت على عهدها وميثاقها، وساحت على فسيطها، وظهرت على الأديان كلّها، وجب أن يكون صحيحاً أو في حكم الصحيح - أعني في حكم ما لو قاله لم يردده أصل، ولم ينثلم به ركن، ولم يحله عقل، ولم يأبه فهم.

753 - وقال: وعلى أنّا لو نفينا هذا الخبر، وبهرجنا هذا المعنى، وعدلنا أيضاً عن السيرة المحكيّة، والقصة المرويّة، لكان فيما يوجبه حال نبيٍّ أتى من الله تعالى بالحقّ المبين، والمصلحة الشاملة، والمنفعة الكاملة، والخير الفائض، ودعا باللطف، وصدع بالأمر، وكان الله تعالى متولّي حراسته، وعاصم نفسه، وناشر رايته، ما يقتضي هذا المعنى في الخبر وإحقاقه.
753ج - قال: وإنما الطعن على السّلف من عادة قومٍ لا خلاق لهم، ولا علم عندهم، ولم يطّلعوا على خفيّات الأمور، وعلى أسرار الدّهور، ولم يميّزوا الحال بين نبيٍّ جاء من عند الله تعالى هادياً للخلق، وسائقاً إلى الجنّة، وبين متنبئ مخرق بالحيلة، ولبّس بالمداهنة، ودلّى بالغرور، وزخرف بالباطل. والطاعن على السّلف قد أشار إلى هذا المعنى وإن لم يفصح به، وألمّ بهذا البلاء وإن لم يتربّع فيه - حرس الله علينا دينه بسلامة القلب على من نصر رسوله عليه السلام، وسلك سبيله، واتبّع دليله، وقبل منه دقيقه وجليله، ولا جعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا، إنه بنا رؤوف رحيم.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: " إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم " .
وقال عليه السلام: " استعينوا على حوائجكم بالكتمان، فإنّ كلّ ذي نعمةٍ محسودٍ " .
وقال عليه السلام: " العبادة في الهرج كالهجرة إليّ. والهرج بغي الفساد " .
وقال عليه السلام: " من أحبّ أخاه فليعلمه؛ حثّ بهذا على المواصلة " .
وقال عليه السلام: " من رزق من شيءٍ فليلزمه، حثّ بهذا على استمداد الرزق " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " الإيمان قيّد الفتك؛ هذا لئلا يقدم المغيظ بالهوى على المحظور " .
وقال عليه السلام: " حلق الذّكر رياض الجنّة، والذاكر في الغافلين كالمحارب في المنهزمين " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " إنّ الله جلّت عظمته قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " صنائع المعروف تقي مصارع السّوء " .
وقال: " التائب من الذّنب كمن لا ذنب له " .
وقال عليه السلام: " أبغض الرّجال إلى الله عزّ وجلّ الألدّ الخصم " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " أخوف ما أخاف على أمّتي منافقٌ عليم اللسان " .
وقال عليه السلام: " رحم الله عبداً قال خيراً فغنم أو سكت فسلم " .

وقال: " صلة الرّحم مثراةٌ في المال منسأةٌ في الأجل " ؛ الحرف مهموز في الأصل وتليينه جائز، ولكن لا تعتقدن عند التليين أنّ الحرف من النّسيان، ولا تقولنّ في النّسيان النّسيان فإن قولك النّسيان تثنية للنّسا، والنّسا هو عرقّ مقصور يستنبطه الفخذ - ويقال الفخذ أيضاً، والفخذ يذكّر على مذهب الفرّاء لخلوّ اللفظ من علامة التأنيث، ويؤنث عند غيره لإضمار التأنيث، وكأن العرب فيها على مذهبين، وللفخذ نظائر. ومن النّسيان تقول: رجل نسٍ ورجلان نسيان؛ فأما قوله: منسأة في الأجل، فمن نسأ الله في أجله أي أخرّه، ويقال أيضاً: أنسأ الله أجله، المعنى في اللفظين واحد، وقوله تعالى " إنّما النّسيء زيادةٌ في الكفر " مهموز، وما أعرف قارئاً ذهب إلى ترك الهمزة، فأما: " نسوا الله فنسيهم " فلا همز، وفسّر: تركوا الله فتركهم، وإنما الفرق عرضي تابعٌ للمعنى، وهكذا تجد هذا الجنس كالحصان - بكسر الحاء - وهو الفرس، والحصان - بفتح الحاء - هي المرأة العفيفة والحصن والمحصنة، والفتح يدل على أنها استعفّت. ومن هذا الضرب الحيّة والحيّ والحيا والحياء وحيّان وحيوة وحيوان والحيّ الذي هو القبيلة، وذلك أن معنى الحيا شائع في أثناء هذه الأسماء، كأنهم رأوا الغيم يحيا له البشر والنّعم، فأفردوا له اسماً من الحياة، ثم وجدوا الحياء في الوجه لا يكون إّلا من شرف النفس ونقاء الجوهر، فدلّهم ذلك على أنّ صاحب هذا النعت أحيى ممن لا حياء له، لأن خالع الحياء في قلة رقبته وتهوّره يشبّه بالميت، وكأنّهم وجدوا جماعة ناسٍ من بطنٍ واحدٍ إذا انتسبوا إلى أبٍ أو اجتمعوا أو اجتوروا - أي تجاوروا - فتمّ بينهم التعايش والحياة، وكأنّهم رأوا الحيّة طويلة العمر كثيرة الحركة، فأفرغوا عليه سمةً تدلّ على خصوصيتها. وأما حيوة في الأسماء فكأنها حياة سكّنت ياؤها واجتلبت لها الواو والبناء على حاله. وهذا شكلٌ من الكلام لولا أنّي قد سمعته ووعيته واستخرجته وتدبّرته وعرضته على العلماء ويسّرته لكان الإقلال منه أسلم. لكنّ هذا الكتاب قد جعلته خزانة لنفسي، ومرجعاً لدرسي، ففي نظرائي وأشكالي من فهمه أثبت من فهمي، وذهنه أنفذ من ذهني، وحفظه أغزر من حفظي، وقلبه أذكى من قلبي، لكني آثرت أن يكون لي فيمن دوني أثر، كما كان لمن فوقي عندي أثر، وإذا تيقظت قليلاً رأيت أهل الفضل كنفس واحدة تستنسخ الفضائل على الزمان في ذوي الأرواح الطاهرة والجواهر النيرة والطبائع المشحوذة والعقول السليمة. فأقلل من الطعن إن ظفرت بما يحسن في عقلك طعناً، وخاصم نفسك عني فإنّه أشبه بكرمك، وأبعد للإدالة منك، ومن عاب عيب، ومن هاب هيب، ومن صان صين، ومن أعان أعين، والحرّ أوقف بالطبيعة، والقصاص فأتمّ في الشريعة، وقد قيل: كما تدين تدان، وكما تزرع تحصد.
وقال عليه السلام: " حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات " ؛ ولوال أن التكليف والمدح والذمّ والكرامة والإهانة لا تتم أحكامها ولا يثبت نظامها إّلا بأن تكون الجنة المرغوب فيها والنار المرهوب منها، على ما وصف عليه السلام لما كانت، فإنّ ربّ الخلق أعلم بالخلق، وباني الدار أعلم بالدار، وربّ المنزل أعرف بالمسكن، وليس السلامة إلا في التسليم.
وقال عليه السلام: " الرزق يطلب العبد كما يطله أجله " ؛ هذا الكلام كمايةٌ عن مصير الرّزق إلى العبد كملاً كمصيره إليه، إما بالاكتساب والاحتساب، وإما بغير اكتساب ولا احتساب، فكأنه دلّ على أنه لا بدّ للعبد البرّ والفاجر من استيفاء أكله إلى آخر أجله، وكان بعض الصوفية يقول: إما أن ترزق وإما أن تصبر وإما أن تقبض.

والكلام في الزّرق خفيٌّ، والبحث عنه شاقٌّ، والمدخل فيه غامض، والناس على طبقاتهم يموجون فيه بالصّحيح والسّقيم، والفاسد والسليم. والحقّ الذي لا يطور به الباطل، والحجة التي لا تتخّونها شبهة، أنّ الإنسان منذ يسقط من بطن أمه إلى أن يلحد في ضريحه مكفولٌ به، مصنوعٌ له، وأنّ كافله وصانعه يدبّره بمشيئته وإرادته على ما سبق من علمه وحكمته، فالعبد مرةً محرومٌ ليبتلى صبره، ومرةً واجدٌ ليعرف شكره، ولن يصفو من الدّنس وال يعرى من لباس الهوى ولا يصلح لسكنى الجنة إّلا بهذا النوع من التقليب، وهذا الشكل من الترتيب: بين حالٍ يكون فيها مرتهناً بشكرٍ يمتري له المزيد، وبين أخرى يكون ممتحناً فيها بصبرٍ يوجب له المزيد، فليس ينفكّ من النعمة، إّلا أنه في الغنى أبطر وفي الفقر أضجر، وحكم الله ينفذ فيه على كرهٍ منه. فما أحسن بمن أوسع الله عليه في ذات يده أن يكون مراعياً لحقّ الله عليه، وما أولى بمن ضيّق عليه أن يكون واثقاً من الله بما لديه، فلعلّ الصّنع له فيما زوي عنه وحجب وهو لا يدري، ولعلّ النظر له فيما حرم وهو لا يشعر.
وأنا أستحسن قول رجلٍ قال لعبيد الله بن سليمان: لو كان للوزير بي عناية ما كان عني نابي الطّرف، ولا كنت من دركي منه على حرف؛ فقال عبيد اله: أيها الرجل، على رسلك، فعسى نظري لك في الإعراض عنك، ولعل استصلاحي إياك بالانقباض منك، ثق باهتمامي بك إلى أوان إسعافك، فإنّ تقرّبك إليّ بتفويضك أجلب للنيل إليك من تباعدك عني باقتضائك، واعلم أني وزير.
هذا - أيدك الله - فصلٌ عجيب سقته إليك لتعلم أنّ الإشارة في هذا المعنى إذا نقلتها إلى ما بينك وبي الله عزّ وجلّ علمت أنه أحقّ بتفويضك وسكونك وتسليمك، وأنه أقدر على صرف المكروه واجتلاب المحبوب من عبيد الله بن سليمان، واستلطف في قوله واعلم بأني وزير فإنه ينّبهك على أمر خطير.
وسمعت بعض مشايخنا يقول: كيف لا أثق بالله جلّ جلاله وأعتمد عليه، ولقد رأيته يؤتيني ما أحب فيما أكره أكثر مما أصيب أنا ما أحب فيما أحب.
وقال عليه السلام: " الزّكاة قنطرة الإسلام " .
وقال: " من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له " .
وقال عليه وآله السلام: " المؤمنون هينون لينون " ؛ هيّن ليّن هين لين على وجه واحد، وكذلك ميّت وميت؛ وكان البديهي الشاعر العروضي يقول: التشديد يدلّ على أن الموت قد حلّ به وفارق الحياة، والتخفيف على أنه مقتبلٌ كائنٌ مع حياته وحركته؛ قال: والهين بالتخفيف يدلّ على أن ذلك منه سجية، والتشديد يدل على أنه متكلف. وهذا نوع من التعسّف لا يصحبه دليل، ولا يشهد له تأويل، إنما كان يهذي بمثل هذا ويكثر منه، وأقبح بالتكلّف، خاصةً بذي اللّسن العالم.
وقال صلّى الله عليه وآله: " لا تطرحوا الدّرّ في أفواه الكلاب " ؛ هذا رواه لنا ابن مخلد بفارس، ومرّ بي بعينه في كلامٍ لعيسى بن مريم عليه السلام طويل.
وقال: " بعثت بالحنيفيّة السّمحة " .
وقال: " اللهمّ غبطاً لا هبطاً " ؛ نصبه على المصدر كأنه: أسألك غبطاً أي أن أغبط غبطاً لا أن أهبط هبطاً، ومصدرٌ آخر وهو الهبوط - بضم الهاء - ؛ والهبوط - بالفتح - هو المكان الذي يهبط منه، وهبط أي نزل، ومنه مهبط جبريل عليه السلام؛ ويقال: هبطه أيضاً، وقد سمعت يتهبّط، فأما أهبطه فهبط فبابه مجرى بيّن، والهبوط خلاف الصّعود، كما أن الهبوط خلاف الصّعود.
وقال عليه السلام: " أصحابي كالملح في الطّعام " .
وقال عليه السلام: " مروا بالخير وإن لم تفعلوه " .
وقال عليه السلام: أهل القرآن أهل الله " .
وقال عليه السلام: " الصّدق والبرّ في الجنة " .
وقال عليه السلام: " علّق سوطك حيث يراه أهلك " .
وقال عليه السلام: " التّواضع شرف المؤمن " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " لا خير في العيش إّلا لسميعٍ واعٍ " .
وقال عليه السلام: " استنزلوا الرّزق بالصّدقة " .
وقال عليه السلام: " لكلّ شيءٍ عمادٌ وعماد الدّين الفقه " .
وقال عليه السلام: " لا خير في المراء وإن كان في حقٍّ " .
وقال عليه السلام: " انظر إلى من تحتك ولا تنظر إلى من فوقك " .
وقال عليه السلام: " المعروف بابٌ من أبواب الجنّة " .
وقال عليه السلام: " خيانة الرجل في علمه أشدّ من خيانته في ماله " .
وقال عليه السلام: " السؤال نصف العلم " .
وقال عليه السلام: " الدعاء سلاح المؤمن " .

وقال عليه السلام: " المجالس أمانة " .
وقال عيه السلام: " الظّلم ظلماتٌ يوم القيامة " .
وقال عليه السلام: " الدّين الحبّ والبغض في الله " .
وقال عليه السلام: " الحكمة ضالّة المؤمن " .
وقال عليه السلام: " أحبب للناس ما تحبّ لنفسك " .
وقال عليه السلام: " النصر مع الصّبر والفرج مع الكرب " .
وقال: " الدعاء مخّ العبادة " ؛ رأيت بعض المتكلّمين يقول: إنما هو محّ العبادة - بالحاء غير معجمة، وسألت العلماء عنه فكرهوا قول هذا الرجل وقالوا: المحّ صفرة البيض. فأما محّ الثوب قد درس، ويقال أمحّ. فأما المخّ - بالخاء معجمةً - فهو ما تجده في العظم. فكأنه عليه السلام دلّ بهذا القول على أن الدعاء خالصة العبادة ولبّها. لأنّ العبادة وإن طالت متى خلت من الدعاء لم يكن لها دعامةٌ تثبت عليها، ولا عمادةٌ ترجع إليها، وذاك أن الدّعاء يستخلص القلب ويبعث على المذلّة، ويستخرج سرّ النفس، ويبيّن ذلّ العبد إذا سأل من عزّ الرب إذا سئل. وقد ندب الله عزّ وجلّ إلى الدعاء بقوله " ادعوني أستجب لكم " .
وسمعت ابن البقال الشاعر - وكان على مذهب ابن الراوندي - يقول: ادعوني أستجب لكم فندعوه فلا يستجيب لنا، وإن تكلّمنا سخّفنا؛ فقال له بعض أصحابنا: إنّ هذا الوعد من الله عزّ وجلّ في الاستجابة مشروطٌ بالمشيئة، يصحّ ذلك إذا قرأت قوله " فيكشف ما تدعون إليه إن شاء " وهذا كما قال: " وانكحوا الأيامى منكم والصّالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله والله واسعٌ عليمٌ " ، فقد يقال: قد نرى من ينكح ويتزوج ثم لا يغنيهم الله؛ وهذا الاعتراض يبطل أيضاً لأنّ الإغناء لا يتعلّق بالعرض والأثاث والخرثيّ والنّعم والخيل؛ قد يحوي هذا كلّه من يحكم عليه بالفقر - أعني فقر النفس - وقد يعرى من هذا كلّه من تجده طيّب النّفس ريّح القلب واثقاً بالله عزّ وجلّ، ولهذا قال صلّى الله عليه وآله: ليس الغنى من كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس. نعم، على أنّ الإغناء قد يقع من الله عزّ وجلّ، ولكنّ العبد لا يستغني به، فإذا اعتبرت الإنسان بعد الإغناء، وضممت كلاًّ إلى نظيره على ما يوجبه النظر الصحيح، علمت أنّ الذي قاله الله حقّ، وأن الذي هذى به الطاعن باطل؛ قال الشاعر: وغنى النفس ما ينبغي لك أن تحفظه في هذا الموضع: السريع
قالت أما ترحل تبغي الغنى ... قلت فمن للطارق المعتم
قالت فهل عندك شيءٌ له ... قلت نعم جهد الفتى المعدم
فكم وحقّ الله من ليلةٍ ... قد طعم الضّيف ولم أطعم
إنّ الغنى للنفس يا هذه ... ليس الغنى في الثوب والدّرهم
وقال آخر في نظيره: السريع
لا تكثري لومي على أنّني ... صاحب إملاقٍ وإقلال
في قوت يومي سعةٌ للذي ... يأكله الضّيف على حال
ما ضرّ ضيفي أنّني معدمٌ ... وأنه في أنعم البال
إن الغنى في النفس يا هذه ... ليس الغنى في كثرة المال
والصوفية تزعم أن الفقر في الجملة أفضل من الغنى في الجملة؛ والكلام فيه سيمرّ في عرض ما نفرده لهم، ونرويه عنهم، ونقوله مضافاً إلى ما يطرّد على طرائقهم من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
وقال عليه السلام: " خير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها " .
وقال عليه السلام: " داووا مرضاكم بالصّدقة، وردّوا نائبة البلاء بالدعاء " .
وقال عليه السلام: " أشراف أمّتي حملة القرآن وأصحاب الليل " .
وقال عليه السلام: " الشتاء ربيع المؤمن، يقصر نهاره فيصوم ويطول ليله فيقوم " .
وقال عليه السلام عن الله عزّ وجلّ: " أنا عند حسن ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء؛ حسن الظّنّ من العبادة " .
وقال عليه السلام: " صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمّن ظلمك " .
وقال صلّى الله عليه وآله: رحم الله امرءاً أصلح من لسانه " .
وقال عليه السلام: " التوبة من الذّنب أّلا تعود فيه " .
وقال عليه السلام: " كفى بالمرء فتنةً ان يشار إليه بالأصابع " .
وقال: " حبّبوا الله إلى الناس يحببكم " .
وقال: " الأنبياء قادة والفقهاء سادة " .
وقال عليه السلام: " عش ما شئت فإنّك ميت، واجمع ما شئت فإنك تارك، ودع ما شئت فإنك مستريح، وقدّم ما شئت فإنك واجد " .
وقال عليه السلام: " لله ما أعطى وما أخذ " .

وقال عليه السلام: " من يزرع سيّئاً يحصد ندامة " .
وقال عليه السلام: " الخلق الحسن يذهب الخطايا " .
وقال عليه السلام: " البلاء موكّل بالمنطق " .
وقال عليه السلام: " نعم صومعة الرجل بيته " .
وقال عليه السلام: " ما استودع الله عبداً عقلاً إّلا استنقذه به يوماً ما " .
وقال عليه السلام: " إياك والمدح فإنّه الذّبح " .
وقال عليه السلام: " الأنساب علمٌ لا نيفع وجهلٌ لا يضرّ " .
وقال عليه السلام: " عملٌ قليلٌ مع علمٍ خيرٌ من كثيرٍ مع جهل " .
وقال عليه السلام: " من سعادة ابن آدم رضاه بما قسم الله عزّ وجلّ له " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم " .
وقال: " اللهمّ أعط كلّ منفقٍ خلفاً؛ اللهم أعط كلّ ممسكٍ تلفاً " .
وقال عليه السلام: " أكثروا ذكر هادم اللذّات " .
وقال عليه السلام: " صوموا تصحّوا وسافروا تغنموا " ؛ سمعت بعض الصوفيّة المشهورين يقول: باطن هذا الكلام: أي صوموا عن الفحشاء تصحّوا بالطاعة، وسافروا إلى الله تعالى بالهمم الجامعة تغنموا رضاه عنكم ونظره إليكم، فإنّ ذلك أعلى من الجنة وأشرف من الخلد، بل كلّ ذلك تابعٌ لرضاه عنك ونظره إليك وقبوله إياك. وهذا الباطن لا يدفع ذلك الظاهر، وما دام القوم على هذا المنهج فهم أسعد قوم، وهم أسعد من قومٍ ادّعوا الباطن فنحلوا الباطل، وهم طائفةٌ من الشّيعة لهم دعوى لا برهان معها، وتمثيلاتٌ لا منفعة فيها، وقد مقتهم أصناف الناس لقبح ما أتوا به من الإلباس.
وقال عليه السلام: " من خزن لسانه رفع الله تعالى قدره وشأنه " .
وقال صلّى الله عليه وآله: " الجماعة رحمةٌ والفرقة عذاب " .
وقال عليه السلام: " مقصّرٌ سخيٌّ أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من مجتهدٍ بخيل " .
وقال عليه السلام: " أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة " .
وقال عليه السلام: " من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير " .
وقال عليه السلام:اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يداك واعد في الموتى وقال عليه السلام: " الفتنة إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت أسفرت " .
وقال عليه السلام: " السلطان ظلّ الله في أرضه " .
وقال عليه السلام: " كتب الله المصيبة والأجل، وقسم المعيشة والعمل " .
وقال عليه السلام: " أحسنوا جوار نعم الله عزّ وجلّ " .
وقال: " أصفر البيوت جوفٌ صفرٌ من كتاب الله تعالى " ؛ الصّفر - بكسر الصاد - الخالي، والصّفر - بالضم - معروف، والعامة تلحن، هكذا قاله أبو حاتم، وكان عالماً متقناً. والصفير من الفم والصفّار: الذي يصفر؛ ويقال لبائع الصّفر أيضاً صفّار، ويقال أيضاً في المثل: صفر وطبه كأنه كناية عن قولهم: ما بقي عنده شيء. وفي المثل أيضاً: والله ما كفأت له إناءً ولا أصفرت له فناء. فأما صفّرته كما تقول حمّرته فكلامٌ شائع؛ ويقال في المثل: هذا لا يلتاط بصفري، كأنه عبارة عن قولهم: هذا لا تهواه نفسي ولا يلصق بفؤادي، والمصفور: المستسقي، والمصفور: من جوفه غليظٌ.
وقال عليه السلام: " لا تحقرنّ من المعروف شيئاً " .
وقال عليه السلام: " أفلح من رزق لبّاً " .
وقال: " لو دخل العسر جحراً لدخل اليسر وراءه حتى يخرجه " .
وقال: " هدّية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم " .
وقال عليه السلام: الموت تحفة المؤمن " .
وقال: " في المعاريض مندوحةٌ عن الكذب " وقال: " طلب العلم فريضة على كلّ مسلمٍ " .
وقال عليه السلام: " البرّ ما اطمأنّ له القلب والإثم ما حكّ في النفس " ؛ وقد يسمع من أصحاب الحديث من يقول ما حاك - بالألف - ؛ قال أبو حاتم: وذلك باطل؛ إنما يقع حاك في مشيته إذا تقلّع وحرّك كتفيه، فأما هذا فهو حكّ كأنه ضدّ الطمأنينة، أي الإثم ما صحبه قلقٌ واضطراب.
وقال: " تجافوا لذوي الهيئات عن زلاّتهم " ، ويروى أيضاً: لذوي الهبات؛ فكأنه جاز هذا فيهم لأنّ ذوي الهبة هم أصحاب الزي والمروءة، وزلاّتهم لا تكون ديدناً لهم، إنما يعتريهم الذّنب الفينة بعد الفينة، أي زماناً بعد زمان، ليس المنكر من شأنهم ولا القبيح من أخلاقهم، وإنما يلحقهم ما يلحقهم للبشرية، ولهم أحسن رجعةٍ وأفضل إقلاع وأجمل إنابة؛ فأمر صلّى الله عليه أن يتجافى لهم عن زلاّتهم لحالهم النائبة عن حال غيرهم.

وقال عليه السلام: " مطل الغنيّ ظلم " ، ويروى أيضاً هذا المعنى بلفظ آخر، يقال: قال عليه السلام: ليّ الواجد ظلم؛ واللّيّ: المطل لأنه مصدر لوى يلوي ليّاً ولياناً؛ والواجد: الغني، وهو الذي له وجدٌ أي غنىّ أي ما يجده، وله جدةٌ أيضاً، وهو ذاك بعينه، فأمّا الوجدان فمقصورٌ على وجد يجد وجداناً، وهو نقيض العدم؛ والوجود من ألفاظ المتكلّمين شنيعٌ قد أباه العلماء.
وقال عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم. هذا خبرٌ يتضمن حثًّا على الثّبات على الشرط والوفاء بالعهد " .
وقال عليه السلام: " إنّ الله عزّ وجلّ يحبّ إغاثة اللهفان " .
وقال عليه السلام: " الولد لفراش وللعاهر الحجر " ؛ قال القاضي أبو حامد: أراد صلّى الله عليه وآله لحوق الولد بظاهر الفراش، وإن جاز أن لا يكون مخلقاً من مائه، وجعل الخيبة للعاهر وهو الزاني. وتقول: عهر بها يعهر عهارة وعهورة، فأما المساعاة فهي أيضاً كنايةٌ عن الزّنا ولكنها مقصورةٌ على الإماء. ومن مدّ الزّناء عنى به الفعال الذي يتمّ بفاعلين كالخصام والطّعان، ومن قصر أراد الاسم؛ وقد قيل مثل هذا في الرّضا، والقصر الوجه؛ فأما السّرى فقد استوى فيه الوجهان وهما المدّ والقصر. وكان بعض العلماء يقول: وللعاهر الحجر إشارةٌ إلى الرّجم، وخولف في ذلك.
وقال عليه السلام: " والولاء لمن أعتق " ؛ الواو مفتوحة فإذا كسرت انقلب المعنى. وذلك أن الولاء إنما هو ترتيب الشيء على خطٍّ واحد؛ تقول: واليت بين كذا وكذا موالاةً وولاءً، وفلانٌ يقرأ على الولاء؛ والولاء أيضاً الموالاة والنصرة والمودّة، ومنه في دعاء الوتر: إنه لا يذلّ من واليت ولا يعزّ من عاديت، والأصل من ولي الشيء يلي كأنه لصق به وقرب منه. والولاية - بفتح الواو - يقال: هي النّصرة، والولاية - بكسر الواو - يقال: هي المودّة، والنصرة والمودة يتقاربان لأنّ إحداهما شريكة الأخرى وقسمتها ودالّةٌ عليها ومشيرةٌ إليها، لا تتم إّلا بها، إّلا أنّي حكيت ما وعيت.
وقال عليه السلام: " من ذبّ عن عرض أخيه كان ذلك له حجاباً من النار " ؛ أي من ردّ غيبة أخيه، والغيبة حالٌ تعرض للغائب على قبحٍ، والغيبة مصدر غاب يغيب غياباً وغيوباً وغيبةً ومغيباً وغيباً، والغيابة ما يغاب فيه، وفي التنزيل: " غيابة الجب " ، والجب قليت كالبئر. فأما ذب يذبّ ذبًّا، وفلان حسن الذّبّ عن حرمه، فإنّ أصله من الذّباب، وذلك إنّه طنّ على سمعك أو لهج بطيرانه في وجهك طردته بيدك، ونفضت عليه طرف كمّك، فسمّي هذا الفعل ذبًّا، ثم أسبغ المعنى فيما وسعه للطافة اللفظ ووضوح الغرض.
وهذا النظر أصلٌ كبير من أصول الكلام، لأنك إذا جددت في الفحص عن دفائن هذا الباب انثال عليك من الشاهد والمثل والدّليل والعلل ما يقوّي في نفسك حكم الاشتقاق وتتبّع المعاني. ألا ترى أنك إذا استوضحت جليّة المعاني في قولهم: يغير والغَيرة والغِيرة والغارة وغار الماء وأغار الجبل والغوار والمغاورة، وغار وأنجد، وتغايرت الضّرائر، وغيّره طول العهد - وجدتها مشتقّةً من قولك: هذا غير هذا؟! فتأمّل ذلك ببصيرتك فقد فتحت لك بابها، ورفعت سجفها، وذلّلت الطريق إليها، وإنّ الاشتقاق مضطرٌّ إلى المصير إليه والعمل عليه ولو كره ذلك.
850ب - وكان نفطويه ممن يأبى الاشتقاق، ويزعم أن الأسماء كانت توافت متشابهةً في الصّورة والصّيغة وإّلا فلا اشتقاق، لأنك متى أسّست الاشتقاق في أسماء أساساً لم تنته منه إلى حدّ، وذلك أنك تدّعي أن هذا الاسم شقّ من هذا الاسم، وهذا اللفظ أطلق لهذا المعنى، فيلزمك أن تمرّ أبداً على ذلك، لأنّ الثاني ليس بأولى بأن يكون مأخوذاً من الثالث من الأول من الثاني، ولا الثالث أولى بأن يكون مأخوذاً من الرابع من الثاني من الثالث؛ هكذا حكاه لنا أبو القاسم التّميمي اللغوي، وكان قدم بغداد مع عضد الدّولة سنة أربعٍ وستين وثلاثمائة، وشاهدته، وكان جيّد الكلام فسيح العارضة، وكان يقرف بالكذب مع هذا كلّه، والكذب شينٌ، وحسبك خساسةً بخلةٍ ماحقةٍ لكلّ خلّةٍ حسنة، أعاذنا الله تعالى منه ولا اضطرنا إليه.

850 - وكان ركن الدّولة يقول: منافع الكذب في وزن منافع الصّدق، ولو ارتفع جملةً لبطل الانتفاع كله بالدّين والدنيا؛ هذا قاله بالفارسية، ولكن حكاه لي ابن مكرّم الكاتب، وكان خصّيصاً به أثيراً عنده. فأما أبو عبد الله المحتسب بفارس، وكان يعرف بجراب الكذب، فإني سمعته يقول: إن منعت من الكذب انشقّت مرارتي، وإني لأجد به مع ما يلحقني من عاره ما لا أجد من الصّدق مع ما ينالني من نفعه؛ وهذا غاية الشّقاء ونهاية الخذلان، ولا حول ولا قوة إّلا بالله العليّ العظيم.
نعم: فأما صاحب المنطق فإنه جعل الاشتقاق فنًّا من الفنون في الكلام، وقد بيّنه في كتابه في المقولات.
هذا - أيدك الله - آخر الجزء السابع، وقد اشتمل على ما يخطب لي ودّك الشارد، ويعيد إليّ قلبك النافر، ويبلّغني منك في نفسك ما أتمنى لها من خيرٍ تكون أنجحنا به، وفضلٍ تصير أوحدنا فيه. فتصفّح الآن أوراقه، وامتط النشاط، فتجد نمطاً نمطاً وفناً فناً، يأسرك ويحيّرك كله، وانتظر الثامن، فقد ارتفع جلّه. واعلم واحدة ثم اصنع ما شئت: لن تنتفع بالعلم ما طلبته بشمخ أنف، وصعر خدٍّ، وعزّة نفس، لا والله حتى تضع في التماسه رداء الكبر عن عاتقك، وتستنفد فيه غاية جهدك، فلعلّ الله يزكّيك ويشرّفك في الدّين والدنيا،إنه على كلّ شيءٍ قدير، وبكل شيءٍ بصير. وصلّى الله على نبيّه محمد وآله أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ أعن برحمتك
الجزء الثامن
اللهمّ لك أذلّ، وبك أعز، وإليك أشتاق، ومنك أفرق، وتوحيدك أعتقد، وعليك أعتمد، ورضاك أبتغي، وسخطك أخاف، ونقمتك أستشعر، ومزيدك أمتري، وعفوك أرجو، وفيك أتحيّر ومعك أطمئنّ، وإياك أعبد، إيّاك أستعين، لا رغبة إّلا ما نيط بك، ولا عمل إّلا ما زكّي لوجهك، ولا طاعة إّلا ما قابله ثوابك، ولا سالم إّلا ما أحاط به لطفك، ولا هالك إّلا من قعد عنه توفيقك، ولا مغبوط إّلا من سبقت له الحسنى منك.
إلهي، من عرفك قاربك، ومن نكرك حرم نصيبه منك، ومن أثبتك سكن معك، ومن نفاك قلق إليك، ومن عبدك أخلص لك، ومن أحبّك غار عليك، ومن عظّمك ذهل فؤاده عند جلالك، ومن وثق بك ألقى مقاليده إليك.
إلهي، ظهرت بالقدرة فوجب الاعتراف بك، وبطنت بالحكمة فوجب التّسليم لك، وبدأت بالإحسان فسارت الآمال إليك، وكنت أهلاً للتّمام فوقفت الأطماع عليك، وبحثت العقول عنك فنكصت على أعقابها بالحيرة فيك، وذلك أنّ سرّكلا يرام حوزه، وشأنك لا يحول كنهه، وفعلك لا يجحد تأثيره؛ لك الأمارة والعلامة، وبك السّلامة والاستقامة، وإليك الشوق والحنين، وفيك الشّكّ واليقين.
هذا الجزء - أبقاك الله - هو الجزء الثامن من كتاب البصائر، بصائر أهل العلم والأدب، والحكمة والتجربة، نسأل الله تعالى تمام الكتاب، فإنّه قد حوى معاني سابقةً إلى النفوس بالقبول، وأغراضاً جاريةً مع الفهم، وأسراراً خفيّةً في العلم، فارغب فيه رغبة عاشق، ولا تسل عنه سلوة قالٍ، ولا يزهدّنّك فيه مللٌ عارض، وسخفٌ متوسط، فإنّ العاقبة فيهما غير ما لاح لك منهما، واعلم أنّك مداوىً بهما وبغيرهما، واختلاطك ينتفع بكل ما تسمع وتعي، ومزاجك يعتدل بكلّ ما ترى وتروي، ولو كنت صرفاً لعشت بالصّرف، ولو كنت صفواً لكمل أمرك بالصّفاء، ولكنّك مؤلفٌ من نقص وكمال، ومقرونٌ بعجزٍ وقوة، ومقلّبٌ بين العطب والسّلامة، ومحمولٌ على النّزاع والسآمة، ولكلٍّ منك نصيب، ولك في كلّ منه حظّ، وأنت في هذه النقيبة مرشّحٌ لطهارةٍ لا نجاسة معها، ومسوقٌ إلى غايةٍ لا آفة فيها، فانتبه للخافية التي فيك، والحظ المعنى الذي يوفيك تارةً ثم يستوفيك، واعجب من فناءٍ يثمر البقاء، ومن كدرٍ يورث الصّفاء، ومن كدٍّ ينقطع إلى راحة؛ وتعبٍ ينتهي إلى استراحة، ومن إبهامٍ يؤدّي إلى إيضاح، ومن ضرورةٍ تتعلّق باختيار، ومن حاجةٍ تتصل بغنىً، ومن رقٍّ يشرف على حرّية، ومن سخطٍ يرقيك إلى رضىً، فليس للتعجّب موقعٌ أحسن من هذا الاعتبار. وعذ بالله تعالى عند خوفك، وثق به عند أمنك، وانتسب إليه انتساب من كان به، وبقي بإبقائه، ووجد بإنشائه، وعرف بتعريفه، ووقف بتوقيفه، ولزم حدود أمره، وانتهى إلى معالمه، وراقبه في سرّه وجهره. واعلم أنّك منقولٌ عن قليل إلى حالٍ لا تشهد فيها إّلا ما قدّمت من إحسانك وإساءتك.

أما ترى - أيّدك الله - كيف أتخلّص من حديثٍ إلى حديث، وأركّب معنىً على معنىً، عجزاً عن إتمام ما أبدأ به، وقلقاً إلى ما لا أصل إليه؛ وليتني لم أناد بنقصي في هذا الكتاب بين النّاس، فقد والله تمرّست بأمرٍ قصاراي فيه أن أجبه بالتّعنيف، وأواجه باللائمة، وإن جلفت بالقذع وذكرت بالشّنآن، ومن لي بحاكمٍ منصف، وصديقٍ ملطف، وعدوًّ مبقٍ، وصاحبٍ مشفق، بل من لي بمداهنٍ لا يكاشفني، ومنافقٍ لا يوافقني، وجارٍ لا يرتصد عثرتي، ورفيقٍ لا يجهل عليّ، بل من لي بشامتٍ يرحم، وظالمٍ يتندّم، وهل مكلّمك وسامعك إّلا من إن بعد رجم، وإن دنا نحض، وإن تمكّن استأصل، وإن عاقب أسرف، وإن ملك أباد، وإن قدر انتقم، وإن انتقم أتى على الدّقّ والجلّ، وذهب بالحرث والنسل، ولكن أضرّ بي ما أرى من فساد الزمان، واضطراب الوقت، وانتكاث مرائر الدّين، وتصوّح رياض الدّنيا، ودروس أعلام التوحيد، وانقراض أهل العلم، وتحاسد أبناء الفضل، وتنابذ ذوي الآداب، وتداعي رباع الجميل، وتأوّد أغصان الخير، وتهادر شقائق الشّيطان، وتخاذل أهل التحّرج.
فوالله ما شين وجه التّقى، ولا استحال بال المؤمن، ولا أخرس لسان الورع، ولا قصر زند المجاهد، ولا قسا قلب الراحم، ولا جفّت أقلام كفّ الباذل، ولا عرق جبين السائل، ولا خابت حقيقة المستبصر حتى خلت عراص الشريعة من قوّامها، وآذنت الدّنيا أهلها بالسّيف، وخاض أهل العلم في الباطل، واستعين في الحكمة بالسّفه، وتوصّل بالطاعة إلى المعصية، وسلك بالأمانة طريق الخيانة، واغتّر بالدّنيا المشبّهة بالماء الملح، والبرق الّلامع، والسّحاب الخائل، والظل الزّائل، وأحلام النائم، والعسل المدوف بالسّم.
واعلم أن الله تعالى جعل للمؤمن نورين: أحدهما ظاهر، والآخر باطن، فظاهره آلةٌ لباطنه، وباطنه عدّةٌ لآخرته ومعاده. فمن أفاعيل الظاهر طلب معاشه، واستصلاح أموره، ودفع المضارّ عن بدنه، والتحفّظ من الموارد المخوفة في عاجلته؛ ومن أفاعيل الباطن طهارة قلبه، وإخلاص نيّته لربّه، وتوهّم ما وعده على طاعته من ثوابه، واختيار العفو في الانتقام، والأناة على الإقدام، ونفي الأحقاد، وإطفاء نار الجسد، وإيثار الصّدق وإن ظنّه لا ينجيه من عدوّه، والوفاء لمن وثق به، والحياء من كشف أحدٍ عن ذنبه، وخلع طاعة الشّهوات، وقمع حومة الشّهوة، واستشعار القناعة، ورفض معاشرة الحرص، وإجلال العلماء، وتفضيل العلم، وأخذ النّفس بوظائف الكرم وفرائض الذّمام؛ وهذا النّور الرّوحانيّ على حسب ما يعطي الإنسان منه يكون مرغبه في العمل الصالح، وحبّه للسلامة من الأدناس، وتمسّكه بمحاسن الخصال.
وإذا استحكم علم الإنسان، ودقّت رويّته، كان جلّ سعيه فيما يحرز به نصيبه من الكدّ الذي لا نهاية له، ويبلغ ما يقيم بدنه وإن قلّ قدره، لعلمه بزوال اللذّات، وتصرّم الشهوات، وأنّه وإن رخص في المواتاة لم تكن لذلك نهاية، لا يملّ ما يطرف به، ويستطرف ما في يد غيره، وهذا ينفد الأوقات، ويستغرق الأعمار، ولذلك وجب على ذي اللّبّ والمعرفة رفض الدّنيا، والأخذ منها بالبلغة، والانشغال بجميعه في إحراز حظّه الذي يستريح بالوصول إليه من الألم، ووجب عليه الصبر على مكابدة النّوائب النازلة، والفجائع الواردة، إذ علم أنّ لها انقطاعاً لا محالة، وأنّ الدولة تسلبها، والأيام تزيلها وتغيّبها، فإذا صحّح هذا عنده اليقين استخفّ المكاره، واستحقر بعزائه المصائب، ولم يعرّج من الدنيا إّلا على بلغة، ثم يكون كالغريب المحتبس عن أهله ووطنه، الأسير في يدّ عدوّه، لا يتهنّأ بشيء من عيشه، ولا يستريح إّلا إلى الحيل في التخلّص ممّا حلّ به من الذّل والأسر.
ليس هذا الفصل من كلامي، ومن لي بهذه الديباجة الخسروانيّة، وبهذه الحكمة الرّوحانية! قدري مخفضّ عن هذا وما ضارعه، لكنّي وجدته منسوباً إلى الحسن بن سهل، ولعله أخو ذي الرياستين، فرسمته في هذا الكتاب حتى كأنّي ناهبت ونافست، وادّعيت الكمال وأشرت إلى العصمة.

وأرجو أن يكون اختلاف كلامهم في معاتبتي صادراً عن صدورٍ نقيّة، فقد والله أتعبوني، وأكلوني وشربوني، فمن قائلٍ: ما أحسن هذا الكتاب لولا ما حواه من السّخف والقاذورة، وذكر الهنات وألفاظ السّفلة؛ وقال آخر: كلّ ما فيه حسنٌ لو خلا من اللغة والنحو، فليس هذا الموضع الجدّ لا يمتزج بالهزل، والعلم لا يختلط بالجهل، والحكمة لا تنزل في جوار السّفه، والرّشد لا يتّصل بالغيّ؛ ومن قائلٍ: جميع ما فيه أحسن من كلامك؛ ومن قائلٍ: ما مزيّة هذا الكتاب على جميع ما تقدّم من الكتب، وهل فيه فنٌّ إّلا وهو متقضىً في معدنه، مأخوذٌ من أهله على أحسنه، وهل ينتدب إنسانٌ لجمع كلامٍ وتأليف كتابٍ - مع هذا الاحتفال - إّلا وهو يحبّ الزّيادة على النّقص، ويودّ رفع جهلٍ قد ثبت، ويقصد رقع واهيةٍ قد تركت - وكلامٌ كثير قد أهملت روايته على وجهه، وبرمت باعتقاده فضلاً عن إثباته، وجميع ما قيل موهوبٌ لهم رعايةً لآدابهم، ومحافظةً على ذمام الحكمة بيني وبينهم، ومسائلتهم قبول الاعتذار إليهم. ولما احتجت إلى هذا السّلم - علماً بأن حجّتي داحضةٌ، وبرهاني مدخولٌ، وبياني قصيرٌ - ثقةً بأنّ الزمان يديل، والفلك دوّار، وأنّ اللائمة ستشمت، والاستقصاء سيفرّق، والظلم سيصرع، والإساءة ستندّم.
أنشدني بندار بن غانم الحلواني الكاتب لنفسه في حالٍ التاثت بينه وبين منافسٍ له في الرّتبة، حاسدٍ له على النعمة يقال له عمرو: المنسرح
يختار عمروٌ عداوتي سفهاً ... وأبتغي سلمه ويمتنع
كله إلى بغيه سيصرعه ... فالدهر بيني وبينه جذع
على أنّي ما أخليت هذا الكتاب - مع التقصير - من حجّةٍ إن سمعت أشرق وجهي، وأضاء بصري، وتقوّم منآدي، ونمى قدري، ومن عذر إن تفضّل بقبوله حسنت حالي، واطمأنّ بالي، وسقط ما علّي، وثبت ما لي، ولكنّ الإنصاف معدومٌ في الوهم والحلم، فكيف يلتمس في التحقيق واليقظة؟ وإذا علم الله صلاح النيّة وشرف العزيمة فكلّ ما عداه جلل.
قال أحمد بن الطّيّب، في كتاب وضعه، قولاً متى سقته هاهنا كان لي عذراً عن الخصم إن آثر البقيا، ولم ينتهز الفرصة في العداوة، وأحبّ لي السّلامة بعد العثرة، كما تمنّى لنفسه الاستمرار بعد التوفيق؛ قال: واعلم أنّ قوماً سيقولون: من واضع هذا الكتاب؟ فإن قيل: أحمد بن الطّيّب قالوا: ومن أحمد بن الطّيّب؟ فإن قيل لهم: السّرخسيّ مولى أمير المؤمنين، قالوا: ومن السّرخسيّ مولى أمير المؤمنين؟ فتكون مسألة السائل كأنّها بحالها، وقد استفرغ المجيب جهده. وأحمد بن الطّيّب لا يحبّ أن يخطّي به أحدٌ اسمه واسم أبيه وولاءه والبلد الذي فيه مولده ومولد أبيه، ثم بعد ذلك قيمته ومقداره من العلم، بعد أن يكون المقوّم منصفاً غير جائر، وسليم الطبع غير حسود، فإنّ عليًّا رضي الله عنه يقول: قيمة كلّ امرئٍ ما يحسن؛ وقال: قال أصحابنا: لم نر كلمةً أحصّ على طلب العلم من هذه الكلمة، فمن نظر في كتابنا هذا نظراً ظاهراً أمتعه ولذّه وألهاه وسرّه، وصار له جليساً فصيحاً، ومحدّثاً بيّناً، وأنيساً مخلصاً، يحفظ سرّه، ويأمن غيبه، ويسقط باب التحفّظ عنه.
قيل لعمر بن عبد العزيز: ما بقي من لذّتك؟ قال: محادثة جليس.
وقال عليّ رضي الله عنه: شرّ الإخوان من تكلّف له.
شاعر: المجتث
لو قيل لي خذ أماناً ... من أعظم الحدثان
لما أخذت أماناً ... إّلا من الإخوان
قال سهل بن هارون: ما زلت أدخل فيما يرغب بي عنه حتى استغنيت عمّا يرغب لي فيه.
قال الأحنف بن قيس: الحديث شجون، والشّجون: الرّواضع التي تأخذ من معظم النهر، فشبّه تلك الرّواضع من نهر ماءٍ بعوارض الحديث إذا افتن.
قال: إذا طال القول حتى يبعد أوّله من آخره، فقد وجد السامع عذراً في التّقصير عن فهمه، وإذا كان العتب بين السامع والقائل، وصحّ العذر للسامع في عدم العذر والفهم رجع العتب إلى القائل.
قال: وقيل لبعض اليونانيين - هكذا رأيت بخطّ ابن السيرافي بفتح الياء - : لم تسمع أكثر مما تتكلّم؟ فقال: إنّما خلق الله تعالى لي لساناً واحداً وأذنين ليكون كلامي أقلّ من استماعي.
ويقال: الأحمق إذا حدّث ذهل، وإذا تكلّم عجل، وإذا حمل على القبيح فعل.

قال: وقال عمرو بن هشام: تحدّثنا عند الأوزاعي ومعنا أعرابيٌّ من بني عليم لا يتكلّم فقلنا: بحقّ ما سمّيتم خرس العرب ألا تتحدث مع القوم؟ فقال: إنّ الحظّ للمرء في إذنه، وإنّ الحظّ في لسانه لغير، وقد ذكرنا ذلك للأوزاعي فقال: وأبيه لقد حدّثكم فأحسن.
وقيل للفرزدق: ما صيّرك إلى القصار بعد الطّوال؟ قال: لأنّي رأيتها في الصّدور أولج، وفي المجافل أبلج.
وقالت مليكة بنت الحطيئة بأبيها: ما بال قصارك أكثر من طوالك؟ قال: لأنّها في الآذان أمضى، وبأفواه الرّواة أعلق.
قيل لسراقة البارقي: لم تترك الإطالة في محافل الخطابة؟ فقال: إذا أحطت معناك، وأصبت مغزاك، كان الفضل تكلّفاً.
وقال أبو سفيان بن حرب لعبد الله بن الزّبعرى: لو أسهبت! قال: حسبك من الشرّ غرّةٌ لائحة، أو سمةٌ فاضحة.
وذكر خالد بن صفوان رجلاً فقال: قاتله الله، أما والله إنّ قوافيه لقلائد، وإنّ ألفاظه لعلائق.
قال أحمد بن الطّيّب: ونحن نعلم أنّ الشعراء يقولون دائماً، والخطباء يخطبون أبداً، والناس يتمثّلون كثيراً، والقول كثير، وفي كلّ وقتٍ خبرٌ طائر، وسنّةٌ محدثة، وسياسةٌ جديدة، وآراء مختلفة، وأهواء مبتدعة، ومحنٌ من الله كما يريد، لا يمنع منها، ولا يسأل عنها، فليس لمذهبنا هذا في كتابنا رباطٌ يربط به، ولا نهاية يوقف عندها.
هذا آخر كلام أحمد، ولنا به أسوة، ومن جملة ما قاله عذر.
وتعود إلى العادة في نشر البصائر غير مكترثين لما يقال، ولا عابثين بما يتكلّف، فإنّ من أعار الناس أذنه حشوها شرًّا، وأوسعوه غيظاً، ولم يصغوا له إّلا بعار الأبد، وخسران الدّهر، وفوت الدّنيا، وذهاب الدّين. نسأل الله ربّ السّماء والأرض، وخالق الماء والهواء، أن يكلف ويوكل بك عيناً حانية، ويداً ناصرة، إنه وليّ الإجابة.
1 - قال قيس بن عاصم: وفدت إلى رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، فقلت: عظنا يا رسول الله عظةٍ ننتفع بها، فإنّا قومٌ نعيش في البادية، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: " يا قيس، إنّ مع العزّ ذلاًّ، وإنّ مع الحياة موتاً، وإنّ مع الدنيا آخرة، وإنّ لكلّ شيءٍ حساباً، وإنّ على كلّ شيءٍ رقيباً، وإنّ لكلّ حسنةٍ ثواباً، وإنّ لكلّ سيّئةٍ عقاباً، وإنّ لكلّ أجلٍ كتاباً، وإنّه لا بدّ لك يا قيس من قرينٍ يدفن معك، هو حيٌّ وأنت ميّت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ثم لا يحشر إّلا معك، ولا تبعث إّلا معه، ولا تسأل إّلا عنه، فلا تجعله إّلا صالحاً، فإنّه إن صلح أنست به، وإن فسد لم تستوحش إّلا منه، هو عملك " .
2 - قال أعرابيّ: زكاة اللسان تعليم البيان.
3 - قال لي بعض الفقهاء: ما أشبّه الدّنيا وخداعها إّلا بقحبةٍ حسناء تغازلك وتشير إليك وترغب فيك، حتى إذا أجبتها ودنوت منها صاحت بالوالي، وصرخت بالناس، وأسلمتك إلى الفضية، وزوّدتك الندم وعضّ الأنامل من الغيظ.
4 - كاتب: فلا زلت مشمولاً بالنّعم، مغموراً بالكرم، حتى يكون كلّ يومٍ من أيامك موفياً في الفضل على أمسه، مقصّراً عن فضيلة غده، ووصل الله تعالى لك إلهام الصبر على ما زرئته، بإيزاع الشكر على ما منحته، لينجز لك بالأوّل موعوده، ويوجب لك بالثاني مزيده.
5 - قال أعرابيّ: روّحوا الأذهان كما تروّحوا الأبدان.
6 - قيل لعقيل بن علّفة: لم تهجو قومك؟ قال: إن الغنم إذا لم يصفّر بها لم تشرب.
7 - لمّا أخذ عبد الحميد بن ربعي وأتي به المنصور ومثل بين يديه قال: لا عذر لي فأعتذر، وقد أحاط بي الذّنب، وأنت أولى بما ترى، قال المنصور: إنّي لست أقتل أحداً من آل قحطبة، أهب مسيئهم لمحسنهم، قال: إن لم يكن فيّ مصطنعٌ فلا حاجة بي إلى الحياة، ولست أرضى أن أكون طليق شفيعٍ وعتيق ابن عمّ، قال: اخرج فإنّك جاهل، أنت عتيقهم ما حييت.
8 - عدا كلبٌ خلف غزالٍ فقال له الغزال: إنك لا تلحقني، قال: لم؟ قال: لأني أعدو لنفسي، وأنت تعدو لصاحبك.
9 - قال فيلسوف: أحيوا قلوب إخوانكم ببصائر نيّاتكم كما تحيون موات البلد بنوامي البذر، فإنّ نفساً تنقذ من الشّبهات أفضل من أرضٍ تصلح للنّبات.
قال بعض البلغاء: فضل العلم المسموع على المال المجموع كفضل النّصل الصنع على الغمد الوضيع.
قال أعرابيّ: من كان مولى نعمتك فكن عبد شكره.
قال الحكيم بن عيّاش الكلبي: الطويل

صلبنا لكم زيداّ على جذع نخلةٍ ... ولم أر مهديًّا على الجذع يصلب
وقستم بعثمانٍ عليًّا سفاهةً ... وعثمان خيرٌ من عليٍّ وأطيب
بلغ قوله جعفراً الصادق، رضي الله عنه، فرفع يديه إلى السماء وهما ترعشان فقال: اللهمّ إن كان عبدك كاذباً فسلّط عليه كلبك. فبعثه بنو أميّة إلى الكوفة، فبينما هو يدور في سككها إذ افترسه الأسد، واتصل خبره بجعفرٍ فخرّ لله ساجداً وقال: الحمد لله الذي أنجزنا ما وعدنا.
قال أعرابيّ: جليس الملوك ينبغي أن يكون حافظاً للسّمر، صابراً على السّهر.
قلت لأبي النّفيس الرّياضي: كيف رأيت الدهر؟ قال: وهوباً لما سلب، سلوباً لما وهب، كالصبيّ إذا لعب.
رأى فيلسوفاً إنساناً سميناً فقال له: يا هذا، ما أكثر عنايتك برفع سور جسمك.
وقيل لفيلسوف: إنّ فلاناً يحكي عنك كلّ سوءٍ، فقال: لأنه لا ينتهي إلى الخير فيحكي.
قال أعرابيّ: نفسك راحلتك، إن رفّهتها اضطلعت، وإن نفّهتها انقطعت.
كاتب: اتصل بي خبر الفترة في إلمامها وانحسارها، ونبأ الشّكاة في حلولها وارتحالها، فكاد يشغل القلق بأوّله عن السّكون لآخره، وتذهل عادية الحيرة في ابتدائه عن عائدة المسرّة في انتهائه، وكان التصرّف في كلتا الحالتين بحسب قدرهما: ارتياعاً للأولى، وارتياحاً للأخرى.
قال بعض السّلف: الأحمق إن تكلّم فضحه حمقه، وإن سكت فضحه عيّه، وإن عمل أفسد، وإن ترك ضيّع، لا يغنيه علمه، ولا ينتفع بعلم غيره، ولا يستريح زاجره، تودّ أمّه أنّها ثكلته، وتتمنى امرأته أنّها فقدته، يأخذ جليسه منه الوحشة، ويتمنّى جاره منه الوحدة، إن كان أصغر أهل بيته عنّى من فوقه، وإن كان أكبرهم أفسد من دونه.
كان جرير بن إسماعيل جواداً بماله معطاءً، فلامه روح بن حاتم المهلّبي على ذلك وقال له: إّني أخاف عليك الفقر وتعس الدّهر، فقال جرير: إّني أكره أن أترك حقاً قد وقع، خوفاً لأمر لعله لا يقع.
دخل أبو حنيفة على الأعمش وهو عليلٌ فجلس وأطال، ثم قال: لعلّي قد أثقلت عليك، فقال الأعمش: والله إنّي لأستثقلك وأنت في منزلك فكيف وأنت في منزلي؟! قال عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري: لا أماري صديقي، إمّا أن أكذبه وإمّا أن أغضبه.
قال أعرابيّ لسيّد قومه: أنت للأحرار غياثٌ ومفزع، ولأهل النّعم محلٌّ وموضع، ولذوي الحاجات موادٌ ومنتجع.
قال فيلسوف: كما أنّ البدن الخالي من النفس تفوح منه رائحة النّتن، كذلك النفس العديمة للأدب يظهر منها دليل النّقص.
وقال فيلسوف: ليس المؤمن من ينقص على النفقة ماله.
قال فيلسوف: لتكن عنايتك بحسن استماع ما تفهمه في وزن عنايتك بحسن استعمال ما تكسبه.
قال الواقدي: أبو حنيفة النعمان بن ثابت مولى تيم الله بن ثعلبة بن بكر بن وائل؛ قال له رجلٌ من خيار بني تيم الله: ألست مولاي؟ قال أبو حنيفة: أنا والله لك أشرف منك لي.
ولد أبو حنيفة سنة ثمانين، ومات سنة خمسين ومائة، وعاش أبو حنيفة سبعين سنة، ومات ببغداد، وصلّى عليه الحسن بن عمارة.
قال أحمد بن الطيّب، قال بعض أصحابنا: بتّ ليلة بالبصرة مع جماعةٍ من المسجديين، فلما حان وقت السّحر حرّكهم واحدٌ فقال: كم هذا النوم عن أعراض الناس؟ قيل لعبيد ابن أبي محجن: أليس أبوك الذي يقول: الطويل
إذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ ... تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا متّ أن لا أذوقها
فقال: بل قوله أجمل من هذا حين يقول: البسيط
لا تسألي القوم عن مالي وكثرته ... وسائلي القوم ما ديني وما خلقي
هل يعلم القوم أنّي من سراتهم ... إذا تطيش يد الرعديدة الفرق
أعطي السّنان غداة الرّوع حصّته ... وعامل الرّمح أرويه من العلق
عفّ الإياسة عمّا لست نائله ... وإن ظلمت شديد الظّلم والحنق
وأكشف الماقط المكروه غمّته ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق
قيل لعبّاد بن الحصين، وكان أشدّ أهل البصرة: في أي عددٍ تحبّ أن تلقى عدوّك؟ قال: في أجلٍ مستأخر.

قصد قومٌ من الطّفيليين وليمةً فقال رئيسهم: اللهمّ لا تجعل البوّاب لكّازاً في الصّدور، دفّاعاً في الظّهور، طرّاحاً للقلانس، هب لنا رأفته ورحمته ويسره، وسهّل علينا إذنه؛ فلمّا دخلوا تلقّاهم فقال متكلّمهم: غرّةٌ مباركة، موصولٌ بها الخصب، معدومٌ معها الجدب؛ فلمّا جلسوا الخوان قال: جعلك الله كعصا موسى، وخوان إبراهيم، ومائدة عيسى في البركة؛ ثم قال لأصحابه: افتحوا أفواهكم، وأقيموا أعناقكم، وأجيدوا اللّف، وأترعوا الأكفّ، ولا تمضغوا مضغ المتعلّلين الشّباع المتخمين، واذكروا سوء المنقلب، وخيبة المضطرب، كلوا على اسم الله تعالى.
قال عبد الله بن المبارك: كتبت عن أفقه الناس أبي حنيفة، وأعبد النّاس الحسن بن صالح، وأزهد النّاس الثّوري، وأورع الناس عبد العزيز بن أبي رواد.
قال ابن المبارك: كان أبو حنيفة آيةً، قيل: في ماذا؟ قال: اذكروا فيه من الخير ما شئتم؛ قال بعض أهل العصبيّة: إنّما أراد الشرّ، قيل له: فقال الله تعالى: " وجعلنا ابن مريم وأمّه آيةً " وما أراد الله الشر، فقبله.
قال عمر بن سليمان العطّار: كنت بالكوفة أجالس أبا حنيفة، فتزوج زفر فحضر أبو حنيفة فقال له: تكلّم، فقال في خطبته: هذا زفر بن الهذيل، وهو إمامٌ من أئمة المسلمين، وعلمٌ من أعلامهم في حسبه وشرفه وعلمه، فقال بعض قومه: ما يسوءنا أن غير أبي حنيفة يخطب حين ذكر خصاله ومدحه، وكره ذلك بعض قومه وقال: حضر قومك وأشراف بني عمك، مثل أبي حنيفة يخطب؟! فقال: لو حضرني أبي لقدّمت أبا حنيفة.
اشترى محمود الورّاق جاريةً، وكانت بطنها واسعةً، فلما ركب صاح: الغريق! فقالت له أخرى: أخرج المرديّ وأنت على الشطّ! تباعد ما بين يحيى بن خالد وعليّ بن عيسى بن ماهان، فوجّه عليّ أبا نوحٍ ليعرف ما في نفس يحيى، فكتب يحيى على يد أبي نوح: عافانا الله وإياك، كن على يقينٍ أنّي بك ضنين، وعلى التمسّك بما بيني وبينك حريص، أريدك ما أردتني أريدك ما نبوت عنّي، ما كان ذلك بك جميلاً، فإن جاءت المقادير بخلاف ما أحبّ نم ذلك لم أعد ما تحمد، ولم أتجاوز إلى شيءٍ مما تكره، هاجتني على الكتابة إليك مسألة أبي نوحٍ إياي إعلامك رأيي وهواي، فما تبدّلت ولا حلت، فجمعنا الله وإياك على طاعته.
ولد أبو بكر الأنباري سنة سبعين ومائتين، ومات سنة ثمانٍ وعشرين وثلاثمائة.
قال وهب: صفة المؤمن إيمانٌ في تقىً، وحزمٌ في يقين، وقصدٌ في لين، وقورٌ في الرّخاء، شكورٌ في البلاء صبور، إن أنعم عليه شكر، وإن ابتلي صبر، لا يحقر من دونه، ولا يزري على من فوقه.
قال وهب: المؤمن من يخالط ليعلم، ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفهم، ويخلو لينعم.
قال وهب: كانت مريم عند زكريا، فلمّا نبا بطنها وحملت قال لها زكريا: هل يكون الشّجر من غير مطر؟ وهل يكون الزرع من غير بذر؟ وهل يكون الولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، الله خلق الجنّة بغير مطر، وخلق البذر قبل أن يخلق الزّرع، وخلق آدم من غير ذكر.
قال الشّعبي: الجاهل حصر، والحكيم حاكم، ولم يعرف قدر الجاهل من لم يجرّعه الحلم غصص الغيظ.
قال أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة: إثبات الحجّة على الجاهل سهل، ولكن إقراره بها صعب.
قيل لفيلسوف: ما الكلفة؟ قال: طلبك ما لا يواتيك، ونظرك فيما لا يعينك.
وقال عيسى بن مريم: الأمور ثلاثة: أمرٌ يتبيّن فيه رشده فاتّبعوه، وأمر تلبّس فيه غيّه فاجتنبوه، وأمرٌ اختلف فيه فردّوه إلى الله تعالى.
قال المعتمر بن سليمان: قال لي إيّاك أن تقتدي بزلاّت أصحاب رسول الله فتقول: فلانٌ لبس المعصفر، وفلانٌ كانت له جمّة، وفلانٌ شرب النبيذ، وفلانٌ لعب الشطرنج، وفلانٌ امتخط في الكتاب، وفلانٌ انتعل السّبت.
وصف رجلّ رجلاً فقال: كان والله سمحاً مرّاً سهلاً، بينه وبين القلب نسب، وبين الحياة سبب، إنّما هو عيادة مريض، وتحفة قادم، وواسطة قلادة.
وقال حمّاد الراوية: شاهدنا في هذا المسجد قوماً كانوا إذا خلعوا الحذاء، وعقدوا الحبا، وقاسوا أطراف الحديث، حيّروا السامع، وأخرسوا النّاطق - يعني مسجد الكوفة.
قال رجلٌ لبعض العلويّة: أنت بستان الدّنيا، فقال العلويّ وأنت النّهر الذي يشرب منه ذلك البستان.
قال رجلٌ لأبي عمر الزّاهد صاحب كتاب الياقوت في اللغة: أنت والله عين الدّنيا، فقال: وأنت بؤبؤ تلك العين.

سألت أبا سعيد السّيرافي عن أبي عمر فقال: لم يكن زاهداً إّلا في الدّارين، قلت: أكان يتّهم في اللغة؟ قال: كيف لا يتّهم من يكذب؟! وسمعت غير أبي سعيد يقول ما هو قريبٌ من هذا، وطائفةٌ من الناس تأبى هذا فيه، وتزعم أنّه كان ثقةً مأموناً.
أخذ عبّاسيّ طالبيّاً في العسس، فأراد أن يعاقبه فقال الطّالبيّ: والله لولا أن أفسد ديني بفساد دنياك لملكت من لساني أكثر ما ملكت من سوطك؛ والله إن كلامي لفوق الشّعر، ودون السّحر، وإنّ أيسره ليثقب الخردل، ويحطٌ الجندل، فاستحيى منه وخلّى عنه.
قال سوّار بن أبي شراعة، أنشدنا الرّياشي لعمرو بن حلّزة أخي الحارث بن حلّزة، قيل: وهي مصنوعة: الرمل
لم يكن إّلا الذي كان يكون ... وخطوب الدّهر بالنّاس فنون
ربّما قرّت عيونٌ بشجىً ... مرمضٍ قد سخنت منه عيون
يلعب الناس على أقدارهم ... ورحى الأيّام للنّاس طحون
يأمن الأيام مغترٌ بها ... ما رأينا قطّ دهراً لا يخون
والملمّات فما أعجبها ... للملمّات ظهورٌ وبطون
إنّما الإنسان صفوٌ وقذىً ... وتواري نفسه بيضٌ وجون
لا تكن محتقراً شأن امرئٍ ... ربّما كانت من الشان شؤون
قال فيلسوف: كما أنّ أواني الفخّار تمتحن بأصواتها فيعرف الصحيح منها من المنكسر، كذلك يمتحن الإنسان بمنطقه فتعرف حاله وطريقته.
قال فيلسوف: احتمال الفقر أحسن من احتمال الذلّ، على أن الرضا بالفقر قناعة، والرّضا بالذلّ ضراعة.
شاعر: الرجز
سحابةٌ صادقة الأنواء ... تجرّ حضنيها على البطحاء
بدت بنارٍ وثنت بماءٍ ... تثني بها الأرض على السّماء
تجمع بين الضّحك والبكاء
للمأمون: البسيط
وصاحبٍ ونديمٍ ذي محافظةٍ ... سبط اليدين بشرب الراح مفتون
نادمته ورواق الليل منخرقٌ ... تحت الصباح دفيناً في الرّياحين
فقلت خذ قال كفّي لا تطاوعني ... فقلت قم قال رجلي لا تواتيني
إنّي غفلت عن السّاقي فصيّرني ... كما تراني سليب العقل والدّين
قال أعرابيٌّ في خطبته: الحذر الحذر، فوالله لقد ستر حتى كأنّه غفر.
وقّع ابن الزيّات إلى عاملٍ له: توهمتك شهماً كافياً، فوجدتك رسماً عافياً، لا محامياً ولا وافياً.
قال بعض السّلف: أفضل ما أعطيه الإنسان اللسان، وفي ترك المراء راحةٌ للبدن.
قال المبرّد، قال بعض السّلف: ضوالّ الكلام أحبّ إليّ من ضوال الإبل، قيل به: نحو ماذا؟ قال: كقول الشاعر: الطويل
وإنّي لأرجو الله حتى كأنّما ... أرى بجميل الظنّ ما الله صانع
أنشد ثعلب لعليّ بن مالك العقيلي: الطويل
أتيت مع الحدّاث ليلى فلم أبن ... فأخليت فاستعجمت عند خلائي
فقمت فلم أصبر فعدت ولم أحر ... جواباً كلا اليومين يوم عياء
فيا عجباً ما أشبه اليأس بالغنى ... وإن لم يكونا عندنا بسواء
قال بشّار: لقد عشت في زمانٍ وأدركت أقواماً لو احتفلت الدّنيا ما تجمّلت إّلا بهم، وإنّي لفي زمانٍ ما أرى عاقلاً حصيفاً، ولا فاتكاً ظريفاً، ولا ناسكاً عفيفاً، ولا جواداً شريفاً، ولا خادماً نظيفاً، ولا جليساً طريفاً، ولا من يساوي على الخبرة رغيفاً.
سأل رجلٌ أبا الهذيل فقال له: أفعال العباد مخلوقة؟ قال: لا، قال: فمن خلقها؟ قال أبو الهذيل: أنت مشجوج؟ قال: لا، قال: فمن شجّك؟ قال رجلٌ لابن سيّار: أتعجب من رجلٍ يتهيّبك مع قبح صورتك؟ قال: ليس من حسنه يهاب الأسد.
قيل لصوفيّ: أين الحقّ؟ قال: لو كان له أينٌ لم تثبت له عين.
قال رجلٌ لأبي الهذيل: ما الدليل على حدث العالم؟ قال: الحركة والسكون، فقال السائل: الحركة والسكون من العالم، فكأنك قلت الدليل على حدث العالم العالم دل على حدث العالم بغير العالم فقال أبو الهذيل: جئتني بسؤالٍ من غير العالم جئتك بجوابٍ من غير العالم.

عثر رجلٌ على امرأته وهي على فاحشةٍ فطلّقها، فاجتمع أهلها إليه وقالوا: عرّفنا ما رأيت من زوجتك، فما رأيت فيها؟ قال: سبحان الله، امرأةٌ كان زمامها بيدي وكنت بعلاً لها لم أبح بما كان منها، فلمّا بانت منّي، وصارت غريبةً أفضحها؟! لا يكون ذلك أبداً.
جاء رجلّ إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال له: صف لي الجنّة؟ فقال: " فيها فاكهةٌ ونخلٌ ورمّانٌ " ؛ وجاء آخر فقال بمثل قوله، فقال: " سدرٌ مخضود، وطلحٌ منضود، وفرشٌ مرفوعة، ونمارق مصفوفة " ؛ وجاء آخر فسأله عن ذلك فقال: " فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين " ؛ وجاء آخر فسأله فقال: " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " . فقالت عائشة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: " إنّي أمرت أن أكلم الناس على قدر عقولهم " .
حضّ منصور بن عمّار الناس على الغزو في فناء دار الرشيد بالرّقة، وطرحت امرأةٌ من حاشيته صرّةً تصحبها رقعةٌ قرئ فيها: رأيتك يا ابن عمّار تحضّ على الجهاد، وقد ألقيت إليك ذؤابتي فلست أملك والله غيرها، فبالله إّلا جعلتها قيد فارس غازٍ في سبيل الله تعالى، فعسى الله جلّ جلاله يرحمني بذلك، فارتجّ المجلس بالبكاء، وضجّ بالنّحيب، وتعجّب الناس من ذلك.
قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " ما تعدّون الرّقوب فيكم؟ قالوا: التي لا يبقى لها ولد، قال عليه السلام: " بل الرّقوب الذي لم يقدّم من ولده شيئاً " .
ذبحت عائشة شاةً فتصدّقت بها، وتركت كتفاً منها، فقال النبيّ صلّى الله عليه: " ما عندك منها " ؟ قالت: ما بقي إّلا كتفٌ، قال: " كلّها بقي إّلا كتف " .
شاعر: الخفيف
لا أعدّ الإقتار عدماً ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام
كان الفضيل يعظ ابنه كثيراً على الزّهد ويقول: يا بنيّ، ارفق بنفسك؛ وكان يوماً خلف الإمام يصلّي فسمع سورة الرحمن، فظلّ يتلوّى وأبوه ينادي: أما سمعت قوله: " حورٌ مقصوراتٌ في الخيام: فقال: يا أبت، لكني سمعت قوله: " يعرف المجرمون بسيماهم " .
قال ابن سيرين: سمع من النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله في تلبيته يقول: " لبّيك حقاّ حقاّ تعبداً ورقّاً " .
رأى ابن عبّاس عروة بن الزّبير يوماً متنكراً فقال له: ما شأنك؟ فقال: سلقني ابن عمّ لي بلسانه، فقال: خفّض عليك، فما من قومٍ فيهم غرّةٌ إّلا وإلى جانبه عرّة، وما ذئبٌ أغبس جائع بألحّ على فريسته ولا أنهك لها من ابن عمّ دنيٍّ على ابن عمّ سريّ.
سئل عبد الله بن المبارك عن معاوية وقيل به: ما تقول فيه؟ قال: ما أقول في رجلٍ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله في صلاته: " سمع الله لمن حمده " ، فقال من ورائه: ربّنا لك الحمد؟ سئل بعض العلماء عن الآيات التّسع التي كانت لموسى: ما هنّ؟ قال: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدّم، والبحر، ورفع الطور، وانفجار الحجر، وقيل بدل البحر الجبل والبحر: الطوفان والطمس.
سمعت الشيخ الإسماعيلي ينشد: الطويل
ألا قاتل الله الهوى ما أشدّه ... وأصرعه للمرء وهو جليد
دعاني إلى ما يبتغي فأجبته ... فأصبح بي يذهب حيث يريد
نظر رجلٌ من المجّان إلى رجلٍ كثير شعر الوجه فقال: يا هذا خندق على وجهك لا يتحول رأساً.
قيل لفيلسوف، وكان محبوساً: أّلا تكلّم الملك في إطلاقك؟ قال: لا، قيل: ولم؟ قال: لأن الفلك أحدّ أّلا يبقي على حدّ.
وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في دعائه: اللهمّ لا تحوجني إلى أحدٍ من خلقك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: " مهلاً يا عليّ، إنّ الله جلّ ثناؤه خلق الخلق ولم يغن بعضهم عن بعض " .
قال ابن سلاّم، قال أبو حنيفة: رأيت في النوم كأنّي أنبش عظام النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله، فسألت فقيل: هذا رجلٌ يحيي سنّته.
يقال في الأمثال: من يزرع خيراً يحصد غبطةً، ومن يزرع شرّاً يحصد ندامةً.
شاعر: الطويل
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ... ندمت على التقصير في زمن البذر
سئل أحمد بن حنبل عن قول الناس: عليٌّ قاسم الجنّة والنار، قال: هذا صحيح، لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله قال لعليّ بن أبي طالب: " لا يحبّك إّلا مؤمنٌ ولا يبغضك إّلا منافقٌ، فالمؤمن في الجنّة والمنافق في النار " .

قال رجلٌ لبعض الزهّاد: كم آكل؟ قال: فوق الجوع ودون الشّبع، قال: فكم أضحك؟ قال: حتى يسفر وجهك ولا يسمع صوتك، قال: فكم أبكي؟ قال: لا تملّ البكاء من خشية الله، قال: فكم أخفي عملي؟ قال: حتى لا يرى الناس أنّك تعمل حسنةً، قال: فكم أظهر من عملي؟ قال: حتى يأتمّ بك الحريص، وينقضي عنك قول الناس.
قال بعض النّسّاك: إنّ الشيطان يلعب بالقرّاء كما يلعب الصبيان بالكرة.
قال بلال بن سعد: من سبقك بالودّ فقد استرقّك بالشّكر.
قال النبيّ صلّى الله عليه: " الرغبة في الدنيا تطيل الهمّ والحزن، والزّهد فيها راحة القلب والبدن " .
قال بعض الصالحين: لو رأيت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولملت إلى الزيادة في عملك، ولقصّرت من حرصك وحيلك، فإنّما تلقى غداً ندمك، وقد زلّت قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وتبرّأ منك القريب، وانصرف عنك الحبيب، فلا أنت إلى الدّنيا عائد، ولا في عملك زائد، فاعمل يا مغرور ليوم القيامة، قبل حلول الحسرة والنّدامة.
وقال بعض السّلف: من هوان الدّنيا على الله جلّ جلاله أن لا يعصى إّلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
وقال فيلسوف: إذا أدركت الدنيا الهارب منها جرحته، وإذا أدركها الطالب لها قتلته.
سئل الزّهري عن الزّهد فقال: والله ما هو من خشونة المطعم ولا من خشونة الملبس، ولا قشف الشّعر، ولا قحل الجلد، ولكنه ظلف النفس عن محبوب الشّهوة.
دعا أعرابيٌّ في الكعبة فقال: اللهمّ إني أسألك الخوف منك حين يأمنك من لا يعرفك، وأسألك الأمن منك حين يخافك من يغترّ بك.
نظر رجلٌ إلى فيلسوف فقال له: ما أشدّ فقرك، فقال له: لو علمت ما الفقر لشغلك الهمّ لنفسك عن الغمّ لي.
سمع أبو الدّرداء وهو يقول لبعيرٍ له: ألم أعلفك وأسقك وأحسن إليك.
قيل لشعبة: ما تقول في يونس عن الحسن؟ قال: سمن وعسل، قيل: فعوف عن الحسن؟ قال: خلّ وبقل، قيل: فأبان عن الحسن: قال: دعني لا أتقيأ.
قيل للحسن: إنّ ابن سيرين ما احتلم قطّ، قال: لأنّ الاحتلام عرس النّسّاك إذا علم الله تعالى منهم العفاف.
قال أبو ذرٍّ لغلامه: لم أرسلت الشّاة على العلف؟ قال: أردت أن أغيظك، قال: لأجمعنّ مع الغيظ أجراً، أنت حرٌّ لوجه الله تعالى.
قال قتادة في قوله عزّ وجلّ: " إنّه عملٌ غير صالحٍ " : أي سؤالك إيّاي ما ليس لك به علمٌ.
قال محمد بن شهاب الزّهري: كنت عند عبد الملك بن مروان فدخل عليه رجلٌ حسن الفصاحة، فقال له عبد الملك: كم عطاؤك؟ قال: مائتا دينار، قال: في كم ديونك؟ قال: في مائتي دينار، قال: أما علمت أنّي أمرت أن لا يتكلّم أحدٌ بإعراب؟ قال: ما علمت ذلك، قال: أمن العرب أنت أم من الموالي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن تكن العربية أباً فلست منها، وإن تكن لساناً فإنّي منها، قال: صدقت، قال الله تعالى: " بيلسان عربيٍّ ميبنٍ " .
قال ابن عيينة: إذا كانت حياتي حياة سفيهٍ، وموتي موت جاهل، فما يغني عنّي ما جمعت من طرائف الحكماء؟ قال عبد الله ابن إدريس: قال الله تعالى في أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه: ثاني اثنين إذ هما في الغار، وثاني اثنين في المشورة يوم بدر، وثاني اثنين في القبر، وثاني اثنين في الخلافة، وثاني اثنين في الجنّة.
قال الحسن البصري: إنّ في أحكام الدّنيا وما أنزل الله تعالى ما يستدلّ به على غيب ما لا يرى من يقين الآخرة وعدل أحكامها، فما كان أشبه من أقرّ بالنّشأة الأولى أن يستدلّ بذلك على النشأة الأخرى، وما أشبه من عرف النّشور من النوم أن يستدلّ بذلك على النّشور من الموت، وما أشبه من عرف خلق أوّله أن يستدلّ بذلك على خلق آخره، وما كان أشبه من عرف ربّه أن يعترف بما وعده من خيرٍ أو شر، وما كان أشبه من عرف رضاه أن لا يخلّ بعملٍ يعمله، وما كان أشبه من توكّل له برزقه أّلا يتهمّ برزقه، وما كان أشبه من عرف ما يضرّه أن لا يؤثره على ما ينفعه، وكان أشبه من عرف ما ينفعه إّلا يدع ما ينفعه.
سأل رجلٌ ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الاستواء فقال: ويلك مجهول، والاستواء غير معقول، والإيمان به واجب.
وقال النزّال بن سبرة: سمعنا حذيفة يحلف لعثمان على أشياء ما قالها، وقد سمعناه قالها، فقيل له في ذلك فقال: أشتري ديني بعضه ببعضٍ مخافة أن يذهب كلّه.
قال شبيل بن عوف: من سمع بفاحشةٍ فأفشاها فهو كالذي أنشأها.

قال النّباجيّ: سمعت هاتفاً يقول: عجباً لمن وجد عند المولى كلّ ما يريد كيف ينزل حاجته بالعبيد.
قال أبو سليمان الدّاريّ: من طلب الدّنيا على المحبّة لها لم يعط منها شيئاً إّلا أكثر منه، ليس لهذه غاية، ولا لهذه نهاية.
دعا رجلٌ فيلسوفاً فأجابه، ثم دعاه مرةً أخرى فأبى عليه، فقيل له: ما هذا؟ فقال: إنّه لم يشكرني على المرة الأولى.
قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان: إني لا أريد من الدنيا أكثر ممّا أعطى، فقال لي: لكني أعطى منها أكثر مما أريد.
قال أبو سليمان: الزّهّاد في الدّنيا على طبقتين: منهم من يزهد في الدّنيا ولا تفتح له روح الآخرة فهو يغتمّ في دنياه لأنّ نفسه قد يئست من شهواتها، وليس شيءٌ أحبّ إليه من الموت لما يرجو من نعيم الآخرة، ومنهم من يزهد وتفتح له روح الآخرة فليس شيءٌ أحبّ إليه من البقاء ليطيع.
قال أحمد بن أبي الحواريّ: سمعت أبا سليمان الدّاريّ يقول في رجلين تعبّدا وهما يشتهيان شهوةً وكلاهما لها تاركٌ، فخرجت من قلب أحدهما ولم تخرج من قلب الآخر، قال: الذي خرجت من قلبه أفضل، لأنه لم يخرجها فّلا شيءٌ من الآخرة، قال أحمد: فاختلفنا في المسألة بعباّدان وخرجنا إلى البصرة ولقينا رباحاً القيسيّ فوافقني عليها.
كان أبو سليمان يقول: إنّ الله تعالى أكرم من أن يعذّب قلباً بشهوةٍ تركت من أجله، وذلك أنه قال: " من صدق في ترك شهوةٍ كفي مؤونتها " .
وقال أبو سليمان: أرجو أن أكون قد بلغت من الرّضا طرفاً ولو أدخلني النار لكنت بذلك راضياً.
قال السّريّ السّقطيّ: إذا رأيت الله تعالى يوحشك من الخلق، فاعلم أنّه يريد أن يؤنسك بنفسه.
قال إسماعيل بن زياد أبو يعقوب: قدم علينا ها هنا بعبّادان راهبٌ من الشام ونزل دير أبي كبشة، فذكروا حكمة كلامه، فحملني ذلك على لقائه، فأتيته وهو يقول: إنّ لله عباداً سمت بهم هممهم نحو عظيم الذّخائر، قالتمسوا من فضل سيّدهم توفيقاً يبلغهم سموّ الهمم، فإن استطعتم أيّها المرتحلون عن قريبٍ أن تأخذوا ببعض أمرهم فإنّهم قومٌ قد ملكت الآخرة قلوبهم فلم تجد الدّنيا فيها ملبثاً، فالحزن بثّهم، والدّمع راحتهم، والدؤوب وسيلتهم، وحسن الظنّ قربانهم، يحزنون بطول المكث في الدّنيا إذا فرح أهلها، فهم فيها مسجونون، وإلى الآخرة منطلقون. فما سمعت موعظةً أنفع لي منها.
قال معاوية بن قرّة: كنّا لا نحمد ذا فضلٍ عند فضله، فصرنا اليوم نحمد ذا شرٍّ لا يفضل عنه شرٌّ.
يقال إنّ يوسف عليه السلام كتب على باب السجن: هذه منازل البلوى، وقبو الأحياء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء.
قال بعض السّلف: معادن البهاء لا يقطع بين متّصلها تفاوت الأعمار، ولا يعفّي آثارها بلى الأبدان، وليس كلّ من يحكي الحكمة كان من أهلها، أولئك أبناء الدّنيا وخول الجهل، المحجوجون باستعارة اسمها، المسلوبون منفعة عواقبها، ولكنّ أبناء الحكمة الذين حبوا بموت الدّنيا في عقولهم، ونعموا بتخليتها من قلوبهم، الذين أخلق عندهم جديد العبر، وغيّبها عنهم مشاهدتهم غيب المعاد، وانتقالهم إلى دار اليقين.
غضب الإسكندر على شاعرٍ فأقصاه وفرّق ماله في الشعراء، فقيل له: أيّها الملك بالغت في عقوبته، قال: نعم، أمّا إقصائي إياه فلجرمه، وأمّا تفريقي ماله في أصحابه فلئلاّ يشفعوا فيه.
وقيل للإسكندر: إنّ فلاناً يجود في السّكر بما يسحّ به في الصّحو، قال: لا يحمد، لأنّ الصّحو عقلٌ والسّكر مباينٌ للعقل.
بلغ الإسكندر موت صديقٍ له فقال: ما يحزنني موته كما يحزنني أنني لم أبلغ من برّه ما كان أهله مني، فقال له فيلسوف: ما أشبه هذا القول بقول ابني وهو يجود بنفسه: ما يحزنني موتي كما يحزنني ما فات من إظهار بأسي وبلائي في العدوّ.
قال أحمد بن أبي الحواريّ، سمعت أبا سليمان يقول: أهل قيام الليل على ثلاث طبقات: فمنهم من إذا قرأ بكى، ومنهم من إذا قرأ صاح، ومنهم من إذا قرأ تفكّر ولم يبك، فبهتّ، فقلت له: ما تفسيره؟ فقال: ما أقوى على تفسيره؛ قال أحمد: كان والله عارفاً له لكنّه كان لا يطيق أن يتكلم به.
كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي يدعوه إلى الأرض المقدّسة، فكتب إليه سلمان: إن بعدت الدار من الدار فإنّ الرّوح من الرّوح قريب، وطائر السماء على إلفه من الأرض يقع.

كان آخر من مات من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله: بالمدينة جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر بمكّة، وأنس بن مالك بالبصرة، وعبد الله ابن أبي أوفى بالكوفة، وأبو أمامة الباهليّ بالشام.
قال بعض السّلف: يقال: صفوة الله تعالى من خلقه أهل التوحيد، وصفوته من أهل التوحيد أهل السّنّة، وصفوته من أهل السّنّة أهل الورع عن محارم الله تعالى، وصفوته من أهل الورع أهل الزّهد، وصفوته من أهل الزّهد أهل البصيرة، وصفوته من أهل البصيرة أهل الخضوع والتواضع.
قال محمد بن حبيب، حدّثني أبي قال: دعانا محمد بن العبّاس العتبيّ، وكان من الصالحين، وعنده جماعةٌ، وكان فيهم أحمد بن عبد الرزّاق، فقدّم إلينا خبيصٌ فأخذ أحمد لقمةً من القصعة فناولني إياها وقال: اجعلها أنت بيدك في فمي. ففعلت، قال لي: أتدري بم فعلت هذا؟ إنّه يروى: من لقّم أخاه لقمةً حلوةً وقاه الله تعالى مرارة يوم القيامة، فأحببت أن تلقمنيها حتى يوقيك الله تعالى مرارة يوم القيامة.
لسعية بن غريض اليهوديّ: السريع
هاجك بالروض وقريانها ... دارٌ تعفّت بعد إخوانها
تسري عليها كلّ حنّانةٍ ... مولعةٍ منها بجولانها
مفصّوة الأجزاع مجهولةٍ ... كأنّما أعين خزّانها
جزع كعابٍ خانه سلكه ... بين تراقيها وأردانها
يهدي لها الأرواح من ريحها ... نفح خزاماها وحوذانها
وله أيضاً في رواية ابن حبيب: المتقارب
لقد هاج نفسك أشجانها ... وعاودك اليوم أديانها
بذكرّ ليلى وما ذكرها ... وقد قطعت منك أقرانها
ودويّةٍ سبسبٍ مرعشٍ ... من البيد تعزف جنّانها
وعيرانةٍ كأتان الثّمي ... يل تمرح في الآل أشطانها
وقفت عليها فساءلتها ... وقد ذهب الحيّ ما شانها
قال الصّولي: كنّا عند المبرّد يوماً فاجتاز به رجلٌ فقال له أبو العبّاس: قد كلّمتك في فلان، فقال الرجل: قد سمعت وأطعت، وشغلت بضاعته، فما كان من نقصٍ فعليّ، وما كان من زيادةٍ فله، فقال المبرّد: لله درّك، أنت كما قال زهير بن أبي سلمى: الوافر
وسارٍ سار معتمداً إلينا ... أجاءته المخافة والرّجاء
ضمنّا ماله فغدا سليماً ... علينا نقصه وله النّماء
قال المبرّد، قال رجلٌ من الرّافضة: كان جرير والفرزذق يقولان: الحمد لله الذي شغل السيّد الحميريّ عنّا بمذهبٍ وإّلا لم نكن معه في شيء، قلت له: إنّهما لم يرياه، قال: فسمعا به، قلت: ولم يسمعا به، كان بعدهما، قال: فقدّما قولاً فيه، قلت: ما كان الوحي ينزل عليها، قال: فرأياه في النّوم فقالا هذا، فقلت: " أضغاث أحلامٍ وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين " فقال: والله لقد تلي هذا فيه، قلت: يمينٌ فاجرةٌ، قال: أنت والله تنصب منذ اليوم.
وقف أحمد بن الطّيّب السّرخسي على المبرّد يوماً مسلماً، فقال المبرّد: أنت والله كما فقال البحتري: الوافر
خصال النّبل في أهل المعالي ... مفرقةٌ وأنت لها جماع
قال المبرّد: قصدني رجلٌ فاستشفع بي في حاجةٍ وأنشدني لنفسه: البسيط
إنّي قصدتك لا أدلي بمعرفةٍ ... ولا بقربى ولكن قد فشت نعمك
فبتّ حيران مكروباً يؤرقني ... ذلّ الغريب ويغشيني الكرى كرمك
ما زلت أنكب حتى زلزلت قدمي ... فاحتل لتثبتها لا زلزلت قدمك
فلو هممت بغير العرف ما علقت ... به يداك ولا انقادت له شيمك
قال المبرّد: فبلّغته جميع ما قدرت عليه.
قال الإسكندر لمّا قتل دارا: إنّ قاتل دارا لا يعيش.
قيل لديوجانس: لم تأكل في السّوق؟ قال: لأنّي جعت في السّوق.
ورأى رجلاً قد خصب شيبه فقال: يا هذا أخفيت شيبك فهل تقدر أن تخفي هرمك؟ ورأى ديوجانس رجلاً يدعو ربّه أو يرزقه الحكمة فقال: لو قبلت الأدب رزقتها.
ورأى غلاماً أسود يرمي بالحجارة فقال: لا ترم لعلّك تصيب أباك ولا تعلم.
ورأى صبيّاً يشبه أباه فقال: نعم الشاهد أنت لأمّك.
قال الرّياشي: حدّثنا أبو حفص الغفاريّ عن رجلٍ من الأنصار قال، أخبرني من سمع الأحوص بن مالك رافعاً عقيرته يقول: الطويل

لعمرك ما جاورت غمدان طائعاً ... وقصر شعوبٍ أن أكون بها صبّا
ولكنّ حمّى أضرعتني ثلاثةً ... فجاوزتها ثمّ استمرّت بنا غبّا
ومصرع إخوانٍ كأنّ أنينهم ... أنين المكاكي أنقرت بلداً خصباً
قال المفجّع: المكاكيّ جمع مكّاءٍ، وأنقرت: أقامت، والمنقر: المنزل، ومنه سمّي الرجل، ومنه قول الآخر:
ونقّري ما شئت أن تنقّري
قال: ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: الخفيف
قلت لا بدّ أن أنقّر عنك ... نّ فحاجرنني بعبد مناف
أي لا بدّ أن أعرف منزلكنّ.
قال: فيروى في شعر الأحوص: وقصر شعوب بالرفع، ويقال: شعوب: المنيّة، قال المنانيّ: الكامل
ذهبت شعوب بماله وبأهله ... إنّ المنايا للرجال شعوب
والمرء من ريب النون كأنّه ... عودٌ تعاوره الرّعاء ركوب
نصباً لكلّ مصيبةٍ يرمى بها ... حتى يصاب سواده المنصوب
قال: ومن روى وقصر بالنصب قال: هو موضعٌ؛ قال ويروى:
ولكنّ حمّى أضرعتني ثلاثةً ... مجرمةً ثم استمرّت بنا غبّا
يعني ثالثة أشهر تامّة.
قال المفجّع: حدّثنا أبو يعقوب النّحوي قال، حدّثنا الرّياشي قال، سمعت القحذميّ يحدّث عن ابن دأبٍ قال: فقدت امرأةٌ من بجيلة أخاً لها، فجعلت تنشده في قبائل العرب حتى انتهت إلى حيًّ من الأحياء فقالوا: قد وجدته ولم تجديه، وجاءوا بها إلى قبرٍ مكتوبٍ عليه: الطويل
أليحا لليلى قبر من لو رأيته ... يجود وتأبى نفسه وهو ضائع
سقيطٌ كجثمان الخلى لم يلطف به ... حميمٌ ولم تذرف عليه المدامع
إذاً لرأيت الذّلّ والضّيم قد بدا ... لليلى ولم يدفع لك الضّيم دافع
قال المفجّع: الخلى ها هنا هو العود المقطوع من النّبات؛ قال: وسمعت المبرّد يقول: الجثمان: الشخص، والجسمان - بالسين - : الجسم: والشّجى ها هنا: الغصص، وأصله عويدٌ يعترض في الحلق.
وأنشد لابن دريد: الكامل
نهنه بوادر دمعك المهراق ... أيّ ائتلاف لم يرع بفراق
لا تغلبنك على العزاء خواطرٌ ... للشّوق هنّ رواشف الآماق
كم ذا تحنّ إلى العراق وأهله ... كم تامت الدّنيا بغير عراق
لقي رجلٌ داود الطّائي فقال: من أين يا داود وإلى أين؟ قال داود: استوحشت من الناس وأنست بالله تعالى، فقال: يا داود، هذا إن قبلك، فصاح صيحةً وخرّ مغشياً عليه ثم أفاق فقال: نبّهك الله إذ نبّهتني.
قيل لرابعة: أيّ عملك أرجى إليك عندك؟ قالت: أرجى عملي عندي خوفي أن لا يقبل.
وقال النبيّ صلّى الله عليه في دعائه: " اللهمّ ارزقني حبّك وحبّ ما ينفعني حبّه عندك؛ اللهمّ ما رزقتني ممّا أحبّ فاجعله قوةً لي فيما تحبّ، وما زويت عنّي ممّا أحبّ فاجعله فراغاً لما تحبّ " .
نظر بعض العارفين إلى آخر في محفلٍ يدعو إلى الله فقال له: إنّي خفت عليك العجب من كثرة الناس، فقال: إنّما يعجب المؤمن أمرٌ هو منه، فأمّا من أمره من غيره ففيم العجب؟ وأنشد: الطويل
وصفت التّقى حتى كأنّك ذو تقىً ... وريح الخطايا من ثيابك يسطع
ولم تعن بالأمر الذي هو واجبٌ ... وكلّ امرئٍ يعنى بما يتوقّع
قال ثعلب: الأجهر: الذي لا يبصر بالنهار، والأعشى: الذي لا يبصر بالليل، يقال: عشا يعشو إذا أصابه شيءٌ فضعف بصره، وعشي يعشى إذا كان الضعف في البصر خلقةً؛ وقال الأصمعيّ: لا يعشى إّلا من بعد ما يعشو، أي لا يعمى إّلا من بعد ما يضعف بصره.
تقدّم الأشعث بن قيس إلى شريحٍ قاضي الكوفة فقال: يا أبا أميّة، لعهدي بك وإنّ شانك لشوين، فقال شريح: يا أبا محمد، أنت تعرف نعمة الله تعالى على غيرك، وتجهلها من نفسك.
قيل لابن عيينة: إنّ فلاناً ينتقضك، فقال: نطيع الله فيه مقدار ما عصى الله فينا.
وكان من سؤدد العبّاس في الجاهلية أن جفنته كانت تروح على فقراء عبد مناف، ودرّته على سفهائهم.
قال ابن السّمّاك: ما المشتار الجنيّ، مع الرّازقيّ الشهيّ، بأحبّ إلى الفاجر الشقيّ، من أن يغتاب المؤمن التقيّ.
هكذا قال: المشتار، وقد جاء في شعر عديّ بن زيد، والمشهور: شرت العسل فهو مشور.

أهدي إلى عمر بن عبد العزيز تفاحٌ لبنانيّ، وكان قد اشتهاه، فردّه، فقيل له: قد بلغك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يأكل الهديّة، فقال عمر: إنّ الهدية كانت لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هديّة، ولنا رشوة.
قال المبرّد: مات ابن عمٍّ لأبي محلّم السّعدي يقال له الخليل بن أوس من أهل عسكر مكرم وخلّف عشرين ألف دينار فأوصى بها لأبي محلّم، وقال: من يرثني غيره؟ فدفعوا المال إليه فأبى أن يأخذه وقال: من هذا العلج حتى أرثه؟ والله ما وشجت بنا رحمٌ، فقال أبو هفّان: يا رقيع، خذ المال وارجع قرشيّاً إن شئت أو تميمياً، فكلٌ أحدٍ يقبلك ويحلف عنك، فأبى، فقال أبو العيناء: رغبت يا أبا محلّم في الدعوة حين زهد الناس فيها، وزهدت في المال حين رغب فيه الناس، قال المبرّد: وعنّفته في ترك المال فما قبل فغاطني فقلت: الوافر المجزوء
يقول دعيّ سعدٍ حي ... ن لم يرني وقد أمنا
أنا السّعديّ إن سكتوا ... فقلت له وأين أنا
ذكر المعتضد بين يدي المبرّد فقال: هو كما قال الأخطل: الكامل
تسمو العيون إلى إمام عادلٍ ... معطى المهابة نافعٍ ضرّار
وترى عليه إذا العيون رمقنه ... سمة الحليم وهيبة الجبّار
قال المبرّد: قال لي عمارة بن عقيل وكانت في يدي كأسٌ مائلةٌ: إنّ كأسك لعلى عدواء.
قال: قال ابن الأنباري، قال المبرّد: حذفوا الهاء من طالق لأنّه بمعنى شخص طالق، وكذلك رجلٌ ضحكة، وأبطل أصحاب الفرّاء هذا وقالوا: يلزمه أن يقول: زيدٌ قائمةٌ على معنى: نسمة قائمة، وهذا محال.
قال عبد الصّمد بن المعذّل: الرجز
يا ربّ إن كنت ترى المبرّدا ... إن قاس في النّحو قياساً أفسدا
ويكسر الشّعر إذا ما أنشدا ... وإن تحسّى الكأس يوماً عربدا
فاقدر له حيّة قفٍّ أسودا ... أنيابه عوجٌ كأمثال المدى
لو نكز الفيل العظيم الأربدا ... بنابه جرّعه كأس الرّدى
رأى فيلسوف معلّماً يعلّم جاريةً ويعلّمها الخطّ فقال: لا تزد الشرّ شرّاً.
ورأى جاريةً تحمل ناراً فقال: نارٌ على نار، والحاملة شرٌّ من المحمولة.
ورأى مرةً امرأةً قد حملها السّيل فقال: زادت على كدرٍ كدراً، والشرّ بالشرّ يهلك.
ورأى امرأةً في ملعبٍ فقال: ما خرجت لترى ولكن لترى.
وسمع رحلاً يذكره بسوءٍ فقال: ما علم الله منّا أكثر ممّا تقول.
ورأى امرأةً تبكي على ميتٍ فقال لها: إن كان من رأيك معاودة الأكل والشّرب فلا تبكي، وإن كان رأيك الصبر عنهما فعليك بالبكاء.
ورأى امرأةً عوراء تصنع نفسها فقال: نصف الشرّ شرّ.
قال الزّبير بن بكّار: اسم كلّ طعام يدعى عليه الجماعة: العرس، والإعذار، والخرس، والوكيرة، والنقيعة، والعقيقة، والمأدبة؛ فالعرس: طعام الوليمة، يقال: أولم على أهله؛ والإعذار: طعامٌ يتخذه الرجل لإعذار الصبيّ وهو ختانه؛ والوكيرة: طعام يتّخذه إذا بنى داراً؛ والنّقيعة: ما يتّخذ من جنب عرض المغنم قبل أن يقسم؛ والعقيقة: طعامٌ يتّخذ إذا عقّ عن الصبي أي حلقت عقيقته، والعقيقة: شعر رأس الصبيّ إذا ولد.
للزّبير بن بكّار: الرجز
إن مطايا الحين أشباهٌ ذلل ... وطال ما قد غرّ بالسّهو الأمل
وإنّ حزب الله إخوانٌ وصل ... على الثأى لا خانةٌ ولا خذل.
لأحمد بن المعذّل: الرجز
أيّتها النفس اسمعي لقيلي ... أنت من الحياة في أصيل
وأنت صبّ الأمل الطويل ... فلا يغرّنك مدى التأميل
وقد دنت شمسك من أفول
سألت السّيرافي عن الزّنباع ما هو، قال: السّيّء الخلق والنون زائدةٌ.
لأبي الوليد الحارثي، وهو عبد الملك بن عبد الرحيم: الطويل
لعمري لقد بلّغت قومي أناتهم ... وأمهلتهم لو يرعوون لممهل
وأسمعتهم رفع النداء فأعرضوا ... بأسماعهم عن قول عانٍ مكبّل
وما بهم أن لست من سرواتهم ... ولكنّ من يعثر به الدهر يخذل
أساءوا فإن أشك الإساءة منهم ... أعبهم وإّلا أشكهم أتململ
فما أنصفتني في الحكومة أسرتي ... ولا عدلوا عنّي هواهم بمعدل

لقوا وجه إجمالي بوجه إساءتي ... وما اعتدلت حالاً مسيءٍ ومجمل
قال عبد الكريم بن أبي العوجاء في وصف قوم: واله للحكمة أزلّ عن قلوبهم من المداد عن الأديم الدّهين.
قال يحيى بن خالد: رأيت شرّيب خمرٍ نزع، ولصّاً أقلع، وصاحب فواحش راجع، ولم أر كاذباً رجع.
وقال يحيى بن خالد: ما سقط غبار موكبي على لحية أحدٍ إّلا أوجبت حقّه.
ليحيى بن خالد: الكامل
اللّيل شيّب والنهار كلاهما ... رأسي بكثرة ما تدور رحاهما
يتناهبان نفوسنا ودماءنا ... ولحومنا جهراً ونحن نراهما
والشّيب إحدى الميتتين تقدّمت ... أولاهما وتأخّرت أخراهما
وقّع يحيى بن خالد في رقعة رجلٍ مليح الخطّ، رديء الكلام: الخطّ جسمٌ روحه الكلام، ولا ينتفع بجسمٍ لا روح فيه.
قيل لابن سيّابة: ما نظنّك تعرف الله، قال: وكيف لا أعرف من أجاعني وأعراني وأدخلني في حر أمّي.
قال عتبة الأعور في سيّابة والد إبراهيم، وكان حجّاماً: المنسرح
أبوك أوهى النّجاد عاتقه ... كم من كميٍّ أدمى ومن بطل
يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من ثائرٍ على وجل
قال أبو حاتم، قال الأصمعي: أخذ يحيى بن خالدٍ بيدي فأقدمني على قبرٍ بالحيرة فإذا عليه مكتوبٌ: السريع
إنّ بني المنذر عام ابتنوا ... بحيث شاد البيعة الراهب
تنفح بالكافور أردانهم ... وعنبرٍ يقطبه القاطب
والخبز واللحم لهم راهنٌ ... وقهوةٌ راووقها ساكب
والقطن والكتّان أثوابهم ... لم يجب الصّوف لهم جائب
فأصبحوا أكلاّ لدود الثّرى ... والدّهر لا يبقى له صاحب
كتب رجلٌ إلى يحيى بن خالد رقعةً فيها: الطويل
شفيعي إليك الله لا شيء غيره ... وليس إلى ردّ الشّفيع سبيل
فأمره بلزوم الدّهليز، فكان يعطيه في كلّ صباحٍ ألف درهم، فلمّا استوفى ثلاثين ألفاً مضى، فقال يحيى: والله لو أقام إلى آخر العمر ما قطعتها عنه.
أنشد ثعلب: المتقارب
فلمّا بصرنا به طالعاً ... حللنا الحبى وابتدرنا القياما
فلا تنكرنّ قيامي له ... فإنّ الكريم يجلّ الكراما
قال الصّولي: كمّأ عند ثعلب فغضب على المدائني النّحوي ثم سكن بعد إفراطٍ فقال: عوتب العتّابيّ في مخاصمة رجلٍ وقد زاد في القول فقال: إذا تشاجرت الخصوم، طاشت الحلوم، ونسيت العلوم.
قال العنزي: أنشدني شيخٌ من أسارى بني نمير أيام الواثق وهو مشورٌ على بعير مع جماعةٍ: الوافر
للبسي برنسي ونقاء عرضي ... أحبّ إليّ من جدد الثّياب
يروح المرء مختالاً بطيناً ... نقيّ الثّوب مطبوع الإهاب
فقلت له: ما مطبوع الإهاب؟ فقال: منطوٍ على بخور.
قال أبو العيناء: كلام ابن المقفّع صريح، ولسانه فصيح، وطبعه صحيح، كأنّ كلامه لؤلؤٌ منثور، أو وشيٌ منشور، أو روضٌ ممطور.
وقال أيضاً: حدّثني رجلٌ من قريش قال: لقيت النسّابة البكريّ بمنىً فقلت: أيّ الشعراء أغزل؟ فقال: أصدقهم وجداً الذي إن سمعت شعره أويت لقائله، أما نفث في سمعك قول حجازيّكم عبد الله جدعان النهدي، واستخفّه مرةً الوجد فقال وكان فارّاً في بلاد فزارة: الوافر
بكى وأقرّه الشمل الشّتيت ... وأسعدت الجبال به المروت
حجازيّ الهوى علقٌ بنجدٍ ... جويٌّ ما يعيش ولا يموت
تغاديه الهموم لها أجيجٌ ... ويسلمه إلى الوجد المبيت
كأن فؤاده كف غريق ... يمدها بشط البحر حوتُ
لهندٍ منك عينٌ ذات سجلٍ ... وقلبٌ سوف يألم أو يفوت
إذا اكتنفا بضرهما سقيماً ... فليس على شفائهما مقيت
دعا عيسى بن علي ابن المقفّع إلى الغداء فقال: أعزّ الله الأمير لست يومي أكيلاً للكرام، قال: ولم؟ قال: لأنّي مزكومٌ، والزّكمة قبيحة الجوار، مانعةٌ من معاشرة الأحرار.
وكان ابن المقفّع يقول: إذا نزل بك مكروهٌ فانظر، فإن كان له حيلة فال تعجز، وإن كان مما لا حيلة له فلا تجزع.

قال الأصمعي: قال ابن المقفّع لبعض الكتّاب: إيّاك والتّتبّع لوحشيّ الكلام طمعاً في نيل البلاغة، فإنّ ذلك العيّ الأكبر.
قال العتبيّ: قال ابن المقفّع: إنّ مما يسخّي بنفس العاقل عن الدنيا علمه بأنّ الأرزاق لم تقسم فيها على قدر الأخطار.
قال أبو سنان الغسّاني: كنت جالساً مع وهب بن منبّه إذ جاء عطاءٌ الخراساني فجلس معنا، فقال له وهب: ويحك يا عطاء، تأتي من يغلق عليك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه، ويظهر لك غناه ويقول: ادعوني استجب لكم؟! ويحك يا عطاء، إن كان يغنيك ما يكفيك فإنّ أدنى ما فيها يغنيك ما يكفيك فإنّ أدنى ما فيها يغنيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس فيها شيءٌ يغنيك. ويحك يا عطاء، إنّما بطنك بحرٌ من البحور، ووادٍ من الأودية لا يملأه إّلا التراب.
قال وهب: وجدت في بعض الكتب: من استغنى بأموال الفقراء افتقر بها، وكلّ بيتٍ بني بقوت الضعفاء جعل آخره خراباً.
قال وهب: بينما ركبٌ يسيرون إذ هتف بهم هاتف: الطويل
ألا إنّما الدّنيا مقيلٌ لرائحٍ ... قضى وطراً من حاجةٍ ثم هجّرا
ألا لا ولا يدري على ما قدومه ... ألا كلّ ما قدّمت تلقى موفّرا
قال وهب: وجدت في بعض الكتب: الدّنيا غنيمة الأكياس، وعطيّة الجهّال.
قال وهب: قرأت في بعض الكتب: كلّ حيٍّ ميتٌ، وكلّ جديدٍ بالٍ.
قال عروة بن رويم اللخمي: إنّ يهوديّاً يقال به حنين نخس بامرأةٍ مسلمةٍ حماراً فقمص فصرعها فوقعت فانكشفت، فكتب إلى عمر فكتب: ليس على هذا صالحناهم، قد خلع ربقة الذّمة من رقبته فاصلبوه حياً. فلمّا نصب على خشبةٍ أتته امرأته وعليه خفّان جديدان فقالت: الآن تموت فما تصنع بالخفّين؟ فاجترّتهما عنه فجعل الناس يقولون: انقلبت بخفّي حنين.
ويعقوب بن السّكّيت قد قال غير هذا، ولكن قرأت هذا في أخبار المفجّع.
وقال ثعلب: من قرأ " جمع مالاً " بالتخفيف جمعه مرةً واحدةً، ومن قرأ: " جمّع مالاً " جمعه مرةً بعد مرةً، ومن قرأ: " وعدّده " جعله عدّةً، ومن قرأ: " وعدده " أراد أهله وناصريه.
قيل لصوفيّ: ما مثال الدنيا؟ قال: هي أقلّ من أن يكون لها مثل.
يقال: حفشت الأدوية إذا سالت كلّها، وحفشت المرأة على زوجها إذا أقامت عليه ولزمته، والحفش أيضاً: البيت القريب السّمك من الأرض.
وقال: الأسلوب: السّطر من الشّجر. هذا كلّه قاله المفجّع.
وأنشد: الوافر
أتته وهي جانحةٌ يداها ... جنوح الهبرقيّ على الفعال
والفعال بكسر الفاء: نصاب الفأس، وأما الفعال بالفتح فالكرم، هكذا قال الناس.
قيل لناسكٍ: ما الحيلة؟ ترك الحيلة.
وصف أعرابيٌّ قوماً فقال: كأنّ خدودهم ورق المصاحف، وكأنّ أعناقهم أباريق الفضّة، وكأنّ حواجبهم الأهلّة.
قال أبو حازم الأعرج: الدّنيا غرّت أقواماً فعملوا فيها بغير الحقّ، ففاجأهم الموت فخلّفوا مالهم لمن لا يحمدهم، صاروا إلى من لا يعذرهم، وقد خلفنا بعدهم، فينبغي أن ننظر إلى الذي كرهناه فنجتنبه، والذي غبطناهم به فنستعمله.
كتب الجاحظ في الملح: المزح متفاوت الأشكال في السّخف، كما أنّ الجدّ متفاوت الأقدار في الوزن، فلم نقصد إلى الباطل، ولا إلى ما لا يردّ نفعاً في عاجل، ولا مرجوع له في آجل، بل إنّما أردنا أن يكون ذلك الضحك إجماماً للقوّة، وتنشيطاً على العمل، وقد حكى الله تعالى عن اليهود قولهم " يد الله مغلولةٌ " وإنّ الله فقيرٌ وهم أغنياء، فكانت الحكاية كفراً مسخوطاً، وكذباً مرفوضاً، ولست تعرف فضل النعمة عليك في حسن البيان حتى تعرف شدّة البليّة في قبح العيّ، ومتى سمعت التهكّم في القول، عرفت فضل النّعمة في الاقتصاد، ومن لم يعرف السّوء لم يجتنبه، ومن لم يعرف الإضاعة لم يعرف الحزم. وقيل لعمر: فلانٌ لا يعرف الشرّ قال: ذاك أجدر أن يقع فيه؛ قال النابغة: الطويل
ولا يحسبون الشرّ لا شرّ بعده ... ولا يحسبون الشرّ ضربة لازب
ولآخر: الطويل
ولا يحسبون الشرّ حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الخير إّلا تدبّرا
وكانت العرب تقول: نعوذ بالله من الرأي الدّبريّ؛ وقال جثّامة بن قيس: البسيط
وقلّما يفجأ المكروه صاحبه ... حتى يرى لوجوه الشّرّ أسبابا

كاتب: فكيف لي في دهرٍ قد درست فيه أعلام الكرم، وعفت معالم الخير، وانقطعت موادّ النّبل، وصار الشّرّ وسيلةً، والدناءة ذريعةً، واللؤم حزماً، والجود ضعفاً.
قال أعرابيّ لصاحبٍ له: لست أقتضي الوفاء بكثرة الإلحاح فأثقل عليك، ولا أقابل الجفاء بترك العتاب فأغتنم القطيعة منك.
قال أعرابيٌّ ليحيى بن خالد: لولا أنّك أمسكت من رمق المكارم لقامت عليها المآتم.
قال أعرابي: من كان لأهله كهفاً انسدّ، وجبلاً انهدّ، ونجماً انقضّ، وعزاً تقوّض.
كاتب: الحمد لله الذي أعقب العبرة بالحبرة، وأبدل التّرحة بالفرحة، ووصل المصيبة بالموهبة، وجبر الرزيّة بالعطيّة، وفي كتاب الله سلوةٌ من فقدان كلّ حبيب وإن لم تطب النفس به، وأنسٌ من كلّ فقيدٍ وإن عظمت اللّوعة به.
كاتب: كتابي عن قلبٍ باخع، وطرفٍ دامع، وفؤادٍ لائع.
قيل: لم صار الأحدب أخبث الناس؟ قال: لأنه قرب فؤاده من دماغه، وقربت كبده من دماغه، فلمّا تقارب الأعضاء كان أخبث الناس.
قال بعض الصّالحين: كنّا نستعين على حفظ العلم بحسن العمل.
قال بعض الأطبّاء: اعلم أنك تأكل ما تستمري، وما لا تستمريه فهو يأكلك.
نظر أعرابيٌّ إلى رجلاً يغسل يده فقال: أنقها فإنّها ريحانة وجهك.
وقيل: أقلل طعامك، تحمد منامك.
وقال أعرابيّ: ممّا يزيد في طيب الطعام مؤاكلة الكريم الودود.
وأنشد لإسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي: السريع
يا من رماني الدّهر من فقده ... بفرقةٍ قد شتّتت شملي
ذكرت أيام اجتماع الهوى ... وقرّةً للعين بالوصل
ونحن في غرّة دهرٍ لنا ... نطالب الأيام بالذّجل
فكدت أقضي من قضاء الهوى ... عليّ بعد العزّ بالذّلّ
وليس ذكري لك عن خاطر ... بل هو موصولٌ بلا فصل
هذا البيت المعنى، وله كتبنا ما تقدّمه، فلا تضجرنّ من الشّعر، فلم نحبّ أن ينوب عنه النّثر، وإن راع ظاهره وحسن.
سمع أعرابيٌّ في الطّواف يقول: يا أنيس المفردين، حططت رحلي بفنائك، وأنفذت زادي في لقائك، واستسلمت لقضائك، فما الذي يكون من جزائك؟ اجعل حظّي من وفادتي عتق رقبتي من النّار.
قال الأوزاعي: دع لأهل البصرة خصلتين وهما: القول بالقدر، والرّخصة بالخضخضة، واللتان لأهل الكوفة: تأخير السّحور، وشرب النبيذ، ولأهل مكة خصلتين وهما: الظّرف والمتعة، لأهل المدينة: السماع وإتيان النساء في أدبارهن، واللتان لأهل الشام: إيثار السلطان وبغض بني هاشم.
يقال: من أخذ باختلاف الفقهاء في الأحكام فسق، ومن أخذ بغرائب المحدّثين كذّب، ومن أخذ بدقائق المتكلمين كفر.
قال الحسن البصري: أربعٌ قواصم للظهر: إمامٌ تطيعه ويضلّك، وزوجةٌ تأمنها وتخونك، وجارٌ إن علم خيراً ستره أو شرّاً نشره، وفقرٌ حاضرٌ لا يجد صاحبه عنه متلدّداً.
سأل أعرابيٌّ الحكم بن عبد المطّلب فأوسعه خيراً، فبكى الأعرابي فقال: ما يبكيك؟ قال: إنّي والله أنفس بك على الأرض أن تأكلك.
قال أبو بكر الصدّيق: أشقى الناس في الدنيا الملوك، فتغامز القوم فقال: أما علمتم أنّ الملك إذا ملك قصر أجله، ووكّلت به الروعة والحزن، وكثر في عينه قليل ما في يد غيره، وقلّ في نفسه كثير ما عنده.
قال إسحاق: وصف أعرابيٌّ رجلاً فقال: كان والله مطلول المحادثة، ينبذ الكلام إليك على أدراجه كأنّ في كلّ ركنٍ من أركانه قلباً.
مطلول: من الطّلّ.
قال الفرّاء في النّوادر: أنشدني أبو صدقة الزّهري لفلان: الكامل
إنّي عجبت لكاعبٍ مردونةٍ ... أطرافها بالحلي والحنّاء
بيضاء تصطاد القلوب وتستبي ... بالحسن قلب المسلم القرّاء
قالت أزيدٌ أنت ما لك هكذا ... كالعبد مطليّاً بأيّ طلاء
كالقار لونك أو طليت برامكٍ ... أو مسّ جلدك هانئٌ بهناء
لا تعجبي منّي فدىً لك واسمعي ... أخبرك ما ينأى من الأنباء
أخبرك أنّ وضاءتي في ميعتي ... وغرارتي في عدّةٍ ونماء
إنّ الجميل يكون وهو مقصّرٌ ... والقوم فيما تمّ غير سواء
والمرء يلحقه بفتيان النّدى ... خلق الكريم وليس بالوضّاء

الوضّاء والحسّان والكرّام والكبّار، من الوضيء والحسن والكريم والكبير.
قال ثعلب: اشتكى الوليد عبد الملك وبلغه قوارص وتعريضٌ من سليمان بن عبد الملك وتمنّ لموته لما له من لعهد بعده، فكتب إليه يعتب عليه وفي آخر كتابه: الطويل
تمنّى رجالٌ أن أموت وإن أمت ... فتلك طريقٌ لست فيها بأوحد
وقد علموا لو ينفع العلم عندهم ... لئن متّ الدّاعي عليّ بمخلد
منيّته تجري لوقتٍ وحتفه ... سيلحقه يوماً على غير موعد
فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى ... تهيّأ لأخرى مثلها فكأن قد
فكتب إليه سليمان: قد فهمت ما كتب به أمير المؤمنين، فوالله لئن تمنّيت ذلك، تأميلاً لما يخطر في النفس، إنّي لأوّل لاحقٍ به، وأول منعيّ إلى أهله، فعلام أتمنّى ما لا يلبث من تمنّاه إّلا ريثما يحلّ السّفر بمنزلٍ ثمّ يظعنون عنه؟ وقد بلغ أمير المؤمنين ما لم يظهر على لساني، ولم ير في وجهي، ومتى سمع من أهل النّميمة، ومن لا رويّة له، أسرع ذاك في فساد النيّات، والقطع بين ذوي الأرحام، وكتب في آخر كتابه: الطويل
ومن يتتبّع جاهداً كلّ عثرةٍ ... يصبها ولا يسلم له الدهر صاحب
فكتب إليه الوليد: قد فهم أمير المؤمنين كتابك فما أحسن ما اعتذرت به، وحذوت عليه، وأنت الصّادق في المقال، الكامل في الفعال، وما شيءٌ أشبه بك من اعتذارك، وما شيءٌ أبعد منك من الشيء الذي قيل فيك، والسلام.
227ب - روى هذا ثعلب في المجالسات، وكان أبو بكر ابن مقسم يرويها، وسمعتها وهي تقرأ عليه اثنتين وخمسين، وعاش بعدها وكان شيخاً مكفوفاً حين لحقته، ولم أر شيخاً أوطأ منه ولا أهدأ، وله قراءاتٌ اختارها وأنكر الناس عليه ذلك، وله ملحمةٌ، وأكثر الناس يقولون: ظلم في هذه القصّة كما ظلم ابن شنبوذ حين آذاه ابن مجاهد، وذلك أن ابن شنبوذ وابن مقسم لم يقرأا ما قرأا بالأثر والحجّة والرّواية، ولم يخترعا ولم يختلقا، ولم ينزل الله تعالى اختيار ابن مجاهد من السماء، وإنّما اجتهد كما اجتهد من تقدّم، فليت شعري ما الذي هاجه على محاربة ابن شنبوذ حين قرأ " إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت الغفور الرحيم " مكان: العزيز الحكيم، وحين قرأ ابن مقسم في وصف فرعون " إنّه كان من الغالين " بالغين معجمةً وقال: لا أصفه بالعلّو بل الغلّو، لأنّ الله تعالى قد نهى عن الغلّو في قوله " لا تغلوا في دينكم " ، وهذا النّهي وإن توجّه إلى أهل الكتاب فإنّ المعنى فيه يعمّ الخلق، لأنّ العلّة قائمةٌ والحجّ بينة. ولابن مقسم في القرآن كتاب يسميه الأنوار يقدّم على كتب كثيرة.
227ج - أما أنا فلم أر في القرآن كتاباً أبعد مرمىً، ولا أشرف معاني من كتابٍ لأبي زيد البلخي، وكان فاضلاً يذهب في رأي الفلاسفة، ولكنّه تكلّم في القرآن بكلامٍ دقيق لطيف، وأخرج سرائر ودقائق وسمّاه نظم القرآن، ولم يأت على جميع المعاني المطلوبة منه. وللكعبيّ أبي القاسم كتابٌ في التفسير يزيد حجمه على كتاب أبي زيد، ومات أبو زيد في سنّي نيّف وثلاثين وثلاثمائة، ويقال له جاحظ خراسان. لمّا ظهر أحمد بن سهلٍ أراده على الوزارة فأبى، فوزّر أبو القاسم، وكتب أبو زيد، وهلك أحمد عن عمرٍ قصير.
قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا كانت في رجلٍ خلةٌ من خلال الخير غفر له ما سواها لها، ولا أعطي فقد دينٍ ولا عقل، لأنّ فقد الدين خوفٌ،ولا عيش لخائفٍ، وفقد العقل موتٌ، ولا يعايش ميت.
هذا رواه لي بعض المجوس لبزرجمهر، ورواه لي بعض العلويّة لجدّه، ورواه لي آخر مرسلاً، والله أعلم وأحكم بالصواب، فالحكمة نسبتها فيها، وأبوها نفسها، وحجّتها معها، وإسنادها متنها، لا تفتقر إلى غيرها ويفتقر إليها، ولا تستعين بشيءٍ ويستعان بها؛ نسأل الله البرّ الكريم الرؤوف بالعباد أن لا يجعل حظّنا منها القول دون الفعل، والهداية دون الاهتداء.
سئل عليّ بن الحسين رضي الله عنهما: لم أوتم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من أبويه؟ قال: لئلاّ يوجب عليه حقٌّ لمخلوق. هذا معنىً لطيف، وأظنّ أنّه يحتاج إلى تفسير.
وقال موسى بن جعفر رضوان الله عليهما: ظنّي بالله حسن، وبالنبيّ المؤتمن، وبالوصيّ ذي المنن، وبالحسين والحسن.

وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله::أكّالون للسّحت " : هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم يقبل هديّته.
وقيل عن عليٍّ رضي الله عنه في قوله جلّ ثناؤه: " وفار التّنّور " ، هو: أسفر الصبح. وهذا غريبٌ جداً وما أحبّ أن أثق بكلّ غريبٍ، لأنّ القصّة في التنّور أظهر من أن يحمل اللفظ على المجاز بغير حجةّ، ويعدل عن المعنى الظاهر بغير بيان، ولو جاز لشنع القول وشاع الظنّ.
يقال: ما العثم، والعتم، والعجم، والعذم، والكظم، والعلم، والكتم، والعظم، والقصم، والرّقم، والوقم، والوسم، والوشم، والهتم، والطّعم، والرّشم، والغشم.
ويقال: ما الحقّ، والزّقّ، والدقّ، والرّقّ، والشّقّ، والعقّ، والنّقّ.
ويقال: ما الشّطّ، والبطّ، والخطّ، والحطّ، والغطّ، والقطّ، والعطّ، والمطّ، والأطّ.
نصل هذه الأحرف بالجواب قبل أن نتعرض فيها إلى ما يشغل عنها، ويبعد منها: أما العثم ففساد الجرح؛ وأما العتم - بالتاء - فهو البطء، ويقال: جاءنا عاتماً، ومنه اشتقّت العتمة؛ وأما العجم فهو العضّ - بسكون الجيم - وأما العجم فالنّوى، والعجم: ضدّ العرب، وأعجمت الكتاب - بالألف - وعجمت الكتااب إذا رزته، والعجمة: سوء الفهم؛ العذم: التّوسّع في الأكل؛ وأما الكظم فحبس النّفس عند الغيظ؛ وأمّا العلم فمصدر علمت الشيء بالعلامة وعلمت، وأمّا المعلم - بكسر اللام - فالفرس ذو العلامة، وأمّا العلم فهو سمة الشيء وعلامته، ولا يكون علماً إّلا بالإضافة إلى النّفس العالمة، والعالم هو الذي قد علم أي صار ذا علامةٍ بالحقّ، وأعلمت فلاناً خبراً كأنّك وسمته بالعلامة؛ والكلام في هذا النّمط يطول، وعن غرض الكتاب يخرج؛ وأما الكتم فمصدر كتمه، والكتمان الاسم، والكتم - بحركة التاء - ما يخصب به الشّعر، وذلك لأنّه يكتم البياض؛ وأما العظم فمعروف، وسمعت من يقول: إنّ العظم في الشيء العظيم يشار به إلى هذا، والكالم بعضه دائرٌ إلى بعض؛ وأمّا الرقم فالعلامة، والرّقيم: المرقوم، والرّقوم جمع رقيم، وهي العلامات على الثّياب وغيرها، وفي الأمثال: فلانٌ يرقم على الماء، يشار به إلى حذقه وتلطّفه وسحره واحتياله؛ وأما الوقم فمصدر وقمت عدوّك إذا ذلّلته، والأمر منه: قم يا هذا، كقولك في وجم إذا طرقته كآبةٌ: جم يا هذا، وبابه باب وعد يعد، ووصف يصف، لأنّ الواو فاتحة هذه الألفاظ فهي تزول في الأمر لضعفها، والعدوّ موقومٌ كما ترى، وأنت الواقم؛ وأمّا الوسم فالعلامة، تقول: سم يا هذا ناقتك، والسّمة: الاسم، والسّمة والسّم أيضاً - بالتخفيف - علامة، لأنّ عين الشيء توجد عاريةً من الدائر عليه المشار إليه؛ وأمّا الوشم فالغرز في الكف، وفي الخبر: لعن الله الواشمة والمستوشمة؛ وأما الهتم فمصدر هتمت فاه أي كسرته، والأهتم: الرجل، والفاعل هتمٌ، والمفعول مهتومٌ؛ وأمّا الطّعم فما يوجد في اللّهوات من المآكل، وبضم الطاء هو المطعوم، وتقول: فلانٌ طيّب الطّعمة، وفلانٌ خبيث الطّعمة تريد الحلال والحرام، وإن أردت غير ذلك جاز مجازاً؛ وأمّأ الرّشم فإنّك تقول: رشمت كذا وكذا إذا جعلت عليه علامةً، وسمعت بدوياً يقول لآخر: والله لأرشمنّك بأنيابٍ، أي لأهجونّك، هكذا دلّ كلامه لأن صاحبه طالبنا بخفارةٍ فنهاه هذا القائل فلم ينته فتوعّدنا؛ وأمّا الغشم فالظّلم، والغاشم الفاعل.
ونقول في بابٍ آخر على اختصار، فإنّ الكلام مترادّ، والملل معترضٌ، والشهوة في طلب العلم فريضةٌ، والعائق قائمٌ.
يقال: ما الحقّ: هذا الاسم شهرته يغني عن الإفصاح، وسيمرّ في نظائره أوضح ممّا يمرّ ها هنا إن شاء الله؛ وأما الزّقّ فمصدر زقّه يزقّه زقّاً، والزّق لأنّه كان مزقوماً، وكذلك الزّقاق، وأما الزّقاق فجمعٌ؛ وأما الدّقّ فمشهورٌ؛ وأما الرّقّ فما يكتب فيه، والرّقّ أيضاً: ذكر السلاحف، والرّقّ - بالكسر - : خلاف العتق؛ والشّقّ: مصدر شققت الثوب والطريق والعود، وأشققت أيضاً، وأما الشّقّ: فنصب النّفس والبدن، ومنه قوله تعالى: " لم يكونوا بالغيه إّلا بشقّ الأنفس " ويقال: المال بيني وبينك شقّ الأبلمة " ومن يشاقق الله " من هذا، ويقال: في رجله شقوقٌ، ولا يقال: شقاق، والشّقائق والشّقاق معروفان، والشّقّة الطريق الذي يشقّ على سالكه لبعده؛ وأمّا العقّ: فالشّقّ أيضاً وهو كا لقطع ولهذا يقال عق فلان أمة أي شق رحمها.

والعقيقة: شعرات رأس الوليد؛ وأمّا النّقّ فمصدر نقّ الضفدع إذا صاح، وفي الخبر: إن نقيقهنّ تسبيحٌ.
ونصل الكلام بما تلاه من هذه الحروف ثمّ نخرج إلأى ما جرى الرّسم به من النّثر والنّظم، فيوشك أن يكون هذا التطويل جالياّ لضيق الصّدر ومانعاً لاستعمال العلم: وأمّا الشّطّ فحرف الوادي، وهو أيضاً شقّ السّنام، ولكلّ سنامٍ شطّان كأنهما ناحيتان، وكذلك حرف الوادي. وأمّا البطّ فالوزّ، وهو أيضاً شقّ القرحة، والقرحة مبطوطةٌ؛ وإمّا الخطّ فما يخطّ الكاتب، والفرق بين الكتابة والخطّ أنّ الخطّ قد يكون كتابةٍ، والكتابة لا تكون خطّاً. وأمّا الحطّ: فمصدر حطّ السّعر وانحطّ: إذا نزل، خلاف قولك: غلا، والسّعر سمّي سعراً للحرارة، ألا ترى أن السّعر - بفتح السين - مصدر سعرت النار إذا أضرمتها، قال الله تعالى: " وإذا الجحيم سعّرت " وفلانٌ مسعر حربٍ أي تهيج به الحرب، والمستعار: ما تحرّك به النار، كالمحراث؛ وأمّا الغطّ فمصدر غططته في الماء، وغتتّه أيضاً - بالطاء والتاء - وأنت غاطّ وغات، وهو مغتوتٌ ومغطوطٌ؛ وأمّا القطّ فالضرب، ومنه قول ابن عائشة: كانت ضربات عليٍّ أبكاراً، كان إذا اعتلى قدّ، وإذا اعترض قطّ، والقطّ - بالكسر - الكتاب، هكذا قيل في قول الله تعالى: " عجّل لنا قطّنا " ؛ وأمّا العطّ فالشّقّ، يقال: أديم معطوط، ورداءٌ معطوط، وأمّا المطّ فالمدّ؛ وأما الأطّ فمصدر أطّ يئطّ: إذا تحرّك أو صاح، ومنه: أطّت بك الرّحم.
نظر رجلٌ دميمٌ في المرآة فولّى وجهه وقال: الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه غيره.
توفي ابنٌ لأعرابيّ فعزّاه بعض إخوانه فقال: لا يتهم الله في قضائه، فقال: والله ما يتّهم غيره، ولا ذهب بابني سواه.
عري أعرابيٌّ فطلب خلقاناً فحرم، فتماوت، فجمعوا له ما اشتروا به كفناً، ووضعوه عند رأسه، وذهبوا ليسخّنوا الماء، فوثب الأعرابيّ وأخذ الثّياب ولم يلحق.
شكا مزبّدٌ ضيق حاله يوماً فقال له صاحبه: أحمد الله الذي رفع السماء بالا عمد، فقال: ليته أصلح حالي وجعل على كلّ ذراعٍ عدّة أعمدة.
قال بعض الصّوفيّة: إذا كنت تحبّ الله وهو يبتليك فاعلم أنّه سيعافيك.
يعرض من هذا المعنى عجبٌ عاجب، فلولا أنّ الله تعالى يفعل ما يفعل من وراء عقل العاقل، وفوق معرفة العارف، لكان البال يتقسّم من هذا وشبهه، ولكان من أنعم النظر علم أنّ الله تعالى أوضح ما أوضح تسويغاً إلى الاعتراف به، وستر ما ستر استئثاراً بحقائقه، فالعقول بآثاره مشوقة، وعن حقائق الغايات معوقة، فمن أهمل ما ظهر فقد جهل الممكن، ومن بحث عمّا بطن فقد حاول الممتنع، أخبرك مكنون غيبه فيك، وخبرك في ظاهر إعلامه لك، فكان الإخبار لمكان الإلهيّة، وكان الإعلام لمكان العبوديّة، فلا تدع عبوديّةً هي قائمةٌ بك ومنطويةٌ فيك، لإلاهيةٍ غائبةٍ عنك عاليةٍ عليك، فاستقين أنّك مطلق الظاهر، مأسور الباطن، مخيّر العلانية، مملوك السّرّ، ولو تمكّنت كلّ التّمكّن كنت غنيّاً بنفسك، مستقلاًّ بشأنك، ولو حصرت كلّ الحصر كنت غير مخاطب ولا مطالب، وإن أفنيت حالك بين اختيارٍ ظهر لك، واضطرارٍ بطن فيك. ثمّ قوّم اختيارك بالاحتجاج عليك، ورفع اضطرارك بالجهل عنك، وصرت ترى إساءتك فتندم، وتشهد حسنتك فتفرح، ولو جبرنا بالجبر ما وجدت ندامةٍ ولا فرحاً، ولو تمنّينا بالاختيار ما سألت التوفيق، فهو أمرٌ مسندٌ إلى الله تعالى لعلمه الغائب عنك. وقوّم - أيّدك الله - توحيدك، وصحّح عقيدتك، وصفّ فؤادك، وزكّ عملك، واثبت لربّك على قدم الصّدق، واستقص حسابك على نفسك، فإنّ من تعرضه عليه لصيرٌ بك، ومتى رأى استقصاءك أغضى، ومتى رأى إغفالك ناقش.
لأشجع: الطويل
فإن تك قد صدّت فخيرٌ من النّوى ... على كلّ حالٍ هجرها وصدودها
فكن حيث كانت من بلادٍ فإنّه ... عسى بعد يأسٍ أن ينالك جودها
تقرّب ما تهوى بحسن عداتها ... ويأبى علينا ليّها وجحودها
وأطيب ريقٍ ريقها بعد هجعةٍ ... وأحسن شيءٍ مقلتاها وجيدها

قال ثعلب: العرب تقول: رأيت حدائق وجناناً كأنّها حدائق نخل، ورأيت جمعاً كأنّه سدّ ليل، ورأيت بارق سيوفٍ في أيدي قومٍ كأنّه بارق غيم، ورأيت بكرةً كأنّها فتاة، ورأيت فتاةً كأنّها جمّارة، ورأيت رجلاً تحته بكرٌ لا قحٌ كالعقرب، ورأيت جراداً كأنّه أعصاب العجاج، ولفيفاً من الناس مثل السّيل والليل، ومررنا على إبل فلانٍ وكأنّ أسنمتها الصّوامع والهوادج، ورأيت رجلاً كأنّه رمحٌ ردينيٌّ، وكأنّه الشّطن تاماً طويلاً، ورأيت سيفاً كأنّه شهاب، وكأنّه مقباس؛ ويقال: سيفٌ كأنّه العقيقة أي البرق - وكلّ منشقٍّ منعقٌّ - ورأيت درعاً كالنّهي، وكحباب الماء؛ هذا كلّه قاله ثعلب في المجالسات.
أنشد الزّبير: البسيط
اصبر فكلّ فتىً لا بدّ مخترم ... والموت أيسر ممّا أمّلت جشم
والموت أيسر من إعطاء منقصةٍ ... من لم يمت عبطةً فالغاية الهرم
أنشد ثعلب: الرمل
بينما النّاس على عليائها ... إذ هووا في هوّةٍ منها فغاروا
إنّما نعمة قومٍ متعةٌ ... وحياة المرء ثوبٌ مستعار
وقال في قوله تعالى: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلالٌ وهذا حرامٌ " ، قال: إذا قال الكذب ردّه على الألسنة، والكذب مفعول به، قال: وقرئ الكذب ردّه على ما قال.
قال ابن الأعرابيّ: لمّا وجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المرّيّ لاستباحة أهل المدينة ضمّ عليّ بن الحسن رضوان الله عليهما إلى نفسه أربعمائة امرأة يعولهنّ إلى أن انقرض جيش مسلم بن عقبة، فقالت امرأةٌ من قريش: ما عشت واله بين أبويّ بمثل ذلك التتريف.
قال: ويقال: شعرٌ حجنٌ، معقّفٌ بعضه على بعض.
قال ثعلب، قال عمرو بن عبيد عن الحسن أنه قال: أخرجوا نهدكم فإنّه أعظم للبركة، وأحسن لأخلاقكم. وقال: العرب تقول: هات نهدك بكسر النون.
وقال " طرائق قدداً " ، الطرائق: السادة، والقدد: المتفرّقون.
وقال: العبدة: الجلد، يقال: ثوبٌ ذو عبدةٍ إذا كان قوياً جلداً.
قال: ويقال: عنّي عن الأمر إذا منع منه.
قال: وقال الزّبير: أنشدني سليمان بن داود المجمعي لعمر بن مدبر العجلاني يرثي عبد العزيز بن مروان وأبا زبّان الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان: الطويل
أبعدك يا عبد العزيز بحاجةٍ ... وبعد أبي زبّان يستعتب الدّهر
فلا صلحت مصرٌ لخلقٍ سواكما ... ولا سقيت بالنّيل بعدكما مصر
وأصبح مجراه من الأرض يابساً ... يموت به العصفور وانجدب القطر
فمن ذا الذي يبني المكارم والعلى ... ومن ذا الذي يهدى له بعدك الشّعر
وبعدك لا يرجى وليدٌ لنفعه ... وبعدك لا ترجى عوانٌ ولا بكر
وأصبحت الزوّار بعدك أمحلوا ... وأكدى بغاة الخير وانقطع السّفر
وكنت حليف العرف والمجد والنّدى ... فمتن جميعاً حين غيّبك القبر
قال ثعلب: أنشدني عبد الله بن شبيب قال، أنشدني محمد بن الحسن العقيليّ: البسيط
ما استضحك الحسن إّلا من نواحيك ... ولا اغتدى الطّيب إلا من تراقيك
عن مقلتيك رأينا الحسن مبتسماً ... دهراً كما ابتسم المرجان من فيك
يا بهجة الشّمس ردّي غير صاغرةٍ ... عليّ قلباً ثوى رهناً بحبيّك
ما استحسنت مقلتي شيئاً فأعجبها ... إّلا رأيت الذي استحسنته فيك
إذ منك يبتسم الإقبال عن غصنٍ ... لدنٍ ويضحك عن دعصٍ تولّيك
وقال: بيوت العرب ستةٌ: قبّةٌ من أدم، ومظلّةٌ من شعر، وخباءٌ من صوف، وبجادٌ من وبر، وخيمةٌ من شجر، وأقنةٌ من حجر.
قيل لأعرابيّ: أيّ شيءٍ ألذّ في العين؟ قال: نظرةٌ على خطرة، قيل: فأيّ شيء أحلى في القلب؟ قال: كسر الجفون، ومراسلة العيون.
قال سفيان بن عيينة: أكبر الكبائر الشّرك بالله تعالى، والقنوط من رحمة الله عزّ وجلّ، واليأس ن روح الله عزّ ذكره، والأمان من مكر الله جلّ ثناؤه، ثم قرأ: " فلا يأمن مكر الله إّلا القوم الخاسرون " " ومن يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنّة " " ولا ييأس من روح الله إّلا القوم الكافرون " " ومن يقنط من رحمة ربّه إّلا الضّالّون " .

وقال: ثنتان منجيتان، وثنتان مهلكتان؛ فالمنجيتان النّهي والنّيّة، قال: والنّيّة أن تنوي أن تطيع الله فيما تستقبل، والنّهي أن تنهى نفسك عمّا حرّم الله عليك؛ والمهلكتان: العجب والقنوط.
سئل سفيان بن عيينة: هل حرّمت الصّدقة على أحدٍ من الأنبياء قبل محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وقبل عترته الطّاهرة؟ قال: ألم تسمع قول إخوة يوسف: " وتصدق علينا إنّ الله يجزي المتصدّقين " وهم لا يعرفون يوسف، يريدون أن يتصدّق عليهم وعلى يعقوب.
سئل سفيان بن عيينة عن الكراهية لرفع الصوت وكثرة الكلام عند الميت وفي الجنازة قال: لأنه الحشر إلى الآخرة، ألم تسمع قوله: " يومئذ يتّبعون الدّاعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إّلا همساً " فلتعظيم الموت استحبّ قلّة الكلام.
وسئل عن قوله صلّى الله عليه: " لا يضرّ المدح من عرف نفسه " ، قال: ألم تسمع قوله " اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظٌ عليمٌ " ، وقول العبد الصالح: " إنّي لكم رسولٌ أمينٌ " ، أي لكم ناصحٌ أمين، فمن عرف أنّ ما به من نعمةٍ فمن الله تعالى فال بأس " وأمّا بنعمة ربّك فحدّث " ، وإن أثنى عليه غيره عرفت أنّ ذلك ستر الله تعالى ونعمته، ألم تسمع قول الله تعالى: " وجعلنا لهم لسان صدقٍ عليّاً " ، وكان محمدٌ صلّى الله عليه لسانه الذي أنطقه الله تعالى عنه، فأكذب من قال فيه غير الحقّ: " إنّ إبراهيم كان أمّةً قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين " ، وقال: " ما كان إبراهيم يهوديّاً ولا نصرانياً " ، فهذا اللسان الصّدوق. وقال ابن مسعود: إنّي لأعلمكم بكتاب الله تعالى وما أنا بخيركم؛ وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إنّ بين جنبيّ علماً جماً فسلوني قبل أن تفقدوني. فمن عرف أنّ الأمر من الله تعالى لم يضّره المدح، لأنّه قد عرف نفسه، ولا يضرّ ثناءٌ من أثنى عليه كقول عمر: اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً ممّا يظنّون.
هذا الكلام لأبي بكرٍ وقد رواه لعمر، والله أعلم بحقيقة الخبر.
سئل سفيان بن عيينة عن قول مطّرفٍ: فإذا بدء الأمر من الله، وتمامه بالله، وملاكه الدعاء، قال: ألم تسمع قوله تعالى: " ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين، ادعوا ربّكم تضّرعاً وخفيةً " .
يقال: ما الكبر، والجبر، والنّبر، والدّبر، والسّبر، والشّبر، والغبر، والعبر، والسّدر، والهتر، والغمر، والزّبر.
قال عبد الله بن جعفر: عيسى بن دأبٍ يكنى أبا الوليد، وكان من رواة الأخبار والأشعار، وكان معلّماً، وكان من علماء الحجاز.
قال أبو عبيدة: أنشد ابن دأب: الهزج
وهم من ولدوا أشبوا ... بسرّ الحسب المحض
فبلغ أبا عمر بن العلاء فقال: أخطأت استه الحفرة، إنما هو أشبوا أي كفوا، أما سمع قول الشاعر: الهزج
وذو الرّمحين أشباك ... من القوّة والحزم
لأبي غانم: الطويل
أبا غانمٍ أمّا ذراك فواسعٌ ... وقبرك معمور الجوانب محكم
وهل ينفع المقبور عمران قبره ... إذا كان فيه جسمه يتهدم
للعتبي: البسيط
أين الشباب الذي كنّا تلذّ به ... هيهات مات ومات الغصن والورق
وله: الخفيف
أنا في عصبةٍ بهائم نوكى ... ما تساوي عقولهم شسع نعلي
وله: البسيط
وصاحب لي أبنيه ويهدمني ... لا يستوي هادمٌ يوماً وبنّاء
إذا رآني فعبدٌ خاف معتبةً ... وإن نأيت فثمّ الغمر والدّاء
لا يقطع العين منه عن ملاحظةٍ ... كأنّها لاستراق الطّرف حولاء
قال يعقوب: يقال: كيف سيماؤهم - محرّك ومخفّف - أي كيف هيئتهم.
ويقال: ريح الغصن يراح فهو مروحٌ إذا صفقته الريح.
لمّا اضطرّ كسرى أبرويز إلى الهرب من بين يدي بهرام شوبين اتبعه بالخيل، فجعل يقول بأعلى صوته: يا عجباً للدّهر الفاسد المنكر كيف تشتمل فضائحه حتى يصير العاقل جاهلاً، والبصير أعمى، والمحسن مسيئاً، والسّليم سقيماً، والبرّ فاجراً، والوفيّ غادراً، والشّكور كفوراً، والقاصد حائراً، والمنصور مخذولاً، والمهتدي ضالاً، والمتماسك مهتوكاً.

269 - قد تعجّب كسرى من متعجّب منه، فإنّه لو اندفع الخطباء البرعة، وأصحاب اللّسن دهرهم الأطول في القول والتّعجّب ما بلغوا شطر ما عليه حال الدّهر، وإنّي لشريك كلّ متعجّبٍ منه. وأزيد شيئاً: وذلك أنّ تعجّبي من الراكن إلى الدّنيا، والحالم بها، والنائم تحت أفيائها، والمنغمس في بحرها، والطّالب لما منع منها أشدّ جداً، وما أخلق العاقل المتصفّح أن يهجر اللؤم واللّئيم والدّنيا اللئيمة، فطلبها لؤمٌ، ولم يطلبها إّلا من هو ألأم منها، وإّلا فحدّثني لمن وفت، ولمن صفت، وعلى من بقّت، وإلى من أحسنت؟ هيهات، من ذا الذي لبس وشيها فلم يبطر، ومن ذا الذي ثمل من خمرها فلم يسكر، ومن ذا الذي حمي عنها فلم يضجر، ومن ذا الذي نظر إلى زخرفها فلم يغترّ، ومن ذا الذي سمع غناءها ولم يرقص، ومن ذا الذي تمّ عليها وبها فلم ينقص، ومن ذا الذي ربح فيها فلم يخسر؟ قال يعقوب: قد ريّث فلانٌ نظره يريّثه ترييثاً؛ نظر العتّابيّ إلى رجلٍ من أصحاب الكسائي فقال: إنّه ليريّث النّظر. وقد رنّق النّظر، وأصله من ترنيق الطّير إذا جعلت ترفرف ولا تسقط.
قال يعقوب: انتضى سيفه، وانتضله، وامتشقه، وامتشله، واخترطه، وامتلخه، وقربت السّيف: جعلته في القراب، وهو الجربّان، وتخفّف: الجربان. ولأقيمن أودك ودرأك وجنفك. وفلانٌ يتبرّض ما عند فلانٍ أي يأخذ من القليل بعد القليل، ويقال: برضت له أبرض برضاً، ونضضت له أنضَّ، أصله من البئر النّضوض والبروض، وهي التي يأتي ماؤها قليلاً قليلاً. ويقال: ذلاذل الثّوب: أطرافه. ويقال: عجمته العواجم. ويقال: رجلٌ منجّدٌ - بالذال منقوطةً - ومجرّسٌ، ومقلّسٌ، ومنقّحٌ؛ هكذا قال. وفهمت ذلك في عروض كلامه، وفي فحوى كلامه - بالمدّ والضمّ.
ويقال: إنّ عليّ منه أوقاً أي ثقلاً، وقد آقني يؤوقني، قال الراجز: الرجز
إليك حتى قلّدوك طوقها ... وحمّلوك عبئها وأوقها
وقال بعض الأعراب لآخر: أنت ناخٍ وأنا راخٍ فهل من تواخٍ؟ نهى رسول الله صلّى الله عليه ان يصلّي وهو زناءٌ - مفتوح الزاي ممدود مخفّف - أي وهو حاقن.
قرع رجلٌ باب أحد الأولين فقال لجاريته:أبصري من القارع، فأتت الباب فقالت: من ذا؟ قال: أنا صديقٌ لمولاك، قال الرجل: قولي له والله إنّك لصديق، فنهض الرجل وبيده سيفٌ وكيسٌ، يسوق جاريته، وفتح الباب فقال: ما شأنك؟ قال: راعني أمر، قال: لا يك ما ساءك، فإنّي قد قسمت أمرك بين نائبةْ فهذا المال، أو عدوٍّ فهذا السيف، أو أيّمٍ فهذه الجارية.
قال فيلسوف: إنّ الشراب على طبائع الإنسان، وذلك أنّ الطّافي كالزّبد هو الصّفراء، والرّاسب كالثّفل هو السّوداء، والقوام الدم، وما رطب فهو الرّطوبة.
قال أعرابيٌّ لصاحبٍ له: أنت شرسٌ وأنا مرس، فكيف نلتبس؟ كان أفلاطون يعذل على تقديم أرسطاطاليس أيام اختلافه إليه واقتباسه منه مع تلامذته، فقال يوماً: إنّي لست أقدّمه ولكن نفسه قدّمته، وإن أردتم تصديق ذلك سألتكم الساعة عن مسألةٍ لتذاكروا فيها، فقالوا: سل، فقال: ما أعجب الأشياء؟ فقال بعضهم: السماء والكواكب، وقال: بعضهم: الأرزاق، وقال بعضهم: الإنسان، وحضر أرسطاطاليس فسأله فقال: أعجب الأشياء ما لم يعرف سببه.
اشترى عليّ بن الجعد جاريةً بثلاثمائة دينار، فقال له ابن قادم النّحويّ: أيّ شيءٍ تصنع بهذه الجارية؟ فقال: لو كان هذا ممّا يجرّب على الإخوان لجرّبناه عليك.
قال ثعلب، قال رجلٌ لابن قادم: أها هنا فرقٌ بين قام زيدٌ وعمروٌ جميعاً، وقام زيدٌ وعمروٌ معاً، فضجّ، فقلت: لم تضجّ، معاً يقع القيام في حالةٍ، وجميعاً يكون معاً في وقتين.
قدم محمد بن حسّان الضّبي على أبي المغيث الرّافقي فمدحه فوعده بثواب، فتأخّر عنه فكتب إليه ابن حسّان: البسيط
عدّيت بالمطل وعداً راق مورقه ... حتّى لقد جفّ منه الماء والعود
سقياً للفظك ما أحلى مخارجه ... لولا عقارب في أثنائه سود
للعبّاس بن الأحنف: السريع
أسأت إذ أحسنت ظنّي بكم ... والحزم سوء الظنّ بالناس
يقلقني شوقي فآتيكم ... والقلب مملوءٌ من الياس

قال الصّولي: كان عمران المؤدّب يجالس أبا سمير الكاتب مع ندمائه، فسقاهم يوماً نبيذاً جيّداً، فجعل أبو سمير يصف نبيذه ذلك، فقال له عمران: قد سقيتنا ألف زقٍّ خلاًّ ما نطقت بحرفٍ حتى كأنّك باقلٌ عيّاً، فلمّا غلطت يوماً بنبيذٍ جيّدٍ صرت ذا الرّمة مشبّباً بميّ، وجميلاً واصفاً بثنية، وكثيّراً مخبراً عن عزّة.
لإسحاق: الطويل
سلامٌ على من ملّنا وتجافانا ... وأبدلنا بالودّ صرماً وهجرانا
أليس مسيئاً من نسرّ بقربه ... ونذكره في كلّ حالٍ وينسانا
فما حلّ في قلبي محلاًّ حللته ... سواك ولا أحببت حبّك إنسانا
قال الزّبير بن بكّار: سعى إسحاق بن إبراهيم التّميميّ مع بعض الرؤساء مشيّعاً فقال: المتقارب
فراقك مثل فراق الحياة ... وفقدك مثل افتقاد الدّيم
عليك السلام فكم من وفاءٍ ... أفارق منك وكم من كرم
للزّبير بن بكّار في قثم بن جعفر: الكامل
لما رأيت أميرانا متجهّماً ... ودّعت عرصة داره بسلام
ورفضت صفحته التي لم أرضها ... وأزلت عن رتب الدّناة مقامي
ووجدت آبائي الذين تقدّموا ... سنّوا الإباء على الملوك أمامي
قال عليّ بن ميثم: غضب يحيى بن خالد على بعض كتّابه، فكتب إليه الكاتب: إنّ لله تعالى قبلك تبعات، ولك قبله حاجات، فأسألك بالذي يهب لك التّبعات، ويقضي لك الحاجات، إّلا وهبت تبعتك قبلي؛ فرضي عنه.
وقال يحيى بن خالد: ما رأينا العقل قطّ إّلا خادماً للجهل.
ليته فسّر وذكر الوجه والعلّة، وما أكثر ما يرسلون الكلام إرسال الآمن من التتبّع.
قال ابن شهاب الزّهري: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال لي: من أين قدمت يا زهريّ؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلّفت يسودها؟ قلت عطاء بن أبي رباح، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بالديّانة، قال: إنّ أهل الديّانة والرّواية لينبغي أن يسودوا. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبدٌ نوبيٌّ أعتقته امرأةٌ من هذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران، قال: أمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضّحّاك بن مزاحم، قال: أفمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن البصري، قال: أفمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النّخعيّ، قال: أفمن العرب؟ قلت: من العرب، قال: ويلك فرّجت عنّي، والله ليسودنّ الموالي العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّما هو دينٌ، من حفظه ساد، ومن ضيّعه سقط.
لابن غريضٍ اليهودي: الكامل
إبلٌ تبوأ في مبارك ذلّةٍ ... إذ لا ذليل أذل من وادي القرى
أحياؤهم عارٌ على موتاهم ... والميّتون شرار من تحت الثّرى
وإذا تصاحبهم تصاحب خانةً ... ومتى تفارقهم تفارق عن قلى
لا يفزعون إلى مخافة جارهم ... وإذا عوى ذئبٌ لصاحبه عوى
إخوان صدقٍ ما رأوك بغبطةٍ ... فإذا افتقرت فقد هوى بك ما هوى
هل في السّماء لصاعدٍ من مرتقىً ... أم هل لحتفٍ راصدٍ من متّقى
وإذا رأيت معمّراً فلتعلمن ... أن سوف تعركه الخطوب فيبتلى
لله درّك من سبيلٍ واضحٍ ... سيّان فيه من تصعلك واقتنى
من يغلبوا يهلك ومن لا يغلبوا ... يلحق بأرض ثمود حتى لا يرى
الفقر يزري بالفتى عن قومه ... والعين يغضبها الكريم على القذى
والمال يبسط للّئيم لسانه ... حتّى يكون كأنّه شيءٌ يرى

فارفع ضعفيك لا تصغّر ضعفه ... يوماً فتدركه العواقب قد نمى
والمال جد بفضوله فلتعلمن ... أنّ الغنيّ يصير يوماً للثّرى
وابسط يديك لسائليك ولا تكن ... كزّ الأنامل يقفعلّ عن النّدى
إنّ الكريم إذا أردت وصاله ... لم تلف حبل إخائه رثّ القوى
أرعى أمانته وأحفظ عهده ... جهدي فيأتي بعد ذلك ما أتى
يجزيك أو يثني عليك وإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
قال أبو العيناء: سبّ إبراهيم بن رستم يوماً معاوية، فقال له رجل: لم لا تقول هذا بالكرخ؟ قال: ولم لا تصلّي أنت على محمد صلّى الله عليه وعلى آله بالقسطنطينية؟ أنشد أبو العالية لامرأةٍ من الخوارج: البسيط
نجلتهم كسيوف الهيد أربعةً ... بيضاً مصاليت في الهيجاء كالأسد
حتى إذا كملوا في السّنّ واتّسقوا ... أخنى على القوم ما أخنى على لبد
لهفي عليهم فإنّي من تذكّرهم ... طويلة الحزن والإعوال والكمد
لا أفتأ الدّهر أبكيهم بأربعةٍ ... ما اجترّت النّيب أو حنّت إلى ولد
قال أبو العيناء، سمعت الأصمعي يقول: قال أبو العبّاس بن محمد: كنت بفلسطين فبنيت ظلّةً من قصبٍ فأورق، فأنشدني: الطويل
ألم تعلما أنّ المصلّى مكانه ... وأنّ العقيق ذا الظّلال وذا البرد
وأنّ به لو تعلمان أصائلاً ... وليلاً رقيقاً مثل حاشية البرد
قال أبو العيناء: حدّثني دعبل قال: لقيت عمرو بن سعيد وأنا أريد الحجّ فقلت: هل من حاجةٍ؟ قال: نعم، لا تدع لي فإنّ دعاءك إغراء.
للأعشى: البسيط
وفتيةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل
رفع هالكٌ حين خفّف النون، وكذلك: لكن الله، ولكن الشياطين. وإن الخفيفة تكون في معنى ما قال الله تعالى: " إن الكافرون إّلا في غرورٍ " أي الكافرون، وإنّ وهي مكسورةٌ لا تكون إّلا وفي خبرها اللام، يقولون: إن زيد لمنطلقٌ، ولا يقولونه بغير لامٍ مخافة أن تلتبس بالتي معناها ما، وقد زعموا أنّ بعضهم يقول: إن زيداً لمنطلقٌ يعملها على المعنى، وهي مثل قوله: " إن كلّ نفسٍ لمّا عليها حافظٌ " وما زائدةٌ بالتوكيد، واللام زائدةٌ بالتوكيد.
قال الشّعبيّ: تعايش الناس زماناً بالدّين حتى ذهب الدّين، وتعايشوا بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثمّ تعايشوا بالحياء حتى ذهب الحياء، ثمّ تعايشوا بالرّغبة والرهبة، وسيتعايشون بالجهالة زماناً طويلاً.
قيل لحكيم: صف لنا الدّنيا وأوجز، فقال: ضحكة مستعبر.
قال عيسى بن مريم عليه السّلام: لو لم يعذّب الله تعالى على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصى شكراً على نعمته.
قال أحمد بن أبي الحواريّ: بلغني عن رباح القيسي أنّه كان له غلامٌ أسود لا ينام الليل، فقال له: لم لا تنام يا غلام؟ قال: إنّي إذا ذكرت الجنّة اشتدّ شوقي، وإذا ذكرت النار اشتدّ خوفي، وإذا ذكرت الموت طار النعاس عنّي يا مولاي، فمن كانت هذه حالته كيف يهنيه العيش في الدّنيا؟ فبكى رباح وقال: يا غلام، حقيقٌ على من كانت له هذه المعرفة أن لا يستعبد، اذهب فأنت حرٌّ، فبكى الغلام فقال: ما يبكيك؟ قال: يا مولاي، هذا العتق الأصغر فمن لي بالعتق الأكبر؟! دعا أعرابيٌّ فقال: اللهمّ إنّي أرى من فضلك ما لم أسألك، فعلمت أنّ لديك من النّعم ما لا أعلمه، فصغرت قيمة مطلبي فيما عاينته، وقصّرت غاية أملي عمّا شاهدته.
ودعا آخر فقال: اللهمّ ما أعرف معتمداً من الزيادة فأطلب، ولا أجد غنىً فأترك، فإن ألححت في سؤالك فلفاقتي إلى ما عندك، وإن قصّرت في دعائك فلما تعودت من إسدائك.
دعا آخر فقال: اللهمّ حطني بأمانك، وأرخ عليّ سترك، ولا تصرف عنّي وجهك، ولا تسلّط عليّ من لا يخافك، ولا تولّني غيرك يا من يتولّى الصالحين.
دعا آخر: سبحان من علا فقهر، وقدر فغفر، وسبحان من يحيي الموتى ويميت الأحياء، وهو على كلّ شيءٍ قدير.

قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يدعو ويقول: اللهمّ إنّ ذنوبي تخّوفني منك، وجودك يبشرني عنك، فأخرجني بالخوف من الخطايا، وأوصلني بجودك إلى العطايا، حتى أكون غداّ في القيامة عتيق كرمك، كما أنا في الدّنيا ربيب نعمك.
كتب زاهدٌ إلى آخر: أمّا بعد فإنّك في دار تمهيد، وأمامك منزلان لا بدّ لك من سكنى أحدهما، ولم يأتك أمانٌ فتطمئنّ إليه، ولا براءةٌ فتقصّر، والسلام.
كان بمدينة السّلام رجلٌ ذو يسار، فبينما هو في منزله وقد جلس يأكل مع امرأته وبين يديه سكباجة وقد فاحت رائحتها، إذ دنا سائلٌ من الباب، وعساه كان ممّن امتحن بنكبةٍ بعد نعمةٍ فقال: أطعموني من فضل ما رزقكم الله تعالى، فقامت المرأة وغرفت من القدر، وأخذت رغيفين لتناوله، فلمّا رأى الزّوج ذلك حلف عليها أن لا تدفع له شيئاً، فمضى السائل خائباً حزيناً، واستوفى الرجل طعامه، وصعد السطح لبعض حوائجه فعثر بشيءٍ فسقط إلى الأرض فوقص ومات، وحازت المرأة ميراثه، وتصرّفت فيه، وضرب الدهر ضربانه. ثمّ إنّ السائل لما لقي من قبح الردّ وشدّة الشّهوة إلى ذلك الطّعام الذي شمّ رائحته عاد إلى منزله وأخذ مضرّبةً كان قد اشتراها، فأراد أن يفتقها ويغسلها ويبيعها فوجد فيها ألف دينار، فأخذها وغيّر حاله بها، ثمّ طلب امرأةُ يتزوج بها، فقالت له بعض الدّلاّلات: ها هنا امرأةٌ صالحةٌ وقد ورثت، فما تقول في مواصلتها؟ فأنعم، فسعت الدلاّلة بينهما حتى اتّفقا واجتمعا، فلما دخل بها تحدّثا يوماً، فقالت المرأة: ما أشدّ ما مضى على رأسك؟ فحدّثها بوقوفه على باب دار وامرأةٌ تأكل مع زوجها، فقالت المرأة: فاعلم أنّ هذه الدار هي تلك، وأنا المرأة، وأنّ زوجي صعد في ذلك اليوم السطح فسقط ومات، وقد أورثك الله تعالى داره وماله وزوجته، فسجد الرجل لله جلّ جلاله شكراً، وحدّث إخوانه فتعجّبوا.
قاتل الأحنف مرّةً واشتدّ فقيل له: أين الحلم يا أبا بحر؟ فقال: ذاك عند عقد الحبى.
ومرّ عمر على رماة غرضٍ، فسمع أحدهم يقول لصاحبه: أخطيت وأسئيت، فقال عمر: مه! فسوء اللحن أشدّ من سوء الرّماية.
وتضجّر عمر بن عبد العزيز من كلام رجلٍ حضره، فقال شرطيٌّ على رأسه للرجل: قم فقد أضجرت أمير المؤمنين، فقال عمر: أنت والله بتكذيبك أشدّ أذىً منه.
وصف ابن سيّابة رجلاً فقال: فيه كياد مخنّث، وحسد نائحة، وشره قوّادة، ودلّ قابلة، وملق داية، وبخل كلب، وحرص نبّاش.
قال خالد بن صفوان: من لم بين له سبب دائه، كثرت ألوان دوائه.
سمعت أبا النّفيس الرياضي يقول: من كانت همّته أكله، كانت قيمته خراه.
قال رجل من ولد عيسى بن موسى لشريك بن عبد الله حين عزل عن القضاء: يا أبا عبد الله، هل رأيت قاضياً عزل؟ قال: نعم، ووليّ عهدٍ خلع.
قال جالينوس: ما دخل الزّمّان جوفاّ فاسداً إلا أصلحه، ولا دخل التّمر جوفاً صالحاً إلا أفسده.
قال الحسن بن سهل: كان جالينوس ألثغ وكان مولعاً بالعنب، وكان بقراط أحدب وكان مولعاً بالتّين، وكان أفلاطون فقيراً وكان مولعاً باللّواط.
قيل لابن ماسويه: ما شرّ الطّعام؟ قال: طعامٌ بين شرايين، وشرّ الشراب شرابٌ بين طعامين.
قدم أعرابيٌّ على ابنة عمّه يخطبها فتمنّعت عليه، فقال لها: عندي سرٌّ أفأقوله؟ قالت: قل، قال لها: هل لك في ابن عمٍّ كاسٍ من الحسب، عارٍ من النّشب، يتصلصل معك في إزارك، ويدخل الحمّام طرفي نهارك، يواصل بين ثلاثٍ في واحدٍ، فمتى عجز فأمرك بيدك، قالت: يا ابن عمّي، لا يسمعنّ هذا أحدٌ، وأنا أمتك.
أراد ملكٌ سفراً فقال: لا يصحبني ضخمٌ جبان، ولا حسن الوجه لئيم، ولا صغير رغيب.
رأى رجل الهلال فاستحسنه، فقال له رجل: وما يستحسن منه؟ فوالله إنّ فيه لخصالاً لو كانت إحداهنّ في الحمار لردّ بها، قال: وما هنّ؟ قال: يدخل الرّوازن، ويمنع من الدّبيب، ويدلّ على اللصوص، ويسخّن الماء، ويحرق الكتّان، ويورث الزّكام، ويحلّ الدّين، ويزهم اللحم.
قال معاوية: إنّ عليّاً طلب الدّنيا بالدّين فجمعت عليه، وإنّي طلبت الدّنيا بالدنيا فنلتها.
قال ابن عبّاس: هل لك في المناظرة فيما زعمت أنّك خصمت صاحبي فيه؟ قال: وما تصنع بمناظرتي؟ أشغب بك وتشغب بي، فيبقى في قلبك ما لا ينفعك، وفي قلبي ما يضرّك؛ فسكت ابن عبّاس.

سأل العتبيّ أعرابيّاً: ما بال العرب سمّت أولادها أسداً ونمراً وكلباً، وسمّت عبيدها مباركاً وسالماً؟ قال: لأنّها سمّت أولادها لأعدائها، وسمّت عبيدها لأنفسها.
كاتب: بعثت بابني إليك مؤثراً لك به، فإنّي وإن كنت ولدته فنعمتك ربّته، وحياطتك كنفته، وسواءٌ عند الأحرار ربيب النّعم، وسليل الولادة.
قال فيلسوف: المتأنّي في علاج الدّاء بعد ما عرف وجه علاجه كالمتأنّي في إطفاء النار وقد أخذت بحواشي ثيابه.
قال أعرابي: لا يقوم عزّ الغضب بذلّ الاعتذار.
لابن أبي الحقيق اليهودي: السريع
لباب يا أخت بني مالكٍ ... لا تشتري العاجل بالآجل
لباب هل لي عندكم نائلٌ ... وما يجدّ الوصل للواصل
لباب داويه ولا تقتلي ... قد فضّل الشّافي على القاتل
إن تسألي خابر أكفائنا ... والعلم قد يلفى لدى السّائل
ينبئك من كان بنا عالماً ... عنّا وما العالم كالجاهل
أنّا إذا جارت دواعي الهوى ... واستمع المنصت للقائل
واصطرع القوم بألبابهم ... بمنزل القاصد والمائل
لا نجعل الباطل حقّاً ولا ... نلطّ دون الحقّ بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنحمل الذّم مع الحامل
إنّا إذا نحكم في ديننا ... نرضى بحكم العادل الفاضل
تعذلك النفس على ما مضى ... وما تسلّي لومة العاذل
إنّ طلاب المرء ما قد مضى ... داءٌ كمثل السّقم الدّاخل
وإنّ لوّا ليس شيئاً سوى ... ........................
علّلتني منك بما لم أنل ... يا ربّما علّلت بالباطل
أناجز في العام موعودكم ... أم هو منظورٌ إلى قابل
قال الفضيل بن عياض لأصحابه: إذا قيل لأحدكم: أتخاف الله؟ فليسكت، فإنّه إذا قال: لا، جاء بأمرٍ عظيم، وإن قال نعم،فالخائف على خلاف ما هو عليه.
قال بعض الزهّاد: من اكتسب فوق قوته فهو خازنٌ لغيره.
يقال: من كانت له غلّةٌ يستغلها فإنّما يستغلّ عمره.
قال الرشيد لابن السّمّاك: عظني، قال: احذر يا أمير المؤمنين أن تصير إلى جنّةٍ عرضها السّماوات والأرض، ولا يكون لك موضع قدم.
لما احتضر المنصور قال: يا ربيع بعنا الآخرة بنومة.
واحتضر الرشيد فقال: واحيائي من رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله.
واحتضر المأمون فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه.
قيل لزاهدٍ وقد احتضر: أوص بشيءٍ، قال: بما أوصي؟ ما لي شيء، ولا لأحدٍ عندي شيء، ولا لنا عند أحدٍ شيء.
قيل لزاهد: كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويحدث الأحزان، ويباعد الأمنية، ويقرّب المنيّة.
قال الفضيل بن عياض: يا ربّ إنّي لأستحيي أن أقول: توكّلت عليك، لو توكّلت عليك لما خفت ولا رجوت غيرك.
استوفد عبد الملك بن مروان عاملاً بلغه أنّه قبل هديّةً فقال له: أقبلت هديّةً؟ قال: يا أمير المؤمنين، بلادك عامرة، ورعيّتك راضية، فقال: أجب عمّا تسأل عنه، قال: نعم، فقال عبد الملك: أما والله لئن كنت قبلت هديةً كافأت صاحبها بأن ولّيته من عملنا ما لم تكن لتولّيه لولا هديّته إنك للئيم، وإن كنت قبلتها ولم تعوّضه منها إنّك لخائنٌ حسود، وإن كنت أعطيته مثل ما أخذت وأطعمت في نفسك رعيّتك وعرّضتها لخليفتك إنّك لأحمق، ومن أتى شيئاً لا يخلو فيه من حمقٍ أو لؤمٍ أو خيانةٍ حقيقٌ بأن لا يقرّ على عمل.
سئل جعفر بن محمد رضي الله عنهما عن النّحل، أمن الطّير هو أم من الهوامّ، قال: بل من الطّير، لولا ذلك لم يفهم.
قال عنبسة القطّان: شهدت الحسن يوماً وقد قال له رجل: بلغنا أنّك تقول: لو كان عليٌّ بالمدينة يأكل حشفها كان خيراً له ممّا صنع، فقال الحسن: يا لكع، والله لقد فقدتموه سهماً من مرامي الله تعالى غير سؤومٍ عن أمر الله، ولا سروقةٍ لمال الله تعالى، أعطى القرآن عزائمه فيما عليه وله، فأحلّ حلاله وحرّم حرامه، حتى أورده ذلك رياضاً مونقةً وحدائق مغدقةً، ذاك ابن أبي طالب؛ روى هذا ثعلب في المجالسات.

قيل لبعض التّابعين: كيف أصبحت؟ قال: في أجلٍ منقوص، وعملٍ محفوظ، والموت في رقابنا، والنار من ورائنا، ولا ندري ما يفعل الله بنا.
وصف أعرابيٌّ رجلاً فقال: كان مفزعاً للأمّة، رفيع الجمّة.
لمّا هلك الحسن بن عليّ دفنه الحسين بن عليّ ومحمد بن الحنفيّة رضي الله عنهم، فلمّا حصل في حفرته دمعت عينا محمدٍ واستعبر ثم قال: رحمك الله يا أبا محمد، فلقد عزّت حياتك وهدّت وفاتك، ولنعم الرّوح روحٌ تضمّنه بدنك، ولنعم البدن بدنٌ تضمّنه كفنك، وكيف لا يكون كذلك وأنت سليل الهدى، وحليف التّقوى، خامس أصحاب الكساء، غذتك أكفّ الحقّ، وربّيت في حجر الإسلام، ورضعت ثدي الإيمان، طبت حيّاً وطبت ميتاً، وإن كانت أنفسنا غير طيّبةٍ بفراقك، ولا شاكةٍ في الخيار لك.
قال يحيى بن زيد رضي الله عنهما: نحن من أمّتنا بين أربعة أصناف: ظالمٌ لنا حقّنا، وبالغٌ بنا فوق قدرنا، ومعطٍ ما يجب لنا، وحاملٌ علينا ذنب غيرنا.
وصف أعرابيٌّ رجلاً فقال: ذاك والله ممّن ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، ولا يستمرأ ظلمه.
قالت أعرابيّةٌ لزوجها ورأته مهموماً: إن كان همّك للدّنيا فقد فرغ الله منها، وإن كان همّك للآخرة فزادك الله تعالى همّاً بها.
يقال: الدّنيا حمقاء لا تميل إّلا إلى أشباهها.
مسلم بن الوليد: الطويل
أرادت رجوع القلب بعد انصرافه ... وما علمت ما أحدثته المقادر
يغرّ الفتى مرّ اللّيالي سليمةً ... وهنّ به عمّا قليلٍ عواثر
قال الحسن بن آدم: صاحب الدّنيا ببدنك وفارقها بقلبك، فخذ ممّا في يديك لما بين يديك، فعند الموت يأتيك الخبر.
شاعر: الطويل
وأرعن ملموم الكتائب خيله ... مضرّجةٌ أعرافها ونحورها
عليها مذالات العيون كأنّها ... عيون الأفاعي سردها وقتيرها
إذا استجرست أصواته أذني سامعٍ ... رماها بأجراس اللّيوث زئيرها
قال أبو بكر بن عيّاش: رأيت على الأعمش فروةً مقلوبةً، صوفها خارج، فأصابنا مطرٌ، فمررنا بكلبٍ فتنحّى الأعمش وقال: لا يحسبنا شاءً.
وقال: كان ببغداد مجنونٌ يلبس فروةً مقلوبةً، فإذا قيل له في ذلك قال: لو علم الله تعالى أنّ الصّوف إلى داخل أجود عمله إلى داخل.
شاعر: الطويل
ويومٍ عبوريٍّ توقّد نجمه ... وعزّت به ماء الوجوه الهواجر
بعثت به ليلاً من الشّمس داجياُ ... وقد ملكت قبض النّفوس الخناجر
فنازعن فيه للسّوابغ حجّةً ... وسقف غبارٍ أنشأته الحوافر
له فلكٌ حول الأسنّة دائرٌ ... ونقع المنايا مسبطرٌّ وثائر
كأنّ نجوم الليل فوق رماحه ... طوالع ترعاها اللّيوث الخوادر
أجزن قضايا الموت في مهج العدى ... به فاستباحتها المنايا الغوادر
قال الحسن بن رجاء في خطّ كاتبٍ: متنزّه الألحاظ، ومجتنى الألفاظ.
قال بشر بن المعتمر: القلب معدن، والعقل جوهر، واللسان مستنبط، والقلم صانع، والخطّ صنعة.
وصف أحمد بن إسماعيل خطّاً فقال: لو كان نباتاً لكان زهراً، ولو كان معدناً لكان تبراً، ولو كان شراباً لكان صفواً.
قال أبو العيناء: الخطوط رياض العلوم.
وقال جعفر بن يحيى: الخطّ سمط الحكمة، به تفصّل شذورها، وينتظم منثورها.
تخابر غلامان في خطّيهما إلى سهل بن هارون فقال: هذا وشي محبوك، وهذا ذهب مسبوك، تسابقتما إلى غاية، فوافيتما في نهاية.
قيل لرجلٍ على باب رئيس: كيف وجدت فلاناً؟ قال: أمّا من الكرم في عراء، وأمّا من اللؤم في خراء.
شاعر: الكامل
وكنٌ تطالعها الكواكب والقنا ... أبراجها هاج الحمام طرادها
جاءوا بتيهاء المنون طليعةً ... سلبت سيوف حماتها أغمادها
ورثت كتائبها الجبال وسربلت ... حلق الحديد فأظهرته عتادها
فتحال موج البحر يقفو بعضه ... بعضاً وميض قتيرها وسرادها
قدحت عليها الشمس وقت طلوعها ... زنداً فأثقب قدحها إيقادها
حتى أطار على الدّروع شرارها ... زيماً كما زفت الجنوب جرادها

قال الأعمش لشريك بن عبد الله النّخعيّ المحدّث القاضي: يا شريك، لقد أدركت رجالاً عجنوا في الدّين عجناً، لو سألت رجلاً واحداً منهم عن مسألةٍ أو فريضةٍ ما أحسنها، وما من مكرمةٍ إّلا وهي معقودة بمفارق رؤوسهم، ما يسرني برجلٍ مهم عشرة مثلك، بل مائة ألف.
أنشد سعيد بن المسيّب بين القبر والمنبر: الوافر
ويذهب نخوة المختال عنّي ... رقيق الحدّ ضربته صموت
بكفّي ماجدٍ لا عيب فيه ... إذا لاقى الكريهة يستميت
ثم قال: ما شاء الله كان.
وأنشد أيضاً: الوافر
وصرف لو تبين لهم كلاماً ... لقالت إنّما لكم مبيت
تريك قذى بها إن كان فيها ... بعيد النّوم، نشوتها هبيت
بذلت بشربها نفسي ومالي ... وأبت بما هويت وما رزيت
كان أبو هشام الرّفاعي يقول: سمعت عمّي يقول: اجتمع القرّاء في منزل إسحاق بن الحسين ليضعوا كتاباً في السنّة، فقال الأعمش: رحم الله امرءاً كفّ يده، وأمسك لسانه، وعالج ما في قلبه.
قال الأعمش: إذا رأيتم الشّيخ لا يحسن شيئاً فاصفعوه.
وكان الأعمش يلبس قميصاً مقلوباً قد جعل دروزه خارجةً، ويقول: الناس مجانين، يجعلون الخشن إلى ما داخل ممّا يلي جلودهم.
قال أحمد بن الطّيب: كان الكندي يقول لي كثيراً: انسخ كلّ ما تجده مكتوباً إذا اتّسعت لك الجدة، وامتدّ بك الزمان، فإنّ مكان ما تكتبه أسود من دفترٍ، خيرٌ منه أبيض.
وصف الحسن الأسواق فقال: موائد الله، فمن أتاها أصاب منها.
كان أيّوب السّختيانيّ من الزّهّاد والعقلاء، وهو الذي قال: من أحبّ أبا بكرٍ فقد أقام الدّين، ومن أحبّ عمر فقد أوضح السّبيل، ومن أحبّ عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحبّ عليّاً فقد استمسك بالعروة الوثقى.
قال مالك بن أنس: من أبغض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه فليس له في فيء المسلمين حقٌّ، لأنّ القرآن نطق بذلك، قال الله عزّ وجلّ: " ما أفاء الله على رسوله " ، وذكر المهاجرين فقال: " والذّين تبوءوا الدّار والإيمان " ، ثم قال: " والذّين جاءوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا " فمن كان في قلبه عليهم وعلى أحدٍ منهم شيءٌ فلا حقّ له في الفيء.
سمع خالد بن صفوان رجلاً يتكلّم فيكثر فقال: يا هذا ليست البلاغة بخفّة اللّسان، وال بكثرة الهذيان، ولكنّها إصابة المعنى، والقصد إلى الحجّة.
وذكر خالد بن صفوان رجلاً فقال: كان والله منهرت الشّدق بعذوبة المنطق، ذلق الحدّة، جزل الألفاظ، عربيّ اللسان، رقيق الحواشي، خفيف الشّفتين، بليل الرّيق، دائم النّظر، قليل الحركات، حسن الإشارات، حلو الشّمائل، حسن الطّلاوة، كثير الرّقّة، ذرب اللسان، حييّاً صموتاً قؤولاً، يهنأ الجرب، ويداوي الدّبر، ويصيب المفاصل، لم يكن بالهذر في منطقه، ولا بالزّمر في مروءته، ولا بالشّكس في خليقته، متبوعاً غير تابع، كأنه علمٌ في رأسه نار.
وذكر خالد آخر فقال: كان والله قرّاءً غير نزّال، معطاءً غير سوّال، قوّالاً عند ذوي الأفهام، جلداً ألدّ الخصام.
شاعر: المتقارب
دعاني هواك فلبّيته ... ولم يدر أنّي له أعشق
فقمت وللشوق في مفرقي ... إلى قدمي ألسن تنطق
شاعر: الطويل
وأشرب قلبي حبّها ومشى به ... تمشّي حميّا الكأس في جسم شارب
يدبّ هواها في عظامي ولحمها ... كما دبّ في الملسوع سمّ العقارب
شاعر: السريع
نازعني من طرفه الوحيا ... وهمّ أن ينطق فاستحيا
جرّد لي سيفين من هجره ... أموت من ذا وبذا أحيا
شاعر: البسيط
أستودع الله من قلبي لفرقته ... كأنّه طائرٌ قد بات في شبك
ومن كأنّ فؤادي من تذكّره ... معلّقٌ بين قرن الشّمس والفلك
قال أعرابيّ: شحذت سيفي، وذلّقت لساني، وها أنا في طلبك.
وقال آخر: فلانٌ قليل الرّجوع، بطيء النّزوع.
قال أعرابيٌّ في وصف آخر: فلانٌ البحر الطّامي يوم الوغى والغيث الهامي ليل القرى.
قال أعرابيّ: نم ذا الذي صفا فلم يكن فيه عيب، وخلص فلم يكن فيه شوب.
وقال آخر: فلانٌ حتف الأقران غداة النّزال، وربيع الضّيفان عشيّة النّزول.
وقال أعرابيّ: لكلّ كاسٍ حاسٍ، ولكلّ عارٍ كاسٍ.

قال أعرابيّ في آخر: لسانه حديد، وجوابه عتيد.
وقال أعرابيّ: فلانٌ أجور من الأسد الضّاري، وأقتل من السّم السّاري.
قال أعرابيّ: لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه.
قال أعرابيٌّ في وصف غوانٍ: حواجب مزجّجة، وثغورٌ مفلّجة، وخدودٌ مضرّجة.
قال أعرابيّ: ما أفسح صدره، وأرحب بشره، وأبعد ذكره، وأعظم قدره، وأعلى شرفه، وأكثر ضففه ممّن عرفه ولم يعرفه، مع حسن الاستيفاء، وسعة الفناء، وعظم الإناء.
شاعر: الطويل
أيا منزلاً بالدّير أصبح خالياً ... تلاعب فيه شمألٌ ودبور
كأنّك لم تقطنك بيضٌ نواهدٌ ... ولم تتبختر في فنائك حور
وأبناء أملاكٍ عباشم سادةٌ ... صغيرهم عند الأنام كبير
إذا لبسوا أدراعهم فضراغمٌ ... وإن لبسوا تيجانهم فبدور
على أنّهم يوم اللّقاء قساورٌ ... ولكنّهم يوم النّوال بحور
إذ الملك غضٌّ والخلافة لدنةٌ ... وأنت خصيبٌ والزّمان طرير
وروضك مرتاضٌ ونبتك يافعٌ ... وعيش بني مروان فيك قصير
رويدك إنّ اليوم يعقبه غدٌ ... وإنّ صروف النائبات تدور
قال أعرابيّ: نحنّ إلى المكارم كما تحنّ الإبل إلى الحدا، والروض إلى النّدى.
آخر: كان والله مريع الجناب، درور السّحاب.
قال أعرابيّ: فلانٌ أفصح خلق الله تعالى إذا حدّث، وأحسنهم استماعاً إذا حدّث، وأمسكهم عن الملاحاة إذا خولف، يعطي صديقه النّافلة، ولا يسأله الفريضة، له نفسٌ عن العوراء محصورة، وعلى المعالي مقصورة، كالذّهب الإبريز الذي يعزّ كلّ أوان، والشمس المنيرة التي لا تخفى بكلّ مكان، هو النّجم المضيء للحيران، والبارد العذب للعطشان.
قال أعرابيٌّ في وصف آخر: ليثٌ إذا عدا، وغيثٌ إذا غدا، وبدرٌ إذا بدا، ونجمٌ إذا هدى، وسمٌّ إذا أردى.
قال أفلاطون: من القبيح أن نكسح من كرومنا فصل الورق والقضبان ولا نكسح من أنفسنا الشّهوات، ومن القبيح أن نمتنع من الطّعام اللذيذ لتصحّ أبداننا ولا نمتنع من القبائح لتصفو أنفسنا.
قال فيلسوف: إني لأعجب من النّاس وقد مكّنهم الله تعالى من الاقتداء به ويقبلون إلى الاهتداء بالبهائم.
قال فيلسوف: لا ينبغي لأحدٍ أن يطلب شيئاً من الحكمة والفضائل قبل أن ينفي عن نفسه العيوب والرذائل.
قال أفلاطون: ينبغي لنا أن نفرّ من الأشياء الرّديئة، والأشياء الرّديئة العالم، فينبغي أن نفرّ من العالم، والفرار من العالم هو الاقتداء بالله تعالى.
قال أعرابيّ: إن الدهر حوّلٌ ذو انقلاب، ولا بدّ للسّرّاء من الضّرّاء، والدهر يخلط صالحاً بفساد، وهو طعمان: معسول وممرور.
كاتب: يا مولاي تعبّداً، وأخي تودّداً.
قال أعرابيّ: أنت قرّة عيني ونورها، وأنس نفسي وسرورها.
كاتب: أنت من أفتخر بأنوائه، وأهتدي بضيائه، وأتزيّن بإخائه، وأستظهر على الزمان بولائه.
كاتب: أنت بهجة الدّنيا وزهرتها، وروضة نفسي ومنيتها وبستانها، وروح حياتي وريحانها.
قال أعرابيٌّ لآخر: أنت سمعي وبصري، وشمسي وقمري.
قال فيلسوف: كما أنه ليس بين الطّوف واللصّ صداقة، فكذلك ليس بين الحكمة والجهل صداقة.
قيل لفيلسوف: بماذا تشبّه الحكماء؟ قال: إذا قيسوا إلى الناس فهم كالآلهة، وإذا قيسوا إلى الآلهة فهم كالملائكة.
قيل لفيلسوف: ما الفضل بينك وبين الملك؟ قال: هو عبد الشّهوات وأنا مولاها.
قيل لفيلسوف: إنّ الملك لا يحبّك، قال: الملك لا يحبّ من هو أكبر منه.
قيل لفيلسوف: من الجواد؟ قال: من جاد بماله، وصان نفسه من مال غيره.
وقيل لسقراط: لم تذكر في شرائعك عقوبة من قتل أباه، قال: لم أعلم أن هذا يكون.
قال ثعلب في المجالسات: جاء رجلٌ من آل حكيم بن حزام إلى أبي أويس فقال: إنّي رأيت كأنّي أنظر في لوحٍ من ذهب، فقال: إنّ العبارة حكمٌ، وأكره أن أفسّره لك، قال: لا بدّ منه، قال: يذهب بصرك، قال: سبحان الله، قال: ما هو إّلا ما أقول لك، فعمي بعد قليل.
جاء رجلٌ إلى سعيد بن المسيّب من قبل عبد الملك بن مروان فقال: رأيت كأنّي بلت خلف المقام أربع مرّات، قال له: كذبت لست صاحبها، قال: فإنّه عبد الملك، قال: يلي أربعةٌ من صلبه الخلافة.

رئي عليّ بن الحسين مكتوباً على صدره: " قل هو الله " فاستعبر سعيد بن المسيّب فقال: بضعةٌ من رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، نعى إليه نفسه.
لمروان بن أبي حفصة: الرجز
إن تحبسوني فالكريم يحبس ... إنّي لسامي النّاظرين أشوس
مصابرٌ حتى تجيش الأنفس ... لا ساقطٌ علجٌ وال مدنّس
عرضي نقيٌّ وأديمي أملس
قال الفضل بن عيسى الرّقاشي: إنّا والله ما نعلّمكم ما تجهلون، ولكنّا نذكّركم ما تعلمون.
قال ابن عجلان: شكا رجلٌ إلى الحسن الفاقة فقال: لقد أعطاك الله ديناً لو لم تشبع معه من خبز الشّعير كان قد أحسن إليك.
قال عمير بن الحباب: البسيط
أبلغ أميّة أنّ الأرض واسعةٌ ... وفي السيوف إذا ما جرتم عبر
حتّى متى وعلام اليوم ناركم ... ما إن يزال لها في دورنا شرر
إنّي أخاف عليكم أن تنوبكم ... منّا بوائق لا تبقي ولا تذر
وإن تروا عارضاً منا يقودهم ... قرمٌ أغرّ أمام الحيّ يقتفر
لا ينثني الدهر عن أمرٍ يهمّ به ... حتى يموت وفيه الرّمح منكسر
يخاطب بهذه الأبيات عبد الملك بن مروان.
قال أعرابي: الكريم يرعى حقّ اللفظة وحرمة اللّحظة.
قال ابن عيينة: كانت لنا هرّةٌ ليس لها جراءٌ، فكانت لا تكشف القدور ولا تعيث في الدّور، فصار لها جراءٌ فكشفت القدور وأفسدت الدّور.
لما قبض ابن عيينة صلة الخليفة قال أصحاب الحديث: قد وجدتم مقالاً فقولوا، متى رأيتم أبا عيالٍ أفلح؟ قال هشام لخالد بن صفوان: أكنت تعرف الحسن؟ قال: كان فيما بلغني في داره صغيراً، ومجلسه في حلقته كبيراً، قال: فكيف كان؟ قال، كان أعمل الناس بما أمر به، وأترك النّاس لما نهي عنه، وكان إذا قعد على أمرٍ قام به، وإذا قام على أمرٍ قعد به، وكان معلّماً بالنّهار وراهباً بالليل.
قال سلمة بن سعيد: أتي عمر بن الخطاب بمالٍ، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمير المؤمنين، لو حبست من هذا المال في بيت المال لنائبةٍ تكون أو أمر يحدث فقال:كلمة ما عرضها ولقنها إلا شيطان لقاني الله حجّتها، ووقاني فتنتها، أعصي الله تعالى العام لخوف القابل؟ أعدّ لهم تقوى الله، قال الله تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب " وليكوننّ المال فتنةً على من يكون بعدي.
جاء رجلٌ إلى سعيد بن المسيّب فقال: رأيت حديّاً جاءت حتى وقعت على شرف المسجد، فقال: إن صدقت رؤياك تزوّج الحجّاج في أهل هذا البيت، فتزوّج الحجّاج أمّ كلثوم ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فأولدها بنتاً.
جاء رجلٌ إلى سعيد بن المسيّب فقال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المنام، فقال: يا هذا، بعثه الله بشيراً ونذيراً، فإن كنت على خيرٍ فازدد، وإن كنت على شرٍّ فتب.
قال النحويّ: اعلم أن أسير بمعنى سرت إذا أردت بأسير معنى سرت؛ قال أبو سعيد السّيرافيّ: إنّما يستعمل ذلك إذا كان الفاعل قد عرف منه ذلك الفعل خلقاً وطبعاً، ولا ينتظر منه في المضيّ والاستقبال، ولا يكون لفعل فعله مرةً من الدهر، من ذلك قول بعض بني سلول: الكامل
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني ... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني
يريد: ولقد مررت، ولم يرد أنّ ذلك كان منه مرّةً، ولا أنه لا يعود إليه، وإنّما أراد أنّ ذلك سجيّته أبداّ؛ قال جرير: الكامل
قالت جعادة ما لجسمك شاحباً ... ولقد يكون على الشّباب نضيرا
قال خالد بن كلثوم الرّاوية: كان حنين صاحب خفيّ حنين من أهل اليمامة، وكان يحمل العطر فيطوف به في بلاد العرب، فطبن له بعض الخرّاز، فألقى في طريقه حين بدا من أهله فرد خفّ جديد، وألقى الفرد الآخر على قدر ميل، فأقبل حنين فلمّا رأى الفرد الآخر قال: الآن ننتفع بذلك الفرد، ونزل فعقل ناقته شفقةً عليها، ومضى فأخذ الفرد الآخر، وصاحب الخفّين قد كمن له، فلمّا تولّى حنين ركب البعير فذهب بما عليه وبه، فرجع حنين إلى أهله بالخفّين من جميع ما حمل، فصار خفّاه مثلاً.

قال المدائني: كان في الزمان الأوّل ملكٌ نهى النّاس أن ينتشروا بالنّهار في حوائجهم، ونادى بالتصرّف في الليل والنّوم بالنّهار، وأقام الحرسيّ يدور بالنّهار، فأخذ الحرسيّ رجلاً على حمار فأتى به الملك، فأمر بعقوبته، فقال له، أصلحك الله، هل نهيت عن الدّلجة؟ قال: لا، قال: فأنا رجلٌ مسافرٌ أدلجت هذا الوقت كما كنّا نبكّر في نصف الليل، قال: صدق، خلّوا سبيله.
سأل رجلٌ أبا عمرو بن العلاء عن الخيل لم سميت خيلاً فعيّ بذلك عمرو، وكان عنده أعرابيٌّ فقال: إنّما سميت خيلاً لاختيالها واختيال راكبها.
وقال عمر بن عبد العزيز لجاريةٍ في صبائه - هكذا قال العلماء بالفتح والمدّ إذا أردت أيام صغر سنّه، وقالوا: الصّبا في هذا المعنى خطأ، إنّما الصّبا اللّهو والدّد والغزل - بحضرة مؤدبّه: أعضّك الله تعالى بكذا، فقال له المؤدّب: قال: أعضّك عبد العزيز، فقال: إنّ الأمير أجلّ من ذاك، قال: فليكن الله تعالى أجلّ في صدرك، فما عاود كلمة خنا، الخنا مقصورٌ، يقال: أخنى الرجل في منطقه.
يقال: شعّ دمه يشعّ أي تفرّق.
ويقال: طويت فلاناً على بللته أي بنيته على بقيّة ودّه؛ وأنشد: الكامل
ولقد طويتكم على بللاتكم ... وعرفت ما فيكم من الأدغال
والعرب تزعم أنّ اللبن يطوي البطن، وأنّ نبات الأرض ينفخه.
الدّحل: سربٌ في اعوجاجٍ من داخل الأرض؛ اندحل الطائر في وكره، واندحل السّبع في وجاره.
يقال: خذه على هديتك وفديتك.
مرّ أعرابيٌّ في أطمار رثّةٍ برجلٍ فقال له الرجل: والله ما يسرّني أن كنت ضيفك ليلتي هذه، فقال له الأعرابي: أما والله لو كنت ضيفي لغدوت من عندي أبطن من أمّك قبل أن تضعك بساعة، إنا والله - إذا وجدنا - آكلكم للمأدوم، وأطعمكم للمحروم، هكذا قال، وإن كان من الإطعام، وقد سمع من غير واحدٍ.
وفي الخبر: إذا أراد الرجل أن يتزوج امرأةً فلينظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينهما؛ أدم الرجل المرأة إذا خالطها أي إذا نكحها.
قال خالد بن صفوان: أنا لا أصادق إّلا من يغفر زللي، يسدّ خللي، ويقبل عللي.
وقيل ليزيد بن معاوية: ما حقّ الجود؟ قال: أن تعطي لمن لا تعرف، وإنّك لا تبلغه حتى تتخطّى به من لا تعرف.
وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله يوم حنين للعبّاس: " اصرخ بالناس " ، ثم قال: " خلّل بالخزرج " ، أي خصّهم.
يقال للجاهل الكثير التّرداد: سوّاط.
يقال: ملست الغلام: أي خصيته - اللاّم مخفّفة.
قال الأصمعي: برح الخفاء يعني صار الأمر في براحٍ، أي ظهر لشدّته ونكرائه، وقيل: معناه من التبريح أي اشتدّ. وقال يعقوب: برح الخفاء أي استبان المكتوم.
قبع الرجل إذا تحيّر.
وقال عبد الملك بن مروان لأبي الحارث: بلغني أنكم من كندة؟ قال: يا أمير المؤمنين، أيّ خيرٍ فيمن لا يدّعي رغبةً، أو ينفي حسداً.
طمر الرجل إذا انتفخ، وفرسٌ طمرٌّ، والمكان العالي: طمار، معرفةٌ مبنيّة على الكسر كقولك: حذام وقطام.
شاعر: الطويل
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانئٍ في السّوق وابن عقيل
تري جسداً قد خدّد السيف لحمه ... وآخر يهوي من طمار قتيل
قال المبرّد: وتميم تقول: من طمار، منزلة ما لا ينصرف.
قال المبرّد في قوله تعالى: " يسألونك كأنّك حفيٌّ عنها " أي عن المسألة؛ وفي الخبر: أحفوا الشّوارب واعفوا اللّحى.
ما ملئت دارٌ حبرةً، إّلا وستمتلئ عبرةً.
" وأسرّوا النّدامة " أي أظهروا، من الأضداد، أي بدا ذلك في أسرّتهم.
الضّيزن: الوزير، والوزير مأخوذٌ من الوزر.
رأى عمر بن الخطّاب رجلاً في الطّواف يقول: اللهمّ اغفر لامّ أوفى، فقال له: من أمّ أوفى؟ فقال: امرأتي، والله على ذاك إنّها لورهاء مرغامة، أكولٌ قمّامة، لا تترك لها حامّة، ولكنّها حسناء فلا تفرك، وأمّ بنين فلا تترك.
قال التّوّزي: سألنا أبو عبيدة عن مسألةٍ ثم قال: لا يستخرجها من الرّجال إّلا أسود الحيف، يريد من حنّكته السّنّ حتى اسودّت نواحي أنثييه.
قال مصعب بن الزّبير لسكينة بنت الحسين رضي الله عنهما: أنت مثل البغلة لا تلدين، قالت له: لا والله ولكن أبى كرمي أن يقبل لؤمك.
نظر الجمّاز إلى سوداء عليها معصفرات فقال: كأنّها بعرةٌ عليها رعاف.

قالت الخنفساء لأمّها: ما أمرّ بأحدٍ إّلا بزق عليّ، قالت: من حسنك تعوّذين.
شاعر: الكامل المجزوء
لما رأيت الدّهر يفني النّ ... اس من جيلٍ فجيل
وعلمت أنّي هالكٌ ... وسبيل من ولّى سبيلي
أوطأت نفسي عشوةً ... وعزفت عن قالٍ وقيل
وشربتها مشمولةً ... نشأت على الدّهر الطويل
رقّت فليس تحسّ كال ... شيء الخفيّ المستحيل
من كفّ ظبيٍ فاتر ال ... ألحاظ كالرشأ الكحيل
قال أعرابيّ: الفقير من الأهل مصروم، والغنيّ في الغربة موصول.
قال أعرابيّ: أوحش قومك ما كان في إيحاشهم أنسك، واهجر أوطانك ما نبت عنها نفسك.
قيل لأعرابيّ: أتشتاق إلى وطنك؟ قال: كيف لا أشتاق إلى رملةٍ كنت جنين ركامها، ورضيع غمامها.
قال أعرابيّ: الاغتراب يردّ الجدّة، ويكسب الجدة.
شاعر: الرمل المجزوء
إن يكن مات صغيراً ... فالأسى غير صغير
كان ريحاني فصار ال ... يوم ريحان القبور
قال العتبيّ، سمعت أبي يقول: سابّ كميت بن معروف الأسديّ أمةً لقومٍ فقالت: الطويل
لعمري لقد راش ابن سعدة ريشه ... بريش الذّنابى لا بريش القوادم
بنى لك معروفٌ بناءً هدمته ... وللشّرف العاديّ بانٍ وهادم
قال أبو موسى الحامض: قرئ على ثعلب من كتاب بخطّ ابن الأعرابي خطأٌ فردّه، فقيل له: إنّه بخطّه، قال: هو خطأ، قيل: أفنغيّره؟ قال: دعوه ليكون عذراً لمن أخطأ.
لما سقطت ثنيّة معاوية أسف عليها لما فاته من البيان، فتمثّل: الرجز
إنّ الليالي أسرعت في نقضي ... أخذن بعضي وتركن بعضي
تركن رنقي وشربن محضي
شاعر: الطويل
يقرّ بعيني أن من مكانه ... ذرى هضبات الأجرع المتقاود
وأن أرد الماء الذي وردت به ... سليمى وقد ملّ الكرى كلّ واحد
وألصق أحشائي ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطاً بسمّ الأساود
أنشد الرّياشيّ لنهار بن توسعة: البسيط
أضحى العراق سليباً لا ضياء له ... إّلا المهلّب بعد الله والمطر
هذا يجود ويحمي عن ذماركم ... وذا يعيش به الأنعام والشّجر
وأنشد أيضاً: الرجز
الناس إخوانٌ وشتّى في الشّيم
ويروى النّاس أسواءٌ، كذا أنشد البغداديون؛ قال الرّياشي: سألت عنه أعرابيّاً فصيحاً فقال: معناه أنّهم من أديمٍ واحد، أي من تراب يجمعهم كلّهم آدم، وإن اختلفت شيمهم، وفسّر البغداديون على خلاف هذا، قالوا: يجمعه بيت الأدم، لأنّ بيت الأدم فيه كلّ ضربٍ من رقاع الأدم.
قال أبو حاتم، حدّثنا الأصمعي قال: كنت عند الرشيد في شهر رمضان، فأتي بسكران فهمّ به ثم سأل عنه فقلت: كفاك عليّ بن أبي طالب ذلك بالنّجاشي. قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين للسّكر، ومائةً لحرمة شهر رمضان، وحمله على حملٍ وطاف به في الكوفة، فجعل الصبيان يصيحون به: سلح سلح، فيقول: كلاّ إنّها يمانيةٌ، ووكاؤها شعرٌ؛ وهجا أهل الكوفة فقال: البسيط
إذا سقى الله قوماً صوب غاديةٍ ... فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا
وأرسل الريح تسفي في عيونهم ... حتى إذا لا ترى ماءً ولا شجرا
ألقى العداوة والبغضاء بينهم ... حتى يكونوا لمن عاداهم جزرا
السّارقين إذا ما جنّ ليلهم ... والدّارسين إذا ما أصبحوا السّورا
والتّاركين على طهرٍ نساءهم ... والنّاكحين بشطّي دجلة البقرا
ثم ذهب إلى معاوية وقال في عليّ، وكان قد قال معاوية: البسيط
يا أيّها الملك المهدي عداوته ... انظر لنفسك أيّ الأمر تأتمر
واعلم يقيناً بأنّ المجد في نفرٍ ... هم العرانين ما ساواهم بشر
فإن نفست على الأقوام مجدهم ... فابسط يديك فإنّ الخير مبتدر
نعم الفتى أنت إّلا أنّ بينكما ... كما تفاضل ضوء الشّمس والقمر
إنّي امرؤٌ قلّ ما أثني على أحدٍ ... حتى أبيّن ما آتي وما أذر

لا تحمدون امرءاً حتى تجرّبه ... ولا تذمّنّ حتى تبله الخبر
قال أبو عليّ ابن مقلة، قال لي الهداوي، أنشدنا الرّياشي: الكامل المجزوء
يا عين بكّي للولي ... د بن الوليد بن المغيره
إنّ الوليد بن الولي ... د أبا الوليد هو العشيره
من كان غيثاً في السّني ... ن وجعفراً غدقاً وميره
قال أعرابيّ: خلق القريب خيرٌ من جديد الغريب.
قال العتبي، قال أبو دواد: الكامل المجزوء
سقّى الرّباب مجلجل أل ... أكناف رعّادٌ بروقه
جونٌ تكفكفه الصّبا ... وهناً ويمريه خريقه
مري العسيف عشاره ... حتى إذا درّت عروقه
حتى إذا ما جلده ... بالماء ضاق فما يطيقه
هبّت له من خلفه ... ريحٌ يماينةٌ تسوقه
حلّت عزاليه السّما ... ء فسحّ واهيةً خروقه
قال أعرابيّ: العجز مقرونٌ به الشقاء، والحزم موكّلٌ به النّجاء؛ ثمرة الحزم السلامة، وثمرة العجز الندامة.
قال أعرابيّ: آفة الحزم ترك الاستعداد، وآفة الرأي سوء الاستبداد.
قال أعرابيّ: الحازم لا تدهش له عزيمة، ولا تكهم له صريمة.
قال بعض تجّار البحر: حملنا مرةً متاعاً إلى الصّين من الأبلّة، وكان قد اجتمع ركبٌ فيه عشر سفنٍ، قال: ومن رسمنا إذا تزجّهنا في مثل هذا الوجه أن نأخذ قوماً ضعفاء، ونأخذ بضائع قوم، فبينا أنا قد أصلحت ما أريد إذ وقف عليّ شيخٌ فسلّم فرددت فقال: لي حاجةٌ قد سألتها غيرك من التّجار فلم يقضها، قلت: فما هي؟ قال: اضمن لي قضاءها حتى أذكرها، فضمنت، فأحضر لي رصاصةً من مائة منا، وقال لي: تأمر بحمل هذه الرصاصة معك، فإذا صرتم في لجّة كذا فاطرحها في البحر. فقلت: يا هذا، ليس هذا ممّا أفعله، قال: قد ضمنت لي، وما زال بي حتى قبلت وكتبت في روزنامجي؛ فلمّا صرنا في ذلك المكان عصفت الريح وهاج البحر، فاشتغلنا بأنفسنا ونسيت الرصاصة، ثم خرجنا من اللّجة وسرنا حتى بلغنا موضعاً، فبعت ما صحبني، وحضرني رجلٌ فقال لي: يا هذا، أمعك رصاصٌ؟ قلت: لا، فقال غلامي: معنا رصاصٌ، فقلت: لم أحمل رصاصاً قال بلى الشيخ فذكرت فقلت خالفناه؛ بلغنا إلى ها هنا وما يلحقني أن أبيعه ففيه ما ينفعه، فقلت للغلام: أحضرها، وساومني الرجل بها فبعتها بمائةٍ وثلاثين ديناراً وابتعت بها للشيخ طرائف الصّين، وخرجنا فوافينا المدينة، فبعت تلك الطرائف فبلغت سبعمائة دينار، وصرت إلى البصرة إلى الموضع الذي وصفه الشيخ، ووقفت بباب دار، وسألت عنه فقيل لي: قد توفي، قلت: فهل خلّف أحداً يرثه؟ قالوا: لا نعلم إّلا ابن أخٍ له في بعض نواحي البحر؛ قال: فتخبّرت فقيل: إنّ داره موقوفةٌ في يد أمين القاضي، فرجعت إلى الأبلّة والمال معي، فبينا أنا ذات يوم جالسٌ إذ وقف على رأسي رجلٌ فقال: أنت فلان؟ قلت: نعم، قال: وخرجت إلى الصين؟ قلت: نعم، قال: وبعت رجلاً هناك رصاصاً؟ قلت: نعم، قال: أتعرف الرجل؟ فتأملته، فقلت: أنت هو، قال: أعلمك أنّي قطعت تلك الرصاصة لأستعمل شيئاً منها فوجدتها مجوّفة، ووجدت فيها اثني عشر ألف دينار، وقد جئت بالمال فخذ مالك عافاك الله، فقلت له: ويحك، ليس المال لي، ولكنّه كان من خبره كذا وكذا، وحدّثته، قال: فتبسم الرجل ثم قال: أتعرف الشيخ؟ قلت: لا، قال: هو عمّي وأنا ابن أخيه، وليس له وارثٌ غيري، وأراد أن يزوي هذا المال عنّي، وهو هرّبني من البصرة سبع عشرة سنةً، فأبى الله تعالى إّلا ما ترى على رغمه؛ قال: فأعطيته الدنانير كلّها ومضى إلى البصرة فأقام بها.

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9