كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة
المؤلف : جلال الدين أبو عبدالله محمد بن سعدالدين بن عمر القزويني

( وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع )
وبين أن تقول أرى قوما لهم منظر وليس لهم مخبر وتقطع الكلام وأن تتبعه نحو قول ابن لنكك
( في شجر السرو منهم مثل ... له رواء وما له ثمر )
وانظر في جميع ذلك إلى المعنى في الحالة الثانية كيف يتزايد شرفه عليه في الحالة الأولى ولذلك أسباب منها ما يحصل للنفس من الأنس بإخراجها من خفي إلى جلي كالانتقال مما يحصل لها بالفكرة إلى ما يعلم بالفطرة أو بإخراجها مما لم تألفه إلى ما ألفته كما قيل
( ما الحب إلا للحبيب الأول ... ) أو مما تعلمه إلى ما هي به أعلم كالانتقال من المعقول إلى المحسوس فإنك قد تعبر عن المعنى بعبارة تؤديه وتبالغ نحو أن تقول وأنت تصف اليوم بالقصر يوم كأقصر ما يتصور فلا يجد السامع له من الأنس ما يجده لنحو قولهم أيام كأباهيم القطا وقول الشاعر
( ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب )
وكذا تقول فلان إذا هم بالشيء لم يزل ذاك عن ذكره وقصر خواطره على إمضاء عزمه فيه ولم يشغله عنه شيء فلا يصادف السامع له أريحية حتى إذا قلت إذا هم ألقى بين عينيه عزمه امتلأت نفسه سرورا وأدركته هزة لا يمكن دفعها عنه ومن الدليل على أن للإحساس من التحريك للنفس وتمكين المعنى ما ليس لغيره أنك إذا كنت أنت وصاحب لك يسعى في أمر على طرف نهر وأنت

تريد أن تقرر له أنه لا يحصل من سعيه على طائل فأدخلت يدك في الماء ثم قلت له انظر هل حصل في كفي من الماء شيء فكذلك أنت في أمرك كان لذلك ضرب من التأثير في النفس وتمكين المعنى في القلب زائد على القول المجرد ومنها الاستطراف كما سيأتي ومن فضائل التشبيه أنه يأتيك من الشيء الواحد بأشباه عدة نحو أن يعطيك من الزند بإبرائه شبه الجواد والذكي والنجح في الأمور وبإصلاده شبه البخيل والبليد والخيبة في السعي ومن القمر الكمال عن النقصان كما قال أبو تمام
( لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أمهلت حتى تصير شمائلا )
( لغدا سكوتهما حجى وصباهما ... حلما وتلك الأريحية نائلا )
( ولأعقب النجم المرذ بديمة ... ولعاد ذاك الطل جودا وابلا )
( إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا )
والنقصان عن الكمال كقول أبي العلاء المعري
( وإن كنت تبغي العيش فابغ توسطا ... فعند التناهي يقصر المتطاول )
( توقى البدور النقص وهي أهلة ... ويدركها النقصان وهي كوامل )
وتتفرع من حالتي كماله ونقصه فروع لطيفة كقول ابن بابك في الأستاذ أبي علي وقد استوزره وأبا العباس الضبي فخر الدولة بعد وفاة ابن عباد
( وأعرت شطر الملك شطر كماله ... والبدر في شطر المسافة يكمل )

وقول أبي بكر الخوارزمي
( أراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... مقيما وإن أعسرت زرت لماما )
( فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه ... أغب وإن زاد الضياء أقاما )
المعنى لطيف وإن لم تساعده العبارة على ما يجب لأن الإغباب أن يتخلل بين وقتي الحضور وقت يخلو منه فإنما يصلح لأن يراد أن القمر إذا نقص نوره لم يوال الطلوع في كل ليلة بل يظهر في بعض الليالي دون بعض وليس الأمر كذلك لأنه على نقصانه يطلع كل ليلة حتى تكون السرار وكذا ينظر إلى بعده وارتفاعه وقرب ضوئه وشعاعه في نحو ما مضى من بيتي البحتري وإلى ظهوره في كل مكان كما في قول أبي الطيب
( كالبدر من حيث التفت وجدته ... يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا )
إلى غير ذلك ثم النظر في أركان التشبيه وهي أربعة طرفاه ووجهه وأداته وفي الغرض منه وفي تقسيمه بهذه الاعتبارات أما طرفاه فهما إما حسيان كما في تشبيه الخد بالورد والقد بالرمح والفيل بالجبل في المبصرات والصوت الضعيف بالهمس في المسموعات والنكهة بالعنبر في المشمومات والريق بالخمر في المذوقات والجلد الناعم بالحرير في الملموسات وإما عقليان كما في تشبيه العلم بالحياة
وإما مختلفان
والمعقول هو المشبه كما في تشبيه المنية بالسبع أو بالعكس كما في تشبيه العطر بخلق كريم والمراد بالحسي المدرك هو أو مادته بإحدى الحواس الخمس الظاهرة

فدخل فيه الخيالي كما في قوله
( وكأن محمر الشقيق ... إذا تصوب أو تصعد )
( أعلام ياقوت نشرن ... على رماح من زبرجد ) وقوله
( كلنا باسط اليد ... نحو نيلوفر ندي )
( كدبابيس عسجد ... قضبها من زبرجد )
والمراد بالعقلي ما عدا ذلك فدخل فيه الوهمي وهو ما ليس مدركا بشيء من الحواس الخمس الظاهرة مع أنه لو أدرك لم يدرك إلا بها كما في قول امرىء القيس
( ومسنونة زرق كأنياب أغوال ... )
وعليه قوله تعالى ( طلعها كأنه رؤوس الشياطين ) وكذا ما يدرك بالوجدان كاللذة والألم والشبع والجوع وأما وجهه فهو المعنى الذي يشترك فيه الطرفان تحقيقا أو تخييلا والمراد بالتخييل أن لا يمكن وجوده في المشبه به إلا على تأويل كما في قول القاضي التنوخي
( وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع )
فإن وجه الشبه فيه الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بيض في جوانب شيء مظلم أسود فهي غير موجود في المشبه به إلا على طريق التخييل وذلك أنه لما كانت البدعة والضلالة وكل ما هو جهل

يجعل صاحبها في حكم من يمشي في الظلمة فلا يهتدي إلى الطريق ولا يفصل الشيء من غيره فلا يأمن أن يتردى في مهواة أو يعثر على عدو قاتل أو آفة مهلكة شبهت بالظلمة ولزم على عكس ذلك أن تشبه السنة والهدى وكل ما هو علم بالنور وعليهما قوله تعالى ( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) وشاع ذلك حتى وصف الصنف الأول بالسواد كما في قول القائل شاهدت سواد الكفر من جبين فلان والصنف الثاني بالبياض كما في قول النبي ( أتيتكم بالحنيفية بالبيضاء وذلك لتخييل أن السنن ونحوها من الجنس الذي هو إشراق أو ابيضاض في العين وأن البدعة ونحوها على خلاف ذلك فصار تشبيه النجوم ما بين الدياجي بالسنن ما بين الابتداع كتشبيه النجوم في الظلام ببياض الشيب في سواد الشباب وبالأنوار مؤتلقة بين النبات الشديد الخضرة فالتأويل فيه أن تخيل ما ليس بمتلون متلونا ويحتمل وجها آخر وهو أن يتأول بأنه أراد معنى قولهم إن سواد الظلام يزيد النجوم حسنا فإنه لما كان وقوف العاقل على عوار الباطل يزيد الحق نبلا في نفسه وحسنا في مرآة عقله جعل هذا الأصل من المعقول مثالا للمشاهد المبصر هناك غير أنه لا يخرج مع هذا عن كونه على خلاف الظاهر لأن الظاهر أن يمثل المعقول في ذلك بالمحسوس كم فعل البحتري في قوله
( وقد زادها إفراط حسن جوارها ... خلائق أصفار من المجد خيب )
( وحسن دراري الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب )

ومن التشبيه التخييلي قول أبي طالب الرقي
( ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق ) فإنه لما كانت أيام المكاره توصف بالسواد توسعا فيقال اسود النهار في عيني وأظلمت الدنيا علي وكان الغزل يدعى القسوة على من لم يعشق والقلب القاسي يوصف بالسواد توسعا تخيل يوم النوى وفؤاد من لم يعشق شيئين لهما سواد وجعلهما أعرف به وأشهر من الظلام فشبهه بهما وكذا قول ابن بابك
( وأرض كأخلاق الكرام قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا )
فإن الأخلاق لما كانت توصف بالسعة والضيق تشبيها لها بالأماكن الواسعة والضيقة تخيل أخلاق الكرام شيئا له سعة وجعل أصلا فيها فشبه الأرض الواسعة بها وكذا قول التنوخي
( فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا )
فإنه لما كان يقال في الحق إنه منير واضح فيستعار له صفة الأجسام المنيرة وفي الظلم خلاف ذلك تخيلهما شيئين لهما إنارة وإظلام فشبه النار والفحم مجتمعين بهما مجتمعين وكذا ما كتب به الصاحب إلى القاضي أبي الحسن وقد أهدى له الصاحب عطر القطر
( يا أيها القاضي الذي نفسي له ... مع قرب عهد لقائه مشتاقه )
( أهديت عطرا مثل طيب ثنائه ... فكأنما أهدى له أخلاقه )
فإنه لما كان الثناء يشبه بالعطر ويشتق له منه تخيله شيئا له رائحة

طيبة وشبه العطر به ليوهم أنه أصل في الطيب وأحق به منه وكذا قول الآخر
( كأن انتضاء البدر من تحت غيمه ... نجاء من البأساء بعد وقوع )
فإنه لما رأى الخلاص من شدة يشبه بخروج البدر من تحت الغيم بانحساره عنه قلب التشبيه ليرى أن صورة النجاء من البأساء لكونها مطلوبة فوق كل مطلوب أعرف من صورة انتضاء البدر من تحت غيمه وإذا علم أن وجه الشبه هو ما يشترك فيه الطرفان علم فساد جعله في قول القائل النحو في الكلام كالملح في الطعام كون القليل مصلحا والكثير مفسدا لأن القلة والكثرة إنما يتصور جريانهما في الملح وذلك بأن يجعل منه في الطعام القدر المصلح أو أكثر منه دون النحو فإنه إذا كان من حكمه رفع الفاعل ونصب المفعول مثلا فإن وجد ذلك في الكلام فقد حصل النحو فيه وانتفى الفساد عنه وصار منتفعا به في فهم المراد منه وإلا لم يحصل وكان فاسدا لا ينتفع به فالوجه فيه هو كون الاستعمال مصلحا والإهمال مفسدا لاشتراكهما في ذلك ومما يتصل بهذا ما حكي أن ابن شرف القيرواني أنشد ابن رشيق قوله
( غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم )
وقال له هل سمعت هذا المعنى فقال ابن رشيق سمعته وأخذته أنت وأفسدته أما الأخذ فمن النابغة الذبياني حيث يقول
( خلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو إمة وهو طائع )
( لكلفتني ذنب امرىء وتركته ... كذا العر يكوي غيره وهو راتع )

وأما الإفساد فلأن سبابة المتندم أول شيء يتألم منه فلا يكون المعاقب غير الجاني وهذا بخلاف بيت النابغة فإن المكوى من الإبل يألم وما به عر البتة وصاحب العر لا يألم جملة وهو إما غير خارج عن حقيقة الطرفين أو خارج والأول إما تمام حقيقتهما كما في تشبيه إنسان بإنسان في كونه إنسانا أو جزؤهما كما في تشبيه بعض الحيوانات العجم بالإنسان في كونه حيوانا والثاني صفة إما حقيقية أو إضافية والحقيقة إما حسية وهي الكيفيات الجسيمة مما يدرك بالبصر من الألوان والأشكال والمقادير والحركات وما يتصل بها من الحسن والقبح وغير ذلك أو بالسمع من الأصوات القوية والضعيفة والتي بين بين أو بالذوق من أنواع الطعوم أو بالشم من أنواع الروائح أو باللمس من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والخشونة والملاسة واللين والصلابة والخفة والثقل وما ينضاف إليها وإما عقلية كالكيفيات النفسية من الذكاء والتيقظ والمعرفة والعلم والقدرة والكرم والسخاء والغضب والحلم وما جرى مجراها من الغرائز والأخلاق والإضافية كإزالة الحجاب في تشبيه الحجة بالشمس

تقسيم أخر باعتبار آخر
ووجه الشبه إما واحد أو غير واحد والواحد إما حسي أو عقلي وغير الواحد إما بمنزلة الواحد لكونه مركبا من أمرين أو أمور أو متعدد غير مركب والمركب إما حسي أو عقلي والمتعدد إما حسي أو عقلي أو مختلف والحسي لا يكون طرفاه إلا حسيين لامتناع أن يدرك بالحس من غير الحسي شيء والعقلي طرفاه إما عقليان أو حسيان أو مختلفان لجواز أن يدرك بالعقل من الحسي شيء ولذلك يقال التشبيه بالوجه العقلي أعم من التشبيه بالوجه الحسي قال الشيخ صاحب المفتاح وههنا نكتة لا بد من التنبه لها وهي أن التحقيق في وجه الشبه يأبى أن يكون غير عقلي وذلك أنه متى كان حسيا وقد عرفت أنه يجب أن يكون موجودا في الطرفين وكل موجود فله تعين فوجه الشبه مع المشبه متعين فيمتنع أن يكون هو بعينه موجودا مع المشبه به لامتناع حصول المحسوس المعين ههنا مع كونه بعينه هناك بحكم الضرورة وبحكم التنبيه على امتناعه إن شئت وهو استلزامه إذا عدمت حمرة الخد دون حمرة الورد أو بالعكس كون الحمرة معدومة موجودة معا وهكذا في أخواتها
بل يكون مثله مع

المشبه به لكن المثلين لا يكونان شيئا واحدا ووجه الشبه بين الطرفين كما عرفت واحد فيلزم أن يكون أمرا كليا مأخوذا من المثلين بتجريدهما عن التعين لكن ما هذا شأنه فهو عقلي ويمتنع أن يقال فالمراد بوجه الشبه حصول المثلين في الطرفين فإن المثلين متشابهان فمعهما وجه تشبيه فإن كان عقليا كان المرجع في وجه الشبه العقل في المال وإن كان حسيا استلزم أن يكون مع المثلين مثلان آخران وكان الكلام فيهما كالكلام فيما سواهما ويلزم التسلسل هذا لفظه ويمكن أن يقال المراد بكونه حسيا أن تكون أفراده مدركة بالحس كالسواد فإن أفراده مدركة بالبصر وإن كان هو نفسه غير مدرك به ولا بغيره من الحواس الواحد الحسي كالحمرة والخفاء وطيب الرائحة ولذة الطعم ولين الملمس في تشبيه الخد بالورد والصوت الضعيف بالهمس والنكهة بالعنبر والريق بالخمر والجلد الناعم بالحرير كما سبق والواحد العقلي كالعراء عن الفائدة في تشبيه وجود الشيء العديم النفع بعدمه وجهة الإدراك في تشبيه العلم بالحياة فيما طرفاه معقولان والجراءة في تشبيه الرجل الشجاع بالأسد ومطلق الاهتداء في تشبيه أصحاب النبي عنهم بالنجوم فيما طرفاه محسوسان والهداية في تشبيه العلم بالنور وتحصيل ما بين الزيادة والنقصان في تشبيه العدل بالقسطاس فيما المشبه فيه معقول والمشبه به محسوس واستطابة النفس في تشبيه العطر بخلق كريم وعدم الخفاء في تشبيه النجوم بالسنن فيما المشبه فيه محسوس والمشبه به معقول قال الشيخ صاحب المفتاح وفي أكثر هذه الأمثلة في معنى وحدتها تسامح والمركب الحسي طرفاه إما مفردان كالهيئة الحاصلة

من الحمرة والشكل الكري والمقدار المخصوص في قول ذي الرمة
( وسقط كعين الديك عاورت صاحبي ... أباها وهيأنا لموقعها وكرا )
وكالهيئة الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرة الصغار المقادير في المرأى على كيفية مخصوصة إلى مقدار مخصوص في قول أحيحة بن الجلاح أو قيس بن الأسلت
( وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا )
وإما مركبان كالهيئة الحاصلة من هوى أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار متفرقة في جواب شيء مظلم في قول بشار
( كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه )
وكالهيئة الحاصلة من تفرق أجرام متلألئة مستديرة صغار المقادير في المرأى على سطح جسم أزرق صافي الزرقة في قول أبي طالب الرقي
( وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق )
وإما مختلفان كما في تشبيه الشاة الجبلي بحمار أبتر مشقوق الشفة والحوافر نابت على رأسه شجرتا غضا وكما مر في تشبيه الشقيق والنيلوفر
ومن بديع هذا النوع أعني المركب الحسي ما يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركة ويكون على وجهين أحدهما أن يقرن

بالحركة غيرها من أوصاف الجسم كالشكل واللون كما في قوله
( والشمس كالمرآة في كف الأشل ... )
ومن الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق والحركة السريعة المتصلة وما يحصل من الإشراق بسبب تلك الحركة من التموج والاضطراب حتى يرى الشعاع كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة ثم يبدو له فيرجع من الانبساط الذي بدا له إلى الانقباض كأنه يجتمع من الجوانب إلى الوسط فإن الشمس إذا أحد الإنسان النظر إليها ليتبين جرمها وجدها مؤدية لهذه الهيئة وكذا المرآة إذا كانت في يد الأشل ومثله قول المهلبي الوزير
( والشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب )
( كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب )
فإن البوتقة إذا أحميت وذاب فيها الذهب تشكل بشكلها في الاستدارة وأخذ يتحرك فيها بجملته تلك الحركة العجيبة كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانبها لما في طبعه من النعومة ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض لما بين أجزائه من شدة الاتصال والتلاحم ولذلك لا يقع فيه غليان على الصفة التي تكون في الماء ونحوه مما يتخلله الهواء وكما في قول الصنوبري
( كأن في غدرانها ... حواجبا ظلت تمط )
أراد ما يبدو في صفحة الماء من أشكال الماء كأنصاف دوائر صغار ثم تمتد امتدادا ينقص من انحنائها فينقلها من التقوس إلى

الاستواء وذلك أشبه شيء بالحواجب إذا امتدت لأن الحاجب كما لا يخفي تقويسا ومدة ينقص من تقويسه والوجه الثاني أن تجرد هيئة الحركة عن كل وصف غيرها للجسم فهناك أيضا لا بد من اختلاط حركات كثيرة للجسم إلى جهات مختلفة له كأن يتحرك بعضه إلى اليمين وبعضه إلى الشمال وبعضه إلى العلو وبعضه إلى السفل فحركة الرحا والدولاب والسهم لا تركيب فيها لاتحاد الحركة وحركة المصحف في قول ابن المعتز
( وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا )
فيها تركيب لأنه يتحرك في الحالتين إلى جهتين في كل حالة إلى جهة
وكلما كان التفاوت في الجهات التي تتحرك أبعاض الجسم إليها أشد كان التركيب في هيئة المتحرك أكثر ومن لطيف ذلك قول الأعشى يصف السفينة في البحر وتقاذف الأمواج بها
( تقص السفين بجانبيه كما ... ينزو الرياح خلاله كرع )
قال الشيخ عبد القاهر الرياح الفصيل وقيل القرد والكرع ماء السماء شبه السفينه في انحدارها وارتفاعها بحركات الفصيل في نزوه فإنه يكون له حينئذ حركات متفاوته تصير لها أعضاؤه في جهات مختلفة ويكون هناك تسفل وتصعد على غير ترتيب وبحيث يدخل أحدهما في الآخر فلا يتبينه الطرف مرتفعا حتى يراه متسفلا وذلك أشبه شيء بحال السفينة وهيئة حركاتها حين تتدافعها الأمواج ومنه قول آخر
( حفت بسرو كالقيان ولحفت ... خضر الحرير على قوام معتدل )

( فكأنها والريح جاء يميلها ... تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل )
فإن فيه تفصيلا دقيقا وذلك أنه راعى الحركتين حركة التهيؤ للدنو والعناق وحركة الرجوع إلى أصل الافتراق وأدى ما يكون في الثانية من سرعة زائدة تأدية لطيفة لأن حركة الشجرة المعتدلة في حال رجوعها إلى اعتدالها أسرع لا محالة من حركتها في حال خروجها من مكانها من الاعتدال وكذلك حركة من يدركه الخجل فيرتدع أسرع من حركة من يهم بالدنو لأن إزعاج الخوف أقوى أبدا من إزعاج الرجا
( ومما مذهبه السهل الممتنع من هذا الضرب قول امرىء القيس
( مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل )
يقول إن هذا الفرس لفرط ما فيه من لين الرأس وسرعة الانحراف ترى كفله في الحال التي ترى فيها لببه فهو كجلمود صخر دفعه السيل من مكان عال فإن الحجر بطبعه يطلب جهة السفل لأنها مركزه فكيف إذا أعانته قوة دفع السيل من عل فهو لسرعة تقلبه يرى أحد وجهيه حين يرى الآخر وكما يقع التركيب في هيئة الحركة قد يقع في هيئة السكون فمن لطيف ذلك قول أبي الطيب في صفة الكلب
( يقعي جلوس البدوي المصطلي ... )
إنما لطف من حيث كان لكل عضو من الكلب في إقعائه موقع خاص وللمجموع صورة خاصة مؤلفة من تلك المواقع

ومنه البيت الثاني من قوله الآخر في صفة مصلوب
( كأنه عاشق قد مد صفحته ... يوم الوداع إلى توديع مرتحل )
( أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطيه من الكسل )
والتفصيل فيه أنه شبهه بالمتمطي إذا واصل تمطيه مع التعرض لسببه وهو اللوثة والكسل فيه فنظر إلى هذه الجهات الثلاث ولو اقتصر على أنه كالمتمطي كان قريب التناول لأن هذا القدر يقع في نفس الرائي للمصلوب ابتداء لأنه من باب الجملة
وشبيه بهذا القول قول الآخر
( لم أر صفا مثل صف الزط ... تسعين منهم صلبوا في خط )
( من كل عال جذعه بالشط ... كأنه في جذعه المشتط )
( أخو نعاس جد في التمطي ... قد خامر النوم ولم يغط )
والفرق بين هذا والأول أن الأول صريح في الاستمرار على الهيئة والاستدامة لها دون بلوغ الصفة غاية ما يمكن أن يكون عليها والثاني بالعكس
قال الشيخ عبد القاهر وشبيه بالأول في الاستقصاء قول ابن الرومي في المصلوب أيضا
( كأن له في الجو حبلا يبوعه ... إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل )
فقوله إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل كقوله مواصل لتمطيه من الكسل في التنبيه على استدامة الشبه لأنه إذا كان لا يزال يبوع

حبلا لم يقبض باعه ولم يرسل يده في ذلك بقاء شبه المصلوب على الاتصال
والمركب العقلي كالمنظر المطمع مع المخبر المؤيس الذي هو على عكس ما قدر في قوله تعالى ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) شبه ما يعمله من لا يقرن الإيمان المعتبر بالأعمال التي يحسبها تنفعه عند الله وتنجيه من عذابه ثم يخيب في العاقبة في أمله ويلقى خلاف ما قدر بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه عطش يوم القيامة فيحسبه ماء فيأتيه فلا يجد ما رجاه ويجد زبانية الله عنده فيأخذونه فيعتلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق فهو كما ترى منتزع من أمور مجموعة قرن بعضها إلى بعض وذلك أنه روعي من الكافر فعل مخصوص وهو حسبان الأعمال نافعة له وأن تكون للأعمال صورة مخصوصة وهي صورة الأعمال الصالحة التي وعد الله تعالى بالثواب عليها بشرط الإيمان به وبرسله عليهم السلام وأنها لا تفيدهم في العاقبة شيئا وأنهم يلقون فيها عكس ما أملوه وهو العذاب الأليم وكذا في جانب المشبه به وكحرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه كما في قوله تعالى ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ) فإنه أيضا منتزع من أمور مجموعة قرن بعضها إلى بعض وذلك أنه روعي من الحمار فعل مخصوص وهو الحمل وأن يكون المحمول شيئا

مخصوصا وهي الأسفار التي هي أوعية العلوم وأن الحمار جاهل بما فيها وكذا في جانب المشبه
واعلم أنه قد تقع بعد أداة التشبيه أمور يظن أن المقصود أمر منتزع من بعضها فيقع الخطأ لكونه أمرا منتزعا من جميعها كقوله
( كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت )
فإنه ربما يظن أن الشطر الأول منه تشبيه مستقل بنفسه لا حاجة به إلى الثاني على أن المقصود به ظهور أمر مطمع لمن هو شديد الحاجة إليه ولكن بالتأمل يظهر أن مغزى الشاعر في التشبيه أن يثبت ابتداء مطمعا متصلا بانتهاء مؤيس وذلك يتوقف على البيت كله فإن قيل هذا يقتضي أن يكون بعض التشبيهات المجتمعة كقولنا زيد يصفو يكدر تشبيها واحدا لأن الاقتصار على أحد الخبرين يبطل الغرض من الكلام لأن الغرض منه وصف المخبر عنه بأنه يجمع بين الصفتين وأن إحداهما لا تدوم قلنا الفرق بينهما أن الغرض في البيت أن يثبت ابتداء مطمع متصل بانتهاء مؤيس كما مر وكون الشيء ابتداء لآخر زائد على الجمع بينهما وليس في قولنا يصفو ويكدر أكثر من الجمع بين الصفتين ونظير البيت قولنا يصفو ثم يكدر لإفادة ثم الترتيب المقتضي ربط أحد الوصفين بالآخر وقد ظهر مما ذكرنا أن التشبيهات المجتمعة تفارق التشبيه المركب في مثل ما ذكرنا بأمرين أحدهما أنه لا يجب فيها الترتيب الثاني أنه إذا حذف بعضها لا يتغير حال الباقي في إفادة ما كان يفيده قبل الحذف فإذا قلنا زيد كالأسد بأسا والسيف مضاء والبحر جودا لا يجب أن يكون

لهذه التشبيهات نسق مخصوص بل لو قدم التشبيه بالبحر أو التشبيه بالسيف جاز ولو أسقط واحد من الثلاثة لم يتغير حال غيره في إفادة معناه بخلاف المركب فإن المقصور منه يختل بالسقاط بعض الأمور والمتعدد الحسي كاللون والطعم والرائحة في تشبيه فاكهة بأخرى والمتعدد العقلي كحدة النظر وكمال الحذر وإخفاء السفاد في تشبيه طائر بالغراب والمتعدد المختلف كحسن الطلعة ونباهة الشأن في تشبيه إنسان بالشمس
واعلم أن الطريق في اكتساب وجه الشبه أن يميز عما عداه فإذا أردت أن تشبه جسما بجسم في هيئة حركة وجب أن تطلب الوفاق بين الهيئة والهيئة مجردتين عن الجسم وسائر أوصافه من اللون وغيره كما فعل ابن المعتز في تشبيه البرق فإنه لم ينظر إلى شيء من أوصافه سوى الهيئة التي تجدها العين من انبساط يعقبه انقباض وأما أداته فالكاف في نحو قولك زيد كالأسد وكأن في نحو قولك زيد كأنه أسد ومثل في نحو قولك زيد مثل الأسد وما في معنى مثل كلفظه نحو وما يشتق من لفظه مثل وشبه ونحوهما والأصل في الكاف ونحوها أن يليها المشبه به وقد يليها مفرد لا يتأتى التشبيه به وذلك إذا كان المشبه به مركبا كقوله تعالى ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح ) إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء ولا بمفرد آخر يتمحل لتقديره بل المراد تشبيه حالها في نضارتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء

بحال النبات يكون أخضر وارقا ثم يهيج فتطيره الرياح كأن لم يكن وأما قوله عز و جل ( يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله ) فليس منه لأن المعنى كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم من أنصاري إلى الله وقد يذكر فعل ينبىء عن التشبيه كعلمت في كقولك علمت زيدا أسدا ونحوه هذا إذا قرب التشبيه فإن بعد أدنى تبعيد قيل خلته وحسبته ونحوهما وأما الغرض من التشبيه فيعود في الأغلب إلى المشبه وقد يعود إلى المشبه به أما الأول فيرجع إلى وجوه مختلفة منها بيان أن وجود المشبه ممكن وذلك في كل أمر غريب يمكن أن يخالف فيه ويدعي امتناعه كما في قول أبي الطيب
( فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال )
أراد أنه فاق الأنام في الأوصاف الفاضلة إلى حد بطل معه أن يكون واحدا منهم بل صار نوعا آخر برأسه أشرف من الإنسان وهذا أعنى أن يتناهى بعض أفراد النوع في الفضائل إلى أن يصير كأنه ليس منها أمر غريب يفتقر من يدعيه إلى إثبات جواز وجوده على الجملة حتى يجيء إلى إثبات وجوده في الممدوح فقال فإن المسك بعض دم الغزال أي ولا يعد في الدماء لما فيه من الأوصاف الشريفة التي لا يوجد شيء منها في الدم وخلوه من الأوصاف التي لها كان الدم دما فأبان أن لما ادعاه أصلا في الوجود على الجملة ومنها بيان حاله كما في تشبيه ثوب بثوب آخر في السواد إذا علم لون المشبه به دون

المشبه ومنها بيان مقدار حاله في القوة والضعف والزيادة والنقصان كما في قوله
( مداد مثل خافية الغراب ... ) وعليه قول الآخر
( فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع )
أي بلغت في بوار سعيي في الوصول إليها وأن أمتع بها أقصى الغايات حتى لم أحظ منها بما قل ولا بما كثر ومنها تقرير حاله في نفس السامع كما في تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل بمن يرقم على الماء وعليه قوله عز و جل ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ) فإنه بين ما لم تجر به العادة بما جرت به العادة وهذه الوجوه تقتضي أن يكون وجه الشبه في المشبه به أتم وهو به أشهر ولهذا ضعف قول البحتري
( على باب قنسرين والليل لاطخ ... جوانبه من ظلمة بمداد )
فإنه رب مداد فاقد اللون والليل بالسواد وشدته أحق وأحرى ولهذا قال ابن الرومي
( حبر أبي حفص لعاب الليل ... يسيل للإخوان أي سيل )
فبالغ في وصف الحبر بالسواد حين شبهه بالليل فكأنه نظر إلى قول العامة في الشيء الأسود هو كالنفس ثم تركه للقافية إلى المداد ومنها تزيينه للترغيب فيه كما في تشبيه وجه أسود بمقلة الظبي ومنها

تشويهه للتنفير عنه كما في تشبيه وجه مجدور بسلحة جامدة قد نفرتها الديكة وقد أشار إلى هذين القرضين ابن الرومي في قوله
( تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلت ذا قيء في الزنابير )
ومنها استطرافه كما في تشبيه فحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب لإبرازه في صورة الممتنع عادة وللاستطراف وجه آخر وهو أن يكون المشبه به قادر الحضور إما مطلقا كما مر وإما عند حضور المشبه كما في قوله
( ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت )
( كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت )
فإن صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها في الذهن ندرة صورة بحر من المسك موجه الذهب وإنما النادر حضورها عند حضور صورة البنفسج فإذا أحضر مع صحة الشبه استطرف لمشاهدة عناق بين صورتين لا تتراءى نارهما ومما يؤيد هذا ما يحكى أن جريرا قال أنشدني عدي
( عرف الديار توهما فاعتادها ... )
فلما بلغ إلى قوله
( تزجى أغن كأن إبرة روقة ... )
رحمته وقلت وقد وقع ما عساه يقول وهو أعرابي جلف جاف فلما قال
( قلم أصاب من الدواة مدادها ... )

استحالت الرحمة حسدا فهل كانت رحمته في الأولى والحسد في الثانية إلا لأنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر شبه وحين أتمه صادفه قد ظفر بأقرب صفة من أبعد موصوف وذكر الشيخ عبد القاهر رحمه الله لاستطراف في تشبيه البنفسج بنار الكبريت وجها آخر وهو أنه أراك شبها لنبات غض يرف وأوراق رطبة من لهب نار في جسم مستول عليه اليبس ومبني الطباع وموضوع الجبلة على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه وخرج من موضع ليس بمعدن له كانت صبابة النفوس به أكثر وكان الشغف به أجدر وأما الثاني فيكون في الغالب إيهام أن المشبه به أتم من المشبه في وجه الشبه وذلك في التشبيه المقلوب وهو أن يكون الأمر بالعكس كقول محمد بن وهيب
( وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح )
فإنه قصد إيهام أن وجه الخليفة أتم من الصباح في الوضوح والضياء واعلم أن هذا وإن كان في الظاهر يشبه قولهم لا أدري أوجهه نور أم الصبح وغرته أضوأ أم البدر وقولهم إذا أفرطوا نور الصباح يخفى في ضوء وجهه أو نور الشمس مسروق من نور جبينه ونحو ذلك من وجوه المبالغة فإن في الأول خلابة وشيئا من السحر ليس في الثاني وهو كأنه يستكثر للصباح أن يشبهه بوجه الخليفة ويوهم أنه احتشد له واجتهد في تشبيه يفخم به أمره فيوقع المبالغة في نفسك من حيث لا تشعر ويفيدكها من غير أن يظهر ادعاؤه لها لأنه وضع كلامه وضع من يقيس على أصل متفق عليه لا يشفق من خلاف مخالف وتهكم متهكم والمعاني إذا وردت على النفس هذا المورد كان

لها نوع من السرور عجيب فكانت كالنعمة التي لا يدركها المنة وكالغنيمة من حيث لا تحتسب وفي قوله حين يمتدح فائدة شريفة وهي الدلالة على اتصاف الممدوح بما لا يوجد إلا فيمن هو كامل في الكرم من معرفة حق المادح على ما احتشد له من تزيينه وقصده من تفخيم شأنه في عيون الناس بالإصغاء إليه والارتياح له والدلالة بالبشر والطلاقة على حسن موقعه عنده ومنه قوله تعالى حكاية عن مستحلي الربا ( إنما البيع مثل الربا ) فإن مقتضى الظاهر أن يقال إنما الربا مثل البيع إذ الكلام في الربا لا في البيع فخالفوا لجعلهم الربا في الحل أقوى حالا من البيع وأعرف به ومنه قوله عز و جل ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ) فإن مقتضى الظاهر العكس لأن الخطاب للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيها بالله سبحانه وتعالى فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق فخولف في خطابهم لأنهم بالغوا في عبادتها وغلوا حتى صارت عندهم أصلا في العبادة والخالق سبحانه فرعا فجاء الإنكار على وفق ذلك قال السكاكي عندي أن المراد بمن لا يخلق الحي العالم القادر من الخلق تعريضا بإنكار تشبيه الأصنام بالله عز و جل وقوله ( أفلا تذكرون ) تنبيه توبيخ عليه ونحو قوله تعالى ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه ) بدل أرأيت من اتخذ هواه إلهه وقد يكون الغرض العائد إلى المشبه به بيان الاهتمام به كتشبيه

الجائع وجها كالبدر في الإشراق والاستدارة بالرغيف إظهارا للاهتمام بشأن الرغيف لا غير وهذا يسمى إظهار المطلوب قال السكاكي ولا يحسن المصير إليه إلا في مقام الطمع في تسني المطلوب كما يحكى عن الصاحب أن قاضي سجستان دخل عليه فوجده الصاحب متفننا فأخذ يمدحه حتى قال
( وعالم يعرف بالسجزي ... )
وأشار للندماء أن ينظموا على أسلوبه ففعلوا واحدا بعد واحد إلى أن انتهت النوبة إلى شريف في البين فقال
( أشهى إلى النفس من الخبز ... )
فأمر الصاحب أن تقدم له مائدة هذا كله إذا أريد إلحاق الناقص في وجه الشبه حقيقة أو ادعاء بالزائد فإن أريد مجرد الجمع بين شيئين في أمر فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه ليكون كل واحد من الطرفين مشبها ومشبها به احترازا من ترجيح أحد المتساويين على الآخر كقول أبي إسحاق الصابي
( تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب )
( فوالله ما أدري أبالخمر أسبلت ... جفوني أم من عبرتي كنت أشرب ) وكقول الآخر
( رق الزجاج وراقت الخمر ... وتشابها فتشاكل الأمر )
( فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر )
ويجوز التشبيه أيضا كتشبيه غرة الفرس بالصبح وتشبيه الصبح

بغرة الفرس متى أريد ظهور منير في مظلم أكثر منه وتشبيه الشمس بالمرآة المجلوة أو الدينار الخارج من السكة كما قال
( وكأن الشمس المنيرة دينا ... رجلته حدائد الضراب )
وتشبيه المرآة المجلوة أو الدينار الخارج من السكة بالشمس متى أريد استدارة متلألىء متضمن لخصوص في اللون وإن عظم التفاوت بين بياض الصبح وبياض الغرة وبين نور الشمس ونور المرآة والدينار وبين الجرمين فإنه ليس شيء من ذلك بمنظور إليه في التشبيه وعلى هذا ورد تشبيه الصبح في الظلام بعلم أبيض على ديباج أسود في قول ابن المعتز
( والليل كالحلة السوداء لاح به ... من الصباح طراز غير مرقوم )
فإن تشبيه حسن مقبول وإن كان التفاوت في المقدار بين الصبح والطراز في الامتداد والانبساط شديدا وأما تقسيم التشبيه فباعتبار طرفيه أربعة أقسام الأول تشبيه المفرد بالمفرد وهو ما طرفاه مفردان أما غير مقيدين كتشبيه الخد بالورد ونحوه وعليه قوله تعالى ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) فإن قلت ما وجه الشبه في الآية قلت جعله الزمخشري حسيا فإنه قال لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه شبه باللباس المشتمل عليه قال الجعدي
( إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... تثنت فكانت عليه لباسا )

وكل قيل شبه كل واحد باللباس للآخر لأنه يصونه من الوقوع في فضيحة الفاحشة كاللباس الساتر للعورة وإما مقيدان كقولهم لمن لم يحصل من سعيه على شيء هو كالقابض على الماء وكالراقم في الماء فإن المشبه هو الساعي لا مطلقا بل مقيدا بكون سعيه كذلك والمشبه به هو القابض أو الراقم لا مطلقا بل مقيدا بكونه قبضه على الماء أو رقمه فيه لأن وجه الشبه فيهما هو التسوية بين الفعل وعدمه في عدم الفائدة والقبض على الماء والرقم فيه كذلك لأن فائدة قبض اليد على الشيء أن يحصل فيها فإذا كان مما لا يتماسك فقبضها عليه وعدمه سواء وكذلك القصد بالرقم في الشيء أن يبقى أثره فيه فإذا فعل فيما لا يقبله كان فعله كعدمه فالقيد في هاتين الصورتين هو الجار والمجرور ونحوهما قولهم هو كمن يجمع سيفين في غمد وقولهم هو كمبتغي الصيد في عريسة الأسد وقد يكون حالا كقولهم هو كالحادي وليس له بعير
ومما طرفاه مقيدان قول الشاعر
( إني وتزييني بمدحي معشرا ... كمعلق درا على خنزير )
فإن المشبه فيه هو المتكلم بقيد اتصافه بتزيينه بمدحه معشرا فمتعلق التزيين أعني قوله بمدحي داخل في المشبه والمشبه به من يعلق درا بقيد أن يكون تعليقه إياه على خنزير فالشبه مأخوذ من مجموع المصدر وما في صلته وهو أن كل واحد منهما يضع الزينة حيث لا يظهر لها أثر لأن الشيء غير قابل للتزيين قالوا أو في قوله وتزييني بمعنى مع إذ لا يمكن أن يقال إني كذا وإن تزييني كذا لأنه ليس معنا شيئان يكون أحدهما خبرا عن ضمير المتكلم والآخر عن تزييني لا يقال تقديره إني كمعلق درا على خنزير وإن

تزييني بمدحي معشرا كتعليق در على خنزير لأنه لا يتصور أن يشبه المتكلم نفسه من حيث هو بمعلق درا على خنزير بل لا بد أن يكون يشبه نفسه باعتبار تزيينه بمدحه معشرا وإما مختلفان والمقيد هو المشبه به كقوله
( والشمس كالمرآة في كف الأشل ... )
فإن المشبه هو الشمس على الإطلاق والمشبه به هو المرآة لا على الإطلاق بل بقيد كونها في يد الأشل أو على عكس ذلك كتشبيه المرآة في كف الأشل بالشمس
الثاني تشبيه المركب بالمركب وهو ما طرفاه كثرتان مجتمعتان كما في قول البحتري
( ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغنم الجهام )
لا يريد به تشبيه بياض الحجول على الانفراد بالبرق بل مقصوده الهيئة الخاصة الحاصلة من مخالطة أحد اللونين بالآخر وكذلك المقصود في بيت بشار ولذلك وجب الحكم بأن أسيافنا في حكم الصلة للمصدر ونصب الأسياف لا يمنع من تقدير الاتصال لأن الواو فيها بمعنى مع قولهم لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها ومما ينبه على ذلك أن قوله تهاوى كواكبه جملة وقعت صفة لليل فإن الكواكب مذكورة على سبيل التبع لليل ولو كانت مستبدة بشأنها لقال ليل وكواكب وأما بيت امرىء ا لقيس
( كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي )

فهو على خلاف هذا لأن أحد الشيئين فيه في الطرفين معطوف على الآخر أما في طرف المشبه به فبين وأما في طرف المشبه فلأن الجمع في المتفق كالعطف في المختلف فاجتماع شيئين أو أشياء في لفظ تثنية أو جمع لا يوجب أن أحدهما أو أحدها في حكم التابع للآخر كما يكون ذلك إذا جرى الثاني صفة للأول أو حالا منه أو ما أشبه ذلك وقد صرح بالعطف فيما أجراه بيانا له من قوله رطبا ويابسا وهذا القسم ضربان أحدهما ما لا يصح تشبيه كل جزء من أحد طرفيه بما يقابله من الطرف الآخر كقوله
( غدا والصبح تحت الليل باد ... كطرف أشهب ملقى الجلال )
فإن الجلال فيه في مقابلة الليل ولو شبهه به لم يكن شيئا وكقول الآخر
( كأنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعة )
( منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه )
فإن المريخ في مقابلة المنصرف عن الدعوة ولو قيل كأن المريخ منصرف بالليل عن دعوة كان خلفا من القول والثاني ما يصح تشبيه كل جزء من أجزاء أحد طرفيه بما يقابله من أجزاء الطرف الآخر غير أن الحال تتغير ومثاله قوله
( وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق )
فإنه لو قيل كأن النجوم درر وكأن السماء بساط أزرق كان تشبيها صحيحا لكن أين يقع من التشبيه الذي يريك الهيئة التي تملأ

القلوب سرورا وعجبا من طلوع النجوم مؤتلفة متفرقة في أديم السماء وهي زرقاء زرقتها الصافية الثالث تشبيه المفرد بالمركب كما مر من تشبيه الشاة الجبلى والشقيق والنيلوفر
الرابع تشبيه المركب بالمفرد كقول أبي تمام
( يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور )
( تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر )
يعني أن النبات من شدة خضرته مع كثرته وتكاثفه قد صار لونه إلى الاسوداد فنقص من ضوء الشمس حتى صار كضوء القمر وأيضا إن تعدد طرفاه فهو إما ملفوف أو مفروق فالملفوف ما أتى فيه بالمشبهين ثم بالمشبه بهما كقول امرىء القيس
( كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي )
وغير الملفوف بخلاف ذلك كقول المرقش الأكبر
( النشر مسك والوجوه دنانير ... وأطراف الأكف عنم )
ومنه قول أبي الطيب
( بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا )
وإن تعدد طرفه الأول أعني المشبه دون الثاني سمي تشبيه التسوية كقول الآخر
( صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كالليالي )
( وثغره في صفاء ... وأدمعي كاللآلي )

وإن تعدد طرفه الثاني أعني المشبه به دون الأصل سمي تشبيه الجمع كقول البحتري
( كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح )
ومثله قول امرىء القيس
( كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر )
( يعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر والمستحر )
إلا أن فيه شوبا من القصد إلى هيئة الاجتماع
وأما باعتبار وجهه فله ثلاث تقسيمات تمثيل وغير تمثيل ومجمل ومفصل وقريب وبعيد
التمثيل ما وجهه وصف منتزع من متعدد أمرين أو أمور وقيده السكاكي بكونه غير حقيقي ومثل بصور مثل بها غيره أيضا منها قول ابن المعتز
( اصبر على مضض الحسود ... فإن صبرك قاتله )
( فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله )
فإن تشبيه الحسود المتروك مقاولته مع تطلبه إياها لينال بها نفثة مصدور بالنار التي لا تمد بالحطب في أمر حقيقي منتزع من متعدد وهو إسراع الفناء لانقطاع ما فيه مدد البقاء ومنها قول صالح بن عبد القدوس
( وإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقي الماء في غرسه )
( حتى تراه مونقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه )

فإن تشبيه المؤدب في صباه بالعود المسقي أو أن غرسه فيما يلزم كل واحد من كون المؤدب في صباه مهذب الأخلاق حميد الفعال لتأديبه المصادف وقته وكون العود المسقى أو أن غرسه مونقا بأوراقه ونضرته لسقيه المصادف وقته من تمام الميل وكمال الاستحسان بعد خلاف ذلك ومنها قوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) فإن تشبيه حال المنافقين بحال الموصوف بصلة الموصول في الآية في أمر حقيقي منتزع من متعدد وهو الطمع في حصول مطلوب لمباشرة أسبابه القريبة مع تعقب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب
وغير التمثيل ما كان بخلاف ذلك كما سبق في الأمثلة المذكورة
والمجمل ما لم يذكر وجهه فمنه ما هو ظاهر يفهمه كل أحد حتى العامة كقولنا زيد أسد إذ لا يخفى على أحد أن المراد به التشبيه في الشجاعة دون غيرها ومنه ما هو خفي لا يدركه إلا من له ذهن يرتفع عن طبقة العامة كقول من وصف بني المهلب للحجاج لما سأله عنهم وأن أيهم أنجد كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها أي لتناسب أصولهم وفروعهم في الشرف يمتنع تعيين بعضهم فاضلا وبعضهم أفضل منه كما أن الحلقة المفرغة لتناسب أجزائها يمتنع تعيين بعضها طرفا وبعضها وسطا هكذا نسبه الشيخ عبد القاهر إلى من وصف بني المهلب ونسبه الشيخ جار الله العلامة إلى الأنمارية قيل هي فاطمة بنت الخرشب سئلت عن بنيها أيهم أفضل فقالت عمارة لا بل فلان لا بل

فلان ثم قالت ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها وأيضا منه ما لم يذكر فيه وصف المشبه ولا وصف المشبه به كالمثال الأول ومنه ما ذكر فيه وصف المشبه به وحده كالمثال الثاني ونحوه قول زياد الأعجم
( وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما تلق في البحر يغرق )
وكذا قول النابغة الذبياني
( فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب )
ومنه ما ذكر فيه وصف كل واحد منهما كقول أبي تمام
( صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عني وعاوده ظني فلم يخب )
( كالغيث إن جئته وافاك ريقه ... وإن ترحلت عنه لج في الطلب )
والمفصل ما ذكر وجهه كقول ابن الرومي
( يا شبيه البدر في الحسن ... وفي بعد المنال )
( جد فقد تنفجر الصخرة ... بالماء الزلال )
وقول أبي بكر الخالدي
( يا شبيه البدر حسنا ... وضياء ومنالا )
( وشبيه الغصن لينا ... وقواما واعتدالا )
( أنت مثل الورد لونا ... ونسيما وملالا )
( زارنا حتى إذا ما ... سرنا بالقرب زالا )
وقد يتسامح بذكر ما يستتبعه مكانه كقولهم في وصف الألفاظ

إذا وجدوها لا تثقل على اللسان لتنافر حروفها أو تكررها ولا تكون غريبة وحشية تستكره لكونها غير مألوفة ولا مما تبعد دلالتها على معانيها هي كالعسل في الحلاوة وكالماء في السلالة وكالنسيم في الرقة وقولهم في الحجة إذا كانت معلومة الأجزاء يقينية التأليف بينة الاستلزام للمطلوب هي كالشمس في الظهور والجامع في الحقيقة لازم الحلاوة وهو ميل الطبع ولازم السلالة والرقة وهو إفادة النفس نشاطا وروحا ولازم الظهور وهو إزالة الحجاب فإن شأن النفس مع الألفاظ الموصوفة بتلك الصفات كشأنها مع العسل الذي يلذ طعمه فتهش النفس له ويميل الطبع إليه ويحب وروده عليه أو كشأنها مع الماء الذي يسوغ في الحلق ومع النسيم الذي يسري في البدن فيتخلل المسالك اللطيفة منه فيفيدان النفس نشاطا وروحا وشأنها مع الشبهة التي تمنع القلب إدارك ما هي شبهة فيه كشأنها مع الحجاب الحسي الذي يمنع أن يرى ما يكون من ورائه ولذلك توصف بأنها اعترضت دون الذي يروم القلب إدراكه
قال الشيخ صاحب المفتاح وتسامحهم هذا لا يقع إلا حيث يكون التشبيه في وصف اعتباري كالذي نحن فيه وأقول يشبه أن يكون تركهم التحقيق في وجه الشبه على ما سبق التنبيه عليه من تسامحهم هذا انتهى كلامه
والقريب المبتذل وهو ما ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به من غير تدقيق نظر لظهور وجهه في بادىء الرأي وسبب ظهوره أمران الأول كونه الشبه أمرا جمليا فإن الجملة أسبق أبدا إلى النفس من

التفصيل ألا ترى أن الرؤية لا تصل في أول أمرها إلى الوصف على التفصيل لكن على الجملة ثم على التفصيل ولذلك قيل النظرة الأولى حمقاء وفلان لم ينعم النظر وكذا سائر الحواس فإنه يدرك من تفاصيل الصوت والذوق في المرة الثانية ما لم يدرك في المرة الأولى فمن يروم التفصيل كمن يبتغي الشيء من بين جملة يريد تمييزه مما اختلط به ومن يروم الإجمال كمن يريد أخذ الشيء جزافا وكذا حكم ما يدرك العقل ترى الجمل أبدا تسبق إلى الذهن والتفاصيل مغمورة فيها لا تحضر إلا بعد إعمال الروية والثاني كونه قليل التفصيل مع غلبة حضور المشبه به في الذهن إما عند حضور المشبه لقرب المناسبة بينهما كتشبيه العنبة الكبيرة السوداء بالإجاصة في الشكل وفي المقدار والجرة الصغيرة بالكوز كذلك وإما مطلقا لتكرره على الحس كما مر تشبيه الشمس بالمرآة المجلوة في الاستدارة والاستنارة فإن قرب المناسبة والتكرر كل واحد منهما يعارض التفصيل لاقتضائه سرعة الانتقال والبعيد الغريب وهو ما لا ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به إلا بعد فكر لخفاء وجهه في بادىء الرأي وسبب خفائه أمران أحدهما كونه كثير التفصيل كما سبق من تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل فإن ما ذكرناه من الهيئة لا يقوم في نفس الرائي للمرآة الدائمة الاضطراب إلا أن يستأنف تأملا ويكون في نظره متمهلا والثاني ندور حضور المشبه به في الذهن إما عند حضور المشبه لبعد المناسبة بينهما كما تقدم من تشبيه البنفسج بنار الكبريت وإما مطلقا لكونه وهميا أو مركبا خياليا أو مركبا عقليا كما مضى من تشبيه نصال السهام بأنياب الأغوال وتشبيه الشقيق بأعلام

ياقوت منشورة على رماح من الزبرجد وتشبيه مثل أحبار اليهود بمثل الحمار يحمل أسفارا فإن كلا سبب لندرة حضور المشبه به في الذهن أو لقلة تكرره على الحس كما مر من تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل فإنه ربما يقضي الرجل دهره ولا يتفق له أن يرى مرآة في يد الأشل فالغرابة في هذا التشبيه من وجهين والمراد بالتفصيل أن ينظر في أكثر من وصف واحد لشيء واحد أو أكثر وذلك يقع على وجوه كثيرة والأغلب الأعرف منها وجهان أحدهما أن تأخذ بعضا وتدع بعضا كما فعل امرؤ القيس في قوله
( حملت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان )
ففصل السنا عن الدخان وأثبته مفردا والثاني أن يعتبر الجميع كما فعل الآخر في قوله
( وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا )
فإنه اعتبر من الأنجم الشكل والمقدار واللون واجتماعها على المسافة المخصوصة في القرب ثم اعتبر مثل ذلك في العنقود المنور من الملاحية وكلما كان التركيب من أمور أكثر كان التشبيه أبعد وأبلغ كقوله تعالى ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ) فإنها عشر جمل إذا فصلت وهي وإن دخل بعضها في بعض حتى صارت كلها كأنها

جملة واحدة فإن ذلك لا يمنع من أن تشير إليها واحدة واحدة ثم إن الشبه منتزع من مجموعها من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض حتى لو حذف منها جملة أخل ذلك بالمغزى من التشبيه ومن تمام القول في هذه الآية ونحوها أن الجملة إذا وقعت في جانب المشبه به تكون على وجوه أحدها أن تلي نكرة فتكون صفة لها كما في هذه الآية وعليه قول النبي ( الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة والثاني أن تلي معرفة هي اسم موصول فتكون صلة له كقوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) الآية والثالث أن تلي معرفة ليست باسم موصول فتقع استئنافا كقوله عز وعلا ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ) ومن أبلغ الاستقصاء في التفصيل وعجيبه قول ابن المعتز
( كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غرابا ذا قوادم جون )
شبه ظلام الليل حين يظهر فيه ضوء الصبح بأشخاص الغربان ثم شرط أن يكون قوادم ريشها بيضاء لأن تلك الفرق من الظلمة تقع في حواشيها من حيث يلي معظم الصبح وعموده لمع نور يتخيل منها في العين كشكل قوادم بيض وتمام التدقيق في هذا التشبيه أن جعل ضوء الصبح لقوة ظهوره ودفعه لظلام الليل كأنه يحفز الدجى ويستعجلها ولا يرضى منها بأن تتمهل في حركتها ثم لما راعى ذلك في التشبيه ابتداء راعاه آخرا حيث قال نطير غرابا ولم يقل غراب

يطير ونحوه لأن الطائر إذا كان واقعا في مكان فأزعج وأطير منه أو كان قد حبس في يد أو قفص فأرسل كان ذلك لا محالة أسرع لطيرانه وأدعى له أن يستمر على الطيران حتى يصير إلى حيث لا تراه العيون بخلاف ما إذا طار عن اختيار فإنه حينئذ يجوز أن لا يسرع في طيرانه وأن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأول وكذا قول أبي نواس في صفة منقار البازي
( كعطفة الجيم بكف أعسرا ... )
غير خاف أن الجيم خطان أولهما الذي هو مبدؤه وهو الأعلى والثاني الذي يذهب إلى اليسار وإذا لم يوصل بها فلها تعريق والمنقار وإنما يشبه الخط الأعلى فقط فلهذا قال كعطفة الجيم ولم يقل كالجيم ثم دقق بأن جعلها بكف أعسر لأن جيم الأعسر يقال إنه أشبه بالمنقار من جيم الأيمن ثم أراد أن يؤكد أن الشبه مقصور على الخط الأعلى من الجيم فقال
( يقول من فيها بعقل فكرا ... لو زادها عينا إلى فاء ورا )
فاتصلت بالجيم صارت جعفرا فأبان أنه لم يدخل التعريق في التشبيه لأن الوصل يسقطه أصلا ولا الخط الأسفل وإن كان لا بد منه مع الوصل لأنه قال فاتصلت بالجيم أي بالعطفة المذكورة ولم يقتصر على قوله
( لو زادها عينا إلى فاء ورا ... )

ولأجل هذا التدقيق قال
( يقول من فيها بعقل فكرا ... ) فنبه على أن بالمشبه حاجة إلى فضل فكر وأن يكون فكره فكر من يراجع عقله وإذ قد تحققت ما ذكرنا من التفصيل علمت أن قول امرىء القيس في وصف السنان أعلى طبقة من قول الآخر
( يتابع لا يبتغي غيره ... بأبيض كالقبس الملتهب )
لخلو الثاني عن التفصيل الذي تضمنه الأول وهو قصر التشبيه على مجرد السنا وتصويره مقطوعا عن الدخان ومعلوم أن هذا لا يقع في الخاطر أول وهلة بل لا بد فيه من أن يتثبت وينظر في حال كل من الفرع والأصل حتى يقع في النفس أن في الأصل شيئا يقدح في حقيقة التشبيه وهو الدخان الذي يعلو رأس الشعلة وكذا قوله
( وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق ) أفضل من قول ذي الرمة
( كأنها فضة قد مسها ذهب ... )
لأن الأول مما يندر وجوده دون الثاني فإن الناس أبدا يرون في الصياغات فضة قد موهت بذهب ولا يكاد يتفق أن يوجد درر قد نثرن على بساط أزرق وكذا بيت بشار أعلى طبقة من قول أبي الطيب
( يزور الأعادي في سماء عجاجة ... أسنته في جانبيها الكواكب )

وكذا من قول الآخر
( تبنى سنابكها من فوق أرؤسهم ... سقفا كواكبه البيض المباتير )
لأن كل واحد منهما وإن راعى ا لتفصيل في التشبيه فإنه اقتصر على أن أراك لمعان الأسنة والسيوف في أثناء العجاجة بخلاف بشار فإنه لم يقتصر على ذلك بل عبر عن هيئة السيوف وقد سلت من أغمادها وهي تعلو وترسب وتجيء وتذهب وهذه الزيادة زادت التفصيل تفصيلا لأنها لا تقع في النفس إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة وذلك أن للسيوف عند احتدام الحرب واختلاف الأيدي بها في الضرب اضطرابا شديدا وحركات سريعة ثم لتلك الحركات جهات مختلفة تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض ثم هي باختلاف هذه الأمور تتلاقى ويصدم بعضها بعضا ثم أشكالها مستطيلة فنبه على هذه الدقائق بكلمة واحدة وهي قوله تهاوى لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركتها ثم كان لها في التهاوي تواقع وتداخل ثم استطالت أشكالها
وكذا قول الآخر في الآذريون
( مداهن من ذهب ... فيها بقايا غالية ) أعلى وأفضل من قوله فيه
( ككأس عقيق في قرارتها مسك ... )
لأن السواد الذي في باطن الآذريونة الموضوع بإزائه الغالية والمسك فيه أمران أحدهما أنه ليس بشامل له والثاني أنه لم يستدر في قعرها بل ارتفع منه حتى أخذ شيئا من سمكها من كل الجهات وله

في منقطعه هيئة تشبه آثار الغالية في جوانب المدهن إذا كانت بقية بقيت عن الأصابع وقوله في قراراتها مسك يبين الأمر الأول ويؤمن من دخول النقص عليه كما كان يدخل لو قال فيها مسك ولم يشترط أن يكون في القرارة وأما الثاني فلا يدل عليه كما يدل قوله بقايا عالية لأن من شأن المسك الشيء اليابس إذا حصل في شيء مستدير له قعر أن يستدير في القعر ولا يرتفع في الجوانب الارتفاع الذي في سواد الآذريونة بخلاف الغالية فإنها رطبة ثم تؤخذ بالأصابع فلا بد في البقية منها أن يرتفع عن القرارة ذلك الارتفاع ثم هي لنعومتها ترق فتكون كالصبغ الذي لا يظهر له جرم وذلك أصدق للشبه والبليغ من التشبيه ما كان من هذا النوع أعني البعيد لغرابته ولأن الشيء إذا نيل بعد الطلب له والاشتياق إليه كان نيله أحلى وموقعه من النفس ألطف وبالمسرة أولى ولهذا ضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد الماء على الظمأ كما قال
( وهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي )
لا يقال عدم الظهور ضرب من التعقيد والتعقيد مذموم لأنا نقول التعقيد كما سبق له سببان سوء ترتيب الألفاظ واختلال الانتقال من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو المراد باللفظ والمراد بعد الظهور في التشبيه ما كان سببه لطف المعنى ودقته أو ترتيب بعض المعاني على بعض كما يشعر بذلك قولنا في بادىء الرأي فإن المعاني الشريفة لا بد فيها في غالب الأمر من بناء ثان على أول ورد تال إلى سابق كما في قول البحتري

( دان على أيدي العفاة ... ) البيتين
فإنك تحتاج في تعريف معنى البيت الأول إلى معرفة وجه المجاز في كونه دانيا وشاسعا ثم تعود إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى وتنظر كيف شرط في العلو الإفراط ليشاكل قوله شاسع لأن الشسوع هو الشديد من البعد ثم قابله بما يشاكله من مراعاة التناهي في القرب فقال جد قريب فهذا ونحوه هو المراد بالحاجة إلى الفكر وهل شيء أحلى من الفكر إذا صادف نهجا قويما إلى المراد
قال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر من الفضيلة وأين تقع لذة البهيمة بالعلوفة ولذة السبع بلطع الدم وأكل اللحم من سرور الظفر بالأعداء ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه وقد يتصرف في القريب المبتذل بما يخرجه من الابتذال إلى الغرابة وهو على وجوه منها أن يكون كقوله
( لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء ) وقوله
( فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع )
( فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع )
فإن تشبيه وجوه الحسان بالشمس مبتذل لكن كل واحد من حديث الحياء في الأول والتشكيك مع ذكر يوشع عليه السلام في الثاني أخرجه من الابتذال إلى الغرابة وشبيه بالأول قول الآخر
( إن السحاب لتستحي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها )

ومنها أن يكون كقوله
( عزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثاقبات أفول ) وقوله
( مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك دوابل ) وقوله
( يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا )
( والبدر لو لم يغب والشمس لو نطقت ... والأسد لو لم تصد والبحر لو عذبا )
وهذا يسمى التشبيه المشروط ومنها أن يكون كقوله
( في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها ) وقول ابن بابك
( ألا يا رياض الحزن من أبرق الحمى ... نسيمك مسروق ووصفك منتحل )
( حكيت أبا سعد فنشرك نشره ... ولكن له صدق الهوى ولك الملل )
وقد يخرج من الابتذال بالجمع بين عدة تشبيهات كقوله
( كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح )
كما يزداد بذلك لطفا وغرابة كقوله
( له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل ) وأما باعتبار أداته فإما مؤكد أو مرسل والمؤكد ما حذفت أداته

كقوله تعالى ( وهي تمر مر السحاب ) وقوله ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ) وقول الحماسي
( هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقى بهم بهم )
إلى غير ذلك كما سبق ومنه نحو قول الشاعر
( والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء )
وقول الآخر يصف القمر لآخر الشهر قبل السرار
( كأنما أدهم الأظلام حين نجا ... من أشهب الصبح ألقى نعل حافره )
وقول الشريف الرضي
( أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع )
( ولا يزال جنين النبت ترضعه ... على قبوركم العراضة الهمع )
والمرسل ما ذكرت أداته كقوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) وقوله عز و جل ( عرضها كعرض السماء والأرض ) وقول امرىء القيس
( وتعطو برخص غير شئن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل )

وقول البحتري
( وإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب في الماء )
إلى غير ذلك كما تقدم
وأما باعتبار الغرض فإما مقبول أو مردود المقبول الوافي بإفادة الغرض كأن يكون المشبه به أعرف شيء بوجه الشبه إذا كان الغرض بيان حال المشبه من جهة وجه الشبه أو بيان المقدار ثم الطرفان في الثاني إن تساويا في وجه الشبه فالتشبيه كامل في القبول وإلا فكلما كان المشبه به أسلم من الزيادة والنقصان كان أقرب إلى الكمال أو كأن يكون المشبه به أتم شيء في وجه الشبه إذا قصد إلحاق الناقص بالكامل أن كأن يكون المشبه به مسلم الحكم معروفه عند المخاطب في وجه الشبه إذا كان الغرض بيان إمكان الوجود والمردود بخلاف ذلك أي القاصر عن إفادة الغرض

خاتمة
قد سبق في أركان التشبيه أربعة المشبه والمشبه به وأداة التشبيه ووجهه فالحاصل من مراتب التشبيه في القوة والضعف في المبالغة باعتبار ذكر أركانه كلها أو بعضها ثمان
إحداها ذكر الأربعة كقولك زيد كالأسد في الشجاعة ولا قوة لهذه المرتبة
وثانيتها ترك المشبه كقولك كالأسد في الشجاعة أي زيد وهي كالأولى في عدم القوة
وثالثتها ترك كلمة التشبيه كقولك زيد أسد في الشجاعة وفيها نوع قوة
ورابعتها ترك المشبه وكلمة التشبيه كقولك أسد في الشجاعة أي زيد وهي كالثالثة في القوة
وخامستها ترك وجه الشبه كقولك زيد كالأسد وفيها نوع قوة لعموم وجه الشبه من حيث الظاهر
وسادستها ترك المشبه ووجه التشبيه كقولك كالأسد أي زيد وهي كالخامسة
وسابعتها ترك كلمة التشبيه ووجه كقولك زيد أسد وهي أقوى الجميع
وثامنتها إفراد المشبه به بالذكر كقولك أسد أي زيد وهي كالسابعة
واعلم أن الشبه قد ينتزع من نفس التضاد لاشتراك الضدين فيه ثم ينزل منزلة التناسب بوساطة تمليح أو تهكم فيقال للجبان ما أشبهه بالأسد وللبخيل هو حاتم
القول في الحقيقة والمجاز
وقد يفيدان باللغويين الحقيقة الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح به التخاطب فقولنا المستعملة احتراز عما لم يستعمل فإن الكلمة قبل الاستعمال لا تسمى حقيقة وقولنا فيما وضعت له احتراز عن شيئين
أحدهما ما استعمل في غير ما وضعت له غلطا كما إذا أردت أن تقول لصاحبك خذ هذا الكتاب مشيرا إلى كتاب بين يديك فغلطت فقلت خذ هذا الفرس
والثاني أحد قسمي المجاز وهو ما استعمل فيما لم يكن موضوعا له لا في اصطلاح به التخاطب ولا في غيره كلفظة الأسد في الرجل الشجاع وقولنا في اصطلاح به التخاطب احتراز عن القسم الآخر من المجاز وهو ما استعمل فيما وضع له لا في اصطلاح به التخاطب كلفظ الصلاة يستعمله المخاطب يعرف الشرع في الدعاء مجازا والوضع من تعيين اللفظ للدلالة على معنى بنفسه فقولنا بنفسه احتراز من تعيين اللفظ للدلالة على معنى بقرينة أعني المجاز فإن ذلك التعيين لا يسمى وضعا ودخل المشترك في

الحد لأن عدم دلالته على أحد معنييه بلا قرينة لعارض أعني الاشتراك لا ينافي تعيينه للدلالة عليه بنفسه وذهب السكاكي إلى أن المشترك كالقرء معناه الحقيقي وهو ما لا يتجاوز معنييه كالطهر والحيض غير مجموع بينهما قال فهذا ما يدل عليه بنفسه ما دام منتسبا إلى الوضعين أما إذا خصصته بواحد إما صريحا مثل أن تقول القرء بمعنى الطهر وإما استلزاما مثل أن تقول القرء لا بمعنى الحيض فإنه حينئذ ينتصب دليلا دالا بنفسه على الطهر بالتعيين كما كان الواضع عينه بإزائه بنفسه ثم قال في موضع آخر وأما ما يظن بالمشترك من الاحتياج إلى القرينة في دلالته على ما هو معناه فقد عرفت أن منشأ هذا الظن عدم تحصيل معنى المشترك الدائر بين الوضعين وفيما ذكره نظر لأنا لا نسلم أن معناه الحقيقي ذلك وما الدليل على أنه عند الإطلاق يدل عليه
ثم قوله إذا قيل القرء بمعنى الطهر أو لا بمعنى الحيض فهو دال بنفسه على الطهر بالتعيين سهو ظاهر فإن القرينة كما تكون معنوية تكون لفظية وكل من قوله بمعنى الطهر وقوله لا بمعنى الحيض قرينة وقيل دلالة اللفظ على معناه لذاته وهو ظاهر الفساد لاقتضائه أن يمنع نقله إلى المجاز وجعله عاما ووضعه للمضادين كالجون للأسود والأبيض فإن ما بالذات لا يزول بالغير ولاختلاف اللغات باختلاف الأمم وتأوله السكاكي رحمه الله على أنه تنبيه على ما عليه أئمة علمي الاشتقاق والتصريف من أن للحروف في أنفسها خواص بها تختلف كالجهر والهمس والشدة والرخاوة والتوسط بينها وغير ذلك مستدعية أن العالم بها إذا أخذ في تعيين شيء منها لمعنى لا يهمل التناسب بينهما قضاء لحق الحكمة

كالفصم بالفاء الذي هو حرف رخو لكسر الشيء من غير أن يبين والقصم بالقاف الذي هو حرف شديد لكسر الشيء حتى يبين
وأن التركيبات كالفعلان والفعلي بالتحريك كالنزوان والحيدي وفعل مثل شرف وغير ذلك خواص أيضا فيلزم فيها ما يلزم في الحروف وفي ذلك نوع تأثير لأنفس الكلم في اختصاصها بالمعاني
والمجاز مفرد ومركب أما المفرد فهو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في الاصطلاح به التخاطب على وجه يصح مع قرينة عدم إرادته فقولنا المستعملة احتراز عما لا يستعمل لأن الكلمة قبل الاستعمال لا تسمى مجازا كما لا تسمى حقيقة وقولنا في اصطلاح به التخاطب ليدخل فيه نحو لفظ الصلاة إذا استعمله المخاطب بعرف الشرع في الدعاء مجازا فإنه وإن كان مستعملا فيما وضع له في الجملة فليس بمستعمل فيما وضع له في الاصطلاح الذي به وقع التخاطب وقولنا على وجه يصح احتراز عن الغلط كما سبق وقولنا مع قرينة عدم إرادته احتراز عن الكناية كما تقدم
والحقيقة لغوية وشرعية وعرفية خاصة أو عامة لأن واضعها إن كان واضع اللغة فلغوية وإن كان الشارع فشرعية وإلا فعرفية والعرفية إن تعين صاحبها نسبت إليه كقولنا كلامية ونحوية وإلا بقيت مطلقة مثال اللغوية لفظ أسد إذا استعمله المخاطب بعرف اللغة في السبع المخصوص ومثال الشرعية لفظ صلاة إذا استعمله المخاطب بعرف الشرع في العبادة المخصوصة ومثال العرفية الخاصة لفظ فعل إذا استعمله المخاطب بعرف النحو في الكلمة المخصوصة ومثال

العرفية العامة لفظ دابة إذا استعمله المخاطب بالعرف العام في ذي الأربع وكذلك المجاز المفرد لغوي وشرعي وعرفي مثال اللغوي لفظ أسد إذا استعمله المخاطب بعرف اللغة في الرجل الشجاع ومثال الشرعي لفظ صلاة إذا استعمله المخاطب بعرف الشرع في الدعاء ومثال العرفي الخاص لفظ فعل إذا استعمله المخاطب بعرف النحو في الحدث ومثال العرفي العام لفظ دابة إذا استعمله المخاطب بالعرفي العام في الإنسان
والحقيقة إما فعيل بمعنى مفعول من قولك حققت الشيء أحقه إذا أثبته أو فعيل بمعنى فاعل من قولك حق الشيء يحق إذا ثبت أي المثبتة أو الثابتة في موضعها الأصلي فأما التاء فقال صاحب المفتاح هي عندي للتأنيث في الوجهين لتقدير لفظ الحقيقة قبل التسمية صفة مؤنث غير مجرأة على الموصوف وهو الكلمة وفيه نظر وقيل هي لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة كما قيل في أكيلة ونطيحة إن التاء فيهما لنقلهما من الوصفية إلى الاسمية فلذلك لا يوصف بهما فلا يقال شاة أكيلة أو نطيحة
والمجاز قيل مفعل من جاز المكان يجوزه إذا تعداه أي تعدت موضعها الأصلي وفيه نظر والظاهر أنه من قولهم جعلت كذا مجازا إلى حاجتي أي طريقا له على أن معنى جاز المكان سلكه على ما فسره الجوهري وغيره فإن المجاز طريق إلى تصور معناه واعتبار التناسب في التسمية يغاير اعتبار المعنى في الوصف كتسمية إنسان له حمرة بأحمر ووصفه بأحمر فإن الأول لترجيح الاسم على غيره حال وضعه له والثاني لصحة إطلاقه فلا يصح نقض الأول بوجود المعنى

في غير المسمى كما يلهج به بعض الضعفاء
والمجاز ضربان مرسل واستعارة لأن العلاقة المصححة إن كانت تشبيه معناه بما هو موضوع له فهو استعارة وإلا فهو مرسل وكثيرا ما تطلق الاستعارة على استعمال اسم المشبه به في المشبه فيسمى المشبه به مستعارا منه والمشبه مستعارا له واللفظ مستعارا وعلى الأول لا يشتق منه لكونه اسما للفظ لا للحدث
الضرب الأول المرسل وهو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه كاليد إذا استعملت في النعمة لأن من شأنها أن تصدر عن الجارحة ومنها تصل إلى المقصود بها ويشترط أن يكون في الكلام إشارة إلى المولى لها فلا يقال اتسعت اليد في البلد أو اقتنيت يدا كما يقال اتسعت النعمة في البلد أو اقتنيت نعمة وإنما يقال جلت يده عندي وكثرت أياديه لدي ونحو ذلك ونظير هذا قولهم في صفة راعي الإبل إن له عليها أصبعا أرادوا أن يقولوا له عليها أثر حذق فدلوا عليه بالإصبع لأنه ما من حذق في عمل يد إلا وهو مستفاد من حسن تصريف الأصابع واللطف في رفعها ووضعها كما في الخط والنقش وعلى ذلك قيل في تفسير قوله تعالى ( بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) أي نجعلها كخف البعير فلا يتمكن من الأعمال اللطيفة فأرادوا بالإصبع الأثر الحسن حيث يقصد الإشارة إلى حذق في الصنعة لا مطلقا حتى يقال رأيت أصابع الدار وله أصبع حسنة وأصبع قبيحة على معنى له أثر حسن وأثر قبيح ونحو ذلك وينظر إلى هذا قولهم ضربته سوطا لأنهم عبروا

عن الضربة الواقعة بالسوط باسم السوط فجعلوا أثر السوط سوطا وتفسيرهم له بقولهم المعنى ضربته ضربة بالسوط بيان لما كان الكلام عليه في أصله ونظير قلولنا له على يد قول النبي ( أسرعكن لحوقا ويروى لحاقا بي أطولكن يدا ) وقوله أطولكن نظير ترشيح الاستعارة ولا بأس أن يسمى ترشيح المجاز والمعنى بسط اليد بالعطاء وقيل قوله أطولكن من الطول بمعنى الفضل يقال لفلان على فلان طول أي فضل فاليد على هذين الوجهين بمعنى النعمة ويحتمل أن يريد أطولكن يدا بالعطاء أي أمدكن فحذف قوله بالعطاء للعلم به وكاليد أيضا إذا استعملت في القدرة لأن أكثر ما يظهر سلطانها في اليد وبها يكون البطش والضرب والقطع والأخذ والدفع والوضع والرفع وغير ذلك من الأفعال التي تنبىء عن وجوه القدرة ومكانها وأما اليد في قول النبي ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم )
فهو استعارة والمعنى أن مثلهم مع كثرتهم في وجوب الاتفاق بينهم مثل اليد الواحدة فكما لا يتصور أن تخذل بعض أجزاء اليد بعضا وأن تختلف فيها الجهة في التصرف كذلك سبيل المؤمنين في تعاضدهم على المشركين لأن كلمة التوحيد جامعة لهم وكالرواية للمزادة مع كونها للبعير الحامل لها لحمله إياها وكالحفض في البعير مع كونه لمتاع البيت لحمله إياه وكالسماء في الغيث كقوله أصابتنا السماء لكونه من جهة المظلة وكالإكاف في قول الشاعر
( يأكلن كل ليلة إكافا ... )
أي علفا بثمن الإكاف وهذا الضرب من المجاز يقع على وجوه كثيرة

غير ما ذكرنا منها تسمية الشيء باسم جزئه كالعين في الربيئة لكون الجارحة المخصوصة هي المقصود في كون الرجل ربيئة إذا ما عداها لا يغني شيئا مع فقدها فصارت كأنها الشخص كله وعليه قوله تعالى ( قم الليل إلا قليلا ) أي صل ونحوه لا تقم فيد أبدا أي لا تصل وقول النبي ( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم ما ذنبه ) أي من صلى
ومنها عكس ذلك نحو ( يجعلون أصابعهم في آذانهم ) أي أناملهم وعليه قولهم قطعت السارق وإنما قطعت يده
ومنها تسمية المسبب باسم السبب كقولهم رعينا الغيث أي النبات الذي سببه الغيث وعليه قوله عز و جل ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) سمى جزاء الاعتداء لأنه مسبب عن الاعتداء وقوله تعالى ( ونبلو أخباركم ) تجوز بالبلاء عن العرفان لأنه مسبب عنه كأنه قيل ونعرف أخباركم
وعليه قول عمرو بن كلثوم
( ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا )
الجهل الأول حقيقة والثاني مجاز عبر به عن مكافأة الجهل وكذا قوله تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) تجوز بلفظ

السيئة عن الاقتصاص لأنه مسبب عنها قيل وإن عبر بها عما ساء أي أحزن لم يكن مجازا لأن الاقتصاص محزن في الحقيقة كالجناية وكذا قوله تعالى ( ومكروا ومكر الله ) تجوز بلفظ المكر عن عقوبته لأنه سببها قيل ويحتمل أن يكون مكر الله حقيقة لأن المكر هو التدبير فيما يضر الخصم وهذا محقق من الله تعالى باستدراجه إياهم بنعمه مع ما أعد لهم من نقمة
ومنها تسمية السبب باسم المسبب كقولهم أمطرت السماء نباتا
وعليه قولهم كما تدين تدان أي كما تفعل تجازى
وكذا لفظ الأسنمة في قوله يصف غيثا
( أقبل في المستن من ربابه ... أسنمة الآبال في سحابه )
وكذا تفسير إنزال أزواج الأنعام في قوله تعالى ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) بإنزال الماء على وجه لأنها لا تعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء وقد أنزل الماء فكأنه أنزلها ويؤيده ما ورد أن كل ما في الأرض من السماء ينزله الله تعالى إلى الصخرة ثم يقسمه قيل وهذا معنى قوله تعالى ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ) وقيل معناه وقضى لكم لأن قضاياه وقسمه موصوفة بالنزول من السماء حيث كتب في اللوح كل كائن يكون وقيل خلقها في الجنة ثم أنزلها وكذا قوله

تعالى ( وينزل لكم من السماء رزقا ) أي مطرا هو سبب الرزق وقوله تعالى ( إنما يأكلون في بطونهم نارا ) وقولهم فلان أكل الدم أي الدية التي هي مسببة عن الدم قال
( أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر )
وقوله تعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) أي أردت القراءة بقرينة الفاء مع استفاضة السنة بتقديم الاستعاذة وقوله تعالى ( ونادى نوح ربه ) أي أراد بقرينة فقال رب وقوله تعالى ( وكم من قرية أهلكناها ) أي أردنا إهلاكها بقرينة فجاءها بأسنا وكذا قوله تعالى ( ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها ) بقرينة ( أفهم يؤمنون ) وفيه دلالة واضحة على الوعيد بالإهلاك إذ لا يقع الإنكار في أفهم يؤمنون في المجاز إلا بتقدير ( ونحن على أن نهلكهم )
ومنها تسمية الشيء باسم ما كان عليه كقوله عز و جل ( وآتوا اليتامى أموالهم ) أي الذين كانوا يتامى إذ لا يتم بعد البلوغ

وقوله ( إنه من يأت ربه مجرما ) سماه مجرما باعتبار ما كان عليه في الدنيا من الإجرام
ومنها تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه كقوله تعالى ( إني أراني أعصر خمرا )
ومنها تسمية الحال باسم محله كقوله تعالى ( فليدع ناديه ) أي أهل ناديه ومنها عكس ذلك نحو ( أما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله ) أي في الجنة
ومنها تسمية الشيء باسم آلته كقوله تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ) أي بلغة قومه وقوله تعالى ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) أي ذكرا جميلا وثناء حسنا وكذا غير ذلك مما بين معنى اللفظ وما هو موضوع له تعلق سوى التشبيه
قال صاحب المفتاح وللتعلق بين الصارف عن فعل الشيء والداعي إلى تركه يحتمل عندي أن يكون المراد بمنعك في قوله تعالى ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) دعاك ولا غير صلة قرينة المجاز وكذا ( ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ) قال الراغب

رحمه الله قال بعض المفسرين إن معنى ما منعك ما حماك وجعلك في منعة مني في ترك السجود أي في معاقبة تركه وقد استبعد ذلك بعضهم بأن قال لو كان كذا لم يكن يجيب بأن يقول أنا خير منه فإن ذلك ليس بجواب السؤال على ذلك الوجه وإنما هو جواب من قيل له ( ما منعك أن تسجد ) ويمكن أن يقال في جواب ذلك إن إبليس لما كان ألزم ما لم يجد سبيلا إلى الجواب عنه إذا لم يكن له من كالىء يحرسه ويحميه عدل عما كان جوابا كما يفعل المأخوذ بكظمه في المناظرة انتهى كلامه
وقسم الشيخ صاحب المفتاح المجاز المرسل إلى خال عن الفائدة ومفيد وجعل الخالي عن الفائدة ما استعمل في أعم مما هو موضوع له كالمرسن في قول العجاج
( وفاحما ومرسنا مسرجا ... )
فإنه مستعمل في الأنف لا بقيد كونه لمرسن مع كونه موضوعا له بهذا القيد لا مطلقا وكالمشفر في نحو قولنا فلان غليظ المشافر إذا قامت قرينة على أن المراد هو الشفة لا غير وقال سمي هذا الضرب غير مفيد لقيامه مقام أحد المترادفين من نحو ليث وأسد وحبس ومنع عند المصير إلى المراد منه وأراد بالمفيد ما عدا الخالي عن الفائدة والاستعارة كما مر
والشيخ عبد القاهر رحمه الله جعل الخالي عن الفائدة ما استعمل في شيء بقيد مع كونه موضوعا لذلك الشيء بقيد آخر من غير قصد التشبيه ومثله ببعض ما مثله الشيخ صاحب المفتاح

ونحوه مصرحا بأن الشفة والأنف موضوعان للعضوين المخصوصين من الإنسان فإن قصد التشبيه صار اللفظ استعارة كقولهم في مواضع الذم غليظ المشفر فإنه بمنزلة أن يقال كأن شفته في الغلظ مشفر البعير وعليه قول الفرزدق
( فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ... ولكن زنجي غليظ المشافر )
أي ولكنك زنجي كأنه جمل لا يهتدي لشرفي وكذا قول الحطيئة يخاطب الزبرقان
( قروا جارك العيمان لما جفوته ... وقلص عن برد الشراب مشافره )
فإنه وإن عنى نفسه بالجار جاز أن يقصد إلى وصف نفسه بنوع من سوء الحال ليزيد في التهكم بالزبرقان ويؤكد ما قصده من رميه بإضاعة الضيف وإسلامه للضر والبؤس وكذا قول الآخر
( سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقق )
الضرب الثاني من المجاز الاستعارة وهي ما كانت علاقته تشبيه معناه بما وضع له وقد تقيد بالتحقيقية لتحقق معناها حسا أو عقلا أي التي تتناول أمرا معلوما يمكن أن ينص عليه ويشار إليه إشارة حسية أو عقلية فيقال إن اللفظ نقل من مسماه الأصلي فجعل اسما له على سبيل الإعارة للمبالغة في التشبيه أما الحسي فكقولك رأيت أسدا وأنت تريد رجلا شجاعا وعليه قول زهير
( لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... ) أي لدى رجل شجاع
ومن لطيف هذا الضرب ما يقع التشبيه

فيه في الحركات كقول أبي دلامة يصف بغلته
( أرى الشهباء تعجن إذ غدونا ... برجليها وتخبز باليدين )
شبه حركة رجليها حيث لم تثبتا على موضع تعتمد بهما عليه وهوتا ذاهبتين نحو يديها بحركة يدي العاجن فإنهما لا تثبتان في موضع بل تزلان إلى قدام لرخاوة العجين وشبه حركة يديها بحركة يدي الخابز فإنه يثني يده نحو بطنه ويحدث فيها ضربا من التقويس كما تجد في يد الدابة إذا اضطربت في سيرها ولم تقو على ضبط يديها وأن ترمي بها إلى قدام وأن تشد اعتمادها حتى تثبت في الموضع الذي تقع عليه فلا تزول عنه ولا تنثني
وأما العقلي فكقولك أبديت نورا وأنت تريد حجة فإن الحجة مما يدرك بالعقل من غير وساطة حس إذ المفهوم من الألفاظ هو الذي ينور القلب ويكشف عن الحق لا الألفاظ أنفسها وعليه قوله عز و جل ( اهدنا الصراط المستقيم ) أي الدين الحق وأما قوله تعالى ( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ) فعلى ظاهر قول الشيخ جار الله العلامة استعارة عقلية لأنه قال شبه باللباس لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث وعلى ظاهر قول الشيخ صاحب المفتاح حسية لأنه جعل اللباس استعارة لما يلبسه الإنسان عند جوعه وخوفه من امتقاع اللون ورثاثة الهيئة فالاستعارة ما تضمن تشبيه معناه بما وضع له والمراد بمعناه ما عنى

به أي ما استعمل فيه فلم يتناول ما استعمل فيما وضع له وإن تضمن التشبيه به نحو زيد أسد ورأيته أسدا ونحو رأيت به أسدا لاستحالة تشبيه الشيء بنفسه على أن المراد بقولنا ما تضمن مجاز تضمن بقرينة تقسيم المجاز إلى الاستعارة وغيرها والمجاز لا يكون مستعملا فيما وضع له وههنا شيء لا بد من التنبيه عليه وهو أنه إذا أجرى في الكلام لفظ دلت القرينة على تشبيه شيء بمعناه فيكون ذلك على وجهين أحدهما أن لا يكون المشبه مذكورا ولا مقدرا كقولك رنت لنا ظبية وأنت تريد امرأة ولقيت أسدا وأنت تريد رجلا شجاعا ولا خلاف أن هذا ليس بتشبيه وأن الاسم فيه استعارة والثاني أن يكون المشبه مذكورا أو مقدورا فاسم المشبه به إن كان خبرا أو في حكم الخبر كخبر كان وإن والمفعول الثاني لباب علمت والحال فالأصح أنه يسمى تشبيها وأن الاسم فيه لا يسمى استعارة لأن الاسم إذا وقع هذه المواقع فالكلام موضوع لإثبات معناه لما يعتمد عليه أو نفيه عنه فإذا قلت زيد أسد فقد وضعت كلامك في الظاهر لإثبات معنى الأسد لزيد وإذا امتنع إثبات ذلك له على الحقيقة كان لإثبات شبه من الأسد له فيكون اجتلابه لإثبات التشبيه فيكون خليقا بأن يسمى تشبيها إذ كان إنما جاء ليفيده بخلاف الحالة الأولى فإن الاسم فيها لم يجتلب لإثبات معناه للشيء كما إذا قلت جاءني أسد ورأيت أسدا فإن الكلام في ذلك موضوع لإثبات المجيء واقعا من الأسد والرؤية واقعة منك عليه لا لإثبات معنى الأسد لشيء فلم يكن ذكر المشبه به لإثبات التشبيه وصار قصد التشبيه مكنونا في الضمير لا يعلم إلا بعد الرجوع إلى شيء من النظر ووجه آخر في كون التشبيه مكنونا في

الضمير وهو أنه إذا لم يكن المشبه مذكورا جاز أن يتوهم السامع في ظاهر الحال أن المراد باسم المشبه به ما هو موضوع له فلا يعلم قصد التشبيه فيه إلا بعد شيء من التأمل بخلاف الحالة الثانية فإنه يمتنع ذلك فيه مع كون المشبه مذكورا أو مقدرا
ومن الناس من ذهب إلى أن الاسم في الحالة الثانية استعارة لإجرائه على المشبه مع حذف كلمة التشبيه وهذا الخلاف لفظي راجع إلى الكشف عن معنى الاستعارة والتشبيه في الاصطلاح وما اخترناه هو الأقرب لما أوضحنا من المناسبة وهو اختيار المحققين كالقاضي أبي الحسن الجرجاني والشيخ عبد القاهر والشيخ جار الله العلامة والشيخ صاحب المفتاح رحمهم الله غير أن الشيخ عبد القاهر قال بعد تقرير ما ذكرناه فإن أبيت إلا أن تطلق اسم الاستعارة على هذا القسم فإن حسن دخول أدوات التشبيه لا يحسن إطلاقه وذلك كأن يكون اسم المشبه به معرفة كقولك زيد الأسد وهو شمس النهار فإنه يحسن أن يقال زيد كالأسد وخلته شمس النهار وإن حسن دخول بعضها دون بعض هان الخطب في إطلاقه وذلك كأن يكون نكرة غير موصوفة كقولك زيد أسد فإنه لا يحسن أن يقال زيد كأسد ويحسن أن يقال كأن زيدا أسد ووجدته أسدا وإن لم يحسن دخول شيء منها إلا بتغيير لصورة الكلام وكان إطلاقه أقرب لغموض تقدير أداة التشبيه فيه وذلك بأن يكون نكرة موصوفة بما لا يلائم المشبه به كقولك فلان بدر يسكن الأرض وهو شمس لا تغيب وكقوله
( شمس تألق والفراق غروبها ... عنا وبدر والصدود كسوفه )

فإنه لا يحسن دخول الكاف ونحوه في شيء من هذه الأمثلة ونحوها إلا بتغيير صورته كقولك هو كالبدر إلا أنه يسكن الأرض وكالشمس إلا أنه لا يغيب وكالشمس المتألقة إلا أن الفراق غروبها وكالبدر إلا أن الصدود وكسوفه وقد يكون في الصفات والصلات التي تجيء في هذا النحو ما يحيل تقدير أداة التشبيه فيه فيقرب إطلاقه أكثر وذلك مثل قول أبي الطيب
( أسد دم الأسد الهزبر خضابه ... موت فريص الموت منه يرعد )
فإنه لا سبيل إلى أن يقال المعنى هو كالأسد وكالموت لما في ذلك من التناقض لأن تشبيهه بجنس السبع المعروف دليل أنه دونه أو مثله وجعل دم الهزبر الذي هو أقوى الجنس خضاب يده دليل أنه فوقه وكذلك لا يصح أن يشبه بالموت المعروف ثم يجعل الموت يخاف منه وكذا قول البحتري
( وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رحلي منه أسود مظلم )
إن رجع فيه إلى التشبيه الساذج حتى يكون المعنى هو كالبدر لزم أن يكون قد جعل البدر المعروف موصوفا بما ليس فيه فظهر أنه إنما أراد أن يثبت من الممدوح بدرا له هذه الصفة العجيبة التي لم تعرف للبدر فهو مبني على تخييل أنه زاد في جنس البدر واحدا له تلك الصفة فالكلام موضوع لا لإثبات الشبه بينهما ولكن لإثبات تلك الصفة فهو كقولك زيد رجل كيت كيت لم تقصد إثبات كونه رجلا لكن إثبات كونه متصفا بما ذكرت فإذا لم يكن اسم المشبه به في البيت مجتلبا لإثبات الشبه تبين أنه خارج عن الأصل الذي تقدم

من كون الاسم مجتلبا لإثبات الشبه فالكلام فيه مبني على أن كون الممدوح بدرا أمر قد استقر وثبت وإنما العمل في إثبات الصفة الغريبة وكما يمتنع دخول الكاف في هذا ونحوه يمتنع دخول كأن ونحوه تحسب لاقتضائهما أن يكون الخبر والمفعول الثاني أمرا ثابتا في الجملة إلا أن كونه متعلقا بالاسم والمفعول الأول مشكوك فيه كقولنا كأن زيدا منطلق أو خلاف الظاهر كقولنا كأن زيدا أسد والنكرة فيما نحن فيه غير ثابتة فدخول كأن وتحسب عليها كالقياس على المجهول وأيضا هذا النحو إذا فليت عز سره وجدت محصوله أنك تدعي حدوث شيء هو من الجنس المذكور إلا أنه اختص بصفة عجيبة لم يتوهم جوازها على الجنس فلم يكن لتقدير التشبيه فيه معنى وإن لم يكن اسم المشبه به خبرا للمشبه ولا في حكم الخبر كقولهم رأيت بفلان أسدا ولقيني منه أسد سمي تجريدا كما سيأتي إن شاء الله تعالى ولم يسم استعارة لأنه إنما يتصور الحكم على الاسم بالاستعارة إذا جرى بوجه على ما يدعي أنه مستعار له إما باستعماله فيه أو بإثبات معناه له والاسم في مثل هذا غير جار على المشبه بوجه ولأنه يجيء على هذه الطريقة ما لا يتصور فيه التشبيه فيظن أنه استعارة كقوله تعالى ( لهم فيها دار الخلد ) إذ ليس المعنى على تشبيه جهنم بدار الخلد إذ هي نفسها دار الخلد وكقول الشاعر
( يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا )

فإنه لا يتصور فيه التشبيه وإنما المعنى أنه ليس ببخيل ولا يسمى تشبيها أيضا لأن اسم المشبه به لم يجتلب فيه لإثبات التشبيه كما سبق وعده الشيخ صاحب المفتاح تشبيها والخلاف أيضا لفظي
والدليل على أن الاستعارة مجاز لغوي كونها موضوعة للمشبه به لا للمشبه ولا لأمر أهم منهما كالأسد فإنه موضوع للسبع المخصوص لا للرجل الشجاع ولا للشجاع مطلقا لأنه لو كان موضوعا لأحدهما لكان استعماله في الرجل الشجاع من جهة التحقيق لا من جهة التشبيه وأيضا لو كان موضوعا للشجاع مطلقا لكان وصفا لا اسم جنس
وقيل الاستعارة مجاز عقلي بمعنى أن التصرف فيها في أمر عقلي لا لغوي لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به لأن نقل الاسم وحده لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة كيزيد ويشكر استعارة ولما كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة لأنه لا بلاغة في إطلاق الاسم المجرد عاريا عن معناه ولما صح أن يقال لمن قال رأيت أسدا يعني زيدا أنه جعله أسدا كما لا يقال لمن سمى ولده أسدا إنه جعله أسدا لأن جعل إذا تعدى إلى مفعولين كان بمعنى صير فأفاد إثبات صفة للشيء فلا تقول جعلته أميرا إلا على معنى أنك أثبت له صفة الإمارة وعليه قوله تعالى ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) المعنى أنهم أثبتوا

صفة الأنوثة واعتقدوا وجودها فيهم وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم للملائكة إطلاق اسم الإناث عليهم لا أنهم أطلقوه من غير اعتقاد ثبوت معناه لهم بدليل قوله تعالى ( أشهدوا خلقهم ) وإذا كان نقل الاسم تبعا لنقل المعنى كان الاسم مستعملا فيما وضع له ولهذا صح التعجب في قول ابن العميد
( قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز علي من نفسي )
( قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس ) والنهي عنه في قول الآخر
( لا تعجبوا من بلي غلالته ... قد زر أزراره على القمر ) وقوله
( ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيبليها )
( فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر في كل وقت طالع فيها )
والجواب عنه أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به لا يخرج اللفظ عن كونه مستعملا في غير ما وضع له وأما التعجب والنهي عنه فيما ذكر فلبناء الاستعارة على تناسي التشبيه قضاء لحق المبالغة فإن قيل إصرار المتكلم على ادعاء الأسدية للرجل ينافي نصبه قرينة مانعة من أن يراد به السبع المخصوص قلنا لا منافاة ووجه التوفيق ما ذكره السكاكي وهو أن تبنى دعوى الأسدية للرجل على ادعاء أن أفراد

جنس الأسد قسمان بطريق التأويل متعارف وهو الذي له غاية الجراءة ونهاية قوة البطش مع الصورة المخصوصة وغير متعارف وهو الذي له تلك الجراءة وتلك القوة لا مع تلك الصورة بل مع صورة أخرى على نحو ما ارتكب المتنبي هذا الادعاء في عد نفسه وجماعته من جنس الجن وعن جماله من جنس الطير حين قال
( نحن قوم الجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال )
مستشهدا لدعواه هاتيك بالمخيلات العرفية وأن تخصص القرينة بنفيها المتعارف الذي يسبق إلى الفهم ليتعين الآخر ومن البناء على هذا التنويع قوله
( تحية بينهم ضرب وجيع ... ) وقولهم عتابك السيف وقوله تعالى ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) ومنه قوله
( وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس )
وإذ قد عرفت معنى الاستعارة وأنها مجاز لغوي فاعلم أن الاستعارة تفارق الكذب من وجهين بناء الدعوى فيها على التأويل ونصب القرينة على أن المراد بها خلاف ظاهرها فإن الكاذب يتبرأ من التأويل ولا ينصب دليلا خلاف زعمه وأنها لا تدخل في الأعلام لما سبق من أنها تعتمد إدخال المشبه في جنس المشبه به والعلمية تنافي الجنسية وأيضا لأن العلم لا يدل إلا على تعين شيء من غير

إشعار بأنه إنسان أو فرس أو غيرهما فلا اشتراك بين معناه وغيره إلا في مجرد التعين ونحوه من العوارض العامة التي لا يكفي شيء منها جامعا في الاستعارة اللهم إلا إذا تضمن نوع وصفية لسبب خارج كتضمن اسم حاتم الجواد ومادر البخيل وما جرى مجراهما
وقرينة الاستعارة إما معنى واحد كقولك رأيت أسدا يرمي أو أكثر كقول بعض العرب
( فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في إيماننا نيرانا )
أي سيوفا تلمع كأنها شعل نيران كما قال الآخر
( ناهضتهم والبارقات كأنها ... شعل على أيديهم تتلهب ) فقوله تعافوا باعتبار كل واحد من تعلقه بالعدل وتعلقه بالإيمان قرينة لذلك لدلالته على أن جوابه أنهم يحاربون ويفسرون على الطاعة بالسيف أو معان مربوط بعضها ببعض كما في قول البحتري
( وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس صحائب )
عنى بخمس سحائب أنامل الممدوح فذكر أن هناك صاعقة ثم قال من نصله فبين أنها من نصل سيفه ثم قال على أرؤس الأقران ثم قال خمس فذكر عدد أصابع اليد فبان من مجموع ذلك غرضه
ثم الاستعارة تنقسم باعتبار الطرفين وباعتبار الجامع وباعتبار الثلاثة وباعتبار اللفظ وباعتبار أمر خارج عن ذلك كله أما باعتبار الطرفين فهي قسمان لأن اجتماعهما في شيء إما ممكن أو ممتنع ولتسم الأولى وفاقية والثانية عنادية أما الوفاقية فكقوله تعالى

أحييناه في قوله ( أومن كان ميتا فأحييناه ) فإن المراد بأحييناه هديناه أي أومن كان ضالا فهديناه والهداية والحياة لا شك في جواز اجتماعهما في شيء وأما العنادية فمنها ما كان وضع التشبيه فيه على ترك الاعتداد بالصفة وإن كانت موجودة لخلوها مما هو ثمرتها والمقصود منها وإذا ما خلت منه لم تستحق الشرف كاستعارة اسم المعدوم للموجود إذا لم تحصل منه فائدة من الفوائد المطلوبة من مثله فيكون مشاركا للمعدوم في ذلك أو اسم الموجود للمعدوم إذا كانت الآثار المطلوبة من مثله موجودة حال عدمه فيكون مشاركا للموجود في ذلك أو اسم الميت للحي الجاهل لأنه عدم فائدة الحياة والمقصود بها أعني العلم فيكون مشاركا للميت في ذلك ولذلك جعل النوم موتا لأن النائم لا يشعر بما بحضرته كما لا يشعر الميت أو الحي العاجز لأن العجز كالجهل يحط من قدر الحي
ثم الضدان إن كانا قابلين للشدة والضعف كان استعارة اسم الأشد للأضعف أولى فكل من كان أقل علما وأضعف قوة كان أولى بأن يستعار له اسم الميت ولما كان الإدراك أقدم من العقل في كونه خاصة للحيوان كان الأقل علما أولى باسم الميت أو الجماد من الأقل قوة وكذا في جانب الأشد فكل من كان أكثر علما كان أولى بأن يقال له إنه حي وكذا من كان أشرف علما وعليه قوله تعالى ( أومن كان ميتا فأحييناه ) فإن العلم بوحدة الله تعالى وما أنزله على نبيه العلوم ومنها ما استعمل في ضده معناه أو نقيضه

بتنزيل التضاد أو التناقص منزلة التناسب بوساطة تهكم أو تمليح على ما سبق في التشبيه كقوله تعالى ( فبشرهم بعذاب أليم ) ويخص هذا النوع باسم التهكمية أو التمليحية وأما باعتبار الجامع فهي قسمان أحدهما ما يكون الجامع فيه داخلا في مفهوم الطرفين كاستعارة الطيران للعدو كما في قول امرأة من بني الحارث ترثي قتيلا
( لو يشأ طار به ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل )
وكما جاء في الخبر كلما سمع هيعة طار إليها فإن الطيران والعدو يشتركان في أمر داخل في مفهومهما وهو قطع المسافة بسرعة ولكن الطيران أسرع من العدو ونحوهما قول بعض العرب
( فطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا )
يقول إنه قام بسيفه مسرعا إلى نوق فعقرهن ودميت أيديهن فخبطن السيور المشدودة على أرجلهن وكاستعارة الفيض لانبساط الفجر في قوله
( كالفجر فاض على نجوم الغيهب ... ) فإن الفيض موضوع لحركة الماء على وجه مخصوص وذلك أن يفارق مكانه دفعة فينبسط وللفجر انبساط شبيه ذلك وكاستعارة التقطيع لتفريق الجماعة وإبعاد بعضهم عن بعض في قوله تعالى

( وقطعناهم في الأرض أمما ) فإن القطع موضوع لإزالة الاتصال بين الأجسام التي بعضها ملتصق ببعض فالجامع بينهما إزالة الاجتماع التي هي داخلة في مفهومها وهي في القطع أشد وكاستعارة الخياطة لسرد الدرع في قول القطامي
( لم تلق قوما هم شر لإخوتهم ... منا عشية يجري بالدم الوادي )
( نقويهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد )
فإن الخياطة تضم خرق القميص والسرد يضم حلق الدرع فالجامع بينهما الضم الذي هو داخل في مفهومهما وهو في الأول الأشد وكاستعارة النثر لإسقاط المنهزمين وتفريقهم في قول أبي الطيب
( نثرتهم فوق الأحيدب نثرة ... كما نثرت فوق العروس الدراهم )
لأن النثر أن تجمع أشياء في كف أو وعاء ثم يقع فعل تتفرق معه دفعة من غير ترتيب ونظام وقد استعاره لما يتضمن التفرق على الوجه المخصوص وهو ما اتفق من تساقط المنهزمين في الحرب دفعة من غير ترتيب ونظام ونسبه إلى الممدوح لأنه سببه والثاني ما يكون الجامع فيه غير داخل في مفهوم الطرفين كقولك رأيت شمسا وتريد إنسانا يتهلل وجهه فالجامع بينهما التلألؤ وهو غير داخل في مفهومهما وتنقسم باعتبار الجامع أيضا إلى عامية وخاصية فالعامية المبتذلة لظهور الجامع فيها كقولك رأيت أسدا ووردت بحرا

والخاصية الغريبة التي لا يظفر بها إلا من ارتفع عن طبقة العامة كما سيأتي في الاستعارات الواردة في التنزيل كقول طفيل الغنوي
( وجعلت كوري فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل )
وموضع اللطف أو الغرابة منه أنه استعار الاقتيات لإذهاب الرحل شحم السنام مع أن الشحم مما يقتات وقول ابن المعتز
( حتى إذا ما عرف الصيد الضار ... وأذن الصبح لنا في الابصار )
ولما كان تعذر الابصار منعا من الليل جعل إمكانه عند ظهور الصبح إذنا منه وقول الآخر
( بعرض تنوفة للريح فيه ... نسيم لا يروع الترب وإن ) وقوله
( يناجيني الإخلاف من تحت مطلة ... فتختصم الآمال واليأس في صدري )
ثم الغرابة قد تكون في الشبه نفسه كما في تشبيه هيئة العنان في موقعه من قربوس السرج بهيئة الثوب في موقعه من ركبة المحتبي في قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا له بأنه مؤدب
( وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر )
وقد تحصل بتصرف في العامية كما في قول الآخر
( وسالت بأعناق المطي الأباطح ... )
أراد أنها سارت سيرا حثيثا في غاية السرعة وكانت سرعة في لين وسلاسة حتى كأنها كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح فجرت بها

ومثلها في الحسن وعلو الطبقة في هذه اللفظة بعينها قول ابن المعتز
( سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير )
أراد أنه مطاع في الحي وأنهم يسرعون إلى نصرته وأنه لا يدعوهم لخطب إلا أتوه وكثروا عليه وازدحموا حواليه حتى تجدهم كالسيول تجيء من ههنا وههنا وتنصب من هذا المسيل وذاك حتى يغص بها الوادي ويطفح منها وهذا شبه معروف ظاهر ولكن حسن التصرف فيه أفاد اللطف والغرابة وذلك أن أسند الفعل إلى الأباطح والشعاب دون المطي أو أعناقها والأنصار أو وجوههم حتى أفاد أنه امتلأت الأباطح من الإبل والشعاب من الرجال على ما تقدم في قوله تعالى ( واشتعل الرأس شيبا ) وفي كل واحد منهما شيء غير الذي في الآخر يؤكد أمر الدقة والغرابة أما الذي في الأول فهو أنه أدخل الأعناق في السير فإن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران غالبا في أعناقها على ما مر وأما الذي في الثاني فهو أنه قال عليه فعدي الفعل إلى ضمير الممدوح بعلى فأكد مقصوده من كونه مطاعا في الحي وكما في قوله
( فرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص )
إذ وصف القضيب بالعجلة والدعص بالبطء
وقد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات لإلحاق الشكل بالشكل كقول امرىء القيس
( فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجازا وناء بكلكل )

وأراد وصف الليل بالطول فاستعار له صلبا يتمطى به إذ كان كل ذي صلب يزيد في طوله عند تمطيه شيء وبالغ في ذلك بأن جعل له أعجازا يردف بعضها بعضا ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهرة والضغط لمكابده فاستعار له كلكلا ينوء به أي يثقل به وقال الشيخ عبد القاهر لما جعل لليل صلبا قد تمطى به ثنى ذلك فجعله أعجازا قد أردف بها الصلب وثلث فجعل له كلكلا قد ناء به فاستوفى له جملة أركان الشخص وراعى ما يراه الناظر من سواده إذا نظر قدامه وإذا نظر خلفه وإذا رفع البصر ومده في عرض الجو
وأما باعتبار الثلاثة أعني الطرفين والجامع فستة أقسام استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي أو بوجه عقلي أو بما بعضه حسي وبعضه عقلي واستعارة معقول لمعقول واستعارة محسوس لمعقول واستعارة معقول لمحسوس كل ذلك بوجه عقلي لما مر
أما استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي فكقوله تعالى ( فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ) فإن المستعار منه ولد البقرة والمستعار له الحيوان الذي خلقه الله تعالى من حلي القبط التي سبكتها نار السامري عند إلقائه فيها التربة التي أخذها من موطىء حيزوم فرس جبرائيل عليه السلام والجامع لهما الشكل والجميع حسي وكقوله تعالى ( وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ) فإن المستعار منه حركة الماء على الوجه المخصوص والمستعار له حركة الإنس والجن أو يأجوج ومأجوج وهما حسيان والجامع لهما ما يشاهد من شدة الحركة

والاضطراب وأما قوله تعالى ( واشتعل الرأس شيبا ) فليس مما نحن فيه وإن عد منه لأن فيه تشبيهين تشبيه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وتشبيه انتشاره في الشعر باشتعالها في سرعة الانبساط مع تعذر تلافيه والأول استعارة بالكناية والجامع في الثاني عقلي وكلامنا في غيرهما
وأما استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي كقوله تعالى ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ) فإن المستعار منه كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها والمستعار له إزالة الضوء عن مكان الليل وملقى ظله وهما حسيان والجامع لهما ما يعقل من ترتب أمر على آخر وقيل المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل وليس بسديد لأنه لو كان ذلك لقال فإذا هم مبصرون ونحوه ولم يقل فإذا هم مظلمون أي داخلون في الظلام قيل ومنه قوله تعالى ( إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ) فإن المستعار منه المرأة والمستعار له الريح والجامع المنع من ظهور النتيجة والأثر فالطرفان حسيان والجامع عقلي وفيه نظر لأن العقيم صفة للمرأة لا اسم لها وكذلك جعلت صفة للريح لا اسما والحق أن المستعار منه ما في المرأة من الصفة التي تمنع من الحمل والمستعار له ما في الريح من الصفة التي تمنع من إنشاء مطر وإلقاح شجر والجامع لهما ما ذكر
وأما استعارة محسوس لمحسوس بما بعضه حسي وبعضه عقلي

فكقولك رأيت شمسا وأنت تريد إنسانا شبيها بالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن وأهمل السكاكي هذا القسم
وأما استعارة معقول لمعقول فكقوله تعالى ( من بعثنا من مرقدنا ) فإن المستعار منه الرقاد والمستعار له الموت والجامع لهما عدم ظهور الأفعال والجميع عقلي وأما استعارة محسوس لمعقول فكقوله تعالى ( فاصدع بما تؤمر ) فإن المستعار منه صدع الزجاجة وهو كسرها وهو حسي والمستعار له تبليغ الرسالة والجامع لهما التأثير وهما عقليان كأنه قيل ابن الأمر إبانة لا تنمحي كما لا يلتئم صدع الزجاجة وكقوله تعالى ( ضربت عليهم الذلة ) جعلت الذلة محيطة بها مشتملة عليهم فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه أو ملصقة بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه فالمستعار منه إما ضرب القبة على الشخص وإما ضرب الطين على الحائط وكلاهما حسي والمستعار له حالهم مع الذلة والجامع والإحاطة أو اللزوم وهما عقليان وأما استعارة معقول لمحسوس فكقوله تعالى ( إنا لما طغى الماء ) فإن المستعار له كثرة الماء وهو حسي والمستعار منه التكبر والجامع الاستعلاء المفرط وهما عقليان
وأما باعتبار اللفظ فقسمان لأن إن كان اسم جنس فأصلية كأسد

وقتل وإلا فتبعية كالأفعال والصفات المشتقة منها والحروف لأن الاستعارة تعتمد التشبيه والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا وإنما يصلح للموصوفية الحقائق كما في قولك جسم أبيض وبياض صاف دون معاني الأفعال والصفات المشتقة منها والحروف فإن قلت فقد قيل في نحو شجاع باسل وجواد فياض وعالم نحرير إن باسلا وصف لشجاع وفياضا وصف لجواد ونحريرا وصف لعالم قلت ذلك متأول بأن الثواني لا تقع صفات إلا لما يكون موصوفا بالأول فالتشبيه في الأفعال والصفات المشتقة منها لمعاني مصادرها وفي الحروف لمتعلقات معانيها كالمجرور في قولنا زيد في نعمة ورفاهية فيقدر التشبيه في قولنا نطقت الحال بكذا والحال ناطقة بكذا للدلالة بمعنى النطق وعليه في التهكمية قوله تعالى ( فبشرهم بعذاب أليم ) بدل فأنذرهم وقوله تعالى ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) بدل السفيه الغوي وفي لام التعليل كقوله تعالى ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) للعداوة والحزن الحاصلين بعد الالتقاط بالعلة الغائبة للالتقاط ومما يتصل بهذا أن يا حرف وضع في أصله لنداء البعيد ثم استعمل في مناداة القريب لتشبيهه بالبعيد باعتبار أمر راجع إليه أو إلى المنادى أما الأول فكقولك لمن سها وغفل وإن قرب يا فلان وأما الثاني فكقول السائل في جؤاره يا رب يا الله وهو أقرب إليه من حبل الوريد فإنه استقصار منه لنفسه واستبعاد لها من

مظان الزلفى وما يقربه إلى رضوان الله تعالى ومنازل المقربين هضما لنفسه وإقرارا عليها بالتفريط في جنب الله تعالى مع فرط التهالك على استجابة دعوته والإذن لندائه وابتهاله
واعلم أن مدار قرينة التبعية في الأفعال والصفات المشتقة منها على نسبتها إلى الفاعل كما في قولك نطقت الحال أو إلى المفعول كقول ابن المعتز
( جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا ) وقول كعب بن زهير
( صبحنا الخزرجية مراهفات ... أباد ذوي أرومتها ذووها )
والفرق بينهما أن الثاني مفعول ثان دون الأول ونظير الثاني قوله
( نقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد )
أو إلى المفعولين الأول والثاني كقول الحريري
( وأقرى المسامع إما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا ) أو إلى المجرور كقوله تعالى ( فبشرهم بعذاب أليم ) قال السكاكي أو إلى الجميع كقول الآخر
( تقري الرياح رياض الحزن مزهرة ... إذا سرى النوم في الأجفان إيقاظا )
وفيه نظر

وأما باعتبار الخارج فثلاثة أقسام أحدها المطلقة وهي التي لم تقترن بصفة ولا تقريع كلام والمراد المعنوية لا النعت وثانيها المجردة وهي التي قرنت بما يلائم المستعار له كقول كثير
( غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال )
فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه كما يصون الرداء ما يلقى عليه ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف لا الرداء فنظر إلى المستعار له وعليه قوله تعالى ( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف )
حيث قال أذاقها ولم يقل كساها فإن المراد بالإذاقة إصابتهم بما استعير له اللباس كأنه قال فأصابها الله بلباس الجوع والخوف
قال الزمخشري الإذاقة جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه العذاب
شبه ما يدرك من أثر الضر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع فإن قيل الترشيح أبلغ من التجريد فهلا قيل فكساها الله لباس الجوع والخوف
قلنا لأن الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس من غير عكس فكان في الإذاقة إشعار بشدة الإصابة بخلاف الكسوة فإن قيل لم لم يقل فأذاقها الله طعم الجوع والخوف قلنا لأن الطعم وإن لاءم الإذاقة فهو مفوت لما يفيده لفظ اللباس من بيان أن الجوع والخوف عم أثرهما جميع البدن عموم الملابس

وثالثها المرشحة وهي التي قرنت بما يلائم المستعار منه كقوله
( ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر )
( لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر )
فإنه استعار الرداء للسيف لنحو ما سبق ووصفه بالاعتجار الذي هو وصف الرداء فنظر إلى المستعار منه وعليه قوله تعالى ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم ) فإنه استعار الاشتراء للاختيار وقفاه بالربح والتجارة اللذين هما من متعلقات الاشتراء فنظر إلى المستعار منه
وقد يجتمع التجريد والترشيح كما في قول زهير
( لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم )
والترشيح أبلغ من التجريد لاشتماله على تحقيق المبالغة ولهذا كان مبناه على تناسي التشبيه حتى إنه يوضع الكلام في علو المنزلة وضعه وفي علو المكان كما قال أبو تمام
( ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السما )
فلولا أن قصده أن يتناسى التشبيه ويصمم على إنكاره فيجعله صاعدا في السماء من حيث المسافة المكانية لما كان لهذا الكلام وجه وكما قال ابن الرومي
( يا آل نوبخت لا عدمتكم ... ولا تبدلت بعدكم بدلا )

( إن صح علم النجوم كان لكم ... حقا إذا ما سواكم انتحلا )
( كم عالم فيكم وليس بأن ... قاسى ولكن بأن رقى فعلا )
( أعلاكم في السماء مجدكم ... فلستم تجهلون ما جهلا )
( شافهتم البدر بالسؤال عن الأمر ... إلى أن بلغتم زحلا )
وكما قال بشار
( أتتني الشمس زائرة ... ولم تك تبرح الفلكا )
وكما قال أبو الطيب
( كبرت حول ديارهم ولما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق ) وكما قال
( ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه ... ولا رجلا قامت تعانقه الأسد ) ومن هذا الفن ما سبق من التعجب والنهي عنه غير أن مذهب التعجب على عكس مذهب النهي عنه فإن مذهب التعجب إثبات وصف ممتنع ثبوته للمستعار منه ومذهب النهي عنه إثبات خاصة من خواص المستعار منه وإذا جاز البناء على المشبه به مع الاعتراف بالمشبه كما في قول العباس بن الأحنف
( هي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا )
( فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا ) وقول سعيد بن حميد
( قلت زوري فأرسلت ... أنا آتيك سحره )
( قلت فالليل كان أخفى ... وأدنى مسره )

( فأجابت بحجة ... زادت القلب حسره )
( أنا شمس وإنما ... تطلع الشمس بكره )
فلأن يجوز مع جحده في استعارة أولى ومن هذا الباب قول الفرزدق
( أبي أحمد الغيثين صعصعة الذي ... متى تخلف الجوزاء والدلو يمطر )
( أجار بنات الوائدين ومن يجر ... على الموت فاعلم أنه غير مخفر )
ادعى لأبيه اسم الغيث ادعاء من سلم له ذلك ومن لا يخطر بباله أنه متناول له من طريق التشبيه وكذا قول عدي بن الرقاع يصف حمارين وحشيين
( يتعاوران من الغبار ملاءة ... بيضاء محكمة هما نسجاها )
( تطوي إذا وردا مكانا محزنا ... وإذا السنابك أسهلت نشرها )
وأما المجاز المركب فهو اللفظ المركب المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل للمبالغة في التشبيه أي تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور بالأخرى ثم تدخل المشبهة في جنس المشبه بها مبالغة في التشبيه فتذكر بلفظها من غير تغيير بوجه من الوجوه كما كتب به الوليد بن يزيد لما بويع إلى مروان بن محمد وقد بلغه أنه متوقف في البيعة له
أما بعد فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام
شبه صورة تردده في المبايعة بصورة تردد من قام ليذهب في أمر فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلا وتارة

لا يريد فيؤخر أخرى وكما يقال لمن يعمل في غير معمل أراك تنفخ في غير فحم وتخط على الماء
والمعنى أنك في فعلك كمن يفعل ذلك وكما يقال لمن يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى ما كان يمتنع منه ما زال يفتل منه في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد
والمعنى أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقا يشبه حاله فيه حال من يجيء إلى البعير الصعب فيحكه ويفتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يسكن ويستأنس وهذا في المعنى نظير قولهم فلان يقرد فلانا أي يتلطف به فعل من ينزع القراد من البعير ليلتذ بذلك فيسكن ويثبت في مكانه حتى يتمكن من أخذه
وكذا قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) فإنه لما كان التقدم بين يدي الرجل خارجا عن صفة المتابع له صار النهي عن التقدم متعلقا باليدين مثلا للنهي عن ترك الاتباع وكذا قوله تعالى ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ) إذ المعنى والله أعلم أن مثل الأرض في تصرفها تحت أمر الله تعالى وقدرته مثل الشيء يكون في قبضة الآخذ له منا والجامع يده عليه
وكذا قوله تعالى ( والسماوات مطويات بيمينه ) أي يخلق فيها صفة الطي حتى ترى كالكتاب المطوي بيمين الواحد منا وخص اليمين ليكون أعلى وأفخم للمثل لأنها أشرف اليدين وأقواهما والتي لا غناء للأخرى دونها فلا يهش إنسان لشيء إلا بدأ بيمينه فهيأها لنيله ومتى قصد جعل الشيء في

جهة العناية جعل في اليد اليمنى ومتى قصد خلاف ذلك جعل في اليسرى كما قال ابن ميادة
( ألم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا )
أي كنت مكرما عندك فلا تجعلني مهانا وكنت في المكان الشريف منك فلا تحطني في المنزل الوضيع وكذا إذا قلت للمخلوق الأمر بيدك أردت المثل أي الأمر كالشيء يحصل في يدك فلا يمتنع عليك
وكذا قوله تعالى ( ولما سكت عن موسى الغضب ) قال الزمخشري كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له قل لقومك كذا وألق الألواح وجر برأس أخيك إليك فترك النطق بذلك وقطع الإغراء ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم وذوق صحيح إلا لذلك ولأنه من قبيل شعب البلاغة وإلا فما لقراءة معاوية بن قرة ولما سكن عن موسى الغضب لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزة وطرفا من تلك الروعة وأما قولهم اعتصمت بحبله فقال الزمخشري أيضا يجوز أن يكون تمثيلا لاستظهاره به ووثوقه بحمايته باستمساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه وأن يكون الحبل استعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد أو ترشيحا لاستعارة الحبل بما يناسبه
وكذا قول الشماخ
( إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين )

الشبه فيه مأخوذ من مجموع التلقي واليمين على حد قولهم تلقيته بكلتا اليدين ولهذا لا تصلح حيث يقصد التجوز فيها وحدها فلا يقال هو عظيم اليمين بمعنى عظيم القدرة ولا عرفت يمينك على هذا
بمعنى عرفت قدرتك عليه
ومثله قول الآخر
( هون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها ... )
وكذا ما روى أبو هريرة عن النبي قال ( إن أحدكم إذا تصدق بالتمرة من الطيب ولا يقبل الله إلا الطيب جعل الله ذلك في كفه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى يبلغ بالتمرة مثل أحد )
والمعنى فيهما على انتزاع الشبه من المجموع وكل هذا يسمى التمثيل على سبيل الاستعارة
وقد يسمى التمثيل مطلقا ومتى فشا استعماله كذلك سمي مثلا ولذلك لا تغير الأمثال ومما يبنى على التمثيل نحو قوله تعالى ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) معناه لمن كان له قلب ناظر فيما ينبغي أن ينظر فيه واع لما يجب وعيه ولكن عدل عن هذه العبارة ونحوها إلى ما عليه التلاوة بقصد البناء على التمثيل ليفيد ضربا من التخييل وذلك أنه لما كان الإنسان حين لا ينتفع بقلبه فلا ينظر فيما ينبغي أن ينظر فيه ولا يفهم ولا يعي جعل كأنه قد عدم القلب جملة كما جعل من لا ينتفع بسمعه وبصره فلا يفكر فيما يؤديان إليه بمنزلة العادم لهما ولزم على هذا أن لا يقال فلان له قلب إلا إذا كان ينتفع بقلبه فينظر فيما ينبغي أن ينظر فيه ويعي ما يجب

وعيه فكان في قوله تعالى لمن كان له قلب تخييل أن من لم ينتفع بقلبه كالعادم للقلب جملة بخلاف نحو قولنا لمن كان له قلب ناظر فيما ينبغي أن ينظر فيه واع لما يجب وعيه
وفي نظم الآية فائدة أخرى شريفة وهي تقليل اللفظ مع تكثير المعنى ونقل الشيخ عبد القاهر عن بعض المفسرين أنه قال المراد بالقلب العقل ثم شدد عليه النكير في هذا التفسير وقال وإن كان المرجع فيما ذكرناه عند التحصيل إلى ما ذكره ولكن ذهب عليه أن الكلام مبني على تخييل أن من لا ينتفع بقلبه فلا ينظر ولا يعي بمنزلة من عدم قلبه جملة كما تقول في قول الرجل إذا قال قد غاب عني قلبي أو ليس بحضرني قلبي إنه يريد أن يخيل إلى السامع أنه غاب عنه قلبه بجملته دون أن يريد الإخبار أن عقله لم يكن هناك وإن كان المرجع عند التحصيل إلى ذلك وكذا إذا قال لم أكن هاهنا
يريد غفلته عن الشيء فهو يضع كلامه على التخييل
هذا معنى كلام الشيخ وهو حق لأن المراد بالآية الحث على النظر والتقريع على تركه فإن أراد هذا المفسر بتفسيره أن المعنى لمن كان له عقل مطلقا فهو ظاهر الفساد وإن أراد أن المعنى لمن كان له عقل ينتفع به ويعمله فيما خلق له من النظر فتفسير القلب بالعقل ثم تقييد العقل بما قيده عري عن الفائدة لصحة وصف القلب بذلك بدليل قوله تعالى ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) واعلم أن المثل السائر لما كان فيه غرابة استعير لفظة المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة وهو في القرآن

كثير كقوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) أي حالهم العجيبة الشأن كحال الذي توقد نارا وكقوله تعالى ( ولله المثل الأعلى ) أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة وقوله تعالى ( مثلهم في التوراة ) أي صفتهم وشأنهم المتعجب منه وكقوله تعالى ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة ثم أخذ في بيان عجائبها إلى غير ذلك

فصل في بيان الاستعارة بالكناية والاستعارة التخييلية
قد يضمر التشبيه في النفس فلا يصرح بشيء من أركانه سوى لفظ المشبه ويدل عليه بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به من غير أن يكون هناك أمر ثابت حسا أو عقلا أجري عليه اسم ذلك الأمر فيسمى التشبيه استعارة بالكناية أو مكنيا عنها وإثبات ذلك الأمر للمشبه استعارة تخييلية والعلم في ذلك قول لبيد
( وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها )
فإنه جعل للشمال يدا ومعلوم أنه ليس هناك أمر ثابت حسا أو عقلا تجري اليد عليه كإجراء الأسد على الرجل الشجاع والصراط على ملة الإسلام فيما سبق ولكن لما شبه الشمال لتصريفها القرة على حكم طبيعتها في التصريف بالإنسان المصرف لما زمامه بيده أثبت لها يدا على سبيل التخييل مبالغة في تشبيهها به وحكم الزمان في استعارته للقرة حكم اليد في استعارتها للشمال فجعل للقرة زماما ليكون أتم في إثباتها مصرفة كما جعل للشمال يدا ليكون أبلغ في تصييرها متصرفة فوفى المبالغة حقها من الطرفين فالضمير في أصبحت وزمامها للقرة وهو قول الزمخشري والشيخ عبد القاهر جعله للغداة والأول أظهر

واعلم أن الأمر المختص بالمشبه به المثبت للمشبه منه ما لا يكمل وجه الشبه في المشبه به بدونه كما في قول أبي ذؤيب الهذلي
( وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع )
فإن شبه المنية بالسبع في اغتيال النفوس بالقهر والغلبة من غير تفرقة بين نفاع وضرار ولا رقة لمرحوم ولا بقيا على ذي فضيلة فأثبت للمنية الأظفار التي لا يكمل ذلك في السبع بدونها تحقيقا للمبالغة في التشبيه ومنه ما به يكون قوام وجه الشبه في المشبه به كما في قول الآخر
( ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق )
فإنه شبه الحال الدالة على المقصود بإنسان متكلم في الدلالة فأثبت لها اللسان الذي به قوام الدلالة في الإنسان وأما قول زهير
( طحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله )
فيحتمل أن يكون استعارة تخييلية وأن يكون استعارة تحقيقية أما التخييل فأن يكون أراد أن يبين أنه ترك ما كان يرتكبه أو أن المحبة من الجهل والغي وأعرض عن معاودته فتعطلت آلاته كأي أمر وطنت النفس على تركه فإنه تهمل آلاته فتتعطل فشبه الصبا بجهة من جهات المسير كالحج والتجارة قضى منها الوطر فأهملت آلاتها فتعطلت فأثبت له الأفراس والرواحل فالصبا على هذا من الصبوة بمعنى الميل إلى الجهل والفتوة لا بمعنى الفتاء وأما التحقيق فأن يكون أراد دواعي النفوس وشهواتها والقوى الحاصلة لها في استيفاء اللذات أو الأسباب التي قلما تتآخذ في اتباع الغي إلا أوان الصبا

فصل
اعلم أن كلام السكاكي في هذا الباب أعني باب الحقيقة والمجاز والفصل الذي يليه مخالف لمواضع مما ذكرنا فلا بد من التعرض لها ولبيان ما فيها منها أنه عرف الحقيقة اللغوية بالكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع وقال إنما ذكرت هذا القيد يعني قوله من غير تأويل في الوضع ليحترز به عن الاستعارة ففي الاستعارة تعد الكلمة مستعملة فيما هي موضوعة له على أصح القولين ولا نسميها حقيقة بل نسميها مجازا لغويا لبناء دعوى المستعار موضوعا للمستعار له على ضرب من التأويل كما مر ثم عرف المجاز اللغوي بالكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالا في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع وقال قولي بالتحقيق احتراز أن لا تخرج الاستعارة التي هي من باب المجاز نظرا إلى دعوى استعمالها فيما هي موضوعة له على ما مر وقوله استعمالا في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها بمنزلة قولنا في تعريف المجاز في اصطلاح به التخاطب على ما مر
وقوله مع قرينة إلخ احتراز عن الكناية كما تقدم وفيهما نظر لأن لفظ الوضع وما يشتق منه إذا أطلق لا يفهم منه الوضع بتأويل

وإنما يفهم منه الوضع بالتحقيق لما سبق من تفسير الوضع فلا حاجة إلى تقييد الوضع في تعريف الحقيقة بعدم التأويل وفي تعريف المجاز بالتحقيق اللهم إلا أن يراد زيادة البيان لا تتميم الحد ثم تقييد الوضع باصطلاح التخاطب ونحوه إذا كان لا بد منه في تعريف المجاز ليدخل فيه نحو لفظ الصلاة إذا استعملها المخاطب بعرف الشرع في الدعاء مجازا فلا بد منه في تعريف الحقيقة أيضا ليخرج نحو هذا اللفظ منه كما سبق وقد أهمله في تعريفها لا يقال قوله في تعريفها من غير تأويل في الوضع أغنى عن هذا القيد فإن استعمال اللفظ فيما وضع له في غير اصطلاح التخاطب إنما يكون بتأويل في وضعه لأن التأويل في الوضع يكون في الاستعارة على أحد القولين دون سائر أقسام المجاز ولذلك قال وإنما ذكرت هذا القيد ليحترز به عن الاستعارة ثم تعريفه للمجاز يدخل فيه الغلط كما تقدم
ومنها أنه قسم المجاز إلى الاستعارة وغيرها وعرف الاستعارة بأن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدعيا دخول المشبه في جنس المشبه به وقسم الاستعارة إلى المصرح بها والمكنى عنها وعنى بالمصرح بها أن يكون المذكور من طرفي التشبيه هو المشبه به وجعلها ثلاثة أضرب تحقيقية وتخييلية ومحتملة للتحقيق والتخييل وفسر التحقيقية بما مر وعد التمثيل على سبيل الاستعارة منها وفيه نظر لأن التمثيل على سبيل الاستعارة لا يكون إلا مركبا كما سبق فكيف يكون قسما من المجاز المفرد ولو لم يقيد الاستعارة بالإفراد وعرفها بالمجاز الذي أريد به ما شبه بمعناه الأصلي مبالغة في التشبيه دخل كل من التحقيقية والتمثيل في تعريف

الاستعارة ومنها أنه فسر التخييلية بما استعمل في صورة وهمية محضة قدرت مشابهة لصورة محققة هي معناه كلفظ الأظفار في قول الهذلي فإنه لما شبه المنية بالسبع في الاغتيال على ما تقدم أخذ الوهم في تصويرها بصورته واختراع مثل ما يلائم صورته ويتم به شكله لها من الهيئات والجوارح وعلى الخصوص ما يكون قوام اغتياله للنفوس به فاخترع للمنية صورة مشابهة لصورة الأظفار المحققة فأطلق عليها اسمها وفيه نظر لأن تفسير التخييلية بما ذكره بعيد لما فيه من التعسف وأيضا فظاهر تفسير غيره لها بقولهم جعل الشيء للشيء كجعل لبيد للشمال يدا يخالفه لاقتضاء تفسيره أن يجعل للشمال صورة متوهمة مثل صورة اليد لا أن يجعل لها يدا فإطلاق اسم اليد على تفسيره استعارة وعلى تفسير غيره حقيقة والاستعارة إثباتها للشمال كما قلنا في المجاز العقلي الذي فيه المسند حقيقة لغوية أيضا فيلزمه أن يقول بمثل ذلك أعني بإثبات صورة متوهمة في ترشيح الاستعارة لأن كل واحد من التخييلية والترشيح فيه إثبات بعض لوازم المشبه به المختصة به للمشبه غير أن التعبير عن المشبه في التخييلية بلفظه الموضوع له وفي الترشيح بغير لفظه وهذا لا يفيد فرقا والقول بهذا يقتضي أن يكون الترشيح ضربا من التخييلية وليس كذلك وأيضا فتفسيره للتخييلية أعم من أن تكون تابعة للاستعارة بالكناية كما في بيت الهذلي أو غير تابعة بأن يتخيل ابتداء صورة وهمية مشابهة لصورة محققة فيستعار لها اسم الصورة المحققة والثانية بعيدة جدا ويدل على إرادته دخول الثانية في تفسير التخييلية أنه قال حسنها بحسب حسن المكنى عنها متى كانت تابعة لها كما في قولك

فلان بين أنياب المنية ومخالبها
وقلما تحسن الحسن البليغ غير تابعة لها ولذلك استهجنت في قول الطائي
( لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استغذبت ماء بكائي )
فإن قيل لم لا يجوز أن يريد بغير التابعة للمكنى عنها التابعة لغير المكنى عنها قلنا غير المكنى عنها هي المصرح بها فتكون التابعة لها ترشيح الاستعارة وهو من أحسن وجوه البلاغة فكيف يصح استهجانه
وأما قول أبي تمام فليس له فيه دليل لجواز أن يكون أبو تمام شبه الملام بظرف الشراب لاشتماله على ما يكرهه الملوم كما أن الظرف قد يشتمل على ما يكرهه الشارب لبشاعته أو مرارته فتكون التخييلية في قوله تابعة للمكني عنها أو بالماء نفسه لأن اللوم قد يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الأوام فيكون تشبيها على حد لجين الماء فيما مر لا استعارة والاستهجان على الوجهين لأنه كان ينبغي له أن يشبهه بظرف شراب مكروه أو بشراب مكروه ولهذا لم يستهجن نحو قولهم أغلظت لفلان القول وجرعته كأسا مرة أو سقيته أمر من العلقم ومنها أنه عنى بالاستعارة المكنى عنها أن يكون المذكور من طرفي التشبيه هو المشبه على أن المراد بالمنية في قول الهذلي السبع بادعاء السبعية لها وإنكار أن تكون شيئا غير السبع بقرينة إضافة الأظفار إليها وفيه نظر للقطع بأن المراد بالمنية في البيت هو الموت لا الحيوان المفترس فهو مستعمل فيما هو موضوع له على التحقيق
وكذا كل ما هو نحوه ولا شيء من الاستعارات مستعملا كذلك وأما ما ذكره في تفسير قوله من أنا ندعي ههنا أن اسم

المنية اسم للسبع مرادف للفظ السبع بارتكاب تأويل وهو أن تدخل المنية في جنس السبع للمبالغة في التشبيه ثم نذهب على سبيل التخييل إلى أن الواضع كيف يصح منه أن يضع اسمين لحقيقة واحدة ولا يكونان مترادفين فيتهيأ لنا بهذا الطريق دعوى السبعية للمنية مع التصريح بلفظ المنية فلا يفيده لأن ذلك لا يقتضي كون اسم المنية غير مستعمل فيما هو موضوع له على التحقيق من غير تأويل فيدخل في تعريفه للحقيقة ويخرج من تعريفه للمجاز وكأنه لما رأى علماء البيان يطلقون لفظ الاستعارة على نحو ما نحن فيه وعلى أحد نوعي المجاز اللغوي الذي هو اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي ويقولون الاستعارة تنافي ذكر طرفي التشبيه ظن أن مرادهم بلفظ الاستعارة عند الإطلاق وفي قولهم استعارة بالكناية معنى واحد فبنى على ذلك ما تقدم ومنها أنه قال في آخر فصل الاستعارة التبعية هذا ما أمكن من تلخيص كلام الأصحاب في هذا الفصل ولو أنهم جعلوا قسم الاستعارة التبعية من قسم الاستعارة بالكناية بأن قبلوا فجعلوا في قولهم نطقت الحال بكذا الحال التي ذكرها عندهم قرينة الاستعارة بالتصريح استعارة بالكناية عن المتكلم بوساطة المبالغة في التشبيه على مقتضى المقام وجعلوا نسبة النطق إليه قرينة الاستعارة كما تراهم في قوله
( وإذا المنية أنشبت أظفارها ... )
ويجعلون المنية استعارة بالكناية عن السبع ويجعلون إثبات الأظفار لها قرينة الاستعارة وهكذا جعلوا البخل استعارة بالكناية عن

حي أبطلت حياته بسيف أو غير سيف فالتحق بالعدم وجعلوا نسبه القتل إليه قرينة الاستعارة ولو جعلوا أيضا اللهذميات استعارة بالكناية عن المطعومات اللطيفة الشهية على سبيل التهكم وجعلوا نسبة لفظ القرى إليها قرينة الاستعارة لكان أقرب إلى الضبط هذا لفظه وفيه نظر لأن التبعية التي جعلها قرينة لقرينتها التي جعلها استعارة بالكناية كنطقت في قولنا نطقت الحال بكذا لا يجوز أن يقدرها حقيقة حينئذ لأنه لو قدرها حقيقة لم تكن استعارة تخييلية لأن الاستعارة التخييلية عنده مجاز كما مر ولو لم تكن تخييلية لم تكن الاستعارة مستلزمة للتخييلية واللازم باطل بالاتفاق فيتعين أن يقدرها مجازا وإذا قدرها مجازا لزمه أن يقدرها من قبيل الاستعارة لكون العلاقة بين المعنيين هي المشابهة فلا يكون ما ذهب إليه مغنيا عن قسمة الاستعارة إلى أصلية وتبعية ولكن يستفاد مما ذكر رد التركيب في التبعية إلى تركيب الاستعارة بالكناية على ما فسرناها وتصير التبعية حقيقية واستعارة تخييلية لما سبق أن التخييلية على ما فسرناها حقيقة لا مجاز

فصل
وإذ قد عرفت معنى الاستعارة التحقيقية والاستعارة التخييلية والاستعارة بالكناية والتمثيل على سبيل الاستعارة فاعلم أن لحسنها شروطا إن لم تصادفها عريت عن الحسن وربما تكتسب قبحا وهي في كل من التحقيقية والتمثيل رعاية ما سبق ذكره من جهات حسن التشبيه وأن لا يشم من جهة اللفظ رائحته ولذلك يوصي فيه أن يكون الشبه بين طرفيها جليا بنفسه أو عرف أو غيره وإلا صار تعمية وألغازا لا استعارة وتمثيلا كما إذا قيل رأيت أسدا وأريد إنسان أبخر وكما إذا قيل رأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة وأريد الناس أو قيل رأيت عودا مستقيما أو أن الغرس وأريد إنسان مؤدب في صباه وبهذا ظهر أنهما لا يجيئان في كل ما يجيء فيه التشبيه ومما يتصل بهذا أنه إذا قوي الشبه بين الطرفين بحيث صار الفرع كأنه الأصل لم يحسن التشبيه وتعينت الاستعارة وذلك كالنور إذا شبه العلم به والظلمة إذا شبهت الشبهة بها فإنه لذلك يقول الرجل إذا فهم المسألة حصل في قلبي نور ولا يقول كأن نورا حصل في قلبي ويقول لمن أوقعه في شبهة أوقعتني في ظلمة ولا يقول كأنك أوقعتني في ظلمة
وكذا المكنى عنها حسنها برعاية جهات حسن التشبيه وأما التخييلية فحسنها بحسب حسن المكنى عنها لما بينا أنها لا تكون إلا تابعة لها

فصل
واعلم أن الكلمة كما توصف بالمجاز لنقلها عن معناها الأصلي كما مضى توصف به أيضا لنقلها عن إعرابها الأصلي إلى غيره لحذف لفظ أو زيادة لفظ أما الحذف فكقوله تعالى ( واسأل القرية ) أي أهل القرية فإعراب القرية في الأصل هو البحر فحذف المضاف وأعطى المضاف إليه إعرابه ونحوه قوله تعالى ( وجاء ربك ) أي أمر ربك وكذا قولهم بنو فلان يطؤهم الطريق أي أهل الطريق وأما الزيادة فكقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) على القول بزيادة الكاف أي ليس مثله شيء فإعراب مثله في الأصل هو النصب فزيدت الكاف فصار جرا فإن كان الحذف أو الزيادة لا يوجب تغيير الإعراب كما في قوله تعالى ( أو كصيب من السماء ) إذ أصله أو كمثل ذوي صيب فحذف ذوي لدلالة ( يجعلون أصابعهم في

آذانهم ) عليه وحذف مثل لما دل عليه عطفه على قوله ( كمثل الذي استوقد نارا ) إذ لا يخفى أن التشبيه ليس بين صفة المنافقين العجيبة الشأن وذوات ذوي صيب وكقوله ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) وقوله ( لئلا يعلم أهل الكتاب ) فلا توصف الكلمة بالمجاز وقد بالغ الشيخ عبد القاهر في النكير على من أطلق القول بوصف الكلمة بالمجاز للحذف أو الزيادة

القول في الكناية
الكناية لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه حينئذ كقولك فلان طويل النجاد
أي طويل القامة وفلانة نؤوم الضحى
أي مرفهة مخدومة غير محتاجة إلى السعي بنفسها في إصلاح المهمات وذلك أن وقت الضحى وقت سعي نساء العرب في أمر المعاش وكفاية أسبابه وتحصيل ما يحتاج إليه في تهيئة المتناولات وتدبير إصلاحها فلا تنام فيه من نسائهم إلا من تكون لها خدم ينوبون عنها في السعي لذلك ولا يمتنع أن يراد مع ذلك طول النجاد والنوم في الضحى من غير تأويل فالفرق بينهما وبين المجاز من هذا الوجه أي من جهة إرادة المعنى مع إرادة لازمة فإن المجاز ينافي ذلك فلا يصح في نحو قولك في الحمام أسد أن تريد معنى الأسد من غير تأول لأن المجاز ملزوم قرينة معاندة لإرادة الحقيقة كما عرفت وملزوم معاند الشيء معاند لذلك الشيء
وفرق السكاكي وغيره بينهما بوجه آخر أيضا وهو أن مبني الكناية على الانتقال من اللازم إلى الملزوم ومبني المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللازم وفيه نظر لأن اللازم ما لم يكن ملزوما يمتنع أن

ينتقل منه إلى الملزوم فيكون الانتقال حينئذ من الملزوم إلى اللازم ولو قيل اللزوم من الطرفين من خواص الكناية دون المجاز أو شرط لها دونه اندفع هذا الاعتراض لكن اتجه منع الاختصاص والاشتراط
ثم الكناية ثلاثة أقسام لأن المطلوب بها إما غير صفة ولا نسبة أو صفة أو نسبة والمراد الصفة المعنوية كالجود والكرم والشجاعة وأمثالها لا النعت الأولى المطلوب بها غير صفة ولا نسبة فمنها ما هو معنى واحد كقولنا المضياف كناية عن زيد
ومنه قوله كناية عن القلب
( الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان )
ونحوه قول البحتري في قصيدته التي يذكر فيها قتله الذئب
( فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد )
فقوله بحيث يكون اللب والرعب والحقد ثلاث كنايات لا كناية واحدة لاستقلال كل واحد منها بإفادة المقصود ومنها ما هو مجموع معان كقولنا كناية عن الإنسان حي مستوي القامة عريض الأظفار وشرط كل واحد منهما أن تكون مختصة بالمكنى عنه لاتتعداه ليحصل الانتقال منها إليه وجعل السكاكي الأولى قريبة والثانية بعيدة وفيه نظر
الثانية المطلوب بها صفة وهي ضربان قريبة وبعيدة القريبة ما ينتقل منها إلى المطلوب بها لا بواسطة وهي إما واضحة كقولهم كناية عن طويل القامة طويل نجاده وطويل النجاد والفرق بينهما أن الأول

كناية ساذجة والثاني كناية مشتملة على تصريح ما لتضمن الصفة فيه ضمير الموصوف بخلاف الأول
ومنها قول الحماسي
( أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا )
وأما خفية كقولهم كناية عن الأبله عريض القفا فإن عرض القفا وعظم الرأس إذا أفرط فيما يقال دليل الغباوة ألا ترى قول طرفة بن العبد
( أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد )
والبعيدة ما ينتقل منها إلى المطلوب بها بواسطة كقولهم كناية عن الأبله عريض الوسادة فإنه ينتقل من عرض الوسادة إلى عرض القفا ومنه إلى المقصود وقد جعله السكاكي من القرينة على أنه كناية عن عرض القفا وفيه نظر وكقولهم كثير الرماد كناية عن المضياف فإنه ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدور ومنها إلى كثرة الطبائخ ومنها إلى كثرة الآكلة ومنها إلى كثرة الضيفان ومنها المقصود إلى كقوله
( وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل )
فإنه ينتقل من جبن الكلب عن الهرير في وجه من يدنو من دار من هو بمرصد لأن يعس دونها مع كون الهرير في وجه من لا يعرفه طبيعيا له إلى استمرار تأديبه لأن الأمور الطبيعية لا تتغير بموجب لا يقوى ومن ذلك إلى استمرار موجب نباحه وهو اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه ومن ذلك إلى كونه مقصد أدان وأقاص ومن ذلك إلى أنه

مشهور بحسن قرى الأضياف وكذلك ينتقل من هزال الفصيل إلى فقد الأم ومنه إلى قوة الداعي إلى نحرها لكمال عناية العرب بالنوق لا سيما المتليات ومنها إلى صرفها إلى الطبائخ ومنها إلى أنه مضياف ومن هذا النوع قول نصيب
( لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن ظاهرة )
( فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامرة )
( وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بالابنة الزائرة )
فإنه ينتقل من وصف كلبه بما ذكر إلى أن الزائرين معارف عنده ومن ذلك إلى اتصال مشاهدته إياهم ليلا ونهارا ومنه إلى لزومهم سدته ومنه ألى تسني مباغيهم لديه من غير انقطاع ومنه إلى وفور إحسانه إلا الخاص والعام وهو المقصود ونظيره مع زيادة لطف قول الآخر
( يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم ) ومنه قوله
( لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل )
فإنه ينتقل من عدم إمتاعها إلى أنه لا يبقى لها فصالها لتأنس بها ويحصل لها الفرح الطبيعي بالنظر إليها ومن ذلك إلى نحرها أو لا يبقى العوذ إبقاء على فصالها وكذا قرب الأجل ينتقل منه إلى نحرها ومن نحرها إلى أنه مضياف ومن لطيف هذا القسم قوله تعالى ( ولما

سقط في أيديهم ) أي ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها لأن فاه قد وقع فيها وكذا قول أبي الطيب كناية عن الكذب
( تشتكي ما اشتكيت من ألم الشوق ... إليها والشوق حيث النحول ) وكذا قوله
( إلى كم ترد الرسل عما أتوا له ... كأنهم فيما وهبت ملام )
فإن أوله كناية عن الشجاعة وآخره كناية عن السماحة وكذا قول أبي تمام
( فإن أنا لم يحمدك عني صاغرا ... عدوك فاعلم أنني غير حامد )
يريد بحمده عنه حفظه مدحه فيه وإنشاده أي إن لم أكن أجيد القول في مدحك حتى يدعو حسنه عدوك إلى أن يحفظه ويلهج به صاغرا فلا تعدني حامدا لك بما أقول فيك ووصفه بالصغار لأن من يحفظ مديح عدوه وينشده فقد أذل نفسه فكنى بحفظ عدو الممدوح مدحه ما عن إجادته القول في مدحه وكذا قول من يصف راعي إبل أو غنم
( ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا )
وقول الآخر
( صلب العصا بالضرب قد دماها ... )

أي جعلها كالدم في الحسن والغرض من قول الأول ضعيف العصا وقول الثاني صلب العصا وهما وإن كانا في الظاهر متضادين فإنهما كنايتان عن شيء واحد وهو حسن الرعية والعمل بما يصلحها ويحسن أثره عليها فأراد الأول أنه رفيق مشفق عليها لا يقصد من حمل العصا أن يوجعها بالضرب من غير فائدة فهو يتخير ما لان من العصا وأراد الثاني أنه جيد الضبط لها عارف بسياستها في الرعي يزجرها عن المراعي التي لا تحمد ويتوخى بها ما تسمن عليه ويتضمن أيضا أنه يمنعها عن التشرد والتبدد وأنها لما عرفت من شدة شكيمته وقوة عزيمته تنساق في الجهة التي يريدها وقوله بالضرب قد دماها تورية حسنة ويؤكد أمرها قول صلب العصا
الثالثة المطلوب بها نسبة كقول زياد الأعجم
( إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج )
فإنه حين أراد أن لا يصرح بإثبات هذه الصفات لابن الحشرج جمعها في قبة تنبيها بذلك على أن محلها ذو قبة وجعلها مضروبة عليه لوجود ذوي قباب في الدنيا كثيرين فأفاد إثبات الصفات المذكورة له بطريق الكناية ونظيره قولهم المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه
قال السكاكي وقد يظن هذا من قسم زيد طويل نجاده وليس بذاك فطويل نجاده بإسناد الطويل إلى النجاد تصريح بإثبات الطول للنجاد وطول النجاد كما تعرف قائم مقام طول القامة فإذا صرح من بعد بإثبات النجاد لزيد بالإضافة كان ذلك تصريحا بإثبات الطول لزيد فتأمل وقول الآخر

( والمجد يدعو أن يدوم لجيده ... عقد مساعي ابن العميد نظامه )
فإنه شبه المجد بإنسان بديع الجمال في ميل النفوس إليه وأثبت له جيدا على سبيل الاستعارة التخييلية ثم أثبت لجيده عقدا ترشيحا للاستعارة ثم خص مساعي ابن العميد بأنها نظامه فنبه بذلك على اعتنائه خاصة بتزيينه وبذلك على محبته وحده له وبها على اختصاصه به ونبه بدعاء المجد أن يدوم لجيده ذلك العقد على طلبه دوام بقاء ابن العميد وبذلك على اختصاصه به وكقول أبي نواس
( فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير )
فإنه كنى عن جميع الجود بأن نكره ونفى أن يجوز ممدوحه ويحل دونه فيكون متوزعا يقوم منه شيء بهذا وشيء بهذا وعن إثباته له بتخصيصه بجهته بعد تعريفه باللام التي تفيد العموم ونظيره قولهم مجلس فلان مظنة الجود والكرم
هذا قول السكاكي وقيل كنى بالشطر الأولى عن اتصافه بالجود وبالثاني عن لزوم الجود له ويحتمل وجها آخر وهو أن يكون كل منهما كناية عن اختصاصه به وعدم الاقتصار على أحدهما للتأكيد والتقرير وذكرهما على الترتيب المذكور لأن الأولى بواسطة بخلاف الثانية وكقولهم مثلك لا يبخل قال الزمخشري نفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده وعمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه ونظيره قولك للعربي العرب لا تخفر الذمم فإنه أبلغ من قولك أنت لا تخفر ومنه قولهم أيفعت لداته وبلغت أترابه يريدون إيفاعه وبلوغه

وعليه قوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) على أحد الوجهين وهو أن لا تجعل الكاف زائدة قيل وهذا غاية لنفي التشبيه إذ لو كان له مثل لكان لمثله شيء يماثله وهو ذاته تعالى فلما قال ليس كمثله دل على أنه ليس له مثل وأورد أنه يلزم منه نفيه تعالى لأنه مثل مثله ورد بمنع أنه تعالى مثل مثله لأن صدق ذلك موقوف على ثبوت مثله تعالى عن ذلك
وكقول الشنفرى الأزدي في وصف امرأة بالعفة
( يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت )
فإنه نبه بنفي اللوم عن بيتها على انتفاء أنواع الفجور عنه وبه على براءتها منها وقال يبيت دون يظل لمزيد اختصاص الليل بالفواحش هذا على ما رواه الشيخ عبد القاهر والسكاكي
وفي الأغاني الكبير يحصل بمنجاة وقد يظن أن هنا قسما رابعا وهو أن يكون المطلوب بالكناية الوصف والنسبة معا كما يقال يكثر الرماد في ساحة عمرو في الكناية عن أن عمرا مضياف وليس بذاك إذ ليس ما ذكر بكناية واحدة بل هو كنايتان إحداهما عن المضيافية والثانية عن إثباتها لعمرو وقد ظهر بهذا أن طرف النسبة المثبتة بطريق الكناية يجوز أن يكون مكنيا عنه أيضا كما في هذا المثال ونحوه بيت الشنفرى المتقدم فإن حلول البيت بمنجاة من اللوم كناية عن نسبة العفة إلى صاحبه والمنجاة من اللوم كناية عن العفة واعلم أن الموصوف في القسم الثاني والثالث قد يكون مذكورا كما مر وقد يكون غير مذكور كما تقول في عرض من يؤذي المسلمين ( المسلم

من سلم المسلمون من لسانه ويده ) أي ليس المؤذي مسلما
وعليه قوله تعالى في عرض المنافقين ( هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ) إذا فسر الغيب بالغيبة أي يؤمنون مع الغيبة في حضرة النبي أصحابه رضي الله عنهم أي هدى للمؤمنين عن إخلاص لا للمؤمنين عن نفاق
وقال السكاكي الكناية تتفاوت إلى تعريض وتلويح ورمز وإيماء وإشارة فإن كانت عرضية فالمناسب أن تسمى تعريضا وإلا فإن كان بينها وبين المكنى عنه مسافة متباعدة لكثرة الوسائط كما في كثرة الرماد وأشباهه فالمناسب أن تسمى تلويحا لأن التلويح هو أن يشير إلى غيرك عن بعد وإلا فإن كان فيها نوع خفاء فالمناسب أن تسمى رمزا لأن الرمز هو أن تشير إلى قريب منك على سبيل الخفية قال
( رمزت إلي مخافة من بعلها ... من غير أن تبدي هناك كلامها )
وإلا فالمناسب أن تسمى إيماء وإشارة كقول أبي تمام يصف إبلا
( أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد ) فإنه في إفادة أن أبا سعيد كريم غير خاف وكقول البحتري
( أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول )
فإنه في إفادة أن آل طلحة أماجد ظاهر
وكقول الآخر
( إذا الله لم يسبق إلا الكرام ... فسقى وجوه بني حنبل )

( وسقى ديارهم باكرا ... من الغيث في الزمن الممحل )
وكقول الآخر
( متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم )
ثم قال والتعريض كما يكون كناية قد يكون مجازا كقولك آذيتني فستعرف وأنت لا تريد المخاطب بل تريد إنسانا معه وإن أردتهما جميعا كان كناية

تنبيه
أطبق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة وأن الاستعارة أبلغ من التصريح بالتشبيه وأن التمثيل على سبيل الاستعارة أبلغ من التمثيل لا على سبيل الاستعارة وأن الكناية أبلغ من الإفصاح بالذكر قال الشيخ عبد القاهر ليس ذلك لأن الواحد من هذه الأمور يفيد زيادة في المعنى نفسه لا يفيدها خلافه بل لأنه يفيد تأكيدا لإثبات المعنى لا يفيده خلافه فليست فضيلة قولنا رأيت أسدا على قولنا رأيت رجلا هو والأسد سواء في الشجاعة أن الأول أفاد زيادة في مساواته للأسد في الشجاعة لم يفده الثاني بل هي أن الأول أفاد تأكيدا لإثبات تلك المساواة له لم يفده الثاني وليست فضيلة قولنا كثير الرماد على قولنا كثير القرى أن الأول أفاد زيادة لقراه لم يفدها الثاني بل هي أن الأول أفاد تأكيدا لإثبات كثرة القرى له لم يفده ا لثاني والسبب في ذلك أن الانتقال في الجميع من الملزوم إلى اللازم فيكون إثبات المعنى به كدعوى الشيء ببينة ولا شك أن دعوى الشيء ببينة أبلغ في إثباته من دعواه بلا بينة ولقائل أن يقول

قد تقدم أن الاستعارة أصلها التشبيه وأن الأصل في وجه الشبه أن يكون الشبه به أتم منه في المشبه وأظهر فقولنا رأيت أسدا يفيد للمرء شجاعة أتم مما يفيدها قولنا رأيت رجلا كالأسد لأن الأول يفيد شجاعة الأسد والثاني شجاعة دون شجاعة الأسد ويمكن أن يجاب بحمل كلام الشيخ على أن السبب في كل صورة ليس هو ذلك لا أن ذلك ليس بسبب في شيء من الصور أصلا هذا آخر الكلام في الفن الثاني
وذكر السكاكي بعد الفراغ منه تفسير البلاغة بما نقلناه عنه في صدر الكتاب ثم قسم الفصاحة إلى معنوية ولفظية وفسر المعنوية بخلوص المعنى عن التعقيد وعنى بالتعقيد اللفظي على ما سبق تفسيره وفسر اللفظية بأن تكون الكلمة عربية أصيلة وقال وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور واستعمالهم لها أكثر لا مما أحدثه المولدون ولا مما أخطأت فيه العامة وأن تكون أجرى على قوانين اللغة وأن تكون سليمة التنافر فجعل الفصاحة غير لازمة للبلاغة وحصر مرجع البلاغة في الفنين ولم يجعل الفصاحة مرجعا لشيء منهما ثم قال وإذ قد وقفت على البلاغة والفصاحة المعنوية اللفظية فأنا أذكر على سبيل الأنموذج آية أكشف لك فيها عن وجوه البلاغة والفصاحتين ما عسى يسترها عنك وذكر ما أورده الزمخشري في تفسير قوله تعالى ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ) وزاد عليه نكتا لا بأس بها فرأيت أن

أورده تلخيص ما ذكره جاريا عل اصطلاحه في معنى البلاغة والفصاحة قال أما النظر فيها من جهة علم البيان فهو أنه تعالى لما أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد وأن نقطع طوفان السماء فانقطع وأن يغيض الماء النازل من السماء فغاض وأن يقضي أمر نوح وهو إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه فقضى وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت وأبقينا الظلمة غرقى بني الكلام على تشبيه المراد منه بالمأمور الذي لا يتأتى منه لكمال هيبته العصيان وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوين المقصود تصويرا لاقتداره تعالى وأن السماوات والأرض وهذه الأجرام العظام تابعة لإرادته كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده ثم بنى على تشبيهه هذا نظم الكلام فقال تعالى قيل على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل وجعل قرينة المجاز خطاب الجماد وهو يا أرض ويا سماء ثم قال يا أرض ويا سماء مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة للشبه المذكور ثم استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم بجامع الذهاب إلى مقر خفي واستتبع ذلك تشبيه الماء بالغذاء على طريق الاستعارة بالكناية لتقوي الأرض بالماء في الإثبات للزرع والأشجار وجعل قرينة الاستعارة لفظ ابلعي لكونه موضوعا للاستعمال في الغذاء دون ا لماء ثم أمر على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره ثم قال ماءك بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك واستعار لحبس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل

الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان وخاطب في الأمرين ترشيحا للاستعارة ثم قال ( وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ) فلم يصرح بالغائض والقاضي والمسوي والقائل كما لم يصرح بقائل يا أرض ويا سماء سلوكا في كل واحد من ذلك سبيل الكناية أن تلك الأمور العظام لا تتأتى إلا من ذي قدرة لا تكتنه قهار لا يغالب فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون الفاعل لشيء من ذلك غيره ثم ختم الكلام بالتعريض لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلما لأنفسهم ختم إظهار لمكان السخط ولجهة استحقاقهم إياه وأما النظر فيها من حيث علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم وتأخير بين جملتها فذلك أنه اختير يا دون سائر أخواتها لكونها أكثر استعمالا ولدلالتها على بعد المنادى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة ويؤذن بالتهاون به ولم يقل يا أرض بالكسر تجنبا لإضافة التشريف تأكيدا للتهاون ولم يقل يا أيتها الأرض للاختصار مع الاحتراز عما في أيتها من تكلف التنبيه غير المناسب للمقام لكون المخاطب غير صالح للتنبيه على الحقيقة واختير لفظ الأرض دون سائر أسمائها لكونه أخف وأدور واختير لفظ السماء لمثل ذلك مع قصد المطابقة واختير ابلعي على ابتلعي لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين أقلعي أوفر وقيل ماءك بالإفراد دون الجمع لدلالة الجمع على الاستكثار الذي يأباه مقام إظهار الكبرياء وهو الوجه في إفراد الأرض والسماء ولم يحذف مفعول ابلعي لئلا يفهم ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع

للجبال والتلال والبحار وغيرها نظرا إلى مقام ورود الأمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء ثم إذ بين المراد اختصر الكلام على أقلعي فلم يقل أقلعي عن إرسال الماء احترازا عن الحشو المستغنى عنه من حيث الظاهر وهو الوجه في أنه لم يقل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ويا سماء أقلعي فأقلعت واختير غيض الماء على غيض المشددة لكونه أخصر وأخف وأوفق لقيل وقيل الماء دون أن يقال ماء طوفان السماء وكذا الأمر دون أن يقال أمر نوح للاختصار ولم يقل سويت على الجودي بمعنى أقرت على نحو قيل وغيض وقضي في البناء للمفعول اعتبار لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله وهي تجري بهم مع قصد الاختصار ثم قيل بعدا للقوم دون أن يقال ليبعد القوم طلبا للتوكيد مع الاختصار ثم وهو نزول بعدا منزلة ليبعدوا بعدا مع إفادة أخرى وهي استعمال اللام مع بعدا الدال على معنى أن البعد حق لهم ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع حتى يدخل فيه ظلمهم لأنفسهم بتكذيب الرسل
هذا من حيث النظر إلى الكلم وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذلك أنه قدم النداء على الأمر فقيل يا أرض ابلعي ويا سماء اقلعي دون أن يقال ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء جريا على مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصدا بذلك لمعنى الترشيح ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء لابتداء الطوفان منها ونزولها لذلك في القصة منزلة الأصل ثم أتبعهما قوله وغيض الماء لاتصاله بقصة الماء ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة وهو قوله وقضي الأمر أن

أنجز الوعد من إهلاك الكفرة وإنجاء نوح ومن معه في السفينة ثم أتبعه حديث السفينة ثم ختمت القصة بما ختمت هذا كله نظر في الآية من جانب البلاغة وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى نظم للمعاني لطيف وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد بل ألفاظها تسابق معانيها ومعانيها تسابق ألفاظها
وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة جارية على قوانين اللغة سليمة عن التنافر بعيدة عن البشاعة عذبة على العذبات سلسلة على الأسلات كل منها كالماء في السلالة وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة والله أعلم

الفن الثالث في علم البديع
وهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة وهذه الوجوه ضربان ضرب يرجع إلى المعنى وضرب يرجع إلى اللفظ أما المعنوي فمنه المطابقة وتسمى الطباق والتضاد أيضا وهي الجمع بين المتضادين أي معنيين متقابلين في الجملة ويكون ذلك إما بلفظين من نوع واحد اسمين كقوله تعالى ( وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ) أو فعلين كقوله تعالى ( تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) وقول النبي للأنصار ( إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع ) وقول أبي صخر الهذلي
( أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر )
وقول بشار
( إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبه لها عمرا ثم نم )

أو حرفين كقوله تعالى ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) وقول الشاعر
( على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا ليا )
وإما بلفظين من نوعين كقوله تعالى ( أو من كان ميتا فأحييناه ) أي ضالا فهديناه وقول طفيل
( بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول ) ومن لطيف الطباق قول ابن رشيق
( وقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالي في سماء عجاج ) وكذا قول القاضي الأرجاني
( ولقد نزلت من الملوك بماجد ... فقر الرجال إليه مفتاح الغنى ) وكذا قول الفرزدق
( لعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار )
( يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار )
وفي البيت الأول تكميل حسن إذ لو اقتصر على قوله لا يغدرون لاحتمل الكلام ضربا من المدح إذ تجنب الغدر قد يكون عن عفة فقال ولا يفون ليفيد أنه للعجز كما أن ترك الوفاء للؤم وحصل مع ذلك إيغال حسن لأنه لو اقتصر على قوله لا يغدرون ولا يفون تم

المعنى الذي قصده ولكنه لما احتاج إلى القافية أفاد بها معنى زائدا حيث قال لجار لأن ترك الوفاء للجار أشد قبحا من ترك الوفاء لغيره والطباق قد يكون ظاهرا كما ذكرنا وقد يكون خفيا نوع خفاء كقوله تعالى ( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا )
طابق بين أغرقوا وأدخلوا نارا
وقول أبي تمام
( مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل )
طابق بين هاتا وتلك والطباق ينقسم إلى طباق الإيجاب كما تقدم وإلى طباق السلب وهو الجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي أو أمر ونهي كقوله تعالى ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ) وقوله ( فلا تخشوا الناس واخشون ) وقول الشاعر
( وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول ) وقول البحتري
( يقيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ويسري إلى الشوق من حيث أعلم )
وقول أبي الطيب
( ولقد عرفت وما عرفت حقيقة ... ولقد جهلت وما جهلت خمولا )

وقول الآخر
( خلقوا وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا )
( رزقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوا )
قيل ومنه قوله تعالى ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) أي لا يعصون الله في الحال ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل وفيه نظر لأن العصيان يضاد فعل المأمور به فكيف يكون الجمع بين نفيه وفعل المأمور به تضادا ومن الطباق قول أبي تمام
( تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهي في سندس خضر ) وقول أبي حيوس
( طالما قلت للمسائل عنكم ... واعتمادي هداية الضلال )
( إن ترد علم حالهم عن يقين ... فألقهم يوم نائل أو نزال )
( تلق بيض الوجوه سود مثار النقع ... خضر الأكناف حمر النصال )
وقول الحريري فمذ ازور المحبوب الأصفر واغبر العيش الأخضر اسود يومي الأبيض وابيض فودي الأسود حتى رثى لي العدو الأزرق فيا حبذا الموت الأحمر
ومن الناس من سمى نحو ما ذكرناه تدبيجا وفسره بأن يذكر في معنى من المدح أو غيره ألوان بقصد الكناية أو التورية أما تدبيج الكناية فكبيت أبي تمام وبيتي ابن حيوس وأما تدبيج التورية فكلفظ الأصفر في قول الحريري ويلحق بالطباق شيئان أحدهما نحو قوله تعالى ( أشداء على الكفار رحماء

بينهم ) فإن الرحمة مسببة عن اللين الذي هو ضد الشدة وعليه قوله تعالى ( من رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ) فإن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المضادة للسكون والعدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل لأن الحركة ضربان حركة لمصلحة وحركة لمفسدة والمراد الأولى لا الثانية ومن فاسد هذا الضرب قول أبي الطيب
( لمن تطلب الدنيا إذا لمن ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم )
فإن ضد المحب هو المبغض والمجرم قد لا يكون مبغضا وله وجه بعيد والثاني ما يسمى إيهام التضاد كقول دعبل
( لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى ) وقول أبي تمام
( ما إن ترى الأحساب بيضا وضحا ... إلا بحيث ترى المنايا سودا )
وقوله أيضا في الشيب
( له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع ) وقوله
( وتنظري خبب الركاب ينصها ... محيي القريض إلى مميت المال )

المقابلة
ودخل في المطابقة ما يخص باسم المقابلة وهو أن يؤتى

بمعنيين متوافقين أو معان متوافقة ثم بما يقابلهما أو يقابلها على الترتيب والمراد بالتوافق خلاف التقابل وقد تتركب المقابلة من طباق وملحق به مثال مقابلة اثنين باثنين قوله تعالى ( فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ) وقول النبي ( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه )
وقول الذبياني
( فتى ثم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا ) وقول الآخر
( فوا عجبا كيف اتفقنا فناصح ... وفي ومطوي على الغل غادر )
فإن الغل ضد النصح والغدر ضد الوفاء
ومثال مقابلة ثلاثة بثلاثة قول أبي دلامة
( ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل ) وقول أبي الطيب
( فلا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبر )
ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) فإن المراد باستغنى أنه زهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتق أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة فلم يتق قيل وفي قول أبي الطيب

( أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي )
مقابلة خمسة بخمسة على أن المقابلة الخامسة بين لي وبي وفيه نظر لأن اللام والباء فيهما صلتا الفعلين فهما من تمامهما وقد رجح بيت أبي الطيب على بيت أبي دلامة بكثرة المقابلة مع سهولة النظم وبأن قافية هذا ممكنة وقافية ذاك مستدعاة فإن ما ذكره غير مختص بالرجال وبيت أبي دلامة على بيت أبي الطيب بجودة المقابلة فإن ضد الليل المحض هو النهار لا الصبح
ومن لطيف المقابلة ما حكي عن محمد بن عمران الطلحي إذ قال له المنصور بلغني أنك بخيل فقال يا أمير المؤمنين ما أجمد في حق ولا أذوب في باطل
وقال السكاكي المقابلة أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما ثم إذا شرطت هنا شرطا شرطت هناك ضده كقوله تعالى ( فأما من أعطى ) الآيتين لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق جعل ضده وهو التعسير مشتركا بين أضداد تلك وهي المنع والاستغناء والتكذيب

مراعاة النظير
ومنه مراعاة النظير وتسمى التناسب والائتلاف والتوفيق أيضا وهي أن يجمع في الكلام بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد كقوله تعالى ( الشمس والقمر بحسبان ) وقول بعضهم للمهلبي الوزير أنت أيها الوزير إسماعيلي الوعد شعيبي التوفيق يوسفي العفو محمدي

الخلق
وقول أسيد بن عنقاء الفزاري
( كأن الثريا علقت في جبينه ... وفي خده الشعرى وفي وجهه البدر )
وقول الآخر في فرس
( من جلنار ناضر خده ... وأذنه من ورق الآس ) وقول البحتري في صفة الإبل الأنضاء
( كالقسي المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار ... ) وقول ابن رشيق
( أصح وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم )
( أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم )
فإنه ناسب فيه بين الصحة والقوة والسماع والخبر المأثور والأحاديث والرواية ثم بين السيل والحيا والبحر وكيف تميم مع ما في البيت الثاني من صحة الترتيب في العنعنة إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر كما يقع في سند الأحاديث فإن السيول أصلها المطر والمطر أصله البحر على ما يقال ولهذا جعل كف الممدوح أصلا للبحر مبالغة
ومن مراعاة النظير ما يسميه بعضهم تشابه الأطراف وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى كقوله تعالى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر والخبرة تناسب من يدرك شيئا فإن من يدرك

شيئا يكون خبيرا به وقوله تعالى ( له ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد ) قال الغني الحميد لينبه على أن ماله ليس لحاجة بل هو غني عنه جواد به فإذا جاد به حمده المنعم عليه ومن خفي هذا الضرب قوله تعالى ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) فإن قوله ( وإن تغفر لهم ) يوهم أن الفاضلة الغفور الرحيم ولكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن تكون ما عليه التلاوة لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه فهو العزيز لأن العزيز في صفات الله هو الغالب من قولهم عزه يعزه عزا إذا غلبه ومنه المثل من عزيز أي من غلب سلب ووجب أن يوصف بالحكيم أيضا لأن الحكيم من يضع الشيء في محله والله تعالى كذلك إلا أنه قد يخفي وجه الحكمة في بعض أفعاله فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن الحكمة فكان في الوصف بالحكيم احتراس حسن أي وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترض عليك لأحد في ذلك والحكمة فيما فعلته ومما يلحق بالتناسب نحو قوله تعالى ( الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان ) ويسمى إيهام التناسب وأما ما يسميه بعض الناس التفويف هو أن يؤتى في الكلام بمعان متلائمة في جمل مستوية المقادير أو متقاربتها كقول من يصف سحابا

( تسربل وشيا من خزوز تطرزت ... مطارفها طرزا من البرق كالتبر )
( فوشي بلا رقم ونقش بلا يد ... ودمع بلا عين وضحك بلا ثغر ) وكقول عنترة
( أن يلحقوا أكرر وإن يستلحقوا ... أشدد وإن نزلوا بضنك أنزل )
وكقول ابن زيدون
( ته أحتمل واحتكم أصبر وعز أهن ... ودل أخضع وقل أسمع ومر أطع )
وكقول ديك الجن
( أحل وامرر وضر وانفع ولن واخشن ... ورش وابر وانتدب للمعالي )
فبعضه من مراعاة النظير وبعضه من المطابقة

الإرصاد
ومنه الإرصاد ويسمى التسهيم أيضا وهو أن يجعل قبل العجز من الفقرة أو البيت ما يدل على العجز إذا عرف الروي كقوله تعالى ( وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) وقوله ( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ) وقول زهير
( سئمت تكاليف الحياة ومن يعيش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم ) وقول الآخر
( إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع )

وقول البحتري
( أبكيكما دمعا ولوأني على ... قدر الجوى أبكي بكيتكما دما ) وقوله
( أحلت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي )
( فليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام )

المشاكلة
ومنه المشاكلة وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا أما الأول فكقوله
( قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا )
كأنه قال خيطوا لي وعليه قوله تعالى ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) وقوله ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ومنه قول أبي تمام
( من مبلغ أفناء يعرب كلها ... أني بنيت الجار قبل المنزل )
وشهد رجل عند شريح فقال إنك لسبط الشهادة فقال الرجل إنها لم تجعد عني
فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار ولولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها
ومنه قول بعض العراقيين في قاض شهد عنده برؤية هلال الفطر فلم يقبل شهادته
( أترى القاضي أعمى ... أم تراه يتعامى )

( سرق العيد كأن العيد ... أموال اليتامى )
وأما الثاني فكقوله تعالى ( صبغة الله ) وهو مصدر مؤكد منتصب عن قوله ( آمنا بالله ) والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفوس والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم ( قولوا أمنا بالله ) وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا وطهرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا أو يقول المسلمون صبغنا الله بالإيمان صبغة ولم يصبغ صبغتكم وجيء بلفظ الصبغة للمشاكلة وإن لم يكن قد تقدم لفظ الصبغ لأن قرينة الحال التي هي سبب النزول من غمس النصارى أولادهم في الماء الأصفر دلت على ذلك كما تقول لمن يغرس الأشجار أغرس كما يغرس فلان تريد رجلا يصطنع الكرام
ومنه الاستطراد وهو الانتقال من معنى إلى معنى آخر متصل به لم يقصد بذكر الأول التوصل إلى ذكر الثاني كقول الحماسي
( وإنا لقوم ما نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول ) وقول الآخر
( إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به بأس وإن كان من جرم ) وعليه قوله تعالى ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري

سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ) قال الزمخشري هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر السوءات وخصف الورق عليها إظهارا للمنة فيما خلق الله من اللباس ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى هذا أصله وقد يكون الثاني هو المقصود فيذكر الأول قبله ليتوصل إليه كقول أبي إسحاق الصابي
( إن كنت خنتك في المودة ساعة ... فذممت سيف الدولة المحمودا )
( وزعمت أن له شريكا في العلى ... وجحدته في فضله التوحيدا )
( قسما لو أني حالف بغموسها ... لغريم دين ما أراد مزيدا )
ولا بأس أن يسمى هذا إيهام الاستطراد
ومنه المزاوجة وهي أن يزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء كقول البحتري
( إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر )
وقوله أيضا
( إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها )

العكس والتبديل
ومنه العكس والتبديل وهو أن يقدم في الكلام جزء ثم يؤخر ويقع على وجوه منها أن يقع بين أحد طرفي جملة وما أضيف إليها كقول بعضهم عادات السادات سادات العادات ومنها أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين كقوله تعالى ( يخرج الحي من الميت

ويخرج الميت من الحي ) وكقول الحماسي
( فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا )
ومنها أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين كقوله تعالى ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) وقوله ( لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) وقوله ( ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ) وقول الحسن البصري إن من خوفك حتى تلقى الأمن خير ممن أمنك حتى تلقى الخوف
وقول أبي الطيب
( فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده ) وقول الآخر
( إن الليالي للأنام مناهل ... تطوى وتنشر دونها الأعمار )
( فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار )

الرجوع
ومنه الرجوع وهو العود على الكلام السابق بالنقص لنكتة كقول زهير
( قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم )
قيل لما وقف على الديار تسلطت عليه كآبة أذهلته فأخبر بما لم

يتحقق فقال لم يعفها القدم ثم ثاب إليه عقله فتدارك كلامه فقال بلى وغيرها الأرواح والديم وعلى هذا بيت الحماسة
( أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل ) ونحوه
( فأف لهذا الدهر لا بل لأهله ... )
التورية

ومنه
التورية وتسمى الإيهام أيضا وهي أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد ويراد به البعيد منهما وهي ضربان مجردة ومرشحة أما المجردة فهي التي لا تجامع شيئا مما يلائم المورى به أعني المعنى القريب كقوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) وأما المرشحة فهي التي قرن بها ما يلائم المورى به إما قبلها كقوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ) قيل ومنه قول الحماسي
( فلما نأت العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر )
( فما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وتر )
فإن الإغضاء مما يلائم جفن العين لا جفن السيف وإن كان المراد به إغماد السيوف لأن السيف إذا أغمد انطبق الجفن عليه وإذا جرد انفتح للخلاء الذي بين الدفتين وإما بعدها كلفظ الغزالة في قول القاضي الإمام أبي الفضل عياض في صيفية باردة

( كأن كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموز أنواعا من الحلل )
( أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرق بين الجدي والحمل )
واعلم أن التوهم ضربان ضرب يستحكم حتى يصير اعتقادا كما في قوله
( حملناهم طرا على الدهم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسا ) وضرب لا يبلغ ذلك المبلغ ولكنه شيء يجري في الخاطر وأنت تعرف حاله كما في قول ابن الربيع
( لولا التطير بالخلاف وأنهم ... قالوا مريض لا يعود مريضا )
( لقضيت نحبي في فنائك خدمة ... لأكون مندوبا قضى مفروضا )
ولا بد من اعتبار هذا الأصل في كل شيء بني على التوهم فاعلم
وقال السكاكي أكثر متشابهات القرآن من التورية

الاستخدام
ومنه الاستخدام وهو أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما ثم بضميره معناه الآخر أو يراد بأحد ضميريه أحدهما وبالآخر الأخر فالأول كقوله
( إذانزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا ) أراد بالسماء الغيث وبضميرها النبت
والثاني كقول البحتري
( فسقى الغضا والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانح وضلوع )
أراد بضمير الغضا في قوله والساكنيه المكان وفي قوله شبوه الشجر ومنه اللف والنشر وهو ذكر متعدد على جهة التفصيل أو

الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من غير تعيين ثقة بأن السامع يرده إليه فالأول ضربان لأن النشر إما على ترتيب اللف كقوله تعالى ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ) وقول ابن حيوس
( فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه ) وقول ابن الرومي
( آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم )
( فيها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم )
وإما على غير ترتيبه كقول ابن حيوس
( كيف أسلو وأنت حقف وغصن ... وغزال لحظا وقدا وردفا ) وقول الفرزدق
( لقد خنت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم )
( لألفيت فيهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم )
والثاني كقوله تعالى ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) فإن الضمير في قالوا لأهل الكتاب من اليهود والنصارى والمعنى وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فلف بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله وأمنا من الإلباس لما علم من

التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه

الجمع
ومنه الجمع وهو أن يجمع بين شيئين أو أشياء في حكم واحد كقوله تعالى ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) وقول الشاعر
( إن الشباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أي مفسده )
ومنه قول محمد بن وهيب
( ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر )
ومنه التفريق وهو إيقاع تباين بين أمرين من نوع واحد في المدح أو غيره كقوله
( ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء )
( فنوال الأمير بدرة عين ... ونوال الغمام قطرة ماء ) ونحوه قوله
( من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شكلين )
( أنت إذا جدت ضاحك أبدا ... وهو إذا جاد دامع العين )
التقسيم
ومنه التقسيم وهو ذكر متعدد ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين كقول أبي تمام
( فما هو إلا الوحي أو حد مرهف ... تميل ظباه أخدعي كل ماثل )
( فهذا دواء الداء من كل عالم ... وهذا دواء الداء من كل جاهل )

وقول الآخر
( ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد )
( هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد )
وقال السكاكي هو أن تذكر شيئا ذا جزءين أو أكثر ثم تضيف إلى كل واحد من أجزائه ما هو له عندك كقوله
( أديبان في بلخ لا يأكلان ... إذا صحبا المرء غير الكبد )
( فهذا طويل كظل القناة ... وهذا قصير كظل الوتد )
وهذا يقتضي أن يكون التقسيم أعم من اللف والنشر

الجمع مع التفريق
ومنه الجمع مع التفريق وهو أن يدخل شيئان في معنى واحد ويفرق بين جهتي الإدخال كقوله
( فوجهك كالنار في ضوئها ... وقلبي كالنار في حرها )
شبه وجه الحبيب وقلب نفسه بالنار وفرق بين وجهي المشابهة
ومنه قوله تعالى ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة )
الجمع مع التقسيم
ومنه الجمع مع التقسيم وهو جمع متعدد تحت حكم ثم تقسيمه أو تقسيمه ثم جمعه
فالأول كقول أبي الطيب
( حتى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع )

( للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا )
جمع في البيت الأول شقاء الروم بالممدوح على سبيل الإجمال حيث قال تشقى به الروم ثم قسم في الثاني وفصله
والثاني كقول حسان
( قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا )
( سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع )
قسم في البيت الأول صفة الممدوحين إلى ضر الأعداء ونفع الأولياء ثم جمعها في البيت الثاني حيث قال سجية تلك
ومن لطيف هذا الضرب قول الآخر
( لو أن ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا )
( لكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما سر من حادث أو ساء مطردا )
( فقد سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا )
فقوله خلاف الحالتين جمع لما قسم لطيف وقد ازداد لطفا بحسن ما بناه عليه من قوله
( فقد سكنت إلى أني وأنكم ... )

الجمع مع التفريق والتقسيم
ومنه الجمع مع التفريق والتقسيم كقوله تعالى ( يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير

مجذوذ ) أما الجمع ففي قوله ( يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه ) فإن قوله نفس متعدد معنى لأن النكرة في سياق النفي نعم وأما التفريق ففي قوله ( فمنهم شقي وسعيد ) وأما التقسيم ففي قوله ( فأما الذين شقوا ) إلى آخر الآية الثانية
وقول ابن شرف القيرواني
( لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن )
( فللخامل العليا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العتبى وللخائف الأمن )
وقد يطلق التقسيم على أمرين أحدهما أن يذكر أحوال الشيء مضافا إلى كل حال ما يليق بها كقول أبي الطيب
( سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد )
( ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذ عدوا ) وقوله أيضا
( وبدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا ) ونحوه قول الآخر
( سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسسن غصونا والتفتن جآذرا )
والثاني استيفاء أقسام الشيء بالذكر كقوله تعالى ( ثم أورثنا

الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) وقوله ( يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ) ومنه ما حكي عن أعرابي وقف على حلقة الحسن فقال رحم الله من تصدق من فضل أو آسى من كفاف أو آثر من قوت فقال الحسن ما ترك لأحد عذرا
ومثاله من الشعر قول زهير
( وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم )
وقول طريح
( إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا ... شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا )
وقول أبي تمام في الإفشين لما أحرق
( صلى لها حيا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجار ) وقول نصيب
( فقال فريق القوم لا وفريقهم ... نعم وفريق لا يمن الله ما ندري )
فإنه ليس في أقسام الإجابة غير ما ذكر وقول الآخر
( فهبها كشيء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر )

التجريد
ومنه التجريد وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمرا آخرا مثله في تلك الصفة مبالغة في كمالها فيه وهو أقسام منها نحو قولهم لي

من فلان صديق حميم أي بلغ من الصداقة مبلغا صح معه أن يستخلص منه صديق آخر ومنها نحو قوله لئن سألت فلان لتسألن به البحر ومنها نحو قول الشاعر
( وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلم مثل الفنيق المرحل )
أي تعدو بي ومعي من نفسي لكمال استعدادها للحرب مستلئم أي لابس لأمة ومنها نحو قوله تعالى ( لهم فيها دار الخلد ) فإن جهنم أعاذنا الله منها هي دار الخلد لكن انتزع منها مثلها وجعل معدا فيها للكفار تهويلا لأمرها ومنها نحو قول الحماسي
( فلئن بقيت لأرحلن بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم ) وعليه قراءة من قرأ ( فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ) بالرفع بمعنى فحصلت سماء وردة وقيل تقدير الأول أو يموت مني كريم والثاني فكانت منه وردة كالدهان وفيه نظر ومنها نحو قوله
( يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا )
ونحوه قول الآخر
( إن تلقني لا ترى غيري بناظرة ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد )

ومنها مخاطبة الإنسان نفسه كقول الأعشى
( ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل ) وقول أبي الطيب
( لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال )
ومنه المبالغة المقبولة والمبالغة أن يدعي لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حدا مستحيلا أو مستبعدا لئلا يظن أنه غير متناه في الشدة أو الضعف وتنحصر في التبليغ والإغراق والغلو لأن المدعي للوصف من الشدة أو الضعف إما أن يكون ممكنا في نفسه أو لا الثاني الغلو والأول إما أن يكون ممكنا في العادة أيضا أو لا الأول التبليغ والثاني الإغراق أما التبليغ فكقول امرىء القيس
( فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا فلم ينضح بماء فيغسل )
وصف هذا الفرس بأنه أدرك ثورا وبقرة وحشيين في مضمار واحد ولم يعرق وذلك غير ممتنع عقلا ولا عادة ومثله قول أبي الطيب
( وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب )
وأما الإغراق فكقول الآخر
( ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا )
فإنه ادعى أن جاره لا يميل عنه إلى جهة إلا وهو يتبعه الكرامة

وهذا ممتنع عادة وإن كان غير ممتنع عقلا وهما مقبولان وأما الغلو فكقول أبي نواس
( وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق )
والمقبول منه أصناف أحدها ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة نحو لفظة يكاد في قوله تعالى ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) وفي قول الشاعر يصف فرسا
( ويكاد يخرج سرعة عن ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق )
والثاني ما تضمن نوعا حسنا من التخييل كقول أبي الطيب
( عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا ) 0وقد جمع القاضي الأرجاني بينهما في قوله يصف الليل بالطول
( يخيل لي أن سمر الشهب في الدجى ... وشدت بأهدابي إليهن أجفاني )
والثالث ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة كقول الآخر
( أسكر بالأمس إن عزمت على الشرب ... عدا إن ذا من العجب )

المذهب الكلامي
ومنه المذهب الكلامي وهو أن يورد المتكلم حجة لما يدعيه على طريق أهل الكلام كقوله تعالى ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) وقوله ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون

عليه ) أي والإعادة أهون عليه من البدء والأهون من البدء أدخل في الإمكان من البدء فالإعادة أدخل في الإمكان من البدء وهو المطلوب وقوله تعالى ( فلما أفل قال لا أحب الآفلين ) أي القمر آفل وربي ليس بآفل فالقمر ليس بربي وقوله تعالى ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) أي أنتم تعذبون والبنون لا يعذبون فلستم ببنين له ومنه قول النابغة يعتذر إلى النعمان
( حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله مطلب )
( لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب )
( ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب )
( ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب )
( كفعلك في قوم أراك اصطفيتهم ... فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا )
يقول أنت أحسنت إلى قوم فمدحوك وأنا أحسن إلى قوم فمدحتهم فكما أن مدح أولئك لا يعد ذنبا فكذلك مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنبا ومنه حسن التعليل وهو أن يدعي لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقي وهو أربعة أقسام لأن الوصف إما ثابت قصد بيان علته أو غير ثابت أريد إثباته والأول إما أن لا يظهر له في العادة علة أو يظهر له علة غير المذكورة والثاني إما ممكن أو غير ممكن أو الأول فكقول أبي الطيب
( لم يحك نائلك السحاب وإنما ... حمت به فصبيبها الرحضاء )

فإن نزول المطر لا يظهر له في العادة علة
وكقول أبي تمام
( لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي )
علل عدم إصابة الغني الكريم بالقياس على عدم إصابة السيل المكان العالي كالطود العظيم من جهة أن الكريم لاتصافه بعلو القدر كالمكان العالي والغني لحاجة الخلق إليه كالسيل ومن لطيف هذا الضرب قول أبي هلال العسكري
( زعم البنفسج أنه كعذاره ... حسنا فسلوا من قفاه لسانه )
وقول ابن نباتة في صفة فرس
( وأدهم يستمد الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريا )
( سرى خلف الصباح يطير مشيا ... ويطوي خلفه الأفلاك طيا )
( فلما خاف وشك الفوت منه ... تشبث بالقوائم والمحيا ) وأما الثاني فكقول أبي الطيب
( ما به قتل أعاديه ولكن ... يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب )
فإن قتل الملوك أعداءهم في العادة لإرادة هلاكهم وأن يدفعوا مضارهم عن أنفسهم حتى يصفو لهم ملكهم من منازعتهم لا لما ادعاه من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه ومحبته أن يصدق رجاء الراجين بعثته على قتل أعدائه لما علم أنه لما غدا للحرب غدت الذئاب تتوقع أن يتسع عليها الرزق من قتلاهم وهذا مبالغة في وصفه بالجود ويتضمن المبالغة في وصفه بالشجاعة على وجه تخييلي أي تناهي في الشجاعة حتى ظهر ذلك للحيوانات العجم فإذا

غدا للحرب رجت الذئاب أن تنال من لحوم أعدائه وفيه نوع آخر من المدح وهو أنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق وكقول أبي طالب المأموني في بعض الوزراء ببخارى
( مغرم بالثناء صب بكب المجد ... يهتز للسماح ارتياحا )
( لا يذوق الإعفاء إلا رجاء ... أن يرى طيف مستميح رواحا )
وكان تقييده بالرواح ليشير إلى أن العفاة إنما يحضرون له في صدر النهار على عادة الملوك فإذا كان الرواح قلوا فهو يشتاق إليهم فينام ليأنس برؤية طيفهم وأصله من نحو قول الآخر
( وإني لأستغفي وما بي نعسة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا )
وهذا غير بعيد أن يكون أيضا من هذا الضرب إلا أنه لا يبلغ في الغرابة والبعد عن العادة ذلك المبلغ فإنه قد يتصور أن يريد المغرم المتيم إذا بعد عهده بحبيبه أن يراه في المنام فيريد النوم لذلك خاصة ومن لطيف هذا الضرب قول ابن المعتز
( قالوا اشتكت عينه فقلت لهم ... من كثرة القتل نالها الوصب )
( حمرتها من دماء من قتلت ... والدم في النصل شاهد عجب ) وقول الآخر
( أتتني تؤنبني بالبكا ... فأهلا بها وبتأنيبها )
( تقول وفي قولها حشمة ... أتبكي بعين تراني بها )
( فقلت إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأديبها )
وذلك أن العادة في دمع العين أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب أو اعتراض الرقيب ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب

لا ما جعله من التأديب على الإساءة باستحسان غير الحبيب وأما الثالث فكقول مسلم بن الوليد
( يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجى حذارك إنساني من الغرق )
فإن استحسان إساءة الواشي ممكن لكن لما خالف الناس فيه عقبه بذكر سببه وهو أن حذاره من الواشي منعه من البكاء فسلم إنسان عينه من الغرق في الدموع وما حصل ذلك فهو حسن وأما الرابع فكمعنى بيت فارسي ترجمته
( لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق )
فإن نية الجوزاء خدمته ممتنعة
ومما يلحق بالتعليل وليس به لبناء الأمر فيك على الشك نحو قول أبي تمام
( ربى شفعت ريح الصبا لرياضتها ... إلى المزن حتى جادها وهو هامع )
( كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبا فما ترقا لهن مدامع ) وقول أبي الطيب
( رحل العزاء برحلتي فكأنني ... أتبعته الأنفاس للتشييع )
علة تصعيد الأنفاس في العادة هي التحسر والتأسف لا ما جوز أن يكون إياه والمعنى رحل عني العزاء بارتحالي عنك أي معه أو بسببه فكأنه لما كان الصدر محل الصبر وكانت الأنفاس تتصعد منه أيضا صار العزاء وتنفس الصعداء كانهما نزيلان فلما رحل ذلك كان حقا على هذا أن يشيعه قضاء لحق الصحبة

التفريع
ومنه التفريع وهو أن يثبت لمتعلق أمر حكم بعد إثباته لمتعلق له آخر كقول
( أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفي من الكلب )
فرع من وصفهم بشفاء أحلامهم لسقام الجهل وصفهم بشفاء دمائهم من داء الكلب
تأكيد المدح بما يشبه الذم
ومنه تأكيد المدح بما يشبه الذم وهو ضربان أفضلهما أن يستثني من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها كقول النابغة الذبياني
( ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب )
أي إن كان فلول السيف من قراع الكتائب من قبيل العيب فأثبت شيئا من العيب على تقدير أن فلول السيف منه وذلك محال فهو في المعنى تعليق بالمحال كقولهم حتى يبيض القار فالتأكيد فيه من وجهين أحدهما أنه كدعوى الشيء ببينة والثاني أن الأصل في الاستثناء أن يكون متصلا فإذا نطق المتكلم بألا أو نحوها توهم السامع قبل أن ينطق بما بعدها أن ما يأتي بعدها مخرج مما قبلها فيكون شيء من صفة الذم ثابتا وهذا ذم فإذا أتت بعدها صفة مدح تأكد المدح لكونه مدحا على مدح وإن كان فيه نوع من الخلابة والثاني أن يثبت لشيء صفة مدح ويعقب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى له كقول النبي ( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ) وأصل الاستثناء

في هذا الضرب أيضا أن يكون منقطعا لكنه باق على حاله لم يقدر متصلا فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثاني من الوجهين المذكورين ولهذا قلنا الأول أفضل ومنه قول النابغة الجعدي
( فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا ) وأما قوله تعالى ( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ) فيحتمل الوجهين وأما قوله تعالى ( لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ) فيحتملهما ويحتمل وجها ثالثا وهو أن يكون الاستثناء من أصله متصلا لأن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة وأهل الجنة عن الدعاء بالسلامة أغنياء فكان ظاهره من قبيل اللغو وفضول الكلام لولا ما فيه من فائدة الإكرام ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم ضرب ثالث وهو أن يأتي الاستثناء فيه مفرغا كقوله تعالى ( وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ) أي وما تعيب منا إلا أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الإيمان بآيات الله ونحوه قوله ( قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا ) فإن الاستفهام فيه للإنكار واعلم أن الاستدراك في هذا الباب يجري مجرى الاستثناء كما في قول أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني
( هو البدر إلا أنه البحر زاخر ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل )

تأكيد الذم بما يشبه المدح
ومنه تأكيد الذم بما يشبه المدح وهو ضربان أحدهما أن يستثني من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخولها فيها كقولك فلان لا خير فيه إلا أنه يسيء إلى من يحسن إليه
وثانيهما أن يثبت للشيء صفة ذم ويعقب بأداة استثناء تليها صفة ذم أخرى له كقولك فلان فاسق إلا أنه جاهل وتحقيق القول فيهما على قياس ما تقدم
الاستتباع
ومنه الاستتباع وهو المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر كقول أبي الطيب
( نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد )
فإنه مدحه ببلوغه النهاية في الشجاعة إذ كثر قتلاه بحيث لو ورث أعمارهم لخلد في الدنيا على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها حيث جعل الدنيا مهنأة بخلوده قال علي بن عيسى الربعي وفيه وجهان آخران من المدح أحدهما أنه نهب الأعمار دون الأموال الثاني أنه لم يكن ظالما في قتل أحد من مقتوليه لأنه لم يقصد بذلك إلا صلاح الدنيا وأهلها فهم مسرورون ببقائه
الإدماج
ومنه الإدماج وهو أن يضمن كلاما سيق لمعنى معنى آخر فهو أعم من الاستتباع ومثاله قول أبي الطيب
( أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد بها على الدهر الذنوبا )

فإنه ضمن وصف الليل بالطول الشكاية من الدهر
وقول ابن المعتز في الخيري
( قد نفض العاشقون ما صنع الهجر ... بألوانهم على ورقه )
فإن الغرض وصف الخيري بالصفرة فأدمج الغزل في الوصف وفيه وجه آخر من الحسن وهو إيهام الجمع بين متنافيين أعني الإيجاز والإطناب أما الإيجاز فمن جهة الإدماج وأما الإطناب فلأن أصل المعنى أنه أصفر فاللفظ زائد عليه لفائدة
ومنه قول ابن نباتة
( ولا بد لي من جهلة في وصاله ... فمن لي بخل أودع الحلم عنده )
فإن ضمن الغزل الفخر بكونه حليما المكنى عنه بالاستفهام عن وجود خل صالح لأن يودعه حلمه وضمن الفخر بذلك بإخراج الاستفهام مخرج الإنكار شكوى الزمان لتغير الإخوان حتى لم يبق فيهم من يصلح لهذا الشأن ونبه بذلك على أنه لم يعزم على مفارقة حلمه جملة أبدا ولكن إذا كان مريدا لوصل هذا المحبوب المستلزم للجهل المنافي للحلم عزم على أنه إن وجد من يصلح لأن يودعه حلمه أودعه إياه فإن الودائع تستعاد قيل ومنه قول الآخر يهنئ بعض الوزراء لما استوزر
( أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم )
( فقلت له نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا أن المهم المقدم )
فإنه أدمج شكوى الزمان وما هو عليه من اختلال الأحوال في التهنئة وفيه نظر لأن شكوى الزمان مصرح بها في صدره فكيف تكون مدمجة ولو عكس فجعل التهنئة مدمجة في الشكوى أصاب

التوجيه
ومنه التوجيه وهو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين كقول من قال لأعور يسمى عمرا
( خاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء ) وعليه قوله تعالى ( واسمع غير مسمع وراعنا ) قال الزمخشري غير مسمع حال من المخاطب أي اسمع وأنت غير مسمع وهو قول ذو وجهين يحتمل الذم أي اسمع منا مدعوا عليك بلا سمعت لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع فكان أصم غير مسمع قالوا ذلك اتكالا على أن قولهم لا سمعت دعوة مستجابة أو اسمع غير مجاب ما تدعوا إليه ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك فكأنك لم تسمع شيئا أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه فسمعك عنه ناب ويجوز على هذا أن يكون غير مسمع مفعول اسمع أي اسمع كلاما غير مسمع إياك لأن أذنك لا تعيه نبوا عنه ويحتمل المدح أي اسمع غير مسمع مكروها من قولك اسمع فلان فلانا إذا سبه وكذلك قوله راعنا يحتمل راعنا نكلمك أي ارقبنا وانتظرنا ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهي راعينا فكانوا سخرية بالدين وهزءا برسول الله بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والاحترام ثم قال فإن قلت كيف جاءوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعدما صرحوا وقالوا سمعنا وعصينا قلت جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء ويجوز أن يقولوه فيما بينهم ويجوز أن لا ينطقوا بذلك ولكنهم

لما لم يؤمنوا به جعلوا كأنهم نطقوا به
قال السكاكي ومنه متشابهات القرآن باعتبار

الهزل الذي يراد به الجد
ومنه الهزل الذي يراد به الجد فترجمته تغني عن تفسيره ومثاله قول الشاعر
( إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب )
ومنه قول امرىء القيس
( وقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بأن الفتى يهذي وليس بفعال )
تجاهل العارف
ومنه تجاهل العارف وهو كما سماه السكاكي سوق المعلوم مساق غيره لنكتة كالتوبيخ في قول الخارجية
( أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف ) والمبالغة في المدح في قول البحتري
( ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي )
أو في الذم كقول زهير
( وما أدري وسف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء )
والتدله في الحب في قول الحسين بن عبد الله
( بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر ) وقول ذي الرمة
( أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنت أم أم سالم )

والتحقير في قوله تعالى في حق النبي عن الكفار ( هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد ) كأن لم يكونوا يعرفون عنه إلا أنه رجل ما والتعريض في قوله تعالى ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) وفي مجيء هذا اللفظ على الإبهام فائدة أخرى وهي أنه يبعث المشركين على الفكر في حالة أنفسهم وحال النبي والمؤمنين وإذا فكروا فيما هم عليه من إغارات بعضهم عل بعض وسبي ذراريهم واستباحة أموالهم وقطع الأرحام وإتيان الفروج الحرام وقتل النفوس التي حرم الله قتلها وشر الخمر التي تذهب العقول وتحسن ارتكاب الفواحش وفكروا فيما النبي عليه من صلة الأرحام واجتناب الآثام والأمر بالمعروف والنهي عن ا لمنكر وإطعام المساكين وبر الوالدين والمواظبة على عبادة الله تعالى علموا أن النبي على هدى وأنهم على الضلالة فبعثهم ذلك على الإسلام وهذه فائدة عظيمة

القول بالموجب
ومنه القول بالموجب وهو ضربان أحدهما أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم فثبت في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم له أو انتفائه عنه كقوله تعالى ( يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) فإنهم كنوا بالأعز عن فريقهم

وبالأذل عن فريق المؤمنين وأثبتوا للأعز الإخراج فأثبت الله تعالى في الرد عليهم صفة العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من غير تعرض لثبوت حكم الإخراج للموصوفين بصفة العزة ولا لنفيه عنهم والثاني حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه كقوله
( قلت ثقلت إذ أتيت مرارا ... قال ثقلت كاهلي بالأيادي )
( قلت طولت قال لا بل تطولت ... وأبرمت قال حبل ودادي )
والاستشهاد بقوله ثقلت وأبرمت دون قوله طولت
ومنه قول القاضي الأرجاني
( غالطتني إذ كست جسمي الضنا ... كسوة عرت من اللحم العظاما )
( ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما )
وكذا قول ابن دويدة المغربي من أبيات يخاطب بها رجلا أودع بعض القضاة مالا فادعى القاضي ضياعه
( إن قال قد ضاعت فيصدق إنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي )
( أو قال قد وقعت فيصدق أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع ) وقريب من هذا قول الآخر
( وإخوان حسبتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي )
( وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي )
( وقاولوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي )

والمراد البيتان الأولان ولك أن تجعل نحوهما ضربا ثالثا

الاطراد
ومنه الاطراد وهو أن يأتي بأسماء الممدوح أو غيره وآبائه على ترتيب الولادة من غير تكلف في السبك حتى تكون الأسماء في تحدرها كلماء الجاري في اطراده وسهولة انسجامه كقول الشاعر
( إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب ) وقول دريد بن الصمة
( قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب )
وفيه تعريض للمقتول به ولشرف المقتول قيل لما سمعه عبد الملك بن مروان قال لولا القافية لبلغ به آدم
ومنه قول النبي ( الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم )
وأما اللفظي فمنه الجناس بين اللفظين
وهو تشابههما في اللفظ والتام منه أن يتفقا في أنواع الحروف وإعدادها وهيئاتها وترتيبها فإن كانا من نوع واحد كاسمين سمي مماثلا كقوله تعالى ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ) وقول الشاعر
( حدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتال )
الأول جمع إجل بالكسر وهو القطيع من بقر الوحش والثاني جمع أجل والمراد به منتهى الأعمار وقول أبي تمام

( إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب ) وإن كانا من نوعين كاسم وفعل سمي مستوفى كقول أبي تمام أيضا
( ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله ) ونحون قول الآخر
( وسميته يحيى ليحيا فلم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل )
والتام أيضا إن كان أحد لفظيه مركبا سمي جناس التركيب ثم إن كان المركب منهما مركبا من كلمة وبعض كلمة سمي مرفوا كقول الحريري
( ولا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يحاكي الوبل حال مصابه )
( ومثل لعينيك الحمام ووقعه ... وروعة ملقاه ومطعم صابه )
وإلا فإن اتفقا في الخط سمي متشابها كقول أبي الفتح البستي
( إذا ملك لم يكن ذا هبة ... فدعه فدولته ذاهبة ) وإن اختلفا سمي مفروقا كقول أبي الفتح أيضا
( كلكم قد أخذ الجام ... ولا جام لنا )
( ما الذي ضر مدير الجام ... لو جاملنا ) وقول الآخر
( لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تبالغ قبل في تهذيبها )
( فمتى عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها )
ووجه حسن هذا القسم أعني التام حسن الإفادة مع أن الصورة

صورة الإعادة وإن اختلفا في هيئات الحروف فقط سمي محرفا ثم الاختلاف قد يكون في الحركة فقط كالبرد والبرد في قولهم جبة البرد جنة البرد وعليه قوله تعالى ( ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) قال السكاكي وكقولك الجهول إما مفرط أو مفرط والمشدد في هذا الباب يقوم مقام المخفف نظرا إلى الصورة فاعلم وقد يكون في الحركة والسكون كقولهم البدعة شرك الشرك وقول أبي العلاء
( والحسن يظهر في بيتين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر )
وإن اختلفا في أعداد الحروف فقط سمي ناقصا ويكون ذلك على وجهين أحدهما أن يختلفا بزيادة حرف واحد في الأول كقوله تعالى ( والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق ) أو في الوسط كقولهم جدي جهدي أو في الآخر كقول أبي تمام
( يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب ) وقول البحتري
( لئن صدفت عنا فربت أنفس ... صواد إلى تلك الوجوه الصوادف )
ومنه ما كتب به بعض ملوك المغرب إلى صاحب له يدعوه إلى مجلس أنس له
( أيها الصاحب الذي فارقت عيني ... ونفسي منه السنا والسناء )

( نحن في المجلس الذي يهب الراحة ... والمسمع الغنى والغناء )
( نتعاطى التي تنسي من اللذة ... والرقة الهوى والهواء )
( فأته تلف راحة ومحيا ... قد أعدا لك الحيا والحياء )
وربما سمي هذا القسم أعني الثالث مطرفا ووجه حسنة أنك تتوهم قبل أن يرد عليك آخر الكلمة كالميم من عواصم أنها هي التي مضت وإنما أتي بها للتأكيد حتى إذا تمكن آخرها في نفسك ووعاه سمعك انصرف عنك ذلك التوهم وفي هذا حصول الفائدة بعد أن يخالطك اليأس منها
الوجه الثاني أن يختلفا بزيادة أكثر من حرف واحد كقول الخنساء
( إن البكاء هو الشفاء ... في الجوى بين الجوانح )
وربما سمي هذا الضرب مذيلا وإن اختلفا في أنواع الحروف اشترط أن لا يقع الاختلاف بأكثر من حرف ثم الحرفان المختلفان إن كانا متقاربين سمي الجناس مضارعا ويكونان إما في الأول كقول الحريري بيني وبين كنى ليل دامس وطريق طامس وإما في الوسط كقوله تعالى ( وهم ينهون عنه وينأون عنه ) وقول بعضهم البرايا أهداف البلايا وإما في الآخر كقول النبي ( الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة )
وإن كانا غير متقاربين سمي لاحقا ويكونان أيضا إما في الأول كقوله تعالى ( ويل لكل همزة لمزة ) وقول بعضهم رب وضي غير رضي وقول الحريري لا

أعطي زمامي لمن يخفر ذمامي وإما في الوسط كقوله تعالى ( ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ) وقوله تعالى ( وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد ) وإما في الآخر كقول تعالى ( وإذا جاءهم أمر من الأمن ) وقول البحتري
( هل لما فات من تلاق تلاف ... أم لشاك من الصبابة شافي )
وإن اختلفا في ترتيب الحروف سمي جناس القلب وهو ضربان قلب الكل كقولهم حسامه فتح لأوليائه حتف لأعدائه وقلب البعض كما جاء في الخبر اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا
وقول بعضهم رحم الله امرأ أمسك ما بين فكيه وأطلق ما بين كفيه وعليه قول أبي الطيب
( ممنعة منعمة رداح ... يكلف لفظها الطير الوقوعا )
وإذا وقع أحد المتجانسين جناس القلب في أول البيت والآخر في آخره سمي مقلوبا مجنحا وإذا ولي أحد المتجانسين الآخر سمي مزدوجا ومكررا ومرددا كقوله تعالى ( وجئتك من سبأ بنبأ يقين ) وما جاء في الخبر المؤمنون هينون لينون )
وقولهم من طلب وجد وجد
وقولهم من قرع بابا ولج ولج

وقولهم النبيذ بغير النغم غم وبغير الدسم سم
وقوله
( يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب )
واعلم أنه يلحق بالجناس شيئان أحدهما أن يجمع اللفظين الاشتقاق كقوله تعالى ( فأقم وجهك للدين القيم ) وقوله تعالى ( فروح وريحان ) وقول النبي ( الظلم ظلمات يوم القيامة ) وقول الشافعي رضي الله عنه وقد سئل عن النبيذ أجمع أهل الحرمين على تحريمه
وقال أبو تمام
( فيا دمع انجدني على ساكني نجد ... ) وقول البحتري
( يعشى عن المجد الغبي ولن ترى ... في سودد أربا لغير أريب ) وقول محمد بن وهيب
( قسمت صروف الدهر بأسا ونائلا ... فما لك موتور وسيفك واتر )
والثاني أن يجمعهما المشابهة وهي ما يشبه الاشتقاق وليس به كقوله تعالى ( اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) وقوله تعالى ( قال إني لعملكم من القالين ) وقوله تعالى ( وجنى الجنتين دان ) وقول البحتري

( وإذا ما رياح جودك هبت ... صار قول العذول فيها هباء )
ومنه رد العجز على الصدر وهو في النثر أن يجعل أحد اللفظين المكررين أو المتجانسين أو الملحقين بهما في أول الفقرة والآخر في آخرها كقوله تعالى ( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) وقولهم الحيلة ترك الحيلة
وكقولهم سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل وكقوله تعالى ( استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) وكقوله تعالى ( قال إني لعملكم من القالين ) وفي الشعر أن يكون أحدهما في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأول أو حشوه أو آخره أو صدر الثاني فالأول كقوله
( سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع )
ونحوه قول الآخر
( سكران سكر هوى وسكر مدامة ... أنى يفيق فتى به سكران ) والثاني كقول الحماسي
( تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار ) ونحوه قول أبي تمام
( ولم يحفظ مضاع المجد شيء ... من الأشياء كالمال المضاع )

والثالث كقوله أيضا
( ومن كان بالبيض الكواكب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما )
والرابع كقول الحماسي
( وإن لم يكن إلا معرج ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها )
والخامس كقول القاضي الأرجاني
( دعاني من ملامكما سفاها ... فداعي الشوق قبلكما دعاني ) وقول الآخر
( سل سبيلا فبها إلى راحة النفس ... براح كأنها سلسبيل ) وقول الآخر
( ذوائب سود كالعناقيد أرسلت ... فمن أجلها منها النفوس ذوائب )
والسادس كقول الآخر
( وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل )
والسابع كقول الحريري
( فمشغوف بآيات المثاني ... ومفتون برنات المثاني ) والثامن كقول القاضي الأرجاني
( أملتهم ثم تأملتهم ... فلاح لي أن ليس فيهم فلاح )
والتاسع كقول البحتري
( ضرائب أبدعتها في السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا )

والعاشر كقول امرىء القيس
( إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان ) وقول أبي العلاء المعري
( لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر )
والحادي عشر كقول الآخر
( فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير ) والثاني عشر كقول أبي تمام
( وقد كانت البيض القواضب في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر )

السجع
ومنه السجع وهو تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد وهذا معنى قول السكاكي الأسجاع من النثر كالقوافي في الشعر وهو ثلاثة أضرب مطرف ومتواز وترصيع لأن الفاصلتين إن اختلفتا في الوزن فهو السجع المطرف كقوله تعالى ( ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا ) وإلا فإن كان ما في إحدى القرينتين من الألفاظ أو أكثر ما فيها مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن والتقفية فهو الترصيع كقول الحريري فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه ويقرع الأسماع بزواجر وعظه وكقول أبي الفضل الهمذاني إن بعد الكدر صفوا وبعد المطر صحوا
وقول أبي الفتح البستي ليكن إقدامك توكلا وإحجامك تأملا وإلا فهو السجع المتوازي كقوله تعالى

( فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ) وفي دعاء النبي ( اللهم إني أدرأ بك في نحورهم وأعوذ بك من شرورهم )
وشرط حسن السجع اختلاف قرينتيه في المعنى كما مر لا كقول ابن عباد في مهزومين طاروا واقين بظهورهم صدورهم وبأصلابهم نحورهم )
قيل وأحسن السجع ما تساوت قرائنه كقوله تعالى ( في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود ) ثم ما طالت قرينته الثانية كقوله ( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ) أو الثالثة كقوله تعالى ( خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ) وقول أبي الفضل الميكالي وله الأمر المطاع الشرف اليفاع والعرض المصون والمال المضاع
وقد اجتمعا في قوله تعالى ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ولا يحسن أن تولي قرينة قرينة أقصر منها كثيرا لأن السجع إذا استوفى أمده من الأولى لطولها ثم جاءت الثانية أقصر منها كثيرا يكون كالشيء المبتور ويبقى السامع كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها والذوق يشهد بذلك ويقضي بصحته ثم السجع إما قصير كقوله تعالى ( والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا ) أو طويل كقوله تعالى ( إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو

أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور ) أو متوسط كقوله تعالى ( اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) ومن لطيف السجع قول البديع الهمذاني من كتاب له إلى ابن فريقون كتابي والبحر وإن لم أره فقد سمعت خبره والليث وإن لم ألقه فقد تصورت خلقه والملك العادل وإن لم أكن لقيته فقد لقيني صيته ومن رأى من السيف أثره فقد رأى أكثره واعلم أن فواصل الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفا عليها لأن الغرض أن يزاوج بينها ولا يتم ذلك في كل صورة إلا بالوقف ألا ترى أنك لو وصلت قولهم ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت
لم يكن بد من إجراء كل من الفاصلتين على ما يقتضيه حكم الإعراب فيفوت الغرض من السجع وإذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعها للازدواج في قولهم إني لآتيه بالغدايا والعشايا أي بالغدوات فما أظنك بهم في ذلك وقيل إنه لا يقال في القرآن أسجاع وإنما يقال فواصل وقيل السجع غير مختص بالنثر ومثاله من الشعر قول أبي تمام
( تجلى به رشدي وأثرت به يدي ... وفاض به ثمدي وأورى به زندي )

وكذا قول الخنساء
( حامي الحقيقة محمود الخليقة مهدي ... الطريقة نفاع وضرار ) وكذا قول الآخر
( ومكارم أوليتها متبرعا ... وجرائم ألفيتها متورعا )
وهو ظاهر التكلف وهذا القائل لا يشترط التقفية في العروض والضرب كقوله
( وزند ندى فواضله ورى ... ورند ربى فضائله نضير )

التشطير
ومن السجع على هذا القول ما يسمى التشطير وهو أن يجعل كل من شطري البيت سجعة مخالفة لأختها كقول أبي تمام
( تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب في الله مرتقب )
التصريع
ومنه ما يسمى التصريع وهو جعل العروض مقفاة تقفية الضرب كقول أبي فراس
( بأطراف المثقفة العوالي ... تفردنا بأوساط المعالي )
وهو مما استحسن حتى أن أكثر الشعر صرع البيت الأول منه ولذلك متى خالفت العروض الضرب في الوزن جاز أن تجعل موازنة له إذا كان البيت مصرعا كقول امرىء القيس
( ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن من كان في العصر الخالي )
أتى بعروض الطويل مفاعلين وذلك لا يصح إذا لم يكن

البيت مصرعا ولهذا خطىء أبو الطيب في قوله

الموازنة
( تفكره علم ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف )
ومنه الموازنة وهي أن تكون الفاصلتان متساويتين في الوزن دون التقفية كقوله تعالى ( ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة ) فإن كان ما في إحدى القرينتين من الألفاظ أو أكثر ما فيها مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن خص باسم المماثلة كقوله تعالى ( وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم ) وقول أبي تمام
( مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل ) وقول البحتري
( فأحجم لما لم يجد فيك مطعما ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا )
القلب
ومنه القلب كقولك أرض خضراء وقول عماد الدين الكاتب للقاضي الفاضل سر فلا كبا بك الفرس
وجواب القاضي دام علا العماد وقول القاضي الأرجاني
( مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم ) وفي التنزيل ( كل في فلك ) وفيه ( وربك فكبر )
التشريع
ومنه التشريع وهو بناء البيت على قافيتين يصح المعنى على الوقوف على كل واحدة منهما كقول الحريري
( يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار )
لزوم ما لا يلزم
ومنه لزوم ما لا يلزم وهو أن يجيء قبل حرف الروي وما في معناه من الفاصلة ما ليس بلازم في مذهب السجع كقوله تعالى ( فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ) وقوله ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ) وقول الشاعر
( سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت )
( فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت )
( رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه قد تجلت ) وقول الآخر
( يقولون في البستان للعين لذة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسن )
( إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن )
وقد يكون ذلك في غير الفاصلتين أيضا كقول الحريري وما اشتار العسل من اختار الكسل
وأصل الحسن في جميع ذلك أعني القسم اللفظي كما قال الشيخ عبد القاهر هو أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني فإن المعاني إذا أرسلت على سجيتها وتركت وما تريد طلبت

لأنفسها الألفاظ ولم تكتس إلا ما يليق بها فإن كان خلاف ذلك كان كما قال أبو الطيب
( إذا لم نشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب )
وقد يقع في كلام بعض المتأخرين ما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع على أن ينسى أنه يتكلم ليفهم ويقول ليبين ويخيل إليه أنه إذا جمع عدة من أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء وأن يوقع السامع طلبه في خبط عشواء هذا ما تيسر بإذن الله تعالى جمعه وتحريره من أصول الفن الثالث وبقيت أشياء يذكرها فيه بعض المصنفين منها ما يتعين إهماله لعدم دخوله في فن البلاغة نحو ما يرجع في التحسين إلى الخط دون اللفظ مع أنه لا يخلو من التكلف ككون الكلمتين متماثلتين في الخط
وكون الحروف منقوطة أو غير منقوطة ونحو ما لا أثر له في التحسين كما يسمى الترديد أو لعدم جدواه نحو ما يوجد في كتب بعض المتأخرين مما هو داخل فيما ذكرناه كما سماه الإيضاح فإنه في الحقيقة راجع إلى الإطناب أو خلط فيه كما سماه حسن البيان ومنها ما لا بأس بذكره لاشتماله على فائدة وهو شيئان أحدهما القول في السرقات الشعرية وما يتصل بها والثاني القول في الابتداء والتخلص والانتهاء فعقدنا فيهما فصلين ختمنا بهما الكتاب

الفصل الأول
اعلم أن اتفاق القائلين إن كان في الغرض على العموم كالوصف بالشجاعة والسخاء والبلادة والذكاء فلا يعد سرقة ولا استعانة ولا نحوهما فإن هذه أمور متقررة في النفوس متصورة للعقول يشترك فيها الفصيح والأعجم والشاعر والمفحم وإن كان في وجه الدلالة على تغرض وينقسم إلى أقسام كثيرة منها التشبيه بما توجد الصفة فيه على الوجه البليغ كما سبق ومنها ذكر هيئات تدل على الصفة لاختصاصها بمن له الصفة كوصف الرجل حال الحرب بالابتسام وسكون الجوارح وقلة الفكر كقوله
( كأن دنانيرا على قسماتهم ... وإن كان قد شف الوجوه لقاء )
وكذا وصف الجواد بالتهلل عند ورود العفاة والارتياح لرؤيتهم ووصف البخيل بالعبوس وقلة البشر مع سعة ذات اليد ومساعدة الدهر فإن كان مما يشترك الناس في معرفته لاستقراره في العقول والعادات كتشبيه الفتاة الحسنة بالشمس والبدر والجواد بالغيث والبحر والبليد البطيء بالحجر والحمار والشجاع الماضي بالسيف والنار فالاتفاق فيه كالاتفاق في عموم الغرض وإن كان مما لا ينال إلا بفكر ولا يصل

إليه كل أحد فهذا الذي يجوز أن يدعي فيه الاختصاص والسبق وأن يقضي بين القائلين فيه بالتفاضل وأن أحدهما فيه أفضل من الآخر وأن الثاني زاد على الأول أو نقص عنه وهو ضربان أحدهما ما كان في أصله خاصيا غريبا والثاني ما كان في أصله عاميا مبتذلا لكن تصرف فيه بما أخرجه من كونه ظاهرا ساذجا إلى خلاف ذلك وقد سبق ذكر أمثلتهما في التشبيه والاستعارة إذا عرفت هذا فنقول الأخذ والسرقة نوعان ظاهر وغير ظاهر
أما الظاهر فهو أن يؤخذ المعنى كله إما مع اللفظ كله أو بعضه وإما وحده فإن كان المأخوذ كله من غير تغيير لنظمه فهو مذموم مردود لأنه سرقة محضة ويسمى نسخا وانتحالا كما حكي أن عبد الله بن الزبير دخل على معاوية فأنشده
( إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل )
( ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مرحل )
فقال له معاوية لقد شعرت بعدي يا أبا بكر ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معن بن أوس المزني فأنشد كلمته التي أولها
( لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول )
حتى أتى عليها وفيها ما أنشده عبد الله فأقبل معاوية على عبد الله وقال له ألم تخبرني أنهما لك فقال المعنى لي واللفظ له وبعد فهو أخي من الرضاعة وأنا أحق بشعره وقد روي لأوس ولزهير في قصيدتهما هذا البيت
( إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل )

وقد روى للأبيرد اليربوعي
( فتى يشتري حسن الثناء بماله ... إذا السنة الشهباء أعوزها القطر ) ولأبي نواس
( فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور )
وقد روي لبعض المتقدمين يمدح معبدا
( أجاد طويس والسريجي بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد ) ولأبي تمام
( محاسن أصناف المغنين جمة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد )
وحكى صاحب الأغاني في أصوات معبد
( لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا ) وفي شعر أبي نواس
( دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا )
وفي هذا المعنى ما كان التغيير فيد بإبدال كلمة أو أكثر بما يرادفها كقول امرىء القيس
( وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل )
وقول طرفة
( وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد )

وكقول العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه
( وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم ) وقول الفرزدق
( وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف ) وكقول حاتم
( ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها )
وقول الأعور
( ومن يقترف خلقا سوى خلق نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها )
وإن كان مع تغيير لنظمه أو كان المأخوذ بعض اللفظ سمي إغارة ومسخا فإن كان الثاني أبلغ من الأول لاختصاصه بفضيلة كحسن السبك أو الاختصار أو الإيضاح أو زيادة معنى فهو ممدوح مقبول كقول بشار
( من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج ) وقول سلم الخاسر
( من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور ) فبيت سلم أجود سبكا وأخضر وكقول الآخر
( خلقنا لهم في كل عين وحاجب ... بسمر القنا والبيض عينا وحاجبا ) وقول ابن نباتة بعده
( خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيونا لها وقع السيوف حواجب )
فبيت ابن نباتة أبلغ لاختصاصه بزيادة معنى وهو الإشارة إلى

انهزامهم ومن الناس من جعلهما متساويين وإن كان الثاني دون الأول في البلاغة فهو مذموم مردود كقول أبي تمام
( هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل ) وقول أبي الطيب
( أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا )
فإن مصراع أبي تمام أحسن سبكا من مصراع أبي الطيب أراد أن يقول ولقد كان الزمان به بخيلا فعدل عن الماضي إلى المضارع للوزن
فإن قلت المعنى إن الزمان لا يسمح بهلاكه قلت السخاء بالشيء هو بذله للغير فإذا كان الزمان قد سخا به فقد بذله فلم يبق في تصريفه حتى يسمح بهلاكه أو يبخل به وإن كان مثله فالخطب فيه أهون وصاحب الثاني أبعد من المذمة والفضل لصاحب الأول كقول بشار
( يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا ) وقول ابن الشحنة الموصلي
( وإني أمرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق ) وكذا قول القاضي الأرجاني
( لم يبكني إلا حديث فراقكم ... لما أسر به إلى مودعي )
( هو ذلك الدر الذي أودعتم ... في مسمعي ألقيته من مدمعي )

وقول جار الله
( وقائله ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين )
( فقلت هي الدار التي قد حشا به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني )
وكقول أبي تمام
( لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس دليلا ) وقول أبي الطيب
( لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا )
واعلم أن من هذا الضرب ما هو قبيح جدا وهو ما يدل على السرقة باتفاق الوزن والقافية أيضا كقول أبي تمام
( مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد )
( ولا سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي ) وقول أبي الطيب
( وإني عنك بعد غد لغاد ... وقلبي عن فنائك غير غاد )
( محبك حيثما اتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد )
وإن كان المأخوذ المعنى وحده سمي إلماما وسلخا وهو ثلاثة أقسام كذلك أولها كقول البحتري
( تصد حياء أن تراك بأوجه ... أتى الذنب عاصيها فليم مطيعها ) وقول أبي الطيب
( وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذاب )

فإن بيت أبي الطيب أحسن سبكا وكأنه اقتبسه من قوله تعالى ( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) وكقول الآخر
( ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر )
وقول أبي تمام بعده
( يصد عن الدنيا إذا عن سودد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد )
فبيت أبي تمام أخصر وأبلغ لأن قوله ولو برزت في زي عذراء ناهد زيادة حسنة وكقول أبي تمام
( هو الصنع إن يعجل فخير وإن يرث ... فللريث في بعض المواضع أنفع ) وقول أبي الطيب
( ومن الخير بطء سيبك عن ... أسرع السحب في المسير الجهام ) فبيت أبي الطيب أبلغ لاشتماله على زيادة بيان
وثانيها كقول بعض الأعراب
( وريحها أطيب من طيبها ... والطيب فيه المسك والعنبر )
وقول بشار
( وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل )

وقول أشجع
( وعلى عدوك يا بن عم محمد ... رصدان ضوء الصبح والإظلام )
( فإذا تنبه رعته وإذا هدا ... سلت عليه سيوفك الأحلام )
وقول أبي الطيب
( يرى في النوم رمحك في كلاه ... ويخشى أن يراه في السهاد )
فقصر بذكر السهاد لأنه أراد اليقظة ليطابق بها النوم فأخطأ إذ ليس كل يقظة سهادا وإنما السهاد امتناع الكرى في الليل وأما المستيقظ بالنهار فلا يسمى ساهدا وكقول البحتري
( وإذا تألق في الندى كلامه المصقول ... خلت لسانه من عضبه ) وكقول أبي الطيب
( كأن ألسنهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا )
فإن أبا الطيب فاته ما أفاده البحتري بلفظي تألق والمصقول من الاستعارة التخييلية وكقول الخنساء
( وما بلغ المهدون للناس مدحة ... وإن أطنبوا إلا وما فيك أفضل ) وقول أشجع
( وما ترك المداح فيك مقالة ... ولا قال إلا دون ما فيك قائل )
فإن بيت الخنساء أحسن من بيت أشجع لما في مصراعه الثاني من التعقيد إذ تقديره ولا قال قائل إلا دون ما فيك وثالثها كقول الأعرابي

( ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا ) وقول أشجع
( وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع )
وكذا قول بكر بن النطاح
( كأنك عند الكر في حومة الوغى ... تفر من الصف الذي من ورائكا ) وقول أبي الطيب
( فكأنه والطعن من قدامه ... متخوف من خلفه أن يطعنا )
وكذا قول الآخر يذكر ابنا له مات
( والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم ) وقول أبي تمام بعده
( وقد كان يدعى لابس الصبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع )
وأما غير الظاهر فمنه أن يتشابه معنى الأول ومعنى الثاني كقول الطرماح بن حكيم الطائي
( لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرىء غير طائل )
وقول أبي الطيب
( وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل ) فإن ذم الناقص أبا الطيب كبغض من هو غير طائل الطرماح

وشهادة ذم الناقص أبا الطيب كزيادة حب الطرماح لنفسه
وكذا قول أبي العلاء المعري في مرثية
( وما كلفة البدر المنير قديمة ... ولكنها في وجهه أثر اللطم ) وقول القيسراني
( وأهوى الذي أهوى له البدر ساجدا ... ألست ترى في وجهه أثر الترب ) وأوضح من ذلك قول جرير
( فلا يمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار ) وقول أبي الطيب
( ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب )
ولا يغرك من البيتين المتشابيهن أن يكون أحدهما نسيبا والآخر مديحا أو هجاء أو افتخارا أو غير ذلك فإن الشاعر الحاذق إذا عمد إلى المعنى المختلس لينظمه تحيل في إخفائه فغير لفظه وعدل به عن نوعه ووزنه وقافيته ومنه النقل وهو أن ينقل معنى الأول إلى غير محله كقول البحتري
( سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا ) نقله أبو الطيب إلى السيف فقال
( يبس النجيع عليه وهو مجرد ... عن غمده فكأنما هو مغمد )
ومنه أن يكون معنى الثاني أشمل من معنى الأول كقول جرير
( إذا غضبت عليك بنو تميم ... وجدت الناس كلهم غضابا )

وقول أبي نواس
( ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد )

القلب
ومنه القلب وهو أن يكون معنى الثاني نقيض معنى الأول سمي بذلك لقلب المعنى إلى نقيضه كقول أبي الشيص
( أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم )
وقول أبي الطيب
( أأحبه وأحب فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه ) وكذا قول أبي الطيب أيضا
( والجراحات عنده نغمات ... سبقت قبل سيبه بسؤال )
فإنه ناقض به قول أبي تمام
( ونغمة معتف جدواه أحلى ... على أذنيه من نغم السماع ) وقد تبعه البحتري فقال
( نشوان يطرب للسؤال كأنما ... غناه الله مالك طيء أو معبد )
ومنه أن يؤخذ بعض المعنى ويضاف إليه زيادة تحسنه كقول الأفوه الأودي
( وترى الطير على آثارنا ... رأي عين ثقة أن ستمار )
وقول أبي تمام
( وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل )
( أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل )

فإن الأفوه أفاد بقوله رأى عين قربها لأنها إذا بعدت تخيلت ولم تر وإنما يكون قربها توقعا للفريسة وهذا يؤكد المعنى المقصود ثم قال ثقة أن ستمار فجعلها واثقة بالميرة وأما أبو تمام فلم يلم بشيء من ذلك لكن زاد على الأفوه بقوله إلا أنها لم تقاتل ثم بقوله في الدماء نواهل ثم بإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش وبذلك يتم حسن قوله إلا أنها لم تقاتل وهذه الزيادات حسنت قوله وإن كان قد ترك بعض ما أتى به الأفوه وهذه الأنواع ونحوها أكثرها مقبولة
ومنها ما أخرجه حسن التصرف من قبيل الأخذ والاتباع إلى حيز الاختراع والابتداع وكل ما كان أشد خفاء كان أقرب إلى قبول هذا كله إذا علم أن الثاني أخذ من الأول وهذا لا يعلم إلا بأن يعلم أنه كان يحفظ قول الأول حين نظم قوله أو بأن يخبر هو عن نفسه أنه أخذه منه لجواز أن يكون الاتفاق من قبيل توارد الخواطر أي مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد إلى الأخذ والسرقة كما يحكى عن ابن ميادة أنه أنشد لنفسه
( مفيد ومتلاف إذا ما أتيته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند )
فقيل له أين يذهب بك هذا للحطيئة فقال الآن علمت أني شاعر إذ وافقته على قوله ولم أسمعه ولهذا لا ينبغي لأحد بت الحكم على شاعر بالسرقة ما لم يعلم الحال وإلا فالذي ينبغي أن يقال قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا فيغتنم به فضيلة الصدق ويسلم من دعوى العلم بالغيب ونسبة النقص إلى الغير

الاقتباس
ومما يتصل بهذا الفن القول في الاقتباس والتضمين والعقد

والحل والتلميح أما الاقتباس فهو أن يضمن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث لا على أنه منه كقول الحريري فلم يكن إلا كلمح البصر أو هو أقرب حتى أنشد فأغرب وقوله أنا أنبئكم بتأويله وأميز صحيح القول من عليله وقول ابن نباتة الخطيب فيا أيها الغفلة المطرقون أما أنتم بهذا الحديث مصدقون ما لكم لا تشفقون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون وقوله أيضا من خطبة أخرى ذكر فيها القيامة هناك يرفع الحجاب ويوضع الكتاب ويجمع من وجب له الثواب وحق عليه العقاب فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب
وقول القاضي الفاضل وقد ذكر الإفرنج وغضبوا زادهم الله غضبا وأوقدوا نارا للحرب جعلهم الله لها حطبا
وكقول الحماسي
( إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحب ميعاد السلو المقابر )
( ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ود يوم تبلى السرائر )
وقول أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني
( لآل فريغون في المكرمات ... يد أولا واعتذر أخيرا )
( إذا ما حللت بمغناهم ... رأيت نعيما وملكا كبيرا ) وقول الأبيوردي
( وقصائد مثل الرياض أضعتها ... في باخل ضاعت به الأحساب )
( فإذا تناشدها الرواة وأبصروا الممدوح ... قالوا ساحر كذاب )

وقول الآخر
( لا تعاشر معشرا ضلوا الهدى ... فسواء أقبلوا أو أدبروا )
( بدت البغضاء من أفواههم ... والذي يخفون منها أكبر ) وقوله
( خلة الغانيات خلة سوء ... فاتقوا الله يا أولي الألباب )
( وإذا ما سألتموهن شيئا ... فاسألوهن من وراء حجاب ) وقول الآخر
( إن كنت أزمعت على هجرنا ... من غير ما جرم فصبر جميل )
( وإن تبدلت بنا غيرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل )
وكقول الحريري وكتمان الفقر زهادة وانتظار الفرج بالصبر عبادة فإن قوله انتظار الفرج بالصبر عبادة لفظ الحديث وقوله قلنا شاهت الوجوه وقبح اللكع ومن يرجوه فإن قوله شاهت الوجوه لفظ الحديث فإنه روي لما اشتدت الحرب يوم حنين أخذ النبي كفا من الحصباء فرمى بها في وجوه المشركين وقال شاهت الوجوه أي قبحت واللكع قيل هو اللئيم وقال أبو عبيدة هو العبد
وكقول ابن عباد
( قال لي إن رقيبي ... سيء الخلق فداره )
( قلت دعني وجهك الجنة ... حفت بالمكاره )

اقتبس من لفظ الحديث ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) والاقتباس منه ألا ينقل فيه اللفظ المقتبس عن معناه الأصلي إلى معنى آخر كما تقدم
ومنه ما هو بخلاف ذلك كقول ابن الرومي
( لئن أخطأت في مدحيك ... ما أخطأت في منعي )
( لقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع )
ولا بأس بتغير يسير لأجل الوزن أو غيره كقول بعض المغاربة عند وفاة بعض أصحابه
( قد كان ما خفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا ) وقول عمر الخيام
( سبقت العالمين إلى المعالي ... بصائب فكرة وعلو همه )
( ولاح بحكمتي نور الهدى في ... ليال للضلالة مدلهمة )
( يريد الجاهلون ليطفئوه ... ويأبى الله إلا أن يتمه )
وكقول القاضي منصور الهروي الأزدي
( فول كانت الأخلاق تحوي وراثة ... ولو كانت الآراء لا تتشعب )
( لأصبح كل الناس قد ضمهم هوى ... كما أن كل الناس قد ضمهم أب )
( ولكنها الأقدار كل ميسر ... لما هو مخلوق له ومقرب ) اقتبس من لفظ الحديث ( اعملوا كل ميسر لما خلق له )

التضمين
وأما التضمين فهو أن يضمن الشعر شيئا من شعر الغير مع

التنبيه عليه إن لم يكن مشهورا عند البلغاء كقول بعض المتأخرين قيل هو ابن التلميذ الطبيب النصراني
( كانت بلهنية الشبيبة سكرة ... فصحوت واستبدلت سيرة مجمل )
( وقعدت أنتظر الفناء كراكب ... عرف المحل فبات دون المنزل )
البيت الثاني لمسلم بن الوليد الأنصاري وقول عبد القاهر بن طاهر التميمي
( إذا ضاق صدري وخفت العدى ... تمثلت بيتا بحالي يليق )
( فبالله أبلغ ما أرتجي ... وبالله ادفع ما لا أطيق ) وقول ابن العميد
( وصاحب كنت مغبوطا بصحبته ... دهرا فغادرني فردا بلا سكن )
( هبت له ريح إقبال فطار بها ... نحو السرور وألجاني إلى الحزن )
( كأنه كان مطويا على إحن ... ولم يكن في ضروب الشعر أنشدني )
( إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن )
( لا تعاد الناس في أوطانهم ... قلما ترعى غريب الوطن )
( وإذا ما شئت عيشا بينهم ... خالق الناس بخلق حسن )
البيت لأبي تمام وكقول الحريري
( على أني سأنشد عند بيعي ... أضاعوني وأي فتى أضاعوا )
المصراع الأخير قيل هو للعرجي وقيل لأمية ابن أبي الصلت وتمام البيت
( ليوم كريهة وسداد ثغر ... )

ولا حاجة إلى تقديره لتمام المعنى بدونه ومثله قول الآخر
( قد قلت لما أطلعت وجناته ... حول الشقيق الغض روضة آس )
( أعذاره الساري العجول ترفقا ... ما في وقوفك ساعة من باس )
المصراع الأخير لأبي تمام وكقول الآخر
( كنا معا أمس في بؤس نكابده ... والعين والقلب منا في قذى وأذى )
( والآن أقبلت الدنيا عليك بما ... تهوى فلا تنسني إن الكرام إذا )
أشار إلى بيت أبي تمام ولا بد من تقدير الباقي منه لأن المعنى لا يتم بدونه وقد علم بهذا أن تضمين ما دون البيت ضربان وأحسن وجوه التضمين أن يزيد المضمن في الفرع عليه في الأصل بنكتة كالتورية والتشبيه في قول صاحب التحبير
( إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها ... تذكرت ما بين العذيب وبارق )
( ويذكرني من قدها ومدامعي ... مجر عوالينا ومجرى السوابق )
المصراعان الأخيران لأبي الطيب ولا يضر التغيير اليسير ليدخل في معنى الكلام كقول بعض المتأخرين في يهودي به داء الثعلب
( أقول لمعشر غلطوا وغضوا ... عن الشيخ الرشيد وأنكروه )
( هو ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى يضع العمامة تعرفوه ) البيت لسحيم بن وثيل وأصله
( أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني )
وربما سمي تضمين البيت فما زاد استعانة وتضمين المصراع

فما دونه تارة إيداعا رفوا

العقد
وأما العقد فهو أن ينظم نثر لا على طريق الاقتباس أما عقد القرآن فكقول الشاعر
( أنلني بالذي استقرضت خطا ... وأشهد معشرا قد شاهدوه )
( فإن الله خلاق البرايا ... عنت لجلال هيبته الوجوه )
( يقول إذا تداينتم بدين ... إلى أجل مسمى فاكتبوه )
وأما عقد الحديث فكما روى للشافعي رضي الله عنه
( عمدة الخير عندنا كلمات ... أربع قالهن خير البرية )
( اتق المشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنية ) عقد قوله ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ) وقوله ( ازهد في الدنيا يحبك الله ) وقوله ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) وقوله ( إنما الأعمال بالنيات ) وأما عقد غيرهما فكقول أبي العتاهية
( ما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخر )
عقد قول علي رضي الله عنه وما لابن آدم والفخر وإنما أوله نطفة وآخره جيفة
وقوله أيضا
( كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك عن يديا )
( وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا )
قيل عقد قول بعض الحكماء في الإسكندر لما مات كان

الملك أمس أنطق منه اليوم وهو اليوم أوعظ منه أمس وقيل هو قول الموبذ لما مات قباذ الملك وقول الآخر
( يا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فارتع فخير فعال المرء أعدله )
( فلو بغى جبل يوما على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله )
عقد قول ابن عباس رضي الله عنهما لو بغى جبل على جبل لدك الباغي وقول الآخر
( البس جديدك إني لابس خلقي ... ولا جديد لمن لا يلبس الخلقا ) عقد المثل لا جديد لمن لا خلق له
قالته عائشة رضي الله عنها وقد وهبت مالا كثيرا ثم أمرت بثوب لها أن يرقع
يضرب في الحث على استصلاح المال

الحال
وأما الحل فهو أن ينثر نظم وشرط كونه مقبولا شيئان أحدهما أن يكون سبكه مختارا لا يتقاصر عن سبك أصله والثاني أن يكون حسن الموقع مستقرا في محله غير قلق وذلك كقول بعض المغاربة فإنه لما قبحت فعلاته وحنظلت نخلاته لم يزل سوء الظن يقتاده ويصدق توهمه الذي يعتاده حل قول أبي الطيب
( إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم )
وكقول صاحب الوشي المرقوم في حل المنظوم يصف قلم كاتب فلا تحظى به دولة إلا فخرت على الدول وغنيت به عن الخيل والخول
وقالت أعلى الممالك ما يبنى على الأقلام لا على الأسل
حل قول أبي الطيب أيضا

( أعلى الممالك ما يبنى على الأسل ... )
وكقول بعض كتاب العصر في وصف السيف أورثه عشق الرقاب نحولا فبكى والدمع مطر تزيد به الحدود محولا
حل قول أبي الطيب أيضا
( في الخد إن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولا )

التلميح
وأما التلميح فهو أن يشار إلى قصة أو شعر من غير ذكره فالأول كقول ابن المعتز
( أترى الجيرة الذين تداعوا ... عند سير الحبيب وقت الزوال )
( علموا أنني مقيم وقلبي ... راحل فيهم أمام الجمال )
( مثل صاع العزيز في أرحل القوم ... ولا يعلمون ما في الرحال ) وقول أبي تمام
( لحقنا بأخراهم وقد حوم الهوى ... قلوبا عهدنا طيرها وهي وقع )
( فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع )
( نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى ... لبهجتها ثوب السماء المجزع )
( فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع )
أشار إلى قصة يوشع بن نون فتى موسى عليهما السلام واستيقافه الشمس فإنه روي أنه قاتل الجبارين يوم الجمعة فلما أدبرت

الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فدعا لله فرد له الشمس حتى فرغ من قتالهم والثاني كقول الحريري وإني والله لطالما تلقيت الشتاء بكافاته وأعددت له الأهب قبل موافاته
أشار إلى قول ابن سكرة
( جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا )
( كن وكيس وكانون وكأس طلا ... بعد الكباب وكس ناعم وكسا )
وقوله أيضا بت بليلة نابغية وأومأ به إلى قول النابغة
( فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع ) وقول غيره
( لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظى ... أرق وأحفى منك في ساعة الكرب ) أشار إلى البيت المشهور
( المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار )
ومن التلميح ضرب يشبه اللغز كما روي أن تميميا قال لشريك النميري ما في الجوارح أحب إلي من البازي
فقال إذا كان يصيد القطا أشار التميمي إلى قول جرير
( أنا البازي المطل على نمير ... أتيح من السماء لها انصبابا )
وأشار شريك إلى قول الطرماح
( تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلت )

الفصل الثاني
ينبغي للمتكلم أن يتأنق في ثلاثة مواضع من كلامه حتى تكون أعذب لفظا وأحسن سبكا وأصح معنى
الأول الابتداء لأنه أول ما يقرع السمع فإن كان كما ذكرنا أقبل السامع على الكلام فوعى جميعه وإن كان بخلاف ذلك أعرض عنه ورفضه وإن كان في غاية الحسن
فمن الابتداءات المختارة قول امرىء القيس
( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... ) وقول النابغة
( كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب )
وقول أبي الطيب
( أتظنني من زلة أتعتب ... قلبي أرق عليك مما تحسب ) وقوله
( أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ... بفي برود وهو في كبدي جمر )

وقوله
( فراق ومن فارقت غير مذمم ... وأم ومن يممت خير ميمم )
وقوله
( أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي )
وقول الآخر
( زموا الجمال فقل للعاذل الجابي ... لا عاصم اليوم من مدرار أجفاني )
وينبغي أن يجتنب في المديح ما يتطير به فإنه قد يتفاءل به الممدوح أو بعض الحاضرين كما روي أن ذا الرمة أنشد هشام بن عبد الملك قصيدته البائية
( ما بال عينك منها الماء ينسكب ... )
فقال هشام بل عينك ويقال إن ابن مقاتل الضرير أنشد الداعي العلوي قصيدته التي أولها
( موعد أحبابك بالفرقة غد ... )
فقال له الداعي موعد أحبابك ولك المثل السوء
وروي أيضا أنه دخل عليه في يوم مهرجان وأنشد
( لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان )
فتطير به وقال أعمى يبتدىء بهذا يوم المهرجان وقيل بطحه وضربه خمسين عصا وقال إصلاح أدبه أبلغ في ثوابه
وقيل لما

بنى المعتصم بالله قصره بالميدان وجلس فيه أنشده إسحاق الموصلي
( يا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك )
فتطير المعتصم بهذا الابتداء وأمر بهدم القصر
ومن أراد ذكر الديار والأطلال في مديح فليقل مثل قول القطامي
( إنا محيوك فاسلم أيها الطلل ... ) أو مثل قول أشجع السلمي
( قصر عليه تحية وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام )
وأحسن الابتداءات ما ناسب المقصود ويسمى براعة الاستهلال كقول أبي تمام يهنىء المعتصم بالله بفتح عمورية وكان أهل التنجيم زعموا أنها لا تفتح في ذلك الوقت
( السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب )
( بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب )
وقول أبي محمد الخازن يهنىء ابن عباد بمولود لبنته
( بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد في أفق العلا صعدا ) وقول الآخر
( أبشر فقد جاء ما تريد ... أباد أعداءك المبيد )

وكقول أبي الفرج الساوي يرثي بعض الملوك من آل بويه أظنه فخر الدولة
( هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي )
وكذا قول أبي الطيب يرثي أم سيف الدولة
( نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال )
( ونرتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي )

الثاني
التخلص ونعني به الانتقال مما شبب الكلام به من تشبيب أو غيره إلى المقصود مع رعاية الملاءمة بينهما لأن السامع يكون مترقبا للانتقال من التشبيب إلى المقصود كيف يكون فإذا كان حسنا متلائم الطرفين حرك من نشاط السامع وأعان على إصفائه إلى ما بعده وإن كان بخلاف ذلك كان الأمر بالعكس فمن التخلصات المختارة قول أبي تمام
( يقول في قومس قومي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود )
( أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود )
وقول مسلم بن الوليد
( أجدك ما تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر )
( سهرت بها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر )
وقول أبي الطيب يمدح المغيث العجلي
( مرت بنا بين تربها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشادن العربا )
( فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا )

وقوله أيضا
( خليلي مالي لا أرى غير شاعر ... فكم منهم الدعوى ومني القصائد )
( فلا تعجبا إن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد )
وقد ينتقل من الفن الذي شبب الكلام به إلى ما لا يلائمه ويسمى ذلك الاقتضاب وهو مذهب العرب الأول ومن يليهم من المخضرمين كقول أبي تمام
( لو رأى الله أن في الشيب خيرا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا )
( كل يوم تبدي صروف الليالي ... خلقا من أبي سعيد غريبا ) ومن الاقتضاب ما يقرب من التخلص كقول القائل بعد حمد الله أما بعد قيل وهو فصل الخطاب
وكقوله تعالى ( هذا وإن للطاغين لشر مآب ) أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر وقوله تعالى ( هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب ) ونحوه قول الكاتب هذا باب هذا فصل

الثالث
الانتهاء لأنه آخر ما يعيه السمع ويرتسم في النفس فإن كان مختارا كما وصفنا جبر ما عساه وقع فيما قبله من التقصير وإن كان غير مختار كان بخلاف ذلك وربما أنسى محاسن ما قبله فمن الانتهاءات المرضية قول أبي نواس

( فبقيت للعلم الذي تهدي له ... وتقاعست عن يومك الأيام )
وقوله
( وإني جدير إذ بلغتك بالمنى ... وأنت بما أملت منك جدير )
( فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور )
وقول أبي تمام في خاتمة قصيدة فتح عمورية
( إن كان بين صروف الدهر من رحم ... موصولة أو ذمام غير مقتضب )
( فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب )
( أبقيت بني الأصفر الممراض كاسمهم ... صفر الوجوه وجلت أوجه العرب )
وأحسن الانتهاءات ما آذن بانتهاء الكلام كقول الآخر
( بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبرية شامل ) وقوله
( فلا حطت لك الهيجاء سرجا ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقا )
وجميع فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجوه البلاغة وأكملها يظهر ذلك بالتأمل فيها مع التدبر لما تقدم من الأصول والله الموفق للخيرات بحمد الله

أقسام الكتاب
1 2