كتاب : كتاب المواقف
المؤلف : عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي

المقصد الخامس
في أن العرض لا ينتقل من محل إلى محل على قياس انتقال الجسم من مكان إلى مكان وهذا حكم قد اتفق العقلاء على صحته فعند المتكلمين لأن الانتقال إنما يتصور في المتحيز وذلك لأن الانتقال هو حصول الشيء في حيز بعد أن كان في حيز آخر وهذا المعنى لا يتحقق إلا في المتحيز والعرض ليس بمتحيز وفيه نظر فإن ذلك الانتقال المفسر بما ذكر هو انتقال الجوهر من مكان إلى آخر وأما انتقال العرض الذي كلامنا فيه فهو أن يقوم عرض بعينه بمحل بعد قيامه بمحل آخر وليس هذا مما لا يتصور في العرض بل لا بد لنفيه عنه من برهان لا يقال هو حال الانتقال إما في المحل الأول أو الثاني وكلاهما باطل لأن كونه في المحل الأول استقرار فيه متقدم على الأنتقال عنه وكونه في المحل الثاني ثبوت فيه متأخر عن الانتقال إليه وإما في محل آخر ويعود الكلام إلى انتقاله إلى هذا المحل ويلزم ذلك المحذور لأنا نقول جاز أن يكون انتقال العرض دفعيا لا تدريجيا فيكون آن مفارقته عن محله هو آن مقارنته لمحل

آخر وأما عند الحكماء فلأن تشخصه إي تشخص العرض المعين ليس لذاته وماهيته ولا للوازمها وإلا انحصر نوعه في شخصه ولا لما يحل فيه وإلا دار لأن حلوله في العرض يتوقف على تشخصه ولا لمنفصل لا يكون حالا فيه ولا محلا له لأن نسبته إلى الكل سواء فكونه علة لتشخص هذا الفرد دون غيره ترجيح بلا مرجح فهو أي تشخصه لمحله فالحاصل في المحل الثاني هوية أخرى أي تشخص آخر غير التشخص الذي كان حاصلا في المحل الأول لأنه لما كان لمحله مدخل في تشخصه لم يتصور مفارقته عنه باقيا تشخصه بل يجب انتفاؤه حينئذ فلا يكون الحاصل في المحل الآخر عين الذي عدم بل شخصا آخر من نوعه والانتقال من محل إلى آخر لا يتصور إلا مع بقاء الهوية المنتقلة من أحدهما إلى الآخر وإذ لا بقاء للهوية ههنا فلا انتقال أصلا وفيه نظر لجواز أن يكون تشخصه بهويته الخاصة ولا يلزم حينئذ أنحصار النوع في الشخص إنما يلزم ذلك إذا كان تشخصه بماهيته وفيه بحث لأنه أريد بهويته الخاصة تشخصه لزم كون الشيء علة لنفسه وإن أريد ماهيته مع تشخصه كان الكل علة لجزئه وإن أريد وجوده العيني فإن أخذ مطلقا لم يكن علة لتشخص معين وإن أخذ معينا فكذلك لأن تعين الوجودات في أفراد ماهية نوعية إنما يكون بتعينات تلك الأفراد فلو عكس دار نعم يرد على الدليل أنا لا نسلم استواء نسبة المنفصل إلى الكل إذ يجوز أن يكون له نسبة خاصة إلى تشخص معين خصوصا إذا كان المنفصل فاعلا مختارا فإن له أن يختار ما يشاء ويتجه عليه أيضا أنه لا يطرد في عرض ينحصر نوعه في شخصه وربما يقال في إثبات امتناع الانتقال العرض يحتاج إلى المحل بالضرورة فإما أن يحتاج العرض المعين إلى محل معين فلا

يفارقه لأن خصوصية ذلك العرض المعين متعلقة بذلك المحل المعين ومقتضية إياه لذاتها أو إلى محل غير معين ولا وجود له في الخارج لأن كل موجود في الخارج فهو متعين في نفسه فيلزم حينئذ أن لا يوجد العرض في الخارج لانتفاء المحل الذي يحتاج هو إليه وهذا باطل قطعا فتعين الأول وامتنع الانتقال وهو المطلوب وفيه نظر إذ قد يحتاج العرض المعين إلى محل بلا شرط التعين أي إلى محل مطلق غير مقيد بالتعين وأنه أعم من المعين الذي قيد بالتعين فيوجد ذلك المطلق المأخوذ بلا شرط التعين في كل معين من المعينات لا إلى محل مقيد بشرط عدم التعين حتى يمتنع وجوده في الخارج فيلزم أن لا يوجد العرض فيه وإنما قلنا إنه يحتاج إلى المحل المطلق عن التعين ولا يحتاج إلى المقيد بعدم التعين إذ لا يلزم من عدم اعتبار التعين في المحل الذي يحتاج إليه العرض المعين اعتبار عدم التعين فيه كما قد علمته من أن الماهية المطلقة التي لم يعتبر فيها وجود عوارضها ولم تقيد به أعم من الماهية المخلوطة المقيدة به الموجودة في الخارج ومن المجردة المقيدة بعدمها المستحيل في الخارج وجودها وأيضا فهو أي ما ذكرتم من الدليل وارد في الجسم بالنسبة إلى الحيز فيقال الجسم يحتاج في كونه متحيزا إلى الحيز بالضرورة فإما أن يحتاج إلى حيز معين أو غير معين والثاني باطل لأن غير المعين لا وجود له فيلزم أن لا يوجد الجسم المتحيز فتعين الأول فلا يجوز انتقال الجسم عن الحيز المعين إلى غيره فانتقض دليلكم وما هو جوابكم فهو جوابنا
فإن قيل هذا الذي ذكرتموه من امتناع الانتقال على العرض إنكار

للحس فإن رائحة التفاح تنتقل منه إلى ما يجاوره والحرارة تنتقل من النار إلى ما يماسها كما يشهد به الحس
فالجواب أن الحاصل في المحل الثاني وهو المجاور أو المماس شخص آخر من الرائحة أو الحرارة مماثل للأول الحاصل في التفاح أو النار يحدثه الفاعل المختار عندنا بطريق العادة عقيب المجاورة أو المماسة أو يفيض ذلك الشخص الآخر على المحل الثاني من العقل الفعال عند الحكماء بطريق الوجوب لاستعداد يحصل له من المجاورة أو المماسة

المقصد السادس
لا يجوز قيام العرض بالعرض عند أكثر العقلاء خلافا للفلاسفة لنا في عدم الجواز وجوه والمذكور في الكتاب وجهان
الأول أن قيام الصفة بالموصوف معناه تحيز الصفة تبعا لتحيز الموصوف وهذا أي كون الشيء متبوعا لتحيز غيره به لا يتصور إلا في المتحيز بالذات لأن المتحيز بتبعية غيره لا يكون متبوعا لثالث إذ ليس كونه متبوعا لذلك الثالث أولى من كونه تابعا له والعرض ليس بمتحيز بالذات بل هو تابع في التحيز للجوهر فلا يقوم به غيره
الوجه الثاني العرض المقوم به لا يجوز أن يقوم بنفسه وإن قام بعرض آخر عاد الكلام فيه وتسلسل الأعراض المقوم بها إلى غير النهاية

وإلا فجميع تلك الأعراض المتسلسلة حاصلة لا في محل وقد عرفت بطلانه لامتناع قيام العرض واحدا كان أو متعددا بنفسه بل لا بد له من محل يقوم به وإن انتهت الأعراض المقوم بها إلى الجوهر فالكل قائم به لأن الكل تابع لذلك الجوهر في تحيزه وحينئذ فلا يكون عرض قائما بعرض والمقدر خلافه وهما أي هذان الوجهان ضعيفان أما الأول فلأنا لا نسلم أن القيام هو التحيز تبعا لما ذكرتم بل هو الاختصاص الناعت وهو أن يختص شيء بآخر اختصاصا يصير به ذلك الشيء نعتا للآخر والآخر منعوتا به فيسمى الأول حالا والثاني محلا له كاختصاص الجسم لا كاختصاص الماء بالكوز ويحققه أي يحقق أن معنى القيام هذا دون ذلك أمران
الأول أن التحيز صفة للجوهر قائم به وليس التحيز متحيزا تبعا لتحيزه وإلا كان الشيء الذي هو التحيز مشروطا بنفسه إن قلنا بوحدة التحيز القائم بذلك الجوهر إذ لا بد أن يقوم التحيز أولا بالجوهر حتى يتبعه غيره في التحيز فإذا كان ذلك الغير نفس التحيز فقد اشترط قيامه بالجوهر بقيامه بالجوهر وهو اشتراط الشيء بنفسه أو تسلسل إن قلنا بتعدد التحيز القائم بالجوهر فيكون قيام كل تحيز به مشروطا بقيام تحيز آخر به قبله وهكذا إلى ما لا نهاية له
الأمر الثاني أوصاف الباري تعالى قائمة به كما سنبينه من غير شائبة تحيز في ذاته وصفاته وأما الوجه الثاني فلأنه لا ينفي أن يقوم عرض بعرض ثان وذلك العرض الثاني بآخر مترتبة إلى أن ينتهي إلى الجوهر فيكون بعضها تابعا لذلك الجوهر في تحيزه ابتداء والبعض الآخر تابعا للبعض الأول وليس يلزم من ذلك كون الكل قائما بالجوهر وتابعا له في تحيزه ابتداء بل هناك ما يتبعه في ذلك بواسطة والقول بأن التابع لا يكون متبوعا لآخر إذ ليس هذا أولى من عكسه ممنوع لجواز أن يكون أحدهما لذاته

مقتضيا لكونه متبوعا ومحلا والآخر مقتضيا لكونه تابعا وحالا وهو أي ما ذكرناه من قيام العرض بالعرض مع الانتهاء بالآخر إلى الجوهر محل النزاع فإن قيامه به مع عدم الانتهاء إليه مما لا يقول به عاقل وقد احتج بعضهم بوجه ثالث فقال لو جاز قيام العرض بالعرض لجاز قيام العلم بالعلم ثم الكلام في العلم القائم بالعلم كالكلام في العلم الأول فيلزم التسلسل وهو مردود بأن المتنازع فيه قيام بعض الأعراض المختلفة ببعضها دون المتماثلة والمتضادة احتج الفلاسفة على جواز قيام العرض بالعرض بأن السرعة والبطء عرضان قائمان بالحركة القائمة بالجسم فإنها توصف بهما فيقال حركة سريعة وحركة بطيئة دون الجسم فإنه ما لم يلاحظ حركته لم يصح بالضرورة أن يوصف بأنه سريع أو بطيء
والجواب أنه لا يصح هذا الاحتجاج لا على مذهبنا فإنهما أعني السرعة والبطء ليسا عرضين ثابتين للحركة بل هما للسكنات أي السرعة والبطء لأجل السكنات المتخللة بين الحركات وقلتها وكثرتها فحاصل البطء أن الجسم يسكن سكنات كثيرة في زمان قطعه المسافة وحاصل السرعة أنه يسكن سكنات قليلة بالقياس إلى سكنات البطء ولا شك أنهما بهذين المعنيين من صفات الجسم المتحرك دون الحركة ولا على مذهبهم لجواز أن تكون طبقات الحركات ومراتبها المتفاوتة بالسرعة والبطء أنواعا مختلفة بالحقيقة وليس ثمة أمر موجود إلا الحركة المخصوصة التي هي نوع من تلك الأنواع المختلفة الحقائق وأما السرعة والبطء اللذان يوصف بهما الحركات فمن الأمور النسبية التي لا وجود لها في الخارج فإنه إذا عقلت الحركات المختلفة بالحقيقة وقيس بعضها إلى بعض عرض لها في الذهن السرعة والبطء ولذلك ولكونهما أمرين نسبيين آختلف حال الحركة فيهما بحسب اختلاف المقايسة فإنها أي الحركة تكون سريعة

بالنسبة إلى حركة وبطيئة بالنسبة إلى حركة أخرى وعلى هذا فالسرعة والبطء وصفان للحركة اعتباريان ولا نزاع في وصف الأعراض بالأمور الاعتبارية إنما الكلام في وصفها بأمور موجودة وللحكماء احتجاج آخر وهو أن الخشونة والملاسة عرضان من مقولة الكيف قائمان بالسطح لأنه الذي يوصف بهما والسطح عرض فأشار إلى جوابه بقوله وأما الخشونة والملاسة فإن سلم أنهما كيفيتان أي لا نسلم أنهما من باب الكيف بل هما من مقولة الوضع التي هي من النسب الاعتبارية وإن سلم أنهما كيفيتان موجودتان فقيامهما بالجسم لا بالسطح

المقصد السابع
ذهب الشيخ الأشعري ومتبعوه من محققي الأشاعرة إلى أن العرض لا يبقى زمانين فالأعراض جملتها غير باقية عندهم بل هي على التقضي والتجدد ينقضي واحد منها ويتجدد آخر مثله وتخصيص كل من الآحاد المنقضية والمتجددة بوقته الذي وجد فيه إنما هو للقادر المختار فإنه يخصص بمجرد إرادته كل واحد منها بوقته الذي خلقه فيه وإن كان يمكن له خلقه قبل ذلك الوقت وبعده وإنما ذهبوا إلى ذلك لأنهم قالوا بأن السبب المحوج إلى المؤثر هو الحدوث فلزمهم استغناء العالم حال بقائه عن الصانع بحيث لو جاز عليه العدم تعالى عن ذلك علوا كبيرا لما ضر عدمه في وجوده فدفعوا ذلك بأن شرط بقاء الجوهر هو العرض ولما كان هو متجددا محتاجا إلى المؤثر دائما كان الجوهر أيضا حال بقائه محتاجا إلى ذلك المؤثر بواسطة احتياج شرطه إليه فلا استغناء أصلا ووافقهم على ذلك النظام والكعبي من قدماء المعتزلة وقالت الفلاسفة وجمهور المعتزلة ببقاء الأعراض سوى الأزمنة والحركات والأصوات وذهب أبو علي

الجبائي وابنه وأبو الهذيل إلى بقاء الألوان والطعوم والروائح دون العلوم والإرادات والأصوات وأنواع الكلام وللمعتزلة في بقاء الحركة والسكون خلاف كما ستعرفه في مباحث الأكوان
قالوا أي الفلاسفة وما لا يبقى من الأعراض السيالة يختص إمكانه بوقته الذي وجد فيه لا قبل ولا بعد أي لا يمكن أن يوجد قبل ذلك الوقت ولا بعده لاستناده إلى سلسلة مقتضيه لذلك الاختصاص احتج الأصحاب على عدم بقاء الأعراض بوجوه ثلاثة
الأول أنها لو بقيت لكانت باقية أي متصفة ببقاء قائم بها والبقاء عرض فيلزم قيام العرض بالعرض
قلنا لا نسلم أن البقاء عرض بل هو أمر اعتباري يجوز أن يتصف به العرض كالجوهر وإن سلم كونه عرضا فلا نسلم امتناع قيام العرض بالعرض
الوجه الثاني يجوز خلق مثله في الحالة الثانية من وجوده لأن الله سبحانه قادر على ذلك إجماعا فلو بقي العرض في الحالة الثانية من وجوده لاستحال وجود مثله فيها وإلا اجتمع المثلان وذلك محال فبقاء الأعراض يوجب استحالة ما هو جائز اتفاقا فيكون باطلا
قلنا يخلقه الله تعالى فيه أي في ذلك المحل بأن يعدم الأول عنه لأن جواز إيجاد مثله في محله في الحالة الثانية ليس مطلقا بل هو مشروط بإعدام الأول ولا استحالة فيه كما لا استحالة في جواز إيجاد مثله في محله في الحالة الأولى على تقدير عدم إيجاد الأول فيها و أيضا ما ذكرتم يلزمكم في الجوهر لأنه يجوز خلق مثله في حيزة في الحالة الثانية

من وجوده إجماعا فلو كان باقيا لامتنع خلق مثله كذلك لاستحالة اجتماع المتحيزين بالذات في حيز واحد فانتقض دليلكم
الوجه الثالث وهو العمدة عند الأصحاب في إثبات هذا المطلب أنها أي الأعراض لو بقيت في الزمان الثاني من وجودها امتنع زوالها في الزمان الثالث وما بعده واللازم الذي هو امتناع الزوال باطل بالإجماع وشهادة الحس فإنه يشهد بأن زوال الأعراض واقع بلا اشتباه فيكون الملزوم الذي هو بقاء الأعراض باطلا أيضا بيان الملازمة أنه لو زال العرض بعد بقائه فإما أن يزول بنفسه واقتضاء ذاته زوال وإما أن يزول بغيره المقتضي لزواله و ذلك الغير إما أمر وجودي يوجب عدمه لذاته أي لا باختياره فيكون فاعلا موجبا وهو طرو الضد على محل العرض أو لا يوجبه لذاته بل اختياره وهو الفاعل المعدوم بالاختيار وإما أمر عدمي وهو زوال الشرط وهذه الأقسام الأربعة الحاصرة للاحتمالات العقلية باطلة أما زواله بنفسه فأن ذاته لو كانت مقتضية لعدمه لوجب أن لا يوجد ابتداء لأن ما تقتضيه ذات الشيء من حيث هي لا يمكن مفارقته عنه وأما زواله بطرو ضده على محله فلأن حدوث الضد في ذلك المحل مشروط بانتفائه عنه فإن المحل ما لم يدخل ينحل عن ضد لم يمكن اتصافه بضد آخر فلو كان انتفاؤه عن المحل ومعللا بطريانه عليه لزم الدور لأن كل واحد من انتفاء الضد الأول وطريان الضد الثاني موقوف على الآخر معلل به أو نقول في إبطال هذا القسم لما كان التضاد من الطرفين فليس الطاري بإزالة الباقي أولى من العكس وهو أن يدفع الباقي الطاري بل الدفع الصادر عن الباقي أهون من الرفع الصادر عن

الطاري فيكون الدفع أقرب إلى الوقوع من الرفع وأما زواله بمعدم مختار فلأن الفاعل بالاختيار لا بد له من أثر يصدر عنه والعدم نفي محض لا يصلح أثرا لمختار بل ولا لفاعل أصلا أو نقول في إبطال كون زواله للمختار ما أثره عدم فلا أثر له إذ لا فرق بين قولنا أثره لا وقولنا لا أثر له كما مر في بحث الإمكان فليس الفاعل الذي أسند إليه زوال العرض فاعلا أصلا سواء فرض مختارا أو موجبا وأما زواله بزوال شرط فلأن ذلك الشرط إن كان عرضا آخر تسلسل لأنا تنقل الكلام إلى العرض الذي هو الشرط فيكون زواله بزوال شرطه الذي هو عرض ثالث وهكذا فيلزم وجود أعراض غير متناهية بعضها شرط لبعض وإن كان ذلك الشرط جوهرا والجوهر في بقائه مشروط بالعرض لزم الدور لأن بقاء كل واحد من الجوهر والعرض مشروط ببقاء الآخر موقوف عليه والاعتراض عليه أي على هذا الدليل الذي عده عمدة أنا نختار أنه يزول بنفسه قولك فلا يوجد ابتداء ممنوع لجواز أن يوجب ذاته العدم في الزمان الثالث أو الرابع خاصة أي دون الزمان الثاني فلا يلزم أن يوجب ذاته العدم مطلقا حتى يكون ممتنعا فلا يوجد ابتداء بل يلزم أن يكون اقتضاء ذاته عدمه في زمان مشروطا بوجوده في زمان سابق عليه واستحالته ممنوعة ثم هذا الدليل الذي ذكرتموه وارد عليكم في الزمان الثاني بعينه وذلك بأن يقال لا يجوز زواله في الزمان الثاني لأن زواله فيه إما لغيره إلى آخر الكلام فما هو جوابكم عنه في صورة النقض فهو جوابنا عنه في صورة النزاع وأيضا قد يزول بضد طارىء على محله قولك حدوثه في ذلك المحل مشروط بزواله عنه
قلنا إن أوجبت في الشرط تقدمه على المشروط منعنا كون حدوث الضد الطارىء مشروطا بزوال الضد الباقي إذ لا دليل عليه سوى

امتناع الاجتماع ولا دلالة له على هذا الاشتراط وإلا أي وإن لم توجب في الشرط تقدمه بل اكتفيت بمجرد امتناع الانفكاك لم يمتنع التعاكس كما مر فجاز أن يكون كل منهما شرطا للآخر ويكون الدور اللازم منه دور معية كما أن دخول كل جزء من أجزاء الحلقة الدوارة على نفسها في حيز الجزء الآخر مشروط بخروج الآخر عنه وبالعكس ولا محذور في ذلك لأن مرجعه إلى تلازمهما وبالجملة أي سوء جوز التعاكس في الاشتراط أو لا فهما أي زوال الباقي وطريان الحادث معا في الزمان وهذه المعية لا تنافي العلية إذ العلية تقدم في العقل فقد يكون طريانه علة لزوال الباقي مع كونهما معا في الزمان كالعلة والمعلول فإنهما متقاربان بحسب الزمان مع كون العلة متقدمة في العقل والحكم بأن الطارىء ليس أولى بإزالة الباقي من عكسه باطل لأن الطاري أقوى لقربه من السبب وبعد الباقي عنه وأيضا فقد يزول لأن الفاعل الذي فعله لا يفعله لا لأنه يفعل عدمه وذلك لا يحتاج إلى أثر للفاعل صادر عنه بل مجرد امتناع الفاعل من إبقاء ما فعله كاف في زواله وأيضا لا نسلم أن العدم لا يصلح أن يكون أثرا صادرا عن الفاعل نعم ذلك مسلم في العدم المستمر وأما العدم الحادث فقد يكون بفعل الفاعل كالوجود الحادث وما الدليل على امتناعه وأيضا فقد يزول بزوال شرط قولك هو الجوهر إذ لو كان عرضا تسلسل وإذا كان ذلك الشرط هو الجوهر المشروط في بقائه بالعرض فيدور قلنا ممنوع إذ لا دور ولا تسلسل ولم لا يجوز أن يكون ذلك الشرط أعراضا لا تبقى على التبادل إلى أن تنتهي إلى ما لا بدل عنه وعنده يزول يعني أن الأعراض عندنا قسمان قسم يجوز بقاؤه كالألوان وقسم لا يجوز بقاؤه كالحركات وحينئذ جاز أن يقال شرط العرض الباقي عرض لا

بعينه من أعراض متعددة من الأعراض التي لا تبقى بذاتها كدورات متعددة من الحركات مثلا فيكون كل واحد من تلك الأعراض المتعددة بدلا عن الآخر فيستمر وجود ذلك العرض باستمرار شرطه ما دام يتبادل تلك الأعراض فإذا انتهت إلى ما لا بدل عنه كالدورة الأخيرة من تلك الدورات المعدودة فقد زال الشرط فيزول العرض الباقي بلا تسلسل وجاز أيضا أن يقال شرط العرض الباقي هو الجوهر وشرط الجوهر هو تلك الأعراض المتبادلة فلا يلزم دور وإنما اعتبر في الشرط تبادل الأعراض الغير القارة لأن الواحد من هذه الأعراض لا بقاء له فلا يبقى ما هو مشروط به هكذا ينبغي أن يضبط هذا الكلام وأعلم أن النظام طرد هذا الدليل الثالث الذي هو العمدة في الأجسام فقال والأجسام أيضا كالأعراض غير باقية بل تتجدد حالا فحالا وسيرد عليك في الكتاب أن الجسم ليس مجموع أعراض مجتمعة خلافا للنظام والنجار من المعتزلة وعلى هذا النقل يلزم من تجدد الأعراض تجدد الأجسام على مذهبه بلا حاجة إلى طرد الدليل فيها وإنما يحتاج إليه إذا كانت الأجسام عنده مركبة من الجواهر الأفراد كما هو المشهور من مذهبه ويؤيد ما ذكرناه قوله ومنه أي ومن طرد هذا الدليل في الأجسام يعلم أنه يرد الأجسام نقضا عليه أي على هذا الدليل عند القائل ببقاء الأجسام وقد يجاب عنه أي عن هذا النقض بأنه يعني الجسم بل الجوهر مطلقا قد يزول لعرض يقوم به أي يخلق الله سبحانه عرضا منافيا للبقاء فيقوم ذلك العرض بالجوهر فيزول كالفناء عند المعتزلة فإنه عندهم عرض إذا خلقه الله فنيت الجواهر كلها فإن قيل المشهور عن المعتزلة البصرية أن الفناء عرض مضاد للبقاء يخلقه الله لا في محل فتفنى به الجواهر فلا يكون قائما بالفاني كما ادعيتموه أجيب بأنه جاز

أن يخلق أولا لا في محل ثم يتعلق بمحل أراد الله إفناءه والأولى أن يقال المقصود تشبيه ذلك العرض بالفناء على مذهبهم في مجرد كونه منافيا للبقاء وإن افترقا في أن أحدهما قائم بالمحل دون الآخر أو بأنه قد يزول الجوهر لعرض لا يخلقه الله في عندنا يريد أن ما ذكر أولا هو طريق زوال الجواهر على رأي المعتزلة ولنا في زوالها طريق آخر وهو أن لا يخلق الله الأعراض التي لا يمكن خلو الجواهر عنها فتزول قطعا والجواب عن جواب النقض أن يقال إن جوزتم في فناء الجوهر الباقي ذلك الذي ذكرتموه من أنه يقوم به عرض ينافي بقاءه أو لا يخلق الله فيه عرضا لا يمكن بقاؤه بدونه في فليجز مثله في فناء العرض الباقي فلا يتم الدليل في أصل المدعي أيضا إلا أن تعود أنت أو يعود المستدل إلى أن العرض لا يقوم به عرض فلا يتصور فناؤه بأحد الوجهين المذكورين في فناء الجواهر والكرامية من المتكلمين احتجوا به أي بهذا الدليل على أن العالم لا يعدم ولا يصح فناء الأجسام مع كونها محدثة إذ قد بينا استلزام البقاء لامتناع الزوال وبقاء الأجسام ضروري لا شبهة فيه أصلا فيمتنع زوالها قطعا وسيأتيك في مباحث صحة الفناء على العالم زيادة بحث عن هذا الموضع يزداد بها انكشافه عليك ثم للقائلين ببقاء الأعراض طرق
الأول المشاهدة فإنا نشاهد الألوان باقية فإنكار بقائها قدح من الضروريات
قلنا لا دلالة لها أي للمشاهدة على أن الشاهد أمر واحد مستمر لجواز أن يكون أمثالا متواردة بلا فصل كالماء الدافق من الأنبوب يرى

أمرا واحدا مستمرا بحسب المشاهدة وهو في الحقيقة أمثال تتوارد على الاتصال
الثاني أن يقال إذا جوزتم توارد الأمثال في الأعراض فليجز مثله في الأجسام فيلزم أن لا يجزم ببقاء الأجسام وهو باطل اتفاقا
قلنا ما ذكرتم تمثيل وقياس فقهي بلا جامع فكان فاسدا وليس حكمنا ببقاء الأجسام بمشاهدة استمرارها حتى يجعل مشاهدة الاستمرار علة جامعة في ذلك التمثيل بل حكمنا الأجسام بالضرورة العقلية لا بمشاهدة الحسية وبأنه لولاه أي لولا بقاء الأجسام لم يتصور الموت والحياة لأن الموت كما هو المشهور عدم الحياة عن محل اتصف بها وإذا لم تكن الأجسام باقية كان محل الموت غير الجسم الموصوف بالحياة
الثالث العرض يجوز إعادته وهو أي إعادته بتأويل أن يعاد وجوده في الوقت الثاني الذي هو بعد وقت عدمه الذي هو عقيب وقت وجوده وإذا جاز وجود العرض في وقتين مع تخلل العدم بينهما في وقت متوسط بين الوقتين فبدونه أي فوجدوه بدون تخلل العدم بل على سبيل الاستمرار أولى بالجواز فلا يمتنع بقاء الأعراض
قلنا الشيخ منع إعادة العرض ولا ضير عليه في ذلك وإن سلم أن الإعادة جائزة فقياس بلا جامع أي قياسكم وجوه في الوقتين بلا تخلل العدم على وجوده فيهما بدونه قياس لا جامع فيه ودعوى الأولوية أي أولوية الوجود بلا تخلل العدم بالجواز دعوى بلا دليل عليها لجواز أن يكون تخلل العدم شرطا للوجود في الوقت الثاني فيمكن الإعادة دون البقاء

بل نقول ذلك أعني الوجود في الوقتين مع تخلل العدم عندنا جائز وهذا أي الوجود فيهما بلا تخلله ممتنع فلا يصح قياس الثاني على الأول في الجواز أصلا وقد يقال كما أن الحكم ببقاء الأجسام ضروري يحكم به العقل بمعونة الحس كذلك الحكم ببقاء الأعراض كالألوان ضروري يحكم به العقل بمعونته أيضا والطرق المذكورة تنبيهات على حكم ضروري فالمناقشة فيها لا تجدي طائلا

المقصد الثامن
العرض الواحد بالشخص لا يقوم بمحلين ضرورة أي هذا حكم معلوم بالضرورة ولذلك نجزم بأن السواد القائم بهذا المحل غير السواد القائم بالمحل الآخر جزما يقينيا لا نحتاج فيه إلى فكر ولا فرق بينه أي بين جزمنا بأن العرض الواحد لا يقوم بمحلين وبين جزمنا بأن الجسم الواحد لاا يوجد في آن واحد في مكانين فكما أن الجزم الثاني بديهي بلا شبهة فكذا الأول ولسنا نقول نسبة العرض إلى المحل كنسبة الجسم إلى المكان فلو جاز حلوله في محلين لجاز حصول الجسم في مكانين حتى يرد عليه أن النسبتين ليستا على السواء لإمكان حلول أعراض متعددة معا في محل واحد وامتناع اجتماع جسمين في مكان واحد ويؤيده أي يؤيد ما ذكرناه من أن العرض يمتنع أن يقوم بمحلين أن العرض إنما يتعين ويتشخص بمحله كما مر فلو قام عرض واحد بمحلين لكان له بحسب كل محل تعين وتشخص لامتناع توارد العلتين على شخص واحد وإذا كان له تعينان كان الواحد اثنين وهو محال وليس هذا استدلالا لأن الحكم ضروري بل هو تأييد له ببيان لميته فإن الشيء المعلوم بالبديهة إذا علم بلميته اطمأن إليه النفس أكثر وإن كان الجزم اليقيني حاصلا بدونه ولم نجد له مخالفا إلا أن قدماء المتكلمين هكذا وقع في نسخ الكتاب والمشهور في الكتب وهو الصحيح أن قدماء الفلاسفة القائلين بوجود

الإضافات جوزوا قيام نحو الجوار والقرب والأخوة وغيرها من الإضافات المتشابهة بالطرفين
قالوا المضافان إن قام بكل منهما إضافة على حدة كان كل واحد منهما منقطعا عن الآخر فلا بد أن يقوم بهما إضافة واحدة لتربط بينهما والحق أنهما مثلان فقرب هذا من ذاك مخالف بالشخص لقرب ذاك من هذا وإن شاركه في الحقيقة النوعية وهذه المشاركة أعني الوحدة النوعية كافية في الربط بين المضافين ولا حاجة فيه إلى الوحدة الشخصية ويوضحه أي يوضح ما ذكرناه من الاختلاف الشخصي في المتشابهين المتخالفان من الإضافات كالأبوة والبنوة إذ لا يشتبه على ذي مسكة أنهما متغيرتان بالشخص بل بالنوع أيضا مع وجود الارتباط بهما بين المضافين أعني الأب والابن ويلزمهم قيامه أي جواز قيامه قيامه بأكثر من أمرين أعني محلين فإن الجوار والقرب والأخوة مثلا كما يتحقق بين شيئين يتحقق أيضا بين أشياء متعددة فلو جاز اتحادها هناك جاز اتحادها ههنا أيضا ولا يندفع هذا الإلزام عنهم إلا ببيان الفرق وقال أبو هاشم التأليف عرض وأنه يقوم بجوهرين لا أكثر أما الأول وهو كونه عرضا يقوم بجوهرين فلأن من الجسم ما يصعب انفكاكه وانفصال أجزائه بعضها عن بعض وليس ذلك العسر في الانفكاك إلا لتأليف يوجب ذلك العسر إذ لولاه لما صعب الانفكاك بين أجزائه كما في المتجاورات ولا يتصور إيجاب العسر وصعوبة الانفكاك نفي العدم المحض فهو يعني التأليف صفة ثبوتية موجودة موجبة لصعوبة الانفصال ولا يقوم التأليف بكل واحد من الجزئين ضرورة أي لا يجوز أن يقوم بهذا الجزء فقط ولا بذاك الجزء فقط لأن التأليف لا يعقل في أمر واحد بالضرورة ولو قال ولا يقوم بواحد من الجزئين لكان أظهر فهو قائم بهما أي بكل واحد منهما معا بلا بمجموعهما من حيث

هو مجموع وإلا كان المحل واحدا وهو المطلوب وجوابه منع أن عسر الانفكاك فيما بين أجزاء بعض الأجسام للتأليف القائم بتلك الأجزاء بل للفاعل المختار الذي ألصق باختيار بعض تلك الأجزاء ببعض على وجه يصعب الانفكاك به
وأما الثاني وهو أنه لا يقوم بأكثر من جوهر فلأنه لو قام التأليف الواحد بثلاثة أجزاء مثلا لعدم التأليف بعدم جزء واحد من تلك الثلاثة لأن عدم المحل يستلزم عدم الحال فيه والتالي باطل لأن الجزئين الباقيين بينهما تأليف قطعا لأن صعوبة الانفكاك باقية بينهما وجوابه أن التأليف الذي بين الجزئين غير التأليف الذي بين الثلاثة أي يجوز أن يقوم تأليف واحد بجزئين كما ذكرته ويقوم تأليف آخر بثلاثة أجزاء فيكون هذا التأليف القائم بالثلاثة مغايرا بالشخص للتأليف الأول القائم بالجزئين وإن ماثله في الحقيقة النوعية والمنفي عندما عدم واحد من الثلاثة هو التأليف الثاني القائم بالثلاثة دون التأليف الأول القائم بالاثنين فلا يلزم حينئذ انعدام التأليف بينهما واعلم أن العرض الواحد بالشخص يجوز قيامه بمحل منقسم بحيث ينقسم ذلك العرض بانقسامه حتى يوجد كل جزء منه في جزء من محله فهذا مما لا نزاع فيه وقيامه بمحل منقسم على وجه لا ينقسم بانقسام محله مختلف فيه كما سيأتي وأما قيامه بمحل مع قيامه بعينه بمحل آخر فهو الذي ذكرنا أن بطلانه بديهي وما نقل عن أبي هاشم في التأليف إن حمل على القسم الأول فلا منازعة معه إلا في انقسام التأليف وكونه وجوديا وإن حمل على القسم الثاني فبعد تسليم جوازه تبقى المناقشة في وجودية التأليف والمشهور أن مراده القسم الثالث الذي علم بطلانه بديهة

المرصد الثاني في الكم
قدمه على سائر المقولات لكونه أعم وجودا من الكيف فإن أحد قسميه أعني العدد يعم المقارنات والمجردات وأصح وجودا من الأعراض النسبية التي لا تقرر لها في ذوات موضوعاتها كتقرر الكميات والكيفيات وفيه مقاصد تسعة
المقصد الأول
الكم له خواص ثلاث يتوصل بها إلى معرفة حقيقته
الأولى أنه يقبل القسمة والقسمة تطلق على معنيين على القسمة الوهمية وهي فرض شيء غير شيء وقد مر أن هذا المعنى شامل للكم المتصل والمنفصل وعلى القسمة الفعلية وهي الفصل والفك سواء كان بالقطع أو بالكسر و المعنى الأول من خواص الكم وعروضه للجسم ولسائر الأعراض يعني باقيها بواسطة اقتران الكمية بها فإنك إذا تصورت شيئا منها ولم تعتبر معه عددا ولا مقدارا لم يمكن لك فرض انقسامه
والمعنى الثاني لا يقبله الكم المتصل الذي هو المقدار فإن القابل يبقى مع المقبول وإلا لم يكن قابلا له حقيقة بالضرورة وعند

الفك والفصل الوارد على الجسم لا يبقى الكم أي المقدار الأول بعينه لأنه متصل واحد في حد ذاته لا مفصل فيه أصلا بل يزول ويحصل هناك كمان أي مقداران آخران لم يكونا موجودين بالفعل وإلا كان في متصل واحد متصلات غير متناهية بحسب الانقسامات الممكنة نعم الكم المتصل الحال في المادة السجمية يعد المادة لقبول القسمة الانفكاكية وإن لم يمكن اجتماع ذلك الكم مع تلك القسمة كما يعد الحركة إلى الحيز للسكون فيه وإن كان لا يمكن اجتماعهما والمعد لا يجب اجتماعه مع الأثر فالقابل للقسمة الانفكاكية هو المادة الباقية بعينها مع الانفكاك والانفصال دون المقدار الذي هو الكم المتصل ثم نقول إن القسمة الفكية إذا أريد بها زوال الاتصال الحقيقي فهي كما لا تعرض للكم المتصل لا تعرض للكم المنفصل أيضا لأن معروض الوحدات من حيث أنه معروض لها لا يكون متصلا واحدا في نفسه بل منفصلا بعضه عن بعض فلا يتصور هناك زوال اتصال حقيقي وإذا أريد بها زوال الاتصال بحسب المجاورة كانت عارضة لمعروض الوحدات بالذات لا للوحدات في أنفسها وإذا أريد بها عدم الاتصال مطلقا أعني الانفصال الذاتي فهي عارضة للوحدات بالذات فإنها في ذواتها منفصلة بعضها عن بعض وعارضة لمعروضات الوحدات بواسطتها الخاصة
الثانية وجود عاد فيه يعده إما بالفعل كما في العدد فإن كل عدد يوجد فيه الواحد بالفعل وهو عاد له وقد يعد بعض الأعداد بعضها أيضا وإما بالتوهم كما في المقدار فإن كل مقدار خطا كان أو سطحا أو جسما يمكن أن يفرض فيه واحد يعده كما يعد الأشل وهو حبل طوله ستون ذراعا بالأذرع ومعنى أنك العد إذا أسقطت منه أمثاله أي من المعدود أمثال العاد

فني المعدود وقد يفسر العد باستيعاب العاد للمعدود بالتطبيق لكنه مخصوص بالمقادير ولا يتناول العدد إذ لا معنى لتطبيق الوحدة على الوحدة الخاصة
الثالثة المساواة ومقابلاها أعني الزيادة والنقصان فإن العقل إذا لاحظ المقادير أو الأعداد ولم يلاحظ معها شيئا آخر أمكنه الحكم بينها بالمساواة أو الزيادة أو النقصان وإذا لاحظ شيئا آخر ولم يلاحظ معه عددا ولا مقدارا لم يمكنه الحكم بشيء منها فقبول هذه الأمور من خواص الكميات وأعراضها الذاتية وهو أي هذا المذكور الذي هو الخاصة الثالثة فرع الخاصة الأولى لأنه إذا فرض أجزاء في الكم فإما أن يوجد بإزاء كل جزء مفروض في ذلك الكم جزء مفروض في كم آخر أو أكثر أو أقل فيتصف حينئذ الكم الأول بالمساواة أو بالنقصان أو بالزيادة مقيسا إلى الكم الثاني ومنهم من عكس فجعل قبول القسمة فرعا لقبول المساواة واللامساواة وتوجيهه أن يقال إن الوهم إنما يقسم المقدار إذا لاحظ مقدارا آخر اصغر منه فيفرض فيه ما يساويه وهو شيء ويبقى الفضل وهو شيء آخر فقبول القسمة بمعنى فرض شيء غير شيء باعتبار مساواة بعض منه لما هو أصغر منه ولولا ذلك لم يكن قابلا لها ومجرد هذه المساواة كافية في القسمة المذكورة أو يقال إن كون المقدار ينفرض ينفرض فيه شيء غير شيء إنما هو لأجل عدم مساواة مجموعة من حيث هو لبعضه الذي يفرضه العقل أو لا شيئا إذ لولا ذلك لم يمكنه أن يفرض فيه شيئا فيفرض بعده شيئا آخر ومجرد هذه اللامساواة كافية في قبول القسمة الوهمية والظاهر

آن ما في الكتاب إنما هو من المساواة واللامساواة العددية وأن عكسه إنما هو في المساواة واللامساواة المقدارية
قال الإمام الرازي لا يمكن تعريف الكم بالمساواة والمفاوتة لأن المساواة لا تعرف إلا بأنها اتحاد في الكم فيلزم الدور وذكر في المباحث المشرقية أنه يمكن أن يجاب عنه بأن المساواة واللامساواة مما يدرك بالحس والكم لا يناله الحس مفردا بل إنما يناله مع المتكمم تناولا واحدا ثم إن العقل يجتهد في تمييز أحد المفهومين عن الآخر فلهذا يمكن تعريف ذلك المعقول بهذا المحسوس يعني وهذا المحسوس مستغن عن التعريف وإمكان أخذه في تعريفه لا يقتضي توقف معرفته عليه ولا يمكن أيضا تعريف الكم بقبول القسمة لأنه يختص بالمتصل منه قد عرفت وجه الاختصاص بالمتصل وعدم تناوله للمنفصل بالقيد الذي زيد في مفهوم القسمة الوهمية كما صرح به في المباحث وأشهير إليه في الملخص وعرفت أيضا أن الصواب عدم اعتبار ذلك القيد وأن القسمة الفرضية تتناول الكم بقسميه معا فيجوز تعريفه بقبول هذه القسمة وأما توجيه المصنف كلام الإمام بقوله كأنه أخذ القسمة الانفكاكية فليس بشيء إذ قد تبين آنفا أن الكم المتصل لا يقبل القسمة الانفكاكية وقد قرره الإمام في كتابيه تقريرا واضحا فكيف يتصور اختصاص قبول القسمة الانفكاكية بالكم المتصل واعلم أنه وقع في نسخة المتن التي بخط المصنف لفظة المنفصل فغيرها بخطه إلى المتصل لأنه الموافق لكلام الإمام في كتابيه فمنهم من لم ينتبه لذلك فبنى الكلام على النسخة الأولى فادعى أن القسمة الانفكاكية مختصة بالمنفصل فاستبصر أنت بما حققناه لك ولا تكن الخابطين بل يمكن تعريف الكم بوجود العاد فإنه الخاصة الشاملة للكم ولا تتوقف معرفتها

على معرفته ولذلك عرفه الفارابي وابن سينا بأنه الذي يمكن أن يوجد فيه شيء يكون واحدا عادا له سواء كان موجودا بالفعل أو بالقوة

المقصد الثاني في أقسامة
فإن كان بين أجزائه حد مشترك فهو الكم المتصل كالمقدار فإن أي جزء من الخط فرض فهو نهاية لجزء وبداية لجزء باعتبار ونهاية للجزئين باعتبار آخر وبداية لهما باعتبار ثالث فإن ذلك يختلف بحسب ما يبتدأ منه فرضا وتوضيحه أن الكم هو الذي يمكن لذاته أن يفرض فيه شيء غير شيء فالذي يمكن أن يفرض فيه أجزاء تتلاقى على حد واحد مشترك بين جزئين منها فهو المتصل والحد المشترك هو ذو وضع بين مقدارين يكون هو بعينه نهاية لأحدهما وبداية للآخر أو نهاية لهما أو بداية لهما على اختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات فإذا قسم خط إلى جزئين كان الحد المشترك بينها النقطة وإذا قسم السطح إليهما فالحد المشترك هو الخط وإذا قسم الجسم فالحد المشترك هو السطح والحدود المشتركة يجب

كونها مخالفة في النوع لما هي حدود له لأن الحد المشترك يجب كونه بحيث إذا ضم إلى أحد القسمين لم يزدد به أصلا وإذا فصل عنه لم ينقص شيئا ولولا ذلك لكان الحد المشترك جزءا آخر من المقدار المقسوم فيكون التقسيم إلى قسمين تقسيما إلى ثلاثة والتقسيم إلى ثلاثة أقسام تقسيما إلى خمسة وهكذا فالنقطة ليست جزءا من الخط بل هي عرض فيه وكذا الخط بالقياس إلى السطح والسطح بالقياس إلى الجسم ففي قوله فإن أي جزء من الخط فرض مسامحة ظاهرة فإن جزء المقدار لا يكون حدا مشتركا بين جزئين آخرين منه فجعل النقطة جزءا من الخط تجوز في العبارة وإلا أي وإن لم يكن بين أجزائه حد مشترك فالمنفصل كالعدد فإنك إن أشرت من العشرة إلى السادس مثلا انتهى إليه الستة وابتداء الأربعة الباقية من السابع لا منه أي من السادس فلم يكن ثمة أمر مشترك بينها يعني بين قسمي العشرة وهما الستة والأربعة كما كانت النقطة مشتركة بين قسمي الخط و الكم المتصل إما غير قار أي لا يجوز اجتماع أجزائه المفروضة في الوجود وهو الزمان فالآن مشترك بين قسمية الماضي والمستقبل على نحو اشتراك النقطة بين قسمي الخط فيكون الزمان من قبيل الكم المتصل وإما قار الذات أي يجوز اجتماع أجزائه المفروضة في الوجود وهو المقدار فإن انقسم المقدار في الجهات الثلاث فجسم تعليمي وهو أتم المقادير أو في جهتين فقط فسطح أو في جهة واحدة فقط فخط فهذه الأربعة أقسام للكم المتصل والكم المنفصل هو العدد لا غير وذلك لأن قوام المنفصل بالمتفرقات والمتفرقات هي المفردات والمفردات آحاد والواحد إما أن يؤخذ من حيث هو واحد من غير أن يلاحظ معه شيء آخر أو يؤخذ من حيث أنه واحد هو شيء معين فالآحاد المأخوذة على الوجه الأول وحدات مجتمعات بينهما انفصال ذاتي فيكون عددا مبلغه تلك الوحدات فهي كم بالذات والمأخوذة على الوجه الثاني أمور معروضة للوحدات منفصلة بانفصال الوحدات فهي كم بالعرض وإلى هذا المعنى أشار بقوله لأنه أي الكم المنفصل لا بد أن ينتهي إلى وحدات أي إلى

آحاد كما عرفت والوحدة إن كانت نفس ذاتها أي نفس ذات تلك الآحاد بأن تكون مأخوذة من حيث أنها آحاد فقط فهو أي المجتمع من تلك الآحاد الكثرة التي هي العدد وإن كانت الوحدة عارضة لها أي لتلك الآحاد بأن تكون مأخوذة من حيث أنها أشياء معينة موصوفة بالوحدات فهي كم بالعرض والكلام في الكم بالذات لأنه الذي عد مقولة من المقولات

المقصد الثالث
الأبعاد الثلاثة الجسمية تسمى الطول وهو الامتداد المفروض أولا والعرض وهو الامتداد المفروض ثانيا المقاطع للأول على زوايا قوائم والعمق وهو المفروض ثالثا المقاطع للأولين كذلك وإنها أي الطول والعرض والعمق تطلق على معان أخر سوى المعاني التي هي الأبعاد الثلاثة الجسمية فلا بد من الإشارة إليها أي إلى الأبعاد الجسمية والمعاني الأخر فإنه بين جميع ذلك ليحصل الأمن من الغلط الواقع بحسب اشتراك اللفظ وليتصور حقائقها أي حقائق معاني هذه الألفاظ الثلاثة التي هي الطول والعرض والعمق أما الطول فيقال للامتداد الواحد مطلقا من غير أن يعتبر معه قيد وبهذا المعنى قيل إن كل خط فهو في نفسه طويل أي هو في نفسه بعد وامتداد واحد ويقال للامتداد المفروض أولا وهو أحد الأبعاد الجسمية كما ذكرناه ويقال لأطول الامتدادين المتقاطعين في السطح وهذا هو المشهور فيما بين الجمهور وأما العرض فيقال للسطح وهو ما له امتدادان وبهذا المعنى قيل إن كل سطح فهو في نفسه عريض وللإمتداد المفروض ثانيا المقاطع للمفروض أولا على قوائم كما ذكرناه وهو ثاني الأبعاد الجسمية وللإمتداد الأقصر وأما العمق فيقال للامتداد

الثالث المقاطع لكل واحد من الأولين على زوايا قائمة وهو ثالث الأبعاد الجسمية كما مر ويقال للثخن وهو حشو ما بين السطوح أعني الجسم التعليمي الذي يحصره سطح واحد أو سطحان أو سطوح بلا قيد زائد وبهذا المعنى قيل إن كان جسم فهو في نفسه عميق ويقال للثخن النازل أي للثخن مقيدا باعتبار نزوله ويسمى حينئذ الثخن الصاعد أعني المقيد باعتبار صعوده سمكا وبهذا الاعتبار يقال عمق البئر وسمك المنارة ويقال الطول والعرض والعمق لمعان أخر سوى ما ذكر مثل ما يقال الطول للامتداد الآخذ من مركز العالم إلى محيطه وهو الرابع من معاني الطول ويقال الطول أيضا للامتداد الآخذ من رأس الانسان إلى قدمه ومن رأس ذوات الأربع إلى مؤخرها وهذا هو الخامس من معانيه ويقال العرض للآخذ من يمين الانسان أو ذوات الأربع إلى شماله وهو رابع معاني العرض ويقال العمق للآخذ من صدر الانسان إلى ظهره ومن ظهر ذوات الأربع إلى الأرض وهذا رابع معاني العمق واعلم أن هذه المعاني المذكورة للطول والعرض والعمق منها ما هي كميات صرفة كالطول بمعنى الامتداد الواحد الذي هو الخط والعرض بمعنى السطح والعمق بمعنى الشخن الذي هو الجسم التعليمي ومنها ما هي كميات مأخوذة مع إضافة إلى أمر آخر كالمفروض ثانيا أو أولا أو ثالثا فإن كون الامتداد مفروضا ثانيا إضافة له إلى المفروض أولا وبالعكس وكونه مفروضا ثالثا إضافة له إلى مجموع الأولين كما أن لمجموعهما أيضا إضافة إليه وقد يعتبر معه أي مع الكم إضافة ثالثة كالأطول فإنه أطول بالقياس إلى ما هو طويل مقيسا إلى قصير فههنا إضافتان الأطولية والطول المضايف للقصر لكنه عبر عن الأطولية بالإضافة الثالثة لأنها عارضة لأمر ثالث بين أمرين تحقق بينهما الطول أو لأنه نظر إلى أن القصر أيضا إضافة مقابلة للطول وفيه بعد لأن القصر ليس مأخوذا مع الأطول ولو عبر عنها

بالإضافة الثانية لكان أظهر أو إضافة رابعة كالأطول بالنسبة إلى الغير الأطول بالقياس إلى آخر فيكون هناك ثلاث إضافات أطوليتان وطول إضافي والأطولية الأولى عارضة لأمر رابع فجعلها إضافة رابعة على قياس ما مر وجعلها ثالثة أولى وفي المباحث المشرقية أن هذه الكميات إذا أخذت مضافة إلى شيء فقد تؤخذ تارة بحيث لا يكون من شرط إضافتها إلى ذلك الشيء إضافتها إلى شيء آخر وقد تؤخذ تارة أخرى بحيث يكون من شرط إضافتها إلى شيء إضافتها إلى شيء ثالث مثال الأول أن يقال هذا الخط طويل عندما يقال للخط الآخر أنه ليس بطويل أو يقال هذا السطح عريض عندما يقال لسطح آخر أنه ليس بعريض أو هذا الجسم كبير ثخين عندما يقال لجسم آخر أنه ليس كذلك ونظيره في الكم المنفصل أن يقال هذا العدد كثير بالقياس إلى آخر هو قليل مقيسا إليه ومثال الثاني الأطول والأعرض والأعمق والأكبر فإن الأطول أطول بالقياس إلى طويل وذلك الشيء طويل بالقياس إلى قصير وكذا القول في سائر الأقسام

المقصد الرابع
الكم إما بالذات وهو ما ذكرناه وبينا خواصه وأقسامه وإما بالعرض وهو أقسام أربعة
الأول محل الكم كالجسم إما بحسب المقدار الحال فيه وهو ظاهر وإما بحسب العدد إذا كان الجسم متعددا
الثاني الحال في الكم كالضوء القائم بالسطح

الثالث الحال في محل الكم كالسواد فإنه مع الكم المتصل الذي هو المقدار محلهما الجسم وإن اعتبرت تعدد الجسم كان السواد مع الكم المنفصل في محل واحد
الرابع متعلق الكم كما يقال هذه القوة متناهية أو غير متناهية باعتبار أثرها إما في الشدة أو المدة أو العدة وقد سبق تحقيق هذه المعاني مستوفاة فما وصفناه بخواص الكم مما ليس كما بالذات فلأحد هذه الوجوه الأربعة واعلم أنه قد يجتمع في بعض الأمور وجهان من هذه الأربعة كما في الحركة فإنها منطبقة على المسافة والانطباق يجري مجرى الحلول فكأن الحركة محل للمسافة التي هي الكم بالذات أو بالعكس فيعرضها التفاوت بالقلة والكثرة والقصر والطول وتعرضها المساواة والزيادة والنقصان فيقال مثلا هذه الحركة مساوية لتلك الحركة كل ذلك بتبعية المسافة ومنطبقة على الزمان أيضا فكأنها محل له أو بالعكس فيعرضها التفاوت بالسرعة والبطء بسببه قلة الزمان كثرته ويعرض لها أيضا المساواة والمفاوتة بسببه فهذا وجه من الوجوه الأربعة وجد في الحركة وتقوم الحركة بالجسم المتحرك الذي هو محل المقدار فتتجزى بتجزيه فهذا وجه آخر من تلك الوجوه وجد في الحركة أيضا فهي كم بالعرض من وجهين
أحدهما حلول لكم بالذات فيها أو عكسه
والثاني حلولها مع الكم بالذات في محل واحد
والكم المنفصل قد يعرض للمتصل القار وغير القار كما إذا قسمنا الأزمان بالساعات أو الأشك بالأذرع فيتعدد أجزاء الكم المتصل ولا بأس بعروض نوع من مقولة لنوع آخر منها كما في الإضافات وقد يكون الشيء

كما متصلا بالذات وكما متصلا بالعرض كالزمان فإنه كم متصل بالذات لما مر من أن أجزاءه تتلاقى على حد مشترك هو الآن ومنطبق على الحركة المنطبقة على المسافة فيكون منطبقا بواسطة الحركة على المسافة التي هي كم بالذات فيكون كما متصلا بالعرض فقد اجتمع في الزمان الاتصال بالذات والانفصال بالذات والاتصال بالعرض والانفصال بالعرض

المقصد الخامس
أن المتكلمين أنكروا العدد الذي هو الكم المنفصل خلافا للحكماء لمسلكين
أحدهما أنه أي العدد الذي هو الكثرة مركب من الوحدات والوحدة ليست وجودية وعدم الجزء يستلزم عدم الكل ضرورة فالعدد المركب من الوحدات العدمية يكون عدميا قطعا بيان أن الوحدة لا توجد في الخارج أمران
الأول لو وجدت الوحدة فلها وحدة لأن كل موجود موصوف بأنه واحد ولزم التسلسل في الوحدات المترتبة الموجودة معا
قالوا أي الحكماء في الجواب وحدة الوحدة نفس الوحدة على قياس ما قيل في وجود الوجود وقد مر هذا النوع من الاستدلال مع جوابه فيما سبق
الثاني أن الواحد قد يقبل القسمة كالجسم الواحد وانقسام المحل يوجب انقسام ما حل فيه لأنه إن كان الحال الذي هو الوحدة مثلا في جزء منه كان ذلك الجزء من المحل هو الواحد لأن الوحدة قائمة به دون

الكل والمقدر خلافه وإن لم يكن الحال في شيء من أجزائه لم يكن بالضرورة صفة له أي للمحل الذي فرضناه موصوفا به وهذا أيضا باطل وإن كان الحال في كل جزء من المحل فإما بالتمام فيقوم الواحد الشخصي بالكثير وقد عرفت بطلانه بديهة أو لا بالتمام فيكون جزء منه قائما بجزء وجزء بآخر وهو المراد بالانقسام يعني انقسام الحال بحسب انقسام المحل وقد اعترض على هذا الاستدلال بأنه يجوز أن يقوم الحال بمجموع المحل المنقسم من حيث هو مجموع ويكون صفة له وإن لم ينقسم بانقسامه ومثل ذلك يسمى حلولا غير سرياني فأشار إليه وإلى جوابه بقوله وقول من قال هذا الذي ذكرتموه إنما يصح فيما يكون الحلول في المحل المنقسم حلول السريان فيه إذ بدونه لا يلزم انقسام الحال بانقسام محله ولا طائل له أي لا فائدة فيه لأنا برهنا على أن كل جزء من المحل المنقسم الذي حل فيه صفة متصف بجزء منها ولا معنى للسريان إلا ذلك وفيه بحث لأن حاصل ذلك الاعتراض أنا لا نسلم أنه إذا لم يكن الحال ولا شيء منه في جزء من أجزاء المحل لم يكن صفة له ودعوى الضرورة غير مسموعة لجواز أن يكون حالا في المجموع من حيث هو ولا يكون حالا في شيء من أجزائه كالنقطة في الخط والإضافة في محلها عند القائل بوجودهما هذا وإذا ثبت أن الحال في المحل المنقسم يجب أن يكون منقسما بحسبه فإذا كانت الوحدة وجودية لزم انقسامها

بانقسام الجسم الذي حلت فيه وأنه أعني أنقسام الوحدة ضروري البطلان فوجب أن تكون الوحدة أمرا اعتباريا فإن قلت الوحدة التي هي صفة للجسم بحسب نفس الأمر إن كانت وجودية وجب انقسامها بحسب الخارج وإن كانت اعتبارية وجب انقسامها بحسب التوهم وكلاهما محال
قلت إن العقل يعتبر المجموع من حيث الإجمال فيعتبر له عدم الانقسام أعني الوحدة فلا يلزم انقسامها أصلا لأن محلها ملحوظ من حيثية لا مجل فيها للانقسام ولا يمكن اعتبار الحيثيات العقلية في الأمور الخارجية
وثانيهما أي ثاني المسلكين أن يدل ابتداء أي من غير استعانة بعدمية الوحدة على أن الكثرة عدمية وإلا وإن لم تكن عدمية بل وجودية فإن قامت والأظهر أن يقال وإلا قامت أي الكثرة بالكثير إذ لا يتصور قيامها بذاتها ولا بغير الكثير وحينئذ فإما أن تقوم بالكثير من حيث هو كثير فيلزم قيام الواحد الشخصي بالكثير فإن قام ذلك الواحد بتمامه بكل واحد من الكثير كان مما علم بطلانه بالبديهة مع استلزامه ههنا محالا آخر فإن الإثنينية مثلا لو قامت بكل واحد من الواحدين كان الواحد اثنين وإن قام بالكثير على سبيل التوزيع بأن يقوم شيء من الإثنينية بهذا وشيء آخر بذاك لم تكن الإثنينية صفة واحدة وحدة شخصية كما ادعيتموه أو تقوم بالكثير من حيث عرض له أمر صار به واحدا فننقل الكلام إليه أي إلى ذلك الأمر الذي صار به الكثير شيئا واحدا صالحا لأن يحل فيه واحد شخصي فنقول ذلك الأمر إما أن يحل في الكثير من حيث هو كثير وأنه باطل أو من حيث عرض له ما به صار واحدا ويلزم التسلسل فوجب أن تكون الكثرة التي هي العدد أمرا اعتباريا وهو المطلوب واعلم أن الواحد كما علمته يقال بالتشكيك على معان كالواحد بالاتصال والاجتماع ووحدته أمر وجودي بالضرورة لأنا نشاهد اتصال الأجسام واجتماعها وقد يقال إن

المشاهد هو المتصل والمجتمع وليسا نفس الوحدة وأما الاتصال والاجتماع فلا نسلم كونهما موجودين فضلا عن أن يكونا مشاهدين وشهادة الحس باتصاف الجسم بهما لا تدل على مشاهدتهما كما في الاتصاف بالعمى هذا إن جعل الوحدة نفس الاتصال والاجتماع وإن جعلت كما هو الحق عبارة عن عدم الانقسام العارض للمتصل والمجتمع باعتبار الاتصال والاجتماع كانت أمرا اعتباريا كما صرح به في قوله وككونه لا ينقسم إذ ليس له كم يفرض فيه شيء غير شيء وأنه اعتباري لأن العدم مأخوذ فيه والكثرة ليست إلا مجموع الوحدات فهي تتبعها في الوجود فإن كانت الوحدات موجودة كالوحدات الاتصالية والاجتماعية كانت الكثرة المركبة منها موجودة أيضا إذ ليس لها جزء سوى تلك الوحدات الموجودة وإن كانت الوحدات أمورا معدومة كالوحدات بمعنى الانقسامات كانت الكثرة المركبة منها معدومة أيضا وحينئذ لا يصح أن يقال إن كل عدد موجود ولا أنه لا شي من العدد بموجود بل الحق هو التفصيل وفيه بحث لأنه مبني على أن الاتصال والاجتماع نفس الوحدة مع كونهما وجوديين والصواب أنهما سببان لعروض الوحدة الاعتبارية كما أشرنا إليه ثم إن ههنا معارضة دالة على أن الكثرة موجودة وهي أن يقال إن العدد أمر واحد قائم بالمعدودات الموجودة
قال ابن سينا إن العدد له وجود في الأشياء ووجود في النفس ولا اعتداد بقول من قال لا وجود له إلا في النفس نعم لو قال لا وجود له مجردا عن المعدودات التي هي في الأعيان إلا في النفس لكان حقا فإنه لا

عنها قائما بنفسه وإما أن في الموجودات أعدادا فذلك أمر لا شك فيه ولما ثبت وجود العدد ثبت وجود الوحدة المقومة له فأشار المصنف رحمه الله إلى دفع هذه المعارضة بقوله وأما أن أمرا واحدا يقوم بالمجموع الذي هو المعدودات فإن تخيل لم يكن ذلك الأمر واحدا موجودا بل كان اعتباريا ضرورة أن الاثنين لا يقوم بهما أمر موجود واحد بالهوية وإن شئت زيادة استيقان لما ذكرناه فاستبصر بموجود في الخارج ومعدوم فيه فإنهما اثنان أي الإثنينية قائمة بهما وحينئذ فلا يتصور كونها أمرا موجودا فضلا عن كونها واحدة بالهوية أو استبصر بشخص موجود وفي الشرق وبشخص آخر موجود في المغرب فإنهما أيضا اثنان أي معروضان للإثنينية ويعلم بالضرورة أنه لم يقم بهما معنى واحد بالهوية وإن أمكن أن يقوم بهذين الإثنين الموجودين معنى موجود فيه تعدد بخلاف الإثنين الأولين إذ لا يمكن أن يقوم بهما أمر موجود أصلا كما ذكرناه بل ذلك الأمر القائم بالمعدودات مجرد فرض واعتبار أي أمر فرضي واعتباري وإن كانت المعدودات الخارجية متصفة به فإن اتصاف الموجودات العينية بالأمور الاعتبارية جائزة وبهذا تنحل الشبهة وتنحسم مادتها فإن الأعيان متصفة بالعدد بلا شك وإما أن العدد العارض لها موجود خارجي فليس مما لا شك فيه وكذا الحال في الوحدة العارضة للموجود العيني

المقصد السادس
أنهم أي المتكلمين أنكروا المقدار كما أنكروا العدد بناء على أن تركب الجسم عندهم من الجزء الذي لا يتجزأ كما سيأتي فإنه لاتصال بين الأجزاء التي تركب الجسم منها عندهم بل هي منفصلة بالحقيقة إلا

أنه لا يحس بانفصالها لصغر المفاصل التي تماست الأجزاء عليها وإذا كان الأمر كذلك فكيف يسلم عندهم أن ثمة أي في الجسم اتصالا أي أمرا متصلا في حد ذاته ذو عرض حال في الجسم وإن الأجزاء التي تفرض في الجسم بينها حد مشترك كما في المقادير ومحالها بل إذا كان الجسم مركبا من أجزاء لا تتجزى لم يثبت وجود شيء من المقادير إذ ليس هناك إلا الجواهر الفردة فإذا انتظمت في سمت واحد حصل منها أمر منقسم في جهة واحدة يسميه بعضهم خطا جوهريا وإذا انتظمت في سمتين حصل أمر منقسم في جهتين وقد يسمى سطحا جوهريا وإذا انتظمت في الجهات الثلاث حصل ما يسمى جسما اتفاقا فالخط جزء من السطح والسطح جزء من الجسم فليس لنا إلا الجسم وأجزاؤه وكلها من قبيل الجواهر فلا وجود لمقدار هو عرض إما خط أو سطح أو جسم تعليمي كما زعمت الفلاسفة ثم أنه شرع في الإشارة إلى الخواص الثلاث المذكورة للكمية وأنها كيف تتصور في الجسم على تقدير تركبه من الجواهر الأفراد فقال والتفاوت بين الأجسام في الصغر والكبر والزيادة والنقصان راجع إلى قلة الأجزاء وكثرتها فما هو أقل أجزاء يكون أصغر حجما وأنقص وقد يقع التفاوت بسبب شدة اتصال الأجزاء وثبوت فرج فيما بينها فقد جاز أن يوصف الجسم بالمساواة واللامساواة من غير أن تقوم به كمية اتصالية تسمى مقدارا والقسمة الفرضية العارضة للجسم على ذلك التقدير معناها فرض جوهر دون جوهر فإن كل واحد منهما شيء مغاير للآخر فقد صح على الجسم ورود القسمة بدون كمية اتصالية قائمة به ولا عاد له غير الأجزاء

أي يجوز أن يعد الجسم بكل واحد من الجواهر الفردة التي هي أجزاؤه وليس هناك شيء آخر يعد به أصلا اللهم إلا بالوهم فإنه قد يتوهم أن حجم الجسم المتصل واحد في نفسه ويفرض فيه بعض من ذلك المتصل بحيث يعده فيتخيل أن هناك مقدارا هو كم متصل يمكن أن يفرض فيه واحد عاد وحكمه مردود لأنه نشأ من عدم الإحساس بالمفاصل والانفصال لعجز الحس عن إدراك تفاصيل الأمور الصغيرة جدا فقد صح العد في الجسم بلا كمية اتصالية وبما ذكرناه انكشف أنه لا يمكن الاستدلال بثبوت شيء من هذه الأمور الثلاثة في الجسم على وجود مقدار قائم به واحتج الحكماء في إثباته بوجهين
الأول أن الجسم الواحد كالشمعة مثلا تتوارد عليه مقادير مختلفة فتارة يجعل طوله شبرا وعرضه ذراعا وتارة بالعكس وتارة مدورا وتارة مكعبا وهو ما يحيط به سطوح ستة هي مربعات متساوية وحينئذ فقد توارد عليه مقادير مختلفة مع بقاء جسميته المخصوصة مالم يطرأ عليه انفصال وتلك المقادير المختلفة كميات سارية فيه ممتدة في الجهات الثلاث وهي الجسم التعليمي لا يقال لا يتغير المقدار فيما ذكرتم من المثال بل يختلف الأشكال واختلافه لا يستلزم اختلاف المقدار إذ المساحة واحدة في جميع هذه الصور المتبدلة لأنا نقول المساحة واحدة بالقوة أي مضروب أحدهما كمضروب الآخر وأما بالفعل فالاختلاف في المقدار ظاهر لأن ذلك الجسم له مع التدوير كمية مخصوصة ممتدة في الجهات ومع التكعيب كمية آخرى ممتدة فيها على وجه آخر فالمقادير المتواردة مختلفة بالفعل وإن كانت متحدة بالقوة من حيث أن المساحة الحاصلة منها بطريق الضرب واحدة وهذا الاتحاد لا يقدح في إثبات ما هو المطلوب وأيضا فالماءان إذا اتصلا فقد بطل السطح المتعدد الذي كان لهما

وحدث سطح آخر هو واحد والشيء الواحد كالماء في كوز إذا قطع بأن صب مثلا في كوزين زال عنه سطحه الواحد وحصل فيه سطحان بعد العدم وكل ذلك الذي ذكرناه من زوال مقدار جسمي إلى مقدار آخر ومن زوال سطحين وحدوث سطح واحد ومن زوال سطح واحد وحدوث سطحين يعطي الوجود أي وجود المقدار الذي هو الجسم التعليمي والسطح لأن الزائل والمتجدد المذكورين ليسا محض العدم بل هما موجودان زال أحدهما وحدث الآخر و يعطي التبدل أي توارد المقادير الجسمية والسطحية على سبيل البدل وبه أي بهذا التبدل تبين أنه أعني المقدار لا يكون نفس الأجزاء بل أمرا زائدا لأنها حاصلة في الحالتين غير متبدلة بخلاف الجسم التعليمي والسطح ولما ثبت السطح مع كونه متناهيا في الوضع ثبت الخط الذي هو طرفه كما أنه إذا ثبت تناهي الجسم فقد ثبت السطح أيضا
والجواب عما ذكر في إثبات المقدار الجسمي والسطحي أنه فرع نفي الجزء الذي لا يتجزأ وأما من قال له ويتركب الجسم منه فإنه لا يسلم حدوث شيء لم يكن وعدم شيء كان بل يقول فيما ذكرتم من توارد المقادير المختلفة على جسم واحد ما كان من الأجزاء في الطول انتقل إلى العرض وبالعكس فليس هناك توارد مقادير مختلفة بل انتقال الأجزاء من جهة إلى جهة وتبدل أوضاعها وبذلك يختلف أشكال الجسم ويقول فيما ذكرتم في إثبات السطح ليس هناك إلا اتصال أجزاء جسم بأجزاء جسم آخر أو انفصال أجزاء جسم واحد بعضها عن بعض فلا يثبت على رأيه وجود مقدار أصلا
الوجه الثاني الجسم يتخلخل تخلخلا حقيقيا وهو أن يزداد حجمه من غير انضمام شيء آخر إليه ومن غير أن يقع بين أجزائه خلاء

كالماء إذا سخن تسخينا شديدا ويتكاثف تكاثفا حقيقيا وهو أن ينتقص حجمه من غير أن يزول عنه شيء من أجزائه أو يزول خلاء كان فيما بينها وجوهريته أي حقيقيته المخصوصة وهويته المعينة باقية محفوظة في الحالين كما سيأتي والمتغير القابل للصغر والكبر زائد على جوهريته المحفوظة الباقية إذ لو كان عينها أو جزءا لها لتغيرت بتغيره ووجوده ضرورة لما عرفت من أن المتبدل الزائل والمتجدد لا يكون عدما محضا فثبت وجود المقدار الجسمي الذي ينتهي بالسطح المنتهي بالخط فتكون كلها موجودة
والجواب منعه أي منع قبول الجسم للتخلخل والتكاثف الحقيقيين فإنه أيضا فرع وجود الهيولى وقبولها للمقادير المختلفة وإثباتها فرع نفي الجزء الذي لا يتجزأ كما ستطلع عليه إن شاء الله تعالى

المقصد السابع
أنهم أعني المتكلمين كما أنكروا العدد والمقدار الذي هو الكم المتصل القار أنكروا أيضا الزمان الذي هو الكم المتصل غير القار لوجهين
الأول أن الزمان على تقدير كونه موجودا أمسه مقدم على يومه إذ لا يجوز أن يكون الزمان قار الذات وإلا لكان الحادث في زمان الطوفان حادثا اليوم وبالعكس وهو باطل بالضرورة بل يجب أن تكون أجزاؤه ممتنعة الاجتماع وليس تقدم أمسه على يومه تقدما بالعلية والذات أي الطبع والشرف والرتبة لأن المتقدم بهذه الوجوه بجامع المتأخر في الوجود وليس الأمس مما يمكن اجتماعه مع اليوم وأيضا أجزاء الزمان متساوية في الحقيقة فلا يكون احتياج بعضها إلى بعض أولى من عكسه فلا يتصور

بينهما تقدم بالعلية ولا بالذات وهي في أنفسها متساوية في الشرف فلا تقدم بحسبه ولا بحسب الرتبة لأن التقدم الرتبي يتبدل بالاعتبار وتقدم الأمس على اليوم لازم لا يتبدل فهو بالزمان لانحصاره عندكم أيها الحكماء في خمسة فإذا انتفى أربعة منها تعين الخامس فيكون للزمان زمان لأن معنى التقدم الزماني أن المتقدم في زمان سابق والمتأخر في زمان لاحق فيكون الأمس في زمان متقدم واليوم في زمان متأخر عنه والكلام في ذلك الزمان وتقدم بعض أجزائه على بعض ويلزم التسلسل في الأزمنة الموجودة معا أي يلزم أن يكون هناك أزمنة غير متناهية منطبق بعضها على بعض وأنه محال في نفسه بالضرورة ومع ذلك أي ومع كونه محالا يستلزم محالا آخر وهو أن يقال فمجموع تلك الأزمنة التي تتناهى وينطبق بعضها على بعض يكون أمسها مقدما على يومها تقدما بالزمان لامتناع اجتماع فيكون أمس المجموع واقعا في زمان ويومه واقعا في زمان آخر فزمان المجموع ظرف له لوقوعه فيه فيكون ذلك الزمان داخلا في المجموع لأنه زمان من الأزمنة المتطابقة وإلا إن لم يكن داخلا فيه لم يكن المجموع الذي فرضناه مجموعا لخروج بعض الآحاد عنه حينئذ و يكون خارجا أيضا عن المجموع لأن ظرف الشيء لا يكون جزءه وأنه أي كونه داخلا وخارجا معا بالقياس إلى المجموع محال
وأجيب عن هذا الوجه بأن تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض وإن كان تقدما بالزمان لكنه ليس تقدما بزمان آخر فإن التقدم الزماني لا يقتضي أن يكون كل من المتقدم والمتأخر في زمان مغاير له بل يقتضي أن يكون السابق قبل المتأخر قبلية لا يجامع فيها القبل مع البعد فإن هذه القبلية لا توجد بدون الزمان فإن لم يكن المتقدم والمتأخر في هذه القبلية من أجزاء الزمان فلا بد أن يكونا واقعين في زمانين أحدهما متقدم على

الآخر وإن كانا من أجزاء الزمان لم يكن التقدم هناك بزمان زائد على السابق بل بزمان هو نفس السابق لأن القبلية المذكورة عارضة لأجزاء الزمان بالذات ولما عداها بتوسطها وإلى هذا أشار بقوله فالتقدم عارض لها أي لأجزاء الزمان وبالذات ولغيرها بواسطتها إذ لا يكون كل تقدم عارض لشيء لتقدم آخر عارض لشيء آخر وإلا تسلسل وكان مع تقدم الأب على الابن مثلا تقدمات غير متناهية عارضة لمتقدمات غير متناهية وهو باطل قطعا فلا بد من الانتهاء إلى ما تقدمه بالذات وهو الذي تسميه الزمان فإن ماهيته كما ستعرفها اتصال التصرم والتجدد أعني عدم الاستقرار فإذا فرض فيها أجزاء عرض لها التقدم والتأخر المذكوران لذاتها ولا يحتاج في عروضهما لها إلى أمر سواها بخلاف ما عداها فإنه محتاج في عروضهما له إلى أجزاء الزمان ولذلك ينقطع السؤال وجه التقدم إذا انتهى إلى أجزاء الزمان كما مرت إليه الإشارة
وقد أجيب عنه أيضا بأن تقدم الأمس على اليوم رتبي ألا ترى أنه ابتدىء من الماضي كان الأمس مقدما وإذا ابتدىء في المستقبل كان مؤخرا
الوجه الثاني الزمان الحاضر موجود يعني أنه على تقدير وجود الزمان يجب أن يكون الزمان الحاضر موجودا وإلا لم يكن الزمان موجودا أصلا لأنه أي الزمان منحصر في الحاضر والماضي والمستقبل والماضي ما كان حاضرا وصار منقضيا والمستقبل ما سيصير حاضرا وهو الآن المترقب وإذا كان لا حاضر موجودا ولا ماضي ولا مستقبل موجودين فلا وجود للزمان أصلا وهو خلاف المفروض وأنه أي الزمان الحاضر الموجود غير منقسم وإلا فأجزاؤه إما معا فيلزم اجتماع أجزاء الزمان والضرورة قاضية ببطلانه إذ لو جاز اجتماع أجزائه لجاز أن يكون الحادث في الزمان السابق حادثا لليوم وإما مترتبة فيتقدم بعض أجزاء

الحاضر على بعضه فلا يكون الحاضر كله حاضرا بل بعضه هذا خلف وأيضا ننقل الكلام إلى ذلك البعض الحاضر فيجب الانتهاء إلى حاضر غير منقسم لامتناع انقسامه إلى ما لا يتناهى وإذا كان الزمان الحاضر غير منقسم فكذا الكلام في الجزء الثاني الذي سيحضر عقيب هذا الحاضر والجزء الثالث الذي يحضر عقيب الثاني إذ ما من جزء من أجزاء الزمان ماضيا كان أو مستقبلا إلا وهو حاضر حينا ما وقد عرفت أن الحاضر غير منقسم فتكون أجزاء الزمان غير منقسمة وهي المسماة بالآنات فيتركب الزمان من آنات متتالية والمفروض أنه أي الزمان موجود فتكون الحركة مركبة من أجزاء لا تتجزأ لأنه أعني الزمان من عوارضها وينطبق عليها وكذلك الجسم الذي هو المسافة يكون مركبا من أجزاء لا تتجزأ لأنها أي الحركة من عوارضه أي منطبقة عليه وبالجملة فالزمان والحركة والمسافة أمور متطابقة بحيث إذ فرض في أحدها جزء يفرض بإزائه من كل واحد من الآخرين جزء فإذا تركب أحدهما من أجزاء لا تتجزأ كان الآخر كذلك فظهر أنه لو كان الزمان موجودا لكان الزمان الحاضر موجودا ولو كان الزمان الحاضر موجودا لكان الجسم مركبا من أجزاء لا تتجزأ وأنتم لا تقولون به أي بتركب الجسم من الأجزاء التي لا تتجزأ فيتم الاستدلال عليكم الزاما أو نبطله يعني تركب الجسم من تلك الأجزاء بدليله الدال على امتناع تركبه منها فيتم الاستدلال برهانا ولما كان حاصل الوجه الثاني أنه لو وجد الزمان فإما أن يوجد في الحاضر أو في الماضي أو في المستقبل والكل باطل أجاب عنه ابن سينا بأن قال لم قلتم أنه لو وجد الزمان فإما في الآن أي الحاضر أو في الماضي أو في المستقبل فإن كلا منها أخص من الموجود المطلق ولا يلزم من كذب الأخص وانتفائه كذب الأعم وانتفاؤه وهو مشكل لأن وجود

الشيء مع أنه لا يوجد في الحال ولا في الماضي ولا في المستقبل متعذر بل هو غير متصور وقدا ناقض ابن سينا نفسه حيث قال في جواب استدلالنا ببرهان التطبيق على امتناع وجود الحوادث المتعاقبة إلى غير النهاية جميع الحركات الماضية التي لا تتناهى لا توجد أصلا حتى يتصور فيها التطبيق وتتصف بالزيادة والنقصان وإلا ففي الماضي أو الحال أو المستقبل والكل باطل فقد حكم هناك بأن ما لا يوجد في شيء من الأزمنة الثلاثة لم يكن موجودا قطعا ومنعه ههنا أنه تناقض صريح
فإن قلت لا مناقضة فإن ما ليس بزمان كالحركة مثلا ويسمى زمانيا إذا لم يوجد في شيء من الأزمنة لم يكن موجودا بخلاف الزمان كالماضي مثلا فإنه عندنا موجود في حد نفسه وإن لم يكن موجودا في الحال ولا في الاستقبال وهو ظاهر ولا في الماضي لاستحالة كون الشيء ظرفا لنفسه وتوضيحه أن المكان موجود في نفسه وإن لم يوجد في شيء من الأمكنة بخلاف المكاني فإنه إذا لم يوجد في مكان لم يكن موجودا
قلت هذه منازعة لفظية إذ المقصود أنه لو كان الزمان موجودا لكان ذلك الزمان إما نفس الماضي أو الحال أو المستقبل والكل باطل لما عرفته قوله لا يلزم من كذب الأخص كذب الأعم قلنا إذا انحصر الأعم في عدة أمور كل منها أخص منه ولم يوجد شيء منها أي من تلك الأمور لم يوجد الأعم قطعا فإن العام لا وجود له في الخارج إلا في ضمن الخاص بالضرورة والإمام الرازي بعد تزييفه جواب ابن سينا نقضه أي نقض الوجه الثاني الدال على عدم الزمان بالحركة نفسها إذ الدليل قائم فيها لأن الحركة كالزمان منحصرة في أقسام ثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل والماضي منها ما كان حاضرا والمستقبل ما سيحضر فلو لم يكن للحركة الحاضرة وجود لم تكن الحركة موجودة ولا شك أن

الحاضرة منها غير منقسمة لأنها غير قارة فيلزم تركب الحركة من أجزاء لا تتجزأ وتركب المسافة منها وهو باطل بالدليل الدال على نفي الجزء فوجب أن لا تكون الحركة موجودة ولكن وجودها ضروري يشهد به الحس فانتقض دليلكم والجواب عن هذا النقض أن الحركة كما سيأتي تطلق بالاشتراك اللفظي تارة بمعنى القطع وهو الأمر المتصل الذي يعقل للمتحرك فيما بين المبدأ والمنتهى ولا وجود لها بهذا المعنى لأن المتحرك ما لم يصل إلى المنتهى لم يكن ذلك الأمر المتصل الممتد من المبدأ إلى المنتهى موجودا وإذا وصل إليه فقد بطل ذلك المتصل المعقول فلا يتصور له وجود في الأعيان بل الحركة بمعنى القطع إنما ترتسم في الخيال كما ستطلع عليه وتطلق أخرى بمعنى الحصول في الوسط وهو حالة منافية للاستقرار يكون بها الجسم أبدا متوسطا بين المبدأ والمنتهى ولا يكون في حيز واحد آنان والحركة بهذا المعنى مستمرة من أول المسافة إلى آخرها وليست منطبقة عليها بل هي موجودة في كل حد من الحدود المفروضة على المسافة لكنها باستمرارها وعدم استقرار نسبتها إلى حدود المسافة تقتضي ارتسام ذلك الأمر المنطبق عليها في الخيال فظهر أن لا نقض بالحركة بالمعنى الأول إذ لا وجود لها في الأعيان كالزمان ولا بالمعنى الثاني لأنها وإن كانت موجودة إلا أنها غير منطبقة على المسافة فلا يلزم من عدم انقسامها عدم انقسام المسافة ولا أن يكون جزء من أجزائها غير المنقسم بل يلزم أن يكون في المسافة حدود مفروضة غير منقسمة في جهة امتداد الحركة ولا يمكن أن يبطل أصل الدليل بأن يقال مثل ذلك الجواب في الزمان أي لا يجوز أن يقال إن الزمان أيضا أمر مستمر كالحركة بمعنى التوسط فإن زمان الطوفان لا يوجد الآن ضرورة ولو كان الزمان أمرا مستمرا لوجب أن

تكون الأزمنة كلها واحدة حقيقة وهو باطل بديهة وفيه نظر إذ المذكور في المباحث المشرقية أن الزمان كالحركة له معنيان
أحدهما أمر موجود في الخارج غير منقسم وهو مطابق للحركة بمعنى الكون في الوسط
والثاني أمر متوهم لا وجود له في الخارج فإنه كما أن الحركة بمعنى التوسط تفعل الحركة بمعنى القطع كذلك هذا الأمر الذي هو مطابق لها وغير منقسم مثلها يفعل بسيلانه أمرا ممتدا وهميا هو مقدار للحركة الوهمية قال فهذا الذي أثبتنا له الوجود في الخارج من الزمان هو الذي يسمى بالآن السيال فقد تحقق من كلامه أنه لا فرق بين الحركة والزمان في أن الموجود منها أمر لا ينقسم ولا ينطبق على المسافة حتى يلزم تركبهما من أجزاء لا تتجزأ فكما أنه ليس يلزم من استمرار الحركة السيالة التي لا تنقسم أن تجتمع الأجزاء المفروضة في الحركة الممتدة بعضها مع بعض كذلك لا يلزم من استمرار الزمان الذي لا ينقسم أعني مقدار الحركة الغير منقسمة أن تجتمع الأجزاء المفروضة في الزمان المنقسم الذي هو مقدار الحركة المنقسمة فمن أين يلزم أن يوجد زمان الطوفان في الآن ولو وجب ذلك لوجب أن توجد الحركة في أول المسافة مع الحركة في آخرها ثم إن ههنا بحثا آخر وهو أن الزمان عند الحكماء إما ماض وإما مستقبل فليس عندهم زمان هو حاضر بل الحاضر هو الآن الموهوم الذي هو حد مشترك بينهما بمنزلة النقطة المفروضة على الخط وليس جزءا من الزمان أصلا لما عرفت من أن الحدود المشتركة بين أجزاء الكم المتصل مخالفة لها في الحقيقة فلا يصح حينئذ أن الزمان الماضي ما كان حاضرا والمستقبل ما سيحضر فكما أنه لا يمكن أن يفرض في خط واحد نقطتان متلاقيتان بحيث لا تنطبق إحداهما على الأخرى فكذلك لا يمكن أن يفرض في الزمان آنان

متلاقيان كذلك فلا يكون الزمان مركبا من آنات متتالية ولا الحركة مركبة من أجزاء لا تتجزأ فيندفع حينئذ الوجه الثاني بالكلية
احتج الحكماء على وجود الزمان بوجهين
الأول أنا نفرض حركة في مسافة معينة على مقدار من السرعة ونفرض حركة أخرى مثلها في السرعة فإن ابتدأتا معا وانقطعتا معا قطعتا تلك المسافة المعينة معا فبين ابتداء حركة السريع الأول وانتهائها إمكان أي أمر ممتد يسع قطع تلك المسافة المخصوصة بتلك السرعة المعينة ألا ترى أن السريع الثاني لما شاركه في ذلك الإمكان وتلك السرعة قطع أيضا مقدار تلك المسافة ولو فرض ألف حركة على هذه الحالة وجب تساويها في مقدار المسافة ولا يجوز تفاوتها في ذلك أصلا وإن ابتدأت إحداهما قبل أي قبل الأخرى وانقطعتا معا أو انقطعت إحداهما قبل وابتدأتا معا قطعت الحركة المتأخرة في الابتداء على التقدير الأول والحركة المتقدمة في الانقطاع الثاني مسافة أقل من مسافة صاحبتها فبين ابتداء الحركة المتأخرة في الابتداء وبين انتهائها إمكان يسع قطع مسافة أقل بتلك السرعة المعينة وهذا الإمكان أقل من الإمكان الأول بل جزء منه متأخر عن الجزء الآخر وكذا بين ابتداء الحركة المتقدمة في الانقطاع وبين انتهائها إمكان يسع قطع مسافة أقل بتلك السرعة المخصوصة وهذا الإمكان أيضا أقل من الإمكان الأول بل جزء منه متقدم على الجزء الآخر وإن اختلفتا في السرعة والبطء واتحدتا في الأخذ والقطع قطعت الحركة السريعة مسافة أكثر من مسافة البطيئة فبين ابتداء هاتين الحركتين وانتهائهما إمكان يسع قطع مسافة أقل ببطء معين ويسع قطع مسافة أكثر بسرعة معينة فإذن هذه الأمور الممتدة التي تسع قطع تلك المسافات إمكانات أي امتدادات تقبل التفاوت بحيث يكون إمكان جزء لإمكان آخر كما تبين وما كان قابلا للزيادة والنقصان والتجزئة فهو موجود لأن العدم الصرف لا يكون قابلا لها بالضرورة وتلخيصه أي تلخيص هذا الوجه وتوضيحه أن الحركة يلحقها تفاوت بالزيادة والنقصان ليس ذلك التفاوت بالمسافة لحصوله

أي حصول ذلك التفاوت مع اتحاد المسافة كما إذا قطع سريع وبطيء مسافة واحدة فإن حركتيهما متفاوتتان في أمر ممتد قطعا مع تساويهما في المسافة وهذا أعني تساوي المسافة مع ذلك التفاوت ليس مذكورا في الصور المفروضة المتقدمة وانتفائه أي انتفاء ذلك التفاوت مع تفاوت المسافة كما في السريعة والبطيئة المفروضتين آخر وليس ذلك التفاوت أيضا عائدا إلى السرعة والبطء لاتحاده أي اتحاد ذلك الأمر الممتد الذي قد يقع به التفاوت مع الاختلاف في السرعة والبطء كما في هذه الصورة المذكورة أيضا أعني السريعة والبطيئة المفروضتين آخرا ولاختلافه أي اختلاف ذلك الأمر مع الاتحاد في السرعة والبطء كما في الحركتين اللتين فرضتا متساويتين في السرعة ومختلفتين في الابتداء والانقطاع ففي الحركة شيء يقبل التفاوت بالزيادة والنقصان ولا بد من الانتهاء إلى ما يقبله لذاته وهو الكم لما مر من أن قبول المساواة والمفاوتة من خواص الكم بالذات وأن ما عداه إنما يتصف بهما تبعا له وسيأتي في بيان حقيقته أنه كم متصل ومقدار لهيئة غير قارة هي أسرع الحركات
والجواب عن هذا الوجه أن الحركة من أول المسافة إلى آخرها وهي الحركة بمعنى القطع لا توجد اتفاقا إلا بحسب الوهم والضرورة أيضا قاضية بامتناع وجودها في الخارج كما نبهنا عليه فيما سبق فهذه الإمكانات التي هي مقدار الحركة الوهمية وهمية بلا شبهة لاستحالة قيام الموجود بالموهوم ولأنها أعني هذه الإمكانات القابلة للزيادة والنقصان تنفرض في الإعدام الصرفة فإن ما بين يوم الطوفان ومحمد أكثر مما بين بعثة موسى وبعثة محمد عليهما السلام ولا شك أن ما يمكن عروضه

لأمور معدومة لا يكون موجودا خارجيا ثم التحقيق ما قد عرفته من أن الحركة بمعنى القطع والزمان الذي هو مقدارها لا وجود لهما في الخارج بل هما أنما يرتسمان في الخيال لكن ليس ارتسامهما فيه من أمر معدوم بالضرورة بل من أمرين موجودين في الخارج لأنا نعلم أن ذلك الامتداد المرتسم في الخيال بحيث لو فرض وجوده في الخارج وفرض فيه أجزاء لامتنع اجتماعها معا بل كان بعضها متقدما على بعض ولا يكون الامتداد العقلي كذلك إلا إذا كان في الخارج شيء مستمر غير مستقر يحصل في العقل بحسب استمراره وعدم استقراره ذلك الامتداد ولما كان هذان الامتدادان الخياليان ظاهرين في بادىء الرأي ودالين على ذينك الأمرين الموجودين اللذين فيهما نوع خفاء أقيما مقامهما وبحث عن أحوالهما التي يتعرف بها أحوال مدلوليهما الموجودين فبهذا الاعتبار صار هذان الموهومان في حكم الأعيان التي يبحث عن أحوالها هذا وقد اعترض الإمام الرازي على هذا الوجه بأنه مبني على إمكان وجود حركتين تبتدئان معا وتنتهيان معا وليست هذه المعية إلا المعية الزمانية التي لا يمكن إثباتها إلا بعد إثبات الزمان فيلزم الدور وأيضا هو مبني على صحة وجود حركتين إحداهما أسرع والأخرى أبطأ ولا يمكن إثبات السرعة والبطء ولا تعقلهما إلا بعد إثبات الزمان وتعقله فيلزم دور آخر وأيضا لما قال الخصم إن الزمان الماضي قابل للزيادة والنقصان فيكون له بداية أجبتم عنه بأن مجموع الماضي لم يوجد في وقت من الأوقات فلا يصح الحكم عليه

بقبول الزيادة والنقصان فكيف تحكمون بقبولهما على هذا الإمكان الذي تحاولون إثباته مع أنه أيضا لم يوجد في وقت من الأوقات وهل هذا إلا تناقض ثم أجاب عن الأولين بأن الزمان ظاهر الوجود والعلم به حاصل فإن الأمم كلهم قدروه بالأيام والساعات والشهور والأعوام والمقصود بيان حقيقته المخصوصة أعني كونه كما ومقدارا للحركة ولا شك أن العلم بوجود الزمان يكفينا في ثبوت المعية والسرعة والبطء فلا دور وأجاب عن الثالث بأن القابل للزيادة والنقصان لا يجب أن يكون مجموع أجزائه موجودا معا فإن الحركة من أول المسافة إلى آخرها أكثر من الحركة إلى منتصفها مع أنه لا وجود لمجموع أجزاء الحركة معا ثم قال لكن يبقى على هذا شيء وهو أنه إذا لم تتوقف صحة الحكم بالزيادة والنقصان على وجود المحكوم عليه يلزم منه القدح في أصول كثيرة من قواعدهم فليتفكر فيه
الوجه الثاني أن الأب مقدم على الابن ضرورة لأن الأب موجود مع عدم الابن ثم وجد الابن فإذا اعتبر الأب من حيث أنه كان مقارنا لعدمه الذي يعقبه الوجود كان مقدما عليه كما أنه إذا اعتبر من حيث أنه كان مقارنا لعدمه الذي يعقبه الوجود كان مقدما عليه كما أنه إذا اعتبر من حيث أن وجوده مقارن لوجود الابن كان معه وليس ذلك التقدم نفس جوهر الأب لأن التقدم أمر إضافي لا يعقل إلا بين شيئين دون جوهر الأب إذ لا إضافة فيه أصلا ولأن جوهر الأب قد يكون معه أي مع الابن كما صورناه فقد وجد جوهر الأب مع معية الابن ولا شك أن تقدمه على الابن لا يوجد مع معيته له وإليه أشار بقوله وقيل لا يكون مع أي ما هو متصف بالقبلية والتقدم لا يكون في تلك الحال متصفا بالمعية فلا تجامع القبلية المعية كما يجامعها جوهر الأب فتكون القبلية أمرا زائدا على ذاته ولا هو باعتبار عدم الابن معه أي ليس ذلك التقدم عبارة عن مجرد اعتبار عدم الابن مع الأب لأنه أي الأب يعتبر مع العدم اللاحق بالابن الطارىء عليه بعد وجوده ولا تقدم للأب عليه بهذا الاعتبار متأخر عنه وبالجملة فالقبلية

والبعدية مما يختلف به العدم المعتبر معه أي مع الأب فإن العدم المعتبر معه قد يكون موجبا لتقدمه وقبليته وقد يكون موجبا لتأخره وبعديته كما عرفت فلا تكون القبلية نفس العدم وإلا كان اعتبار العدم مع الأب موجبا لتقدمه أبدا ولا تكون البعدية أيضا نفس العدم لمثل ما ذكر وقد يعبر عنه أي عن هذا الذي ذكرناه من أن العدم يختلف بالقبلية والبعدية بأن العدم قبل أي قبل وجود الابن كالعدم بعد أي بعد وجوده وليس قبل كبعد أي ليس قبلية القبل كبعدية البعد فلا يكون شيء منهما نفس العدم كما أن القبلية ليست نفس الأب وحده ولا مأخوذا مع عدم الابن والبعدية أيضا ليس نفس الابن وحده ولا مأخوذا مع وجود الأب بل القبلية والبعدية أمران زائدان على الأمور المذكورة وهما إضافتان فيستدعيان محلا وقد تبين أن عروض القبلية والبعدية للأب والابن ليس لذاتيهما وإلا لامتنع انفكاكهما عنهما وهو باطل لما مر فلا بد من شيء آخر يتصف بهما لذاته
وتلخيصه أي تلخيص الوجه الثاني وتحريره أن ههنا شيئا تلحقه القبلية والبعدية لذاته غير ما يقال له في العرف أنه متقدم ومتأخر كالأب والابن وهو شيء لا يمكن أن يصير قبله بعد ولا بعده قبل لأن ما تقتضيه ذات الشيء يستحيل انفكاكه عنه وأما هذه الأشياء التي توصف في المتعارف بالقبلية والبعدية فيمكن فيها ذلك أعني أن يصير قبلها بعد وبعدها قبل لأنا لو فرضنا جوهر الأب من حيث هو جوهر لا يمتنع أن يوجد قبل ذلك أي قبل الابن ولا بعده بل نسبة جوهره إلى القبلية والبعدية على سواء وكذا الحال في جوهر الابن فإنه من حيث هو جوهر لا

يمتنع أن يوجد قبل الأب أو بعده فهذه الأشياء إنما يلحقها التقدم والتأخر بسبب ذلك الأمر الذي تلحقه القبلية والبعدية لذاته فكان الأب متقدما لكونه في زمان متقدم والابن متأخر لكونه في زمان متأخر ولو لم يلاحظ ذلك أي لو لم يلاحظ وقوعهما في ذلك الأمر الذي هو معروض بالذات للقبلية والبعدية بل اعتبر الذاتان أعني جوهري الأب والابن من حيث مفهومها بلا اعتبار أمر آخر معهما لم يكن ثمة تقدم ولا تأخر فذلك الأمر الذي يلحقه التقدم والتأخر لذاته هو الذي نسميه بالزمان إذ لا نعني بالزمان إلا الأمر الذي يكون جزء منه لذاته قبل جزء وجزء منه لذاته بعد جزء على معنى أن الجزء الموصوف منه بالقبلية يمتنع أن يتصف بالبعدية والموصوف منه بالبعدية يمتنع أن يتصف بالقبلية
والجواب عن الوجه الثاني أن ذلك ذكرتموه أعني القبلية والبعدية اعتبار عقلي لا وجود له في الخارج فإن عدم الحادث مقدم على وجوده ذلك التقدم الذي ذكرتموه في الأب والابن قطعا فيكون التقدم عارضا للعدم وصفة له وما يعرض للعدم ويكون صفة له لا يكون أمرا موجودا محققا في الخارج بل يكون أمرا موهوما اعتباريا فلا يستدعي محلا موجودا فلا يلزم أن يكون معروض القبلية بالذات موجودا خارجيا كما ادعيتموه

المقصد الثامن في حقيقة الزمان
وفيه أي في الزمان باعتبار تعين حقيقته مذاهب خمسة
أحدها قال بعض قدماء الفلسفة أنه أي الزمان جوهر لا عرض

مجرد عن المادة لا جسم مقارن لها لا يقبل العدم لذاته فيكون واجبا بالذات وإنما قلنا إن الزمان لا يقبل العدم لذاته إذ لو عدم لكان عدمه بعد وجوده بعدية لا يجامع فيها البعد القبل وذلك المذكور هو البعدية بالزمان لما سلف من أن البعدية لا بالزمان يجامع فيها البعد القبل فمع عدم الزمان زمان فيكون الزمان موجودا حال ما فرض معدودما هذا خلف وإذا قد لزم من فرض عدمه وجوده كان عدمه محالا لذاته فيكون وجوده واجبا وإذا ثبت أن الزمان واجب الوجود لذاته ثبت أنه جوهر قائم بذاته مجرد عن شوائب المادة وهو المطلوب ثم إن حصلت الحركة فيه ووجدت لأجزائها نسبة إليه سمي زمانا وإن لم توجد الحركة فيه سمي دهرا وجوابه أي جواب دليل هذا المذهب من وجوه
الأول أن هذا الذي استدللتم به ينفي انتفاء الزمان وهو طريان العدم عليه بعد وجوده ولا ينفي عدمه ابتداء بأن لا يوجد أصلا لأنه لا يصدق أن يقال لو عدم الزمان أصلا ورأسا لكان عدمه بعد وجوده بعدية لا يجامع فيها البعد القبل حتى يلزم اجتماع وجوده وعدمه معا إنما يلزم هذا المحال على تقدير عدمه بعد وجوده وعلى تقدير وجوده بعد عدمه أيضا فالممتنع على الزمان هو العدم الذي يكون بعد وجوده والعدم الذي يكون قبل وجوده والعدم بعد الوجود أو قبله أخص من العدم المطلق فلا يوجب امتناعه امتناعه لأن العدم المطلق له فرد آخر هو العدم المستمر الذي ليس مسبوقا بالوجود ولا سابقا عليه وهذا الفرد منه ليس ممتنعا على الزمان فلا يكون واجب الوجود لذاته
الوجه الثاني من وجوه الجواب عن وكل ذلك الدليل هو النقض بأن يقال قولكم إن عدمه بعد وجوده بعدية لا يجامع فيها البعد القبل بعدية كذلك فهي بالزمان منقوض بتقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض فإنه ليس بالزمان لما قلنا من لزوم التسلسل في الأزمنة المجتمعة المتطابقة فجاز أن يكون تقدم وجوده على عدمه أو تقدم عدمه على وجوده كذلك أي يكون التقدم والتأخر بين وجوده وعدمه وليس بالزمان

كما بين أجزاء الزمان وفيه نظر لما تقدم من أن التقدم بين أجزائه تقدم زماني لكنه ليس بزمان زائد على المتقدم والمتأخر بل بزمان هو عينهما لأن التقدم والتأخر فيما بينها ناشئان من ذواتها بخلاف عدم الزمان فإنه لا يقتضي لذاته لا تقدما ولا تأخرا بل لا بد أن يكون معه زمان ليعرض له التقدم أو التأخر بحسية وتحريره أن كل واحد من المتقدم والمتأخر إذا كان زمانا لم يحتج في شيء منهما إلى زمان زائد عليه وإذا لم يكن شيء منهما زمانا احتج فيهما إلى الزمان وإذا كان أحدهما زمانا والآخر ليس بزمان احتيج في الآخر إلى الزمان دون الأول وما نحن بصدده من هذا القبيل
الوجه الثالث من وجوه الجواب أن حكمكم بأن عدمه بعد وجوده أو قبل وجوده ليس إلا بالزمان إنما يصح أن لو كان العدم معروضا للتأخر أو للتقدم وأنه أي كونه معروضا لما ذكر محال عندكم فإنه أي التأخر أمر وجود على رأيكم وكذلك التقدم إذ لولاه لم يمكن لكم إثبات الزمان بثبوت التقدم والتأخر وما لا ثبوت له بوجه ما فإنه نفي محض وعدم صرف أعني عدم الزمان كيف يعرض له التقدم والتأخر الوجوديان اللهم إلا بحسب الفرض الذهني الذي لا يطابق الواقع ولا يعتد به أصلا وإذا لم يكن العدم معروضا للتأخر بحسب نفس الأمر لم يتم ذلك البيان
وثانيها أي ثاني المذاهب التي في حقيقة الزمان أنه الفلك الأعظم لأنه محيط بالكل أي بكل الأجسام المتحركة المحتاجة إلى مقارنة الزمان كما أن الزمان محيط بها أيضا وهو استدلال بموجبتين من الشكل الثاني فلا ينتج كما علم في موضعه على أن الإحاطة المذكورة في المقدمتين مختلفة المعنى قطعا فلا يتحد الوسط أيضا
وثالثها أنه حركة الفلك الأعظم لأنها غير قارة كما أن الزمان غير

قار أيضا وهو أعني هذا الاستدلال من جنس ما قبله فإنه أيضا استدلال بموجبتين من الشكل الثاني فلا يصح كيف والحركة توصف بالسرعة والبطء حقيقة بخلاف الزمان
ورابعها وهو المشهور فيما بين القوم ما ذهب إليه أرسطو ومن تبعه من أنه مقدار حركة الفلك الأعظم واحتج أرسطو على ذلك بأنه أي الزمان متفاوت بالزيادة والنقصان فهو كم لما مر من أن المساواة والمفاوتة من خواصه وقد ثبت بالبرهان امتناع الجزء الذي لا يتجزأ وتركب الجسم منه فلا يكون الزمان مركبا من آنات متتالية وإلا تركب الجسم من الأجزاء التي لا تتجزأ فلا يكون الزمان كما منفصلا لاستلزامه تركبه من الآنات المتتالية التي هي الوحدات بل يكون كما متصلا فهو مقدار أي كمية متصلة تتلاقى أجزاؤها على حدود مفروضة مشتركة وليس مقدارا لأمر قار تجمع أجزاؤه وإلا كان الزمان قارا مثله لأن مقدار القار قار بالضرورة لكن الزمان يستحيل أن يكون قارا وإلا كانت الحوادث المتعاقبة مجتمعه معا فهو مقدار لهيئة غير قارة للجسم المتحرك الذي لا يتصور وجوده متحركا بدون الزمان وهي الحركة ويمتنع انقطاعها إي انقطاع الحركة التي يكون الزمان مقدارها وإلا انقطع الزمان أيضا فيلزم عدمه بعد وجوده وهو محال للدليل الذي أثبت به المذهب الأول بعينه فيكون الزمان مقدارا لحركة مستديرة لأن الحركة المستقيمة تنقطع لا محالة لتناهي الأبعاد فلا يجوز حينئذ ذهاب المستقيمة على استقامتها إلى غير النهاية ووجوب سكون بين كل حركتين متخالفتين في الجهة صادرتين عن متحرك واحد فلا يجوز أيضا استمرار المستقيمة ودوامها بانعطاف المتحرك عن جهتها إلى جهة أخرى وهي أي الحركة

المستديرة هي الحركة الفلكية ولا شك أنه يقدر به أي بالزمان كل الحركات المتخالفة بالسرعة والبطء فيقال هذه الحركة مثلا في ساعة وتلك في ساعتين وعلى هذا فيكون الزمان مقدارا لأسرعها لأن أسرع الحركات يكون مقداره أي زمانه أقل فإن قلة الزمان تقتضي سرعة الحركة وحينئذ أمكن أن يقدر به الحركات كلها لأن الأكبر بحسب المقدار يقدر بالأصغر ولا يعكس فيقال هذا الفرسخ كذا رمحا وهذا الرمح كذا ذراعا وهذا الذراع كذا أصبعا فإن الأصغر يعد الأكبر لاشتمال الأكبر على مثل الأصغر مع زيادة والأكبر لا يعد الأصغر لاستحالة اشتماله على مثل الأكبر وقد علمت أن أسرع الحركات الموجودة هي الحركة اليومية التي هي حركة الفلك الأعظم فالزمان مقدار الحركة اليومية فيقدر به تلك الحركة أولا وبالذات وسائر الحركات ثانيا وبالعرض وهو المطلوب والاعتراض عليه أنه مبني على أمور كلها ممنوعة
الأول كل قابل للتفاوت كم وإنما يصح أن لو بين أنه قابل للتفاوت لذاته ولم يبين ذلك في الزمان
الثاني امتناع الجزء الذي لا يتجزأ وإلا لجاز كون الزمان كما منفصلا وما استدل به على امتناع الجزء مردود كما ستعرفه
الثالث امتناع عدمه إذ لو جاز الزمان لجاز أن يكون مقدارا لحركة مستقيمة منقطعة والدليل الذي استدل به على امتناع عدمه وقد عرفت ما فيه من الخلل
الرابع أن بين كل حركتين سكونا فإنه إذا لم يجب ذلك جاز أن تكون تلك الحركة المستقيمة مستمرة بلا انقطاع على طريقة الرجوع والانعطاف ويكون الزمان مقدارها وما يتمسك به في إثبات السكون بينهما ستقف على فساده
الخامس أن له أي للزمان محلا إما لوجوده أو

لعرضيته والأولى أن يترك هذا الترديد ويقال لوجوده وعرضيته فإن اقتضاءه محلا موجودا يتوقف على وجوده وعرضيته معا ولم يثبتا أي لم يثبت وجود الزمان لأن أدلته مدخولة وعلى تقدير وجوده لم تثبت عرضيته أيضا فلا يلزم أن يكون له محل فضلا عن أن يكون محله حركة الفلك الأعظم ولا يخفى عليك أن منع الوجود مقدم بالطبع على سائر المنوع المذكورة ثم أنه شرع في المعارضة فقال ويبطله أي يبطل كون الزمان موجودا مقدارا للحركة على ما ذهب إليه أرسطو وجهان
الأول لو وجد الزمان على أنه مقدار للحركة كما ذكرتم لكان مقدارا للموجود المطلق أي لوجب أن يكون مقدارا لكل موجود حتى للواجب تبارك وتعالى والتالي باطل أما الملازمة فلأنا كما نعلم بالضرورة أن من الحركات ما هو موجود الآن ومنها ما كان موجودا في الماضي ومنها ما سيوجد في المستقبل نعلم أيضا بالضرورة أن الله تعالى موجود الآن مع الحوادث وكان موجودا قبلها فيما مضى وسيوجد أي سيبقى موجودا بعدها فيما يستقبل ولو جاز إنكار إحدهما جاز إنكار الآخر أيضا وهو باطل قطعا فوجب الاعتراف بهما معا وإذا كانت القبلية والمعية والبعدية المشهورة بالزمانية عارضة له تعالى عروضها للحركات فلو كان الزمان موجودا في نفسه ثابتا للحركة مقدارا لها ومنطبقا عليها لوجب ثبوته لله تعالى ولسائر الموجودات وكونه مقدارا لها ومنطبقا عليها وأما بطلان اللازم فلأنه أعني الزمان إما غير قار فلا ينطبق على القار ولا يكون مقدارا له أو قار فلا ينطبق على غير القار فاستحال أن يكون مقدارا للموجودات بأسرها لاشتمالها على موجودات قارة وغير قارة

فإن قيل نسبة المتغير إلى المتغير هو الزمان ونسبة المتغير إلى الثابت هو الدهر ونسبة الثابت إلى الثابت هو السرمد فالزمان عارض للمتغيرات دون الثابتات
قلنا ما ذكرتموه قعقعة وهي في الأصل حكاية صوت السلاح وغيره ما تحتها طائل وفائدة أي هذه عبارات هائلة ليس لها معنى يندفع به ما ذكرناه وفي المثل لا تقعقع لي بالشنان هذا وقد يوجه ذلك القول بأن الموجود إذا كان له هوية اتصالية غير قارة كالحركة كان مشتملا على متقدم ومتأخر لا يجتمعان فله بهذا الاعتبار مقدار غير قار هو الزمان فتنطبق تلك الهوية على ذلك المقدار ويكون جزؤها المتقدم مطابقا لزمان متقدم وجزؤها المتأخر مطابقا لزمان متأخر ومثل هذا الموجود يسمى متغيرا تدريجيا لا يوجد بدون الانطباق على الزمان والمتغيرات الدفعية إنما تحدث في آن هو في طرف الزمان فهو أيضا لا يوجد بدونه وأما الأمور الثابتة التي لا تغير فيها أصلا لا تدريجيا ولا دفعيا فهي مع الزمان العارض للمتغيرات إلا أنها مستغنية في حد أنفسها عن الزمان بحيث إذا نظر إلى ذواتها يمكن أن تكون موجودة بلا زمان فإذا نسب متغير إلى متغير بالمعية أو القبلية فلا بد هناك من زمان في كلا الجانبين وإذا نسب بهما ثابت إلى متغير فلا بد من الزمان في أحد جانبيه دون الآخر وإذا نسب ثابت إلى ثابت بالمعية كان

الجانبان مستغنيين عن الزمان وإن كانا مقارنين له فهذه معان معقولة متفاوتة عبر عنها بعبارات مختلفة تنبيها على تفاوتها وإذا تؤمل فيها اندفع ما ذهب إليه أبو البركات من أن الزمان مقدار الوجود حيث قال إن الباقي لا يتصور بقاؤه إلا في الزمان وما لا يكون حصوله إلا في الزمان ويكون باقيا لا بد أن يكون لبقائه مقدار من الزمان فالزمان مقدار الوجود
الثاني أن الحركة كما مر تقال للكون في الوسط أعني ما بين المبدأ والمنتهى وهو أي الكون في الوسط أمر مستمر من المبدأ إلى المنتهى ولو كان الزمان مقداره كان ثابتا مثله فلا يكون مقدارا غير قار كما ذهبتم إليه ويقال أيضا للممتدة من المبدأ إلى المنتهى ولا وجود لها في الخارج اتفاقا وبالضرورة أيضا كما مر فلو كان الزمان مقدارها لم يوجد الزمان في الخارج أصلا فلا يكون مقدارا موجودا في الخارج قائما بالحركة كما هو مذهبكم وقد سبق ما يتعلق بالتقصي عن هذا الوجه فتذكر
وخامسها أي خامس المذاهب في حقية الزمان مذهب الأشاعرة وهو أنه متجدد معلوم يقدر به متجدد مبهم إزالة لإبهامه وقد يتعاكس التقدير بين المتجددات فيقدر تارة هذا بذاك وأخرى ذاك بهذا وإنما يتعاكس بحسب ما هو متصور ومعلوم للمخاطب فإذا قيل مثلا متى جاء زيد يقال عند طلوع الشمس إن كان المخاطب الذي هو السائل مستحضرا لطلوع الشمس ولم يكن مستحضرا لمجيء زيد كما دل عليه سؤاله ثم إذا قال غيره متى طلع الشمس يقال حين جاء زيد لمن كان مستحضرا لمجيء زيد دون طلوعها الذي سأل عنه ولذلك أي لأن الزمان متجدد معلوم يقدر به متجدد مبهم اختلف الزمان بالنسبة إلى الأقوام فيقدر كل واحد منهم المبهم بما هو معلوم عنده فيقول القارئ

لآتينك قبل أن تقرأ أم الكتاب وتقول المرأة لبث فلان عندي قدر ما تغزل كبة و يقول الصبي ينطبخ البيض إذا عددت ثلثمائة ويصير نيم برشت إذا عددت ستين فإن أول ما يتعلمه الصبيان هو الحساب و يقول التركي قعد فلان عندي بقدر ما ينطبخ مرجل أي قدر من نحاس لحما وعلى هذا كل من الأقوام بحسب ما هو مقدر معلوم عنده يقدر غيره ويرد عليه أنه إن جعل الزمان عبارة عن نفس ذلك المتجدد لزم أن يكون أمرا موجودا لا موهوما كما هو في مذهبهم وأيضا إذا كان ذلك المتجدد في نفسه وقتا فإذا بقي مدة وهو واحد بعينه وجب أن يكون مدة الابتداء وقتا واحدا بعينه وهو باطل قطعا وإن جعل عبارة عن الاقتران والمعية فلا شك أن كل مقترنين إنما يقترنان في شيء وأن كل معنيين فهما في أمر ما معا فذلك الشيء الذي فيه المعية هو الوقت الذي يجمعهما ويمكن أن يجعل كل منهما دالا عليه بل يمكن أن يدل عليه بغيرهما من الأمور الواقعة فيه فليست المعية نفس ما يقع فيه الحوادث بل هي عارضة لها مقيسة إلى ما تقع فيه وكذلك القبلية والبعدية وذلك مما لا يشتبه على متأمل فأصحاب هذا المذهب جعلوا أعلام الأوقات أوقاتا ولذلك يتعاكس التوقيت عندهم وإذا اعتبر ما هو وقت في الحقيقة امتنع التعكيس في التوقيت

المقصد التاسع
في المكان أورده عقيب الزمان لمناسبته إياه في تعلقهما بالحركة ولكونه راجعا إلى أقسام الكم المتصل على بعض الأقوال وبين أولا

وجوده ثم أشار إلى حقيقته فقال وهو موجود ضرورة أنه مشار إليه إشارة حسية بهنا وهناك وضرورة أنه ينتقل منه الجسم وينتقل إليه فإنا نشاهد الجسم يكون حاضرا ثم يغيب ويحضر جسم آخر من حيث هو وضرورة أنه مقدار له نصف وثلث فإن مكان النصف نصف مكان الكل وكذا الحال في الثلث والربع وضرورة أنه متفاوت فيه زيادة ونقصان فإن مكان الكبير يزيد على مكان الصغير ولا يتصور شيء منها أي من الأمور المذكورة للعدم المحض فإن المعدوم في الخارج لا يقبل الإشارة الحسية ولا يتصور انتقال الجسم منه وإليه ولا يقبل التقدير بالتنصيف والتثليث ولا يتصف بالزيادة والنقصان وهذه وجوه أربعة نبه بها على وجود المكان مع كونه ضروريا كما أشار إليه بلفظ الضرورة حيث قال ضرورة أنه مشار إليه ولم يقل لأنه مشار إليه وسيصرح بذلك عن قريب وشكك عليه أي على وجود المكان بأنه لو وجد المكان فإما متحيز فله مكان إذ لا معنى للمتحيز إلا ذلك وحينئذ تتسلسل الأمكنة إلى غير النهاية إذ لكل مكان مكان آخر على ذلك التقدير أو حال في المتحيز فأما لجسم أي فذلك المتحيز الذي حل فيه المكان أما الجسم الذي هو متمكن فيه فيكون المكان حينئذ في الجسم لا الجسم في المكان وهذا باطل قطعا وأيضا ينتقل المكان بانتقاله أي بانتقال الجسم لوجوب انتقال الحال بانتقال محله فلا يتصور انتقال الجسم من المكان وإليه وفساده ظاهر وإما جسم غيره أي غير الجسم المتمكن في ذلك المكان وهو أيضا باطل لأن حصول الجسم المتمكن في مكانه إما بالمداخلة في الجسم الذي هو محل مكانه وذلك بأن يكون حلوله في محله سريانيا فيلزم تدخل الجسمين الباطل بالضرورة وإما بالمماسة للجسم الذي حل فيه مكانه وذلك بأن يكون حلوله فيه غير سرياني فيكون المكان حينئذ عرضا قائما لأطراف الجسم الآخر ولكل جسم مكان بالضرورة فيكون

للجسم الآخر مكان حال في جسم ثالث يماسه الجسم الآخر وهكذا فيلزم التسلسل وعدم تناهي الأجسام وسنبطله فيما بعد وأما المتحيز ولا حال فيه بل يكون جوهرا معقولا مجردا فلا إشارة حينئذ إليه أي إلى المكان لأن الجواهر المعقولة لا تقبل الإشارة وأنه باطل بالضرورة لأن المكان كما مر مشار إليه بهنا وهناك وأيضا فلا يمكن حصول الجسم فيه أي في المكان على ذلك التقدير لأن المكان يجب أن يكون مطابقا للمتمكن فيه ومن المستحيل مطابقة الجوهر المعقول للجسم وإذا بطلت هذه الأقسام الثلاثة الحاصرة للاحتمالات العقلية بطل وجود المكان مطلقا
والجواب أن وجوده ضروري معلوم لكل عاقل وما ذكرتم من الشبهة القادحة في وجوده تشكيك في البديهي الذي لا يشك فيه وإنه سفسطة ظاهرة ومغالطة بينة لا تستحق الجواب لأن بطلانه معلوم يقينا وإن لم يكن وجه الحال فيه معينا كما في النقوض الاجمالية وسيعلم في جواب الشكوك الواردة على المذاهب في حقيقة المكان حله أي حل ما ذكرتموه فيتعين وجه فساده كأن يقال مثلا نختار أنه عرض حال في جسم آخر متعلق بأطرافه دون أعماقه وهو السطح ولا يلزم تسلسل الأجسام ولا تناهيها لجواز انتهائها إلى جسم لا مكان له بل له وضع كما سيأتي ثم أنه أي المكان خارج عن المتمكن أي ليس جزءا له وإلا انتقل المكان بانتقاله ضرورة امتناع انفكاك الكل الذي هو المتمكن عن الجزء الذي هو المكان فلا يتصور انتقال الجسم عن مكانه وليس المكان امرا حالا في المتمكن وإلا انتقل بانتقاله أيضا ولم يذكره لأنه لم يقل به أحد بخلاف الجزء فإنه قال بعض قدماء الحكماء إنه أي المكان هو الهيولى فإنه يعني المكان يقبل تعاقب الأجسام المتمكنة فيه ولا يخفى عليك أن حاصله هو أن يقال المكان يقبل تعاقب الأجسام والهيولى أيضا

تقبل تعاقب الأجسام أي الصورة الجسمية فهو هو أي القابل الأول الذي هو المكان هو بعينه القابل الثاني أعني الهيولى وقد عرفت بطلانه يعني بطلان كون المكان هو الهيولى بما مر من أن المكان ليس جزءا من المتمكن وإلا انتقل بانتقاله وعرفت أنه أي الشان لا ينتج الموجبتين في الشكل الثاني وما ذكره من هذا القبيل كما ترى ولو أريد اصلاحه بأن يقال المكان يتعاقب عليه المتمكنات وكل ما يتعاقب عليه أشياء متعددة فهو الهيولى كانت الكبرى ظاهرة الكذب وهذا المذهب ينسب إلى أفلاطون ولعله أطلق لفظ الهيولى عليه أي على المكان باشتراك اللفظ مع وجود المناسبة بين المكان والهيولى في توارد الأشياء عليهما وإلا فامتناع كون الهيولى التي هي جزء الجسم مكانا له مما لا يشتبه على عاقل فضلا عمن كان مثله في فطانته وقال بعضهم إنه الصورة الجسمية لأن المكان هو المحدد الحاصر المقدر للشيء الحاوي له بالذات والصورة كذلك فإن صورة الشيء محددة له وحاوية له بالذات ومقدرة إياه وهو من النمط الأول لأنه استدلال بالشكل الثاني من موجبتين إلا أن تزاد عليه والمحدد الحاوي بالذات لا يتعدد فينتج لأن الاستدلال حينئذ يرجع إلى قولنا المكان محدد حاو بالذات وكل محدد حاو بالذات هو الصورة لكن هذا الحكم المزيد غير مسلم وإليه أشار بقوله ويبطل أي هذا الحكم الذي زيد بأن الذاتين المتباينتين قد يشتركان في لازم واحد فلا يلزم في ذلك صدق إحديهما على الأخرى فضلا عن اتحادهما فتكون الكبرى حينئذ ممنوعة الصدق وهذا المذهب أيضا ينسب إلى أفلاطون
قالوا لما ذهب إلى أن المكان هو الفضاء والبعد المجرد سماء تارة بالهيولى لما سبق من المناسبة وأخرى بالصورة لأن الجواهر الجسمانية

قابلة له بنفوذه فيها دون الجواهر المجردة فهو الجزء الصوري للأجسام فهذان القولان إن حملا على هذا الذي ذكرناه فقد رجعا إلى ما سيأتي في مذهبه وإلا فلا اعتداد بهما لظهور بطلانهما وإنما الاشتباه في أن المكان هو البعد أو غيره فشرع يتكلم عليه فقال ثم الجسم منطبق على مكانه الحقيقي ليس زائدا عليه مالىء له ليس ناقصا عنه بحيث لا يخلو شيء من مكانه عنه والمكان محيط به أي هوى بتمامه في المكان ليس شيء منه خارجا عنه ولهذا ينسب إليه بكلمة في مملوء منه كما ذكرناه وقد عرفت أنه يجوز انتقاله عنه ولا يتصور ذلك المذكور من حال الجسم ومكانه بالقياس إلى صاحبه إلا بالملاقاة بينهما وتلك الملاقاة إما بالتمام بحيث إذا فرض جزء من المتمكن يفرض بأزائه جزء من المكان وبالعكس فيتطابقان بالكلية وتسمى الملاقاة على هذا الوجه المداخلة فيكون المكان على هذا التقدير هو البعد الذي ينفذ فيه الجسم وينطبق البعد الحال فيه على ذلك البعد في أعماقه وأقطاره وإما لا بالتمام بل بالأطراف أي تكون أطراف الجسم ملاقية لمكانه دون أعماقه وتسمى الملاقاة على هذا الوجه المماسة فيكون المكان حينئذ هو السطح الباطن للحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي فإذن المكان إما البعد وإما سطح الحاوي لا ثالث لهما فإذا بطل أحدهما تعين الثاني والبعد إما موجود أو مفروض موهوم فهذه ثلاثة احتمالات لا رابع لها وتوضيح ذلك بما لا مزيد عليه أن يقال لما كان الجسم بكليته في مكانه مالئا له لم يجز أن يكون المكان أمرا غير منقسم لاستحالة أن يكون المنقسم في جميع جهاته حاصلا بتمامه لا ينقسم ولا أن يكون أمرا منقسما في جهة واحدة فقط كالخط مثلا لاستحالة كونه محيطا بالجسم بكليته فهو إما منقسم من جهتين أو في الجهات كلها وعلى الأول يكون المكان سطحا عرضيا لامتناع الجزء وما في حكمه ولا يجوز أن يكون حالا في المتمكن لما مر

بل فيما يحويه ويجب أن يكون مماسا للسطح الظاهر من المتمكن في جميع جهاته وإلا لم يكن مالئا له فهو السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي وعلى الثاني يكون المكان بعدا منقسما في جميع الجهات مساويا للبعد الذي في الجسم بحيث ينطبق أحدهما على الآخر ساريا فيه بكليته فذلك البعد الذي هو المكان إما أن يكون أمرا موهوما يشغله الجسم ويملأه على سبيل التوهم كما هو مذهب المتكلمين وإما أن يكون أمرا موجودا ولا يجوز أن يكون بعدا ماديا قائما بالجسم إذ يلزم من حصول الجسم فيه تداخل الأجسام فهو بعد مجرد فلا مزيد للاحتمالات على الثلاثة هذا ما عليه أهل العلم والتحقيق وأما العامة فإنهم يطلقون لفظ المكان على ما يمنع الشيء من النزول فيجعلون الأرض مكانا للحيوان دون الهواء المحيط به حتى لو وضعت الدرقة على رأس قبة بمقدار درهم لم يجعلوا مكانا إلا القدر الذي يمنعها من النزول
الاحتمال الأول أنه أي المكان السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي وهو مذهب ارستطاليس وعليه المتأخرون من الحكماء كابن سينا والفارابي وأتباعهما وإلا أي وإن لم يكن المكان السطح لكان هو البعد لما مر آنفا من أنه لا يخرج عنهما وأنه أي كونه بعدا محال أما البعد المفروض فلما مر من أنه موجود فالوجوه الأربعة الدالة على ذلك وأما البعد الموجود فلوجهين
الأول أن ذلك البعد أما أن يقبل لذاته الحركة الأينية أو لا يقبلها والقسمان باطلان أما الأول فلأنه لو قبل البعد الحركة الأينية

فمن مكان إلى مكان إذ لا معنى للحركة الأينية إلا الانتقال من مكان إلى مكان آخر فله أي لذلك البعد الذي هو المكان مكان آخر هو بعد أيضا وينقل الكلام إليه بأنه يقبل الحركة الأينية فله مكان ثالث ويتسلسل فيكون هناك أبعاد غير متناهية متداخلة بعضها في بعض وأنه محال بالضرورة وكيف لا يكون محالا وجميع تلك الأمكنة من حيث هي جميع يمكن انتقاله لأنه إذا أمكن انتقال كل واحد منها أمكن انتقال الكل من حيث هو كل أيضا ألا ترى أنه إذا خرج كل واحد عن مكانه فقد خرج الكل فله أي للجيمع مكان فذلك المكان داخل في تلك الأمكنة لأنه أحدها وخارج عنها لأنه ظرف لها هذا خلف لأنه جمع بين النقيضين وأما القسم الثاني فلأن البعد إذا لم يقبل الحركة لذاته فالجسم أيضا لا يقبلها لما فيه من البعد فإن حركة الجسم مستلزمة لحركة البعد الحال فيه فامتناع حركة البعد مستلزم لامتناع حركة الجسم واللازم وهو عدم قبول الجسم الحركة باطل بالمشاهدة الدالة على قبوله إياها فكذا الملزوم وهو عدم قبول البعد للحركة باطل
الوجه الثاني أنه لو كان المكان هو البعد وللجسم بعد حال فيه فإذا حصل الجسم في المكان نفذ بعد الجسم في البعد الذي هو المكان إذ لا يجوز أن يعدم البعدان معا حال كونه حاصلا فيه وإلا كان المتمكن المعدوم بانعدام لازمه حاصلا في مكان معدوم ولا أن يعدم أحدهما وإلا كان المتمكن الموجود في مكان معدوم أو بالعكس وإذا كان البعدان موجودين معا نفذ أحدهما في الآخر فيجتمع في الجسم بعدان متداخلان وأنه محال بالضرورة لأن كل بعدين فهما لا محالة أكثر من أحدهما وتداخل المقادير من حيث أنها موصوفة بالعظم بديهي الاستحالة سواء

كان ذلك موجبا للاتحاد ورفع التعدد في نفس الأمر أو للاتحاد في الوضع وقبول الإشارة ولو جاز تداخل البعدين بحيث يصيران متحدين في الإشارة الحسية لجاز تداخل العالم في حيز خردلة بأن ينقطع قطعة قطعة على مقدار خردلة خردلة ثم ي تداخل كلها في واحدة منها وهو باطل بالبديهة وأيضا فإنه أي امتناع التداخل حكم ثبت للمتحيز بذاته وهو البعد لأنه ممتد بذاته في الجهات فلا بد له من حيز ومكان يشغله على انفراده دون المادة إذ لا مدخل لها في اقتضاء الحيز وامتناع التداخل فلا يجوز تداخل البعدين مطلقا سواء كانا ماديين أو مجردين أو مختلفين وقد فقد في بعض النسخ لفظة وأيضا وعلى هذا يكون قوله فإنه بيان للشرطية أي لو جاز تداخل البعدين لجاز تداخل العالم في حيز خردلة لأن امتناع التداخل المعلوم في الأجسام حكم ثابت للمتحيز بالذات إذ يجب أن يكون كل من المتحيزين بالذات منفردا بحيز على حدة والمتحيز بالذات هو البعد دون المادة إذ لا مقدار لها في ذاتها فلا تكون مقتضية للحيز ودون الصورة الجسمية لأن الجسم الواحد قد يتخلخل فيشغل مكانا كبيرا ثم يتكاثف فيشغل مكانا صغيرا مع بقاء صورته الجسمية في الحالين فليست الصورة الجسمية في ذاتها مقتضية للحيز وعدم اقتضاء سائر الصور والأعراض سوى الأبعاد للحيز ظاهر فليس المقتضى للحيز وامتناع التداخل في الأجسام المشاهدة إلا الأبعاد فإذا لم يمتنع تداخلها لم يمتنع تداخل الأجسام أيضا وأيضا فإنه أي تجويز التداخل بين الأبعاد يرفع الأمان عن الوحدة الشخصية ويقدح في الوثوق بها فإنه يجوز على تقدير جواز التداخل كون هذا الذراع المعين المشخص ذراعين بل أذرعا كثيرة ويجوز على

تقديره أيضا كون شخص واحد من الانسان شخصين بل أشخاصا متعددة فيرتفع الوثوق عن أمثال هذه البديهيات وأنه سفسطة ظاهرة وأيضا فإنه يلزم على تقدير تداخل البعدين واجتماع المثلين فإن ذينك البعدين متماثلان قد اجتماع في مادة واحدة وقد أبطلناه فيما سبق
والجواب عن الوجه الأول أنا نختار أن البعد الذي هو المكان لا يقبل الحركة الأينية قوله فلا يقبلها الجسم أيضا لما فيه من البعد
قلنا هذا اللزوم ممنوع إذ البعد الذي في الجسم قائم بالمادة حال فيها والبعد الذي هو الجسم أعني المكان قائم بنفسه غير حال في المادة وأنهما مختلفان بالحقيقة فلا يلزم حينئذ من عدم قبول أحدهما الحركة عدم قبول الآخر إياها إنما يلزم ذلك على تقدير التماثل في الحقيقة وما يقال في إبطال كون المكان بعدا قائما بنفسه من أن البعد قد اقتضى من حيث هو هو أعني لذاته القيام بالمحل والحاجة إليه وإلا لاستغنى في حد ذاته عنه أي عن المحل والقيام به إذ لا واسطة بين الحاجة وعدمها الذي هو الاستغناء فلا يحل البعد فيه أي في المحل أصلا لأن ما لا حاجة له في تقوم ذاته إلى شيء لا يتصور حلوله فيه لكن البعد قد حل في المحل كما في الأجسام فلا يكون من حيث هو هو مستغنيا عن المحل بل محتاجا إليه لذاته ومقتضيا للقيام به وإنه يقتضي أن يكون كل بعد كذلك أي حالا في المحل قائما به لأن مقتضى ذات الشيء لا يتخلف عنه فلا يمكن حينئذ أن يكون بعدا قائما بنفسه حتى يكون المكان عبارة عنه وقوله بناء خبر للمبتدأ الذي هو قوله وما يقال يعني أن هذا الاستدلال على إبطال كون المكان بعدا موجودا مبني كالوجه الأول على تماثل الأبعاد المادية والمجردة وقد عرفت أنه ممنوع والجواب عن الوجه الثاني أنا لا نسلم اجتماع البعدين في جسم على تقدير نفوذ بعد الجسم في البعد الذي هو المكان بل نقول بعد هو في الجسم يلازمه وهو حال في مادته وبعد فيه الجسم يفارقه وليس حالا في

مادته بل هو قائم بنفسه فهناك بعدان مادي ومجرد قد نفذ أحدهما في الآخر وتداخلا وامتناع ذلك أي امتناع النفوذ والتداخل بين البعد المادي والبعد المجرد ممنوع ودعوى الضرورة غير مسموعة للتخالف في الحقيقة لما عرفت من تنافي لازميهما أعني جواز المفارقة وامتناعها وإن اشتركا في كونهما بعدا إنما الممتنع بالضرورة نفوذ المادي في المادي وتداخلهما ومنه أي ومما ذكرنا من حال هذين البعدين المتداخلين يعلم أنه لا يلزم من جواز تداخلهما جواز كون الذراع الواحد ذراعين ولا كون شخص واحد شخصين فإنه أي الذراع عبارة عن البعد الحال في المادة والتداخل في الأبعاد المادية محال وإن جاز ذلك بين المادي والمجرد وبهذا يعلم أيضا أنه لا يلزم تجويز تداخل العالم في حيز خردلة وأن البعد المجرد ليس متحيزا بذاته حتى يقتضي انفراده بحيز كالمادي بل المجرد هو الحيز نفسه وأنه لا يلزم اجتماع المثلين لأن البعدين متخالفان في الحقيقة مع أن أحدهما حال في المادة دون الآخر وبالجملة فالأدلة المذكورة على امتناع تداخل بعد الجسم والبعد الذي هو المكان فرع تماثل البعدين المادي والمجرد ولا يقول به عاقل لأن أحدهما قائم بغيره والآخر قائم بنفسه فكيف يتصور تساويهما في تمام الحقيقة فروع على كون المكان سطحا فإنه اللازم من بطلان كونه بعدا كما تحققته
الأول المكان قد يكون سطحا واحدا كالطير في الهواء فإن سطحا واحدا قائما بالهواء محيط به أو أكثر من سطح واحد كالحجر الموضوع على الأرض فإنه أي مكانه أرض وهواء يعني أن سطح مركب من سطح الأرض الذي تحته وسطح الهواء الذي فوقه
الثاني من تلك الفروع أنه قد تتحرك السطوح كلها كالسمك في الماء الجاري فإن إذا كان في وسط الماء الجاري كان السطح المحيط به

سواء فرض واحدا أو مركبا من متعدد متحركا بتبعية حركة الماء ولما كانت حركة السطح الذي هو المكان بالعرض لا بالذات لم يلزم أن يكون للمكان مكان آخر أو يتحرك بعضها كالحجر الموضوع فيه أي في الماء الجاري فإنه مكانه مركب من سطح الأرض الساكن وسطح الماء المتحرك أو لا يتحرك أصلا فيكون المكان ساكنا وهو ظاهر
الثالث من تلك الفروع أنه قد يتحرك الحاوي والمحوي معا إما متوافقين في الجهة أو متخالفين فيها كالطير يطير والريح تهب على الوفاق أو الخلاف أو يتحرك الحاوي وحده كالطير يقف والريح تهب أو يتحرك المحوي وحده كالطير يطير والريح تقف وقد يقال إذا تحرك الطير انخرق الهواء من قدامه والتأم من خلفه إذ لا يجوز الخلاء عند أصحاب السطح فيلزم تحرك الهواء من تحرك الطير فالأولى أن يمثل بكرة تماس بمحدبها مقعر كرة أخرى وبمقعرها محدب كرة ثالثة وتكون المتوسطة متحركة وحدها فيكون مثالا لكل واحدة من حركتي الحاوي والمحوي وحده الإحتمال الثاني أنه أعني المكان بعد موجود ينفذ فيه الجسم وينطبق بعده عليه ويسمى بعدا مفطورا لأنه فطر عليه البديهة فإنها شاهدة بأن الماء مثلا إنما حصل فيما بين أطراف الإناء من الفضاء ألا ترى أن الناس كلهم حاكمون بذلك ولا يحتاجون فيه إلى نظر وتأمل ثم إن القائلين بأن المكان هو البعد الموجود المجرد فرقتان فرقة تجوز خلو هذا البعد عن الأجسام وهم أصحاب الخلاء وفرقة تمنعه وهو أي كون المكان بعدا موجودا مذهب أفلاطون كما هو المشهور إما أنه أي البعد الذي هو المكان موجود فلأنه متقدر أي يقبل التقدر بالنصف والثلث والربع وغير ذلك ويتفاوت بالزيادة والنقصان فإن ما بين طرفي

الطاس أقل مما بين طرفي سور المدينة بالضرورة ولا شيء من المعدوم بمقتدر ومتفاوت لا يقال ذلك التقدر والتفاوت أمر فرضي فإن العقل يلاحظ وقوع شيء فيما بين طرفي الطاس ويحكم بأنه أقل من الواقع فيما بين طرفي السور فرضا ويقدر كل واحد من الواقعين المفروضين بالتصنيف والتثليث وغيرهما فلا يلزم حينئذ وجود البعد فيما بين أطرافهما لأنا نقول نحن نعلم بالضرورة أن التفاوت بينهما حاصل مع قطع النظر عن ذلك الفرض وكذا الحال في قبول التقدير وإما أنه أي المكان هو البعد فلأنه لو لم يكن البعد لكان هو السطح لما مر من أنه لا يخرج منهما وأنه أي كون المكان هو السطح باطل لوجوه
الأول أن لكل جسم مكانا بالضرورة فلو كان المكان هو السطح لوجب أن يكون كل جسم محفوفا بجسم آخر أو بأجسام متعددة
وأيا ما كان فوراء كل جسم جسم آخر فيلزم عدم تناهي الأجسام وسنبطله لا يقال لا نسلم لزوم لا تناهي الأجسام بل تنتهي إلى جسم لا مكان له فإن المحدد للجهات المحيط بما سواه من الأجسام عندنا ليس له مكان بل وضع فقط فإن حركته وضعية تقتضي تبدل الأوضاع دون الأمكنة لأنا نقول كل جسم فهو متحيز مشار إليه بهنا وهناك ضرورة والحيز هو المكان وكذا المشار إليه بلفظ هنا وهناك وليس إلا المكان وكل جسم في مكان فوجب أن المكان عبارة عن البعد ليعم الأجسام كلها دون السطح لاستلزامه أن لا تكون الأجسام متناهية أو أن لا يكون الجسم المحيط بما عداه من الأجسام في مكان والثاني باطل بالضرورة كما ذكرنا وبالاتفاق أيضا أليس الحكماء لما أثبتوا الحيز الطبيعي للأجسام قالوا نحن نعلم بالضرورة أن كل جسم لو خلي وطبعه لكان في حيز فقد اعترفوا بأن كل جسم يجب أن يكون في مكان وحكموا بذلك هناك وبنوا عليه إثبات

المكان الطبيعي فما بالهم نسوا ذلك وأنكروه حين ألزموا به فالقائلون بأن المحدد لا مكان له مناقضون لأنفسهم فيما ادعوه هناك بل نقول كيف لا يكون للمحدد مكان وأن الحركة الوضعية التي لا تقتضي تبدل المكان إنما تعرض لمجموع المحدد من حيث هو مجموع وأما نصفاه المتمايزان بحسب ما يعرض لهما من كونهما فوق الأرض أو تحتها فلا شك أنهما يستبدلان المكان ولهما نقلة من مكان إلى آخر وكذلك جميع أجزاء المحدد تستبدل أمكنتها بأمكنة أخرى حال حركته بالاستدارة ولو كان أجزاء المتحرك بالحركة الدورية ليس لها نقلة من مكان إلى مكان آخر لم يكن للقمر والشمس وسائر الكواكب ولا لمكانها الذي ركزت هي فيه نقلة أصلا لأنها لا تستبدل سطحا بسطح والضرورة تبطله ألا ترى أنها تارة فوق الأرض وتارة تحتها فكيف لا تكون متنقلة من مكان إلى آخر مع ثبوت هذه الحالة لها وإذا كان كل جزء من أجزاء المحدد في مكان ومستبدلا بسبب حركته الوضعية مكانا آخر كان المحدد كله في مكان مركب من أمكنة أجزائه فوجب أن يكون المكان هو البعد دون السطح هذا وقد قيل إن الحيز عندهم ما به تتمايز الأجسام في الإشارة الحسية وهو أعم من المكان لتناوله الوضع الذي يمتاز به المحدد عن غيره في الإشارة فهو متحيز وليس في مكان ولا بعد في أن تكون الحالة التي تميزه في الإشارة الحسية عن غيره طبيعية له وإن لم يكن شيء من أوضاعه ونسبته بالقياس إلى ما تحته أمرا طبيعيا وأيضا لهم أن يخصوا قولهم كل جسم فهو متحيز بالأجسام التي لها مكان فيخرج عنه ما لا مكان له وأن يقولوا إن المشار إليه بهنا وهناك قد يكون الحالة المميزة في الإشارة الحسية وحينئذ تندفع

المناقضة أيضا وأما حديث أجزاء المتحرك بالاستدارة فنقول إن كانت تلك الأجزاء مفروضة فلا يعرض لها حركة خارجية قطعا وإن كانت موجودة بالفعل كالكواكب المنفصلة عن أجرام الأفلاك المركوزة هي فيها فالمعلوم من حالها بالضرورة تبدل أوضاعها بالقياس إلى الأمور الثابتة تبعا للحركة الوضعية الحاصلة للفلك وأما انتقالها من مكان إلى مكان فليس مما علم بالضرورة
الثاني من الوجوه الدالة على بطلان أن المكان هو السطح أنه لو كان المكان هو السطح لزم تحرك الساكن حين هو ساكن وسكون المتحرك حين هو متحرك واللازم بديهي البطلان وأما بيان الملازمة فهو أن الطير الواقف في الهواء أي الريح الهابة ساكن بالضرورة ويلزم من كون المكان هو السطح حركته في تلك الحالة إذ ليس الحركة الأيبنية إلا استبدال المكان بمكان آخر ولا شك أنه أي الطير في تلك الحالة مستبدل للسطوح المحيطة به المتواردة عليه فيكون متحركا حركة أينية باستبدال الأمكنة وأن القمر متحرك لما عرفت ويلزم من كون المكان هو السطح سكونه في حال حركته لأنه غير مستبدل للسطح الذي هو مركوز فيه من فلكه وكذا الحال فيما نقل من بلد إلى بلد في صندوق وقد يجاب عنه أي عن الوجه الثاني بمنع الملازمة أي لا نسلم أنه لو كان المكان هو السطح لزم تحرك الساكن وسكون المتحرك

ذكر في بيانها غير تام فإن الحركة الأينية ليست استبدال الأمكنة كما ذكرتم بل هي تغير النسبة إلى الأمور الثابتة سواء تغيرت هناك النسبة إلى الأمور المتغيرة أو لم تتغير كما في جسمين تحركا على وجه لا تتغير النسبة بينهما وهو أعني تغير النسبة إلى الأمور الثابتة غير حاصل في الطير الواقف فلا يكون متحركا مع توارد السطوح عليه بل يكون ساكنا حاصل في القمر وفيما نقل في الصندوق فيكونان متحركين مع عدم تبدل السطوح عليهما
والجواب عن هذا الجواب أن تغير النسبة إلى الأمور الثابتة معلل بالحركة إذ يقال تحرك الجسم فتغيرت نسبته إلى الثابتات وإذا كان ذلك التغير معللا بالحركة فعدمه بعدمها أي يكون عدم التغير وهو بقاء النسبة معللا بعدم الحركة وهو السكون وإذا كان وجود التغير معللا بوجود الحركة وعدمه بعدمها لم يكن نفس الحركة وإليه أشار بقوله لا أنه حقيقتها أي التغير معلل بالحركة لا أنه حقيقة الحركة فسقط المنع وتعين كون الحركة استبدال الأمكنة وصحت الملازمة المذكورة وقد يقال إن كون الحركة عبارة عن تغير النسبة سند لمنع الملازمة فلا يجديكم إبطاله نفعا إلا إذا ثبت مساواته للمنع والحق في الجواب عن الوجه الثاني أن الحركة الموجودة عندهم في الخارج حالة مستمرة للمتحرك من أول المسافة إلى آخرها أي ثابتة له في كل حد من حدودها الواقعة فيما بين المبدأ والمنتهى ومن المعلوم أن هذه الحالة ليست عين استبدال الأمكنة بل هي التي تسمى التوجه والتوسط أيضا واستبدال المكان من لوازمها أي من لوازم الحالة التي هي الحركة لا عينها فلا يتم الدليل إذ ليس يلزم من وجود هذا اللازم في الطير الواقف وجود الملزم فيه أعني الحركة لجواز أن يكون اللازم أعم فإن استبدال الأمكنة إذا كان ناشئا من المتمكن فيها كان

حركة وإذا كان ناشئا من غيره كما في الطير الواقف في الريح الهابة لم يكن حركة وأما القمر فلا يجري فيه هذا الجواب لأن انتفاء اللازم الذي هو الاستبدال يستلزم انتفاء الملزوم الذي هو الحركة ولو اكتفى بأن استبدال المكان مغاير للحركة أمكن أجزاؤه فيه إذ ليس يلزم من وجود أحد المتغايرين وجود الآخر ولا من عدمه عدمه إلا إذا ثبت بينهما لزوم وقد سبق منا أن المعلوم بالضرورة من حال القمر تبدل أوضاعه تبعا لتحرك فلكه حركة وضعية لا كونه متحركا حركة أينية ليجب انتقاله من مكان إلى مكان آخر
الثالث من تلك الوجوه أنه لو كان المكان السطح لزم أن لا يكون المكان مساويا للمتمكن واللازم باطل لأن المتمكن منطبق على المكان مالىء له فيجب أن يكونا متساويين بيانه أي بيان اللزوم أنا إذا أخذنا جسما كشمعة مثلا فجعلناه مدورا كان مكانه مثلا ذراعا في ذراع فإذا جعلناه صفحة رقيقة جدا طولها عشرة أذرع وعرضها كذلك أي عشرة أذرع أيضا كان مكانه في هذه الحالة أضعاف ذلك المكان الذي كان له في حالة التدوير فقد ازداد المكان والمتمكن بحاله لم يزدد وقد يمنع بقاء المتمكن على حاله لأنه قد اختلف مقداره بالفعل وإن كانت المساحة واحدة وأيضا زق الماء المملوء منه إذا صب منه بعضه كان ذلك الزق مماسا للماء بجميع سطحه الداخل كما كان مما ساله كذلك قبل الصب فقد نقص المتمكن الذي هو الماء والمكان أعني السطح الباطن من الزق بحاله وقد يمنع بقاء المكان على حاله لأنه إذا صب منه بعض الماء فقد انتقص قربه من الاستدارة وأيضا الجسم إذا حفرنا فيه حفرة عميقة فقد انتقص الجسم الذي هو المتمكن وازداد

مكانه وهو السطح الحاوي به وهذا أشد استحالة من المذكورين قبله وقد يجاب بأنه وإن انتقص حجمه لكن أزداد سطحه الظاهر المماس لمكانه قالوا وإذا قلنا إن المكان هو البعد لم يلزم شيء من هذه المحذورات الثلاثة واعلم أن الموجود في نسخة الأصل وكثير من النسخ هكذا
الرابع الجسم إذا حفرنا إلى آخره فقد جعل هذا وجها رابعا من الوجوه الدالة على استحالة كون المكان هو السطح والصواب أنه من تتمة الوجه الثالث كما قررناه ومما يؤيد هذا المذهب وهو كون المكان هو البعد أنا نعلم بالضرورة أن المكان الذي خرج عنه الحجر المسكن في الهواء فملأه الهواء لم يبطل والسطح الذي كان محيطا بذلك الحجر قد بطل بالكلية فدل على أن المكان هو البعد الذي لم يبطل دون السطح الذي بطل وكذا يؤيده أن المكان مقصد المتحرك بالحصول فيه وقد صرح ابن سينا في إثبات الجهة بأنه أي المقصد المتحرك بالحصول فيه موجود حال الحركة ليتصور كونه مقصدا بالحصول فيه فالمكان الذي يقصده الثقيل المطلق وهو الذي يقتضي أن ينطبق مركزه على مركز الأرض كالحجر مثلا موجود حال ما يفرض الحجر متحركا طالبا للحصول فيه ولا سطح هناك موجود يحيط بهذا الثقيل وكذا ما يقصده الخفيف المطلق وهو الذي يقتضي أن ينطبق محيطه ويلتصق بمحيط المحدد الذي تنتهي إليه حركات العناصر أعني مقعر فلك القمر كقطعة من النار مثلا يجب أن يكون موجودا حال ما يفرض هذا الخفيف متحركا إليه طالبا للحصول فيه ولا سطح هناك موجود يحيط بهذا الخفيف فدل على أن المكان هو البعد الموجود دون السطح المعدوم في حال حركتي الثقيل والخفيف وأيضا فمن المعلوم أن المتمكن مالىء لمكانه منطبق عليه ولا يتصور ذلك أي كونه مالئا له إلا بأن يكون في كل جزء من المكان جزء من المتمكن بل وأن يكون كل جزء من المتمكن أيضا في جزء من

المكان والسطح ليس كذلك فلو كان المكان هو السطح لم يكن لأجزاء الجسم المتمكن في مكانه مكان أصلا وأيضا فيكون الجسم في مكان بحجمه لا بسطحه فلو فرض أن المكان هو السطح كان الجسم فيه بمسطحه دون حجمه وقد يدفعان بأن معنى كونه مالئا أنه لا يوجد شيء من مكانه إلا وهو ملاق بسطحه الظاهر ومعنى كونه بحجمه في مكانه أنه بتمامه في داخل المكان لا أن كل جزء من حجمه ملاق لجزء من مكانه وربما ادعى في كون المكان هو البعد الضرورة في أنا إذا توهمنا خروج الماء من الإناء وعدم دخول الهواء أو شيء آخر فيه كان بين أطرافه بعد موجود قطعا لكونه متقدرا ومحاطا بأطرافه ولا شيء من المعدوم كذلك فكذا يكون ذلك البعد موجودا بين أطرافه عندما كان فيه ماء أو هواء لأنا نعلم بالضرورة أن دخول شيء منهما في الإناء لا يرفع ذلك البعد من البين بل ينطبق بعده عليه
وقد أجاب عنه الإمام الرازي بأنه لا شك في أنه يلزم مما فرضتموه وجود البعد إلا أن هذا المفروض الذي هو الخلاء محال عندنا واللازم من المحال جاز أن يكون محالا وأيضا فما له مقعر ومحدب نسبة سطحيه إلى الجسم المحيط والجسم المحاط شيء واحد لأن المحيط مماس بمقعره لمحدبه والمحاط مماس محدبه لمقعره فكل واحد من المحيط والمحاط مماس لأحد سطحيه بتمامه فلو كان المحيط بمقعره مكانا لذلك الجسم المتوسط لكان المحاط بمحدبه مكانا له أيضا لأن نسبتهما إليه على سواء فيلزم أن يكون له أي للجسم المتوسط مكانان أحدهما مقعر محيطه والآخر محدب محاطه والتسمية لا كلام فيها أي لا نقول يجب أن يسمى كل واحد منهما مكانا إذ يجوز أن يسمى أحدهما

في العرف مكانا له دون الآخر إنما الكلام في الحقيقة وأنه لا فرق بين سطحي المحيط والمحاط في الحقيقة المكانية فلو كان أحدهما مكانا للجسم المتوسط لكان الآخر أيضا كذلك وقد يقال مقعر المحيط قد اشتمل على المتوسط وامتلأ به بحيث لم يخرج عنه شيء منه ولم يبق شيء منه خاليا عنه فلذلك كان مكانا له بخلاف محدب المحاط فإنه ليس كذلك فكيف يكون نسبتهما على سواء
الاحتمال الثالث في المكان أنه البعد المفروض وهو الخلاء وحقيقته أن يكون الجسمان بحيث لا يتماسان وليس أيضا بينهما ما يماسهما فيكون ما بينهما بعدا موهوما ممتدا في الجهات صالحا لأن يشغله جسم ثالث لكنه الآن خال عن الشاغل وجوزه المتكلمون ومنعه الحكماء القائلون بأن المكان هو السطح وأما القائلون بأنه البعد الموجود فهم أيضا يمنعون الخلاء بالتفسير المذكور أعني البعد المفروض فيما بين الأجسام لكنهم اختلفوا فمنهم من لم يجوز خلو البعد الموجود عن جسم شاغل له ومنهم من جوزه فهؤلاء المجوزون وافقوا المتكلمين في جواز المكان الخالي عن الشاغل وخالفوهم في أن ذلك المكان بعد موهوم فالحكماء كلهم متفقون على امتناع الخلاء بمعنى البعد المفروض لما مر من التقدر فإن ما بين الجسمين اللذين لا يتماسان قابل للتقدر بالتنصيف وغيره ومتصف بالتفاوت مقياسا إلى ما بين جسمين آخرين لا يتماسان كما عرفته ولا شيء من المعدوم كذلك فما بين الجسمين المذكورين أمر موجود إما جسم كما هو رأي القائل بالسطح وإما بعد مجرد كما هو رأي القائل به وهذا الخلاف إنما هو في الخلاء داخل العالم بناء على كونه متقدرا قطعا وأن تقدره هل يقتضي وجوده في الخارج أو لا وأما الخلاء خارج العالم فمتفق عليه إذ لا تقدر هناك بحسب نفس الأمر

فالنزاع فيما وراء العالم إنما هو في التسمية بالبعد فإنه عند الحكماء عدم محض ونفي صرف يثبته الوهم ويقدره من عند نفسه ولا عبرة بتقديره الذي لا يطابق نفس الأمر فحقه أن لا يسمى بعدا ولا خلاء أيضا وعند المتكلمين هو بعد موهوم كالمفروض فيما بين الأجسام على رأيهم لهم في إثبات جواز الخلاء بمعنى المكان الخالي عن الشاغل وجهان
الأول أنه لا يمتنع وجود صفحة ملساء وإلا لزم إما عدم اتصال الأجزاء أو ذهاب الزوايا إلى غير النهاية بيان ذلك أن الصفحة الملساء هي ما تكون أجزاؤها المفروضة متساوية في الوضع ومتصلة بحيث لا يكون بين تلك الأجزاء فرج سواء كانت نافذة وتسمى مسام أو غير نافذة وتسمى زوايا فإذا فرضنا صفحة يتساوى وضع أجزائها فإن كانت ملساء فذاك وإلا فعدم ملاستها إما لعدم الاتصال بين الأجزاء في الحقيقة فهو باطل فإن صفحة الجسم وإن جاز أن يكون فيها مسام نافذة إلا أنه لا بد أن يكون بين كل منفذين أو بين منفذين فقط من نافذها سطح متصل هو كاف لما نحن بصدده وإلا كانت الصفحة عبارة عن أجزاء متفرقة متفاصلة في الحقيقة وأنه باطل بالبديهة وأما لوجود الزوايا بين أجزائها فنضع فيها أجزاء أخرى فإن انتفت الزوايا حصل المطلوب وإلا صارت أصغر مما كانت فنضع فيها أجزاء أخرى فإما أن تنتفي أو تذهب الزوايا في الانقسام بالفعل إلى غير النهاية والثاني باطل فتعين الأول وصارت الصفحة ملساء
قال الإمام الرازي في الأربعين عدم الاستواء في السطح إما سبب اختلاف أجزائه في الارتفاع والانخفاض أو بسبب حصول المسام فيه أما الأول فلا بد أن يكون بسبب سطوح صغار يتصل بعضها ببعض لا على الاستقامة بل على الزاوية ولا بد من الانتهاء إلى سطوح صغار مستوية وإلا

لذهبت الزاوية إلى غير النهاية وهو محال وأما حصول المسام في أجزاء السطح فإنه وإن جاز إلا أنه لا بد أن يحصل بين كل منفذين سطح متصل وإلا لزم كون السطح مركبا من نقط متفرقة وذلك محال فوجب القول بسطوح مستوية ولا يمتنع مماستها لمثلها وإلا لم يكن التماس إلا لأجزاء لا تتجزأ يعني إذا طبقتا صفحة ملساء على مثلها وجب أن يتماسا بتمامهما أو أن يماس شيء منقسم في جهتين من أحدهما نظيره من الأخرى وإلا لم يكن التماس الحاصل بينهما إلا لأجزاء لا تتجزأ أصلا وأنتم تقولون به أي بتماس الأجزاء التي لا تتجزأ لاستحالتها عندكم وإذا ثبت جوز التماس بينهما إما بالتمام أو بالبعض الذي هو أيضا صفحة ملساء فنقول ولا يمتنع رفع إحديهما عن الأخرى دفعة بأن يرتفع جميع جوانبها معا إذ لو ارتفع بعض إحديهما دون البعض لزم الانفكاك بين أجزاء الصفحة العليا فإنه إذا ارتفع بعض أجزائها عن السفلى ولم يرتفع عنها الجزء المتصل بذلك المرتفع انفك أحدهما عن الآخر بالضرورة على قياس ما ذكروه في نفي الجزء من تفكك الرحى وهكذا نقول في سائر الأجزاء فيجب ارتفاعها بأسرها معا بلا تخلف بل دفعة واحدة وأيضا فأي جزء من أجزاء الصفحة العليا ارتفع عن السفلى دفعة واحدة لو لم تكن صفحة منقسمة في جهتين كان ذلك الجزء المرتفع جزءا لا يتجزأ أو ما في حكمه وهو محال عندكم فقد ثبت إمكان ارتفاعها عنها دفعة واحدة فإذا فرضنا ارتفاعها عنها كذلك وقع الخلاء فيما بين الصفحتين ضرورة أنه لم يكن فيما بينهما جسم آخر وإلا لزم تداخل الأجزاء وأن الهواء أو جسما غيره إنما ينتقل إليه من الأطراف ويمر بالأجزاء بالتدريج ويصل بالآخرة إلى الوسط فعند كونه على

الأطراف يكون الوسط خاليا عن الشاغل وهو المطلوب وهذا الوجه إلزامي مبني على ما هو مسلم عند الخصم لا برهاني مركب مما هو حق بحسب نفس الأمر فإن عند المتكلم لا يجب انتقال الهواء إليه أي إلى الوسط من الأطراف بل قد يخلقه الله تعالى فيه دفعة فلا يلزم خلوه عن الشاغل أصلا وأيضا يجوز عنده أن تكون الصفحة أجزاء لا تتجزأ بينها مسام صغيرة مملوءة بالهواء فينفذ إلى الوسط ذلك الهواء ويشغله بل لا يكون هناك حينئذ شيء منقسم هو منطبق على مثله حتى يلزم خلوه بل المنطبق أجزاء لا تتجزأ متفاصلة على مثلها فإذا ارتفع واحد منها عن نظيره اتصل به الهواء المجاور له في المسام الضيقة جدا وأنت تعلم أنه إذا كان المقصود بهذا الوجه إلزام الحكماء فلا حاجة إلى ذلك التكلف في إثبات الصفحة الملساء فإنهم معترفون بجوازها بل بوجودها أيضا ولا يتم هذا الإلزام عليهم إلا ببيان جواز الارتفاع دفعة أي في آن والحكيم يمنعه بل يحكم باستحالته فإن الارتفاع حركة وكل حركة عنده في زمان إذ لا بد أن تكون الحركة على مسافة منقسمة وقطع بعضها مقدم على قطع جميعها فلا يتصور وقوع الحركة في آن بل في زمان وإنه أي الزمان منقسم إلى غير النهاية أي لا ينتهي في الانقسام إلى حد يقف عنده ففي زمان ارتفاعها يسلك الهواء من طرفها إلى الوسط فلا يلزم خلوه لا يقال إذا رفعنا الصفحة حصل اللامماسة التي هي آنية عندهم ويلزم الخلو لأن الحركة تدريجية فيصح الإلزام لأنا نقول اللامماسة وإن كانت آنية كالمماسة إلا أنها لا تحصل إلا بعد الحركة كما أن المماسة حصلت في آن بعد الحركة وابتداء الحركة الموجبة اللامماسة في آن

يوجد فيه المماسة فلا يوجد اللامماسة إلا في آن آخر ولا بد أن يكون بين الآنين زمان ففي ذلك الزمان يتحرك الجسم من الطرف إلى الوسط فلا إلزام
الثاني من الوجهين الدالين على جواز الخلاء أنه لولا وجود الخلاء فيما بين الأجسام تصادمت أجسام العالم بأسرها وتحركت بحركة بقة مثلا وإن كانت تلك الحركة قليلة جدا واللازم باطل بالضرورة بيان الشرطية أن الجسم المتحرك كالبقة ينتقل من مكانه بحركته إلى مكان آخر والفرض أنه أي ذلك المكان الآخر مملوء بجسم آخر إذ المفروض أن لا خلاء فيما بين الأجسام وهو أعني ذلك الجسم الآخر ينتقل من مكانه البتة إذ لا يتداخل جسمان ضرورة ولا ينتقل الجسم الآخر إلى مكان الجسم الأول لأن انتقاله إليه مشروط بانتقال الأول عنه لئلا يلزم تداخلهما وانتقاله عنه أي انتقال الأول عن مكانه مشروط بانتقال هذا الجسم عن مكانه إليه أي إلى مكان الأول ليخلو مكانه عنه فيمكن انتقال الأول إليه فيدور لأن كل واحد من الانتقالين مشروط بالآخر وموقوف عليه فهو أي الجسم الآخر بإذن ينتقل إلى مكان جسم آخر مغاير للأولين والكلام فيه أي في هذا الجسم الثالث كما فيالأول السابق عليه وهو الجسم الثاني إذا لا بد أن ينتقل الثالث عن مكانه حتى يتصور انتقال الثاني إليه ولا يجوز أن ينتقل الثالث إلى مكان الثاني ولا إلى مكان الأول لاستلزامه الدور كما عرفت بل إلى مكان جسم رابع فننقل الكلام إليه ويتسلسل فتتحرك أجسام العالم كلها وهذا الوجه الثاني أيضا أي كالوجه الأول إلزامي مبني على قواعد الحكماء فإن عند المتكلمين على تقدير كون العالم مملوءا قد يعدم الله الجسم الذي قدامه أي قدام الجسم المتحرك حال انتقاله بحركته إلى مكانه فيملأه المتحرك ويخلق جسما آخر في مكانه أي مكان المتحرك

ليملأ مكانه فلا يلزم الخلاء ولا تصادم الأجسام ولا يتم هذا الإلزام على الحكماء إلا بإبطال التخلخل والتكاثف وإلا جاز أن يتخلخل ما خلفه أي يزيد مقدار ما خلف المتحرك من الأجسام فيملأ مكانه بمقداره الزائد من غير أن ينتقل ما خلفه عن مكانه ويتكاثف ما قدامه أي ينتقص مقدار ما قدامه من الأجسام فيخلي له مكانا من غير أن ينتقل عن مكانه وبهذا القدر يندفع الإلزام إلا أنه زاد في البيان فقال إلى غاية ما يطيع ما خلفه أو ما قدامه لذلك التخلخل أو التكاثف بحسب قوة الحركة وضعفها وتصويره أن المتحرك في الهواء يدفع الهواء الذي قدامه ويدفع ذلك الهواء هواء آخر وهكذا لكن هذا الدفع يتفاوت ويضعف إلى أن ينتهي إلى هواء لا ينقاد للدفع لضعف الدافع فهذا الدافع المتوسط بين ما دفعه وبين ما لم يندفع به يضطر إلى قبول حجم أصغر مما كان وهكذا ما خلق هذا المتحرك من الهواء ينجذب إليه ما يقرب منه ويتجذب إلى هذا المنجذب ما يليه وهكذا ويضعف الانجذاب حتى ينتهي إلى ما لا ينجذب فيضطر المتوسط إلى قبول حجم أكبر ولا شك أن الدفع والانجذاب المذكورين يتفاوتان بحسب قوة الحركة وضعفها فإذا كانت الحركة قوية امتد في مسافة كثيرة وإن كانت ضعيفة كانا في مسافة قليلة فإن قيل التخلخل والتكاثف في الأجسام إنما يكونان لكثرة الخلاء وقلته فيما بين أجزاء الجسم فيكون مقداره مع كثرة الخلاء فيما بينهما كبيرا ومع قلته صغيرا فهما يستلزمان وقوع الخلاء الذي هو المطلوب
قلنا ممنوع كونهما لما ذكرتم بل هما لأن الهيولى أمر قابل للمقدار الصغير والكبير إذ لا مقدار لها في حد نفسها ونسبتها إلى المقادير

الصغيرة والكبيرة على سواء فتخلع مقدارا وتلبس مقدارا آخر أصغر أو أكبر وسيأتي ذلك فيما بعد ويمكن أيضا الجواب عن هذا الإلزام بمنع بطلان الدور المذكور فيه فإنه دور معية لا دور توقف وتقدم فإن انتقال الجسم عن المكان وانتقال الآخر إليه يقع كلاهما معا بحسب الزمان كأجزاء الحلقة التي تدور على نفسها وليس يلزم من ذلك أن يكون كل منهما علة للآخر حتى يلزم دور التقدم بل يجوز أن يكون شيء منهما علة لصاحبه فلا يكون هناك تقدم أصلا أو يكون أحدهما فقط علة للآخر فيكونان حينئذ كحركتي الأصبع والخاتم في أن التقدم من أحد الجانبين وبالجملة فإن أراد المستدل الملزم بالتوقف امتناع الانفكاك فقد يتعاكس التوقف بهذا المعنى فيكون من الجانبين وليس بمحال كما مر فيجوز أن يكون كل من انتقال الجسم عن مكانه وانتقال الآخر إليه متوقفا على الآخر أي يمتنع الانفكاك عنه وإن أراد بالتوقف امتناع الانفكاك بنعت التقدم منعناه ههنا أي منعنا أن التوقف بهذا المعنى ثابت بين الانتقالين بل لا توقف بينهما أصلا أو التوقف من جانب واحد فقط كما نبهنا عليه وقد أجيب عن هذا الإلزام أيضا بأنه لو صح لامتنع حركة السمكة في البحر إذ لا يعقل ثبوت خلاء في الماء لأنه سيال بالطبع يسيل إلى المواضع الخالية وإذ لا خلاء هناك فإذا تحركت سمكة في قعر البحر لزم تموجه بكليته لما ذكرتم بعينه فإن التزمتم هذا التزمنا تدافع أجسام العالم وتصادمها بحركة بقة واحدة وهو مردود إذ يجوز عندنا أن يمنع الفاعل المختار سيلان الماء إلى الأمكنة الخالية وأعلم أن ما تمسك به المتكلمون من الوجهين على تقدير صحته إنما يدل على ثبوت المكان الخالي وأما كونه بعدا موهوما كما هو مذهبهم فيحتاج إلى إبطال البعد المجرد الموجود

احتج الحكماء على امتناع المكان الخالي عن الشاغل سواء كان بعدا مفروضا أو موجودا بوجوه ثلاثة
الأول أنه لو وجد الخلاء فلنفرض حركة ما إرادية أو قسرية أو طبيعية في مسافة خالية فهي في زمان لأن كل حركة إنما هي على مسافة منقسمة فقطع بعضها مقدم على قطع كلها فلا يتصور وقوعها في آن بل في زمان وليكن ذلك الزمان ساعة ولنفرض حركة أخرى مثلها أي مساوية للأولى في القوة المحركة والجسم المتحرك ومقدار المسافة في ملء غليظ القوام كالماء فتكون هذه الحركة الثانية في زمان أكثر من زمان الحركة الأولى ضرورة وجود المعاوق الذي يقتضي بطء الحركة المستلزم لطول الزمان ولتكن الحركة الثانية في عشر ساعات مثلا ونفرض حركة ثالثة مثلها أي مثل الأولى أيضا في القوة المحركة والجسم المتحرك مقدار المسافة في ملء آخر رقيق كالهواء قوامه عشر قوام الملء الأول فتكون هذه الحركة الثالثة في ساعة أيضا كالحركة الأولى لأن تفاوت الزمان في الحركات إنما هو بحسب تفاوت المعاوق فكلما كان المعاوق أكثر كانت الحركة أبطأ والزمان أطول وكلما كان أقل كانت الحركة أسرع والزمان أقصر وهو أي المعاوق القوام يعني قوام الجسم المالىء للمسافة الذي يخرقه المتحرك فإن كان المعاوق عشرا من معاوق آخر كالملء الثاني بالقياس إلى الملء الأول كان الزمان الواقع بإزاء المعاوق الأقل عشرا أيضا من زمان المعاوق الأكثر كما في مثالنا هذا وإذا ثبتت هذه المقدمات لزم أن تكون الحركة في الخلاء مع أنه لا معاوق عن الحركة في هذه المسافة والحركة في الملء الرقيق وهو معاوق عن الحركة فيه لاحتياج المتحرك إلى خرقه ودفعه كلاهما في

ساعة كما ذكرناه فيكون وجود المعاوق وعدمه سواء حيث لم يتفاوت بهما حال الحركة في السرعة والبطء وإلا اختلف الزمان أيضا هذا خلف لأن البديهة تشهد بأن الحركة مع المعاوقة وإن كانت قليلة تكون أبطأ وأكثر زمانا من الحركة التي لا معاوقة معها أصلا
والجواب عن هذا الوجه كما ذكره أبو البركات أنه مبني على مقدمة واحدة وهي أن تفاوت زماني الحركتين الأخيرتين إنما هو بحسب تفاوت المعاوقين حتى يجب أنه لما كان المعاوق عشرا كان الزمان أيضا عشرا وذلك أعني كون تفاوت الزمانين كتفاوت المعاوقين إنما يصح لو لم تكن الحركة لذاتها من حيث هي هي تقتضي زمانا واقعا بإزائها لكنها تقتضيه لأن الحركة من حيث هي لا تتحقق إلا على مسافة منقسمة يكون قطع نصفها الأول مقدما على قطع النصف الآخر فلا يتصور وجود الحركة من حيث هي إلا في زمان وذلك الزمان الذي تقتضيه ماهيتها يكون محفوظا في جميع الحركات وما زاد عليه يكون بحسب المعاوق وحينئذ لا تتم تلك المقدمة التي بني عليها الدليل وإليه أشار بقوله وإلا أي وإن لم تكن الحركة غير مقتضية لذاتها زمانا بل كانت مقتضية له كان الزائد على ذلك القدر الذي تقتضيه ماهية الحركة من الزمان هو الواقع بإزاء المعاوق لا جميع الزمان فيكون تفاوت ذلك القدر الزائد بحسب تفاوت المعاوقين في المثال المذكور لا أصل الحركة أي لا زمان أصلها فإنه لا يتفاوت بتفاوت المعاوقين بل هو محفوظ في الحركات كلها لأن مقتضى ذات الشيء لا يختلف ولا يتخلف عنه ففي المثال المفروض وهو الحركة في الملء الغليظ تكون ساعة لأصل الحركة لا تعلق لها بالمعاوق أصلا كما في الحركة الواقعة في الخلاء فإن ساعتها بإزاء الحركة دون المعاوق وتسع ساعات بإزاء المعاوق الذي

هو الملء الغليظ فهذه التسع تتفاوت بحسب تفاوت المعاوق وتكون حصة القوام الرقيق من هذه التسع عشرا منها وهو عشر تسع ساعات وهي أي عشر تسع ساعات تسعة أعشار ساعة واحدة فيضاف تسعة الأعشار إلى ما تقتضيه الحركة لذاتها وهي ساعة فتكون حركته في الملء الرقيق في ساعة وتسعة أعشارها فلا يلزم المساواة بين وجود المعاوق وعدمه ومن المتأخرين من اشتغل ببيان أن الحركة لا تقتضي زمانا لذاتها وإلا لكانت الحركة الواقعة في ذلك الزمان أسرع الحركات إذ لا يمكن وقوع حركة في أقل من ذلك الزمان ولا يتصور كون تلك الحركة ولا كون حركة ما من الحركات أسرع الحركات لأنها واقعة في زمان والزمان منقسم إلى غير النهاية فيكون له أي لذلك الزمان الذي وقعت فيه تلك الحركة نصف ولو فرض وقوعها فيه أي في ذلك النصف كانت الحركة الواقعة في النصف أسرع منها أي من الواقعة في الجميع بالضرورة إذا اتحدتا في المسافة فلا تكون تلك الحركة أسرع الحركات فظهر أن ماهية الحركة لا تقتضي مقدارا من الزمان بل الزمان كله بإزاء المعاوق فيتفاوت بتفاوته ويتم الخلف وهذا الجواب الذي هو محصل ما ذكره الفاضل الطوسي إنما يتم لو بين أن وقوع الحركة في جزء من ذلك الزمان الذي فرضنا أن تقتضيه ماهية الحركة ممكن إما بحسب نفس الأمر وأنى له بيان إمكان وقوعها فيه إلا بحسب التوهم إذ يصح أن يتوهم وقوع الحركة في ذلك الجزء وإما بحسب نفس الأمر فكلا لجواز أن يقال الزمان الذي تقتضيه الحركة قد لا يقبل القسمة

بالفعل بل بالتوهم فكيف تقع الحركة المحققة في جزء وهمي من الزمان ونحن نقول الزمان عندهم متصل واحد لا انقسام فيه بالفعل وإنما ينقسم بالفرض إلى أجزاء هي أزمنة انقساما لا يقف عند حد وكذلك الحركة متصلة بانطباقها على المسافة والزمان ولا ينقسم إلا إلى أجزاء هي حركات كما أن المسافة لا تنقسم إلا إلى أجزاء منقسمة كل واحد منها مسافة وهذه أحكام لازمة من نفي الجزء الذي لا يتجزأ فإن سلمته لزمك الاعتراف بأن زمان أية حركة فرضت من الحركات إذا جزىء على أي وجه أريد كان كل جزء منه زمانا وكان ظرفا لجزء من أجزاء تلك الحركة وذلك الجزء أيضا حركة واقعة في جزء من أجزاء المسافة وهو في نفسه أيضا مسافة فيظهر من ذلك أن ماهية الحركة من حيث هي هي صالحة لأن تقع في أي جزء كان من الأجزاء المفروضة للزمان والمسافة فلا تقتضي الحركة لذاتها قدرا معينا من الزمان ولا من المسافة بل تقتضي مطلق الزمان والمسافة الموجودة في كل جزء من أجزائها فلا حاجة بنا إلى دعوى أن اقتضاء الحركة لذاتها زمانا يستلزم أسرع الحركات حتى نحتاج في إبطال اللازم إلى بيان وقوع الحركة في نصف زمان الأسرع مع اتحاد المسافة وإن لم نسلم نفي الجزء كان هو الجواب في الحقيقة وأيضا فإن الكلام من المعترض إنما هو في تلك الحركة المخصوصة لا في مطلق الحركة أي ليس اعتراضه بأن ماهية الحركة من حيث هي تقتضي زمانا حتى يدفع بأنه باطل إما لاستلزامه وجود أسرع الحركات أو لأن ماهية الحركة موجودة في ضمن أي جزء من الحركة يوجد في أي جزء كان من أجزاء الزمان على ما قررناه بل بأن الحركة المخصوصة التي توجد في مسافة مخصوصة تقتضي ذلك إذ هي باعتبار القوة المحركة

والجسم المتحرك والمسافة المعينة تقتضي قدرا من الزمان فإن بديهة العقل تحكم بذلك مع قطع النظر عن معاوقة المخروط ثم إن الزمان يزداد بسبب المعوقة فيكون بعض من الزمان بإزاء المعاوق وبعض منه بإزاء الحركة لأجل الأمور المذكورة وهو زمان الخلاء فما يكون بإزاء المعاوق يتفاوت على حسب تفاوته وما يكون برزاء تلك الأمور يتفاوت بحسب تفاوتها لا بحسب تفاوت المعاوق ولما فرض تساوي تلك الأمور في الحركات المفروضة فيما نحن بصدده لم يتفاوت زمانها فيها بل يتفاوت ما كان بإزاء المعاوق فقط فلا يلزم محذور كما تحققته وقد أجيب عن الوجه الأول أيضا بأنه مبني على إمكان قوام يكون نسبة معاوقته إلى معاوقة الملء المفروض أو لا كنسبة زمان الخلاء إلى زمان الملء وهو ممنوع لجواز أن ينتهي قوام الملء إلى قوام لا يمكن ما هو أرق منه ولا يكون هو مما يتأتى فيه تلك النسبة وبأن المعاوق قد يكون من الضعف بحيث يتساوى وجوده وعدمه بالقياس إلى القوة المحركة فلا تختلف الحركة بسببه
الثاني من وجوه امتناع الخلاء الجسم لو حصل في الخلاء سواء كان بعدا موهوما أو موجودا كان اختصاصه بحيز دون آخر ترجيحا بلا مرجح لتشابه أجزائه فإن البعد المفروض لا يتصور فيه اختلاف وكذا الحال في البعد الموجود المجرد إذ اختلاف الأمثال إنما يكون بالمادة فإذا فرض حصول جسم في حيز فإن كان ساكنا فيه لزم اختصاصه به من غير مرجح وإن كان متحركا عنه لزم تركه لحيز وطلبه لآخر مع تساويهما وذلك أيضا نوع اختصاص له بالحيز الآخر وترجيح بلا مرجح
والجواب أن كل العالم لا اختصاص له بحيز دون حيز فإنه مالئ للأحياز كلها إذ الخلاء الذي هو المكان إنما هو بمقدار العالم فيمتلئ به فلا اختصاص له بحيز دون آخر فلا ترجيح
فإن قيل ليس كلامنا في مجموع العالم وحيزه حتى يجاب بما

ذكرتموه بل الكلام في كل جزء من أجزاء العالم وما يحصل فيه ذلك الجزء من الأمكنة الخلائية
قلنا لعل الاختصاص الحاصل لأجزاء العالم بأحيازها المعينة إنما يكون لتلاؤم الأجسام وتنافرها فإن الأرض مثلا لثقلها تقتضي الحصول في الوسط الذي هو أبعد الأخيار عن الفلك وأنت تعلم أن النزاع ههنا في الخلاء بمعنى المكان الخالي عن الشاغل لا في أن البعد المفروض أو الموجود لا يصلح أن يكون مكانا وإذا كان العالم مالئا للأحياز كلها فلا خلاء بهذا المعنى وأيضا ملء العالم لكل الأحياز إنما يتصور إذا كان المكان بعدا موجودا مجردا مساويا لمقدار العالم فإن البعد المفروض لا يمكن أن يوصف بمساواته إياه حتى يمتلئ به وقد استدل بعضهم بهذا الوجه على امتناع أن يكون المكان بعدا مجردا لاستلزامه أن لا يسكن جسم في حيز ولا يتحرك عنه أيضا لما عرفته فأجيب بما ذكره من كون ذلك البعد مساويا للعالم وكون اختصاص أجزائه بأحيازها لما بين الأجسام من الملاءمة والمنافرة
الثالث من تلك الوجوه أنه إذا رمي حجر إلى فوق فلولا معاوقة الملء لذلك الحجر عن الحركة لوصل إلى السماء وذلك لأن صعوده إليها إنما هو بقوة فيه استفادها من القاسر فتلك القوة ما دامت باقية يكون الحجر متحركا نحو الفوق وهي أعني تلك القوة لا تعدم بذاتها بل بمصادمات الملء الذي في المسافة فإذا كانت المسافة خالية لم تعدم القوة حتى يصل إلى السماء وهو باطل بالمشاهدة
والجواب أنه أي ما ذكرتم من الدليل على تقدير صحته إنما ينفي كون ما بين السماء والأرض كله خلاء إذ حينئذ لم يكن هناك معاوقة مانعة

من الوصول إلى السماء ولا ينفي وجود الخلاء مطلقا لجواز أن يكون الغالب في هذه المسافة الهواء الذي هو ملء معاوق يوجب ضعف الميل القسري حتى يبطل و يكون مع ذلك فيما بينهما خلاء كثير وفي نسخة المصنف وفيما بينهما أي بين المسافة ويمكن أن يجاب أيضا بأن معدم القوة القسرية هو الطبيعة المغلوبة في ابتداء الحال ثم تتقوى شيئا فشيئا حتى تعود غالبة هذا على رأيهم وأما عندنا فالكل مستند إلى الفاعل المختار وربما احتج الحكماء على امتناع الخلاء بعلامات حسية
الأولى السراقات جمع سراقة وهي الآنية الضيقة الرأس في أسفلها ثقبة ضيقة وتسمى في الفارسية آب دزد فإنه إذا ملئت تلك الآنية ماء وفتح المدخل خرج الماء من الثقبة الضيقة وإذا سد المدخل وقف الماء عن الخروج والنزول وليس ذلك الوقوف من الماء مع أن طبعه يقتضي نزوله إلا لأنه لو خرج الماء مع كون المدخل مسدودا لزم الخلاء وأما إذا كان المدخل مفتوحا فلا يلزم خلاء إذ بمقدار ما يخرج من الماء يدخل فيه الهواء وإنما أعتبر ضيق رأس الآنية ليمكن سدها بحيث لا يدخل فيه الهواء أصلا واعتبر ضيق الثقبة في أسفلها لأنها إذا كانت واسعة نزل الماء من جانب منها ودخل الهواء من جانب آخر
الثانية الزراقات جمع زراقة وهي أنبوبة معمولة من نحاس يجعل أحد شطريها دقيقا وتجويفه ضيقا جدا ويجعل شطرها الآخر غليظا وتجويفه واسعا ويسوى خشب طويل بحيث يكون غلظه مالثا لتجويفه الواسع فإنه إذا ملئت تلك الأنبوبة ماء ووضع الخشبة على مدخلها بحيث تسده لم يخرج الماء من الطرف الآخر ثم أنه بقدر ما يدخل الخشب فيها يخرج الماء من التجويف الضيق خروجا بقوة ويقطع مسافة ولو وجد في داخل

تلك الأنبوبة خلاء لكان الماء ينتقل إليه بقدره أي لكان ينتقل الماء إلى ذلك الخلاء بقدر ما يدخل الخشب فيها فلا يخرج عنها وهو باطل بشهادة الحس وأيضا إذا أوصل الخشبة من داخل إلى الثقبة الضيقة ووضعت على الماء ثم جذبت الخشبة من الأنبوبة ارتفع الماء في الأنبوبة لامتناع الخلاء
الثالثة ارتفاع اللحم في المحجمة بالمص فإنا نشاهد أن المحجمة إذا وضعت على اللحم من أعضاء الانسان ثم مصت فإنه يرتفع اللحم في داخل المحجمة وما هو إلا لأنه أي الشان هو بقدر ما يمص من الهواء ويخرج منها أي من المحجمة يستتبع ذلك الهواء الممصوص المخرج منها ما يملؤها من اللحم قسرا أي استتباعا قسريا ضرورة دفع الخلاء ووجوب تلازم سطوح الأجسام وإذا ألقينا المحجمة على الحديد بحيث لا يكون بينهما منفذ يدخل فيه الهواء ثم مصصناها لم يرتفع الحديد إما لأن الهواء لا يخرج منها أو لأنها يخرج منها بعضه وينبسط الباقي فيملأها وإذا وضعت المحجمة على السندان وضعا لا يبقى معه منفذ ثم مصت مصا قويا ورفعت المحجمة فإنه يرتفع السندان بارتفاعها
الرابعة وكذلك يرتفع الماء في الأنبوبة فإنه إذا غمس أحد طرفيها في الماء ومص الآخر ارتفع الماء إلى فم الماص مع ثقله واقتضاء طبعه النزول دون الارتفاع وما ذلك الارتفاع إلا لأن سطح الهواء ملازم لسطح الماء بسبب امتناع الخلاء فإذا ارتفع سطح الهواء بالمص تبعه سطح الماء لضرورة دفع الخلاء
الخامسة أنا إذا وضعنا أنبوبة مسدودة الرأس أو خشبة مستوية في قارورة بحيث يكون بعض الأنبوبة في داخل القارورة وبعضها خارجا عنها وسددنا رأسها بحيث لا يدخلها هواء ولا يخرج عنها وذلك بأن نسد

الخلل بين عنق القارورة والأنبوبة سدا لا يمكن نفوذ الهواء فيه فإذا أدخلنا الأنبوبة فيها أكثر مما كان بحيث لا يخرج شيء من الهواء عنها انكسرت القارورة إلى خارج وإذا أخرجناها عنها بحيث لا يدخل فيها شيء من الهواء انكسرت إلى داخل ولولا أنها مملوءة بالهواء وما فيها من الأنبوبة بحيث لا تحتمل شيئا آخر لم تكن كذلك أي لم تنكسر بالإدخال إلى خارج ولولا أنها يستحيل خلوها عما يكون شاغلا لها مالئا إياها لم تنكسر بالإخراج إلى داخل فدل ذلك على امتناع التداخل وامتناع الخلاء معا
والجواب أن شيئا منها أي من العلامات المذكورة لا يفيد القطع بامتناع الخلاء لجواز أن يكون ما ذكرتم من الأمور الغريبة بسبب آخر مغاير لامتناع الخلاء لكنا لا نعرفه بخصوصه فهي أي العلامات المذكورة إمارات مفيدة للظن لا براهين مفيدة للقطع بالمطلوب
قال المصنف واعلم أن الإمارات إذا كثرت واجتمعت ربما أقنعت النفس وأفادتها يقينا حدسيا لا يقع به للخصم اللازم فهذه الإمارات لا تقوم حجة علينا وإن أمكن أن تفيدهم جزما يقينيا يكفيهم في ثبوت هذا المطلب عندهم فروع على القول بالخلاء
الأول من قال بالخلاء منهم من جعله بعدا موجودا فإذا حل البعد الموجود عندهم في مادة فجسم وإلا أي وإن لم يحل في مادة فخلاء

أي بعد موجود مجرد في نفسه عن المادة سواء كان مشغولا ببعد جسمي يملؤه أو غير مشغول به فإنه في نفسه خلاء ومنهم من جعله عدما صرفا كما مر من أن حقيقة الخلاء عند القائلين بأن المكان بعد موهوم أن يكون الجسمان بحيث لا يتلاقيان ولا يكون بينهما ما يلاقيهما
الثاني منهم أي من القائلين بالخلاء أعني بالبعد الموجود المجرد في نفسه عن المادة من جوز أن لا يملأه جسم فيكون حينئذ خلاء بمعنى أنه بعد مجرد عن المادة وبمعنى أنه مكان خال عن الشاغل ومنهم من لم يجوزه فيكون حينئذ خلاء بالمعنى الأول دون الثاني والفرق بين هذا المذهب وبين مذهب من قال بالسطح أن فيما بين أطراف الطاس على هذا المذهب بعدا موجودا مجردا في نفسه عن المادة قد انطبق عليه بعد الجسم فهناك بعدان إلا أن الأول لا يجوز خلوه عن انطباق الثاني عليه وأما على القول بأن المكان هو السطح فليس هناك إلا بعد الجسم الذي هو في داخل الطاس
الثالث قال ابن زكريا في الخلاء قوة جاذبة للأجسام ولذلك يحتبس الماء في السراقات وينجذب في الزراقات كما مر وقال بعضهم فيه قوة دافعة للأجسام إلى فوق فإن التخلخل الواقع في الجسم بسبب كثرة الخلاء في داخله أعني أن يتفرق أجزاؤه ويداخلها خلاء يفيد ذلك الجسم خفة دافعة له إلى الفوق والجمهور على أنه ليس في الخلاء قوة جاذبة ولا دافعة وهو الحق

المرصد الثالث في الكيفيات وفيه مقدمة وفصول
المقدمة في تعريفه واقسامه
أما تعريفه فإنه عرض لا يقتضي القسمة واللاقسمة اقتضاء أوليا ولا يكون معناه معقولا بالقياس إلى الغير وهذا رسم ناقص وهو الغاية في الأجناس العالية ويجوز بالأمور الوجودية والعدمية بشرط أن تكون أجلى فلا يصح أن يقال الجوهر ما ليس بعرض والكم ما ليس بكيف ولا أين إلى آخر المقولات واحترزنا بقولنا لا يقتضي القسمة عن الكم وبقولنا اللاقسمة عن الوحدة والنقطة عند من قال أنهما من الأعراض واقتضاء أولياء عن العلم بمعلوم واحد وبمعلومين وبالأخير عن النسب
وأما أقسامه فهي أربعة المحسوسة والنفسانية والمختصة بالكميات والاستعدادات ومأخذ الحصر هو الاستقراء ومنهم من أراد إثباته بالترديد بين النفي والإثبات فذكر وجوها
الأول أنه إما أن يختص بالكم أو لا وهذا إما محسوس أو لا وهذا إما استعداد نحو الكمال أو كمال قلنا ولم قلتم أن الكمال هو الكيفية النفسانية ولم يثبت لغير ذوات الأنفس غايته أنا لم نجده فالمال هو الاستقراء فلنعول عليه أو لا
الثاني قال ابن سينا إن فعل بالتشبيه فمحسوس وإلا فإن تعلق بالكم فذاك وإلا فللجسم أما من حيث كونه جسما طبيعيا أو نفسانيا

قلنا لم قلت إن المحسوسة كلها فاعلة بالتشبيه وينتقض بالنقل والخفة ولم قلت إن غيرها ليس بذلك وأيضا فقد اعترف أنه لم يثبت فعل الرطب واليابس بالتشبيه
الثالث إما أن يتعلق بوجود النفس أو لا والثاني إما أن يتعلق بالكمية أو لا والثاني إما استعداد أو فعل قلنا ولم قلت إن الأخير المحسوسة
الرابع إما أن يفعل بالتشبيه أو لا والثاني إما أن لا يتعلق بالأجسام أو يتعلق والثاني إما من حيث الكمية أو الطبيعة ولا يخفى ما فيه مع أنه يضيع الكيفية المختصة بالأعداد
قدم مباحث الكيف على سائر المقولات لأنه أصح وجودا من جميعها إذ منه المحسوسات التي هي أظهر الموجودات إلا أنه قدم الكم عليها لما مر من أنه يعم الماديات والمجردات وفيه مقدمة وفصول أربعة المقصد في تعريفه وأقسامه الأولية أما تعريفه فإنه عرض لا يقتضي القسمة واللاقسمة اقتضاء أوليا أي بالذات ومن غير واسطة ولا يكون معناه معقولا بالقياس إلى الغير وهذا التعريف رسم ناقص للكيف وهو الغاية في الأجناس العالية فإنها لبساطتها على القول بامتناع تركبها من أمور متساوية لا تحد أصلا ولا ترسم رسما تاما ويجوز تعريفها الرسمي بالأمور الوجودية والعدمية أيضا بشرط أن تكون تلك الأمور أجلى مما يعرف بها من الأجناس العالية فلا يصح أن يقال مثلا الجوهر ما ليس بعرض فإن الجوهر والعرض يتساويان في المعرفة والجهالة فلا يجوز ذكر أحدهما في تعريف الآخر ولا أن يقال الكم ما ليس بكيف ولا أين إلى آخر المقولات لأنها ليست أجلى من الكم حتى تؤخذ في تعريفه فقولنا

عرض يتناول الأعراض كلها واحترزنا بقولنا لا يقتضي القسمة عن الكم فإنه يقتضي القسمة لذاته وبقولنا ولا يقتضي اللاقسمة عن الوحدة والنقطة المقتضيتين لها عند من قال إنهما من الأعراض أي على القول بأنهما موجودتان في الخارج وأما على القول بأنهما من الأمور الاعتبارية فلا حاجة إلى هذا القيد لعدم دخولهما في العرض كما مرت إليه الإشارة وبقولنا اقتضاء أوليا عن خروج العلم بمعلوم واحد هو بسيط حقيقي والعلم بمعلومين فإن العلم الأول يقتضي اللاقسمة لكن ليس اقتضاؤه أوليا بل بواسطة معلومة والعلم الثاني يقتضي القسمة كذلك فلولا تقييد الاقتضاء بالأولية لخرجا عن الحد مع أنهما من مقولة الكيف وبالأخير أي واحترزنا بالقيد الأخير وهو قولنا ولا يكون معناه معقولا بالقياس إلى الغير عن النسب أي الأعراض النسبية فإنها معقولة بالقياس إلى غيرها وأما الكيفيات فليست معانيها في أنفسها مقيسة إلى غيرها لما عرفت من أنها لا تقتضي لذاتها النسبة وقد ذكر بعضهم في موضع القيد الأخير قوله ولا يتوقف تصوره على تصور غيره فإن الأعراض النسبية تتوقف تصوراتها على تصور أمور أخر بخلاف الكيفيات فإنها قد يستلزم تصورها تصور غيرها كالإدراك والعلم والقدرة والشهوة والغضب ونظائرها فإنها لا تتصور بدون متعلقاتها أعني المدرك والمعلوم مثلا لكن ليس تصوراتها متوقفة على تصورات المتعلقات معلولة لها كما في النسب بل تصوراتها موجبة لتصورات متعلقاتها فإنها تعقل العلم أولا ثم تدرك متعلقه وكذا الحال في الكيفيات المخصوصة بالكميات كالإستقامة والانحناء والتثليث والتربيع والجذرية والكعبية واعترض عليه بخروج الكيفيات المكتسبة بالحدود

والرسوم وأما أقسامه فهي أربعة الكيفيات المحسوسة والكيفيات النفسانية والكيفيات المختصة بالكميات والاستعدادات أي الكيفيات الاستعدادية ومأخذ الحصر في هذه الأربعة هو الاستقراء والتتبع ومنهم من أراد إثباته بالترديد بين النفي والإثبات فذكر وجوها أربعة
الأول وهو أجودها أنه أي الكيف إما أن يختص بالكم أو لا يختتص به وهذا الذي لا يختص بالكم إما محسوس بإحدى الحواس الظاهرة أو لا وهذا الذي ليس محسوسا بها إما استعداد نحو الكمال أو كمال وهذا الأخير هو الكيفيات النفسانية قلنا ولم قلتم أن الكمال الخارج من القسمة هو الكيفية النفسانية ولم يثبت ذلك الكمال لغير ذوات الأنفس فإن ما لا يختص بالكم ولا يكون محسوسا ولا يكون حقيقته استعدادا جاز أن يكون كيفية غير مختصة بذوات الأنفس من الأجسام غايته أنا لم نجده فالمال هو الاستقراء فلنعول عليه أو لا حذفا لمؤنة الترديد
الثاني من وجوه الحصر قال ابن سينا في الشفاء الكيف إن فعل بالتشبيه أي إن صدر عنه ما يشبهه فمحسوس كالحرارة فإنها تجعل ما يجاور محلها حارا وكالسواد فإنه يلقى شبحه في العين وهو مثاله بخلاف الثقل فإن فعله في الجسم هو التحريك وليس ثقلا قال الإمام الرازي هذا تصريح من ابن سينا بإخراج الثقل والخفة عن نوع الكيفيات المحسوسة ثم أنه عند شروعه في الكيفيات المحسوسة نص على أن الثقل والخفة منها إذ لا يجوز إدخالهما في الكم ولا في مقولة أخرى سوى الكيف ولا يمكن إدخالهما أيضا في الأنواع الثلاثة الأخرى من هذه المقولة وهذا كما تراه مناقضة بين كلاميه وإلا وإن لم يفعل بالتشبيه

فإن تعلق بالكم فذاك هو المختص بالكميات وإلا وإن لم يتعلق بالكم فللجسم أي فيكون ثبوته للجسم إما من حيث كونه جسما طبيعيا فقط وهو القوة الفعلية والانفعالية أعني الاستعداد أو نفسانيا أي من حيث أنه جسم ذو نفس وهو المختص بذوات الأنفس قلنا لم قلت أن الكيفيات المحسوسة كلها فاعلة بالتشبيه فإنه ممنوع كيف وينتقض هذا الحكم الكلي بالثقل والخفة كما عرفت ولم قلت إن غيرها أي غير المحسوسة من الكيفيات ليس كذلك أي ليس فاعلا بالتشبيه فإنه غير معلوم وأيضا فقد اعترف ابن سينا في طبيعيات الشفاء أنه لم يثبت فعل الرطب واليابس بالتشبيه فلا يصح حينئذ التقسيم المذكور لاقتضائه أن يجوز خروج الرطوبة واليبوسة عن الكيفيات المحسوسة
الثالث من وجوه الحصر وهو أيضا مذكور في الشفاء أن يقال الكيف إما أن يتعلق بوجود النفس وذلك بأن يكون للنفوس أو للأجسام من حيث أنها ذوات النفوس أو لا يتعلق بوجود النفس
والثاني إما أن يتعلق بالكمية أو لا يتعلق بها
والثاني إما استعداد أو فعل قلنا ولم قلت إن الأخير أعني الفعل هو الكيفيات المحسوسة لجواز أن يكون كيفية هويتها الفعل دون الاستعداد ولا تكون محسوسة
الرابع من تلك الوجوه وقد ذكره في الشفاء أيضا لكنه زيفه بما ستعرفه أن يقال الكيف إما أن يفعل بالتشبيه كما مر أولا والثاني إما أن لا يتعلق بالأجسام بل بالنفوس أو يتعلق بالأجسام والثاني إما من حيث كميتها أو من حيث طبيعتها والقسم الأخير هو الاستعداد نحو الفعل أو الانفعال ولا يخفى ما فيه وهو ما مر في الوجه الثاني من أنه لم يثبت أن

المحسوسة كلها فاعلة بالتشبيه إلى آخره ومع أنه مزيف بما ذكر في الشفاء من أنه يضيع الكيفية المختصة بالأعداد العارضة للمجردات فإن هذه الكيفية كالزوجية مثلا غير مندرجة في التقسيم لأنها غير عارضة للأجسام

الفصل الأول في الكيفيات المحسوسة
وهي إن كانت راسخة سميت انفعاليات وإلا فانفعالات وإنما سميت الأولى بذلك لوجهين
الأول أنها محسوسة والاحساس انفعال للحاسة
الثاني أنها تابعة للمزاج إما بشخصها كحلاوة العسل أو بنوعها كحرارة النار فإنها وإن كانت ثابتة لبسيط فقد توجد في بعض المركبات تابعة للمزاج كالعمل ثم أنهم إنما سموا القسم الثاني انفعالات لأنها لسرعة زوالها أشبهت الانفعالات فسميت بها تمييزا لها وهو يشارك القسم الأول في سبب التسمية لكن حاولوا التفرقة فحرم اسم جنسه لما قلنا وأنواعها خمسة بحسب الحواس الخمس
النوع الأول الملموسات وفيه مقاصد
قدمها لأنها أظهر الأقسام الأربعة وهي إن كانت راسخة أي ثابتة في موضوعها بحيث يعسر زوالها عنه كصفرة الذهب وحلاوة العسل سميت انفعاليات وإلا وإن لم تكن راسخة كصفرة الوجل وحمرة الخجل فانفعالات وإنما سميت الكيفيات الأولى بذلك الاسم الذي هو الانفعاليات لوجهين
الأول أنها محسوسة والاحساس انفعال للحاسة فهي سبب للانفعال ومتبوعة له
الثاني أنها تابعة للمزاج التابع للانفعال إما بشخصها كحلاوة العسل فإنها تكونت فيه بسبب مزاجه الذي حدث بانفعال وقع في مادته أو بنوعها كحرارة النار فإنها وإن كانت ثابتة لبسيط لا يتصور فيه انفعال فقد توجد الحرارة التي هي نوعها في بعض المركبات تابعة للمزاج كالعسل والفلفل فإن حرارتهما تابعة لمزاجهما المستفاد من انفعال وقع في موادهما ولما كان القسم الأول متبوعا للانفعال من وجه وتابعا له من وجه آخر نسب إليه ثم إنهم إنما سموا القسم الثاني انفعالات مع ثبوت هذين الوجهين فيها لأنها لسرعة زوالها أشبهت الانفعالات والتأثرات المتجددة الغير القارة فسميت بها تمييزا لها عن الكيفيات الراسخة وتنبيها على تلك المشابهة ثم أشار إلى سبب آخر في التسمية بالانفعالات فقال وهو أي

القسم الثاني يشارك القسم الأول في سبب التسمية بالانفعاليات كما أشرنا إليه لكن حاولوا التفرقة بين القسمين فحرم القسم الثاني اسم جنسه الذي هو الانفعاليات تنبيها على قصور فيه لما قلنا من سرعة زواله كأنه ليس من ذلك الجنس بل أدنى منه فنقص من الاسم شيء ثم أطلق عليه الباقي
وأنواعها أي أنواع الكيفيات المحسوسة خمسة بحسب الحواس الخمس الظاهرة
النوع الأول الملموسات المسماة بأوائل المحسوسات لوجهين
أحدهما عموم القوة اللامسة إذ لا يخلو عنها حيوان لأن بقاءه باعتدال مزاجه فلا بد له من الاحتراز عن الكيفيات المفسدة إياه فلذلك جعلت هذه القوة منتشرة في أعضائه وأما سائر المشاعر فليس في هذه المرتبة من الضرورة فقد يخلو الحيوان عنه كالخراطين الفاقدة للمشاعر الأربعة وكالخلد الفاقد لحاسة البصر
والثاني إن الأجسام العنصرية لا تخلو عن الكيفيات الملموسة وقد تخلو عن سائر المحسوسات والسر فيه أن الأبصار يتوقف على توسط جسم شفاف أي خال عن الألوان لئلا تشتغل الحاسة به فلا تدرك كيفية المبصر على ما ينبغي والذوق يتوقف على رطوبة لعابية خالية عن الطعوم والشم يتوقف على جسم يتكيف بالرائحة أو يختلط بأجزاء من حاملها والسمع يتوقف على ما يحمل الصوت إليه فلا بد أن يكون في نفسه خاليا عنه بخلاف اللمس فإنه لا حاجة به إلى متوسط حتى يلزم خلوه عن الملموسات وفيه أي في هذا النوع مقاصد خمسة

المقصد الأول في الحرارة وفيها مباحث
أحدها في حقيقتها قال ابن سينا الحرارة تفرق المختلفات وتجمع المتماثلات والبرودة بالعكس وذلك أن الحرارة فيها قوة مصعدة فإذا أثرت الحرارة في جسم مركب من أجزاء مختلفة باللطافة والكثافة ينفعل اللطيف منه أسرع فيتبادر إلى الصعود الألطف فالألطف دون الكثيف فيلزم بسببه تفريق المختلفات ثم الأجزاء تجتمع بالطبع فإن الجنسية علة الضم والحرارة معدة للاجتماع فنسب إليها ومن جعل هذا تعريفا للحرارة فقد ركب شططا لأن ماهيتها أوضح من ذلك ولأن ذلك الحكم لا يعلم إلا باستقرار جزئياتها فمعرفتها موقوفة على معرفة الحرارة واعلم أن هذا إنما يثبت إذا لم يكن الالتئام بين بسائط ذلك المركب شديدا وأما إذا اشتد الالتحام وقوي التركيب فالنار لا تفرقها فإن كانت الأجزاء اللطيفة والكثيفة متقاربة كما في الذهب أفادته الحرارة سيلانا وكلما حاول الخفيف صعودا منعه الثقيل فحدث بينهما تمانع وتجاذب فيحدث من ذلك حركة دوران ولولا هذا العائق لفرقها النار وليس عدم الفعل لوجود العائق دليلا على أن النار ليست فيها قوة التفريق وإن غلب اللطيف جدا فيصعد ويستصحب الكثيف لقلته كالنوشادر أو لا فتفيده تليينا كما في الحديد وإن غلب الكثيف جدا لم يتأثر كالطلق
تنبيه الفعل الأول لها التصعيد والجمع والتفريق لا زمان له ولذلك قال ابن سينا في الحدود إنها كيفية فعلية محركة لما تكون فيه إلى فوق لإحداثها الخفة فيحدث عنه أن تفرق المختلفات وتجمع المتماثلات وتحدث تخلخلا من باب الكيف وتكاثفا من باب الوضع لتحليله الكثيف وتصعيده اللطيف وربما يورد عليه أنه قد تفرق المتماثلات كإجراء الماء وتصعدها بالتبخير فقد تجمع المختلفات كصفرة البيض وبياضه ويجاب بأن فعلها في الماء إحالة له إلى الهواء لا تفريق وفي البيض إحالة في القوام لا جمع وستفرقه عن قريب

ثانيها كما يقال الحار لما تحس حرارته بالفعل يقال أيضا لما لا تحس حرارته بالفعل ويحس بها بعد مماسة البدن والتأثر منه كالأدوية الحارة ويسمى حارا بالقوة ولهم في معرفته التجربة والقياس فباللون وهو أضعفها وبالطعم والرائحة وسرعة الانفعال مع استواء القوام أو قوته
ثالثها الأشبه أن الحرارة الغريزية والكوكبية والنارية متخالفة بالماهية لاختلاف آثارها فيفعل حر الشمس في عين الأعشى ما لا يفعله حر النار والحرارة الغريزية أشد الأشياء مقاومة للحراة النارية ومنهم من جعلهما من جنس واحد فالغريزية النارية واستفادت بالمزاج مزاجا معتدلا حصل به التئام فإذا أرادت الحرارة أو البرودة تفريقها عسر عليها والفرق أن أحدهما جزء المركب والآخر خارج عنه
رابعها أن الحركة تحدث الحرارة والتجربة تحققه قيل فيجب أن تسخن الأفلاك ويتسخن بمجاورتها العناصر فتصير كلها بالتدريج نارا
والجواب أن مواد الأفلاك لا تقبل السخونة ولا بد مع المقتضى من وجود القابل فلا تسخن فلا تتسخن بالمجاورة والعناصر لملاسة سطوحها لا تتحرك بحركة الأفلاك فتتسخن ولهم كلام مناقض لهذا فسيأتيك أنهم قالوا النار تتحرك بتبعية الفلك وليس التحريك يتعين أن يكون بالتشبث فيمنعها ملاسة السطوح
خامسها البرودة قيل عدم الحرارة عما من شأنه أن يكون حارا احترازا عن الفلك فالتقابل بينهما تقابل العدم والملكة ويبطله أنها محسوسة والعدم لا يحس لا يقال المحسوس ذات الجسم لأن البرد يشتد ويضعف ويعدم وذات الجسم باقية بل الحق أنها كيفية مضادة للحرارة
الأول في الحرارة كما أن الملموسات سميت أوائل المحسوسات لما عرفت كذلك الكيفيات الأربع أعني الحرارة وما يقابلها والرطوبة واليبوسة سميت أوائل الملموسات لثبوتها للبسائط العنصرية وتحصل

المركبات منها بتوسط المزاج المتفرع على هذه الأربع وإنما لم يذكر في العنوان البرودة مع كونها مذكورة في هذا المقصد لوقوع الاختلاف في كونها وجودية وفيها أي في الحرارة مباحث خمسة
أحدها في حقيقتها قال ابن سينا في الشفاء الحرارة هي التي تفرق المختلفات وتجمع المتماثلات والبرودة بالعكس أي هي تجتمع بين المتشاكلات وغير المتشاكلات أيضا كذا ذكره في كتابه وبيان ذلك أن الحرارة فيها قوة مصعدة أي محركة إلى فوق لأنها تحدث في محلها الخفة المقتضية لذلك فإذا أثرت الحرارة في جسم مركب من أجزاء مختلفة باللطافة والكثافة أي في رقة القوام وغلظه ينفعل الجزء اللطيف منه أي من ذلك الجسم انفعالا أسرع فيقبل الحرارة وتحدث فيه الخفة قبل غيره فيتبادر إلى الصعود الألطف فالألطف دون الكثيف فإنه لا ينفعل إلا ببطء وربما لم تفده الحرارة خفة تقوى على تصعيده فيلزم منه بسببه أي بسبب ما ذكر من حال اللطيف والكثيف عند تأثير الحرارة فيهما تفريق المختلفات في الحقيقة وهي تلك الأجسام المتخالفة في اللطافة والكثافة التي تألف منهما المركبة الأجسام ثم تلك الأجزاء بعد تفرقها تجتمع بالطبع إلى ما يجانسها لأن طبائعها تقتضي الحركة إلى أمكنتها الطبيعية والانضمام إلى أصولها الكلية فإن الجنسية علة الضم كما اشتهر في الألسنة والحرارة معدة للاجتماع الصادر عن طبائعها بعد زوال المانع الذي هو الالتئام فنسب الاجتماع إليها كما تنسب الأفعال إلى معداتها ومن جعل هذا الذي ذكره ابن سينا من أحوال الحرارة تعريفا للحرارة فقد ركب شططا أي بعدا عن الصواب وتجاوزا عنه لأن ماهيتها أوضح من ذلك المذكور فإن كثيرا من الناس يعرفونها مع عدم شعورهم بما ذكر من حكمها

ولأن ذلك الحكم المذكور الذي هو الآثار المخصوصة لا يعلم إلا باستقراء جزئياتها فإنها مالم تستقرأ جزئياتها لم يعرف كون هذه الاثار خاصة شاملة لها فمعرفتها أي معرفة هذه الآثار وثبوتها للحرارة موقوفة على معرفة الحرارة فتعريفها بهذه الآثار دور لا يقال يكفينا في تتبع جزئياتها والاطلاع على أحوالها المذكورة معرفة الحرارة بوجه ما فإذا عرفت بها أفادت معرفتها بوجه أكمل فلا دور لأنا نقول الاحساس بجزئياتها كاف في معرفة ماهيتها ألا ترى إلى ما ذكره المحققون من أن المحسوسات لا يجوز تعريفها بالأقوال الشارحة إذ لا يمكن أن تعرف إلا بإضافات واعتبارات لازمية لها لا يفيد شيء منها معرفة حقائقها مثل ما تفيده الاحساسات بجزئياتها فالمقصود بذكر خواصها وآثارها في بيان حقائقها مزيد تمييز لها عما عداها لا تصور ماهيتها واعلم أن هذا الذي ذكرناه من آثار الحرارة في الجسم المركب من الأجزاء المختلفة في اللطافة والكثافة إنما يثبت إذا لم يكن الالتئام بين بسائط ذلك المركب شديدا حتى يمكن تفريق بعضها عن بعض وأما إذا اشتد الالتحام بين تلك البسائط وقوي التركيب فيما بينها فالنار بحرارتها لا تفرقها لوجود المانع عن التفريق وحينئذ فإن كانت الأجزاء اللطيفة والكثيفة في ذلك الجسم متقاربة في الكمية كما في الذهب افادته الحرارة سيلانا وذوبانا وكلما حاول اللطيف الخفيف صعودا منعه الكثيف الثقيل عن ذلك فحدث بينهما تمانع وتجاذب فيحدث من ذلك حركة دوران كما نشاهد في الذهب من حركته السريعة العجيبة في البوتقة ولولا هذا العائق أعني شدة الالتئام

والالتحام بين أجزاء الذهب لفرقها النار كما تفرق أجزاء جسم لا يشتد التحامها وليس عدم الفعل الذي هو التفريق لوجود العائق عن ذلك الفعل في الذهب ونظائره دليلا على أن النار ليس فيها قوة التفريق بحرارتها لأن تخلف الفعل عن المقتضى بسبب ما يمنعه منه جائز بالضرورة وإن غلب اللطيف على الكثيف جدا أي غلبة تامة فيصعد اللطيف حينئذ ويستصحب معه الكثيف لقلته أي قلة الكثيف وفي بعض النسخ لغلبته أي لغلبة اللطيف على الكثيف كالنوشادر فإنه إذا أثرت فيه الحرارة صعد بالكلية أو لا يغلب اللطيف بل يغلب الكثيف لكن لا يكون غالبا جدا فتفيده الحرارة إذا أثرت فيه تليينا كما في الحديد وإن غلب الكثيف جدا لم يتأثر بالحرارة فلا يذوب ولا يلين كالطلق فإنه يحتاج في تليينه إلى حيل يتولاها أصحاب الإكسير من الاستعانة بما يزيده اشتعالا كالكبريت والزرنيخ ولذلك قيل من حل الطلق استغنى عن الخلق
تنبيه على ما علم مما قررناه في تفسير الحرارة وهو أن يقال الفعل الأول لها أي للحرارة هو التصعيد والتحريك إلى فوق بسبب ما تفيده من الميل المصعد والجمع والتفريق لا زمان له فإنه إذا حدثت الحرارة في الجسم المركب بمجاورة النار مثلا تحرك الأقبل للتصعيد قبل الأبطأ وتحرك الأبطأ قبل العاصي فيلزم من هذا تفرق تلك الأجزاء المتخالفة ثم اجتماعها مع أجناسها بمقتضى طباعها كما مر ولذلك أي ولما ذكرنا من أن الفعل الأول للحرارة هو التصعيد المستتبع للتفريق والجمع
قال ابن سينا في كتاب الحدود إنها كيفية فعلية أي تجعل محلها فاعلا لمثلها فيما يجاوره فإن النار تسخن ما يجاورها محركة لما

تكون تلك الكيفية فيه إلى فوق لاحداثها الخفة المقتضية للصعود فيحدث عنه أي عن التحريك إلى فوق وهو التصعيد أن تفرق الحرارة المختلفات وتجمع المتماثلات لما عرفت وتحدث أي من أحوال الحرارة أنها تحدث تخلخلا من باب الكيف وهو رقة القوام ويقابله التكاثف من باب الكيف وهو غلظ القوام و تحدث أيضا تكاثفا من باب الوضع وهو اندماج الأجزاء المتحدة بالطبع واجتماعها بحيث يخرج الجسم الغريب عما بينها ويقابله التخلخل من باب الوضع وهو أن تنتفش تلك الأجزاء ويداخلها الجسم الغريب لتحليله الكثيف وتصعيده اللطيف هذا نشر لما تقدم فإن الحرارة تحلل الكثيف المنجمد فتفيد الجسم رقة القوام وتصعد اللطيف وتخرجه من بين أجزاء الكثيف فينضم اللطيف إلى جنسه وتجتمع أجزاء الكثيف أيضا فيحدث التكاثف من باب الوضع في كل منهما وإنما أورد الضمير مذكرا إما بتأويل المذكور وإما لرجوعه إلى المذكر أي لتحليل الحار بحرارته الكثيف وربما يورد عليه أي على ما ذكرنا من أن النار تفرق المختلفات وتجمع المتماثلات كأجزاء الماء فإنها متماثلة وتصعدها الحرارة بالتبخير فتفرق بعضها عن بعض وقد تجمع الحرارة المختلفات كصفرة البيض وبياضه فإن الحرارة إذا أثرت فيهما زادتهما تلازما واجتماعا مع تخالفهما فلا يصح شيء من ذينك الحكمين ويجاب بأن فعلها في الماء إحالة إلى الهواء فإن الحرارة إذا أثرت في الماء انقلب بعضه هواء وتحرك بطبعه إلى الفوق ثم إنه يختلط ويلتزق بذلك الهواء أجزاء مائية فتصعد معه ويكون مجموع ذلك بخارا ففعل الحرارة في الماء إحالة له إلى الهواء لا تفريق بين أجزائه المتماثلة وبأن فعلها في البيض إحالة في القوام لا جمع فإن النار بحرارتها توجب غلظا في قوام الصفرة والبياض وأما الانضمام بينهما فقد كان حاصلا قبل تأثير الحرارة فيهما ويوجد في بعض النسخ وستفرقه عن قريب أي ستفرق النار البيض عن قريب بواسطة التقطير

ثانيها أي ثاني مباحث الحرارة كما يقال الحار لما تحس أي تدرك حرارته بالفعل كالنار مثلا يقال أيضا لما لا تحس حرارته بالفعل ولكن يحس بها بعد مماسة البدن الحيواني والتأثر منه أي تأثر البدن من ذلك الشيء كالأدوية والأغذية الحارة ويسمى مثل ذلك حارا بالقوة وكذا البارد يطلق على البارد بالفعل والبارد بالقوة ولهم في معرفته أي معرفة الحار والبارد بالقوة طريقان
الأول التجربة وهي ظاهرة
والثاني القياس والاستدلال من وجوه أربعة فباللون أي يستدل باللون فإن البياض يدل على البرودة والحمرة على الحرارة والكمودة على شدة البرودة والصفرة على إفراط الحرارة كل ذلك على طريقة دلالة ألوان الأبدان على أحوال أمزجتها كما فصلت في الكتب الطبية وهو أضعفها أي القياس والاستدلال باللون أضعف الوجوه ويستدل بالطعم على ما سيجيء في الطعوم والرائحة فالحادة منها تدل على الحرارة واللينة على البرودة وسرعة الانفعال مع استواء القوام واتحاد الفاعل فإن الجسمين إذا تساويا في القوام وكان أحدهما أسرع انفعالا من الحار إو البارد دل ذلك على أن في الأسرع كيفية تعاضد المؤثر الخارجي في التأثير أو مع قوته فإن الأقوى قواما إذا انفعل انفعالا أسرع كان ذلك أدل على الكيفية المعاضدة للفاعل وأما الأضعف قواما فليس سرعة انفعاله دالة على كيفية معاضدة لجواز أن تكون سرعة انفعاله لضعف قوامه
ثالثها الأشبه بالصواب أن الحرارة الغريزية الموجودة في أبدان الحيوانات والحرارة الكوكبية الفائضة من الأجرام السماوية المضيئة و

الحرارة النارية أنواع متخالفة بالماهية لاختلاف آثارها اللازمة لها الدالة على اختلاف ملزوماتها في الحقيقة فيفعل حر الشمس في عين الأعشى من الإضرار بها ما لا يفعله حر النار فلا بد أن يتخالفا بالماهية والحرارة الغريبة الملائمة للحياة أشد الأشياء مقاومة ومدافعة للحرارة النارية التي لا تلائم الحياة فإن الحرارة الغربية إذا حاولت إبطال اعتدال المزاج الحيواني قاومتها الحرارة الغريزية أشد مقاومة حتى أن السموم الحارة لا يدفعها إلا الحرارة الغريزية فإنها آلة للطبيعة يدفع بها ضرر الحار الوارد بتحريك الروح إلى دفعه وتدفع الحرارة أيضا ضرر البارد الوارد بالمضادة بخلاف البرودة فإنها لا تنازع البارد بل تقاوم الحار بالمضادة فقط فالحرارة الغريزية تحمي الرطوبات الغريزية عن أن تستولي عليها الحرارة الغريزية كالحرارة النارية فهي مخالفة لها في الماهية ومنهم من جعلهما أي الغريزية والنارية من جنس أي نوع واحد فإن الإمام الرازي قال والذي عندي أن النار إذا خالطت سائر العناصر وأفادتها طبخا ونضجا واعتدالا وقواما ولم تبلغ في الكثرة إلى حيث تبطل قوامها وتحرقها ولم تكن في القلة بحيث تعجز عن الطبخ الموجب للاعتدال فحرارتها هي الحرارة الغريزية أفادت المركب من الطبخ والنضج ما يعسر معه على الحرارة الغريبة تفريق أجزائه فالتفاوت بين الغريزية والغريبة النارية ليس في الماهية بل في كون الغريزية داخلة في ذلك المركب دون تلك الغريبة حتى لو توهمنا الغريبة داخلة فيه والغريزية خارجة عنه لكان كل واحدة منهما تفعل فعل الأخرى وإلى ما نقلناه أشار المصنف بقوله فالغريزية هي الحرارة النارية التي خرجت عن صرافتها واستفادت بالمزاج مزاجا معتدلا حصل به التئام تام بين أجزاء المركب فإذا أرادت

الحرارة الغريبة أو البرودة تفريقها أي تفريق أجزائه وتغييرها عن اعتدالها عسر عليها ذلك التفريق والتغيير والفرق بين الجارين الغريزي والغريب أن أحدهما جزء المركب والآخر خارج عنه مع كونهما متوافقين في الماهية
رابعها أن الحركة تحدث الحرارة والتجربة تحققه وقد أنكره أبو البركات وإليه الإشارة بقوله قيل إذا كانت الحركة تحدث الحرارة فيجب أن تسخن الأفلاك سخونة شديدة جدا بواسطة حركاتها السريعة ويتسخن بمجاورتها العناصر الثلاثة التي هي في وسط الأثير والأفلاك بمنزلة القطرة في البحر المحيط فيصير هذه الثلاثة كلها بالتدريج نارا لاستيلاء سخونة الأفلاك عليها مع مساعدة كرة الأثير إياها في تسخينها
والجواب أن مواد الأفلاك لا تقبل السخونة أصلا ولا بد في وجود الحرارة مع المقتضى الذي هو الحركة من وجود القابل وحينئذ فلا تسخن الأفلاك بسبب حركاتها فلا تسخن العناصر بالمجاورة وليست العناصر متحركة على سبيل التبعية فإنها لملاسة سطوحها لا تتحرك بحركة الأفلاك فتتسخن بالنصب على أنه جواب النفي والحاصل أن مقعر فلك القمر ومجدب النار سطحان أملسان فلا يلزم من حركة أحدهما حركة الآخر فإذن أجرام الأفلاك ليست متسخنة بحركاتها ولا محركة للعناصر حتى يلزم سخونتها بوجه ما ولهم كلام مناقض لهذا الذي ذكروه ههنا من أن العناصر لا تتحرك بحركة الأفلاك فسيأتيك في موقف الجواهر أنهم قالوا النار تتحرك بتبعية الفلك وليس التحريك يتعين أن يكون بالتشبث فيمنعها ملاسة السطوح فإن الأفلاك عندهم يحرك بعضها بعضا ولا خشونة في سطوحها لتكون متشبثة بسببها فالأولى في الجواب أن يقال النار متحركة بمتابعة الفلك دون باقي العناصر وليس سخونة النار توجب سخونة الباقي لأن برودة الطبقة الزمهريرية تقاومها

والجواب منع ذلك في النار البسيطة وما عندنا مركب من الهواء
وثانيها أن الرطوبة مغايرة للسيلان فإنه عبارة عن تدافع الأجزاء وقد يوجد فيما ليس برطب كالرمل السيال
وثالثها أن اليوبسة تقابل الرطوبة فهي إما عسر الالتصاق والانفصال أو عسر التشكل وتركه
قال الإمام الرازي من الأجسام ما يسهل تفرقه ويصعب اتصاله إما لذاته وهو اليابس وإما للحامات بين أجزائه الصلبة وهو الهش ومنها ما هو بالعكس فيسهل اتصاله ويصعب تفرقه وهو اللزج
قال وهذا ما وجدته في مباحث ابن قرة الثابت
أحدها الرطوبة سهولة الالتصاق أي كيفية تقتضي سهولة الالتصاق بالغير وسهولة الانفصال عنه هذا هو المختار في تفسير الرطوبة عند الإمام الرازي
قال ابن سينا إذا كانت الرطوبة عبارة عما ذكر فيجب أن يكون الأشد التصاقا أرطب مما هو أضعف التصاقا لأنه إذا كان الالتصاق معلولا للرطوبة كانت شدته وقوته دالة على شدة علته وقوتها وذلك يوجب أن يكون العسل أرطب من الماء لأن العسل أشد التصاقا منه فإنا إذا غمسنا فيه الأصبع كان ما يلزمه منه أكثر مما يلزمه من الماء وأشد التصاقا به منه وكذا الحال في الدهن ولا شك أن كون العسل والدهن أرطب من الماء

باطل فهي سهولة أي الرطوبة كيفية تقتضي سهولة قبول الأشكال وسهولة تركها وذلك لأن الماء له وصفان
أحدهما ما يقتضي سهولة الالتصاق والانفصال
والثاني ما يقتضي سهولة قبول الأشكال وتركها ولا شبهة في أن الماء يوصف بأنه رطب باعتبار أحد هذين الوصفين فإذا بطل الأول تعين الثاني
قلنا هو أي العسل أدوم التصاقا وأشد التصاقا من الماء لا أسهل التصاقا منه ونحن لم نفسر الرطوبة بنفس الالتصاق حتى يلزم أن يكون ما هو أشد وأقوى في الالتصاق أرطب ولا بدوام الالتصاق حتى يكون الأدوم أكثر رطوبة بل بسهولة الالتصاق فاللازم منه أن يكون الأسهل التصاقا أرطب وليس العسل أو الدهن أسهل التصاقا من الماء بل الأمر بالعكس وأيضا قد اعتبر في الرطوبة الانفصال وليس العسل أشد انفصالا من الماء فلا يلزم كونه أرطب ويرد ذلك الاعتراض أيضا في تفسيرها بسهولة قبول الأشكال لأنه إذا كان تشكل الجسم بالأشكال الغريبة لأجل رطوبته لزم أن يكون ما هو أدوم شكلا أرطب وليس كذلك إذ الأدوم شكلا أيبس فما هو جوابكم فهو جوابنا وأيضا فسهولة الانفصال معتبرة في حقيقتها والعسل وإن فرضنا أنه سهل اتصاله حتى زاد في سهولة الاتصال على الماء لكن يعسر انفصاله فعلى تقدير كون العسل أسهل التصاقا من الماء لا يلزم أيضا كونه أرطب إذ ليس أسهل انفصالا منه ثم نقول يبطل تفسير أي تفسير ابن سينا للرطوبة بسهولة التشكل وتركه أنه يوجب أن يكون الهواء رطبا بل أن يكون أرطب من الماء لأنه أرق قواما منه وأقبل للتشكلات الغريبة وتركها

بسهولة واتفقوا أي الجمهور على أن خلط الرطب باليابس يفيد اليابس استمساكا عن التشبث كما أنه يفيد الرطبة استمساكا عن السيلان فيجب على ذلك التقدير أعني كون الهواء رطبا أن يكون خلط الهواء بالتراب يفيد التراب الاستمساك عن التفرق وبطلانه بين لأن خلط الهواء به يزيده تشتتا وتفرقا وربما ألزموا أن النار يابسة عندكم وهذا التعريف الذي ذكرتموه للرطوبة يوجب كونها أرطب من الماء لأنها أرق قواما من الماء والهواء أيضا فتكون أسهل قبولا للأشكال وتركها منهما
والجواب منع ذلك في النار البسيطة أي لا نسلم أن النار الصرفة البسيطة أسهل قبولا للأشكال من الماء وأن رقة القوام وحدها كافية في سهولة التشكل حتى يلزم أن يكون الأرق أسهل قبولا وما عندنا من النار ليس بسيطا بل هو مركب من الهواء ومختلط به فجاز أن يكون سهولة قبوله للأشكال وتركها بسبب اختلاط الهواء فلا يلزم كون النار رطبا فضلا عن كونها أرطب العناصر
وثانيها أي ثاني المباحث أن الرطوبة مغايرة للسيلان فإنه عبارة عن تدافع الأجزاء سواء كانت متفاضلة في الحقيقة متفاصلة في الحس أو كانت متواصلة في الحقيقة أيضا وقد يوجد السيلان بهذا التفسير فيما ليس برطب كالرمل السيال مع كونه يابسا بالطبع ويوجد أيضا فيما هو رطب كالماء السائل وفي الملخص أن السيلان عبارة عن حركات توجد في أجسام متفاصلة في الحقيقة متواصلة في الحس يدفع بعضها بعضا وعلى هذا التفسير يلزم أن لا يوجد السيلان في الماء على رأي الحكماء لأنه متصل واحد في الحقيقة والحس معا
وثالثها أن اليبوسة تقابل الرطوبة اتفاقا فهي إما عسر الالتصاق

والانفصال أي كيفية تقتضي عسرهما على التفسير الأول للرطوبة أو عسر التشكل وتركه أي كيفية تقضي ذلك على التفسير الثاني لها
قال الإمام الرازي لعل الأقرب في بيان حقيقة اليابس أن يقال من الأجسام التي نشاهدها ما يسهل تفرقه ويصعب اتصاله إما لذاته بأن يكون ذلك الجسم في نفسه بحيث تتفرق أجزاؤه وتنفرك بسهولة وهو اليابس فاليبوسة حينئذ هي الكيفية التي يكون الجسم بها سهل التفرق عسر الاجتماع وأما اللحامات سهلة الانفراك بين أجزائه الصغيرة الصلبة التي يكون كل واحد منها عسر التفرق في نفسه وهو الهش ومنها ما هو بالعكس مما ذكر فيسهل اتصاله ويصعب تفرقه وهو اللزج قال وهذا ما وجدته في مباحث ابن قرة الثابت هذا الكلام منقول من المباحث المشرقية وليس فيه ذكر اللزج في التقسيم المنسوب إلى الثابت والمذكور في الملخص أن من الأجسام المصتلة ما ينفرك بسهولة ومنها ما ليس كذلك والثاني هو الصلب والأول على قسمين
أحدهما أن يكون الجسم مركبا من أجزاء صغار لا يقوى الحس على إدراك كل واحد منها منفردا ويكون كل واحد منها صلبا عسر الانفراك ولكنها متصلة بلحامات سهلة الانفراك وهو الهش
وثانيهما أن يكون الجسم في طبيعة تلك اللحامات وهو اليابس واعلم أن اللزوجة كيفية مزاجية لا بسيطة فإن اللزج هو الذي يسهل تشكيله بأي شكل أريد ويعسر تفريقه بل يمتد متصلا فاللزج مركب من رطب

ويابس شديدي الالتحام والامتزاج جدا فاستمساكه من اليابس وإذعانه من الرطب والهش يقابل اللزج فهو الذي يصعب تشكيله ويسهل تفريقه وذلك بسبب غلبة اليابس فيه وقلة الرطب مع ضعف الامتزاج
وههنا أبحاث تناسب ما نحن فيه
الأول في بيان البلة والجفاف فنقول إن لنا جسما رطبا ومبتلا ومنتقعا فالرطب هو الذي يكون صورته النوعية مقتضية لكيفية الرطوبة المفسرة بما تقدم والمبتل هو الذي التصق بظاهره ذلك الجسم الرطب والمنتقع هو الذي نفذ ذلك الرطب في عمقه وأفاده لينا فالبلة هو الجسم الرطب الجوهر إذا أجرى على ظاهر جسم آخر والجفاف عدم البلة عن شيء هي من شأنه وقد يطابق كل واحد من الرطوبة والبلة بمعنى الآخر
الثاني أن اللطافة تطلق بالاشتراك على معان أربعة
الأول رقة القوام وهي المقتضية لسهولة قبول الأشكال وتركها
الثاني قبول الانقسام إلى أجزاء صغيرة جدا
الثالث سرعة التأثر عن الملاقي
الرابع الشفافية والكثافة تطلق على مقابلات هذه المعاني
الثالث زعم بعضهم أن رطوبة الماء مخالفة بالماهية لرطوبة الدهن المخالفة لرطوبة الزئبق فالرطوبة جنس تحتها أنواع وزعم آخرون أن ماهيتها واحدة بالنوع والاختلاف بسبب اختلاط اليابس بالرطب قال الإمام الرازي كلا القولين محتمل
الرابع هل توجد كيفية متوسطة بين الرطوبة واليبوسة تنافيهما

كالحمرة بين السواد والبياض أو لا توجد الحق أنه غير معلوم وأن إمكان وجودها مشكوك فيه
الخامس ذكر في المباحث المشرقية أن الرطوبة إن فسرت بقابلية الأشكال كانت عدمية وإلا احتاجت إلى قابلية أخرى فيتسلسل وإن فسرت بعلة القابلية فكذلك لأن الجسم لذاته قابل للأشكال فلا تكون هذه القابلية معللة بعلة زائدة على ذات الجسم وإن سلم كونها وجودية على تفسيرهم فالأشبه أنها ليست محسوسة لأن الهواء رطب لا محالة بذلك المعنى فلو كانت الرطوبة محسوسة لكانت رطوبة الهواء المعتدل الساكن محسوسة فكان الهواء دائما محسوسا فكان يجب أن لا يشك الجمهور في وجوده ولا يظنوا أن الفضاء الذي بين السماء والأرض خلاء صرف وإذا فسرناها بالكيفية المقتضية لسهولة الالتصاق فالأظهر أنها وجودية محسوسة وإن كان للبحث فيه مجال وقد مال ابن سينا في فصل الاسطقسات من الشفاء إلى أنها غير محسوسة وفي كتاب النفس منه إلى أنها محسوسة ولعله أراد أن الرطوبة بمعنى سهولة قبول الأشكال غير محسوسة وبمعنى الالتصاق محسوسة هذا محصول كلامه فعليك بالتدبر فيه والاطلاع على ما يحتويه

المقصد الثالث في الاعتماد وفيه مباحث
أحدها الاعتماد ما يوجب للجسم المدافعة لما يمنعه الحركة إلى جهة ما
وقيل هو نفس المدافعة وقد اختلف فيه المتكلمون فنفاه الأستاذ أبو إسحاق وأثبته المعتزلة وكثير من أصحابنا كالقاضي بالضرورة ومنعه مكابرة للحس وهذا إنما يتم في نفس المدافعة وأما إثبات أمر يوجبه فلأنه لولاه لم

يختلف الحجران المرميان من يد واحدة إذا اختلفا في الصغر والكبر إذ ليس فيهما مدافعة إلى خلاف جهة الحركة ولا مبدأها وستقف في أثناء البحث على زيادات تفيدك
ثانيها إن المدافعة غير الحركة لأنها توجد عند السكون فإنا نجد في الحجر المسكن في الهواء قسرا مدافعة نازلة وفي الزق المنفوخ فيه المسكن في الماء قسرا مدافعة صاعدة
ثالثها له أنواع بحسب أنواع الحركة فقد يكون إلى العلو والسفل وإلى سائر الجهات وهل أنواعه متضادة بناء على أنه هل يشترط بين الضدين غاية الخلاف والبعد أم لا فهو نزاع لفظي
واعلم أن الجهات الست أخذها العامة من جهات الإنسان التي هي القدام والخلف واليمين والشمال والفوق والتحت والخاصة من أطراف الأبعاد الثلاثة الجسمية وأنه وهم
أما الأول فلأنه اعتبار غير ممنوع ولذلك قد تتبادل فيصير اليمين شمالا وبالعكس ولو كان الاعتبار محققا لجهة لوجدت جهات غير متناهية بحسب الأشخاص وأوضاعهم
وأما الثاني فلأنه ليس في الجسم بعد بالفعل والمفروضة لا نهاية لها ففي المكعب ستة وعشرون بعدا بحسب سطوحه وخطوطه وزواياه بل الحق أن الجهة الحقيقية فوق وتحت لا غير وجعلها القاضي أمرا واحدا فقال الاختلاف في التسمية وهي كيفية واحدة فتسمى بالنسبة إلى السفل ثقلا وإلى العلو خفة وقد تجتمع الاعتمادات الستة في جسم واحد
قال الآمدي وهو الأشبه بأصول أصحابنا إذ لو قلنا بتضاد الاعتمادات لما اجتمعت وقد تجتمع لوجهين
الأول إن من جذب حجرا ثقيلا إلى فوق فإنه يجد فيه مدافعة هابطة والمتعلق به من أسفل الجاذب له إليه يجد فيه مدافعة صاعدة ضرورة

الثاني إن الحبل الذي يتجاذبه اثنان إلى جهتين فإنه يجد كل واحد فيه مقاومة إلى خلاف جهته قال الآمدي ولو قلنا بالتعدد من غير تضاد لم يكن أبعد من القول بالاتحاد
رابعها قد علمت أن الجهة الحقيقية العلو والسفل فتكون المدافعة الطبيعية نحو أحدهما فالموجب للصاعدة الخفة وللهابطة الثقل وكل منهما عرض زائد على نفس الجوهر وبه قال القاضي والمعتزلة والفلاسفة ومنعه طائفة منهم الأستاذ أبو إسحاق قال لا يتصور أن يكون جوهر ثقيلا وآخر خفيفا بل الثقل عائد إلى كثرة أعداد الجواهر والخفة عائدة إلى قلتها ويبطله أن الزق إذا ملىء ماء ثم أفرغ الماء وملىء زئبقا فإن وزن ما يملأه من الزئبق يكون أضعافا مضاعفة لوزن ما يملأه من الماء مع تساوي الأجزاء ضرورة لتساوي الحاصر لهما إلا أن يقال بأن في الماء خلاء لا يسيل الماء إليه طبعا فكان يجب أن تكون زيادته على أجزاء الماء كزيادة وزن الزئبق عليها وهو ربما كان أكثر من عشرين مثلا فكان بإزاء كل جزء ماء عشرون جزءا خلاء فالفرج بينها عشرون مرة مثل الأجزاء وأنه ضروري البطلان يكذبه الحس
خامسها الحكيم يسمي الاعتماد ميلا ويقسمه إلى ثلاثة أقسام طبيعي وقسري ونفساني لأنه إما بسبب خارج عن المحل وهو القسري أو لا فإما مقرون بالشعور وهو النفساني أو لا وهو الطبيعي وكذا الحركات وينتقض ذلك بحركة النبض لأنهم حصروا الطبيعية في الصاعدة والهابطة وهي ليست شيئا منهما وكونها ليست إحدى الأخريين ظاهر فإن لم يحصروها فيهما كانت طبيعية أما الميل الطبيعي فأثبتوا له حكمين
الأول إن العادم له لا يتحرك بالطبع وهو ظاهر ولا بالقسر والإرادة إذ لو تحرك في مسافة ما ففي زمان وليكن ساعة ولذي الميل في تلك المسافة في أكثر من ذلك الزمان لوجود العائق وليكن عشر ساعات فلآخر ميله عشر ميل الأول في ساعة أيضا إذ نسبة الحركتين كنسبة الميلين فتكون

الحركة مع المعاوق كهي لا معه وقد عرفت مثله بما فيه في مسألة الخلاء فانقله إلى ههنا
الثاني أن الميل الطبيعي يعدم في الحيز الطبيعي وإلا فإما إلى ذلك الحيز وأنه طلب للحاصل أو إلى غيره فالمطلوب بالطبع مهروب عنه بالطبع وهذا إنما يصح في نفس المدافعة دون مبدئها وأما الميل القسري فأثبتوا له حكمين
الأول قد يجامع الطبيعي إلى جهة فإن الحجر الذي يرمى إلى أسفل يكون أسرع نزولا من الذي ينزل بنفسه
الثاني أنهما هل يجتمعان إلى جهتين الحق أنه إن أريد المدافعة نفسها فلا لامتناع المدافعة إلى جهتين في حالة واحدة بالضرورة وإن أريد مبدأها فنعم فإن الحجرين المرميين بقوة واحدة إذا اختلفا في الصغر والكبر تفاوتا في قبولهما للحركة وفيهما مبدأ المدافعة القسرية قطعا فلولا مبدأ المدافعة الطبيعية لما تفاوتا وأما الميل النفساني فهو الإرادي وسيأتيك في أبحاث الإرادة ما تعطفه إليه
سادسها في اختلاف المعتزلة في الاعتمادات فمنها أنهم بعد الاتفاق على انقسامها إلى لازم وهو الثقل والخفة ومجتلب وهو ما عداهما كاعتماد الثقيل إلى العلو والخفيف إلى السفل أو هما إلى سائر الجهات قد اختلفوا في أنها هل فيها تضاد فقال الجبائي نعم كالحركات التي تجب بها ويبطله أنه تمثيل خال عن الجامع وأني يلزم من تضاد الآثار تضاد أسبابها وأيضا فالفرق قائم فإن اجتماع الحركتين يوجب للجوهر كونين فإنه إذا تحرك إلى جهتين أوجب له الحركة إلى كل جهة الحصول في حيز غير الأول واجتماع الكونين محال ضرورة فهذه علة استحالة اجتماع الحركتين وهي مفقودة في الاعتمادين فيبطل القياس وقال ابنه لا تضاد

للاعتمادات اللازمة مع المجتلبة وهل يتضاد اللازمان أو المجتلبان تردد قوله فيه
أما الأول فلما علمت أن الحجر الذي يرفع إلى فوق فيه مدافعة هابطة يجدها الرافع وصاعدة يجدها الرافع له
وأما الثاني فللحبل المتجاذب فتارة قال فيه مدافعة للجاذبين يجده بالضرورة إذ لولا جذبه له لتحرك ضرورة وتارة قال لا مدافعة فيه وإنما هو كالساكن الذي يمتنع عن التحريك ومنها أن الاعتمادات هل تبقى فمنعه الجبائي ووافقه ابنه في المجتلبة دون اللازمة
للجبائي وجهان
الأول لو بقي اللازم بقي المجتلب لأنه يشاركه في أخص صفة النفس وهو كونه اعتمادا في جهة السفل مثلا وهو يوجب الاشتراك مطلقا عند أبي هاشم
قلنا لا نسلم كونه أخص صفة النفس بل ذلك هو كونه لازما
الثاني لا فرق في الأعراض التي يمتنع بقاؤها بين المقدور وغيره
قلنا تمثيل وأما أبو هاشم فيدعي الضرورة والمشاهدة حاكمة به كما في الألوان والطعوم ومنها أنه قال الجبائي موجب الثقل الرطوبة وموجب الخفة اليبوسة فإنا إذا عرضنا الثقيل على النار كالذهب ذاب وظهرت رطوبته وإذا عرضنا الخفيف عليها تكلس وترمد إذ تزيده يبسا ومنعه أبو هاشم وقال بل هما كيفيتان حقيقيتان لما ذكرنا في زقي الماء والزئبق
والجواب أن يقال الرطوبة التي في الذهب الذائب واليبوسة التي في الكلس غير موجودتين فيهما قبل مماسة النار وإنما تحدث فيهما عندها

قبل سيان في اليبس وأما أن يقال بأن الأجزاء المائية موجودة في الذهب مع صلابته وكذا في الأحجار التي تجعل مياها بالحيل كما يفعله أصحاب الإكسير قبل إذابتها فخروج عن حيز العقل ومنها أنه قال الجبائي الجسم الذي يطفو على الماء إنما يطفو للهواء المتشبث به ويلزمه أن ينفصل عنه الهواء فيطفو وتبقى الأجزاء الأخر راسبة وفيه نظر لجواز أن يكون التركيب أو الوضع أفادهما حالة موجبة للتلازم مانعة عن الانفصال
وقال ابنه إنه للثقل والخفة وهما أمران حقيقيان عارضان للجسم كما مر ويلزمه أمران
الأول أن الحديد يرسب فإذا اتخذ منه صفيحة رقيقة طفا مع أن الثقل في الحالين واحد
الثاني أن حبة حديد ترسب وألف من خشب لا يرسب
تفريغ قال الحكماء الجسم إن كان أثقل من الماء رسب فيه إلى تحت وإن كان مثله في الثقل نزل فيه بحيث يماس سطحه الأعلى السطح الأعلى من الماء وإن كان أخف منه نزل فيه بعضه وذلك بقدر ما لو ملئ مكانه ماء كان موازنا لذلك الجسم كله ومنها أنه قال للهواء اعتماد صاعد لازم ويلزمه أن لا يصعد ولا يطفو الخشبة بل نفصل الهواء منها ويصعد كما ذكرنا وقد عرفت ما فيه كيف والهواء الذي فيه لم يبق على كيفيته ومنعه ابنه بل اعتماده مجتلب ويرد عليه أنه الزق المنفوخ المقسور تحت الماء إذا خلي وطبعه يصعد بما يتعلق به من جسم ثقيل ولو حل كاؤه شق الماء وخرج فلولا اعتماده الصاعد لم يكن كذلك وفيه نظر لجواز أن يكون ذلك لضغط الماء له وإخراجه من ذلك الموضع بثقل وطأته ومنها أنه قال لا يولد الاعتماد شيئا لا حركة ولا سكونا بل المولد لهما هو الحركة كما نشاهده في حركة اليد بحركة المفتاح وفي حركة الحجر لسكونه في

الموضع الذي يقصده إما طبعا أو قسرا وقال ابنه المولد لهما هو الاعتماد لوجهين
الأول إنه إذا أقيم عمود وأدعم بدعامة ثم اعتمد عليه معتمد إلى جهة الدعامة لم يتحرك فإن الدعامة تمنعه عن ذلك ثم إذا أزيلت دعامته سقط إلى جهة الدعامة وما هو إلا للميل الذي أحدثه فيه الاعتماد عليه
الثاني حركة اليد متأخرة عن حركة الحجر إذ ما لم يتحرك الحجر من مكانه امتنع حركة اليد إليه لامتناع التداخل والمتأخر لا يولد المتقدم
وقال ابن عياش بتولدهما من الحركة تارة ومن الاعتماد أخرى لمتمسكيهما ومنها أنه قال في الحجر المرمي إلى فوق إذا عاد هاويا أن حركته الهابطة متولدة من حركته الصاعدة وقال ابنه بل من الاعتماد الهابط وهذا فرع الخلاف الذي قبله وعلى الرأيين فيه تحكم
أما الأول فلأنه إذا قيل كل حركة ولدت حركة صاعدة إلا الأخيرة فإنها تولد هابطة فهو تحكم بل كان يجب أن يذهب إلى غير النهاية
وأما الثاني فلأن الاعتماد إذا كان يوجب النزول فليوجبه أولا هكذا قيل وفيه نظر لأن الحركة تضعف كلما بعدت عن المبدأ فليست طبقاتها متماثلة فقد تنتهي إلى ما يوجب النازلة والاعتماد اللازم مغلوب في الأول بالمجتلب ثم يضعف المجتلب قليلا قليلا حتى يصير مغلوبا وحينئذ يوجب النزول ومنها أنه قال أكثر المعتزلة ليس بين الحركة الصاعدة والهابطة سكون إذ لا يوجبه الاعتماد لا للازم ولا المجتلب
وقال الجبائي لا أستبعد وربما نصر مذهبه بأن الاعتماد الصاعد غالب فيصعد ثم يغلب النازل فينزل ولا بد بينهما من التعادل وعنده يكون السكون وهو لا يوافق مذهبه إذ بحث توليد الاعتماد لهما خلاف أصله بل حقه أن يقول الحركة الأخيرة توجب سكونا ثم حركة فإن المتولد قد يتأخر عن المولد بالزمان عندهم
وبالجملة فالمسألة فرع الاختلاف المتقدم

وهو المسمى بالميل عند الحكماء كما سيأتي وفيه مباحث
أحدها الاعتماد على ما ذكره ابن سينا في الحدود ما يوجب للجسم للمدافعة لما يمنعه الحركة إلى جهة ما من الجهات وهذا تصريح منه بأن الاعتماد علة للمدافعة وقيل هو نفس المدافعة المذكورة وقد اختلف فيه أي في وجود الاعتماد المتكلمون فنفاه الاستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني وأتباعه وأثبته المعتزلة وكثير من أصحابنا كالقاضي بالضرورة أي قالوا ثبوته ضروري ومنعه مكابرة للحس فإن من حمل حجرا ثقيلا أحس منه اعتمادا وميلا إلى جهة السفل ومن وضع يده على زق منفوخ فيه مسكن تحت الماء أحس بميله إلى جهة العلو وهذا الذي ذكروه إنما يتم في نفس المدافعة فإنها محسوسة معلومة الوجود بالضرورة دون مبدأ المدافعة فإنه ليس محسوسا بل يحتاج في وجوده إلى دليل فلذلك قال وأما إثبات أمر يوجبه أي يوجب المدافعة على تذكير ضمير المصدر فلأنه لولاه أي لولا ذلك الأمر الذي يوجبها لم يختلف في السرعة والبطء الحجران المرميان من يد واحدة في مسافة واحدة بقوة واحدة إذا اختلفا في الصغر والكبر وإذ ليس بالضرورة فيهما مدافعة إلى خلاف جهة الحركة حتى تكون مدافعة الكبير أقوى فتوجب بطء الحركة ومدافعة الصغير أضعف فلا توجبه ولا مبدأها أي وليس أيضا فيهما على ذلك التقدير مبدأ المدافعة فيجب أن لا تختلف حركتاهما أصلا لأن هذا الاختلاف لا يكون باعتبار الفاعل لأنه متحد فرضا ولا باعتبار معاوق خارجي في المسافة لاتحادها ولا باعتبار معاوق داخلي إذ ليس فيهما مدافعة ولا مبدأها ولا معاوق داخلي غيرهما فوجب تساويهما في السرعة

أو البطء وأجاب عنه الإمام الرازي بأن الطبيعية معاوقة للحركة القسرية ولا شك أن طبيعة الأكبر أقوى لأنها قوة سارية في الجسم منقسمة بانقسامه فلذلك كانت حركته أبطأ فلم يلزم مما ذكر أن يكون للمدافعة مبدأ مغاير للطبيعة حتى يسمى بالميل والاعتماد وأما تسمتها بهما فبعيدة جدا وستقف في أثناء البحث عن أحوال الاعتماد على زيادات تفيدك زيادة اطلاع على هذا البحث وقد يحتج لإثبات مبدأ المدافعة بأن الحلقة التي يجذبها جاذبان متساويان في القوة حتى وقعت في الوسط قد فعل فيها كل واحد منهما فعلا معاوقا لما يقتضيه جذب الآخر وليس ذلك المعاوق نفس المدافعة فإنها غير موجودة في تلك الحلقة في هذه الحالة أصلا وليس أيضا قوة الجاذب فإنه ما لم يفعل في المجذوب فعلا لم يصر مجرد قوته عائقا لفعل الآخر فإذن قد فعل فيه كل منهما فعلا غير المدافعة ولا شك أن الذي فعله كل واحد منهما بحيث لو خلى عن المعارض لاقتضى انجذاب الحلقة إلى جهته ومدافعتها لما يمنعها عن الحركة في تلك الجهة فثبت وجود شيء يقتضي الدفع إلى جهة مخصوصة وليس ذلك نفس الطبيعة لأنها تحرك نحو العلو أو السفل وما فعله الجاذبان ليس كذلك فظهر أن للمدافعة المحسوسة مبدأ غير الطبيعة والقوة النفسانية
ثانيها أي ثاني مباحث الاعتماد أن المدافعة غير الحركة لأنها توجد عند السكون فإنا نجد في الحجر المسكن في الهواء قسرا مدافعة نازلة ونجد في الزق المنفوخ فيه المسكن في الماء أي تحته قسرا مدافعة صاعدة
ثالثها له أي للاعتماد أنواع متعددة بحسب أنواع الحركة فقد يكون الاعتماد كالحركة إلى العلو والسفل وإلى سائر الجهات وهل

كلها متضادة بعضها مع بعض اختلف فيه بناء على أنه هل يشترط بين الضدين غاية الخلاف والبعد أم لا يشترط فمن لم يشترط غاية الخلاف جعل كل نوعين من أنواع الاعتماد بحسب الجهات متضادين ومن اشترطها قال إن كل نوعين بينهما غاية التباعد فهما متضادان كالميل الصاعد والهابط وما ليس كذلك فلا تضاد بينهما وإن كانا ممتنعي الاجتماع كالميل الصاعد والميل المقتضي للحركة يمنة أو يسرة فهو نزاع لفظي مبني على تفسير التضاد واعلم أن الجهات على ما اشتهر بين الناس ست أخذها العامة من جهاب الإنسان وأطرافه التي هي القدام والخلف واليمين والشمال والفوق والتحت فإن الإنسان يحيط به جنبان عليهما اليدان وظهر وبطن ورأس وقدم الجانب الذي هو أقوى في الغالب ومنه ابتداء الحركة يسمى يمينا وما يقابله يسارا وما يحاذي وجهه وإليه حركاته بالطبع وهناك حاسة الابصار يسمى قداما وما يقابله خلفا وما يلي رأسه بالطبع يسمى فوقا وما يقابله تحتا ولما لم يكن عند العامة سوى ما ذكر وقعت أوهامهم على هذه الجهات الست واعتبروها في سائر الحيوانات أيضا لكنهم جعلوا الفوق ما يلي ظهورها بالطبع والتحت ما يقابله ثم عمموا اعتبارها في سائر الأجسام وإن لم يكن لها أجزاء متمايزة على الوجه المذكور وأخذها الخاصة من أطراف الأبعاد الثلاثة الجسمية المتقاطعة على الزوايا القائمة فإن كل بعد منها له طرفان هما جهتان فلكل جسم جهات ست إلا أن امتياز بعضها عن بعض ههنا يتوقف على اعتبار الأجزاء المتميزة في الجسم فطرفا الامتداد الطولي يسميهما الإنسان باعتبار طول قامته حين هو قائم فالفوق والتحت طرفا الامتداد العرضي يسميهما باعتبار عرض قامته باليمين والشمال وطرفا الاامتداد الباقي يسميهما باعتبار ثخن قامته بالقدام والخلف فالاعتبار الخاصي يشتمل على الاعتبار العامي مع زيادة هي تقاطع الأبعاد فإن العامة غافلون عنها وإن أمكن تطبيق ما اعتبروه عليها وأنه أي

انحصار الجهات في الست وهم باطل وإن كان مشهورا مقبولا فيما بين العوام والخواص وما ذكروه في بيان ذلك الانحصار ليس بشيء
أما الوجه الأول العامي فلأنه اعتبار غير مبوع إذ ليست الجهات الحاصلة منه متخالفة بالماهية ولذلك قد تتبادل الجهات فيصير اليمن شمالا وبالعكس والقدام خلفا وبالعكس وهو ظاهر وإذا استلقى الإنسان صار فوقه قداما وتحته خلفا وينعكس الحال إذا انبطح فليست الجهات الحاصلة بهذا الاعتبار حقائق مختلفة ولو كان الاعتبار المذكور محققا لجهة أي مثبتا لجهة حقيقية لوجدت جهات غير متناهية أي غير محصورة بحسب الأشخاص وأوضاعهم بل بحسب شخص واحد وأوضاعه فإنه إذا دار على نفسه له يثبت له جهات لا تحصى
وأما الوجه الثاني الخاصي فلأنه ليس في الجسم بعد بالفعل لما مر من أنه ليس فيه عندنا إلا الأجزاء التي هي الجواهر الفردة و الأبعاد المفروضة لا نهاية لها وعلى تقدير وجود البعد في الجسم فليس اعتبار التقاطع على قوائم أمرا واجبا في تحقق الجهات وحينئذ نقول ففي المكعب وهو ما يحيط به سطوح ستة مربعات ستة وعشرون بعدا أي طرفا وجهة بحسب سطوحه الستة وخطوطه الاثني عشر و نقط زواياه الثماني
قال الإمام الرازي لما كانت الأبعاد متناهية المقدار كما ستعرفه وجب أن يكون للامتداد الخطي طرفان هما جهتان له وللامتداد السطحي إذا كان مربعا أطراف أربعة هي خطوطه المحيطة به وإن اعتبرت النقط مع الخطوط كان أطرافه التي هي جهاته ثمانية وعلى هذا قياس المخمس والمسدس وغيرهما من السطوح والحال في الأجسام على قياس السطوح فللمكعب مثلا سطوح ستة وخطوط إثنا عشر ونقط ثمان وإن اعتبرت

السطوح فقط كانت جهاته ستا وإن اعتبرت معها الخطوط كانت ثماني عشرة وإن اعتبرت معهما النقط كانت ستا وعشرين
قال ولا جهة بالفعل للدائرة والكرة وجهاتهما بالقوة غير متناهية ورد عليه بأن الدائرة لها طرف بالفعل هو الخط المستدير المحيط بها وكذا للكرة طرف بالفعل هو سطحها المحيط بها فوجب أن يكون لكل واحدة منهما جهة واحدة بالفعل
فإن قيل هذا الكلام يدل بصريحه على أن جهة الجسم قائمة به فكيف يتصور حركة الجسم إلى الجهة للوصول إليها والقرب منها كما سيأتي ذكره وأيضا يلزم من هذا أن تكون جهات الجسم متبدلة وهو مناف لكون الفوق والتحت جهتين حقيقيتين على مال قال بل الحق أن الجهة الحقيقية فوق وتحت لا غير
قلنا إن لنا جهات مطلقة ومطلق الجهات إما الجهات المطلقة فهي منتهي الإرشادات ومقصد الحركات المستقيمة على ما ستقف عليه وأما مطلق الجهات فيتناول الأطراف القائمة بكل جسم إذا يمكن اعتبار انتهاء الأشارة والحركة إليها وهي واقعة بإزاء الجهات المطلقة فتسمى بأسمائها وإنما حكمنا بأن الفوق والتحت أعني من الجهات المطلقة جهتان حقيقيتان لأنهما جهتان متمايزتان بالطبع فإن بعض الأجسام العنصرية طبعها تطلب الفوق وتهرب عن التحت كالنار والهواء وبعضها بالعكس كالأرض والماء وأيضا فهاتان الجهتان لا تتبدلان أصلا فإن القائم إذا صار منكوسا لم يصر ما يلي رأسه فوقا وما يلي رجله تحتا بل صار رأسه من تحت ورجله من فوق وكان الفوق والتحت بحالهما وما ذكر من حال المستلقي لا يخرج الفوق أو التحت عن كونه فوقا أو تحتا بل يصير وجهه إلى الفوق

وقفاه إلى التحت نعم يتصف التحت والفوق حينئذ بوصفين آخرين اعتباريين أعني كونهما قداما وخلفا وأما باقي الجهات فلا تمايز بينها بالطبع وهي متبدلة بحسب الفرض كما مر وقد يقال إذا فسر الفوق والتحت بما يلي السماء والأرض لم يتصور فيهما تبدل بخلاف ما إذا فسر بما يلي رأس الإنسان وقدمه بالطبع فإنهما يتبدلان حينئذ كما إذا قام شخصان على طرفي قطر واحد من الأرض فإن رأس كل واحد منهما وقدمه على المجرى الطبيعي مع أن الجانب الذي يلي رأس أحدهما يلي قدم الآخر فيكون ذلك الجانب فوقا بالقياس إلى الأول وتحتا بالقياس إلى الثاني ويجاب بأن قولنا بالطبع ليس صفة للقدم والرأس بل هو متعلق بالفعل المذكور ومعناه أن لرأس كل شخص وقدمه نسبة طبيعية مع الجهة في الولى والقرب ولا شك أنا إذا فرضنا قدم أحد هذين الشخصين حيث رأس الآخر لم يكن على المجرى الطبيعي بل كان ذلك انتكاسا له وإذا ثبت أن الجهة الحقيقية اثنتان فالاعتماد الطبيعي أيضا كما سيأتي اثنان أعني الصاعد والهابط وما عداهما اعتمادات غير طبيعية وجعلها القاضي هذا قسيم لقوله له أنواع بحسب أنواع الحركة أي وجعل القاضي الاعتمادات بحسب الجهات أمرا واحدا فقال الاختلاف في التسمية فقط وهي كيفية واحدة بالحقيقة فسمى تلك الكيفية الواحدة بالنسبة إلى السفل ثقلا وإلى العلو خفة وقس على ذلك حالها بالنسبة إلى سائر الجهات وقد تجتمع الاعتمادات الستة في جسم واحد قال الآمدي القائلون بالاعتماد من أصحابنا اختلفوا

فقال بعضهم الاعتماد في كل جهة هو غير الاعتماد في جهة أخرى والاعتمادات إما متضادة أو متماثلة فلا يتصور اعتمادان في جسم واحد إلى جهتين إذ هما ضدان فلا يجتمعان ولا إلى جهة واحدة إذ هما مثلان فامتنع اجتماعهما أيضا وقال آخرون الاعتماد في كل جسم واحد والتعدد في التسمية دون المسمى وعلى هذا يجوز اجتماع الاعتمادات الست في جسم واحد من غير تضاد وهو اختيار القاضي أبي بكر وهذا هو الأشبه بأصول أصحابنا القائلين بوجود الاعتماد إذ لو قلنا بتضاد الاعتمادات المتفرع على تعددها كما ذهبت إليه الطائفة الأولى لما اجتمعت لامتناع اجتماع المتضادين و لكنها قد تجتمع لوجهين
الأول أن من جذب حجرا ثقيلا إلى فوق فإنه يجد فيه مدافعة هابطة وهو ظاهر والمتعلق به أي بذلك الحجر من أسفل الجاذب له إليه أي إلى الأسفل يجد فيه مدافعة صاعدة ضرورة فإنه يحس منه اعتمادا إلى جهة الفوق وميلا غالبا له إليها
الثاني أن الحبل الذي يتجاذبه إثنان متقاومان إلى جهتين فإنه يجد كل واحد منهما فيه اعتمادا ومقاومة إلى خلاف جهته فقد اجتماع فيه اعتمادان إلى جهتين وبمثل ذلك يعرف اجتماع الاعتمادات إلى الجهات الست في جسم واحد ثم قال الآمدي ولو قلنا بالتعدد من غير تضاد أي لو قلنا الاعتمادات متعددة لكنها ليست متضادة أي لو قلنا إن الاعتمادات متعددة لكنها ليست متضادة فيجوز اجتماعها لم يكن هذا القول أبعد من القول بالاتحاد الذي اختاره القاضي فصارت الأقوال في الاعتمادات ثلاثة الاتحاد والتعدد مع التضاد وبدونه
رابعها أي رابع مباحث الاعتماد قد علمت أن الجهة الحقيقية العلو والسفل المتمايزان بالطبع فتكون المدافعة الطبيعية نحو أحدهما فالموجب للصاعدة الخفة والموجب للهابطة الثقل وكل منهما أي من الخفة والثقل عرض زائد على نفس الجوهر وبه قال

القاضي وأتباعه والمعتزلة والفلاسفة أيضا ومنعه طائفة من أصحابنا منهم الأستاذ أبو إسحاق فإنه قال في أكثر أقواله لا يتصور أن يكون جوهرا من الجواهر المفردة ثقيلا وآخر منها خفيفا وذلك لأن الجواهر الأفراد متجانسة فلا تتفاوت بالثقل والخفة بل الثقل في الأجسام عائد إلى كثرة أعداد الجواهر والخفة في الأجسام عائدة إلى قلتها فليس في الأجسام عرض يسمى ثقلا أو خفة ويبطله أن الزق إذا ملئ ماء ثم أفرغ الماء أي صب وملئ زئبقا فإن وزن ما يملأه من الزئبق يكون أضعافا مضاعفة لوزن ما يملأه من الماء مع تساوي الأجزاء التي هي الجواهر الفردة في ذلك الزئبق والماء ضرورة لتساوي الحاصر لهما أي للزئبق والماء وهو الزق المعين فلا بد من تساوي أجزائهما المالئة له إلا أن يقال بأن خلاء لا يسيل الماء إليه طبعا إما للقادر المختار وإما لسبب آخر لا نعرفه وحينئذ لا تساوي أجزاؤه أجزاء الزئبق لأنها وأنها متكثرة متلاصقة فلا فرج بينها أصلا أو هي أقل من فرج الماء لكن هذا القول باطل كما أشار إليه بقوله فكان يجب على ذلك التقدير أن تكون زيادته أي زيادة الخلاء على أجزاء الماء كزيادة وزن الزئبق عليها أي على وزن أجزاء الماء إذ المفروض أن زيادة وزنه عبارة عن زيادة أجزائه ولا شك أنها بقدر الخلاء في الماء وهو أعني وزن الزئبق ربما كان أكثر من عشرين مثلا لوزن الماء فكان بإزاء كل جزء ماء عشرون جزءا خلاء فالفرج بينها أي بين أجزاء الماء عشرون مرة مثل

الأجزاء وأنه ضروري البطلان يكذبه الحس الشاهد بالتلاصق بين الأجزاء المائية
خامسها الحكيم يسمي الاعتماد ميلا ويقسمه إلى ثلاثة أقسام طبيعي وقسري ونفساني لأنه أي الميل إما أن يكون بسبب خارج عن المحل أي بسبب ممتاز عن محل الميل في الوضع والإشارة وهو الميل القسري كميل الحجر المرمي إلى فوق أو لا يكون بسببب خارج فإما مقرون بالشعور وصادر عن الإرادة وهو الميل النفساني كميل الإنسان في حركته الإرادية أو لا وهو الميل الطبيعي كميل الحجر بطبعه إلى السفل فالميل الصادر عن النفس الناطقة في بدنها عند القائل بتجردها نفساني لا قسري لأنها ليست خارجة عن البدن ممتازة عنه في الإشارة والميل المقارن للشعور إذا لم يكن صادرا عن الإرادة لا يكون نفسانيا كما إذا سقط الإنسان عن السطح وكذا الحركات منحصرة بهذا الدليل في الطبيعة والقسرية والنفسانية وينتقض ذلك أعني حصر الحركات في الأقسام الثلاثة المذكورة بحركة النبض فإنها حركة مؤلفة من انبساط وانقباض لترويح الروح الحيواني بالنسيم وليست داخلة في الطبيعة مع أن وجه الحصر يقتضي ذلك بظاهره لأنهم حصروا الحركة الطبيعية في الصاعدة والهابطة وهي أي حركة النبض ليست شيئا منهما وكونها ليست إحدى الأخريين ظاهر إذ ليس حركة النبض صادرة عن شعور وإرادة ولا عن سبب خارج عن المتحرك فإن لم يحصروها فيهما أي إن لم يحصروا الطبيعية في الصاعد والهابطة كانت حركة النبض طبيعية كما اقتضاه وجه الانحصار إذ لا نعني حينئذ بالطبيعة ههنا إلا ما لا يكون خارجا عن المتحرك ولا فاعلا

بالإرادة فتكون حركات النبض والتغذية والتنمية داخلة في الحركة الطبيعية بالمعنى المراد في هذا المقام كما سيأتي ولا يتجه عليه أن الطبيعة الواحدة لا تكون منشأ لأفاعيل مختلفة حتى يجاب بأن طبيعة الماء تقتضي صعوده ونبوعه إذا كان تحت الأرض وهبوطه ونزوله إذا كان في موضع الهواء فيجوز أن يكون طبيعة الشريان مقتضية للانبساط إذا عرض للروح الذي في جوفه سخونة يحتاج في دفعها إلى جذب هواء صاف والانقباض إذا عرض للهواء المجذوب حرارة وصار كلا على الروح فيحتاج إلى إخراجه واستبداله بهواء آخر هذا وقد يقال إن حركة النبض قسرية والقاسر هو الروح فإنه يجذب غذاءه الذي هو الهواء ويدفع ما فضل منه فيعرض لوعائه الانبساط بالجذب والانقباض بالدفع وقيل القاسر هو القلب إما على سبيل المد والجزر فإنه إذا انبسط القلب توجه إليه الروح من الشرايين فينقبض وإذا انقبض القلب توجه الروح إلى الشرايين فينبسط وإما على سبيل الاستتباع كما تستتبع حركة الشجر حركة أغصانه وفروعه فيكون انبساطها بانبساط القلب وانقباضها بانقباضه وقد يقال أيضا إن حركة النبض مركبة والمنحصر في الأقسام الثلاثة هو الحركة البسيطة فلا نقض بخروجها عنها أما الميل الطبيعي فأثبتوا له حكمين
الأول أن العادم له أي للميل الطبيعي بل لمبدئه لا يتحرك بالطبع وهو ظاهر إذ لامعنى للحركة الطبيعية إلا بمدؤها عن قريب هو الميل

الطبيعي ولا يتحرك أيضا بالقسر والإرادة إذ لو تحرك العادم لمبدأ الميل الطبيعي بقوة قسرية مثلا في مسافة ما ففي زمان لامتناع قطع المسافة المنقسمة في آن لما مر من أن قطع بعضها مقدم على قطع كلها وليكن ذلك الزمان بالفرض ساعة والذي مبدأ الميل الطبيعي أن يتحرك بتلك القوة المحركة في تلك المسافة المعينة ويقطعها في أكثر من ذلك الزمان لوجود العائق عن الحركة وهو مبدأ الميل الطبيعي وليكن ذلك الزمان الأكثر عشر ساعات فلآخر أي فلجسم آخر ميله عشر ميل الجسم الأول أن يتحرك في تلك المسافة بتلك القوة المحركة ويقطعها في ساعة أيضا إذ نسبة الحركتين كنسبة الميلين المعاوقين وهي بالعشر في المثال المفروض فتكون الحركة مع المعاوق القليل كهي لا معه في السرعة والبطء لأنهما قطعتا مسافة واحدة في زمان واحد وقد عرفت مثله بما فيه من النظر في مسألة الخلاء فانقله إلى ههنا ولبعضهم في هذا المقام كلام جامع بين المسألتين وملخصه أن كل حركة لا بد أن تكون على حد معين من السرعة والبطء لأنها لا محالة تكون على مسافة وفي زمان فإذا فرضت حركة أخرى تقطع تلك المسافة في نصف ذلك الزمان أو في ضعفه كانت الحركة الأولى أبطأ من الأخرى على التقدير الأول وأسرع منها على التقدير الثاني فلا يمكن أن توجد حركة ما إلا على حد معين من السرعة والبطء فإن كانت الحركة نفسانية أي صادرة عن شعور وإرادة جاز أن تحدد النفس حالها من السرعة والبطء بأن يتخيل ملاءمة حد من حدودها وينبعث عنها الميل بحسب ذلك الحد فيترتب عليه الحركة السريعة أو البطيئة وإن كانت الحركة طبيعية أو قسرية احتاجت في تحديد حالها من الإسراع والإبطاء إلى معاوق وذلك لأن الطبيعة لا شعور لها حتى يمكن

الحدود المختلفة التي للحركة إليها بل هي بحسب ذاتها تطلب الحصول في المكان الطبيعي فتكاد تقتضي قطع المسافة في غير زمان لو أمكن وكذا القاسر إذا فرض تحريكه بقوة واحدة لم يقع بسببه تفاوت والقابل للحركة أعني الجسم المتحرك لا تفاوت فيه إذا لم يكن فيه معاوق أصلا فلا بد في تعيين حد للحركة من أمر آخر يعاوق المحرك في تأثيره إذ لو لم يعاوقه لم يكن له مدخل في تعيين حد من حدود الحركة وذلك المعاوق إما خارج عن المتحرك أو غير خارج عنه فالخارج هو قوام ما في المسافة من الأجسام فبحسب تفاوته في الرقة والغلظ كالهواء والماء تتفاوت حدود الحركة في السرعة والبطء وغير الخارج هو المعاوق الداخلي ولا يتصور في الحركة الطبيعية معاوق داخلي لاستحالة أن تقتضي الطبيعة بذاتها شيئا وتقتضي مع ذلك أيضا ما يعوقها عنه بالذات بل في الحركة القسرية فتحديد الحركة الطبيعية يحتاج إلى معاوق خارجي فقط وتحديد القسرية يحتاج إلى ذلك وإلى معاوق داخلي أيضا فلذلك يستدل بكل واحدة من الطبيعية والقسرية على امتناع الخلاء ويستدل بالقسرية وحدها على أن القابل لها لا يخلو عن مبدأ ميل طباعي أعم من أن يكون طبيعيا أو نفسانيا فإن كل واحد منهما معاوق داخلي وأما الحركة الإرادية فلا يصح الاستدلال بها على امتناع الخلاء لجواز أن يكون للإرادة مدخل في تعيين الحد المقتضي لزمان مخصوص فلا يكون ذلك الزمان كله بإزاء المعاوقة حتى يجب انقسامه على حسب انقسامها ولا يتوقف أيضا على وجود المعاوق الداخلي حتى يلزم أن يكون عادم الميل الطبيعي غير قابل للحركة الإرادية كما ذكره المصنف
الحكم الثاني إن الميل الطبيعي يعدم إذا كانا الجسم في الحيز الطبيعي وإلا فإما إلى ذلك الحيز الطبيعي وأنه طلب للحاصل وهو غير معقول أو إلى غيره فيكون هربا عن هذا الحيز وطالبا للغير فالمطلوب بالطبع مهروب عنه بالطبع وأنه باطل وهذا الاستدلال إنما يصح ويتم في نفس المدافعة لأنها إما طلب لذلك المكان أو هرب عنه دون مبدئها

فإنه إذا كان مبدأ المدافعة إلى ذلك المكان الطبيعي موجودا بدون المدافعة لم يلزم طلب الحاصل وهو ظاهر لا يقال أنا إذا وضعنا اليد تحت الحجر الموضوع على الأرض وجدنا منه مدافعة هابطة ولا شك أن حاله إذا كان اليد تحته كحاله إذا لم تكن تحته فالمدافعة موجودة في الحجر حال حصوله في موضعه الطبيعي لأنا نقول ليس ذلك الحجر في حيزه الطبيعي وإنما يكون كذلك إذا كان مركز ثقله منطبقا على مركز العالم وتوضيحه أن الثقيل إذا كان ذا أجزاء موجودة بالفعل كان لكل واحد من أجزائه حظ من الثقل فكل واحد منها طالب لانطباق مركز ثقله على مركز العالم ولا يكون هذا المطلوب حاصلا إلا لجزء من ذلك الثقيل فتكون المدافعة حاصلة في سائر أجزائه وإذا كان الثقيل ليس له أجزاء بالفعل فإذا انطبق مركز ثقله على مركز العالم لا يكون فيه مدافعة أصلا لا في كله لأنه واجد للحالة المطلوبة له بالطبع ولا في أجزائه إذ ليست موجودة بالفعل وأما الميل القسري فأثبتوا له أيضا حكمين
الأول قد يجامع الميل القسري الميل الطبيعي إلى جهة واحدة فإن الحجر الذي يرمى إلى أسفل يكون أسرع نزولا من الذي ينزل بنفسه مع تساويهما في الحجم والثقل فقد اجتمع في الأول ميل طبيعي وميل غريب بسبب القاسر فلذلك كانت حركته أسرع ويجوز أن يقال إن الطبيعية وحدها تحدث مرتبة من مراتب الميل وكذلك القاسر فلما اجتمعا أحدثا مرتبة أشد مما يقتضيه كل واحد منهما على حدة فلا يكون هناك إلا ميل واحد مستند إلى الطبيعة والقاسر معا وقال بعضهم إنما يجوز اجتماعهما إذا كان الجسم ممنوا بما يعاوقه كالحجر فإن الهواء يقاومه وبقدر تلك المقاومة يحصل الفتور فلا يبعد أن يحصل مع الميل الطبيعي ميل قبسري

وإذا لم يكن له معاوق كما إذا قدرنا المسافة خلاء كان اجتماعهما محالا لأن الطبيعة إذا خلت عن العوائق أحدثت معلولها على أقصى ما يمكن فيكون الميل الطبيعي على ذلك التقدير بالغا إلى نهاية الشدة فيستحيل أن يجامعه ميل غريب على أحد الوجهين وهذا باطل بما ذكرناه من أن الطبيعة وحدها جاز أن تقوى على مرتبة من مراتب الميل ولا تقوى على ما هو أشد منها وكذلك القاسر وحده ربما يقوى على مرتبة دون إخرى فإذا اجتمعا أحدثا مرتبة أشد وأقوى أو أحدث كل واحد منهما أشد ما من مراتبه
الثاني إنهما أن الميل القسري والطبيعي هل يجتمعان إلى جهتين الحق أنه إن أريد بالميل المدافعة نفسها فلا يجتمع الميلان لامتناع المدافعة إلى جهتين في حالة واحدة بالضرورة إذ يستحيل أن يكون في شيء مدافعة إلى جهة وفيه مع ذلك التنحي عنها فليس في الحجر المرمي إلى فوق مدافعة هابطة وإن أريد بالميل مبدؤها فنعم إذ يجوز اجتماع مبدأ المدافعة إلى جهة مع مبدأ المدافعة إلى جهة أخرى بل يجوز اجتماع إحدى هاتين المدافعتين مع مبدأ الأخرى فإن الحجرين المرميين إلى فوق بقوة واحدة إذا اختلفا في الصغر والكبر تفاوتا في قبولهما للحركة فإن الصغير أسرع حركة من الكبير وفيهما مبدأ المدافعة القسرية قطعا وذلك المبدأ قوة استفادها المتحرك من القاسر وتثبت فيه زمانا إلى أن تبطلها مصاكات مما يماسه ويتخرق به بل فيهما المدافعة القسرية بالفعل أيضا فلولا أن يكون فيهما مبدأ المدافعة الطبيعية لما تفاوتا في قبول الحركة فقد اجتمع مبدأ مدافعتين إلى جهتين بل اجتمع أحدهما مع مبدأ الأخرى وقد عرفت أن التفاوت بينهما مستند إلى

الطبيعة فإن طبيعة الكبير أقوى وأشد معاوقة من طبيعة الصغير فليس يلزم أن يكون فيهما مبدأ المدافعة الطبيعية إلا أن يراد به نفس الطبيعة وما يقال من أن مبدأ المدافعة علة قريبة لها فلو اجتمع المبدآن لاجتمعت المدافعتان ممنوع لجواز أن يكون تأثير مبدأ المدافعة فيها مشروطا بشرط يتخلف عنه وأما الميل النفساني فهو الميل الإرادي وسيأتيك في أبحاث الإرادة ما تعطفه وتضمه إليه أي إلى الميل النفساني فينكشف لك حاله زيادة انكشاف
سادسها أي سادس مباحث الاعتماد في اختلاف المعتزلة في الاعتمادات فمنها أي من اختلافاتهم فيها أنهم بعد الاتفاق على انقسامها أي انقسام الاعتمادات إلى اعتماد لازم طبيعي وهو الثقل والخفة الثابتان للعناصر الثقيلة والخفيفة المقتضيان للهبوط والصعود وإلى مجتلب وهو ما عداهما كاعتماد الثقيل إلى العلو إذا رمي إليه و اعتماد الخفيف إلى السفل حال ما حرك إليه أو هما أي كاعتمادي الثقيل والخفيف إلى سائر الجهات أعني القدام والخلف واليمين والشمال قد اختلفوا في أنها هل فيها تضاد فقال أبو علي الجبائي نعم الاعتمادات كلها متضادة كالحركات التي تجب بها ويبطله أنه تمثيل خال عن الجامع فإن مرجعه إلى دعوى المماثلة بين الحركات والاعتمادات من غير علة جامعة بينهما وأنى يلزم من تضاد الاثار التي هي الحركات تضاد أسبابها التي هي الاعتمادات فإنه يجوز أن يصدر عن سبب واحد آثار متضادة بحسب شروط مختلفة

كالطبيعة المقتضية للحركة بشرط الخروج عن الحيز الطبيعي وللسكون بشرط الحصول فيه وأيضا فالفرق قائم فإن اجتماع الحركتين إلى جهتين يوجب للجوهر كونين في حيزين فإنه إذا تحرك الجوهر إلى جهتين أوجب له الحركة إلى كل جهة منهما الحصول في حيز واقع في تلك الجهة غير الحيز الأول الذي تحرك عنه فيلزم أن يجتمع له في حالة واحدة كونان في مكانين واقعين من الحيز الأول في تينك الجهتين واجتماع الكونين محال ضرورة فإن البديهة تحكم بأن الجوهر الواحد في حالة واحدة يمتنع أن يكون في حيزين معا فهذه علة استحالة اجتماع الحركتين وهي مفقودة في الاعتمادين فإن الاعتماد إلى جهة لا يستلزم الحصول في مكان واقع في تلك الجهة فيبطل القياس التمثيل الخالي عن الجامع مع ظهور الفارق وقال ابنه أبو هاشم لا تضاد للاعتمادات اللازمة مع المجتلبة وهل يتضاد الاعتمادان للازمان أو المجتلبان تردد قوله فيه فقال تارة بالتضاد وتارة بعدمه
أما الأول وهو جزمه بأنه لا تضاد اللازمة مع المجتلبة فلما علمت أن الحجر الذي يرفع إلى فوق فيه مدافعة هابطة يجدها الرافع وهذا اعتماد لازم طبيعي للحجر و فيه أيضا مدافعة صاعدة يجدها الرافع له أي للرافع وهذا اعتماد مجتلب للحجر فقد اجتمع فيه اللازم مع المجتلب فلا تضاد بينها
وأما الثاني وهو تردده في أنه هل يتضاد الاعتمادات اللازمان بعضها مع بعض وكذلك المجتلبة فللحبل المتجاذب على سبيل التقاوم حتى سكن كما مر فتارة قال فيه مدافعة للجاذبين يجده أي يجد الجاذب مدافعة الحبل له بالضرورة فإن كل واحد منهما يجد من نفسه ميل الحبل إلى خلاف جهته بحيث لولا جذبه إياه إلى جهته لتحرك الحبل بذلك الميل إلى خلاف تلك

الجهة بالضرورة وإليه أشار بقوله إذ لولا جذبه له لتحرك ضرورة فقد اجتمع في الحبل اعتمادان مجتلبان وتارة قال لا مدافعة فيه وإنما هو كالساكن الذي يمتنع من التحرك فإن كل واحد من الجاذبين يمنع بجذبه أن يحدث الآخر فيه مدافعة إلى جهته فلا اجتماع هناك بين الإعتمادين ومنها أي ومن اختلافاتهم أن الاعتمادات هل تبقى فمنعه الجبائي من غير تفصيل ووافقه ابنه في المجتلبة فحكم بأنها غير باقية دون اللازمة فإنها باقية عنده للجبائي في عدم بقاء الاعتماد مطلقا وجهان
الأول لو بقي الاعتماد اللازم في جهة السفل مثلا بقي الاعتماد المجتلب في تلك الجهة أيضا كالاعتماد الحاصل للحجر المتحرك إلى السفل بسبب دفع الإنسان أياه إليه لأنه أي المجتلب يشاركه في أخص صفة النفس وهو كونه اعتمادا في جهة السفل مثلا وهو أعني الاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك مطلقا أي في جميع الصفات عند أبي هاشم القائل بالتفصيل فيلزمه حينئذ أن يشارك المجتلب اللازم في البقاء أيضا لكنه باطل باتفاق منهما فوجب أن لا يكون اللازم باقيا أيضا
قلنا لا يسلم كونه أي كون ما ذكر أخص صفة النفس بل ذلك زي أخص صفة النفس عند أبي هاشم هو كونه اعتمادا لازما أو كونه اعتمادا مجتلبا وليس شيء منهما مشتركا بين اللازم والمجتلب فلا يتم الإلزام
الوجه الثاني لا فرق في أجناس الأعراض التي يمتنع بقاؤها كالأصوات والحركات وغيرهما بين المقدور وغيره فوجب أن يكون الحال

في الاعتماد كذلك فلا يكون فرق في امتناع البقاء بين المقدور منه وهو المجتلب وغير المقدور وهو اللازم قلنا ما ذكرتم تمثيل مجرد بلا جامع لأن مرجعه إلى دعوى المماثلة بين الاعتمادات وبين الأصوات والحركات في عدم الفرق بين ما هو مقدور لنا وما هو غير مقدور في امتناع البقاء وليس هناك علة مشتركة تقتضي ذلك لجواز أن تكون خصوصية الأصوات والحركات مقتضية لامتناع بقائها على الإطلاق سواء كانت مقدورة أو غير مقدورة ولا تكون خصوصية الاعتماد مطلقا كذلك فيجوز حينئذ أن يمتنع بقاء المجتلب مع جواز بقاء اللازم وأما أبو هاشم فيدعي الضرورة في بقاء الاعتمادات اللازمة أعني الثقل والخفة في الأجسام الثقيلة والخفيفة والمشاهدة حاكمة به أي ببقاء الاعتمادات اللازمة كما في الألوان والطعوم فإن الإحساس كما يشهد ببقائهما يشهد أيضا ببقاء الخفة والثقل في الأجسام ومنها أنه قال الجبائي موجب الثقل الرطوبة وموجب الخفة اليبوسة يعني أن الاعتمادين اللازمين الطبيعيين معللان بعلتين هما الرطوبة واليبوسة فإنا إذا عرضنا الجسم الثقيل على النار كالذهب مثلا ذاب وظهرت رطوبته التي كانت موجودة فيه قبل العرض وإذا عرضنا الجسم الخفيف عليها كالخشب مثلا تكلس أي صار كلسا وهو في الأصل الصاروج المركب من النورة واختلاطها وترمد أي صار رمادا إذ النار تزيده يبسا بإفنائها للرطوبة القليلة التي كانت فيه حافظة للتأليف فيتفتت ويترمد ومنعه أبو هاشم وقال بل هما كيفيتان حقيقيتان غير معللتين بالرطوبة واليبوسة لما ذكرنا في زقي الماء والزئبق فإن الزئبق أثقل بأضعاف مضاعفة مع أن الماء أرطب منه بلا شبهة
والجواب عما تمسك به الجبائي أن يقال الرطوبة التي في الذهب الذائب واليبوسة التي في الكلس غير موجودتين فيهما قبل مماسة النار حتى

يستند إليهما الثقل والخفة الموجودتان قبلها وإنما تحدث الرطوبة واليبوسة فيهما عندها بإحداث الله تعالى إياهما على سبيل جري العادة وهما أي الذهب وما منه الكلس قبل أي قبل مماسة النار سيان متساويان في اليبس مع تخالفهما في الثقل والخفة قبلها فلا يكونان مستندين إلى الرطوبة واليبوسة كما توهمه كيف وما ذكره غير مطرد في الأحجار المكلسة التي أوقد عليها النار مدة مديدة حتى تفرقت رطوبتها بالكلية فإنها ثقيلة بشهادة الحس ولا رطوبة فيها أصلا اتفاقا وأما أن يقال بأن الأجزاء المائية الظاهرة في حال الذوبان موجودة في الذهب قبله مع صلابته جدا وكذا الأجزاء المائية موجودة في الذهب الأحجار الصلبة التي تجعل مياها سيالة بالحيل كما يفعله أصحاب الإكسير قبل إذابتها فخرج هذه الغاء جواب أما أي القول بوجود الأجزاء المائية في الذهب والأحجار الصلبة قبل ذوبانها خروج عن حيز العقل ورفع للأمان عن المحسوسات إذا يجوز حينئذ أن يكون بين أيدينا أنهار جارية ولا نحس بها ولذا قال الأستاذ أبو إسحاق لا نسلم أن المذاب بعد الإذابة بل رطب هو باق على يبوسته وليس إنكار الرطوبة مع الميعان بأبعد من دعوى الرطوبة في الأحجار المحسوسة يبوستها ومنها أنه قال الجبائي الجسم الذي يطفو على الماء كالخشب مثلا إنما يطفو عليه للهواء المتشبث به فإن أجزاء الخشب متخلخلة فيدخل الهواء فيما بينها ويتعلق بها ويمنعها من النزول فيه وإذا غمست صعدها الهواء الصاعد بخلاف الحديد فإن أجزاءه مندمجة لم يتضبث بهاا الهواء فلذلك ترسب في الماء
قال الآمدي يلزم على الجبائي أن الذهب يرسب في الزئبق والفضة تطفو عليه مع أن أجزاءها غير متخلخلة حتى يتشبث بها الهواء ويلزمه أيضا أنه يجب أن ينفصل عنه أي عن الجسم الطافي الهواء فيطفو وحده وتبقى الأجزاء الأخر راسبة في الماء لأن الهواء عنده صاعد بطبعه

والخشب راسب بطبعه فوجب أن ينفصل أحدهما عن الآخر فيرسب الخشب ويطفو الهواء
قال المصنف وفيه نظر لجواز أن يكون التركيب الواقع بين الأجزاء الهوائية وغيرها في الجسم الطافي أو الوضع الحاصل بين الهواء وأجزاء الطافي أفادهما أي أفاد الهواء والأجزاء الأخر حالة موجبة للتلازم مانعة عن الانفصال يعني أن الجسم الطافي جاز أن يكون مركبا من أجزاء هوائية وغيرها تركيبا موجبا للتلازم بينهما بحيث يمنع عن انفصال الهواء عن سائر الأجزاء وجاز أيضا أن يتخلخل الهواء فيما بين أجزائه على وضع مانع عن الانفصال فلا يلزم على شيء من هذين التقديرين أنه يجب انفصال الهواء ورسوب سائر الأجزاء وقال ابنه أبو هاشم إنه للثقل والخفة أي الرسوب للثقل والطفو للخفة وهما أي الثقل والخفة أمران حقيقيان عارضان للجسم في نفسه كما مر يقتضي أحدهما الرسوب والآخر الطفو ولا أثر للهواء في ذلك أصلا ويلزمه أمران
الأول إن الحديد يرسب في الماء فإذا اتخذ منه صفيحة رقيقة طفا ذلك الحديد الذي جعل صفيحة على الماء مع أن الثقل في الحالين واحد فلو كان الثقل مطلقا موجبا للرسوب لما اختلفا
الثاني إن حبة حديد ترسب في الماء وألفا من خشب لا يرسب فيه مع أنه لا نسبة لثقل الحبة إلى ثقل ألف منه وللحكماء كلام يناسب ما ذهب إليه أبو هاشم فأورده ههنا وجعله فرعا بناء على أن المقصود الأصلي من المبحث السادس بيان اختلافات المعتزلة في الاعتمادات فإيراد كلام غيرهم فيه إنما يكون على سبيل التبعية والفرعية فلذلك قال
تفريع قال الحكماء الجسم إن كان أثقل من الماء على تقدير

تساويهما في الحجم رسب ذلك الجسم فيه لأنه بثقله الزائد على ثقل الماء يغلب عليه ويخرق ما يلاقيه منه وينزل فيه إلى تحت وإن كان الجسم مع مساواته للماء في الحجم مثله في الثقل نزل فيه بحيث يماس سطحه الأعلى السطح الأعلى من الماء فلا يكون طافيا عليه ولا راسبا رسوبا تاما وإن كان الجسم مع التساوي في الحجم أخف منه أي من الماء نزل فيه بعضه وذلك البعض النازل يكون بقدر ما لو ملئ مكانه ماء كان ذلك الماء الذي ملئ به مكانه موازنا ومساويا في الثقل لذلك الجسم كله فيكون نسبة القدر النازل منه في الماء إلى القدر الباقي منه في خارجه كنسبة ثقل ذلك الجسم إلى فضل ثقل الماء وعلة الحكم في هذين القسمين تعلم بالمقايسة على القسم الأول فتأمل واعلم أنهم قالوا إن الحديدة المنبسطة إنما لا تنزل في الماء لاحتياجها إلى أن ينحى من تحتها ماء كثير وذلك لا يطاوعها بخلاف الحديدة المدورة وقالوا أيضا إن سبب الخفة في الأجرام الصلبة تخلخل الهواء فيما بينها فالخشبة مثلا إذا كانت في الهواء لم يكن للأجزاء الهوائية المتخلخلة فيها ميل فإذا وقعت في الماء انبعث الميل الطبيعي للهواء إلى فوق فإن قوي وقاوم الأجزاء الثقيلة مع دفع الخشبة إلى فوق وإن لم يقو على ذلك أذعن للهبوط قسرا إن لم يتأت له الانفصال عنها وبما قررناه ظهر لك أنه إن حمل كلام أبي هاشم على ما قاله الحكماء اندفع عنه الاعتراضان المذكوران عليه ثم اعلم أن الحق عند الأشاعرة هو أن الطفو إنما يكون بسبب سكون يخلقه الله تعالى في الجسم فيقتضي اختصاصه بحيزه والرسوب إنما هو بسبب حركات يخلقها

الله في الراسب ومباينات يخلقها الله في أجزاء الماء على طريقة جري العادة وإنما لم يذكر في الكتاب لأنه معلوم من قاعدتهم المشهورة ومنها أنه قال الجبائي للهواء اعتماد صاعد لازم ويلزمه أن لا يصعد ولو يطفو الخشبة على الماء بل ينفصل الهواء منها ويصعد ويطفو وحده على الماء كما ذكرنا إذا لا سبب لطفو الخشبة إلا تشبث الهواء بها وإذا كان الهواء متصعدا بالطبع وجب أن ينفصل عما هو مستفل بالطبع فيطفو المتصعد ويرسب المتسفل وقد عرفت ما فيه وهو أنه ربما كان التركيب أو الوضع موجبا للتلازم ومانعا عن الانفصال كيف أي كيف لا يتوجه عليه ما قد عرفته والهواء الذي فيه أي في الخشب لم يبق على كيفيته المقتضية للانفصال والصعود بل انكسر كيفيته بالامتزاج أو الاختلاط التام الام فلا ينفصل حينئذ حتى يرسب الخشب في الماء ومنعه ابنه وقال ليس للهواء اعتماد لازم لا علوي ولا سفلي بل اعتماده مجتلب بسبب محرك ويرد عليه أن الزق المنفوخ فيه المقسور تحت الماء إذا خلى وطبعه يصعد بما يتعلق به من جسم ثقيل إذا كان بحيث يقوى ذلك الزق على تحريكه وتصعيده ولو حل وكاؤه شق الهواء الذي فيه الماء وخرج منه فلولا اعتماده الصاعد لم يكن كذلك وفيه نظر لجواز أن يكون ذلك الصعود والخروج لضغط الماء له وإخراجه من ذلك الموضع بثقل وطأته وقوة عصره إياه وهو مدفوع بأن الزق إذا كان أكبر كان أسرع صعودا وخروجا من الأصغر ولا شك أن ضغط الماء للأصغر أقوى لضعفه وقلة مقاومته فكان يجب حينئذ أن يكون أشد سرعة وخروجا وليس كذلك فظهر أنه بمقتضى طبعه الذي هو في الأكبر أقوى وأشد اقتضاء للصعود ومنها أنه قال الجبائي لا يولد الاعتماد شيئا لا حركة ولا سكونا بل المولد لهما أي للحركة والسكون هو الحركة كما نشاهده أي نشاهد التوليد في حركة اليد لحركة المفتاح فإنه مالم تتحرك اليد لم يتحرك المفتاح فحركة المفتاح متولدة

من حركة اليد لا من الاعتماد و كما نشاهده في حركة الحجر لسكونه في الموضع الذي يقصده الحجر إما طبعا أو قسرا فإن ذلك السكون لا يتحصل مالم يوجد حركته فهو متولد منها لا من الاعتماد الذي في الحجر وقال ابنه المولد لهما أي للحركة والسكون هو الاعتماد لا الحركة لوجهين
الأول أنه إذا أقيم عمود يمكن انتصابه قائما على رأسه منفردا فنصب كذلك وأدعم بدعامة ثم اعتمد عليه معتمد إلى جهة الدعامة لم يتحرك ذلك العمود إلى تلك الجهة فإن الدعامة تمنعه عن ذلك ثم إذا أزيلت دعامته سقط إلى جهة الدعامة وإن لم يتحرك ذلك المعتمد إلى جهتها فعلمنا أن حركة العمود لم تتولد من الحركة بل من الاعتماد وإليه أشار بقوله وما هو أي سقوطه إلى تلك الجهة إلا للميل الذي أحدثه فيه الاعتماد عليه
الثاني حركة اليد متأخرة عن حركة الحجر إذ مالم يتحرك الحجر من مكانه امتنع حركة اليد إليه لامتناع التداخل بين الأجسام والمتأخر لا يولد المتقدم وفيه نظر إذ لا تأخر هناك بحسب الزمان بل هما معا بحسبه فلا يلزم التداخل وإما بحسب الذات فحركة اليد متقدمة إذ يصح أن يقال تحركت اليد فتحرك الحجر ولا يصح عكسه فجاز أن تكون حركة اليد مولدة لحركة الحجر وقال ابن عياش من البصريين بتولدهما أي بتولد الحركة والسكون من الحركة تارة ومن الاعتماد أخرى لمتمسكيهما فإن متمسك الجبائي دل على تولدهما من الحركة من غير دلالة على انحصار تولدهما فيها ومتمسك ابنه دل تولد الحركة والسكون من الاعتماد بلا دلالة على الانحصار فالصواب حينئذ تجويز تولدهما من كل واحد من

والحركة ولما كان القول بالتوليد باطلا كما ستعرفه كان هذا الكلام المبني عليه باطلا أيضا لكن الآمدي تنزل إلى صحة التوليد ثم ناقضهم فقال على الجبائي كما أن حركة المفتاح متعقبة لحركة اليد فذلك هي متعقبة لاعتماد اليد فليس القول بتولدها عن حركة اليد بأولى من القول بتولدها من اعتماد اليد فإن قال الجبائي قد استقلت الحركة بالتوليد في صورة وهي أن من حرك يده كانت حركة يده صادرة عنه مباشرة بالقدرة غير متولدة من شيء ويتولد من حركة يده حركة ما عليها من الشعر والأظفار وحينئذ كان إسناد حركة المفتاح إلى حركة اليد أولى من إسنادها إلى اعتماد اليد قلنا لم لا يجوز أن تكون حركة الشعر والأظفار متولدة من اعتماد اليد ومدافعتها لما عليها بسبب اتصالها بها فلا يثبت حينئذ استقلال الحركة بالتوليد وقال على أبي هاشم لا أن نسلم حركة العمود بدون حركة المعتمد الدافع له فلا نسلم أن حركة اليد لا تكون إلا بعد حركة الحجر بل هما معا في الزمان مع كون حركة الحجر مترتبة على حركة اليد كما مر تحقيقه ومنها أنه قال الجبائي في الحجر المرمي بالقسر إلى فوق إذا عاد هاويا أي نازلا أن حركته الهابطة متولدة من حركته الصاعدة بناء على أصله من أن الحركة إنما تتولد من الحركة لا لا من الاعتماد وقال ابنه بل هي متولدة من الاعتماد الهابط الذي في الحجر بناء على أصله من أن الحركة إنما تتولد من الاعتماد لا من الحركة فلذلك قال المصنف وهذا فرع الخلاف الذي قبله ثم قال وعلى الرأيين فيه تحكم وترجيح بلا مرجح
أما الأول فلأنه إذا قيل كل حركة من الحركات المتعاقبة في الصعود الثابتة للحجر المقسور ولدت حركة صاعدة إلا الحركة الأخيره

فإنها تولد حركة هابطة فهو تحكم بحت بل كان يجب أن يذهب الحجر المقسور إلى غير النهاية بأن يتولد من كل حركة من حركاته الصاعدة حركة أخرى صاعدة بلا انقطاع
وأما الثاني فلأن الاعتماد الهابط الذي في الحجر إذا كان يوجب النزول فليوجبه أولا أي في ابتداء الحركة وأيضا القول بأن كلا من الاعتمادات المجتلبة يوجب اعتمادا صاعدا دون الاعتماد الأخير منها ترجيح بلا مرجح هكذا قيل في الاعتراض على الرأيين وفيه نظر لأن الحركة القسرية تضعف كلما بعدت عن المبدأ القاسر بسبب مقاومة الطبيعة لها منضمة إلى مقاومة ما في المسافة من الهواء الذي يحتاج المتحرك إلى خرقه فليست طبقاتها متماثلة حتى يجب تساويها في الأحكام فقد تنتهي الحركة الصاعدة في الضعف إلى ما يوجب أي إلى طبقة توجب الحركة النازلة التي هي ضدها دون الصاعدة التي هي مثلها فإن الشيء لا يؤثر في مثله إلا إذا كان قويا في الغاية وقد يؤثر في ضده مع ضعفه فاندفع التحكم عن الجبائي والاعتماد اللازم الذي في الحجر مغلوب في الأول أي في ابتداء الحركة بالمجتلب الذي أفاده القسر ثم يضعف المجتلب قليلا قليلا بمقاومة الطبيعة والمخروق في دفعه حتى يصير المجتلب مغلوبا واللازم غالبا وحينئذ يوجب الاعتماد اللازم النزول والجواب عن توليد الاعتمادات ما مر في توليد الحركات فاندفع التحكم عن ابنه أيضا ومنها أنه قال أكثر المعتزلة ليس بين الحركة الصاعدة والهابطة سكون إذ لا يوجبه الاعتماد لا اللازم فإنه يوجب الحركة الهابطة ولا المجتلب لأنه يقتضي الحركة الصاعدة فلا يتولد السكون منهما ولا شيء هناك غيرهما حتى يستند إليه السكون فلا سكون أصلا وقال الجبائي لا أستبعد أن يكون بين الصاعدة والهابطة سكون وربما نصر مذهبه بأن الاعتماد الصاعد غالب في أول الحال فيصعد الجسم إلى فوق ثم يغلب الاعتماد النازل فينزل الجسم إلى تحت ولا بد بينهما من التعادل فإن المغلوب لا يصير غالبا حتى يصل إلى حد التعادل والتساوي وعنده أي عند التعادل يكون

السكون إذ لا يتصور حينئذ حركة صاعدة ولا هابطة لأن الاعتمادين على حد التساوي فلا غلبة لأحدهما على صاحبه وهو أي الاستدلال الذي نصر به مذهبه لا يوافق مذهبه لأن هذا الاستدلال مبني على أن الحركتين الصاعدة والهابطة متولدتان من الاعتمادين المجتلب واللازم وأن السكون بين الحركتين متولد من مجموع الاعتمادين بسبب تساويهما وقد مر أن الجبائي لا يجوز تولد الحركة والسكون من الاعتماد وهذا معنى قوله إذ بحث توليد الاعتماد لهما أي للحركة والسكون خلاف أصله فلا يمكن له الاستدلال به بل حقه أن يقول موافقا لأصله الحركة الأخيرة من الحركات الثابتة للحجر المقسور مثلا توجب له سكونا أو لا ثم حركة نازلة فإن المتولد قد يتأخر عن المولد بالزمان عندهم كالقتل المتولد عن الرمي فلا محذور في تأخر الحركة النازلة بتوسط السكون عن الحركة الصاعدة المولدة إياها وبالجملة فالمسألة فرع الاختلاف المتقدم فمن جوز أن تكون الحركة الصاعدة مولدة للهابطة لم يستبعد توليدها للسكون أيضا فإن الأول أبعد من الثاني ومن لم يجوز ذلك لم يرتكب هذا المستبعد وأما قضية التعادل فقد يقال جاز أن يكون الاعتماد المجتلب غالبا في آن ومغلوبا في آن عقيبه بلا فاصل فلا يلزم سكون أصلا

المقصد الرابع
الصلابة كيفية بها ممانعة الغامز واللين عدم الصلابة عما من شأنه ذلك احترازا عن الفلك فهو عدم ملكة لها وقيل بل كيفية بها يطيع الجسم الغامز فهو ضدها

الصلابة كيفية بها ممانعة الغامز أي كيفية للجسم يكون بها ممانعا للغامز فلا يقبل تأثيره ولا ينعمز تحته واللين عدم الصلابة عما من شأنه ذلك وإنما اعتبر هذا القيد احترازا عن الفلك فإنه لا يوصف عندهم بكونه من شأنه الصلابة لأنه وإن كان مما لا ينغمز ولا يتأثر من الغامز لكن بذاته لا بكيفية قائمة به كالجسم العنصري فهو عدم ملكة لها وقيل بل اللين كيفية بها يطيع الجسم للغامز فهو على هذا التفسير ضدها لكونها وجودية أيضا قال الإمام الرازي إن الصلابة واللين ليسا من الكيفيات الملموسة وذلك أن الجسم اللين هو الذي ينغمز فهناك أمور ثلاثة
الأول الحركة الحاصلة في سطحه
الثاني شكل التقعير المقارن لحدوث تلك الحركة
الثالث كونه مستعدا لقبول ذينك الأمرين وليس الأولان بلين لأنهما محسوسان بالبصر واللين ليس كذلك فتعين الثالث وهو من الكيفيات الإستعدادية وكذلك الجسم الصلب فيه أمور
الأول عدم الانغماز وهو عدمي
الثاني الشكل الباقي على حاله وهو من الكيفيات المختصة بالكميات
الثالث المقاومة المحسوسة باللمس وليست أيضا صلابة لأن الهواء الذي في الزق المنفوخ فيه له مقاومة ولا صلابة له وكذلك الرياح القوية فيها مقاومة ولا صلابة فيها
الرابع الاستعداد الشديد نحو اللاإنفعال فهذا هو الصلابة فيكون من الكيفيات الاستعدادية

المقصد الخامس
الملامسة عند المتكلمين استواء بعض الأجزاء والخشونة عدمه وعند الحكماء كيفيتان قائمتان بالجسم وقيل بسطح الجسم
الملامسة عند المتكلمين استواء وضع الأجزاء في ظاهر الجسم والخشونة عدمه بأن يكون بعض الأجزاء ناتئا وبعضها غائرا فهما على هذا القول من باب الوضع دون الكيف وعند الحكماء هما كيفيتان ملموستان قائمتان بالجسم تابعتان للاستواء واللااستواء المذكورين وقيل قائمتان بسطح الجسم فإن قيام العرض بالعرض جائز عندهم
النوع الثاني المبصرات
وهي الألوان والأضواء وأما ما عداهما من الأشكال والصغر والكبر والقرب والبعد فعند الحكماء إنما تبصر بواسطتهما
واعلم أنه لا يمكن تعريفهما لظهورهما وما يقال من أن الضوء كمال أول للشفاف من حيث هو شفاف أو كيفية لا يتوقف إبصارها على إبصار شيء آخر ومن أن اللون بعكسه فتعريف بالأخفى ولنجعل مباحثهما قسمين
النوع الثاني من الكيفيات المحسوسة المبصرات قال في المباحث المشرقية اللائق أن ترادف الملموسات بذكر الكيفيات المذوقة إلا أن الكلام فيها مختصر فأخرناه وأردفنا الملموسة بالكيفيات المبصرة وهي الألوان والأضواء فإنهما مبصرتان بالذات وأما ما عداهما من الأشكال والصغر والكبر والقرب والبعد والحركة والسكون والتفرق والاتصال والاستقامة والانحناء إلى غير ذلك فعند الحكماء إنما تبصر بواسطتهما واختلفوا في الأطراف أعني النقطة والخط والسطح فقيل هي أيضا مبصرة بالذات وقيل بالواسطة فإن قلت المبصر بالذات هو الضوء وحده لعدم توقف رؤيته على رؤية شيء آخر بخلاف اللون فإنه إنما يرى بواسطة الضوء فيكون مرئيا ثانيا وبالعرض لا أولا وبالذات قلت معنى المرئي بالذات وبالعرض أن يكون هناك رؤية واحدة متعلقة بشيء ثم تلك الرؤية بعينها تتعلق

بشيء آخر فيكون الشيء الآخر مرئيا ثانيا وبالعرض والأول مرئيا بالذات وأولا على قياس قيام الحركة بالسفينة وراكبها ونحن إذا رأينا لونا مضيئا فهناك رؤيتان
إحداهما متعلقة بالضوء أولا وبالذات والأخرى متعلقة باللون كذلك كانت وإن هذه الأخرى مشروطة بالرؤية الأولى ولهذا انكشف كل واحد منهما عند الحس انكشافا تاما بخلاف الشكل والحجم وأخواتهما فإنه لا يتعلق بشيء منهماا رؤية ابتداء بل الرؤية المتعلقة بلون الجسم ابتداء تتعلق هي بعنيها ثانيا بمقداره وشكله وغيرهما فهي مرئية بتلك الرؤية لا برؤية أخرى ولهذا لم ينكشف عند الحس انكشاف الضوء واللون ومن زعم أن الأطراف مرئية بالذات جعلها مرئية برؤية أخرى مغايرة لرؤية اللون واعلم أنه لا يمكن تعريفهما أي تعريف الضوء واللون لظهورهما فإن الإحساس بجزئياتهما قد أطلعنا على ماهيتهما لا يفي به ما يمكننا من تعريفاتهما على تقدير صحتها كما مر في مباحث الحرارة وما يقال في تعريفهما من أن الضوء كمال أول للشفاف من حيث هو شفاف وإنما اعتبر قيد الحيثية لأن الضوء ليس كمالا للشفاف في جسميته ولا في شيء آخر بل في شفافيته والمراد بكونه كمالا أولا أنه كمال ذاتي لا عرضي أو كيفية لا يتوقف إبصارها على إبصار شيء آخر ومن أن اللون بعكسه أي كيفية يتوقف إبصارها على إبصار شيء آخر هو الضوء فإن اللون مالم يصر مستنيرا لا يكون مرئيا فتعريف بالأخفى كما لا يخفى ولعل المراد بما ذكره هو التنبيه على خواصهما وأحكامهما ليزداد امتيازهما ولما كانت رؤية اللون مشروطة بروية الضوء أورد كلا منهما في قسم فقال ولنجعل مباحثهما في قسمين

القسم الأول في الألوان
وفيه مقاصد
المقصد الأول
قال بعض لا وجود للون وإنما يتخيل البياض من مخالطة الهواء المضيء للأجزاء الشفافة المتصغرة جدا كما في زبد الماء وفي الثلج وفي البلور والزجاج المسحوقين وفي موضع الشق من الزجاج الثخين والسواد يتخيل بضد ذلك ومنهم من قال الماء يوجب السواد لما يخرج الهواء فإن الثياب إذا ابتلت مالت إلى السواد قيل السواد لون حقيقي فإنه لا ينسلخ بخلاف البياض وقال ابن سينا في موضع من الشفاء لا أعلم حدوث البياض بطريق آخر وفي موضع آخر قد يحدث لوجوه
الأول أن بياض البيض يصير أبيض بعد سلقه ولم تحدث النار فيه هوائية لأنه بعد الطبخ أثقل
الثاني الدواء المسمى بلبن العذراء وهو خل طبخ فيه المردار سنج حتى انحل فيه ثم يصفى الخل ثم يخلط بماء طبخ فيه القلي فيبيض ثم يجف فليس لأن شفافا تفرق ودخل في الهواء
الثالث الاتجاه من البياض إلى السواد يكون بطرق شتى فمن الغبرة فالعودية ومن الحمرة فالقتمة ومن الخضرة فالنيلية ولولا اختلاف ما تتركب عنها لاتحد الطريق
الرابع الضوء لا ينقل السواد تجربة فلو لم يكن إلا سواد وبياض وجب أن لا يصير المنعكس إليه أحمر وأخضر

الخامس إن الطبخ يفعل في الجص والنورة ما لا يفعله السحق والتصويل وإذ قد تقرر ذلك فإنه قد اعترف بأن لا بياض فيما ذكروه من الأمثلة ويلزمه السفسطة
والحق منعه والقول بأن ذلك أحد أسباب حدوث البياض وليس ذلك أبعد مما يقوله الحكماء في كون الضوء شرطا لحدوث الألوان كلها
ومن اعترف بوجودهما قال هما الأصل والبواقي تحصل بالتركيب فإنهما إذا خلطا وحدهما حصلت الغبرة ومع ضوء كفيء الغمام والدخان الحمرة فالقتمة ومع غلبة الضوء الصفرة وإن خالطها سواد فالخضرة ومع بياض الزنجارية ومع قليل حمرة النيلية
وقال قوم الزصل خمسة السواد والبياض والحمرة والصفرة والخضرة وتحصل البواقي بالتركيب بالمشاهدة
والحق أن ذلك يحدث كيفيات في الحس وأما أن كل كيفية فهو من هذا القبيل فشيء لا سبيل إلى الجزم به
القسم الأول في الألوان قدمها على الأضواء مع كونها مشروطة بها إما في رؤيتها أو وجودها على ما سيأتي لأنها أكثر وجودا في الأجسام التي عندنا وفيه أي في القسم الأول مقاصد ثلاثة
الأول قال بعض من القدماء لا وجود للون أصلا بل كلها متخيلة وإنما يتخيل البياض من مخالطة الهواء المضيء للأجزاء الشفافة المتصغرة جدا كما في زبد الماء فإنه أبيض ولا سبب لبياضه سوى ما ذكر و كما

في الثلج فإنه أجزاء جمدية صغار سقافة خالطها الهواء ونفذ فيها الضوء فيتخيل أن هناك بياضا و كما في البلور والزجاج المسحوقين سحقا ناعما فإنه يرى فيهما بياض مع أن أجزاءهما المتصغرة لم ينفعل بعضها عن بعض عند الاجتماع حتى يحدث فيهما اللون و كما في موضع الشق من الزجاج وفي بعض النسخ من الشفاف الثخين فإنه يرى ذلك الموضع أبيض مع كونه أبعد من حدوث البياض فيه وقد مرت هذه الأمثلة في صدر الكتاب قالوا والسواد يتخيل بضد ذلك وهو عدم غور الهواء والضوء في عمق الجسم ومنهم من قال الماء يوجب السواد أي يوجب تخيله لما يخرج الهواء يعني أن الماء إذا وصل إلى الجسم ونفذ في أعماقه أخرج منها الهواء وليس إشفافه كإشفاف الهواء حتى ينفذ الضوء إلى السطوح فتبقى السطوح مظلمة فيتخيل أن هناك سوادا وأيضا فإن الثياب إذا ابتلت مالت إلى السواد فدل ذلك على أن الماء يوجب تخيل السواد وقيل السواد لون حقيقي فإنه لا ينسلخ عن الجسم البتة فدل ذلك على أنه حقيقي بخلاف البياض فإن الأبيض قابل للألوان كلها والقابل لها يكون خاليا عنها واعترض عليه بأن عدم الانسلاخ لا يدل على كونه حقيقيا إذ يجوز أن يكون سبب تخيله لازما لبعض الأجسام على أن سواد الشباب ينسلخ بالشيب وأهل الإكسير يبيضون النحاس برصاص مكلس وزرنيخ مصعد وبأن انسلاخ البياض لا يدل على أنه تخيلي لجواز أن يكون حقيقيا مفارقا والقابل للشيء لا يجب أن يكون عاريا عنه وإلا امتنع اتصافه به فلا يكون قابلا له وقال ابن سينا في موضع من الشفاء أي في فصل توابع المزاج من المقالة الثانية من الفن الرابع من الطبيعيات لا أعلم حدوث البياض بطريق آخر سوى الطريق التخيلي فلا يثبت عنده حينئذ كون البياض لونا حقيقيا في شيء من الصور و قال في موضع آخر أي في المقالة

الثالثة من علم النفس من كتاب الشفاء قد يحدث البياض بطريق آخر سوى طريق التخيل لوجوه خمسة
الأول أن بياض البيض مع كونه شفافا يصير أبيض بعد سلقه وإغلائه بالنار ولم تحدث النار بالطبخ فيه هوائية وتخلخلا حتى يتخيل فيه البياض لأنه بعد الطبخ أثقل مما كان قبله وما ذلك إلا لخروج الهوائية منه وأيضا لو دخلت فيه هوائية وبيضته لكان ذلك خثورة لا انعقادا
الثاني الدواء المسمى بلبن العذراء ويتخذه أهل الحيلة وهو خل طبخ فيه المراد سنج حتى انحل فيه ثم يصفى الخل حتى يبقى شفافا في الغاية ثم يخلط هذا الخل المصفى بماء طبخ فيه القلي أولا ثم طبخ المرادار سنج ثانيا وصفي غاية التصفية حتى يصير الماء كأنه الدمعة فإنه ينعقد ذلك المخلوط فيبيض غاية الابيضاض كاللبن الرائب ثم يجف بعد الابيضاض فليس ابيضاضه لأن شفافا تفرق ودخل فيه الهواء وإلا لم يجف بعد الابيضاض لكنه لا يجف إلا بعده فدل ذلك على كثرة الأرضية حينئذ وفي المباحث المشرقية أنه إذا خلط هذان الماءان ينعقد فيه المنحل الشفاف من المرتك ويبيض وليس ذلك لأن شفافا تفرق ودخل الهواء فيه لأن ذلك كان منحلا ومتفرقا في الخل ولا لأن تلك الأجزاء تقاربت حتى انعكس ضوء بعضها إلى بعض فإن حدة ماء القلي أولى بالتفريق بل ذلك على سبيل الاستحالة فليس كل بياض على الوجه الذي قالوه ولقائل أن يقول على هذين الوجهين جاز أن يكون لتخيل البياض سبب آخر لا نعلمه

إذ المفروض أنه لا اعتماد على الحس وإلا لوجب الحكم بكون الثلج أبيض حقيقة
الثالث الاتجاه من البياض إلى السواد يكون بطرق شتى فمن الغبرة فالعودية أي يتوجه الجسم من البياض إلى الغبرة ثم منها إلى العودية ثم كذلك حتى يسود وهذا هو الطريق الساذج كأنه يأخذ من أول الأمر في سواد ضعيف ثم لا يزال يشتد فيه السواد قليلا قليلا حتى يمحض ومن الحمرة فالقتمة أي يأخذ من البياض إلى الحمرة ثم إلى القتمة ثم إلى السواد ومن الخضرة فالنيلية أي يأخذ من البياض إلى الخضرة ثم إلى النيلية ثم إلى السواد
قال ابن سينا وهذه الطرق لا يجوز اختلاف ما يتركب عنه الألوان المتوسطة فإن لم يكن إلا بياض وسواد وكان أصل البياض وهو الضوء الذي قد استحال ببعض الوجوه لم يمكن في الأخذ من البياض إلى السواد إلا طريق واحد لا يقع فيه الاختلاف إلا بالشدة والضعف على حسب اختلاط السواد بالبياض ولا يتصور هناك طرق مختلفة فإن ثبوتها يتوقف على شوب من غيرهما ولا بد أن يكون ذلك الشوب من مرئي وليس في الأشياء ما يظن أنه مرئي وليس سوادا ولا بياضا ولا مركبا منهما إلا الضوء فإذا جعل الضوء شيئا غيرهما أمكن أن تتركب الألوان وتتعدد الطرق فإنه إذا اختلط السواد والبياض وحدهما كانت الطريقة طريقة الاغبرار لا غير وإن خالط السواد ضوء فكان مثل الغمامة التي تشرق عليها الشمس ومثل الدخان الأسود الذي تخالطه النار كان حمرة إن كان السواد غالبا على الضوء أو صفرة إن كان السواد مغلوبا وكان هناك غلبة بياض مشرق ثم إن خالطت الصفرة سوادا ليس في أجزائه إشراق حدثت الخضرة إلى آخر ما سيأتي

تفصيله فقوله ولولا اختلاف ما تتركب هذه الألوان المتوسطة عنها لاتحد الطريق إشارة إلى ما نقلناه عنه
الرابع الضوء لا ينقل السواد تجربة أي إذا انعكس الضوء من جسم ثقيل أسود إلى جسم آخر لم يصر المنعكس إليه أسود فلو لم يكن إلا سواد وبياض على الوجه الذي ذكر وجب أن يصير المنعكس إليه أحمر وأخضر لأن هذه الألوان حينئذ إنما هي لاختلاط الشفاف بالمظلم والانعكاس إنما يكون من الأجزاء الشفافة دون السود فوجب أن لا ينعكس إلا البياض الذي هو الضوء وهو باطل قطعا
قال الإمام الرازي وفي هذين الوجهين أيضا نظر لجواز أن يوجد هناك أمور مختلفة لأجلها يحس بالكيفيات المختلفة وإن لم يكن لها وجود في الحقيقة كما جاز ذلك في اللون الواحد
الخامس أن الطبخ يفعل في الجص والنورة من البياض ما لا يفعله السحق والتصويل أي الدق فليس بياضهما بسبب أن الطبخ أفادهما تخلخلا وتفرق أجزاء فداخلهماا الهواء المضيء ورلا كان السحق والتصويل يفعلان فيهما مثل ما يفعل الطبخ بل بياضهما بسبب أن الطبخ أفادهما مزاجا يوجب ذلك الأبيضاض
قال ابن سينا فقد بان بهذه الوجوه أن البياض بالحقيقة في الأشياء ليس بضوء ثم لسنا نمنع أن يكون للضوء المضيء تأثير في التبيض
قال المصنف وإذ قد تقرر ذلك فإنه قد اعترف أي ابن سينا بأن لا بياض فيما ذكروه من الأمثلة وهي زبد الماء وأخواته ويلزم السفسطة وارتفاع الأمان عن الحس بالكلية وههنا بحث وهو أنه قد صرح فيما نقلناه من كلامه بأن المحسوس في هذه الأمثلة أمر موجود هو الضوء المتعاكس وجعله بياضا حادثا بطريق مخصوص وقال وأما أنه هل يكون بياض غير هذا فمما لم أعلم بعد امتناعه ووجوده وسيأتي لي كلام في هذا المعنى أشد استقصاء وأشار به إلى الوجوه الخمسة الدالة على أن البياض قد يحدث

بطريق آخر فيظهر أن البياض لون مغاير للضوء المسمى في تلك الأمثلة بياضا وليس في هذا سفسطة وارتفاع أمان لكن الإمام الرازي كما هو دأبه يتصرف فيما ينقله عنه ليتسع له مجال الاعتراض عليه ويقلده في ذلك من يتبعه فلذلك قال صاحب الكتاب والحق منعه أي منع أن لا بياض فيما ذكروه من الأمثلة والقول بأن ذلك أي اختلاط الهواء المضيء بالأجزاء الشفافة أحد أسباب حدوث البياض وإن لم يكن هناك مزاج يتبعه حدوث اللون وليس ذلك الذي قلنا به أبعد مما يقوله الحكماء في كون الضوء شرطا لحدوث الألوان كلها إذ يلزم منه انتفاء الألوان في الظلمة وحدوثها عند وقوع الضوء على محالها فإذا أخرج المصباح مثلا عن البيت المظلم انتفى ألوان الأشياء التي فيها وإذا أعيد صارت ملونة بأمثالها لاستحالة إعادة المعدوم عندهم ولا شك أن هذا أبعد من حدوث البياض في الأجزاء الشفافة بمخالطة الهواء من غير مزاج ومن اعترف بوجودهما أعني وجود السواد والبياض قال أي بعضهم هما الأصل والبواقي من الألوان تحصل بالتركيب منهما على أنحاء شتى فإنهما إذا خلطا وحدهما حصلت الغبرة وإذا خلطا لا وحدهما بل مع ضوء كفيء الغمام الذي أشرقت عليه الشمس والدخان الذي خالطه النار حصلت الحمرة إن غلب السواد على الضوء في الجملة وإن اشتدت غلبته عليه فالقتمة ومع غلبة الضوء على السواد حصلت الصفرة وإن خالطها أي الصفرة سواد مشرق فالخضرة والخضرة إذا خلطت مع بياض حصلت الزنجارية التي هي الكهبة وإذا خلطت الخضرة مع سواد حصلت الكراثية الشديدة والكراثية إن خلط بها سواد مع قليل حمرة حصلت النيلية ثم النيلية إن خلط بها حمرة حصلت الإرجوانية وعلى هذا فقس حال سائر الألوان وقال قوم

من المعترفين بالألوان الأصل فيها خمسة السواد والبياض والحمرة والصفرة والخضرة فهذه الخمسة ألوان بسيطة وتحصل البواقي بالتركيب من هذه الخمسة بالمشاهدة فإن الأجسام الملونة بالألوان الخمسة إذا سحقت سحقا ناعما ثم خلط بعضها ببعض فإنه يظهر منها ألوان مختلفة بحسب مقادير المختلطات كما يشهد به الحس فدل ذلك على أن سائر الألوان مركبة منها والحق أن ذلك أعني تركيب هذه الخمسة على أنحاء شتى يحدث كيفيات في الحس هي ألوان مختلفة كما ذكرتم وأما أن كل كيفية لونية سوى هذه الخمسة فهو من هذا القبيل أي مما تركب منها فشيء لا سبيل إلى الجزم به ولا بعدمه إذ يجوز أن يكون هناك كيفية مفردة هي لون بسيط ويجوز أيضا أن يكون جميع ما عدا الخمسة مركبة منها فالواجب أن يتوقف فيه

المقصد الثاني
قال ابن سينا وكثير الضوء شرط وجود اللون فاللون إنما يحدث في الجسم بالفعل عند حصول الضوء وأنه غير موجود في الظلمة بل الجسم مستعد لأن يحصل فيه عند الضوء اللون المعين فإنا لا نراه فلذلك إما لعدمه أو لوجود العائق وهو الهواء المظلم والثاني باطل لأن الهواء غير مانع من الإبصار فإن الجالس في غار مظلم يرى من في الخارج والهواء الذي بينهما لا يعوق عن رؤيته والمشهور وهو مختار الإمام الرازي أنه شرط لرؤيته فإن رؤيته زائدة على ذاته والمتحقق عدم رؤيته في الظلمة وأما عدمه فلا والجالس في الغار إنما لا يراه الخارج لعدم إحاطة الضوء به فإن شرط الرؤية ليس هو الضوء كيف كان بل الضوء المحيط بالمرئي قال ابن الهيثم إنا نرى الألوان تضعف بحسب ضعف الضوء فكل طبقة من الضوء

شرط لطبقة من اللون فإذا انتفت طبقات الزضواء انتفت طبقات الألوان وهذا يوجب أن هذه الألوان تنتفي في الظلمة ويحدس منه انتفاء اللون مطلقا وأنت تعرف أن مذهب أهل الحق أن الرؤية أمر يخلقه الله في الحي ولا يشترط بضوء ولا مقابلة ولا غيرهما وإنما لا نتعرض لأمثاله للاعتماد على معرفتك لها في مواضعها
قال ابن سينا وكثير من الحكماء الضوء شرط وجود اللون في نفسه فاللون إنما يحدث في الجسم بالفعل عند حصول الضوء فيه وأنه أي اللون غير موجود في الظلمة لفقدان شرط وجوده حينئذ بل الجسم في الظلمة مستعد لأن يحصل فيه عند الضوء اللون المعين فإنا لا نراه في الظلمة فذلك أي عدم رؤيتنا إياه إما لعدمه في نفسه أو لوجود العائق عن رؤيته وهو الهواء المظلم إذا لا عائق هناك سواه والثاني باطل لأن الهواء المظلم غير مانع من الإبصار فإن الجالس في غار مظلم يرى من في الخارج إذا أوقد نارا وقع عليه ضوؤها والهواء الذي بينهما مع كونه مظلما لا يعوق عن رؤيته وكيف تكون الظلمة عاتقة من الرؤية مع كونها أمرا عدميا والمشهور فيما بين الجمهور وهو مختار الإمام الرازي أنه أي الضوء شرط لرؤيته لا لوجوده فإن رؤيته زائدة على ذاته والمتحقق المتيقن عدم رؤيته في الظلمة وإما عدمه في نفسه فلا فانتفاء الرؤية في الظلمة لعدم شرط الرؤية لا لوجود العائق عنها ولا لعدم اللون في نفسه والجالس في الغار إنما لا يراه الخارج عنه لعدم إحاطة الضوء به أي بالجالس في الغار فإن شرط الرؤية ليس هو الضوء كيف كان بل الضوء المحيط بالمرئي ولذلك يرى الجالس الخارج المستضيء بالنار قال ابن

الهيثم مستدلا على أن الضوء شرط لوجود اللون أنا نرى الألوان تضعف بحسب ضعف الضوء فكلما كان الضوء أقوى كان اللون أشد كلما كان أضعف كان أضعف فكل طبقة من الضوء شرط لطبقة من اللون لانتفاء الثانية بانتفاء الأولى فإذا انتفت طبقات الأضواء كلها انتفت أيضا طبقات الألوان بأسرها وهذا يوجب أن هذه الألوان التي هي في ضمن هذه الطبقات تنتفي في الظلمة لانتفاء شروطها التي هي طبقات الأضواء فينتفي اللون المطلق أيضا لأن العام لا يوجد إلا في ضمن الخاص ولما احتمل أن يكون للون طبقة توجد في الظلمة فقط ولا يحس بها فيوجد للون المطلق في ضمنها قال ويحدس منه انتفاء اللون مطلقا فاعترف بأن ما ذكره محتاج إلى الحدس فلا يكون حجة على الغير مع أن لقائل أن يقول المختلف بحسب مراتب الأضواء هو الرؤية المشروطة بها لا اللون في نفسه فيكون للرؤية مراتب جاء وخفاء بحسب شدة الأضواء وضعفها مع كون المرئي الذي هو للون باقيا على حالة واحدة وأنت تعرف أن مذهب أهل الحق أن الرؤية سواء كانت متعلقة بالألوان أو بغيرها أمر يخلقه الله في الحي على وفق مشيئته ولا يشترط بضوء ولا مقابلة ولا غيرهما من الشرائط التي اعتبرها الحكماء والمعتزلة على ما سيأتي في مباحث رؤية الله تعالى وإنما لا نتعرض لأمثاله للاعتماد على معرفتك بها في موضعها فعليك برعاية قواعد أهل الحق في جميع المباحث وإن لم نصرح بها

المقصد الثالث
الظلمة عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مضيئا والدليل على أنه أمر عدمي رؤية الجالس في الغار الخارج ولا عكس وما هو إلا لأنه ليس أمرا حقيقيا قائما بالهواء مانعا من الإبصار ولو قيل كما أن شرط الروية ضوء يحيط بالمرئي فقد يكون العائق ظلمة تحيط به لم يكن بعيدا
فرع منهم من جعل الظلمة شرطا لرؤية بعض الأشياء كالتي تلمع بالليل عن الضوء القوي كما في النهار فينفعل عن الضعيف وذلك كالهباء الذي يرى في البيت ولا يرى في الشمس
الظلمة عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مضيئا فالتقابل بينهما تقابل العدم والملكة والدليل على أنه أمر عدمي رؤية الجالس في الغار المظلم الخارج عنه إذا وقع في الخارج ضوء ولا عكس أي لا يرى الخارج الجالس وما هو أي ليس الحال المذكور من الجانبين إلا لأنه ليس الظلام أمرا حقيقيا بالهواء مانعا من الإبصار إذا لو كان كذلك لم ير أحدهما الآخر أصلا لوجود العائق عن الرؤية بينهما فتعين أنها عدم الضوء وحينئذ ينتفي شرط كون الجالس في الغار مرئيا فلا يرى دون شرط كون الخارج مرئيا فيرى فلذلك اختلف حالهما
قال المصنف ولو قيل كما أن شرط الرؤية ضوء يحيط بالمرئي لا الضوء مطلقا ولا الضوء المحيط بالرائي فقد يكون العائق عن الرؤية ظلمة تحيط به أي بالمرئي لا الظلمة المحيطة بالرائي ولا الظلمة مطلقا لم يكن هذا القول بعيدا وحينئذ تكون الظلمة أمرا موجودا عائقا مع اختلاف حال الجالس والخارج في الرؤية كما ذكر وقد يستدل على كونها عدمية بانا إذا قدرنا خلو الجسم عن النور من غير انضياف صفة آخر إليه لم يكن حاله إلا هذه الظلمة التي نتخيلها أمرا محسوسا في الهواء وليس هناك أمر

محسوس ألا ترى أنا إذا غمضنا العين كان حالنا كما إذا فتحناها في الظلمة الشديدة ولا شك أنا لا نرى في حال التغميض شيئا في جفوننا بل لنا في هذه الحالة أنا لا نرى شيئا فنتخيل أنا نرى كيفية كالسواد فكذا الحال في تخيلنا الظلمة أمرا محسوسا
فرع منهم من جعل الظلمة شرطا لرؤية بعض الأشياء كالتي تلمع وترى بالليل من الكواكب والشعل البعيدة ولا ترى في النهار وما ذلك إلا لكون الظلمة شرطا لرؤيتها ورد بأن ذلك ليس لتوقف الرؤية على الظلمة بل لأن الحس غير منفعل بالليل عن الضوء القوي كما في النهار فينفعل عن الضوء الضعيف ويدركه ولما كان في النهار منفعلا عن ضوء قوي لم ينفعل عن الضعيف فلم يحس به وذلك كالهباء الذي يرى في البيت إذا وقع عليه الضوء من الكوة ولا يرى في الشمس لأن بصر الإنسان حينئذ يصير مغلوبا بضوئها فلا يقوى على إحساس الهباء بخلاف ما إذا كان في البيت فإن بصره ليس ههنا منفعلا عن ضوء قوي فلا جرم يدرك الهباء المستضيء بضوء ضعيف ولا يخفى على ذي فطنة أن الأولى أن يجعل هذا الفرع مقصدا ثالثا عقيب المقصد الثاني ثم يجعل بيان حال الظلمة في كونها عدمية فرعا للمقصد الثالث

القسم الثاني في الأضواء
وفيه مقاصد
المقصد الأول
زعم بعض الحكماء أن الضوء أجسام صغار تنفصل من المضيء وتتصل بالمستضيء ويبطله وجهان
الأول إنها إما غير محسوسة والضرورة تكذبه أو محسوسة فتستر ما تحتها فتكون الأكثر ضوءا أكثر استتارا والمشاهدة عكسه وفيه نظر فإن ذلك شأن الأجسام الملونة دون الشفافة فإن صفيحة البلور تزيد ما خلفها ظهورا ولذلك يستعين بها الطاعنون في السن على قراءة الخطوط الدقيقة
الثاني لو كان جسما لكان حركته بالطبع فكانت إلى جهة فلم يقع من كل جهة والتالي باطل ومما يقوي ذلك أن النور إذا دخل من الكوة ثم سددناها فإنه لا يخرج ولا تعدم ذاته بل كيفيته وهو مرادنا وأيضا فالشمس إذا طلعت من الأفق استنارت الدنيا في اللحظة وحركته لا تعقل فيها
احتج الخصم بأن الضوء متحرك لأنه منحدر عن المضيء ويتبعه في الحركة وينعكس عما يلقاه وكل متحرك جسم قلنا حركته وهو محض وذلك حدوثه في المقابل ولما كان من عال تخيل أنه ينحدر ولما كان

حدوثه تابعا للوضع من المضيء ظن أنه يتبعه في الحركة ولما كان يحدث في مقابلة المستضيء والمتوسط شرط في حدوثه ظن أن ثمة انتقالا ويرد عليهم الظل مع الاتفاق على أنه ليس جسما
فرع من المعترفين بأنه كيفية من قال هو مراتب ظهور اللون ويبطله أنه اعترف أن ثمة أمرا متجددا فلا يكون نفس اللون ولأنه مشترك بين الألوان كلها وفيهما نظر إذ ربما يقول المتجدد لون يحدث وأنه يجوز اشتراك الألوان في كونها ذات مراتب فالمعتمد أن البلور في الظلمة إذا وقع عليه ضوء يرى ضوءه دون لونه احتج بأنه يزول الأضعف بالأقوى كاللامع بالليل ثم السراج ثم القمر ثم الشمس وما هو إلا لأن الحس لا يدرك الأضعف عند الأقوى ولا زوال ثمة
قلنا هذا تمثيل غايته تجويز أن يكون ذلك أثر
القسم الثاني من قسمي المبصرات في الأضواء وفيه مقاصد أربعة
الأول زعم بعض الحكماء الأقدمين أن الضوء أجسام صغار تنفصل من المضيء وتتصل بالمستضيء ويبطله وجهان
الأول إنها أي تلك الأجسام الصغار التي هي الضوء إما غير محسوسة بالبصر فلا يكون الضوء حينئذ محسوسا له والضرورة تكذبه أو محسوسة فتستر ما تحتها فيكون الأكثر ضوءا أكثر استتارا والمشاهد عكسه فإن ما هو أكثر ضوءا يكون أكثر ظهورا وفيه نظر فإن ذلك أعني ستر الجسم المرئي ما تحته شأن الأجسام الملونة فإنها تستر ما وراءها لعدم نفوذ شعاع البصر فيها دون الأجسام الشفافة التي ينفذ نور

البصر فيها ويتصل بما وراءها فإن صفحة البلور والزجاج الشفاف تزيد ما خلفها ظهورا ولذلك يستعين بها الطاعنون في السن على قراءة الخطوط الدقيقة
وقد يجاب عنه بأنه لو كان جسما محسوسا لم تكن كثرته موجبة لشدة الإحساس بما تحته لأن الحس يشتغل به فكلما كثر كان الاشتغال به أكثر فيقل الإحساس بما وراءه ألا ترى أن تلك الصفيحة إذا غلظت جدا أوجبت لما تحتها سترا وأن الاستعانة بالرقيقة منها إنما هي للعيون الضعيفة دون القوية بل هي حجاب لها عن رؤية ما وراءها
الثاني لو كان الضوء جسما لكان حركته بالطبع إذ لا إرادة له قطعا ولا قاسر معه يقسره أيضا فكانت حركته الطبيعية إلى جهة واحدة فلم يقع الضوء من كل جهة بل من جهة واحدة فقط والتالي باطل لأن الضوء يقع على الأجسام من جهات متعددة مختلفة واعترض عليه بجواز أن يكون الضوء أجساما مختلفة الطبائع مقتضية للحركة في الجهات المتباينة نعم لو ثبت أن الضوء مطلقا حقيقة واحدة لتم ومما يقوي ذلك أي عدم كون الضوء جسما أن النور إذا دخل في البيت من الكوة ثم سددناها دفعة واحدة فإنه أي ذلك الجسم الذي فرض أنه النور لا يخرج من البيت لا قبل السد ولا بعده وهو ظاهر ولا تعدم ذاته وإلا لزم أن تكون حيلولة الجسم بين جسمين معدمة لأحدهما ولا يبقى أيضا على حاله الذي كان عليه بل تعدم كيفيته التي كانت مبصرة وهو مرادنا فإن تلك الكيفية الحاصلة من مقابلة المضيء الزائلة بزوالها هي الضوء وإذا ثبت ذلك في بعض الأجسام ثبت في الكل للقطع بعدم التفاوت وأيضا فالشمس إذا طلعت من الأفق استنارت الدنيا أي وجه الأرض وما يتصل به في اللحظة وحركته أي حركة النور الفائض على الدنيا من الفلك الرابع إلى وجه

الأرض لا تعقل فيها أي في تلك اللحظة اللطيفة ولما كانت هذه الحركة عند من يجوز خرق الأفلاك غير مستحيلة بل مستبعدة كاستبعاد انتفاء الجسم بالحيلولة بينه وبين غيره جعل هذين الوجهين مقويين لما تقدم لا دليلين مستقلين لأن الاستبعاد لا يكون دليلا على ما يطلب فيه اليقين احتج الخصم على كون الضوء جسما بأن الضوء متحرك لأنه منحدر عن المضيء العالي كالشمس والنار وكل منحدر متحرك ويتبعه أي يتبع الضوء المضيء في الحركة أي يتحرك بحركته كما في الشمس والمصباح وينعكس الضوء عما يلقاه إذا كان صقيلا إلى جسم آخر والانعكاس حركة فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الضوء متحرك وكل متحرك جسم قلنا ليس للضوء حركة أصلا بل حركته وهم محض وتخيل باطل وسبب ذلك التوهم حدوثه في المقابل أي حدوث الضوء في القابل المقابل للمضيء فيتوهم أنه تحرك منه ووصل إلى المقابل ولما كان حدوثه فيه من مقابلة مضيء عال كالشمس مثلا تخيل أنه ينحدر من العالي إلى السافل وهو باطل إذ لو كان منحدرا لرأيناه في وسط المسافة فالصواب إذن أنه يحدث في القابل المقابل دفعة ولما كان حدوثه في الجسم القابل تابعا للوضع من المضيء أي لوضعه منه ومحاذاته إياه فإذا زالت تلك المحاذاة إلى قابل آخر زال الضوء عن الأول وحدث في ذلك الآخر ظن أنه يتبعه في الحركة وينتقل من الجسم الأول إلى الجسم الآخر ولما كان الضوء يحدث في مقابلة المستضيء الذي وقع عليه الضوء من غيره كما يحدث في مقابلة المضيء بذاته والمتوسط الذي هو هذا المستضيء بالغير شرط في حدوثه أي حدوث في الضوء فيما يقابل هذا المستضيء أعني الجسم الذي انعكس إليه الضوء ظن أن ثمة انتقالا وحركة للضوء من المستضيء إلى المنعكس إليه فظهر بطلان الوجوه الثلاثة التي ذكروها في حركة الضوء ويرد أيضا عليهم الظل نقضا على أصل

دليلهم فإنه متحرك ومنتقل بانتقال صاحبه مع الاتفاق على أنه ليس جسما فإن أجابوا بأنه لا حركة له بل يزول عن موضع ويحدث في آخر على حسب تجدد المحاذيات قلنا كذلك الحال في الضوء أيضا
فرع على بطلان كون الضوء جسما من المعترفين بأنه أي الضوء ليس جسما بل هو كيفية في الجسم من قال هو مراتب ظهور اللون وادعى أن الظهور المطلق هو الضوء والخفاء المطلق هو الظلمة والمتوسط بينهما هو الظل وتختلف مراتبه بحسب القرب والبعد من الطرفين فإذا ألف الحس مرتبة من تلك المراتب ثم شاهد ما هو أكثر ظهورا من الأول يحسب أن هناك بريقا ولمعانا وليس الأمر كذلك بل ليس هناك كيفية زائدة على اللون الذي ظهر ظهورا أتم فالضوء هو اللون الظاهر على مراتب مختلفة لا كيفية موجودة زائدة عليه فإن أورد عليهما أنا ندرك التفرقة بين اللون المستنير وبين اللون المظلم قالوا إن ذلك بسبب أن أحدهما خفي والآخر ظاهر لا بسبب كيفية أخرى موجودة مع المستنير وقد بالغ بعضهم في ذلك حتى قال إن ضوء الشمس ليس إلا الظهور التام للونه ولما اشتد ظهوره وبلغ الغاية في ذلك بهر الأبصار حتى خفي اللون لا لخفائه في نفسه بل لعجز البصر عن إدراك ما هو جلي في الغاية هذا تقرير مذهبهم ويبطله أنه أي القائل به اعترف أن ثمة أمرا متجددا على اختلاف مراتبه عبر عنه بالظهور وسماه ضوءا فلا يكون الضوء الذي هو هذا المتجدد

نفس اللون لكونه أمرا مستمرا فبطل مذهبه لهذا ولأنه أعني الضوء مشترك بين الألوان كلها فإن السواد والبياض وغيرهما قد تكون مضيئة مشرقة ولا شك أنها غير مشاركة في الماهية بل متخالفة فيها فلا يكون الضوء نفسها وفيهما أي في هذين الوجهين المبطلين لمذهبهم نظر إذ ربما يقول ذلك القائل الأمر المتجدد الذي اعترفت به لون يحدث فلا يكون الضوء زائدا على اللون وفيه بحث إذ يلزمه حينئذ تجدد الألوان بحسب اشتداد الضوء شيئا فشيئا سواء كانت متعاقبة في الوجود أو مجتمعة في المحل وكلاهما باطل عندهم
قال الإمام الرازي هؤلاء الذي قالوا الضوء ظهور للون أن جعلوا الضوء كيفية زائدة على ذات اللون وسموه بالظهور لأنه سبب له فذلك نزاع لفظي وإن زعموا أن ذلك الظهور تجدد حالة نسبية أعني ظهور اللون عند الحس فهذا باطل لأن الضوء أمر غير نسبي فلا يصح تفسيره بالحالة النسبية وإن جعلوه عبارة عن اللون المتجدد فلا يكون لقولهم الضوء ظهور اللون معنى وأنه عطف على إذ ربما أي ولأنه يجوز اشتراك الأمور المتخالفة بالماهية في أمر ذاتي أو عرضي فيجوز حينئذ اشتراك الألوان المختلفة الحقائق في كونها ذات مراتب أي في الظهور الذي له مراتب متفاوتة وهذا ضعيف جدا إذ المراد أن الضوء الذي في البياض يماثل في الماهية الضوء الذي في السواد كما يشهد به الحس وهما لا يتماثلان في الماهية قطعا فلا يكون ضوء كل منهما عينه بل أمرا زائدا عليه وإذ قد بطل هذان الوجهان فالمعتمد في الرد على هذا القائل أن البلور في الظلمة إذا وقع عليه ضوء يرى ضوؤه ولا يرى لونه لعدمه فقد وجد الضوء بدون اللون كما قد وجد أيضا اللون بدونه فإن السواد وغيره

من الألوان قد لا يكون مضيئا وأيضا لو كان الضوء عين اللون لكان بعضه ضدا لبعضه لكنه باطل لأن الضوء لا يقابله إلا الظلمة
احتج القائل بأن الضوء هو ظهور اللون لا كيفية زائدة عليه بل الحس كما مر إذا ترقى من الأدنى إلى الأعلى ظن هناك بريقا ولمعانا بأنه يزول الضوء الأضعف بالأقوى كاللامع بالليل مثل اليراعة وعين الهرة فإنه يرى مضيئا في الظلمة ولا يرى ضوؤه في السراج ثم السراج فإنه يرى مضيئا شديدا ويضمحل ضوؤه في ضوء القمر ثم القمر فإنه مضيء ولا ضوء له في الشمس ثم الشمس فإنها الغاية في الاضاءة التي يزول فيها ضوء ما عداها وما هو أي ليس زوال الأضعف بالأقوى إلا لأن الحس لا يدرك الأضعف عند الأقوى ولا زوال ثمة بحسب نفس الأمر بل الحس لما ضعف في الظلمة وكان للامع بالليل قدر من الظهور ظن أن ذلك الظهور كيفية زائدة على لونه ثم إذا تقوى بنور السراج ونظر إلى اللامع لم ير له لمعانا لزوال ضعف البصر وكذا الكلام في السراج والقمر فقد ظهر أن أضواء هذه الأشياء ليست إلا ظهور ألوانها عند الحس كما أن زوالها ليس إلا خفاء ألوانها عنده فلا يكون الضوء كيفية زائدة على اللون وظهوره قلنا هذا تمثيل أي إيراد مثال غايته تجويز أن يكون لذلك الذي ذكرتموه أثر في اختلاف أحوال الإدراكات في قوتها وضعفها بحسب اختلاف الحس في قوته وضعفه ولا يدل على أن الضوء ليس كيفية موجودة زائدة على اللون وظهوره إذ قد مر أن الحس لا ينفعل عن الأضعف الموجود في نفسه عند انفعاله عن الأقوى فيجوز أن يكون للامع مثلا ضوء مغاير للونه إلا أنه لا يرى في ضوء السراج

المقصد الثاني
المتن
في مراتبه القائم بالمضيء لذاته هو الضوء كما في الشمس وبالمضيء لغيره نوركما في القمر ووجه الأرض قال تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا والحاصل في الجسم من مقابلة المضيء لغيره هو الظل وله مراتب كما في أفنية الجدران ثم الذي في البيوت ثم الذي في المخادع وكما نراه يختلف بصغر الكوة وكبرها وينقسم إلى غير النهاية انقسام الكوة في الصغر والكبر ولا يزال يضعف حتى ينعدم وهو الظلمة
الشرح
في مراتبه أي مراتب الضوء مطلقا القائم بالمضيء لذاته هو الضوء أي قد يخص هذا الاسم بالكيفية الحاصلة للجسم المضيء في ذاته بعد إطلاقه على ما يعمها وغيرها كما في الشمس وما عدا القمر من الكواكب فإنها مستضيئة لذواتها غير مستفيدة ضوءها من مضيء آخر والقائم بالمضيء لغيره نور إذا كان ذلك الغير مضيئا لذاته كما في القمر ووجه الأرض المستضيء بضوء الشمس فإذا قوبل الضوء بالنور أريد بهما هذان المعنيان قال الله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا
والحاصل في الجسم من مقابلة المضيء لغيره هو الظل كالحاصل

على وجه الأرض حال الأسفار وعقيب الغروب فإنه مستفاد من الهواء المضيء بالشمس وكالحاصل على وجه الأرض من مقابلة القمر المستنير بالشمس فالضوء إما ذاتي للجسم أو مستفاد من غيره وذلك الغير إما مضيء بذاته أو بغيره فانحصرت مراتبه في ثلاث وقد يفسر الظل بالحاصل من الهواء المضيء فيخرج منه الحاصل على وجه الأرض من مقابلة القمر وقد يقسم الضوء إلى أول وثان فالضوء الأول هو الحاصل من مقابلة المضيء لذاته والضوء الثاني هو الحاصل من مقابلة المضيء لغيره فيكون الضوء الذاتي خارجا عن الضوء الأول والثاني وله أي للظل مراتب كثيرة متفاوتة في الشدة والضعف كما في أفنية الجدران ثم الذي في البيوت ثم الذي في المخادع فإن الحاصل في فناء الجدار أقوى وأشد من الآخرين لكونه مستفادا من الأمور المستضيئة من مقابلة الشمس الواقعة في جوانبه ثم الحاصل في البيت أقوى من الحاصل في المخدع بضم الميم أو كسرها مع فتح الدال وهو الخزانة لأن الأول مستفاد من المضيء بالشمس والثاني مستفاد من الأول فاختلفت أحوال هذه الأظلال لاختلاف معداتها في القوة والضعف وكما نراه أي كالظل الذي نراه يختلف في البيت شدة وضعفا بصغر الكوة أي الثقبة النافذة وكبرها فإنها كلما كانت أكبر كان الظل الحاصل في البيت أشد وأقوى وكلما كانت أصغر كان ذلك الظل أضعف وينقسم الظل في داخل البيت بحسب مراتبه في الشدة والضعف إلى غير النهاية أي إلى أمور غير منحصرة في عدد يمكن إحصاؤه انقسام الكوة بحسب مراتبها في الصغر والكبر كذلك ولا يزال الظل يضعف بسبب صغر الكوة في المثال المذكور حتى ينعدم بالكلية وهو الظلمة لما مر من أن الظلمة عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مضيئا

المقصد الثالث
المتن
هل يتكيف الهواء بالضوء منهم من منعه وجعل شرطه اللون فكل شرط للآخر والدور دور معية فلا امتناع ويبطله أنا نرى في الصبح الأفق مضيئا وما هو إلا لهواءتكيف بالضوء وقد يجاب عنه بأن ذلك للأجزاء البخارية المختلطة به والكلام في الهواء الصرف
احتج المانع بأنه لو تكيف لأحس به كما يحس بالجدار المتكيف به
وجوابه منع الملازمة لجواز أن يكون اللون شرطا في الإحساس به والهواء إما غير ملون وإما له لون ضعيف
الشرح
المقصد الثالث هل يتكيف الهواء بالضوء أو لا وإنما أورده ههنا لأن ما ذكره في المقصد الثاني من مراتب الظل متوقف على تكيف الهواء بالضوء منهم من منعه وجعل شرطه أي شرط التكيف بالضوء اللون ولا لون للهواء لكونه بسيطا فلا يقبل الضوء لانتفاء شرطه ولما كان لقائل أن يقول قد مر أن الضوء شرط لوجود اللون عند الحكيم فلو كان اللون شرطا للضوء أيضا لدار أجاب عنه بقوله فكل من الضوء واللون شرط للآخر والدور دور معية فلا امتناع فيه لما عرفت من جواز امتناع الانفكاك من الجانبين ويبطله أي يبطل قول المانع أنا نرى في الصبح الأفق مضيئا وما هو إلا لهواء تكيف بالضوء وقد يجاب عنه بأن ذلك للأجزاء البخارية المختلطة به أي بالهواء والكلام ف الهواء الصرف الخالي عن الأجزاء الدخانية والهبائية والبخارية القابلة للضوء بسبب كونها متلونة في الجملة ورده الإمام الرازي بأنه يلزم من ذلك أن الهواء كلما كان أصفى كان الضوء

الحاصل فيه قبل الطلوع وبعد الغروب وفي أفنية الجدران أضعف وكلما كان البخار والغبار فيه أكثر كان ضوؤه أقوى لكن الأمر بالعكس واحتج على استضاءة الهواء بوجه آخر أيضا هو أنه لو لم يتكيف الهواء بالضوء لوجب أن يرى بالنهار الكواكب التي في خلاف جهة الشمس لأن الكواكب باقية على ضوئها والحس لم ينفعل على ذلك التقدير من ضوء أقوى يمنع من الإحساس بها احتج المانع بأنه لو تكيف الهواء به لأحس به أي بالهواء كما يحس بالجدار المتكيف به لكن الهواء لا يحس به أصلا فلا يكون متكيفا بالضوء وجوابه منع الملازمة لجواز أن يكون اللون شرطا في الإحساس به فلا يكون التكيف بالضوء وحده كافيا في رؤية المتكيف بالضوء الضعيف والهوء إما غير ملون بالكلية وإما له لون ضعيف جدا بحيث يكون لونه أضعف مما للماء والأحجار المشقة فلا يكون ذلك اللون كافيا في رؤية الهواء مع كفايته في قبوله للضوء أن جعل قبوله له مشروطا باللون

المقصر الرابع
المتن
إن ثمة شيئا غير الضوء يترقرق على الأجسام فكأنه شيء يفيض منها ويكاد ويستر لونها وهو له إما لذاته ويسمى شعاعا وإما من غيره ويسمى بريقا ونسبة البريق إلى الشعاع نسبة النور إلى الضوء
الشرح
المقصد الرابع إن ثمة شيئا غير الضوء يترقرق أي يتلألأ ويلمع على بعض الأجسام المستنيرة كأنه شيء يفيض منها أي من تلك الأجسام ويكاد يستر لونها وهو أعني ذلك الشيء المترقرق له أي للجسم

إما لذاته ويسمى حينئذ شعاعا كما للشمس من التلألؤ واللمعان الذاتي وإما من غيره ويسمى حينئذ بريقا كما للمرآة التي حاذت الشمس ونسبة البريق إلى الشعاع نسبة النور إلى الضوء في أن الشعاع والضوء ذاتيان للجسم والبريق والنور مستفادان من غيره انتهى المجلد لأول من كتاب المواقف ويليه المجلد الثاني وأوله النوع الثالث المسموعات من الموقف الثالث المرصد الثالث

إياد محرم لنا يوسف الخواص كتاب المواقف القاضي الإمام عضد الدين عبد الرحمن ابن أحمد الإيجي الجزء الثاني

النوع الثالث المسموعات
وهي الأصوات والحروف ومباحثه قسمان
القسم الأول في الصوت وفيه مقاصد
المقصد الأول
المتن
قد اشتبهت عند بعضهم ماهيته بسببه فقيل هو التموج وقيل هو القرع أو القلع والحق أن ماهيته بديهية وسببه القريب تموج الهواء وليس تموجه حركة بل هو صدم بعد صدم وسكون بعد سكون وسبب التموج المذكور قلع عنيف أو قرع عنيف إذ بهما ينفلت الهواء من المسافة التي يسلكها الجسم إلى الجنبتين وينقاد له ما يجاوره إلى أن تنتهي كالحجر المرمي في الماء

الشرح
النوع الثالث من المحسوسات المسموعات وهي الأصوات والحروف التي هي كيفيات عارضة للأصوات ومباحثه أي مباحث النوع الثالث قسمان
القسم الأول في الصوت قدمه على الحروف لكونه معروضا له متقدما عليه بالطبع وفيه مقاصد
الأول أن الصوت وإن كان بديهي التصور كسائر المحسوسات إلا أنه قد اشتبهت عند بعضهم ماهيته بسببه القريب أو البعيد فقيل الصوت هو التموج أي تموج الهواء وهو سببه القريب وقيل الصوت هو القرع أو القلع مع أن هذين سببان له بعيدان
والحق كما أشرنا إليه أن ماهيته بديهية مستغنية عن التعريف ومغايرة لما توهموه فإن التموج محسوس باللمس ألا يرى أن الصوت الشديد ربما ضرب الصماخ بتموجه فأفسده وأنه قد يعرض من الرعد أن يدك الجبال وكثيرا ما يستعان على هدم الحصون العالية بأصوات الأبواق والصوت ليس ملموسا في نفسه وأيضا التموج حركة والصوت ليس كذلك والقرع مماسة والقلع تفريق والصوت ليس شيئا منهما وأيضا كل منهما مبصر بتوسط اللون ولا شيء من الأصوات بمبصر أصلا وسببه أي سبب الصوت القريب تموج الهواء وليس تموجه هذا حركة انتقالية من هواء واحد بعينه بل هو صدم بعد صدم وسكون بعد سكون فهو حالة شبيهة بتموج الماء في الحوض إذا ألقي حجر في وسطه وإنما جعل التموج سببا قريبا له لأنه متى حصل التموج المذكور حصل الصوت وإذا انتفى

انتفى فإنا نجد الصوت مستمرا باستمرار تموج الهواء الخارج من الحلق والآلات الصناعية ومنقطعا بانقطاعه وكذا الحال في طنين الطست فإنه إذا سكن انقطع لانقطاع تموج الهواء حينئذ
قال الإمام الرازي وأنت خبير بأن الدوران لا يفيد إلا الظن والمسألة مما يطلب فيه اليقين على أن الدوران ههنا ليس بتمام إما وجودا فلأنه قد يوجد تموج الهواء باليد ولا صوت هناك وإما عدما فلأن ما ذكرتم إنما يدل على عدم الصوت في بعض صور ما عدم فيه التموج لا في جميعها فلا يفيد ظنا أيضا وقد يقال إن استقراء بعض الجزئيات مع الحدس القوي من الأذهان الثاقبة يفيد الجزم بكون الصوت معلولا لتموج الهواء على وجه مخصوص وكذا الحال في كثير من المسائل العلمية يستعان فيها بالحدس الفتوي الصائب فلا تقوم حجة على الغير مع كونها معلومة يقينا وسبب التموج المذكور قلع عنيف أي تفريق شديد أو قرع عنيف أي إمساك شديد وإنما كانا سببين للتموج إذ بهما ينفلت الهواء من المسافة التي يسلكها الجسم القارع أو المقروع إلى الجنبتين بعنف وينقاد له أي لذلك الهواء المنفلت ما يجاوره من الهواء فيقع هناك التموج المذكور وهكذا تتصادم الأهوية وتتموج إلى أن تنتهي إلى هواء لا ينقاد للتموج فينقطع هناك الصوت ولا يتعداه كالحجر المرمي في وسط الماء فظهر أن كل واحد من القرع والقلع لتموج الهواء وإن كان التموج القرعي أشد انبساطا من التموج القلعي وذكر بعضهم أن الهواء التموج بهما على هيئة مخروط قاعدته على سطح الأرض إذا كان المصوت ملاصقا به ورأسه في السماء وإذا فرض المصوت في موضع عال حصل هناك مخروطان تتطابق قاعدتاهما ومن هذا التصوير يعلم اختلاف مواضع وصول الصوت بحسب الجوانب وإنما اعتبر العنف في القرع والقلع لأنك لو قرعت جسما

كالصوف مثلا قرعا لينا أو قلعته كذلك لم يوجد هناك صوت قيل وإنما لم يجعلوهما سببين للصوت ابتداء حتى يكون التموج والوصول إلى السامعة سببا للإحساس به لا لوجوده في نفسه بناء على أن القرع وصول والقلع لا وصول وهما آنيان فلا يجوز كونهما سببين للصوت لأنه زماني ورد ذلك بأن التموج إن كان آنيا فقد جعلوه سببا للصوت الزماني وإن كان زمانيا فقد جعلوا القرع والقلع الآنيين سببا له فجعل الآني سببا للزماني لازم على كل تقدير ولا محذور فيه إذا لم يكن السبب علة تامة أو جزءا أخيرا منها إذ لا يلزم حينئذ أن يكون الزمان موجودا في الآن

المقصد الثاني
المتن
الصوت كيفية قائمة بالهواء يحملها إلى الصماخ لا لتعلق حاسة السمع به كالمرئي لوجوه
الأول أن من وضع فمه في طرف أنبوبة وطرفها الآخر في صماخ إنسان وتكلم فيه سمعه دون غيره وما هو إلا لحصرها الهواء الحامل للصوت ومنعها إياه من الانتشار والوصول إلى صماخ الغير
الثاني أنه يميل مع الريح كما هو المجرب في صوت المؤذن على المنارة
الثالث أنه يتأخر عن سببه تأخرا زمانيا فإنا نشاهد ضرب الفأس من

بعيد ونسمع صوته بعد ذلك بزمان يتفاوت ذلك الزمان بالقرب والبعد وما هو إلا لسلوك الهواء الحامل له في تلك المسافة احتج بأنا نسمع الصوت من وراء جدار ونفوذ الهواء فيه باقيا على شكله مما لا يعقل
قلنا شرطه بقاؤه على كيفيته ولا يبعد أن ينفذ في المنافذ متكيفا بها وإطلاق الشكل على الكيفية تجوز
الشرح
المقصد الثاني الصوت كيفية قائمة بالهواء يحملها الهواء إلى الصماخ فيسمع الصوت لوصوله إلى السامعة لا لتعلق حاسة السمع به أي بالصوت مع كونه بعيدا عن الحاسة كالمرئي فإنه يرى مع بعده عن الباصرة لأجل تعلق بينهما كما ستعرفه والمقصود أن الإحساس بالصوت يتوقف على أن يصل الهواء الحامل له إلى الصماخ لا بمعنى أن هواء واحدا بعينه يتموج ويتكيف بالصوت ويوصله إلى القوة السامعة بل بمعنى أن ما يجاور ذلك الهواء المتكيف بالصوت يتموج ويتكيف بالصوت أيضا وهكذا إلى أن يتموج ويتكيف به الهواء الراكد في الصماخ فتدكه السامعة حينئذ وإنما قلنا إن الإحساس بالصوت يتوقف على وصول الهواء الحامل له إلى حاسة السامع لوجوه
الأول أن من وضع فمه في طرف أنبوبة طويلة ووضع طرفها الآخر في صماخ إنسان وتكلم فيه بصوت عال سمعه ذلك الإنسان دون غيره من الحاضرين وإن كانوا أقرب إلى المتكلم من ذلك الإنسان وما هو إلا لحصرها أي ليس ما ذكر من سماعه للصوت دون غيره إلا لحصر الأنبوبة الهواء الحامل للصوت ومنعها إياه من الانتشار والوصول إلى صماخ الغير فلا يصل إلا إلى صماخ ذلك الإنسان فلا يسمعه إلا هو

الثاني أنه أعني الصوت يميل مع الريح كما هو المجرب في صوت المؤذن على المنارة فمن كان منه في جهة تهب الريح إليها يسمع صوته وإن كان بعيدا ومن كان في غير تلك الجهة لا يسمعه وإن تساويا في مسافة البعد وما ذلك إلا لأن الريح تميل الهواء الحامل له وتحركه إلى الجانب الذي هبت إليه فدل على أن سماع الصوت يتوقف على وصول حامله إلى قوة السمع
الثالث أنه أي سماع الصوت يتأخر عن سببه أعني سبب الصوت تأخرا زمانيا فإنا نشاهد ضرب الفأس على الخشب من بعيد ونسمع صوته الذي يوجد معه بلا تخلف بعد ذلك بزمان يتفاوت ذلك الزمان بالقرب والبعد وما هو إلا لسلوك الهواء الحامل له في تلك المسافة حتى يصل إلى صماخنا
واعترض عليه الإمام الرازي بأن الوجوه الثلاثة راجعة إلى الدوران إذ محصولها أنه متى وجد وصول الهواء الحامل وجد السماع ومتى لم يوجد لم يوجد فلا يفيد إلا ظنا وقد سبق أن مثلها يحتاج إلى حدس ليفيد جزما
احتج هو على صيغة المبنى للمفعول أي احتج المخالف على أن الإحساس بالصوت لا يتوقف على وصول حامله إلى الحاسة بأنا نسمع الصوت من وراء جدار غليظ جدا وإن فرض كونه محيطا بجميع الجوانب أيضا ولا يمكن أن يكون ذلك السماع بسبب وصول الهواء الحامل له إلى السامع فإن الهواء ما لم يتشكل بشمل محسوس لم يتكيف بالكيفية

المخصوصة ونفوذ الهواء الحامل للصوت فيه أي في الجدار المذكور ومنافذه الضيقة في الغاية باقيا على شكله الذي بسببه يتكيف بالكيفية المخصوصة موصلا لها إلى الحاسة مما لا يعقل فلو كان السماع موقوفا على الوصول لم يتصور ههنا سماع أصلا قلنا شرطه بقاؤه على كيفيته أي شرط السماع بقاء الهواء على كيفيته التي هي الصوت المتفرع على التموج ولا يبعد أن ينفذ الهواء في المنافذ الضيقة متكيفا بها أي بالكيفية التي هي للصوت المخصوص وإطلاق الشكل على الكيفية تجوز فمن قال إن الهواء الحامل للصوت متشكل بشكل مخصوص أراد به تكيفه بكيفيته المعينة على سبيل التجوز ولم يرد به أنه متشكل بالشكل الحقيقي حتى لا يتصور نفوذه في تلك المنافذ مستبقيا لشكله على حاله وربما يحتج على عدم توقف الإحساس على الوصول بأن الحروف الصامتة لا وجود لها إلا في آن حدوثها فلا بد أن يكون سماعنا إياه قبل وصول الهواء الحامل لها إلينا وفساده ظاهر مما صورناه في كيفية الوصول وقد يحتج عليه أيضا بأن حامل حروف الكلمة الواحدة إما هواء واحد أو متعدد فعلى الأول يجب أن لا يسمعها إلا سامع واحد وعلى الثاني يجب أن يسمعها السامع الواحد مرارا كثيرة ويجاب بأن الحامل لها هواء متعدد لكن الواصل إلى السامع الواحد جاز أن يكون واحدا ولو فرض تعدد الواصل إليه جاز أن يكون السماع مشروطا بالوصول أول مرة فيكون شرط السماع فيما بعدها منتفيا

المقصد الثالث
المتن
الصوت موجود في الخارج لا أنه إنما يحصل في الصماخ وإلا لم ندرك جهته كما أن اليد لما كانت تلمس الشيء حيث تلقاه لا في المسافة

لم يتميز جهته ولذلك نميز بين القريب والبعيد لا يقال إنما دركها للتوجه منها ولأن أثر القريب أقوى لأنا نجيب
عن الأول أن من سد إحدى أذنيه وسمع بالأخرى عرف الجهة
وعن الثاني أنه يميز بين القوي البعيد والضعيف القريب
الشرح
المقصد الثالث الصوت موجود في الخارج أي في خارج الصماخ لا أنه إنما يحصل في الصماخ على ما توهم بعضهم من أن التموج الناشئ من القرع أو القلع إذا وصل إلى الهواء المجاور للصماخ حدث في هذا الهواء بسبب تموجه الصوت ولا وجود له في الهواء المتموج الخارج عن الصماخ وإلا أي وإن لم يكن الصوت موجودا في الخارج بل في داخل الصماخ فقط لم ندرك جهته أصلا لأنه لما لم يوجد إلا في داخله لم ندركه إلا في تلك الحالة التي لا أثر للجهة معها فوجب أن لا ندرك أن الصوت من أي جهة وصل إلينا كما أن اليد لما كانت تلمس الشيء حيث تلقاه ويصل ذلك الشيء إليها لا في مسافة لم يتميز عندنا بلمس اليد جهته أي جهة ذلك الشيء الملموس ولم ندر أنه من أي جهة أتانا لكنا ندرك في بعض الأوقات جهات الأصوات فوجب أن يكون الصوت موجودا قبل الوصول إلى السامعة وأن يكون مدركا هناك أيضا لنميز جهته وليس يلزم أن يكون حينئذ بعيدا عنا لينافي ما تقدم من أن الإحساس بالصوت مشروط بوصول الهواء الحامل له إلينا بل يجوز أن يكون قريبا منا جدا فيكون واصلا إلينا إذ لم نرد بالوصول حقيقته بل ما يتناولها وما في حكمها من القرب ولذلك أي ولأن الصوت موجود في خارج الصماخ تميز بين الصوت القريب و الصوت البعيد إذ لولا أن الأصوات موجودة في خارج الأصمخة ومدركة حيث هي من الأمكنة لما أمكننا أن نميز بينها بحسب القرب والبعد وهذا الدليل الثاني لابتنائه على إدراك الصوت في مكانه القريب أو البعيد من السامع ينافي بظاهره اشتراط الإحساس بالوصول

لكن قال صاحب المعتبر أنا قد علمنا أن هذا الإدراك إنما يحصل أولا بقرع الهواء المتموج لتجويف الصماخ ولذلك يصل من الأبعد في زمان أطول لكن بمجرد إدراكنا الصوت القائم بالهواء القارع للصماخ لا يحصل لنا الشعور بالجهة والقرب والبعد بل ذلك إنما يحصل بتتبع الأثر الوارد من حيث ورد وتتبع ما بقي منه في الهواء الذي هو في المسافة التي فيها ورد قال والحاصل أن عند غفلتنا يرد علينا هواء قارع فندرك الصوت الذي فيه عند الصماخ وهذا القدر لا يفيد إدراك الجهة ثم إنا بعد ذلك نتتبعه بتأملنا فيتأوى إدراكنا من الذي وصل إلينا إلى ما قبله فما قبله من جهته ومبدأ وروده فإن كان بقي منه شيء متأد أدركناه إلى حيث ينقطع ويفنى وحينئذ ندرك الوارد ومورده وما بقي منه موجودا وجهته وبعد مورده وقربه وما بقي من قوة أمواجه وضعفها وإن لم يبق في المسافة أثر ينبهنا على المبدأ لم نعلم من قدر البعد إلا بقدر ما بقي ولذلك لا نفرق في البعد بين الرعد الواصل إلينا من أعالي الجو وبين دوي الرحى التي هي أقرب إلينا ونفرق فيه بين كلامي رجلين لا نراهما وبعد أحدهما منا ذراع وبعد الآخر ذراعان فإنا إذا سمعنا كلامهما عرفنا قرب أحدها وبعد الآخر
قال الإمام الرازي هذا منتهى ما قيل في هذا المقام وقد بقي فيه بحث وهو أنه هب أن السامع يتتبع من الذي وصل إليه إلى ما قبله فما قبله ولكن مدرك السمع هو الصوت نفسه دون الجهة فإنها غير مدركة بالسمع أصلا وإذا لم تكن الجهة مدركة له لم يكن كون الصوت حاصلا في تلك الجهة مدركا له فبقي أن يكون مدركه الصوت الذي في تلك الجهة لا من حيث أنه في تلك الجهة بل من حيث أنه صوت فقط وهذا القدر المدرك بالسمع لا يختلف باختلاف الجهات فلا يكون موجبا

لإدراك الجهة أصلا وضعفه ظاهر فإن الصوت إذا أدرك في جهة علم أنه في تلك الجهة وإن لم تكن الجهة ولا كون الصوت حاصلا فيها مما يدرك بالسمع ألا ترى أن الرائحة إذا أدركت من جسم علم أنها فيه وإن لم يكن الجسم ولا كون الرائحة فيه حاصلة مما يدرك بالشم لا يقال إنما ندركها للتوجه منها أي إنما ندرك جهة الصوت لأن الهواء القارع للصماخ توجه من تلك الجهة لا لأن الصوت موجود فيها كما ذكرتم في الدليل الأول و نميز بين القريب والبعيد لأن أثر القريب أقوى من أثر البعيد فإن القرع مثلا إذا كان قريبا كان الأثر الحادث عنه أقوى من الأثر الحادث من البعيد فلذلك امتاز القريب من البعيد لا لأن الصوت موجود في خارج الصماخ مسموع حيث هو من مكان قريب أو بعيد كما ذكرتموه في الدليل الثاني لأنا نجيب عن الأول أن من سد أي بأن من سد إحدى أذنيه التي تكون في جانب المصوت وسمع الصوت بالأخرى عرف الجهة وعلم أن الصوت إنما وصل إليه من جانب الأذن المسدودة ولا شك أن التموج لا يصل إلى غير المسدودة إلا بالانعطاف فيكون الهواء القارع واصلا إلى السامع من خلاف جهة الصوت فلا يكون إدراك جهته بسبب توجه الهواء القارع منها و نجيب عن الثاني أنه أي بأن السامع يميز بين القوي البعيد والضعيف القريب فبطل ما توهم من أن القريب هو الأقوى ولو صح ذلك لوجب أن يشتبه علينا الحال في القوة والضعف والقرب والبعد حتى إذا سمعنا صوتين متساويين في البعد مختلفين في القوة وجب أن نتردد ونجوز أن يكون أحدهما قريبا والآخر بعيدا أو يكون التفاوت بينهما في القوة لذلك لا لتفاوتهما في أنفسهما قوة وضعفا وليس الأمر كذلك

المقصد الرابع
المتن
الهواء إذا صادم أملس كجبل أو جدار ورجع بهيئته كالكرة المرمية إلى الحائط رجع الهواء القهقري فيحدث صوت شبيه بالأول وهو الصدى
فرعان الأول الظاهر أن الصدى تموج هواء جديد لا رجوع الهواء الأول
الثاني قد ظن بعض أن لكل صوت صدى لكن قد لا يحس إما لقرب المسافة بين الصوت وعاكسه فلا نميز بينهما وإما لأن العاكس لا يكون صلبا أملس فيكون كالكرة ترمى إلى شيء لين فيكون رجوعه ضعيفا ولذلك كان صوت المغني في الصحراء أضعف منه في المسقفات
المقصد الرابع الهواء المتموج الحامل للصوت إذا صادم جسما أملس كجبل أو جدار اعتبر الملاسة فيهما والمشهور في الكتب اعتبارها في الجدار دون الجبل ورجع ذلك الهواء المصادم بهيئته لأن ذلك الجسم يقاومه ويصرفه إلى خلف ويكون شكله في التموج باقيا على هيئته كالكرة المرمية إلى الحائط المقاوم لها فتنبو الكرة عنه إلى خلف رجع جواب إذا أي رجع ذلك الهواء القهقري فيحدث في الهواء المصادم الراجع صوت شبيه بالأول وهو الصدى المسموع بعد الصوت الأول على تفاوت بحسب قرب المقاومة وبعده
فرعان على القول بوجود الصدى
الأول الظاهر أن الصدى أي سبب الصدى تموج هواء جديد لا

رجوع الهواء الأول وذلك لأن الهواء إذا تموج على الوجه الذي عرفته فيما مر حتى صادم المتموج منه جسما يقاومه ويرده إلى خلف لم يبق في الهواء المصادم ذلك التموج الذي كان حاصلا له بل يحصل فيه بسبب مصادمته ورجوعه تموج شبيه بالتموج الأول فهذا التموج الجديد الحاصل بالمصادمة والرجوع هو السبب للصدى الشبيه بالصوت الأول وكما أن التموج الأول كان بصدم بعد صدم وسكون بعد سكون كذلك الحال في التموج الثاني الذي كان ابتداؤه عند انتهاء الأول وقد يظن أن الهواء المصادم يرجع متصفا بتموجه الأول بعينه فيحمل ذلك الصوت الأول إلى السامع ألا ترى أن الصدى يكون على صفته وهيئته وهذا وإن كان محتملا إلا أن الأول هو الظاهر
الفرع الثاني قد ظن بعض أن لكل صوت صدى قال الإمام الرازي الأشبه ذلك لأنه إذا تموج هواء عن مكان لا بد أن يتموج إلى ذلك المكان هواء آخر لامتناع الخلاء فيكون تموج الهواء الآخر سببا للصدى وأنت خبير بأن هذا إنما يتم إذا كان الصدى حادثا من انتقال الهواء الآخر إلى مكان الهواء المتموج الحاصل للصوت لا من رجوع الهواء

الحامل له بسبب مصادمته لما يقاومه على أحد الوجهين كما مر آنفا لكن قد لا يحس به أي الصدى إما لقرب المسافة بين الصوت وعاكسه فلا يسمع الصوت والصدى في زمانين متباينين بحيث يقوى الحس على إدراك تباينهما فلا نميز بينهما أي بين الصوت وصداه لعجز الحس عن التمييز بين الأمثال فيحس بهما على أنهما صوت واحد كما في الحمامات والقباب الملس الصقيلة جدا وإما لأن العاكس لا يكون صلبا أملس فيكون الهواء الراجع بسبب مقاومة العاكس المذكور كالكرة التي ترمي إلى شيء لين فلا يكون نبوها عنه إلا مع ضعف فيكون رجوعه أي رجوع الهواء عن ذلك العاكس ضعيفا فلا يحدث هناك إلا صدى ضعيف خفي يتعذر الإحساس به هذا إذا اشترط في الصدى وجود المقاوم العاكس وأما إذا لم يشترط ذلك كما لزم من كلام الإمام فيقال كما ذكره قد لا يسمع الصدى إما لقرب الزمانين كما مر وإما لانتشاره كما في الصحراء ولذلك أي ولما ذكرناه من حال الصدى كان صوت المغني في الصحراء أضعف منه في المسقفات إذ ليس السبب في هذا إلا أن الصدى يقترن بالصوت في المسقف فيتقوى ويتضاعف صوته حينئذ بالصدى المحسوس معه في زمان واحد بخلاف الصحراء إذ ينتشر هناك الصدى أو لا يوجد فيها على القول باشتراط العاكس

القسم الثاني في الحرف وفيه مقاصد
المقصد الأول
المتن
عرفه ابن سينا بأنه كيفية تعرض للصوت بها يمتاز عن مثله في الحدة والثقل تميزا في المسموع وقوله تعرض للصوت أراد ما يتناول عروضها له في طرفه عروض الآن للزمان ليتناول الحروف الآنية ومثله في الحدة والثقل ليخرج الحدة والثقل وتميزا في المسموع ليخرج الغنة والبحوحة ونحوهما إذ قد تختلف والمسموع واحد وقد تتحد والمسموع مختلف وبالجملة فماهية الحرف أوضح من ذلك
القسم الثاني في الحرف وفيه مقاصد أربعة
المقصد الأول عرفه أي الحرف ابن سينا بأنه كيفية أي هيئة وصفه تعرض للصوت بها أي بتلك الكيفية يمتاز الصوت عن صوت آخر مثله في الحدة والثقل تميزا في المسموع هذا تعريفه و أما

الكشف عن مفهومه فهو أن نقول قوله تعرض للصوت أراد به ما يتناول عروضها له في طرفه الآن للزمان ليتناول الحروف الآنية وهذا إشارة إلى ما ذكره الإمام الرازي من أن التعريف المذكور لا يتناول الحروف الصوامت كالتاء والطاء والدال فإنها لا توجد إلا في الآن الذي هو بداية زمان الصوت أو نهايته فلا تكون عارضة له حقيقة لأن العارض يجب أن يكون موجودا مع المعروض وهذه الحروف الآنية لا توجد مع الصوت الذي هو زماني
قال ويمكن أن يجاب عنه بأنها عارضة للصوت عروض الآن للزمان والنقطة للخط يعني أن عروض الشيء للشيء قد يكون بحيث يجتمعان في الزمان وقد لا يكون وحينئذ يجوز أن يكون كل واحد من الحروف الآنية طرفا للصوت عارضا له عروض الآن للزمان فيندفع الإشكال وقوله مثله في الحدة والثقل ليخرج عن التعريف الحدة أي الزيرية والثقل أي اليمبة فإنهما وإن كانتا صفتين مسموعتين عارضتين للصوت فيمتاز بهما ذلك الصوت عما يخالفه في تلك الصفة العارضة إلا أنه لا يمتاز بالحدة صوت عن صوت آخر يماثله في الحدة ولا بالثقل صوت عما يشاركه فيه و قوله تميزا في المسموع ليخرج الغنة التي تظهر من تسريب الهواء بعضا إلى جانب الأنف وبعضا إلى الفم مع انطباق الشفتين والبحوحة التي هي غلظ الصوت الخارج من الحلق فإن الغنة والبحوحة سواء كانتا ملذتين أو غير ملذتين صفتان عارضتان للصوت يمتاز بهما عما يشاركه في الحدة والثقل لكنهما ليستا مسموعتين فلا يكون التميز الحاصل منهما تميزا في المسموع من حيث هو مسموع ونحوهما كطول الصوت وقصره وكونه طيبا وغير طيب فإن هذه الأمور ليست مسموعة أيضا أما الطول والقصر فلأنهما من الكميات المحضة أو المأخوذة مع إضافة ولا شيء منهما بمسموع وإن كان يتضمن ههنا المسموع فإن الطول إنما يحصل

من اعتبار مجموع صوتين صوت حاصل في ذلك الوقت وهو مسموع وصوت حاصل قبل ذلك الوقت وليس بمسموع وإما كون الصوت طيبا أي ملائما للطبع أو غير طيب فأمر يدرك بالوجدان دون السمع فهما مطبوعان لا مسموعان إذ قد تختلف هذه الأمور أعني الغنة والبحوحة ونحوهما والمسموع واحد وقد تتحد والمسموع مختلف وذلك لأن هذه الأمور وإن كانت عارضة للصوت المسموع إلا أنها في أنفسها ليست مسموعة فلا يكون اختلافها مقتضيا لاختلاف المسموع ولا اتحادها مقتضيا لاتحاده بخلاف العوارض المسموعة فإن اختلافها يقتضي اختلاف المسموع الذي هو مجموع الصوت وعارضه واتحادها يقتضي اتحاد المسموع لا مطلقا بل باعتبار ذلك العارض المسموع فتأمل واعلم أن الحكم بأن الغنة والبحوحة والجهارة والخفاية ليست مسموعة منظور فيه وأن الحرف قد يطلق على الهيئة المذكورة العارضة للصوت وعلى مجموع المعروض والعارض وهذا أنسب بمباحث العربية قال المصنف وبالجملة فماهية الحرف أوضح من ذلك الذي ذكر في تعريفها لما مر من أن الإحساس بالجزئيات أقوى في إفادة المعرفة بماهيات المحسوسات من تعريفاتها بالأقوال الشارحة إذ لا يمكن لنا أن نعرفها إلا بإضافات واعتبارات لازمة لها لا يفيد شيء منها معرفة حقائقها وكأن المقصود مما ذكر في تعريفاتها التنبيه على خواصها وصفاتها

المقصد الثاني
الحروف تنقسم من وجوه
الأول إما مصوتة وهي التي تسمى في العربية حروف المد واللين وأما صامته وهي ما سواها

الثاني إما زمانية صرفة كالفاء والقاف وإما آنية صرفة كالتاء والطاء وإما آنية تشبه الزمانية وهي أن تتوارد أفراد آنية مرارا فيظن أنها فرد واحد زماني كالراء والحاء والخاء
الثالث أنها إما متماثلة كالباءين الساكنين أو متخالفة بالذات كالباء والميم أو بالعرض كالباء الساكنة والمتحركة
المقصد الثاني الحروف تنقسم من وجوه
الأول إن الحروف إما مصوتة وهي التي تسمى في العربية حروف المد واللين وهي الألف والواو والياء إذا كانت ساكنة متولدة من إشباع ما قبلها من الحركات المجانسة لها فإن الضم مجانس للواو والفتح للألف والكسر للياء وإما صامته وهي ما سواها أي ما سوى الحروف المذكورة والصامتة قد تكون متحركة وقد تكون ساكنة بخلاف المصوتة فإنها لا تكون إلا ساكنة مع كون حركة ما قبلها من جنسها كما عرفت فالألف لا يكون إلا مصوتا لامتناع كونه متحركا مع وجوب كون الحركة السابقة عليه فتحة وإطلاق اسم الألف على الهمزة بالاشتراك اللفظي وأما الواو والياء فكل واحد منهما قد يكون مصوتا كما عرفت وقد يكون صامتا بأن يكون متحركا أو ساكنا ليس حركة ما قبله من جنسه
الوجه الثاني إن الحروف إما زمانية صرفة كالحروف المصوتة كالفاء والقاف والسين والشين فإن المصوتة زمانية عارضة للصوت باقية معه زمانا وكذلك الصوامت المذكورة ونظائرهما مما يمكن تمديدها بلا توهم تكرار فإن الغالب على الظن أنها زمانية أيضا وإما آنية صرفة كالتاء والطاء والدال وغيرها من الصوامت التي لا يمكن تمديدها أصلا فإنها لا توجد إلا في آخر زمان حبس النفس كما في لفظ بنت وقرط وولد أو في أوله كما تراب وطرب ودول أو في آن يتوسطها كما إذا وقعت هذه الصوامت في

أوساط الكلمات فهي بالنسبة إلى الصوت كالنقطة والآن بالنسبة إلى الخط والزمان كما نبهت عليه وتسميتها بالحروف أولى من تسمية غيرها لأنها أطراف الصوت والحروف هو الطرف وإما آنية تشبه الزمانية وهي أن تتوارد أفراد آنية مرارا فيظن أنها فرد واحد زماني كالراء والخاء فإن الغالب على الظن أن الراء التي في آخر الدار مثلا راآت متوالية كل واحد منها آني الوجود إلا أن الحس لا يشعر بامتياز أزمنتها فيظنها حرفا واحدا زمانيا وكذا الحال في الحاء والخاء
الثالث أنها أي الحروف إما متماثلة لا اختلاف بينها بذواتها ولا بعوارضها المسماة بالحركة والسكون كاليائين الساكنين أو المتحركين بنوع واحد من الحركة أو متخالفة إما بالذات والحقيقة كالباء والميم فإنهما حقيقتان مختلفتان سواء كانتا ساكنتين أو متحركتين بحركتين متماثلتين أو مختلفتين أو بالعرض كالباء الساكنة والمتحركة فإنهما متفقتان في الحقيقة ومختلفتان بسبب العارض الذي هو الحركة والسكون

المقصد الثالث
المتن
هل يمكن الابتداء بالساكنة قد منعه قوم للتجربة وجوزه آخرون لأن ذلك ربما يختص بلغة كالعربية ويجوز في أخرى فإنا نرى في المخارج اختلافا كثيرا
الشرح
المقصد الثالث في أنه هل يمكن الابتداء بالساكن الحرف إما متحرك أو ساكن ولا نعني بذلك حلول الحركة والسكون في الحرف لأنهما بالمعنى المشهور من خواص الأجسام بل نعني بكونه متحركا أن يكون

الحرف الصامت بحيث يمكن أن يوجد عقيبه مصوت مخصوص من المصوتات الثلاث وبكونه ساكنا أن يكون بحيث لا يمكن أن يوجد عقيبه شيء من تلك المصوتات إذا عرفت هذا فنقول لا خلاف في أن الساكن إذا كان حرفا مصوتا لم يمكن الابتداء به إنما الخلاف في الابتداء بالساكن الصامت قد منعه أي إمكان الابتداء به قوم للتجربة أي زعموا أن التجربة دلت على امتناع الابتداء به فإن كل من جرب ذلك من نفسه علم أنه لا يمكنه أن يبتدئ في تلفظه بالساكن الصامت كما لا يمكنه الابتداء فيه بالمصوت فلا فرق في ذلك بينهما لاشتراك السكون الذي هو المانع بينهما وجوزه آخرون لأن ذلك أي عدم جواز الابتداء بالساكن ربما يختص بلغة كالعربية فإنه ليس في لغة العرب الابتداء بالساكن ولا يجوز فيها ذلك لا لأنه ممتنع في نفسه بل لأن لغتهم موضوعة على غاية من الإحكام والرصانة وفي الابتداء بالساكن نوع لكنة وبشاعة ولذلك أيضا لم يجوزوا الوقف على المتحرك مع إمكانه بلا شبهة ويجوز أي الابتداء بالساكن في لغة أخرى كما في اللغة الخوارزمية مثلا فإنا نرى في الخارج اختلافا كثيرا ألا ترى أن بعض الناس يقدر على التلفظ بجميع الحروف المتخالفة المعتبرة في اللغات بأسرها ومنهم من لا يقدر إلا على بعضها متفاوتا بحسب القلة والكثرة وما ذكر من التجربة فهو حكاية عن ألسنتهم المخصوصة فلا يقوم حجة على غيرهم وامتناع الابتداء بالحروف المصوتة

إنما نشأ من ذواتها فإنها مدات حاصلة من إشباع الحركات المتقدمة عليها فلا يتصور وقوعها في مبدأ الألفاظ لذلك لا لكونها ساكنة

المقصد الرابع
المتن
هل يمكن الجمع بين الساكنين أما صامت مدغم قبله مصوت فجائز اتفاقا وأما الصامتان فجوزه قوم كما في الوقف على الثلاثي الساكن الأوسط بل ساكنين قبلهما مصوت كما يقال في الفارسية كارد ومنهم من منعه وجعل ثمة حركة مختلسة
الشرح
المقصد الرابع في أنه هل يمكن الجمع بين الساكنين إما صامت مدغم في مثله قبل مصوت نحو ولا الضالين فجائز جمعهما اتفاقا وأما الصامتان أو صامت غير مدغم قبله مصوت فجوزه أي جمعهما قوم كما في الوقف على الثلاثي الساكن الأوسط كزيد وعمرو بل جوزوا أيضا جمع ساكنين صامتين قبلهما مصوت فيجتمع حينئذ ثلاث سواكن كما يقال في الفارسية كارد وكوشت ومنهم من منعه وجعل ثمة أي فيما ذكرنا من الصور حركة مختلسة خفية جدا فلا يحس بها على ما ينبغي فيظن أنه اجتمع هناك ساكنان أو أكثر وأما اجتماع ساكنين مصوتين أو صامت بعده مصوت فلا نزاع في امتناعه
قال الإمام الرازي الحركات أبعاض المصوتات أما أولا فلأن هذه المصوتات قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فله طرفان ولا طرف في النقصان للمصوتات إلا هذه الحركات بشهادة الاستقراء وأما ثانيا فلأن الحركات لو لم تكن أبعاض المصوتات لما حصلت المصوتات بتمديدها

فإن الركة إذا كانت مخالفة لها ومددتها لم يمكنك أن تذكر المصوت إلا باستئناف صامت آخر يجعل المصوت تبعا له لكن الحس شاهد بحصول المصوتات بمجرد تمديد الحركات ثم إن أوسع المصوتات باعتبار انفتاح الفم هو الألف ثم الياء ثم الواو وأثقلها الضمة المحتاجة إلى مزيد تحريك الشفتين ثم الكسرة ثم الفتحة فقد جعل الحركات داخلة في المصوتات فلذلك انقسم المصوتة إلى مقصورة هي الحركات وممدودة هي الحروف المخصوصة
قال والحرف الصامت سابق على الحركة لوجهين
الأول إن الصامت البسيط حقيقة وحس آني والحركة زمانية والآن متقدم على الزمان فما يوجد في الآن الذي هو أول زمان وجود الشيء كان سابقا على ما يحدث فيه وقد يقال جاز أن يكون حدوث الحرف الآني في الآن الذي هو آخر زمان الحركة ولا بد لنفيه من دليل
الثاني إن الحركة لو كانت سابقة على الحرف لكان المتكلم بالحركة مستغنيا عن التكلم بالحرف لأن السابق غني عن المسبوق المحتاج إليه والتالي باطل لأنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا أنه لا يمكن التكلم بالحركة دون التكلم بالحرف
واعترض عليه بأنه ليس يلزم من إبطال تقدم الحركة على الحرف الصامت تقدمه عليها لجواز أن لا يسبق أحدهما الآخر بل يوجدان معا على أن نقول جاز أن يكون السابق مستعقبا للمسبوق بحيث يمتنع تخلفه عنه فلا يثبت حينئذ بطلان تقدم الحركة على الحرف وبهذا يعلم أيضا بطلان ما قيل من أن الابتداء بالصامت الساكن جائز وإلا توقف الصامت المتقدم على المصوت المتأخر المحتاج إلى ذلك المتقدم وهو محال

النوع الرابع المذوقات وهي الطعوم
وفيها مقصدان
المقصد الأول
أصولها تسعة حاصلة من ضرب ثلاثة في ثلاثة لأن الفاعل إما حار أو بارد أو معتدل والقابل إما لطيف أو كثيف أو معتدل فالحار يفعل كيفية غير ملائمة إذ من شأنه التفريق ففي الكثيف في الغاية وهي المرارة لشدة المقاومة وكون التفريق عظيما وفي اللطيف دونه وهي الحرافة إذ تفرق تفريقا صغيرا لكنه يكون غائصا وفي المعتدل ملوحة وهي بينهما ولذلك تميل إلى المرارة مدة وإلى الحرافة أخرى وتحقيقه أنه إذا أخذ لطيف الرماد المر وخلط بالماء وطبخ حصلت الملوحة والبارد يفعل كيفية غير ملائمة إذ من شأنه التكثيف ففي الكثيف عفوصة لأنه يتضاعف التكثيف وفي اللطيف حموضة لأنه يكثف ببرده ويغوص بلطافته فيكون عدم ملاءمته بين بين ولذلك فإن التمر العفص كلما ازداد مائية ازداد حموضة وفي المعتدل قبضا وهو دون العفوصة إذ العفص يقبض باطن اللسان وظاهره والقابض يقبض ظاهره فقط والمعتدل يفعل فعلا ملائما وهو في الكثيف الحلاوة لشدة المقاومة وفي اللطيف الدسومة لقلة المقاومة فيحس بكيفية ضعيفة ملائمة وفي المعتدل التفاهة لعدم التأثير لا بمادته ولا بكيفيته فلا يحصل به إحساس ويقال التفاهة لعدم الطعم وتسمى حقيقية ولكون الجسم بحيث لا يحس بطعمه لكثافة أجزائه فلا يتحلل منه ما يخالط الرطوبة العذبة التي هي آلة للإدراك بالقوة الذائقة كالصفر فإذا احتيل في تحليله أحس منه كما يزنجر وهذه تسمى تفاهة غير حقيقية

الشرح
النوع الرابع من الكيفيات المحسوسة المذوقات المدركة بالقوة الذائقة وإنما أخرها عن المبصرات والمسموعات لما مر من أن الكلام فيها مختصر ولولا ذلك لجعلها رديفة للملموسات بناء على أن أهم الإحساسات للحيوان المغتذي هو اللمس الذي يحترز به عما يضره ويفسد مزاجه ثم الذوق الذي يستعين به على ما يغتذيه ويحفظ به اعتداله فكان رديفا له وأيضا إدراك القوة الذائقة مشروط باللمس ومع ذلك يحتاج أيضا إلى ما يؤدي الطعم إليها وهو الرطوبة اللعابية وأيضا قد يتركب من اللمس والذوق إحساس واحد وذلك بأن يرد على النفس اثر اللامسة والذائقة فتدركهما معا كطعم واحد من غير تمييز في الحس كما في الحريف فإنه إذا ورد على سطح اللسان فرقه وسخنه وله أثر ذوقي أيضا فلا يتميز أحدهما عن الآخر وهي الطعوم وفيها أي وفي الطعوم مقصدان
الأول أصولها أي بسائطها تسعة حاصلة من ضرب ثلاثة في ثلاثة وذلك لأن الطعم لابد له من فاعل هو الحرارة أو البرودة أو الكيفية المتوسطة بينهما ومن قابل هو الكثيف أو اللطيف أو المعتدل بينهما وإلى هذا أشار بقوله لأن الفاعل إما حار أو بارد أو معتدل والقابل إما لطيف أو كثيف أو معتدل وإذا ضرب أقسام الفاعل في أقسام القابل حصل أقسام تسعة فتنقسم الطعوم بحسبها أيضا واعترض عليه بأن انحصار الفاعل في الحرارة والبرودة والكيفية المتوسطة بينهما ممنوع وأيضا المراتب المتوسطة بين غايتي الحرارة والبرودة وكذا بين غايتي اللطافة والكثافة غير محصورة

فجاز أن تكون كل واحدة من تلك المراتب فاعلة أو قابلة لطعم بسيط على حدة فلا ينحصر عدد الطعوم البسيطة في عدة محصورة فضلا عن التسعة والعشرة وأيضا الخيار والقرع والحنطة النية يحس من كل منها بطعم لا تركيب فيه وليس من التسعة المذكورة وأيضا الاختلاف بالشدة والضعف إن اقتضى الاختلاف النوعي فأنواع الطعوم غير منحصرة وإن لم يقتض كان القبض والعفوصة نوعا واحدا إذ لا اختلاف بينهما إلا بالشدة والضعف فإن القابض كما سيأتي يقبض ظاهر اللسان وحده والعفص يقبض ظاهره وباطنه معا وأيضا حدوث الطعوم التسعة على تلك الوجوه المخصوصة لم يقم عليه برهان ولا إمارة تفيد غلبة الظن ولهذا قيل مباحث الطعوم دعاوى خالية عن الدلائل إلا ن المصنف ذكر في كيفية الحدوث مناسبات ربما أوقعت لبعض النفوس ظنا بتلك الوجوه فقال فالحار أي الحرارة كما هو المشهور في الكتب أو الأمر الحار كما يتبادر من العبارة فإن الفاعل هو الصورة النوعية بحسب كيفياتها التي هي آلاتها في أفاعيلها يفعل كيفية غير ملائمة للأجسام التي ندركها إذ من شأنه التفريق لما عرفت من أن الحرارة تحدث تفريقا ولا شك أن التفريق حالة غير ملائمة للأجسام فلذلك كانت الكيفية الحادثة من تأثير الحرارة غير ملائمة على حسب التفريق الحاصل من تأثيرها كما أشار إليه بقوله ففي الكثيف أي فيفعل الحار في القابل الكثيف كيفية غير ملائمة في الغاية وهي المرارة فإنها أبغض الطعوم وأبعدها عن الملاءمة ولو فرض ملاءمتها لبعض الأجسام كان ذلك لبعده عن الاعتدال لشدة المقاومة وكون التفريق عظيما يعني أن القابل إذا كان كثيفا قاوم الحرارة مقاومة شديدة ومنعها عن النفوذ فيه فتجتمع حينئذ أجزاء الحرارة وتتفرق تفريقا عظيما لأن الحرارة المجتمعة أشد تأثيرا فيكون أثرها

أقوى فلا جرم تكون الكيفية الحادثة حينئذ في غاية البعد عن الملازمة في القابل اللطيف كيفية غير ملائمة أيضا إلا أنها تكون في عدم الملائمة و يفعل الحار دونه أي دون ما ذكر أو لا وهي أي تلك الكيفية الحادثة اللطيف الحرافة إذ تتفرق تفريقا صغيرا لكنه يكون غائصا يعني أن القابل إذا كان لطيفا لم يقاوم الفاعل الخارج ولم يمنعه من النفوذ فيه فيغوص في أجزائه فيضعف التأثير لعدم اجتماع الحرارة ويكون التفريق صغيرا فلا بد أن تكون الكيفية الحادثة فيه حينئذ غير ملائمة وأن تكون دون المرارة في عدم الملائمة و يفعل الحار في القابل المعتدل ملوحة وهي بينهما أي بين المرارة والحرافة في عدم الملاءمة لأن مقاومة المعتدل للحرارة أقل من مقاومة الكثيف وأكثر من مقاومة اللطيف فيكون التفريق فيها متوسطا بين العظم والصغر فلا محالة من أن تكون الكيفية الحادثة في المعتدل أضعف من المرارة في عدم الملاءمة وأقوى فيه من الحرافة ولذلك أي ولأن الملوحة كيفية متوسطة بين كيفيتي المرارة والحرافة تميل الملوحة إلى المرارة مرة وإلى الحرافة أخرى أي يكون طعم المالح تارة قريبا من المرارة بحيث يتوهم أنه مر وتارة قريبا من الحرافة بحيث يتخيل أنه حريف وتحقيقه أي تحقيق كون الملوحة متوسطة بينهما أنه إذا أخذ لطيف الرماد المر وخلط بالماء وطبخ حصلت الملوحة وهذا ما قيل من أن سبب حدوث الملوحة مخالطة رطوبة مائية قليلة الطعم أو عديمته بأجزاء أرضية محترقة يابسة المزاج مرة الطعم مخالطة باعتدال فإن الأجزاء الأرضية إذا كثرت أمرت ومن هذا السبب تتولد الأملاح وتصير المياه ملحا وقد يصنع الملح من الرماد والقلي والنورة وغير ذلك بأن يطبخ في الماء ويصفى ويغلى ذلك الماء حتى ينعقد ملحا أو يترك حتى ينعقد بنفسه والبارد يفعل كالحار كيفية غير ملائمة إذ من شأنه التكثيف الذي لا يلائم الأجسام أيضا لكن عدم ملاءمته أقل من عدم ملاءمة التفريق ولذلك كانت الكيفيات

الحادثة بواسطة التفريق أشد في المنافرة من الكيفيات الحادثة بتوسط التكثيف ثم إن هذه الكيفيات أيضا مختلفة في عدم الملاءمة على حسب مراتب التكثيف في القوة والضعف وإليه الإشارة بقوله ففي الكثيف أي فيفعل البارد في القابل الكثيف عفوصة لأنه يتضاعف التكثيف يعني أن التكثيف يمنع البرودة عن النفوذ ويقاومها فيجتمع حينئذ أجزاء البرودة ويؤثر فيه تأثيرا عظيما ويكثفه تكثيفا بليغا متضاعفا فيحدث فيه العفوصة التي تقرب من المرارة في المنافرة ويفعل البارد في القابل اللطيف حموضة لأن اللطيف لا يقاوم البرودة فينفذ في أعماقه ويكثفه تكثيفا أقل بكثير مما في القابل الكثيف فيحدث فيه كيفية يكون عدم ملاءمتها أقل من عدم ملاءمة العفوصة بكثير أيضا وهي الحموضة وإلى ما ذكرنا أشار بقوله لأنه أي الفاعل البارد يكثف القابل اللطيف ببرده ويغوص فيه بلطافته أي بسبب لطافته فيضعف فيه تأثيره فيكون عدم ملاءمته أي عدم ملاءمة الطعم الحادث في ذلك القابل اللطيف بين بين ولا يخفى عليك أن الصواب تبديلهما بأقل كما أشرنا إليه ولذلك أي ولأن الحموضة تحدث من فعل البارد في اللطيف كان الثمر العفص لشدة برده وكثافته كلما ازداد مائية ولطافة واعتدل قليلا بإسخان الشمس المنضج ازداد حموضة و يفعل البارد في القابل المعتدل قبضا وهو في عدم الملائمة دون العفوصة وفوق الحموضة لأن تكثيف البرودة في المعتدل أقل من تكثيفها في الكثيف وأكثر من تكثيفها في اللطيف على قياس ما مر فيحدث فيه كيفية عدم ملاءمتها بين بين وهو القبض وكونه في عدم الملاءمة فوق الحموضة ظاهر وأما كونه في ذلك دون العفوصة فإليه أشار بقوله إذ العفص يقبض باطن اللسان وظاهره معا فينفر الطبع عنه نفره شديدة

والقابض يقبض ظاهره فقط فلا تكون النفرة عنه في تلك الغاية والمعتدل الذي هو بين الحار والبارد يفعل فعلا ملائما وذلك لأنه لا يفرق تفريقا شديدا ولا يكثف أيضا تكثيفا قويا بل يفعل فعلا بين بين فيحدث منه طعم ملائم وهو أي ما يحدث من فعله في القابل الكثيف الحلاوة وذلك لشدة المقاومة بين القابل الكثيف والفاعل المعتدل فيجتمع أجزاء الفاعل ويؤثر تأثيرا تاما ملائما جدا هو بين التفريق والتكثيف البليغين فيحدث هناك كيفية هي في غاية الملاءمة أعني الحلاوة التي هي أشد الطعوم ملاءمة للأمزجة المعتدلة وألذها وأشهاها عند القوى الذائقة و هو في اللطيف الدسومة لقلة المقاومة بين القابل اللطيف والفاعل المعتدل فتنفذ أجزاء الفاعل فيه ويفعل فعلا ضعيفا ملائما فيحس منه بكيفية ضعيفة ملائمة هي الدسومة و هو في القابل المعتدل التفاهة وذلك لأن القوة المعتدلة يجب أن يكون تأثيرها في القابل المعتدل أقل من تأثيرها في الكثيف وأكثر من تأثيرها في اللطيف فيجب أن يحصل هناك كيفية ملائمة هي أضعف من الحلاوة وأقوى من الدسومة لا أن هذه الكيفية لا تؤثر في المذاق لضعفها والجسم الحامل لها لا ينفذ فيه لتوسطه بين اللطافة والكثافة فلا يحس بهذه الكيفية لعدم التأثير أي تأثير القابل المعتدل في القوة الذائقة لا بمادته ولا بكيفيته أي طعمه فلا يحصل به أي بذلك الطعم إحساس بخلاف الدسومة فإنها وإن كانت ضعيفة إلا أن حاملها لطيف ينفذ في المذاق فيؤثر فيه بمادته وإن لم يؤثر فيه بكيفيته فيحس بالدسومة دون التفاهة ومن ههنا يظهر أن التفاهة طعم فوق الدسومة ودون الحلاوة إلا أنها غير محسوسة إحساسا متميزا ويقال التفاهة لعدم الطعم كما في الأجسام البسيطة وتسمى هذه تفاهة حقيقية والمتصف بهذه التفاهة يسمى تفها ومسيخا ويقال أيضا لكون الجسم بحيث لا يحس بطعمه لكثافة أجزائه فلا يتحلل منه أي من ذلك الجسم ما يخالط الرطوبة اللعابية العذبة أي

الخالية في نفسها عن الطعوم كلها التي هي آلة للإدراك بالقوة الذائقة كالصفر ونحوه من الحديد وغيره فإذا احتيل في تحليله أحس منه بطعم قوي حاد كما يزنجر أي يجعل الصفر زنجارا وأجزاء صغارا وهذه تسمى تفاهة غير حقيقة وتفاهة حسية هذا وقد توهم بعضهم أن المعدود في الطعوم هو التفاهة بمعنى عدم الطعم
قال إنما عدوها منها كما عدت المطلقة في الموجهات ولذلك تركها الإمام الرازي رحمه الله فقال بسائط الطعوم ثمانية وذكر بعضهم أن المعدود فيها هو التفاهة الغير الحقيقية فإنها طعم بسيط ورد عليه بأن هذا يبطله ما ذكره من اجتماع المرارة والتفاهة في الهندباء وقد ذكروا أن أسخن الطعوم الحرافة ثم المرارة ثم الملوحة لأن الحريف أقوى على التحليل من المر ثم المالح كأنه مر مكسور برطوبة باردة لما عرفت من سبب حدوث الملوحة ويدل أيضا على تأخر الملوحة عن المرارة في السخونة أن البورق والملح المر أسخن من الملح المأكول وأبرد الطعوم العفوصة ثم القبض ثم الحموضة فإن الفواكه التي تحلو تكون أولا عفصة شديدة البرد فإذا اعتدلت قليلا قليلا بإسخان الشمس مالت إلى القبض ثم إلى الحموضة ثم تنتقل إلى الحلاوة والحامض وإن كان أقل بردا من

العفص لكنه في الأغلب أكثر تبريدا منه لشدة غوصه بسبب لطافته ومن هذا يعلم أن كون الحريف أقوى على التحليل لا يدل على أنه أسخن من المر لجواز أن يكون ذلك بسبب شدة نفوذه لأجل لطافته
واعترضوا بأن الكافور مع شدة برده مر وكذلك الشاهترج وبعض القثاء والخيار والعسل حلو حار والزيت دسم حار والدماغ دسم بارد وكثير من الأدهان كذلك
وأجابوا بأن غلبة البرد على المر أو الدسم وغلبة الحرارة على الحلو أو الدسم إما لتركب الحامل من أجزاء مختلفة الطعوم وإما لعارض أورثه ذلك وتفصيله إلى الكتب الطبية

المقصد الثاني
المتن
هذه هي الطعوم البسيطة ويتركب منها طعوم لا نهاية لها إما بحسب التركيب وإما بحسب تركب الأسباب وقد يفعل بعض بالعرض فيظن نقضا كما أن الأفيون مع مرارته يبرد تبريدا عظيما فربما كان ذلك لأنه بحرارته

يبسط الروح حتى يخلو مركزها فيحصل بالعرض منه تبريد فمن المركبة ما له اسم نحو البشاعة من مرارة وقبض كما في الحضض والزعوقة من ملوحة ومرارة كما في السبخة وربما ينضم إليها كيفية لمسية فلا يميز الحس بينهما فيصير كطعم واحد كاجتماع تفريق وحرافة فيظن حرارة أو تكثيف وتجفيف فيظن عفوصة
الشرح
المقصد الثاني هذه الطعوم المذكورة هي الطعوم البسيطة كما مر ويتركب منها طعوم لا نهاية لها وذلك إما بحسب التركيب في القوابل بين أجسام ذوات طعوم بسيطة مختلفة المراتب التي لا تنحصر في عدد فإنها إذا ركبت أحس من المجموع بطعم واحد مركب من تلك البسائط وإما بحسب تركب الأسباب المقتضية للطعوم المتعددة فإنه إذا اجتمع أسباب كثيرة على جسم واحد واقتضى كل واحد منها فيه طعما من تلك البسائط حصل فيه طعم مركب منها ولا شك أن في كل واحد من التركيب والتركب المذكورين كثرة غير منحصرة فتتعدد الطعوم المركبة أيضا بحسب تلك الكثرة وقد يفعل بعض من الطعوم فعلا بالعرض لا بالذات فيظن ذلك نقضا على ما ذكرناه من كيفية حدوث الطعوم من الفاعل والقابل المذكورين كما أن الأفيون مثلا مع مرارته يبرد تبريدا عظيما فيتخيل أنه بارد فينتقض به ما ذكرناه من أن فاعل المرارة هو الحرارة لكنه تخيل فاسد كما بينه بقوله فربما كان ذلك التبريد لأنه أي الأفيون بحرارته وتسخينه يبسط الروح ويحلله أيضا إذ من شأن الحرارة إحداث الميل المصعد والتحليل وإذا تحلل بعض من الروح الحامل للحرارة الغريزية وانبسط بعضه الباقي حتى يخلو مركزها أي مركز الروح فإنه يجوز تأنيثه فيحصل بالعرض منه أي من الأفيون تبريد فإنه لما أزال المسخن عاد أجزاء البدن المقتضية للبرودة بطباعها إلى تبريده فهذا التبريد ليس فعلا للأفيون حتى يلزم كونه باردا بل هو من فاعل آخر أزال عنه الأفيون بحرارته ما كان يمنعه من فعله فلا نقض أصلا ولتكن هذه القاعدة

على ذكر منك فإنها تنفعك في مواضع عديدة فمن الطعوم المركبة ما له اسم على حدة نحو البشاعة المركبة من مرارة وقبض كما في الحضض بضم الضاد الأولى وفتحها أيضا وهو صمغ مر كالصبر مشهور يتداوى به و نحو الزعوقة المركبة من ملوحة ومرارة كما في السبخة والشيحة ومن الطعوم المركبة ما ليس له اسم مخصوص به كالطعم المركب من الحلاوة والحرافة في العسل المطبوخ وكالمركب من المرارة والحرافة والقبض في الباذنجان وكالمركب من المرارة والتفاهة في الهندباء كما مر
قال الإمام الرازي هذه الطعوم هل هي كيفيات حقيقية أو تخييلية يشبه أن يقال إن هذه الطعوم إنما تكثرت بسبب أنها كما تحدث ذوقا يحدث بعضها لمسا أيضا فيتركب من الكيفية الطعمية والتأثير اللمسي أمر واحد لا يتميز في الحس فيصير ذلك الواحد كطعم واحد مخصوص متميز مثلا يشبه أن يكون طعما من الطعوم يصحبه في بعض المواضع تفريق وإسخان فيسمى جملة ذلك حرافة وطعم آخر يصحبه تفريق من غير إسخان فيسمى ذلك المجموع حموضة وطعم آخر يصحبه تكثيف وتجفيف فيسمى ذلك المجموع عفوصة وعلى هذا القياس فلا يتحقق حينئذ أن الطعوم المذكورة حقائق متعددة متكثرة في أنفسها بل يجوز أن يكون تعدد حقائقها مبنيا على هذا التخيل وقد أجمل المصنف هذا المعنى في قوله وربما ينضم إليها أي إلى الطعوم كيفية لمسية فلا يميز الحس بينهما أي بين الكيفية الطعمية والكيفية اللمسية فيصير مجموعهما كطعم واحد متميز عن سائر الطعوم وذلك كاجتماع تفريق وحرارة مع طعم من الطعوم فيظن مجموع ذلك حرافة أو كاجتماع تكثيف وتجفيف مع طعم من

الطعوم فيظن مجموع ذلك عفوصة وإذا كان هذا محتملا بل واقعا في بعض الصور فماذا يؤمننا أن تكون الحرافة والعفوصة من هذا القبيل في جميع المواضع وقد يتوهم من عبارته أنهما طعمان حقيقيان بلا شبهة إلا أنه قد يقع الاشتباه فيهما في بعض المواضع

النوع الخامس في المشمومات
ولا اسم لها إلا من وجوه
المتن
الأول الملائم طيب والمنافر منتن
الثاني بحسب ما يقارنها من طعم كما يقال رائحة حلوة أو حامضة
الثالث بالإضافة إلى محلها كرائحة الورد والتفاح
الشرح
النوع الخامس من الكيفيات المحسوسة في المشمومات المدركة بالقوة الشامة ولا اسم لها عندنا إلا من وجوه ثلاثة
الأول باعتبار الملاءمة والمنافاة فيقال الملائم طيب والمنافر منتن
الثاني بحسب ما يقارنها من طعم كما يقال رائحة حلوة أو رائحة حامضة
الثالث بالإضافة إلى محلها كرائحة الورد والتفاح وأنواع الروائح غير مضبوطة ومراتبها في الشدة والضعف غير منحصرة كمراتب الطعوم وغيرهما
الفصل الثاني في الكيفيات النفسانية
المتن
فإن كانت راسخة سميت ملكة وإلا سميت حالا والاختلاف بينهما بعارض فإن الحال بعينها تصير ملكة بالتدريج وهي أيضا أنواع
النوع الأول الحياة
وفيها مقاصد
المقصد الأول
الحياة قوة تتبع اعتدال النوع ويفيض منها سائر القوى
قال ابن سينا إنها غير قوة الحس والحركة وغير قوة التغذية ويدل عليه أنها توجد للمفلوج إذ هي الحافظة للأجزاء عن التفريق والبلى وليس له قوة الحس والحركة وتوجد في الذابل مع عدم قوة التغذية وفي النبات قوة التغذية مع عدم الحياة

والجواب أنا لا نسلم أن القوة مفقودة في المفلوج والذابل لجواز أن يكون الفعل قد تخلف عنها لمانع ولا نسلم أن ما هو قوة التغذية في الحي موجودة في النبات لجواز أن تكون قوة التغذية في النبات مخالفة بالحقيقة لها في الحي إذ قد يشترك المختلفان بالحقيقة في لازم واحد من فعل أو غيره
الشرح
الفصل الثاني من الفصول الأربعة التي هي في أقسام الكيفيات في الكيفيات النفسانية أي المختصة بذوات الأنفس من الأجسام العنصرية فقيل المراد الأنفس الحيوانية ومعنى الاختصاص بها أن تلك الكيفيات توجد في الحيوان دون النبات والجماد وعلى هذا فلا يتجه أن بعض هذه الكيفيات كالحياة والعلم والقدرة والإرادة ثابتة للواجب والمجردات فلا تكون مختصة بالحيوانات على أن القائل بثبوتها للواجب وغيره من المجردات لم يجعلها مندرجة في جنس الكيف ولا في الأعراض
وقيل المراد ما يتناول النفوس الحيوانية والنباتية أيضا فإن الصحة وما يقابلها من هذه الكيفيات يوجدان في النبات بحسب قوة التغذية والتنمية كما سيرد ذلك عليك في مباحثهما فإن كانت الكيفية النفسانية راسخة في موضوعها أي مستحكمة فيه بحيث لا تزول عنه أصلا أو يعسر زوالها سميت ملكة وإلا أي وإن لم تكن راسخة فيه سميت حالا لقبولها التغير والزوال بسهولة والاختلاف بينهما بعارض مفارق لا بفصل فإن الحال بعينها تصير ملكة بالتدريج ألا ترى أن الكيفية النفسانية الواحدة بالشخص كالكتابة مثلا تكون في ابتداء حصولها حالا وإذا ثبتت زمانا واستحكمت

صارت هي بعينها ملكة كما أن الشخص الواحد قد كان صبيا ثم يصير رجلا
قالوا وكل ملكة فإنها قبل استحكامها كانت حالا وليس كل حال يصير ملكة وأنت تعلم أن الكيفية النفسانية قد تتوارد أفراد منها على موضوعها بأن يزول عنه فرد ويعقبه فرد آخر فيتفاوت بذلك حال الموضوع في تمكن الكيفية فيه حتى ينتهي الأمر إلى فرد إذا حصل فيه كان متمكنا راسخا فهذا الفرد ملكة لم يكن حالا بشخصه بل بنوعه وهي أي الكيفيات النفسانية أيضا كالكيفيات المحسوسة أنواع خمسة كثيرة المباحث فذكر أولا الحياة ثم العلم ثم الإرادة ثم القدرة ثم بقية الكيفيات النفسانية من اللذة والألم وغيرهما
النوع الأول في الحياة قدمها على سائر الأنواع لأنها أصل لها ومستتبعة إياها وفيها أي في الحياة مقاصد ثلاثة
الأول في تعريفها الحياة قوة تتبع تلك القوة اعتدال النوع ومعنى ذلك أن كل نوع من أنواع المركبات العنصرية له مزاج مخصوص يناسب الآثار والخواص المطلوبة منه حتى إذا خرج من ذلك المزاج لم يبق ذلك النوع كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى فالحياة في كل نوع من أنواع الحيوانات تابعة لذلك المزاج المسمى بالاعتدال النوعي ويفيض منها أي من تلك القوة سائر القوى الحيوانية كقوى الحس والحركة والتصرف في الأغذية وتلخيصه أنه إذا حصل في مركب عنصري اعتدال نوعي يليق بنوع حيواني فاض عليه من المبدأ قوة الحياة ثم انبعثت منها قوى أخرى

أعني الحواس الباطنة والظاهرة والقوة المحركة إلى جلب المنافع ودفع المضار كل ذلك بتقدير العزيز العليم فالحياة تابعة للاعتدال المذكور ومتبوعة لما عداها من القوى الموجودة في الحيوان وقد يتوهم أن الحياة هي قوة الحس والحركة الإرادية وقوة التغذية بعينها لا أنها قوى أخرى مستتبعة لهذه القوى كما ذكرنا فلذلك قال ابن سينا في كليات القانون دفعا لهذا التوهم أنها أي الحياة غير قوة الحس والحركة وغير قوة التغذية والتنمية ويدل عليه أي على التغاير المذكور أنها أي الحياة توجد للمفلوج من الأعضاء إذ هي الحافظة في الحيوان للأجزاء العنصرية المتداعية إلى الانفكاك عن التعفن والتفرق والبلى ألا ترى أن العضو الميت تتسارع إليه هذه الأمور وليس له أي للعضو المفلوج قوة الحس والحركة وكذا الحال في العضو الخدر فإنه أيضا فاقد في الحال قوة الحس والحركة مع وجود قوة الحياة فيه فظهر أن الحياة مغايرة للقوى النفسانية التي هي القوى المدركة والمحركة وأما مغايرتها للقوى الطبيعية التي تتصرف في الأغذية فيدل عليها قوله وتوجد أي الحياة في العضو الذابل فإنه لو لم يكن حيا لفسد بالتعفن والتفرق مع عدم قوة التغذية فيه وأيضا في النبات قوة التغذية مع عدم الحياة فيه فقد وجد كل واحدة من الحياة وقوة التغذية بدون الأخرى فكانتا متغايرتين قطعا ومن ههنا تبين أن أجناس القوى الموجودة في الحيوانات ثلاثة جنس القوى النفسانية وجنس القوى الطبيعية وجنس القوى الحيوانية كما هو المشهور عند الأطباء وللإنسان من بينها قوة رابعة يدرك بها المعقولات ويتوصل بها إلى ما يختص به من الآثار المطلوبة منه

والجواب عما ذكره ابن سينا أنا لا نسلم أن القوة أي أن قوة الحس والحركة مفقودة في العضو المفلوج و أن قوة التغذية مفقودة في العضو الذابل لجواز أن يكون الفعل أي الإحساس والحركة والتغذية قد تخلف عنها أي عن القوة الموجودة فيهما لمانع يمنعها عن فعلها والحاصل أن المفقود في العضو المفلوج هو الفعل أعني الإحساس والحركة الإرادية وذلك لا يدل على أن القوة المقتضية لهما مفقودة فيه لجواز أن يكون عدم الفعل لوجود المانع لا لعدم المقتضى وكذلك المفقودة في العضو الذابل هو التغذية وليس يلزم من فقدانها فقدان القوة المقتضية لها ولا نسلم أيضا أن ما هو قوة التغذية في الحي موجود في النبات حتى يلزم من مغايرة الحياة لغاذية النبات مغايرتها لغاذية الحيوان وذلك لجواز أن تكون قوة التغذية في النبات مخالفة بالحقيقة لها أي لقوة التغذية في الحي وليس يلزم من اشتراك هاتين القوتين في التغذية اشتراكهما في الحقيقة إذ قد يشترك المختلفان بالحقيقة في لازم واحد من فعل أو غيره

المقصد الثاني
المتن
الحياة عند الحكماء مشروطة بالبنية المخصوصة وهو جسم له صورة مخصوصة وكيفيات تتبعها من اعتدال خاص وغيره وكذا عند المعتزلة وهي مبلغ من الأجزاء يقوم بها تأليف خاص لا يتصور قيام الحياة بدونها ونحن لا نشترطها بل يجوز أن يخلق الله تعالى الحياة في جزء واحد من الأجزاء التي لا تتجزأ والذي يبطل مذهبهم أنه إما أن يقوم بالجزئين معا حياة واحدة فيلزم قيام الواحد بالكثير وأنه محال وإما أن يقوم بكل جزء حياة على حدة وحينئذ فإما أن يكون كل واحد مشروطا بالآخر ويلزم الدور أو يكون

أحدهما مشروطا بالآخر من غير عكس ويلزم الترجيح بلا مرجح أو لا يكون شيء منهما مشروطا بالآخر وهو المطلوب
والجواب أنك قد عرفت مرارا أن دور المعية ليس باطلا وحكاية الترجيح بلا مرجح كما قد علمته في الأولوية فإنه إن أريد في نفس الأمر منع أو عندنا لم يفد
الشرح
المقصد الثاني في شرط الحياة الحياة عند الحكماء مشروطة بالبنية المخصوصة وهو جسم مركب من العناصر له صورة نوعية مخصوصة ولذلك الجسم كيفيات تتبعها أي تتبع هذه الكيفيات تلك الصورة المخصوصة من اعتدال مزاجي خاص وغيره فإنهم زعموا أنه لا بد في الحياة من جسم مؤلف من العناصر الأربعة ومن مزاج معتدل مناسب لنوع من الحيوانات حتى يفيض عليه صورة نوعية حيوانية مستتبعة للحياة ولا بد فيها من اعتدال الروح الحيواني المتولد من بخارية الأخلاط الحامل لقوة الحياة إلى أعضاء البدن على ما فصل في الكتب الطبية ثم إن بقاء المزاج والروح الحيواني على اعتدالهما المعتبر في بقاء الحياة تابع لتلك الصورة النوعية فإذا تغير المزاج وزال عن الاعتدال بسبب من الأسباب زالت الحياة وانتقضت البنية واضمحلت الصورة كما يشاهد ذلك في الحيوانات بمساعدة التجربة وكذا الحياة عند المعتزلة مشروطة بالبنية المخصوصة ولكنها عندهم ليست ما ذكرها الحكماء بل هي مبلغ من الأجزاء أي الجواهر الفردة يقوم بها أي بتلك الأجزاء تأليف خاص لا يتصور قيام الحياة بدونها أي بدون تلك الأجزاء مع ذلك التأليف والمراد أن لا يمكن تركب بدون الحيوان مما هو أقل من تلك الأجزاء وذلك لأنهم لا يجوزون

قيام الحياة بجوهر واحد ونحن معاشر الأشاعرة لا نشترطها أي لا نشترط البنية المخصوصة في الحياة بل نجوز أن يخلق الله تعالى الحياة في جزء واحد من الأجزاء التي تتجزأ بوجه من وجوه الانقسام والتجزي والذي يبطل مذهبهم أي مذهب الحكماء والمعتزلة في اشتراط البنية المخصوصة أنه أي الشأن على تقدير الاشتراط إما أن يقوم بالجزئين معا حياة واحدة فيلزم قيام العرض الواحد بالكثير وأنه محال كما مر وإما أن يقوم بكل جزء منهما حياة على حدة وحينئذ فإما أن يكون كل واحد من الجزئين في قيام الحياة به مشروطا بالآخر ويلزم الدور لأن قيام الحياة بهذا موقوف على قيام الحياة بذاك وبالعكس أو يكون أحدهما في قيام الحياة به مشروطا بالآخر من غير عكس ويلزم الترجيح بلا مرجح وذلك لأن الجزئين أعني الجوهرين متفقان في الحقيقية وكذلك الحياتان متماثلتان فالتوقف من أحد الجانبين تحكم بحت أو لا يكون شيء منهما في قيام الحياة به مشروطا بالآخر وهو المطلوب أعني اشتراط الحياة بالبنية
والجواب عن هذا الاستدلال أنك إن أردت بقيام حياة واحدة بالجزئين معا أنها تقوم بكل واحد منهما فذلك مما لا شك في استحالته لكن ههنا قسم آخر وهو أن تقوم الحياة الواحدة بمجموعهما من حيث هو مجموع وإن أردت به ما يتناول هذا القسم أيضا فاستحالته ممنوعة فإن العرض الواحد يصح قيامه بمحل منقسم فينقسم بانقسامه إن كان حلوله فيه سريانيا وإلا فلا وأيضا قد عرفت مرارا أن دور المعية ليس باطلا فنختار ههنا أن قيام الحياة بكل من الجزئين يستلزم قيامها بالآخر فهما متلازمان بينهما معية لا تقدم فلا محذور على أنا نقول قيام الحياة بكل جزء مشروط

بانضمام الجزء الآخر إليه لا بقيام الحياة بالآخر فلا دور أصلا ولنا أن نختار الاشتراط من أحد الجانبين فقط وحكاية الترجيح بلا مرجح كما قد علمته في الأولوية فإنه يقال ههنا أيضا إن أريد أنه لا رجحان في شيء من الجانبين في نفس الأمر منع إذ يجوز أن يكون هناك رجحان ناشئ إما من أحد الجزئين أو من إحدى الحياتين أو من خارج ولا نعلمه أو لا رجحان عندنا لم يفد لأن عدم العلم بشيء لا يستلزم عدمه في نفسه
فإن قيل إذا كان الاشتراط من أحد الجانبين فقط لزم قيام الحياة بالجزء الآخر من غير اشتراط البنية وهو المطلوب
قلنا قيام الحياة بأحد الجزئين وإن كان مشروطا بقيامها بالآخر من دون عكس لكن قيامها بالجزء الآخر مشروط بانضمام الجزء الأول إليه وهو المقصود بالبنية وتحقيقه ما مر آنفا

المقصد الثالث
المتن
الموت عدم الحياة من شأنه أن يكون حيا وقيل كيفة وجودية يخلقها الله تعالى في الحي فهو ضدها لقوله تعالى خلق الموت والحياة
والخلق لا يتصور إلا فيما له وجود
والجواب أن الخلق تقدير
الشرح
المقصد الثالث فيما يقابل الحياة الموت عدم الحياة عما من

شأنه أن يكون حيا والأظهر أن يقال عدم الحياة عما اتصف بها وعلى التفسيرين فالتقابل بين الحياة والموت تقابل الملكة والعدم
وقيل الموت كيفية وجودية يخلقها الله تعالى في الحي فهو ضدها لقوله تعالى خلق الموت والحياة والخلق لكونه بمعنى الإيجاد لا يتصور إلا فيما له وجود والجواب أن الخلق ههنا معناه التقدير دون الإيجاد وتقدير الأمور العدمية جائز كتقدير الوجودات

النوع الثاني العلم
وفيه مقاصد
المقصد الأول
المتن
العلم لا بد فيه من إضافة بين العالم والمعلوم وهو الذي نسميه التعلق ولم يثبت غيره بدليل وقيل هو صفة ذات تعلق فثمة أمران العلم والعالمية وأثبت القاضي معهما تعلقا فإما للعلم فقط أو للعالمية فقط فههنا ثلاثة أمور وإما لهما معا فههنا أربعة أمور وقال الحكماء العلم هو الوجود الذهني إذ قد يعقل ما هو نفي محض وعدم الصرف والتعلق إنما يتصور بين شيئين فإذا لا حقيقة له إلا الأمر الموجود في الذهن وهو العلم والمعلوم ثم قد يطابقه أمر في الخارج وقد لا يطابقه وبهذا الاعتبار تلحقه الأحكام الخارجية وإما من حيث هو موجود فلا حكم عليه إلا بأن يتصور مرة ثانية من حيث أنه في الذهن فيحكم عليه بأحكام أخر ويسمى مثل ذلك معقولات ثانية قال المتكلمون هو باطل لوجهين

الأول لو كان التعقل بحصول ماهية المعقول فمن عقل السواد والبياض يكون قد حصل في ذهنه السواد والبياض فيكون الذهن أسود وأبيض وأيضا يجتمع الضدان
الثاني حصول ماهية الجبل والسماء في ذهننا معلوم الانتفاء بالضرورة
وجواب الأول أنه إنما يلزم كون الذهن أبيض وأسود لو حصل فيه هوية السواد والبياض لا ماهيتهما إذ قد علمت أنه لا معنى للماهية إلا الصورة العقلية وأنها مخالفة للهويات الخارجية في اللوازم كما تنبهت له من قبل
والثاني أن الممتنع حصول هوية الجبل والسماء لا ماهيتهما وهذا غلط واقع من جهة اشتراك اللفظ فإن الماهية تطلق على الأمر المعقول وعلى ما يطابقه فظنا أمرا واحدا وربما جعلوه أمرا عدميا فقالوا هو تجرد العالم والمعلوم من المادة

النوع الثاني
الشرح
من الأنواع الخمسة العلم وفيه مقاصد ست عشر
المقصد الأول العلم لا بد فيه من إضافة أي نسبة مخصوصة بين العالم والمعلوم بها يكون العالم عالما بذلك المعلوم والمعلوم معلوما لذلك العالم وهو أي ما ذكرناه من الإضافة والنسبة هو الذي نسميه نحن معاشر

المتكلمين التعلق فهذا الأمر المسمى بالتعلق لا بد منه في كون الشيء عالما بآخر ولم يثبت غيره بدليل فلذلك اقتصر جمهور المتكلمين عليه وقيل هو أي العلم صفة حقيقية ذات تعلق والقائل به جماعة من الأشاعرة وهم الذين عرفوه بأنه صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض وقد عرفت أنه المختار من تعريفاته عند المصنف فلا تغفل وعلى قول هؤلاء فثمة أمران هما العلم وهو تلك الصفة والعالمية أي ذلك التعلق وأثبت القاضي الباقلاني العلم الذي هو صفة موجودة والعالمية التي هي من قبيل الأحوال عنده وأثبت معهما تعلقا فإما للعلم فقط أو للعالمية فقط فههنا ثلاثة أمور العلم والعالمية والتعلق الثابت لأحدهما وإما لهما معا فههنا أربعة أمور العلم والعالمية والتعلق الثابت لهما وقال الحكماء العلم هو الوجود الذهني أي الموجود الذهني كما قالوا العلم حصول الصورة وأرادوا به أنه الصورة الحاصلة على ما صرح به بعضهم ويدل عليه أنهم جعلوا العلم من مقولة الكيف ومع ذلك عرفوه بحصول الصورة ولا شبهة في أن الحصول ليس من هذه المقولة وإنما ذهبوا إلى أن العلم هو الوجود الذهني إذ قد يعقل ما هو نفي محض وعدم صرف في الخارج بحسب الخارج كالممتنعات وكثير من الممكنات كبعض الاشكال الهندسية ألا ترى أنا نحكم عليها ولا يمكن ذلك إلا بتعقلها ولا شبهة أيضا في أن بين العاقل والمعقول تعلقا مخصوصا كما مر والتعلق إنما يتصور بين شيئين متمايزين ولا تمايز إلا بأن يكون لكل منهما ثبوت في الجملة وإذ لا ثبوت للمعلوم ههنا في الخارج فإذا لا حقيقة له إلا الأمر الموجود في الذهن وهو أي ذلك الأمر الموجود في الذهن هو العلم وأما التعلق المذكور فأمر خارج عن حقيقة العلم لازم لها و هو المعلوم أيضا فإنه باعتبار قيامه بالقوة العاقلة علم وباعتباره في نفسه من حيث هو معلوم فالعلم والمعلوم متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار وإذا كان العلم بالمعدومات الخارجية على هذه الحالة وجب أن يكون العلم بسائر المعلومات كذلك إذ لا اختلاف بين أفراد حقيقة واحدة نوعية ثم إن الأمر الموجود في الذهن قد يطابقه أمر في الخارج بأن تكون تلك الماهية التي اتصفت بالوجود الذهني

متصفة بالوجود الخارجي أيضا وقد لا يطابقه بأن لا تكون تلك الماهية موجودة في الخارج وبهذا الاعتبار أي باعتبار المطابقة تلحقه أي ذلك الموجود الذهني الأحكام الخارجية من السواد والبياض والحركة والسكون ونظائرها فإن الماهية إذا وجدت في الخارج لم تخل من أمور تعرض لها بحسب هذا الوجود وتختص به فلا تكون عارضة لها حال كونها موجودة في الذهن ويحتمل أن يراد بهذا الاعتبار اعتبار المطابقة واللامطابقة على معنى أن الموجود الذهني بمجرد حصوله فيه ملحوظ من حيث هو هو ومن هذه الحيثية يجوز أن يكون له مطابق في الخارج وأن لا يكون ويمكن للعقل أن يجري عليه أحكام خارجية صادقة أو كاذبة وهذا الاحتمال أنسب بقوله وأما من حيث هو موجود في الذهن فلا حكم له أي لا يمكن للعقل أن يحكم عليه من هذه الحيثية إلا بأن يتصور مرة ثانية من حيث أنه في الذهن فيحكم عليه بأحكام أخر مخالفة للأحكام الخارجية كالكلية والجزئية والذاتية والعرضية والجنسية والفصلية إلى غير ذلك من أشباهها ويسمى مثل ذلك معقولات ثانية ومحصول الكلام أن الماهية إذا وجدت في الذهن كانت ملحوظة في نفسها وصالحة لأن يحكم بأمور لا تعرض لها إلا في الخارج وهي المسماة بالعوارض الخارجية وغير صالحة لأن يحكم عليها بأمور لا تعرض لها إلا في الذهن بل لا بد لهذا الحكم من تصورها مرة ثانية ليلاحظ عروض هذه العوارض لها فيحكم بها عليها وأما لوازم الماهية من حيث هي هي عارضة لها في الوجودين فيصح أن يحكم بها

عليها في كل واحدة من الملاحظتين وإنما سميت العوارض الذهنية معقولات ثانية لأنها في الدرجة الثانية من التعقل واعلم أن الماهية الموجودة في الذهن إذا أخذت من حيث هي ذهنية كانت ممتنعة الحصول في الخارج سواء كانت تلك الصورة الذهنية مأخوذة من الممتنع أو من الممكن وأما إذا نظر إليها من حيث هي مع قطع النظر عن اعتبار كونها ذهنية فقد تكون ممتنعة وقد لا تكون إلا أن الحكم بامتناعها أو إمكانها لا يمكن إلا حال وجودها في الذهن وقال المتكلمون هو أي كون العلم عبارة عن الوجود الذهني باطل لوجهين
الأول لو كان التعقل بحصول ماهية المعقول في ذهن العاقل فمن عقل السواد والبياض وحكم بتضادهما يكون قد حصل في ذهنه السواد والبياض فيكون الذهن أسود وأبيض إذ لا معنى للأسود والأبيض إلا ما حصل فيه ماهية السواد والبياض لكنه باطل قطعا لأن هذه الصفات منتفية عنه وأيضا يجتمع الضدان في محل واحد وهو سفسطة
الوجه الثاني حصول ماهية الجبل والسماء في ذهننا معلوم الانتفاء بالضرورة وتجويزه مكابرة محضة
وجواب الوجه الأول أنه إنما يلزم كون الذهن أبيض وأسود لو حصل فيه هوية السواد والبياض أي ماهيتهما الموجودة بالوجود العيني المسمى بالوجود الخارجي الذي هو مصدر للأثار الخارجية ومظهر للأحكام لا ماهيتهما الموجودة بالوجود الظلي المسمى بالوجود الذهني إذ قد علمت في مباحث الوجود الذهني أنه لا معنى للماهية إلا الصورة العقلية المتصفة بوجود غير أصيل وعلمت أيضا أنها أي الصورة العقلية مخالفة للهويات الخارجية المتصفة بوجودات أصلية في اللوازم التي تكون للموجود الخارجي باعتبار خصوصية مدخل فيها كما تنبهت له من قبل

وكون المحل أسود وأبيض وكذلك التضاد من قبيل ما للوجود الخارجي مدخل فيه فلا يلزم اتصاف الذهن بما هو منتف عنه قطعا ولا اجتماع الضدين
وجواب الوجه الثاني أن الممتنع حصول هوية الجبل والسماء في ذهننا فإن هذه الهوية هي المتصفة بالعظم المانع من الحصول في أذهاننا لا ماهيتهما إذ ليس فيها ما يمنع من حصولها فيها وهذا الذي ذكره المتكلمون في هاتين الشبهتين غلط واقع من جهة اشتراك اللفظ فإن الماهية أي لفظها تطلق على الأمر المعقول الذي هو الماهية الموجودة بالوجود الذهني وعلى ما يطابقه أي يطابق ذلك الأمر المعقول وهو الموجود الخارجي فظنا أمرا واحدا وبنى عليه اشتراكهما في الأحكام كلها وقد تبين لك فساد ذلك الظن وربما جعلوه أي الحكماء العلم أمرا عدميا فقالوا هو تجرد العالم والمعدوم من المادة ورد بأنه يلزم منه أن يكون كل شخص إنساني عالما بجميع المجردات فإن النفس الإنسانية مجردة عندهم وأقرب من هذا ما قيل إن العلم حصول صورة مجردة عن المادة عند ذات مجردة عنها ولا بأس بخروج إدراكات الحواس عن تعريف العلم لأن الكلام في التعقلات دون الإحساسات كما دلت عليه المباحث السابقة
قال الإمام الرازي في المباحث المشرقية قد اضطرب كلام ابن سينا في حقيقة العلم فحيث بين أن كون الباري عقلا وعاقلا ومعقولا لا يقتضي كثرة في ذاته فسر العلم بالتجرد عن المادة وحيث قيد اندراج العلم في مقولة الكيف بالذات وفي مقولة المضاف بالعرض جعله عبارة عن صفة

ذات إضافة وحيث ذكر أن تعقل الشيء لذاته ولغير ذاته ليس إلا حضور صورته عنده جعله عبارة عن الصورة المرتسمة في الجوهر العاقل المطابقة لماهية المعقول وحيث زعم أن العقل البسيط الذي لواجب الوجود ليس عقليته لأجل صور كثيرة فيه بل لأجل فيضانها عنه حتى يكون العقل البسيط كالمبدأ الخلاق للصور المفصلة في النفس جعله عبارة عن مجرد إضافة وقال في الملخص إنا نعلم بالضرورة علمنا بالسماء والأرض ووجودنا ووجود لذاتنا وآلامنا ونميز بينه وبين سائر الأحوال النفسانية وذلك يتوقف على تصور ماهية العلم وما يتوقف عليه البديهي أولى أن يكون بديهيا فتصور العلم بديهي ثم إن هذه الحالة الوجدانية المسماة بالعلم ليست عدمية لأنها ممتازة عن غيرها بالضرورة والعدم لا يكون كذلك وأيضا لو كانت عدما لكانت عدم ما يقابلها وهو إما الجهل البسيط الذي هو عدم فيكون العلم عدما للعدم فيكون ثبوتيا مع فرض كونه عدميا وأما الجهل المركب وهو باطل أيضا لخلو المحل عنهما معا كما في الجماد لا يقال جاز أن يكون عبارة عن التجرد عن المادة لأنا نقول قد يعقل كون الشيء مجردا وهو أن لا يكون جسما ولا جسمانيا مع الشك في كونه عالما وأيضا يصح أن يقال في الشيء إنه عالم بهذا دون ذاك ولا يصح أن يقال إنه مجرد عن المادة بالنسبة إلى أحدهما دون الآخر وإذا لم تكن تلك الحالة عدمية فهي وجودية إما حقيقية أو إضافية أما الحقيقية فإما أن تكون نفس الصورة المساوية لماهية المدرك وهو باطل لأن ماهية السواد حاصلة للجماد ولا علم هناك
فإن أجيب عنه بأن العلم ليس نفس حصول ماهية الشيء لآخر بل هو حصول خاص أعني حصول ماهية المدرك للذات المجردة والجماد ليس ذاتا مجردة
قلنا فهذا اعتراف بأن العلم ليس نفس الحصول وإما أن تكون أمرا

آخر مغايرا للصورة وذلك مما لا تقوم عليه دلالة وإن قال به جماعة وأما الإضافية فلا شبهة في تحققها لأنا نعلم بالضرورة أن الشعور لا يتحقق إلا عند إضافة مخصوصة بين الشاعر والمشعور به وإما أنه هل يعتبر في تحقق هذه الإضافة المسماة بالشعور أمر آخر حقيقي أو إضافي أو عدمي فذلك مما لا حاجة إليه في البحث عن ماهية العلم هذا ما تلخص من كلامه ولا يخفى عليك ما فيه واعلم أن القائل بأن العلم هو الصورة المساوية للمعلوم يرد عليه الإشكال في علم الشيء بذاته وبصفات ذاته إذ يلزم أن يحل في ذاته صورة مساوية لذاته ولصفاته وذلك اجتماع المثلين
وأجيب عنه تارة بأن ذاته وصفاته موجودات عينية وصورها موجودات ذهنية والمستحيل هو اجتماع عينين متماثلين وأيضا ذاته قائمة بنفسها وصورة ذاته قائمة بها والمستحيل حلول المثلين في محل واحد لا حلول أحدهما في الآخر وأخرى بأن علم الشيء بذاته وصفاته علم حضوري لا حصولي ومعنى ذلك أن المعلوم ههنا حاضر عند العالم بنفسه لا بحصول صورته ففي علم الشيء بذاته يتحد العاقل والمعقول والعقل في الوجود العيني وفي علمه بصفاته يتحد العقل والمعقول فيه
فإن قلت كيف يتصور حضور الشيء عند نفسه مع أن الحضور نسبة لا تتصور إلا بين شيئين قلت إن التغاير بالاعتبار كاف لتحقق النسبة ولا شك أن النفس من حيث أنها صالحة لأن تكون عالمة بشيء من الأشياء مغايرة لها من حيث أنها صالحة لأن تكون معلومة لشيء ما وبهذا التغاير أيضا يندفع الإشكال في علم الشيء بنفسه عن القائل بأن العلم إضافة

محضة أو صفة حقيقية مستلزمة للإضافة وأما الإشكال عليه في العلم بالمعدومات الخارجية فإنما يندفع عنه إما باعتبار الوجود الذهني كما ذهب إليه الإمام الرازي في المباحث المشرقية وادعى أن العلم إضافة مخصوصة لا صورة عقلية لما عرفت من قصة الجماد وإما بأن الإضافة تتوقف على الامتياز الذي لا يتوقف على وجود المتمايزين لا في الخارج ولا في الذهن

المقصد الثاني
المتن
العلم الواحد الحادث هل يجوز تعلقه بمعلومين فيه مذاهب
الأول لبعض أصحابنا يجوز كعلم الله تعالى قلنا تمثيل بلا جامع
الثاني وهو مذهب الشيخ وكثير من المعتزلة لا يجوز إذ ليس عدد أولى من عدد فيلزم تعلقه بأمور غير متناهية وقد عرفته وأيضا فلا يسد أحدهما مسد الآخر فإن التعلق داخله في حقيقته ونقض بعلم الله تعالى وبسائر الهويات
الثالث مذهب أبي الحسن الباهلي لا يجوز تعلقه بنظريين لأنه يستلزم اجتماع نظريين وهو محال ويجوز تعلقه بضروريين لما مر
قلنا قد نعلمهما بنظر واحد كما نعلمهما بعلم واحد

الرابع وهو مختار القاضي وإمام الحرمين لا يجوز تعلقه بمعلومين يجوز انفكاك العلم بهما وإلا جاز انفكاك الشيء عن نفسه
قلنا قد نعلم ما ذكرتموه تارة بعلم واحد وتارة بعلمين ولا يلزم من ذلك الاستغناء عن تعدد الصفات فأنه تمثيل أيضا وأما ما لا يجوز انفكاك العلم بهما كالعلم بالشيء والعلم بالعلم به وكالعلم بالتضاد وفي الاختلاف فقد يتعلق بهما علم واحد إذ من علم شيئا علم علمه به بالضرورة وإلا جاز أن يكون أحدنا عالما بالجفر والجامعة وإن كان لا يعلم علمه به ثم يعلم علمه بعلمه به وهلم جرا فثم معلومات غير متناهية فلو استدعى كل معلوم علما لزم أن يكون لأحدنا علوم غير متناهية بالفعل وأنه محال والوجدان يحققه
والجواب أنا قد نعلم الشيء ولا نعلم العلم به إلا إذا التفت الذهن إليه وينقطع بانقطاع الاعتبار وأما قول من قال والعلم لا يتعلق بنفسه لأن النسبة بين شيئين فظاهر البطلان
قال الإمام الرازي والمختار أن الخلاف متفرع على تفسير العلم
فإن قلنا إنه نفس التعلق فلا شك أن التعلق بهذا غير التعلق بذاك فلا يتعلق علم بمعلومين
وإن قلنا إنه صفة ذات تعلق جاز أن يكون صفة واحدة يتعدد تعلقاته وكثرة التعلقات لا تجعل الصفة متكثرة
واعلم أن الجواز الذهني لا نزاع فيه والخارجي مما يناقش فيه

الشرح
المقصد الثاني العلم الواحد الحادث قيده بالحدوث لأن العلم الواحد القديم يجوز تعلقه بأمور غير متناهية هل يجوز تعلقه بمعلومين أي على سبيل التفصيل إذ لا خلاف في أن العلم الواحد الإجمالي يتعلق بما فيه كثرة فيه مذاهب أربعة
الأول لبعض أصحابنا من الأشاعرة يجوز ذلك مطلقا كعلم الله تعالى فإنه علم واحد متعلق بمعلومات متعددة
قلنا هذا تمثيل وقياس للشاهد على الغائب بلا جماع فيكون باطلا وأيضا يلزم على من احتج من أصحابنا بذلك القدرة فإن القدرة الحادثة لا تتعلق بمقدورين على أصلنا كما سيأتي من أن القدرة القديمة لا يجوز تعلقها بمقدورين فصاعدا والفرق بين العلم والقدرة في ذلك متعذر
الثاني وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وكثير من المعتزلة لا يجوز ذلك مطلقا إذ ليس عدد أولى من عدد فيلزم من جواز تعلقه بأكثر من واحد تعلقه بل جواز تعلقه بأمور غير متناهية فيلزم أن يجوز كون أحدنا عالما بعلم واحد بمعلومات لا تتناهى وهو باطل قطعا وقد عرفته وأنه ضعيف جدا لأن عدم الأولوية في نفس الأمر ممنوع وعدمها عندنا لا يجدي شيئا والمحتج بهذه الحجة إن كان معتزليا ورد عليه القدرة الواحدة الحادثة فإنها على أصله يجوز تعلقها بمقدورين وأكثر ولا يجوز تعلقها بمقدورات لا تتناهى وأيضا فلا يسد أحدهما مسد الآخر هذا دليل ثان على المذهب الثاني وهو أن يقال لو تعلق العلم الواحد بمعلومين لسد العلم بأحدهما مسد العلم بالآخر ضرورة أن الشيء يسد مسد نفسه والتالي باطل فإن التعلق بالمعلوم داخل في حقيقته أي حقيقة العلم فإذا علم أحد المعلومين كان التعلق به داخلا في هذا العلم دون التعلق بالمعلوم الآخر وإذا علم الآخر انعكس الحال فلا يتصور قيام العلم بأحدهما مقام العلم بالآخر ونقض هذا

الدليل الثاني بعلم الله تعالى فإنه جار فيه مع كونه متعلقا بأمور متعددة وبسائر أي ونقض أيضا بسائر الهويات المتعلقة بأشياء متعددة كالسواد الواحد فإنه له تعلقا بالفاعل الموجد وتعلقا آخر بالمحل المقابل وتعلقا ثالثا بالزمان الذي وجد فيه إلى غير ذلك فتعدد التعلقات لا يقتضي تعددا في الذات وليس يلزم من وحدة الذات أن تكون هي مأخوذة مع تعلق مخصوص سادة مسدها مأخوذة مع تعلق آخر
الثالث مذهب أبي الحسن الباهلي من الأشاعرة وهو أنه لا يجوز تعلقه أي تعلق العلم الواحد بنظريين أي بمعلومين نظريين لأنه يستلزم اجتماع نظرين في حالة واحدة وهو محال بالضرورة الوجدانية ويجوز تعلقه بضروريين لما مر في المذهب الأول من القياس على علم الله تعالى وقد عرفت فساد هذا القياس وأما الجواب عن اجتماع النظرين فهو ما ذكره بقوله قلنا قد نعلمهما أي المعلومين النظريين بنظر واحد كما نعلمهما بعلم واحد فإنه إذا كان العلم بهما واحدا كفاه نظر واحد فاجتماع النظرين إنما يلزم إذا لم يجز تعلق علم واحد بهما وذلك مصادرة
المذهب الرابع وهو مختار القاضي وإمام الحرمين لا يجوز تعلقه بمعلومين حيث يجوز انفكاك العلم بهما أي كل معلومين يتصور العلم بأحدهما مع إمكان عدم العلم بالآخر كالقديم والحادث والسواد والبياض فإنه لا يجوز أن يتعلق بهما علم واحد وإلا جاز انفكاك الشيء عن نفسه إذ المفروض جواز الانفكاك بين العلم بهما فإذا كان ذلك العلم واحدا جاز انفكاكه عن نفسه
قلنا إنما يلزم ما ذكرتم إذا جاز الانفكاك بين العلم بالسواد والعلم

بالبياض مطلقا وهو ممنوع إذ لقائل أن يقول إنهما إذا علما بعلمين جاز الانفكاك بين العلم بهما وأما إذا علما بعلم واحد فلا يتصور ذلك الانفكاك وإليه الإشارة بقوله قد نعلم ما ذكرتموه أعني المعلومين اللذين يجوز الانفكاك بين العلم بهما تارة بعلم واحد فلا يجوز ذلك الانفكاك وتارة بعلمين فيجوز الانفكاك ولا استحالة في ذلك لأن جواز الانفكاك في حالة وعدم جوازه في أخرى ولا يلزم من ذلك أي من جواز تعلق علم واحد بذينك المعلومين تارة وتعلق علمين بهما أخرى الاستغناء عن تعدد الصفات بأن يقال لو جاز أن يكون علم واحد موجبا للعالمية بالسواد والعالمية بالبياض مع الاتفاق على أنه إذا تعدد العلم بهما كان موجبا للعالميتين أيضا لكانت الصفة الواحدة موجبة لحكمين متغايرين كالصفات المتعددة وحينئذ جاز أن تكون صفة واحدة موجبة للعالمية والقادرية معا فلا حاجة إلى إثبات صفات متعددة للأحكام المختلفة وهو باطل بالضرورة والاتفاق فإنه أي ما ذكرتموه من الاستدلال تمثيل أيضا كما مر خال عن الجمع لجواز أن تكون صفة واحدة موجبة لحكمين متجانسين كالعالميتين ويمتنع إيجابها لحكمين متخالفين كالعالمية والقادرية على أنه إنما يلزم القائل بالحال وأما ما لا يجوز انفكاك العلم بهما كالعلم بالشيء والعلم بالعلم به وكالعلم بالتضاد فإن العلم بمضادة شيء لآخر لا يكون إلا مع العلم بمضادة الآخر إياه و كذا الحال في الاختلاف والتماثل وسائر الإضافات فقد يتعلق بهما علم واحد أي يجوز تعلقه بهما إذ من علم شيئا علم علمه به بالضرورة وإلا أي وإن لم يصح ما ذكرناه من استلزام العلم بالشيء العلم بذلك العلم جاز أن يكون أحدنا عالما بالجفر

والجامعة وهما كتابان لعلي رضي الله تعالى عنه قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم وكان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه علي بن موسى رضي الله عنهما إلى المأمون أنك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرفه آباؤك فقبلت منك عهدك إلا أن الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم ولمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف ينتسبون فيه إلى أهل البيت ورأيت أنا بالشام نظما أشير فيه بالرموز إلى أحوال ملوك مصر وسمعت أنه مستخرج من ذينك الكتابين وإن كان أي أحدنا لا يعلم علمه به أي بما علمه من الجفر والجامعة لكن ذلك ضروري البطلان فظهر أن من علم شيئا علم علمه به ثم أنه يعلم أيضا علمه بعلمه به لما ذكرناه من استلزام العلم العلم بالعلم به وهلم جرا فثمة معلومات غير متناهية فلو لم يجز أن تكون عدة من هذه المعلومات معلومة بعلم واحد

بل استدعى كل معلوم منها علما على حدة لزم أن يكون لأحدنا إذا علم شيئا واحدا علوم غير متناهية بالفعل وأنه محال والوجدان يحققه أي يشهد بكونه محالا
والجواب أنا لا نسلم أن العلم بالشيء يستلزم العلم بذلك العلم إذ قد نعلم الشيء ولا نعلم العلم به إلا إذا التفت الذهن إليه لما مر من أن الموجود في الذهن لا يمكن أن يحكم عليه من حيث هو موجود فيه إلا بأن يتصور مرة ثانية ويلتفت إليه من حيث أنه في الذهن و هذا الالتفات لا يمكن أن يستمر حتى يلزم علوم غير متناهية بل ينقطع بانقطاع الاعتبار ولا فرق في ذلك بين معلوم واحد ومعلومات جمة إذ يجوز الغفلة عن العلم في الكل ولكن لما كان الالتفات إلى العلم قريبا من الحصول غير محتاج إلى تكلف ظن أنه حاصل بالفعل وبنى عليه ما بنى وأما قول من قال يعني به الآمدي فإنه قال في الجواب الكلام إنما هو في جواز تعلق العلم الواحد بمعلومين والعلم لا يتعلق بنفسه لأن النسبة التي هي التعلق لا تتصور إلا بين شيئين متغايرين ولا مغايرة بين الشيء ونفسه وقول القائل ذات الشيء ونفسه يوهم بظاهره نسبة الشيء إلى نفسه إلا أنه مجاز لا حقيقة له ومعنى كون الواحد منا عالما بعلمه لا يزيد على قيام علمه بنفسه فظاهر البطلان لأن تعلق العلم بالعلم ليس من قبيل تعلق الشيء بنفسه بل من قبيل تعلق جزئي من العلم بجزئي آخر منه ولا محذور فيه
قال الإمام الرازي والمختار عندي أن الخلاف متفرع على تفسير العلم فإن قلنا إنه نفس التعلق فلا شك أن التعلق بهذا غير التعلق بذاك فلا يتعلق علم واحد بمعلومين وإن قلنا إنه صفة ذات تعلق جاز أن يكون العلم صفة واحدة يتعدد تعلقاته وكثرة التعلقات الخارجة عن حقيقة الصفة لا تجعل الصفة متكثرة في ذاتها
قال المصنف واعلم أن الجواز الذهني لا نزاع فيه والجواز الخارجي مما يناقش فيه يعني أنا إذا نظرنا إلى أن العلم صفة ذات تعلق جوز العقل أن تكون هذه الصفة واحدة شخصية متعلقة بأمور متعددة بمعنى

أن العقل بمجرد هذه الملاحظة لا يحكم بامتناع تعلق علم واحد بمعلومين وهذا هو المسمى بالإمكان الذهني وليس يلزم منه الإمكان بحسب نفس الأمر لجواز أن يكون ممتنعا في نفسه لكن العقل لم يطلع على وجه استحالته والاستدلال على إمكانه في نفسه بأن العلم المتعلق بكون السواد مضادا للبياض إن لم يكن هو بعينه متعلقا بها لم يكن متعلقا بمضادة التي بينهما بل بمطلق المضادة وكلامنا في المضادة المخصوصة وإن كان متعلقا بهما فهو المطلوب ليس بشيء لن المضادة المخصوصة مفهوم متعلق بهما والعلم بها موقوف على العلم بهما معا فليس هناك علم واحد علم به معلومان وفي نقد المحصل أن العلم إذ فسر بالتعلق جاز تعدد المعلوم مع وحدة العلم كما إذا علم مجموع من حيث هو هو فإن الأجزاء داخلة فيه
والجواب ما مر من أن الخلاف في تعلق العلم الواحد بمتعدد على سبيل التفصيل بأن يكون متعلقا بخصوصية هذا وخصوصية ذاك معا فإنه جوزه جماعة كثيرة وليس العلم المتعلق بالمجموع من هذا القبيل

المقصد الثالث
المتن
الجهل المركب عبارة عن اعتقاد جازم غير مطابق وهو ضد العلم لصدق حد الضدين عليهما وقالت المعتزلة هو مماثل له لوجهين
الأول أن التميز بينهما بالنسبة إلى المتعلق وهي مطابقته أو لا مطابقته والنسبة لا تدخل في حقيقة المنتسب والامتياز بالأمور الخارجية لا يوجب الاختلاف بالذات

الثاني أن من اعتقد من الصباح إلى المساء أن زيدا في الدار وكان فيها إلى الظهر ثم خرج كان له اعتقاد واحد مستمر لا يختلف بحسب الذات ضرورة ثم إنه كان أولا علما ثم انقلب جهلا والانقلاب لا يتصور إلا في أمر عارض مع اتحاد الذات قال الأصحاب المطابقة واللامطابقة أخص صفاتهما فيلزم من الاختلاف فيه الاختلاف في الذات
الشرح
المقصد الثالث الجهل المركب عبارة عن اعتقاد جازم ثابت غير مطابق سواء كان مستندا إلى شبهة أو تقليد فليس الثبات معتبرا في الجهل المركب كما هو المشهور في الكتب وإنما سمي مركبا لأنه يعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه فهذا جهل بذلك الشيء ويعتقد أنه يعتقده على ما هو عليه فهذا جهل آخر قد تركبا معا وهو ضد للعلم لصدق حد الضدين عليهما فإنهما معنيان وموجوديان يستحيل اجتماعهما في محل واحد وبينهما غاية الخلاف أيضا
وقالت المعتزلة أي كثير منهم هو أي الجهل المركب ليس ضدا للعلم بل هو مماثل له فامتناع الاجتماع بينهما إنما هو للمماثلة لا للمضادة وإنما قالوا بالمماثلة بينهما لوجهين
الأول أن التميز بينهما ليس إلا بالنسبة إلى المتعلق وهي أي تلك

النسبة المميزة بينهما مطابقته أو لا مطابقته فإن العلم مطابق لمتعلقه والجهل المركب غير مطابق له والنسبة لا تدخل في حقيقة المنتسبين لأن النسبة متأخرة عن طرفيها فتكون خارجة عنهما والامتياز بالأمور الخارجية لا يوجب الاختلاف بالذات وإذ ليس بينهما اختلاف إلا بهذا الوجه لزم اشتراكهما في تمام الماهية
الوجه الثاني أن من اعتقد من الصباح إلى المساء أن زيدا في الدار وكان زيد فيها إلى الظهر ثم خرج كان له اعتقاد واحد مستمر من الصباح إلى المساء لا يختلف ذلك الاعتقاد بحسب الذات والحقيقة ضرورة ثم أنه كان أي ذلك الاعتقاد أولا علما ثم انقلب جهلا مركبا والانقلاب من شيء إلى آخر لا يتصور إلا في أمر عارض مع اتحاد الذات والحقيقة في ذينك الشيئين فيكونان متماثلين انقلب أحدهما إلى الآخر بسبب اختلاف العوارض ولا استحالة فيه بخلاف المتضادين والمتخالفين في الحقيقة فإن الانقلاب بينهما يفضي إلى انقلاب الحقائق وهو محال وأيضا قد ثبت في المثال المذكور اتحاد العلم والجهل المركب في الذات فلا يكون الاختلاف إلا بالعوارض
وقال الأصحاب في جوابهم بطريق المعارضة المطابقة واللامطابقة أخص صفاتهما أي صفات العلم والجهل المركب فيلزم من الاختلاف فيه أي في أخص الصفات الاختلاف في الذات لما مر من أن المتماثلين ما يشتركان في أخص صفات النفس
وأجاب الآمدي بعبارة أخرى وهي أن الاشتراك في الأخص المعتبر في التماثل يستلزم الاشتراك في الأعم ومن صفات العلم حصوله بالنظر الصحيح وذلك غير متصور في الجهل المركب بالاتفاق فلا يكون مثلا للعلم
قال واتفق الكل على أن اعتقاد المقلد للشيء على ما هو عليه مثل للعلم

المقصد الرابع
المتن
الجهل يقال للمركب وهو ما ذكرناه وللبسيط وهو عدم العلم عما من شأنه أن يكون عالما فلا يكون ضدا ويقرب منه السهو وكأنه جهل سببه عدم استثبات التصور حتى إذا نبه تنبه وكذا الغفلة ويفهم منها عدم التصور وكذلك الذهول والجهل بعد العلم يسمى نسيانا
الشرح
المقصد الرابع الجهل يقال للمركب وهو ما ذكرناه ويقال أيضا للبسيط وهو عدم العلم عما من شأنه أن يكون عالما فلا يكون ضدا للعلم بل مقابلا له مقابلة العدم للملكة ويقرب منه أي من الجهل البسيط السهو وهو كأنه جهل بسيط سببه عدم استثبات التصور أي العلم تصوريا كان أو تصديقيا فإنه إذا لم يتمكن التصور ولم يتقرر كان في معرض الزوال فيثبت مرة ويزول أخرى ويثبت بدله تصور آخر فيشتبه أحدهما بالآخر اشتباها غير مستقر حتى إذا نبه الساهي أدنى تنبيه تنبه وعاد إليه التصور الأول وكذلك الغفلة تقرب من الجهل أيضا ويفهم منها أي من الغفلة عدم التصور مع وجود ما يقتضيه وكذلك الذهول يقرب منه
قيل وسببه عدم استثبات التصور حيرة ودهشا قال الله تعالى يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت
فهو قسم من السهو والجهل البسيط بعد العلم يسمى نسيانا وقد

فرق بين السهو والنسيان بأن الأول زوال الصورة عن المدركة مع بقائها في الحافظة والثاني زوالها عنهما معا فيحتاج حينئذ في حصولها إلى سبب جديد
قال الآمدي إن الغفلة والذهول والنسيان عبارات مختلفة لكن يقرب أن تكون معانيها متحدة وكلها مضادة للعلم بمعنى أنه يستحيل اجتماعها معه
قال والجهل البسيط يمتنع مع العلم لذاتيهما فيكون ضدا له وإن لم تكن صفة إثبات وليس أي الجهل البسيط ضدا للجهل المركب ولا للشك ولا للظن ولا للنظر بل يجامع كلا منها لكنه يضاد النوم والغفلة والموت لأنه عدم العلم عما من شأنه أن يقوم به العلم وذلك غير متصور في حالة النوم وأخواته وأما العلم فإنه يضاد جميع هذه الأمور المذكورة

المقصد الخامس
المتن
إدراكات الحواس الخمس عند الشيخ علم بمتعلقاتها فالسمع علم بالمسموعات والأبصار علم بالمبصرات وخالفه فيه الجمهور فإنا إذا علمنا شيئا علما تاما ثم رأيناه فإنا نجد بين الحالتين فرقا ضروريا وله أن يجيب بأن ذلك الفرق لا يمنع كونه علما مخالفا لسائر العلوم إما بالنوع أو بالهوية وأيضا فإنما يصح استدلاله لو أمكن العلم بمتعلقه بطريق آخر

الشرح
المقصد الخامس إدراكات الحواس الخمس الظاهرة عند الشيخ الأشعري علم بمتعلقاتها فالسمع أي الإدراك بالسامعة علم بالمسموعات والإبصار أي الإدراك بالباصرة علم بالمبصرات وكذلك الحال في الإدراك باللامسة والذائقة والشامة فهذه الحواس وسائل إلى تلك العلوم الحاصلة باستعمالها كالوجدان والبديهة والنظر التي يتوسل بها إلى العلوم المستندة إليها وخالفه فيه الجمهور من المتكلمين فإنا إذا علمنا شيئا كاللون مثلا علما تاما ثم رأيناه فإنا نجد بين الحالتين فرقا ضروريا ونعلم أن الحالة الثانية مخالفة للحالة الأولى بلا شبهة ولو كان الإبصار علما بالمبصر لم يكن هناك فرق وهكذا نجد الفرق بين العلم بهذا الصوت وسماعه وبين العلم بهذا الطعم وذوقه وبين العلم بهذه الرائحة وشمها وله أي للشيخ أن يجيب بأن ذلك الفرق الوجداني لا يمنع كونه أي كون إدراك الحواس علما مخالفا لسائر العلوم المستندة إلى غير الحواس مخالفة إما بالنوع أو بالهوية فيكون العلم على الأول حقيقة جنسية مشتملة على حقائق مختلفة منها إدراك الحواس وعلى الثاني حقيقة نوعية متناولة لأفراد متخالفة بالهويات لا يقال الخلاف إنما هو في أن حقيقة إدراك الشيء بإحدى الحواس هل هي حقيقة إدراكه المسمى بالعلم اتفاقا أو لا وإذا فرض اختلافهما بالنوع صار النزاع لفظيا راجعا إلى أن لفظ العلم اسم لمطلق الإدراك أو لنوع منه لأنا نقول يكفينا في مقام المنع الاختلاف بالهوية لجواز استناد الفرق إليه وذكر الاختلاف النوعي لمزيد الاستظهار وأيضا فإنما يصح استدلاله أي استدلال الخصم أعني الجمهور لو أمكن العلم بمتعلقه أي بمتعلق الإدراك الحسي بطريق آخر غير الحس وهو باطل لأن الحس لا يتعلق إلا بالجزئيات من حيث خصوصياتها ولا سبيل إلى إدراكها من هذه الجهة سوى الحس

فإن قلت نحن نعلم أن في الجسم الفلاني مثلا لونا جزئيا مخصوصا علما تاما ثم ندركه بالبصر فنجد تفاوتا ضروريا فقد صح إمكان أن يتعلق العلم بطريق آخر بما تعلق به الإدراك الحسي
قلت هذا غلط نشأ من عدم الفرق بين إدراك الجزئي على وجه جزئي وبين إدراكه على وجه كلي وذلك لا يخفى على ذي مسكة

المقصد السادس
المتن
الحكماء قالوا الصور العقلية تمتاز عن الخارجية بوجوه
الأول أنها غير متمانعة في الحلول بل متفاوتة
الثاني تحل الكبيرة في محل الصغيرة
الثالث لا ينمحي الضعيف بالقوي
الرابع لا يجب زوالها وإذا زالت سهل استرجاعها
ثم ذكروا في معنى كون الإنسانية أمرا كليا أمرين
الأول اسم الإنسان لأفراده ليس باشتراط اللفظ ضرورة بل هو معنى مشترك ولا يدخل فيه المشخصات وإلا لم يكن مشتركا فالنفس إذا استحضرت صورة الإنسانية مجردة عن المشخصات كانت مطابقة لزيد وعمرو وبكر أي كل واحد إذا جرد عن مشخصاته كانت هي بعينها الحاصل منه لا تختلف
الثاني أن المعلوم بها أمر كلي وهذا يليق بمن يرى العلم غير الصورة الذهنية وفيه نظر قد نبهتك عليه إن كان على ذكر منك حيث قلت

لك الصورة الذهنية هي العلم والمعلوم وإن كنت تحتاج إلى زيادة بيان فاستمع أليس إذا كان العلوم أمرا وراء ما في الذهن كان حصوله في الخارج فيكون شخصا وهو ينافي الكلية اللهم إلا أن يصار إلى أن الأمور المتصورة لها ارتسام في غير العقل وهو ينافي الوجود الذهني
الشرح
المقصد السادس فيما يتفرع على القول بثبوت الصورة العقلية الحكماء قالوا الصورة العقلية تمتاز عن الخارجية مع التساوي في نفس الماهية بوجوه
الأول إنها أي الصورة العقلية غير متمانعة في الحلول إذ يجوز حلولها معا في محل واحد بخلاف الصور الخارجية فإن المتشكل بشكل مخصوص مثلا لا يمتنع أن يتشكل بشكل آخر مع الشكل الأول وكذا المادة المتصورة بالصورة النارية يستحيل أن تتصور معها بصورة أخرى بل الصورة العقلية متفاوتة في الحلول فإن النفس إذا كانت خالية عن العلوم كان تصورها لشيء من الحقائق عسيرا جدا وإذا اتصفت ببعض العلوم زاد استعدادها للباقي وسهل انتقاشها به
الثاني تحل الكبيرة من الصور العقلية في محل الصغيرة منها معا ولذلك تقدر النفس على تخيل السموات والأرض والجبال والأمور الصغيرة بالمرة معا بخلاف الصور المادية فإن العظيمة منها لا تحل في محل الصغيرة مجتمعة معها
الثالث لا ينمحي الضعيف بالقوي يعني أن الصورة العقلية للكيفية الضعيفة لا تزول عن القوة المدركة بسبب حصول صورة الكيفية القوية فيها

بخلاف الخارجية فإن الكيفية الضعيفة منها تنمحي عن المادة عند حصول الكيفية القوية فيها
الرابع الصور العقلية إذا حصلت في العاقلة لا يجب زوالها وإذا زالت سهل استرجاعها من غير حاجة إلى تجشم كسب جديد بخلاف الصورة الخارجية فإنها واجبة الزوال عن المادة العنصرية لاستحالة بقاء قواها أبدا وإذا زالت احتيج في استرجاعها إلى مثل السبب الأول ومن الفرق بينهما أن الصورة الخارجية قد تكون محسوسة بالحواس الظاهرة بخلاف الصور العقلية ومنها أن الصور العقلية كلية بخلاف الخارجية ثم إنهم ذكروا في معنى كون صورة الإنسانية المعقولة أمرا كليا أمرين
الأول اسم الإنسان مثلا لأفراده ليس باشتراك اللفظ ضرورة مثل اشتراك لفظ العين بين معانيه التي وضعها لفظه بإزاء كل منها على حدة بل هو أي مدلول اسم الإنسان معنى مشترك بين أفراده وإطلاقه عليها باعتبار ذلك المعنى وهذا هو الذي يسمى اشتراكا معنويا ولا يدخل فيه أي في ذلك المعنى المشترك المشخصات التي يمتاز بها أفراد بعضها عن بعض وإلا لم يكن ذلك المعنى مشتركا بين جميع أفراده بل المشخصات كلها خارجة عنه فالنفس الناطقة إذا استحضرت صورة الإنسانية أي صورة ذلك المعنى المشترك مجردة عن المشخصات التي هي عوارض غريبة ولواحق خارجية كانت تلك الصورة كلية على معنى أنها تكون مطابقة لزيد وعمرو وبكر إلى سائر أفراده والمراد بالمطابقة ما فسره بقوله أي كل واحد من تلك الأفراد إذا حضر في الخيال وجرد عن مشخصاته كانت تلك الصورة أعني صورة المعنى المشترك هي بعينها الأثر الحاصل منه أي من ذلك الواحد الذي جرد عن مشخصاته لا تختلف تلك الصورة باختلاف الأفراد التي تجرد عن المشخصات حتى إذا سبق واحد منها إلى النفس فتأثرت منه بذلك الأثر المجرد عن العوارض لم يكن لما عداه من الأفراد إذا حضر عندها تأثير آخر وإذا كان هذا المتأخر سابقا انعكس الحال بينهما ولو كان الحاضر من غير أفراده كفرس مثلا لكان

الأثر الحاصل في القوة العاقلة بالتجريد عن المشخصات صورة أخرى سوى صورة الإنسان فهذا معنى كون الصورة العقلية كلية مشتركة بين كثيرين
فإن قلت لا شك أن الصورة العقلية الإنسانية الحالة في القوة العاقلة صورة جزئية معروضة لعوارض ذهنية باعتبار حلولها في نفس جزئية ولذلك امتازت عن الصورة الإنسانية الحالة في نفس أخرى فكيف تكون كلية مع كونها جزئية أيضا
قلت لا منافاة لأن كليتها باعتبار أنها إذا أخذت في نفسها لا مع عوارضها الذهنية طابقت الأمور الكثيرة كما مر ومن ثمة زيد في المطابقة شيء آخر وهو أن تلك الصورة المأخوذة من الحيثية المذكورة إذا فرضت في الخارج متشخصة بتشخص فرد من أفرادها كانت عين ذلك الفرد ومن البين أن كليتها بهذا المعنى لا تنافي جزئيتها من حيث إنها محفوفة بمشخصات ذهنية عارضة لها بواسطة محلها
لا يقال كما أن الصورة العقلية تطابق أفرادها الخارجية كذلك كل واحد منها يطابقها لأن المطابقة لا تتصور إلا بين بين فيلزم أن يكون كل فرد مطابقا لسائر الأفراد أيضا ضرورة اشتراكها في مطابقة أمر واحد فيكون كل فرد كليا بالمعنى الذي ذكرتموه لأنا نقول ليست الكلية عبارة عن المطابقة مطلقا بل عن مطابقة ذات مثالية غير متأصلة في الوجود لما هي ظل لها واعلم أن ما ذكر في تصوير المطابقة التي هي معنى الكلية إنما يظهر في الكليات التي هي أنواع حقيقية فإذا أريد أجزاؤه في سائر الكليات قيست إلى حصصها التي هي أفرادها الاعتبارية فإنها أنواع حقيقية بالقياس

إليها أو جعل ما عدا المعنى المشترك بين أفرادها بمنزلة المشخصات في التجريد عنها
الثاني من الأمرين اللذين ذكروهما في معنى الكلية أن المعلوم بها أي بالصورة العقلية أمر كلي فإذا وصف الصورة بالكلية كان مجازا على معنى أنها صورة كلي ما علم بها وهذا الأمر الثاني لا يليق بمن يرى العلم غير الصورة الذهنية المساوية في الماهية للمعلومات بل يراه أنه صور ذهنية مخالفة لها في الماهية وتوضيح الكلام أن القائلين بالصور فرقتان
فرقة تدعي أن تلك الصور مساوية في الماهية للأمور المعلومة بها بل الصور هي ماهيات المعلومات من حيث أنها حاصلة في النفس فيكون العلم والمعلوم متحدين بالذات مختلفين بالاعتبار كما مر وعلى قول هؤلاء يكون للأشياء وجودان وجود خارجي ووجود ذهني وتكون الكلية عارضة للصور العقلية حقيقة لأنها ماهيات المعلومات المحمولة على أفرادها
وفرقة تزعم أن الصور العقلية مثل وأشباح للأمور المعلومة بها مخالفة لها في الماهية وعلى قولهم لا يكون للأشياء وجود ذهني بحسب الحقيقة بل بحسب المجاز والتأويل كأن يقال مثلا النار موجودة في الذهن ويراد أنه يوجد فيه شبح له نسبة مخصوصة إلى ماهية النار بسببها كان ذلك الشبح علما بالنار لا بغيرها من الماهيات وكأنا قد أشرنا إلى ذلك فيما سبق وكذا على قولهم لا تكون الكلية عارضة للصور العقلية حقيقة لأن تلك المثل والأشباح ليست محمولة على أفراد المعلومات بتلك الصور بل المحمول عليها ماهيتها المعلومة بها فأشار المصنف إلى أن القول بأن الصورة العقلية ليست كلية إنما الكلي هو المعلوم بها يليق بمذهب هؤلاء

لا بمذهب الفرقة الأولى إذ المعلوم والعلم عندهم متحدان ذاتا فقوله يرى العلم غير الصور الذهنية أراد به ما ذكرناه من أنه يرى العلم غير الصور الذهنية المساوية للمعلومات في الماهية بل يراه صورا ذهنية مخالفة في الماهية لما علم بها فمحصول كلامه يليق بمن يرى المعلوم غير الصور الذهنية ولو صرح بهذه العبارة لانتظم أول الكلام مع آخره الذي سيأتي بلا حاجة إلى تأويل كما يشهد به كل فطرة سليمة
قال المصنف وفيه أي في الأمر الثاني المبني على رأي الفرقة الثانية نظر قد نبهتك عليه إن كان على ذكر منك حيث قلت لك في المقصد الأول من هذا النوع الذي نحن فيه الصورة الذهنية هي العلم والمعلوم وذلك لأنا نعقل ما هو نفي محض وعدم صرف في الخارج ولا شك أنا إذا علمناه حصل بيننا وبينه تعلق وإضافة مخصوصة ولا يتصور تحقق النسبة إلا بين شيئين متمايزين ولا تمايز إلا مع ثبوت كل من المتمايزين في الجملة وإذ ليس المعلوم ههنا في الخارج فهو في الذهن فالصورة الذهنية هي ماهية المعلوم فقد اتحد العلم والمعلوم الذات ووجب أن يكون المتصف بالكلية هي الصورة العقلية وبطل ما قيل من أن المتصف بالكلية ليس هو الصورة بل المعلوم بها وإن كنت تحتاج ههنا إلى زيادة بيان فاستمع لما يتلى عليك أليس إذا كان المعلوم مغايرا للعلم وأمرا وراء ما في الذهن كان حصوله أي حصول المعلوم وثبوته في الخارج لأنه لا بد من ثبوته في الجملة ليتصور تحقق النسبة بينه وبين العالم وإذ ليس ثبوته في الذهن كان في الخارج قطعا فيكون شخصا أي موجودا في الخارج متعينا في حد نفسه متأصلا في الوجود وهو ينافي الكلية فإذا كان المعلوم مغايرا للعلم لم يتصف بالكلية أصلا وإذا اتحدا كانت الصورة العقلية متصفة بالكلية فلا يصح نفي الكلية عن الصور وإثباتها للمعلوم بها

اللهم إلا أن يصار إلى أن الأمور المتصورة لها ارتسام في غير العقل الإنساني من القوى العاقلة ارتساما عقليا ظليا لا كارتسام الأعراض في محالها بحسب الوجود الخارجي وإلا كانت تلك الأمور المتصورة أشخاصا عينية يستحيل اتصافها بالكلية وهو أي الارتسام في غير العقل ينافي الوجود الذهني في النفس الناطقة الإنسانية لابتنائه على أن لا يكون لما تصورته النفس الناطقة ثبوت في غيرها لا أصيليا ولا ظليا وهو أعني نفي الوجود الذهني خلاف مذهبهم على أنا نقول المرتسم في سائر القوى العاقلة يجب أن يكون نفس ماهيات المعلومات حتى تصدق الأحكام الإيجابية الجارية عليها وتتحقق النسبة بينها وبين العالم بها وإذ لم يمكن ارتسامها فيها عينيا كان ارتسامها علميا ويتحد العلم والمعلوم هناك وتكون المعلومات متصفة بالكلية حال اتحادها بالعلم وهو المطلوب هكذا حقق المقال على هذا النسق وذر الذين لا يعلمون في خوضهم يلعبون

المقصد السابع
المتن
العلم ينقسم إلى تفصيلي وهو أن ينظر إلى أجزائه ومراتبه وإلى إجمالي كمن يعلم مسألة فيسأل عنها فإنه يحضر الجواب في ذهنه دفعة وهو متصور للجواب عالم بأنه قادر عليه ثم يأخذ في تقريره فيلاحظ تفصيله ففي ذهنه أمر بسيط هو مبدأ التفاصيل والتفرقة بين تلك الحالة وبين حالة الجهل وملاحظة التفصيل ضرورية وشبه ذلك بمن يرى نعما تارة دفعة فإنه يرى جميع أجزائه ضرورية وتارة بأن يحدق البصر نحو واحد واحد فيميزه

قال الإمام الرازي يمتنع حصول صورة واحدة مطابقة لأمور مختلفة بل لكل واحدة صورة ولا معنى للعلم التفصيلي إلا ذلك نعم إنه قد تحصل الصور تارة دفعة وتارة مترتبة في الزمان فإن أرادوا ذلك فلا نزاع فيه فرعان
الأول العلم الإجمالي هل يثبت لله تعالى أم لا جوزه القاضي والمعتزلة ومنعه كثير من أصحابنا وأبو هاشم والحق أن إن اشترط فيه الجهل بالتفصيل امتنع عليه تعالى وإلا فلا
فإن قيل فينتفي حينئذ عنه تعالى علم حاصل للمخلوق قلنا نعم وهو العلم المقرون بالجهل
وبالجملة فالمنفي عنه تعالى هو القيد أعني كونه مع الجهل وأنه لا يوجب في أصل العلم
الثاني المشهور أن الشيء قد يكون معلوما من وجه دون وجه
قال القاضي المعلوم غير المجهول ضرورة فمتعلق العلم والجهل شيئآن وإن كان أحدهما عارضا للآخر أو هما عارضان لثالث أو بينهما تعلق آخر أي تعلق كان والتسمية مجاز ولا مشاحة فيه
الشرح
المقصد السابع العلم ينقسم إلى تفصيلي وهو أن ينظر إلى أجزائه ومراتبه أي أجزاء المعلوم ومراتبه بحسب أجزائه بأن يلاحظها واحدا بعد واحد وإلى إجمالي كمن يعلم مسألة فيسأل عنها فإنه يحضر الجواب الذي هو تلك المسألة بأسرها في ذهنه دفعة واحدة وهو أي ذلك الشخص المسؤول متصور في ذلك الزمان للجواب لأنه عالم حينئذ بأنه قادر عليه ولا شك أن علمه باقتداره على الجواب يتضمن علمه بحقيقة ذلك الجواب لأن العلم بالإضافة متوقف على العلم بكلا طرفيها ثم

يأخذ في تقريره أي تقرير الجواب فيلاحظ تفصيله بملاحظة أجزائه واحدا بعد واحد ففي ذهنه حال ما سئل أمر بسيط وهو مبدأ التفاصيل الحاصلة في ثاني الحال والتفرقة بين تلك الحالة الحاصلة دفعة عقيب السؤال وبين حالة الجهل الثابتة قبل السؤال وملاحظة التفصيل المتفرعة على التقرير ضرورية وجدانية إذ في حالة الجهل المسماة عقلا بالفعل ليس إدراك الجواب حاصلا بالفعل بل النفس في تلك الحالة تقوى على استحضاره وتفصيله بلا تجشم كسب جديد فهناك قوة محضة وفي الحالة الحاصلة عقيب السؤال قد حصل بالفعل شعور وعلم ما بالجواب لم يكن حاصلا قبله وفي الحالة التفصيلية صارت الأجزاء ملحوظة قصدا ولم يكن ذلك حاصلا في شيء من الحالتين السابقتين وشبه ذلك بمن يرى نعما كثيرا تارة دفعة فإنه يرى في هذه الحالة جميع أجزائه أي أجزاء ذلك النعم ضرورة وتارة بأن يحدق البصر نحو واحد واحد فيميزه أي النعم ويفصل أجزاءه بعضها عن بعض فالرؤية الأولى رؤية إجمالية والثانية رؤية تفصيلية والفرق بينهما معلوم بالوجدان فقس حالة البصيرة بالنسبة إلى مدركاتها على حال البصر بالقياس إلى مدركاته في ثبوت مثل هاتين الحالتين فيها أيضا قال الإمام الرازي في إنكار العلم الإجمالي يمتنع حصول صورة واحدة مطابقة لأمور مختلفة لأن الصورة الواحدة لو طابقت أمورا مختلفة لكانت مساوية في الماهية لتلك الأمور المختلفة فيكون لتلك الصورة حقائق مختلفة فلا تكون صورة واحدة بل يجب أن يكون لكل واحد من الأمور المتكثرة صورة على حدة ولا معنى للعلم التفصيلي إلا ذلك أعني أن يكون للعلومات المتكثرة صورة متعددة بحسبها فينكشف كل معلوم منها

بصورته ويمتاز عما عداه نعم إنه قد تحصل الصور المتعددة لأمور متكثرة كأجزاء المركب تارة دفعة كما إذا تصور حقيقة المركب من حيث هو وتارة مترتبة في الزمان كما إذا تصور أجزاءه واحدا بعد واحد فإن أرادوا بما ذكروه من العلم الإجمالي والتفصيلي ذلك الذي ذكرناه من حصول الصورة تارة دفعة وأخرى مترتبة فلا نزاع فيه إلا أن الإجمالي بهذا المعنى لا يكون حالة متوسطة بين القوة المحضة التي هي حالة الجهل وبين العقل المحض الذي هو حالة التفصيل لأن حاصله راجع إلى أن العلوم قد تجتمع في زمان واحد وقد لا تجتمع بل تتعاقب وبذلك لا يختلف حال العلم بالقياس إلى المعلوم فكلتا الحالتين علم تفصيلي بحسب الحقيقة والخلاف في التسمية باعتبار الاجتماع العارض للمعلوم لا باعتبار اختلافها مقيسة إلى المعلومات
قال وأما ما قالوه من أنه عقيب السؤال عالم بالجواب إجمالا لا تفصيلا لترتبه على التقرير فمردود بأن ذلك الجواب حقيقة وماهية وله لازم وهو أنه شيء يصلح جوابا لذلك السؤال والمعلوم عقيب السؤال هو ذلكم اللازم وهو معلوم بالتفصيل وأما الحقيقة فهي مجهولة في تلك الحالة ونظير ذلك أنا إذا عرفنا النفس من حيث أنها شيء يحرك البدن فإن لازمها أعني كونها محركة معلومة تفصيلا وحقيقتها مجهولة إلى أن تعرف بطريق آخر فبطل ما قالوه وظهر أيضا أن العلم الواحد لا يكون علما بمعلومات كثيرة أقول ومن إنكاره العلم الإجمالي نشأ إنكاره للاكتساب في التصورات
والجواب أنه إذا علم المركب بحقيقته حصل في الذهن صورة واحدة مركبة من صور متعددة بحسب تلك الأجزاء والعقل حينئذ متوجه

قصدا إلى ذلك المركب دون أجزائه فإنها مع حصول صورها في العقل كالمخزون المعرض عنه الذي لا يلتفت إليه فإذا توجه العقل إليها وفصلها صارت مخطرة بالبال ملحوظة قصدا منكشفة بعضها عن بعض انكشافا تاما لم يكن ذلك الانكشاف حاصلا في الحالة الأولى مع حصول صور الأجزاء في الحالتين معا فظهر أنه قد يتفاوت حال العلم بالقياس إلى المعلوم وأنه إذا كان المركب معلوما بحقيقته قصدا كان أجزاؤه معلومة حينئذ بلا قصد وإخطار وإذا فصلت الأجزاء كان العلم بها على وجه أقوى وأكمل من الوجه الأول فللعلم بالقياس إلى معلومه مرتبتان إحدهما إجمالية والأخرى تفصيلية كما ذكروه وقوله المعلوم عقيب السؤال عارض من عوارض الجواب
قلنا الكلام فيما إذا كان المركب حاصلا في الذهن بحقيقته لا باعتبار عارض من عوارضه فإن ذلك ليس علما بأجزائه لا تفصيلا ولا إجمالا وأما قوله العلم الواحد لا يكون علما بمعلومات كثيرة فجوابه أنا إذا قلنا كل شيء فهو ممكن بالإمكان العام فلا شك أنا حكمنا على جميع أفراد الشيء فلا بد أن تكون معلومة لنا ولا علم بها في هذه الحالة إلا باعتبار مفهوم الشيء الشامل لها بأسرها فإن العقل جعل هذا المفهوم آلة لملاحظة تلك الأفراد حتى أمكنه الحكم عليها وتلخيصه أن المفهوم الكلي قد يلاحظ في نفسه وبهذه الملاحظة يمكن الحكم عليه لا على أفراده وقد يجعل آلة ومرآة لملاحظة أفراده فيصح حينئذ أن يحكم على تلك الأفراد دونه ولتكن هذه المعاني التي قررناها مضبوطة عندك فإنها تنفعك في مواضع عديدة
فرعان
الأول العلم الإجمالي على تقدير جواز ثبوته في نفسه هل يثبت الله تعالى أم لا جوزه القاضي والمعتزلة ومنعه كثير من أصحابنا وأبو هاشم

والحق أنه إن اشترط فيه أي في العلم الإجمالي الجهل بالتفصيل امتنع عليه تعالى وإلا فلا يمتنع فإن قيل فينتفي حينئذ عنه تعالى علم حاصل للمخلوق وهو العلم الإجمالي قلنا نعم وهو أي ذلك العلم المنتفى عنه تعالى هو العلم المقرون بالجهل وهذا القيد يجب انتفاؤه عنه تعالى
وبالجملة فالمنفي عنه تعالى هو القيد أعني كونه مع الجهل وأنه لا يوجب نفي أصل العلم بل هو ثابت له مجردا عن ذلك القيد الذي يستحيل عليه تعالى
الفرع الثاني المشهور أن الشيء الواحد قد يكون معلوما من وجه دون وجه قال القاضي الباقلاني المعلوم غير المجهول ضرورة فمتعلق العلم والجهل شيئآن متغايران قطعا وإن كان أحدهما عارضا للآخر كما إذا علم باعتبار ضحكه وجهل باعتبار كتابته أو بينهما تعلق آخر سوى تعلق العروض على أحد الوجهين أي تعلق كان من التعلقات كالجزئية والكلية والاتصال والمجاورة فإن هذه التعلقات لا تقتضي اتحاد المعلوم والمجهول بل تغايرهما والتسمية مجاز يعني أنه إذا كان المعلوم عارضا للمجهول أو كانا عارضين لثالث أو كان بينهما تعلق بوجه آخر وأطلق على هذه الصور أنها من قبيل كون الشيء الواحد معلوما من وجهه ومجهولا من وجه آخر كان هذا الإطلاق من باب التجوز ولا مشاحة ولا منازعة فيه أي في الإطلاق مجازا فإن بابه مفتوح ولا يشتبه عليك بما أسلفناه لك أن عارض الشيء قد يلاحظ في نفسه فيكون العارض معلوما مع كون حقيقة الشيء مجهولة فيتغاير المعلوم والمجهول وقد يجعل آلة لملاحظة الشيء وحينئذ يكون ذلك الشيء معلوما باعتبار عارضه ومجهولا باعتبار حقيقته

فيتحد المعلوم والمجهول لكنه معلوم من حيثية ومجهول من حيثية أخرى ولا استحالة فيه وبمثل هذا الذي ذكره القاضي استدل الإمام الرازي على نفي العلم الإجمالي في المحصل فقال المعلوم على سبيل الجملة معلوم من وجه ومجهول من وجه والوجهان متغايران والوجه المعلوم لا إجمال فيه والوجه المجهول غير معلوم البتة لكن لما اجتمعا في شيء واحد ظن أن العلم الجملي نوع يغاير العلم التفصيلي
والجواب أن الإجمال والتفصيل ليس حالهما على ما توهمه بل المعلوم فيهما واحد والمختلف هو العلم المتعلق بذلك المعلوم فتارة يكون ذلك العلم في نفسه على وجه وأخرى على وجه آخر كما تحققته فليس الإجمال بأن يكون الشيء معلوما من وجه ومجهولا من آخر وإذا قلنا هذا الشيء معلوم من حيث الإجمال دون التفصيل كانت الحيثيتان راجعتين إلى العلم دون المعلوم وبما قررناه يتضح أن الفرع الثاني أيضا فرع على ثبوت العلم الإجمالي كأنه قيل هل هو من قبيل العلم بالشيء من وجه دون وجه أو لا

المقصد الثامن
المتن
قال بعض المتكلمين الشيء قد يعلم بالفعل وقد يعلم بالقوة كما إذا كان في يد زيد اثنان فسألنا أزوج هو أو فرد فإنا نعلم أن كل اثنين زوج وهذا اثنان فنعلم أنه زوج بالقوة القريبة وإن لم نكن نعلم أنه بعينه زوج وكذلك جميع الجزئيات المندرجة تحت الكليات قبل أن يتنبه للاندراج فالنتيجة حاصلة في أحدى المقدمتين بالقوة
الشرح
المقصد الثامن قال بعض المتكلمين الشيء قد يعلم بالفعل وهو ظاهر وقد يعلم بالقوة كما إذا كان في يد زيد اثنان فسألنا أزوج هو أي

ما في يده أو فرد فإنا نعلم في هذه الحالة أن كل اثنين زوج وهذا الذي في يده اثنان في الواقع فيكون مندرجا فيما علمناه فنعلم في هذه الحالة أنه زوج علما بالقوة القريبة من الفعل وإن لم نكن نعلم أنه بعينه زوج وكذلك جميع الجزئيات من الأحكام المندرجة تحت الكليات منها فإنها معلومة بالقوة قبل أن نتنبه للاندراج وأما بعد التنبه له فإنها تكون معلومة بالفعل فالنتيجة في الشكل الأول حاصلة في إحدى المقدمتين أعني كبراه حصولا بالقوة ولا شك أن كل مقدمة كلية صالحة لأن تجعل كبرى للشكل الأول حتى يستخرج الأحكام الجزئية المندرجة فيها من القوة إلى الفعل ولذلك سميت تلك المقدمة أصلا وقاعدة وقانونا وتلك الأحكام الجزئية فروعا لها

المقصد التاسع
المتن
العلم إما فعلي كما نتصور امرا ثم نوجده وإما انفعالي كما يوجد أمر ثم نتصوره فالفعلي قبل الكثرة والانفعالي بعدها قال الحكماء علم الله تعالى فعلي لأنه السبب لوجود الممكنات
الشرح
المقصد التاسع العلم إما فعلي وهو أن يكون سببا للوجود الخارجي كما نتصور أمرا مثل السرير مثلا ثم نوجده وإما انفعالي مستفاد من الوجود الخارجي كما يوجد أمر في الخارج مثل الأرض والسماء ثم نتصوره فالفعلي ثابت قبل الكثرة والانفعالي بعدها أي العلم الفعلي كلي

يتفرع عليه الكثرة وهي أفراده الخارجية والعلم الانفعالي كلي يتفرع على الكثرة وهي أفراده الخارجية التي استفيد هو منها وقد يقال إن لنا كليا مع الكثرة لكنه ليس من قبيل العلم أو مبني على وجود الطبائع الكلية في ضمن الجزئيات الخارجية قال الحكماء علم الله تعالى بمصنوعاته علم فعلي لأنه السبب لوجود الممكنات في الخارج لكن كون علمه سببا لوجودها لا يتوقف على الآلات والأدوات بخلاف علمنا بأفعالنا ولذلك يتخلف صدور معلومنا عن علمنا وقالوا إن علمه تعالى بأحوال الممكنات على أبلغ النظام وأحسن الوجوه بالقياس إلى الكل من حيث هو كل هو الذي استند إليه وجودها على هذا الوجه دون سائر الوجوه الممكنة وهذا العلم يسمى عندهم بالعناية الأزلية وأما علمه تعالى بذاته فليس فعليا ولا انفعاليا أيضا بل هو عين ذاته بالذات وإن كان مغايرا له بالاعتبار كما سيرد عليك إن شاء الله تعالى

المقصد العاشر
المتن
قالوا مراتب العقل أربع
الأولى العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض وهو قوة خيالية عن الفعل كما للأطفال

الثانية العقل بالملكة وهو العلم بالضروريات وإنه حادث فله شرط حادث وما هو إلا الإحساس بالجزئيات ولا نزيد بذلك العلم بجميع الضروريات فإن الضروريات قد تفقد لفقد شرط للتصور كحس ووجدان كالأكمه والعنين لا يتصوران ماهية اللون ولذة الجماع أو للتصديق كأحدهما في القضايا الحسية أو الوجدانية وكتصور الطرفين والنسبة في البديهيات
الثالثة العقل بالفعل وهو ملكة استنباط النظريات من الضروريات بحيث متى شاء استحضر الضروريات واستنتج منها النظريات
وقيل بل حصول النظريات بحيث يستحضرها متى شاء بلا روية
الرابعة العقل المستفاد وهو أن يحضر عنده النظريات بحيث لا تغيب عنه وهل يمكن ذلك والإنسان في جلباب من بدنه أم لا فيه تردد
الشرح
المقصد العاشر قالوا أي الحكماء مراتب العقل أي التعقل للنفس الناطقة الإنسانية أربع
الأولى العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض لإدراك المعقولات وهو قوة محضة خالية عن الفعل كما للأطفال فإن لهم في حال الطفولية وابتداء الخلقة استعدادا محضا ليس معه إدراك وليس هذا الاستعداد حاصلا لسائر الحيوانات وإنما نسب إلى الهيولى لأن النفس في هذه المرتبة تشبه الهيولى الأولى الخالية في حد ذاتها عن الصور كلها
المرتبة الثانية العقل بالملكة وهو العلم بالضروريات واستعداد النفس بذلك لاكتساب النظريات منها وأنه أي العلم بالضروريات حادث

بعد ابتداء الفطرة فله شرط حادث بالضرورة دفعا للترجيح بلا مرجح في اختصاصه بزمان معين وما هو أي ذلك الشرط الحادث إلا الإحساس بالجزئيات والتنبه لما بينها من المشاركات والمباينات فإن النفس إذا أحست بجزئيات كثيرة وارتسمت صورها في آلاتها الجسمانية ولاحظت نسبة بعضها إلى بعض استعدت لأن يفيض عليها من المبدأ صور كلية وأحكام تصديقية فيما بينها فهذه علوم ضرورية ولا نريد بذلك أي بالعلم بالضروريات العلم بجميع الضروريات فإن الضروريات قد تفقد إما لفقد شرط للتصور كحس ووجدان كالأكمه الفاقد للعين في أصل الخلقة والعنين الفاقد لقوة المجامعة لا يتصوران ماهية اللون التي يتوصل إلى إدراكها كإبصار جزئياتها و ماهية لذة الجماع التي يتوصل إلى إدراكها بوجدان جزئياتها أو لفقد شرط للتصديق كأحدهما أي الحس والوجدان في القضايا الحسية فإن فاقد حس من الحواس فاقد للقضايا المستندة إلى ذلك الحس أو القضايا الوجدانية فإن فاقد الوجدان فاقد لها قطعا وكتصور الطرفين هذا عطف على قوله كأحدهما فإن تصور الطرفين والنسبة شرط في البديهيات أي الأوليات التي هي أقوى الضروريات وأقلها شرطا فإذا فقد هذا الشرط فقدت القضايا البديهية فضلا عما عداها من الضروريات المتوقفة على شروط أخر أيضا
المرتبة الثالثة العقل بالفعل وهو ملكة استنباط النظريات من الضروريات أي صيرورة الشخص بحيث متى شاء استحضر الضروريات ولاحظها واستنتج منها النظريات ولا شك أن هذه الحالة إنما تحصل له إذا صار طريقة الاستنباط ملكة راسخة فيه وقيل ليس العقل بالفعل ما ذكر بل هو ما اشتهر من أنه حصول النظريات وصيرورتها بعد استنتاجها من

الضروريات بحيث يستحضرها متى شاء بلا روية وتجشم كسب جديد وذلك إنما يحصل إذا لاحظ النظريات الحاصلة مرة بعد أخرى حتى يحصل له ملكة نفسانية يقوى بها على استحضارها متى أراد من غير حاجة إلى فكر
المرتبة الرابعة العقل المستفاد وهو أن يحضر عنده النظريات التي أدركها بحيث لا تغيب عنه وهل يمكن ذلك أي حضورها بأسرها مشاهدة للقوة العاقلة الإنسانية والإنسان في جلباب من بدنه أم لا يمكن فيه تردد إذ يجوز عند العقل أن يتجرد بعض النفوس الكاملة عن العلائق البدينة تجردا تاما بحيث تشاهد معقولاتها دفعة واحدة كأنها لمعة برق ثم تترقى عن هذه الحالة إلى مشاهدة بعد مشاهدة وهكذا حتى تصير المشاهدة ملكة راسخة فيه وإن كان رسوخها مستبعدا أكثر من استبعاد كونها بروقا لامعة والظاهر أن استمرار المشاهدة إنما يكون في الدار الآخرة واعلم أن تفسير العقل المستفاد بما ذكره ليس بمشهور والمسطور في مشاهير الكتب أن هذه المراتب الأربع تعتبر بالقياس إلى كل نظري على حدة والعقل المستفاد بالنسبة إلى نظري واحد هو أن يصير مشاهدا للقوة العاقلة ولا شبهة في وقوعه في هذه الحياة الدنيا ولا في تقدمه على العقل بالفعل بالمعنى الثاني في الحدوث وإن كان متأخرا عنه في البقاء كما أشرنا إليه في صدر الكتاب ثم أن الكمال من هذه المراتب هو العقل المستفاد وباقي المراتب وسائل إلى ذلك الكمال واستعدادات له متفاوتة فالهيولاني استعداد بعيد وما بالملكة استعداد متوسط وكلاهما وسيلتان إلى تحصيل الكمال ابتداء والعقل بالفعل بالمعنى المشهور استعداد قريب جدا وهو وسيلة إلى استحضار الكمال واسترداده بعد غيبته وزواله فإن الإنسان لكونه مملوا بشواغل بدنه لا يتأتى له استبقاء ذلك الكمال بعد حصوله فلا بد له من استعداد يتوصل به

إلى استدامته بطريق الاسترجاع ومن ثمة جاز تأخر هذا الاستعداد عن حصول الكمال أو لا

المقصد الحادي عشر
المتن
العقل مناط التكليف إجماعا وإنه يطلق على معان فقال الشيخ هو العلم ببعض الضروريات التي سميناها العقل بالملكة واحتج عليه بأنه ليس غير العلم وإلا جاز تصور انفكاكهما وهو محال إذ يمتنع عاقل لا علم له أصلا أو عالم لا عقل له وليس العلم بالنظريات لأنه مشروط بكمال العقل فيكون متأخرا عن العقل بمرتبتين فلا يكون نفسه فهو العلم بالضروريات وليس علما بكلها فإن العاقل قد يفقد بعضها كما ذكرنا فهو العلم ببعضها وهو المطلوب
وجوابه أنا لا نسلم أنه لو كان غير العلم جاز الانفكاك لجواز تلازمهما
قال الإمام الرازي والظاهر أنه غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات والنائم لم يزل عقله وإن لم يكن عالما
الشرح
المقصد الحادي عشر العقل مناط التكليف إجماعا من أهل الملة

وأنه أي لفظ العقل يطلق على معان فلذلك اختلف في تفسير العقل الذي هو مناط التكليف فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري هو العلم ببعض الضروريات التي سميناها أي سمينا العلم بذلك البعض العقل بالملكة وإنما أنث البعض نظرا إلى المضاف إليه والأظهر أن يقال الذي سميناه على أنه صفة للعلم وقال القاضي هو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات ومجاري العادات ولا يبعد أن يكون هذا تفسيرا لكلام الأشعري وزادت المعتزلة في العلوم التي يفسر بها العقل العلم بحسن الحسن وقبح القبيح لأنهم يعدونه من البديهيات بناء على أصلهم واحتج الشيخ عليه أي على ما ذكره بأنه أي العقل ليس غير العلم وإلا جاز تصور انفكاكها إما من الجانبين أو من أحدهما وهو محال إذ يمتنع عاقل لا علم له أصلا أو عالم لا عقل له أصلا فثبت أن العقل هو العلم وليس العقل العلم بالنظريات لأنه أي العلم بالنظريات مشروط بكمال العقل وكمال العقل مشروط بالعقل
فيكون العلم بالنظريات متأخرا عن العقل بمرتبتين فلا يكون نفسه فهو أي العقل هو العلم بالضروريات وليس العقل علما بكلها أي بكل الضروريات فإن العقل قد يفقد بعضها كما ذكرنا في المقصد العاشر من أن الضروريات قد تفقد لفقد شرط من شرائطها فهو العلم ببعضها وهو المطلوب وجوابه أنا لا نسلم أنه لو كان العقل غير العلم جاز الانفكاك بينهما لجواز تلازمهما فإن المتغايرين قد يتلازمان بحيث يمتنع الانفكاك

بينهما مطلقا كالجوهر والحصول في الحيز فإنهما متغايران ولا محال للانفكاك بينهما
قال الإمام الرازي والظاهر أنه أي العقل غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات والنائم لم يزل عقله وإن لم يكن عالما في حالة النوم بشيء من الضروريات لاختلاف وقع في الآلات وكذا الحال في اليقظان الذي يستحضر شيئا من العلوم الضرورية لدهشة وردت عليه فظهر أن العقل ليس عبارة عن العلم بالضروريات لا كلها ولا بعضها ولا شك أن العاقل إذا كان سالما عن الآفات المتعلقة بالآلات كان مدركا لبعض الضروريات قطعا فالعقل صفة غريزية تتبعها تلك العلوم وقد اتضح بما ذكر من حال النائم أن العلم قد ينفعك عن العقل فلا يتم نفي التالي في دليل الشيخ كما لم تتم الملازمة أيضا

المقصد الثاني عشر
المتن
كل علمين تعلقا بمعلومين فهما مختلفان تماثلا أو اختلفا وإلا لم يجتمعا وأما المتعلقان بمعلوم واحد فمثلان عند الأصحاب
قال الآمدي إن اتحد المعلوم ووقته وأما إذا اختلف فقد يقال مثلان إذ اختلاف الوقت لا يؤثر كما في الجوهر والفرق ظاهر فإن الوقت ههنا داخل في متعلق العلم وثمة عارض للجوهر وإنما نظير ذلك العلم في وقتين لا العلم بمعلوم مقيد بوقتين وأما إذا اختلف محل العلم كزيد وعمرو فإن قلنا كل من العلمين يقتضي الاختصاص بمحله لذاته فهما مختلفان وإلا فمثلان وسيأتي لذلك زيادة بيان
الشرح
المقصد الثاني عشر كل علمين تعلقا بمعلومين فهما أي ذانك العلمان مختلفان عند الأصحاب سوى والد الإمام الرازي سواء

تماثلا أي المعلومان كالبياضين أو اختلفا كالبياض والسواد وإلا أي وإن لم يكن العلمان المذكوران مختلفين بل كانا متماثلين لم يجتمعا لأن المثلين لا يجتمعان كالمتضادين وأما العلمان المتعلقان بمعلوم واحد فمثلان عند الأصحاب ومن ثمة امتنع اجتماعهما وسد أحدهما مسد الآخر
قال الآمدي هذا الذي ذكروه من تماثل العلمين حق بلا اشتباه إن اتحد المعلوم ووقته أيضا فإن كلا من العلمين حينئذ متعلق بعين ما تعلق به الآخر فكل منهما يقوم مقام صاحبه ولا يجامعه وأما إذا اختلف الوقت وحده مع اتحاد ذات المعلوم فقد يقال العلمان المتعلقان به في ذينك الوقتين مثلان إذ اختلاف الوقت لا يؤثر في اختلاف العلمين كما لا يؤثر اختلاف الوقت في اختلاف الجوهر فإن الجوهر لا يختلف بسبب كونه في وقتين مختلفين
قال الآمدي والفرق ظاهر فإن الوقت ههنا أي فيما نحن فيه داخل في متعلق العلم إذ الكلام فيما إذا تعلق العلم بشيء معين من حيث أنه في وقت وتعلق به أيضا من حيث أنه في وقت آخر ولا شك أن ذلك الشيء مأخوذا مع أحد الوقتين مغاير له مأخوذا مع الآخر وإذا تعدد المعلومان فقد بان أنه يلزم منه اختلاف العلمين و الوقت ثمة أي فيما ذكروه من النظير عارض للجوهر الحاصل في الوقتين فلا يقتضي تعددا في ذاته وإنما نظير ذلك الذي ذكروه من حال الجوهر هو العلم الواحد الثابت في وقتين فإنه كالجوهر لا يختلف بسبب حصوله في الوقتين لا العلم بمعلوم واحد مقيد بوقتين مختلفين فإن ذلك التقييد يقتضي تعدد المعلوم المستلزم

لاختلاف العلمين كما قررناه وأنت خبير بأنه لما اقتضى تعدد المعلوم لم يكن العلمان متعلقين بمعلوم واحد كما هو المبحث إلا أن الأصحاب لما قالوا كل علمين متعلقين بمعلوم واحد فهما مثلان اتحد الوقت أو اختلف نبه الآمدي على أن اعتبار الوقت يمكن على وجهين
أحدهما أن يكون ظرفا للعلم فلا يوجب تعدده تعددا فيه فضلا عن الاختلاف والتماثل وإذا فرض تعدده فيهما كانا متماثلين
والثاني أن يكون قيدا للمعلوم فيتعدد العلم ويكون مختلفا وهذا الذي ذكرناه من حال العلمين المتعلقين بمعلوم واحد إنما هو على تقدير اتحاد محل العلم أي العالم وأما إذا اختلف محل العلم بمعلوم واحد كزيد وعمرو العالمين بشيء واحد فإن قلنا كل من العلمين القائمين بهما يقتضي الاختصاص بمحله لذاته أي يقتضي ذاته أن يكون حالا في ذلك لمحل دون غيره فهما مختلفان لأن المثلين لا يتفاوتان في الاقتضاء المستند إلى الذات وإلا فمثلان كما هو الظاهر إذ لا طريق إلى الاختلاف واقتضائه سوى ما ذكر والفرض أنه منتف وسيأتي لذلك زيادة بيان هذا وعد بلا وفاء والسبب فيه أن الآمدي أورد هذا المبحث في أوائل أبكار الأفكار وقال بعد قوله وإلا فهما مثلان وسيأتي تحقيق ذلك فيما بعد وأشار به إلى ما سيأتي في أواسط كتابه من تحقيق معنى التماثل والمثلين وإثبات ذلك على منكريه فالمصنف تابعه في هذه الحوالة وغفل عن تقديمه مباحث التماثل والمثلين في مرصد الوحدة والكثرة من الأمور العامة

المقصد الثالث عشر
المتن
هل ينقلب العلم الضروري والنظري أما انقلاب الضروري نظريا ففيه مذاهب
الأول قول القاضي وبعض المتكلمين يجوز مطلقا لأن العلوم متجانسة فيصح على كل ما صح على الآخر
قال الآمدي إن سلم فلا شك في الاختلاف بالنوع والشخص فلعل التنوع والتشخص يمنع ذلك إذ لا يجب أن يصح على الإنسان ما يصح على الفرس ولا على زيد ما يصح على عمرو
الثاني وعليه آخرون لا يجوز وإلا لجاز الخلو عن الضروري وأنه محال بالوجدان
الثالث وهو قول آخر للقاضي وعليه إمام الحرمين لا يجوز في ضروري هو شرط لكمال العقل إذ العقل شرط للنظر وهو شرط للنظري فيكون النظري شرطا لنفسه ومتقدما عليه بمراتب
وأما انقلاب النظري ضروريا فجائز اتفاقا بأن يخلق الله تعالى علما ضروريا متعلقا به ومنع المعتزلة وقوعه في العلم بالله تعالى وصفاته من حيث أن العبد مكلف به ولو لم يكن مقدورا قبح التكليف به ومعتمدهم في الجواز هو التجانس وقد مر بما فيه

الشرح
المقصد الثالث عشر هل ينقلب العلم الضروري نظريا و العلم النظري ضروريا أولا أما انقلاب الضروري نظريا ففيه مذاهب ثلاثة :
الأول قول القاضي وبعض المتكلمين يجوز مطلقا لأن العلوم بأسرها متجانسة متشاركة في جنسها الذي هو العلم فيصح على كل منها ما صح على الآخر وقد صح على بعض العلوم أن يكون نظريا فكذا الباقي
قال الآمدي إن سلم التجانس وأشار به إلى أنه يمكن منع التجانس لجواز أن يكون العلم والإدراك والإحاطة وغيرها مفهومات عارضة للعلوم فلا تكون متشاركة فيما يكون جنسا لها بل فيما هو عرض عام بالقياس إليها فلا شك في الاختلاف بالنوع والتشخص أما الاختلاف الشخصي فلا ريبة فيه وأما الاختلاف النوعي فهو جائز وذلك يكفيه فما هو بصدده فلعل التنوع والتشخص يمنع ذلك الذي صح على النوع أو التشخص الآخر إذ لا يجب أن يصح على الإنسان ما يصح على الفرس وإن كانا متشاركين في الجنس ولا أن يصح على زيد ما يصح على عمرو مع تشاركهما في تمام الماهية فإن الصحة ربما كانت معللة بخصوصية نوع أو شخص وكانت خصوصية نوع أو شخص آخر مانعة منها
فإن قيل الظاهر من التجانس على اصطلاحهم هو التماثل لا ما ذكره الآمدي

قلنا فله حينئذ أن يمنع التماثل أو ينسب منع الصحة إلى تشخص الأفراد المتماثلة كما أشار إليه المذهب الثاني وعليه آخرون من المتكلمين لا يجوز مطلقا وإلا لجاز الخلو عن الضروري إذ قد مر أن النظر ينافي العلم بالمطلوب المنظور فيه فإذا انقلب الضروري نظريا وجب أن يكون الناظر في ذلك النظري خاليا عن العلم به وذلك يؤدي إلى جواز خلو العاقل الناظر في العلوم عن العلم باستحالة اجتماع الضدين وبأنه لا واسطة بين النفي والإثبات وبأن الكل أعظم من الجزء إلى غير ذلك من الضروريات التي تلزم العاقل وأنه محال بالوجدان الشاهد بأن أمثال ما ذكر من البديهيات يستحيل انفكاك العاقل عنها وفيه بحث لجواز أن يكون الانقلاب فيما عداها من الضروريات التي يجوز فقدانها
وقد يستدل لهذا المذهب بأنه لو جاز الانقلاب في الضروري لجاز في الكل وما هو جائر لا يلزم من فرض وقوعه محال فلنفرض أن جميع الضروريات انقلبت نظرية وحينئذ يستحيل حصول شيء من العلوم النظرية إذ لا بد من انتهائها إلى العلم الضروري دفعا للدور والتسلسل وفيه ما قد عرفته آنفا وأيضا حصول العلوم النظرية واقع فدل على أن ذلك التقدير أعني انقلاب جميع الضروريات نظرية غير واقع وأما أنه مستحيل فلا دلالة عليه أصلا
المذهب الثالث وهو قول آخر للقاضي وعليه إمام الحرمين لا يجوز الانقلاب في ضروري هو شرط لكمال العقل إذ العقل أي كماله شرط للنظر فإنه لا يتم إلا به وهو أي النظر شرط للنظري لتوقفه عليه فيكون النظري أعني الضروري المذكور الذي انقلب نظريا شرطا لنفسه ومتقدما عليه بمراتب ثلاث بخلاف الضروري الذي ليس شرطا لكمال العقل فإنه يجوز انقلابه نظريا لما مر في المذهب الأول وقد عرفت ما

فيه وأما انقلاب النظري ضروريا فجائز اتفاقا من المتكلمين وذلك الانقلاب عندنا بأن يخلق الله تعالى علما ضروريا متعلقا به أي بالنظري ومنع المعتزلة وقوعه يعني أنهم وافقونا في التجويز لكن منعوا وقوع الانقلاب في العلم بالله تعالى وصفاته من حيث أن العبد مكلف به أي بالعلم بالله تعالى وصفاته ولو انقلب ضروريا لم يكن مقدورا للعبد كما مر في صدر الكتاب وإذا لم يكن مقدورا له قبح التكليف به على زعمهم ومعتمدهم في الجواز أي معتمد المعتزلة في جواز انقلاب النظري ضروريا هو التجانس وقد مر بما فيه من أن التجانس بين العلوم ممنوع وإن سلم فالاختلاف النوعي أو الشخصي قد يكون مانعا من أن يصح على بعضها ما يصح على غيره

المقصد الرابع العشر
المتن
وهل يستند العلم الضروري إلى النظري منعه بعض لاقتضائه توقف الضروري على النظري وجوزه بعضهم لأن العلم امتناع اجتماع الضدين مبني على وجودهما والعلم به ليس ضروريا ولذلك يثبت بالدليل ومن منع العلم به فهو مكابر ومناقض لقوله بل الحق أنه لا يتوقف على وجودهما وأما تصورهما فنعم فإن التصديق الضروري هو ما لا يتوقف بعد تصور الطرفين على نظر وفكر ثم أنه قد يكفي فيه تصورهما بوجه ما وقد يكون ذلك ضروريا فالحاصل أن هذا نزاع لفظي مرجعه إلى تفسير الضروري وكذا توقفه على ضروري آخر فإن قلنا هو مالا يتوقف على علم سابق لم يجز وإن قلنا هو ما لا يتوقف على نظر جاز

الشرح
المقصد الرابع عشر لا خلاف في استناد العلم النظري إلى الضروري وهل يستند العلم الضروري إلى النظري أو لا فيه خلاف منعه بعض من الأشاعرة لاقتضائه أي لاقتضاء هذا الاستناد توقف الضروري المستند إلى النظري على النظري فلا يكون ضروريا هذا خلف وجوزه أي الاستناد المذكور بعضهم لأن العلم بامتناع اجتماع الضدين ضروري ومع ذلك مبني على وجودهما والعلم به أي بوجودهما ليس ضروريا لأن التضاد لا يكون إلا بين الأعراض والعلم بوجود الأعراض ليس بضروري ولذلك يثبت وجود الأعراض بالدليل الدال على عرضيتها فإن بعضهم أنكر كون هذه الصفات المسماة بالأعراض مغايرة الذوات فمن لا يعلم وجود الأضداد كالسواد والبياض بذلك الدليل لم يحكم بامتناع الاجتماع بينها فقد صح استناد الضروري إلى النظري ومن أجاب عن هذا الاستدلال بأن منع العلم به أي بامتناع اجتماع الضدين بناء على أن العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به والمستحيل ليس بشيء فهو مكابر أي مانع مقتضى عقله ومناقض لقوله فإن حكمه بعدم معلومية ذلك الامتناع يستلزم العلم به كما مر في أوائل الكتاب بل الحق في الجواب عنه أنه أي العلم بامتناع اجتماع الضدين لا يتوقف على وجودهما في الخارج إذ لا توقف للتصديق على وجود أطرافه وأما تصورهما أي تصور الضدين فنعم يتوقف العلم بذلك الامتناع عليه فإن التصديق الضروري هو ما لا يتوقف بعد تصور الطرفين على نظر وفكر وتوقفه على تصورهما مما لا شبهة فيه ثم إن قلت تصور الضدين كالسواد والبياض نظري قطعا فقد توقف ذلك التصديق الضروري المتعلق بامتناع اجتماعهما على علم نظري هو تصورهما قلت إنه قد يكفي فيه أي في العلم بامتناع اجتماعهما تصورهما بوجه ما وقد يكون ذلك القدر من التصور ضروريا فلا

يكون حينئذ التصديق الضروري مستندا إلى تصور نظري فالحاصل أن هذا نزاع لفظي مرجعه إلى تفسير الضروري فإن فسرنا التصديق الضروري بما لا يتوقف بعد تصور الطرفين على نظر كما مر جاز أن تكون مفرداته نظرية وتوقف التصديق على النظر في مفرداته لا يقدح في استغناء حكمه عن نظر كاسب له في ذاته فيجوز استناد العلم الضروري إلى التصور النظري وإن فسرناه بما لا يتوقف على نظر لا بذاته ولا بتوسط مفرداته لم يجز الاستناد المذكور بل يكون مثل هذا التصديق غير ضروري فإن عد نظريا لزم اكتساب التصديقات النظرية من الأقوال الشارحة وإلا كان واسطة بينهما وكذا توقفه أي توقف العلم الضروري على ضروري آخر فيه خلاف راجع أيضا إلى تفسير الضروري على ضروري آخر وإن قلنا هو ما لا يتوقف على نظر جاز توقف الضروري على ضروري آخر فإن قلت التصديقات الضرورية موقوفة على تصورات أطرافها الضرورية بلا نزاع فكيف يفسر الضروري بما لا يتوقف على علم سابق قلت المراد بالعلم السابق هو التصديق ولك أن تجعل قوله فإن قلنا إلى آخره مرجعا للنزاعين معا فإن الضروري المفسر بما لا يتوقف على علم سابق لا يجوز توقفه على ضروري آخر ولا على نظري أيضا والمفسر بما لا يتوقف على نظر يتناول التصديق الضروري الذي تكون مفرداته نظرية إذا أريد أنه لا يتوقف على نظر يتضمنه أو يكون كاسبا له بالذات

المقصد الخامس عشر
المتن
أثبت أبو هاشم علما لا معلوم له كالعلم بالمستحيل فإنه ليس بشيء والمعلوم شيء

قال الإمام الرازي هو تناقض فإن المعلوم لا معنى له إلا ما تعلق به العلم
قال الآمدي له أن يصطلح على أن لا يسميه معلوما والإنصاف أن لا تظن بكلمة تخرج من فم أخيك السوء فتطلب له محملا ما استطعت وهلا يحمل كلامه على ما صرح به ابن سينا في الشفاء من أن المستحيل لا يحصل له صورة في العقل فلا يمكن أن يتصور شيء هو اجتماع النقيضين فتصوره إما على سبيل التشبيه بأن يعقل بين السواد والحلاوة أمر هو الاجتماع ثم يقال مثل هذا الأمر لا يمكن حصوله بين السواد والبياض وأما على سبيل النفي بأن يعقل أنه لا يمكن أن يوجد مفهوم هو اجتماع السواد والبياض
وبالجملة فلا يمكن تعقله بماهيته بل باعتبار من الاعتبارات
الشرح
المقصد الخامس عشر أثبت أبو هاشم علما لا معلوم له وقد اتفق العقلاء على امتناع علم لا معلوم له
قال الإمام الرازي هو تناقض فإن المعلوم لا معنى له إلا ما تعلق به العلم فإذا قيل المستحيل يتعلق به العلم وليس هو بمعلوم كان في قوة قولنا المستحيل متعلق للعلم وليس متعلقا له
قال الآمدي له أن يصطلح على أن لا يسميه معلوما أي يصطلح على أن متعلق العلم إذا كان مستحيلا لا يسميه معلوما وإذا لم يكن مستحيلا يسميه معلوما لكن هذا الاصطلاح لا فائدة فيه

قال المصنف والإنصاف أن لا تظن بكلمة تخرج من فم أخيك السوء أي خطأ فتطلب عطف على أن لا تظن له أي لذلك الخارج من فيه محملا في الصحة ما استطعت وهلا يجعل كلامه أي كلام أبي هاشم الذي نقل عنه على ما صرح به ابن سينا في الشفاء من أن المستحيل لا يحصل له صورة في العقل أي ليس لنا سبيل إلى إدراكه في نفسه بحيث يحصل في العقل منه صورة هي له في نفسه بخصوصه فلا يمكن أن يتصور شيء هو اجتماع النقيضين أو الضدين فتصوره أي تصور المستحيل أما على سبيل التشبيه بأن يعقل مثلا بين السواد والحلاوة أمر هو الاجتماع ثم يقال مثل هذا الأمر الذي تعلقناه بين السواد والحلاوة لا يمكن حصوله بين السواد والبياض فالاجتماع بين السواد والحلاوة متصور معقول قد حصل منه في نفسه صورة في العقل بخلاف الاجتماع بين السواد والبياض إذ لم يحصل منه في العقل إلا صورة بطريق المقايسة والتشبيه وأما على سبيل النفي بأن يعقل أنه لا يمكن أن يوجد مفهوم هو اجتماع السواد والبياض فقد يعقل ههنا المستحيل المخصوص باعتبار أمر عام هو كونه مفهوما مسمى باجتماع السواد والبياض لا باعتبار خصوصه وكذا الحال في شريك الباري تعالى فإنه لا يتصور إلا على سبيل التشبيه بأن يعقل شيء نسبته إليه تعالى كنسبة زيد إلى عمرو أو على سبيل النفي بأن يعقل أنه لا يمكن مفهوم هو شريك له تعالى وبالجملة فلا يمكن تعقله أي تعقل المستحيل بماهيته من حيث خصوصيتها بل باعتبار من الاعتبارات التشبيهية أو العامة وعلى هذا فقول أبي هاشم معناه أن هناك علما وليس له معلوم تعلق به ذلك العلم من حيث ماهيته وخصوصيته وهو صحيح كما

عرفته ويحتمل أن يقال معناه أن هناك علما وليس له معلوم متقرر ثابت فإن المستحيل لا تقرر له أصلا بخلاف الممكنات فإنها ثابتة عندهم في العدم أيضا

المقصد السادس عشر
المتن
محل العلم الحادث غير متعين عقلا عند أهل الحق بل يجوز أن يخلقه الله تعالى في أي جوهر أراد لكن السمع دل على أنه هو القلب قال تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب
وقال فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها
وقال أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها
وقال الحكماء محل الكليات النفس الناطقة المجردة بذاتها ومحل الجزئيات المشاعر العشرة الظاهرة والباطنة وسنفصلها تفصيلا ومنهم من يرى أن المدرك للجزئيات أيضا هو النفس الناطقة ولكن بواسطة الآلة فإنها تحكم بالكلي على الجزئي فلا بد أن تكون عاقلة لهما وسيأتي الكلام فيه
الشرح
المقصد السادس عشر محل العلم الحادث سواء كان متعلقا بالكليات أو الجزئيات غير متعين عقلا عند أهل الحق بل يجوز عندهم عقلا أن يخلقه الله تعالى في أي جوهر أراد من جواهر بدن الإنسان وغيرها لأن البنية ليست شرطا للحياة والعلم فأي جزء من أجزائه قام به العلم كان عالما لكن السمع دل على أنه أي محل العلم هو القلب قال

تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب وقال تعالى فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها وقال أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها وهذا وقد اختلف المتكلمون في بقاء العلم فالأشاعرة قضوا باستحالة بقائه كسائر الأعراض عندهم وأما المعتزلة فقد أجمعوا على بقاء العلوم الضرورية التي لا يتعلق بها التكليف واختلفوا في العلوم المكتسبة المكلف بها فقال الجبائي إنها ليس باقية وإلا لزم أن لا يكون المكلف بها حال بقائها مطيعا ولا عاصيا ولا مثابا ولا معاقبا مع تحقق التكليف وهو باطل بناء على لزوم الثواب أو العقاب على ما كلف به وخالفه أبو هاشم في ذلك وأوجب بقاء العلوم مطلقا وقال الحكماء محل الكليات النفس الناطقة المجردة بذاتها عن المادة وتوابعها وإن كانت متعلقه بها أي متصرفة فيها ومدبرة لها ومحل الجزئيات المادية المشاعر العشرة أي الحواس الظاهرة والباطنة وسنفصلها أي الناطقة المجردة وأحوالها ومشاعرها المذكورة ومحالها تفصيلا تاما وافيا بمعرفة ماهيتها وكيفية إدراكاتها بحسب الطاقة البشرية ومنهم أي ومن الحكماء من يرى أن المدرك للجزئيات أيضا هو النفس الناطقة ولكن إدراكها للكليات بذاتها وللجزئيات بواسطة الآلة الجسمانية فإنها أي الناطقة تحكم بالكلي على الجزئي في مثل قولك زيد إنسان فلا بد أن تكون عاقلة لهما لأن الحاكم يجب أن يحضره المحكوم عليه والمحكوم به

وسيأتي الكلام فيه أي فيما ذكرناه فإنه سنبين لك في مباحث النفس أن المدرك للجميع هو النفس لكن صور الكليات ترتسم في ذاتها وصور الجزئيات المادية في آلاتها فتلاحظها النفس من هناك

النوع الثالث الإرادة
وفيها مقاصد
المقصد الأول
المتن
في تعريفها
قيل إنها اعتقاد النفع أو ظنه وقيل ميل يتبع ذلك فإنا نجد من أنفسنا بعد اعتقاد أن الفعل الفلاني فيه جلب نفع أو دفع ضر ميلا إليه وهو مغاير للعلم وأما عند الأشاعرة فصفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع والميل الذي يقولونه فنحن لا ننكره لكن ليس إرادة فإن الإرادة بالاتفاق صفة مخصصة لأحد المقدورين وسنبين أنها غير الميل ثم حصول الميل في الشاهد لا يوجب حصوله في الغائب
الشرح
النوع الثالث من أنواع الكيفيات النفسانية الإرادة وفيها أي في الإرادة وفي بعض النسخ وفيه أي في هذا النوع مقاصد سبعة
الأول
في تعريفها
قيل إنها أي الإرادة اعتقاد النفع أو ظنه والقائل بذلك كثير من المعتزلة قالوا إن نسبة القدرة إلى طرفي الفعل على السوية فإذا حصل

اعتقاد النفع أو ظنه في أحد طرفيه ترجح على الآخر عند القادر وأثر فيه قدرته وقيل ليس الإرادة ما ذكر من الاعتقاد أو الظن بل هذا هو المسمى بالداعية وأما الإرادة فهي ميل يتبع ذلك الاعتقاد أو الظن كما أن الكراهة نفرة تتبع اعتقاد الضرر أو ظنه وليست الإرادة من قبيل الاعتقاد والظن فإنا نجد من أنفسنا بعد اعتقاد أن الفعل الفلاني فيه جلب نفع أو دفع ضر ميلا إليه مترتبا على ذلك الاعتقاد وهو أي الميل الذي نجده أمر مغاير للعلم بالنفع أو دفع الضر ضرورة لا شبهة فيها وأيضا فإن القادر كثيرا ما يعتقد النفع في فعل أو يظنه ومع ذلك لا يريده ما لم يحصل له هذا الميل وقد أجيب عن ذلك بأنا لا ندعي أن الإرادة اعتقاد النفع أو ظنه مطلقا بل نقول هي اعتقاد نفع له أو لغيره ممن يؤثر خيره بحيث يمكن وصوله إلى أحدهما بلا ممانعة مانع من تعب أو معارضة والميل الذي ذكرتموه إنما يحصل لمن لا يقدر على ذلك الفعل قدرة تامة بخلاف القادر التام القدرة إذ يكفيه العلم والاعتقاد على قياس الشوق إلى المحبوب فإنه حاصل لمن ليس واصلا إليه دون الواصل إذ لا شوق له وهذا الذي ذكرناه من تعريفي الإرادة إنما هو على رأي المعتزلة وأما الإرادة عند الأشاعرة فصفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع والميل الذي يقولونه فنحن لا ننكره في الشاهد لكن ذلك الميل ليس إرادة فإن الإرادة بالاتفاق صفة مخصصة لأحد المقدورين بالوقوع وسنبين في المقصد الثالث من هذا النوع أنها أي الصفة المخصصة المذكورة غير الميل وليست أيضا مشروطة بالميل ولا باعتقاد النفع ثم حصول الميل في الشاهد لا يوجب حصوله في الغائب

وليس يصح القياس لثبوت الفارق بينهما فلا يصح تفسير مطلق الإرادة بالميل

المقصد الثاني
المتن
الإرادة القديمة توجب المراد اتفاقا وأما الحادثة فلا توجبه اتفاقا وجوز النظام إيجابها للمراد إذا كانت قصدا إلى الفعل وهو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد لا عزما عليه فإنه قد يتقدم على الفعل والعزم يقبل الشدة والضعف حتى يبلغ إلى درجة الجزم ومع ذلك فقد لا يكون مقارنا ولا قصدا بل جزما بأنه سيقصد وربما يزول لزوال شرط أو حدوث مانع
الشرح
المقصد الثاني الإرادة القديمة توجب المراد أي إذا تعلقت إرادة الله تعالى بفعل من أفعال نفسه لزم وجود ذلك الفعل وامتنع تخلفه عن إرادته اتفاقا من أهل الملة والحكماء أيضا وأما إذا تعلقت بفعل غيره ففيه خلاف المعتزلة القائلين بأن معنى الأمر هو الإرادة فإن الأمر لا يوجب وجود المأمور به كما في العصاة وأما الإرادة الحادثة فلا توجبه اتفاقا يعني أن إرادة أحدنا إذا تعلقت بفعل من أفعاله فإنها لا توجب ذلك المراد عند الأشاعرة وإن كانت مقارنة له عندهم ووافقهم في ذلك الجبائي وابنه وجماعة من متأخري المعتزلة وجوزه النظام والعلاف وجعفر بن حارث وطائفة من قدماء معتزلة البصرة إيجابها أي إيجاب الإرادة الحادثة للمراد إذا كانت تلك الإرادة قصدا إلى الفعل وهو أي القصد إلى الفعل ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد أي حال إيجادنا للفعل لا عزما عليه لأن الإرادة إذا

كانت عزما على الفعل لم توجب المراد فإنه قد يتقدم العزم على الفعل فلا يتصور إيجابه إياه واستدلوا على ذلك بأن العزم توطين النفس على أحد الأمرين بعد سابقة التردد فيهما والعزم الذي هو هذا التوطين يقبل الشدة والضعف ويتقوى شيئا فشيئا حتى يبلغ إلى درجة الجزم فيزول التردد بالكلية ومع ذلك فقد لا يكون العزم الواصل إلى مرتبة الجزم مقارنا للفعل ولا قصدا إليه بل يكون جزما بأنه سيقصد الفعل فيكون متقدما على الفعل غير موجب له وربما يزول ذلك العزم أي الجزم لزوال شرط من شرائط الفعل أو حدوث مانع من موانعه فلا يوجد الفعل بعده أيضا وإذا لم يكن التوطين البالغ حد الجزم موجبا للفعل فالذي لم يبلغه كان أولى بعدم الإيجاب فهؤلاء أثبتوا إرادة متقدمة على الفعل بأزمنة هي العزم ولم يجوزوا كونها موجبة وإرادة مقارنة له هي القصد وجوزوا إيجابها إياه وأما الأشاعرة فلم يجعلوا العزم من قبيل الإرادة بل أمرا مغايرا لها

المقصد الثالث
المتن
الإرادة عندنا غير مشروطة باعتقاد النفع أو بميل يتبعه خلافا للمعتزلة لنا أن الهارب من السبع إذا عن له طريقان متساويان فإنه يختار أحدهما ولا

يتوقف على ترجح أحدهما لنفع فيه ولا على ميل يتبعه بل يرجح أحدهما بمجرد الإرادة لا أقول لا يكون للفعل مرجح بل لا يكون إليه داع ومعلوم بالضرورة أنه من دهشته لا يخطر بباله طلب مرجح وأنه لو لم يجد المرجح لم يتوقف متفكرا حتى يفترسه السبع وكذلك العطشان إذا كان عنده قدحا ماء وفرض استواؤهما من جميع الوجوه فإنه يختار أحدهما بلا داع له يرجحه في اعتقاده وكذلك جائع عنده رغيفان والمعتزلة ادعوا الضرورة بأن من استوى عنده الطرفان لا يرجح أحدهما إلا لمرجح
والجواب منع الضرورة والمعارضة بالضرورة في الأمثلة المذكورة
الشرح
المقصد الثالث الإرادة عندنا غير مشروطة باعتقاد النفع أو بميل يتبعه وذلك أن الإرادة توجد بدونهما فلا تكون عين أحدهما ولا مشروطة به أيضا فلا يصح تفسيرها بأحدهما أصلا خلافا للمعتزلة الذين فسروها بواحد منهما لنا في وجود الإرادة بدونهما أن الهارب من السبع إذا عن أي ظهر له طريقان متساويان في الإفضاء إلى مطلوبه الذي هو النجاة منه فإنه مع كونه ملجأ في الهرب يختار أحدهما بإرادته ولا يتوقف في ذلك الاختيار على ترجح أحدهما لنفع يعتقده فيه ولا على ميل يتبعه بل يرجح أحدهما على الآخر بمجرد الإرادة لا أقول لا يكون للفعل مرجح على عدمه فإن الهارب بإرادته مرجح إياه على تركه بل أقول لا يكون إليه أي إلى الفعل داع باعث للفاعل عليه من اعتقاد النفع أو ميل تابع له ومعلوم بالضرورة أنه من دهشته وحيرته لا يخطر بباله طلب مرجح يختار بسببه أحدهما بل لا يطلب ولا يتصور في تلك الحالة سوى النجاة و

معلوم بالضرورة أيضا أنه لو لم يجد المرجح لم يتوقف متفكرا فيه حتى يفترسه السبع وكذلك العطشان إذا كان عنده قدحان من ماء وفرض استواؤهما من جميع الوجوه فإنه يختار أحدهما بلا داع له يرجحه في اعتقاده على الآخر وكذلك جائع عنده رغيفان متساويان من جميع الجهات فإنه يختار أحدهما من غير داع يدعوه إليه وإذا ثبت في هذه الأمثلة وجود الإرادة بدون اعتقاد النفع أو ظنه ثبت وجودها بدون الميل التابع لهما إذ لا وجود للتابع بدون المتبوع والمعتزلة ادعوا الضرورة بأن من استوى عنده الطرفان لا يرجح باختياره أحدهما على الآخر إلا لمرجح يختص بذلك الطرف فما دام الاستواء لا يتصور منه ترجيح أصلا والجواب منع الضرورة والمعارضة بالضرورة في الأمثلة المذكورة فإنا نعلم بالضرورة وجود الترجيح فيها بلا مرجح وداع كما تحققته فإن قيل من البين أن الفعل في هذه الأمثلة راجح على الترك فلا تساوي فيها بينهما قلنا سلوك أحد الطريقين يستلزم ترك سلوك الآخر وبالعكس فإذا استوى السلوكان فقد استوى سلوك أحدهما وتركه على وجه مخصوص وهو أن يتركه سالكا للآخر وأيضا السلوكان أمران مقدوران متساويان وقد رجح أحدهما بلا داع إليه وهو المطلوب نعم للمعتزلة أن يقولوا ليس يلزم من فرض التساوي وقوعه ولا بد في هذه الصور المفروضة من مرجح بحسب اعتقاده إذ لولاه لم يختر شيئا مما فرض تساويه وليس يلزم من الشعور بالمرجح الشعور بذلك الشعور فلعل الدهشة المذكورة صارت سببا لعدم استثبات الشعور في الحافظة فلأجل ذلك لا يعرف الهارب الآن أنه كان له شعور بالمرجح في تلك الحالة هذا

وقد قيل إذا فرض تساوي الطريقين في النجاة فإن طبيعته تقتضي سلوك الطريق الذي على يساره لأن القوة في اليمين أكثر والقوي يدفع الضعيف كما هو المشاهد فيمن يدور على عقبه وأما في القدحين والرغيفين فيختار ما هو أقرب إلى اليمين

المقصد الرابع
المتن
الإرادة مغايرة للشهوة لوجهين
الأول الإرادة قد تتعلق بنفسها دون الشهوة وفيه نظر تعرفه مما اخترناه من التعريف
الثاني إن الإنسان قد يريد شرب دواء كريه فيشربه ولا يشتهيه بل ينفر عنه
الشرح
المقصد الرابع الإرادة مغايرة للشهوة التي هي توقان النفس إلى الأمور المستلذة لوجهين
الأول الإرادة قد تتعلق بنفسها دون الشهوة فإنها لا تتعلق بنفسها بل باللذات وإذا ذكرت متعلقة بنفسها كانت مجازا عن الإرادة كما قيل لمريض ما تشتهي فقال أشتهي أن أشتهي أي أريد أن أشتهي وفيه أي في هذا الفرق نظر تعرفه أنت مما اخترناه في الإرادة من التعريف يعني

أنه إذا فسر الإرادة باعتقاد النفع أو الميل التابع له جاز تعلقها بنفسها لجواز أن يعتقد الشخص أن في اعتقاده لمنفعة فعل من الأفعال أو في ميله إليه نفعا له ثم يميل إلى ذلك الاعتقاد وما يتبعه وأما إذا فسرت بما اختاره من أنها صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع فلا يجوز تعلقها بنفسها لأن إرادتنا ليست مقدورة لنا وإلا احتاج حصولها فينا إلى إرادة أخرى وهكذا إلى ما لا يتناهى اللهم إلا أن يذكروا هذا الفرق على تقدير إقدار الله تعالى إيانا على الإرادة فإن العلماء بناء على هذا التقدير اختلفوا في أن تلك الإرادة المقدورة هل تكون مرادة للعبد بإرادة أخرى أو لا أوجبه الأشاعرة إذ لا يصدر فعل عن فاعل قادر عالم بن ذاكر له إلا بإرادته
وقال الجبائي يستحيل كون الفاعل للإرادة مريدا لها بإرادة أخرى
الوجه الثاني أن الإنسان قد يريد شرب دواء كريه غاية الكراهة فيشربه ولا يشتهيه بل ينفر عنه وقد يشتهي الطعام اللذيذ ولا يريده إذا علم أن فيه هلاكه فقد وجد كل واحدة من الإرادة والشهوة بدون الأخرى وقد يجتمعان في شيء واحد فبينهما عموم من وجه بحسب الوجود وكذا الحال بين الكراهة والنفرة إذ في الدواء المذكور وجدت النفرة دون الكراهة المقابلة للإرادة وفي اللذيذ الحرام توجد الكراهة من الزهاد دون النفرة الطبيعية وقد يجتمعان أيضا في حرام منفور عنه

المقصد الخامس
المتن
إنها غير التمني فإنها لا تتعلق إلا بمقدور مقارن والتمني قد يتعلق بالمحال وبالماضي والميل الذي يسمونه إرادة هو بالتمني أشبه منه بالإرادة

الشرح
المقصد الخامس إنها أي الإرادة غير التمني فإنها لا تتعلق إلا بمقدور مقارن لها عند أهل التحقيق والتمني قد يتعلق بالمحال الذاتي وبالماضي وقد توهم جماعة أن التمني نوع من الإرادة حتى عرفوه بأنه إرادة ما علم أنه لا يقع أو شك وقوعه واتفق المحققون من الأشاعرة والمعتزلة على أن التمني غير الإرادة والميل الذي يسمونه إرادة كما مر هو بالتمني أشبه منه بالإرادة فتأمل

المقصد السادس
المتن
قال الشيخ إرادة الشيء كراهة ضده بعينها إذ لو كانت غيرها فإما مثلها أو ضدها فلا تجامعها وإما مخالف لها فيجامع ضدها إذ المخالف للشيء يجوز اجتماعه معه ومع ضده ولكن ضد إرادة الشيء إرادة الضد فيلزم كراهة الضد مع إرادته وأنه محال
والجواب لا نسلم أن المخالف للشيء يجامع ضده لجواز تلازمهما وكون الشيء ضدا للمتخالفين كالنوم هو ضد للعلم والقدرة ثم ما ذكرتم وإن دل على ما ادعيتم فعندنا ما ينفيه وهو أن شرط كراهة الضد الشعور به اتفاقا وقد لا يشعر به فتنفك الإرادة عن كراهة الضد فلا تكون نفسها
وبالجملة فاستلزام الشيء لنفسه لا يتوقف على شرط وإذا ظهر التغاير فهل الإرادة مستلزمة لكراهة الضد بشرط الشعور به فمختلف فيه

قال القاضي والغزالي مستلزمة والظاهر خلافه لجواز أن يريد الضدين كل واحد من وجه إرادة على السوية أو يترجح أحدهما بحسب ما فيه من نفع راجح
الشرح
المقصد السادس قال الشيخ الأشعري وكثير من أصحابه إرادة الشيء كراهة ضده بعينها إذ لو كانت إرادة الشيء غيرها أي غير تلك الكراهة فإما مثلها أو ضدها فلا تجامعها لامتناع اجتماع المتماثلين والمتضادين وإما مخالف لها أي أمر لا يماثلها ولا يضادها فيجامع ضدها بل يجامع كل واحدة منهما ضد الأخرى إذ المخالف للشيء يجوز اجتماعه معه ومع ضده كالحركة المخالفة للسواد فإنها تجامعه وتجامع البياض أيضا ولكن ضد كراهة الضد هو إرادة الضد فيلزم جواز اجتماع إرادة الشيء مع إرادة ضده لكن الإرادتين المتعلقتين بالضدين متضادتان فلا يجوز اجتماعهما وكذا ضد إرادة الشيء إرادة الضد فإذا جوز اجتماع كراهة الضد مع ضد إرادة الشيء فيلزم كراهة الضد مع إرادته أي يلزم جواز اجتماعهما وإنما لم يقل ضد إرادة الشيء كراهة ذلك الشيء فيلزم حينئذ كراهة الضدين لأن استحالته ممنوعة بخلاف استحالة إرادتهما معا واستحالة إرادة الشيء مع كراهته وأنه أي اجتماع كراهة الضد مع إرادته محال
والجواب عن استدلال الشيخ أن لا نسلم أن المخالف للشيء يجامع ضده لجواز تلازمهما أي تلازم الشيء وتخالفه بأن يكون كل منهما ملزوما للآخر ولا شك أن الملزوم يمتنع اجتماعه مع ضد اللازم فلا

يجوز حينئذ اجتماع شيء من المتخالفين مع ضد صاحبه و جواز كون الشيء الواحد ضد للمتخالفين وعلى هذا أيضا لا يجوز اجتماع الشيء مع ضد ما يخالفه وإلا لجاز اجتماعه مع ضده كالنوم هو ضد للعلم والقدرة المتخالفين ولا يجامعه شيء منهما ثم ما ذكرتم من الدليل وإن دل بظاهره على ما ادعيتم فعندنا ما ينفيه وهو أن شرط كراهة الضد الشعور به اتفاقا وضرورة وقد لا يشعر به أي بالضد حال إرادة الشيء إذ يجوز أن يخطر شيء بالبال وتتعلق به الإرادة مع الغفلة عن ضده فتنفك حينئذ الإرادة المتعلقة بالشيء عن كراهة الضد فلا تكون الإرادة نفسها
وبالجملة فاستلزام الشيء لنفسه لا يتوقف على شرط وهو ظاهر واستلزام إرادة الشيء كراهة ضده متوقف على الشعور بالضد الذي ربما لا يكون حاصلا مع حصول الإرادة فلا تكن الإرادة نفس تلك الكراهة ومنهم من قال إن الشيخ لم يدع أن الإرادة عين الكراهة على الإطلاق بل ادعى أن إرادة الشيء عين كراهة ضده حال الشعور بالضد ولا يذهب عليك أن مثل هذا الكلام مما لا يلتفت إليه وإذا ظهر التغاير بين إرادة الشيء وكراهة ضده بما بيناه فهل الإرادة مستلزمة لكراهة الضد لا مطلقا إذ قد تبين انفكاكها عن الكراهة في بعض الصور بل بشرط الشعور به أي بالضد مختلف فيه
قال القاضي أبو بكر و الإمام الغزالي مستلزمة أي إرادة الشيء مع الشعور بضده تستلزم كون الضد مكروها عند ذلك المريد والظاهر عند المصنف خلافه لجواز أن يريد الشخص الضدين كل واحد منهما من وجه إرادة على السوية أو يترجح أحدهما بحسب ما فيه من نفع راجح على نفع الآخر فيكونان مرادين لا على السوية وهذا الظاهر الذي ذكره

إنما يتأتى إذا فصلت الإرادة باعتقاد النفع أو ما يتبعه وأما إذا فصلت بصفة مخصصة لأحد طرفي الفعل مقارنة كما هو رأي الأشاعرة فلا لأن إرادة الضدين تستلزم اجتماعهما معا

المقصد السابع
المتن
قال القاضي وأبو عبد الله البصري الإرادة تفيد متعلقها صفة فللفعل كونه طاعة ومعصية وللقول كونه أمرا أو تهديدا فإن أرادا أنها تفيد صفة ثبوتية منع وما ذكراه اعتباري كيف والقول لا وجود لجملته فكيف تقوم به صفة
الشرح
المقصد السابع قال القاضي من الأشاعرة وأبو عبد الله البصري من المعتزلة لا إرادة تفيد متعلقها صفة زائدة عن ذات المتعلق سواء كان ذلك المتعلق فعلا أو قولا فللفعل تفيد كونه طاعة كالسجود بإرادته لله تعالى ومعصية كالسجود بإرادته للصنم وللقول تفيد كونه أمرا أو تهديدا فإن أرادا أي القاضي والبصري أنها أي الإرادة تفيد متعلقها صفة ثبوتية موجودة في الخارج منع كون الإرادة كذلك وما ذكراه من كون الفعل طاعة أو معصية وكون القول أمرا أو تهديدا وصف اعتباري لا تحقق له في الخارج كيف والقول لا وجود لجملته معا فكيف تقوم به صفة وجودية وإن أرادا أنها تفيد متعلقها صفة اعتبارية فذلك مما لا ينازع فيه ولا يتصور في ذكره مزيد فائدة
النوع الرابع القدرة
وفيه مقاصد
المقصد الأول
المتن
في تعريف القدرة وهي صفة تؤثر وفق الإرادة فخرج ما لا يؤثر كالعلم وما يؤثر لا على وفق الإرادة كالطبيعة
وقيل ما هو مبدأ قريب للأفعال المختلفة فالنفس الفلكية قدرة على الأول دون الثاني والنفس النباتية بالعكس وأما الحيوانية فقدرة على التفسيرين والقوى العنصرية ليست قدرة على التفسيرين ويرد عليهما القدرة الحادثة على رأينا فإنها لا تؤثر وليست مبدأ لأثر ويسمى كسبا والدليل أنه لو كان فعل العبد بقدرته وأنه واقع بقدرة الله لما سنبرهن على أنه تعالى قادر على جميع الممكنات فلو أراد شيئا وأراد العبد ضده لزم إما وقوعهما أو عدمهما أو كون أحدهما عاجزا
لا يقال نختار أنه يقع مقدور الله تعالى لأن قدرته أتم ألا ترى أنها أعم لأنا نقول عموم القدرة لا يؤثر فإن تعلق القدرة بغير المقدور المعين لا أثر له في هذا المعين ضرورة وبهذا الدليل بعينه نفي جهم الحادثة وأنه غلو

في الجبر وأنه مكابرة لأن الفرق بين الصاعد بالاختيار والساقط عن علو ضروري فالأول له اختيار دون الثاني ويندفع الإشكال بما ذكرناه من عدم تأثير قدرته فإن قال لا نريد بالقدرة إلا الصفة المؤثرة وإذ لا تأثير فلا قدرة كان منازعا في التسمية
الشرح
النوع الرابع من الكيفيات النفسانية القدرة وفيه مقاصد أربعة عشر بل ثلاثة عشر كما ستطلع عليه
المقصد الأول في تعريف القدرة وفي صفة تؤثر على وفق الإرادة فخرج من هذا التعريف ما لا يؤثر كالعلم إذ لا تأثير له وإن توقف تأثير القدرة عليه و خرج أيضا ما يؤثر لا على وفق الإرادة كالطبيعة للبسائط العنصرية
وقيل القدرة ما هو مبدأ قريب للأفعال المختلفة والمراد بالمبدأ هو الفاعل المؤثر والقريب احتراز عن البعيد الذي يؤثر بواسطة كالنفوس الحيوانية والنباتية فإنها مبادئ لأفعال مختلفة مثل الإنماء والتغذية والتوليد لكنها بعيدة لكونها مبادئ لها باستخدام الطبائع والكيفيات هكذا قيل وفيه بحث لأن المؤثر في هذه الأفاعيل إن كان هو الطبائع والكيفيات دون النفوس النباتية والحيوانية كانت هذه النفوس خارجة بقيد المبدأ لأنه الفاعل وإن كان المؤثر فيها هو النفوس وكانت الطبائع والكيفيات آلات لها لم تخرج بقيد القريب لأن الفاعل القريب قد يحتاج إلى استعمال الآلة وقد يقال معنى استخدامها إياهما أنها تنهضهما للتأثير في هذه الأفاعيل وبهذا الإنهاض أشبهت الفاعل كالقاسر في الحركة القسرية فإنه يسخر طبيعة المقسور للتحريك فكانت بحسب الظاهر داخلة في المبدأ وخارجة بالقريب

فالنفس الفلكية قدرة على التفسير الأول لأنها تؤثر على وفق الإرادة وهذا إنما يصح إذا حملت الصفة على ما يتناول الجوهر والعرض معا كتناول القوة إياهما أو يراد بالنفس الفلكية ما يكون صفة للفلك لا نفسه الجوهرية وإن كان مستبعدا جدا دون التفسير الثاني لأنها ليست مبدأ لأفاعيل مختلفة بل لفعل واحد على نسبة واحدة مع الشعور به والنفس النباتية هكذا في النسخ المشهورة وقيل هو سهو من الناسخ لما مر من أن النفس النباتية ليست مبدأ قريبا والصواب أن يقال والقوة النباتية لكن ما في الكتاب موافق للملخص بالعكس فإنها قدرة على التفسير الثاني لكونها مبدأ قريبا لأفاعيل مختلفة دون التفسير الأول إذ لا شعور لها بأفاعيلها وأما القوة الحيوانية فقدرة على التفسيرين لكونها صفة مؤثرة على وفق الإرادة ومبدأ قريبا لأفعال مختلفة والقوى العنصرية سواء أريد بها ما هو صورة مقومة لها ففي الأجسام البسيطة تسمى طبيعة كالنارية والمائية وفي الأجسام المركبة تسمى صورة نوعية لذلك المركب كالصورة المبردة التي للأفيون والمسخنة التي للقربيون أو ما هو عرض قائم بها كالحرارة والبرودة ليست قدرة على التفسيرين إذ لا إرادة لها ولا شعور وليست أفعالها مختلفة بل هي على نهج واحد ويرد عليهما أي على التفسيرين القدرة الحادثة على رأينا معاشر الأشاعرة فإنها لا تؤثر في فعل أصلا فلا تدخل في التفسير الأول وليست مبدأ الأثر قطعا فلا تدخل في التفسير الثاني و إن كان لها عندنا تعلق بالفعل يسمى ذلك التعلق كسبا والدليل على أن القدرة الحادثة

ليست مؤثرة أنه لو كان فعل العبد بقدرته وتأثيرها فيه وأنه أي والحال إن فعل العبد واقع بقدرة الله تعالى أي قدرته تعالى متعلقة بفعل العبد بل هو واقع بتأثيرها فيه لما سنبرهن على أنه تعالى قادر على جميع الممكنات بل جميعها صادرة عنه فلو أراد الله شيئا من الأفعال المقدورة للعباد وأراد العبد ضده لزم إما وقوعهما معا فيلزم اجتماع الضدين أو عدمهما معا ولا شك أن المانع من وقوع مراد كل منهما وقوع مراد الآخر فإذا لم يقعا وجب وقوعهما معا ويلزم ذلك المحال وأيضا إذا فرض ضدان لا واسطة بينهما كان عدمهما معا محالا أو كون أحدهما عاجزا غير قادر على ما فرض قدرته عليه وتأثيره فيه وهو أيضا محال
لا يقال نختار أنه يقع مقدورا لله تعالى لأن قدرته أتم من قدرة العبد ألا ترى أنها أعم منها لتعلقها بما لا يتصور تعلق قدرة العبد به ولا يلزم حينئذ عدم تأثير قدرة العبد في فعل أصلا بل يلزم تخلف أثرها عنه في هذه الصورة المفروضة لمانع أقوى منها أعني قدرة الله تعالى ولا يمكن أن يقال مثل ذلك في دليل التمانع على الوحدانية لأن تخلف الأثر نقصان في القدرة والناقص لا يكون إلها ويجوز أن يكون عبدا لأنا نقول عموم القدرة لا يؤثر فإن تعلق القدرة بغير المقدور المعين لا أثر له في هذا المعين ضرورة فلما فرض تعلق قدرتهما بمقدور معين كانت القدرتان متساويتين بالقياس إليه فكان تأثيرهما في طرفيه على سواء فكون تأثير إحديهما مانعا من تأثير الأخرى دون العكس ترجيح بلا مرجح وفيه بحث لأن تعلق القدرتين بمقدور معين لا يستلزم تساويهما لجواز أن يكون أحد القادرين أقدر عليه من الآخر مع تشاركهما في كون ذلك المعين مقدورا لهما فإن اختلاف مراتب القدرة بحسب الشدة والضعف جائز وبهذا الدليل الذي نفينا به تأثير القدرة الحادثة بعينه نفي جهم القدرة الحادثة فقال لو كان للعبد قدرة على فعل مع أن ذلك الفعل مقدور لله تعالى فإن فرض أن الله

أراد شيئا وأراد العبد ضده إلى آخره وأنه أي ما ذهب إليه جهم بن صفوان الترمذي من نفي قدرة العبد بالكلية غلو وتجاوز عن الحد في الجبر لا توسط بين الجبر والتفويض كما هو الحق وأنه أي ما ذهب إليه مكابرة أيضا ودفع لما هو معلوم بالبديهة أن الفرق بين الصاعد إلى موضع عال بالاختيار و بين الساقط عن علو ضروري فالأول له اختيار أي له صفة يوجد الصعود عقيبها ويتوهم كونها مؤثرة فيه وتسمى تلك الصفة قدرة واختيارا دون الثاني إذ ليس له تلك الصفة بالقياس إلى سقوطه ويندفع الإشكال اللازم من تمانع قدرة الله وقدرة العبد بما ذكرناه من عدم تأثير قدرته أي قدرة العبد فلا حاجة في دفعه إلى ما ارتكبه من الغلو فإن قال جهم لا نريد بالقدرة إلا الصفة المؤثرة وإذ لا تأثير كما اعترفتم به فلا قدرة أيضا كان منازعا في التسمية فإنا نثبت للعبد ذات الصفة المعلومة بالبديهة ونسميها قدرة فإذا اعترف جهم بتلك الصفة وقال إنها ليست قدرة لعدم تأثيرها كان نزاعه معنا في إطلاق لفظ القدرة على تلك الصفة وهو بحث لفظي وإن قال حقيقة القدرة وماهيتها أنها صفة مؤثرة منعناه بأن التأثير من توابع القدرة وقد ينفك عنها كما في القدرة الحادثة عندنا

المقصد الثاني
المتن
هل يجوز مقدور بين قادرين جوزه أبو الحسين البصري مطلقا والأصحاب بناء على إثبات قدرة للعبد غير مؤثرة مع شمول قدرة الله تعالى

ومنعه المعتزلة بناء على امتناع قدرة غير مؤثرة فيلزم التمانع والمجوزون من أصحابنا اتفقوا على امتناع قدرتين مؤثرتين للتمانع وقدرتين كاسبتين لأن الكسب هو أن يخلق الله للقدرة الحادثة وأنها لا تتعلق بفعل خارج عن المحل فلا يقدر زيد على فعل عمرو ولا يتصور اثنان هما محل لفعل واحد
الشرح
المقصد الثاني هل يجوز مقدور بين قادرين جوزه أبو الحسين البصري من المعتزلة مطلقا قيل معناه من غير تفصيل بين أن يكون القادران مؤثرين أو كاسبين أو أحدهما مؤثرا والآخر كاسبا ويرد عليه أن أبا الحسين لم يقل بقدرة كاسبة بل هذا مذهب الأشاعرة ومن يحذو حذوهم ويحتمل أن يقال معنى الإطلاق بالنسبة إلى الخالق والمخلوق والمخلوقين وكأنه نظر إلى أن دليل التمانع إنما يتم إذا كان حصول مراد أحدهما دون الآخر ترجيحا بلا مرجح كما في تعدد الآلهة وأما في غيره فلا يتم فإن الخالق أقدر من المخلوق ويجوز أن يكون أحد المخلوقين أقدر من الآخر فلا يكون وقوع مراد الأقدر تحكما و جوزه الأصحاب لا مطلقا بل بين قادر خالق وقادر كاسب بناء على إثبات قدرة للعبد غير مؤثرة في مقدوره بل متعلقة به تعلق الكسب مع شمول قدرة الله تعالى لجميع الأشياء فيكون مقدور العبد كسبا مقدورا لله تعالى تأثيرا ومنعه المعتزلة أي منعوا جواز كون مقدور بين قادرين مطلقا بناء على امتناع قدرة غير مؤثرة على رأيهم بل لا تكون القدرة عندهم إلا مؤثرة فيلزم التمانع على تقدير كون مقدور بين قادرين والمجوزون من أصحابنا لكون مقدور بين قدرة كاسبة وقدرة مؤثرة كما مر اتفقوا على امتناع مقدور بين قدرتين مؤثرتين للتمانع و على امتناع مقدور بين قدرتين كاسبتين لأن الكسب هو أن يخلق الله تعالى فعلا متعلقا للقدرة الحادثة وأنها أي القدرة الحادثة لا تتعلق بفعل خارج عن المحل أي محل

تلك القدرة الحادثة فلا يقدر زيد على فعل عمرو ولا يتصور اثنان هما في محل لفعل واحد بل يكون كل واحد من الاثنين محلا لفعل مغاير ولو بالشخص لفعل الآخر فلا يمكن اجتماع قدرتين كاسبتين على فعل واحد شخصي

المقصد الثالث
المتن
وقال بشر بن المعتمر القدرة عبارة عن سلامة البنية عن الآفات فمن أثبت صفة زائدة فعليه البرهان وقال ضرار بن عمرو وهشام بن سالم إنها بعض القادر وقيل بعض المقدور
الشرح
المقصد الثالث اتفقت الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم على أن القدرة صفة وجودية يتأتى معها الفعل بدلا عن الترك والترك بدلا عن الفعل وقال بشر بن المعتمر القدرة الحادثة عبارة عن سلامة البنية عن الآفات فجعلها

صفة عدمية قال فمن أثبت صفة زائدة على سلامة البنية فعليه البرهان واختار الإمام الرازي في المحصل مذهبه حيث قال المرجع بالقدرة في حقنا إن كان إلى سلامة الأعضاء فهو معقول وإن كان إلى أمر آخر ففيه النزاع وقال ضرار بن عمرو وهشام بن سالم إنها أي القدرة الحادثة بعض القادر فالقدرة على الأخذ عبارة عن اليد السليمة والقدرة على المشي عبارة عن الرجل السليمة وقيل القدرة بعض المقدور وفساده أظهر من أن يخفى

المقصد الرابع
المتن
اختلف في طريق إثباتها والحق أنها تعرف بالوجدان كما أشرنا إليه وقال الهمداني من المعتزلة هو تأتي الفعل من بعض الموجودين دون بعض قلنا الممنوع قادر عندك ولا يتأتى منه الفعل فإن قال يتأتى منه بتقدير ارتفاع المانع قلنا فالعاجز يتأتى منه الفعل بتقدير ارتفاع المانع وهو العجز وقال الجبائي هو العلم بصحة الشخص قلنا قد توجد ولا قدرة بأضدادها إجماعا
الشرح
المقصد الرابع اختلف في طريق إثباتها أي إثبات القدرة الحادثة والعلم بها والحق ما عليه الأشاعرة وهو أنها تعرف ويعلم وجودها بالوجدان كما أشرنا إليه حيث قلنا إن الفرق بين الصاعد بالاختيار والساقط عن علو ضروري فإنا نجد حالة الصعود أمرا ثابتا لها دون حالة السقوط وكذا نجد تفرقة ضرورية بين حركة الارتعاش وحركة الاختيار
وقال الهمداني من المعتزلة هو أي طريق إثباتها تأتي الفعل أي تيسره من بعض الموجودين دون بعض فإذا علمنا تيسر فعل من موجود

وتعذره من غيره علمنا أن الأول له قدرة دون الثاني قلنا الممنوع من الفعل قادر عندك على الفعل ومعلوم قدرته عليه ولا يتأتى منه الفعل حال كونه ممنوعا منه بل يتعذر عليه فلا يختص طريق إثباتها بتأتي الفعل فإن قال الهمداني يتأتى الفعل منه أي الممنوع بتقدير ارتفاع المانع قلنا فالعاجز يتأتى منه الفعل بتقدير ارتفاع المانع وهو العجز فيلزم أن يكون العاجز قادرا فإن قال القدرة مصححة للفعل لا موجبة له ولا شك أن الممنوع موصوف بما يصححه إلا أنه تخلف عنه لأجل المانع بخلاف العاجز إذ ليس معه ما يصحح الفعل قلنا المعلوم بلا شبهة هو أن الفعل يتعذر عليهما ما داما على حالهما وإذا فرض زوال ما بهما يتأتى الفعل منهما فمن أين لك وجود المصحح مع أحدهما دون الآخر وقال أبو علي الجبائي هو أي طريق العلم بالقدرة العلم بصحة الشخص وسلامته عن الآفات قلنا قد توجد تلك الصحة للشخص ولا قدرة له عند اتصافه بأضدادها من النوم والعجز فلا يكون العلم بتلك الصحة مستلزما للعلم بثبوت القدرة كيف والصحيح المتصف بتلك الأضداد لا قدرة له إجماعا

المقصد الخامس
المتن
قال الشيخ القدرة مع الفعل ولا توجد قبله إذ قبل الفعل لا يمكن الفعل وإلا فلنفرض فهي حال الفعل هذا خلف
فإن قيل القدرة في الحال على إيقاع الفعل في ثاني الحال وهو لا يستدعي إمكانه في الحال بل في ثاني الحال قلنا الإيقاع إن كان نفس الفعل فمحال في الحال لما ذكرنا وإن كان غيره عاد الكلام فيه ولزم

التسلسل وفيه نظر يرجع إلى تحقيق معنى قوله حصول الفعل قبل الفعل محال فإنه قد يراد به بشرط كونه قبل الفعل فلا كلام إذ لا شك أنه تناقض وقد يراد به في زمان عدم الفعل بل بأن يفرض خلوه عن عدم الفعل ووقوع الفعل بدله وأنه غير محال وذلك كقعود زيد فإنه محال بشرط قيامه أي يمتنع كونه قائما قاعدا معا ولا يمتنع في زمان قيامه فإنه لا يستحيل أن يعدم القيام ويوجد بدله القعود
وقالت المعتزلة القدرة قبل الفعل فمنهم من قال ببقائها حال الفعل وإن لم تكن قدرة عليه فإنها شرط كالبنية ومنهم من نفاه ودليلهم وجوه
الأول إن تعلق القدرة معناه الإيجاد وإيجاد الموجود محال
قلنا إيجاده بذلك الوجود جائز بمعنى أن يكون ذلك الوجود مستندا إلى الموجد
الثاني يلزم القدرة على الباقي
قلنا نلتزمه لدوام وجوده بدوام تعلق القدرة أو نفرق باحتياج الموجود عن عدم إلى المقتضى دون غيره أن ننقض أو لا بتأثير العلم في الإتقان وفي كون الفاعل فاعلا والإرادة إذ يوجبونها حال الحدوث دون البقاء
الثالث أنه يوجب حدوث قدرة الله تعالى أو قدم مقدوره
أجيب بأن الفعل في الأزل غير ممكن فلا تتعلق به وفيه نظر إذ فيه التزام وما ذكروه بيان للسبب وأيضا فالتعلق قبله بزمان لا يمتنع فيرد الإشكال بحسبه
الرابع يلزم أن لا يكون الكافر مكلفا بالإيمان لأنه غير مقدور له ولو جوز فليجز تكليفه بخلق الجواهر والأعراض

قلنا يجوز تكليف المحال عندنا والفرق أن ترك الإيمان بقدرته بخلاف عدم الجواهر والأعراض
وبالجملة فكون الشيء مقدورا الذي هو شرط التكليف عندنا أن يكون هو متعلقا للقدرة أو ضده
فروع للمعتزلة
الأول هل يخلو القادر عن جميع مقدوراته جوزه أبو هاشم وأتباعه مطلقا وفصل الجبائي فجوزه عند المانع ومنعه عند عدمه في المباشر دون المولد
الثاني تنقسم الأفعال المقدورة إلى ما لا يحتاج إلى آلة كالقائمة بالمحل وإلى ما يحتاج كالخارجة عنه
الثالث اتفقوا على أنها لا تبقى غير متعلقة فقيل القدرة تتعلق بالفعل عقيبها وقيل بما بعدها مطلقا فالجبائي الفاعل في الحالة الأولى يفعل وفي الثانية فعل وابنه في الأولى سيفعل وفي الثانية يفعل وابن المعتمر يفعل مطلقا
الرابع قال العلاف القدرة على أفعال القلوب معها وعلى أفعال الجوارح قبلها
الشرح
المقصد الخامس قال الشيخ وأصحابه القدرة الحادثة مع الفعل أي أنها توجد حال حدوث الفعل وتتعلق به في هذه الحالة ولا

توجد القدرة الحادثة قبله فضلا عن تعلقها به إذ قبل الفعل لا يمكن الفعل بل يمتنع وجوده فيه وإلا أي وإن لم يمتنع وجوده قبله بل أمكن فلنفرض وجوده فيه فهي أي فالحالة التي فرضناها أنها حالة سابقة على الفعل ليست كذلك بل هي حالة الفعل هذا خلف محال لأن كون المتقدم على الفعل مقارنا له يستلزم اجتماع النقيضين أعني كونه متقدما وغير متقدم فقد لزم من وجود الفعل قبله محال فلا يكون ممكنا إذ الممكن لا يستلزم المستحيل بالذات وإذا لم يكن الفعل ممكنا قبله لم يكن مقدورا قبله فلا تكون القدرة عليه موجودة حينئذ ولا شك أن وجود القدرة بعد الفعل مما لا يتصور فتعين أن تكون موجودة معه وهو المطلوب
فإن قيل نحن لا ندعي أن القدرة إذا وجدت في حال كانت متعلقة بوجود الفعل في ذلك الحال حتى يلزم إمكان وجوده فيه بل نقول القدرة في الحال إنما هي على إيقاع الفعل في ثاني الحال وهو أي تعلق القدرة السابقة بالفعل على هذا الوجه لا يستدعي إمكانه أي إمكان الفعل في الحال بل في ثاني الحال فلا يضرنا ما ذكرتم من أن الفعل ليس بممكن قبل حدوثه في جواز كون القدرة موجودة قبله
قلنا الإيقاع الذي هو تأثير القدرة الحادثة في الفعل وإيجادها إياه على رأيكم إن كان نفس الفعل على معنى أن التأثير في الفعل هو عين حصول الأثر الذي هو الفعل فمحال أي فالإيقاع محال في الحال لما ذكرنا من أن حصول الفعل مستحيل قبل زمان حدوثه وإن كان غيره عاد الكلام فيه لأن الإيقاع ممكن حادث فلا بد له من تأثير القدرة فيه فللإيقاع إيقاع آخر ولزم التسلسل بأن يكون بين القدرة والفعل إيقاعات وتأثيرات غير متناهية لا يقال الإيقاع أمر اعتباري فلا حاجة به إلى إيقاع

آخر لأنا نقول اتصاف الموقع بصفة الإيقاع دون اللا إيقاع يحتاج إلى ترجيح قطعا وهو المراد بالتأثير والإيقاع وفيه أي فيما ذكرنا من دليل الشيخ نظر يرجع ذلك النظر إلى تحقيق معنى قوله حصول الفعل قبل الفعل محال فإنه قد يراد به أن حصول الفعل في زمان بشرط كونه قبل الفعل محال فلا كلام فيه إذ لا شك أنه تناقض لاستلزامه أن يكون ذلك الزمان متقدما على الفعل وأن لا يكون متقدما عليه بل معه واستلزامه أيضا اجتماع وجود الفعل وعدمه معا لكن هذا المحال لم يلزم من وجود الفعل في ذلك الزمان وحده حتى يلزم امتناعه فيه بل منه مع فرض كون ذلك الزمان قبل الفعل مقارنا لعدمه فيكون هذا المجموع محالا دون الفعل وحده بل هو ممكن في ذاته قطعا فلا يتصف بالامتناع الذاتي أصلا بل بالامتناع الغيري وذلك لا ينافي تعلق القدرة به وقد يراد به معنى آخر وهو وجود الفعل في زمان عدم الفعل لا بأن يجتمع فيه مع عدمه بل بأن يفرض خلوه أي خلو ذلك الزمان عن عدم الفعل و يفرض وقوع الفعل فيه بدله وأنه غير محال في نفسه ولا يستلزم محالا أيضا فيجوز تعلق القدرة به قبل حدوثه على هذا الوجه وذلك الذي ذكرناه من أن الفعل قبله محال بشرط كونه قبل الفعل وليس بمحال إذ لم يؤخذ بذلك الشرط كقعود زيد فإنه محال بشرط قيامه أي يمتنع كونه قائما قاعدا معا فيكون الاجتماع محالا لا القعود في نفسه ولا يمتنع قعوده في زمان قيامه فإنه لا يستحيل أن يعدم القيام ويوجد بدله القعود وقد وافق الشيخ في أن القدرة الحادثة مع الفعل كثير من المعتزلة كالنجار

ومحمد بن عيسى وابن الراوندي وأبي عيسى الوراق وغيرهم
وقالت المعتزلة أي أكثرهم القدرة قبل الفعل وتتعلق به حينئذ ويستحيل تعلقها بالفعل حال حدوثه ثم اختلفوا في بقاء القدرة فمنهم من قال ببقائها حال وجود الفعل وإن لم تكن القدرة الباقية قدرة عليه أي على ذلك الفعل لامتناع تعلقها به حال وجوده لكن يجب بقاؤه إلى زمان وجود مقدورها فإنها شرط لوجود المقدور كالبنية المخصوصة المشروطة في وجود الأفعال المقدورة ومنهم من نفاه أي وجوب البقاء وجوز انتفاء القدرة حال وجود الفعل كما جوزوا كلهم انتفاء الفعل حال وجود القدرة ودليلهم على أن القدرة وتعلقها بالفعل إنما هو قبله لا معه وجوه
الأول أن تعلق القدرة بالفعل معناه الإيجاد وإيجاد الموجود محال لأنه تحصيل الحاصل بل يجب أن يكون الإيجاد قبل الوجود ولهذا صح أن يقال أوجده فوجد
قلنا هذا مبني على أن القدرة الحادثة مؤثرة وهو ممنوع وعلى تقدير تسليمه نقول ايجاده أي إيجاد الموجود بذلك الوجود الذي هو أثر ذلك الإيجاد جائز بمعنى أن يكون ذلك الوجود الذي هو به موجود في زمان الإيجاد مستندا إلى الموجد ومتفرعا على إيجاده والمستحيل هو إيجاد الموجود بوجود آخر وتحقيقه مامر من أن التأثير مع حصول الأثر

بحسب الزمان وإن كان متقدما عليه بحسب الذات وهذا التقدم هو المصحح لاستعمال الفاء بينهما
الوجه الثاني إن جاز تعلق القدرة بالفعل الحادث حال حدوثه يلزم القدرة على الباقي حال بقائه والتالي باطل بيان الملازمة أن المانع من تعلق القدرة بالباقي ليس إلا كونه متحقق الوجود والحادث حال حدوثه متحقق الوجود أيضا أو نقول وجود الباقي هو نفس الوجود حال الحدوث فلو تعلقت القدرة به حال الحدوث لتعلقت به حال البقاء لأن المتعلق واحد ولا تأثير لتعاقب الأوقات في أحكام الأنفس
قلنا نلتزمه أي نلتزم تعلق القدرة بالباقي لدوام وجوده بدوام تعلق القدرة به أو نفرق بين الحادث والباقي بما تبطل به الملازمة المذكورة أعني باحتياج الموجود عن عدم إلى المقتضى لوجوده دون غيره وهو الباقي ومعناه أن الحادث هو الموجود بعد العدم فلو لم تتعلق به القدرة لبقي على عدمه وقد فرضنا وجوده هذا خلف بخلاف الباقي فإنه كان موجودا حال الحدوث فلو لم تتعلق به القدرة لبقي على الوجود وليس بمحال لكونه مطابقا للواقع أو ننقض دليلهم أو لا بتأثير العلم في الإتقان فإن المؤثر في إتقان الفعل وأحكامه هو العلم أو العالمية عندهم ولم يشترطوا مقارنة شيء منهما للإتقان حالة البقاء وإن كان ذلك مشروطا عندهم حال حدوثه و ثانيا بتأثير الفعل في كون الفاعل فاعلا فإن الفعل مؤثر في اتصاف الفاعل بكونه فاعلا حال الحدوث وبتقدير كون الفعل باقيا عندهم لا يؤثر في اتصافه بالفاعلية حال البقاء وننقضه ثالثا بمقارنة الإرادة إذ يوجبونها أي يوجبون مقارنتها للموجود حال الحدوث دون البقاء فلم يلزم

من عدم المقارنة حال البقاء عدم المقارنة حال الحدوث فكذا الحال في القدرة
قال الآمدي ولو راموا الفرق بين هذه الصور الثلاث وبين القدرة لم يجدوا إليه سبيلا
الوجه الثالث أنه أي كون القدرة مع الفعل لا قبله يوجب حدوث قدرة الله تعالى أو قدم مقدوره إذ الفرض كون القدرة والمقدور معا فيلزم من حدوث مقدوره تعالى حدوث قدرته أو من قدم قدرته قدم مقدوره وكلاهما باطل بل قدرته أزلية إجماعا ومتعلقة في الأزل بمقدوراته فقد ثبت تعلق القدرة بمقدورها قبل حدوثه ولو كان ذلك ممتنعا في القدرة الحادثة لكان ممتنعا في القديمة أيضا
أجيب عن ذلك بأن الفعل في الأزل غير ممكن فلا تتعلق به القدرة القديمة
قال المصنف وفيه أي في هذا الجواب الذي ذكره الآمدي نظر إذ فيه التزام لمذهب الخصم أعني وجود القدرة قبل الفعل وما ذكروه في الجواب بيان للسبب الذي به كان المقدور متأخرا عن القدرة فهو تأييد لمذهبه لا دفع له فإن قلت إن المعتزلة ادعوا وجود القدرة قبل الفعل مع تعلقها به والمجيب سلم وجودها ومنع تعلقها فلا يكون التزاما لمقالتهم قلت وجود القدرة مع انتفاء التعلق بالكلية مما تأباه البديهة فلا بد أن يقال هناك تعلق معنوي غير كاف في وجود المقدور وبذلك تثبت القدرة قبل الفعل مع تعلقها به في الجملة وأيضا إن امتنع تعلق القدرة بالفعل في الأزل لامتناع كون الفعل أزليا فالتعلق أي تعلقها بالفعل قبله بزمان متناه لا يمتنع فيرد الإشكال بحسبه أي بحسب هذا التعلق إذ حينئذ تكون القدرة

موجودة قبل الفعل ومتعلقة به أيضا قبله بزمان محدود كان الفعل فيه ممكنا فالصواب في الجواب أن يقال القدرة القديمة الباقية مخالفة في الماهية للقدرة الحادثة التي لا يجوز بقاؤها عندنا فلا يلزم من جواز تقدمها على الفعل جواز تقدم الحادثة عليه ثم إن القدرة القديمة متعلقة في الأزل بالفعل تعلقا معنويا لا يترتب عليه وجود الفعل ولها تعلق آخر به حال حدوثه تعلقا حادثا موجبا لوجوده فلا يلزم من قدمها مع تعلقها المعنوي قدم آثارها فاندفع الإشكال بحذافيره
الوجه الرابع إن كانت القدرة على الفعل معه لا قبله يلزم أن لا يكون الكافر في زمان كفره مكلفا بالإيمان لأنه غير مقدور له في تلك الحالة المتقدمة عليه بل نقول يلزم أن لا يتصور عصيان من أحد إذ مع الفعل لا عصيان وبدونه لا قدرة فلا تكليف فلا عصيان وأيضا أقوى أعذار المكلف التي يجب قبولها لدفع المؤاخذة عنه هو كون ما كلف به غير مقدور له فإذا لم يكن قادرا على الفعل قبله وجب دفع المؤاخذة عنه بعدم الفعل المكلف به وهو باطل بإجماع الأمة ولو جوز تكليف الكافر بالإيمان مع كونه غير مقدور له فليجز تكليفه بخلق الجواهر والأعراض مما ليس مقدورا له إذ لا مانع من التكليف بهذا الخلق سوى كونه غير مقدور وقد فرضنا أنه لا يصلح مانعا قلنا يجوز تكليف المحال عندنا فيلزم جواز التكليف بالخلق المذكور و لنا الفرق وهو أن ترك الإيمان من الكافر حال كفره إنما هو بقدرته وإن لم يكن وجوده مقدورا له حينئذ بخلاف عدم الجواهر والأعراض فإنه ليس مقدورا له أصلا فلا يلزم من جواز التكليف بالإيمان جواز التكليف بخلقها
وبالجملة فكون الشيء مقدورا الذي هو شرط التكليف عندنا أن يكون

هو أي ذلك الشيء متعلقا للقدرة أو يكون ضده متعلقا لها وهذا الشرط حاصل في الإيمان فإنه وإن لم يكن مقدورا له قبل حدوثه لكن تركه بالتلبس بضده الذي هو الكفر مقدور له حال كونه كافرا بخلاف أحداث الجواهر والأعراض فإنه غير مقدور له فعله ولا تركه فلا يجوز التكليف به وأما ما ذكروه من قصة الأعذار ووجوب قبولها فمبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وسيأتي بطلانها
فروع المعتزلة مبنية على مذهبهم في القدرة الحادثة
الأول هل يخلو القادر عن جميع مقدوراته جوزه أبو هاشم وأتباعه مطلقا وفصل الجبائي فجوزه أي الخلو عن جميع المقدورات عند وجود المانع ومنعه عند عدمه في المباشر دون المولد أي لم يجوز الخلو عند عدم المانع في الأفعال المباشرة وجوزه في الأفعال المولدة وقد تبين أن القدرة الحادثة لا تخلو عن مقدورها عند الأشاعرة
الفرع الثاني أنهم اتفقوا على أنه تنقسم الأفعال المقدورة إلى ما لا يحتاج في وقوعه إلى آلة كالقائمة بالمحل أي كالأفعال القائمة بمحل القدرة مثل حركة اليد وإلى ما يحتاج في وقوعه إلى آلة كالخارجة عنه أي كالأفعال الخارجة عن محل القدرة مثل حركة الحجر بتحريك اليد وعند الأشاعرة أن القدرة الحادثة لا تتعلق بما في غير محلها
الفرع الثالث اتفقوا على أنها لا تبقى غير متعلقة أي يستحيل أن توجد القدرة مع أنها لا تتعلق بمقدورها أصلا لكنهم اختلفوا في كيفية

تعلقها به فقيل القدرة الحادثة تتعلق بالفعل عقيبها أي هي في وقت وجودها متعلقة بالمقدور في الحالة الثانية فقط فلا تتعلق به في الحالة الثالثة إلا في الحالة الثانية وكذلك المقدور في الحالة الرابعة لا تتعلق به القدرة إلا في الحالة الثالثة وهكذا
وقيل القدرة حال وجودها متعلقة بما بعدها مطلقا أي هي في تلك الحالة متعلقة بوجود الفعل في الحالة الثانية والثالثة وما بعدها وليس يختص تعلقها بوجود الفعل في الحالة الثانية فقط
قال الآمدي ثم إن المخصصين لتعلقها بالحالة الثانية اختلفوا فالجبائي قال الفاعل في الحالة الأولى التي وجد فيها القدرة دون الفعل يقال في حقه يفعل وفي الحالة الثانية التي هي حال وجود الفعل يقال فعل ولا يقال يفعل و قال ابنه يقال في الحالة الأولى سيفعل ويقال في الحالة الثانية يفعل و قال ابن المعتمر يقال يفعل مطلقا أي في الحالتين معا وما ذهب إليه أبو هاشم أقرب إلى قواعد العربية فإن صيغة المضارع إذا أطلقت مجردة عن قرائن الاستقبال يتبادر منها الحال وكأن ابن المعتمر اختار مذهب الاشتراك والجبائي جعلها حقيقة في الاستقبال
الفرع الرابع قال أبو الهذيل العلاف القدرة على أفعال القلوب معها ولا يجوز تقدمها عليها والقدرة على أفعال الجوارح يجب أن تكون قبلها
قال الآمدي هذا وأمثالها من الاختلافات التي لا مستند لها يظهر

فسادها بأوائل النظر فيها والاشتغال بها تضييع للزمان في غيرهم فلذلك أعرضنا عنها

المقصد السادس
المتن
الممنوع عن الفعل هل هو قادر عليه منعه الأشاعرة إذ القدرة مع الفعل وقال به المعتزلة قالوا العجز يضاد القدرة والمنع المقدور وجوديا مضادا للمقدور أو مولدا لضده أو عدميا وادعوا الضرورة في الفرق بين الزمن والمقيد وذلك لأنه لم يتبدل ذاته ولا صفته ولم يطرأ عليه ضد من أضداد القدرة وعندنا لا فرق إلا ما يعود إلى جريان العادة بخلق الفعل فيه وعدمه ونمنع عدم تبدل صفاته فإن الله تعالى لم يخلق فيه القدرة ولا حاجة إلى طرو ضد
الشرح
المقصد السادس الممنوع عن الفعل هل هو قادر عليه حال كونه ممنوعا عنه منعه الأشاعرة إذ القدرة عندهم مع الفعل فلا يتصور كون الممنوع عن فعل قادر عليه في حالة المنع إذ لا فعل حينئذ فلا قدرة عليه وقال به أي بكون الممنوع قادرا على الفعل المعتزلة وفرقوا بين العجز والمنع حيث قالوا العجز يضاد القدرة دون المقدور والمنع بعكسه فإنه لا يضاد القدرة بل يضاد المقدور وينافيه مع بقاء القدرة سواء كان المنع وجوديا مضادا بنفسه للمقدور كالسكون بالنسبة إلى الحركة

المقدورة أو وجوديا مولدا لضده أي ضد المقدور كالاعتمادات السلفية المولدة للحركة السفلية المضادة للحركة العلوية أو كان عدميا كانتفاء شرط من شرائط المقدور مثل انتفاء العلم بالفعل المحكم فإنه ينافي وجود الأحكام دون القدرة عليه وادعوا الضرورة في الفرق بين الزمن والمقيد أي قالوا لو لم يكن الممنوع قادرا على ما منع منه لم يكن فرق فبين الزمن الذي لا يتصور منه الحركة أصلا وبين المقيد الصحيح السالم عن الآفات المانعة عن الحركة لأن كل واحد منهما غير قادر على الحركة والانتقال من مكانه لكن الضرورة العقلية شاهدة بالفرق بينهما وليس ذلك إلا بأن المقيد قادر على الحركة دون صاحبه
وقالوا أيضا إن الصحيح السالم عن الآفات إذا قيد كان قادرا على الحركة كما كان قادرا عليها قبل القيد وذلك لأنه لم يتبدل ذاته ولا صفته ولم يطرأ عليه ضد من أضداد القدرة حال القيد الذي ليس هو ضدا لها فوجب بقاء قدرته قطعا و الجواب عن الأول أن يقال عندنا لا فرق بينهما إلا ما يعود إلى جريان العادة من الله سبحانه بخلق الفعل مع القدرة فيه أي في المقيد حال ارتفاع القيد فإن هذا الارتفاع معتاد وعدمه أي عدم جريان العادة بخلق الفعل مع القدرة في الزمن فإن ارتفاع زمانته غير معتاد وهذا المقدار من الفرق كاف بشهادة البديهة و الجواب عن الثاني أنا نمنع عدم تبدل صفاته حال القيد فإن الله تعالى لم يخلق فيه القدرة حال كونه مقيدا وخلقها فيه حال كونه مطلقا ماشيا ولا حاجة لانتفاء القدرة في المقيد إلى طرو ضد من أضدادها عليه بل يكفيه انتفاء خلقها فيه

المقصد السابع
المتن
قال الشيخ بناء على كون القدرة مع الفعل أنها لا تتعلق بالضدين بل بمقدورين مطلقا
وقالت المعتزلة تتعلق بجميع مقدوراته وقول أبي هاشم متردد فقال مرة القدرة القائمة بالقلب تتعلق بجميع متعلقاتها دون القائمة بالجوارح وتارة أخرى كل واحدة منهما تتعلق بجميع متعلقاتها دون متعلقات الأخرى وتارة كل واحدة منهما تتعلق بمتعلقاتهما جميعا غير أن كلا لا يؤثر في متعلقات الأخرى لعدم الآلة ومرة القدرة القلبية تتعلق بمتعلقيهما دون العضوية
وقال ابن الراوندي تتعلق القدرة بالضدين بدلا لا معا
وأجمعت المعتزلة على أنها تتعلق بالمتماثلات مع اتفاقهم على أنه لا يقع بها مثلان في محل في وقت وأنهم يدعون فيما ذهبوا إليه الضرورة إذ لا معنى للقدرة إلا التمكن من الطرفين ومن لا يكون قادرا على عدم الفعل فهو مضطر لا قادر وعليه بنيت الدعوة والثواب والعقاب
قال الإمام الرازي القدرة تطلق على مجرد القوة التي هي مبدأ للأفعال المختلفة ولا شك أن نسبتها إلى الضدين سواء وهي قبل الفعل وتطلق على القوة المستجمعة لشرائط التأثير ولا شك أنها لا تتعلق بالضدين بل هي بالنسبة إلى كل مقدور غيرها بالنسبة إلى الآخر لاختلاف الشرائط وهي مع الفعل ولعل الشيخ أراد بالقدرة القوة المستجمعة والمعتزلة مجرد القوة وفيه بحث
الشرح
المقصد السابع قال الشيخ وأكثر أصحابه بناء على كون القدرة عندهم مع الفعل لا قبله أنها أي القدرة الواحدة لا تتعلق بالضدين وإلا لزم اجتماعهما لوجوب مقارنتهما لتلك القدرة المتعلقة بهما بل قالوا إن

القدرة الواحدة لا تتعلق بمقدورين مطلقا سواء كانا متضادين أو متماثلين أو مختلفين لا معا ولا على سبيل البدل بل القدرة الواحدة لا تتعلق إلا بمقدور واحد وذلك لأنها مع المقدور ولا شك أن ما نجده عند صدور أحد المقدورين منا مغاير لما نجده عند صدور الآخر
وقالت المعتزلة أي أكثرهم قدرة العبد تتعلق بجميع مقدوراته المتضادة وغير المتضادة وقول أبي هاشم من بينهم متردد ترددا فاحشا فقال مرة القدرة القائمة بالقلب تتعلق بجميع متعلقاتها كالاعتقادات والإرادات ونحوها دون القدرة القائمة بالجوارح فإنها لا تتعلق بجميع مقدوراتها من الاعتمادات والحركات وغيرها وقال تارة أخرى كل واحدة منهما أي من قدرة القلب وقدرة الجوارح تتعلق بجميع متعلقاتها دون متعلقات الأخرى وقال تارة ثالثة كل واحدة منهما تتعلق بمتعلقاتها التي هي أفعال القلوب والجوارح جميعا غير أن كلا منهما لا يؤثر في متعلقات الأخرى لعدم الآلة أي يمتنع إيجاد أفعال الجوارح بالقدرة القائمة بالقلب لعدم الآلات والبنية المخصوصة المناسبة لتلك الأفعال وكذا العكس وقال مرة رابعة القدرة القلبية تتعلق بمتعلقاتهما معا دون القدرة العضوية فإنها تتعلق بأفعال الجوارح دون أفعال القلوب
وقال ابن الراوندي من المعتزلة وكثير من أصحابنا تتعلق القدرة الحادثة بالضدين بدلا لا معا وأجمعت المعتزلة على أنها أي القدرة الواحدة تتعلق بالمتماثلات من جنس واحد من المقدورات على تعاقب الأزمنة والأوقات مع اتفاقهم بأسرهم على أنه لا يقع بها أي بتلك القدرة الواحدة مثلان في محل واحد في وقت واحد وأنهم أي المعتزلة يدعون فيما ذهبوا إليه من تعلق القدرة بالضدين الضرورة إذ لا

معنى للقدرة إلا التمكن من الطرفين أي طرفي الفعل المقدور ومن لا يكون قادرا على عدم الفعل وتركه الذي هو ضده ومنافيه فهو مضطر وملجأ إلى الفعل بحيث لا يقدر على الانفكاك عنه لا قادر عليه وهو باطل كيف وعليه أي على كون المكلف قادرا متمكنا من الفعل بنيت الدعوة إلى دين الحق والثواب والعقاب على الأفعال القلبية والقالبية وإذا ثبت تعلقها بالمتضادات فتعلقها بغيرها أولى
وأجيب عن ذلك بأنه إن أريد بكونه مضطرا أن فعله غير مقدور له فهو ممنوع وإن أريد به أن مقدوره ومتعلق قدرته متعين وأنه لا مقدور له بهذه القدرة سواه فهذا عين ما ندعيه ونلتزمه ولا منازعة لنا في تسميته مضطرا فإن الاضطرار بمعنى امتناع الانفكاك لا ينافي القدرة ألا ترى أن من أحاط به بناء من جميع جوانبه بحيث يعجز عن التقلب من جهة إلى أخرى فإنه قادر على الكون في مكانه بإجماع منا ومنهم مع أنه لا سبيل له إلى الانفكاك عن مقدوره
قال الآمدي ولئن سلمنا أن القادر على الشيء لا بد أن يكون قادرا على ضده قلنا جاز أن تكون القدرة المتعلقة بهما متعددة لا واحدة
قال الإمام الرازي القدرة تطلق على مجرد القوة التي هي مبدأ للأفعال المختلفة الحيوانية وهي القوة العضلية التي هي بحيث متى انضم إليها إرادة أحد الضدين حصل ذلك الضد ومتى انضم إليها إرادة الضد الآخر حصل ذلك الآخر ولا شك أن نسبتها أي نسبة هذه القوة إلى الضدين سواء وهي قبل الفعل و القدرة تطلق أيضا على القوة المستجمعة لشرائط التأثير برمتها ولا شك أنها أي القوة المستجمعة لا تتعلق بالضدين معا وإلا اجتمعا في الوجود بل هي أي القوة المستجمعة بالنسبة إلى كل مقدور غيرها بالنسبة إلى المقدور الآخر سواء كانا متضادين أو غير

متضادين وذلك لاختلاف الشرائط المعتبرة في وجود المقدورات المختلفة فإن خصوصية كل مقدور لها شرط مخصوص به يعين وجودها من بين المقدورات المشتركة في تلك القوة المجردة ألا ترى أن القصد المتعلق بها شرط لوجودها دون غيرها وهي مع الفعل لأن وجود المقدور لا يتخلف عن المؤثر التام ولعل الشيخ الأشعري أراد بالقدرة القوة المستجمعة لشرائط التأثير فلذلك حكم بأنها مع الفعل وأنها لا تتعلق بالضدين والمعتزلة أرادوا بالقدرة مجرد القوة العضلية فلذلك قالوا بوجودها قبل الفعل وتعلقها بالأمور المتضادة فهذا وجه الجمع بين المذهبين وفيه بحث هذا ملحق ببعض النسخ وتوجيهه أن يقال القدرة الحادثة ليست مؤثرة عند الشيخ فكيف يصح أن يقال إنه أراد بالقدرة القوة المستجمعة لشرائط التأثير وقد يقال أيضا يلزم من تفسيرها بهذه القوة أن يكون إطلاق القدرة على أفرادها بالاشتراك اللفظي وليس بشيء لأن مفهوم القوة المستجمعة مشترك بينهما وإن كانت هي في أنفسها متخالفة بالماهية أو الهوية

المقصد الثامن
المتن
العجز عرض مضاد للقدرة خلافا لأبي هاشم في آخر أقواله حيث ذهب إلى أنه عدم القدرة وللأصم من حيث أنه نفى الأعراض لنا التفرقة ضرورية بين الزمن والممنوع ولأبي هاشم أن يجعلها عائدة إلى عدم القدرة

ثم قال الشيخ العجز إنما يتعلق بالموجود فالزمن عاجز عن القعود لا عن القيام فإن التعلق بالمعدوم خيال محض وله قول ضعيف أنه إنما يتعلق بالمعدوم وإليه ذهبت المعتزلة وكثير من أصحابنا وجواز تعلقه بالضدين فرع ذلك معتمد القول الأول أنه ضد القدرة فمتعلقهما واحد والقدرة متعلقة بالموجود والثاني الإجماع على عجز الزمن عن القيام ولو قيل يلزم عدم عجز المتحدي بمعارضة القرآن وأنه خلاف الإجماع والمعقول لكان حسنا ويمكن الجواب بأن العجز يقال باشتراك اللفظ لعدم القدرة ولصفة تستعقب الفعل لا عن قدرة
الشرح
المقصد الثامن العجز عرض موجود مضاد للقدرة باتفاق من الأشاعرة وجمهور المعتزلة خلافا لأبي هاشم في آخر أقواله حيث ذهب إلى أنه أي العجز عدم القدرة ونفى كونه معنى موجودا مع أنه معترف بوجود الأعراض وخلافا للأصم فإنه نفى كون العجز عرضا موجودا من حيث أنه نفي الأعراض مطلقا لنا في إثبات كونه وجوديا التفرقة الضرورية بين الزمن والممنوع من الفعل فإن كل عاقل يجد من نفسه التفرقة بين كونه زمنا وكونه ممنوعا من القيام مع سلامته وما هي إلا أن في الزمن صفة وجودية هي العجز وليس هذه الصفة في الممنوع ولأبي هاشم أن يجعلها أي التفرقة الضرورية عائدة إلى عدم القدرة في الزمن ووجودها في الممنوع فإن الممنوع قادر على رأيه كما مر
قال الإمام الرازي لا دليل على كون العجز صفة وجودية وما يقال من أن جعل العجز عبارة عن عدم القدرة ليس أولى من العكس ضعيف

لأنا نقول كلاهما محتمل وإذا لم يقم دليل على أحدهما كان الاحتمال باقيا وفي نقد المحصل أن القدرة إن فسرت بسلامة الأعضاء فالعجز حينئذ عبارة عن آفة تعرض للأعضاء وتكون القدرة أولى بأن لا تكون وجودية لأن السلامة عدم الآفة وإن فسرت القدرة بهيئة تعرض عند سلامة الأعضاء وتسمى بالتمكن أو بما هو علة له وجعل العجز عبارة عن عدم تلك الهيئة كانت القدرة وجودية والعجز عدميا وإن أريد بالعجز ما يعرض للمرتعش وتمتاز به حركة الارتعاش عن حركة الاختيار فالعجز وجودي ولعل الأشاعرة ذهبوا إلى هذا المعنى فحكموا بكونه وجوديا ثم قال الشيخ أبو الحسن الأشعري في الأصح من قوليه العجز إنما يتعلق بالموجود دون المعدوم على قياس القدرة فالزمن عاجز عن القعود الموجود لا عن القيام المعدوم فإن التعلق بالمعدوم خيال محض لا عبرة به أصلا وأختار على هذا القول أن العجز لا يسبق المعجوز عنه ولا يتعلق بالضدين على نحو ما ذكره في القدرة وله قول ضعيف هو أنه أي العجز إنما يتعلق بالمعدوم دون الموجود وإليه ذهب المعتزلة وكثير من أصحابنا وعلى هذا فالزمن عاجز عن القيام المعدوم لا عن القعود الموجود وإن كان مضطرا إليه بحيث لا سبيل له إلى الانفكاك عنه وجواز تعلقه أي تعلق العجز بالضدين فرع ذلك أي يجوز على هذا القول تعلق الهجز الواحد بالضدين وإن لم يجز تعلق القدرة الواحدة بهما وذلك لأن العجز متعلق بالعدم ويجوز اجتماع الضدين فيه والقدرة متعلقة بالوجود ولا يجوز اجتماعهما فيه وكذا يتقدم العجز على المعجوز عنه في هذا القول وأما على القول الأول فلا سبق ولا تعلق بالضدين كما عرفت معتمد القول الأول الذي هو الأصح أنه أي العجز ضد القدرة في جهة التعلق فمتعلقها واحد وإلا لما تضادا في التعلق والقدرة متعلقة بالموجود كما مر فيكون العجز متعلقا به أيضا ونظير ذلك

الإرادة والكراهة فإنهما لما تضادتا كان متعلقهما واحدا إذ لو اختلف متعلقهما لم تتضادا و معتمد القول الثاني هو الإجماع من العقلاء على عجز الزمن عن القيام مع أنه معدوم
قال المصنف ولو قيل في الاستدلال على القول الثاني إن لم يتعلق العجز بالمعدوم يلزم عجز المتحدي بمعارضة القرآن أي يلزم أن لا يكون المتحدي بمعارضته عاجزا عن الإتيان بمثله بل يكون عاجزا عن عدم الإتيان بمثله وأنه خلاف الإجماع لأن الأمة مجمعون على عجزه عن الإتيان بمثل القرآن وخلاف المعقول أيضا لأن العقل يحكم بأن المعارضة إنما تكون بالأمثال لا بإعدامها لكان حسنا جدا
ويمكن الجواب عن الاستدلالين بأن العجز يقال باشتراك اللفظ لعدم القدرة وهو ظاهر ولصفة وجودية تستعقب الفعل لا عن قدرة كما في المرتعش فالزمن عاجز عن القيام بالمعنى الأول دون الثاني وعاجز عن القعود بالمعنى الثاني والمتحدون عاجزون بالمعنى الأول عن الإتيان بمثل القرآن وكأن الشيخ بنى قوليه على هذين المعنيين كما أشير إليه

المقصد التاسع
المتن
المقدور هل هو تبع للعلم أو للإرادة للمعتزلة فيه خلاف فمن قال تبع للإرادة فلأنه حقيقة القدرة ومن قال تبع للعلم فلأن صاحب الملكة يصدر عنها أفعال لا يقصدها فإن الكاتب يراعي دقائق في حرف واحد ولو لاحظها لفاته كثير منها

الشرح
المقصد التاسع المقدور هل هو تبع للعلم أو للإرادة للمعتزلة فيه خلاف فمن قال منهم هو تبع للإرادة فلأنه أي كون المقدور تبعا للإرادة حقيقة القدرة ومقتضاها فإنها صفة تؤثر على وفق الإرادة فيكون المقدور تبعا للإرادة قطعا ومن قال منهم هو تبع للعلم فلأن صاحب الملكة في صناعة زاولها مدة مديدة يصدر عنها أفعال محكمة متقنة لا يقصدها أي لا يقصد تفاصيل أجزائها ولو قصدها لم توجد على تلك الوجوه من الحسن والأحكام فإن الكاتب الحاذق يراعي دقائق كثيرة في حرف واحد بلا قصد إليها ولو لاحظها وقصد إليها لفاته كثير منها وأما الأشاعرة فقد حكموا بأن مقدورات العباد مخلوقة لله تعالى بإرادته المتعلقة بتفاصيلها

المقصد العاشر
المتن
هل النوم ضد للقدرة اتفقت المعتزلة وكثير منا على امتناع صدور الأفعال المتقنة الكثيرة من النائم وجواز القليلة بالتجربة فقيل هي مقدورة له
وقال الأستاذ أبو إسحق هي غير مقدورة له وتوقف القاضي وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين أما عند المعتزلة فلفقد شرائط الإدراك من المقابلة وانبثاث الشعاع وتوسط الهواء والبنية المخصوصة وأما عند الأصحاب إذا لم يشترطوا شيئا من ذلك فلأنه خلاف العادة والنوم ضد للأدراك

وقال الأستاذ إنه إدراك حق إذ لا فرق بين ما يجده النائم من نفسه من إبصار وسمع وبين ما يجده اليقظان فلو جاز التشكيك فيه لجاز التشكيك فيما يجده اليقظان ولزم السفسطة ولم يخالف في كون النوم ضدا لكنه زعم أن الإدراك يقوم بجزء غير ما يقوم به النوم
وقال الحكماء المدرك في النوم يوجد في الحس المشترك ويكون ذلك على وجهين
الأول أن يرد عليه من النفس وهي تأخذه من العقل الفعال فإن جميع الصور الكائنات مرتسم فيه ثم يلبسه الخيال لما جبل عليه من الانتقال والتفصيل والتركيب صورا إما قريبة أو بعيدة فيحتاج إلى التعبير وهو أن يرجع المعبر قهقريا مجردا له عن تلك الصور حتى يحصل ما أخذته النفس فيكون هو الواقع وقد لا يتصرف فيه الخيال فيؤديه كما هو بعينه فيقع من غير حاجة إلى التعبير
الثاني أن يرد عليه إما من الخيال مما ارتسم فيه في اليقظة ولذلك فإن من دام فكره في شيء يراه في منامه وإما مما يوجبه مرض كثوران خلط أو بخار ولذلك فإن الدموي يرى في حلمه الأشياء الحمر والصفراوي النيران والأشعة والسوداوي الجبال والأدخنة والبلغمي المياه والألوان البيض وهذا بقسميه من قبيل أضغاث الأحلام لا يقع هو ولا تعبيره
فروع للمعتزلة
الأول اختلفوا فيمن يتمكن من حمل مائة من فقط ولا يتمكن من حمل مائة أخرى معها فقيل عاجز عن حملها وقيل لا يوصف بالعجز ولا بالقدرة وقيل قادر على حمل إحداهما من غير تعيين والكل مناقض لأصلهم في تعلق القدرة بجميع المقدورات
فإن قيل مذهبنا أن لا تتعلق في وقت في محل من جنس بأكثر من واحد
قلنا المحل المحمول وهو مختلف

الثاني شخصان يقدر كل على حمل مائة من إذا اجتمعا عليه فمنهم من قال حملها واقع بقدرة كل واحد واحد ويلزمه اجتماع قادرين على مقدور واحد وربما التزم ومنهم من قال هذا حامل للبعض وذاك للبعض ولا يخفى ما فيه من التحكم فإن نسبة كل جزء إلى كل واحد على السوية
الثالث قالوا القدرة الواحدة قد تولد في محال متفرقة حركات إلى جهات مختلفة وأما في محال مجتمعة فلا بل يجتمع على عشرة أجزاء مجتمعة عشرة أجزاء من القدرة فالقدرة على تحريك كل جزء غير القدرة على تحريك الآخر وإلا لكان قدرة على تحريك الأجزاء بالغة ما بلغت
الرابع قال الجبائي الاجتماع يمنع التحريك كالقيد وهو فرع أن المعدوم مقدور وبه منع كون القادر على حمل مائة من قادرا على حمل المائة الأخرى
الشرح
المقصد العاشر هل النوم ضد للقدرة فلا يكون حينئذ فعل النائم مقدورا له أو ليس ضدا لها فجاز أن يكون فعله مقدورا له فنقول اتفقت المعتزلة وكثير منا على امتناع صدور الأفعال المتقنة الكثيرة من النائم وجواز صدور الأفعال المحكمة القليلة منه بالتجربة ثم اختلف المجوزون في هذه الأفعال القليلة فقيل هي مقدورة له وإن كان لا علم له بها فإن النوم لا يضاد القدرة مع كونه مضادا للعلم وغيره من الإدراكات باتفاق العقلاء
وقال الأستاذ أبو إسحق هي غير مقدورة له فإن النوم يضاد القدرة كما يضاد العلم وسائر الإدراكات وتوقف القاضي أبو بكر وكثير من

أصحابنا وقالوا لا قطع بكون تلك الأفعال مكتسبة للنائم ولا بكونها ضرورية له بل كلاهما محتمل بلا ترجيح
قال الآمدي قد ندعي الضرورة في العلم بكونها مقدورة للنائم من حيث أنا نفرق بين ارتعاد يده في نومه وبين تقلبه وقبض يده وبسطها كما نفرق بينهما في حق المستيقظ من غير فرق ومن رام التسوية بينهما في النائم لم يبعد عنه التشكيك في تسويتهما في حق اليقظان وهو بعيد عن المعقول قال هذا وإن كان في غاية الوضوح لكن فيه من مذهب القاضي نوع حزازة لأن الدليل يوافق مذهبه فإنا قطعنا بكون الرعدة ضرورية وكون القيام مثلا مكتسبا في حق المستيقظ فلعل الاستيقاظ شرط في الاكتساب أو النوم مانع منه ولما كان لقائل أن يقول إذا كان النوم مضادا للعلم وباقي الإدراكات فماذا نقول فيما يراه النائم ويدركه بالبصر والسمع وغيرهما أشار إلى جوابه بقوله وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين أي جمهورهم أما عند المعتزلة فلفقد شرائط الإدراك حالة النوم من المقابلة وانبثاث الشعاع وتوسط الهواء الشفاف والبنية المخصوصة وانتفاء الحجاب إلى غير ذلك من الشرائط المعتبرة في الإدراكات فما يراه النائم ليس من الإدراكات في شيء بل هو من قبيل الخيالات الفاسدة والأوهام الباطلة وأما عند الأصحاب إذا لم يشترطوا في الإدراك شيئا من ذلك أي مما ذكر من الشرائط المعتبرة عند المعتزلة فلأنه أي الإدراك في حالة النوم خلاف العادة أي لم تجر عادته تعالى بخلق الإدراك في الشخص وهو نائم ولأن النوم ضد للإدراك فلا يجامعه فلا تكون الرؤيا إدراكا حقيقة بل من قبيل الخيال الباطل

وقال الأستاذ أبو إسحاق إنه أي المنام إدراك حق بلا شبهة إذ لا فرق بين ما يجده النائم من نفسه في نومه من إبصار للمبصرات وسمع للمسموعات وذوق للمذوقات وغيرها من الإدراكات وبين ما يجده اليقظان في يقظته من إدراكاته فلو جاز التشكيك فيه أي فيما يجده النائم لجاز التشكيك فيما يجده اليقظان ولزم السفسطة والقدح في الأمور المعلومة حقيقتها بالبديهة ولم يخالف الأستاذ في كون النوم ضدا للإدراك لكنه زعم أن الإدراك يقوم بجزء من أجزاء الإنسان غير ما يقوم به النوم من أجزائه فلا يلزم اجتماع الضدين في محل واحد
وقال الحكماء المدرك في النوم يوجد في الحس المشترك وذلك أن الحس المشترك مجمع المحسوسات الظاهرة فإن الحواس الظاهرة إذا أخذت صور المحسوسات الخارجية وأدتها إلى الحس المشترك صارت تلك الصور مشاهدة ثم أن القوة المتخيلة التي من شأنها تركيب الصور إذا ركبت صورة فربما انطبعت تلك الصورة في الحس المشترك وصارت مشاهدة على حسب مشاهدة الصور الخارجية فإن الخارجية لم تكن مشاهدة لكونها صورة الخارجية بل لكونها مرتسمة في الحس المشترك ومن طباع القوة المتخيلة التصوير والتشبيح دائما حتى لو خليت وطباعها لما فترت عن هذا الفعل أعني رسم الصور في الحس المشترك إلا أن هناك أمرين صارفين لها عن فعلها
أحدهما توارد الصور من الخارج على الحس المشترك فإنه إذا انتقش بهذه الصور لم يتسع لانتقاشه بالصور التي تركبها المتخيلة فيعوقها ذلك عن عملها لعدم القابل

وثانيهما تسلط العقل أو الوهم عليها بالضبط عندما يستعملانها فتتعوق بذلك عن عملها وإذا انتفى هذان الشاغلان أو أحدهما تفرعت لفعلها وظهر سلطانها في التصوير ولا شك أن الشخص إذا نام انقطع عن الحس المشترك توارد الصور من الخارج فيتسع لانتقاش الصور من الداخل إذا عزفت هذا فنقول ما يدركه النائم ويشاهده صور مرتسمة في الحس المشترك موجودة فيه ويكون ذلك أي وجدانه في الحس المشترك وارتسامه فيه على وجهين
الأول أن يرد ذلك المدرك عليه أي على الحس المشترك من النفس الناطقة وهي تأخذه من العقل الفعال فإن جميع صور الكائنات من الأزل إلى الأبد مرتسم فيه بل في جميع المبادئ العالية والملائكة السماوية ومن شأن النفس الناطقة أن تتصل بتلك المبادئ اتصالا معنويا روحانيا وتنتقش ببعض ما فيها مما كان أو سيكون أو هو كائن إلا أن استغراقها في تدبير بدنها يعوقها عن ذلك فإذا حصل لها بالنوم أدنى فراغ فربما اتصلت بها فارتسم فيها ما يليق بها من أحوالها وأحوال من يقرب منها من الأهل والولد والإقليم والبلد حتى لو اهتمت بمصالح الناس رأتها ولو كانت منجذبة الهمة إلى المعقولات لاحت لها أشياء منها ثم إن ذلك الأمر الكلي المنتقش في النفس يلبسه ويكسوه الخيال أي القوة المتخيلة لما جبل الخيال عليه من المحكاة والانتقال من شيء إلى آخر مشابه له بوجه ما ومن التفصيل بين الأشياء المتصلة والتركيب بين الأمور المتفاصلة على وجوه مختلفة وأنحاء شتى صورا أي يلبسه صورا جزئية إما قريبة من ذلك الأمر الكلي أو بعيدة منه فيحتاج في معرفة ما ارتسمت في النفس على الوجه الكلي إلى التعبير وهو أن يرجع المعبر رجوعا قهقريا مجردا له أي لما رآه النائم عن تلك الصور التي صورها المتخيلة حتى يحصل المعبر بهذا التجريد إما بمرتبة أو

بمراتب على حسب تصرف المتخيلة في التصوير والكسوة ما أخذته النفس من العقل الفعال فيكون هو الواقع المطابق لما في نفس الأمر وقد لا يتصرف فيه أي فيما أخذته النفس الخيال فيؤديه كما هو بعينه أي لا يكون هناك تفاوت إلا بالكلية والجزئية فيقع ما رآه النائم من غير حاجة في الرؤيا إلى التعبير وقد يتصرف فيه تصرفا كثيرا فينتقل منه إلى نظيره ومن ذلك النظير إلى آخر وهكذا مع تفاوت وجوه المناسبة في تلك النظائر حتى ينسد على المعبر طريق الوصول إليه
الوجه الثاني أن يرد عليه أي على الحس المشترك لا من النفس بل إما من الخيال الذي هو خزانة صور المحسوسات بالحواس الظاهرة مما ارتسم فيه في اليقظة فإن القوة المتخيلة لما وجدت الحس المشترك خاليا صورت فيه بعض الصور الخيالية ولذلك فإن من دام فكره في شيء وارتسمت صورته في الخيال يراه في منامه وقد تركب المتخيلة صورة واحدة من الصور الخيالية المتعددة وتنقشها في الحس المشترك فتصير مشاهدة مع أن تلك الصورة لم تكن مرتسمة في الخيال من الأمور الخارجة وقد تفصل أيضا بعض الصور المتأدية إليه من الخارج وترسمها هناك ولذلك قلما يخلو النوم عن المنام من هذا القبيل وأما مما يوجبه مرض كثوران خلط من الأخلاط الأربعة أو بخار فإن المرض إذا أثار خلطا أو بخارا أو تغير مزاج الروح الحامل للقوة المتخيلة تغيرت أفعالها بحسب تلك التغيرات ولذلك فإن الدموي يرى في حلمه الأشياء الحمر والصفراوي يرى النيران والأشعة والسوداوي يرى الجبال والأدخنة والبلغمي يرى المياه والألوان البيض
وبالجملة فالمتخيلة تحاكي كل خلط أو بخار بما يناسبه وهذا الوارد على الحس المشترك بقسميه الواردين عليه من الخيال أو مما يوجبه

مرض أو غلبة خلط من قبيل أضغاث الأحلام لا يقع هو ولا تعبيره بل لا تعبير له
فروع للمعتزلة متفرعة على القدرة والعجز
الأول اختلفوا فيمن يتمكن من حمل مائة من فقط ولا يتمكن من حمل مائة أخرى معها أي مع المائة الأولى فقيل هو عاجز عن حملها أي عن حمل المائة الأخرى هذا هو الموافق لكلام الآمدي وإن كان الموجود في أكثير النسخ حملهما وقيل هولا يوصف بالعجز ولا بالقدرة بالنسبة إلى الأخرى فلا يقال هو عاجز عن حمل المائة الأخرى ولا هو قادر عليها وقيل هو قادر على حمل إحديهما أي إحدى المائتين من غير تعيين وغير قادر على إحديهما من غير تعيين أي هو قادر على حمل مائة غير معينة من هذه الجملة وليس بقادر على حمل مائة منها غير معينة أيضا والكل أي جميع هذا الأقوال الثلاثة مناقض لأصلهم ومذهبهم في وجوب تعلق القدرة بجميع المقدورات فإن المائة الأخرى معينة كانت أو غير معينة من جنس مقدورات العبد فالقول بأنه عاجز عنها أو غير قادر عليها يناقض ذلك الأصل فإن قيل مذهبنا ما ذكرتم لكن لا مطلقا بل بشرط وهو أن لا تتعلق القدرة الواحدة في وقت واحد في محل واحد من جنس واحد بأكثر من مقدور واحد ولو كانت القدرة على حمل مائة قدرة على حمل مائة أخرى لكان ذلك مخالفا لأصلنا المشروط بما ذكرنا قلنا في الرد عليهم المحل فيما نحن فيه هو المحمول المتحرك وهو مختلف يعني أن المقدور ههنا هو الحركة ومحلها المائتان فهو متعدد لا واحد فلا يكون تعلق القدرة بحركتهما مخالفا لذلك الشرط

فإن قالوا المحل وإن كان مختلفا إلا أنه لم يوجد له من القدرة غير ما يوازي الاعتمادات في إحدى المائتين فهو لا يقدر على حمل الجميع إلا بزيادة في القدرة موازية لاعتمادات المائة الأخرى حتى لو خلق له ذلك الزائد لكان قادرا على رفع الجميع
قلنا هذا وإن تخيل في المائتين المتلاصقتين فما يقولون في مائة أخرى منفصلة عن المائة المحمولة فإن قلتم إنه متمكن من حملها مع حمل الأولى مع أنه لم يوجد له من القدرة غير ما يوازي اعتمادات الأولى فهلا يجوزون ذلك في المائتين المتصلتين وإن قلتم إنه لا يتمكن من حملها بالقدرة التي تمكن بها من حمل المحمولة فقد ناقضتم أصلكم لا محالة لأن المقدورين من جنس واحد من محلين مختلفين
الفرع الثاني شخصان يقدر كل منهما على حمل مائة من إذا اجتمعا عليه أي على حمل المائة وحملاها معا فقد اختلفت المعتزلة ههنا فمنهم من قال وهم أكثرهم حملها واقع بقدرة كل واحد واحد فكل منهما يفعل في كل جزء من أجزاء المائة حال الاجتماع ما كان يفعله حال الانفراد ويلزمه اجتماع قادرين مستقلين على مقدور واحد فيستغني بكل منهما عن الآخر وربما التزم هذا القائل جواز اجتماعهما وإن كان مستبعدا جدا بل مستحيلا ومنهم من قال وهو عباد الضيمري والكعبي هذا حامل للبعض بحيث لا يشاركه فيه صاحبه وذاك حامل للبعض الآخر كذلك فلا يثبت لهما فعلان في جزء واحد من المائة المحمولة ولا يخفى

ما فيه من التحكم إذ لا بد أن يكون فعل كل منهما في بعض معين في نفس الأمر ولا سبيل إلى ذلك فإن نسبة كل جزء من أجزاء المائة المذكورة إلى كل واحد من القادرين على السوية فلا يتعين شيء منها لفعل أحدهما
الفرع الثالث وهو مبني على تأثير القدرة الحادثة والتوليد أيضا
قالوا القدرة الواحدة قد تولد في محال متفرقة حركات متعددة إلى جهات مختلفة فيجوز أن يحرك الشخص بقدرة واحدة جزءا إلى جهة وجزءا آخر إلى جهة أخرى وجزءا ثالثا إلى جهة ثالثة وهكذا بأن يضرب مثلا يده عليها دفعة فتتفرق في تلك الجهات وأما في محال مجتمعة كأجزاء متلاصقة فلا يجوز أن تولد القدرة الواحدة فيها حركات متعددة بأن تتحرك معا إلى جهة واحدة بل يجتمع على عشرة أجزاء مجتمعة متلاصقة عشرة أجزاء من القدرة فالقدرة على تحريك كل جزء من تلك العشرة المجتمعة غير القدرة على تحريك الجزء الآخر فيكون هناك عشر قدر بإزاء عشر أجزاء
وبالجملة يجب أن يكون عدد القدرة القائمة بالقادر على التحريك مساويا لعدد الأجزاء المجتمعة وإلا أي وإن لم تكن القدرة على تحريك جزء غير القدرة على تحريك الجزء الآخر بل جاز أن يكون القدرة على تحريك جزء قدرة على تحريك جزئين لكان أي تلك القدرة وذكرها بتأويل التمكن قدرة على تحريك الأجزاء بالغة ما بلغت إذ ليس عدد أولى من عدد فيلزم أن تقدر البقة على تحريك الجبل وهو باطل بالضرورة وقد عرفت بطلان عدم الأولوية
قال الآمدي هذا الفرع مما اتفق عليه القائلون بالتوليد وهو من

قبيل تحكماتهم الباردة ودعاويهم الجامدة فإنه إذا قيل لهم لم كانت القدرة الواحدة تحرك الأجزاء المتفرقة وتوجب في كل واحد منها حركة ويمتنع عليها ذلك عند انضمام الأجزاء مع أنه لم يحدث بالانضمام ثقل ولا زيادة في الأجزاء بل لا فارق هناك سوى الاجتماع والافتراق لم يجدوا إلى الفرق سبيلا ولذلك قال أبو هاشم وغيره من فضلاء المعتزلة لا ندري لذلك سببا غير أنا وجدنا أن ما يسهل علينا تحريكه عند الافتراق يعسر علينا عند ذلك الاجتماع وهذا الذي قالوه وإن كان حقا إلا أنه لا يدل على وجوب اجتماع قدر موازية لأعداد الأجزاء المتلاصقة ولا على أن يكون هناك حركات بعدد الأجزاء لجواز أن يقال جرى عادته تعالى بخلق القدرة على التحريك حال الافتراق دون الاجتماع وأن يقال أيضا جاز التحريك في المجتمعة على وجود قدرة أخرى منضمة إلى الأولى من غير أن يكون عدد القدر بعدد الأجزاء ولا محيص لهم عن ذلك
وأما الجبائي فإنه قال انضمام الأجزاء مانع من التحريك ألا ترى أنا نجد القادر على المشي يمتنع عليه المشي بالربط والتقييد وليس ذلك إلا بسبب انضمام أجزاء القيد إلى رجليه وهو مبني على أصله في جواز منع القادر وقد بان بطلانه وإن سلمنا صحة المنع فلا نسلم صحة التعليل بانضمام أجزاء القيد إلى رجليه بل جاز أن يكون المنع لمعنى مختص بصورة القيد ولا وجود له فيما نحن فيه من الأجزاء المجتمعة وكيف لا والفرق واقع بينهما من جهة أن مانع القيد لا يزول وإن تضاعفت القدرة بخلاف الأجزاء المجتمعة فإنه قال بزوال المانع بتقدير أن يوجد قدر موازية لعدد الأجزاء المنضمة
ومما نقلناه تبين أن كلام الجبائي من تتمة الفرع الثالث كما هو المناسب لكن الموجود في أكثر نسخ الكتاب هكذا

الرابع أي من الفروع قال الجبائي الاجتماع يمنع التحريك كالقيد فإنه مانع عن المشي لمن هو قادر عليه وهو أي كون القيد مانعا من الفعل فرع أن المعدوم مقدور حتى يتصور كون القادر على فعل ممنوعا منه إذ لا مجال للمنع بالقياس إلى الفعل الموجود لكنا بينا بطلان كون المعدوم مقدورا بما ثبت من وجوب كون القدرة مع الفعل لا قبله وبه أي يكون الاجتماع مانعا عن التحريك منع الجبائي كون القادر على حمل مائة من قادر على حمل المائة الأخرى معها وحكم بأنه ليس قادرا على حملها وفيه بحث لأن كون الاجتماع مانعا من الفعل يقتضي كون ذلك القادر قادرا على حمل الأخرى ممنوعا منه لا كونه غير قادر عليه

المقصد الحادي عشر
المتن
القدرة المحركة يمنة ويسرة هل تقدر على التصعيد منهم من جوزه ومنهم من منعه للفرق بين الدحرجة والرفع ضرورة وعليه البهشمية وأوجبوا زيادة قدرة واحدة ولا يخفى ما فيه من التحكم

الشرح
المقصد الحادي عشر أي من مقاصد هذا النوع وكأنه سهو من الناسخ فإن هذا المبحث من فروع المعتزلة لا من مقاصد النوع الرابع فإن جعل كلام الجبائي من تتمة الفرع الثالث كما فعله بعضهم في شرح هذا الكتاب كان هذا فرعا رابعا وإن جعل فرعا على حدة كان هذا فرعا خامسا وأما جعله مقصدا حادي عشر فلا وجه له القدرة المحركة يمنة ويسرة هل تقدر وتقوى على التصعيد والرفع إلى جهة الفوق منهم من جوزه ومنهم من منعه للفرق بين الدحرجة والرفع ضرورة فإن كل عاقل يجد تفاوتا بينهما ويعلم أن رفع شيء أشق وأقوى من تحريكه دحرجة وعليه أي على المنع البهشمية أي الطائفة التابعة لرأي أبي هاشم وأوجبوا للتصعيد والرفع زيادة قدرة واحدة على القدرة المحركة يمنة ويسرة ولا يخفى ما فيه من التحكم إذ لا وجه لحصر الزيادة الكافية على القدرة الواحدة لجواز الاحتياج إلى ما يزيد عليها

المقصد الثاني عشر
المتن
القدرة مغايرة للمزاج من وجهين
الأول المزاج وأثرة من جنس الكيفيات المحسوسة دون القدرة
الثاني المزاج قد يمانع القدرة كما عند اللغوب
الشرح
المقصد الثاني عشر بل الحادي عشر لما عرفت القدرة مغايرة للمزاج من وجهين
الأول المزاج وأثره من جنس الكيفيات المحسوسة بالقوة اللامسة وذلك لأن المزاج كيفية متوسطة بين الكيفيات الأربع المشهورة وهي

بالحقيقة من جنسها إلا أنها منكسرة ضعيفة بالنسبة إليها فيكون أثرها وحكمها من جنس أحكام هذه الكيفيات إلا أنه يكون أضعف من أحكامها ولا شك أن أحكام هذه الأربع وآثارها من جنسها أيضا فالمزاج وأثره من جنس الكيفيات الملموسة دون القدرة فإنها ليست مدركة باللمس وليس أثرها من جنس هذه الكيفيات فليست القدرة نفس المزاج بل هي كيفية تابعة له
الثاني المزاج قد يمانع القدرة كما عند اللغوب فإن من أصابه لغوب وإعياء يصدر عنه أفعاله بقدرته واختياره ومزاجه يمانع قدرته في تلك الأفعال والشيء لا يمانع نفسه فالقدرة غير المزاج

المقصد الثالث عشر
المتن
القوة تقال للقدرة والمراد هنا جنسها وهو مبدأ التغير في آخر من حيث هو آخر وقولنا من حيث هو آخر ليدخل فيه المعالج لنفسه فإنه يؤثر من حيث هو عالم بصناعة الطب ويتأثر من حيث هو جسم ينفعل عما يلاقيه من الدواء وتقال للإمكان المقابل للفعل لأنه سبب للقدرة عليه مجازا وهذا غير الإمكان الذاتي فإنه قد يقارن الفعل وينعكس من الطرفين دون هذا وقد تقال في العرف للقدرة نفسها ولما به القدرة على الأفعال الشاقة ولعدم الانفعال
الشرح
المقصد الثالث عشر بل الثاني عشر قال الإمام الرازي لفظ القوة وضع أولا للمعنى الموجود في الحيوان الذي يمكنه به أن يصدر عنه أفعال

شاقة من باب الحركات ليست بأكثرية الوجود عن الناس ثم إن للقوة بهذا المعنى مبدأ ولازما أما المبدأ فهو القدرة أعني كون الحيوان إذا شاء فعل وإذا لم يشأ لم يفعل وأما اللازم فهو أن لا ينفعل عن الشيء بسهولة وذلك لأن مزاول التحريكات الشاقة إذا انفعل عنها صده ذلك عن اتمام فعله فلا جرم صار اللاانفعال دليلا على الشدة ثم إنهم نقلوا اسم القوة إلى ذلك المبدأ وهو القدرة وإلى ذلك اللازم وهو اللاانفعال ثم أن للقدرة وصفا هو كالجنس لها أعني الصفة المؤثرة في الغير ولها لازم هو الإمكان لأن القادر لما صح منه أن يفعل وصح منه أن لا يفعل كان إمكان الفعل لازما للقدرة فنقلوا اسم القوة إلى ذلك الجنس وذلك اللازم فيقولون للأبيض إنه أسود بالقوة أي يمكن أن يصير أسود وسموا الحصول والوجود فعلا وإن كان في الحقيقة انفعالا بناء على أن المعنى الذي وضع له لفظ القوة أولا كان متعلقا بالفعل فلما سموا ههنا الإمكان قوة سموا الأمر الذي تعلق به الإمكان وهو الوجود والحصول فعلا والمهندسون يجعلون مربع الخط قوة له كأنه أمر ممكن في ذلك الخط خصوصا إذا اعتقد ما ذهب إليه بعضهم من أن حدوث المربع بحركة ذلك الخط على مثله ولذلك قالوا وتر القائمة قوي على ضلعيها أي مربعه يساوي مربعيهما وإذا انتقشت هذه المعاني على صحيفة خاطرك فلنرجع إلى ما في الكتاب فنقول القوة تقال للقدرة والمراد هنا جنسها أي المقصود في المقصد بيان القوة التي هي جنس

القدرة وهو كما قاله ابن سينا مبدأ التغير في آخر من حيث هو آخر وقولنا من حيث هو آخر ليدخل فيه أي في هذا الحد المعالج لنفسه فإنه يؤثر من حيث هو عالم بصناعة الطب عامل بمقتضاها ويتأثر من حيث هو جسم ينفعل عما يلاقيه من الدواء وهذا مبني على ما يتبادر إلى الأوهام من أن الإنسان هو هذا الجسم والتحقيق أن المعالج المؤثر هو النفس الناطقة والمعالج المتأثر هو البدن وهما متغايران بالذات فالأولى أن يمثل بمعالجة الإنسان نفسه في إزالة الأخلاق الرديئة التي هي أمراض نفسانية وإنما كان هذا القيد موجبا لعموم الحدود ودخول ما كان خارجا عنه لأن المتبادر من لفظ الآخر هو المغاير بالذات فلما قيد بالحيثية علم أن التغاير بالاعتبار كاف والقوة بهذا المعنى تنقسم إلى أقسام أربعة لأن الصادر من القوة إما فعل واحد أو أفعال مختلفة وعلى التقديرين إما أن يكون لها شعور بما يصدر عنها أو لا فالأول النفس الفلكية والثاني الطبيعة العنصرية وما في معناها والثالث القوة الحيوانية والرابع النفس النباتية وقد مرت الإشارة إليها قال الإمام الرازي بعض هذه الأقسام صور جوهرية وبعضها صور أعراض فلا تكون القوة مقولة عليها قول الجنس بل قول العرض العام لامتناع اشتراك الجواهر والأعراض في وصف جنسي وتقال القوة للإمكان المقابل لفعل لأنه أي هذا الإمكان سبب للقدرة عليه أي على الشيء الذي تعلق به هذا الإمكان مجازا وذلك لأن القدرة إنما تؤثر وفق الإرادة التي يجب مقارنتها لعدم المراد فلولا الإمكان المقارن للعدم وهو الذي يقابل الفعل لم تؤثر القدرة في ذلك المراد فهذا الإمكان سبب للقدرة بحسب الظاهر ولما كانت القدرة مسماة بالقوة أطلق اسمها على سببها وإنما لم يجعل الإمكان المقابل للفعل لازما للقدرة كما زعمه الإمام الرازي ووجهه بأن القادر هو الذي يصح منه الفعل أو الترك كما نقلناه لأن اللازم للقدرة على توجيهه هو الإمكان الذاتي لا المقابل للفعل وللتنبيه على ذلك قال المصنف وهذا أي الإمكان المقابل المسمى بالقوة غير الإمكان الذاتي فإنه أي الإمكان الذاتي قد يقارن الفعل فإن الأسود بالفعل يمكن سواده إمكانا ذاتيا وينعكس من الطرفين أي طرفي الوجود والعدم فإن ممكن الوجود ممكن العدم أيضا

وبالعكس دون هذا الإمكان المقابل فإنه لا يتصور مقارنته للفعل ولا ينعكس إذ لا يمكن أن يكون وجود السواد وعدمه معا بالقوة
فإن قلت قد علم مما ذكرت أن الإمكان الذاتي إذا قيد بمقارنة العدم كان مقابلا للفعل ومسمى بالقوة
قلت قد يكون الأمر كذلك كما في مثال السواد وقد لا يكون فإن الهواء يمكن أن يكون ماء بهذا الإمكان دون الإمكان الذاتي والنطفة أن تكون إنسانا مع صدق قولنا لا شيء من النطفة بإنسان بالضرورة فتأمل وقد تقال القوة في العرف للقدرة نفسها وهذا تكرار لما ذكره أولا وتقال القوة لما به القدرة على الأفعال الشاقة وهذه العبارة توهم أن القوة بهذا المعنى سبب للقدرة ومبدأ لها وليس كذلك بل الأمر بالعكس القدرة مبدأ لهذه القوة ففي المباحث المشرقية أن القوة بهذا المعنى كأنها زيادة وشدة في المعنى الذي هو القدرة وقد قيل أراد هنا بالقدرة على الأفعال الشاقة التمكن منها وتقال القوة لعدم الانفعال والقوة بهذا المعنى من الكيفيات الاستعدادية وهي بمعنى القدرة إذا خصت بالأعراض من الكيفيات النفسانية
المقصد الثالث عشر
المتن
الخلق ملكة تصدر عنها الأفعال بلا روية كمن يكتب شيئا من غير أن يروي في حرف حرف أو يضرب الطنبور من غير أن يفكر في نغمة نغمة

وينقسم إلى فضيلة ورذيلة وغيرهما فالفضيلة الوسط والرذيلة الأطراف وغيرهما ما ليس منهما
فالعفة هيئة للقوة الشهوية بين الفجور والخمود والشجاعة هيئة للقوة الغضبية بين التهور والجبن والحكمة هيئة للقوة العقلية بين الجربزة والبلاهة والخلق مغاير للقدرة سيما إن جعل نسبة القدرة إلى الطرفين على السواء
الشرح
المقصد الثالث عشر وفي النسخ المشهورة الرابع عشر الخلق ملكة تصدر عنها أي عن النفس بسببها الأفعال بلا روية كمن يكتب شيئا من غير أن يروي في حرف حرف أو يضرب الطنبور من غير أن يفكر في نغمة نغمة أو في نقرة نقرة فالكيفية النفسانية إذا لم تكن ملكة لا تسمى خلقا وإذا كانت ملكة ولم تكن مبدأ لصدور الفعل عن النفس لم تسم أيضا خلقا وإذا كانت مبدأ له بعسر وتأمل لم تكن خلقا وإذا اجتمعت فيها هذه القيود معا كانت خلقا وينقسم الخلق إلى فضيلة هي مبدأ لما هو كمال ورذيلة هي مبدأ لما هو نقصان وغيرهما وهو ما يكون مبدأ لما ليس شيئا منهما والنفس الناطقة من حيث تعلقها بالبدن وتدبيرها إياه تحتاج إلى قوى ثلاث
إحداها القوة التي تعقل بها ما تحتاج إليه في تدبيره وتسمى قوة عقلية ملكية
وثانيتها القوة التي بها تجذب ما ينفع البدن ويلائمه وتسمى قوة شهوية بهيمية

وثالثتها ما يدفع به ما يضر البدن ويؤلمه وتسمى قوة غضبية سبعية ولكل واحدة من هذه القوى أحوال ثلاثة طرفان ووسط فالفضيلة الخلقية هي الوسط من أحوال هذه القوى والرذيلة هي الأطراف من تلك الأحوال وغيرهما أي غير الفضيلة والرذيلة ما ليس شيئا منهما أي من الوسط والأطراف فالفضائل الخلقية أصولها ثلاثة هي الأوساط من أحوال القوى المذكورة والرذائل الخلقية أصولها ستة هي أطراف تلك الأوساط ثلاثة منها من قبيل الإفراط وثلاثة أخرى من قبيل التفريط كلا طرفي كل الأمور ذميم
فالعفة هي هيئة للقوة الشهوية متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط هذه القوة والخمود الذي هو تفريطها والشجاعة هيئة للقوة الغضبية متوسطة بين التهور الذي هو إفراط في هذه القوة والجبن الذي هو تفريط فيها
والحكمة هيئة للقوة العقلية العملية متوسطة بين الجربزة التي هي إفراط هذه القوة والبلاهة التي هي تفريطها
فهذه الأوساط الثلاثة أصول الفضائل الخلقية ومجموعها يسمى عدالة ومقابل العدالة شيء واحد هو الجور وفي الملخص قد ظن بعضهم أن الحكمة المذكورة ههنا هي التي جعلت قسيمة للحكمة النظرية حيث قيل الحكمة إما نظرية وإما عملية وهو ظن باطل إذ المقصود من هذه الحكمة ملكة تصدر عنها أفعال متوسطة بين أفعال الجربزة والغباوة والمراد بتلك الحكمة العملية العلم بالأمور التي وجودها من أفعالنا والفرق بين العلم المذكور والملكة المذكورة معلوم بالضرورة وقد تبين مما نقلناه أيضا أن الحكمة المذكورة ههنا مغايرة للحكمة التي قسمت إلى النظرية والعملية

لأنها بمعنى العلم بالأشياء مطلقا سواء كانت مستندة إلى قدرتنا أو لا ومما يجب التنبه له أن الأفراط المذموم إنما يتصور في القوة العقلية العملية دون النظرية فإن هذه القوة أعني النظرية كلما كانت أشد وأقوى كانت أفضل وأعلى وأن العدالة المركبة من العفة والشجاعة والحكمة تكون أفضل من كل واحدة من أجزائها لا من الحكمة النظرية إذ لا كمال أشرف من معرفته تعالى بصفاته ومعرفة أفعاله في المبدأ والمعاد والاطلاع على حقائق مخلوقاته وأحوالها وليست هذه داخلة في العدالة كما يظهر بأدنى تأمل في مقالتهم لمن له فطرة سليمة والخلق مغاير للقدرة لأن الخلق يعتبر فيه صدور الأفعال بسهولة من غير تقدم روية وليس يعتبر ذلك في أصل القدرة وأيضا لا يجب في الخلق أن يكون مع الفعل كما وجب ذلك عند الأشاعرة في القدرة فالفرق بينهما ظاهر سيما أن جعل نسبة القدرة إلى الطرفين على السواء فإن الخلق لا يتصور فيه ذلك بل لا بد أن يكون متعلقا بأحد طرفي الفعل وأحد الضدين

خاتمة
المتن
في تفسير كيفيات نفسانية قريبة مما مر
الأول المحبة قيل هي الإرادة فمحبة الله لنا إرادته لكرامتنا ومحبتنا لله إرادتنا لطاعته
الثاني عند المعتزلة أن الرضاء هو الإرادة وعندنا ترك الاعتراض
الثالث الترك عدم فعل المقدور وقيل إن كان قصدا ولذلك يتعلق به الذم وقيل إنه من أفعال القلوب وقيل هو فعل الضد لأنه مقدور والعدم مستمر فلا يصلح أثرا للقدرة
الرابع العزم هو جزم الإرادة بعد التردد وهذا كله إنما يصلح إذا لم نفسرها بالصفة المخصصة بل بالميل

الشرح
خاتمة في تفسير كيفيات نفسانية قريبة مما مر في النوع الثالث والرابع
الأول من هذه الأمور القريبة المحبة قيل هي الإرادة فمحبة الله لنا إرادته لكرامتنا ومثوبتنا على التأبيد ومحبتنا لله إرادتنا لطاعته وامتثال أوامره ونواهيه وقد يقال محبتنا لله سبحانه كيفية روحانية مترتبة على تصور الكمال المطلق الذي فيه على الاستمرار ومقتضيه للتوجه التام إلى حضرة القدس بلا فتور وفرار وأما محبتنا لغيره فكيفية تترتب على تخيل كمال فيه من لذة أو منفعة أو مشاكلة تخيلا مستمرا كمحبة العاشق لمعشوقه والمنعم عليه لمنعمه والوالد لولده والصديق لصديقه
الثاني من تلك الأمور عند المعتزلة أن الرضاء هو الإرادة فإذ لم يرض الله لعباده الكفر لم يكن مريدا له أيضا وعندنا أن الرضاء هو ترك الاعتراض فالكفر مع كونه مرادا له ليس مرضيا عنده لأنه يعترض عليه
الثالث الترك بحسب اللغة هو عدم فعل المقدور سواء كان هناك قصد من التارك أو لا كما في حالة الغفلة والنوم وسواء تعرض لضده أو لم يتعرض وأما عدم ما لا قدرة عليه فلا يسمى تركا ولذلك لا يقال ترك فلان خلق الأجسام وقيل إن كان قصدا أي عدم فعل المقدور إنما يسمى تركا إذا كان حاصلا بالقصد فلا يقال ترك النائم الكتابة ولذلك يتعلق به أي بالترك الذم والمدح والثواب والعقاب فلولا أنه اعتبر فيه القصد لم

يكن كذلك قطعا وقيل إنه أي الترك من أفعال القلوب لأنه انصراف القلب عن الفعل وكف النفس عن ارتياده وقيل هو أي الترك فعل الضد لأنه مقدور والعدم أي عدم الفعل مستمر من الأزل فلا يصلح أثرا للقدرة الحادثة وقد يقال دوام استمراره مقدور لأنه قادر على أن يفعل ذلك الفعل فيزول استمرار عدمه فمن هذه الجهة صلح أن يكون العدم أثرا للقدرة
قالوا ولا بد أن يكون كلا الضدين مقدورين حتى يكون ارتكاب أحدهما تركا للآخر فإذا لم يكن أحدهما أو كلاهما مقدورا لم يصح استعمال الترك هناك فلا يقال ترك بقعوده الصعود إلى السماء ولا ترك بحركته الاضطرارية حركته الاختيارية ولا ترك بحركته الاضطرارية الصعود
الرابع من تلك الأمور العزم وهو جزم الإرادة بعد التردد الحاصل من الدواعي المختلفة المنبعثة من الآراء العقلية والشهوات والنفرات النفسانية فإن لم يترجح أحد الطرفين حصل التحير وإن ترجح حصل العزم وهذا كله أي الذي ذكرناه في تفسير ما عدا الترك إنما يصح إذا لم يفسرها أي الإرادة بالصفة المخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع بل بالميل أو ما يقتضيه من اعتقاد النفع أو ظنه أما إذا فسرناه بالصفة المخصصة فلا يصح لأن الصفة المخصصة قد تخصص ما لا يكون محبوبا ولا مرضيا والعزم قد يكون سابقا على الفعل الذي يجب أن تقارنه الصفة المخصصة

النوع الخامس بقية الكيفيات النفسانية
وفيه مقصدان
المقصد الأول
المتن
اللذة والألم بديهيان فلا يعرفان وقيل اللذة إدراك الملائم من حيث هو ملائم والملائم هو كمال الشيء الخاص به كالتكيف بالحلاوة والدسومة للذائقة والجاه والتغلب للغضبية وقولنا من حيث هو ملائم لأن الشيء قد يلائم من وجه دون وجه كالدواء الكريه إذا علم أن فيه نجاة من العطب وذلك لم يثبت فإنا ندرك حالة هي لذة ونعلم أن ثمة إدراكا للملائم وأما أن اللذة هل هي نفس ذلك الإدراك أو غيره وإنما ذلك سبب لها وهل يمكن أن تحصل بسبب آخر أم لا فلم يتحقق فوجب التوقف فيه وقال ابن زكريا الطبيب الرازي لا لذة وما يتصور منها إنما هو دفع ألم كالأكل لألم الجوع والجماع لألم دغدغة المني لأوعيته ولا نمنع جواز أن يكون ذلك أحد أسبابه إنما ننازعه في مقامين
أحدهما إنه دفع الألم
وثانيهما أنه لا يمكن أن تحصل بطريق آخر ومما ينبه أنه قد تحدث ما يوجب اللذة دفعة بلا شوق إليه ولا أن يخطر بالبال حتى يقال

إنها دفع لألم الشوق وذلك مثل النظر إلى وجه مليح والعثور على مال بغتة ثم قال الحكماء الألم سببه تفرق الاتصال بالتجربة وأنكره الإمام الرازي فإن من عقر بسكين شديد الحدة لم يحس بالألم إلا بعد زمان ولو كان ذلك سببا لامتنع التخلف عنه بل تفرق الاتصال يعد لسوء المزاج وحصوله يستدعي زمانا ما فريثما يبتدئ العضو بالاستحالة إلى مزاج سيئ يحصل الألم وربما احتج بأن التفرق عدم الاتصال وهو عدمي وبأن التغذي مداخلة الغذاء لجميع الأجزاء ولا تتصور إلا بتفريق فيجب أن يؤلم وزاد ابن سينا سببا آخر وهو سوء المزاج المختلف ولذلك تؤلم لسعة العقرب ما لا تؤلم الإبرة بخلاف المتفق فإنه لا يؤلم أما أنيته فإن حرارة المدقوق أكثر من حرارة صاحب الغب بكثير والثاني مدرك دون الأول وأما لميته فإن الإحساس شرطه مخالفة ما لكيفية الحاس والمحسوس إذ مع الاتفاق لا يحصل تأثر فلا يكون إحساس فإذا تمكن الكيفية المنافرة في العضو وأزال كيفية العضو الأصلية فليس ثمة كيفيتان متخالفتان فلم يكن فعل وانفعال فلا يحس به ولذلك فإن المحسوسات إذا استمرت يضعف الشعور بها متدرجا حتى ربما لم يشعر بها وإن شئت فقس من دخل الحمام يستسخن الماء الحار بحيث يشمئز منه حتى إذا لبث فيه قاب ساعة أثر فيه هواء الحمام فيسخن فتراه لا يدرك سخونته بل ربما استبرده
النوع الخامس من أنواع الكيفيات النفسانية في بقية الكيفيات النفسانيه وفيه أي في هذا النوع مقصدان
الشرح
اللذة والألم بديهيان لأن كل عاقل بل كل حساس يدركهما من نفسه ويميز كل واحد منهما عن صاحبه ويميزهما عما عداهما بالضرورة فلا يعرفان لتحصيل ماهيتهما فإن الإحساس الوجداني بجزئياتهما قد أفاد العلم بتلك الماهية على وجه لا يتأتى لنا تحصيل مثله بطريق الاكتساب كما في سائر المحسوسات على ما مر وهذا مما لا يخفى على ذي انصاف

نعم قد يقصد في المحسوسات شرح الاسم وذكر الخواص دفعا للالتباس اللفظي وقيل اللذة إدراك الملائم من حيث هو ملائم والألم إدراك المنافر من حيث هو منافر والملائم هو كمال الشيء الخاص به كالتكيف بالحلاوة والدسومة للذائقة واستماع النغمات الطيبة المتناسبة للقوة السامعة والجاه أي وكالجاه والرفعة والتغضب للغضبية وكإدراك حقائق الأشياء وأحوالها على ما هو عليه للقوة العقلية وقولنا من حيث هو ملائم لأن الشيء قد يلائم من وجه دون وجه كالدواء الكريه إذا علم أن فيه نجاة من العطب والهلاك فإنه ملائم من حيث اشتماله على النجاة وغير ملائم بل منافر من حيث اشتماله على ما تنفر الطبيعة عنه فإدراكه من حيث أنه ملائم يكون لذة دون إدراكه من حيث أنه منافر فإنه ألم لا لذة وبهذا أيضا ظهر فائدة قيد الحيثية في تعريف الألم
قال الإمام الرازي وذلك أي كون اللذة عين الإدراك المخصوص لم يثبت بالبرهان فإنا ندرك بالوجدان عند الأكل والشرب والوقاع حالة مخصوصة هي لذة ونعلم أيضا أن ثمة إدراكا للملائم الذي هو تلك الأشياء وإما أن اللذة هل هي نفس ذلك الإدراك أو غيره وإنما ذلك الإدراك سبب لها أي اللذة و أنه هل يمكن أن تحصل اللذة بسبب آخر مغاير لذلك الإدراك أم لا وأنه هل يمكن حصول ذلك الإدراك بدون اللذة أو لا يمكن فلم يتحقق شيء من هذه الأمور بدليل فوجب التوقف فيه أي في الكل إلى قيام البرهان وكذا الحال فيما بين الألم وإدراك المنافر

فإن قلت كيف يتأتى له هذه المناقشات وقد اختار أن تصورهما بديهي وأجلي من تصور الملائم والمنافر
قلت لعله أوردها على تقدير احتياجهما إلى التعريف دون استغنائها وأيضا تصور الكنه مانع عن الالتباس وبداهة تصورهما على وجه أبلغ مما يذكر في تعريفهما لا يستلزم تصور كنههما وقال ابن زكريا الطبيب الرازي لا لذة أي ليست اللذة أمرا محققا موجودا في الخارج بل هي أمر عدمي هو زوال الألم وإليه أشار بقوله وما يتصور منها أي من اللذة إنما هو دفع ألم من الآلام كالأكل فإنه دفع لألم الجوع والجماع فإنه دفع لألم دغدغة المني لأوعيته وبالجملة ليست اللذة إلا العود إلى الحالة الطبيعية بعد الخروج عنها أعني زوال الحالة الغير الطبيعية إلى الحالة الطبيعية ولا نمنع نحن جواز أن يكون ذلك أي دفع الألم وزواله أحد أسبابه أي أحد أسباب حصول اللذة إذ بالعود إلى الحالة الملائمة يحصل إدراكها فإن الأمور المستمرة لا يشعر بها فإذا زالت الحالة الطبيعية المستمرة ثم عادت بزوال ما ليست طبيعية حصل إدراكها الذي هو اللذة إنما ننازعه في مقامين
أحدهما أنه أي اللذة وتذكير الضمير للنظر إلى الخبر دفع الألم فإن من المعلوم البين أن اللذة أمر وراء زوال الألم

وثانيهما أنه لا يمكن أن تحصل اللذة بطريق آخر سوى دفع الألم ومما ينبه على أنه قد تحدث اللذة بطريق سواه ما يوجب اللذة دفعة بلا شوق إليه ولا أن يخطر بالبال حتى يقال إنها أي اللذة التي أوجبها ذلك الشيء دفع لألم الشوق إليه إذ لا إمكان للشوق بدون الشعور وذلك الموجب للذة دفعة مثل النظر إلى وجه مليح والعثور على مال بغته والاطلاع على مسألة علمية فجأة فإن الإنسان يلتذ بهذه الأشياء ولم يكن له ألم بفقدانها فقد ظهر أن دفع الألم على تقدير كونه سببا لحصول اللذة ليس سببا مساويا لها وقد يقال إنه كان مدركا لكليات هذه الأشياء ومشتاقا إليها في ضمن جميع جزئياتها ومتألما بفقدانها وإن لم يكن له شعور بهذه المعينات فإذا حصلت له هذه الجزئيات زال عنه بعض ذلك الألم وإذا حصل له جزئيات أخر زال بعض آخر وهكذا فلا يتحقق لذة بلا زوال ألم ثم قال الحكماء الألم سببه الذاتي تفرق الاتصال فقط بالتجربة وهذا مذهب جالينوس فالحار إنما يوجع ويؤلم لأنه يفرق الاتصال وكذا البارد يلزمه تفرق الاتصال لأنه لشدة تكثيفه وجمعه يوجب انجذاب الأجزاء إلى ما يتكاثف إليه ويلزم من ذلك تفرقها مما تنجذب عنه والأسود الحالك المظلم يؤلم لشدة جمعه والأبيض اليقق لشدة تفريقه والمر والحامض من المذوقات يؤلمان لفرط التفريق والعفص والقابض لفرط التقبيض المستشيع للتفريق وكذا الحال في المشمومات فبعضها مفرق وبعضها مكثف والأصوات القوية تؤلم بالتفريق التابع لعنف الحركة الهوائية عند ملاقاة الصماخ

وبالجملة اتفق الأطباء على أن تفرق الاتصال سبب ذاتي للوجع وأنكره الإمام الرازي فإنه من عقر أي جرح يده بسكين شديدة الحدة في الغاية لم يحس بالألم إلا بعد زمان ولو كان ذلك أي تفرق الاتصال سببا ذاتيا قريبا لامتنع التخلف منه وحيث تخلف الألم عن القطع والتفريق ظهر أنه ليس سببا كذلك بل تفرق الاتصال الحاصل بالقطع يعد العضو لسوء المزاج الذي هو الألم وحصوله يستدعي زمانا ما وإن كان قليلا فريثما يبتدئ العضو المقطوع بالاستحالة إلى مزاج سيء يحصل الألم الذي هو مسببه وربما احتج الإمام على ما أنكره من كون تفرق الاتصال سببا ذاتيا للألم بأن التفرق عدم الاتصال عما من شأنه أن يكون متصلا وهو عدمي فلا يجوز أن يكون سببا ذاتيا للألم الذي هو وجودي بالضرورة و احتج أيضا على ذلك بأن التغذي مداخلة الغذاء لجميع الأجزاء ولا تتصور هذه المداخلة إلا بتفريق فيما بين الأجزاء فالغذاء إنما يصير جزءا من المغتذى بالفعل بأن يفرق اتصال أجزاء المغتذى ويتوسط بينها ويتشبه بها والاغتذاء حاصل لأكثر أجزاء المغتذى في أكثر الأوقات فيكون التفرق أيضا حاصلا لأكثر الأجزاء في أكثر الأوقات فيجب أن يؤلم المتغذي وليس كذلك لأن المتغذي لا يجد ألما أصلا فلا يكون التفرق مؤلما بالذات وكذا نقول إن النمو لا يحصل إلا بتفرق الاتصال مع أنه غير مؤلم بل نقول إن أعضاء البدن لا شك أنها دائما في التحلل ولا معنى له إلا أن ينفصل عن العضو ما كان متصلا به وليس هذا التحلل مختصا بظاهر العضو دون باطنه وذلك لأن المحلل هو الحرارة السارية في ظاهر العضو وباطنه فيكون تفرق الاتصال شاملا لظواهره وأعماقه مع أنه لا ألم فيه
فإن قيل التفرق الحاصل من التغذي والنمو والتحلل تفرق في أجزاء صغيرة جدا فلصغر هذا التفرق لم يحصل الألم
قلنا إن كل واحد من تلك التفرقات وإن كان صغيرا جدا إلا أن تلك التفرقات كثيرة جدا لأن هذه الأمور الموجبة للتفرق لا تختص بجزء من البدن دون جزء بل هي حاصلة في جميع الأجزاء فالتفرق الناشئ منها يعم

الأجزاء كلها فلو كان مؤلما بالذات لعم الألم الأعضاء بأسرها لا يقال تلك التفرقات مؤلمة إلا أن آلامها لما استمرت لم يحس بها كسائر الكيفيات المستمرة لأنا نقول لا نعني بالألم إلا المعنى المخصوص الذي يجده الحي من نفسه فإذا لم يحس به مع سلامة الحس والتوجه إلى إدراكه دل على عدمه قطعا فإن قيل الحس شاهد بأن تفرق الاتصال مؤلم قلنا تفرق الاتصال يستعقب سوء المزاج الذي هو المؤلم بالذات فإن اختلاط العناصر لما زال بالتفرق عاد طبيعة كل منها إلى اقتضاء الكيفية الخارجة عن الاعتدال بالفاعل للمزاج السيء هو طبائعها لا التفرق العدمي فلا يلزمنا جعل العدمي سببا للوجودي واحتج في الملخص بوجه آخر إلزامي وهو أن الفلاسفة متفقون على أن الكيفيات والصور الحادثة في الأجسام التي تحت كرة القمر إنما تحدث عن مبدأ عام الفيض وإنما تختلف الأعراض والصور في تلك الأجسام لاختلافها في الاستعداد فالجسم المركب يختص بصورة أو كيفية لأن مزاجه أفاده استعدادا لقبول تلك الصورة أو الكيفية من واهب الصور فعلى هذا يكون السبب القريب للذة والألم ثبوتا وانتفاء هو المزاج لا التفرق وزاد ابن سينا للألم سببا آخر فقال السبب القريب للألم أمران
أحدهما هو تفرق الاتصال على ما ذكره جالينوس
وثانيهما هو سوء المزاج وهو على قسمين متفق ومختلف فالمتفق مزاج غير طبيعي يرد على العضو ويزيل مزاجه الطبيعي ويتمكن فيه بحث يصير كأنه المزاج الطبيعي والمختلف مزاج غير طبيعي يرد عليه ولا يبطل مزاحه الطبيعي بل يخرجه عن الاعتدال والمؤلم من هذين سوء المزاج المختلف ولذلك أي ولأن سوء المزاج المختلف سبب للألم تؤلم لسعة

العقرب ما لا تؤلم الإبرة بل تلك اللسعة أشد إيلاما من الجراحة الكبيرة ولو كان المؤلم تفرق الاتصال فقط لم يكن الأمر كذلك بخلاف سوء المزاج المتفق فإنه لا يؤلم ويدل عليه برهان آني ولمي أما أنيته فإن حرارة المدقوق أكثر من حرارة صاحب الغب بكثير لأن حرارة الدق مستقرة في جوهر الأعضاء الأصلية ومذيبه لها وحرارة الغب واردة من مجاورة خلط صفراوي على أعضاء هي على مزاجها الطبيعي حتى إذا تنحى عنها ذلك الخلط كانت باقية على أمزجتها الأصلية
والثاني من المذكورين أعني حرارة الغب مدرك دون الأول فإن صاحب الغب يجد التهابا شديدا ويضطرب اضطرابا عظيما دون المدقوق وأما لميته فإن الإحساس شرطه مخالفة ما لكيفية الحس و كيفية المحسوس إذ مع الاتفاق بين كيفيتهما لا يحصل تأثر للحاس من المحسوس فلا يكون هناك إحساس لكونه مشروطا بالتأثر فإذا تمكن الكيفية المنافرة في العضو وأزال ذلك المتمكن كيفية العضو الأصلية كما في سوء المزاج المتفق على ما عرفت فليس ثمة كيفيتان متخالفتان فلم يكن فعل وانفعال فلا يحس به أي بالمنافرة الذي هو تلك الكيفية القريبة فلا يكون هناك ألم وأما في سوء المزاج المختلف فالكيفية الأصلية باقية مع الكيفية الواردة فتحقق المنافاة والإحساس بالمنافي الذي هو الألم ولذلك أي ولأن شرط الإحساس التأثر المتوقف على المخالفة والمنافاة فإن المحسوسات إذا استمرت زمانا يضعف الشعور بها متدرجا إذ بحسب استمرارها تقل المخالفة بينها وبين كيفية الحاس بها فيضعف التأثر والأحساس أيضا حتى ربما يشعر بها أي بتلك المحسوسات المستمرة

لحصول الموافقة بين كيفيتي الحاس والمحسوس ويكون لها في أول الوهلة سورة ثم تضمحل وإن شئت شاهدا على ما ذكرناه فقس من داخل الحمام فإنه عند دخوله فيه يستسخن الماء الحار بحيث يشمئز منه ويتأذى به وذلك لمخالفة كيفية بدنه لكيفية الماء حتى إذا لبث فيه قاب ساعة أثر فيه الحمام فيسخن وصار كيفية بدنه موافقة لكيفية الماء فتراه حينئذ لا يدرك سخونته بل ربما استبرده بسبب زيادة سخونة بدنه لأجل الهواء على سخونة الماء

المقصد الثاني
المتن
الصحة ملكة أو حالة يصدر عنها الأفعال من الموضوع لها سليمة وهذا يعم أنواعها وربما تخص بالحيوان أو بالانسان فيقال كيفية لبدن الحيوان أو لبدن الإنسان كما وقع الجميع في كلام ابن سينا وأورد الإمام الرازي على جعلها من الحالة والملكة أن مقابلها المرض وليس منها إذ أجناسه سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق الاتصال وهي إما من المحسوسة أو من الوضع أو عدم ولا شيء منها بكيفية نفسانية وأورد على هذا الحد الذي ذكره شكوكا
الأول لم قدم الملكة وإنما تكون حالة ثم تصير ملكة
قلنا الملكة اتفق على كونها صحة أو لأن الملكة غاية الحالة
الثاني فيه اضطراب إذ أسند الفعل إلى الموضوع وإلى الصحة ولا يكون إلا أحدهما
قلنا الموضوع فاعل والصحة آلته

الثالث السليم هو الصحيح فالتعريف دوري
قلنا والصحة في الأفعال محسوسة وفي البدن غير محسوسة فعرف غير المحسوس بالمحسوس لكونه أجلى وإذا عرفت هذا المرض خلاف الصحة فهي حالة أو ملكة يصدر بها الأفعال عن الموضوع لها غير سليمة فلا واسطة بينهما إذ لا خروج عن النفي والإثبات وأثبت جالينوس فقال الناقة ومن ببعض أعضائه آفة أو يمرض مدة ويصح مدة لا صحيح ولا مريض وأنت تعلم أن ذلك لإهمال شروط التقابل من اتحاد المحل والزمان والجهة وأنه إذا روعي شروط التقابل فلا واسطة وكذا كل متقابلين يمتنع بينهما الواسطة فإنما هو باعتبار شرائط التقابل
الشرح
المقصد الثاني الصحة على ما ذكره ابن سينا في الفصل الأول من القانون ملكة أو حالة لم يكتف بذكر أحديهما تنبيها على أن الصحة قد تكون راسخة وقد لا تكون كصحة الناقه يصدر عنها أي يصدر لأجلها وبواسطتها الأفعال من الموضوع لها سليمة غير مألوفة وهذا التعريف يعم أنواعها إذ يدخل فيه صحة الإنسان وسائر الحيوانات وصحة النبات أيضا إذ لم يعتبر فيه إلا كون العقل الصادر عن الموضوع سليما فالنبات إذا صدر

عنه أفعاله من الجذب والهضم والتغذية والتنمية والتوليد سليمة وجب أن يكون صحيحا وربما تخص الصحة وتعريفها بالحيوان أو بالإنسان فيقال الصحة كيفية لبدن الحيوان إلى آخر ما مر أو يقال كيفية لبدن الإنسان إلى آخره كما وقع الجميع في كلام ابن سينا أما الأول فكما عرفت وأما الثاني فقد ذكره في الفصل الثاني من سابعة قاطيغورياس من منطق الشفاء فإنه قال هناك الصحة ملكة في الجسم الحيواني يصدر عنه لأجلها أفعاله الطبيعية وغيرها على المجرى الطبيعي غير مألوفة وكأنه لم يذكر الحالة ههنا إما للاختلاف فيها وإما لعدم الاعتداد بها وأما الثالث فقد ذكره في الفصل الثاني من التعليم الأول من الفن الثاني من كتاب القانون حيث قال الصحة هيئة بها يكون بدن الإنسان في مزاجه وتركيبه بحيث يصدر عنه الأفعال كلها صحيحة سالمة وأورد الإمام الرازي على جعلها أي جعل الصحة من الحالة والملكة أي من الكيفيات النفسانية سؤالا هو أن مقابلها المرض وليس المرض منها أي من الكيفيات النفسانية فلا تكون الصحة أيضا منها وإنما قلنا إن المرض ليس منها إذ أجناسه أي أنواعه المندرجة تحته باتفاق الأطباء ثلاثة سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق الاتصال وهي أي هذه الأمور المذكورة إما من الكيفيات المحسوسة أو من مقولة الوضع أو عدم فإن سوء المزاج الذي هو مرض إنما يحصل إذا صار إحدى الكيفيات الأربع أزيد أو أنقص مما ينبغي بحيث لا تبقى الأفعال سليمة فهناك أمور ثلاثة تلك الكيفية وكونها غريبة منافرة وإتصاف البدن بها فإن جعل المرض الذي هو سوء المزاج عبارة عن تلك الكيفية كأن يقال الحمى هي تلك الحرارة الغريبة كان من الكيفيات المحسوسة وإن

جعل عبارة عن كون تلك الكيفية غريبة منافرة كان من باب المضاف وإن جعل عبارة عن اتصاف البدن بها كان من قبيل الانفعال واقتصر المصنف من هذه الأقسام الثلاثة على الأول فلذلك حكم بأن سوء المزاج من المحسوسات وأما سوء التركيب فهو عبارة عن مقدار أو عدد أو شكل أو وضع أو انسداد مجرى يخل بالأفعال وليس شيء منها من الكيفيات النفسانية وهو ظاهر وكون هذه الأمور غريبة منافرة من قبيل المضاف واتصاف البدن بها من مقولة أن ينفعل واقتصر المصنف من بينها على اعتبار الوضع فعد سوء التركيب منه وأما تفرق الاتصال فظاهر أنه أمر عدمي فلا يكون كيفية نفسانية ومنهم من أجاب عن ذلك بأن عبارة الأطباء فيها مسامحة والمقصود أن أنواع المرض كيفيات نفسانية غير معتدلة تابعة للأمور المذكورة ومخلة بالأفعال ولا شيء منها أي من الكيفيات المحسوسات والوضع والعدم بكيفية نفسانية فلا يكون شيء من سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق الاتصال من الكيفيات النفسانية فلا يكون المرض الذي هو جنسها منها أيضا فلا تكون الصحة منها أيضا لأنها تكون عبارة إما عن أمور وجودية مقابلة للأمور التي سميناها مرضا وهو المزاج الملائم والهيئة الملائمة والاتصال الملائم وإما عن أمور عدمية هي عدم تلك الأشياء المسماة بالمرض وعلى التقديرين لم تكن الصحة كيفية نفسانية اللهم إلا إذا ثبت أن هناك كيفيات أخر مغايرة لتلك الوجوديات

وهذه العدميات وجعل الصحة عبارة عنها لكن ذلك مما لم يقم عليه شبهة فضلا عن حجة وأورد الإمام الرازي في المباحث المشرقية على هذا الحد الذي ذكره للصحة شكوكا وأجاب عنها أيضا
الأول لم قدم الملكة على الحالة في الذكر وإنما تكون الكيفية النفسانية التي هي الصحة أولا حالة ثم تصير ملكة قلنا الملكة اتفق على كونها صحة والحالة اختلف فيها فقيل هي صحة وقيل واسطة فقدمت لذلك أو لأن الملكة غاية الحالة والعلة الغائية متقدمة في الذهن وإن كانت متأخرة في الوجود
الثاني فيه أي في الحد اضطراب إذ أسند فيه الفعل وصدوره إلى الموضوع وإلى الصحة فإن قوله يصدر عنها الأفعال يدل على أن مبدأ الأفعال هو تلك الحالة والملكة وقوله من الموضوع يدل على أن مبدأها هو الموضوع ولا يكون المسند إليه الفعل بحسب الواقع إلا أحدهما لامتناع صدور فعل واحد من شيئين على أن يكون كل واحد منهما فاعلا له على حدة
قلنا الموضوع فاعل للفعل السليم والصحة آلته في صدور الفعل السليم عنه فقوله عنها أراد به لأجلها وبواسطتها كما أشرنا إليه وقد صرح بهذا المعنى في التعريف الثاني وفي الثالث أيضا وأما ما يقال من أن فاعل أصل الفعل هو الموضوع وفاعل سلامته هو الحالة أو الملكة فليس بشيء إلا أن يؤول بما ذكرناه
الثالث السليم هو الصحيح فالتعريف دوري أي تحديد للشيء بنفسه حيث عرف الصحة بالصحة
قلنا السلامة المأخوذة في تعريف صحة البدن هو صحة الأفعال والصحة في الأفعال محسوسة معلومة بمعاونة الحس والصحة في البدن غير محسوسة فعرف غير المحسوس بالمحسوس لكونه أجلى فلا إشكال وإذا عرفت هذا الذي ذكرناه من حد الصحة وما تعلق به فالمرض

خلاف الصحة ومقابلها فهي حالة أو ملكة يصدر بها الأفعال عن الموضوع لها غير سليمة بل مأوفة وهذا يعم أنواع الأمراض في الحيوانات والنباتات وقد يخص على قياس ما تقدم في الصحة بالحيوان أو بالإنسان وأنت خبير بما يرد على هذا الحد مما ذكره الإمام من عدم اندراج المرض في الكيفيات النفسانية وبأن المرض على هذا الحد يقابل الصحة تقابل التضاد وفي القانون أن المرض هيئة مضادة للصحة وفي الفصل الثاني من سابعة قاطيغورياس الشفاء مثل ذلك وفي الفصل الثالث من هذه المقالة السابعة أن المرض من حيث هو مرض بالحقيقة عدمي لست أقول من حيث هو مزاج أو ألم وهذا يدل على أن التقابل بينهما تقابل العدم والملكة وفي المباحث المشريقة لا مناقضة بين كلاميه إذ في وقت المرض أمران
أحدهما عدم الأمر الذي كان مبدأ للأفعال السليمة
وثانيهما مبدأ للأفعال المأوفة فإن سمي الأول مرضا كان التقابل تقابل العدم والملكة وإن جعل الثاني مرضا فالتقابل من قبيل التضاد والأظهر أن يقال إن اكتفى في المرض بعدم سلامة الأفعال فذلك يكفيه عدم الصحة المقتضية للسلامة وإن أثبت هناك آفة وجودية فلا بد من إثبات هيئة تقتضيها فكأن ابن سينا كان مترددا في ذلك فلا واسطة بينهما أي بين الصحة والمرض المعرفين بهذين التعريفين إذ لا خروج عن النفي والإثبات فالكيفية التي بها تصدر الأفعال عن موضوعها إما أن تكون أفعالها سليمة أو غير سليمة فالأولى هي الصحة والثانية هي المرض وأثبت جالينوس بينهما واسطة وسماها الحالة الثالثة فقال الناقة ومن ببعض أعضائه آفة أو يمرض مدة كالشتاء ويصح مدة كالصيف لا صحيح ولا مريض وأنت تعلم أن ذلك أي إثبات الواسطة إنما هو لأهمال شروط التقابل من اتحاد

المحل والزمان والجهة وتعلم أنه إذا روعي شروط التقابل بين الصحة والمرض فلا واسطة بينهما أصلا لأن العضو الواحد في زمان واحد من جهة واحدة لا يخلو من أن يكون فعله سليما أو غير سليم فلا يتصور واسطة بين الصحة والمرض المعرفين بما مر إذا روعي الشرائط المعتبرة في التقابل وكذا كل متقابلين يمتنع بينهما الواسطة فإنما هو أي امتناع الواسطة بينهما باعتبار شرائط التقابل فإنه إذا أهمل شيء من شرائطه جاز ارتفاعهما معا وحينئذ تثبت الواسطة بينهما
قال ابن سينا من ظن أن بين الصحة والمرض وسطا هو لا صحة ولا مرض فقد نسي الشرائط التي يجب أن تراعى فيما له وسط وما ليس له وسط وتلك الشرائط أن يفرض الموضوع واحدا بعينه في زمان واحد وتكون الجهة والاعتبار واحدا وحينئذ إن جاز أن يخلو الموضوع عنهما كان هناك واسطة وإلا فلا وإذا فرض إنسان واحد واعتبر منه عضو واحد في زمان واحد فلا بد أن يكون إما معتدل المزاج سوي التركيب بحيث يكون فعله سليما وإما أن لا يكون كذلك فلا واسطة إلا أن يحد الصحة والمرض بحد آخر ويشترط فيه شروط لا حاجة إليها يعني أن يشترط في حد الصحة سلامة جميع الأفعال فيخرج سالم البعض ومن كل عضو فيخرج من كان بعض أعضائه مأوفا وفي كل وقت فيخرج من يصح مدة ويمرض مدة وأن لا يكون هناك استعداد يقتضي سهولة الزوال فيخرج الناقة والشيح والطفل ويشترط في حد المرض آفة جميع الأفعال من جميع الأعضاء في جميع الأوقات فتخرج الأمور المذكورة من حده أيضا وتثبت الواسطة قطعا إلا أن النزاع حينئذ يكون لفظيا

الفصل الثالث في الكيفيات المختصة بالكميات
وفيه مقصدان
المقصد الأول
المتن
أنها عارضة للكم إما وحدها فللمنفصلة كالزوجية والفردية وللمتصلة التثليث والتربيع وإما مع غيرها كالحلقة فإنها مجموع شكل وهو عارض للكم مع اعتبار لون وكالزاوية فإنها هيئة إحاطة الضلعين بالسطح مثلا في ملتقاهما لا باستقامة ومنهم من جعل الزاوية من باب الكم لقبولها التفاوت وأنها توصف بالأصغر والأكبر وبكونها نصفا وثلثا
والجواب أنه إنما يتم أن لو كان عروض ذلك لها بالذات وأنه ممنوع بل لأنه عارض للكم ويبطله أنها تبطل بالتضعيف وتنعدم بخلاف الكم فإنه يزيد
الشرح
الفصل الثالث من فصول الكيف في الكيفيات المختصة بالكميات وفيه مقصدان

المقصد الأول أنها أي الكيفيات المختصة بالكميات عارضة للكم وإما وحدها فللمنفصلة كالزوجية والفردية العارضتين للعدد وكذلك الأولية والتركيب وسائر الأعراض الذاتية للأعداد وللمتصلة التثليث والتربيع أي كالتثليث والتربيع فإنهما عارضان للمثلث والمربع وكذلك التخميس والتسديس وغيرهما من الهيئات العارضة للسطوح الكثيرة الأضلاع وإما مع غيرها كالخلقة فإنها مجموع شكل وهو عارض للكم المتصل من حيث أنه محاط بحد واحد أو أكثر مع اعتبار لون
قال الإمام الرازي هذا النوع من الكيفيات هو الكيفية التي تعرض أولا وبالذات للكميات وبتوسطها لغيرها ويدخل في ذلك ما يكون كذلك إما لنفسه كالشكل العارض للمقدار وإما لجزئه كالخلقة فإنها كذلك بواسطة جزئها الذي هو الشكل
فإن قيل الخلقة عارضة للجسم الطبيعي إذ لولاه لم يكن خلقة
قلنا العارض للكمية إما أن يعرض لها من حيث أنها كمية أو من حيث أنها كمية شيء مخصوص وكلا القسمين عارض للكمية ثم إن اللون حامله الأول هو السطح الذي هو نهاية الجسم الطبيعي بتوسط الجسم التعليمي ومعنى كون الجسم ملونا أن سطحه ملون فكلا جزئي الخلقة حامله الأول هو المقدار فالخلقة عارضة بالذات للكم
قال ويتوجه على هذا أن يكون اللون والضوء داخلين في هذا النوع من الكيفيات لأن حاملها الأول هو السطح إذ لا لون ولا ضوء في عمق الجسم وقد يقال اللون قد يكون نافذا في داخل الجسم وكذلك الضوء في المضيء بالذات كالشمس فلا يختصان بالسطح والمتبادر من قوله

وكالزاوية أن الزاوية كالخلقة في أنها مركبة من الكيفية المختصة بالكميات مع غيرها وليست كذلك كما يدل عليه قوله فإنها هيئة إحاطة الضلعين بالسطح مثلا في ملتقاهما بالاستقامة فالزاوية هي تلك الهيئة لا الأمر المركب من تلك الهيئة والضلعين والسطح كما يتوهم وأشار بقوله مثلا إلى أن ما ذكره تعريف للزاوية المسطحة دون مطلقها المتناول للزاوية المجسمة وتلخيصه أن الزاوية المسطحة هيئة عارضة للسطح عند ملتقى خطين يحيطان به من غير أن يتحدا خطا واحدا فإنه إذا اتصل خطان على نقطة في سطح من غير أن يتحدا كذلك عرض لذلك السطح عند ملتقاهما هيئة انحدابية فيما بين الخطين المتصلين هي الزاوية وقد تطلق الزاوية على المقدار ذي الزاوية كما يطلق الشكل على المشكل وليس يعتبر في تحققها إحاطتهما بذلك السطح إحاطة تامة بل ربما امتنع إحاطتهما به كذلك كما إذا كان الخطان مستقيمين ولا يعتبر أيضا أن يكون هناك خط آخر يحيط معهما به ولا أن يكون ذانك الخطان متناهيين أو غير متناهيين قصيرين أو طويلين بخلاف الشكل إذ لا بد فيه من الإحاطة التامة فالشكل العارض للمثلث يتوقف على أضلاعه الثلاثة وكل واحدة من زواياه تتوقف على ضلعين فقط فقولنا من غير أن يتحدا احتراز عما إذا اتصل قوسان على نقطة وصارتا قوسا واحدة وأما قوله لا باستقامة فمستغنى عنه إذ لا إحاطة أصلا مع الاستقامة ثم إن الزاوية على التعريف المذكور من مقولة الكيف ومنهم من جعل الزاوية من باب الكم لقبولها التفاوت والتساوي وأنها أي ولأنها توصف بالأصغر والأكبر وبكونها نصفا وثلثا لزاوية أخرى ولا شك أن هذه الصفات أعراض ذاتية للكم فتكون الزاوية كما ولذلك عرف المسطحة بأنها سطح أحاط به خطان يلتقيان عند نقطة من غير أن يتحدا خطا واحدا
والجواب أنه أي هذا الاستدلال إنما يتم أن لو كان عروض ذلك التفاوت والتجزي لها أي للزاوية بالذات حتى يلزم كونها كما وأنه ممنوع بل عروضه لها يجوز أن يكون لأنه أي لأن هذا المعروض الذي هو

الزاوية عارض للكم كما في الشكل فإنه يعرض له ذلك بواسطة معروضه الذي هو الكم ويبطله أي يبطل كون الزاوية من الكم أنها تبطل بالتضعيف وتنعدم أما القائمة فإنها كلها تبطل بالتضعيف مرة واحدة بحيث لا تبقى هناك زاوية أصلا وأما الحادة فإنها تبطل إذا كانت نصف قائمة بالتضعيف مرتين كذلك بخلاف الكم فإنه يزيد بالتضعيف ولا يبطل فلا تكون الزاوية القائمة ولا الحادة المذكورة من مقولة الكم فلا يكون مطلق الزاوية من هذه المقولة أيضا ولو أبدل التضعيف بالزيادة لشمل البطلان الزوايا كلها فإن كل زاوية زيد عليها ما يجعلها مساوية لقائمتين لم يبق هناك زاوية أصلا وأما التضعيف فقد لا يبطل المنفرجة ولا الحادة التي هي أصغر من نصف قائمة أو أكبر منه إذ يجوز أن يبقى هناك زاوية في الجهة الأخرى من الخط الآخر نعم يلزم من تضعيف المنفرجة بطلان بعضها وكذا الحال في تلك الحادة إذا ضعفت مرارا وقد يكتفى بذلك في الاستدلال لأن الكم إذا ضعف لم يبطل منه شيء بل يزداد أبدا ومما يدل على أن الزاوية ليست سطحا أنها لا تقبل الانقسام على موازاة الوتر فإن الخط الواصل بين ضلعيها يحدث مثلثا هي بعينها إحدى زواياه كما يشهد به التخيل الصحيح واتفاق المهندسين عليه قاطبة ومنهم من جعل الزاوية من الإضافة فقال هي تماس خطين من غير أن يتحدا وبطلانه ظاهر فإن التماس لا يوصف بالصغر والكبر بخلاف الزاوية ومنهم من جعلها من مقولة الوضع وذهب جماعة إلى أنها أمر عدمي أعني انتهاء السطح عند نقطة مشتركة بين خطين يحيطان به فهذه أقوال خمسة أوردها بعضهم في رسالة صنفها لتحقيق الزاوية وما قيل فيها

المقصد الثاني
المتن
قال المهندسون الخط المستقيم خط تقع النقط المفروضة فيه كلها متوازية وأنه إذا أثبت أحد طرفيه وأدير حتى عاد إلى وضعه الأول حصلت الدائرة وهي شكل يحيط به خط في وسطه نقطة جميع الخطوط الخارجة منها إليه سواء ثم إذا أثبت قطر نصف الدائرة وأدير نصف الدائرة حتى عاد إلى وضعه الأول حصلت الكرة وهي جسم يحيط به سطح في وسطه نقطة جميع الخطوط الخارجة منها إليه سواء وإذا أثبت أحد ضلعي المربع المتوازي الأضلاع وأدير حصل الإسطوانة وهو شكل يحيط به دائرتان من طرفيه هما قاعدتاه يصل بينهما سطح مستدير يفرض وسطه خط مواز لكل خط يفرض على سطحه بين قاعدتيه وإذا أثبت الضلع المحيط بالقائمة من المثلث وأدير المثلث حصل المخروط وهو جسم أحد طرفيه دائرة والآخر نقطة ويصل بينهما سطح يفرض عليه الخطوط الواصلة بينهما مستقيمة وهذا كله أمور وهمية لا يعلم وجودها خارجا وعليها مبني علمهم الذي يدعون فيه اليقين
الشرح
المقصد الثاني قال المهندسون الخط المستقيم خط تقع النقطة المفروضة فيه كلها متوازية أي على سمت واحد لا يكون بعضها أخفض وقالوا إنه إذا أثبت أحد طرفيه على حالة وأدير الخط المستقيم على سمت واحد حتى عاد إلى وضعه الأول حصلت الدائرة وهي شكل أي مشكل يحيط به خط في وسطه نقطة جميع الخطوط الخارجة منها إليه أي من تلك النقطة إلى ذلك الخط سواء فتلك النقطة مركز الدائرة وذلك الخط محيطها والخطوط الخارجة منها إليه أنصاف أقطارها والخط

المستقيم الخارج من المركز إلى المحيط من الجانبين قطرها وهو منصف لها ثم إذا أثبت قطر نصف الدائرة على وضعه وأدير نصف الدائرة حتى عاد إلى وضعه الأول حصلت الكرة وهي جسم يحيط به سطح في وسطه نقطة جميع الخطوط الخارجة منها إليه أي إلى ذلك السطح سواء فتلك النقطة مركز الكرة وذلك السطح محيطها وتلك الخطوط أنصاف أقطارها والمستقيم الواصل من المركز إلى المحيط في الجانبين قطرها وإذا أثبت أحد ضلعي المربع المتوازي الأضلاع وأدير ذلك المربع حتى عاد إلى وضعه الأول حصل الإسطوانة والعبارة الظاهرة أن يقال إذا أثبت أحد أضلاع سطح متوازي الأضلاع وأدير حصل الإسطوانة المستديرة وهو شكل يحيط به دائرتان متوازيتان من طرفيه هما قاعدتاه يصل بينهما سطح مستدير يفرض وسطه خط مواز لكل خط يفرض على سطحه بين قاعدتيه وذلك لأن الخط المتوسط هو ذلك الضلع المثبت والسطح الواصل بين القاعدتين إنما ارتسم من الضلع الآخر الموازي للمثبت كما أن القاعدتين ارتسمتا من الضلعين الباقيين المتوازيين فلذلك كانتا متوازيتين وإذا أثبت الضلع المحيط بالقائمة أي أحد ضلعي القائمة من المثلث وأدير المثلث حتى يعود إلى وضعه الأول حصل المخروط المستدير وهو جسم أحد طرفيه دائرة هي قاعدته والآخر نقطة هي رأسه ويصل بينهما سطح ينفرض عليه أي على ذلك السطح الخطوط الواصلة بينهما أي بين محيط الدائرة وتلك النقطة مستقيمة واعلم أن ما نقله عنهم إنما ذكروه لتسهيل تخيل هذه الأمور لا لأن وجودها في أنفسها يكون بهذا الطريق كيف والخط عندهم عرض حال في السطح الحال في الجسم فلا يمكن حصول السطح بحركة الخط المتأخر عنه في الوجود ولا حصول الجسم من حركة السطح المتأخر عنه

ومن هذا القبيل ما قيل إنه إذا فرض نقطتان تحرك أحديهما إلى الأخرى على سمت واحد حصل الخط المستقيم وإذا أثبت أحد طرفيه وتحرك الخط مسافة قبل أن يصل إلى وضع الاستقامة حصل المثلث وإذا فرض تحرك خط على مثله بحيث يكون قائما عليه دائما حصل المربع الذي هو في اصطلاحهم سطح متساوي الأضلاع قائم الزوايا
قال المصنف وهذا الذي ذكره المهندسون من الخطوط والسطوح والمجسمات كله أمور وهمية لا يعلم وجودها خارجا وعليها مبني علمهم الذي يدعون فيه اليقين وقد يقال قامت البراهين على وجودها في مواضعها وإن سلم كونها أمورا وهمية فلا ينافي ذلك كون أحكامها يقينية ألا ترى أن العدد المركب من الوحدات التي هي أمور اعتبارية له أحكام صادقة بلا شبهة ومن أنكر كونها يقينية فقد كابر وكذا الحال في المباحث الهندسية يعلمها من يزاولها
فإن قيل لا كمال في معرفته أحوال الموهومات
قلنا إن الموهومات قد تكون عارضة في نفس الأمر للأعيان الموجودة فيحصل لتلك الأعيان بسبب ذلك أحكام مطابقة للواقع وقد يستدل بأحكام الأمور الوهمية على أحوال الأمور العينية ولا يخفى شيء من ذلك على من له شعور ببراهين علم الهيئة من الحساب والهندسة

تنبيه
المتن
لو اعتبر المركبات حصلت مقولات غير متناهية والخلقة إنما اعتبرت باعتبار وحدة بحسبها يتصف بالحسن والقبح وهما غير العارضين للشكل وحده أو للون وحده وهذا عذر غير واضح

الشرح
تنبيه على ما يرد على جعل الخلقة من الكيفيات المختصة بالكميات وهو أن المعتبر من أنواع المقولات العشر ما يندرج تحت واحدة منها فقط ولو اعتبر المركبات في المقولات وأنواعها حصلت مقولات غير متناهية أي غير محصورة بل كثيرة جدا بحسب الازدواجات الحاصلة بينهما ثناء وثلاث إلى عشار وحصلت أيضا أنواع غير منحصرة فيما ذكروه من أنوعها بحسب التركيب فيما بين تلك الأنواع كأن تركب مثلا الأقسام الأربعة التي للكيف بعضها مع بعض وعلى هذا كان ينبغي أن لا تعد الخلقة من الكيفيات المختصة بالكميات لكونها مركبة من نوعين متخالفين ولكنهم قالوا الخلقة إنما اعتبرت وجعلت داخلة في هذا النوع باعتبار وحدة عرضت لمجموع الشكل واللون بحسبها أي بحسب تلك الوحدة يتصف بالحسن والقبح يعني أن الشكل إذا قارن اللون وحصلت منهما كيفية وحدانيه باعتبارها يصح أن يقال للشيء أنه حسن الصورة أو قبيح الصورة وهما أي الحسن والقبح بحسب الصورة غير الحسن والقبح العارضين للشكل وحده أو للون وحده
قال المصنف وهذا عذر غير واضح لأنهم إن ادعوا أن بين الشكل واللون وحدة حقيقة منعناها وإن اكتفوا بالوحدة الاعتبارية جاز اعتبارها في كل أمرين يجتمعان وقد يقال قد اعتبر الوحدة بينهما في متعارف الناس حيث عبر عنهما بالخلقة ووصف الشخص بحسبهما بحسن الصورة وقبحها فلذلك عددناهما كيفية واحدة وأدرجناهما فيما اندرج فيه جزؤها كما عرفت ولم نجد لها نظيرا في ذلك فاكتفينا بها

الفصل الرابع في الكيفيات الاستعدادية
المتن
إما نحو القبول ويسمى ضعفا وإما نحو الدفع واللاقبول ويسمى قوة ولا ضعفا وأما قوة الفعل فليست منها فإن المصارعة مثلا تتعلق بعلم وصلابة الأعضاء لئلا يتأثر بسرعة وبالقدرة وشيء منها ليس من هذا الجنس
الشرح
الفصل الرابع من فصول الكيف في الكيفيات الاستعدادية وهي إما استعداد نحو القبول والانفعال ويسمى ضعفا ولا قوة كالممراضية وإما استعداد نحو الدفع واللاقبول ويسمى قوة ولا ضعفا كالمصحاحية وأما قوة الفعل كالقوة على المصارعة فليست منها أي من الكيفيات الاستعدادية كما ظنه قوم وجعلوا أقسامها ثلاثة فإن المصارعة مثلا تتعلق بعلم بهذا الصناعة وصلابة الأعضاء لئلا يتأثر بسرعة ولا يمكن عطفها بسهولة وتتعلق بالقدرة على هذا الفعل وشيء منها أي من هذه الثلاثة التي تعلق بها المصارعة ليس من هذا الجنس الذي هو الكيفية الاستعدادية لأن العلم والقدرة من الكيفيات النفسانية وصلابة الأعضاء من الكيفيات الملموسة على ما مر
المرصد الرابع في النسب
وفيه مقدمة وفصلان
المقدمة
المتن
أثبت الحكماء المقولات النسبية وأنكرها المتكلمون إلا الأين لوجوه
الأول لو وجدت لزم التسلسل أما أولا فلأن محلها يتصف بها فله إليها نسبة موجودة ويعود الكلام فيها وأما ثانيا فلأن لوجودها إليها نسبة وأما ثالثا فلأن لأجزاء الزمان بعضها إلى بعض نسبة
الثاني لو وجدت لوجدت الإضافة وهي لا تتحقق إلا بوجود المنتسبين فيوجد المتقدم والمتأخر معا

الثالث لو وجدت لزم اتصاف الباري تعالى بالحوادث لأن له مع كل حادث إضافة بأنه موجود معه وقبله بأنه متقدم عليه وبعده بأنه متأخر عنه وأثبتها ضرار والتزم التسلسل ومن ثم أثبت أعراضا غير متناهية
واحتج الحكماء بأن كون السماء فوق الأرض ومقابلة الشمس لوجه الأرض مما نعلمه ضرورة وأجابوا عن أدلة الخصم بأنها إنما تنفي كون جميع النسب موجودة في الخارج ونحن نقول به فإن من الإضافات أمورا موجودة في الخارج حقيقتها أنها إضافة ومنها إضافات يخترعها العقل عند ملاحظة أمرين كالتقدم والتأخر والأول ينتهي عند حد دون الثاني
الشرح
المرصد الرابع من مراصد الموقف الثالث في النسب أي المقولات النسبية وفيه مقدمة لبيان أنها موجودة في الخارج أولا وفصلان لبيان مباحث ما اتفق على وجوده أعني الأين تارة على رأي المتكلمين وتارة على رأي الحكماء
المقدمة أثبت الحكماء المقولات النسبية وأنكرها المتكلمون إلا الأين فإنهم اعترفوا بوجوده وأنكروا وجود ما عداه منها لوجوه
الأول لو وجدت الأعراض النسبية لزم التسلسل في الأمور الموجودة أما أولا فلأن هذه الأعراض لا بد لها من محل ولا شك أن محلها يتصف بها فله إليها نسبة بالمحلية والاتصاف وهذه النسبة

موجودة أيضا على ذلك التقدير ويعود الكلام فيها بأن يقال هذه النسبة أيضا لها محل يتصف بها فله إليها نسبة ثالثة موجودة وهكذا إلى ما لا نهاية له فهذا تسلسل وأما ثانيا فلأن لوجودها الزائد على ماهيتها لما مر إليها نسبة هي اتصافها بالوجود وهذه النسبة أيضا موجودة على ذلك التقدير فلوجودها إليها نسبة ثالثة وهكذا وهذا تسلسل ثان وأما ثالثا فلأن لأجزاء الزمان بعضها إلى بعض نسبة بالتقدم والتأخر فلو كانت النسب موجودة في الأعيان لكان التقدم والتأخر موجودين مع موصوفيهما وما مع المتقدم مقدم فيكون التقدم الموجود مع الزمان المتقدم متقدما على التأخر الموجود مع الزمان المتأخر فللتقدم تقدم آخر وهكذا للتأخر تأخر آخر فهناك تسلسل ثالث بل رابع أيضا
الوجه الثاني لو وجدت النسب لوجدت الإضافة لأنها من النسب لكونها نسبة متكررة وهي لا تتحقق إلا بوجود المنتسبين مجتمعين ومن أقسام الإضافة التقدم والتأخر فيوجد المتقدم والمتأخر من أجزاء الزمان معا وأنه باطل قطعا
الوجه الثالث لو وجدت النسب في الخارج لزم اتصاف الباري تعالى بالحوادث لأن له مع كل حادث إضافة ثابتة إليه بأنه موجود معه و له قبله أي قبل كل حادث إضافة أخرى إليه بأنه متقدم عليه و له بعده إضافة ثالثة إليه بأنه متأخر عنه وهذه الإضافة حادثة أما التي مع الحادث أو بعده فلا شبهة في حدوثها وأما التي قبله فقد زالت حال وجوده والقديم لا يزول وأثبتها أي الأعراض النسبية ضرار والصواب كما في المحصل معمر فإنه من قدماء المتكلمين لما رأى قوة الحجة التي ذكرها الحكماء على وجودها أذعن لها وحكم بوجودها و حيث لم يجد دفعا للتسلسلات المذكورة التزم التسلسل ومن ثم أثبت أعراضا غير متناهية يقوم بعضها ببعض ولا مخلص له من برهان التطبيق واحتج الحكماء

على وجود الأمور النسبية بأن كون السماء فوق الأرض ومقابلة الشمس لوجه الأرض وأمثالهما من النسب مما نعلمه ضرورة أي نعلم بالضرورة أنها ثابتة حاصلة سواء وجد هناك فرض فارض واعتبار معتبر أو لم يوجد ولقائل أن يقول إن ادعيتم أن الفوقية مثلا من الموجودات الخارجية منعناه بل هذا هو المتنازع فيه فيكف يدعي الضرورة فيه وإن قلتم السماء موصوفة بالفوقية في الخارج فلذلك لا يستلزم وجود الفوقية فيه لجواز اتصاف الأعيان الخارجية بالأمور العدمية فإن زيدا أعمى في الخارج وليس العمى موجودا خارجيا وقد يستدل على ذلك أيضا بأن الشيء قد لا يكون فوقا ثم يصير فوقا فالفوقية التي حصلت بعد العدم لا تكون عدمية وإلا كان نفي النفي نفيا وهو محال ويجاب عنه بأن حصول الفوقية بعد ما لم تكن عبارة عن اتصاف الشيء بها بعد ما لم يكن متصفا وذلك لا يستلزم وجودها كما عرفت وأجابوا عن أدلة الخصم بأنها إنما تنفي كون جميع النسب موجودة في الخارج أي هذه الأدلة تدل على سلب الموجبة الكلية ونحن نقول به فإن من الإضافات والنسب أمورا موجودة في الخارج حقيقتها أنها إضافة كالفوقية والمقابلة ونظائرهما ومنها إضافات لا تحقق لها في الخارج بل يخترعها العقل عند ملاحظة أمرين كالتقدم والتأخر بين أمرين لا يجوز اجتماعهما كأجزاء الزمان والقسم الأول من هذين ينتهي عند حد أي يجب انتهاؤه إلى حد لا يتجاوزه دون الثاني إذ لا يقف عند حد لا يمكن

للعقل أن يتجاوزه ويفرض إضافة أخرى بعده وعلى هذا فقد انجلت تلك الأدلة واندفع التسلسل في الأمور الخارجية لجواز أن تنتهي السلسلة إلى نسبة موجودة يكون ما بعدها من النسب اعتبارية إذ ليس يلزم من وجود الفوقية في نفسها أن يكون حلولها في محلها أمرا موجودا أيضا ولا من وجود حلولها وجود حلول الحلول وكون هذه النسب متوافقة في الماهية لا يقتضي اشتراكها في الوجود لجواز أن يكون بعض أفراد الماهية موجودا وبعضها معدوما وقد يجاب عن بعض تلك الأدلة بكونه منقوضا بالأين

الفصل الأول في مباحث المتكلمين في الأكوان
وفيه مقاصد
المقصد الأول
المتن
المتكلمون وإن أنكروا سائر المقولات النسبية فقد اعترفوا بالأين وسموه بالكون وزعم قوم منهم أن حصول الجوهر في الحيز معلل بصفة قائمة بالجوهر فسموا الحصول في الحيز بالكائنية والصفة التي هي علة بالكون
قال الإمام الرازي حصول الصفة للشيء معناه تحيزها تبعا لتحيزه فيلزم الدور
والجواب ما قد عرفته مع أنه قد تكون ذات الصفة علة للحصول ويكون تحيزها معللا به فلا دور وربما قال قيام الصفة إن توقف على التحيز لزم الدور وإلا جاز انفكاك العلة عن المعلول وقد يقال إن التوقف بمعنى عدم جواز الانفكاك لا يوجب دورا ممتنعا وهو غير وارد إذا تأملت
تنبيه الأحياز الجزئية الممكنة للمتحيز نسبتها إليه سواء وإنما يقتضي حصوله في حيز ما بحسب ما يقارنه من شرط يعينه والكون هو نسبته إلى

الحيز المخصوص فالفرق ظاهر لكن الكلام في ثبوت ذلك المقتضي فإن الحصول في الحيز المخصوص عندنا بخلق الله تعالى
الشرح
الفصل الأول في مباحث المتكلمين في الأكوان وفيه مقاصد سبعة
الأول المتكلمون وإن أنكروا سائر المقولات النسبية فقد اعترفوا بالأين وسموه بالكون والجمهور منهم على أن المقتضي للحصول في الحيز هو ذات الجوهر لا صفة قائمة به فهناك شيئان ذات الجوهر والحصول في الحيز المسمى عندهم بالكون وزعم قوم منهم أعني مثبتي الحال أن حصول الجوهر في الحيز معلل بصفة قائمة بالجوهر فسموا الحصول في الحيز بالكائنية والصفة التي هي علة للحصول بالكون فهناك ثلاثة أشياء ذات الجوهر وحصوله في الحيز وعلته
قال الإمام الرازي في الأربعين هذا عندنا باطل إذ حصول الصفة للشيء معناه تحيزها تبعا لتحيزه فإذا فرض أن حصول الجوهر في الحيز معلل بقيام صفة أخرى بالجوهر كان كل واحد من الحصول وتلك الصفة متوقفا على الآخر فيلزم الدور والجواب ما قد عرفته في المرصد الأول من هذا الموقف وهو أنا لا نسلم أن معنى القيام ما ذكر بل هو الاختصاص الناعت مع أنه إن سلم أن معنى القيام ذلك فلا نسلم لزوم الدور لأنه قد تكون ذات الصفة لا قيامها بالجوهر علة للحصول ويكون تحيزها الذي هو قيامها معللا به أي بالحصول فلا دور وقوله ربما قال إشارة إلى

ما وجد في نسخة أخرى من الأربعين هكذا قيام الصفة التي هي علة للحصول إن توقف على التحيز أي الحصول في الحيز لزم الدور لأنه لما عللنا حصول الجوهر في حيزه بتلك الصفة القائمة به كان الحصول متوقفا على قيامها به والمفروض أن قيامها به متوقف على ذلك الحصول وهو الدور يرد عليه ما مر من أن العلة ذات الصفة من حيث وجودها في نفسها ولا يلزم من هذا توقف الحصول على قيامها بالجوهر وإلا أي وإن لم يتوقف قيام الصفة على الحصول في الحيز جاز انفكاك العلة التي هي تلك الصفة القائمة بالجوهر عن المعلول الذي هو الحصول في الحيز لأنه لما لم يتوقف قيامها به على الحصول أمكن القيام بدون الحصول فأمكن أن توجد تلك الصفة قائمة بالجوهر خالية عن معلولها الذي هو الحصول وقد يقال إن التوقف بمعنى عدم جواز الانفكاك لا يوجب دورا ممتنعا وتقريره على ما في كتاب الأربعين أنه إن عني بالتوقف وجوب تأخر الموقوف عن الموقوف عليه لم يلزم من عدم التوقف إمكان حصول العلة بدون المعلول وإن عنى به عدم جواز وجوده بدون الموقوف عليه لم يلزم من التوقف بهذا المعنى الدور لجواز أن تكون العلة والمعلول متلازمين مع كون المعلول محتاجا إلى علته بلا عكس
قال المصنف وهو أي ما ذكره هذا القائل غير وارد على كلام الإمام يظهر ذلك عليك إذا تأملت وقد وجهه بعض تلامذته بأن مجرد امتناع الانفكاك من الجانبين وإن لم يستلزم دورا ممتنعا إلا أن ههنا أمرا آخر يستلزمه إذ قد صرح الإمام بأن قيام الصفة بالشيء معناه أن تحيزها تابع لتحيزه ولا شك أن تحيز الجوهر تابع لقيام الصفة لكونه علة له فيلزم

الدور الممتنع وهذا مردود أما أولا فلأنه لا تصريح بذلك المعنى في هذه النسخة بل فيها أن قيام الصفة المذكورة بالجوهر إما أن يتوقف على حصوله في الحيز أو لا يتوقف فاستفسار هذا القائل متعلق بما ذكر فيها واعتراضه وارد عليه وأما ثانيا فلأن التمسك بمعنى القيام وجه مستقل كما في النسخة الأولى فلا وجه لجعله جزءا لدليل آخر وأما ثالثا فلأن هذا التوجيه اختيار للشق الأول وهو قوله إن عنى بالتوقف وجوب تأخر الموقوف الخ وهو أن قيام الصفة متوقف على الحصول توقف تأخر وقد أبطله هذا القائل بأن عدمه لا يستلزم إمكان وجود العلة بدون المعلول كما نقلناه عنه لا للشق الثاني المذكور في الكتاب
تنبيه على ما يتمسك به من أثبت الكون علة للكائنية مع الجواب عنه أما التمسك فهو أنهم قالوا الأحياز الجزئية الممكنة للمتحيز الذي هو الجوهر نسبتها إليه سواء فإن ذات الجوهر تقتضي حصوله في حيز ما أي حيز كان وإنما يقتضي حصوله في حيز ما مخصوص بحسب ما يقارنه من شرط يعينه أي يعين ذلك الحيز المخصوص وحصوله فيه فهناك أمران
أحدهما الكائنية أعني الحصول في الحيز المخصوص
وثانيهما الكون الذي هو نسبته أي المقتضى لنسبته إلى الحيز المخصوص وحصوله فيه فالفرق بين الكون الذي هو مقتضي وبين الحصول في الحيز أعني الكائنية المقتضاة ظاهر وأما الجواب فهو قوله لكن أي نحن نسلم أن نسبة الجوهر إلى الأحياز الممكنة على السوية وأنه لا بد لحصوله في حيز معين من مقتض خارج عن ذاته لكن الكلام في ثبوت ذلك المقتضى وأنه ماذا فنحن لا نسلم أن حصوله في الحيز معلل

بصفة أخرى قائمة به مسماة بالكون كما يزعمون فإن الحصول في الحيز المخصوص إنما يثبت له عندنا بخلق الله تعالى فلا حاجة إلى إثبات صفة أخرى له

المقصد الثاني
المتن
أنواع الكون أربعة لأن حصوله في الحيز إما أن يعتبر بالنسبة إلى جوهر آخر أو لا والثاني إن كان مسبوقا بحصوله في ذلك الحيز فسكون وإن كان مسبوقا بحصوله في حيز آخر فحركة فالسكون حصول ثان في حيز أول والحركة حصول أول في حيز ثان ويرد على الحصر الحصول في أول الحدوث فإنه غير مسبوق بكون آخر
وقال أبو هاشم إنه سكون
ثم منهم من قال الحركة مجموع سكنات فإن قيل الحركة ضد السكون فكيف تكون مركبة منه قلنا الحركة من الحيز ضد السكون فيه وأما الحركة إلى الحيز فلا تنافي السكون فيه فإنها نفس الكون فيه وهو مماثل للكون الثاني فيه وأنه سكون فكذا هذا ويلزمهم أن يكون الكون الثاني حركة لأنه مثل الكون الأول وهو حركة إلا أن يعتبر في الحركة ألا تكون مسبوقة بالحصول في ذلك الحيز لا أن تكون مسبوقة بالحصول في حيز آخر وحينئذ لا تكون الحركة مجموع سكنات والنزاع لفظي وأما الأول فإن كان بحيث يمكن أن يتخلل بينه وبين ذلك الآخر ثالث فهو الافتراق وإلا فهو الاجتماع وإنما قلنا إمكان التخلل دون وقوع التخلل لجواز أن يكون بينهما خلاء عند المتكلمين فالاجتماع واحد والافتراق مختلف فمنه قرب وبعد متفاوت ومجاورة واعلم أن الاجتماع قائم بكل جزء بالنسبة إلى الآخر لا أنه أمر قائم بهما أو وضع أحدهما إلى الآخر فإنهم لا يثبتونه فالجوهران كل له اجتماع بالآخر فاحفظ هذا فإنه مما يذهب على كثير من عظماء الصناعة

الشرح
المقصد الثاني أنواع الكون أربعة هي السكون والحركة والافتراق والاجتماع وذلك لأن حصوله أي حصول الجوهر في الحيز إما أن يعتبر بالنسبة إلى جوهر آخر أو لا والثاني وهو ما لا يعتبر بالقياس إلى جوهر آخر قسمان لأنه إن كان ذلك الحصول مسبوقا بحصوله في ذلك الحيز فسكون وإن كان مسبوقا بحصوله في حيز آخر فحركة وعلى هذا فالسكون حصول ثان في حيز أول والحركة حصول أول في حيز ثان ويرد على الحصر أي على حصر القسم الثاني في الحركة والسكون الحصول في أول الحدوث أي حصول الجوهر في الحيز في أول زمان حدوثه فإنه كون غير مسبوق بكون آخر لا في ذلك الحيز ولا في حيز آخر فلا يكون سكونا ولا حركة فذهب أبو الهذيل إلى بطلان الحصر وقال الجوهر في أول زمان حدوثه كائن لا متحرك ولا ساكن وقال أبو هاشم وأتباعه أنه أي الكون في أول الحدوث سكون لأن الكون الثاني في ذلك الحيز سكون وهما متماثلان لأن كل واحد منهما يوجب اختصاص الجوهر بذلك الحيز وهو أخص صفاتهما فإذا كان أحدهما سكونا كان الآخر كذلك فهؤلاء لم يعتبروا في السكون اللبث والمسبوقية بكون آخر فيلزمهم تركب الحركة من السكنات إذ ليس فيها إلا الأكوان الأول في الأحياز المتعاقبة ثم منهم من التزم ذلك وقال الحركة مجموع سكنات في تلك الأحياز فإن قيل في إبطال ما التزمه هذا القائل الحركة لا شك أنها ضد السكون فكيف تكون الحركة مركبة منه فإن أحد الضدين لا يكون جزءا للآخر قلنا في درء هذا الإبطال ليست الحركة والسكون متضادين على الإطلاق بل الحركة من الحيز ضد السكون

فيه إذ لا يتصور اجتماعهما أصلا وأما الحركة إلى الحيز فلا تنافي السكون فيه فإنها أي الحركة إلى الحيز نفس الكون الأول فيه وذلك لأن الخروج عن الحيز السابق عليه عين الدخول فيه وهو أي الكون الأول فيه مماثلا للكون الثاني فيه لما مر من اشتراكهما في أخص صفات النفس وأنه أي الكون الثاني فيه سكون باتفاق فكذا هذا أي الكون الأول لأن المتماثلين لا يتخالفان
قال الآمدي ذلك الاشتراك لا يوجب التماثل لأن المتخالفين قد يشتركان في بعض الصفات ولا نسلم أن ما ذكره أخص صفاتهما وأيضا يلزمهم أن يكون الكون الثاني حركة لأنه مثل الكون الأول وهو حركة باتفاق وكذا الثاني
قال الآمدي وهذا إشكال مشكل ولعل عند غيري جوابه وأشار المصنف إلى الجواب بقوله إلا أن يعتبر أي يلزمهم أن يكون الكون الثاني حركة إلا أن يعتبر في الحركة أن تكون مسبوقة بالحصول في ذلك الحيز إلا أن تكون مسبوقة بالحصول في حيز آخر كما مر إذ على هذا لا يكون الكون الثاني حركة لأنه مسبوق بكون آخر في ذلك الحيز ويكون الكون الأول حركة عن المكان السابق مع كونه سكونا في هذا المكان والحاصل أنا لا نعتبر في السكون المسبوقية بكون آخر حتى يكون الكون في أول زمان الحدوث سكونا ونلتزم حينئذ أن تكون الحركة مركبة من السكنات لكنا نعتبر في الحركة عدم المسبوقية بالكون في ذلك الحيز ولا نكتفي بما مر من كونها مسبوقة بالكون في حيز آخر حتى لا يلزمنا أن يكون الكون الثاني حركة وإنما حملنا عبارة الكتاب على اعتبار الأمرين معا

في الحركة إذ لو حملت على اعتبار الأول فقط كما هو ظاهرها لزم أن يكون الكون في أول زمان الحدوث حركة ولا قائل به ثم أورد على جوابه إشكالا بقوله وحينئذ أي حين اعتبر في الحركة ما ذكر اندفع ذلك الإشكال لكن لا تكون الحركة مجموع سكنات لأن الكون الثاني سكون وليس جزءا للحركة وهو مردود بأنهم يدعون أن جميع أجزاء الحركة سكنات لأن كل سكون يجب أن يكون جزءا للحركة وهو ظاهر فإن الكون في أول الحدوث سكون عندهم وليس جزءا لحركة أصلا والنزاع في أن الكون في أول زمان الحدوث سكون أو ليس بسكون لفظي فإنه إن فسر السكون بالحصول في المكان مطلقا كان ذلك الكون سكونا ولزم تركب الحركة من السكنات لأنها مركبة من الأكوان الأول في الأحيان كما عرفت وإن فسر بالكون المسبوق بكون آخر في ذلك الحيز لم يكن ذلك الكون سكونا ولا حركة بل واسطة بينهما ولم يلزم أيضا تركب الحركة من السكنات فإن الكون الأول في المكان الثاني أعني الدخول فيه هو عين الخروج من المكان الأول ولا شك أن الخروج عن الأول حركة فكذا الدخول فيه وأما الأول وهو أن يعتبر حصول الجوهر في الجوهر في الحيز بالنسبة إلى جوهر آخر فإن كان بحيث يمكن أن يتخلل بينه وبين ذلك الآخر جوهر ثالث فهو الافتراق وإلا فهو الاجتماع وإنما قلنا إمكان التخلل دون وقوع التخلل لجواز أن يكون بينهما خلاء أي مكان خال عن المتحيز عند المتكلمين فإنهم يجوزونه فالاجتماع واحد لا يتصور إلا على وجه واحد هو أن لا يمكن تخلل ثالث بينهما والافتراق مختلف على وجوه متنوعة فمنه قرب ومنه بعد متفاوت في مراتب البعد ومنه مجاورة جعلها من أقسام الافتراق وسيصرح بأن المجاورة عين الاجتماع واعلم أن الاجتماع قائم بكل جزء أي جوهر بالنسبة إلى الآخر لا أنه أمر واحد قائم بهما معا فإنه غير جائز عندهم لما مر من أن العرض الواحد لا يقوم بشيئين لا على أن يقوم بكل واحد منهما وهو ظاهر ولا أن يقوم بهما معا وإلا لم يكن واحدا حقيقة أو وضع أحدهما أي ولا أن الاجتماع

وضع أحد الجوهرين بالنسبة إلى الآخر فإنهم أي المتكلمين لا يثبتونه أي الوضع ويثبتون الاجتماع فالجوهران المجتمعان كل واحد منهما له اجتماع بالآخر قائم به فهناك اجتماعان متحدان بالماهية ومختلفان بالهوية فاحفظ هذا الذي ذكرناه فإنه مما يذهب على كثير من عظماء الصناعة الكلامية فمنهم من يتوهم أن اجتماعا واحدا قائم بمحلين ومنهم من يتوهم أن الاجتماع من مقولة الوضع

المقصد الثالث
المتن
الكون وجوده ضروري وكذا أنواعه الأربعة إذ حاصلها كما علمت عائد إلى الكون والمميزات أمور اعتبارية نحو كونه مسبوقا بكون آخر أو غير مسبوق به وإمكان تخلل ثالث وعدمه
وقال الحكماء السكون عدم الحركة عما من شأنه أن يكون متحركا
تنبيه إذا قلنا ليس في الخارج إلا الكون والفصول المميزة أمور اعتبارية كان تسميتها أنواعا مجازا وإنما هو نوع واحد بل إذ الكون الواحد بالشخص يعرض له أنه اجتماع بالنسبة إلى جزء وافتراق بالنسبة إلى جزء آخر ولو فرضنا جوهرا فردا خلقه الله تعالى وحده لم يتصف باجتماع ولا افتراق وإذا خلق معه غيره عرضا له والكون بحاله
الشرح
المقصد الثالث الكون أي الحصول في الحيز وجوده ضروري

بشهادة الحس وكذا أنواعه الأربعة على رأي المتكلمين موجودة إذ حاصلها كما علمت من التقسيم عائد إلى الكون الذي هو نوع واحد في الحقيقة والمميزات التي بها تميزت تلك الأنواع بعضها عن بعض أمور اعتبارية لا فصول حقيقية منوعة نحو كونه مسبوقا بكون آخر إما في مكان آخر كما في الحركة أو في ذلك المكان كما في السكون على رأي أو غير مسبوق به أي بكون آخر على معنى أنه لا يعتبر كونه مسبوقا بكون آخر كما في السكون على رأي آخر ونحو إمكان تخلل ثالث بينهما وعدمه كما في الافتراق والاجتماع ولا شبهة في أن هذه الأمور الاعتبارية لا وجود لها في الخارج
وقال الحكماء السكون عدم الحركة عما من شأنه أن يكون متحركا فالمجردات لا توصف بالسكون الذي هو أمر عدمي عندهم إذ ليس من شأنها الحركة
تنبيه إذا قلنا ليس في الخارج إلا الكون والفصول المميزة المذكورة أمور اعتبارية لا فصول حقيقية منوعة كان تسميتها أنواعا مجازا وإنما هو نوع واحد يعرض له صفات متخالفة لا توجب اختلافا في الماهية بل ربما لا توجب أيضا اختلافا في الهوية الشخصية إذا الكون الواحد بالشخص يعرض له أنه اجتماع بالنسبة إلى جزء وافتراق بالنسبة إلى جزء آخر ولو فرضنا جوهرا فردا خلقه الله تعالى وحده لم يتصف باجتماع ولا افتراق ما دام منفردا وإذا خلق الله تعالى بعد ذلك معه غيره عرضا له والكون الثابت له أو لا باق بحاله لم تتغير ذاته الشخصية بل صفته

المقصد الرابع
المتن
فيما اختلف في كونه متحركا وذلك في صورتين
الأولى إذا تحرك الجسم فاتفقوا على حركة الجواهر الظاهرة منه واختلفوا في المتوسط الباطن فقيل متحرك إذ لو سكن لزم الانفكاك ولأنه في الكل والكل في حيز الكل فهو في حيز الكل وقد خرج عنه إلى آخر وقيل غير متحرك إذ حيزه الجواهر المحيطة به والأولون جعلوه هو البعد المفروض الذي يشغله وكذلك اختلف في المستقر في السفينة المتحركة وأنه أولى بالحركة إذ هو يفارق بعض السطح المحيطة به
الحق أنه نزاع لفظي يعود إلى تفسير الحيز كما نبهتك عليه
الثانية إذا كان الجوهر مستقرا في مكانه وتحرك عليه آخر بحيث تتبدل المحاذاة فالمستقر متحرك وألزم ما إذا تحرك عليه جوهران كل إلى جهة فيجب أن يكون متحركا إلى جهتين في حالة واحدة فيقال وذلك إنما يمتنع في حركة يزول بها المتحرك عن مكانه دون ما يزول بها المكان عنه وشدد النكير عليه ولا معنى له لأنه نزاع في التسمية
الشرح
المقصد الرابع فيما اختلف في كونه متحركا وذلك في صورتين
الأولى إذا تحرك جسم من مكان إلى آخر فاتفقوا على حركة الجواهر الظاهرة منه لأنها قد فارقت أحيازها واختلفوا في الجوهر المتوسط الباطن منه فقيل متحرك وإلا كان ساكنا إذ لا واسطة بينهما فيما هو قابل لهما بعد أول زمان حدوثه وليس بساكن إذ لو سكن مع

حركة باقي الأجزاء لزم الانفكاك وانفصال بعض الأجزاء عن بعض والمحسوس خلافه ولأنه أي الجوهر المتوسط داخل في الكل والكل داخل في حيز الكل فهو داخل في حيز الكل فيكون متحيزا به أيضا وقد خرج الجوهر المتوسط عنه أي عن حيز الكل إلى حيز آخر إذ المفروض أن الكل خرج بتمامه عن حيزه فيكون هو أيضا متحركا وقيل الجوهر المتوسط غير متحرك إذ حيزه الجواهر المحيطة به وأنه لم يفارقها ولم ينفصل عنها فهو مستقر في حيزه فلا يكون متحركا والأولون القائلون بكونه متحركا جعلوه أي جعلوا حيز الجوهر المتوسط هو البعد المفروض الذي يشغله الجوهر المتوسط وهو بعض من حيز الكل ولا شك أنه قد فارقه فيكون متحركا فالاختلاف راجع إلى تفسير الحيز كما سيصرح به وكذلك اختلف في المستقر في السفينة المتحركة فقيل ليس بمتحرك كالجوهر المتوسط وقيل متحرك وكيف لا وأنه أولى بالحركة من الجوهر المتوسط إذ هو يفارق بعض السطح المحيط به أعني الجواهر الهوائية التي أحاطت به من فوقه بخلاف المتوسط فإنه لا يفارق شيئا من السطح المحيط به والحق أنه نزاع لفظي يعود إلى تفسير الحيز كما نبهتك عليه آنفا فإن فسر بالبعد المفروض كان المستقر في السفينة المتحركة متحركا كالجوهر المتوسط لخروج كل منهما حينئذ من حيز إلى حيز آخر وإن فسر بالجواهر المحيطة لم يكن الجوهر الوسطاني مفارقا لحيزه أصلا وأما المستقر المذكور فإنه يفارق بعضا من الجوهر المحيطة به دون بعض وإن فسر الحيز بما اعتمد عليه ثقل الجوهر كما هو المتعارف عند الجمهور لم يكن المستقر مفارقا لمكانه أصلا
الصورة الثانية قال الأستاذ أبو إسحق إذا كان الجوهر مستقرا في

مكانه وتحرك عليه جوهر آخر من جهة إلى جهة بحيث تتبدل المحاذاة بينهما فالمستقر في مكانه متحرك وألزم على هذا القول ما إذا تحرك عليه أي على الجوهر المستقر جوهران كل منهما إلى جهة مخالفة لجهة الآخر فيجب أن يكون الجوهر المستقر متحركا إلى جهتين مختلفتين في حالة واحدة وهو باطل بالضرورة فيقال لدفع هذا الإلزام الحركة قسمان قسم يزول به المتحرك عن مكانه وقسم لا يزول به عنه بل يزول به مكانه عنه وذلك الذي ذكرتموه من كون الشيء الواحد في حالة واحدة متحركا إلى جهتين إنما يمتنع في حركة يزول بها المتحرك عن مكانه دون ما يزول بها المكان عنه كما في الصورة التي فرضتموها وشدد النكير عليه أي على قول الأستاذ ولا معنى له أي للإنكار وتشديده لأنه نزاع في التسمية فإن الأستاذ أطلق اسم الحركة على اختلاف المحاذيات سواء كان مبدأ الاختلاف في المتحرك أو في غيره فلزمه اجتماع الحركتين إلى جهتين فالتزمه كما أن جماعة أطلقوا اسم السكون على الكون مطلقا فلزمهم تركب الحركة من السكنات بل كون الحركة عن المكان الأول عين السكون في المكان الثاني فالتزموها والمخالفون له يطلقونه على القسم الأول ولا مشاحة في الاصطلاحات

المقصد الخامس
المتن
يجوز وجود جوهر فرد محفوف بستة جواهر من جهاته الست إلا ما نقل عن بعض المتكلمين أنه منع ذلك حذرا من لزوم تجزيه وهو مكابرة

للمحسوس ومانع من تأليف الأجسام من الجواهر واتفقوا على المجاورة والتأليف بين ذلك الجوهر والجواهر المحيطة به ثم اختلفوا
فقال الشيخ والمعتزلة المجاورة غير الكون لحصول حال الانفراد دونها والتأليف والمماسة غير المجاورة بل هما أمران يتبعان المجاورة والمباينة أي الافتراق ضد للمجاورة فلذلك تنافي التأليف لا لأنه ضده
ثم قال الشيخ المجاورة واحدة وأما المماسة والتأليف فيتعدد فهنا ست تأليفات وهي تغنيه عن كون سابع يخصصه بحيزه
وقالت المعتزلة المجاورة بين الرطب واليابس تولد تأليفا قائما بهما فههنا تأليف واحد وإذا جاز قيامه بالكثير فلا فرق بين الاثنين وأكثر
وقيل ست تأليفات لا سبع حذرا من انفراد كل جزء بتأليف وأبطلوا وحدة التأليف بأنه يزول بمباينة واحدة تأليف جوهر معه وتأليف الخمسة معه باق فظهر التغاير إذ ما بطل غير ما لم يبطل ضرورة
وقال الأستاذ المماسة نفس المجاورة وأنهما متعددتان ضرورة فالمباينة ضد لهما حقيقة
وقال القاضي إذا خص جوهر بحيز ثم توارد عليه مماسات ومجاورات آخر ثم زالت فالكون قبل وبعد واحد لم يتغير وإنما تعددت الأسماء بحسب اعتبارات وهذا أقرب إلى الحق بناء على عدم اشتراط البينة
فروع
الأول الجوهر الفرد له ست مماسات معينة وضدها ست مباينات

غير معينة هذا قبل المماسة وأما بعدها فقال في قول يضادها ست مباينات غير معينة وفي قول ست معينة هي الطارئة على المماسات هذا بناء على أن المماسة غير الكون
الثاني المتوسط بين الجوهرين كلما قرب من أحدهما بعد عن الآخر
فقال الأصحاب قربه من أحدهما عين البعد من الآخر
وقال الأستاذ غيره إذ قد يقرب من أحدهما ولا يبعد من الآخر بأن يتحرك الآخر معه إلى جهة حركته اللهم إلا أن يراد أن الكون واحد كما هو مذهب الأستاذ وليس ثمة أمر زائد هي المباينة والمجاورة فيكون النزاع لفظيا
الثالث الجوهر إذا ماس من جهة فهل يقال إنه مباين من الجهة الأخرى لعدم المماسة أم لا لأنه لا يمكن المجاورة من تلك الجهة حينئذ وهذا نزاع لفظي
الرابع يجوز المباينة والافتراق في جملة جواهر العالم
وقيل لا إذ لا تجوز المجاورة ويكفي جوازه بدلا والذي حداني على إيراد هذه الأبحاث أمران معرفة اصطلاح القوم وتحقيق ما ذهبوا إليه في حقيقة الأكوان تسلقا إليها مما قالوا به من لوازمها وأن لا تظن بكتابنا هذا إعوازه لها قصورا وإلا فلا تجدي في المطالب المهمة زيادة طائل ولولا هاتان الغايتان لم نطول الكتاب وليس من دأبي الإسهاب وأذكر هذا العذر لدي ما عسى تعثر عليه في غير هذا الموضع فتكف عني لائمتك
الشرح
المقصد الخامس اتفق القائلون بالأكوان على أنه يجوز وجود

جوهر فرد محفوف بستة جواهر ملاقية له من جهاته الست إلا ما نقل عن بعض المتكلمين من أنه منع ذلك ولم يجوز ملاقاة الجوهر الفرد لأكثر من جوهر واحد حذرا من لزوم تجزيه وهو مكابرة وإنكار للمحسوس فإن الحس يشهد بالتلاقي بين الجواهر من جميع الجهات وهو مانع من تأليف الأجسام من الجواهر الفردة فإنه إذا لم يمكن التلاقي من جميع الجوانب كيف يتحصل منها الجسم الطويل العريض العميق بل لا يكون هناك إلا جواهر مبثوثة غير متلاقية ولا ممكنة التلاقي واتفقوا أيضا على المجاورة والتأليف بين ذلك الجوهر والجواهر المحيطة به ثم اختلفوا فقال الشيخ الأشعري والمعتزلة المجاورة أي الاجتماع الذي هو كون الجوهرين بحيث لا يمكن أن يتخللهما ثالث كما مر غير الكون الذي يوجب تخصيص الجوهر بحيزه بل هي أمر زائد عليه وذلك لحصوله أي حصول الكون للجوهر حال الانفراد عما عداه من الجواهر دونها أي دون المجاورة فإنها غير حاصلة للجوهر حال انفراده عن غيره فيتغايران قطعا وقال الشيخ والمعتزلة أيضا التأليف والمماسة غير المجاورة بل هما أمران زائدان على المجاورة يتبعان المجاورة ويحدثان عقيبها وقالوا أيضا المباينة أي الافتراق المفسر بما تقدم ضد للمجاورة التي هي شرط للتأليف فلذلك تنافي المباينة التأليف لأن ضد الشرط ينافي المشروط لا لأنه ضده أي لا لأن المباينة بتأويل الافتراق ضد التأليف
ثم قال الشيخ وحده المجاورة القائمة بالجوهر الفرد واحدة وإن تعدد المجاور له وأما المماسة والتأليف فيتعدد كل واحد منهما بحسب

تعدد المؤتلف معه والمماس له فههنا أي فيما إذا أحاط بالجوهر الفرد ستة من الجواهر في جهاته ست تأليفات وست مماسات ومجاورة واحدة وهي أي المماسات الست تغنيه عن كون سابع يخصصه بحيزه وقالت المعتزلة المجاورة بين الجوهر الرطب و الجوهر اليابس تولد تأليفا واحدا بينهما قائما بهما ثم اختلفوا فيما إذا تألف الجوهر مع ستة من الجواهر فقيل يقوم بالجواهر السبعة تأليف واحد فإنه لما لم يبعد قيامه بجوهرين لم يبعد قيامه بأكثر وإليه أشار بقوله فههنا أي فيما إذا أحاط بجوهر واحد ستة من الجواهر في جهاته تأليف واحد وإذا جاز قيامه بالكثير فلا فرق بين الاثنين وأكثر وقيل ههنا ست تأليفات لا سبع حذرا من انفراد كل جزء من الجواهر السبعة بتأليف على حدة وأبطلوا أي أبطل هؤلاء وحدة التأليف التي ذهبت إليها الطائفة الأولى بأنه قد مر أن الماهية مضادة لشرط التأليف أعني المجاورة فتكون منافية له ولا شك أنه يزول بمباينة واحدة تأليف جوهر واحد من الستة معه أي مع الجوهر المحاط بها وتأليف الخمسة معه باق بحاله فظهر التغاير إذ ما بطل غير ما لم يبطل ضرورة لاستحالة أن يبطل التأليف الواحد من وجه دون وجه
وقال الأستاذ أبو إسحاق المماسة بين الجواهر نفس المجاورة بينهما وأنهما متعددان بحسب تعدد المجاور المماس ضرورة فالمباينة على رأيه ضد لهما حقيقة وذلك لأنها ضد للمجاورة بالاتفاق والمجاورة عين المماسة والتأليف على أصله فتكون المباينة عنده ضد المماسة والتأليف حقيقة
وقال القاضي أبو بكر إذا خص جوهر بحيز أي حصل فيه ثم توارد عليه مماسات ومجاورات من جواهر أخر ثم زالت تلك المماسات والمجاورات عنه فالكون الحاصل لذلك الجوهر قبل وبعد أي قبل

المماسات وبعدها واحد لم يتغير ذاته ولم يتعدد وإنما تعددت الأسماء بحسب اعتبارات فإن الكون الحاصل له قبل انضمام الجواهر إليه يسمى سكونا والكون المتجدد له حال الانضمام وإن كان مماثلا للكون الأول يسمى اجتماعا وتأليفا ومجاورة ومماسة والكون المتجدد له بعد زوال الانضمام يسمى مباينة والأكوان المختلفة على أصله ليست غير الأكوان الموجبة لاختصاص الجوهر بالأحياز المختلفة على أصله ليست غير الأكوان الموجبة لاختصاص الجوهر بالأحياز المختلفة وهذا الذي ذكره القاضي أقرب إلى الحق بناء على أصول أصحابنا من عدم اشتراط البينة المخصوصة لقيام عرض من الأعراض بمحله ومن امتناع أن يكون الجوهر أو ما قام به مؤثرا في حكم جوهر آخر لأن حكم الجوهر يمتنع أن يستفاد مما ليس قائما به سواء كان مباينا له أو غير مباين واقتصر المصنف على حكاية هذه المذاهب والتنبيه على أن قول القاضي أقرب إلى الصواب ولم يتعرض لما أورده الآمدي من تزييفاتها لأنه زيادة تضييع للأوقات
فروع على أصول أصحابنا في الاجتماع والافتراق
الأول الجوهر الفرد المنفرد من غيره يتصور له ست مماسات معينه لأن ما يماسه لا يكون إلا معينا وضدها أي ضد تلك المماسات المعينة ست مباينات غير معينة لأن ما باينه من الجواهر غير معين فإن ضم إليه جوهر واحد كان فيه خمس مباينات غير معينة مضادة لخمس مماسات معينة وعلى هذا النحو إذا ضم إليه جوهر ثالث أو أكثر هذا إذا كانت المباينة قبل المماسة وأما إذا كانت بعدها فقال الشيخ في قول يضادها أي يضاد المماسات الست المعينة ست مباينات غير معينة كما في القسم الأول و قال في قول آخر يضادها ست من المباينات معينة هي المباينات الطارئة على المماسات المعينة

قال الآمدي هذا بناء من الشيخ على أن المماسة وكذا المباينة عرض غير الكون المخصص للجوهر بحيزه كما هو بحيز كما هو مذهبه ويرد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون ما للجوهر من الكون غير مختلف ويكون الاختلاف عائدا إلى التسميات كما ذكره القاضي
الفرع الثاني الجوهر المتوسط بين الجوهرين الكائنين في حيزين بينهما أحياز كلما قرب من أحدهما بعد عن الآخر بلا شبهة فقال الأصحاب قربه من أحدهما عين البعد من الآخر وقال الأستاذ غيره وهو الحق إذ قد يقرب من أحدهما ولا يبعده من الآخر بأن يتحرك الآخر معه إلى جهة حركته بمقدار حركته فبطل ما قاله الأصحاب اللهم إلا أن يراد أن يكون مرادهم بما قالوه أن الكون واحد أي الكون الموصوف بالقرب عين الكون الموصوف بالبعد كما هو مذهب الأستاذ وليس ثمة أمر زائد على الكون هي المباينة والمجاورة فيكون النزاع لفظيا إذ مرادهم أن نفس الكون لا يختلف إنما المختلف هو الاعتبارات ومراده أن الكون المأخوذ مع ما وصف به مختلف
قال الآمدي إذا ضم جوهر ثالث إلى أحد هذين الجوهرين فلا شك أنه قريب من المنضم إليه وبعيد من الآخر فقال الأصحاب قربه من أحدهما عين بعده من الآخر وقال الأستاذ القرب غير البعد ألا يرى أنه إذا قدر انضمام الجوهر البعيد إلى القريب زال بعد المتوسط عن ذلك البعيد ولم يزل قربه من القريب قال وما ذكره الأستاذ مبني على أن البعد هو المباينة والقرب هو المجاورة وأن كل جوهر فرد له ست مباينات لستة

جواهر فإذا جاور جوهرا فقد زالت مباينة واحدة وبقيت خمس مباينات على ما هو أصله والحق ما ذكره الأصحاب فإنه مبني على أن الكون القائم بالجوهر لا يختلف وإنما يختلف التسميات كما ذكره القاضي
الفرع الثالث الجوهر الفرد إذا ماس جوهرا آخر من جهة فهل يقال إنه مباين لذلك الجوهر الآخر من الجهة الأخرى كما ذهب إليه بعض المتكلمين لعدم حصول المماسة في تلك الجهة الأخرى أم لا يقال ذلك كما ذهب إليه الأستاذ لأنه لا يمكن المجاورة والمماسة من تلك الجهة الأخرى حينئذ أي حين هو مماس له من الجهة الأولى وهذا نزاع لفظي لأنه إن اعتبر في المباينة إمكان المماسات في تلك الحالة فالحق هو الثاني وإن لم يعتبر فالحق هو الأول
الفرع الرابع يجوز المباينة والافتراق في جملة جواهر العالم بحيث لا يتصف شيء منها بالاجتماع مع غيره كما إذا تبدلت وزال تركيبها بالكلية وقيل لا يجوز إذ لا تجوز المجاورة بين الكل ولا بد في المباينة من إمكان المجاورة
قال المصنف ويكفي يعني في الوصف بالمباينة جوازها أي جواز المجاورة بين الكل بدلا ولا شبهة في هذا الجواز وإنما الممتنع هو المجاورة بين الكل على الاجتماع ثم قال والذي حداني وبعثني على إيراد هذه الأبحاث أمران
أحدهما معرفة اصطلاح القوم وتحقيق ما ذهبوا إليه في حقيقة الأكوان تسلقا تعليل للتحقيق إليها أي إلى حقيقة الأكوان مما قالوا به من لوازمها وأحوالها يعني أنه إذا عرف الاصطلاح لم يقع الخبط في المسائل المبنية على الاصطلاحات المختلفة وإذا حقق ما قالوه في تفسير الأكوان وأحوالها فربما يتوصل به إلى معرفة حقيقتها
وثانيهما أن لا تظن بكتابنا هذا إعوازه لها أي لهذه الأبحاث قصورا فيه وإلا فلا تجدي المباحث المذكورة في المطالب المهمة

التي هي العقائد الدينية وما تتوقف هي عليها زيادة طائل وفائدة ولولا هاتان الغايتان المذكورتان لم نطول الكتاب بذكرها وليس من دأبي الإسهاب في الكلام بل تحقيق المرام بالإيجاز الضابط لما هو مقتضى المقام واذكر أي احفظ وتذكر هذا العذر الذي مهدناه لك ههنا لدى ما عسى تعثر عليه من قبيل هذه الأبحاث في غير هذا الموضع فتكف بالنصب على أنه جواب الأمر عني لائمتك أي لومك

المقصد السادس
المتن
من لم يجعل المماسة كونا أطلق القول بتضاد الأكوان لأن الكونين إما أن يوجبا تخصيص الجوهر بحيز واحد أو بحيزين والأول اجتماع المثلين والثاني يوجب حصول الجوهر في آن واحد في حيزين ومن جعلها كونا كالشيخ والأستاذ فلم يجعلها أضدادا ولا مماثلة بل مختلفة
الشرح
المقصد السادس من لم يجعل المماسة كونا قائما بالجوهر كالقاضي وأتباعه أطلق القول بتضاد الأكوان على معنى أن كل كونين فهما متضادان لأن الكونين المجتمعين فرضا إما أن يوجبا تخصيص الجوهر بحيز واحد أو بحيزين والأول اجتماع المثلين لأن كل واحد من الكونين مثل للآخر والمثلان ضدان لا يجتمعان بل لا يتصور وجودهما في الجوهر إلا على سبيل التعاقب كما إذا كان مستقرا في حيز واحد أكثر من

زمان فإن الكون المتجدد في الزمن الثاني مماثل للكون الموجود في الزمن الأول لقيام كل واحد منهما مقام الآخر في تخصيص الجوهر بذلك الحيز والثاني يوجب حصول الجوهر في آن واحد في حيزين فامتنع اجتماع الكونين مطلقا فهما متضادان ومن جعلها أي المماسة كونا مخصوصا قائما بالجوهر وجوز قيام المماسات المتعددة بالجوهر الواحد كالشيخ والأستاذ فلم يجعلها أي الأكوان أضدادا ولا مماثلة بل مختلفة لجواز اجتماعها في جوهر واحد
قال الآمدي والحق هو الأول لما سبق من أن المماسة المباينة اعتبارات موجبة للاختلاف في التسمية

المقصد السابع
المتن
في اختلافات للمعتزلة بناء على أصولهم
أحدها أنهم بعد اتفاقهم على بقاء الأعراض اختلفوا في بقاء الحركة فنفاه الجبائي وأكثر المعتزلة إذ لو بقيت كانت سكونا والتالي باطل أما الملازمة فإذ لا معنى للسكون إلا الكون المستمر في حيز واحد وأما بطلان التالي فلتضاد الحركة والسكون
وبالجملة فالحاصل في الآن الثاني سكون فيجب أن يكون كونا آخر لا الكون الأول وإلا فالسكون هو الحركة بعينه والضرورة تنفيه كيف والحركة توجب الخروج عن ذلك الحيز دون السكون ويمكن الجواب بما مر من أن المنافي للسكون هو الحركة من الحيز لا إليه والحركة لا توجب الخروج عنه بل هو الخروج وأنه نفس الحصول في الحيز الثاني الذي هو السكون وبه قال أبو هاشم

ثانيها ذهب أبو هاشم وأكثر المعتزلة إلى بقاء السكون واستثنى الجبائي صورتين
الأولى ما إذا هوى جسم ثقيل بما فيه من الاعتمادات فأمسكه الله تعالى في الجو لأن من أصله أن الطارى الحادث أقوى من الباقي فلو كان السكون باقيا لهوى الثقيل بما يتجدد فيه من الاعتمادات
الثانية السكون المقدور للحي إذ لو بقي لم يكن مقدورا فيجب لو أمر بالحركة ولم يتحرك أن لا يأثم وهو خلاف الاجماع ولزب هذا بأبي هاشم والتزم العقاب بعدم الفعل فلقب بالذهني
ثالثها قال الجبائي الحركة والسكون مدركان لحاسة البصر واللمس فإن من نظر إلى الجوهر أو لمسه مغمضا لعينيه وهو ساكن أو متحرك أدرك التفرقة بين الحالتين ومنعه أبو هاشم بأن الكون لو كان مدركا لكان مدركا بخصوصيته إذ الإدراك عندهم لا يتعلق بمطلق الوجود بل بخصوصية المدرك واللازم باطل فإن راكب السفينة قد لا يدرك حركة السفينة ولا سكون الشط ومن نقل في النوم إلى غير حيزه فإذا استيقظ لم يدركه بخلاف ما لو لون بغير لونه
رابعها قال الجبائي التأليف ملموس ومبصر إذ نفرق بين الأشكال المختلفة وما هو إلا بالنظر إلى التأليفات المختلفة ومنعه ابنه في أحد قوليه فقال ذلك قد يكون بالنظر إلى الأكوان أو المحاذيات أو غيرها واحتج بأنه لو رؤي التأليف وهو قائم بالصفحتين من الجسم العليا وما تحتها لرؤيت الصفحتان وإنما يصح لو لم يقل إن المدرك جواهر الصفحة العليا وتأليف جواهرها بعضها مع بعض لا تأليف الصفحتين
خامسها قال الجبائي التأليف مختلف باختلاف الأشكال لما مر

ومنعه ابنه لأن التأليفين مشتركان في أخص صفة النفس وهو القيام بمحلين بناء على أصله وإن سلم ففيه مصادرة
سادسها قال الجبائي التأليف قد يقع مباشرا كمن يضم أصبعيه ومنعه ابنه إذ يمتنع دون المجاورة المولدة له
سابعها ذهب أكثر المعتزلة إلى أن مجاورة الرطب واليابس وإن ولدت التأليف فليست شرطا له لأنها لو كانت شرطا للابتداء لكانت شرطا في الدوام كأصل المجاورة وليس كذلك كاليواقيت الصم الصلاب وهو منقوض بالقدرة عندهم ومنهم من قال إنها للدوران ومع ضعفه فلعل ذلك عائد إلى اختلاف أجناس التأليف
الشرح
المقصد السابع في اختلافات للمعتزلة في أحكام الأكوان بناء على أصولهم
أحدها أنهم بعد اتفاقهم على بقاء الأعراض اختلفوا في بقاء الحركة فنفاه الجبائي وأكثر المعتزلة إذ لو بقيت الحركة كانت سكونا والتالي باطل أما الملازمة فإذ لا معنى للسكون إلا الكون المستمر في حيز واحد والحركة هي الكون في الحيز الأول فلو كانت باقية كانت في الزمن الثاني كونا مستمرا في الحيز الثاني فيكون عين السكون وأما بطلان

التالي فلتضاد الحركة والسكون ومن المستحيل أن يكون أحد الضدين عين الآخر وبالجملة فالحاصل أي فالكون الحاصل في الآن الثاني في الحيز الثاني سكون بالاتفاق فيجب أن يكون الحاصل في الآن الثاني كونا آخر متجددا لا الكون الأول الذي هو حركة وإلا فالسكون هو الحركة بعينه والضرورة تنفيه كيف والحركة التي هي الكون الأول في الحيز الثاني توجب الخروج عن ذلك الحيز أي الحيز الأول دون السكون الذي ذكرناه وهو الكون الثاني في الحيز الثاني فإنه لا يوجب ذلك الخروج فيتغايران قطعا ويمكن الجواب بمنع بطلان التالي بما مر من أن المنافي للسكون والمضاد له هو الحركة من الحيز فإنها لا تجامع السكون فيه لا الحركة إليه فإنها لا تنافي السكون فيه فجاز أن تكون الحركة إلى مكان عين السكون فيه وقولهم الحركة توجب الخروج عن الحيز الأول ليس بصحيح لأنها لا توجب الخروج عنه بل الحركة هو الخروج عن الحيز الأول وأنه نفس الحصول في الحيز الثاني الذي هو السكون
فإن قلت لا يخفى أن الكون الأول في الحيز الثاني هو عين الخروج عن الحيز الأول كما ذكرتم إلا الكون الثاني في الحيز الثاني ليس عين الخروج عن الأول فهما متغايران
قلت إنما يصح ذلك أن لو ثبت تعدد الكونين في الحيز الثاني على تقدير اتحادهما كان الثاني منهما كالأول عين الخروج عن الحيز الأول وبه قال أبو هاشم أي أنه قال ببقاء الحركة وبأن الكون الأول في الحيز الثاني هو الحركة وهو بعينه الكون الذي في الزمن الثاني المسمى بالسكون
ثانيها أي ثاني الاختلافات أنه ذهب أبو هاشم وأكثر المعتزلة إلى

بقاء السكون من غير تفصيل واستثنى الجبائي ومن تابعه صورتين أي قالوا ببقاء السكون إلا في صورتين
الأولى ما إذا هوى جسم ثقيل بما فيه من الاعتمادات المتجددة فأمسكه الله تعالى في الجو من غير أن يكون تحته ما يقله فلا بد ههنا من تجدد السكون فيه وإنما ذهب إلى ذلك لأن من أصله أن الطارئ الحادث أقوى من الباقي فلو كان السكون باقيا لا متجددا لهوى ذلك الجسم الثقيل بما يتجدد فيه من الاعتمادات
الصورة الثانية السكون المقدور للحي فإنه لا بد أن يكون متجددا إذ لو بقي لم يكن مقدورا لأن تأثير القدرة إنما هو الإحداث ولا يتصور الإحداث حالة البقاء فيجب حينئذ لو أمر الحي بالحركة ولم يتحرك بل استمر على ما كان عليه من السكون أن لا يأثم إذ لا إثم على أصلهم إلا على أمر مقدور والسكون المضاد للحركة إذا كان باقيا لم يكن مقدورا فلا يكون آثما به وهو خلاف الإجماع بخلاف ما إذا كان السكون متجددا ولزب هذا الذي ذكره الجبائي في إثبات الصورة الثانية بأبي هاشم فلم يجد عنه محيصا والتزم التأثم والعقاب بعدم الفعل في هذه الصورة مع انتفاء القدرة على ضده المستلزم لعدمه إذ ليس هناك شيء يتصور صدوره عنه سوى هذا الضد الذي هو السكون فلقب بالذهني إما لأنه رجع عن مقتضى أصولهم في أن الثواب والعقاب إنما يتعلقان بما يصدر عن المكلف بقدرته وستر مذهبه في الذهن وإما لأنه أثبت التأثم والعقاب بأمر يدرك بالذهن وليس صادرا عن المكلف أصلا
ثالثها قال الجبائي الحركة والسكون مدركان بحاسة البصر واللمس فإن من نظر إلى الجوهر أو لمسه مغمضا لعينه وهو أي ذلك الجوهر ساكن أو متحرك أدرك بالحاستين التفرقة بين الحالتين أي حالتي السكون

والحركة وعلم أنه إما ساكن أو متحرك ضرورة ومنعه أبو هاشم واحتج بأن الحركة عين الكون في الحيز بعد أن كان في غيره وذلك الكون هو السكون بعينه في الزمن الثاني كما هو مذهبه ثم إن الكون ليس مدركا بالحواس إذ لو كان مدركا لكان مدركا بخصوصيته إذ الإدراك عندهم لا يتعلق بمطلق الوجود بل بخصوصية المدرك واللازم باطل فإن خصوصية الكون في الأحياز المعينة غير مدركة ألا يرى أن راكب السفينة قد لا يدرك حركة السفينة ولا سكون الشط فإنها إذا كانت سهلة الجري على الماء غير مضطربة عليه فإن راكبها لا يدرك تفرقة بين خصوصيات أكوانها في الأحياز الهوائية المتبدلة عليها بخرقها الهواء بل ربما توهم أنها ساكنة في حيز واحد من الهواء وأن الشط متحرك إلى خلاف جهة حركتها ومن نقل في النوم إلى غير حيزه تبدل عليه كونه بكون آخر فإذا استيقظ لم يدركه ولم يجد اختلافا في حالتيه مع القطع باختلاف الكونين المخصصين له بالحيزين ويظهر ذلك فيمن كان هاويا في الجو متبدلا أحيازه عليه فلو غلبه عيناه وهو في حيز وانتقل منه في نومه إلى حيز آخر ثم استيقظ فإنه لا يجد تفرقة بين كونيه في حيزيه بخلاف ما لو لون في نومه بغير لونه فإنه يدركه ويميزه عن لونه السابق بالضرورة
ورابعها قال الجبائي التأليف ملموس ومبصر أي مدرك بالقوة اللامسة والباصرة إذ نحن نفرق بين الأشكال المختلفة ونميز بعضها عن بعض وما هو إلا بالنظر إلى التأليفات المختلفة أو لمسها فلا بد أن تكون تلك التأليفات محسوسة بهاتين الحاستين ومنعه ابنه في أحد قوليه فقال ذلك الفرق قد يكون بالنظر إلى الأكوان أي المجاورات المختلفة المولدة للتأليفات المتفاوتة أو المحاذيات المتخالفة أو غيرها من الأمور المتعلقة بالجواهر سوى التأليف

واحتج أبو هاشم على سبيل المعارضة بأنه لو رؤي التأليف وهو أمر واحد قائم بالصفحتين من الجسم العليا وما تحتها لرؤيت الصفحتان معا وذلك لأن تأليفا واحدا قام بكل جزئين من الصفحتين فإذا رؤي قائما بالصفحة العليا فقد رؤي قائما بالصفحة التي تحتها ضرورة اتحاده وإنما يصح هذا الاحتجاج على أبيه لو لم يقل أن المدرك جواهر الصفحة العليا وتأليف جواهرها بعضها مع بعض لا تأليف الصفحتين يعني أنه لا يقول أن التأليف جواهر الصفحة العليا مع ما تحتها مدرك حتى ينتهض عليه هذه المعارضة بل يقول إن المرئي تأليف جواهر الصفحة العليا فيما بينها على أن لقائل أن يقول إذا جاز عندك قيام تأليف واحد بجوهرين فلم لا يجوز انقسامه بحيث يكون مدركا من أحد الطرفين دون الآخر فلا يلزم رؤية الصفحتين معا
خامسها قال الجبائي التأليف مختلف باختلاف الأشكال لما مر من أنا نفرق بين الأشكال المختلفة وما هو إلا بالنظر إلى التأليفات المختلفة فإنه لو قدر التساوي والتشابه في تأليفات الأجسام لما اختلفت أشكالها ومنعه ابنه وقال إن التأليفات متجانسة لأن التأليفين مشتركان في أخص صفة النفس وهو القيام بمحلين بناء على أصله الفاسد وإن سلم ذلك الأصل ففيه أي في هذا الاستدلال مصادرة لأنه يجوز أن تكون التأليفات مختلفة ومشتركة في عارض يلزمها وكون ما ذكره من أخص صفات التأليف إنما يثبت إذا لم تكن التأليفات مختلفة فالمقدمة المذكورة في الدليل متوقفة على ثبوت المطلوب وهو المصادرة
سادسها قال الجبائي التأليف قد يقع مباشرا بالقدرة كمن يضم إصبعيه ومنعه ابنه إذ يمتنع وقوع التأليف دون المجاورة المولدة له وهذا

لازم على الجبائي لاتفاق المعتزلة على أن المتولد من السبب لا يكون مباشرا بالقدر الحادثة دون توسط السبب وإن كان ذلك باطلا على أصول أصحابنا
سابعها ذهب أكثر المعتزلة إلى أن مجاورة الجوهر الرطب والجوهر اليابس وإن ولدت التأليف بينهما كما مر فليست المجاورة المذكورة شرطا له لأنها لو كانت شرطا للابتداء أي شرطا للتأليف في ابتداء حدوثه لكانت شرطا له في الدوام كأصل المجاورة فإنه شرط للتأليف ابتداء ودواما وليس الأمر كذلك وليس الأمر كذلك كاليواقيت والصخور الصم الصلاب ونحوها فإنها لا رطوبة فيها أصلا مع قوة التأليف فيما بين جواهرها وهو أي هذا الاستدلال منقوض بالقدرة فإن تعلقها بالمقدور عندهم شرط لوجوده ابتداء لا دواما
ومنهم من قال إنها أي المجاورة بين الرطب واليابس شرط للدوران فإن التأليف الذي يصعب معه الفك والتجزئة لا يتحقق بدون الرطوبة واليبوسة ويتحقق معهما فهذا التأليف دائر مع المجاورة المذكورة وجودا وعدما فهي شرط له ومع ضعفه أي ضعف الدوران وعدم دلالته على أن المدار شرط للدائر فلعل ذلك أي الاختلاف بين المتجاورات في صعوبة التفكيك والتجزئة عائد إلى اختلاف أجناس التأليف كما ذهب إليه الجبائي لا إلى رطوبة بعض الجواهر المتجاورة ويبوسة بعضها

الفصل الثاني في مباحث الأين
على رأي الحكماء وفيه مقاصد
المقصد الأول
المتن
قال الحكماء الحركة كمال أول لما بالقوة من حيث هو بالقوة وذلك أن كل ما هو بالقوة فإنه لا يكون بالقوة من كل وجه وإلا فعدم محض بل بالفعل من وجه وبالقوة من وجه آخر والمتحرك له حركة بالفعل وهو أمر حصل له بعد أن لم يكن فهو كمال له إذ معنى الكمال ذلك وإنه يؤدي إلى حصول ممكن آخر له وهو الحصول في المنتهى فهذا كمال ثان وذلك كمال أول ثم إنه ما دام متحركا فشيء منه بعد بالقوة فهو لما هو بالقوة وكونه بالقوة باعتبار عارض للمتحرك وإلا فهو كمال أيضا فلذلك اعتبرنا الحيثية وفي انطباق هذا الحد على الحركة المستديرة نظر إذ لا منتهى لها إلا بالوهم فليس هناك كمالان أول وثان وهذا قريب مما قاله قدماؤهم أنها خروج من القوة إلى الفعل بالتدريج لكن عدلوا عن ذلك لأن التدريج هو وقوع الشيء في زمان بعد زمان فيقع في تعريفه الزمان وهو يعرف بأنه مقدار الحركة فيلزم الدور وبقولهم بالتدريج وقع الاحتراز عن مثل تبدل الصورة النارية بالهوائية فإنه دفعي
الشرح
الفصل الثاني في مباحث الأين على رأي الحكماء وفيه مقاصد ثلاثة عشر

المقصد الأول قال الحكماء الجسم إما أن يكون متحركا أو لا يكون والثاني هو الساكن لأن السكون عندهم كما مر عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك والحركة عرفها أرسطو ومن تابعه بأنها كمال أول لما بالقوة أي لمحل يكون بالقوة من حيث هو بالقوة وبيان ذلك أن كل ما هو بالقوة من الموجودات فإنه لا يكون بالقوة من كل وجه وإلا فعدم محض إذ يكون حينئذ بالقوة في كونه موجودا فلا يكون موجودا هذا خلف ويلزم أيضا أن يكون بالقوة في كونه بالقوة فتكون القوة حاصلة وغير حاصلة بل يكون بالفعل من وجه ولو في كونه موجودا ومتصفا بالقوة لا أقل من ذلك ويكون بالقوة من وجه آخر لأنا فرضناه كذلك فظهر أن الموجود يستحيل أن يكون بالقوة من جميع الوجوه فهو إما بالفعل من جميع الجهات كالعقول على رأيهم أو بالفعل في بعضها وبالقوة في بعضها والقسم الأول يستحيل عليه الحركة لأنها طلب لشيء وتوجه إليه وذلك غير متصور فيه لأن جميع ما يمكن أن يكون له فهو حاصل بالفعل فلا طلب فلا حركة بل لا تغير فيه ولا انتقال من حال إلى حال أصلا بخلاف القسم الثاني إذ يتصور فيه الحركة والانتقال الدفعي أيضا وإذا عرفت هذا فنقول المتحرك أي الموصوف بالحركة له حركة بالفعل حال اتصافه بها وهو أي الحركة أمر حصل له بعد أن لم يكن حاصلا له عند استقراره في مكانه أو على حاله فهو أي ذلك الأمر الحاصل بعد ما لم يكن كمال له أي للمتحرك إذ معنى الكمال ذلك هذا إشارة إلى المطلق

المذكور في ضمن المقيد أي معنى الكمال هو الحاصل بالفعل سواء كان مسبوقا بالقوة كما في حركات الحيوانات أو غير مسبوق بها كما في الكمالات الدائمة الحصول والحركات الأزلية على رأي الفلاسفة وإنما سمي الحاصل بالفعل كمالا لأن في القوة نقصانا والفعل تام بالقياس إليها وهذه التسمية لا تقتضي سبق القوة بل يكفيها تصورها وفرضها وقد يعتبر في مفهوم الكمال كونه لائقا بما حصل فيه لكنه ليس بمعتبر ههنا إذ لا يجب أن تكون الحركة لائقة بصاحبها وأنه أي ذلك الأمر الذي هو الحركة يؤدي المتحرك إلى حصول ممكن آخر له وهو الحصول في المنتهى مثلا فهذا الممكن الآخر كمال ثان إذا حصل بالفعل وذلك الأمر المؤدي إليه وهو الحركة الحاصلة كمال أول بالقياس إلى ذلك الممكن الذي يترتب عليه ويجب أن يكون ثابتا بالقوة مادامت الحركة ثابتة بالفعل ثم إنه أي المتحرك مادام متحركا بالفعل فشيء منه أي من الكمال الأول الذي هو الحركة بعد بالقوة فهو أي ذلك الكمال الأول إنما يثبت لما هو بالقوة من وجهين
أحدهما ذلك الكمال الثاني المترقب حال الحركة
وثانيهما نفس هذا الكمال الأول وتوضيحه أن الجسم إذا كان في مكان مثلا وأمكن حصوله في مكان آخر فله هناك إمكانان إمكان الحصول في المكان الثاني وإمكان التوجه إليه وكل ما هو ممكن الحصول له فإنه إذا حصل كان كمالا له فكل من التوجه إلى المكان الثاني والحصول فيه كمال إلا أن التوجه متقدم على الحصول لا محالة فوجب أن يكون الحصول بالقوة ما دام التوجه بالفعل فالتوجه كمال أول للجسم الذي يجب أن يكون بالقوة في كماله الثاني الذي هو الحصول ثم إن التوجه ما دام موجودا فقد بقي منه شيء بالقوة فالحركة تفارق سائر الكمالات بخاصتين
إحديهما إنها من حيث أن حقيقتها هي التأدي إلى الغير والسلوك إليه تستلزم أن يكون هناك مطلوب ممكن الحصول غير حاصل معها بالفعل ليكون التأدي إليه وليس شيء من سائر الكمالات بهذه الصفة

وثانيتهما أنها تقتضي أن يكون شيء منها بالقوة فإن المتحرك إنما يكون متحركا إذا لم يصل إلى المقصد فإنه إذا وصل إليه فقد انقطعت حركته وما دام لم يصل فقد بقي من الحركة شيء بالقوة فهوية الحركة مستلزمة لأن يكون محلها حال اتصافه بها مشتملا على قوتين قوة بالقياس إليها وأخرى بالقياس إلى ما هو المقصود بها أما القوة التي بالنسبة إلى المقصود فمشتركة بلا تفاوت بين الحركة بمعنى القطع والحركة بمعنى التوسط فإن الجسم مادام في المسافة لم يكن واصلا إلى المنتهى وإذا وصل إليه لم يبق حركة أصلا وأما القوة الأخرى ففيها تفاوت بينهما فإن الحركة بمعنى القطع حال اتصاف المتحرك بها يكون بعض أجزائها بالقوة وبعضها بالفعل فالقوة والفعل في ذات شيء واحد والحركة بمعنى التوسط إذا حصلت كانت بالفعل ولم يكن هناك قوة متعلقة بذاتها بل بنسبتها إلى حدود المسافة وتلك النسب خارجة عن ذاتها عارضة لها كما ستطلع عليه فقد انكشف لك أن الحركة كمال بالمعنى المذكور للجسم الذي هو بالقوة في ذلك الكمال وفيما يتأدى إليه ذلك الكمال وبقيد الأولية تخرج الكمالات الثانية وبقيد الحيثية المتعلقة بالأول تخرج الكمالات الأولى على الإطلاق أعني الصور النوعية لأنواع الأجسام والصور الجسمية للجسم المطلق فإنها كمالات أولى لما بالقوة لكن لا من هذه الحيثية بل مطلقا لأن تحصل هذه الأنواع والجسم المطلق في أنفسها إنما هو بهذه الصور وما عداها من أحوالها تابعة لها بخلاف الحركة فإنها كمال أول من هذه الحيثية فقط وذلك لأن الحركة في الحقيقة من الكمالات الثانية بالقياس إلى الصور النوعية والجسمية وإنما اتصف بالأولية لاستلزامها ترتب كمال

آخر عليها بحيث يجب كونه بالقوة معها فهي أول بالقياس إلى ذلك الكمال وكونه بالقوة معها لا مطلقا وكونه أي كون المتحرك بالقوة إنما هو باعتبار عارض للمتحرك وذلك العارض هو الكمال الثاني المقصود حصوله بالحركة ونفس الحركة أيضا فإن المتحرك موصوف بالقوة باعتبار هذين العارضين لا باعتبار ذاته بالفعل في صورته الجسمية والنوعية فلا يصح أن يقال لما بالقوة ويراد أن محل الحركة بالقوة في ذاته لأنه إذا كان بالقوة في ذاته لم يتصور اتصافه بالحركة فقوله لما بالقوة معناه لما هو بالقوة في شيء من عوارضه لا في ذاته وإلا أي وإن لم يرد له هذا المعنى فهو أي المتحرك كمال أي بحسب ذاته وصورته أيضا كمالا بحسب حركته والمقصود أنه إن لم يرد به كونه بالقوة في عارضه بل أريد كونه بالقوة في ذاته لم يصح لأنه ليس بالقوة في ذاته بل بالفعل فلذلك أي فلأن كونه بالقوة إنما هو باعتبار عارض اعتبرنا الحيثية إذ لو أريد كونه بالقوة في ذاته كما يتبادر من العبارة لم يكن لاعتبار الحيثية معنى وحاصل ما ذكره أن قيد الحيثية يفيد أن القوة بحسب العارض دون الذات وذلك لا ينافي كونه احترازا عما ذكرناه
قال المصنف وفي انطباق هذا الحد على الحركة المستديرة الأزلية الأبدية على زعمهم نظر إذ لا منتهى لها إلا بالوهم فليس هناك كمالان أول هو الحركة وثان هو الوصول إلى المنتهى نعم إذا اعتبر وضع من الأوضاع واعتبر ما قبله دون ما بعده كانت الحركة السابقة كمالا أولا بالقياس إلى ذلك الوضع إلا أن هذا منتهى بحسب الوهم دون الواقع فيكون بمنزلة ما إذا اعتبر حد من الحدود الواقعة في أثناء مسافة الحركة

ويجعل ذلك منتهى للحركة السابقة عليه ولا شبهة في أن المتبادر من التعريف أن تكون الحركة كمالا أولا بحسب نفس الأمر لا بمجرد التوهم فقط وفي الملخص أن تصور الحركة أسهل مما ذكر في هذا التعريف فإن كل عاقل يدرك التفرقة بين كون الجسم متحركا وبين كونه ساكنا وأما الأمور المذكورة في تعريفها فمما لا يتصورها إلا الأذكياء من الناس وقد أجيب عنه بأن ما أورده يدل على تصورها بوجه ما والتصديق بحصولها للأجسام لا على تصور حقيقتها وهذا الذي ذكره المعلم الأول وأتباعه في تحديد الحركة قريب مما قاله قدماؤهم من أنها خروج من القوة إلى الفعل بالتدريج فإنهم قالوا الخروج من القوة إلى الفعل إما أن يكون دفعة أو لا دفعة والثاني هو المسمى بالحركة فحقيقة الحركة هي الحدوث أو الحصول أو الخروج من القوة إلى الفعل إما يسيرا يسيرا أو لا دفعة أو بالتدريج وكل واحدة من هذه العبارات صالحة لإفادة تصور الحركة لكن متأخروهم عدلوا عن ذلك لأن التدريج هو وقوع الشيء في زمان بعد زمان بل نقول هو وقوع الشيء في آن بعد آن فيتوقف تصور التدريج على تصور الآن المتوقف تصوره على تصور الزمان لأنه طرفه وكذا معنى يسيرا يسيرا هو معنى التدريج وتصور اللادفعة موقوف على تصور الدفعة وهي عبارة عن الحصول في الآن فإن الأمور الواقعة في تعريف الحركة ينتهي تحليلها إلى تصور الزمان الذي هو مقدار الحركة فالتعريف دوري وإلى هذا أشار بقوله فيقع في تعريفه أي تعريف التدريج الزمان وهو يعرف بأنه مقدار الحركة فيلزم الدور
قال الإمام الرازي أجاب بعض الفضلاء عن ذلك بأن تصور الدفعة واللادفعة والتدريج ويسيرا يسيرا تصورات أوليه لإعانة الحس عليها وأما الآن

والزمان فهما سببان لهذه الأمور في الوجود لا في التصور فجاز أن تعرف حقيقة الحركة بهذه الأمور الأولية التصور ثم تجعل الحركة معرفة للآن والزمان اللذين هما سببا هذه الأمور في الوجود قال وهذا جواب حسن وبقولهم بالتدريج أو ما في معناه وقع الاحتراز عن مثل تبدل الصورة النارية بالهوائية فإنه انتقال دفعي ولا يسمونه حركة بل كونا فاسدا

المقصد الثاني
المتن
إن الحركة تقال لمعنيين
الأول التوجه وهو كيفية بها يكون الجسم أبدا متوسطا بين المبدأ والمنتهى لا يكون في حيز آنين وهو أمر مستمر من أول المسافة إلى آخرها وهي بهذا المعنى تنافي الاستقرار فتكون ضدا للسكون في الحيز المنتقل عنه وإليه بخلاف من جعلها الكون في الحيز الثاني واعلم أن مبناه اتصال الأحياز وعدم تفاصلها أصلا بناء على نفي الجزء الذي لا يتجزأ وسنتكلم عليه ونستوفي القول فيه
الثاني الأمر الممتد من أول المسافة إلى آخرها ولا وجود لها إلا في التوهم إذ عند الحصول في الجزء الثاني من المسافة بطل نسبتها إلى الجزء الأول منها ضرورة نعم لما ارتسم نسبته إلى الجزء الثاني في الخيال قبل أن تزول نسبته إلى الأول عنه يتخيل أمر ممتد كما يحصل من القطرة النازلة والشعلة المدارة في الحس المشترك فيرى خطا أو دائرة وأنت تعلم من هذا أن قبولها للزيادة والنقصان والتقدر والانقسام لا يمنع أن يكون وهميا فلا يتم دليل إثبات الزمان

الشرح
المقصد الثاني ذهب أرسطو إلى أن الحركة تقال بالاشتراك اللفظي لمعنيين
الأول التوجه إلى المقصد وهو كيفية وصفة بها يكون الجسم أبدا متوسطا بين المبدأ والمنتهى اللذين للمسافة ولا يكون في حيز من الأحياز الواقعة فيما بين المبدأ والمنتهى آنين بل يكون في كل آن في حيز آخر ويسمى الحركة بمعنى التوسط وقد يعبر عنها بأنها كون الجسم بحيث أي حد من حدود المسافة يفرض لا يكون هو قبل آن الوصل إليه ولا بعده حاصلا فيه وبأنها كون الجسم فيما بين المبدأ والمنتهى بحيث أي آن يفرض يكون حاله في ذلك الآن مخالفا لحاله في آنين يحيطان به والاعتراض بأن تصور الآن والقبلية والبعدية يتوقف على تصور الزمان المتوقف على تصور الحركة فيلزم الدور مردود بأن هذه الأمور جلية غير محتاجة إلى تعريف كما أشرنا إليه وهو أي الحركة بهذا المعنى أمر موجود في الخارج فإنا نعلم بمعاونة الحس أن للمتحرك حالة مخصوصة ليست ثابتة له في المبدأ ولا في المنتهى بل فيما بينهما مستمر من أول المسافة إلى آخرها فإن هذه الحالة توجد دفعة وتستمر إلى المنتهى وتستلزم اختلاف نسب المتحرك إلى حدود المسافة كما عرفت فهي باعتبار ذاتها مستمرة وباعتبار نسبتها إلى تلك الحدود سيالة وبواسطة استمرارها وسيلانها تعقل في الخيال أمرا ممتدا غير قار هو الحركة بمعنى القطع كما مر
فإن قيل الحركة الممدودة لا تكون عبارة عن التوسط المطلق لأنه أمر كلي ولا وجود للكليات في الخارج فإذن الحركة الموجودة هي الحصول في حد معين وذلك الحصول أمر آني غير منقسم في امتداد

المسافة والذي يليه يكون مغايرا له فتكون الحركة مركبة من أمور آنية الوجود متتالية فيلزم تركب المسافة من أجزاء لا تتجزأ وهو باطل عندهم
قلنا الحركة بمعنى التوسط أمر موجود في الآن ومستمر باستمرار الزمان على معنى أنه موجود في كل آن يفرض في ذلك الزمان كالبياض الواحد الموجود في الآن مع استمراره في الزمان وهي متشخصة بوحدة الموضوع والزمان وما فيه فالحركة الواحدة بالعدد هي التوسط بين المبدأ والمنتهى الحاصل لموضوع واحد في زمان واحد في شيء واحد فإذا فرض في المسافة حدود معينة فعند وصول المتحرك إلى واحد منها يعرض لذلك التوسط آن صار حصولا في ذلك الوسط ووصولا إلى ذلك الحد وهذا أمر زائد على ذاته الشخصية عارض له فإذا خرج الجسم عن ذلك الحد فقد زال عنه عارض من عوارض ذاته المشخصة وحصل عارض آخر ثم إن تعاقب هذه العوارض بحيث لا يمكن فرض عارض ثالث بين عارضين متعاقبين منها لا يتصور إلا بتتالي النقط في المسافة إذا امتنع هذا امتنع تتالي العوارض أيضا وهي بهذا المعنى أي الحركة بمعنى التوجه والتوسط تنافي الاستقرار أي استقرار المتحرك في حيز واحد سواء كان منتقلا عنه أو منتقلا إليه أما منافاته للأول فظاهرة وأما منافاته للثاني فلأنه للثاني فلأنه لو استقر بعد المبدأ في حيز لكان حاصلا في المنتهى لا متوسطا بينه وبين المبدأ فتكون الحركة ضدا للسكون في الحيز المنتقل عنه وللسكون في الحيز المنتقل إليه أيضا بخلاف من جعلها أي الحركة الكون في الحيز الثاني فإنها إذا جعلت نفس الكون في الحيز الثاني كانت مضادة للسكون في المنتقل عنه دون السكون في المنتقل إليه كما مر واعلم أن مبناه أي مبنى ما ذكره من الحركة بمعنى التوسط ووجودها في الخارج اتصال

الأحياز في أنفسها وعدم تفاصلها إلى أمور لا تنقسم أصلا بناء على نفي الجزء الذي لا يتجزأ وسنتكلم عليه ونستوفي القول فيه وذلك لأن الجسم إذا كان مركبا من الجواهر الأفراد فإذا تحرك لم يكن هناك حركة واحدة ومتحرك واحد بل هناك حركات ومتحركات بعد تلك الجواهر فالمتحرك الواحد هو الجوهر الفرد الواحد وإذا كانت المسافة مركبة من تلك الجواهر وفرضنا أن جوهرا واحدا انتقل من جوهر إلى جوهر آخر متصل به فقد حصل الحركة قطعا وليس هناك توسط بين المبدأ والمنتهى بل ليس هناك إلا الكون في الجوهر الأول وليس بحركة قطعا والكون في الجوهر الثاني وهو الحركة المعرفة بالكون الأول في الحيز الثاني وأما إذا قيل بامتناع الجوهر الفرد وتركب الجسم منه فالجسم إذا انتقل من مكان إلى آخر فلا بد أن يكون بينها امتداد منقسم في جهة الحركة هو المسافة فالمكان الأول مبدأ تلك المسافة والمكان الثاني منتهاها وتلك المسافة يمكن أن يفرض فيها حدود غير منقسمة في امتداد الحركة والمسافة نقطا كانت أو خطوطا أو سطوحا لا يمكن فرضها متتالية وإلا كانت المسافة مركبة من أجزاء لا تتجزأ إما بالفعل أو بالقوة وذلك محال فالمتحرك فيها له فيما بين مبدئها ومنتهاها حالة مخصوصة شخصية تختلف نسبتها إلى تلك الحدود بحسب الآنات المفروضة التي لا يمكن أيضا فرضها متتالية بل كل آنين مفروضين بينهما زمان يمكن أن يفرض فيه آنات أخر
المعنى الثاني للحركة هو الأمر الممتد من أول المسافة إلى آخرها وهو الحركة بمعنى القطع ولا وجود لها إلا في التوهم لاستحالة وجودها في الأعيان إذ عند الحصول في الجزء الثاني من المسافة بطل نسبتها أي نسبة الحركة والأظهر أن يقال بطل نسبته إلى نسبة المتحرك

إلى الجزء الأول منها ضرورة فلا يوجد هناك أمر ممتد من مبدئها إلى منتهاها وبعبارة أخرى المتحرك ما لم يصل إلى المنتهى لم توجد الحركة بتمامها وإذا وصل فقد انقطعت الحركة فلا وجود لها في الخارج أصلا
فإن قلت إذا وصل إلى المنتهى فالحركة اتصفت حال الوصول بأنها وجدت في جميع ذلك الزمان لا في شيء من أجزائه
قلت حصول الشيء الواحد في نفسه على سبيل التدريج غير معقول لأن الحاصل في الجزء الأول من الزمان لا بد أن يكون مغايرا لما يحصل في الجزء الثاني لامتناع أن يكون الموجود عين المعدوم فيكون هناك أشياء متغايرة متعاقبة لا يتصل بعضها ببعض اتصالا حقيقيا لامتناع أن يتصل المعدوم بالموجود كذلك ويكون كل واحد منها حاصلا دفعة لا تدريجا فلا وجود للحركة بمعنى القطع في الخارج نعم لها وجود في الذهن فإنه لما ارتسم نسبته أي نسبة المتحرك إلى الجزء الثاني الذي أدركه في الخيال قبل أن تزول نسبته إلى الجزء الأول الذي ترك عنه أي عن الخيال يتخيل أمر ممتد يعني أن للمتحرك نسبة إلى المكان الذي تركه ونسبة إلى المكان الذي أدركه فإذا ارتسمت في الخيال صورة كونه في المكان الأول وقبل زوالها عن الخيال ارتسمت فيه صورة كونه في المكان الثاني فقد اجتمعت الصورتان في الخيال فيشعر الذهن بالصورتين معا على أنهما شيء واحد ممتد كما يحصل من القطرة النازلة والشعلة المدارة أمر ممتد في الحس المشترك فيرى لذلك خطا أو دائرة كما مر في صدر الكتاب في مباحث أغلاط الحس وإنما لم تكن الحركة بمعنى القطع مرئية مثلهما لأن اجتماع الصور فيها إنما هو في الخيال لا في الحس المشترك

وأنت تعلم من هذا الذي ذكرناه في تحقيق الحركة معنى القطع وتصويرها أن قبولها للزيادة والنقصان والتقدر والانقسام لا يمنع أن يكون هي أمرا وهميا لأن قبولها لهذه الأمور إنما هو بحسب التوهم فإن الأمر الممتد الموهوم يتصف بها قطعا فلا يتم دليل إثبات الزمان وذلك إما لأن العمدة في إثباته قبوله للزيادة والنقصان والتقدر والانقسام كما مر ويجوز أن يكون قبوله لها في التوهم فقط وذلك لا يمنع كونه أمرا وهميا وإما لأن الزمان مقدار الحركة بمعنى القطع على المذهب المختار عندهم فإذا لم يكن لهذه الحركة وجود لم يكن لمقدارها أيضا وجود فيكون هذا معارضا لأدلة وجوده فلا يترتب عليها مدلولها وهو المراد بعدم تمامها وقد سلف منا في مباحث الزمان تحقيق أن الموجود من الحركة والزمان أمر لا ينقسم في امتداد المسافة وأنهما يرسمان في الخيال الحركة والزمان المنقسمين في ذلك الامتداد فارجع إليه

المقصد الثالث
المتن
فيما يقع فيه الحركة من المقولات عندهم وهي أربع
الأولى الكم وهو على أربعة أوجه
الأول التخلخل وهو ازدياد حجم الجسم من غير أن ينضم إليه جسم آخر ويثبته أن الماء إذا انجمد صغر حجمه وإذا ذاب عاد إلى حجمه الأول فبين أنه لم يكن انفصل عنه جزء ثم عاد وأيضا فالقارورة تكب على الماء فلا يدخلها فإذا مصت مصا قويا ثم كبت عليه دخلها

وما ذلك لخلاء حدث فيها لامتناعه بل لأن المص أحدث في الهواء تخلخلا فكبر حجمه ثم أوجد فيه البرد تكاثفا فصغر حجمه فدخل فيه الماء ضرورة امتناع الخلاء فهذا يعطي أنيته وأما لميته فهو أن الهيولى ليس لها في ذاتها مقدار فقد تكون في بعض الأشياء قابلة للمقادير المختلفة تتوارد عليها بحسب ما يعدها لذلك ولا يلزم أن يكون الكل كذلك لجواز أن يختص البعض بمقدار معين لأسباب منفصلة أو لأن مادته لا تقبل إلا ذلك كما هو رأيهم في الأفلاك
وبالجملة فهذا مصحح ولا يلزم من تحققه تحقق الأثر
الثاني التكاثف وهو ضد التخلخل واعلم أنهما غير الانفشاش وهو أن تتباعد الأجزاء ويداخلها الهواء وغير الاندماج وهو ضده وإن كان يطلق عليهما الاسم بالاشتراك اللفظي فإن هذين من مقولة الوضع وقد يطلق على الرقة وعلى الثخانة وهو من باب الكيف
الثالث النمو وهو ازدياد حجم الجسم بما ينضم إليه ويداخله في جميع الأقطار بنسبة طبيعية بخلاف السمن والورم
الرابع الذبول عكسه
الثانية الكيف وتسمى الحركة فيه استحالة كما يتسود العنب ويتسخن الماء ومن الناس من أنكر ذلك وزعم أن ذلك كمون لأجزاء كانت متصفة بالصفة الأولى وبروز لأجزاء كانت متصفة بالصفة الأخرى وهما

موجودان فيه دائما إلا أن ما يبرز منها يحس بها وما كمن لا يحس بها وهذا باطل وإلا لكانت الأجزاء الحارة كامنة في الماء البارد بل وفي الجمد وأنه ضروري البطلان ومع ذلك فمن أدخل يده فيه كان يجب أن يحس بحره أو يقل برده وإيضا فإن شررا إذا صادف جبلا من كبريت صير كله نارا ونعلم بالضرورة أن ذلك كله لم يكن كامنا فيه
الثالثة الوضع كحركة الفلك على نفسه فإنه لا يخرج عن مكان إلى مكان ويتبدل بها وضعه وفي حركة كل جزء منه نظر فمنهم من قال لا جزء له بالفعل فكيف يتحرك بل ذلك أمر موهوم ومنهم من قال بتبادل النصفين الأعلى والأسفل وتغير نسبة الأجزاء إلى الأمور الخارجة مع عدم حركتها غير معقول فعليك بالتأمل
الرابعة الأين وهو النقلة التي يسميها المتكلم حركة وباقي المقولات لا يقع فيها حركة وأما الجوهر فلا شك أنه تتبدل صورته ومنعه بعض المتكلمين وسلم الاستحالة وهو من قال العنصر الواحد إما النار والباقية بالتكاثف أو الأرض والباقية بالتخلخل أو هو متوسط والبواقي بالتكاثف والتخلخل والطبيعة محفوظة في الأحوال كلها وأبطله ابن سينا بوجهين
الأول مبرهن أن كل ما يصح عليه الكون والفساد تصح عليه الحركة المستقيمة وتنعكس إلى قولنا بعض ما يصح عليه الحركة المستقيمة يصح عليه الكون والفساد
الثاني اختصاص الجزء المعين من الجسم بحيز طبعا لصورته وهذا أيضا إنما يتصور إذا كانت حادثة
وجواب الأول أن الأصل وإن أخذ حقيقيا صدق وكان العكس كذلك ولا يلزم صدقه خارجيا لأنه أخص فلا يفيد الوجود

والثاني منع وجوب الحدوث بل المعتمد التجربة والتعويل على المشاهدة كما سيأتي ثم نقول الصور لا تقبل الاشتداد ولا التنقص لأن في الوسط إن بقي نوعه لم يكن التغير في الصورة أيضا فمبدأ الحركة موجود والمادة وحدها لا وجود لها
وأما المضاف فطبيعة غير مستقلة بل تابعة لغيرها فإن كان متبوعها قابلا للأشد والأضعف قبلهما وإلا فلا
وأما متى فقال في النجاة إن وجوده للجسم يتبع الحركة فكيف تقع فيه الحركة وفي الشفاء الانتقال من سنة إلى سنة ومن شهر إلى شهر يكون دفعة وهو كالإضافة لأنه نسبة تابعة لمعروضها وكذا الملك
وأما أن يفعل وأن ينفعل فأثبت بعضهم فيهما الحركة وأبطل بأن المنتقل من التسخن إلى التبرد لا يكون تسخنه باقيا وإلا لزم التوجه إلى الضدين معا فبينهما زمان سكوت والحق أنهما تبع الحركة إما في القوة إرادة كانت أو طبيعة أو في الآلة وإما في القابل
الشرح
المقصد الثالث فيما يقع فيه الحركة من المقولات عندهم ذهب جماعة إلى أن معنى وقوع الحركة في مقولة هو أن تلك المقولة مع بقائها بعينها تتغير من حال إلى حال على سبيل التدريج فتكون تلك المقولة هي الموضوع الحقيقي لتلك الحركة سواء قلنا إن الجوهر الذي هو موضوع تلك المقولة موصوف بتلك الحركة بالعرض وعلى سبيل التبع أو لم نقل

وهو باطل لأن التسود مثلا ليس هو أن ذات السواد يشتد لأن ذلك السواد إن عدم عند الاشتداد فليس فيه اشتداد قطعا وإن بقي ولم تحدث فيه صفة زائدة فلا اشتداد فيه أيضا وإن حدثت فيه صفة زائدة فلا تبدل ولا اشتداد و لا حركة في ذات السواد بل في صفته والمفروض خلافه وذهب آخرون إلى أن معنى وقوعها في مقولة هو أن تلك المقولة جنس لتلك الحركة قالوا إن من الأين ما هو قار ومنه ما هو سيال وكذا الحال في الكم والكيف والوضع فالسيال من كل جنس من هذه الأجناس هو الحركة فتكون الحركة نوعا من ذلك الجنس وهو أيضا باطل إذ لا معنى للحركة إلا تغير الموضوع في صفاته على سبيل التدريج ولا شك أن التغير ليس من جنس المتغير والمتبدل لأن التبدل حالة نسبية إضافية والمتبدل ليس كذلك فإذا كان المتبدل في الحركة هذه المقولات لم يكن شيء منها جنسا للتبدل الواقع فيها والصواب أن معنى وقوعها فيها هو أن الموضوع يتحرك من نوع لتلك المقولة إلى نوع آخر منها أو من صنف إلى صنف أو من فرد إلى فرد وهي أي المقولات التي تقع فيها الحركة أربع كما هو المشهور
الأولى الكم وهو أي وقوع الحركة فيه على أربعة أوجه لأن الحركة في الكم إما بطريق الازدياد أو بطريق الانتقاص
والأول إما أن يكون بانضمام شيء أو لا
والثاني إما أن يكون بانفصال شيء أو لا
الأول التخلخل وهو ازدياد حجم الجسم من غير أن ينضم إليه

جسم آخر ويثبته أي يدل على ثبوته أن الماء إذا انجمد صغر حجمه وإذا ذاب عاد إلى حجمه الأول فبين أي ظاهر مكشوف أنه لم يكن انفصل عنه جزء حين صغر حجمه ثم عاد ذلك الجزء أو ما يساويه إليه حين عاد هو إلى حجمه الأول بل صغر حجمه بلا انفصال ثم ازداد بلا انضمام فتحقق التخلخل والتكاثف فيه وأيضا فالقارورة الضيقة الرأس تكب على الماء فلا يدخلها أصلا فإذا مصت مصا قويا وسد رأسها بالإصبع بحيث لا يتصل برأسها هواء من خارج ثم كبت عليه دخلها وبهذا الطريق يملأون الرشاشات الطويلة الأعناق الضيقة المنافذ جدا بماء الورد وما ذلك الدخول لخلاء حدث فيها بأن يخرج المص منها بعض الهواء ويبقى مكان ذلك البعض الخارج خاليا لامتناعه على رأيهم بل لأن المص أخرج بعض الهواء وأحدث في الهواء الباقي تخلخلا فكبر حجمه بحيث شغل مكان الخارج أيضا ثم أوجد فيه أي في ذلك الهواء المتخلخل البرد الذي في الماء تكاثفا فصغر حجمه أو عاد بطبعه إلى مقداره الذي كان له قبل المص فدخل فيه أي في ذلك الزجاج الماء ضرورة امتناع الخلاء فثبت ههنا التخلخل والتكاثف معا أيضا فهذا الذي ذكرناه في إثبات التخلخل يعطي ويثبت أنيته وتحققه ولا يفيد العلم بعلته وأما لميته أي لمية إمكانه وصحته كما ستعرفه فهو أن الهيولى ليس لها في ذاتها مقدار وما لا مقدار له في حد ذاته كان نسبته إلى المقادير كلها على سواء فقد تكون الهيولى في بعض الأشياء كما في العناصر قابلة للمقادير المختلفة تتوارد تلك المقادير عليها بحسب ما يعدها من الأسباب الخارجة عن ذاتها لذلك الوارد عليها من تلك المقادير المختلفة فإذا ورد عليها مقدار أكبر مما كان لها ثبت التخلخل وإذا ورد ما هو أصغر منه ثبت التكاثف ولا

يلزم من كون الهيولى لا مقدار لها في ذاتها أن يكون الكل كذلك أي أن يكون كل الأجسام بحيث تتوارد عليه المقادير المختلفة على سبيل البدل لجواز أن يختص البعض من الأجسام بمقدار معين لا يتعداه إلى غيره لأسباب منفصلة تقتضي اختصاصه بذلك المقدار أو يختص البعض بمقدار معين لأن مادته لا تقبل إلا ذلك المقدار المعين كما هو رأيهم في الأفلاك فإن كل واحد منها له مادة مخالفة في الحقيقة لمادة الآخر وكل مادة منها لا تقبل إلا مقدارا مخصوصا عند بعضهم ولما كان القول بأن مادة الأفلاك لا تقبل إلا مقدارا معينا ينافي القول بأن الهيولى لا مقدار لها في نفسها وما كان كذلك تساوت نسبته إلى المقادير كلها عدل عن ذلك بقوله وبالجملة فهذا الذي ذكرناه من حال الهيولى مصحح للتخلخل والتكاثف ولا يلزم من تحققه أي من تحقق المصحح تحقق الأثر حتى يلزم ثبوت التخلخل والتكاثف في جميع الأجسام بل يجوز أن يكون مع المصحح مانع يمتنع به تحقق الأثر كالصور النوعية في الأجسام الفلكية فإن كل واحدة منها تقتضي لزومها لهيولاها واختصاصها بمقدار معين وكالجزئية في الأجسام العنصرية فإن الجزء ما دام جزءا يستحيل أن يكون مقداره مساويا لمقدار كله أما إذا انفصل أمكن أن يتصف بمقدار الكل ولا يجوز الانفصال في أجزاء الفلك عندهم بخلاف العناصر فيتجه عليهم تجويز أن تكون قطرة من البحر حال انفصالها عنه قابلة لمقدار كلية البحر
الوجه الثاني التكاثف وهو ضد التخلخل يعني أنه انتقاص حجم الجسم من غير أن ينفصل عنه جزء وقد مر ما يدل على أنيته ولميته واعلم أنهما أي التخلخل والتكاثف المذكورين في الحركة الكمية غير الانفشاش وهو أن تتباعد الأجزاء بعضها عن بعض ويداخلها الهواء أو جسم آخر غريب كالقطن المنفوش وغير الاندماج وهو ضده فهو أن تتقارب الأجزاء الوحدانية الطبع بحيث يخرج عنها ما بينها من الجسم الغريب كالقطن الملفوف بعد نفشه وإن كان يطلق عليهما الاسم أي يطلق اسم التخلخل على الانفشاش واسم التكاثف على الاندماج باشتراك اللفظ فإن هذين أي

الانفشاش والاندماج من مقولة الوضع فإن الأجزاء بسبب حركتها الأينية إلى التباعد والتقارب تحصل لها هيئة باعتبار نسب بعضها إلى بعض وقد يطلق اسم التخلخل على الرقة رقة القوام واسم التكاثف على الثخانة وهو أي المذكور أعني التخلخل والتكاثف بمعنى الرقة والثخانة من باب الكيف فلكل واحد منهما ثلاثة معان اثنان منها من مقولتي الكيف والوضع وواحد منها حركة في مقولة الكم
الوجه الثالث النمو وهو ازدياد حجم الجسم بما ينضم إليه ويداخله في جميع الأقطار بنسبة طبيعية بخلاف السمن والورم أما السمن فإنه على ما قيل ليس في جميع الأقطار إذ لا يزداد به الطول وأما الورم فليس على نسبة طبيعية
الوجه الرابع الذبول وهو عكسه أي عكس النمو فهو انتقاص حجم الجسم بسبب ما ينفصل عنه في جميع الأقطار على نسبة طبيعية
قال الإمام الرازي قد يشتبه النمو والذبول بالسمن والهزال والفرق أن الواقف في النمو قد يسمن كما أن المتزايد في النمو قد يهزل وتحقيقه أن الزيادة إذا أحدثت المنافذ في الأجزاء الأصلية ودخلت فيها وتشبهت بطبيعتها واندفعت الأجزاء الأصلية إلى جميع الأقطار على نسبة واحدة مناسبة لطبيعة النوع فذلك النمو وأما الشيخ إذا صار سمينا فإن أجزاءه الأصلية قد جفت وصلبت فلا يقوى الغذاء على تفريقها والنفوذ فيها فلذلك لا تتحرك أعضاؤه الأصلية إلى الزيادة فلا يكون ناميا لكن لحمه يتحرك إلى الزيادة فيكون ذلك نموا في اللحم إلا أن اسم النمو مخصوص بحركة الأعضاء الأصلية

قال والمشهور أن النمو والذبول من الحركات الكمية وهو بعيد عندي فإن الأجزاء الأصلية والزائدة في المغتذي باق كل واحد منها على مقداره الذي كان عليه نعم ربما تحرك كل واحد منها في أينة أو وضعه أو كيفه لكن ذلك ليس حركة في الكم
وقد أجيب عنه بأن الأجزاء الأصلية زاد مقدارها عند النمو على ما كانت عليه قبل ذلك ضرورة دخول الأجزاء الزائدة في منافذها وتشبهها بها ونقص مقدارها عند الذبول عما كانت عليه قبله وإنكار هذا مكابرة أقول إن كان اتصال الزائدة بعد المداخلة بالأصلية على وجه يصير به المجموع متصلا واحدا في نفسه فالصواب ما قاله المجيب فالقول ما قاله الإمام واعلم أنه إذا عد النمو والذبول من الحركات الكمية فالوجه أن يعد السمن والهزال منها أيضا
الثانية من المقولات التي تقع فيها الحركة الكيف وتسمى الحركة فيه بحسب الاصطلاح استحالة كما يتسود العنب ويتسخن الماء فقد انتقل الجسم من كيفية إلى أخرى على سبيل التدريج فلا بد ههنا من أمرين
أحدهما انتقال الجسم من كيفية إلى أخرى
وثانيهما أن لا يكون ذلك الانتقال دفعة بل تدريجا ومن الناس من أنكر ذلك أي انتقال الجسم من كيفية إلى أخرى فالحار عنده لا يصير باردا ولا البارد حارا وزعم أن ذلك الذي يدرك من انقلاب أحدهما إلى الآخر بشهادة الحس ليس تغيرا وانقلابا في الكيفية بل هو كمون واستنار

لأجزاء كانت متصفة بالصفة الأولى كالبرودة مثلا وبروز وظهور لأجزاء كانت متصفة بالصفة الأخرى كالحرارة مثلا وهما أي هذان القسمان من الأجزاء أعني المتصفة بالصفة الأولى والمتصفة بالصفة الأخرى موجودان فيه أي في ذلك الجسم دائما إلا أن ما يبرز منها أي من تلك الأجزاء يحس بها وبكيفيتها وما كمن منها لا يحس بها وبكيفيتها وهؤلاء أعني أصحاب الكمون والبروز زعموا أن الأجسام لا يوجد فيها ما هو بسيط صرف بل كل جسم فإنه مختلط من جميع الطبائع المختلفة لكنه يسمى باسم الغالب الظاهر فإذا لقيه ما يكون الغالب عليه من جنس ما كان مغلوبا فيه فإنه يبرز ذلك المغلوب من الكمون ويحاول مقاومة الغالب حتى يظهر وتوصلوا بذلك إلى إنكار الاستحالة وإنكار الكون والفساد وهذا القول باطل وإلا لكانت الأجزاء الحارة كامنة في الماء البارد جدا بل وفي الجمد أيضا وأنه ضروري البطلان ومع ذلك ننبهك على بطلانه ونقول إن صح كمون الأجزاء الحارة في الماء البارد فمن أدخل يده فيه كان يجب أن يحس بحره أي بحر باطنه أو يقل برده بحيث يدرك صاحب اليد التفاوت وهو باطل إذ ربما يجد باطنه أبرد من ظاهره وأيضا فإن شررا إذا صادف جبلا من كبريت صير كله نارا مشاهدة ونعلم بالضرورة بأن ذلك الذي نشاهده فيه من النار كله لم يكن كامنا فيه كيف ولو كان في ذلك الجبل بعض من تلك الأجزاء النارية لأحرقته فوجب أن يكون حدوث النار فيه بطريق الكون دون البروز من الكمون وذهب جماعة من القائلين بالتخليط إلى أن الحار مثلا إذا صار باردا فقد فارقه الأجزاء الحارة ومنهم من قال الجسم إنما يصير حارا بدخول أجزاء نارية فيه من خارج ومنهم من

قال ينقلب بعض أجزائه نارا ويختلط بالأجزاء المائية فهذه الطائفة معترفون بالكون والفساد دون الاستحالة وهذه الأقوال أيضا باطله كما لا يشتبه على ذي فطنة وحينئذ فقد صح انتقال الأجسام من كيفية إلى أخرى وأما أن ذلك الانتقال بالتدريج فكأنهم قنعوا فيه بما يحس به من انتقال الماء إلى السخونة يسيرا يسيرا
الثالثة من تلك المقولات الوضع كحركة الفلك على نفسه فإنه لا يخرج بهذه الحركة عن مكان إلى مكان لتكون حركته أينية ولكن يتبدل بها وضعه لأنه يتغير بها نسبة أجزائه إلى أمور خارجة عنه إما حاوية وإما محويه وإذا تغيرت تلك النسبة تغيرت الهيئة الحاصلة بسببها وهي الوضع وكلام ابن سينا يوهم أنه الذي وقف على الحركة الوضعية دون من قبله من الحكماء وليس الأمر كذلك فإن الفارابي قال في عيون المسائل حركات الأفلاك دورية وضعيه وفي حركة كل جزء منه أي من الفلك حركة مكانية نظر وتأمل فمنهم من قال لا جزء له بالفعل بل بالفرض فكيف يتحرك في الخارج ما لا وجود له فيه بل ذلك أي تحرك جزء الفلك مع كونه مفروضا أمر موهوم ومنهم من قال بتبادل النصفين الأعلى والأسفل وتغير نسبة الأجزاء إلى الأمور الخارجة أو المحوية مع عدم حركتها غير معقول لأن مبدأ هذا التبادل والتغير قائم بتلك الأجزاء لا بالأمور الخارجة عنها فعليك بالتأمل حتى يظهر لك ما هو الحق من هذين القولين

فإن قلت إذا كان كل واحد من أجزائه متحركا حركة مكانية على القول الثاني لزم أن يكون الفلك أيضا متحركا حركة مكانية
قلت ليس يلزم من تحرك الأجزاء عن أمكنتها وأينها أن يكون مجموعها كذلك وأما الكواكب فهي متحركة حركة أينية على القول بأن المكان هو البعد وتطلق الاستدارة على حركتها كما تطلق على حركة من يطوف حول شيء مع أنها حركة مكانية يتبدل بها أمكنته بلا شبهة
الرابعة من تلك المقولات الأين وهو أي التحرك في الأين النقلة التي يسميها المتكلم حركة فإن المتكلمين إذا أطلقوا الحركة أرادوا بها الحركة الأينية المسماة بالنقلة وهي المتبادرة في استعمالات أهل اللغة أيضا وقد تطلق عندهم على الوضعيه دون الكمية والكيفية ثم إن في الحركة شبهة عامة وهي أن يقال المتحرك في الأين إن كان له من مبدأ المسافة إلى منتهاها أين واحد فليس متحركا في الأين بل هو ساكن مستقر على أين واحد وإن كان له أيون متعددة فإما أن يستقر على واحد من تلك الأيون في أكثر من آن واحد فقد انقطعت حركته وإما أن لا يستقر فلا يكون في كل أين إلا آن واحد ولا شك أن تلك الأيون الآنية متعاقبة متتالية إذ لو كانت متفاصلة بزمان ولم يوجد في ذلك الزمان شيء من تلك الأيون لزم انقطاع تلك الحركة الأينية وإذا كانت تلك الأيون متعاقبة كانت الآنات متتالية وهو باطل عندهم وهكذا يقال في الحركة الكمية والوضعيه والكيفية ولا مخلص عنها إلا بأن يقال للمتحرك في الأين من مبدأ المسافة إلى منتهاها أين واحد مستمر هو كونه متوسطا بين المبدأ والمنتهى لكنه غير مستقر بل تختلف نسبته إلى حدود المسافة ويتعدد بحسب تعددها وكما أن حدود المسافة تتعدد بالفرض كذلك تتعدد الأيون بحسب الفرض وكما أنه لا يمكن أن يفرض في المسافة حدان متلاقيان ليس بينهما مسافة أصلا كذلك لا يمكن أن يفرض في ذلك الأين المستمر أينان متصلان بل كل أينين مفروضين في ذلك الأين المستمر يمكن أن يفرض بينهما أيون أخر كما أن نقطتين مفروضتين على خط يمكن أن يفرض بينهما نقط أخرى فلا يلزم تتالي

الآنات ولا انقطاع الحركة ولا كون المتحرك ساكنا وكذا نقول للمتحرك في الكيف كيفية واحدة غير قارة ففي كل آن يفرض يكون له فيه كيفية أخرى مفروضة ولا يمكن أن يفرض في تلك الكيفية غير القارة كيفيتان متصلتان بل كل كيفيتن يفرض فيها يمكن أن يفرض فيما بينهما كيفيات أخر كما أن كل آنين يفرض في الزمان يمكن أن يفرض بينهما آنات أخر فلا يلزم شيء من المحذورات وباقي المقولات لا يقع فيها حركة أما الجوهر فلا شك أنه تتبدل صورته بصورة أخرى لكن هذا التبدل دفعي لا تدريجي كما سيأتي فيكون من قبيل الكون والفساد دون الحركة في الجوهر ومنعه أي منع تبدل الصورة بعض المتكلمين وقال لا كون ولا فساد في الجواهر والتبدل الواقع فيها إنما هو في كيفياتها دون صورها فأنكر الكون وسلم الاستحالة وهو أي ذلك البعض من قال العنصر واحد وذلك الواحد أما النار والباقية من العناصر إنما حصلت من النار بالتكاثف أعني غلظ القوام على مراتب متفاوتة فإن الهواء كثيف بالقياس إلى النار والماء أكثف منه والأرض أكثف من الماء أو الأرض والباقية تكونت منها بالتخلخل أي برقة القوام أو هو أي ذلك الواحد متوسط بين العنصرين المذكورين وهذا المتوسط إما الماء أو الهواء والبواقي تكونت منه بالتكاثف والتخلخل معا فإن فرض أنه الماء كان حصول الأرض بالتكاثف وحصول الباقيين بالتخلخل وإن فرض إنه الهواء كان حصول النار بالتخلخل وحصول الباقيين بالتكاثف والطبيعة العنصرية الثابتة لذلك العنصر الذي هو الأصل محفوظة ثابتة في الأحوال كلها أي في جميع مراتب التكاثف والتخلخل فلا تبدل في الصور أصلا بل في الكيفيات وأبطله أي قول ذلك البعض ابن سينا بوجهين

الأول أنه مبرهن فيما بعد كما ستطلع عليه أن كل ما يصح عليه من الأجسام الكون والفساد أعني تبدل الصورة بصورة أخرى تصح عليه الحركة المستقيمة المقتضية لخروج الجسم عن مكانه وتنعكس هذه الموجبة الكلية بالعكس المستوي إلى قولنا بعض ما يصح عليه الحركة المستقيمة يصح عليه الكون والفساد فثبت صحة تبدل الصور في بعض الأجسام وبطل القول بكونه محالا
الوجه الثاني اختصاص الجزء المعين من الجسم العنصري كالماء مثلا بحيز طبعا أي بحيز معين من أجزاء الحيز الطبيعي لذلك الجسم إنما يكون لصورته أي صورة ذلك الجزء وهذا أعني استناد ذلك الاختصاص إلى صورة ذلك الجزء أيضا إنما يتصور إذا كانت تلك الصورة حادثة فإن ذلك الاختصاص لا يجوز أن يستند إلى ذات الصورة من حيث هي لأنا نشاهد أن الأجزاء المتساوية في الصورة حاصلة في أحياز متباينة ولا يجوز أن تستند إلى ناقل نقل ذلك الجزء إلى ذلك الحيز إذ لو قدرنا عدم الناقل لكانت أجزاء العنصر حاصلة في أحيازها ولا بد لحصولها فيها حينئذ من سبب ولا سبب سوى أن الجزء المعين كان في ابتداء تكونه حاصلا في حيز تخصص به حدوثه عن الفاعل واستمر بعد ذلك فيه باقتضاء صورته وإنما كان في ابتداء التكون حاصلا في ذلك الحيز لكونه متصورا بصورة أخرى حالها على قياس هذه الصورة وهكذا إلى مالا نهاية له
وجواب الأول أن الأصل إن أخذ خارجيا منعنا صدقه لعدم وجود الموضوع عندنا فلا يلزم صدق العكس وإن أخذ حقيقيا صدق وكان العكس كذلك أي حقيقيا أيضا ولا يلزم من صدق العكس حقيقيا صدقه

خارجيا لأنه أي الموجب الجزئي الخارجي أخص من الموجب الجزئي الحقيقي ومن صدق الأخص لا يلزم صدق الأعم فلا يفيد الوجود أي فلا يفيد البيان المذكور أن في الخارج جسما موجودا يصح عليه الكون والفساد لجواز أن تصدق الموجبة الجزئية الحقيقية مع السالبة الكلية الخارجية التي تدعيها
وجواب الثاني منع وجوب الحدوث لجواز أن يكون مخصص الأجزاء بأحيازها أمرا مفارقا وتساوي نسبته إلى الكل ممنوع إذ يجوز أن يكون المفارق متعددا على وجه يقتضي ذلك الاختصاص في تلك الأجزاء فلا اعتماد على شيء من هذين الوجهين بل المعتمد في إبطال نفي الكون والفساد هو التجربة والتعويل على المشاهدة لدلالتهما على أن العناصر ينقلب بعضها إلى بعض كما سيأتي في الموقف الرابع ثم نقول في بيان أن تبدل الصورة بأخرى لا يجوز أن يكون تدريجيا فلا يكون حركة بل كونا وفسادا الصور لا تقبل الاشتداد بأن يتحرك محل الصورة إلى الصورة أقوى منها ولا التنقص بأن يتحرك محلها إلى صورة أضعف منها على قياس الكيفيات التي تقع فيها الحركة بل الصور لا تقبل الانتقال التدريجي مطلقا بأن ينتقل محل الصورة إلى صورة أخرى يسيرا يسيرا سواء كانت الأخرى أقوى أو أضعف أو مساوية لأن في الوسط أي في وسط الاشتداد أو التنقص بل في وسط الانتقال التدريجي إن بقي نوعه أي نوع الجوهر المنتقل منه لم يكن التغير في الصورة أي لم يكن فيها اشتداد ولا تنقص بحسب ذاتها بل في لوازمها وصفاتها ولو قيل إن بقي شخصه لكان أشمل وإن لم يبق نوعه أو شخصه كان ذلك عدم الصورة لا اشتدادها ولا تنقصها ولا الحركة فيها إذ لا بد أن يحصل عقيبها صورة أخرى فنقول

تلك الصور المتعاقبة إن كان فيها ما يوجد في أكثر من آن واحد فقد سكنت الحركة في الصورة وإلا كانت كلها آنية الوجود فإن تعاقبت بلا فصل تتالت الآنات وإن وجد فيما بين متعاقبين زمان خال عن تلك الصور الآنية كانت الحركة منقطعة ونقض هذا الدليل بالحركة في الكيف وغيره من المقولات
وأجيب عنه بأن بقاء الموضوع بدون الكيفيات وسائر الأعراض جائز فلا يلزم من خلوه عنها انتفاء المتحرك حال كونه متحركا كما يلزم ذلك من خلو المتحرك عن الصور المتعاقبة لأن المتحرك في الصورة إما الجسم أو المادة ولا وجود لشيء منهما خاليا عن الصورة وكون المتحرك معدوما حال كونه متحركا محال بالبديهة وفيه بحث لأنه يلزم ههنا محال آخر وهو أنه إذا خلا الموضوع في زمان عن الكيفيات المتعاقبة مثلا لم يكن له في ذلك الزمان حركة في الكيف كما ذكرنا لأن الحركة كما تنتفي بانتفاء المتحرك تنتفي بانتفاء ما فيه الحركة بل يلزم أن لا يكون هناك إلا كيفيات آنية الوجود لا يوجد شيء منها في الأزمنة الواقعة بين تلك الآنات فإن سميت مثل هذه حركة لم تكن الحركة منطبقة على الزمان منقسمة بانقسامه وقد صرحوا بأن الحركة والزمان والمسافة مطابقة بحيث ينقسم كل منها بانقسام الآخر وتكون قطعة منه واقعة بإزاء قطعة من الآخر فمثل هذه لا تكون حركة لانتفاء لازم الحركة عنها ولا محيص عن ذلك إلا ما مر من أن المتحرك في الكيف مثلا له فيما بين مبدأ حركته ومنتهاها كيفية واحدة سيالة كما عرفت ومثل هذا الحال السيال الذي يتبدل أفراده على محله مع بقاء المحل بشخصه لا بد أن يكون عرضا لتقوم محله بدونه فلا يتصور حركة في الصور المقومة لمحالها وأيضا فمبدأ الحركة أي ما تقوم به الحركة وهو المتحرك موجود لا محالة في زمان كونه متحركا والمادة وحدها لا وجود لها فإن المادة لا تتحصل ذاتا معينة موجودة إلا بالصورة المعينة فلا يمكن حركتها إلا إذا كانت من مبدأ حركتها إلى منتهاها متصورة بصورة معينة فيمتنع أن تتحرك في الصورة بالضرورة وقد

يقال تحصل المادة بشخصها إنما يكون بصور متعاقبة لا بصورة واحدة معينة فلا يلزم امتناع حركتها ويجاب بأنها مع إحدى تلك الصور ذات متحصلة ومع صورة أخرى ذات متحصلة مغايرة للذات الأولى وليس لشيء من تلك الذوات المتحصلة حركة وانتقال من حالة إلى حالة أخرى فلا حركة أصلا
وهذا الجواب كما ترى مبني على أو الهيولى ليست إلا شيئا بالقوة لا تتحصل موجودة إلا بصورة معينة لما ثبت عندهم من أن وحدتها وتعددها واتصالها وانفصالها تابعة للصورة فلو كانت في ذاتها متحصلة بالفعل لما كانت كذلك وللبحث فيه مجال وأما المضاف فطبيعة غير مستقلة بنفسها في المفهومة بل هي تابعة لغيرها فإن كان متبوعها قابلا للأشد والأضعف قبلهما المضاف أيضا وإلا فلا يعني أن الإضافة تابعة لمعروضها في الحركة بل في التغير مطلقا لأنها لو تغيرت بلا تغير في معروضها لكانت مستقلة بالمفهومية وعلى هذا فإن كانت الإضافة عارضة لإحدى المقولات الأربع وقعت الحركة فيها تبعا لها كما إذا فرض أن ماء أشد سخونة من ماء آخر وتحرك في الكيف حتى صارت سخونته أضعف من سخونة الآخر فإن هذا الماء قد انتقل من نوع من الإضافة أعني الأشدية إلى نوع آخر منها أعني الأضعفية انتقالا تدريجيا فقد تحرك الجسم في الإضافة تبعا لحركته في معروضها الحقيقي أعني السخونة التي هي من الكيف وكذلك إذا كان جسم في مكان أعلى ثم تحرك في الأين حتى صار في مكان أسفل أو كان أصغر مقدارا من جسم آخر ثم تحرك في الكم حتى صار أعظم مقدارا منه أو كان على أشرف أوضاعه ثم تحرك

منه إلى وضع هو أخس أوضاعه فقد انتقل الجسم في هذه الصور أيضا من إضافة إلى أخرى تدريجيا وتبعا لحركته في معروضها وكما لا يتصور بقاء هذه الإضافات بأعيانها مع تغير متبوعاتها في أنفسها لا يتصور أيضا انتقال الجسم وتغيره في هذه الإضافات مع بقاء متبوعاتها على حالها لما عرفت من أنها لو تغيرت في أنفسها بلا تغير في معروضها لاستقلت بالمفهومية وهذا الدليل بعينه جار في سائر الأعراض النسبية لعدم استقلالها بالمفهومية ومنقوض بالأين والوضع فإنهما من الأعراض النسبية مع وقوع الحركة فيهما بلا تبعية شيء وحينئذ نقول لم لا يجوز أن ينتقل الموضوع من مضاف إلى آخر تدريجيا فإن كونه غير مستقل بالمفهومية لا ينافي ذلك وأما متى فقال ابن سينا في النجاة إن وجوده لجسم يتبع الحركة أي ثبوته له بتوسط الحركة فإن ما لا حركة فيه ولا تغير لم يتصور له متى فكيف تقع فيه الحركة إذ لو وقعت فيه لم يكن تابعا لها واعترض عليه بأنه يجوز أن يكون ثبوته للجسم بتوسط نوع من الحركة ويقع فيه نوع آخر منها وفي النجاة أيضا إن كل حركة فهي في متى فلو كان في متى حركة لكان لمتى متى آخر وهو محال إذ يلزم أن يكون للزمان زمان واعترض بأنه يجوز أن يكون عروض متى للزمان لذاته لا لزمان آخر كعروض القبلية والبعدية وقال في الشفاء يشبه أن يكون الانتقال في متى دفعيا إذ الانتقال من سنة إلى سنة ومن شهر إلى شهر يكون دفعة وذلك لأن أجزاء الزمان متصل بعضها ببعض والفصل المشترك بينها هو الآن فإذا فرض زمانان يشتركان في آن فقبل ذلك الآن يستمر للموضوع متاه بالقياس إلى

الزمان الأول وبعده يستمر له متاه بالقياس إلى الزمان الثاني وذلك الآن نهاية وجود الأول وبداية حصول الثاني فلا تدريج في الانتقال ويرد عليه أن الفاصل بين أجزاء المسافة حدود غير منقسمة فيكون الانتقال من بعض تلك الأجزاء إلى بعض دفعيا أيضا ولكن إذا فرض مكانان بينهما مسافة منقسمة كان الانتقال من أحدهما إلى الآخر تدريجيا فكذا الحال في الانتقال من زمان إلى زمان آخر بينهما زمان كالفجر والمغرب مثلا فإنه يكون تدريجيا أيضا لا دفعيا ثم قال في الشفاء ويشبه أن يكون حال متى كحال الإضافة في أن الانتقال فيه يكون تبعا للانتقال في شيء آخر من كم أو كيف فيقع التغير في ذلك الشيء أو لا ويكون الزمان لازما لذلك التغير فيعرض بسببه فيه التبدل وإليه أشار بقوله وهو أي متى كالإضافة في قبول الحركة على سبيل التبعية لأنه نسبة تابعة لمعروضها فلا يستقل بالمفهومية والتبدل وقد عرفت ما فيه وكذا الملك فإنه أيضا مقولة نسبية تابعة لمعروضها في التبدل والاستقرار وأما مقولتا أن يفعل وأن ينفعل فأثبت بعضهم فيهما الحركة وأبطل قول هذا المثبت بأن المنتقل من التسخن إلى التبرد مثلا لا يكون تسخنه باقيا وإلا لزم التوجه إلى الضدين معا لأن التبرد توجه إلى البرودة والتسخن توجه إلى السخونة ومن المحال أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد متوجها إلى الضدين وإذا لم يكن التسخن باقيا فالتبرد لا يوجد إلا بعد وقوف التسخن فبينهما زمان سكون كما بين الحركتين الأينيتين المتضادتين فلا يكون هناك حركة من التسخن إلى التبرد على الاستمرار وكذا الحال في التسخين والتبريد ولقائل أن يقول إن التسخن له مراتب مختلفة في القوة والضعف فيجوز أن ينتقل المتسخن من مرتبة إلى أضعف منها وهكذا إلى أن يصل بالتدريج إلى مرتبة من مراتب التبرد فلا

يلزم التوجه إلى الضدين ولا انقطاع الحركة في أثنائها بل عند انتهائها والحق أنهما أي الحركة فيهما تبع الحركة في غيرهما لأنهما أيضا حالتان نسبيتان فلا يستقلان في الثبات والتغير فالحركة فيهما تابعة للحركة إما في القوة إرادة كانت أو طبيعة أو في الآلة وإما في القابل وذلك لأن العزيمة قد تنفسخ يسيرا يسيرا والطبيعة قد تخور كذلك والآلة قد تكل هكذا ففي جميع هذه الصور يتبدل الحال أو لا إما في الإرادة أو في الطبيعة أو في الآلة على سبيل التدريج ثم يتبعه التبدل في الفاعلية كذلك وأما القابل فربما ينتقص قبوله واستعداده لتمام الفعل شيئا فشيئا فتقع الحركة فيه أو لا وتتبعها الحركة في الفاعلية وأنت خبير بأن التبدل في التأثير يستلزم التبدل في التأثر فتقع الحركة في المقولتين تبعا

المقصد الرابع
المتن
العلة للحركة الطبيعية ليست هي الجسمية وإلا دامت الحركة بدوامها وأيضا فالجسمية عامة للأجسام والحركة مختصة وأيضا فيلزم اتحادها في الجهة واللازم باطل وأيضا فلأنها إما لمطلوب فتنقطع عنده مع بقاء الجسمية فيلزم التخلف وإما لا لمطلوب فيتحرك إما إلى جميع الجهات وأنه محال وإما إلى بعضها وأنه ترجيح بلا مرجح وليست الطبيعة أيضا لأنها ثابتة فيلزم ثبات معلولها والحركة ليست ثابتة بل هي حالة غير ملائمة تترك طبعا طلبا للملائم والملائم غاية ولا تتصور إلا في الحركة الإرادية وفيه إشكال إذ ليس الحركة إلى جهة حينئذ أولى من الأخرى ويعلم من ذلك أن العلة للحركة الإرادية ليست هي النفس لثباتها وعدم اختلافها ولا أيضا هي التصور الكلي لأن نسبته إلى الحركات الجزئية سواء بل إنما هي تصورات جزئية فالماشي نحو بغداد له في كل خطوة إرادة جزئية تابعة لتصور جزئي

الشرح
المقصد الرابع العلة للحركة الطبيعية ليست هي الجسمية وإلا دامت الحركة بدوامها أي بدوام الجسمية وامتنع السكون على الأجسام لأن مقتضى ذات الشيء وحدها يبقى ببقائها وأيضا فالجسمية عامة للأجسام كلها والحركة مختصة ببعضها غير عامة لها فإن من الأجسام ما هو ساكن دائما وأيضا فيلزم على تقدير كون الجسمية علة اتحادها في الجهة أي اتحاد الأجسام كلها في جهة الحركة الطبيعية واللازم باطل لأن جهات الحركات الطبيعية مختلفة فبعضها إلى الفوق وبعضها إلى التحت وهذان الدليلان مبنيان على اشتراك الجسمية بين جميع الأجسام وسيأتي الكلام عليه وأيضا فلأنها أي الحركة التي علتها الجسمية إما لمطلوب فتنقطع الحركة عنده أي عند حصول ذلك المطلوب مع بقاء الجسمية التي هي علتها فيلزم التخلف أي تخلف المعلول عن علته وإما لا لمطلوب فتحرك الجسم حينئذ إما إلى جميع الجهات معا وأنه محال بالضرورة وإما إلى بعضها وأنه ترجيح بلا مرجح وليست علة الحركة الطبيعية هي الطبيعة وحدها أيضا لأنها ثابتة مستمرة فيلزم ثبات معلولها الذي تقتضيه لذاتها والحركة ليست ثابتة لما عرفت من أنها متجددة متقضية ويلزم أيضا دوام الحركة بدوام الطبيعة فيمتنع السكون على الأجسام المتحركة بالطبع فلا يكون شيء من الأمكنة طبيعيا بل هي حالة غير ملائمة أي بل العلة للحركة الطبيعية هي الطبيعة على مقارنتها لحالة غير

ملائمة لها فإن تلك الحالة تترك طبعا طلبا للملائم إما في الأين فكالحجر المرمي إلى فوق وأما في الكيف فكالماء المسخن قسرا وأما في الكم فكالذابل ذبولا مرضيا فإن هذه الحالة المنافرة ما دامت باقية كانت الطبيعة محركة للجسم لترده إلى الحالة الملائمة وتختلف أجزاء الحركة بحسب اختلاف القرب والبعد من تلك الحالة المطلوبة فإذا أوصلته الطبيعة إليها انقطعت الحركة الطبيعية لانتفاء أحد جزئي علتها أعني مقارنة الحالة الغير الملائمة هكذا قالوا ويتجه عليهم أن يقال الملائم غاية مطلوبة ولا تتصور الغاية إلا في الحركة الإرادية إذ لا بد من الشعور بالغاية حتى يمكن طلبها فلا تكون الحركة الطبيعية التي لا شعور معها طلبا للملائم وإذا لم يكن للطبيعة مطلوب بقي أن تكون هي مع الحالة التي لا تلائمها مقتضية للحركة وفيه إشكال إذ ليس الحركة الطبيعية إلى جهة حينئذ أولى من الجهة الأخرى وقد يجاب بأن ثبوت الغاية لا يتوقف على الشعور والإرادة وتلخيصه أن الفعل إذا ترتب عليه أمر ترتبا ذاتيا يسمى غاية له فإن كان له مدخل في إقدام الفاعل على ذلك الفعل يسمى غرضا بالقياس إليه وعلة غائية بالقياس إلى الفعل فالعلة الغائية هي المحتاجة إلى الشعور دون الغاية فإنها قد تثبت بلا شعور إذ لا بعد في أن يكون بعض الأمكنة ملائما لبعض الأجسام فإذا فرض خارجا عن مكانه الملائم له اقتضى طبيعة الحركة إليه وتكون هذه الحركة طلبا طبيعيا لذلك المكان لا إراديا موقوفا على الشعور والإرادة وكذا نقول في الكيفيات والكميات وملاءمة بعضها لبعض الأجسام ويعلم من ذلك الذي مر ذكره في الحركة الطبيعية أن العلة للحركة الإرادية ليست هي النفس لثباتها وعدم اختلافها يعني أن النفس ثابتة مستمرة فلا تكون وحدها علة للحركة التي هي متجددة غير ثابتة والنفس غير مختلفة في نوع واحد من الأجسام ذوات الأنفس مع اختلاف الحركة الإرادية في ذلك النوع بل في فرد منه ولا أيضا هي التصور الكلي الحاصل للنفس لأن نسبته إلى الحركات الجزئية سواء وكذا الإرادة الناشئة من التصور الكلي لا تكون إلا كلية متساوية النسبة إلى جزئيات الحركة فلا يصدر شيء من تلك الجزئيات عن النفس مع تصورها وإرادتها الكليين بل إنما هي أي

علة الحركة الإرادية تصورات جزئية يترتب عليها إرادات جزئية فالماشي نحو بغداد له في كل خطوة إرادة جزئية تابعة لتصور جزئي قالوا إن الحركة الاختيارية إلى مكان تتبع الإرادة متعلقة بمجموع تلك الحركة ثم إن المسافة التي لتلك الحركة يمكن أن يفرض فيها حدود جزئية تتجزأ بها المسافة إلى أجزائها الجزئية فالمتحرك يحتاج بعد الإرادة المتعلقة بمجموع الحركة إلى أن يتخيل حدا معينا وتنبعث عنه إرادة جزئية متعلقة بقطع ذلك الجزء من المسافة الذي انفصل بذلك الحد وهكذا تتوالى التخيلات المستتبعة للإرادة والحركة فتتصل الإرادات في النفس والحركات في المسافة ولو فرض انقطاع التخيل انقطعت الإرادة والحركة وأما علة الحركة القسرية فهي القوة التي أحدثها القاسر في المتحرك

المقصد الخامس
المتن
الحركة تقتضي أمورا ستة
الأول ما به أي سببها الفاعلي
الثاني ما له أي محلها
الثالث ما فيه أي المقولة من المقولات
الرابع ما منه أي المبدأ
الخامس ما إليه أي المنتهى وذلك في الحركة المستقيمة وأما في الفلكية فلا يكون إلا بالفرض
السادس المقدار أي الزمان فإن كل حركة في زمان بالضرورة

الشرح
المقصد الخامس الحركة تقتضي أمورا ستة
الأول ما به الحركة أي سببها الفاعلي فإن الحركة أمر ممكن الوجود فلا بد لها من علة فاعلية
الثاني ما له الحركة أي محلها فإنها عرض فلا بد لها من محل تقوم به
الثالث ما فيه الحركة أي المقولة من المقولات الأربع المتقدمة
الرابع ما منه الحركة أي المبدأ
الخامس ما إليه الحركة أي المنتهى وذلك أي اقتضاء ثبوت المبدأ والمنتهى بالفعل إنما يكون في الحركة المستقيمة وأما في الحركة المستدير الفلكية فلا يكون ثبوتها إلا بالفرض إذ ليس هناك وضع هو مبدأ الحركة أو منتهاها إلا بحسب الفرض كما مر
السادس المقدار أي الزمان فإن كل حركة تكون في زمان بالضرورة واقتضاء الحركة لهذه الأمور الأربعة من حيث أنها انتقال من حالة إلى أخرى تدريجا

المقصد السادس
المتن
قد علمت أن الحركة متعلقة بأمور ستة فوحدتها متعلقة بوحدتها ضرورة ووحدتها كما قد مر إما شخصية أو نوعية أو جنسية ففيه ثلاثة أبحاث

أحدها في وحدتها الشخصية ولا بد فيها من وحدة ما له فإن الواحد بالشخص محله واحد بالشخص ضرورة أنه لا يقوم العرض بمحلين ولا بد من وحدة ما فيه إذ الشيء قد يستحيل وينمو معا فيكون كل حركة وإن اتحد المحل من حيث اختلف ما فيه بل قد يعرض له أنواع من الاستحالة كالتسخن والتسود والتروح ويتبع ذلك وحدة ما منه وما إليه إذ لو اختلف المبدأ والمنتهى لم يكن ما فيه واحدا بالضرورة ولا يكفي في الوحدة وحدة ما منه وما إليه دون اعتبار وحدة ما فيه لجواز اتحادهما بالشخص مع تعدد الحركة بأن تكون الطرق مختلفة كما يتوجه الجسم تارة من البياض إلى الغبرة إلى العودية إلى السواد ومنه إلى الصفرة إلى الخضرة إلى النيلية إلى السواد ومنه إلى الحمرة إلى القتمة إلى السواد ولا بد من وحدة الزمان إذ الحركة في زمان غير الحركة في زمان آخر ضرورة وذلك بناء على أن المعدوم لا يعاد بعينه وأما وحدة المحرك فلا عبرة به فإن المتحرك بمحرك ما قد يحركه محرك آخر قبل انقطاع حركته والحركة واحدة متصلة ولا تميز يوجب الإثنينية غير ما يتوهم من استناد بعضها إلى محرك والبعض إلى آخر ولا تجزي فيها بالفعل ولا فصل
ثانيها في وحدتها النوعية ولا يخفى أن ما يعتبر في الوحدة النوعية بعض ما يعتبر في الوحدة الشخصية وهي ما فيه وما منه وما إليه إذ لو اختلف ما فيه كان كل نوع من الحركة كالتسود والتسخن وكذلك ما منه وما إليه وإن اتحد ما فيه كالصاعدة والهابطة وكالتسخن والتبرد ولا عبرة بوحدة المحرك لما مر وإذ لا يوجب اختلاف الشخص فالنوع أولى فحركة الحجر إلى العلو قسرا والنار إليه طبعا لا يختلف بالنوع من حيث هما كذلك ولا بوحدة ما له فإن تنوع المحل لا يوجب تنوع الحال فسواد الإنسان والحمار نوع واحد ولا بوحدة الزمان لأنه نوع

واحد لا تختلف حقيقته وإن قدر تنوعه فهو عارض للحركة واختلاف العوارض لا يوجب التنوع
ثالثها الجنسية وما يعتبر فيها بعض ما يعتبر في النوعية وإنما هو ما فيه فقط فالحركة الواقعة في كل جنس جنس من الحركة ويترتب بحسب ترتب الأجناس التي تقع فيها
الشرح
المقصد السادس قد علمت آنفا أن الحركة متعلقة بأمور ستة فوحدتها متعلقة بوحدتها أي بوحدة هذه الأمور الستة لا بغيرها ضرورة ووحدتها أي وحدة الحركة كما قد مر في مباحث الوحدة إما شخصية أو نوعية أو جنسية ففيه أي في بيان وحدتها ثلاثة أبحاث
أحدها في وحدتها الشخصية ولا بد فيها من وحدة لما له الحركة فإن العرض الواحد بالشخص محله واحد بالشخص أيضا ضرورة أنه لا يقوم العرض الواحد بالشخص بمحلين ولا بد أيضا في وحدتها الشخصية من وحدة ما فيه الحركة أعني المقولة إذ الشيء الواحد قد يستحيل وينمو معا في زمان كونه قاطعا لمسافة فيكون كل من الاستحالة والنمو وقطع المسافة حركة على حدة وإن اتحد المحل وإنما تعددت الحركة ههنا مع اتحاده من حيث اختلف ما فيه الحركة اختلافا جنسيا موجبا لاختلاف الحركة بالجنس كما سيأتي بل قد يعرض له أي للشيء الواحد أنواع من الاستحالة كالتسخن والتسود والتروح في الفاكهة مثلا فتتعدد الحركة لاختلاف ما فيه بحسب النوع و إن اندرجت تلك الأنواع في جنس واحد والكيف المحسوس بل نقول إذا تعددت المسافة و ما في حكمها بحسب الشخص تعددت الحركة بحسبه لأن الحركة في مسافة

تغاير الحركة في مسافة أخرى قطعا ويتبع ذلك أي وحدة ما فيه الحركة وحدة ما منه و ما إليه إذ لو اختلف المبدأ و المنتهى لم يكن ما فيه واحدا بالضرورة فوحدتهما تابعة لوحدة ما فيه فاشتراط وحدة ما فيه يغني عن اشتراط وحدتهما ولا يكفي في الوحدة الشخصية للحركة وحدة ما منه وما إليه دون اعتبار وحدة ما فيه لجواز اتحادهما بالشخص مع تعدد الحركة بأن تكون الطرق مختلفة فيما بين مبدأ معين ومنتهى معين كما يتوجه الجسم تارة من البياض إلى الغبرة إلى العودية إلى السواد و تارة منه أي من البياض إلى الصفرة إلى الخضرة إلى النيلية إلى السواد و تارة منه إلى الحمرة إلى القتمة إلى السواد فالحركة من البياض إلى السواد المعينين يمكن أن تفرض على هذه الوجوه فيكون المبدأ و المنتهى واحدا مع تعدد الحركة بواسطة تعدد ما فيه وكذا الحال فيما إذا سلك الجسم من مبدأ معين إلى منتهى معين تارة على الاستقامة وتارة على الاستدارة فظهر أن اعتبار وحدتهما لا يغني عن اعتبار وحده ما فيه كما كان اعتبار وحدته مغنيا عن اعتبار وحدتهما ولقائل أن يقول إذا لم يلاحظ وحدة الزمان لم تكن وحدة ما فيه مستلزمة لوحدتهما ولا اختلافهما مستلزما لاختلاف ما فيه فإن جسما واحدا قد يتحرك في مسافة واحدة تارة صاعدا وتارة هابطا وإذا لوحظ وحدة الزمان كان وحدتهما مقتضية لوحدته أيضا ولابد في وحدة الحركة من وحدة الزمان إذ الحركة في زمان غير الحركة في زمان آخر ضرورة وذلك بناء على أن المعدوم لا يعاد بعينه فإنه لو جوز إعادته كذلك لجاز أن تكون الحركة في زمان عين الحركة في زمان آخر فظهر أنه لابد للحركة في وحدتها الشخصية من وحدة الموضوع بالشخص ومن وحدة الزمان ومن وحدة ما فيه وليست وحدته لازمة لوحدتهما لما مر من وقوع الاستحالة والنمو وقطع المسافة في جسم واحد في زمان واحد وإذا اتحدت هذه الثلاثة اتحد المبدأ والمنتهى أيضا وكانت الحركة واحدة شخصية

قطعا ولو اعتبر وحدتهما مع وحدة المحل و الزمان لكفى ولزم وحدة ما فيه كما أشرنا إليه إلا أن اعتبار الثلاثة أولى من اعتبار الأربعة و المآل فيهما واحد وهو أنه لابد في تشخص الحركة من وحدة أمور خمسة من تلك السنة لأن اختلاف واحد منها أي واحد كان يستلزم تعدد الحركة كما لا يخفى و أما وحدة المحرك فلا عبرة به في كون الحركة واحدة شخصية فإن المتحرك بمحرك ما قد يحركه محرك آخر قبل انقطاع حركته و الحركة الصادرة عنهما واحدة شخصية متصلة اتصال المسافة و لا تميز في تلك الحركة يوجب الإثنينية فيها غير ما يتوهم من استناد بعضها إلى محرك والبعض إلى محرك آخر ولا تجزي فيها بالفعل ولا فصل بسبب اختلاف الاستناد ألا ترى أن الحركة الفلكية مع اتصالها في نفسها يعرض لها انقسامات وهمية بحسب الشروق و الغروب و المسامتات وذلك لا يبطل وحدتها الشخصية
فإن قيل المحرك الثاني إن لم يكن له أثر لم يكن محركا وإن كان له أثر فإن كان أثره عين أثر المحرك الأول لزم تحصيل الحاصل واجتماع مؤثرين على أثر واحد شخصي و أن كان غيره فقد تعدد الأثران أعني الحركتين
قلنا نختار أن الأثرين متغايران وذلك لا يبطل الوحدة الشخصية الاتصالية
وثانيها أي ثاني الأبحاث في وحدتها النوعية ولا يخفى أن ما يعتبر في الوحدة النوعية بعض ما يعتبر في الوحدة الشخصية وذلك لأن الشخص هو النوع مع قيود مشخصة له وهي أي ما يعتبر من الوحدات في الوحدة النوعية هي وحدة ما فيه و وحدة ما منه و وحدة ما إليه فإن هذه

الأمور الثلاثة إذا اتحدت بالنوع كانت الحركة واحدة بالنوع و إذا تنوعت كانت الحركة متنوعة إذ لو اختلف ما فيه الحركة بحسب النوع كان كل من الحركات الواقعة في تلك الأنواع المختلفة نوعان من الحركة و إن اتحد ما منه وما إليه أما في الكيف فمثل أن يأخذ الجسم في الحركة تارة من البياض إلى الصفرة إلى الحمرة إلى القتمة إلى السواد و أخرى من البياض إلى الفستقية إلى الخضرة إلى النيلية إلى السواد فإن ما فيه الحركة ههنا مختلف بالنوع وكذا الحركة مع اتحاد المبدأ والمنتهى بالنوع وأما في الأين فمثل أن يتحرك الجسم من مبدأ إلى منتهى معينين تارة على الاستقامة وأخرى على الاستدارة فإن المستدير والمستقيم مختلفان بالماهية لا بالعوارض فكذلك الحركتان الواقعتان عليهما وإذا كانت الحركة مختلفة بالنوع لاختلاف ما فيه مع اتحاد ما منه وما إليه فاختلافها بالنوع لاختلاف ما فيه منضما إلى اختلافهما كان أولى كالتسود و التسخن فإنهما مختلفان بالماهية لاختلاف الأمور الثلاثة فيهما وكذلك ما منه وما إليه فإنهما إذا اختلفا بالنوع اختلف ماهية الحركة وأن اتحد ما فيه كالصاعدة و الهابطة في الحركة الأينية وكالتسخن والتبرد في الحركة الكيفية فإن الحركتين في كل واحدة من هذين المثالين مختلفان بالماهية لاختلاف المبدأ والمنتهى فيهما بالنوع مع اتحاد ما فيه
فإن قيل تنوع المبدأ والمنتهى في المثال الثاني ظاهر فإن السخونة مخالفة بالماهية للبرودة بخلافه في المثال الأول لأن الاختلاف بين المبدأين إنما هو باعتبار إن عرض لأحدهما الفوقية و للآخر التحتية و ذلك لا يوجب اختلافا في الماهية
قلنا إنهما وإن لم يختلفا بالماهية لكنهما اختلفا بالمبدائية والمنتهائية

وهما متقابلان تقابل التضاد وهذا القدر كاف في اختلاف الحركة بالماهية كذا في المباحث المشرقية ولا عبرة في الوحدة النوعية للحركة بوحدة المحرك لأن الأمور المختلفة بالنوع قد تشترك في نوع واحد من الأثر ولما مر من أن تعدد المحرك ولو بحسب النوع لا يوجب تعددا في الحركة بحسب الشخص وإذ لا يوجب اختلاف المحرك بحسب النوع اختلاف الشخص في الحركة فالنوع أولى بأن لا يوجبه ذلك الاختلاف لأن ما يوجب اختلاف النوع يوجب اختلاف الشخص بالضرورة من دون عكس كلي فحركة الحجر إلى العلو قسرا وحركة النار إليه طبعا لا يختلف بالنوع من حيث هما كذلك أي من حيث استنادهما إلى محركين مختلفين بالنوع أعني القاسر والطبيعة بل هاتان الحركتان متفقتان في الماهية ولا عبرة أيضا بوحدة ما له الحركة فإن تنوع المحل لا يوجب تنوع الحال وإن كان تعدد المحل مطلقا يوجب تعدد الحال بحسب الشخص فسواد الإنسان وسواد الحمار نوع واحد وكذا حركتهما إذ لم يختلف هناك ما فيه وما منه وما إليه وذلك لأن إضافة الحركة بل العرض مطلقا إلى الموضوع أمر خارج عن ماهيتهما فلا يكون اختلاف المعروضات موجبا لاختلافهما ولا بوحدة الزمان لأنه نوع واحد لا تختلف حقيقته فلا فائدة في اعتبار وحدته النوعية في وحدة الحركة بحسب النوع بخلاف اعتبار وحدته الشخصية في وحدتها الشخصية إن قدر تنوعه واختلافه بالماهية فهو عارض للحركة ومقدار لها واختلاف العوارض بالنوع لا يوجب التنوع في المعروضات كما أن تنوع المعروضات لا يوجب تنوع عوارضها
وثالثها الوحدة الجنسية وما يعتبر فيها من الوحدات بعض ما

يعتبر في الوحدة النوعية لأن النوع هو الجنس مع قيود منوعة له وإنما هو وحدة ما فيه فقط فالحركة الواقعة في كل جنس جنس من الحركة فالحركات الأينية كلها متحدة في الجنس العالي وكذا الحركات الكيفية والكمية ويترتب أجناس الحركات بحسب ترتب الأجناس التي تقع تلك الحركات فيها فالحركة في الكيف جنس هو فوق الحركة في الكيفيات المحسوسة وهي جنس فوق الحركة في المبصرات وهي جنس فوق الحركة في الألوان وهكذا إلى أن تنتهي إلى الحركات النوعية المنتهية إلى الحركات الشخصية

المقصد السابع
المتن
الحركات منها ما هي متضادة وقد علمت أن لا تضاد إلا بين الأنواع الداخلة تحت جنس أخير فالحركات المختلفة بالجنس كالنقلة والاستحالة والنمو غير متضادة وإن امتنع اجتماعها حينا فلا لماهياتها وإنما التضاد بين المتجانسة منها ففي الاستحالة كالتسود والتبيض وفي الكم كالنمو والذبول والتخلخل والتكاثف وفي النقلة كالصاعدة والهابطة إذ لها في كل طرف حد محدود تتوجه إليه وبين الطرفين غاية الخلاف وأما الوضعية فلا تضاد فيها
الشرح
المقصد السابع الحركات منها ما هي غير متضادة ومنها ما هي متضادة وقد علمت في مباحث التقابل أن لا تضاد إلا بين الأنواع

الحقيقية الداخلة تحت جنس أخير فالحركات المختلفة بالجنس كالنقلة والاستحالة والنمو غير متضادة لأنها أجناس تجتمع في موضوع واحد في زمان واحد وإن امتنع اجتماعها حينا من الأحيان فلا لماهياتها أي ليس امتناعها من الاجتماع في ذلك الحين مستندا إلى ماهياتها بل إلى أسباب خارجية فلا تضاد بين الحركات المتخالفة الأجناس وإنما التضاد بين المتجانسة المتشاركة في الجنس الأخير منها أي من الحركات ففي الاستحالة كالتسود والتبيض فإنهما نوعان مندرجان تحت الحركة في الألوان ومتشاركان في الموضوع وبينهما من الخلاف ما هو أكثر مما بين أحدهما وبين التصفر والتحمر وغيرهما فهو غاية الخلاف ولا معنى للتضاد إلا ذلك وفي الكم كالنمو والذبول والتخلخل والتكاثف فإن لكل واحد من النمو والذبول حدا محدودا في الطبع يتوجهان إليه وبينهما غاية الخلاف فكذا بين الحركتين إليهما وكذا الحال في التخلخل والتكاثف إذ لكل واحد منهما حد لا يتجاوزه وفي النقلة كالصاعدة والهابطة فإن كل واحد من الصعود والهبوط له حد محدود وبينهما غاية الخلاف وإلى ما فصلناه أشار إجمالا بقوله إذ لها أي للحركة في هذه المقولات الثلاث في طرف حد محدود تتوجه إليه وبين الطرفين غاية الخلاف فإن السواد والبياض بينهما غاية الخلاف وكذا بين حدي النمو والذبول والتخلخل والتكاثف والصعود والهبوط فيكون بين التوجهين أيضا غاية الخلاف وأما الحركة الوضعية فلا تضاد فيها لما ستعرف عن قريب من أن الحركة المستديرة لا تضاد فيها

المقصد الثامن
المتن
تضاد الحركات ليس لتضاد ما فيه فإن الصاعدة والهابطة ضدان وإن اتحد ما فيه ولا لتضاد المحرك لتضاد الطبيعتين والقسريتين ولا لتضاد المتحرك لأن حركة الحجر قسرا إلى فوق وطبعا إلى تحت متضادتان ولا لتضاد الزمان فإنه لا تضاد فيه إذ لا تنوع ولا يمكن توارده على موضوع ولكونه عارضا وتضاد العوارض لا يوجب تضاد المعروضات ولا للحصول في الأطراف لأنه معدوم عند الحركة يحصل قبلها وبعدها بل للتوجه بحسب ما منه وإليه من حيث هما كذلك فإنهما قد يختلفان بالذات مع التضاد كالسواد والبياض أو دونه كالسواد والحمرة أو بالعرض كالمركز والمحيط لأنهما جزءان من جسم بسيط عرض لأحدهما أنه غاية القرب من الفلك وللآخر أنه غاية البعد عنه مع تساويهما في الحقيقة وقد لا يختلفان أصلا بل يتفق أنصار أحدهما مبدأ والآخر منتهى وذلك قد يكون بالفعل كما في الحركة المستقيمة وبمجرد الفرض كما في الحركة المستديرة فإن أي جزء فرضت يكون مبدأ للدور ومنتهى له باعتبارين ولا تمايز فيه إلا بما يعرض من موازاة أو فرض أو غير ذلك
تنبيه المبدأ والمنتهى إذا نسب أحدهما إلى الآخر فتقابلهما تقابل التضاد وإذا نسبا إلى ما له المبدأ والمنتهى وهي الحركة كانا متضايفين له فبين كل منهما وبينه تقابل التضايف وليس بين المبدأ والمنتهى تضايف فقد يعقل مبدأ لا منتهى له وبالعكس
فإن قيل قد يكون جسم مبدأ ومنتهى فكيف التضاد
قلت هما غير عارضين للجسم بلا للأطراف ولا يكون طرف مبدأ ومنتهى إلا بالفرض وفي زمانين
فرع قالوا المستقيمة لا تضاد المستديرة إذ كل مستقيمة وتر لقسي غير متناهية بالقوة إذ ضد الواحد واحد ولا المستديرة المستديرة لنحو ذلك

فإن طرفي مستديرة واحدة قد يكونان طرفين لدوائر غير متناهية وأما الحركة إلى التوالي وإلى خلافه فكل يفعل مثل فعل الأخرى ولكن في النصفين على التبادل ولا يخفى ما فيه من أن الحركة في النصفين مع اتحاد المسافة مختلفة
الشرح
المقصد الثامن تضاد الحركات ليس لتضاد ما فيه فإن الصاعدة والهابطة ضدان بلا شبهة وإن اتحد ما فيه هاتان الحركتان وكذلك الحركة من السواد إلى البياض ضد للحركة من البياض إلى السواد وإن فرض وحدة الطريق أعني وحدة ما فيه ولا لتضاد المحرك لتضاد الحركتين الطبيعيتين الصادرتين عن طبيعة واحدة فإن الهواء إذا حصل في حيز الأرض صعد عنه طبعا وإذا حصل في حيز النار هبط عنه كذلك فبين هذه الصاعدة والهابطة تضاد مع وحدة المحرك وهذا المثال إنما يصح إذا لم يعتبر في التضاد غاية الخلاف كما يظهر من كلام الإمام في الملخص والمذكور في السماء والعالم من كتاب الشفاء أن هاتين الحركتين ليستا متضادتين كما ظن بعضهم لأنهما تنتهيان إلى طرف واحد وتوجيهه على ما في المباحث المشرقية أن الضدين يجب أن يكون بينهما غاية التباعد ولم يوجد ذلك في هاتين الحركتين لأن البعد بين حركة النار وحركة الأرض أكثر من البعد بين صعود الهواء عن المركز وهبوطة عن المحيط وكيف يكونان متضادين والمطلوب بهما حالة واحدة هي أن تكون فوق الماء وتحت النار ويرد عليه أنه يلزم منه أن لا يكون تضاد في الحركات الأينية إلا بين الصاعدة الواصلة إلى المحيط والهابطة الواصلة إلى المركز فلا

تكون حركة الحجر قسرا إلى فوق وحركته طبعا إلى تحت متضادتين مع أنهم صرحوا بخلافه ولتضاد الحركتين القسريتين كالصاعدة والهابطة الصادرتين عن قاسر واحد ولا لتضاد المتحرك لأن حركة الحجر قسرا إلى فوق وطبعا إلى تحت متضادتان مع أن المتحرك واحد ولا لتضاد الزمان فإنه لا تضاد فيه أي في الزمان إذ لا تنوع فيه بل الأزمنة كلها متساوية في الماهية ولا يمكن توارده أي توارد الزمان على موضوع واحد ولا بد في المتضادين من الاختلاف بالنوع والتوارد على الموضوع الواحد ولكونه عطف على قوله فإنه كأنه قيل ولا لتضاد الزمان لأنه لا تضاد فيه ولكونه عارضا للحركة وتضاد العوارض لا يوجب تضاد المعروضات فلو فرض التضاد في الزمان لم يكن مقتضيا لتضاد الحركات ولا للحصول أي ليس تضاد الحركات للحصول في الأطراف التي هي مبادي الحركات ونهاياتها لأنه أي الحصول في الأطراف معدوم عند وجود الحركة فإن الحصول في المبدأ يحصل قبلها ويعدم عندها والحصول في المنتهى يحصل بعدها فلو كان تضادها لأجل الحصول في الأطراف لم يكن بين الحركات الموجودة تضاد بل تضاد الحركات للتوجه من الأطراف وإليها أعني بحسب ما منه وما إليه جميعا من حيث هما كذلك أي من حيث أنهما متضادان أعني أن يكون مبدأ إحدى الحركتين ضدا لمبدأ الأخرى ومنتهاها ضدا لمنتهاها وليس يكفي لتضاد الحركة التضاد بين المبدأين فقط فإن الحركة من السواد إلى الحمرة لا تضاد

الحركة من إلى الحمرة ولا التضاد بين المنتهيين فقط فإن الحركة من الحمرة إلى البياض لا تضاد الحركة من الحمرة إلى السواد وذلك لانتفاء غاية الخلاف وإنما اعتبر قيد الحيثية إذ لا بد من اعتباره فإنهما أي ما منه وما إليه في الحركتين قد يختلفان بالذات والماهية مع التضاد بينهما كالسواد والبياض فالحركة من الأول إلى الثاني تضاد الحركة من الثاني إلى الأول لأن مبدأهما متضادان بالذات وكذلك منتهاهما أو دونه أي دون التضاد كالسواد والحمرة فإنهما متخالفان بالماهية بلا تضاد لعدم التباعد في الغاية فلا تضاد أيضا بين الحركة من أحدهما إلى الآخر وعكسها أو بالعرض أي يختلفان لا بالذات بل باعتبار عارض مع التضاد بحسبه أيضا كالمركز والمحيط لأنهما جزءان أي نقطتان من جسم بسيط عرض لأحدهما أنه غاية القرب من الفلك وللآخر أنه غاية البعد عنه وباعتبار هذين العارضين صارا متضادين مع تساويهما في الحقيقة وصار تضادهما بالعرض سببا لتضاد الصاعدة والهابطة بالذات فإنهما معنيان وجوديان يمتنع اجتماعهما في موضوع واحد وبينهما غاية الخلاف وكذا حال الحركتين الواقعتين في جهتين متقابلتين وقد يقال لا تضاد في الحركة المستقيمة إلا بين الصاعدة والهابطة فعليك بالتأمل وقد لا يختلفان أصلا أي لا يختلف مبدأ الحركة ومنتهاها لا بحسب الماهية ولا بحسب عارض لازم بل يتفق أن صار أحدهما مبدأ لحركة والآخر منتهى لها فإذا فرض حركة أخرى من هذا المنتهى إلى ذلك المبدأ لم تكن مضادة للأولى إذ لا تضاد بين المبدأين ولا بين المنتهيين لا بالذات ولا بالعرض
فإن قلت بين مفهومي المبدأ والمنتهى تقابل التضاد كما سننبه

عليه فبين ذاتيهما تضاد بحسب العارض فتكون الحركتان متضادتين على قياس ما مر في الصاعدة والهابطة
قلت لا شك أن ثبوت هذين العارضين لذاتيهما متأخر عن وجود الحركة فلا يكون تضاد هذين العارضين علة لتضاد الحركتين بخلاف القرب والبعد من المحيط فإنهما متقدمان على وجود الحركة ومقتضيان لكون الحركتين متضادتين كما عرفت وذلك أي اتصاف أحدهما بكونه مبدأ والآخر بكونه منتهى قد يكون بالفعل كما في الحركة المستقيمة فإن لها مبدأ متصفا بالمبدائية بالفعل ولها منتهى كذلك وقد يكون ذلك الاتصاف بمجرد الفرض كما في الحركة المستديرة فإن أي جزء فرضت على الجسم المتحرك بالاستدارة كالفلك مبدأ للدور ومنتهى له باعتبارين إذ الحركة عن كل جزء هي بعينها الحركة إلى ذلك الجزء فلا مبدأ ولا منتهى للمستديرة إلا بمجرد الفرض ولا تمايز فيه أي في الدائر حتى يثبت للدور ابتداء وانتهاء بالفعل لا بما يعرض من موازاة أو فرض أو غير ذلك من الشروق والغروب وليس شيء منها موجبا للتمايز الخارجي وليس من شرط وجود الحركة المستديرة أن يوجد هناك نقطة بالفعل لتكون مبدأ من وجه ومنتهى من وجه وإلا امتنع حركة الفلك بالاستدارة إذ لا وجود للنقطة بالفعل إلا بسبب القطع وهو عليه محال عندهم بل يكفي لتحقق المستديرة كون النقطة بالقوة القريبة وههنا بحث وهو أن الحركة المستديرة حركة وضعية فيكون مبدأها وكذا منتهاها وضعا مخصوصا كما أن مبدأ الحركة الكيفية ومنتهاها كيف مخصوص فإذا فرض أن جسما كان ساكنا ثم تحرك على نفسه فالوضع الذي ابتدأت الحركة منه كان مبدأ لها وإذا فرض سكونها ثانيا كان الوضع الذي انقطعت الحركة عنده منتهى لها سواء كان مماثلا للوضع الأول أو مخالفا له فقد ثبت للمستديرة مبدأ ومنتهى بالفعل كالمستقيمة نعم إذا فرض أن المستديرة أزلية أبدية كما هو مذهبهم في الحركات الفلكية لم يكن هناك مبدأ ولا منتهى بالفعل كما نبهناك عليه فيما سلف ولا يمكن مثل هذا الفرض في المستقيمة لتناهي الأبعاد

وانقطاع الحركة بالرجوع والانعطاف فلا بد لها دائما من مبدأ ومنتهى بالفعل نعم إذا فرض أن جسما تحرك على محيط دائرة حتى تمم دورة كان مبدأها ومنتهاها واحدا بالذات مختلفا بالاعتبار إلا أن هذه حركة أينية في الاصطلاح مستديرة بحسب اللغة
تنبيه المبدأ والمنتهى أي هذان المفهومان العارضان لا ذاتاهما إذا نسب أحدهما إلى الآخر فتقابلهما تقابل التضاد لا السلب والإيجاب والعدم والملكة لأنهما وجوديان ولا التضايف لما سنذكره وإذا نسبا إلى ما له المبدأ والمنتهى وهي الحركة كانا متضايفين له فبين كل منهما وبينه أي بين ما له المبدأ والمنتهى تقابل التضايف فإن المبدأ مبدأ لذي المبدأ وذو المبدأ ذو مبدأ للمبدأ وكذا حال المنتهى وذي المنتهى وليس بين المبدأ والمنتهى تضايف فقد يعقل مبدأ لا منتهى له وبالعكس لجواز أن يفرض حركة لها بداية بلا نهاية أو نهاية بلا بداية فلا تكافؤ بينهما في التعقل ولا في الوجود فلا تضايف
فإن قيل قد يكون جسم واحد مبدأ لحركة ومنتهى لها أيضا فكيف يتصور التضاد بينهما مع اجتماعهما في موضوع واحد
قلت هما أعني مفهومي المبدأ والمنتهى غير عارضين للجسم عروضا أوليا حتى يقال إنهما يجتمعان فيه بل هما عارضان للأطراف الحاصلة في الأجسام ولا يكون طرف واحد مبدأ ومنتهى لحركة واحدة إلا بالفرض وفي زمانين إذ لا يتصور في حركة واحدة مستقيمة أن يكون مبدأها ومنتهاها طرفا واحدا وأما المستديرة فإن مبدأها ومنتهاها نقطة واحدة مفروضة لكنها لا تتصف بهاتين الصفتين في آن واحد فهي وإن كانت واحدة بالذات إلا أنها اثنتان في الاعتبار وذلك كاف لها في كونها بداية للحركة ونهاية لها وإنما وسم الفصل بالتنبيه لأن التأمل في مفهومي المبدأ والمنتهى وما نسبا إليه كاف للتصديق بما ذكر فيه
فرع على ما مر من أن تضاد الحركات أنما يكون لتضاد المبدأ

والمنتهى قالوا الحركة المستقيمة لا تضاد الحركة المستديرة وإلا كان ذلك بسبب تضاد أطراف المستقيمة والمستديرة وهو باطل إذ كل مستقيمة فإنها واقعة على خط هو وتر لقسي غير متناهية بالقوة فلو كانت المستقيمة ضدا للمستديرة لكان للمستقيمة الواحدة بالشخص أضداد غير متناهية متخالفة بالنوع هي المستديرات المتوهمة من منتهى المستقيمة إلى مبدأها وذلك باطل إذ ضد الواحد واحد كما مر في مباحث التضاد وأيضا كل قوس يفرض ضدا لذلك الخط فهناك قوس أخرى أعظم تحديا من الأولى فتكون هذه بالضدية أولى فليس شيء من تلك القسي ضدا للمستقيم فلا يكون المستقيم ضدا لشيء منها لا يقال طبيعة الاستدارة واحدة في المستديرات فتكون هي من حيث طبيعتها المشتركة بينها مخالفة للمستقيمة ومضادة لها لأنا نقول لا وجود للاستدارة المجردة إنما الموجود في الخارج ما هو مستدير معين ولا شيء من المستديرات المعينة أولى بالمضادة لما عرفت ولما امتنع حصول الاستدارة المجردة في الخارج امتنع معاقبتها للمستقيم في الموضوع فلا يكون ضدا له ولا تضاد المستديرة المستديرة لنحو ذلك الذي ذكر لنفي التضاد بين المستقيمة والمستديرة فإن التضاد بين الحركات لتضاد مباديها وغاياتها فلو كان بين المستديرات تضاد لكان لمستديرة واحدة أضداد غير متناهية متخالفة بالنوع وذلك لأن طرفي مستديرة واحدة قد يكونان طرفين لدوائر أي لقسي غير متناهية فإنه يجوز اشتراك قسي غير متناهية في طرفين فلو كانت المستديرة ضدا للمستديرة لكان لمستديرة واحدة أضداد بلا نهاية هي المستديرات الموجهة من منتهى تلك المستديرة إلى مبدئها وهو باطل وأما الحركة إلى التوالي والحركة إلى خلافه فكل من هاتين الحركتين تفعل مثل فعل الأخرى ولكن في النصفين من المسافة على التبادل فإن المنحدر من

السرطان إلى الجدي على التوالي يكون مسافته الأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والمنحدر من السرطان إلى الجدي لا على التوالي مسافته الجوزاء والثور والحمل والحوت والدلو فقد فعل كل منهما في الانحدار مثل فعل الآخر أعني الحركة المبعدة عن السرطان الموصلة إلى الجدي لكن في النصف الآخر وقس على ذلك حال الصعود من الجدي إلى السرطان فإنه على عكس الانحدار المذكور ولما كان الفلك جسما بسيطا متشابه الأجزاء كان النصفان متساويين في الماهية وكذلك الأطراف والنهايات متساوية فيها فلا يكون شيء منها سببا لتضاد الحركات المستديرة فلا تكون متضادة
قال المصنف ولا يخفى ما فيه من أن الحركة في النصفين مع اتحاد المسافة مختلفة يعني أن ما ذكروه إنما يدل على أن الحركة إلى التوالي والحركة إلى خلافه إذا اعتبر حالهما في نصفين متبادلين كانتا متماثلتين متحدتين في المبدأ والمنتهى فلا يتصور بهذا الاعتبار بينهما تضاد ولا شك أنه إذا اعتبر حالهما في كل واحد من النصفين معا كانتا متخالفتين بل متضادتين فإن حركة المنحدر من السرطان إلى الجدي على التوالي مضادة لحركة الصاعد من الجدي إلى السرطان على خلاف التوالي للتضاد بين المبدأين والمنتهيين وإن كانا مفروضين مع اتحاد المسافة على قياس الصاعدة والهابطة المستقيمتين وكذا الحال في الصاعدة من الجدي إلى السرطان على التوالي والمنحدرة من السرطان إلى الجدي على خلاف التوالي نعم إذا اعتبر تمام الدورة فيهما اتحدت المسافة وكانت نقطة واحدة مبدأ ومنتهى لهما معا وكان الاختلاف بينهما بحسب التوجه منها وإليها وذكر في الملخص أن أمثال هذه المباحث لفظية لأنه إن أريد

بالضدين كل معنيين وجوديين يمتنع اجتماعهما دفعة واحدة في محل واحد كانت الحركة المستقيمة مضادة للمستديرة وكانت المستديرات أيضا متضادة لامتناع الاجتماع وإن أريد مع ذلك أن يكون ما منه وما إليه أمورا موجودة بالفعل متضادة فلا تضاد حينئذ بين المستقيمة والمستديرة ولا بين المستقيمات والمستديرات

المقصد التاسع
المتن
الحركة ليست كما بالذات بل بالعرض ويعرض لها ثلاثة أنواع من الانقسام
الأول بحسب المسافة لانطباقها فالحركة إلى نصفها نصف الحركة إلى كلها
الثاني بحسب الزمان لأنه عارض لها فالحركة في نصف ساعة نصف الحركة في ساعة وهذا غير الذي بحسب المسافة إذ قد يختلفان كالسريعة والبطيئة
الثالث بحسب المتحرك فإن الجسم إذا تحرك تحركت أجزاؤه المفروضة فيه والحركة القائمة بكل جزء غير القائمة بالآخر فإذا عرض له انفصال حصل لكل جزء حركة بالفعل
الشرح
المقصد التاسع الحركة ليست كما بالذات فإنها من المقولات النسبية لا من مقولة الكم بل هي كم بالعرض ويعرض لها بسبب الكمية العرضية ثلاثة أنواع من الانقسام

الأول بحسب المسافة لانطباقها فإن الحركة الأينية منطبقة على المسافة كأنها حالة فيها والمسافة منقسمة لانتفاء الجزء الذي لا يتجزأ فتنقسم الحركة بانقسامها فالحركة إلى نصفها نصف الحركة إلى كلها
الثاني بحسب الزمان فإنه عارض لها فينقسم بانقسام عارضها فالحركة في نصف ساعة نصف الحركة في ساعة وهذا الانقسام الثابت للحركة بحسب الزمان غير الانقسام الذي بحسب المسافة إذ قد يختلفان كالسريعة والبطيئة فإنه إذا فرض اتحادهما في المسافة والانقسام بحسبها فلا بد أن يختلف زمانها والانقسام بحسبه وإذا فرض اتحادهما في الزمان والانقسام بحسبه كانتا مختلفتين في الساعة والانقسام بحسبها
الثالث بحسب المتحرك فإن الجسم هو المتحرك وهو قابل للقسمة ولا شبهة في أنه إذا تحرك الجسم تحركت أجزاؤه المفروضة فيه والحركة القائمة بكل جزء غير القائمة بالآخر فقد انقسمت الحركة أيضا انقساما فرضيا كمحلها فإذا عرض له أي للجسم انفصال خارجي حصل لكل جزء حركة بالفعل فالحركة تابعة لمحلها في الانقسام الفرضي والفعلي الخارجي كالسواد القائم بالجسم فإنه يتبعه في هذين الانقسامين وقد نبهناك على أن الانقسام بحسب المسافة إنما يتصور في الحركة الأينية وأما الانقسام بحسب الزمان فشامل للحركة كلها وكذا الانقسام بحسب المتحرك إذا جعل المكان عبارة عن البعد وأما إذا جعل عبارة عن السطح فلا شك أن أجزاء الجسم إما متصلة أو متماسكة وعلى التقديرين فهي إما أن لا تفارق أمكنتها أصلا أو تفارق أجزاء من أمكنتها هي أجزاء لمكان الكل فهي غير مفارقة أمكنتها بالكلية فلا تكون متحركة

المقصد العاشر
المتن
ما يوصف بالحركة إما أن تكون الحركة فيه بالحقيقة أو لا
والثاني أنه متحرك بالعرض كراكب السفينة والأول إما أن يكون مبدأ الحركة في غيره وهي الحركة القسرية أو فيه إما مع الشعور وهي الإرادية أو لا وهي الطبيعية فالحركة النباتية طبيعية وكذا حركة النبض وقد أخطأ من جعل الحركة الطبيعية هي الصاعدة والهابطة أو التي على وتيرة واحدة
الشرح
المقصد العاشر ما يوصف بالحركة إما أن تكون الحركة حاصلة فيه بالحقيقة أي تكون الحركة عارضة له بلا توسط عروضها لشيء آخر أو لا بل تكون الحركة حاصلة في شيء آخر تقارنه فيوصف هذا بالحركة تبعا لذلك الشيء والثاني يقال له إنه متحرك بالعرض وتسمى حركته حركة عرضية كراكب السفينة
قال الكاتبي في هذا المثال نظر لأن الحركة هي الانتقال من مكان إلى آخر مع التوجه والراكب منتقل كذلك فيكون متحركا بالذات اللهم إلا أن يعتبر الانتقال من مكان إلى آخر مغاير للأول بجميع أجزائه فحينئذ يكون الراكب متحركا بالعرض لأن الهواء متبدل دون سطح السفينة وجوابه ظاهر إذ لا توجه في الراكب بل إنما يوصف به تبعا للسفينة ثم إن المتحرك بالعرض قد يكون قابلا للحركة كالدرة المتحركة بحركة الحقة وقد لا يكون كالصور والأعراض الحالة في الأجسام المنتقلة وأما ما لا يكون

جسما ولا حالا فيه كالنفس مع البدن فإنها لا توصف بالحركة تبعا لحركة البدن والأول يقال إنه متحرك بالذات وتسمى حركته حركة ذاتية وتنقسم حركته إلى ثلاثة أقسام لأنه إما أن يكون مبدأ الحركة في غيره وهي الحركة القسرية أو يكون مبدأ الحركة فيه إما مع الشعور أي شعور مبدأ الحركة بتلك الحركة وهي الحركة الإرادية أو لا مع الشعور وهي الحركة الطبيعية وعلى هذا فالحركة النباتية طبيعية وكذا حركة النبض لأن مبدأ هاتين الحركتين موجود في المتحرك ولا شعور له بالحركة الصادرة عنه وقد أخطأ من جعل الحركة الطبيعية هي الصاعدة والهابطة أي حصرها فيهما إذ يخرج عنها حينئذ حركة النبض كما مر في مباحث الميل والحركة النباتية أو جعل الحركة الطبيعية هي التي على وتيرة واحدة بلا شعور إذ يخرج عنها حينئذ هاتان الحركتان أيضا ومنهم من قسم الحركة إلى عرضية وذاتية والذاتية إلى ستة أقسام لأن القوة المحركة إن كانت خارجة عن المتحرك فالحركة قسرية وإن لم تكن خارجة عنه فإما أن تكون الحركة بسيطة أي على نهج واحد وإما مركبة لا على نهج واحد والبسيطة إما أن تكون بإرادة وهي الحركة الفلكية أو لا بإرادة وهي الطبيعية والمركبة إما أن يكون مصدرها القوة الحيوانية أو لا والثانية الحركة النباتية والأولى إما أن تكون مع شعور بها وهي الحركة الإرادية الحيوانية أو لا مع شعور وهي الحركة التسخيرية كحركة النبض

المقصد الحادي عشر
المتن
الحركة إما سريعة وهي التي تقطع مسافة مساوية في زمان أقل من زمانها ويلزمها أن تقطع الأكثر في المساوي وإما بطيئة وهي التي بالعكس فتقطع المساوي في الأكثر الأقل في المساوي وليس البطء لتخلل السكنات وإلا لم يحس بحركة فرس واللازم بطلانه ظاهر بيان الملازمة أن البطء لو لم يكن إلا لتخلل السكنات كان تفاوت السرعة والبطء بحسب

السكنات المتخللة فإذا عدا الفرس أشد عدو كانت حركته أبطأ من حركة المحدد بنسبة غير قليلة وتكون زيادة سكناته على حركاته كزيادة حركة المحدد على حركاته وأنه ألف ألف مرة فلا تظهر تلك الحركات القليلة في تلك السكنات الكثيرة
واعلم أن دلائل إبطال الجزء المبنية على تلازم الحركتين كما ستنتهي النوبة إليه تدل على بطلان هذا
وبالجملة فهذا البحث مبني على بحث الجزء وفرع من فروعه يدور معه صحة وبطلانا منها أنا إذا غرزنا خشبة في الأرض فإذا كانت الشمس في أفقها الشرقي وقع الظل في الجانب الغربي ولا يزال يتناقص إلى أن تبلغ الشمس غاية ارتفاعها وكلما ارتفعت الشمس انوقف الظل جاز في الثاني والثالث فيجوز أن تتم الشمس الدورة والظل بحاله وإن تحرك جزء كان بإزاء كل حركة للشمس حركة للظل أقل فثبت أن السرعة والبطء بلا تخلل سكنات ويمكن المضايقة في قولهم لو جاز أن تتحرك الشمس جزء والظل بحاله لجاز في الكل وإذا كان كذلك جاز أن يتم الدورة والظل بحاله فإن ذلك جائز عندنا والعادة هي القاضية بعدمها من غير استحالة عندنا وهي تستند إلى الفاعل المختار ومنه يعلم جواب قولهم علة الحركة مستمرة من أول المسافة إلى آخرها فكذا الحركة
تنبيه الاختلاف بالسرعة والبطء ليس اختلافا بالنوع فإن الحركة الواحدة سريعة بالنسبة إلى حركته وبطيئة إلى أخرى ولأنهما قابلان للاشتداد والتنقص
الشرح
المقصد الحادي عشر الحركة إذا قيست إلى حركة أخرى فهي إما سريعة وهي التي تقطع مسافة مساوية لمسافة أخرى في زمان أقل من زمانها ويلزمها أي الحركة السريعة أن تقطع الأكثر أي المسافة التي مقدارها أكثر في الزمان المساوي يعني أنه إذا فرض تساوي الحركتين في

المسافة كان زمان السريعة أقل وإذا فرض تساويهما في الزمان كانت مسافة السريعة أكثر فهذان الوصفان لازمان مساويان للسريعة ولذلك عرفت بكل واحد منهما وأما قطعها لمسافة أطول في زمان قصر فخاصة قاصرة وأما بطيئة وهي التي بالعكس فتقطع المساوي من المسافة في الزمان الأكثر أو تقطع الأقل من المسافة في الزمان المساوي وربما قطعت مسافة أقل في زمان الأكثر لكنه غير شامل لها وليس البطء أي ليس كل بطء لتخلل السكنات بين الحركات وإلا لم يحس بحركة الفرس وإن فرضت سريعة جدا واللازم بطلانه ظاهر بيان الملازمة أن البطء لو لم يكن إلا لتخلل السكنات فيما بين الحركات كان تفاوت السرعة والبطء بحسب تفاوت السكنات المتخللة في القلة والكثرة فإذا عدا فرس أشد عدو كما إذا قدر أنه عدا من أول اليوم إلى منتصفه خمسين فرسخا كان حركته هذه أبطأ من حركة المحدد بنسبة غير قليلة لأنها قطعت في المدة المذكورة ربع الدور وهو زائد على مسافة حركة الفرس بما لا يحيط الوهم به ويكون حينئذ زيادة سكناته أي سكنات الفرس على حركاته كزيادة حركة المحدد على حركاته لأن عدد سكناته يساوي عدد زيادات حركة المحدد لا محالة وأنه أي زيادة حركة المحدد على حركاته ألف ألف مرة فتكون زيادة سكناته على حركاته أيضا ألف ألف مرة فلا تظهر تلك الحركات القليلة في تلك السكنات الكثيرة مثل هذه الكثرة الغامرة لتلك القليلة فوجب أن لا يحس بهذه الحركة أصلا وهو باطل قطعا لأنا نحس بحركاته ولا نحس بشيء من سكناته
واعلم أن دلائل إبطال الجزء المبنية على تلازم الحركتين المتخالفتين بالسرعة

والبطء وهي ستة كما ستنتهي النوبة إليه أي إلى ذكرها تدل على بطلان هذا يعني كون البطء منحصرا في تخلل السكنات فيجوز أن يستدل بها ههنا
وبالجملة فهذا البحث وهو كون البطء للتخلل مبني على بحث الجزء وفرع من فروعه يدور معه صحة وبطلانا منها أي من تلك الدلائل الستة أنا إذا غرزنا خشبة في الأرض فإذا كانت الشمس في أفقها الشرقي وقع الظل في الجانب الغربي طويلا ولا يزال يتناقص الظل بحسب ازدياد ارتفاع الشمس إلى أن تبلغ الشمس غاية ارتفاعها وكلما ارتفع أي إذا ارتفع الشمس مقدارا إن وقف الظل ولم ينتقص أصلا جاز ذلك في الثاني والثالث فيجوز حينئذ أن تتم الشمس الدورة والظل بحاله وهو باطل وإن تحرك الظل جزءا كلما تحركت الشمس جزءا يمكن أن يكون هذان الجزءان متساويين في المقدار ولا أن يكون جزء الظل أكبر بل وجب أن يكون أصغر وحينئذ كان بإزاء كل حركة للشمس نحو الارتفاع حركة للظل نحو الانتقاص أقل من الحركة الاتفاعية في المقدار فتكون حركة الظل أبطأ بلا تخلل سكون فثبت أن السرعة والبطء بلا تخلل سكنات ويمكن المضايقة في قولهم لو جاز أن تتحرك الشمس جزءا والظل بحاله لجاز في الكل وإذا كان كذلك جاز أن يتم الدورة والظل بحاله فإن ذلك أي إتمام الدورة مع بقاء الظل على حاله جائز عندنا لأن جميع الموجودات مستندة إليه تعالى ابتداء بلا وجوب ولا إيجاب والعادة هي القاضية بعدمها أي عدم هذه الحالة أعني بقاء الظل على حاله مع إتمام الدورة من غير استحالة فيها عندنا وهي أي حركة الشمس والظل تستند إلى الفاعل المختار فيجوز أن يوجد حركة الشمس إلى تمام الدورة ولا يوجد معها

حركة الظل أصلا إلا أن عادته تعالى جرت بخلاف ذلك فما حكمتم باستحالته ليس بمحال بل هو معدوم بقضاء العادة ومنه أي ومما ذكرنا في دفع الاستدلال المذكور يعلم جواب قولهم علة الحركة مستمرة من أول المسافة إلى آخرها فكذا الحركة يعني أنهم استدلوا على بطلان تخلل السكنات في الحركة بأن علة حركة الحجر مثلا قسرية كانت أو طبيعية مستمرة الوجود من أول المسافة إلى آخرها والهواء قابل للانخراق بلا تفاوت فوجب أن تستمر تلك الحركة من غير أن يتخللها توقف وسكون في بعض الأحياز مع كونها أبطأ من الحركة الفلكية بلا شبهة فثبت البطء بلا تخلل السكنات
والجواب أن تلك الحركة عندنا مستندة إلى الفاعل المختار لا إلى القاسر أو الطبيعة فجاز أن يحرك الحجر في حيز ويسكنه في آخر مع تساويهما في قبول الحركة والسكون
تنبيه الاختلاف بالسرعة والبطء ليس اختلافا بالنوع فإن الحركة الواحدة سريعة بالنسبة إلى حركة وبطيئة بالنسبة إلى أخرى مع أن ماهيتهما واحدة لا اختلاف فيها ولأنهما أي السرعة والبطء قابلان للاشتداد والتنقص فإن المسافة الواحدة يمكن قطعها بحركات مختلفة في مراتب السرعة والبطء فلا يكونان فصلين للحركات لأن الفصول لا تقبل الاشتداد والتنقص

المقصد الثاني عشر
المتن
قال الحكماء علة البطء إما في الطبيعية فممانعة المخروق فكلما كان قوامه أغلظ كان أشد ممانعة كالماء مع الهواء وإما في القسرية

والإرادية فممانعة الطبيعة وكلما كان الجسم أكبر والطبيعة أكثر كان أشد ممانعة وإن اتحد المخروق أو مع ممانعة المخروق وربما عاوق أحدهما أكثر والآخر أقل فتعادلا
الشرح
المقصد الثاني عشر قال الحكماء علة البطء إما في الحركات الطبيعية فممانعة المخروق الذي في المسافة فكلما كان قوامه أغلظ كان أشد ممانعة للطبيعة وأقوى في اقتضاء بطء الحركة كالماء مع الهواء فنزول الحجر إلى الأرض في الماء أبطأ من نزوله إليها في الهواء وإما في الحركات القسرية والإرادية فممانعة الطبيعة إما وحدها وذلك أنه كلما كان الجسم أكبر مقدارا وكان الطبيعة السارية فيه أكبر وأعظم كان ذلك الجسم بطبيعته أشد ممانعة للقاسر والمحرك بالإرادة وأقوى في اقتضاء البطء وإن اتحد المخروق والقاسر والمحرك الإرادي ومن ثمة كان حركة الحجر الكبير أبطأ من حركة الصغير في مسافة واحدة من قاسر واحد أو ممانعة الطبيعة مع ممانعة المخروق كالسهم المرمي بقوة واحدة تارة في الماء وتارة في الهواء وكالشخص السائر فيهما بإرادته وربما عاوق أحدهما أكثر والآخر أقل فتعادلا يعني أن معاوقة طبيعة الجسم الأكبر أكثر من معاوقة طبيعة الأصغر فإذا فرض أن معاوقة مخروق الأصغر أكثر من معاوقة مخروق الأكبر على تلك النسبة انجبر التفاوت الذي بحسب الطبيعة وتعادل الجسمان في المعاوقة المركبة وتساويا في الحركة مثل أن يحرك قاسر واحد الجسم الكبير في الهواء والصغير في الماء الذي تزيد معاوقته على معاوقة الهواء بمقدار الزيادة التي في طبيعة الأكبر

المقصد الثالث عشر
المتن
ذهب بعض الحكماء والجبائي من المعتزلة إلى أن بين كل حركتين مستقيمتين كصاعدة وهابطة سكونا وإن كل حركة مستقيمة تنتهي إلى

سكون لأنها لا تذهب إلى غير النهاية ومنعه غيرهم وأما المثبتون فلكل من الفريقين في إثباته طريق فقال الحكماء الوصول إلى المنتهى آني فكذلك الميل الموجب له والرجوع آني فكذلك الميل الموجب له آني وآن الوصول غير آن الرجوع لامتناع اجتماعهما فلو لم يكن بينهما زمان لزم تتالي الآنات وأنه باطل فذلك الزمان لا حركة فيه فهو سكون
والجواب أن الوصول في آن هو طرف حركة والرجوع في آن هو طرف حركة فلم لا يجوز أن يكون حدا مشتركا بينهما وأما الآن بمعنى جزء زمان لا ينقسم فأنتم لا تقولون به قولكم آن الرجوع غير آن الوصول
قلنا نعم لكن باعتبار كونه منتهى لزمان الحركة الموصلة ومبدأ لزمان حركة الرجوع
وقال الجبائي لا شك أن الاعتماد المجتلب في الحجر يغلب اللازم فيصعد متدرجا في الضعف إلى أن يغلب اللازم المجتلب فينزل ولا شك أن غلبته إنما تكون بعد التعادل بينهما إذ لا ينقلب من المغلوبية إلى الغالبية دفعة وعند التعادل يجب السكون وإلا لزم الترجيح بلا مرجح وأما المنكرون فقال الحكماء فإذا صعد الخردلة وهبط الجبل وتلاقيا وجب وقوف الخردلة وذلك يوجب وقوف الجبل بمصادمتها لامتناع التداخل واللازم ضروري البطلان
وقد يجاب بأن الخردلة لا تصادم الجبل بل ترجع بريحه فذلك فرض محال ويجوز استلزامه للمحال
وقالت المعتزلة لا سكون إذ لا يوجبه الاعتماد اللازم فإنه يقتضي الحركة النازلة ولا المجتلب فإنه يقتضي الصاعد ولا مولد للحركة والسكون إلا الاعتماد
وقد يجيب الجبائي على أصله لا نسلم أنه لا مولد غيره بل هو الحركة فالحركة الصاعدة توجب السكون بشرط تعادل الاعتمادين وقد مر في الاعتماد

الشرح
المقصد الثالث عشر ذهب بعض الحكماء كأرسطو وأتباعه والجبائي من المعتزلة إلى أن بين حركتين مستقيمتين كصاعدة وهابطة سكونا فالحجر إذا صعد قسرا ثم رجع فلا بد أن يسكن فيما بينهما ومحصول ما ذكروه أن كل حركة مستقيمة تنتهي البتة إلى سكون وذلك لأنها لا تذهب على الاستقامة إلى غير النهاية فإن الأبعاد متناهية فإما أن تنقطع وهو ظاهر أو ترجع على سمتها أو تنعطف على سمت آخر وعلى التقديرين لا بد من سكون بين هاتين المستقيمتين فتكون الأولى منقطعة ومنعه غيرهم كأفلاطون من الحكماء وأكثر المتكلمين من المعتزلة وأما المثبتون فلكل من الفريقين في إثباته طريق فقال الحكماء الوصول إلى المنتهى آني إذ لو كان زمانيا ففي النصف الأول من ذلك الزمان إن حصل الوصول فذلك النصف هو زمان الوصول لا كله وهو خلاف المفروض وإن لم يحصل كان حاصلا في النصف الثاني ويعود المحدور والأظهر أن يقال الحد الذي هو منتهى المسافة الممتدة لا يكون منقسما في ذلك الامتداد وإلا لم يكن بتمامه حدا فالوصول إليه آني إذ لو كان زمانيا لكان ذلك الحد منقسما لتعلق الوصول به شيئا فشيئا ثم إن للوصول علة هي الميل فوجب أن تكون هذه العلة موجودة في آن الوصول

لأن العلة الموجدة يجب وجودها حال وجود المعلول وهذا هو المراد بقوله فكذلك الميل الموجب له أي هو أيضا موجود في ذلك الآن مع حدوثه في آن ابتداء الحركة واستمراره إلى انتهائها والرجوع عن المنتهى أيضا آني كالوصول فكذلك الميل الموجب له آني أي حادث في آن وآن الوصول غير آن الرجوع لامتناع اجتماعهما فلو لم يكن بينهما زمان لزم تتالي الآنات وتركب الزمان منها وأنه باطل إذ يلزم حينئذ تركب الحركة من أجزاء لا تتجزأ فيلزم تركب المسافة أيضا منها فذلك الزمان لا حركة فيه لا إلى المنتهى ولا عنه فهو سكون أي زمان سكون
والجواب أن الوصول في آن هو طرف حركة متوجهة نحو المنتهى والرجوع في آن هو طرف حركة منصرفة عنه فلم لا يجوز أن يكون آن واحد حدا مشتركا بينهما أي بين الحركتين بل بين زمانيهما فإن الطرف الواحد يجوز أن يكون مشتركا بين شيئين كالنقطة الواحدة المشتركة بين خطين بخلاف الجزء ولذلك قال وأما الآن بمعنى جزء زمان لا ينقسم ذلك الجزء فأنتم لا تقولون به حتى يمتنع اشتراكه بين زماني الحركتين قولكم آن الرجوع غير آن الوصول قلنا نعم بينهما تغاير لكن لا بالذات بل باعتبار كونه منتهى لزمان الحركة الموصلة ومبدأ لزمان حركة الرجوع واعلم أن الحجة المشهورة للمثبتين من الحكماء هي أن المتحرك إلى المنتهى إنما يصل إليه في آن وإذا تحرك عنه بعد كونه واصلا إليه فلا محالة يصير مفارقا ومباينا له في آن أيضا ولا يمكن اتحاد الآنين وإلا كان واصلا إلى المنتهى ومباينا له معا فوجب تغايرهما بالذات واستحال تتاليهما بلا تخلل زمان بينهما لاستلزامه القول بالجزء وذلك الزمان زمان سكون إذ لا حركة هناك لا إلى ذلك الحد ولا عنه وأبطلها ابن سينا بأن المفارقة والمباينة هي حركة الرجوع فهناك آنان آن يقع فيه ابتداء الرجوع والمباينة

وآن يصدق فيه على المتحرك أنه مفارق مباين لذلك الحد الذي هو المنتهى فإن عنوا بأن المباينة طرف زمان المباينة نختار أن ذلك الآن هو بعينه آن الوصول بأن يكون حدا مشتركا بين زمان الحركتين فإن طرف الحركة يجوز أن يكون شيئا ليس فيه حركة أصلا وإن عنوا به آنا يصدق فيه على المتحرك أنه راجع مباين نختار أنه مغاير لآن الوصول وأن بين الآنين زمانا لكنه ليس زمان السكون بل زمان الحركة وهو بعض حركة الرجوع فإن كل آن يفرض في زمان وقع فيه حركة الرجوع يكون بينه وبين آن ابتداء الرجوع بعض حركة الرجوع ثم أنه أقام الحجة على وجوب تخلل السكون بأن اعتبر الميل الموصل والميل الموجب لحركة المفارقة وحكم بأن اجتماعهما في آن واحد محال إذ يستحيل أن يجتمع في جسم الإيصال إلى حد والتنحية عنه فوجب أن يكون كل منهما في آن مغاير لآن الآخر بينهما زمان سكون كما مر والمصنف قرر الحجة التي أوردها ابن سينا وأجاب عنها بما هو جواب عن الحجة المشهورة فالصواب أن يجاب بمنع استحالة اجتماع الميلين أو بتجويز تتالي الآنين أو بمنع بقاء الميل الموصل فإنه علة معدة للوصول كالحركة فلا يجب بقاؤه مع المعلول مثلها أو يمنع حدوث الميل في آن بل هو زماني كالحركة
وقال الجبائي لا شك أن الاعتماد المجتلب في الحجر يغلب الاعتماد اللازم إذ الحادث أقوى من الباقي فيصعد الاعتماد المجتلب في الحجر ويضعف بمصاكات الهواء المخروق متدرجا في الضعف إلى أن يغلب اللازم المجتلب فينزل الحجر ولا شك أن غلبته على المجتلب إنما تكون بعد التعادل بينهما إذ لا ينقلب المغلوب من المغلوبية إلى الغالبية دفعة من غير تخلل تعادل وعند التعادل يجب السكون وإلا لزم

الترجيح بلا مرجح إذ لو لم يسكن لكان متحركا إما بالاعتماد اللازم أو بالاعتماد المجتلب مع تعادلهما وتساويهما فيكون تحكما محضا
والجواب عنه أن الجبائي ليس قائلا بتوليد الاعتماد للحركة ولا للسكون فهذا لا يوافق مذهبه كما مر في مباحث الاعتماد مع أنه غير شامل للحركات الإرادية الصادرة عن الحيوانات وأما المنكرون لتخلل السكون بين المستقيمتين فلكل من الفريقين أيضا في إنكاره طريق فقال الحكماء إن صح وجوب السكون بينهما فإذا فرض أنه صعد الخردلة وهبط الجبل وتلاقيا في الجو بحيث يماس سطحها سطحه فلا شك أنه تنزل الخردلة راجعة وحينئذ وجب وقوف الخردلة لتوسط السكون بين حركتيهما الصاعدة والهابطة وذلك يوجب وقوف الجبل بمصادمتها لامتناع التداخل بين الأجسام اللازم ضروري البطلان إذ كل عاقل يعلم أن الجبل لا يقف في الجو بمصادمة الخردلة وقد يجاب بأن الخردلة لا تصادم الجبل ولا تماسه في الصورة المفروضة بل ترجع بريحه فإذا وصل إليها ريحه وقفت ثم رجعت قبل الوصول إلى الجبل فذلك الذي ذكرتموه من تلاقيهما فرض محال ويجوز استلزامه للمحال الذي هو وقوف الجبل وقالت المعتزلة لا سكون بين الحركتين إذ لا يوجبه الاعتماد اللازم فإنه يقتضي الحركة النازلة لا السكون ولا يوجبه الاعتماد المجتلب فإنه يقتضي الحركة الصاعدة لا السكون ولا مولد للحركة والسكون إلا الاعتماد وقد يجيب الجبائي على أصله فيقول لا نسلم أنه لا مولد غيره بل المولد هو الحركة السابقة فالحركة الصاعدة توجب حركة هابطة بشرط غلبة الاعتماد اللازم وتوجب السكون بشرط تعادل الاعتمادين وقد مر ذلك في مباحث الاعتماد

المرصد الخامس في الإضافة
وفيه مقاصد
المقصد الأول
المتن
الأبوة هي المعقولة بالقياس إلى الغير ولا حقيقة لها إلا ذلك وهي الإضافة التي تعد من المقولات وتسمى مضافا حقيقيا ويقال لذات الأب المعروضة لهذا العارض إضافة وكذا للمعروض مع العارض وهذان يسميان مضافا مشهوري