كتاب : إعلام الموقعين عن رب العالمين
المؤلف : محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله ابن القيم الجوزي

وأولئك تجاوزوا به وهؤلاء قصروا به والصواب أن كل ما دخله المال فهو فدية بأي لفظ كان والألفاظ لم ترد لذواتها ولا تعبدنا بها وإنما هي وسائل إلى المعاني فلا فرق قط بين أن تقول اخلعني بألف أو فادني بألف لا حقيقة ولا شرعا ولا لغة ولا عرفا وكلام ابن عباس والإمام أحمد عام في ذلك لم يقيده أحدهما بلفظ ولا استثنى لفظا دون لفظ بل قال ابن عباس عامة طلاق أهل اليمن الفداء وقال الإمام أحمد الخلع فرقة وليس بطلاق وقال الخلع ما كان من جهة النساء وقال ما أجازه المال فليس بطلاق وقال إذا خالعها بعد تطليقتين فإن شاء راجعها فتكون معه على واحدة
وقال في رواية أبي طالب الخلع مثل حديث سهلة إذا كرهت المرأة الرجل وقالت لا أبرأ لك قسما ولا أطيع لك أمرا ولا أغتسل لك من جنابة فقد حل له أن يأخذ منها ما أعطاها لأن النبي صلى الله عليه وسلم - قال أتردين عليه حديقته قلت وقد قال في الحديث اقبل الحديقة وطلقها تطليقة وجعل أحمد ذلك فداء
وقال ابن هانىء سئل أبو عبد الله عن الخلع أفسخ أم طلاق هو أم تذهب إلى حديث ابن عباس كان يقول فرقة وليس بطلاق فقال أبو عبد الله كان ابن عباس يتأول في هذه الآية الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به وكان ابن عباس يقول هو فداء قال ابن عباس ذكر الله الطلاق في أول الآية والفداء في وسطها وذكر الطلاق بعد فالفداء ليس هو بطلاق وإنما هو فداء فجعل ابن عباس وأحمد الفداء فداء لمعناه لا للفظه وهذا هو الصواب فإن الحقائق لا تتغير بتغير الألفاظ وهذا باب يطول تتبعه

والمقصود أن الواجب فيما علق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني أن لا يتجاوز بألفاظها ومعانيها ولا يقصر بها ويعطي اللفظ حقه والمعنى حقه وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه وأخبرهم أنهم أهل العلم ومعلوم أن الاستباط إنما هو استنباط المعاني والعلل ونسبة بعضها إلى بعض فيعتبر ما يصح منها بصحة مثله ومشبهه ونظيره ويلغي ما لا يصح هذا الذي يعقله الناس من الاستنباط
قال الجوهري الاستنباط كالاستخراج ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط إذ موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم والله سبحانه ذم من سمع ظاهرا مجردا فأذاعه وأفشاه وحمد من استنبط من أولى العلم حقيقته ومعناه
يوضحه أن الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفي على غير مستنبطه ومنه استنباط الماء من أرض البئر والعين ومن هذا قول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وقد سئل هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم - بشيء دون الناس فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه
ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب وإنما هذا فهم لوازم المعنى ونظائره ومراد المتكلم بكلامه ومعرفة حدود كلامه بحيث لا يدخل فيها غير المراد ولا يخرج منها شيء من المراد
وأنت إذا تأملت قوله تعالى إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون وجدت الآية من أظهر الأدلة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم - وأن هذا القرآن جاء من عند الله وأن الذي جاء به روح مطهر فما للأرواح الخبيثة عليه سبيل ووجدت الآية أخت قوله وما تنزلت به الشياطين

وما ينبغي لهم وما يستطيعون ووجدتها دالة بأحسن الدلالة على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر ووجدتها دالة أيضا بألطف الدلالة على أنه لا يجد حلاوته وطعمه إلا من آمن به وعمل به كما فهمه البخاري من الآية فقال في صحيحه في ذباب قل فأتوا بالتوراة فاتلوها لا يمسه لا يجد طعمه ولا نفعه إلا من آمن بالقرآن ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله تعالى مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا وتجد تحته أيضا أنه لا ينال معانيه ويفهمه كما ينبغي إلا القلوب الطاهرة وان القلوب النجسة ممنوعة من فهمه مصروفة عنه فتأمل هذا النسب القريب وعقد هذه الأخوة بين هذه المعاني وبين المعنى الظاهر من الآية واستنباط هذه المعاني كلها من الآية بأحسن وجه وأبينه فهذا من الفهم الذي أشار إليه علي رضي الله عنه
وتأمل قوله تعالى لنبيه وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم كيف يفهم منه أنه إذا كان وجود بدنه وذاته فيهم دفع عنهم العذاب وهم أعداؤه فكيف وجود سره والإيمان به ومحبته ووجود ما جاء به إذا كان في قوم أو كان في شخص أفليس دفعه العذاب عنهم بطريق الأولى والأحرى
وتأمل قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم كيف تجد تحته بألطف دلالة وأدقها وأحسنها أنه من اجتنب الشرك جميعه كفرت عنه كبائره وأن نسبة الكبائر إلى الشرك كنسبة الصغائر إلى الكبائر فإذا وقعت الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر تقع مكفرة باجتناب الشرك وتجد الحديث الصحيح كأنه مشتق من هذا المعنى وهو قوله صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى ابن آدم إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة وقوله إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه بل محو التوحيد الذي هو توحيد الكبائر أعظم من محو اجتناب الكبائر للصغائر

وتأمل قوله تعالى وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستوا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون كيف نبههم بالسفر الحسي على السفر إليه وجمع لهم بين السفرين كما جمع لهم الزادين في قوله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى فجمع لهم بين زاد سفرهم وزاد معادهم وكما جمع بين اللباسين في قوله يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ليواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون فذكر سبحانه زينة ظواهرهم وبواطنهم ونبههم بالحسي على المعنوي وفهم هذا القدر زائد على فهم مجرد اللفظ ووضعه في أصل اللسان والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله

فصل أدلة نفاة القياس
قد أتينا على ذكر فصول نافعة وأصول جامعة في تقرير القياس والاحتجاج به لعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب ولا بقريب منها فلنذكر مع ذلك ما قابلها من النصوص والأدلة الدالة على ذم القياس وأنه ليس من الدين وحصول الاستغناء عنه والاكتفاء بالوحيين وها نحن نسوقها مفصلة مبينة بحمد الله
قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وأجمع المسلمون على أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم - هو الرد إليه في حضوره وحياته وإلى سنته في غيبته وبعد مماته والقياس ليس بهذا ولا هذا
ولا يقال الرد إلى القياس هو من الرد إلى الله ورسوله لدلالة كتاب الله

وسنة رسوله عليه السلام كما تقدم تقريره لأن الله سبحانه إنما ردنا إلى كتابه وسنة رسوله ولم يردنا إلى قياس عقولنا وآرائنا قط بل قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم - وأن احكم بينهم بما أنزل الله وقال إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولم يقل بما رأيت أنت وقال ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون وقال تعالى اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وقال تعالى وأنزلنا إليك الكتاب تبيانا لكل شيء وقال أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون وقال قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي فلو كان القياس هدى لم ينحصر الهدى في الوحي وقال فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمه وحده وهو تحكيمه في حال حياته وتحكيم سنته فقط بعد وفاته وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله أي لا تقولوا حتى يقول
قال نفاة القياس والإخبار عنه بأنه حرم ما سكت عنه أو أوجبه قياسا على ما تكلم بتحريمه أو إيجابه تقدم بين يديه فإنه إذا قال حرمت عليكم الربا في البر فقلنا ونحن نقيس على قولك البلوط فهذا محض التقدم
قالوا وقد حرم سبحانه أن نقول عليه ما لا نعلم فإذا فعلنا ذلك فقد واقعنا هذا المحرم يقينا فإنا غير عالمين بأنه أراد من تحريم الربا في الذهب والفضة تحريمه في القديد من اللحوم وهذا قفو منا ما ليس لنا به علم وتعد لما حد لنا ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه والواجب أن نقف عند حدوده ولا نتجاوزها ولا نقصر بها
ولا يقال فإبطال القياس وتحريمه والنهي عنه تقدم بين يدي الله ورسوله

وتحريم لما لم ينص على تحريمه وقفو ممنكم ما ليس لكم به علم لأنا نقول الله سبحانه وتعالى أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا وأنزل علينا كتابه وأرسل إلينا رسوله يعلمنا الكتاب والحكمة فما علمناه وبينه لنا فهو من الدين وما لم يعلمناه ولا بين لنا أنه من الدين فليس من الدين ضرورة وكل ما ليس من الدين فهو باطل فليس بعد الحق إلا الضلال وقد قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم فالذي أكمله الله سبحانه وبينه هو ديننا لا دين لنا سواه فأين فيما أكمله لنا قيسوا ما سكت عنه على ما تكلمت بإيجابه أو تحريمه أو إباحته سواء كان الجامع بينهما علة أو دليل علة أو وصفها شبهيا فاستعملوا ذلك كله وانسبوه إلي وإلى رسولي وإلى ديني واحكموا به علي
قالوا وقد أخبر سبحانه أن الظن لا يغني من الحق شيئا وأخبر رسوله أن الظن أكذب الحديث ونهى عنه ومن أعظم الظن ظن القياسيين فإنهم ليسوا على يقين أن الله سبحانه وتعالى حرم بيع السمسم بالشيرج والحلوى بالعنب والنشا بالبر وإنما هي ظنون مجردة لا تغني من الحق شيئا
قالوا وإن لم يكن قياس على السلام عليكم من الظن الذي نهينا عن اتباعه وتحكيمه وأخبرنا أنه لا يغني من الحق شيئا فليس في الدنيا ظن باطل فأين الضراط من السلام عليكم وإن لم يكن قياس الماء الذي لاقى الأعضاء الطاهرة الطيبة عند الله في إزالة الحدث على الماء الذي لاقى أخبث العذرات والميتات والنجاسات ظنا فلا ندري ما الظن الذي حرم الله سبحانه القول به وذمه في كتابه وسلخه من الحق وإن لم يكن قياس أعداء الله ورسوله من عباد الصلبان واليهود الذي هم أشد الناس عدواة للمؤمنين على أوليائه وخيار خلقه وسادات الأمة وعلمائها وصلحائها في تكافؤ دمائهم وجريان القصاص بينهم فليس في الدنيا ظن يذم اتباعه
قالوا ومن العجب أنكم قستم أعداء الله على أوليائه في جريان القصاص

بينهم فقلتم ألف ولي لله قتلوا نصارنيا واحدا يجاهرهم بسب الله ورسوله وكتابه علانية ولم تقيسوا من ضرب رأس رجل بدبوس فنثر دماغه بين يديه على من طعنه بمسلة فقتله
قالوا وسنبين لكم من تناقض أقيستكم واختلافها وشدة اضطرابها ما يبين أنها من عند غير الله
قالوا والله تعالى لم يكل بيان شريعته إلى آرائنا وأقيستنا واستنباطنا وإنما وكلها إلى رسوله المبين عنه فما بينه عنه وجب اتباعه وما لم يبينه فليس من الدين ونحن نناشدكم الله هل اعتمادكم في هذه الأقيسة الشبيهة والأوصاف الحدسية التخمينية على بيان الرسول أم على آراء الرجال وظنونهم وحدسهم قال الله تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم فأين بين النبي صلى الله عليه وسلم - أني إذا حرمت شيئا أو أوجبته أو أبحته فاستخرجوا وصفا ما شبهبا جامعا بين ذلك وبين جميع ما سكت عنه فألحقوه به وقيسوا عليه
قالوا والله تعالى قد نهى عن ضرب الأمثال له فكما لا تضرب له الأمثال لا تضرب لدينه وتمثيل ما لم ينص على حكمه بما نص عليه لشبه ما ضرب الأمثال لدينه وهذا بخلاف ما ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم - من الأمثال في كثير من الأحكام التي سئل عنها كما أمرهم بقضاء الصلاة التي ناموا عنها فقالوا ألا نصليها لوقتها من الغد فقال أينهاكم عن الربا ويقبله منكم وكما قال لعمر وقد سأله عن القبلة للصائم أرأيت لو تمضمت بماء ثم مججته وكما قال لمن سألته عن الحج عن أبيها أرأيت لو كان على أبيك دين وكما قال لمن سأله هل يثاب على وطء زوجته أرأيتم لو وضعها في الحرام

أمثال ضربها صاحب الشرع
ومن أحسن هذه الأمثال وأبلغها وأعظمها تقريبا إلى الأفهام ما رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم - قال

إن الله سبحانه أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ليعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها وإنه كاد أن يبطىء بها فقال عيسى إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم فقال يحيى أخشى إن سبقتني أن يخسف بي أو أعذب فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ المسجد وقعدوا على الشرف فقال إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن أولاهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال هذه داري وهذا عملي فاعمل وأد إلي فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك وكلهم يعجبه ريحها وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال أنا أفتدي منكم بكل بقليل وكثير ففدى نفسه منهم وأمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدوا في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله قال النبي صلى الله عليه وسلم - وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه إلا أن يراجع ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من حثاء جهنم قالوا يا رسول الله وإن صلى وإن صام فقال وإن صلى وإن صام فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله حديث صحيح

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا لا قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا
ومثل صلى الله عليه وسلم - المؤمن القارىء للقرآن بالأترجة في طيب الطعم والريح وضده بالحنظلة والمؤمن الذي لا يقرأ بالتمرة في طيب الطعم وعدم الريح والفاجر لا القارىء بالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المؤمن بالخامة من الزرع لا تزال الرياح تميلها ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل ا لمنافق بشجرة الأرز وهي الصنوبرة لا تهتز ولا تميل حتى تقطع مرة واحدة ومثل المؤمن بالنخلة في كثرة خيرها ومنافعها وحاجة الناس إليها وانتيابهم لها لمنافعهم بها وشبه أمته بالمطر في نفع أوله وآخره وحياة الوجود به ومثل أمته والأمتين الكتابيتين قبلها فيما خص الله به أمته وأكرمها به بأجراء عملوا بأجر مسمى لرجل يوما على أن يوفيهم أجورهم فلم يكملوا بقية يومهم وتركوا العمل من أثناء النهار فعملت أمته بقية النهار فاستكملوا أجر الفريقين وضرب الله ولأمته جبريل وميكائيل مثل ملك اتخد دارا ثم ابتنى فيها بيتا ثم جعل مائدة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله هو الملك والرسول محمد الداعي والدار الإسلام والبيت الجنة فمن أجابه دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل دار الملك وأكل منها ومن لم يجبه لم يدخل داره ولم يأكل منها وفي المسند والترمذي من حديث النواس بن سمعان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - إن الله ضرب مثلا صراطا مستقيما على كنفي الصراط سوران لهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعرجوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم

الله فلا يقع أحد في حد من حدود الله حتى يكشف الستر والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم فليتأمل العارف قدر هذا المثل وليتدبره حق تدبره ويزن به نفسه وينظر أين هو منه وبالله التوفيق وقال مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون لولا موضع تلك اللبنة فكنت أنا موضع تلك اللبنة رواه مسلم وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عنه صلى الله عليه وسلم - إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعل الدواب والفراش يقعن فيها فأنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تقتحمون فيها ومثل من وقع في الشبهات بالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه وقال الحافظ أبو محمد بن خلاد الرامهرمزي حدثنا أبو سعيد الحراني ثنا يحيى بن عبد الله البابلتي ثنا صفوان بن عمرو قال حدثني سليم ابن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - نصرت بالرعب مسيرة شهر وأوتيت جوامع الكلم وأوتيت الحكمة وضرب لي من الأمثال مثل القرآن وإني بينا أنا نائم إذا أتاني ملكان فقام أحدهما عند رأسي وقام الآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي اضرب مثلا وأنا أفسره فقال الذي عند رأسي وأهوى إلي لتنم عينك ولتسمع أذنك وليع قلبك قال فكنت كذلك أما الأذن فتسمع وأما القلب فيعي وأما العين فتنام قال فضرب مثلا فقال بركة فيها شجرة ثابتة وفي الشجرة غصن خارج فجاء ضارب فضرب الشجرة فوقع الغصن ووقع معه ورق كثير كل ذلك في البركة لم يعدها ثم ضرب الثانية فوقع ورق كثير كل ذلك في البركة لم يعدها ثم ضرب الثالثة فوقع ورق كثير لا أدري ما وقع فيها أكثر أو ما خرج منها قال ففسر الذي عند رجلي فقال أما البركة فهي الجنة وأما الشجرة فهي الأمة وأما الغصن فهو النبي صلى الله عليه وسلم - وأما الضارب فملك الموت ضرب الضربة الأولى

في القرن الأول فوقع النبي صلى الله عليه وسلم - وأهل طبقتة وضرب الثانية في القرن فوقع كل ذلك في الجنة ثم ضرب الثالثة في القرن الثالث فلا أدري ما وقع فيها أكثر أم ما خرج منها وفي المسند من حديث جابر كان النبي صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرت عيناه وعلى صوته واشتد غضبه حتى كأنه نذير جيش يقول صبحكم ومساكم ثم يقول بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى وفي حديث المستورد بعثت في نفس الساعة سبقتها كما سبقت هذه هذه وأشار بإصبعيه وفي المسند عنه إن مثلي ومثل ما بعثني الله كمثل رجل أتى قومه فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وأنا النذير العريان فالنجاء فأطاعه طائفة منهم فأدلجوا على مهلهم فنجوا وكذبته طائفة فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم وكذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق وفي الصحيحين عنه مثلي ومثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وزرعوا وسقوا وأصاب طائفة أخرى منها هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم - أنه خطب الناس فقال والله ما الفقر أخشى عليكم وإنما أخشى عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا فقال رجل يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم قال كيف قلت فقال يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - إن الخير لا يأتي إلا بالخير وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس

فثلطت وبالت ثم اجترت وعادت فأكلت فمن أخذ مالا بحقه يبارك له فيه ومن أخذ ملا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع
وقالت ميمونة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - لعمر بن العاص الدنيا خضرة حلوة فمن اتقى الله فيها وأصلح وإلا فهو كالذي يأكل ولا يشبع وبين الناس في ذلك كبعد الكوكبين أحدهما يطلع في المشرق والآخر يغيب في المغرب ومثل نفسه صلى الله عليه وسلم - في الدنيا براكب مر بأرض فلاة فرأى شجرة فاستظل تحتها ثم راح وتركها وفي المسند والترمذي عنه ما الدنيا في الآخرة إلا كما يصنع أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ومر مع الصحابة بسخلة منبوذة فقال أترون هذه هانت على أهلها فوالذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها وقال إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء لا يدرون ما قطعوا منها أكثر أو ما بقي منها فحسرت ظهورهم ونفذ زادهم وسقطوا بين ظهري المفازة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه فقالوا إن هذا لحديث عهد بريف فانتهى إليهم فقال يا هؤلاء ما شأنكم فقالوا ما ترى كيف حسرت ظهورنا ونفدت أزوادنا بين ظهري هذه المفازة لا ندري ما قطعنا منها أكثر أم ما بقي فقال ما تجعلون لي إن أوردتكم ماء رواء ورياضا خضرا قالوا حكمك قال تعطوني عهودكم ومواثيقكم ألا تعصوني ففعلوا فمال بهم فأوردهم ماء رواء ورياضا خضرا فمكث يسيرا ثم قال هلموا إلى رياض أعشب من رياضكم هذه وماء أروى من مائكم هذا فقال جل القوم ما قدرنا على هذا حتى كدنا أن لا نقدر عليه وقالت طائفة منهم ألستم قد جعلتم لهذا الرجل عهودكم ومواثيقكم أن لا تعصوه فقد صدقكم في أول حديثه فآخر حديثه مثل أوله فراح وراحوا

معهم فأوردهم رياضا خضرا وماء رواء وأتى الآخرين العدو من ليلتهم فأصبحوا ما بين قتيل وأسير وقال مثل المؤمن كمثل النحلة أكلت طيبا ووضعت طيبا وإن مثل المؤمن كمثل القطعة الجيدة من الذهب أدخلت في النار فنفخ عليها فخرجت جيدة وروى ليث عن مجاهد عن ابن عمر يرفعه مثل المؤمن مثل النخلة أو النحلة إن شاورته نفعك وإن ماشيته نفعك وإن شاركته نفعك
وقال مثل المؤمن والإيمان كمثل الفرس في آخيته يجول ما يجول ثم يرجع إلى أخيته وكذلك المؤمن يفترق ما يفترق ثم يرجع إلى الإيمان وقال مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى شيء منه تداعى سائره بالسهر والحمى وقال مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تكر إلى هذه مرة وإلى هذه مرة وقال مثل القرآن كمثل الإبل المعلقة إن تعهد صاحبها عقلها أمسكها وإن أغفلها ذهبت وإذا قام صاحب القرآن به ذكره وإذا لم يقم به نسيه وقال موسى بن عبيدة عن ماعز بن سويد العرجي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم - قال مثل المؤمن الذي لا يتم صلاته مثل المرأة التي حملت حتى إذا دنا نفاسها أسقطت فلا حامل ولا ذات رضاع ومثل المصلي كمثل التاجر لا يخلص له الربح حتى يخلص له رأس المال وكذلك المصلي لا يقبل الله له نافلة حتى يؤدي الفريضة وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أوس بن خالد عن أبي هريرة يرفعه مثل الذي يسمع الحكمة ولا يحمل إلا شرها كمثل رجل أتى راعيا فقال

آجرني شاة من غنمك فقال انطلق فخذ بأذن شاة منها فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم وقال عبد الله بن المبارك ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني أبو هريرة قال سمعت معاوية يقول على هذا المنبر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة وإنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله وإذا خبث أعلاه خبث أسفله
وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم - أن رجلا كان فيمن كان قبلكم استضاف قوما فأضافوه ولهم كلبة تنبح قال فقالت الكلبة والله لا أنبح ضيف أهلي الليلة قال فعوى جراؤها في بطنها فبلغ ذلك نبيا لهم أو قيلا لهم فقال مثل هذه مثل أمة تكون بعدكم يقهر سفهاؤها حكماءها ويغلب سفهاءها علماءها وفي صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم - قال مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن هم تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا وفي المعجم الكبير عنه من حديث سهل بن سعد قال إياكم ومحقرات الذنوب فإن مثل ذلك كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء هذا بعود وهذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه وفي المسند من حديث أبي بن كعب يرفعه إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلا للدنيا فانظر ما يخرج من ابن آدم وإن فرخه وملحه قد علم إلى ما يصير وقال أبو محمد ابن خلاد ثنا عبد الله بن أحمد بن معدان ثنا يوسف بن مسلم المصيصي ثنا حجاج الأعور عن أبي بكر الهذلي عن الحسن عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال إني ضربت للدنيا مثلا ولابن آدم عند الموت

مثله مثل رجل له ثلاثة أخلاء فلما حضره الموت قال لأحدهم إنك كنت لي خليلا وكنت أبر الثلاثة عندي وقد نزل بي من أمر الله ما ترى فماذا عندك قال يقول وماذا عندي وهذا أمر الله قد غلبني ولا أستطيع أن أنفس كربتك ولا أفرج غمك ولا أؤخر ساعتك ولكن ها أنذا بين يديك فخذني زادا تذهب به معك فإنه ينفعك قال ثم دعا الثاني فقال إنك كنت لي خليلا وكنت أبر الثلاثة عندي وقد نزل بي من أمر الله ما ترى فماذا عندك قال يقول وماذا عندي وهذا أمر الله غلبني ولا أستطيع أن أنفس كربتك ولا أفرج غمك ولا أؤخر ساعتك ولكن سأقوم عليك في مرضك فإذا مت أنقيت غسلك وجددت كسوتك وسترت جسدك وعورتك قال ثم دعا الثالث فقال قد نزل بي من أمر الله ما ترى وكنت أهون الثلاثة علي وكنت لك مضيعا وفيك زاهدا فما عندك قال عندي أني قرينك وحليفك في الدنيا والآخرة أدخل معك قبرك حين تدخله وأخرج منه حين تخرج منه ولا أفارقك أبدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم - هذا ماله وأهله وعمله أما الأول الذي قال خذني زادا فماله والثاني أهله والثالث عمله وقد رواه أيضا بسياق آخر من حديث أبي أيضا ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال يوما لأصحابه أتدرون ما مثل أحدكم ومثل ماله وأهله وعمله قالوا الله ورسوله أعلم فقال إنما مثل أحدكم ومثل أهله وماله وعمله كمثل رجل له ثلاثة إخوة فلما حضرته الوفاة دعا بعض إخوته فقال إنه قد نزل بي من الأمر ما ترى فما لي عندك وما لديك فقال لك عندي أن أمرضك ولا أزايلك وأن أقوم بشأنك فإذا مت غسلتك وكفنتك وحملتك مع الحاملين أحملك طورا وأميط عنك طورا فإذا رجعت أثنيت عليك بخير عند من يسألني عنك هذا أخوه الذي هو أهله فما ترونه قالوا لا نسمع طائلا يا رسول الله ثم يقول للأخ الآخر أتري ما قد نزل بي فما لي لديك وما لي عندك فيقول ليس عندي غناءإلا وأنت في الأحياء

فإذا مت ذهب بك مذهب وذهب بي مذهب هذا أخوه الذي هو ماله كيف ترونه قالوا لا نسمع طائلا يا رسول الله ثم يقول لأخيه الآخر أترى ما قد نزل بي وما رد علي أهلي ومالي فما لي عندك وما لي لديك فيقول أنا صاحبك في لحدك وأنيسك في وحشتك وأقعد يوم الوزن في ميزانك فأثقل ميزانك هذا أخوه الذي هو عمله كيف ترونه قالوا خير أخ وخير صاحب يا رسول الله قال فإن الأمر هكذا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - مثل الجليس الصالح مثل صاحب المسك إما أن يحذيك وإما أن يبيعك وإما أن تجد منه ريحا طيبة ومثل جليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم يصبك من شروره أصابك من ريحه وفي الصحيح عنه أنه قال مثل المنفق والبخيل مثل رجلين عليهما جبتان أو جنتان من حديد من لدن ثديهما إلى تراقيهما فإذا أراد المنفق أن ينفق سبغت عليه حتى يجر بنانه ويعفو أثره وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت ولزمت كل حلقة موضعها فهو يوسعها ولا تتسع وقال مثل الذين يغزون من أمتي ويتعجلون أجورهم كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها

فصل ضرب الأمثال يوضح المعنى
قالوا فهذه وأمثالها من الأمثال التي ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم - لتقريب المواد وتفهيم المعنى وإيصاله إلى ذهن السامع وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به فإنه قد يكون أقرب إلى تعقله وفهمه وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره وكلما ظهرت له الأمثال ازداد المعنى ظهورا ووضوحا فالأمثال

شواهد المعنى المراد ومزكية له فهي كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه وهي خاصة العقل ولبه وثمرته

الفرق بين المثل والقياس
ولكن أين في الأمثال التي ضربها الله ورسوله على هذا الوجه فهمنا أن الصداق لا يكون أقل من ثلاثة دراهم أو عشرة قياسا وتمثيلا على أقل ما يقطع فيه السارق هذا بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالأمثال المضروبة للفهم كما قال إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في جامعه الصحيح باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السامع فنحن لا ننكر هذه الأمثال التى ضربها الله ورسوله ولا نجهل ما أريد بها وإنما ننكر أن يستفاد وجوب الدم على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربع من قوله تعالى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وأن الآية تدل على ذلك وأن قوله صلى الله عليه وسلم - في صدقة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من أقط أو صاع من بر أو صاع من زبيب يفهم منه أنه لو أعطى صاعا من إهليج جاز وأنه يدل على ذلك بطريق التمثيل والاعتبار وأن قوله صلى الله عليه وسلم - الولد للفراش يستفاد منه ومن دلالته أنه لو قال له الولي بحضرة الحاكم زوجتك ابنتي وهو بأقصى الشرق وهي بأقصى الغرب فقال قبلت هذا التزويج وهي طالق ثلاثا ثم جاءت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر أنه ابنه وقد صارت فراشا بمجرد قوله قبلت هذا التزويج ومع هذا لو كانت له سرية يطأها ليلا ونهارا لم تكن فراشا له ولو أتت بولد لم يلحقه نسبه إلا أن يدعيه ويستلحقه فإن لم يستلحقه فليس بولده وأين يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم - إن في قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل أنه لو ضربه بحجر المنجنيق أو بكور الحداد

أو بمزراب الحديد العظام حتى خلط دماغه بلحمه وعظمه إن هذا خطأ شبه عمد لا يوجب قودا وأين يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم - ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن يكن له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير له من أن يخطىء في العقوبة أن من عقد على أمه أو ابنته أو أخته ووطئها فلا حد عليه وأن هذا مفهوم من قوله ادرءوا الحدود بالشبهات فهذا في معنى الشبه التي تدرأ بها الحدود وهي الشبة في المحل أو في الفاعل أو في الاعتقاد ولو عرض هذا على فهم من فرض من العالمين لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه وأن من يطأ خالته أو عمته بملك اليمين فلا حد عليه مع علمه بأنها خالته أو عمته وتحريم الله لذلك ويفهم هذا من ادرءوا الحدود بالشبهات وأضعاف أضعاف هذا مما لا يكاد ينحصر
فهذا التمثيل والتشبيه هو الذي ننكره وننكر أن يكون في كلام الله ورسوله دلالة على فهمه بوجه ما
قالوا ومن أين يفهم من قوله تعالى وإن لكم في الأنعام لعبرة ومن قوله فاعتبروا تحريم بيع الكشك باللبن وبيع الخل بالعنب ونحو ذلك
قالوا وقد قال تعالى وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ولم يقل إلى قياساتكم وآرائكم ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمة بين الأمة أبدا
وقالوا وقد قال تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم فإنما منعهم من الخيرة عند حكمه وحكم رسوله لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم وقد أمر سبحانه رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصة وقال أن اتبع إلا ما يوحى إلي وقال وأن احكم بينهم بما انزل الله وقال تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن

به الله قالوا فدل هذا النص على أن ما لم يأذن به الله من الدين فهو شرع غيره الباطل
قالوا وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم - عن ربه تبارك وتعالى أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو عفا عنه لعباده يباح إباحة العفو فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسا على ما أوجبه أو حرمه بجامع بينهما فإن ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاءه إذ المسكوت عنه لا بد أن يكون بينه وبين المحرم شبه ووصف جامع أو بينه وبين الواجب فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفي عنه ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياسا على ما حرمه وهذا لا سبيل إلى دفعه وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلا لحكمه وقد ذم تعالى من بدل غير القول الذي أمر به فمن بدل غير الحكم الذي شرع له فهو أولى بالذم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - إن من أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته فإذا كان هذا فيمن تسبب إلى تحريم الشارع صريحا بمسألته عن حكم ما سكت عنه فكيف بمن حرم المسكوت عنه بقياسه وبرأيه
يوضحه أن المسكوت عنه لما كان عفوا عفا الله لعباده عنه وكان البحث عنه سببا لتحريم الله إياه لما فيه من مقتضى التحريم لا لمجرد السؤال عن حكمه وكان الله قد عفا عن ذلك وسامح به عباده كما يعفو عما فيه مفسدة من أعمالهم وأقوالهم فمن المعلوم أن سكوته عن ذكر لفظ عام يحرمه يدل على أنه عفو عنه فمن حرمه بسؤاله عن علة التحريم وقياسه على المحرم بالنص كان أدخل في الذم ممن سأله عن حكمه لحاجته إليه فحرم من أجل مسألته بل كان الواجب عليه أن لا يبحث عنه ولا يسأل عن حكمه اكتفاء

بسكوت الله عن عفوه عنه فهكذا الواجب عليه أن لا يحرم المسكوت عنه بغير النص الذي حرم الله أصله الذي يلحق به
قالوا وقد دل على هذا كتاب الله حيث يقول يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم فأمرهم أن يتركوه من السؤال ما تركهم ولا فرق في هذا بين حياته وبعد مماته فنحن مأمورون أن نتركه صلى الله عليه وسلم - وما نص عليه فلا نقول له لم حرمت كذا لنلحق به ما سكت عنه بل هذا أبلغ في المعصية من أن نسأله عن حكم شيء لم يحكم فيه فتأمله فإنه واضح
ويدل عليه قوله في نفس الحديث وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فجعل الأمور ثلاثة لا رباع لها مأمور به فالفرض عليهم فعله بحسب الاستطاعة ومنهي عنه فالفرض عليهم اجتنابه بالكلية ومسكوت عنه فلا يتعرض للسؤال والتفتيش عنه وهذا حكم لا يختص بحياته فقط ولا يخص الصحابة دون من بعدهم بل فرض علينا نحن امتثال أمره بحسب الاستطاعة واجتناب نهيه وترك البحث والتفتيش عما سكت عنه وليس ذلك الترك جهلا وتجهيلا لحكمه بل إثبات لحكم العفو وهو الإباحة العامة ورفع الحرج عن فاعله فقد استوعب الحديث أقسام الدين كلها فإنها إما واجب وإما حرام وإما مباح والمكروه والمستحب فرعان على هذه الثلاثة غير خارجين عن المباح وقد قال تعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه فوكل بيانه إليه سبحانه لا إلى القياسيين والآرائيين وقال تعالى

قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون فقسم الحكم إلى قسمين قسم أذن فيه وهو الحق وقسم افتري عليه وهو ما لم يأذن فيه فأين أذن لنا أن نقيس البلوط على التمر في جريان الربا فيه وأن نقيس القصدير على الذهب والفضة والخردل على البر فإن كان الله ورسوله وصانا بهذا فسمعا وطاعة لله ورسوله وإلا فإنا قائلون لمنازعينا أم كنتم شهداء إذا وصاكم الله بهذا فما لم تأتنا به وصية من عند الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم - فهو عين الباطل وقد أمرنا الله برد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم - فلم يبح لنا قط أن نرد ذلك إلى رأي ولا قياس ولا تقليد إمام ولا منام ولا كشوف ولا إلهام ولا حديث قلب ولا استحسان ولا معقول ولا شريعة الديوان ولا سياسة الملوك ولا عوائد الناس التي ليس على شرائع المسلمين أضر منها فكل هذه طواغيت من تحاكم إليها أو دعا منازعة إلى التحاكم إليها فقد حاكم إلى الطاغوت
وقال تعالى فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون قالوا ومن تأمل هذه الآية حق التأمل تبين له أنها نص على إبطال القياس وتحريمه لأن القياس كله ضرب الأمثال للدين وتمثيل ما لا نص فيه بما فيه نص ومن مثل ما له ينص الله على تحريمه أو إيجابه بما حرمه أو أوجبه فقد ضرب لله الأمثال ولو علم سبحانه أن الذي سكت عنه مثل الذي نص عليه لأعلمنا به ولما أغفله سبحانه وما كان ربك نسيا ولبين لنا ما نتقي كما أخبر نفسه بذلك إذ يقول سبحانه وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حق يبين لهم ما يتقون ولما وكله إلى آرائنا ومقاييسنا التي ينقض بعضها بعضا فهذا يقيس ما يذهب إليه على ما يزعم أنه نظيره فيجيء منازعه فيقيس ضد قياسه من كل وجه ويبدي من الوصف الجامع مثل ما أبداه منازعوه أو أظهر منه ومحال أن يكون القياسان معا عند الله وليس أحدهما أولى من الآخر فليسا من عنده وهذا وحده كاف في إبطال القياس

وقد قال تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم وقال لتبين للناس ما نزل إليهم فكل ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم - فعن ربه سبحانه بينه بأمره وأذنه وقد علمنا يقينا وقوع كل اسم في اللغة على مسماه فيها وأن اسم البر لا يتناول الخردل واسم التمر لا يتناول البلوط واسم الذهب والفضة لا يتناول القزدير وأن تقدير نصاب السرقة لا يدخل فيه تقدير المهر وأن تحريم أكل الميتة لا يدل على أن المؤمن الطيب عند الله حيا وميتا إذا مات صار نجسا خبيثا وأن هذا عن البيان الذي ولاه الله ورسوله وبعثه به أبعد شيء وأشده منافاة له فليس هو مما بعث به الرسول قطعا فليس إذا من الدين
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم ولو كان الرأي والقياس خيرا لهم لدلهم عليه وأرشدهم إليه ولقال لهم إذا أوجبت عليكم شيئا وحرمته فقيسوا عليه ما كان بينه وبينه وصف جامع أو ما أشبهه أو قال ما يدل على ذلك أو يستلزمه ولما حذرهم من ذلك أشد الحذر كما ستقف عليه إن شاء الله وقد أحكم اللسان كل اسم على مسماه لا على غيره وإنما بعث الله سبحانه محمد صلى الله عليه وسلم - بالعربية التي يفهمها العرب من لسانها فإذا نص سبحانه في كتابه أو نص رسوله على اسم من الأسماء وعلق عليه حكما من الأحكام وجب ألا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم ولا يتعدى به الوضع الذي وضعه الله ورسوله فيه ولا يخرج عن ذلك الحكم شيء مما يقتضيه الاسم فالزيادة على ذلك زيادة في الدين والنقص منه نقص في الدين فالأول القياس والثاني التخصيص الباطل وكلاهما ليس من الدين ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه ويقول هذا قياس ومرة ينقص منه بعض

ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه ويقول هذا تخصيص ومرة يترك النص جملة ويقول ليس العمل عليه أو يقول هذا خلاف القياس أو خلاف الأصول
قالوا ولو كان القياس من الدين لكان أهله أتبع الناس للأحاديث وكان كلما توغل فيه الرجل كان أشد اتباعا للأحاديث والآثار
قالوا ونحن نرى أن كلما اشتد توغل الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن ولا نرى خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس فلله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به وكم من أثر درس حكمه بسببه فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين خاوية على عروشها معطلة أحكامها معزولة عن سلطانها وولايتها لها الاسم ولغيرها الحكم لها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي وإلا فلماذا ترك حديث العرايا وحديث قسم الابتداء وأن للزوجة حق العقد سبع ليال إن كانت بكرا وثلاثا إن كانت ثيبا ثم يقسم بالسوية وحديث تغريب الزاني غير المحصن وحديث الاشتراط في الحج وجواز التحلل بالشرط وحديث المسح على الجوربين وحديث عمران بن حصين وأبي هريرة في أن كلام الناسي والجاهل لا يبطل الصلاة وحديث دفع اللقطة إلى من جاء فوصف وعاءها ووكاءها وعفاصها وحديث المصراة وحديث القرعة بين العبيد إذا أعتقوا في المرض ولم يحملهم الثلث وحديث خيار المجلس وحديث إتمام الصوم لمن أكل ناسيا وحديث إتمام صلاة الصبح لمن طلعت عليه الشمس وقد صلى منها ركعة وحديث الصوم عن الميت وحديث الحج عن المريض المأيوس من برئه وحديث الحكم بالقافة وحديث من وجد متاعه عند رجل قد أفلس وحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر وحديث بيع المدبر وحديث القضاء بالشاهد مع اليمين وحديث الولد للفراش إذا كان من أمة وهو سبب

الحديث وحديث تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا وحديث قطع السارق ربع دينار وحديث رجم الكتابيين في الزنا وحديث من تزوج من امرأة أبيه أمر بضرب عنقه وأخذ ماله وحديث لا يقتل مؤمن بكافر وحديث لعن الله المحلل والمحلل له وحديث لا نكاح إلا بولي وحديث المطلقة ثلاثا لا سكنى لها ولا نفقة وحديث أعتق صفية وجعل عتقها صداقها وحديث أصدقها ولو خاتما من حديد وحديث إباحة لحوم الخيل وحديث كل مسكر حرام وحديث ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وحديث المزارعة والمساقاة وحديث ذكاة الجنين ذكاة أمه وحديث الرهن مركوب ومحلوب وحديث النهي عن تخليل الخمر وحديث قسمة الغنيمة للراجل سهم وللفارس ثلاثة وحديث لا تحرم المصة والمصتان وأحاديث حرمة المدينة وحديث إشعار الهدى وحديث إذا لم يجد المحرم الإزار فليلبس السراويل وحديث منع الرجل من تفضيل بعض ولده على بعض وأنه جور لا تجوز الشهادة عليه وحديث أنت ومالك لأبيك وحديث القسامة وحديث الوضوء من لحوم الإبل وأحاديث المسح على العمامة وحديث الأمر بإعادة الصلاة لمن صلى خلف الصف وحده وحديث من دخل والإمام يخطب يصلي تحية المسجد وحديث الصلاة على الغائب وحديث الجهر بآمين في الصلاة وحديث جواز رجوع الأب فيما وهبه لولده ولا يرجع غيره وحديث الكلب الأسود يقطع الصلاة وحديث الخروج إلى العيد من الغد إذا علم بالعيد بعد الزوال وحديث نضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام وحديث الصلاة على القبر وحديث من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته وحديث بيع جابر بعيره واشتراط ظهره وحديث النهي عن جلود السباع وحديث لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره وحديث أن أحق الشروط أن توفوا بما استحللتم به الفروج وحديث من باع عبدا وله مال

فماله للبائع وحديث إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء وحديث الوتر على الراحلة وحديث كل ذي ناب من السباع حرام وحديث من السنة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وحديث لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه من ركوعه وسجوده وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه وأحاديث الاستفتاح وحديث كان للنبي صلى الله عليه وسلم - سكتتان في الصلاة وحديث تحريمها التكبير وتحليلها التسليم وحديث حمل الصبية في الصلاة وأحاديث القرعة وأحاديث العقيقة وحديث لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذنك وحديث أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل وحديث إن بلالا يؤذن بليل وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة وحديث النهي عن الذبح بالسن والظفر وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء وحديث النهي عن عسب الفحل وحديث المحرم إذا مات لم يخمر رأسه ولم يقرب طيبا إلى أضعاف ذلك من الأحاديث التي كان تركها من أجل القول بالقياس والرأي فلو كان القياس حقا لكان أهله أتبع الأمة للأحاديث ولا حفظ لهم ترك حديث واحد إلا لنص ناسخ له فحيث رأينا كل من كان أشد توغلا في القياس والرأي كان أشد مخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة علمنا أن القياس ليس من الدين وإن شيئا تترك له السنن لأبين شيء منافاة للدين فلو كان القياس من عند الله لطابق السنة أعظم مطابقة ولم يخالف أصحابه حديثا واحدا منها ولكانوا أسعد بها من أهل الحديث فليروا أهل الحديث والأثر حديثا واحدا صحيحا قد خالفوه كما أريناهم آنفا ما خالفوه من السنة بجريرة القياس
قالوا وقد أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب وعلينا بعدهم أن لا نقول على الله إلا الحق فلو كانت هذه الأقيسة المتعارضة المتناقضة التي ينقض بعضها بعضا بحيث لا يدري الناظر فيها أيها الصواب حقا لكانت متفقة يصدق بعضها بعضا كالسنة

التي يصدق بعضها بعضا وقال تعالى ويحق الله الحق بكلماته لا بآرائنا ولا مقايسينا وقال والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فما لم يقله سبحانه ولا هدى إليه فليس من الحق وقال تعالى فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم فقسم الأمور إلى قسمين لا ثالث لهما إتباع لما دعا إليه الرسول واتباع الهوى

فصل نهى الرسول عن القياس ولم يدع إليه
والرسول صلى الله عليه وسلم - لم يدع أمته إلى القياس قط بل قد صح عنه أنه أنكر عمر وأسامة محض القياس في شأن الحلتين اللتين أرسل بهما إليهما فلبسها أسامة قياسا للبس على التملك والانتفاع والبيع وكسوتها لغيره وردها عمر قياسا لتملكها على لبسها فأسامة أباح وعمر حرم قياسا فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم - كل واحد من القياسين وقال لعمر إنما بعثت بها إليك لتستمع بها وقال لأسامة إني لم أبعثها إليك لتلبسها ولكن بعثتها إليك لتشققها خمرا لنسائك والنبي صلى الله عليه وسلم - إنما تقدم إليهم في الحرير بالنص على تحريم لبسه فقط فقاسا قياسا أخطآ فيه فأحدهما قاس اللبس على الملك وعمر قاس التملك على اللبس والنبي صلى الله عليه وسلم - بين أن ما حرمه من اللبس لا يتعدى إلى غيره وما أباحه من التملك لا يتعدى إلى اللبس وهذا عين إبطال القياس
وصح عنه ما رواه أبو ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها وهذا الخطاب كما يعم أوله للصحابة ولمن بعدهم فهكذا آخره فلا يجوز أن نبحث عما سكت عنه ليحرمه أو يوجبه

وقال عبد الله بن المبارك ثنا عيسى بن يونس عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال
قال قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ثنا نعيم بن حماد ثنا عبد الله فذكره
وهؤلاء كلهم أئمة ثقات حفاظ إلا جرير بن عثمان فإنه كان منحرفا عن علي ومع هذا فاحتج به البخاري في صحيحه وقد روى عنه أنه تبرأ مما نسب إليه من الانحراف عن علي ونعيم بن حماد إمام جليل وكان سيفا على الجهمية روى عنه البخاري في صحيحه
وقد صح عنه صحة تقرب من التواتر أنه قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فتضمن هذا الحديث أن ما أمر به أمر إيجاب فهو واجب وما نهى عنه فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو مباح فبطل ما سوى ذلك والقياس خارج عن هذه الوجوه الثلاثة فيكون باطلا والمقيس مسكوت عنه بلا ريب فيكون عفوا بلا ريب فإلحاقه بالمحرم تحريم لما عفا الله عنه وفي قوله ذروني ما تركتكم بيان جلي أن ما لا نص فيه بحرام ولا واجب ودل الحديث على ان أوامره على الوجوب حتى يجيء ما يرفع ذلك أو يبين أن مراده الندب وأن ما لا نستطيعه فساقط عنا
وقد روى ابن المغلس ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ثنا أبو قلابة الرقاشي ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا سيف بن هارون البرجمي عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان رضي الله عنه قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم - عن أشياء فقال الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله وما

سكت عنه فهو مما عفا عنه وهذا إسناد جيد مرفوع والله المستعان وعليه التكلان

فصل الصحابة ينهون عن القياس
وأما الصحابة رضي الله عنهم فقد قال أبو هريرة لابن عباس إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلا تضرب له الأمثال
وفي صحيح مسلم من حديث سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - أحب الكلام إلى الله عز و جل أربع فذكر الحديث وفي آخره لا تسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح فإنك تقول أثم هو فيقال لا إنما هن أربع فلا تزيد علي
قالوا فلم يجز سمرة أن ينهي عما عدا الأربع قياسا عليها وجعل ذلك زيادة فلم يزد على الأربع بالقياس التسمية بسعد وفرج وخير وبركة ونحوها ومقتضى قول القاسيين أن الأسماء التي سكت عنها النص أولى بالنهي فيكون إلحاقها بقياس الأولى أو مثله
فإن قيل فلعل قوله إنما هن أربع فلا تزيدن علي مرفوع من نفس كلام النبي صلى الله عليه وسلم - ولعل سمرة أراد بها إنما حفظت هذه الأربع فلا تزيدن علي في الرواية
قيل أما السؤال الأول فصريح في إبطال القياس فإن المعنى واحد ومع هذا فخص النهي بالأربع وأما السؤال الثاني فقوله إنما هن أربع يقتضي تخصيص الرواية والحكم بها ونفي الزيادة عليها رواية وحكما فلا تنافي بين الأمرين
وقال شعبة سمعت سليمان بن عبد الرحمن قال سمعت عبدة بن فيروز

قال قلت للبراء بن عازب حدثني ما كره أو نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم - فقال أربع لا تجزىء في الأضاحي فذكر الحديث قال فإني أكره أن تكون ناقصة القرن أو الأذن قال فما كرهت منه فدعه ولا تحرمه على أحد ولم يأذن له في القياس على الأربع ولم يقس عليها هو ولا أحد من الصحابة رضي الله عنهم
وقال عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم - وأنزل عليه كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو
وقال عمر بن الخطاب قد وضحت الأمور وتبينت السنة ولم يترك لأحد منكم متكلم إلا أن يضل عبد
وقال ابن مسعود من أتى الأمر على وجهه فقد بين له وإلا فوالله مالنا طاقة بكل ما تحدثون ولو كان القياس من الدين لكان له ولغيره طاقة بقياس كل ما يرد عليهم على نظيره بوصف جامعي شبهي وإذا كان القياسيون لا يعجزون عن ذلك فكيف الصحابة ولو كان القياس من الدين لكان الجميع مبينا ولما قسم ابن مسعود وغيره ما يرد عليهم إلى ما بينه الله وإلى ما لم يبينه فإن الله على قولكم قد بين الجميع بالنص والقياس
فإن قيل فهذا ينقلب عليكم فإنكم تقولون إن الله سبحانه قد بين الجميع
قلنا ما بينه الله سبحانه نطقا فقد بين حكمه وما لم يبينه نطقا بل سكت عنه فقد بين لنا أنه عفو وأما القياسيون فيقولون ما سكت عنه بين أن حكمه حكم ما تكلم به وفرق عظيم بين الأمرين ونحن أسعد بالبيان النطقي والسكوتي منكم لتعميمنا البيانين وعدم تناقضنا فيهما وبالله التوفيق

وقد تقدم قول ابن مسعود ليس عام إلا والذي بعده شر منه لا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ولا أمير خير من أمير ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام وينثلم
وتقدم قول عمر العلم ثلاثة كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري وقوله لأبي الشعثاء لا تفتين إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية
وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق الشيباني قال سمعت عبد الله بن أبي أوفي يقول نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم - عن نبيذ الجر الأخضر قلت فالأبيض قال لا أدري ولم يقل وأي فرق بين الأخضر والأبيض كما يبادر أليه القياسيون
وقال الزهري كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه كان عند معاوية في وفد من قريش فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنه بلغني أن رجالا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأولئك جهالكم ومعلوم أن القياس خارج عن كليهما
وتقدم قول معاذ تكون فتن يكثر فيها المال ويفتح القرآن حتى يقرأه الرجل والمرأة والكبير والصغير والمؤمن والمنافق ويقرأه الرجل فلا يتبع فيقول والله لأقرأنه علانية فيقرأه علانية فلا يتبع فيتخذ مسجدا ويبتدع فكل ما ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله فإياكم وإياه فإنها بدعة وضلالة
وقال عبد العزيز بن المطلب عن ابن مسعود إنكم إن عملتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم عليكم وحرمتم كثيرا مما أحل لكم
وقال الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عباس من أحدث رأيا

ليس من كتاب الله ولم تمض به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عز و جل
وقال أبو حنيفة حدثنا جرير عن مجاهد أن عمر نهى عن المكايلة يعني المقايسة
وقال الأثرم ثنا أبو بكر بن أبي سيبة ثنا جعفر بن غياث عن أبيه عن مجاهد قال قال عمر إياك والمكايلة يعنى المقايسة وقال الأثرم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن حبيب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال قال عبد الله يا أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثا فعليكم بالأمر الأول

فصل التابعون يذمون القياس
وكذلك أئمة التابعين وتابعوهم يصرحون بذم القياس وإبطاله والنهي عنه
قال الطحاوي ثنا ابن علية حدثني عمرو بن أبي عمران ثنا يحيى بن سليمان الطائفي حدثني داود بن أبي هند قال سمعت محمد بن سيرين يقول القياس شؤم وأول من قاس إبليس فهلك وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس
وقال ابن وهب أخبرني مسلم بن علي أن شريحا الكندي هو القاضي قال إن السنة سبقت قياسكم
وقال ابن أبي حاتم ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ثنا وهب بن إسماعيل عن داود الأودي قال قال لي الشعبي احفظ عني ثلاثا لها بيان إذا سئلت عن مسألة فأجبت فيها فلا تتبع مسألتك أرأيت فإن الله قال في كتابه أرأيت من اتخذ إلهه هواه حتى فرغ من الآية الأولى والثانية إذا سئلت عن مسألة فلا تقس شيئا بشيء فربما حرمت حلالا أو حللت حراما وإذا سئلت عما لا تعلم فقل لا أعلم وأنا شريكك

وقال ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن أبي عيسى عن الشعبي أنه سمعه يقول إياكم والمقايسة فوالذي نفسي بيده إن أخذتم بالمقايسة لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال ولكن ما بلغكم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - فاحفظوه
وقال الطحاوي ثنا يوسف بن يزيد القراطيسي ثنا سعيد بن منصور ثنا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة بن مقسم عن الشعبي قال السنة لم توضع بالقياس
وقال الخشني ثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا صالح بن مسلم قال قال لي عامر الشعبي يوما وهو آخذ بيدي إنما هلكتم حين تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس
وقال عباس بن الفرج الرياشي عن الأصمعي أنه قيل له إن الخليل بن أحمد يبطل القياس فقال أخذ هذا عن إياس بن معاوية
وقال علي بن عبد العزيز البغوي ثنا أبو الوليد القرشي أخبرنا محمد بن عبد الله بن بكار القرشي ثنا سليمان بن جعفر ثنا محمد بن يحيى الربعي عن ابن شبرمة أن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال لأبي حنيفة اتق الله ولا تقس فإنا غدا نقف نحن ومن خالفنا بين يدي الله فنقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال الله وتقول أنت وأصحابك رأينا وقسنا فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء
وبهذا الإسناد إلى ابن شبرمة قال دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن الحنفية فسلمت عليه وكنت له صديقا ثم أقبلت على جعفر وقلت له أمتع الله بك هذا رجل من أهل العراق وله فقه وعقل فقال لي جعفر لعله الذي يقيس الدين برأيه ثم أقبل علي فقال أهو النعمان فقال له أبو حنيفة نعم أصلحك الله فقال له جعفر اتق الله ولا تقس الدين برأيك

فإن أول من قاس إبليس إذ أمره الله بالسجود لآدم فقال أنا أخير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ثم قال لأبي حنيفة أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان فقال لا أدري قال جعفر هي لا إله إلا الله فلو قال لا إله ثم أمسك كان مشركا فهذه كلمة أولها شرك وآخرها إيمان ثم قال له ويحك أيهما أعظم عند الله قتل النفس التي حرم الله أو الزنا قال بل قتل النفس فقال له جعفر إن الله قد قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة فكيف يقوم لك قياس ثم قال أيهما أعظم عند الله الصوم أو الصلاة قال بل الصلاة قال فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة اتق الله يا عبد الله ولا تقس فإنا نقف غدا نحن وأنت بين يدي الله فنقول قال الله عز و جل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وتقول أنت وأصحابك قسنا ورأينا فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء
وقال ابن وهب سمعت مالك بن أنس يقول الزم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع أمران تركتهما لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه
قال ابن وهب وقال مالك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء فإذا كان رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي وإلا لم يجب فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأيه أو قياس أو تقليد من يحسن به الظن أو عرف أو عادة أو سياسة أو ذوق أو كشف أو منام أو استحسان أو خرص والله المستعان وعليه التكلان
وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو ثنا يزيد بن عبد ربه قال سمعت وكيع بن الجراح يقول ليحيى بن صالح الوحاظي يا أبا زكريا احذر ا لرأي فإني سمعت أبا حنيفة يقول البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم

وقال عبد الرزاق قال لي حماد بن أبي حنيفة قال أبي من لم يدع القياس في مجلس القضاء لم يفقه
فهذا أبو حنيفة يقول إنه لا يفقه من لم يدع القياس في موضع الحاجة إليه وهو مجلس القضاء قالوا فتبا لكل شيء لا يفقه المرء إلا بتركه
وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن شبرمة ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس
وقال داود بن الزبرقان عن مجالد بن سعيد قال حدثنا الشعبي يوما قال يوشك أن يصير الجهل علما والعلم جهلا قالوا وكيف يكون هذا يا أبا عمرو قال كنا نتبع الآثار وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم فأخذ الناس في غير ذلك وهو القياس
وقال وكيع حدثنا عيسى الخياط عن الشعبي قال لأن أتعنى بعنية أحب إلي من أن أقول في مسألة برأي
قلت رواه أبو محمد بن قتيبة بالعين المهملة وعنية بوزن غنية ثم فسره بأن العنية أخلاط تنقع في أبوال الإبل حينا حتى تطلى بها الإبل من الجرب
وقال الأثرم حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن جابر عن الشعبي عن مسروق قال لا أقيس شيئا بشيء قيل لم قال أخشى أن تزل رجلي
وسئل عن مسألة فقال لا أدري فقيل له فقس لنا برأيك فقال أخاف أن تزل قدمي
وكان يقول إياكم والقياس والرأي فإن الرأي قد يزل
وكان الشعبي يقول لا تجالس أصحاب القياس فتحل حراما أو تحرم حلالا
وقال الخلال ثنا أبو بكر المروزي قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ينكر على أصحاب القياس ويتكلم فيه بكلام شديد

وقال الأثرم ثنا محمد بن كناسة ثنا صالح بن مسلم عن الشعبي قال لقد بغض إلي هؤلاء القوم هذا المسجد حتى لهو أبغض إلى من كناسة داري قلت من هم يا أبا عمرو قال هؤلاء الآرائيون أرأيت أرأيت
وقال حماد بن يزيد عن مطر الوراق قال ترك أصحاب الرأي الآثار والله
وقال محمد بن خاقان سمعت ابن المبارك في آخر خرجة خرج فقلنا له أوصنا فقال لا تتخذوا الرأي إماما

فصل تناقض القياس
قالوا ولو كان القياس حجة لما تعارضت الأقيسة وناقض بعضها بعضا فترى كل واحد من المتنازعين من أرباب القياس يزعم أن قوله هو القياس فيبدي منازعه قياسا آخر ويزعم أنه هو القياس وحجج الله وبيناته لا تتعارض ولا تتهافت
قالوا فلو جاز القول بالقياس في الدين لأفضى إلى وقوع الاختلاف الذي حذر الله منه ورسوله بل عامة الاختلاف بين الأمة إنما نشأ من جهة القياس فإنه إذا ظهر لكل واحد من المجتهدين قياس مقتضاه نقيض حكم الآخر اختلف ولا بد وهذا يدل على أنه من عند غير الله من ثلاثة أوجه أحدهما صريح قوله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا الثاني أن الاختلاف سببه اشتباه الحق وخفاؤه وهذا لعدم العلم الذي يميز بين الحق والباطل الثالث أن الله سبحانه ذم الاختلاف في كتابه ونهى عن التفرق والتنازع فقال شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه وقال

ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وقال إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء وقال وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وقال فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون والزبر الكتب أي كل فرقة صنفوا كتبا أخذوا بها وعملوا بها ودعوا إليها دون كتب الآخرين كما هو الواقع سواء وقال يوم تبيض وجوه وتسود وجوه قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف
وقال النبي صلى الله عليه وسلم - لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وقال اقرأوا القرآن ما ائتلف عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا وكان التنازع والاختلاف أشد شيء على رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان إذا رأى من الصحابة اختلافا يسيرا في فهم النصوص يظهر في وجهه حتى كأنما فقىء فيه حب الرمان ويقول أبهذا أمرتم ولم يكن أحد بعده أشد عليه الاختلاف من عمر رضي الله عنه وأما الصديق فصان الله خلافته عن الاختلاف المستقر في حكم واحد من أحكام الدين وأما خلافة عمر فتنازع الصحابة تنازعا يسيرا في قليل من المسائل جدا وأقر بعضهم بعضا على اجتهاده من غير ذم ولا طعن فلما كانت خلافة عثمان اختلفوا في مسائل يسيرة صحب الاختلاف فيها بعض الكلام واللوم كما لام علي عثمان في أمر المتعة وغيرها ولامه عمار بن ياسر وعائشة في بعض مسائل قسمة الأموال والولايات فلما أفضت الخلافة إلى علي كرم الله وجهه في الجنة صار الاختلاف بالسيف

مضار الاختلاف
والمقصود أن الاختلاف مناف لما بعث الله به رسوله قال عمر رضي الله عنه لا تختلفوا فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافا ولما سمع أبي ابن كعب وابن مسعود يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد أو الثوبين

صعد المنبر وقال رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - اختلفا فعن أي فتياكم يصدر المسلمون لا أسمع اثنين اختلفا بعد مقامي هذا إلا صنعت وصنعت وقال علي كرم الله وجهه في الجنة في خلافته لقضاته اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف وأرجو أن أموت كما مات أصحابي
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم - أن هلاك الأمم من قبلنا إنما كان باختلافهم على أنبيائهم وقال أبو الدرداء وأنس وواثلة بن الأسقع خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ونحن نتنازع في شيء من الدين فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله قال ثم انتهرنا قال يا أمة محمد لا تهيجوا على أنفسكم وهج النار ثم قال أبهذا أمرتم أو ليس عن هذا نهيتم إنما هلك من كان قبلكم بهذا وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابني العاص أنهما قالا جلسنا مجلسا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - كأنه أشد اغتباطا فإذا رجال عند حجرة عائشة يتراجعون في القدر فلما رأيناهم اعتزلناهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم - خلف الحجرة يسمع كلامهم فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - مغضبا يعرف في وجهه الغضب حتى وقف عليهم وقال يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا ما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به ثم التفت فرآني أنا وأخي جالسين فغبطنا أنفسنا أن لا يكون رآنا معهم قال البخاري رأيت أحمد بن حنبل وعلي ابن عبد الله والحميدي وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال أحمد بن صالح أجمع آل عبد الله على أنها صحيفة عبد الله

لا قياس أولى من قياس
قالوا وأيضا فإذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين فإما أن يقال كل مجتهد مصيب فيلزم أن يكون الشيء وضده صوابا وإما أن يقال المصيب

واحد وهو القول الصواب ولكن ليس أحد القياسين بأولى من الآخر ولا سيما قياس الشبه فإن الفرع قد يكون فيه وصفان شبيهان للشيء وضده فليس جعل أحدهما صوابا دون الآخر بأولى من العكس
قالوا وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم - قال أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارا وجوامع الكلم هي الألفاظ الكلية العامة المتناولة لأفرادها فإذا انضاف ذلك إلى بيانه الذي هو أعلى رتب البيان لم يعدل عن الكلمة الجامعة التي في غاية البيان لما دلت عليه إلى لفظ أطوال منها وأقل بيانا مع أن الكلمة الجامعة تزيل الوهم وترفع الشك وتبين المراد
فكان يقول لا تبيعوا كل مكيل ولا موزون بمثله إلا سواء بسواء فهذا أخصر وأبين وأدل من أن يذكر ستة أنواع ويدل بها على مالا ينحصر من الأنواع فكمال علمه صلى الله عليه وسلم - وكمال شفقته ونصحه وكمال فصاحته وبيانه يأبى بذلك
قالوا وأيضا فحكم القياس إما أن يكون موافقا للبراءة الأصلية وإما أن يكون مخالفا لها فإن كان موافقا لم يفد القياس شيئا لأن مقتضاه متحقق بها وإن كان مخالفا لها امتنع القول به لأنها متيقنة فلا ترفع بأمر لا تتيقن صحته إذ اليقين يمتنع رفعه بغير يقين
قالوا وأيضا فإن غالب القياسات التي رأينا القياسيين يستعملونها رجم بالظنون وليس ذلك من العلم في شيء ولا مصلحة للأمة في اقتحامهم ورطات الرجم بالظنون حتى يخبطوا فيها خبط عشواء في ظلماء ويحكموا بها على الله ورسوله

قالوا وأيضا فقول القياسي هذا حلال وهذا حرام هو خبر عن الله سبحانه أنه أحل كذا وحرمه وأنه أخبر عنه بأنه حلال أو حرام فإن حكم الله خبره فكيف يجوز لأحد أن يشهد على الله أنه أخبر بما لم يخبر به هو ولا رسوله قال الله تعالى فإن شهدوا فلا تشهد معهم
قالوا وأيضا فالقياس لا بد فيه من علة مستنبطة من حكم الأصل والحكم في الأصل احتمل أن يكون لنا طريق إلى العلم بعلته واحتمل أن لا يكون لنا طريق وإذا كان لنا طريق احتمل أن يكون معللا وأن يكون غير معلل وإذا كان معللا احتمل أن تكون العلة هي هذه المعينة وأن تكون جزء علة وأن تكون العلة غيرها وإذا ظهرت العلة احتمل أن لا تكون في الفرع وإذا كانت فيه احتمل أن يتخلف الحكم عنها لمعارض آخر وما هذا شأنه كيف يكون من حجج الله وبيناته وأدلة الأحكام التي هدى الله بها عباده
قالوا وأيضا فلو كان القياس حجة لأفضى ذلك إلى تكافؤ الأدلة الشرعية وهو محال فإنه قد يتردد فرع بين أصلين أحدهما التحريم والآخر الإباحة فإذا ظهر في نظر المجتهد شبه الفرع بكل واحد منهما لزم الحكم بالحل والحرمة في شيء واحد وهو محال
قالوا وأيضا فليس قياس الفرع على الأصل في تعدية حكمه إليه أولى من قياسه عليه في عدم ثبوته بغير النص فحينئذ فنقول حكم الفرع حكم من أحكام الشرع فلا يجوز ثبوته بغير النص كحكم الأصل فما الذي جعل قياسكم أولى من هذا ومعلوم أن هذا أقرب إلى النصوص وأشد موافقة لها من قياسكم وهذا ظاهر
قالوا وأيضا فحكم الله بإيجاب الشيء يتضمن محبته له وإرادته لوجوده وعلمه بأنه أوجبه وكلامه الطلبي والخبري وجعل فعله سببا لمحبته لعبده ورضاه عنه وإثباته عليه وتركه سببا لضد ذلك ولا سبيل لنا إلى العلم بهذا إلا من

خبر الله عن نفسه أو خبر رسوله عنه فكيف يعلم ذلك بقياس أو رأي هذا ظاهر الامتناع

لم يستعمل القياس كحجة في زمن الرسول
قالوا ولو كان القياس من حجج الله وأدلة أحكامه لكان حجة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم - كسائر الحجج فلما لم يكن حجة في زمنه صلى الله عليه وسلم - لم يكن حجة بعده
وتقرير هذه الحجة بوجهين أحدهما أن الصحابة لم يكن أحد منهم يقيس على ما سمع منه صلى الله عليه وسلم - ما لم يسمع ولو كان هو معقول النصوص لكان تعدية الحكم به وشمول المعنى كتعدية الحكم باللفظ وشموله لجميع أفراده وذلك لا يختص بزمان دون زمان فلما قلتم لا يكون القياس في زمن النص علم أنه ليس بحجة الوجه الثاني أن تعلق النصوص بالصحابة كتعلقها بمن بعدهم ووجوب اتباعها على الجميع واحد
قالوا ولأنا لسنا على ثقة من عدم تعليق الشارع الحكم بالوصف الذي بيديه القياسيون وأنه إنما علق الحكم بالاسم بحيث يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه بل تعليق الحكم بالاسم تعليق بما لنا طريق إلى العلم به طردا وعكسا بخلاف تعليقه بالوصف الشبهي فإنه خرص وحزر وما كان هكذا لم ترد به الشريعة
قالوا ولأن الأصل عدم العمل بالظنون إلا فيما تيقنا أن الشرع أوجب علينا العمل به للأدلة الدالة على تحريم اتباع الظنون فمعنا منع يقيني من اتباع الظن فلا نتركه إلا بيقين يوجب اتباعه
قالوا ولأن تشابه الفرع والأصل يقتضي ألا يثبت الفرع إلا بما يثبت به الأصل فإن كان القياس حقا لزم توقف الفرع في ثبوته على النص كالأصل فالقول بالقياس من أبين الأدلة على بطلان القياس
قالوا ولأن الحكم لا يخلو إما أن يتعلق بالاسم وحده أو بالوصف المشترك وحده أو بهما فإن تعلق بالاسم وحده أو بهما بطل القياس وإن تعلق

بالوصف المشترك بينهما لزم أمران محذوران أحدهما إلغاء الاسم الذي اعتبره الشارع فإن الوصف إذا كان أعم منه وكان هو المستقل بالحكم كان الأخص وهو الاسم عديم التأثير الثاني أنه إذا كان الاسم عديم التأثير لم يكن جعل ما دل عليه أصلا لما سكت عنه أولى من العكس إذ التأثير للوصف وحده بل يلزم أن لا يكون هناك فرع وأصل بل تكون الصورتان فردين من أفراد العموم المعنوي كما يكون أفراد العام لفظا كذلك ليس بعضها أصلا لبعض
قالوا ولا ريب أن البيان بالألفاظ العامة أعلى من البيان بالقياس فكيف يعدل الشارع مع كمال حكمته عن البيان الجلي إلى البيان الأخفى
قالوا ونسأل القياسي عن محل القياس أيجب في الشيئين إذا تشابها من كل وجه أم إذا اشتبها من بعض الوجوه وإن اختلفا في بعضها فإن قال بالأول ترك قوله وادعى محالا إذ ما من شيئين إلا وبينهما جامع وفارق وإن قال بالثاني قيل له فهلا حكمت للفرع بضد حكم الأصل من أجل الوجه الذي خالفه فيه فإن كانت تلك جهة وفاق تدل على الائتلاف فهذه جهة افتراق تدل على الاختلاف فليس إلحاق صور النزاع بموجب الوفاق أولى من إلحاقه بموجب الافتراق
قالوا ولا ينفعه الاعتذار بأنه متى وقع الاتفاق في المعنى الذي ثبت الحكم من أجله عديت الحكم وإلا فلا
قيل له إذا كان في الأصل عدة أوصاف فتعيينك أن هذا الوصف الذي من أجله شرع الحكم قول بلا علم وقد عارضك فيه منازعوك فادعوا أن الحكم شرع لغير ما ذكرت مثاله أن الشارع لما نص على ربا الفضل في الأعيان المذكورة في الحديث فقال قائل إن المعنى الذي حرم التفاضل لأجله هو الكيل في المكيلات والوزن في الموزونات قال له منازعه لا بل كونها مطعومة

فقال آخر لا بل هو كونها مقتاتة ومدخرة فقال آخر لا بل كونها تجري فيها الزكاة فقال آخر لا بل كونها جنسا واحدا وكل فريق يزعم أن الصواب ما ادعاه دون منازعه ويقدح فيما ادعاه الآخر ولا يتهيأ له قدح في قول منازعه إلا ويتهيأ لمنازعه مثله أو أكثر منه أو دونه فلو ظن آخرون فقالوا العلة كونه مما تنبته الأرض واحتج بأن الله سبحانه امتن على عباده بما تنبته لهم الأرض وقال يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض وقال إن من تمام النعمة فيه أن لا يباع بعضه ببعض متفاضلا لكان قوله واحتجاجه من جنس قول الآخرين واحتجاجهم وما هذا سبيله فكيف يكون من الدين بسبيل
قالوا وأيضا فإذا كان النص في الأصل قد دل على شيئين ثبوت الحكم فيه نطقا وتعديته إلى ما في معناه بالعلة فإذا نسخ الحكم في الأصل هل يبقى الحكم في الفرع أو يزول فإن قلتم يبقى فهو محال وإن قلتم يزول تناقضتم إذ من أصلكم أن نسخ بعض ما يتناوله النص لا يوجب نسخ جميع ما يتناوله كالعام إذا خص بعض أفراده لم يوجب ذلك تخصيص غيره فإذا كان حكم الأصل قد دل على شيئين فارتفع أحدهما فما الموجب لارتفاع الثاني وإن قلتم يثبت بالقياس ويرتفع بالقياس قيل إنما أثبتموه لوجود العلة الجامعة عندكم والعلة لم تزل بالنسخ وهي سبب ثبوته وما دام السبب قائما فالمسبب كذلك ولو زالت العلة بالنسخ لأمكن تصحيح قولكم
فإن قلتم نسخ حكم الأصل يقتضي نسخ كون العلة علة
قيل هذه دعوى لا دليل عليها فإن النص اقتضى ثبوت حكم الأصل وكون وصف كذا علة مقتضي التعدية على قولكم فهما حكمان متغايران فزوال أحدهما لا يستلزم زوال الآخر
قالوا ولو كان القياس من الدين لقال النبي صلى الله عليه وسلم - لأمته إذا

أمرتكم بأمر أو نهيتكم عن شيء فقيسوا عليه ما كان مثله أو شبهه ولكان هذا أكثر شيء في كلامه وطرق الأدلة عليه متنوعة لشدة الحاجة إليه ولا سيما عند غلاة القياسيين الذين يقولون إن النصوص لا تفي بعشر معشار الحوادث وعلى قول هذا الغالي الجافي عن النصوص فالحاجة إلى القياس أعظم من الحاجة إلى النصوص فهلا جاءت الوصية باتباعه ومراعاته والوصية بحفظ حدود ما أنزل الله على رسوله وأن لا تتعدى ومعلوم أن الله سبحانه حد لعباده حدود الحلال والحرام بكلامه وذم من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله والذي أنزله هو كلامه فحدود ما أنزله الله هو الوقوف عند حد الاسم الذي علق عليه الحل والحرمة فإنه هو المنزل على رسوله وحده بما وضع له لغة أو شرعا بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه ولا يخرج منه شيء من موضوعه ومن المعلوم أن حد البر لا يتناول الخردل وحد التمر لا يدخل فيه البلوط وحد الذهب لا يتناول القطن ولا يختلف الناس أن حد الشيء ما يمنع دخول غيره فيه ويمنع خروج بعضه منه وقد تقدم تقرير هذا وأعدناه لشدة الحاجة إليه فإن أعلم الخلق بالدين أعلمهم بحدود الأسماء التي علق بها الحل والحرمة والأسماء التي لها حدود في كلام الله ورسوله ثلاثة أنواع نوع له حد في اللغة كالشمس والقمر والبر والبحر والليل والنهار فمن حمل هذه الأسماء على غير مسماها أو خصها ببعضه أو أخرج منها بعضه فقد تعدى حدودها ونوع له حد في الشرع كالصلاة والصيام والحج والزكاة والإيمان والإسلام والتقوى ونظائرها فحكمها في تناولها لمسمياتها الشرعية كحم النوع الأول في تناوله لمسماه اللغوي ونوع له حد في العرف لم يحده الله ورسوله بحد غير المتعارف ولا حد له في اللغة كالسفر والمرض المبيح للترخص والسفه والجنون الموجب للحجر والشقاق الموجب لبعث الحكمين والنشوز المسوغ لهجر الزوجة وضربها والتراضي المسوغ لحل التجارة والضرار المحرم بين المسلمين وأمثال ذلك وهذا النوع في تناوله لمسماه العرفي كالنوعين

الآخرين في تناولهما لمسماهما ومعرفة حدود هذه الأسماء ومراعاتها مغن عن القياس غير محوج إليه وإنما يحتاج إلى القياس من قصر في هذه الحدود ولم يحط بها علما ولم يعطها حقها من الدلالة
مثاله تقصير طائفة من الفقهاء في معرفة حد الخمر حيث خصوه بنوع خاص من المسكرات فلما احتاجوا إلى تقرير تحريم كل مسكر سلكوا طريق القياس وقاسوا ما عدا ذلك النوع في التحريم عليه فنازعهم الآخرون في هذا القياس وقالوا لا يجري في الأسباب وطال النزاع بينهم وكثر السؤال والجواب وكل هذا من تقصيرهم في معرفة حد الخمر فإن صاحب الشرع قد حده بحد يتناول كل فرد من أفراد المسكر فقال كل مسكر خمر فأغنانا هذا الحد عن باب طويل عريض كثير التعب من القياس وأثبتنا التحريم بنصه لا بالرأي والقياس
ومن ذلك أيضا تقصير طائفة في لفظ الميسر حيث خصوه بنوع من أنواعه ثم جاءوا إلى الشطرنج مثلا فراموا تحريمه قياسا عليه فنازعهم آخرون في هذا القياس وصحته وطال النزاع ولو أعطوا لفظ الميسر حقه وعرفوا حده لعلموا أن دخول الشطرنج فيه أولى من دخول غيره كما صرح به من صرح من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وقالوا الشطرنج من الميسر
ومن ذلك تقصير طائفة في لفظ السارق حيث أخرجوا منه نباش القبور ثم راموا قياسه في القطع على السارق فقال لهم منازعوهم الحدود والأسماء لا تثبت قياسا فأطالوا وأعرضوا في الرد عليهم ولو أعطوا لفظ السارق حده لرأوا أنه لا فرق في حده ومسماه بين سارق الأثمان وسارق الأكفان وأن إثبات الأحكام في هذه الصور بالنصوص لا بمجرد القياس
ونحن نقول قولا ندين الله به ونحمد الله على توفيقنا له ونسأله الثبات عليه

إن الشريعة لم تحوجنا إلى قياس قط وإن فيها غنية وكفاية عن كل رأي وقياس وسياسة واستحسان ولكن ذلك مشروط بفهم يؤتيه الله عبده فيها وقد قال تعالى ففهمناها سليمان وقال علي كرم الله وجهه إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وقال النبي صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل وقال أبو سعيد كان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم - وقال عمر لأبي موسى الفهم الفهم

فصل تناقض القياسيين دليل على فساد القياس
قالوا ومما يبين فساد القياس و بطلانه تناقض أهله فيه و اضطرابهم تأصيلا و تفصيلا
أما التأصيل فمنهم من يحتج بجميع أنواع القياس و هي قياس العلة و الدلالة والشبه و الطرد و هم غلاتهم كفقهاء ما وراء النهر و غيرهم فيحتجون في طرائقهم على منازعهم في مسألة المنع من إزالة النجاسة بالمائعات بأنه مائع لاتبنى عليه القناطر ولا تجري فيه السفن فلا تجوز إزالة النجاسة به كالزيت والشيرج وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي إلى التلاعب بالدين أقرب منها إلى تعظيمه
وطائفة يحتجون باللأقيسة الثلاثة دونه وتقول قياس العلة أن يكون الجامع هو العلة التي لأجلها شرع الحكم في الأصل و قياس الدلالة أن يجمع بينهما بديل العلة و قياس الشبه أن يتجاذب الحادثة أصلان حاظر و مبيح و لكل واحد من الأصلين أوصاف فتلحق الحادثة بأكثر من الأصلين أوصاف فتلحق الحادثة بأكثر الأصلين شبها بها

مثل أن يكون بالإباحة أشبه بأربعة أوصاف و بالحظر بثلاثة فيلحق بالإباحة
وقد قال الإمام أحمد في هذا النوع في راوية أحمد بن الحسين القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فأردت أن تقيس عليه فهذا الخطأ و قد خالفه في بعض أحواله ووافقه في بعضها فإذا كان مثله في كل أحواله فما أقبلت به وأدبرت به فليس في نفسي منه شيء و بهذا قال أكثر الحنفية والمالكية و الحنابلة و قالت طائفة لا قياس إلا قياس العلة فقط و قالت فرقة بذلك و لكن إذا كانت العلة منصوصة
ثم اختلف القياسيون في محل القياس فقال جمهورهم يجرى في الأسماء و الأحكام وقالت فرقة لا بل لا تثبت الأسماء قياسا و إنما محل القياس الأحكام
ثم اختلفوا فأجراه جمهورهم في العبادات واللغات و الحدود و الأسباب و غيرها ومنعته طائفة في ذلك واستثنت طائفة الحدود والكفارات فقط واستثنت طائفة أخرى معها الأسباب
وكل هؤلاء قسموه إلى ثلاثة أقسام قياس أولى وقياس مثل وقياس أدنى ثم اضطربوا في تقديمه على العموم أو بالعكس على قولين واضطربوا في تقديمه على خبر الآحاد الصحيح فجمهورهم قدم الخبر
وقال أبو بكر بن الفرج القاضي وأبو بكر الأبهري المالكيان هو مقدم على خبر الواحد ولا يمكنهم ولا أحد من الفقهاء طرد هذا القول البتة بل لا بد من تناقضهم واضطربوا في تقديمه على الخبر المرسل وعلى قول الصحابى فمنهم من قدم القياس ومنهم من قدم المرسل وقول الصحابى

وأكثرهم بل كلهم يقدمون هذا تارة وهذا تارة فهذا تناقضهم في التأصيل
وأما تناقضهم في التفصيل فنذكر منه طرفا يسيرا يدل على ما وراءه من قياسهم في المسألة قياسا وتركهم فيها مثله أو ما هو أقوى منه أو تركهم نظير ذلك القياس أو أقوى منه في مسألة أخرى لا فرق بينهما البتة

أمثلة من تناقض القياسيين
فمن ذلك أنهم أجازوا الوضوء بنبيذ التمر وقاسوا في أحد القولين عليه سائر الأنبذة وفي القول الآخر لم يقيسوا عليه فإن كان هذا القياس حقا فقد تركوه وإن كان باطلا فقد استعملوه ولم يقيسوا عليه الخل ولا فرق بينهما وكيف كان نبيذ التمر تمرة طبية وماء طهورا ولم يكن الخل عنبة طيبة وماء طهورا والمرق لحما طيبا وماء طهورا ونقيع المشمش والزبيب كذلك فإن ادعوا الإجماع على عدم الوضوء بذلك فليس فيه إجماع فقد قال الحسن بن صالح بن حي وحميد بن عبد الرحمن يجوز الوضوء بالخل وإن كان الإجماع كما ذكرتم فهلا قستم المنع من الوضوء بالنبيذ على ما أجمعوا عليه من المنع من الوضوء بالخل فإن قلتم اقتصرنا على موضع النص ولم نقس عليه قيل لكم فهلا سلكتم ذلك في جميع نصوصه واقتصرتم على محالها الخاصة ولم تقيسوا عليها فإن قلتم لأن هذا خلاف القياس قيل لكم فقد صرحتم أن ما ثبت على خلاف القياس يجوز القياس عليه ثم هذا يبطل أصل القياس فإنه إذا جاز ورود الشريعة بخلاف القياس علم أن القياس ليس من الحق وأنه عين الباطل فإن الشريعة لا ترد بخلاف الحق أصلا ثم من قاعدتكم أن خبر الواحد إذا خالف الأصول لم يقبل وفي أي الأصول وجدتم ما يجوز التطهير به خارج المصر والقرية ولا يجوز التطهير به داخلهما فإن قالوا اقتصرنا في ذلك على موضع النص قيل فهلا اقتصرتم به على خارج مكة فقط حيث جاء الحديث وكيف ساغ لكم قياس الغسل من

الجنابة في ذلك على الوضوء دون القياس داخل المصر على خارجه وقياس العنبة الطيبة والماء الطهور واللحم الطيب والماء الطهور والدبس الطيب والماء الطهور على التمرة الطيبة والماء الطهور فقستم قياسا وتركتم مثله وما هو أولى منه فهلا اقتصرتم على مورد الحديث ولا عديتموه إلى أشباهه ونظائره
ومن ذلك أنكم قستم على خبر مروي يا بني المطلب إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس فقستم على ذلك الماء الذي يتوضأ به وأبحتم لبني المطلب غسالة أيدي الناس التي نص عليها الخبر وقستم الماء المستعمل في رفع الحدث وهو طاهر لاقى أعضاء طاهرة على الماء الذي لاقى العذرة والدم والميتات وهذا من أفسد القياس وتركتم قياسا أصح منه وهو قياسه على الماء المستعمل في محل التطهير من عضو إلى عضو ومن محل إلى محل فأي فرق بين انتقاله من عضو المتطهر الواحد إلى عضوه الآخر وبين انتقاله إلى عضو أخيه المسلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ولا ريب عند كل عاقل أن قياس جسد المسلم على جسد أخيه أصح من قياسه على العذرة والجيف والميتات والدم
ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي توضأ به الرجل على العبد الذي أعتقه في كفارته والمال الذي أخرجه في زكاته وهذا من أفسد القياس وقد تركتم قياسا أصح في العقول والفطر منه وهو قياس هذا الماء الذي قد أدى به عبادة على الثوب الذي قد صلي فيه وعلى الحصى الذي رمى به الجمار مرة عند من يجوز منكم الرمي بها ثانية وعلى الحجر الذي استجمر به مرة إذا غسله أو لم يكن به نجاسة ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي وردت عليه النجاسة فلم تغير له لونا

ولا طعما ولا ريحا على الماء الذي غيرت النجاسة لونه أو طعمه أو ريحه وهذا من أبعد القياس عن الشرع والحس وتركتم قياسا أصح منه وهو قياسه على الماء الذي ورد على النجاسة فقياس الوارد على المورود مع اسوائهما في الحد والحقيقة والأوصاف أصح من قياس مائة رطل ماء وقع فيه شعرة كلب على مائة رطل خالطها مثلها بولا وعذرة حتى غيرها
ومن ذلك أنكم فرقتم بين ماء جار بقدر طرف الخنصر تقع فيه النجاسة فلم تغيره وبين الماء العظيم المستبحر إذا وقع فيه مثل رأس الإبرة من البول فنجستم الثاني دون الأول وتركتم محض القياس فلم تقيسوا الجانب الشرقي من غدير كبير في غربيه نجاسة على الجانب الشمالي والجنوبي وكل ذلك مماس لما قد تنجس عندكم مماسة مستوية
وقاسوا باطن الأنف على ظاهره في غسل الجنابة فأوجبوا الاستنشاق ولم يقيسوه عليه في الوضوء الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيه بالاستنشاق نصا ففرقوا بينهما وأسقطوا الوجوب في محل الأمر به وأوجبوه في غيره والأمر بغسل الوجه في الوضوء كالأمر بغسل البدن في الجنابة سواء
ومن ذلك أنكم قستم النسيان على العمد في الكلام في الصلاة وفي فعل المحلوف عليه ناسيا وفيما يوجب الفدية من محظورات الإحرام كالطيب واللباس والحلف والصيد وفي حمل النجاسة في الصلاة ثم فرقتم بين النسيان والعمد في السلام قبل تمام الصلاة وفي الأكل والشرب في الصوم وفي ترك التسمية على الذبيحة وفي غير ذلك من الأحكام وقستم الجاهل على الناسي في عدة مسائل وفرقتم بينهما في مسائل أخر ففرقتم بينهما فيمن نسى أنه صائم فأكل أو شرب لم يبطل صومه ولو جهل فظن وجود الليل فأكل أو شرب فسد صومه

مع أن الشريعة تعذر الجاهل كما تعذر الناسي أو أعظم كما عذر النبي صلى الله عليه وسلم - المسيء في صلاته بجهله بوجوب الطمأنينة فلم يأمره بإعادة ما مضى وعذر الحامل المستحاضة بجهلها بوجوب الصلاة والصوم عليها مع الاستحاضة ولم يأمرها بإعادة ما مضى وعذر عدي بن حاتم بأكله في رمضان حين تبين له الخيطان اللذان جعلهما تحت وسادته ولم يأمره بالإعادة وعذر أبا ذر بجهله بوجوب الصلاة إذا عدم الماء فأمره بالتيمم ولم يأمره بالإعادة وعذر الذين تمعكوا في التراب كتمعك الدابة لما سمعوا فرض التيمم ولم يأمرهم بالإعادة وعذر معاوية بن الحكم بكلامه في الصلاة عامدا لجهله بالتحريم وعذر أهل قباء بصلاتهم إلى بيت المقدس بعد نسخ استقباله بجهلهم بالناسخ ولم يأمرهم بالإعادة وعذر الصحابة والأئمة بعدهم من ارتكب محرما جاهلا بتحريمه فلم يحدوه
وفرقتم بين قليل النجاسة في الماء وقليلها في الثوب والبدن وطهارة الجميع شرط لصحة الصلاة وترك الجميع صريح القياس في مسألة الكلب فطائفة لم تقس عليه غيره وطائفة قاست عليه الخنزير وحده دون غيره كالذئب الذي هو مثله أو شر منه وقياس الخنزير على الذئب أصح من قياسه على الكلب وطائفة قاست عليه البغل والحمار وقياسهما على الخيل التي هي قرينتهما في الذكر وامتنان الله سبحانه على عباده لها بركوبها واتخاذها زينة وملامسة الناس لها أصح من قياس البغل على الكلب فقد علم كل أحد أن الشبه بين البغل والفرس أظهر وأقوى من الشبه بينه وبين الكلب وقياس البغل والحمار على السنور بشدة ملامستهما والحاجة إليهما وشربهما من آنية البيت أصح من قياسهما على الكلب
وقستم الخنافس والزنابير والعقارب والصردان على الذباب في أنها لا تنجس

بالموت بعدم النفس السائلة لها وقلة الرطوبات والفضلات التي توجب التنجيس فيها ونجس من نجس منكم العظام بالموت مع تعريها من الرطوبات والفضلات جملة ومعلوم أن النفس السائلة التي في تلك الحيوانات المقيسة أعظم من النفس السائلة التي في العظام
وفرقتم بين ما شرب منه الصقر والبازي والحدأة والعقاب والأحناش وسباع الطير وما شرب منه سباع البهائم من غير فرق بينهما قال أبو يوسف سألت أبا حنيفة عن الفرق في هذا بين سباع الطير وسباع ذوات الأربع فقال أما في القياس فهما سواء ولكني أستحسن في هذا
وتركتم صريح القياس في التسوية بين نبيذ التمر والزبيب والعسل والحنطة ونبيذ العنب وفرقتم بيم المتماثلين ولا فرق بينهما البتة مع أن النصوص الصحيحة الصريحة قد سوت بين الجميع
وفرقتم بين من معه إناءان طاهر ونجس فقلتم يريقهما ويتيمم ولا يتحرى فيهما ولو كان معه ثوبان كذلك يتحرى فيهما والوضوء بالماء النجس كالصلاة في الثوب النجس ثم قلتم فلو كانت الآنية ثلاثة تحري ففرقتم بين الاثنين والثلاثة وهو فرق بين متماثلين وهذا على أصحاب الرأي وأما أصحاب الشافعي ففرقوا بين الإناء الذي كله بول وبين الإناء الذي نصفه فأكثر بول فجوزا الاجتهاد بين الثاني والإناء الطاهر دون الأول وتركوا محض القياس في التسوية بينهما
وقستم القيء على البول وقلتم كلاهما طعام أو شراب خرج من الجوف ولم تقيسوا الجشوة الخبيثة على الفسوة ولم تقولوا كلاهما ريح خارجة من الجوف
وقستم الوضوء وغسل الجنابة على الاستنجاء وغسل النجاسة في صحته بلا نية

ولم تقيسوهما على التيمم وهما أشبه به من الاستنجاء ثم تناقضتم فقلتم لو انغمس جنب في البئر لأخذ الدلو ولم ينو الغسل لم يرتفع حدثه كما قاله أبو يوسف ونقض أصله في أن مس الماء لبدن الجنب يرفع حدثه وإن لم ينو وقال محمد بل يرتفع حدثه ولا يفسد الماء فنقض أصله في فساء الماء الذي يرفع الحدث
وقستم التيمم إلى المرفقين على غسل اليدين إليهما ولم تقيسوا المسح على الخفين إلى الكعبين على غسل الرجلين إليهما ولا فرق بينهما البتة وأهل الحديث أسعد بالقياس منكم كما هم أسعد بالنص
وقستم إزالة النجاسة عن الثياب بالمائعات على إزالتها بالماء ولم تقيسوا إزالتها من القذر بها على الماء فما الفرق ثم قلتم تزال من المخرجين بكل مزيل جامد ولا تزال من سائر البدن إلا بالماء وقلتم من المخرجين بالروث اليابس ولا تزال بالرجيع اليابس مع تساويهما في النجاسة
وقستم قليل القيء على كثيره في النجاسة ولم تقيسوه عليه في كونه حدثا وقستم نوم المتورك على المضطجع في نقض الوضوء ولم تقيسوا عليه نوم الساجد وتركتم محض القياس المؤيد بالسنة المستفيضة في مسح العمامة وهي ملبوس معتاد ساتر لمحل الفرض ويشق نزعه على كثير من الناس إما لحنك أو لكلاب أو لبرد على المسح على الخفين والسنة قد سوت بينهما في المسح كما هما سواء في القياس ويسقط فرضهما في التيمم وقستم مسح الوجه واليدين في التيمم على الوضوء في وجوب الاستيعاب ولم تقيسوا مسح الرأس في الوضوء على الوجه في وجوب الاستيعاب والفعل والباء والأمر في الموضعين سواء وقستم وجود الماء في الصلاة على وجوده خارجها في بطلان صلاة المتيمم به ولم تقيسوا القهقهة في الصلاة على القهقهة في خارجها وفرقتم بين تقديم الزكاة قبل وجوبها

فأجزتموه و بين تقديم الكفارة قبل وجوبها فمنعتموه وقستم وجه المرأة في الإحرام على رأس الرجل و تركتم قياس وجهها على يديها أو على بدن الرجل وهو محض القياس و موجب السنة فإن النبي صلى الله عليه و سلم سوى بين يديها ووجهها و بين يدي الرجل ووجهه حيث قال لا تلبس القفازين ولا النقاب و كذلك قال لا يلبس المحرم القميص ولا السراويل ولا تنتقب المرأة فتركتم محض القياس و موجب السنة
وقستم المزارعة و المساقاة على الإجارة الباطلة فأبطلتموهما و تركتم محض القياس وموجب السنة وهو قياسهما على المضاربة و المشاركة فإنهما أشبه بهما منهما بالإجارة فإن صاحب الأرض و الشجر يدفع أرضه و شجره لمن يعمل عليهما وما رزق الله من نماء فهو بينه و بين العامل وهذا كالمضاربة سواء فلو لم تأت السنة الصحيحة بجوازها لكان القياس يقتضي جوازها عند القياسيين
واشترط أكثر من جوزها كون البذر من رب الأرض وقاسها على المضاربة في كون المال من واحد والعمل من واحد وتركوا محض القياس وموجب السنة فإن الأرض كالمال في المضاربة والبذر يجرى مجرى الماء والعمل فإنه يموت في الأرض ولهذا لا يجوز أن يرجع إلى ربه مثل بذره ويقتسما الباقي ولو كان كرأس المال في المضاربة لجاز بل اشترط أن يرجع إليه مثل بذره كما يرجع إلى رب المال مثل ماله فتركوا القياس كما تركوا موجب السنة الصحيحة الصريحة وعمل الصحابة كلهم
وقستم إجارة الحيوان للانتفاع بلبنه على إجارة الخبز للأكل وهذا من أفسد القياس وتركتم محض القياس وموجب القرآن فإن الله سبحانه قال فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن فقياس الشاة والبقرة والناقة للانتفاع

بلبنها على الظئر أصح وأقرب إلى العقل من قياس ذلك على إجارة الخبز للأكل فإن الأعيان المستخلفة شيئا بعد شيء بعد شيء تجرى مجرى المنافع كما جرت مجراها في المنيحة والعارية والضمان بالإتلاف فتركتم محض القياس
وقستم على ما لا خفاء بالفرق بينه وبينه وهو أن الخبز والطعام تذهب جملته بالأكل ولا يخلفه غيره بخلاف اللبن ونقع البئر وهذا من أجلى القياس
وقستم الصداق على ما يقطع فيه يد السارق وتركتم محض القياس وموجب السنة فإنه عقد معاوضة فيجوز بما يتراضى عليه المتعاوضان ولو خاتما من حديد
وقستم الرجل يسرق العين ثم يملكها بعد ثبوت القطع على ما إذا ملكها قبل ذلك وتركتم محض القياس وموجب السنة فإن النبي صلى الله عليه و سلم لم يسقط القطع عن سارق الرداء بعد ما وهبه إياه صفوان وفرقتم بين ذلك وبين الرجل يزني بالأمة ثم يملكها فلم تروا ذلك مسقطا للحد مع أنه لا فرق بينهما
وقستم قياسا أبعد من هذا فقلتم إذا قطع بسرقتها مرة ثم عاد فسرقها لم يقطع بها ثانيا وتركتم محض القياس على ما إذا زنى بامرأة فحد بها ثم زنى بها ثانية فإن الحد لا يسقط عنه ولو قذفه فحد ثم قذفه ثانيا لم يسقط عنه الحد
وقستم نذر صوم يوم العيد في الانعقاد ووجوب الوفاء على النذر صوم اليوم القابل له شرعا وتركتم محض القياس وموجب السنة ولم تقيسوه على صوم يوم الحيض وكلاهما غير محل الصوم شرعا فهو بمنزلة الليل وقستم وجعلتم المحتقن بالخمر كشاربها في الفطر بالقياس ولم تجعلوه كشاربها

في الحد وقستم الكافر الذمي والمعاهد على المسلم في قتله به ولم تقيسوه على الحربي في إسقاط القود
ومن المعلوم قطعا أن الشبه الذي بين المعاهد والحربي أعظم من الشبه الذي بين الكافر والمسلم والله سبحانه وتعالى قد سوى بين الكفار كلهم في إدخالهم نار جهنم وفى قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين وفى عدم التوارث بينهم وبين المسلمين وفي منع قبول شهادتهمعلى المسلمين وغير ذلك وقطع المساواة بين المسلمين والكفار فتركتم محض القياس وهو التسوية بين ما سوى الله بينه وسويتم بين ما فرق الله بينه
ومن العجب أنكم قستم المؤمن على الكافر في جريان القصاص بينهما في النفس والطرف ولم تقيسوا العبد المؤمن على الحر في جريان القصاص بينهما في الأطراف فجعلتم حرمة عدو الله الكافر في أطرافه أعظم من حرمة وليه المؤمن وكأن نقص المؤمن العبودية الموجب للأجرين عند الله أنقص عندكم من نقص الكفر وقلتم يقتل الرجل بالمرأة ثم ناقضتم فقلتم لا يؤخذ طرفه بطرفها وقلتم يقتل العبد بالعبد وإن كانت قيمة أحدهما مائة درهم وقيمة الآخر مائة ألف درهم ثم ناقضتم فقلتم لا يؤخذ طرفه بطرفه إلا أن تتساوى قيمتهما فتركتم محض القياس فإن الله سبحانه ألغى التفاوت بين النفوس والأطراف في الفضل لمصلحة المكلفين ولعدم ضبط التساوي فألغيتم ما اعتبره الله سبحانه من الحكمة والمصلحة واعتبرتم ما ألغاه من التفاوت وقستم قوله إن كلمت فلانا أو بايعته فامرأتي طالق وعبدي حر علي ما إذا قال أن أعطيتني ألفا فأنت طالق ثم عديم ذلك إلى قوله الطلاق يلزمني لا أكلم فلانا ثم كلمه ولم تقيسوه على قوله إن كلمت فلانا فعلي صوم سنة أو حج إلى بيت الله أو فمالى صدقة وقلتم هذا يمين لا تعليق مقصود فتركتم محض القياس فإن قوله الطلاق يلزمني لا أكلم فلانا يمين

لا تعليق وقد أجمع الصحابة على أن قصد اليمين في العتق يمنع من وقوعه وحكي غير واحد إجماع الصحابة أيضا على أن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق إذا حنث وممن حكاه أبو محمد بن حزم وحكاه أبو القاسم عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التميمي المعروف بابن بزيزة في كتابه المسمى بمصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام في باب ترجمة الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه
وقد قدمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والشرط وغير ذلك هل يلزم أم لا فقال علي بن أبي طالب وشريح وطاوس لا يلزم من ذلك شيء ولا يقضي بالطلاق على من حلف به فحنث ولم يعرف لعلي كرم الله وجهه في الجنة في ذلك مخالف من الصحابة قال وصح عن عطاء فيمن قال لامرأته أنت طالق إن لم أتزوج عليك قال إن لم يتزوج عليها حتى يموت أو تموت فإنهما يتوارثان وهو قول الحكم بن عتبة ثم حكى عن عطاء فيمن حلف بطلاق امرأته ليضربن زيدا فمات أحدهما أو ماتا معا فلا حنث عليه ويتوارثان وهذا صريح في أن يمين الطلاق لا يلزم ولا تطلق الزوجة بالحنث فيها ولو حنث قبل موته لم يتوارثا فحيث أثبت التوارث دل على أنها زوجة عنده وكذلك عكرمة مولى ابن عباس أيضا عنده يمين الطلاق لا يلزم كما ذكره عنه سنيد بن داود في تفسيره في سورة النور عند قوله يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن العجب أنكم قلتم إذا قال إن شفى الله مريضي فعلي صوم شهر أو صدقة أو حجة لزمه لأنه قاصد للنذر فإذا قال إن كلمت فلانا فعلي صوم أو صدقة لم يلزمه لأنه نذر لجاج وغضب فهو يمين فيه كفارة اليمين فجعلتم قصده لعدم الوقوع مانعا من ثلاثة أشياء إيجاب ما التزم ووجوبه عليه ووقوعه

وقلتم لو قال إن فعلت كذا فعلي الطلاق وفعله لزمه ولم يمنع قصد الحلف من وقوعه وهو أبغض الحلال إلى الله ومنع من وجوب القربات التي هي أحب شيء إلى الله فخالفتم صريح القياس والمنقول عن الصحابة والتابعين بأصح إسناد يكون ثم ناقضتم القياس من وجه آخر فقلتم إذا قال الطلاق يلزمني لأفعلن كذا إن شاء الله ثم لم يفعله لم يحنث لأنه أخرجه مخرج اليمين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك فجعلتموه يمينا ثم قلتم يلزمه وقوع الطلاق لأنه تعليق فليس بيمين ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم لو قال الطلاق يلزمني لا أجامعها سنة فهو مول فيدخل في قوله تعالى للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر والألية والإيلاء والائتلاء هو الحلف بعينه كما فىالحديث تألى على الله أن لا يفعل خيرا وقال تعالى ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى وقال الشاعر ... قليل الألايا حافظ ليمنيه ... وإن بدرت منه الألية برت ...
ثم قلتم وليس بيمين فيدخل في قوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم فيالله العجب ما الذي أحله عاما وحرمه عاما وجعله يمينا وليس بيمين ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم إن قال إن فعلت كذا فأنا كافر وفعله لم يكفر لأنه لم يقصد الكفر وإنما قصد مع نفسه من الفعل بمنعها من الكفر وهذا حق لكن نقضتموه في الطلاق والعتاق مع أنه لا فرق بينهما البتة في هذا المعنى الذي منع من وقوع الكفر ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم لو قال إن فعلت كذا فعلي أن أطلق امرأتي فحنث لم يلزمه أن يطلقها ولو قال إن فعلته فالطلاق يلزمني فحنث وقع عليه الطلاق ولا تفرق اللغة ولا الشريعة بين المصدر وأن الفعل

فإن قلتم الفرق بينهما أنه التزم في الأول التطبيق وهو فعله وفي الثاني وقوع الطلاق وهو أثر فعله
قيل هذا الفرق الذي تخيلتموه لا يجدي شيئا فإن الطلاق هو التطليق بعينه وإنما أثره كونها طالقا وهذا غير الطلاق فههنا ثلاثة أمور مرتبة التزام التطليق وهذا غير الطلاق بلا شك والثاني إيقاع التطليق وهو الطلاق بعينه الذي قال الله فيه الطلاق مرتان وقال النبي صلى الله عليه وسلم - الطلاق لمن أخذ بالساق الثالث صيرورة المرأة طالقا وبينونتها فالقائل إن فعلت كذا فعلي الطلاق لم يرد هذا الثالث قطعا فإنه ليس إليه ولا من فعله وإنما هو إلى الشارع والمكلف إنما يلزم ما يدخل تحت مقدرته وهو إنشاء الطلاق فلا فرق أصلا بين هذا اللفظ وبين قوله فعلي أن أطلق فالتفريق بينهما تفريق بين متساويين وهو عدول عن محض القياس من غير نص ولا إجماع ولا قول صاحب
يوضحه أن قوله فالطلاق لازم لي إنما هو فعله الذي يلزمه بالتزامه وأما كونها طالقا فهذا وصفها فليس هو لازما له وإنما هو لازم لها ا فلينظر اللبيب المنصف الذي العلم أحب إليه من التقليد إلى مقتضى القياس المحض واتباع الصحابة والتابعين في هذه المسألة ثم ليختر لنفسه ما شاء والله الموفق
ثم ناقضتم أيضا من وجه آخر فقلتم لو قال إن حلفت بطلاقك أو وقع مني يمين بطلاقك أو لم يقل بطلاقك بل قال متى حلفت أو أوقعت يمينا فأنت طالق ثم قال إن كلمت فلانا فأنت طالق حنث وقد وقع عليه الطلاق لأنه قد حلف وأوقع اليمين فأدخلتم الحلف بالطلاق في اسم اليمين والحلف في كلام المكلف ولم تدخلوه في اسم اليمين والحلف في كلام الله ورسوله وزعمتم أنكم اتبعتم في ذلك القياس والإجماع وقد أريناكم مخالفتكم لصريح القياس مخالفة لا يمكنكم

الانفكاك عنها بوجه ومخالفتكم للمنقول عن الصحابة والتابعين كأصحاب ابن عباس فظهر عند المنصفين أنا أولى بالقياس والاتباع منكم في هذه المسألة وبالله التوفيق
وقلتم لو شهد عليه أربعة بالزنا فصدق الشهود سقط عنه الحد وإن كذب لهم أقيم عليه الحد وهذا من أفسد قياس في الدنيا فإن تصديقهم إنما زادهم قوة وزاد الإمام يقينا وعلما أعظم من العلم الحاصل بالشهادة وتكذيبه وتفريقكم بأن البينة لا يعمل بها إلا مع الإنكار فإذا أقر فلا عمل للبينة والإقرار مرة لا يكفي فيسقط الحد تفريق باطل فإن العمل هاهنا بالبينة لا بالإقرار وهو إنما صدر منه تصديق البينة التي وجب الحكم بها بعد الشهادة فسواء أقر أم لم يقر فالعمل إنما هو بالبينة
وقلتم لو وجد الرجل امرأة على فراشه فظن أنها امرأته فوطئها حد حد الزنا ولا يكون هذا شبهة مسقطة للحد ولو عقد على ابنته أو أمه ووطئها كان ذلك شبهة مسقطة للحد ولو حبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد وولدت مرة بعد مرة لم تحد ولو تقيأ الخمر كل يوم لم يحد فتركتم محض القياس والثابت عن الصحابة ثبوتا لا شك فيه من الحد بالحبل ورائحة الخمر
وقلتم لو شهد عليه أربعة بالزنا فطعن في عدالتهم حبس إلا أن تزكى الشهود ولو شهد عليه اثنان بمال فطعن في عدالتهما لم يحبس قبل التزكية فتركتم محض القياس وقستم دعوى المرأتين الولد وإلحاقه بهما وجعلهما أمين له على دعوى الرجلين وهذا من أفسد القياس فإن خروج الولد من أمين معلوم الاستحالة وتخليقه من ماء الرجلين ممكن بل واقع كما شهد به القائف عند عمر وصدقه

وقلتم لو قال الأجنبي طلق امرأتي فله أن يطلق في المجلس وبعده ولو قال لامرأته طلقي نفسك فلها أن تطلق نفسها ما دامت في المجلس ثم فرقتم بينهما بأن طلقي نفسك تمليك لا توكيل لاستحالة أن يكون وكيلا في التصرف لنفسه فيقيد بالمجلس وأما بالنسبة إلى الأجنبي فتوكيل فلا يتقيد وهذا الفرق دعوى مجردة ولم تذكروا حجة على أن قوله طلقي نفسك تمليك وقولكم الوكيل لا يتصرف لنفسه جوابه له أن يتصرف لنفسه ولموكله ولهذا كان ألا الشريك وكيلا بعد قبض المال والتصرف وإن كان متصرفا لنفسه فإن تصرفه لا يختص به ثم ناقضتم هذا الفرق فقلتم لو قال أبرىء نفسك من الدين الذي عليك فإنه لا يتقيد بالمجلس ويكون توكيلا مع أنه تصرف مع نفسه ففرقتم بين طلقي نفسك وأبرىء نفسك مما عليك من الدين وهو تفريق بين متماثلين فتركتم محض القياس
وقالوا من أقام شهود زور على أن زيدا طلق امرأته فحكم الحاكم بذلك فهي حلال لمن تزوجها من الشهود وكذلك لو أقام شهود زور على أن فلانة تزوجته بولي ورضى فقضى القاضي بذلك فهي له حلال وكذلك لو شهدوا عليه بأنه أعتق جاريته هذه فقضى القاضي بذلك فهي حلال لمن تزوجها ممن يدري باطن الأمر فتركوا محض القياس وقواعد الشريعة ثم ناقضوا فقالوا لو شهدوا له زورا بأنه وهب له مملكته هذه أو باعها منه لم يحل له وطؤها بذلك ثم ناقضوا بذلك أعظم مناقضة فقالوا لو شهد بأنه تزوجها بعد انقضاء عدتها من المطلق وكانا كاذبين فإنها لا تحل وحبسها على زوجها أعظم من حبسها على عدته فأحلوها في أعظم العصمتين وحرموها في أدناهما وحرمة النكاح أعظم من حرمة العدة

وقلتم لا يحد الذمي إذا زنا بالمسلمة ولو كانت قرشية علوية أو عباسية ولا بسب الله ورسوله وكتابه ودينه جهرة في أسواقنا ومجامعنا ولا بتخريب مساجد المسلمين ولو أنها المساجد الثلاثة ولا ينتقض عهده بذلك وهو معصوم المال والدم حتى إذا منع دينارا واحدا مما عليه من الجزية وقال لا أعطيكموه انتقض بذلك عهده وحل ماله ودمه ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم لو سرق لمسلم عشرة دراهم لقطعت يده ولو قذفه حد بقذفه فيا للقياس الفاسد الباطل المناقض للدين والعقل الموجب لهذه الأقوال التي يكفي في ردها تصورها كيف استجاز المستجيز تقديمها على السنن والآثار والله المستعان
وأجزتم شهادة الفاسقين والمحدودين في القذف والأعميين في النكاح ثم ناقضتم فقلتم لو شهد فيه عبدان صالحان عالمان يفتيان في الحلال والحرام لم يصح النكاح ولم ينعقد بشهادتهما فمنعتم انعقاده بشهادة من عدله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم - وعقد تموه بشهادة من فسقه الله ورسوله ومنع من قبول شهادته
وقلتم لو شهد شاهد على زيد أنه غصب عمر مالا أو شجه أو قذفه وشهد آخر بأنه أقر بذلك ولم يتم النصاب لم يقض عليه بشيء ولو شهد شاهد بأنه طلق امرأته أو أعتق عبده أو باعه وشهد آخر بإقراره بذلك تمت الشهادة وقضي عليه
وقلتم لو قال له بعتك هذا العبد بألف فإذا هو جارية أو بالعكس فالبيع باطل فلو قال بعتك هذه النعجة بعشرة فإذا هي كبش أو بالعكس فالبيع صحيح ثم فرقتم بأن قلتم المقصود من الجارية والعبد مختلف والمقصود من النعجة والكبش متقارب وهو اللحم وهذا غير صحيح فإن الدر والنسل المقصود من الأنثى لا يوجد في الذكر وعسب الفحل وضرابه المقصود منه لا يوجد في الأنثى ثم ناقضتم أبين مناقضة بأن قلتم لو قال بعتك هذا القمح فإذا هو شعير أو هذه الألية فإذا هي شحم لم يصح للبيع مع تقارب القصد

وقلتم لو باعه ثوبا من ثوبين لم يصح البيع لعدم التعيين فلو كانت ثلاثة أثواب فقال بعتك واحد منها صح البيع فيالله العجب كيف أبطلتموه مع قلة الجهالة والغرر وصححتموه مع زيادتهما أفترى زيادة الثوب الثالث خففت الغرر ولا دفعت الجهالة وتفريقكم بأن العقد على واحد من اثنين يتضمن الجهالة والتعزير لأنه قد يكون أحدهما مرتفعا والآخر رديئا فيفضي إلى التنازع والاختلاف فإذا كانت ثلاثة فالثلاثة تتضمن الجيد والردىء والوسط فكأنه قال بعتك أوسطها وذلك أقل غررا من بيعه واحدا من اثنين ردىء وجيد وإذا أمكن حمل كلام المتعاقدين على الصحة فهو أولى من إلغائه وهذا الفرق ما زاد المسألة إلا غرارا وجهالة فإن النزاع كان يكون في ثوبين فقط وأما الآن فصار في ثلاثة وإذا قال إنما وقع العقد على الوسط قال الآخر بل على الأدنى أو على الأعلى
وقلتم لو اشترى جارية ثم أراد وطأها قبل الإستبراء لم يجز ولو تيقنا فراغ رحمها بأن كانت بكرا أو كانت بائعتها امرأة معه في الدار بحيث تيقن أنها غير مشغولة الرحم أو باعها وقد ابتدأت في الحيضة ونحو ذلك ثم قلتم لو وطئها السيد البارحة ثم زوجها منه الغد جاز له وطؤها ورحمها مشتغل على ماء الوطء فتركتم محض القياس والمصلحة وحكمة الشارع لفرق متخيل لا يجدى شيئا وهو أن النكاح لما صح كان ذلك حكما بفراغ الرحم فإذا حكم بفراغ رحمها جاز له وطؤها فيقال يا لله العجب كيف يحكم بفراغ رحمها وهو حديث عهد بوطئها وهل هذا إلا حكم باطل مخالف للحس والعقل والشرع نعم لو أنكم قلتم لا يحل له تزوجها حتى يستبرئها ويحكم بفراغ رحمها لكان هذا فرقا صحيحا وكلاما متوجها ويقال حينئذ لا معنى لاستبراء الزوج فله أن يطئها عقيب العقد فذا محض القياس وبالله التوفيق
وقلتم من طاف أربعة أشواط من السبع فلم يكمله حتى رجع إلى أهله

أنه يجبره بدم وصح حجه إقامة للأكثر مقام الكل فخرجتم عن محض القياس لأن الأركان لا مدخل للدم في تركها وما أمر به الشارع لا يكون المكلف ممتثلا به حتى يأتى بجميعه و لا يقوم أكثره مقام كله كما لا يقوم الأكثر مقام الكل في الصلاة والصيام والزكاة والوضوء وغسل الجنابة فهذا هو القياس الصحيح والمأمور ما لم يفعل ما أمر به فالخطاب متوجه إليه بعد وهو في عهدته والنبي صلى الله عليه وسلم - لم يسامح المتوضىء بترك لمعة في محل الفرض لم يصبها الماء ولا أقام الأكثر مقام الكل والذي جاءت به الشريعة هو الميزان العادل لا هذا الميزان العائل وبلله التوفيق
وقستم الأدهان بالخل والزيت في الإحرام على الأدهان بالمسك والعنبر في وجوب الفدية ويا بعد ما بينهما ولم تقيسوا نبيذ التمر على نبيذ العنب مع قرب الأخوة التي بينهما
وقلتم لو أفطر في نهار رمضان فلزمته الكفارة ثم سافر لم تسقط عنه لأن سفره قد يتخذ وسيلة وحيلة إلى إسقاط ما أوجب الشرع فلا تسقط وهذا لخلاف ما إذا مرض أو حاضت المرأة فإن الكفارة تسقط لأن الحيض والمرض ليس من فعله ثم ناقضتم أعظم مناقضة فقلتم لو احتال لإسقاط الزكاة عند آخر الحول فملك ماله لزوجته لحظة فلما انقضى الحول استرده منها واعتذاركم بالفرق بأن هذا تحيل على منع الوجوب وذلك تحيل على إسقاط الواجب بعد ثبوته والفرق بينهما ظاهر اعتذار لا يجدي شيئا فإنه كما لا يجوز التحيل لإسقاط ما أوجبه الله ورسوله لا يجوز التحيل لإسقاط أحكامه بعد انعقاد أسبابها ولا تسقط بذلك
وإذا انعقد سبب الوجود لم يكن للمكلف لإسقاطه بعد ذلك سبيل وسبب الوجوب هنا قائم وهو الغنى بملك النصاب وهو لم يخرج عن الغنى بهذا التحيل

ولا يعده الله ولا رسوله ولا أحد من خلقه ولا نفسه فقيرا مسكينا 2بهذا التحيل يستحق أخذ الزكاة ولا تجب عليه الزكاة
هذا من أقبح الخداع والمكر فكيف يروج على من يعلم خفايا الأمور وخبايا الصدور وأين القياس والميزان والعدل الذي بعث الله به رسله من التحيل على المحرمات وإسقاط الواجبات وكيف تخرج الحيلة المفسدة التى في العقود المحرمة عن كونها مفسدة أم كيف يقلل بها مصلحة محضة ومن المعلوم أن المفسدة تزيد بالحيلة ولا تزول وتتضاعف ولا تضعف فكيف تزول المفسدة العظيمة التي اقتدت لعنة الله ورسوله للمحلل والمحلل له بأن يشترطا ذلك قبل العقد ثم يعقدا بنية ذلك الشرط ولا يشرطاه في صلب العقد فإذا أخليت صلب العقد من التلفظ بشرطه حسب والله ورسوله والناس وهما يعلمون أن العقد إنما عقد على ذلك فيالله العجيب أكانت هذه اللعنة على مجرد ذكر الشرط فى صلب العقد تقدم على العقد انقلبت اللعنة رحمة وثوابا وهل الاعتبار في العقود إلا بحقائقها ومقاصدها وهل الألفاظ إلا مقصودة لغيرها قصد الوسائل فكيف يضاع المقصود ويعدل عنه في عقد مساو لغيره من كل وجه لأجل تقديم لفظ أو تأخيره أو إبداله بغيره والحقيقة واحدة هذا مما تنزه عنه الشريعة الكاملة المشتملة على مصالح العباد في دينهم ودنياهم فأصحاب الحيل تركوا محض القياس فإن ما احتالوا عليه من العقود المحرمة مساو من كل وجه لها في القصد والحقيقة والمفسدة والفارق أمر صوري أو لفظي لا تأثير له البتة فأي فرق بين أن يبيعه تسعة دراهم بعشرة ولا شيء معها وبين أن يضم إلى أحد العوضين خرقة تساوي فلسا أو عود حطب أو أذن شاة ونحو ذلك فسبحان الله ما أعجب حال هذه الضميمة الحقيرة التي لا تقصد كيف جاءت إلى المفسدة التي أذن الله ورسوله بحرب من توسل إليها بعقد الربا فأزالتها ومحتها بالكلية بل قلبتها مصلحة وجعلت حرب الله ورسوله سلما ورضا وكيف جاء محلل الربا المستعار الذي

هو أخو محلل النكاح إلى تلك المفاسد العظيمة فكشطها كشط الجلد عن اللحم بل قبلها مصالح بإدخال سلعة بين المرابيين تعاقدا عليها صورة ثم أعيدت إلى مالكها ولله ما أفقه ابن عباس في الدين وأعلمه بالقياس والميزان حيث سئل عما هو أقرب من ذلك بكثير فقال دراهم بدراهم دخلت بينهما جريرة فيالله العجب كيف اهتدت هذه الجريرة لقلب مفسدة الربا مصلحة ولعنتة آكله رحمة وتحريمه إذنا وإباحة
ثم أين القياس والميزان في إباحة العينة التي لا غرض للمرابيين في السلعة قط وإنما غرضهما ما يعلمه الله ورسوله وهما والحاضرون من أخذ مائة حالة وبذل مائة وعشرين مؤجلة ليس لهما غرض وراء ذلك البتة فكيف يقول الشارع الحكيم إذا أردتم حل هذا فتحيلوا عليه بإحضار سلعة يشتريها آكل الربا بثمن مؤجل في ذمته ثم يبيعها للمرابي بنقد حاضر فينصرفان على مائة بمائة وعشرين والسلعة حرف جاء لمعنى في غيره وهل هذا إلا عدول عن محض القياس وتفريق بين متماثلين في الحقيقة والقصد والمفسدة من كل وجه بل مفسدة الحيل الربوية أعظم من مفسدة الربا الخالي عن الحيلة فلو لم تأت الشريعة بتحريم هذه الحيل لكان محض القياس والميزان العادل يوجب تحريمها ولهذا عاقب الله سبحانه وتعالى من احتال على استباحة ما حرمه بما لم يعاقب به من ارتكب ذلك المحرم عاصيا فهذا من جنس الذنوب التي يتاب منها وذاك من جنس البدع التي يظن صاحبها أنه من المحسنين
والمقصود ذكر تناقض أصحاب القياس والرأي فيه وأنهم يفرقون بين المتماثلين ويجمعون بين المختلفين كما فرقتم بين ما لو وكل رجلين معا في الطلاق فقلتم لأحدهما أن ينفرد بإيقاعه ولو وكلهما معا في الخلع لم يكن لأحدهما أن ينفرد به وفرقتم بين الأمرين بما لا يجدي شيئا وهو أن الخلع كالبيع

وليس لأحد الوكيلين الانفراد به لأنه أشرك بينهما في الرأي ولم يرض بانفراد أحدهما وأما الطلاق فليس المقصود منه المال وإنما هو تنفيذ قوله وامتثال أمره فهو كما لو أمرهما بتبليغ الرسالة وهذا فرق لا تأثير له البتة بل هو باطل فإن احتياج الطلاق ومفارقة الزوجة إلى الرأي والخبرة والمشاورة مثل احتياج الخلع أو أعظم ولهذا أمر الله سبحانه ببعث الحكمين معا وليس لأحدهما أن ينفرد بالطلاق مع أنهما وكيلان عند القياسيين والله تعالى جعلهما حكمين ولم يجعل لأحدهما الانفراد فما بال وكيلي الزوج لأحدهما الانفراد وهل هذا إلا خروج عن محض القياس وموجب النص
وقلتم لو قال لامرأته طلقي نفسك ثم نهاها في المجلس ثم طلقت نفسها وقع الطلاق ولو قال ذلك لأجنبي ثم نهاه في المجلس ثم طلق لم يقع الطلاق فخرجتم عن موجب القياس وفرقتم بأن قوله لها تمليك وقوله للأجنبي توكيل وقد تقدم بطلان هذا الفرق قريبا
وقلتم لو وصى إلى عبد غيره فالوصية باطلة وإن أجاز سيده ولو وكل عبد غيره فالوكالة جائزة وإن ردها السيد ولكن تكره بدون إذنه
وقلتم إذا أوصى بأن يعتق عنه عبدا بعينه فأعتقه الوارث عن نفسه وقع عن الميت ولو أعتقه الوصي عن نفسه لم يجز عن نفسه ولا عن الميت وفرقتم بأن تصرف الوارث بحق الملك فنفذ تصرفه وإن خالف الموصي وتصرف الوصي بحق الوكالة فلا يصح فيما خالف الموصي وهذا فرق لا يصح فإن تعيين الموصي للعتق في هذا العبد قطع ملك الوارث له فهو كما لو أوصى إلى أجنبي بعتقه سواء وإنما ينتقل إلى الوارث من التركة ما زاد على الدين والوصية اللازمة
وقلتم لو قال ثلث مالي لفلان وفلان وأحدهما ميت فالثلث كله للحي ولو قال بين فلان وفلان وأحدهما ميت فللحي نصفه وهذا تفريق بين متماثلين لفظا ومعنى وقصدا واقتضاء الواو للتشريك كاقتضاء بين ولهذا

استويا في الإقرار وفي استحقاق كل واحد منهما النصف لو كانا حيين
وقلتم لو أوصى له بثلث ماله وليس له من المال شيء ثم اكتسب مالا فالوصية لازمة في ثلثه ولو أوصى له بثلث غنمه ولا غنم له ثم اكتسب غنما فالوصية باطلة فتركتم محض القياس وفرقتم تفريقا لا تأثير له ولا يتحصل منه عند التحقيق شيء والله المستعان وعليه التكلان

فصل القياسيون يجمعون بين ما فرق الله ويفرقون بين ما جمع
وجمعتم بين ما فرق الله بينه من الأعضاء الطاهرة والأعضاء النجسة فنجستم الماء الذي يلاقي هذه وهذه عند رفع الحدث وفرقتم بين ما جمع الله بينه من الوضوء والتيمم فقلتم يصح أحدهما بلا نية دون الآخر وجمعتم بين ما فرق الله بينهما من الشعور والأعضاء فنجستم كليهما بالموت وفرقتم بين ما جمع الله بينهما من سباع البهائم فنجستم منها الكلب والخنزير دون سائرها وجمعتم بين ما فرق الله بينه وهو الناسي والعامد والمخطء والذاكر والعالم والجاهل فإنه سبحانه فرق بينهم في الإثم فجمعتم بينهم في الحكم في كثير من المواضع كمن صلى بالنجاسة ناسيا أو عامدا وكمن فعل المحلوف عليه ناسيا أو عامدا وكمن تطيب في إحرامه أو قلم ظفره أو حلق شعره ناسيا أو عامدا فسويتم بينهما وفرقتم بين ما جمع الله بينه من الجاهل والناسي فأوجبتم القضاء على من أكل في رمضان جاهلا ببقاء النهار دون الناسي وفي غير ذلك من المسائل وفرقتم بين ما جمع الله بينه من عقود الإجارات كاستئجار الرجل لطحن الحب بنصف كر من دقيق واستئجاره لطحنه بنصف كر منه فصححتم الأول دون الثاني مع استوائهما من جميع الوجوه وفرقتم بأن العمل في الأول في العوض الذي استأجره به ليس مستحقا عليه وفي الثاني العمل مستحق عليه فيكون مستحقا له وعليه وهذا فرق صوري لا تأثير

له ولا تتعلق بوجوده مفسدة قط لا جهالة ولا ربا ولا غرر ولا تنازع ولا هي مما يمنع صحة العقد بوجه وأي غرر أو مفسدة أو مضرة للمتعاقدين في أن يدفع إليه غزله ينسجه ثوبا بربعه وزيتونه يعصره زيتا بربعه وحبه يطحنه بربعه وأمثال ذلك مما هو مصلحة محضة للمتعاقدين لا تتم مصلحتهما في كثير من المواضع إلا به فإنه ليس كل واحد يملك عوضا يستأجر به من يعمل له ذلك والأجير محتاج إلى جزء من ذلك والمستأجر محتاج إلى العمل وقد تراضيا بذلك ولم يأت من الله ورسوله نص يمنعه ولا قياس صحيح ولا قول صاحب ولا مصلحة معتبرة ولا مرسلة ففرقتم بين ما جمع الله بينه وجمعتم بين ما فرق الله بينه فقلتم لو اشترى عنبا ليعصره خمرا أو سلاحا ليقتل به مسلما ونحو ذلك إن البيع صحيح وهو كما لو اشتراه ليقتل به عدو الله ويجاهد به في سبيله أو اشترى عنبا ليأكله كلاهما سواء في الصحة وجمعتم بين ما فرق الله بينه فقلتم لو استأجر دارا ليتخذها كنيسة يعبد فيها الصليب والنار جاز له كما لو استأجرها ليسكنها ثم ناقضتم أعظم مناقضة فقلتم لو استأجرها ليتخذها مسجدا لم تصح الإجارة وفرقتم بين ما جمع الله بينه فقلتم لو استأجر أجيرا بطعامه وكسوته لم يجز والله سبحانه لم يفرق بين ذلك وبين استئجاره بطعام مسمى وثياب معينة وقد كان الصحابة يؤجر أحدهم نفسه في السفر والغزو بطعام بطنه ومركوبه وهم أفقه الأمة وفرقتم بين ما جمع الله بينه من عقدين متساويين من كل وجه وقد صرح المتعاقدان فيهما بالتراضي وعلم الله سبحانه تراضيهما والحاضرون فقلتم هذا عقد باطل لا يفيد الملك ولا الحل حتى يصرحا بلفظ بعت واشتريت ولا يكفيهما أن يقول كل واحد منهما أنا راض بهذا كل الرضى ولا قد رضيت بهذا عوضا عن هذا مع كون هذا اللفظ أدل على الرضى الذي جعله الله سبحانه شرطا للحل من لفظه بعت واشتريت فإنه لفظ صريح فيه وبعت واشتريت إنما يدل عليه باللزوم وكذلك عقد النكاح وليس ذلك

من العبادات التي تعبدنا الشارع فيها بألفاظ لا يقوم غيرها مقامها كالأذان وقراءة الفاتحة في الصلاة وألفاظ التشهد وتكبيرة الإحرام وغيرها بل هذه العقود تقع من البر والفاجر والمسلم والكافر ولم يتعبدنا الشارع فيها بألفاظ معينة فلا فرق أصلا بين لفظ الإنكاح والتزويج وبين كل لفظ يدل على معناهما
وأفسد من ذلك اشتراط العربية مع وقوع النكاح من العرب والعجم والترك والبربر ومن لا يعرف كلمة عربية والعجب أنكم اشترطتم تلفظه لفظ لا يدري ما معناه البتة وإنما هو عنده بمنزلة صوت في الهواء فارغ لا معنى تحته فعقدتم العقد به وأبطلتموه بتلفظه باللفظ الذي يعرفه ويفهم معناه ويميز بين معناه وغيره وهذا من أبطل القياس ولا يقتضي القياس إلا ضد هذا فجمعتم بين ما فرق الله بينه وفرقتم بين ما جمع الله بينه
وبإزاء هذا القياس قياس من يجوز قراءة القرآن بالفارسية ويجوز انعقاد الصلاة بكل لفظ يدل على التعظيم كسبحان الله وجل الله والله العظيم ونحوه عربيا كان أو فارسيا ويجوز إبدال لفظ التشهد بما يقوم مقامه وكل هذا من جنايات الآراء والأقيسة والصواب اتباع ألفاظ العبادات والوقوف معها وأما العقود والمعاملات فإنما يتبع مقاصدها والمراد منها بأي لفظ كان إذا لم يشرع الله ورسوله لنا التعبد بألفاظ معينة لا نتعداها
وجمعتم بين ما فرق الله بينه من إيجاب النفقة والسكنى للمبتوتة وجعلتموها كالزوجة وفرقتم بين ما جمع الله ورسوله بينه من ملازمة الرجعية المعتدة والمتوفي عنها زوجها منزلهما حيث يقول تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن وحيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم - المتوفي عنها أن تمكث

في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله وجمعتم بين ما فرق الله بينهما من بول الطفل والطفلة الرضيعين فقلتم يغسلان وفرقتم بين ما جمعت السنة بينه من وجوب غسل قليل البول وكثيره وفرقتم بين ما جمع الله ورسوله بينهما من ترتيب أعضاء الوضوء وترتيب أركان الصلاة فأوجبتم الثاني دون الأول ولا فرق بينهما لا في المعنى ولا في النقل والنبي صلى الله عليه وسلم - هو المبين عن الله سبحانه أمره ونهيه ولم يتوضأ قط إلا مرتبا ولا مرة واحدة في عمره كما لم يصل إلا مرتبا ومعلوم أن العبادة المنكوسة ليست كالمستقيمة ويكفي هذا الوضوء اسمه وهو أنه وضوء منكس فكيف يكون عبادة وجمعتم بين ما فرق الله بينه من إزالة النجاسة ورفع الحدث فسويتم بينهما في صحة كل منهما بغير نية وفرقتم بين ما جمع الله بينهما من الوضوء والتيمم فاشترطتم النية لأحدهما دون الآخر وتفريقكم بأن الماء يطهر بطبعه فاستغنى عن النية بخلاف التراب فإنه لا يصير مطهرا إلا بالنية فرق صحيح بالنسبة إلى إزالة النجاسة فإنه مزيل لها بطبعه وأما رفع الحدث فإنه ليس رافعا له بطبعه إذ الحدث ليس جسما محسوسا يرفعه الماء بطبعه بخلاف النجاسة وإنما يرفعه بالنية فإذا لم تقارنه النية بقي على حاله فهذا هو القياس المحض
وجمعتم بين ما فرق الله بينه فسويتم بين بدن أطيب المخلوقات وهو ولي الله المؤمن وبين بدن أخبث المخلوقات وهو عدوه الكافر فنجستم كليهما بالموت ثم فرقتم بين ما جمع الله بينه فقلتم لو غسل المسلم ثم وقع في ماء لم ينجسه ولو غسل الكافر ثم وقع في ماء نجسه ثم ناقضتم في الفرق بأن المسلم إنما غسل ليصلي عليه فطهر بالغسل لاستحالة الصلاة عليه وهو نجس بخلاف الكافر وهذا الفرق ينقض ما أصلتموه من أن النجاسة بالموت

نجاسة عينية فلا تزول بالغسل لأن سببها قائم وهو الموت وزوال الحكم مع بقاء سببه ممتنع فأي القياسين هو المعتد به في هذه المسألة
وفرقتم بين ما جمعت السنة والقياس بينهما فقلتم لو طلعت عليه الشمس وقد صلى من الصبح ركعة بطلت صلاته ولو غربت عليه الشمس وقد صلى من العصر ركعة صحت صلاته والسنة الصحيحة الصريحة قد سوت بينهما وتفريقكم بأنه في الصبح خرج من وقت كامل إلى غير وقت كامل ففسدت صلاته وفي العصر خرج من وقت كامل إلى وقت كامل وهو وقت صلاة فافترقا ولو لم يكن في هذا القياس إلا مخالفته لصريح السنة لكفى في بطلانه فكيف وهو قياس فاسد في نفسه فإن الوقت الذي خرج إليه في الموضعين ليس وقت الصلاة الأولى فهو ناقص بالنسبة إليها ولا ينفع كماله بالنسبة إلى الصلاة التي هو فيها
فإن قيل لكنه خرج إلى وقت نهي في الصبح وهو وقت طلوع الشمس ولم يخرج إلى وقت نهي في المغرب
قيل هذا فرق فاسد لأنه ليس بوقت نهي عن هذه الصلاة التي هو فيها بل هو وقت أمر بإتمامها بنص صاحب الشرع حيث يقول فليتم صلاته وإن كان وقت نهي بالنسبة إلى التطوع فظهر أن الميزان الصحيح مع السنة الصحيحة وبالله التوفيق
وجمعتم بين ما فرق الله بينه فقلتم المختلعة البائنة التي قد ملكت نفسها يلحقها الطلاق فسويتم بينها وبين الرجعية في ذلك وقد فرق الله بينهما بأن جعل هذه مفتدية لنفسها مالكة لها كالأجنبية وتلك زوجها أحق بها ثم فرقتم بين ما جمع الله بينه فأوقعتم عليها مرسل الطلاق دون معلقه وصريحه دون كنايته ومن المعلوم أن من ملكه الله أحد الطلاقين ملكه الآخر ومن لم يملكه هذا لم يملكه هذا

وجمعتم بين ما فرق الله بينه فمنعتم من أكل الضب وقد أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو ينظر وقيل له أحرام هو فقال لا فقستموه على الأحناش والفيران وفرقتم بين ما جمعت السنة بينه من لحوم الخيل التي أكلها الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - مع لحوم الأبل وأذن الله تعالى فيها فجمع الله تعالى ورسوله بينهما في الحل وفرق الله ورسوله بين الضب والحنش في التحريم
وجمعتم بين ما فرقت السنة بينه من لحوم الإبل وغيرها حيث قال توضئوا من لحوم الإبل ولا تتوضئوا من لحوم الغنم فقلتم لا نتوضأ من هذا ولا من هذا وفرقتم بين ما جمعت الشريعة بينه فقلتم في القيء إن كان ملء الفم فهو حدث وإن كان دون ذلك فليس بحدث لا يعرف في الشريعة شيء يكون كثيره حدثا دون قليله وأما النوم فليس بحدث وإنما هو مظنته فاعتبروا ما يكون مظنة وهو الكثير وفرقتم بين ما جمع الله بينه فقلتم لو فتح على الإمام في قراءته لم تبطل صلاته ولكن تكره لإن فتحه قراءة منه والقراءة خلف الإمام مكروهة ثم قلتم فلو فتح على قارىء غير إمامه بطلت صلاته لأن فتحه عليه مخاطبة له فأبطلت الصلاة ففرقتم بين متماثلين لأن الفتح إن كان مخاطبة في حق غير الإمام فهو مخاطبة في حق الإمام وإن لم يكن مخاطبة في حق الإمام فليس بمخاطبة في حق غيره ثم ناقضتم من وجه آخر أعظم مناقضة فقلتم لما نوى الفتح على غير الإمام خرج عن كونه قارئا إلى كونه مخاطبا بالنية ولو نوى الربا الصريح والتحليل الصريح وإسقاط الزكاة بالتمليك الذي اتخذه حيلة لم يكن مرابيا ولا مسقطا للزكاة ولا محللا بهذه النية
فيا لله العجب كيف أثرت نية الفتح والإحسان على القارىء وأخرجته عن كونه قارئا إلى كونه مخاطبا ولم تؤثر نية الربا والتحليل مع إساءته بهما وقصده

نفس ما حرمه الله فتجعله مرابيا محللا وهل هذا إلا خروج عن محض القياس وجمع بين ما فرق الشارع بينهما وتفريق بين ما جمع بينهما
وقلتم لو اقتدى المسافر بالمقيم بعد خروج الوقت لا يصح اقتداؤه ولو اقتدى المقيم بالمسافر بعد خروج الوقت صح اقتداؤه
وهذا تفريق بين متماثلين ولو ذهب ذاهب إلى عكسه لكان من جنس قولكم سواء ولأمكنه تعليله بنحو ما عللتم به
ووجهتم الفرق بأن من شرط صحة اقتداء المسافر بالمقيم أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه وبخروج الوقت استقر الفرض عليه استقرارا لا يتغير بتغير حاله فبقي فرضه ركعتين فلو جوزنا له اقتداءه بالمقيم بعد خروج الوقت جوزنا اقتداء من فرضه ركعتان بمن فرضه أربع وهذا لا يصح كمصلي الفجر إذا اقتدى بمصلي الظهر وليس كذلك المقيم إذا اقتدى بالمسافر بعد خروج الوقت إذ ليس من شرط صحة اقتداء المقيم بالمسافر أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه بدليل أنه لو اقتدى به في الوقت لم ينتقل فرضه إلى فرض إمامه بخلاف المسافر فإنه لو اقتدى بالمقيم في الوقت انتقل فرضه إلى فرض إمامه
ثم ناقضتم وقلتم إذا كان الإمام مسافرا وخلفه مسافرون ومقيمون فاستخلف الإمام مقيما فإن فرض الإمام لا ينتقل إلى فرض إمامه وهو فرض المقيمين مع أن الفرق في الأصل مدخول وذلك أن الصلاتين سواء في الاسم والحكم والوضع والوجوب وإن اختلفتا في كون الإمام مصليا فإذا صلى الإمام أربعا وجب على المأموم أن يصلي بصلاته كما لو كان في الوقت وخرج الوقت لا أثر له في ذلك فإن الذي فرضه الله عليه في الوقت هو بعينه فرضه بعد الوقت ولا سيما إذا كان نائما أو ناسيا فإن وقت اليقظة والذكر هو الوقت الذي شرع الله له الصلاة فيه وعذر السفر قائم

وارتباط صلاته بصلاة الإمام حاصل فما الذي فرق بين الصورتين مع اتحاد السبب الجامع وقيام الحكمة المجوزة للقصر والمرجحة لمصلحة الاقتداء عند الانفراد وفرقتم بين ما جمعت الشريعة بينهما وهو الحيض والنفاس فجعلتم أقل الحيض محدودا إما بثلاثة أيام أو بيوم وليلة أو بيوم ولم تحدوا أقل النفاس وكلاهما دم خارج من الفرج يمنع أشياء ويوجب أشياء وليسا اسمين شرعيين لم يعرفا إلا بالشريعة بل هما اسمان لغويان رد الشارع أمته فيهما إلى ما يتعارفه النساء حيضا ونفاسا قليلا كان أو كثيرا وقد ذكرتم هذا بعينه في النفاس فما الذي فرق بينه وبين الحيض ولم يأت عن الله ولا عن رسوله ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض بحد أبدا ولا في القياس ما يقتضيه
والعجب أنكم قلتم المرجع فيه إلى الوجود حيث لم يحده الشارع ثم ناقضتم فقلتم حد أقله يوم وليلة
وأما أصحاب الثلاث فإنما اعتمدوا على حديث توهموه صحيحا وهو غير صحيح باتفاق أهل الحديث فهم أعذر من وجه قال المفرقون بل فرقنا بينهما بالقياس الصحيح فإن للنفاس علما ظاهرا يدل على خروجه من الرحم وهو تقدم الولد عليه فاستوى قليله وكثيره لوجود علمه الدال عليه وليس مع الحيض علم يدل على خروجه من الرحم فإذا امتد زمنه صار امتداده علما ودليلا على أنه حيض معتاد وإذا لم يمتد لم يكن معنا ما يدل عليه أنه حيض فصار كدم الرعاف
ثم ناقضوا في هذا الفرق نفسه أبين مناقضة فقال أصحاب الثلاث لو امتد يومين ونصف يوم دائما لم يكن حيضا حتى يمتد ثلاثة أيام
وقال أصحاب اليوم لو امتد من غدوة إلى العصر دائما لم يكن حيضا حتى يمتد إلى غروب الشمس فخرجوا بالقياس عن محض القياس

وقلتم إذا صلى جالسا ثم تشهد في حال القيام سهوا فلا سجود عليه وإن قرأ في حال التشهد فعليه السجود وهذا فرق بين متساويين من كل وجه وقلتم إذا افتتح الصلاة في المسجد فظن أنه قد سبقه الحدث فانصرف ليتوضأ ثم علم أنه لم يسبقه الحدث وهو في المسجد جاز له المضي على صلاته وكذلك لو ظن أنه قد أتم صلاته ثم علم أنه لم يتم ثم قلتم لو ظن أن على ثوبه نجاسة أو أنه لم يكن متوضئا فانصرف ليتوضأ أو يغسل ثوبه ثم علم أنه كان متوضئا أو طاهر الثوب لم يجز له البناء على صلاته ففرقتم بين ما لا فرق بينهما وتركتم محض القياس وفرقتم بأنه لما ظن سبق الحدث فقد انصرف من صلاته انصراف استئناف لا انصراف رفض فإنه لو تحقق ما ظنه جاز له المضي فلم يصر قاصدا للخروج من الصلاة فلم يمتنع البناء وكذلك لو ظن أنه قد أتم صلاته فلم ينصرف انصراف رفض وإذا لم يكن يقصد الرفض لم تصر الصلاة مرفوضة كما لو سلم ساهيا وليس كذلك إذا ظن أنه لم يتوضأ أو أن على ثوبه نجاسة لأنه انصرف منها انصراف رفض ونوى الرفض مقارنا لانصرافه فبطلت كما لو سلم عامدا وهذا الفرق غير مجد شيئا بل هو فرق بين ما جمعت الشريعة بينهما فإنه في الموضعين انصرف انصرافا مأذونا فيه أو مأمورا به وهو معذور في الموضعين بل هذا الفرق حقيق باقتضائه ضد ما ذكرتم فإنه إذا ظن أنه لم يتوضأ فانصرافه مأمور به وهو عاص لله بتركه بخلاف ما إذا ظن أنه قد أتم صلاته فإن انصرافه مباح مأذون له فيه فكيف تصح الصلاة مع هذا الانصراف وتبطل بالانصراف المأمور به ثم إنه أيضا في انصرافه حينما ظن أنه قد أتم صلاته ينصرف انصراف ترك حقيقة لأنه يظن أنه قد فرغ منها فتركها ترك من قد أكملها وما ظن أنه محدث فإنما تركها ترك قاصد لتكملتها فهي أولى بالصحة
وقلتم لو قال لله علي أن أصلي ركعتين وقال آخر وأنا لله علي أصلي ركعتين لم يجز لأحدهما أن يأتم بصلاته لأنهما فرضان بسببين وهو

نذر كل واحد منهما ولا يؤدى فرض خلف فرض آخر ثم ناقضتم فقلتم لو قال الآخر وأنا لله علي أن أصلي الركعتين التين أوجبت على نفسك جاز لأحدهما أن يأتم بالآخر لأنه أوجب على نفسه عين ما أوجبه الآخر على نفسه فصارتا كالظهر الواحدة وهذا ليس يجدي شيئا فإن سبب الوجوب مختلف كما في الصورة الأولى سواء وهو نذر كل واحد منهما على نفسه وليس الواجب على أحدهما هو عين الواجب على الآخر بل هو مثله ولهذا لا يتأدى أحد الواجبين بأداء الآخر ولا فرق بين المسألتين في ذلك البتة فإن كل واحد منهما يجب عليه ركعتان نظير ما وجب على الآخر بنذره فالسبب مماثل والواجب مماثل والتعدد في الجانبين سواء فالتفريق بينهما تفريق بين متماثيلن وخروج عن محض القياس
وفرقتم بين ما جمع النص والميزان بينهما فقلتم إذا ظفر بركاز فعليه فيه الخمس ثم يجوز له صرفه إلى أولاده وإلى نفسه إذا احتاج إليه وإذا وجب عليه عشر الخارج من الأرض لم يكن له صرفه إلى ولده ولا إلى نفسه وكلاهما واجب عليه إخراجه لحق الله وشكر النعمة بما أنعم عليه من المال ولكن لما كان الركاز مالا مجموعا لم يكن نماؤه وكماله بفعله فالمأونة فيه أيسر كان الواجب فيه أكثر ولما كان الزرع فيه من المؤنة والكلفة والعمل أكثر مما في الركاز كان الواجب فيه نصفه وهو العشر فإذا اشتدت المؤنة بالسقى بالكلفة حط الواجب إلى نصفه وهو نصف العشر فإن اشتدت المؤنة في المال غيره بالتجارة والبيع والشراء كل وقت وحفظه وكراء مخزنه ونقله خفت إلى شطره وهو ربع العشر فهذا من كمال حكمة الشارع في اعتبار كثرة الواجب وقلته فكيف يجوز له أن يعطي الواجب الأكثر الذي هو مؤنة وتعبا وكلفة لأولاده ويمسكه لنفسه وقد أضعفه عليه الشارع أكثر من كل واجب في الزكاة ومخرج الجميع وإيجابه واحد نصا واعتبارا فالتفريق بينهما تفريق بين ما جمعت الشريعة بينهما حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم - في الركاز الخمس وفي الرقة ربع العشر

وقلتم لو أودع من لا يعرفه مالا فغاب عنه سنين ثم عرفه فلا زكاة عليه لأنه لا يقدر على ارتجاعه منه فهو كما لو دفنه بمغارة فنسيه ثم ناقضتم فقلتم لو أودعه من يعرفه فنسيه سنين ثم عرفه فعليه زكاة تلك السنين الماضية كلها والمال خارج عن قبضته وتصرفه وهو غير قادر على ارتجاعه في الصورتين ولا فرق بينهما وقد صرحتم في مسألة المغارة أنه لو دفنه في موضع منها ثم نسيه فلا زكاة عليه إذا عرفه بعد ذلك ولا فرق في هذا بين المغارة وبين المودع بوجه ثم ناقضتم من وجه آخر وقلتم لو دفنه في داره وخفي عليه موضعه سنين ثم عرفه وجبت عليه الزكاة لما مضى
وقلتم لو وجبت عليه أربع شياه فأخرج ثنتين سمينتين تساوى الأربع جاز فطرد قياسكم هذا أنه لو وجب عليه عشر أقفزة بر فأخرج خمسة من بر مرتفع يساوي قيمة العشرة التي هي عليه جاز وطرده لو وجب عليه خمسة أبعرة فأخرج بعيرا يساوي قيمة الخمسة أنه يجوز ولو وجب عليه صاع في الفطرة فأخرج ربع صاع يساوي الصاع الذي لو أخرجه لتأدى به الواجب أنه يجوز فإن طردتم هذا القياس فلا يخفي ما فيه من تغيير المقادير الشرعية والعدول عنها ولزمكم طرده في أن من وجب عليه عتق رقبة فأعتق عشر رقبة تساوي قيمة رقبة غيرها جاز ومن نذر الصدقة بمائة شاة فتصدق بعشرين تساوي قيمة المائة جاز ثم ناقضتم فقلتم لو وجب عليه أضحيتان فذبح واحدا سمينا يساوي وسطين لم يجز ثم فرقتم بأن قلتم المقصود في الأضحية الذبح وإراقة الدم وإراقة دم واحد لا تقوم مقام إراقة دمين والمقصود في الزكاة سد خلة الفقير وهو يحصل بالأجود الأقل كما يحصل بالأكثر إذا كان دونه وهذا فرق إن صح لكم في الأضحية لم يصح لكم فيما ذكرناه من الصور فكيف ولا يصح في الأضحية فإن المقصود في الزكاة أمور عديدة منها سد خلة الفقير ومنها إقامة عبودية الله

بفعل نفس ما أمر به ومنها شكر نعمته عليه في المال ومنها إحراز المال وحفظه بإخراج هذا المقدار منه ومنها المواساة بهذا المقدار لما علم الله فيه من مصلحة رب المال ومصلحة الآخذ ومنها التعبد بالوقوف عند حدود الله وأن لا ينقص منها ولا يغير وهذه المقاصد إن لم تكن أعظم من مقصود إراقة الدم في الأضحية فليست بدونه فكيف يجوز إلغاؤها واعتبار مجرد إراقة الدم لهم إن هذا الفرق ينعكس عليكم من وجه آخر وهو أن مقصود الشارع من إراقة دم الهدي والأضحية التقرب إلى الله سبحانه بأجل ما يقدر عليه من ذلك النوع وأعلاه وأغلاه ثمنا وأنفسه عند أهله فإنه لن يناله سبحانه لحومها ولا دماؤها وإنما يناله تقوى العبد منه ومحبته له وإيثاره بالتقرب إليه بأحب شيء إلى العبد وآثره عنده وأنفسه لديه كما يتقرب المحب إلى محبوبه بأنفس ما يقدر عليه وأفضله عنده
ولهذا فطر الله العباد على من تقرب إلى محبوبه بأفضل هدية يقدر عليها وأجلها وأعلاها كان أحظى لديه وأحب إليه ممن تقرب إليه بألف واحد ردىء من ذلك النوع
وقد نبه سبحانه على هذا بقوله يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد وقال تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه وقال ويطعمون الطعام على حبه وسئل النبي صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الرقاب فقال أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ونذر عمر أن ينحر نجيبة فأعطى بها نجيبتين فسأل النبي صلى الله عليه وسلم - أن يأخذهما بها وينحرهما فقال لا بل انحرها إياها فاعتبر في الأضحية عين المنذور دون

ما يقوم مقامه وإن كان أكثر منه فلأن يعتبر في الزكاة نفس الواجب دون ما يقوم مقامه ولو كان أكثر منه أولى وأحرى
وطرد قياسكم أنه لو وجب عليه أربع شياه جياد فأخرج عشرا من أردأ الشياه وأهزلها وقيمتهن قيمة الأربع أو وجب عليه أربع حقاق جياد فأخرج عشرين ابن لبون من أردأ الإبل وأهزلها أنه يجوز فإن منعتم ذلك نقضتم القياس وإن طردتموه تيممتم الخبيث منه تنفقون وسلطتم رب المال على إخراج رديئه ومعايبه عن جيده والمرجع في التقويم إلى اجتهاده وفي هذا من مخالفة الكتاب والميزان ما فيه
وفرقتم بين ما جمع الشارع بينه وجمعتم بين ما فرق بينه أما الأول فقلتم يصح صوم رمضان بنية من النهار قبل الزوال ولا يصح صوم الظهار وكفارة الوطء في رمضان وكفارة القتل إلا بنية من الليل وفرقتم بينهما بأن صوم رمضان لما كان معينا بالشرع أجزء بنية من النهار بخلاف صوم الكفارة وبنيتم على ذلك أنه لو قال لله علي صوم يوم فصامه بنية قبل الزوال لم يجزئه ولو قال لله علي أن أصوم غدا فصامه بنية قبل الزوال جاز وهذا تفريق بين ما جمع الشارع بينه من صوم الفرض وأخبر أنه لا صيام لمن لم يبيته من الليل وهذا في صوم الفرض وأما النفل فصح عنه أنه كان ينشئه بنية من النهار فسويتم بينهما في إجزائهما بنية من النهار وقد فرق الشارع بينهما وفرقتم بين بعض الصوم المفروض وبعض في اعتبار النية من الليل وقد سوى الشارع بينهما
والفرق بالتعين وعدمه عديم التأثير فإنه وإن تعين لم يصر عبادة إلا بالنية ولهذا لو أمسك عن الأكل والشرب من غير نية لم يكن صائما فإذا لم تقارن النية جميع أجزاء اليوم فقد خرج بعضه عن أن يكون عبادة فلم يؤد ما أمر به وتعيينه لا يزيد وجوبه إلا تأكيدا واقتضاء

فلو قيل إن المعين أولى بوجوب النية من الليل من غير المعين لكان أصح في القياس والقياس الصحيح هو الذي جاءت به السنة من الفرق بين الفرض والنفل فلا يصح الفرض إلا بنية من الليل والنفل يصح بنية من النهار لأنه يتسامح فيه ما لا يتسامح في الفرض كما يجوز أن يصلي النفل قاعدا وراكبا على دابته إلى القبلة وغيرها وفي ذلك تكثير النفل وتيسير الدخول فيه والرجل لما كان مخيرا بين الدخول فيه وعدمه ويخير بين الخروج منه وإتمامه خير بين التبييت والنية من النهار فهذا محض القياس وموجب السنة ولله الحمد
وفرقتم بين ما جمع الله بينهما من جماع الصائم والمعتكف فقلتم لو جامع في الصوم ناسيا لم يفسد صومه ولو جامع المعتكف ناسيا فسد اعتكافه وفرقتم بينهما بأن الجماع من محظورات الاعتكاف ولهذا لا يباح ليلا ولا نهارا وليس من محظورات الصوم لأنه يباح ليلا وهذا فرق فاسد جدا لأن الليل ليس محلا للصوم فلم يحرم فيه الجماع وهو محل للاعتكاف فحرم فيه الجماع فنهار الصائم كليل المعتكف في ذلك ولا فرق بينهما والجماع محظور في الوقتين ووزان ليل الصائم اليوم الذي يخرج فيه المعتكف من اعتكافه فهذا هو القياس المحض والجمع بين ما جمع الله بينه والتفريق بين ما فرق الله بينه وبالله التوفيق
وقلتم لو دخل عرفة في طلب بعير له أو حاجة ولم ينو الوقوف أجزأه عن الوقوف ولو دار حول البيت في طلب شيء سقط منه ولم ينو الطواف لم يجزئه وهذا خروج عن محض القياس وفرقتم تفريقا فاسدا فقلتم المقصود الحضور بعرفة في هذا الوقت وقد حصل بخلاف الطواف فإن المقصود العبادة ولا تحصل إلا بالنية فيقال والمقصود بعرفة العبادة أيضا فكلاهما ركن مأمور به ولم ينو

المكلف امتثال الأمر لا في هذا ولا في هذا فما الذي صحح هذا وأبطل هذا ولما تنبه بعض القياسيين لفساد هذا الفرق عدل إلى فرق آخر فقال الوقوف ركن يقع في نفس الإحرام فنية الحج مشتملة عليه فلا يفتقر إلى تجديد نية كأجزاء الصلاة من الركوع والسجود ينسحب عليها نية الصلاة وأما الطواف فيقع خارج العبادة فلا تشمل عليه نية الإحرام فافتقر إلى النية ونحن نقول لأصحاب هذا الفرق ردونا إلى الأول فإنه أقل فسادا وتناقضا من هذا فإن الطواف والوقوف كلاهما جزء من أجزاء العبادة فكيف نضمنت جزءا من أجزاء العبادة لهذا الركن دون هذا وأيضا فإن طواف المعتمر يقع في الإحرام وأيضا فطواف الزيارة يقع في بقية الإحرام فإنه إنما حل من إحرامه قبله تحللاأول ناقصا والتحلل الكامل موقوف على الطواف
وفرقتم بين ما جمعت السنة والقياس بينهما فقلتم إذا أحرم الصبي ثم بلغ فجدد إحرامه قبل أن يقف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام وإذا أحرم العبد ثم عتق فجدد إحرامه لم يجزئه عن حجة الإسلام والسنة قد سوت بينهما وكذا القياس فإن إحرامهما قبل البلوغ والعتق صحيح وهو سبب للثواب وقد صارا من أهل وجوب الحج قبل الوقوف بعرفة فأجزأهما عن حجة الإسلام كما لو لم يوجد منهما إحرام قبل ذلك فإن غاية ما وجد منهما من الإحرام أن يكون وجوده كعدمه فوجود الإحرام السابق على العتق لم يضره شيئا بحيث يكون عدمه أنفع له من وجوده وتفريقكم بأن إحرام الصبي إحرام تخلق وعادة وبالبلوغ انعدم ذلك فصح منه الإحرام عن حجة الإسلام وأما العبد فإحرامه إحرام عبادة لأنه مكلف فصح إحرامه موجبا فلا يتأتى له الخروج منه حتى يأتي بموجبه

فرق فاسد فإن الصبي مثاب على إحرامه بالنص وإحرامه إحرام عبادة وإن كانت لا تسقط الفرض كإحرام العبد سواء
وفرقتم بين ما حمع القياس الصحيح بينه فقلتم لو قال أحجوا فلانا حجة فله أن يأ النفقة ويأكل بها ويشرب ولا يحج ولو قال أحجوه عني لم يكن له أن يأخذ النفقة إلا بشرط الحج وفرقتم بأن في المسألة الأولى أخرج كلامه مخرج الإيصاء بالنفقة له وكأنه أشار عليه بالحج ولا حق للموصي في الحج الذي يأتي به فصححنا الوصية بالمال ولم نلزم الموصى له بما لا حق للموصى فيه وأما في المسألة الثانية فإنما قصد أن يعود نفعه إليه بثواب النفقة في الحج فإن لم يحصل له غرضه لم تنفذ الوصية ولهذا الفرق نفسه هو المبطل للفرق بين المسألتين فإنه بتعين الحج قطع ما توهمتموه من دفع المال إليه بفعل ما يريد وإنما قصد إعانته على طاعة الله ليكون شريكا له في الثواب ذاك بالبدن وهذا بالمال ولهذا عين الحج مصرفا للوصية لا يجوز إلغاء ذلك وتمكينه من المال يصرفه في ملاذه وشهواته هذا من أفسد القياس وهو كما لو قال أعطوا فلانا ألفا ليبني مسجدا أو سقاية أو قنطرة لم يجز أن يأخذ الألف ولا يفعل ما أوصى به كذلك الحج سواء
وفرقتم بين ما جمع محض القياس بينهما فقلتم إذا اشترى عبدا ثم قال له أنت حر أمس عتق عليه ولو تزوجها ثم قال أنت طالق أمس لم تطلق وفرقتم بأن العبد لما كان حرا أمس اقتضى تحريم شرائه واسترقاته اليوم وأما الطلاق فكونها مطلقة أمس لا يقتضي تحريم نكاحها اليوم وهذا فرق صورى لا تأثير له البتة فإن الحكم إن جاز تقديمه على سببه وقع العتق والطلاق في الصورتين وإن امتنع تقديمه في الموضعين على سببه لم يقع واحد منهما فما بال أحدهما وقع دون الآخر

فإن قيل نحن لم نفرق بينهما في الإنشاء وإنما فرقنا بينهما في الإقرار والأخبار فإذا أقر بأن العبد حر بالأمس فقد بطل أن يكون عبدا اليوم فعتق باعترافه وإذا أقر بأنها طالق أمس لم يلزم بطلان النكاح اليوم لجواز أن يكون المطلق الأول قد طلقها أمس قبل الدخول فتزوج هو بها اليوم
قلنا إذا كانت المسألة على هذا الوجه فلا بد أن يقول أنت طالق أمس من غير أو ينوي ذلك فينفعه حيث يدين فأما إذا أطلق فلا فرق بين العتق والطلاق
فإن قيل يمكن أن يطلقها بالأمس ثم يتزوجها اليوم
قيل هذا يمكن في الطلاق الذي لم يستوف إذا كان مقصوده الأخبار فأما إذا قال أنت طالق أمس ثلاثا ولم يقل من زوج كان قبلي ولا نواه فلا فرق أصلا بين ذلك وبين قوله للعبد أنت حر أمس هذا التفصيل هو محض القياس وبالله التوفيق
وجمعتم بين ما فرقتما السنة بينهما فقلتم يجب على البائن الإحداد كما يجب على المتوفي عنهما والإحداد لم يكن ذلك لأجل العدة وإنما كان من أجل موت الزوج والنبي صلى الله عليه وسلم - نفى وأثبت وخص الإحداد بالمتوفي عنها زوجها وقد فارقت المبتوتة في وصف العدة وقدرها وسببها وفإن سببها الموت وإن لم يكن الزوج دخل بها وسبب عدة البائن الفراق وإن كان الزوج حيا ثم فرقتم بين ما جمعت السنة بينهما فقلتم إن كانت الزوجة ذمية أو غير بالغة فلا إحداد عليها والسنة تقضي التسوية كما يقضيه القياس
وفرقتم بين ما جمع القياس المحض بينهما فقلتم لو ذبح المحرم صيدا فهو ميتة لا يحل أكله ولو ذبح الحلال صيدا حرميا فليس بميتة وأكله حلال وفرقتم بأن المانع في ذبح المحرم فيه فهو كذبح المجوسى والوثنى فالذابح غير أهل وفي المسألة الثانية الذابح أهل والمذبوح محل للذبح إذا

كان حلال وإنما منع منه حرمة المكان ألا ترى أنه لو خرج من الحرم حل ذبحه وهذا من أفسد فرق وهو باقتضاء عكس الحكم أولى فإن المانع في الصيد الحرمي في نفس المذبوح فهو كذبح مالا يؤكل والمانع في ذبح المحرم في الفاعل فهو كذبح الغاصب
وقلتم لو أرسل كلبه على صيد في الحل فطرده حتى أدخله الحرم فأصابه لم يضمنه ولو أرسل سهمه على صيد في الحل فأطارته الريح حتى قتل صيدا في الحرم ضمنه وكلاهما تولد القتل فيه عن فعله وفرقتم بأن الرمي حصل بمباشرته وقوته التي أمدت السهم فهو محض فعله بخلاف مسألة الكلب فإن الصيد فيه يضاف إلى فعل الكلب وهذا الفرق لا يصح فإن أرسال السهم والكلب كلاهما من فعله فالذي تولد منهما تولد عن فعله وجريان السهم وعدو الكلب كلاهما هو السبب فيه وكون الكلب له اختيار والسهم لا اختيار له فرق لا تأثير له إذا كان اختيار الكلب بسبب إرسال صاحبه له
وقلتم لو رهن أرضا مزروعة أو شجرا مثمرا دخل الزرع والثمر في الرهن ولو باعهما لم يدخل الزرع والثمر في البيع وفرقتم بينهما بأن الرهن متصل بغيره واتصال الرهن بغيره يمنع صحة الإشاعة فلو لم يدخل فيه الزرع والثمرة لبطل بخلاف المبيع فإن اتصاله بغيره لا يبطله إذ الإشاعة لا تنافيه وهذا قياس في غاية الضعف لأن الاتصال هنا إتصال مجاورة لا إشاعة فهو كرهن زيت في ظروفه وقماش في أعداله ونحمه
وقلتم لو أكره على هبة جارية لرجل فوهبها له ملكها فأعتقها الموهوب له نفذ عتقه ولو باعها لم يصح بيعه وهذا خروج عن محض القياس وتفريقكم بأن هذا عتق صدر عن إكراه والإكراه لا يمنع صحة العتق وذاك بيع صدر عن إكراه والإكراه يمنع صحة البيع لا يصح لأنه إنما أكره على التمليك ولم يكن للمكره غرض في الإعتاق والتمليك لم يصح والعتق لم يكره عليه فلا ينفذ

كالبيع سواء هذا مع أنكم تركتم القياس في مسألة الإكراه على البيع والعتق فصححتم العتق دون البيع وفرقتم بأن العتق لا يدخله خيار فصح مع الإكراه كالطلاق والبيع يدخله الخيار فلم يصح مع الإكراه وهذا فرق لا تأثير له وهو فاسد في نفسه فإن الإقرار والشهادة والإسلام لا يدخله خيار ولا تصح مع الإكراه وإنما امتنعت عقود المكره من النفوذ لعدم الرضا الذي هو مصحح العقد وهو أمر تستوي فيه عقوده كلها معاوضتها وتبرعاتها وعتقه وطلاقه وخلعه وإقراره وهذا هو محض القياس والميزان فإن المكره محمول على ما أكره عليه غير مختار له فأقواله كأقوال النائم والناسي فاعتبار بعضها وإلغاء بعضها خروج عن محض القياس وبالله التوفيق
وقلتم لو وقع في الغدير العظيم الذي إذا تحرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر قطرة دم أو خمر أو بول آدمي نجسه كله وإذا وقع في آبار الفلوات والأمصار العر والروث والأخباث لا تنجسها ما لم يأخذ وجه ربع الماء أو ثلثه وقيل أن لا يخلو دلو عن شيء منه ومعلوم أن ذلك الماء أقرب إلى الطيب والطهارة حسا وشرعا من هذا ومن العجب أنكم نجستم الأدهان والألبان والخل والمائعات بأسرها بالقطرة من البول والدم وعفوتم عما دون ربع الثوب من النجاسة المخففة وعما دون قدر الكف من المغلظة وقستم العفو عن ربع الثوب على وجوب مسح ربع الرأس ووجوب حلق ربعه في الإحرام وأين مسح الرأس من غسل النجاسة ولم تقيسوا الماء والمائع على الثوب مع عدم ظهور أثر النجاسة فيهما البتة وظهور عينها ورائحتها في الثوب ولا سيما عند محمد حيث يعفو عن قدر ذراع في ذراع وعن أبي يوسف عن قدر شبر في شبر وبكل حال فالعفو عما هو دون ذلك بكثير مما لا نسبة له إليه في الماء والمائع الذي لا يظهر أثر النجاسة فيه بوجه بل يحيلها ويذهب عينها وأثرها أولى وأحرى وجمعهم بين ما فرق الشرع بينهما فقسم المنى الذى هو أصل الآدميين

على البول والعذرة وفرقتم بين ما جمع الشرع والحس بينهما ففرقتم بين بعض الأشربة المسكرة وغيرها مع استوائها في الإسكار فجعلتم بعضها نجسا كالبول وبعضها طاهرا طيبا كاللبن والماء وقلتم لو وقع في البئر نجاسة تنجس ماؤها وطينها فإن نزح منها دلو فترشرش على حيطانها تنجست حيطانها وكلما نزح منها شيء نبع مكانه شيء فصادف ماء نجسا وطينا نجسا فإذا وجب نزح أربعين دلوا مثلا فنزح تسعة وثلاثون كان المنزوح والباقي كله نجسا والحيطان التي أصابها الماء والطين الذي في قرار البئر حتى إذا نزح الدلو الأربعون قشقش النجاسة كلها فطهر الطين والماء وحيطان البئر وطهر نفسه فما رؤى أكرم من هذا الدلو ولا أعقل ولا أخير

فصل
وقالت الحنابلة والشافعية لو تزوجها على أن يحج بها لم تصح التسمية ووجب مهر المثل وقاسوا هذه التسمية على ما إذا تزوجها على شيء لا يدري ما هو ثم قالت الشافعية لو تزوج الكتابية على أن يعلمها القرآن جاز وقاسوه على جواز إسماعها إياه فقاسوا أبعد قياس وتركوا محض القياس فإنهم صرحوا بأنه لو استأجرها ليحملها إلى الحج جاز ونزلت الإجارة على العرف فكيف صح أن يكون مورد العقد الإجارة ولا يصح أن يكون صداقا ثم ناقضتم أبين مناقضة فقلتم لو تزوجها على أن يرد عبدها الآبق من مكان كذا وكذا صح مع أنه يقدر على رده وقد يعجز عنه فالغرر الذي في هذا الأمر أعظم من الغرر في حملها إلى الحج بكثير وقلتم لو تزوجها على أن يعلمها القرآن أو بعضه صح وقد تقبل التعليم ولا تقبله وقد يطاوعها لسانها وقد يأبى عليها وقلتم لو تزوجها على مهر المثل صحت التسمية مع اختلافه لامتناع من يساويها من كل وجه أو لقربه وإن اتفق من يساويها في النسب فنادر جدا من يساويها

في الصفات والأحوال التي يقل المهر بسببها ويكثر فالجهالة التي في حجه بها دون هذا بكثير وقلتم لو تزوجها على عبد مطلق صح ولها الوسط ومعلوم أن في الوسط من التفاوت ما فيه وقلتم لو تزوجها على أن يشتري لها عبد زيد صحت التسمية مع أنه غرر ظاهر إذ تسليم المهر موقوف على أمر غير مقدور له وهو رضى زيد ببيعه ففيه من الخطر ما في رد عبدها الآبق وكلاهما أعظم خطرا من الحج بها وقلتم لو تزوجها على أن يرعى غنمها مدة صح وليس جهالة حملانها إلى الحج بأعظم من جهالة أوقات الرعي ومكانه على أن هذه المسألة بعيدة من أصول أحمد ونصوصه ولا تعرف منصوصة عنه بل نصوصه على خلافها قال في رواية منها فيمن تزوج على عبد من عبيده جاز وإن كانوا عشرة عبيد يعطى من أوسطهم فإن تشاحا أقرع بينهما قلت وتستقيم القرعة في هذا قال نعم وقلتم لو خالعها على كفالة ولدها عشر سنين صح وإن لم يذكر قدر الطعام والإدام والكسوة فياللعجب أين جهالة هذا من جهالة حملانها إلى الحج
فصل
وقالت الشافعية له أن يجبر ابنته البالغة المفتية العالمة بدين الله التي تفتي في الحلال والحرام على نكاحها بمن هي أكره الناس له وأشد الناس عنه نفرة بغير رضاها حتى لو عينت كفوا شابا جميلا دينا تحبه وعين كفوا شيخا مشوها دميما كان العبرة بتعيينه دونها فتركوا محض القياس والمصلحة ومقصود النكاح من الود والرحمة وحسن المعاشرة وقالوا لو أراد أن يبيع لها حبلا أو عود أراك من مالها لم يصح إلا برضاها وله أن يرقها مدة العمر عند من هي أكره شيء فيه بغير رضاها قالوا وكما خرجتم عن محض القياس خرجتم عن صريح

السنة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم - خير جارية بكرا زوجها أبوها وهي كارهة وخير أخرى ثيبا ومن العجب أنكم قلتم لو تصرف في حبل من مالها على غير وجه الحظ لها كان مردودا حتى إذا تصرف في بعضها على خلاف حظها كان لازما ثم قلتم هو أخبر بحظها منها وهذا يرده الحس فإنها أعلم بميلها ونفرتها وحظها ممن تحب أن تعاشره وتكره عشرته وتعلقتم بما رواه مسلم من حديث ابن عباس يرفعه الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها وهو حجة عليكم وتركتم ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة يرفعه لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن وفيهما أيضا من حديث عائشة قالت قلت يا رسول الله تستأمر النساء في أبضاعهن قال نعم قلت فإن البكر تستأذن فتستحي قال إذنها صماتها فنهى أن تنكح بدون استئذانها وأمر بذلك وأخبر أنه هو شرعه وحكمه فاتفق على ذلك أمره ونهيه وخبره وهو محض القياس والميزان

فصل
وقالت الحنابلة والشافعية والحنفية لا يصح بيع المقاثي والمباطخ والباذنجان إلا لقطة ولم يجعلوا المعدوم تبعا للموجود مع شدة الحاجة إلى ذلك وجعلوا المعدوم منزلا منزلة الموجود في منافع الإجارة للحاجة إلى ذلك وهذا مثله من وجه لأنه يستخلف كما تستخلف المنافع وما يقدر من عروض الخطر له فهو مشترك بينه وبين المنافع وقد جوزوا بيع الثمرة إذا بدا الصلاح في واحدة منها ومعلوم أن بقية الأجزاء معدومة فجاز بيعها تبعا للموجود فإن فرقوا بأن هذه أجزاء متصلة وتلك أعيان منفصلة فهو فرق فاسد من وجهين أحدهما أن هذا لا تأثير له البتة الثاني أن الثمرة التي بدا صلاحها ما يخرج أثمارا متعددة

كالتوت والتين فهو كالبطيخ والباذنجان من كل وجه فالتفريق خروج عن القياس والمصلحة وإلزام بما لا يقدر عليه إلا بأعظم كلفة ومشقة وفيه مفسدة عظيمة يردها القياس فإن اللقطة لا ضابطا لها فإنه يكون في المقثأة الكبار والصغار وبين ذلك فالمشتري يريد استقصاءها والبائع يمنعه من أخذ الصغار فيقع بينهما من التنازع والاختلاف والتشاحن ما لا تأتي به شريعة فأين هذه المفسدة العظيمة التي هي منشأ النزاع التي من تأمل مقاصد الشريعة علم قصد الشارع لإبطالها وإعدامها إلى المفسدة اليسيرة التي في جعل ما لم يوجد تبعا لما وجد لما فيه من المصلحة وقد اعتبرها الشارع ولم يأت عنه حرف واحد أنه نهى عن بيع المعدوم وإنما نهى عن بيع الغرر والغرر شيء وهذا شيء ولا يسمى هذا البيع غررا لا لغة ولا عرفا ولا شرعا
فصل
وقالت الحنفية والمالكية والشافعية إذا شرطت الزوجة أن لا يخرجها الزوج من بلدها أو دارها أو أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى فهو شرط باطل فتركوا محض القياس بل قياس الأولى فإنهم قالوا لو شرطت في المهر تأجيلا أو غير نقد البلد أو زيادة على مهر المثل لزم الوفاء بالشرط فأين المقصود لها في الشرط الأول إلى المقصود الذي في هذا الشرط وأين فواته إلى فواته وكذلك من قال منهم لو شرط أن تكون جميلة شابة سوية فبانت عجوزا شمطاء قبيحة المنظر أنه لا فسخ لأحدهما بفوات شرطه حتى إذا فات درهم واحد من الصداق فلها الفسخ بفواته قبل الدخول فإن استوفى المعقود عليه ودخل بها وقضى وطره منها ثم فات الصداق جميعه ولم تظفر منه بحبة واحدة فلا فسخ لها وقسم الشرط الذي دخلت عليه على شرط أن لا يؤويها ولا ينفق

عليها ولا يطأها أو لا ينفق على أولاده منها ونحو ذلك مما هو من أفسد القياس الذي فرقت الشريعة بين ما هو أحق بالوفاء منه وبين ما لا يجوز الوفاء به وجمعتم بين ما فرق القياس والشرع بينهما وألحقتم أحدهما بالآخر وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم - الوفاء بشروط النكاح التي يستحل بها الزوج فرج امرأته أولى من الوفاء بسائر الشروط على الإطلاق فجعلتموها أنتم دون سائر الشروط وأحقها بعدم الوفاء

هل يصح شرط الواقف مطلقا
وجعلتم الوفاء بشرط الواقف المخالف لمقصود الشارع كترك النكاح وكشرط الصلاة في المكان الذي شرط فيه الصلاة وإن كان وحده وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين وقد ألغى الشارع هذا الشرط في النذر الذي هو قربه محضة وطاعة فلا تتعين عنده بقعة عينها الناذر للصلاة إلا المساجد الثلاثة وقد شرط الناذر في نذره تعينه فألغاه الشارع لفضيلة غيره عليه أو مساواته له فكيف يكون شرط الواقف الذي غيره أفضل منه وأحب إلى الله ورسوله لازما يجب الوفاء به وتعيين الصلاة في مكان معين لم يرغب الشارع فيه ليس بقربة وما ليس بقربة لا يجب الوفاء به في النذر ولا يصح اشتراطه في الوقف
فإن قلتم الواقف لم يخرج ماله إلا على وجه معين فلزم اتباع ما عليه في الوقف من ذلك الوجه والنادر قصد القربة والقرب متساوية في المساجد غير الثلاثة فتعين بعضها لغو
قيل هذا الفرق بعينه يوجب عليكم إلغاء ما لا قربة فيه من شروط الواقفين واعتبار ما فيه قربة فإن الواقف إنما مقصوده بالوقف التقرب إلى الله فتقربه بوقفه كتقربه بنذره فإن العاقل لا يبذل ماله إلا لما فيه مصلحة عاجلة أو آجلة والمرء في حياته قد يبذل ماله في أغراضه مباحة كانت أو غيرها وقد يبذله فيما يقربه إلى الله وأما بعد مماته فإنما يبذله فيما يظن أنه يقرب إلى الله ولو قيل

له إن هذا المصرف لا يقرب إلى الله عز و جل أو إن غيره أفضل وأحب إلى الله منه وأعظم أجرا لبادر إليه ولا ريب أن العاقل إذا قيل له إذا بذلت مالك في مقابلة هذا الشرط حصل لك أجر واحد وإن تركته حصل لك أجران فإنه يختار ما فيه الأجر الزائد فكيف إذا قيل له إن هذا لاأجر فيه البتة فكيف إذا قيل أنه مخالف لمقصود الشارع مضاد له يكرهه الله ورسوله وهذا كشرط العزوبية مثلا وترك النكاح فإنه شرط لترك واجب أو سنة أفضل من صلاة النافلة وصومها أو سنة دون الصلاة والصوم فكيف يلزم الوفاء بشرط ترك الواجبات والسنن اتباع لشرط الواقف وترك شرط الله ورسوله الذى قضاؤه أحق وشرطه أوثق
يوضحه أنه لو شرط فى وقفه أن يكون على الأغنياء دون الفقراء كان شرطا باطلا عند جمهور الفقهاء قال أبو المعالى الجوينى هو إمام الحرمين رضى الله عنه ومعظم أصحابنا قطعوا بالبطلان هذا هو مع أن وصف الغنى وصف مباح ونعمة من الله وصاحبه إذا كان شاكرا فهو أفضل من الفقير مع صبره عند طائفة كثيرة من الفقهاء والصوفية فكيف يلغى هذا الشرط ويصح شرط الترهب في الأسلام الذى أبطله النبيى صلى الله عليه و سلم بقوله لا رهبانية في الإسلام
يوضحه أن من شرط التعزب فإنما قصد أن تركه أفضل وأحب إلى الله فقصد أن يتعبد الموقف عليه بتركه وهذا هو الذى تبرأ النبي صلى الله عليه و سلم منه بعينه فقال من رغب عن سنتى فليس منى وكان قصد أولئك الصحابة هو قصده هؤلاء الواقفين بعينه سواء فإنهم تصدوا ترفية أنفسهم على العبادة

وترك النكاح الذي يشغلهم تقربا إلى الله بتركه فقال النبي صلى الله عليه وسلم - فيهم ما قال وأخبر أنه من رغب عن سنته فليس منه وهذا في غاية الظهور فكيف يحل الإلزام بترك شيء قد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم - أن من رغب عنه فليس منه هذا مما لا تحتمله الشريعة بوجه

شروط الواقفين تعرض على كتاب الله
فالصواب الذي لا تسوغ الشريعة غيره عرض شرط الواقفين على كتاب الله سبحانه وعلى شرطه فما وافق كتابه وشرطه فهو صحيح وما خالفه كان شرطا باطلا مردودا ولو كان مائة شرط وليس ذلك بأعظم من رد حكم الحاكم إذا خالف حكم الله ورسوله ومن ورد فتوى المفتي وقد نص الله سبحانه على رد وصية الجانف في وصيته والآثم فيها مع أن الوصية تصح في غير قربة وهي أوسع من الوقف وقد صرح صاحب الشرع برد كل عمل ليس عليه أمره فهذا الشرط مردود بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلا يحل لأحد أن يقبله ويعتبره ويصححه
ثم كيف يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما أخرج الواقف ماله لمن قام بها وإن لم تكن قربى ولا للواقفين فيها غرض صحيح وإنما غرضهم ما يقربهم إلى الله بها ولا يوجبون الوفاء بالشروط التى انما بذلت المرأة بضعها للزواج بشرط وفائه ولها فيها أصح غرض ومقصود وهي أحق من كل شرط يجب الوفاء به بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهل هذا إلا خروج عن محض القياس والسنة
معنى قولهم شرط الواقف كنص الشارع
ثم من العجب العجاب قول من يقول إن شروط الواقف كنصوص الشارع ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول ونعتذر مما جاء به قائله ولا نعدل بنصوص الشارع غيرها أبدا وإن أحسن الظن بقائل هذا القول حمل كلامه على أنها كنصوص الشارع في الدلالة وتخصيص عامها بخاصها وحمل مطلقها على مقيدها واعتبار مفهومها كما يعتبر منطوقها وأما أن تكون

كنصوصه في وجوب الاتباع وتأثيم من أخل بشيء منها فلا يظن ذلك بمن له نسبة ما إلى العلم فإذا كان حكم الحاكم ليس كنص الشارع بل يرد ما خالف حكم الله ورسوله من ذلك فشرط الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالرد والإبطال فقد ظهر تناقضهم في شروط الواقفين وشروط الزوجات وخروجهم فيها عن موجب القياس الصحيح والسنة وبالله التوفيق
يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم - كان إذا قسم يعطي الآهل حظين والعزب حظا وقال ثلاثة حق الله عونهم ذكر منهم الناكح يريد العفاف ومصححوا هذا الشرط عكسوا مقصوده فقالوا نعطيه ما دام عزبا فإذا تزوج لم يستحق شيئا ولا يحل لنا أن نعينه لأنه ترك القيام بشرط الواقف وإن كان قد فعل ما هو أحب إلى الله ورسوله فالوفاء بشرط الواقف المتضمن لترك الواجب أو السنة المقدمة على فضل الصوم أو الصلاة لا يحل مخالفته ومن خالفه كان عاصيا آثما حتى إذا خالف الأحب إلى الله ورسوله والأرضى له كان بارا مثابا قائما بالواجب عليه
يوضح بطلان هذا الشرط وأمثاله من الشروط المخالفة لشرع الله ورسوله أنكم قلتم كل شرط يخالف مقصود العقد فهو باطل حتى أبطلتم بذلك شرط دار الزوجة أو بلدها وأبطلتم اشتراط البائع الانتفاع بالمبيع مدة معلومة وأبطلتم اشتراط الخيار فوق ثلاثة وأبطلتم اشتراط نفع البائع في المبيع ونحو ذلك من الشروط التي صححها النص والآثار عن الصحابة والقياس كما صحح عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان اشتراط المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوج عليها ودلت السنة على أن الوفاء به أحق من الوفاء بكل شرط وكما صححت السنة اشتراط انتفاع البائع بالمبيع مدة معلومة فأبطلتم ذلك وقلتم يخالف مقتضى العقد وصححتم الشروط المخالفة بمقتضى عقد الوقف لعقد الوقف إذ هو عقد قربة مقتضاة التقرب إلى الله تعالى ولا ريب أن شرط ما يخالف القربة يناقضه مناقضة صريحة فإذا شرط عليه

الصلاة في مكان لا يصلى فيه إلا هو وحده أو واحد بعد واحد أو اثنان فعدوله عن الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجتمع فيه جماعة المسلمين مع قدمه وكثرة جماعته فيتعداه إلى مكان أقل جماعة وأنقص فضيلة وأقل أجرا اتباعا لشرط الواقف المخالف لمقتضى عقد الوقف خروج عن محض القياس وبالله التوفيق
يوضحه أن المسلمين مجمعون على أن العبادة في المسجد من الذكر والصلاة وقراءة القرآن أفضل منها عند القبور فإذا منعتم فعلها في بيوت الله سبحانه وأوجبتم على الموقوف عليه فعلها بين المقابر إن أراد أن يتناول الوقف وإلا كان تناوله حراما كنتم قد ألزمتموه بترك الأحب إلى الله الأنفع للعبد والعدول إلى الأنقص المفضول أو النهي عنه مع مخالفته لقصد الشارع تفصيلا وقصد الواقف إجمالا فإنه إنما يقصد الأرضى لله والأحب إليه ولما كان في ظنه أن هذا إرضاء لله اشترطه فنحن نظرنا إلى مقصوده ومقصود الشارع وأنتم نظرتم إلى مجرد لفظه سواء وافق رضا الله ورسوله ومقصوده في نفسه أو لا ثم لا يمكنكم طرد ذلك أبدا فإنه لو شرط أن يصلي وحده حتى لا يخالط الناس بل يتوفر على الخلوة والذكر أو شرط أن لا يشتغل بالعلم والفقه ليتوفر على قراءة القرآن وصلاة الليل وصيام النهار أو شرط على الفقهاء ألا يجاهدوا في سبيل الله ولا يصوموا تطوعا ولا يصلوا النوافل وأمثال ذلك فهل يمكنكم تصحيح هذه الشروط فإن أبطلتموها فعقد النكاح أفضل من بعضها أو مساو له في أصل القربة وفعل الصلاة في المسجد الأعظم العتيق الأكثر جماعة أفضل وذكر الله وقراءة القرآن في المسجد أفضل منه بين القبور فكيف تلزمون بهذه الشروط المفضولة وتبطلون ذلك فما هو الفرق بين ما يصح من الشروط وما لا يصح ثم لو شرط المبيت في المكان الموقوف ولم يشترط التعزب فأبحتم له التزوج فطالبته الزوجة بحقها من المبيت وطالبتموه بشرط الواقف منه فكيف تقسمونه بينهما أم ماذا تقدمون ما أوجبه الله ورسوله من المبيت والقسم للزوجة مع ما فيه من مصلحة الزوجين

وصيانة المرأة وحفظها وحصول الإواء المطلوب من النكاح أم ما شرطه الواقف وتجعلون شرطه أحق والوفاء به ألزم أم تمنعونه من النكاح والشارع والوقف لم يمنعاه منه فالحق أن مبيته عند أهله إن كان أحب إلى الله ورسوله جاز له بل استحب ترك شرط الواقف لأجله ولم يمنعه فعل ما يحبه الله ورسوله من تناول الوقف بل ترك ما أوجبه سببا لاستحقاق الوقف فلا نص ولا قياس ولا مصلحة للواقف ولا للموقوف عليه ولا مرضاة لله ورسوله
والمقصود بيان بعض ما في الرأي والقياس من التناقض والاختلاف الذي هو من عند غير الله لأن ما كان من عنده فإنه يصدق بعضه بعضا ولا يخالف بعضه بعضا وبالله التوفيق

فصل الاختلاف في حكم اللطمة والضربة
وقالت الحنفية والشافعية والمالكية ومتأخروا أصحاب أحمد أنه لا قصاص في اللطمة والضربة وإنما فيه التعزير وحكى بعض المتأخرين في ذلك الإجماع وخرجوا عن محض القياس وموجب النصوص وإجماع الصحابة فإن ضمان النفوس والأموال مبناه على العدل كما قال تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها وقال فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقال وإن عاقبتم قعاقبوا بمثل ما عوقبتم به فأمر بالمماثلة في العقوبة والقصاص فيجب اعتبارها بحسب الإمكان والأمثل هو المأمور به فهذا الملطوم المضروب قد اعتدي عليه فالواجب أن يفعل بالمعتدي كما فعل به فإن لم يمكن كان الواجب ما هو الأقرب والأمثل وسقط ما عجز عنه العبد من المساواة من كل وجه ولا ريب أن لطمة بلطمة وضربة بضربة في محلهما بالآلة التي لطمه بها أو بمثلها أقرب إلى المماثلة المأمور بها حسا وشرعا من تعزيره بها بغير جنس اعتدائه وقدره وصفته

وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين محض القياس وهو منصوص الإمام أحمد ومن خلفه في ذلك من أصحابه فقد خرج عن نص مذهبه وأصوله كما خرج عن محض القياس والميزان قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في كتابه المترجم له باب في القصاص من اللطمة والضربة حدثني إسماعيل ابن سعيد قال سألت أحمد بن حنبل عن القصاص من اللطمة والضربة فقال عليه القود من اللطمة والضربة وبه قال أبو ابن داود وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وقال إبراهيم الجوزجاني وبه أقول لما حدثنا شبابة بن سوار ثنا شعبة عن يحيى بن الحصين قال سمعت طارق بن شهاب يقول لطم أبو بكر رجلا يوما لطمة فقال له اقتص فعفا الرجل حدثنا شبابة أنبأ شعبة عن مخارق قال سمعت طارقا يقول لطم ابن أخ لخالد بن الوليد رجلا من مراد فأقاده خالد منه حدثنا أبو بهر حدثنا أبو بكر بن عياش قال سمعت الأعمش عن كميل بن زياد قال لطمني عثمان ثم أقادني فعفوت حدثني ابن الأصفهاني حدثنا عبد السلام بن حرب عن ناجية عن عمه يزيد بن عربي قال رأيت عليا كرم الله وجهه في الجنة أقاد من لطمة وحدثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا عبد الله ابن إسماعيل بن زياد ابن أخي عمرو بن دينار أن ابن الزبير أقاد من لطمة ثنا يزيد بن هارون أنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي فراس قال خطبنا عمر فقال إني لم أبعث عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ولكن إنما بعثتهم ليبلغوكم دينكم وسنة نبيكم ويقسم فيكم فيئكم فمن فعل به غير ذلك فليرفعه إلى فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه فقام إليه عمرو بن العاص فقال يا أمير المؤمنين إن كان رجل من المسلمين على رعية فأدب بعض رعيته لتقصنه منه فقال عمر أنا لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقص من نفسه ثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن ابن حرملة قال تلاحا رجلان فقال أحدهما ألم أخنقك حتى سلحت فقال بلى ولكن

لم يكن لي عليك شهود فشهدوا على ما قال ثم رفعه إلى عمر بن عبد العزيز فأرسل في ذلك إلى سعيد بن المسيب فقال يخنقه كما خنقه حتى يحدث أو يفتدي منه فافتدى منه بأربعين بعيرا فقال ابن كثير أحسبه ذكره عن عثمان ثنا الحسين بن محمد ثنا ابن أبي ذئب عن المطلب بن السائب أن رجلين من بني ليث اقتتلا فضرب أحدهما الآخر فكسر أنفه فانكسر عظم كف الضارب فأقاد أبو بكر من أنف المضروب ولم يقد من يد الضارب فقال سعيد بن المسيب كان لهذا أيضا القود من كفه قضى عثمان أن كل مقتتلين اقتتلا ضمنا ما بينهما فأقيد منه فدخل المسجد وهو يقول يا عباد الله كسر ابن المسيب يدي قال الجوزجاني فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وجلت أصحابه فإلى من يركن بعدهم أو كيف يجوز خلافهم
قلت وفي السنن لأبي داود والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقسم قسما أقبل رجل فأكب عليه فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعرجون كان معه فجرح وجهه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم - تعال فاستقد فقال بل عفوت يا رسول الله وفي سنن النسائي وأبي داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم - بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا فلاحاه رجل في صدقته فضربه أبو جهم فشجه فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم - فقالوا القود يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم - لكم حذا وكذا فلم يرضوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم - لكم كذا وكذا فرضوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم - إني خاطب العشية على الناس ومخربهم برضاكم فقالوا نعم فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال إن هؤلاء أتوني يريدون القصاص فعرضت عليهم كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم - فرضوا أرضيتم فقالوا لا فهم المهاجرون بهم

فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن يكفوا عنهم فكفوا عنهم ثم دعاهم فزادهم فقال أرضيتم فقالوا نعم فقال إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم فقالوا نعم فخطب النبي صلى الله عليه وسلم - فقال أرضيتم قالوا نعم وهذا صريح في القود في الشجة ولهذا صولحوا من القود مرة بعد مرة حتى رضوا ولو كان الواجب الأرش فقط لقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم - حين طلب القود إنه لا حق لكم فيه وإنما حقكم في الأرش
فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهذا إجماع الصحابة وهذا ظاهر القرآن وهذا محض القياس فعارض المانعون هذا كله بشيء واحد وقالوا اللطمة والضربة لا يمكن فيهما المماثلة والقصاص لا يكون إلا مع المماثلة ونظر الصحابة أكمل وأصح وأتبع للقياس كما هو أتبع للكتاب والسنة فإن المماثلة من كل وجه متعذرة فلم يبق إلا أحد أمرين قصاص قريب إلى المماثلة أو تعزير بعيد منها والأول أولى لأن التعزير لا يعتبر فيه جنس الجناية ولا قدرها بل قد يعزر بالصوت والعصا وقد يكون لطمة أو ضربة بيده فأين حرارة السوط ويبسه إلى اليد وقد يزيد وينقص وفي العقوبة بجنس ما فعله تحر للمماثلة بحسب الإمكان وهذا أقرب إلى العدل الذي أمر الله به وأنزل به الكتاب والميزان فإنه قصاصا بمثل ذلك العضو في مثل المحل الذي ضرب فيه بقدره وقد يساويه أو يزيد قليلا أو ينقص قليلا وذلك عفو لا يدخل تحت التكليف كما لا يدخل تحت التكليف المساواة في الكيل والوزن من كل وجه كما قال تعالى وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها فأمر بالعدل المقدور وعفا عن غير المقدور منه وأما التعزير فإنه لا يسمى قصاصا فإن لفظ القصاص يدل على المماثلة ومنه قص الأثر إذا أتبعه وقص الحديث إذا أتى به على وجهه والمقاصة سقوط أحد الدينين بمثله جنسا وصفة وإنما

هو تقويم للجناية فهو قيمة لغير المثلى والعدول إليه كالعدول إلى قيمة المتلف وهو ضرب له بغير تلك الآلة في غير ذلك المحل وهو إما زائد وإما ناقص ولا يكون مماثلا ولا قريبا من المثل فالأول أقرب إلى القياس والثاني تقويم للجناية بغير جنسها كبدل المتلف والنزاع أيضا فيه واقع إذا لم يوجد مثله من كل وجه كالحيوان والعقار والآنية والثياب وكثير من المعدودات والمزروعات فأكثر القياسيين من اتباع الأئمة الأربعة قالوا الواجب في بدل ذلك عند الإتلاف القيمة قالوا لأن المثل في الجنس يتعذر ثم طرد أصحاب الرأي قياسهم فقالوا وهذا هو الواجب في الصيد في الحرم والإحرام إنما تجب قيمته لا مثله كما لو كان مملوكا ثم طردوا هذا القياس في القرض فقالوا لا يجوز قرض ذلك لأن موجب القرض رد المثل وهذا لا مثل له ومنه من خرج عن موجب هذا القياس في الصيد لدلالة القرآن والسنة وآثار الصحابة على أنه يضمن بمثله من النعم وهو مثل المقيد بحسب الإمكان وإن لم يكن مثلا من كل وجه وهذا قول الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد وهم يجوزون قرض الحيوان أيضا كما دلت عليه السنة الصحيحة فإنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه استسلف بكرا وقضى جملا رباعيا وقال إن خياركم أحسنكم قضاء ثم اختلفوا بعد ذلك في موجب قرض الحيوان هل يجب رد القيمة أو المثل على قولين وهما في مذهب أحمد وغيره والذي دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة أنه يجب رد المثل وهذا هو المنصوص عن أحمد ثم اختلفوا في الغصب والإتلاف على ثلاثة أقوال وهي في مذهب أحمد أحدها يضمن الجميع بالمثل بحسب الإمكان والثاني يضمن الجميع بالقيمة والثالث أن الحيوان يضمن بالمثل وما عداه كالجواهر ونحوها بالقيمة
واختلفوا في الجدار يهدم هل يضمن بقيمته أو يعاد مثله على قولين وهما للشافعي والصحيح ما دلت عليه النصوص وهو مقتضى القياس الصحيح

وما عداه فمناقض للنص والقياس لأن الجميع يضمن بالمثل تقريبا وقد نص الله سبحانه على ضمان الصيد بمثله من النعم ومعلوم أن المماثلة بين بعير وبعير أعظم من المماثلة بين النعامة والبعير وبين شاة وشاة أعظم منها بين طير وشاة وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم - بدل البعير الذي أقرضه مثله دون قيمته ورد عوض القصعة التي كسرتها بعض أزواجه قصعتها نظيرها وقال إناء بإناء وطعام بطعام فسوى بينهما في الضمان وهذا عين العدل ومحض القياس وتأويل القرآن
وقد نص الإمام أحمد على هذا في مسائل إسحاق بن منصور قال إسحاق قلت لأحمد قال سفيان ما انكسر شيئا صحيحا فقيمته صحيحا فقال أحمد إن كان يوجد مثله فمثله وإن كان لا يوجد مثله فعليه قيمته ونص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد فقال سألت أحمد عن الرجل يكسر قصعة الرجل أو عصاه أو يشق ثوبا لرجل قال عليه المثل في العصا والقصعة والثوب فقلت أرأيت إن كان الشق قليلا فقال صاحب الثوب مخير في ذلك قليلا كان أو كثيرا
وقال في رواية إسحاق بن منصور منكسر شيئا صحيحا فإن كان يوجد مثله فمثله وإن كان لا يوجد مثله فعليه قيمته فإذا كسر الذهب فإنه يصلحه إن كان خلخالا وإن كان دينارا أعطى دينارا آخر مكانه قال إسحاق كما قال وقال في رواية موسى بن سعيد وعليه المثل في العصا والقصعة إذا كسر في الثوب ولا أقول في العبد والبهائم والحيوان وصاحب الثوب مخير إن شاء شق الثوب وإن شاء أخذ مثله واحتج في رواية ابنه عبد الله بحديث أنس فقال حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت القصعة فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم - الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى وجعل يجمع فيها الطعام

ويقول غارت أمكم كلوا فأكلوا وحبس الرسول حتى جاءت قصعة التي هو في بيتها فدفع القصعة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته والحديث في صحيح البخاري وعند الترمذي فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم - طعام بطعام وإناء بإناء وقال حديث صحيح وعند أبي داود والنسائي فيه قالت عائشة فقلت يا رسول الله ما كفارة ما صنعت قال إناء مثل إناء وطعام مثل طعام وهذا هو مذهبه الصحيح عنه عند ابن أبي موسى قال في إرشاده ومن استهلك لآدمي ما لا يكال ولا يوزن فعليه مثله إن وجد وقيل عليه قيمته وهو اختيار المحققين من أصحابه وقضى عثمان وابن مسعود على من استهلك لرجل فصلانا بفصلان مثلها وبالمثل قضى شريح والعنبري وقال به قتادة وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهو الحق وليس مع من أوجب القيمة نص ولا إجماع ولا قياس وليس معهم أكثر ولا أكبر من قوله صلى الله عليه وسلم - من أعتق شركا له في عبد فكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد قالوا أوجب النبي صلى الله عليه وسلم - في إتلاف نصيب الشريك القيمة لا المثل فقسنا على هذا كل حيوان ثم عديناه إلى كل غير مثلي قالوا ولأن القيمة أضبط وأحصر بخلاف المثل قال الآخرون أما الحديث الصحيح فعلى الرأس والعين وسمعا له وطاعة ولكن فيما دل عليه وإلا فما لم يدل عليه ولا أريد به فلا ينبغي أن يحمل عليه وهذا التضمين الذي يضمنه ليس من باب تضمين المتلفات بل هو من باب تملك مال الغير بقيمته فإن نصيب الشريك يملكه المعتق ثم يعتق عليه فلا بد من تقدير دخوله في ملكه ليعتق عليه ولا خلاف بين القائلين بالسراية في ذلك وأن الولاء له وإن تنازعوا هل يسري عقيب عتقه أو لا يعتق حتى يؤدي القيمة أو يكون موقوفا فإذا أدى تبين أنه عتق من حين العتق وهي في مذهب الشافعي والمشهور في مذهبه ومذهب أحمد القول

الأول وفي مذهب مالك القول الثاني وعلى هذا الخلاف يبتنى ما لو أعتق الشريك نصيبه بعد عتق الأول فعلى القول الأول لا يعتق وعلى القول الثاني يعتق عليه ويكون الولاء بينهما ويبتنى على ذلك أيضا إذا قال أحد الشريكين إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر فعلى القول الأول لا يصح هذا التعليق ويعتق نصيبه من مال المعتق وعلى القول الثاني يصح التعليق ويعتق على المعلق والمقصود أن التضمين ههنا كتضمين الشفيع الثمن إذا أخذ بالشفعة فإنه ليس من باب ضمان الإتلاف ولكن من باب التقويم للدخول في الملك لكن الشفيع أدخل الشارع الشقص في ملكه بالثمن باختياره والشريك المعتق أدخل الشقص في ملكه بالقيمة بغير اختياره فكلاهما تمليك هذا بالثمن وهذا بالقيمة فهذا شيء وضمان المتلف شيء قالوا وأيضا فلو سلم أنه ضمان إتلاف لم يدل على أن العبد الكامل إذا أتلف يضمن بالقيمة والفرق بينهما أن الشريكين إذا كان بينهما ما لا يقسم كالعبد والحيوان والجوهرة ونحو ذلك فحق كل واحد منهما في نصف القيمة فإذا اتفقا على المهايأة جاز وإن تنازعا وتشاجرا بيعت العين وقسم بينهما ثمنها على قدر ملكيهما كما يقسم المثلي فحقهما في المثلي في عينه وفي المتقوم عند التشاجر والتنازع في قيمته فلولا أن حقه في القيمة لما أجيب إلى البيع إذا طلبه وإذا ثبت ذلك فإذا أتلف له نصف عبد فلو ضمناه بمثله لفات حقه من نصف القيمة الواجب له شرعا عند طلب البيع والشريك إنما حقه في نصف القيمة وهما لو تقاسماه تقاسماه بالقيمة فإذا أتلف أحدهما نصيب شريكه ضمنه بالقيمة وعكسه المثلي لو تقاسماه تقاسماه بالمثل فإذا أتلف أحدهما نصيب شريكه ضمنه بالمثل فهذا هو القياس والميزان الصحيح طردا وعكسا الموافق للنصوص وآثار الصحابة ومن خالفه فلا بد له من أحد أمرين إما مخالفة السنة الصحيحة وآثار الصحابة إن طرد قياسه وإما التناقض البين إن لم يطرده

فصل حكومة داود وسليمان
وعلى هذا الأصل تبتنى الحكومة المذكورة في كتاب الله عز و جل التي حكم فيها النبيان الكريمان داود وسليمان صلى الله عليهما وسلم إذ حكما في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم والحرث هو البستان وقد روي أنه كان بستان عنب وهو المسمى بالكرم والنفش رعي الغنم ليلا فحكم داود بقيمة المتلف فاعتبر الغنم فوجدها بقدر القيمة فدفعها إلى أصحاب الحرث إما لأنه لم يكن لهم دراهم أو تعذر بيعها ورضوا بدفعها ورضي أولئك بأخذها بدلا عن القيمة وأما سليمان فقضى بالضمان على أصحاب الغنم وأن يضمنوا ذلك بالمثل بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان ولم يضيع عليهم مغله من الإتلاف إلى حين العود بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء حرثهم وقد اعتبر النمائين فوجدهما سواء وهذا هو العلم الذي خصه الله به وأثنى عليه بإدراكه
وقد تنازع علماء المسلمين في مثل هذه القضية على أربعة أقوال أحدها موافقة الحكم السليماني في ضمان النفش وفي المثل وهو الحق وهو أحد القولين في مذهب أحمد ووجه للشافعية والمالكية والمشهور عندهم خلافه والقول الثاني موافقته في ضمان النفش دون التضمين بالمثل وهذا هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد والثالث موافقته في التضمين بالمثل دون النفش كما إذا رعاها صاحبها باختياره دون ما إذا تفلتت ولم يشعر بها وهو قول داود ومن وافقه والقول الرابع أن النفش لا يوجب الضمان بحال وما وجب من ضمان الراعي بغير النفش فإنه يضمن بالقيمة لا بالمثل وهذا مذهب أبي حنيفة
وما حكم به نبي الله سليمان هو الأقرب إلى العدل والقياس وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي

بالليل ضمان على أهلها فصح بحكمه ضمان النفش وصح بالنصوص السابقة والقياس الصحيح وجوب الضمان بالمثل وصح بنص الكتاب الثناء على سليمان بتفهيم هذا الحكم فصح أنه الصواب وبالله التوفيق

ما يفعل بالجاني على النفس
ومن ذلك المماثلة في القصاص في الجنايات الثلاث على النفوس والأموال والأعراض فهذه ثلاث مسائل الأولى هل يفعل بالجاني كما يفعل بالمجني عليه فإن كان الفعل محرما لحق الله كاللواط وتجريعه الخمر لم يفعل به كما فعل اتفاقا وإن كان غير ذلك كتحريقه بالنار وإلقائه في الماء ورض رأسه بالحجر ومنعه من الطعام والشراب حتى يموت فمالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه يفعلون به كما فعل ولا فرق بين الجرح المزهق وغيره وأبو حنيفة وأحمد في رواية عنه يقولان لا يقتل إلا بالسيف في العنق خاصة وأحمد في رواية ثالثة يقول إن كان الجرح مزهقا فعل به كما فعل وإلا قتل بالسيف وفي رواية رابعة يقول إن كان مزهقا أو موجبا للقود بنفسه لو انفرد فعل به كما فعل وإن كان غير ذلك قتل بالسيف والكتاب والميزان مع القول الأول وبه جاءت السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم - رض رأس اليهودي بين حجرين كما فعل بالجارية وليس هذا قتلا لنقضه العهد لأن ناقض العهد إنما يقتل بالسيف في العنق وفي أثر مرفوع من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه وحديث لا قود إلا بالسيف قال الإمام أحمد ليس إسناده مجيد والثابت عن الصحابة أنه يفعل به كما فعل فقد اتفق على ذلك الكاتب والسنة والقياس وآثار الصحابة واسم القصاص يقتضيه لأنه يستلزم المماثلة
ما يفعل بالجاني على المال
المسألة الثانية إتلاف المال فإن كان مما له حرمة كالحيوان والعبيد فليس له أن يتلف ماله كما أتلف ماله وإن لم تكن له حرمة كالثوب يشقه والإناء يكسره فالمشهور أنه ليس له أن يتلف عليه نظير ما أتلفه بل له القيمة أو المثل

كما تقدم والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه كما فعله الجاني به فيشق ثوبه كما شق ثوبه ويكسر عصاه كما كسر عصاه إذا كانا متساويين وهذا من العدل وليس مع من منعه نص ولا قياس ولا إجماع فإن هذا ليس بحرام لحق الله وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف وإذا مكنه الشارع أن يتلف طرفه بطرفه فتمكينه من إتلاف ماله في مقابلة ماله هو أولى وأحرى وإن حكمة القصاص من التشفي ودرك الغيظ لا تحصل إلا بذلك ولأنه قد يكون له غرض في أذاه وإتلاف ثيابه ويعطيه قيمتها ولا يشق ذلك عليه لكثرة ماله فيشفي نفسه منه بذلك ويبقى المجني عليه بغبنه وغيظه فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ودرك ثأره وبرد قلبه وإذاقة الجاني من الأذى ما ذاق هو فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسها معا يأبى ذلك وقوله فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها وقوله وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به يقتضي جواز ذلك وقد صرح الفقهاء بجواز إحراق زروع الكفار وقطع أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا وهذا عين المسألة وقد أقر الله سبحانه الصحابة على قطع نخل اليهود لما فيه من خزيهم وهذا يدل على أنه سبحانه يحب خزي الجاني الظالم ويشرعه وإذا جاز تحريق متاع الغال بكونه تعدي على المسلمين في خيانتهم في شيء من الغنيمة فلإن يحرقوا ماله إذا حرق مال المسلم المعصوم أولى وأحرى وإذا شرعت العقوبة المالية في حق الله الذي مسامحته به أكثر من استيفائه فلأن تشرع في حق العبد الشحيح أولى وأحرى ولأن الله سبحانه شرع القصاص زجرا للنفوس عن العدوان وكان من الممكن أن يوجب الدية استدراكا لظلامة المجني عليه بالمال ولكن ما شرعه أكمل وأصلح للعباد وأشفى لغيظ المجني عليه وأحفظ للنفوس والأطراف وإلا فمن كان في نفسه من الآخر من قتله أو قطع طرفه قتله أو قطع طرفه وأعطى ديته والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك وهذا بعينه موجود في العدوان على المال

فإن قيل فهذا ينجبر بأن يعطيه نظير ما أتلفه عليه
قيل إذا رضي المجني عليه بذلك فهو كما لو رضي بدية طرفه فهذا هو محض القياس وبه قال الأحمدان أحمد بن حنبل وأحمد بن تيمية قال في رواية موسى بن سعيد وصاحب الشيء يخير إن شاء شق الثوب وإن شاء أخذ مثله

ما يفعل بالجاني على العرض
المسألة الثالثة الجناية على العرض فإن كان حراما في نفسه كالكذب عليه وقذفه وسب والدين فليس له أن يفعل به كما فعل به اتفاقا وإن سبه في نفسه أو سخر به أو هزء به أو بال عليه أو بصق عليه أو دعى عليه فله أن يفعل به نظير ما فعل به متحريا للعدل وكذلك إذا كسعه أو صفعه فله أن يستوفي منه نظير ما فعل به سواء وهذا أقرب إلى الكتاب والميزان وآثار الصحابة من التعزير المخالف للجناية جنسا ونوعا وقدرا وصفة وقد دلت السنة الصحيحة الصريحة على ذلك فلا عبرة بخلاف من خالفها ففي صحيح البخاري أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم - أرسلن زينب بنت جحش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - تكلمه في شأن عائشة فأتته فأغلظت وقالت إن نساءك ينشدنك العدل في بنت ابن أبي قحافة فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم - لينظر إلى عائشة هل تتكلم فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها قالت فنظر النبي صلى الله عليه وسلم - إلى عائشة وقال إنها بنت أبي بكر وفي الصحيحين هذه القصة قالت عائشة فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم - وهي التي كانت تساميني في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكرت الحديث وقالت ثم وقعت في فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها قالت فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - لا يكره أن أنتصر

فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أثخنت عليها قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وتبسم إنها ابنة أبي بكر وفي لفظ فيهما لم أنشبها أن أثخنتها غلبة وقد حكى الله سبحانه عن يوسف الصديق أنه قال لإخوته أنتم شر ماكانا والله أعلم بما تصفون لما قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ذلك للمصلحة التي اقتضت كتمان الحال ومن تأمل الأحاديث رأى ذلك فيها كثيرا جدا وبالله التوفيق

فصل الفصل بين الفريقين يحتاج إلى النظر الدقيق
قالوا وهذا غيض من فيض وقطرة من بحر من تناقض القياسيين الآرائيين وقولهم بالقياس وتركهم لما هو نظيره من كل وجه أولى منه وخروجهم في القياس عن موجب القياس كما أوجب لهم مخالفة السنن والآثار كما تقدم الإشارة إلى بعض ذلك فليوجدنا القياسيون حديثا واحدا صحيحا صريحا غير منسوخ قد خالفناه لرأي أو قياس أو تقليد رجل ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا فإن كانت مخالفة القياسي دينا فقد أريناهم مخالفته صريحا ثم نحن أسعد الناس بمخالفته منهم لأنا إنما خالفناه للنصوص وإن كان حقا فماذا بعد الحق إلا الضلال
فانظر إلى هذين البحرين اللذين قد تلاطمت أمواجهما والحزبين اللذين قد ارتفع في معترك الحرب عجاجهما فجر كل منها جيشا من الحجج لا تقوم له الجبال وتتضاءل له شجاعة الأبطال وأتى كل واحد منهما من الكتاب والسنة والآثار بما خضعت له الرقاب وذلت له الصعاب وانقاد له علم كل عالم ونفذ حكمه كل حاكم وكان نهاية كل قدم الفاضل النحرير الراسخ في العلم أن يفهم عنهما

ما قالها ويحيط علما بما أصلاه وفصلاه فليعرف الناظر في هذا المقام قدره ولا يتعدى طوره وليعلم أن وراء سويقته بحارا طامية وفوق مرتبته في العلم مراتب فوق السهى عالية فإن وثق من نفسه أنه من فرسان هذا الميدان وجملة هؤلاء الأقران فليجلس مجلس الحكم بين الفريقين ويحكم بما يرضي الله ورسوله بين هذين الحزبين فإن الدين كله لله وإن الحكم إلا لله ولا ينفع في هذا المقام قاعدة المذهب كيت وكيت وقطع به جمهور من الأصحاب وتحصل بنا في المسألة كذا وكذا وجها وصحح هذا القول خمسة عشر وصحح الآخر سبعة وإن علا نسب علمه قال نص عليه فانقطع النزاع ولز ذلك النص في قرن الإجماع والله المستعان وعليه التكلان

فصل المتوسطون بين الفرقين
قال المتوسطون بين الفرقين قد ثبت أن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان فكلاهما في الإنزال أخوان وفي معرفة الأحكام شقيقان وكما لا يتناقضوا الكتاب في نفسه فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه ولا يتناقض الكتاب والميزان فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة ولا دلالة الأقيسة الصحيحة ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة يصدق بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبدا ونصوص الشارع نوعان أخبار وأوامر فكما أن أخباره لا تخالف العقل الصحيح بل هي نوعان نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة أو جملة وتفصيلا ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة فهكذا أوامره سبحانه نوعان نوع يشهد به القياس والميزان ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا يخالفه وكما أن القسم الثالث في الأخبار محال

وهو ورودها بما يرده العقل الصحيح فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح

أوامر الشرع محيطة بأفعال المكلفين
وهذه الجملة إنما تنفصل بعد تمهيد قاعدتين عظيمتين إحداهما أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلفين أمرا ونهيا وإذنا وعفوا كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علما وكتابة وقدرا فعلمه وكتابه وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف وغيره وأمره ونهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين إما الكون وإما الشرع الأمري فقد بين الله سبحانه على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر به وجميع ما نهى عنه وجميع ما أحله وجميع ما حرمه وجميع ما عفا عنه وبهذا يكون دينه كاملا كما قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ولكن قد يقصر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص وعن وجه الدلالة وموقعها وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقدام العلماء في العلم ولما خص سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث وقد أثنى عليه وعلى داود بالعلم والحكم وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه الفهم الفهم فيما أدلي إليك وقال علي إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وقال أبو سعيد كان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم - ودعا النبي صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عباس أن يفقه في الدين ويعلمه التأويل والفرق بين الفقه والتأويل أن الفقه هو فهم المعنى المراد والتأويل إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى التي هي أخيته وأصله وليس كل من فقه في الدين عرف التأويل فمعرفة التأويل يختص به الراسخون في العلم وليس المراد به تأويل التعريف وتبديل المعنى فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه والله يعلم بطلانه

فصل هل تحيط النصوص بحكم جميع الحوادث
والناس انقسموا في هذا الموضع إلى ثلاث فرق
رأي الفرقة الأولى
فرقة قالت إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث وغلا بعض هؤلاء حتى قال ولا بعشر معشارها قالوا فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص ولعمر الله إن هذا مقدار النصوص في فهمه وعلمه ومعرفته لا مقدارها في نفس الأمر واحتج هذا القائل بأن النصوص متناهية وحوادث العباد غير متناهية وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع وهذا احتجاج فاسد جدا من وجوه أحدها أن ما لا تتناهى أفراده لا يمتنع أن يجعل أنواعا فيحكم لكل نوع منها بحكم واحد فتدخل الأفراد التي لا تتناهى تحت ذلك النوع الثاني أن أنواع الأفعال بل والأعراض كلها متناهية والثالث أنه لو قدر عدم تناهيها فإن أفعال العباد الموجودة إلى يوم القيامة متناهية وهذا كما تجعل الأقارب نوعين نوعا مباحا وهو بنات العم والعمة وبنات الخال والخالة وما سوى ذلك حرام وكذلك يجعل ما ينقض الوضوء محصورا وما سوى ذلك لا ينقضه وكذلك ما يفسد الصوم وما يوجب الغسل وما يوجب العدة وما يمنع منه المحرم وأمثال ذلك وإذا كان أرباب المذاهب يضبطون مذاهبهم ويحصرونها بجوامع تحيط بما يحل ويحرم عندهم مع قصور بيانهم فالله ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدر على ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم - يأتي بالكلمة الجامعة وهي قاعدة عامة وقضية كلية تجمع أنواعا وأفرادا وتدل دلالتين دلالة طرد ودلالة عكس
وهذا كما سئل صلى الله عليه وسلم - عن أنواع من الأشربة كالبتع والمزر وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال كل مسكر حرام و كل عمل ليس عليه أمرنا هو رد و كل قرض جر نفعا فهو ربا وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل و كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وكل أحد أحق بماله من ولده ووالده

والناس أجمعين وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل معروف صدقة وسمى النبي صلى الله عليه وسلم - هذه الآية جامعة فاذة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ومن هذا قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون فدخل في الخمر كل مسكر جامدا كان أو مائعا من العنب أومن غيره ودخل في الميسر كل أكل مال بالباطل وكل عمل محرم يوقع في العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة ودخل في قوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم كل يمين منعقدة ودخل في قوله يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات كل طيب من المطاعم والمشارب والملابس والفروج ودخل في قوله وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ما لا تحصى أفراده من الجنايات وعقوباتها حتى اللطمة والضربة والكسعة كما فهم الصحابة ودخل في قوله قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منا وما بطن والأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون تحريم كل فاحشة ظاهرة وباطنة وكل ظلم وعدوان في مال أو نفس أو عرض وكل شرك بالله وإن دق في قول أو عمل أو إرادة بأن يجعل لله عدلا بغيره في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد وكل قول على الله لم يأت به نص عنه ولا عن رسوله في تحريم أو تحليل أو إيجاب أو إسقاط أو خبر عنه باسم أو صفة نفيا أو إثباتا أو خبرا عن فعله فالقول عليه بلا علم حرام في أفعاله وصفاته ودينه ودخل في قوله والجروح قصاص وجوبه في كل جرح يمكن القصاص منه وليس هذا تخصيصا بل هو مفهوم من قوله قصاص وهو المماثلة ودخل في قوله وعلى الوارث مثل ذلك وجوب نفقة الطفل وكسوته ونفقة مرضعته على كل وارث قريب أو بعيد ودخل في قوله ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف جميع الحقوق التي للمرأة وعليها وإن مرد ذلك إلى

ما يتعارفه الناس بينهم ويجعلونه معروفا لا منكرا والقرآن والسنة كفيلان بهذا أتم كفالة

فصل رأي الفرقة الثانية
الفرقة الثانية قابلت هذه الفرقة وقالت القياس كله باطل محرم في الدين ليس منه وأنكروا القياس الجلي الظاهر حتى فرقوا بين المتماثلين وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئا لحكمة أصلا ونفوا تعليل خلقه وأمره وجوزوا بل جزموا بأنه يفرق بين المتماثلين ويقرن بين المختلفين في القضاء والشرع وجعلوا كل مقدور فهو عدل والظلم عندهم هو الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين
وهذا وإن كان قاله طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في إثبات القدر وخالفوا القدرية والنفاة فقد أصابوا في إثبات القدر وتعليق المشيئة الإلهية بأفعال العباد الاختيارية كما تتعلق بذواتهم وصفاتهم وأصابوا في إثبات تناقض القدرية النفاة ولكن ردوا من الحق المعلوم بالعقل والفطرة والشرع ما سلطوا عليهم به خصومهم وصاروا ممن رد بدعة ببدعة وقابل الفاسد بالفاسد ومكنوا خصومهم بما نفوه من الحق من الرد عليهم وبيان تناقضهم ومخالفتهم الشرع والعقل
فصل رأي الفرقة الثالثة
الفرقة الثالثة قوم نفوا الحكمة والتعليل والأسباب وأقروا بالقياس كأبي الحسن الأشعري وأتباعه ومن قال بقوله من الفقهاء أتباع الأئمة وقالوا إن علل الشرع إنما هي مجرد أمارات وعلامات محضة كما قالوه في ترك الأسباب

وقالوا إن الدعاء علامة محضة على حصول المطلوب لا أنه سبب فيه والأعمال الصالحة والقبيحة علامات محضة ليست سببا في حصول الخير والشر وكذلك جميع ما وجدوه من الخلق والأمر مقترنا بعضه ببعض قالوا أحدهما دليل على الآخر مقارن له اقترانا عاديا وليس بينهما ارتباط سببية ولا علة ولا حكمة ولا له فيه تأثير بوجه من الوجوه
وليس عند أكثر الناس غير أقوال هؤلاء الفرق الثلاث وطالب الحق إذا رأى ما في هذه الأقوال من الفساد والتناقض والاضطراب ومناقضة بعضها لبعض ومعارضة بعضها لبعض بقي في الحيرة فتارة يتحيز إلى فرقة منها له ما لها وعليه ما عليها وتارة يتردد بين هذا الفرق تميميا مرة وقيسيا أخرى وتارة يلقي الحرب بينهما ويقف في النظارة وسبب ذلك خفاء الطريقة المثلى والمذهب الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الأديان وعليه سلف الأمة وأئمتها والفقهاء المعتبرون من إثبات الحكم والأسباب والغايات المحمودة في خلقه سبحانه وأمره وإثبات لام التعليل وباء السببية في القضاء والشرع كما دلت عليه النصوص مع صريح العقل والفطرة واتفق عليه الكتاب والميزان
ومن تأمل كلام سلف الأمة وأئمة أهل السنة رآه يمكر قول الطائفتين المنحرفتين عن الوسط فينكر قول المعتزلة المكذبين بالقدر وقول الجهمية المنكرين للحكم والأسباب والرحمة فلا يرضون لأنفسهم بقول القدرية المجوسية ولا بقول القدرية الجبرية نفاة الحكمة والرحمة والتعليل وعامة البدع المحدثة في أصول الدين من قول هاتين الطائفتين الجهمية والقدرية والجهمية رؤس الجبرية وأئمتهم أنكروا حكمة الله ورحمته وإن أقروا بلفظ مجرد فارغ عن حقيقة الحكمة والرحمة والقدرية النفاة أنكروا كمال قدرته ومشيئته فأولئك أثبتوا نوعا من الملك بلا حمد وهؤلاء أثبتوا نوعا من الحمد

بلا ملك فأنكر أولئك عموم حمده وأنكر هؤلاء عموم ملكه وأثبت له الرسل وأتباعه عموم الملك وعموم الحمد كما أثبته لنفسه فله كمال الملك وكمال الحمد فلا يخرج عين ولا فعل عن قدرته ومشيئته وملكه وله في كل ذلك حكمة وغاية مطلوبة يستحق عليها الحمد وهو في عموم قدرته ومشيئته وملكه على صراط مستقيم وهو حمده الذي يتصرف في ملكه به ولأجله
والمقصود أنهم كما انقسموا إلى ثلاث فرق في هذا الأصل انقسموا في فرعه وهو القياس إلى ثلاث فرق فرقة أنكرته بالكلية وفرقة قالت به وأنكرت الحكم والتعليل والمناسبات والفرقتان أخلت النصوص عن تناولها لجميع أحكام المكلفين وأنها أحالت على القياس ثم قالت غلاتهم أحالت عليه أكثر الأحكام وقال متوسطوهم بل أحالت عليه كثيرا من الأحكام لا سبيل إلى إثباتها إلا به

النصوص محيطة بأحكام جميع الحوادث
والصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث وهو أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث ولم يحلنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس بل قد بين الأحكام كلها والنصوص كافية وافية بها والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص فهما دليلان للكتاب والميزان وقد تخفي دلالة النص أو لا تبلغ العالم فيعدل إلى القياس ثم قد يظهر موافقا للنص فيكون قياسا صحيحا وقد يظهر مخالفا له فيكون فاسدا وفي نفس الأمر لا بد من موافقته أو مخالفته ولكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته
فصل الرد على الفرق الثلاث
وكل فرقة من هذه الفرق الثلاث سدوا على أنفسهم طريقا من طرق الحق فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله فنفاة القياس لما سدوا على نفوسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحكم والمصالح وهو من الميزان والقسط الذي أنزله الله احتاجوا إلى توسعة الظاهر و الاستصحاب فحملوهما فوق الحاجة ووسعوهما أكثر مما يسعانه فحيث فهموا من النص حكما أثبتوه ولم يبالوا بما

وراءه حيث لم يفهموا منه نفوه وحملوا الاستصحاب وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها والمحافظة عليها وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس وتركهم له وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه
ولكن أخطأوا من أربعة أوجه أحدها رد القياس الصحيح ولا سيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ ولا يتوقف عاقل في أن قول النبي صلى الله عليه وسلم - لما لعن عبد الله حمارا على كثرة شربه للخمر لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله بمنزلة قوله لا تلعنوا كل ما يحب الله ورسوله وفي أن قوله إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس بمنزلة قوله ينهيانكم عن كل رجس وفي أن قوله تعالى إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس نهى عن كل رجس وفي أن قوله في الهر ليس بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات بمنزلة قوله كل ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس ولا يستريب أحد في أن من قال لغيره لا تأكل من هذا الطعام فإنه مسموم نهي له عن كل طعام كذلك وإذا قال لا تشرب هذا الشراب فإنه مسكر نهي له عن كل مسكر ولا تتزوج هذه المرأة فإنها فاجرة وأمثال ذلك
الخطأ الثاني تقصيرهم في فهم لنصوص فكم من حكم دل عليه النص ولم يفهموا دلالته عليه وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعرفه عند المخاطبين فلم يفهموا من قوله ولا تقل لهما أف ضربا ولا سبا ولا إهانة غير لفظة أف فقصروا في فهم الكتاب كما قصروا في اعتبار الميزان

الخطأ الثالث تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل وليس عدم العلم علما بالعدم

الاستصحاب معناه وأقسامه
وقد تنازع الناس في الاستصحاب ونحن نذكر أقسامه ومراتبها فالاستصحاب استفعال من الصحبة وهي استدامة إثبات ما كان ثابتا أو نفي ما كان منفيا وهو ثلاثة أقسام
استصحاب البراءة الأصلية
واستصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع
استصحاب البراءة الأصلية
فأما النوع الأول فقد تنازع الناس فيه فقالت طائفة من الفقهاء والأصوليين إنه يصلح للدفع لا للإبقاء كما قاله بعض الحنفية ومعنى ذلك أنه يصلح لأن يدفع به من ادعى تغيير الحال لا بقاء الأمر على ما كان فإن بقاءه على ما كان إنما هو مستند إلى موجب الحكم لا إلى عدم المغير له فإذا لم نجد دليلا نافيا ولا مثبتا أمسكنا لا نثبت الحكم ولا ننفيه بل ندفع بالاستصحاب دعوى من أثبته فيكون حال المتمسك بالاستصحاب كحال المعترض مع المستدل فهو يمنعه الدلالة حتى يثبتها لا أنه يقيم دليلا على نفي ما ادعاه وهذا غير حال المعارض فالمعارض لون والمعترض لون فالمعترض يمنع دلالة الدليل والمعارض يسلم دلالته ويقيم دليلا على نقيضه وذهب الأكثرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه يصلح لإبقاء الأمر على ما كان عليه قالوا لأنه إذا غلب على الظن انتفاء الناقل غلب على الظن بقاء الأمر على ما كان عليه
استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي
ثم النوع الثاني استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه وهو حجة كاستصحاب حكم الطهارة وحكم الحدث واستصحاب بقاء النكاح وبقاء الملك وشغل الذمة بما تشغل به حتى يثبت خلاف ذلك وقد دل الشارع على تعليق

الحكم به في قوله في الصيد وإن وجدته غريقا فلا تأكله فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك وقوله وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره لما كان الأصل في الذبائح التحريم وشك هل وجد الشرط المبيح أم لا بقي الصيد على أصله في التحريم ولما كان الماء طاهرا فالأصل بقاؤه على طهارته ولم يزلها بالشك ولما كان الأصل بقاء المتطهر على طهارته لم يأمره بالوضوء مع الشك في الحدث بل قال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ولما كان الأصل بقاء الصلاة في ذمته أمر الشاك أن يبني على اليقين ويطرح الشك ولا يعارض هذا رفعه للنكاح المتيقن بقول الأمة السوداء إنها أرضعت الزوجين فإن أصل الإبضاع على التحريم وإنما أبيحت الزوجة بظاهر الحال مع كونها أجنبية وقد عارض هذا الظاهر ظاهر مثله أو أقوى منه وهو الشهادة فإذا تعارضا تساقطا وبقي أصل التحريم لا معارض له فهذا الذي حكم به النبي صلى الله عليه وسلم - وهو عين الصواب ومحض القياس وبالله التوفيق
ولم يتنازع الفقهاء في هذا النوع وإنما تنازعوا في بعض أحكامه لتجاذب المسألة أصلين متعارضين مثاله أن مالكا منع الرجل إذا شك هل أحدث أم لا من الصلاة حتى يتوضأ لأنه وإن كان الأصل بقاء الطهارة فإن الأصل بقاء الصلاة في ذمته فإن قلتم لا نخرجه من الطهارة بالشك قال مالك ولا ندخله في الصلاة بشك فيكون قد خرج منها بالشك فإن قلتم يقين الحدث قد ارتفع بالوضوء فلا يعود بالشك قال منازعهم ويقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا يعود بالشك قالوا والحديث الذي تحتجون به من أكبر حججنا فإنه منع المصلي بعد دخوله في الصلاة بالطهارة المتيقنة أن يخرج منها بالشك فأين هذا من تجويز الدخول فيها بالشك ومن ذلك لو شك هل طلق واحدة أو ثلاثا فإن مالكا يلزمه بالثلاث لأنه تيقن طلاقا وشك هل هو مما تزيل أثره الرجعة أم لا وقول الجمهور في هذه المسألة أصح فإن النكاح متيقن فلا يزول بالشك ولم يعارض يقين النكاح إلا شك محض فلا يزول به وليس هذا نظير

الدخول في الصلاة بالطهارة التي لا شك في انتقاضها فإن الأصل هناك شغل الذمة وقد وقع الشك في فراغها ولا يقال هنا إن الأصل التحريم بالطلاق وقد شككنا في الحال فإن التحريم قد زال بنكاح متيقن وقد حصل الشك في ما يرفعه فهو نظير ما لو دخل في الصلاة بوضوء متيقن ثم شك في زواله فإن قيل هو متيقن للتحريم بالطلاق شاك في الحل بالرجعة فكان جانب التحريم أقوى قيل ليست الرجعية بمحرمة وله أن يخلو بها ولها أن تتزين له وتتعرض له وله أن يطأها والوطء رجعة عند الجمهور وإنما خالف في ذلك الشافعي وحده وهي زوجته في جميع الأحكام إلا في القسم خاصة ولو سلم أنها محرمة فقولكم إنه متيقن للتحريم إن أردتم به التحريم المطلق فإنه غير متيقن وإن أردتم به مطلق التحريم لم يستلزم أن يكون بثلاث فإن مطلق التحريم أعم من أن يكون بواحدة أو يكون بثلاث ولا يلزم من ثبوت الأعم وثبوت الأخص وهذا في غاية الظهور

فصل استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع
القسم الثالث استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع وقد اختلف فيه الفقهاء والأصوليون هل هو حجة على قولين أحدهما أنه حجة وهو قول المزني والصيرفي وابن شقالة وابن حامد وأبي عبد الله الرازي والثاني ليس بحجة وهو قول أبي حامد وأبي الطيب الطبري والقاضي أبي علي وابن عقيل وأبي خطاب والحلواني وابن الزاغوني وحجة هؤلاء أن الإجماع إنما كان على الصفة التي كانت قبل محل النزاع كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة فأما بعد الرؤية فلا إجماع فليس هناك ما يستصحب إذ يمتنع دعوى الإجماع في محل النزاع والاستصحاب إنما يكون لأمر ثابت فيستصحب ثبوته أو لأمر منتف فيستصحب نفيه قال الأولون غاية ما ذكرتم أنه لا إجماع في محل النزاع وهذا حق ونحن لم ندع الإجماع في محل النزاع بل استصحبنا حال المجمع عليه حتى

يثبت ما يزيله قال الآخرون الحكم إذا كان إنما ثبت بالإجماع وقد زال الإجماع زال الحكم بزوال دليله فلو ثبت الحكم بعد ذلك لثبت بغير دليل وقال المثبتون الحكم كان ثابتا وعلمنا بالإجماع ثبوته فالإجماع ليس هوى لة ثبوته ولا سبب ثبوته في نفس الأمر حتى يلزم من زوال العلة زوال معلولها ومن زوال السبب زوال حكمه وإنما الإجماع دليل عليه وهو في نفس الأمر مستند إلى نص أو معنى نص فنحن نعلم أن الحكم المجمع عليه ثابت في نفس الأمر والدليل لا ينعكس فلا يلزم من انتفاء الإجماع إنتقاء الحكم بل يجوز أن يكون باقيا ويجوز أن يكون منتفيا لكن الأصل بقاؤه فإن البقاء لا يفتقر إلى سبب حادث ولكن يفتقر إلى بقاء سبب ثبوته وأما الحكم المخالف فيفتقر إلى ما يزيل الحكم الأول وإلى ما يحدث الثاني وإلى ما ينفيه فكان ما يفتقر إليه الحادث أكثر مما يفتقر إليه الباقي فيكون البقاء أولى من التغير وهذا مثل استصحاب حال براءة الذمة فإنها كانت بريئة قبل وجود ما يظن به أنه شاغل ومع هذا فالأصل البراءة والتحقيق أن هذا دليل من جنس استصحاب البراءة ومن لا يجوز الاستدلال به إلا بعد معرفة المزيل فلا يجوز الاستدلال به لمن لم يعرف الأدلة الناقلة كما لا يجوز الاستدلال بالاستصحاب لمن يعرف الأدلة الناقلة وبالجملة فالاستصحاب لا يجوز الاستدلال به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل فإن قطع المستدل بانتفاء الناقل قطع بانتفاء الحكم كما يقطع ببقاء شريعة محمد صلى الله عليه وسلم - وأنها غير منسوخة وإن ظن انتفاء الناقل أو ظن إنتقاء دلالته ظن انتفاء أن كان الناقل معنى مؤثرا وتبين له عدم اقتضائه تبين له انتفاء انتفاء النقل مثل رؤية الماء في الصلاة لا تنقض الوضوء و إلا فمع تجويزه لكونه ناقصا للوضوء لا يطمئن ببقاء الوضوء وكذا كل من وقع النزاع في انتقاض وضوئه ووجوب الغسل عليه فإن الأصل بقاء طهارته كالنزاع في بطلان الوضوء بخروج النجاسات من غير السبيلين وبالخارج النادر منهما

وبمس النساء بشهوة وغيرها وبأكل ما مسته النار وغسل الميت وغير ذلك لا يمكنه اعتقاد استصحاب الحال فيه حتى يتيقن له بطلان ما يوجب الانتقال وإلا بقى شاكا وإن لم يتبين له صحة الناقل كما لو أخبره فاسق بخبر فإنه مأمور بالتبيت والتثبيت لم يؤمر بتصديقه ولا بتكذيبه فإن كليهما ممكن منه وهو مع خبره لا يستدل باستصحاب الحال كما كان يستدل به بدون خبره ولهذا جعل لوثا وشبهة وإذا شهد مجهول الحال فإنه هناك شاك في حال الشاهد ويلزم منه الشك في حال المشهود به فإذا تبين كونه عدلا تم الدليل وعند شهادة المجهولين تضعف البراءة أعظم مما تضعف عند شهادة الفاسق فإنه في الشاهد قد يكون دليلا ولكن لا تعرف دلالته وأما هناك فقد علمنا أنه ليس بدليل لكن يمكن وجود المدلول عليه في هذه الصورة فإن صدقه ممكن

فصل استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة
ومما يدل على أن استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة أن تبدل حال المحل المجمع على حكمه أولا كتبدل زمانه ومكانه وشخصه وتبدل هذه الأمور وتغيرها لا يمنع استصحاب ما ثبت له قبل التبدل فكذلك تبدل وصفه وحاله لا يمنع الاستصحاب حتى يقوم دليل على أن الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلا للحكم مثبتا لضده كما جعل الدباغ ناقلا لحكم نجاسة الجلد وتخليل الخمرة ناقلا للحكم بتحريمها وحدوث الاحتلام ناقلا لحكم البراءة الأصلية وحينئذ فلا يبقى التمسك بالاستصحاب صحيحا وأما مجرد النزاع فإنه لا يوجب سقوط استصحاب حكم الإجماع والنزاع في رؤية الماء في الصلاة وحدوث العيب عند المشتري واستيلاد الأمة لا يوجب رفع ما كان ثابتا قبل ذلك من الأحكام فلا يقبل قول المعترض إنه قد زال حكم الاستصحاب بالنزاع

الحادث فإن النزاع لا يرفع ما ثبت من الحكم فلا يمكن المعترض رفعه إلا أن يقيم دليلا على أن ذلك الوصف الحادث جعله الشارع دليلا على نقل الحكم حينئذ فيكون معارضا في الدليل لا قادحا في الاستصحاب فتأمله فإنه التحقيق في هذه المسألة

فصل ما لم يبطله الشارع من الشروط صحيح
الخطأ الرابع لهم اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه فأفسدوا بذلك كثيرا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذا الأصل وجمهور الفقهاء على خلافه وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه وهذا القول هو الصحيح فإن الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ولا حرام إلا ما حرمه الله ولا دينا إلا ما شرعه الله فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم
والفرق بينهما أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله فإن العبادة حقه على عباده وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها ولهذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين وهو تحريم ما لم يحرمه والتقرب إليه بما لم يشرعه وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله فإن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه وما سكت عنه

فهو عفو فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه
وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود والعهود كلها فقال تعالى وأوفوا بالعهد وقال يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود وقال والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون وقال تعالى والموفون بعهدهم إذا عاهدوا وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وقال بلا من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين وقال إن الله لا يحب الخائنين وهذا كثير في القرآن وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر وفيه من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم - من علامات المنافق ثلاث وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم - يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته فيقال هذه غدرة فلان بن فلان وفيهما من حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم - إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج وفي سنن أبي داود عن أبي رافع قال بعثتني قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلما رأيته ألقى في قلبي الإسلام فقلت يا رسول الله والله إني لا أرجع إليهم أبدا فقال رسول اله صلى الله عليه وسلم - إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد ولكن إرجع إليهم فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع قال فذهبت ثم أتيت النبي

صلى الله عليه وسلم - فأسلمت وفي صحيح مسلم عن حذيفة قال ما منعنى أن أشهد بدرا إلا أني خرجت وأبي حسيل فأخذنا كفار قريش فقالوا إنكم تريدون محمدا فقلنا ما نريده ما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأخبرناه الخبر فقال انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عامر قال دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم - قاعد في بيتها فقالت تعال أعطك فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم - ما أردت أن تعطيه فقالت أعطيه تمرا فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم - أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال قال الله عز و جل ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره وأمر النبي صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب أن يوفي بالنذر الذي نذره في الجاهلية من اعتكافه ليلة عند المسجد الحرام وهذا عقد كان قبل الشرع وقال ابن وهب ثنا هشام بن سعد عن يزيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال وأي المؤمن واجب قال ابن وهب وأخبرني إسماعيل بن عياش عن أبي إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يقول ولا تعد أخاك عدة وتخلفه فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة قال ابن وهب وأخبرني الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم - قال من قال لصبي تعال هذا لك ثم لم يعطه شيئا فهي كذبة وفي السنن من حديث كثير بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده يرفعه المؤمنون عند شروطهم وله شاهد من حديث محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر يرفعه الناس على شروطهم ما وافق الحق وليست العمدة على هذين الحديثين بل على ما تقدم

أجوبة المانعين
وأصحاب القول الآخر يجيبون عن هذه الحجج تارة بنسخها وتارة بتخصيصها ببعض العهود والشروط وتارة بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه وتارة بمعارضتها بنصوص أخر كقول النبي صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كاتب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق وكقوله من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وكقوله تعالى ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون وناظائر هذه الآية
قالوا فصح بهذه النصوص إبطال كل عهد وعقد ووعد وشرط ليس في كتاب الله الأمر به أو النص على إباحته قالوا وكل شرط أو عقد ليس في النصوص إيجابه ولا الإذن فيه فإنه لا يخلو من أحد وجوه أربعة إما أن يكون صاحبه قد التزم فيه إباحة ما حرم الله ورسوله أو تحريم ما أباحه أو إسقاط ما أوجبه أو إيجاب ما أسقطه ولا خامس لهذه الأقسام البتة فإن ملكتم المشترط والمعاقد والمعاهد جميع ذلك انسلختم من الدين وإن ملكتموه البعض دون البعض تناقضتم وسألناكم ما الفرق بين ما يملكه من ذلك وما لا يملك ولن تجدوا إليه سبيلا
فصل الجمهور يرد على أجوبة المانعين
قال الجمهور أما دعواكم النسخ فإنها دعوى باطلة تتضمن أن هذه النصوص ليست من دين الله ولا يحل العمل بها وتجب مخالفتها وليس معكم برهان قاطع بذلك فلا تسمع دعواه وأين التجاؤكم إلى الاستصحاب والتسبب به ما أمكنكم

وأما تخصيصها فلا وجه له وهو يتضمن إبطال ما دلت عليه من العموم وذلك غير جائز إلا ببرهان من الله ورسوله
وأما ضعف بعضها من جهة السند فلا يقدح في سائرها ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة
وأما معارضتها بما ذكرتم فليس بحمد الله بينها وبينه تعارض وهذا إنما يعرف بعد معرفة المراد بكتاب الله في قوله ما كان من شرط ليس في كتاب الله ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعا فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن بل علمت من السنة فعلم أن المراد بكتاب الله حكمه كقوله كتاب الله عليكم وقول النبي صلى الله عليه وسلم - كتاب الله القصاص في كسر السن فكتابه سبحانه يطلق على كلامه وحكمه الذي حكم به على لسان رسوله ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له فيكون باطلا فإذا كان الله ورسوله صلى الله عليه وسلم - قد حكم بأن الولاء للمعتق فشرط خلاف ذلك يكون شرطا مخالفا لحكم الله ولكن أين في هذا أن ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلا حراما وتعدي حدود الله هو تحريم ما أحله الله أو إباحة ما حرمه أو إسقاط ما أوجبه لا إباحة ما سكت عنه وعفا عنه بل تحريمه هو نفس تعدي حدوده
وأما ما ذكرتم من تضمن الشرط لأحد تلك الأمور الأربعة ففاتكم قسم خامس وهو الحق وهو ما أباح الله سبحانه للمكلف تنويع أحكامه بالأسباب التي ملكه إياه فيباشر من الأسباب ما يحله له بعد أن كان حرما عليه أو يحرمه عليه بعد أن كان حلالا له أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبا أو يسقطه بعد وجوبه وليس في ذلك تغيير لأحكامه بل كل ذلك من أحكامه فهو الذي أحل وحرم وأوجب وأسقط وإنما إلى العبد الأسباب المقتضية لتلك

الأحكام ليس إلا فكما أن شراء الأمة ونكاح المرأة يحل له ما كان حراما عليه قبله وطلاقها وبيعها بالعكس يحرمها عليه ويسقط عنه ما كان واجبا عليه من حقوقها كذلك التزامه بالعقد والعهد والنذر والشرط فإذا ملك تغيير الحكم بالعقد ملكه بالشرط الذي هو تابع له وقد قال تعالى إلا إن تكون تجارة عن تراض منكم فأباح التجارة التي ترضى بها المتبايعان فإذا تراضيا على شرط لا يخالف حكم الله جاز لهما ذلك ولا يجوز إلغاؤه وإلزامهما بما لم يلتزما ولا ألزمهما الله ولا رسوله به ولا يجوز إلزمها بما لم يلزمها الله ورسوله به ولاهما التزامها ولا إبطال ما شرطاه مما لم يحرم الله ورسوله عليهما شرطه ومحرم الحلال كمحلل الحرام فهؤلاء ألغوا من شروط المتعاقدين ما لم يلغه الله ورسوله وقابلهم آخرون من القياسيين فاعتبروا من شروط الواقفين ما ألغاه الله ورسوله وكلا القولين خطأ بل الصواب إلغاء كل شرط خالف حكم الله واعتبار كل شرط لم يحرمه الله ولم يمنع منه وبالله التوفيق

فصل أخطاء أصحاب القياس
وأما أصحاب الرأي والقياس فإنهم لما لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافية بالأحكام ولا شاملة لها وغلاتهم على أنها لم تف بعشر معشارها فوسعوا طرق الرأي والقياس وقالوا بقياس الشبه وعلقوا الأحكام بأوصاف لا يعلم أن الشارع علقها بها واستنبطوا عللا لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها ثم اضطرهم ذلك إلى أن عارضوا بين كثير من النصوص والقياس ثم اضطربوا فتارة يقدمون القياس وتارة يقدمون النص وتارة يفرقون بين النص المشهور وغير المشهور واضطرهم ذلك أيضا إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شرعت على خلاف القياس فكان خطؤهم من خمسة أوجه أحدهما ظنهم قصور النصوص عن بيان جميع الحوادث الثاني معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس الثالث اعتقادهم في كثير من الأحكام الشريعة أنها على خلاف

الميزان والقياس والميزان هو العدل فظنوا أن العدل خلاف ما جاءت به من هذه الأحكام الرابع اعتبارها عللا وأوصافا لم يعلم اعتبار الشارع لها وإلغاؤهم عللا وأوصافا اعتبرها الشارع كما تقدم بيانه الخامس تناقضهم في نفس القياس كما تقدم أيضا
ونحن نعقد ههنا ثلاثة فصول

الفصل الأول
في بيان شمول النصوص للأحكام والاكتفاء بها عن الرأي والقياس
الفصل الثاني في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس وبطلانها مع وجود النص
الفصل الثالث في بيان أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح وليس فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم - حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح
وهذه الفصول الثلاثة من أهم فصول الكتاب وبها يتبين للعالم المنصف مقدار الشريعة وجلالتها وهيمنتها وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما هو عام الرسالة إلى كل مكلف فرسالته عامة في كل شيء من الدين أصوله وفروعه ودقيقه وجليله فكما لا يخرج أحد عن رسالته فكذلك لا يخرج حكم تحتاج إليه الأمة عنها وعن بيانه له ونحن نعلم أنا لا نوفي هذه حقها ولا نقارب وأنها أجل من علومنا وفوق إدراكنا ولكن ننبه أدنى تنبيه ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح أبوابها وينهج طرقها والله المستعان وعليه التكلان
الفصل الأول
شمول النصوص وإغناؤها عن القياس
وهذا يتوقف على بيان مقدمة وهي أن دلالة النصوص نوعان حقيقة وإضافية فالحقيقة تابعة لقصد المتكلم وإرادته وهذه الدلالة لا تختلف والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه وجودة فكره وقريحته وصفاء ذهنه

ومعرفته بالألفاظ ومراتبها وهذه الدلالة تختلف اختلافا متباينا بحسب تباين السامعين في ذلك وقد كان أبو هريرة وعبد الله بن عمر أحفظ الصحابة للحديث وأكثرهم رواية له وكان الصديق وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أفقه منهما بل عبد الله بن عباس أيضا أفقه منهما ومن عبد الله بن عمر وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم - على عمر فهمه إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله إنك ستأتيه وتطوف به فإنه لا دلالة في هذا اللفظ في تعيين العام الذي يأتونه فيه وأنكر على عدي بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفس العقالين وأنكر علي من فهم من قوله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردلة من كبر شمول لفظه لحسن الثوب وحسن النعل وأخبرهم أنه بطر الحق وغمط الناس وأنكر على من فهم من قوله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه أنه كراهة الموت وأخبرهم أن هذا للكافر إذا احتضر وبشر بالعذاب فإنه حينئذ يكره لقاء الله والله يكره لقاءه وأن المؤمن إذا احتضر وبشر بكرامة الله أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وأنكر على عائشة إذا فهمت من قوله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا معارضته لقوله صلى الله عليه وسلم - من نوقش الحساب عذب وبين لها أن الحساب اليسير هو العرض أي حساب العرض لا حساب المناقشة وأنكر على من فهم من قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة وأنه لا يسلم أحد من عمل السوء وبين إن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهم والحزن والمرض والنصب وغير ذلك من مصائبها وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة وأنكر على من فهم من قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون أنه ظلم النفس بالمعاصي وبين أنه الشرك وذكر قول لقمان لابنه إن الشرك لظلم عظيم مع أن سياق اللفظ عند إعطائه حقه من التأمل يبين ذلك فإن الله سبحانه

لم يقل ولم يظلموا أنفسهم بل قال ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ولبس الشيء بالشيء تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته ولا يغطي الإيمان ويحيط به ويلبسه إلا الكفر ومن هذا قوله تعالى بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن أبدا فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به ومع أن سياق قوله وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفرقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ثم حكم الله أعدل حكم وأصدقه أن من آمن ولم يلبس إيمانه بظلم فهو أحق بالأمن والهدى فدل على أن الظلم الشرك وسأله عمر ابن الخطاب عن الكلالة وراجعه فيها مرارا فقال تكفيك آية الصيف واعترف عمر بأنه خفي عليه فهمها وفهمها الصديق وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه لكونها لم تخمس وفهم بعضهم أن النهي لكونها كانت حمولة القوم وظهرهم وفهم بعضهم أنه لكونها كانت جوال القرية وفهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة وكبار الصحابة ما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم - بالنهي وصرح بعلته من كونها رجسا وفهمت المرأة من قوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا جواز المغالاة في الصداق فذكرته لعمر فاعترف به وفهم ابن عباس من قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا مع قوله والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين أن المرأة قد تلد لستة أشهر ولم يفهمه عثمان فهم برجم امرأة ولدت لها حتى ذكره به ابن عباس فأقر به ولم يفهمه عمر من قوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها قتال مانعي الزكاة حتى بين له الصديق فأقر به وفهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا رفع الجناح عن الخمر حتى بين له عمر أنه لا يتناول الخمر

ولو تأمل سياق الآية لفهم المراد منها فإنه إنما رفع الجناح عنهم فيما طعموه متقين له فيه وذلك إنما يكون باجتناب ما حرمه الله من المطاعم فالآية لا تتناول المحرم بوجه ما وقد فهم من قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة انغماس الرجل في العدو حتى بين له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضات الله وأن الإلقاء بيده إلى التهلكة هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا وعمارتها وقال الصديق رضي الله عنه أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يعيروه أوشك أن يعمهم الله بالعقاب من عنده فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلاف ما أريد بها وأشكل على ابن عباس أمر الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نهيت عنه من اليهود هل عذبوا أو نجوا حتى بين له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذبين وهذا هو الحق لأنه سبحانه قال عن الساكتين وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا فأخبر أنهم أنكروا فعلهم وغضبوا عليهم وإن لم يواجهوهم بالنهي فقد واجههم به من أدى الواجب عنهم فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية فلما قام به أولئك سقط عن الباقين فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم وأيضا فإن الله سبحانه إنما عذب الذين نسوا ما ذكروا به وعتوا عما نهوا عنه وهذا لا يتناول الساكتين قطعا فلما بين عكرمة لان عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كساه بردة وفرح به وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة ما تقولون في إذا جاء نصر الله والفتح السورة قالوا أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره فقال لابن عباس ما تقول أنت قال هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم - أعلمه إياه فقال ما أعلم منها غير ما تعلم وهذا من أدق الفهم وألطفه ولا يدركه كل أحد فإنه سبحانه لم يعلق الاستغفار بعمله بل علقه بما يحدثه هو سبحانه

من نعمة فتحه على رسوله ودخول الناس في دينه وهذا ليس بسبب للاستغفار فعلم أن سبب الاستغفار غيره وهو حضور الأجل الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه ليلقى ربه طاهرا مطهرا من كل ذنب فيقدم عليه مسرورا راضيا مرضيا عنه ويدل عليه أيضا قوله فسبح بحمد ربك واستغفره وهو صلى الله عليه وسلم - كان يسبح بحمده دائما فعلم أن المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول الناس في هذا الدين أمر أكبر من ذلك المتقدم وذلك مقدمة بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ترقيه إلى ذلك المقام بقية فأمره بتوفيتها ويدل عليه أيضا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتم الأعمال فشرعها في خاتمة الحج وقيام الليل وكان النبي صلى الله عليه وسلم - إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا وشرع للمتوضيء بعد كمال وضوئه أن يقول اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فعلم أن التوبة مشروعة عقيب الأعمال الصالحة فأمر رسوله بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دينه أفواجا فكأن التبليغ عبادة قد أكملها وأداها فشرع له الاستغفار عقيبها
والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص وأن منهم من يفهم من الآية حكما أو حكمين ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به فيفهم من اقترانه به قدرا زائدا على ذلك اللفظ بمفرده وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به وهذا كما فهم ابن عباس من قوله وحمله وفصاله ثلاثون شهرا مع قوله والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين أن المرأة قد تلد لستة أشعر وكما فهم الصديق من آية الفرائض في أول السورة وآخرها أن الكلالة من لا ولد دله ولا والد

وأسقط الإخوة بالجد وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم - عمر إلى هذا الفهم حيث سأله عن الكلالة وراجعه السؤال فيها مرارا فقال يكفيك آية الصيف وإنما أشكل على عمر قوله قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد الآية فدله النبي صلى الله عليه وسلم - على ما يبين له المراد منها وهي الآية الأولى التي نزلت في الصيف فإنه ورث فيها ولد الأم في الكلالة السدس ولا ريب أن الكلالة فيها من لا ولد له ولا والد وإن علا
ونحن نذكر عدة مسائل مما اختلف فيها السلف ومن بعدهم وقد بينتها النصوص ومسائل قد احتج فيها بالقياس وقد بينها النص وأغنى فيها عن القياس

المسألة المشتركة في الفرائض
المسألة الأولى المشتركة في الفرائض وقد دل القرآن على اختصاص ولد الأم فيها بالثلث بقوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث وهؤلاء ولد الأم فلو أدخلنا معهم ولد الأبوين لم يكونوا شركاء في الثلث بل يزاحمهم فيه غيرهم فإن قيل بل ولد الأبوين منهم إلغاء لقرابة الأب قيل هذا وهم لأن الله سبحانه قال في أول الآية وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ثم قال فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث فذكر حكم واحدهم وجماعتهم حكما يختص به الجماعة منهم كما يختص به واحدهم وقال في ولد الأبوين إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين فذكر حكم ولد الأب والأبوين واحدهم وجماعتهم وهو حكم يختص به جماعتهم كما يختص به واحدهم فلا يشاركهم فيه غيرهم فكذا حكم ولد الأم وهذا يدل على أن أحد الصنفين غير الآخرين فلا يشارك أحد الصنفين الآخر وهذا الصنف الثاني هو ولد الأبوين أو الأب بالإجماع والأول هو ولد الأم بالإجماع كما فسرته قراءة بعض

الصحابة من أم وهي تفسير وزيادة إيضاح وإلا فذلك معلوم من السياق ولهذا ذكر سبحانه ولد الأم في آية الزوجين وهم أصحاب فرض مقدر لا يخرجون عنه ولا حظ لأحد منهم في التعصيب ولم يذكر فيها أحد من العصبة بخلاف ما ذكر في آية العمودين الآية التي قبلها فإن لجنسهم حظا في التعصيب ولهذا قال في آية الإخوة من الأم والزوجين غير مضار ولم يقل ذلك في آية العمودين فإن الإنسان كثيرا ما يقصد ضرار الزوج وولد الأم لأنهم ليسوا من عصبته بخلاف أولاده وآبائه فإنه لا يضارهم في العادة فإذا كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث لم يجز تنقيصهم منه وأما ولد الأبوين فهم جنس أخر وهم عصبته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر وفي هذه المسألة لم تبق الفرائض شيئا فلا شيء للعصبة بالنص وأما قول القائس هب أن أبانا كان حمارا فقول باطل حسا وشرعا فإن الأب لو كان حمارا لكانت الأم أتانا وإذا قيل يقدر وجوده كعدمه قيل هذا باطل فإن الموجود لا يكون كالمعدوم وأما بطلانه شرعا فإن الله سبحانه حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم
فإن قيل الأب أن لم ينفعهم لم يضرهم
قيل بل قد يضرهم كما ينفعهم فإن ولد الأم لو كان واحدا وولد الأبوين مائة وفضل نصف سدس انفرد ولد الأم بالسدس واشترك ولد الأبوين في نصف السدس فهلا قبلتم قولهم ههنا هب أن أبانا كان حمارا وهلا قدرتم الأب معدوما فخرجتم عن القياس كما خرجتم عن النص وإذا جاز أن ينقصهم الأب جاز أن يحرمهم وأيضا فالقرابة المتصلة الملتئمة من الذكر والأنثى لا تفرق أحكامها هذه قاعدة النسب في الفرائض وغيرها فالأخ من الأبوين لا نجعله كأخ من أب وأخ من أم فنعطيه السدس فرضا بقرابة الأم والباقي تعصيبا بقرابة الأب

فإن قيل فقد فرقتم بين القرابتين فقلتم في ابني عم أحدهما أخ لأم يعطي الأخ للأم بقرابة الأم السدس ويقاسم ابن العم بقرابة العمومة
قيل نعم هذا قول الجمهور وهو الصواب وإن كان شريح ومن قال بقوله أعطى الجميع لابن العم الذي هو أخ لأم كما لو كان ابن عم الأبوين والفرق بينهما على قول الجمهور أن كليهما في بنوة العم سواء وأما الأخوة للأم فمستقلة ليست مقترنة بأبوة حتى يجعل كابن العم للأبوين فها هنا قرابة الأم منفردة عن قرابة العمومة بخلاف قرابة الأم في مسألتنا فإنها متحدة بقرابة الأب
ومما يبين أن عدم التشريك هو الصحيح أنه لو كان فيها أخوات لأب لفرض لهن الثلثان وعالت الفريضة فلو كان معهن أخوهن سقطن به ويسمى الأخ المشئوم فلما كان بوجوده يصرن عصبة صار تارة ينفعهن وتارة يضرهن ولم يجعل وجوده كعدمه في حال الضرار فكذلك قرابة الأب لما صار الإخوة بها عصبة صار ينفعهم تارة ويضرهم أخرى وهذا شأن العصبة فإن العصبة تارة تحوز المال وتاره تحوزه أكثره وتارة تحوز أقله وتارة تخيب فمن أعطى العصبة مع استغراق الفروض المال خرج عن قياس الأصول وعن موجب النص
فإن قيل فهذا استحسان قيل لكنه استحسان يخالف الكتاب والميزان فإنه ظلم للأخوة من الأم حيث يأخذ حقهم ويعطاه غيرهم وإن كانوا يعقلون عن الميت وينفقون عليه لم يلزم من ذلك أن يشاركوا من لا يعقل ولا ينفق في ميراثه فعقالت المرأة من أعمامها وبنى عمها وأخواتها يعقلون عنها وميراثها لزوجها وولدها كما قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلا يمتنع أن يعقل ولد الأبوين ويكون الميراث لولد الأم

اختلاف الصحابة في العمريتين
المسألة الثانية العمريتان والقرآن يدل على قول جمهور الصحابة فيها كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت إن للأم ثلث ما يبقى بعد فرض

الزوجين وها هنا طريقان أحدهما بيان عدم دلالته على إعطائها الثلث كاملا مع الزوجين وهذا أظهر الطريقين والثاني دلالته على إعطائها ثلث الباقي وهو أدق وأخفى من الأول أما الأول فإن الله سبحانه إنما أعطها الثلث كاملا إذا انفرد الأبوان بالميراث فإن قوله سبحانه فإن لم يكن له ولد وورثة أبواه فلأمه الثلث شرط أن في استحقاق الثلث عدم الولد وتفردهما بميراثه فإن قيل ليس في قوله وورثه أبواه ما يدل على أنهما تفردا بميراثه قيل لو لم يكن تفردهما شرطا لم يكن في قوله وورثه أبواه فائدة وكانت تطويلا يغنى عنه قوله فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث فلما قال وورثه أبواه علم أن استحقاق الأم الثلث موقوف على الأمرين وهو سبحانه ذكر أحوال الأم كلها نصا وإيماء فذكر أن لها السدس مع الإخوة وأن لها الثلث كاملا مع عدم الولد وتفرد الأبوين بالميراث بقي لها حالة ثالثة وهي مع عدم الولد وعدم تفرد الأبوين بالميراث وذلك لا يكون إلا مع الزوج أو الزوجة فإما أن تعطى في هذه الحال الثلث كاملا وهو خلاف مفهوم القرآن وإما أن تعطى السدس فإن الله سبحانه لم يجعله فرضها إلا في موضعين مع الولد ومع الإخوة وإذا امتنع هذا وهذا كان الباقي بعد فرض الزوجين هو المال الذي يستحقه الأبوين ولا يشاركهما فيه مشارك فهو بمنزلة المال كله إذا لم يكن زوج ولا زوجة فإذا تقاسماه أثلاثا كان الواجب أن يتقاسما الباقي بعد فرض الزوجين كذلك
فإن قيل فمن أين تأخذون حكمها إذا ورثته الأم ومن دون الأب كالجد والعم والأخ وابنه
قيل إذا كانت تأخذ الثلث مع الأب فأخذها له مع من دونه من العصبات أولى وهذا من باب التنبية
فإن قيل فمن أين أعطيتموها الثلث كاملا إذا كان معها ومع هذه العصبة

الذي هو دون الأب زوج أو زوجة والله سبحانه إنما جعل لها الثلث كاملا إذا انفرد الأبوين بميراثه على ما قررتموه فإذا كان جد وأم أو عم وأم أو أخ وأم أو ابن عم أو ابن أخ مع أحد الزوجين فمن أين أعطيت الثلث كاملا ولم ينفرد الأبوين بالميراث
قيل بالتنبيه ودلالة الأولى فإنها إذا أخذت الثلث كاملا مع الأب فلأن تأخذه مع ابن العم أولى وأما إذا كان أحد الزوجين مع هذه العصبة فإنه ليس له إلا ما بقى بعد الفروض ولو استوعبت الفروض المال سقط كأم وزوج وأخ لأم بخلاف الأب
فإن قيل فمن أين تأخذون حكمها إذا كان مع العصبة ذو فرض غير البنات والزوجة
قيل لا يكون ذلك إلا مع ولد الأم أو الأخوات للأبوين أو للأب واحدة أو أكثر والله تعالى قد أعطاها السدس مع الإخوة فدل على أنها تأخذ الثلث مع الواحد إذ ليس بأخوة
بقي الأختان والأخوان فهذا مما تنازع فيه الصحابة فجمهورهم أدخلوا الاثنين في لفظ الإخوة وأبى ذلك ابن عباس ونظره أقرب إلى ظاهر اللفظ ونظر الصحابة أقرب إلى المعنى وأولى به فإن الإخوة إنما حجبوها إلى السدس لزيادة ميراثهم على ميراث الواحد ولهذا لو كانت واحدة أو أخا واحدا لكان لها الثلث معه فإذا كان الإخوة ولد أم كان فرضهم الثلث اثنين كانا أو مائة فالاثنان والجماعة في ذلك سواء وكذلك لو كن أخوات لأب أو لأب وأم ففرض الثنتين وما زاد واحد فحجبها على الثلث إلى السدس باثنين كحجبها بثلاثة سواء لا فرق بينهما البتة
وهذا الفهم في غاية اللطف وهو من أدق فهم القرآن ثم طرد ذلك في الذكور من ولد الأب والأبوين لمعنى يقتضيه وهو توفير السدس الذي حجبت

عنه لهم لزيادتهم على الواحد نظرا لهم ورعاية لجانبهم وأيضا فإن قاعدة الفرائض أن كل حكم اختص به الجماعة عن الواحد اشترك فيه الاثنان وما فوقها كولد الأم والبنات وبنات الابن والأخوات للأبوين أو للأب والحجب ها هنا قد اختص به الجماعة فيستوي فيه الاثنان وما زاد عليهما وهذا هو القياس الصحيح والميزان الموافق لدلالة الكتاب وفهم أكابر الصحابة وأيضا فإن الأمة مجمعة على قوله تعالى فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلث ما ترك يدخل في حكمه الثنتان وإن اختلفوا في كيفية دخولها في الحكم كما سيأتى فهكذا دخول الأخوين في الإخوة وأيضا فإن لفظ الأخوة كالفظ الذكور والإناث والبنات والبنين وهذا كله قد يطلق ويراد به الجنس الذي جاوز الواحد وإن لم يزد على اثنين فكل حكم علق بالجمع من ذلك دخل فيه الاثنان كالإقرار والوصية والوقف وغير ذلك فلفظ الجمع قد يراد به الجنس المتكثر أعم من تكثيره بواحد أو اثنين كما أن لفظ المثنى قد يراد به المتعدد أعم من أن يكون تعدده بواحد أو أكثر نحو ارجع البصر كرتين ودلالتهما حينئذ على الجنس المتكثر وأيضا فاستعمال الاثنين في الجمع بقرينه واستعمال الجمع في الاثنين بقرينه جائز بل واقع وأيضا فإنه سبحانه قال وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين وهذا يتناول الأخ الواحد والأخت الواحدة كما يتناول من فوقهما ولفظ الإخوة وسائر ألفاظ الجمع قد يعنى به الجنس من غير قصد التعدد كقوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم وقد يعنى به العدد من غير قصد لعدد معين بل لجنس التعدد وقد يعنى به لعدد مع قصد معدود معين فالأول يتناول الواحد وما زاد والثاني يتناول لاثنين وما زاد الثالث يتناول الثلاثه ف فما زاد عند إطلاقه وإذا قيد اختص اقيد به

ومما يدل على أن قوله تعالى فإن كان له إخوة فلأمه السدس أن المراد به الاثنان فصاعدا أنه سبحانه قال وإن كان كل رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ وأخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث فقوله كانوا ضمير جمع ثم قال فهم شركاء في الثلث فذكرهم بصيغة الجمع المضمر وهو قوله فهم والمظهر وهو قوله شركاء ولم يذكر قبل ذلك إلا قوله وله أخ أو أخت فذكر حكم الواحد وحكم اجتماعه مع غيره وهو يتناول الاثنين قطعا فإن قوله أكثر من ذلك أي أكثر من أخ أو أخت ولم يرد أكثر من مجموع الأخت والأخ بل أكثر من الواحد فدل على أن صيغة الجمع في الفرائض تتناول العدد الزائد على الواحد مطلقا ثلاثة كان أو أثر منه وهذا نظير قوله وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ومما يوضح ذلك أن لفظ الجمع قد يختص بالاثنين مع البيان وعدم اللبس كالجمع المضاف إلى اثنين مما يكون المضاف فيه جزءا من المضاف إليه أو كجزئه نحو قلوبهما وأيديهما فكذلك يتناول الاثنين فما فوقهما مع البيان بطريق الأولى وله ثلاثة أحوال أحدها اختصاصه بالاثنين الثانية صلاحيته لهما الثالثة اختصاصه بما زاد عليهما وهذه الحال له عند إطلاقه وأما عند تقييده فبحسب ما قيد به وهو حقيقة في الموضعين فإن اللفظ تختلف دلالته بالإطلاق والتقييد وهو حقيقة في الاستعمالين فظهر أن فهم جمهور الصحابة أحسن من فهم ابن عباس في حجب الأم بالاثنين كما أن فهمهم في العمريتين أتم من فهمه وقواعد الفرائض تشهد لقولهم فإنه إذا اجتمع ذكر وأنثى في طبقة واحدة كالابن والبنت والجد والجدة والأب والأم والأخ والأخت فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما تأخذه الأنثى أو يساويها فأما أن تأخذ الأنثى ضعف الذكر فهذا خلاف قاعدة الفرائض التي أوجبها شرع الله وحكمته وقد عهدنا الله سبحانه أعطى الأب ضعف ما أعطى الأم إذا انفرد الأبوان بميراث الولد وساوى بينهما في وجود الولد ولم يفضلها عليه في موضع واحد

فكان جعل الباقي بينهما بعد نصيب أحد الزوجين أثلاثا هو الذي يقتضيه الكتاب والميزان فإن ما يأخذه الزوج أو الزوجة من المال كأنه مأخوذ بدين أو وصية إذ لا قرابة بينهما وما يأخذه الأبوان يأخذانه بالقرابة فصارا هما المستقلين بميراث الولد بعد فرض الزوجين وهما في طبقة واحدة فقسم الباقي بينهما أثلاثا
فإن قيل فههنا سؤالان أحدهما أنكم هلا أعطيتموها ثلث جميع المال في مسألة زوجة وأبوين فإن الزوجة إذا أخذت الربع وأخذت هي الثلث كان الباقي للأب وهو أكثر من الذي أخذته فوفيتم حينئذ بالقاعدة وأعطيتموها الثلث كاملا والثاني أنكم هلا جعلتم لها ثلث الباقي إذا كان بدل اللأب في المسألتين جد
قيل قد ذهب إلى كل واحد من هذين المذهبين ذاهبون من السلف الطيب فذهب إلى الأول محمد بن سيرين ومن وافقه إلى الثاني عبد الله بن مسعود ولكن أبى ذلك جمهور الصحابة والأئمة بعدهم وقولهم أصح في الميزان وأقرب إلى دلالة الكتاب فإنا لو أعطيناها الثلث كاملا بعد فرض الزوجة كنا قد خرجنا عن قاعدة الفرائض وقياسها وعن دلالة الكتاب فإن الأب حينئذ يأخذ ربعا وسدسا والأم لا تساويه ولا تأخذ شطره وهي في طبقته وهذا لم يشرعه الله قط ودلالة الكتاب لا تقتضيه وأما في مسألة الجد فإن الجد أبعد منها وهو يحجب بالأب فليس في طبقتها فلا يحجبها عن شيء من حقها فلا يمكن أن تعطى ثلث الباقي ويفضل الجد عليها بمثل ما تأخذه فإنها أقرب منه وليس في درجتها ولا يمكن أن تعطى السدس فكان فرضها الثلث كاملا
وهذا مما فهمه الصحابة رضي الله عنهم من النصوص بالاعتبار الذي هو في معنى الأصل أو بالاعتبار الأولى أو بالاعتبار الذي فيه إلحاق الفرع بأشبه الأصلين به أو تنبيه اللفظ أو إشارته وفحواه أو بدلالة التركيب وهي ضم نص إلى نص آخر وهي غير دلالة الاقتران بل هي ألطف منها وأدق وأصح كما تقدم
فالقياس المحض والميزان الصحيح أن الأم مع الأب كالبنت مع الابن والأخت

مع الأخ لأنهما ذكر وأنثى من جنس واحد وقد أعطى الله سبحانه الزوج ضعف ما أعطى الزوجة تفضيلا لجانب الذكورية وإنما عدل عن هذا في ولد الأم لأنهم يدلون بالرحم المجرد ويدلون بغيرهم وهو الأم وليس لهم تعصيب بخلاف الزوجين والأبوين والأولاد فإنهم يدلون بأنفسهم وسائر العصبة يدلون بذكر كولد البنين وكالإخوة للأبوين أو للأب فإعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين معتبر فيمن يدلي بنفسه أو بعصبة وأما من يدلي بالأمومة كولد الأم فإنه لا يفضل ذكرهم على أنثاهم وكان الذكر كالأنثى في الأخذ وليس الذكر كالأنثى في باب الزوجية ولا في باب الأبوة ولا البنوة ولا الأخوة فهذا هو الاعتبار الصحيح والكتاب يدل عليه كما تقدم بيانه
وقد تناظر ابن عباس وزيد بن ثابت في العمريتين فقال له ابن عباس أين في كتاب الله في ثلث ما بقي فقال زيد ليس في كتاب الله إعطاؤها الثلث كله مع الزوجين أو كما قال بل كتاب الله يمنع إعطاؤها الثلث مع أحد الزوجين فإنه لو أعطاها الثلث مع الزوج لقال فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث فكانت تستحقه مطلقا فلما خص الثلث في بعض الأحوال علم أنها لا تستحقه مطلقا ولو أعطيته مطلقا لكان قوله وورثه أبواه زيادة في اللفظ ونقصا في المعنى وكان ذكره عديم الفائدة ولا يمكن أن تعطى السدس لأنه إنما جعل لها مع الولد أو الإخوة فدل القرآن على أنها لا تعطى السدس مع أحد الزوجين ولا تعطى الثلث وكان قسمة ما بقي بعد فرض الزوجين بين الأبوين مثل قسمة أصل المال بينهما وليس بينهما فرق أصلالا في القياس ولا في المعنى
فإن قيل فهل هذه دلالة خطابية لفظية أو قياسية محضة
قيل هي ذات وجهين فهي لفظية من جهة دلالة الخطاب وضم بعضه إلى بعض واعتبار بعضه ببعض وقياسية من جهة اعتبار المعنى والجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين وأكثر دلالات النصوص كذلك في قوله من اعتق شركا له في عبد وقوله أيما رجل وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق

به وقوله من باع شركا له في أرض أو ربعة أو حائط حيث يتناول الحوانيت وقوله إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات فخص الإناث باللفظ إذ كن سبب النزول فنص عليهمن بخصوصهن وهذا أصح من فهم من قال من أهل الظاهر المراد بالمحصنات الفروج المحصنات فإن هذا لا يفهمه السامع من هذا اللفظ ولا من قوله فآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا من قوله والمحصنات من النساء ولا من قوله إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بل هذا من عرف الشارع حيث يعبر باللفظ الخاص عن المعنى وهذا غير باب القياس وهذا تارة يكون لكون اللفظ الخاص صار في العرف عاما كقوله لا يملكون نقيرا وما يملكون من قطمير و يظلمون فتيلا ونحوه وتارة لكونه قد علم بالضرورة من خطاب الشارع تعميم المعنى لكل ما كان مماثلا للمذكور وأن التعيين في اللفظ لا يراد به التخصيص بل التمثيل أو لحاجة المخاطب إلى تعيينه بالذكر أو لغير ذلك من الحكم

فصل الأخوات مع البنات عصبة
المسألة الثالثة ميراث الأخوات مع البنات وأنهن عصبة فإن القرآن يدل عليه كما أوجبته السنة الصحيحة فإن الله سبحانه قال يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد وهذا دليل على أن الأخت ترث النصف مع عدم الولد وإنه هو يرث المال كله مع عدم ولدها وذلك يقتضي أن الأخت مع الولد لا يكون لها النصف مما ترك إذ لو كان كذلك لكان قوله ليس له ولد زيادة في اللفظ ونقصا في المعنى وإيهاما لغير المراد فدل على أنها مع الولد لا ترث النصف والولد إما ذكر وإما أنثى فأما الذكر فإنه يسقطها كما يسقط الأخ بطريق الأولى ودل قوله وهو يرثها إن لم يكن لها ولد على أن الولد يسقطه كما يسقطها وأما الأنثى فقد دل القرآن على أنها إنما تأخذ النصف ولا تمنع الأخ عن النصف الباقي

إذا كانت بنت وأخ بل دل القرآن مع السنة والإجماع أن الأخ يفوز بالنصف الباقي كما قال تعالى ولكل جعلنا موالي مما ترك والوالدان والأقربون وقال النبي صلى الله عليه وسلم - ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر وليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت مع إناث الولد بغير جهة الفرض وإنما صريحه ينفي أن يكون فرضها النصف مع الولد فبقي ههنا ثلاثة أقسام إما أن يفرض لها أقل من النصف وإما أن تحرم بالكلية وإما أن تكون عصبة والأول محال إذ ليس للأخت فرض مقدر غير النصف فلو فرضنا لها أقل منه لكان ذلك وضع شرع جديد فبقي إما الحرمان وإما التعصيب والحرمان لا سبيل إليه فإنها وأخاها في درجة واحدة وهي لا تزاحم البنت فإذا لم يسقط أخوها بالبنت لم تسقط هي بها أيضا فإنها لو سقطت بالبنت ولم يسقط أخوها بها أقوى منها وأقرب إلى الميت وليس كذلك وأيضا فلو أسقطتها البنت إذا انفردت عن أخيها لأسقطتها مع أخيها فإن أخاها لا يزيدها قوة ولا يحصل لها نفعا في موضع واحد بل لا يكون إلا مضرا لها ضرر نقصان أو ضرر حرمان كما إذا خلفت زوجا وأما وأخوين لأم وأختا لأب وأم فإنها يفرض لها النصف عائلا وإن كان معها أخوها سقطا معا ولا تنتفع به في الفرائض في موضع واحد فلو أسقطتها البنت إذا انفردت لأسقطتها بطريق الأولى مع من يضعفها ولا يقويها وأيضا فإن البنت إذا لم تسقط ابن الأخ وابن العم وابن عم الأب والجد وإن بعد فأن لا تسقط الأخت مع قربها بطريق الأولى وأيضا فإن قاعدة الفرائض إسقاط البعيد بالقريب وتقديم الأقرب على الأبعد وهذا عكس ذلك فإنه يتضمن تقديم الأبعد جدا الذي بينه وبين الميت وسائط كثيرة على الأقرب الذي ليس بينه وبين الميت إلا واسطة الأب وحده فكيف يرث ابن عم جد الميت مثلا مع البنت وبينه وبين الميت وسائط كثيرة وتحرم الأخت القريبة التي ركضت معه في صلب أبيه ورحم أمه هذا من المحال الممتنع شرعا فهذا من جهة الميزان وأما من جهة فهم النص فإن

الله سبحانه قال في الأخ وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ولم يمنع ذلك في ميراثه منها إذ كان الولد أنثى فهكذا قوله إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك لا ينفي أن ترث غير النصف مع إناث الولد أو ترث الباقي إذا كان نصفا لأن هذا غير الذي أعطاها إياه فرضا مع عدم الولد فتأمله فإنه ظاهر جدا وأيضا فالأقسام ثلاثة إما أن يقال يفرض لها النصف مع البنت أو يقال تسقط معها بالكلية أو يقال تأخذ ما فضل بعد فرض البنت أو البنات والأول ممتنع بالنص والقياس فإن الله سبحانه إنما فرض لها النصف مع عدم الولد فلا يجوز إلغاء هذا الشرط وفرض النصف لها مع وجوده والله سبحانه إنما أعطاها النصف إذا كان الميت كلالة لا ولد له ولا والد فإذا كان له ولد لم يكن الميت كلالة فلا يفرض لها معه وأما القياس فإنها لو فرض لها النصف مع وجود البنت لنقصت البنت عن النصف إذا عالت الفريضة كزوجة أو زوج وبنت وأخت وإخوة والإخوة لا يزاحمون الأولاد لا بفرض ولا تعصيب فإن الأولاد أولى منهم فبطل فرض النصف وبطل سقوطها بما ذكرناه فتعين القسم الثالث وهو أن تكون عصبة لها ما بقي وهي أولى به من سائر العصبات الذين هم أبعد منها وبهذا جاءت السنة الصحيحة الصريحة التي قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم - فوافق قضاؤه كتاب ربه والميزان الذي أنزله مع كتابه وبذلك قضى الصحابة بعده كابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهما
فإن قيل لكن خرجتم عن قوله صلى الله عليه وسلم - ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر فإذا أعطينا البنت فرضها وجب أن يعطى الباقي لابن الأخ أو العم أو ابنه دون الأخت فإنه رجل ذكر فأنتم عدلتم عن هذا النص وأعطيتموه الأنثى فكنا أسعد بالنص منكم وعملنا وبقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم - حيث أعطى البنت النصف وبنت الابن السدس والباقي للأخت إذ لم يكن هناك أولى رجل ذكر فكانت الأخت عصبة وهذا توسط بين قولكم وبين قول من أسقط الأخت بالكلية وهذا مذهب

إسحاق بن راهويه وهو اختيار أبي محمد بن حزم وسقوطها بالكلية مذهب ابن عباس كما قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة قيل لابن عباس رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمه فقال لابنته النصف ولأمه السدس وليس لأخته شيء مما ترك وهو لعصبته فقال له السائل إن عمر قضى بغير ذلك جعل للبنت النصف وللأخت النصف قال ابن عباس أأنتم أعلم أم الله قال معمر فذكرت ذلك لابن طاوس فقال لي أخبرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول قال الله عز و جل إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك فقلتم أنتم لها النصف وإن كان له ولد وقال ابن أبي مليكة عن ابن عباس أمر ليس في كتاب الله ولا في قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم - وستجدونه في الناس كلهم ميراث الأخت مع البنت
فالجواب أن نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم - كلها حق يصدق بعضها بعضا ويجب الأخذ بجميعها ولا يترك له نص إلا بنص آخر ناسخ له لا يترك بقياس ولا رأي ولا عمل أهل بلد ولا إجماع ومحال أن تجمع الأمة على خلاف نص له إلا أن يكون له نص آخر ينسخه فقوله صلى الله عليه وسلم - فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر عام قد خص منه قوله صلى الله عليه وسلم - تحوز المرأة ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لا عنت عليه وأجمع الناس على أنها عصبة عتيقها واختلفوا في كوناه عصبة لقيطها وولدها المنفي باللعان وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - تفصل بين المتنازعين فإذا خصت منه هذه الصور بالنص وبعضها مجمع عليه خصت منه هذه الصورة لما ذكرناه من الدلالة
فإن قيل قوله فلأولى رجل ذكر إنما هو في الأقارب الوارثين بالنسب وهذا لا تخصيص فيه
قيل فأنتم تقدمون المعتق على الأخت مع البنت وليس من الأقارب فخالفتم النصين معا وهو صلى الله عليه وسلم - قال فلأولى رجل ذكر فأكده

بالذكورة ليبين أن العاصب بنفسه المذكور هو الذكر دون الأنثى وأنه لم يرد بلفظ الرجل ما يتناول الذكر والأنثى كما في قوله من وجد متاعه عند رجل قد أفلس ونحوه مما يذكر فيه لفظ الرجل والحكم يعم النوعين وهو نظير قوله في حديث الصدقات فابن لبون ذكر ليبين أن المراد الذكر دون الأنثى ولم يتعرض في الحديث للعاصب بغيره فدل قضاؤه الثابت عنه في إعطاء الأخت مع البنت وبنت البنت ما بقي أن الأخت عصبة بغيرها فلا تنافي بينه وبين قوله فلأولى رجل ذكر بل هذا إذا لم يكن ثم عصبة بغيره بل كان العصبة عصبة بأنفسهم فيكون أولهما وأقربهم إلى الميت أحقهم بالمال وأما إذا اجتمع العصبتان فقد دل حديث ابن مسعود الصحيح أن تعصيب الأخت أولى من تعصيب من هو أبعد منها فإنه أعطاها الباقي ولم يعطه لابن عمه مع القطع فإن العرب بنو عم بعضهم لبعض فقريب وبعيد ولا سيما إن كان ما حكاه ابن مسعود من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم - قضاء عاما كليا فالأمر حينئذ يكون أظهر وأظهر

فصل صحة قول الجمهور في مسألة ميراث الأخوات
ومما يبين صحة قول الجمهور أن قوله تعالى ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك إنما يدل منطوقه على أنها ترث النصف مع عدم الولد والمفهوم إنما يقتضي أن الحكم في المسكوت ليس مماثلا للحكم في المنطوق فإذا كان فيه تفصيل حصل بذلك مقصود المخالفة فلا يجب أن يكون كل صورة من صور المسكوت مخالفة لكل صور المنطوق ومن توهم ذلك فقد توهم باطلا فإن المفهوم إنما يدل بطريق التعليل أو بطريق التخصيص والحكم إذا ثبت لعلة فانتفت في بعض الصور أو جميعها جاز أن يخلفها علة أخرى

وأما قصد التخصيص فإنه يحصل بالتفصيل وحينئذ فإذا نفينا إرثها مع ذكور الولد أو نفينا إرثها النصف فرضا مع إناثهم وفينا بدليل الخطاب

فصل المراد بقوله ص
- فلأولى رجل ذكر
ومما يبين أن المراد بقوله فلأولى رجل ذكر العصبة بنفسه لا بغيره أنه لو كان بعد الفرائض إخوة وأخوات أو بنون وبنات أو بنات ابن وبنو ابن م ينفرد الذكر بالباقي دون الإناث بالنص والإجماع فتعصيب الأخت بالبنت كتعصيبها بأخيها فإذا لم يكن قوله فلأولى رجل ذكر موجبا لاختصاص أخيها دونها لم يكن موجبا لاختصاص ابن عم الجد بالباقي دونها
يوضحه أنه لو كان معها أخوها لم تسقط وكان الباقي بعد فرض البنات بينها وبين أخيها هذا وأخوها أقرب إلى الميت من الأعمام وبنيهم فإذا لم يسقطها الأخ فلأن لا يسقطها ابن عم الجد بطريق الأولى والأحرى وإذا لم يسقطها ورثت دونه لكونها أقرب منه بخلاف الأخ فإنه تشاركه لاستوائهما في القرب من الميت فهذا محض القياس والميزان الموافق لدلالة الكتاب ولقضاء النبي صلى الله عليه وسلم - وعلى هذه الطريق فلا تخصيص في الحديث بل هو على عمومه وهذه الطريق أفقه وألطف
يوضح ذلك أن قاعدة الفرائض أن جنس أهل الفروض فيها مقدمون على جنس العصبة سواء كان ذا فرض محض أو كان له مع فرضه تعصيب في حال إما بنفسه وإما بغيره والأخوات من جنس أهل الفرائض فيجب تقديمهن على من هو أبعد منهن ممن لا يرث إلا بالتعصيب المحض كالأعمام وبنيهم وبني الإخوة والاستدلال بهذا الحديث على حرمانهن مع البنات كالاستدلال على حرمانهن إخوتهن وحرمان بنات الابن بل البنات أنفسهن مع إخوتهن وهذا باطل بالنص والإجماع فكذا الآخر

ومما يوضحه أنا رأينا قاعدة الفرائض أن البعيد من العصبات يعصب من هو أقرب منه إذا لم يكن له فرض كما إذا كان وبنات وبنات ابن وأسفل منهن ابن ابن ابن فإنه يعصبهن فيحصل لهن الميراث بعد كن محرومات وأما أن البعيد من العصبات يمنع الأقرب من الميراث بعد أن كان وارثا فهذا ممتنع شرعا وعقلا وهو عكس قاعدة الشريعة والله الموفق
وفي الحديث مسلك آخر وهو أن قوله ألحقوا الفرائض بأهلها المراد به من كان من أهلها في الجملة وإن لم يكن في هذه الحال من أهلها كما في اللفظ الآخر اقسموا المال بين أهل الفرائض وهذا أعم من كونه من أهل الفرائض بالقوة أو بالفعل فإذا كانوا كلهم من أهل الفرائض بالفعل كان الباقي للعصبة وإن كان فيهم من هو من أهل الفرائض بالقوة وإن حجب عن الفرض بغيره دخل في اللفظ الأول وإن لم يكن لأولى رجل ذكر معه شيء وإنما يكون له إذا كان أهل الفرائض مطلقا معدومين والله أعلم

فصل ميراث البنات
المسألة الرباعة ميراث البنات وقد دل صريح النص على أن للواحدة النصف ولأكثر من اثنتين الثلثين بقي الثنتان فأشكل دلالة القرآن على حكمها على كثير من الناس فقالوا إنما أثبتناه بالسنة الصحيحة وقالت طائفة بالإجماع وقالت طائفة بالقياس على الأختين
قالوا والله سبحانه نص على الأختين دون الأخوات ونص على البنات دون البنتين فأخذنا حكم كل واحد من الصورتين المسكوت عنها من الأخرى
وقالت طائفة بل أخذ نصوص القرآن ثم تنوعت طرقهم في الأخذ فقالت طائفة أخذناه من قوله يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين

فإذا أخذ الذكر الثلثين والأنثى الثلث علم قطعا أن حظ ا لأنثيين الثلثان وقالت طائفة إذا كان للواحدة مع الذكر الثلث لا الربع فأن يكون لها الثلث مع الأنثى أولى وأحرى وهذا من تنبيه النص بالأدنى على الأعلى وقالت طائفة أخذناه من قوله سبحانه وإن كانت واحدة فلها النصف فقيد النصف بكونها واحدة فدل بمفهومه على أنه لا يكون لها إلا في حال وحدتها فإذا كان معها مثلها فإما أن تنقصها عن النصف وهو محال أو يشتركان فيه وذلك يبطل الفائدة في قوله وإن كانت واحدة ويجعل ذلك لغوا موهما خلاف المراد به وهو محال فتعين القسم الثالث وهو انتقال الفرض من النصف إلى ما فوقه وهو الثلثان
فإن قيل فأي فائدة في التقييد بقوله فوق اثنتين والحكم لا يختص بما فوقهما
قيل حسن ترتيب الكلام وتأليفه ومطابقة مضمره لظاهر أوجب ذلك فإنه سبحانه قال يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك فالضمير في كن مجموع يطابق الأولاد أي فإن كان الأولاد نساء فذكر لفظ الأولاد وهو جمع وضمير كن وهو ضمير جمع ونساء وهو اسم جمع فلم يكن بد من فوق اثنتين وفيه نكت أخرى وهو أنه سبحانه قد ذكر ميراث الواحدة نصا وميراث الثنتين تنبيها كما تقدم فكان في ذكر العدد الزائد على الاثنتين دلالة على أن الفرض لا يزيد بزيادتهن على الاثنتين كما زاد بزيادة الواحدة على الأخرى وأيضا فإن ميراث الاثنتين قد علم من النص فلو قال فإن كانتا اثنتين كان تكريرا ولم يعلم منه حكم ما زاد عليهما فكان ذكر الجمع في غاية البيان والإيجاز وتطابق أول الكلام وآخره وحسن تأليفه وتناسبه وهذا بخلاف سياق آخر الصورة فإنه قال إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك فلم يتقدم اسم جمع ولا ضمير جمع يقتضي أن يقول فإن كن نساء فوق اثنتين

وقد ذكر ميراث الواحدة وأنه النصف فلم يكن بد من ذكر ميراث الأختين وأنه الثلثان لئلا يتوهم أن الأخرى إذا انضمت إليها أخذت نصفا آخر ودل تشريكه بين البنات وإن كثرن في الثلثين على تشريكه بين الأخوات وإن كثرن في ذلك بطريق الأولى فإن البنات أقرب من الأخوات ويسقطن فرضهن فجاء بيانه سبحانه في كل من الآيتين من أحسن البيان فإنه لما بين ميراث الابنتين بما تقرر بين ميراث ما زاد عليهما وفي آية الإخوة والأخوات لما بين ميراث الأخت والأختين لم يحتج أن يبين ميراث ما زاد عليهما إذ قد علم بيان الزائد على الاثنتين في من هن أولى بالميراث من الأخوات ثم بين حكم اجتماع ذكورهم وإناثهم فاستوعب بيانه جميع الأقسام

فصل ميراث بنت الابن
المسألة الخامسة ميراث بنت الابن السدس مع البنت وسقوطها إذا استكمل البنات الثلثين ودلالة القرآن على هذا أخفى من سائر ما تقدم وبيانها أنه تعالى قال يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وقد علم أن الخطاب يتناول ولد البنين دون ولد البنات وأن قوله أولادكم يتناول من ينتسب إلى الميت وهم ولده وولد بنيه وأن يتناولهم على الترتيب فيدخل فيه ولد البنين عند عدم ولد الصلب فإذا لم يكن إلا بنت فلها النصف وبقي من نصيب البنات السدس فإذا كان ابن ابن أخذ الباقي كله بالتعصيب للنص فإذا كان معه أخواته شاركنه في الاستحقاق لأنهن معه عصبة وهذا أحد ما يدل على أن قوله فلأولى رجل ذكر لا يمنع أن تأخذ الأنثى إذا كانت عصبة بغيرها ولهذا أخذت الأخت مع البنت الباقي بالتعصيب لأنها عصبة بها وإن لم يكن مع البنت إلا بنات ابن فقد كن بصدد أخذ الثلثين لولا البنت فإذا أخذت النصف فالسدس الباقي

لا مانع لهن من أخذه فيفزن به ألا ترى أنه إذا استكمل البنات الثلثين لم يكن لهن شيء ولو لم يكن بنات أخذن جميع الثلثين فإذا قدمت البنت عليهن بالنصف أخذن بقية الثلثين اللذين كن يفزن بهما جميعا لولا البنت وهذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم -
فإن قيل فمن أين أعطيتم بنات الابن إذا استكمل البنات الثلثين وكان معهن أخوهن والنبي صلى الله عليه وسلم - جعل الباقي لأولى رجل ذكر
قيل قد تقدم بيان ذلك مستوفى وأن هذا حكم كل عصبة معه وارث من جنسه في درجته كالأولاد والإخوة بخلاف الأعمام وبني الإخوة
فإن قيل فكيف عصب ابن ابن الابن من فوقه وليس في درجته
قيل إذا كان يعصب من هو في درجته مع أنه أنزل ممن فوقه ولا يسقطه فتعصيبه لمن هو فوقه وأقرب منه إلى الميت بطريق الأولى فإذا كان الأنزل لا يقوى هو على إسقاطه فكيف يقوى على إسقاط الأعلى على أن عبد الله بن مسعود لا يعصب به من في درجته ولا من فوقه بل يخصه بالباقي ووجه قوله أنها لا ترث مفردة فلا ترث مع أخيها كالمحجوبة برق أو كفر بخلاف ما إذا كانت وارثة كبنت وبنت ابن معها أخوها فإنه يعصبها اتفاقا لأنها وارثة وقول الجمهور أصح فإنها وارثة في الجملة وهي ممن يستفيد التعصيب بأخيها وهنا إنما سقط ميراثها بالفرض لاستكمال من فوقها الثلثين و لا يلزم من سقوط الميراث بالفرض سقوطه بالتعصيب مع قيام موجبه وهو وجود الأخ وإذا كان وجود الأخ يجعلها عصبة فيمنعها الميراث بالكلية ولولاه ورثت بالفرض وهو الأخ المشئوم فالعدل يقتضي أن يجعلها عصبة فيورثها إذا لم ترث بالفرض وهو الأخ النافع فهذا محض القياس والميزان وقد فهمت دلالة الكتاب عليه
والنزاع في الأخت للأب مع الأخت أو الأخوات للأبوين كبنت الابن مع البنت والبنات سواء وبالله التوفيق

فصل ميراث الجد مع الإخوة
المسألة السادسة ميراث الجد مع الإخوة والقرآن يدل لقول الصديق ومن معه من الصحابة كأبي موسى وابن عباس وابن الزبير وأربعة عشر منهم رضي الله عنهم ووجه دلالة القرآن على هذا القول قوله تعالى يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد إلى آخر الآية فلم يجعل للإخوة ميراثا إلا في الكلالة
وقد اختلف الناس في الكلالة والكتاب يدل على قول الصديق أنها ما عدا الوالد والولد فإنه سبحانه قال في ميراث ولد الأم وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فسوى بين ميراث الإخوة في الكلالة وإن فرق بينهم في جهة الإرث ومقداره فإذا كان وجود الجد مع الإخوة للأم لا يدخلهم في الكلالة بل يمنعهم من صدق اسم الكلالة على الميت أو عليهم أو على القرابة فكيف أدخل ولد الأب في الكلالة ولم يمنعهم وجوده صدق اسمها وهل هذا إلا تفريق محض بين ما جمع الله بينه
يوضحه الوجه الثاني وهو أن ولد الولد يمنع الإخوة من الميراث ويخرج المسألة عن كونها كلالة لدخوله في قوله ليس له ولد ونسبة أب الأب إلى الميت كنسبة ولد ولده إليه فكما أن الولد وإن نزل يخرج المسألة عن الكلالة فكذلك أبو الأب وإن علا ولا فرق بينهما البتة
يوضحه الوجه الثالث وهو أن نسبة الإخوة إلى الجد كنسبة الأعمام إلى أبي الجد فإن الأخ ابن الأب والعم ابن الجد فإذا خلف عمه وأبا جده فهو كما لو خلف أخاه وجده سواء وقد أجمع المسلمون على تقديم أب الجد على العم فكذلك يجب تقديم الجد على الأخ وهذا من أبين القياس وإن لم يكن هذا قياسا جليا فليس في الدنيا قياس جلي

يوضحه الوجه الرابع وهو أن نسبة ابن الأخ إلى الأخ كنسبة أب الجد إلى الجد فإذا قال الأخ أنا أرث مع الجد لأني ابن أب الميت والجد أبو أبيه فكلانا في القرب إليه سواء صاح ابن الأخ مع أب الجد وقال أنا ابن ابن أب الميت فكيف حرمتموني مع أبي أبي أبيه ودرجتنا واحدة وكيف سمعتم قول أبي مع الجد ولم تسمعوا قولي مع أبي الجد
فإن قيل أبو الجد جد وإن علا وليس ابن الأخ أخا
قيل فهذا حجة عليكم لأنه إذا كان أبو الأب أبا وأبو الجد جدا فما للإخوة ميراث مع الأب بحال
فإن قلتم نحن نجعل أب الجد جدا ولا نجعل أبا الأب أبا
قيل هكذا فعلتم وفرقتم بين المتماثلين وتناقضتم أبين تناقض وجعلتموه أبا في موضع وأخرجتموه عن الأبوة في موضع
يوضحه الوجه الخامس وهو أن نسبة الجد إلى الأب في العمود الأعلى كنسبة ابن الأب إلى الابن في العمود الأسفل فهذا أبو أبيه وهذا ابن ابنه فهذا يدلي إلى الميت بأب الميت وهذا يدلى إليه بابنه فكما كان ابن الابن ابنا فكذلك يجب أن يكون أب الأب أبا فهذا هو الاعتبار الصحيح من كل وجه وهذا معنى قول ابن عباس ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا الأب أبا
يوضحه الوجه السادس وهو أن الله سبحانه سمى الجد أبا في قوله ملة أبيكم إبراهيم وقوله كما أخرج أبويكم من الجنة وقوله أنتم وآباؤكم الأقدمون وقول يوسف واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب وفي حديث المعراج هذا أبوك آدم وهذا أبوك إبراهيم وقال النبي صلى الله عليه وسلم - لليهود من أبوكم قالوا فلان قال كذبتم بل أبوكم فلان قالوا صدقت وسمي ابن الابن ابنا كما في قوله يا بني آدم و يا بني إسرائيل وقول

النبي صلى الله عليه وسلم - ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا والأبوة والبنوة من الأمور المتلازمة المتضايفة يمتنع ثبوت أحدهما بدون الآخر فيمتنع ثبوت البنوة لابن الابن إلا مع ثبوت الأبوة لأب الأب
يوضحه الوجه السابع وهو أن الجد لو مات ورثه بنو بنيه دون إخوته باتفاق الناس فهكذا الأب إذا مات يرثه أبو أبيه دون إخوته وهذا معنى قول عمر لزيد كيف يرثني أولاد عبد الله دون إخوتي ولا أرثهم دون إخوتهم فهذا هو القياس الجلي والميزان الصحيح الذي لا مغمز فيه ولا تطفيف
يوضحه الوجه الثامن وهو أن قاعدة الفرائض وأصولها إذا كان قرابة المدلي من الواسطة من جنس قرابة الواسطة كان أقوى مما إذا اختلف جنس القرابتين مثال ذلك أن الميت يدلي إليه ابنه بقرابة البنوة وأبوه يدلي إليه بقرابة الأبوة فإذا أدلى إليه واحد ببنوة البنوة وإن بعدت كان أقوى ممن يدلي إليه بقرابة بنوة الأبوة وإن قربت فكذلك قرابة أبوة الأبوة وإن علت أقوى من قرابة بنوة الأب وإن قربت وقد ظهر اعتبار هذا في تقديم جد الجد وإن علا على ابن الأخ وإن قرب وعلا العم لأن القرابة التي يدلي بها الجد من جنس واحد وهي الأبوة والقرابة التي يدلي بها الأخ وبنوه من جنسين وهي بنوة الأبوة ولهذا قدمت قرابة ابن الأخ على قرابة ابن الجد لأنها قرابة بنوة أب وتلك قرابة بنوة أبي أب فبين ابن الأخ فيها وبين الميت جنس واحد وهي الأخوة فبواسطتها وصل إليه بخلاف العم فإن بينه وبينه جنسين أحدهما الأبوة والثاني بنوتها وعلى هذه القاعدة بناء باب العصبات
يوضحه الوجه التاسع وهو أن كل بني أب أدنى وإن بعدوا عن الميت يقدمون في التعصيب على بني الأب الأعلى وإن كانوا أقرب إلى الميت فابن ابن ابن الأخ يقدم على العم القريب وابن ابن ابن العم وأن نزل

يقدم على عم الأب وهذا مما يبين أن الجنس الواحد يقوم أقصاه مقام أدناه ويقدم الأقصى على من يقدم عليه الأدنى فيقدم ابن ابن الابن على من يقدم عليه الابن وابن ابن الأخ على من يقدم عليه الأخ وابن ابن العم على من يقدم عليه العم فما بال أب الأب وحده خرج من هذه القاعدة ولم يقدم على من يقدم عليه الأب
وبهذا يظهر بطلان تمثيل الأخ والجد بالشجرة التي خرج منها غصنان والنهر الذي خرج منه ساقيتان فإن القرابة التي من جنس واحد أقوى من القرابة المركبة من جنسين وهذه القرابة البسيطة مقدمة على تلك المركبة بالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار الصحيح ثم قياس القرابة على القرابة والأحكام الشرعية على مثلها أولى من قياس قرابة الآدميين على الأشجار والأنهار مما ليس في الأصل حكم شرعي ثم نقول بل النهر الأعلى أولى بالجدول من الجدول التي اشتق منه وأصل الشجرة أولى بغصنها من الغصن الآخر فإن هذا صنوة ونظيره الذي لا يحتاج إليه وذلك أصله وحامله الذي يحتاج إليه واحتياج الشيء إلى أصله أقوى من احتياجه إلى نظيره فأصله أولى به من نظيره
يوضحه الوجه العاشر وهو أن هذا القياس لو كان صحيحا لوجب طرده ولما انتقض فإن طرده تقديم الإخوة على الجد فلما اتفق المسلمون على بطلان طرده علم أنه فاسد في نفسه
يوضحه الوجه الحادي عشر وهو أن الجد يقوم مقام الأب في التعصيب في كل صورة من صوره ويقدم على كل عصبة يقدم عليه الأب فما الذي أوجب استثناء الإخوة خاصة من هذه القاعدة
يوضحه الوجه الثاني عشر وهو أنه إن كان الموجب لاستثنائهم قوتهم وجب تقديمهم عليه وإن كان مساواتهم له في القرب وجب اعتبارها في بنيهم

وآبائه لاشتراكهم في السبب الذي اشترك فيه هو والإخوة وهذا مما لا جواب لهم عنه
يوضحه الوجه الثالث عشر وهو أنه قد اتفق الناس على أن الأخ لا يساوي الجد فإن لهم قولين أحدهما تقديمه عليه والثاني توريثه معه والمورثون لا يجعلونه كأخ مطلقا بل منهم من يقاسم به الإخوة إلى الثلث ومنهم من يقاسمهم به إلى السدس فإن نقصته المقاسمة عن ذلك أعطوه إياه فرضا وأدخلوا النقص عليهم أو حرموهم كزوج وأم وجد وأخ فلو كان الأخ مساويا للجد وأولى منه كما ادعى المورثون أنه القياس لساواه في هذا السدس وقدم عليه فعلم أن الجد أقوى وحينئذ فد اجتمع عصبتان وأحدهما أقوى من الآخر فيقدم عليه
يوضحه الوجه الرابع عشر وهو أن المورثين للإخوة لم يقولوا في التوريث قولا يدل عليه نص ولا إجماع ولا قياس مع تناقضهم وأما المقدمون له على الإخوة فهم أسعد الناس بالنص والإجماع والقياس وعدم التناقض فإن من المورثين من يزاحم به إلى الثلث ومنهم من يزاحم به إلى السدس وليس في الشريعة من يكون عصبة يقاسم عصبة نظيره إلى حد ثم يفرض له بعد ذلك الحد فلم يجعلوه معهم عصبة مطلقا ولا ذا فرض مطلق ولا قدموه عليهم مطلقا ولا ساووه بهم مطلقا ثم فرضوا له سدسا أو ثلثا بغير نص ولا إجماع ولا قياس ثم حسبوا عليه الإخوة من الأب ولم يعطوهم شيئا ثم إذا كان هناك إخوة لأبوين ثم جعلوا الأخوات معه عصبة إلا في صورة واحدة فرضوا فيها للأخت ثم لم يهينوها بما فرضوا لها بل عادوا عليها بالإبطال فأخذوه وأخذوا ما أصابه فقسموه بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ثم أعالوا هذه المسألة خاصة من مسائل الجد والإخوة ولم يعيلوا غيرها ثم ردوها بعد العول إلى التعصيب وسلم المقدمون له على الإخوة من هذا كله مع فوزهم بدلالة الكتاب والسنة والقياس ودخولهم في حزب الصديق

يوضحه الوجه الخامس عشر وهو أن الصديق لم يختلف عليه أحد من الصحابة في عهده إنه مقدم على الإخوة قال البخاري في صحيحه في باب ميراث الجد مع الإخوة وقال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير الجد أب وقرأ ابن عباس يا بني آدم واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولم يذكر أن أحدا خالف أبا بكر في زمانه وأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم متوافرون وقال ابن عباس يرثني ابن ابني دون إخوتي ولا أرث أنا ابن ابني ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أقاويل مختلفة انتنهى
وقال عبد الرزاق ثنا ابن جريج قال سمعت ابن أبي مليكة يحدث أن ابن الزبير كتب إلى أهل العراق إن الذي قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كنت متخذا خليلا حتى ألقى الله سوى الله لاتخذت أبا بكر خليلا كان يجعل الجد أبا وقال الدارمي في صحيحه ثنا سالم بن إبراهيم ثنا وهيب ثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال جعله الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له لو كنت متخذا خليلا لاتخذته خليلا ولكن أخوة الإسلام أفضل يعني أبا بكر جعله أبا ثنا محمد بن يوسف عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة قال لقيت مروان بن الحكم بالمدينة فقال يا ابن أبي موسى ألم أخبر أن الجد لا ينزل فيكم منزلة الأب وأنت لا تنكر قال قلت لو كنت أنت لم تنكر قال مروان فأنا أشهد على عثمان بن عفان أنه شهد على أبي بكر أنه جعل الجد أبا إذا لم يكن دونه أب ثنا يزيد بن هارون ثنا أشعث عن عروة عن الحسن قال إن الجد قد مضت فيه سنة وإن أبا بكر جعل الجد أبا ولكن الناس تحيروا وقال حماد بن سلمة ثنا هشام بن عروة عن عروة عن مروان قال قال لي عثمان بن عفان إن عمر قال لي إني قد رأيت في الجد رأيا فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه فقال عثمان إن نتبع رأيك فإنه رشد وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان قال وكان أبو بكر يجعله أبا والمورثون للإخوة بعدهم عمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود

فأما عمر فإن أقواله اضطربت فيه وكان قد كتب كتابا في ميراثه فلما طعن دعى به فمحاه وقال الخشني عن محمد بن يسار عن محمد بن أبي عدي عن شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال قال عمر حين طعن إني لم أقض في الجد شيئا وقال وكيع عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال مات ابن لابن عمر ابن الخطاب فدعى زيد بن ثابت فقال شعب ما كنت تشعب لأني أعلم أني أولى به منهم وأما علي كرم الله وجهه فقال عبد الرزاق عن معمر ثنى أيوب عن سعيد بن جبير عن رجل من مراد قال سمعت عليا يقول من سره أن يتقحم جراثم جهنم فاليقضي بين الجد والإخوة وأما عثمان وابن مسعود فقال البغوي ثنى حجاج بن المنهال ثنى حماد بن سلمة أخبرنا الليث بن أبي سليم عن طاوس أن عثمان وعبد الله بن مسعود قالا الجد بمنزلة الأب
فهذه أقوال المورثين كما ترى قد اختلفت في أصل توريثهم معه واضربت في كيفية التوريث وخالفة دلالة الكتاب والسنة والقياس الصحيح بخلاف قول الصديق ومن معه
يوضحه الوجه السادس عشر وهو أن الناس اليوم قائلان قائل بقول أبي بكر وقائل بقول زيد ولكن قول الصديق هو الصواب وقول زيد بخلافه فإنه يتضمن تعصيب الجد للإخوات وهو تعصيب الرجل جنسا آخر ليسوا من جنسه وهذا لا أصل له في الشريعة إنما يعرف في الشريعة تعصيب الرجال للنساء إذا كانوا من جنس واحد كالبنين والبنات والإخوة والأخوات ولا ينتقض هذا بالأخوات مع البنات فإن الرجال لم يعصبوهن وإنما عصبهن البنات ولما كان تعصيب البنين أقوى كان الميراث لهم دون الأخوات بخلاف قول من عصب الأخوات بالجد فإنه عصبهن بجنس آخر أقوى تعصيبا منهن وهذا لا عهد به في الشريعة
يوضحه الوجه السابع عشر وهو أن الجد والإخوة لو اجتمعوا في التعصيب

لكانوا إما من جنس واحد أو من جنسين وكلاهما باطل أما الأول فظاهر البطلان لوجهين أحدهما اختلاف جهة التعصيب والثاني أنهم لو كانوا من جنس واحد لاستووا في الميراث والحرمان كالإخوة والأعمام وبنيهم إذا انفردوا وهذا هو التعصيب المعقول في الشريعة وأما الثاني فبطلانه أظهر إذ قاعدة الفرائض أن العصبة لا يرثون في المسألة إلا إذا كانوا من جنس واحد وليس لنا عصيبة من جنسين يرثان مجتمعين قط بل هذا محال فإن العصبة حكما أن يأخذ ما بقي بعد الفروض فإذا كان هذا حكم هذا الجنس وجب أن يأخذ دون الآخر وكذلك الجنس الآخر فيفضي أحدهما إلى حرمانهما واشتراكهما ممتنع لاختلاف الجنس وهذا ظاهر جدا
يوضحه الوجه الثامن عشر وهو أن الجد أب في باب الشهادة وفي باب سقوط القصاص وأب في باب المنع من دفع الزكاة إليه وأب في باب وجوب إعتاقه على ولد ولده وأب في باب سقوط القطع في السرقة وأب عند الشافعي في باب الإجبار في النكاح وفي باب الرجوع في الهبة وفي باب العتق بالملك وفي باب الإجبار على النفقة وفي باب إسلام ابن ابنه تبعا لإسلامه وأب عند الجميع في باب الميراث عند عدم الأب فرضا وتعصيبا في غير محل النزاع فما الذي أخرجه عن أبوته في باب الجد والإخوة فإن اعتبرنا تلك الأبواب فالأمر في أبوته في محل النزاع ظاهر وإن اعتبرنا باب الميراث فالأمر أظهر وأظهر
يوضحه الوجه التاسع عشر وهو أن الذين ورثوا الإخوة معه إنما ورثوهم المساواة تعصيبه لتعصيبهم ثم نقضوا الأصل فقدموا تعصيبهم على تعصيبه في باب الولاء وأسقطوه بالإخوة لقوة تعصيبهم عندهم ثم نقضوا ذلك أيضا فقدموا الجد عليهم في باب ولاية النكاح وأسقطوا تعصيبهم بتعصيبه وهذا غاية التناقض والخروج عن القياس لا بنص ولا إجماع
يوضحه الوجه العشرون وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألحقوا

الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر فإذا خلفت المرأة زوجها وأمها وأخاها وجدها فإن كان الأخ أولى رجل ذكر فهو أحق بالباقي وإن كانا سواء في بالأولوية وجب اشتراكهما فيه وإن كان الجد أولى وهو الحق الذي لا ريب فيه فهو أولى به وإذا كان الجد أولى رجل ذكر وجب أن ينفرد بالباقي بالنص وهذا الوجه وحده كاف وبالله التوفيق
وليس القصد هذه المسألة بعينها بل بيان دلالة النص والاكتفاء به عما عداه وأن القياس شاهد وتابع لا أنه مستقل في إثبات حكم من الأحكام لم تدل عليه النصوص
ومن ذلك الاكتفاء بقوله كل مسكر خمر عن إثبات التحريم بالقياس في الاسم أو في الحكم كما فعله من لم يحسن الاستدلال بالنص
ومن ذلك الاكتفاء بقوله والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما عن إثبات قطع النباش بالقياس اسما أو حكما إذا السارق يعم في لغة العرب وعرف الشارع سارق ثياب الأحياء والأموات
ومن ذلك الاكتفاء بقوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم في تناوله لكل يمين منعقدة يحلف بها المسلمون من غير تخصيص إلا بنص أو إجماع وقد بين ذلك سبحانه في قوله لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين فهذا صريح في أن كل يمين منعقدة فهذا كفارتها وقد أدخلت الصحابة في هذا النص الحلف بالتزام الواجبات والحلف بأحب القربات المالية إلى الله وهو العتق كما ثبت ذلك عن ستة منهم ولا مخالف لهم من بقيتهم وأدخلت فيه الحلف بالبغيض إلى الله وهو الطلاق كما ثبت ذلك عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة ولا مخالف له منهم فالواجب تحكيم هذا النص العام والعمل بعمومه حتى يثبت إجماع الأمة إجماعا متيقنا على خلافه فالأمة لا تجمع على خطأ البتة

ومن ذلك الاكتفاء بقوله صلى الله عليه وسلم - من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد في إبطال كل عقد نهى الله ورسوله عنه وحرمه وأنه لغو لا يعتد به نكاحا كان أو طلاقا أو غيرهما إلا أن تجمع الأمة إجماعا معلوما على أن بعض ما نهى الله ورسوله عنه وحرمه من العقود صحيح لازم معتد به غير مردود فهي لا تجمع على خطأ وبالله التوفيق
ومن ذلك الاكتفاء بقوله تعالى وقد فصل لكم ما حرم عليكم مع قوله صلى الله عليه وسلم - وما سكت عنه فهو مما عفا عنه فكل ما لم يبين الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم - تحريمه من المطاعم والمشارب والملابس والعقود والشروط فلا يجوز تحريمها فإن الله سبحانه قد فصل لنا ما حرم علينا فما كان من هذه الأشياء حراما فلا بد أن يكون تحريمه مفصلا وكما أنه لا يجوز إباحة ما حرمه الله فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا عنه ولم يحرمه وبالله التوفيق
قد تم بحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات الجزء الأول من كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين
تأليف الإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية ويليه إن شاء الله الجزء الثاني وأوله

فصل في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس
نسأل الله جلت قدرته أن يعنينا بفيض منه وأن يساعدنا على إتمامه إنه على ما يشاء قدير
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم

فصل في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس وأن ما يظن مخالفته للقياس فأحد الأمرين لازم فيه ولا بد إما أن يكون القياس فاسدا أو يكون ذلك الحكم لم يثبت بالنص كونه من الشرع
وسألت شيخنا قدس الله روحه عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم هذا خلاف القياس لما ثبت بالنص أو قول الصحابة أو بعضهم وربما كان مجمعا عليه كقولهم طهارة الماء إذا وقعت فيه نجاسة على خلاف القياس وتطهير النجاسة على خلاف القياس والوضوء من لحوم الإبل والفطر بالحجامة والسلم والإجارة والحوالة والكتابة والمضاربة والمزارعة والمساقاة والقرض وصحة صوم الآكل الناسي والمضي في الحج الفاسد كل ذلك على خلاف القياس فهل ذلك صواب أم لا
فقال ليس في الشريعة ما يخالف القياس وأنا أذكر ما حصلته من جوابه بخطه ولفظه وما فتح الله سبحانه لي بيمن إرشاده وبركة تعليمه وحسن بيانه وتفهيمه

لفظ القياس مجمل
أصل هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل يدخل فيه القياس الصحيح والفاسد والصحيح هو الذي وردت به الشريعة وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين فالأول قياس الطرد والثاني قياس العكس وهو من العدل الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم - فالقياس الصحيح مثل أن تكون

العلة التي علق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط وكذلك القياس بإلغاء الفارق وهو أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع فمثل هذا القياس أيضا لا تأتي الشريعة بخلافه وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بحكم يفارق به نظائره فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته لغيره لكن الوصف الذي اختص به ذلك النوع قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر وليس من شرط القياس الصحيح أن يعلم صحته كل أحد فمن رأى شيئا من الشريعة مخالفا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه ليس مخالفا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر وحيث علمنا أن النص ورد بخلاف قياس علمنا قطعا أنه قياس فاسد بمعنى أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يظن أنها مثلها بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم فليس في الشريعة ما يخالف قياسا صحيحا ولكن يخالف القياس الفاسد وإن كان بعض الناس لا يعلم فساده ونحن نبين ذلك فيما ذكر في السؤال

المشاركة غير المعارضة
فالذين قالوا المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة لأنها عمل بعوض والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض فلما رأوا العمل والربح في هذه العقود غير معلومين قالوا هي على خلاف القياس وهذا من غلطهم فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض والمشاركات جنس غير جنس المعوضات وإن كان فيها شوب المعاوضة وكذلك المقاسمة جنس غير جنس المعاوضة المحضة وإن كان فيها شوب المعاوضة حتى ظن بعض الفقهاء أنها بيع يشترط فيها شروط البيع الخاص

العمل الذي يقصد به المال أنواع ثلاثة
وإيضاح هذا أن العمل الذي يقصد به المال ثلاثة أنواع
النوع الأول
أحدها أن يكون العمل مقصودا معلوما مقدورا على تسليمه فهذه الإجارة اللازمة
النوع الثاني
الثاني أن يكون العمل مقصودا لكنه مجهول أو غرر فهذه الجعالة وهي عقد جائز ليس بلازم فإذا قال من رد عبدي الآبق فله مائة فقد يقدر على رده وقد لا يقدر وقد يرده من مكان قريب أو بعيد فلهذا لم تكن لازمة لكن هي جائزة فإن عمل العمل استحق الجعل وإلا فلا ويجوز أن يكون الجعل فيها إذا حصل بالعمل جزءا شائعا ومجهولا جهالة لا تمنع التسليم كقول أمير الغزو من دل على حصن فله ثلث ما فيه أو يقول للسرية التي يسير بها لكم خمس ما تغنمون أو ربعه وتنازعوا في السلب هل هو مستحق بالشرع كقول الشافعي أو بالشرط كقول أبي حنيفة ومالك على قولين وهما روايتان عن أحمد فمن جعله مستحقا بالشرط جعله من هذا الباب ومن ذلك إذا جعل للطبيب جعلا على الشفاء جاز كما أخذ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - القطيع من الشاء الذي جعله لهم سيد الحي فرقاه أحدهم حتى برىء والجعل كان على الشفاء لا على القراءة ولو استأجر طبيبا إجارة لازمة على الشفاء لم يصح لأن الشفاء غير مقدور له فقد يشفيه الله وقد لا يشفيه فهذا ونحوه مما تجوز فيه الجعالة دون الإجارة اللازمة

فصل النوع الثالث
وأما النوع الثالث فهو مالا يقصد فيه العمل بل المقصود فيه المال وهو المضاربة فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كالمجاعل والمستأجر له قصد في عمل العامل ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئا لم يكن له شيء وإن سمى هذه جعالة بجزء مما يحصل من العمل كان نزاعا لفظيا بل هذه مشاركة هذا بنفع ماله وهذا بنفع بدنه وما قسم الله من ربح كان بينهما على الإشاعة ولهذا لا يجوز أن يختص أحدهما بربح مقدر لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة وهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم - من المزارعة فإنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها وهو ما ثبت على الماذيانات وأقبال الجداول ونحو ذلك فنهى النبي صلى الله عليه وسلم - عنه ولهذا قال الليث بن سعد وغيره إن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم - أمر لو نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز فتبين أن النهي عن ذلك موجب القياس فإن هذا لو شرط في المضاربة لم يجز فإن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن ذلك عدلا بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم فإن حصل ربح اشتركا فيه وإن لم يحصل شيء اشتركا في المغرم وذهب نفع بدن هذا كما ذهب نفع مال هذا ولهذا كانت الوضيعة على المال لأن ذلك في مقابلة ذهاب نفع المال ولهذا كان الصواب أنه يجب في المضاربة الفاسدة بربح المثل فيعطى العامل ما جرت العادة أن يعطاه مثله إما نصفه أو ثلثه فأما أن يعطى شيئا مقدرا مضمونا في ذمة المالك كما يعطى في الإجارة والجعالة فهذا غلط ممن قاله وسبب غلطه ظنه أن هذه إجارة فأعطاه في فاسدها عوض المثل كما يعطيه في الصحيح المسمى
ومما يبين غلط هذا القول أن العامل قد يعمل عشر سنين أو أكثر فلو

أعطى أجرة المثل أعطى أضعاف رأس المال وهو في الصحيحة لا يستحق إلا جزءا من الربح إن كان هناك ربح فكيف يستحق في الفاسدة أضعاف ما يستحقه في الصحيحة وكذلك الذين أبطلوا المزارعة والمساقاة ظنوا أنهما إجارة بعوض مجهول فأبطلوها وبعضهم صحح منهما ما تدعو إليه الحاجة كالمساقاة على الشجر لعدم إمكان إجارتها بخلاف الأرض فإنه يمكن إجارتها وجوزوا من المزارعة ما يكون تبعا للمساقاة إما مطلقا وإما إذا كان البياض الثلث وهذا كله بناء على أن مقتضى الدليل بطلان المزارعة وإنما جوزت للحاجة ومن أعطى النظر حقه علم أن المزارعة أبعد عن الظلم والغرر من الإجارة بأجرة مسماة مضمونة في الذمة فإن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالزرع النابت في الأرض فإذا لزمته الأجرة ومقصوده من الزرع قد يحصل وقد لا يحصل كان في هذا حصول أحد المعاوضين على مقصوده دون الآخر فأحدهما غانم ولا بد والآخر متردد بين المغنم والمغرم وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركا فيه وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان فلا يختص أحدهما بحصول مقصوده دون الآخر فهذا أقرب إلى العدل وأبعد عن الظلم والغرر من الإجارة

العدل هو الأصل في كل العقود
والأصل في العقود كلها إنما هو العدل الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب قال تعالى ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط والشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم وعن الميسر لما فيه من الظلم والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا وكلاهما أكل المال بالباطل وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم - من المعاملات كبيع الغرر وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين وبيع حبل الحبلة وبيع المزابنة والمحاقلة وبيع الحصاة وبيع الملاقيح والمضامين ونحو ذلك هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر فالإجارة بالأجرة المجهولة مثل أن يكريه الدار بما يكسبه المكتري في حانوته من المال هو من الميسر وأما المضاربة والمساقاة والمزارعة

فليس فيها شيء من الميسر بل هي من أقوم العدل وهو مما يبين لك أن المزارعة التي يكون فيها البذر من العامل أولى بالجواز من المزارعة التي يكون فيها البذر من رب الأرض ولهذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - يزارعون على هذا الوجه وكذلك عامل النبي صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعملوها من أموالهم والذين اشترطوا أن يكون البذر من رب الأرض قاسوا ذلك على المضاربة فقالوا المضاربة فيها المال من واحد والعمل من آخر فكذلك المزارعة ينبغي أن يكون البذر فيها من مالك الأرض وهذا القياس مع أنه مخالف للسنة الصحيحة ولأقوال الصحابة فهو من أفسد القياس فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه ويقتسمان الربح فهذا نظير الأرض في المزارعة وأما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه بل يذهب كما يذهب نفع الأرض فإلحاقه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأصل الباقي فالعامل إذا أخرج البذر ذهب عمله وبذره ورب الأرض يذهب نفع أرضه وبدن هذا كأرض هذا فمن جعل البذر كالمال في المضاربة كان ينبغي له أن يعيد مثل هذا البذر إلى صاحبه كما قال مثل ذلك في المضاربة فكيف ولو اشترط رب البذر عود نظيره لم يجوزوا ذلك

فصل الحوالة توافق القياس
وأما الحوالة فالذين قالوا إنها على خلاف القياس قالوا هي بيع دين بدين والقياس يأباه وهذا غلط من وجهين
أحدهما أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام ولا إجماع وإنما ورد النهي عن بيع الكالىء بالكالىء والكالىء هو المؤخر الذي لم يقبض كما لو أسلم شيئا في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق وهو بيع كالىء بكالىء وأما بيع الدين بالدين فينقسم إلى بيع واجب بواجب

كما ذكرنا وهو ممتنع وينقسم إلى بيع ساقط بساقط وساقط بواجب وواجب بساقط وهذا فيه نزاع
قلت الساقط بالساقط في صورة المقاصة والساقط بالواجب كما لو باعه دينا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه فسقط الدين المبيع ووجب عوضه وهي بيع الدين ممن هو ذمته وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم إليه في كر حنطة بعشرة دراهم في ذمته فقد وجب له عليه دين وسقط له عنه دين غيره وقد حكى الإجماع على امتناع هذا ولا إجماع فيه قاله شيخنا واختار جوازه وهو الصواب إذ لا محذور فيه وليس بيع كالىء بكالىء فيتناوله النهي بلفظه ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله وينتفع صاحب المؤخر بربحه بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة وأما ما عداه من الصور الثلاث فلكل منهما غرض صحيح ومنفعة مطلوبة وذلك ظاهر في مسألة التقاص فإن ذمتهما تبرأ من أسرها وبراءة الذمة مطلوب لهما وللشارع فأما في الصورتين الأخيرتين فأحدهما يعجل براءة ذمته والآخر ينتفع بما يربحه وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح وذلك في بيع العين بالدين جاز أن يفرغها من دين ويشغلها بغيره وكأنه شغلها به ابتداء إما بقرض أو بمعاوضة فكانت ذمته مشغولة بشيء فانتقلت من شاغل إلى شاغل وليس هناك بيع كالىء بكالىء وإن كان بيع دين بدين فلم ينه الشارع عن ذلك لا بلفظه ولا بمعنى لفظه بل قواعد الشارع تقتضي جوازه فإن الحوالة اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فقد عاوض المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز وبالله التوفيق
رجعنا إلى كلام شيخ الإسلام قال الوجه الثاني يعني مما يبين أن

الحوالة على وفق القياس أن الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس البيع فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي في ذمة المحيل ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم - الحوالة في معرض الوفاء فقال في الحديث الصحيح مطل الغنى ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملىء فليتبع فأمر المدين بالوفاء ونهاه عن المطل وبين أنه ظالم إذا مطل وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على ملىء وهذا كقوله تعالى فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان أمر المستحق أن يطالب بالمعروف وأمر المدين أن يؤدي بإحسان ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص وإن كان فيه شوب المعاوضة وقد ظن بعض الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين بسبب أن الغريم إذا قبض الوفاء صار في ذمة المدين مثله ثم إنه يقاص ما عليه بماله وهذا تكلف أنكره جمهور الفقهاء وقالوا بل نفس المال الذي قبضه يحصل به الوفاء ولا حاجة أن يقدر في ذمة المستوفي دينا وأولئك قصدوا أن يكون وفاء دين بدين مطلق وهذا لا حاجة إليه فإن الدين من جنس المطلق الكلي والمعين من جنس المعين فمن ثبت في ذمته دين مطلق كلي فالمقصود منه هو الأعيان الموجودة وأي معين استوفاه حصل به المقصود من ذلك الدين المطلق

فصل القرض يوافق القياس
وأما القرض فمن قال إنه على خلاف القياس فشبهته أنه بيع ربوي بجنسه مع تأخر القبض وهذا غلط فإن القرض من جنس التبرع بالمنافع كالعارية ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم - منيحة فقال أو منيحة ذهب أو منيحة ورق وهذا من باب الإرفاق لا من باب المعاوضات فإن باب المعاوضات يعطي كل منهما أصل المال على وجه لا يعود إليه وباب القرض من جنس باب العارية والمنيحة وإفقار الظهر مما يعطى فيه أصل المال لينتفع بما يستخلف منه ثم يعيده

إليه بعينه إن أمكن وإلا فنظيره ومثله فتارة ينتفع بالمنافع كما في عارية العقار وتارة يمنحه ماشية ليشرب لبنها ثم يعيدها أو شجرة ليأكل ثمرها ثم يعيدها وتسمى العرية فإنهم يقولون أعاره الشجرة وأعاره المتاع ومنحه الشاة وأفقره الظهر وأقرضه الدراهم واللبن والثمر لما كان يستخلف شيئا بعد شيء كان بمنزلة المنافع ولهذا كان في الوقف يجري مجرى المنافع وليس هذا من باب البيع في شيء بل هو من باب الإرفاق والتبرع والصدقة وإن كان المقرض قد ينتفع أيضا بالقرض كما في مسألة السفتجة ولهذا كرهها من كرهها والصحيح أنها لا تكره لأن المنفعة لا تخص المقرض بل ينتفعان بها جميعا

فصل إزالة النجاسة توافق القياس
وأما إزالة النجاسة فمن قال إنها على خلاف القياس فقوله من أبطل الأقوال وأفسدها وشبهته أن الماء إذا لاقى نجاسة تنجس بها ثم لاقى الثاني والثالث كذلك وهلم جرا والنجس لا يزيل نجاسة وهذا غلط فإنه يقال فلم قلتم إن القياس يقتضي أن الماء إذ لاقى نجاسة نجس فإن قلتم الحكم في بعض الصور كذلك قيل هذا ممنوع عند من يقول إن الماء لا ينجس إلا بالتغير
فإن قيل فيقاس ما لم يتغير على ما تغير
قيل هذا من أبطل القياس حسا وشرعا وليس جعل الإزالة مخالفة للقياس بأولى من جعل تنجيس الماء مخالفا للقياس بل يقال إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس كما أنه إذا لاقاها حال الإزالة لا ينجس فهذا القياس أصح من ذلك القياس لأن النجاسة تزول بالماء حسا وشرعا وذلك معلوم بالضرورة من الدين بالنص والإجماع وأما تنجيس الماء بالملاقاة فمورد نزاع فكيف يجعل مورد النزاع حجة على مواقع الإجماع والقياس يقتضي رد

موارد النزاع إلى موارد الإجماع وأيضا فالذي تقتضيه العقول أن الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس فإنه باق على أصل خلقته وهو طيب فيدخل في قوله يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة فاستحالت بحيث لم يظهر لها لون ولا طعم ولا ريح
وقد تنازع الفقهاء هل القياس يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما استثناه الدليل أو القياس يقتضي أنه لا ينجس إذ لم يتغير على قولين الأول قول أهل العراق والثاني قول أهل الحجاز وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا ومنهم من يختار هذا
وقول أهل الحجاز هو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول فإن الله سبحانه أباح الطيبات وحرم الخبائث والطيب والخبيث يثبت للمحل باعتبار صفات قائمة به فما دامت تلك الصفة فالحكم تابع لها فإذا زالت وخلفتها الصفة الأخرى زال الحكم وخلفه ضده فهذا هو محض القياس والمعقول فهذا الماء والطعام كان طيبا لقيام الصفة الموجبة لطيبه فإذا زالت تلك الصفة وخلفتها صفة الخبث عاد خبيثا فإذا زالت صفة الخبث عاد إلى ما كان عليه وهذا كالعصير الطيب إذا تخمر صار خبيثا فإذا عاد إلى ما كان عليه عاد طيبا والماء الكثير إذا تغير بالنجاسة صار خبيثا فإذا زال التغير عاد طيبا والرجل المسلم إذا ارتد صار خبيثا فإذا عاد إلى الإسلام عاد طيبا والدليل على أنه طيب الحس والشرع أما الحس فلأن الخبث لم يظهر له فيه أثر بوجه ما لا في لون ولا طعم ولا رائحة ومحال صدق المشتق بدون المشتق منه وأما الشرع فمن وجوه أحدها
أنه كان طيبا قبل ملاقاته لما يتأثر به والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت رفعه وهذا يتضمن أنواع الاستصحاب الثلاثة المتقدمة استصحاب براءة الذمة من الإثم بتناوله شربا أو طبخا أو عجنا وملابسة استصحاب الحكم الثابت وهو الطهارة واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع

الثاني أنه لو شرب هذا الماء الذي قطرت فيه قطرة من خمر مثل رأس الذبابة لم يحد اتفاقا ولو شربه صبي وقد قطرت فيه قطرة من لبن لم تنشر الحرمة فلا وجه للحكم بنجاسته لا من كتاب ولا من سنة ولا قياس
والذين قالوا إن الأصل نجاسة الماء بالملاقاة تناقضوا أعظم تناقض ولم يمكنهم طرد هذا الأصل فمنهم من استثنى مقدار القلتين على خلافهم فيها ومنهم من استثنى ما لا يمكن نزحه ومنهم من استثنى ما إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر ومنهم من استثنى الجاري خاصة وفرقوا بين ملاقاة الماء في الإزالة إذا ورد على النجاسة وملاقاتها له إذا وردت عليه بفروق منها أنه وارد على النجاسة فهو فاعل وإذا وردت عليه فهو مورود منفعل وهو أضعف ومنها أنه إذا كان واردا فهو جار والجاري له قوة ومنها أنه إذا كان واردا فهو في محل التطهير وما دام في محل التطهير فله عمل وقوة والصواب أن مقتضى القياس أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وأنه إذا تغير في محل التطهير فهو نجس أيضا وهو في حال تغيره لم يزلها وإنما خففها ولا تحصل الإزالة المطلوبة إلا إذا كان غير متغير وهذا هو القياس في المائعات كلها أن يسير النجاسة إذا استحالت في الماء ولم يظهر لها فيه لون ولا طعم ولا رائحة فهي من الطيبات لا من الخبائث وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال الماء لا ينجس وصح عنه أنه قال إن الماء لا يجنب وهما نصان صريحان في أن الماء لا ينجس بالملاقاة ولا يسلبه طهوريته استعماله في إزالة الحدث ومن نجسه بالملاقاة أو سلب طهوريته بالاستعمال فقد جعله ينجس ويجنب والنبي صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه في صحيح البخاري أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال ألقوها وما حولها وكلوه ولم يفصل بين أن يكون جامدا أو مائعا قليلا أو كثيرا فالماء بطريق الأولى يكون هذا حكمه وحديث التفريق بين الجامد والمائع حديث معلول وهو غلط من معمر من عدة وجوه بينها البخاري في صحيحه والترمذي في جامعه وغيرهما ويكفي أن الزهري الذي روى عنه معمر حديث التفصيل قد روى عنه الناس كلهم خلاف ما روى عنه معمر

وسئل عن هذه المسألة فأفتى بأنها تلقى وما حولها ويؤكل الباقي في الجامد والمائع والقليل والكثير واستدل بالحديث فهذه فتياه وهذا استدلاله وهذه رواية الأئمة عنه فقد اتفق على ذلك النص والقياس ولا يصلح للناس سواه وما عداه من الأقوال فمتناقض لا يمكن صاحبه طرده كما تقدم فظهر أن مخالفة القياس فيما خالف النص لا فيما جاء به النص

فصل طهارة الخمر باستحالتها توافق القياس
وعلى هذا الأصل فطهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس فإنها نجسة لوصف الخبث فإذا زال الموجب زال الموجب وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها بل وأصل الثواب والعقاب وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت وقد نبش النبي صلى الله عليه وسلم - قبور المشركين من موضع مسجده ولم ينقل التراب وقد أخبر الله سبحانه عن اللبن أنه يخرج من بين فرث ودم وقد أجمع المسلمون على أن الدابة إذا علفت بالنجاسة ثم حبست وعلفت بالطاهرات حل لبنها ولحمها وكذلك الزرع والثمار إذا سقيت بالماء النجس ثم سقيت بالطاهر حلت لاستحالة وصف الخبث وتبدله بالطيب وعكس هذا أن الطيب إذا استحال خبيثا صار نجسا كالماء والطعام إذا استحال بولا وعذرة فكيف أثرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثا ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيبا والله تعالى يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب ولا عبرة بالأصل بل بوصف الشيء نفسه ومن الممتنع بقاء حكم الخبث وقد زال اسمه ووصفه والحكم تابع للاسم والوصف دائر معه وجودا وعدما فالنصوص المتناولة لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر لا تتناول الزرع والثمار والرماد والملح والتراب والخل لا لفظا ولا معنى ولا نصا ولا قياسا والمفرقون بين استحالة الخمر وغيرها قالوا الخمر نجست

بالاستحالة فطهرت بالاستحالة فيقال لهم وهكذا الدم والبول والعذرة وإنما نجست بالاستحالة فتطهر بالاستحالة فظهر أن القياس مع النصوص وأن مخالفة القياس في الأقوال التي تخالف النصوص

فصل الوضوء من لحوم الإبل يوافق القياس
وأما قولهم إن الوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس لأنها لحم واللحم لا يتوضأ منه فجوابه أن الشارع فرق بين اللحمين كما فرق بين المكانين وكما فرق بين الراعيين رعاة الإبل ورعاة الغنم فأمر بالصلاة في مرابض الغنم دون أعطان الإبل وأمر بالتوضؤ من لحوم الإبل دون الغنم كما فرق بين الربا والبيع والمذكي والميتة فالقياس الذي يتضمن التسوية بين ما فرق الله بينه من أبطل القياس وأفسده ونحن لا ننكر أن في الشريعة ما يخالف القياس الباطل هذا مع أن الفرق بينهما ثابت في نفس الأمر كما فرق بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم فقال الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل والسكينة في أصحاب الغنم وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطان وجاء أنها جن خلقت من جن ففيها قوة شيطانية والغاذى شبيه بالمغتذى ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير لأنها دواب عادية فالاغتذاء بها يجعل في طبيعة المغتذى من العدوان ما يضره في دينه فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها تلك القوة الشيطانية والشيطان خلق من نار والنار تطفأ بالماء هكذا جاء الحديث ونظيره الحديث الآخر إن الغضب من الشيطان فإذا غضب أحدكم فليتوضأ فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يطفىء تلك القوة الشيطانية فتزول تلك المفسدة ولهذا أمرنا بالوضوء مما مست النار إما إيجابا منسوخا وإما استحبابا غير منسوخ وهذا الثاني أظهر لوجوه منها أن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الحديثين ومنها أن رواة أحاديث الوضوء بعضهم متأخر الإسلام كأبي هريرة ومنها أن المعنى الذي أمرنا بالوضوء لأجله منها هو

اكتسابها من القوة النارية وهي مادة الشيطان التي خلق منها والنار تطفأ بالماء وهذا المعنى موجود فيها وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب ومنها أن أكثر ما مع من ادعى النسخ أنه ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه صلى الله عليه وسلم - أكل مما مست النار ولم يتوضأ وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء لا على عدم استحبابه فلا تنافي بين أمره وفعله وبالجملة فالنسخ إنما يصار إليه عند التنافي وتحقق التاريخ وكلاهما منتف وقد يكون الوضوء من مس الذكر ومس النساء من هذا الباب لما في ذلك من تحريك الشهوة فالأمر بالوضوء منهما على وفق القياس ولما كانت القوة الشيطانية في لحوم الإبل لازمة كان الأمر بالوضوء منها لا معارض له من فعل ولا قول ولما كان في ممسوس النار عارضة صح فيها الأمر والترك ويدل على هذا أنه فرق بينها وبين لحوم الغنم في الوضوء وفرق بينها وبين الغنم في مواضع الصلاة فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل وأذن في الصلاة في مرابض الغنم وهذا يدل على أنه ليس ذلك لأجل الطهارة والنجاسة كما أنه لما أمر بالوضوء من لحوم الإبل دون لحوم الغنم علم أنه ليس ذلك لكونها مما مسته النار ولما كانت أعطان الإبل مأوى الشيطان لم تكن مواضع للصلاة كالحشوش بخلاف مباركها في السفر فإن الصلاة فيها جائزة لأن الشيطان هناك عارض وطرد هذا المنع من الصلاة في الحمام لأنه بيت الشيطان وفي الوضوء من اللحوم الخبيثة كلحوم السباع إذا أبيحت للضرورة روايتان والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل فإذا عقل المعنى لم يكن بد من تعديته ما لم يمنع منه مانع والله أعلم

فصل الفطر بالحجامة يوافق القياس
أما الفطر بالحجامة فإنما اعتقد من قال إنه على خلاف القياس ذلك بناء على أن القياس الفطر بما دخل لا بما خرج وليس كما ظنوه بل الفطر

بها محض القياس وهذا إنما يتبين بذكر قاعدة وهي أن الشارع الحكيم شرع الصوم على أكمل الوجوه وأقومها بالعدل وأمر فيه بغاية الاعتدال حتى نهى عن الوصال وأمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور وجعل أعدل الصيام وأفضله صيام داود فكان من تمام الاعتدال في الصوم أن لا يدخل الإنسان ما به قوامه كالطعام والشراب ولا يخرج ما به قوامه كالقيء والاستمناء وفرق بين ما يمكن الاحتراز منه من ذلك وبين ما لا يمكن فلم يفطر بالاحتلام ولا بالقيء الذارع كما لا يفطر بغبار الطحين وما يسبق من الماء إلى الجوف عند الوضوء والغسل وجعل الحيض منافيا للصوم دون الجنابة لطول زمانه وكثرة خروج الدم وعدم التمكن من التطهير قبل وقته بخلاف الجنابة وفرق بين دم الحجامة ودم الجرح فجعل الحجامة من جنس القيء والاستمناء والحيض وخروج الدم من الجرح والرعاف من جنس الاستحاضة والاحتلام وذرع القيء فتناسبت الشريعة وتشابهت تأصيلا وتفصيلا وظهر أنها على وفق القياس الصحيح والميزان العادل ولله الحمد

فصل التيمم يوافق القياس
ومما يظن أنه على خلاف القياس باب التيمم قالوا إنه على خلاف القياس من وجهين أحدهما أن التراب ملوث لا يزيل درنا ولا وسخا ولا يطهر البدن كما لا يطهر الثوب والثاني أنه شرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها وهذا خروج عن القياس الصحيح
ولعمر الله أنه خروج عن القياس الباطل المضاد للدين وهو على وفق القياس الصحيح فإن الله سبحانه جعل من الماء كل شيء حي وخلقنا من التراب فلنا مادتان الماء والتراب فجعل منهما نشأتنا وأقواتنا وبهما تطهرنا وتعبدنا فالتراب أصل ما خلق منه الناس والماء حياة كل شيء وهما الأصل في الطبائع التي ركب الله عليهما هذا العالم وجعل قوامه بهما وكان أصل ما يقع به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار هو الماء في الأمر المعتاد فلم يجز العدول

عنه إلا في حال العدم والعذر بمرض أو نحوه وكان النقل عنه إلى شقيقه وأخيه التراب أولى من غيره وإن لوث ظاهرا فإنه يطهر باطنا ثم يقوي طهارة الباطن فيزيل دنس الظاهر أو يخففه وهذا أمر يشهده من له بصر نافذ بحقيقة الأعمال وارتباط الظاهر بالباطن وتأثر كل منهما بالآخر وانفعاله عنه

فصل التيمم في عضوين بوافق القياس
وأما كونه في عضوين ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة فإن وضع التراب على الرءوس مكروه في العادات وإنما يفعل عند المصائب والنوائب والرجلان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم لله والذل له والانكسار لله ما هو أحب العبادات إليه وأنفعها للعبد ولذلك يستحب للساجد أن يترب وجهه لله وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد وجعل بينه وبين التراب وقاية فقال ترب وجهك وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرجلين وأيضا فموافقة ذلك للقياس من وجه آخر وهو أن التيمم جعل في العضوين المغسولين وسقط عن العضوين الممسوحين فإن الرجلين تمسحان في الخف والرأس في العمامة فلما خفف عن المغسولين بالمسح خفف عن الممسوحين بالعفو إذ لو مسحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب فظهر أن الذي جاءت به الشريعة هو أعدل الأمور وأكملها وهو الميزان الصحيح
أما كون تيمم الجنب كتيمم المحدث فلما سقط مسح الرأس والرجلين بالتراب عن المحدث سقط مسح البدن كله بالتراب عنه بطريق الأولى إذ في ذلك من المشقة والحرج والعسر مما يناقض رخصة التيمم ويدخل أكرم المخلوقات على الله في شبه البهائم إذا تمرغ في التراب فالذي جاءت به الشريعة لا مزيد في الحسن والحكمة والعدل عليه ولله الحمد

فصل السلم يوافق القياس
وأما السلم فمن ظن أنه على خلاف القياس توهم دخوله تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم - لا تبع ما ليس عندك فإنه بيع معدوم والقياس يمنع منه والصواب أنه على وفق القياس فإنه بيع مضمون في الذمة موصوف مقدور على تسليمه غالبا وهو كالمعارضة على المنافع في الإجارة وقد تقدم أنه على وفق القياس وقياس السلم على بيع العين المعدومة التي لا يدري أيقدر على تحصيلها أم لا والبائع والمشتري منها على غرر من أفسد القياس صورة ومعنى وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان مالا يملكه ولا هو مقدور له وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى والربا والبيع
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك فيحمل على معنيين أحدهما أن يبيع عينا معينة وهي ليست عنده بل ملك للغير فيبيعها ثم يسعى في تحصيلها وتسليمها إلى المشتري والثاني أن يريد بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة وهذا أشبه فليس عنده حسا ولا معنى فيكون قد باعه شيئا لا يدري هل يحصل له أم لا وهذا يتناول أمورا أحدها بيع عين معينة ليست عنده الثاني السلم الحال في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه الثالث السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته عادة فأما إذا كان على ثقة من توفيته عادة فهو دين من الديون وهو كالابتياع بثمن مؤجل فأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجلا في الذمة وبين الآخر فهذا محض القياس والمصلحة وقد قال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وهذا يعم الثمن والمثمن وهذا هو الذي فهمه

ترجمان القرآن من القرآن عبد الله بن عباس فقال أشهد أن السلف المضمون في الذمة حلال في كتاب الله وقرأ هذه الآية
فثبت أن إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة وشرع على أكمل الوجوه وأعدلها فشرط فيه قبض الثمن في الحال إذ لو تأخر لحصل شغل الذمتين بغير فائدة ولهذا سمي سلما لتسليم الثمن فإذا أخر الثمن دخل في حكم الكالىء بالكالىء بل هو نفسه وكثرت المخاطرة ودخلت المعاملة في حد الغرر ولذلك منع الشارع أن يشترط فيه كونه من حائط معين لأنه قد يتخلف فيمتنع التسليم
والذين شرطوا أن يكون دائم الجنس غير منقطع قصدوا به إبعاده من الغرر بإمكان التسليم لكن ضيقوا ما وسع الله وشرطوا ما لم يشرطه وخرجوا عن موجب القياس والمصلحة أما القياس فإنه أحد العوضين فلم يشترط دوامه ووجوده كالثمن وأما المصلحة فإن في اشتراط ذلك تعطيل مصالح الناس إذ الحاجة التي لأجلها شرع الله ورسوله السلم الارتفاق من الجانبين هذا يرتفق بتعجيل الثمن وهذا يرتفق برخص المثمن وهذا قد يكون في منقطع الجنس كما قد يكون في متصله فالذي جاءت به الشريعة أكمل شيء وأقومه بمصالح العباد

فصل الكتابة توافق القياس
وأما الكتابة فمن قال هي على خلاف القياس قال هي بيع السيد ماله بماله وهذا غلط وإنما باع العبد نفسه بمال في ذمته والسيد لا حق له في ذمة العبد وإنما حقه في بدنه فإن السيد حقه في مالية العبد لا في إنسانيته وإنما يطالب العبد بما في ذمته بعد عتقه وحينئذ فلا ملك للسيد عليه وإذا عرف هذا فالكتابة بيعه نفسه بمال في ذمته ثم إذا اشترى نفسه كان كسبه له ونفعه له

وهو حادث على ملكه الذي استحقه بعقد الكتابة ومن تمام حكمة الشارع أنه أخر فيها العتق إلى حين الأداء لأن السيد لم يرض بخروجه عن ملكه إلا بأن يسلم له العوض فمتى لم يسلم له العوض وعجز العبد عنه كان له الرجوع في البيع فلو وقع العتق لم يمكن رفعه بعد ذلك فيحصل السيد على الحرمان فراعى الشارع مصلحة السيد ومصلحة العبد وشرع الكتابة على أكمل الوجوه وأشدها مطابقة للقياس الصحيح وهذا هو القياس في سائر المعاوضات وبه جاءت السنة الصحيحة الصريحة الذي لا معارض لها أن المشتري إذا عجز عن الثمن كان للبائع الرجوع في عين ماله وسواء حكم الحاكم بفلسه أم لا والنبي صلى الله عليه وسلم - لم يشترط حكم الحاكم ولا أشار إليه ولا دل عليه بوجه ما فلا وجه لاشتراطه وإنما المعنى الموجب للرجوع هو الفلس الذي حال بين البائع وبين الثمن وهذا المعنى موجود بدون حكم الحاكم فيجب ترتيب أثره عليه وهو محض العدل وموجب القياس فإن المشتري لو اطلع على عيب في السلعة كان له الفسخ بدون حكم حاكم ومعلوم أن الأعسار عيب في الذمة لو علم به البائع لم يرض بكون ماله في ذمة مفلس فهذا محض القياس الموافق للنص ومصالح العباد وبالله التوفيق
وطرد هذا القياس عجز الزوج عن الصداق أو عجزه عن الوطء وعجزه عن النفقة والكسوة وطرده عجز المرأة عن العوض في الخلع أن للزوج الرجعة وهذا هو الصواب بلا ريب فإنه لم يخرج البضع عن ملكه إلا بشرط سلامة العوض وطرده الصلح عن القصاص إذا لم يحصل له ما يصالح عليه فله العود إلى طلب القصاص فهذا موجب العدل ومقتضى قواعد الشريعة وأصولها وبالله التوفيق

فصل الإجارة توافق القياس
وأما الإجارة فالذين قالوا هي على خلاف القياس قالوا هي بيع معدوم لأن المنافع معدومة حين العقد ثم لما رأوا الكتاب قد دل على جواز إجارة الظئر للرضاع بقوله فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن قالوا إنها على خلاف القياس من وجهين أحدهما كونها إجارة والثاني أن الإجارة عقد على المنافع وهذه عقد على الأعيان ومن العجب أنه ليس في القرآن ذكر إجارة جائزة إلا هذه وقالوا هي على خلاف القياس والحكم إنما يكون على خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في موضع يشابهه بنقيض ذلك الحكم فيقال هذا خلاف قياس ذلك النص وليس في القرآن ولا في السنة ذكر فساد إجارة شبه هذه الإجارة ومنشأ وهمهم ظنهم أن مورد عقد الإجارة لا يكون إلا منافع هي أعراض قائمة بغيرها لا أعيان قائمة بنفسها ثم افترق هؤلاء فرقتين فقالت فرقة إنما احتملناها على خلاف القياس لورود النص فلا نتعدى محله وقالت فرقة بل نخرجها على ما يوافق القياس وهو كون المعقود عليه أمرا غير اللبن بل هو إلقام الصبي الثدي ووضعه في حجر المرضعة ونحو ذلك من المنافع التي هي مقدمات الرضاع واللبن يدخل تبعا غير مقصود بالعقد ثم طردوا ذلك في مثل ماء البئر والعيون التي في الأرض المستأجرة وقالوا يدخل ضمنا وتبعا فإذا وقعت الإجارة على نفس العين والبئر لسقي الزرع والبستان قالوا إنما وردت الإجارة على مجرد إدلاء الدلو في البئر وإخراجه وعلى مجرد إجراء العين في أرضه مما هو قلب الحقائق وجعل المقصود وسيلة والوسيلة مقصودة إذ من المعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة إلى المقصود بعقد الإجارة وإلا فهي بمجردها ليست مقصودة ولا معقودا عليها ولا قيمة لها أصلا وإنما هي كفتح الباب وكقود الدابة لمن اكترى دارا أو دابة

الرد على من جعل الإجارة على خلاف القياس
ونحن نتكلم على هذين الأصلين الباطلين على أصل من جعل الإجارة على خلاف القياس وعلى أصل من جعل إجارة الظئر ونحوها على خلاف القياس فنقول وبالله التوفيق
أما الأصل الأول فقولهم إن الإجارة بيع معدوم وبيع المعدوم باطل دليل مبني على مقدمتين مجملتين غير مفصلتين قد اختلط في كل منهما الخطأ بالصواب فأما المقدمة الأولى وهي كون الإجارة بيعا إن أردتم به البيع الخاص الذي يكون العقد فيه على الأعيان لا على المنافع فهو باطل وإن أردتم به البيع العام الذي هو معاوضة إما على عين وإما على منفعة فالمقدمة الثانية باطلة فإن بيع المعدوم ينقسم إلى بيع الأعيان وبيع المنافع ومن سلم بطلان بيع المعدوم فإما يسلمه في الأعيان ولما كان لفظ البيع يحتمل هذا وهذا تنازع الفقهاء في الإجارة هل تنعقد بلفظ البيع على وجهين والتحقيق أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما وهذا حكم شامل لجميع العقود فإن الشارع لم يحد لألفاظ العقود حدا بل ذكرها مطلقة فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية والرومية والتركية فانعقادها بما يدل عليها من الألفاظ العربية أولى وأحرى ولا فرق بين النكاح وغيره وهذا قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب أحمد قال شيخنا بل نصوص أحمد لا تدل إلا على هذا القول وأما كونه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج فإنما هو قول ابن حامد والقاضي وأتباعه وأما قدماء أصحاب أحمد فلم يشترط أحد منهم ذلك وقد نص أحمد على أنه إذا قال أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها أنه ينعقد النكاح قال ابن عقيل وهذا يدل على أنه لا يختص النكاح بلفظ وأما ابن حامد فطرد أصله وقال لا ينعقد حتى يقول مع ذلك تزوجتها وأما القاضي فجعل هذا موضع استحسان خارجا عن القياس فجوز النكاح في هذه الصورة خاصة بدون لفظ الإنكاح والتزويج

وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا فإن من أصوله أن العقود تنعقد بما يدل على مقصودها من قول أو فعل ولا يرى اختصاصها بالصيغ ومن أصوله أن الكناية مع دلالة الحال كالصريح كما قاله في الطلاق والقذف وغيرهما والذين اشترطوا لفظ الإنكاح والتزويج قالوا ما عداهما كناية فلا يثبت حكمها إلا بالنية وهي أمر باطن لا اطلاع للشاهد عليه إذ الشهادة إنما تقع على المسموع لا على المقاصد والنيات وهذا إنما يستقيم إذا كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة بعرف الشرع وفي عرف المتعاقدين والمقدمتان غير معلومتين
أما الأولى فإن الشارع استعمل لفظ التمليك في النكاح فقال ملكتكها بما معك من القرآن وأعتق صفية وجعل عتقها صداقها ولم يأت معه بلفظ إنكاح ولا تزويج وأباح الله ورسوله النكاح ورد فيه الأمة إلى ما تتعارفه نكاحا بأي لفظ كان ومعلوم أن تقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية تقسيم شرعي فإن لم يقم عليه دليل شرعي كان باطلا فما هو الضابط لذلك
وأما المقدمة الثانية فكون اللفظ صريحا أو كناية أمر يختلف باختلاف عرف المتكلم والمخاطب والزمان والمكان فكم من لفظ صريح عند قوم وليس بصريح عند آخرين وفي مكان دون مكان وزمان دون زمان فلا يلزم من كونه صريحا في خطاب الشارع أن يكون صريحا عند كل متكلم وهذا ظاهر

اختلاف بيع المنافع عن بيع الأعيان
والمقصود أن قوله إن الإجارة نوع من البيع إن أراد به البيع الخاص فباطل وإن أراد به البيع العام فصحيح ولكن قوله إن هذا البيع لا يرد على معدوم دعوى باطلة فإن الشارع جوز المعاوضة العامة على المعدوم فإن قستم بيع المنافع على بيع الأعيان فهذا قياس في غاية الفساد فإن المنافع لا يمكن أن يعقد عليها في حال وجودها البتة بخلاف الأعيان وقد فرق بينهما الحس والشرع فإن النبي صلى الله عليه وسلم - أمر أن يؤخر العقد على الأعيان التي

لم تخلق إلى أن تخلق كما نهى عن بيع السنين وحبل الحبلة والثمر قبل أن يبدو صلاحه والحب حتى يشتد ونهى عن الملاقيح والمضامين ونحو ذلك وهذا يمتنع مثله في المنافع فإنه لا يمكن أن تباع إلا في حال عدمها فههنا أمران أحدهما يمكن إيراد العقد عليه في حال وجوده وحال عدمه فنهى الشارع عن بيعه حتى يوجد وجوز منه بيع ما لم يوجد تبعا لما وجد إذا دعت الحاجة إليه وبدون الحاجة لم يجوزه والثاني ما لا يمكن إيراد العقد عليه إلا في حال عدمه كالمنافع فهذا جوز العقد عليه ولم يمنع منه
فإن قلت أنا أقيس أحد النوعين على الآخر وأجعل العلة مجرد كونه معدوما
قيل هذا قياس فاسد لأنه يتضمن التسوية بين المختلفين وقولك إن العلة مجرد كونه معدوما دعوى بغير دليل بل دعوى باطلة فلم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل كونه معدوما يمكن تأخير بيعه إلى زمن وجوده وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدم خاص وأنت لم تبين أن العلة في الأصل مجرد كونه معدوما فقياسك فاسد وهذا كاف في بيان فساده بالمطالبة ونحن نبين بطلانه في نفسه فنقول ما ذكرناه علة مطردة وما ذكرته علة منتقضة فإنك إذا عللت بمجرد العدم ورد عليك النقص بالمنافع كلها وبكثير من الأعيان وما عللنا به لا ينتقض وأيضا فالقياس المحض وقواعد الشريعة وأصولها ومناسباتها تشهد لهذه العلة فإنه إذا كان له حال وجود وعدم كان في بيعه حال العدم مخاطرة وقمار وبذلك علل النبي صلى الله عليه وسلم - المنع حيث قال أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق وأما ما ليس له إلا حال واحد والغالب فيه السلامة فليس العقد عليه مخاطرة ولا قمارا وإن كان فيه مخاطرة يسيرة فالحاجة داعية إليه ومن أصول

الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما والغرر إنما نهي عنه لما فيه من الضرر بهما أو بأحدهما وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ضرر المخاطرة فلا يزيل أدنى الضررين بأعلاهما بل قاعدة الشريعة ضد ذلك وهو دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما ولهذا لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من ربا أو مخاطرة أباحها لهم في العرايا للحاجة لأن ضرر المنع من ذلك أشد من ضرر المزابنة ولما حرم عليهم الميتة لما فيها من خبث التغذية أباحها لهم للضرورة ولما حرم عليهم النظر إلى الأجنبية أباح منه ما تدعو إليه الحاجة للخاطب والمعامل والشاهد والطبيب
فإن قلت فهذا كله على خلاف القياس
قيل إن أردت أن الفرع اختص بوصف يوجب الفرق بينه وبين الأصل فكل حكم استند إلى هذا الفرق الصحيح فهو على خلاف القياس الفاسد وإن أردت أن الأصل والفرع استويا في المقتضى والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل قطعا ليس في الشريعة منه مسألة واحدة والشيء إذا شابه غيره في وصف وفارقه في وصف كان اختلافهما في الحكم باعتبار الفارق مخالفا لاستوائهما باعتبار الجامع وهذا هو القياس الصحيح طردا وعكسا وهو التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين
وأما التسوية بينهما في الحكم مع افتراقهما فيما يقتضي الحكم أو يمنعه فهذا هو القياس الفاسد الذي جاء الشرع دائما بإبطاله كما أبطل قياس الربا على البيع وقياس الميتة على المذكى وقياس المسيح عيسى عليه الصلاة و السلام على الأصنام وبين الفارق بأنه عبد أنعم عليه بعبوديته ورسالته فكيف يعذبه بعبادة غيره له مع نهيه عن ذلك وعدم رضاه به بخلاف الأصنام فمن قال إن الشريعة تأتي بخلاف القياس الذي هو من هذا الجنس فقد أصاب وهو من كمالها واشتمالها على العدل والمصلحة والحكمة ومن سوى بين الشيئين

لاشتراكهما في أمر من الأمور يلزمه أن يسوي بين كل موجودين لاشتراكهما في مسمى الوجود وهذا من أعظم الغلط والقياس الفاسد الذي ذمه السلف وقالوا أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس وهو القياس الذي اعترف أهل النار في النار ببطلانه حيث قالوا تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وذم الله أهله بقوله ثم الذين كفروا بربهم يعدلون أي يقيسونه على غيره ويسوون بينه وبين غيره في الإلهية والعبودية وكل بدعة ومقالة فاسدة في أديان الرسل فأصلها من القياس الفاسد فما أنكرت الجهمية صفات الرب وأفعاله وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه وكلامه وتكليمه لعباده ورؤيته في الدار الآخرة إلا من القياس الفاسد وما أنكرت القدرية عموم قدرته ومشيئته وجعلت في ملكه ما لا يشاء وأنه يشاء ما لا يكون إلا بالقياس الفاسد وما ضلت الرافضة وعادوا خيار الخلق وكفروا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - وسبوهم إلا بالقياس الفاسد وما أنكرت الزنادقة والدهرية معاد الأجسام وانشقاق السموات وطي الدنيا وقالت بقدم العالم إلا بالقياس الفاسد وما فسد ما فسد من أمر العالم وخرب ما خرب منه إلا بالقياس الفاسد وأول ذنب عصي الله به القياس الفاسد وهو الذي جر على آدم وذريته من صاحب هذا القياس ما جر فأصل شر الدنيا والآخرة جميعه من هذا القياس الفاسد وهذه حكمة لا يدريها إلا من له اطلاع على الواجب والواقع وله فقه في الشرع والقدر

فصل خطأ من أطلق أن بيع المعدوم لا يجوز
وأما المقدمة الثانية وهي أن بيع المعدوم لا يجوز فالكلام عليها من وجهين

أحدهما منع صحة هذه المقدمة إذ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز لا بلفظ عام ولا بمعنى عام وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة فليست العلة في المنع لا العدم ولا الوجود بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر وهو ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودا أو معدوما كبيع العبد الآبق والبعير الشارد وإن كان موجودا إذ موجب البيع تسليم المبيع فإذا كان البائع عاجزا عن تسليمه فهو غرر ومخاطرة وقمار فإنه لا يباع إلا بوكس فإن أمكن المشتري تسلمه كان قد قمر البائع وإن لم يمكنه ذلك قمره البائع وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهي عنه للغرر لا للعدم كما إذا باعه ما تحمل هذه الأمة أو هذه الشجرة فالمبيع لا يعرف وجوده ولا قدره ولا صفته وهذا من الميسر الذي حرمه الله ورسوله ونظير هذا في الإجارة أن يكريه دابة لا يقدر على تسليمها سواء كانت موجودة أو معدومه وكذلك في النكاح إذا زوجه أمة لا يملكها أو ابنة لم تولد له وكذلك سائر عقود المعاوضات بخلاف الوصية فإنها تبرع محض فلا غرر في تعلقها بالموجود والمعدوم وما يقدر على تسليمه إليه وما لا يقدر وطرده الهبة إذ لا محذور في ذلك فيها وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم - هبة المشاع المجهول في قوله لصاحب كبة الشعر حين أخذها من المغنم وسأله أن يهبها له فقال أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك
الوجه الثاني أن نقول بل الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه والحب بعد اشتداده ومعلوم أن العقد إنما ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد والنبي صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعه قبل بدو صلاحه وأباحه بعد بدو الصلاح ومعلوم أنه إذا اشتراه قبل الصلاح بشرط القطع كالحصرم جاز فإنما نهى عن بيعه إذا كان قصده التبقية

إلى الصلاح ومن جوز بيعه قبل الصلاح وبعده بشرط القطع أو مطلقا وجعل موجب العقد القطع وحرم بيعه بشرط التبقية أو مطلقا لم يكن عنده لظهور الصلاح فائدة ولم يكن فرق بين ما نهى عنه من ذلك وما أذن فيه فإنه يقول موجب العقد التسليم في الحال فلا يجوز شرط تأخيره سواء بدا صلاحه أو لم يبد والصواب قول الجمهور الذي دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - والقياس الصحيح وقوله إن موجب العقد التسليم في الحال جوابه أن موجب العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان مما يسوغ لهما أن يوجباه وكلاهما منتف في هذه الدعوى فلا الشارع أوجب أن يكون كل مبيع مستحق التسليم عقيب العقد ولا العاقدان التزاما ذلك بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه وتارة يشترطان التأخير إما في الثمن وإما في المثمن وقد يكون للبائع غرض صحيح ومصلحة في تأخير التسليم للمبيع كما كان لجابر رضي الله عنه غرض صحيح في تأخير تسليم بعيره إلى المدينة فكيف يمنعه الشارع ما فيه مصلحة له ولا ضرر على الآخر فيها إذ قد رضى بها كما رضى صلى الله عليه وسلم - على جابر بتأخير تسليم البعير ولو لم ترد السنة بهذا لكان محض القياس يقتضي جوازه ويجوز لكل بائع أن يستثني من منفعة المبيع ما له فيه غرض صحيح كما إذا باع عقارا واستثنى سكناه مدة أو دابة واستثنى ظهرها ولا يختص ذلك بالبيع بل لو وهبه واستثنى نفعه مدة أو أعتق عبده واستثنى خدمته مدة أو وقف عينا واستثنى غلتها لنفسه مدة حياته أو كاتب أمة واستثنى وطأها مدة الكتابة ونحوه وهذا كله منصوص أحمد وبعض أصحابه يقول إذا استثنى منفعة المبيع فلا بد أن يسلم العين إلى المشتري ثم يأخذها ليستوفي المنفعة بناء على هذا الأصل الذي قد تبين فساده وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقيب العقد وعن هذا الأصل قالوا لا تصح الإجارة إلا على مدة تلي العقد وعلى هذا بنوا ما إذا باع العين المؤجرة

فمنهم من أبطل البيع لكون المنفعة لا تدخل في البيع فلا يحصل التسليم ومنهم من قال هذا مستثنى بالشرع بخلاف المستثنى بالشرط وقد اتفق الأئمة على صحة بيع الأمة المزوجة وإن كانت منفعة البضع للزوج ولم تدخل في البيع واتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه كما إذا باع مخزنا له فيه متاع كثير لا ينقل في يوم ولا أيام فلا يجب عليه جمع دواب البلد ونقله في ساعة واحدة بل قالوا هذا مستثنى بالعرف فيقال وهذا من أقوى الحجج عليكم فإن المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف كما أنه أوسع من المستثنى بالشرع فإنه يثبت بالشرط مالا يثبت بالشرع كما أن الواجب بالنذر أوسع من الواجب بالشرع

الفرق بين المطلق ومطلق العقد
وأيضا فقولكم إن موجب العقد استحقاق التسليم عقيبه أتعنون أن هذا موجب العقد المطلق أو مطلق العقد فإن أردتم الأول فصحيح وإن أردتم الثاني فممنوع فإن مطلق العقد ينقسم إلى المطلق والمقيد وموجب العقد المقيد ما قيد به كما أن موجب العقد المقيد بتأجيل الثمن وثبوت خيار الشرط والرهن والضمين هو ما قيد به وإن كان موجبه عند إطلاقه خلاف ذلك فموجب العقد المطلق شيء وموجب العقد المقيد شيء والقبض في الأعيان والمنافع كالقبض في الدين والنبي صلى الله عليه وسلم - جوز بيع الثمرة بعد بدو الصلاح مستحقة الإبقاء إلى كمال الصلاح ولم يجعل موجب العقد القبض في الحال بل القبض المعتاد عند انتهاء صلاحها ودخل فيما أذن فيه بيع ما هو معدوم لم يخلق بعد وقبض ذلك بمنزلة قبض العين المؤجرة وهو قبض يبيح التصرف في أصح القولين وإن كان قبضا لا يوجب انتقال الضمان بل إذا تلف المبيع قبل قبضه المعتاد كان من ضمان البائع كما هو مذهب أهل المدينة وأهل الحديث أهل بلدته وأهل سنته وهو مذهب الشافعي قطعا فإنه علق القول به على صحة الحديث وقد صح صحة لا ريب فيها من غير الطريق التي توقف الشافعي فيها فلا يسوغ

أن يقال مذهبه عدم وضع الجوائح وقد قال إن صح الحديث قلت به ورواه من طريق توقف في صحتها ولم تبلغه الطريق الأخرى التي لا علة لها ولا مطعن فيها وليس مع المنازع دليل شرعي يدل على أن كل قبض جوز التصرف ينقل الضمان وما لم يجوز التصرف لا ينقل الضمان فقبض العين المؤجرة يجوز التصرف ولا ينقل الضمان وقبض العين المستامة والمستعارة والمغصوبة يوجب الضمان ولا يجوز التصرف

فصل بيع مزارع القثاء والبطيخ وما شاكلها
ومن هذا الباب بيع المقاثي والمباطخ والباذنجان فمن منع بيعه إلا لقطة لقطة قال لأنه معدوم فهو كبيع الثمرة قبل ظهورها ومن جوزه كأهل المدينة وبعض أصحاب أحمد فقولهم أصح فإنه لا يمكن بيعها إلا على هذا الوجه ولا تتميز اللقطة المبيعة عن غيرها ولا تقوم المصلحة ببيعها كذلك ولو كلف الناس به لكان أشق شيء عليهم وأعظمه ضررا والشريعة لا تأتي به وقد تقدم أن ما لا يباع إلا على وجه واحد لا ينهى الشارع عن بيعه وإنما نهى الشارع عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح لإمكان تأخير بيعها إلى وقت بدو الصلاح ونظير ما نهى عنه وأذن فيه سوى بيع المقاثي إذا بدا الصلاح فيها ودخول الأجزاء والأعيان التي لم تخلق بعد كدخول أجزاء الثمار وما يتلاحق في الشجر منها ولا فرق بينهما البتة

فصل صحة ضمان الحدائق والبساتين
وبنوا على هذا الأصل الذي لم يدل عليه دليل شرعي بل دل على خلافه وهو بيع المعدوم ضمان الحدائق والبساتين وقالوا هو بيع للثمر قبل ظهوره أو قبل بدو صلاحه ثم منهم من حكى الإجماع على بطلانه وليس مع المانعين كما ظنوه فلا النص يتناوله ولا معناه ولم تجمع الأمة على بطلانه فلا نص مع المانعين ولا قياس ولا إجماع ونحن نبين انتفاء هذه الأمور الثلاثة
أما الإجماع فقد صح عن عمر بن الخطاب أنه ضمن حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين وتسلف الضمان فقضى به دينا كان على أسيد وهذا بمشهد من الصحابة ولم ينكره منهم رجل واحد ومن جعل مثل هذا إجماعا فقد أجمع الصحابة على جواز ذلك وأقل درجاته أن يكون قول صحابي بل قول الخليفة الراشد ولم ينكره منهم منكر وهذا حجة عند جمهور العلماء وقد جوز بعض أصحاب أحمد ضمان البساتين مع الأرض المؤجرة إذ لا يمكن إفراد إحداهما عن الأخرى واختاره ابن عقيل وجوز بعضهم ضمان الأشجار مطلقا مع الأرض وبدونها واختاره شيخنا وأفرد فيه مصنفا ففي مذهب أحمد ثلاثة أقوال وجوز مالك ذلك تبعا للأرض في قدر الثلث
قال شيخنا والصواب ما فعله عمر رضي الله عنه فإن الفرق بين البيع والضمان هو الفرق بين البيع والإجارة والنبي صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحب حتى يشتد ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة مع أن المستأجر مقصوده الحب بعمله فيخدم الأرض ويحرثها ويسقيها ويقوم عليها وهو نظير مستأجر

البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه والحب نظير الثمر والشجر نظير الأرض والعمل نظير العمل فما الذي حرم هذا وأحل هذا وهذا بخلاف المشتري فإنه يشتري ثمرا وعلى البائع مؤونة الخدمة والسقي والقيام على الشجر فهو بمنزلة الذي يشتري الحب وعلى البائع مؤونة الزرع والقيام عليه فقد ظهر انتفاء القياس والنص كما ظهر انتفاء الإجماع بل القياس الصحيح مع المجوزين كما معهم الإجماع القديم
فإن قيل فالثمر أعيان وعقد الإجارة إنما يكون على المنافع
قيل الأعيان هنا حصلت بعمله في الأصل المستأجر كما حصل الحب بعمله في الأرض المستأجرة
فإن قيل الفرق أن الحب حصل من بذره والثمر حصل من شجر المؤجر
قيل لا أثر لهذا الفرق في الشرع بل قد ألغاه الشارع في المساقاة والمزارعة فسوى بينهما والمساقي يستحق جزءا من الثمرة الناشئة من أصل الملك والمزارع يستحق جزءا من الزرع النابت في أرض المالك وإن كان البذر منه كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة وإجماع الصحابة فإذا لم يؤثر هذا الفرق في المساقاة والمزارعة التي يكون النماء فيها مشتركا لم يؤثر في الإجارة بطريق الأولى لأن إجارة الأرض لم يختلف فيها كالاختلاف في المزارعة فإذا كانت إجارتها عندكم أجوز من المزارعة فإجارة الشجر أولى بالجواز من المساقاة عليها فهذا محض القياس وعمل الصحابة ومصلحة الأمة وبالله التوفيق
والذين منعوا ذلك وحرموه توصلوا إلى جوازه بالحيلة الباطلة شرعا وعقلا فإنهم يؤجرونه الأرض وليست مقصودة له البتة ويساقونه على الشجر من ألف جزء على جزء مساقاة غير مقصودة وإجارة غير مقصودة فجعلوا ما لم يقصد مقصودا وما قصد غير مقصود وحابوا في المساقاة أعظم محاباة وذلك حرام باطل في الوقف وبستان المولى عليه من يتيم أو سفيه أو مجنون ومحاباتهم إياه في إجارة الأرض لا تسوغ لهم محاباة المستأجر في المساقاة ولا يسوغ اشتراط أحد

العقدين في الآخر بل كل عقد مستقل بحكمه فأين هذا من فعل أمير المؤمنين وفقهه وأين القياس من القياس والفقه من الفقه فبينهما في الصحة بعد ما بين المشرقين

فصل إجارة الظئر توافق القياس
فهذا الكلام على المقام الأول وهو كون الإجارة على خلاف القياس وقد تبين بطلانه
وأما المقام الثاني وهو أن الإجارة التي أذن الله فيها في كتابه وهي إجارة الظئر على خلاف القياس فبناء منهم على هذا الأصل الفاسد وهو أن المستحق بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان وهذا الأصل لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح بل الذي دلت عليه الأصول أن الأعيان التي تحدث شيئا فشيئا مع بقاء أصلها حكمها حكم المنافع كالثمر في الشجر واللبن في الحيوان والماء في البئر ولهذا سوى بين النوعين في الوقف فإن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الفائدة فكما يجوز أن تكون فائدة الوقف منفعة كالسكنى وأن تكون ثمرة وأن تكون لبنا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها وكذلك في باب التبرعات كالعارية لمن ينتفع بالمتاع ثم يرده والعرية لمن يأكل ثمر الشجرة ثم يردها والمنيحة لمن يشرب لبن الشاة ثم يردها والقرض لمن ينتفع بالدراهم ثم يرد بدلها القائم مقام عينها فكذلك في الإجارة تارة يكريه العين للمنفعة التي ليست أعيانا وتارة للعين التي تحدث شيئا من بعد شيء مع بقاء الأصل كلبن الظئر ونفع البئر فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئا بعد شيء مع بقاء الأصل كانت كالمنفعة والمسوغ هو ما بينهما من القدر المشترك وهو حدوث المقصود بالعقد شيئا فشيئا سواء كان الحادث عينا أو منفعة وكونه جسما

أو معنى قائما بالجسم لا أثر له في الجواز والمنع مع اشتراكهما في المقتضى للجواز بل هذا النوع من الأعيان الحادثة شيئا فشيئا أحق بالجواز فإن الأجسام أكمل من صفاتها وطرد هذا القياس جواز إجازة الحيوان غير الآدمي لرضاعه فإن الحاجة تدعو إليه كما تدعو إليه في الظئر من الآدميين بطعامها وكسوتها ويجوز استئجار الظئر من البهائم بعلفها والماشية إذا عاوض على لبنها فهو نوعان أحدهما أن يشترى اللبن مدة ويكون العلف والخدمة على البائع فهذا بيع محض والثاني أن يسلمها ويكون علفها وخدمتها عليه ولبنها له مدة الإجارة فهذا إجارة وهو كضمان البستان سواء وكالظئر فإن اللبن يستوفي شيئا فشيئا مع بقاء الأصل فهو كاستئجار العين ليسقي بها أرضه وقد نص مالك على جواز إجارة الحيوان مدة للبنه ثم من أصحابه من جوز ذلك تبعا لنصه ومنهم من منعه ومنهم من شرط فيه شروطا ضيقوا بها مورد النص ولم يدل عليها نصه والصواب الجواز وهو موجب القياس المحض فالمجوزون أسعد بالنص من المانعين وبالله التوفيق

فصل حمل العاقلة الدية يوافق القياس
ومن هذا الباب قول القائل حمل العاقلة الدية عن الجاني على خلاف القياس ولهذا لا تحمل العمد ولا العبد ولا الصلح ولا الاعتراف ولا ما دون الثلث ولا تحمل جناية الأموال ولو كانت على وفق القياس لحملت ذلك كله
والجواب أن يقال لا ريب أن من أتلف مضمونا كان ضمانه عليه ولا تزر وازرة وزر أخرى ولا تؤخذ نفس بجريرة غيرها وبهذا جاء شرع الله سبحانه وجزاؤه وحمل العاقلة الدية غير مناقض لشيء من هذا كما سنبينه والناس متنازعون في العقل هل تحمله العاقلة ابتداء أو تحملا على قولين كما تنازعوا في صدقة الفطر

التي يجب أداؤها عن الغير كالزوجة والولد هل تجب ابتداء أو تحملا على قولين وعلى ذلك ينبني ما لو أخرجها من تحملت عنه عن نفسه بغير إذن المتحمل لها فمن قال هي واجبة على الغير تحملا قال تجزىء في هذه الصورة ومن قال هي واجبة عليه ابتداء قال لا تجزىء بل هي كأداء الزكاة عن الغير وكذلك القاتل إذا لم تكن له عاقلة هل تجب الدية في ذمة القاتل أو لا على قولين بناء على هذا الأصل والعقل فارق غيره من الحقوق في أسباب اقتضت اختصاصه بالحكم وذلك أن دية المقتول مال كثير والعاقلة إنما تحمل الخطأ ولا تحمل العمد بالاتفاق ولا شبهة على الصحيح والخطأ يعذر فيه الإنسان فإيجاب الدية في ماله ضرر عظيم عليه من غير ذنب تعمده وإهدار دم المقتول من غير ضمان بالكلية فيه إضرار بأولاده وورثته فلا بد من إيجاب بدله فكان من محاسن الشريعة وقيامها بمصالح العباد أن أوجب بدله على من عليه موالاة القاتل ونصرته فأوجب عليهم إعانته على ذلك وهذا كإيجاب النفقات على الأقارب وكسوتهم وكذا مسكنهم وإعفافهم إذا طلبوا النكاح وكإيجاب فكاك الأسير من بلد العدو فإن هذا أسيف بالدية التي لم يتعمد سبب وجوبها ولا وجبت باختيار مستحقها كالقرض والبيع وليست قليلة فالقاتل في الغالب لا يقدر على حملها وهذا بخلاف العمد فإن الجاني ظالم مستحق للعقوبة ليس أهلا أن يحمل عنه بدل القتل وبخلاف شبه العمد لأنه قاصد للجناية متعمد لها فهو آثم معتد وبخلاف بدل المتلف من الأموال فإنه قليل في الغالب لا يكاد المتلف يعجز عن حمله وشأن النفوس غير شأن الأموال ولهذا لا تحمل العاقلة ما دون الثلث عند الإمام أحمد ومالك لقتله واحتمال الجاني حمله وعند أبي حنيفة لا تحمل ما دون أقل المقدر كأرش الموضحة وتحمل ما فوقه وعند الشافعي تحمل القليل والكثير طردا للقياس وظهر بهذا كونها لا تحمل العبد فإنه سلعة من السلع ومال من الأموال فلو حملت بدله لحملت بدل الحيوان

والمتاع وأما الصلح والاعتراف فعارض هذه الحكمة فيهما معنى آخر وهو أن المدعي والمدعى عليه قد يتواطآن على الإقرار بالجناية ويشتركان فيما تحمله العاقلة ويتصالحان على تغريم العاقلة فلا يسري إقراره ولا صلحه فلا يجوز إقراره في حق العاقلة ولا يقبل قوله فيما يجب عليها من الغرامة وهذا هو القياس الصحيح فإن الصلح والاعتراف يتضمن إقراره ودعواه على العاقلة بوجوب المال عليهم فلا يقبل ذلك في حقهم ويقبل بالنسبة إلى المعترف كنظائره فتبين أن إيجاب الدية على العاقلة من جنس ما أوجبه الشارع من الإحسان إلى المحتاجين كأبناء السبيل والفقراء والمساكين
وهذا من تمام الحكمة التي بها قيام مصلحة العالم فإن الله سبحانه قسم خلقه إلى غني وفقير ولا تتم مصالحهم إلا بسد خلة الفقير فأوجب سبحانه في فضول أموال الأغنياء ما يسد به خلة الفقراء وحرم الربا الذي يضر بالمحتاج فكان أمره بالصدقة ونهيه عن الربا أخوين شقيقين ولهذا جمع الله بينهما في قوله يمحق الله الربا ويربى الصدقات وقوله وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون وذكر الله سبحانه أحكام الناس في الأموال في آخر سورة البقرة وهي ثلاثة عدل وظلم وفضل فالعدل البيع والظلم الربا والفضل الصدقة فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم وذم المرابين وذكر عقابهم وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى
والمقصود أن حمل الدية من جنس ما أوجبه من الحقوق لبعض العباد على بعض كحق المملوك والزوجة والأقارب والضيف ليست من باب عقوبة الإنسان بجناية غيره فهذا لون وذاك لون والله الموفق

فصل حديث المصراة يوافق القياس
ومما قيل فيه إنه على خلاف القياس حديث المصراة قالوا وهو يخالف القياس من وجوه منها أنه تضمن رد البيع بلا عيب ولا خلف في صفة ومنها أن الخراج بالضمان فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وقد ضمنه إياه ومنها أن اللبن من ذوات الأمثال وقد ضمنه إياه بغير مثله ومنها أنه إذا انتقل من التضمين بالمثل فإنما ينتقل إلى القيمة والتمر لا قيمة ولا مثل ومنها أن المال المضمون إنما يضمن بقدره في القلة والكثرة وقد قدر ههنا الضمان بصاع
قال أنصار الحديث كل ما ذكرتموه خطأ والحديث موافق لأصول الشريعة وقواعدها ولو خالفها لكان أصلا بنفسه كما أن غيره أصل بنفسه وأصول الشرع لا يضرب بعضها ببعض كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم - عن أن يضرب كتاب الله بعضه ببعض بل يجب اتباعها كلها ويقر كل منها على أصله وموضعه فإنها كلها من عند الله الذي أتقن شرعه وخلقه وما عدا هذا فهو الخطأ الصريح
فاسمعوا الآن هدم الأصول الفاسدة التي يعترض بها على النصوص الصحيحة أما قولكم إنه تضمن الرد من غير عيب ولا فوات صفة فأين في أصول الشريعة المتلقاة عن صاحب الشرع ما يدل على انحصار الرد بهذين الأمرين وتكفينا هذه المطالبة ولن تجدوا إلى إقامة الدليل على الحصر سبيلا ثم نقول بل أصول الشريعة توجب الرد بغير ما ذكرتم وهو الرد بالتدليس والغش فإنه هو والخلف في الصفة من باب واحد بل الرد بالتدليس أولى من الرد بالعيب فإن البائع يظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله فإذا أظهر للمشتري أنه على صفة فبان بخلافها كان قد غشه ودلس عليه فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محض القياس وموجب العدل فإن المشتري إنما بذل ماله في المبيع بناء على الصفة التي أظهرها له البائع ولو علم أنه على

خلافها لم يبذل له فيها ما بذل فإلزامه للبيع مع التدليس والغش من أعظم الظلم الذي تتنزه الشريعة عنه وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم - الخيار للركبان إذا تلقوا واشترى منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السعر وليس ههنا عيب ولا خلف في صفة ولكن فيه نوع تدليس وغش

فصل الخراج بالضمان
وأما قولكم الخراج بالضمان فهذا الحديث وإن كان قد روي فحديث المصراة أصح منه باتفاق أهل الحديث قاطبة فكيف يعارض به مع أنه لا تعارض بينهما بحمد الله فإن الخراج اسم للغلة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك وأما الولد واللبن فلا يسمى خراجا وغاية ما في الباب قياسه عليه بجامع كونهما من الفوائد وهو من أفسد القياس فإن الكسب الحادث والغلة لم يكن موجودا حال البيع وإنما حدث بعد القبض وأما اللبن ههنا فإنه كان موجودا حال العقد فهو جزء من المعقود عليه والشارع لم يجعل الصاع عوضا عن اللبن الحادث وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضرع فضمانه هو محض العدل والقياس
وأما تضمينه بغير جنسه ففي غاية العدل فإنه لا يمكن تضمينه بمثله البتة فإن اللبن في الضرع محفوظ غير معرض للفساد فإذا حلب صار عرضة لحمضه وفساده فلو ضمن اللبن الذي كان في الضرع بلبن محلوب في الإناء كان ظلما تتنزه الشريعة عنه
وأيضا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري وقد يكون أقل منه أو أكثر فيفضي إلى الربا لأن أقل الأقسام أن تجهل المساواة
وأيضا فلو وكلناه إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لكثر النزاع والخصام بينهما

ففصل الشارع الحكيم صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله النزاع وقدره بحد لا يتعديانه قطعا للخصومة وفصلا للمنازعة وكان تقديره بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن فإنه قوت أهل المدينة كما كان اللبن قوتا لهم وهو مكيل كما أن اللبن مكيل فكلاهما مطعوم مقتات مكيل وأيضا فكلاهما يقتات به بلا صنعة ولا علاج بخلاف الحنطة والشعير والأرز فالتمر أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن
فإن قيل فأنتم توجبون صاع التمر في كل مكان سواء كان قوتا لهم أو لم يكن
قيل هذا من مسائل النزاع وموارد الاجتهاد فمن الناس من يوجب ذلك ومنهم من يوجب في كل بلد صاعا من قوتهم ونظير هذا تعيينه صلى الله عليه وسلم - الأصناف الخمسة في زكاة الفطر وأن كل بلد يخرجون من قوتهم مقدار الصاع وهذا أرجح وأقرب إلى قواعد الشرع وإلا فكيف يكلف من قوتهم السمك مثلا أو الأرز أو الدخن إلى التمر وليس هذا بأول تخصيص قام الدليل عليه وبالله التوفيق

فصل إعادة الصلاة لمن صلى منفردا خلف الصف توافق القياس
ومن ذلك ظن بعضهم أن أمره صلى الله عليه وسلم - لمن صلى فذا خلف الصف بالإعادة على خلاف القياس فإن الإمام والمرأة فذان وصلاتهما صحيحة
وهذا من أفسد القياس وأبطله فإن الإمام يسن في حقه التقدم وأن يكون وحده والمأمومون يسن في حقهم الاصطفاف فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس والفرق بينهما أن الإمام إنما جعل ليؤتم به وتشاهد أفعاله وانتقالاته فإذا كان قدامهم حصل مقصود الإمامة وإذا كان في الصف لم

يشاهد إلا من يليه ولهذا جاءت السنة بالتقدم ولو كانوا ثلاثة محافظة على المقصود بالائتمام وأما المرأة فإن السنة وقوفها فذة إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها لأنها منهية عن مصافة الرجال فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذة وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده وهو قياس المشروع على غير المشروع
فإن قيل فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها
قيل هذا غير مسلم بل إذا كان صف النساء فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة كحكم الرجل بالنسبة إلى صف الرجال لكن موقف المرأة وحدها خلف صف الرجال يدل على شيئين أحدهما أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر عليه الدخول في الصف ووقف معه فذا صحت صلاته للحاجة وهذا هو القياس المحض فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها الثاني وهو طرد هذا القياس إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام فإنه يصلي قدامه وتصح صلاته وكلاهما وجه في مذهب أحمد وهو اختيار شيخنا رحمه الله
وبالجملة فليست المصافة أوجب من غيرها فإذا سقط ما هو أوجب منها للعذر فهي أولى بالسقوط ومن قواعد الشرع الكلية أنه لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة

فصل ركوب وحلب الرهن مقابل النفقة على وفق القياس
ومن ذلك قول بعضهم إن الحديث الصحيح وهو قوله الرهن مركوب ومحلوب وعلى الذي يركب ويحلب النفقة على خلاف القياس فإنه جوز لغير المالك أن يركب الدابة وأن يحلبها وضمنه ذلك بالنفقة لا بالقيمة فهو مخالف للقياس من وجهين

والصواب ما دل عليه الحديث وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه فإن الرهن إذا كان حيوانا فهو محترم في نفسه لحق الله سبحانه وللمالك فيه حق الملك وللمرتهن حق الوثيقة وقد شرع الله سبحانه الرهن مقبوضا بيد المرتهن فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه ذهب نفعه باطلا وإن مكن صاحبه من ركوبه خرج عن يده وتوثيقه وإن كلف صاحبه كل وقت أن يأتي ليأخذ لبنه شق عليه غاية المشقة ولا سيما مع بعد المسافة وإن كلف المرتهن بيع اللبن وحفظ ثمنه للراهن شق عليه فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة ففي هذا جمع بين المصلحتين وتوفير الحقين فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجبا وله فيه حق فله أن يرجع ببدله ومنفعة الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلا فأخذها خير من أن تهدر على صاحبها باطلا ويلزم بعوض ما أنفق المرتهن وإن قيل للمرتهن لا رجوع لك كان في ذلك إضرار به ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار
فإن قيل ففي هذا أن من أدى عن غيره واجبا فإنه يرجع ببدله وهذا خلاف القياس فإنه إلزام له بما لم يلتزمه ومعاوضة لم يرض بها
قيل وهذا أيضا محض القياس والعدل والمصلحة وموجب الكتاب ومذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث أهل بلدته وأهل سنته فلو أدى عنه دينه أو أنفق على من تلزمه نفقته أو افتداه من الأسر ولم ينو التبرع فله الرجوع وبعض أصحاب أحمد فرق بين قضاء الدين ونفقة القريب فجوز الرجوع في الدين دون نفقة القريب قال لأنها لا تصير دينا
قال شيخنا والصواب التسوية بين الجميع والمحققون من أصحابه سووا

بينهما ولو افتداه من الأسر كان له مطالبته بالفداء وليس ذلك دينا عليه والقرآن يدل على هذا القول فإن الله تعالى قال فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع ولم يشترط عقدا ولا إذن الأب وكذلك قوله والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود رزقهن وكسوتهن بالمعروف فأوجب ذلك عليه ولم يشترط عقدا ولا إذنا ونفقة الحيوان واجبة على مالكه والمستأجر والمرتهن له فيه حق فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على ربه كان أحق بالرجوع من الإنفاق على ولده فإن قال الراهن أنا لم آذن لك في النفقة قال هي واجبة عليك وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون والمستأجر فإذا رضي المنفق بأن يعتاض بمنفعة الرهن وكانت نظير النفقة كان قد أحسن إلى صاحبه وذلك خير محض فلو لم يأت به النص لكان القياس يقتضيه وطرد هذا القياس أن المودع والشريك والوكيل إذا أنفق على الحيوان واعتاض عن النفقة بالركوب والحلب جاز ذلك كالمرتهن

فصل حكم الرسول على من وقع على جارية امرأته يوافق القياس
ومما قيل إنه من أبعد الأحاديث عن القياس حديث الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها وفي رواية أخرى وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها رواه أهل السنن وضعفه بعضهم من قبل إسناده وهو حديث حسن يحتجون بما هو دونه في القوة ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه مع لين في سنده

قال شيخ الإسلام وهذا الحديث يستقيم على القياس مع ثلاثة أصول صحيحة كل منها قول طائفة من الفقهاء

الأصل الأول من غير مال غيره
أحدها أن من غير مال غيره بحيث فوت مقصوده عليه فله أن يضمنه بمثله وهذا كما لو تصرف في المغصوب بما أزال اسمه ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره أحدها أنه باق على ملك صاحبه وعلى الغاصب ضمان النقص ولا شيء عليه في الزيادة كقول الشافعي والثاني يملكه الغاصب بذلك ويضمنه لصاحبه كقول أبي حنيفة والثالث يخير المالك بين أخذه وتضمين النقص وبين المطالبة بالبدل وهذا أعدل الأقوال وأقواها فإن فوت صفاته المعنوية مثل أن ينسيه صناعته أو يضعف قوته أو يفسد عقله أو دينه فهذا أيضا يخير المالك فيه بين تضمين النقص وبين المطالبة بالبدل ولو قطع ذنب بغلة القاضي فعند مالك يضمنها بالبدل ويملكها لتعذر مقصودها على المالك في العادة أو يخير المالك
فصل الأصل الثاني ضمان المتلفات بالجنس
الأصل الثاني أن جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة حتى الحيوان فإنه إذا اقترضه رد مثله كما اقترض النبي صلى الله عليه وسلم - بكرا ورد خير منه وكذلك المغرور يضمن ولده بمثلهم كما قضت به الصحابة وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره وقصة داود وسليمان عليهما السلام من هذا الباب فإن الماشية كانت قد أتلفت حرث القوم فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث كأنه ضمنهم ذلك بالقيمة ولم يكن لهم مال إلا الغنم فأعطاهم الغنم بالقيمة وأما سليمان فحكم بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث حتى يعود كما كان فضمنهم إياه بالمثل وأعطاهم الماشية يأخذون منفعتها عوضا عن المنفعة التي فاتت من غلة الحرث إلى أن يعود وبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز

فيمن أتلف له شجر فقال الزهري يغرسه حتى يعود كما كان وقال ربيعة وأبو الزناد عليه القيمة فغلط الزهري القول فيهما وقول الزهري وحكم سليمان هو موجب الأدلة فإن الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان كما قال تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها وقال فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقال والحرمات قصاص وقال وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وإن كان مثل الحيوان والآنية والثياب من كل وجه متعذرا فقد دار الأمر بين شيئين الضمان بالدراهم المخالفة للمثل في الجنس والصفة والمقصود والانتفاع وإن ساوت المضمون في المالية والضمان بالمثل بحسب الإمكان المساوي للمتلف في الجنس والصفة والمالية والمقصود والانتفاع ولا ريب أن هذا أقرب إلى النصوص والقياس والعدل ونظير هذا ما ثبت بالسنة واتفاق الصحابة من القصاص في اللطمة والضربة وهو منصوص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد وقد تقدم تقرير ذلك وإذا كانت المماثلة من كل وجه متعذرة حتى في المكيل والموزون فما كان أقرب إلى المماثلة فهو أولى بالصواب ولا ريب أن الجنس إلى الجنس أقرب مماثلة من الجنس إلى القيمة فهذا هو القياس وموجب النصوص وبالله التوفيق

الأصل الثالث من مثل بعبده عتق عليه
والأصل الثالث أن من مثل بعبده عتق عليه وهذا مذهب فقهاء الحديث وقد جاءت بذلك آثار مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كعمر ابن الخطاب وغيره
فهذا الحديث موافق لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة الموافقة للقياس العادل فإذا طاوعته الجارية فقد أفسدها على سيدتها فإنها مع المطاوعة تنقص قيمتها إذ تصير زانية ولا تمكن سيدتها من استخدامها حق الخدمة لغيرتها منها وطمعها في السيد واستشراف السيد إليها وتتشامخ على سيدتها فلا تطيعها كما كانت تطيعها قبل ذلك والجاني إذا تصرف في المال بما ينقص قيمته كان لصاحبه المطالبة بالمثل فقضى الشارع لسيدتها بالمثل وملكه الجارية إذ

لا يجمع لها بين العوض والمعوض وأيضا فلو رضيت سيدتها أن تبقى الجارية على ملكها وتغرمه ما نقص من قيمتها كان لها ذلك فإذا لم ترض وعلمت أن الأمة قد فسدت عليها ولم تنتفع بخدمتها كما كانت قبل ذلك كان من أحسن القضاء أن يغرم السيد مثلها ويملكها
فإن قيل فاطردوا هذا القياس وقولوا إن الأجنبي إذا زنى بجارية قوم حتى أفسدها عليهم أن لهم القيمة أو يطالبوه ببدلها
قيل نعم هذا موجب القياس إن لم يكن بين الصورتين فرق مؤثر وإن كان بينهما فرق انقطع الإلحاق فإن الإفساد الذي في وطء الزوج بجارية امرأته بالنسبة إليها أعظم من الإفساد الذي في وطء الأجنبي وبالجملة فجواب هذا السؤال جواب مركب إذ لا نص فيه ولا إجماع

فصل استكراه الأمة والعبد على الفاحشة
وأما إذا استكرهها فإن هذا من باب المثلة فإن الإكراه على الوطء مثلة فإن الوطء يجري مجرى الجناية ولهذا لا يخلو عن عقر أو عقوبة ولا يجري مجرى منفعة الخدمة فهي لما صارت له بإفسادها على سيدتها أوجب عليه مثلها كما في المطاوعة وأعتقها عليه لكونه مثل بها
قال شيخنا ولو استكره عبده على الفاحشة عتق عليه ولو استكره أمة الغير على الفاحشة عتقت عليه وضمنها بمثلها إلا أن يفرق بين أمة امرأته وبين غيرها فإن كان بينهما فرق شرعي وإلا فموجب القياس التسوية
وأما قوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم فهذا نهي عن إكراههن على كسب المال بالبغاء كما قيل إن عبد الله بن أبي رأس المنافقين كان له إماء يكرههن على البغاء وليس هذا استكراها للأمة على أن يزني بها هو فإن هذا بمنزلة التمثيل بها وذاك إلزام لها بأن تذهب هي فتزني

مع أنه يمكن أن يقال العتق بالمثلة لم يكن مشروعا عند نزول الآية ثم شرع بعد ذلك
قال شيخنا والكلام على هذا الحديث من أدق الأمور فإن كان ثابتا فهذا الذي ظهر في توجيهه وإن لم يكن ثابتا فلا يحتاج إلى الكلام عليه

نصوص الشرع معقولة
قال وما عرفت حديثا صحيحا إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة قال وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع فما رأيت قياسا صحيحا يخالف حديثا صحيحا كما أن المعقول الصحيح لا يخالف المنقول الصحيح بل متى رأيت قياسا يخالف أثرا فلا بد من ضعف أحدهما لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفي كثير منه على أفاضل العلماء فضلا عمن هو دونهم فإن إدراك الصفة المؤثرة في الأحكام على وجهها ومعرفة المعاني التي علقت بها الأحكام من أشرف العلوم فمنه الجلي الذي يعرفه أكثر الناس ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم فلهذا صارت أقيسة كثير من العلماء تجيء مخالفة للنصوص لخفاء القياس الصحيح كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام انتهى
فإن قيل فهب أنكم خرجتم ذلك على القياس فما تصنعون بسقوط الحد عنه وقد وطئ فرجا لا ملك له فيه ولا شبهة ملك
قيل الحديث لم يتعرض بنفي ولا إثبات وإنما دل على الضمان وكيفيته فإن قيل فكيف تخرجون حديث النعمان بن بشير في ذلك أنها إن كانت أحلتها له جلد مائة جلدة وإن لم تكن أحلتها له رجم بالحجارة على القياس
قيل هو بحمد الله موافق للقياس مطابق لأصول الشريعة وقواعدها فإن إحلالها له شبهة كافية في سقوط الحد عنه ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان الفرج محرما عليه وكانت المائة تعزيرا له وعقوبة على ارتكاب فرج حرام عليه وكان إحلال الزوجة له وطأها شبهة دارئة للحد عنه

فإن قيل تكيف تخرجون التعزير بالمائة على القياس
قيل هذا من أسهل الأمور فإن التعزير لا يتقدر بقدر معلوم بل هو بحسب الجريمة في جنسها وصفتها وكبرها وصغرها وعمر بن الخطاب قد تنوع تعزيره في الخمر فتارة بحلق الرأس وتارة بالنفي وتارة بزيادة أربعين سوطا على الحد الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وتارة بتحريق حانوت الخمار وكذلك تعزير الغال وقد جاءت السنة بتحريق متاعه وتعزير مانع الصدقة بأخذها وأخذ شطر ماله معها وتعزير كاتم الضالة الملتقطة بإضعاف الغرم عليه وكذلك عقوبة سارق ما لا قطع فيه يضعف عليه الغرم وكذلك قاتل الذمي عمدا أضعف عليه عمر وعثمان ديته وذهب إليه أحمد وغيره
فإن قيل فما تصنعون بقول النبي صلى الله عليه وسلم - لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله
قيل نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة ولا منافاة بينه وبين شيء مما ذكرناه فإن الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء فإنهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة والحد في لسان الشارع أعم من ذلك فإن يراد به هذه العقوبة تارة ويراد به نفس الجناية تارة كقوله تعالى تلك حدود الله فلا تقربوها وقوله تلك حدود الله فلا تعتدوها فالأول حدود الحرام والثاني حدود الحلال وقال النبي صلى الله عليه وسلم - إن الله حد حدودا فلا تعتدوها وفي حديث النواس بن سمعان الذي تقدم في أول الكتاب والسور أن حدود الله ويراد به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدرة فقوله صلى الله عليه وسلم - لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله يريد به الجناية التي هي حق الله

فإن قيل فأين تكون العشرة فما دونها إذا كان المراد بالحد الجناية
قيل في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره للتأديب ونحوه فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط فهذا أحسن ما خرج عليه الحديث وبالله التوفيق

فصل المضي في الحج الفاسد يوافق القياس
وأما المضي في الحج الفاسد فليس مخالفا للقياس فإن الله سبحانه أمر بإتمام الحج والعمرة فعلى من شرع فيهما أن يمضي فيهما وإن كان متطوعا بالدخول باتفاق الأئمة وإن تنازعوا فيما سواه من التطوعات هل تلزم بالشروع أم لا فقد وجب عليه بالإحرام أن يمضي فيه إلى حين يتحلل ووجب عليه الإمساك عن الوطء فإذا وطىء فيه لم يسقط وطؤه ما وجب عليه من إتمام النسك فيكون ارتكابه ما حرمه الله عليه سببا لإسقاط الواجب عليه ونظير هذا الصائم إذا أفطر عمدا لم يسقط عنه فطره ما وجب عليه من إتمام الإمساك ولا يقال له قد بطل صومك فإن شئت أن تأكل فكل بل يجب عليه المضي فيه وقضاؤه لأن الصائم له حد محدود وهو غروب الشمس
فإن قيل فهلا طردتم ذلك في الصلاة إذا أفسدها وقلتم يمضي فيها ثم يعيدها
قيل من ههنا ظن من ظن أن المضي في الحج الفاسد على خلاف القياس والفرق بينهما أن الحج له وقت محدود وهو يوم عرفة كما للصيام وقت محدود وهو الغروب وللحج مكان مخصوص لا يمكن إحلال المحرم قبل وصوله إليه كما لا يمكن فطر الصائم قبل وصوله إلى وقت الفطر فلا يمكنه فعله ولا فعل الحج ثانيا في وقته بخلاف الصلاة فإنه يمكنه فعلها ثانيا في وقتها وسر الفرق أن وقت الصيام والحج بقدر فعله لا يسع غيره ووقت الصلاة أوسع منها

فيسع غيرها فيمكنه تدارك فعلها إذا فسدت في أثناء الوقت ولا يمكن تدارك الصيام والحج إذا فسدا إلا في وقت آخر نظير الوقت الذي أفسدهما فيه والله أعلم

فصل عدم فطر من أكل ناسيا يوافق القياس
وأما من أكل في صومه ناسيا فمن قال عدم فطره ومضيه في صومه على خلاف القياس ظن أنه من باب ترك المأمور ناسيا والقياس أنه يلزمه الإتيان بما تركه كما لو حدث ونسي حتى صلى والذين قالوا بل هو على وفق القياس حجتهم أقوى لأن قاعدة الشريعة أن من فعل محظورا ناسيا فلا إثم عليه كما دل عليه قوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم - أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء وقال قد فعلت وإذا ثبت أنه غير آثم فلم يفعل في صومه محرما فلم يبطل صومه وهذا محض القياس فإن العبادة إنما تبطل بفعل محظور أو ترك مأمور وطرد هذا القياس أن من تكلم في صلاته ناسيا لم تبطل صلاته وطرده أيضا أن من جامع في إحرامه أو صيامه ناسيا لم يبطل صيامه ولا إحرامه وكذلك من تطيب أو لبس أو غطى رأسه أو حلق رأسه أو قلم ظفره ناسيا فلا فدية عليه بخلاف قتل الصيد فإنه من باب ضمان المتلفات فهو كدية القتيل وأما اللباس والطيب فمن باب الترفه وكذلك الحلق والتقليم ليس من باب الإتلاف فإنه لا قيمة له في الشرع ولا في العرف وطرد هذا القياس أن من فعل المحلوف عليه ناسيا لم يحنث سواء حلف بالله أو بالطلاق أو بالعتاق أو غير ذلك لأن القاعدة أن من فعل المنهي عنه ناسيا لم يعد عاصيا والحنث في الأيمان كالمعصية في الإيمان فلا يعد حانثا من فعل المحلوف عليه ناسيا وطرد هذا أيضا أن من باشر النجاسة في الصلاة ناسيا لم تبطل صلاته بخلاف من ترك شيئا من فروض

الصلاة ناسيا أو ترك الغسل من الجنابة أو الوضوء أو الزكاة أو شيئا من فروض الحج ناسيا فإنه يلزمه الإتيان به لأنه لم يؤد ما أمر به فهو في وقت عهدة الأمر وسر الفرق أن من فعل المحظور ناسيا يجعل وجوده كعدمه ونسيان ترك المأمور لا يكون عذرا في سقوطه كما كان فعل المحظور ناسيا عذرا في سقوط الإثم عن فاعله
فإن قيل فهذا الفرق حجة عليكم لأن ترك المفطرات في الصوم من باب المأمورات ولهذا تشترط فيه النية ولو كان فعل المفطرات من باب المحظور لم يحتج إلى نية كفعل سائر المحظورات
قيل لا ريب أن النية في الصوم شرط ولولاها لما كان عبادة ولا أثيب عليه لأن الثواب لا يكون إلا بالنية فكانت النية شرطا في كون هذا الترك عبادة ولا يختص ذلك بالصوم بل كل ترك لا يكون عبادة ولا يثاب عليه إلا بالنية ومع ذلك فلو فعله ناسيا لم يأثم به فإذا نوى تركها لله ثم فعلها ناسيا لم يقدح نسيانه في أجره بل يثاب على قصد تركها لله ولا يأثم بفعلها ناسيا وكذلك الصوم
وأيضا فإن فعل الناسي غير مضاف إليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه فأضاف فعله ناسيا إلى الله لكونه لم يرده ولم يتعمده وما يكون مضافا إلى الله لم يدخل تحت قدرة العبد فلم يكلف به فإنه إنما يكلف بفعله لا بما يفعل فيه ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير وكذلك لو احتلم الصائم في منامه أو ذرعه القيء في اليقظة لم يفطر ولو استدعى ذلك أفطر به فلو كان ما يوجد بغير قصده كما يوجد بقصده لأفطر بهذا وهذا

التسوية بين الخطأ والنسيان في الصوم
فإن قيل فأنتم تفطرون المخطىء كمن أكل يظنه ليلا فبان نهارا أفطر
قيل هذا فيه نزاع معروف بين السلف والخلف والذي فرقوا بينهما قالوا فعل المخطىء يمكن الاحتراز منه بخلاف الناسي
ونقل عن بعض السلف أنه يفطر في مسألة الغروب دون مسألة الطلوع كما لو استمر الشك
قال شيخنا وحجة من قال لا يفطر في الجميع أقوى ودلالة الكتاب والسنة على قولهم أظهر فإن الله سبحانه سوى بين الخطأ والنسيان في عدم المؤاخذة ولأن فعل محظورات الحج يستوي فيه المخطىء والناسي ولأن كل واحد منهما غير قاصد للمخالفة وقد ثبت في الصحيح أنهم أفطروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم طلعت الشمس ولم يثبت في الحديث أنهم أمروا بالقضاء ولكن هشام بن عروة سئل عن ذلك فقال لا بد من قضاء وأبوه عروة أعلم منه وكان يقول لا قضاء عليهم وثبت في الصحيحين أن بعض الصحابة أكلوا حتى ظهر لهم الخيط الأسود من الأبيض ولم يأمر أحدا منهم بقضاء وكانوا مخطئين وثبت عن عمر بن الخطاب أنه أفطر ثم تبين النهار فقال لا نقضي لأنا لم نتجانف لإثم وروي عنه أنه قال نقضي وإسناد الأول أثبت وصح عنه أنه قال الخطب يسير فتأول ذلك من تأوله على أنه أراد خفة أمر القضاء واللفظ لا يدل على ذلك
قال شيخنا وبالجملة فهذا القول أقوى أثرا ونظرا وأشبه بدلالة الكتاب والسنة والقياس قلت له فالنبي صلى الله عليه وسلم - مر على رجل يحتجم فقال أفطر الحاجم والمحجوم ولم يكونا عالمين بأن الحجامة تفطر ولم يبلغهما قبل ذلك قوله أفطر الحاجم والمحجوم ولعل الحكم إنما شرع ذلك اليوم

فأجابني بما مضمونه أن الحديث اقتضى أن ذلك الفعل مفطر وهذا كما لو رأى إنسانا يأكل أو يشرب فقال أفطر الآكل والشارب فهذا فيه بيان السبب المقتضي للفطر ولا تعرض فيه للمانع
وقد علم أن النسيان مانع من الفطر بدليل خارج فكذلك الخطأ والجهل والله أعلم

فصل حكم عمر في امرأة المفقود يوافق القياس
ومما ظن أنه على خلاف القياس ما حكم به الخلفاء الراشدون في امرأة المفقود فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أن أجل امرأته أربع سنين وأمرها أن تتزوج فقدم المفقود بعد ذلك فخيره عمر بين امرأته وبين مهرها فذهب الإمام أحمد إلى ذلك وقال ما أدري من ذهب إلى غير ذلك إلى أي شيء يذهب وقال أبو داود في مسائله سمعت أحمد وقيل له في نفسك شيء من المفقود فقال ما في نفسي منه شيء هذا خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أمروها أن تتربص قال أحمد من ضيق علم الرجل أن لا يتكلم في امرأة المفقود
وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد إن مذهب عمر في المفقود يخالف القياس والقياس أنها زوجة القادم بكل حال إلى أن نقول الفرقة تنفذ ظاهرا وباطنا فتكون زوجة الثاني بكل حال وغلا بعض ا لمخالفين لعمر في ذلك فقالوا لو حكم حاكم بقول عمر في ذلك لنقض حكمه لبعده عن القياس
وطائفة ثالثة أخذت ببعض قول عمر وتركوا بعضه فقالوا إذا تزوجت ودخل بها الثاني فهي زوجته ولا ترد إلى الأول وإن لم يدخل بها ردت إلى الأول

تصرف الغريب بين الرد والوقف
قال شيخنا من خالف عمر لم يهتد إلى ما اهتدى إليه عمر ولم يكن له من الخبرة بالقياس الصحيح مثل خبرة عمر وهذا إنما يتبين بأصل وهو وقف العقود إذا تصرف الرجل في حق الغير بغير إذنه هل يقع تصرفه مردودا أو موقوفا على إجازته على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد إحداهما أنها تقف على الإجازة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والثانية أنها لا تقف وهو أشهر قولي الشافعي وهذا في النكاح والبيع والإجارة وظاهر مذهب أحمد التفصيل وهو أن المتصرف إذا كان معذورا لعدم تمكنه من الاستئذان وكان به حاجة إلى التصرف وقف العقد على الإجارة بلا نزاع عنده وإن أمكنه الاستئذان أو لم تكن به حاجة إلى التصرف ففيه النزاع فالأول مثل من عنده أموال لا يعرف أصحابها كالغصوب والعواري ونحوها فإذا تعذر عليه معرفة أرباب الأموال ويئس منها فإن مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد أنه يتصدق بها عنهم فإن ظهروا بعد ذلك كانوا مخيرين بين الإمضاء وبين التضمين وهذا مما جاءت به السنة في اللقطة فإن الملتقط يأخذها بعد التعريف ويتصرف فيها ثم إن جاء صاحبها كان مخيرا بين إمضاء تصرفه وبين المطالبة بها فهو تصرف موقوف لما تعذر الاستئذان ودعت الحاجة إلى التصرف وكذلك الموصي بما زاد على الثلث وصيته موقوفة على الإجازة عند الأكثرين وإنما يخيرون بعد الموت فالمفقود المنقطع خبره إن قيل إن امرأته تبقى إلى أن يعلم خبره بقيت لا أيما ولا ذات زوج إلى أن تبقى من القواعد أو تموت والشريعة لا تأتي بمثل هذا فما أجلت أربع سنين ولم يكشف خبره حكم بموته ظاهرا
فإن قيل يسوغ للإمام أن يفرق بينهما للحاجة فإنما ذلك بعد اعتقاد موته وإلا فلو علمت حياته لم يكن مفقودا وهذا كما ساغ التصرف في الأموال التي تعذر معرفة أصحابها فإذا قدم الرجل تبينا أنه كان حيا كما إذا ظهر صاحب

المال والإمام قد تصرف في زوجته بالتفريق فيبقى هذا التفريق موقوفا على إجازته فإن شاء أجاز ما فعل الإمام وإن شاء رده وإذا أجازه صار كالتفريق المأذون فيه ولو أذن للإمام أن يفرق بينهما ففرق وقعت الفرقة بلا ريب وحينئذ فيكون النكاح الثاني صحيحا وإن لم يجز ما فعله الإمام كان التفريق باطلا فكانت باقية على نكاحه فتكون زوجته فكان القادم مخيرا بين إجازة ما فعله الإمام ورده وإذا أجاز فقد أخرج البضع من ملكه وخروج البضع عن ملك الزوج متقوم عند الأكثرين كمالك والشافعي وأحمد في نص الروايتين والشافعي يقول هو مضمون بمهر المثل والنزاع بينهم فيما إذا شهد شاهدان أنه طلق امرأته ثم رجعا عن الشهادة فقيل لاشى عليهما بناء على أن خروج البضع من ملك الزوج ليس بمتقوم وهذا قول أبى حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين اختارها متأخرو أصحابه كالقاضى أبى يعلى وأتباعه وقيل عليهما مهر المثل وهو قول الشافعى وهو وجه في مذهب أحمد وقيل عليهما المسمى وهو مذهب مالك وهو أشهر في نص أحمد وقد نص على ذلك فيما إذا أفسد نكاح امرأته برضاع أنه يرجع بالمسمى والكتاب والسنة يدلان على هذا القول فإن الله تعالى قال واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا وهذا هو المسمى دون مهر المثل ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم - زوج المختلعة أن يأخذ ما أعطاها دون مهر المثل وهو سبحانه إنما يأمر في المعاوضات المطلقة بالعدل
فحكم أمير المؤمنين في المفقود ينبني على هذا الأصل والقول بوقف العقود عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة ثبت ذلك عنهم في قضايا متعددة ولم يعلم أن أحدا منهم أنكر ذلك مثل قضية ابن مسعود في تصدقه عن سيد الجارية التي ابتاعها بالثمن الذي كان له عليه في الذمة لما تعذرت عليه معرفته

وكتصدق الغال بالمال المغلول من الغنيمة لما تعذر قسمه بين الجيش وإقرار معاوية له على ذلك وتصويبه له وغير ذلك من القضايا مع أن القول بوقف العقود مطلقا هو الأظهر في الحجة وهو قول الجمهور وليس في ذلك ضرر أصلا بل هو إصلاح بلا إفساد فإن الرجل قد يرى أن يشتري لغيره أو يبيع له أو يؤجر له أو يستأجر له ثم يشاوره فإن رضي وإلا لم يحصل له ما يضره وكذلك في تزويج وليته ونحو ذلك وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه فمسألة المفقود هي مما يوقف فيها تفريق الإمام على إذن الزوج إذا جاء كما يقف تصرف الملتقط على إذن المالك إذا جاء والقول برد المهر إلى الزوج بخروج بضع امرأته عن ملكه ولكن تنازعوا في المهر الذي يرجع به هل هو ما أعطاها هو أو ما أعطاها الثاني وفيه روايتان عن أحمد إحداهما يرجع بما مهرها الثاني لأنها هي التي أخذته والصواب أنه إنما يرجع بما مهرها هو فإنه الذي يستحقه وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حق له فيه وإذا ضمن الثاني للأول المهر فهل يرجع به عليها فيه روايتان عن أحمد إحداهما يرجع لأنها هي التي أخذته والثاني قد أعطاها المهر الذي عليه فلا يضمن مهرين بخلاف المرأة فإنها لما اختارت فراق الزوج الأول ونكاح الثاني فعليها أن ترد المهر لأن الفرق جاءت من جهتها والثانية لا يرجع لأن المرأة تستحق المهر بما استحل من فرجها والأول يستحق المهر بخروج البضع عن ملكه فكان على الثاني وهذا المأثور عن عمر في مسألة المفقود وهو عند طائفة من الفقهاء من أبعد الأقوال عن القياس حتى قال بعض الأئمة لو حكم به حاكم نقض حكمه وهو مع هذا أصح الأقوال وأحراها في القياس وكل قول قيل سواه فهو خطأ فمن قال إنها تعاد إلى الأول بكل حال أو تكون مع الثاني بكل حال فكلا القولين خطأ إذ كيف تعاد إلى الأول وهو لا يختارها ولا يريدها وقد فرق بينه وبينها تفريقا سائغا في الشرع وأجاز هو ذلك التفريق فإنه وإن تبين للأمام أن الأمر بخلاف ما اعتقده فالحق في ذلك للزوج فإذا

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8