كتاب : طريق الهجرتين وباب السعادتين
المؤلف : محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية

طريق الهجرتين وباب السعادتين

خطبةالكتاب
الحمد لله الذي نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججا وحجب العقول والأبصار أن تجد إلى تكييفه منهجا وأوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له بالوحدانية شهادة لم يبغ لها عوجا وجعل لمن لاذ به واتقاه من كل ضائقة مخرجا وأعقب من ضيق الشدائد وضنك الأوابد لمن توكل عليه فرجا وجعل قلوب أوليائه متنقلة في منازل عبوديته من الصبر والتوكل والإنابة والتفويض والمحبة والخوف والرجا فسبحان من أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه أسبغ على عباده نعمه الفرادى والتوأم وسخر لهم البر والبحر والشمس والقمر والليل والنهار والعيون والأنهار والضياء والظلام وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه يدعوهم إلى جواره في دار

السلام فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا فسبحان من أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ورفع لمن ائتم به فأحل حلاله وحرم حرامه وعمل بمحكمه وآمن بمتشابهه في مراقي السعادة درجا ووضع قهره على من أعرض عنه ولم يرفع به رأسه ونبذه وراء ظهره وابتغى الهدى من غيره فجعله في دركات الجحيم متولجا فإنه الذكر الحكيم والصراط المستقيم والنبأ العظيم وحبل الله المتين المديد بينه وبين خلقه وعهده الذي من استمسك به فاز ونجا
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا سمي له ولا كفوا له ولا صاحبة له ولا ولدا ولا شبيه له ولا يحصي أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه خلقه شهادة من أصبح قلبه بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته مبتهجا ولم يدع إلى شبه الجاحدين المعطلين معرجا
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده أرسله رحمة للعالمين وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين وحجة على العباد أجمعين أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بحقوقه وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فشرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره فهدى به من الضلالة وعلم به من

الجهالة وكثر به بعد القلة وأعز به بعد الذلة وأغنى به بعد العيلة وبصر به من العمي وأرشد به من الغي وفتح برسالته أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين فلم يدع خيرا إلا دل أمته عليه ولا شرا إلا حذر منه ونهى عن سلوك الطريق الموصلة إليه ففتح القلوب بالإيمان والقرآن وجاهد أعداء الله باليد والقلب واللسان فدعا إلى الله على بصيرة وسار في الأمة بالعدل والإحسان وخلقه العظيم أحسن سيرة إلى أن أشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها وتألفت به القلوب بعد شتاتها وسارت دعوته سير الشمس في الأفطار وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار واستجابت لدعوته الحق القلوب طوعا وإذعانا وامتلأت بعد خوفها وكفرها أمنا وإيمانا فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء وصلى عليه صلاة تملأ أقطار الأرض والسماء وسلم تسليما كثيرا
أما بعد فإن الله سبحانه غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده في قلوب من اختارهم لربوبيته واختصهم بنعمته وفضلهم على سائر خليقته فهي كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها فكذلك شجرة الإيمان أصلها ثابت في القلب وفروعها الكلم الطيب والعمل الصالح في السماء فلا تزال هذه الشجرة تخرج ثمرها كل وقت بإذن ربها من طيب القول وصالح العمل ما تقر به عيون صاحب الأصل وعيون حفظته وعيون أهله وأصحابه ومن قرب منه فإن من قرت عينه بالله سبحانه قرت به كل عين وأنس به كل مستوحش وطاب به كل خبيث وفرح به كل حزين وأمن به كل خائف وشهد به كل

غائب وذكرت رؤيته بالله فإذا رؤي ذكر الله فاطمأن قلبه إلى الله وسكنت نفسه إلى الله وخلصت محبته لله وقصر خوفه على الله وجعل رجاءه كله لله فإن سمع سمع بالله وإن أبصر أبصر بالله وإن بطش بطش بالله وإن مشى مشى بالله فبه يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشي فإذا أحب فلله وإذا أبغض فلله وإذا أعطى فلله وإذا منع فلله قد اتخذ الله وحده معبوده ومرجوه ومخوفه وغاية قصده ومنتهى طلبه واتخذ رسوله وحده دليله وإمامه وقائده وسائقه فوحد الله بعبادته ومحبته وخوفه ورجائه وإفراد رسوله بمتابعته والاقتداء به والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه وله في كل وقت هجراتان
هجرة إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية والتوكل والإنابة والتسليم والتفويض والخوف والرجاء والإقبال عليه وصدق اللجا والأفتقار في كل نفس إليه
وهجرة إلى رسوله في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة بحيث تكون موافقة لشرعه الذي هو تفصيل محاب الله ومرضاته ولا يقبل الله من أحد دينا سواه وكل عمل سواه تعيش النفس وحظها لا زاد المعاد وقال شيخ الطريقة وإمام الطائفة الجنيد بن محمد قدس الله روحه الطرق كلها

مسدودة إلا طريق من اقتفى آثار النبي فإن الله عز و جل يقول وعزتي وجلالي لو أتوني من كل طريق واستفتحوا من كل باب لما فتحت لهم حتى يدخلوا خلفك وقال بعض العارفين كل عمل بلا متابعة فهو عيش النفس
ولما كانت السعادة دائرة نفيا وإثباتا مع ما جاء به كان جديرا بمن نصح نفسه أن يجعل لحظات عمره وقفا على معرفته وإرادته مقصورة على محابه وهذا أعلى همة شمر إليها السابقون وتنافس فيها المتنافسون فلا جرم ضمنا هذا الكتاب قواعد من سلوك الهجرة المحمدية وسميناه طريق الهجرتين وباب السعادتين وابتدأناه بباب الفقر والعبودية إذ هو باب سبب تسميته السعادة وطريقها الأقوم الذي لا سبيل إلى دخولها إلا منه وختمناه بذكر طريق الهجرتين طبقات المكلفين من الجن والإنس في الآخرة ومراتبهم في دار السعادة والشقاوة فجاء الكتاب غريبا في معناه عجيبا في مغزاه لكل قوم منه نصيب ولكل وارد منه مشرب وما كان فيه من حق وصواب فمن الله هو الله المان به فإن التوفيق بيده وما كان فيه من زلل فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء
فيا أيها القارىء له والناظر فيه هذه بضاعة صاحبها المزجاة مسوقة إليك وهذا فهمه وعقله معروض عليك لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه ولك ثمرته وعليه عائدته فإن عدم منك حمدا وشكرا فلا يعدم منك عذرا وإن أبيت إلا الملام فبابه مفتوح وقد
استأثر الله بالثناء وبالحمد وولى الملامة الرجلا
والله المسؤول أن يجعله لوجهه خالصا وينفع به مؤلفه وقارئه وكاتبه في الدنيا والآخرة إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل

فصل في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه
قال الله سبحانه يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد بين سبحانه في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم كما أن كونه غنيا حميدا ذاتي له فغناه وحمده ثابت له لذاته لا لأمر أوجبه وفقر من سواه إليه ثابت لذاته لا لأمر أوجبه فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان بل هو ذاتي للفقير فحاجة العبد إلى ربه لذاته لا لعلة أوجبت تلك الحاجة كما أن غنى الرب سبحانه لذاته لا لأمر أوجب غناه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية
والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتي

فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذات لا بعلة وكل ما يذكر ويقرر من أسباب الفقر والحاجة فهي أدلة على الفقر والحاجة لا علل لذلك إذا ما بالذات لا يعلل فالفقير بذاته محتاج إلى الغني بذاته فما يذكر من إمكان وحدوث واحتياج فهي أدلة على الفقر لا أسباب له ولهذا كان الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب سبحانه غير القولين اللذين يذكرهما الفلاسفة والمتكلمون فإن الفلاسفة قالوا علة الحاجة الإمكان والمتكلمون قالوا علة الحاجة الحدوث والصواب أن الإمكان والحدوث متلازمان وكلاهما دليل الحاجة والافتقار وفقر العالم إلى الله سبحانه أمر ذاتي لا يعلل فهو فقير بذاته إلى ربه الغني بذاته ثم يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من الأدلة على هذا الفقر والمقصود أنه سبحانه أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه سبحانه كما أخبر عن ذاته المقدسة وحقيقته أنه غني حميد فالفقر المطلق من كل وجه ثابت لذواتهم وحقائقهم من حيث هي والغنى المطلق من كل وجه ثابت لذاته تعالى وحقيقته من حيث هي فيستحيل أن يكون العبد إلا فقيرا ويستحيل أن يكون الرب سبحانه إلا غنيا كما أنه يستحيل أن يكون العبد إلا عبدا والرب إلا ربا
إذا عرف هذا فالفقر فقران فقر اضطراري وهو فقر عام لا خروج لبر ولا فاجر عنه وهذا الفقر لا يقتضي مدحا ولا ذما ولا ثوابا ولا عقابا بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقا ومصنوعا
والفقر الثاني فقر اختياري هو نتيجة علمين شريفين أحدهما معرفة العبد بربه والثاني معرفته بنفسه فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجتا فقرا هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته وتفاوت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام

ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل فالله سبحانه أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئا ولا يقدر على شيء ولا يملك شيئا ولا يقدر على عطاء ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شيء البتة فكان فقره في تلك الحال إلى ما به كماله أمرا مشهودا محسوسا لكل أحد ومعلوم أن هذا له من لوازم ذاته وما بالذات دائم بدوامها وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إلى رتبة الربوبية والغنى بل لم يزل عبدا فقيرا بذاته إلى بارئه وفاطره فلما أسبغ عليه نعمته وأفاض عليه رحمته وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهرا وباطنا وخلع عليه ملابس إنعامه وجعل له السمع والبصر والفؤاد وعلمه وأقدره وصرفه وحركه ومكنه من استخدام بني جنسه وسخر له الخيل والإبل وسلطه على دواب الماء واستنزال الطير من الهواء وقهر الوحش العادية وحفر الأنهار وغرس الأشجار وشق الأرض وتعلية البناء والتحليل على مصالحه والتحرز والتحفظ لما يؤذيه ظن المسكين أن له نصيبا من الملك وادعى لنفسه ملكا مع الله سبحانه ورأى نفسه بغير تلك العين الأولى ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج بل كأن ذلك شخصا آخر غيره كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشي أن رسول الله بصق يوما في كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال قال الله تعالى يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة ومن ههنا خذل من

خذل ووفق من وفق فحجب المخذول عن حقيقته ونسي نفسه فنسي فقره وحاجته وضرورته إلى ربه فطغى وعتا فحقت عليه الشقوة قال تعالى كلا إن الأنسان ليطغى أن رءاه استغنى وقال فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى فأكمل الخلق أكملهم عبودية وأعظمهم شهودا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين ولهذا كان من دعائه أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك
وكان يدعو يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يعلم

أن قلبه بيد الرحمن عز و جل لا يملك منه شيئا وأن الله سبحانه يصرفه كما يشاء كيف وهو يتلو قوله تعالى ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا فضرورته إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به وحسب قربه منه ومنزلته عنده وهذا أمر إنما بدا منه لمن بعده ما يرشح من ظاهر الوعاء ولهذا كان أقرب الخلق إلى الله وسيلة وأعظمهم عنده جاها وأرفعهم عنده منزلة لتكميله مقام العبودية والفقر إلى ربه وكان يقول لهم أيها الناس ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي إنما أنا عبد وكان يقول لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله
وذكره الله سبحانه بسمة العبودية في أشرف مقاماته مقام الإسراء ومقام الدعوة ومقام التحدي فقال سبحان الذي أسرى بعبده ليلا وقال وأنه لما قام عبدالله يدعوه وقال وإن كنتم في ريب مما

نزلنا على عبدنا وفي حديث الشفاعة إن المسيح يقول لهم اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فنال ذلك المقام بكمال عبوديته لله وبكماله مغفرة الله له فتأمل قوله تعالى في الآية أنتم الفقراء إلى الله باسم الله دون اسم الربوبية ليؤذن بنوعي الفقر فإنه كما تقدم نوعان فقر إلى ربوبيته وهو فقر المخلوقات بأسرها وفقر إلى ألوهيته وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين وهذا هو الفقر النافع والذي يشير إليه القوم ويتكلمون عليه ويشيرون إليه هو الفقر الخاص لا العام وقد اختلفت عباراتهم عنه ووصفهم له وكل أخبر عنه بقدر ذوقه وقدرته على التعبير
قال شيخ الإسلام الأنصاري الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى فقر الزهاد وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا وإسكات اللسان عنها ذما أو مدحا والسلامة منها

طلبا أو تركا وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه الدرجة الثانية الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال ويقطع شهود الأحوال ويمحص من أدناس مطالعة المقامات والدرجة الثالثة صحة الاضطرار والوقوع في يد التقطع الوحداني والاحتباس في بيداء قيد التجريد وهذا فقر الصوفية
فقوله الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة يعني أن الفقير هو الذي يجرد رؤية الملك لمالكه الحق فيرى نفسه مملوكة لله لا يرى نفسه مالكا بوجه من الوجوه ويرى أعماله مستحقة عليه بمقتضى كونه مملوكا عبدا مستعملا فيما أمره به سيده فنفسه مملوكة وأعماله مستحقة بموجب العبودية فليس مالكا لنفسه ولا لشيء من ذراته ولا لشيء من أعماله بل كل ذلك مملوك عليه مستحق عليه كرجل اشترى عبدا بخالص ماله ثم علمه بعض الصنائع فلما تعلمها قال له إعمل وأد إلي فليس لك في نفسك ولا في كسبك شيء فلو حصل بيد هذا العبد من الأموال والأسباب ما حصل لم ير له فيها شيئا بل يراه كالوديعة في يده وأنها أموال أستاذه وخزائنه ونعمه بيد عبده مستودعا متصرفا فيها لسيده لا لنفسه كما قال عبدالله ورسوله وخيرته من خلقه والله إني لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت فهو متصرف في تلك الخزائن بالأمر المحض تصرف

العبد المحض الذي وظيفته تنفيذ أوامر سيده فالله هو المالك الحق وكل ما بيد خلقه هو من أمواله وأملاكه وخزائنه أفاضها عليهم ليمتحنهم في البذل والإمساك
وهل يكون ذلك منهم على شاهد العبودية لله عز و جل فيبذل أحدهم الشيء رغبة في ثواب الله ورهبة من عقابه وتقربا إليه وطلبا لمرضاته أم يكون البذل والإمساك منهم صادرا عن مراد النفس وغلبة الهوى وموجب الطبع ! فيعطي لهواه ويمنع لهواه فيكون متصرفا تصرف المالك لا المملوك فيكون مصدر تصرفه الهوى ومراد النفس وغايته الرغبة فيما عند الخلق من جاه أو رفعة أو منزلة أو مدح أو حظ من الحظوظ أو الرهبة من فوت شيء من هذه الأشياء وإذا كان مصدر تصرفه وغايته هو هذه الرغبة والرهبة رأى نفسه لا محالة مالكا فادعى الملك وخرج عن حد العبودية ونسي فقره ولو عرف نفسه حق المعرفة لعلم أنما هو مملوك ممتحن في صورة ملك متصرف كما قال تعالى ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون وحقيق بهذا الممتحن أن يوكل إلى ما ادكعته نفسه من الإحالات والملكات مع المالك الحق سبحانه فإن من ادعى لنفسه حالة مع الله سبحانه وكل إليها ومن كل إلى شيء غير الله فقد فتح له باب الهلاك والعطب وأغلق عنه باب الفوز والسعادة فإن كل شيء ما سوى الله باطل ومن وكل إلى الباطل بطل عمله وضل سعيه ولم يحصل إلا على الحرمان فكل من تعلق بغير الله انقطع به أحوج ما كان إليه كما قال تعالى إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب فالأسباب التي

تقطعت بهم هي العلائق التي بغير الله ولغير الله تقطعت بهم أحوج ما كانوا إليها وذلك لأن تلك الغايات لما اضمحلت وبطلت اضمحلت أسبابها وبطلت فإن الأسباب تبطل ببطلان غاياتها وتضمحل باضمحلالها وكل شيء هالك إلا وجهه سبحانه وكل عمل باطل إلا ما أريد به وجهه وكل سعي لغيره باطل ومضمحل وهذا كما يشاهده الناس في الدنيا من اضمحلال السعي والعمل والكد والخدمة التي يفعلها العبد لمتول أو أمير أو صاحب منصب أو مال فإذا زال ذلك الذي عمل له عدم ذلك العمل وبطل ذلك السعي ولم يبق في يده سوى الحرمان ولهذا يقول الله تعالى يوم القيامة أليس عدلا مني أني أولي كل رجل منكم ما كان يتولى في الدنيا فيتولى عباد الأصنام والأوثان أصنامهم وأوثانهم فتتساقط بهم في النار ويتولى عابدو الشمس والقمر والنجوم آلهتهم فإذا كورت الشمس وانتثرت النجوم اضمحلت تلك العبادة وبطلت وصارت حسرة عليهم

كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ولهذا كان المشرك من أخسر الناس صفقة وأغبنهم يوم معاده فإنه يحال على مفلس كل الإفلاس بل على عدم والموحد حوالته على المليء الكريم فيا بعد ما بين الحوالتين
وقوله البراءة من رؤية الملكة ولم يقل من الملكة لأن الإنسان قد يكون فقيرا لا ملكة له في الظاهر وهو عري عن التحقق بنعت الفقر الممدوح أهله الذين لا يرون ملكة إلا لمالكها الحق ذي الملك والملكوت وقد يكون العبد قد فوض إليه من ذلك شيء وجعل كالخازن فيه كما كان سليمان بن داود أوتي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وكذلك الخليل وشعيب والأغنياء من الأنبياء وكذلك أعنياء الصحابة فهؤلاء لم يكونوا بريئين من الملكة في الظاهر وهم بريئون من رؤية الملكة لنفوسهم فلا يرون لها ملكا حقيقيا بل يرون ما في أيديهم لله عارية ووديعة في أيديهم ابتلاهم به لينظر هل يتصرفون فيه تصرف العبد أو تصرف الملاك الذين يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم فوجود المال في يد الفقير لا يقدح في فقره إنما يقدح في فقره رؤيته لملكته فمن عوفي من رؤية الملكة لم يتلوث باطنه بأوساخ المال وتعبه وتدبيره واختياره وكان كالخازن لسيده الذي ينفذ أوامره في ماله فهذا لو كان بيده من المال أمثال جبال الدنيا لم يضره ومن لم يعاف من ذلك ادعت نفسه الملكة وتعلقت به النفس تعلقها بالشيء المحبوب المعشوق فهو أكبر همه ومبلغ علمه إن

أعطي رضي وإن منع سخط فهو عبد الدينار والدرهم يصبح مهموما ويمسي كذلك يبيت مضاجعا له تفرح نفسه إذا ازداد وتحزن وتأسف إذا فات منه شيء بل يكاد يتلف إذا توهمت نفسه الفقر وقد يؤثر الموت على الفقر والأول مستغن بمولاه المالك الحق الذي بيده خزائن السموات والأرض وإذا أصاب المال الذي في يده نائبة رأى أن المالك الحق هو الذي أصاب مال نفسه فما للعبد وما للجزع والهلع وإنما تصرف مالك المال في ملكه الذي هو وديعة في يد مملوكه فله الحكم في ماله إن شاء أبقاه وإن شاء ذهب به وأفناه فلا يتهم مولاه في تصرفه في ملكه ويرى تدبيره هو موجب الحكمة فليس لقلبه بالمال تعلق ولا له به اكتراث لصعوده عنه وارتفاع همته إلى المالك الحق فهو غني به وبحبه ومعرفته وقربه منه عن كل ما سواه وهو فقير إليه دون ما سواه فهذا هو البريء عن رؤية الملكة الموجبة للطغيان كما قال تعالى كلا إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى ولم يقل إن استغنى بل جعل الطغيان ناشئا عن رؤيته غنى نفسه ولم يذكر هذه الرؤية في سورة الليل بل قال وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وهذا والله أعلم لأنه ذكر موجب طغيانه وهو رؤية غنى نفسه وذكر في سورة الليل موجب هلاكه وعدم تيسيره لليسرى وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته وعبوديته فإنه لو افتقر إليه لتقرب إليه بما أمره من طاعته فعل المملوك الذي لا غنى له عن مولاه طرفة عين ولا يجد بدا من امتثال أوامره ولذلك ذكر معه بخله وهو تركه أعطاء ما وجب عليه من الأقوال والأعمال وأداء المال وجمع إلى ذلك تكذيبه بالحسنى وهي التي وعد بها أهل الإحسان بقوله للذين

أحسنوا الحسنى وزيادة ومن فسرها بشهادة أن لا إله إلا الله فلأنها أصل الإحسان وبها تنال الحسنى ومن فسرها بالخلف في الإنفاق فقد هضم المعنى حقه وهو أكبر من ذلك وإن كان الخلف جزءا من أجزاء الحسنى والمقصود أن الاستغناء عن الله سبب هلاك العبد وتيسيره لك عسرى ورؤيته غنى نفسه سبب طغيانه وكلاهما مناف للفقر والعبودية
قوله الدرجة الأولى فقر الزهاد وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا وإسكات اللسان عنها ذما أو مدحا والسلامة منها طلبا أو تركا وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه فحاصل هذه الدرجة فراغ اليد والقلب من الدنيا والذهول عن الفقر منها والزهد فيها وعلامة فراغ اليد نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا فهو لا يضبط يده مع وجودها شحا وضنا بها ولا يطلبها مع فقدها سؤالا وإلحافا وحرصا فهذا الإعراض والنفض دال على سقوط منزلتها من القلب إذ لو كان لها في القلب منزلة لكان الأمر بضد ذلك وكان يكون حاله الضبط مع الوجود لغناه بها ولكان يطلبها مع فقدها لفقره إليها وأيضا من أقسام الفراغ إسكات اللسان عنها ذما ومدحا لأن من اهتم بأمر وكان له في قلبه موقع اشتغل اللسان بما فاض على القلب من أمره مدحا أو ذما فإنه إن حصلت له مدحها وإن فاتته ذمها ومدحها وذمها علامة موضعها من القلب وخطرها فحيث اشتغل اللسان بذمها كان بذلك لخطرها في القلب لأن الشيء إنما يذم على قدر الاهتمام به والاعتناء شفاء الغيظ منه بالذم وكذلك تعظيم الزهد فيها إنما هو على قدر خطرها في القلب إذ لولا خطرها وقدرها لما صار للزهد فيها خطر وكذلك مدحها دليل على خطرها وموقعها من قلبه فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره وصاحب هذه الدرجة

لا يضبطها مع وجودها ولا يطلبها مع عدمها ولا يفيض من قلبه على لسانه مدح لها يدل على محبتها ولا يفيض من القلب على اللسان ذم يدل على موقعها وخطرها فإن الشيء إذا صغر أعرض القلب عنه مدحا أو ذما وكذلك صاحب هذه الدرجة سالم عن النظر إلى تركها وهو الذي تقدم من ذكر خطر الزهد فيها لأن نظر العبد إلى كونه تاركا لها زاهدا فيها تتشرف نفسه بالترك وذلك من خطرها وقدرها ولو صغرت في القلب لصغر تركها والزهد فيها ولو اهتم القلب بمهم من المهمات المطلوبة التي هي مذاقات أهل القلوب الأرواح لذهل عن النظر إلى نفسه بالزهد والترك فصاحب هذه الدرجة معافى من هذه الأمراض كلها من مرض الضبط والطلب والذم والمدح والترك فهي بأسرها وإن كان بعضها ممدوحا في العلم مقصودا يستحق المتحقق به الثواب والمدح لكنها آثار وأشكال مشعرة بأن صاحبها لم يذق حال الخلو والتجريد الباطن فضلا عن أن يتحقق من الحقائق المتوقعة المتنافس فيها فصاحب هذه الدرجة متوسط بين درجتي الداخل بكليته في الدنيا قد ركن إليها واطمأن إليها واتخذها وطنا وجعلها له سكنا وبين من نفضها بالكلية من قلبه ولسانه وتخلص من قيودها ورعونتها وآثارها وارتقى إلى ما يسر القلب ويحييه ويفرحه ويبهجه من جذبات العزة فهو في البرزخ كالحامل المقرب ينتظر ولادة الروح والقلب صباحا ومساء فإن من لم تولد روحه وقلبه ويخرج من مشيمة نفسه ويتخلص من ظلمات طبعه وهواه وإرادته فهو كالجنين في بطن أمه الذي لم ير الدنيا وما فيها فهكذا هذا الذي بعد في مشيمة النفس والظلمات الثلاث هي ظلمة النفس وظلمة الطبع وظلمة الهوى فلا بد من الولادة مرتين كما قال المسيح للحواريين إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين ولذلك كان النبي أبا للمؤمنين كما في قراءة أبي النبي

أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ولهذا تفرع على هذه الأبوة أن جعلت أزواجه أمهاتهم فإن أرواحهم وقلوبهم ولدت به ولادة أخرى غير ولادة الأمهات فإنه أخرج أرواحهم وقلوبهم من ظلمات الجهل والضلال والغي إلى نور العلم والإيمان وفضاء المعرفة والتوحيد فشاهدت حقائق أخر وأمورا لم يكن لها بها شعور قبله قال تعالى الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم وقال هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب الحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبين
والمقصود أن القلوب في هذه الولادة ثلاثة قلب لم يولد ولم يأن له أنواع القلوب بل هو جنين في بطن الشهوات والغي والجهل والضلال وقلب قد ولد وخرج إلى فضاء التوحيد والمعرفة وتخلص من مشيمة الطباع وظلمات النفس والهوى فقرت عينه بالله وقرت عيون به وقلوب وأنست بقربه الأرواح وذكرت رؤيته بالله فاطمأن بالله وسكن إليه وعكف بهمته عليه وسافرت هممه وعزائمه إلى الرفيق الأعلى لا يقر بشيء غير الله ولا يسكن إلى شيء سواه ولا يطمئن بغيره يجد من كل شيء سوى الله عوضا ومحبته قوته لا يجد من الله عوضا أبدا فذكره حياة قلبه ورضاه

غاية مطلبه ومحبته قوته ومعرفته أنيسه عدوه من جذب قلبه عن الله وإن كان القريب المصافيا ووليه من رده إلى الله وجمع قلبه عليه وإن كان البعيد المناويا فهذان قلبان متباينان غاية التباين وقلب ثالث في البرزخ ينتظر الولادة صباحا ومساء قد أصبح على فضاء التجريد وآنس من خلال الديار أشعة التوحيد تأبى غلبات الحب والشوق إلا تقربا إلى من السعادة كلها بقربه والحظ كل الحظ في طاعته وحبه وتأبى غلبات الطباع إلا جذبه وإيقافه وتعويقه فهو بين الداعين تارة وتارة قد قطع عقبات وآفات وبقي عليه مفاوز وفلوات والمقصود أن صاحب هذا المقام إذا تحقق به ظاهرا وباطنا وسلم عن نظر نفسه إلى مقامه واشتغاله به ووقوفه عنده فهو فقير حقيقي ليس فيه قادح من القوادح التي تحطه عن درجة الفقر
واعلم أنه يحسن إعمال اللسان في ذم الدنيا في موضعين أحدهما موضع التزهيد فيها للراغب والثاني عندما يرجع به داعي الطبع والنفس إلى طلبها ولا يأمن من إجابة الداعي فيستحضر في نفسه قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها فإنه إن تم عقله وحضر رشده زهد فيها ولا بد

فصل في تفسير الفقر ودرجاته
وقوله الدرجة الثانية الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال ويقطع شهود الأحوال ويمحص من أدناس مطالعة المقامات فهذه الدرجة أرفع من الأولى وأعلى والأولى كالوسيلة إليها لأن في الدرجة الأولى يتخلى بفقره عن أن يتأله غير مولاه الحق وأن يضيع أنفاسه في غير مرضاته وأن يفرق همومه في غير محابه وأن يؤثر عليه في حال من الأحوال فيوجب له هذا الخلق وهذه المعاملة صفاء العبودية وعمارة السر بينه وبين الله وخلوص الود فيصبح ويمسي ولا هم له غير ربه قد قطع همه بربه عنه جميع الهموم وعطلت إرادته جميع الإرادات ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه كما قيل
لقد كان يسبي القلب في كل ليله ... ثمانون بل تسعون نفسا وأرجح
يهيم بهذا ثم يألف غيره ... ويسلوهم من فوره حين يصبح
وقد كان قلبي ضائعا قبل حبكم ... فكان بحب الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابه ... فلست أراه عن خبائك يبرح
حرمت الأماني منك إن كنت كاذبا ... وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح
وإن كان شيء في الوجود سواكم ... يقر به القلب الجريح ويفرح
إذا لعبت أيدي الهوى بمحبكم ... فليس له عن بابكم متزحزح
فإن أدركته غربة عن دياركم ... فحبكم بين الحشا ليس يبرح
وكم مشتر في الخلق قد سام قلبه ... فلم يره إلا لحبك يصلح

هوى غيركم نار تلظى ومحبس ... وحبكم الفردوس أو هو أفسح
فيا ضيم قلب قد تعلق غيركم ... ويا رحمة مما يجول ويكدح
والله سبحانه لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه فبقدر ما يدخل القلب من هم وإرادة وحب يخرج منه هم وإرادة وحب يقابله فهو إناء واحد والأشربة متعددة فأي شراب ملأه لم يبق فيه موضع لغيره وإنما يمتلىء الإناء بأعلى الأشربة إذا صادفه خاليا فأما إذا صادفه ممتلئا من غيره لم يساكنه حتى يخرج ما فيه ثم يسكن موضعه كما قال بعضهم
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا
ففقر صاحب هذه الدرجة تفريغه إنائه من كل شراب غير شراب المحبة والمعرفة لأن كل شراب مسكر ولا بد وما أسكر كثيره فقليله حرام وأين سكر الهوى والدنيا من سكر الخمر وكيف يوضع شراب التسنيم الذي هو أعلى أشربة المحبين في إناء ملآن بخمر الدنيا والهوى ولا يفيق من سكره ولا يستفيق ولو فارق هذا السكر القلب لطار بأجنحة الشوق إلى الله والدار الآخرة ولكن رضي المسكين بالدون وباع حظه من قرب الله ومعرفته وكرامته بأخس الثمن صفقة خاسر مغبون فسيعلم أي حظ أضاع إذا فاز المحبون وخسر المبطلون

فصل في أن حقيقة الفقر توجه العبد بجميع أحواله إلى الله
وإذا كان التلوث بالأعراض قيدا يقيد القلوب عن سفرها إلى بلد حياتها ونعيمها الذي لا سكن لها غيره ولا راحة لها إلا فيه ولا سرور لها إلا في منازله ولا أمن لها إلا بين أهله فكذلك الذي باشر قلبه روح التأله وذاق طعم المحبة وآنس نار المعرفة له أعراض دقيقة حالية تقيد قلبه عن مكافحة صريح الحق وصحة الاضطرار إليه والفناء التام به البقاء الدائم بنوره الذي هو المطلوب من السير والسلوك وهو الغاية التي شمر إليها السالكون والعلم الذي أمه العابدون ودندن حوله العارفون فجميع ما يحجب عنه أن يقيد القلب نظره وهمه يكون حجابا يحجب الواصل ويوقف السالك وينكس الطالب فالزهد فيه على أصحاب الهمم العلية متعين تعين الواجب الذي لا بد منه وهو كزهد السالك إلى الحج في الظلال والمياه التي يمر بها في المنازل فالأول مقيد عن الحقائق برؤية الأعراض والثاني مقيد عن النهايات برؤية الأحوال فتقيد كل منهما عن الغاية المطلوبة وترتب على هذا القيد عدم النفوذ وذلك مؤخر مخلف
وإذا عرف العبد هذا وانكشف له علمه تعين عليه الزهد في الأحوال والفقر منها كما تعين عليه الزهد في المال والشرف وخلو قلبه منهما ولما كان موجب الدرجة الأولى من الفقر الرجوع إلى الآخرة فأوجب الاستغراق في

هم الآخرة نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا وإسكات اللسان عنها مدحا أو ذما وكذلك كان موجب هذه الدرجة الثانية الرجوع إلى فضل الله سبحانه ومطالعة سبقه الأسباب والوسائط فبفضل الله ورحمته وجدت منه الأقوال الشريفة والمقامات العلية وبفضله ورحمته وصلوا إلى رضاه ورحمته وقربه وكرامته وموالاته وكان سبحانه هو الأول في ذلك كله كما أنه الأول في كل شيء وكان هو الآخر في ذلك كما هو الآخر في كل شيء فمن عبده باسمه الأول والآخر حصلت له حقيقة هذا الفقر فإن انضاف إلى ذلك عبوديته باسمه الظاهر والباطن فهذا هو العارف الجامع لمتفرقات التعبد ظاهرا وباطنا
فعبوديته باسمه الأول تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف أو الالتفات إليها وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته وأنه هو المبتدىء بالإحسان من غير وسيلة من العبد إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده أي وسيلة كانت هناك وإنما هو عدم محض وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا فمنه سبحانه الإعداد ومنه الإمداد وفضله سابق على الوسائل والوسائل من مجرد فضله وجوده لم تكن بوسائل أخرى فمن نزل اسمه الأول على هذا المعنى أوجب له فقرا خاصا وعبودية خاصة
وعبوديته باسمه الآخر تقتضي أيضا عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها فإنها تنعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية ويبقى الدائم الباقي بعدها فالتعلق بها تعلق بعدم وينقضي والتعلق بالآخر سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول فالمتعلق به حقيق أن لا يزول ولا ينقطع بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به كذا نظر العارف إليه بسبق الأولية حيث كان قبل الأسباب كلها وكذلك نظره إليه ببقاء الآخرية حيث يبقى

بعد الأسباب كلها فكان الله ولم يكن شيء غيره وكل شيء هالك إلا وجهه فتأمل عبودية هذين الاسمين وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه وأن الأمر ابتدأ منه وإليه يرجع فهو المبتدىء بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة وإليه تنتهي الأسباب والوسائل فهو أول كل شيء وآخره وكما أنه رب كل شيء وفاعله وخالقه وبارئه فهو إلهه وغايته التي لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون وحده غايته ونهايته ومقصوده فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات والآخر الذي انتهت إليه عبوديتها وإرادتها ومحبتها فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ فكما كان واحدا في إيجادك فاجعله واحدا في تألهك إليه لتصح عبوديتك وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه فاجعله نهاية حبك وإرادتك وتألهك إليه لتصح لك عبوديته باسمه الأول والآخر وأكثر الخلق تعبدوا له باسمه الأول وإنما الشأن في التعبد له باسمه الآخر فهذه عبودية الرسل وأتباعهم فهو رب العالمين وإله المرسلين سبحانه وبحمده وأما عبوديته باسمه الظاهر فكما فسره النبي بقوله وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء
فإذا تحقق العبد علوه المطلق على كل شيء بذاته وأنه ليس فوقه شيء البتة وأنه قاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه صار لقلبه أمما يقصده وربا يعبده وإلها يتوجه إليه بخلاف من لا يدري أين ربه فإنه

ضائع مشتت القلب ليس لقلبه قبلة يتوجه نحوها ولا معبود يتوجه إليه قصده وصاحب هذه الحال إذا سلك وتأله وتعبد طلب قلبه إلها يسكن إليه ويتوجه إليه وقد اعتقد أنه ليس فوق العرش شيء إلا العدم وأنه ليس فوق العالم إله يعبد ويصلى له ويسجد وأنه ليس على العرش من يصعد إليه الكلم الطيب ولا يرفع إليه العمل الصالح جال قلبه في الوجود جميعه فوقع في الاتحاد ولا بد وتعلق قلبه بالوجود المطلق الساري في المعينات فاتخذ إلهه من دون إله الحق وظن أنه قد وصل إلى عين الحقيقة وإنما تأله وتعبد لمخلوق مثله ولخيال نحته بفكره واتخذه إلها من دون الله سبحانه وإله الرسل وراء ذلك كله إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون وقال الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون

فقد تعرف سبحانه إلى عباده بكلامه معرفة لا يجحدها إلا من أنكره سبحانه وإن زعم أنه مقربه والمقصود أن التعبد باسمه الظاهر يجمع القلب على المعبود ويجعل له ربا يقصده وصمدا يصمد إليه في حوائجه وملجأ يلجأ إليه فإذا استقر ذلك في قلبه وعرف ربه باسمه الظاهر استقامت له عبوديته وصار له معقل وموئل يلجأ إليه ويهرب إليه ويفر كل وقت إليه وأما تعبده باسمه الباطن فأمر يضيق نطاق التعبير عن حقيقته ويكل اللسان عن وصفه وتصطلم الإشارة إليه وتجفو العبارة عنه فإنه يستلزم معرفة بريئة من شوائب التعطيل مخلصة من فرث التشبيه منزهة عن رجس الحلول والاتحاد وعبارة مؤدية للمعنى كاشفة عنه وذوقا صحيحا سليما من أذواق أهل الانحراف فمن رزق هذا فهم معنى اسمه الباطن وضح له التعبد به وسبحان الله كم زلت في هذا المقام أقدام وضلت فيه أفهام وتكلم فيه الزنديق بلسان الصديق واشتبه فيه إخوان النصارى بالحنفاء المخلصين لنبو الأفهام عنه وعزة تخلص الحق من الباطل فيه والتباس ما في الذهن بما في الخارج إلا على من رزقه الله بصيرة في الحق ونورا يميز به بين الهدى والضلال وفرقانا يفرق به بين الحق والباطل ورزق مع ذلك اطلاعا على أسباب الخطأ وتفرق الطرق ومثار الغلط وكان له بصيرة في الحق والباطل وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم
وباب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة إحاطة الرب سبحانه بالعالم وعظمته وأن العوالم كلها في قبضته وأن السموات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد قال تعالى وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وقال والله من ورآئهم محيط ولهذا يقرن سبحانه

بين هذين الاسمين الدالين على هذين المعنيين اسم العلو الدال على أنه الظاهر وأنه لا شيء فوقه واسم العظمة الدال على الإحاطة وأنه لا شيء دونه كما قال تعالى وهو العلي العظيم وقال تعالى وهو العلي الكبير وقال ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم وهو تبارك وتعالى كما أنه العالي على خلقه بذاته فليس فوقه شيء فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء بل ظهر على كل شيء فكان فوقه وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه وكل شيء في قبضته وليس شيء في قبضة نفسه فهذا أقرب لإحاطة العامة
وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابديه وسائليه ودادعيه وهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن قال الله تعالى وإذا سألك عبادى عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فهذا قربه من داعيه وقال تعالى إن رحمت الله قريب من المحسنين فذكر الخبر وهو قريب عن لفظ الرحمة وهي مؤنثة إيذانا بقربه تعالى من المحسنين فكأنه قال إن الله برحمته قريب من المحسنين وفي الصحيح عن النبي قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وأقرب ما يكون الرب من

عبده في جوف الليل فهذا قرب خاص غير قرب الإحاطة وقرب البطون وفي الصحيح من حديث أبي موسى أنهم كانوا مع النبي في سفر فارتفعت أصواتهم بالتكبير فقال أيها الناس اربعوا على أنفسكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب الى أحدكم من عنق راحلته فهذا قربه من داعيه وذاكره يعني فأي حاجة بكم إلى رفع الأصوات وهو لقربه يسمعها وإن خفضت كما يسمعها إذا رفعت فإنه سميع قريب وهذا القرب هو من لوازم المحبة فكلما كان الحب أعظم كان القرب أكثر وقد استولت محبة المحبوب على قلب محبه بحيث يفنى بها عن غيرها ويغلب محبوبه على قلبه حتى كأنه يراه ويشاهده فإن لم يكن عنده معرفة صحيحة بالله وما يجب له وما يستحيل عليه وإلا طرق باب الحلول إن لم يلجه وسببه ضعف تمييزه وقوة سلطان المحبة واستيلاء المحبوب على قلبه بحيث يغيب عن ملاحظة ما سواه وفي مثل هذه الحال يقول سبحاني أو ما في الجبة إلا الله ونحو هذا من الشطحات

التي نهايتها أن يغفر له ويعذر لسكره وعدم تمييزه في تلك الحال فالتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة وصفوة الوداد وأن يكون الإله أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه مع كونه ظاهرا ليس فوقه شيء ومن كثف ذهنه وغلط طبعه عن فهم هذا فليضرب عنه صفحا إلى ما هو أولى به فقد قيل
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
فمن لم يكن له ذوق من قرب المحبة ومعرفة بقرب المحبوب من محبة غاية القرب وإن كان بينهما غاية المسافة ولا سيما إذا كانت المحبة من الطرفين وهي محبة بريئة من العلل والشوائب والأعراض القادحة فيها فإن المحب كثيرا ما يستولي محبوبه على قلبه وذكره ويفنى عن غيره ويرق قلبه وتتجرد نفسه فيشاهد محبوبه كالحاضر معه القريب إليه وبينهما من البعد ما بينهما وفي هذه الحال يكون في قلبه وجوده العلمي وفي لسانه وجوده اللفظي فيستولي هذا الشهود عليه ويغيب به فيظن أن في عينه وجوده الخارجي لغلبة حكم القلب والروح كما قيل
خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب
هذا ويكون ذلك المحبوب بعينه بينه وبين عدوه وما بينهما من البعد وإن قربت الأبدان وتلاصقت الديار والمقصود أن المثال العلمي غير الحقيقة الخارجية وإن كان مطابقا لها لكن المثال العلمي محله القلب والحقيقة الخارجية محلها الخارج فمعرفة هذه الأسماء الأربعة الأول والآخر والظاهر والباطن هي أركان العلم والمعرفة فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه

واعلم أن لك أنت أولا وآخرا وظاهرا وباطنا بل كل شيء فله أول وآخر وظاهر وباطن حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر فأولية الله عز و جل سابقة على أولية كل ما سواه وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه فأوليته سبقه لكل شيء وآخريته بقاؤه بعد كل شيء وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيءومعنى الظهور يقتضي العلو وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه هذا لون وهذا لون فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة وهي إحاطتان زمانية ومكانية فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد فكل سابق انتهى إلى أوليته وكل آخر انتهى إلى آخريته فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن فما من ظاهر إلا والله فوقه وما من باطن إلا والله ودونه وما من أول إلا والله قبله وما من آخر إلا والله بعده فالأول قدمه والآخر دوامه وبقاؤه والظاهر علوه وعظمته والباطن قربه ودنوه فسبق كل شيء بأوليته وبقي بعد كل شيء بآخريته وعلا على كل شيء بظهوره ودنا من كل شيء ببطونه فلا توارى منه سماء سماء ولا أرض أرضا ولا يحجب عنه ظاهر باطنا بل الباطن له ظاهر والغيب عنده شهادة والبعيد منه قريب والسر عنده علانية فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد فهو الأول في آخريته والآخر في أوليته والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره لم يزل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا
والتعبد بهذه الأسماء رتبتان الرتبة الأولى أن تشهد الأولية منه تعالى في كل شيء والآخرية بعد كل شيء والعلو والفوقية فوق كل شيء والقرب والدنو دون كل شيء فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب والرب جل جلاله ليس دونه شيء أقرب إلى الخلق منه
والمرتبة الثانية من التعبد أن يعامل كل اسم بمقتضاه فيعامل سبقه

تعالى بأوليته لكل شيء وسبقه بفضله وإحسانه الأسباب كلها بما يقتضيه ذلك من أفراده وعدم الالتفات إلى غيره والوثوق بسواه والتوكل على غيره فمن ذا الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئا مذكورا حتى سماك باسم الإسلام ووسمك بسمة الإيمان وجعلك من أهل قبضة اليمين وأقطعك في ذلك الغيب عمالات المؤمنين فعصمك عن العبادة للعبيد وأعتقك من التزام الرق لمن له شكل ونديد ثم وجه وجهة قلبك إليه سبحانه دون ما سواه فاضرع إلى الذي عصمك من السجود للصنم وقضى لك بقدم الصدق في القدم أن يتم عليك نعمة هو ابتدأها وكانت أوليتها منه بلا سبب منك واسم بهمتك عن ملاحظة الاختيار ولا تركنن إلى الرسوم والآثار ولا تقنع بالخسيس الدون وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة الله فإن الله سبحانه قضى أن لا ينال ما عنده إلا بطاعته ومن كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد فمن أقبل إليه تلقاه من بعيد ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد ومن أراد مراده الديني أراد ما يريد ثم اسم بسرك إلى المطلب الأعلى واقصر حبك وتقربك على من سبق فضله وإحسانه إليك كل سبب منك بل هو الذي جاد عليك بالأسباب وهيأ لك وصرف عنك موانعها وأوصلك بها إلى غايتك المحمودة فتوكل عليه وحده وعامله وحده وآثر رضاه وحده واجعل حبه ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفا بها مستلما لأركانها واقفا بملتزمها فيا فوزك ويا سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه وخلع أفضاله اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك وبحمدك ثم تعبد له باسمه

الآخر بأن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه ولا مطلوب لك وراءه فكما انتهت إليه الأواخر وكان بعد كل آخر فكذلك اجعل نهايتك إليه فإن إلى ربك المنتهى إليه انتهت الأسباب والغايات فليس وراءه مرمى ينتهي إليه وقد تقدم التنبيه على ذلك وعلى التعبد باسمه الظاهر وأما التعبد باسمه الباطن فإذا شهدت إحاطته بالعوالم وقرب العبيد منه وظهور البواطن له وبدو السرائر وأنه لا شيء بينه وبينها فعامله بمقتضى هذا الشهود وطهر له سريرتك فإنها عنده علانية وأصلح له غيبك فإنه عنده شهادة وزك له باطنك فإنه عنده ظاهر
فانظر كيف كانت هذه الأسماء الأربعة جماع المعرفة بالله وجماع العبودية له فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته فلا يرى لغيره شيئا إلا به وبحوله وقوته وغاب بفضل مولاه الحق عن جميع ما منه هو مما كان يستند إليه أو يتحلى به أو يتخذه عقدة أو يراه ليوم فاقته أو يعتمد عليه في مهمة من مهماته فكل ذلك من قصور نظره وانعكاسه عن الحقائق والأصول إلى الأسباب والفروع كما هو شأن الطبيعة والهوى وموجب الظلم والجهل والإنسان ظلوم جهول فمن جلى الله سبحانه صدأ بصيرته وكمل فطرته وأوقفه على مبادىء الأمور وغاياتها ومناطها ومصادرها ومواردها أصبح كمفلس حقا من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه يقول أستغفر الله من علمي ومن عملي أي من انتسابي إليهما وغيبتي بهما عن فضل من ذكرني بهما وابتدأني بإعطائهما من غير تقدم سبب مني يوجب ذلك فهو لا يشهد غير فضل مولاه وسبق منته ودوامه فيثيبه مولاه على هذه الشهادة العالية بحقيقة الفقر الأوسط بين الفقرين الأدنى والأعلى ثوابين أحدهما الخلاص من

رؤية الأعمال حيث كان يراها ويتمدح بها ويستكثرها فيستغرق بمطالعة الفضل غائبا عنها ذاهبا عنها فانيا عن رؤيتها الثواب الثاني أن يقطعه عن شهود الأحوال أي عن شهود نفسه فيها متكثرة بها فإن الحال محله الصدر والصدر بيت القلب والنفس فإذا نزل العطاء في الصدر للقلب ثبتت النفس لتأخذ نصيبها من العطاء فتتمدح به وتدل به وتزهو وتستطيل وتقرر إنيتها لأنها جاهلة ظالمة وهذا مقتضى الجهل والظلم
فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة وشهد معنى اسمه المنان وتجلى سبحانه على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه الأول ذهل القلب والنفس به وصار العبد فقيرا إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول فصار مقطوعا عن شهود أمر أو حال ينسبه إلى نفسه بحيث يكون بشهادته لحاله مفصوما مقطوعا عن رؤية عزة مولاه وفاطره وملاحظة صفاته فصاحب شهود الأحوال منقطع عن رؤية منة خالقه وفضله ومشاهدة سبق الأولية للأسباب كلها وغائب بمشاهدة عزة نفسه عن عزة مولاه فينعكس هذا الأمر في حق هذا العبد الفقير وتشغله رؤية عزة مولاه ومنته ومشاهدة سبقه بالأولية عن حال يعتز بها العبد أو يشرف بها وكذلك الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يمحص من أدناس مطالعات المقامات فالمقام ما كان راسخا فيه والحال ما كان عارضا لا يدوم فمطالعات المقامة وتشوفه بها وكونه يرى نفسه صاحب مقام قد حققه وكمله فاستحق أن ينسب إليه ويوصف به مثل أن يقال زاهد صابر خائف راج محب راض فكونه يرى نفسه مستحقا بأن تضاف المقامات إليه وبأن يوصف بها على وجه الاستحقاق لها خروج عن الفقر إلى الغنى وتعد لطور العبودية وجهل بحق الربوبية فالرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يستغرق همة العبد ويمحصه ويطهره من مثل هذه الأدناس فيصير مصفى بنور الله سبحانه عن رذائل هذه الأرجاس
قوله والدرجة الثالثة صحة الاضطرار والوقوع في يد التقطع

الوحداني والاحتباس في بيداء قيد التجريد وهذا فقر الصوفية هذه الدرجة فوق الدرجتين السابقتين عند أرباب السلوك وهي الغاية التي شمروا إليها وحاموا حولها فإن الفقر الأول فقر عن الأعراض الدنيوية والفقر الثاني فقر عن رؤية المقامات والأحوال وهذا الفقر الثالث فقر عن ملاحظة الموجود الساتر للعبد عن مشاهدة الوجود فيبقى الوجود الحادث في قبضة الحق سبحانه كالهباء المنثور في الهواء يتقلب بتقليبه إياه ويسير في شاهد العبد كما هو في الخارج فتمحو رؤية التوحيد من العبد شواهد استبداده واستقلاله بأمر من الأمور ولو في النفس واللمحة والطرفة والهمة والخاطر والوسوسة إلا بإرادة المريد الحق سبحانه وتدبيره وتقديره ومشيئته فيبقى العبد كالكرة الملقاة بين صولجانات القضاء والقدر تقلبها كيف شاءت بصحة شهادة قيومية من له الخلق والأمر وتفرده بذلك دون ما سواه وهذا الأمر لا يدرك بمجرد العلم ولا يعرفه إلا من تحقق به أو لاح له منه بارق وربما ذهل صاحب هذا المشهد عن الشعور بوجوده لغلبة شهود وجود القيوم عليه فهناك يصح من مثل هذا العبد الاضطرار إلى الحي القيوم وشهد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرا تاما إليه من جهة كونه ربا ومن وجهة كونه إلها معبودا لا غنى له عنه كما لا وجود له بغيره فهذا هو الفقر الأعلى الذي دارت عليه رحى القوم بل هو قطب تلك الرحى وإنما يصح له هذا بمعرفتين لا بد منهما معرفة حقيقة الربوبية والإلهية ومعرفة حقيقة النفس والعبودية فهنالك تتم له معرفة هذا الفقر فإن أعطى هاتين المعرفتين حقهما من العبودية اتصف بهذا الفقر حالا فما أغناه حينئذ من فقير وما أعزه من ذليل وما أقواه من ضعيف وما آنسه من وحيد فهو الغني بلا مال القوي بلا سلطان العزيز بلا عشيرة المكفي بلا عتاد قد قرت عينه بالله فافتقر إليه الأغنياء والملوك

ولا يتم له ذلك إلا بالبراءة من فرث الجبر ودمه فإنه إن طرق باب الجبر انحل عنه نظام العبودية وخلع ربقة الإسلام من عنقه وشهد أفعاله كلها طاعات للحكم القدري الكوني وأنشد
أصبحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات
وإذا قيل له اتق الله ولا تعصه يقول إن كنت عاصيا لأمره فأنا مطيع لحكمه وإرادته فهذا منسلخ من الشرائع بريء من دعوة الرسل شقيق لعدو الله إبليس بل وظيفة الفقير في هذا الموضوع وفي هذه الضرورة مشاهدة الأمر والشرع ورؤية قيامه بالأفعال وصدورها منه كسبا واختيارا وتعلق الأمر والنهي بها طلبا وتركا وترتب الذم والمدح عليها شرعا وعقلا وتعلق الثواب والعقاب بها آجلا وعاجلا فمتى اجتمع له هذا الشهود الصحيح إلى شهود الاضطرار في حركاته وسكناته والفاقة التامة إلى مقلب القلوب ومن بيده أزمة الاختيار ومن إذا شاء وجب وجوده وإذا لم يشأ امتنع وجوده وأنه لا هادي لمن أضله ولا مضل لمن هداه وأنه هو الذي يحرك القلوب بالإرادات والجوارح بالأعمال وأنها مدبرة تحت تسخيره مذللة تحت قهره وأنها أعجز وأضعف من أن تتحرك بدون مشيئته وأن مشيئته نافذة فيها كما هي نافذة في حركات الأفلاك والمياه والأشجار وأنه حرك كلا منها بسبب اقتضى تحريكه وهو خالق السبب المقتضي وخالق السبب خالق للمسبب فخالق الإرادة الجازمة التي هي سبب الحركة والفعل الاختياري خالق لهما وحدوث الإرادة بلا خالق محدث محال وحدوثها بالعبد بلا إرادة منه محال وإن كان بإرادته فإرادته للإرادة كذلك ويستحيل بها التسلسل فلا بد من فاعل أوجد تلك الإرادة التي هي سبب الفعل فهنا

يتحقق الفقر والفاقة والضرورة التامة إلى مالك الإرادات ورب القلوب ومصرفها كيف شاء فما شاء أن يزيغه منها أزاغه وما شاء أن يقيمه منها أقامه ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب فهذا هو الفقر الصحيح المطابق للعقل والفطرة والشرع ومن خرج عنه وانحرف إلى أحد الطرفين زاغ قلبه عن الهدى وعطل ملك الملك الحق وانفراده بالتصرف والربوبية عن أوامره وشرعه وثوابه وعقابه وحكم هذا الفقير المضطر إلى خالقه في كل طرفة عين وكل نفس أنه إن حرك بطاعة أو نعمة شكرها وقال هذا من فضل الله ومنه وجوده فله الحمد وإن حرك بمبادىء معصيته صرخ ولجأ واستغاث وقال أعوذ بك منك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك فإن تم تحريكه بالمعصية التجأ التجاء أسير قد أسره عدوه وهو يعلم أنه لا خلاص له من أسره إلا بأن يفكه سيده من الأسر ففكاكه في يد سيده ليس في يده منه شيء البتة ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فهو في أسر العدو ناظر إلى سيده وهو قادر قد اشتدت ضرورته إليه وصار اعتماده كله عليه قال سهل إنما يكون الالتجاء على معرفة الابتلاء يعني على قدر الابتلاء تكون المعرفة بالمبتلي ومن عرف قوله وأعوذ بك منك / ح / وقام بهذه المعرفة

شهودا وذوقا وأعطاها حقها من العبودية فهو الفقير حقا ومدار الفقر الصحيح على هذه الكلمة فمن فهم سر هذا فهم سر الفقر المحمدي فهو سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه وهو الذي يعيذ بنفسه من نفسه وهو الذي يدفع ما منه بما منه فالخلق كله له والأمر كله له والحكم كله له وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وما شاء لم يستطع أن يصرفه إلا مشيئته وما لم يشأ لم يمكن أن يجلبه إلا مشيئته فلا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو ولا يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو ولا يصرف سيئها إلا هو وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله والتحقق بمعرفة هذا يوجب صحة الاضطرار وكمال الفقر والفاقة ويحول بين العبد وبين رؤية أعماله وأحواله والاستغناء بها والخروج عن ربقة العبودية إلى دعوى ما ليس له وكيف يدعي مع الله حالا أو ملكة أو مقاما من قلبه وإرادته وحركاته الظاهرة والباطنة بيد ربه ومليكه لا يملك هو منها شيئا وإنما هي بيد مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء فالإيمان بهذا والتحقق به نظام التوحيد ومتى انحل من القلب انحل نظام التوحيد فسبحان من لا يوصل إليه إلا به ولا يطاع إلا بمشيئته ولا ينال ما عنده من الكرامة إلا بطاعته ولا سبيل إلى طاعته

إلا بتوفيقه ومعونته فعاد الأمر كله إليه كما ابتدأ الأمر كله منه فهو الأول والآخر وإن إلى ربك المنتهى
ومن وصل إلى هذا الحال وقع في يد التقطع والتجريد وأشرف على مقام التوحيد الخاصي فإن التوحيد نوعان عامي وخاصي كما أن الصلاة نوعان والذكر نوعان وسائر القرب كذلك خاصية وعامية فالخاصية ما بذل فيها العامل نصحه وقصده بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها والعامية ما لم يكن كذلك فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله وتفاوتهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم باطنا وظاهرا أمر لا يحصيه إلا الله عز و جل
وقد ظن كثير من الصوفية أن التوحيد الخاص أن يشهد العبد المحرك له ويغيب عن المتحرك وعن الحركة فيغيب بشهوده عن حركته ويشهد نفسه شبحا فانيا يجري على تصاريف المشيئة كمن غرق في البحر فأمواجه ترفعه طورا وتخفضه طورا فهو غائب بها عن ملاحظة حركته في نفسه بل قد اندرجت حركته ضمن حركة الموج وكأنه لا حركة له بالحقيقة وهذا وإن ظنه كثير من القوم غاية وظنه بعضهم لازما من لوازم التوحيد فالصواب أن من ورائه ما هو أجل منه وغاية هذا الفناء في توحيد الربوبية وهو أن لا يشهد ربا وخالقا ومدبرا إلا الله وهذا هو الحق ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفي في النجاة فضلا عن أن يكون شهوده والفناء فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم فالغاية التي لا غاية وراءها ولا نهاية بعدها الفناء في توحيد الإلهية وهو أن يفنى بمحبة ربه عن محبة كل ما سواه وبتألهه عن تأله ما سواه وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه وبالذل له والفقر إليه من جهة كونه معبوده وإلهه ومحبوبه عن الذل إلى كل ما سواه وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه فيرى أنه ليس في الوجود ما يصلح له ذلك إلا الله ثم يتصف بذلك حالا وينصبغ به قلبه صبغة ثم

يفنى بذلك عما سواه فهذا هو التوحيد الخاصي الذي شمر إليه العارفون والورد الصافي الذي حام حوله المحبون ومتى وصل إليه العبد صار في يد التقطع والتجريد واشتمل بلباس الفقر الحقيقي وفرق حب الله من قلب كل محبة وخوفه كل خوف ورجاءه كل رجاء فصار حبه وخوفه ورجاؤه وذله وإيثاره وإرادته ومعاملته كل ذلك واحد لواحد فلم ينقسم طلبه ولا مطلوبه فتعدد المطلوب وانقسامه قادح في التوحيد والإخلاص وانقسام الطلب قادح في الصدق والإرادة فلا بد من توحيد الطلب والإرادة وتوحيد المطلوب المراد فإذا غاب بمحبوبه عن حب غيره وبمذكوره عن ذكر غيره وبمألوهه عن تأله غيره صار من أهل التوحيد الخاصي وصاحبه مجرد عن ملاحظة سوى محبوبه أو إيثاره أو معاملته أو خوفه أو رجائه وصاحب توحيد الربوبية في قيد التجريد عن ملاحظة فاعل غير الله وهو مجرد عن ملاحظة وجوده وهو كما كان صاحب الدرجة الأولى مجردا عن أمواله وصاحب الثانية مجردا عن أعماله وأحواله فصاحب الفناء في توحيد الإلهية مجرد عن سوى مراضي بمحبوبه وأوامره قد فني بحبه وابتغاء مرضاته عن حب غيره وابتغاء مرضاته وهذا هو التجريد الذي سمت إليه همم السالكين فمن تجرد عن ماله وحاله وكسبه وعمله ثم تجرد عن شهود تجريده فهو المجرد عندهم حقا وهذا تجريد القوم الذي عليه يحومون وإياه يقصدون ونهايته عندهم التجريد بفناء وجوده وبقاؤه بموجوده بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل ولا غاية عندهم وراء هذا ولعمر الله إن وراءه تجريد أكمل منه ونسبته إليه كتفلة في بحر وشعرة في ظهر بعير وهو تجريد الحب والإرادة عن الشوائب والعلل والحظوظ فيتوحد حبه كما توحد محبوبه ويتجرد عن مراده من محبوبه بمراد محبوبه منه بل يبقى مراد محبوبه هو من نفس مراده وهنا يعقل الاتحاد الصحيح وهو اتحاد المراد فيكون عين مراد المحبوب هو عين مراد الحب وهذا هو غاية الموافقة وكمال العبودية ولا تتجرد المحبة عن العلل والحظوظ التي

تفسدها إلا بهذا فالفرق بين محبة حظك ومرادك من المحبوب وأنك إنما تحبه لذلك وبين محبة مراد المحبوب منك ومحبتك له لذاته أنه أهل أن يحب وأما الاتحاد في الإرادة فمحال كما أن الاتحاد في المريد محال فالإرادتان متباينتان وأما مراد المحب والمحبوب إذا خلصت المحبة من العلل والحظوظ فواحد فالفقر والتجريد والفناء من واد واحد وقد جعله صاحب منازل السائرين من قسم النهايات وحده بأنه الانخلاع عن شهود الشواهد وجعله على ثلاث درجات الدرجة الأولى تجريد الكشف عن كسب اليقين والثانية تجريد عين الجمع عن درك العلم والثالثة تجريد الخلاص من شهود التجريد
فقوله في الأولى تجريد الكشف عن كسب اليقين يريد كشف الإيمان ومكافحته للقلب وهذا وإن حصل باكتساب اليقين من أدلته وبراهينه فالتجريد أن يشهد سبق الله بمنته لكل سبب ينال به اليقين أو الإيمان فيجرد كشفه لذلك عن ملاحظة سبب أو وسيلة بل يقطع الأسباب والوسائل وينتهي نظره إلى المسبب وهذه إن أريد تجريدها عن كونها أسبابا فتجريد باطل وصاحبه ضال وإن أريد تجريدها عن الوقوف عندها ورؤية انتسابها إليه وصيرورتها عنوان اليقين إنما كان به وحده فهذا تجريد صحيح ولكن على صاحبه إثبات الأسباب فإن نفاها عن كونها أسبابا فسد تجريده
وقوله في الدرجة الثانية تجريد عين الجمع عن درك العلم لما كانت الدرجة الأولى تجريدا عن الكسب وانتهاء إلى عين الجمع الذي هو الغيبة بتفرد الرب بالحكم عن إثبات وسيلة أو سبب اقتضت تجريدا آخر أكمل من الأول وهو تجريد هذا الجمع عن علم العبد به فالأولى تجريد عن رؤية السبب والفعل والثانية تجريد عن العلم والإدراك وهذا يقتضي

أيضا تجريدا ثالثا أكمل من الثاني وهو تجريد التخلص من شهود التجريد وصاحب هذا التجريد الثالث في عين الجمع قد اجتمعت همته على الحق وشغل به عن ملاحظة جمعه وذكره وعلمه به قد استغرق ذلك قلبه فلا سعة فيه لشهود علمه بتجريده ولا شعوره به فلا التفات له إلى تجريده ولو بقي له التفات إليه لم يكمل تجريده ووراء هذا كله تجريد نسبة هذا التجريد إليه كشعرة من ظهر بعير إلى جملته وهو تجريد الحب والإرادة عن تعلقه بالسوى وتجريده عن العلل والشوائب والحظوظ التي هي مراد النفس فيتجرد الطلب والحب عن كل تعلق يخالف مراد المحبوب فهذا تجريد الحنيفية والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به

فصل في تقسيم الغنى إلى عال وسافل
ولما كان الفقر إلى الله سبحانه هو عين الغنى به فأفقر الناس إلى الله أغناهم به وأذلهم له وأعزهم وأضعفهم بين يديه أقواهم وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضاة الله كان ذكر الغنى بالله مع الفقر إليه متلازمين متناسبين فنذكر فصلا نافعا في الغنى العالي واعلم أن الغنى على الحقيقة لا يكون إلا بالله الغني بذاته عن كل ما سواه وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع وكما أن كونه مخلوقا أمر ذاتي له فكونه فقيرا أمر ذاتي له كما تقدم بيانه وغناه أمر نسبي إضافي عارض له فإنه إنما استغنى بأمر خارج عن ذاته فهو غني به فقير إليه ولا يوصف بالغنى على الإطلاق إلا من غناه من لوازم ذاته فهو الغني بذاته عما سواه وهو الأحد الصمد الغني الحميد
والغنى قسمان غنى سافل وغنى عال فالغنى السافل الغني بالعواري المستردة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث وهذا أضعف الغنى فإنه غنى بظل زائل وعارية ترجع عن قريب إلى أربابها فإذا الفقر بأجمعه بعد ذهابها وكأن الغنى بها كان حلما فانقضى ولا همة أضعف من همة من

رضي بهذا الغنى الذي هو ظل زائل وهذا غنى أرباب الدنيا الذي فيه يتنافسون وإياه يطلبون وحوله يحومون ولا أحب إلى الشيطان وأبعد عن الرحمن من قلب ملآن بحب هذا الغنى والخوف من فقده قال بعض السلف إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء مؤمن قتل مؤمنا ورجل يموت على الكفر وقلب فيه خوف الفقر وهذا الغنى محفوف بفقرين فقر قبله وفقر بعده وهو كالغفوة بينهما فحقيق بمن نصح نفسه أن لا يغتر به ولا يجعله نهاية مطلبه بل إذا حصل له جعله سببا لغناه الأكبر ووسيلة إليه ويجعله خادما من خدمه لا مخدوما له وتكون نفسه أعز عليه من أن يعبدها لغير مولاه الحق أو يجعلها خادمة لغيره

فصل في الغنى العالي
وأما الغنى العالي فقال شيخ الإسلام هو على ثلاث درجات الدرجة الأولى غنى القلب وهو سلامته من السبب ومسالمته للحكم وخلاصه من الخصومة والدرجة الثانية غنى النفس وهو استقامتها على المرغوب وسلامتها من الحظوظ وبراءتها من المراءاة والدرجة الثالثة الغنى بالحق وهو ثلاث مراتب الأولى شهود ذكره إياك والثانية دوام مطالعة أوليته والثالثة الفوز بوجوده
قلت ثبت عن النبي أنه قال ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس
ومتى استغنت النفس استغنى القلب ولكن الشيخ قسم الغنى إلى هذه الدرجات بحسب متعلقه فقال غنى القلب سلامته من السبب ومسالمته للحكم وخلاصه من الخصومة ومعلوم أن هذا شرط في الغنى لا أنه

نفس الغنى بل وجود المنازعة والمخاصمة وعدم المسالمة مانع من الغنى فهذه السلامة والمسالمة دليل على غنى القلب لا أن غناه بها نفسها وإنما غنى القلب بالدرجة الثالثة فقط كما سيأتي بيانه إن شاء الله فالغني إنما يصير غنيا بحصول ما يسد فاقته ويدفع حاجته وفي القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنى الحميد الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء وإن فاته فاته كل شيء فكما أنه سبحانه الغني على الحقيقة ولا غني سواه فالغني به هو الغني في الحقيقة ولا غنى بغيره ألبتة فمن لم يستغن به عما سواه تقطعت نفسه على السوى حسرات ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة وحضره كل سرور وفرح والله المستعان
وإنما قدم شيخ الإسلام الكلام على غنى القلب على الكلام على غنى النفس لأن كمال صلاح النفس غناها بالاستقامة من جميع الوجوه وبلوغها إلى درجة الطمأنينة لا يكون إلا بعد صلاح القلب وصلاح النفس متقدم على إصلاحها هكذا قيل وفيه ما فيه لأن صلاح كل واحد منهما مقارن لصلاح الآخر ولكن لما كان القلب هو الملك وكان صلاحه صلاح جميع رعيته كان أولى بالتقديم
وقد قال النبي إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد إلا وهي القلب / ح /

والقلب إذا استغنى بما فاض عليه من مواهب ربه وعطاياه السنية خلع على الأمراء والرعية خلعا تناسبها فخلع على النفس خلع الطمأنينة والسكينة والرضا والإخبات فأدت الحقوق سمحة لا كظما بانشراح ورضا ومبادرة وذلك لأنها جانست القلب حينئذ ووافقته في أكثر أموره واتحد مرادهما غالبا فصارت له وزير صدق بعد أن كانت عدوا مبارزا بالعداوة فلا تسأل عما أحدثت هذه المؤازرة والموافقة من طمأنينة ولذة عيش ونعيم هو دقيقة من نعيم أهل الجنة هذا ولم تضع الحرب أوزارها فيما بينهما بل عدتها وسلاحها كامن متوار لولا قدرة سلطان القلب وقهره لحاربت بكل سلاح فالمرابطة على ثغري الظاهر والباطن فرض متعين مدة أنفاس الحياة
وتنقضي الحرب محمودا عواقبها ... للصابري وحظ الهارب الندم
وخلع على الجوارح خلع الخشوع والوقار وعلى الوجه خلعة المهابة والنور والبهاء وعلى اللسان خلعة الصدق والقول السديد الثابت والحكمة النافعة وعلى العين خلعة الاعتبار في النظر والغض عن المحارم وعلى الأذن خلعة استماع النصيحة واستماع القول النافع استماعه للعبد في معاشه ومعاده وعلى اليدين والرجلين خلعة البطش في الطاعات أين كانت بقوة وأيد وعلى الفرج خلعة العفة والحفظ فغدا العبد وراح يرفل في هذه الخلع ويجر لها في الناس أذيالا وأردانا فغنى النفس مشتق من غنى القلب وفرع عليه فإذا استغنى سرى الغنى منه إلى النفس وغنى القلب ما يناسبه من تحقيقه بالعبودية المحضة التي هي أعظم خلعة تخلع عليه فيستغني حينئذ بما توجبه هذه العبودية له من المعرفة الخاصةوالمحبة الناصحة الخالصة وبما يحصل له من آثار الصفات المقدسة وما تقتضيه من الأحكام والعبوديات المتعلقة بكل صفة على الانفراد ومجموعها قائمة بالذات وهذا أمر تضيق عن شرحه عدة أسفار بل حظ العبد منه علما وإرادة كما يدخل إصبعه في اليم بل الأمر أعظم من ذلك والله سبحانه

أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فإذا استغنى القلب بهذا الغنى الذي هو غاية فقره استغنت النفس غنى يناسبها وذهبت عنها البرودة التي توجب ثقلها وكسلها وإخلادها إلى الأرض وصارت لها حرارة توجب حركتها وخفتها في الأوامر وطلبها الرفيق الأعلى وصارت برودتها في شهواتها وحظوظها ورعوناتها وذهبت عنها أيضا اليبوسة المضادة للينها وسرعة انفعالها وقبولها فإنها إذا كانت يابسة قاسية كانت بطيئة الانفعال بعيدة القبول لا تكاد تنقاد فإذا صارت يبوستها حرارة وبرودتها رطوبة وسقيت بماء الحياة الذي أنزله الله عز و جل على قلوب أنبيائه وجعلها قرارا ومعينا له ففاض منها على قلوب أتباعهم فأنبتت من كل زوج كريم فحينئذ انقادت بزمام المحبة إلى مولاها الحق مؤدية لحقوقه قائمة بأوامره راضية عنه مرضية له بكمال طمأنينتها يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فلنرجع إلى كلامه
فقوله في الدرجة الأولى وهي غنى القلب إنه سلامته من السبب أي من الفقر إلى السبب وشهوده والاعتماد عليه والركون إليه والثقة به فمن كان معتمدا على سبب غناه واثقا به لم يطلق عليه اسم الغنى لأنه فقير إلى الوسائط بل لا يسمى صاحبه غنيا إلا إذا سلم من علة السبب استغناء بالمسبب بعد الوقوف على رحمته وحكمته وتصرفه وحسن تدبيره فلذلك يصير صاحبه غنيا بتدبير الله سبحانه فمن كملت له السلامة من علة الأسباب ومن علة المنازعة للحكم بالاستسلام له والمسالمة أي بالانقياد لحكمه حصل الغنى للقلب بوقوفه على حسن تدبيره ورحمته وحكمته

فإذا وقف العبد على حسن تدبيره واستغنى القلب به لم يتم له الاستغناء بمجرد هذا الوقوف وإن لم ينضم إليه المسالمة للحكم وهو الانقياد له فإن المنازعة للحكم إلى حكم آخر دليل على وجود رعونة الاختيار وذلك دال على فقر صاحب الاختيار إلى ذلك الشيء المختار ومن كان فقيرا إلى شيء لم يرده الله لم يطلق عليه اسم الغنى بتدبير الله فلا يتم الغنى بتدبير الله سبحانه لعبده إلا بالمسالمة لحكمه بعد الوقوف على حسن تدبيره
ثم يبقى عليه الخلاص من معنى آخر وهو مخاصمة الخلق بعد الخلاص من منازعة الرب سبحانه فإن منازعة الخلق دليل على فقره إلى الأمر الذي وقعت فيه الخصومة من الحظوظ العاجلة ومن كان فقيرا إلى حظ من الحظوظ يسخط لفوته ويخاصم الخلق عليه لا يطلق عليه اسم الغني حتى يسلم الخلق من خصومته بكمال تفويضه إلى وليه وقيومه ومتولي تدبيره فمتى سلم العبد من علة فقره إلى السبب ومن علة منازعته لأحكام الله سبحانه ومن علة مخاصمته للخلق على حظوظ استحق أن يكون غنيا بتدبير مولاه مفوضا إليه لا يفتقر قلبه إلى غيره ولا يسخط شيئا من أحكامه ولا يخاصم عباده إلا في حقوق ربه فتكون مخاصمته لله وبالله ومحاكمته إلى الله كما كان النبي يقول في استفتاح صلاة الليل اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت

فتكون مخاصمة هذا العبد لله لا لهواه وحظه ومحاكمته خصمه إلى أمر الله وشرعه لا إلى شيء سواه فمن خاصم لنفسه فهو ممن اتبع هواه وانتصر لنفسه وقد قالت عائشة ما انتقم رسول الله لنفسه قط
وهذا لتكميل عبوديته ومن حاكم خصمه إلى غير الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت وقد أمر أن يكفر به ولا يكفر العبد بالطاغوت حتى يجعل الحكم لله وحده كما هو كذلك في نفس الأمر والحكم نوعان حكم كوني قدري وحكم أمري ديني فهذا الذي ذكره الشيخ في منازل السائرين وشرحه عليه الشارحون إنما مراده به الحكم الكوني القدري وحينئذ فلا بد من تفصيل ما أجملوه من مسالمة الحكم والاستسلام له وترك المناعة له فإن هذا الإطلاق غير مأمور به ولا ممكن للعبد في نفسه بل الأحكام ثلاثة حكم شرعي ديني فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم وترك المنازعة بل بالانقياد المحض وهذا تسليم العبودية المحضة فلا يعارض بذوق ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد ولا يرى إلى خلافه سبيلا البتة وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول فإذا تلقى بهذا التسليم والمسالمة إقرارا وتصديقا بقي هناك انقياد آخر وتسليم آخر له إرادة وتنفيذا وعملا فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه وإقراره وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم من شبهة تعارض الحق وشهوة تعارض الأمر فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات بل اندرج خلاقه تحت الأمر واضمحل خوضه في معرفته بالحق فاطمأن إلى الله معرفة به ومحبة له وعلما بأمر

وإرادة لمرضاته فهذا حق الحكم الديني الحكم الثاني الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة والذي إذا حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن ولا يسالم البتة بل ينازع بالحكم الكوني أيضا فينازع حكم الحق بالحق للحق فيدافع به وله كما قال شيخ العارفين في وقته عبدالقادر الجيلي الناس إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والعارف من يكون منازعا للقدر لا واقفا مع القدر اه
فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه فتأمل قول عمر بن الخطاب وقد عوتب على فراه من الطاعون فقيل له أتفر من قدر الله فقال نفر من قدر الله إلى قدره

ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء له في هذا العالم إلا به ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه فإنه إذا جاءه قدر من الجوع والعطش أو البرد نازعه وترك الانقياد له ومسالمته ودفعه بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس فقد دفع قدر الله بقدره وهكذا إذا وقع الحريق في داره فهو بقدر الله فما باله لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان بل ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغيره حتى يطفىء قدر الله بقدر الله وما خرج في ذلك عن قدر الله وهكذا إذا أصابه مرض بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه بقدر آخر يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض فحق هذا الحكم الكوني أن يحرص العبد على مدافعته ومنازعته بكل ما يمكنه فإن غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك فيكون قد دفع القدر بالقدر ونازع الحكم بالحكم وبهذا أمر هذا حقيقةالشرع والقدر ومن لم يستبصر فيه هذه المسألة ويعطها حقها لزمه التعطيل للقدر أو الشرع شاء أو أبى فما للعبد ينازع أقدار الرب بأقداره في حظوظه وأسباب معاشه ومصالحه الدنيوية ولا ينازع أقداره في حق مولاه وأوامره ودينه وهل هذا إلا خروج عن العبودية ونقص في العلم بالله وصفاته وأحكامه ولو أن عدوا للإسلام قصده لكان هذا بقدر الله ويجب على كل مسلم دفع هذا القدر بقدر يحبه الله وهو الجهاد باليد أو المال في العبودية اللهم إلا إذا بذل العبد جهده في المدافعة والمنازعة وخرج الأمر عن يده فحينئذ يبقى من أهل الحكم الثالث وهو الحكم القدري الكوني الذي يجري على العبد بغير اختياره ولا طاقة له بدفعه ولا حيلة له في منازعته فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة وترك المخاصمة وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل وكمن انكسر به المركب في لجة البحر وعجز عن السباحة وعن سبب يدنيه من النجاة فههنا يحسن الاستسلام والمسالمة مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخر سوى التسليم والمسالمة وهي أن يشهد عزة الحاكم في حكمه وعدله في قضائه وحكمته في جريانه عليه وأن

ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وإن الكتاب الأول سبق بذلك قبل بدء الخليقة فقد جف القلم بما يلقاه كل عبد فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم الحكيم جل جلاله وصفته الحكمة وأن القدر قد أصاب مواقعه وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه وملكه العادل فهو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى فله عليه أكمل حمد وأتمه كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره وإن كان حظ العبد من هذا القدر الذم فحق الرب تعالى منه الحمد والمدح لأنه موجب كماله وأسمائه الحسنى وصفاته العلى وهو موجب نقص العبد وجهله وظلمه وتفريطه فاقتسم الرب والعبد الحظين في هذا القدر وكان للرب سبحانه فيه الحمد والنعمة والفضل والثناء الحسن والعبد حظه الذم واللوم والإساءة واستحقاق العقوبة
استأثر الله بالمحامد والف ... ضل وولي الملامة الرجلا
ويتبين هذا المقام في أربع آيات إحداها قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله ومن أصابك من سيئة فمن نفسك
والثانية قوله أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير
والثالثة قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير

والرابعة قوله تعالى وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور
فمن نزل هذه الآيات على هذا الحكم علما ومعرفة وقام بموجبها إرادة وعزما وتوبة واستغفارا فقد أدى عبودية الله في هذا الحكم وهذا قدر زائد على مجرد التسليم والمسالمة والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله

فصل في تفسير غنى النفس
قوله في غنى النفس أنه استقامتها على المرغوب وسلامتها من الحظوظ وبراءتها من المراءاة يريد استقامتها على الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه وتجنبها لمناهيه التي يسخطها ويبغضها وأن تكون هذه الاستقامة على الفعل والترك تعظيما لله سبحانه وأمره وإيمانا به واحتسابا لثوابه وخشية من عقابه لا طلبا لتعظيم المخلوقين له ومدحهم وهربا من ذمهم وازدرائهم وطلبا للجاه والمنزلة عندهم فإن هذا دليل على غاية الفقر من الله والبعد عنه وأنه أفقر شيء إلى المخلوق فسلامة النفس من ذلك واتصافها بضده دليل غناها لأنها إذا أذعنت منقادة لأمر الله طوعا واختيارا ومحبة وإيمانا واحتسابا بحيث تصير لذتها وراحتها ونعيمها وسرورها في القيام بعبوديته كما كان النبي يقول يا بلال أرحنا بالصلاة وقال حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة فقرة العين فوق المحبة فجعل النساء والطيب مما يحبه وأخبر أن قرة العين التي يطمئن القلب بالوصول إليها

ومحض لذته وفرحه وسروره وبهجته إنما هو في الصلاة التي هي صلة الله وحضور بين يديه ومناجاة له واقتراب منه فكيف لا تكون قرة العين وكيف تقر عين المحب بسواها فإذا حصل للنفس هذا الحظ الجليل فأي فقر يخشى معه وأي غنى فاتها حتى تلتفت إليه ولا يحصل لها هذا حتى ينقلب طبعها ويصير مجانسا لطبيعة القلب فتصير بذلك مطمئنة بعد أن كانت لوامة وإنما تصير مطمئنة بعد تبدل صفاتها وانقلاب طبعها لاستغناء القلب بما وصل إليه من نور الحق سبحانه فجرى أثر ذلك النور في سمعه ونثره وشعره وبشره وعظمه ولحمه ودمه وسائر مفاصله وأحاط بجهاته من فوقه وتحته ويمينه ويساره وخلفه وأمامه وصارت ذاته نورا وصار عمله نورا وقوله نورا ومدخله نورا ومخرجه نورا وكان في مبعثه ممن انبهر له نوره فقطع به الجسر
وإذا وصلت النفس إلى هذه الحال استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي توجب اقتحام الحدود المسخوطة والتقاعد عن الأمور المطلوبة المرغوبة فإن فقرها إلى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب وأيضا فتقاعدها عن المطلوب بينهما موجب لفقرها إلى الشهوات فكل منهما موجب للآخر وترك الأوامر أقوى لها من افتقارها إلى الشهوات فإنه بحسب قيام العبد بالأمر تدفع عنه جيوش الشهوة كما قال تعالى إن الصلواة تنهى عن الفحشاء والمنكر وقال تعالى إن الله يدافع عن الذين آمنوا وفي القراءة الأخرى

يدفع فكمال الدفع والمدافعة بحسب قوة الإيمان وضعفه وإذا صارت النفس حرة طيبة مطمئنة غنية بما إغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب ففاض منه إليها استقامت بذلك الغنى على الأمر الموهوب وسلمت به عن الأمر المسخوط وبرئت من المراءاة ومدار ذلك كله على الاستقامة باطنا وظاهرا ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى فاستقم كما أمرت وقال سبحانه إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون

فصل فيما يغني القلب ويسد الفاقة
وهذه الاستقامة ترقيها إلى الدرجة الثالثة من الغنى وهو الغنى بالحق تبارك وتعالى عن كل ما سواه وهي أعلى درجات الغنى فأول هذه الدرجة أن تشهد ذكر الله عز و جل إياك قبل ذكرك له وأنه تعالى ذكرك فيمن ذكره من مخلوقاته ابتداء قبل وجودك وطاعتك وذكرك فقدر خلقك ورزقك وعملك وإحسانه إليك ونعمه عليك حيث لم تكن شيئا البتة وذكرك تعالى بالإسلام فوفقك له واختارك له دون من خذله قال تعالى هو سماكم المسلمين من قبل فجعلك أهلا لما لم تكن أهلا له قط وإنما هو الذي أهلك بسابق ذكره فلولا ذكره لك بكل جميل أولاكه لم يكن لك إليه سبيل ومن الذي ذكرك باليقظة حتى استيقظت وغيرك في رقدة الغفلة مع النوام ومن الذي ذكرك سواه بالتوبة حتى وفقك لها وأوقعها في قلبك وبعث دواعيك وأحيى عزماتك الصادقة عليها حتى ثبت إليه وأقبلت عليه فذقت حلاوة التوبة وبردها ولذاتها ومن الذي ذكرك سواه بمحبته حتى هاجبت من قلبك لواعجها وتوجهت نحوه سبحانه ركائبها وعمر قلبك بمحبته بعد طول الخراب وآنسك بقربه بعد طول الوحشة والاغتراب ومن تقرب إليك أولا حتى تقربت إليه ثم أثابك على

هذا التقرب تقربا آخر فصار التقرب منك محفوفا بتقربين منه تعالى تقرب قبله وتقرب بعده والحب منك محفوفا بحبين منه حب قبله وحب بعده والذكر منك محفوفا بذكرين ذكر قبله وذكر بعده فلولا سابق ذكره إياك لم يكن من ذلك كله شيء ولا وصل إلى قلبك ذرة مما وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقر إليه فهذه كلها آثار ذكره لك ثم إنه سبحانه ذكرك بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الأنفاس فله عليك في كل طرفة عين ونفس نعم عديدة ذكرك بها قبل وجودك وتعرف بها إليك وتتحبب بها إليك مع غناه التام عنك وعن كل شيء وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده إذ هو الجواد المفضل المحسن لذاته لا لمعاوضة ولا لطلب جزاء منك ولا لحاجة دعته إلى ذلك كيف وهو الغني الحميد فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه فاعلم أنه ذكرك بها فلتعظم عندك لذكره لك بها فإنه ما حقرك من ذكرك بإحسانه وابتدأك بمعروفه وتحبب إليك بنعمته هذا كله مع غناه عنك
فإذا شهد العبد ذكر ربه تعالى له ووصل شاهده إلى قلبه شغله ذلك عما سواه وحصل لقلبه به غنى عال لا يشبهه شيء وهذا كما يحصل للمملوك الذي لا يزال أستاذه وسيده يذكره ولا ينساه فهو يحصل له بشعوره بذكر أستاذه له غنى زائد على إنعام سيده عليه وعطاياه السنية له فهذا هو غنى ذكر الله للعبد وقد قال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم فهذا ذكر ثان بعد ذكر العبد لربه غير الذكر الأول

الذي ذكره به حتى جعله ذاكرا وشعور العبد بكلا الذكرين يوجب له غنى زائدا على إنعام ربه عليه وعطاياه له وقد ذكرنا في كتاب الكلم الطيب والعمل الصالح من فوائد الذكر استجلاب ذكر الله سبحانه لعبده وذكرنا قريبا من مائة فائدة تتعلق بالذكر كل فائدة منها لا نظير لها وهو كتاب عظيم النفع جدا والمقصود أن شعور العبد وشهوده لذكر الله له يغني قلبه ويسد فاقته وهذا بخلاف من نسوا الله فنسيهم فإن الفقر من كل خير حاصل لهم وما يظنون أنه حاصل لهم من الغنى فهو من أكبر أسباب فقرهم

فصل في بيان الدرجة الثانية من درجات الغنى بالله عز و جل
الدرجة الثانية من درجات الغنى بالله عز و جل دوام شهود أوليته سبحانه وهذا الشهود عند أرباب السلوك أعلى مما قبله والغنى به أتم من الغنى المذكور لأنه من مبادي الغنى بالحقيقة لأن العبد إذا فتح الله لقلبه شهود أوليته سبحانه حيث كان ولا شيء غيره وهو الإله الحق الكامل في أسمائه وصفاته الغني بذاته عما سواه الحميد بذاته قبل أن يخلق من يحمده ويعبده ويمجده فهو معبود محمود حي قيوم له الملك وله الحمد في الأزل والأبد لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الجلال منعوتا بنعوت الكمال وكل شيء سواه فإنما كان به وهو سبحانه بنفسه ليس بغيره فهو القيوم الذي قيام كل شيء به ولا حاجة به في قيوميته إلى غيره بوجه من الوجوه فإذا شهد العبد سبقه تعالى بالأولية ودوام وجوده الحق وغاب بهذا عما سواه من المحدثات فني في وجوده من لم يكن وبقي من لم يزل واضمحلت الممكنات في وجوده الأزلي الدائم بحيث صارت كالظلال التي يبسطها ويمدها ويقبضها فيستغني العبد بهذا المشهد العظيم ويتغذى به عن فاقاته وحاجاته وإنما كان هذا عندهم أفضل مما قبله لأن الشهود الذي قبله فيه شائبة مشيرة إلى وجود العبد وهذا الشهود الثاني سائر الموجودات كلها سوى الأول تعالى قد اضمحلت وفنيت فيه وصارت كأوليتها وهو العدم

فأفنتها أولية الحق سبحانه فبقي العبد محوا صرفا وعدما محضا وإن كانت انيته مشخصة مشارا إليها لكنها لما نسبت إلى أولية الحق عز و جل اضمحلت وفنيت وبقي الواحد الحق الذي لم يزل باقيا فاضمحل ما دون الحق تعالى في شهود العبد كما هو مضمحل في نفسه وشهد العبد حينئذ أن كل شيء ما سواه باطل وأن الحق المبين هو الله وحده ولا ريب أن الغنى بهذا الشهود أتم من الغنى الذي قبله وليس هذا مختصا بشهود أوليته تعالى فقط بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات الرب سبحانه يستغني العبد بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها فمن شهد مشهد علو الله على خلقه وفوقيته لعباده واستواءه على عرشه كما أخبر به أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير لقلبه صمد يعرج القلب إليه مناجيا له مطرقا واقفا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز فيشعر بأن كلمه وعمله صاعد إليه معروض عليه مع أوفى خاصته وأوليائه فيستحي أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والمصرف من الإماتة والإحياء والتولية والعزل والخفض والرفع والعطاء والمنع وكشف البلاء وإرساله وتقلب الدول ومداولة الأيام بين الناس إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه فمراسمه نافذة فيها كما يشاء يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية استغنى به وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السموات ولا في قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال بل أحاط بذلك علمه علما

تفصيليا ثم تعبد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإرادته وجميع أحواله وعزماته وجوارحه علم أن حركاته الظاهرة والباطنة وخواطره وإراداته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه علانية له بادية لا يخفى عليه منها شيء وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه سبحانه لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها سواء عنده من أسر القول ومن جهر به لا يشغله جهر من جهر عن سمعه لصوت من أسر ولا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها بل هي عنده كلها كصوت واحد كما أن خلق الخلق جميعهم وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير جل جلاله الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في حندس الظلماء ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة ومخها وعروقها ولحمها وحركتها ويرى مد البعوضة جناحها في ظلمة الليل وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية بحرس حركاتها وسكناتها وتيقن أنها بمرأى منه سبحانه ومشاهدة لا يغيب عنه منها شيء وكذلك إذا شهد مشهد القيومية الجامع لصفات الأفعال وأنه قائم على كل شيء وقائم على كل نفس وأنه تعالى هو القائم بنفسه المقيم لغيره القائم عليه بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاء المحسن إليه وجزاء المسيء إليه وأنه بكمال قيوميته لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل لا تأخذه سنة ولا نوم ولا يضل ولا ينسى وهذا المشهد من أرفع مشاهد العارفين وهو مشهد الربوبية وأعلى منه مشهد الإلهية الذي هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاء وهو شهادة أن لا إله إلا هو وأن إلهية ما سواه باطل ومحال كما

أن ربوبية ما سواه كذلك فلا أحد سواه يستحق أن يؤله ويعبد ويصلى له ويسجد ويستحق نهاية الحب مع نهاية الذل لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله فهو المطاع وحده على الحقيقة والمألوه وحده وله الحكم وحده فكل عبودية لغيره باطلة وعناءو ضلال وكل محبة لغيره عذاب لصاحبها وكل غنى لغيره فقر وضلال وكل عز بغيره ذل وصغار وكل تكثر بغيره قلة وفاقة فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره فكذلك استحال أن يكون لهم إله غيره فهو الذي انتهت إليه الرغبات وتوجهت نحوه الطلبات ويستحيل أن يكون معه إله آخر فإن الإله على حقيقة هو الغني الصمد ولا حاجة به إلى أحد وقيام كل شيء به وليس قيامه بغيره ومن المحال أن يحصل في الوجود اثنان كذلك ولو كان في الوجود إلهان لفسد نظامه أعظم فساد واختل أعظم اختلال كما يستحيل أن يكون له فاعلان متساويان كل منهما مستقل بالفعل فإن استقلالهما ينافي استقلالهما واستقلال أحدهما يمنع ربوبية الآخر فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الإلهية ولذلك وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره لصحة دلالته وظهورها وقبول العقول والفطر لها ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية وكذلك كان عباد الأصنام يقرون به وينكرون توحيد الإلهية ويقولون أجعل الألهة إلها واحدا مع اعترافهم بأن الله وحده هو الخالق لهم وللسموات والأرض وما بينهما وأنه المنفرد بملك ذلك كله فأرسل الله تعالى يذكر بما في فطرتهم الإقرار به من توحيده وحده لا شريك له وأنهم لو رجعوا إلى فطرهم وعقولهم لدلتهم على امتناع إله آخر معه واستحالته وبطلانه فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاء وهو مشهد جامع للأسماء والصفات وحظ العباد منه بحسب حظهم من معرفة الأسماء والصفات ولذلك كان الاسم الدال على هذا المعنى هو اسم الله جل

جلاله فإن هذا الاسم هو الجامع ولهذا تضاف الأسماء الحسنى كلها إليه فيقال الرحمن الرحيم العزيز الغفار القهار من أسماء الله ولا يقال الله من أسماء الرحمن قال الله تعالى ولله الأسماء الحسنى فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها وكل مشهد سواه فإنما هو مشهد لصفة من صفاته فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهية وقام بحقه من التعبد الذي هو كمال الحب بكمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية فقد تم له غناه بالإله الحق وصار من أغنى العباد ولسان حال مثل هذا يقول
غنيت بلا مال عن الناس كلهم ... وإن الغنى العالي عن الشيء لا به
فيا له من غنى ما أعظم خطره وأجل قدره تضاءلت دونه الممالك فما دونها وصارت بالنسبة إليه كالظل من الحامل له والطيف الموافي في المنام الذي يأتي به حديث النفس ويطرده الانتباه من النوم

فصل في بيان الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالرب
الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالرب سبحانه الفوز بوجوده هذا الغنى أعلى درجات الغنى لأن الغنى الأول والثاني كانا من آثار ذكر الله والتوجه ففاض على القلب من صدق التوجه أنوار الصفات المقدسة واستغنى القلب بذلك وجعل له أيضا أنوار الشعور بكفالته وكفايته لعبده وحسن وكالته وقيوميته بتدبيره وحسن تدبيره فاستغنت النفس بذلك أيضا وأما هذا الغنى الثالث الذي هو الغنى بالحق فهو من آثار وجود الحقيقة وهو إنما يكون بعد ترقيه من آثار الصفات إلى آثار وجود الذات وإنما يكون هذا الوجود بعد مكاشفة عين اليقين عندما يطلع فجر التوحيد فهذا أوله وكماله عند طلوع شمسه فينقطع ضباب الوجود الفاني وتشرق شمس الوجود الباقي فينقطع لها كل ضباب وهذا عبارة عن نور يقذف في القلب يكشف له بذلك النور عن عظمة الذات كما كشف له بالنور الذي قبله عن عظمة الصفات فإذا كان أثر من آثار صفات الذات أو صفات الأفعال يغني القلب والنفس فما ظنك بما تكاشف به الأرواح من أنوار قدس الذات المتصفة بالجلال والإكرام فهذا غنى لا يناله الوصف ولا يدخل تحت الشرح فيستغني العبد الفقير بوجود سيده العزيز الرحيم فما لك من فقر ينقضي ومن غنى يدوم ومن عيش ألذ من المنى فلا تستعجز

نفسك عن البلوغ إلى هذا المقام فبينك وبينه صدق الطلب وإنما هي عزمة صادقة ونهضة حر ممن لنفسه عنده قدر وقيمة يغار عليها أن يبيعها بالدون وقد جاء في أثر إلهي يقول الله عز و جل ابن آدم خلقتك لنفسي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء / ح / فمن طلب الله بصدق وجده ومن وجده أغناه وجوده عن كل شيء فأصبح حرا في غنى ومهابة على وجهه أنواره وضياؤه وإن فاته مولاه جل جلاله تباعد ما يرجو وطال عناؤه ومن وصل إلى هذا الغنى قرت به كل عين لأنه قد قرت عينه بالله والفوز بوجوده ومن لم يصل إليه تقطعت نفسه على الدنيا حسرات وقد قال من أصبح والدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ومن أصبح والآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة وكان الله بكل خير إليه أسرع / ح / فهذا هو الفقر الحقيقي والغنى الحقيقي وإذا كان هذا غنى من كانت الآخرة أكبر همه فكيف من كان الله سبحانه أكبر همه فهذا من باب التنبيه والأولى

فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى
قال يحيى بن معاذ الفقر أن لا تستغني بشيء غير الله ورسمه عدم الأسباب كلها
قلت يريد عدمها في الاعتماد عليها والطمأنينة بها بل تصير عدما بالنسبة إلى سبق مسببها بالأولية وتفرده بالأزلية وسئل محمد بن عبدالله الفرغاني عن الافتقار إلى الله سبحانه والاستغناء به فقال إذا صح الافتقار إلى الله تعالى صح الاستغناء به وإذا صح الاستغناء به صح الافتقار إليه فلا يقال أيهما أكمل لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر قلت الاستغناء بالله هو عين الفقر إليه وهما عبارتان عن معنى واحد لأن كمال الغنى به هو كمال عبوديته وحقيقة العبودية كمال الافتقار إليه من كل وجه وهذا الافتقار هو عين الغنى به فليس هنا شيئان يطلب تفضيل أحدهما على الآخر وإنما يتوهم كونهما شيئين بحسب المستغنى عنه والمفتقر إليه فهي حقيقة واحدة ومقام واحد يسمى غنى بالنسبة إلى فراغه عن الموجودات الفانية وفقرا بالنسبة إلى قصر همته وجمعها على الله سبحانه وتعالى

فهي همة سافرت عن شيء واتصلت بغيره فسفرها عن الغير غنى وسفرها إلى الله يصير فقرا فإذا وصلت إليه استغنت به بكمال فقرها إليه إذ يصير لها بعد الوصول فقر آخر غير فقرها الأول وإنما يكمل فقرها بهذا الوصول
وسئل رويم عن الفقر فقال إرسال النفس في أحكام الله تعالى قلت إن أراد الحكم الديني فصحيح وإن أراد الحكم الكوني القدري فلا يصح هذا الإطلاق بل لا بد فيه من التفضيل كما تقدم بيانه وإرسال النفس في أحكامه التي يسخطها ويبغضها وإرسالها في أحكامه التي يجب منازعتها ومدافعتها بأحكامه خروج عن العبودية
وقيل نعت الفقير ثلاثة أشياء حفظ سره وأداء فرضه وصيانة فقره قلت حفظ السر كتمانه صيانة له من الأغيار وغيرة عليه أن ينكشف لمن لا يعرفه ولا يؤمن عليه وأداء الفرض قيام بحق العبودية وصيانة الفقر حفظه عن لوث مساكنة الأغيار وحفظه عن كل سبب يفسده وكتمانه ما استطاع
وقال إبراهيم بن أدهم طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى وطلب الناس الغنى فاستقبلهم الفقر وسئل يحيى بن معاذ عن الغنى فقال هو

الأمن بالله عز و جل وسئل أبو حفص بماذا ينبغي أن يقدم الفقير على ربه فقال ما ينبغي للفقير أن يقدم على ربه بشيء سوى فقره وقال بعضهم إن الفقير الصادق ليخشى من الغنى حذرا أن يدخله فيفسد عليه فقره كما يخشى الغني الحريص من الفقر أن يدخله فيفسد عليه غناه
وقال بشر بن الحارث أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر قلت ومن ههنا قال القائل
قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه ... فقتل خلعة ساق حبه جرعا
فقر وصبر هما ثوبان تحتهما ... قلب يرى ألفة الأعياد والجمعا
الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي ... والعيد ما دمت لي مرأى ومستمعا
وسئل ابن الجلاء متى يستحق الفقير اسم الفقر فقال إذا لم يبق عليه بقية منه فقيل له كيف ذلك فقال إذا كان له فليس له وإذا لم يكن له فهو له قلت معنى هذا أنه لا يبقى عليه بقية من نفسه فإذا كان لنفسه فليس لها بل قد اضاع حقها وضيع سعادتها وكمالها وإذا لم يكن لنفسه بل كان كله لربه فقد أحرز كل حظ له وحصل لنفسه سعادتها فإنه إذا كان لله كان الله له وإذا لم يكن لله لم يكن الله له فكيف تكون

نفسه له فهذا من الذين خسروا أنفسهم وقيل حقيقة الفقر أن لا يستغني الفقير في فقره بشيء إلا بمن إليه فقره وقال أبو حفص أحسن ما توسل به العبد إلى مولاه دوام الفقر إليه على جميع الأحوال وملازمة السنة في جميع الأفعال وطلب القوت من وجه حلال
وقال بعضهم ينبغي للفقير أن لا تسبق همته خطوته قلت يشير إلى تعلق همته بواجب وقته وأنه لا تتخطى همته واجب الوقت قبل إكماله وأيضا يشير إلى قصر أمله وأن همته غير متعلقة بوقت لا يحدث نفسه ببلوغه وأيضا يشير إلى جمع الهمة على حفظ الوقت ولا يضعفها بتقسيمها على الأوقات
وقيل أقل ما يلزم الفقير في فقره أربعة أشياء علم يسوسه وورع يحجزه ويقين يحمله وذكر يؤنسه
وقال أبو سهل الخشاب لمنصور المغربي إنما هو فقر وذل فقال منصور بل فقر وعز فقال أبو سهل فقر وثرى فقال منصور بل فقر وعرش قلت أشار أبو سهل إلى البداية ومنصور إلى الغاية وقال الجنيد إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ولا تلقه بالعلم فإن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه فقلت يا أبا القاسم كيف يكون فقير يوحشه العلم فقال نعم الفقير إذا كان صادقا في فقره فطرحت عليه العلم ذاب كما يذوب الرصاص في النار
وقال المظفر القرميسيني الفقير هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة

قال أبو القاسم القشيري وهذا اللفظ فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف الغفلة عن مرمى القوم وإنما أشار قائله إلى سقوط المطالبات وانتفاء الاختيارات والرضى بما يجريه الحق سبحانه قلت وبعد فهو كلام مستدرك خطأ فإن حاجات هذا العبد إلى الله بعدد الأنفاس إذ حاجاته ليست كحاجات غيره من أصحاب الحظوظ والأقسام بل حاجات هؤلاء في حاجة هذا العبد كتفلة في بحر فإن حاجته إلى الله في كل طرفة عين أن يحفظ عليه حاله ويثبت قلبه ويرقيه في مقامات العبودية ويصرف عنه ما يفسدها عليه ويعرفه منازل الطريق ومكامنها وأوقاتها ويعرفه مواقع رضاه ليفعلها ويعزم عليها ومواقع سخطه ليعزم على تركها ويجتنبها فأي حاجات أكثر وأعظم من هذه فالصواب أن يقال الفقير هو الذي حاجاته إلى الله بعدد أنفاسه أو أكثر فالعبد له في كل نفس ولحظة وطرفة عين عدة حوائج إلى الله لا يشعر بكثير منها فأفقر الناس إلى الله من شعر بهذه الحاجات وطلبها من معدنها بطريقها وإن كان لا بد من إطلاق تلك العبارة على أن منها كل بد فيقال هو الذي لا حاجة له إلى الله تخالف مرضاته وتحطه عن مقام العبودية إلى منزلة الاستغناء وأما أن يقال لا حاجة له إلى الله فشطح قبيح وأما حمل أبي القاسم لكلامه على إسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضى بمجاري الأقدار فإنما يحسن في بعض الحالات وهو في القدر الذي يجري عليه بغير اختياره ولا يكون مأمورا بدفعه ومنازعته بقدر آخر كما تقدم وأما إذا كان مأمورا بدفعه ومنازعته بقدر هو أحب إلى الله منه وهو مأمور به أمر إيجاب أو استحباب فإسقاط

المطالبات وانتفاء الاختيار فيه والسعي عين العجز والله سبحانه يلوم على العجز
وقال ابن خفيف الفقر عدم الأملاك والخروج عن أحكام الصفات قلت يريد عدم إضافة شيء إليه إضافة ملك وأن يخرج عن أحكام صفات نفسه ويبدلها بأحكام صفات مالكه وسيده مثاله أن يخرج عن حكم صفة قدرته واختياره التي توجب له دعوى الملك والتصرف والإضافات ويبقى بأحكام صفة القدرة الأزلية التي توجب له العجز والفقر والفاقة كما في دعاء الاستخارة اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب فهذا اتصاف بأحكام الصفات العلى في العبد وخروج عن أحكام صفات النفس
وقال أبو حفص لا يصح لأحد الفقر حتى يكون العطاء أحب إليه من الأخذ وليس السخاء أن يعطي الواجد المعدم وإنما السخاء أن يعطي المعدم الواجد وقال بعضهم الفقير الذي لا يرى لنفسه حاجة إلى شيء من الأشياء سوى ربه تبارك وتعالى وسئل سهل بن عبدالله متى يستريح الفقير فقال إذا لم ير لنفسه غيرالوقت الذي هو فيه وقال أبو بكر بن

طاهر من حكم الفقير أن لا يكون له رغبة وإن كان لا بد فلا تجاوز رغبته كفايته وسئل بعضهم عن الفقير الصادق فقال الذي لا يملك ولا يملك وقال ذو النون دوام الفقر إلى الله مع التخليط أحب إلي من دوام الصفاء مع العجب والله أعلم

فصل في تحقيق نعت الفقير
فجملة نعت الفقير حقا أنه المتخلي من الدنيا تطرفا والمتجافي عنها تعففا لا يستغني بها تكثرا ولا يستكثر منها تملكا وإن كان مالكا لها بهذا الشرط لم تضره بل هو فقير غناه في فقره وغني فقره في غناه ومن نعته أيضا أن يكون فقيرا من حاله وهو خروجه عن الحال تبريا وترك الالتفات إليه تسليا وترك مساكنة الأحوال والرجوع عن موافقتها فلا يستغني بها اعتمادا عليها ولا يفتقر إليها مساكنة لها ومن نعته أنه يعمل على موافقة الله في الصبر والرضى والتوكل والإنابة فهو عامل على مراد الله منه لا على موافقة هواه وهو تحصيل مراده من الله فالفقير خلص بكليته لله سبحانه ليس لنفسه ولا لهواه في أحواله حظ ونصيب بل عمله بقيام شاهد الحق وفناء شاهد نفسه قد غيبه شاهد الحق عن شاهد نفسه فهو يريد الله بمراد الله فمعوله على الله وهمته لا تقف دون شيء سواه قد فني بحبه عن حب ما سواه وبأمره عن هواه وبحسن اختياره له عن اختياره لنفسه فهو في واد والناس في واد خاضع متواضع سليم القلب سلس القياد للحق سريع القلب إلى ذكر الله بريء من الدعاوى لا يدعي بلسانه ولا بقلبه ولا بحاله زاهد في كل ما سوى الله راغب في كل ما يقرب إلى الله قريب من الناس أبعد شيء منهم يأنس بما يستوحشون منه ويستوحش مما يأنسون به منفرد في طريق طلبه لا تقيده الرسوم ولا تملكه الفوائد ولا يفرح بموجود لا يأسف على مفقود من جالسه قرت عينه به

ومن رآه ذكرته رؤيته بالله سبحانه قد حمل كله ومؤنته على الناس واحتمل أذاهم وكف أذاه عنهم وبذل لهم نصيحته وسبل لهم عرضه ونفسه لا لمعاوضة ولا لذلة وعجز لا يدخل فيما لا يعنيه ولا يبخل بما لا ينقصه وصفه الصدق والعفة والإيثار والتواضع والحلم والوقار والاحتمال لا يتوقع لما يبذله للناس عوضا منهم ولا مدحة لا يعاتب ولا يخاصم ولا يطالب ولا يرى له على أحد حقا ولا يرى له على أحد فضلا مقبل على شأنه مكرم لإخوانه بخيل بزمانه حافظ للسانه مسافر في ليله ونهاره ويقظته ومنامه لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إلى مطلبه قد رفع له علم الحب فشمر إليه وناداه داعي الاشتياق فأقبل بكليته عليه أجاب منادي المحبة إذ دعاه حي على الفلاح ووصل السرى في بيداء الطلب فحمد عند الوصول سراه وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح
فحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم
وحي على روضاتها وخيامها ... وحي على عيش بها ليس يسأم
وحي على يوم المزيد وموعد ال ... / محبين طوبى للذي هو منهم
وحي على واد بها هو أفيح ... وتربته من أذفر المسك أعظم
ومن حولها كثبان مسك مقاعد ... لمن دونهم هذا الفخار المعظم
يرون به الرحمن جل جلاله ... كرؤية بدر التم لا يتوهم
أو الشمس صحوا ليس من دون أفقها ... ضباب ولا غيم هناك يغيم
وبينا هم في عيشهم وسرورهم ... وأرزاقهم تجري عليهم وتقسم
إذا هم بنور ساطع قد بدا لهم ... فقيل ارفعوا أبصاركم فإذا هم
بربهم من فوقهم وهو قائل ... سلام عليكم طبتم وسلمتم
فيا عجبا ما عذر من هو مؤمن ... بهذا ولا يسعى له ويقدم

فبادر إذا ما دام في العمر فسحة ... وعدلك مقبول وصرفك قيم
فما فرحت بالوصل نفس مهينة ... ولا فاز قلب بالبطالة ينعم
فجد وسارع واغتنم ساعة السرى ... ففي زمن الإمكان تسعى وتغنم
وسر مسرعا فالسير خلفك مسرع ... وهيهات ما منه مفر ومهزم
فهن المنايا أي واد نزلته ... عليها قدوم أو عليك ستقدم
وإن تك قد عاقتك سعدى فقلبك ال ... معنى رهين في يديها مسلم
وقد ساعدت بالوصل غيرك فالهوى ... لها منك والواشي بها يتنعم
فدعها وسل النفس عنها بجنة ... من الفقر في روضاتها الدر يبسم
ومن تحتها الأنهار تخفق دائما ... وطير الأماني فوقها يترنم
وقد ذللت منها القطوف فمن يرد ... جناها ينله كيف شاء وينعم
وقد فتحت أبوابها داعي الهدى ... هلموا إلى دار السعادة تغنموا
وقد طاب منها نزلهاومقيلها ... فطوبى لمن حلوا بها وتنعموا
وقد غرس الرحمن فيها غراسه ... من الناس والرحمن بالغرس أعلم
فمن كان من غرس الإله فإنه ... سعيد وإلا فالشقا متحتم
فيا مسرعين السير بالله ربكم ... قفوا بي على تلك الربوع وسلموا
وقولوا محب قاده الشوق نحوكم ... قضى نحبه فيكم تعيشوا وتسلموا
قضى الله رب العالمين قضية ... بأن الهوى يعمي القلوب ويبكم
وحبكم أصل الهدى ومداره ... عليه وفوز للمحب ومغنم
وتفنى عظام الصب بعد مماته ... وأشواق وقف عليه محرم
فيا أيها القلب الذي ملك الهوى ... أعنته حتام هذا التلوم
وحتام لا تصحو وقد قرب المدى ... ودقت كؤوس السير والناس نوم
بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا ... ويبدو لك الأمر الذي كنت تكتم
ويا موقدا نارا لغيرك ضوؤها ... وحر لظاها بين جنبيك يضرم
أهذا جنى العلم الذي قد غرسته ... وهذا الذي قد كنت ترجوه تطعم
وهذا هو الحظ الذي قد رضيته ... لنفسك في الدارين لو كنت تفهم

وهذا هو الربح الذي قد كسبته ... لعمرك لا ربح ولا الأصل يسلم
بخلت بشيء لا يضرك بذله ... وجدت بشيء مثله لا يقوم
وبعت نعيما لا انقضاء له ولا ... نظير ببخس عن قليل سيعدم
فهلا عكست الأمر إن كنت حازما ... ولكن أضعت الحزم إن كنت تعلم
وتهدم ما تبني بكفك جاهدا ... فأنت مدى الأيام تبني وتهدم
وعند مراد الحق تفنى كميت ... وعند مراد النفس تسدى وتلحم
وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ... ظهيرا على الرحمن للجبر تزهم
تنزه تلك النفس عن سوء فعلها ... وتغتاب أقدار الإله وتظلم
وتزعم مع هذا بأنك عارف ... كذبت يقينا في الذي أنت تزعم
وما أنت إلا جاهل ثم ظالم ... وإنك بين الجاهلين مقدم
إذا كان هذا نصح عبد لنفسه ... فمن ذا الذي منه الهدى يتعلم
وفي مثل هذا كان قد قال من مضى ... وأحسن فيما قاله المتكلم
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ولو تبصر الدنيا وراء ستورها ... رأيت خيالا في منام سيصرم
كحلم بطيف زار في النوم وانقضى ال ... منام وراح الطيف والصب مغرم
وظل أرته الشمس عند طلوعها ... سيقلص في وقت الزوال ويفصم
ومزنة صيف طاب منها مقيلها ... فولت سريعا والحرور تضرم
فجزها ممرا لا مقرا وكن بها ... غريبا تعش فيها حميدا وتسلم
أو ابن سبيل قال في ظل دوحة ... وراح وخلى ظلها يتقسم
أخا سفر لا يستقر قراره ... إلى أن يرى أوطانه ويسلم
فيا عجبا كم مصرع عطبوا به ... بنوها ولكن عن مصارعها عموا
سقتهم بكأس الحب حتى إذا انثنوا ... سقتهم كؤوس السم والقوم قد ظموا

واعجب ما في العبد رؤية هذه ال ... عظائم منها وهو فيها متيم
وأعجب من ذا أن أحبابها الألى ... تهين وللأعدا تراعي وتكرم
وذلك برهان على أن قدرها ... جناح بعوض أو أدق وألأم
وحسبك ما قال الرسول ممثلا ... لها ولدار الخلد والحق يفهم
كما يدخل الإنسان في اليم إصبعا ... وينزعها منه فما ذاك يغنم
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... على حذر منها وأمري محكم
وهل أردن ماء الحياة وأرتوي ... على ظمأ من حوضه وهو مفعم
وهل تبدون أعلامهم بعدما سفت ... عليها السوافي تستبين وتعلم
وهل أفرشن خدي ثرى عتباتهم ... خضوعا لهم كيما يرقوا ويرحموا
وهل أرين نفسي طريحا ببابهم ... وطير أماني الحب فوقي تحوم
فواأسفي تفنى الحياة وتنقضي ... وعتبكم باق بقيتم وعشتم
فما منكم بد ولا عنكم غنى ... ومالي من صبر فأسلو عنكم
فمن شاء فليغضب سواكم فلا أذى ... إذا كنتم عن عبدكم قد رضيتم
وعقبى اصطباري في رضاكم هوى ... لكم حميد ولكنه عقاب ومغرم
وما أنا بالشاكي لما ترتضونه ... ولكنني أرضى به وأسلم
وحسبي انتسابي من بعيد إليكم ... وذلك حظ مثله يتيمم
إذا قيل هذا عبدهم ومحبهم ... تهلل بشرا ضاحكا يتبسم
وها هو قد أبدى الضراعة قائلا ... لكم بلسان الحال والحال يعلم
أحببتنا عطفا علينا فإننا ... بنا ظمأ والمورد العذب أنتم
فيا ساهيا في غمرة الجهل والهوى ... صريع الأماني عن قليل ستندم
أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده ... سوى جنة أو حر نار تضرم
وبالسنة الغراء كن متمسكا ... هي العروة الوثقى التي ليس تفصم
تمسك بها مسك البخيل بماله ... وعض عليها بالنواجذ تسلم

وإياك مما أحدث الناس بعدها ... فمرتع هاتيك الحوادث أوخم
وهيء جوابا عندما تسمع الندا ... من الله يوم العرض ماذا أجبتم
به رسلي لما أتوكم فمن يجب ... سواهم سيخزى عند ذاك ويندم
وخذ من تقى الرحمن أسبغ جنة ... ليوم به تبدو عيانا جهنم
وينصب ذاك الجسر من فوق متنها ... فهاو ومخدوش وناج مسلم
ويأتي إله العالمين لوعده ... فيفصل ما بين العباد ويحكم
ويأخذ للمظلوم إذ ذاك حقه ... فيا ويح من قد كان للخلق يظلم
وينشر ديوان الحساب وتوضع ال ... موازين بالقسط الذي ليس يظلم
فلا مجرم يخشى هناك ظلامة ... ولا محسن من أجره الذر يهضم
وتشهد أعضاء المسيىء بما جنى ... لذاك على فيه المهيمن يختم
ويا ليت شعري كيف حالك عندما ... تطاير كتب العالمين وتقسم
أتأخذ باليمنى كتابك أم ترى ... بيسراك خلف الظهر منك يسلم
وتقرأفيه كل شيء عملته ... فيشرق منك الوجه أو هو يظلم
تقول كتابي هاؤم اقرؤوه لي ... تبشر بالجنات حقا وتعلم
وإن تكن الأخرى فإنك قائل ... ألا ليتني لم أوته فهو مغرم
فلا والذي شق القلوب وأودع ال ... محبة فيها حيث لا تتصرم
وحملها قلب المحب وإنه ... ليضعف عن حمل القميص ويألم
وذللها حتى استكانت لصولة ال ... محبة لا تلوي ولا تتلعثم
وذلل فيها أنفسا دون ذلها ... حياض المنايا فوقها هي حوم
قد فاز أقوام وحازوا مراحبا ... بتركهم الدنيا والإقبال منهم
على ربهم طول الحياة وحبهم ... على نهج ما قد سنه فهم هم

قاعدة شريفة عظيمة القدر
حاجة العبد إليها أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس بل وإلى الروح التي بين جنبيه
اعلم أن كل حي سوى الله فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما

يضره والمنفعة للحي من جنس النعيم واللذة والمضرة من جنس الألم والعذاب فلا بد من أمرين
أحدهما هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع به ويتلذذ به والثاني هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع لحصول المكروه والدافع له بعد وقوعه فهاهنا أربعة أشياء أمر محبوب مطلوب الوجود والثاني أمر مكروه مطلوب العدم والثالث الوسيلة إلى حصول المحبوب والرابع الوسيلة إلى دفع المكروه فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد بل ولكل حي سوى الله لا يقوم صلاحه إلا بها إذا عرف هذا فالله سبحانه هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه فلا معبود سواه ولا معين على المطلوب غيره وما سواه هو المكروه المطلوب بعده وهو المعين على دفعه فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه وهذا معنى قول العبد إياك نعبد وإياك نستعين فإن هذه العبادة تتضمن المقصود المطلوب على أكمل الوجوه والمستعان هو الذي يستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه فالأول من مقتضى ألوهيته والثاني من مقتضى ربوبيته لأن الإله هو الذي يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالا وإكراما والرب هو الذي يرب عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله ومصالحه التي بها كماله ويهديه إلى اجتناب المفاسد التي بها فساده وهلاكه وفي القرآن سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين أحدهما قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين الثاني قوله تعالى عليه توكلت وإليه أنيب الثالث قوله تعالى فاعبده وتوكل عليه الرابع قوله تعالى عليك توكلنا وإليك

أنبنا الخامس قوله تعالى وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده السادس قوله عليه توكلت وإليه متاب السابع قوله واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ومما يقرر هذا أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة إليهم من النظر إليه ولا شيء يعطيهم في الدنيا أحب إليهم من الإيمان به ومحبتهم له ومعرفتهم به وحاجتهم إليه في عبادتهم له وتألههم له كحاجتهم إليه بل أعظم في خلقه وربوبيته لهم ورزقه لهم فإن ذلك هو الغاية المقصودة التي بها سعادتهم وفوزهم وبها ولأجلها يصيرون عاملين متحركين ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة ولا سرور بدون ذلك بحال فمن أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ويحشره يوم القيامة أعمى ولهذا لا يغفر الله لمن يشرك به شيئا ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولهذا كانت لا إله إلا الله أفضل الحسنات وكان توحيد الإلهية الذي كلمته لا إله إلا الله رأس الأمر فأما توحيد الربوبية الذي أقر به كل المخلوقات فلا يكفي وحده وإن كان لا بد منه وهو حجة على من أنكر توحيد الألوهية فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحقهم عليه إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم وأن يكرمهم إذا قدموا عليه وهذا كما أنه غاية محبوب العبد ومطلوبه وبه سروره ولذته ونعيمه فهو أيضا محبوب الرب من عبده ومطلوبه الذي يرضى به ويفرح بتوبة عبده إذا رجع إليه وإلى عبوديته وطاعته أعظم من فرح من وجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في

أرض مهلكة بعد أن فقدها وأيس منها وهذا أعظم فرح يكون وكذلك العبد لا فرح له أعظم من فرحه بوجود ربه وأنسه به وطاعته له وإقباله عليه وطمأنينته بذكره وعمارة قلبه بمعرفته والشوق إلى لقائه فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه ومن عبد غيره وأحبه وإن حصل له نوع من اللذة والمودة والسكون إليه والفرح والسرور بوجوده ففساده به ومضرته وعطبه أعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشهي الذي هو عذاب في مبدئه عذاب في نهايته كما قال قائل
مآرب كانت في الشباب لأهلها ... عذابا فصارت في المشيب عذابا
لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون فإن قوام السموات والأرض والخليقة بأن تؤله الإله الحق فلو كان فيهما إله آخر غير الله لم يكن إلها حقا إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمي له ولا مثل له فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به صلاحها إذ صلاحها بتأله الإله الحق كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار ويستحيل أن تستند في وجودها إلى ربين متكافئين فكذلك يستحيل أن تستند في بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويين
إذا عرفت هذا فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا في محبته ولا في خوفه ولا في رجائه ولا في التوكل عليه ولا في العمل له ولا في الحلف به ولا في النذر له ولا في الخضوع له ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه والعين إلى نورها بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به فإن حقيقة العبد روحه وقلبه ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو فلا تطمئن في الدنيا إلا

بذكره وهي كادحة إليه كدحا فملاقيته ولا بد لها من لقائه ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له ورضاه وإكرامه لها ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا في وقت ثم يعذب ولا بد في وقت آخر وكثيرا ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظفار التي تحكه فهي تدمي الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما والله الموفق المعين وله الحجة البالغة كما له النعمة السابغة والمقصود أن إله العبد الذي لا بد له منه في كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة عين وهو الإله الحق الذي كل ما سواه باطل والذي أينما كان فهو معه وضرورته وحاجته إليه لا تشبهها ضرورة ولا حاجة بل هي فوق كل ضرورة وأعظم من كل حاجة لهذا قال إمام الحنفاء لا أحب الأفلين والله أعلم

فصل في بيان أصلين عظيمين مبني عليهما ما تقدم
وهذا مبني على أصلين أحدهما أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإخلاص العمل له وإفراده بالتوكل عليه هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان وكما دل عليه القرآن لا كما يقوله من يقول إن عبادته تكليف ومشقة على خلاف مقصود القلب ولذته بل لمجرد الامتحان والابتلاء كما يقوله منكرو الحكمة والتعليل أو لأجل التعويض بالأجر لما في إيصاله إليه بدون معاوضة منه تكدره أو لأجل تهذيب النفس ورياضتها واستعدادها لقبول العقليات كما يقوله من يتقرب إلى النبوات من الفلاسفة بل الأمر أعظم من ذلك كله وأجل بل أوامر المحبوب قرة العيون وسرور القلوب ونعيم الأرواح ولذات النفوس وبها كمال النعيم فقرة عين المحب في الصلاة والحج وفرح قلبه وسروره ونعيمه في ذلك وفي الصيام والذكر والتلاوة وأما الصدقة فعجب من العجب وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والصبر على أعداء الله سبحانه فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف ولا يدركه من ليس له نصيب منه وكل من كان به أقوم كان نصيبه من الالتذاذ به أعظم ومن غلظ فهمه وكثف طبعه عن إدراك هذا فليتأمل إقدام القوم على قتل آبائهم وأبنائهم وأحبابهم ومفارقة أوطانهم وبذل نحورهم لأعدائهم

ومحبتهم للقتل وإيثارهم له على البقاء وإيثار لوم اللائمين وذم المخالفين على مدحهم وتعظيمهم ووقوع هذا من البشر بدون أمر يذوقه قلبه من حلاوته ولذته وسروره ونعيمه ممتنع والواقع شاهد ذلك بل ما قام بقلوبهم من اللذة والسرور والنعيم أعظم مما يقوم بقلب العاشق الذي يتحمل ما يتحمله في موافقة رضى معشوقه فهو يلتذ به ويتنعم به لما يعلم من سرور معشوقه به
فيا منكرا هذا تأخر فإنه ... حرام على الخفاش أن يبصر الشمسا
فمن كان مراده وحبه الله وحياته في معرفته ومحبته في التوجه إليه وذكره وطمأنينته به وسكونه إليه وحده عرف هذا وأقر به
الأصل الثاني كمال النعيم في الدار الآخرة أيضا به سبحانه برؤيته وسماع كلامه وقربه ورضوانه لا كما يزعم من يزعم أنه لا لذة في الآخرة إلا بالمخلوق من المأكول والمشروب والملبس والمنكوح بل اللذة والنعيم التام في حظهم من الخالق تعالى أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال وفي دعاء النبي الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وابن حبان والحاكم في صحيحيهما أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة وفتنة مضلة / ح / ولهذا قال تعالى في حق

الكفار كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم فعذاب الحجاب من أعظم أنواع العذاب الذي يعذب به أعداءه ولذة النظر إلى وجه الله الكريم أعظم أنواع اللذات التي ينعم بها أولياؤه ولا تقوم حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظهم من رؤيته وسماع كلامه والدنو منه وقربه
وهذان الأصلان ثابتان بالكتاب والسنة وعليهما أهل العلم والإيمان ويتكلم فيهما مشايخ الطرق العارفون وعليهما أهل السنة والجماعة وهما من فطرة الله التي فطر الناس عليها ويحتجون على من ينكرهما بالنصوص والآثار تارة وبالذوق والوجد تارة وبالفطرة تارة وبالقياس والأمثال تارة وقد ذكرنا مجموع هذه الطرق في كتابنا الكبير في المحبة الذي سميناه المورد الصافي والظل الضافي في المحبة وأقسامها وأنواعها وأحكامها وبيان تعلقها بالإله الحق دون ما سواه وذكرنا من ذلك ما يزيد على مائة وجه ومما يوضح ذلك ويزيده تقريرا أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ولا منع ولا عطاء بل ربه سبحانه الذي خلقه ورزقه وبصره وهداه وأسبغ عليه نعمه وتحبب إليه بها مع غناه عنه ومع تبغض العبد إليه بالمعاصي مع فقره إليه فإذا مسه الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإذا أصابه بنعمة فلا راد لها ولا مانع كما قال تعالى وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم و ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك

لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم فالعبد لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن الله فالأمر كله لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وهو مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء المتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع والخفض والرفع ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وهذا الوجه أعظم لعموم الناس من الوجه الأول ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول لكن من تدبر طريقة القرآن تبين له أن الله سبحانه يدعو عباده بهذا إلى الوجه الأول فهذا الوجه يقتضي التوكل على الله والاستعانة به والدعاء له ومسألته دون ما سواه ويقتضي أيضا محبته وعبادته لإحسانه إلى عبده وإسباغ نعمه عليه فإذا عبده وأحبه وتوكل عليه من هذا الوجه دخل في الوجه الأول وهكذا من نزل به بلاء عظيم وفاقة شديدة أو خوف مقلق فجعل يدعو الله ويضرع إليه حتى فتح له من لذيذ مناجاته له باب الإيمان والإنابة إليه وما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا لكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه فعرفه إياه بما اقدمه له من الأسباب التي أوصلته إليه والقرآن مملوء من ذكر حاجة العبيد إلى الله دون ما سواه ومن ذكر نعمائه عليهم ومن ذكر ما وعدهم به في الآخرة من صنوف النعيم واللذات وليس عند المخلوق شيء من هذا فهذا الوجه يحقق التوكل على الله والشكر له ومحبته على إحسانه ومما يوضح ذلك ويقويه أن في تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته المعينة له على عبودية الله ومحبته وتفريغ قلبه له فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجاته ضره أو أهلكه وكذلك من النكاح واللباس وإن أحب شيئا بحيث يخالله فلا بد أن يسأمه أو يفارقه فالضرر حاصل له إن وجد أو فقد فإن فقد تعذب بالفراق وتألم وإن وجد فإنه

يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء أن كل من أحب شيئا دون الله لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته وعذابه أعظم من نعيمه ويزيد ذلك إيضاحا أن اعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته فإنه يخذل من تلك الجهة وهذا أيضا معلوم بالاعتبار والاستقراء أنه ما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة ولا استنصر بغيره إلا خذل قال تعالى واتخذوا من دون الله الهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا وقال واتخذوا من دون الله الهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون
وقال عن إمام الحنفاء أنه قال للمشركين إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ولما كان غاية صلاح العبد في عبادة الله وحده واستعانته وحده كان في عبادة غيره والاستعانة بغيره غاية مضرته ومما يوضح الأمر في ذلك ويبينه أن الله سبحانه غني حميد كريم رحيم فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه يريد به الخير ويكشف عنه الضر لا لجلب منفعة إليه سبحانه ولا لدفع مضرة بل رحمة وإحسانا وجودا محضا فإنه رحيم لذاته محسن لذاته جواد لذاته كريم لذاته كما أنه غني لذاته قادر لذاته حي لذاته فإحسانه وجوده وبره ورحمته من لوازم ذاته لا يكون إلا كذلك كما أن قدرته وغناه من لوازم ذاته فلا يكون إلا كذلك وأما العباد فلا يتصور أن يحسنوا إلا لحظوظهم فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه ليجلبوا

له منفعة ويدفعوا عنه مضرة وذلك من تيسير الله وإذنه لهم به فهو في الحقيقة ولي هذه النعمة ومسديها ومجريها على أيديهم ومع بهذا فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر فإذا أحبوا الأنبياء والأولياء فطلبوا لقاءهم فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو رياسته أو جماله أو كرمه فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبة ولولا التذاذه بها لما أحب ذلك وإن جلبوا له منفعة أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو ولو بالدعاء فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل لله فأجناد الملوك وعبيد المماليك وأجراء المستأجر وأعوان الرئيس كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به لا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم إلا أن يكون قد علم وهذب من جهة أخرى فيدخل ذلك في الجهة الدينية أو يكون فيه طبع عدل وإحسان من باب المكافأة والرحمة وإلا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه وهذا من حكمة الله التي أقام بها مصالح خلقه إذ قسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا

فصل في بيان منفعة الحق ومنفعة الخلق وما بينهما من التباين
إذا تبين هذا ظهر أن أحدا من المخلوقين لا يقصد منفعتك بالقصد الأول بل إنما يقصد منفعته بك وقد يكون عليك في ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدل فإذا دعوته فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه وأما الرب سبحانه فهو يريدك لك ولمنفعتك لا لينتفع بك وذلك منفعة لك محضة لا ضرر فيها فتدبر هذا حق التدبر وراعه حق المراعاة فملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب منه منفعته لك فإنه لا يريد ذلك البتة بالقصد الأول بل إنما يريد انتفاعه بك عاجلا أو آجلا فهو يريد نفسه لا يريدك ويريد نفع نفسه بك لا نفعك بنفسه فتأمل ذلك فإن فيه منفعة عظيمة وراحة ويأسا من المخلوقين سدا لباب عبوديتهم وفتحا لباب عبودية الله وحده فما أعظم حظ من عرف هذه المسألة ورعاها حق رعايتها ولا يحملنك هذا على جفوة الناس وترك الإحسان إليهم واحتمال أذاهم بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم فكما لا تخافهم لا ترجوهم ومما يبين ذلك أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجتهم بك وإن كان ذلك ضررا عليك فإن صاحب الحاجة لا يرى إلا قضاءها فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجتهم بل لو كان فيها هلاك دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك وهذا

إذا تدبره العاقل علم أنه عداوة في صورة صداقة وأنه لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة فهم يريدون أن يصيروك كالكير ينفخ بطنك ويعصر أضلاعك في نفعهم ومصالحهم بل لو أبيح لهم أكلك لجزروك كما يجزرون الشاة وكم يذبحونك كل وقت بغير سكين لمصالحهم وكم اتخذوك جسرا ومعبرا لهم إلى أوطارهم وأنت لا تشعر وكم بعت آخرتك بدنياهم وأنت لا تعلم وربما علمت وكم بعت حظك من الله بحظوظهم منك ورحت صفر اليدين وكم فوتوا عليك من مصالح الدارين وقطعوك عنها وحالوا بينك وبينها وقطعوا طريق سفرك إلى منازلك الأولى ودارك التي دعيت إليها وقالوا نحن أحبابك وخدمك وشيعتك وأعوانك والساعون في مصالحك وكذبوا والله إنهم لأعداء في صورة أولياء وحرب في صورة مسالمين وقطاع طريق في صورة أعوان فواغوثاه ثم واغوثاه بالله الذي يغيث ولا يغاث يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون
فالسعيد الرابح من عامل الله فيهم ولم يعاملهم في الله وخاف الله فيهم ولم يخفهم في الله وأرضى الله بسخطهم ولم يرضهم بسخط الله وراقب الله فيهم ولم يراقبهم في الله وآثر الله ولم يؤثرهم على الله وأمات خوفهم ورجاءهم وحبهم من قلبه وأحيى حب الله وخوفه ورجاءه فيه فهذا هو الذي يكتب عليهم وتكون معاملته لهم كلها ربحا بشرط أن يصبر على أذاهم ويتخذه مغنما لا مغرما وربحا لا خسرانا
ومما يوضح الأمر أن الخلق لا يقدر أحد منهم أن يدفع عنك مضرة

البتة إلا بإذن الله ومشيئته وقضائه وقدره فهو في الحقيقة الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله قال النبي لعبدالله بن عباس واعلم أن الخليقة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك وإذا كانت هذه حال الخليقة فتعليق الخوف والرجاء بهم ضار غير نافع والله أعلم

فصل في بيان أن المنفعة والمضرة لا تكون إلا من الله وحده
وجماع هذا أنك إذا كنت غير عالم بمصلحتك ولا قادر عليها ولا مريد لها كما ينبغي فغيرك أولى أن لا يكون عالما بمصلحتك ولا قادرا عليها ولا مريدا لها والله سبحانه هو يعلم ولا تعلم ويقدر ولا تقدر ويعطيك من فضله لا لمعوضة ولا لمنفعة يرجوها منك ولا لتكثر بك ولا لتعزز بك ولا يخاف الفقر ولا تنقص خزائنه على سعة الإنفاق ولا يحبس فضله عنك لحاجة منه إليك واستغنائه بحيث إذا أخرجه أثر ذلك في غناه وهو يحب الجود والبذل والعطاء والإحسان أعظم مما تحب أنت الأخذ والانتفاع بما سألته فإذا حبسه عنك فاعلم أن هناك أمرين لا ثالث لهما أحدهما أن تكون أنت الواقف في طريق مصالحك وأنت المعوق لوصول فضله إليك وأنت حجر في طريق نفسك وهذا هو الأغلب على الخليقة فإن الله سبحانه قضى فيما قضى به أن ما عنده لا ينال إلا بطاعته وأنه ما استجلبت نعم الله بغير طاعته ولا استديمت بغير شكره ولا عوقت وامتنعت بغير معصيته وكذلك إذا أنعم عليك ثم سلبك النعمة فإنه لم يسلبها لبخل منه ولا استئثار بها عليك وإنما أنت المسبب في سلبها عنك فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على

قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم فما أزيلت نعم الله بغير معصيته
إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم
فآفتك من نفسك وبلاؤك من نفسك وأنت في الحقيقة الذي بالغت في عداوتك وبلغت من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدو منك كما قيل
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
ومن العجب أن هذا شأنك مع نفسك وأنت تشكو المحسن البريء عن الشكاية وتتهم أقداره وتعانيها وتلومها فقد ضيعت فرصتك وفرطت في حظك وعجز رأيك عن معرفة أسباب سعادتك وإرادتها ثم قعدت تعاتب القدر بلسان الحال والقال فأنت المعني بقول القائل
وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
ولو شعرت برأيك وعلمت من أين ذهبت ومن أين أصبت لأمكنك تدارك ذلك ولكن قد فسدت الفطرة وانتكس القلب وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه فأعرضت عمن أصل بلائك ومصيبتك منه وأقبلت تشكو من كل إحسان دقيق أو جليل وصل إليك فمنه فإذا شكوته إلى خلقه كنت كما قال بعض العارفين وقد رأى رجلا يشكو إلى آخر ما أصابه ونزل به فقال يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك
وإذا أتتك مصيبة فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أرحم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
وإذا علم العبد حقيقة الأمر وعرف من أين أتي ومن أي الطرق أغير على سرحه ومن أي ثغرة سوق متاعه وسلب استحى من نفسه إن لم

يستح من الله أن يشكوا أحدا من خلقه أو يتظلمهم أو يرى مصيبته وآفته من غيره قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وقال أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم وقال ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك
فإن أصررت على اتهام القدر وقلت فالسبب الذي أصبت منه وأتيت منه ودهيت منه قد سبق به القدر والحكم وكان في الكتاب مسطورا فلا بد منه على الرغم مني وكيف لي أن أنفك منه وقد أودع الكتاب الأول قبل بدء الخليقة والكتاب الثاني قبل خروجي إلى هذا العالم وأنا في ظلمات الأحشاء حين أمر الملك بكتب الرزق والأجل والسعادة والشقاوة فلو جريت إلى سعادتي ما جريت حتى بقي بيني وبينها شبر لغلب علي الكتاب فأدركتني الشقاوة فما حيلة من قلبه بيد غيره يقلبه كيف يشاء ويصرفه كيف أراد إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء ان يزيغه أزاغه وهو الذي يحول بين المرء وقلبه وهو الذي يثبت قلب العبد إذا شاء ويزلزله إذا شاء فالقلب مربوب مقهور تحت سلطانه لا يتحرك إلا بإذنه ومشيئته قال أعلم الخلق بربه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه / ح / ثم قال اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك / ح / وكان أكثر يمينه لا ومقلب القلوب / ح /

وقال بعض السلف مثل القلب مثل الريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطن فما حيلة قلب هو بيد مقلبه ومصرفه وهل له مشيئة بدون مشيئته كما قال تعالى وما تشآءون إلا إن يشاء الله رب العالمين
وروي عن عبدالعزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال تلا رسول الله قوله عز و جل أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها وغلام جالس عند رسول الله فقال بلى والله يا رسول الله إن عليها لأقفالها ولا يفتحها إلا الذي أقفلها فلما ولي عمر بن الخطاب طلبه ليستعمله وقال لم يقل ذلك إلا من عقل
وقال طاوس أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله يقولون كل

شيء بقدر وقال أيوب السختياني أدركت الناس وما كلامهم إلا إن قضى إن قدر
وقال عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون قال كتب الله أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة قال والملائكة تستنسخ ما يعمل بنو آدم يوما بيوم فذلك قوله إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون
وفي الآية قول آخر إن استنساخ الملائكة هو كتابتهم لما يعمل بنو آدم بعد أن يعملوه وقد يقال وهو الأظهر إن الآية تعم الأمرين فيأمر الله ملائكته فتستنسخ من أم الكتاب أعمال بني آدم ثم يكتبونها عليهم إذا عملوها فلا تزيد على ما نسخوه من أم الكتاب ذرة ولا تنقصها
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى إنا كل

شيء خلقناه بقدر خلق الله الخلق كلهم بقدر وخلق الخير والشر فخير الخير السعادة وشر الشر الشقاوة
وفي صحيح مسلم عن أبي الأسود الدؤلي قال قال لي عمران بن حصين أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت به الحجة قال قلت لا بل فيما قضي عليهم ومضى قال أفيكون ذلك ظلما قال ففزعت فزعا شديدا وقلت إنه ليس شيء إلا خلقه وملكه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون فقال سددك الله إنما سألتك لأحرز عقلك إن رجلا من مزينة أو جهينة أتى النبي فقال يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم قال فيما قضي عليهم ومضى فقال الرجل ففيم العمل قال رسول الله من كان خلقه الله لإحدى المنزلتين فسيستعمله لها وتصديق ذلك في كتاب الله عز و جل ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها
وقال مجاهد في قوله تعالى إنى أعلم مالا تعلمون قال علم من إبليس المعصية وخلقه لها

وقال تعالى فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة قال ابن عباس إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا ثم قال هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمن وكافر
وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه قال يحول بين المؤمن الكفر ومعاصي الله ويحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله
وقال ابن عباس ومالك وجماعة من السلف في قوله تعالى ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم قالوا خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف وقال تعالى ولو شاء الله ما اقتتلوا ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ولو شاء ربك ما فعلوه وقال تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب أي نصيبهم مما كتب

لهم وقال كذلك سلكناه في قلوب المجرمين قال الحسن وغيره الشرك والتكذيب
وقال سبحانه كلا إن كتاب الفجار لفي سجين قال محمد بن كعب القرظي رقم الله سبحانه كتاب الفجار في أسفل الأرض فهم عاملون بما قد رقم عليهم في ذلك الكتاب ورقم كتاب الأبرار فجعله في عليين فهم يؤتى بهم حتى يعملوا ما قد رقم عليهم في ذلك الكتاب
وقال ابن عباس تبت يدا أبي لهب وتب بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ
وقال مجاهد في قوله وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا قال عن الحق
وفي قوله إنا جعلنا على قلوبهم أكنة قال كالجعبة فيها السهام
وقال ابن عباس في قوله تعالى وأضله الله على علم قال أضله في سابق علمه

وقال في قوله تعالى حكاية عن عدوه إبليس فبما أغويتني قال أضللتني
وقال في قوله ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم قال من قضيت له أنه صالي الجحيم
وقال عمر بن عبدالعزيز لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق إبليس وقد فصل لكم وبين لكم ما أنتم عليه بفاتنين إلا من قدر أن يصلى

الجحيم وقال وهيب بن خالد أنبأنا خالد قال قلت للحسن ألهذه خلق آدم يعني السماء أم للأرض فقال لا بل للأرض قال قلت أرأيت لو اعتصم من الخطيئة فلم يعملها أكان ترك في الجنة قال سبحان الله أكان لا بد من أن يعملها وقال تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وقال تعالى وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار وقال واجعلنا للمتقين إماما أي أئمة يهتدى بنا ولا تجعلنا أئمة ضالين

يدعون إلى النار وقال ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وقال ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة وقال ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله
وقال زيد بن أسلم والله ما قالت القدرية كما قال الله ولا كما قال رسله ولا كما قال أهل الجنة ولا كما قال أهل النار ولا كما قال أخوهم إبليس قال الله وما تشاءون إلا أن يشاء الله وقالت الملائكة لا علم لنا إلا ما علمتنا وقال شعيب وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله
وقال أهل الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وقال أهل النار غلبت علينا شقوتنا وقال أخوهم إبليس رب بما أغويتني وقال مجاهد في قوله وكل إنسان ألزمناه

طائره في عنقه قال مكتوب في عنقه شقي أو سعيد
وقال ابن عباس في قوله ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا يقول ومن يرد الله ضلالته لم تغن عنه شيئا
وذكر الطبري وغيره من حديث سويد بن سعد عن سوار بن مصعب عن أبي حمزة عن مقسم عن ابن عباس صعد النبي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم بسط يده اليمنى فقال بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من الله الرحمن الرحيم لأهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم فجمل أولهم على آخرهم لا ينقص منهم ولا يزاد فيهم فرغ ربكم وقد يسلك بأهل السعادة طريق الشقاء حتى يقال كأنهم هم بل هم هم ما أشبههم بهم بلى هم هم فيردهم ما سبق لهم من الله من السعادة فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها قبل موته بفواق ناقة وقد يسلك بأهل الشقاء طريق السعادة حتى يقال كأنهم هم بل هم هم ما أشبههم بهم بل هم هم فيردهم ما سبق لهم من الله فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ولو قبل موته بفواق ناقة فصاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة وإن عمل عمل أهل النار وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار وإن عمل بعمل أهل الجنة ثم قال رسول الله الأعمال بخواتيمها

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون وفي قوله ولو شاء الله لجمعهم على الهدى وفي قوله فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا وفي قوله تعالى ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله وفي قوله ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها وقوله ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا وقوله إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا وقوله ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ونحو هذا من القرآن وإن رسول الله كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول
ثم قال لنبيه لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ويقول إن

نشأ ننزل عليهم من السماء أية فظلت أعناقهم لها خاضعين ثم قال ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ويقول ليس لك من الأمر شيء
وفي صحيح مسلم عن طاوس أدركت ناس من أصحاب رسول الله يقولون كل شيء بقدر وسمعت عبدالله بن عمر يقول قال رسول الله كل شيء بقدر حتى العجز والكيس
وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو قال سمعت رسول الله يقول كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء
وفي صحيحه أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير فاحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء الله فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان
وفي صحيحه أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن النذر لا يقدر لابن آدم شيئا لم يكن الله قدره ولكن النذر يوافق القدر

فيخرج ذلك من البخيل مالم يكن يريد أن يخرجه وفي حديث جبرائيل وسؤاله النبي عن الإيمان قال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره وفي الصحيحين حديث ابن مسعود في التخليق وفيه فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها

وذكر الطبري عن الحسن بن علي الطوسي أنبأنا محمد بن يزيد الأسفاطي البصري محدث البصرة قال رأيت رسول الله في النوم فقلت يا رسول الله حديث عبدالله بن مسعود حدثني الصادق المصدوق أعني حديث القدر فقال إي والله الذي لا إله إلا هو حدثت به رحم الله عبدالله بن مسعود حيث حدث به ورحم الله زيد بن وهب حيث حدث به ورحم الله الأعمش حيث حدث به ورحم الله من حدث به قبل الأعمش ورحم الله من يحدث به بعد الأعمش
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره وقد روي حديث تقدير السعادة والشقاوة في بطن الأم من حديث عبدالله بن مسعود وأنس بن مالك وعبدالله بن عمر وعائشة أم المؤمنين وحذيفة بن أسيد وأبي هريرة

وقال أبو الحسن علي بن عبيد الحافظ سمعت أبا عبدالله بن أبي خيثمة يقول سمعت عمرو بن علي الفلاس يقول انحدرت من سر من رأى إلى بغداد في حاجة لي فبينما أنا أمشي في بعض الطريق إذا بجمجمة قد نخرت فأخذتها فإذا على الجبهة مكتوب شقي والياء مكسورة إلى خلف وهؤلاء كلهم أئمة حفاظ ذكره الطبري في السنة
وفي الصحيحين حديث علي عن النبي ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى
وفي الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبي سئل أعلم أهل الجنة من أهل النار قال نعم قيل ففيم يعمل العاملون قال نعم كل ميسر لما خلق له

وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت دعي رسول الله إلى جنازة غلام من الأنصار فقلت يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يدرك السوء ولم يعمله قال أو غير ذلك إن الله تعالى خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم
وفي الصحيحين عن ابن عباس وأبي بن كعب عن النبي قال الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا
وفي مسند الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله يقول إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره وفي لفظ فجعلهم في ظلمة واحدة فأخذ من نوره فألقاه على تلك الظلمة فمن أصابه النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله

وذكر راشد بن سعد عن أبي عبدالرحمن السلمي أن أبا قتادة سمع النبي يقول خلق الله آدم وأخرج الخلق من ظهره فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي قال قيل على ما نعمل قال على مواقع القدر
وذكر أبو داود في كتاب القدر عن عبدالله بن مسعود أنه مر على رجل فقالوا هذا هذا ونالوا منه فقال عبدالله أرأيتم لو قطعتم يده كنتم تستطيعون أن تخلقوا له يدا قالوا لا قال فلو قطع رأسه أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رأسا قالوا لا قال فكما لا تستطيعون أن تغيروا خلقه لا تستطيعون أن تغيروا خلقه إن النطفة إذا وقعت في الرحم بعث الله ملكا فكتب أجله وعمله ورزقه وشقي أو سعيد وذكر فيه عن ابن مسعود مرفوعا إنما هما اثنتان الهدي والكلام فأحسن الكلام كلام الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وإن كل بدعة ضلالة وإن كل ما هو آت قريب وإن الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره / ح /
وقال ابن وهب أخبنري يونس عن ابن شهاب أن عبدالرحمن بن

هنيدة حدثه أن عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله إذا أراد الله أن يخلق النسمة قال ملك الأرحام تعرفا يا رب أذكر أم أنثى فيقضي الله أمره ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها
وقال الليث عن عقيل عن ابن شهاب أخبرني أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله قال فذكره سواء قال الزهري وحدثني عبدالرحمن بن هنيدة عن ابن عمر مثل ذلك
وذكر أبو داود أيضا عن عائشة يرفعه إن الله حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكا فيدخل على الرحم فيقول أي رب ماذا فيقول غلام أو جارية أو ما شاء الله أن يخلق في الرحم فيقول أي رب أشقي أم سعيد فيقول شقي أو سعيد فيقول أي رب ما أجله فيقول كذا وكذا قال فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم
وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي تميم الجيشاني عن أبي ذر أن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب سبحانه في راحته فيقول يا رب عبدك ذكر أم أنثى فيقضي الله ما هو قاض أشقي أم سعيد فيكتب ما هو لاق بين عينيه قال أبو تعيم وقرأ أبو ذر من فاتحة سورة التغابن خمس آيات

قال ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن كعب بن علقمة عن عيسى بن هلال عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه قال إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين يوما جاءها ملك فاختلجها ثم عرج بها إلى الرحمن عز و جل فقال اخلق يا أحسن الخالقين فيقضي الله فيها بما يشاء من أمره ثم يدفع إلى الملك فيسأل الملك عن ذلك فيقول يا رب سقط أم تم فيبين له ثم يقول يا رب واحد أو توأم فيبين له ثم يقول يا رب ذكر أم أنثى فيبين له فيقول يا رب أناقص الأجل أم تام الأجل فيبين له ذلك ثم يقول يا رب أشقي أم سعيد فيبين له ثم يقول يا رب اقطع رزقه مع خلقه فيهبط بهما جميعا فوالذي نفسي بيده ما ينال من الدنيا إلا ما قسم له فإذا أكل رزقه قبض
في صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي قال يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول يا رب أذكر أم أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره ورزقه ثم تطوى الصحف ولا يزاد فيهاه ولا ينقص
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ورفع الحديث قال إن الله وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال الملك أي رب ذكر أو أنثى شقي أو

سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب ذلك في بطن أمه
وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود عن النبي إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم ينفخ فيه الروح ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد وفي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير وهذه الكتابة في الطور الرابع من أطوار التخليق عند نفخ الروح فيه وفي الأحاديث التي ذكرت أيضا أنفا أن ذلك في الأربعين الأولى قبل كونه علقة ومضغة وفي رواية صحيحة إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها وفي رواية إن ذلك يكون في بضع وأربعين ليلة والله أعلم

فصل في الجمع بين الروايات المتقدمة
الجمع بين هذه الروايات أن للملك ملازمة ومراعاة بحال النطفة وأنه يقول يا رب هذه نطفة هذه علقة هذه مضغة في أوقاتها فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله وهو أعلم بها وبكلام الملك فتصرفه في أوقات أحدها حين يخلقها الله نطفة ثم ينقلها علقة وهو أول أوقات علم الملك بأنه ولد لأنه ليس كل نطفة تصير ولدا وذلك بعد الأربعين الأولى في أول الطور الثاني ولهذا والله أعلم وقعت الإشارة إليه في أول سورة أنزلها على رسوله اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق إذ خلقه من علقة هو أول مبدأ الإنسانية وحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ثم للملك فيه تصرف آخر في وقت آخر وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره وجلده وعظمه ولحمه وذكوريته وأنوثيبته وهذا إنما يكون في الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيها فإن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره فههنا تقديران وكتابان التقدير الأول عند ابتداء تعليق التخليق في النطفة وهو إذا مضى عليها أربعون ودخلت في طور العلقة ولهذا في إحدى الروايات إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة والتقدير الثاني الكتابة إذا كمل تصويره وتخليقه وتقدير أعضائه وكونه ذكرا أو أنثى فالتقدير الأول

تقدير لما يكون للنطفة بعد الأربعين والتقدير الثاني تقدير لما يكون للجنين بعد تصويره ثم إذا ولد قدر مع ولادته كل سنة ما يلقاه في تلك السنة وهو ما يقدر ليلة القدر من العام إلى العام فهذا التقدير أخص من التقدير الثاني الثاني أخص من الأول ونظير هذا أيضا أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ثم قدر مقادير هذا الخلق حين خلقهم وأوجدهم ثم يقدر في كل سنة في ليلة القدر ما يكون في ذلك العام وهكذا تقدير أمر النطفة وشأنها يقع بعد تعلقها بالرحم وبعد كمال تصوير الجنين وقد تقدم ذكر تقدير شأنها قبل خلق السموات والأرض فهو تقدير بعد تقدير
ونظير هذا أيضا رفع الأعمال وعرضها على الله فإن عمل العام يرفع في شعبان كما أخبر به الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال قال فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم / ح / ويعرض عمل الأسبوع يوم الإثنين والخميس كما ثبت ذلك عن النبي ويعرض عمل اليوم في آخره والليلة في آخرها كما في حديث أبي موسى الذي رواه البخاري عن النبي إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه

يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل فهذا الرفع والعرض اليومي أخص من العرض يوم الإثنين والخميس والعرض فيها أخص من العرض في شعبان ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل كله وعرض على الله وطويت الصحف وهذا عرض آخر وهذه المسائل العظيمة القدر هي من أهم مسائل الإيمان بالقدر فصلوات الله وسلامه على كاشف الغمة وهادي الأمة محمد
فإن قيل ما تقولون في قوله إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك وهذه بعض ألفاظ مسلم في الحديث وهذا يوافق الرواية الأخرى يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أو سعيد ويوافق الرواية الأخرى إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك وهذا يدل على أن تصويرها عقيب الأربعين الأولى قيل لا ريب أن التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع في الأربعين الثالثة ولا يقع عقيب الأولى هذا أمر معلوم بالضرورة فإما أن يكون المراد بالأربعين في هذه الألفاظ الأربعين الثالثة وسمى المضغة فيها نطفة اعتبارا بأول أحوالها وما كانت عليه أو يكون المراد بها الأربعين الأولى وسمى كتابة تصويره وتقديره تخليقا اعتبارا بما يؤول فيكون قوله صورها وخلق سمعها وبصرها أي قدر ذلك وكتبه وأعلم به ثم يفعله به بعد الأربعين الثالثة أو يكون المراد به أي

الأربعين الأربعين الأولى وحقيقة التصوير فيها فيتعين حمله على تصوير خفي لا يدركه إحساس البشر فإن النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة وحينئذ يكون أول مبدإ التخليق فيكون مع هذا المبدإ مبدأ التصوير الخفي الذي لا يناله الحس ثم إذا مضت الأربعون الثالثة صورت التصوير المحسوس المشاهد فأحد التقديرات الثلاثة يتيعن ولا بد ولا يجوز غير هذا البتة إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدل على القدر والله أعلم بمراد رسوله غير أنا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم واللحم إنما يكون بعد الأربعين الثالثة والمقصود أن كتابة الشقاوة والسعادة وما هو لاق عند أول تخليقه ويحتمل وجها رابعا وهو أن النطفة في الأربعين الأولى لا يتعرض إليها ولا يعتني بشأنها فإذا جاوزتها وقعت في أطوار التخليق طورا بعد طور ووقع حينئذ التقدير والكتابة فحديث ابن مسعود صريح بأن وقوع ذلك بعد الطور الثالث عند تمام كونها مضغة وحديث حذيفة بن أسيد وغيره من الأحاديث المذكورة إنما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين ولم يوقت فيها البعدية بل أطلقها وقد قيدها ووقتها في حديث ابن مسعود والمطلق في مثل هذا يحمل على المقيد بلا ريب فأخبر بما تكون النطفة بعد الطور الأول من تفاصيل شأنها وتخليقها وما يقدر لها وعليها وذلك يقع في أوقات متعددة وكله بعد الأربعين الأولى وبعضه متقدم على بعض كما أن كونها علقة يتقدم على كونها مضغة وكونهها مضغة متقدم على تصويرها والتصوير متقدم على نفخ الروح مع ذلك فيصح أن يقال إن النطفة بعد الأربعين تكون علقة ومضغة ويصور خلقها وتركب فيها العظام والجلد ويشق لها السمع والبصر وينفخ فيها الروح ويكتب شقاوتها وسعادتها وهذا لا يقتضي وقوع ذلك كله عقيب الأربعين الأولى من غير فصل وهذ وجه حسن جدا

والمقصود أن تقدير الشقاوة والسعادة والخلق والرزق سبق خروج العبد إلى دار الدنيا فأسكنه الجنة أو النار وهو في بطن أمه وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة الحديث
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد عن النبي قال ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كان له بطانتان بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصمه الله
وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم أنه قال أتيت النبي فقال يا عدي أسلم تسلم قلت وما الإسلام قال تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها
وفي صحيح البخاري من حديث عمرو بن تغلب قال أتى النبي مال فأعطى قوما ومنع آخرين فبلغه أنهم عتبوا فقال إني أعطي الرجل

وأدع الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي أعطي أقواما لما في قلوبهم من الجزع والهلع وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من القناعة والخير الحديث
وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين عن النبي كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وخلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء
وفي الصحيح عن ابن عباس أن النبي قال لأشج عبدالقيس إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة قال يا رسول الله خلقين تخلقت بهما أم جلبت عليهما قال بل جبلت عليهما قال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله
وقال أبو هريرة قال النبي جف القلم بما أنت لاق رواه البخاري تعليقا

وذكر البخاري أيضا عن ابن عباس في قوله تعالى أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون قال سبقت لهم السعادة
وفي سنن أبي داود وابن ماجة من حديث عبدالله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبي بن كعب وزيد بن ثابت أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار وقاله زيد بن ثابت عن النبي
وفي سنن أبي داود عن أبي حفصة الشامي قال قال عبادة بن الصامت يا بني إنك لم تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ومن أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله يقول

إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال يا رب وما أكتب قال أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة يا بني سمعت رسول الله يقول من مات على غير هذا فليس مني
وفي الصحيحين عن علي قال كنا في جنازة فيها رسول الله ببقيع الغرقد فجاء رسول الله فجلس ومعه مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض ثم رفع رأسه فقال ما منكم من أحد من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها في النار أو في الجنة إلا قد كتبت شقية أو سعيدة قال فقال رجل من القوم يا نبي الله أولا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة ومن كان من أهل الشقاوة ليكونن إلى الشقاوة قال اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون للسعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة ثم قرأ نبي الله فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وفي السنن الأربعة عن مسلم بن

يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية وإذ أخذ ربك من بني إدم من ظهورهم ذريتهم فقال سمعت رسول الله قد سئل عنها فقال رسول الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينيه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون قال رجل يا رسول الله ففيم العمل فقال رسول الله إن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار
وفي الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل

والحزن والخبيث والطيب قال الترمذي حديث حسن صحيح
وذكر الطبري من حديث مالك بن عبادة أن رسول الله قال لابن مسعود لا يكثر همك ما يقدر يكن وما ترزق يأتك
وذكر عن طارق بن شهاب عن عمر قال قال رسول الله بعثت داعيا ومبلغا وليس إلي من الهدى شيء وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلالة شيء
وقال ابن وهب أنبأنا عبد الرحمن بن سليمان عن عقيل عن عكرمة عن ابن عباس قال خرج النبي فسمع ناسا من أصحابه يذكرون القدر فقال إنكم قد أخذتم في شعبتين بعيدتي الغور فيهما هلك أهل الكتاب من قبلكم ولقد أخرج يوما كتابا فقال هذا كتاب من الله الرحمن الرحيم فيه تسمية أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم فجمل على آخرهم لا ينقص منهم أحد فريق في الجنة وفريق في السعير

وفي الترمذي عن ابن عباس قال ردفت رسول الله يوما فقال يا غلام ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله رفعت الأقلام وجفت الصحف لو جهدت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا وفي بعض روايات الحديث في غير الترمذي فلو أن الناس اجتمعوا على أن يعطوك شيئا لم يعطه الله لم يقدروا عليه ولو أن الناس اجتمعوا على أن يمنعوك شيئا قدره الله لك ما استطاعوا فاعبد الله مع الصبر على اليقين
وقال علي بن الجعد أنبأنا عبدالواحد البصري عن عطاء بن أبي رباح قال سألت الوليد بن عبادة بن الصامت كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت قال جعل يقول يا بني اتق الله واعلم أنك لن تتق الله ولن تبلغ العلم حتى تعبد الله وحده وتؤمن بالقدر خيره وشره قلت يا أبت كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره قال تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك فإن مت على غير هذا دخلت النار سمعت رسول الله يقول إن أول ما خلق الله

القلم فقال له اكتب فقال ما أكتب فجرى تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد
وذكر الطبري من حديث بقية أنبأنا أبو بكر العنسي عن زيد بن أم حبيب ومحمد بن يزيد قالا حدثنا نافع عن ابن عمر قال قالت أم سلمة يا رسول الله لا تزال نفسك في كل عام وجعة من تلك الشاة المسمومة التي أكلتها قال ما أصابني شيء منها إلا وهو مكتوب علي وآدم في طينته
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس في خطبة النبي الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله
وفي صحيحه أيضا عن زيد بن أرقم كان النبي يقول اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها
وفي صحيحه أيضا عن علي عن النبي في دعاء الاستفتاح اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سييء الأخلاق لا يصرف عني سيئها إلا أنت

وفي الترمذي والمسند من حديث عمران بن حصين أن النبي علم أباه هذا الدعاء اللهم الهمني رشدي وقني شر نفسي
وروى سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن عبدالأعلى عن عبدالله بن الحارث قال قام عمر بن الخطاب خطيبا فقال في خطبته من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وعنده الجاثليق يسمع ما يقول قال فنفض ثوبه كهيئة المنكر فقال عمر ما تقولون قالوا يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحدا قال كذبت يا عدو الله بل الله خلقك وهو أضلك وهو يدخلك النار إن شاء الله أما والله لولا عهد لك لضربت عنقك إن الله خلق الخلق فخلق أهل الجنة وما هم عاملون وخلق أهل النار وما هم عاملون قال هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه
وذكر الطبري عن أبي بكر الصديق قال خلق الله الخلق فكانوا في

قبضته فقال لمن في يمينه ادخلوا الجنة بسلام وقال لمن في يده الأخرى ادخلوا النار ولا أبالي فذهبت إلى يوم القيامة
وقال ابن عمر جاء رجل إلى أبي بكر فقال أرأيت الزنا بقدر الله فقال نعم قال فإن الله قدره علي ثم يعذبني قال نعم يا ابن اللخناء أما والله لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ أنفك
وذكر عن علي أنه ذكر عنده القدر يوما فأدخل إصبعيه السبابة والوسطى في فيه فرقم بهما باطن يده فقال أشهد إن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب
وذكر عنه أيضا أنه قال إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستقين يقينا غير ظن أن ما اصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله

وذكر البخاري عن ابن مسعود أنه قال في خطبته الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره
وقال ابن مسعود لأن أعض على جمرة أو أن أقبض عليها حتى تبرد في يدي أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله ليته لم يكن
وقال لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر ويعلم أنه ميت وأنه مبعوث من بعد الموت
وقال الأعمش عن ابن مسعود إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى يتيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سموات فيقول للملائكة اصرفعوه عنه فإني إن يسرته له أدخلته النار قال فيصرفه الله عنه قال فيقول من أين دهيت أو نحو هذا وما هو إلا فضل الله سبحانه

وذكر الزهري عن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف أن عبدالرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضا شديدا أغمي عليه وأفاق فقال أغمي علي قالوا نعم قال إنه أتاني رجلان غليظان فأخذا بيدي فقالا انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين فانطلقا بي فتلقاهما رجل فقال أين تريدان به قالا نحاكمه إلى العزيز الأمين فقال دعاه فإن هذا ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه
وقال ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه قال أشهد لسمعت ابن عباس يقول العجز والكيس بقدر
وقال مجاهد قيل لابن عباس إن ناسا يقولون في القدر قال يكذبون بالكتاب إن أحدث سعر أحدهم لا تصونه إن الله عز و جل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه
وقال ابن عباس أيضا القدر نظام التوحيد فمن وحد الله ولم يؤمن

بالقدر كان كفره بالقضاء نقضا للتوحيد ومن وحد الله وآمن بالقدر كانت العروة الوثقى لا انفصام لها
وقال عطاء بن أبي رباح كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال يا ابن عباس أرأيت من صدني عن الهدى وأوردني دار الضلالة واردا ألا تراه قد ظلمني فقال إن كان الهدى شيئا كان لك عنده فقد فمنعكه فقد ظلمك وإن كان الهدى هو له يؤتيه من يشاء فلا يظلمك قم فلا تجالسني
وقال عكرمة عن ابن عباس كان الهدهد يدل سليمان على الماء فقلت له فكيف ذاك الهدهد ينصب له الفخ عليه التراب فقال أعضك الله بهن أبيك إذا جاء القضاء ذهب البصر
وقال الإمام أحمد أنبأنا إسمعيل أنبأنا أبو هرون الغنوي أنبأنا سليمان الأزدي عن أبي يحيى مولى بني عفراء قال أتيت ابن عباس ومعي رجلان من الذين يذكرون القدر أو ينكرونه فقلت يا ابن عباس ما تقول في القدر فإن هؤلاء يسألونك عن القدر إن زنى وإن شرب وإن سرق فحسر قميصه حتى أخرج منكبيه وقال يا يحيى لعلك من الذين ينكرون

القدر ويكذبون به والله لو أعلم أنك منهم وهذين معك لجاهدتكم إن زنى فبقدر وإن سرق فبقدر وإن شرب الخمر فبقدر
وصح عن ابن عمر أن يحيى بن يعمر قال له إن ناسا يقولون لا قدر وإن الأمر أنف فقال إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر بريء منهم وأنهم براء منه
وقد تقدم قول أبي بن كعب وحذيفة وابن مسعود وزيد بن ثابت لو أنفقت مثل جبل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وإن مت على غير ذلك دخلت النار وتقدم قول عبادة بن الصامت لن تؤمن حتى تؤمن بالقدر خيره وشره وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك
وقال قتادة عن أبي السوار عن الحسن بن علي قال قضي القضاء وجف القلم وأموت بقضاء في كتاب قد خلا

وقال عمرو بن العاص انتهى عجبي إلى ثلاث المرء يفر من القدر وهو لاقيه ويرى في عين أخيه القذاة فيعيبها ويكون في عنيه مثل الجذع فلا يعيبها ويكون في دابته الطفر فيقومها جهده ويكون في نفسه الطفر فلا يقومها
قال أبو الدرداء ذروة الإيمان أربع الصبر للحكم والرضا بالقدر والإخلاص للتوكل والإستسلام للرب
وقال الحجاج الأزدي سألنا سلمان ما الإيمان بالقدر فقال أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك
وقال سلمان أيضا إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ذراري إلى يوم القيامة وكتب الآجال والأعمال والأرزاق والشقاوة والسعادة فمن عمل السعادة فعل الخير ومجالس الخير ومن عمل الشقاوة عمل الشر ومجالس الشر

وقال جابر بن عبد الله لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه
وقال هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة وإنه عند الله مكتوب من أهل النار والآثار في ذلك أكثر من أن تذكر وإنما أشرنا إلى بعضها إشارة فصل
فالجواب أن ههنا مقامين مقام إيمان وهدى ونجاة ومقام ضلال وردى وهلاك زلت فيه أقدام فهوت بأصحابها إلى دار الشقاء
فأما مقام الإيمان والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان به وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها وأن ما شاء كان وإن لم يشأ الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الناس وهذه الآثار كلها تحقق هذا المقام وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه وهذا في كل كتاب أنزله الله على رسله
وأما المقام الثاني وهو مقام الضلال والردى والهلاك فهو الاحتجاج به على ذنبه على الله وحمل العبد ذنبه على ربه وتنزيه نفسه الجاهلة الظالمة الأمارة بالسوء وجعل أرحم الراحمين وأعدل العادلين وأحكم

الحاكمين وأغنى الأغنياء أضر على العباد من إبليس كما صرح به بعضهم واحتج عليه بما خصمه فيه من لا تدحض حجته ولا تطاف مغالبته حتى يقول قائل هؤلاء
ما حيلة العبد والأقدار جارية ... عليه في كل حال أيها الرائي
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
ويقول قائلهم
دعاني وسد الباب دوني فهل إلى ... دخولي سبيل بينوا لي قصتي
ويقول الآخر
وضعوا اللحم للبزاة ... على ذروتي عدن
ثم لاموا البزاة إذ ... خلعوا عنهم الرسن
لو أرادوا صيانتي ... ستروا وجهك الحسن
وقال بعضهم وقد ذكر له ما يخاف من إفساده فقال لي خمس بنات لا أخاف على إفسادهن غيره وصعد رجل يوما على سطح دار له فأشرف على غلام له يفجر بجاريته فنزل وأخذهما ليعاقبهما فقال الغلام إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك فقال لعلمك بالقضاء والقدر أحب إلي من كل شيء أنت حر لوجه الله
ورأى آخر يفجر بامرأته فبادر ليأخذه فهرب فأقبل يضرب المرأة وهي تقول القضاء والقدر فقال يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا فقالت أو تركت السنة وأخذت بمذهب ابن عباس فتنبه ورمى بالسوط من يده واعتذر إليها وقال لولاك لضللت ورأى آخر رجلا آخر يفجر بامرأته فقال ما هذا فقالت هذا قضاء الله وقدره فقال الخيرة فيما قضى الله فقبل بالخيرة فيما قضى الله وكان إذا دعي به غضب

وقيل لبعض هؤلاء أليس هو يقول ولا يرضى لعباده الكفر فقال دعنا من هذا رضيه وأحبه وأراده ومن أفسدنا غيره ولقد بالغ بعضهم في ذلك حتى قال القدر عذر لجميع العصاة وإنما مثلنا في ذلك كما قيل
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
وبلغ بعض هؤلاء أن عليا أمر بقتلى النهروان فقال بؤسا لكم لقد ضركم من غركم فقيل من غرهم فقال الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والأماني فقال هذا القائل كان علي قدريا وإلا فالله غرهم وفعل بهم ما فعل وأوردهم تلك الموارد
واجتمع جماعة من هؤلاء يوما فتذاكروا القدر فجرى ذكر الهدهد وقوله وزين لهم الشيطان أعمالهم فقال كان الهدهد قدريا أضاف العمل إليهم والتزيين إلى الشيطان وجميع ذلك فعل الله وسئل بعض هؤلاء عن قوله تعالى لإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أيمنعه ثم يسأله ما منعه قال نعم قضى عليه في السر ما منعه في العلانية ولعنه عليه قال له فما معنى قوله وماذا عليهم لو آمنوا بالله إذا كان هو الذي منعهم قال استهزاء بهم قال فما معنى قوله ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم قال قد فعل ذلك بهم من غير ذنب جنوه بل ابتدأهم بالكفر ثم عذبهم عليه وليس للآية معنى

وقال بعض هؤلاء وقد عوتب على ارتكابه معاصي الله فقال إن كنت عاصيا لأمره فأنا مطيع لإرادته
وجرى عند بعض هؤلاء ذكر إبليس وإبائه وامتناعه من السجود لآدم فأخذ الجماعة يلعنونه ويذمونه فقال إلى متى هذا اللوم ولو خلي لسجد ولكن منع وأخذ يقيم عذره فقال بعض الحاضرين تبا لك سائر اليوم أتذب عن الشيطان وتلوم الرحمن
وجاء جماعة إلى منزل رجل من هؤلاء فلم يجدوه فلما رجع قال كنت أصلح بين قوم فقيل له أصلحت بينهم قال أصلحت إن لم يفسد الله فقيل له بؤسا لك أتحسن الثناء على نفسك وتسيء الثناء على ربك
ومر بلص مقطوع اليد على بعض هؤلاء فقال مسكين مظلوم أجبره على السرقة ثم قطع يده عليها
وقيل لبعضهم أترى الله كلف عباده مالا يطيقون ثم يعذبهم عليه قال والله قد فعل ذلك ولكن لا نجسر أن نتكلم
وأراد رجل من هؤلاء السفر فودع أهله وبكى فقيل استودعهم الله واستحفظهم إياه فقال ما أخاف عليهم غيره
وقال بعض هؤلاء ذنبة أذنبها أحب إلي من عبادة الملائكة قيل لم قال لعلمي بأن الله قضاها علي وقدرها ولم يقضها إلا والخيرة لي فيها وقال بعض هؤلاء العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر

ولقد دخل شيخ من هؤلاء بلدا فأول ما بدأ به من الزيارات زيارة المواخير المشتملة على البغايا والخمور فجعل يقول كيف أنتم في قدر الله
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول عاتبت بعض شيوخ هؤلاء فقال لي المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب والكون كله مراد فأي شيء أبغض منه قال فقلت له إذا كان المحبوب قد أبغض بعض من في الكون وعاداهم ولعنهم فأحببتهم أنت وواليتهم أكنت وليا للمحبوب أو عدوا له قال فكأنما ألقم حجرا
وقرأ قارىء بحضرة بعض هؤلاء قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي فقال هو والله منعه ولو قال إبليس ذلك لكان صادقا وقد أخطأ إبليس الحجة ولو كنت حاضرا لقلت له أنت منعته
وسمع بعض هؤلاء قارئا يقرأ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فقال ليس من هذا شيء بل أضلهم وأعماهم قالوا فما معنى الآية قال مخرقة بمخرق بها
فيقال الله أكبر على هؤلاء الملاحده أعداء الله حقا الذين ما قدروا الله حق قدره ولا عرفوه حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه ولا نزهوه عما لا يليق به وبغضوه إلى عباده وبغضوهم إليه سبحانه وأساؤوا الثناء عليه جهدهم وطاقتهم وهؤلاء خصماء الله حقا الذين جاء فيهم الحديث يقال يوم القيامة أين خصماء الله فيؤمر بهم إلى النار / ح / قال

شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته
ويدعى خصوم الله يوم معادهم ... إلى النار طرا فرقة القدرية
سواء نفوه أو سمعوا ليخاصموا ... به الله أو ماروا به للشريعة
وسمعته يقول القدرية المذمومون في السنة على لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاث نفاته وهم القدرية المجوسية والمعارضون به للشريعة الذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا وهم القدرية الشركية والمخاصمون به الرب سبحانه وهم أعداء الله وخصومه وهم القدرية الإبليسية وشيخهم إبليس وهو أول من احتج على الله بالقدر فقال بما أغويتني ولم يعترف بالذنب ويبؤ به كما اعترف به آدم فمن أقر بالذنب وباء به ونزه ربه فقد أشبه أباه آدم ومن أشبه أباه فما ظلم ومن برأ نفسه واحتج على ربه بالقدر فقد أشبه إبليس ولا ريب أن هؤلاء القدرية الإبليسية والشركية شر من القدرية النفاة لأن النفاة إنما نفوه تنزيها للرب وتعظيما له أن يقدر الذنب ثم يلوم عليه ويعاقب ونزهوه أن يعاقب العبد على مالا صنع للعبد فيه البتة بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه ونحو ذلك كما يحكى عن بعض الجبرية أنه حضر مجلس بعض الولاة

فأتي بطرار أحوال فقال له الوالي ما ترى فيه فقال اضربه خمسة عشر يعني سوطا فقال له بعض الحاضرين ممن ينفي الجبر بل ينبغي أن يضرب ثلاثين سوطا خمسة عشرة لطرة ومثلها لحوله فقال الجبري كيف يضرب على الحول ولا صنع له فيه فقال كما ضرب على الطر ولا صنع له فيه عندك فبهت الجبري وأما القدرية الإبليسية والشركية فكثير منهم منسلخ عن الشرع عدو الله ورسله لا يقر بأمر ولا نهي وتلك وراثة عن شيوخهم الذين قال الله فيهم سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا اباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون وقال تعالى وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين وقال تعالى وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون وقال وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين فهذه أربعة مواضع في القرآن بين سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل

وقد افترق الناس في الكلام على هذه الآيات أربع فرق
الفرقة الأولى جعلت هذه الآيات حجة صحيحة وأن للمحتج بها الحجة على الله ثم افترق هؤلاء فرقتين فرقة كذبت بالأمر والوعد والوعيد وزعمت أن الأمر والنهي والوعد والوعيد بعد هذا يكون ظلما والله لا يظلم من خلقه أحدا وفرقة صدقت بالأمر والنهي والوعد والوعيد وقالت ليس ذلك بظلم والله يتصرف في ملكه كيف يشاء ويعذب العبد على ما لا صنع له فيه بل يعذبه على فعله هو سبحانه لا على فعل عبده إذ العبد لا فعل له والملك ملكه ولا يسأل عما يقول وهم يسألون فإن هؤلاء الكفار إنما قالوا هذه المقالة التي حكاها الله عنهم استهزاء منهم ولو قالوها اعتقادا للقضاء والقدر وإسنادا لجميع الكائنات إلى مشيئته وقدرته لم ينكر عليهم ومضمون قول هذه الفرقة أن هذه حجة صحيحة إذا قالوها على وجه الاعتقاد لا على جهة الاستهزاء فيكون للمشركين على الله الحجة وكفى بهذا القول فسادا وبطلانا
الفرقة الثانية جعلت هذه الآيات حجة لها في إبطال القضاء والقدر والمشيئة العامة إذ لو صحت المشيئة العامة وكان الله قد شاء منهم الشرك والكفر وعبادة الأوثان لكانوا قد قالوا الحق وكان الله يصدقهم عليه ولم ينكر عليهم فحيث وصفهم بالخرص الذي هو الكذب ونفى عنهم العلم دل على أن هذا الذي قالوه ليس بصحيح وأنهم كاذبون فيه إذ لو كان علما لكانوا صادقين في الإخبار به ولم يقل لهم قل هل عندكم من علم وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجة لها على التكذيب بالقضاء والقدر وزعمت بها أن يكون في ملكه ما لا يشاء ويشاء مالا يكون وأنه لا قدرة له على أفعال عباده من الإنس والجن والملائكة ولا على أفعال الحيوانات

وأنه لا يقدر أن يضل أحد ولا يهديه ولا يوفقه أكثر مما فعل به ولا يعصمه من الذنوب والكفر ولا يلهمه رشده ولا يجعل في قلبه الإيمان ولا هو الذي جعل المصلي مصليا والبر برا والفاجر فاجرا والمؤمن مؤمنا والكافر كافرا بل هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك فهذه الفرقة شاركت الفرقة التي قبلها في إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع والقدر فالأولى تحيزت إلى القدر وحاربت الشرع والثانية تحيزت إلى الشرع وكذبت القدر
والطائفتان ضالتان وإحداهما أضل من الأخرى
والفرقة الثالثة آمنت بالقضاء والقدر وأقرت بالأمر والنهي ونزلوا كل واحد منزلته فالقضاء والقدر يؤمن به ولا يحتج به والأمر النهي يتمثل ويطاع فالإيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله والقيام بالأمر والنهي موجب شهادة أن محمدا رسول الله وقالوا من لم يقر بالقضاء والقدر ويقم بالأمر والنهي فقد كذب الشهادتين وإن نطق بهما بلسانه ثم افترقوا في وجه هذه الآيات فرقتين فرقة قالت إنما أنكر عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك فجعلوا مشيئته له وتقديره له دليلا على رضاه به ومحبته له إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينه وبينهم فإن الحكيم إذا كان قادرا على دفع ما يكرهه ويبغضه دفعه ومنع من وقوعه وإذا لم يمنع من وقوعه لزم إما عدم قدرته وإما عدم حكمته وكلاهما ممتنع في حق الله فعلم محبته لما نحن عليه من عبادة غيره ومن الشرك به وقد وافق هؤلاء من قال إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها ولكن حالفهم في أنه نهى عنها وأمر باضدادها ويعاقب عليها فوافقهم في نصف قولهم وخالفهم في الشطر الآخر وهذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين وأن مشيئة الله تعالى العامة وقضاءه وقدره لا تستلزم محبته ورضاه لكل ما شاءه وقدره وهؤلاء المشركون لما استدلوا بمشيئته على محبته ورضاه كذبهم

وأنكر عليهم وأخبر أنه لا علم لهم بذلك وأنهم خارصون مفترون فإن محبة الله للشيء ورضاه به إنما يعلم بأمره على لسان رسوله لا بمجرد خلقه فإنه خلق إبليس وجنوده وهم أعداؤه وهو سبحانه يبغضهم ويلعنهم وهم خلقه فهكذا في الأفعال خلق خيرها وشرها وهو يحب خيرها ويأمر به ويثيب عليه ويبغض شرها وينهى عنه ويعاقب عليه وكلاهما خلقه ولله الحكمة البالغة التامة في خلقه ما يبغضه ويكرهه من الذوات والصفات والأفعال كل صادر عن حكمته وعلمه كما هو صادر عن قدرته ومشيئته وقالت الفرقة الثانية إنما أنكر عليهم معارضة الشرع بالقدر ودفع الأمر بالمشيئة فلما قامت عليهم حجة الله ولزمهم أمره نهيه دفعوه بقضائه وقدره فجعلوا القضاء والقدر إبطالا لدعوة الرسل ودفعا لما جاؤوا به وشاركهم في ذلك إخوانهم وذريتهم الذين يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي والذنوب في نصف أقوالهم وخالفوهم في النصف الآخر وهو إقرارهم بالأمر والنهي
فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام وورث كل قوم أئمتهم وأسلافهم إما في جميع تركتهم وإما في كثير منها وإما في جزء منها وهدى الله بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة النافذة وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف أراد وأنه هو الذي جعل المؤمن مؤمنا والمصلي مصليا والمتقي متقيا وجعل أئمة الهدى يهدون بأمره وأئمة الضلالة يدعون إلى النار وأنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها وأنه يهدي من يشاء بفضله ورحمته ويضل من يشاء بعدله وحكمته وأنه هو الذي وفق أهل الطاعة لطاعته فأطاعوه ولو شاء لخذلهم فعصوه وأنه حال بين الكفار وقلوبهم فإنه يحول بين المرء وقلبه فكفروا به ولو شاء لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه وأنه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأنه لو شاء لآمن من في

الأرض كلهم جميعا إيمانا يثابون عليه ويقبل منهم يرضى به عنهم وأنه لو شاء ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون
والقضاء والقدر عندهم أربع مراتب جاء بها نبيهم وأخبر بها عن ربه تعالى الأولى علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم
الثانية كتابة ذلك في الذكر عنده قبل خلق السموات والأرض
الثالثة مشيئته المتناولة لكل موجود فلا خروج لكائن عن مشيئته كما لا خروج له عن علمه
الرابعة خلقه له وإيجاده وتكوينه فإنه لا خالق إلا الله والله خالق كل شيء فالخالق عندهم واحد وما سواه فمخلوق ولا واسطة عندهم بين الخالق والمخلوق ويؤمنون مع ذلك بحكمته وأنه حكيم في كل ما فعله وخلقه وإن مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامة هي التي اقتضت صدور ذلك وخلقه وإن حكمته حكمة حق عائدة إليه قائمه به كسائر صفاته وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه وقدرته لمقدوره كما يقوله نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها بل هي أمر وراء ذلك وهي الغاية المحبوبة له المطلوبة التي هي متعلق محبته وحمده ولأجلها خلق فسوى وقدر فهدى وأحيا وأسعد وأشقى وأضل وهدى ومنع وأعطى وهذه الحكمة هي الغاية والفعل وسيلة إليها فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفي للغايات وهو محال إذ نفي الغاية مستلزم لنفي الوسيلة فنفي الوسيلة وهي الفعل لازم لنفي الغاية وهي الحكمة ونفي قيام الفعل والحكمة به نفي لهما في الحقيقة إذ فعل لا يقوم بفاعله وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا يعقل وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته وهذا لازم

لمن نفى ذلك ولا محيد له عنه وإن أبى التزامه وأما من أثبت حكمته وأفعاله على الوجه المطابق للعقل والفطرة وما جاءت به الرسل لم يلزم من قوله محذور البتة بل قوله حق ولازم الحق حق كائنا ما كان
والمقصود أن ورثة الرسل وخلفاءهم لكمال ميراثهم لنبيهم آمنوا بالقضاء والقدر والحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب وأوامره وقاموا مع ذلك بالأمر والنهي وصدقوا بالوعد والوعيد فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإيمان به إثبات القدر والحكمة وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب فصدقوا بالخلق والأمر ولم ينفوهما بنفي لوازمهما كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر وكانوا أسعد الناس بالخلق وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبوي وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم
واعلم أن الإيمان بحقيقةالقدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواص الخلق ولب العالم وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسميات وجحد حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلال فإن القدرية تؤمن بلفظ القدر ومنهم من يرده إلى العلم ومنهم من يرده إلى الأمر الديني ويجعل قضاءه وقدره هو نفس أمره ونهيه ونفس مشيئة الله لأفعال عباده بأمره لهم بها وهذا حقيقة إنكار القضاء والقدر وكذلك الحكمة فإن الجبرية تؤمن بلفظها ويجحدون حقيقتها فإنهم يجعلونها مطابقة علمه تعالى لمعلومه تعالى وإرادته لمراده تعالى فهي عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته والقدرية النفاة لا يرضون بهذا بل يرتفعون عنه طبقة ويثبتون حكمة زائدة على ذلك لكنهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم ويجعلونها مخلوقا من مخلوقاته كما قالوا في كلامه وإرادته فهؤلاء كلهم

أقروا بلفظ الحكمة وجحدوا معناها وحقيقتها وكذلك الأمر والشرع فإن من أنكر كلام الله وقال إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول ولا يحب شيئا ولا يبغض شيئا وجميع الكائنات محبوبة له وما لم يكن فهو مكروه له ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب والفجور والسجود للأصنام والشمس والقمر والسجود له ولم يكلف أحدا ما يقدر عليه بل كل تكليفه تكلف مالا يطاق ولا قدرة للمكلف عليه البتة ويجوز أن يعذب رجالا إذ لم يكونوا نساء ويعذب نساء إذ لم يكونوا رجالا وسودا حيث لم يكونوا بيضا وبيضا حيث لم يكونوا سودا ويجوز أن يظهر المعجزة على أيدي الكذابين ويرسل رسولا يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور ولا ريب أن هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية ولولا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل ولكن مشى الحال بعض المشي بتناقضهم وهو خير لهم من طرد أصولهم والقول بموجبها
والمقصود أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد والوعيد حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل وورثتهم والقضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته ولهذا قال الإمام أحمد القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد غاية الاستحسان وقال إنه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر ولهذا كان المنكرون القدرة فرقتين فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة وفرقة جحدت كمال القدرة وأنكرت أن تكون أفعال العبادة مقدورة لله تعالى وصرحت بأن الله لا يقدر عليها فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب وأنكرت الأخرى كمال علمه وقابلتهم الجبرية فجاءت على إثبات القدرة والعلم وأنكرت الحكمة والرحمة ولهذا كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته ولهذا يقرن تعالى بين

الإسمين من هذه الثلاثة كثيرا كقوله وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم وقال تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم وقال حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم وقال في حم بعد ذكر تخليق العالم ذلك تقدير العزيز العليم وذكر نظير هذا فقال فالق الإصباح وجعل اليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم
فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضي أن لا يخرج موجود عن قدرته وارتباطه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه وارتباطه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب سبحانه وكذلك أمره بعلمه وحكمته وعزته فهو عليم بخلقه وأمره ولهذا كان الحكيم من أسمائه الحسنى والحكمة من صفاته العلى والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة والحكمة هي سنة الرسول وهي تتضمن العلم بالحق والعلم به والخبر عنه والأمر به فكل هذا يسمى حكمة وفي الأثر الحكمة ضالة المؤمن وفي الحديث إن من الشعر حكمة

فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمدا استحقه لذاته وصدر عنه خلقه وأمره فمصدر ذلك كله عن الحكمة فإنكار الحكمة إنكار لحمده في الحقيقة والله أعلم

فصل في تفصيل ما أجمل فيما مر وتوضيحه
وإنما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة في كل ما خلقه الله وأمر به وبيان أنه كله خير من جهة إضافته إليه سبحانه وأنه من تلك الإضافة خير وحكمة وأن جهة الشر منه من جهة إضافته إلى العبد كما قال في دعاء الاستفتاح لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك فهذا النفي يقتضي امتناع إضافة الشر إليه تعالى بوجه فلا يضاف إلى ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله فإن ذاته منزهة عن كل شر وصفاته كذلك إذ كلها صفات كمال ونعوت جلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه وأسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب وأفعاله كلها حكمة ورحمة مصلحة وإحسان وعدل لا تخرج عن ذلك البتة وهو المحمود على ذلك كله فيستحيل إضافة الشر إليه وتحقيق ذلك أن الشر ليس هو إلا الذنوب وعقوباتها كما في خطبته الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا أنفسنا ومن سيئات أعمالنا فتضمن ذلك الإستعاذة من شرور النفوس ومن سيئات الأعمال وهي عقوباتها وعلى هذا فالإضافة على معنى اللام من باب إضافة المتغايرين أو يقال المراد

السيئات من الأعمال فعلى هذا الإضافة بمعنى من وهي من باب إضافة النوع إلى جنسه ويدل على الأول قوله تعالى وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته قال شيخنا وهذا أشبه إذا أريد السيئات من الأعمال فإن أريد ما وقع منها فالإستعاذة إنما تكون من عقوباتها إذ الواقع من شر النفس وأضا فلا يقال في هذه التي لم توجد بعد سيئات أعمالنا فإنها لم تكن بعد أعمالا فضلا عن أن تكون سيئات وإضافة الأعمال إلينا تقتضي وجودها إذ ما لم يوجد بعد ليس هو من أعمالنا إلا أن يقال من سيئات الأعمال التي إذا علمناها كانت سيئات ولمن رجح التقدير الثاني أن يقول العقوبات ليست لجميع الأعمال بل للمحرمات منها والأعمال أعم وحملها على المحرمات خاصة خلاف ظاهر اللفظ بخلاف ما إذا كانت الإضافة على معنى من فتكون الأعمال على عمومها والسيئات بعضها فتكون السيئات على عمومها ويترجح أيضا أن الإستعاذة تكون قد اشتملت على أصول الشر كله وهو شر النفس الكامن فيها الذي لم يخرج إلى العمل وشر العمل الخارج الذي سولته النفس فالأول شر الطبيعة والصفةالتي في النفس والثاني شر العمل المتعلق بالكسب والإرادة ويلزم من المعافاة من هذين الشرين المعافاة من موجبهما وهو العقوبة فتكون الإستعاذة قد شملت جميع أنواع الشر بالمطابقة واللزوم وهذا هو اللائق بمن أوتي جوامع الكلم فإن هذا من جوامع كلمة البديعة العظيمة الشأن التي لا يعرف قدرها إلا أهل العلم والإيمان
وإذا عرف هذا وأنه ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها وكونها ذنوبا تأتي من نفس العبد فإن سبب الذنب الظلم والجهل وهما من نفس العبد كما أن سبب الخير الحمد والعلم والحكمة والغنى وهي أمور

ذاتية للرب وذات الرب سبحانه مستلزمة للحكمة والخير والجود وذات العبد مستلزمة للجهل والظلم وما فيه من العلم والعدل فإنما حصل له بفضل الله عليه وهو أمر خارج عن نفسه فمن أراد الله به خيرا أعطاه هذا الفضل فصدر منه الإحسان والبر والطاعة ومن أراد به شرا أمسكه عنه وخلاه ودواعي نفسه وطبعه وموجبها فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح وليس منعه لذلك ظلمامنه سبحانه فإنه فضله وليس من منع فضله ظالما لا سيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به وأيضا فإن هذا الفضل هو توفيقه وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده ويوفقه ويعينه ولا يخلي بينه وبين نفسه وهذا محض فعله وفضله وهو سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لهذا الفضل ويليق به ويثمر به ويزكو به وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يعرف قدر هذه النعمة ويشكره عليها فإن أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلا بها لم يشكرها ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها ولم يشكرها أيضا ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه بها فقد كفرها ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ويحبه ويرضى به وعنه لم يشكرها أيضا ومن عرفها وعرف المنعم بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه واستعملها في محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها فلا بد في الشكر من علم القلب وعمل يتبع العلم وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له كما في صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال قال رسول الله سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا

أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة فقوله أبوء لك بنعمتك علي يتضمن الإقرار والإنابة إلى الله بعبوديته فإن المباءة هي التي يبوء إليها الشخص أي يرجع إليها رجوع استقرار والمباءة هي المستقر ومنه قوله من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار أي ليتخذ مقعده من النار مباءة يلزمه ويستقر فيه لا كالمنزل الذي ينزله ثم يرحل عنه فالعبد يبوء إلى الله بنعمته عليه ويبوء بذنبه ويرجع إليه بالاعتراف بهذا وبهذا رجوع مطمئن إلى ربه منيب إليه ليس رجوع من أقبل عليه ثم أعرض عنه بل رجوع من لا يعرض عن ربه بل لا يزال مقبلا عليه إذا كان لا بد له منه فهو معبوده وهو مستغاثه لا صلاح له إلا بعبادته فإن لم يكن معبوده هلك وفسد ولا يمكن أن يعبده إلا بإعانته وفي الحديث مثل المؤمن مثل الفرس في آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته كذلك المؤمن يجول ثم يرجع إلى الإيمان فقوله أبوء يتضمن أني وإن جلت كما يجول الفرس إما بالذنب وإما بالتقصير في الشكر فإني راجع منيب أواب إليك رجوع من لا غنى له عنك وذكر

النعمة والذنب لأن العبد دائما يتقلب بينهما فهو بين نعمة من ربه وذنب منه هو كما في الأثر الإلهي ابن آدم خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك وكم تتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح وكان في زمن الحسن البصري شاب لا يرى إلا وحده فسأله الحسن عن ذلك فقال إني أجدني بين نعمة من الله وذنب مني فأريد أن أحدث للنعمة شكرا وللذنب استغفارا فذلك الذي شغلني عن الناس أو كما قال فقال له أنت أفقه من الحسن فالخير كله من الله كما قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله وقال تعالى ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة وقال يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين وقال تعالى اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وهؤلاء المنعم عليهم هم المذكورون في قوله ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا فالنعم كلها من نعم الله وفضله على عبده وهو سبحانه وإن كان أجود الأجودين وأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين فإنه أحكم الحاكمين وأعدل العادلين لا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها ولا يناقض جوده ورحمته وفضله حكمته وعدله ولو رأى العقلاء واحدا منهم

قد وضع المسك في الحشوش والأخلية ووضع النجاسات والقاذورات في مواضع الطيب والنظافة لاشتد نكيرهم عليه والقدح في عقله ونسبوه إلى السفه وخلاف الحكمة وكذلك لو وضع العقوبة موضع الإحسان والإحسان موضع العقوبة لسفهوه وقدحوا في عقله كما قال القائل
ووضع الندى موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى
وكذلك لو وضع الدواء موضع الغذاء والغذاء موضع الدواء والاستفراغ حيث يكون اللائق به عدمه والإمساك حيث يليق الاستفراغ وكذلك وضع الماء موضع الطعام والطعام موضع الماء وأمثال ذلك مما يخل بالحكمة بل لو أقبل على الحيوان البهيم يريد تعليمه مالم يخلق له من العلوم والصنائع فمن بهرت حكمته العقول والألباب كيف ينبغي له أن يضع الأشياء في غير مواضعها اللائقة بها ومن المعلوم أن أجل نعمه على عبده الإيمان به معرفته ومحبته وطاعته والرضا به والإنابة إليه والتوكل عليه والتزام عبوديته ومن المعلوم أيضا أن الأرواح منها الخبيث الذي لا أخبث منه ومنها الطيب وبين ذلك وكذلك القلوب منها القلب الشريف الزكي والقلب الخسيس الخبيث وهو سبحانه خلق الأضداد كما خلق الليل والنهار والبرد والحر والداء والدواء والعلو والسفل وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لاستقرار هذه النعم فيها وإيداعها عندها ويزكو بذرها فيها فيكون تخصيصه لها بهذه النعمة كتخصيص الأرض الطيبة القابلة للبذر بالبذر فليس من الحكمة أن يبذر البر في الصخور والرمال والسباخ وفاعل ذلك غير حكيم فما الظن ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة في المحال التي هي أخبث المحال
فالله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة وتعظيم المرسل

والقيام بحقه والصبر على أوامره والشكر لنعمه والتقرب إليه ومن لا يصلح لذلك وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله والقيام بخلافتهم وحمل ما بلغوه عن ربهم قال عبدالله بن مسعود إن الله نظر في قلوب العباد فرأى قلب محمد خير قلوب أهل الأرض فاختصه برسالته ثم نظر في قلوب العباد فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته وفي أثر بني إسرائيل أن الله تعالى قال لموسى أتدري لم اخترتك لكلامي قال لا يا رب قال إني نظرت في قلوب العباد فلم أر فيها أخضع من قلبك لي أو نحو هذا
فالرب سبحانه إذا علم من محل أهلية لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده حبب إليه ذلك ووضعه فيه وكتبه في قلبه ووفقه له وأعانه عليه ويسر له طرقه وأغلق دونه الأبواب التي تحول بينه وبين ذلك ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره وتربيته أحسن من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذي هو أحب شيء إليه فلا يزال يعامله بلطفه ويختصه بفضله ويؤثره برحمته ويمده بمعونته ويؤيده بتوفيقه ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به فيزداد العبد به معرفة وله محبة وإليه إنابة وعليه توكلا ولا يتولى معه غيره ولا يعبد معه سواه وهذا هو الذي عرف قدر النعمة وعرف المنعم وأقر بنعمته وصرفها في مرضاته واقتضت حكمة الرب وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر في هذا القلب بذرة الإيمان والمعرفة وسقاه ماء العلم النافع والعمل الصالح وأطلع عليه من نوره شمس الهداية وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة فأنبتت أرضه الزاكية من كل زوج كريم كما في الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي قال مثل ما بعثني الله من من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت

الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقي الناس وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به فمثل القلوب بالأرض التي هي محل النبات والثمار ومثل الوحي الذي وصل إليها من بارئها وفاطرها بالماء الذي ينزله على الأرض فمن الأرض أرض طيبة قابلة للماء والنبات فلما أصابها الماء أنبتت ما انتفع به الآدميون البهائم وأقوات المكلفين وغيرهم وهذه بمنزلة القلب القابل لهدى الله ووحيه المستعد لزكائه فيه وثمرته ونمائه وهذا خير قلوب العالمين ومن الأرض ارض صلبة منخفضة غير مرتفعة ولا رابية قابلة لحفظ الماء واستقراره فيها ففيها قوة الحفظ وليس فيها قوة النبات فلما حصل فيها الماء أمسكته وحفظته فورده الناس لشربهم وشرب مواشيهم وسقوا منه زروعهم وهذا بمنزلة القلب الذي حفظ الوحي وضبطه وأداه إلى من هو أفهم له منه وأفقه منه وأعرف بمراده وهذا في الدرجة الثانية ومن الأرض أرض قيعان وهي المستوية التي لا تنبت إما لكونها سبخة أو رمالا ولا يستقر فيها الماء فإذا وقع عليها الماء ذهب ضائعا لم تمسكه لشرب الناس ولم تنبت به كلأ لأنها غير قابلة لحفظ الماء ولا لنبات الكلإ والعشب وهذا حال أكثر الخلق وهم الأشقياء الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسا ومن كان بهذه المثابة فليس من المسلمين بل لا بد لكل مسلم أن يزكو الوحي في قلبه فينبت من العمل الصالح والكلم الطيب ونفع نفسه وغيره بحسب قدرته فمن لم ينبت قلبه شيئا من الخير ألبتة فهذا من أشقى الأشقياء

فصلوات الله وسلامه على من الهدى والبيان والشفاء والعصمة في كلامه وفي أمثاله
والمقصود أن الله سبحانه أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه ومن يصلح لها ومن لا يصلح وأن حكمته تأبى أن يضع ذلك عند غير أهله كما تأبى أن يمنعه من يصلح له وهو سبحانه الذي جعل المحل صالحا وجعله أهلا وقابلا فمنه الإعداد والإمداد ومنه السبب والمسبب ومن اعترض بقوله فهلا جعل المحال كلها كذلك وجعل القلوب على قلب واحد فهو من أجهل الناس وأضلهم وأسفههم وهو بمنزلة من يقول لم خلق الأضداد وهلا جعلها كلها سببا واحدا فلم خلق الليل والنهار والفوق والتحت والحر والبرد والدواء والداء والشياطين والملائكة والروائح الطيبة والكريهة والحلو والمر والحسن والقبيح وهل يسمح خاطر من له أدنى مسكة من عقل بمثل هذا السؤال الدال على حمق سائله وفساد عقله وهل ذلك إلا موجب ربوبيته وإلهيته وملكه وقدرته ومشيئته وحكمته ويستحيل أن يتخلف موجب صفات كماله عنها وهل حقيق الملك إلا بإكرام الأولياء وإهانة الأعداء وهل تمام الحكمة وكمال القدرة إلا بخلق المتضادات والمختلفات وترتيب آثارها عليها وإيصال ما يليق بكل منها إليه وهل ظهور آثار أسمائه وصفاته في العالم إلا من لوازم ربوبيته وملكه فهل يكون رزاقا وغفارا وعفوا وحليما ورحيما ولم يوجد من يرزقه ولا من يغفر له ويعفو عنه ويحلم عنه ويرحمه وهل انتقامه إلا من لوازم ربوبيته وملكه فممن ينتقم إن لم يكن له أعداء ينتقم منهم ويري أولياءه كمال نعمته عليهم واختصاصه إياهم دون غيرهم بكرامته وثوابه وهل في الحكمة الإلهية تعطيل الخير الكثير لأجل شر جزئي يكون من لوازمه فهذا الغيث الذي يحيي به الله البلاد والعباد والشجر والدواب كم يحبس من مسافر ويمنع من قصاد ويهدم من بناء ويعوق من مصلحة ولكن أين هذا مما يحصل به من المصالح وهل هذه المفاسد في جنب مصالحه إلا كتفلة في

بحر وهل تعطيله لئلا تحصل به هذه المفاسد إلا موجبا لأعظم المفاسد والهلاك وهذه الشمس التي سخرها الله لمنافع عباده وإنضاج ثمارهم وأقواتهم وتربية أبدانهم وأبدان الحيوانات والطير وفيها من المنافع والمصالح ما فيها كم تؤذي مسافرا وغيره بحرها وكم تجفف رطوبة وكم تعطش حيوانا وكم تحبس عن مصلحة وكم تنشف من مورد وتحرق من زرع ولكن أين يقع هذا في جنب ما فيها من المنافع والمصالح الضرورية المكملة فتعطيل الخير الكثير لأجل الشر اليسير شر كثير وهو خلاف موجب الحكمة الذي تنزه الله سبحانه عنه
قلت لشيخ الإسلام فقد كان من الممكن خلق هذه الأمور مجردة عن المفاسد مشتملة على المصلحة الخالصة فقال خلق هذه الطبيعة بدون لوازمها ممتنع فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال ولو خلقت على غير هذا الوجه لكانت غير هذه ولكان عالما آخر غير هذا قال ومن الأشياء ما تكون ذاته مستلزمة لنوع من الأمور لا ينفك عنه كالحركة مثلا المستلزمة لكونها لا تبقى فإذا قيل لم لم تخلق الحركة المعينة باقية قيل لأن ذات الحركة تتضمن النقلة من مكان إلى مكان والتحول من حال إلى حال فإذا قدر ما ليس كذلك لم يكن حركة ونفس الإنسان هي في ذاتها جاهلة عاجزة فقيرة كما قال تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وإنما يأتيها العلم والقدرة والغنى من الله بفضله ورحمته فما حصل لها من كمال وخير فمن الله وما حصل لها من عجز وفقر وجهل يوجب الظلم والشر فهو منها ومن حقيقتها وهذه أمور عدمية وليس لها من نفسها وجود ولا كمال والأمور العدمية من لوازم وجودها ولو جعلت على غير ذلك لم تكن هي هذه النفس الإنسانية بل مخلوقا آخر

فحقيقة نفس الإنسان جاهلة ظالمة فقيرة محتاجة والشر الذي يحصل لها نوعان عدم ووجود فالأول كعدم العلم والإيمان والصبر وإرادة الخيرات وعدم العمل بها وهذا العدم ليس له فاعل إذ العدم المحض لا يكون له فاعل لأن تأثير الفاعل إنما هو في أمر وجودي وكذلك عدم استعدادها للخيرات والكمالات هو عدم محض ليس له فاعل فإن العدم ليس بشيء أصلا وما ليس بشيء لا يقال إنه مفعول لفاعل فلا يقال إنه من الله إنما يحتاج إلى الفاعل الأمور الوجودية ولهذا من قول المسلمين كلهم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فكل كائن فبمشيئته كان وما لم يكن فلعدم مشيئته والعدم يعلل بعدم السبب أو الشرط تارة وبوجود المانع أخرى وقد يقال علة العدم عدم العلة وبعض الناس يقول الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح فلا يوجد إلا بسبب ولا يعدم إلا بسبب قال والتحقيق في هذا أن العدم ليس له فاعل ولا علة فاعلة أصلا وإذا أضيف إلى عدم السبب أو عدم الشرط فمعناه الملازمة أي عدم العلة استلزم عدم المعلول وعدم الشرط استلزم عدم المشروط فإذا قيل عدم لعدم علة مستلزمة لعدمه والنفس تطلب سبب العدم فتقول لم لم يوجد كذا فيقال لعدم كذا فيضاف عدم المعلوم إلى عدم علته لا إضافة تاثير ولكن إضافة استلزام وتعريف وأما التعليل بالمانع فلا يكون إلا مع قيام السبب إذا جعل المانع مقتضيا للعدم وأما إذا أريد قياس الدلالة فوجود المانع يستلزم عدم الحكم سواء كان المقتضي موجودا أو لم يكن
والمقصود أن ما عدمته النفس من كمالها فمنها فإنها لا تقتضي إلا لعدم أي عدم استعداد نفسها وقوتها هو السبب في عدم هذا الكمال فإنه كما يكون أحاد الوجودين سببا للآخر فكذلك أحد العدمين يكون سببا لعدم الآخر والموجود الحادث يضاف إلى السبب المقتضي لإيجاده وأما المعدوم فلا

يحتاج استمراره على العدم إلى فاعل يحدث العدم بل يكفي في استمراره عدم مشيئة الفاعل المختار له فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لانتفاء مشيئته فانتفاء مشيئة كونه سبب عدمه وهذا معنى قولهم عدم علة الوجود علة العدم وبهذا الاعتبار الممكن القابل للوجود والعدم لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح فمرجح عدمه عدم مرجحه ومعنى الترجيح والسببية ههنا الاستلزام لا التأثير كما تقدم فظهر استحالة إضافة هذا الشر إلى الله عز و جل
وأما الشر الثاني وهو الشر الوجودي كالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة فهو من لوازم ذلك العدم فإنه متى عدم ذلك العلم النافع والعمل والصالح من النفس لزم أن يخلفه الشر والجهل وموجبهما ولا بد لأن النفس لا بد لها من أحد الضدين فإذا لم تشتغل بالضد النافع الصالح اشتغلت بالضد الضار الفاسد وهذا الشر الوجودي هو من خلقه تعالى إذ لا خالق سواه وهو خالق كل شيء لكن كل ما خلقه الله فلا بد أن يكون له في خلقه حكمة لأجلها خلقه لو لم يخلقه فاتت تلك الحكمة وليس في الحكمة تفويت هذه الحكمة التي هي أحب إليه سبحانه من الخير الحاصل بعدمها فإن في وجودها من الحكمة والغايات التي يحمد عليها سبحانه أضعاف ما في عدمها من ذلك ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع وليس في الحكمة تفويت هذه الحكمة العظيمة لأجل ما يحصل للنفس من الشر مع ما حصل من الخيرات التي لم تكن تحصل بدون هذا الشر ووجود الشيء لا يكون إلا مع وجود لوازمه وانتفاء أضداده فانتفاء لوازمه يكون ممتنعا لغيره وحينئذ فقد يكون هدي هذه النفوس الفاجرة وشهادتها مشروطا بلوازم لم تحصل أو بانتفاء أضداد لم تنتف
فإن قيل فهلا حصلت تلك اللوازم وانتفت تلك الأضداد فهذا هو السؤال الأول وقد بينا أن لوازم هذا الخلق وهذه النشأة وهذا العالم لا بد

منها فلو قدر عدمها لم يكن هذا العالم بل عالما لا بد منها ونشأة أخرى وخلقا آخر وبينا أن هذا السؤال بمنزلة أن يقال هلا تجرد الغيث والأنهار عما لا يحصل به من تغريق وتخريب وأذى وهلا تجردت الشمس عما يحصل منها من حر وسموم وأذى وهلا تجردت طبيعة الحيوان عما يحصل له من ألم وموت وغير ذلك وهلا تجردت الولادة عن مشقة الحمل والطلق وألم الوضع هلا تجرد بدن الإنسان عن قبوله للآلام والأوجاع واختلاف الطبائع الموجبة لتغير أحواله وهلا تجردت فصول العام عما فيها من البرد الشديد القاتل والحر الشديد المؤذي فهل يقبل عاقل هذا السؤال أو يورده وهل هذا إلا بمنزلة أن يقال لم كان المخلوق فقيرا محتاجا والفقر والحاجة صفة نقص فهلاتجرد منها وخلعت عليه خلعة الغنى المطلق والكمال المطلق فهل يكون مخلوقا إذا كان غنيا غنى مطلقا ومعلوم أن لوازم الخلق لا بد منها فيه ولا بد للعلو من سفل والسفل من مركز ولوازم العلو من السعة والإضاءة والبهجة والخيرات وما هناك من الأرواح العلوية النيرة المناسبة لمحلها وما يليق بها ويناسبها من الإبتهاج والسرور والفرح والقوة والتجرد من علائق المواد العلية لا بد منها ولوازم السفل والمركز من الضيق والحصر ولوازم ذلك من الظلمة والغلظ والشر وما هنالك من الأرواح السفلية المظلمة الشريرة وأعمالها وآثارها لا بد منها فهما عالمان علوي وسفلي ومحلان وساكنان تناسبهما مساكنهما وأعمالهما وطبائعهما وقد خلق كلا من المحلين معمورا بأهليه وساكنيه حكمة بالغة وقدرة قاهرة وكل من هذه الأرواح لا يليق بها غير ما خلقت له مما يناسبها ويشاكلها قال تعالى قل كل يعمل على شاكلته أي على ما يشاكله ويناسبه ويليق به كما يقول الناس كل إناء بالذي فيه ينضح فمن أرادت من الأرواح الخبيثة السفلية أن تكون مجاورة للأرواح الطيبة العلوية في مقام الصديق

بين الملأ الأعلى فقد أرادت ما تأباه حكمة أحكم الحاكمين ولو أن ملكا من ملوك الدنيا جعل خاصته وحاشيته سفلة الناس وسقطهم وغرتهم الذين تتناسب أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم في القبح والرداءة والدناءة لقدح الناس في ملكه وقالوا لا يصلح للملك فما الظن بمجاوري الملك الأعظم مالك الملوك في داره وتمتعهم برؤية وجهه وسماع كلامه ومرافقتهم للملأ الأعلى الذين هم أطيب خلقه وأزكاهم وأشرفهم أفيليق بذلك الرفيق الأعلى والمحل الأسنى والدرجات العلى روح سفلية أرضية قد أخلدت إلى الأرض وعكفت على ما تقتضيه طبائعها مما تشارك فيه بل قد تزيد على الحيوان البهيم وقصرت همتها عليه وأقبلت بكليتها عليه لا ترى نعيما ولا لذة ولا سرورا إلا ما وافق طباعها من كل مأكل ومشرب ومنكح من أين كان وكيف اتفق فالفرق بينها وبين الحمير والكلاب والبقر بانتصاب القامة ونطق اللسان والأكل باليد وإلا فالقلب والطبع على شاكلة قلوب هذه الحيوانات وطباعها وربما كانت طباع الحيوانات خيرا من طباع هؤلاء وأسلم وأقبل للخير ولهذا جعلهم الله سبحانه شر الدواب فقال تعالى إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون فهل يليق بحكمة العزيز الحكيم أن يجمع بين خير البرية وأزكى الخلق وبين شر البرية وشر الدواب في دار واحدة يكونون فيها على حال واحدة من النعيم أو العذاب قال الله تعالى أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون فأنكر عليهم الحكم بهذا وأخرجه مخرج الإنكار لا مخرج الإخبار لينبه العقول على أن هذا مما تحيله الفطر وتأباه العقول السليمة وقال تعالى لا يستوي أصحاب

النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون وقال تعالى أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار وقال تعالى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب بل الواحد من الخلق لا تستوي أعاليه وأسافله فلا يستوي عقبه وعينه ولا رأسه ورجلاه ولا يصلح أحدهما لما صلح له الآخر فالله عز و جل قد خلق الخبيث والطيب والسهل والحزن والضار والنافع وهذه أجزاء الأرض منها ما يصلح جلاء للعين ومنها ما يصلح للأتون والنار وبهذا ونحوه يعرف كمال القدرة وكمال الحكمة فكمال القدرة بخلق الأضداد وكمال الحكمة تنزيلهامنازلها ووضع كل منها في موضعه والعالم من لا يلقي الحرب بين قدرة الله وحكمته فإن آمن بالقدرة قدح في الحكمة وعطلها وإن آمن بالحكمة قدح في القدرة ونقصها بل يربط القدرة بالحكمة ويعلم شمولها لجميع ما خلقه الله ويخلقه فكما أنه لا يكون إلا بقدرته ومشيئته فكذلك لا يكون إلا بحكمته وإذا كان لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة بهذا تفصيلا فيكفيها الإيمان بما تعلم وتشاهد منه ثم تستدل على الغائب بالشاهد وتعتبر ما علمت بما لم تعلم وقد ضرب الله الأمثال لعباده في كتابه وبين لهم ما في لوازم ما خلقه لهم وأنزله عليهم من الغيث الذي به حياتهم وأقواتهم وحياة الأرض والدواب وما خلقه لهم من المعادن التي بها صلاح أبدانهم وأقواتهم وصنائعهم من الشر والخير وبين المغمور بالإضافة إلى الخير الحاصل بذلك فقال تعالى أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية

أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال فأخبر سبحانه أن الماء بمخالطته سبسب الأرض إذا سال فلا بد من أن يحمل السيل من الغثاء والوسخ وغيره زبدا عاليا على وجه السيل فالذي لا يعرف ما تحت الزبد يقصر نظره عليه ولا يرى إلا غثاء ووسخا ونحو ذلك ولا يرى ما تحته من مادة الحياة وكذلك ما يستخرج من المعادن من الذهب والفضة والحديد والنحاس وغيرها إذا أوقد عليها في النار ليتهيأ الانتفاع بها خرج منها خبث ليس من جوهرها ولا ينتفع به وهذا لا بد منه في هذا وهذا يجاوزه بصره وقد ذم تعالى من ضعفت بصيرته من المنافقين وعمي عما في القرآن مما به ينال كل سعادة وعلم وهدى وصلاح وخير في الدنيا والآخرة لمن لم يجاوز بصره وسمعه وعود وعيده وبروقها وصواعقها وما أعد الله لأعدائه من عذابه ونكاله وخزيه وعقابه الذي هو بالإضافة إلى ما فيه من حياة القلوب والأرواح ومن المعارف الإلهية يبين طريق العبودية التي هي غاية كمال العبد وهو مقصود لتكميل ذلك وتمامه قال تعالى مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في إذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا فهكذا حال كل من قصر نظره في بعض مخلوقات الرب سبحانه على ما لا بد منه

من شر جزئي جدا بالإضافة إلىالخير الكثير ولو لم تكن في هذه النشأة الإنسانية إلا خاصته وأولياؤه من رسله وأنبيائه وأتباعهم لكفى بها خيرا ومصلحة ومن عاداهم وإن كانوا أضعاف أضعاف أضعافهم فهم كالقش والزبالة وغثاء السيل لا يعبأ بكثرتهم ولا يقدح في الحكمة الإلهية بل وجود الواحد الكامل من هذا النوع يغتفر معه لآلاف مؤلفة من النوع الآخر فإنه إذا وجد واحد يوازن البرية ويرجح عليها كان الخير الحاصل بوجوده والحكمة والمصلحة أضعاف الشر الحاصل من وجود أضداده وأثبت وأنفع وأحب إلى الله من فواته بتفويت ذلك الشر المقابل له وهذا كالشمس فإن الخير الحاصل بها أنفع للخلق وأكثر وأثبت وأصلح من تفويته بتفويت الشر المقابل له بها وأين نفع الشمس وصلاح النبات والحيوان بها من نفع الرسل وصلاح الوجود بهم بل أين ذلك من نفع سيد ولد آدم وصلاح الأبدان والدين والدنيا والآخرة به
وقد ضرب للنفس الإنسانية وما فيها من الخير والشر مثلا بدولاب أو طاحون شديد الدوران أي شيء خطفه ألقاه تحته وأفسده وعنده قيمه الذي يديره وقد أحكم أمره لينتفع به ولا يضر أحدا فربما جاء الغر الذي لا يعرف فيقترب منه فيخرق ثوبه أو بدنه أو يؤذيه فإذا قيل لصاحبه لم لم تجعله ساكنا لا يؤذي من اقترب منه قال هذه صفته اللازمة التي كان بها دولابا وطاحونا ولو جعل على غير هذه الصفة لم تحصل به الحكمة المطلوبة منه وكذلك إذا أوقدنا نار الأتون التي تحرق ما وقع فيها وعندها وقاد حاذق يحشوها فإذا غفل عنها أفسدت وإذا أراد أحد أن يقرب منها نهاه وحذره فإذا استغفله من قرب منها حتى أحرقته لم يقل لصاحب النار هلا قللت حرها لئلا تفسد من يقرب منها وتحرقه فإنه يقول هذه صفتها التي لا يحصل المقصود منها إلا بها ولو جعلتها دون ذلك لم تحرقه أحجار الكلس ولم تطبخ الآجر ولم تنضج الأطعمة الغليظة ونحو ذلك فما يحصل من الدولاب والطاحون ومن النار من نفعها هو من فضل الله

ورحمته وما يحصل بها من شر هو من طبيعتها التي خلقت عليها والتي لا تكون نارا إلا بها فلو خرجت عن تلك الطبيعة لم تكن نارا وكذلك النفس فما يحصل لها من شر فهو منها ومن طبيعتها ولوازم نقصها وعدمها وما يحصل لها من خير فهو من فضل الله ورحمته والله خالقها وخالق كل شيء قام بها من قدرة وإرادة وعلم وعمل وغير ذلك فأما الأمور العدمية فهي باقية على ما كانت عليه من العدم والإنسان جاهل ظالم بالضرورة كما قال تعالى وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا فإن الله أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا وهي ظالمة نفسها فهي الظالمة والمظلومة إذ كانت منقوصة من كمالها بعدم بعض الكمالات أو أكثرها بها وتلك الكمالات التي عدمت كان وجودها سببا لكمالات أخرى فصار عدمها مستلزما لعدم تلك الكمالات التي لا سعادة لها بدونها فإن أحد الموجودين قد يكون مشروطا بالآخر فيستحيل وجوده بدونه لأن عدم الشرط يستلزم عدم المشروط فإذا عدمت النفس هذا الكمال المستلزم لكمال آخر مثله أو أعلى منه وهي موصوفة بالنقص الذي هو الظلم والجهل ولوازمها من أصل الخلقة صارت مستلزمة للشر وقوة شرها وضعفه بحسب قوتها وضعفها في ذاتها وتأمل أول نقص دخل على أبي البشر وسرى إلى أولاده كيف كان من عدم العلم والعزم قال تعالى ولقد عهدنا إلى إدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما والنسيان سواء كان عدم العلم أو عدم الصبر كما فسر بهما ههنا فهو أمر عدمي ولهذا قال آدم لما رأى ما دخل عليه من ذلك ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين فإنه إذا اعترف بنقصه خص نفسه بما حصل لها من عدم العلم والصبر بالنسيان الذي أوجب فوات حظه من

الجنة ثم قال وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين فإنه سبحانه إن لم يغفر السيئات الوجودية فيمنع أثرها وعقابها ويق العبد من ذلك وإلا ضرته آثارها ولا بد كآثار الطعام المسموم إن لم يتداركه المداوي بشرب الترياق ونحوه وإلا ضره ولا بد وإن لم يرحمه سبحانه بإيجاد ما يصلح به النفس وتصير عالمة بالحق عاملة به وإلا خسر والمفغرة تمنع الشر والرحمة توجب الخير والرب سبحانه إن لم يغفر للإنسان فيقيه السيئات ويرحمه فيؤتيه الحسنات وإلا هلك ولا بد إذ عاد كما كان ظالما لنفسه ظلوما بنفسه فإن نفسه ليس عندها خير يحصل لها منها وهي متحركة بالذات فإن لم تتحرك للخير تحركت الى الشر فضرت صاحبها وكونها متحركة بالذات من لوازم كونها نفسا لأن ما ليس حساسا متحركا بالإرادة فليس نفسا ففي الصحيح عن النبي أصدق الأسماء حارث وهمام فالحارث الكاسب العامل والهمام الكثير الهم والهم مبدأ الإرادة فالنفس لا تكون إلا مريدة عاملة فإن لم توفق للإرادة

الصالحة وإلا وقعت في الإرادة الفاسدة والعمل الضار وقد قال تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين فأخبر سبحانه أن الإنسان خلق على هذه الصفة وإن من كان على غيرها فلأجل ما زكاه الله به من فضله وإحسانه وقال تعالى وخلق الإنسان ضعيفا قال طاوس ومقاتل وغيرهما لا يصبر عن النساء وقال الحسن هو خلقه من ماء مهين وقال الزجاج ضعف عزمه عن قهر الهوى والصواب أن ضعفه يعم هذا كله وضعفه أعظم من هذا وأكثر فإنه ضعيف البنية ضعيف القوة ضعيف الإرادة ضعيف العلم ضعيف الصبر والآفات إليه مع هذاالضعف أسرع من السيل في صيب الحدور فبالإضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فالهلاك أقرب إليه من نفسه وخلقه على هذه الصفة هو من الأمور التي يحمد عليها الرب سبحانه ويثنى عليه بها وهو موجب حكمته وعزته فكل ما يحدث من هذه الخلقة ويلزم عنها فهو بالنسبة إلى الخالق سبحانه خير وعدل وحكمة إذ مصدر هذه الخلقة عن صفات كماله من غناه وعلمه وعزته وحكمته ورحمته وبالنسبة إلى العبد تنقسم إلى خير وشر وحسن وقبيح كما تكون بالنسبةإليه طاعة ومعصية وبرا وفجورا بل أخص من ذلك مثل كونها صلاة وصياما وحجا وزنا وسرقة وأكلا وشربا إذ ذاك موجب حاجته وظلمه وجهله وفقره وضعفه وموجب أمر الله ونهيه ولله سبحانه الحكمة البالغة والنعمة السابغة والحمد المطلق على جميع ما خلقه وأمر به وعلى مالم يخلقه مما لو شاءه لخلقه وعلى توفيقه الموجب لطاعته وعلى خذلانه الموقع في معصيته وهو سبحانه سبقت رحمته غضبه وكتب على نفسه

الرحمة وأحسن كل شيء خلقه وأتقن كل ما صنع وما يحصل للنفوس البشرية من الضرر والأذى فله في ذلك سبحانه أعظم حكمة مطلوبة وتلك الحكمة إنما تحصل على الوجه الواقع المقدر بما خلق لها من الأسباب التي لا تنال غاياتها إلا بها فوجود هذه الأسباب بالنسبة إلى الخالق الحكيم سبحانه هو من الحكمة ولهذا يقرن سبحانه في كتابه بين اسمه الحكيم واسمه العليم تارة وبين اسمه العزيز تارة كقوله والله عليم حكيم والله عزيز حكيم وقوله وكان الله عزيزا حكيما وكان الله عليما حكيما وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم فإن العزة تتضمن القوة ولله القوة جميعا يقال عز يعز بفتح العين إذا اشتد وقوي ومنه الأرض العزاز الصلبة الشديدة وعز يعز بكسر العين إذا امتنع ممن يرومه وعز يعز بضم العين إذا غلب وقهر فأعطوا أقوى الحركات وهي الضمة لأقوى المعاني وهو الغلبة والقهر للغير وأضعفها وهي الفتحة لأضعف هذه المعاني وهو كون الشيء في نفسه صلبا ولا يلزم من ذلك أن يمتنع عمن يرومه والحركة المتوسطة وهي الكسرة للمعنى المتوسط وهو القوي الممتنع عن غيره ولا يلزم منه أن يقهر غيره ويغلبه فأعطوا الأقوى للأقوى والأضعف للأضعف والمتوسط للمتوسط ولا ريب أن قهر المربوب عما يريده من أقوى أوصاف القادر فإن قهره عن إرادته وجعله غير مريد كان أقوى أنواع القهر والعز ضد الذل والذل أصله الضعف والعجز فالعز يقتضي كمال القدرة ولهذا يوصف به المؤمن ولا يكون ذما له بخلاف الكبر قال رجل للحسن البصري إنك متكبر فقال لست

بمتكبر ولكني عزيز وقال تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وقال ابن مسعود ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر وقال النبي اللهم أعز الإسلام بأحد هذين الرجلين عمر بن الخطاب أو أبي جهل بن هشام وفي بعض الآثار إن الناس يطلبون العزة في أبواب الملوك ولا يجدونها إلا في طاعة الله عز و جل وفي الحديث اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك وقال بعضهم من المعصية إلى عز الطاعة فالعزة من جنس القدرة والقوة وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من

المؤمن الضعيف وفي كل خير فالقدرة إن لم يكن معها حكمةبل كان القادر يفعل ما يريده بلا نظر في العاقبة ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته ويقصدها بفعله كان فعلها فسادا كصاحب شهوات الغي والظلم الذي يفعل بقوته ما يريده من شهوات الغي في بطنه وفرجه ومن ظلم الناس فإن هذا وإن كان له بقوة وعزة لكن لما لم يقترن بها حكمة كان ذلك معونة على شره وفساده وكذلك العلم كماله أن تقترن به الحكمة وإلا فالعالم الذي لا يريد ما تقتضيه الحكمة وتوجبه بل يريد ما يهواه سفيه غاو وعلمه عون على الشر والفساد هذا إذا كان عالما قادرا مريدا له إرادة من غير حكمة وإن قدر أنه لا إرادة له بحال فهذا أولا ممتنع من الحي فإن وجود الشعور بدون حب ولا بغض ولا إرادةممتنع كوجود إرادة بدون الشعور وأما القدرة والقوة إذا قدر وجودها بدون إرادة فهي كقوة الجماد فإن القوة الطبيعية التي هي مبدأ الفعل والحركة لا إرادة لها وقد قال بعض الناس إن للجماد شعورا يليق به واحتج بقوله تعالى وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وبقوله تعالى فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض وهذه المسألة كبيرة تحتاج إلى كلام لا يليق بهذا الموضع والمقصود أن العلم والقدرة المجردين عن الحكمة لايحصل بهما الكمال والصلاح وإنما يحصل ذلك بالحكمة معها واسمه سبحانه الحكيم يتضمن حكمته في خلقه وأمره في إرادته الدينية والكونية وهو حكيم في كل ما خلقه وأمر به

والناس في هذا المقام أربع طوائف
الطائفة الأولى الجاحدة لقدرته وحكمته فلا يثبتون له سبحانه قدرة ولا حكمة كما يقوله من ينفي كونه تعالى فاعلا مختارا وأن صدور العالم عنه بالإيجاب الذاتي لا بالقدرة والاختيار وهؤلاء يثبتون حكمة يسمونها عناية إلهية وهم من أشد الناس تناقضا إذ لا يعقل حكيم لا قدرة له ولا اختيار وإنما يسمون ما في العالم من المصالح والمنافع عناية إلهية من غير أن يرجع منها إلى الرب سبحانه إرادة ولا حكمة وهؤلاء كما أنهم مكذبون لجميع الرسل فإنهم مخالفون لصريح العقل والفطرة قد نسبوا للرب سبحانه أعظم النقبص وجعلوا كل قار مريد مختار أكمل منه وإن كان من كان بل سلبهم القدرة والاختيار والفعل عن رب العالمين شر من شرك عباد الأصنام به بكثير وشر من قول النصارى أنه تعالى عن قولهم ثالث ثلاثة وأن له صاحبة وولدا فإن هؤلاء أثبتوا له قدرة وإرادة واختيارا وحكمة ووصفوه مع ذلك بما لا يليق به وأما أولئك فنفوا ربوبيته وقدرته بالكلية وأثبتوا له أسماء لا حقائق لها ولا معنى
والطائفة الثانية أقرت بقدرته وعموم مشيئته للكائنات وجحدت حكمته وماله في خلقه من الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه التي يفعل لأجلها ويأمر لأجلها فحافظت على القدر وجحدت الحكمة وهؤلاء هم النفاة للتعليل والأسباب القوى والطبائع في المخلوقات فعندهم لا يفعل لشيء ولا لأجل شيء وليس في القرآن عندهم لام تعليل ولا باء تسبب وكل لام توهم التعليل فهي عندهم لام العاقبة وكل باء تشعر بالتسبب فهي عندهم باء المصاحبة وهؤلاء سلطوا نفاة القدر عليهم بما نفوه من الحكمة والتعليل والأسباب فاستطالوا عليهم بذلك فوجدوا مقالا واسعا بالشناعة فقالوا وشنعوا ولعمر والله إنهم لمحقون في أكثر ما شنعوا عليهم به إذ نفي الحكمة والتعليل والأسباب له من لوازم في غاية الشناعة والتزامها بمكابرة ظاهرة لعامة العقلاء

والطائفة الثالثة أقرت بحكمته وأثبتت الأسباب والعلل والغايات في أفعاله وأحكامه وجحدت كمال قدرته فنفت قدرته على شطر العالم وهو أشرف ما فيه من أفعال الملائكة والجن والإنس وطاعاتهم بل عندهم هذه كلها لاتدخل تحت مقدوره سبحانه ولا يوصف بالقدرة عليها ولا هي داخلة تحت مشيئته ولا ملكه وليس في مقدوره عندهم أن يجعل المؤمن مؤمنا والمصلي مصليا والموفق موفقا بل هو الذي تجعل نفسه كذلك وعندهم أن أفعال العباد من الملائكة والجن والإنس كانت بغير مشيئته واختياره فتعالى الله عن قولهم وهؤلاء سلطوا عليهم نفاة الحكمة والتعليل والأسباب فمزقوهم كل ممزق ووجدوا طريقا وسيعا إلى الشناعة عليهم وأبدوا تناقضهم فقالوا وشنعوا ورموهم بكل داهية وفي قدرة الرب سبحانه على شطر المملكة له لوازم في غاية الشناعة والقبح والفساد والتزامها مكابرة ظاهرة عند عامة العقلاء ونفي التزامها تناقض بين فصاروا بذلك بين التناقض وهو أحسن حالهم وبين التزام تلك العظائم التي تخرج عن الإيمان كما كان نفاة الحكمة والأسباب والغايات كذلك
فهدى الله الطائفة الرابعة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فآمنوا بالكتاب كله وأقروا بالحق جميعه ووافقوا كل واحدة من الطائفلتين على ما معها من الحق وخالفوهم فيما قالوه من الباطل فآنوا بخلق الله وأمره بقدره وشرعه وأنه سبحانه المحمود على خلقه وأمره وأنه له الحكمة البالغة والنعمة السابغة وأنه على كل شيء قدير فلا يخرج عن مقدوره شيء من الموجودات أعيانها وأفعالها وصفاتها كما لا يخرج عن علمه فكل ما تعلق به علمه من العالم تعلقت به قدرته ومشيئته وآمنوا مع ذلك بأن له الحجة على خلقه وأنه لا حجة لأحد عليه بل لله الحجة البالغة وأنه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم بل كان تعذيبهم منه عدلا منه وحكمة لا بمحض المشيئة المجردة عن السبب والحكمة كما

يقوله الجبرية ولا يجعلون القدر حجة لأنفسهم ولا لغيرهم بل يؤمنون به ولا يحتجون به ويعلمون أن الله سبحانه أنعم عليهم بالطاعات وأنها من نعمته عليهم وفلضله وإحسانه وأن المعاصي من نفوسهم الظالمة الجاهلة وأنهم هم جناتها وهم الذين اجترحوها ولا يحملونها على القضاء والقدر مع علمهم بشمول قضائه وقدره لما في العالم من خير وشر وطاعة وعصيان وكفر وإيمان وأن مشيئة الله سبحانه محيطة بذلك كإحاطة علمه به وأنه لو شاء ألا يعصى لما عصي وأنه تعالى أعز وأجل من أن يعصى قسرا والعباد أقل من ذلك وأهون وأنه ما شاء الله كان وكل كائن فهو بمشيئته ومالم يشأ لم يكن وما لم يكن فلعدم مشيئته فله الخلق والأمر وله الملك والحمد وله القدرة التامة والحكمة الشاملة البالغة فهذه الطائفة هم أهل البصر التام والأولى لهم العمى المطلق والثانية والثالثة كل طائفة منهما لها عين عمياء ومع هذا فسرى العمى من العين العمياء إلى العين الصحيحة فأعماها ولا يستكثر تكرار هذه الكلمات من يعلم شدة الحاجة إليها وضرورة النفوس إليها فلو تكررت ما تكررت فالحاجة إليها في محل الضرورة والله المستعان

فصل في إثبات الحمد كله لله عز و جل
ويجمع هذين الأصلين العظيمين أصل ثالث هو عقد نظامهما وجامع شملهما وبتحقيقه وإثباته على وجهه يتم بناء هذين الأصلين وهو إثبات الحمد كله لله رب العالمين فإنه المحمود على ما خلقه وأمر به ونهى عنه فهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار والملائكة والشياطين وعلى خلق الرسل وأعدائهم وهو المحمود على عدله في أعدائه كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه فكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده ولهذا سبح بحمده السموات السبع الأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده وكان في قول النبي عند الاعتدال من الركوع ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد فله سبحانه الحمد حمدا يملأ المخلوقات والفضاء الذي بين

السماوات والأرض ويملأ ما يقدر بعد ذلك مما يشاء الله أن يملأ بحمده وذاك يحتمل أمرين أحدهما أن يملأ ما يخلقه الله بعد السموات والأرض والمعنى أن الحمد ملء ما خلقته وملء ما تخلقه بعد ذلك الثاني أن يكون المعنى ملء ما شئت من شيء بعد يملؤه حمدك أي يقدر مملوءا بحمدك وإن لم يكن موجودا ولكن يقال المعنى الأول أقوى لأن قوله ما شئت من شيء بعديقتضي أنه شيء يشاؤه وما شاء كان والمشيئة متعلقة بعينه لا بمجرد ملء الحمد له فتأمله لكنه إذا شاء كونه فله الحمد ملؤه فالمشيئة راجعة إلى المملوء بالحمد فلا بد أن يكون شيئا موجودا يملؤه حمده وأيضا فإن قوله من شيء بعد يقتضي أنه شيء يشاؤه سبحانه بعد هذه المخلوقات كما يخلقه بعد ذلك من مخلوقاته من القيامة وما بعدها
ولو أريد تقدير خلقه لقيل وملء ما شئت من شيء مع ذلك لأن المقدر يكون مع المحقق وأيضا فإنه لم يقل ملء ما شئت أن يملأه الحمد بل قال ما شئت والعبد قد حمد حمدا أخبر به وإن ثناءه ووصفه بأنه يملأ ما خلقه الرب سبحانه وما يشاء بعد ذلك وأيضا فقوله وملء ما شئت من شيء بعد يقتضي إثبات مشيئة تتعلق بشيء بعد ذلك وعلى الوجه الثاني قد تتعلق المشيئة بملءالمقدر وقد لا تتعلق وأيضا فإذا قيل ما شئت من شيء بعد ذلك كان الحمد مالئا لما هو موجود يشاؤه الرب دائما ولا ريب أن له الحمد دائما في الأولى والآخرة وأما إذا قدر ما يملؤه الحمد وهو غير موجود فالمقدرات لا حد لها وما من شيء منها إلا يمكن تقدير شيء بعده وتقدير ما لا نهاية له كتقدير الأعداد ولو أريد هذا المعنى لم يحتج إلى تعليقه بالمشيئة بل قيل ملء ما لا يتناهى فأما ما يشاؤه الرب فلا يكون إلا موجودا مقدرا وإن كان لا آخر لنوع الحوادث أو بقاء ما يبقى منها فهذا كله مما يشاؤه بعد وأيضا فالحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود على وجه الحب له ومحاسن المحمود تعالى إما

قائمة بذاته وإما ظاهرة في مخلوقاته فأما المعدوم المحض الذي لم يخلق ولا خلق قط فذاك ليس فيه محاسن ولا غيرها فلا محامد فيه البتة فالحمد لله الذي يملأ المخلوقات ما وجد منها ويوجد هو حمد يتضمن الثناء عليه بكماله القائم بذاته والمحاسن الظاهرة في مخلوقاته وأما مالا وجود له فلا محامد فيه ولا مذام فجعل الحمد مالئا له لا حقيقة له
وقد اختلف الناس في معنى كون حمده يملأ السموات والأرض وما بينهما فقالت طائفة على جهة التمثيل أي لو كان أجساما لملأ السموات والأرض وما بينهما قالوا فإن الحمد من قبيل المعاني والأعراض التي لا تملأ بها الأجسام ولا تملأ الأجسام إلا بالأجسام والصواب أنه لا يحتاج إلى هذا التكلف البارد فإن ملء كل شيء يكون بحسب المالىء والمملوء فإذا قيل امتلأت الإناء ماء وامتلأت الجفنة طعاما فهذا الامتلاء نوع وإذا قيل امتلأت الدار رجالا وامتلأت المدينة خيلا ورجالا فهذا نوع آخر وإذا قيل امتلأ الكتاب سطورا فهذا نوع آخر وإذا قيل امتلأت مسامع الناس حمدا أو ذما لفلان فهذا نوع آخر كما في أثر معروف أهل الجنة من امتلأت مسامعه من ثناء الناس عليه وأهل النار من امتلأت مسامعه من ذم الناس له وقال عمر بن الخطاب في عبدالله بن مسعود كنيف مليء علما ويقال فلان علمه قد ملأ الدنيا وكان يقال ملأ

ابن أبي الدنيا الدنيا علما ويقال صيت فلان قد ملأ الدنيا وضيق الآفاق وحبه قد ملأ القلوب وبغض فلان قد ملأ القلوب وامتلأ قلبه رعبا وهذا أكثر من أن تستوعب شواهده وهو حقيقة في بابه وجعل الملء والامتلاء حقيقة للأجسام خاصة تحكم باطل ودعوى لا دليل عليها البتة والأصل الحقيقة الواحدة والاشتراك المعنوي هو الغالب على اللغة والأفهام والاستعمال فالمصير إليه أولى من المجاز والاشتراك وليس هذا موضع تقرير المسألة
والمقصود أن الرب أسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم سوء وأوصافه كلها كمال ليس فيها صفة نقبص وأفعاله كلها حكمة ليس فيها فعل خال عن الحكمة والمصلحة وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم موصوف بصفة الكمال مذكور بنعوت الجلال منزه عن الشبيه والمثال ومنزه عما يضاد صفات كماله فمنزه عن الموت المضاد للحياة وعن السنة والنوم والسهو والغفلة المضاد للقيومية وموصوف بالعلم منزه عن أضداده كلها من النسيان والذهول وعزوب شيء عن علمه موصوف بالقدرة التامةمنزه عن ضدها من العجز واللغوب والإعياء موصوف بالعدل المنزه عن الظلم موصوف بالحكمة منزه عن العبث موصوف بالسمع والبصر منزه عن أضدادهما من الصمم والبكم موصوف بالعلو والفوقية منزه عن أضدا ذلك موصوف بالغنى التام منزه عما يضاده بوجه من الوجوه ومستحق للحمد كله فيستحيل أن يكون غير محمود كما يستحيل أن يكون غير قادر ولا خالق ولا حي وله الحمد كله واجب لذاته فلا يكون إلا محمودا كما لا يكون إلا إلها وربا وقادرا

فإذا قيل الحمد كله لله فهذا له معنيان أحدهما أنه محمود على كل شيء وبكل ما يحمد به المحمود التام وإن كان بعض خلقه يحمد أيضا كما بحمد رسله وأنبياؤه وأتباعهم فلذلك من حمده تبارك وتعالى بل هو المحمود بالقصد الأول وبالذات وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده فهو المحمود أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وهذا كما أنه بكل شيء عليم وقد علم غيره من علمه مالم يكن يعلمه بدون تعليمه وفي الدعاء المأثور اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أسألك من الخير كله وأعوذ بك من الشر كله وهو سبحانه له الملك وقد آتى من الملك بعض خلقه وله الحمد وقد آتى غيره من الحمد ما شاء وكما أن ملك الخلوق داخل في ملكه فحمده أيضا داخل في حمده فما من محمود يحمد على شيء مما دق أو جل إلا والله المحمود عليه بالذات والأولوية أيضا وإذا قال اللهم لك الحمد فالمراد به أنت المستحق لكل حمد ليس المراد به الحمد الخارجي فقط المعنى الثاني أن يقال لك الحمد كله أي الحمد التام الكامل فهذا مختص بالله ليس لغيره فيه شركة والتحقيق أن له الحمد بالمعنيين جميعا فله عموم الحمد وكماله وهذا من خصائصه سبحانه فهو المحمود على كل حال وعلى كل شيء أكمل حمد وأعظمه كما أن له الملك التام العام فلا يملك كل شيء إلا هو وليس الملك التام الكامل إلا له وأتباع الرسل يثبتون له كمال الملك وكمال الحمد فإنهم يقولون إنه خالق كل شيء وربه ومليكه لا يخرج عن خلقه وقدرته ومشيئته شيء البتة فله الملك كله والقدرية المجوسية يخرجون من ملكه أفعال العباد ويخرجون سائر حركات الملائكة والجن والإنس عن ملكه وأتباع الرسل يجعلون ذلك كله داخلا في ملكه وقدرته ويثبتون كمال الحمد أيضا وأنه المحمود على جميع ذلك وعلى كمال الحمد أيضا وأنه المحمود على

جميع ذلك وعلى كل ما خلقه ويخلقه لما له فيه من الحكم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل وأما نفاة الحكمة والأسباب من مثبتي القدر فهم في الحقيقة لا يثبتون له حمدا كما لا يثبتون له الحكمة فإن الحمد من لوازم الحكمة والحكمة إنما تكون في حق من يفعل شيئا لشيء فيريد بما يفعله الحكمة الناشئة من فعله فأما من لا يفعل شيئا لشيء البتة فلا يتصور في حقه الحكمة وهؤلاء يقولون ليس في افعاله وأحكامه لام التعليل وما اقترن بالمفعولات من قوى وطبائع ومصالح فإنما اقترنت بها اقترانا عاديا لا أن هذا كان لأجل هذا ولا نشأ السبب لأجل المسبب بل لا سبب عندهم ولا مسبب البتة إن هو إلا محض المشيئة وصرف الإراة التي ترجح مثلا على مثل بل لا مرجح أصلا وليس عندهم في الأجسام طبائع وقوى تكون أسبابا لحركاتها ولا في العين قوة امتازت بها على الرجل يبصر بها ولا في القلب قوة يعقل بها امتاز بها عن الظهر بل خص سبحانه أحد الجسمين بالرؤية والعقل والذوق تخصيصا لمثل على مثل بلا سبب أصلا ولا حكمة فهؤلاء لم يثبتوا له كمال الحمد كما لم يثبت له أولئك كمال الملك وكلا القولين منكر عند السلف وجمهور الأمة ولهذا كان منكرو الأسباب والقوى والطبائع يقولون العقل نوع من العلوم الضرورية كما قاله القاضيان أبو بكر بن الطيب وأبو يعلى بن الفراء وأتباعهما وقد نص أحمد على أنه غريزة وكذلك الحارث المحاسبي وغيرهما فأولئك لا يثبتون غريزة ولا قوة ولا طبيعة ولا سببا وأبطلوا مسميات هذه الأسماء جملة وقالوا إن ما في الشريعة من المصالح والحكم لم يشرع الرب سبحانه ما شرع من الأحكام لأجلها بل اتفق اقترانها بها أمرا اتفاقيا كما قالوا نظير ذلك في المخلوقات سواء والعلل عندهم أمارات محضة لمجرد الاقتران الاتفاقي وهم فريقان أحدهما لا يعرجون على المناسبات ولا يثبتون العلل بها البتة وإنما يعتمدون على تأثير العلة بنص أو إجماع فإن فقدوا فزعوا إلى الأقيسة الشبيهة

والفريق الثاني أصلحوا المذهب بعض الإصلاح وقربوه بعض الشيء وأزالوا تلك النفرة عنه فأثبتوا الأحكام بالعلل والعلل بالمناسبات والمصالح ولم يمكنهم الكلام في الفقه إلا بذلك ولكن جعلوا اقتران أحكام تلك العلل والمناسبات بها اقترانا عاديا غير مقصود في نفسه والعلل والمناسبات أمارات ذلك الاقتران وهؤلاء يستدلون على إثبات علم الرب بما في مخلوقاته من الأحكام والإتقان والمصالح وهذا تناقض بين منهم فإن ذلك إنما يدل إذا كان الفاعل يقصد أن يفعل الفعل على وجه مخصوص لأجل الحكمة المطلوبة منه وأما من لم يفعل لأجل ذلك الإحكام والإتقان وإنما اتفق اقترانه بمفعولاته عادة فإن ذلك الفعل لا يدل على العلم ففي أفعال الحيوانات من الإحكام والإتقان والحكم ما هو معروف لمن تأمله ولكن لما لم تكن تلك الحكم والمصالح مقصودة لها لم تدل على علمها والمقصود أن هؤلاء إذا قالوا إنه تعالى لا يفعل لحكمة امتنع عندهم أن يكون الإحكام دليلا على العلم وأيضا فعلى قولهم يمتنع أن يحمد على فعله لأمر ما حصل للعباد من نفع فهو سبحانه لم يقصد بما خلقه نفعهم ولا خلقه لنفعهم ومصالحهم بل إنما أراد مجرد وجوده لا لأجل كذا ولا لنفع أحد ولا لضره فكيف يتصور في حق من يكون فعله ذلك حمد فلا يحمد على فعل عدل ولا على ترك ظلم لأن الظلم عندهم هو الممتنع الذي لا يدخل في المقدور وذلك لا يمدح أحد على تركه وكل ما أمكن وجوده فهو عندهم عدل فالظلم مستحيل عندهم إذ هو عبارة عن الممتنع المستحيل لذاته الذي لا يدخل تحت المقدور ولا يتصور فيه ترك اختياري فلا يتيعلق به حمد وإخباره تعالى عن نفسه بقيامه بالقسط حقيقته عندهم مجرد كونه فاعلا لا أن هناك شيا هو قسط في نفسه يمكن وجود ضده وكذلك قوله وما ربك بظلام للعبيد نفي عندهم لما

هو مستحيل في نفسه لا حقيقة له كجعل الجسم في مكانين في آن واحد وجعله موجودا معدوما في آن واحد فهذا ونحوه عندهم هو الظلم الذي تنزه عنه وكذلك قوله يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا فالذي حرمه على نفسه هو المستحيل الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين وليس هناك ممكن يكون ظلما في نفسه وقد حرمه على نفسه ومعلوم أنه لا يمح الممدوح بترك ما لو أراده لم يقدر عليه وأيضا فإنه قال وجعلته محرما بينكم فالذي حرمه على نفسه هو الذي جعله محرما بين عباده وهو الظلم المقدور الذي يستحق تاركه الحمد والثناء والذي أوجب لهم هذا مناقضة القدرية المجوسية ورد أصولهم وهدم قواعدهم ولكن ردوا باطلا بباطل وقابلوا بدعة ببدعة وسلطوا عليهم خصومهم بما التزموه من الباطل فصارت الغلبة بينهم وبين خصومهم سجالا مرة يغلبون ومرة يغلبون لم يستقر لهم النصرة وإنما النصرة الثابتة لأهل السنة المحضة الذين لم يتحيزوا إلى فئة غير رسول الله ولم يلتزموا غير ما جاء به ولم يؤصلوا أصلا ببدعة يسلطون عليهم به خصومهم بل أصلهم ما دل عليه كتاب الله وكلام رسوله وشهدت به الفطر والعقول

فصل في بيان أن حمده تعالى شامل لكل ما يحدثه
والمقصود بيان شمول حمده سبحانه وحكمته لك ما يحدثه من إحسان ونعمة وامتحان وبلية وما يقضيه من طاعة ومعصية والله تعالى محمود على ذلك مشكور حمد المدح وحمد الشكر أما حمد المدح فالله محمود على كل ما خلق إذ هو رب العالمين والحمد لله رب العالمين وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن إذا اقترن بواجبه من الإحسان والنعمة إذا اقترنت بالشكر صارت نعمه والامتحان والبلية إذا اقترنا بالصبر كانا نعمة والطاعة من أجل نعمه وأما المعصية فإذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضا وإن كان سببها مسخوطا مبغوضا للرب سبحانه ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة والاستغفار وهو سبحانه أفرح بتوبة عبده من الرجل إذا أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه فأيس منها ومن الحياة فنام ثم استيقظ فإذا بها قد تعلق خطامها في أصل شجرة فجاء حتى أخذها فالله أفرح بتوبة العبد حين يتوب إليه من هذا براحلته فهذا الفرح العظيم الذي لايشبهه شيء أحب إليه سبحانه من عدمه وله أسباب ولوازم لا بد منها وما يحصل لتقدير عدمه من الطاعات وإن كان محبوبا له فهذا الفرمح

أحب إليه بكثير ووجوده بدون لازمه ممتنع فله من الحكمة في تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغبة ونعمة سابغة هذا بالإضافة إلى الرب سبحانه وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفا على أسباب لا تحصل بدونها فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه وإن كان من الابتلاء والامتحان باعتبار صورته ونفسه والرب سبحانه محمود على الأمرين فإن اتصل بالذنب الآثار المحبوبة للرب سبحانه من التوبة والإنابة والذل والانكسار فهو عين مصلحة العبد والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية وإن لم يتصل به ذلك فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الزكية الطاهرة في الملأ الأعلى ومعلوم أن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها ومساكنة من تليق مساكنته ومجاورة الأرواح الخبيثة في المحل الأسفل فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأة له ولا يليق بها سواه والرب سبحانه محمود على ذلك أيضا كما هو محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان والإنعام القابلين له فما كل أحد قابلا لنعمته تعالى فحمده وحكمته تقتضي أن لا يودع نعمه وإحسانه وكنوزه في محل غير قابل لها ولا يبقى إلا أن يقال فما الحكمة في خلق هذه الأرواح التي هي غير قابلة لنعمته فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية وأن خلق الأضداد والمقابلات وترتيب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته وأن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية وأيضا فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن ينكرها بقلبه ويده ولسانه أو بقلبه ولسانه قط أو بقلبه فقط ومأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان فيترتب له على الإنكار والجهاد من مصالح قلبه ونفسه وبدنه ومصالح دنياه وآخرته ما لم يكن ينال بدون ذلك

والمقصود بالقصد الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أوليائه غاية الحكمة وكان في تمكين أهل الكفر والفسق والعصيان من ذلك إيصال إلى الكمال الذي يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والموالاة فيه والمعاداة فيه وبذل نفوسهم وأموالهم وقواهم له فإن تمام العبوديةلا يحصل إلا بالمحبة الصادقة وإنما تكون المحبة صادقة إذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة في مرضاة محبوبة والتقرب إليه فإن بذل له روحه يحصل إلا بها أن يخلق ذواتا وأسبابا وأعمالا وأخلاقا وطبائع تقتضي معاداة من يحبه ويؤثر مرضاته لها وعند ذلك تتحقق المحبة الصادقة من غيرها فكل أحد يحب الإحسان والراحة والدعة واللذة ويحب من يوصل إليه ذلك ويحصله له ولكن الشأن في أمر وراء هذا وهو محبته سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أكره شيء إلى النفوس وأشق شيء عليها مما لا يلائمها فعند حصول أسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته ويحب ما يحب ممن يحبه لأجل مخلوقاته فقط من المأكل والمشرب والمنكح والرياسة فإن أعطي منها رضي وإن منعها سخط وعتب على ربه وربما شكاه وربما ترك عبادته فلولا خلق الأضداد وتسليط أعدائه وامتحان أوليائه لم يستخرج خاص العبودية من عبيده الذين هم عبيده ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه والعطاء له والمنع له ولا عبودية بذل الأرواح والأموال والأولاد والقوى في جهاد أعدائه ومضرته ولا عبودية مفارقة الناس أحوج ما يكون إليهم عند لأجله في مرضاته ولا يتحيز إليهم وهو يرى محاب نفسه وملاذها بأيديهم فيرضى مفارقتهم ومشاققتهم وإيثار موالاة الحق عليهم فلولا الأضداد والأسباب التي توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار وأيضا فلولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد لم تحصل له فلضيلة الصبر وجهاد النفس ومنعها من خوضها وشهواتها محبة لله

وإيثارا لمرضاته وطلبا للزلفى لديه والقرب منه وأيضا فلولا ذلك لم تكن هذه النشأة الإنسانية إنسانية بل كانت ملكية فإن الله سبحانه خلق خلقه أطوارا فخلق الملائكة عقولا لا شهوات لها ولا طبيعة تتقاضى منها خلاف ما يراد من مادة نورية لا تقتضي شيئا من الآثار والطبائع المذمومة وخلق الحيوانات ذوات شهوات لا عقول لها وخلق الثقلين الجن والإنس وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة لآثارمختلفة بحسب موادها وصورها وتركيبها وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء وهم المعرضون للثواب والعقاب ولو شاء سبحانه لجعل خلقه على طبيعة خلق واحد ولم يفاوت بينهم لكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة وموجب الربوبية ومقتضى الإلهية ولو كان الخلق كله طبيعة واحدة ونمطا واحدا لوجد الملحد مقالا وقال هذا مقتضى الطبيعة ولو كان فاعلا بالاختيار لتنوعت أفعاله ومفعولاته ولفعل الشيء وضده والشيء وخلافه وكذلك لولا شهود هذه الحوادث المشهودة لوجد الملحد أيضا مقالا وقال لو كان لهذا العالم خالقا مختارا لوجدت فيه الحوادث على حسب إرادته واختياره كما روى الحسن أو غيره قال كان أصحاب محمد يقولون جل ربنا القديم إنه لو لم يتغير هذا الخلق لقال الشاك فيه إنه لو كان لهذا العالم خالق لأحدثه بينا هو ليل إذ جاء نهار وبينا هو نهار إذ جاء ليل بينا هو صحو إذ جاء غيم وبينا عو غيم إذ جاء صحو ونحو هذا من الكلام ولهذا يستدل سبحانه في كتابه بالحوادث تارة وباختلافها تارة إذ هذا وهذا يستلزم ربوبيته وقدرته واختياره ووقوع كل الكائنات على وفق مشيئته فتنوع أفعاله ومفعولاته من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه ولهذا خلق سبحانه النوع الإنساني أربعة أقسام
أحدها لا من ذكر ولا أنثي وهو خلق أبيهم واصلهم آدم
الثاني خلقه من ذكر بلا أنثى كخلق أمهم حواء من ضلع من أضلاع

آدم من غير أن تحمل بها أنثى أو يشتمل عليها بطن
الثالث خلقه من أنثى بلا ذكر كخلق المسيح عيسى بن مريم
الرابع خلق سائر النوع لإنساني من ذكر وأنثى وكل هذا ليدل عباده على كمال قدرته ونفوذ مشيئته وكمال حكمته وأن الأمر ليس كما يظنه أعداؤه الجاحدون له الكافرون به من أن ذلك أمر طبيعي لم يزل هكذا ولا يزال وأنه ليس للنوع أب ولاأم وأنه ليس إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وطبيعة تفعل ما يرى ويشاهد ولم يعلم هؤلاء الجهال الضلال أن الطبيعة قوة وصفة فقيرة إلى محلها محتاجة إلى حامل لها وأنها من أدل الدلائل على وجود أمره في طبعها وخلقها وأودعها الأجسام وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة فالطبيعة مخلوق من مخلوقاته ومملوك من مماليكه وعبيدة مسخرة لأمره تعالى منقادة لمشيئته ودلائل الصنعة وإمارات الخلق والحدوث وشواهد الفقر والحاجة شاهدة عليها بأنها مخلوقة مصنوعة لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف في ذاتها ونفسها فضلا عن إسناد الكائنات إليها
والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبية والملك وهو أيضا من موجبات الحمد فله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه أيضا فإن مخلوقاته هي موجبات أسمائه وصفاته فلكل اسم وصفة أثر لا بد من ظهوره فيه واقتضائه له فيمتنع تعطيل آثار أسمائه وصفاته كما يمتنع تعطيل ذاته عنها وهذه الآثار لها متعلقات ولوازم يمتنع أن لا توجد كما تقدم التنبيه عليه وأيضا فإن تنويع أسباب الحمد أمر مطلوب للرب محبوب له فكما تنوعت أسباب الحمد تنوع الحمد بتنوعها وكثر بكثرتها ومعلوم أنه سبحانه محمود على انتقامه من أهل الإجرام والإساءة كما هو محمود على إكرامه لأهل العدل والإحسان فهو محمود على هذا وعلى هذا مع ما يتبع ذلك من حمده على حلمه وعفوه ومغفرته وترك

حقوقه ومسامحة خلقه بها والعفو عن كثير من جنايات العبيد فنبههم باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذي عفا عنه وأنه لو عاجلهم بعقوبته وأخذهم بحقه لقضى إليهم أجلهم ولما ترك على ظهرها من دابة ولكنه سبقت رحمته غضبه وعفوه انتقامه ومغفرته عقابه فله الحمد على عفوه وانتقامه وعلى عدله وإحسانه ولا سبيل إلى تعطيل أسباب حمده ولا بعضها فليتدبر اللبيب هذا الموضع حق التدبر وليعطه حقه يطلعه على أبواب عظيمة من أسرار القدر ويهبط به على رياض منه معشبة وحدائق مأنقة والله الموفق الهادي للصواب
وأيضا فإن الله سبحانه نوع الأدلة الدالة عليه والتي تعرف عباده به غاية التنوع وصرف الآيات وضرب الأمثال ليقيم عليهم حجته البالغة ويتم عليهم بذلك نعمته السابغة ولا يكون لأحد بعد ذلك حجة عليهم سبحانه بل الحجة كلها له والقدرة كلها له فأقام عليهم حجته ولو شاء لسوى بينهم في الهداية كما قال تعالى فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين فأخبر أن له الحجة البالغة وهي التي بلغت إلى صميم القلب وخالطت العقل واتحدت به فلا يمكن للعقل دفعها ولا جحدها ثم أخبر أنه سبحانه قادر على هداية خلقه كلهم ولو شاء ذلك لفعله لكمال قدرته ونفوذ مشيئته ولكن حكمته تأبى ذلك وعدله يأبى تعذيب أحد وأخذه بلا حجة فأقام الحجة وصرف الآيات وضرب الأمثال ونوع الأدلة ولو كان الخلق كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأمور ولا تنوعت هذه الأدلة والأمثال ولا ظهرت عزته سبحانه في انتقامه من أعدائه ونصر أوليائه عليهم ولا حججه التي أقامها على صدق أنبيائه ورسله ولا كان للناس آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في

سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين ولا كان للخلق آية باقية ما بقيت الدنيا في شأن موسى وقومه وفرعون وقومه وفلق البحر لهم ودخولهم جميعا فيه ثم إنجاء موسى وقومه ولم يغرق أحد منهم وأغرق فرعون وقومه لم ينج منهم أحد فهذا التعرف إلى عباده وهذه الآيات وهذه العزة والحكمة لا سبيل إلى تعطيلها البتة ولا توجد بدون لوازمها
وأيضا فإن حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام والإهانة والإثابة والعقوبة والغضب والرضا والتولية والعزل وإعزاز من يليق به العز وإذلال من يليق به الذل قال تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شىء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحى وترزق من تشاء بغير حساب وقال تعالى يسئله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويكشف غما وينصر مظلوما ويأخذ ظالما ويفك عانيا ويغني فقيرا ويجبر كسيرا ويشفي مريضا ويقيل عثرة ويستر عورة ويعز ذليلا ويذل عزيزا ويعطي سائلا ويذهب بدولة ويأتي بأخرى ويداول الأيام بين الناس ويرفع أقواما ويضع آخرين يسوق المقادير التي قدرها قيل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه وجرى به قلمه ونفذ فيه حكمه وسبق به علمه فهو المتصرف في الممالك كلها وحده تصرف ملك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك لا ينازعه في ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض فتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة فلا يخرج تصرفه عن ذلك

وفي تفسير الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث الحماني حدثنا إسحاق بن سليمان عن معاوية بن يحيى عن يونس بن ميسرة عن أبي إدريس عن أبي الدرداء أنه سئل عن قوله تعالى كل يوم هو في شأن فقال سئل عنها رسول الله فقال من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين وفيه أيضا من حديث حماد بن سلمة حدثنا الزبير أبو عبدالسلام عن أيوب بن عبدالله بن مكرز عن أبيه قال قال عبدالله بن مسعود إن ربكم عز و جل ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة تعرض عليه أعمالكم بالأمس ثلاث ساعات من أول النهار فيطلع منها على ما يكره فيغضب فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش فتسبح حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة وينفخ جبريل في القرن فلا يبقى خلق لله في السموات ولا في الأرض إلا سمعه إلا الثقلين ويسبحون لذلك ثلاث ساعات حتى يمتلىء الرحمن رحمة فتلك ست ساعات ثم يدعو بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور فتلك تسع ساعات ثم يدعو بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر فتلك اثنتا عشرة ساعة ثم قرأ عبدالله كل يوم هو في شأن ثم قال هذا شأنكم وشأن ربكم

عز و جل وذكره الطبراني في المعجم الكبير من وجه آخر وهذا من تمام تصرفه في ملكه سبحانه فلو قصر تصرفه على وجه واحد ونمط واحد لم يكن تصرفا تاما
والمقصود أن الملك والحمد في حقه متلازمان فكل ما شمله ملكه وقدرته شمل حمده فهو محمود في ملكه وله الملك والقدرة مع حمده فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته ولهذا يحمد سبحانه نفسه عند خلقه وأمره لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده فهو محمود على كل ما خلقه وأمر به حمد شكر وعبودية وحمد ثناء ومدح ويجمعهما التبارك فتبارك الله يشمل ذلك كله ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح والطرق إلى العلم به في غاية الكثرة والسبيل إلى اعتباره في ذرات العالم وجزئياته وتفاصيل الأمر والنهي واسعة جدا لأن جميع أسمائه تبارك وتعالى حمد وصفاته حمد وأفعاله حمد وأحكامه حمد وعدله حمد وانتقامه من أعدائه حمد وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد والخلق والأمر إنما قام بحمده ووجد بحمده وظهر بحمده وكان الغاية هي

حمده فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله فحمده روح كل شيء وقيام كل شيء بحمده وسريان حمده في الموجودات وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر من الطرق الدالة على شمول معنى الحمد وانبساطه على جميع المعلومات معرفة أسمائه وصفاته وإقرار العبد بأن للعالم إلها حيا جامعا لكل صفة كمال واسم حسن وثناء جميل وفعل كريم وأنه سبحانه له القدرة التامة والمشيئة النافذة والعلم المحيط والسمع الذي وسع الأصوات والبصر الذي أحاط بجميع المبصرات والرحمة التي وسعت جميع المخلوقات والملك الأعلى الذي لا يخرج عنه ذرة من الذرات والغنى التام المطلق من جميع الجهات والحكمة البالغة المشهودة آثارها في الكائنات والعزة الغالبة بجميع الوجوه والاعتبارات والكلمات التامات النافذات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من جميع البريات واحد لا شريك له في ربوبيته ولا في إلهيته ولا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وليس له من يشركه في ذرة من ذرات مكله أو يخلفه في تدبير خلقه أو يحجبه عن داعيه أو مؤمليه أو سائليه أو يتوسط بينهم وبينه بتلبيس أو فرية أو كذب كما يكون بين الرعايا وبين الملوك ولو كان كذلك لفسد نظام الوجود وفسد العالم بأسره لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا ولو كان معه آلهة أخرى كما يقوله أعداؤه المبطلون لوقع من النقص في التدبير وفساد الأمر كله ما لا يثبت معه حال ولا يصلح عليه وجود ومن أعظم نعمه علينا وما استوجب حمد عباده له أن يجعلنا عبيدا له خاصة ولم يجعلنا ربنا منقسمين بين شركاء متشاكسين ولم يجعلنا عبيدا لإله نحتته الأفكار لا يسمع أصواتنا ولا يبصر أفعالنا ولا يعلم أحوالنا ولا

يملك لعابديه ضرا ولا نفعا ولا وموتا ولا حياة ولا نشورا ولا تكلم قط ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا ترفع إليه الأيدي ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا يصعد إليه الكلم الطيب ولا يرفع إليه العمل الصالح وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا محاذيا له ولا مباينا ولا هو مستو على عرشه ولا هو فوق عباده وحظ العرش منه حظ الحشوش والأخلية ولا تنزل الملائكة من عنده بل لا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يقرب منه شيء ولا يحب ولا يحب ولا يلتذ المؤمنون بالنظر إلى وجهه الكريم في دار الثواب بل ليس له وجه يرى ولا له يد يقبض بها السموات وأخرى يقبض بها الأرض ولا فعل يقوم به ولا حكمة تقوم به ولا كلم موسى تكليما ولا تجلى للجبل فجعله دكا هشيما ولا يجيء يوم القيامة لفصل القضاء ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول أسأل عن عبادي غيري ولا يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه ويجوز في حكمته تعذيب أنبيائه ورسله وملائكته وأهل طاعته أجمعين من أهل السموات والأرضين وتنعيم أعدائه من الكفار به والمحاربين له والمكذبين له ولرسله والكل بالنسبة إليه سواء ولا فرق البتة إلا أنه أخبر أنه لا يفعل ذلك فامتنع للخبر بأنه لا يفعله لا لأنه في نفسه مناف لحكمته ومع ذلك فرضاه عين غضبه وغضبه عين رضاه ومحبته كراهته وكراهته محبته إن هي إلا إرادة محضة ومشيئة صرفة يشاء بها لا لحكمة ولا لغاية ولا لأجل مصلحة ومع ذلك يعذب عباده على ما لم يعملوه ولا قدرة لهم عليه بل يعذبهم على نفس فعله الذي فعله هو ونسبه إليهم ويعذبهم إذا لم يعفلوا فعله ويلومهم عليه يجوز في حكمته أن يعذب رجالا إذا لم يكونوا نساء ونساء حيث لم يكونوا رجالا وطوالا حيث لم يكونوا قصارا وبالعكس وسودا إذا لم يكونوا بيضا وبالعكس بل تعذيبه لهم على مخالفته هو من هذا الجنس إذ لا قدرة لهم

البتة على فعل ما أمروا به ولا ترك ما نهوا عنه فله الحمد والمنة والثناء الحسن الجميل إذ لم يجعلنا عبيدا لمن هذا شأنه فنكون مضيعين ليس لنا رب نقصده ولا صمد نتوجه إليه ونعبده ولا إله نعول عليه ولا رب نرجع إليه بل قلوبنا تنادي في طرق الحيرة من دلنا وجمع علينا ربا ضائعا لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا محاذ له ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا كلم أحدا ولا يكلمه أحد ولا ينبغي له أن يعاقب بالقتل أو بالضرب والحبس من ذكرها أو أخبر عنه بها أو أثبتها له أو نسبها إليه أو عرفه بها بل التوحيد الصرف جحدها وتعطيله عنها ونفي قيامها به واتصافه بها وما لم تدركه عقولنا من ذلك فالواجب نفيه وجحده وتكفير من أثبته واستحلال دمه وماله أو تبديعه وتضليله وتفسيقه وكلما كان النفي أبلغ كان التوحيد أتم فليس كذا وليس كذا أبلغ في التوحيد من قولنا هو كذا وهو كذا فلله العظيم أعظم حمد وأتمه وأكمله على ما من به من معرفته وتوحيده والإقرار بصفاته العليا وأسمائه الحسنى وإقرار قلوبنا بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة رب العالمين قيوم السموات والأرضين إله الأولين والآخرين ولا يزال موصوفا بصفات الجلال منعوتا بنعوت الكمال منزها عن أضدادها من النقائص والتشبيه والمثال فهو الحي القيوم الذي لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم مالك السموات والأرض الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه العالم بكل شيء الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم فلا تسقط ورقة إلا بعلمه ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطلع عليها الملك

ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليه القلب البصير الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة وأعضائها ولحمها ودمها ومخها وعروقها ويرى دبيبها على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويرى ما تحت الأرضين السبع كما يرى ما فوق السموات السبع السميع الذي قد استوى في سمعه سر القول وجهره وسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه أصوات الخلق ولا تشتبه عليه ولا يشغله منها سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يبرمه كثرة السائلين قالت عائشة الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله وإني ليخفى علي بعض كلامها فأنزل الله عز و جل قد سمع الله قول التى تجاد لك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير القدير الذي لكمال قدرته يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويجعل المؤمن مؤمنا والكافر كافرا والبر برا والفاجر فاجرا وهو الذي جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إليه ويهدون بأمره وجعل فرعون وقومه أئمة يدعون إلى النار ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء أن يعلمه إياه ولكمال قدرته خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب ولا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته بل هو في قبضته أين كان فإن فر منه فإنما يطوي المراحل في يديه كما قيل
وكيف يفر المرء عنك بذنبه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا

ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إذنه إليه ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السموات والأرض ولم تسعه أرضه ولا سماواته ولم تحط به مخلوقاته بل هو العالي على كل شيء وهو بكل شيء محيط ولا تنفد كلماته ولا تبدل ولو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادا وأشجار الأرض أقلاما فكتب بذلك المداد وبتلك الأقلام لنفد المداد وفنيت الأقلام ولم تنفد كلماته إذ هي غير مخلوقة ويستحيل أن يفنى غير مخلوق بالمخلوق ولو كان كلامه مخلوقا كما قاله من لم يقدره حق قدرة ولا أثنى عليه بما هو أهله لكان أحق بالفناء من هذا المداد وهذه الأقلام لأنه إذا كان مخلوقا فهو نوع من أنواع مخلوقاته ولا يحتمل المخلوق إفناء هذا المداد وهذه الأقلام وهو باق غير فان وهو سبحانه يحب رسله وعباده المؤمنين ويحبونه بل لا شيء أحب إليهم منه ولا أشوق إليهم من لقائه ولا أقر لعيونهم من رؤيته ولا أحظى عندهم من قربه وأنه سبحانه له الحكمة البالغة في خلقه وأمره وله النعمة السابغة على خلقه وكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل وأنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها وأنه أفرح بتوبة عبده من واجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقدها واليأس منها وأنه سبحانه لم يكلف عباده إلا وسعهم وهو دون طاقتهم فقد يطيقون الشيء ويضيق عليهم بخلاف وسعهم فإنه ما يسعونه ويسهل عليهم ويفضل قدرهم عنه كما هو الواقع
وأنه سبحانه لا يعاقب أحدا بغير فعله ولا يعاقبه على فعل غيره ولا يعاقبه بترك ما لا يقدر على فعله ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه وأنه حكيم كريم جواد ماجد محسن ودود صبور شكور يطاع فيشكر ويعصى فيغفر لا أحد أصبر على أذى سمعه منه ولا أحد أحب إليه المدح منه ولا أحد أحب إليه العذر منه ولا أحد أحب إليه الإحسان منه فهو محسن

يحب المحسنين شكور يحب الشاكرين جميل يحب الجمال طيب يحب كل الطيب نظيف يحب النظافة عليم يحب العلماء من عباده كريم يحب الكرماء قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف بر يحب الأبرار عدل يحب أهل العدل حيي ستير يحب أهل الحياء والستر غفور عفو يحب من يعفو عن عباده ويغفر لهم صادق يحب الصادقين رفيق يحب الرفق جواد يحب الجود وأهله رحيم يحب الرحماء وتر يحب الوتر ويحب أسماءه وصفاته ويحب المتعبدين له بها ويحب من يسأله ويدعوه بها ويحب من يعرفها ويعقلها ويثني عليه بها ويحمده ويمدحه بها كما في الصحيح عن النبي لا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه ولا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين وفي حديث آخر صحيح لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم ولمحبته لأسمائه وصفاته أمر عباده بموجبها ومقتضاها فأمرهم بالعدل والإحسان والبر والعفو الجود والصبر والمغفرة والرحمة والصدق والعلم والشكر والحلم والأناة والتثبت ولما كان سبحانه يحب أسماءه وصفاته كان أحب الخلق إليه من اتصف بالصفات التي يحبها وأبغضهم إليه من اتصف بالصفات التي يكرهها فإنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت لأن اتصافه بها ظلم إذ لا تليق به هذه الصفات ولا

تحسن منه لمنافاتها لصفات العبد وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية ومفارقته لمنصبه ومرتبته وتعديه طوره وحده وهذا خلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة الإحسان والصبر والشكر فإنها لا تنافي العبودية بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته إذ المتصف بها من العبيد لم يتعد طوره ولم يخرج بها من دائرة العبودية والمقصود أنه سبحانه لكمال أسمائه وصفاته موصوف بكل صفة كمال منزه عن كل نقص له كل ثناء حسن ولا يصدر عنه إلا كل فعل جميل ولا يسمى إلا بأحسن الأسماء ولا يثنى عليه إلا بأكمل الثناء وهو المحمود المحبوب المعظم ذو الجلال والإكرام على كل ما قدره وخلقه وعلى ما أمر به وشرعه
ومن كان له نصيب من معرفة أسمائه الحسنى واستقراء آثارها في الخلق والأمر رأى الخلق والأمر منتظمين بها أكمل انتظام ورأى سريان آثارها فيهما وعلم بحسب معرفته ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله وما لا يليق فاستدل بأسمائه على ما يفعله وما لا يفعله فإنه لا يفعل خلاف موجب حمده وحكمته وكذلك يعلم ما يليق به أن يأمر به ويشرعه مما لا يليق به فيعلم أنه لا يأمر بخلاف موجب حمده وحكمته فإذا رأى في بعض الأحكام جورا وظلما أو سفها وعبثا ومفسدة أو ما لا يوجب حمدا وثناء فليعلم أنه ليس من أحكامه ولا دينه وأنه بريء منه ورسوله فإنه إنما أمر بالعدل لا بالظلم وبالمصلحة لا بالمفسدة وبالحكمة لا بالعبث والسفه وإنما بعث رسوله بالحنيفية السمحة لا بالغلظة والشدة وبعثه بالرحمة لا بالقسوة فإنه أرحم الراحمين ورسوله رحمة مهداة إلى العالمين ودينه كله رحمة وهو نبي الرحمة وأمته الأمة المرحومة وذلك كله موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة فلا يخبر عنه إلا بحمده ولا يثنى عليه إلا بأحسن الثناء كما لا يسمى إلا بأحسن الأسماء
وقد نبه سبحانه على شمول حمده لخلقه وأمره بأن حمد نفسه في

أول الخلق وآخره وعند الأمر والشرع وحمد نفسه على ربوبيته للعالمين وحمد نفسه على تفرده بالإلهية وعلى حياته وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالاة أحد من خلقه لحاجته إليه وحمد نفسه على علوه وكبريائه وحمد نفسه في الأولى والآخرة وأخبر عن سريان حمده في العالم العلوي والسفلي ونبه على هذا كله في كتابه وحمد نفسه عليه فتنوع حمده وأسباب حمده وجمعها تارة وفرقها أخرى ليتعرف إلى عباده ويعرفهم كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه وليتحبب إليهم بذلك ويحبهم إذا عرفوه وأحبوه وحمدوه قال تعالى الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وقال تعالى الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون وقال تعالى الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين وقال الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير وقال تعالى الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير وقال وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون

وقال هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين وقال فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون
وأخبر عن حمد خلقه له بعد فصله بينهم والحكم لأهل طاعته بثوابه وكرامته والحكم لأهل معصيته بعقابه وإهانته وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين
وأخبر عن حمد أهل الجنة له وأنهم لم يدخلوها إلا بحمده كما أن أهل النار لم يدخلوها إلا بحمده فقال عن أهل الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله و دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين وقال عن أهل النار ويوم يناديهم فيقول أين شركاءي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون وقال فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير وشهدوا على أنفسهم بالكفر والظلم وعلموا أنهم كانوا كاذبين في الدنيا مكذبين بآيات ربهم مشركين به جاحدين لإلهيته مفترين عليه وهذا اعتراف منهم بعدله فيهم وأخذهم ببعض حقه عليهم وأنه غير ظالم

لهم وأنهم إنما دخلوا النار بعدله وحمده وإنما عوقبوا بأفعالهم وبما كانوا قادرين على فعله وتركه لا كما تقول الجبرية وتفصيل هذه الحكمة مما لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به ولا إلى التعبير عنه ولكن بالجملة فكل صفة عليا واسم حسن وثناء جميل وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله عز و جل على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه به فهو محامد له وثناء وتسبيح تقديس فسبحانه وبحمده لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه فله الحمد أولا وآخرا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده
فهذا تنبيه على أحد نوعي حمده وهو حمد الصفات والأسماء والنوع الثاني حمد النعم والآلاء وهذا مشهود للخليقة برها وفاجرها مؤمنها وكافرها من جزيل مواهبه وسعة عطاياه وكريم أياديه وجميل صنائعه وحسن معاملته لعباده وسعة رحمته لهم وبره ولطفه وحنانه وإجابته لدعوات المضطرين وكشف كربات المكروبين وإغاثة الملهوفين ورحمته للعالمين وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق بل ابتداء منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها وصرفها بعد وقوعها ولطفه تعالى في ذلك بإيصاله إلى من أراده بأحسن الألطاف وتبليغه من ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال وهدايته خاصته وعباده إلى سبيل دار السلام ومدافعته عنهم أحسن الدفاع وحمايتهم عن مراتع الآثام وحبب إليهم الإيمان وزينة في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم من الراشدين وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه وتحبب إليهم بنعمة مع غناه وتبغضهم إليه بالمعاصي وفقرهم إليه ومع هذا كله فاتخذ لهم دارا وأعد لهم فيها من كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين

وملأها من جميع الخيرات وأودعها من النعيم والحبرة والسرور والبهجة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم أرسل إليهم الرسل يدعونهم إليها ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها ورضي منهم باليسير في هذه المدة القصيرة جدا بالإضافة إلى بقاء دار النعيم وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشرا وإن أساؤوا واستغفروه أن يغفر لهم ووعدهم أن يمحو ما جنوه من السيئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات وذكرهم بآلائه وتعرف إليهم بأسمائه وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانا لا حاجة منه إليهم ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصاينة لهم لا بخلا منه عليهم وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه ونصحهم بأحسن النصائح ووصاهم بأكمل الوصايا وأمرهم بأشرف الخصال ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال وصرف لهم الآيات وضرب لهم الأمثال ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته وفتح لهم أبواب الهداية وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه ويخاطبهم بألطف الخطاب ويسميهم بأحسن أسمائهم كقوله يا أيها الذين آمنوا وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم قل لعبادي وإذا سألك عبادي عني فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف كقوله يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم

فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك يا أيها الذين إمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون يا أيها الذين إمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون يا أيها الذين إمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي واتبغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله

وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا فتحت هذا الخطاب إني عاديت إبليس وطردته من سمائي وباعدته من قربي إذ لم يسجد لأبيكم آدم ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريته من دوني وهم أعداء لكم فليتأمل اللبيب مواقع هذا الخطاب وشدة لصوقه بالقلوب والتباسه الأرواح وأكثر القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف والنصيحة البالغة وأعلم عباده أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل وأفضل المنازل وأجل العلوم والمعارف قال تعالى إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم وقال اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت

عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وقال يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقال تعالى يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا
ويتنصل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنة والتهمة التي نسبها إليه من لم يعرفه حق معرفته ولا قدره حق قدره من تكليف عباده ما لا يقدرون عليه ولا طاقة لهم بفعله البتة وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به وخلق السموات والأرض وما بينهما لا لحكمة ولا لغاية وأنه لم يخلق خلقه لحاجة منه إليهم ولا ليتكثر بهم من قلة ولا ليتعزز بهم كما قال وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم ولا ليربح عليهم لكن خلقهم جودا وإحسانا ليعبدوه فيربحوا هم عليه كل الأرباح كقوله إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ولما أمرهم بالوضوء وبالغسل من الجنابة الذي يحط عنهم أوزارهم ويدخلون به عليه ويرفع به درجاتهم قال تعالى ما يريد الله

ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون وقال في الأضاحي والهدايا لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بإخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد يقول سبحانه إني غني عما تنفقون أن ينالني منه شيء حميد مستحق المحامد كلها فإنفاقكم لا يسد منه حاجة ولا يوجب له حمدا بل هو الغني بنفسه الحميد بنفسه وأسمائه وصفاته وإنفاقكم إنما ننفعه لكم وعائدته عليكم ومن المتعين على من لم يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب وجلالته ولطف موقعه وجذبه للقلوب والأرواح ومخالطته لها أن يعالج قلبه بالتقوى وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التي حالت بينه وبين حظه من ذلك ويتعرض إلى الأسباب التي يناله بها من صدق الرغبة واللحأ إلى الله أن يحيي قلبه ويزكيه ويجعل فيه الإيمان والحكمة فالقلب الميت لا يذوق طعم الإيمان ولا يجد حلاوته ولا يتمتع بالحياة الطيبة لا في الدنيا ولا في الآخرة ومن أراد مطالعة أصول النعم فليدم سرح الذكر في رياض القرآن وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه وتعرف بها إلى عباده من أول القرآن إلى آخره حين خلق أهل النار وابتلاهم بإبليس وحزبه وتسليط أعدائهم عليهم وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ومحاربتها فالله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها في كل ما خلقه من محبوب ومكروه ونعمه ومحنه وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه بأعدائه وإكرامه لأوليائه

وفي كل ما قضاه وقدره وتفصيل ذلك لا تفي به أقلام الدنيا وأوراقها ولا قوى العباد وإنما هو التنبيه والإشارة ومن استقرى الأسماء الحسنى وجدها مدائح وثناء تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كنهها وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها ومع ذلك فلله سبحانه محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر ولا هجست في الضمائر ولا لاحت لمتوسم ولا سنحت في فكر ففي دعاء أعرف الخلق بربه وأعلمهم بأسمائه وصفاته ومحامده أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي / ح / وفي الصحيح عنه في حديث الشفاعة لما يسجد بين يدي ربه قال فيفتح قلبي من محامده بشيء لا أحسنه الآن / ح / وكان يقول في سجوده أعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كا أثنيت على نفسك / ح / فلا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه البتة وله أسماء وأوصاف وحمد وثناء لا يعلمه

ملك مقرب ولا نبي مرسل ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور في بحر
فإن قيل فكيف تصنعون بما يشاهد من أنواع الابتلاء والامتحان والآلام للأطفال والحيوانات ومن هو خارج عن التكليف ومن لا ثواب ولا عقاب عليه وما تقولون في الأسماء الدالة على ذلك من المنتقم والقابض والخافض ونحوها قيل قد تقدم من الكلام في ذلك ما يكفي بعضه لذي الفطرة السليمة والعقل المستقيم وأما من فسدت فطرته وانتكس قلبه وضعفت بصيرة عقله فلو ضرب له من الأمثال ما ضرب فإنه لا يزيده إلا عمى وتحيرا ونحن نزيد ما تقدم إيضاحا وبيانا إذ بسط هذا المقام أولى من اختصاره فنقول قد علمت أن جميع أسماء الرب سبحانه حسنى وصفاته كمال وأفعاله حكمة ومصلحة وله كل ثناء وكل حمد ومدحة وكل خير فمنه وله وبيده والشر ليس إليه بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في اسمائه وإن كان في مفعولاته فهو خير بإضافته إليه وشر بإضافته إلى من صدر عنه ووقع به فتمسك بهذا الأصل ولا تفارقه في كل دقيق وجليل وحكمه على كل ما يرد عليك وحاكم إليه واجعله آخيتك التي ترجع إليها وتعتمد عليها واعلم أن لله خصائص في خلقه ورحمة وفضلا يختص به من يشاء وذلك موجب ربوبيته وإلهيته وحمده وحكمته فإياك ثم إياك أن تصغي إلى وسوسة شياطين الإنس والجن والنفس الجاهلة الظالمة إنه هلا سوى بين عباده في تلك الخصائص وقسمها بينهم على السواء فإن هذا عين الجهل والسفه من المعترض به وقد بينا فيما تقدم أن حكمته تأبى ذلك وتمنع منه ولكن اعلم أن الأمر قسمة بين فضله وعدله فيختص برحمته من يشاء ويقصد بعذابه من يشاء وهو المحمود على هذا فالطيبون من خلقه مخصوصون بفضله ورحمته والخبيثون مقصودون بعذابه ولكل واحد قسطه من الحكمة والابتلاء والامتحان وكل مستعمل فيما هو له مهيأ وله مخلوق وكل ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين فإنه تعالى

خلقهم للخيرات فهم لها عاملون واستعملهم فيها فلم يدركوا ذلك إلا به ولا استحقوه إلا بما سبق لهم من مشيئته وقسمته فكذلك لا تضرهم الأدواء ولا السموم بل متى وسوس لهم العدو واغتالهم بشيء من كيده أو مسهم بشيء من طيفه تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون وإذا وقعوا في معصية صغيرة أو كبيرة عاد ذلك عليهم رحمة وانقلب في حقهم دواء وبدل حسنه بالتوبة النصوح والحسنات الماحية لأنه سبحانه عرفهم بنفسه وبفضله وبأن قلوبهم بيده وعصمتهم إليه حيث نقض عزماتهم وقد عزموا أن لا يعصوه وأراهم عزته في قضائه وبره وإحسانه في عفوه ومغفرته وأشهدهم نفوسهم وما فيها من النقص والظلم والجهل وأشهدهم حاجتهم إليه وافتقارهم وذلهم وأنه إن لم يعف عنهم ويغفر لهم فليس لهم سبيل إلى النجاة أبدا فإنهم لما أعطوا من أنفسهم العزم أن لا يعصوه وعقدوا عليهم قلوبهم ثم عصوه بمشيئته وقدرته عرفوا بذلك عظيم اقتداره وجميل ستره إياهم وكريم حلمه عنهم وسعة مغفرته لهم برد عفوه وحنانه وعطفه ورأفته وأنه حليم ذو أناة ورحيم سبقت رحمته غضبه وأنهم متى رجعوا إليه بالتوبة وجدوه غفورا رحيما حليما كريما يغفر لهم السيئات ويقيلهم العثرات ويودهم بعد التوبة ويحبهم فتضرعوا إليه حينئذ بالدعاء وتوسلوا إليه بحسن إجابته وجميل عطفه وحسن امتنانه في أن ألهمهم دعاءه ويسرهم للتوبة والإنابة وأقبلوا بقلوبهم إليه بعد إعراضها عنه ولم تمنعه معاصيهم وجناياتهم من عطفه عليهم وبره لهم وإحسانه إليهم فتاب عليهم قبل أن يتوبوا إليه وأعطاهم قبل أن يسألوه فلما تابوا إليه واستغفروه وأنابوا إليه تعرف إليهم تعرفا آخر فعرفهم رحمته وحسن عائدته وسعة مغفرته وكريم عفوه وجميل صفحه وبره وامتنانه وكرمه وشرعه ومبادرته قبولهم بعد أن كان منهم ما كان من طول الشرور وشدة النفور والإيضاع في طرق معاصيه وأشهدهم مع ذلك حمده العظيم وبره العميم وكرمه في أن خلى بينهم وبين المعصية فنالوها بنعمه ! وإعانته ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من

الهلاك والفساد الذي لا يرجى معه فلاح بل تداركهم بالدواء الثاني الشافي فاستخرج منهم داء لو استمر معهم لأفضى إلى الهلاك ثم تداركهم بروح الرجاء فقذفه في قلوبهم وأخبر أنه عند ظنونهم به ولو أشهدهم عظم الجناية وقبح المعصية وغضبه ومقته على من عصاه فقط لأورثهم ذلك المرض القاتل أو الداء العضال من اليأس من روحه والقنوط من رحمته وكان ذلك عين هلاكهم ولكن رحمهم قبل البلاء وجعل تلك الآثار التي توجبها المعصية من المحن والبلاء والشدائد رحمة لهم وسببا إلى علو درجاتهم ونيل الزلفى والكرامة عنده فأشهدهم بالجناية عزة الربوبية وذل العبودية ورقاهم بآثارها إلى منازل قربة ونيل كرامته فهم على كل حال يربحون عليه يتقلبون في كرمه وإحسانه وكل قضاء يقضيه للمؤمن فهو خير به يسوقه إلى كرامته وثوابه وكذلك عطاياه الدنيوية نعم منه عليهم فإذا استرجعها أيضا وسلبهم إياها انقلبت من عطايا الآخرة ما قيل إن الله ينعم على عباده بالعطايا الفاخرة فإذا استرجعها كانت عطايا الآخرة والرب سبحانه قد تجلى لقلوب المؤمنين العارفين وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه ومضى مشيئته وعظيم سلطانه وعلو شأنه وكرمه وبره وإحسانه وسعة مغفرته ورحمته وما ألقاه في قلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية ووراءه مما لم تحتمله قواهم ولا يخطر ببال ولا يدخل في خلد مما لا نسبة لما عرفوه إليه فاعلم أن الذين كان قسمهم أنواع المعاصي والفجور وفنون الكفر والشرك والتقلب في غضبه وسخطه وقلوبهم وأرواحهم شاهدة عليهم بالمعاصي والكفر مقرة بأن له الحجة عليهم وأن حقه قبلهم ولا يذكر أحد منهم النار إلا وهو شاهد بذلك مقر به معترف اعتراف طائع لا مكره مضطهد فهذه شهادتهم على أنفسهم وشهادة أوليائه عليهم والمؤمنون يشهدون فيهم بشهادة أخرى لا يشهد بها أعداؤه ولو شهدوا بها وباؤوا بها لكانت رحمته أقرب إليهم من عقوبته فيشهدون أنهم عبيده وملكه وأنه أوجدهم ليظهر بهم مجده

وينفذ فيهم حكمه ويمضي فيهم عدله ويحق عليهم كلمته ويصدق فيهم وعيده ويبين فيهم سابق علمه ويعمر بها ديارهم ومساكنهم التي هي محل عدله وحكمته وشهد أولياؤه عظيم ملكه وعز سلطانه وصدق رسله وكمال حكمته وتمام نعمته عليهم وقدر ما اختصهم به ومن أي شيء حماهم وصانهم وأي شيء صرف عنهم وأنه لم يكن لهم إليه وسيلة قبل وجودهم يتوسلون بها إليه أن لا يجعلهم من أصحاب الشمال وأن يجعلهم من أصحاب اليمين وشهدوا له سبحانه بأن ما كان منه إليهم وفيهم مما يقتضيه إتمام كلماته الصدق والعدل قوله وتحقق مقتضى أسمائه فهو محض حقه وكل ذلك منه حسن جميل له عليه أتم حمد وأكمله وأفضله وهو حكم عدل وقضاء فصل وأنه المحمود على ذلك كله فلا يلحقه منه ظلم ولا جور ولا عبث بل ذلك عين الحكمة ومحض الحمد وكمال أظهره في حقه وعز أبداه وملك أعلنه ومراد له أنفذه كما فعل بالبدن وضروب الأنعام أتم بها مناسك أوليائه وقرابين عباده وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام هلاكا وإتلافا فأعداؤه الكفار المشركون به الجاحدون أولى أن تكون دماؤهم قرابين أوليائه وضحايا المجاهدين في سبيله كما قال حسان بن ثابت
يتطهرون يرونه قربانهم ... بدماء من علقوا من الكفار
وكذلك لما ضحى خالد بن عبدالله القسري بشيخ المعطلة

الفرعونية جعد بن درهم فإنه خطبهم في يوم أضحى فلما أكمل خطبته قال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا تعالى عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه فكان ضحيته وذكر ذلك البخاري في كتاب خلق الأفعال فهذا شهود أوليائه من شأن أعدائه ولكن أعداءه في غفلة عن هذا لا يشهدونه ولا يقرون به ولو شهدوه وأقروا به لأدركهم حنانه ورحمته ولكن لما حجبوا عن معرفته ومحبته وتوحيده وإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا ووصفه بما يليق به وتنزيهه عما لا يليق به صاروا أسوأ حالا من الأنعام وضربوا بالحجاب وأبعدوا عنه بأقصى البعد وأخرجوا من نوره إلى الظلمات وغيبت قلوبهم في الجهل به وبكماله وجلاله وعظمته في غابات ليتم عليهم أمره وينفذ فيهم حكمه والله عليم حكيم والله أعلم

فصل في أن الله خلق دارين وخص كل دار بأهل
والله سبحانه مع كونه خالق كل شيء فهو موصوف بالرضا والغضب والعطاء والمنع والخفض والرفع والرحمة والانتقام فاقتضت حكمته سبحانه أن خلق دارا لطالبي رضاه العاملين بطاعته المؤثرين لأمره القامين بمحابة وهي الجنة وجعل فيها كل شيء مرضي وملأها من كل محبوب ومرغوب ومشتهى ولذيذ وجعل الخير بحذافيره فيها وجعلها محل كل طيب من الذوات والصفات والأقوال وخلق دارا أخرى لطالبي أسباب غضبه وسخطه المؤثرين لأإراضهم وحظوظهم على مرضاته العاملين بأنواع مخالفته القائمين بما يكره من الأعمال والأقوال الواصفين له بما لا يليق به الجاحدين لما أخبرت به رسله من صفات كماله ونعوت جلاله وهي جهنم وأودعها كل شيء مكروه وسجنها مليء من كل شيء مؤذ ومؤلم وجعل الشر بحذافيره فيها وجعلها محل كل خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال فهاتان الداران هما دارا القرار وخلق دارا ثالثة هي كالميناء لهاتين الدارين ومنها يتزود المسافرون إليهما وهي دار الدنيا ثم أخرج إليها من أثمار الدارين بعض ما اقتضته أعمال أربابهما وما يستدل به عليهما حتى كأنهما رأي عين ليصير للإيمان بالدارين وإن كان غيبا وجه شهادة تستأنس به النفوس وتستدل به فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه والطيبات والملابس الفاخرة والصور

الجميلة وسائر ملاذ النفوس ومشتهياتها ما هو نفحة من نفحات الدار التي جعل ذلك كله فيها على وجه الكمال فإذا رآه المؤمنون ذكرهم بما هناك من الخير والسرور والعيش الرخي كما قيل
فإذا رآك المسلمون تيقنوا ... حور الجنان لدى النعيم الخالد
فشمروا إليه وقالوا اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة وأحدثت لهم رؤيته عزمات وهمما وجدا وتشميرا لأن النعيم يذكر بالنعيم والشيء يذكر بجنسه فإذا رأى أحدهم ما يعجبه ويروقه ولا سبيل له إليه قال موعدك الجنة وإنما هي عشية أو ضحاها فوجود تلك المشتهيات والملذوذات في هذه الدار رحمة من الله يسوق بها عباده المرمنين إلى تلك الدار التي هي أكمل منها وزاد لهم من هذه الدار إليها فهي زاد وعبرة ودليل وأثر من آثار رحمته التي أودعها تلك الدار فالمؤمن يهتز برؤيتها إلى ما أمامه ويثير ساكن عزماته إلى تلك فنفسه ذواقة تواقة إذا ذاقت شيئا منها تاقت إلى ما هو أكمل منه حتى تتوق إلى النعيم المقيم في جوار الرب الكريم وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك مع أن ذلك من آثار النفسين الشتاء والصيف اللذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما فاقتضى ذانك النفسان آثارا ظهرت في هذه الدار كانت دليلا عليها وعبرة وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عليه بقوله في نار الدنيا نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين تذكرة تذكر بها الآخرة ومنفعة للنازلين بالقواء وهم المسافرون يقال أقوى الرجل إذا نزل بالقي والقوى وهي الأرض الخالية وخص المقوين بالذكر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين

والمقيمين تنبيها لعباده والله أعلم بمراده من كلامه على أنهم كلهم مسافرون وأنهم في هذه الدار على جناح سفر ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين وأنهم عابرو سبيل وأبناء سفر والمقصود أنه سبحانه أشهد في هذه الدار ما أعد لأوليائه وأعدائه في دار القرار وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خير وشر وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطا يسوق بها عباده المؤمنين فإذا رأوها حذروا كل الحذر واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما في تلك الدار من المكروهات والعقوبات وكان وجودها في هذه الدار وإشهادهم إياها وامتحانهم باليسير منها رحمة منه بهم وإحسانا إليهم وتذكرة وتنبيها ولما كانت هذه الدار ممزوجا خيرها بشرها وأذاها براحتها ونعيمها بعذابها اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن خلص خيرها من شرها وخصه بدار أخرى هي دار الخيرات المحضة ودار السرور المحضة فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط وخلط فيها بين الفريقين وابتلى بعضهم ببعض وجعل بعضهم لبعض فتنة حكمة بالغة بهرت العقول وعزة قاهرة فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه ويرضاه ولم تكن تقوم عبوديته التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه بل العبد الواحد جمع فيه بين أساب الخير والشر وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك
فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه بالتمييز والتخليص فميز بينهما بدارين ومحلين وجعل لكل دار ما يناسبها وأسكن فيها من يناسبها وخلق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته وأعداءه الكافرين لنقمته والمخلطين للأمرين فهؤلاء أهل الرحمة وهؤلاء أهل النقمة وهؤلاء أهل النقمة والرحمة وقسم آخر لا يستحقون ثوابا ولا عقابا ورتب على كل قسم من هذه الأقسام الخمسة

حكمه اللائق به وأظهر فيه حكمته الباهرة ليعلم العباد كمال قدرته وحكمته وأنه يخلق ما يشاء ويختار من خلقه من يصلح للإختيار وأنه يضع ثوابه موضعه وعقابه موضعه ويجمع بينهما في المحل المقتضي لذلك ولا يظلم أحدا ولا يبخسه شيئا من حقه ولا يعاقبه بغير جنايته هذا مع ما في ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحكم الراجعة إلى العبيد أنفسهم من استخراج صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم واستخراج كمالاتهم الكامنة في نفسهم من القوة إلى الفعل ودفع الأسباب بعضها ببعض وكسر كل شيء بمقابلته ومصادمته بضده لتظهر عليه آثار القهر وسمات الضعف والعجز ويتيقن العبد أن القهار لا يكون إلا واحدا وأنه يستحيل أن يكون له شريك بل القهر والوحدة متلازمان فالملك والقدرة والقوة والعزة كلها لله الواحد القهار ومن سواه مربوب مقهور له ضد ومناف ومشارك فخلق الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر سورتها وتذهب بها وخلق الماء وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره وخلق النار وسلط عليها الماء يكسرها ويطفئها وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته وخلق الحجارة وسلط عليها الحديد يكسرها ويفتتها وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسلط كلا منهما على الآخر يذهبه ويقهره وخلق الليل والنهار وقهر كلا منهما بالآخر وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر لكل منه مضاد ومغالب فاستبان للعقول والفطر أن القاهر الغالب لذلك كله واحد وأن من تمام ملكه إيجاد العالم على هذا الوجه وربط بعضه على بعض وإحواج بعضه إلى بعض وقهر بعضه ببعض وابتلاء بعضه ببعض وامتزج خيره بشره وجعل شره لخيره الفداء ولهذا يدفع إلى كل مؤمن يوم القيامة كافر فيقال له هذا فداؤك من النار وهكذا المؤمن في الدنيا يسلط عليه الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من عذاب الله وقد تكون

تلك الأسباب فداء له من شرور أكثر منها في هذا العالم أيضا فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر يتبين له حكمة اللطيف الخبير

فصل وقد تقرر أن الله سبحانه كامل الصفات له الأسماء الحسنى ولا يكون عن
الكامل في ذاته وصفاته إلا الفعل المحكم وهو سبحانه خلق عباده على الفطرة وكل مولود فإنما يولد على الفطرة ويعدلون بهم عنها ولو تركوهم لما اختاروا عليها غيرها ولكن أخرجوهم عن سنن الحنيفية وأفسدوا فطرهم وقلوبهم وهكذا بالأضداد والأغيار يخرج بعض المخلوقات عن سنن الإتقان والحكمة ولولا تلك الأضداد والأغيار لكانت في مرتبتها كالمولو في فطرته ولذلك أمثلته
المثال الأول أن الماء خلقه الله طاهرا مطهرا فلو ترك على حالته التي خلق عليها ولم يخالطه ما يزيل طهارته لم يكن إلا طاهرا ولكن بمخالطة أضداده من الأنجاس والأقذار تغيرت أوصافه وخرج عن الخلقة التي خلق عليها فكانت تلك النجاسات والقاذورات بمعنى أبوي الطفل وكافليه الذين يهودونه وينصرونه ويمجسونه ويشركونه وكما أن الماء إذا فسد بمخالطته الأنجاس والقاذورات لم يصلح للطهارة فكذلك القلوب إذا فسدت فطرها بالأغيار لم تصلح لحظيرة القدس
المثال الثاني الشراب المعتصر من العنب فإنه طيب يصلح للدواء ولإصلاح الغذاء والمنافع التي يصلح لها فلو خلي على حاله لم يكن إلا طاهرا طيبا ولكن أفسد بتهيئته للسكر واتخاذه مسكرا فخرج بذلك عن خلقته التي خلق عليها من الطهارة والطيب فصار أخبث شيء وأنجسه فلو انقلب خلا أو زال تغير الماء كان بمنزلة رجوع الكافر إلى فطرته الأولى فإن الحكم إذا ثبت للعلة زال بزوالها والله أعلم
المثال الثالث الأغذية الطيبة النافعة إذا خالطت باطن الحيوان واستقرت خرجت عن حالتها التي خلقت عليها واكتسبت بهذه المخالطة

والمجاورة خبثا وفسادا لم يكن فيها لسلوكها في غير طرقها التي بها كمالها ولما أنزل الله الماء طاهرا نافعا فمازج الأرض وسالت به أوديتها أوجد جل جلاله بينهما بسبب هذه المخالطة والممازجة أنواع الثمار والفواكه والزروع والنخيل والزيتون وسائر الأغذية والأقوات وأوجد مع ذلك المر والشوك والحنظل وغير ذلك واللقاح واحد ولكن الأم مختلفة قال تعالى وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ثم إنه سبحانه يصرف ما أخرجه من هذا الماء يقلبه ويحيل بعضه إلى بعض وينقل بعضه بالمخالطة والمجاورة عن طبيعته إلى طبيعة أخرى وهذا كما خلق كل دابة من ماء ثم خالف بين صورها وقواها ومنافعها وأوصافها وما يصلح لها وأمشى بعضا على بطنه وبعضا على رجلين وبعضا على أربع حكمة بالغة وقدرة باهرة وكذلك سبحانه يقلب الليل والنهار ويقلب ما يوجد فيهما ويقلب أحوال العالم كما يشاء ويسلك بذلك مسلك الحكمة البالغة التي بها يتم مراده ويظهر ملكه ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وهذا القرآن المجيد عمدته ومقصوده الإخبار عن صفات الرب سبحانه وأسمائه وأفعاله وأنواع حمده والثناء عليه والإنباء عن عظمته وعزته وحكمته وأنواع صنعه والتقدم إلى عباده بأمره ونهيه على ألسنة رسله وتصديقه يفهم بما أقامه من الشواهد والدلالات على صدقهم وبراهين ذلك ودلائله وتبيين مراده من ذلك كله وكان من تمام ذلك الإخبار عن الكافرين والمكذبين وذكر ما أجابوا به رسلهم وقابلوا به رسالات ربهم ووصف كفرهم وعنادهم وكيف كذبوا

على الله وكذبوا رسله وردوا أمره ومصالحه فكان في اجتلاب ذلك من العلوم والمعارف والبيان وضوح شواهد الحق وقيام أدلته وتنوعها وكان موقع هذا من خلقه موقع تسبيحه تعالى وتنزيهه من الثناء عليه وأن أسماءه الحسنى وصفاته العليا هي موضع الحمد ومن تمام حمده تسبيحه وتنزيهه عما وصفه به أعداؤه والجاهلون به مما لا يليق به وكان في تنوع تنزيهه عن ذلك من العلوم والمعارف وتقرير صفات الكمال وتكميل أنواع الحمد ما في بيان محاسن الشيء وكماله عند معرفة ما يضاده ويخالفه ولهذا كان تسبيحه تعالى من تمام حمده وحمده من تمام تسبيحه ولهذا كان التسبيح والتحميد قربتين وكان ما نسبه إليه أعداؤه والمعطلون لصفات كماله من علوه على خلقه وإنزاله كلامه الذي تكلم به على رسله وغير ذلك مما نزه عنه نفسه وسبح به نفسه وكان في ذلك ظهور حمده بخلقه بل وتنوع أسبابه وكثرة شواهده وسعة طرق الثناء عليه به وتقرير عظمته ومعرفته في قلوب عباده فلولا معرفة الأسباب التي يسبح وينزه ويتعالى عنها وخلق من يضيفها إليه ويصفه بها لما قامت حقيقة التسبيح ولا ظهر لقلوب أهل الإيمان عن أي شيء يسبحونه وعماذا ينزهونه فلما رأوا في خلقه من قد نسبه إليه أعداؤه والمعطلون لصفاته ونظير هذا اشتمال كلمة الإسلام وهي شهادة أن لا إله إلا الله على النفي والإثبات فكان في الإتيان بالنفي في صدر هذه الكلمة من تقرير الإثبات وتحقيق معنى الإلهية وتجريد التوحيد الذي يقصد بنفي الإلهية عن كل ما ادعيت فيه سوى الإله الحق تبارك وتعالى فتجريد هذا التوحيد من العقد واللسان بتصور إثبات الإلهية لغير الله كما قاله أعداؤه المشركون ونفيه وإبطاله من القلب واللسان من تمام التوحيد وكماله وتقريره وظهور أعلامه ووضوح شواهده وصدق براهينه ونظير ذلك أيضا أن تكذيب أعداء الرسل وردهم ما جاؤوهم به كان من الأسباب الموجبة ظهور براهين صدق الرسل ودفع ما احتج به أعداؤهم عليهم من الشبه الداحضة ودحض حججهم الباطلة وتقرير طرق الرسالة وإيضاح أدلتها فإن الباطل كلما ظهر

فساده وبطلانه أسفر وجه الحق واستنارت معالمه ووضحت سبله وتقرت براهينه فكسر الباطل ودحض حججه وإقامة الدليل على بطلانه من أدلةالحق وبراهينه فتأمل كيف اقتضى الحق وجود الباطل وكيف تم ظهور الحق بوجود الباطل وكيف كان كفر أعداء الرسل بهم وتكذيبهم لهم ودفعهم ما جاؤوا به وهو من تمام صدق الرسل وثبوت رسالات الله وقيام حججه على العباد ولنضرب مثالا يتبين به وهو ملك له عبد قد توحد في العالم بالشجاعة والبسالة والناس بين مصدق ومكذب فمن قائل هو كذلك ومن قائل هو بخلاف ما يظن به فإنه لم يقابل الشجعان ولا واجه الأقران ولو بارز الأقران وقابل الشجعان لظهر أمره وانكشف حاله فسمع به شجعان العالم وأبطالهم فقصدوه من كل صوب وأتوه من كل قطر فاراد الملك أن يظهر لرعيته ما هو عليه من الشجاعة فمكن أولئك الشجعان من منازلته ومقاومته وقال دونكم وإياه وشأنكم به فهل تسليط الملك لأولئك على عبده ومملوكه إلا لإعلاء شأنه وإظهار شجاعته في العالم وتخويف أعدائه به وقضاء الملك أوطاره به كما يترتب على هذا إظهار شجاعة عبده وقوته وحصول مقصوده بذلك فكذلك يترتب عليه ظهور كذب من ادعى مقاومته وظهور عجزهم وفضيحتهم وخزيهم وأنهم ليسوا ممن يصلح لمهمات الملك وحوائجه فإذا عدل بهم عن مهماته وولايته وعدل بها عنهم كان ذلك مقتضى حكمة الملك وحسن تصرفه في ملكه وأنه لو استعملهم في تلك المهمات لتشوش أمر المملكة وحصل الخلل والفساد والله أعلم بالشاكرين والمقصود أن خلق الأسباب المضادة للحق وإظهارها في مقابلة الحق من أبين دلالاته وشواهده فكان في خلقها من الحكمة ما لو فاتت لفاتت تلك الحكمة وهي أحب إلى الله من تفويتها بتقدير تفويت هذه الأسباب والله أعلم

فصل في بيان ما للناس في دخول الشر في القضاء الإلهي من الطرق والأصول
التي تفرعت عنها هذه الطرق
وللناس طرق في دخول الشر في القضاء الإلهي فنذكرها ونذكر أصولهم التي تفرعت عليها هذه الطرق قبل ذلك فنقول للناس قولان أحدهما قول أهل الإسلام وأتباع المرسلين كلهم إن الله سبحانه فعال لما يريد يفعل باختياره وقدرته ومشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو الذي يعبر عنه متأخرو المتكلمين بكونه فاعلا بالإختيار وللفريق الثاني قول من نفى ذلك وقال صدر العلم عنه تعالى صدورا ذاتيا كصدور النور عن الشمس والحرارة عن النار والتبريد عن الماء ويسمي المتكلمون هذا الإيجاب الذاتي ومصدره موجبات الذات وهذا قول الفلاسفة المشائين وهو الذي يذكره ابن الخطيب وغيره من الفلاسفة ولا يحكي عنهم غيره وإنما هو قول المشائين وقربه متأخرهم وفاضلهم ابن سينا إلى

الإسلام بعض التقريب مع مباينته لما جاءت به الرسل ولما دل عليه صريح العقل والفطرة والفريقان متفقون على أن مصدر الكائنات بأسرها خير محض من جميع الوجوه وكمال صرف ووجود الشر في العالم مشهود والخير لا يصدر عنه إلا خير ولا جرم اختلفت طرقهم في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي وتنوعت إلى أربعة طرق
الطريق الأول طريق نفاة التعليل والحكمة والأسباب فإنهم سدوا على أنفسهم هذا الباب وأثبتوا مشيئة محضة لا غاية لها ولا سبب ولا حكمة تفعل لأجلها ولا يتوقف فعل المختار بها على مصلحة ولا حكمة ولا غاية لها تفعل بل كل مقدور يحسن منه فعله ولا حقيقة عندهم للقبيح لولا المستحيل لذاته الذي لا يوصف بالقدرة عليه وهؤلاء نفوا مسمى الرحمة والحكمة وإن اقروا بلفظ لا حقيقة له وكان شيخهم الجهم بن صفوان يقف بأصحابه على المجذومين وهم يتقلبون في بلائهم فيقول أرحم الراحمين يفعل مثل هذا يعني أنه ليس في الحقيقة رحمة وإنما هو محض مشيئته وصرف إرادة مجردة عن الحكمة والرحمة
وهؤلاء قابلوا أصحاب الطريق الثاني وهم الذين أثبتوا له حكمة وغاية وقالوا لا يفعل شيئا إلا لحكمة وغاية مطلوبة ولكن حجروا عليه سبحانه في ذلك وشرعوا له شريعة وضعوها بعقولهم وظنوا أن ما يحسن من خلقه يحسن منه وما يقبح منهم يقبح منه فجعلوا ما أثبتوه له من الحكمة والرحمة من جنس ما هو للخلق ولهذا كانوا مشبهة الأفعال كما أن من شبهه بخلقه في صفاته فهو مشبه الصفات فاقتسموا التشبيه نصفين هؤلاء في أفعاله وإخوانهم في صفاته وقالوا إنه تعالى لو خص بعض عبيده عن بعض بإعطائه توفيقا وقدرة وإرادة ولم يعطها لآخر لكان

ظلما للذي منعه وقالوا لو شاء من عباده أفعال المعاصي لكان ينزه عنه كما في المشاهد ولو شاء منهم الكفر والفسوق والعصيان ثم عذبهم عليه لكان ظلما في المشاهد أيضا فإن السيد إذا أراد من عبده شيئا ففعل العبد ما أراد سيده فإنه إذا عذبه عده الناس ظالما له وجعلوا العدل في حقه تعالى من جنس العدل في حق عباده والظلم الذي تنزه عنه كالظلم الذي يتنزهون عنه وجعلوا ما يحسن منه من جنس ما يحسن منهم وما يقبح منه من جنس ما يقبح منهم وقالوا لو أراد الشر لكان شريرا كما في المشاهد فإن مريد الشر شرير وقالوا لو ختم على قلوب أعدائه وأسماعهم وحال بينهم وبين قلوبهم وأضلهم عن الإيمان وجعل على أبصارهم غشاوة وجعل من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ثم عذبهم لكان ظالما لهم لأن أحدنا لو فعل ذلك بعبده ثم عذبه لكان ظالما له فهؤلاء المشبهة حقا في الأفعال فعدلهم تشبيه وتوحيدهم تعطيل فجمعوا بين التشبيه والتعطيل وهؤلاء قسموا الشر الواقع في العالم إلى قسمين أحدهما شرور هي أفعال العباد وما تولد منها فهذه لا تدخل عندهم في القضاء الإلهي تنزيها للرب عن نسبتها إليه ولا تدخل عندهم تحت قدرته ولا مشيئته ولا تكوينه والثاني الشرور التي تتعلق بأفعال العباد كالسموم والأمراض وأنواع الآلام وكإبليس وجنودعه وغير ذلك من شرور المخلوقات كإيلام الأطفال وذبح الحيوان فهذا النوع هو الذي كدر على القدرية أصولهم وشوش عليهم قواعدهم وقالوا ذلك كله حسن لما فيه من اللطف والمصلحة العاجلة والآجلة قالوا أما الآلام والأمراض فمفعولة لغرض صحيح وهو ما ضمن الرب سبحانه لمن أصابه بها من العوض الوافي قالوا وذلك يجري مجرى استئجار أجير في فعل شاق فإنه يفرض الاستئجار أخرج الاستئجار عن كونه عبثا بالأجرة عن كونه ظلما فكان حسنا قالوا فإن قيل إذا كان الله قادرا على التفضل بالعوض وبأضعافه بدون توسط الألم فأي حاجة إلى توسطه وأيضا فإذا حسن الألم لأجل

العوض فهل يحسن منا أن يؤلم أحدنا غيره بغير إذنه لعوض يصل إليه فالجواب أن الله سبحانه لا يمرض ولا يؤلم إلا من يعلم من حاله أنه لو أطلعه على الأعواض التي تصل إليه لرضي بالألم ولرغب فيه لوفور الأعواض وعظمها وليس كذلك في شاهد استئجار الأجير من غير اختياره قالوا وليس كذلك إيلام أحدنا لغيره لأجل التعويض فإن من قطع يد غيره أو رجله ليعوضه عنها لم يحسن ذلك منه لأن العوض يصل إليه وهو مقطوع اليد والرجل وليس من العقلاء من يختار ملك الدنيا مع ذلك والله يوصل الأعواض في الآخرة إلى الأحياء وهم أكمل شيء خلقا وأتمه أعضاء فلذلك افترق الشاهد والغائب في هذا قالوا فإن فرضتموه في ضرب وجلد مع سلامة الأعضاء قبح لأنه عيب فإن فرض فيه مصلحة ورضي المضروب بذلك وعظمت الأعواض عنه فهو حسن في العقل لا محالة قالوا وسر الأمر أن بالعوض يخرج الألم عن كونه ظلما لأنه نفع موقوف على مضرة الألم وباعتبار كونه لطفا في الدين يخرج عن كونه عبثا قالوا وقد رأينا في المشاهد حسن الألم للنفع فإنه يحسن في المشاهد إيلام أنفسنا وإتعابها في طلب العلوم والأرباح التي لا نصل إليها إلا على جنس من التعب والمشقة قالوا وهذا الوجه هو حسن لأجله إيلام الأطفال والبهائم فإنه إيلام للنفع فإن أبدان الأطفال لا تستقيم إلا على الأسباب الجالبة للآلام وكذلك نفوسهم إنما تكمل بذلك وإيلام الحيوان لنفع الآدمي به غير قبيح قالوا وأما الألم المستحق للعقوبة فإنه حسن في المشاهد ولكنه غير متحقق في الغائب بالنسبة إلى الأطفال والبهائم لعدم تكليفها ولكن لا بد في إيلامها من مصلحة ترجع إليها وهي ما يحصل لهم من العوض في الآخرة قالوا ويجب إعادتها لاستيفاء ذلك الحق الذي لها وهو العوض على الآلام التي حصلت لها قالوا وبقاؤها بعد الإعادة موقوف ونعيم الأطفال والمجانين دائم واختلفوا في البهائم فقال بعضهم يدوم عوضهم وقال آخرون بانقطاعه فإنهم يصيرون ترابا قالوا

فإن لم يكن للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد لم تجب إعادتها عقلا وتحسن إعادتها وما يحسن قد يفعله الله وقد لا يفعله وهل تجوز الآلام للتعويض المجرد فيه قولان لهم مبنيان على أصل اختلفوا فيه وهو أنه هل يحسن منه سبحانه التفضل بمثل العوض ابتداء فصار بعضهم إلى امتناعه كما يمتنع التفضل بمثل الثواب ابتداء عندهم وهم مجمعون على امتناعه لئلا يسوى بين العامل وغيره وصار من ينتمي إلى التحصيل منهم إلى أن التفضل بمقدار الأعواض ممكن غير ممتنع فمن قال بامتناع التفضل بمقدار العوض جوز وقوع الآلام للتعويض المجرد ومن جوز التفضل بأمثال الأعواض لم تحسن عنده الآلام بمجرد التعويض بل قالواإنما تحسن لوجهين لا بد من اقترانهما أحدهما التزام التعويض والثاني اعتبار غير المؤلم بتلك الآلام وكونها ألطافا في زجر غاو عن غوايته إذا شاهدها في غيره وذهب عباد الضمري منهم إلى أن الآلام تحسن لمجرد الاعتبار من غير تعويض لمن أصابته ورد عليه جماهير القدرية ذلك قالوا والآلام التي يفعلها سبحانه إما أن تكون مستحقة كعقوبات الدنيا وعذاب الآخرة وإما للتعويض وإما للمصلحة الراجحة قالوا وما يفعله في الآخرة منها فكله للاستحقاق وما يفعله في الدنيا فللعوض والمصلحة وقد يفعله عقوبة وأما ما شرعه من أسباب الألم فعقوبات محضة وأما مشايخ القوم فقالوا إنما يحسن منه سبحانه الإيلام لأنه المنعم بالصحة والحياة ولأنه في حكم من أعار تلك المنفعة لمن لا يملكها فله قطعها إذا شاء ولأنه قادر على التعويض عالم بقدره وليس كذلك الواحد من الخلق قالوا فإذا استرجع عارية الصحة والحياة خلفها الألم ولا بد وأطالوا الكلام في الآلام وأسبابها وما يحسن منها وما يقبح وعلى أي وجه يقع وحصروا أنفسهم غاية الحصر فاستطالت عليهم الجبرية بالأسئلة والمضايقات وألجأوهم إلى مضايق تضايق عنها أن تولجها الإبر وأضحكوا العقلاء منهم بإبداء تناقضهم وألبزمهوهم إلزامات لا بد من التزامها أو ترك

المذهب وسأل أبو الحسن الأشعري أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة لأب وأم مات أحدهم صغيرا وبلغا الآخر فاختار لإسلام وبلغ الآخر فاختار الكفر فاجتمعوا عند رب العالمين فرفع درجة البالغ المسلم فقال أخوه الصغير يا رب ارفع درجتي حتى أبلغ منزلة أخي فقال إنك لا تستحق إن أخاك بلغ فعمل أعمالا استحق بها تلك الدرجة فقال يا رب فهلا أحييتني حتى أبلغ فأعمل عمله فقال كانت تلك لمصلحة تقتضي اخترامك قبل البلوغ لأني علمت أنك لو بلغت لاخترت الكفر فكانت المصلحة في قبضك صغيرا قال فصاح الثالث بين أطباق النار وقال يا رب لم لم تمتني صغيرا فما جواب هذا أيها الشيخ فلم يرد إليه جوابا قالوا وإذا علم سبحانه من بعض العبيد أنه لا يختار الإسلام وأنه لا يكون إلا كافرا مفسدا في الأرض فأي مصلحة لهذا العبد في إيجاده قالوا وأي مصلحة لإبليس وذريته الكفار في إيجادهم فإن قلتم عرضهم للثواب قيل لكم كيف يعرضهم لأمر قد يعلم أنهم لا يفعلونه ولا يقع منهم البتة ومن هنا مكر غلاتهم العلم القديم وكفرهم السلف على ذلك ومن أقر به منهم فإقراره به مبطل لمذهبه وأصله في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح وهذا معنى قول السلف ناظروا القدرية بالعلم

فإن جحدوه كفروا وإن أقروا به خصموا قالوا وأما حديث العوض على الآلام فالرب سبحانه قادر على أيصال تلك المنافع بدون توسط الآلام قالوا وهذا بخلاف المستأجر فإن له منفعة وحاجة في توسط تعب الأجير واستيفاء منفعته فأما من تعالى عن الانتفاع بخلقه ولا يحتاج إلى أحد منهم البتة فلا يعقل فلي حقه ذلك قالوا وأما وقوع الآلام على وجه العقوبات فذلك إنما يحسن في الشاهد لحصول التشفي من الجناة وإطفاء نار الغيظ والغضب بالانتقام منهم وذلك لحاجة المعاقب إلى العقاب وانتفاعه به وقياس الغائب على الشاهد في ذلك ممتنع قالوا وأما الإيلام للاعتبار بأن يعتبر الغير بالألم الواقع بغيره فليكون ذلك أدعى له إلى الإذعان والانقياد فلا ريب أن الصبي إذا شاهد لمعلم يضرب غيره على لعبه وتفريطه كان ذلك مصلحة واعتبارا له ولعله أن ينتفع بضرب ذلك الغير أكثر من انتفاع المضروب أو حيث لا ينتفع المضروب ولكن إنما يحسن ذلك إذا كان المضروب مستحقا للضرب فأين استحقاق الأطفال والبهائم قالوا وكذلك تمكينه تعالى عباده أن يؤلم بعضهم بعضا ويضر بعضهم بعضا مع قدرته على منع المؤلم المضر أي مصلحة لمن مكن من ذلك وأقدر عليه وهل كانت مصلحته إلا تعجيزه وأن يحال بينه وبين القدرة على الأداء وصون العباد قالوا فهذه الشريعة التي وضعتموها لرب العباد وأوجبتم عليه ما أوجبتم وحرمتم عليه ما حرمتم وجحدتم عليه في تصرفه في ملكه بغير ما أصلتم وفرعتم بعقولكم وآرائكم تشبيها له وتمثيلا بخلقه فيما يحسن منهم ويقبح مع أنها شريعة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان فإنكم لم تطردوها بل أنتم متناقضون فيها غاية التناقض خارجون فيها عما يوجبه كل عقل صحيح وفطرة سليمة فلا للتشبيه والتمثيل طردتم ولا بالتعويض قلتم ولا على حقيقة الحكمة والحمد وقفتم بل أثبتم له نوع حمة لا تقوم به ولا ترجع إليه بل هي قائمة بالخلق فقط وقد حتم بها في تمام ملكه كما أثبت له إخوانكم من الجبرية قدرة مجردة

عن حكمة وحمد وغاية يفعل لأجلها بل جعلوا حمده وحكمته اقتران أفعاله بما اقترنت به من المصالح عادة ووقوعها مطابقة لمشيئته وعلمه فقط فقدحوا بذلك في تمام حمده
وقام حزب الله وحزب رسوله وأنصار الحقد بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك له الحمد وهو على كل شيء قدير حق القيام وراعوا هذه الكلمة حق رعايتها علما ومعرفةوبصيرة ولم يلقوا الحرب بين حمده وملكه بل أثبتوا له الملك التام الذي لا يخرج عنه شيء من الموجودات أعيانها وأفعالها والحمد التام الذي وسع كل معلوم وشمل كل مقدور وقالوا إن له في كل ما خلقه وشرعه حكمة بالغة ونعمة سابغة لأجلها خلق وأمر ويستحق أن يثنى عليه ويحمد لأجلها كما يثنى عليه ويحمد لأسمائه الحسنى ولصفاته العليا فو المحمود على ذلك كله أتم حمد وأكمله لما اشتملت عليه صفاته من الكمال وأسماؤه من الحسن وأفعاله من الحكم والغايات عليه والمقضية لحمده المطابقة لحكمته الموافقة لمحابه فإنه سبحانه كامل الذات كامل الأسماء والصفات لا يصدر عنه إلا كل فعل كريم مطابق للحكمة موجب للحمد يترتب عليه من محابه ما فعل لأجله وهذا أمر ذهب عن طائفتي أسسوها من تعطيل بعض صفات كماله كم عطل الفريقان حقيقة محبته عند الجبرية مشيئته وإرادته ومحبةالعباد له إرادتهم لما يخلقه من النعيم في دار الثواب فالمحبة عندهم إنما تعلقت بمخلوقاته لا بذاته وحقيقة محبته وكراهته عند القدرية أمره ونهيه ومحبة العباد له محبتهم لثوابه المنفصل وأصل الفريقان أنه لا تقوم بذاته حكمة ولا غاية يفعل لأجلها ثم اختلفوا فقالت الجبرية لا يفعل لغاية ولا لحكمة أصلا وتكايست القدرية بعض التكايس فقالت يفعل لغاية وحكمة لا ترجع إليه ولا تقوم به ولا يعود إليه منها وصف وأصل الفريقان أيضا أنه لا يقوم

بذاته فعل بل فعله عين مفعوله فعطلوا أفعاله القائمة به وجعلوها نفس المخلوقات المشاهدة التي لا تقوم به فلم يقم به عندهم فعل البتة كما عطل غلاة الجهمية صفاته فلم يثبتوا له صفة تقوم به وإن تناقضوا وكما عطلت السينائية أتباع ابن سينا ذاته فلم يثبتوا له ذاتا زائدة على وجود مجرد لا يقارن ماهية ولا حقيقة وأصلت الجبرية أنه تعالى لا ينزه عن فعل مقدور يكون قبيحا بالنسبة إليه بل كل مقدور ممكن فهو جائز عليه وإن علم عدم فعله فبالسمع وإلا فالعقل يقضي بجوازه عليه فلا ينزه عن ممكن مقدر إلا ما دل عليه بالمسع فيكون تنزيهه عنه لا لقبحه في نفسه بل لأن وقوعه يتضمن الخلف في خبره وخبر رسوله ووقوع الأمر على خلاف علمه ومشيئته فهذا حقيقة التنزيه عند القوم وأصلت القدرية أن ما يحسن من عباده يحسن منه وما يقبح منهم يقبح منه مع تناقضهم في ذلك غاية التناقض فاقتضت هذه الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة فروعا ولوازم كثيرة منها مخالف لصريح العقل ولسليم الفطرة كما هو مخالف لما أخبرت به الرسل عن الله فجعل أرباب هذه القواعد والأصول قواعدهم وأصولهم محكمة وما جاء به الرسول متشابها ثم أصلوا أصلا في رد هذا المتشابه إلى المحكم وقالوا الواجب فيما خالف هذه القواطع العقلية بزعمهم من الظواهر الشرعية أحد أمرين إما يخرجها على ما يعلم العقلاء أن المتكلم لم يرده بكلامه من المجازات البعيدة والألغاز المعقدة ووحشي اللغات والمعاني المهجورة التي لا يعرف أحد من العرب عبر عنها بهذه العبارة ولا تحتملها لغة القوم البتة وإنما هي محامل أنشأوها هم ثم قالوا نحمل اللفظ عليها فأنشأوا محامل من تلقاء أنفسهم وحكموا على الله أو رسله بإرادتها بكلامه فأنشأوا منكرا وقالوا زورا فإذا ضاق عليهم المجال وغلبتهم النصوص وبهرتهم شواهد الحقيقة من اطرادها وعدم فهم العقلاء سواها ومجيئها على طريقة واحدة وتنوع الألفاظ الدالة على الحقيقة واحتفافها بقرائن من السياق والتأكيد وغير ذلك مما يقطع كل سامع بأن

المراد حقيقتها وما دلت عليه قالوا الواجب ردها وأن لا يشتغل بها وإن أحسنوا العبارة والظن قالوا الواجب تفويضها وأن نكل علمها إلى الله من غير أن يحصل لنا بها هدى أو علم أو معرفة بالله وأسمائه وصفاته أو ننتفع بها في باب واحد من أبواب الإيمان بالله وما يوصف به وما ينزه عنه بل نجري ألفاظها على ألسنتنا ولا نعتقد حقيقتها لمخالفتها للقواطع العقلية فسموا أصولهم الفاسدة وشبههم الباطلة التي هي كبيت العنكبوت وكما قال فيها القائل شعرا
شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حق وكل كاسر مكسور
قواطع عقلية مع اختلافهم فيها وتناقضهم فيها ومناقضتها لصريح المعقول وصحيح المنقول فسموا كلام الله ورسوله ظواهر سمعية إزالة لحرمته من القلوب ومنعا للتعلق به والتمسك بحقيقته في باب الإيمان والمعرفة بالله وأسمائه وصفاته فعبروا عن كلامهم بأنه قواطع عقلية فيظن الجاهل بحقيقته أنه إذا خالفه فقد خالف صريح المعقول وخرج عن حد العقلاء وخالف القاطع وعبروا عن كلام الله ورسوله بأنه ظواهر فلا جناح على من صرفه عن ظاهره وكذب بحقيقته واعتقد بطلان الحقيقة بل هذا عندهم هو الواجب وقد أشهد الله عباده الذين أوتوا العلم والإيمان أن الأمر بعكس ما قالوه وأن كلامه وكلام رسوله هو الشفاء والعصمة والنور الهادي والعلم المطابق لعلومه وأنه هو المشتمل علىالقواطع العقلية السمعية والبراهين اليقينية وأن كلام هؤلاء المتهوكين الحيارى المتضمن خلاف ما أخبره به عن نفسه وأخبر به عن رسوله هو الشبهات الفاسدة والخيالات الباطلة وأنه كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب وهؤلاء هم أهل العلم حقا الذين شهد الله لهم به فقال ويرى

الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ومن سواه من الصم والبكم الذين قال الله فيهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير وقال تعالى أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب وكان ما شهدوه من ذلك بالعقل والفطرة لا بمجرد الخبر بل جاء إخبار الرب وإخبار رسوله مطابقا لما في فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة فتضافر على إيمانهم به الشريعة المنزلة والفطرة المكملة والعقل الصريح فكانوا هم العقلاء حقا وعقولهم هي المعيار فمن خالفها فقد خالف صريح المعقول والقواطع العقلية ومن أراد معرفة هذا فليقرأ كتاب شيخنا وهو بيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح فإنه كتاب لم يطرق العالم له نظير في بابه فإنه هدم فيه قواعد أهل الباطل من أسها فخرت عليهم سقوفه من فوقهم وشيد فيه قواعد أهل السنة والحديث وأحكمها ورفع أعلامها وقررها بمجامع الطرق التي تقرر بها الحق من العقل والنقل والفطرة والإعتبار فجاء كتابا لا يستغنى عنه من نصح نفسه من أهل العلم فجزاه الله عن أهل العلم والإيمان أفضل الجزاء وجزى العلم والإيمان عنه ذلك فصل
عدنا إلى تمام الكلام في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي وبيان طرق الناس في ذلك واختلافهم في إيلام الأطفال والبهائم وقالت البكرية وهم أتباع بكر ابن أخت عبدالواحد بن زيد البصري إن البهائم والأطفال لا تألم البتة والذي حملهم على هذا موجب التعليل والحكمة

ولم يرتضوا ما قالت الجبرية من نفي ذلك ولا ما قالت المعتزلة من حديث الأعواض وما فرعوه عليه ولم يمكنهم القول بمذهب التناسخية القائلين بأن الأرواح الفاجرة الظالمة تودع في الحيوانات التي تناسبها فينالها من ألم الضرب والعذاب بحبسها ولا بمذاهب المجوس من إسناد الشر والخير إلى إلهين مستقلين كل منهما يذهب بخلقه ولا بقول من يقول إن البهائم مكلفة مأمورةمنهية مثابة معاقبة وإنه في كل أمة منها رسول ونبي منها وهذه الآلام والعقوبات الدنيوية جزاء على مخالفتها لرسولها ونبيها فلم يجدوا بدا من التزام ما ذهبوا إليه من إنكار وقوع الآلام بها ووصولها إليها وقد رد عليهم الناس بأنهم كابروا الحس وجحدوا الضرورة وأن العلم بخلاف ما ذهبوا إليه ضروري وقال من أنصف القوم لا سبيل إلى نسبة هؤلاء إلى جحد الضرورة مع كثرتهم ولكنهم ربما رأوا أن الطفل والبهيمة لا تدرك الآلام حسبما يدركها العقلاء فإن العاقل إذا أدرك تألم جوارحه وأحس به تألم قلبه وطال حزنه وكثر هم روحه وغمها واشتدت فكرته في ذلك وفي الأسباب الجالبة له والأسباب الدافعة له وهذه الآلام زائدة على مجرد ألم الطبيعة ولا ريب أن البهائم والأطفال لا تحصل لها تلك الآلام كما يحصل للعاقل المميز فإن أراد القوم هذا فهم مصيبون وإن أرادوا أنها لا شعور لها بالآلام البتة وأنها لا تحس بها فمكابرة ظاهرة فإن الواحد منا يعلم باضطرار أنه كان يتألم في طفولته بمس النار له وبالضرب وغير ذلك
وقالت طائفة كل ما يتألم به الطفل والبهيمة ليس من قبل الله ولا فعل الله فيه الألم لما ثبت من حكمته وهذا يشبه قولهم في أفعال الحيوان أنها ليست من خلق الله ولا كانت بمشيئته لكن هذا أشد فسادا من ذلك فإن هذه الآلام حوادث لا تتعلق باختيار من قامت به ولا بإرادته فلا بد لها من محدث إذ وجود حادث بلا محدث محال والله خالقها بأسبابه المفضية إليها فخالق السبب خالق للمسبب فإن أراد هؤلاء نفي فعلها عن الله

مباشرة من غير توسط بسبب أصلا فهذا قد يكون حقا وإن أرادوا أنها غير منسوبة إلى قدرته ومشيئته البتة فباطل
وذهبت طائفة إلى أن في كل نوع من أنواع الحيوانات أنبياء ورسلا وأنها مستحقة للثواب والعقاب وأن ما ينزل بها من الآلام فجزاء لها وعقوبات على معاصيها ومخالفتها واحتجوا بقوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم وقال تعالى وإن من أمة إلا خلا فيها نذير
وقالت طائفة من التناسخية إن الله خلق خلقه كلهم جملة واحدة بصفة واحدة ثم أمرهم ونهاهم فمن عصى منهم نسخ روحه في جسد بهيمة تبتلى بالذبح والقتل كالدجاج والغنم والإبل والبقر والبراغيث والقمل فما سلط على هذه البهائم من الآلام فهو للأرواح الآدمية التي أودعت هذه الأجساد فمن كان منهم زانيا أو زانية كوفىء بأن جعل في بدن حيوان ما يمكنه الجماع كالبغال ومن كان منهم عفيفا عن الزنا مع ظلمه وغشمه كوفىء بأن جعل في بدن تيس أو عصفور أو ديك ومن كان منهم جبارا عنيدا كوفىء بأن جعل في بدن قملة أو قرادة ونحوهما إلى أن يقتص منهم ثم يردون فمن عصى منهم بعد ذلك رده كرر أيضا عليه ذلك التناسخ هكذا أبدا حتى يطيع طاعة لا معصية بعدها أبدا فينتقل إلى الجنة من وقته وقد ذهب إلى هذا المذهب من المنتسبين إلى الإسلام رجل يقال له أحمد بن حائط طرد أصول القدرية وشريعتهم التي شرعوها لله فأوجبوا بها عليه وحرموا
وذهب المجوس إلى أن هذه الآلام والشرور من الإله الشرير المظلم

فلا تضاف إلى الإله الخير العادل ولا تدخل تحت قدرته ولهذا كان أشبه أهل البدع بهم القدرية النفاة
وقالت الزنادقة والدهرية كل ذلك من تصرف الطبيعة وفعلها وليس لذلك فاعل مختار مدبر بمشيئته وقدرته ولا بد في النار من إحراق ونفع وفي الماء من إغراق ونفع وليس وراء ذلك شيء فهذه مذاهب أهل الأرض في هذا المقام
ولما انتهى أبو عيسى الوراق إلى حيث انتهت إليه أرباب المقالات فطاش عقله ولم يتسع لحكمة إيلام الحيوان وذبحه صنف كتابا سماه النوح على البهائم فأقام عليها المآتم وناح وباح بالزندقة الصراح وممن كان على هذا المذهب أعمى البصر والبصيرة كلب معرة النعمان المكنى بأبي العلاء المعري فإنه امتنع من أكل الحيوان زعم لظلمه بالإيلام والذبح وأما ابن خطيب الري فإنه سلك في ذلك طريقة مركبة من طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة المشائين وهذبها ونقحها واعترف في آخرها بأنه لا سبيل إلى الخلاص من الشبه التي أوردها على نفسه إلا بالتزام أنه تعالى موجب بالذات لا فاعل بالقصد والاختيار فأقر على نفسه بالعجز عن أجوبة تلك المطالبات إلا بإنكار قدرة الله ومشيئته وفعله الاختياري وذلك جحد

لربوبيته فزعم أنه لا يمكن تقرير حكمته إلا بجحد ربوبيته ونحن نذكر كلامه بألفاظه وقال في مباحثه المشرقية
الفصل السادس في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي وقبل الخوض فيه لا بد من تقديم مقدمتين
المقمة الأولى الأمور التي يقال إنها شر إما أن تكون أمورا عدمية أو أمورا وجودية فإن كانت أمورا عدمية فهي على أقسام ثلاثة لأنها إما أن تكون عدما لأمر ضرورية للشيء في وجوده مثل عدم الحياة وإما أن تكون عدما لأمور نافعة قريبة من الضرورة كالأعمى أو تكون كذلك كعدم العلم بالفلسفة والهندسة وأما الأمور الوجودية التي يقال إنها شرور فهي كالحرارة المفرقة لاتصال العضو واعلم أن الشر بالذات هو عدم ضروريات الشيء وعدم منافعه مثل عدم الحياة وعدم البصر فإن الموت والعمى لا حقيقة لهما إلا أنهما عدم الحياة وعدم البصر وهما من حيث هما كذلك شر فإذن ليس لهما اعتبار آخر بحسبه يكونان شرين وأما عدم الفضائل المستغنى عنها مثل عدم العلم بالفلسفة فظاهر أن ذلك ليس بشر وأما الأمور الوجودية فإنها ليست شرورا بالذات بل بالعرض من حيث أنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة ويدل عليه أنا لا نجد شيئا من الأفعال التي يقال لها شر إلا وهو كما قال بالنسبة إلى الفاعل وأما شريته فبالقياس إلى شيء آخر فالظلم مثلا يصدر عن قوة ظلامة للغلبة وهي القوة الغضبية والغلبة هي كمالها وفائدة خلقتها فهذا الفعل بالقياس إليها شر لأنها إن ضعفت عنه فهو بالقبياس إليها شر وإنما كان شرا للمظلوم لفوات المال وغيره عنه والنفس الناطقة كمالها الاستيلاء على هذه القوة فعند قهر القوة الغضبية يفوت النفس ذالك الاستيلاء ولا جرم كان شرا لها وكذلك النار إذا أحرقت فإن الإحراق كمالها ولكنها شر بالنسبة إلى من زالت سلامته بسببها وكذلك القتل وهو استعمال الآلة القطاعة في قطع رقبة الإنسان فإن كون الإنسان قويا على استعمال الآلة ليس شرا له بل

خيرا وكذلك كون الآلة قطاعة هو خير لها وكذلك كون الرقبة قابلة للانقطاع كل ذلك خيرات ولكن القتل شر من حيث أنه متضمن لزوال الحياة فثبت بما ذكرناه أن الأمور الوجودية ليست شرا بالذات بل بالعرض والله أعلم
المقدمة الثانية ان الأشياء إما أن تكون مادية أو لا تكون فإن لم تكن مادية لم يكن فيها ما بالقوة فلا يكون فيها شر أصلا وإن كانت مادية كانت في معرض الشر وعروض الشر لها إما أن يكون في ابتداء تكونها أو بعد تكونها أما الأول فهو إما أن تكون المادة التي تتكون إنسانا أو فرسا يعرض لها من الأسباب ما يجعلها رديئة المزاج رديئة الشكل والخلقة فرداءه مزاج ذلك الشخص ورداءه خلقه ليس لأن الفاعل حرم بل لأن المنفعل له لم يقبل أما الثاني وهو أن يعرض الشر للشيء وطروء طارىء عليه بعد تكونه فذلك الطارىء إما شيء يمنع المكمل من الإكمال مثل تراكم السحب وإظلال الجبال الشاهقات إذ صار مانعا من تأثير الشمس في النبات وإما شيء يفسد مثل البرد الذي يصل إلى النبات فيفسد بسبب ذلك استعداده للنشوء والنمو
وإذا عرفت ذلك فنقول قد بينا أن الشر بالحقيقة إما عدم ضروريات الشيء وإما عدم نافعه فنقول إما أن يكون خيرا من كل الوجوه أو شرا من كل الوجوه أو خيرا من وجه وشرا من وجه وهذا على تقدير أقسام فإنه إما أن يكون خيره غالبا على شره أو يكون شره غالبا على خيره أو متساويا خيره وشره فهذه أقسام خمسة أما الذي يكون خيرا من كل الوجوه وهو موجود أي الذي يكون كذلك لذاته فهو الله تبارك وتعالى وأما الذي يكن خيره لغيره فهو العقول والأفلاك لأن هذه الأمور ما فاتها شيء من ضروريات ذاتها ولا من كمالاتها والذي كله شر أو الغالب فيه أو المساوي فهو غير موجود لأن كلامنا في الشيء بمعنى عدم الضروريات والمنافع لا بمعنى عدم الكمال الزائد فلا شك أن ذلك

مغلوب والخير غالب لأن الأمراض وإن كثرت إلا أن الصحة أكثر منها فالحرق والغرق والخسف وإن كانت قد تكثر إلا أن السلامة أكثر منها فأما الذي يكون خيره غالبا على شره فالأولى فيه أن يكون موجودا لوجهين الأول أنه إن لم يوجد فلا بد وأن يفوت الخير الغالب وفوت الخير الغالب شر غالب فإذا في عدمه يكون الشر أغلب من الخير وفي وجوده يكون الخير أغلب من الشر ويكون وجود هذا القسم أولى مثاله النار في وجودها منافع كثيرة وأيضا مفاسد كثيرة مثل إحراق الحيوانات ولكنا إذا قابلنا منافعها بمفاسدها كانت مصالحها أكثر بكثير من مفاسدها ولو لم توجد لفاتت تلك المصالح وكانت مفاسد عدمها أكثر من مصالحها فلا جرم وجب إيجادها وخلقها الثاني وهو الذي يكون خيره ممزوجا بالشر ليس إلا الأمور التي تحت كرة القمر فلا شك أنها معلولات العلل العالية فلو لم يوجد هذا القسم لكان يلزم من عدمها عدم عللها الموجبة لها وهي خيرات محضة فيلزم من عدمها عدم الخيرات المحضة وذلك شر محض فإذا لا بد من وجود هذا القسم فإن قيل فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عرية عن كل الشرور فنقول لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول وذلك مما قد فرغ منه وبقي في العقل قسم آخر وهو الذي يكون خيره غالبا على شره وقد بينا أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجودا قال وهذا الجواب لا يعجبني لأن لقائل أن يقول إن جميع هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله وإرادته مثلا الاحتراق الحاصل عقيب النار ليس موجبا من النار بل الله اختار خلقه عقيب مماسة النار وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار الله وإرادته فكان يمكنه أن يختار خلق الإحراق عندما يكون خيرا ولا يختار خلقه عندما يكون شرا ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه سبحانه فاعلا بالذات لا

بالقصد والاختيار ويرجع الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث
قلت لما لم يكن عند الرازي إلا مذهب الفلاسفة المشائين والقائلين بوجوب رعاية الصلاح أو الأصلح أو مذهب الجبرية نفاة الأسباب والعلل والحكم وكان الحق عنده مترددا بين هذه المذاهب الثلاثة فتارة يرجح مذهب المتكلمين وتارة مذهب المشائين وتارة يلقي الحرب بين الطائفتين ويقف في النظارة وتارة يتردد بين الطائفتين وانتهى إلى هذا المضيق ورأى أنه لا خلاص له منه إلا بالتزام طريق الجبرية وهي غير مرضية عنده وإن كان في كتبه الكلامية يعتمد عليها ويرجع في مباحثه إليها وطريق المعتزلة القائلين برعاية الصلاح وهي متناقضة غير مطردة لم يجد بدا من تحيزه إلى أعداء الملة القائلين بأن الله لا قدرة له ولا مشيئة ولا اختيار ولا فعل يقوم به ومعلوم أن هذه المذاهب بأسرها باطلة ومتناقضة وإن كان بعضها أبطل من بعض وإنما ألجأه إلى التزام القول بإنكار الفاعل المختار في هذا المقام تسليمه لهم الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة التي قادت إلى التزام بعض أنواع الباطل ولو أعطى الدليل حقه وضم ما مع كل طائفة من الحق إلى حق الطائفة الأخرى وتحيز إلى ما جاءت به الرسل على علم وبصيرة وهو تقرير لما جاؤوا به بجميع طرق الحق لتخلص من تلك المطالبات مع إقراره بأن رب العالمين فعال لما يريد يفعل بمشيئته وقدرته وحكمته وأن له المشيئة النافذة والحكمة البالغة وأن تقدير تجريد النار عما خلقت عليه من الإحراق والماء عما خلق عليه والرياح والنفوس البشرية عما هيئت له وخلقت عليه مناف للحكمة المطلوبة المحبوبة للرب سبحانه وأن هذا تقرير لعالم آخر وتعطيل للأسباب التي نصبها الله سبحانه مقتضيات لمسبباتها وأن تلك

الأسباب مظهر حكمته وحمده وموضع تصرفه لخلقه وأمره فتقدير تعطيلها تعطيل للخلق والأمر وهو أشد منافاة للحكمة وإبطالا لها واقتضاء هذه الأسباب لمسبباتها كاقتضاء الغايات لأسبابها فتعطيلها منها قدح في الحكمة وتفويت لمصلحة العالم التي عليها نظامه وبها قوامه ولكن الرب سبحانه قد يخرق العادة ويعطلها عن مقتضياتها أحيانا إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات كما عطل النار التي ألقى فيها إبراهيم وجعلها عليه بردا وسلاما عن الإحراق لما في ذلك من المصالح العظيمة وكذلك تعطيل الماء عن إغراق موسى وقومه وعما خلق عليه من الإسالة والتقاء أجزائه بعضها ببعض هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التامة التي ظهرت في الوجود وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب فهكذا سائر أفعاله سبحانه مع أنه أشهد عباده بذلك أنه مسبب الأسباب وأن الأسباب خلقه وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها وأن كونها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها بل هو الذي جعلها كذلك وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء أنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها ويقولون لا تعطيل في الطبيعة وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء بل هي المتصرفة المدبرة ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره وثوابه وعقابه فجحد ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها والقوى بمحالها ثم المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل محذور فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور بأسرها لازمة له لزوم الطفل لحامله والحرارة للنار ولا يمكنه دفعها ولا

تخليص الحرارة منها فهم فروا من إضافة الشر إلى خلقه ومشيئته واختياره ثم ألزموه إياه وأضافوه إليه إضافة لا يمكن إزالتها مع تعطيل قدرته ومشيئته وخلقه وعلمه بتفاصيل أحوال عباده وفي ذلك تعطيل ربوبيته للعالمين ففروا من محذور بالتزام عدة محاذير واستجاروا من الرمضاء بالنار وهذا كما نزه الجهمية عن استوائه على عرشه وعلوه على مخلوقاته فإنه فرار من التحيز والجهة ثم جعلوه سبحانه في كل مكان مخالطا للقاذورات والأماكن المكروهات وكل مكان يأنف العاقل من مجاورته ففروا من تخصيصه بالعلو فعمموا به كل مكان ولما علمت الفرعونية بطلان هذا المذهب فروا إلى شر منه فأخلوا داخل العالم وخارجه منه البتة وقالوا ليس فوق العرش رب يعبد ولا إله يصلى له يسجد ولا ترفع إليه الأيدي ولا يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح ولا عرج بمحمد إليه بل عرج به إلى عدم صرف ولا فرق بالنسبة إليه بين العرش وبين أسفل السافلين ومن المعلوم أنه ليس موجودا في أسفل السافلين فإذا لم يكن موجودا فوق العرش فهذا إعدام له البتة وتعطيل لوجوده
فلما رأت الحلولية وإخوانهم من الإتحادية أشباه النصارى ما في ذلك من الإحالة قالوا بل هو هذا الوجود الساري في الموجودات الظاهر فيها على اختلاف صورها وأنواعها بحسنها فهو في الماء ماء وفي الخمر خمر وفي النار نار وهو حقيقة كل شيء وماهيته فنزهوه عن استوائه على عرشه وجعلوه وجود كل موجود خسيس أو شريف صغير أو كبير طيب أو غيره تعالى الله عما يقول أعداؤه علوا كبيرا وكذلك القائلون بقدم العالم نزهوه عن قيام الإرادات والأفعال المتجددة به ثم جعلوا جميع الحوادث لازمة له لا ينفك عنها ونزهوه عن إرادته وجعلوه لازما لذاته كالمضطر إلى

صدوره عنه وكذلك المعتزلة الجهمية نزهوه عن صفات كماله لئلا يقعوا في تشبيه ثم شبهوه بخلقه في أفعاله وحكموا عليه بحسن ما يحسن منهم وقبح ما يقبح منهم مع تشبيهه في سلب صفات كماله بالجمادات والناقصات وإن من فر من إثبات السمع والبصر والكلام والحياة له لئلا يشبهه فقد شبهه بالأحجار التي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ومن عطله عن صفة الكلام لما يلزم من تشبيه بزعمه فقد شبهه بأصحاب الخرس والآفات الممتنع منهم الكلام ومن نزهه عن نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ودنوه عشية عرفة من أهل الموقف ومجيئه يوم القيامة للقضاء بين عباده فرارا من تشبيهه بالأجسام فقد شبهه بالجماد الذي لا يتصرف ولا يفعل ولا يجيء ولا يأتي ولا ينزل ومن نزهه عن أن يفعل لغرض أو حكمة أو لداع إلى الفعل حذرا من تشبيهه بالفاعلين لذلك فقد شبهه بأهل السفه والعبث الذي لا يقصدون بأفعالهم غاية محمودة ولا غرضا مطلوبا محبوبا ومن نزهه عن خلق أفعال عباده وتصرفه فيهم بالهداية والإضلال وتخصيص من شاء منهم بفضله أو منعه لمن شاء حذرا من الظلم بزعمه فقد وصفه بأقبح الظلم والجور حيث يخلد في أطباق النيران من استنفد عمره كله في طاعته إذا فعل قبل الموت كبيرة واحدة فإنها تحبط جميع تلك الطاعات وتجعلها هباء منثورا ويخلد في جهنم مع الكفار مالم يتب منها إلى غير ذلك من أصولهم الفاسدة فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
قاعدة كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من إحدى جهتين إما أن تكون طبيعته يابسة قاسية غير لينة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها وإما أن تكون لينة منقادة سلسة القياد لكنها غير ثابتة على ذلك

بل سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلب فمتى رزق العبد انقيادا للحق وثباتا عليه فليبشر فقد بشر بكل خير وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
قاعدة إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجل عوض وأفضله وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردا عنه وإقباله عليه بعد أن كان نائيا عنه وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضا وللوقوف على أبواب غيره متعرضا وكانت البلية في هذا عين النعمة وإن ساءته وكرهها طبعه ونفرت منها نفسه فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببا ما مثله سبب وقوله تعالى في ذلك هو الشفاء والعصمة وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون وإن لم يرده ذلك البلاء إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادته الشر به فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء فبلية هذا وبال عليه وعقوبة ونقص في حقه وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل والله ولي التوفيق

قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب
الناس في البلوى التي تجري عليهم أحكامها بإرادتهم وشهواتهم متفاوتون بحسب شهودهم لأسبابها وغايتها أعظم تفاوت وجماع ذلك ثمانية مشاهد

أحدها شهود السبب الموصل إليها والغاية المطلوبة منها فقط وهو شهود الحيوانات إذ لا تشهد إلا طريق وطرها وبرد النفس بعد تناولها وهذا الضرب من الناس ليس بينه وبين الحيوان البهيم في ذلك فرق إلا بدقيق الحيلة في الوصول إليها وربما زاد غيره من الحيوانات عليه مع تناولها ولذاتها
المشهد الثاني من يشهد مع ذلك مجرد الحكم القدري وجريانه عليه ولا يجوز شهوده ذلك وربما رأى أن الحقيقة هي توفية هذا المشهد حقه ولا يتم له ذلك إلا بالفناء عن شهود فعله هو جملة فيشهد الفاعل فيه غيره والمحرك سواه فلا ينسب إلى نفسه فعلا ولا يرى لها إساءة ويزعم أن هذا هو التحقيق والتوحيد وربما زاد على ذلك أنه يشهد نفسه مطيعا من وجه وإن كان عاصيا من وجه آخر فيقول أنا مطيع الإرادة والمشيئة وإن كنت عاصيا للأمر وإن كان ممن يرى الأمر تلبيسا وضبطا للرعاع عن الخبط والحرمان مع حكم الطبيعة الحيوانية فقد رأى نفسه مطيعا لا عاصيا كما قال قائلهم في هذا المعنى
أصبحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات
وأصحاب المشهد الأول أقرب إلى السلامة من هؤلاء وخير منهم وهذا المشهد بعينه هو المشهد الذي يشهده المشركون عباد الأصنام ووقفوا عنده كما قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم وقالوا لو شاء الله

ما أشركنا ولا أباؤنا ولا حرمنا من شيء وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين أمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه فهذا مشهد من أشرك بالله ورد أمره وهو مشهد إبليس الذي انتهى إليه إذ يقول لربه رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين والله أعلم
المشهد الثالث مشهد العقل الكسبي القائم بالعبد فقط ولا يشهد إلا صدوره عنه وقيامه به ولا يشهد مع ذلك مشيئة الرب له ولا جريان حكمه القدري به ولا عزة الرب في قضائه ونفوذ أمره بل قد فني بشهود معصيته بذنبه وقبح ما اجترمه عن شهود المشيئة النافذة والقدر السابق إما لعدم اتساع قلبه لشهود الأمرين فقد امتلأ من شهود ذنبه وجرمه وفعله مع أنه مؤمن بقضاء الرب وقدره وأن العبد أقل قدرا من أن يحدث في نفسه ما لم يسبق به مشيئة بارئه وخالقه وإما لإنكاره القضاء والقدر جملة وتنزيهه للرب أن يقدر على العبد شيئا ثم يلومه عليه فأما الأول وإن كان مشهده صحيحا نافعا له موجبا له أن لا يزال لائما لنفسه مزريا عليها ناسيا للذنب والعيب إليها معترفا بأنه يستحق العقوبة والنكال وأن الله سبحانه إن عاقبه فهو العادل فيه وأنه هو الظالم لنفسه وهذا كله حق لا ريب فيه لكن صاحبه ضعيف مغلوب مع نفسه غير معان عليها بل هو معها كالمقهور المخذول فإنه لم يشهد عزة الرب في قضائه ونفوذ أمره الكوني ومشيئته وأنه لو شاء لعصمه وحفظه وأنه لا معصوم إلا من عصمه ولا محفوظ إلا من حفظه وأنه هو محل لجريان أقضيته وأقداره مسوق إليها في سلسلة

إرادته وشهوته وأن تلك السلسلة طرفها بيد غيره فهو القادر على سوقه فيها إلى ما فيه صلاحه وفلاحه وإلى ما فيه هلاكه وشقاؤه فهو لغيبته عن هذا المشهد وغلبة شهود المعصية والكسب على قلبه لا يعطي التوحيد حقه ولا الاستعاذة بربه والاستغاثة به والالتجاء إليه والإفتقار والتضرع والإبتهال حقه بحيث يشهد سر قوله وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك فإنه سبحانه رب كل شيء وخالق كل شيء والمستعاذ منه واقع بخلقه ومشيئته ولو شاء لم يكن فالفرار منه إليه والإستعاذة منه به ولا ملجأ منه إلا إليه ولا مهرب منه إلا إليه لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأما الثاني وهو منكر القضاء والقدر فمخذول محجوب عن شهود التوحيد مصدود عن شهود الحكمة الإلهية موكول إلى نفسه ممنوع عن شهود عزة الرب في قضائه وكمال مشيئته ونفوذ حكمه وعن شهود عجزه هو وفقره وأنه لا توفيق له إلا بالله وأنه إن لم يعنه الله فهو مخذول وإن لم يوفقه ويخلق له عزيمة الرشد وفعله فهو عنه ممنوع فحجابه عن الله غليظ فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى ولا طريق إلى الله أقرب من دوام الافتقار إليه
المشهد الرابع مشهد التوحيد والأمر فيشهد انفراد الرب بالخالق ونفوذ مشيئته وتعلق الموجودات بأسرها به وجريان حكمه على الخليقة وانتهاءها إلى ما سبق لها في علمه وجرى به قلمه ويشهد ذلك أمره ونهيه وثوابه وعقابه وارتباط الجزاء بالأعمال واقتضاءها له ارتباط المسببات بأسبابها التي جعلت أسبابا مقتضية لها شرعا وقدرا وحكمة فشهوده توحيد الرب وانفراده بالخلق ونفوذ مشيئته وجريان قضائه وقدره يفتح له باب الإستعاذة ودوام الإلتجاء إليه والافتقار إليه وذلك يدنيه من عتبة العبودية ويطرحه بالباب فقيرا عاجزا مسكينا لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا

حياة ولا نشورا وشهوده أمره تعالى ونهيه وثوابه وعقابه يوجب له الحمد والتشمير وبذل الوسع والقيام بالأمر والرجوع على نفسه باللوم والإعتراف بالتقصير فيكون سيره بين شهود العزة والحكمة والقدرة الكاملة والعلم السابق والمنة العظيمة وبين شهود التقصير والإساءة منه وتطلب عيوب نفسه وأعمالها فهذا هو العبد الموفق المعان الملطوف به المصنوع له الذي أقيم مقام العبودية وضمن له التوفيق وهذا هو مشهد الرسل فهو مشهد أبيهم آدم إذ يقول ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ومشهد أول الرسل نوح إذ يقول رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ومشهد إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إذ يقول الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين وقال في دعائه رب اجعل هذا البلد إمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام فعلم أن الذي يحول بين العبد وبين الشرك وعبادة الأصنام هو الله لا رب غيره فسأله أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام وهذا هو مشهد موسى إذ يقول في خطابه لربه أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين أي إن ذلك

إلا امتحانك واختبارك كما يقال فتنت الذهب إذا امتحنته واختبرته وليس من الفتنة التي هي الفعل المسيء كما في قوله تعالى إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات وكما في قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة فإن تلك فتنة المخلوق فإن موسى أعلم بالله بأن يضيف إليه هذه الفتنة وإنما هي كالفتنة في قوله وفتناك فتونا أي ابتليناك واختبرناك وصرفناك في الأحوال التي قصها الله علينا من لدن ولادته إلى وقت خطابه له وإنزاله عليه كتابه والمقصود أن موسى شهد توحيد الرب وانفراده بالخلق والحكم وفعل السفهاء ومباشرتهم الشرك فتضرع إليه بعزته وسلطانه وأضاف الذنب إلى فاعله وجانيه ومن هذا قوله رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي قال تعالى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم وهذا مشهد ذي النون إذ يقول لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فوحد ربه ونزهه عن كل عيب وأضاف الظلم إلى نفسه وهذا مشهد صاحب سيد الاستغفار إذ يقول في دعائه اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت / ح / فأقر بتوحيد الربوبية المتضمن لانفراده سبحانه بالخلق وعموم المشيئة ونفوذها وتوحيد الإلهية المتضمن لمحتبه وعبادته

وحده لا شريك له والاعتراف بالعبودية المتضمن للإفتقار من جميع الوجوه إليه سبحانه ثم قال وأنا على عهدك ووعدك فتضمن ذلك التزام شرعه وأمره ودينه وهو عهده الذي عهده إلى عباده وتصديق وعده وهو جزاؤه من ثوابه فتضمن التزام الأمر والتصديق بالموعود وهو الإيمان والاحتساب ثم لما علم أن العبد لا يوفي هذا المقام حقه الذي يصلح له تعالى علق ذلك باستطاعته وقدرته التي لا يتعداها فقال ما استطعت أي التزم ذلك بحسب استطاعتي وقدرتي ثم شهد المشهدين المذكورين وهما مشهد القدرة والقوة ومشهد التقصير من نفسه فقال أعوذ بك من شر ما صنعت فهذه الكلمة تضمنت المشهدين معا ثم أضاف النعم كلها إلى وليها وأهلها والمبتدىء بها والذنب إلى نفسه وعمله فقال أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فأنت المحمود والمشكور الذي له الثناء كله والإحسان كله ومنه النعم كلها فلك الحمد كله ولك الثناء كله ولك الفضل كله وأنا المذنب المسيء المعترف بذنبه المقر بخطئه كما قال بعض العارفين العارف يسير بين مشاهدة المنة من الله ومطالعة عيب النفس والعمل فشهود المنة يوجب له المحبة لربه سبحانه وحمده والثناء عليه ومطالعة عيب النفس والعمل يوجب استغفاره ودوام توبته وتضرعه واستكانته لربه ثم لما قام هذا بقلب الداعي وتوسل إليه بهذه الوسائل قال فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت
ثم أصحاب هذا المشهد فيه قسمان أحدهما من يشهد تسليط عدوه عليه وفساده إياه وسلسلة الهوى وكبحه إياه بلجام الشهوة فهو أسير معه بحيث يسوقه إلى ضرب عنقه وهو مع ذلك ملتفت إلى ربه وناصره ووليه عالم بأن نجاته في يديه وناصيته بين يديه وأنه لو شاء طرده عنه وخلصه من يديه فكلما قاده عدوه وكبحه بلجامه أكثر الالتفات إلى وليه وناصره والتضرع إليه والتذلل بين يديه وكلما أراد اغترابه وبعده عن بابه تذكر عطفه

وبره وإحسانه وجوده وكرمه وغناه وقدرته ورأفته ورحمته فانجذبت دواعي قلبه هاربة إليه بتراميه على بابه منطرحة على فنائه كعبد قد شدت يداه إلى عنقه وقدم لتضرب عنقه وقد استسلم للقتل فنظر إلى سيده أمامه وتذكر عطفه ورأفته به ووجد فرجة فوثب إليه منها وثبة طرح نفسه بين يديه ومد له عنقه وقال أنا عبدك ومسكينك وهذه ناصيتي بين يديك ولا خلاص لي من هذا العدو إلا بك وإني مغلوب فانتصر فهذا مشهد عظيم المنفعة جليل الفائدة تحته من أسرار العبودية ما لا يناله الوصف
وفوقه مشهد أجل منه وأعظم وأخص تجفو عنه العبارة وإن الإشارة إليه بعض الإشارة وتقريبه إلى الفهم بضرب مثل تعبر منه إليه وذلك مثل عبد أخذه سيده بيده وقدمه ليضرب عنقه بيده فهو قد أحكم ربطه وشد عينيه وقد أيقن العبد أنه في قبضته وأنه هو قاتله لا غيره وقد علم مع ذلك بره به ولطفه ورحمته ورأفته وجوده وكرمه فهو يناشده بأوصافه ويدخل عليه به قد ذهب عن وهمه وشهوده كل نسب فانقطع تعلقه بشيء سواه فهو معرض عن عدوه الذي كان سبب غضب سيده عليه قد محا شهوده من قلبه فهو مقصور النظر إلى سيده وكونه في قبضتها ناظر إلى ما يصنعه منتظر منه ما يقتضيه عطفه وبره وكرمه ومثل الأول مثل عبد أمسكه عدوه وهو يخنقه للموت وذلك العبد يشهد دنو عدوه له ويستغيث بسيده وسيده يغيثه ويرحمه ولكن ما يحصل للثاني في مشهده ذلك من الأمور العجيبة فوق ما يحصل للأول وهو بمنزلة من قد أخذه محبوبه فهو يخنقه خنقة وهو لا يشهد إلا خنقه له فهو يقول اخنق خنقك فأنت تعلم أن قلبي يحبك وفي هذا المثل إشارة وكفاية من غلظ حجابه وكثفت طباعه لا ينفعه التصريح فضلا عن ضرب الأمثال والله المستعان وعليه التكلان ولا قوة إلا بالله فهذه ستة مشاهد
المشهد السابع مشهد الحكمة وهو أن يشهد حكمة الله في تخليته

بينه وبين الذنب وإقداره عليه وتهيئة أسبابه له وأنه لو شاء لعصمه وحال بينه وبينه ولكنه خلى بينه وبينه لحكم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا الله أحدها أنه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى على عبده بالذنب ثم إذا كان ممن سبقت له العناية قضى له بالتوبة الثاني تعريف العبد عزة الله سبحانه في قضائه ونفوذ مشيئته وجريان حكمه الثالث تعريفه حاجته إلى حفظه وصيانته وأنه إن لم يحفظه ويصنه فهو هالك ولا بد والشياطين قد مدت أيديها إليه تمزقه كل ممزق الرابع استجلابه من العبد استعانته به واستعاذته به من عدوه وشر نفسه ودعائه والتضرع إليه والابتهال بين يديه الخامس إرادته من عبده تكميل مقام الذل والإنكسار فإنه متى شهد صلاحه واستقامته شمخ بأنفه وظن أنه وأنه فإذا ابتلاه بالذنب تصاغرت عنده نفسه وذل وتيقن وتمنى أنه وأنه السادس تعريفه بحقيقة نفسه وأنها الخطاءة الجاهلة وأن كل ما فيها من علم أو عمل أو خير فمن الله من به عليه لا من نفسه السابع تعريفه عبده سعة حلمه وكرمه في ستره عليه فإنه لو شاء لعاجله على الذنب ولهتكه بين عباده فلم يصف له معهم عيش الثامن تعريفه أنه لا طريق إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته التاسع تعريفه كرمه في قبول توبته ومغفرته له على ظلمه وإساءته العاشر إقامة الحجة على عبده فإن له عليه الحجة البالغة فإن عذبه فبعدله وببعض حقه عليه بل باليسير منه الحادي عشر أن يعامل عباده في إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يجب أن يعامله الله به فإن الجزاء من جنس العمل فيعمل في ذنوب الخلق معه ما يحب أن يصنعه الله بذنوبه الثاني عشر أني يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم مع إقامة أمر الله فيهم فيقيم أمره فيهم رحمة لهم لا قسوة وفظاظة عليهم الثالث عشر أن يخلع صولة الطاعة والإحسان من قلبه فتتبدل برقة ورأفة ورحمة الرابع عشر أن يعريه من رداء العجب بعمله كما قال النبي لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أشد منه

العجب أو كما قال الخامس عشر أن يعريه من لباس الإدلال الذي يصلح للملوك ويلبسه لباس الذل الذي لا يليق بالعبد سواه السادس عشر أن يستخرج من قلبه عبوديته بالخوف والخشية وتوابعهما من البكاء والإشفاق والندم السابع عشر أن يعرف مقداره مع معافاته وفضله في توفيقه وعصمته فإن من تربى في العافية لا يعرف ما يقاسيه المبتلى ولا يعرف مقدار العافية الثامن عشر أن يستخرج منه محبته وشكره لربه إذا تاب إليه ورجع إليه فإن الله يحبه ويوجب له بهذه التوبة مزيد محبة وشكر ورضا لا يحصل بدون التوبة وإن كان يحصل بغيرها من الطاعات أثر آخر لكن هذا الأثر الخاص لا يحصل إلا بالتوبة التاسع عشر أنه إذا شهد إساءته وظلمه واستكثر القليل من نعمة الله لعلمه بأن الواصل إليه

منها كثير على مسيء مثله فاستقل الكثير من عمله لعلمه بأن الذي يصلح له أن يغسل به نجاسته وذنوبه أضعاف أضعاف ما يفعله فهو دائما مستقل لعمله كائنا ما كان ولو لم يكن في فوائد الذنب وحكمه إلا هذا وحده لكان كافيا العشرون أنه يوجب له التيقظ والحذر من مصايد العدو ومكايده ويعرفه من أين يدخل عليه وبماذا يحذر منه كالطبيب الذي ذاق المرض والدواء الحادي والعشرون أن مثل هذا ينتفع به المرضى لمعرفته بأمراضهم وأدوائها الثاني والعشرون أنه يرفع عنه حجاب الدعوى ويفتح له طريق الفاقة فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى ولا طريق أقرب من العبودية فإن دوام الفقر إلى الله مع التخليط خير من الصفاء مع العجب الثالث والعشرون أن تكون في القلب أمراض مزمنة لا يشعر بها فيطلب دواءها فيمن عليه اللطيف الخبير ويقضي عليه بذنب ظاهر فيجد ألم مرضه فيحتمي ويشرب الدواء النافع فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها ومن لم يشعر بهذه اللطيفة فغلظ حجابه كما قيل
لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل
الرابع والعشرون أنه يذيقه ألم الحجاب والبعد بارتكاب الذنب ليكمل له نعمته وفرحه وسروره إذا اقبل بقلبه إليه وجمعه عليه وأقامه في طاعته فيكون التذاذه في ذلك بعد أن صدر منه ما صدر بمنزلة التذاذ الظمآن بالماء العذب الزلال والشديد الخوف بالأمن والمحب الطويل الهجر بوصل محبوبه وإن لطف الرب وبره وإحسانه ليبلغ بعبده أكثر من هذا فيا بؤس من أعرض عن معرفة ربه ومحبته الخامس والعشرون امتحان العبد واختباره هل يصلح لعبوديته وولايته أم لا فإنه إذا وقع الذنب سلب حلاوة الطاعة والقرب ووقع في الوحشة فإن كان ممن يصلح اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة فحنت وأنت وتضرعت واستعانت بربها ليردها إلى ما عودها من بره ولطفه وإن ركنت عنها واستمر إعراضها ولم تحن إلى تعهدها الأول ومألوفها ولم تحسن بضرورتها وفاقتها

الشديدة إلى مراجعة قربها من ربها علم أنها لا تصلح لله وقد جاء هذا بعينه في أثر إلهي لا أحفظه السادس والعشرون أن الحكمة الإلهية اقتضت تركيب الشهوة والغضب في الإنسان أو بعضها ولو لم يخلق فيه هذه الدواعي لم يكن إنسانا بل ملكا فالذنب من موجبات البشرية كما أن النسيان من موجباتها كما قال النبي كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ولا يتم الابتلاء والاختبار إلا بذلك والله أعلم السابع والعشرون أن ينسيه رؤية طاعته ويشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه فإن الله إذا أراد بعبد خيرا سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه والإخبار بها من لسانه وشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه حتى يدخل الجنة فإن ما تقبل من الأعمال رفع من القلب رؤيته ومن اللسان ذكره وقال بعض السلف إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة ويعمل الحسنة فيدخل بها النار قالوا كيف قال يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه إذا ذكرها ندم واستقال وتضرع إلى الله وبادر إلى محوها وانكسر وذل لربه وزال عنه عجبه وكبره ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يراها ويمن بها ويعتد بها ويتكبر بها حتى يدخل النار الثامن والعشرون أن شهود ذنبه وخطيئته يوجب له أن لا يرى له على أحد فضلا ولا له على أحد حقا فإنه إذا شهد عيب نفسه بفاحشة وخطأها وذنوبها لا يظن أنه خير من مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر وإذا شهد ذلك من نفسه لم ير لها على الناس حقوقا من الإكرام يتقاضاهم إياها ويذمهم على ترك القيام بها فإنها عند أخس قدرا

وأقل قيمة من أن يكون لها على عباد الله حقوق يجب مراعاتها أو لها عليهم فضل يستحق أن يلزموه لأجله فيرى أن من سلم عليه أو لقيه بوجه منبسط قد أحسن إليه وبذل له ما لا يستحقه فاستراح في نفسه واستراح الناس من عتبه وشكايته فما أطيب عيشه وما أنعم باله وما أقر عينه وأين هذا ممن لا يزال عاتبا على الخلق شاكيا ترك قيامهم بحقه ساخطا عليهم وهم عليه أسخط فسبحان ذي الحكمة الباهرة التي بهرت عقول العالمين التاسع والعشرون أنه يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها فإنه في شغل بعيبه ونفسه وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس فالأول علامة السعادة والثاني علامة الشقاوة الثلاثون أنه يوجب له الإحسان إلى الناس والاستغفار لإخوانه الخاطئين من المؤمنين فيصير هجيراه رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات فإنه يشهد أن إخوانه الخاطئين يصابون بمثل ما أصيب به ويحتاجون إلى مثل ما هو محتاج إليه فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم يحب أن يستغفر هو لأخيه المسلم وقد قال بعض السلف إن الله لما عتب على الملائكة في قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وامتحن هاروت وماروت جعلت الملائكة بعد ذلك تستغفر لبني آدم ويدعون الله لهم الحادي والثلاثون أنه يوجب له سعة إبطائه وحلمه ومغفرته لمن أساء إليه فإنه إذا شهد لنفسه مع ربه سبحانه مسيئا خاطئا مذنبا مع فرط إحسانه إليه وبره وشدة حاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين وهذا حاله مع ربه فكيف يطمع أن يستقيم له الخلق ويعاملوه بمحض الإحسان وهو لم يعامل ربه بتلك المعاملة وكيف يطمع أن يطيعه مملوكه وولده وزوجته في كل ما يريد وهو مع ربه ليس كذلك وهذا يوجب أن يغفر لهم ويسامحهم ويعفو عنهم ويغضي عن الاستقصاء في طلب حقه قبلهم

قاعدة كثيرا ما يتكرر في القرآن ذكر الإنابة والأمر بها كقوله تعالى وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له وقوله حكاية عن شعيب أنه قال وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وقوله تبصرة وذكرى لكل عبد منيب وقوله إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب وقوله عن نبيه داود وخر راكعا وأناب والإنابة الرجوع إلى الله وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه وهي تتضمن المحبة والخشية فإن المنيب محب لمن أناب إليه خاضع له خاشع ذليل والناس في إنابتهم على درجات متفاوتة فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي وهذه الإنابة مصدرها مطالعة الوعيد والحامل عليها العلم والخشية والحذر ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقربات فهو ساع فيها بجهده وقد حبب إليه فعل الطاعات وأنواع القربات وهذه الإنابة مصدرها الرجاء ومطالعة الوعد والثواب ومحبة الكرامة من الله وهؤلاء أبسط نفوسا من أهل القسم الأول وأشرح صدورا وجانب الرجاء ومطالعة الرحمة والمنة أغلب عليهم وإلا فكل واحد من الفريقين منيب بالأمرين جميعا ولكن خوف هؤلاء اندرج في رجائهم فأنابوا بالعبادات ورجاء الأولين اندرج تحت خوفهم فكانت إنابتهم بترك المخالفات ومنهم المنيب إلى الله بالتضرع والدعاء والافتقار إليه والرغبة وسؤال الحاجات كلها منه ومصدر هذه الإنابة شهود الفضل والمنة والغنى والكرم والقدرة فأنزلوا به حوائجهم وعلقوا به آمالهم فإنابتهم إليه من هذه الجهة مع قيامهم بالأمر

والنهي ولكن إنابتهم الخاصة إنما من هذه الجهة وأما الأعمال فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة وأملهم المنيب عند الشدائد والضراء فقط إنابة اضطرار لا إنابة اختيار كحال الذين قال الله في حقهم وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه وقوله تعالى فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين وهؤلاء كلهم قد تكون نفس أرواحهم ملتفتة عن الله سبحانه معرضة عنه إلى مألوف طبيعي نفساني قد حال بينها وبين إنابتها بذاتها إلى معبودها وإلهها الحق فهي ملتفتة إلى غيره ولها إليه إنابة ما بحسب إيمانها به ومعرفتها له
فأعلى أنواع الإنابة إنابة الروح بجملتها إليه لشدة المحبة الخالصة المغنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم وحين أنابت إليه أرواحهم لم يختلف منهم شيء عن الإنابة فإن الأعضاء كلها رعيتها وملكها تبع للروح فلما أنابت الروح بذاتها إليه إنابة محب صادق المحبة وليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حب ساكن لمحبوبه أنابت جميع القوى والجوارح فأناب القلب أيضا بالمحبة والتضرع والذل والإنكسار وأناب العقل بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه وتسليمه لها وتحكيمه إياها دون غيرها فلم يبق فيه منازعة شبهة معترضة دونها وأنابت النفس بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة والإرادات الفاسدة وانقادت لأوامره خاضعة له وداعية فيه ومؤثرة إياها على غيره فلم يبق فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر وخرجت عن تدبيرها واختيارها تفويضا إلى مولاها ورضى بقضائه وتسليما لحكمه وقد قيل إن تدبير العبد لنفسه هو آخر الصفات المذمومة في النفس وأناب الجسد في الأعمال والقيام بها فرضها وسننها على أكمل

الوجوه وأنابت كل جارحة وعضو إنابتها الخاصة فلم يبق من هذا العبد المنيب عرق ولا مفصل إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق الذي كل محبة سوى محبته عذاب على صاحبها وإن كانت عذبة في مباديها فإنها عذاب في عواقبها فإنابة العبد ولو ساعة من عمره هذه الإنابة الخالصة أنفع له وأعظم ثمرة من إنابة سنين كثيرة من غيره فأين إنابة هذا من إنابة من قبله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء بل هذه روحه منيبة أبدا وإن توارى عنه شهود إنابتها باشتغال فهي كامنة فيها كمون النار في الزناد وأما أصحاب الإنابات المتقدمة فإن أناب أحدهم ساعة بالدعاء والذكر الابتهال فلنفسه وروحه وقلبه وعقله التفاتات عمن قد أناب إليه فهو ينيب ببعضه ساعة ثم يترك ذلك مقبلا على دواعي نفسه وطبعه والله الموفق المعين لا رب غيره ولا إله سواه
قاعدة في ذكر طريق يوصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال
وهي شيئان أحدهما حراسة الخواطر وحفظها والحذر من إهمالها والاسترسال معها فإن أصل الفساد كله من قبلها يجيء لأنها هي بذر الشيطان والنفس في أرض القلب فإذا تمكن بذرها تعاهدها الشيطان بسقيه مرة بعد أخرى حتى تصير إرادات ثم يسقيها بسقيه حتى تكون عزائم ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال ولا ريب أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم فيجد العبد نفسه عاجزا أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة وهو المفرط إذا لم يدفعها وهي خاطر ضعيف كمن تهاون بشرارة من نار وقعت في حطب يابس فلما تمكنت منه عجز عن إطفائها فإن قلت فما الطريق إلى حفظ الخواطر قلت أسباب عدة أحدها العلم الجازم باطلاع الرب سبحانه ونظره إلى قلبك وعلمه بتفصيل خواطرك الثاني حياؤك منه الثالث إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته الرابع خوفك منه أن

تسقط من عينه بتلك الخواطر الخامس إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته السادس خشيتك أن تتولد تلك الخواطر ويستعر شرارها فتأكل ما في القلب من الإيمان ومحبة الله فتذهب به جملة وأنت لا تشعر السابع أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحب الذي يلقى للطائر ليصاد به فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة في فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر الثامن أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي المحبة والإنابة أصلا بل هي ضدها من كل وجه وما اجتمعا في قلب إلا وغلب أحدهما صاحبه وأخرجه واستوطن مكانه فما الظن بقلب غلبت خواطر النفس والشيطان فيه خواطر الإيمان والمعرفة والمحبة فأخرجتها واستوطنت مكانها لكن لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك وأحس بمصابه التاسع أن يعلم أن تلك الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له فإذا دخل القلب في غمراته غرق فيه وتاه في ظلماته فيطلب الخلاص منه فلا يجد إليه سبيلا فقلب تملكه الخواطر بعيد من الفلاح معذب مشغول بما لا يفيد العاشر أن تلك الخواطر هي وادي الحمقى وأماني الجاهلين فلا تثمر لصاحبها إلا الندامة والخزي وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوس وعزلته عن سلطانها وأفسدت عليه رعيته وألقته في الأسر الطويل كما أن هذا معلوم في الخواطر النفسانية فهكذا الخواطر الإيمانية الرحمانية هي أصل الخير كله فإن أرض القلب إذا بذر فيها خواطر الإيمان والخشية والمحبة والإنابة والتصديق بالوعد ورجاء الثواب وسقيت مرة بعد مرة وتعاهدها صاحبها بحفظها ومراعاتها والقيام عليها أثمرت له كل فعل جميل وملأت قلبه من الخيرات واستعملت جوارحه في الطاعات واستقر بها الملك في سلطانه واستقامت له رعيته ولهذا لما تحققت طائفة من السالكين ذلك عملت على حفظ الخواطر فكان ذلك هو سيرها وجل أعمالها وهذا نافع لصاحبه بشرطين أحدهما أن لا يترك به واجبا ولا سنة والثاني أن لا يجعل مجرد حفظها هو المقصود بل لا يتم

ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر الإيمان والمحبة والإنابة والتوكل والخشية فيفرغ قلبه من تلك الخواطر ويعمره بأضدادها وإلا فمتى عمل على تفريغه منها معا كان خاسرا فلا بد من التفطن لهذا ومن هنا غلط أقوام من أرباب السلوك وعملوا على إلقاء الخواطر وإزالتها جملة فبذر فيها الشيطان أنواع الشبه والخيالات فظنوها تحقيقا وفتحا رحمانيا وهم فيها غالطون وإنما هي خيالات شيطانية والميزان هو الكتاب الناطق والفطرة السليمة والعقل المؤيد بنور النبوة والله المستعان

فصل صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته
فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها وخمدت من نفسه نيران الشهوات وأخبت قلبه إلى الله وعكفت همته على الله وعلى محبته وإيثار مرضاته واستحدثت همة أخرى وعلوما أخر وولد ولادة أخرى تكون نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة وكما كان بطن أمه حجابا لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة فخروج قلبه عن نفسه بارزا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزا إلى هذه الدار وهذا معنى ما يذكر عن المسيح أنه قال يا بني إسرائيل إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين ولما كان أكثر الناس لم يولدوا هذه الولادة الثانية ولا تصوروها فضلا عن أن يصدقوا بها فيقول القائل كيف يولد الرجل الكبير أو كيف يولد القلب لم يكن لهم إليها همة ولا عزيمة إذ كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا يصدقه ولكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك وعلم أنه لم يولد قلبه بعد والمقصود أن صدق التأهب للقاء هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح

فمفتاح ذلك كله صدق التأهب والاستعداد للقاء الله والمفتاح بيد الفتاح العليم لا إله غيره ولا رب سواه
قاعدة شريفة الناس قسمان علية وسفلة فالعلية من عرف الطريق إلى ربه وسلكها قاصدا الوصول إليه وهذا هو الكريم على ربه والسفلة من لم يعرف الطريق إلى ربه ولم يتعرفها فهذا هو اللئيم الذي قال الله فيه ومن يهن الله فماله من مكرم والطريق إلى الله في الحقيقة واحد لا تعدد فيه وهو صراطه المستقيم الذي نصبه موصلا لمن سلكه قال الله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فوحد سبيله لأنه في نفسه واحد لا تعدد فيه وجمع السبل المخالفة لأنها كثيرة متعددة كما ثبت أن النبي خط خطا ثم قال هذا سبيل الله / ح / ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره ثم قال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه / ح / ثم قرأ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ومن هذا قوله تعالى الله ولي الذين امنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات فوحد النور الذي هو سبيله وجمع الظلمات التي هي سبيل الشيطان ومن فهم هذا فهم السر في إفراد النور وجمع الظلمات في قوله الحمد لله الذي خلق السموات

والأرض وجعل الظلمات والنور مع أن فيه سر ألطف من هذا يعرفه من يعرف منبع النور ومن أين فاض وعماذا حصل وأن أصله كله واحد وأما الظلمات فهي متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها وهي كثيرة جدا لكل حجاب ظلمة خاصة ولا ترجع الظلمات إلى النور الهادي جل جلاله أصلا ولا وصفا ولا ذاتا ولا اسما ولا فعلا وإنما ترجع إلى مفعولاته فهو جاعل الظلمات ومفعولاتها متعددة متكثرة بخلاف النور فإنه يرجع إلى اسمه وصفته تعالى أن يكون كمثله شيء وهو نور السموات والأرض قال ابن مسعود ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السموات والأرض من نور وجهه ذكره الدارمي عنه وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قلت يا رسول الله هل رأيت ربك قال نور أنى أراه
والمقصود أن الطريق إلى الله واحد فإنه الحق المبين والحق واحد مرجعه إلى واحد وأما الباطل والضلال فلا ينحصر بل كل ما سواه باطل وكل طريق إلى الباطل فهو باطل فالباطل متعدد وطرقه متعددة وأما ما يقع في كلام بعض العلماء أن الطريق إلى الله متعددة متنوعة جعلها الله كذلك لتنوع الاستعدادات واختلافها رحمة منه وفضلا فهو صحيح لا ينافي ما ذكرناه من وحدة الطريق وإيضاحه أن الطريق هي واحدة جامعة لكل ما يرضي الله وما يرضيه متعدد متنوع فجميع ما يرضيه

طريق واحد ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال وكلها طرق مرضاته فهذه التي جعلها الله لرحمته وحكمته كثيرة متنوعة جدا لاختلاف استعدادات العباد وقوابلهم ولو جعلها نوعا واحدا مع اختلاف الأذهان والعقول وقوة الاستعدادات وضعفها لم يسلكها إلا واحد بعد واحد ولكن لما اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق ليسلك كل امرىء إلى ربه طريقا يقتضيها استعداده وقوته وقبوله ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد مع وحدة المعبود ودينه ومنه الحديث المشهور الأنبياء أولاد علات دينهم واحد فأولاد العلات أن يكون الأب واحدا والأمهات متعددة فشبه دين الأنبياء بالأب الواحد وشرائعهم بالأمهات المتعددة فإنها وإن تعددت فمرجعها إلى أب واحد كلها وإذا علم هذا فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم قد وفر عليه زمانه مبتغيا به وجه الله فلا يزال كذلك عاكفا على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله ويفتح له فيها الفتح الخاص أو يموت في طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته قال تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وقد حكي عن جماعة كثيرة ممن أدركه الأجل وهو حريص طالب للقرآن أنه رؤي بعد موته وأخبر انه في تكميل مطلوبه وأنه يتعلم في البرزخ فإن العبد يموت على ما عاش عليه ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر وقد جعله زاده لمعاده ورأس ماله لمآله فمتى فتر عنه أو قصر رأى أنه قد غبن وخسر ومن

الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة فمتى قصر في ورده منها أو مضى عليه وقت وهو غير مشغول بها أو مستعد لها أظلم عليه وقته وضاق صدره ومن الناس من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدي كقضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأنواع الصدقات قد فتح له في هذا وسلك منه طريقا إلى ربه ومن الناس من يكون طريقه الصوم فهو متى أفطر تغير قلبه وساءت حاله ومن الناس من يكون طريقه تلاوة القرآن وهي الغالب على أوقاته وهي أعظم أوراده ومنهم من يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد فتح الله له فيه ونفذ منه إلى ربه ومنهم من يكون طريقه الذي نفذ فيه الحج والاعتمار ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة ومراعاة الخواطر وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة ومنهم جامع المنفذ السالك إلى الله في كل واد الواصل إليه من كل طريق فهو جعل وظائف عبوديته قبلة قلبه ونصب عينه يؤمها أين كانت ويسير معها حيث سارت قد ضرب مع كل فريق بسهم فأين كانت العبودية وجدته هناك إن كان علم وجدته مع أهله أو جهاد وجدته في صف المجاهدين أو صلاة وجدته في القانتين أو ذكر وجدته في الذاكرين أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين أو محبة ومراقبة وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين يدين بدين العبودية أنى استقلت ركائبها ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها لو قيل ما تريد من الأعمال لقال أريد أن أنفذ أوامر ربي حيث كانت وأين كانت جالبة ما جلبت مقتضية ما اقتضت جمعتني أو فرقتني ليس لي مراد إلا تنفيذها والقيام بأدائها مراقبا له فيها عاكفا عليه بالروح والقلب والبدن والسر قد سلمت إليه المبيع منتظرا منه تسليم الثمن إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة فهذا هو العبد السالك إلى ربه النافذ إليه حقيقة ومعنى لنفوذ إليه أن يتصل به قلبه ويعلق به تعلق المحب التام المحبة بمحبوبه فيسلو به

عن جميع المطالب سواه فلا يبقى في قلبه إلا محبة الله وأمره وطلب التقريب إليه فإذا سلك العبد على هذا الطريق عطف عليه ربه فقربه واصطفاه وأخذ بقلبه إليه وتولاه في جميع أموره في معاشه ودينه وتولي تربيته أحسن وأبلغ مما يربي الوالد الشفيق ولده فإنه سبحانه القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه ورضي به من دون الناس حبيبا وربا ووكيلا وناصرا ومعينا وهاديا فلو كشف الغطاء عن ألطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه محبة له وشوقا إليه ويقع شكرا له ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب فصدت عن كمال نعيمها وذلك تقدير العزيز العليم وإلا فأي قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى غيره ويسكن إلى ما سواه هذا ما لا يكون أبدا
ومن ذاق شيئا من ذلك وعرف طريقا موصلة إلى الله ثم تركها وأقبل على إرادته وراحاته وشهواته ولذاته وقع في آثار المعاطب وأودع قلبه سجون المضايق وعذب في حياته عذابا لم يعذب به أحد من العالمين فحياته عجز وغم وحزن وموته كدر وحسرة ومعاده أسف وندامة قد فرط عليه أمره وشتت عليه شمله وأحضر نفسه الغموم والأحزان فلا لذه الجاهلين ولا راحة العارفين يستغيث فلا يغاث ويشتكي فلا يشكى فقد ترحلت أفراحه وسروره مدبرة وأقبلت الآمه وأحزانه وحسراته فقد أبدل بأنسه وحشة وبعزه ذلا وبغناه فقرا وبجمعيته تشتيتا وأبعدوه فلم يظفر بقربهم وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا ذلك بأنه عرف طريقه إلى الله ثم تركها ناكبا عنها مكبا على وجهه فأبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر وأقبل ثم أدبر ودعي فما أجاب وفتح له فولى ظهره الباب قد ترك طريق مولاه وأقبل بكليته على هواه فلو نال بعض حظوظه وتلذذ براحاته وشؤونه فهو مقيد القلب عن انطلاقه في فسيح التوحيد وميادين الأنس ورياض المحبة وموائد القرب قد انحط بسبب إعراضه عن إلهه الحق إلى أسفل سافلين وحصل في عداد

الهالكين فنار الحجاب تطلع كل وقت على فؤاده وإعراض الكون عنه إذ أعرض عن ربه حائل بينه وبين مراده فهو قبر يمشي على وجه الأرض وروحه في وحشة من جسمه وقلبه في ملال من حياته يتمنى الموت ويشتهيه ولو كان فيه ما فيه حتى إذا جاءه الموت على تلك الحال والعياذ بالله فلا تسأل عما يحل به من العذاب الأليم بسبب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحق وإحراقه بنار البعد عن قربه والإعراض عنه وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيته فلو توهم العبد المسكين هذه الحال وصورتها له نفسه وأرته إياها على حقيقتها لتقطع والله قلبه ولم يلتذ بطعام ولا شراب ولخرج إلى الصعدات يجأر إلى الله ويستغيث به يستعتبه في زمن الاستعتاب هذا مع أنه إذا آثر شهواته ولذاته الفانية التي هي كخيال طيف أو مزنة صيف نغصت عليه لذاتها أحوج ما كان إليها وحيل بينه وبين أقدر ما كان عليها وتلك سنة الله في خلقه كما قال تعالى حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون وهذا هو غب إعراضه وإيثار شهوته على مرضاة ربه يعوق القدر عليه أسباب مراده فيخسر الأمرين جميعا فيكون معذبا في الدنيا بتنغيص شهواته وشدة اهتمامه بطلب ما لم يقسم له وإن قسم له منه شيء فحشوه الخوف والحزن والنكد والألم فهم لا ينقطع وحسرة لا تنقضي وحرص لا ينفذ وذل لا ينتهي وطمع لا يقلع هذا في هذه الدار وأما في البرزخ فأضعاف أضعاف ذلك قد حيل بينه وبين ما يشتهي وفاته ما كان يتمناه من قرب ربه وكرامته ونيل ثوابه وأحضر جميع غمومه وأحزانه وأما في دار الجزاء فسجن أمثاله من المبعودين المطرودين فواغوثاه ثم واغوثاه

أقسام الكتاب
1 2 3