كتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن
المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي

إن تركتم نصره فالله متكفل به إذ قد نصره في موضع القلة والانفراد وكثرة العدو ولن يترك
نصره الآن وقوله إذ أخرجه الذين كفروا أسند الإخراج إليهم تذنيبا لهم ولما كان مقصد أبي سفيان بن الحارث الفخر في قوله من طردت كل مطرد لم يقره النبي صلى الله عليه و سلم على ما علم في كتب السيرة والإشارة إلى خروج النبي صلى الله عليه و سلم من مكة إلى المدينة وفي صحبته أبو بكر واختصار القصة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان ينتظر إذن الله سبحانه في الهجرة من مكة وكان أبو بكر حين ترك ذمة ابن الدغنة قد أراد الخروج فقال له النبي صلى الله عليه و سلم أصبر لعل الله يسهل الصحبة فلما أذن الله لنبيه في الخروج تجهز من دار أبي بكر وخرجا فبقيا في الغار الذي في جبل ثور في غربي مكة ثلاث ليال وخرج المشركون في أثرهم حتى انتهوا إلى الغار فطمس الله عليهم الأثر وقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه و سلم لو نظر أحدهم إلى قدمه لرءانا فقال له النبي صلى الله عليه و سلم ما ظنك باثنين الله ثالثهما هكذا في الحديث الصحيح ويروى أن العنكبوت نسجت على باب الغار ويروى أن الحمامة عششت عند باب الغار وكان يروج عليهما باللبن عامر بن فهيرة
وقوله ثاني أثنين معناه أحد اثنين
وقوله إن الله معنا يريد بالنصر والنجاة واللطف
وقوله سبحانه وكلمة الله هي العليا قيل يريد لا إله إلا الله وقيل الشرع بأسره
وقوله سبحانه انفروا خفافا وثقالا معنى الخفة والثقل هاهنا مستعار لمن يمكنه السفر بسهوله ومن يمكنه بصعوبة وأما من لا يمكنه كالعمي ونحهم فخارج عن هذا وقال أبو طلحة ما اسمع الله عذر أحدا وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات وقال أبو أيوب ما اجدني أبدا إلا خفيفا أو ثقيلا
وقوله سبحانه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون تنبيه وهز للنفوس
وقوله سبحانه لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا

لاتبعوك هذه الآية في المنافقين المتخلفين في غزوة تبوك وكشف ضمائرهم وأما الآيات التي قبلها فعامة فيهم وفي غيرهم والمعنى لو كان هذا الغزو لعرض أي لمال وغنيمة تنال قريبا بسفر قاصد يسيرا لبادروا لا لوجه الله ولكن بعدت عليهم الشقة وهي المسافة الطويلة
وقوله وسيحلفون بالله يريد المنافقين وهذا إخبار بغيب
وقوله عز و جل عفا الله عنك لم أذنت لهم هذه الآية هي في صنف مبالغ في النفاق استأذنوا دون اعتذار منهم الجد بن قيس ورفاعة بن التابوت ومن اتبعهم قال مجاهد وذلك أن بعضهم قال نستأذنه فإن أذن في القعود قعدنا وإلا قعدنا وقدم له العفو قبل العتاب إكراما له صلى الله عليه و سلم وقالت فرقة بل قوله سبحانه عفا عنك استفتاح كلام كما تقول اصلحك الله وأعزك الله ولم يكن منه عليه السلام ذنب يعفى عنه لأن صورة الاستنفار وقبول الأعذار مصروفة إلى اجتهاده
وقوله حتى يتبين لك الذين صدقوا يريد في استيذانك وأنك لو لم تأذن لهم خرجوا معك
وقوله وتعلم الكاذبين أي بمخالفتك لو لم تأذن لأنهم عزموا على العصيان أذنت لهم أو لم تأذن وقال الطبري معناه حتى تعلم الصادقين في أن لهم عذرا والكاذبين في أن لا عذر لهم والأول أصوب والله أعلم وأما قوله سبحانه في سورة النور فإذا استاذنوك لبعض شأنهم الآية ففي غزوة الخندق نزلت وارتابت قلوبهم أي شكت ويترددون أي يتحيرون إذ كانوا تخطر لهم صحة أمر النبي صلى الله عليه و سلم أحيانا وأنه غير صحيح أحيانا فهم مذبذبون
وقوله سبحانه ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة أي لو أرادوا الخروج بنياتهم لنظروا في ذلك واستعدوا له
وقوله ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم قال ص ولكن أصلها أن تقع بين نقيضين أو ضدين أو خلافين على خلاف فيه انتهى وانبعاثهم نفوذهم لهذه الغزوة والتثبيط التكسيل وكسرا لعزم

وقوله سبحانه وقيل اقعدوا يحتمل أن يكون حكاية عن الله أي قال الله في سابق قضائه أقعدوا مع القاعدين ويحتمل أن يكون حكاية عنهم أي كانت هذه مقالة بعضهم لبعض ويحتمل أن يكون عبارة عن إذن النبي صلى الله عليه و سلم لهم في العقود أي لما كره الله خروجهم يسر أن قلت لهم أقعدوا مع القاعدين والقعود هنا عبارة عن التخلف وكراهية الله انبعاثهم رفق بالمؤمنين
وقوله سبحانه لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا الخبال الفساد في والأشياء المؤتلفة كالمودات وبعض الإجرام ولا أوضعوا معناه لأسرعوا السير وخلالكم معناه فيما بينكم قال ص خلالكم جمع خلل وهو الفرجة بين الشيئين وانتصب على الظرف بلا أوضعوا ويبغونكم حال أي باغين انتهى والإيضاع سرعة السير ووقعت لاأوضعوا بألف بعد لا في المصحف وكذلك وقعت في قوله أولااذبحنه يبغونكم الفتنة أي يطلبون لكم الفتنة وفيكم سماعون لهم قال مجاهد وغيره معناه جواسيس يسمعون الأخبار وينقلونها إليهم وقال الجمهور معناه وفيكم مطيعون سامعون لهم
وقوله سبحانه لقد ابتغوا الفتنة من قبل في هذه الآية تحقير لشأنهم ومعنى قوله من قبل ماكان من حالهم في احد وغيرها ومعنى قوله وقلبوا لك الأمور دبروها ظهرا لبطن وسعوا بكل حيلة ومنهم من يقول ايذن لي ولا تفتني نزلت في الجد بن قيس واسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أغزوا تبوك تغنموا بنات الأصفر فقال الجد ايذن لنا ولا تفتنا بالنساء وقال ابن عباس أن الجد قال ولكني أعينك بمالي وقوله سبحانه إلا في الفتنة سقطوا أي في الذي أظهروا افرار منه
وقوله سبحانه إن تصبك حسنة الآية الحسنة هنا بحسب الغزوة هي الغنيمة والظفر والمصيبة الهزيمة والخيبة واللفظ عام بعد ذلك في كل محبوب ومكروه ومعنى قوله قد أخذنا أمرنا من قبل أي قد أخذنا بالحزم في تخلفنا ونظرنا

لأنفسنا ثم أمر تعالى نبيه فقال قل لهم يا محمد لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا وهو إما ظفرا وسرورا عاجلا وإما أن نستشهد فندخل الجنة وباقي الآية بين
وقوله سبحانه قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين أي قل للمنافقين والحسنيين الظفر والشهادة
وقوله أو بأيدينا يريد القتل
وقوله سبحانه قل أنفقوا طوعا أو كرها الآية سببها أن الجد بن قيس حين قال ايذن لي ولا تفتني قال أني أعينك بمالي فنزلت هذه الآية فيه وهي عامة بعده
وقول عز و جل وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن ثواب الكافر على أفعاله البرة هو في الطعمة يطعمها ونحو ذلك وهذا مقنع لا يحتاج معه إلى نظر وأما أن ينتفع بها في الآخرة فلا وكسالى جمع كسلان
وقوله سبحانه فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا الآية حقر في الآية شأن المنافقين وعلل إعطاء الله لهم الأموال والأولاد بإرادته تعذيبهم بها في الحياة الدنيا وفي الآخرة قال ابن زيد وغيره تعذيبهم بها في الدنيا هو بمصائبها ورزاياها هي لهم عذاب إذ لا يؤجرون عليها ومن ذلك قهر الشرع لهم على أداء الزكاة والحقوق الواجبات قال الفخر أما كون كثيرة الأموال والأولاد سببها للعذاب في الدنيا فحاصل من وجوه منها أن كلما كان حب الإنسان للشيء أشد وأقوى كان حزنه وتألم قلبه على فراقه أعظم وأصعب ثم عند الموت يعظم حزنه وتشتد حسرته لمفارقته المحبوب فالمشغوف بحب المال والولد لا يزال في تعب فيحتاج في اكتساب الأموال وتحصيلها إلى تعب شديد ومشقة عظيمة ثم عند حصولها يحتاج إلى متاعب أشد وأصعب في حفظها وصونها لأن حفظ المال بعد حصوله أصعب من اكتسابه ثم أنه لا ينتفع إلا بالقليل من تلك الأموال فالتعب كثير والنفع قليل

ثم قال وأعلم أن الدنيا حلوة خضرة والحواس الخمس ماثلة إليها فإذا كثرت وتوالت استغرقت فيها وانصرف الإنسان بكليته إليها فيصير ذلك سببا لحرمانه من ذكر الله ثم أنه يحصل في قلبه نوع قسوة وقوه وقهر وكلما كان المال والجاه أكثر كانت تلك القسوة أقوى وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى إن الإنسان ليطغى إن رءاه استغنى فظهر أن كثرة الأموال والاولاد سبب قوي في زوال حب الله تعالى وحب الآخرة من القلب وفي حصول الدنيا وشهواتها في القلب وعند الموت كان الإنسان ينتقل من البستان إلى السجن ومن مجالسة الأقرباء والأحبة إلى موضع الغربة والكربة فيعظم تألمه ويقوى حزمنه ثم عند الحشر حلالها حساب وحرامها عقاب فثبت أن كثرة الأموال والأولاد سبب لحصول العذاب في الدنيا والآخرة انتهى ثم أخبر سبحانه أنهم ليسوا من المؤمنين وإنما هم يفزعون منهم والفرق الخوف
وقوله سبحانه لو يجدون ملجأ الملجأ من لجأ يلجأ إذا أوى واعتصم وقرأ الجمهور أو مغارات بفتح الميم وهي الغيران في أعراض الجبال أو مدخلا معناه السرب والنفق في الأرض وهو تفسير ابن عباس في هذه الألفاظ وقرأ جمهور الناس يجمحون ومعناه يسرعون قال الفخر قوله وهم يجمحون أي يسرعون إسراعا لا يرد وجوههم شيء ومن هذا يقال جمح الفرس وفرس جموح وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام انتهى وقوله عز و جل ومنهم من يلمزك الآية أي ومن المنافقين من يلمزك أي يعيبك ويأخذ منك في الغيبة ومنه قول الشاعر ... إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة ... وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه ...
ومنه قوله سبحانه ويل لكل همزة لمزة
سبحانه ولو أنهم رضوا ما ءاتاهم الله ورسوله الآية المعنى لو أن هؤلاء المنافقين رضوا قسمة الله الرزق

لهم وما أعطاهم على يد رسوله وأقروا بالرغبة إلى الله لكان خيرا لهم وحذف الجواب لدلالة ظاهر الكلام عليه وذلك من فصيح الكلام وإيجازه وقوله سبحانه إنما الصدقات للفقراء الآية إنما في هذه الآية حاصرة تقتضي وقوف الصدقات على الثمانية الأصناف وإنما اختلف في صورة القسمة ومذهب مالك وغيره أن ذلك على قدر الإحتهاد وبحسب الحاجة وأما الفقير والمسكين فقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري وابن زيد وغيرهم المساكين الذين يسعون ويسئلون والفقراء الذين يتصاونون وهذا القول أحسن ما قيل في هذا تحريره أن الفقير هو الذي لا مال له إلا أنه لم يذل نفسه ولا يذل وجهه وذلك أما لتعفف مفرط وإما لبلغة تكون له كالحلوبة وما أشبهها والمسكين هو الذي يقترن بفقره تذلل وخضوع وسؤال فهذه هي المسكنة ويقوى هذا أن الله سبحانه قد وصف بني إسرائيل بالمسكنة وقرنها بالذلة مع غناهم وإذا تأملت ما قلناه بأن أنهما صنفان موجودان في المسلمين ت وقد أكثر الناس في الفرق بين الفقير والمسكين وأولى ما يعول عليه ما ثبت في ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم وقد روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان إنما المسكين الذي ليس له غنى بغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس انتهى وأول أبو عمر في التمهيد هذا الحديث فقال كأنه أراد والله أعلم ليس المسكين على تمام المسكنة وعلى الحقيقة إلا الذي لا يسأل الناس انتهى وأما العاملون فهم جباتها يستنيبهم الإمام في السعي على الناس وجمع صدقاتهم قال الجمهور لهم قدر تعبهم ومئسونتهم وأما المؤلفة قلوبهم فكانوا مسلمين وكافرين مستترين مظهرين للإسلام حتى وثقه الإستيلاف في أكثرهم واستيلافهم إنما

كان لتجلب إلى الإسلام منفعة أو تدفع عنه مضرة والصحيح بقاء حكمهم إن احتيج إليهم وأما الرقاب فمذهب مالك وغيره هو ابتداء عتق مؤمن وأما الغارم فهو الرجل يركبه دين في غير معصية ولا سفه كذا قال العلماء وأما في سبيل الله فهو الغازي وإن كان مليا ببلده وأما ابن السبيل فهو المسافر وإن كان غنيا ببلده وسمي المسافر ابن السبيل لملازمته السبيل ومن ادعى الفقر صدق إلا لويبة فيكلف حينئذ البينة وأما إن أدعى أنه غارم أو ابن السبيل أو غاز ونحو ذلك مما لا يعلم إلا منه فلا يعطي إلا ببينه وأهل بلد الصدقة أحق بها إلا أن تفضل فضلة فتنقل إلى غيرهم قال ابن حبيب وينبغي للامام أن يأمر السعاة بتفريقها في المواضع التي جبيت فيها ولا يحمل منها شيء إلا الإمام وفي الحديث تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم
وقوله سبحانه فريضة من الله أي موجبة محدودة
وقوله سبحانه ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو إذن قل إذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين أي ومن المنافقين ويؤذون لفظ يعم أنواع اذايتهم له صلى الله عليه و سلم وخص بعد ذلك من قولهم هو إذن وروي أن قائل هذه المقالة نبتل بن الحارث وكان من مردة المنافقين وفيه قال صلى الله عليه و سلم من سره أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث وكان ثائر الرأس منتفش الشعر أحمر العينين اسفع الخدين مشوها قال الحسن البصري ومجاهد قولهم هو إذن أي يسمع معاذيرنا ويقبلها أي فنحن لا نبالي من الوقوع فيه وهذا تنقص بقلة الحزم وقال ابن عباس وغيره أنهم أرادوا بقولهم هو إذن أي يسمع كل ما ينقل إليه عنا ويصغي غليه ويقبله فهذا تشك منه عليه السلام ومعنى إذن سماع وهذا من باب تسمية الشيء بالشيء إذا كان منه بسبب كما يقال للرؤية عين وكما يقال للمسنة من الإبل التي قد بزل نابها ناب وقيل معنى الكلام ذو إذن أي

ذو سماع وقيل أنه مشتق من قولهم أذن إلى شيء إذا استمع ومنه قول الشاعر ... صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا ...
وقرأ نافع إذن بسكون الذال فيهما وقرأ الباقون بضمها فيهما وكلهم قرأ بالإضافة إلى خير إلا ما روي عن عاصم وقرأ الحسن وغيره قل إذن خير بتنوين إذن ورفع خير وهذا جار على تأويله المتقدم والمعنى من يقبل معاذيركم خير لكم ورويت هذه القراءة عن عاصم ومعنى إذن خير على الإضافة أي سماع خير وحق ويؤمن بالله معناه يصدق بالله ويؤمن للمؤمنين قيل معناه ويصدق المؤمنين واللام زائدة وقيل يقال أمنت لك بمعنى صدقتك ومنه وما أنت بمؤمن لنا قال ع وعندي أن هذه التي معها اللام في ضمنها باء فالمعنى ويصدق للمؤمنين بما يخبرونه به وكذلك قوله وما أنت بمؤمن لنا بما نقوله ت ولما كانت أخبار المنافقين تصل إلى النبي صلى الله عليه و سلم تارة بإخبار الله له وتاره بإخبار المؤمنين وهم عدول ناسب اتصال قوله سبحانه ويؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين بما قبله ويكون التصديق هنا خاصا بهذه القضية وإن كان ظاهر اللفظ عاما إذ من المعلوم أنه صلى الله عليه و سلم لم يزل مصدقا بالله وقرأ جميع السبعة إلا حمزة ورحمة بالرفع عطفا على إذن وقرأ حمزة وحده ورحمة بالخفض عطفا على خير وخصص الرحمة للذين آمنوا إذ هم الذين فازوا ونجوا بالرسول عليه السلام
يحلفون بالله لكم يعني المنافقين
وقوله والله ورسوله أحق أن يرضوه التقدير عند سيبويه والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه فحذف الخبر من الجملة الأولى لدلالة الثانية عليه وقيل الضمير في يرضوه عائد على المذكور كما قال رؤبة ... فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق ...
أي كان المذكور
وقوله ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله الآية يحادد

معناه يخالف ويشاق
وقوله سبحانه يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم يحذر خبر عن حال قلوبهم وقال الزجاج وغيره معنى يحذر الأمر وإن كان لفظه لفظ الخبر كأنه قال ليحذر
وقوله سبحانه قل استهزءوا لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد ثم أخبر سبحانه أنه مخرج لهم ما يحذرونه إلى حين الوجود وقد فعل ذلك تبارك وتعالى في سورة براءة فهي تسمى الفاضحة لأنها فضحت المنافقين
وقوله سبحانه ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب الآية نزلت على ما ذكر جماعة من المفسرين في وديعة بن ثابت وذلك أنه مع قوم من المنافقين كانوا يسيرون في غزوة تبوك فقال بعضهم هذا يريد أن يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر هيهات هيهات فوقفهم رسول الله صلى الله عليه و سلم على ذلك وقال لهم قلتم كذا وكذا فقالوا إنما كنا نخوض ونلعب وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر أنه قال رأيت قائل هذه المقالة وديعة متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه و سلم يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول إنما كنا نخوض ونلعب والنبي صلى الله عليه و سلم يقول أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ثم حكم سبحانه عليهم بالكفر فقال لهم لا تعتذروا قد كفرتم الآية
وقوله سبحانه إن يعف عن طائفة منكم يريد فيما ذكره المفسرون رجلا واحد قيل اسمه مخشى بن حمير قاله ابن إسحاق وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة وقد كان تاب وتسمى عبد الرحمن فدعا الله أن يستشهد ويجهل أمره فكان كذلك ولم يوجد جسده وكان مخشي مع المنافقين الذين قالوا إنما كنا نخوض ونلعب فقيل كان منافقا ثم تاب توبة صحيحة وقل كان مسلما مخلصا إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم فعفا الله عنه في كلا الوجهين ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الذين قالوا ما تقدم
وقوله سبحانه

المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يريد في الحكم والمنزلة في الكفر ولما تقدم قبل وما هم منكم حسن هذا الإخبار ويقبضون أيديهم أي عن الصدقة وفعل الخير نسوا الله أي تركوه حين تركوا اتباع نبيه وشرعه فنسيهم أي فتركهم حين لم يهدهم والكفار في الآية المعلنون
وقوله هي حسبهم أي كافيتهم
وقوله تعالى كالذين من قبلكم أي انتم أيها المنافقون كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة فعصوا فأهلكوا فأنتم أولى بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم والخلاق الحظ من القدر والدين وجميع حال المرء فخلاق المرء الشيء الذي هو به خليق والمعنى عجلوا حظهم في دنياهم وتركوا الآخرة فاتبعتموهم أنتم
اولائك حبطت اعمالهم في الدنيا والآخرة المعنى وأنتم أيضا كذلك ويحتمل أن يريد بأولئك المنافقين
وقوله سبحانه ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود الآية المعنى ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر الأمم السالفة التي عصت الله بتكذيب رسله فأهلكها
وقوم إبراهيم نمرود وأصحابه وإتباع دولته
وأصحاب مدين قوم شعيب
والمؤتفكات أهل القرى الأربعة أو السبعة التي بعث اليهم لوط عليه السلام ومعنى المؤتفكات المنصرفات والمنقلبات أفكت فائتفكت لأنها جعل عاليها سافلها ولفظ البخاري المؤتفكات والمنقلبات أفكت فأئتفكت لأنها جعل عاليها سافلها ولفظ البخاري المؤتفكات ائتفكت انقلبت بهم الأرض انتهى والضمير في أتتهم رسلهم عائد على هذه الأمم المذكورة ثم عقب سبحانه بذكر المؤمنين وما من به عليهم من حسن الأعمال ترغيبا وتنشيطا لمبادرة ما به أمر لطفا منه بعباده سبحانه لا رب غيره ولا خير إلا خيره
وقوله سبحانه ويقيمون الصلوة قال ابن عباس هي الصلوات الخمس قال ع وبحسب هذا تكون الزكاة هي المفروضة والمدح عندي بالنوافل أبلغ إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرض والسين في قوله سيرحمهم مدخلة في الوعد

مهلة لتكون النفوس تنعم برجائه سبحانه وفضله سبحانه زعيم بالإنجاز وذكر الطبري في قوله تعالى ومساكن طيبة عن الحسن أنه سأل عنها عمران ابن حصين وأبا هريرة فقالا على الخبير سقطت سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال قصر في الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون دارا من يقوته حمراء في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ ويقرب منها فاختصرتها طلب الإيجاز ت وتمام الحديث من الأحياء وكتاب الآجري المعروف بكتاب النصيحة عن الحسن عن عمران ابن حصين وأبي هريرة قالا على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش زوجة من الحور العين وفي كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام في كل بيت سبعون وصيفة ويعطى المؤمن في كل غداة من القوة ما يأتي على ذلك أجمع وأما قوله سبحانه ورضوان من الله أكبر ففي الحديث الصحيح أن الله عز و جل يقول لعباده إذا استقروا في الجنة هل رضيتم فيقولون وكيف لا نرضى يا ربنا فيقول أني سأعطيكم أفضل من هذا كله رضواني أرضي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا الحديث وقوله أكبر يريد أكبر من جميع ما تقدم ومعنى الآية والحديث متفق وقال الحسن بن أبي الحسن وصل إلى قلوبهم برضوان الله من اللذة والسرور ما هو ألذ عندهم وأقر لأعينهم من كل شيء أصابوه من لذة الجنة قال الإمام الفخر وإنما كان الرضوان أكبر لأنه عند العارفين نعيم روحاني وهو أشرف من النعيم الجسماني انتهى أنظره في أوائل آل عمران قال ع ويظهر أن يكون قوله تعالى ورضوان من الله أكبر إشارة إلى منازل المقربين الشاربين من تسنيم والذين يرون كما يرى النجم الغار في الأفق وجميع من في الجنة راض والمنازل مختلفة وفضل الله متسع والفوز النجاة والخلاص ومن أدخل الجنة فقد فاز والمقربون هم

في الفوز العظيم والعبارة عندي بسرور وكمال أجود من العبارة عنها بلذة واللذة أيضا مستعملة في هذا
وقوله سبحانه يا أيها النبي جاهد الكفار أي بالسيف والمنافقين أي باللسان والتعنيف والاكفهرار في الوجه وبإقامة الحدود عليهم قال الحسن وأكثر ما كانت الحدود يومئذ تصيب المنافقين ومذهب الطبري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعرفهم ويسترهم وأما قوله وأغلظ عليهم فلفظة عامة في الأفعال والأقوال ومعنى الغلظ خشن الجانب فهو ضد قوله تعالى وأخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقوله عز و جل يحلفون بالله ما قالوا الآية نزلت في الجلاس بن سويد وقوله لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمر فسمعها منه ربيبة أو رجل آخر فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم فجاء الجلاس فحلف بالله ما قال هذه الكلمة فنزلت الآية فكلمة الكفر هي مقالته هذه لأن مضمنها قوي في التكذيب قال مجاهد وقوله وهموا بما لم ينالوا يعني أن الجلاس قد كان هم بقتل صاحبه الذي أخبر النبي صلى الله عليه و سلم قوال قتادة نزلت في عبد الله بن أبي أبن سلول وقوله في غزوة المريسيع ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول سمن كلبك ياكلك ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الاذل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فوقفه فحلف أنه لم يقل ذلك فنزلت الآية مكذبة له ت وزاد ابن العربي في أحكامه قولا ثالثا أن الآية نزلت في جماعة المنافقين قال الحسن وهو الصحيح لعموم القول ووجود المعنى فيه وفيهم انتهى وحدث أبو بكر بن الخطيب بسنده قال سئل سفيان بن عيينة عن الهم أيواخذ به صاحبه قال نعم إذا كان عزما ألم تسمع إلى قوله تعالى وهموا بما لم ينالوا الآية إلى قوله فإن يتوبوا يك خيرا لهم فجعل عليهم فيه التوبة قال سفيان الهم يسود القلب انتهى
قال ع وعلى تأويل قتادة فالإشارة بكلمة الكفر إلى تمثيل

ابن ابي سمن كلبك ياكلك قال قتادة والإشارة بهموا إلى قوله لئن رجعنا إلى المدينة وقال الحسن هم المنافقون من إظهار الشرك ومكابرة النبي صلى الله عليه و سلم بما لم ينالوا وقال تعالى بعد إسلامهم ولم يقل بعد إيمانهم لأن ذلك لم يتجاوز ألسنتهم وقوله سبحانه وما نقموا إلا أن أغناهم الله الآية كان الكلام وما نقموا إلا ما حقه أن يشكر وذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم سبب في ذلك وعلى هذا الحد قال عليه السلام للأنصار في غزوة حنين كنتم عالة فأغناكم الله قال العراقي نقموا أي أنكروا وقال ص إلا أن أغناهم الله أن وصلتها مفعول نقموا أي ما كرهوا إلا إغناء الله إياهم وقيل هو مفعول من أجله والمفعول به محذوف أي ما كرهوا الإيمان إلا للإغناء انتهى ثم فتح لهم سبحانه باب التوبة رفقا بهم ولطفا فروي أن الجلاس تاب من النفاق وقال إن الله قد ترك لي باب التوبة فأعترف وأخلص وحسنت توبته
وقوله سبحانه ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن الآية هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال الحسن وفي معتب بن قشير معه واختصار ما ذكره الطبري وغيره من أمره أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أدع الله أن يجعل لي مالا فإني لو كنت ذا مال لقضيت حقوقه وفعلت فيه الخير فراده النبي صلى الله عليه و سلم وقال قليل تودي شكره خي رمن كثير لا تطيقه فعاود فقال له النبي صلى الله عليه و سلم ألا تريد أن تكون مثل رسول الله ولو دعوت الله أن يسير الجبال معي ذهبا لسارت فأعاد عليه حتى دعا له النبي صلى الله عليه و سلم بذلك فأتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة فتنحى عنها وكثرت غنمه حتى كان لا يصلي إلا الجمعة ثم كثرت حتى تنحى بعيدا فترك الصلاة ونجم

نفاقه ونزل خلال ذلك فرض الزكاه فبعث النبي صلى الله عليه و سلم مصدقين بكتابه في أخذ زكاة الغنم فلما بلغوا ثعلبة وقرأ الكتاب قال هذه أخت الجزية ثم قال لهم دعوني حتى أرى رأي فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخبروه قال ويح ثعلبة ثلاثا ونزلت الآية فيه فحضر القصة قريب لثعلبة فخرج إليه فقال أدرك أمرك فقد نزل فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فرغب أن يؤدي زكاته فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك فبقي كذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على عمر ثم على عثمان يرغب إلى كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة فكلهم رد ذلك وأباه اقتداء بالنبي صلى الله عليه و سلم فبفي ثعلبة كذلك حتى هلك في مدة عثمان وفي قوله تعالى فاعقبهم نص في العقوبة على الذنب بما هو أشد منه
قوله إلى يوم يلقونه يقتضي موافاتهم على النفاق قال ابن العربي في ضمير يلقونه قولان أحدهما أنه عائد على الله تعالى والثاني أنه عائد على النفاق مجازا على تقدير الجزاء كأنه قال فاعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه جزاءه انتهى من الأحكام ويلمزون معناه ينالون بالسنتهم واكثر الروايات في سبب نزول الآية أن عبد الرحمن بن عوف تصدق بأربعة آلاف وامسك مثلها وقيل هو عمر بن الخطاب تصدق بنصف ماله وقيل عاصم بن عدي تصدق بمائة وسق فقال المنافقون ما هذا إلا رياء فنزلت الآية في هذا كله وأما المتصدق بقليل فهو أبو عقيل تصدق بصاع من تمر فقال بعضهم إن الله غني عن صاع أبي عقيل وخرجه البخاري وقيل أن الذي لمز في القليل هو أبو خيثمة قاله كعب بن مالك
فيسخرون منهم معناه يستهزءون ويستخفون وروى مسلم عن جرير بن عبد الله قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه و سلم

في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة إلى آخر الآية إن الله كان عليكم رقيبا والآية التي في سورة الحشر واتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال ولو بشق تمره قال فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت قال ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء انتهى
وقوله سبحانه استغفر لهم أو لا تستغفر لهم المعنى أن الله خير نبيه في هذا فكأنه قال له إن شئت فاستغفر لهم وإن شئت لا تستغفر ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر سبعين مرة وهذا هو الصحيح في تأويل الآية لقول النبي صلى الله عليه و سلم لعمر إن الله قد خيرني فاخترت ولو علمت إني إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت الحديث وظاهر لفظ الحديث رفض إلزام دليل الخطاب وظاهر صلاته صلى الله عليه و سلم على ابن أبي أن كفره لم يكن يقينا عنده ومحال أن يصلي على كافر ولكنه راعى ظواهره من الإقرار ووكل سريرته إلى الله عز و جل وعلى هذا كان ستر المنافقين وإذا ترتب كما قلنا التخيير في هذه الآية صح إن ذلك التخيير هو الذي نسخ بقوله تعالى في سورة المنافقين سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ت

والظاهر أن الآيتين بمعنى فلا نسخ فتأمله ولولا الإطالة لا وضحت ذلك قال ع وأما تمثيله بالسبعين دون غيرها من الأعداد فلأنه عدد كثيرا ما يجيء غاية ومقنعا في الكثرة
وقوله ذلك إشارة إلى امتناع الغفران
وقوله عز و جل فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله الآية هذه آية تتضمن وصف حالهم على جهة التوبيخ وفي ضمنها وعيد وقوله المخلفون لفظ يقتضي تحقيرهم وانهم الذين أبعدهم الله من رضاه ومقعد بمعنى القعود وخلاف معناه بعد ومنه قول الشاعر ... فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تأهب لأخرى مثلها فكأن قد ...
يريد بعد الذي مضى وقال الطبري هو مصدر خالف يخالف وقولهم لا تنفروا في الحر كان هذا القول منهم لأن غزوة تبوك كانت في شدة الحر وطيب الثمار
وقوله سبحانه فليضحكوا قليلا إشارة إلى مدة العمر في الدنيا
وقوله وليبكوا كثيرا إشارة إلى تأبيد الخلود في النار فجاء بلفظ الأمر ومعناه الخبر عن حالهم وتقدير الكلام ليبكوا كثيرا إذ هم معذبون جزاء بما كانوا يكسبون وخرج ابن ماجه بسنده عن يزيد الرقاشي عن أنس قال قال النبي صلى الله عليه و سلم يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع ثم يبكون الدم حتى تصير في وجوههم كهيئة الأخدود لو أرسلت فيها السفن لجرت وخرجه ابن المبارك أيضا عن أنس قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول يا أيها الناس أبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سفنا اجريب فيها لجرت انتهى من التذكرة وقوله سبحانه فإن رجعك الله إلى طائفة منهم الآية يشبه أن تكون هذه الطائفة قد حتم عليها بالموافاة على النفاق وعينوا للنبي صلى الله عليه و سلم
وقوله وماتوا وهم

فاسقون نص في موافاتهم على ذلك ومما يؤيد هذا ما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم عينهم لحذيفة بن اليمان وكان الصحابة إذا رأوا حذيفة تأخر عن الصلاة على جنازة تأخروا هم عنها وروي عن حذيفة أنه قال يوما بقي من المنافقين كذا وكذا
وقوله أول هو بالإضافة إلى وقت الاستيذان والخالفون جمع من تخلف من نساء وصبيان وأهل عذر وتظاهرت الروايات أنه صلى الله عليه و سلم صلى على عبد الله بن أبي ابن سلول وأن وقوله ولا تصل على أحد منهم نزلت بعد ذلك وقد خرج ذلك البخاري من رواية عمر بن الخطاب انتهى
وقوله سبحانه ولا تعجبك أموالهم وأولادهم تقدم تفسير مثل هذه الآية والطول في هذه الآية المال قاله ابن عباس وغيره والإشارة بهذه الآية إلى الجد بن قيس ونظرائه والقاعدون الزمني وأهل العذر في الجملة والخوالف النساء جمع خالفة هذا قول جمهور المفسرين وقال أبو جعفر النحاس يقال للرجل الذي لا خير فيه خالفة فهذا جمعه بحسب اللفظ والمراد اخسة الناس واخلافهم ونحوه عن النضر بن شميل وقالت فرقة الخوالف جمع خالف كفارس وفوارس
وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون أي لا يفهمون والخيرات جمع خيرة وهو المستحسن من كل شيء
وقوله سبحانه أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم أعد معناه يسر وهيأ وباقي الآية بين
وقوله سبحانه وجاء المعذرون من الأعراب الآية قال ابن عباس وغيره هؤلاء كانوا مؤمنين وكانت أعذارهم صادقة وأصل اللفظة المعتذرون فقلبت التاء ذالا وأدغمت وقال قتادة وفرقة معه بل الذين جاءوا كفرة وقولهم وعذرهم كذب قال ص والمعنى تكلفوا العذر ولا عذر لهم وكذبوا الله ورسوله أبي في إيمانهم انتهى
وقوله سيصيب الذين كفروا منهم الآية قوله منهم يؤيد أن المعذرين كانوا مؤمنين فتأمله قال ابن إسحاق

المعذرون نفر من بني غفار وهذا يقتضي أنهم مؤمنون
وقوله جلت عظمته ليس على الضعفاء ولا على المرضى الآية يقول ليس على أهل الأعذار من ضعف بدن أو مرض أو عدم نفقة إثم والحرج الإثم
وقوله إذا نصحوا يريد بنياتهم وأقوالهم سرا وجهرا ما على المحسنين من سبيل أي من لائمة تناط بهم ثم أكد الرجاء بقوله سبحانه والله غفور رحيم وقرأ ابن عباس والله لأهل الإساءة غفور رحيم هذا على جهة التفسير أشبه منه على جهة التلاوة لخلافه المصحف واختلف فيمن المراد بقوله الذين لا يجدون ما ينفقون فقالت فرقة نزلت في نبي مقرن ستة أخوة وليس في الصحابة ستة أخوة غيرهم وقيل كانوا سبعة وقيل نزلت في عائد بن عمرو المزني قاله قتادة وقيل في عبد الله بن معقل المزني قاله ابن عباس
وقوله عز و جل ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم هذه الآية نزلت في البكائين واختلف في تعيينهم فقيل في أبي موسى الأشعري ورهطه وقيل في بني مقرن وعلى هذا جمهور المفسرين وقيل نزلت في سبعة نفر من بطون شتى فهم البكاءون وقال مجاهد البكاءون هم بنو مقرن من مزينة ومعنى قوله لتحملهم أي على ظهر يركب ويحمل عليه الأثاث ت وقصة أبي موسى الأشعري ورهطه مذكورة في الصحيح قال ابن العربي في أحكامه القول بأن الآية نزلت في أبي موسى وأصحابه هو الصحيح انتهى
وقوله سبحانه إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء الآية هذه الآية نزلت في المنافقين المتقدم ذكرهم عبد الله بن أبي والجد بن قيس ومعتب وغيرهم
وقوله إذا رجعتم يريد من غزوة تبوك ومعنى لن نؤمن لكم لن نصدقكم والإشارة بقوله قد نبأنا الله من أحباركم إلى قوله ما زادوكم إلا خبالا ولا أوضعوا خلالكم ونحوه من الآيات
وقوله سبحانه وسيرى الله عملكم توعد والمعنى فيقع الجزاء عليه قال الأستاذ أبو بكر الطرطوشي أعمل للدنيا بقدر مقامك فيها وأعمل للآخرة

بقدر بقائك فيها واستحي من الله تعالى بقدر قربه منك وأطعه بقدر حاجتك إليه وخفه بقدر قدرته عليك وأعصه بقدر صبرك على النار انتهى من سراج الملوك
وقوله ثم تردون يردي البعث من القبور
وقوله عز و جل سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم الآية قيل أن هذه الآية من أول ما نزل في شأن المنافقين في غزوة تبوك
وقوله إنهم رجس أي نتن وقذر وناهيك بهذا الوصف محطه دنياويه ثم عطف بمحطة الآخرة فقال ومأواهم جهنم أي مسكنهم وقوله فإن ترضوا إلى آخر الآية شرط يتضمن النهي عن الرضى عنهم وحكم هذه الآية يستمر في كل مغموص عليه ببدعة ونحوها
وقوله سبحانه الأعراب أشد كفرا ونفاقا هذه الآية نزلت في منافقين كانوا في البوادي ولا محالة أن خوفهم هناك كان أقل من خوف منافقي المدينة فألسنتهم لذلك مطلقة ونفاقهم أنجم وأجدر معناه أحرى وقال ص معناه أحق والحدود هنا السنن والأحكام
وقوله سبحانه ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما الآية نص في المنافقين منهم والدوائر المصائب ويحتمل أن تشتق من دوران الزمان والمعنى ينتظر بكم ما تأتي به الأيام وتدور به ثم قال على جهة الدعاء عليهم دائرة السوء وكل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز و جل فإنما هو بمعنى إيجاب الشيء لأن الله لا يدعو على مخلوقاته وهي في قبضته ومن هذا ويل لكل همزة لمزة ويل للمطففين فهي كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى ت وهذه قاعدة جيدة وما وقع له رحمه الله مما ظاهره مخالف لهذه القاعدة وجب تأويله بما ذكره هنا وقد وقع له ذلك بعد هذا في قوله صرف الله قلوبهم بأنهم قوم يفقهون قال يحتمل أن يكون دعاء عليهم ويحتمل أن يكون خبرا أي استوجبوا ذلك وقد أوضح ذلك عند قوله تعالى قتل أصحاب الأخدود فأنظره هناك
وقوله سبحانه ومن

الأعراب من يؤمن بالله قال قتادة هذه ثنية الله تعالى من الأعراب وروي أن هذه الآية نزلت في بني مقرن وقاله مجاهد ويتخذ في الآيتين بمعنى يجعله قصده والمعنى ينوي بنفقته ما ذكره الله عنهم وصلوات الرسول دعاؤه ففي دعائه خير الدنيا والآخرة والضمير في قوله إنها يحتمل عوده على النفقة ويحتمل عوده على الصلوات وباقي الآية بين
وقوله سبحانه والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الآية قال أبو موسى الأشعري وغيره السابقون الأولون من صلى القبلتين وقال عطاء هم من شهد بدرا وقال الشعبي من أدرك بيعة الرضوان والذين اتبعوهم بإحسان يريد سائر الصحابة ويدخل في هذا اللفظ التابعون وسائر الأمة لكن بشريطة الإحسان وقرأ عمر بن الخطاب وجماعة والأنصار بالرفع عطفا على والسابقون وقرأ ابن كثير من تحتها الأنهار وقرأ الباقون تحتها بإسقاط من وقوله سبحانه وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق الإشارة بمن حولكم إلى جهينة ومزينة وأسلم وغفار وعصية ولحيان وغيرهم من القبائل المجاورة للمدينة فأخبر الله سبحانه عن منافقيهم وتقدير الآية ومن أهل المدينة قوم أو منافقون هذا أحسن ما حمل اللفظ ومردوا قال أبو عبيدة معناه مرنوا عليه ولجوا فيه وقيل غير هذا مما هو قريب منه قال ابن زيد قاموا عليه لم يتوبوا كما تاب الآخرون والظاهر من اللفظة أن التمرد في الشيء أو المرود عليه إنما هو اللجاج والاشتهار به والعتو على الزاجر وركوب الرأس في ذلك وهو مستعمل في الشر لا في الخير ومنه شيطان مريد ومارد وقال ابن العربي في أحكامه مردوا على النفاق أي استمروا عليه وتحققوا به انتهى ذكره بعد قوله تعالى الذين اتخذوا مسجدا ضررا ثم نفى عز و جل علم نبيه بهم على التعيين
وقوله سبحانه سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم لفظ الآية يقتضي ثلاث مواطن من العذاب ولا خلاف بين

المتأولين أن العذاب العظيم الذي يردون إليه هو عذاب الآخرة وأكثر الناس أن العذاب المتوسط هو عذاب القبر واختلف في عذاب المرة الأولى فقال ابن عباس عذابهم بإقامة حدود الشرع عليهم مع كراهيتهم فيه وقال ابن إسحاق عذابهم هو همهم بظهر الإسلام وعلو كلمته وقال ابن عباس أيضا هو الأشهر عنه عذابهم هو فضيحتهم ووصمهم بالنفاق وقيل غير هذا وقوله عز و جل وآخرون اعترفوا بذنوبهم الآية قال ابن عباس وأبو عثمان هذه الآية في الأعراب وهي عامة في الأمة إلى يوم القيامة قال ابو عثمان ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة منها وقال مجاهد بل نزلت هذه الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني قريظة لما أشار لهم إلى حلقه ثم ندم وربط نفسه في سارية من سواري المسجد وقالت فرقة عظيمة بل نزلت هذه الآية في شأن المخلفين عن غزوة تبوك ت وخرج البخاري بسنده عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاتي الليلة أتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءى وشطر كأقبح ما أنت راءى قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك قالا أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتجاوز الله عنهم انتهى وقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة الآية روي أن الجماعة التائبة لما تيب عليها قالوا يا رسول الله إنانريد أن نتصدق بأموالنا زيادة في توبتنا فقال لهم صلى الله عليه و سلم إني لا أعرض لأموالكم إلا بأمر من الله فتركهم حتى نزلت هذه الآية فهم المرا0د بها فروي أنه صلى الله عليه و سلم أخذ ثلث أموالهم مراعاة لقوله تعالى من أموالهم فهذا هو الذي تظاهرت

به أقوال المتأولين وقالت جماعة من الفقهاء المراد بهذه الآية الزكاة المفروضة وقوله تعالى تطهرهم وتزكيهم بها احسن ما يحتمل أن تكون هذه الأفعال مسندة إلى ضمير النبي صلى الله عليه و سلم
وقوله سبحانه وصل عليهم معناه ادع لهم فإن في دعائك لهم سكونا لأنفسهم وطمانينة ووقارا فهي عبارة عن صلاح المعتقد والضمير في قوله ألم يعلموا قال ابن زيد يراد به الذين لم يتوبوا من المتخلفين ويحتمل أن يراد به الذين تابوا وقوله ويأخذ الصدقات قال الزجاج معناه ويقبل الصدقات وقد جاءت أحاديث صحاح في معنى هذه الآية منها حديث أبي هريرة أن الصدقة قد تكون قدر اللقمة يأخذها الله بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارة عن القبول والتحفي بصدقة العبد
وقوله عن عباده هي بمعنى من
وقوله سبحانه وقل اعملوا فسيرى الله علمكم ورسوله والمؤمنين وستردون إلى عالم الغيب والشهادة الآية هذه الآية صيغتها صيغة أمر مضمنها الوعيد وقال الطبري المراد بها الذين اعتذروا ولم يتوبوا من المتخلفين وتابوا قال ع والظاهر أن المراد بها الذين اعتذروا ولم يتوبوا وهم المتوعدون وهم الذي في ضمير ألم يعلموا ومعنى فسيرى الله عملكم أي موجودا معرضا للجزاء عليه بخير أو بشر وقال ابن العربي في أحكامه قوله سبحانه وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله هذه الآية نزلت بعد ذكر المؤمنين ومعناها الأمر أي أعملوا بما يرضي الله سبحانه وأما الآية المتقدمة وهي قوله تعالى قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله فإنها نزلت بعد ذكر المنافقين ومعناها التهديد وذلك لأن النفاق موضع ترهيب والإيمان موضع ترغيب فقوبل أهل كل محل من الخطاب بما يليق بهم انتهى
وقوله سبحانه وآخرون مرجون لأمر الله عطف على قوله اولا

وآخرون اعترفوا ومعنى الإرجاء التأخير والمراد بهذه الآية فيما قال ابن عباس وجماعة الثلاثة الذين خلفوا وهم كعب بن مالك وصاحباه على ما سيأتي إن شاء الله وقيل إنما نزلت في غيرهم من المنافقين الذين كانوا معرضين للتوبة مع بنائهم مسجد الضرار وعلى هذا يكون الذين اتخذوا بإسقاط واو العطف بدلا من آخرون أو خبر مبتدأ تقديره هم الذين وقرأ عاصم وعوام القراء والناس في كل قطر إلا بالمدينة والذين اتخذوا وقرأ أهل المدينة نافع وغيره الذين اتخذوا بإسقاط الواو على أنه مبتدأ والخبر لا يزال بنيانهم وأما الجماعة المرادة بالذين اتخذوا بإسقاط الواو على أنه مبتدأ والخبر لا يزال بنيانهم وأما الجماعة المرادة بالذين اتخذوا مسجدا فهم منافقوا بني غنيم بن عوف وبني سالم بن عوف واسند الطبري عن ابن إسحاق عن الزهري وغيره أنه قال أقبل النبي صلى الله عليه و سلم من غزوة تبوك حتى نزل بذي اوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه صلى الله عليه و سلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله انا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة وانا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال إني على جناح سفر وحال شغل ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه فلما قفل ونزل بذي اوان نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم مالك بن الدخشن ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فانطلقا مسرعين ففعلا وحرقاه وذكر النقاش أن النبي صلى الله عليه و سلم بعث لهدامه وتحريقه عمار بن ياسر ووحشيا مولى المطعم بن عدي وكان بانوه اثني عشر رجلا منهم ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير ونبتل بن الحارث وغيرهم وروي أنه لما بني صلى الله عليه و سلم مسجدا في بني عمرو ابن عوف وقت الهجرة وهو مسجد قباء وتشرف القوم بذلك حسدهم حينئذ

رجال من بني عمهم من بن بني غنم بن عوف وبنى سالم بن عوف وكان فيهم نفاق وكان موضع مسجد قباء مربطا لحمار امرأة من الأنصار اسمها لية فكان المنافقون يقولون والله لا نصبر على الصلاة في مربط حمار لية ونحو هذا من الأقوال وكان أبو عامر المعروف بالراهب منهم وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة وكان سيدا من نظراء عبد الله بن أبي أبن سلول فلما جاء الله بالإسلام نافق ولم يزل مجاهرا بذلك فسماه رسول الله صلى الله عليه و سلم الفاسق ثم خرج في جماعة من المنافقين فخرب على النبي صلى الله عليه و سلم الأحزاب فلما ردهم الله بغيظهم أقام أبو عامر بمكة مظهرا لعداوته فلما فتح الله مكة هرب إلى الطائف فلما أسلم أهل الطائف خرج هاربا إلى الشام يريد قيصر مستنصرا به على رسول الله صلى الله عليه و سلم وكتب إلى المنافقين من قومه أن ابنوا مسجدا مقاومة لمسجد قباء وتحقيرا له فأني سآتي بجيش من الروم أخرج به محمدا وأصحابه من المدينة فبنوه وقالوا سيأتي أبو عامر ويصلي فيه فذلك قوله وارصادا لمن حارب الله ورسوله يعني أبا عامر وقولهم سيأتي أبو عامر وقوله ضرارا أي داعية للتضارر من جماعيتن
وقوله وتفريقا بين المؤمنين يريد تفريقا بين الجماعة التي كانت تصلي في مسجد قباء فإن من جاور مسجدهم كانوا يصرفونه إليه وذلك داعية إلى صرفه عن الإيمان وقيل أراد بقوله بين المؤمنين جماعة مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم وروي أن مسجد الضرار لما هدم وأحرق اتخذ مزبلة ترمى فيه الأقذار والقمامات وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم لما نزلت لا تقم فيه أبدا كان لا يمر بالطريق التي هو فيها وقوله لمسجد قيل أن اللام قسم وقيل هي لام ابتداء كما تقول لزيد احسن الناس فعلا وهي مقتضية تأكيدا وذهب ابن عباس وفرقة من الصحابة والتابعين إلى أن المراد بمسجد أسس على التقوى مسجد قباء وروي عن ابن عمر

وأبى سعيد وزيد بن ثابت أنه مسجد النبي صلى الله عليه و سلم ويليق القول الأول بالقصة إلا أن القول الثاني مروي عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا نظر مع الحديث قال ابن العربي في أحكامه وقد روي ابن وهب وأشهب عن مالك أن المراد بمسجد أسس على التقوى مسجد النبي صلى الله عليه و سلم حيث قال الله تبارك وتعالى وتركوك قائما وكذلك روى عنه ابن القاسم وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال رجل هو مسجد قباء وقال الآخر هو مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هو مسجدي هذا قال أبو عيسى هذا حديث صحيح وخرجه مسلم انتهى ومعنى أن تقوم فيه أي بصلاتك وعبادتك
وقوله فيه رجال يحبون أن يتطهروا اختلف في الضمير أيضا هل يعود على مسجد النبي صلى الله عليه و سلم أو على مسجد قباء روي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال يا معشر الأنصار أني رأيت الله أثنى عليكم بالطهور فما ذا تفعلون قالوا يا رسول الله انا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء يريدون الاستنجاء ففعلنا نحن ذلك فلما جاء الإسلام لم ندعه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا تدعوه إذن والبنيان الذي أسس على شفا جرف هو مسجد الضرار بإجماع والشفا الحاشية والشفير وهار معناه متهدم بال وهو من هار يهور البخاري هار هائر تهورت البير إذا تهدمت وانهارت مثله انتهى وتأسيس البناء على تقوى إنما هو بحسن النية فيه وقصد وجه الله تعالى وإظهار شرعه كما صنع في مسجد النبي صلى الله عليه و سلم وفي مسجد قباء والتأسيس على شفا جرف هار إنما هو بفساد النية وقصد الرياء والتفريق بين المؤمنين فهذه تشبيهات صحيحة بارعة
وقوله سبحانه فانهار به في نار جهنم الظاهر منه أنه خارج مخرج المثل وقيل بل ذلك حقيقة

وأن ذلك المسجد بعينه انهار في نار جهنم قاله قتادة وابن جريج وروي عن جابر بن عبد الله وغيره أنه قال رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وروي في بعض الكتب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رآه حين انهار بلغ الأرض السابعة ففزع لذلك صلى الله عليه و سلم وروي أنهم لم يصلوا فيه أكثر من ثلاثة أيام وهذا كله بإسناد لين والله أعلم واسند الطبري عن خلف بن ياسين أنه قال رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله في القرآن فرأيت فيه مكانا يخرج منه الدخال وذلك في زمن أبي جعفر المنصور وروي شبيه بهذا أو نحوه عن ابن جريج اسنده الطبري قال ابن العربي في أحكامه وفي قوله تعالى فانهار به في نار جهنم مع قوله فأمه هاويه إشارة إلى أن النار تحت كما أن الجنة فوق انتهى والريبة الشك وقد يسمى ريبة فساد المعتقد ومعنى الريبة في هذه الآية أمر يعم الغيظ والحنق ويعم اعتقاد صواب فعلهم ونحو هذا مما يؤدي كله إلى الارتياب في الإسلام فمقصد الكلام لا يزال هذا البنيان الذي هدم لهم يبقى في قلوبهم حزازة وأثر سوء وبالشك فسر ابن عباس الريبة هنا وبالجملة أن الريبة هنا تعم معان كثيرة يأخذ كل منافق منها بحسب قدره من النفاق
وقوله إلا أن تقطع قلوبهم بضم التاء يعني بالموت قاله ابن عباس وغيره وفي مصحف أبي حتى الممات وفيه حتى تقطع
وقوله عز و جل إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة الآية هذه الآية نزلت في البيعة الثالثة وهي بيعة العقبة الكبرى وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين وذلك أنهم اجتمعوا مع النبي صلى الله عليه و سلم عند العقبة فقالوا اشترط لك ولربك والمتكلم بذلك عبد الله بن رواحة فاشترط نبي الله حمايته مما يحمون منه أنفسهم واشترط لربه التزام الشريعة وقتال الأحمر والأسود في الدفع

عن الحوزة فقالوا ما لنا على ذلك يا نبي الله فقال الجنة فقالوا نعم ربح البيع لا تقيل ولا تقال وفي بعض الروايات ولا نستقيل فنزلت الآية في ذلك وهكذا نقله ابن العربي في أحكامه عن عبد اله بن رواحة ثم ذكر من طريق الشعبي عن أبي إمامة اسعد بن زرارة نحو كلام ابن رواحة قال ابن العربي وهذا وإن كان سنده مقطوعا فإن معناه ثابت من طرق انتهى ثم الآية بعد ذلك عامة في كل من جاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله عليه و سلم إلى يوم القيامة قال بعض العلماء ما من مسلم إلا والله في عنقه هذه البيعة وفي بها أو لم يف وفي الحديث أن فوق كل بر برا حتى يبذل العبد دمه فإذا فعل فلا بر فوق ذلك واسند الطبري عن كثير من أهل العلم أنهم قالوا ثامن الله تعالى في هذه الآية عبادة فأغلى لهم وقاله ابن عباس وغيره وهذا تأويل الجمهور وقال ابن عيينة معنى الآية اشترى منهم أنفسهم ألا يعملوها إلا في طاعته وأموالهم ألا ينفقوها إلا في سبيله فالآية على هذا أعم من القتل في سبيل الله
وقوله يقاتلون في سبيل الله على تأويل ابن عيينة مقطوع ومستأنف وأما على تأويل الجمهور من أن الشراء والبيع إنما هو مع المجاهدين فهو في موضع الحال
وقوله سبحانه عدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن قال المفسرون يظهر من قوله في التوراة والإنجيل والقرآن أن كل أمة أمرت بالجهاد ووعدت عليه قال ع ويحتمل أن ميعاد أمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم تقدم ذكره في هذه الكتب والله أعلم قال ص وقوله فاستبشروا ليس للطلب بل بمعنى ابشروا كاستوقد قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه المسمى ببهجة المجالس وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز له ما وعده ومن اوعده على عمل عقابا فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له وعن ابن عباس مثله انتهى وباقي الآية بين قال الفخر واعلم أن

هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات فأولها قوله سبحانه إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم فكون المشتري هو الله المقدس عن الكذب والحيلة من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد والثاني أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء وذلك حق مؤكد وثالثهما قوله وعدا ووعد الله حق ورابعها قوله عليه وكلمة على للوجوب وخامسها قوله حقا وهو تأكيد للتحقيق وسادسها قوله في التوراة والإنجيل والقرآن وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والمرسلين على هذه المبايعة وسابعها قوله ومن أوفى بعهده من الله وهو غاية التأكيد وثامنها قوله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وهو أيضا مبالغة في التأكيد وتاسعها قوله وذلك هو الفوز وعاشرها قوله العظيم فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق انتهى
وقوله عز و جل التائبون العابدون إلى قوله وبشر المؤمنين هذه الأوصاف هي من صفات المؤمنين الذين ذكر الله أنه أشترى منهم أنفسهم وأموالهم ومعنى الآية على ما تقتضيه أقوال العلماء والشرع أنها أوصاف الكملة من المؤمنين ذكرها سبحانه ليستبق إليها أهل التوحيد حتى يكونوا في أعلى رتبة والآية الأولى مستقله بنفهسا يقع تحت تلك المبايعة كل موحد قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وإن لم يتصف بهذه الصفات التي في هذه الآية الثانية أو بأكثرها وقالت فرقة بل هذه الصفات جاءت على جهة الشرط والآتيان مرتبطتان فلا يدخل في المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف وهذا تحريج وتضييق والأول أصوب والله أعلم والشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد وقد روي أن الله عز و جل يحمل على الشهيد مظالم العباد ويجازيهم عنه ختم الله لنا بالحسنى والسائحون

معناه الصائمون وروي عن عائشة أنها قالت سياحة هذه الأمة الصيام أسنده الطبري وروي أنه من كلام النبي صلى الله عليه و سلم وقال الفخر ولما كان أصل السياحة الاستمرار على الذهاب في الأرض سمي الصائم سائحا لاستمراره على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من المفطرات قال الفخر وعندي فيه وجه آخر وهو أن الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب والوقاع وسد على نفسه باب الشهوات انفتحت له أبواب الحكمة وتجلت له أنوار عالم الجلال ولذلك قال صلى الله عليه و سلم من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فيصير من السائحين في عالم جلال الله المنتقلين من مقام إلى مقام ومن درجة إلى درجة انتهى قال ع وقال بعض الناس وهو قول حسن وهو من أفضل العبادات والراكعون الساجدون هم المصلون الصلوات كذا قال أهل العلم ولكن لا يختلف في أن من يكثر النوافل هو ادخل في الاسم واعرق في الاتصاف
وقوله والحافظون لحدود الله لفظ عام تحته التزام الشريعة ت قال البخاري قال ابن عباس الحدود الطاعة قال ابن العربي في أحكامه وقوله الحافظون لحدود الله خاتمة البيان وعموم الاشتمال لكل أمر ونهي انتهى
وقوله سبحانه وبشر المؤمنين قيل هو لفظ عام أمر صلى الله عليه و سلم أن يبشر أمته جميعا بالخير من الله وقيل بل هذه الألفاظ خاصة لمن لم يغز أي لما تقدم في الآية وعد المجاهدين وفضلهم أمر صلى الله عليه و سلم أن يبشر سائر المؤمنين ممن لم يغز بأن الإيمان مخلص من النار والحمد لله رب العالمين
وقوله سبحانه ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين الآية جمهور المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن أبي طالب وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل عليه حين احتضر فوعظه وقال أي عم قل لا إله

إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله وكان بالحضرة أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقالا له يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فقال أبو طالب يا محمد والله لولا أني أخاف أن يعير بها ولدى من بعدي لأقررت بها عينك ثم قال هو على ملة عبد المطلب ومات على ذلك إذ لم يسمع منه صلى الله عليه و سلم ما قال العباس فنزلت إنك لا تهدي من أحببت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم والله لاستغفرن لك ما لم انه عنك فكان يستغفر له حتى نزلن هذه الآية فترك نبي الله الاستغفار لأبي طالب وروي أن المؤمنين لما رأوا نبي الله يستغفر لأبي طالب جعلوا يستغفرون لموتاهم فلذلك دخلوا في النهي والآية على هذا ناسخة لفعله صلى الله عليه و سلم إذ أفعاله في حكم الشرع المستقر وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما إنما نزلت الآية بسبب جماعة من المؤمنين قالوا نستغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم عليه السلام فنزلت الآية في ذلك وقوله سبحانه وما كان استغفار إبراهيم لأبيه الآية المعنى لا حجة أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم عليه السلام فإن ذلك لم يكن الاعن موعدة واختلف في ذلك فقيل عن موعدة من إبراهيم وذلل قوله سأستغفر لك ربي إنه كان في حفيا وقيل عن موعدة من أبيه له في أنه سيؤمن فقوي طمعه فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نهي عنه وموعدة من الوعد وأما تبينه أنه عدو لله قيل ذلك بموت أزر على الكفر وقيل ذلك بأنه نهي عنه وهو حي وقوله سبحانه إن إبراهيم لاواه حليم ثناء من الله تعالى على إبراهيم والاواه معناه الخائف الذي يكثر التأوه من خوف الله عز و جل والتأوه التوجع الذي يكثر حتى ينطق الإنسان معه باوه ومن هذا المعنى قول المثقب العبدي ... إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه أهة الرجل الحزين

ويروى آهة وروي أن إبراهيم عليه السلام كان يسمع وجيب قلبه من الخشية كما تسمع أجنحة النسور وللمفسرين في الاواه عبارات كلها ترجع إلى ما ذكرته ت روى ابن المبارك في رقائقه قال أخبرنا عبد الحميد بن بهرام قال حدثنا شهر بن حوشب قال حدثني عبد الله بن شداد قال قال رجل يا رسول الله ما الاواه قال الاواه الخاشع الدعاء المتضرع قال الله سبحانه إن إبراهيم لاواه حليم انتهى وحليم معناه صابر محتمل عظيم العقل والحلم العقل
وقوله سبحانه وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم الآية معناه التأنيس للمؤمنين وقيل أن بعضهم خاف على نفسه من الاستغفار للمشركين فنزلت الآية مؤنسة أي ما كان الله بعد إن هدى إلى الإسلام وأنقذ من النار ليحبط ذلك ويضل أهله لمواقعتهم ذنبا لم يتقدم من الله عنه نهي فأما إذا بين لهم ما يتقون من الأمور ويتجنبون من الأشياء فحينئذ من واقع شيئا من ذلك بعد النهي استوجب العقوبة وباقي الآية بين
وقوله سبحانه لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الآية التوبة من الله تعالى هو رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها فقد تكون من الأكثر رجوعا من حالة طاعة إلى أكمل منها وهذه توبته سبحانه في هذه الآية على نبيه عليه السلام وأما توبته على المهاجرين والأنصار فمعرضة لأن تكون من تقصير إلى طاعة وجد في الغزو ونصرة الدين وأما توبته على الفريق الذي كاد يزيغ فرجوع من حالة محطوطة إلى حال غفران ورضى وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله في هذه الآية ذكر الله سبحانه توبة من لم يذنب ليلا يستوحش من أذنب لأنه ذكر النبي صلى الله عليه و سلم والمهاجرين والأنصار ولم يذنبوا ثم قال وعلى الثلاثة الذين خلفوا فذكر من لم يذنب ليونس من قد أذنب انتهى من لطائف المنن وساعة العسرة يريد وقت العسرة والعسرة الشدة

وضيق الحال والعدم وهذا هو جيش العسرة الذي قال فيه صلى الله عليه و سلم من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزه عثمان بن عفان رضي الله عنه بألف جمل وألف دينار وجاء أيضا رجل من الأنصار بسبعمائة وسق من تمر وهذه غزوة تبوك ت وعن ابن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله فقال أتحب ذلك قال نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى مالت السماء فأظلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر رواه الحاكم في مستدركه على الصحيحين وقال صحيح على شرط الشيخين يعني مسلما والبخاري انتهى من السلاح ووصل النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك إلى أوائل بلد العدو فصالحه أهل أذرح وإيله وغيرهما على الجزية ونحوها وأنصرف والزيغ المذكور هو ما همت به طائفة من الانصراف لما لقوا من المشقة والعسرة قاله الحسن وقيل زيغها إنما كان بظنون لها ساءت في معنى عزم النبي صلى الله عليه و سلم على تلك الغزوة لما رأته من شدة الحال وقوة العدو المقصود ثم أخبر عز و جل أنه تاب أيضا على هذا الفريق وراجع به وأنس بإعلامه للامه بأنه رؤوف رحيم والثلاثة الذين خلفوا هم كعب بن مالك وهلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العامري وقد خرج حديثهم بكماله البخاري ومسلم وهو في السير فلذلك اختصرنا سوقه وهم الذين تقدم فيهم وآخرون مرجون لأمر الله ومعنى خلفوا أخروا وترك النظر في أمرهم قال كعب وليس بتخلفنا عن الغزو وهو بين من لفظ الآية
وقوله وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ظنوا هنا بمعنى

أيقنوا قال الشيخ بن أبي جمرة رحمه الله قال بعض أهل التوفيق إذا نزلت بي نازلة ما من أي نوع كانت فألهمت فيها اللجأ فلا أبالي بها واللجأ على وجوه منها الاشتغال بالذكر والتعبد وتفويض الأمر له عز و جل لقوله تعالى على لسان نبيه من شغله ذكرى عن مسئلتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين ومنها الصدقة ومنها الدعاء فكيف بالمجموع انتهى
وقوله سبحانه ثم تاب عليهم ليتوبوا لما كان هذا القول في تعديد النعم بدأ في ترتيبه بالجهة التي هي عن الله عز و جل ليكون ذلك منها على تلقي النعمة من عنده لا رب غيره ولو كان هذا القول في تعديد ذنب لكان الابتداء بالجهة التي هي على المذنب كما قال عز و جل فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ليكون ذلك أشد تقريرا للذنب عليهم وهذا من فصاحة القرآن وبديع نظمه ومعجز اتساقه وبيان هذه الآية ومواقع ألفاظها إنما يكمل مع مطالعة حديث الثلاثة الذين خلفوا في الكتب المذكورة فأنظره وإنما عظم ذنبهم واستحقوا عليه ذلك لأن الشرع يطلبهم من الجد فيه بحسب منازلهم منه وتقدمهم فيه إذ هم أسوة وحجة للمنافقين والطاعنين إذ كان كعب من أهل العقبة وصاحباه من أهل بدر وفي هذا ما يقتضي أن الرجل العالم والمقتدي به أقل عذرا في السقوط من سواه وكتب الأوزاعي رحمه الله إلى أبي جعفر المنصور في آخر رسالة وأعلم أن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه و سلم لن تزيد حق الله عليك إلا عظما ولا طاعته إلا وجوبا ولا الناس فيما خالف ذلك منك إلا إنكارا والسلام
وقوله سبحانه يا أيها الذين أمنوا اتقوا وكونوا مع الصادقين هذا الأمر بالكون مع الصادقين حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق وذهب بهم عن منازل المنافقين وكان ابن مسعود يتأول الآية في صدق الحديث وإليه نحا كعب بن مالك
وقوله سبحانه ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله الآية

هذه الآية معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها على التخلف عن النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة وقوة الكلام تعطي الأمر بصحبته أين ما توجه غازيا وبذل النفوس دونه والمخمصة مفعلة من خموص البطن وهو ضموره واستعير ذلك لحالة الجوع إذ الخموص ملازم له ومن ذلك قول الأعشى ... تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا ...
وقوله ولا ينالون من عدو نيلا لفظ عام لقليل ما يصنعه المؤمنون بالكفرة من أخذ مال أو إيراد هوان وكثيره ونيلا مصدر نال ينال وفي الحديث ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدا إلا ازدادوا من الله قربا ت وروى أبو داود في سننه عن أبي مالك الأشعري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وأن له الجنة انتهى قال ابن العربي في أحكامه قوله عز و جل ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم يعني إلا كتب لهم ثوابه وكذلك قال في المجاهد إن ارواث دوابه وابوالها حسنات له وكذلك أعطى سبحانه لأهل العذر من الأجر ما أعطى للقوي العامل بفضله ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال في هذه الغزوة بعينها أن بالمدينة قوما ما سلكتم واديا ولا قطعتم شعبا إلا وهم معكم حبسهم العذر انتهى
وقوله سبحانه وما كان المؤمنون لينفروا كافة الآية قالت فرقة أن المؤمنين الذين كانوا بالبادية سكانا ومبعوثين لتعليم الشرع لما سمعوا قول الله عز و جل ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب الآية أهمهم ذلك فنفروا إلى النبي صلى الله عليه و سلم خشية أن يكونوا عصاة في التخلف عن الغزو فنزلت هذه الآية في نفرهم ذلك وقالت فرقة سبب هذه الآية أن

المنافقين لما نزلت الآيات في المتخلفين قالوا هلك أهل البوادي فنزلت هذه الآية مقيمة لعذر أهل البوادي قال ع فيجيء قوله ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب عموم في اللفظ والمراد به في المعنى الجمهور والأكثر وتجيء هذه الآية مبينة لذلك وقالت فرقة هذه الآية ناسخة لكل ما ورد من إلزام الكافة النفير والقتال وقال ابن عباس ما معناه أن هذه الآية مختصة بالبعوث والسرايا والآية المتقدمة ثابتة الحكم مع خروج رسول الله صلى الله عليه و سلم في الغزو وقالت فرقة يشبه أن يكون التفقه في الغزو وفي السرايا لما يرون من نصرة الله لدينه وإظهاره العدد القليل من المؤمنين على الكثير من الكافرين وعلمهم بذلك صحة دين الإسلام ومكانته قال ع والجمهور على أن التفقه إنما هو بمشاهدة رسول الله صلى الله عليه و سلم وصحبته وقيل غير هذا ت وصح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا وقد استنفر رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس في غزوة تبوك وأعلن بها حسب ما هو مصرح به في حديث كعب ابن مالك في الصحاح فكان العتب متوجها على من تأخر عنه بعد العلم فيظهر والله أعلم أن الآية الأولى باق حكمها كما قال ابن عباس وتكون الثانية ليست في معنى الغزو بل في شأن التفقه في الدين على الإطلاق وهذا هو الذي يفهم من استدلالهم بالآية على فضل العلم قد قالت فرقة أن هذه الآية ليست في معنى الغزو وإنما سببها قبائل من العرب أصابتهم مجاعة فنفروا إلى المدينة لمعنى المعاش فكادوا يفسدونها وكان أكثرهم غير صحيح الإيمان وإنما اضرعه الجوع فنزلت الآية في ذلك والإنذار في الآية عام للكفر والمعاصي والحذر منها أيضا كذلك قال ابن المبارك في رقائقة أخبرنا موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال إذا أراد الله تبارك وتعالى

بعبد خيرا جعل فيه ثلاث خصال فقها في الدين وزهادة في الدنيا وبصره بعيوبه انتهى
وقوله تعالى يا أيها الذين أمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار قيل أن هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال الكفار كافة فهي من التدريج الذي كان في أول الإسلام قال ع وهذا ضعيف فإن هذه السورة من آخر ما نزل وقالت فرقة معنى الآية أن الله تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أن يقاتل كل فريق منهم الجنس الذي يليه من الكفرة
وقوله سبحانه وليجدوا فيكم غلظة أي خشونة وبأسا ثم وعد سبحانه في آخر الآية وحض على التقوى التي هي ملاك الدين والدنيا وبها يلقى العدو وقد قال بعض الصحابة إنما تقاتلون الناس بأعمالكم ووعد سبحانه أنه مع المتقين ومن كان الله معه فلن يغلب
وقوله تعالى وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ايكم زادته هذه إيمانا الآية هذه الآية نزلت في شأن المنافقين وقولهم أيكم زادته هذه إيمانا يحتمل أن يكون لمنافقين مثلهم أو لقوم من قراباتهم على جهة الاستخفاف والتحقير لشأن السورة ثم ابتدأ عز و جل الرد عليهم بقوله فأما الذين أمنوا فزادتهم إيمانا وذلك أنه إذا نزلت سورة حدث للمؤمنين بها تصديق خاص لم يكن قبل فتصديقهم بما تضمنته السورة من أخبار وأمر ونهي أمر زائد على الذي كان عندهم قبل وهذا وجه من زيادة الإيمان ووجه آخر أن السورة ربما تضمنت دليلا أو تنبيها على دليل فيكون المؤمن قد عرف الله بعدة أدلة فإذا نزلت السورة زادت في أدلته ووجه آخر من وجوه الزيادة أن الإنسان ربما عرضه شك يسير أو لاحت له شبهة مشغبة فإذا نزلت السورة أرتفعت تلك الشبهة وقوي إيمانه ارتقى اعتقاده عن معارضة الشبهات والذين في قلوبهم مرض هم المنافقون والرجس في اللغة يجيء

بمعنى القذر ويجيء بمعنى العذاب وحال هؤلاء المنافقين هي قذر وهي عذاب عاجل كفيل بآجل وإذا تجدد كفرهم بسورة فقد زاد كفرهم فذلك زيادة رجس إلى رجسهم
وقوله سبحانه أو لا يرون يعني المنافقين وقرأ حمزة أو لا ترون بالتاء من فوق على معنى أو لا ترون أيها المؤمنون أنهم يفتنون أي يختبرون وقرأ مجاهد مرضة أو مرضتين والذين يظهر مما قبل الآية ومما بعدها أن الفتنة والاختبار إنما هي بكشف الله أسرارهم وإفشائه عقائدهم إذ يعلمون أن ذلك من عند الله وبهذا تقوم الحجة عليهم وأما الاختبار بالمرض فهو في المؤمنين
وقوله سبحانه وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم المعنى وإذا ما أنزلت سورة فيها فضيحة أسرار المنافقين نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد أي هل معكم من ينقل عنكم هل يراكم من أحد حين تدبرون أموركم ثم انصرفوا عن طريق الاهتداء وذلك أنهم وقت كشف أسرارهم والأعلام بمغيبات أمورهم يقع لهم لا محالة تعجب وتوقف ونظر فلو أريد بهم خير لكان ذلك الوقت مظنة الاهتداء وقد تقدم بيان قوله صرف الله قلوبهم
وقوله عز و جل لقد جاءكم رسول من أنفسكم الآية مخاطبة للعرب في قول الجمهور وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم إذ جاءهم بلسانهم وبما يفهمونه من الأغراض والفصاحة وشرفوا به غابر الدهر وقوله من أنفسكم يقتضي مدحا لنسبه صلى الله عليه و سلم وأنه من صميم العرب وشرفها وقرأ عبد الله بن قسيط المكي من أنفسكم بفتح الفاء من النفاسة ورويت عن النبي صلى الله عليه و سلم
وقوله ما عنتم معناه عنتكم فما مصدرية والعنت المشقة وهي هنا لفظة عامة أي عزيز عليه ما شق عليكم من قتل واسار وامتحان بحسب الحق واعتقادكم أيضا معه حريص عليكم أي على إيمانكم وهداكم
وقوله بالمؤمنين رؤوف أي مبالغ في الشفقة عليهم قال أبو عبيدة الرأفة أرق الرحمة ثم خاطب سبحانه نبيه

بقوله فإن تولوا أي اعرضوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم هذه الآية من آخر ما نزل وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير

سورة يونس
عليه السلام
بعضها نزل بمكة وبعضها بالمدينة قوله عز و جل الر تلك آيات الكتاب الحكيم المراد بالكتاب القرآن والحكيم بمعنى محكم ويمكن أن يكون حكيم بمعنى ذي حكمة فهو على النسب
وقوله عز و جل أكان للناس عجبا الآية قال ابن عباس وغيره سبب هذه الآية استبعاد قريش أن يبعث الله بشرا رسولا والقدم هنا ما قدم واختلف في المراد بها هاهنا فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم هي الأعمال الصالحات من العبادات وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة هي شفاعة محمد صلى الله عليه و سلم وقال ابن عباس أيضا وغيره هي السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ وهذا أليق الأقوال بالآية ومن هذه اللفظة قول حسان رضي الله عنه ... لنا القدم العليا إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع ...
ومن هذه اللفظة قوله صلى الله عليه و سلم حتى يضع الجبار فيها قدمه أي ما قدم لها هذا على الجبار اسم الله تعالى والصدق هنا بمعنى الصلاح وقال البخاري قال زيد بن أسلم قدم صدق محمد صلى الله عليه و سلم انتهى وقولهم إن هذا

لسحر مبين إنما هو بسبب أنه فرق بذلك كلمتهم وحال بين القريب وقريبه فاشبه ذلك ما يفعله الساحر في ظنهم القاصر فسموه سحرا
وقوله سبحانه إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام الآية هذا ابتداء دعاء إلى عبادة الله عز و جل وتوحيده وذكر بعض الناس أن الحكمة في خلق الله تعالى هذه الأشياء في مدة محدودة ممتدة وفي القدرة أن يقول لها كن فتكون إنما هي ليعلم عباده التؤدة والتماهل في الأمور قال ع وهذا مما لا يوصل إلى تعليله وعلى هذا هي الأجنة في البطون وخلق الثمار وغير ذلك والله عز و جل قد جعل لكل شيء قدرا وهو أعلم بوجه الحكمة في ذلك
وقوله سبحانه يدبر الأمر يصح أن يريد بالأمر اسم الجنس من الأمور ويصح أن يريد الأمر الذي هو مصدر أمر يأمر وتدبيره لا إله إلا هو إنما هو الإنفاذ لأنه قد أحاط بكل شيء علما قال مجاهد يدبر الأمر معناه يقضيه وحده وقوله سبحانه ما من شفيع إلا من بعد إذنه رد على العرب في اعتقادهم أن الأصنام تشفع لها عند الله
ذلكم الله أي الذي هذه صفاته فاعبدوه ثم قررهم على هذه الآيات والعبر فقال أفلا تذكرون
وقوله إليه مرجعكم جميعا الآية إنباء بالبعث
من القبور
ليجزي هي لام كي والمعنى أن الإعادة إنما هي ليقع الجزاء على الأعمال
وقوله بالقسط أي بالعدل
وقوله الذين كفروا ابتداء والحميم الحار المسخن وحميم النار فيما ذكر عن النبي صلى الله عليه و سلم إذا أدناه الكافر من فيه تساقطت فروة رأسه وهو كما وصفه سبحانه يشوي الوجوه
وقوله سبحانه هوا لذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا الآية هذا استمرار على وصف آياته سبحانه والتنبيه على صنعته الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته
وقوله وقدره منازل يحتمل أن يعود الضمير

على القمر وحده لأنه المراعي في معرفة عدد السنين والحساب عند العرب ويحتمل أن يريد الشمس والقمر معا لكنه اجتزأ بذكر أحدهما كما قال والله ورسوله أحق أن يرضوه
وقوله لتعلموا عدد السنين والحساب أي رفقا بكم ورفعا للالتباس في معايشكم وغير ذلك مما يضطر فيه إلى معرفة التواريخ
وقوله لقوم يعلمون إنما خصهم لأن نفع هذا فيهم ظهر
وقوله سبحانه إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض الآية آية اعتبار وتنبيه والآيات العلامات وخصص القوم المتقين تشريفا لهم إذ الاعتبار المنظور فيها أفضل من نسبة من لم يهتد ولا اتقى
وقوله سبحانه إن الذين لا يرجون لقاءنا الآية قال أبو عبيدة وغيره يرجون في هذه الآية بمعنى يخافون واحتجوا ببيت أبي ذؤيب ... إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عوامل ...
قال ابن سيدة والفراء لفظة الرجاء إذا جاءت منفية فإنها تكون بمعنى الخوف فعلى هذا التأويل معنى الآية إن الذين لا يخافون لقاءنا وقال بعض أهل العلم الرجاء في هذه الآية على بابه وذلك أن الكافر المكذب بالبعث لا يحسن ظنا بأنه يلقى الله ولا له في الآخرة أمل إذ لو كان له فيها أمل لقارنه لا محالة خوف وهذه الحال من الخوف المقارن هي القائدة إلى النجاة قال ع والذي أقول به أن الرجاء في كل موضع هو على بابه وأن بيت الهذلي معناه لم يرج فقد لسعها قال ابن زيد هذه الآية في الكفار
وقوله سبحانه ورضوا بالحيوة الدنيا يريد كانت منتهى غرضهم وقال قتادة في تفسير هذه الآية إذا شئت رأيت هذا الموصوف صاحب دنيا لها يغضب ولها يرضى ولها يفرح ولها يهتم ويحزن فكان قتادة صورها في العصاة

ولا يترتب ذلك إلا مع تأول الرجاء على بابه لأن المؤمن العاصي مستوحش من أخرته فأما على التأويل الأول فمن لا يخاف الله فهو كافر
وقوله وأطمأنوا بها تكميل في معنى القناعة بها والرفض لغيرها
وقوله والذين هم عن آياتنا غافلون يحتمل أن يكون ابتداء إشارة إلى فرقة أخرى ثم عقب سبحانه بذكر الفرقة الناجية فقال إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم الآية الهداية في هذه الآية تحتمل وجهين أحدهما أن يريد أنه يديمهم ويثبتهم الثاني أن يريد أنه يرشدهم إلى طريق الجنان في الآخرة
وقوله بإيماهم يحتمل أن يريد بسبب إيمانهم ويحتمل أن يكون الإيمان هو نفس الهدى أي يهديهم إلى طريق الجنة بنور إيمانهم قال مجاهد يكون لهم إيمانهم نورا يمشون به ويتركب هذا التأويل على ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أن العبد المؤمن إذا قام من قبره للحشر تمثل له رجل جميل الوجه طيب الرائحة فيقول من أنت فيقول أنا عملك الصالح فيقوده إلى الجنة وبعكس هذا في الكافر ونحو هذا ما أسنده الطبري وغيره
وقوله سبحانه دعواهم أي دعاؤهم فيها وسبحانك اللهم تقديس وتسبيح وتنزيه لجلاله سبحانه عن كل ما لا يليق به وقال علي بن أبي طالب في ذلك هي كلمات رضيها الله تعالى لنفسه وقال طلحة بن عبيد الله قلت يا رسول الله ما معنى سبحان الله فقال معناها تنزيها لله من السوء وحكي عن بعض المفسرين أنهم رووا أن هذه الكلمة إنما يقولها المؤمن عندما يشتهي الطعام فإنه إذا رأى طائرا أو غير ذلك قال سبحانك اللهم فنزلت تلك الإرادة بين يديه فوق ما اشتهى رواه ابن جريج وسفيان بن عيينة وعبارة الداودي عن ابن جريج دعواهم فيها قال إذا مر بهم الطائر يشتهونه كان دعواهم به سبحانك اللهم فيأكلون منه ما يشتهون ثم يطير وإذا جاءتهم

الملائكة بما يشتهون سلموا عليهم فذلك قوله وتحيتهم فيها سلام وإذا أكلوا حاجتهم قالوا الحمد لله رب العالمين
فذلك قوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين
وقوله سبحانه وتحيتهم فيها سلام يريد تسليم بعضهم على بعض والتحية مأخوذة من تمنى الحياة للإنسان والدعاء بها يقال حياه ويحييه ومنه قول زهير بن جناب ... من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية ...
يريد دعاء الناس للملوك بالحياة وقال بعض العلماء وتحيتهم يريد تسليم الله تعالى عليهم والسلام مأخوذ من السلامة وآخر دعواهم أي خاتمة دعائهم وكلامهم في كل موطن حمد الله وشكره على ما أسبغ عليهم من نعمه وقال ابن العربي في أحكامه في تفسير هذه الآية قولان الأول أن الملك يأتيهم بما يشتهون فيقول سلام عليكم أي سلمتم فيردون عليه فإذا أكلوا قالوا الحمد لله رب العالمين الثاني أن معنى تحيتهم أي تحية بعضهم بعضا فقد ثبت في الخبر أن الله تعال خلق آدم ثم قال له أذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم فجاءهم فقال لهم سلام عليكم فقالوا له وعليك السلام ورحمة الله فقال له هذه تحيتك وتحية ذريتك من بعدك إلى يوم القيامة وبين في القرآن هاهنا أنها تحيتهم في الجنة فهي تحية موضوعة من أول الخلقة إلى غير نهاية وقد روى ابن القاسم عن مالك في قوله تعالى وتحيتهم فيها سلام أي هذا السلام الذي بين أظهركم وهذا أظهر الأقوال والله أعلم انتهى وقرأ الجمهور أن الحمد لله وهي عند سيبويه أن المخففة من الثقيلة قال أبو الفتح فهي بمنزلة قول الأعشى ... في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل ...
وقوله سبحانه ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم

الآية هذه الآية نزلت في دعاء الرجل على نفسه أو ولده أو ماله فأخبر سبحانه أنه لو فعل مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريد فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم وحذف بعد ذلك جملة يتضمنها الظاهر تقديرها فلا يفعل ذلك ولكن يذر الذين لا يرجعون لقاءنا الآية وقيل إن هذه الآية نزلت في قولهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء وقيل نزلت في قولهم أتينا بما تعدنا وما جرى مجراه والعمه الخبط في ضلال
وقوله سبحانه وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه الآية هذه الآية أيضا عتاب على سوء الخلق من بعض الناس ومضمنه النهي عن مثل هذا والأمر بالتسليم إلى الله والضراعة إليه في كل حال والعلم بأن الخير والشر منه لا رب غيره وقوله لجنبه في موضع الحال كأنه قال مضطجعا والضر عام لجميع الأمراض والرزايا
وقوله مر يقتضى أن نزولها في الكفار ثم هي بعد تتناول كل من دخل تحت معناها من كافر وعاص
وقوله سبحانه ولقد أهلكنا القرون من قبلكم الآية آية وعيد للكفار وضرب أمثال لهم وخلائف جمع خليفة
وقوله لننظر معناه لنبين في الوجود ما علمناه أزلا لكن جرى القول على طريق الإيجاز والفصاحة والمجاز وقال عمر رضي الله عنه إن الله تعالى إنما جعلنا خلفاء لينظر كيف عملنا فأروا الله حسن أعمالكم في السر والعلانية
وقوله سبحانه وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا يعني بعض كفار قريش ايت بقرآن غير هذا أو بدله ثم أمر سبحانه نبيه أن يرد عليهم بالحق الواضح فقال قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أعلمكم به وأدريكم بمعنى أعلمكم تقول دريت بالأمر وأدريت به غيري ثم قال فقد لبثت فيكم عمرا من قبله يعني الأربعين سنة تبل بعثه عليه السلام أي فلم تجربوني في كذب ولا تكلمت في شيء من هذا أفلا تعقلون أن

من كان على هذه الصفة لا يصح منه كذب بعد أن ولى عمره وتقاصر أمله واشتدت حنكته وخوفه لربه
وقوله فمن أظلم استفهام وتقرير أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ممن كذب بآياته بعد بيانها والضمير في يعبدون لكفار قريش وقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله هذا قول النبلاء منهم ثم أمر سبحانه نبيه أن يقررهم ويوبخهم بقوله اتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض وذكر السماوات لأن من العرب من يعبد الملائكة والشعرى وبحسب هذا حسن أن يقول هؤلاء شفعاؤنا وقيل ذلك تجاوز في الأصنام التي لا تعقل
وقوله سبحانه وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا قالت فرقة المراد آدم كان أمة وحده ثم اختلف الناس بعده وقالت فرقة المراد آدم وبنوه من لدن نزوله إلى قتل أحد أبنيه الآخر ويحتمل أن يريد كان الناس صنفا واحدا بالفطرة معدا للاهتداء وقد تقدم الكلام على هذا في قوله سبحانه كان الناس أمة واحدة
وقوله سبحانه ولولا كلمة سبقت من ربك يريد قضاءه وتقديره لبني آدم بالآجال الموقتة ويحتمل أن يريد الكلمة في أمر القيامة وأن العقاب والثواب إنما يكون حينئذ
وقوله فقل إنما الغيب لله أي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل
وقوله فانتظروا وعيد
وقوله سبحانه وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضر مستهم الآية هذه الآية في الكفار وهي بعد تتناول من العصاة من لا يؤدي شكر الله عند زوال المكروه عنه ولا يرتدع بذلك عن معاصيه وذلك في الناس كثير والرحمة هنا بعد الضراء كالمطر بعد القحط والأمن بعد الخوف ونحو هذا مما لا ينحصر والمكر الاستهزاء والطعن عليها من الكفار واطراح الشكر والخوف من العصاة وقال أبو علي أسرع من سرع لا من أسرع يسرع إذ لو كان من أسرع لكان شاذا قال ع وفي

الحديث في نار جهنم لهي أسود من القار وما حفظ للنبي صلى الله عليه و سلم فليس بشاذ ص ورد بأن أسود من فعل لا من أفعل تقول سود فهو أسود وإنما امتنع من سود ونحوه عند البصريين لأنه لون انتهى
وقوله سبحانه هو الذي يسيركم في البر والبحر الآية تعديد نعم منه سبحانه على عباده
وقوله سبحانه دعوا الله مخلصين له الدين أي نسوا الأصنام والشركاء وأفردوا الدعاء لله سبحانه وذكر الطبري في ذلك عن بعض العلماء حكاية قول العجم هيا شراء هيا ومعناه يا حي يا قيوم ويبغون معناه يفسدون
وقوله متاع الحياة الدنيا متاع خبر مبتدأ محذوف تقديره هو متاع أو ذلك متاع ومعنى الآية إنما بغيكم وإفسادكم مضر لكم وهو في حالة الدنيا ثم تلقون عقابه في الآخرة قال سفيان بن عيينة إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا أي تعجل لكم عقوبته وعلى هذا قالوا البغي يصرع أهله قال ع وقالوا الباغي مصروع قال تعالى ثم بغي عليه لينصرنه الله وقال النبي عليه السلام ما ذنب أسرع عقوبة من بغي
وقوله سبحانه إنما مثل الحيوة الدنيا أي تفاخر الحياة الدنيا وزينتها بالمال والبنين إذ مصير ذلك إلى الفناء كمطر نزل من السماء فاختلط به نبات الأرض أي اختلط النبات بعضه ببعض بسبب الماء ولفظ البخاري قال ابن عباس فاختلط به نبات الأرض فنبت بالماء من كل لون انتهى وأخذت الأرض لفظة كثرت في مثل هذا كقوله خذوا زينتكم والزخرف التزيين بالألوان وقرأ ابن مسعود وغيره وتزينت وهذه أصل قراءة الجمهور
وقوله وظن أهلها على بابها وهذا الكلام فيه تشبيه جملة أمر الحياة الدنيا بهذه الجملة الموصوفة أحوالها وحتى غاية وهي حرف ابتداء لدخولها على إذا ومعناهما متصل إلى قوله قادرون عليها ومن بعد ذلك بدأ الجواب والأمر الآتي واحد الأمور كالريح والصر والسموم ونحو ذلك وتقسيمه

ليلا أو نهارا تنبيه على الخوف وارتفاع الأمن في كل وقت وحصيدا بمعنى محصود أي تالفا مستهلكا كأن لم تغن أي كان لم تنضر ولم تنعم ولم تعمر بغضارتها ومعنى الآية التحذير من الاغترار بالدنيا إذ هي معرضة لتلف كنبات هذه الأرض وخص المتفكرين بالذكر تشريفا للمنزلة وليقع التسابق إلى هذه الرتبة
والله يدعوا إلى دار السلام الآية نص أن الدعاء إلى الشرع عام في كل بشر والهداية التي هي الإرشاد مختصة بمن قدر إيمانه والسلام هنا قيل هو اسم من أسماء الله تعالى والمعنى يدعو إلى داره التي هي الجنة وقيل السلام بمعنى السلامة
وقوله سبحانه للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال الجمهور الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله عز و جل في صحيح مسلم من حديث صهيب فيكشف الحجار فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز و جل وفي رواية ثم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة واخرج هذه الزيادة النسائي عن صهيب وأخرجها عن صهيب أيضا أبو داود الطيالسي انتهى من التذكرة
وقوله سبحانه ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة الآية ويرهق معناه يغشى مع غلبة وتضييق والقتر الغبار المسود
وقوله سبحانه والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها قالت فرقة التقدير لهم جزاء سيئة بمثلها وقالت فرقة التقدير جزاء سيئة مثلها والباء زائدة تعم السيئات هاهنا الكفر والمعاصي والعاصم المنجى والمجير واغشيت كسيت والقطع جمع قطعة وقرأ ابن كثير والكسائي قطعا من الليل بسكون الطاء وهو الجزء من الليل والمراد الجزء من سواده وباقي الآية بين ومكانكم اسم فعل الأمر ومعناه قفوا واسكنوا ت قال ص وقدر باثبتوا وأما من قدره بالزموا مكانكم فمردود لأن الزموا متعد ومكانكم لا يتعدى فلا يقدر به وإلا لكان متعديا واسم الفعل على حسب الفعل إن متعديا فمتعد وإن لازما فلازم ثم اعتذر بأنه يتمكن

يمكن أن يكون تقديره بالزموا تقدير معنى لا تقدير إعراب فلا اعتراض انتهى قال ع فأخبر سبحانه عن حالة تكون لعبدة الأوثان يوم القيامة يؤمرون بالإقامة في موقف الخزي مع أصنامهم ثم ينطق الله شركاءهم بالتبري منهم
وقوله فزيلنا بينهم معناه فرقنا في الحجة والمذهب روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الكفار إذا رأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب قيل لهم اتبعوا ما كنتم تعبدون فيقولون كنا نعبد هؤلاء فتقول الأصنام والله ما كنا نسمع ولا نعقل وما كنتم إيانا تعبدون فيقولون والله لإياكم كنا نعبد فتقول الآلهة فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم الآية وظاهر الآية أن محاورتهم إنما هي مع الأصنام دون الملائكة وعيسى بدليل القول لهم مكانكم أنتم وشركاؤكم ودون فرعون ومن عبد من الجن بدليل قولهم إن كنا عن عبادتكم لغافلين وإن هذه عند سيبويه المخففة من الثقيلة موجبة ولزمتها اللام فرقا بينها وبين أن النافية وعند الفراء أن نافية بمعنى ما واللام بمعنى إلا وقرأ نافع وغيره تبلوا بالباء الموحدة بمعنى تختبر وقرأ حمزة والكسائي تتلوا بتاءين بمعنى تتبع وتطلب ما أسلف من أعمالها ت قال ص كقوله ... إن المريب يتبع المريبا ... كما رأيت الذيب يتلو الذيبا ...
أي يتبعه انتهى ويصح أن يكون بمعنى تقرا كتبها التي تدفع إليها
وقوله ومن يدبر الأمر الآية تدبير الأمر عام في جميع الأشياء وذلك استقامة الأمور كلها على أرادته عز و جل وليس تدبيره سبحانه بفكر وروية وتغييرات تعالى عن ذلك بل علمه سبحانه محيط كامل دائم
فسيقولون الله أي لا مندوحة لهم عن ذلك ولا تمكنهم المباهتة بسواه فإذا اقروا بذلك فقل أفلا تتقون في افترائكم وجعلكم الأصنام آله
وقوله فذلكم الله ربكم الآية يقول فهذا الذي هذه صفاته ربكم الحق أي المستوجب للعبادة

والألوهية وإذا كان كذلك فتشريك غيره ضلال وغير حق قال ع وعبارة القرآن في سوق هذه المعاني تفوت كل تفسير براعة وإيجازا ووضوحا وحكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والضلال منزلة ثالثة في هذه المسئلة التي هي توحيد الله تعالى وكذلك هو الأمر في نظائرها من مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد لأن الكلام فيها إنما في تقرير وجود ذات كيف هي وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا
وقوله فأنى تصرفون تقرير كما قال فأين تذهبون ثم قال كذلك حقت أي كما كانت صفات الله كما وصف وعبادته واجبة كما تقرر وانصراف هؤلاء كما قدر عليهم كذلك حقت كلمات ربك الآية وقرأ أبو عمر وغيره كلمة على الإفراد الذي يراد به الجمع كما يقال للقصيدة كلمة فعبر عن وعيد الله تعالى بكلمة
وقوله سبحانه قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده الآية توقيف على قصور الأصنام وعجزها وتنبيه على قدرة الله عز و جل وتؤفكون معناه تصرفون وتحرمون وأرض مأفوكة إذا لم يصبها مطر فهي بمعنى الخيبة
وقوله تعالى قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق أي يبين طرق الصواب ثم وصف الأصنام بأنها لا تهدى إلا أن تهدى
وقوله الا أن يهدي فيه تجوز لأنا نجدها لا تهدى وإن هديت وقال بعضهم هي عبارة عن أنها لا تنتقل إلا أن تنقل ويحتمل أن يكون ما ذكر الله من تسبيح الجمادات هو اهتداؤها وقرأ نافع وأبو عمر يهدي بسكون الهاء وتشديد الدال وقرأ ابن كثير وابن عامر يهدي بفتح الياء والهاء وتشديد الدال وهذه رواية ورش عن نافع وقرأ حمزة والكسائي يهدي بفتح الياء وسكون الهاء ومعنى هذه القراءة أمن لا يهدى أحد إلا أن يهدي ذلك الأحد ووقف القراء فما لكم ثم يبدأ كيف تحكمون

وقوله سبحانه وما يتبع أكثرهم إلا ظنا الآية أخبر الله سبحانه عن فساد طريقتهم وضعف نظرهم وأنه ظن ثم بين منزلة الظن من المعارف وبعده عن الحق
وقوله سبحانه وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه هذا رد لقول من يقول أن محمدا يفتري القرآن والذي بين يديه التوراة والإنجيل وهم يقطعون أنه لم يطالع تلك الكتب ولا هي في بلده ولا في قومه وتفصيل الكتاب هو تبيينه
وقوله أم يقولون افتراه الآية أم هذه ليست بالمعادلة لهمزة الاستفهام في قوله أزيد قام أم عمرو ومذهب سيبوية أنها بمنزلة بل ثم عجزهم سبحانه بقوله قل قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم الآية والتحدي في هذه الآية عند الجمهور وقع بجهتي الإعجاز اللتين في القرآن إحداهما النظم والرصف والإيجاز والجزالة كل ذلك في التعريف والأخرى المعاني من الغيب لما مضى ولما يستقبل وحين تحداهم بعشر مفتريات إنما تحداهم بالنظم وحده ثم قال ع هذا قول جماعة المتكلمين ثم اختار أن الإعجاز في الآيتين إنما وقع في النظم لا في الإخبار بالغيوب ت والصواب ما تقدم للجمهور وإليه رجع في سورة هود واوجه إعجاز القرآن أكثر من هذا وانظر الشفا
وقوله من استطعتم إحالة على شركائهم
وقوله سبحانه بل كذبوا بم لم يحيطوا بعلمه الآية المعنى ليس الأمر كما قالوا من أنه مفترى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله أي تفسيره وبيانه ويحتمل أن يريد بما لم يأتهم تأويله أي ما يؤل إليه أمره كما هو في قوله هل ينظرون إلا تأويله وعلى هذا فالآية تتضمن وعيدا والذين من قبلهم من سلف من أمم الأنبياء
وقوله سبحانه ومنهم من يؤمن به الآية أي ومن قريش من يؤمن بهذا الرسول ولهذا الكلام معنيان قالت فرقة معناه من هؤلاء القوم من سيؤمن في المستقبل ومنهم من

حتم الله عليه أنه لا يؤمن به أبدا وقالت فرقة معناه ومنهم من يؤمن بهذا الرسول إلا أنه يكتم إيمانه حفظا لرياسته أو خوفا من قومه كالفتية الذين قتلوا مع الكفار ببدر قال ع وفائدة الآية على هذا التأويل التفريق لكلمة الكفار وإضعاف نفوسهم وفي قوله وربك أعلم بالمفسدين تهديد ووعيد
وقوله سبحانه وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم الآية منابذه ومتاركة قال كثير من المفسرين منهم ابن زيد هذه الآية منسوخة بالقتال وباقي الآية بين
وقوله سبحانه ويوم نحشرهم الآية وعيد بالحشر وخزيهم فيه وتعارفهم على جهة التلاوم والخزي من بعضهم لبعض حيث لا بنفع ذلك
وقوله سبحانه قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله إلى آخرها حكم من الله عز و جل على المكذبين بالخسران وفي اللفظ إغلاظ وقيل أن هذا الكلام من كلام المحشورين على جهة التوبيخ لأنفسهم ت والأول أبين
وقوله وأما نرينك الآية أما شرط وجوابه فإلينا والرؤية في نرينك بصرية ومعنى هذه الآية الوعيد بالرجوع إلى الله تعالى أي إن أريناك عقوبتهم أو لم نركها فهم عل كل حال راجعون إلينا إلى الحساب والعذاب ثم مع ذلك فالله شهيد من أول تكليفهم على جميع أعمالهم فثم لترتيب الإخبار لا لترتيب القصص في أنفسها وأما هي إن زيدت عليها ما ولأجلها جاز دخول النون الثقيلة ولو كانت إن وحدها لم يجز ص واعترض بأن مذهب سيبويه جواز دخولها وإن لم تكن ما انتهى
وقوله سبحانه ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط قال مجاهد وغيره المعنى فإذا جاء رسولهم يوم القيامة للشهادة عليهم صير قوم للجنة وقوم للنار فذلك القضاء بينهم بالقسط
وقوله سبحانه ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون الآية الضمير

في يقولون لكفار قريش وسؤالهم عن الوعد تحرير منهم بزعمهم للحجة أي هذا العذاب الذي توعدنا به حدد لنا وقته لنعلم الصدق في ذلك من الكذب ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول على جهة الرد عليهم قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ولكن لكل أمة أجل انفرد الله بعلم حده ووقه وباقي الآية بين
وقوله ماذا يستعجل منه المجرمون أي فما تستعجلون منه وأنتم لا قبل لكم به والضمير في منه يحتمل أن يعود على الله عز و جل يحتمل أن يعود على العذاب
وقوله أثم إذا ما وقع ءامنتم به المعنى إذا وقع العذاب وعاينتموه آمنتم حينئذ وذلك غير نافعكم بل جوابكم الآن وقد كنتم تستعجلونه مكذبين به ويستنبئونك معناه يستخبرونك وهي على هذا تتعدى إلى مفعولين أحدهما الكاف والآخر الجملة وقيل هي بمعنى يستعملونك فعلى هذا تحتاج إلى ثلاثة مفاعيل ص ورد بأن الاستنباء لا يحفظ تعديه إلى ثلاثة ولا استعلم الذي هو بمعناه انتهى وأحق هو قيل الإشارة إلى الشرع والقرآن وقيل إلى الوعيد وهو أظهر
وقوله أي وربي أي بمعنى نعم وهي لفظة تتقدم القسم ويجيء بعدها حرف القسم وقد لا يجيء تقول أي وربي وأي ربي ومعجزين معناه مفلتين
وقوله سبحانه ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة الآية وأسروا لفظة تجيء بمعنى أخفوا وهي حينئذ من السر وتجيء بمعنى أظهروا وهي حينئذ من أسارير الوجه ص قال أبو البقاء وهو مستأنف وهو حكاية ما يكون في الآخرة
وقوله تعالى ألا إن لله ما في السموات والأرض الآية ألا استفتاح وتنبيه وباقي الآية بين
وقوله سبحانه يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم الآية هذه آية خوطب بها جميع العالم والموعظة القرآن لأن الوعظ إنما هو بقول يأمر بالمعروف ويزجر ويرقق القلوب وبعد ويوعد وهذه صفة الكتاب

العزيز وقوله من ربكم يريد لم يختلقها محمد ولا غيره وما في الصدور يريد به الجهل ونحوه وجعله موعظة بحسب الناس أجمع وجعله هدى ورحمة بحسب المؤمنين فقط وهذا تفسير صحيح المعنى إذا تأمل بأن وجهه
وقوله سبحانه قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا قال ابن عباس وغيره الفضل الإسلام والرحمة القرآن وقال أبو سعيد الخدري الفضل القرآن والرحمة أن جعلهم من أهله وقال زيد بن أسلم والضحاك الفضل القرآن والرحمة الإسلام قال ع ولا وجه عندي لشيء من هذا التخصيص إلا أن يستند شيء منه إلى النبي صلى الله عليه و سلم وإنما الذي يقتضيه اللفظ ويلزم منه أن الفضل هو هداية الله تعالى إلى دينه والتوفيق إلى اتباع شرعه والرحمة هي عفوه وسكنى جنته التي جعلها جزاء على التشرع بالإسلام والإيمان به ومعنى الآية قل يا محمد لجميع الناس بفضل الله ورحمته فليقع الفرح منكم لا بأمور الدنيا وما يجمع من حطامها فإن قيل كيف أمر الله بالفرح في هذه الآية وقد ورد ذمه في قوله فرح فخور وفي قوله لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين قيل أن الفرح إذا ورد مقيدا في خير فليس بمذموم وكذلك هو في هذه الآية وإذا ورد مقيدا في شر أو مطلقا لحقه ذم إذ ليس من أفعال الآخرة بل ينبغي أن يغلب على الإنسان حزنه على دينه وخوفه لربه
وقوله مما يجمعون يريد مال الدنيا وحطامها الفاني المردى في الآخرة
وقوله سبحانه قل ارأيتم ما انزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا الآية قال ص ارأيتم مضمن معنى اخبروني وما موصولة قال ع هذه المخاطبة لكفار العرب الذين جعلوا البحائر والسوائب وغير ذلك
وقوله أنزل لفظة فيها تجوز وقوله وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة آية وعيد لما تحقق عليهم بتقسيم الآية التي قبلها أنهم مفترون على

الله عظم في هذه الآية جرم الافتراء أي ظنهم في غاية الرداءة بحسب سوء أفعالهم ثم ثنى بذكر الفضل على الناس في الإمهال لهم مع الافتراء والعصيان إذ الإمهال لهم داعية إلى التوبة والإنابة ثم الآية تعم جميع فضل الله سبحانه وجميع تقصير الخلق
وقوله سبحانه وما تكون في شأن الآية مقصد هذه الآية وصف إحاطة الله عز و جل بكل شيء لا رب غيره ومعنى اللفظ وما تكون يا محمد والمراد هو وغيره في شأن من جميع الشؤون وما تتلوا منه الضمير عائد على شأن أي فيه وبسببه من قرآن ويحتمل أن يعود الضمير على جميع القرآن وقال ص ضمير منه عائد على شأن ومن قرآن تفسير للضمير انتهى وهو حسن ثم عم سبحانه بقوله ولا تعملون من عمل وفي قوله سبحانه ألا كنا عليكم شهودا تحذير وتنبيه ت وهذه الآية عظيمة الموقع لأهل المراقبة تثير من قلوبهم أسرارا ويغترفون من بحر فيضها أنوارا وتفيضون معناه تأخذون وتنهضون بجد وما يعزب معناه وما يغيب عن ربك من مثال ذرة والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ ويحتمل ما كتبته الحفظة
وقوله سبحانه ألا إن أولياء الله الآية ألا استفتاح وتنبيه وأولياء الله هم المؤمنون الذين والوه بالطاعة والعبادة وهذه الآية يعطى ظاهرها أن من آمن واتقى الله فهو داخل في أولياء الله وهذا هو الذي تقتضيه الشريعة في الولي وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه سئل من أولياء الله فقال الذين إذا رأيتهم ذكرت الله قال ع وهذا وصف لازم للمتقين لأنهم يخشعون ويخشعون وروي عنه صلى الله عليه و سلم أيضا أنه قال أولياء الله قوم تحابوا في الله واجتمعوا في ذاته لم تجمعهم قرابة ولا مال يتعاطونه وروي الدارقطني في سننه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال خيار عباد الله الذين إذ ارءوا ذكر الله وشر عباد الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون

للبرءاء العيب انتهى من الكوكب الدري
وقوله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون يعني في الآخرة ويحتمل في الدنيا لا يخافون أحدا من أهل الدنيا ولا من اعراضها ولا يحزنون على ما فاتهم منها والأول أظهر والعموم في ذلك صحيح لا يخافون في الآخرة جملة ولا في الدنيا الخوف الدنياوي وذكر الطبري عن جماع من العلماء مثل ما في الحديث في الأولياء أنهم هم الذين إذا رءاهم أحد ذكر الله وروي فيهم حديث أن أولياء الله هم قوم يتحابون في الله ويجعل لهم يوم القيامة منابر من نور وتنير وجوههم فهم في عرصات القيامة لا يخافون ولا يحزنون وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانتهم من الله قالوا ومن هم يا رسول الله قال قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام ولا أموال الحديث ثم قرأ ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ت وقد خرج هذا الحديث أبو داود والنسائي قال أبو داود في هذا الحديث فوالله أن وجوههم لنور وأنهم لعلى نور ذكره بإسناد آخر انتهى ورواه أيضا ابن المبارك في رقائقه بسنده عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه و سلم أقبل على الناس فقال يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا واعلموا أن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيئون والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله عز و جل فقال أعرابي أنعتهم لنا يا بني الله فقال هم ناس من أبناء الناس لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا فيه يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها فيجعل وجوههم نورا وثيابهم نورا يفزع الناس يوم القيامة وهم لا يفزعون وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون انتهى
وقوله تعالى لهم البشرى الآية أما بشرى الآخرة فهي بالجنة بلا خلاف قولا واحدا وذلك هو الفضل الكبير وأما بشرى الدنيا

فتظاهرت الأحاديث من طرق عن النبي صلى الله عليه و سلم أنها الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له وقال قتادة والضحاك البشرى في الدنيا هي ما يبشر به المؤمن عند موته وهو حي عند المعاينة ويصح أن تكون بشرى الدنيا ما في القرآن من الآيات المبشرات ويقوي ذلك بقوله لا تبديل لكلمات الله ويؤول قوله صلى الله عليه و سلم هي الرؤيا أنه أعطى مثالا يعم جميع الناس
وقوله سبحانه لا تبديل لكلمات الله يريد لا خلف لمواعيده ولا رد في أمره وقد أخذ ذلك ابن عمر على نحو غير هذا وجعل التبديل المنفي في الألفاظ وذلك انه روي أن الحجاج خطب فقال ألا أن عبد الله بن الزبير قد بدل كتاب الله فقال له عبد الله بن عمر إنك لا تطيق ذلك أنت ولا ابن الزبير لا تبديل لكلمات الله وقد روي هذا النظر عن ابن عباس في غير مقاولة الحجاج ذكره البخاري
وقوله تعالى ولا يحزنك قولهم أي قول قريش فهذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم ولفظه القول تعم جحودهم واستهزاءهم وخداعهم وغير ذلك ثم ابتدأ تعالى فقال إن العزة لله جميعا أي لا يقدرون لك على شيء ولا يؤذونك إلا بما شاء الله ففي الآية وعيد لهم ثم استفتح بقوله ألا أن لله من في السموات ومن في الأرض أي بالملك والإحاطة
وقوله تعالى وما يتبع يصح أن تكون ما استفهاما ويصح أن تكون نافية ورجح هذا الثاني
وقوله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن نافية ويخرصون معناه يحرصون ويخمنون وقوله
عز و جل هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه الآية في هذه الألفاظ إيجاز وإحالة على ذهن السامع لأن العبرة في أن الليل مظلم يسكن فيه والنهار مبصر يتصرف فيه فذكر طرفا من هذا وطرفا من الجهة الثانية ودل المذكوران على المتروكين
وقوله يسمعون يريد يوعون والضمير في قالوا لكفار العرب ثم الآية بعد تعم كل من قال نحو هذا القول كالنصارى

وسبحانه معناه تنزيها له وبراءة من ذلك فسره بهذا النبي صلى الله عليه و سلم
وقوله إن عندكم من سلطان بهذا إن نافية والسلطان الحجة وكذلك معناه حيث تكرر في القرآن ثم وبخهم تعالى بقوله أتقولون على الله ما لا تعلمون
وقوله سبحانه إن الذين يفترون الآية توعد لهم بأنهم لا يظفرون ببغية ولا يبقون في نعمة إذ هذه حال من يصير إلى العذاب وأن نعم في دنياه يسيرا
وقوله تعالى متاع مرفوع على خبر ابتداء أي ذلك متاع قال ص متاع جواب سؤال مقدر كأنه قيل كيف لا يفلحون وهم في الدنيا مفلحون بأنواع التلذذات فقيل ذلك متاع فهو خبر مبتدأ محذوف انتهى وهذا الذي قدره ص يفهم من كلام ع وقول نوح عليه السلام يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي الآية المقام وقوف الرجل لكلام أو خطبة أو نحوه والمقام بضم الميم إقامته ساكنا في موضع أو بلد ولم يقرأ هنا بضم الميم فيما علمت وتذكيره وعظه وزجره
وقوله فأجمعوا من أجمع الرجل على الشيء إذا عزم عليه ومنه الحديث ما لم يجمع مكثا وأمركم يريد به قدرتكم وحيالكم ونصب الشركاء بفعل مضمر كأنه قال وادعوا شركاءكم فهو من باب ... علفتها تبنا وماء باردا ... حتى شتت همالة عيناها ...
وفي مصحف أبي فاجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم قال الفارسي وقد ينتصب الشركاء بواو مع كما قالوا جاء البرد والطيالسة
وقوله ثم لا يكن أمركم عليكم غمة أي ملتبسا مشكلا ومنه قوله عليه السلام في الهلال فإن غم عليكم
وقوله ثم اقضوا إلى ولا تنظرون أي أنفذوا قضاءكم نحوي ولا تؤخروني والنظرة التأخير
وقوله سبحانه فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف مضى شرح هذه المعاني
وقوله سبحانه فأنظر كيف كان عاقبة المنذرين مخاطبة للنبي صلى الله عليه و سلم يشاركه في معناها جميع الخلق
وقوله

سبحانه ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم الضمير في من بعده عائد على نوح عليه السلام
وقوله تعالى فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملائه باياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين معنى هذه الآية ضرب المثل لحاضري نبينا محمد عليه السلام ليعتبروا بمن سلف والبينات المعجزات والضمائر في ما كانوا ليؤمنوا وفي كذبوا تعود الثلاثة على قوم الرسل وقيل الضمير في كذبوا يعود على قوم نوح وقد تقدم تفسير نظيرها في الأعراف
وقوله سبحانه فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين الآية يريد بالحق آيتي العصا واليد
وقوله أسحر هذا قالت فرقة هو حكاية عن موسى عنهم ثم أخبرهم موسى عن الله أن الساحرين لا يفلحون ثم اختلفوا في معنى قول قوم فرعون فقال بعضهم قالها منهم كل مستفهم جاهل بالأمر فهو يسأل عنه وهذا ضعيف وقال بعضهم بل قالوا ذلك على معنى التعظيم للسحر الذي رأوه وقالت فرقة ليس ذلك حكاية عن موسى عنهم وإنما هو من كلام موسى وتقدير الكلام أتقولون للحق لما جآكم سحر ثم ابتدأ يوقفهم بقوله أسحر هذا على جهة التوبيخ وقوله لتلفتنا أي لتصرفنا وتلوينا وتردنا عن دين آبائنا يقال لفت الرجل عنق الآخر إذا ألواه ومنه قولهم التفت فإنه افتعل من لفت عنقه إذا ألواه والكبرياء مصدر من الكبر والمراد به في هذا الموضع الملك قاله أكثر المتأولين لأنه أعظم تكبر الدنيا وقرأ أبو عمر وحده به السحر بهمزة استفهام ممدودة وفي قراءة أبي ما أتيتم به سحر والتعريف هنا في السحر ارتب لأنه تقدم منكرا في قولهم إن هذا لسحر فجاء هنا بلام العهد قال ص قال الفراء إنما قال السحر بال لأن النكرة إذا أعيدت أعيدت بأل وتبعه ابن عطية ورد بأن شرط ما ذكراه اتحاد

مدلول النكرة المعادة كقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول وهنا السحر المنكر هو ما أتى به موسى والمعروف ما أتوا به هم فاختلف مدلولهما والاستفهام هنا على سبيل التحقير انتهى وهو حسن
وقوله إن الله سيبطله إيجاب عن عدة من الله تعالى
وقوله إن الله لا يصلح عمل المفسدين يحتمل أن يكون ابتداء خبر من الله عز و جل ويحتمل أن يكون من كلام موسى عليه السلام وكذلك قوله ويحق الله الحق الآية محتمل للوجهين وكون ذلك كله من كلام موسى أقرب وهو الذي ذكر الطبري وأما
قوله بكلماته فمعناه بكلماته السابقة الأزلية في الوعد بذلك وقوله عز و جل فما ءامن لموسى الاذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم اختلف المتأولون في عود الضمير الذي في قومه فقالت فرقة هو عائد على موسى وذلك في أول مبعثه وملا الذرية هم أشراف بني إسرائيل قال ص وهذا هو الظاهر وقالت فرقة الضمير في قومه عائد على فرعون وضمير ملائهم عائد على الذرية قال ع ومما يضعف عود الضمير على موسى أن المعروف من أخبار بني إسرائيل أنهم كانوا قوما تقدمت فيهم النبوات ولم يحفظ قط أن طائفة من بني إسرائيل كفرت به فدل على أن الذرية من قوم فرعون
وقوله سبحانه وقال موسى يا قوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا الآية هذا ابتداء حكاية قول موسى لجماعة بني إسرائيل مونسا لهم ونادبا إلى التوكل على الله عز و جل الذي بيده النصر قال المحاسبي قلت لأبي جعفر محمد بن موسى أن الله عز و جل يقول وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين فما السبيل إلى هذا التوكل الذي ندب الله إليه وكيف دخول الناس فيه قال إن الناس متفاوتون في التوكل وتوكلهم على قدر إيمانهم وقوة علومهم قلت فما معنى إيمانهم

قال تصديقهم بمواعيد الله عز و جل وثقتهم بضمان الله تبارك وتعالى قلت من أين فضلت الخاصة منهم على العامة والتوكل في عقد الإيمان مع كل من آمن بالله عز و جل قال إن الذي فضلت به الخاصة على العامة دوام سكون القلب عن الاضطراب والهدو عن الحركة فعندها يا فتى استراحوا من عذاب الحرص وفكوا من أسر الطمع واعتقوا من عبودية الدنيا وأبنائها وحظوا بالروح في الدارين جميعا فطوبى لهم وحسن مآب قلت فما الذي يولد هذا قال حالتان دوام لزوم المعرفة والاعتماد على الله عز و جل وترك الحيل والثانية الممارسة حتى يألفها ألفا ويختارها اختيارا قيصير التوكل والهدو والسكون والرضى والصبر له شعارا ودثارا انتهى من كتاب القصد إلى الله سبحانه
وقولهم ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين المعنى لا تنزل بنا بلاء بأيديهم أو بغير ذلك مدة محارتنا لهم فيفتنون لذلك ويعتقدون صلاح دينهم وفساد ديننا قاله مجاهد وغيره فهذا الدعاء على هذا التأويل يتضمن دفع فصلين أحدهما القتل والبلاء الذي توقعه المؤمنون والآخر ظهور الشرك باعتقاد أهله أنهم أهل الحق ونحو هذا قوله صلى الله عليه و سلم بيس الميت أبو إمامه ليهود والمشركين يقولون لو كان نبيا لم يمت صاحبه ورجح ع في سورة الممتحنة قول ابن عباس أن معنى لا تجعلنا فتنة للذين كفروا لا تسلطهم علينا فيفتنونا أنظره هناك
وقوله سبحانه وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا روي أن فرعون أخاف بني إسرائيل وهدم لهم مواضع كانوا اتخذوها للصلاة ونحو هذا فأوحى الله إلى موسى وهارون أن تبوءا أي اتخذا وتخيرا لنبي إسرائيل بمصر بيوتا قال مجاهد مصر في هذه الآية الإسكندرية ومصر ما بين أسوان والإسكندرية
وقوله سبحانه واجعلوا بيوتكم قبلة قيل معناه مساجد قاله ابن عباس وجماعة قالوا خافوا فأمروا بالصلاة في بيوتهم وقيل معناه موجهة

إلى القبلة قاله ابن عباس ومن هذا حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال خير بيوتكم ما استقبل به القبلة
وقوله وأقيموا الصلوة خطاب لنبي إسرائيل وهذا قبل نزول التوراة لأنها لم تنزل إلا بعد إجازة البحر
وقوله وبشر المؤمنين أمر لموسى عليه السلام وقال الطبري ومكي هو أمر لنبينا محمد عليه السلام وهذا غير متمكن
وقوله سبحانه وقال موسى ربنا إنك ءاتيت فرعون وملاه زينة الآية هذا غضب من موسى على القبط ودعاء عليهم لما عتوا وعاندوا وقدم للدعاء تقرير نعم الله عليهم وكفرهم بها وآتيت معناه أعطيت واللام في ليضلوا لام كي ويحتمل أن تكون لام الصيرورة والعاقبة المعنى آتيتهم ذلك فصار أمرهم إلى كذا وقرأ حمزة وغيره ليضلوا بضم الياء على معنى ليضلوا غيرهم
وقوله ربنا أطمس على أموالهم هو من طموس الأثر والعين وطمس الوجوه منه وتكرير قوله ربنا استغاثة كما يقول الداعي يا الله يا الله روي أنهم حين دعا موسى بهذه الدعوة رجع سكرهم حجارة ودراهمهم ودنانيرهم وحبوب اطعمتهم رجعت حجارة قاله قتادة وغيره وقال مجاهد وغيره معناه أهلكها ودمرها
وقوله وأشدد على قلوبهم بمعنى أطبع وأختم عليهم بالكفر قاله مجاهد والضحاك
وقوله فلا يؤمنوا مذهب الأخفش وغيره أن الفعل منصوب عطفا على قوله ليضلوا وقيل منصوب في جواب الأمر وقال الفراء والكسائي هو مجزوم على الدعاء وجعل رؤية العذاب نهاية وغاية وذلك لعلمه من الله أن المؤمن عند رؤية العذاب لا ينفعه إيمانه في ذلك الوقت ولا يخرجه من كفره ثم أجاب الله دعوتهما قال ابن عباس العذاب هنا الغرق وروي أن هارون كان يؤمن على دعاء موسى فلذلك نسب الدعوة إليهما قاله محمد ابن كعب القرظي قال البخاري وعدوا من العدوان انتهى وقول فرعون آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل الآية روي عن النبي

صلى الله عليه و سلم أن جبريل عليه السلام قال ما أبغضت أحد قط بغضي لفرعون ولقد سمعته يقول آمنت الآية فأخذت من حال البحر فملأت فمه مخافة أن تلحقه رحمة الله وفي بعض الطرق مخافة أن يقول لا إله إلا الله فتلحقه الرحمة قال ع فأنظر إلى كلام فرعون ففيه مجهلة وتلعثم ولا عذر لأحد في جهل هذا وإنما العذر فيما لا سبيل إلى علمه كقول علي رضي الله عنه أهللت باهلال كاهلال النبي صلى الله عليه و سلم والحال الطين والآثار بهذا كثيرة مختلفة الألفاظ والمعنى واحد وقوله سبحانه ءالآن وقد عصيت قبل وهذا على جهة التوبيخ له والإعلان بالنقمة منه وهذا الكلام يحتمل أن يكون من ملك موصل عن الله أو كيف شاء الله ويحتمل أن يكون هذا الكلام معنى حاله وصورة خزيه وهذه الآية نص في رد توبة المعاين
وقوله سبحانه فاليوم ننجيك ببدنك الآية يقوي أنه صورة حالة لان هذه الألفاظ إنما يظهر أنها قيلت بعد غرقه وسبب هذه المقالة على ما روي أن بني إسرائيل بعد عندهم غرق فرعون وهلاكه لعظمه في نفوسهم وكذب بعضهم أن يكون فرعون يموت فنجي على نجوة من الأرض حتى رآه جميعهم ميتا كأنه ثور أحمر وتحققوا فرقه والجمهور على تشديد ننجيك فقالت فرقة معناه من النجاة أي من غمرات البحر والماء وقال جماعة معناه نلقيك على نجوة من الأرض وهي ما ارتفع منها وقرأ يعقوب بسكون النون وتخفيف الجيم وقوله ببدنك قالت فرقة معناه بشخصك وقالت فرقة معناه بدرعك وقرأ الجمهور خلفك أي من أتى بعدك وقرىء شاذا لمن خلفك بفتح اللام المعنى ليجعلك الله آية له في عباده وباقي الآية بين
وقوله سبحانه ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم المعنى ولقد اخترنا لبني إسرائيل أحسن اختيار وأحللناهم من الأماكن أحسن

محل ومبوأ صدق أي يصدق فيه ظن قاصده وساكنه ويعني بهذه الآية احلالهم بلاد الشام وبيت المقدس قاله قتادة وابن زيد وقيل بلاد الشام ومصر والأول أصح وقوله سبحانه فما اختلفوا أي في نبوءة نبينا محمد عليه السلام وهذا التخصيص هو الذي وقع في كتب المتأولين كلهم وهو تأويل يحتاج إلى سند والتأويل الثاني الذي يحتمله اللفظ أن بني إسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسى في أول حاله فلما جاءهم العلم والأوامر وغرق فرعون اختلفوا فالآية ذامة لهم ت فر رحمه الله من التخصيص فوقع فيه فلو عمم اختلافهم على أنبيائهم موسى وغيره وعلى نبينا لكان أحسن وما ذهب إليه المتأولون من التخصيص أحسن لقرينة قوله فإن كنت في شك فالربط بين الآيتين واضح والله أعلم
وقوله عز و جل فإن كنت في شك الآية الصواب في معنى الآية أنه مخاطبة للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد بها سواه من كل من يمكن أن يشك أو يعارض ت وروينا عن أبي داود سليمان بن الأشعث قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال المراء في القرآن كفر قال عياض في الشفا تأول بمعنى الشك وبمعنى الجدال انتهى والذين يقرءون الكتاب من قبلك من اسلم من أهل الكتاب كابن سلام وغيره وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لما نزلت هذه الآية أنا لا أشك ولا اسأل ثم جزم سبحانه الخبر بقوله لقد جاءك الحق من ربك واللام في لقد لام قسم
وقوله مما أنزلنا إليك يريد به من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في أمره إلا من بعد مجيئه عليه السلام هذا قول أهل التأويل قاطبة قال ع وهذا هو الذي يشبه أن ترجى إزالة الشك فيه من قبل أهل الكتاب ويحتمل اللفظ أن يريد بما أنزلنا جميع

الشرع ت وهذا التأويل عندي أبين إذا لخص وإن كان قد استبعده ع ويكون المراد بما أنزلنا ما ذكره سبحانه من قصصهم وذكر صفته عليه السلام وذكر أنبيائهم وصفتهم وسيرهم وسائر أخبارهم الموافقة لما في كتبهم المنزلة على أنبيائهم كالتوراة والإنجيل والزبور والصحف وتكون هذه الآية تنظر إلى قوله سبحانه ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه فتأمله والله أعلم وأما قوله هذا قول أهل التأويل قاطبة فليس كذلك وقد تكلم صاحب الشفا على الآية فأحسن ولفظه واختلف في معنى الآية فقيل المراد قل يا محمد للشاك إن كنت في شك الآية قالوا وفي السورة نفسها ما دل على هذا التأويل وهو قوله تعالى قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني الآية ثم قال عياض وقيل أن هذا الشك الذي أمر غير النبي صلى الله عليه و سلم بسؤال الذين يقرءون الكتاب عنه إنما هو في ما قصه الله تعالى من أخبار الأمم لا فيما دعا إليه من التوحيد والشريعة انتهى
وقوله سبحانه فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بايات الله الآية مما خوطب به النبي صلى الله عليه و سلم والمراد سواه قال ع ولهذا فائدة ليست في مخاطبة الناس به وذلك شدة التخويف لأنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يحذر من مثل هذا فغيره من الناس أولى أن يحذر ويتقي على نفسه
وقوله سبحانه إن الذين حقت عليهم كلمات ربك أي حق عليهم في الأزل وخلقهم لعذابه لا يومنون ولو جاءتهم كل آية إلا في الوقت الذي لا ينفعهم فيه الإيمان كما صنع فرعون وأشباهه وذلك وقت المعاينة وقوله سبحانه فلولا كانت قرية ءامت الآية وفي مصحف أبي وابن مسعود فهلا والمعنى فيهما واحد وأصل لولا التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره ومعنى الآية فهلا آمن أهل القرية وهم

على مهل لم يتلبس العذاب بهم فيكون الإيمان نافعا لهم في هذا الحال ثم استثنى قوم يونس فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع وهو بحسب اللفظ استثناء منقطع وهو بحسب المعنى متصل لأن تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس وروي في قصة قوم يونس أن القوم لما كفروا أي تمادوا على كفرهم أوحى الله تعالى إليه أن أنذرهم بالعذاب لثالثة ففعل فقالوا هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام بين أظهركم فلا عليكم وإن أرتحل عنكم فهو نول العذاب لا شك فيه فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله وآمنوا ولبسوا المسوح وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم وكان العذاب فيما روي عن ابن عباس على ثلثي ميل منهم وروي على ميل وقال ابن جبير غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر فرفع الله عنهم العذاب فلما مضت الثالثة وعلم يونس أن العذاب لم ينزل بهم قال كيف أنصرف وقد وجدوني في كذب فذهب مغاضبا كما ذكر الله سبحانه في غير هذه الآية وذهب الطبري إلى أن قوم يونس خصوا من بين الأمم بأن تيب عليهم من بعد معاينة العذاب وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين وليس كذلك والمعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي تلبس العذاب أو الموت بشخص الإنسان كقصة فرعون وأما قوم يونس فلم يصلوا هذا الحد ت وما قاله الطبري عندي أبين ومتعناهم إلى حين يريد إلى آجالهم المقدرة في الأزل وروي أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل
وقوله سبحانه أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين المعنى أفأنت تكره الناس بإدخال الإيمان في قلوبهم والله عز و جل قد شاء غير ذلك والرجس هنا بمعنى العذاب
وقوله سبحانه قل انظروا ماذا في السموات والأرض الآية هذه الآية أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع من آيات السموات وأفلاكها وكواكبها وسحابها ونحو ذلك والأرض ونباتها ومعادنها

وغير ذلك المعنى انظروا في ذلك بالواجب فهو ينهيكم إلى المعرفة بالله وبوحدانيته ثم أخبر سبحانه أن الآيات والنذر وهم الأنبياء لا تغنى إلا بمشيئته فما على هذا نافية ويجوز أن تكون استفهاما في ضمنه نفي وقوع الغنى وفي الآية على هذا توبيخ لحاضري النبي صلى الله عليه و سلم قال ص والنذر جمع نذير أما مصدر بمعنى الإنذارات وإما بمعنى منذر انتهى
وقوله سبحانه فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم الآية وعيد إذا لجوا في الكفر حل بهم العذاب
وقوله سبحانه ثم ننجي رسلنا والذين ءامنوا أي عادة الله سلفت بانجاء رسله ومتبعيهم عند نزول العذاب بالكفرة كذلك حقا علينا ننج المؤمنين قال ص أي مثل ذلك الانجاء الذي نجينا الرسل ومؤمنيهم ننجي من آمن بك انتهى وخط المصحف في هذه اللفظة ننج بجيم مطلقة دون ياء وكلهم قرأ ننجي مشددة الجيم إلا الكسائي وحفصا عن عاصم فإنهما قرءا بسكون النون وتخفيف الجيم
وقوله سبحانه قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني الآية مخاطبة عامة للناس أجمعين إلى يوم القيامة وقوله وإن أقم وجهك للدين الآية الوجه في هذه الآية بمعنى المنحي والمقصد أي أجعل طريقك واعتمالك للدين والشرع
وقوله تعالى ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك الآية قد تقدم أن ما كان من هذا النوع فالخطاب فيه للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد غيره
وقوله سبحانه وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو الآية مقصود هذه الآية أن الحول والقوة لله والضر لفظ جامع لكل ما يكرهه الإنسان
وقوله وإن يردك بخير لفظ تام العموم وقوله سبحانه قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه هذه مخاطبة لجميع الكفار ومستمرة مدى الدهر والحق هو القرآن والشرع الذي جاء به النبي صلى الله

عليه وسلم
وقوله وما أنا عليكم بوكل منسوخة بالقتال وقوله سبحانه واتبع ما يوحى إليك وأصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين قوله حتى يحكم الله وعد للنبي صلى الله عليه و سلم بأن يغلبهم كما وقع وهذا الصبر منسوخ أيضا بالقتال وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير

سورة هود
عليه السلام مكية إلا نحو ثلاث آيات
قال الداودي وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قلت يا رسول الله لقد أسرع إليك الشيب قال شيبتي هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت وفي رواية عن ابن عباس هود وأخواتها انتهى
قوله عز و جل الم كتاب أحكم آياته أي أتقنت وأجيدت وبهذه الصفة كان القرآن في الأزل ثم فصل بتقطيعه وتبيين أحكامه وأوامره على محمد نبيه عليه السلام في أزمنة مختلفة فثم على بابها فالأحكام صفة ذاتية والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له والكتاب بأجمعه محكم ومفصل والأحكام الذي هو ضد النسخ والتفصيل الذي هو خلاف الإجمال إنما يقالان مع ما ذكرناه باشتراك قال ص ثم فصلت ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الوقوع في الزمان ولدن بمعنى عند انتهى قال الداودي وعن الحسن أحكمت آياته قال أحكمت بالأمر والنهي ثم فصلت بالوعد والوعيد وعنه فصلت بالثواب والعقاب انتهى وقدم

النذير لأن التحذير من النار هو الأهم وإن استغفروا ربكم أي اطلبوا مغفرته وذلك بطلب دخولكم في الإسلام ثم توبوا من الكفر يمتعكم متاعا حسنا ووصف المتاع بالحسن لطيب عيش المؤمن برجائه في ثواب ربه وفرحه بالتقرب إليه بأداء مفترضاته والسرور بمواعيده سبحانه والكافر ليس في شيء من هذا ويؤت كل ذي فضل أي كل ذي إحسان فضله فيحتمل أن يعود الضمير من فضله على ذي فضل أي ثواب فضله ويحتمل أن يعود على الله عز و جل أي يؤتي الله فضله كل ذي فضل وعمل صالح من المؤمنين ونحو هذا المعنى ما وعد به سبحانه من تضعيف الحسنات وإن تولوا فإني أخاف عليكم أي فقل إني أخاف عليكم عذاب يوم كبير وهو القيامة
وقوله سبحانه الا أنهم يثنون صدورهم الآية قيل إن هذه الآية نزلت في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم النبي صلى الله عليه و سلم تطامنوا وثنوا صدورهم كالمتستر وردوا إليه ظهورهم وغشوا وجوههم بثيابهم تباعدا منهم وكراهية للقائه وهم يظنون أن ذلك يخفى عليه أو عن الله عز و جل وقيل هي استعارة للغل والحقد الذي كانوا ينطوون عليه فمعنى الآية ألا انهم يسرون العداوة ويتكتمون بها لتخفى في ظنهم عن الله وهو سبحانه حين تغشيهم بثيابهم وإبلاغهم في التستر يعلم ما يسرون ويستغشون معناه يجعلونها أغشية وأغطية قال ص قرأ الجمهور يثنون بفتح الياء مضارع ثنى الشيء ثنيا طواه انتهى وقرأ ابن عباس وجماعة تثنونى صدورهم بالرفع على وزن تفعوعل وهي تحتمل المعنيين المتقدمين وحكى الطبري عن ابن عباس على هذه القراءة أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا لا يأتون النساء والحدث ألا ويستغشون ثيابهم كراهية أن يفضوا بفروجهم إلى السماء
وقوله عز و جل وما من دابة في الأرض إلى على الله رزقها الآية المراد جميع الحيوان المحتاج إلى رزق والمستقر صلب الأب والمستودع بطن الأم وقيل غير

هذا وقد تقدم
وقوله في كتاب إشارة إلى اللوح المحفوظ قال ص ليبلوكم اللام متعلقة بخلق وقيل بفعل محذوف أي أعلم بذلك ليبلوكم انتهى ولئن قلت اللام في لئن مؤذنة بأن اللام في ليقولن لام قسم لا جواب شرط وقولهم إن هذا إلا سحر مبين تناقض منهم لأنهم مقرون بأن الله خلق السماوات والأرض وهم مع ذلك ينكرون ما هو أيسر من ذلك وهو البعث من القبور وإذ خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس
ولئن أخرنا عنهم العذاب أي المتوعد به إلى أمة معدودة أي مدة معدودة ليقولن ما يحبسه أي ما هذا الحابس لهذا العذاب على جهة التكذيب وحاق معناه حل وأحاط البخاري حاق نزل
ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة الآية الرحمة هنا تعم جميع ما ينتفع به من مطعوم وملبوس وجاه وغير ذلك والإنسان هنا اسم جنس والمعنى أن هذا الخلق في سجية الإنسان ثم استثنى منهم الذين ردتهم الشرائع والإيمان إلى الصبر والعمل الصالح وكفور هنا من كفر النعمة والنعماء تشمل الصحة والمال والضراء من الضر وهو أيضا شامل ولفظة ذهاب السيئات عني يقتضي بطرا وجهلا إن ذلك بأنعام من الله تعالى والسيئات هنا كل ما يسوء في الدنيا والفرح هنا مطلق فلذلك ذم إذ الفرح انهمال النفس ولا يأتي الفرح في القرآن ممدوحا إلا إذا قيد بأنه في خير
وقوله إلا الذين صبروا استثناء متصل على ما قدمنا من أن الإنسان عام يراد به الجنس وهو الصواب ومن قال أنه مخصوص بالكافر قال هاهنا الاستثناء منقطع وهو قول ضعيف من جهة المعنى لا من جهة اللفظ لأن صفة الكفر لا تطلق على جميع الناس كما تقتضي لفظة الإنسان واستثنى الله تعالى من الماشين على سجية الإنسان هؤلاء الذين حملتهم الأديان على الصبر على المكاره والمثابرة على سجية الإنسان هؤلاء الذين حملتهم الأديان على الصبر على المكاره والمثابرة على عبادة الله وليس شيء من ذلك في سجية البشر وإنما حمل على ذلك خوف الله

وحب الدار الآخرة والصبر على العمل الصالح لا ينفع إلا مع هداية وإيمان ثم وعد تعالى أهل هذه الصفة بالمغفرة للذنوب والتفضل بالأجر والنعيم
وقوله سبحانه فلعللك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك إن يقولوا لولا أنزل عليه كنز سبب هذه الآية أن كفار قريش قالوا يا محمد لو تركت سب آلهتنا وتسفيه آبائنا لجالسناك واتبعناك وقالوا له ايت بقرآن غير هذا أو بدله ونحو هذا من الأقوال فخاطب الله تعالى نبيه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطبة ووقفه بها توقيفا رادا على أقوالهم ومبطلا لها وليس المعنى أنه عليه السلام هم بشيء من ذلك فزجر عنه فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحي إليه ولا ضاق صدره به وإنما كان يضيق صدره بأقوالهم وأفعالهم وبعدهم عن الإيمان قال ص وع وعبر بضائق وإن كان أقل استعمالا من ضيق لمناسبة تارك ولأن ضائق وصف عارض بخلاف ضيق فإنه يدل على الثبوت والصالح هنا الأول بالنسبة إليه صلى الله عليه و سلم والضمير في به عائد على البعض ويحتمل أن يعود عل ما وإن يقولوا أي كراهة أن يقولوا أو ليلا يقولوا ثم آنسه تعالى بقوله إنما أنت نذير أي هذا القدر هو الذي فوض إليك والله تعالى بعد ذلك هو الوكيل الممضي لإيمان من شاء وكفر من شاء أم يقولون افتراه أم بمعنى بل والافتراء أخص من الكذب ولا يستعمل إلا فيما بهت به المرء وكابر
وقوله سبحانه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين تقدم تفسير نظيرها وقال بعض الناس هذه الآية متقدمة على التي في يونس إذ لا يصح أن يعجزوا في واحدة ثم يكلفوا عشرا قال ع وقائل هذا القول لم يلحظ ما ذكرناه من الفرق بين التكليفين في كمال المماثلة مرة كما هو في سورة يونس ووقوفها على النظم مرة كما هو هنا وقوله إن

كنتم صادقين يريد في أن القرآن مفترى
وقوله سبحانه فالم يستجيبوا لكم لهذه الآية تأويلان أحدهما أن تكون المخاطبة من النبي صلى الله عليه و سلم للكفار أي ويكون ضمير يستجيبوا على هذا التأويل عائدا على معبوداتهم والثاني أن تكون المخاطبة من الله تعالى للمؤمنين ويكون قوله على هذا فأعلموا بمعنى دوموا على علمكم قال مجاهد قوله تعالى فعل أنتم مسلمون هو لأصحاب محمد عليه السلام
وقوله سبحانه من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها الآية قال قتادة وغيره هي في الكفرة وقال مجاهد هي في الكفرة وأهل الرياء من المؤمنين وإليه ذهب معاوية والتأويل الأول أرجح بحسب تقدم ذكر الكفار وقال ابن العربي في أحكامه بل الآية عامة في كل من ينوي غير الله بعمله كان معه إيمان أو لم يكن وفي هذه الآية بيان لقوله صلى الله عليه و سلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئى ما نوى وذلك أن العبد لا يعطى إلا على وجه قصده وبحكم ما ينعقد في ضميره وهذا أمر متفق عليه
وقوله نوف إليهم أعمالهم فيها قيل ذلك في صحة أبدانهم وإدرار أرزاقهم وقيل إن هذه الآية مطلقة وكذلك التي في حم عسق من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه الآية إلى آخرها قيدتهما وفسرتهما الآية التي في سورة سبحانه وهي قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد الآية فأخبر سبحانه أن العبد ينوي ويريد والله يحكم ما يريد ثم ذكر ابن العربي الحديث الصحيح في النفر الثلاثة الذين كانت أعمالهم رياء وهم رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله ورجل كثير المال وقول الله لكل واحد منهم ماذا عملت ثم قال في آخر الحديث ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم ركبتي وقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار ثم قرأ قوله تعالى اولائك

الذين ليس لهم في الآخرة إلى النار وحبط ما صنعوا فيها أي في الدنيا وهذا نص في مراد الآية والله أعلم انتهى وحبط معناه بطل وسقط وهي مستعملة في فساد الأعمال قال ص قوله ما صنعوا ما بمعنى الذي أو مصدرية وفيها منغلق بحبط والضمير في فيها عائد على الآخرة أي ظهر حبوط ما صنعوا في الآخرة أو متعلق بصنعوا فيكون عائدا على الدنيا انتهى والباطل كل ما تقتضي ذاته أن لا تنال به غاية في ثواب ونحوه وقوله سبحانه افمن كان على بينة من ربه في الآية تأويلات قال ع والراجح عندي من الأقوال في هذه الآية أن يكون آفمن للمؤمنين أو لهم وللنبي صلى الله عليه و سلم معهم والبينة القرآن وما تضمن والشاهد الإنجيل يريد أو أعجاز القرآن في قول والضمير في يتلوه للبينة وفي منه للرب والضمير في قبله للبينة أيضا وغير هذا مما ذكر محتمل فإن قيل إذا كان الضمير في قبله عائدا على القرآن فلم لم يذكر الإنجيل وهو قبله وبينة وبين كتاب موسى فالجواب أنه خص التوراة بالذكر لأنه مجمع عليه والإنجيل ليس كذلك لأن اليهود تخالف فيه فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الجميع أولى وهذا يجري مع قول الجن انا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى والأحزاب هاهنا يراد بهم جميع الأمم وروى سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه و سلم أن قال ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة ولا من اليهود والنصارى ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار قال سعيد فقلت أين مصداق هذا في كتاب الله حتى وجدته في هذه الآية وكنت إذا سمعت حديثا عن النبي صلى الله عليه و سلم طلبت مصداقه في كتاب الله عز و جل وقرأ الجمهور في مرية بكسر الميم وهو الشك والضمير في منه عائد على كون الكفرة موعدهم النار وسائر الآية
بين وقوله تعالى ويقول الأشهاد قالت

فرقة يريد الشهداء من الأنبياء والملائكة وقالت فرقة الأشهاد بمعنى المشاهدين ويريد جميع الخلائق وفي ذلك إشادة بهم وتشهير لخزيهم وروى في نحو هذا حديث أنه لا يخزي أحد يوم القيامة إلا ويعلم ذلك جميع من شهد المحشر وباقي الآية بين مما تقدم في غيرها قال ص
وقوله ألا لعنة الله على الظالمين يحتمل أن يكون داخلا في مفعول القول وإليه نحا بعضهم انتهى
وقوله سبحانه ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون يحتمل وجوها أحدها أنه وصف سبحانه هؤلاء الكفار بهذه الصفة في الدنيا على معنى أنهم لا يسمعون سماعا ينتفعون به ولا يبصرون كذلك والثاني أن يكون وصفهم بذلك من أجل بغضتهم في النبي صلى الله عليه و سلم فهم لا يستطيعون أن يحملوا نفوسهم على السمع منه والنظر إليه وما في هذين الوجهين نافية الثالث أن يكون التقدير يضاعف لهم العذاب بما كانوا أي بسبب ما كانوا فما مصدرية وباقي الآية بين
وقوله سبحانه لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ان الذين ءامنوا وعملوا الصالحات واخبتوا إلى ربهم الآية لا جرم تقدم بيانها واخبتوا قال قتادة معناه خشعوا وقيل معناه أنابوا قاله ابن عباس وقيل اطمأنوا اله مجاهد وقيل خافوا قاله أبن عباس أيضا وهذه أقوال بعضها قريب من بعض
وقوله سبحانه مثل الفريقين الآية الفريقان الكافرون والمؤمنون شبه الكافر بالأعمى والأصم وشبه المؤمن بالبصير والسميع فهو تمثيل بمثالين
وقوله تعالى ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا الآية فيها تمثيل لقريش وكفار العرب وإعلام بأن محمدا عليه السلام ليس ببدع من الرسل والأراذل جمع الجمع فقيل جمع أرذل وقيل جمع أرذال وهم سفلة الناس ومن لا خلاق له

ولا يبالي ما يقول ولا ما يقال له وقرأ الجمهور بادي الرأي بياء دون همز من بدا يبدو فيحتمل أن يتعلق بادي الرأي بنراك أي وما نراك بأول نظر وأقل فكرة وذلك هو بادي الرأي إلا ومتبعوك أراذلنا ويحتمل أن يتعلق بقوله اتبعك أي وما نراك اتبعك بادي الرأي إلا الأراذل ثم يحتمل على هذا قوله بادي الرأي معنيين أحدهما أن يريدوا أتبعك في ظاهر أمرهم وعيسى أن بواطنهم ليست معك والثاني أن يريدوا اتبعوك بأول نظر وبالرأي وصفا منهم لنوح أي تدعي عظيما وأنت مكشوف الرأي لا حصافة لك ونصبه على الحال أو على الصفة لبشر
وقوله سبحانه قال يا قوم ارأيتم أن كنت على بينة من ربي وءاتاني رحمة من عنده الآية كأنه قال ارأيتم إن هداني الله وأضلكم ااجبركم على الهدى وأنتم له كارهون وعبارة نوح عليه السلام كانت بلغته دالة على المعنى القائم بنفسه وهو هذا المفهوم من هذه العبارة العربية فبهذا استقام أن يقال كذا وكذا إذ القول ما أفاد المعنى القائم في النفس وقوله على بينة أي على أمر بين جلي وقرأ الجمهور فعميت ولذلك وجهان من المعنى أحدهما خفيت والثاني أن يكون المعنى فعميتم أنتم عنها
وقوله انلزمكموها يريد إلزام جبر كالقتال ونحوه وأما إلزام الإيجاب فهو حاصل
وقوله وما أنا بطارد الذين ءامنوا يقتضي أن قومه طلبوا طرد الضعفاء الذين بادروا إلى الإيمان به نظير ما اقترحت قريش وتزدرى أصله تزترى تفتعل من زرى يزري ومعنى تزدري تحتقر والخير هنا يظهر فيه أنه خير الآخرة اللهم إلا أن يكون أزدراؤهم من جهة الفقر فيكون الخير المال وقد قال بعض المفسرين حيث ما ذكر الله الخير في القرآن فهو المال قال ع وفي هذا الكلام تحامل والذي يشبه أن يقال أنه حيث ما ذكر الخير فإن المال يدخل فيه ت وهذا أيضا غير ملخص

والصواب أن الخير أعم من ذلك كله وأنظر قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره فإنه يشمل المال وغيره ونحوه وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وانظر قوله عليه السلام اللهم لا خير إلا خير الآخرة وقوله تعالى إن علمتم فيهم خيرا فهاهنا لا مدخل للمال إلا على تجوز وقد يكون الخير المراد به المال فقط وذلك بحسب القرائن كقوله تعالى إن ترك خيرا الآية
وقوله الله أعلم بما في أنفسكم تسليم لله تعالى وقال بعض المتأولين هي رد على قولهم أتبعك أراذلنا في ظاهر أمرهم حسب ما تقدم في بعض التأويلات ثم قال إني إذا لو فعلت ذلك لمن الظالمين وقولهم قد جادلتنا معناه قد طال منك هذا الجدال والمراد بقولهم بما تعدنا العذاب والهلاك وما أنتم بمعجزين أي بمفلتين
وقوله سبحانه أم يقولون افتراه الآية قال الطبري وغيره هذه الآية اعترضت في قصة نوح وهي في شأن النبي صلى الله عليه و سلم مع قريش قال ع ولو صح هذا بسند لوجب الوقوف عنده وإلا فهو يحتمل أن يكون في شأن نوح عليه السلام وتتسق الآية ويكون الضمير في افتراه عائد على ما توعدهم به أو على جميع ما أخبرهم به وأم بمعنى بل
وقوله سبحانه وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن الآية قيل لنوح هذا بعد أن طال عليه كفر القرن بعد القرن به وكان يأتيه الرجل بابنه فيقول يا بني لا تصدق هذا الشيخ فهكذا عهده أبي وجدي كذابا مجنونا رواه عبيد بن عمير وغيره فروي أنه لما أوحي إليه ذلك دعا فقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وتبتئس من البؤس ومعناه لا تحزن
وقوله بأعيننا يمكن أن يريد بمرأى منا فيكون عبارة عن الإدراك والرعاية والحفظ ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير كما قال عز من قائل فنعم القادرون والعقيدة أنه تعالى منزه عن الحواس والتشبيه والتكييف لا رب غيره ويحتمل قوله بأعيننا أي بملائكتنا

الذين جعلناهم عيونا على مواضع حفظك ومعونتك فيكون الجمع على هذا التأويل للتكثير
وقوله ووحينا معناه وتعليمنا له صورة العمل بالوحي وروي في ذلك أن نوحا عليه السلام لما جهل كيفية صنع السفينة أوحى الله إليه أن أصنعها على مثال جوجو الطائر إلى غير ذلك مما علمه نوح من عملها
وقوله ولا تخاطبني في الذين ظلموا الآية قال ابن جريج في هذه الآية تقدم الله إلى نوح أن لا يشفع فيهم
وقوله ويصنع الفلك التقدير فشرع يصنع فحكيت حال الاستقبال والملأ هنا الجماعة
وقوله سخروا منه الآية السخر الاستجهال مع استهزاء وإنما سخروا منه في أن صنعها في برية
وقوله فانا نسخر منكم قال الطبري يريد في الآخرة قال ع ويحتمل الكلام وهو الأرجح أن يريد إنانسخر منكم الآن والعذاب المخزي هو الغرق والمقيم هو عذاب الآخرة والأمر واحد الأمور ويحتمل أن يكون مصدر أمر فمعناه أمرنا للماء بالفوران وفار معناه انبعث بقوة واختلف الناس في التنور والذي عليه الأكثر منهم ابن عباس وغيره أنه هو تنور الخبز الذي يوقد فيه وقالوا كانت هذه إمارة جعلها الله لنوح أي إذا فار التنور فأركب في السفينة
وقوله سبحانه قلنا أحمل فيه من كل زوجين أثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن الآية الزوج يقال في مشهور كلام العرب للواحد مما له أزدواج فيقال هذا زوج هذا وهما زوجان والزوج أيضا كلام في العرب النوع وقوله وأهلك عطف على ما عمل فيه أحمل والأهل هنا القرابة وبشرط من آمن منهم خصصوا تشريفا ثم ذكر من آمن وليس من الأهل واختلف في الذي سبق عليه القول بالعذاب فقيل ابنه يام أو كنعان وقيل امرأته والعة بالعين المهملة وقيل هو عموم فيمن لم يؤمن من أهل نوح ثم قال سبحانه إخبارا عن حالهم وما آمن معه إلا قليل
وقوله تعالى وقال أركبوا فيها أي وقال نوح لمن

معه أركبوا فيها وقوله بسم الله يصح أن يكون في موضع الحال من ضمير أركبوا أي أركبوا متبركين بسم الله أو قائلين بسم الله ويجوز أن يكون بسم الله مجراها ومرساها جملة ثانية من مبتدأ وخبر لا تعلق لها بالأولى كأنهم أمرهم أولا بالركوب ثم أخبر أن مجراها ومرساها بسم الله قال الضحاك كان نوح إذا أراد جري السفينة جرت وإذا أراد وقوفها قال بسم الله فتقف وقرأ الجمهور بضم الميم من مجراها ومرساها على معنى إجرائها وإرسائها وقرأ الأخوان حمزة والكسائي وحفص بفتح ميم مجريها وكسر الراء وكلهم ضم الميم في مرساها ت قوله وكسر الراء يريد إمالتها وفي كلامه تسامح ولفظ البخاري مجراها مسيرها ومرساها موقفها وهو مصدر أجريت وأرسيت انتهى قال النووي وروينا في كتاب ابن السني بسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا أن يقولوا بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم وما قدروا الله حق قدره الآية هكذا هو في النسخ إذا ركبوا ولم يقل في السفينة انتهى
وقوله وكان في معزل أي في ناحية أي في بعد عن السفينة أو عن الدين واللفظ يعمها
وقوله ولا تكن مع الكافرين يحتمل أن يكون نهيا محضا مع علمه بأنه كافر ويحتمل أن يكون خفي عليه كفره والأول أبين
وقوله لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم الظاهر أن لا عاصم اسم فاعل على بابه وقوله إلا من رحم يريد الا الله الراحم فمن كناية عن الله المعنى لا عاصم اليوم إلا الذي رحمنا
وقوله سبحانه وقيل يا أرض ابلعي ماءك الآية البلع تجرع الشيء وازدراده والإقلاع عن الشيء تركه وغيض معناه نقص وأكثر ما يجيء فيما هو بمعنى الجفوف وقوله وقضي الأمر إشارة إلى جميع القصة بعث الماء وأهلاك الأمم وانجاء أهل السفينة قال ع وتظاهرت الروايات وكتب التفسير بأن الغرق نال جميع أهل الأرض وعم الماء جميعها قاله ابن عباس وغيره وذلك بين من

أمر نوح بحمل الأزواج من كل الحيوان ولولا خوف فنائها من جميع الأرض ما كان ذلك وروي أن نوحا عليه السلام ركب في السفينة من عين الوردة بالشام أول يوم من رجب واستوت على الجودي في ذي الحجة وأقامت عليه شهرا وقيل له أهبط في يوم عاشوراء فصامه هو ومن معه وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسى على واحد منها فتطاولت كلها وبقي الجودي وهو جبل الموصل في ناحية الجزيرة لم يتطاول تواضعا لله فاستوت السفينة بأمر الله عليه وقال الزجاج الجودي هو بناحية أمد وقال قوم هو عند باقردي وأكثر الناس في قصص هذه الآية والله أعلم بما صح من ذلك
وقوله وقيل بعدا يحتمل أن يكون من قول الله عز و جل عطفا على قوله وقيل الأول ويحتمل أن يكون من قول نوح والمؤمنين والأول أظهر
وقوله إن ابني من أهلي الآية احتجاج من نوح عليه السلام أن الله أمره بحمل أهله وابنه من أهله فينبغي أن يحمل فأظهر الله له أن المراد من آمن من الأهل وهذه الآية تقتضي أن نوحا عليه السلام ظن أن ابنه مؤمن
وقوله انه ليس من أهلك أي الذين عمهم الوعد لأنه ليس على دينك وإن كان ابنك بالولادة
وقوله عمل غير صالح جعله وصفا له بالمصدر لى جهة المبالغة في وصفه بذلك كما قالت الخنساء تصف ناقة ذهب عنها ولدها ... ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وأدبار ...
أي ذات إقبال وأدبار ويبين هذا قراءة الكسائي أنه عمل غير صالح فعلا ماضيا ونصب غير على المفعول لعمل وقول من قال أن الولد كان لغية خطأ محض وهذا قول ابن عباس والجمهور قالوا وأما قوله تعالى فخانتاهما فإن الواحدة كانت تقول للناس هو مجنون والأخرى كانت تنبه على الاضياف وأما خيانة غير هذا فلا ويعضده المعنى لشرف النبوءة وجوز المهدوي أن يعود

الضمير في أنه على السؤال أي أن سؤالك إياي ما ليس لك به علم عمل غير صالح قاله النخعي وغيره انتهى والأول أبين وعليه الجمهور وبه صدر المهدوي ومعنى قوله فلا تسألني ما ليس لك به علم أي إذا وعدتك فأعلم يقينا أنه لا خلف في الوعد فإذا رأيت ولدك لم يحمل فكان الواجب عليك أن تقف وتعلم أن ذلك بحق واجب عند الله قال ع ولكن نوحا عليه السلام حملته شفقة الأبوة وسجية البشر على التعرض لنفحات الرحمة وعلى هذا القدر وقع عتابه ولذلك جاء بتلطف وترفيع في قوله سبحانه أني أعظك أن تكون من الجاهلين ويحتمل قوله فلا تسألني ما ليس لك به علم أي لا تطلب مني أمرا لا تعلم المصلحة فيه علم يقين ونحا إلى هذا أبو علي الفارسي وهذا والأول في المعنى واحد
وقوله رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم إنابه منه عليه السلام وتسليم لأمر ربه والسؤال الذي وقع النهي عنه إنما هو سؤال العزم الذي معه محاجة وطلبه ملحة فيما قد حجب وجه الحكمة فيه وأما السؤال على جهة الاسترشاد والتعلم فغير داخل في هذا ثم قيل له أهبط بسلام وذلك عند نزوله من السفينة والسلام هنا السلامة والأمن والبركات الخير والنمو في كل الجهات وهذه العدة تعم جميع المؤمنين إلى يوم القيامة قاله محمد بن كعب القرظي ثم قطع قوله وأمم على وجه الأبتداء وهؤلاء هم الكفار إلى يوم القيامة
وقوله سبحانه تلك إشارة إلى القصة وباقي الآية بين
وقوله عز و جل وإلى عاد أخاهم هودا الآية عطف على قوله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه
وقوله ويا قوم استغفروا ربكم الآية الاستغفار طلب المغفرة فقد يكون ذلك باللسان وقد يكون بإنابة القلب وطلب الاسترشاد
وقوله ثم توبوا إليه أي بالإيمان من كفركم والتوبة عقد في ترك متوب منه يتقدمها علم بفساد المتوب منه وصلاح ما يرجع إليه ويقترن بها ندم على فارط المتوب منه

لا ينفك منه وهو من شروطها ومدرارا بناء تكثير وهو من در يدر وقد تقدمت قصة عاد
وقوله سبحانه ويزدكم قوة إلى قوتكم ظاهره العموم في جميع ما يحسن الله تعالى فيه إلى العباد ويحتمل أن خص القوة بالذكر إذ كانوا أقوى العوالم فوعدوا بالزيادة فيما بهروا فيه ثم نهاهم عن التولي عن الحق وقولهم عن قولك أي لا يكون قولك سبب تركنا وقال ص عن قولك حال من الضمير في تاركي أي صادرين عن قولك وقيل عن للتعليل كقوله إلا عن موعدة وقولهم أن نقول الآية معناه ما نقول إلا أن بعض آلهتنا التي ضللت عبدتها أصابك بجنون يقال عر يعر واعترى يعتري إذا ألم بالشيء
وقوله فكيدونى جميعا أي أنتم وأصنامكم ويذكر أن هذه كانت له عليه السلام معجزة وذلك أنه حرض جماعتهم عليه مع انفراده وقوتهم وكفرهم فلم يقدروا على نيله بسوء وتنظرون معناه تؤخروني أي عاجلوني بما قدرتم عليه
وقوله إن ربي على صراط مستقيم يريد أن أفعال الله عز و جل في غاية الإحكام وقوله الصدق ووعده الحق وعنيد من عند إذا عتا وقوله سبحانه واتبعوا في هذه الدنيا لعنة الآية حكم عليهم سبحانه بهذا لموافاتهم على الكفر ولا يلعن معين حي لا من كافر ولا من فاسق ولا من بهيمة كل ذلك مكروه بالأحاديث ت وتعبيره بالكراهية لعله يريد التحريم ويوم ظرف ومعناه أن اللعنة عليهم في الدنيا وفي يوم القيامة ثم ذكر العلة الموجبة لذلك وهي كفرهم بربهم وباقي الآية بين وقوله عز و جل وإلى ثمود أخاهم صالحا الآية التقدير وأرسلنا إلى ثمود وانشأكم من الأرض أي اخترعكم واوجدكم وذلك باختراع آدم عليه السلام وقال ص من الأرض لابتداء الغاية باعتبار الأصل المتولد منه النبات المتولد منه الغذاء المتولد منه المني ودم الطمث المتولد عنه الإنسان انتهى وقد نقل ع في

غير هذا الموضع نحو هذا ثم أشار إلى مرجوحيته وأنه داع إلى القول بالتولد قال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى واستعمركم فيها أي خلقكم لعمارتها ولا يصح أن يقال هو طلب من الله لعمارتها كما زعم بعض الشافعية ت والمفهوم من الآية أنها سيقت مساق الامتنان عليهم انتهى وقولهم يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا قال جمهور المفسرين معناه مسودا نؤمل فيك أن تكون سيدا سادا مسد الأكابر وقولهم وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب معنى مريب ملبس متهم وقوله ارأيتم أي تدبرتم فالرؤية قلبية و ءاتاني منه رحمة يريد النبوءة وما انضاف إليها وقال ص قد تقرر في ارأيتم أنه بمعنى أخبروني انتهى والتخسير هو من الخسارة وليس التخسير في هذه الآية إلا لهم وفي حيزهم وهذا كما تقول لمن توصيه أنا أريد بك خيرا وأنت تريد بي شرا وقال ص غير تخسير من خسر وهو هنا للنسبية كفسقته وفجرته إذا نسته إليهما ت ونقل الثعلبي عن الحسين بن الفضل قال لم يكن صالح في خسارة حين قال فما تزيدونني غير تخسير وإنما المعنى ما تزيدونني بما تقولون إلا نسبتي إياكم للخسارة وهو من قول العرب فسقته وفجرته إذا نسبته إلى الفسوق والفجور انتهى وهو حسن وباقي الآية بين قد تقدم الكلام في قصصها
وأخذ الذين ظلموا الصحية الصيحه قال أبو البقاء في حذف التاء من أخذ ثلاثة أوجه أحدها أنه فصل بين الفعل والفاعل والثاني أن التأنيث غير حقيقي والثالث أن الصيحة بمعنى الصياح فحمل على المعنى انتهى وقد أشار ع إلى الثلاثة واختار الأخير
وقوله سبحانه ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى الرسل الملائكة قال المهدوي بالبشرى يعنى بالولد ويقيل البشرى بهلاك قوم لوط انتهى قالوا سلاما أي سلمنا عليك سلاما وقرأ حمزة والكسائي قالوا سلاما قال سلم فيحتمل أن يريد بالسلم السلام

ويحتمل أن يريد بالسلم ضد الحرب وحنيذ بمعنى محنوذ ومعناه بعجل مشوي نضج يقطر ماؤه وهذا القطر يفصل الحنيذ من جملة المشويات وهيئة المحنوذ في اللغة الذي يغطى بحجارة أو رمل محمى أو حائل بينه وبين النار يغطى به والمعرض من الشواء الذي يصفف على الجمر والمضهب الشواء الذي بينه وبين النار حائل ويكون الشواء عليه لا مدفونا به والتحنيذ في تضمير الخيل هو أن يغطى الفرس بجل على جل ليتصبب عرقه ونكرهم على ما ذكر كثير من الناس معناه أنكرهم وأوجس منهم خيفة من أجل امتناعهم من الأكل إذ عرف من جاء بشر إلا يأكل طعام المنزول به قال ابن العربي في أحكامه ذهب الليث بن سعد إلى أن الضيافة واجبة لقوله صلى الله عليه و سلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيكرم ضيفه جائزته يوم وليلة وما وراء ذلك صدقة وفي رواية ثلاثة أيام ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يحرجه وهذا حديث صحيح خرجه الأيمة واللفظ للترمذي وذهب علماء الفقه إلى أن الضيافة لا تجب وحملوا الحديث على الندب قال ابن العربي والذي أقول به أن الضيافة فرض على الكفاية ومن الناس من قال أنها واجبة في القرى حيث لا مأوى ولا طعام بخلاف الحواضر لتيسر ذلك فيها قال ابن العربي ولا شك أن الضيف كريم والضيافة كرامة فإن كان عديما فهي فريضة انتهى وأوجس معناه أحس والوجيس ما يعترى النفس عند الحذر وأوائل الفزع
وقوله سبحانه فضحكت قال الجمهور هو الضحك المعروف وذكر الطبري أن إبراهيم عليه السلام لما قدم العجل قالوا له انا لا نأكل طعاما إلا بثمن فقال لهم ثمنه أن تذكروا الله تعالى عليه في أوله وتحمدوه في آخره فقال جبريل لأصحابه بحق اتخذ الله هذا خليلا ثم بشر الملائكة سارة بإسحاق وبأن إسحاق سيلد يعقوب ويسمى ولد الولد وراء وهو قريب من معنى

وراء في الظرف إذ هو ما يكون خلف الشيء وبعده وقال ص وراء هنا استعمل غير ظرف لدخول من عليه أي ومن بعد إسحاق انتهى وقولها ياويلتى الألف بدل من ياء الإضافة اصلها ياويلتي ومعنى ياوليتا في هذا الموضع العبارة عمادهم النفس من العجب في ولادة عجوز ومن أمر الله واحد الأمور
وقوله سبحانه رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت يحتمل أن يكون دعاء وأن يكون خبرا ص ونصب أهل البيت على النداء أو على الاختصاص أو على المدح انتهى وهذه الآية تعطى أن زوجة الرجل من أهل بيته ت وهي هنا من أهل البيت على كل حال لأنها من قرابته وابنة عمه والبيت في هذه الآية وفي سورة الأحزاب بيت السكنى
وقوله فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا أي أخذ يجادلنا في قوم لوط
وقوله تعالى إن إبراهيم لحليم اواه منيب وصف عليه السلام بالحلم لأنه لم يغضب قط لنفسه إلا أن بغضب لله وأمره بالاعتراض عن المجادلة يقتضي أنها إنما كانت في الكفرة حرصا على إسلامهم وأمر ربك واحد الأمور أي نفذ فيهم قضاؤه سبحانه وهذه الآية مقتضية أن الدعاء إنما هو أن يوفق الله الداعي إلى طلب المقدور فأما الدعاء في طلب غير المقدور فغير مجد ولا نافع ت والكلام في هذه المسئلة متسع رحب ومن أحسن ما قيل فيها قول الغزالي في الأحياء فإن قلت فما فائدة الدعاء والقضاء لا يرد فالجواب أن من القضاء رد البلاء بالدعاء فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم والماء سبب لخروج النبات انتهى وقد أطال في المسئلة ولولا الإطالة لاتيت بنبذ يثلج لها الصدر وخرج الترمذي في جامعة عن أبي حزامة واسمه رفاعة عن أبيه قال سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت يا رسول الله ارأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة

نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله قال أبو عيسى هذا حديث حسن وفي بعض نسخه حسن صحيح انتهى فليس وراء هذا الكلام من السيد المعصوم مرمى لأحد وتأمل جواب الفاروق لأبي عبيدة حين هم بالرجوع من أجل الدخول على أرض بها الطاعون وهي الشام
وقوله سبحانه ولما جاءت رسلنا لوطا الرسل هنا الملائكة أضياف إبراهيم قال المهدوي والرسل هنا جبريل وميكائيل واسرافيل ذكره جماعة من المفسرين انتهى والله أعلم بتعيينهم فإن صح في ذلك حديث صير إليه وإلا فالواجب الوقف وسيء بهم أي أصابه سوء والذرع مصدر مأخذوذ من الذراع ولما كان الذراع موضع قوة الإنسان قيل في الأمر الذي لا طاقة له به ضاق بهذا الأمر ذراع فلان وذرع فلان أي حيلته بذراعه وتوسعوا في هذا حتى قلبوه فقالوا فلان رحب الذراع إذا وصفوه باتساع القدرة وعصيب بناء اسم فاعل معناه يعصب الناس بالشر فهو من العصابة ثم كثر وصفهم لليوم بعصيب ومنه
وقد سلكوك في يوم عصيب
وبالجملة فعصيب في موضع شديد وصعب الوطأة ويهرعون معناه يسرعون ومن قبل كانوا يعملون السيئات أي كانت عادتهم إتيان الفاحشة في الرجال
وقوله هؤلاء بناتي هن أطهر لكم يعني بالتزويج وقولهم وإنك لتعلم ما نريد إشارة إلى الاضياف فلما رأى لوط استمرارهم في غيهم قال على جهة التفجع والاستكانه لو أن لي بكم قوة قال ع لو أن جوابها محذوف أي لفعلت كذا وكذا ويروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات وقالوا إن ركنك لشديد وقال النبي صلى الله عليه و سلم يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد فالعجب منه لما استكان قال ع وإنما خشي لوط عليه السلام أن يمهل الله أولئك العصابة حتى يعصوه في الاضياف كما أمهلهم فيما قبل ذلك ثم إن جبريل عليه السلام ضرب القوم

بجناحه فطمس أعينهم ثم أمروا لوطا بالسرى وأعلموه بأن العذاب نازل بالقوم فقال لهم لوط فعذبوهم الساعة فقالوا له إن موعدهم الصبح أي بهذا أمر الله ثم أنسوه في قلقه بقولهم أليس الصبح بقريب والقطع القطعة من الليل قال ص إلا امرأتك ابن كثير وأبو عمرو بالرفع والباقون بالنصب فقيل كلاهما استثناء من أحد وقيل النصب على الاستثناء من اهلك انتهى
وقوله سبحانه وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ذهب فرقة منهم ابن عباس إلى أن الحجارة التي رموا بها كانت كالآجر المطبوخ كانت من طين قد تحجر وإن سجيلا معناها ماء وطين وهذا القول هو الذي عليه الجمهور وقالت فرقة من سجيل معناه من جهنم لأنه يقال سجيل وسجين حفظ فيها بدل النون لاما وقيل غير هذا ومنضود معناه بعضه فوق بعض متتابع ومسومة أي معلمة بعلامة
وقوله تعالى وما هي إشارة إلى الحجارة والظالمون قيل يعني قريشا وقيل يريد عموم كل من اتصف بالظلم وهذا هو الأصح وقيل يعني بهذا الإعلام بأن هذه البلاد قريبة من مكة وما تقدم أبين
وقوله عز و جل وإلى مدين أخاهم شعبيا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير الآية قوله بخير قال ابن عباس معناه في رخص من الأسعار وقيل قوله بخير عام في جميع نعم الله تعالى وتعثوا معناه تسعون في فساد يقال عثا يعثو وعثي يعثى إذا افسد
وقوله بقيت الله خير لكم قال ابن عباس معناه الذي يبقى الله لكم من أموالكم بعد توفيتكم الكيل والوزن خير لكم مما تستكثرون به على غير وجهه وهذا تفسير يليق بلفظ الآية وقال مجاهد معناه طاعة الله وهذا لا يعطيه لفظ الآية قال ص وقرأ الحسن تقية الله أي تقواه قال ع وإنما المعنى عندي إبقاء الله عليكم إن أطعتم وقولهم اصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنا قالت فرقة أرادوا الصلوات المعروفة وروي

أن شعيبا عليه السلام كان أكثر الأنبياء صلاة وقال الحسن لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة وقيل أرادوا ادعواتك وذلك أن من حصل في رتبة من خير أو شر ففي الأكثر تدعوه رتبته إلى التزيد من ذلك النوع فمعنى هذا لما كنت مصليا تجاوزت إلى ذم شرعنا وحالنا فكأن حاله من الصلاة جسرته على ذلك فقيل أمرته كما قال تعالى أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر قال ص و ع أو وإن نفعل معطوف على ما يعبد واو للتنويع انتهى وظاهر حالهم الذي أشاروا إليه هو بخس الكيل والوزن الذي تقدم ذكره وروي أن الإشارة إلى قرضهم الدينار والدرهم وإجراء ذلك مع الصحيح على جهة التدليس قاله محمد بن كعب القرضي وتؤول أيضا بمعنى تبديل السكك التي يقصد بها أكل أموال الناس قال ابن العربي قال ابن المسيب قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض وكذلك قال زيد بن أسلم في هذه الآية وفسرها به ومثله عن يحيى بن سعيد من رواية مالك قال ابن العربي وإذا كان قطع الدنانير والدراهم وقرضها من الفساد عوقب من فعل ذلك وقرض الدراهم غير كسرها فإن الكسر فساد الوصف والقرض تنقيص للقدر وهو أشد من كسرها فهو كالسرقة انتهى من الأحكام مختصرا وبعضه بالمعنى وقولهم إنك لأنت الحليم الرشيد قيل أنهم قالوه على جهة الحقيقة أي أنت حليم رشيد فلا ينبغي لك أن تنهانا عن هذه الأحوال وقيل إنما قالوا هذا على جهة الاستهزاء
وقوله ورزقني منه رزقا حسنا أي سالما من الفساد الذي أدخلتم في أموالكم وجواب الشرط الذي في قوله إن كنت على بينة من ربي محذوف تقديره ااضل كما ضللتم أو أترك تبليغ رسالة ربي ونحو هذا
وقوله لا يجرمنكم معناه لا يكسبنكم وشقاقي معناه مشاقتي وعداوتي وإن مفعولة بيجرمنكم قال ص وع وما

قوم لوط منكم ببعيد أي بزمان بعيد أو بمكان قال ص ودود بناء مبالغة من ود الشيء إذا أحبه وأثره ع ومعناه أن أفعاله سبحانه ولطفه بعباده لما كانت في غاية الإحسان إليهم كانت كفعل من يتودد ويود المصنوع له وقولهم ما نفقه كقول قريش قلوبنا في اكنة والظاهر من قولهم انا لنراك فينا ضعيفا أنهم أرادوا ضعف الانتصار والقدرة وان رهط الكفرة يراعون فيه والرهط جماعة الرجل وقولهم لرجمناك أي بالحجارة قاله ابن زيد وقيل بالسب باللسان وقولهم بعزيز أي بذي منعة وعزة ومنزلة والظهري الشيء الذي يكون وراء الظهر وذلك يكون في الكلام على وجهين إما بمعنى الاطراح كما تقول جعلت كلامي وراء ظهرك ودبر إذنك وعلى هذا المعنى حمل الجمهور الآية أي اتخذتم أمر الله وشرعه وراء ظهوركم أي غير مراعي وأما بأن يستند إليه ويلجأ كما قال عليه السلام وألجأت ظهري إليك وعلى هذا المعنى حمل الآية قوم أي وأنتم تتخذون الله سند ظهوركم وعماد آمالكم وقوله اعملوا على مكانتكم معناه على حالاتكم وفيه تهديد وقوله سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب والصحيح أن الوقف في قوله إني عامل وقوله سبحانه وأخذت الذين ظلموا الصيحة هي صيحة جبريل عليه السلام
وقوله سبحانه كان لم يغنوا فيها الآية يغنوا معناه يقيمون بنعمة وخفض عيش ومنه المغاني وهي المنازل المعمورة بالأهل وضمير فيها عائد على الديار
وقوله بعدا مصدر دعاء به كقولك سحقا للكافرين وفارقت هذه قولهم سلام عليكم لأن بعدا إخبار عن شيء قد وجب وتحصل وتلك إنما هي دعاء مرتجى ومعنى البعد في قراءة بعدت بكسر العين الهلاك وهي قراءة الجمهور ومنه قول خرنق بنت هفان ... لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وءافة الجزر

ومنه قول مالك بن الربيع ... يقولن لا تبعد وهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا ...
وأما من قرأ بعدت وهو السلمي وأبو حيوة فهو من البعد الذي هو ضد القرب ولا يدعى به إلا على مبغوض قال ص وقال ابن الأنباري من العرب من يسوي بين الهلاك والبعد الذي هو ضد القرب فيقولون فيهما بعد يبعد وبعد يبعد انتهى
وقوله سبحانه فاتبعوا أمر فرعون أي وخالفوا أمر موسى وما أمر فرعون برشيد أي بمرشد إلى خير وقال ع برشيد أي بمصيب في مذهبه يقدم قومه أي يقدمهم إلى النار والورد في هذه الآية هو ورود دخول قال ص والورد فاعل بيس والمورود المخصوص بالذم وفي الأول حذف أي مكان الورد ليطابق المخصوص بالذم وجوز ع وأبو البقاء أن يكون المورود صفة لمكان الورد والمخصوص محذوف أي بيس مكان الورد المورود النار والورد يجوز أن يكون مصدرا بمعنى الورود أو بمعنى الواردة من الإبل وقيل الورد بمعنى الجمع للوارد والمورود صفة لهم والمخصوص بالذم ضمير مححذوف أي بيس القوم المورود بهم هم انتهى واتبعوا في هذه لعنة يريد دار الدنيا
وقوله بيس الرفد المرفود أي بيس العطاء المعطى لهم وهو العذاب والرفد في كلام العرب العطية
وقوله سبحانه ذلك من أنباء القرى الآية ذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر العقوبات النازلة بالأمم المذكورة منها قائم وحصيد أي منها قائم الجدرات ومتهدم داثر والآية بحملتها متضمنة التخويف وضرب المثل للحاضرين من أهل مكة وغيرهم والتتبيب الخسران ومنه تبت يدا أبي لهب
وقوله وكذلك الإشارة إلى ما ذكر من الأخذات في الأمم وهذه آية وعيد يعم قرى المؤمنين والكافرين فإن ظالمة أعم من كافرة وقد يمهل الله تعالى بعض الكفرة وأما

الظلمة فمعاجلون في الغالب وقد يملي لبعضهم وفي الحديث من رواية أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ وكذلك أخذ ربك إذا اخذ القرى وهي ظالمة الآية وهذه قراءة الجماعة وهي تعطى بقاء الوعيد واستمراره في الزمان إن في ذلك لآية أي لعبرة وعلامة اهتداء لمن خاف عذاب الآخرة ثم عظم الله أمر الآخرة فقال ذلك يوم مجموع له الناس وهو يوم الحشر وذلك يوم مشهود بشهده الأولون والآخرون من الملائكة والأنس والجن والحيوان في قول الجمهور وما نوخره إلا لأجل معدود لا يتقدم عنه ولا يتأخر قال ص والظاهر أن ضمير فاعل يأتي يعود على ما عاد عليه ضمير نوخره والناصب ليوم لا تكلم والمعنى لا تكلم نفس يوم يأتي ذلك اليوم إلا بأذنه سبحانه انتهى
وقوله تعالى فمنهم عائد على الجمع الذي يتضمنه قوله نفس إذ هو اسم جنس يراد به الجمع فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق وهي اصوات المكروبين والمحزونين والمعذبين ونحو ذلك قال قتادة الزفير أول صوت الحمار والشهيق آخره فصياح أهل النار كذلك وقال أبو العالية الزفير من الصدر والشهيق من الحلق والظاهر ما قال أبو العالية
وقوله سبحانه خالدين فيها ما دامت السموات والأرض يروى عن ابن عباس أن الله خلق السماوات والأرض من نور العرش ثم يردهما إلى هنالك في الآخرة فلهما ثم بقاء دائم وقيل معنى ما دامت السماوات والأرض العبارة عن التأبيد بما تعهده العرب وذلك ان من فصيح كلامها إذا أرادت أن تخبر عن تأبيد شيء أن تقول لا أفعل كذا وكذا أمد الدهر وما ناح الحمام وما دامت السماوات والأرض وقيل غير هذا قال ص وقيل المراد سماوات الآخرة وأرضها يدل عليه قوله يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات انتهى وأما قوله إلا ما شاء ربك في الاستثناء ثلاثة

أقوال أحدها أنه متصل أي إلا ما شاء ربك من أخراج الموحدين وعلى هذا يكون قوله فأما الذين شقوا عام في الكفرة والعصاة ويكون الاستثناء من خالدين وهذا قول قتادة وجماعة الثاني أن هذا الاستثناء ليس بمتصل ولا منقطع وإنما هو على طريق الاستثناء الذي ندب إليه الشرع في كل كلام فهو على نحو قوله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله الثالث إن إلا في هذه الآية بمعنى سوى والاستثناء منقطع وهذا قول الفراء فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بسوى وسيبويه يقدره بلكن أي سوى ما شاء الله زائد على ذلك ويؤيد هذا التأويل قوله بعد عطاء غير مجذوذ وقيل سوى ما أعد الله لهم من أنواع العذاب واشد من ذلك كله سخطه سبحانه عليهم وقيل الاستثناء في الآيتين من الكون في النار والجنة وهو زمان الموقف وقيل الاستثناء في الآية الأولى من طول المدة وذلك على ما روي أن جهنم تخرب ويعدم أهلها وتخفق أبوابها فهم على هذا يخلدون حتى يصير أمرهم إلى هذا قال ع وهذا قول محتمل والذي روي ونقل عن ابن مسعود وغيره أن ما يخلى من النار إنما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين وهذا الذي يسمى جهنم وسمى الكل به تجوزا ت وهذا هو الصواب إن شاء الله وهو تأويل صاحب العاقبة أن الذي يخرب ما يخص عصاة المؤمنين وتقدم الكلام على نظير هذه الآية وهو قوله في الأنعام خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم قال ع والأقوال المترتبة في الاستثناء الأول مرتبة في الاستثناء الثاني في الذين سعدوا إلا تأويل من قال هو استثناء المدة التي تخرب فيها جهنم فإنه لا يترتب هنا والمذوذ المقطوع والإشارة بقوله مما يعبد هؤلاء إلى كفار العرب وانا لموفوهم نصيبهم غير منقوص معناه من العقوبة وقال الداودي عن ابن عباس وانا لموفوهم نصيبهم غير منقوص

قال ما قدر لهم من خير وشر انتهى
وقوله ولقد آيتنا موسى الكتاب فاختلف فيه أي اختلف الناس عليه فلا يعظم عليك يا محمد أمر من كذبك وقال ص فيه الظاهر عوده على الكتاب ويجوز أن يعود على موسى وقيل في بمعنى على أي عليه انتهى والكلمة هنا عبارة عن الحكم والقضاء
لقضي بينهم أي لفصل بين المؤمن والكافر بنعيم هذا وعذاب هذا ووصف الشك بالريب تقوية لمعنى الشك فهذه الآية يحتمل أن يكون المراد بها أمة موسى ويحتمل أن يراد بها معاصرو النبي صلى الله عليه و سلم وأن يعمهم اللفظ أحسن ويؤيده قوله وإن كلا وقرأ نافع واين كثير وإن كلا لما وقرأ أبو عمرو والكسائي بتشديد إن وقرأ حمزة وحفص بتشديد إن وتشديد لما فالقراءتان المتقدمتان بمعنى فإن فيهما على بابها وكلا اسمها وعرفها أن تدخل علىخبرها لام وفي الكلام قسم تدخل لامه أيضا على خبر أن فلما اجتمع لامان فصل بينهما بما هذا قول أبي علي والخبر في قوله ليوفينهم وهذه الآية وعيد ومعنى الآية إن كل الخلق موفى عمله
وقوله عز و جل فاستقم كما أمرت ومن تاب معك أمر النبي صلى الله عليه و سلم بالاستقامة وهو عليها إنما هو أمر بالدوام والثبوت وهو أمر لسائر الأمة وروي أن بعض العلماء رأى النبي صلى الله عليه و سلم في النوم فقال يا رسول الله بلغنا عنك أنك قلت شيبتني هود وأخواتها فما الذي شيبك من هود فقال له قوله عز و جل فاستقم كما أمرت قال ع والتأويل المشهور في قوله عليه السلام شيبتني هود وأخواتها أنه إشارة إلى ما فيها مما حل بالأمم السالفة فكان حذره على هذه مثل ذلك شيبه عليه السلام
وقوله تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا الآية الركون السكون إلى الشيء والرضى به قال أبو العالية الركون الرضى قال ابن زيد الركون الادهان قال ع فالركون يقع على قليل هذا المعنى وكثيره والنهي هنا يترتب من معنى الركون على

الميل إليهم بالشرك معهم إلى أقل الرتب من ترك التغيير عليهم مع القدرة والذين ظلموا هنا هم الكفرة ويدخل بالمعنى أهل المعاصي
وقوله سبحانه وأقم الصلوة طرفي النهار الآية لا خلاف أن الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة واختلف في طرفي النهار وزلف الليل فقيل الطرف الأول الصبح والثاني الظهر والعصر والزلف المغرب والعشاء قاله مجاهد وغيره وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال في المغرب والعشاء هما زلفتا الليل وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر قاله الحسن وقتادة والزلف المغرب والعشاء وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول بل هي في غيرها قال ع والأول أحسن الأقوال عندي ورجح الطبري القول بأن الطرفين الصبح والمغرب وهو قول ابن عباس وغيره وإنه لظاهر إلا أن عموم الصلوات الخمس بالآية أولى والزلف الساعات القريب بعضها من بعض
وقوله تعالى ان الحسنات يذهبن السيئات ذهب جمهور المتأولين من صحابة وتابعين إلى أن الحسنات يراد بها الصلوات الخمس وإلى هذه الآية ذهب عثمان رضي الله عنه في وضوئه على المقاعد وهو تأويل مالك وقال مجاهد الحسنات قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال ع وهذا كله إنما هو على جهة المثال في الحسنات ومن أجل أن الصلوات الخمس هي معظم الأعمال والذي يظهر أن لفظ الآية عام في الحسنات خاص في السيئات بقوله عليه السلام ما اجتنبت الكبائر وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار وهو أبو اليسر بن عمرو وقيل أسمه عباد خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها فيما دون الجماع ثم جاء إلى عمر فشكا إليه فقال له قد ستر الله عليك فاستر على نفسك فقلق الرجل فجاء أبو بكر فشكا إليه فقال له مثل مقالة عمر فقلق الرجل فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فصلى معه ثم أخبره وقال اقض

في ما شئت فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلها زوجة غاز في سبيل الله قال نعم فوبخه النبي صلى الله عليه و سلم وقال ما أدري فنزلت هذه الآية فدعاه النبي صلى الله عليه و سلم فتلاها عليه فقال معاذ بن جبل يا رسول الله أهذا له خاصة فقال بل للناس عامة قال ابن العربي في أحكامه وهذا الحديث صحيح رواه الايمة كلهم انتهى قال ع وروي أن الآية قد كانت نزلت قبل ذلك واستعملها النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك الرجل وروي أن عمر قال ما حكي عن معاذ وفي الحديث عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينها إن اجتنبت الكبائر
وقوله ذلك ذكرى إشارة إلى الصلوات أي هي سبب الذكرى وهي العظة ويحتمل أن تكون إشارة إلى الأخبار بأن الحسنات يذهبن السيئات ويحتمل أن تكون إشارة إلى جميع ما تقدم من الأوامر والنواهي والقصص في هذه السورة وهو تفسير الطبري فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية الآية لولا هي التي للتخضيض لكن يقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف الذي ينبغي أن يقع من البشر على هذه الأمم التي لم تهتد وهذا نحو قوله سبحانه يا حسرة على العباد والقرون من قلبنا قوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكره
وقوله أولوا بقية أي أولوا بقية من عقل وتمييز ودين
ينهون عن الفساد وإنما قيل بقية لأن الشرائع والدول ونحوها قوتها في أولها ثم لا تزال تضعف فمن ثبت في وقت الضعف فهو بقية الصدر الأول والفساد في الأرض هو الكفر وما اقترن به من المعاصي وهذه الآية فيها تنبيه لهذه الأمة وحض على تغيير المنكر ثم استثنى الله عز و جل القوم الذين نجاهم مع أنبيائهم وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم وقليلا استثناء منقطع أي لكن قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد والمترف المنعم الذي شغلته ترفته عن الحق حتى

هلك
وما كان ربك ليهلك القرى بظلم منه سبحانه وتعالى عن ذلك
ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة أي مؤمنة لا يقع منهم كفر قاله قتادة ولكنه عز و جل لم يشأ ذلك فهم لا يزالون مختلفين في الأديان والآراء والملل هذا تأويل الجمهور
إلا من رحم ربك أي بأن هداه إلى الإيمان
وقوله تعالى ولذلك خلقهم قال الحسن أي وللاختلاف خلقهم قال ع وذلك أن الله تعالى خلق خلقا للسعادة وخلقا للشقاوة ثم يسر كلا لما خلق له وهذا نص في الحديث الصحيح وجعل بعد ذلك الاختلاف في الدين على الحق هو إمارة الشقاوة وبه علق العقاب فيصح أن يحمل قول الحسن هنا وللاختلاف خلقهم أي لثمرة الاختلاف وما يكون عنه من شقاوة أو سعادة وقال اشهب سألت مالكا عن هذه الآية فقال خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير وقيل غير هذا
وقوله تعالى وتمت كلمة ربك أي نفذ فقضاؤه وحق أمره واللام في لأملان لام قسم
وقوله سبحانه وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وكلا مفعول مقدم بنقص وما
بدل من قوله وكلا ونثبت به فؤادك أي نؤنسك فيما تلقاه نجعل لك الأسوة وجاءك في هذه الحق قال الحسن هذه إشارة إلى دار الدنيا وقال ابن عباس هذه إشارة إلى السورة وهو قول الجمهور قال ع ووجه تخصيص هذه السورة بوصفها بحق والقرآن كله حق إن ذلك يتضمن معنى الوعيد للكفرة والتنبيه للناظر أي جاءك في هذه السورة الحق الي أصاب الأمم الماضية وهذا كما يقال عند الشدائد جاء الحق وإن كان الحق يأتي في غير الشدائد ثم وصف سبحانه أن ما تضمنته السورة هو موعظة وذكرى للمؤمنين وقوله سبحانه وقل للذين لا يؤمنون الآية ءاية وعيد وقوله تعالى ولله غيب السموات والأرض الآية آية تعظيم وانفراد بما لا حظ لمخلوق فيه ثم أمر سبحانه

العبد بعبادته والتوكل عليه وفيهما زوال همة وصلاحه ووصوله إلى رضوان الله تعالى فقال فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون اللهم اجعلنا ممن توكل عليه ووفقته لعبادتك كما ترضى وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وسحبة وسلم تسليما والحمد لله على جزيل ما به أنعم
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير

سورة يوسف
عليه السلام
هذه السورة مكية والسبب في نزولها أن اليهود أمروا كفار مكة أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر فنزلت السورة وقيل سبب نزولها تسلية النبي صلى الله عليه و سلم عما يفعله به قومه بما فعل أخوة يوسف بيوسف وسورة يوسف لم يتكرر من معانيها في القرآن شيء كما تكررت قصص الأنبياء ففيها حجة على من اعترض بأن الفصاحة تمكنت بترداد القول وفي تلك القصص حجة على من قال في هذه لو كرر لفترت فصاحتها وقوله عز و جل الر تلك ءايات الكتاب المبين الكتاب هنا القرآن ووصفه بالمبين من جهة بيان أحكامه وحلاله وحرامه ومواعظه وهداه ونوره ومن جهة بيان اللسان العربي وجودته والضمير في أنزلناه للكتبا وقرءانا حال وعربيا صفة له وقيل قرآنا توطئة للحال وعربيا حال وقوله سبحانه نحن نقص عليك أحسن القصص الآية روى ابن مسعود أن أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ملوا ملة فقالوا لو قصصت علينا

يا رسول الله فنزلت هذه الآية ثم ملوا ملة أخرى فقالوا لو حدثتنا يا رسول الله فنزلت الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها الآية والقصص الأخبار بما جرى من الأمور
وقوله بما أوحينا إليك أي بوحينا إليك هذا والقرآن نعت لهذا ويجوز فيه البدل والضمير في قبله للقصص العام لما في جميع القرآن منه ومن الغافلين أي عن معرفة هذا القصص وعبارة المهدوي قال قتادة أي نحن نقص عليك من الكتب الماضية وأخبار الأمم السالفة أحسن القصص بوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين عن أخبار الأمم انتهى
وقوله سبحانه إذ قال يوسف لابيه يا ابت اني رأيت احد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قيل أنه رأى كواكب حقيقة والشمس والقمر فتأولها يعقوب أخوته وأبويه وهذا هو قول الجمهور وقيل الأخوة والأب والخالة لأن أمه كانت ميتة وروي أن رؤيا يوسف خرجت بعد أربعين سنة وقيل بعد ثمانين سنة
وقوله قال يا بني لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا من هنا ومن فعل أخوة يوسف بيوسف يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت وما وقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنياوي وعن عقوق الآباء وتعريض مؤمن للهلاك والتؤامر في قتله
وكذلك يجتنبك ربك أي يختارك ويصطفيك
ويعلمك من تأويل الاحاديث قال مجاهد وغيره هي عبارة الرؤيا وقال الحسن هي عواقب الأمور وقيل هي عامة لذلك وغيره من المغيبات
ويتم نعمته عليك الآية يريد بالنبوءة وما انضاف إليها من سائر النعم ويروى أن يعقوب علم هذا من دعوة إسحاق له حين تشبه بعيصو وباقي الآية بين وقوله سبحانه لقد كان في يوسف واخوته ءايات للسائلين إذ كل أحد ينبغي أن يسأل عن مثل هذا القصص إذ هي مقر العبر

والاتعاظ وقولهم وأخوه يريدون به يامين وهو أصغر من يوسف ويقال له بنيامين قيل وهو شقيقه
أحب إلى أبينا منا أي لصغرهما وموت أمهما وهذا من حب الصغير هي فطرة البشر وقولهم ونحن عصبة أي جماعة تضر وتنفع وتحمي وتخذل أي لنا كانت تنبغي المحبة والمراعاة والعصبة في اللغة الجماعة وقولهم لفي ضلال مبين أي لفي انتلاف وخطأ في محبة يوسف وأخيه وهذا هو معنى الضل وإنما يصغر قدره ويعظم بحسب الشيء الذي فيه يقع الانتلاف ومبين معناه ظاهر للمتأمل وقولهم أو اطرحوه أرضا أي بأرض بعيدة فارضا مفعول ثان بإسقاط حرف الجر والضمير في بعده عائد على يوسف أو قتله أو طرحه وصالحين قال مقاتل وغيره أنهم أرادوا صلاح الحال عند أبيهم والقائل منهم لا تقتلوه هو روبيل اسنهم قاله قتادة وأبن إسحاق وقيل هو شمعون قاله مجاهد وهذا عطف منه على أخيه لا محالة لما أراد الله من انفاذ قضائه والغيابة ما غاب عنك والجب البير اللتي لم تطو لانها جبت من الأرض فقط قال المهدوي والجب في اللغة البير المقطوعة التي لم تطو انتهى والسيارة جمع سيار وروي أن جماعة من الأعراب التقطت يوسف عليه السلام
وقوله سبحانه قالوا يا ابانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون الآية المتقدمة تقتضي أن أباهم قد كان علم منهم إرادتهم السوء في جهة يوسف وهذه الآية تقتضي أنهم علموا هم منه بعلمه ذلك وقرأ أبو عارم وابن عمرو نرتع ونلعب بالنون فيهما وإسكان العين والباء ونرتع على هذا من الرتوع وهي الإقامة في الخصب والمرعى في أكل وشرب وقرأ ابن كثير نرتع ونلعب بالنون فيهما وكسر العين وإسكان الباء وقد روي عنه ويلعب بالياء ونرتع على هذا من رعاية الإبل وقال مجاهد من المراعاة أي يرعى بعضنا بعضا ويحرسه وقرأ عاصم وحمزة والكسائي يرتع ويلعب بإسناد ذلك كله إلى يوسف وقرأ نافع يرتع

ويلعب فيرتع على هذا من رعاية الإبل قال أبو علي وقراءة ابن كثير نرتع بالنون ويلعب بالياء نزعها حسن لاسناد النظر في المال والرعاية إليهم واللعب إلى يوسف لصباه ولعبهم هذا داخل في اللعب المباح والمندوب كاللعب بالخيل والرمي وعللوا طلبه والخروج به بما يمكن أن يستهوي يوسف لصباه من الرتوع واللعب والنشاط وإنما خاف يعقوب عليه السلام الذيب دون سواه وخصصه لأنه كان الحيوان العادي المنبث في القطر ولصغر يوسف وأجمعوا معناه عزموا
وقوله سبحانه وأوحينا إليه يحتمل أن يكون الوحي إلى يوسف حينئذ برسول ويحتمل أن يكون بالهام أو بنوم وكل ذلك قد قيل وقرأ الجمهور لتنبئنهم بالتاء من فوق
وقوله وهم لا يشعرون قال ابن جريج معناه لا يشعرون وقت التنبئة أنك يوسف وقال قتادة لا يشعرون بوحينا إليك
وقوله وجاءو اباهم عشاء يبكون أي وقت العشاء وقرأ الحسن عشى على مثال دجى جمع عاش ومعنى ذلك أصابهم عشى من البكاء أو شبه العشى إذ كذلك هي عين الباكي لأنه يتعاشى ومثل شريح امرأة بكت وهي مبطلة ببكاء هؤلاء وقرأ الآية ونستبق معناه على الأقدام وقيل بالرمي أي ننتضل وهو نوع من المسابقة قاله الزجاج وقولهم وما أنت بمؤمن لنا لنا أي بمصدق لنا ولو كنا صادقين بمعنىوإن كنا صادقين في معتقدنا
وقوله سبحانه وجاءو على قميصه بدم كذب روي أنهم أخذوا سخلة أوجديا فذبحوه ولطخوا به قميص يوسف وقالوا ليعقوب هذا قميصه فاخذه وبكى ثم تأمله فلم ير خرقا ولا أثر ناب فاستدل بذلك على كذبهم وقال لهم متى كان الذيب حليما يأكل يوسف ولا يخرق قميصه قص هذا القصص ابن عباس وغيره وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم بصحة القميص واستند الفقهاء إلى هذا في أعمال الامارات في مسائل كالقسامة بها في قول مالك إلى

غير ذلك قال الشعبي كان في القميص ثلاث آيات دلالته على كذبهم وشهادته في قده ورد بصر يعقوب به ووصف الدم بالكذب الذي هو مصدر على جهة المبالغة ثم قال لهم يعقوب بل سولت لكم أي رضيت وجعلت سولا ومرادا أمر أي صنعا قبيحا بيوسف
وقوله فصر جميل إما على حذف المبتدأ أي فشأني صبر جميل وإما على حذف الخبر تقديره فصبر جميل أمثل وجميل الصبر أن لا تقع شكوى إلى البشر وقال النبي صلى الله عليه و سلم من بث لم يصبر صبرا جميلا
وقوله سبحانه وقوله والله المستعان على ما تصفون تسليم لأمر الله تعالى وتوكل عليه وجاءت سيارة فارسلوا واردهم قيل أن السيارة جاءت في اليوم الثاني من طرحه والسيارة بناء مبالغة للذين يرددون السير في الطرق قال ص والسيارة جمع سيار وهو الكثير السير في الأرض انتهى والوارد هوالذي يأتي الماء يستقي منه لجماعته وهو يقع على الواحد وعلى الجماعة وروي أن مدلي الدلو كان يسمى مالك بن دعر ويروى أن هذا الجب كان بالأردن على ثلاثة فرسخ من منزل يعقوب ويقال أدلى دلوه إذا ألقاه ليستقي الماء وفي الكلام حذف تقديره فتعلق يوسف بالحبل فلما بصر به المدلى قال يا بشراي وروي أن يوسف كان يومئذ ابن سبع سنين ويرجح هذا لفظة غلام فإنها لما بين الحولين إلى البلوغ فإن قيلت فيما فوق ذلك فعلى استصحاب حال وتجوز وقرأ نافع وغيره يا بشراي بإضافة البشرى إلى المتكلم وبفتح الياء على ندائها كأنه يقول أحضري فهذا وقتك وقرأ حمزة والكسائي يا بشري ويمين ولا يضيفان وقرأ عاصم كذلك إلا أنه بفتح الراء ولا يميل واختلف في تأويل هذه القراءة فقال السدي كان في أصحاب هذا الوارد رجل اسمه بشرى فناداه وأعلمه بالغلام وقيل هو على نداء البشرى كما قدمنا
وقوله سبحانه وأسروه بضاعة قال مجاهد وذلك أن الوراد خشوا

من تجار الرفقة إن قالوا وجدناه أن يشاركوهم في الغلام الموجود يعني أو يمنعوهم من تملكه إن كانوا أخيارافأسروا بينهم أن يقولوا ابضعه معناه بعض أهل المصر وبضاعة حال والبضاعة القطعة من المال يتجر فيها بغير نصيب من الربح مأخوذ من قولهم بضعة أي قطعة وقيل الضمير في أسروه يعود على أخوة يوسف
وقوله سبحانه وشروه بثمن بخس شروه هنا بمعنى باعوه قال الداودي وعن أبي عبيدة وشروه أي باعوه فإذا ابتعت أنت قلت أشتريت انتهى وقال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى وشروه بثمن بخس يقال اشتريت بمعنى بعت وشريت بمعنى أشتريت لغ انتهى وعلى هذا فلا مانع من حمل اللفظ على ظاهره ويكون شروه بمعنى اشتروه قال ع روي أن أخوة يوسف لما علموا أن الوراد قد أخذوه جاءوهم فقالوا هذا عبد قد أبق منا ونحن نبيعه منكم فقارهم يوسف على هذه المقالة خوفا منهم ولينفذ الله أمره والبخس مصدر وصف به الثمن وهو بمعنى النقص وقوله دراهم معدودة عبارة عن قلة الثمن لأنها دراهم لم تبلغ أن توزن لقلتها وذلك أنهم كانوا لا يزنون ما كان دون الاوقية وهي أربعون درهما
وقوله سبحانه وكانوا فيه من الزاهدين وصف يترتب في أخوة يوسف وفي الوراد ولكنه في أخوة يوسف أرتب إذ حقيقة الزهد في الشيء أخراج حبه من القلب ورضفه من اليد وهذه كانت حال أخوة يوسف في يوسف وأما الوراد فإن تمسكهم به وتجرهم يمانع زهدهم إلا على تجوز قال ابن العربي في أحكامه وكانوا فيه من الزاهدين أي إخوته والواردة أما إخوته فلأن مقصودهم زوال عينه وأما الواردة فلأنهم خافوا اشتراك أصحابهم معهم انتهى
وقوله سبحانه وقال الذي اشتراه من مصر لأمرته أكرمي مثواه عيسى أن ينفعنا روي أن مبتاع يوسف ورد به مصر البلد المعروف ولذلك لا ينصرف فعرضه في السوق وكان أجمل الناس فوقعت

فيه مزايدة حتى بلغ ثمنا عظيما فقيل وزنه من ذهب ومن فضه ومن حرير فاشتراه العزيز وهو كان حاجب الملك وخازنه واسم الملك الريان بن الوليد وقيل مصعب بن الريان وهو أحد الفراعنة واسم العزيز المذكور قطيفين قاله ابن عباس وقيل اظفير وقيل قنطور واسم امرأته راعيل قاله ابن إسحاق وقيل زليخا قال البخاري ومثواه مقامه
وقوله أونتخذه ولدا أي نتبناه وكان فيما يقال لا ولد له ثم قال تعالى وكذلك أي وكما وصفنا مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه فعلنا ذلك والأحاديث الرؤيا في النوم قاله مجاهد وقيل أحاديث الأنبياء والأمم والضمير في أمره يحتمل أن يعود على يوسف قاله الطبري ويحتمل أن يعود على الله عز و جل قاله ابن جبير فيكون إخبارا منبها على قدرة الله عز و جل ليس في شأن يوسف خاصة بل عاما في كل أمر والأشد استكمال القوة وتناهي بنية الإنسان وهما أشدان أولهما البلوغ والثاني الذي يستعمله العرب
وقوله سبحانه ءاتيناه حكما وعلما يحتمل أن يريد بالحكم الحكمة والنبوة وهذا على الأشد الأعلى ويحتمل أن يريد بالحكم الشلطان في الدنيا وحكما بين الناس وتدخل النبوءة وتأويل الآحاديث وغير ذلك في قوله وعلما وقال ابن العربي ءاتيناه حكما وعلما الحكم هو العمل بالعلم انتهى
وقوله سبحانه وكذلك نجزي المحسنين عبارة فيها وعد للنبي صلى الله عليه و سلم أي فلا يهولنك فعل الكفرة وعتوهم عليك فالله تعالى يصنع للمحسنين أجمل صنع
وقوله سبحانه وراودته التي هو في بيتها عن نفسه المراودة الملاطفة في السوق إلى غرض والتي هو في بيتها هي زليخا امرأة العزيز وقوله عن نفسه كناية عن غرض المواقعة وظاهر هذه النازلة أنها كانت قبل أن ينبأ عليه السلام وقولها هيت لك معناه الدعاء أي تعالى وأقبل على هذا الأمر قال الحسن معناها هلم قال البخاري قال عكرمة هيت لك بالحورانية هلم وقال

ابن جبير تعاله انتهى وقرأ هشام عن أبن عامر هئت لك بكسر الهاء والهمزة وضم التاء ورويت عن أبي عمر وهاذ يحتمل أن يكون من هاء الرجل يهيء إذا حسن هيئته ويحتمل أن يكون بمعنى تهيأت ومعاذ نصب على المصدر ومعنى الكلام أعوذ بالله ثم قال إنه ربي أحسن مثواي فيحتمل أن يعود الضمير في أنه على الله عز و جل ويحتمل أن يريد العزيز سيده أي فلا يصلح لي أن أخونه وقد أكرم مثواي وائتمنني قال مجاهد وغيره ربي معناه سيدي وإذا حفظ الأدمي لإحسانه فهو عمل زاك وأحرى أن يحفظ ربه والضمير في قوله انه لا يفلح مراد به الأمر والشأن فقط وحكى بعض المفسرين أن يوسف عليه السلام لما قال معاذ الله ثم دافع الأمر باحتجاج وملاينة امتحنه الله عز و جل بالهم بما هم به ولو قال لا حول ولا قوة إلا بالله ودافع بعنف وتغيير لم يهم بشيء من المكروه
وقوله سبحانه وهم بها اختلف في هم يوسف قال ع والذي أقول به في هذه الآية أن كون يوسف عليه السلام نبيا في وقت هذه النازلة لم يصح ولا تظاهرت به روايه فإذا كان ذلك فهو مؤمن قد أوتي حكما وعلما ويجوز عليه الهم الذي هو أراده الشيء دون مواقعته وإن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة وإن فرضناه نبيا في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو الخاطر ولا يصح عندي شيء مما ذكر من حل تكة ونحو ذلك لن العصمة مع النبوءة وللهم بالشيء مرتبتان فالخاطر المجرد دون استصحاب يجوز عليه ومع استصحاب لا يجوز عليه إذ الإجماع منعقد أن الهم بالمعصية واستصحاب التلذذ بها غير جائز ولا داخل في التجاوز ت قال عياض والصحيح أن شاء الله تنزييهم أيضا قبل النبوءة من كل عيب وعصمتهم من كل ما يوجب الريب ثم قال عياض بعد هذا وأما قول الله سبحانه ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى

برهان ربه فعلى طريق كثير من الفقهاء والمحدثين أن هم النفس لا يؤاخذ به وليس بسيئة لقوله عليه السلام عن ربه إذا هم عبدي بسيئة فلم يعلمها كتبت له حسنة فلا معصية في همه إذن وأما على مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين فإن الهم إذا وظنت عليه النفس سيئة وأما ما لم توطن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو المعفو عنه وهذا هو الحق فيكون إن شاء الله هم يوسف من هذا ويكون قوله وما ابرئى نفسي الآية أي من هذا الهم أو يكون ذلك منه على طريق التواضع انتهى واختلف في البرهان الذي رآه يوسف فقيل ناداه جبريل يا يوسف لا تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء وقيل رأى يعقوب عاضا على ابهامه وقيل غيره هذا وقيل بل كان البرهان فكرته في عذاب الله ووعيده على المعصية والبرهان في كلام العرب الشيء الذي يعطى القطع واليقين كان مما يعلم ضرورة أو بخبر قطعي أو بقياس نظري وأن في قوله لولا أن رأى في موضع رفع تقديره لولا رؤيته برهان ربه لفعل وذهب قوم إلى أن الكلام تم في قوله ولقد همت به وأن جواب لولا في قوله وهم بها وان المعنى لولا أن رأى البرهان لهم أي فلم يهم عليه السلام وهذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف ت وقد ساق عياض هذا القول مساق احتجاج به متصلا بما نقلناه عنه آنفا ولفظه فكيف وقد حكى أبو حاتم عن أبي عبيدة أن يوسف إليهم وأن الكلام فيه تقديم وتأخير أي ولقد همت به ولولا أن رأى برهان به لهم بها وقد قال الله تعالى عن المرأة ولقد راودته عن نفسه فاستعصم وقال تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء وقال معاذ الله الآية انتهى وكذا نقله الداودي ولفظه وقد قال سعيد بن الحداد في الكلام تقديم وتأخير ومعناه أنه لولا أن رأى برهان ربه لهم بها فلما رأى البرهان لم يهم انتهى

قال ابن العربي في أحكامه وقد أخبر الله سبحانه عن حال يوسف من حين بلوغه بأنه آتاه حكما وعلما والحكم هو العمل بالعلم وكلام الله صادق وخبره صحيح ووصفه حق فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزنا وتحريم خيانة السيد في أهله فما تعرض لامرأة العزيز ولا أناب إلى المراودة بل أدبر عنها وفر منها حكمة خص بها وعمل بما علمه الله تعالى وهذا يطمس وجوه الجهلة من الناس والغفلة من العلماء في نسبتهم إلى الصديق ما لا يليق وأقل ما اقتحموا من ذلك هتك السراويل والهم بالفتك فيما رأوه من تأويل وحاشاه من ذلك فما لهؤلاء المفسرين لا يكادون يفقهون حديثا يقولون فعل فعل والله تعالى إنما قال هم بها قال علماء الصوفية إن فائدة قوله تعالى ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما إن الله عز و جل أعطاه العلم والحكمة بأن غلب الشهوة ليكون ذلك سببا للعصمة انتهى والكاف من قوله تعالى كذلك لنصرف عنه السوء متعلقة بمضمر تقديره جرت أفعالنا واقدارنا كذلك لنصرف ويصح أن تكون الكاف في موضع رفع بتقدير عصمتنا له كذلك وقرأ ابن كثير وغيره المخلصين بكسر اللام في سائر القرآن ونافع وغيره بفتحها
وقوله تعالى واستبقا الباب الآية معناه سابق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب هي لترده إلى نفسها وهو ليهرب عنها فقبضت في أعلى فميصه فتخرق القميص عند طوقه ونزل التخريق إلى أسفل القميص قال البخاري وألفيا أي وجدا الفوا آباءهم وجدوهم انتهى والقد القطع وأكثر مايستعمل فيما كان طولا والقط يستعمل فيماكان عرضا والفيا وجدا والسيد الزوج قاله زيد ابن ثابت ومجاهد وقوله سبحانه قالت ماجزاء من أراد بأهلك سوء الآية قال نوف الشامي كان يوسف عليه السلام لم يبن على كشف القصة فلما بغت عليه غضب فقال الحق فأخبر أنها هي راودته عن نفسه فروي أن الشاهد كان ابن

عمها قال انظروا إلى القميص وقال ابن عباس كان رجلا من خاصة الملك وقاله مجاهد وغيره والضمير في رأى هو العزيز وهو القائل أنه من كيدكن قاله الطبري وقيل بل الشاهد قال ذلك ونزع بهذه الآية من يرى الحكم بالإمارة من العلماء فإنها معتمدهم ويوسف في قوله يوسف أعرض عن هذا منادى قال ابن عباس ناداه الشاهد وهو الرجل الذي كان مع العزيز وأعرض عن هذا معناه عن الكلام به أي أكتمه ولا تتحدث به ثم رجع إليها فقال واستغفري لذنبك أي استغفري زوجك وسيدك وقال من الخاطئين ولم يقل من الخاطئات لأن الخاطئين أعم
وقوله سبحانه وقال نسوة في المدينة أمرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه نسوة جمع قلة وجمع التكثير نساء ويروى أن هؤلاء النسوة كن أربعا امرأة خبازة وامرأة بوابة وامرأة سجانة والعزيز الملك والفتى الغلام وعرفه في المملوك ولكنه قد قيل في غير المملوك ومنه إذ قال موسى لفتاه واصل الفتى في اللغة الشاب ولكن لماكان جل الخدمة شبابا استعير لهم اسم الفتى وشغفها معناه بلغ حتى صار من قلبها موض الشغاف وهو على اكثر القول غلاف من أغشية القلب وقيل الشغاف سويداء القلب وقيل الشغاف داء يصل إلى القلب
فلما سمعت بمكرهن ارسلت اليهن ليحضرن
واعتدت لهن متكأ أي أعدت ويسرت ما يتكأ عليه من فرش ووسائد وغير ذلك وقرأ ابن عباس وغيره متكا بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف واختلف في معناه فقيل هو الاترنج وقيل هو اسم يعم جميع ما يقطع بالسكين وقولها أخرج عليهن أمر ليوسف واطاعها بحسب الملك
وقوله أكبرنه معناه أعظمنه واستهولن جماله هذا قول الجمهور
وقطعن أيديهن أي كثرن الخز فيها بالسكاكين وقرأ أبو عمرو وحده حاشى لله وقرأ سائر السبعة حاش لله فمعنى حاش لله أي حاشى يوسف لطاعته لله أو

لمكانه من الله أن يرمى بما رميته به أو يدعى إلى مثله لأن تلك أفعال البشر وهو ليس منهم إنما هو ملك هكا رتب بعضهم معنى هذا الكلام على القرائتين وقرأ الحسن وغيره ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم بكسر اللام من ملك وعلى هذه القراءة فالكلام فصيح لما استعظمن حسن صورته قلن ما هذا مما يصلح أن يكون عبدا بشرا إن هذا إلا مما يصلح أن يكون ملكا كريما ت وفي صحيح مسلم من حديث الإسراء ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة ففتح لنا فإذا بيوسف صلى الله عليه و سلم وإذا هو قد اعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير انتهى وقولها فذلكن الذي لمتنني فيه المعنى فهذا الذي لمتنني فيه وقطعتن أيديكن بسببه هو الذي جعلني ضالة في هواه ثم أقرت امرأة العزيز للنسوة بالمراودة واستأمنت اليهن في ذلك إذ علمت أنهن قد عذرنها
واستعصم معناه طلب العصمة وتمسك بها وعصاني ثم جعلت تتوعده وهو يسمع بقولها
ولئن لم يفعل ما ءامره إلى آخر الآية ت واعترض ص بأن تفسير استعصم باعتصم أولى من جعله للطلب إذ لا يلزم من طلب الشيء حصوله انتهى والام في ليسجنن لام قسم واللام الأولى هي المؤذنة بالمجيء بالقسم والصاغرون الأذلاء وقول يوسف عليه السلام رب السجن أحب إلى إلى قوله من الجاهلين كلام يتضمن التشكي إلى الله تعالى من حاله معهن وأصب مأخوذ من الصبوة وهي أفعال الصبا ومن ذلك قول دريد ابن الصمة ... صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاة قال للباطل أبعد ...
قال ص أصب معناه امل وهو جواب الشرط والصبابة إفراط الشوق انتهى
فاستجاب له ربه أي أجابه إلى ارادته وصرف عنه كيدهن في أن حال بينه وبين المعصية
وقوله سبحانه ثم بدا لهم من بعد ما رأوا

الآيات ليسجننه حتى حين بدا معناه ظهر ولما أبى يوسف عليه السلام من المعصية ويئست منه امرأة العزيز طالبته بأن قالت لزوجها إن هذا الغلام العبراني قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر بحسب أختياره وأنا محبوسة محجوبة فأما أذنت لي فخرجت إلى الناس فأعتذرت وكذبته وأما حبسته كما أنا محبوسة فحينئذ بدا لهم سجنه ع وليسجننه جملة دخلت عليها لام قسم والآيات ذكر فيها أهل التفسير أنها قد القميص وخمش الوجه وحز النساء أيديهن وكلام الصبي علىما روي قال ع ومقصد الكلام إنما هو أنهم رأوى سجنه بعد ظهور الآيات المبرئة له من التهمة فهكذا يبين ظلمهم له والحين في كلام العرب وفي هذه الآية الوقت من الزمان غير محدود يقع للقليل والكثير وذلك بين من موارده في القرآن
وقوله سبحانه ودخل معه السجن فتيان الآية المعنى فسجنوه فدخل معه السجن غلامان سجنا أيضا وروي أنهما كانا لملك الأعظم الوليد بن الريان أحدهما خبازه وأسمه مجلث والآخر ساقيه وأسمه نبو وروي أن الملك اتهمهما بأن الخباز منهما أراد سمه ووافقه على ذلك الساقي فسجنهما قاله السدي فلما دخل يوسف السجن استمال الناس فيه بحسن حديثه وفضله ونبله وكان يسلي حزينهم ويعود مريضهم ويسأل لفقيرهم ويندبهم إلى الخير فأحبه الفتيان ولزماه وأحبه صاحب السجن والقيم عليه وكان يوسف عليه السلام قد قال لأهل السجن أني اعبر الرؤيا وأجيد فروي عن ابن مسعود أن الفتيين استعملا هاتين المنامتين ليجرباه وروي عن مجاهد أنهما رأيا ذلك حقيقة فقال أحدهما اني اراني اعصر خمرا قيل فيه أنه سمى العنب خمرا بالمئال وقيل هي لغة ازد عمان يسمون العنب خمرا وفي قراءة أبي وابن مسعود أعصر عنبا وقوله أنا نراك من المحسنين قال الجمهور يريدان في العلم وقال الضحاك وقتادة المعنى من

المحسنين في جريه مع أهل السجن واجماله معهم وقوله عز و جل قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما روي عن السدي وابن إسحاق أن يوسف عليه السلام لما علم شدة تعبير منامة الرأءى الخبز وأنها تؤذن بقتله ذهب إلى غير ذلك من الحديث عسى أن لا يطالباه بالتعبير فال لهما معلما بعظيم عمله للتعبير أنه لا يجيئكما طعام في نومكما تريان أنكما رزقتماه إلا أعلمتكما بتأويل الذي أعلمكما به فروي أنهما قالا ومن أي لك ما تدعيه من العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم فال لهما ذلك مما علمني ربي ثم نهض ينحى لهما على الكفر ويقبحه ويحسن الإيمان بالله فروي أنه قصد بذلك وجهين أحدهما تنسيتهما أمر تعبير ما سألا عنه إذ في ذلك النذارة بقتل أحدهما والآخر الطماعية في أيمانهما ليأخذ المقتول بحظه من الإيمان وتسلم له آخرته وقال ابن جريج أراد يوسف عليه السلام لا يأتيكما طعام في اليقظة قال ع فعلى هذا إنما عليهم بأنه يعلم مغيبات لاتعلق لها برؤيا وقصد بذلك أحد الوجهين المتقدمين وهذا على ما روي أنه بنئ في السجن فأخباره كأخبرا عيسى عليه السلام وقوله تركت مع أنه لم يتشبث بها جائز صحيح وذلك أنه أخبر عن تجنبه من أول بالترك وساق لفظ الترك استجلابا لهما عسى أن يتركا الترك الحقيقي الذي هو بعد الأخذ في الشيء والقومالمتروك ملتهم الملك وأتباعه وقوله واتبعت الآية تماد من يوسف عليه السلام في دعائهما إلى الملة الحنيفية وقوله ماكان لنا أن نشرك بالله من شيء من هي الزائدة الموكدة التي تكون مع الحجود وقوله لا يشكرون يريد الشكر التام الذي فيه الإيمان بالله عز و جل وقوله يا صاحبي السجن ءارباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار وصفه لهما بصاحبي السجن

من حيث سكناه كما قال أصحاب الجنة وأصحاب النار ونحو ذلك ويحتمل أن يريد صحبتهما له في السجن كأنه قال يا صاحباي في السجن وعرضه عليهما بطلان أمر الأوثان بأن وصفها بالتفرق ووصف الله تعالى بالوحدة والقهر تلطف حسن وأخذ بيسير الحجة قبل كثيرها الذي ربما نفرت منه طباع الجاهل وعاندته وهكذا الوجه في محاجة الجاهل أن يؤخذ بدرجة يسيرة من الاحتجاج يقبلها فإذا قبلها لزمته عنها درجة أخرى فوقها ثم كذلك ابدا حتى يصل إلى الحق وإن أخذ الجاهل بجميع المذهب الذي يساق إليه دفعة أباه للحين وعانده ولقد ابتلى بارباب متفرقين من يخدم ابناء الدنيا ويؤملهم وقوله ما تعبدون من دونه إلا أسماء أي مسميات ويحتمل وهو الراجح المختار أن يريد ما تعبدون من دونه الوهية ولا لكم تعلق باله إلا بحسب أن سميتم أصنامكم آلهة فليست عبادتكم لا لله إلا بالاسم فقط لا بالحقيقة وأما الحقيقة فهي وسائر الحجارة والخشب سواء وإنما تعلقت عبادتكم بحسب الأسم الذي وضعتهم فذلك هو مبعودكم ومفعول سميتم الثاني محذوف تقديره آلهة هذا على أن الأسماء يراد بها ذوات الأصنام وأما على المعنى المختار من أن عبادتهم إنما هي لمعان تعطيها الأسماء وليست موجودة في الأصنام فقوله سميتموها بمنزلة وضعتموها أن الحكم إلا لله أي ليس لأصنامكم والقيم معناه المستقيم وأكثر الناس لا يعلمون لجهالتهم وكفرهم ثم نادى يا صاحبي السجن ثانية لتجتمع أنفسهما لسماع الجواب فروي أنه قال لنبو أما أنت فتعوذ إلى مرتبتك وسقاية ربك وقال لمجلث أما أنت فتصلب وذلك كله بعد ثلاث فروي أنهما قالا له ما رأينا شيئا وإنما تحالمنا لنجربك وروي أنه لم يقل ذلك إلا الذي حدثه بالصلب وقيل كأنا رأينا ثم أنكرا ثم أخبرهما يوسف عن غيب علمه من الله تعالى أن الأمر قد قضي ووافق القدر وقوله وقال للذين ظن أنه

ناج منهما الآية الظن هنا بمعنى اليقين لأن ما تقدم من قوله قضى الأمر يلزم ذلك وقال قتادة الظن هنا على بابه لأن عبارة الرؤيا ظن قال ع وقول يوسف عليه السلام قضي الأمر دال على وحي ولا يترتب قول قتادة إلا بإن يكون بعد وفي الآية تأويل آخر وهو أن يكون ن مسندا إلى الذي قيل له أه يسقى ربه خمرا لأنه داخله السرور بما بشر به وغلب على ظنه ومعتقده أنه ناج وقوله أذكرني عند ربك يحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته ويحتمل أن يذكره بمظلمته وما امتحن به بغير حق أو يذكره يحمله ذلك والضمير في انساه قيل هو عائد على يوسف أي نسي في ذلك الوقت أن يشتكي إلى الله فروي أن جبريل جاءه فعاتبه عن الله عز و جل في ذلك قيل أوحي إليه يا يوسف أتخذت من دوني وكيلا لا طيلن سبحانك والله أعلم بصحته وقيل الضمير في انساه عائد على الساقي قاله ابن إسحاق أي نسي ذكر يوسف عند ربه وهو الملك والبضع اختلف فيه والأكثر أنه من الثلاثة إلى العشرة قاله ابن عباس وعلى هذا فقه مذهب مالك في الدعاوي والإيمان وقال قتادة البضع من الثلاثة إلى التسعة ويقوى هذا قوله صلى الله عليه و سلم لأبي بكر الصديق في يقصة خطره مع قريش في غلبة الروم لفارس أما علمت أن البضع من الثلاث إلى التسع وقوله سبحانه وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف روي أنه قال رأيتها خارجة من نهر وخرجت وراءها سبع عجاف فأكلت تلك السمان وحصلت في بطونها ورأى السنابل أيضا كما ذكر والعجاف التي بلغت غاية الهزال ثم قال لحاضريه يا أيها الملأ افتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون وعبارة الرؤيا مأخذوة من عبر

النهر وهو تجاوزه من شط إلى شط فكان عابر الرؤيا ينتهي إلى آخر تأويلها قال ص وإنما لم يضف سبع إلى عجاف لأن اسم العدد لا يضاف إلى الصفة إلا في الشعر انتهى وقوله سبحانه قالوا أضغاث أحلام الآية الضعث في كلام العرب أقل من الحزمة وأكثر من القبضة من النبات والعشب ونحوه وربما كان ذلك من جنس واحد وربما كان من اخلاط النبات والمعنى أن هذا الذي رأيت أيها الملك اختلاط من الأحلام بسبب النوم ولسنا من أهل العلم بما هو مختلط ورديء والأحلام جمع حلم وهو ما يخيل إلى الإنسان في منامه والأحلام والرؤيا مما أثبتته الشريعة وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم الرؤيا من الله وهي من المبشرة والحلم المحزن من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما يكره فليتفل عن يساره ثلاث مرات وليقل أعوذ بالله من شر ما رأيت فإنه لا تضره وما كان عن حديث النفس في اليقظة فإنه لا يلتفت إليه ولما سمع الساقي الذي نجا هذه المقالة من الملك ومراجعة أصحابه تذكر يوسف وعلمه بالتأويل فقال مقالته في هذه الآية وادكر أصله اذتكر من الذكر فقلبت التءا دالا وأدغم الأول في الثاني وقرا جمهور الناس بعد أمة وهي المدة من الدهر وقرأ ابن عباس وجماعة بعد أمة وهو النسيان وقرأ مجاهد وشبل بعد أمة بسكون الميم وهو مصدر من أمه إذا نسي وبقوله أذكر يقوى قول من قال إن الضمير في أنساه عائد على الساقي والأمر محتمل وقرأ الجمهور انا انبئكم وقرأ الحسن بن أبي الحسن انا آتيكم وكذلك في مصحف أبي وقوله فارسلون استيذان في المضي وقوله يوسف أيها الصديق افتنا المعنى فجاء الرسول وهو الساقي إلى يوسف فقال له يوسف أيها الصديق وسماه صديقا من حيث كان جرب صدقه في غير ما شيء وهو بناء مبالغة من الصدق ثم قال له افتنا في سبع بقرات أي فيمن رأى في المنام سبع

بقرات وقوله لعلهم يعلمون أي تأويل هذه الرؤيا فيزول هم الملك لذلك وهم الناس وقيل لعلهم يعلمون مكانتك من العلم وكنه فضلك فيكون ذلك سببا لتخلصك ودأبا معناه ملازمة لعادتكم في الزراعة وقوله فما حصدتم فذروه في سنبله إشارة برأيى نافع بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين بوجه إلا بحيلة ابقائها في السنبل والمعنى أتركوا الزرع في السنبل إلا ما لا غنى عنه للأكل فيجتمع الطعام هكذا ويتركب ويؤكل الأقدام فالأقدام وروي أن يوسف عليه السلام لما خرج ووصف هذا الترتيب للملك وأعجبه أمره قال له الملك قد اسندت إليك تولي هذا الأمر في الأطعمة هذه السنين المقبلة فكان هذا أول ما ولي يوسف وتحصنون معناه تحرزون وتخزنون قاله ابن عباس وهو مأخوذ من الحصن وهو الحرز والملجأ ومنه تحصن النساء لأنه بمعنى التحرز وقوله يغاث الناس جائز أن يكون من الغيث وهو قول ابن عباس وجمهور المفسرين أي يمطرون وجائز أن يكون من أغاثهم الله إذا فرج عنهم ومنه الغوث وهو الفرج وفيه يعصرون قال جمهور المفسرين هي من عصر النباتات كالزيتون والعنب والقصب والسمسم والفجل ومص ربلد عصر لأشياء كثيرة وقوله سبحانه وقال الملك ايتوني به فلما جاءه الرسول الآية لما رأى الملك وحاضروه نبل التعبير وحسن الرأي وتضمن الغيب في أمر العام الثامن مع ما وصف به من الصدق عظم يوسف في نفس الملك وقال ايتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك يعني الملك فسأله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن وقصده عليه السلام بيان براءته وتحقق منزلته من العفة والخير فرسم القصة بطرف منها إذا وقع النظر عليه بأن الأمر كله ونكب عن ذكر امرأة العزيز حسن عشرة ورعاية لذمام ملك العزيز له وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن القاسم صاحب ملك عن النبي صلى الله

عليه وسلم ولو لبثت في السجن لبث يوسف لاجبت الداعي المعنى لو كنت أنا لبادرت بالخروج ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك وذلك أن هذه القصص والنوازل إنما هي معرضة ليقتدي الناس بها إلى يوم القيامة فأراد صلى الله عليه و سلم حمل الناس على الاحزم من الأمور وذلك أن التارك لمثل هذه الفرصة ربما نتج له بسبب التأخير خلاف مقصوده وإن كان يوسف قد آمن ذلك بعلمه من الله فغيره من الناس لا يأمن ذلك فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه و سلم بنفسه إليها حالة حزم ومدح ليقتدى به وما فعله يوسف عليه السلام حالة صبر وتجلد قال ابن العربي في أحكامه وأنظر إلى عظيم حلم يوسف عليه السلام ووفرو أدبه كيف قال ما بال النسوة اللتي قطعن أيديهن فذكر النساء جملة لتدخل فيهن امرأة العزيز مدخل العموم بالتلويح دون التصريح انتهى وهذه كانت أخلاق نبينا محمد صلى الله عليه و سلم لا يقابل أحد بمكروه وإنما يقول ما بال أقوام يفعلون كذا من غير تعيين وبالجملة فكل خصلة حميدة مذكورة في القرآن أتصف بها الأنبياء والأصفياء فقد أتصف بها نبينا محمد صلى الله عليه و سلم إذ كان خلقه القرآن كما روته عائشة في الصحيح وكما ذكر الله سبحانه اولائك الذين هدى الله فبهداهم اقتده انتهى وقوله إن ربي بكيدهن عليم فيه وعيد وقوله قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه المعنى فجمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن وقال لهن ما خطبكن الآين أي أي شيء كانت قصتكن فجاوب النساء بجواب جيد تظهر منه براءة أنفسهن واعطين يوسف بعض براءة فقلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء فلماس معت امرأة العزيز مقالتهن وحيدتهن حضرتها نية وتحقيق فقالت الآن حصحص الحق أي تبين الحق بعد خفائه قاله الخليل وغيره قال البخاري حاش وحاشى تنزيه واستثناء وحصحص وضح انتهى ثم أقرت على نفسها

بالمراودة والتزمت الذنب وابرأت يوسف البراءة التامة وقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب إلى قوله ربي غفور رحيم اختلف فيه أهل التأويل هل هو من قول يوسف أو من قول امرأة العزيز وقوله سبحانه وقال الملك ايتوني به استخلصه لنفسي المعنى أن الملك لما تبينت له براءة يوسف وتحقق في القصة أمانته وفهم أيضا صبره وعلو همته عظمت عنده منزلته وتيقن حسن خلاله فقال ايتوني به استخلصه لنفسي فلما جاءه وكلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين أي متمكن مما أردت أمين على ما ائتمنت عليه من شيء أما أمانته فلظهور براءته وأما مكانته فلثبوت عفته وتراهته انتهى ولما فهم يوسف عليه السلام من الملك أنه عزم على تصريفه والاستعانة بنظره قال أجعلني على خزائن الأرض لما في ذلك من مصالح العباد قال ع وطلبه يوسف للعمل إنما هي حسبة منه عليه السلام في رغبته في أن يقع العدل وجائز أيضا للمرء أن يثني على نفسه بالحق إذا جهل أمره والخزائن لفظ عام لجميع ما تختزنه المملكة من طعام ومال وغيره وقوله سبحانه وكذلك مكنا ليوسف في الأرض الإشارة بذلك إلى جميع ما تقدم من جميل صنع الله به فروي أن العزيز مات في تلك الليالي وقال ابن إسحاق بل عزله الملك ثم مات اظفير فولاه الملك مكانه وزوجه زوجته فلما دخلت عليه عروسا قال لها أليس هذا خيرا مما كنت أردت فدخل يوسف بها فوجدها بكرا وولدت له ولدين وروي أيضا أن الملك عزل العزيز وولي يوسف موضعه ثم عظم ملك يوسف وتغلب على حال الملك أجمع قال مجاهد وأسلم الملك آخر أمره ودرس أمر العزيز وذهبت دنياه ومات وافتقرت زوجته وشاخت فلما كان في بعض الأيام لقيت يوسف في طريق والجنود حوله ووراءه وعلى رأسه بنود عليها مكتب هذه سبيلي

ادعوا إلى الله على بصيرة انا ومن ابعني وسبحان الله وما انا من المشركين فصاحب به وقالت سبحان الله من أعز العبيد بالطاعة وأذل الأرباب بالمعصية فعرفها وقالت له تعطف علي وارزقني شيئا فدعا له وكلمها واشفق لحالها ودعا الله تعالى فرد عليها جمالها وتزوجها وروي في نحو هذا من القصص ما لا يوقف على صحته ويطول الكلام بسبوقه وباقي الآية بين واضح للمستبصرين ونور وشفاء لقلوب العارفين وقوله ليوسف ابو البقاء اللام زائدة أي مكنا يوسف ويجوز ألا تكون زائدة فالمفعول محذوف أي مكنا ليوسف الأمور انتهى وقوله عز و جل وجاء أخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون قال السدي وغيره سبب مجيئهم أن المجاعة اتصلت ببلادهم وكان الناس يمتارون من عند يوسف وهو في رتبة العزيز المتقدم وكان لا يعطى الوارد أكثر من حمل بعير يسوي بين الناس فلما ورد أخوته عرفهم ولم يعرفوه لبعد العهد وتغير سنه ولم يقع لهم بسبب ملكه ولسانه القبطي ظن عليه وروي في بعض القصص أنه لما عرفهم أراد أن يخبروه بجيمع أمرهم فباحثهم بأن قال لهم بترجمان اظنكم جواسيس فاحتاجوا حينئذ إلى التعريف بأنفسهم فقالوا نحن أبناء رجل صديق وكنا اثني عشر ذهب منا واحد في البرية وبقي أصغرنا عند أبينا وجئنا نحن للميرة وسقنا بعير الباقي منا وكنا عشرة ولهم أحد عشر بعير فقال لهم يوسف ولم تخلف أحدكم قالوا لمحبة أبينا فيه قال فأتوا بهذا الأخ حتى أعلم حقيقة قولكم وأرى لم أحبه أبوكم أكثر منكم إن كنتم صادقين وروي في القصص أنهم وردوا مصر واستأذنوا على العزيز وانتسبوا في الاستيذان فعرفهم وأمر بإنزالهم وأدخالهم في ثاني يوم على هيئة عظيمة لملكه وروي أنه كان متلثما ابدا سترا لجماله وأنه كان يأخذ الصلواع فينقره ويفهم من طنينه صدق الحديث من كذبه فسئلوا عن

أخبارهم فكلما صدقوا قال لهم يوسف صدقتم فلما قالوا وكان لنا أخ أكله الذيب أطن يوسف الصواع وال كذبتم ثم تغير لهم وقال أراكم جواسيس وكلفهم سوق الأخ الباقي ليظهر صدقهم في ذلك في قصص طويل جاءت الإشارة إليه في القرآن والجهاز ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع وقوله بأخ لكم ص نكره ليريهم أنه لا يعرفه وفرق بين غلام لك وبين غلامك ففي الأول أنت جاهل به وفي الثاني أنت عالم لأن التعريف به يفيد نوع عهد في الغلام بينك وبين المخاطب انتهى وقول يوسف ألا ترون أني أوفي الكيل الآية يرغبهم في نفسه آخرا ويؤنسهم ويستميلهم والنزلين يعني المضيفين ثم توعدهم بقوله فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون أي في المستأنف وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال كان يوسف يلقى حصاة في إناء فضة مخوص بالذهب فيظن فيقول لهم إن هذا الإناء يخبرني أن لكم أبا شيخا وروي أن ذلك الإناء به كان يكيل الطعام إظهارا لعزته بحسب غلائه وروي أن يوسف استوفى في تلك السنين أموال الناس ثم املاكهم وظاهر كل ما فعله يوسف معهم أنه بوحي وأمر وإلا فكان بر يعقوب يقتضي أن يبادر إليه ويستدعيه لكن الله تعالى أعلمه بما يصنع ليكمل أجر يعقوب ومحنته وتتفسر الرؤيا الأولى وقوله لعلهم يعرفونها يريد لعلهم يعرفوا لها يدا وتكرمة يرون حقها فيرغبون في الرجوع إليناوأما ميز البضاعة فلا يقال فيه لعل وقيل قصد يوسف برد البضاعة أن يتحرجوام ن أخذ الطعام بلا ثمن فيرجعوا لدفع الثمن وهذا ضعيف من وجوه وسرورهم بالبضاعة وقولهم هذه بضاعتنا ردت إلينا يكشف أن يوسف لم يقصد هذا وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم ويظهر أن ما فعله يوسف من صلتهم وجبرهم في تلك الشدة كان واجبا عليه وقيل علم عدم البضاعة والدرهم عند أبيه فرد البضاعة إليهم ليلا يمنعهم العدم من الرجوع إليه وقيل

جعلها توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه بعد ذلك ليبين أنه لم يسرق لمن يتأمل القصة والظاهر من القصة أنه إنما أراد الاستيلاف وصلة الرحم وأصل نكتل نكتئل وقولهم منع منا الكيل ظاهره أنهم أشاروا إلى قوله فلا كيل لكم عندي فهو خوف من المستأنف وقيل اشاروا إلى بعير يامين والأول أرجح ثم تضمنوا له حفظه وحيطته وقول يعقوب عليه السلام هل آمنكم عليه الآية هل توقيف وتقرير ولم يصرح بممنعهم من حمله لما رأى في ذلك من المصلحة لكنه أعلمهم بقلة طمانينته إليهم ولكن ظاهر أمرهم أنهم قد أنابوا إلى الله سبحانه وانتقلت حالهم فلم يخف على يامين كخوفه على يوسف وقرأ نافع وغيره خير حفظا وقرأ حمزة وغيره خير حافظا ونصب ذلك في القراءتين على التمييز والمعنى أن حفظ الله خير من حفظكم فاستسلم يعقوب عليه السلام لله وتوكل عليه وقولهم ما نبغي يحتمل أن تكون ما استفهاما قاله قتادة ونبغي من البغية أي ماذا نطلب بعد هذه التكرمة هذا مالنا رد إلينا مع ميرتنا قال الزجاجويحتمل أن تكون مانافية أي ما بقي لنا ما نطلب ويحتمل أن تكون أيضا نافية ونبغي منا البغي أي ما تعدينا فكذبنا على هذا الملك ولا نفي وصف اجماله واكرامه هذه البضاعة ردت إلينا وقرأ أبو حيوة ما تبغي على مخاطبة يعقوب وهي بمعنى ما تريد وما تطلب وقولهم ونزدادكيل بعير يردون بعير أخيهم إذ كان يوسف إنما حمل لهم عشرة أبعرة ولم يحمل الحادي عشر لغيب صاحبه وقولهم ذلك كيل يسير قيل معناه يسير على يوسف أن يعطيه وقال السدي يسير أي سريع لا نحبس فيه ولا نمطل
وقوله تعالى فلما ءاتوه موثقهم فالآية أي لما عاهدوه اشهد الله بينه وبينهم بقوله الله على ما نقول وكيل والوكيل القيم الحافظ الضامن
وقوله إلا أن يحاط بكم لفظ عام لجميع وجوه الغلبة أنظر أن يعقوب عليه السلام قد توثق في هذه القصة وأشهد

الله تعالى ووصى بنيه وأخبر بعد ذلك بتوكله فهذا توكل مع من سبب وهو توكل جميع المؤمنين إلا من شذ في رفض السعي بالكلية وقنع بالماء وبقل البرية فتلك غاية التوكل وعليها بعض الأنبياء عليهم السلام والشارعون منهممثبتون سنن التسبب الجائز قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي حمزة رضي الله عنه وقد أشتمل القرآن على أحكام عديدة فمنها التعلق بالله تعالى وترك الأسباب ومنها عمل الأسباب في الظاهر وخلو الباطن من التعلق بها وهو اجلها وازكاها لأن ذلك جمع بين الحكمة وحقيقة التوحيد وذلك لا يكون إلا للافذاذ الذين من الله عليهم بالتوفيق ولذلك مدح الله تعالى يعقوب عليه الصلاة و السلام في كتابه فقال وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون لأنه عمل الأسباب وأجتهد في توفيتها وهو مقتضى الحكمة ثم رد الأمر كله لله تعالى واستسلم إليه وهو حقيقة التوحيد فقال وما أغنى عنكم من الله من شيء أن الحكم إلا لله الآية فأنثى الله تعالى عليه من أجل جمعه بين هاتين الحالتين العظيمتين
وقوله لا تدخلوا من باب واحد قيل خشي عليهم العين لكونهم أحد عشر لرجل واحد وكانوا أهل جمال وبسطة قاله ابن عباس وغيره
وقوله سبحانه ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم روي أنه لما ودعوا أباهم قال لهم بلغوا ملك مصر سلامي وقولوا له أن أبانا يصلي عليك ويدعو لك ويشكر صنيعك معنا وفي كتاب أبي منصور المهراني أنه خاطبه بكتاب قرئى على يوسف فبكى
وقوله سبحانه ما كان يغنى عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها بمثابة قولهم لم يكن في ذلك دفع قدر الله بل كان أربا ليعقوب قضاه فالاستثناء ليس من الأول والحاجة هي ان يكون طيب النفس بدخولهم من أبواب متفرقة خوف العين ونظير هذا الفعل أن النبي صلى الله عليه و سلم سد كوة

في قبر بحجر وقال إن هذا لا يغني شيئا ولكنه تطييب لنفس الحي ثم اثنى الله عز و جل على يعقوب بأنه لقن ما علمه الله من هذا المعنى وأن أكثر الناس ليس كذلك وقال قتادة معناه لعامل بما علمناه وقال سفيان من لا يعمل لا يكون عالما قال ع وهذا لا يعطيه اللفظ إما أنه صحيح في نفسه يرجحه المعنى وما تقتضيه منزلة يعقوب عليه السلام
وقوله اني الا اخوك قال ابن إسحاق وغيره أخبره بأنه أخوه حقيقة واستكتمه وقال له لا تبال بكل ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم وكان يامين شقيق يوسف
وقوله فلا تبتئس بما كانوا يعملون يحتمل أن يشير إلى ما عمله الأخوة ويحتمل الإشارة إلى ما يعمله فتيان يوسف من أمر السقاية ونحو ذلك وتبتئس من البؤس أي لا تحزن ولا تهتم وهكذا عبر المفسرون
وقوله سبحانه فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون هذا من الكيد الذي يسره الله ليوسف عليه السلام وذلك أنه كان في دين يعقوب أن يستعبد السارق وكان في دين مصر أن يضرب ويضعف عليه العزم فعلم يوسف أن أخوته لثقتهم ببراءة ساحتهم سيدعون في السرقة إلى حكمهم فتحيل لذلك واستسهل الأمر على ما فيه من رمي ابرياء وادخال الهم على يعقوب وعليهم لما علم في ذلك من الصلاح في الآجل وبوحي لا محالة واردة من الله محنتهم بذلك والسقاية الإناء الذي به يشرب الملك وبه كان يكيل الطعام للناس هكذا نص جمهور المفسرين ابن عباس وغيره ووري أنه كان من فضة وهذا قول الجمهور وكان هذا الجعل بغير علم من يامين قاله السدي وهو الظاهر فلما فصلت العير باوقارها وخرجت من مصر فيما روي امر بهم فحبسوا واذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون ومخاطبة العير مجاز والمراد أربابها ت قال الهروي قوله تعالى ايتها العير الإبل

والحمير التي يحمل عليها الأحمال وأراد أصحاب العير وهذا كقوله صلى الله عليه و سلم يا خيل الله أركبي أراد يا أصحاب خيل الله اكبي وأنت ايا لأنه للعير وهي جماعة انتهى فلما سمع أخوة يوسف هذه المقالة اقبلوا عليم وساءهم أن يرموا بهذه المثلبة وقالوا ماذا تفقدون ليقع التفتيش فتظهر براءتهم ولم يلوذوا بالإنكار من أول بل سألوا إكمال الدعوى عسى أن يكون فيها ما تبطل به فلا يحتاج إلى خصام قالوا نفقد صواع الملك وهو المكيال وهو السقاية قال أبو عبيدة يؤنث الصواع من حيث سمي سقاية ويذكر من حيث هو صاع ت ولفظ أبي عبيدة الهروي قال الأخفش الصاع يذكر ويؤنث قال الله تعالى ثم استخرجهامن وعاء أخيه فانث وقال لمن جاء به حمل بعير فذكر لأنه عني به الصواع انتهى
وقوله ولمن جاء به حمل بعير أي لمن دل على سارقه وجبر الصواع وهذا جعل وقوله وأنا به زعيم حمالة قال مجاهد الزعيم هو المؤذن الذي قال أيتها العير والزعيم الضامن في كلام العرب
وقوله تعالى قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض روي أن أخوة يوسف كانوا ردوا البضاعة الموجودة في الرحال وتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فلذلك قالوا لقد علمتم أي لقدعلمتم منا التحري وروي أنهم كانوا قد اشتهروا بمصر بصلاح وتعفف وكانوا يجعلون الأكمة في أفواه إبلهم ليلا تنال زروع الناس فلذلك قالوا لقد علمتم والتاء في تالله بدل من الواو ولا تدخل التاء في القسم إلا في هذا الإسم قال ابن العربي في أحكامه قال الطبري قوله تعالى قالوا جزاؤه من وجد في رحله على حذف مضاف تقديره جزاؤه استعباد أو استرقاق من وجد في رحله انتهى وقولهم كذلك نجزي الظالمين أي هذه سنتنا وديننا في أهل السرقة أن يتملك السارق كما تملك هو الشيء المسروق
وقوله سبحانه فبدأ بأوعيتهم الآية بدؤه أيضا

من أوعيتهم تمكين للحيلة وإبعاد لظهور أنها حيلة وأضاف الله سحبانه الكيد إلى ضميره لما خرج القدر الذي أباح به ليوسف أخذ أخيه مخرج ما هو في اعتقاد الناس كيد وقال السدي والضحاك كدنا معناه صنعنا ودين الملك فسره ابن عباس بسلطانه وفسره قتادة بالقضاء والحكم وهذا متقارب قال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى كذلك كذنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إذ كان الملك لا يرى استرقاق السارق وإنما كان دينه أن يأخذ المجني عليه من السارق مثلي السرقة إلا إن يشاء الله التزام الأخوة لدين يعقوب بالاسترقاق فقضى عليهم به انتهى قال ع والاستثناء في هذه الآية حكاية حال التقدير إلا أن يشاء الله وما وقع من هذه الحيلة وروى أبو عمر بن عبد البر بسنده عن مالك عن زيد بن أسلم أنه قال في قوله عز و جل نرفع درجات من نشاء قال بالعلم انتهى من كتاب العلم وقوله سبحانه وفوق كل ذي علم عليم المعنى أن البشر في العلم درجات فكل عالم فلا بد من أعلم منه فأما من البشر وأما الله عز و جل فهذا تأويل الحسن وقتادة وابن عباس وروي أيضا عن ابن عباس إنما العليم الله وهو فوق كل ذي علم قال ابن عطاء الله في التنوير أعلم أن العلم حيث ما تكرر في الكتاب العزيز أو في السنة فإنما المراد به العلم النافع الذي تقارنه الخشية وتكتنفه المخافة انتهى قال الشيخ العراف أبو القاسم عبد الرحمن ابن يوسف اللجاءي رحمه الله إذا كملت للعبد ثلاث خصال وصدق فيهاتفجر العلم من قلبه على لسناه وهي الزهد والإخلاص والتقوى قال ولا مطمع في هذا العلم المذكور إلا بعد معالجة القلب من علله التي تشينه كالكبر والحسد والغضب والرياء والسمعة والمحمدة والجاه والشرف وعلو المنزلة والطمع والحرص والقسوة والمداهنة والحقد والعداوة وكل ما عددناه من العلل وما

لم نعده راجع إلى أصل واحد وهو حب الدنيا لأن حبها عنه يتفرع كل شر وعنه يتشعب كل قبيح فإذا زالت هذه العل ظهر الصدق والإخلاص والتواضع والحلم والورع والقناعة والزهد والصبر والرضى والأنس والمحبة والشوق والتوكل والخشية والحزن وقصر الأمل ومزاج النية بالعلم فينبع العلم وينتفي الجهل ويضيء القلب بنور الاهي ويتلألأ الإيمان وتوضح المعرفة ويتسع اليقين ويتقوى الإلهام وتبدو الفراسات ويصفى السر وتتجلى الأسرار وتوجد الفوائد قال رحمه الله وليس بين العبد والترقي من سفل إلى علو الأ حب الدنيا فإن الترقي يتعذر من أجل حبها لأنها جاذبة إلى العالم الظلماني وطباع النفوس لذلك ماثلة فإن أردت أن تقتفي أثر الذاهبين إلى الله تعالى فاستخفف بدنياك وأنظرها بعين الزوال وأنزل نفسك عند أخذ القوت منها منزلة المضطر إلى الميتة والسلام انتهى وروي أن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل فلم يجد فيه شيئا استغفر الله عز و جل من فعله ذلك وظاهر كلام قتادةوغيره أن المستغفر هو يوسف حتى انتهى إلى رحل بنيامين فقال ما أظن هذا الفتى رضي بهذا ولا أخذ شيئا فقال له إخوته والله لا تبرح حتى تفتشه فهو أطيب لنفسك ونفوسنا ففتش حينئذ فأخرج السقاية وروي أن أخوة يوسف لما رأوا ذلك عنفوا بنيامين وقالوا له كيف سرقت هذه السقاية فقال لهم والله ما فعلت فقالوا له فمن وضعها في رحلك قال الذي وضع البضاعة في رحالكم والضمير في قوله استخرجها عائد على السقاية ويحتمل على السرقة وقوله سبحانه قالوا إن يسرق أي قالوا أخوة يوسف إن كان هذا قد سرق فغير بدع من ابني راحيل لأن أخه يوسف قد كان سرق فهذا من الأخوة إنحاء على ابني راحيل يوسف ويامين وهذه الأقوال منهم عليهم السلام إنما كانت بحسب الظاهر موجب الحكم في النازلتين فلم يعنوا في غيبة ليوسف وإنما قصدوا

الأخبار بأمر جرى ليزول بعض المعرة عنهم ويختص بها هذان الشقيقان وأما ما روي في سرقة يوسف فالجمهور على أن عمته كانت ربته فلما شب أراد يعقوب أخذه منها فولعت به وأشفقت من فراقه فأخذت منطقة إسحاق وكانت متوارثة عندهم فنطقته بها من تحت ثيابه ثم صاحب وقالت إني قد فقدت المنطقة ويوسف قد خرج بها ففتشت فوجدت عنده فاسترقته حسب ما كان في شرعهم وبقي عندها حتى ماتت فصار عند أبيه وقوله فاسرها يوسف يعني أسر الخرة التي حدثت في نفسه من قول الأخوة وقوله أنتم شر مكانا الآية الظاهرمنه أنه قالها افصاحا كأنه أسر لهم كراهية مقالتهم ثم نجههم بوقهل أنتم شر مكانا أي لسوء أفعالكم والله أعلم إن كان ما وصفتموه حقا وفي اللفظ إشارة إلى تكذبيهم ومما يقوي هذا عندي أنهم تركوا الشفاعة بأنفسهم وعدلوا إلى الشفاعة بأبيهم عليه السلام وقالت فرقة لم يقل هذا الكلام إلا في نفسه وأنه تفسير للذي أسر في نفسه فكأن المراد قال في نفسه انتم شر مكانا وذكر الطبري هنا قصصا اختصاره أنه لما استخرجت السقاية من رحل يامين قال أخوته يا بني راحيل لا يزال البلاء ينالنا من جهتكم فقال يامين بل بنو راحيل ينالهم البلاء منكم ذهبتم بأخي فأهكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم فقالوا لا تذكر الدراهم ليلا نؤخذ بها ثم دخلوا على يوسف فأخذ الصواع فنقره فظن فقال أنه يخبر أنكم ذهبتم بأخ لكم فبعتموه فسجد يامين وقال أيها العزيز سل سواعك هذا يخبرك بالحق في قصص يطول أثرنا اختصاره وروي أن روبيل غضب وقف شعره حتى خرج من ثيابه فأمر يوسف بنياله فمسه فسكن غضبه فقال روبيل لقد مسني أحد من ولد يعقوب ثم أنهم تشاوروا في محاربة يوسف وكانوا أهل قوة لا يدانون في ذل فلما أحس يوسف بذلك قال إلى روبيل فلببه وصرعه فرأوا من قوته ما استعظموه وقالوا يا أيها العزيز

الآية وخاطبوه باسم العزيز إذ كان في تلك الخطة بعزل الأول أو موته علىما روي في ذلك وقوله فخذ أحدنا مكانه يحتمل أن يكون ذلك منهم مجازا ويحتمل أن يكون حقيقة على طريق الحمالة حتى يصل يامين إلى أبيه ويعرف يعقوب جلية الأمر فمنع يوسف من ذلك وقال معاذ الله الآية وقوله سبحانه فلما استيأسوا منه الآية يقا يئس واستيأس بمعنى واحد قال البخاري خلصوا نجيا اعتزلوا والجمع أنجية وللأثنين والجمع نجي وأنجية انتهى وقال الهروي خلصوا نجيا أي تميزوا عن الناس متناجين انتهى وكبيرهم قال مجاهد هو شمعون كان كبيرهم رأيا وعلما وإن كان روبيل أسنهم وقال قتادة هو روبيل لأنه اسنهم وهذا أظهر ورجحه الطبري وذكرهم أخوهم ميثاق أبيهم لتأتننى به إلا أن يحاط بكم وقوله فلن أرح الأرض قال ص برح التامة بمعنى ذهب وظهر ومنه برح الخفاء أي ظهر والمتوجه هنا معنى ذهب لكنه لاينصب الظرف المكاني المختص إلا بواسطة فاحتيج إلى تضمينه معنى فارق والأرض مفعول به ولا يجوز أن تكون ابرح ناقصة انتهى وقوله ارجعوا إلى أبيكم الأمر بالرجوع قيل هو من قول كبيرهم وقيل من قول يوسف والأول أظهر وذكر الطبري أن يوسف قال لهم إذا أتيتم أباكم فاقرءوا عليه السلام وقولوا له إن ملك مصر يدعو لك أن لا تموت حتى ترى ولدك يوسف ليعلم أن في أرض مصر صديقين مثله وقرأ الجمهور سرق وروي عن الكسائي وغيره سرق ببنائه للمفعول وما شهدنا إلا بما علمنا أي باعتبار الظاهر والعلم في الغيب إلى الله ليس ذلك في حفظنا هذا تأويل ابن إسحاق ثم استشهدوا بالقرية التي كانوا فيها وهي مصر قاله ابن عباس والمراد أهلها قال البخاري سولت أي زبنت وقوله يعقوب عسى الله أن يأتيني بهم جميعا يعني بيوسف ويامين وروبيل

الذي لم يبرح الأرض ورجاؤه هذا من جهات منها حسن ظنه بالله سبحانه في كل حال ومنها رؤيا يوسف المتقدمة فإنه كان ينتظرها ومنها ما أخبروه عن ملك مصر أنه يدعو له برؤية ابنه وقوله سبحانه وتولى عنهم أي زال بوجهه عنهم ملتجأ إلى الله وقال يا اسفى على يوسف قال الحسن خصت هذه الأمة بالاسترجاع ألا ترى إلى قول يعقوب يا اسفى قال ع والمراد يا اسفى لكن هذه لغة من يرد ياء الإضافة ألفا نحو يا غلاما ويا ابتا ولا يبعد أن يجتمع الاسترجاع ويا اسفى لهذه الأمة وليعقوب عليه السلام وروي أني عقوب عليه السلام حزم حزم سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله قط رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه و سلم وهو كظيم بمعنى كاظم كما قال والكاظمين الغيظ ووصف يعقوب بذلك لأنه لم يشك إلى أحد وإنما كان يكمد في نفسه ويمسك همه في صدره فكان يكظمه أي يرده إلى قلبه ت وهذاينظر إلى قول النبي صلى الله عليه و سلم القب يحزن والعين تدمع ولا نقول إلا ما يرضي الرب الحديث ذكر هذا صلى الله عليه و سلم عند موت ولده إبراهيم قال ابن المبارك في رقائقه أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى وأبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قال كظم على الحزن فلم يقل إلا خيرا انتهى قال ابن العربي في أحكامه وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال في أبنه إبراهيم أن العين دمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى الرب وانا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون وقال أيضا في الصحيح صلى الله عليه و سلم إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب وإنما يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم انتهى خرجه البخاري وغيره وقوله تعالى قالوا تالله تفتؤا الآية المعنى تالله لا تفتأ فتحذف لا في هذا الموضع من القسم لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول

امرئي القيس ... فقلت يمين الله ابرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ...
ومنه قول الآخر ... تالله يبقى على الآيام ذو حيد ...
أراد لا أبرح ولا يبقى وفتضى بمنزلة زال وبرح في المعنى والعمل تقول والله لافتئت قاعدا كما تقول لا زلت ولا برحت وعبارة الداودي وعن ابن عباس تفتؤا أي لا زلا تذكر يوسف حتى تكون حرضا انتهى والحرض الذي قد نهاه الهرم أو الحب أو الحزن إلى حال فساد الأعضاء والبدن والحس يقال رجل حارض أي ذو هم وحزن ومنه قول الشاعر ... إني امرؤ لج بي حب فاحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم ...
والحرض بالجملة الذي فسد ودنا موته قال مجاهد الحرض ما دون الموت وفي حديث النبي صلى الله عليه و سلم ما من مؤمن يمرض حتى يحرضه المرض إلا غفر له انتهى من رقائق ابن المبارك ثم اجابهم يعقوب عليه السلام بقوله إنما اشكوا بثي وحزني إلى الله أي إني لست ممن يجزع ويضجر وإنما أشكوا إلى الله والبث ما في صدر الإنسان مما هو معتزم أن يثبته وينشره وقالوا أبو عبيدة وغيره البث أشد الحزن قال الداودي عن ابن بير قال من بث فلم يصبر ثم قرأ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله انتهى وقول وتيأسوامن روح الله الآية الروح الرحمة ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين إذ فيه ما التكذيب بالربوبية وأما الجهل بصفات الله تعالى والبضاعة القطعة من المال يقصد بها شراء شيء ولزمها عرف الفقه فيما لاحظ لحملها من الربح والمزجاة معناها المدفعوة المتحيل لها وبالجملة فمن يسوق شيئا ويتلطف في تسييره فقد ازجاه فإذا كانت الدراهم مدفوعة نازلة القدر تحتاج أنيعتذر معها ويشفع لها فهي مزجاة فقيل كان ذلك لأنها كانت زيوفا قاله

ابن عباس وقيل كانت بضاعتهم عروضا وقولهم وتصدق علينا معناه ما بين الدراهم الجياد وبين هذه المزجاة قاله السدي وغيره وقال الداودي عن ابن جريج وتصدق علينا قال أردد علينا أخانا انتهى وهو حسن وقوله تعالى هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون روي أن يوسف عليه السلام لما قال له إخوته مسنا وأهلنا الضر واستعطفوه رق ورحمهم قال ابن إسحاق وأرفض دمعه باكيا فشرع في كشف أمره إليهم فروي أنه حسر قناعة وقال لهم هل علمتم الآيةوما فعلتم بيوسف وأخيه أي من التفريق بينهما في الصغر وما نالهما بسببكم من المحن غذ أنتم جاهلون نسبهم إما إلى جهل المعصية وإما إلى جهل الشباب وقلة الحنكة فلما خاطبهم هذه المخاطبة تنبهوا ووقع لهم الظن القوي وقرائن الحال أنه يوسف فقالوا ائنك لانت يوسف مستفهمين فأجباهم يوسف كاشفا أمره قال أنا يوسف وهذا أخي وباقي الآية بين وقوله سبحانه قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخطاطئين هذا منهم استنزال ليوسف وأقرار بالذنب في ضمنه استغفار منه وءاثرك لفظ يعم جميع التفضيل
وقوله لا تثريب عليكم عفو جميل وقال عكرمة أوحى الله إلى يوسف بعفوك عن أخوتك رفعت لك ذكرك والتثريب اللوم والعقوبة وماجرى معهما من سوء معتقد ونحوه وعبر بعض الناس عن التثريب بالتعيير ووقف بعض القرأة عليكم وابتدأ اليوم يغفر الله لكم ووقف أكثرهم اليوم وابتدأ يغفر الله لكم على جهة الدعاء هو تأويل ابن إسحاق والطبري وهو الصحيح الراجح في المعنى لأن الوقف الآخر فيه حكم على مغفرة الله اللهم إلا أن يكون ذلك بوحي
وقوله إذهبوا بقميصى هذا فالقوه على وجه أبى قال النقاش روي أن هذا القميص كان من ثياب الجنة كساه الله إبراهيم ثم توارثه بنوه قال ع وهذا يحتاج إلى سند

والظاهر أنه قميص يوسف كسائر القمص وقول يوسف يأت بصيرا فيه دليل على أن هذا كله بوحي وإعلام من الله تعالى وروي أن يعقوب وجد ريح يوسف وبينه وبين القميص مسيرة ثمانية أيام قاله ابن عباس وقال هاجت ريح فحملت عرفه وقول يعقوب إني لاجد ريح يوسف مخاطبة لحاضريه فروي أنهم كانوا حفدته وقيل كانوا بعض بنيه وقيل كانوا قرابته وتفندون معناه تردون رأيي وتدفعون في صدره وهذاهو التفنيذ لغة قال منذر بن سعيد يقال شيخ مفند أي قد فسد رأيه والذي يشبه أن تفتيدهم ليعقوب إنما كان لأنهم كانوا يعقتدون أن هواه قد غلبه في جانب يوسف وقال ص معنى تفندون تسفهون انتهى وقولهم إنك لفي ضلالك القديم يريدون لفي انتلافك في محبة يوسف وليس بالضلال الذي هو في العرف ضد الرشاد لأن ذلك من الجفاء الذي لا يسوغ لهم مواجهته به
وقوله سبحانه فلما ان جاء البشير القاه على وجهه فارتد بصيرا روي عن ابن عباس أن البشير كان يهوذا لأنه كان جاء بقميص الدم وبصيرا معناه مبصرا وروي أنه قال للبشير على أي دين تركت يوسف قال على الإسلام قال الحمد لله الآن كملت النعمة
وقوله تعالى قالوا يا ابانا استغفر لنا ذنوبنا الآية روي أن يوسف عليه السلام لما غفر لأخوته وتحققوا أن أباهم يغفر لهم قال بعضهم لبعض ما يغنى عنا هذا أن لم يغفر الله لنا فطلبوا حينئذ من يعقوب عليه السلام أن يطلب لهم المغفرة من الله تعالى واعترفوا بالخطأ فقال لهم يعقوب سوف استغفر لكم ربي ت وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لعلي رضي الله عنه إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب وقد قال أخي يعقوب لنبيه سوف استغفر لكم ربي يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وذكر الحديث رواه الترمذي وقال حسن غريب

لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال صحيح على شرط الشيخين يعني البخاري ومسلما انتهى من السلاح
وقوله سبحانه ءاوى إليه أبويه قال بن إسحاق والحسن أراد بالأبوين أباه وأمه وقيل أراد أباه وخالته قال ع والأول أظهر بحسب اللفظ إلا أن يثبت بسند أن أمه قد كانت ماتت
وقوله إن شاء الله هذا الاستثناء هو الذي ندب القرآن إليه أن يقوله الإنسان في جميع ما ينفذه في الستقبل والعرش سرير الملك وخروا له سجدا أي سجود تحية فقيل كان كالسجود المعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض وقيل بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه مما كان سيرة تحياتهم للملوك في ذلك الزمان وأجمع المفسرون أنه كان سجود تحية لا سجود عبادة وقال الحسن الضمير في له لله عز و جل ورد هذا القول على الحسن
وقوله عز و جل وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا المعنى قال يوسف ليعقوب هذا السجود الذي كان منكم هو ما آلت إليه رؤياي قديما في الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر قد جعلها ربي حقا ثم أخذ عليه السلام يعدد نعم الله عليه وقال وقد أخرجني من السجن وترك ذكر أخراجه من الجب لأن في ذكره تجدبد فعل أخوته وخزيهم وتحريك تلك الغوائل وتخبيث النفوس ووجه آخر أنه خرج من الجب إلى الرق ومن السجن إلى الملك فالنعمة هنا واضح
أن ربي لطيف لما يشاء أي من الأمور أن يفعله
أنه هو العليم الحكيم قال ع ولا وجه في ترك تعريف يوسف أباه بحاله منذ خرج من السجن إلى العز إلا الوحي من الله تعالى لما أراد أن يمتحن به يعقوب وبنيه وأراد من صورة جمعهم لا إله إلا هو وقال النقاش كان ذلك الوحي في الجب وهو قوله سبحانه
وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون وهذا محتمل
وقوله رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من

تأويل الأحاديث الآية ذكر كثير من المفسرين أن يوسف عليه السلام لما عدد في هذه الآية نعم الله عنده تشوق إلى لقاء ربه ولقاء الجلة وصالحي سلفه وغيرهم من المؤمنين ورأى أن الدنيا قليلة فتمنى الموت في قوله توفني مسلما والحقني بالصالحين وقال ابن عباس لم يتمن الموت نبيء غير يوسف وذكر المهدوي تأويلا آخر وهو الأقوى عندي أنه ليس في الآية تمني موت وإنما تمنى عليه السلام الموافاة على الإسلام لا الموت وكذا قال القرطبي في التذكرة أن معنى الآية إذا جاء أجلي توفني مسلما قال وهذا القول هو المختار عند أهل التأويل والله أعلم انتهى وقوله صلى الله عليه و سلم لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به إنما يريد ضرر الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك ويبقى تمني الموت مخافة فساد الدين مباحا وقد قال صلى الله عليه و سلم في بعض أدعيته وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون
وقوله أنت وليي أي القائم بأمري الكفيل بنصرتي ورحمتي
وقوله عز و جل ذلك من أبناء الغيب نوحيه إليك ذلك إشارة إلى ما تقدم من قصة يوسف وهذه الآية تعريض لقريش وتنبيه على آية صدق نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وفي ضمن ذلك الطعن على مكذبيه والضمير في لديهم عائد على أخوة يوسف واجمعوا معناه عزموا والأمر هنا هو إلقاء يوسف في الجب وحكى الطبري عن أبي عمران الجوني أنه قال والله ما قص الله نبأهم ليعيرهم أنهم الأنبياء من أهل الجنة ولكن الله قص علينا نبأهم ليلا يقنط عبده
وقوله سبحانه وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين الآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وقوله وما تسألهم عليه من أجر الآية توبيخ للكفرة وإقامة للحجة عليهم ثم ابتدأ الأخبار عن كتابه العزيز أنه ذكر وموعظة لجميع العالم نفعنا الله به ووفر حظنا منه
وقوله سبحانه وكأين من آية في السموات والأرض يعني بالآية هنا المخلوقات

المنصوبة للاعتبار الدالة على توحيد خالقها سبحانه وفي مصحف عبد الله يمشون عليها
وقوله سبحانه وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون قال ابن عباس هي في أهل الكتاب وقال مجاهد وغيره هي في العرب وقيل نزلت بسبب قول قريش في الطواف التلبية لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا سمع أحدهم يقول لبيك لا شريك لك يقول له قط قط أي قف هنا لا تزد إلا شريكا هو لك والغاشية ما يغشى ويضى ويضم وبغتة أي فجأة وهذه الآية من قوله وكاين من آية وأن كانت في الكفار فإن العصاة يأخذون من ألفاظها بحظ ويكون الإيمان حقيقة والشرك لغويا كالرياء فقد قال عليه السلام الرياء الشرك الأصغر
وقوله سبحانه قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله الآية إشارة إلى دعوة الإسلام والشريعة بأسرها قال ابن زيد المعنى هذا أمري وسنتي ومنهاجي والبصيرة اسم لمعتقد الإنسان في الأمر من الحق واليقين
وقوله انا ومن اتبعني يحتمل أن يكون أنا تأكيد للضمير المستكن في أدعوا ومن معطوف عليه وذلك بأن تكون الأمة كلها أمرت بالمعروف داعية إلى الله الكفرة والعصاة قال ص ويجوز أن يكون أنا مبتدأ وعلى بصيرة خبر مقدم ومن معطوف عليه انتهى وسبحان الله تنزيه لله أي وقل سبحان الله متبريا من الشرك
وقوله سبحانه وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم الآية تتضمن الرد على من استغرب إرسال الرسل من البشر والقرى المدن قال الحسن لم يبعث الله رسولا قط من أهل البادية قال ع والتبدي مكروه إلا في الفتنة وحين يفر بالدين ولا يعترض هذا ببدو يعقوب لأن ذلك البدو لم يكن في أهل عمود بل هو بتقر وفي منازل وربوع وأيضا إنما جعله بدوا بالاضافة إلى مصر كما هي بنات الحواضر بدو

بالإضافة إلى الحواضر ثم أحال سبحانه على الأعتبار في الأمم السالفة ثم حض سبحانه على الآخرة والأستعداد لها بقوله ولدار الآخرة خير الآية قال ص ولدار الآخرة خرجه الكوفيون على أنه من إضافة الموصوف لصفته وأصله وللدار الآخرة والبصريون على أنه من حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه وأصله ولدار المدة الآخرة أو النشأة الآخرة انتهى وبتضمن قوله تعالى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم أن الرسل الذين بعثهم الله من أهل القرى دعوا اممهم فلم يؤمنوا بهم حتى نزلت بهم المثلات فصاروا في حيز من يعتبر بعاقبته فلهذا المضمن حسن أن ندخل حتى في قوله حتى إذا استيأس الرسل وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وظنوا أنهم قد كذبوا بتشديد الذال وقرأ الباقون كذبوا بضم الكاف وكسر الذال المخففة فأما الأولى فمعناها أن الرسل ظنوا أن أممهم قد كذبتهم والظن هنا يحتمل أن يكون بمعنى اليقين ويحتمل أن يكون الظن على بابه ومعنى القراءة الثانية على المشهور من قول ابن عباس وابن جبير أي حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيماأدعوه من النبوة أو فيما توعدوهم به من العذاب لما طال الامهال واتصلت العافية جاءهم نصرنا وأسند الطبري أن مسلم بن يسار قال لسعيد بن جبير يا أبا عبد الله آية بلغت مني كل مبلغ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا فهذا هو الموت أن تظن الرسل الرسل أنهم قد كذبوا مخففة فقال له ابن جبير يا أبا عبد الرحمن إنما يئس الرسل من قومهم أن يجيبوهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه وقال فرجت عني فرج الله عنك قال ع فBهم كيف كان خلقهم في العلم وقال بهذا التأويل جماعة وهو الصواب وأما تأويل من قال أن المعنى وظنوا أنهم قد كذبهم من

أخبرهم عن الله فغير صحيح ولا يجوز هذا على الرسل وأين العصمة والعلم ت قال عياض فإن قيل فما معنى قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا على قراءة التخفيف قلنا المعنى في ذلك ما قالته عائشة رضي الله عنها معاذ الله أن تظن الرسل ذلك بربها وإنما معنى ذلك أن الرسل لما استيأسوا ظنوا أن من وعدهم النصر من اتباعهم كذبوهم وعلى هذا أكثر المفسرين وقل الضمير في ظنوا عائد على الاتباع والأمم لا على الأنبياء والرسل وهو قول ابن عباس والنخعي وابن جبير وجماعة وبهذا المعنى قرأ مجاهد كذبوا بالفتح فلا تشغل بالك من شاذ التفسير بسواه مما لا يليق بمنصب العلماء فكيف بالأنبياء انتهى من الشفا وقوله سبحانه جاءه نصرنا أي بتعذيب أممهم الكافرة فننجي من نشاء أي من اتباع الرسل ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين أي الكافرين والبأس
العذاب وقوله سبحانه لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب أي في قصص يوسف وأخوته وسائر الرسل الذين ذكروا على الجملة ولما كان ذلك كله في القرآن قال عنه ما كان حديثا يفترى والذي بين يديه التوراة والإنجيل وباقي الآية بين واضح ت كنت في وقت انظر في السيرة لأبن هشام وأتأمل في خطبة النبي صلى الله عليه و سلم وهي أول خطبة خطبها بالمدينة فإذا هاتف يقول لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى وقد كان حصل في القلب عبرة في أمره صلى الله عليه و سلم وافاضل أصحابه رضي الله عنهم أجمعين وسلك بنا مناهجهم المرضية والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير

سورة الرعد
قيل مكية إلا بعض آيات وقيل مدنية والظاهر أن المدني فيها كثير
قوله عز و جل المر تلك ءايات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق قال ابن عباس هذه الحروف هي من قوله انا الله اعلم وأرى
وقوله سبحانه الله الذي رفع السموات بغير عمد الآية قال جمهور الناس لا عمد للسموات البتة وهذا هو الحق والعمد اسم جمع
وقوله سبحانه ثم استوى على العرش ثم هنا لعطف الجمل لا للترتيب لأن الاستواء على العرش قبل رفع السماوات ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وقد تقدم القول في هذا وفي معنى الاستواء ت والمعتقد في هذا أنه سبحانه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته كان الله ولا شيء معه كان سبحانه قبل أن يخلق المكان والزمان وهو الآن على ما عليه كان
وقوله سبحانه وسخر الشمس والقمر تنبيه على القدرة وفي ضمن الشمس والقمر والكواكب ولذلك قال كل يجرى أي كل ما هو في معنى الشمس والقمر والأجل المسمى هو إنقضاء الدنيا وفساد هذه البنية يدبر الأمر معناه يبرمه وينفذه وعبر بالتدبير تقريبا للفهام وقال مجاهد يدبر الأمر معناه

يقضيه وحده ولعلكم بلقاء ربكم توقنون أي توقنون بالبعث
وقوله سبحانه وهوالذي مد الأرض وجعل فيها رواسي لما فرغت آيات السماء ذكرت آيات الأرض والرواسي الجبال الثابتة
وقوله سبحانه جعل فيها زوجين أثنين الزوج في هذه الآية الصنف والنوع وليس بالزوج المعروف في المتلازمين الفردين من الحيوان وغيره ومنه قوله سبحانه سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض الآية ومنه وانبتنا فيه من كل زوج بهيج وهذه الآية تقتضي أن كل ثمرة فموجود منها نوعان فإن اتفق أن يوجد من ثمرة أكثر من نوعين فغير ضار في معنى الآية وقطع جمع قطعة وهي الأجزاء وقيد منها في هذا المثال ما جاور وقرب بعضه من بعض لأن اختلاف ذلك في الأكل اغرب وقرأ الجمهور وجنات بالرفع عطفا على قطع وقرأ نافع وغيره وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان بالخفض في الكل عطفا على اعناب وقرأ ابن كثير وغيره وزرع بالرفع في الكل عطفا على قطع وصنوان جمع صنو وهو الفرع يكون مع الآخر في اصل واحد قال البراء بن عازب الصنوان المجتمع وغير الصنوان المفترق فردا فردا وفي الصحيح العم صنو الأب وإنما نص على الصنوان في هذه الآية لأنهابمثابة التجاور في القطع تظهر فيها غرابة اختلاف الأكل والأكل بضم الهمزة اسم ما يؤكل والكل المصدر وحكى الطبري عن ابن عباس وغيره قطع متجاورات أي واحدة سبخة وأخرى عذبة ونحو هذا من القول وقال قتادة المعنى قرى متجاورات قال ع وهذا وجه من العبرة كأنه قال وفي الأرض قطع مختلفات بتخصيص الله لها بمعان فهي تسقى بماء واحد ولكن تختلف فيما تخرجه والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور أنها من تربة واحدة ونوع واحد وموضع العبرة في هذا ابين وعلى المعنى الأول قال الحسن هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم

الأرض واحدة وينزل عليها ماء واحد من السماء فتخرج هذه زهرة وثمرة وتخرج هذه سبخة وملحا وخبثا وكذلك الناس خلقوا من آدم فنزلت عليهم من السماء تذكرة فرقت قلوب وخشعت وقست قلوب ولهت قال الحسن فوالله ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان قال الله تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا
وقوله سبحانه وان تعجب فعجب قولهم ائذا كنا ترابا انا لفي خلق جديد المعنى وان تعجب يا محمد من جهالتهم واعراضهم عن الحق فهم أهل لذلك وعجب غريب قولهم انعود بعد كوننا ترابا خلقا جديد
اولائك الذين كفروا بربهم لتصميمهم على الجحود وانكارهم للبعث
واولائك الاغلال في اعناقهم أي في الآخرة ويحتمل أن يكون خبرا عن كونهم مغللين عن الإيمان كقوله تعالى انا جعلنا في اعناقهم أغلال فهي إلى الأذقان فهم مقمحون
وقوله سبحانه ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة الآية تبيين لخطاهم كطلبهم سقوط كسف من السماء وقولهم امطر علينا حجارة من السماء ونحو هذا مع نزول ذلك باناس كثير وقرأ الجمهور المثلات بفتح الميم وضم الثاء وقرأ مجاهد المثلات بفتح الميم والثاء أي الاخذة الفذة بالعقوبة ثم رجى سبحانه بقوله وان ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ثم خوف بقوله وان ربك لشديد العقاب قال ابن المسيب لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لولا عفو الله ومغفرته ما تهنأ أحد عيشا ولولا عقابه لاتكل كل احد وقال ابن عباس ليس في القرآن ارجى من هذه الآية والمثلات هي العقوبات المنكلات التي تجعل الإنسان مثلا يتمثل به ومنه التمثيل بالقتلى ومنه المثلة بالعبيد
ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ربه هذه من اقتراحاتهم والآية هنا يراد بها الأشياء التي سمتها قريش كالملك والكنز وغير ذلك ثم أخبر تعالى بأنه

منذر وهاد قال عكرمة وأبو الضحى المراد بالهادي محمد صلى الله عليه و سلم فهاد عطف على منذر كانه قال إنما أنت منذر وهاد لكل قوم وهاد على هذا التأويل بمعنى داع إلى طريق الهدى وقال مجاهد وابن زيد المعنى إنما أنت منذر ولكل أمة سلفت هاد أي نبيء يدعوهم أي فليس أمرك يا محمد ببدع ولا منكر وهذا يشبه غرض الآية وقالت فرقة الهادي في هذه
الآية الله عز و جل والألفاظ تقلق بهذا المعنى ويعرف أن الله تعالى هو الهادي من غير هذا الموضع والقولان الأولان أرجح ما تأول في الآية وقوله سبحانه اله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد هذه الآيات أمثال منبهات على قدرة الله تعالى القاضية بتجويز البعث وما تغيض الأرحام معناه ما تنقص ثم أختلف المتأولون في صورة الزيادة والنقصان وجمهور المتأولين على أن غيض الرحم هو نقص الدم على الحمل وقال الضحاك غيض الرحم أن تسقط المرأة الولد والزيادة أن تضعه لمدة كامله ونحوه لقتادة
وقوله وكل شيء عنده بمقدار عام في كل ما يدخله التقدير والغيب ما غاب عن الأدراكات والشهادة ما شوهد من
الأمور وقوله الكبير صفة تعظيم والمتعال من العلو
وقوله سبحانه سواء منكم من أسر القول الآية أي لا يخفى على الله شيء والسارب في اللغة المتصرف كيف شاء
وقوله سبحانه له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله المعنى جعل الله للعبد معقبات يحفظونه في كل حال من كل ما جرى القدر باندفاعه فإذا جاء المقدور الواقع اسلم المرء إليه والمعقبات على هذا التأويل الحفظة على العباد أعمالهم والحفظة لهم أيضا قاله الحسن وروى فيه عن عثمان بن عفان حديثا عن النبي صلى الله عليه و سلم وهذا أقوى التأويلات في الآية وعبارة البخاري معقبات ملائكة حفظة يعقب الأول منها الآخر انتهى وقالت فرقة الضمير في له عائد على اسم الله

المتقدم ذكره أي لله معقبات يحفظون عبده والضمير في قوله يديه وما بعده من الضمائر عائد على العبد ثم ذكر سبحانه أنه لايغير هذه الحالة من الحفظ للعبد حتى يغير العبد ما بنفسه والمعقبات الجماعات التي يعقب بعضها بعضا وهي الملائكة وينظر هذا إلى قول النبي صلى الله عليه و سلم يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار الحديث وفي قراءة أبي بن كعب من بين يديه ورقيب من خلفه وقرأ ابن عباس ورقباء من خلفه يحفظونه بأمر الله وقوله يحفظونه أي يحرسونه ويذبون عنه ويحفظون أيضا أعماله ثم أخبر تعالى أنه إذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له ولا حفظ منه
وقوله سبحانه هو الذي يريكم البرق الآية قد تقدم في أول البقرة تفسيره والظاهر أن الخوف إنما هو من صواعق البرق فالطمع في الماء الذي يكون معه وهو قول الحسن والسحاب جمع سحابة ولذلك جمع الصفة والثقال معناه بحمل الماء قاله قتادة ومجاهد والعرب تصفها بذلك وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا سمع الرعد قال سبحان من يسبح الرعد بحمده وقال ابن أبي زكريا من قال إذا سمع الرعد سبحان اله وبحمده لم تصبه صاعقة ت وعن عبد الله بن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا سمع الرعد والصواعق قال اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك رواه الترمذي والنسائي والحكم في المستدرك ولفظهم واحد انتهى من السلاح قال الداودي وعن ابن عباس قال من سمع الرعد فقال سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة فعلي ديته انتهى
وقوله سبحانه ويرسل الصواعق الآية قال ابن جريج كان سبب نزولها قصة اربد وعامر بن الطفيل سألا النبي صلى الله عليه و سلم أن يجعل الأمر بعده لعامر بن الطفيل ويدخلا في دينه فأبى عليه السلام ثم تؤامر في قتل النبي صلى الله عليه و سلم فقال

عامر لاربد أنا أشغله لك بالحديث واضربه أنت بالسيف فجعل عامر يحدثه واربد لا يصنع شيئا فلما انصرفا قال له عامر والله يا اربد لاخفتك أبدا ولقد كنت أخافك قبل هذا فقال له أربد والله لقد أردت أخراج السيف فما قدرت على ذلك ولقد كنت أراك بيني وبينه أفأضربك فمضيا للحشد على النبي صلى الله عليه و سلم فأصابت أربد صاعقة فقتلته والمحال القوة والاهلاك ت وفي صحيح البخاري المحال العقوبة
وقوله عز و جل له دعوة الحق الضمير في له عائد على اسم الله عز و جل قال ابن عباس ودعوة الحق لا إله إلا الله يريد وما كان من الشريعة في معناها
وقوله والذين يراد به ما عبد من دون الله والضمير في يدعون لكفار قريش وغيرهم ومعنى الكلام والذين يدعونهم الكفار في حوائجهم ومنافعهم لا يجيبونهم بشيء إلا ثم مثلا سبحانه مثالا لاجابتهم بالذي يبسط كفيه نحو الماء ويشير إليه بالاقبال إلى فيه فلا يبلغ فمه أبدا فكذلك اجابة هؤلاء والانتفاع بهم لا يقع
وقوله هو يريد به الماء وهو البالغ والضمير في بالغة لفهم ويصح ان يكون هو يراد به الفم وهو البالغ أيضا والضمير في بالغة للماء لأن الفم لا يلغ الماء أبدا على تلك الحال ثم أخبر سبحانه عن دعاء الكافرين أنه في انتلاف وضلال لا يفيد
وقوله تعالى ولله يسجد من في السموات والأرض الآية تنبيه على قدرته وعظمته سبحانه وتسخير الأشياء له والطعن على الكفار التاركين للسجود ومن تقع على الملائكة عموما وسجودهم طلوع وأما أهل الأرض فالمؤمنون داخلون في من وسجودهم أيضا طوع وأما سجود الكفرة فهو الكره وذلك على معنيين فإن جعلنا السجود هذه الهيئة المعهودة فالمراد من الكفرة من اسلم خوف سيف الإسلام كما قاله قتادة وأن جعلنا السجود الخضوع والتذلل حسب ما هو في اللغة

فيدخل الكفار أجمعون في من لأنه ليس من كافر إلا ويلحقه من التدلل والاستكانه لقدرة الله تعالى أنواع أكثر من أن تحصى بحسب رزاياه واعتباراته
وقوله سبحانه وظلالهم بالغدو والآصال أخبار عن أن الضلال لها سجود لله تعالى كقوله تعالى أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ضلاله الآية وقال مجاهد ظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره وروي أنا الكافر إذا سجد لصنمه فإن ظله يسجد لله حينئذ وباقي الآية بين ثم مثل الكفار والمؤمنين بقوله قل هل يستوي الأعمى والبصير وشبه الكافر بالأعمى والكفر بالظلمات وشبه المؤمن بالبصير والإيمان بالنور
وقوله سبحانه قل الله خالق كل شيء لفظ عام يراد به الخصوص كما تقدم ذكره في غير هذا الموضع
وقوله سبحانه أنزل من السماء ماء يريد به المطر
فسألت اودية بقدرها الأودية ما بين الجبال من الأنخفاض والخنادق وقوله بقدرها يحتمل أن يريد بما قدر لها من الماء ويحتمل أن ريد بقدر ماتحمله على قدر صغرها وكبرها ت وقوله فأحتمل بمعنى حمل كاقدر وقدر قاله ص والزبد ما يحمله السيل من غثاء ونحوه والرابي المنتفخ الذي قد ربا ومنه الربوة
وقوله سبحانه ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أومتاع زبد مثله المعنى ومن الأشياء التي توقدون عليها ابتغاء الحلي وهي الذهب والفضة أو ابتغاء الأستمتاع بها في المرافق وهي الحديد والرصاص والنحاس ونحوها من الأشياء التي توقدون عليها فأخبر تعالى أن من هذا أيضا إذا أحمي عليها يكون لها زبد مماثل للزبد الذي يحمله السيل ثم ضرب سبحانه ذلك مثلا للحق والباطل أي أن الماء الذي تشربه الأرض من السيل فيقع النفع به هو كالحق والزبد الذي يخمد وينفش ويذهب هو كالباطل وكذلك ما يخلص من الذهب والفضة والحديد ونحوه هو كالحق وما يذهب في الدخان هو كالباطل
وقوله جفاء

مصدر من قولهم اجفأت القدر إذا غلت حتى خرج زبدها وذهب وقال ص جفاء حال أي مضمحلا متلاشيا أبو البقاء وهمزته منقلبة عن واو وقيل أصل انتهى
وقوله ما ينفع الناس يريد الخالص من الماء ومن تلك الأحجار
وقوله سبحانه للذين استجابوا لربهم الحسنى ابتداء كلام والحسنى الجنة
والذين لم يستجيبوا هم الكفرة
وسوء الحساب هو التقصي على المحاسب وأن لا يقع في حسابه من التجاوز شيء قاله شهر بن حوشب والنخعي وفرقد السنجي وغيرهم
وقوله سبحانه أفمن يعلم إنما أنزل إليك من ربك الحق كم هو أعمى المعنى أسواء من هداه الله فعلم صدق نبوتك وآمن بك كمن هو أعمى البصيرة باق على كفره روي أن هذه الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل وهي بعد هذا مثال في جميع العالم
إنما يتذكر أولو الألباب إنما في هذه الآية حاصرة أي إنما يتذكر فيؤمن ويراقب الله من له لب ثم أخذ في وصفهم فقال الذين يوفون بعهد الله الآية قال الثعلبي قال عبد الله بن المبارك هذه ثمان خلال مسيرة إلى ثمانية أبواب الجنة وقال أبو بكر الوراق هذه ثمان جسور فمن أراد القربة من الله عبرها انتهى وباقي الآية ألفاظها واضحة وأنوارها لذوي البصائر لائحة
ويدرءون يدفعون قال الغزالي لما ذكر هذه الآية والذي ءاثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب انتهى وجنات بدل من عبقى وتفسير لها
وعدن هي مدينة الجنة ووسطها ومعناها جنات الأقامة من عدن في المكان إذا أقام فيه طويلا ومنه المعادن وجنات عدن يقال هي مسكن الأنبياء والشهداء والعلماء فقط قاله عبد الله بن عمرو بن العاص ويروى أن لهاخمسة آلاف باب
وقوله ومن صلح أي عمل صالحا
والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم

أي يقولون سلام عليكم والمعنى هذا بما صبرتم وباقي الآية واضح
وقوله سبحانه والذين ينقضون عهد الله الآية هذه صفة حال مضادة للمتقدمة نعوذ بالله من سخطه
وقوله سبحانه الله يبسط الرزق لمن يشاء الآية لما أخبر عن من تقدم وصفه بأن لهم اللعنة وسوء الدار أنحى بعد ذلك على أغنيائهم وحقر شأنهم وشأن أموالهم المعنى أن هذا كله بمشيئة الله يهب الكافر المال ليهلكه به ويقدر على المؤمن ليعظم بذلك أجره وذخره وقوله ويقدر من التقدير المناقض للبسط والاتساع ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ءاية من ربه قل إن الله يضل من يشاء الآية رد على مقترحي الآيات من كفار قريش كما تقدم
وقوله سبحانه الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله الذين بدل من من في قوله من أناب وطمأنينة القلوب هي الاستكانة والسرور بذكر الله والسكون به كمالا به ورضى بالثواب عليه وجودة اليقين ثم قال سبحانه الا بذكر الله تطمئن القلوب أي لا بالآيات المقترحة التي ربماكفر بعدها فنزل العذاب
والذين الثاني مبتدأ وخبره طوبى لهم واختلف في معنى طوبى فقال ابن عباس طوبى اسم الجنة بالحبشية وقيل طوبى اسم الجنة بالهندية وقيل طوبى اسم شجرة في الجنة وبهذا تواترت الأحاديث قال رسول الله صلى الله عليه و سلم طوبى اسم شجرة في الجنة يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها الحديث قال ص طوبى فعل من الطيب والجمهور أنهامفردة مصدر كسقيا وبشرى قال الضحاك ومعناها غبطة لهم قال القرطبي والصحيح أنها شجرة للحديث المرفوع انتهى ت وروى الشيخ الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن الخطيب البغدادي في تاريخه عن شيخه أبي نعيم الأصبهاني بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم أن رجلا قال له يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك قال

طوبى لمن رآني وآمن بي ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني فقال له رجل يا رسول الله ما طوبى قال شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها انتهى من ترجمة أحمد بن الحسن
وقوله تعالى كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم أي كما أجرينا عادتنا كذلك أرسلناك الاية
وقوله وهم يكفرون بالرحمن قال قتادة نزلت في قريش لما كتب في الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم في قصة الحديبية فقال قائلهم نحن لا نعرف الرحمن قال ع وذلك منهم اباية اسم فقط وهروب عن هذه العبارة التي لم يعرفوها إلا من قبل النبي عليه السلام والمتاب المرجع كالمآب لأن التوبة هي الرجوع
وقوله سبحانه ولو أن قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض الآية قال ابن عباس وغيره أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم أزح عنا وسير جبلي مكة فقد ضيقا علينا وأجعل لنا أرضنا قطع غراسة وحرث وأحي لنا آباءنا وأجدادنا وفلانا وفلانا فنزلت الآية في ذكل معلمة أنهم لا يؤمنون ولو كان ذلك كله
وقوله تعالى افلم ييأس الذين ءامنوا الآية ييأس معناه يعلم وهي لغة هوازن وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة أفلم يتبين ثم أخبر سبحانه عن كفار قريش والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا النبي صلى الله عليه و سلم وغزواته ثم قال او تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم هذا تأويل ابن عباس وغيره وقال الحسن بن ابي الحسن المعنى أو تحل القارعة قريبا من دارهم ووعد الله على قوله ابن عباس وغيره هو فتح مكة وقال الحسن الآية عامة في الكفار إلى يوم القيامة وان حال الكفرة هكذا هي إلى يوم القيامة ووعد الله قيام الساعة والقارعة الرزية التي تقرع قلب صاحبها
وقوله سبحانه ولقد استهزئى برسل الآية تأنيس وتسليه له عليه السلام قال البخاري فأمليت أي

أطلت من الملي والملاوة ومنه مليا ويقال للواسع الطويل من الأرض ملى من الأرض انتهى
وقوله تعالى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت أي أهو أحق بالعبادة أم الجمادات
وقوله قل سموهم أي سموا من له صفات يستحق بها الألوهية ومكرهم يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانت بسبيل المناقضة الشرع
ولهم عذاب في الحيواة الدنيا أي بالقتل والأسر والجدوب وغير ذلك وأشق من المشقة أي أصعب والواقي الساتر على جهة الحماية من الوقاية وقوله سبحانه مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها قد تقدم تفسير نظيره وقوله أكلها معناه ما يؤكل فيها
وقوله سبحانه والذين آتيناهم الكتاب يفرحون الآية قال ابن زيد المراد بالآية من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وغيره قال ع والمعنى مدحهم وباقي الآية بين
وقوله سبحانه يمحوا الله ما يشاء ويثبت المعنى أن الله سبحانه يمحو من الأمور ما يشاء ويغيرها عن أحوالها مما سبق في علمه محوه وتغييره ويثبتها في الحالة التي ينقلها إليها حسب ما سبق في علمه قال ع وأصوب ما يفسر به أم الكتاب أنه كتاب الأمور المجزومة التي قد سبق في القضاء فيها بما هو كائن وسبق أن لا تبدل ويبقى المحو والتثبيت في الأمور التي سبق في القضاء أن تبدل وتمحى وتثبت قال نحوه قتادة وقوله سبحانه واما نرينك بعض الذي نعدهم ان شرط دخلت عليها ما
وقوله أو نتوفينك أو عاطفة
وقوله فإنما جواب الشرط ومعنى الآية أن نبقك يا محمد لترى بعض الذي نعدهم أو نتوفينك قبل ذلك فعلى كلا الوجهين فإنما يلزمك البلاغ فقط والضمير في قوله أو لم يروا عائد على كفار قريش كالذي في نعدهم وقوله نأتي معناه بالقدرة والأمر
والأرض يريد بها اسم الجنس وقيل يريد أرض الكفار المذكورين المعنى أو لم يروا

انا نأتي أرض هؤلاء بالفتح عليك فننقصها بما يدخل في دينك من القبائل والبلاد المجاورة لهم فما يؤمنهم أن نمكنك منهم أيضا قاله ابن عباس وهذا على أن الآية مدنية ومن قال أن الأرض اسم جنس جعل انتقاص الأرض بتخريب العمران الذي يحله الله بالكفار وقيل الانتقاص بموت البشر ونقص الثمار والبركة وقيل بموت العلماء والأخيار قاله ابن عباس أيضا وكل ما ذكر يدخل في لفظ الآية وجملة معنى هذه الآية الموعظة وضرب المثل وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب العلم بسنده عن عطاء بن أبي رباح في معنى ننقصها من أطرافها قال بذهاب فقهائها وخيار أهلها وعن وكيع نحوه وقال الحسن نقصانها هو بظهور المسلمين على المشركين قال أبو عمر وقول عطاء في تأويل الآية حسن جدا تلقاه أهل العلم بالقبول وقوله الحسن أيضا حسن انتهى
وقوله سبحانه فلله المكر جميعا أي العقوبات التي أحلها بهم وسماها مكرا على عرف تسمية العقوبة بأسم الذنب وباقي الآية تحذير ووعيد
ويقول الذين كفروا لست مرسلا المعنى ويكذبك يا محمد هؤلاء الكفرة ويقولون لست مرسلا قل كفا بالله شهيدا أي شاهد بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب قال قتادة يريد من آمن منهم كعبد الله بن سلام وغيره كمل تفسير السورة وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة إبراهيم عليه السلام
هذه السورة مكية إلا آيتين وهما قوله عز و جل الم ترى إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا إلى آخر الآيتين ذكره مكي والنقاش قوله عز و جل الر كتاب

أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور قال القاضي بن الطيب وأبو المعالي وغيرهما أن الأنزال لم يتعلق بالكلام القديم الذي هو صفة الذات لكن بالمعاني التي أفهمها الله تعالى جبريل عليه السلام من الكلام
وقوله لتخرج الناس من الظلمات إلى النور هذه اللفظة تشريف للنبي صلى الله عليه و سلم وعم الناس إذ هو مبعوث إلى جميع الخلق وقرأن نافع وابن عامر الله الذي له ما في السموات وما في الأرض برفع اسم الله على القطع والابتداء وقرأ الباقون بخفض الهاء
وويل معناه وشدة وبلاء وباقي الآية بين
وقوله سبحانه وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم الآية هذه الآية طعن ورد علىالمستغربين أمر محمد صلى الله عليه و سلم وباقي الآية بين
وقوله سبحانه لموسى وذكرهم بأيام الله أي عظهم بالتهديد بنقم الله التي أحلها بالأمم الكافرة قبلهم وبالتعديد لنعمه عليهم وعبر عن النعم والنقم بالأيام إذ هي في أيام وفي هذه العبارة تعظيم هذه الكوائن المذكر بها وفي الحديث الصحيح بينما موسى في قومه يذكرهم أيام الله الحديث في قصة موسى مع الخضر قال عياض في الاكمال أيام الله نعماؤه وبلاؤه انتهى وقال الداودي وعن النبي صلى الله عليه و سلم وذكرهم بأيام الله قال بنعم الله وعن قتادة لآيات لكل صبار شكور قال نعم والله العبد إذا ابتلي صبر وإذا أعطي شكر انتهى وقال ابن العربي في أحكامه وفي أيام الله قولان أحدهما نعمه والثاني نقمه انتهى
وقوله وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم الآية تأذن بمعنى أذن أي أعلم قال بعض العلماء الزيادة على الشكر ليست في الدنيا وإنما هي من نعم الآخرة والدنيا أهون من ذلك قال ع وجائز أن يزيد الله المؤمن على شكره من نعم الدنيا والآخرة والكفر هنا يحتمل أن يكون على بابه ويحتمل أن يكون كفر النعم لا كفر الجحد وفي الآية ترجية

وتخويف وحكى الطبري عن سفيان وعن الحسن أنهما قالا معنى الآية لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي قال ع وضعفه الطبري وليس كما قال بل هو قوي حسن فتأمله ت وتضعيف الطبري بين من حيث التخصيص والأصل التعميم
وقوله الم يأتكم هذا أيضا من التذكير بأيام الله
وقوله سبحانه فردوا أيديهم في أفواههم قل معناه ردوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم إشارة على الأنبياء بالسكوت وقال الحسن ردوا أيدي أنفسهم في أفواه الرسل تسكيتا لهم وهذا أشنع في الرد
وقوله عز و جل قالت رسلهم أفي الله شك التقدير أفي إلاهية الله شك أو أفي وحدانية الله شك وما في قوله ما ءاذتمونا مصدرية ويحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذي قال الداودي عن أبي عبيدة لمن خاف مقامي مجازه حيث أقيمه بين يدي للحساب انتهى قال عبد الحق في العاقبة قال الربيع بن خيثم من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ومن طال أمله ساء عمله انتهى وباقي الآية بين
وقوله سبحانه واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد استفتحوا أي طلبوا الحكم والفتاح الحاكم والمعنى أن الرسل استفتحوا أي سألوا الله تبارك وتعالى إنفاذ الحكم بنصرهم وقيل بل استفتح الكفار على نحو قول قريش عجل لنا قطنا وعلىنحو قول أبي جهل يوم بدر اللهم اقطعنا للزحم وأتينا بما لا نعرف فاحنه الغداة وهذا قول ابن زيد وقرأت فرقة واستفتحوا بكسر التاء على معنى الأمر للرسل وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن وخاب معناه خسر ولم ينجح والجبار المتعظم في نفسه والعنيد الذي يعاند ولا يناقد
وقوله من ورائه قال الطبري وغيره معناه من أمامه وعلى ذلك حملوا قوله تعالى وكان وراءهم ملك وليس الأمر كما ذكروا بل الوراء هنا وهناك على بابه أي هو ما يأتي بعد في الزمان وذلك أن التقدير في هذه الحوادث بالأمام

والوراء إنما هو الزمان وما تقدم فهو أمام وهو بين اليد كما نقول في التوراة والأنجيل أنهما بين يدي القرآن والقرآن وراءهما وعلى هذا فما تأخر في الزمان فهو وراء المتقدم
ويسقى من ماء صديد الصديد القيح والدم وهو ما يسيل من أجساد أهل النار قاله مجاهد والضحاك
وقوله يتجرعه ولا يكاد يسيغه عبارة عن صعوبة أمره عليهم وروي أن الكافر يؤتى بالشربة من شراب أهل النار فيتكرهها فإذا ادنيت منه شوت وجهه وسقطت فيها فروة رأسه فإذا شربها قطعت أمعاءه وهذا الخبر مفرق في آيات من كتاب الله عز و جل
ويأتيه الموت من كل مكان أي من كل شعرة في بدنه قاله إبراهيم التيمي وقيل من جميع جهاته الست
ما هو بميت لا يراح بالموت ومن ورائه عذاب غليظ قال الفضيل بن عياض العذاب الغليظ حبس الأنفاس في الأجساد وفي الحديث تخرج عنق من النار تكلم بلسان طلق ذلق لها عينان تبصر بهما ولها لسان تكلم به فتقول أني أمرت بمن جعل مع الله إلها آخر وبكل جبار عنيد وبمن قتل نفسا بغير نفس فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمس مائة عام فتنطوي عليهم فتقذفهم في جهنم خرجه البزار انتهى من الكوكب الدري
وقوله في يوم عاصف وصف اليوم بالعصوف وهي من صفات الريح بالحقيقة لما كانت في اليوم كقول الشاعر
... ونمت وما ليل المطي بنائم ...
وباقي الآية بين وبرزوا لله جميعا معناه صاروا في البراز وهي الأرض المتسعة فقال الضعفاء وهم الاتباع للذين استكبروا وهم القادة وأهل الرأي وقولهم سواء علينا اجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيض المفر والملجأ مأخوذ من حاص يحيص إذ نفر وفر ومنه في حديث هرقل فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب وروي عن ابن زيد وعن محمد بن كعب أن اهل النار يقولون إنما نال أهل الجنة الرحمة

بالصبر على طاعة الله فتعالوا فلنصبر فيصبرون خمس مائة سنة فلا ينثعون فيقولون هلم فلنجزع فيضجون ويصيحون ويبكون خمس مائة سنة أخرى فحينئذ يقولون هذه المقالة سواء علينا الآية وظاهر الآية أنهم إنما يقولونها في موقف العرض وقت البروز بين يدي الله عز و جل
وقوله عز و جل وقال الشيطان لما قضي الأمر المراد هنا بالشيطان إبليس الإقدام وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم من طريق عقبة بن عامر أنه قال يقوم يوم القيامة خطيبان أحدهما إبليس يقوم في الكفرة بهذه الألفاظ والثاني عيسى بن مريم يقوم بقوله ما قلت لهم إلا ما أمرتني به الآية وروي في حديث أن ابليس إنما يقوم بهذه الألفاظ في النار على أهلها عند قولهم مالنا من محيص في الآية المتقدمة فعلى هذه الرواية يكون معنى قوله قضي الأمر أي حصل أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة وهو تأويل الطبري
وقوله وما كان لي عليكم من سلطان أي من حجة بينة وإلا أن دعوتكم استثناء منقطع ويحتمل أن يريد بالسلطان في هذه الآية الغلبة والقدرة والملك أي ما اضطررتكم ولا خوفتكم بقوة مني بل عرضت عليكم شيئا فأتى رأيكم عليه
وقوله فلا تلوموني يريد بزعمه إذ لا ذنب لي ولوموا أنفسكم أي في سوء نظركم في اتباعي وقله تثبتكم
ما أنابمصرخكم المصرخ المغيث والصارخ المستغيث وأما الصريخ فهو مصدر بمنزلة البريح
وقوله إني كفرت بما اشركتمون ما مصدرية وكأنه يقول إني الآن كافر باشراككم أياي مع الله قبل هذا الوقت فهذا تبر منه وقد قال تعالى ويوم القيامة يكفرون بشرككم وقوله عز و جل وادخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم الأذن هنا عبارة عن القضاء والأمضاء وقوله سبحانه ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة

ألم تر بمعنى ألم تعلم قال ابن عباس وغيره الكلمة الطيبة هي لا إله إلا الله مثلها الله سبحانه بالشجرة الطيبة وهي النخلة في قول أكثر المتأولين فكان هذه الكلمة أصلها ثابت في قلوب المؤمنين وفضلها وما يصدر عنها من الأفعال الزكية وأنواع الحسنات هو فرعها يصعد إلى السماء من قبل العبد والحين القطعة من الزمان غير محدودة كقوله تعالى ولتعلمن نبأه بعد حين وقد تقتضي لفظة الحين بقرينتها تحديدا كهذه الآية والكلمة الخبيثة هي كلمة الكفر وما قاربها من كلام السوء في الظلم ونحوه والشجرة الخبيثة قال أكثر المفسرين هي شجرة الحنظل ورواه أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم وهذا عندي على جهة المثل
أجتثت أي اقتعلت جثتها بنزع الأصول وبقيت في غاية الوهن والضعف فتقلبها أقل ريح فالكافر يرى أن بيده شيئا وهو لا يستقر ولا يغنى عنه كهذه الشجرة الذي يظن بها على بعد أو للجهل بها أنهاشيء نافع وهي خبيثة الجنى غير باقية
وقوله سبحانه يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة القول الثابت في الحياة الدنيا كلمة الأخلاص والنجاة من النار لا إله إلا الله والأقرار بالنبوة وهذه الآية تعم العالم من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة قال طاوس وقتادة وجمهور العلماء الحياة الدنيا هي مدة حياة الإنسان وفي الآخرة وقت سؤاله في قبره وقال البراء بن عازب وجماعة في الحياة الدنيا هي وقت سؤاله في قبره ورواه البراء عن النبي صلى الله عليه و سلم في لفظ متأول وفي الآخرة هو يوم القيامة عند العرض والأول أحسن ورجحه الطبري ت ولفظ البخاري عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة

انتهى وحديث البراء خرجه البخاري ومسلم وابو داود والسنائي وابن ماجه قال صاحب التذكرة وقد روى هذا الحديث أبو هريرة وابن مسعود وابن عباس وأبو سعيد الخدري قال أبو سعيد الخدري كنا في جنازة مع النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا أيها الناس أن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا الأنسان دفن وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك بيده مطراق فاقعده فقال ما تقول في هذا الرجل الحديث وفيه قال بعص أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ما أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلا هبل فقال النبي صلى الله عليه و سلم الدينا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء انتهى قال أبو عمر بن عبد البر وروينا من طرق أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لعمر كيف بك يا عمر إذا جاءك منكر ونكير إذا مت وأنطلق بك قومك فقاسوا ثلاثة أذرع وشبرا في ذراع وشبر ثم غسلوك وكفنوك وحنطوك ثم احتملوك فوضعوك فيه ثم أهالوا عليك التراب فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر منكر ونكير اصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف يجران شعورهما معهما مرزبة لو أجتمع عليها أهل الأرض لم يقلبوها فقال عمر يا رسول الله أن فرقنا فحق لنا أن نفرق انبعث على ما نحن عليه قال نعم إن شاء الله قال إذن اكفيكهما انتهى والظالمون في هذه الآية الكافرون
ويفعل الله ما يشاء أي بحق الملك فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه وجاءت أحاديث صحيحة في مسايلة العبد في قبره وجماعة السنة تقول أن الله سبحانه يخلق للعبد في قبره ادراكات وتحصيلا أما بحياة كالمتعارفة وإما بحضور النفس وان لم تتلبس بالجسد كالعرف كل هذا جائز في قدرة الله تبارك وتعالى غير أن في الأحاديث الصحيحة أنه يسمع خفق النعال ومنها أنه يرى الضوء كأن الشمس دنت للغروب وفيها أنه يراجع

وفيها فيعاد روحه إلى جسده وهذا كله يتضمن الحياة فسبحان من له هذه القدرة العظيمة
وقوله سبحانه ألم تر إلىالذين بدلوا نعمت الله كفرا المراد بالذين بدلوا نعمة الله كفرة قريش وقد خرجه البخاري وغيره مسندا عن أبن عباس انتهى والتقدير بدلوا شكر نعمته الله كفرا ونعمة الله تعالى في هذه الآية هو محمد صلى الله عليه و سلم ودينه
وأحلوا قومهم أي من أطاعهم وكأن الإشارة والتعنيف إنما هو للرءوس والأعلام
والبوار الهلاك قال عطاء بن يسار نزلت هذه الآية في قتلى بدر والأنداد جمع ند وهو المثيل والمراد الأصنام واللام في قوله ليضلوا بضم الياء لام كي وبفتحها لام عاقبة وصيرورة والقراءتان سبعيتان
سبحانه قل لعبادي الذين ءامنوا يقيموا الصلوة الآية العباد جمع عبد وعرفه في التكرمة بخلاف العبيد والسر صدقة التنفل والعلانية المفروضة هذا هو مقتضى الأحاديث وفسر ابن عباس هذه الآية بزكاةا الأموال مجملا وكذلك فسر الصلاة بأنها الخمس وهذا عندي منه تقريب للمخاطب والخلال مصدر من خالل إذا واد وصافى ومنه الخلة والخليل والمراد بهذا اليوم يوم القيامة
وقوله سبحانه الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم هذه الآية تذكير بآلائه سبحانه وتنبيه على قدرته التي فيها إحسان إلى البشر لتقوم الحجة عليهم
وقوله بأمره مصدر أمر يأمر وهذا راجع إلى الكلام القديم القائم بالذات ودائبين معناه متماديين ومنه قوله صلى الله عليه و سلم لصاحب الجمل الذي بكى واجهش إليه أن هذا الجمل شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه أي تديمه في الخدمة والعمل وظاهر الآية أن معناه دائبين في الطلوع والغروب وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثرة وعن ابن عباس أنه قال معناه دائبين في طاعة الله
وقوله سبحانه وءاتاكم

من كل ما سألتموه المعنى أن جنس الإنسان بجملته قد أوتي من كل ما شأنه أن يسأل وينتفع به وقرأ ابن عباس وغيره من كل ما سألتموه بتنوين كل ورويت عن نافع
وقوله تعالى وأن تعدوا نعمت الله لا تحصوها أي لكثرتها وعظمها في الحواس والقوى والإيجاد بعد العدم والهداية للإيمان وغير ذلك وقال طلق بن حبيب أن حق الله تعالى أثقل من أن يقوم به العباد ونعمه أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين ت ومن الكلم الفارقية أيها الحريص على نيل عاجل حظه ومراده الغافل عن الاستعداد لمعاده تنبيه لعظمة من وجودك بإيجاده وبقاؤك بارفاده ودوامك بإمداده أنت طفل في حجر لطفه ومهد عطفه وحضانة حفظه يغذك بلبان بره ويقلبك بأدي أياديه وفضله وأنت غافل عن تعظيم أمره جاهل بما أولاك من لطيف سره وفضلك به على كثير من خلقه أذكر عهد الإيجاد ودوام الأمداد والأرفاد وحالتي الاصدار والإيراد وفاتحة المبدا وخاتمة المعاد انتهى
وقوله سبحانه إن الإنسان يريد به النوع والجنس المعنى توجد فيه هذه الخلال وهي الظلم والكفر فإن كانت هذه الخلال من جاحد فهي بصفة وإن كانت من عاص فهي بصفة أخرى
وقوله سبحانه وإذ قال إبراهيم رب أجعل هذا البلد آمنا تقدم تفسيره
وقوله واجنبني وبني أن نعبد الأصنام واجنبني معناه امنعني يقال جنبه كذا واجبنه وجنبه إذا منعه من الأمر وضماه منه ت وكذا قال ص واجنبني معناه أمنعني أصله من الجانب وعبارة المهدوي أي أجعلني جابنا من عبادتها وقال الثعلبي واجنبني أي بعدني وأجعلني منها على جانب بعيد انتهى وهذه الألفاظ كلها متقاربة المعاني وأراد إبراهيم عليه السلام بني صلبه وأما باقي نسله فمنهم من عبد الأصنام وهذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي افراط خوفه على نفسه ومن حصل في رتبته فكيف يخاف

أن يعبد صنما لكن هذه الآية ينبغي أن يقتدى بها في الخوف وطلب حسن الخاتمة والأصنام هي المنحوتة على خلقة البشر وما كان منحوتا على غير خلقه البشر فهي أوثان قاله الطبري عن مجاهد ونسب إلى الأصنام أنها أضلت كثيرا من الناس تجوزا وحقيقة الأضلال إنما هي لمخترعها سبحانه وقيل أراد بالأصنام هنا الدنانير والدراهم
وقوله ومن عصاني ظاهره بالكفر لمعادلة قوله فمن تبعني فإنه مني وإذا كان ذلك كذلك فقوله فإنك غفور رحيم معناه بتوبتك على الكفرة حتى يؤمنوا لا أنه أراد أن الله يغفر لكافر وحمله على هذه العبارة ما كان يأخذ نفسه به من القول الجميل والنطق الحسن وجميل الأدب صلى الله عليه و سلم قال قتادة اسمعوا قول الخليل صلى الله عليه و سلم والله ما كانوا طعانين ولا لعانين وكلك قول نبي الله عيسى عليه السلام وأن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم وأسند الطبري عن عبد الله بن عمرو حديثا أن النبي صلى الله عليه و سلم تلا هاتين الآيتين ثم دعا لأمته فبشر فيهم وكان إبراهيم التيمي يقول من يأمن على نفسه بعدخوف إبراهيم الخليل على نفسه من عبادة الأصنام
وقوله ومن ذريتي يريد إسماعيل عليه السلام وذلك أن سارة لما غارت بهاجر بعد أن ولدت إسماعيل تشوش قلب إبراهيم منهما فروي أنه ركب البراق هو وهاجر والطفل فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة فتركهما هناك وركب منصرفا من يومه ذلك وكان ذلك كله بوحي من الله تعالى فلما ولى دعا بمضمن هذه الآية وأما كيفية بقاء هاجر وما صنعت وسائر خبر إسماعيل ففي كتاب البخاري وغيره وفي السير ذكر ذلك كله مستوعبا ت وفي صحيح البخاري من حديث الطويل في قصة إبراهيم مع هاجر وولدها لما حملهما إلى مكة قال وليس بمكة يومئذ أحد وليس فيها ماء فوضعهما هنالك ووضع

عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه انيس ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له ءالله أمرك بهذا قال نعم قالت إذن لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعاء بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم حتى بلغ يشكرون الحديث بطوله وفي طريق قالت يا إبراهيم إلى من تتركنا قال إلى الله عز و جل قالت رضيت انتهى وفي هذا الحديث من الفوائد لارباب القلوب والمتوكلين وأهل الثقة بالله سبحانه ما يطول بنا سردها فاليك استخراجها ولما انقطعت هاجر وابنها إلى الله تعالى ءاواهما الله وأنبع لهما ماء زمزم المبارك الذي جعله غذاء قال ابن العربي وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم ماء زمزم لما شرب له قال ابن العربي ولقد كنت مقيما بمكة سنة سبع وثمانين وأربعمائة وكنت أشرب ماء زمزم كثيرا وكلما شربت نويت به العلم والإيمان ونسيت أن أشربه للعمل ففتح لي في العلم ويالتني شربته لهما معا حتى يفتح لي فيهما ولم يقدر فكان صغوي إلى العلم أكثر منه إلى العمل انتهى من الأحكام ومن في قوله ومن ذريتي للتبعيض لأن إسحاق كان بالشام والوادي ما بين الجبلين وليس من شرطه أن يكون فيه ماء وجمعه الضمير في قوله ليقيموا يدل على أن الله قد أعلمه أن ذلك الطفل سيعقب هناك ويكون له نسل واللام في ليقيموا لام كي هذا هو الظاهر ويصح أن تكون لام الأمر كأنه رغب إلى الله سبحانه أن يوفقهم لآقامة الصلاة والأفئدة القلوب جمع فؤاد سمي بذلك لاتقاده مأخوذ من فأد ومنه المفتأد وهو مستوقد النار حيث يشوى اللحم
وقوله من الناس تبعيض ومراده المؤمنون وباقي الآية بين

وقوله رب اجعلني مقيم الصلوة دعاء إبراهيم عليه السلام في أمر كان مثابرا عليه متمسكا به ومتى دعا الإنسان في مثل هذا فإنما المقصد أدامة ذلك الأمر واستمراره قال السهيلي قوله تعالى رب أجعلني مقيم الصلوة ومن ذريتي بحرف التبعيض ولذلك أسلم بعض ذريته دون بعض انتهى وفاقا لما تقدم الآن
وقوله ربنا اغفر لي ولوالدي أختلف في تأويل ذلك فقالت فرقة كان ذلك قبل يأسه من إيمان أبيه وتبينه أنه عدو لله فأراد أباه وأمه لأنها كانت مؤمنة وقيل أراد آدم ونوحا عليهما السلام وقرأ الزهري وغيره ولولدي على أنه دعاء لأسماعيل وإسحاق وأنكرهما عاصم الجحدري وقال أن في مصحف أبي بن كعب ولأبوي
وقوله عز و جل ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يوخرهم الآية هذه الآية بجملتها فيها وعيد للظالمين وتسلية للمظلومين والخطاب بقوله تحسبن للنبي صلى الله عليه و سلم وتشخص فيه الأبصار معناه تحد النظر لفرط الفزع ولفرظ ذلك يشخص المحتضر والمهطع المسرع في مشيه قاله ابن جبير وغيره وذلك بذلة واستكانه كاسراع الأسير ونحوه وهذا أرجح الأقوال وقال ابن عباس وغيره الأهطاع شدة النظر من غير أن يطرف وقال ابن زيد المهطع الذي لا يرفع رأسه قال أبو عبيدة قد يكون الأهطاع للوجهين جميعا الأسراع وأدامة النظر والمقنع هوالذي يرفع رأسه قدما بوجهه نحو الشيء ومن ذلك قول الشاعر ... يباكرن العضاه بمقنعات ... نواجذهن كالحد الوقيع ...
يصف الإبل عند رعيها أعالي الشجر وقال الحسن في تفسير هذه الآية وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد وذكر المبرد فيما حكي عنه مكي أن الأقناع يوجد في كلام العرب بمعنى خفض الرأس من الذلة قال ع والأول أشهر
وقوله سبحانه لا يرتد إليهم طرفهم أي لا يطرفون من الحذر والجزع

وشدة الحال
وقوله وافئدتهم هواء تشبيه محض وجهة التشبيه يحتمل أن تكون في فراغ الأفئدة من الخير والرجاء والطمع في الرحمة فهي متخرقة مشبهة الهواء في تفرغه من الأشياء وأنخراقه ويحتمل أن تكون في اضطراب أفئدتهم وجيشانها في صدورهم وأنها تذهب وتجيء وتبلغ على ما روي حناجرهم فهي في ذلك كالهواء الذي هو ابدأ في اضطراب
وقوله سبحانه وانذر الناس يوم يأيتهم العذاب المراد باليوم يوم القيامة ونصبه على أنه معفول بأنذر ولا يجوز أن يكون ظرفا لأن القيامة ليست بموطن أنذار قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة يجب التصديق بكل ما أخبر الله ورسوله به ولا يتعرض إلى الكيفية في كل ماء جاء من أمر الساعة وأحوال يوم القيامة فإنه أمر لا تسعه العقول وطلب الكيفية فيه ضعف في الإيمان وإنما يجب الجزم بالتصديق بجميع ما أخبر الله به انتهى قال الغزالي فأعلم العلماء وأعرف الحكماء ينكشف له عقيب الموت من العجائب والآيات ما لم يخطر قط بباله ولا اختلج به ضميره فلو لم يكن للعاقل هم ولا غم إلا التفكر في خطر تلك الأحوال وما الذي ينكشف عنه الغطاء من شقاوة لازمة أو سعادة دائمة لكان ذلك كافيا في استغراق جميع العمر والعجب من غفلتنا وهذه العظائم بين أيدينا انتهى من الأحياء
وقوله أو لم تكونوا الآية معناه يقال لهم
وقوله ما لكم من زوال هو المقسم عليه وهذه الآية ناظرة إلىما حكى الله سبحانه عنهم في قوله وأقسموا بالله جهدا إيمانهم لا يبعث الله من يموت
وقوله سبحانه وسكنتم الآية المعنى يقول الله عز و جل وسكنتم أيها المعرضون عن آيات الله من جميع العالم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم بالكفر من الأمم السالفة فنزلت بهم المثلات فكان حقكم الأعتبار والأتعاظ
وقوله وعند الله مكرهم أي جزاء مكرهم وقرأ

السبعة سوى الكسائي وإن كان مكرهم لتزول بكسر اللام من لتزول وفتح الأخيرة وهذا على ما تكون أن نافيه بمعنى ما ومعنى الآية تحقير مكرهم وأنه ما كان لتزول منه الشرائع والنبوات وأقدار الله بها التي هي كالجبال في ثبوتها وقوتها هذا هو تأويل الحسن وجماعة المفسرين وتحتمل عندي هذه القراءة أن تكون بمعنى تعظيم مكرهم أي وإن كان شديدا وقرأ الكسائي وإن كان مكرهم لتزول من منه الجبال بفتح اللام الأولى من لتزول وضم الأخيرة وهي قراءة ابن عباس وغيره ومعنى الآية تعظيم مكرهم وشدته أي أنه مما يشقى به ويزيل الجبال عن مستقراتها لقوته ولكن الله تعال أبطله ونصر أولياءه وهذا أشد في العبرة وقرأ علي وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبي وإن كاد مكرهم وذكر أبو حاتم أن في قراءة أبي ولولا كلمة الله لزال من مكرهم الجبال
وقوله سبحانه فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله الآية تثبيت للنبي صلى الله عليه و سلم ولغيره من أمته ولم يكن النبي عليه السلام ممن يحسبن مثل هذا ولكن خرجت العبارة هكذا والمارد بما فيها من الزجر غيره إن الله عزيز لا يمتنع منه شيء ذو انتقام من الكفرة
وقوله سبحانه يوم تبدل الأرض الآية يوم ظرف للأنتقام المذكور قبله وروي في تبديل الأرض أخبار منها في الصحيح يبدل الله هذه الأرض بأرض عفراء بيضاء كأنها قرصة نقي وفي الصحيح أنالله يبدلها خبزة يأكل المؤمن منها من تحت قدميه وروي أنها تبدل أرضا من فضة وروي أنها أرض كالفضة من بياضها وروي أنها تبدل من نار قال ع وسمعت من أبي رحمه الله أنه روي أن التبديل يقع في الأرض ولكن يبدل لكل فريق بما يقتضيه حاله فالمؤمن يكون على خبز يأكل منه بحسب حاجته إليه وفريق يكون على فضلة أن صح السند بها وفريق الكفرة يكونون على نار ونحو

هذا مما كله واقع تحت قدرة الله عز و جل وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بارض بيضاء عفراء لم يعص الله فيها ولا سفك فيها دم وليس فيها معلم لأحد وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال المؤمنون وقت التبديل في ظل العرش وروي عنه أنه قال الناس وقت التبديل على الصراط وروي أنه قال الناس حينئذ أضياف الله فلا يعجزهم ما لديه وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان في سؤال الحبر وقوله يا محمد أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات فقال صلى الله عليه و سلم هم في الظلمة دون الجسر الحديث بطوله وخرجه مسلم وأبن ماجه جميعا قالا حدثنا أبو بكر بن ابن أبي شيبة ثم أسندا عن عائشة قالت سئل النبي صلى الله عليه و سلم عن قوله تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات فأين يكون الناس قال على الصراط وخرجه الترمذي من حديث عائشة قالت يا رسول الله والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه فأين يكون المؤمنون يومئذ قال على الصراط يا عائشة قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى من التذكرة
وترى المجرمين أين الكفار ومقرنين أي مربوطين في قرن وهو الحبل الذي تشد به رؤوس الإبل والبقر والأصفاد هي الأغلال واحدها صفد والسرابيل القمص والقطران هو الذي تهنأ به الإبل وللنار فيه اشتعال شديد فلذلك جعل الله قمص أهل النار منه وقرا عمر بن الخطاب وعلي وأبو هريرة وابن عباس وغيرهم من قطرآن والقطر القصدير وقيل النحاس وروي عن عمر أنه قال ليس بالقطران ولكنه النحاس يسربلونه وآن صفة وهو الذائب الحار الذي تناهى حره
قال الحسن قد سعرت عليه جهنم منذ خلقت فتناهى حره
وقوله سبحانه ليجزي الله كل نفس ما كسبت الآية جاء من لفظة الكسب بما يعم المسيء والمحسن لينبه على أن المحسن أيضا يجازى بإحسانه خيرا

وقوله سبحانه هذا بلاغ للناس الآية إشارة إلى القرآن والوعيد الذي تضمنه والمعنى هذا بلاغ للناس وهو لينذروا به وليذكر أولوا الألباب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه وسلم تسليما
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة الحجر مكية
قوله عز و جل الر تلك ءايات الكتاب وقرءان مبين قال مجاهد وقتادة الكتاب في الآية ما نزل من الكتب قبل القرآن ويحتمل أن يراد بالكتاب القرآن ثم تعطف الصفة عليه
وربما للتقليل وقد تجيء شاذة للتكثير وقال قوم أن هذه من ذلك وأنكر الزجاج أن تجيء رب للتكثير واختلف المتأولون في الوقت الذي يود فيه الكفار أن يكونوا مسلمين فقالت فرقة هو عند معاينة الموت حكي ذلك الضحاك وقالت فرقة هو عند معاينة أهوال يوم القيامة وقال ابن عباس وغيره هو عند دخولهم النار ومعرفتهم بدخول المؤمنين الجنة وروي فيه حديث من طريق أبي موسى
وقوله سبحانه ذرهم يأكلوا ويتمتعوا الآية وعيد وتهديد وما فيه من المهادنة منسوخ بآية السيف وروى ابن المبارك في رقائقه قال أخبرنا الأوزاعي عن عروة بن رويم قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم وغذوا به همتهم الوان الطعام والوان الثياب يتشدقون بالكلام انتهى
وقوله فسوف يعلمون وعيد ثان وحكى الطبري عن بعض العلماء أنه

قال الأول في الدنيا والثاني في الآخرة فكيف تطيب حياة بين هذين الوعيدين
وقوله ويلههم الأمل أي يشغلهم أملهم في الدنيا والتزيد منها قال عبد الحق في العاقبة أعلم رحمك الله أن تقصير الأمل مع حب الدنيا متعذر وانتظار الموت مع الأكباب عليها غر متيسر ثم قال وأعلم أن كثرة الاشتغال بالدنيا والميل بالكلية إليها ولذة أمانيها تمنع مرارة ذكر الموت أن ترد على القلب وأن تلج فيه لأن القلب إذا امتلأ بشيء لم يكن لشيء آخر فيه مدخل فإذا أراد صاحب هذا القلب سماع الحكمة والأنتفاع بالموعظة لم يكن له بد من تفريقه ليجد الذكر فيه منزلا وتلفى الموعظة فيه محلا قابلا قال ابن السماك رحمه الله أن الموتى لم يبكوا من الموت لكنهم بكوا من حسرة الفوت فأتتهم والله دار لم يتزودوا منها ودخلوا دار لم يتزودا لها انتهى وإنما حصل لهم الفوت بسبب استغراقهم في الدنيا وطول الأمل الملهى عن المعاد الهمنا الله رشدنا بمنه وقوله سبحانه وما أهلكنا من قرية الآية أي فلا تستبطئن هلاكهم فليس من قرية مهلك إلا بأجل وكتاب معلوم محدود
وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر الآية القائلون هذه المقالة هم كفار قريش ولو ما بمعنى لولا فتكون تحضيضا كما هي في هذه الآية وفي البخاري لوما تأتينا هلا تأتينا
وقوله إلا بالحق قال مجاهد المعنى بالرسالة والعذاب والظاهر أن معناه كما ينبغي ويحق من الوحي والمنافع التي أراها الله لعباده لا على اقتراح كافر ثم ذكر عادته سبحانه في الأمم من أنه لم يأتهم بآية افتراح إلا ومعها العذاب في أثرها أن لم يؤمنوا والنظرة التأخير
وقوله سبحانه انا نحن نزلنا الذكر رد على المستخفين في قولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر وقوله وانا له لحافظون قال مجاهد وغيره الضمير في له عائد على القرآن المعنى وانا له لحافظون من أن يبدل أويغير
قوله سبحانه ولقد أرسلنا من قبلك

في شيع الأولين الآية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم أي لا يضق صدرك يا محمد بما يفعله قومك من الأستهزاء في قولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر وغير ذلك والشيعة الفرقة التابعة لراس ما ت قال الفراء في شيع الأولين أنه من أضافة الموصوف إلى صفته كحق اليقين وجانب الغربي وتأوله البصريون على حذف الموصوف أي شيع الأمم الأولين انتهى من ص
وقوله سبحانه كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا بؤمنون به وقد خلت سنة الأولين يحتمل أن يكون الضمير في نسلكه يعود على الذكر المحفوظ المتقدم وهوالقرآن ويكون الضمير في به عائد عليه أيضا ويحتمل أن يعود الضميران معا على الأستهزاء والشرك ونحوه والباء في به باء السبب أي لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم ويحتمل أن يكون الضمير في نسلكه عائدا على الأستهزاء والشرك والضمير في به عائد على القرآن والمعنى في ذلك كله ينظر بعضه إلى بعض ونسلكه معناه ندخله والمجرمين هنا يراد بهم كفار قريش ومعاصرو النبي صلى الله عليه و سلم
وقوله لا يؤمنون به عموم معناه الخصوص فيمن حتم عليه
وقوله وقد خلت سنة الأولين أي على هذه الوتيرة
ولو فتحنا عليهم أي على قريش وكفرة العصر والضمير في قوله فظلوا عائد عليهم وهو تأوي الحسن ويعرجون معناه يصعدون ويحتمل أن يعود على الملائكة أي ولو رأو الملائكة يصعدون وبتصرفون في باب مفتوح في السماء لما آمنوا وهذا هو تأويل ابن عباس وقرأ السبعة سوى ابن كثير سكرت بضم السين وشد الكاف وقرأ ابن كثير بتخفيف الكاف تقول العرب سكرت الريح تسكر سكورا إذا ركدت ولم تنفذ لما كانت بسبيله أولا وسكر الرجل من الشراب إذا تغيرت حاله وركد ولم ينفذ لما كان بسبيله أن ينفذ فيه وتقول العرب سكرت البثق في

مجاري الماء سكرا إذا طمسته وصرفت الماء عنه فلم ينفذ لوجهه قال ع فهذه اللفظة سكرت بشد الكاف إن كانت من سكر الشراب أو من سكور الريح فهي فعل عدي بالتضعيف وإن كانت من سكر مجاري الماء فتضعيفها للمبالغة لا للتعدي لأن المخفف من فعله متعد ومعنى هذه المقالة منهم أي غيرت أبصارنا عما كانت عليه فهي لا تنفذ وتعطينا حقائق الأشياء كما كانت تفعل
وقوله سبحانه ولقد جلعنا في السماء بروجا البروج المنازل وأحدها برج وسمي بذلك لظهوره ومنه تبرج المرأة ظهورها وبدوها وحفظ السماء هو بالرجم بالشهب على ما تضمنته الأحاديث الصحاح قال النبي صلى الله عليه و سلم أن الشياطين تقرب من السماء أفواجا قال فينفرد المارد منها فيعلوا فيسمع فيرمى بالشهاب فيقول لأصحابه أنه من الأمر كذا وكذا فيزيد الشياطين في ذلك ويلقون إلى الكهنة فيزيدون مع الكلمة مائة ونحو هذا الحديث وإلا بمعنى لكن ويظهر أن الأستثناء من الحفظ وقال محمد بن يحي عن أبيه إلا من استرق السمع فإنها لم تحفظ منه
وقوله موزون قال الجمهور معناه مقدر محرر بقصد وأرادة فالوزن على هذا مستعار وقال ابن زيد المراد ما يوزن حقيقة كالذهب والفضة وغير ذلك مما يوزن والمعايش جمع معيشة
وقوله ومن لستم له برازقين يحتمل أن يكون عطفا على معايش كأن الله تعالى عدد النعم في المعايش وهي ما يؤكل ويلبس ثم عدد النعم في الحيوان والعبيد وغير ذلك مما ينتفع به الناس وليس عليهم رزقهم
وقوله تعالى وأن من شيء إلا عندنا خزائنه قال ابن جريج هو المطر خاصة قال ع وينبغي أن يكون أعم من هذا في كثير من المخلوقات
وقوله سبحانه وأرسلنا الرياح لواقح أي ذات لقح يقال لقحت الناقة والشجر فهي لاقحة إذا حملت فالوجه في الريح ملحقة لا لاقحة وقال الداودي وعن ابن عمر الرياح ثمان أربع رحمة وأربعة عذاب فالرحمة

المرسلات المبشرات والناشرات والذاريات وأما العذاب فالصرصر والعقيم والقاصف والعاصف وهما في البحرانتهى
وقوله جلت عظمته وإنا لنحن نحي ونميت الآيات هذه الآيات مع الآيات التي قبلها تضمنت العبرة والدلالة على قدرة الله تعالى وما يوجب توحيده وعبادته المعنى وإنا لنحن نحي من نشاء بإخراجه من العدم إلى وجود الحياة ونميت بإزالة الحياة عمن كان حيا ونحن الوارثون أي لا يبقى شيء سوانا وكل شيء هالك إلا وجهه لا رب غيره ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين أي من لدن آدم إلى يوم القيامة قال ابن العربي في أحكامه روى الترمذي وغيره في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس أنه قال كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ابن عباس ولا والله ما رأيت مثلها قط قال فكان بعض المسلمين إذا صلوا تقدموا وبعضهم يستأخر فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم فأنزل الله الآية ثم قال ابن العربي في شرح المراد بهذه الآية خمسة أقوال أحدها هذا القول الثاني المتقدمين في الخلق إلى اليوم والمتأخرين الذين لم يخلقوا بعد بيان أن الله يعلم الموجود والمعدوم قاله قتادة وجماعة الثالث من مات ومن بقي قاله ابن عباس أيضا الرابع المستقدمين سائر الأمم والمستأخرين أمة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم قاله مجاهد الخامس قال الحسن معناه المتقدمين في الطاعة والمستأخرين في المعصية انتهى ت والحديث المتقدم أن صح فلا بد من تأويله فإن الصحابة ينزهون عن فعل ماذكر فيه فيؤول بأن ذلك صدر من بعض المنافقين أو بعض الأعراب الذين قرب عهدهم بالإسلام ولم يرسخ الإيمان في قلوبهم وأما ابن عباس فإنه كان يومئذ صغيرا بلا شك هذا إن كانت الآية مدنية فإن كانت مكية فهو يومئذ في سن الطفولية وبالجملة فالظاهر ضعف هذا الحديث من وجوه انتهى وباقي الآية بين
ولقد

خلقنا الإنسان يعني آدم قال ابن عباس خلق من ثلاثة من طين لازب وهو اللازق الجيد ومن صلصال وهو الأرض الطيبة يقع عليها الماء ثم ينحسر فتشقق وتصير مثل الخزف ومن حماء مسنون وهو الطين فيه الحمأة والمسنون قال معمر هو المنتن وهو من أسن الماء إذا تغير ورد من جهة التصريف وقيل غير هذا وفي الحديث أن الله تعالى عز و جل خلق آدم من جميع أنواع التراب الطيب والخبيث والأسود والأحمر
وقوله والجان يراد به جنس الشياطين وسئل وهب بن منبه عنهم فقال هم أجناس قال ع والمراد بهذه الخلقة إبليس أبو الجن
وقوله من قبل لأن إبليس خلق قبل آدم بمدة والسموم في كلام العرب افراط الحر حتى يقتل من نار أو شمس أو ريح وأما أضافة النار إلى السموم في هذه الآية فيحتمل أن تكون النار انواعا ويكون السموم أمرا يختص بنوع منها فتصح الإضافة حينئذ وإن لم يكن هذا فيخرج هذا على قولهم مسجد الجامع ودار الاخرة علىحذف مضاف
قوله عز و جل وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون أخبر الله سبحانه الملائكة بعجب عندهم وذلك أنهم كانوا مخلوقين من نور فهي مخلوقات لطاف فأخبرهم سبحانه أنه يخلق جسما حيا ذا بشرة وأنه يخلقه من صلصال والبشرة هي وجه الجلد في الأشهر من القول
وقوله من روحي أضافة خلق وملك إلى خالق ومالك وقول إبليس لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال الآية ليس ابايته نفس كفره عند الحذاق لأن أبايته إنما هي معصية فقط وإنما كفره بمقتضى قوله وتعليله إذ يقتضى أن الله

خلق خلقا مفضولا وكلف خلقا أفضل منه أن يذل له فكأنه قال وهذا جور وقد تقدم تفسير أكثر هذه المعاني وقوله عز و جل قال فأخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الأرض الآية بما أغويتني قال أبو عبيدة وغيره اقسم بالأغواء قال ع كأنه جعله بمنزلة قوله رب بقدرتك على وقضائك ويحتمل أن نكون باء السبب
وقوله سبحانه هذا صراط علي مستقيم المعنى هذا أمر إلي يصير والعرب تقول طريقك في هذا الأمر على فلان أي إليه يصير النظر في أمرك والآية تتضمن وعيدا وظاهر قوله عبادي الخصوص في أهل الإيمان والتقوى فيكون الأستثناء منقطعا وان أخذنا العباد عموما كان الأستناء متصلا ويكون الأقل في القدر من حيث لا قدر للكفار والنظر الأول أحسن وإنما الغرض أن لا يقع في الأستثناء الأكثر من الأقل وإن كان الفقهاء قد جوزوه
وقوله لموعدهم أي موضع اجتماعهم عافانا الله من عذابه بمنه وعاملنا بمحض جوده وكرمه
وقوله سبحانه أن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام الآية السلام هنا يحتمل أن يكون السلامة ويحتمل أن يكون التحية والفل الحقد قال الداودي عن النبي صلى الله عليه و سلم ونزعنا ما في صدورهم الآية قال إذا خلص المؤمنون من الصراط جبسوا على صراط بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض بمظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا إذن لهم في دخول الجنة والله لأحدهم أهدى بمنزلة في الجنة من منزله في الدنيا انتهى والسرر جمع سرير ومتقابلين الظاهر أن معناه في الوجوه إذ الأسرة متقابلة فهي أحسن في الرتبة قال مجاهد لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه وقيل غير هذا مما لا يعطيه اللفظ والنصب التعب ونبئى

معناه أعلم قال الغزالي رحمه الله في منهاجه ومن الآيات اللطيفة الجامعة بين الرجاء والخوف قوله تعالى نبئى عبادي اني انا الغفور الرحيم ثم قال في عقبه وان عذابي هو العذاب الأليم ليلا يستولي عليك الرجاء بمرة وقوله تعالى شديد العقاب ثم قال في عقبه ذي الطول ليلا يستولي عليك الخوف واعجب من ذلك قوله تعالى ويحذركم الله نفسه ثم قال في عقبه والله رءوف بالعباد واعجب منه قوله تعالى من خشي الرحمن بالغيب فعلق الخشية باسم الرحمن دون اسم الجبار أو المنتقم أو المتكبر ونحوه ليكون تخويفا في تأمين وتحريكا في تسكين كما تقول أما تخشى الوالدة الرحيمة أما تخشى الوالد الشفيق والمراد من ذلك أن يكون الطريق عدلا فلا تذهب إلى أمن وقنوط جعلنا الله وإياكم من المتدبرين لهذا الذكر الحليم العاملين بما فيه أنه الجواد الكريم انتهى
وقوله سبحانه ونبئهم عن ضيف إبراهيم الآية هذه ابتداء قصص بعد انصرام الغرض الأول والضيف مصدر وصف به فهو للواحد والأثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد
وقوله انامنكم وجلون أي فزعون وإنما وجل منهم لما قدم إليهم العجل الحنيذ فلم يرهم يأكلون وكانت عندهم العلامة المؤمنة أكل الطعام وكذلك هو في غابر الدهر أمنة للنازل والمنزول به
وقوله ان مسني الكبر أي في حالة قد مسني فيه الكبر وقول إبراهيم عليه السلام فبم تبشرون تقرير على جهة التعجب والاستبعاد لكبرهما أو على جهة الاحتقار وقلة المبالاة بالمسرات الدنيوية لمضي العمر واستيلاء الكبر وقولهم بشرناك بالحق فيه شدة ما أي أبشر بما بشرت به ولا تكن من القانطين والقنوط أتم اليأس
وقوله سبحانه قال فما خطبكم أيها المرسلون لفظة الخطب إنما تستعمل في الأمور الشداد وقولهم الا ءال لوط اسثناء منقطع والآل القوم الذين يئول أمرهم إلى المضاف إليه كذا قال سيبويه وهذا

نص في أن لفظة آل ليست لفظة أهل كما قال النحاس وإلا امرأته استثناء متصل والاستثناء بعد الاستثناء يرد المشتثنى الثاني في حكم الأمر الأول والغابرين هنا أي الباقين في العذاب وغبر من الأضداد يقال في الماضي وفي الباقي وقول الرسل للوط بل جئناك بما كانوا فيه يمترون أي بما وعدك الله من تعذيبهم الذي كانوا يشكون فيه والقطع الجزء من الليل
وقوله سبحانه واتبع أدبارهم أي كن خلفهم وفي ساقتهم حتى لا يبقى منهم أحد ولا يلتفت مأخوذ من الألفتات الذي هو نظر العين قال مجاهد المعنى لا ينظر أحد وراءه ونهوا عن النظر مخافة العلقة وتعلق النفس بمن خلف وقيل ليلا تنفطر قلوبهم من معاينة ما جرى على القرية في رفعها طرحها
وقوله سبحانه وقضينا إليه ذلك الأمر أي امضيناه وحتمنا به ثم أدخل في الكلام إليه من حيث أوحي ذلك إليه وأعلمه الله به
وقوله يستبشرون أي بالأضياف طمعا منهم في الفاحشة وقولهم أو لم ننهك عن العالمين روي أنهم كانوا تقدموا إليه في أن لا يضيف أحدا والعمر والعمر بفتح العين وضمها واحد وهما مدة الحياة ولا يستعمل في القسم إلا بالفتح وفي هذه الآية شرف لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم لأن الله عز و جل أقسم بحياته ولم يفعل ذلك مع بشر سواه قاله ابن عباس ت وقال ص اللام في لعمرك للأبتداء والكاف خطاب للوط عليه السلام والتقدير قالت الملائكة له لعمرك واقتصر على هذا وما ذكره ع هو الذي عول عليه عياض وغيره وقال ابن العربي في أحكامه قال المفسرون بإجمعهم أقسم الله في هذه الآية بحياة محمد صلى الله عليه و سلم ولا أدري ما أخرجهم عن ذكر لوط إلى ذكر محمد عليه السلام وما المانع أن يقسم الله بحياة لوط ويبلغ به من التشريف ما شاء وكل ما يعطى الله للوط من فضل ويؤتيه من شرف فلنبينا محمد عليه

السلام ضعفاه لأنه أكرم على الله منه وإذا أقسم الله بحياة لوط فحياة نبينا محمد عليه السلام أرفع ولا يخرج من كلام إلى كلام آخر غيره لم يجر له ذكر لغير ضرورة انتهى ت وما ذكره الجمهور أحسن لأن الخطاب خطاب مواجهة ولأنه تفسير صحابي وهو مقدم على غيره ويعمهون معناه يترددون في حيرتهم ومشرقين معناه قد دخلوا في الأشراق وهو سطوع ضوء الشمس وظهوره قاله ابن زيد وهذه الصيحة هي صحية الوجبة وليست كصيحة ثمود وأهلكوا بعد الفجر مصبحين واستوفاهم الهلاك مشرقين وباقي قصص الآية تقدم تفسيره والمتوسمين قال مجاهد المتفرسون وقال أيضا المعتبرون وقيل غير هذا وهذا كله تفسر بالمعنى وأما تفسير اللفظة فالمتوسم هو الذي ينظر في وسم المعنى فيستدل به على المعنى وكأن معصية هؤلاء ابقت من العذاب والأهلاك وسما فمن رأى الوسم استدل على المعصية به واقتاده النظر إلى تجنب المعاصي ليلا ينزل به ما نزل بهم ومن الشعر في هذه اللفظة قول الشاعر ... توسمته لما رأيت مهابة ... عليه وقلت المرء من ءال هاشم ...
والضمير في قوله وأنها لبسبيل مقيم يحتمل أن يعود على المدينة المهلكة أي أنها في طريق ظاهر بين للمعتبر وهذا تأويل مجاهد وغيره ويحتمل أن يعود على الآيات ويحتمل أن يعود على الحجارة ويقويه ما روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال أن حجارة العذاب معلقة بين السماء والأرض منذ ألفي سنة لعصاة أمتي
وقوله سبحانه وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم الآيتة الغيضة والشجر المتلف المخضر قال الشاعر ... الا انما الدنيا غضارة ايكة ... اذا احضر منها جانب جف جانب ...
وكان هؤلاء قوما يسكنون غيضة ويرتفقون بها في معايشهم فبعث إليهم

شعيب فكفروا به فسلط الله عليهم الحر فدام عليهم سبعة أيام ثم رأوا سحابة فخرجوا فاستظلوا بها فأمطرت عليهم نارا وحكى الطبري قال بعث شعيب إلى أمتين فكفرتا فعذبتا بعذابين مختلفين أهل مدين عذبوا بالصحية وأصحاب الأيكة بالظلة
وقوله وانهما لبامام مبين الضمير في أنهما يحتمل أن يعود على مدينة قوم لوط ومدينة أصحاب الأيكة ويحتمل أن يعود على لوط وشعيب عليهما السلام أي أنهما على طريق من الله وشرع مبين والأمام في كلام العرب الشيء الذي يهتدي به ويؤتم به فقد يكون الطريق وقد يكون الكتاب وقد يكون الرجل المقتدى به ونحو هذا ومن رأى عود الضمير علىالمدينتين قال الإمام الطريق وقيل على ذلك الكتاب الذي سبق فيه اهلاكهما وأصحاب الحجر هم ثمود وقد تقدم قصصهم والحجر مدينتهم وهي ما بين المدينة وتبوك وقال المرسلين من حديث يلزم من تكذيب رسول واحد تكذيب الجميع إذ القول في المعتقدات واحد
وقوله ينحتون من الجبال بيوتا آمنين النحت النقر بالمعاول وآمنين قيل معناه من أنهدامها وقيل من حوادث الدنيا وقيل من الموت لاغترارهم بطول الأعمار وأصح ما يظهر في ذلك أنهم كانوا يأمنون عواقب الآخرة فكانوا لا يعلمون بحسبها
وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق أي لم تخلق عبثا
سدى وان الساعة ءلاتية فلا تهتم يا محمد بأعمال الكفرة فإن الله لهم بالمرصاد
عز و جل ولقد آتيناك سبعا من الثماني ذهب ابن مسعود وغيره إلى أن السبع المثاني هنا هي السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والمص والأنفال مع براءة وذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن السبع هنا آيات الفاتحة وهو نص حديث أبي بن كعب وغيره ت وهذا هو الصحيح وقد تقدم بيان ذلك أول الكتاب
وقوله سبحانه

لا تمدن عينيك إلى ما معتنا به أزواجا منهم حكى الطبري عن سفيان بن عيينة أنه قال هذه الآية أمرة بالأستغناء بكتاب الله عن جميع زينة الدنيا قال ع فكأنه قال آتيناك عظيما خطيرا فلا تنظر إلى غير ذلك من أمور الدنيا وزينتها التي متعنا بها أنواعا من هؤلاء الكفرة ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه و سلم من أوتي القرآن فرأى أن أحد أعطي أفضل مما اعطي فقد عظم صغيرا وصغر عظيما ت وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال قام رسول الله صلى الله عليه و سلم فخطب الناس فقال لا والله ما أخشى عليكم أيها الناس إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا الحديث وفي رواية أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا قالوا وما زهرة الدنيا يا رسول الله قال بركات الأرض الحديث وفي رواية أن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح لكم من زهرة الدنيا وزينتها الحديث انتهى والأحاديث في هذه الباب أكثر من أن يحصيها كتاب قال الغزالي في المنهاج وإذا أنعم الله عليك بنعمة الدين فإياك أن تلتفت إلى الدنيا وحطامها فإن ذلك منك لا يكون إلا بضرب من التهاون بما أولاك مولاك من نعم الدارين أما تمع قوله تعالى لسيد المرسلين ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم الآية تقديره أن من أوتي القرآن العظيم حق له أن لا ينظر إلى الدنيا الحقيرة نظرة باستحلاء فضلا عن أن يكون له فيهارغبة فليلتزم الشكر على ذلك فإنه الكرامة التي حرص عليها الخليل لأبيه والمصطفى عليه السلام لعمه فلم يفعل وأما حطام الدنيا فإن الله سبحانه يصبه على كل كافر وفرعون وملحد وزنديق وجاهل وفاسق الذين هم أهون خلقه عليه ويصرفه عن كل نبي وصفي وصديق وعالم وعابد الذين هم أعز خلقه عليه حتى أنهم لا يكادون يصيبون كسرة وخرقة ويمن عليهم سبحانه بأن لا يلطخهم بقذرها انتهى

وقال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم المعنى أعطيناك الآخرة فلا تنظر إلى الدنيا وقد أعطيناك العلم فلا تتشاغل بالشهوات وقد منحناك لذة القلب فلا تنظر إلى لذة البدن وقد أعطيناك القرآن فاستغن به فمن استغنى به لا يطمح بنظره إلى زخارف الدنيا وعنده معارف المولى حيي بالباقي وفني عن الفاني انتهى
وقوله سبحانه وقل إني أنا النذير المبين كما أنزلنا على المقتسمين قال ع والذين أقول به في هذه أن المعنى وقل أنا نذير كما قال قبلك رسلنا ونزلنا عليهم كما أنزلنا عليك واختلف في المقتسمين من هم فقال ابن عباس وابن جبير المقتسمون هم أهل الكتاب الذي فرقوا دينهم وجعلوا كتاب الله أعضاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض وقال لنحوه مجاهد وقالت فرقة المقتسمون هم كفار قريش جعلوا القرآن سحرا وشعرا وكهانة وجعلوه أعضاء بهذا التقسيم وقالت فرقة عضين جميع عضة وهي اسم للسحر خصاة بلغة قريش وقاله عكرمة ت وقال الواحدي كما أنزلنا عذابا على المقتسمين الذي اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان انتهى من مختصره
وقوله سبحانه فوربك لنسالنهم أجمعين الآية ضمير عام ووعيد محض يأخذ كل أحد منه بحسب جرمه وعصيانه فالكافر يسأل عن التوحيد والرسالة وعن كفره وقصده به والمؤمن العاصي يسأل عن تضييعه وكل مكلف عما كلف القيام به وفي هذا المعنى أحاديث قال ابن عباس وكل مكلف عما كلف القيام به وفي هذا المعنى أحاديث قال ابن عباس في هذه الآية يقال لهم لم عملتم كذا وكذا قال وقوله تعالى فيومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان معناه لا يقال له ماذا اذنبت لأن الله تعالى أعلم بذنبه منه وقوله سبحانه فاصدع بما تومر اصدع معناه انفذ وصرح بما بعثت به وقوله واعرض عن المشركين من آيات المهادنة التي نسختها آية

السيف قاله ابن عباس ثم اعلمه الله تعالى بأنه قد كفاه المستهزءين به من كفار مكة ببوائق اصابتهم من الله تعالى قال ابن إسحاق وغيره وهم الذي قذفوا في قليب بدر كأبي جهل وغيره انتهى
وقوله سبحانه ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون آية تانيس للنبي صلى الله عليه و سلم واليقين هنا الموت قاله ابن عمر وجماعة قال الداودي وعن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما أوحي إلى أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين انتهى وابقي الآية بين وصلى الله عليى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير

سورة النحل
وهي مكية غير آيات يسيرة يأتي بيانها إن شاء الله
قوله سبحانه أتى أمر الله فلا تستعجلوه روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما قال جبريل في سرد الوحي أتى أمر الله وثب رسول الله صلى الله عليه و سلم قائما فلما قال فلا تستعجلوه سكن وقوله أمر الله قال فيه جمهور المفسرين أنه يريد القيامة وفيها وعيد للكفار وقيل المراد نصر محمد صلى الله عليه و سلم فمن قال أن الأمر القيامة قال أن قوله تعالى فلا تستعجلوه رد على المكذبين بالبعث القائلين متى هذا الوعد واختلف المتأولون في قوله تعالى ينزل الملائكة بالروح فقال مجاهد الروح النبؤة وقال ابن عباس الروح الوحي وقال قتادة بالرحمة والوحي وقال الربيع بن أنس كل كلام الله

روح ومنه قوله تعالى أوحينا اليك روحا من أمرنا وقال الزجاج الروح ما تحي به القلوب من هداية الله عز و جل وهذا قول حسن قال الداودي عن ابن عباس قال الروح خلق من خلق الله وأمر من أمر الله على صور بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه روح كالحفيظ عليه لا يتكلم ولا يراه ملك ولا شيء مما خلق الله وعن مجاهد الروح خلق من خلق الله لهم أيد وأرجل انتهى والله أعلم بحقيقة ذلك وهذا أمر لا يقال بالرأي فإن صح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه و سلم وجب الوقوف عنده انتهى ومن في قوله من يشاء هي للأنبياء وقوله تعالى خلق الإنسان من نطفة يريد بالإنسان الجنس
وقوله خصيم يحتم أن يريد به الكفرة الذين يجادلون في آيات الله قال الحسن البصري ويحمل أن يريد أعم من هذا على ان الآية تعديد نعمة الذهن والبيان علىالبشر
وقوله سبحانه والأنعام خلقها لكم فيها دفء الدفء السخانة وذهاب البرد بالاكسية ونحوها وقيل الدفء تناسل الإبل وقال ابن عباس هو نسل كل شيء والمعنى الأول هو الصحيح والمنافع ألبانها وما تصرف منها وحرثها والنضح عليها وغير ذلك
وقوله جمال أي في المنظر وتريحون معنا حين ترودونها وقت الرواح إلى المنازل وتسرحون معناه تخرجونها غدوة إلى السرح والأثقال الأمتعة وقيل الأجسام كقوله وأخرجت الأرض أثقالها أي اجساد بني آدم وسميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيتها ت ويجب على من ملكه الله شيئا من هذا الحيوان أن يرفق به ويشكر الله تعالى على هذه النعمة التي خولها وقد روى مالك ف الموطأ عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن خالد بن معدان يرفعه قال إن الله رفيق يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه ما لا يعين على العنف فإذا ركبتم هذه الدواب العجم فأنزلوها منازلها فإن كانت الأرض جدبة فأنجوا عليها بنقيها

وعليكم بسير الليل فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار وإياكم والتعريس على الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الحيات قال أبو عمر في التمهيد هذا الحديث يستند عن النبي صلى الله عليه و سلم من وجوه كثيرة فأما الرفق فمحمود في كل شيء وما كان الرفق في شيء إلا زانه وقد روى مالك بسنده عن عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الله عز و جل يحب الرفق في الأمر كله وأمر المسافر في الخصب بأن يمشي رويدا ويكثر النزول لترعى دابته فأما الأرض الجدبة فالسنة للمسافر أن يسرع السير ليخرج عنها وبدابته شيء من الشحم والقوة والنقي في كلام العرب الشحم والودك انتهى وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم انتهى
وقوله سبحانه ويخلق ما لا تعلمون عبرة منصوبة على العموم أي أن مخلوقات الله من الحيوان وغيره لا يحيط بعلمها بشر بل ما يخفى عنه أكثر مما يعلمه
وقوله سبحانه وعلى الله قصد السبيل الآية هذه أيضا من أجل نعم الله تعالى أي على الله تقويم طريق الهدى وتبيينه بنصب الأدلة وبعث الرسل وإلى هذا ذهب المتأولون ويحتمل أن يكون المعنى أن من سلك السبيل القاصد فعلى الله ورحمته وتنعيمه طريقه وإلى ذلك مصيره وطريق قاصد معناه بين مستقيم قريب والألف واللام في السبيل للعهد وهي سبيل الشرع
وقوله ومنها جائر يريد طريق اليهود والنصارى وغيرهم فالضمير في منها يعود على السبل التي يتضمنها معنى الآية
وقوله سبحانه فيه تسيمون يقال أسام الرجل ماشيته إذا أرسلها ترعى
وقوله سبحانه وما ذرأ لكم ذرأ معناه بث ونشر
ومختلفا ألوانه أي أصنافه ويحتمل أن يكون التنبيه على اختلاف الألوان

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10