كتاب : الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء
المؤلف: أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي

 

ثم مشى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وسار يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس ثم راح بالناس فهبت عليهم ريح شديدة آذتهم وتخوفوها فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا تخافوها فإنما هبت لموت عظيم من الكفار
فلما قدموا المدينة وجدوا
رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع وكان من عظماء يهود وكهفا للمنافقين مات ذلك اليوم
ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أبي ومن كان على مثل أمره
فلما نزلت أخذ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بأذن زيد بن أرقم ثم قال هذا الذي أوفى لله بأذنه
وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي الذي كان من أمر أبيه فأتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرني فأنا أحمل إليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا
وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويؤاخذونه ويعنفونه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته فقال عمر قد والله علمت لأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أعظم بركة من أمري
وقدم مقيس بن صبابة من مكة متظاهرا بالإسلام فقال يا رسول الله جئتك مسلما وجئتك أطلب دية أخي قتل خطأ فأمر له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بدية أخيه هشام بن صبابة فأقام عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله
ثم خرج إلى مكة مرتدا وقال في شعر له
شفي النفس أن قد بات بالقاع مسندا
تضرج ثوبيه دماء الأخادع
وكانت هموم النفس من قبل قتله

تلم فتحميني وطاء المضاجع
حللت به وترى وأدركت ثؤرتي
وكنت إلى الأوثان أول راجع
ثأرت به فهرا وحملت عقله
سراة بني النجار أرباب فارع
الطويل
وقال أيضا
جللته ضربة باتت لها وشل
من ناقع الجوف يعلوه وينصرم
فقلت والموت يغشاه أسرته
لا تأمنن بني بكر إذا ظلموا
البسيط
وأصاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من بني المصطلق سبيا كثيرا فشا قسمه في المسلمين وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها
قالت عائشة رضي الله عنها وكانت تعني جويرية امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تستعينه في كتابتها فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت فدخلت عليه فقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي
قال فهل لك في خير من ذلك قالت وما هو يا رسول الله قال أقضي كتابتك وأتزوجك
قالت نعم يا رسول الله
قال قد فعلت
وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد تزوج جويرية
فقال الناس أصهار رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فأرسلوا ما بأيديهم قالت فلقد أعتق بتزوجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها
وبعث إليهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط فلما

سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم هابهم فرجع إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره أن القوم هموا بقتله ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى هم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بأن يغزوهم فبينا هم في ذلك قدم وفدهم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالوا يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته إلينا فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فانشمر راجعا فبلغنا أنه زعم لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنا خرجنا إليه لنقتله ووالله ما جئنا لذلك
فأنزل الله فيه وفيهم يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين الحجرات 6
هكذا ذكر ابن إسحاق أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم الوليد بن عقبة ولم يعين مدة توجيهه إياه إليهم وقد يوهم ظاهره أن ذلك كان بحدثان إسلامهم ولا يصح ذلك إذ الوليد بن مسلمة الفتح وإنما كان الفتح في سنة ثمان بعد غزوة بني المصطلق وإسلامهم بسنتين فلا يكون هذا التوجيه إلا بعد ذلك ولا بد
وقد قال أبو عمر بن عبد البر لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله عز وجل إن جاءكم فاسق بنبأ نزلت في الوليد بن عقبة حين بعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى بني المصطلق مصدقا والله سبحانه أعلم
وأقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من سفره ذلك حتى إذا كان قريبا من المدينة قال أهل الإفك في الصديقة المبرأة المطهرة عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما ما قالوا
فحدثت يرحمها الله قالت كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه
فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي عليهن معه فخرج بي {صلى الله عليه وسلم}
قالت وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يهبجهن اللحم فيثقلن وكنت إذا رحل لي بعيري
جلست في هودجي ثم يأتي القوم الذين يرحلون لي ويحملونني فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به

فلما فرغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من سفره ذلك وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل ثم أذن في الناس بالرحيل فارتحل الناس وخرجت لحاجتي وفي عنقي عقد لي فيه جزع ظفار فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدري فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده وقد أخذ الناس في الرحيل فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته وجاء خلافي القوم الذين كانوا يرحلون لي البعير وقد فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أني فيه ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به ورجعت إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب قد انطلق الناس قالت فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكان وعرفت أنه لو قد افتقدت لرجع إلي
فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي وكان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب فلما رآني قال إنا لله وإنا إليه راجعون ظعينة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنا متلففة في ثيابي
قال ما خلفك رحمك الله قالت فما كلمته ثم قرب البعير فقال اركبي
واستأخر عني فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودني فقال أهل الإفك ما قالوا
فارتعج العسكر ووالله ما أعلم بشيء من ذلك
ثم قدمنا المدينة فلم ألبث أن اشتكيت شكوا شديدا لا يبلغني من ذلك شيء وقد انتهى الحديث إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وإلى أبوي لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا إلا أني قد أنكرت من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعض لطفه بي كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي فلم يفعل ذلك في شكوي ذلك فأنكرت ذلك
منه كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال كيف تيكم لا يزيد على ذلك حتى وجدت في نفسي حين رأيت ما رأيت من جفائه لي
فقلت يا رسول الله لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فتمرضني قال لا عليك

فانتقلت إلى أمي ولا علم لي بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذ الأعاجم نعافها ونكرهها إنما كنا نذهب في فسح المدينة وإنما كان النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وكانت أمها خالة أبي بكر الصديق فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها فقالت تعس مسطح
قلت بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا
قالت أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر قلت وما الخبر فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك
قلت أوقد كان هذا قالت نعم والله لقد كان
فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت فوالله مازلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي
وقلت لأمي يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا قالت أي بنية خفضي عليك الشأن فوالله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها
قالت وقد قام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الناس فخطبهم ولا أعلم بذلك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق والله ما علمت منهم إلا خيرا ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي
قالت وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش وذلك أن أختها زينب كانت عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولم يكن من نسائه امرأة تناصيني في المنزلة عنده غيرها فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا وأما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادني لأختها فشقيت بذلك
فلما قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تلك المقالة قال أسيد بن حضير يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم

فقام سعد بن عبادة فقال كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا
فقال أسيد كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين
قالت وتثاور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر
ونزل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فدعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما فأما أسامة فأثنى خيرا ثم قال يا رسول الله أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا وهذا الكذب والباطل
وأما علي فإنه قال يا رسول الله إن النساء لكثير وإنك لتقدر أن تستخلف وسل الجارية فإنها ستصدقك
فدعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بريرة ليسألها فقام إليها علي فضربها ضربا شديدا ويقول اصدقي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فتقول والله ما أعلم إلا خيرا وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أني كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله
قالت ثم دخل علي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار فأنا أبكي وهي تبكي معي فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله وإن كنت قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده
قالت فوالله إن هو إلا أن قال لي ذلك فقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا
وانتظرت أبوي أن يجيبا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلم يتكلما
قالت وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل الله في قرآنا يقرأ به في المسجد ويصلى به ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
في منامه شيئا يكذب الله به عني لما يعلم من براءتي أو يخبر خبرا فأما قرآن ينزل في فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك
قالت فلما لم أر أبوي يتكلمان قلت لهما ألا تجيبان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالا والله ما ندري بماذا نجيبه
قالت ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام

قالت فلما استعجما علي استعبرت فبكيت ثم قلت والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم أني منه بريئة لأقولن ما لم يكن ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت ولكني سأقول كما قال أبو يوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون يوسف 18
قالت فوالله ما برح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه فسجي بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت ولا باليت قد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سري عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس
ثم سري عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان وفي يوم شات فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك قلت بحمد الله
ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وحسان بن ثابت وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم
قالت فلما نزل القرآن ذكر من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك فقال إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم النور 11 قيل إنه حسان بن ثابت وأصحابه ويقال عبد الله بن أبي وأصحابه
ثم قال لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين أي هلا قلتم إذ سمعتموه كما قال أبو أيوب الأنصاري وصاحبته أم أيوب وذلك أنها قالت لزوجها يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة قال بلى وذلك الكذب أكنت يا أم أيوب فاعلته قالت لا والله ما كنت لأفعله
قال فعائشة والله خير منك

ثم قال تعالى إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم
فلما نزل هذا في عائشة وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر رحمه الله وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته والله لا أنفق على مسطح أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة وأدخل علينا
قالت فأنزل الله في ذلك ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم النور 22 قالت فقال أبو بكر بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي
فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال والله لا أنزعها منه أبدا
وذكر ابن إسحاق أن حسان بن ثابت مع ما كان منه في صفوان بن المعطل من القول السيء قال مع ذلك شعرا يعرض فيه بصفوان ومن أسلم من مضر يقول فيه
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا
وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
البسيط
فلما بلغ ذلك ابن المعطل اعترض حسان بن ثابت فضربه بالسيف ثم قال
تلق ذباب السيف عني فإنني
غلام إذا هوجيت لست بشاعر
الطويل
فوثب عند ذلك ثابت بن قيس بن شماس على صفوان فجمع يديه إلى عنقه
بحبل ثم انطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة فقال ما هذا قال أما أعجبك ضرب حسان بالسيف والله ما أراه إلا قد قتله
فقال له ابن رواحة هل علم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بشيء مما صنعت قال لا والله
قال لقد اجترأت أطلق الرجل
فأطلقه
ثم أتوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذكروا ذلك له فدعا حسان وصفوان فقال صفوان يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لحسان يا حسان أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام ثم قال أحسن يا حسان في الذي أصابك
قال هي لك
فأعطاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عوضا منها بئر حاء ماء كان لأبي طلحة بالمدينة فتصدق به إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليضعه حيث شاء فأعطاه حسان في ضربته وأعطاه سيرين أمة قبطية ولدت له ابنه عبد الرحمن

وقد روي من وجوه أن إعطاء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إياه سيرين إنما كان لذبه بلسانه عن النبي {صلى الله عليه وسلم}
والله تعالى أعلم
وكانت عائشة رحمها الله تقول لقد سئل عن ابن المعطل فوجدوه حصورا لا يأتي النساء ثم قتل بعد ذلك شهيدا
وقال بعد ذلك حسان يمدح عائشة رضي الله عنها ويعتذر من الذي كان في شأنها
حصان رزان ما تزن بريبة
وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
عقيلة حي من لؤي بن غالب
كرام المساعي مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله جنبها
وطهرها من كل سوء وباطل
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم
فلا رفعت سوطي إلي أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتي
لآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على الناس كلهم
تقاصر عنه سورة المتطاول
فإن الذي قد قيل ليس بلائط
ولكنه قول امرئ بي ماحل
الطويل
وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وصاحبيه في فريتهم على عائشة رضي الله عنها
لقد ذاق حسان الذي كان أهله
وحمنة إذا قالوا هجيرا ومسطح
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم
وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا
وآذوا رسول الله فيها فجللوا
مخازي تبقى عمموها وفضحوا
وصبت عليهم محصدات كأنها
شآبيب قطر من ذرى المزن تسفح
الطويل
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الحافظ أن قوما أنكروا أن يكون حسان خاض في الإفك أو جلد فيه ورووا عن عائشة رحمها الله أنها برأته من ذلك ثم ذكر عن الزبير بن بكار وغيره أن عائشة كانت في الطواف مع أم حكيم بنت خالد بن العاص وابنة عبد الله بن أبي ربيعة فتذاكرن حسان فابتدرتاه بالسب فقالت لهما عائشة ابن الفريعة تسبان إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بذبة عن النبي {صلى الله عليه وسلم} بلسانه أليس القائل
هجوت محمدا فأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء
الوافر
فقالتا لها أليس ممن لعنه الله في الدنيا والآخرة بما قال فيك قلت لم يقل شيئا ولكنه القائل
حصان رزان ما تزن بريبة
وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
فإن كان ما قد قيل عني قلته
فلا رفعت سوطي إلي أناملي
الطويل

غزوة الحديبية
وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في ذي القعدة من سنة ست معتمرا لا يريد حربا واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت
فأبطأ عليه كثير من الأعراب وخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدى وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له
حتى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبي فقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة
ثم قال من رجل يخرج بنا على غير طريقهم فقال رجل من أسلم أنا فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب فلما خرجوا منه وقد شق عليهم وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قولوا نستغفر الله ونتوب إليه
فقالوا ذلك فقال والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها
فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الناس فقال اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمص في طريق تخرج على ثنية المرار فهبط الحديبية من أسفل مكة
فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش هذه الجيش قد خالفوا عن طريقهم وكفوا راجعين إلى قريش وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى إذا سلك في ثنية المزار بركت ناقته فقال الناس خلأت
فقال ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة

لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسلون فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم قال للناس انزلوا
قيل يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه
فأخرج {صلى الله عليه وسلم} سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن
فلما اطمأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذي جاء به فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته ثم قال لهم نحوا مما قال لبسر بن سفيان فرجعوا إلى قريش فقالوا إنكم تعجلون على محمد إن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت
فاتهموهم وجبهوهم وقالوا إن كان جاء ولا يريد قتالا فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبد ولا تحدث بذلك عنا العرب
ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بني عامر بن لؤي فلما رآه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مقبلا قال هذا رجل غادر
فلما انتهى إليه وكلمه قال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نحوا مما قال لبديل وأصحابه
فرجع إلى قريش فأخبرهم
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه
فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إعظاما لما رأى فقال لهم ذلك فقالوا له اجلس
فإنما أنت أعرابي لا علم لك فغضب الحليس عند ذلك وقال يا معشر القوم والله ما على هذا حالفناكم وما على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاء معظما له والذي نفس الحليس بيده
لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد
فقالوا له كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به

ثم بعثوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عروة بن مسعود الثقفي فقال يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقي منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ وقد عرفت أنكم والد وأني ولد وكان لسبيعة بنت عبد شمس وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي
قالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم
فخرج حتى أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فجلس بين يديه ثم قال يا محمد أجمعت أوشاب الناس ثم جئت إلى بيتك لتقضها بهم إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك
فرد عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقال أنحن ننكشف عنه ثم جعل عروة يتناول لحية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يكلمه والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الحديد فجعل يقرع يده إذا فعل ذلك ويقول اكفف يدك عن وجه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قبل أن لا تصل إليك
فيقول عروة ويحك ما أفظك وأغلظك
فتبسم رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فقال من هذا يا محمد قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة
قال أي غدر هل غسلت سوءتك إلا بالأمس يريد أن المغيرة كان قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلا من ثقيف فتهايج الحيان من ثقيف بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح ذلك الأمر
وكلم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عروة بنحو مما كلم به أصحابه وأخبره أنه لم يأت يريد حربا فقام من عنده وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه فرجع إلى قريش فقال يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه
وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم

ودعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خراش بن أمية الخزاعي فحمله على بعير له وبعثه إلى قريش ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به الجمل وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وبعثت قريش أربعين رجلا أو خمسين وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا أخذا فأتى بهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فخلى سبيله
ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان
فدعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره
وقال له فيما ذكره غير ابن إسحاق أقبل وأدبر ولا تخف أحدا بنو سعيد أعزه الحرم
فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما أرسله به فقالوا له حين فرغ إن شئت أن تطوف بالبيت فطف
قال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمسلمين أن عثمان قد قتل فقال حين بلغه ذلك لا نبرح حتى نناجز القوم
ودعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة
فكان الناس يقولون بايعهم على الموت
وكان جابر يقول بايعنا على ألا نفر
فبايع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس لصق بإبط ناقته يستتر بها من الناس
ثم أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن الذي كان من أمر عثمان باطل
وقد كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بايع لعثمان ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال هذه يد عثمان

ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو وقالوا إيت محمدا فصالحه ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا
فأتى سهيل فلما رآه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مقبلا قال قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل
فلما انتهى إليه سهيل تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح
فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال يا أبا بكر أليس برسول الله قال بلى
قال أولسنا بالمسلمين قال بلى
قال أوليسوا بالمشركين قال بلى
قال فعلام نعطي الدنية في ديننا قال أبو بكر يا عمر الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله
قال عمر وأنا أشهد أنه رسول الله
ثم أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله ألست برسول الله قال بلى
قال أولسنا بالمسلمين قال بلى
قال أو ليسوا بالمشركين قال بلى
قال فعلام نعطي الدنية في ديننا قال أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني
فكان عمر يقول مازلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حين رجوت أنه يكون خيرا
ثم دعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك
اللهم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اكتب باسمك اللهم
فكتبها ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو
فقال سهيل لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو
اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه
فتواثبت خزاعة فقالوا نحن في عقد محمد وعهده

وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عقد قريش وعهدهم
وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاث معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها
فبينا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل ابن عمرو ويرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقد كان أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما يحمل عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون
فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه ثم قال يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا
قال صدقت
فجعل ينتره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنوني في ديني فزاد الناس ذلك إلى ما بهم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك
ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وإنا لا نغدرهم
فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب ويدني قائم السيف منه يقول عمر رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية
فلما فرغ من الكتاب أشهد رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن سهيل بن عمرو وسعد بن أبي وقاص ومحمود بن مسلمة ومكرز بن حفص وهو مشرك وعلي بن أبي طالب وهو كان كاتب الصحيفة
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مضطربا في الحل وكان يصلي في الحرم فلما فرغ من الصلح قام إلى هديه فنحره ثم جلس فحلق رأسه وأهدى عامئذ في هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ بذلك المشركين

فلما رآه الناس قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون وكان فيهم يومئذ من قصر فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يرحم الله المحلقين
قالوا والمقصرين يا رسول الله قال يرحم الله المحلقين
قالوا والمقصرين يا رسول الله قال يرحم المحلقين
قالوا والمقصرين يا رسول الله قال والمقصرين
فقالوا يا رسول الله فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين قال لم يشكوا
ثم انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من وجهه ذلك قافلا حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما
ثم ذكر القصة فيه وفي أصحابه حتى إذا انتهى إلى ذكر البيعة فقال إن
الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما )
ثم ذكر من تخلف عنهم من الأعراب فاستوفى قصتهم
ثم قال لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فجعل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا
ثم قال وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا يعني النفر الذين وجهت قريش بهم ليصيبوا من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أحدا فلم ينالوا شيئا وأخذوا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} بجملتهم وسيقوا إليه فخلى سبيلهم
ثم قال بعد إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية يعني سهيل بن عمرو حين حمي أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم
وأن محمدا رسول الله فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها أي التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله

ثم قال لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا أي لرؤيا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} التي رأى أنه سيدخل مكة آمنا لا يخاف
وقد قال لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما قدم المدينة بعض من كان معه ألم تقل يا رسول الله أنك تدخل مكة آمنا قال بلى قال أفقلت لكم من عامي هذا قالوا لا
قال فهو كما قال لي جبريل فحقق له سبحانه من موعده ما أنجزه له بعد وصدقه بقوله جل قوله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين معه فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا صلح الحديبية
يقول الزهري فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه فلقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر
قال ابن هشام والدليل على ما قال الزهري أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف
وذكر ابن عقبة أنه لما كان صلح الحديبية قال رجال من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصد هدينا
فبلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قول أولئك فقال بئس الكلام هذا بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين فهو أعظم الفتوح أتنسون يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم
أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا فقال المسلمون صدق الله ورسوله فهو أعظم الفتوح والله ما فكرنا فيما فكرت فيه ولأنت أعلم بالله وأمره منا

وفي الصحيح من حديث سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لرددته والله ورسوله أعلم
وخرج البخاري من حديث البراء بن عازب قال تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع
رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي {صلى الله عليه وسلم} فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا
وعن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقالوا يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك
قال فوضع النبي {صلى الله عليه وسلم} يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون
قال فشربنا وتوضأنا فقلت لجابر كم كنتم يومئذ قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة
وذكر ابن عقبة عن ابن عباس قال لما رجع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا جهدنا وفي الناس ظهر فانحره لنا فلنأكل من لحومه ولندهن من شحومه ولنحتذ من جلوده
فقال عمر لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن فيهم بقية ظهر أمثل
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ابسطوا أنطاعكم وعباءكم ففعلوا ثم قال من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره ودعا لهم ثم قال لهم قربوا أوعيتكم
فأخذوا ما شاءوا

قال ابن إسحاق ولما قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة يعني من الحديبية أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن حارثة وكان ممن حبس بمكة فكتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبعثا رجلا من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالكتاب فقال {صلى الله عليه وسلم} يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا
فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه فقال أبو بصير
أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر فقال نعم
قال أنظر إليه قال إن شئت فاستله أبو بصير ثم علاه به حتى قتله
وذكر ابن عقبة أن الرجل هو الذي سل سيفه ثم هزه فقال لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوما إلى الليل فقال له أبو بصير وصارم سيفك هذا فقال نعم
فقال ناولنيه أنظر إليه فناوله إياه فلما قبض عليه ضربه به حتى برد
قال ويقال بل تناول أبو بصير سيف الرجل بفيه وهو نائم فقطع إساره ثم ضربه به حتى برد وطلب الآخر فجمز مرعوبا مستخفيا حتى دخل المسجد ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} جالس فيه يطن الحصباء من شدة سعيه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين رآه لقد رأى هذا ذعرا
قال ابن إسحاق فلما انتهى إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال ويحك مالك قال قتل صاحبكم صاحبي
فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف فقال يا رسول الله وفت ذمتك وأدى الله عنك أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ويلمه محش حرب لو كان معه رجال
ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص من ناحية المروة على ساحل البحر بطريق قريش التي كانوا يأخذون إلى الشام وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأبي بصير ويلمه محش حرب لو كان معه رجال فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم

وذكر موسى بن عقبة أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو الذي رد على قريش مكرها يوم القضية هو الذي انفلت في سبعين راكبا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير وكرهوا الثواء بين أظهر قومهم فنزلوا مع أبي بصير في منزل كريه إلى قريش فقطعوا مادتهم من طريق الشام
قال وكان أبو بصير زعموا وهو في مكانه ذلك يصلي لأصحابه فلما قدم عليهم أبو جندل كان هو يؤمهم
واجتمع إلى أبي جندل ناس من غفار وأسلم وجهينه وطوائف من العرب حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها
وقال في ذلك أبو جندل فيما ذكره غير ابن عقبة
أبلغ قريشا عن أبي جندل
أنا بذي المروة بالساحل
في معشر تخفق أيمانهم
بالبيض فيها والقنا الذابل
يأبون أن يبقى لهم رفقة
من بعد إسلامهم الواصل
أو يجعل الله لهم مخرجا
والحق لا يغلب بالباطل
فيسلم المرء بإسلامه
أو يقتل المرء ولم يأتل
السريع
فأرسلت قريش إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبا سفيان بن حرب يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير والى أبي جندل بن سهيل ومن معهم فيقدموا عليه وقالوا من خرج منا إليك فأمسكه في غير حرج فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره
فلما كان ذلك من أمرهم علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة رسول الله خير فيما أحبوا وفيما كرهوا وأن رأيه أفضل من رأيهم ومن رأي من ظن أن له قوة ورأيا وعلم أن ما خص الله به نبيه من العون والكرامة أفضل
وكتب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه ويأمر من
معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم ولا يعرضوا لأحد مر بهم من قريش وعيراتها فقدم كتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} زعموا على أبي جندل وأبي بصير وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في يده يقترئه
فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا

وقدم أبو جندل على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} معه أناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم وأمنت عيرات قريش
فلم يزل أبو جندل مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذلك وشهد الفتح ورجع مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلم يزل معه بالمدينة حتى توفى {صلى الله عليه وسلم} وقدم أبوه سهيل بن عمرو المدينة أول إمارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمكث بها أشهرا ثم خرج مجاهدا إلى الشام وخرج معه ابنه أبو جندل فلم يزالا مجاهدين حتى ماتا جميعا هناك يرحمهما الله
وهاجرت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في تلك المدة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش في الحديبية فلم يفعل أبى الله ذلك وأنزل فيه على رسوله يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم الممتحنة 9 - 10
غزو خيبر
ولما قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة من الحديبية مكث بها ذا الحجة منسلخ سنة ست وبعض المحرم من سنة سبع
ثم خرج في بقية منه إلى خيبر غازيا
وكان الله وعده إياها وهو بالحديبية بقوله عز من قائل وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه الفتح 20 يعني بالمعجل صلح الحديبية والمغانم الموعود بها فتح خير
فخرج إليها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مستنجزا ميعاد ربه وواثقا بكفايته ونصره ودفع الراية إلى علي بن أبي طالب وكانت بيضاء فسلك على عصر فبني له فيها مسجدا ثم على الصهباء

ثم أقبل بجيشه حتى نزل به بواد يقال له الرجيع فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذكر أن غطفان لما سمعت بمنزله من خيبر جمعوا ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أهليهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وخيبر
قال أبو معتب بن عمرو لما أشرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم قفوا
ثم قال اللهم رب السموات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين فإنا نسألك
خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ثم قال أقدموا بسم الله
قال وكان يقولها لكل قرية دخلها
وقال أنس بن مالك كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار فنزلنا خيبر ليلا فبات رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا فركب وركبنا معه فركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} واستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والجيش قالوا محمد والخميس معه
فأدبروا هرابا فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين

قال ابن إسحاق وتدني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الأموال يأخذها مالا مالا ويفتحها حصنا حصنا فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى منه فقتلته ثم القموص حصن أبي الحقيق وأصاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منهم سبايا منهن صفية بنت حيي بن أخطب وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وبنتي عم لها فاصطفى صفية لنفسه بعد أن سأله إياها دحية بن خليفة الكلبي فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها وكان بلال هو الذي جاء بصفية وبأخرى معها فمر بهما على قتلى من قتلى يهود فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها فلما رآها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال أغربوا عني هذه الشيطانة وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداؤه فعرف المسلمون أنه قد اصطفاها لنفسه فذكر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لبلال حين رأى بتلك اليهودية ما رأى أنزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما
وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي
الحقيق أن قمرا وقع في حجرها فعرضت رؤياها على زوجها فقال ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا فلطم وجهها لطمة حضر عينها منها
فأتي بها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبها أثر منه فسألها ما هو فأخبرته الخبر
ولما أعرس بها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخيبر أو ببعض الطريق وبات بها في قبة له بات أبو أيوب الأنصاري متوشحا السيف يحرسه ويطيف بالقبة حتى أصبح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما رأى مكانه قال ما لك يا أبا أيوب قال يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك
فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني
وأتي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بكنانة بن الربيع وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه فجحد أن يكون يعلم مكانه فأتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} برجل من يهود فقال إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لكنانة أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك قال نعم

فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله ما بقي فأبى أن يريه فأمر به الزبير بن العوام فقال عذبه حتى تستأصل ما عنده
فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة
وفشت السبايا من خيبر في المسلمين وأكل المسلمون لحوم الحمر من حمرها
قال ابن عقبة كانت أرضا وخيمة شديدة الجهد فجهد المسلمون جهدا شديدا وأصابتهم مسغبة شديدة فوجدوا أحمرة إنسية ليهود لم يكونوا أدخلوها
الحصن فانتحروها ثم وجدوا في أنفسهم من ذلك فذكروها لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فنهاهم عن أكلها
قال أبو سليط فيما ذكر ابن إسحاق أتانا نهي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن أكل لحوم الحمر الإنسية والقدور تفور بها فكفأناها على وجوهها
وذكر أيضا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قام يومئذ في الناس فنهاهم عن أمور سماها لهم قال مكحول نهاهم يومئذ عن أربع عن إتيان الحبالى من النساء وعن أكل الحمار الأهلي وعن أكل كل ذي ناب من السباع وعن بيع المغانم حتى تقسم
وحدث جابر بن عبد الله ولم يشهد خيبر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم في لحوم الخيل
وافتتح رويفع بن ثابت قرية من قرى المغرب يقال لها جربة فقام خطيبا فقال يا أيها الناس إني لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول فينا يوم خيبر قام فينا فقال
لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه
وقال عبادة بن الصامت نهانا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم خيبر أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب العين وتبر الفضة بالورق العين وقال ابتاعوا تبر الذهب بالورق العين وتبر الفضة بالذهب العين

ولما أصاب المسلمين بخيبر ما أصابهم من الجهد أتى بنو سهم من أسلم رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فقالوا يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء
فلم يجدوا عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} شيئا يعطيهم إياه فقال اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن
ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعاما وودكا
فغدا الناس وفتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر كان أكثر طعاما وودكا منه
ولما افتتح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من حصونهم ما افتتح وحاز من الأموال ما حاز انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسلالم وكانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بضع عشرة ليلة وخرج مرحب اليهودي من حصنهم قد جمع سلاحه وهو ينادي من يبارز ويرتجز
قد علمت خيبر أني مرحب
شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب
إذا الليوث أقبلت تحرب
إن حماي للحمى لا يقرب
الرجز
فأجابه كعب بن مالك فقال
قد علمت خيبر أني كعب
مفرج الغما جريء صلب
حيث تشب الحرب ثم الحرب
معي حسام كالعقيق عضب
نطؤكم حتى يذل الصعب
نعطي الجزاء أو يفاء النهب
بكف ماض ليس فيه عتب
الرجز
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من لهذا قال محمد بن مسلمة أنا له يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر قتل أخي بالأمس
قال فقم إليه اللهم أعنه عليه
فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فاتقاه بدرقته فوقع سيفه فيها فعضت به فأمسكته وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله
ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يقول من يبارز فخرج إليه الزبير بن العوام فيما ذكر هشام بن عروة فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب يقتل ابني يا رسول الله قال بل ابنك يقتله إن شاء الله
فخرج الزبير فالتقيا فقتله الزبير

وحدث سلمة بن عمرو بن الأكوع قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار فدعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أرمد فتفل في عينيه ثم قال خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك
فخرج وهو يهرول بها هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال من أنت قال أنا علي بن أبي طالب
قال اليهودي علوتم وما أنزل علي موسى أو كما قال فما رجع حتى فتح الله على يديه
وقال أبو رافع مولى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خرجنا مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} برايته فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتني في نفر معي سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه
وحدث أبو اليسر كعب بن عمرو قال إنا لمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخيبر ذات عشية إذا أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ونحن محاصروهم فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
من رجل يطعمنا من هذه الغنم فقال أبو اليسر أنا يا رسول
الله قال فافعل
قال فخرجت أشتد مثل الظليم فلما رآني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} موليا قال اللهم أمتعنا به قال فأدركت الغنم وقد دخلت أولاها الحصن فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي ثم أقبلت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء حتى ألقيتهما عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذبحوهما فأكلوهما
فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} موتا فكان إذا حدث هذا الحديث بكى ثم قال أمتعوا بي لعمري حتى كنت من آخرهم
وحاصر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ففعل

وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد حاز الأموال كلها الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل
فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يعاملهم في الأموال على النصف وقالوا نحن أعلم بها منكم وأعمر لها فصالحهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم فصالحه أهل فدك على مثل ذلك فكانت خيبر فيئا بين المسلمين
وكانت فدك خالصة لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب
فلما اطمأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية
وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إليه فقيل لها الذراع
فأكثرت فيه من السم
ثم سمت سائر الشاة ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأما بشر فأساغها وأما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلفظها
ثم قال إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم
ثم دعا بها فاعترفت
فقال ما حملك على ذلك قالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت إن كان ملكا استرحت منه وإن كان نبيا فسيخبر
فتجاوز عنها رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ومات بشر بن البراء من أكلته التي أكل
وذكر ابن عقبة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تناول الكتف من تلك الشاة فانتهش منها وتناول بشر عظما فانتهش منه فلما استرط رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لقمته استرط بشر ما في فيه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة يخبرني أني بغيت فيها
فقال بشر بن البراء والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك طعامك فلما أسغت ما في فيك لم أكن أرغب بنفسي عن نفسك ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها بغي
فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه مثل الطيلسان وماطله وجعه حتى كان لا يتحول إلا ما حول

قال جابر بن عبد الله واحتجم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يومئذ على الكاهل حجمه أبو طيبة مولى بني بياضة
وبقي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي منه فدخلت عليه أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده فيما ذكر ابن إسحاق فقال لها يا أم بشر إن هذا لأوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر
قال فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مات شهيدا مع ما أكرمه الله من النبوة
ولما فرغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من خيبر انصرف إلى وادي القرى فحاصر أهله ليالي ثم انصرف راجعا إلى المدينة
قال أبو هريرة لما انصرفنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن خيبر إلى وادي القرى نزلناها أصلا مع مغرب الشمس ومع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غلام أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبيبي فوالله إنه ليضع رحل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذ أتاه سهم غرب فأصابه فقتله فقلنا هنيئا له الجنة
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كلا والذي نفس محمد بيده إن شملته الآن لتحرق عليه في النار كان غلها من فيء المسلمين يوم خيبر
فسمعها رجل من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأتاه فقال له يا رسول الله أصبت شراكين لنعلين لي
فقال يقد لك مثلهما من النار
وخرج مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي {صلى الله عليه وسلم} فقالوا فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة
ثم قال يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون
قال فخرجت فناديت ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون
وشهد خيبر مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نساء من نساء المسلمات فرضخ لهن عليه السلام من الفيء ولم يضرب لهن بسهم
حدثت بنت أبي الصلت عن امرأة غفارية سمتها قالت أتيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في نسوة من بني غفار وهو يسير إلى خيبر فقلن يا رسول الله قد أردنا الخروج معك إلى وجهك هذا فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا
فقال على بركة الله

قالت فخرجنا معه فلما افتتح خيبر رضح لنا من الفيء وأخذ هذه القلادة التي تزين في عنقي فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي فوالله لا تفارقني أبدا
قالت فكانت في عنقها حتى ماتت ثم أوصت أن تدفن معها
واستشهد بخيبر من المسلمين نحو من عشرين رجلا منهم عامر بن الأكوع عم سلمه بن عمرو بن الأكوع وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد قال له في مسيره إلى خيبر انزل يا ابن الأكوع فخذ لنا من هناتك فنزل يرتجز برسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال
والله لولا الله ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
إنا إذا قوم بغوا علينا
وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
الرجز
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يرحمك الله
فقال عمر بن الخطاب وجبت والله يا رسول الله لو أمتعتنا به فقتل يوم خيبر شهيدا وكان قتله أن سيفه رجع عليه وهو يقاتل فكلمه كلما شديدا فمات منه فكان المسلمون قد شكوا فيه وقالوا إنما قتله سلاحه حتى سأل ابن أخيه سلمة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن ذلك وأخبره بقول الناس فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنه لشهيد وصلى عليه
فصلى عليه المسلمون
ومنهم الأسود الراعي من أهل خيبر وكان من حديثه أنه أتي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو محاصر لبعض حصون خيبر ومعه غنم كان فيها أجيرا لرجل من يهود فقال يا رسول الله أعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام ويعرضه عليه فلما أسلم قال يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي فكيف أصنع بها قال اضرب في وجوهها فإنها سترجع إلى ربها أو كما قال فقام الأسود فأخذ حفنة من الحصباء فرمى بها في وجهها وقال ارجعي إلى صاحبك فوالله لا أصحبك
وخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن ثم تقدم الأسود إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله وما صلى لله

صلاة قط فأتي به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فوضع خلفه وسجي بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومعه نفر من أصحابه ثم أعرض عنه فقالوا يا رسول الله لم أعرضت عنه قال إن معه الآن زوجتيه من الحور العين
وذكر ابن إسحاق عن عبيد الله بن أبي نجيح أن الشهيد إذا ما أصيب نزلت زوجتاه من الحور العين عليه ينفضان التراب عن وجهه ويقولان ترب الله وجه من تربك وقتل من قتلك
قال ولما افتتحت خيبر كلم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي فقال يا رسول إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة ومالا متفرقا في تجار أهل مكة فأذن لي يا رسول الله فأذن له قال إنه لا بد لي يا رسول الله من أن أقول
قال قل
قال الحجاج فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش يتسمعون الأخبار ويسألون عن أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا فهم يتحسسون الأخبار ويسألون الركبان فلما رأوني ولم يكونوا علموا بإسلامي قالوا الحجاج بن علاط عنده والله الخبر أخبرنا يا أبا محمد فإنه بلغنا أن القاطع سار إلى خيبر وهي بلد يهود وريف الحجاز
قلت قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم
قال فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون إيه يا حجاج قلت هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط وأسر محمد أسرا وقالوا لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلونه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم
قال فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم
قال فقلت أعينوني على جمع مالي بمكة على غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب به من أهل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك
فقاموا فجمعوا إلي مالي كأحث جمع سمعت به وجئت صاحبتي فقلت مالي وقد كان لي عندها مال موضوع لعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار

قال فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر وجاءه عني أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التجار فقال يا حجاج ما هذا الذي جئت به قلت وهل عندك حفظ لما وضعت عندك قال نعم
قلت فاستأخر عني حتى ألقاك على خلاء فإني في جمع مالي كما ترى فانصرف عني حتى أفرغ قال حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فإني أخشى الطلب ثلاثا ثم قل ما شئت
قال أفعل
قلت فإني والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم يعني صفية بنت حيي ولقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولأصحابه
قال ما تقول يا حجاج قلت إي والله فاكتم عني ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقا من أن أغلب عليه فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو والله على ما تحب
قال حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا يا أبا الفضل هذا والله التجلد الحر المصيبة قال كلا والله الذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه
قالوا من جاءك بهذا الخبر قال الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه
قالوا يال عباد الله انفلت عدو الله أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن
ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك
وقال كعب بن مالك الأنصاري في يوم خيبر
ونحن وردنا خيبرا وفروضه
بكل فتى عارى الأشاجع مذود
جواد لدى الغايات لا واهن القوى
جريء على الأعداء في كل مشهد
عظيم رماد القدر في كل شتوة
ضروب بنصل المشرفي المهند
يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة
من الله يرجوها وفوزا بأحمد
يذود ويحمي عن ذمار محمد
ويدفع عنه باللسان وباليد
وينصره من كل أمر يريبه
يجود بنفس دون نفس محمد
الطويل

وذكر ابن عقبة أن بني فزارة قدموا على أهل خيبر في أول أمرهم ليعينوهم فراسلهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن لا يعينوهم وأن يخرجوا عنهم على أن يعطيهم من خيبر شيئا سماه لهم فأبوا عليه وقالوا جيراننا وحلفاؤنا
فلما فتح الله خيبر أتاه من كان هناك من بني فزارة فقالوا الذي وعدتنا فقال لكم ذو الرقيبة لجبل من جبال خيبر قالوا إذن نقاتلك قال موعدكم جنفاء فلما سمعوا ذلك من رسول الله خرجوا هاربين
قال ابن إسحاق وكانت المقاسم على أموال خيبر على الشق ونطاة والكتيبة وكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين وكانت الكتيبة خمس الله وسهم النبي {صلى الله عليه وسلم} وسهم ذوي القربي والمساكين وطعم أزواج النبي {صلى الله عليه وسلم} وطعم رجال مشوا بين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبين أهل فدك بالصلح
وقسمت خيبر على أهل الحديبية من شهد خيبر ومن غاب عنها ولم يغب عنها ألا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقسم له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كسهم من حضرها
وفي هذه الغزوة بين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سهمان الخيل والرجال فجعل للفرس سهمين ولفارسه سهما وللراجل سهما فجرت المقاسم على ذلك فيما بعد ويومئذ عرب العربي من الخيل وهجن الهجين
وذكر ابن عقبة أنه قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخيبر نفرا من الأشعريين فيهم أبو عامر الأشعري قدموا المدينة مع مهاجرة الحبشة ورسول الله {صلى الله عليه وسلم}
بخيبر فمضوا إليه وفيهم أبان بن سعيد بن العاص والطفيل يعني ابن عمرو الدوسي ذا النور وأبو هريرة ونفر من دوس فرأى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ورأيه الحق أن لا يخيب مسيرهم ولا يبطل سفرهم فشركهم في مقاسم خيبر وسأل أصحابه ذلك فطابوا به نفسا
ولم يذكر ابن عقبة جعفر بن أبي طالب في هؤلاء القادمين على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخيبر من أرض الحبشة وهو أولهم وأفضلهم وما مثل جعفر يتخطى ذكره ومن البعيد أن يغيب ذلك عن ابن عقبة فالله أعلم بعذره

وقد ذكر ابن إسحاق أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان بعث مرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فيمن كان أقام بأرض الحبشة من أصحابه فحملهم في سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية فذكر جعفرا أولهم ذكر معه ستة عشر رجلا قدموا في السفينتين صحبته
وذكر ابن هشام عن الشعبي أن جعفرا قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم فتح خيبر فقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما بين عينيه والتزمه وقال ما أدري بأيتهما أنا أسر أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر ولما جرت المقاسم في أقوال خيبر اتسع فيها المسلمون ووجدوا بها مرفقا لم يكونوا وجدوه قبل حتى لقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فيما خرج له البخاري في صحيحه ما شبعنا حتى فتحنا خيبر
وأقر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يهود خيبر في أموالهم يعملون فيها للمسلمين على النصف مما يخرج منها كما تقدم
قال ابن إسحاق فكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين وبين يهود فيخرص عليهم فإذا قالوا تعديت علينا
قال إن شئتم فلكم وإن شئتم فلنا
فتقول يهود بهذا قامت السموات والأرض
قال وإنما خرص عليهم عبد الله عاما واحدا ثم أصيب بمؤتة يرحمه الله فكان جبار بن صخر أخو بني سلمة هو الذي يخرص عليهم بعده
فأقامت يهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسا في معاملتهم حتى عدوا في عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على عبد الله بن سهل أخي بني حارثة فقتلوه فأتهمهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمسلمون عليه وكتب إليهم أن يدوه أو يأذنوا بحرب
فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا فوداه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من عنده وأقرهم على ما سبق من معاملته إياهم
فلما توفي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أقرهم أبو بكر الصديق على مثل ذلك حتى توفي ثم أقرهم عمر صدرا من إمارته ثم بلغ عمر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال في وجعه الذي قبضه الله فيه لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت فأرسل إلى يهود فقال إن الله قد أذن في جلائكم قد بلغني أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان فمن كان عنده عهد من رسول الله فليأتني به أنفذه له ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله فليتجهز للجلاء
فأجلى عمر منهم من لم يكن عنده عهد من رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقال عبد الله بن عمر خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا فعدي علي تحت الليل فقرعت يداي من مرفقي فلما أصبحت استصرخ علي صاحباي فأتياني فأصلحا من يدي ثم قدما بي على عمر فقال هذا عمل يهود ثم قام في الناس خطيبا فقال أيها الناس إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا وقد عدوا على عبد الله بن عمر ففدعوا يديه كما بلغكم مع عدوتهم على الأنصاري قبله لا نشك أنهم أصحابه ليس لنا هناك عدو غيرهم فمن كان له مال بخيبر فليلحق به فإني مخرج يهود
فأخرجهم
ولما أخرج عمر رضي الله عنه يهود خيبر ركب في المهاجرين والأنصار وخرج

معه بجبار بن صخر وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم ويزيد بن ثابت فهما قسما خيبر على أصحاب السهمان التي كانت عليها وذلك أن الشق والنطاة اللتين هما سهم المسلمين قسمت في الأصل على عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى ثمانية عشر سهما نطاة من ذلك خمسة أسهم والشق ثلاثة عشر سهما ثم قسم كل قسم من هذه الثمانية عشر سهما إلى مائة سهم لكل رجل سهم ولكل فرس سهمان وكانت عدة الذين قسمت عليهم ألف رجل وأربعمائة رجل ومائتي فرس فذلك ألف سهم وثمانمائة سهم
عمرة القضاء وهي غزوة الأمن
قال ابن إسحاق ولما رجع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من خيبر إلى المدينة أقام بها شهري ربيع وما بعده إلى شوال يبعث فيما بين ذلك سراياه
ثم خرج في ذي القعدة في الشهر الذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته تلك وهي سنة سبع
فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه
قال ابن عقبة وتغيب رجال من أشرافهم خرجوا إلى بوادي مكة كراهية أن ينظروا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غيظا وحنقا ونفاسة وحسدا
وتحدثت قريش بينها فيما ذكر ابن إسحاق أن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة فصفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه
فلما دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشي سائرها فكان ابن عباس يقول كان الناس يظنون أنها ليست عليهم وذلك أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنما صنعها لهذا الحي من قريش الذي بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فلزمها فمضت السنة بها
ولما دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة في تلك العمرة وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يديه
خلوا بني الكفار عن سبيله
خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب إني مؤمن بقيله
أعرف حق الله في قبوله
السريع

وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد بعث بين يديه جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية فخطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب وكانت تحته أختها أم الفضل بنت الحارث وقيل جعلت أمرها إلى أم الفضل فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس فزوجها العباس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصدقها عنه أربعمائة درهم
وقضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نسكه وأقام بمكة ثلاث ليال وكان ذلك أجل القضية يوم الحديبية
فلما أصبح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزي
في نفر من قريش ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة فصاح حويطب نناشدك الله والعقد إلا خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث
فقال سعد كذبت لا أم لك إنها ليست بأرضك ولا أرض أبيك والله لا يخرج إلا راضيا فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وضحك يا سعد لا تؤذ قوما زارونا في رحالنا
ثم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه قالوا لا حاجة لنا بطعامك فاخرج عنا
فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبا رافع مولاه فأذن بالرحيل وخلف أبا رافع على ميمونة حتى أتاه بها بسرف وقد لقيت ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين وصبيانهم فبني بها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بسرف ثم أدلج فسار حتى قدم
المدينة
ثم كان من قضاء الله سبحانه أن ماتت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين فتوفيت حيث بني بها
قال موسى بن عقبة وذكر أن الله تعالى أنزل في تلك العمرة الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص البقرة 194
وذكر ابن هشام أنها يقال لها عمرة القصاص لأنهم صدوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن العمرة في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست فاقتص منهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ودخل مكة في ذي القعدة في الشهر الحرام الذي صدوه فيه من سنة سبع

غزوة مؤتة من أرض الشام

ولما صدر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من عمرة القضاء إلى المدينة أقام بها نحوا من ستة أشهر ثم بعث إلى الشام في جمادي الأولى من سنة ثمان بعثه الذين أصيبوا بمؤتة واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة
فتجهز الناس ثم تهيأوا للخروج وهم ثلاثة آلاف فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وسلموا عليهم فلما ودع عبد الله بن رواحة بكى فقالوا ما يبكيك يا بن رواحة فقال والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقرأ آية من كتاب الله ويذكر فيها النار وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا مريم 71 فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين
فقال عبد الله بن رواحة
لكنني أسأل الرحمن مغفرة
وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة
بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي
ما أرشد الله من غاز وقد رشدا
البسيط
ثم إن القوم تهيأوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فودعه ثم قال
أنت الرسول فمن يحرم نوافله
والوجه منه فقد أزرى به القدر
فثبت الله ما آتاك من حسن
في المرسلين ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة
فراسة خالفت فيك الذي نظروا
البسيط
يعني المشركين
ثم خرج القوم وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يشيعهم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة
خلف السلام على امرئ ودعته
في النخل خير مشيع وخليل
الكامل
وحدث زيد بن أرقم قال كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحلة فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته ينشد أبياته هذه
إذا أدنيتني وحملت رحلي
مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمى وخلاك ذم
ولا أرجع إلي أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني
بأرض الشام مشتهى الثواء
وردك كل ذي رحم قريب
إلى الرحمن منقطع الرجاء
هنالك لا أبالي طلع بعل

ولا نخل أسافلها وراء
الوافر
فلما سمعتهن بكيت فخفقني بالدرة وقال وما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل
ثم مضى القوم حتى نزلوا معان من أرض الشام فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي مائة ألف منهم
فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا
نكتب إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له
فشجع الناس عبد الله بن رواحة فقال يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة
فقال الناس صدق والله ابن رواحة
فمضى الناس وقال عبد الله في مجلسهم ذلك
جلبنا الخيل من أجأ وفرع
تعر من الحشيش لها العكوم
حذوناها من الصوان سبتا
أزل كأن صفحته أديم
أقامت ليلتين على معان
فأعقب بعد فترتها جموم
فرحنا والجياد مسومات
تنفس في مناخرها السموم
فلا وأبي مآب لنأتينها
وإن كانت بها عرب وروم
فعبأنا أعنتها فجاءت
عوابس والغبار لها بريم
بذي لجب كأن البيض فيه
إذا برزت قوانسها النجوم
فراضية المعيشة طلقتها
أسنتنا فتنكح أو تئيم
الوافر
ثم مضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف
ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة فالتقي الناس عندها
فتعبي لهم المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة وعلى مسيرتهم رجلا من الأنصار يقال له عبابة بن مالك ويقال عبادة
ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى شاط في رماح القوم ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء

قال أحد بني مرة بن عوف وكان في تلك الغزوة والله لكأني أنظر إليه حين اقتحم عنها ثم عقرها ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول
يا حبذا الجنة واقترابها
طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها
علي إذ لاقيتها ضرابها
الرجز
وكان جعفر أول من عقر في الإسلام فرسه
ولما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال
اقسمت يا نفس لتنزلنه
لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه
مالي أراك تكرهين الجنه
قد طال ما قد كنت مطمئنه
هل أنت إلا نطفة في شنه
الرجز
وقال أيضا
يا نفس إلا تقتلى تموتى
هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت
إن تفعلي فعلهما هديت
السريع
يعني صاحبيه زيدا وجعفرا
ثم نزل فأتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت
فأخذه من يده فانتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل
ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم أخو بني العجلان فقال يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم
قالوا أنت
قال ما أنا بفاعل فاصطلح القوم على خالد بن الوليد
فلما أخذ الراية دافع القوم وخاشى بهم ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس
ولما أصيب القوم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا ثم صمت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون ثم قال أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا
ثم قال لقد رفعوا إلى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه فقلت عم هذا فقيل لي مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى

وذكر ابن هشام أن جعفرا أخذ اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله بذلك جناحين يطير بهما حيث شاء
ويقال إن رجلا من الروم ضربه يومئذ فقطعه نصفين
وذكر ابن عقبة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال بالمدينة لما أصيبوا قبل أن يأتيه نعيهم مر علي جعفر بن أبي طالب في الملائكة يطير كما يطيرون له جناحان
قال وقدم يعلي بن منبه على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرتك
قال فأخبرني يا رسول الله فأخبره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خبرهم كله ووصفه له
فقال والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره وإن أمرهم لكما ذكرت
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم
وحدثت أسماء بنت عميس امرأة جعفر قالت لما أصيب جعفر وأصحابه دخل علي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال ايتيني ببني جعفر
وقد كانت غسلتهم ودهنتهم ونظفتهم
قالت فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه فقلت يا رسول الله بأبي أنت ما يبكيك أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء قال نعم أصيبوا هذا اليوم
قالت فقمت أصيح واجتمع إلي النساء
وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى أهله فقال لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم
وقالت عائشة رضي الله عنها لما أتي نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الحزن
ولما انصرف خالد قافلا بالناس ودنوا من المدينة تلقاهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمسلمون ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} مقبل مع القوم على دابة فقال خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر
فأتى بعبد الله بن جعفر فأخذه فحمله بين يديه وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله فيقول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله

وقالت أم سلمة زوج النبي {صلى الله عليه وسلم} لامرأة سلمة بن هشام بن العامر بن المغيرة مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قالت والله ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس يا فرار فررتم في سبيل الله حتى قعد في بيته فما يخرج
وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد ومخاشاته بالناس وانصرافه بهم قيس بن المسحر اليعمري يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس
والله لا تنفك نفسي تلومني
على موقفي والخيل قابعة قتل
وقفت بها لا مستحيزا فنافذا
ولا مانعا من كان حم له القتل
على أنني آسيت نفسي بخالد
ألا خالد في القوم ليس له مثل
وجاشت إلى النفس من نحو جعفر
بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل
وضم إلينا حجزتيهم كليهما
مهاجرة لا مشركون ولا عزل
الطويل
فبين قيس في شعره ما اختلف الناس فيه من ذلك أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت وحقق انحياز خالد بمن معه
وكان مما بكي به أصحاب مؤتة قول حسان بن ثابت
تأوبني ليل بيثرب أعسر
وهم إذا ما هوم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيجت لي عبرة
سفوحا وأسباب البكاء التذكر
بلى إن فقدان الحبيب بلية
وكم من كريم يبتلى ثم يصبر
رأيت خيار المؤمنين تواردوا
شعوب وخلفا بعدهم يتأخر
فلا يبعدن الله قتلى تباعدوا
جميعا وأسباب المنية تخطر
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم
إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغر كضوء البدر من آل هاشم
أبي إذا سيم الطلامة يجسر
فطاعن حتى مال غير موسد
بمعترك فيه قنا متكسر
فصار مع المستشهدين ثوابه
جنان وملتف الحدائق أخضر
وكنا نرى في جعفر من محمد
وفاء وأمرا حازما حين يأمر
وما زال في الإسلام من آل هاشم
دعائم عز لا يزلن ومفخر
هم جبل الإسلام والناس حولهم
رضام إلى طود يروق ويقهر
بهاليل منهم جعفر وابن أمه
علي ومنهم أحمد المتخير
وحمزة والعباس منهم ومنهم
عقيل وماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج اللأواء في كل مأزق
عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر
هم أولياء الله أنزل حكمه
عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر
الطويل

وقال كعب بن مالك في ذلك
نام العيون ودمع عينك يهمل
سحاكما وكف الطباب المخضل
في ليلة وردت علي همومها
طورا أحن وتارة أتململ
واعتادني حزن فبت كأنني
ببنات نعش والسماك موكل
وكأنما بين الجوانح والحشا
مما تأوبني شهاب مدخل
وجدا على النفر الذين تتابعوا
يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صلى الإله عليهم من فتية
وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم
حذر الردي ومخافة أن ينكلوا
فمضوا أمام المسلمين كأنهم
فنق عليهن الحديد المرفل
إذ يهتدون بجعفر ولوائه
قدام أولهم فنعم الأول
حتى تفرجت الصفوف وجعفر
حيث التقى وعث الصفوف مجدل
فتغير القمر المنير لفقده
والشمس قد كسفت وكادت تأفل
قوم علا بنيانه من هاشم
فرعا أشم وسؤددا ما ينقل
قوم بهم عصم الإله عباده
وعليهم نزل الكتاب المنزل
فضلوا المعاشر عزة وتكرما
وتغمدت أحلامهم من يجهل
لا يطلقون إلى السفاه جباهم
ويرى خطيبهم بحق يفصل
بيض الوجوه ترى بطون أكفهم
تندى إذا اعتذر الزمان الممحل
وبهديهم رضي الإله لخلقه
وبجدهم نصر النبي المرسل
الكامل
وقال حسان بن ثابت يبكي جعفرا
ولقد بكيت وعز مهلك جعفر
حب النبي على البرية كلها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي
من للجلاد لدى العقاب وظلها
بالبيض حين تسل من أغمادها
ضربا وإنهال الرماح وعلها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر
خير البرية كلها وأجلها
رزءا وأكرمها جميعا محتدا
وأعزها متظلما وأذلها
للحق حين ينوب غير تنحل
كذبا وأنداها يدا وأبلها
بالعرف غير محمد لا مثله
حي من أحياء البرية كلها
الكامل
وقال شاعر من المسلمين ممن رجع عن غزوة مؤتة
كفى حزنا أني رجعت وجعفر
وزيد وعبد الله في رمس أقبر
قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم
وخلفت للبلوى مع المتغير
الطويل
واستشهد يوم مؤتة من المسلمين سوى الأمراء الثلاثة رضي الله عنهم من قريش ثم من بني عدي بن كعب مسعود بن الأسود بن حارثة
ومن بني مالك بن حسل وهب بن سعد بن أبي سرح

ومن الأنصار عباد بن قيس من بني الحارث بن الخزرج والحارث بن النعمان بن إساف من بني غنم بن مالك بن
النجار وسراقة بن عمر بن عطية بن خنساء من بني مازن بن النجار وأبو كليب ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول وهما لأب وأم
وعمر وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد من بني مالك بن أفصى
وهؤلاء الأربعة عن ابن هشام

غزوة الفتح
وأقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد بعثه إلى مؤتة جمادي الآخرة ورجبا
ثم عدت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة على خزاعة ولم يزالوا قبل ذلك متعادين وكان الذي هاج ما بينهم أن حليفا للأسود بن رزن الديلي خرج تاجرا فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزن سلمى وكلثوم وذؤيب وهم منحر بني كنانة وأشرافهم كانوا في الجاهلية يودون ديتين لفضلهم في قومهم فقتلتهم خزاعة بعرفة عند أنصاب الحرم ثم حجز بينهم الإسلام وتشاغل الناس به
فلما كان صلح الحديبية دخلت خزاعة في عقد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ودخلت بنو بكر في عقد قريش
فلما كانت الهدنة اغتنمتها بنو الديل فخرجوا حتى بيتوا خزاعة على الوتير ماء لهم فأصابوا منهم رجلا وتحاجزوا واقتتلوا ورفدت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا
فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من العهد والميثاق بما استحلوا منهم وكانوا في عقده وعهده خرج عمرو بن سالم الخزاعي الكعبي حتى قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهري الناس فقال
يا رب إني ناشد محمدا
حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا
ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

فانصر هداك الله نصرا أعتدا
وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا
أبيض مثل البدر يسمو صعدا
إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا
الكامل
يقول قتلنا وقد أسلمنا
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نصرت يا عمرو بن سالم ثم عرض لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} عنان من السماء فقال إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب
ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة
وقد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} للناس كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد وليزيد في المدة
ومضى بديل بن ورقاء في أصحابه حتى لقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليشد العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا الذي صنعوا فلما لقي أبو سفيان بديلا قال من أين أقبلت يا بديل وظن أنه قد أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال سيرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي
قال أوما جئت محمدا قال لا
فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان لئن كان بديل جاء المدينة لقد علف بها النوى
فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب
ليجلس على فراش رسول الله {صلى الله عليه وسلم} طوته عنه فقال يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني قالت بل هو فراش رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنت رجل نجس مشرك فلم أحب أن تجلس عليه
قال والله يا بنية لقد أصابك بعدي شر
ثم خرج حتى أتي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فكلمه فلم يرد عليه شيئا ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال ما أنا بفاعل

ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال أنا أشفع لكم إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به
ثم خرج حتى دخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعندها حسن بن علي غلام يدب بين يديها فقال يا علي إنك أمس القوم بي رحما وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت فاشفع لي قال ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه
فالتفت إلى فاطمة فقال يا بنت محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر
قالت والله ما بلغ بني ذلك أن يجير بين الناس وما يجير أحد على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال يا أبا حسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني
قال والله ما أعلم شيئا يغني عنك شيئا ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك قال أوتري ذلك مغنيا عني شيئا قال لا والله ما أظنه ولكنني لا أجد لك غير ذلك
فقام أبو سفيان فقال أيها الناس إني قد أجرت بين الناس
ثم ركب بعيره فانطلق
فلما قدم على قريش قالوا ما وراءك قال جئت محمدا فكلمته فوالله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا
ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو
ويقال أعدي العدو ثم أتيت عليا فوجدته ألين القوم وقد أشار علي بشيء صنعته فوالله ما أدري هل يغني شيئا أم لا قالوا وبم أمرك قال أمرني أن أجير بين الناس ففعلت
قالوا فهل أجاز ذلك محمد قال لا
قالوا ويلك والله ما زاد الرجل على أن لعب بك فما يغني عنك ما قلت
قال لا والله ما وجدت غير ذلك
وأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهي تحرك بعض جهاز رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال أي بنية أمركم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن تجهزوه قالت نعم فتجهز
قال فأين ترينه يريد قالت لا والله ما أدري
ثم إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيؤ وقال اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها فتجهز الناس

وكتب حاطب بن أبي بلتعة عند ذلك كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الأمر في السير إليهم ثم أعطاه امرأة وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا
فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به
وأتي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال أدركا امرأة كتب معها حاطب إلى قريش يحذرهم ما أجمعنا له في أمرهم
فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها والتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا فقال لها علي أحلف بالله ما كذب رسول الله ولا كذبنا ولتخرجن هذا الكتاب أو لنكشفنك
فلما رأت الجد منه استخرجت الكتاب من قرون رأسها فدفعته إليه
فأتى به رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فدعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حاطبا فقال يا حاطب ما حملك على هذا قال يا رسول الله أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت ولكني كنت امرء ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه فقال عمر يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه فإن الرجل نافق
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع إلي أصحاب بدر يوم بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم
فأنزل الله في حاطب يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق الآيات كلها إلى
قوله قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده الممتحنة 1 - 4 إلى آخر القصة
ثم مضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لسفره حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين وقيل في اثني عشر ألفا فسبعت سليم وقيل ألفت وألفت مزينة وفي كل القبائل عدد وإسلام
وأوعب مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد

وقد كان ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمته عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة لقياه بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة فالتمسا الدخول عليه وكلمته أم سلمة فيهما وهي أخت عبد الله منهما فقالت يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك
قال لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال
فلما خرج الخبر إليهما بذلك قال أبو سفيان ومعه بني له والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا
فلما بلغ ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رق لهما ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما وأنشده أبو سفيان
لعمرك إني يوم أحمل راية
لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله
فهذا أواني حين أهدي وأهتدي
هداني هاد غير نفسي وقادني
مع الله من طردت كل مطرد
الطويل
فزعموا أنه لما أنشده هذا البيت ضرب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في صدره وقال أنت طردتني كل مطرد
وعميت الأخبار عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على قريش فلا يأتيهم خبر عنه ولا يدرون ما هو فاعل
وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار
وكان العباس بن عبد المطلب قد لقى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ببعض الطريق مهاجرا بعياله وكان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} عنه راض
قال العباس فلما نزل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مر الظهران قلت واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر
فجلست على بغلة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} البيضاء فخرجت عليها حتى جئت الأراك فقلت لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليخرجوا إليه فيستأمنوه
فوالله إني لأسير عليها والتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا

قال يقول بديل هذه والله خزاعة حمستها الحرب فيقول أبو سفيان خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها
قال فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة فعرف صوتي فقال أبو الفضل قلت نعم
قال مالك فداك أبي وأمي قلت ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الناس واصباح قريش والله
قال فما الحيلة فداك أبي وأمي قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأستأمنه لك
فركب خلفي ورجع صاحباه فجئت به كلما مر بنار من نيران المسلمين قالوا من هذا فإذا رأوا بغلة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنا عليها قالوا عم رسول الله على بغلته
حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد
ثم خرج يشتد نحو رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ودخل عليه عمر فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعني فلأضرب عنقه
قلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيه الليلة رجل دوني
فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلا يا عمر فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف
فقال مهلا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من إسلام الخطاب فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فائتني به فذهبت به إلى رحلي فبات عندي فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد

قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما والله هذه فإن في نفسي منها شيئا حتى الآن
قال له العباس ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك
قال فشهد شهادة الحق وأسلم
قال العباس قلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا
قال نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن
فلما ذهب لينصرف قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها
قال فخرجت فحبسته حيث أمرني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن أحبسه فمرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هذه فأقول سليم
فيقول مالي ولسليم
ثم تمر القبيلة فيقول من هؤلاء فأقول مزينة
فيقول مالي ولمزينة
حتى نفذت القبائل ما تمر قبيلة
إلا سألني عنها فإذا أخبرته بهم قال مالي ولبني فلان
حتى مر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال سبحان الله يا عباس من هؤلاء قلت هذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في المهاجرين والأنصار
قال ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما
قلت يا أبا سفيان إنها النبوة
قال فنعم إذن
قلت النجاء إلى قومك
حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن
فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم
قال ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن
قالوا قاتلك الله وما تغني عنا دارك قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن
فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد

ولما انتهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء وإنه ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن عثنونة ليكاد يمس وسط الرحل
ولما وقف هناك قال أبو قحافة وقد كف بصره لابنة له من أصغر ولده أي بنية اظهري بي على أبي قبيس
فأشرفت به عليه فقال أي بنية ماذا ترين قالت أرى سوادا مجتمعا قال تلك الخيل
قالت وأرى رجلا يسعى بين يدي السواد مقبلا ومدبرا
قال أي بنية ذلك الوازع الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها
ثم قالت قد والله انتشر السواد
فقال قد والله إذن دفعت الخيل فأسرعي بي إلى بيتي
فانحطت به وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته وفي عنق الجارية طوق من ورق فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها
قالت فلما دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة ودخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يقوده فلما رآه {صلى الله عليه وسلم} قال هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه فقال أبو بكر يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه
قال فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له أسلم
فأسلم
ورآه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكأن رأسه ثغامة فقال غيروا هذا من شعره
ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال أنشد الله والإسلام طوق أختي
فلم يجبه أحد فقال أي أخية احتسبي طوقك فوالله إن الأمانة اليوم في الناس لقليل
وأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين فرق جيشه من ذي طوى الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى وكان على المجنبة اليسرى وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء
فذكروا أن سعدا حين وجه داخلا قال
اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة
فسمعها رجل من المهاجرين قيل هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا رسول الله اسمع ما قال سعد ما نأمن أن تكون له في قريش صولة
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لعلي بن أبي طالب أدركه فخذ الراية فكن أنت تدخل بها
ويقال إنه أمر الزبير بذلك وجعله مكان سعد على الأنصار مع المهاجرين
فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون وغرز بها راية رسول الله {صلى الله عليه وسلم}

وذكر غير ابن إسحاق أن ضرار بن الخطاب قال يومئذ شعرا استعطف فيه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على قريش حين سمع قول سعد وهو من أجود شعر قاله
يا نبي الهدى إليك لحاحي
قريش ولات حين لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الأرض
وعاداهم إله السماء
والتقت حلقتا البطان على القوم
ونودوا بالصيلم الصلعاء
إن سعدا يريد قاصمة الظهر
بأهل الحجون والبطحاء
خزرجي لو يستطيع من الغيظ
رمانا بالنسر والعواء
فانهينه فإنه الأسد الأسود
والليث والغ في الدماء
فلئن أقحم اللواء ونادى
يا حماة اللواء أهل اللواء
لتكونن بالبطاح قريش
فقعة القاع في أكف الإماء
الخفيف
فحينئذ انتزع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الراية من سعد بن عبادة فيما ذكروا
والله أعلم
وأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خالد بن الوليد وكان على المجنبة اليمنى فدخل من الليط أسفل مكة فلقيته بنو بكر فقاتلوه فقتل منهم قريب من عشرين رجلا ومن هذيل ثلاثة أو أربعة وانهزموا وقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد وهرب فضضهم حتى دخلوا الدور وارتفعت طائفة منهم على الجبال واتبعهم المسلمون بالسيوف
وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ودخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من أذاخر في المهاجرين الأولين حتى نزل بأعلى مكة وضربت هناك قبته
ولما علا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثنية كداء نظر إلى البارقة على الجبل مع فضض المشركين فقال ما هذا وقد نهيت عن القتال فقال المهاجرون نظن أن خالدا قوتل وبدئ بالقتال فلم يكن بد من أن يقاتل من قاتله وما كان يا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليعصيك ولا ليخالف أمرك
فهبط رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الثنية فأجاز على الحجون
واندفع الزبير بن العوام بمن معه حتى وقف بباب الكعبة
وجرح رجلان من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد عهد إلى امرائه من المسلمين حين أمرهم أن

يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان قد أسلم وكتب الوحي لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم ارتد مشركا ففر يومئذ إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد أن اطمأن الناس فاستأمن له
فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} صمت طويلا ثم قال نعم فلما انصرف عنه عثمان قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لمن حوله من أصحابه لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه
فقال رجل من الأنصار فهلا أومأت إلي يا رسول الله فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن النبي لا يقتل بالإشارة
وفي رواية إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة أعين
ومنهم عبد الله بن خطل رجل من بني تيم بن غالب كان مسلما فبعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مصدقا وكان معه رجل مسلم يخدمه فأمره أن يصنع له طعاما ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأمر بقتلهما معه فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأمنها
وقيل يومئذ لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه
فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي اشتركا في دمه
ومنهم الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي وكان ممن يؤذي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بمكة ولما حمل العباس بن عبد المطلب فاطمة وأم كلثوم بنتي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من مكة يريد بهما المدينة نخس بهما الحويرث هذا فرمى بهما إلى الأرض فقتله يوم الفتح علي بن أبي طالب
ومنهم مقيس بن صبابة الليثي وكان أخوه هشام بن صبابة قد قتله رجل من الأنصار خطأ فقدم مقيس بعد ذلك على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة مظهرا الإسلام حتى إذا وجد غرة من قاتل أخيه عدا عليه فقتله ثم لحق بقريش مشركا
وقد تقدم ذكر ذلك فلأجله أمر سول الله {صلى الله عليه وسلم} بقتله فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه فقالت أخت مقيس في ذلك
لعمري لقد أخزي نميلة رهطه
وفجع أضياف الشتاء بمقيس

فلله عينا من رأى مثل مقيس
إذا النفساء أصبحت لم تخرس
الطويل
ومنهم سارة مولاة لبني عبد المطلب ولعكرمة بن أبي جهل وكانت تؤذي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بمكة فاستؤمن لها فأمنها وبقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا في زمان عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها
وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو قد جمعوا أناسا بالخندمة ليقاتلوا فيهم حماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر وكان قد أعد سلاحا وأصلح منها فقالت له امرأته لماذا تعد ما أرى قال لمحمد وأصحابه
قالت والله ما أراه يقوم لمحمد شيء قال والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم ثم قال
إن يقبلوا اليوم فمالي عله
هذا سلاح كامل وأله
وذو غرارين سريع السله
السريع
ثم شهد الخندمة فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال فقتل كرز بن جابر وخنيس بن خالد كانا في خيل خالد فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه فقتلا جميعا وأصيب سلمة بن الميلاء الجهني من خيل خالد وأصيب من المشركين ناس ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته وقال لامرأته أغلقي علي بابي
قالت فأين ما كنت تقول فقال
إنك لو شهدت يوم الخندمة
إذ فر صفوان وفر عكرمة
واستقبلتهم بالسيوف المسلمه
يقطعن كل ساعد وجمجمه
ضربا فلا تسمع إلا غمغمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمه
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
الرجز
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لخالد بن الوليد لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال قال هم بدأونا ووضعوا فينا السلاح وأشعرونا النبل وقد كففت يدي ما استطعت
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قضاء الله خير
وفر يومئذ صفوان بن أمية عامدا للبحر وعكرمة بن أبي جهل عامدا لليمن فأقبل عمير بن وهب بن خلف إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر فأمنه {صلى الله عليه وسلم} فإنك قد أمنت الأحمر والأسود
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أدرك ابن عمك فهو آمن
قال يا رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك
فأعطاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عمامته التي دخل فيها مكة

فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة وهو يريد أن يركب البحر فقال يا صفوان فداك أبي وأمي الله الله في نفسك أن تهلكها فهذا أمان من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد جئتك به قال ويلك اغرب عني فلا تكلمني
قال أي صفوان فداك أبي وأمي أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك
قال إني أخافه على نفسي
قال هو أحلم من ذلك وأكرم
فرجع معه حتى وقف به على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال صفوان
إن هذا يزعم أنك أمنتني
قال صدق
قال فاجعلني فيه بالخيار شهرين
قال أنت بالخيار أربعة أشهر
وأقبلت أم حكيم بنت الحارث بن هشام وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل وهي مسلمة يومئذ فقالت يا رسول الله آمن زوجي وائذن لي في طلبه
فأذن لها وأمنه فأدركته ببعض تهامة وقيل باليمن فأقبل معها وأسلم فلما رآه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وثب إليه فرحا وما عليه رداء
وكانت فاختة بنت الوليد تحت صفوان بن أمية وكانت أسلمت أيضا فلما أسلم عكرمة وصفوان أقر سول الله {صلى الله عليه وسلم} كل واحدة منهما عند زوجها على النكاح الأول
وقالت أم هانئ بنت أبي طالب وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي لما نزل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بأعلى مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم فدخل علي أخي علي بن أبي طالب فقال والله لأقتلنهما فأغلقت عليهما بيتي ثم جئت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين وفاطمة ابنته تستره بثوبه فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ثماني ركعات من الضحى ثم انصرف إلي فقال مرحبا وأهلا يا أم هانئ ما جاء بك فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي فقال قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ وأمنا من أمنت فلا يقتلهما
قال ابن هشام هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية بن المغيرة

ولما نزل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته ليستلم الركن بمحجن في يده فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة فقال
لا إله إلا الله صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وقتيل الخطأ شبه العمد السوط والعصا ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس لآدم وآدم من تراب
ثم تلا هذه الآية
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير الحجرات 13
ثم قال يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم
ثم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء
ثم جلس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومفتاح الكعبة في يديه فقال يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية {صلى الله عليه وسلم} فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أين عثمان بن طلحة فدعى له فقال هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء
وقال لعلى فيما حكي ابن هشام إنما أعطيكم ما ترزأون لا ما ترزأون
وذكر ابن عقبة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما قضي طوافه نزل فأخرجت الراحلة فركع ركعتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها وقال لولا أن يغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت منها بيدي
ثم انصرف إلى ناحية المسجد قريبا من مقام إبراهيم وكان المقام لاصقا بالكعبة فأخذه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ودعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بسجل من ماء فشرب وتوضأ والمسلمون يبتدرون وضوءه يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم ويعجبون ويقولون ما رأينا ملكا قط بلغ هذا ولا سمعنا به

وذكر ابن هشام أيضا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم فرأى إبراهيم مصورا في يده الأزلام يستقسم بها فقال قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستسقم بالأزلام ما شأن إبراهيم والأزلام ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين آل عمران 67 ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست
وعن ابن عباس قال دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة يوم الفتح على راحلته فطاف عليها وحول البيت أصنام مشددة بالرصاص فجعل النبي يشير بقضيب
في يده إلى الأصنام وهو يقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا الإسراء 81 فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقي صنم إلا وقع
فقال تميم بن أسد الخزاعي
وفي الأصنام معتبر وعلم
لمن يرجو الثواب أو العقابا
الوافر
وأراد فضالة بن عمير بن الملوح الليثي قتل النبي {صلى الله عليه وسلم} وهو بالبيت عام الفتح فلما دنا منه قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أفضالة قال نعم فضالة يا رسول الله قال ماذا كنت تحدث نفسك فقال لا شيء كنت أذكر الله
فضحك النبي {صلى الله عليه وسلم} ثم قال استغفر الله
ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه
فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه
قال فضالة فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت هلم إلى الحديث
فقلت لا
وانبعث فضالة يقول
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا
يأبي عليك الله والإسلام
لو ما رأيت محمدا وقبيله
بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بيننا
والشرك يغشى وجهه الإظلام
الكامل
وأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما دخل الكعبة عام الفتح بلالا أن يؤذن وكان دخل معه وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة فقال عتاب لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه
فقال الحارث أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته

وقال أبو سفيان لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرته عني هذه الحصباء فخرج عليهم النبي {صلى الله عليه وسلم} فقال قد علمت الذي قلتم ثم ذكر ذلك لهم فقال الحارث وعتاب نشهد أنك
رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك
وقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين افتتح مكة على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم أترون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها
فلما فرغ من دعائه قال ماذا قلتم قالوا لا شيء يا رسول الله
فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم
وعدت خزاعة الغد من يوم الفتح على رجل من هذيل يقال له ابن الأثوع فقتلوه وهو مشرك برجل من أسلم يقال له أحمر بأسا وكان رجلا شجاعا وكان إذا نام غط غطيطا منكرا لا يخفي مكانه فكان يبيت في حيه معتنزا فإذا بيت الحي صرخوا يا أحمر
فيثور مثل الأسد لا يقوم لسبيله شي
فأقبل غزي من هذيل يريدون حاضره حتى إذا دنوا من الحاضر قال ابن الأثوع الهذلي لا تعجلوا حتى أنظر فإذا كان في الحاضر أحمر فلا سبيل إليهم فإن له غطيطا لا يخفي
فاستمع فلما سمع غطيطه مشى إليه حتى وضع السيف في صدره ثم تحامل عليه حتى قتله
ثم أغاروا على الحاضر فصرخوا يا أحمر ولا أحمر لهم فلما كان الغد من يوم الفتح أتى ابن الأثوع الهذلي حتى دخل مكة ينظر ويسأل عن أمر الناس وهو على شركه فرأته خزاعة فعرفوه فأحاطوا به وهو إلى جنب جدار من جدر مكة يقولون أنت قاتل أحمر قال نعم أنا قاتل أحمر فمه
إذ أقبل خراش بن أمية مشتملا على السيف فقال هكذا عن الرجل
قال بعض من حضرهم ووالله ما نظن إلا أنه يريد أن يفرج الناس عنه فلما تفرجوا حمل عليه فطعنه بالسيف في بطنه فوالله لكأني أنظر إليه وحشوته تسيل من بطنه وإن عينيه لترنقان في رأسه وهو يقول أقد فعلتموها يا معشر خزاعة حتى انجعف فوقع
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما بلغه ما صنع خراش بن أمية إن خراشا لقتال
يعيبه بذلك

وقام {صلى الله عليه وسلم} في الناس خطيبا فقال يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام من حرام الله إلى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا لم تحلل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد يكون بعدي ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب فمن قال لكم إن رسول الله قد قاتل
فقولوا إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم
يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر القتل أن يقع لقد قتلتم قتيلا لأدينه فمن قتل بعد مقامي هذا فهم بخير النظرين إن شاءوا فدم قاتله وإن شاءوا فعقله
ثم ودي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة
وكان فتحها لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان
وكان مما قيل من الشعر في فتح مكة قول حسان بن ثابت وذكر ابن هشام أنه قالها قبل الفتح
عفت ذات الأصابع فالجواء
إلى عذراء منزلها خلاء
ديار من بني الحسحاس قفر
تعفيها الروامس والسماء
وكانت لا يزال بها أنيس
خلال مروجها نعم وشاء
فدع هذا ولكن من لطيف
يؤرقني إذا ذهب العشاء
لشعثاء التي قد تيمته
فليس لقلبه منه شفاء
كأن سبيئة من بيت رأس
يكون مزاجها عسل وماء
إذا ما الأشربات ذكرن يوما
فهن لطيب الراح الفداء
نوليها الملامة إن ألمنا
إذا ما كان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكا
وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
عدمنا خيلنا إن لم تروها
تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأعنة مصغيات
على أكتافها الأسد الظلماء
تظل جيادنا متمطرات
يلطمهن بالخمر النساء
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا
وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم
يعز الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا
وروح القدس ليس له كفاء
وقال الله قد أرسلت عبدا
يقول الحق إن نفع البلاء
شهدت به فقوموا صدقوه
فقلتم لا نقوم ولا نشاء
وقال الله قد يسرت جندا
هم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد

سباب أو قتال أو هجاء
فنحكم بالقوافي من هجانا
ونضرب حين تختلط الدماء
ألا أبلغ أبا سفيان عني
مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمدا وأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء
فشركما لخيركما الفداء
هجوت مباركا برا حنيفا
أمين الله شيمته الوفاء
أمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصره سواء
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء
لساني صارم لا عيب فيه
وبحري لا تكدره الدلاء
الوافر
وقول ابن هشام إن حسان قال هذا الشعر قبل الفتح ظاهر في غير ما شيء من مقتضياته ومن ذلك مقاولته لأبي سفيان وهو ابن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقد أسلم قبل الفتح في طريق رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى مكة كما تقدم
وكذلك ذكر ابن عقبة أن حسان قاله في فخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى مكة
وأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما دخل مكة نظر إلى النساء يلطمن الخيل بالخمر فالتفت إلى أبي بكر فتبسم لقول حسان في ذلك يلطمهن بالخمر النساء
وقال أنس بن زنيم الديلي يعتذر إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مما قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي
وأنت الذي تهدى معد بأمره
بل الله يهديهم وقال لك اشهد
وما حملت من ناقة فوق رحلها
أبر وأوفى ذمة من محمد
أحث على خير وأسبغ نائلا
إذا راح كالسيف الصقيل المهند
وأكسي لبرد الخال قبل ابتذاله
وأعطى لرأس السابق المتجرد
تعلم رسول الله أنك مدركي
وأن وعيدا منك كالأخذ باليد
تعلم رسول الله أنك قادر
على كل صرم متهمين ومنجد
تعلم بأن الركب ركب عويمر
هم الكاذبون المخلفوا كل موعد
ونبوا رسول الله أني هجوته
فلا حملت سوطي إلي إذا يدي
سوى أنني قد قلت ويلم فتية
أصيبوا بنحس لائط وبأسعد
ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا
جميعا فإن لا تدمع العين أكمد
أصابهم من لم يكن لدمائهم
كفاء فعزت عبرتي وتبلدي
الطويل
وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى في يوم الفتح
نفي أهل الحبلق كل فج
مزينة غدوة وبنو خفاف
ضربناهم بمكة يوم فتح النبي
الخير بالبيض الخفاف
صبحناهم بسلع من سليم

وألف من بني عثمان وافي
نطا أكتافهم ضربا وطعنا
ورشقا بالمريشة اللطاف
ترى بين الصفوف لها حفيفا
كما انصاع الفواق من الرصاف
فرحنا والجياد تجول فيهم
بأرماح مقومة الثقاف
فأبنا غانمين بما اشتهينا
وآبوا نادمين على الخلاف
وأعطينا رسول الله منا
مواثيقا على حسن التصافي
وقد سمعوا مقالتنا فهموا
غداة الروع منا بانصراف
الوافر
وقال عباس بن مرداس السلمى في فتح مكة
منا بمكة يوم فتح محمد
ألف تسيل به البطاح مسوم
نصروا الرسول وشاهدوا أيامه
وشعارهم يوم اللقاء مقدم
في منزل ثبتت به أقدامهم
ضنك كأن الهام فيه الحنتم
جرت سنابكها بنجد قبلها
حتى استعاد لها الحجاز الأدهم
الله مكنه له وأذله
حكم السيوف لنا وجد مزحم
الكامل
وقال نجيد بن عمران الخزاعي
وقد أنشأ الله السحاب بنصرنا
ركام سحاب الهيدب المتراكب
وهجرتنا في أرضنا عندنا بها
كتاب أتى من خير ممل وكاتب
ومن أجلنا حلت بمكة حرمة
لندرك ثأرا بالسيوف القواضب
الطويل
ولما فتح الله على رسوله {صلى الله عليه وسلم} مكة بعث السرايا فيما حولها يدعو إلى الله ولم يأمرهم بقتال
وكان ممن بعث خالد بن الوليد وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا ولم يبعثه مقاتلا ومعه قبائل من العرب فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة
فلما رآه القوم أخذوا السلاح فقال خالد ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا
فقال رجل منها يقال له جحدم ويلكم يا بني جذيمة إنه خالد والله ما
بعد وضع السلاح إلا الإسار وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق والله لا أضع سلاحي أبدا
فأخذه رجال من قومه فقالوا يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأمن الناس فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ووضع القوم السلاح لقول خالد
فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم
وقال لهم جحدم حين وضعوا سلاحه ورأى ما يصنع بهم يا بني جذيمة ضاع الضرب قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه

فلما انتهى الخبر إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رفع يديه إلى السماء ثم قال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لرجل انفلت منهم فأتاه بالخبر هل أنكر عليه أحد فقال نعم قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه خالد فسكت عنه وأنكر عليه رجل أحمر مضطرب فراجعه فاشتدت مراجعتهما
فقال عمر بن الخطاب أما الأول يا رسول الله فابني عبد الله وأما الآخر فسالم مولى أبي حذيفة
وذكروا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال رأيت كأني لقمت لقمة من حيس فالتذذت طعمها فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها فأدخل علي يده فنزعه
فقال أبو بكر هذه سرية من سراياك تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب ويكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله
ثم لما كان من خالد في بني جذيمة ما كان دعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علي بن أبي طالب فقال يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك
فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فودى لهم الدماء وما أصيب من الأموال حتى إنه ليدي لهم ميلغة الكلب حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم
على حين فرغ منه هل بقي دم أو مال لم يود لكم قالوا لا قال فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} مما لا يعلم ولا تعلمون
ففعل ثم رجع إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاخبره الخبر فقال أصبت وأحسنت
ثم قام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى انه ليرى ما تحت منكبيه يقول اللهم أني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات
وقد قال بعض من يعذر خالدا انه قال ما قاتلت حتى امرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمر أن تقاتلهم لا متناعهم من الإسلام
وحدث ابن أبي حدرد الأسلمي قال

كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد فقال لي فتى من بني جذيمة وهو في سني وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه يا فتى قلت ما تشاء قال هل أنت اخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنعوا بي بعد ما بدا لكم قال قلت والله ليسير ما طلبت فأخذت برمته فقدته بها حتى أوقفته عليهن فقال اسلمي حبيش على نفد العيش
أربتك إذا طالبتكم فوجدتكم
بحلية أو ألفيتكم بالخوانق (
( آلم يك أهلا أن ينول عاشق تكلف إدلاج السري والودائق (
( فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا
أثيبي بود قبل الصفائق
أثيبي بود قبل أن تشحط النوي
وينأي الأمير بالحبيب المفارق
الطويل
فقالت وأنت فحييت سبعا وعشرا وترا وثمانيا تترى
قال ثم انصرفت به فضربت عنقه
فما زالت تقبله حتى ماتت عنده
وخرج النسائي هذه القصة في مصنفة في باب قتل الأساري من حديث ابن عباس أن النبي {صلى الله عليه وسلم} بعث سرية فغنموا وفيهم رجل قال إني لست منهم عشقت امرأة فلحقتها فدعوني أنظر إليها نظرة ثم اصنعوا بي ما بدا لكم
قال فإذا امرأة طويلة أدماء فقال اسلمي حبيش قبل نفد العيش وذكر بعض الشعر المتقدم وبعده قالت نعم فديتك
قال فقدموه فضربوا عنقه فجاءت المرأة فوقفت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت فلما قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أخبروه الخبر فقال {صلى الله عليه وسلم} ( أما كان فيكم رجل رحيم )
ثم بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خالد بن الوليد إلى العزي وكانت بنخلة وكان بيتا تعظمه قريش وكنانة ومضر كلها وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من بني سليم حلفاء بن هاشم فلما سمع صاحبها السلمي بسير خالد إليها علق عليها سيفه وأسند في الجبل الذي هو فيه وهو يقول
( أيا عز شدي شدة لا شوى لها
على خالد ألقى القناع وشمري )
أ ( يا عز إن لم تقتلي المرء خالدا فبوئي بإثم عاجل أو تنصري ) ) الطويل
فلما انتهى إليها خالد هدمها
ثم رجع إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}

غزوة حنين

ولما سمعت هوزان برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وما فتح الله عليه من مكة جمعها مالك ابن عوف النصري فاجتمع إليه مه هوزان ثقيف كلها واجتمعت نضر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال وهم قليل ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء
وفي بني جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف
فلما أجمع السير إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به فلما قال في أي واد أنتم قالوا بأوطاس
قال نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء قالوا ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم
قال أين مالك فدعي له فقال يا مالك انك أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم له ما بعده مالي اسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء قال سقت مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم أردت أن اجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم قال فانقض به وقال راعى ضأن والله وهل يرد المنهزم شيء إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك
ثم قال ما فعلت كعب وكلاب قالوا لم يشهدها منهم أحد
قال غاب الحد والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب فمن شهدها منكم قالوا عمرو بن عامر
وعوف بن عامر
قال ذانك الجذعان لا ينفعان ولا يضران يا مالك إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوزان إلى نحور الخيل شيئا ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم ثم الق الصبا على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك
قال والله لا أفعل إنك قد كبرت وكبر عقلك والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري
وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي قالوا أطعناك

فقال دريد ابن الصمة هذا يوم لم أشهده ولم يفتني
( يا ليتني فيها جذع
أخب فيها وأضع ( الرجز
ثم قال مالك للناس إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد
وبعث مالك بن عوف عيونا من رجاله فأتوه وقد تفرقت أوصالهم فقال ويلكم ما شأنكم قالوا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى
فو الله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد
ولما سمع بهم نبي الله {صلى الله عليه وسلم} بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في الناس ويقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وسمع من مالك أمر هوزان ما هم له ثم أقبل حتى أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره الخبر
فلما أجمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقي فيها عدونا غدا فقال صفوان أغصبا يا محمد فقال بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك قال ليس بهذا بأس
فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سأله أن يكفيهم حملها ففعل
ثم خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عامدا لحنين معه ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة فكانوا اثني عشر ألفا
وذكر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال حين فصل من مكة إلى حنين ورأي كثرة من معه من جنود الله ( لن نغلب اليوم من قلة (
وزعم بعض الناس أن رجلا من بني بكرة قالها
واستعمل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس على مكة أميرا على من تخلف عنه من الناس
ثم مضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على وجهه يريد لقاء هوازن
قال ابن عقبة وكان أهل حنين يظنون حين دنا منهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يعني في توجهه إلى مكة أنه باديء بهم وصنع الله لرسوله ما هو أحسن من ذلك فتح له مكة فأقر بها عينه وكبت بها عدوه

فلما خرج {صلى الله عليه وسلم} إلى حنين خرج معه أهل مكة ركبانا ومشاة حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم ولا يكرهون أن تكون الصدمة برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه
وحدث أبو واقد الليثي قال خرجنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى حنين ونحن حديثوا عهد بالجاهلية وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة خضراء عظيمة يقال لها ذات أنواط
يأتونها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم ويذبحون
عندها ويعكفون عليها يوما قال فرأينا ونحن نسير معه سدرة خضراء عظيمة فتنادينا من جنبات الطريق اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ( الله أكبر قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون الأعراف 138 فإنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم )
وحدث جابر بن عبد الله قال لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا قال وذلك في عماية الصبح وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه قد أجمعوا وتهيأوا فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد
وانحاز رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذات اليمن ثم قال أيها الناس هلم إلى أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله قال فلا شيء حملت الإبل بعضها على بعض وأنطلق الناس إلا انه قد بقي مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبي طالب والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه والفضل بن عباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن قتل يومئذ

قال ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوزان وهم خلفه إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه فبينا ذلك الرجل يصنع ما يصنع إذ أهوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه قال فيأتي علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه ووثب الأنصاري على الرجل فضربة ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله
قال ابن إسحاق فلما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من
جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن فقال أحدهم لا تنتهي هزيمتهم دون البحر
وإن الأزلام لمعه في كنانته
وصرخ آخر منهم إلا بطل السحر اليوم فقال له صفوان بن أمية وهو يومئذ مشرك في المدة التي جعل له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اسكت فض الله فاك فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن
وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخوبني عبد الدار وكان أبوه قتل يوم أحد قلت اليوم أدرك ثأري اليوم أقتل محمدا
فأدرت برسول الله لأقتله فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك وعلمت أني ممنوع منه
وذكر ابن أبي خثيمة حديث شيبة هذا قال لما رأيت النبي {صلى الله عليه وسلم} يوم حنين أعري ذكرت أبي وعمي قتلهما حمزة قلت اليوم أدرك ثأري في محمد
فجئته عن يمينه فإذا أنا بالعباس قائما عليه درع بيضاء قلت عمه لن يخذله
فجئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث قلت ابن عمه لن يخذله فجئته من خلفه فدنوت ودنوت حتى لم يبق إلا أن أسور سورة بالسيف فرفع الي شواظ من نار كأنه البرق فنكصت على عقبي القهقري
فالتفت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا شيبة ادنه
فدنوت فوضع يده على صدري فاستخرج الله الشيطان من قلبي فرفعت إليه بصري فلهو أحب إلي من سمعي وبصري فقال لي يا شيبة قاتل الكفار
فقاتلت معه {صلى الله عليه وسلم}

وحدث العباس بن عبد المطلب قال إني لمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها وكنت امرء جسيما شديد الصوت ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول حين رأى ما رأى من أمر الناس أين آيها الناس فلم أر الناس يلوون على شيء فقال يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا معشر أصحاب السمرة
قال فأجابوا لبيك لبيك
قال فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة
استقبلوا الناس فاقتتلوا فكانت الدعوى أول ما كانت للأنصار ثم خلصت آخرا للخروج وكانوا صبرا عند الحرب فأشرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في ركابئه فنظر إلى مجتلد القوم فقال الآن حمي الوطيس
قال جابر بن عبد الله في حديثه واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأساري مكتفين عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
قال والتفت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى أبي سفيان بن الحارث وكان حسن الإسلام وممن صبر يومئذ معه وهو آخذ بثغر بغلته فقال من هذا قال أنا ابن أمك يا رسول الله
وذكر ابن عقبة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما غشيه القتال يومئذ قام في الركابين وهو على البغلة
ويقولون نزل
فرفع يديه إلى الله يدعوه يقول اللهم إني أنشدك ما وعدتني اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا
ونادى أصحابه فذمرهم يا أصحاب البيعة يوم الحديبية يا أصحاب سورة البقرة يا أنصار الله وأنصار رسوله يا بني الخزرج
وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواحيهم كلها
وقال شاهت الوجوه
فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم فيها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأتبعهم المسلمون يقتلونهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وشاههم وإبلهم وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف في ناس من أشراف قومه
وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة وغيرهم حين رأوا نصر الله ورسوله وإعزاز دينه

وحدث جبير بن مطعم قال لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي ولم أشك إنها الملائكة فلم تكن إلا هزيمة القوم
والتفت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يومئذ فرأى أم سليم بنت ملحان وكانت مع زوجها أبي طلحة وهي حازمة وسطها ببرد لها وإنها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة ومعها جمل أبي طلحة قد خشيت أن يعزها فأدنت رأسه منها فأدخلت يدها في خزامته مع الخطام فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أم سليم
قالت نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فإنهم لذلك أهل
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أو يكفي الله يا أم سليم
وقال لها أبو طلحة ما هذا الخنجر يا أم سليم لخنجر رآه عندها
قالت خنجر اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به
فقال أبو طلحة إلا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم
وحدث أنس أن أبا طلحة استلب وحده يوم حنين عشرين رجلا
وقال أبو قتادة
رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان مسلما ومشركا فإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم فأتيته فضربت يده فقطعتها واعتنقني بيده الأخرى فوالله ما أرسلني حتى وجدت ريح الدم
ويروي ريح الموت
فلولا أن الدم نزفه لقتلني فسقط فضربته فقتلته وأجهضني عنه القتال
فلما وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من قتل قتيلا فله سلبه
فقلت يا رسول الله والله لقد قتلت قتيلا ذا سلب فأجهضني عنه القتال فما أدري من استلبه
فقال رجل من أهل مكة صدق يا رسول الله فأرضه عني من سلبه
فقال أبو بكر لا والله لا ترضيه منه تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن دين الله تقاسمه سلبه اردد عليه سلب قتيله
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} صدق اردد عليه سلبه
قال أبو قتادة فأخذته منه فبعته فاشتريت بثمنه مخرفا فإنه لأول مال اعتقدته

ولما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بني مالك فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة ومعه كانت راية بني مالك
وكانت قبله مع ذي الخمار فلما قتل أخذها عثمان فقاتل بها حتى قتل فلما بلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قتله قال أبعده الله فإنه كان يبغض قريشا
وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود فلما انهزم الناس هرب هو وقومه من الأحلاف فلم يقتل منهم غير رجلين يقال لأحدهما وهب وللآخر الجلاح فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين بلغه قتل الجلاح قتل اليوم سيد شباب ثقيف إلا ما كان من ابن هنيدة
يعني الحارث بن أويس
ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة وتبعت خيل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من سلك في نخلة من الناس ولم تتبع من سلك الثنايا فأدرك ربيعة بن رفيع وكان يقال له ابن الدغنة وهي أمه غلبت على اسمه أدرك دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن انه امرأة وذلك انه كان في شجار له فأناخ به فإذا شيخ كبير وإذا هو دريد ولا يعرفه الغلام فقال له دريد ماذا تريد بي قال أقتلك
قال ومن أنت قال أنا ربيعة بن رفيع السلمي
ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا فقال بئس ما سلحتك أمك خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كذلك كنت أضرب الرجال ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك
فزعم بنو سليم أن ربيعة قال لما ضربته فوقع تكشف فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء
فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا
وقالت عميرة بنت دريد ترثي أباها
قالوا قتلنا دريدا قد صدقوا
فظل دمعي على السربال ينحدر
لولا الذي قهر الأقوام كلهم
رأت سليم وكعب كيف يأتمر
البسيط

وبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري فأدرك بعض المنهزمة فناوشوه القتال فرمي بسهم فقتل فأخذ الراية أبو موسى الاشعري ففتح الله عليه وهزمهم الله
ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الذي رمى أبا عامر
وذكر ابن هشام عمن يثق به أن أبا عامر الاشعري لقي يوم أوطاس عشرة أخوة من المشركين فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول اللهم أشهد عليه
فقتله أبو عامر ثم حمل عليه آخر فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول اللهم اشهد عليه فقتله أبو عامر ثم جعلوا يحملون عليه رجلا بعد رجل ويحمل أبو عامر ويقول ذلك حتى قتل تسعة وبقي العاشر فحمل على أبي عامر وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول اللهم اشهد عليه
فقال الرجل اللهم لا تشهد علي
فكف عنه أبو عامر فأفلت ثم اسلم بعد فحسن إسلامه فكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا رآه قال هذا شريد أبي عامر
ورمى أبا عامر يومئذ فيما ذكر ابن هشام أخوان من بني جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه وولي الناس أبو موسى ألاشعري فحمل عليهما فقتلهما
وذكر ابن إسحاق أن القتل استحر في بني نصر بن رئاب فزعموا أن
عبد الله بن قيس الذي يقال له ابن العوراء وهو أحد بني وهب بن رئاب قال يا رسول الله هلكت بنو رئاب
فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال اللهم اجبر مصيبتهم
وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة فوقف في فوارس من قومه على ثنية من الطريق وقال لأصحابه قفوا حتى يمضي ضعفاؤكم وتلحق أخراكم
فوقف هنا لك حتى مضى من كان لحق بهم من منهزمة الناس
قال ابن هشام وبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية فقال لأصحابه ماذا ترون قالوا نرى قوما واضعي رماحهم بين آذان خيلهم طويلة بوادهم
فقال هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي ثم طلعت خيل أخرى تتبعها فقال لأصحابه ماذا ترون قالوا نرى أقواما عارضي أرماحهم أغفالا على خيلهم

قال هؤلاء الأوس والخزرج ولا بأس عليكم منهم فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بني سليم ثم اطلع فارس فقال لأصحابه ماذا ترون قالوا نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء
فقال هذا الزبير بن العوام وأحلف باللات ليخالطنكم فاثبتوا له
فلما انتهى الزبير إلى اصل الثنية ابصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يومئذ إن قدرتم على بجاد رجل من بني سعد بن بكر فلا يفلتنكم وكان قد أحدث حدثا
فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الرضاعة فعنفوا عليها في السياق فقالت للمسلمين تعلموا والله أني لأخت صاحبكم من الرضاعة
فلم يصدقوها حتى أتوا بها النبي {صلى الله عليه وسلم} فلما انتهوا بها إليه قالت يا رسول الله إني أختك
قال وما علامة ذلك قالت عضة عضضتنيها
في ظهري وأنا متوركتك فعرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها فقال إذا أحببت فعندي محبة مكرمة وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت
قالت بل تمتعني وتردني إلى قومي
فمتعها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وردها إلى قومها
فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما له يقال له مكحول وجارية فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية
وأنزل الله تبارك وتعالى في يوم حنين لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين
ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين 25 26 التوبة
واستشهد من المسلمين يوم حنين من قريش ثم من بني هاشم أيمن بن عبيد مولاهم
ومن بني أسد بن عبد العزى يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب جمح به فرس يقال له الجناح فقتل
ومن الأنصار سراقة بن الحارث العجلاني
ومن الأشعريين أبو عامر ألاشعري

ثم جمعت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سبايا حنين وأموالها فأمر بها إلى الجعرانة فحبست بها حتى أدركها هنا لك منصرفه عن الطائف على ما يذكر بعد إن شاء الله تعالى
وقال عباس بن مرداس السلمي في يوم حنين
عفا مجدل من أهله فمتالع
فمطلا أريك قد خلا فالمصانع
ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا
رخي وصرف الدهر للحي جامع
حبيبة ألوت بها غربة النوى
لبين فهل ماض من العيش راجع
فإن تبتغي الكفار غير ملومة
فإني وزير للنبي وتابع
دعانا إليه خير وفد علمتم
خزيمة والمرار منهم وواسع
فجئنا بألف من سليم عليهم
لبوس لهم من نسج داود رائع
نبايعه بالأخشبين وإنما
يد الله بين الأخشبين نبايع
فحسنا مع المهدي مكة عنوة
بأسيافنا والنقع كاب وساطع
علانية والخيل يغشى متونها
حميم وآن من دم الجوف ناقع
ويوم حنين حين سارت هوازن
إلينا وضاقت بالنفوس الأضالع
صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا
قراع الأعادي منهم والوقائع
أمام رسول الله يخفق فوقنا
لواء كخدروف السحابة لامع
عشية ضحاك بن سفيان معتص
بسيف رسول الله والموت كانع
نذود أخانا عن أخينا ولو نرى
مصالا لكنا الأقربين نتابع
ولكن دين الله دين محمد
رضينا به فيه الهدى والشرائع
أقام به بعد الضلالة أمرنا
وليس لأمر حمه الله دافع
الطويل
وقال عباس أيضا
تقطع باقي وصل أم مؤمل
بعاقبة واستبدلت نية خلفا
وقد حلفت بالله لا تقطع النوى
فما صدقت فيه ولا برت الحلفا
خفافية بطن العقيق مصيفها
وتحتل في البادين وجرة فالعرفا
فإن تتبع الكفار أم مؤمل
فقد زودت قلبي على نأيها شغفا
وسوف ينبيها الخبير بأننا
أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا
وإنا مع الهادي النبي محمد
وفينا ولم نستوفها معشر ألفا
بفتيان صدق من سليم أعزة
أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا
خفاف وذكوان وعوف تخالهم
مصاعب زافت في طروقتها كلفا
كأن النسيج الشهب والبيض ملبس
أسودا تلاقت في مراصدها غضفا
بنا عز دين الله غير تنحل
وزدنا على الحي الذي معه ضعفا
بمكة إذ جئنا كأن لواءنا

عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا
على شخص الأبصار تحسب بينها
إذا هي جالت في مواردها عزفا
غداة وطئنا المشركين ولم نجد
لأمر رسول الله عدلا ولا صرفا
بمعترك لا يسمع القوم وسطه
لنا رحمة إلا التذامر والنقفا
ببيض تطير الهام عن مستقرها
وتقطف أعناق الكماة بها قطفا
فكأين تركنا من قتيل ملحب
وأرملة تدعو على بعلها لهفا
رضا الله ننوي لا رضا الناس نبتغي
لله ما يبدو جميعا وما يخفي
الطويل
وقال عباس أيضا
ما بال عينك فيها عائر سهر
مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر
عين تأوبها من شجوها أرق
فالماء يغمرها طورا وينحدر
كأنه نظم در عند ناظمه
تقطع السلك منه فهو منتثر
ما بعد منزل من ترجو مودته
ومن أتى دونه الصمان فالحفر
دع ما تقدم من عهد الشباب فقد
ولي الشباب وزار الشيب والزعر
واذكر بلاء سليم في مواطنها
وفي سليم لأهل الفخر مفتخر
قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا
دين الرسول وأمر الناس مشتجر
الضاربون جنود الشرك ضاحية
ببطن مكة والأرواح تبتدر
حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم
نخل بظاهرة البطحاء منقعر
ونحن يوم حنين كان مشهدنا
للدين عزا وعند الله مدخر
إذ نركب الموت مخضرا بطائنه
والخيل ينجاب عنها ساطع كدر
تحت اللوامع والضحاك يقدمنا
كما مشى الليث في غاباته الخدر
في مأزق من مجر الحرب كلكلها
تكاد تأفل منه الشمس والقمر
وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا
لله ننصر من شئنا وننتصر
حتى تأوب أقوام منازلهم
لولا المليك ولولا نحن ما صدروا
فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا
إلا قد أصبح منا فيهم أثر
البسيط
وقال عباس بن مرداس أيضا رضي الله عنه
يا آيها الرجل الذي تهوي به
وجناء مجمرة المناسم عرمس
إما أتيت على النبي فقل له
حقا عليك إذا اطمأن المجلس
يا خير من ركب المطي ومن مشى
فوق التراب إذا تعد الأنفس
إنا وفينا بالذي عاهدتنا
والخيل تقدع بالكماة وتضرس
إذ سال من أفناء بهثة كلها
جمع تظل به المخارم ترجس
حتى صبحنا أهل مكة فيلقا
شهباء يقدمها الهمام الأشوس

من كل أغلب من سليم فوقه
بيضاء محكمة الدخال وقونس
وعلي حنين قد وفى من جمعنا
ألف أمد به الرسول عرندس
كانوا أمام المؤمنين دريئة
والشمس يومئذ عليها أشمس
نمضي ويحرسنا الإله بحفظه
والله ليس بضائع من يحرس
ولقد حبسنا بالمناقب محبسا
رضي الإله بهم فنعم المحبس
وغداة أوطاس شددنا شدة
كفت العدو وقيل منها يحبس
ندعو هوازن بالإخاءة بيننا
ثدي تمد به هوازن أيبس
حتى تركنا جمعهم وكأنه
عير تعاقبه السباع مفرس
) الكامل
وقال عباس بن مرداس أيضا
نصرنا رسول الله من غضب له
بألف كمي لا تعد حواسره
حملنا له في عامل الرمح راية
يذود بها في حومة الموت ناصره
ونحن خضبناها دما فهو لونها
غداة حنين يوم صفوان شاجره
وكنا على الإسلام ميمنة له
وكان لنا عقد اللواء وشاهره
وكنا له يوم الجنود بطانة
يشاورنا في أمره ونشاوره
دعانا فسمانا الشعار مقدما
وكان له عونا على من يناكره
جزى الله خيرا من نبي محمدا
وأيده بالنصر والله ناصره
الطويلغزوة الطائف
ولما قدم فل الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال ولم يشهد حنينا ولا الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور
ثم سار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى الطائف حين فرغ من حنين فقال كعب بن مالك حين أجمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} السير إليها
قضينا من تهامة كل ريب
وخيبر ثم أجممنا السيوفا
نخيرها ولو نطقت لقالت
قواطعهن دوسا أو ثقيفا
فلست لحاضن إن لم تروها
بساحة داركم منا ألوفا
وننتزع العروش ببطن وج
وتصبح دوركم منكم خلوفا
ويأتيكم لنا سرعان خيل
يغادر خلفه جمعا كثيفا
إذا نزلوا بساحتكم سمعتم
لها مما أناخ بها رجيفا
بأيديهم قواضب مرهفات
يزرن المصطلين بها الحتوفا
كأمثال العقائق أخلصتها
قيون الهند لم تضرب كتيفا
تخال جدية الأبطال فيها
غداة الروع جاديا مدوفا
أجدهم أليس لهم نصيح
من الأقوام كان بنا عريفا
يخبرهم بأنا قد جمعنا
عتاق الخيل والنجب الطروفا

وأنا قد أتيناهم بزحف
يحيط بسور حصنهم صفوفا
رئيسهم النبي وكان صلبا
نقي القلب مصطبرا عزوفا
رشيد الأمر ذا حكم وعلم
وحلم لم يكن نزقا خفيفا
نطيع نبينا ونطيع ربا
هو الرحمن كان بنا رءوفا
فإن تلقوا إلينا السلم نقبل
ونجعلكم لنا عضدا وريفا
وإن تأبوا نجاهدكم ونصبر
ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا
نجالد ما بقينا أو تنيبوا
إلى الإسلام إذ عانا مضيفا
نجاهد لا نبالى ما لقينا
أأهلكنا التلاد أم الطريفا
وكم من معشر ألبوا علينا
صميم الجذم منهم والحليفا
أتونا لا يرون لهم كفاء
فجدعنا المسامع والأنوفا
بكل مهند لين صقيل
نسوقهم بها سوقا عنيفا
لأمر الله والإسلام حتى
يقوم الدين معتدلا حنيفا
وتنسى اللات والعزى ودد
ونسلبها القلائد والشنوفا
فأمسوا قد أقروا واطمأنوا
ومن لا يمتنع يقبل خسوفا
الوافر
وسلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على نخلة اليمانية وانتهى إلى بحرة الرغاء فابتني بها مسجدا فصلى فيه وأقاد فيها يومئذ بدم رجل من هذيل قتله رجل كم بني ليث فقتله به وهو أول دم أقيد به في الإسلام وأمر في طريقه بحصن مالك بن عوف فهدم
ثم سلك في طريق فسأل عن اسمها فقيل له الضيقة
فقال بل هي اليسرى
ثم خرج منها حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف فأرسل إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إما أن تخرج وإما أن نخرب عليك حائطك
فأبى أن يخرج فأمر بإخرابه
ثم مضى حتى نزل قريبا من الطائف فضرب به عسكره فقتل ناس من أصحابه بالنبل وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فكانت النبل تنالهم ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم أغلقوه دونهم
فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة
وقيل بضع عشرة ليلة ومعه امرأتان من نسائه إحداهما أم سلمة فضرب لهما قبتين ثم صلى بينهما فلما أسلمت ثقيف بني عمرو بن أمية بن وهب بن معتب بن مالك على مصلاة ذلك مسجدا

وكانت فيه سارية فيما يزعمون لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض
فحاصرهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقاتلهم قتالا شديدا وتراموا بالنبل ورماهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالمنجنيق فيما ذكر ابن هشام
قال وهو أول من رمى به في الإسلام إذ ذاك
حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تحت دبابة ثم رجعوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرمتهم بالنبل فقتلوا منهم رجالا فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بقطع أعتاب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى الطائف فناديا ثقيفا أن آمنونا حتى نكلمكم فآمنوهما
فدعوا نساء من نساء قريش وبني كنانة منهن ابنة أبي سفيان ليخرجن أليهما وهما يخافان عليهن السباء فأبين فلما أبين قال لهما الأسود بن مسعود يا أبا سفيان ويا مغيرة ألا أدلكما على خير مما جئتما له إن مال بني الأسود حيث علمتما وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نازلا بينه وبين الطائف بواد يقال له العقيق إنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء ولا أشد مؤنة ولا أبعد عمارة من مال بني الأسود وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل
فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تركه لهم
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيما ذكر لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو محاصر ثقيفا يا أبا بكر إني رأيت أني أهديت إلى قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهراق ما فيها
فقال ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنا لا أرى ذلك
ثم إن خويلة بنت حكيم السلمية امرأة عثمان بن مظعون قالت يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية بنت غيلان أو حلي الفارغة ابنة عقيل
وكانتا من أحلى نساء ثقيف

فذكر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لها وإن كان لم يؤذن في ثقيف يا خويلة فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فدخل عمر على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خويلة زعمت أنك قلته قال قد قلته
قال أو ما أذن فيهم يا رسول الله قال لا
قال أفلا أؤذن بالرحيل قال بلى فأذن عمر بالرحيل فلما استقل الناس نادى سعيد بن عبيد ألا إن الحي مقيم
يقول عيينة بن حصن أجل والله مجدة كراما فقال له رجل من المسلمين قاتلك الله يا عيينة أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقد جئت تنصره قال أني والله ما جئت لأقاتل ثقيفا معكم ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أتطئها لها تلد لي رجلا فإن ثقيفا قوم مناكير
ونزل على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في إقامته عليهم عبيد لهم فأسلموا فأعتقهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما اسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم في أولئك العبيد فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا أولئك عتقاء الله
واستشهد بالطائف من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اثنا عشر رجلا سبعة من قريش وأربعة من الأنصار ورجل من بني ليث
ثم انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن الطائف حتى نزل الجعرانة واليها كان قدم سبي هوزان وأموالهم وقال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف يا رسول الله ادع عليهم فقال اللهم اهد ثقيفا وائت بهم
ثم أتاه وفد هوزان بالجعرانة وقد اسلموا وكان معه من سبيهم ستة آلاف من الذراري والنساء ومن الإبل والشاء ما لا يدري ما عدته فقالوا يا رسول الله أنا أهل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك وقام رجل منهم من سعد بن بكر يقال له زهير يكنى بأبي صرد فقال يا رسول الله إنما في الخطائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللائي كن يكفلنك ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزلا منا بمثل ما نزلت به رجونا عطفه وعائدته علينا وأنت خير المكفولين
ثم أنشأ يقول
امنن علينا رسول الله في كرم
فإنك المرء نرجوه وننتظر

امنن على بيضة قد عاقها قدر
مفرق شملها في دهرها غير
أبقت لنا الحرب هتافا على حزن
على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها
يا أرجح الناس حلما حين يحتبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها
إذ فوك تملأه من محضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها
وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته
واستبق منا فإنا معشر زهر
إنا لنشكر للنعمى وقد كفرت
وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه
من أمهاتك إن العفو يشتهر
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه
هذي البرية أن تعفو وتنتصر
فاعف عفا الله عما أنت راهبه
يوم القيامة إذ يهدي لك الظفر ( البسيط
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم فقالوا يا رسول الله خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا فهو احب إلينا
فقال لهم أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وإذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا
فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم
فلما صلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما ما كان لي ولنبي عبد المطلب فهو لكم
فقال المهاجرون وما كان لنا فهو لرسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقالت الأنصار ما كان لنا فهو لرسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فقال الأقرع بن حابس أما أنا وبنو تميم فلا
وقال عيينة بن حصن أما أنا وبنو فزارة فلا
وقال عباس بن مرداس أما أنا وبنو سليم فلا
فقالت بنو سليم بلى ما كان لنا فهو لرسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فقال عباس وهنتموني فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول شيء أصيبه فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم
وكان عيينة بن حصن أخذ عجوزا من عجائزهم وقال حين أخذها أرى عجوزا إني لأحسب أن لها في الحي نسبا وعسى أن يعظم فداؤها

فلما رد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} السبايا بست فرائض أبي أن يردها فقال له زهير أبو صرد خذها عنك فوالله ما فوها ببارد ولا ثديها بناهد ولا بطنها بوالد ولا زوجها بواجد ولا درها بماكد
فردها بست فرائض حين قال له زهير ما قال
وسأل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد هوازن ما فعل مالك بن عوف فقالوا هو
بالطائف مع ثقيف
فقال لهم أخبروا مالكا أنه أن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل
فأتي مالك بذلك فخاف ثقيفا أن يعلموا بما قال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيحبسوه فأمر براحلته فهيئت له وأمر بفرس له فأتى به بالطائف فخرج ليلا على فرسه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس فركبها فلحق برسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأدركه بالجعرانة أو بمكة فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل وأسلم فحسن إسلامه وقال
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله
في الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى
ومتى تشأ يخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابها
بالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشباله
وسط الهباءة خادر في مرصد
الكامل
فاستعمله رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على من أسلم من قومه فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم أبو محجن بن حبيب الثقفي
هابت الأعداء جانبنا
ثم تغزونا بنو سلمه
وأتانا مالك بهم
ناقضا للعهد والحرمه
المديد
ولما فرغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من رد سبايا حنين إلى أهلها ركب واتبعه الناس يقولون يا رسول الله اقسم علينا فيئنا
للإبل والغنم حتى ألجأوه إلى شجرة فاختطفت عنه رداءه فقال ردوا علي ردائي أيها الناس فوالله إن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا ثم قام إلى جنب بعير فأخذ وبرة من سنامه فرفعها ثم قال أيها الناس والله مالي من
فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخائط والمخيط فإن الغلول يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة

فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال يا رسول الله أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي دبر
فقال أما نصيبي منها فلك
قال أما إذا بلغت ذلك فلا حاجة لي بها
ثم طرحها من يده
ويروي أن عقيل بن أبي طالب دخل يوم حنين على امرأته فاطمة بنت شيبة وسيفه متلطخ دما فقالت إني قد عرفت أنك قد قاتلت فماذا أصبت من غنائم المشركين قال دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك
فدفعها إليها فسمع منادي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول من أخذ شيئا فليرده حتى الخائط والمخيط
فرجع عقيل فقال ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت وأخذها فألقاها في الغنائم
وأعطى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافا من أشراف الناس يتألفهم ويتألف بهم قومهم فأعطى أبا سفيان بن حرب وابنه معاوية وحكيم بن حزام والحارث بن الحارث بن كلدة والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزي وصفوان بن أمية وكل هؤلاء من أشراف قريش والأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ومالك بن عوف النصري أعطي كل واحد من هؤلاء المسلمين من قريش وغيرهم مائة بعير وأعطى دون المائة رجالا من قريش منهم مخرمة بن نوفل وعمير بن وهب وأعطى سعيد بن يربوع المخزومي وعدي بن قيس السهمي خمسين خمسين وأعطى عباس بن مرداس أباعر فسخطها وقال يعاتب فيها النبي {صلى الله عليه وسلم}
وكانت نهابا تلافيتها
بكري على المهر في الأجرع
وإيقاظي القوم أن يرقدوا
إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد
بين عيينة والأقرع
وقد كنت في الحرب ذا تدراء
فلم أعط شيئا ولم أمنع
إلا أفائل أعطيتها
عديد قوائمه الأربع
وما كان حصن ولا حابس
يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما
ومن تضع اليوم لا يرفع
المتقارب
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اذهبوا فاقطعوا عني لسانه فأعطوه حتى رضي فكان ذلك قطع لسانه
وذكر ابن هشام أن عباسا أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنت القائل
فأصبح نهبي ونهب العبيد
بين الأقرع وعيينة
فقال أبو بكر بين عيينة والأقرع

فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هما واحد
فقال أبو بكر أشهد أنك كما قال الله وما علمناه الشعر وما ينبغي له 69 يس
وذكر ابن عقبة أن عباسا لما أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بقطع لسانه فزع لها وقال من لا يعرف أمر عباس يمثل به
فأتى به إلى الغنائم فقيل له خذ منها ما شئت
فقال عباس إنما أراد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يقطع لساني بالعطاء بعد أن تكلمت
فتكرم أن يأخذ منها شيئا فبعث إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بحلة فقبلها ولبسها
وقال لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} قائل من أصحابه يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع
الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل ابن سراقة إلى إسلامه
وجاء رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة فوقف على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يعطي الناس فقال يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أجل فكيف رأيت قال لم أرك عدلت
فغضب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم قال ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون فقال عمر بن الخطاب ألا نقتله فقال لا دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يوجد شيء ثم في القدح فلا يوجد شيء ثم في الفوق فلا يوجد شيء سبق الفرث والدم
ولما أعطى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما أعطى في قريش وفي قبائل العرب ولم يعط الأنصار شيئا وجدوا في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة وحتى قال قائلهم لقي والله رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قومه
وذكر ابن هشام أن حسان بن ثابت قال يعاتبه في ذلك
زاد الهموم فماء العين منحدر
سحا إذا حفلته عبرة درر
وجدا بشماء إذ شماء بهكنة
هيفاء لا ذنن فيها ولا خور
دع عنك شماء إذ كانت مودتها
نزرا وشر وصال الواصل النزر
وائت الرسول فقل يا خير مؤتمن
للمؤمنين إذا ما عدد البشر
علام تدعى سليم وهي نازحة
قدام قوم هم آووا وهم نصروا
سماهم الله أنصارا ينصرهم
دين الهدى وعوان الحرب تستعر

وسارعوا في سبيل الله واعترفوا
للنائبات وما خافوا وما ضجروا
والناس إلب علينا فيك ليس لنا
إلا السيوف وأطراف القنا وزر
نجالد الناس لا نبقي على أحد
ولا نضيع ما توحي به السور
و لا تهز جناة الحرب نادينا
ونحن حين تلظى نارها سعر
كما رددنا ببدر دون ما طلبوا
أهل النفاق وفينا ينزل الظفر
ونحن جندك يوم النعف من أحد
إذ حزبت بطرا أحزابها مضر
فما ونينا ولا خمنا وما خبروا
منا عثارا وكل الناس قد عثروا
البسيط
فدخل سعد بن عبادة على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء
قال فأين أنت من ذلك يا سعد قال يا رسول الله ما أنا إلا من قومي
قال فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة
فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا له أعلمه سعد بهم فأتاهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ألم آتكم ضلالا فهداكم الله وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا بل الله ورسوله أمن وافضل
ثم قال ألا تجيبونني يا معشر الأنصار قالوا بماذا نجيبك يا رسول الله لله ولرسوله المن والفضل

فقال صلوات الله عليه أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فآسيناك أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى رحالكم فو الذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرء من الأنصار ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار
فبكي القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا رضينا برسول الله {صلى الله عليه وسلم} قسما وحظا
ثم انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وتفرقوا
ثم خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الجعرانة معتمرا وأمر ببقايا الفيء فحبس بمجنة بناحية مر الظهران فلما فرغ من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن وأتبع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ببقايا الفيء
ولما استعمل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عتابا على مكة رزقه في كل يوم درهما فقام عتاب خطيبا في الناس فقال أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم فقد رزقني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} درهما كل يوم فليست بي حاجة إلى أحد
وكانت عمرة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في ذي القعدة وقدم المدينة في بقيتة أو في أول ذي الحجة
وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج عليه وحج عتاب بن أسيد بالمسلمين فيها وهي سنة ثمان
وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعدة إذ انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى رمضان سنة تسع

ولما قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من سفره هذا منصرفا عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فإنه لا يقتل أحدا جاء تائبا وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض
فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وارجف به من كان في حاضره من عدوه فقالوا هو مقتول
فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ويذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل من جهينة كانت بينه وبينه معرفة فغدا به إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين صلى الصبح فصلى معه ثم أشار له إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه
فذكر انه قام إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين جلس إليه فوضع يده في يده وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يعرفه فقال يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نعم
قال أنا يا رسول الله كعب بن زهير فوثب عليه رجل من الأنصار فقال يا رسول الله دعني وعدو الله اضرب عنقه
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} دعه عنك فإنه قد جاءنا تائبا نازعا
فغضب كعب على الأنصار لما صنع به صاحبهم ومدح المهاجرين دونهم إذ لم يتكلم فيه رجل منهم إلا بخير
والقصيدة التي قالها كعب في ذلك وذكر انه أنشدها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في المسجد
بانت سعاد فقلبي اليوم مبتول
متيم عندها لم يجز مكبول
وما سعاد غداة البين إذ برزت
إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت
كأنه منهل بالراح معلول
شحت بذي شبم من ماء محنية
صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه
من صوب غادية بيض يعاليل
وبلمها خلة لو أنها صدقت
بوعدها أو لو أن النصح مقبول
لكنها خلة قد سيط من دمها
فجع وولع وإخلاف وتبديل

فما تدوم على حال تكون بها
كما تلون في أثوابها الغول
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا
وما مواعيدها إلا الأباطيل
فلا يغرنك ما منت وما وعدت
إن الأماني والأحلام تضليل
أمست سعاد بأرض لا تبلغها
إلا العتاق النجيبات المراسيل
ولا يبلغها إلا عذافرة
فيها على الأبن إرقال وتبغيل
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت
عرضتها طامس الأعلام مجهول
ضخم مقلدها فعم مقيدها
في خلقها عن بنات الفحل تفضيل
حرف أخوها ابوها من مهجنة
وعمها خالها قوداء شمليل
كأن أوب ذراعيها وقد عرقت
وقد تلفع بالقور العساقيل
أوب يدي فاقد شمطاء معولة
قامت فجاوبها نكد مثاكيل
نواحة رخوة الضبعين ليس لها
لما نعى بكرها الناعون معقول
تفري اللبان بكفيها ومدرعها
مشقق عن تراقيها رعابيل
تمشي الغواة بجنبها وقولهم
إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول
وقال كل صديق كنت آمله
لا ألهينك إني عنك مشغول
فقلت خلوا طريقي لا أبالكم
فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوما على آلة حدباء محمول
نبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن
فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم
أذنب ولو كثرت في الأقاويل
لقد أقوم مقاما لو يقوم به
يرمي ويسمع ما قد أسمع الفيل
لظل ترعد من خوف بوادره
إن لم يكن من رسول الله تنويل
حتى وضعت يميني ما أنازعها
في كف ذي نقمات قوله القيل
فلهو أخوف عندي إذ أكلمه
وقيل إنك منسوب ومسؤول
من ضيغم بضراء الأرض مخدره
في بطن عثر غيل دونه غيل
إن الرسول لنور يستضاء به
مهند من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم
ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال انكاس ولا كشف
عند اللقاء ولا ميل معازيل
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم
ضرب إذا عرد السود التنابيل
شم العرانين أبطال لبوسهم
من نسج داود في الهيجا سرابيل
بيض سوابغ قد شكت لها حلق
كأنها حلق القفعاء مجدول
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم

قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
لا يقع الطعن إلا في نحورهم
ليس لهم عن حياض الموت تهليل
البسيط
ويروى أن كعبا لما أنشد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بيده إلى الخلق أي اسمعوا
تعجبا بقوله
ومن مستجاد شعر كعب بن زهير قوله أيضا يمدح النبي {صلى الله عليه وسلم}
تحذي به الناقة الأدماء معتجرا
بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم
وفي عطافيه أو أثناء بردته
ما يعلم الله من دين ومن كرم
البسيط
ولما قال كعب في لاميته المتقدمة إذا عرد السود التنابيل
يريد الأنصار وخص المهاجرين بمدحته دونهم غضبت عليه الأنصار فقال بعد أن أسلم يمدحهم ويذكر بلاءهم مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وموضعهم من اليمن ويقال إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حضه على ذلك وقال لما أنشده القصيدة المتقدمة لولا ذكرت الأنصار بخير فإن الأنصار لذلك أهل فقال كعب هذه الأبيات
من سره كرم الحياة فلا يزل
في مقنب من صالح الأنصار
ورثوا المكارم كابرا عن كابر
إن الخيار هم بنو الأخيار
المكرهين السمهري بأذرع
كسوالف الهندي غير قصار
والناظرين بأعين محمرة
كالجمر غير كليلة الإبصار
والبائعين نفوسهم لنبيهم
للموت يوم تعانق وكرار
يتطهرون يرونه نسكا لهم
بدماء من علقوا من الكفار
( دربوا كما دربت ببطن خفية غلب الرقاب من الأسود ضواري
وإذا حللت ليمنعوك إليهم أصبحت عند معاقل الأغفار
ضربوا عليا يوم بدر ضربة دانت لوقعتها جميع نزار
لو يعلم الأقوام علمي كله فيهم لصدقني الذين أماري
قوم إذا خوت النجوم فإنهم للطارقين النازلين مقاري
في الغر من غسان في جرثومة أعيت محافرها على المحفار
الكامل
وكان عبد الله بن الزبعري السهمي شاعر قريش ولسانها في مناقضة حسان بن ثابت وغيره من شعراء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} له في ذلك أشعار كثيرة ذكرها ابن إسحاق في مواضعها وأضربنا نحن عنها وعن سائر أشعار الجاهلية لما فيها من تنقص الإسلام والنيل من أهله فلما كان عام الفتح فر ابن الزبعري إلى نجران فرماه حسان بن ثابت ببيت واحد ما زاد عليه وهو

لا تعدمن رجلا أحلك بغضه نجران في عيش أحذ لئيم
الكامل
فلما بلغ ذلك ابن الزبعري خرج إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأسلم وقال في ذلك أشعارا منها في أبيات
يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أباري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور
الخفيف
وقال أيضا حين أسلم
منع الرقاد بلابل وهموم
والليل معتلج الرواق بهيم
مما أتاني أن أحمد لامني
فيه فبت كأنني محموم
يا خير من حملت على أوصالها
عيرانة سرح اليدين عشوم
إني لمعتذر إليك من الذي
أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
أيام تأمرني بأغوى خطة
سهم وتأمرني بها مخزوم
وأمد أسباب الردي ويقودني
أمر الغواة وأمرهم مشئوم
فاليوم آمن بالنبي محمد
قلبي ومخطيء هذه محروم
مضت العداوة فانقضت أسبابها
ودعت أواصر بيننا وحلوم
فاغفر فدى لك والداثي كلاهما
زللى فإنك راحم مرحوم
وعليك من علم المليك علامة
نور أغر وخاتم مختوم
أعطاك بعد محبة برهانه
شرفا وبرهان الإله عظيم
ولقد شهدت بأن دينك صادق
حق وإنك في العباد جسيم
والله يشهد أن أحمد مصطفى
متقبل في الصالحين كريم
فرم علا بنيانه من هاشم
فرع تمكن في الذري وأروم
الكامل

غزوة تبوك
وأقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالمدينة بعد منصرفه عن عمرة الجعرانة ما بين ذي الحجة إلى رجب ثم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام قي ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قل ما يخرج في غزوة إلا ورى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يعمد إليه إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته
فأمر الناس بالجهاز وأخبرهم انه يريد الروم

فقال {صلى الله عليه وسلم} ذات يوم وهو في جهازه للجد بن قيس أحد بني سلمة يا جد هل لك العام في جلاد بني الأصفر فقال يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر
فأعرض عنه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال قد أذنت لك ففيه نزلت ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين التوبة 49 أي إن كان إنما خشي الفتنة من نساء بني الأصفر وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة أكبر لتخلفه عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والرغبة بنفسه عن نفسه يقول وإن جهنم لمن ورائه
وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد
وشكا في الحق وإرجافا بالرسول فأنزل الله فيهم وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون التوبة 81 82
وبلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عنه في غزوة تبوك فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم البيت وفعل طلحة فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فأفلتوا فقال الضحاك في ذلك
وكادت وبيت الله نار محمد
يشيط بها الضحاك وابن أبيرق
وظلت وقد طبقت كبس سويلم
أنوء على رجلي كسيرا ومرفقي
سلام عليكم لا أعود لمثلها
أخاف ومن تشمل به النار يحرق
الطويل
ثم إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش وحض أهل الغني على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغني واحتسبوا وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض

ثم إن رجالا من المسلمين توا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهم البكاءون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم سالم بن عمير وعلبة بن زيد وأبو ليلى بن كعب وعمرو بن حمام وهرمي بن عبد الله وعبد الله بن مغفل المزني ويقال عبد الله بن عمرو المزني وعرباض بن سارية الفزاري فاستحملوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهم أهل حاجة فقال لا أجد ما أحملكم عليه
فتولوا وأعينهم كفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون فذكر أن ابن يامين بن عمير النضري لقي أبا ليلى بن كعب وابن مغفل وهما يبكيان فقال ما يبكيكما قالا جئنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليحملنا فلم نجد عنده ما
يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إليه فلم يعذرهم الله وذكر أنهم نفر من بني غفار
ثم استتب برسول الله {صلى الله عليه وسلم} سفره وأجمع السير وتخلف عنه نفر من المسلمين عن غير شك ولا ارتياب منهم كعب بن مالك أخو بني سلمة ومرارة بن الربيع أخو بني عمر بن عوف وهلال بن أمية أخو بني واقف وأبو خيثمة أخو بني سالم وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم
فلما خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين فلما سار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين و أهل الريب
وخلف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به المنافقون وقالوا ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه فلما قالوا ذلك أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو نازل بالجرف فقال يا بني الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني فقال كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي

فرجع علي إلى المدينة رضي الله عنه ومضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على سفره
ثم إن أبا خيثمة بعد أن سار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أياما رجع إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما
عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له طعاما فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ما هذا بالنصف ثم قال والله لا أدخل على عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله {صلى الله عليه وسلم} فهيئا لي زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى أدركه حين نزل بتبوك
وقد كان أدرك أبا خيثمة في الطريق عمير بن وهب الجمحي يطلب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ففعل حتى إذا دنا من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو نازل بتبوك قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كن أبا خيثمة
قالوا هو والله أبو خيثمة يا رسول الله
فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أولي لك يا أبا خيثمة ثم أخبره خبره
فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خيرا ودعا له بخير
ويروى أن أبا خيثمة قال في ذلك
ولما رأيت الناس في الدين نافقوا
أتيت التي كانت أعف وأكرما
وبايعت باليمنى يدي لمحمد
فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما
تركت خضيبا في العريش وصرمة
صفايا كراما بسرها قد تحمما
وكنت إذا شك المنافق أسمحت
إلى الدين نفسي شطره حيث يمما
الطويل
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها فلما راحوا قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا تشربوا من مائها ولا يتوضأ منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له

ففعل الناس ما أمرهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء فأخبر بذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي وأما الذي وقع بجبلي طيء فإن طيئا أهدته لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين قدم المدينة
ولما مر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالحجر سجي ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم
فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فدعا فأرسل الله سبحانه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء
قال محمود بن لبيد لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حيث سار فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان ودعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين دعا فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس قالوا أقبلنا عليه نقول ويحك هل بعد هذا شيء قال سحابة مارة
قيل لمحمود هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم قال نعم والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفي عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك
ثم إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته فخرج أصحابه في طلبها وعند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رجل من أصحابه يقال له عمارة بن حزم وكان عقبيا بدريا وهو عم بني عمرو بن حزم وكان في رحله زيد بن لصيت القينقاعي وكان منافقا فقال زيد وهو في رحل عمارة وعمارة عند رسول الله

{صلى الله عليه وسلم} أليس محمد يزعم انه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعمارة عنده إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها وهي في الوادي من شعب كذا وكذا وقد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتوني بها فذهبوا فجاءوا بها فرجع عمارة بن حزم إلى رحله فقال والله لعجب من شيء حدثناه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عنه
للذي قال زيد بن اللصيت
فقال رجل ممن كان في رحل عمارة ولم يحضر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول يالعباد الله إن في رحلي لداهية وما أشعر أخرج أي عدو الله من رحلي فلا تصحبني
فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك وقال بعض لم يزل متهما بشر حتى مات
ثم مضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سائرا فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون يا رسول الله تخلف فلان فيقول
دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره
فقال دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد اراحكم الله منه
وتلوم أبو ذر على بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ماشيا ونزل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كن أبا ذر
فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده
فقضى الله سبحانه أن أبا ذر لما أخرجه عثمان رضي الله عنه إلى الربدة وأدركته بها منيته لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما أن غسلاني

وكفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا هذا أبو ذر صاحب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأعينونا على دفنه فلما مات فعلا ذلك وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من العراق عمار فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل تطؤها وقام إليهم الغلام فقال هذا أبو ذر صاحب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأعينونا على دفنه
فاستهل عبد الله يبكي ويقول صدق رسول الله تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروه
ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في مسيره إلى تبوك
وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف وحليف لبني سلمة من أشجع يقال له مخشن بن حمير ويقال مخشي يشيرون إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا والله لكأننا بكم غدا مقرنين في الحبال إرجافا وترهيبا للمؤمنين فقال مخشن بن حمير والله لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وأنا نتفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيما بلغنا لعمار بن ياسر أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا فإن أنكروا فقل بلى قلتم كذ وكذا فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم فأتوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يعتذرون فقال وديعة بن ثابت ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} واقف على ناقته فجعل يقول وهو آخذ بحقها يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب
فأنزل الله عز وجل فيهم ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب التوبة 65 وقال مخشن بن حمير يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي
فكان الذي عفى عنه في هذه الآية مخشن بن حمير فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتله شهيدا لا يعلم مكانه فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر
ولما انتهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأعطى الجزية
وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوا الجزية وكتب لهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كتابا فهو عندهم
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان منهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وأنه طيبة لمن أخذه من الناس وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر
ثم دعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة وهو أكيدر ابن عبد الملك رجل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لخالد إنك ستجده يصيد البقر
فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفي ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت له امرأته هل رأيت مثل هذا قط قال لا والله
قالت فمن يترك هذه قال لا أحد
فنزل فأمر بفرسه فأسرج له وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان فركب وخرجوا معه بمطاردهم فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخذته وقتلوا أخاه وكان عليه قباء ديباج مخوص بالذهب فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قبل قدومه عليه فجعل المسلمون يلمسونه بأيدهم ويتعجبون منه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أتعجبون من هذا فو الذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا
ثم قدم خالد بأكيدر على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فحقن له دمه وصالحه على الجزية ثم خلي سيبله
فرجع إلى قريته فقال رجل من طيء يقال له بجير بن بجرة يذكر قول
رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لخالد إنك ستجده يصيد البقر
وما صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته لتصديق قول رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
تبارك سائق البقرات إني
رأيت الله يهدي كل هادي
فمن يك حائدا عن ذي تبوك
فإنا قد أمرنا بالجهاد
الوافر
فأقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها ثم انصرف قافلا إلى المدينة

وكان في الطريق ماء يخرج من وشل يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشقق فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من سبقنا إلى الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه
فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه فلما أتاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال من سبقنا إلى هذا فقيل يا رسول الله فلان وفلان
ففال أو لم أنهكم أن تسقوا منه شيئا حتى آتيه ثم لعنهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ودعا عليهم ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا بما شاء الله أن يدعو به فانخرق من الماء كما يقول من سمعه ما إن له حسا كحس الصواعق فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لئن بقيتم أو من بقي منكم لتسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه
ومات في هذه الغزوة من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عبد الله ذو البجادين المزني وإنما سمي ذا البجادين لأنه كان ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك ويضيقون عليه حتى تركوه في بجاد ليس عليه غيره والبجاد الكساء الغليظ الجافي فهرب منهم إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما كان قريبا منه شق بجاده باثنين فاتزر بواحد واشتمل بالآخر ثم أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقيل له ذو البجادين لذلك
فكان عبد الله بن مسعود يحدث قال قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها فإذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات وإذا هم قد
حفروا له ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} في حفرته وأبو بكر وعمر يد ليانه إليه وهو يقول أدليا إلي أخاكما فدلياه فلما هيأه لشقه قال اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه يقول عبد الله بن مسعود يا ليتني كنت صاحب الحفرة

وقال أبو رهم الغفاري وكان ممن بايع تحت الشجرة غزوت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غزوة تبوك فسرت ذات ليلة معه قريبا منه وألقى علينا النعاس فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلته عليه السلام فيفزعني دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز فما استيقظت إلا لقوله حسن فقلت يا رسول الله استغفر لي قال سر
فجعل يسألني عمن تخلف من بني غفار فأخبره به فقال وهو يسألني ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط فحدثته بتخلفهم قال فما فعل النفر السود الجعاد القصار قلت والله ما أعرف هؤلاء منا
قال بلى الذين هم نعم بشبكة شدخ فتذكرتهم في بني غفار فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا فقلت يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرء نشيطا في سبيل الله إن أعز أهل علي أن يتخلف عني المهاجرون من قريش والأنصار وغفار وأسلم
قال ابن إسحاق ثم أقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال إني على جناح سفر وحال شغل
أو كما قال {صلى الله عليه وسلم}
ولو قد قدمنا إن شاء الله لأتيناكم فصلينا لكم فيه
فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي أخا بني العجلاني فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بني
سالم بن عوف رهط مالك فقال مالك لمعن انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي

فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين التوبة 107 إلى آخر القصة
وقدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة وقد كان تخلف عنه من تخلف من المنافقين وأولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأصحابه لا تكلمن أحدا من هؤلاء الثلاثة
وأتاه من تخلف عنه من المنافقين فجعلوا يحلفون له ويعتذرون فصفح عنهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولم يعذرهم الله ولا رسوله فاعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة
فحدث كعب بن مالك قال ما تخلفت عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في غزوة غزاها قط غير أني تخلفت عنه في غزوة بدر وكانت غزوة لم يعاتب الله فيها ولا رسوله أحدا تخلف عنها وذلك أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنما خرج يريد عير قريش فجمع الله بينه وبين عدوه على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت غزوة بدر هي أذكر في الناس منها
وكان من خبري حين تخلفت عنه في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما اجتمعت لي راحلتان قط حتى اجتمعتا لي في تلك الغزوة وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قل ما يريد غزوة يغزوها إلا وري بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا واستقبل غزو عدو كثير فجلى للناس أمرهم ليتأهبوا
لذلك أهبته وأخبرهم خبره بوجهه الذي يريد والمسلمون من تبع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يعني بذلك الديوان فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن انه سيخفى له ذلك ما لم ينزل فيه وحي من الله تعالى

وغزا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تلك الغزوة حين طابت الثمار وأحبت الظلال فالناس إليها صعر فتجهز رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وتجهز المسلمون معه وجعلت أغدو لأتجهز معهم فأرجع ولم أقض حاجة فأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت
فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمر بالناس الجد وأصبح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحق بهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفرط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم افعل وجعلت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فطفت فيهم يحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب بن مالك فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه
فقال له معاذ بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيرا
فسكت رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فلما بلغني أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} توجه قافلا حضر لي بثي فجعلت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخط رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غدا وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي فلما قيل لي إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أن لا أنجو منه إلا بالصدق فأجمعت أن أصدق
وصبح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المخلفون من الأعراب فجعلوا يحلفون له ويعتذرون وكانوا بضعة وثمانين رجلا فيقبل منهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
علانيتهم وأيمانهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله حتى جئت فسلمت عليه فتبسم تبسم المغضب ثم قال لي تعاله

فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ألم تكن ابتعت ظهرك قلت يا رسول الله والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كذبا لترضين عني وليوشكن الله أن يسخط علي ولئن حدثتك اليوم حديثا صادقا تجد علي فيه إني لأرجو عقابي من الله فيه ولا والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما هذا فقد صدقت فيه فقم حتى يقضي الله فيك
فقمت
وثار معي رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بما اعتذر إليه المحلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لك فوالله ما زالوا حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأكذب نفسي ثم قلت لهم هل لقي هذا أحد غيري قالوا نعم رجلان قالا مثل ذلك وقيل لهما مثل ما قيل لك قلت من هما قالوا مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي
فذكروا لي رجلين صالحين فيهما أسوة حسنة فقمت حين ذكروهما لي
ونهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي نفسي والأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف
فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا فقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين وأطوف بالأسواق لا يكلمني أحد وآتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني

حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فو الله ما رد علي السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله فسكت فعدت فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال الله ورسوله أعلم
ففاضت عيناني ووثبت فتسورت الحائط
ثم غدوت إلى السوق فبينا أنا أمشي بالسوق إذا نبطي يسأل عني من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فجعل الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان في سرقة من حرير فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نوسك
قلت حين قرأتها وهذا من البلاء أيضا قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع في رجل من أهل الشرك فعمدت بها إلى تنور فسجرته بها
فأقمنا على ذلك حتى مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأتيني فقال إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأمرك أن تعتزل امرأتك
فقلت أطلقها أم ماذا قال لا بل اعتزلها ولا تقربها
وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك وكوني فيهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض
وجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالت يا رسول الله إن هلال ابن أمية شيخ كبير ضائع إلا خادم أفتكره أن أخدمه قال لا ولكن لا يقربنك
قالت يا رسول الله والله ما به من حركة والله ما زال يبكي مذ كان من آمره ما كان إلى يومه هذا ولقد تخوفت على بصره
فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لامرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت والله لا أستأذنه فيها ما أدري ما يقول لي في ذلك إذا استأذنته وأنا رجل شاب
قال فلبثنا بعد ذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون من حين نهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المسلمين عن كلامنا ثم صليت الصبح صبح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتا على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت

علي نفسي وقد كنت ابتنيت خيمة في ظهر سلع فكنت أكون فيها إذ سمعت صوت صارخ أوفي على سلع يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر
فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاءني الفرج
قال وآذن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بتوبة الله علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب نحو صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم حتى أوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبي فكسو تهما إياه بشارة ووالله ما أملك يومئذ غيرهما واستعرت ثوبين فلبستهما ثم انطلقت أتيمم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وتلقاني الناس يبشرونني بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك
حتى دخلت المسجد ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} جالس حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله فحياني وهنأني ووالله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره
فكان كعب لا ينساها لطلحة
قال كعب فلما سلمت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال ووجهه يبرق من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ يوم ولدتك أمك
قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال بل من عند الله قال وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه
قال فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي إلى الله أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله والى رسوله
قال أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك
قلت إني ممسك سهمي الذي بخيبر
وقلت يا رسول الله إن الله قد نجاني بالصدق فإن من توبتي إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت
والله ما أعلم أحدا من الناس أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذلك أفضل مما أبلاني والله ما تعمدت من كذبة مذ ذكرت ذلك لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي
وأنزل الله تبارك وتعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار

الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم لارءوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) التوبة 117 119
قال كعب فو الله ما أنعم الله علي نعمة قط بعد أن هداني للإسلام كانت أعظم في نفسي من صدقي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن الله تبارك وتعالى قال في الذين كذبوه شر ما قال لأحد سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين التوبة 95 96
قال وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبل منهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين حلفوا له فعذرهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمرنا حتى قضى الله فيه ما قضي فلذلك قال الله تبارك وتعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس الذي ذكر من تخليفنا لتخلفنا عن الغزوة ولكن لتخليفه إيانا وإرجائه أمرنا عن من حلف له واعتذر إليه فقبل منه

ذكر إسلام ثقيف
وقدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف
وكان من حديثهم أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كما يتحدث قومه إنهم قاتلوك
وعرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم
فقال عروة يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم
ويقال من أبصارهم
وكان فيهم كذلك محببا مطاعا

فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم فلما أشرف لهم على علية له وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله فقيل له ما ترى في دمك قال كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها إلي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم
فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إن مثله في قومه لكمثل صاحب ياسين في قومه
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا فمشى عمرو بن
أمية أخو بني علاج وكان من أدهى العرب إلى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل داره وكان قبل مهاجرا له الذي بينهما سيء ثم أرسل إليه أن عمرو بن أمية يقول لك أخرج الي فقال عبد ياليل للرسول ويلك أعمرو أرسلك إلي قال نعم وها هوذا واقفا في دارك
قال إن هذا لشيء ما كنت أظنه لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك
فخرج إليه فلما رآه رحب به فقال له عمرو إنه قد نزل بنا ما ليست معه هجرة إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت وقد أسلمت العرب كلها وليست لكم بحربهم طاقة فانظروا في أمركم
فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها وقال بعضهم لبعض ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع فائتمروا بينهم وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رجلا كما أرسلوا عروة
فكلموا عبد ياليل وكان سن عروة وعرضوا عليه ذلك فأبى أن يفعل وخشي أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة فقال لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا
فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك فيكونوا ستة فبعثوا مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب
ومن بني مالك عثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف ونمير بن خرشة

فخرج بهم عبد ياليل وهو ناب القوم وصاحب أمرهم ولم يخرج بهم إلا خشية من مثل ما صنع بعروة بن مسعود لكي يشغل كل رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكانت رعيتها نوبا عليهم فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين وضبر يشتد يبشر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بقدومهم فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره بقدومهم يريدون البيعة والإسلام وان يشترطوا شروطا ويكتتبوا من رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
كتابا
فقال أبو بكررضي الله عنه للمغيرة أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى أكون أنا أحدثه
ففعل المغيرة
فدخل أبو بكر على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره بذلك ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية
ولما قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده كما يزعمون فكان خالد بن سعيد هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى اكتتبوا كتابهم كتبه خالد بيده وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم
وقد كان فيما سألوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يدع لهم الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى ذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام فأبى عليهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها
وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة وان لا يكسروا أوثانهم بأيدهم فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما كسر أوثانكم فنسنعفيكم منه وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه

فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كتابا أمر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سنا فقال أبو بكر لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا رسول الله إني قد رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن
فحدث
عثمان بن أبي العاص قال كان من آخر ما عهد إلي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين بعثني على ثقيف أن قال يا عثمان تجاوز في صلاتك وأقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة
فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا راجعين إلى بلادهم بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال ادخل أنت على قومك
وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم فلما دخل علاها يضربها بالمعول وقام دونه بنو قومه معتب خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن
لتبكين دفاع
أسلمها الرضاع
لم يحسنوا المصاع
الرجز
فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان وحليها مجموع وما لها من الذهب والجزع
وقد كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قبل وفد ثقيف حين قتل عروة يريدان فراق ثقيف وان لا يجامعاهم على شيء أبدا
فأسلما فقال لهما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} توليا من شئتما
فقالا نتولى الله ورسوله فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وخالكما أبا سفيان بن حرب
فقالا وخالنا أبا سفيان
فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية سأل أبو مليح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يقضي عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نعم
فقال له قارب بن الأسود وعن الأسود
يا رسول الله فاقضه
وعروة والأسود أخوان لأب وأم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن الأسود مات مشركا
فقال قارب يا رسول الله لكن تصل مسلما إذا قرابة يعني نفسه إنما الدين علي وإنما أنا الذي أطلب به

فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود من مال الطاغية فلما جمع المغيرة ما لها ذكر أبا سفيان بذلك فقضى منه عنهما
هكذا ذكر ابن إسحاق إسلام أهل الطائف بعقب غزوة تبوك في رمضان من سنة تسع قبل حج أبي بكر بالناس آخر تلك السنة
وجعل ابن عقبة قدوم عروة على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومقتله في قومه واسلام ثقيف كل ذلك بعد صدر أبي بكر عن حجه وبين حديثه وحديث ابن إسحاق بعض اختلاف رأيت ذكر حديث ابن عقبة وان كان أكثره معادا لأجل ذلك الاختلاف ثم اذكر بعده حجة أبي بكر في الموضع الذي ذكرها فيه ابن إسحاق
قال موسى بن عقبة فلماصدر أبو بكر من حجه بالناس قدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاسلم ثم استاذن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الرجوع إلى قومه فقال له أني أخاف أن يقتلوك قال لو وجدوني نائما ما ايقظوني فأذن له فرجع إلى الطائف وقدمها عشاء فجاءته ثقيف يسلمون عليه فدعاهم إلى الإسلام ونصح لهم فاتهموه واعضوه واسمعوه من الأذى ما لم يكن يخشاه منهم فخرجوا من عنده حتى إذا اسحر وسطع الفجر قام على غرفة في داره فأذن بالصلاة وتشهد فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما بلغه قتله مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه
واقبل بعد قتله وفد من ثقيف بضعة عشر رجلا هم أشراف ثقيف فيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رأسهم يومئذ وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو اصغر القوم حتى قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة يريدون الصلح حين رأوا أن قد فتحت مكة واسلم عامة العرب فقال المغيرة بن شعبة يا رسول الله انزل على
قومي اكرمهم بذلك فاني حديث الجرم فيهم
قال لا امنعك أن تكرم قومك ولكن تنزلهم حيث يسمعون القران
فانزلهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في المسجد وبني لهم خياما لكي يسمعوا القران ويروا الناس إذا صلوا

وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا خطب لم يذكر نفسه فلما سمعه وفد ثقيف قالوا يأمرنا أن نشهد انه رسول الله ولا يشهد به في خطبته فلما بلغه قولهم قال فاني أول من يشهد أني رسول الله
وكانوا يغدون على رسول الله كل يوم ويخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم لانه اصغرهم فكان عثمان كلما رجع الوفد إليه وقالوا بالهاجرة عمد إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسأله عن الدين واستقراه القران فاختلف إليه عثمان مرارا حتى فقه في الدين وعلم
وكان إذا وجد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نائما عمد إلى أبي بكر وكان يكتم ذلك من أصحابه فأعجب ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} واحبه
فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يدعوهم إلى الإسلام فقال له كنانة بن عبد ياليل هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا ثم نرجع إليك فقال نعم إن انتم اقررتم بالإسلام قاضيتكم وألا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم
قالوا أرأيت الزنا فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه
قال هو عليكم حرام إن الله يقول ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا الإسراء 32
قالوا فالربا قال والربا
قالوا انه اموالنا كلها
قال فلكم رءوس أموالكم قال الله يا آيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين البقرة 278
قالوا فالخمر فإنها عصير ارضنا ولا بد لنا منها
قال أن الله قد حرمها قال الله يا آيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون المائدة 90
فارتفع القوم فخلا بعضهم إلى بعض وقالوا ويحكم إنا نخاف إن
خالفناه يوما كيوم مكة انطلقوا فاعطوه ما سال واجيبوه
فأتوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالوا لك ما سالت
أرايت الربة ماذا نصنع فيها قال اهدموها قالوا هيهات لو تعلم الربة أنا نريد هدمها لقتلت اهلنا
فقال عمر ويحك يا بن عبد ياليل ما احمقك إنما الربة حجر قال أنا لم ناتك يا بن الخطاب
ثم قال يا رسول الله تول أنت هدمها فأما نحن فلن نهدمها أبدا
قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسابعث إليكم من يكفيكم هدمها

قال كنانه إئذن لنا قبل رسولك ثم ابعث في اثارنا فاني اعلم بقومي
فأذن لهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأكرمهم وحملهم
قالوا يا رسول الله أمر علينا رجل يؤمنا
فأمر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى من حرصه على الإسلام وقد كان علم سورا من القران قبل أن يخرج
وقال كنانة لاصحابه أنا اعلمكم بثقيف فاكتموهم اسلامكم وخوفوهم الحرب والقتال واخبروهم أن محمدا سالنا امورا ابيناها عليه سألنا أن نهدم اللات ونبطل اموالنا في الربا ونحرم الخمر
حتى إذا دنوا من الطائف خرجت إليهم ثقيف يتلقونهم فلما راوهم قد ساروا العنق وقطروا الإبل وتغشوا ثيابهم كهيئة قوم قد حزنوا أو كذبوا قالت ثقيف بعضهم لبعض ما جاءوكم بخير
فلما دخلوا حصنهم عمدوا للات فجلسوا عندها واللات بيت كانوا يعبدونه ويسترونه ويهدون له الهدي يضاهون به بيت الله
ثم رجع كل واحد منهم إلى أهله فجاء كل رجل حامية من ثقيف فسالوه ماذا جئتم به قالوا آتينا رجلا فظا غليظا يأخذ من آمره ما شاء قد ظهر بالسيف واداخ العرب ودان له الناس فعرض علينا امورا شدادا هدم اللات وترك الأموال في الربا إلا رءوس أموالكم وحرم الخمر والزنا
قالت ثقيف والله لا نقبل هذا أبدا
قال الوفد اصلحوا السلاح وتهيئوا للقتال ورموا حصنكم
فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثة تريد القتال ثم ألقى الله الرعب في قلوبهم وقالوا والله ما لنا به طاقة اداخ العرب كلها فارجعوا إليه فأعطوه ما
سأل وصالحوه عليه
فلما رأى الوفد أنهم قد رعبوا واختاروا الأمن على الخوف وعلى الحرب قالوا لهم إنا قد فرغنا من ذلك قد قاضيناه واسلمنا وأعطانا ما أحببنا واشترطنا ما أردنا وجدناه أتقى الناس وأوفادهم وأرحمهم وأصدقهم وقد بورك لنا ولكن في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه
فقالت ثقيف فلم كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا بذلك أشد الغم قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان فأسلموا مكانهم واستسلموا

فمكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد أمر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة فلما قدموا عليهم عمدوا للات ليهدموها وانكفأت ثقيف كلها الرجال والنساء والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال وهم لا يرون أنها تهدم ويظنون أنها ستمتنع
فقام المغيرة بن شعبة وقال لأصحابه لأضحكنكم من ثقيف فأخذ الكرزن فضرب به ثم أخذ يرتكض فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وقالوا أبعد الله المغيرة قد قتلته الربة وفرحوا حين رأوه ساقطا وقالوا من شاء منكم فليقترب ويجهد على هدمها فو الله لا تستطاع أبدا
فوثب المغيرة فقال قبحكم الله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر ثم ضرب الباب فكسره ثم علا على سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض وجعل صاحب المفاتيح يقول ليغضبن الأساس فليخسفن بهم
فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد دعني أحفر أساسها
فحفروها حتى أخرجوا ترابها وأخذوا حليها وثيابها فبهتت ثقيف
وانصرف الوفد إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بحليتها وكسوتها فقسمه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من يومه وحمد الله على نصر نبيه وإعزاز دينه

ذكر حج أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالناس سنة تسع وتوجيه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علي بن أبي طالب بعده بسورة براءة
وبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم ونزلت بعد بعثه إياه براءة في نقض ما بين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم أن لا يصد عن البيت أحد جاءه ولا يخاف على أحد في الشهر الحرام وكان ذلك عهدا عاما بينه وبين أهل الشرك وكان بين ذلك عهود خصائص بينه وبين قبائل العرب إلى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عن تبوك وفي قول من قال منهم فكشف الله سرائر قوم كانوا يستخفون بغير ما يظهرون
فقيل لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي

ثم دعا علي بن أبي طالب فقال أخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى انه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عهد فهو إلى مدته
فخرج علي على ناقة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق بالطريق فلما رآه أبو بكر قال أمير أم مأمور قال بل مأور
ومضيا
فأقام أبو بكر للناس الحج والعرب قي تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في
الناس بالذي أمره به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عهد إلى مدة فهو له إلى مدته
فلم يحجج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان وكانت براءة تسمى في زمان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المبعثرة لما كشفت من سرائر الناس
وكانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وكان جميع ما غزا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بنفسه سبعا وعشرين غزاة غزوة ودان وهي غزوة الابواء ثم غزوة بواط من ناحية رضوي غزوة العشيرة من بطن ينبع ثم غزوة بدر الأولى يطلب كرز بن جابر ثم غزوة بدر التي قتل الله فيها صناديد قريش ثم غزوة بني سليم حين بلغ الكدر ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب ثم غزوة غطفان إلى نجد وهي غزوة ذي أمر ثم غزوة بحران معدن بالحجاز ثم غزوة أحد ثم غزوة حمراء الأسد ثم غزوة بني النضير ثم غزوة ذات الرقاع من نخل ثم غزوة بدر الآخرة ثم غزوة ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة الخندق ثم غزوة بني قريظة ثم غزوة بني لحيان من هذيل ثم غزوة ذي قرد ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون ثم غزوة خيبر ثم عمرة القضاء ثم غزوة الفتح ثم غزوة حنين ثم غزوة الطائف ثم غزوة تبوك

قاتل {صلى الله عليه وسلم} في تسع غزوات منها بدر وأحد والخندق وقريظة وبني المصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف
وهذا الترتيب عن ابن إسحاق وخالفه ابن عقبة في بعضه
السرايا
وكانت بعوث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وسراياه ثمانية وثلاثين من بين بعث وسرية غزوة عبيدة بن الحارث أسفل ثنية المرة وغزوة حمزة بن عبد المطلب ساحل البحر من ناحية العيص وبعض الناس يقدم غزوة حمزة قبل غزوة عبيدة
وغزوة سعد بن أبي وقاص الخرار وغزوة عبد الله بن جحش نخلة وغزوة زيد بن حارثة القردة وغزوة محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف وغزوة مرثد بن أبي مرثد الغنوي الرجيع وغزوة المنذر بن عمرو بئر معونة وغزوة أبي عبيدة بن الجراح ذا القصة من طريق العراق وغزوة عمر بن الخطاب تربة من أرض بني عامر وغزوة علي بن أبي طالب اليمن وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث الكديد
فأصاب بني الملوح
وكان من حديثها أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعثه في سرية وأمره أن يشن الغارة على بني الملوح وهم بالكديد
قال جندب بن مكيث الجهني وكان مع غالب في سريته هذه فخرجنا حتى إذا كان بقديد لقينا الحارث بن مالك وهو ابن البرصاء الليثي فأخذناه فقال إني جئت أريد الإسلام وما خرجت إلا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فقلنا له إن تك مسلما فلن يضرك رباط ليلة وإن تك على غير ذلك كنا قد استوثقنا منك فشددناه رباطا ثم خلفنا عليه رجلا من أصحابنا وقلنا له إن عازك فاحتز رأسه
قال ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس فكمنا في ناحية الوادي وبعثني أصحابي ربيئة لهم فخرجت حتى آتي تلا مشرفا على الحاضر فأسندت فيه فعلوت في رأسه فنظرت إلى الحاضر فو الله إني لمنبطح على التل إذ خرج
رجل منهم من خبائه فقال لامرأته إني لأرى على التل سوادا ما رأيته في أول يومي فانظري إلى أوعيتك هل تفقدين شيئا لا تكون الكلاب جرت بعضها
فنظرت فقالت لا والله ما أفقد شيئا
قال فناوليني قوسي وسهمين
فناولته فأرسل سهما فو الله ما أخطأ جنبي فأنزعه وأضعه وثبت مكاني

ثم أرسل الآخر فوضعه في منكبي فأنزعه وأضعه وثبت مكاني
فقال لامرأته لو كان ربيئة تحرك لقد خالطه سهماي لا ابالك إذا أصبحت فابتغيهما فخذيهما لا يمضغهما الكلاب علي ثم دخل
وامهلناهم حتى إذا اطمأنوا وناموا وكان في وجه السحر شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا النعم وخرج صريخ القوم فجاءنا دهم لا قبل لنا به ومضينا بالنعم ومررنا بابن البرهاء وصاحبه فاحتملناهما معنا
وأدركنا القوم حتى قربوا منا فما بيننا وبينهم إلا وادي قديد فأرسل الله الوادي بالسيل من حيث شاء الله تبارك وتعالى من غير سحابة نراها ولا مطر فجاء بشيء ليس لأحد به قوة ولا يقدر على أن يجاوزه فوقفوا ينظرون إلينا وإنا لنسوق نعمهم وما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا حتى فتناهم
فقدمنا بها على رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وغزوة علي بن أبي طالب بني عبد الله بن سعد من أهل فدك وغزوة أبي العوجاء السلمي أرض بني سليم فأصيب بها هو واصحابه جميعا
وغزوة عكاشة بن محصن الغمرة وغزوة أبي سلمة بن عبد الأسد قطنا ماء من مياه بني أسد من ناحية نجد قتل فيها مسعود بن عروة وغزوة محمد بن مسلمة القرطاء من هوازن وغزوة بشير بن سعد بني مرة بفدك وغزوته أيضا بناحية خيبر وغزوة زيد بن حارثة الجموح من أرض بني سليم وغزوته أيضا جذام من ارض خشين ويقال من ارض حسمى
وكان من حديثها كما حدث رجال من جذام كانوا علماء بها أن رفاعة بن زيد الجذامي لما قدم على قومه من عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بكتابه يدعوهم إلى الإسلام فاستجابوا له لم يلبث أن قدم دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر

صاحب الروم حين بعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومعه تجارة له حتى إذا كان بواد من أوديتهم أغار عليه الهنيد بن عوص الضليعي بطن منهم وابنه عوص فأصابا كل شي ء كان معه فبلغ ذلك قوما من بني الضبيب رهط رفاعة ممن كان أسلم وأجاب فنفروا إلى الهنيد وابنه فاستنقذوا ما كان في أيديهما فردة على دحية فخرج دحية حتى قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره خبره واستسقاه دم الهنيد وابنه فبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} زيد بن حارثة وبعث معه جيشا فأغاروا فجمعوا ما وجدوا من مال أو ناس وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين معهما فلما سمعت بذلك بنو الضبيب ركب نفر منهم فيهم حسان بن ملة فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال حسان إنا قوم مسلمون
فقال له زيد فاقرأ أم الكتاب
فقرأها حسان
فقال زيد بن حارثة نادوا في الجيش إن الله قد حرم علينا ثغرة القوم التي جاءوا منها إلا من ختر
وإذا أخت حسان في الأساري فقال له زيد خذها
فقالت أم الفزر الصلعية أتنطلقون ببناتكم وتذرون أمهاتكم فقال أحد بني الخصيب إنها بنو الضبيب وسحر ألسنتهم سائر اليوم فسمعها بعض الجيش فأخبر بها زيدا فأمر بأخت حسان وقد كانت أخذت بحقوى أخيها ففكت يداها من حقويه وقال لها اجلسي مع بنات عمك حتى يحكم الله فيكن حكمه
فرجعوا ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاءوا منه فأمسوا في أهليهم فلما شربوا عتمتهم ركبوا إلى رفاعة بن زيد فصبحوه فقال له حسان بن ملة إنك لجالس تحلب المعزى ونساء جذام أسارى قد غرها كتابك الذي جئت به فدعا رفاعة بجمل له فشد عليه رحله وهو يقول
هل أنت حي أو تنادي حيا
الرجز
ثم غدا وهم معه مبكرين فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال فلما دخلوا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ورآهم ألاح إليهم بيده أن تعالوا
من وراء الناس فلما
استفتح رفاعة بن زيد المنطق قال رجل من الناس يا رسول الله إن هؤلاء قوم سحرة
فرددها مرتين
فقال رفاعة رحم الله من لم يحذنا في يومنا هذا إلا خيرا

ثم دفع رفاعة إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كتابه الذي كان كتب له فقال دونك يا رسول الله قديما كتابه حديثا غدره
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اقرأه يا غلام واعلن
فلما قرأ كتابه استخبرهم فأخبره فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كيف أصنع بالقتلى ثلاث مرات فقال رفاعة أنت أعلم يا رسول الله لا نحرم عليك حلالا ولا نحل لك حراما
فقال أبو زيد بن عمرو أحد من قدم مع رفاعة أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمي هذه
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} صدق أبو زيد اركب معهم يا علي
فقال له علي يا رسول الله إن ريدا لن يطيعني
قال فخذ سيفي هذا
فأعطاه سيفه
فخرجوا فإذا رسول لزيد بن حارثة على ناقة من إبلهم فأنزلوه عنها فقال يا علي ما شأني فقال ما لهم عرفوه فأخذوه
ثم ساروا فلقوا الجيش فأخذوا ما بأيديهم حتى كانوا ينتزعون لبيد المرأة من تحت الرحل
وغزوة زيد بن حارثة أيضا الطرف من ناحية نخل من طريق العراق وغزوته أيضا وادي القرى لقي فيه بني فزارة فأصيب بها ناس من أصحابه وارتث زيد من بين القتلى فلما قدم زيد إلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة فلما استبل من جراحه بعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى بني فزارة في جيش فقتلهم بوادي القرى وأصاب فيهم
وغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين إحداهما التي أصاب فيها اليسير بن رزام ويقال ابن رازم وكان من حديثه انه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فبعث إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه منهم عبد الله بن أنيس حليف بني سلمة فلما قدموا عليه كلموه وقربوا له وقالوا
له إنك إن قدمت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} استعملك وأكرمك

فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفر من يهود فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر على ستة أميال ندم اليسير على مسيره إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ففطن له عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف فاقتحم به ثم ضربه بالسيف فقطع رجله وضربه اليسير بمخرش في يده من شوحط فأمه ومال كل رجل من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على صاحبه من يهود فقتله إلا رجلا واحدا أفلت على رجليه
فلما قدم عبد الله بن أنيس على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه
وغزوة عبد الله بن عتيك خيبر فأصاب بها أبا رافع بن أبي الحقيق
وغزوة عبد الله بن أنيس خالد بن سفيان بن نبيح بعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إليه وهو بنخلة أو بعرنة يجمع لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليغزوه فقتله
قال عبد الله بن أنيس دعاني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال لي إنه بلغني أن ابن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني وهو بنخلة أو بعرنة فأته فاقتله
فقلت يا رسول الله من القشعريرة فأقبلت نحوه وخشيت أن تكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة فصليت وأنا أمشي نحوه وأومئ برأسي
فلما انتهيت إليه قال من الرجل قلت رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك
قال أجل أنا في ذلك
قال فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف فقتلته ثم خرجت وتركت طعائنه منكبات عليه
فلما قدمت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فرآني قال أفلح الوجه قلت قد قتلته يا رسول الله
قال صدقت
ثم قام بي فأدخلني بيته فأعطاني عصا فقال أمسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس
قال فخرجت بها على الناس فقالوا ما هذه لعصا قلت أعطانيها رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وأمرني أن أمسكها عندي
قالوا أفلا ترجع إليه فتسأله لم ذلك فرجعت فقلت يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا قال آية بيني وبينك يوم القيامة إن أقل الناس المتخصرون يومئذ
فقرنها عبد الله بن أنيس بسيفه فلم تزل معه حتى مات ثم أمر بها فضمت في كفنه ثم دفنا جميعا
وقال عبد الله في ذلك
تركت ابن ثور كالحوار وحوله

نوائح تفرى كل جيب مقدد
تناولته والظعن خلفي وخلفه
بأبيض من ماء الحديد مهند
عجوم لهام الدارعين كأنه
شهاب غضا من ملهب متوقد
أقول له والسيف يعجم رأسه
أنا ابن أنيس فارسا غير قعدد
وقلت له خذها بضربة ماجد
حنيف على دين النبي محمد
وكنت إذا هم النبي بكافر
سبقت إليه باللسان وباليد
الطويل
ومن البعوث أيضا بعث مؤتة حيث أصيب جعفر بن أبي طالب وأصحابه وغزوة كعب بن عمير الغفاري ذات أطلاح من أرض الشام أصيب بها هو واصحابه جميعا وغزوة عيينة بن حصن بني العنبر من تميم
وكان من حديثهم أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعثه إليهم فأغار عليهم واصاب منهم أناسا وسبى منهم أناسا
وقالت عائشة لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا رسول الله إن علي رقبة من ولد إسماعيل
قال هذا سبي بني العنبر يقدم الآن فنعطيك منهم إنسانا فتعتقينه
فلما قدم بسبيهم ركب فيهم وفد من بني تميم منهم ربيعة بن رفيع وسبرة بن عمرو والقعقاع بن معبد ووردان بن محرز وقيس بن عاصم ومالك بن عمرو والأقرع بن حابس وفراس بن حابس فكلموا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيهم فأعتق بعضا وأفدى بعضا وذلك هو الذي عنى الفرزدق بقوله
وعند رسول الله قام ابن حابس
بخطة سوار إلى المجد حازم
له أطلق الأسرى التي في حباله
مغللة أعناقها والشكائم
كفى أمهات الخالفين عليهم
غلاء المفادي أو سهام المقاسم
الطويل
وغزوة غالب بن عبد الله الكليبي أرض بني مرة وفيها قتل أسامة بن زيد حليفا لهم يقال له مرداس بن نهيك بن الحرقة من جهينة
قال أدركته أنا ورجل من الأنصار فلما شهرنا عليه السلاح قال أشهد أن لا اله إلا الله
فلم ننزع عنه حتى قتلناه
هكذا ذكر ابن إسحاق في حديثه
وخرج مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد قال فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ ذلك النبي {صلى الله عليه وسلم} فقال يا أسامة اقتلته بعدما قال لا اله إلا الله قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا

فقال أقتلته بعدما قال لا اله إلا الله فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم وفي بعض طرق مسلم أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لأسامة لم قتلته قال يا رسول الله أوجع في المسلمين وقتل فلانا وفلانا وفلانا وسمى له نفرا وإني حملت عليه فلما رأى السيف قال لا اله إلا الله
قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اقتلته قال نعم
قال فكيف تصنع بلا اله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة قال يا رسول الله استغفر لي قال وكيف تصنع بلا إله إ لا الله إذا جاءت يوم القيامة فجعل لا يزيده على أن يقول كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة
وفي حديث ابن إسحاق أن أسامة قال أنظرني يا رسول الله إني أعاهد الله أن لا اقتل رجلا يقول لا اله إلا الله أبدا
وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بني عذرة وكان من
حديثه أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعثه يستنفر العرب إلى الشام وذلك أن أم أبيه العاص بن وائل كانت امرأة من بلي فبعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إليهم يستالفهم لذلك حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلسل وبذلك سميت تلك الغزوة غزوة ذات السلاسل خاف فبعث إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يستمده فبعث إليه أبا عبيده بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر وقال لأبي عبيده حين وجهه لا تختلفا فخرج أبو عبيده حتى إذا قدم عليه قال له عمرو إنما جئت مددا لي قال أبو عبيده لا ولكني علي ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه
فقال له عمرو بل أنت مدد لي
فقال له أبو عبيده وكان رجلا لينا هينا سهلا عليه أمر الدنيا يا عمرو أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لي لا تختلفا وانك أن عصيتني اطعتك
قال فإني الأمير عليك وأنت مدد لي
قال فدونك
فصلى عمرو بالناس

وحدث رافع بن أبي رافع الطا ئي وهو رافع بن عميرة قال كنت امرءا نصرانيا فلما اسلمت خرجت في تلك الغزاة يعني غزوة ذات السلاسل فقلت والله لاختارن لنفسي صاحبا فصحبت أبا بكر فكنت معه في رحلة فكانت عليه عباءة له فدكية فكان إذا نزلنا بسطها واذا ركبنا لبسها ثم شكها عليه بخلال له وذلك الذي يقول أهل نجد حين ارتدوا كفارا بعد موت النبي {صلى الله عليه وسلم} ومبايعة الناس بعده لأبي بكر انحن نبايع ذا العباءة جهلوا يومئذ أن فضل الكمال ليس في ظاهر البهاء وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء
قال رافع فلما دنونا من المدينة قافلين قلت يا أبا بكر إنما صحبتك لينفعني الله بك فانصحني وعلمني
قال لو لم تسلني ذلك لفعلت امرك أن توحد الله لا تشرك به شيئا وان تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج هذا البيت وتغتسل من الجنابة ولا تتأمرن على رجلين من المسلمين أبدا
قال قلت يا أبا بكر أما أنا والله فاني أرجو أن لا اشرك بالله أبدا واما الصلاه فلن اتركها أبدا أن شاء الله واما الزكاة فإن يكن لي مال اؤديها أن شاء الله واما الحج فان استطع احج إن شاء الله واما الجنابه فساغتسل منها أن شاء الله

واما الاماره فاني رأيت الناس يا أبا بكر لا يشرفون عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعند الناس إلا بها فلم تنهى عنها قال إنما استجهدتني لأجهد ذلك وساخبرك عن ذلك أن الله تبارك وتعالى بعث محمدا {صلى الله عليه وسلم} بهذا الدين فجاهد فيه حتى دخل الناس فيه طوعا وكرها فلما دخلوا فيه كانوا عواذ الله وجيرانه وفي ذمته فإياك أن تخفر الله في جيرانه فيتبعك الله في خفرته فإن أحدكم يخفر في جاره فيظل ناتئا عضله غضبا لجاره إن اصيب له شاة أو بعير فالله اشد غضبا لجاره قال ففارقته على ذلك فلما قبض رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأمر أبو بكر على الناس قدمت عليه فقلت يا أبا بكر آلم تكن نهيتني عن أن اتامر على رجلين من المسلمين قال بلى وأنا الآن انهاك عن ذلك فقلت له فما حملك على أن تلي أمر الناس قال لا أجد من ذلك بدا خشيت على أمة محمد الفرقة
وفي هذه الغزاة أيضا صحب عوف بن مالك الاشجعي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قال فمررت بقوم على جزور لهم قد نحروها وهم لا يقدرون على أن يعضوها فقلت اتعطونني منها عشيرا على أن اقسمها بينكم قالوا نعم
فاخذت الشفرتين فجزاتها وأخذت منها جزء فحملته إلى اصحابي فاطبخناه فاكلناه فقال أبو بكر وعمر أنى لك هذا اللحم ياعوف فاخبرتهما خبره فقالا والله ما أحسنت حين اطعمتنا هذا ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما من ذلك
فلما قفل الناس كنت أول قادم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فجئته وهو يصلي في بيته فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته
قال اعوف بن مالك قلت نعم بابي أنت وامي يا رسول الله
قال اصاحب الجزور ولم يزدني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على ذلك
وغزوة ابن أبي حدرد واصحابه بطن إضم وكانت قبل الفتح قال عبد الله بن أبي حدرد بعثنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى اضم في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة فخرجنا حتى إذا كنا ببطن اضم مر بنا عامر بن

الاضبط الاشجعي على قعود له معه متيع له ووطب من لبن فسلم علينا بتحية الإسلام فامسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينهما واخذ بعيره ومتيعه
فلما قدمنا على رسول الله واخبرناه الخبر نزل فينا يا آيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا ( 94 النساء إلى آخر الآية
وعن ضميرة بن سعد السلمي عن أبيه وكان شهد حنينا قال صلى بنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الظهر ثم عمد إلى ظل شجرة فجلس تحتها وهو بحنين فقام إليه الاقرع بن حابس وعيينة بن حصن يختصمان في عامر بن الاضبط عيينة يطلب بدمه
وهو يومئذ رئيس غطفان والاقرع يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف فتداولا الخصومة عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ونحن نسمع فسمعنا عيينة يقول والله يا رسول الله لا ادعه حتى اذيق نساءه من الحر مثل ما اذاق نسائي ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول بل تاخذون الدية خمسين في سفرنا هذا وخمسين إذا رجعنا
وهو يابى عليه ثم ذكر تكرار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قوله هذا فقبلوا الديه ثم قالوا أين صاحبكم هذا يستغفر له رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فقام رجل آدم ضرب طويل عليه حلة له قد كان تهيأ فيها للقتل حتى جلس بين يدي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال له ما اسمك فقال أنا محلم بن جثامة فرفع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يديه ثم قال الله اللهم لا تغفرلمحلم بن جثامة ثلاثا فقام يتلقى دمعه بفضل ردائه قال فأما نحن فنقول فيما بيننا أنا لنرجو أن يكون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد استغفر له واما ما ظهر من رسول الله فهذا

وذكر سالم أبو النصر انه حدث أن عيينة بن حصن وقيسا لم يقبلوا الديه حتى خلا بهم الاقرع بن حابس وقال يا معشر قيس منعتم رسول الله قتيلا يستصلح به الناس افامنتم أن يلعنكم رسول الله فيلعنكم الله بلعنته أو أن يغضب عليكم فيغضب الله عليكم بغضبه والله الذي نفس الاقرع بيده لتسلمنه إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فليصنعن فيه ما أراد أو لآتين بخمسين رجلا من بني تميم يشهدون بالله لقتل صاحبكم كافرا ما صلى قط فلاطلن دمه
فقبلوا الديه
وفي حديث عن الحسن البصري قال والله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعا حتى مات فلفظته الأرض والذي نفس الحسن بيده ثم عادوا له فلفظته ثم عادوا له فلفظنته
فلما غلب قومه عمدوا إلى صدين فسطحوه بينهما ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه فبلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} شأنه فقال والله أن الأرض لتطابق على من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم بما اراكم منه
وغزوة ابن أبي حدرد الاسلمي أيضا الغابة قال تزوجت امرأة من قومي فجئت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} استعينه على نكاحي فقال وكم اصدقت قلت مائتي درهم قال سبحان الله لو كنتم تاخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم والله ما عندي ما اعينك به
قال فلبثت أياما واقبل رجل من بني جشم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة في بطن عظيم من بني جشم حتى ينزل بقومه ومن معه بالغابه يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكان ذا اسم في جشم وشرف فدعاني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ورجلين معي من المسلمين فقال اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تاتوا منه بخبر وعلم قال وقدم لنا شارفا عجفاء فحمل عليها أحدنا فوالله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت ثم قال تبلغوا عليها واعتقبوها
قال فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر عشيشية مع غروب الشمس كمنت في ناحية

وامرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم وقلت لهما إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في ناحية العسكر فكبرا وشدا معي فوالله إنا لكذلك ننتظر غرة القوم أو أن نصيب منهم شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء وكان لهم راع سرح في ذلك البلد فابطا عليهم حتى تخوفوا عليه فقام صاحبهم ذلك فاخذ سيفه فجعله في عنقه ثم قال والله لاتبعن اثر راعينا هذا ولقد أصابه شر فقال نفر
ممن معه والله لا تذهب أنت نحن نكفيك
قال والله لا يذهب إلا أنا
قالوا فنحن معك قال والله لا يتبعني أحد منكم وخرج حتى مر بي فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده فوالله ما تكلم
ووثبت إليه فاحتززت رأسه وشددت في ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباي وكبرا فوالله ما كان إلا النجاء ممن فيه عندك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وجئت برأسه احمله معي فأعانني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرا في صداقي فجمعت إلي أهلي
وغزوة توجه فيها غبد الرحمن بن عوف
قال عطاء بن أبي رباح سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم فقال عبد الله سأخبرك إن شاء الله عن ذلك بعلم
ثم ذكر مجلسا شاهده من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمر فيه عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها
قال فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فأدناه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منه ثم نقضها ثم عمه بها وأرسل من خلفه أربع اصابع أو نحوا من ذلك
ثم قال هكذا يا بن عوف فاعتم فإنه أحسن وأعرف
ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء فدفعه إليه فحمد الله واثنى عليه وصلى على نفسه ثم قال خذه يا بن عوف اغزوا جميعا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا فهذا عهد الله وسيرة نبية فيكم فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء
قال ابن هشام فخرج إلى دومة الجندل

وبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سرية إلى سيف البحر عليهم أبو عبيدة بن الجراح وزودهم جرابا من تمر فجعل يقوتهم إياه حتى صار إلى أن يعده لهم عددا حتى كان يعطي كل رجل منهم كل يوم تمرة فقسمها يوما فنقصت تمرة عن رجل فوجد فقدها ذلك اليوم
قال بعضهم فلما جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابة من البحر فأصبنا من لحمها وودكها وأقمنا عليها عشرين ليلة حتى سمنا وأخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها فوضعها على طريقة ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا فجلس عليه فخرج من تحتها وما مست رأسه فلما قدمنا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أخبرناه خبرها وسألناه عن أكلنا إياها فقال رزق رزقكموه الله
وبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عمرو بن أمية الضمري بعد مقتل خبيب وأصحابه إلى مكة وأمره أن يقتل أبا سفيان بن حرب وبعث معه جبار بن صخر الأنصاري فخرجا حتى قدما مكة وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج ثم دخلا مكة ليلا فقال جبار لعمرو لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين فقال عمرو إن القوم إذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم فقال كلا إن شاء الله
قال عمرو فطفنا بالبيت وصلينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان فو الله إنا لنمشي بمكة إذ نظر الي رجل من أهل مكة فعرفني فقال عمرو بن أمية والله إن قدمها إلا لشر
فقلت لصاحبي النجاء
فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في جبل وخرجوا في طلبنا حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا فرجعنا فدخلنا كهفا في الجبل فبتنا وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا
فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له ويختلي عليها فغشينا ونحن في الغار فقلت إن رآنا صاح بنا فأخذنا فقتلنا
قال ومعي خنجر قد أعددته لأبي سفيان فأخرج إليه فأضربه على ثديه وصاح صيحة أسمع أهل مكة وأرجع فأدخل مكاني
وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق فقالوا من ضربك فقال عمرو بن أمية
وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا فاحتملوه فقلت لصاحبي لما أمسينا النجاء

فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب ابن عدي فقال أحدهم والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية لولا انه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أمية
فلما حاذى عمرو الخشبة شد عليها فاحتملها
وخرج هو وصاحبه شدا وخرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمبسط يأجج فرمى بالخشبة في الجرف فغيبه الله عنهم فلم يقدروا عليه
قال عمرو بن أمية وقلت لصاحبي النجاء حتى تأتي بعيرك فتقعد عليه فإني شاغل عنك القوم وكان الأنصاري لا رجلة له
قال ومضيت حتى اخرج على ضجنان ثم آويت إلى جبل فأدخل كهفا فبينا أنا فيه دخل علي شيخ من بني الديل أعور في غنيمة فقال من الرجل فقلت من بني بكر فمن أنت قال من بني بكر
قلت مرحبا فاضطجع
ثم رفع عقيرته فقال
ولست بمسلم ما دمت حيا
ولا دان لدين المسلمينا
فقلت في نفسي ستعلم
فأمهلته حتى إذا نام أخذت قوسي فجعلت سيتها في عينه الصحيحة ثم تحاملت عليه حتى بلغت العظم
ثم خرجت النجاء حتى جئت العرج ثم سلكت ركوبه حتى إذا هبطت النقيع إذا رجلان من قريش من المشركين كانت قريش بعثتهما عينا إلى المدينة ينظران ويتحسسان فقلت استأسرا
فأبيا فأرمي أحدهما في بسهم فأقتله واستأسر الآخر فأوثقته رباطا وقدمت به المدينة
وسرية زيد بن حارثة إلى مدين فأصاب سبيا من أهل ميناء وهي السواحل وفيها جماع من الناس فبيعوا ففرق بينهم يعني بين الأمهات والأولاد فخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهم يبكون فقال ما لهم فقيل يا رسول الله فرق بينهم فقال لا تبيعوهم إلا جميعا
وغزوة سالم بن عمير أبا عفك أحد بني عمرو بن عوف وكان نجم نفاقه حين قتل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الحارث بن سويد بن صامت فقال
لقد عشت دهرا وما إن أرى
من الناس دارا ولا مجمعا
أبر عهودا وأوفى لمن
يعاقد فيهم إذا ما دعا
من أولاد قيلة في جمعهم
تهد الجبال ولم تخضعا
فصدعهم راكب جاءهم
حلال حرام لشتى معا
فلو أن بالعز صدقتم
أو الملك تابعتم تبعا
الطويل

فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من لي بهذا الخبيث فخرج سالم بن عمير أخو بني عمرو بن عوف وهو أحد البكائين فقتله فقالت أمامة المريدية في ذلك
تكذب دين الله والمرء أحمدا
لعمري الذي أمناك بئس الذي يمني
حباك حنيف آخر الليل طعنة
أبا عفك خذها على كبر السن
الطويل
وغزوة عمبر بن عدي الخطمي وهو الذي يدعي القارئ عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد وكانت تحت رجل من بني خطمة يقال له يزيد بن زيد فلما قتل أبو عفك نافقت فقالت تعيب الإسلام وأهله وتؤنب الأنصار في اتباعهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
أطعتم أتاوي من غيركم
فلا من مراد ولا مذحج
ترجونه بعد قتل الرءوس
كما يرتجي مرق المنضج
إلا آنف يبتغي غرة
فيقطع من أمل المرتجي
المتقارب
فلما بلغ ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إلا أحد لي من ابنة مروان فسمع ذلك من قوله عمير بن عدي فلما أمسي من تلك الليلة سما عليها في بيتها فقتلها ثم أصبح مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله إني قد قتلتها فقال نصرت الله ورسوله يا عمير فقال هل علي شيء من شأنها يا رسول الله فقال لا ينتطح فيها عنزان
فرجع عمير إلى قومه وبنو خطمة يومئذ كثير فوجههم في شأن بنت مروان
ولها بنون خمسة رجال
فقال يا بني خطمة أنا قتلت بنت مروان فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون
فذلك اليوم أول ما عز الإسلام في دار بني خطمة وكان يستخفي بإسلامه فيهم من أسلم
ويومئذ أسلم رجال منهم لما رأوا من عز الإسلام
والسرية التي أسرت ثمامة بن أثال الحنفي سيد أهل اليمامة وذلك أن خيلا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} خرجت فأخذت رجلا من بني حنيفة لا يشعرون من هو حتى أتوا به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال أتدرون من أخذتم هذا ثمامة بن أثال الحنفي أحسنوا إساره
ورجع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى أهله
فقال اجمعوا ما كان عندكم من طعام فابعثوا به إليه وأمر بلقحته أن يغدي عليه بها ويراح

فجعل لا يقع من ثمامة موقعا ويأتيه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيقول أسلم يا ثمامة وفي رواية ما تقول يا ثمامة فيقول يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن ترد الفداء فسل تعط منه ما شئت فمكث ما شاء الله أن يمكث ثم قال النبي {صلى الله عليه وسلم} يوما أطلقوا ثمامة
فلما أطلقوه خرج حتى أتى البقيع فتطهر فأحسن طهوره ثم أقبل فبايع النبي {صلى الله عليه وسلم} على الإسلام
فلما أمسي جاءوه بما كانوا يأتونه به من الطعام فلم ينل منه إلا قليلا وباللقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا فعجب المسلمون من ذلك فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مم تعجبون من رجل أكل في أول النهار في معي كافر وأكل آخر النهار في معي مسلم إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء وإن المسلم يأكل في معي واحد
وقال ثمامة حين أسلم لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} لقد كان وجهك أبغض الوجوه إلي فأصبح وهو أحب الوجوه إلي ولقد كان دينك أبغض الدين إلي فأصبح وهو أحب الاديان إلي ولقد كان بلدك أبغض البلاد إلي فأصبح وهو أحب البلاد إلي
ثم قال يا رسول الله إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فأذن لي يا رسول
الله
فأذن له فخرج معتمرا فلما قدم مكة قالوا صبأت يا ثمامة
قال لا ولكني اتبعت خير الدين دين محمد ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا فكتبوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قد قطعت أرحامنا
فكتب إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن خل بين قومي وبين ميرتهم
ففعل
ويقال إنه لما كان ببطن مكة في عمرته لبى فكان أول من دخل مكة يلبي فأخذته قريش فقالوا لقد اجترأت علينا
وهموا بقتله ثم خلوه لمكان حاجتهم إليه والى بلده فقال بعض بني حنيفة
ومنا الذي لبى بمكة معلنا
برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم
الطويل
وبعث علقمة بن مجزز المدلجي لما قتل وقاص بن مجزر أخوه يوم ذي قرد وسأل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يبعثه في آثار القوم ليدرك ثأره فيهم فبعثه في نفر من المسلمين

قال أبو سعيد الخدري وأنا فيهم حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا أو كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهمي وكانت فيه دعابة فلما كان ببعض الطريق أوقد نارا ثم قال للقوم أليس لي عليكم السمع والطاعة قالوا بلى
قال فما آمركم بشيء إلا فعلتموه قالوا نعم
قال فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار
فقام بعض القوم يحتجز حتى ظن أنهم واثبون فيها
فقال لهم اجلسوا فإنما كنت أضحك معكم
فذكر ذلك لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه
ويقال إن علقمة بن مجزر رجع هو وأصحابه ولم يلق كيدا
وبعث كرز بن جابر
وذلك أن نفرا من قيس كبة من بجيلة قدموا على
رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاستوبأوا المدينة وطلحوا وكانت لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} لقاح ترعى ناحية الجماء يرعاها عبد له يقال له يسار كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أصابه في غزوة بني محارب وبني ثعلبة فقال لهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لو خرجتم إلى اللقاح فشربتم من ألبانها وأبوالها فخرجوا إليها فلما صحوا وانطوت بطونهم عكنا عدوا على راعي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه واستاقوا اللقاح فبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في آثارهم كرزا فلحقهم فأتي بهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مرجعه من غزوة ذي قرد فقطع أيديهم وسمل أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا
وغزوة علي بن أبي طالب اليمن غزاها مرتين
وقال أبو عمر المديني بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علي بن أبي طالب إلى اليمن وبعث خالد بن الوليد في جند آخر وقال إن التقيتما فالأمير علي بن أبي طالب
ثم بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمره أن يوطيء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين وهو آخر بعث أمر به رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فتجهز الناس وأوعب مع اسامة المهاجرون الأولون فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بشكوه الذي قبضه الله فيه إلى ما أراد من رحمته وكرامته فلم ينفذ بعث أسامة إلا بعد وفاته صلوات الله عليه ورحمته وبركاته

وسيأتي ذكر ذلك مستوفي إن شاء الله
فهذه مغازي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبعوثه وسراياه التي أعز الله بها الدين ودوخ بها الكافرين وشد أزره فيها بمن اختاره لصحبته ونصرته من الأنصار والمهاجرين رضي الله عنهم أجمعين وتلك أيام الله التي يجب بها التذكر والتذكير ويتأكد شكر الله سبحانه على ما يسرته منها المقادير
وقال حسان بن ثابت يعدد أيام الأنصار مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه وتروي لابنه عبد الرحمن
ألستم خير معد كلها نفرا
ومعشرا إن هم عموا وإن حصلوا
قوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم
مع الرسول فما آلوا وما خذلوا
وبايعوه فلم ينكث به أحد
منهم ولم يك في إيمانهم دخل )
ويوم صبحهم في الشعب من أحد ضرب رصين كحر النار مشتعل
ويوم ذي قرد يوم استثار بهم على الجياد فما خاموا وما نكلوا
وذا العشيرة جاسوها بخيلهم مع الرسول عليها البيض والأسل
ويوم ودان أجلوا أهله رقصا بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل
وليلة طلبوا فيها عدوهم لله والله يجزيهم بما عملوا
وغزوة يوم نجد ثم كان لهم مع الرسول بها الأسلاب والنفل
وليلة بحنين جالدوا معه فيها يعلهم بالحرب إذا نهلوا
وغزوة القاع فرقنا العدو به كما تفرق دون المشرب الرسل
ويوم بويع كانوا أهل بيعته على الجلاد فآسوه وما عدلوا
وغزوة الفتح كانوا في سريته مرابطين فما طاشوا وما عجلوا
ويوم خيبر كانوا في كتيبته يمشون كلهم مستبسل بطل
بالبيض ترعش في الأيمان عارية تعوج في الضرب أحيانا وتعتدل
ويوم سار رسول الله محتسبا إلى تبوك وهم راياته الأول
وساسة الحرب إن حرب بدت لهم حتى بدا لهم الإقبال فالقفل
أولئك القوم أنصار النبي وهم قومي أصير إليهم حين أتصل
ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا
البسيط
وقال حسان أيضا
وكنا ملوك الناس قبل محمد
فلما أتى الإسلام كان لنا الفضل
وأكرمنا الله الذي ليس غيره
إله بأيام مضت مالها شكل
بنصر الإله والرسول ودينه
وألبسناه اسما مضى ماله مثل

أولئك قومي خير قوم بأسرهم
فما كان من خير فقومي له أهل
يربون بالمعروف معروف من مضى
وليس عليهم دون معروفهم قفل
إذا اختبطوا لم يفحشوا في نديهم
وليس على سؤالهم عندهم بخل
وإن حاربوا أو سالموا لم يشبهوا
فحربهم حتف وسلمهم سهل
وجارهم موف بعلياء بيته
له ما ثوى فينا الكرامة والبذل
وحاملهم موف بكل حمالة
تحمل لا غرم عليه ولا خذل
وقائلهم بالحق إن قال قائل
وحلمهم عود وحكمهم عدل
ومنا أمير المسلمين حياته
ومن غسلته من جنابته الرسل
الطويل
وقال حسان أيضا من قصيدة له أولها
و قومي أولئك إن تسألي
كرام إذا الضيف يوما ألم
عظام القدور لأيسارهم
يكبون فيها المسن السنم
يواسون جارهم في الغنى
ويحمون مولاهم إن ظلم
فكانوا ملوكا بأرضيهم
يبادون غضبا بأمر غشم
ملوكا على الناس لم يملكوا
من الدهر يوما كحل القسم
ملوكا إذا غشموا في البلاد
لا ينكلون ولكن قدم
فأبنا بساداتهم والنساء
وأولادهم فيهم تقتسم
ورثنا مساكنهم بعدهم
وكنا ملوكا بها لم نرم
فلما أتانا الرسول الرشيد
بالحق والنور بعد الظلم
فقلنا صدقت رسول المليك
هلم إلينا وفينا أقم
فنشهد أنك عبد
الإله أرسلت نورا بدين قيم
فإنا وأولادنا جنة
نقيك وفي مالنا فاحتكم
فنحن أولئك إن كذبوك
فناد نداء ولا تحتشم
وناد بما كنت أخفيته
نداء جهارا ولا تكتتم
فسار الغواة بأسيافهم
إليه يظنون أن يخترم
فقمنا إليهم بأسيافنا
نجالد عنه بغاة الأمم
بكل صقيل له ميعة
رقيق الذباب عضوض خذم
إذا ما يصادف صم العظام
لم ينب عنها ولم ينثلم
فذلك ما ورثتنا القروم
مجدا تليدا وعزا أشم
إذا مر نسل كفى نسله
وغادر نسلا إذا ما انقصم
فما إن من الناس إلا لنا
عليه وإن خاس فضل النعم
المتقارب

ذكر الوفود على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ملخصا من كتاب ابن إسحاق والواقدي وغيرهما
وما زال آحاد الوافدين وأفذاذ الوفود من العرب يغدون على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منذ أظهر الله دينه وقهر أعداءه

ولكن انبعاث جماهيرهم إلى ذلك إنما كان بعد فتح مكة ومعظمه في سنة تسع ولذلك كانت تسمى سنة الوفود
وذلك أن العرب كانت تربص بالإسلام ما يكون من قريش فيه إذ هم الذين كانوا نصبوا الحرب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وخلافه وكانوا إمام الناس وهاديهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل وقادة العرب لا ينكر لهم ذلك ولا ينازعون فيه
فلما افتتح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة ودانت له قريش ودوخها الإسلام عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحربه ولا عداوته فدخلوا في دين الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه يقول الله عز وجل لنبيه {صلى الله عليه وسلم} إذا جاء نصر الله والفتح سورة النصر أي فتح مكة ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا جماعات جماعات فسبح بحمد ربك أي فاحمد الله على ما ظهر من دينك واستغفره إنه كان توابا إشارة إلى انقضاء أجله واقتراب لحاقه برحمة ربه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا النساء 69
كذلك يقول عبد الله بن عباس وقد سأله عمر بن الخطاب عن هذه
السورة فلما أجابه بنحو هذا المعنى قال له عمر رضي الله عنه ما أعلم منها إلا ما تعلم
فقدمت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفود العرب فمن ذلك
وفد بني تميم
قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف من قومه منهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم والحتات بن يزيد ونعيم بن يزيد وقيس بن الحارث وقيس بن عاصم في وفد عظيم من بني تميم
فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من وراء حجراته أن أخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من صياحهم وإياهم عنى الله سبحانه بقوله إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون الحجرات 4 فخرج إليهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالوا يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا قال قد أذنت لخطيبكم فليقل فقام عطارد بن حاجب فقال

الحمد لله الذي له علينا الفضل وهو أهله الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف وجعلنا أعزة أهل المشرق واكثره عددا وأيسره عدة فمن مثلنا في الناس ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددناه وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا وإنا نعرف بذلك
أقول هذا لأن تأتونا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا
ثم جلس
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج قم فأجب الرجل في خطبته فقام ثابت فقال
الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه ولم يك شيء قط إلا من فضله ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمه نسبا واصدقه حديثا وأفضله حسبا فأنزل عليه كتابه وأتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين ثم دعا الناس إلى الإيمان به فآمن برسول الله {صلى الله عليه وسلم} المهاجرون من قومه وذوي رحمه أكرم الناس أحسابا وأحسن الناس وجوها وخير الناس فعالا ثم كان أول الخلق إجابة واستجابة لله حين دعاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نحن فنحن أنصار الله ووزراء رسول الله نقاتل الناس حتى يؤمنوا فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا
أقول قولي هذا واستغفر اللهلي وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم
فقام الزبرقان بن بدر فقال
نحن الكرام فلا حي يعادلنا
منا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم
عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا
من الشواء إذا لم يؤنس القزع
بما ترى الناس تأتينا سراتهم
من كل أرض هوانا ثم متبع
فننحر الكوم عبطا في أرومتنا
للنازلين إذا ما أنزلوا شيع
فلا ترانا إلى حي نفاخرهم
إلا استفادوا وكانوا الرأس يقتطع
فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه
فيرجع القوم والأخبار تستمع
إنا أبينا وما يأبى لنا أحد
إنا كذلك عند الفخر نرتفع
البسيط

وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد استدعى حسان بن ثابت ليجيب شاعر بني تميم قال حسان فخرجت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنا أقول
منعنا رسول الله حل وسطنا
على أنف راض من معد وراغم
منعناه لما حل بين بيوتنا
بأسيافنا من كل باغ وظالم
ببيت حريد عزة وثراؤه
بجابية الجولان وسط الأعاجم
هل المجد إلا السؤدد العود والندى
وجاه الملوك واحتمال العظائم
الطويل
فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قم يا حسان فأجب الرجل
فقال حسان
إن الذوائب من فهر وإخوتهم
قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بهم كل من كانت سريرته
تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم
أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة
إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم
فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم
عند الدفاع ولا يوهون ما - رقعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقتهم
أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم
لا يطمعون ولا يرديهم طمع
لا يبخلون على جار بفضلهم
ولا يمسهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحي لم ندب لهم
كما يدب إلى الوحشية الذرع
نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها
إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم
وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع
أسد بحلبة في أرساغها فدع
خذ منهم ما أتي عفوا إذا غضبوا
ولا يكن همك الأمر الذي منعوا
فإن في حربهم فاترك عداوتهم
شرا يخاض عليه السم والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم
إذا تفاوتت الاهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب يوازره
في ما أحب لسان حائك صنع
فإنهم أفضل الأحياء كلهم
إن جد بالناس جد القول أو شمع
البسيط
وذكر ابن هشام عن بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم أن الزبرقان بن بدر لما قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في وفد بني تميم قام فقال
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا
إذا اختلفوا عند اختضار المواسم
بأنا فروع الناس في كل موطن
وأن ليس في أرض الحجاز كدارم

وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا
ونضرب رأس الأصيد المتفاقم
وأن لنا المرباع في كل غارة
نغير بنجد أو بأرض الأعاجم
الطويل
فقام حسان بن ثابت فأجابه فقال
هل المجد إلا السؤدد العود والندى
وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النبي محمدا
على أنف راض من معد وراغم
بحي حريد أصله وثراؤه
بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لما حل وسط ديارنا
بأسيافنا من كل باغ وظالم
جعلنا بنينا دونه وبناتنا
وطبنا له نفسا بفيء المغانم
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا
على دينه بالمرهفات الصوارم
ونحن ولدنا من قريش عظيمها
ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بني دارم لا تفخروا إن فخركم
يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم
لنا خول ما بين ظئر وخادم
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم
وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا
ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم
الطويل
قال ابن إسحاق فلما فرغ حسان من قوله قال الأقرع بن حابس وأبى إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولأصواتهم أعلى من أصواتنا
فلما فرع القوم اسلموا وجوزهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأحسن جوائزهم
وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في ظهرهم وكان أصغرهم سنا فأعطاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مثل ما أعطى القوم
وقيس بن عاصم هو الذي ذكره له ذكرا أزرى به فيه فكان بينهما ما هو معلوم
وفد بني عامر
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وجبار بن سلمي وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم
فقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يريد الغدر به وقد قال له قومه يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم
قال والله لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ثم قال لأربد إذا قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف

فلما قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال له عامر بن الطفيل يا محمد خالني قال لا والله حتى تؤمن بالله وحده
قال يا محمد خالني وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان آمره به فجعل أربد لا يحير شيئا فلما أبى عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا فلما ولى قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اللهم اكفني عامر بن الطفيل
فلما خرجوا قال عامر لأربد ويلك يا أربد أين ما كنت أمرتك به والله ما كان على وجه الأرض رجل أخوف عندي على نفسي منك وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا
قال لا أبا لك لا تعجل علي والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك أفاضربك بالسيف
وخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول فجعل
يقول يا بني عامر أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول ويقال إنه قال أغدة كغدة الإبل وموتا في بيت سلولية
ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بني عامر فأتاهم قومهم فقالوا ما وراءك يا اربد قال لا شيء والله لقد دعاني الي عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله
فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما
وأنزل الله جل قوله في وقاية الله تعالى لنبيه عليه السلام مما أراده به عامر وفيما قتل به أربد سواء منكم من اسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله أي أن المعقبات التي يحفظ الله بها نبيه هي من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال الرعد 10 13

وفد تجيب
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقد تجيب وهم من السكون ثلاثة عشر رجلا قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم فسر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بهم وأكرم منزلهم وقالوا يا رسول الله سقنا إليك حق الله تعالى في أموالنا
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ردوها فاقسموها على فقرائكم
فقالوا يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا
فقال أبو بكر يا رسول الله ما وفد علينا وفد من العرب بمثل ما وفد به هؤلاء الحي من تجيب
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن الهدى بيد الله عز وجل فمن أراد به خيرا شرح صدره للإيمان
وسألوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أشياء فكتب لهم بها وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن فازداد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رغبة فيهم و أمر بلالا أن يحسن ضيافتهم
فأقاموا أياما ولم يطيلوا اللبث فقيل لهم ما يعجلكم فقالوا نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكلامنا إياه وما رد علينا
ثم جاءوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يودعونه فأرسل إليهم بلالا فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود
قال هل بقي منكم أحد قالوا غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثنا سنا
قال أرسلوه إلينا
فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام انطلق إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاقض حاجتك منه فإنا قد قضينا حوائجنا منه
وودعناه
فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله إني امرؤ من بني أبذي قال الواقدي هو أبذي بن عدي وأم عدي تجيب بنت ثوبان بن سليم من مذحج واليها ينسبون يقول الغلام من الرهط الذين أتوك آنفا فقضيت حوائجهم فاقض حاجتي يا رسول الله
قال وما حاجتك
قال إن حاجتي ليست بحاجة أصحابي وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم وإني والله ما أعملني من بلادي إلا أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لي وأن يرحمني وأن يجعل غناي في قلبي فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} واقبل إلى الغلام اللهم أغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه

فانطلقوا راجعين إلى أهاليهم ثم وافوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الموسم بمنى سنة عشر فقالوا نحن بنو أبذي
قال رسول الله ما فعل الغلام الذي أتاني معكم قالوا يا رسول الله والله ما رأينا مثله قط ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله عز وجل لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الحمد لله إني لأرجو أن يموت جميعا
فقال رجل منهم أو ليس يموت الرجل جميعا يا رسول الله قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية فلا يبالي الله عز وجل في أيها هلك
قالوا فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال وأزهده في الدنيا وأقنعه بما رزق فلما توفي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام قام في قومه يذكرهم الله والإسلام فلم يرجع منهم أحد
وجعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه يذكره ويسأل عنه حتى بلغه حاله وما قام به فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرا
فروة بن مسيك المرادي
وقدم فروة بن مسيك المرادي على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مفارقا لملوك كندة متابعا للنبي {صلى الله عليه وسلم} وقال في ذلك
لما رأيت ملوك كندة أعرضت
كالرجل خان الرجل عرق نسائها
قربت راحلتي أؤم محمدا
أرجو فواضلها وحسن ثرائها
الكامل
ثم خرج حتى أتى المدينة وكان رجلا له شرف فأنزله سعد بن عبادة عليه ثم غدا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو جالس في المسجد فسلم عليه ثم قال يا رسول الله أنا لمن ورائي من قومي قال أين نزلت يا فروة قال على سعد بن عبادة قال بارك الله على سعد بن عبادة
وكان يحضر مجلس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كلما جلس ويتعلم القرآن وفرائض الإسلام وشرائعه
أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9