كتاب:السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون
المؤلف:علي بن برهان الدين الحلبي

في بيتي ليتعشى وفي يده عرق فدخلت فقالت يا رسول الله اني خرجت فقال لي عمر كذا وكذا قالت فأوحى الله تعالى اليه ثم رفع عنه ان العرق في يده ما وضعه فقال انه قد أذن لكن ان تخرجن لحاجتكن وكان قول عمر لسودة ما ذكر حرصا على أن ينزل الحجاب قالت عائشة رضي الله تعالى عنها فأنزل الله الحجاب وفيه أنه تقدم عنها ان قول عمر لسودة كان بعد أن ضرب
وقد يقال المراد بالحجاب هنا عدم خروجهن للبراز فلا ترى أشخاصهن والحجاب المتقدم عدم رؤية شئ من أبدانهن فلا مخالفة فليتأمل
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخلت على زينب بنت جحش وعندى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلت عليه فقالت له ما كل واحد منا عندك إلا على خلاء أي على ما أردت ثم أقبلت علي تسبني فردعها النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنته فقال لي سبيها فسببتها وكنت أطول لسانا منها حتى جف ريقها في فمها ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل سرورا أي وفي يوم غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على زينب لقولها في صفية بنت حيي تلك اليهودية فهجرها لذلك ذا الحجة والمحرم وبعض صفر ثم أتاها بعد وعاد الى ما كان عليه معها
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم تستأذن والنبي صلى الله عليه وسلم معي فأذن لها فدخلت عليه فقالت يا رسول الله ان أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة أي أن تعدل بينهن وبينها فقال النبي صلى الله عليه وسلم أي بنية ألست تحبين ما أحب فقالت بلى قال فأحبي هذه يعنيني فقامت فاطمة فخرجت فجآءت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فحدثتهن بما قالت وبما قال لها فقلن لها ما أغنيت عنا من شئ فارجعي الى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت والله لا أكلمه فيها أبدا فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش فاستأذنت عليه وهو في بيت عائشة فأذن لها فدخلت فقالت يا رسول الله أرسلني أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة ثم وقعت أي زينب بي تسمعني ما أكره فطفقت أنظر الى النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأذن لي فيها فلم أزل حتى عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكره

أن أنتصر فوقعت بها أسمعها ما تكره فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لها إنها ابنة أبي بكر أي محل الفصاحة والشهامة
وسبب ذلك اي طلبهن ان يعدل بينهن وبين عائشة ان الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضات رسول الله صلى الله عليه وسلم

غزوة أحد وكانت في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور وشذ من قال سنة أربع وأحد جبل من جبال المدينة قيل سمي بذلك لتوحده وانفراده عن غيره من الجبال التي هناك وهذا الجبل يقصد لزيارة سيدنا حمزه ومن فيه من الشهداء وهو على نحو ميلين وقيل على ثلاث أميال من المدينة
يقال أن فيه قبر هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام وفيه قبض فواراه موسى فيه وكانا قدما حاجين أو معتمرين
وعن ابن دحية ان هذا باطل بيقين وأن نص التوراة انه دفن بجبل من جبال بعض مدن الشام
وقد يقال لا مخالفة لأنه يقال المدينة شامية وقيل دفن بالتيه هو وأخوه موسى عليهما الصلاة والسلام كما تقدم
قال صلى الله عليه وسلم ان أحدا هذا جبل يحبنا ونحبه اذا مررتم به فكلوا من شجرة ولو من عضاهه اي وهي كل شجرة عظيمة لها شوك والقصد الحث على عدم اهمال الأكل من شجره تبركا به
وقال صلى الله عليه وسلم أحد ركن من أركان الجنة أي جانب عظيم من جوانبها وفي رواية على باب من أبواب الجنة ولا يخالف ما قبله فإنه جاز أن يكون ركنا بجانب الباب وفي رواية جبل من جبال الجنة ولا مانع ان تكون المحبة من الجبل على حقيقتها وضع الحب فيه كما وضع التسبيح في الجبال المسبحة مع داود عليه السلام وكما وضعت الخشية في الحجارة التي قال الله فيها { وإن منها لما يهبط من خشية الله }
وقيل هو على حذف مضاف اي يحبنا أهله وهم الأنصار أو لأن اسمه مشتق من الأحدية وأخذ من هذا أنه أفضل الجبال وقيل أفضلها عرفة وقيل أبو قبيس وقيل الذي كلم الله عليه موسى وقيل قاف


ولما أصاب قريشا يوم بدر ما أصابها مشى عبدالله بن أبي ربيعه وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية رضي الله تعالى عنهم فإنهم أسلموا بعد ذلك ورجال آخر من أشراف قريش إلى أبي سفيان رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك أيضا وإلى من كان له تجارة في تلك العير أي التي كان سببها وقعة بدر وكانت تلك العير موقوفة في دار الندوة لم تعط لأربابها فقالوا إن محمدا قد وتركم أي قتل رجالكم ولم تدركوا دمائهم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا عمن أصاب منا أي وقالوا نحن طيبو النفوس أن تجهزوا بربح هذه العير جيشا الى محمد فقال أبو سفيان وأنا أول من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي فجعلوا لذلك ربح المال فسلم لأهل العير رؤوس أموالهم وكانت خمسين ألف دينار وأخرجوا أرباحها وكان الربح لكل دينار دينارا أي فكان الذي أخرج خمسين ألف دينار وقيل أخرجوا خمسة وعشرين ألف دينار وأنزل الله تعالى في تلك { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون }
وتجهزت قريش ومن والاهم من قبائل كنانة وتهامة وقال صفوان بن أمية لأبي عزة يا أبا عزة إنك رجل شاعر فأعنا بلسانك ولك علي ان رجعت أن أغنيك وإن أصبت أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر فقال ان محمدا قد من علي أي وأخذ على أن لا أظاهر عليه أحدا حين أطلقني وأنا أسير في أسارى بدر فلا أريد أن ظاهر عليه قال بلى فأعنا بلسانك
فخرج أبو عزة ومسافع يستنقران الناس بأشعارهما فأما مسافع فلا يعلم له إسلام لكن في كلام ابن عبد البر مسافع بن عياض بن صخر القرشي التيمي له صحبة وكان شاعرا لم يرو شيئا ولا أدري هل هو هذا أو غيره وأما أبو عزة فظفر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الوقعة بحمراء الأسد أي المكان المعروف الآتي بيانه قريبا وتقدم استطراد ثم أمر صلى الله عليه وسلم عاصم بن ثابت فضرب عنقه وحملت رأسه الى المدينة كما سيأتي وتقدم استطرادا
ودعا جبير بن مطعم بن عدي رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك غلاما له حبشيا يقال له وحشي رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك وكان يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطئ بها فقال له اخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بن طعيمة

ابن عدي فأنت عتيق أي لأن حمزة هو القاتل له وقيل وحشي كان غلاما لطعيمة وإن ابنة سيده طعيمة قالت له إن قتلت محمدا أو حمزة أو عليا في أبي فأبى لا أدري في القوم كفؤا له غيرهم فأنت عتيق وخرج معهم النساء بالدفوف
وفي كلام سبط بن الجوزي وساروا بالقيان والدفوف والمعازف والخمور والبغايا هذا كلامه وخرج من نساء قريش خمس عشرة امرأة أي مع أزواجهن ومنهن هند زوج أبي سفيان رضي الله تعالى عنها فإنها أسلمت بعد ذلك اي وأم حكيم بنت طارق مع زوجها عكرمة رضي الله تعالى عنهما فإنهما أسلما بعد ذلك وسلافة مع زوجها طلحة ابن أبي طلحة وأم مصعب بن عمير يبكين قتلى بدر وينحن عليهم يحرضنهم على القتال وعدم الهزيمة والفرار وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أرسل به إليه عمه العباس اي بعد أن راودوه على الخروج معهم فاعتذر بما لحقه من القوم يوم بدر ولم يساعدهم بشئ وذلك في كتاب جاء اليه صلى الله عليه وسلم وهو بقباء أرسله العباس مع رجل استأجره من بني غفار وشرط عليه أن يأتي المدينة في ثلاثة أيام بلياليها ففعل كذلك فلما جاءه الكتاب فك ختمه ودفعه لأبي فقرأه عليه أبي بن كعب واستكتم أبيا ونزل صلى الله عليه وسلم على سعد بن الربيع فأخبره بكتاب العباس أي فقال والله أني لأرجو أن يكون خيرا فاستكتمه إياه فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده قالت له امرأته ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها لا أم لك وأنت وذاك فقالت قد سمعت ما قال وأخبرته بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسترجع وأخذ بيدها ولحقه صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها وقال يا رسول الله اني خفت أن يفشو الخبر فترى أني أنا المفشي له وقد استكتمتني إياه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خل عنها
وسارت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل وقال بعض الحفاظ جمع أبو سفيان قريبا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش وخرج معه أبو عامر الراهب في سبعين فارسا من الأوس قال في الأصل والأحابيش الذين حالفوا قريشا وهم بنو المصطلق وبنو الهون ابن خزيمة اجتمعوا عند حبشي وهو جبل بأسفل مكة وتحالفوا على أنهم مع قريش يدا واحدة على غيرهم ما سجى ليل ووضح نهار وما رسا حبشي مكانه فسموا أحابيش باسم الجبل وقيل سموا بذلك لتحبشهم أي تجمعهم وفيهم مائتا فارس أي وثلاثة

آلاف بعير وسبعمائة دارع حتى نزلوا مقابل المدينة بذي الحليفة أي وهو ميقات أهل المدينة الذي يحرمون منه أي وأرجفت اليهود والمنافقون فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عينين له أي جاسوسين فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم
ويقال أن عمرو بن سالم الخزاعي مع نفر من خزاعة فارقوا قريشا من ذي طوى وجاءوا الى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه خبرهم وانصرفوا ولما وصلوا أي كفار قريش ومن معهم للأبواء أرادوا نبش قبر أمه صلى الله عليه وسلم والمشير عليهم بذلك هند بنت عتبة زوج أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما فقالت لو بحثتم قبر أم محمد فإن أسر منكم أحدا فديتم كل إنسان بأرب من آرابها أي جزء من أجزائها فقال بعض قريش لا يفتح هذا الباب وإلا نبش بنو بكر موتانا عند مجيئهم وحرست المدينة وبات سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة وعليهم السلاح في المسجد بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبحوا
ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا قال رأيت البارحة في منامي خيرا رأيت بقرا تذبح ورأيت في ذبابة سيفي أي وهو ذو الفقار ( ثلما ) بإسكان اللام وفي لفظ وكأن ظبة سيفي انكسرت وفي لفظ ورأيت سيفي ذي الفقار انفصم من عند ظبته فكرهته وهما مصيبتان ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة وفي رواية ورأيت أني في درع حصينة أي وأني مردف كبشا قال صلى الله عليه وسلم بعد أن قيل له ما أولتها قال فأما البقر فناس من اصحابي يقتلون وفي لفظ أولت البقر بقرا يكون فينا وأما الثلم الذي رأيت في سيفي فهو رجل من أهل بيتي أي وفي رواية من عترتي يقتل وفي رواية رأيت أن سيفي ذا الفقار فل فأولته فلا فيكم أي وفلول السيف كسور في حده وقد حصل في حد سيفه كسور وحصل انفصام ظبته وذهابها فكان ذلك علامة على وجود الأمرين وأما الدرع الحصينة فالمدينة أي وأما الكبش فإني اقتل كبش القوم أي حاميهم وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلنا فيها أي فأنا أعلم بها منهم وكانوا قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية فهي كالحصن وكان ذلك رأي أكابر المهاجرين والأنصار قال ووافق على ذلك عبدالله ابن أبي سلول أي فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل يستشيره ولم يستشره قبل

ذلك قال يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج فوالله ما خرجنا منها الى عدو لنا قط إلا أصاب منا ولا دخلها إلا أصبنا منه فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم الصبيان بالحجارة من ورائهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا
وهذا هو الظاهر خلافا لما ذكره بعضهم من أنه صلى الله عليه وسلم دعا عبدالله بن أبي ابن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره فقال يا رسول الله اخرج بنا الى هذه الأكالب إذ لا يناسب ذلك ما يأتي عنه من رجوعه وقوله خالفني الخ وإنما قال ذلك رجل من المسلمين ممن أكرمه الله بالشهادة يوم أحد وقال رجال أي غالبهم أحداث أحبوا لقاء العدو وغالبهم ممن أسف على ما فاته من مشهد بدر أخرج بنا الى أعدائنا لا يرونا أنا جبنا عنهم وضعفنا أي فيكون ذلك جرءاة منهم علينا والله لا نطيع العرب في أن تدخل علينا منازلنا
وفي لفظ أن الأنصار قالوا يا رسول الله ما غلبنا عدو لنا أتانا في دارنا أي في ناحية من نواحيها فكيف وأنت فينا ووافقهم على ذلك حمزة بن عبدالمطلب وقال للنبي صلى الله عليه وسلم والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاما حتى آجالدهم بسيفي خارج المدينة كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم كاره للخروج فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وافق على ذلك فصلى الجمعة بالناس ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد وأخبرهم أن لهم النصرة ما صبروا وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم ففرح الناس بذلك ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا أي اجتمعوا وقد حضر أهل العوالي ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فعمماه وألبساه وصف الناس ينتظرون خروجه صلى الله عليه وسلم فقال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج فردوا الأمر إليه أي فما أمركم به وما رأيتم له فيه هوى ورأيا فأطيعوه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لبس لأمته وظاهر بين درعين أي لبس درعا فوق درع وهما ذات الفضول وفضة التي أصابها من بني قينقاع كما تقدم وذات الفضول هذه هي التي أرسلها إليه صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة رضي الله عنه حين سار الى بدر وهي التي مات صلى الله عليه وسلم عنها وهي مرهونه عند اليهودي وافتكها أبو بكر رضي الله عنه وأظهر الدرع وحزم

وسطها بمنطقة من أدم من حمائل سيفه صلى الله عليه وسلم وأنكر الامام أبو العباس ابن تيمية أنه صلى الله عليه وسلم تمنطق حيث قال لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شد وسطه بمنطقة وقد يقال مراد ابن تيمية المنطقة المعروفة وليس هذا منها وفيه رد على بعضهم في قوله كان له صلى الله عليه وسلم منطقة من أدم فيها ثلاث حلق من فضة والطرف من فضة
وقد يقال لا يلزم من كونه له منطقة أن يكون تمنطق بها فليتأمل
وتقلد صلى الله عليه وسلم السيف وألقى الترس في ظهره أي وفي رواية فركب صلى الله عليه وسلم فرسه السكب وتقلد القوس وأخذ قناته بيده أي ولا مانع أن يكون جمع بين ذلك فقالوا له ما كان لنا أن نخالفك ولا نستكرهك على الخروج فاصنع ما شئت وفي رواية فان شئت فاقعد أي وقال قد دعوتكم الى القعود فأبيتم وما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه أي وفي رواية حتى يقاتل
وأخذ منه أنه يحرم على النبي نزع لأمته اذا لبسها حتى يلحق العدو ويقاتل وبه قال أئمتنا أي وقيل إنه مكروه واستبعد وقوله صلى الله عليه وسلم وما ينبغي لنبي يقتضى أن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثله في ذلك أي لأن نزع ذلك يشعر بالجبن وذلك ممتنع على الأنبياء صلى الله وسلم عليهم قاله في النور
وما اختص به من المحرمات فهو مكروه له لأن المحرم في المنهيات كالواجب في المأمورات
وعقد صلى الله عليه وسلم ثلاثة ألوية لواء للأوس وكان بيد أسيد بن حضير ولواء للمهاجرين وكان بيد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وقيل بيد مصعب بن عمير أي لأنه كما قيل لما سئل عمن يحمل لواء المشركين فقيل طلحة بن أبي طلحة أي من بني عبد الدار فأخذه صلى الله عليه وسلم من علي ودفعه لمصعب بن عمير أي لأن مصعب بن عمير من بني عبد الدار وهم أصحاب اللواء في الجاهلية كما تقدم وسيأتي ولواء للخزرج كان بيد الحباب بن المنذر وقيل بيد سعد بن عبادة
وخرج في ألف وقيل تسعمائة ولعله تصحيف عن سبعمائة لما سيأتي أن عبدالله

ابن أبي ابن سلول رجع معه ثلاثمائة فبقي سبعمائة من أصحابه صلى الله عليه وسلم منهم مائة دارع وخرج السعدان أمامه صلى الله عليه وسلم يعدوان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة دارعين واستعمل على المدينة ابن ام مكتوم أي وسار الى أن وصل رأس الثنية أي وعندها وجد كتيبة كبيرة فقال ما هذا قالوا هؤلاء حلفاء عبدالله بن أبي ابن سلول من يهود فقال أسلموا فقيل لا فقال إنا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك فردهم أي وهؤلاء اليهود غير حلفائه من بني قينقاع فلا يقال هذا انما يأتي على أن اجلاء بني قينقاع كان بعد أحد لأنهم هم حلفاؤه من يهود كما تقدم لأنا نمنع انحصار حلفائه من يهود في بني قينقاع
وسار صلى الله عليه وسلم وعسكر بالشيخين وهما أطمان أي جبلان وعند ذلك عرض قومه فرد جمعا أي شبابا لم يرهم بلغوا خمس عشرة سنة بل أربع عشرة سنة كذا نقل عن امامنا الشافعي رضي الله عنه ونقل عنه بعضهم أنه قال لم يرهم بلغوا أربع عشرة سنة منهم عبدالله بن عمر وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير وعرابة بن أوس خلافا لمن أنكر صحبته وعرابة هذا هو القائل فيه الشماخ ** رأيت عرابة الأوسي يسمو ** الى الخيرات منقطع القرين ** ** إذا ما راية رفعت لمجد ** تلقاها عرابة باليمين **
وأوس والده هو القائل في يوم الأحزاب إن بيوتنا عورة كما سيأتي وأبو سعيد الخدري وسعد بن خيثمة رضي الله تعالى عنهم أي وزيد بن حارثة الأنصاري كان أبوه حارثة من المنافقين من أصحاب مسجد الضرار ورافع بن خديج وسمرة بن جندب
ثم أجاز صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج لما قيل له إنه رام وأصيب في ذلك اليوم بسهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أشهد له يوم القيامة ومات في زمن عبدالملك بن مروان لما نقض عليه ذلك الجرح وعندما أجازه قال سمرة بن جندب لزوج أمه أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج وردني وأنا أصرعه فأعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تصارعا فصرع سمرة بن جندب رافعا فأجازه
وممن رده صلى الله عليه وسلم يوم أحد لصغر سنه سعد بن حبته عرف بأمه حبته

فلما كان يوم الخندق رآه صلى الله عليه وسلم يقاتل قتالا شديدا فدعاه ومسح على راسه ودعا له بالبركة في ولده ونسله فكان عما لأربعين وخالا لأربعين وأبا لعشرين ومن ولده أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رضي الله عنهم وتقدم في بدر أنه صلى الله عليه وسلم رد زيد بن ثابت وزيد ابن أرقم واسيد بن ظهير فما فرغ العرض إلا وقد غابت الشمس فأذن بلال بالمغرب فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باصحابه ثم أذن بالعشاء فصلى بهم وبات واستعمل على الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين رجلا يطوفون بالعسكر ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم أي وذكوان بن عبد قيس يحرسه لم يفارقه لما قال صلى الله عليه وسلم من يحفظنا الليلة حتى كان السحر
وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لقد رأيت أي في النوم الملائكة تغسل حمزة رضي الله تعالى عنه وأدلج رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر فحانت صلاة الصبح بالشوط حائط بين المدينة وأحد ومن ذلك المكان رجع عبد الله ابن أبي ابن سلول ومن معه من أهل النفاق وهم ثلثمائة رجل وهو يقول عصاني واطاع الولدان ومن لا أرى له سيعلم ما ندري علام نقتل أنفسنا ارجعوا ايها الناس فرجعوا فتبعهم عبد الله ابن عمرو ابن حرام وهو والد جابر رضي الله تعالى عنهما وكان في الخزرج كعبد الله ابن أبي يقول يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا بضم الذال المعجمة قومكم ونبيكم أي تتركوا نصرتهم وإعانتهم عندما حضر من عدوهم قالوا لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكن لا نرى أنه يكون قتالا وابو إلا الانصراف فقال لهم أبعدكم الله أي اهلككم الله أعداء الله فسيغني الله تعالى عنكم نبيه وفيه أن قوله المذكور يخالف قوله علام نقتل أنفسنا إلا ان يقال على فرض أنه يقع قتالا علام نقتل أنفسنا
فلما رجع عبد الله بن أبي ابن سلول بمن معه قالت طائفة نقتلهم وقالت طائفة أخرى لا نقتلهم وهما ان يقتتلا والطائفتان هما بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج فأنزل الله تعالى { فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم } أي ردهم إلى كفرهم بما كسبوا
وفي كلام سبط ابن الجوزي ولما رأى بنو سلمة وبنو حارثة عبد الله ابن أبي قد خذل هموا بالانصراف وكانوا جناحين من العسكر ثم عصمهما الله وأنزل قوله تعالى { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } الآية فبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع مائة رجل


ومن هذا يعلم ما في المواهب من قوله ويقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالانصراف لكفرهم بمكان يقال له الشوط لأن الذين ردهم صلى الله عليه وسلم لكفرهم حلفاء عبد الله ابن أبي بن سلول من يهوجد وكان رجوعهم قبل الشوط والذين رجع بهم عبد الله كانوا منافقين ورجوعه بهم كان من الشوط ولم يكن مع المسلمين يومئذ إلا فرسان فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس لأبي بردة وقيل لم يكن معهم فرس أي وهذا القيل نقله في ( فتح الباري ) عن موسى ابن عقبة واقره وقالت الأنصار أي لما رجع ابن أبي يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا من يهود اي يهود المدينة ولعلهم عنوا بهم بني قريظة لأن بني قريظة من حلفاء سعد بن معاذ وهو سيد الاوس
وقال بعضهم كان في الأنصار كأبي بكر في المهاجرين فقال صلى الله عليه وسلم لا حاجة لنا فيهم
أقول وحينئذ يكون المراد قالت طائفة من الأنصار وهم الأوس ولم يكونوا سمعوا قوله صلى الله عليه وسلم إنا لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك والله أعلم
وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه من يخرج بنا على القوم من كثيب أي من طريق قريب لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أنا يا رسول الله فنفذ به من حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى دخل في حائط للمربع بن قيظي الحارثي وكان رجلا منافقا ضريرا فقام يحثي التراب أي في وجوههم ويقول إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي وفي يده حفنة من تراب وقال والله لو أعلم أني لا اصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدر إليه سعد ابن زيد فضربه بالقوس في راسه فشجه وأراد القوم قتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب وأعمى البصر أي وغضب له ناس من بني حارثة كانوا على مثل رأيه أي منافقين لم يرجعوا مع من رجع مع عبد الله ابن أبي فهم بهم أسيد ابن حضير حتى أومأ أي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك ذلك ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد فجعل ظهره وعسكره إلى احد قال واستقبل المدينة وصف المسلمين في جبل أحد أي بعد أن بات به تلك الليلة وحانت الصلاة صلاة الصبح والمسلمون يرون المشركين فأذن بلال وأقام وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باصحابه صفوفا وخطب خطبة حثهم فيها على الجهاد


ومن جملة ما ذكر فيها من كان يؤمن بالله واليوم لاآخر فعليه الجمعة إلا صبيا أو امرأة أو مريضا أو عبد مملوكا وفي رواية إلا امرأة أو مسافر أو عبد أو مريض بالرفع وعليها فالمستثنى محذوف أي إلا اربعة وما ذكر بدل منها قال ومن استغنى عنها استغنى الله عنه والله غني حميد ما اعلم من عمل يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به ولا أعلم من عمل يقربكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه وإنه قد نفث أي أوحى والقى في روعى بضم الراء أي قلبي الروح الأمين أي الذي هو جبريل إنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها فاتقوا الله ربكم وأجملوا أي أحسنوا في طلب الرزق لا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية الله والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده والسلام عليكم إنتهى
أي ولما أقبل خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك ومعه عكرمة ابن أبي جهل رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك كما تقدم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام وقال له استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه وأمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر ولعل المراد وأمر جماعة بأن يكونوا بإزاء خيل أخرى للمشركين لأنه تقدم أنه لم يكن معهم إلافرس أو إلا فرسان
أي وما وقع في الهدى أن الفرسان من المسلمين يوم أحد كانوا خمسين رجلا سبق قلم وقال لا تبرحوا حتى أوذنكم وقال لا يقاتلن أحد حتى آمره بالقتال وكان الرماة خمسين رجلا وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا وأثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا
أي وفي رواية إن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم وإن رايتمونا ظهرنا على القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم زاد في رواية وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا قال وفي رواية أنه قال أي للرماة الزموا مكانكم لا تبرحوا منه فإذا رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل في عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم وإن رايتمونا نقتل فلا تغيثونا ولا تدفعوا عنا وارشقوهم بالنبل فإن الخيل لا تقدم على النبل إنا لن نزال غالبين ما مكثتم مكانكم اللهم إني أشهدك عليهم إنتهى
وأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا أي وكان مكتوبا في إحدى صفحتيه

** في الجبن عار وفي الإقبال ** مكرمة والمرء بالجبن لا ينجو من القذر ** وقال من يأخذ هذا السيف بحقه ام إليه رجال فأمسكهم عنه من جملتهم علي رضي الله تعالى عنه قام ليأخذه فقال اجلس عمر رضي الله تعالى عنه فأعرض عنه والزبير رضي الله تعالى عنه أي وطلبه ثلاث مرات كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه حتى قام إليه أبو دجانة وقال ما حقه يا رسول الله قال فضرب به في وده العدو حتى ينحني قال أنا أهخذه في حقه فدفعه إليه فكاان رجل شجاعا يحتال عند الحرب أي يمشي مشية المتكبر وحين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبختر بين الصفين قال إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن أي لأن فيها دليل على عدم الاكتراث بالعدو
وعند اصطفاف القوم ناد أبو فيان بن حرب يا معشر الأوس والخزرج خلو بيننا وبين بني عمنا وننصرفغ عنكم فشتموه أقبح شتم ولعنوه اشد اللعن قال وخرج رجل من المشركين على بعير له فدعى للبراز فأحجم عنه الناس حتى دعا ثلاث فقام إليه الزبير ووثب حتى استوى معه على البعير ثم عانقه فاقتتلا فوقالبعير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ييلي حضي الأرض مقتول فوقع المشرك فوقع عليه الزبير فذبحه فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل نبي حواري وإن حواري الظزبير وقال صلى الله عليه وسلم لو لم يبرز إليه الزبير لبرزت إليه لما رأى من احجام الناس عنه انتهى
وخرج رجل من المشركين بين الصفين أي وهو طلحة بن أبي طلحة وأبو طلحة والده اسمه عبد الله بن عثمان بن عبد الدار وكان بيده لواء المشركين لأن بني عبد الدار كانوا أصحاب لواء المشركين لأن اللواء كان لوالدهم عبدالدار كما تقدم وطلب طلحة المبارزة مرارا فلم يخرج إليه أحد فقال يا اصحاب محمد زعمتم أن قتلاكم إلى الجنة وأن قتلانا إلى النار وفي رواية قال يا اصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله تعالى يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فهل أحد منكم يعجلني بسيفه إلى النارأو اعجله بسيفي إلى الجنة كذبتم واللات والعزى لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلي بعضكم فخرج إليه علي بن أبي طالب فاختلفا ضربتين فقتله علي رضي الله تعالى عنه
أي وفي رواية فالتقيا بين الصفين فبدره علي فصرعه أي قطع رجله ووقع على

الأرض وبدت عورته فقال يابن عمي أنشدك الله والرحم فرجع عنه ولم يجهز عليه فقال له بعض أصحابه أفلا أجهزت عليه فقال إنه استقبلني بعورته فعطفني عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله
وفي رواية قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك أن تجهز عليه فقال ناشدني الله والرحم فقال اقتله فقتله
أي ووقع لسيدنا علي كرم الله وجهه مثل ذلك في يوم صفين مرتين الأولى حمل على بسر بن أرطاة فلما رأى أنه مقتول كشف عن عورته فانصرف عنه والثانية حمل على عمرو بن العاص فلما راى أنه مقتول كشف عن عورته فانصرف عنه علي كرم الله وجهه
فأخذ لواء المشركين أخو طلحة وهو عثمان بن أبي طلحة وعثمان هذا هو ابو شيبة الذي ينسب إليه الشيبيون فيقال بني شيبة فحمل عليه حمزة فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى مؤتزره فرجع حمزة وهو يقول أنا ابن ساقي الحجيج يعني عبدالمطلب فأخذه أخو عثمان وأخو طلحة وهو ابو سعيد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص فأصاب حنجرته فقتله فحمله مسافع بن طلحة بن ابي طلحة الذي قتله علي رضي الله تعالى عنه فرماه عاصم ابن ثابت بن أبي الأفلح فقتله ثم حمله أخو مسافع وهو الحرث بن طلحة فرماه عاصم فقتله أي فكانت أمهما هي سلافة معهما وكل واحد منهما بعد أن رماه عاصم يأتي أمه يضع رأسه في حجرها فتقول له يا بني من أصابك فيقول سمعت رجلا حين رماني يقول خذها وأنا ابن أبي الأفلح فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر وجعلت لمن جاء برأسه مائة من الأبل
وسيأتي مقتل عاصم في سرية الرجيع فحمله أخو مسافع وأخو الحرث وهو كلاب بن طلحة فقتله الزبير أي وقيل قزمان فحمله أخوهم وهو الجلاس بن طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله فكل من مسافع والحرث وكلاب والجلاس الأربعة أولاد طلحة بن أبي طلحة كل قتل كأبيهم طلحة وعميهم وهما عثمان وأبو سعيد
وعند ذلك حمله أرطاة بن شرحبيل فقتله علي بن أبي طالب وقيل حمزة فحمله شريح بن قارظ فقتل أي ولم يعرف قاتله ثم حمله أبو زيد بن عمرو بن عبد مناف

ابن هاشم بن عبد الدارفقتله قزمان فحمله ولد لشرحبيل بن هاشم فقتله قزمان أيضا ثم حمله صواب غلامهم أي وكان حبشيا فقاتل حتى قطعت يده ثم برك عليه فأخذه لصدره وعنقه حتى قتل عليه أي قتله قزمان وقيل القاتل له سعد بن أبي وقاص وقيل علي
وقد كان أبو سفيان قال لأصحاب اللواء أي لواء المشركين من بني د عبدالدار يحرضهم على القتال يا بني عبد الدار إنكم تركتم لواءنا يوم بدرفأصابنا ما قد رايتم وإنما تؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلو بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به وتواعدوه وقالوا نحن نسلم إليك لواءنا ستعلم غدا إذا التقينا كيف نضع وذلك الذي اراد ابو سفيان
قال ابن قتيبة ويقال إن هذه الآية نزلت في بني عبدالدار { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون }
ولما صرع صاحب لواء المشركين أي الذي هو طلحة بن أبي طلحة استبشر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أي لأنه كبش الكتيبة أي الجيش أي حاميهم الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم في رؤياه المتقدمة أنه مردفا كبشا وقال أولت ذلك إني أقتل كبش الكتيبة فهذا كبش الكتيبة
وند وجود ما ذكر من قتل أصحاب اللواء صاروا كتائب متفرقة فجاس المسلمون فيهم ضربا حتى أجهضوهم أي ازالوهم عن أثقالهم وكان شعارالمسلمين يومئذ أمت أمت وشعارالكفار يا للعزى وهي شجرة كانوا يعبدونها يا لهبل وهو صنم كان داخل الكعبة منصوبا على بئر هناك وسيأتي في فتح مكة أنه كان خارجها بجانب الباب
وقد يقال لا منافاة لأنه يجوز أن يكون في أول الامر كان داخل الكعبة ثم اخرج منها وجعل في بجانبها
أي وخرج عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك فقال من يبارز فنهض إليه أبو بكر شاهر سيفه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم شم سيفك وارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك وتقدم طلب عبد الرحمن المبارزة أيضا في يوم بدر وتقدم عن ابن مسعود أن الصديق دعا ابنه يعني عبد الرحمن يوم أحد إلى البراز

وهو يخالف ما هنا إلا أن يقال إنه هنا يجوز وقوع كل من الأمرين أي طلب المبارزة من الصديق لولده عبد الرحمن وطلب المبارزة من عبد الرحمن لوالده الصديق
وقد وقع للصديق رضي الله تعالى عنه أن العرب لما ارتدت بعد موته صلى الله عليه وسلم خرج مع الجيش شاهرا سيفه فأخذ علي رضي الله تعالى عنه بزمام راحلته وقال له إلى أين يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول لك كما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد شم سيفك ولا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا فرجع وأمضى الجيش
وفي أول الأمر حملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مفلولة أي بالفاء متفرقة وحمل المسلمون على المشركين فنهكوهم أي أضعفوهم قتلا فلما التقى الناس وحميت الحرب قامت هند في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويقلن ** ويها بني عبد الدار ** ويها حماة الأدبار ** ضربا بكل بتار **
وويها كلمة إغراء وتحريض كما تقول دونك يا فلان والأدبار الأعقاب أي الذين يحمون أعقاب الناس والبتار السيف القاطع ويقلن ** نحن بنات طارق ** نمشي على النمارق ** مشي القطا النوازق ** والمسك في المفارق ** والدر في المخانق ** إن تقبلوا نعانق ** ونفرش النمارق ** أو تدبروا نفارق ** فراق غير وامق **
والطارق النجم قال تعالى { والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب } قيل هو زحل أي نحن بنات من بلغ العلو وارتفاع القدر كالنجم واعترض بأنها لو أرادت النجم لقالت نحن بنات الطارق
ثم رأيت أن هذا الرجز لهند بنت طارق وحينئذ فليس المراد بطارق النجم وإنما هو الرجل المعروف كأنها قالت نحن بنات طارق المعروف بالعلو والشرف
وعن بعضهم قال جلست بمكة وراء الضحاك فسؤل عن قول هند يوم أحد

نحن بنات طارق ما طارق فقلت هو النجم فقال لي كيف ذلك فقلت له قال الله تعالى { والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق } والنمارق الوسائد الصغار
والمراد نفرش ما تجعل عليه الوسائد مع جعلها عليه والوامق المحب أي فراق غير محب لأن غيرالمحب لا يرجع إذا غضب بخلاف المحب ومن ثم قيل غضب المحب في الظاهر مهابة سيف وفي الباطن كسحابة صيف
وقال وكان صلى الله عليه وسلم إذا سمع ذلك أي تحريض هند بما ذكر يقول اللهم بك أحول بالحاء المهملة أي أمنع وبك اصول وفيك أقاتل حسبي الله ونعم الوكيل انتهى
أي وفي رواية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي العدو قال اللهم بك أصاول وبك أحاول أي اطالب
وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس فعن الزبير قال وجدت أي غضبت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف أي الذي قال فيه من يأخذه بحقه ثلاث مرات وأنا ابن عمته فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة فقلت والله لأنظرن ما يصنع فاتبعته فأخذ عصابة حمراء أي أخرجها من ساق خفه وكان مكتوبا على أحد طرفيها نصر من الله وفتح قريب وفي طرفها الآخر الجبانة في الحرب عار ومن فر لم ينج من النار فعصب بها رأسه فقالت الأنصار أخرج أبو دجانة عصابة الموت أي لأنهم كانوا يقولون ذلك إذا تعصب بها فجعل لا يلقى أحداإلا قتله أي وكان إذا كل ذلك السيف يشحذه أي يحده بالحجارة ولم يزل يضرب به العدو حتى انحنى وصار كأنه منجل وكان رجل من المشركين لا يدع لنا جريحا إلا ذنف عليه أي اسرع قتله فدعوت الله أن يجمع بينه وبين أبي دجانة فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاها بدرقته فعضت الدرقة على سيفه وضربه أبو دجانة فقتله ثم رايته حمل بالسيف على رأس هند أي بنت عتبة زوج أبي سفيان وقيل غيرها ثم رد السيف عنها
قال أبو دجانة رأيت إنسانا يحمس الناس أي بالسين المهملة حمسا شديدا أي يشجعهم وبالشين المعجمة يوقد الحرب ويثيرها فعمدت إليه فلما حملت عليه بالسيف ولول أي دعا بالويل أي قال يا ويلاه فعلمت أنه امرأة فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به أمرأة


وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتالا شديدا ومر به سباع بن عبد العزى فقال له حمزة هلم أي اقبل يا ابن مقطعة البظور لأن أمه أم أنمار مولاة شريق والد الأخنس كانت ختانة بمكة
أي وفي البخاري يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور اتحاد الله ورسوله أي تحاربهما تعاندهما
وفيه أنهم لما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال هل من مبارز فخرج إليه حمزة فشد عليه فلما التقيا ضربه حمزة فقتله وفي رواية فكان كأمس الذاهب أي وكان تمام واحد وثلاثين قتلهم حمزة
وفيه أنه سيأتي عن الأصل وقتل من كفار قريش يوم أحد ثلاثة وعشرين رجلا وأكب حمزة عليه ليأخذ درعه قال وحشي غلام جبير بن مطعم إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه يهد بالدال المهملة يهدم وبالذال المعجمة يقطع أي وقد عثر حمزة فانكشف الدرع عن بطنه فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته بالمثلثة وهو موضع تحت السرة وفوق العانة وفي لفظ فندرته حتى خرجت من بين رجليه فأقبل نحوى فغلب فوقع فأمهلته حتى إذا مات جئته فاخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر ولم يكن لي في شيء حاجة غيره
أي وفي لفظ آخر كان حمزة يقاتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفين وهو يقول أنا أسد الله فبينا هو كذلك إذ عثر عثرة وقع منها على ظهره فانكشفت الدرع عن بطنه فطعنه وحشي الحبشي بحربته
ثم لما قتل أصحاب لواء المشركين واحدا بعد واحد ولم يقدر أحد يدنو منه انهزم المشركون وولوا لا يلوون على شيء ونساؤهم يدعون بالويل بعد فرحهم وضربهم بالدفوف وألقين الدفوف وقصدن الجبل كاشفات سيقانهن يرفعن ثيابهن وتبع المسلمون المشركين يضعون فيهم السلاح وينتهبون الغنائم ففارقت الرماة محلهم الذي أمرهم صلى الله عليه وسلم أن لا يفارقوه ونهاهم أميرهم عبد الله بن جبير فقالوا له انهزم المشركون فما مقامنا ههنا وانطلقوا ينتهبون وثبت عبد الله بن جبير مكانه وثبت معه دون العشرة وقال لا أجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل من الرماة وقلة من به منهم فكر بالخيل ومعه عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنهما

فإنهما أسلما بعد ذلك فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم مع أميرهم عبد الله بن جبير أي ومثلوا به ومن كثرة طعنه بالرماح خرجت حشوته وأحاطوا بالمسلمين فبينما المسلمون قد شغلوا بالنهب والأسر إذ دخلت خيول المشركين تنادي فرسانها بشعارها يا للعزى يا لهبل ووضعوا السيوف في المسلمين وهم آمنون وتفرقت المسلمون في كل وجه وتركوا ما انتهبوا وخلوا من أسروا وانتفضت صفوف المسلمين واختلط المسلمون وصار يضرب بعضهم بعضا من غير شعار أي من غير أن يأتوا بما كانوا ينادون به في الحرب يتعارفون به في ظلمة الليل وعند الاختلاط وهو أمت أمت مما اصابهم من الدهش والحيرة ولم يزل لواء المشركين ملقى حتى أخذته عمرة بنت علقمة ورفعته لهم فلاثوا أي بالمثلثة استداروا به واجتمعوا عنده ونادى ابن قمئة بفتح القاف وكسر الميم وبعدها همزة إن محمدا قد قتل وقيل المنادي بذلك ابليس أي متمثلا بصورة جعال أو جعيل ابن سراقة وكان رجلا صالحا ممن أسلم قديما وكان من أهل الصفة قيل وهو الذي غير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه يوم الخندق وسماه عمرا كما سيأتي وسيأتي ما فيه
ثم إن الناس وثبوا على جعال ليقتلوه فتبرأ من ذلك القول وشهد له خوات بن جبير وأبو بردة بأن جعالا كان عندهما وبجنبهما حين صرخ ذلك الصارخ وقيل المنادي بذلك ازب العقبة قال ذلك ثلاث مرات أي لأنه لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صرخ الشيطان به قال هذا ازب العقبة بكسر الهمزة وسكون الزاي والازب القصير كما تقدم
وقد ذكر أن عبد الله بن الزبير رأى رجل طوله شبران على رحله فقال ما أنت قال ازب قال ما ازب قال رجل من الجن فضربه على رأسه بعود السوط حتى هرب أي ويجوز أن يكون ذلك صدر من الثلاثة وهم ابن قمئة وإبليس وإزب العقبة فرجعت الهزيمة على المسلمين أي وقال قائل يا عباد الله أخراكم أي احترزوا من جهة أخراكم فعطف المسلمون على أخراهم يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون وانهزمت طائفة منهم إلى جهة المدينة ولم يدخلوها وقال رجال من المسلمين حيث قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ارجعوا إلى قومكم يؤمنوكم وقال آخرون إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل أفلا تقاتلون على دين نبيكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله شهداء
اي وفي الامتاع أن ثابت بن الدحداح قال يا معشر الأنصار إن كان محمد قد قتل فإن

الله حي لا يموت قاتلوا على دينكم فإن الله مظفركم وناصركم فنهض إليه نفر من الأنصار فحمل بهم على كتيبة فيها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب فحمل عليه خالدبن الوليد بالرمح فقتله وقتل من كان معه من الأنصار رضي الله تعالى عنهم
وكان من جملة من انهزم عثمان بن عفان والوليد بن عقبة و خارجة بن زيد ورفاعة ابن معلى فاقاموا ثلاثة ايام ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبتم فيها عريضة وأنزل الله تعالى { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم } قال وقال جماعة ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم وانهزمت طائفة منهم حتى دخلت المدينة فلقيتهم أم أيمن رضي الله تعالى عنها فجعلت تحثو التراب في وجوههم وتقول لبعضهم هاك المغزل فاغزل به وهلم سيفك آه أي اعطني سيفك أي فالمنهزمون في ذلك اليوم طائفتان طائفة لم تدخل المدينة وأخرى دخلتها وفيه أن أم أيمن كانت في الجيش تسقي الجرحى
أي فقد جاء أن حباب بن العرقة رمى بسهم فأصاب أم أيمن وكانت تسقي الجرحى فوقعت وتكشفت فإغرق عدو الله في الضحك فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع إلى سعد سهما لا نصل له وقال ارم به فوقع السهم في نحر حباب فوقع مستلقيا حتى بدت عورته فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال استقاد لها سعد أجاب الله دعوته أي وفي رواية اللهم استجب لسعد إذا دعاك فكان مجاب الدعوة وقد يقال لا منافاة بين كون أم أيمن كانت في الجيش وبين كونها كانت في المدينة لجواز أن تكون رجعت ذلك الوقت من الجيش إلى المدينة
وقال رجال أي من المنافقين لما قيل قد قتل محمد الذين بقوا ولم يذهبوا مع عبد الله ابن أبي ابن سلول لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا أي وقال بعضهم لو كان نبيا ما قتل فارجعوا إلى دينكم الأول وفي النهر أن فرقة قالوا نلقى إليهم بأيدينا فإنهم قومنا وبنو عمنا وهذا يدل على أن هذه الفرقة ليست من الأنصار بل من المهاجرين


قال وعن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه قال لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حين اشتد علينا الخوف وأرسل علينا النوم فما منا أحد إلا وذقنه في صدره فوالله إني لأسمع كالحلم قول معتب بن قشير أي ويقال ابن بشير وكان ممن شهد العقبة لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا فحفظتها فأنزل الله تعالى في ذلك قوله { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا } الآية
وعن كعب بن عمرو الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال لقد رأيتني يومئذ في أربعة عشر من قومي إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصابنا النعاس أمنة منه أي لأنه لا ينعس إلا من يأمن ما منهم أحد إلا غط غطيطا حتى إن الحجف اي الدرق تتناطح ولقد رأيت سيف بشر بن البراء بن معرور سقط من يده وما يشعر وإن المشركين لتحثنا آه وتقدم في بدر أنه حصل لهم النعاس ليلة القتال لافيه على ما تقدم وتقدم أن النعاس في الصف من الإيمان وفي الصلاة من الشيطان
وثبت صلى الله عليه وسلم لما تفرقت عنه أصحابه وصاريقول إلي يا فلان إلي يا فلان أنا رسول الله فما يعرج إليه أحد والنبل يأتي إليه من كل ناحية والله يصرفه عنه
أي وفي الامتاع أنه صلى الله عليه وسلم قال ( أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب أنا ابن العواتك ) فليتأمل فإن المحفوظ أنه إنما قال ذلك في حنين وإن كان لا مانع من التعدد
وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة أي من أصحابه منهم أبو طلحة فإنه استمر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يحوز عنه بحجفته وكان رجلا راميا شديد الرمي فنثركنانته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أي وصاريقول نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء فلم يزل يرمي بها وكان الرجل يمر بالجعبة بضم الجيم من النبل فيقول صلى الله عليه وسلم انثرها لأبي طلحة أي وكسر ذلك اليوم قوسين أو ثلاثة وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرف أي ينظر إلى القوم وفي لفظ ليرى مواضع النبل فيقول له أبو طلحة يا نبي الله بأبي أنت وأمي لأتشرف يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك انتهى أي ويتطاول ابو طلحة بصدره يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم

واستدل بذلك على ان من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يجب على كل مؤمن أن يؤثر حياته صلى الله عليه وسلم على حياته قال فلا خلاف أن هذا لا يجب لغيره وهذا المذكور عن أبي طلحة من قوله نحري دون نحرك نقله ابن المنير عن سعد بن أبي وقاص فقال ولهذا قال سعد يوم أحد نحري دون نحرك ولا زال صلى الله عليه وسلم يرمي عن قوسه أي المسماة بالكتوم لعدم تصويتها إذا رمى عنها حتى صارت شظايا أي ذهب منها قطع
وفي رواية رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها والسية ما انعطف من طرفي القوس اللذين هما محل الوتر قال وما زال صلى الله عليه وسلم يرمي عن قوسه حتى تقطع وتره وبقيت في يده منه قطعة تكون شبرا في سية القوس فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتره له فقال يا رسول الله لا يبلغ الوتر فقال مده يبلغ قال عكاشة فوالذي بعثه بالحق لمددته حتى بلغ وطويت منه لفتين أو ثلاثا على سية القوس ورمى صلى الله عليه وسلم بالحجارة وكان أقرب الناس إلى القوم آه
اي وانكر الإمام ابو العباس بن تيمية كونه صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى صارت شظايا أي لانه يبعد وجود رميه صلى الله عليه وسلم من غير اصابة ولو أصاب أحدا لذكر لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله وقاتل جماعة من اصحابه منهم سعد بن أبي وقاص فإنه كان من الرماة المذكورين رمى بقوسه قال سعد لقد رأيته يعني النبي صلى الله عليه وسلم يناولني النبل ويقول ( ارم فداك أبي وأمي ) حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل فيقول ارمي به وقد تقدم أنه رمى بسهم من تلك السهام التي لا نصل لها لمن رمى أم ايمن
قال وفي رواية عن سعد قال ( أجلسني رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامه فجعلت أرمي وأقول اللهم سهمك فارم به عدوك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم استجب لسعد اللهم سدد رميته وأجب دعوته حتى إذا فرغت من كنانتي نثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في كنانته ) آه أي فكان سعد مجاب الدعوة كما تقدم
ولما سعى أهل الكوفة به إلى سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه أرسل جماعة للكوفة يسألون عن حاله من أهل الكوفة فصاروا كلما سألوا عنه أحدا قال خيرا واثنى عليه

معروفا حتى سألوا رجلا يقال له أبو سعدة ذمه وقال لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية فلما بلغ سعدا ذلك قال اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره وأدم فقره وأعمي بصره وعرضه للفتن فعمي وافتقر وكبر سنه وصار يتعرض للإماء في سكك الكوفة فإذا قيل له كيف أنت يا أبا سعدة يقول شيخ كبير فقير مفتون أصابتني دعوة سعد
قيل لسعد لم تستجاب دعوتك من دون الصحابة فقال ما رفعت إلي فمي لقمة إلا وأناأعلم من اين جاءت ومن اين خرجت أي لأنه جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( تليت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } فقام سعد بن أبي وقاص فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة فقال والذي نفس محمد بيده إن العبد ليعقد اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما )
وقد جاء في الحديث من كان مأكله حراما ومشربه حراما وملبسه حراما فأنى يستجاب له فليتأمل هذا الجواب
وقد يقال مراد سعد بقوله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة أي ممن يأكل الحلال الطيب ويميز عند الأكل بين الحرام وبين غيره حتى أكون مستجاب الدعوة
ولعل المراد بالأكل ما يشمل الشرب ولعل السكوت عن اللبس لأنه نادر بالنسبة للأكل وجوابه صلى الله عليه وسلم بقوله والذي نفس محمد بيده تقرير لما فهمه سعد رضي الله تعالى عنه أن من يأكل غير الحلال لا يكون مستجاب الدعوة تأمل
والحق أن سبب استجابة دعوة سعد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك ولعله إنما لم يجب بذلك لمن سأله بقوله لم تستجاب دعوتك من بين الصحابة لأنه يجوز أن يكون دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك تأخر عن هذا فليتأمل وفي الشرف ان سعدا رضي الله تعالى عنه رمى يوم أحد ألف سهم ما منها سهم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له ارم فداك أبي وأمي ففداه في ذلك اليوم ألف مرة وعن علي كرم الله وجهه ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فداك أبي وأمي إلا لسعد رضي الله تعالى عنه وفي رواية فما جمع صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد إلا لسعد رضي الله تعالى عنه

قال في النور الرواية الأولى اصح لأنه أخبر فيها أنه لم يسمع أي لأنه حينئذ لا يخالف ما جاء عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع لأبيه الزبير رضي الله تعالى عنه بين أبويه أي قال له فداك أبي وأمي كسعد أي وفي ذلك في يوم الخندق حيث أتاه بخبر بني قريظة وكذا الرواية الثانية لا تخالف لأنها محمولة على سماعه
وعلى الأخذ بظاهرها وعدم حملها على ذلك يجاب بما قال في النور ظهر لي أن عليا كرم الله وجهه إنما أراد تفدية خاصة وهي ألف مرة أو في خصوص أحد
وكان صلى الله عليه وسلم يفتخر بسعده فيقول هذا سعد خالي فليرني امرؤ خاله لأن سعدا رضي الله تعالى عنه كان من بني زهرة وكانت أم النبي صلى الله عليه وسلم منهم كما تقدم أي وكان رضي الله تعالى عنه إذا غاب يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم مالي لا ارى الصبيح المليح الفصيح
ولما كف بصره رضي الله تعالى عنه قيل له لو دعوت الله سبحانه أن يرد عليك بصرك فقال قضاء الله أحب إلي من بصري ولما حضرت الوفاة سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه دعا دع بخلق جبة من صوف فقال كفنوني فيها فإني كنت لقيت فيها المشركين يوم بدر وإنما كنت أخبؤها لهذا وممن كان مشهورا بالرماية سهيل بن حنيف رضي الله تعالى عنه وكان ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم الذي هو يوم احد قال بعضهم وكان بايعه صلى الله عليه وسلم يومئذ على الموت فثبت معه صلى الله عليه وسلم حتى انكشف الناس عنه وجعل ينضح بالنبل يومئذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم نبلوا سهيلا أي أعطوه النبل
وجاء أن خاله صلى الله عليه وسلم وهوالأسود بن وهب بن عبد مناف بن زهرة استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا خالي ادخل فدخل فبسط له صلى الله عليه وسلم رداءه وقال اجلس عليه إن الخال والد يا خال من أسدى إليه معروف فلم يشكر فليذكر فإنه إذا ذكر فقد شكر وقال له ألا أنبئك بشيء عسى الله أن ينفعك به قال بلى قال إن أربى الربى استطالة المرء في عرض أخيه بغير حق


وعن أم عمارة المازنية رضي الله تعالى عنها أي وهي نسيبة بالتصغير على المشهور زوج زيد بن عاصم رضي الله تعالى عنه قالت خرجت يوم أحد لأنظر ما يصنع الناس ومعي سقاة فيه ما أسقي به الجرحى فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والربح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى حصلت الجراحة إلي ورؤى على عاتقها جرح أجوف له غور فقيل لها من أصابك بهذا قالت ابن قمئة لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير فضربني هذه الضربة وضربته ضربات ولكن عدو الله كان عليه درعان
قال وفي كلام بعضهم خرجت نسيبة يوم أحد وزوجها زيد ابن عاصم وابناهما خبيب وعبد الله رضي الله تعالى عنهم وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمكم الله أهل البيت وفي رواية بارك الله فيكم أهل بيت قالت له أم عمارة رضي الله تعالى عنها ادع الله أن نرافقك في الجنة فقال اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة أي وعند ذلك قالت رضي الله تعالى عنها ما أبالي ما اصابني من أمر الدنيا
وقال صلى الله عليه وسلم في حقها ما التفت يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا ورايتها تقاتل دوني آه أي وقد جرحت رضي الله تعالى عنها إثني عشر جرحا بين طعنة برمح أو ضربة بسيف وعبد الله ابنها رضي الله تعالى عنهما هو القاتل لمسيلمة الكذاب لعنه الله
فعنها رضي الله تعالى عنها قالت يوم اليمامة تقطعت يدي وأنا أريد قتل مسيلمة وما كان لي ناهية أي مانعة حتى رأيت الخبيث مقتولا وإذا ابني عبد الله بن زيد يمسح سيفه بثيابه فقلت أقتلته فقال نعم فسجدت لله شكرا
ولاينافيه ما اشتهر أن قاتله وحشي فعن وحشي رضي الله تعالى عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بعد أن قدم عليه في وفد ثقيف واسلم كما سيأتي يا وحشي اخرج فقاتل في سبيل الله كما كنت تقاتل لتصد عن سبيل الله فلما كان خروج المسلمين لقات لقتال مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة لما ولى الصديق رضي الله تعالى عنه الخلافة وارتدت العرب خرجت معهم فأخذت حربتي فلما رايته تهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها فوقعت فيه وشد

عليه الأنصاري فضربه بالسيف فربك أعلم اينا قتله له قال بعضهم والأنصاري هو عبد الله ابن زيد أي كما تقدم وقيل غيره
أي وفي كلام بعضهم اشترك في قتل مسيلمة الكذاب لعنه الله أبو دجانة وعبد الله بن زيد ووحشي رضي الله تعالى عنهم وفي تاريخ ابن كثير رحمه الله الاقتصار على وحشي وأبي دجانة
وقد يقال لا مخالفة لأن كلا من الرواة روى بحسب ما رأى وذكر ابن كثير أن ما يروي عن أبي دجانة رضي الله تعالى عنه من ذكر الحرز المنسوب إليه اسناده ضعيف لا يلتفت إليه
وقد نقل عن وحشي رضي الله تعالى عنه أنه قال قتلت بحربتي هذه خير الناس وشر الناس وكان عمر مسيلمة حين قتل مائة وخمسون سنة
وذكر أن أبا دجانة رضي الله تعالى عنه تترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار يقع النبل على ظهره وهو منحن حتى كثر فيه النبل
وقاتل دونه صلى الله عليه وسلم زيادة بن عمارة حتى أثبتته الجراحه أي اصابت مقاتله فقال صلى الله عليه وسلم ادنوه مني فوسده قدمه الشريف فمات رضي الله عنه وخده على قدمه الشريف صلى الله عليه وسلم
وقاتل مصعب بن عمير رضي الله عنه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتله ابن قمئه لعنه الله وهو يظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع الى قريش فقال قتلت محمدا
وقيل القاتل لمصعب رضي الله عنه أبي بن خلف لعنه الله فإنه أقبل نحو النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول أين محمدا لا نجوت إن نجا فاستقبل مصعب بن عمير رضي الله عنه فقتل مصعبا فاعترضه رجال من المسلمين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلوا طريقه أي فأقبل وهو يقول يا كذاب أين تفر وتناول النبي صلى الله عليه وسلم الحربة من بعض أصحابه أي وهو الحارث بن الصمة أو الزبير بن العوام على ما سيأتي فخدشه بها في عنقه خدشا غير كبير احتقن الدم أي لم يخرج بسبب ذلك الخدش فقال قتلني والله محمد فقالوا ذهب والله فؤادك أي وفي لفظ ذهب والله عقلك إنك لتأخذ السهام من أضلاعك فترمي بها فما هذا والله ما بك من بأس ما أخدعك إنما

هو خدش ولو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضره فقال واللات والعزى لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز أي السوق المعروف من جملة أسواق الجاهلية كان عند عرفه كما تقدم وفي لفظ لو كان بربيعه ومضر أي وفي لفظ بأهل الأرض لماتوا أجمعون إنه قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك فوالله لو بصق علي لقتلني أي فضلا عن هذه الضربة لأنه كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة يا محمد إن عندي العود يعني فرسا له أعلفه في كل يوم فرقا ( بفتح الراء ) هو مكيال معروف يسع اثني عشر مدا من ذرة أقتلك عليها فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا اقتلك إن شاء الله فحقق الله تعالى قول نبيه صلى الله عليه وسلم
هذا وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن أبي بن خلف قال حين افتدى أي من الأسر في ببدر والله إن عندي لفرسا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتل عليها محمدا فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بل أنا أقتله إن شاء الله
أقول يمكن الجمع بأنه تكرر ذلك من أبي لعنه الله ومن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم وفي رواية أبصر صلى الله عليه وسلم ترقوته بالفتح لا بالضم من فرجة من سابقة الدرع وهي ما يغطى به العنق من الدرع كما تقدم فطعنه طعنة أي كسر فيها ضلعا بكسر الضاد وفتح اللام وتسكينها من أضلاعه أي وهو المناسب لما في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم طعنه طعنة وقع فيها مرارا من على فرسه وجعل يخور كما يخور الثور إذا ذبح وإنه صلى الله عليه وسلم لما أخذ الحربة من الحارث بن الصمه وقيل من الزبير بن العوام رضي الله عنه إنتفض بها انتفاضة شديدة ثم استقبله فطعنه في عنقة
أقول ولا مخالفة بين كون الطعنه في عنقه وكونها في ترقوته لأن الترقوة في أصل العنق
ولا مخالفة أيضا بين كون الحاصل من الطعنة خدشا مع اعتنائه صلى الله عليه وسلم بالطعنة وناهيك بعزمه صلى الله عليه وسلم لأن كون الخدش في الظاهر أي بحسب ما يظهر للرئي والشدة في الباطن أقوى في النكاية ودليل وجود الشدة في الباطن وقوعه مرارا وكونه خار كالثور الذي يذبح وكون الطعن في العنق يفضي إلى كسر الضلع من خوارق العادات لكن رأيت في رواية أنه ضربه تحت إبطه فكسر ضلعا من أضلاعه
وقد يقال يجوز أن تكون الحربه نفذت من المكان المذكور قال في النور ولم يقتل

بيده الشريفه صلى الله عليه وسلم قط أحدا إلا أبي بن خلف لا قبل ولا بعد ثم مات عدو الله وهم قافلون به إلى مكة أي بسرف بفتح السين المهملة وكسر الراء وهو المناسب لوصفه لأنه مسرف وقيل ببطن رابغ
فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال انى لأ سير ببطن رابغ بعد هدوء من الليل إذا نار تأجج لى لهبها وإذا رجل يخرج منها فى سلسلة يجتذب بها يصيح العطش ونادانى ياعبد الله فلا أدرى أعرف اسمى أو كما يقول الرجل لمن يجهل اسمه ياعبد الله فالتفت إليه فقال اسقنى فأردت أن أفعل وإذارجل وهو الموكل بعذابه يقول لاتسقه هذا قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أبي بن خلف لعنه الله رواه البيهقي
ويدل لهذا ما جاء في الحديث كل من قتله نبي أو قتل بأمر نبي في زمنه يعذب من حين قتل إلى نفخ الصعقة وجاء أشد الناس عذابا من قتله نبي أي وفي رواية اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم فسحقا لأصحاب السعير وفي رواية اشتد غضب الله عز وجل على رجل قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم أكملهم لطفا ورفقا وسعة بعباد الله
وفي شرح التقريب احترز بقوله في سبيل الله عمن يقتله حدا أو قصاصا لأن من يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله كان قاصدا قتله صلى الله عليه وسلم وقد إتفق ذلك لأبي بن خلف لعنه الله وقد تقدم أن ابن مرزوق رحمه الله ذكر أن ابن عمر مر ببدر فإذا رجل يعذب ويئن فناداه يا عبدالله فالتفت إليه فقال اسقني فأردت أن أفعل فقال الأسود الموكل بتعذيبه لا تفعل يا عبدالله فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أى أصحابه رواه الطبراني في الأوسط ولابعد في تعدد الواقعة
ثم رأيت في الخصائص الكبرى ما يقتضى التعدد فإنه ذكر فيها ان ابن عمر رضي الله عنهما ذكر ذلك أى مرور ببدر للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه صلى الله عليه وسلم قال له ذلك أبو جهل وذلك عذابه إلى يوم القيامة وقد ذكرت ذلك في الكلام على غزوة بدر
ووقع صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي حفرت للمسلمين أى التى حفرها أبو عامر الفاسق والد حنظلة غسيل الملا ئكة رضى الله عنه واسم أبي عامر عبد عمرو مات كافرا بأرض الروم فر إليها لما فتحت مكة ليقعوا فيها وهم لا يعلمون فأغمى

عليه صلى الله عليه وسلم وجحشت أى خدشت ركبتاه فأخذ علي كرم الله وجهه بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما
وكان سبب وقوعه صلى الله عليه وسلم أن ابن قمئة لعنه الله علاه صلى الله عليه وسلم بالسيف فلم يؤثر فيه السيف إلا أن ثقل السيف أثر في عاتقه الشريف فشكا صلى الله عليه وسلم منه شهرا أو أكثر وقذف صلى الله عليه وسلم بالحجارة حتى وقع لشقه ورماه صلى الله عليه وسلم عتبة بن أبي وقاص أ أخو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بحجر فكسر رباعيته اليمنى السفلى وشق شفته السفلى أى ودعا عليه صلى الله عليه وسلم بقوله اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا وقد استجاب الله تعالى ذلك وقتله في ذلك اليوم حاطب بن ابي بلتعة رضي الله عنه
قال حاطب لما رأيت ما فعل عتبة برسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أين توجه عتبة فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى حيث توجه فمضيت حتى ظفرت به فضربته بالسيف فطرحت راسه فنزلت وأخذت فرسه وسيفه وجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي رضي الله عنك رضي الله عنك مرتين أى ولا يخالف هذا قول بعضهم فمات بعد قليل لكن يخالف القول بانه مات بعد ان أسلم بعد الفتح وانه اثبت ولم يولد لعتبة ولد أو ولد ولد إلا هو اهتم اى ساقط مقدم اسنانه اى التي هي الرباعيات أبخر يعرف ذلك في عقبه وكسرت البيضة اى الخوذة على رأسه صلى الله عليه وسلم وشج وجهه الشريف شجه عبدالله بن شهاب الزهري رضي الله عنه فإنه أسلم بعد ذلك وهو جد الإمام الزهري رحمه الله ويجوز أن يكون من قبل أمه أى ويقال له عبدالله الأصغر اى ولعل هذا حصل منه اقبل او بعد قوله دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف إلى جنبه ما معه أحد ثم جاوزه فعاتبه في ذلك صفوان فقال والله ما رأيته أحلف بالله إنه منا ممنوع
وجد الأمام الزهرى من قبل ابيه يقال له عبدالله بن شهاب ويقال له عبدالله الأكبر رضي الله عنه كان من مهاجري الحبشة توفي بمكة قبل الهجرة وأشار صاحب الهمزية رحمه الله إلي أن هذه الشجة لم تشنه صلى الله عليه وسلم بل زادته جمالا بقوله ** مظهر شجة الجبين على البر ** ءكما أظهر الهلال البراء ** ستر الحسن منه بالحسن فاعجب ** لجمال له الجمال وقاء ** فهو كالزهرلاح من سجف الأك ** مام والعود شق عنه اللحاء **


أي مظهر وجهه الشريف اثر جرح جبينه اى جبهته مع برئها ظهورا كظهور الهلال ليلة استهلاله ستر ذلك الوجه الحسن الأصلي بالحسن العارض بسبب ذلك الجرح فاعجب لجمال أصلي له الجمال العارض وقاية وساتر فهو أى ما ظهر بذلك الجرح كالزهر إذا ظهر من ستره وكالعودالذي يتطيب به إذا أزيل عنه قشره وقال حسان رضي الله عنه في وصف جبينه الشريف صلى الله عليه وسلم
** متى بيد في الداجي البهيم جبينه ** يلح مثل مصباح الدجى المتوقد **

وجرحت وجناته صلى الله عليه وسلم بسبب دخول حلقتين من المغفر في وجنتيه بضربة من ابن قمئة لعنه الله وقال له لما ضربه خذها وأنا ابن قمئة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أقمأك الله عز وجل اي أصغرك وأذلك وقد استجاب الله فيه دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم
فإنه بعد الوقعة خرج إلى غنمه فوافاها على ذروة الجبل اى أعلى الجبل فأخذ يعترضها فشد عليه كبشها فنطحه نطحة أرداه من شاهق الجبل فتقطع وفي رواية فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة
أقول ويمكن الجمع بانه لما نطحه ذلك الكبش ووقع من شاهق الجبل إلى أسفل سلط الله عليه عند ذلك تيس الجبل فنطحه حتى قطعه قطعا زيادة في نكاله وخزيه ووباله لعنه الله عليه والله اعلم
ولما جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم صار الدم يسيل على وجه الشريف وجعل صلى الله عليه وسلم يمسح الدم وفي لفظ ينشف دمه وهو يقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم أى وفي رواية اشتد غضب الله علي قوم أدموا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعال { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون } أى وفي رواية صار صلى الله عليه وسلم يقول اللهم العن فلانا وفلانا أي اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن أمية فأنزل الله تعالى الآية
فإن قيل كيف هذا مع قوله تعالى { والله يعصمك من الناس } أجيب بان هذه الأية نزلت بعد احد
وعلى تسليم أنها نزلت قبله فالمراد عصمته من القتل قال الشيخ محي الدين ابن العربي رحمه الله لا يخفى أن أجر كل نبي في التبليغ يكون على قدر ما ناله من المشقة

الحاصلة له من المخالفين له وعلى قدر ما يقاسيه منهم وله أجر الهداية لمن أطاعه ولا احد أكثر أجرا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يتفق لنبي من الأنبياء ما اتفق له صلى الله عليه وسلم في كثير من طائعي أمة أجابته ولا في كثير عصاة أمة دعوته الخارجين عن الأجابة
وامتص مالك بن سنان الخدري وهو والدابي سعيد الخدري رضي الله عنهما دم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ازدرده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مس د دمي دمه لم تصبه النار
وفي رواية انه صلى الله عليه وسلم قال من أراد أن ينظر إلى رجل من اهل الجنة فلينظر إلى هذا وأشار إليه فاستشهد في هذه الغزاة وفي لفظ من سره ان ينظر إلى من لا تمسه النار فلينظر إلي مالك بن سنان رضي الله عنه ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أمر هذا الذي امتص دمه بغسل فمه ولأأنه غسل فمه من ذلك كما لم ينقل انه أمر حاضنته أم أيمن بركة الحبشية رضي الله عنها بغسل فمها ولا هي غسلته من ذلك لما شربت بوله صلى الله عليه وسلم
فعنها رضي الله عنهما انها قالت قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل إلى فخارة أى تحت سريره فبال فيها فقمت وانا عطشى فشربت ما في الفخارة وأنا لا أشعر فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أم أيمن قومي إلى تلك الفخارة فأهريقي ما فيها فقالت والله لقد شربت ما فيها فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال لا يجفر بالجيم والفاء بطنك بعده أبدا وفي لفظ لا تلج النار بطنك وفي أخرى لا تشتكي بطنك اي ويجوز انه صلى الله عليه وسلم قال هذه الألفاظ الثلاثة وكل روى بحسب ما سمع منها فتكون هذه الأمور الثلاثة تحصل لأم أيمن رضي الله عنها وفي رواية بدل فخارة إناء من عيدان بالفتح الطوال من النخل فإن صحا حملا على التعدد لأم أيمن رضي الله عنها ولا مانع منه
وقد شرب بوله صلى الله عليه وسلم ايضا أمراة يقال لها بركة بنت ثعلبة بن عمرو كانت تخدم ام حبيبة رضي الله عنها جاءت معها من الحبشة أى ومن ثم قيل لها بركة الحبشية
وفي كلام ابن الجوزي بركة بنت يسار مولاة ابي سفيان الحبشية خادمة أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم هذا كلامه

ولا مخالفة لأنه يجوز أن يكون يسار لقبه ثعلبة وكانت معها في الحبشة ثم قدمت معها مكة كانت تكنى بأم يوسف فقال صلى الله عليه وسلم حين علم أنها شربت ذلك صحة يا أم يوسف فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال لها لقد احتظرت من النار بحظار وشرب دمه صلى الله عليه وسلم أيضا أبو طيبة الحجام وعلي كرم الله وجهه وكذا عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما
فعن عبدالله بن الزبير قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم فلما فرغ قال يا عبدالله اذهب بهذا الدم فأهرقه حتى لا يراك أحد قال فشربته فلما رجعت قال يا عبدالله ما صنعت قلت جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى على الناس قال لعلك شربته قلت نعم قال ويل للناس منك وويل لك من الناس وكان بسبب ذلك على غاية من الشجاعة
ولما وفد أخوه شقيقه عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة من المدينة على عبدالملك بن مروان قال له يوما ما أريد أن تعطيني سيف أخي عبدالله فقال له عبدالملك هو بين السيوف ولا أميزه فقال له عروة إذا حضرت السيوف ميزته أنا فأمر عبد الملك بإحضارها فلما أحضرت أخذ منها سيفا مفلل الحد وقال هذا سيف أخي فقال له عبد الملك كنت تعرفه قبل الآن قال لا فقال كيف عرفته قال بقول النابغة الذبياني ** ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ** بهن فلول من قراع الكتائب **
وأخذ من ذلك بعض أئمتنا طهارة فضلاته صلى الله عليه وسلم حيث لم يأمره بغسل فمه ولم يغسل هو فمه وأن شربه جائز حيث أقر على شربه
وما أورده في الإستيعاب أن رجلا من الصحابة اسمه سالم حجمه صلى الله عليه وسلم ثم ازدرد دمه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أما علمت أن الدم كله حرام أي شربه غير صحيح فقد قال بعضهم هو حديث لا يعرف له إسناد فلا يعارض ما قبله على أنه يمكن أن يكون ذلك سابقا على إقراره على ذلك والله أعلم
ونزع أبو عبيدة عامر بن عبدالله الجراج رضي الله تعالى عنه إحدى الحلقتين من وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت ثنية أبي عبيدة ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى


وقيل الذي نزعهما عقبة بن وهب بن كلدة وقيل طلحة بن عبيد الله ولعل الثلاثة عالجوا إخراجها وكان أشدهم لذلك ابو عبيدة رضي الله عنه
قال بعضهم ولما سقط مقدم أسنان أبي عبيدة صار أهتم ولم يرقط اهتم أحسن من أبي عبيدة لأن ذلك الهتم حسن فاه
وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول القائل قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك قال عرفت عينيه تزهران اي تضيئان وتتوقدان من تحت المغفر وهو ما يجعل علي الراس من الزرد فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين ابشرو هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلي أن أنصت
وعن بعض الصحابة قال لما صرخ الشيطان قتل محمد لم يشك في أنه حق وما زلنا كذلك حتي طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعديين فعرفناه بتكفيه إذا مشي ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهزظ معهم نحو الشعب فيهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير والحارث ابن الصمة رضي الله تعالى عنهم
وفي خصائص العشرة للزمخشري وثبت يعني الزبير رضي الله تعالى عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبايعه على الموت هذا كلامه فليتأمل
وقول بعض الرافضة انهزم الناس كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ممنوع وقوله وتعجبت الملائكة من شأن علي وقول جبريل عليه السلام وهو يعرج إلى السماء لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي قوله وقتل علي كرم الله وجهه أكثر المشركين في هذه الغزوة فكان الفتح فيها على يديه وقال أصابتني يوم أحد ست عشرة ضربة سقطت إلى الأرض في اربع منهن فجاءني رجل حسن الوجه حسن اللحية طيب الريح وأخذ بضبعي فأقامني ثم قال أقبل عليهم فقاتل في طاعة الله وطاعة رسول الله فإنهما عنك راضيان
ولما أخربت النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا علي أما تعرف الرجل فقلت لا ولكن شبهته بدحية الكلبي فقال صلى الله عليه وسلم يا علي أقر الله عينك فإنه جبريل عليه السلام جميعه رده الإمام أبو العباس بن تيمية بأنه كذب باتفاق الناس وبين ذلك بما يطول


قال وأقبل عثمان بن عبد الله بن المغيرة على فرس أبلق وعليه لامة كاملة قاصدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوجه للشعب وهو يقول لا نجوت إن نجا فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فعثر بعثمان فرسه في بعض تلك الحفر ومشى إليه الحارث بن الصمة رضي الله تعالى عنه فاصطدما ساعة بسيفهما ثم ضربه الحارث على رجله فبرك ودفف عليه وأخذ درعه ومغفرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي أحانه أي أهلكه
وأقبل عبيد الله بن جابر العامري يعدو فضرب الحارث على عاتقه فجرحه فاحتمله أصحابه ووثب أبو دجانة رضي الله تعالى عنه إلى عبيد الله فذبحه بالسيف ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى
ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حتى ملأ درقته ماء وغسل به صلى الله عليه وسلم عن وجهه الشريف الدم وهو يقول اشتد غضب الله علي من أدمي وجه نبيه أي والسياق يقتضي أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك ايضا بعد قوله كيف يفلح قوما خضبوا وجه نبيهم ونزول تلك الآية فإن ذلك كان قبل غسل وجهه الشريف
ثم قال اراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلو الصخرة التي في الشعب فلما ذهب ينهض لم يستطع أي لأنه صلى الله عليه وسلم ضعف من كثرة ما خرج من دم رأسه الشريف وجهه مع كونه صلى الله عليه وسلم عليه درعان فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب طلحة أي فعل شيئا ستوجب به الجنة حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع انتهى
أي وقيل أن طلحة ى رضي الله تعالى عنه كان في مشيه اختلاف لعرج كان به فلما حمل النبي صلى الله عليه وسلم تكلف استقامة المشي لئلا يشق عليه صلى الله عليه وسلم فذهب عرجه ولم يعد إليه
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم انطلق حتى أتى اصحاب الصخرة أي الجماعة الذين من الصحابة الذين علوا الصخرة أي التي في الشعب فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه واراد أن يرميه فقال صلى الله عليه وسلم أنا رسول الله ففرحوا بذلك وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وجد في أصحابه من يمنع أي ولعل هذا الذي أراد رميه صلى الله عليه وسلم لم يعرفه ولا من معه من الصحابة لارتفاع الصخرة


قال وعطش صلى الله عليه وسلم عطشا شديدا أي ولم يشرب من الماء الذي جاء به علي كرم الله وجهه في درقته أنه صلى الله عليه وسلم وجدله ريحا فعافه أي كرهه فخرج محمد بن مسلم رضي الله تعالى عنه يطلب له ماء فلم يجد فذهب إلى مياه فأتى منها بماء عذب فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير
وفي بعض الروايات أن نساء المدينة خرجن وفيهن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم فلما لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته وعلى كرم الله وجهه يسكب الماء فتزايد الدم فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير أي معمول من البردى فأحرقته بالنار حتى فصار رمادا فأخذت ذلك الرماد وكمدته حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم انتهى أي لأن البرد له فعل قوي في حبس الدم لأن فيه تجفيفا قويا
وفي حديث غريب أنه صلى الله عليه وسلم داوى جرحه بعظم بال أي محرق
وقد يقال يجوز أن يكون الراوي ظن ذلك البردى المحرق عظما محرقا بناء على صحة تلك الرواية وعن وضع هذا الرماد الحار عبر بعضهم بأنه صلى الله عليه وسلم اكتوى في وجهه وجعله معارضا للحديث الصحيح في وصف السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة من غير حساب بأنهم لا يكتوون
وعارضه أيضا بأنه صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ مرتين ليرقأ اي ينقطع الدم من جرحه وكوى أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه لمرض الذبحة
ففي كلام بعضهم كان موت أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه بمرض يقال له الذبحة فكواه النبي صلى الله عليه وسلم وقال بئس الميتة لليهود يقولون أفلا دفع عن صاحبه وما أملك له ولا لنفسي شيئا
وأجيب بأن هذا الحديث محمول على من اكتوى خوفا من حدوث الداء أو لأنهم كانوا يعظمون أمره ويرون أنه يقطع الداء وإذا لم يكوى العضو عطب وبطل وهو محمل قوله صلى الله عليه وسلم لم يتوكل من اكتوى أو على من يفعل مع قيام غيره من الأدوية مقامه
ومحمل ما في الخصائص الكبرى أن الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه وتسلم عليه من جانب بيته ثلاثين سنة حتى اكتوى اي لبواسير كانت به فكان يصبر

على ألمها فلما ترك الكي عادت الملائكة إلى سلامها عليه لأن ذلك قادح في التوكل
وما في البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الشفاء في ثلاثة شربة عسل شرطة محجم وكية نار وأنا أنهى أمتي عن الكي وفي رواية وما أحب أن أكتوي اي النهي للتنزيه لا للتحريم وإلا لم يفعله عمران مع علمه بالنهي
قال في الهدى وأراد صلى الله عليه وسلم بقوله وأنا أنهى إلى آخره أي أنه لا يؤتى بالكي إلا إذا لم ينجع الدواء فلا يأتي به أولا ومن ثم آخره
قيل والفصد داخل في شرطة المحجم والحجامة في البلاد الحارة أنفع من الفصد هذا كلامه
وبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب مع اولئك النفر من أصحابه إذا علت طائفة من قريش الجبل معهم خالد بن الوليد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنهم لا ينبغي لهم أن يعلونا اللهم لا قوة لنا إلا بك فقاتلهم عمر بن الخطاب وجماعة من المهاجرين حتى أهبطوا من ا لجبل أي ونزل قوله تعالى { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون } في لا تضعفوا عن الحرب ولا تحزنوا على ما فاتكم من الظفر بالكفار
وللعل هذا كان قبل أن يعلو صلى الله عليه وسلم الصخرة كما تقدم أو لعل الجبل كان اعلى من تلك الصخرة
قال وفي بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم قال لسعد ارددهم قال كيف أردهم وحدي فقال له ارددهم قال سعد رضي الله تعالى عنه فأخذت سهما من كنانتي فرميت به رجلا منهم فقتلته ثم أخذت سهما فإذا هو سهمي الذي رميت به آخر فقتلته ثم أخذت سهما آخر فإذا هو سهمي الذي رميت به فرميت به آخر فقتلته ثم أخذت سهما فإذا هو سهمي الذي رميت به فرميت به آخر فقتلته فهبطوا من مكانهم فقلت هذا سهم مبارك فكان عندي في كنانتي لا يفارق كنانتي وكان بعده عند بنيه انتهى
أي وحينئذ يحتاج إلى الجمع بين هذا أي كون سعد ردهم وحده بهذا السهم وما قبله الدال على أن الراد لهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وجماعة من المهاجرين
روى عنه أنه قال لقد رأيتني أرمي بالسهم يوم أحد فيرده على رجل أبيض حسن

الوجه لا اعرفه حتى كان بعد أي حتى بعد انقضاء الحرب لم أعرفه فظننت أنه ملك أي وفي رواية عنه أنه قال رميت بسهم فرده علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسهمي أعرفه حتى واليت بين ثمانية أو تسعة كل ذلك يرده علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت هذا سهم دم أي يصيب فجعلته في كنانتي لا يفارقني
أقول ولا منافاة بين هذا وبين قوله ثم أخذت سهما لان قوله المذكور لا ينافي أن يكون أخذه بمناولته صلى الله عليه وسلم لا من كنانته كما قد يتبادر ولا بين قوله فيرده علي رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه لأنه يجوز أن يكون ذلك الرجل كان يرد السهام التي كان يرمى بها حتى لا تفنى سهامه إلا هذا السهم فإنه لم يرده له بل يناوله له رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرده عليه ولا منافاة بين قوله حتى وليت بين ثمانية أو تسعة وبين إخباره بقوله ثم أخذت سهما إلى أن عدد خمس مرات لأنه يجوز أن تكون تلك الخمسة قتل فيها وفيما زاد لم يقتل بل جرح فليتأمل والله أعلم
وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهر ذلك اليوم وهو جالس من الجراحة التي أصابته وصلى المسلمون خلفه قعودا أي ولعل ذلك كان بعد انصراف عدوهم وإنما صلى المسلمون خلفه صلى الله عليه وسلم قعودا موافقة له صلى الله عليه وسلم وقد نسخ ذلك
أو أن من صلى قاعدا إنما هو لما اصابهم من الجراح وكانوا هم الأغلب فقيل صلى المسلمون خلفه قعودا فقد جاء أنه وجد بطلحة رضي الله تعالى عنه نيف وسبعون جراحه من طعنة وضربة ورمية وقطعت أصبعه وفي رواية أنامله وعند ذلك قال حسن فقال له صلى الله عليه وسلم لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة عليهم السلام والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء زاد في لفظ ولرايت بناءك الذي بنى الله لك في الجنة وأنت في الدنيا
وفي البخاري عن قيس ابن أبي حازم قال رأيت يد طلحة بن عبيد الله شلاء وقي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أي من سهم وقيل من حربة ونزف به الدم حتى غشي عليه ونضح أبو بكر رضي الله تعالى عنه الماء في وجهه حتى افاق فقال ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أبو بكر هو بخير وهو أرسلني إليك فقال الحمد لله كل مصيبة بعده جلل أي قليلة


وكان يقال لطلحة رضي الله تعالى عنه الفياض سماه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة العشيرة كما تقدم وسماه طلحة الجود في أحد لأنه أنفق في أحد سبعمائة ألف درهم وسماه في أحد ايضا طلحة الخير
وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه أصيب فوه فهتم وجرح عشرين جراحة قال وفي رواية عشرين جراحة فأكثر وجرح في رجله فكان يعرج منها
وأصاب كعب ابن مالك رضي الله تعالى عنه سبعة عشر جراحه وفي رواية عشرون جراحه قال عاصم ابن عمر ابن قتادة كان عندنا رجل غريب لا ندري ممن هو أي يظهر الإسلام يقال له قزمان وكان ذا بأس وقوة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر يقول إنه لمن أهل النار فلما كان يوم أحد قاتل قزمان قتالا شديدا أي فكان أول من رمى من المسلمين بسهم وكان يرمي النبال كأنها الرمال ثم فعل بالسيف الأفاعيل فكان يكت كتيت الجمل وقتل ثمانية أو تسعة من المشركين ولما أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك قال إنه من أهل النار فأعظم الناس ذلك وأثبتته الجراحه فاحتمل إلى دار بني ظفر لأنه كان حليفا لهم فجعل رجال من المسلمين يقولون والله لقد ابتليت اليوم يا قزمان فأبشر فيقول بماذا ابشر فوالله ما قاتلت إلا على أحساب قومي أي على شرفهم ومفاخرهم أي مناصرة لهم ولولا ذلك ما قاتلت أي فلم يقاتل لإعلاء كلمة الله ورسوله وقهر اعدائهما
أي وفي رواية أن قتادة رضي الله تعالى عنه قال له هنيئا لك الشهادة يا أبا الغيداق فقال إني والله ما قاتلت يا أبا عمرو على دين ما قاتلت إلا على الحفاظ أن تسير إلينا قريش حتى تطأ أرضنا فلما اشتدت عليه الجراحه أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه أي قطع به عروقا في باطن الذراع يقال لها الزواهق أي وفي رواية فجعل ذباب سيفه في صدره أي بين ثدييه كما في رواية ثم تحامل عليه حتى قتل نفسه قال في النور وهو الصحيح ولا مانع أن يكون فعل كلا من الامرين أي وعند ذلك جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وما ذاك قال الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أصحاب النار فعل كذا وكذا
وقد جاء سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقاتل

لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله فنص عليه وحينئذ قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة
ففيه اشارة إلى أن باطن الامر قد يكون بخلاف ظاهره وقال صلى الله عليه وسلم إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر أي وقد أشار إلى هذا الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله ** وقلت لشخص يدعي الدين إنه ** بنار فالقى نفسه للمنية **
هذا وفي كلام ابن الجوزي عن ابي هريرة رضي الله تعالى عنه قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام هذا من أهل النار فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل يا رسول الله الرجل الذي قلت إنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم كما قال إلى النار ثم قيل إنه لم يمت ولكن به جراحة شديدة فلما كان من الليل لم يصبر على الجراحة فقتل نفسه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله فأمر بلالا فنادى في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلم وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وهذا الرجل اسمه قزمان من المنافقين هذا كلامه فليتأمل فإن تعدد الشخص بهذا الاسم فيه بعد ولعل ذكر خيبر بدل أحد اشتباه من الراوي وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر عام فيدخل فيه كل من الملك والعالم الذي جعل تسليكه وتعليمه مصيدة للدنيا وأكل الحرام فإن الله يحيي بهما قلوبا ويهدي بهما إلى سواء السبيل مع أنهما فاجران
وقتل الأصيرم أصيرم بني عبد الأشهل قال بعضهم كان الأصيرم يأبى الإسلام على قومه بني عبد الأشهل فلما كان يوم خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد جاء إلى المدينة فسأل عن قومه فقيل له بأحد فبدا له في الإسلام أي رغب فيه فأسلم ثم أخذ سيفه ورمحه ولأمته وركب فرسه فغدا بالغين المعجمة حتى دخل في عرض الناس أي بضم العين المهملة وبالضاء المعجمة جانبهم وناحيتهم فقاتل حتى أثبتته الجراحة أصابت مقاتله فبينما رجال من بني عبد الاشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به فقالوا والله إن هذا الأصيرم فسألوه ما جاء بك مناصرة لقومك أم رغبة في الإسلام

فقال بل رغبة في الإسلام آمنت بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم ثم جئت وقاتلت حتى اصابني ما أصابني ثم لم يلبث أن مات في ايديهم فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنه لمن أهل الجنة وكان أبو هريرة يقول حدثني عن رجل دخل الجنة ولم يصل يعني الأصيرم ويصدق على هذا قوله عليه الصلاة والسلام وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار الحديث
أي وممن يدخل الجنة ولم يصل الأسود الراعي لبعض يهود خيبر الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله أعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم ثم تقدم ليقاتل فأصابه حجر فقتله وما صلى صلاة قط كما سيأتي في غزاة خيبر
وقتل حنظلة بن أبي عامر الفاسق رضي الله تعالى عنه وأبو عامر هذا هو الذي كان يسمى في الجاهلية الراهب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق كما تقدم وكان هو وعبد الله بن أبي بن سلول من رؤوس أهل المدينة وعظمائها المتوجين للرياسة على أهلها
وكان أبو عامر من الاوس ويقال له ابن صيفي وكان عبد الله من الخزرج فعبد الله بن أبي أظهر الإسلام وأما ابو عامر فأصر على الكفر إلى ان مات طريدا وحيدا إجابة لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دعا عليه بذلك وإلى ذلك أشار الإمام السبكي رحمه الله في تائيته بقوله ** ومات ابن صيفي على الصفة التي ** ذكرت وحيدا بعد طرد وغربة **
وقد كان أبو عامر هذا خرج من المدينة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه خمسون غلاما وقيل خمسة عشر من قومه من الأوس فلحق بمكة وكان يعد قريشا أنه لو لقي قومه أي الأوس لم يختلف عليه منهم رجلان فلما جاء مع قريش نادى يا معشر الأوس أنا أبو عامر وقالوا له لا انعم الله بك عينا يا فاسق أي وفي لفظ قالوا له لا مرحبا بك ولا أهلا يا فاسق ولا مانع من صدور الأمرين منهم فلما سمع ردهم عليه قال لعنه الله لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتل قتالا شديدا وهو الذي حفر الحفائر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون التي وقع في إحداها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم أي وكان هو أول من اثار الحرب وضرب بأسهم في وجوه المسلمين واستأذن ولده حنظلة رضي الله تعالى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله فنهاه عن قتله

وسبب قتل حنظلة رضي الله تعالى عنه أن حنظلة ضرب فرس أبي سفيان فوقع على الأرض فصاح وعلاه حنظلة رضي الله تعالى عنه يريد ذبحه فرآه شداد بن الأوس كذا في الأصل قيل وصوابه شداد بن الاسود فحمل عليه فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صاحبكم يعني حنظلة لتغسله الملائكة أي وفي رواية رأيت الملائكة تغسل حنظلة بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة فسئلت صاحبته أي زوجته وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين أخت ولده عبد الله رضي الله تعالى عنهما فقالت خرج جنبا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك غسلته الملائكة فأنه دخل عليها عروسا تلك الليلة التي صبيحتها أحد وقد كان استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أي في الدخول بها فلما صلى الصبح غدا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلزمته فكان معها فأجنب منها ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى العدو فعجل عن الغسل إجابة للداعي
وفي رواية أنما قالت خرج وهو جنب حين سمع الهاتفه أي الصياح بالخروج للعدو وفي لفظ الهائعة وفي لفظ الهيعة من الهياع وهو الصياح الذي فيه فزع وقد جاء في الحديث خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه فلما سمع هيعة طار إليها
وفي رواية وقد كان غسل أحد شقيه فخرج ولم يغسل الشق الآخر وقد رأت هي تلك الليلة أن السماء قد فرجت فدخل فيها ثم أطبقت وجاءأنها أشهدت أربعة من قومها عليه بالدخول بها خشية أن يكون في ذلك نزاع قالت لأني رايت السماء فرجت فدخل فيها ثم أطبقت فقلت هذه الشهادة وعلقت منه بعبد الله بن حنظلة رضي الله تعالى عنه في تلك الليلة وعبد الله هذا هو الذي ولاه أهل المدينة عليهم لما خلعوا يزيد بن معاوية وكان ذلك سببا لوقعة الحرة ولم تمثل قريش بحنظلة رضي الله تعالى عنه لكون والده معهم الذي هو أبو عامرالراهب لعنه الله
وفي الإمتاع وجعل أبو قتادة الأنصاري يريد التمثيل من قريش لما رأى من المثلة بالمسلمين فقال له صلى الله عليه وسلم يا أنا قتادة إن قريشا أهل أمانة من بغاهم العواثر أكبه الله تعالى إلى فيه وعسى إن طالت بك مدة أن تحقر عملك مع أعمالهم وفعالك مع فعالهم لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله فقال أبو قتادة والله يا رسول الله ما غضبت إلالله ورسوله فقال صدقت بئس القوم كانوا لنبيهم قال وجاء

أنه صلى الله عليه وسلم هم أن يدعو عليهم فنزلت الآية المذكورة أي { ليس لك من الأمر شيء } فكف عن الدعاء عليهم أي وفيه أنها نزلت بعد قوله اللهم العن فلانا وفلانا إلى آخرما تقدم عن بعض الروايات إلا أن يقال أراد صلى الله عليه وسلم المداومة على الدعاء عليهم وعن أبي سعيد الساعدي قال ذهبنا إلى حنظلة رضي الله تعالى عنه فإذا رأسه يقطر ماء انتهى
أي فعلم أنه لا منافاة بين كونه صلى الله عليه وسلم دعا عليهم وبين كونه هم بالدعاء عليهم لأنه يجوز أن يكون المراد هم بتكرير الدعاء عليهم وفي البخاري ومسلم والنسائي عن جاء رضي الله تعالى عنه قال قال رجل يوم أحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن قتلت فاين انا قال في الجنة فألقى تمرات كن في يده فقاتل حتى قتل قال في طرح التثريب قال الخطيب كانت هذه القصة يوم بدر لا يوم أحد فأشار إلى تضعيف رواية الصحيحين التي فيها يوم أحد ولا توجيه لذلك بل التضعيف تفسير هذه بهذه أي جعلهما قصة واحدة وكل منهما صحيحة وهما قصتان لشخصين هذا كلامه وقد تقدم في غزاة بدر الحوالة على هذا فليتأمل أي وأقبل رجل من المشركين مقنعا بالحديد يقول أنا ابن عويف فتلقاه رشيد الأنصاري الفارسي فضربه على عاتقه فقطع الدرع وقال خذها وأنا الغلام الفارسي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرى ذلك ويسمعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلا قلت خذها وأنا الغلام الأنصاري فعرض لرشيد أخو ذلك المقتول بعد وكأنه كلب وهو يقول أنا ابن عويف فضربه رشيد على رأسه وعليه المغفر ففلق رأسه وقال خذها وأنا الغلام الأنصاري فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أحسنت ] يا أبا عبد الله وكان يومئذ لا ولد له
وقتل عمرو بن الجموح رضي الله تعالى عنه وكان أعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الاسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد فلما كان يوم أحد ارادوا حبسه وقالوا له قد عذرك الله فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن بني يريدون أن يحبسوني عن الخروج معك فوالله إني أريد أن أطأ بعرجتي هذه الجنة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أنت فقد أعذرك الله فلا جهاد عليك وقال لبنيه ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة فأخذ سلاحه وخرج واقبل على القبلة وقال اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني خائبا إلى أهلي فقتل فقال رسول الله صلى الله

عليه وسلم والذي نفسي بيده إن منكم من لو أقسم على الله لأبره منهم عمرو بن الجموح ولقد رأيته يطأ في الجنة بعرجته أي كشف له عن حاله يوم القيامة اي وفي رواية أنه قال يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة
أقول لكن يمكن الجمع بانه في أول دخوله الجنة يطؤها برجله غير صحيحة ثم تصير صحيحة وعمرو بن الجموح رضي الله تعالى عنه كان في الجاهلية على أصنامهم اي سادنا لها وكان في الاسلام يولم عنه صلى الله عليه وسلم إذا تزوج
وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم مثل ذلك لأنس بن النضر عم أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لما كسرت اخته الربيع ثنية جارية من الأنصار فطلب أهلها القصاص وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسر ثنية الربيع قال أخوها أنس المذكور والله لا تكسر ثنية الربيع وصار كلما يقول صلى الله عليه وسلم كتاب الله القصاص يقول والله لا تكسر ثنية الربيع فرضي القوم بالأرش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لابره وقال صلى الله عليه وسلم ذلك في حق البراء بن مالك أخي أنس بن مالك رضي الله عنهما فعن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رب أشعث أغبر لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك ومصداق ذلك ما وقع له رضي الله تعالى عنه في مقاتلة الفرس فإن الفرس غلبوا المسلمين فقالوا له يا براء أقسم على ربك فقال أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم فحمل رضي الله تعالى عنه وحمل المسلمون معه فقتل عظيم الفرس وانهزم الفرس ثم قتل البراء رضي الله تعالى عنه
ومما وقع أنه كان مع أخيه أنس رضي الله تعالى عنه عند بعض حصون العدو بالعراق وكانوا يلقون كلاليب معلقة في سلاسل محماة يخطفون بها الانسان فكان من جملة من خطف أنس رضي الله تعالى عنه فأقبل البراء رضي الله تعالى عنه وصعد محلا عاليا وأمسك السلسلة بيده ولا زال حتى قطع السلسلة ثم نظر الى يده فإذا عظمها يلوح ليس عليه لحم ونجى الله أنسا رضي الله تعالى عنه بذلك وقال صلى الله عليه وسلم ما تقدم في حق أويس القرني رضي الله تعالى عنه


فعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن خير التابعين رجل يقال له أويس بن عامر القرني فمن لقيه منكم فمروه أن يستغفر لكم وفي رواية خطابا لعمر رضي الله عنه يأتي عليك أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن كان به برص فبرىء منه إلا موضع درهم له أم هو بها بار لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل والله أعلم
وقتل أيضا أحد بني عمرو بن الجموح وهوخلاد رضي الله تعالى عنه وقتل أخو زوجته هند بنت حزام وهو عبد الله والد جابر رضى الله عنه فحملتهم هند على بعير لها تريد أن تدفنهم في المدينة فلقيتها عائشة رضي الله عنها وقد خرجت فى نسوة يستروحن الخبر فقالت لها عائشة رضي الله عنها جاء خبر الجيش فقالت اما رسول الله صلى الله عليه وسلم فصالح وكل مصيبة بعده جلل واتخذ الله من المؤمنين شهداء ثم قالت لها من هؤلاء قالت أخي عبدالله وابني خلاد وزوجي عمرو بن الجموح رضي الله عنهم فبرك بهم البعير وصار كلما توجه إلي المدينة يبرك وإن وجه إلي أرض أحد نزع فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته فقال إن الجمل مأمور فقبرهم بأحد وقال صلى الله عليه وسلم لهند يا هند ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينظرون اين يدفن ولعل هذا كان قبل ان ينادى برد القتلى إلى مضاجعهم قال جابر رضي الله عنه كان ابي أول قتيل للمسلمين قتله ابو الأعور السلمي
وفي الصحيح أن عائشة رضي الله عنها وام سليم كانا يسقيان الناس يفرغان من القرب في أفواه القوم
أى ولا مخالفة لأنه يجوز أن يكون ذلك شان عائشة بعد وصولها لاحد اى وقد كان صلى الله عليه وسلم خلف اليمان والد حذيفة وثابت بن وقس في الاطام مع النساء والصبيان لأنهما كانا شيخين كبيرين فقال احدهما لصاحبه لا أبالك ما ننتظر فوالله إن بقي لواحد منا في عمره إلا ظمء حمار أفلا ناخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله يرزقنا الشهادة فاخذ أسيافهم ثم خرجا حتى دخلا فى الناس من جهة المشركين ولم يعلم المسلمون بهما فأما ثابت فقتله المشركون وأما المان فاختلف عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولم يعرفوه
وذكر السهيلي أن في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما أن الذي قتله خطا هو عتبة

ابن مسعود أخو عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وعتبة هو اول من سمي المصحف مصحفا وعند ذلك قال حذيفة أبي فقالوا ما عرفناه فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يديه فتصدق حذيفة رضي الله تعالى عنه بديته على المسلمين فزاده ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا واسم اليمان حسيل وقيل له اليمان لأنه نسب إلى جده اليمان بن الحارث وقيل إنما قيل له اليمان لانه أصاب دما في قومه فهرب إلى المدينة فحالف بني الأشهل فسماه قومه اليمان لمحالفته اليمانية ية أى وهم أهل المدينة
ومما يؤثر عن حذيفة رضي الله عنه أنه قيل له من ميت الاحياء قال الذي لا ينكر المنكر بيديه ولا بلسانه ولا بقلبه
وفي الكشاف وعن حذيفة رضي الله عنه أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه وهو في صف المشركين اي قبل ان يسلم فقال صلى الله عليه وسلم له دعه يليه غيرك هذا كلامه ولم أقف على أي غزاة كان ذلك فيها وسياق ما قبله يدل على أنه كان من الأنصار كان حليفا لبني عبد الأشهل ولم يحفظ أن أحدا من الأنصار قاتله صلى الله عليه وسلم قبل الاسلام فليتأمل
ثم إن هندا زوج أبي سفيان والنسوة اللاتي خرجن معها صرن يمثلن بقتلى المسلمين يجدعن أي يقطعن من آذانهم وأنوفهم واتخذن من ذلك قلائد وبقرت أي سقت هند بطن سيدنا حمزة رضي الله عنه أخرجت كبده فلاكتها أي مضغتها فلم تستطع أن تسيغها اي تبتلعها فلفظتها اي القتها من فيها أي لآنها كانت نذرت إن قدرت على حمزة رضي الله عنه لتأكلن من كبده ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها أخرجت كبد حمزة قال هل أكلت منه شيئا قالوا لا قال إن الله قد حرم على النار أن تذوق من لحم حمزة شيئا أبدا أي ولو أكلت منه أي استقر في جوفها لم تمسها النار
وفي رواية لو أدخل بطنها لم تمسها النار لأن حمزة أكرم على الله من ان يدخل شيء من جسده النار
أي ورايت في بعض السير أنها شوت منه ثم أكلت
وقد يقال لا منافاة لجواز حمل الأكل على مجرد المضغ من غير إساغة قال وفي رواية أن وحشيا هو الذي بقر بطن حمزة رضي الله تعالى عنه وأخرج كبده وجاء بها إلى هند أي وقال لها ماذا لي إن قتلت قاتل أبيك قالت سلبى فقال هذه كبد حمزة فأعطته

ثيابها وحليها ووعدته إذا وصلت إلى مكة تدفع له عشرة دنانير وجاء بها إلى مصرع حمزة رضي الله تعالى عنه فجدعت أنفه وأذنيه أي وفي لفظ فقطعت مذاكيره جدعت أنفه وقطعت أذنيه ثم جعلت ذلك كالسوار في يديها وقلائد في عنقها واستمرت كذلك حتى قدمت مكة
وفي النهر لأبي حيان أن وحشيا جعل له على قتل حمزة أن يعتق فلم يوف له بذلك فندم على ما صنع
ثم أن هندا علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها وأنشدت أبياتا ثم إن زوجها أبا سفيان أشرف على الجبل كذا في البخارى أنه اشرف وفي رواية كان بأسفل الجبل
وقد يقال لا مخالفة لجواز وقوع الامرين معا ثم صرخ بأعلى صوته أنعمت فعال إن الحرب سجال أي ومعنى سجال مرة لنا ومرة علينا يوم أحد بيوم بدر وأنعمت بكسر التاء خطابا لنفسه أو للأزلام لأنه استقسم بها عند خروجه إلى أحد فخرج الذي يحب وهو افعل والفاء من فعال مفتوحة وليست من أبنية الكلمة وهي أمر أي ارتفع عن لومها أي النفس أو الأزلام يقال عال عني أي ارتفع عني ودعني أي وزاد في لفظ يوم لنا ويوم علينا ويوم نساء ويوم نسر حنظلة بحنظلة وفلان بفلان
أي وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال الحرب سجال وقد قال تعالى { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس } وقد نزل ذلك في قصة أحد باتفاق
ثم قال أبو سفيان إنكم ستجدون في القوم وفي رواية في قتلاكم مثله لم آمر بها ولم تسرني وفي رواية والله ما رضيت وما سخطت وما امرت وما نهيت وفي لفظ ما أمرت ولا نهيت ولا احببت ولا كرهت ولا ساءني ولا سرني أي وفي لفظ إما أنكم ستجدون في قتلاكم مثلا ولم تكن عن رأي سراتنا ثم أدركته حمية الجاهلية فقال إماأنه إن كان كذلك لم نكرهه ومر الحليس سيد الأحابيش بأبي سفيان وهو يضرب بزج الرمح في شدق حمزة رضي الله تعالى عنه ويقول ذقه عقق أي ذق طعم مخالفتك لنا وتركك الذي كنت عليه يا عاق قومه جعل إسلامه عقوقا فقال الحليس يا بني كنانة هذا سيد

قريش يفعل بابن عمه ما ترون فقال أبو سفيان اكتمها عني فإنها زلة وقال أبو سفيان اعل هبل أي أظهر دينك أو ازدد علو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا عمرفأجبه فقل الله أعلى وأجل لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار فقال أبو سفيان إنكم تزعمون ذلك لقد خبنا إذن وخسرنا وهبل هذا تقدم انه صنم وتقدم الكلام عليه
ورايت في كلام الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه الله تعالى إنه الحجر الذي يطؤه الناس في العتبة السفلى من باب بني شيبة وبلط الملوك فوقه البلاط ثم قال ابو سفيان إن لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله مولانا ولا مولى لكم ثم قال ابو سفيان لعمر أي بعد ان قال له هلم يا عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ائته انظر ما شأنه فجاءه فقال له أبو سفيان أشدك الله يا عمر اقتلنا محمد قال عمر رضي الله تعالى عنه لا وإنه ليسمع كلامك الآن قال انت أصدق عندي من ابن قمئة وابر أي لأنه لما قتل مصعب بن عمير ظنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال قتلت محمد كما تقدم
وفي رواية ان أبا سفيان نادى أفي القوم محمد أفي القوم محمد ثم قال ذلك ثلاثا فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ثم قال افي القوم ابن أبي قحافة قالها ثلاثا ثم قال أفي القوم عمر قالها ثلاثا وفي رواية أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة اين ابن الخطاب ثم أقبل على اصحابه فقال أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم إذ لو كانوا أحياء لأجابوا فما ملك عمر رضي الله تعالى عنه نفسه أن قال كذبت والله يا عدو الله إن الذي عددت لاحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوؤك ثم نادى ابو سفيان إن موعدكم بدر العام المقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه قل نعم بيننا وبينكم موعد
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وقيل سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه فقال اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون فإن كانوا قد جنبوا الخيل أي وجعلوها منقادة بجانبهم وامتطوا لأبل أي ركبوا مطاها أي ظهورها لأن المطا الظهرفإنهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة والذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرن إليهم فيها

ثم لأناجزهم قال علي كرم الله وجهه أو سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل وتوجهوا إلى مكة أي بعد ان تشاوروا في نهت المدينة فأشار عليهم صفوان بن أمية أن لا تفعلوا اي وقال لهم فإنكم لا تدرون ما يفشاكم وفزع الناس لقتلاهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل من رجل ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء هو ام في الأموات اي زاد في رواية فإني رايت الأسنة قد أشرعت إليه فقال رجل من الأنصار أي وهو أبي بن كعب وقيل محمد بن مسلمة وقيل زيد بن حارثة وقيل غير ذلك ويجوز أن يكون أرسلهم كلهم قال انا أنظر لك يا رسول الله أي وفي رواية قال للمرسل إن رايت سعد بن الربيع فاقره مني السلام وقل له يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تجدك فنظر فوجد جريحا به رمق أي بقية روح فقال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات فقال أنا في الأموات قد طعنت اثنتي عشرة طعنة واني قد أنفذت مقاتلي فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خيرا ما جزي نبيا عن أمته وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم إن سعدبن الربيع يقول لكم لأعذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف وفي رواية شفر يطرف أي يتحرك قال ثم لم أبرح حتى مات فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره أي وفي رواية أنه رأى الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم يدور بين القتلى فقال له ما شأنك قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لآتيه بخبرك فاذهب إليه الحديث
وفي رواية ان محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه نادى في القتلى يا سعد بن الربيع مرة بعد أخرى فلم يجبه حتى قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني أنظر ما صنعت فأجابه بصوت ضعيف الحديث اي وفي رواية اقرأ على قومي مني السلام وقل لهم يقول لكم سعد بن الربيع الله الله وما عاهدتم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة فوالله ما لكم عند الله عذر الحديث وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمه الله نصح لله ولرسوله حيا وميتا وخلف بنتين فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم من ميراثه الثلثين فكان ذلك بيان المراد من الآية وهي قوله تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك }

وفي ذلك نزلت أي اثنتان فما فوقهما أي وحينئذ إذن لا يحتاج إلى قياس البنتين على الأختين بجامع أن للواحدة منهما النصف
ودخلت بنت له على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فألقى لها رداءه لتجلس عليه فدخل عمر رضي الله تعالى عنه فسأله عنها فقال هذه ابنة من هو خير مني ومنك قال ومن هو يا خليفة رسول الله قال رجل تبوأ مقعده من الجنة وبقيت أنا وأنت هذه ابنة سعد ابن الربيع رضي الله تعالى عنه
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه فقال له رجل رايته بتلك الصخرات وهو يقول أنا أسد الله واسد رسوله اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء النفر أبو سفيان وأصحابه واعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم وهذا الدعاء نقل عن انس بن النضر عم انس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه غاب عن بدر فشق عليه ذلك فلما كان يوم أحد ورأى انهزام المسلمين أي وكان قد قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إني غبت عن أول قتال وقع قاتلت فيه المشركين والله لأن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما اصنع فقال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما فعل هؤلاء يعني المشركين ولما سمع قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما تصنعون بالحياة بعده موتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استقبل القوم أي وقال لسعد بن معاذ هذه الجنة ورب الكعبة أجد ريحها دون أحد وقاتل رضي الله تعالى عنه حتى قتل أي ووجدوا فيه بضعا وثمانين جراحة ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ولما قتل مثل به المشركون فما عرفته أخته الربيع إلا ببنانه
قال ابن أخيه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه لما نزل قوله تعالى { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } الآية قلنا ان هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه من المؤمنين رضي الله تعالى عنه
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو حمزة فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه ومثل به فجدع أنفه وأذناه أي وقطعت مذاكيره فنظر صلى الله عليه وسلم إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه أي وقال لن أصاب بمثلك ما وقفت موقفا إغيظ لي من هذا وقال رحمة الله عليك فإنك كنت ما علمتك مفعولا للخيرات وصولا

للرحم أما والله لأمثلن بسبعين وفي رواية بثلاثين رجل منهم مكانك وفي رواية لأن ظفرني الله تعالى بقريش في موطن من المواطن لأمثلن بسبعين منهم مكانك ولما رأى المسلمون جذع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه قالوا لأن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إن الله تعالى أنزل في ذلك { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله } الآية فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر ونهى عن المثلة وكفر عن يمينه وكان نزول هذه الآيات بعد أن مثل صلى الله عليه وسلم بالعرنيين وستأتي قصتهم في السرايا
واعترضه ابن كثير رحمه الله بأن هذه الآيات مكية وقصة أحد في المدينة بعد الهجرة بثلاث سنوات فكيف يلتئم هذا مع هذا هذا كلامه
وقد يقال يجوز أن يكون ذلك مما تكرر نزوله فليتأمل وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ما راينا رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا أشد من بكائه على حمزة رضي الله تعالى عنه وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشق أي شهق حتى بلغ به الغشى يقول يا عم رسول الله واسد الله واسد رسول الله يا حمزة يا فاعل الخيرات يا حمزة يا كاشف الكربات يا حمزة يا ذاب أي بالذال المعجمة يا مانع عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أي قال ذلك لا مع البكاء فلا يقال هذا من الندب المحرم وهو تعديد محاسن الميت لأن ذلك مخصوص بما إذا قارنه البكاء وليس من نعى الجاهلية المكروه وهو النداء بذكر محاسن الميت على ان النداء بذلك محل كراهته إذا كان على وجه التفاخر والتعاظم ولم يكن وصفا لنحو صالح للحث على سلوك طريقته
وقال صلى الله عليه وسلم جاءني جبريل عليه السلام وأخبرني بأن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله واسد رسوله وأمر صلى الله عليه وسلم الزبير رضي الله تعالى عنه أن يرجع أمه صفية أخت حمزة رضي الله تعالى عنها عن رؤيته فقال لها يا أمه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي فدفعت في صدره قالت لم وقد بلغني أنه مثل بأخي وذلك في الله فما أرضاني بما كان في الله من ذلك أي أنا أشد رضا بذلك من غيري لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله تعالى فجاء الزبير

رضي الله تعالى عنه فأخبره صلى الله عليه وسلم بذلك فقال خلي سبيلها فجاءت واسترجعت واستغفرت له
وفي رواية إن صفية لقيت عليا والزبير رضي الله تعالى عنهما فقالت لهما ما فعل حمزة فارياها أنهمالا يدريان أي رحمة بها فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني اخاف على عقلها فوضع صلى الله عليه وسلم يده الشريفة على صدرها ودعا لها فاسترجعت وبكت أي لما راته أي وفي رواية لما منعها علي والزبير رضي الله تعالى عنهما قالت لا ارجع حتى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأته قالت يا رسول الله أين ابن أمي حمزة قال صلى الله عليه وسلم هو في الناس قالت لا ارجع حتى أنظر إليه فجعل الزبير رضي الله تعالى عنه يحبسها فقال صلى الله عليه وسلم دعها فلما رأته بكت وصارت كلما بكت بكى صلى الله عليه وسلم ثم امر به فسجى ببردة وفي رواية قال الأكفن فقام رجل من الانصار فرمى بثوبه عليه ثم قام آخر فرمى بثوبه عليه فقال صلى الله عليه وسلم يا جابر هذا الثوب لابيك وهذا لعمي وهذا يدل على أن والد جابر رضي الله تعالى عنهما استمر لم يقبر إلى ذلك الوقت وهو خلاف ظاهر سياق ما تقدم
وفي رواية وجاءت صفية معها بثوبين لحمزة فكان أحدهما لحمزة والآخر لرجل من الأنصار ولعله والد جابر رضي الله تعالى عنهما ولعله لما جاءت صفية بالثوبين جعل صلى الله عليه وسلم أحدهما لحمزة والآخر لوالد جاء وترك ثوبي الرجلين
وفي رواية كفن حمزة رضي الله تعالى عنه بنمرة كانوا إذا مدوها على رأسه انكشفت رجلاه وإن مدوها عرى على رجليه انكشفت رأسه فمدوها على رأسه وجعلوا على رجليه الإذخر وفي لفك لفظ الحرمل أي ويحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما والمشهور حديث النمرة
وقد يقال إنما اختار صلى الله عليه وسلم النمرة على الثوب لأنه كان بها دم الشهادة أو أراد صلى الله عليه وسلم أن يكون لأحد على حمزة رضي الله تعالى عنه منة ويؤيد الأول ما يأتي ولم يكفنوا إلا في ثيابهم التي قتلوا فيها فليتأمل فإن السياق يقتضي أن ذلك إنما هو عن احتياج وسيأتي ما يصرح به وسيأتي ما يعارضه فليتامل
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال قتل مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه يوم أحد وكفن في وبرة إن غطى بها رأسه بدت رجلاه وإن غطى بها رجلاه بدا رأسه


وفي رواية قتل مصعب بن عمير فلم يترك إلا نمرة إذا غطينا بها رجليه خرج رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر
وكان مصعب بن عمير هذا قبل الإسلام فتى مكة شبابا وجمالا ولباسا وعطرا ولما أسلم رضي الله تعالى عنه تشعث
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه أنه كان صائما وقد جيء له بطعامه فقال قتل مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه وهو خير مني فلم يوجدله ما يكفن فيه إلا بردة إن غطى رأسه بدت رجلاه وإن غطيت رجلاه بدا رأسه وقد بسط لنا من الدنيا ما بسط وأعطينا من الدنيا ما أعطينا وخشيت أن أكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا لدنيا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال قلت الثياب وكثرت القتلى فكان الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد ثم يدفنون في قبر واحد
وقال صلى الله عليه وسلم في حق حمزة رضي الله تعالى عنه لولا أن تجزع صفية ونساؤنا أي يتطاول جزعهن ويدوم وفي رواية لولا تجد صفية في نفسها أي يطول ذلك وتكون سنة من بعد لتركنا حمزة ولم ندفنه حتى يحشر من بطون الطير والسباع وفي رواية حتى تأكله العافية ويحشر في بطونها ليشتد غضب الله على من فعل به ذلك ثم صلى عليه فكبر أربع تكبيرات ثم أتى بالقتلى يوضعون الى جنب حمزة أي واحدا بعد واحد فيصلى على كل واحد منهم مع حمزة ثم يرفع ويؤتى بأخر فيصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة وفي رواية ثنتين وتسعين صلاة وهذا غريب وسبعين ضعيف
والرواية الأولى تقتضي أن جملة من قتل بأحد أثنان وسبعون والرواية الثانية تقتضي أنهم كانوا اثنين وتسعين
وقوله واحدا بعد واحد قد يخالف ما تقدم عن أنس رضي الله تعالى عنه من جعل الرجلين أو الثلاثة في كفن واحد فليتأمل
وجاء أنه كان يصلي على عشرة عشرة أي يؤتى بتسعة وحمزة عاشرهم فيصلى عليهم ثم ترفع التسعة وحمزة مكانه ويؤتى بتسعة أخرى فيوضعون الى جنب حمزة فيصلى عليهم حتى فعل ذلك سبع مرات وحينئذ يكون جملة من قتل ثلاثة

وستين وسيأتي الكلام على عدتهم وقيل كبر عليهم كبر تسعا وسبعا وخمسا أي بعد أن كبر على حمزه وحده أربعا فلا ينافي ما تقدم ولم أقف علي عدد المرات التي كبر فيها ما ذكر
وجاء ان قتلى احد لم يغسلهم ولم يصل عليهم ولم يكفنهم إلا في ثيابهم التي قتلوا فيها أى غير الجلود أخذا مما يأتي أي ولا يضر تتميم ستر بعضهم إلا بالإذخر وحينئذ إذ لا يكون تكفين حمزة بنمرته ومصعب ببردته وتتميم تكفينهما بالإذخر عن إحتياج كما تقدم عن عبد الرحمن بن عوف وعن أنس رضي الله عنهما أى وقال مغلطاى صلى على حمزه والشهداءمن غير غسل وهذا أي دفنهم من غير غسل إجماع إلا ما شذ به بعض التابعين وفيه نظر ظاهر
وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لقد رايت الملائكة تغسل حمزة وتقدم أن هذا السياق يقتضى أن هذه رؤيا نوم وحينئذ يظهر التوقف فيما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قتل حمزة جنبا فقال ما ذكر ولعل الراوي عن ابن عباس ذكر حمزة بدل حنظلة غلطا أما الصلاة عليهم فقال إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد
وما روي انه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لم يصح وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك أي بما روي هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه أي فإن من رواة ذلك الحديث الدالة على أنه صلى عليهم سعيد بن ميسرة عن أنس رضي الله تعالى عنه وقد قال فيه البخاري أنه يروي المناكير وقال ابن حبان يروي الموضوعات ومن جملة رواة أي رواية ذلك الحديث مقسم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقد قال فيه البخاري منكر الحديث ومن ثم ذكر ابن كثير أن الذي في البخاري أمر صلى الله عليه وسلم بدفن شهداء احد بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا وهو أثبت من صلاته عليهم
وأما حديث عتبة بن عامر أي الذي رواه الشيخان وأبو داود والنسائي هو ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين صلاته على الميت أي ادعى لهم كدعائه للميت كالمودع للأحياء والأموات أي حين علم قرب أجله أي فذلك

كان توديعا لهم بذلك قال قال السهيلي رحمه الله لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى على شهيد في شيء من مغازيه إلا في هذه الرواية في أحد وكذلك لم يصل أحد من الأئمة بعده صلى الله عليه وسلم آه
وفي النور أنه صلى الله عليه وسلم صلى على أعرابي في غزوة أخرى وفي البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في قتلى أحد دفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم بكسر اللام وفي رواية ولم يصل عليهم بفتح اللام
لا يقال خبر جابر لا يحتج به لأنه نفي وشهادة النفي مردودة مع ما عارضها من خبر الإثبات لأنا نقول شهادة النفي إنما ترد إذا لم يحط بها علم الشاهد ولم تكن بحضوره وإلا فتقبل بالاتفاق وهذه قضية معينة أحاط بها جابر وغيره علما
واستدل أئمتنا علي أن الشهيد لا يغسل ولو كان جنبا بقصة حنظلة رضي الله عنه لأن تغسيل الملائكة لا يكتفى به في إسقاط الحرج عن المكلفين من الإنس لعدم تكليفهم بخلاف تغسيل الجن فإنهم مكلفون ودفنوا بثيابهم ونزع عنهم الحديد والجلود
أى وأسلم وحشى رضي الله عنه بعد ذلك فإنه في يوم فتح مكة فر إلي الطائف ثم وفد مع أهل الطائف لما اوفدوا ليسلموا وقد قيل له بعد ان قاضت ضاقت عليه ويحك والله إنه لا يقتل أحد من الناس دخل دينه قال وحشي فلم يرعه صلى الله عليه وسلم إلا إني قائم على رأسه أشهد شهادة الحق وفقال لي أنت وحشي وسألني كيف قتلت حمزة فأخبرته ثم قال ويحك غيب عني وجهك فلا أراك وفي رواية لا ترني وجهك وفي رواية تفل في وجهي ثلاث تفلات وقيل تفل في الأرض وهو جد مغضب أي وحينئذ لحق بالشام وكان وحشي لا يزال يحد في الخمر في زمن عمر رضي الله تعالى عنه حتى خلع من الديوان قال عمر رضي الله تعالى عنه قد علمت أنه لم يكن الله ليدع قاتل حمزة رضي الله تعالى عنه أي لم يكن ليتركه من الابتلاء وهذا أي تكرر حده في شرب الخمر وإخراجه من ديوان المجاهدين من اقبح أنواع الابتلاء عافانا الله من ذلك وروى الدار قطني في صحيحه عن سعيد بن المسيب رحمه الله أنه كان يقول عجبت لقاتل حمزة كيف ينجو أي من الابتلاء حتى بلغني إنه مات غريقا في الخمر أي وذلك مع ما تقدم ابتلاء فظيع له رضي الله تعالى عنه
وممن مثل به عبد الله بن جحش بدعوة دعاها على نفسه فقال أي قبل أحد بيوم

اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا بأسه فيقتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا ليقتك قلت يا عبد الله فيما جدع أنفك واذنك فاقول فيك وفي رسولك فيقول الله صدقت قال وليس هذا من تمنى الموت المنهى عنه انتهى أي لأن المنهى عنه أن يكون ذلك لضر نزل به فليتأمل
وجاء أن عبد الله بن جحش انقطع سيفه يوم أحد فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجون نخلة فصار في يده سيفا كان يسمى العرجون ودفن هو وخاله حمزة رضي الله تعالى عنهما في قبر واحد أي وإنما كان حمزة خاله لأن أم عبد الله أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان القاتل له أبو الحكم بن الأخنس ابن شريق وأبو الحكم هذا قتل كافرا يوم أحد وقال صلى الله عليه وسلم ادفنوا عبد الله بن عمرو أي وهو والد جابر رضي الله تعالى عنها وعمرو بن الجموح وهو زوج عمة جابر رضي الله تعالى عنهم في قبر واحد لما بينهما من الصفاء وعبد الله بن عمرو هذا قد أصابه جرح في وجهه ومات ويده على جرحه فأميطت يده عن وجهه فانبعث الدم فردت يده إلى مكانها فسكن ويقال أن السيل حفر قبر عبد الله بن عمرو والد جابر رضي الله تعالى عنهما عمرو بن الجموح فوجد لم يتغيرا كأنهما مات بالأمس وأنه أزيلت يد عمرو عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان ذلك بعد الواقعة لست وأربعين سنة وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنه قال استصرخنا إلى قتلانا بأحد وذلك حين أجرى معاوية رضي الله تعالى عنه العين في وسط مقبرة شهداء أحد وأمر الناس بنقل موتاهم فأخرجناهم رطابا تنثني أطرافهم وذلك على رأس أربعين سنة ولعله وما قبله لا يخالف قول السهيلي وذلك بعد ثلاثين سنة وأصابت المسحاة قدم حمزة رضي الله تعالى عنه فأنبعت دما وذكر أنه فاح من قبورهم مثل ريح المسك وفي لفظ نحو خمسين سنة مع أن أرض المدينة سبخة يتغير الميت في قبره من ليلته أي لأن الارض لا تأكل لحوم شهداء المعركة كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام زاد بعضهم قارئ القرآن والعالم ومحتسب الأذان ويدل للأخير ما في الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما المؤذن المحتسب كالمتشحط في دمه لا يدود في قبره أي كشهيد المعركة لا يأكله الدود في القبرر وقد نظم هؤلاء الشيخ التتائي المالكي رحمه الله تعالى فقال

** لا تأكل الأرض جسما للنبي ولا لعالم وشهيدا قتل معترك ** ولا لقارئ قرآن ومحتسب آذانه لإله مجرى الفلك **
ودفن خارجة بن زيد وسعد بن الربيع رضي الله تعالى عنهما في قبر واحد لأنه كان أبن عمه ولده خارجة وهو زيد بن خارجة الذي تكلم بعد الموت
ذكر أن خارجة أخذته الرماح فجرح بضعة عشر جرحا فمر به صفوان بن أمية بن خلف فعرفه فأجهز عليه وقال الآن شفيت نفسي حين قتلت الأماثل من أصحاب محمد قتلت خارجة بن زيد وقتلت أوس بن أرقم وقتلت أبا نوفل ودفن النعمان ابن مالك وعبد بني الحسحاس في قبر واحد وربما دفنوا ثلاثة في قبر وصار صلى الله عليه وسلم يقول احفروا وأوسعوا واعمقوا وكان صلى الله عليه وسلم يقول انظروا أكثر هؤلاء جمعا أي حفظا للقرآن فقدموه في القبر أي في اللحد
واحتمل ناس من المدينة قتلاهم إلى المدينة فردهم صلى الله عليه وسلم ليدفنوا حيث قتلوا وبه استدل ائمتنا رحمهم الله على حرمة نقل الميت قبل دفنه من محل موته إلى محل أبعد من مقبرة موته محل
وفيه أنهم قالوا إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس نص على ذلك إمامنا الشافعي رحمه الله
وقد يجاب بأن هذا مخصوص لغير الشهيد أما هو فالأفضل دفنه بمحل موته ولو بقرب ما ذكر كما بحث ذلك بعض المتأخرين من ائمتنا ويشهد له ما هنا
ولا يشكل دفن اثنين أو ثلاثة في لحد على قول فقهائنا بحرمة جمع اثنين في لحد ولو الوالد وولده لأن محل ذلك حيث لا ضرورة ككثرة الموتى مشقة الحفر لكل واحد كما هنا
ثم رأيت في بعض السير وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد وإنما أرخص لهم في ذلك لما بالمسلمين من الجراح التي يشق معها أن يحفروا لكل واحد واحد
وفي رواية فحملوهم إلى المدينة فدفنوهم في نواحيها فجاء منادي صلى الله عليه وسلم ردوا القتلى إلى مضاجعهم فأدرك المنادي واحدا لم يكن دفن فردا ومن دفن أبقوه
ولما أشرف صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد قال إنا شهيد على هؤلاء وما من

جرح بجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه اللون لون الدم والريح ريح المسك وفي رواية أنه ليس مكلوم يكلم في الله تعالى إلا وهو يأتي يوم القيامة لونه أي لون الكلم أي الجرح لون الدم وريحه ريح مسك اي في رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في اجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مشروبهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا يا ليت أخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا أي يمتنعوا عن الحرب فقال الله عز وجل إنا ابلغهم عنكم فأنزل الله عز وجل على رسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء } الآية
وقد بينت في النفخة العلوية إن الأرواح في البرزخ متفاوتة في مستقرها أعظم تفاوت فلا تعارض بين الأدلة الدالة على تلك الأقوال المختلفة وحينئذ تكون أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع كونها في الملأ الأعلى متفاوتة فيه وأرواح المؤمنين غير الشهداء أو غير الاطفال منها ما هو سماوي ومنها ما هو أرضي وأرواح الاطفال في حواصل عصافير الجنة عند جبال المسك وأرواح الشهداء منهم من تكون روحه على باب الجنة ومنهم من تكون داخلها وحينئذ إما أن تكون في جوف طير أخضر أوطير أبيض ومنهم من تكون روحه على صورة الطير
وفي كلام القرطبي رحمه الله قال علماؤنا أرواح الشهداء طبقات مختلفة ومنازل متباينة يجمعها أنهم يرزقون أي وتقدم الكلام على رزقهم
أي ومن جملة من قتل من الصحابة يوم أحد أبو جابر أي كما تقدم فقال صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله تعالى عنه يا جابر إلا أخبرك ما كلم الله تعالى أحدا قط لعل المراد من هؤلاء الشهداء كما يرشد إليه السياق إلا من وراء حجاب إنه كلم أباك كفاحا فقال سلني أعطك فقال أسألك أن أرد إلي الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب عز وجل إنه سبق مني إنهم لا يرجعون إلى الدنيا قال أي رب فأبلغ من ورائي فانزل الله تعالى { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا } الآية أي ولا مانع من تعدد النزول للآية فلا يخالف ما تقدم قريبا


أي وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه فجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهوني و النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهني وقال النبي صلى الله عليه وسلم تبكيه أو لا تبكيه ما زالت الملائكة عليهم السلام مظلة له بأجنحتها حتى رفع اي وسياتي أن جابرا رضي الله تعالى عنه لم يحضر القتال
وعن بشير بن عفراء رضي الله تعالى عنهما قال أصيب أبي يوم أحد فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال أما ترضى أن تكون عائشة أمك وأكون أنا أباك ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار قد اصيب زوجها وأخوها وأبوها وفي رواية وابنها يوم أحد فلما نعوا لها قالت ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ما فعل به قالوا خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين قالت أرونيه حتى أنظر إليه فلما رأته صلى الله عليه وسلم قالت كل مصيبة بعدك جلل تريد صغيرة والجلل كما يقال للشيء الصغير يقال للشيء الكبير فهو من الأضداد وفي لفظ أنها مرت بأخيها وأبيها وزوجها وابنها صرعى وصارت كلما سألت عن واحد وقالت من هذا قيل لها هذا أخوك وابنك وزوجك وأبوك فلم تكترث بذلك بل صارت تقول ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون أمامك حتى جاءته أخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول بأبي أنت وامي يا رسول الله لا أبالي إذ سلمت من عطب
وأصيبت يوم أحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته أي فأرادوا قطعها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا فدعاه فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أي أخذها بيده الشريفة وردها إلى موضعها أي براحته الشريفة وقال اللهم إكسه جمالا فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرا وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى
أي وجاءعن قتادة رضي الله تعالى عنه أنه قال كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان آخرها سهما ندرت منه حدقتي فأخذتها أي رفعتها بيدي أي وقلت يا رسول الله إن لي امرأة أحبها واخشى أن تراني تقذرني أي وقال له صلى الله عليه وسلم إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت رددتها ودعوت لله تعالى لك فقال يا رسول الله إن الجنة لجزاء جزيل وعطاء جليل وإني مغرم بحب النساء وأخاف أن يقلن أعور فلا يردنني ولكن تردها وتسأل الله تعالى لي الجنة فردها ودعا لي بالجنة


وجاء عن قتادة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم لما رآها في كفي أي مرفوعة دمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اللهم قتادة كما وقي وجه نبيك بوجهه فاجعلها أحسن عينيه واحدهما نظرا أي بعد أن ردها إلى موضعها براحته الشريفة كما تقدم وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله في وصف راحته الشريفة ** وأعادت على قتادة عينا ** فهي حتى مماته النجلاء **
أي وأعادت تلك الراحة الشريفة على قتادة بن النعمان رضي الله تعالى عنه عينا له ذهبت فهي إلى مماته الواسعة أي الكثيرة النظر
قال الشيخ ابن حجرالهيتمي ويجمع بين رواية العين الواحدة ورواية الثنتين أي فقد جاء في حديث غريب أصيبت عيناي فسقطتا على وجنتي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعادهما وبصق فيهما وعادتا تبرقان بأن أحد الرواة ظن أن الساقطة واحدة وبعضهم أن الساقط ثنتان فأخبر كل بحسب علمه
ومن قواعدهم أن زيادة الثقة مقبولة وبها تترجح رواية احدى الثنتين هذا كلامه فليتأمل وكون ذلك كان يوم احد هو المشهور وقيل يوم الخندق
وقد حكى ابو عمر بن عبد البر أن رجلا من ولد قتادة قدم على عمر بن عبدالعزيز رضي الله تعالى عنه فقال له من الرجل فقال
** أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ** فردت بكف المصطفى أحسن الرد ** فعادت كما كانت لأول أمرها ** فيا حسن ما عين ويا حسن ما رد **
فقال عمر بن عبد العزيز ** تلك المكارم لا قعبان من لبن ** شيبا بماء فعادا بعد أبوالا **
فوصله عمر وأحسن جائزته
ورمى كلثوم بن الحصين بسهم في نحره فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق عليه فبرأ وحضرت الملائكة عليهم السلام يوم أحد ولم تقاتل
قال ويؤيده قول مجاهد رحمه الله لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر لكن جاء عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال رايت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال وما رأناهما قبل ولا بعد اي وهما جبريل وميكائيل عليهما السلام ولا منافاة فقد قال البيهقي

رحمه الله لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم أي فلا ينافي أنهم قاتلوا عنه صلى الله عليه وسلم خاصة آه
أقول ويجوز أن يكون المراد بمقاتلتهما دفعهما عنه صلى الله عليه وسلم وفيه أنه جاء عن الحارث بن الصمة رضي الله تعالى عنه قال سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الشعب عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه فقلت رأيته في جنب الجبل فقال الملائكة تقاتل معه قال الحارث فرجعت إلى عبد الرحمن فإذا بين يديه سبعة صرعى فقلت ظفرت يمينك أكل هؤلاء قتلت قال أما هذا وهذا فإنا قتلهما وأما هؤلاء فقتلهم من لم أره فقال صدق الله ورسوله أي ومقاتلة الملائكة عن خصوص عبد الرحم بن عوف رضي الله تعالى عنه لا ينافي مقاتلتهم يوم بدر عن عموم القوم
وفي الامتاع كان قد نزل قبل أن يخرج صلى الله عليه وسلم إلى أحد قوله تعالى { ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } فلم يصبروا وانكشفوا فلم يمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بملك واحد يوم أحد بل فليتأمل والله أعلم
ولما قتل مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه وسقط اللواء أخذه ملك في صورة مصعب أي فأنه لما قطعت يده اليمنى أخذ اللواء بيده اليسرى أي وهو يقول { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } الآية فلما قطعت جثى على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهويقول { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } الآية ولم تكن هذه الآية قد نزلت بل قالها لما سمع قول القائل قتل محمد وأنما نزلت أي بعد قوله في ذلك اليوم كما في الدر فهو من القرآن الذي نزل على لسان بعض الصحابة لما قتل أي وهذا لا ينافي ما تقدم من أنه قاتل دونه صلى الله عليه وسلم فقتله ابن قمئة لعنه الله وهو يظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قتله أبي بن خلف لعنه الله لأنه يجوز أن يكون قتله وهو على هذه الكيفية المذكورة
ثم رأيت في بعض الروايات أن ابن قمئة فعل به هذه الكيفية أي ثم قتله وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للملك الذي على صورة مصعب تقدم يا مصعب فالتفت إليه الملك فقال لست بمصعب فعرف صلى الله عليه وسلم أنه ملك أيد به


وفي رواية أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول أقدم مصعب قال يا رسول الله ألم يقتل مصعب قال بلى ولكن ملك قام مقامه وتسمى بأسمه أي فلا ينافي ذلك قول الملك له صلى الله عليه وسلم لما قال له تقدم يا مصعب لست بمصعب لأن مراده لست بمصعب الذي هو صاحبكم
ورايت في رواية أنه لما سقط اللواء أخذه أبو الروم أخو مصعب ولم يزل في يده حتى دخل المدينة فليتأمل ووجود هذا الملك يخالف ما تقدم عن الامتاع من أنه صلى الله عليه وسلم لم يمد بملك واحد
ولما أراد صلى الله عليه وسلم أن يتوجه إلى المدينة ركب فرسه وخرج المسلمون حوله عامتهم جرحى أي ومعه أربع عشرة امرأة فلما كانوا بأصل أحد قال صلى الله عليه وسلم اصطفوا حتى أثنى علي ربي عز وجل فاصطف الرجال خلفه صفوفا وخلفهم النساء فقال اللهم لك الحمد كله اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما أبعدت ولا مبعد لما قربت الحديث
ثم توجه صلى الله عليه وسلم من للمدينة فلقيته ممنة بنت جحش بنت عمته صلى الله عليه وسلم أخت زينب بنت فخش أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها فقال لها صلى الله عليه وسلم احتسبي قالت من يا رسول الله قال خالك حمزة قالت إنا لله وإنا إليه راجعون غفر الله له هنيئا له الشهادة ثم قال لها احتسبي قالت من يا رسول الله قال أخاك عبد الله بن جحش قالت إنا لله وإنا إليه راجعون غفر الله له هنيئا له الشهادة بما قال لها احتسبي قالت من يا رسول الله قال زوجك مصعب بن عمير قالت وا حزناه وصاحت وولولت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن زوج المرأة لبمكان ما هو لأحد لما رأى من تثبتها على اخيها وخالها وصياحها على زوجها ثم قال لها لم قلت هذا قالت تذكرت يتم بنيه فراعني فدعا لها صلى الله عليه وسلم ولولدها أن يحسن الله تعالى عليهم الخلف فتزوجت طلحة بن عبيد الله فكان أوصل الناس لولدها وولدت له محمد بن طلحة
قال وجاءت أم سعد بن معاذ تعدو نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على فرسه وسعد بن معاذ آخذ بلجامها فقال له سعد يا رسول الله أمي فقال صلى الله

عليه وسلم مرحبا بها فوقف لها فدنت حتى تأملت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنها عمرو بن معاذ فقالت أما إذا رأيتك سالما فقد اشتويت المصيبة أي استقليتها ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل من قتل بأحد اي بعد أن قال لأم سعد يا أم سعد ابشري وبشري أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعا وقد شفعوا في أهلهم جميعا قالت رضينا يا رسول الله ومن يبكي عليهم بعد هذا ثم قالت يا رسول الله ادع لمن خلفوا فقال اللهم أذهب حزن قلوبهم واجبر مصيبتهم وأحسن الخلف على من خلفوا
وسمع صلى الله عليه وسلم نساء الانصار يبكين على أزواجهن أي وأبنائهن وإخوانهن فقال حمزة لا بواكي له أي وبكى صلى الله عليه وسلم ولعله رضي الله تعالى عنه لم يكن له بالمدينة لا زوجة ولا بنت فأمر سعد بن معاذ نساءه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكين حمزة بين المغرب والعشاء أي وكذلك أسسيد بن حضير أمر نساؤه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكين حموزة
أي ولما جاء صلى الله عليه وسلم بيته حمله السعدان وانزلاه عن فرسه ثم اتكأ عليهما حتى دخل بيته ثم أذن بلال لصلاة المغرب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل تلك الحال يتوكأ على السعدين فصلى و صلى الله عليه وسلم فلما رجع من المسجد من صلاة المغرب سمع البكاءفقال ما هذا فقل نساء الأنصار يبكين حمزة فقال رضي الله تعالى عنكن وعن أولادكن وأمر أن ترد النساء إلى منازلهن
وفي رواية خرج عليهن أي بعد ثلث الليل لصلاة العشاء فإن بلالا أذن بالعشاء حين غاب الشفق فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ذهب ثلث الليل نادى بلال الصلاة يا رسول الله فقام من نومه وخرج وهن على باب المسجد يبكين حمزة رضي الله تعالى عنه ولا يخالف ما سبق لأن بيت عائشة رضي الله تعالى عنها كان ملاصقا للمسجد فقال لهن ارجعن رحمكن الله لقد واسيتن معي رحم الله الأنصار فإن المواساة فيهم كما علمت قديمة
أي ولا منافاة لانه يجوز أن يكون الأمر عند رجوعه من صلاة المغرب كان لطائفة وبعد ثلث الليل كان لطائفة أخرى وصارت الواحدة من نساء الانصار بعد لا تبكي على ميتها إلابدأت بالبكاء على حمزة رضي الله تعالى عنه ثم بكت على ميتها ولعل المراد بالبكاء النوح وباتت وجوه الاوس والخزرج تلك الليلة على بابه صلى الله عليه وسلم بالمسجد يحرسونه خوفا من قريش أن تعود إلى المدينة


وجاء أنه صلى الله عليه وسلم نهى نساء الأنصار عن النوح وقال له الأنصار يا رسول الله بلغنا أنك نهيت عن النوح وإنما هو شيئ نندب به موتانا ونجد فيه بعض الراحة فأئذن لنا فيه فقال صلى الله عليه وسلم إن فعلن فلا يخمشن ولا يلطمن ولا يحلقن شعرا ولا يشقفن جيبا
جاء أنه في يوم أحد دفع علي كرم الله وجهه سيفه لفاطمة رضي الله تعالى عنها وقال لها اغسليه غيرذميم فقال صلى الله عليه وسلم إن تكن أحسنت فقد أحسن فلان وفلان وعدد جماعة أي منهم سهل بن حنيف وأبو دجانة
وما روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم في يوم أحد دفع سيفه ذا الفقار لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وقال اغسلي عنه دمه لقد صدقني اليوم وناولها علي كرم الله وجهه سيفه وقال وهذا فاغسلي عنه دمه فوالله لقد صدقني اليوم فقال صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه لئن صدقت القتال لقد صدق معك سهيل بن حنيف وابو دجانة
وعن ابن عقبة لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف علي كرم الله وجهه مختضبا دما قال إن تكن أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف وكونه صلى الله عليه وسلم دفع سيفه لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها رده الإمام أبو العباس بن تيمية بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقاتل في ذلك اليوم بسيف لكن في النور أن هذا الحديث لم يتعقبه الذهبي قال ففيه رد علي ابن تيمية هذا كلامه فليتأمل
والأكثر على أن الذين قتلوا يوم أحد من المسلمين سبعون أربعة من المهاجرين وهم حمزة ومصعب وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان وقيل ثمانون أربعة وسبعونن من الأنصار وستة من المهاجرين قال الحافظ بن حجر لعل الخامس سعد مولى حاطب بن أبي بلتعة والسادس ثقيف بن عمرو حليف بن عبد شمس وعدهم في الأصل ستة وتسعين وهذا لا يناسب ما تقدم في بدر من قوله صلى الله عليه وسلم إن شئتم أخذتم منهم الفداء ويستشهد منكم سبعون سبعون بعد ذلك وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون وقيل اثنان وعشرون
أقول انظر هذا مع ما تقدم من أن حمزة وحده قتل واحدا وثلاثين ورايت في الطبقات

لمولانا الشيخ عبد الوهاب الشعراني نفعنا الله ببركاته أن أويسا القرني كان مشغولا بخدمة والدته فلذلك لم يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم
وقد روي أنه اجتمع به مرات وحضر معه وقعة أحد وقال والله ما كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم حتى كسرت رباعيتي ولا شج وجهه الشريف حتى شج وجهي ولا وطيء ظهره حتى وطئ ظهري قال هكذا رأيت هذا الكلام في بعض المؤلفات والله أعلم بالحال هذا كلامه ولم اقف على أنه عليه الصلاة والسلام وطئ ظهره في غزو أحد فإن مجموع ما دلت عليه الاخبار أنه صلى الله عليه وسلم شج وجهه وكسرت رباعيته وجرحت وجنتاه وشفته السفلى من باطنها ووهي منكبه وجحشت ركبته
ثم رأيت بعض المؤرخين ذكر أن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه سمع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو يبكى بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضلك عند ربك أن جعل طاعتك وطاعته فقد قال تعالى { من يطع الرسول فقد أطاع الله } بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بذنبك فقال عفا الله عنك لم أذنت لهم إلى أن قال فلقد وطئ ظهرك وأدمى وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت ان تقول إلا خيرا فقلت اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون
ومما يدل على ان أويسا لم يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم خير التابعين رجل يقال له أويس القرني وما أخرجه البيهقي عن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سيكون في التابعين رجل من قرن يقال له أويس بن عامر وفي رواية أن عمر قال لأويس استغفر لي فقال كيف أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عمر رضي الله تعالى عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن خير التابعين رجل يقال له أويس والمراد من خيرالتابعين كما في بعض الروايات فلا ينافي ما نقل عن أحمد بن حنبل وغيره أن أفضل التابعين سعيد بن مسيب
ومما يدل على أن أويسا لم يكن موجودا في زمنه صلى الله عليه وسلم ما جاء في الجامع الصغير سيكون بعدي في أمتي رجل يقال له أويس القرني وأن شفاعته في أمتي مثل ربيعة ومضر


وفي أسد الغابة أن أويسا أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره وسكن الكوفة وهو من كبار تابعي الكوفة وكان يسخر به
ووفد رجل ممن كان يسخر به مع جماعة من أهل الكوفة على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال عمر هل ههنا أحد من القرنيين فجاء ذلك الرجل فقال له عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس القرني وقد كان به بياض فدعا الله تعالى فأذهب عنه إلا قدر الدينار أو الدرهم فمن لقيه منكم فمروه أن يستغفر لكم فأقبل ذلك الرجل لما قدم الكوفة إلى أويس قبل أن يأتي أهله فقال له أويس ما هذا بعادتك قال سمعت عمر رضي الله تعالى عنه يقول كذا وكذا فاستغفر لي قال لا أفعل حتى تجعل لي عليك أن لا تسخر بي ولا تذكر قول عمر لأحد فالتزم له ذلك فاستغفر له وقتل أويس يوم صفين مع علي كرم الله وجهه
ولما وصل صلى الله عليه وسلم المدينة أظهر المنافقون واليهود الشماتة والسرور وصاروا يظهرون أقبح القول أي ومنه ما محمد إلا طالب ملك ما أصيب بمثل هذا نبي قط أصيب في بدنه واصيب في أصحابه ويقولون لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل
واستأذنه صلى الله عليه وسلم عمر في قتل هؤلاء المنافقين فقال أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال بلى ولكن تعوذا من السيف فقد بان أمرهم وأبدى الله تعالى أضغانهم فقال صلى الله عليه وسلم نهيت عن قتل من أظهر ذلك وصار ابن أبي لعنه الله يوبخ ابنه عبد الله رضي الله تعالى عنه وقد أثبته الجراحة فقال له ابنه الذي صنع الله لرسوله والمسلمين خير
قال وكانت عادة بن عبد الله بن أبي ابن سلول إذا جلس صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر قام فقال أيها الناس هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم أكرمكم الله تعالى به وأعزكم فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا ثم يجلس فبعد أحد أراد أن يفعل كذلك فلما قام أخذ المسلمون بثوبه من نواحيه وقالوا له اجلس عدو الله والله لست لذلك اهل بأهل وقد صنعت ما صنعت فخرج وهو يتخطى رقاب الناس كأني إنما قلت هجرا وقال له بعض الانصار ارجع يتسغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والله ما أبتغي أن يستغفر لي وأنزل الله تعالى قصة أحد

في آل عمران وهي قوله تعالى { وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال } الآية

غزوة حمراء الأسد
لما كان صبيحة قدومه صلى الله عليه وسلم من أحد أذن مؤذنه صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا خلف قريش وأن لا يخرج إلا من حضر أحد وذلك ارهابا للعدو وليبلغهم أنه صلى الله عليه وسلم خرج في طلبهم ليظنوا به صلى الله عليه وسلم قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم أي يضعفهم عن عدوهم
قال وقيل لأنه صلى الله عليه وسلم بلغه أن أبا سفيان يريدأن يرجع بقريش إلى المدينة ليستأصلوا من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدبلغه أن المشركين قالوا له لا محمد قتلتم ولا الكواعب أردفتم بئس ما صنعتة ارجعوا
أي وفي لفظ أنهم لما بلغوا بعض الطريق قدموا فقالوا بئس ما صنعتم إنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبقى إلا الشريد تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم قبل أن يجدوا قوة وشوكة فقذف الله في قلوبهم الرعب
ويذكر أن عبد الله بن عوف جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة قدومه صلى الله عليه وسلم من أحد وأخبره أنه أقبل من أهله حتى إذا كان بمحل كذا إذا قريش قد نزلوا به فسمع أبا سفيان وأصحابه يقولون ما صنعتم شيئا قد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم فارجعوا نستأصل من بقي وصفوان بن أمية يأبى ذلك عليهم ويقول يا قوم لا تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف عن الخروج فارجعوا والدولة لكم فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم فقال صلى الله عليه وسلم أرشدهم صفوان وما كان يرشد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وذكر لهما الخبر أي مااخبر به عبد الله بن عوف فقالا يا رسول الله اطلب العدو لا يقتحمون على الذرية فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح ندب الناس وأمر بلالا أن ينادي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب عدوكم ولا يخرج إلا من حضر القتال بالأمس انتهى
وعند تهيئه صلى الله عليه وسلم للخروج جاء جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما فقال

يا رسول الله إنما تخلف عن أحد لأن أبي خلفني على أخوات لى سبع أى وقيل وهو الصحيح إنهن تسع وقال يا بني إنه لا ينبغي لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي اوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله يرزقني الشهادة فتخلف على أخواتك فاستخلفت عليهن واستأثر علي بالشهادة فأئذن لي يا رسول الله معك فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري واستأذنه رجال لم يحضروا القتال أي منهم عبدالله بن ابي قال له أنا راكب معك فأبى ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل فدفعه لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ويقال لابي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه أى المسمى بالسكب ولم يكن مع اصحابه فرس سواه وعليه الدرع والمغفر وما يرى ألا عيناه وخرج الناس معه اى جميع من كان معه صلى الله عليه وسلم في أحد
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت في قوله تعالى { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح } الأية قالت لعروة بن الزبير يا بن أختي كان أبوك الزبير رضي الله تعالى عنه وأبو بكر لما أصاب نبي الله ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف ان يرجعوا فقال من يرجع في اثرهم فانتدب منهم سبعون رجلا قال ابن كثيرا وهذا السياق غريب جدا فإن المشهور عند أصحاب المغازي أن الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد كل من شهد أحد وكانوا سبعمائة كما تقدم قتل منهم سبعون وبقي الباقي هذا كلامه فليتأمل مع ما تقدم
قال والظاهر أنه لا تخالف لأن معنى قولها يعني عائشة أنهم سبقوا غيرهم ثم تلاحق بهم الباقون وخرجوا وبهم الجراحات ولم يعرجوا على دواء جراحاتهم أي لم يلتفتوا لذلك والمراد دواء غيرتكميد جراحهم بالنار وهو أن تسخن خرقة وتوضع على العضو الوجع ويتابع ذلك مرة بعد أخرى ليسكن الوجع فلا يخالف أنهم فعلوا ذلك أي أوقدوا النيران يكمدون بها جراحاتهم تلك الليلة
فمنهم من كان به تسع جراحات وهو أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه وعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه ومنهم من كان به عشر جراحات وهو خراش بن الصمة رضي الله تعالى عنه

ومنهم من كان به بضع عشرة جراحة وهو كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه ومنهم من كان به بضع وسبعون جراحة وهو طلحة بن عبيد الله وقطعت أصبعه قيل السبابة وقيل البنصر فشلت بقية اصابع يده وهي اليسرى وفي رواية أنامله كما تقدم ومنهم من كان به عشرون جراحة وهو عبد الرحمن بن عوف كما تقدم أي وجرح من بني سلمة أربعون جريحا فقال صلى الله عليه وسلم لما رآهم اللهم ارحم بني سلمة
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مجروح وفي وجهه أثر الحلقتين ومشجوج في وجهه مسكورة رباعيتة وشفته السفلى قد جرحت من باطنها أي وفي المنتقى وشفته العليا قد كلمت من باطنها متوهن منكبه الأيمن لضربة ابن قمئة لعنه الله وركبتاه مجروحتان من وقعته في الحفيرة وتلقاه صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه فقال له يا طلحة أين سلاحك فقال قريب فذهب وأتى بسلاحه وبصدره تسع جراحات من تلك الجراحات التي به وهي كما تقدم بضع وسبعون جراحة يقول طلحة وأنا أهم بجراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مني بجراحي ثم أقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا طلحة أين ترى القوم فقلت بالسفالة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الذي ظننت إما أنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثلها حتى يفتح الله مكة علينا وقال صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يا بن الخطاب إن قريشا لن ينالوا منا مثل هذا حتى نستلم الركن آه
وكان دليله صلى الله عليه وسلم في السير ثابت بن الضحاك وليس هو أخا جبير وقيل أخوه ولا زالوا سائرين حتى عسكروا بحمراء الأسد أي وهو محل بينه وبين المدينة ثمانية أميال أي وقيل عشرة اميال
وعن رجل من الأنصار قال شهدت أحد أنا وأخي فرجعنا جريحين فلما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو فقال لي أخي أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي لفظ إن تركنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لفسق والله ما لنا من دابة نركبها فخرجنا وكنت أيسر جراحا منه فكنت إذ غلب حملته عقبة ويمشي عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون من حمراء الأسد أي وذلك عند العشاء وهم يوقدون النيران فجاءتهما الحرس وكان على حرسه تلك الليلة عبادة بن بشر مع طائفة فلما أتى بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما ما حبسكما فأخبراه بغلبتهما فدعا لهما

بخير وقال لهما إي طالت بكما مدة كانت لكما مراكب من خيل وبغال وإبل وذلك ليس بخير لكم إي وهذان الرجلان عبد الله ورافع ابنا سهيل بن رافع والذي ضعف عن المشي رافع والحامل له عبد الله
واقام المسلمون بذلك المحل ثلاث ليال وكانوا يوقدون في كل ليلة من تلك الليالي خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه فكبت الله تعالى عدوهم قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وكان عامة زادنا التمر
وحمل سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه ثلاثين بعيرا حتى وافت حمراء الأسد وساق جزرا لتنحر فنحروا في يوم اثنين وفي يوم ثلاثة ولقي كفار قرشي معبدا الخزاعي وكان يومئذ مشركا بالروحاء وكان راي خروجه صلى الله عليه وسلم خ خلف قريش فأخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم لطلبهم وقد كانوا ارادوا الرجوع إلى المدينة فكسرهم خروجه فتمادوا إلى مكة قال لما كان صلى الله عليه وسلم بحمراء الاسد لقيه معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم تحبه صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد والله لقد عز علينا ما اصابك في نفسك وما أصابك في اصحابك ولوددنا أن الله تعالى أعلى كعبك وأن المصيبة كانت لغيرك ثم مضى معبد حتى كان بالروحاء فلما رأى أبو سفيان معبدا قال هذا معبد وعنده الخبر ما وراءك يا معبد فقال تركت محمد وأصحابه قد خرجوا لطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه بالأمس من الاويس والخزرج وتعاهدوا على ان لا يرجعوا حتى يلقوكم فيثأروا أي يأخذوا ثأرهم منكم وغضبوا لقولهم غضبا شديدا وندموا على ما فعلوا فيهم من الحنق شيء لم أر مثله قط قال ويلك ما تقول قال والله ما آرى أن ترحل حتى ترى نواصي الخيل فقال والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم قال فإني أنهاك عن ذلك فانصرفوا سراعا آه
أي وعند انصرافهم أرسل أبو سفيان مع نفر يريدون المدينة أن يخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأنهم أجمعوا على الرجعة فلما بلغوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال صلى الله عليه وسلم حسبنا الله نعم الوكيل فأنزل الله تعالى { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح } الآية وقال صلى الله عليه وسلم والذي

نفسي بيده لقد سومت لهم الحجارة ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب أي وأرسل معبد الخزاعي رجلا يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بانصراف أبي سفيان ومن معه خائفين فانصرف إلى المدينة وظفر صلى الله عليه وسلم في حمراء الأسد بأبي عزة الشاعر الذي من عليه وقد اسر ببدر من غير فداء لأجل بناته وأخذ عليه عهدا أن لايقاتله ولا يكثر عليه جمعا ولا يظاهر عليه أحدا كما تقدم فنقض العهد وخرج مع قريش لأحد وصار يستنفر الناس ويحرضهم على قتاله صلى الله عليه وسلم بأشعاره كما تقدم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يفلت فأسر ثم قيل أن المشركين لما نزلوا بحمراء الاسد تركوه نائما فاستمر حتى ارتفع النهار وكان الذي اخذه عاصم بن ثابت وما أسر أحد من المشركين غيره في تلك الوقعة وقيل أسره عمير بن عبد الله
وفي النور لا استحضر أحدا في الصحابة اسمه عمير بن عبد الله فلما في به إليه صلى الله عليه وسلم قال يا محمد أقلني وامنن علي ودعني لبناتي وأعطيك عهدا أن لا أعود لمثل ما فعلت فقال صلى الله عليه وسلم لا والله لا تمسح عارضيك بمكة وفي لفظ تمسح لحيتك تجلس بالحجر تقول خدعت محمدا وفي لفظ سحرت محمدا مرتين اضرب عنقه يا زيد وفي لفظ يا عاصم بن ثابت وفي لفظ يا زبير وقال صلى الله عليه وسلم لا يلدع بالدال المهملة والغين المعجمة وفي لفظ لا يلسع المؤمن من جحر مرتين فضرب عنقه
وذكر أن رأسه حمل إلى المدينة مشهورا على رمح قال بعضهم وهو أول رأس حمل في الإسلام أي ولا ينافيه ما قيل إن أول رأس حمل في الإسلام رأس كعب بن الأشرف كما سيأتي في السرايا لأمكان أن يراد أن رأس ابي عزة أول رأس حمل إلى المدينة على رمح ولعل هذا لا ينافي ما حكاه بعضهم أن عمرو بن الجموح كان رابع الأربعة الذين دخلوا على سيدنا عثمان الدار وكان مع علي كرم الله وجهه في مشاهده فلما ولى معاوية رضي الله تعالى عنه خر هاربا إلى العراق فنهشته حية فدخل غارا ومات فأخبر بذلك زياد والي العراق فأرسل من حز رأسه وارسل به إلى معاوية فكان أول رأس نقل في الإسلام من بلد إلى بلد
قال بعضهم في معنى هذا المثل أي لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين أي إنه ينبغي للمرء أن يستعمل الحزم وهذا المثل لم يسمع من غيره صلى الله عليه وسلم ومورده أن شخصا

جرد سيفه وقصد النبي صلى الله عليه وسلم فضربه ليقتله فأخطأت الضربة فقال كنت مازحا يا محمد فعفا عنه ثم عاد لمثل ذلك مرة أخرى وقال مثل ذلك فأمر صلى الله عليه وسلم بقتله وقال لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين
وأمر صلى الله عليه وسلم في ذلك المحل بقتل معاوية بن المغيرة بن أبي العاص وهو جد عبد الملك بن مروان لأمه وقد كان لجا إلى ابن عمه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أي فإنه لما رجع الكفار من أحد ذهب على وجهه ثم أتى باب عثمان فدقه فقالت ام كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم زوج عثمان من أنت قال ابن عم عثمان فقالت ليس هو ههنا فقال أرسلي إليه فله عندي ثمن بعير كنت اشتريته منه فجاء عثمان فلما نظر إليه قال أهلكتني وأهلكت نفسك فقال يابن عم لم يكن أحد أمس بي رحما منك فأجرني فأدخله عثمان رضي الله تعالى عنه منزله وصيره في ناحية ثم خرج عثمان ليأخذ له أمانا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن معاوية بالمدينة فاطلبوه فدخلوا منزل عثمان فأشارت إليهم أم كلثوم رضي الله تعالى عنها بأنه في ذلك المكان فاخرجوه وأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقتله فقال عثمان رضي الله تعالى عنه والذي بعثك بالحق ما جئت إلا لأخذ له أمانا فهبه لي فوهبه وأجله ثلاثا وأقسم صلى الله عليه وسلم إن وجده بعدها قتله
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد فأقام معاوية ثلاث يستعلم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتي بها قريش فلما كان في اليوم الرابع عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فخرج معاوية هاربا فأدركه زيد بن حارثة وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما فرمياه حتى قتلاه وقد كان صلى الله عليه وسلم بعثهما إليه وقال لهما إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا أي بموضع بينه وبين المدينة ثمانية أميال فوجداه به فقتلاه وقيل تبعه علي كرم الله وجهه فقتله وكان صلى الله عليه وسلم بعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم فلحق اثنان منهم للقوم بحمراء الاسد فقتلوهما فوجدهما النبي صلى الله عليه وسلم قتيلين بحمراء الاسد فدفنهما في قبر واحد ولا يأتي هنا الجواب المتقدم في قتلى أحد
وجاءه صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام بعد رجوعه إلى المدينة بأن الحارث بن سويد في قباء فانهض إليه واقتص منه بمن قتله من المسلمين غدرا يوم أحد وهو المجذر

وتقدم أنه في بالذال المعجمة مشددة مفتوحة ابن ذياد وتقدم أنه بكسر الذال المعجمة وفتحها وتخفيف المثناة تحت لأن سويدا كان قد قتل ذياد أبا المجذر في الجاهلية فظفر المجذر بسويد والد الحارث فقتله في أبيه وذلك قبل الإسلام وكان ذلك سببا لوقعة بغاث فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم الحارث بن سويد واسلم المجذر بن ذياد وشهدا بدرا فجعل الحارث يطلب مجذرا يقتله بأبيه فلم يقدر عليه كما تقدم فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه قيل وقتل ايضا قيس بن زيد فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء في وقت لم يكن يأتيهم فيه وهو شدة الحر في يوم حار فخرج إليه الأنصار من أهل قباء رضي الله تعالى عنهم ومنهم الحارث بن سويد وعليه ثوب مورس وفي لفظ في ملحفة مورسة وفي لفظ في ثوبين مضرجين وفي لفظ ممرضين فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عويمر ابن ساعدة بضرب عنقه أي فقال له قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد واضرب عنقه وقيل أمر عثمان بن عفان بذلك فقدم ليضرب عنقه فقال الحارث لما يا رسول الله فقال بقتلك المجذر بن ذياد وقيس بن زيد فما راجعه الحارث بكلمة فضرب عنقه قال وفي رواية أن الحارث قال والله قتلته أي المجذر وما كان قتلي إياه رجوعا عن الإسلام ولا ارتيابا فيه ولكن حمية من الشيطان وإني أتوب إلى الله ورسوله مما عملت وأخرج ديته وأصوم شهرين متتابعين وأعتق رقبة فلم يقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك انتهى ولم يذكر قتل قيس بن زيد لعله اكتفى بذلك في قتله الحارث ويعلم استحقاقه القتل بقتل قيس بن زيد بطريق أولى
أي وكان في هذه السنة الثالثة مولد الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما وسماه حربا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن أي لأنه صلى الله عليه وسلم لما جاء قال أروني ابني ما سميتموه قال علي حربا يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم هو حسن وحنكة صلى الله عليه وسلم بتمر
وكان في هذه السنة تحريم الخمر وقيل كان تحريمها في السنة الرابعة محاصر ببني النضير وقيل كان تحريمها بين الحديبية وخيبر وقيل كان بخيبر قال صلى الله عليه وسلم الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة وفي رواية الكرمة والنخلة وفي رواية الكرم والنخل كذا في مسلم ولعل ذكر الكرم كان قبل النهي

عنه وإلاففي مسلم لا يقولن أحدكم للعنب الكرم فإن الكرم الرجل المسلم وفي رواية فإن الكرم قلب المؤمن أو قيل ذلك بيانا للجواز وإشارة إلى أن النهي للتنزيه
وقد حرمت الخمر ثلاث مرات
الأولى في قوله تعالى { يسألونك عن الخمر والميسر } أي القمار { قل فيهما إثم كبير } فإنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون القمار فسألوه عن ذلك فنزلت الآية الثانية أن بعض الصحابة صلى بأصحابه صلاة المغرب وهو سكران فخلط في القراءة فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } ثم أنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } فكف الناس عن شربها
وقد جاء أن حمزة رضي الله تعالى عنه لما شربها قال للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه هل أنتم إلاعبيد لأبي أي ففي البخاري أن حمزة رضي الله تعالى عنه لما شرب الخمر خرج فوجد ناقتين لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه فعلاهما بالسيف وبقر خواصرهما ثم أخذ من أكبادهما وجب سناميهما قال علي كرم الله وجهه فنظرت إلى منظر أفظعني فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة فأخبرته الخبرفخرج صلى الله عليه وسلم ومعه زيد فانطلقت معه فدخل على حمزة فتغيظ عليه فرفع حمزة رضي الله عنه بصره وقال هل أنتم إلا عبيد لابي فرجع النبي صلى الله عليه وسلم يقهقر حتى خرج وذلك قبل تحريم الخمر ولكون السكر كان مباحا لم يرتب على قول حمزة مقتضاه مع أن من قال لنبي أنت عبدي أو عبد أبي كفر
واعترض القول بأنها في السنة الرابعة بأن أنس بن مالك كان ساقيا لها فلما سمع المنادي بتحريمها أراقها
وفي البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا أي ابا ايوب وأبا دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء وأبي بن كعب وأبا عبيدة ابن الجراح رضي الله تعالى عنهم إذ جاء رجل وقال هل بلغكم الخبر قالوا وما ذاك قال حرمت الخمر قالوا أهرق هذه القلال ياأنس فأهريقت وفي لفظ قال أنس رضي الله تعالى عنه فقمت إلى مهراس فضربتها بأسفله حتى تكسرت
وفي مسلم عن أبي طارق رضي الله تعالى عنه أنه قال يا رسول الله إنما أصنعه اي الخمر

للدواء فقال إنه ليس بدواء ولكنه داء وإراقة الخمر حينئذ إذ مع أنها كانت مباحة فهي محترمة تغليظ وتوكيد للتحريم وفطم للنفوس لأن إراقتها لم تكن بأمر منه صلى الله عليه وسلم
وسئل الحافظ السيوطي رحمه الله عن حكمة رجوعه صلى الله عليه وسلم القهقرى فاجاب بأنه لعله ككان من خوف الوثوب عليه ارشادا لمن يخاف الوثوب أو كان مقصود صلى الله عليه وسلم مداومته لحظة أو أن الروي أراد بالقهقرى مطلق الروع إلى المنزل لا بالظهر
وأنس رضي الله تعالى عنه لم يكن خادما للنبي صلى الله عليه وسلم حينئذ أي في السنة الرابعة بل بعدها وحينئذ يكون القول بأن كونه في الثالثة أشكل
واشكل من هذا ما حكاه ابن هشام في قصة الأعشى بن قيس أنه خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الأسلام فلما كان بمكة اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنه جاءيريد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم فقال له يا أبا بصير إنه يحرم الزنا فقال الأعشى والله إن ذلك لأمرمالي فيه من أرب فقال إنه يحرم الخمرفقال الأعشى اما هذه إن في النفس منها لغلالات ولكني منصرف فأتروي منها عامي هذا ثم آته فأسلم فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا كلامه لما علمت أن الخمر لم تحرم بمكة وإنما حرمت بالمدينة في السنة الثالثة أو الرابعة وأجاب بعضهم أن الأعشى أراد المدينة فاجتاز بمكة فرض له بعض كفار قريش
واعترض بانه قيل إن القائل له ذلك أبو جهل لعنه الله وكان في دار عتبة بن ربيعة وأبو جهل قتل ببدر في السنة الثانية
وأجيب بانه على تسليم صحة ذلك بأنه يجوز أن يكون أبو جهل لعنه الله قصد صد الاعشى عن الإسلام بطريق التقول والافتراء لأنه كان يعرف ميل الأعشى إلى الخمر وعدم صبره على تركها فاختلق هذا القول من عنده ليمنعه بذلك عن الإسلام
أقول لما حرمت الخمر قال بعض القوم قتل قوم وهي في بطونهم أي لان جماعة شربوها صبح يوم أحد قتلوا من يومهم شهداء فأنزل الله تعالى { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } وكون أنس رضي الله تعالى عنه لم يكن خادما للنبي صلى

الله عليه وسلم إلا بعد السنة الرابعة يخالف ما سبق أن عند قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة جاءت به أمه ليخدمه صلى الله عليه وسلم
وفي البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ليس له خادم ثم أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أنسا غلام كيس فليخدمك فخدمته صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر وتقدم الجمع بين كون الآتي به أبا طلحة والآتي به أمه
وفي البخاري ايضا عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طلحة التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني حين أخرج إلى خيبر فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل
وقد يقال لا منافاة لأنه يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم لم يأمر أنسا بالخروج معه إلى خيبر لظنه أن أمه لا تسمح له بذلك فلما قال لأبي طلحة ما ذكر جاء إليه بأنس رضي الله تعالى عنه والله أعلم

غزوة بني النضير
وهم قوم من اليهود بالمدينة وفي كلام بعضهم بنو النضير هؤلاء حي من يهود خيبر أي وقريتهم كان يقال لها زهرة
كانت تلك الغزاة في ربيع الأول أي من السنة الرابعة وقيل كانت قبل وقعة أحد قال وبه قال البخاري قال ابن كثير والصواب إيرادها بعد أحد كما ذكر ذلك ابن اسحاق وغيره من أئمة المغازي انتهى
أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ لحرب بني النضير والسير إليهم
واختلف في سبب ذلك فمن جملة ما قيل أنه ذهب إليهم ليسألهم كيف الدية فيهم أي لأنه كان بينهم وبين بني عامر قبيلة الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري عند رجوعه من بئر معونة غيلة حلف وعقد
وقيل ذهب إليهم ليستعين بهم في دية الرجلين المذكورين أي وكان صلى الله عليه وسلم أخذ العهد على اليهود أن يعاونوه في الديات
وقيل لأخذ دية الرجلين منهم لأن بني النضير كانوا حلفاء لقوم الرجلين المذكورين

وهم بنوا عامر كذا في الأصل فليتأمل فإن فيه أخذ الدية من حلفاء المقتول وسار إليهم صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه أي دون لعشرة فيهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله تعالى عنهم فقالوا له نعم يا أبا القاسم حتى ترجع وتطعم بحاجتك وكان صلى الله عليه وسلم جالسا الى جنب جدار من بيوتهم فخلا بعضهم ببعض وقالوا إنكم لن تجدوا الرجل على مثل هذه الحالة فمن رجل يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه فقال أحد ساداتهم انا لذلك أي وهو عمرو بن جحاش وقال لهم سلام بن مشكم لا تفعلوا والله ليخبرن بما هممهتم به أنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه فلما اصعد ذلك الرجل ليلقي الصخرة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما اراد القوم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أي مظهرا أنه يقضي حاجته وترك أصحابه في مجالسهم ورجع مسرعا إلى المدينة ولم يعلم من كان معه من الحصابة أصحابه فقاموا في طلبه صلى الله عليه وسلم لما استبطئوه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه فقالوا رايته داخل المدينة فأقبل أصحابه حتى انتهوا إليه فاخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أرادت بنوالنضير وقد اشار إلى ذلك الإمام السبكي في تائيته نقوله ** وجاءك وحي بالذي أضمرت بنو الن ** نضير وقد هموا بالقاء صخرة **
أي وفي رواية لما رأوا قلة أصحابه صلى الله عليه وسلم قالوا نقتله ونأخذ أصحابه أسارى إلى مكة فنبيعهم من قريش أي ولا مانع من وجود الأمرين
وقيل السبب في خروجه صلى الله عليه وسلم إليهم أنهم أرسلوا إليه أن أخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حبرا فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك فلما غدا عليهم في ثلاثين من أصحابه قال بعضهم لبعض كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون كل يحب أن يموت قبله فأرسلوا إليه أن أخرج في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا فإن آمنوا بك اتبعناك ففعل واشتملت اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير لأخ لها مسلم تعلمه بذلك فأعلم أخوها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فرجع ولا مانع من وجود ذلك مع ما تقدم لكن في السيرة الهاشمية أن خبر ذلك بلغه قبل وصوله إليهم فرجع فبينما بنو النضير على ذلك أي على إرادة القاء الحجر والتهيؤ لإلقائه إذ جاء من اليهود من المدينة فقال لهم ما تريدون فذكروا له الأمر فقال لهم أين محمد قالوا هذا محمد فقال لهم والله لقد تركت محمدا

داخل المدينة فأسقط في ايديهم وقالوا قد أخبر بأمرنا فأرسل إليهم محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه أن أخرجوا من بلدي يعني المدينة لأن قريتهم من أعمالها فلا تساكنوني بها فقد هممتم بما هممتم به من الغدر أي وأخبرهم بما هموا به من ظهور عمرو بن جحاش على ظهرالبيت ليطرح الصخرة فسكتوا ولم يوقولا حرثا قال ويقولوا لكم قد أجلتكم عشرا فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه واقتصاره صلى الله عليه وسلم على ذلك لاينافي ما تقدم من إرادة قتله أيضا قيل وأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم } ولاينافي ذلك ما تقدم من نزولها في حق دعثور في غزوة ذي أمر لجواز تكرارالنزول فأرسلوا في إحضار الأبل فأرسل إليهم المنافقون أن لا تخرجوا من دياركم ونحن معكم إن قوتلتم فلكم علينا النصر وإن أخرجتم لن نتخلف عنكم خصوصا عبد الله بن أبي بن سلول لعنه الله فإنه أرسل لهم لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصونكم فإن معي الفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون حصونكم ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان فطمع بنو النضيرفيما قال ابن أبي فأرسلوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير وكبر المسلمين لتكبيره وقال حاربت يهود قال والمتولى أمر ذلك سيد بني النضير حيي بن أخطب والد صفية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وقد نهاه أحد سادات بني النضير وهو سلام بن مشكم وقال له منتك نفسك والله يا حيي الباطل فإن قول ابن أبي ليس بشيء وإنما يريد أن يورطك في الهلكة حتى تحارب محمدا فيجلس في بيته ويتركك الا ترى أنه أرسل إلى كعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة أن تمدكم بنو قريظة فقال له لا ينقض رجل واحد منا العهد فأيس من بني قريظة وأيضا قد وعد حلفاءه من بني قينقاع مثل ما وعدك حتى حاربوا ونقضوا العهد وحصروا أنفسهم في صياصيهم أي حصونهم وانتظروا ابن أبي فجلس في بيته وسارإليهم محمد حتى نزلوا على حكمة فإذا كان ابن أبي لا ينصر حلفاءه ومن كان يمنعه من الناس ونحن لم نزل نضربه بسيوفنا مع الأوس في حروبهم أي فإنه إذا كان بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج وخرجت بنو النضير وقريظة مع الأوس فكيف يقبل قوله فقال حيي نأبي إلا عداوة محمد وإلا قتاله قال سلام فهو والله جلاؤنا من

أرضنا وذهاب أموالنا وشرفنا وسبي ذرارينا مع قتل مقاتلينا فأبى حيي إلامحاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت له بنو النضير أمرنا لأمرك تبع لن نخالفك فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكراه فتهيأ الناس لحربهم فلما اجتمع الناس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم وحمل رايته علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وسار بالناس حتى نزل وصلى بهم العصر بفنائهم وقد تحصنوا وقاموا على حصنهم يرمون بالنبل والحجارة
أي وفي كلام بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه رضي الله تعالى عنهم بالمسير إلى بني النضير فسار بهم إليهم فوجدهم ينحن ينوحون على كعب بن الأشرف أي الآتي قتله في السرايا قالوا يا محمد داعية إثر داعية وباكية إثر باكية ذرنا نبكي شجونا ثم أئتمر أمرك فقال صلى الله عليه وسلم لهم اخرجوا من المدينة قالوا الموت أهون من ذلك ثم تبادروا بالحرب هذا كلامه
قال ولما جاء وقت العشاء رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته في عشرة من أصحابه عليه الدرع وهو على فرس واستعمل على العسكر علي بن أبي طالب ويقال ابا بكر وبات المسلمون يحاصرونهم ويكبرون حتى أصبحوا ثم اذن بلال بالفجر فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه الذين كانوا معه فصلى بالناس وأمر بلالا فضرب القبة وهي قبة من خشب عليها مسوح فدخل صلى الله عليه وسلم فيها وكان رجل من يهود يقال له غزول وكان أحسن راميا يبلغ نبله مالا يبلغه نبل غيره فوصل نبله تلك القبة فأمر بها فحولت وفي ليلة من الليالي فقد علي رضي الله تعالى عنه قرب العشاء فقال الناس يا رسول الله ما نرى عليا فقال دعوه أي اتركوه فإنه في بعض شأنكم فعن قليل جاء برأس الرجل الذي يقال له غزول الذي وصل نبله قبتة صلى الله عليه وسلم كمن له علي حين خرج يطلب غزوة من المسلمين ومعه جماعة فشد عليه فقتله وفر من كان معه فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علي أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة فأدركوا أولالئك الجماعة الذين كانوا مع غزول وفروا من علي فقتلوهم انتهى
وذكر بعضهم إن اولئك الجماعة كانوا عشرة وإنهم أتوا برؤوسهم فطرحت في بعض الآبار وفي هذا رد على بعض الرافضة حيث وادعى إن عليا هو القاتل لاولئك العشرة وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخل أي وبحرقها بعد أن حاصرهم ست ليال

وقيل خمسة عشر يوما أي وقيل عشرين ليلة وقيل ثلاثا وعشرون ليلة وقيل خمسا وعشرين ليلة وكان سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه في تلك المدة يحمل التمر للمسلمين أي يجاء به من عنده قال واستعمل رسول الله على قطع النخل أبا ليلى المازني وعبد الله بن سلام وكان أبو ليلى يقطع العجوة وعبد الله يقطع اللين ويقال له اللون وهو ما عدا العجوة والبرني من أنواع التمر بالمدينة ومن أنواع تمر المدينة الصيحاني
وجاء عن علي كرم الله تعالى وجهه قال خرجت مع رسول الله فصاحت نخلة بأخري هذا النبي المصطفى وعلي المرتضى فقال صلى الله عليه وسلم يا علي إنما سمي نخل المدينة إي هذا النوع صيحانيا لأنه صاح بفضلي وهو حديث مطعون فيه قيل أنه كذب والبرن بالفارسية حمل مبارك أو جيد
وفي شرح مسلم للنووي انها مائة وعشرون نوعا أي وفي تاريخ المدينة الكبير للسيد السمهودي إن أنواع التمر بالمدينة التي أمكن جمعها بلغت مائة وبضعا وثلاثين نوعا ويوافقه قول بعضهم اختبرناها فوجدناها أكثر مما ذكره النووي قال ولعل ما زاد علي ما ذكره حدث بعد ذلك
أي وأما أنواع التمر بغير المدينة كالمغرب فلا تكاد تنحصر فقد نقل إن عالم فاس محمد بن غازي أرسل إلى عالم سلجمامسة إبراهيم بن هلال يساله عن حصر أنواع التمر بتلك البلده فأرسل إليه حملا أو حملين من كل نوع تمر تمرة واحدة وكتب إليه هذا ما تعلق به علم الفقير وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها
ثم رأيت في نشق الأزهار إن بهذه البلدة رطبا يسمى البتوني وهو أخضراللون وأحلى من عسل النحل ونواة في غاية الصغر وكانت العجوة خير أموال بني النضير أي لأنهم كانوا يقات يقتاتونها
وفي الحديث العجوة من الجنة وثمرها يغذي أحسن غذاء اي وتقدم أن آدم نزل بالعجوة من الجنة
وفي البخاري من تصبح كل يوم على سبع تمرات عجوة لم يصبه في ذلك اليوم سم ولا سحر أي قد جاء وقال في عجوة العالية شفاء وإنها ترياق أول البكرة من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر

أي وفي كلام بعضهم العجوة ضرب من التمر أكبر من الصيحاني تضرب إلى السواد وهو مما غرسه النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة بالمدينة أي وقد علمت إنها في نخل بني النضير
وفي العرائس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هبط آدم من الجنة بثلاثة اشياء بالآسة وهي سيدة ريحان الدنيا والسنبلة وهي سيدة طعام الدنيا والعجوة وهي سيدة ثمارالدنيا
وروي عن ابن عباس وعائشة وابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال إن العجوة من غرس الجنة وفيها شفاء وإنها ترياق أول البكرة وعليكم بالتمرالبرني فكلوه فإنه يسبح في شجرة ويستغفر لآكله هذا كلام العرائس وفي حديث وفد عند ابن القيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم ذلك وذكر البرني أنه من خيرتمركم وأنه دواء وليس بداء وجاء بيت لا تمر فيه جياع أهله قال ذلك مرتين
ولما قطعت العجوة شق النساء الجيوب وضربن الخدود ودعون بالويل أي وذلك البعض الذي حرق كان بمحل يعرف بالبويرة أه أي والبويرة تصغير بورة وهي هنا الحفرة ويقال لها البولة باللام بدل الراء وعند ذلك نادوه أي يا محمد وفي رواية يا ابا القاسم قد كنت تنهي عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخل وتحريقها أي وفي رواية ما هذا الفساد وفي لفظ قالوا يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح قطع النخل وهل وجدت فيما زعمت أنه انزل عليك بالفساد في الارض وقالوا للمؤمنين إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون وحينئذ وقع في نفوس بعض المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين } أي في قولهم إن ذلك من الفساد
قال بعضهم جميع ما قطعوا وحرقوا ست نخلات ولا زال عبدالله بن أبي بن سلوم يبعث بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإنكم إن قوتلتم قاتلنا معكم وإن اخرجتم خرجنا معكم أي ومعه على ذلك جمع من قومه فانتظروا ذلك فخذلهم ولم يحصل لهم منه شيء أي وجعل سلام بن مشكم وكنانة بن صوريا يقولان لحيي أين نصر بن أبي الذي زعمت فيقول حيي ما اصنع هي ملحمة كتبت علينا ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم

حصارهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم على ان لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة اي آلة الحرب ففعل فاحتملوا النساء والصبيان وحملوه من أموالهم غيرالحلقة مااستقلت به الأبل وكانت ستمائة بعير كان الرجل يهدم بيته عما استحسن من خشبة كبابه وكنجاف به أي اسكفته فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به
أي وفي لفظ صاروا ينقضون العمد والسقوف وينزعون الخشب حتى على الاوتاد وينقضون الجدران حتى لا يسكنها المسلمون حسدا وبغضا
وفي رواية جعل المسلمون يهدمون ما يليهم من حصنهم ويهدم الآخرون ما يليهم قال وفي رواية أنهم خرجوا مظهرين التجلد خرجت النساء على الهوادج وعليهن الديباج والحرير وقطف الخز الأخضر والأحمر وحلي الذهب والفضة وخلفهم القيان بالدفوف والمزامير ومنهم سلمى أم وهب
وقال ابن اسحاق أم عمرو صاحبة عروة بن الورد الذي قيل فيه من قال أن حاتما أسمح العرب فقدظلمة عروة بن الورد أغار عروة على قومها فسباها ثم اتخذها حليلة له فجاءت منه بأولاد
ثم ان بعض بني النضير اشتراها من عروة بعد أن سقاه الخمر ثم لما افاق ندم ثم اتقق هو ومن اشتراها على أن تكون عند من تختاره فخيرها فاختارت من اشتراها
وقيل إن قومها جاءوا إليه بفدائها فخيرها وكان لا يظن أن تختارعليه أحدا فاختارت قومها فندم
وعند مفارقتها له قالت له والله ما أعلم امراة من العرب أرخت سترا على بعل مثلك أغض طرفا ولا اندى كفا ولا اغنى غناء وإنك لرفيع العماد كثيرالرماد خفيف على ظهور الخيل ثقيل على متون الأعداء وأحنى على الأهل والجار وما كنت لأوثر عليك أهلي لولا إني كنت أسمع بنات عمك يقلن قالت أم عروة وفعلت أم عروة فأجد من ذلك الموت والله لا يجامع وهي وجه أحد من أهلك فاستوص ببنيك خيرا ثم تزوجت في بني النضير وشقوا سوق المدينة وصف لهم الناس فجعلوا يمرون قطارا في أثر قطار وإن سلام بن ابي الحقيق رافع جلد جمل أي أو ثور أو حمار مملوء

حليا وينادي بأعلى صوته هذا أعددناه لرفع الأرض وخفضها وإن كنا تركنا نخلا ففي خيبرأنخل وحزن المنافقون لخروجهم أشد الحزن انتهى
وهذا الحلى كانوا يعيرونه مللعرب من أهل مكة وغيرهم وكان يكون عند آل أبي الحقيق وسياتي في غزوة خيبر أنه صلى الله عليه وسلم عبر عن هذا الحلي بالآنية والكنز وأنه كان سبب القتل ولدي أبي الحقيق لما كتماه عنه صلى الله عليه وسلم
فمنهم من سار إلى خيبر أي ومن جملة هؤلاء أكابرهم حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وكنانة بن أبي الربيع بن أبي الحقيق فلما نزلوا خيبر دان لهم أهلها
ومنهم من سار إلى الشام أي إلى أذرعات وكان فيهم جماعة من أبناء الأنصار لأن المراة من الأنصار كان إذا لم يعش لها ولد تجعل على نفسها إن عاش لها ولد تهوده فلما أجليت بنو النضير قال آباء أولئك لا ندع أبناءنا وأنزل الله تعالى { لا إكراه في الدين } وهي مخصوصة بهؤلاء الذين تهودوا قبل الإسلام وإلا فأكراه الكفار الحربيين على الإسلام سائغ ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان وهما يامين بن عمير وأبو سعد بن وهب قال أحدهما لصاحبه والله إنك لتعلم أنه رسول الله فما ننتظر أن نسلم فنامن على دمائنا وأموالنا فنزلا من الليل واسلما فأحرزا أموالهما أي وجعل يامين لرجل من قيس جعلا أي وهو عشرة دنانير وقيل خمسة اوثق من تمر على قتل عمرو بن جحاش الذي أراد أن يلقي الحجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله عيلة أي بعد أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليامين ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني فسر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ونزل في أمر بني النضير صورة الحشر ولذلك كان يسميها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما صورة بني النضير كما في البخاري
وفي كلام السبكي رحمه الله لم يختلف ان سورة الحشر نزلت في بني النضير وقد اشار لقصتهم صاحب الهمزية بقوله ** خدعوا بالمنافقين وهل ين ** فق إلاعلى السفيه الشقاء ** ونهيتم وما انتهت عنه قوم ** فأبيد الأمار والنهاء ** أسلموهم لأول الحشر لأمير ** عادهم صادق ولا الإيلاء ** سكن الرعب والخراب قلوبا وبيوتا ** منهم نعاهاالجلاء **


أي وخدعهم قول المنافقين أنهم يكونون معهم وينصرونهم على النبي صل صلى الله عليه وسلم وما يروج الشقاء إلا على السفيه والمراد بالمنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول ومن كان معه على النفاق لأنه كما تقدم لا زال يرسل لهم أن اثبتوا وتمنعوا فإنكم إن قوتلتم قاتلن معكم وإن خرجتم خرجنا معكم ونهاهم عن موافقته سلام بن مشكم فلم ينتهوا وأسلمهم اولئك المنافقون لأول الحشر وهو أي الحشر جلاؤهم وخروجهم من ديارهم فميعادهم لهم بأن ينصرونهم على النبي صلى الله عليه وسلم غير صادق وكذا حلفهم لهم على ذلك غيرصادق أيضا
ذكر موسى بن عقبة أنهم كانوا من سبط لم يصبهم جلاء قبلها لذلك قال لأول الحشر والحشر الجلاء
وقيل المراد بالمحشر أرض المحر فإنهم قالوا إلى اين نخرج يا محمد قال إلى الحشر يعني أرض المحشر والحشر الثاني هو حشر النار التي تخرج من قعر عدن فتحشر الناس إلى الموقف
وقيل الحشر الثاني لهم كان على يد سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه أجلاهم من خيبر إلى تيمياء وأريحاء وسيأتي ذكره وسكن الرعب وهو خشية انتقامه صلى الله عليه وسلم منهم قلوبهم وسكن الخراب بيوتهم وقد أخبر تلك البيوت بموت أهلها خروجهم وجلاؤهم من أرضهم وأنزل الله تعالى { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } وهم بنو النضير { لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم } أي في خذلانكم { أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } مثلهم { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين } ووجد صلى الله عليه وسلم من الحلقة أي آلة السلاح خمسين درعا وخمسين بيضة وثلثمائة وأربعين سيفا ولم يخمس ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أي كما خمس أموال بني قينقاع قال وقد قال له عمر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله ألا تخمس ما أصبت أي كما فعلت في بني قينقاع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول لا اجعل شيئا جعله الله لي دون المؤمنين بقوله تعالى { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } الآية كهيأة ما وقع فيه السهمان أي فكان أموال بني النضير وعقارهم فيئا لرسول الله صلى الله عليه وسلم

فاصة وتقدم التنبيه على ذلك في غزوة بني قينقاع وفسرت القرى بالصفراء ووادي القرى أي ثلث ذلك كما في الإمتاع وينبع وفسرت القرى ببني النضير وخيبر أي بثلاث حصون منها وهي الكتيبة والوطيح وسلالم كما في الإمتاع وفدك أي نصفها كما في الإمتاع ذكره الرافعي في شرح مسند إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه
أقول قال بعضهم وهذا أول فيء حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويرده ماتقدم في غزوة بني قينقاع إلا ان يقال المراد أول فيء اختص به صلى الله عليه وسلم ولم يقسمه قسمة الغنيمة على ما تقدم
ثم دعا الأنصار الاوس والخزرج فحمد الله وأثنى عليه بما هو اهله ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين من إنزالهم في منازله وإيثارهم على أنفسهم بأموالهم ثم قال لهم إن أخوانكم المهاجرين ليس لهم اموال فإن شئتم قسمت هذه الأموال أي التي افاء الله علي وخصني بها مع اموالكم بينكم جميعا وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت هذه فيهم خاصة فقالوا بل اقسم هذه فيهم وأقسم لهم من أموالنا ما شئت
وفي رواية إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله على من بني النضير وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم أي الأرض والنخل لانه لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة قدموا وليس بأيديهم شييء وكان الانصار أهل الأرض والعقار أي النخل فآثروهم بمتاع من اشجارهم فمنهم من قبلها منيحة محضة ويكفونه العمل ومنهم من قبلها بشرط ان يعمل في الشجر والأرض وله نصف الثمار ولم تطب نفسه أن يقبلها محضة لحظة لشرف نفوسهم وكراهتهم أن يكونوا كلا وإن احببتم أعطيتهم أي وخرجوا من دوركم أي وأموالكم فتكلم سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فقالا يا رسول الله بل تقسم بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا بل نحب أن تقسم ديارنا واموالنا على المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وعشائرهم وخرجوا حبا لله ولرسوله ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها ونادت الأنصار رضينا وسلمنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار زاد في رواية وأبناء أبناء الانصار وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه جزاكم الله يا معشر الأنصار خيرا أي وأنزل الله تعالى فيهم { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } أي ولو كان بهم فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون به فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم

ذلك بين المهاجرين أي وفي كلام بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يعم المهاجرين ولم يعط أحدا من الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين أي وهما سهل بن حنيف وابو دجانة رضي الله تعالى عنهما وبعضهم ضم إليهما ثالثا وهو الحارث بن الصمة ونظر فيه بعضهم بأنه قتل في بئر معونة
وأعطى صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق أحد سادات بني النضير وكان سيفا له ذكر عندهم وكان صلى الله عليه وسلم يزرع أرضهم التي تحت النخل فيدخر من ذلك قوت أهله سنة وما فضل يجعله في الكراع أي الخيل والسلاح عدة في سبيل الله تعالى
أقول فيه تصريح بأنه لم يقسم الأرض ويحتمل ان المراد بقوله كان يزرع أرضهم التي تحت النخل أي بعض أرضهم ويدل له ما يأتي ولم اقف على كيفية زرعه صلى الله عليه وسلم للأرض من مزارعة أو غيرها
وفي الخصائص الكبرى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان نخل بني النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة اعطاه الله إياه وخصه بها فاعطى أكثرها المهاجرين وقسمها بينهم وقسم منها لرجلين من الأنصار
وهذا السياق يدل على ان مراده بنخل بني النضير أموالهم كما تقدم في الروايات خصوص النخل
ثم رايت في عبارة بعضهم وأكثر الروايات على أن اموال بني النضير أي من مواشيهم كالخيل ومزارعهم وعقارهم حق لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة له خصه الله تعالى بها لم يخمسها ولم يسهم منها لاحد وأعطى منها مااراد ووهب العقار للناس وأعطى ابا بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وصهيبا وأبا سلمة بن عبد الأسد ضياعا معروفة من ضياع بني النضير
ولعل المراد بالضياع الاراضي ويدل لي لذلك ما في البخاري اقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير ارضا من اراضي بني النضير كما ان ذلك هو المراد بقول الإمتاع وكانت بنو النضير من صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها حبسا لنوائبه وكان صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله منها وكانت صدقاته منها
وقد يقال لا منافاة لانه يجوز أن يكون أعطى بعض أراض وابقى بعضها يزرع

له صلى الله عليه وسلم ولما أعطى المهاجرين امرهم برد ما كان للأنصار للاستفنائهم عنهم ولأنهم لم يكونواملكوهم ذلك وإنما كانوا دفعوا لهم تلك النخيل لينتفعوا بثمرها وظنت أم أيمن أن ذلك ملك لها فامتنعت من رده أي لأن أم أنس كانت أعطته صلى الله عليه وسلم نخلات فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم ايمن ولم ينكر عليها ذلك تطييبا لقلبها لكونها حاضنته وصار يعطيها وهي تمتنع من رده إلى ان أعطاها عشرة امثاله أو قريبا من ذلك
وذكر هذا في بني النضير يخالف ما في مسلم أن ذلك كان عند فتح خيبر حيث ذكر أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المندينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارها وذكر قصة أم أيمن فليتأمل والله أعلم

غزوة ذات الرقاع
أي وتسمى غزوة الأعاجيب أي لما وقع فيها من الأمور العجيبة وغزوة محارب وغزوة بني ثعلبة وغزوة بني أنمار
عن ابن ا سحاق رحمه الله ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بني النضير شهر ربيع الاول وقال غيره شهري ربيع وبعض جمادي ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة حين بلغه صلى الله عليه 2 وسلم انهم جمعوا الجموع أي من غطفان لمحاربته فخرج صلى الله عليه وسلم في أربعمائة من أصحابه رضي الله عنهم اي وقيل سبعمائة وقيل ثمانمائة
أي واحتج البخاري رحمه الله علي أن هذه الغزاة كانت بعد خيبر بما رواه عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه مما يدل على أن أبا موسى شهد غزاة ذات الرقاع وهو خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر بيننا بعير فنقبت أقدامنا وسقطت أظفاري فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزاة ذات الرقاع
وإذ ثبت أن ابو موسى شهد غزاة ذات الرقاع وثبت أنه لم يجئ إليه صلى الله عليه وسلم من الحبشة إلا بخيبر لزم أن تكون غزوة ذات الرقاع بعد خيبر إلا أن يدعى تعدد غزوة ذات الرقاع مرتين وإنها كانت قبل خيبر وبعدها والتي وجدت فيها صلاة

الخوف هي الثانية أي والسبب في تسميتها ذات الرقاع ما تقدم عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه وحيث كانت بعد خيبر يلزم أن تكون بعد الخندق لقول الحافظ ابن حجر رحمه الله صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت اي أها لو كانت شرت لصلاها صلى الله عليه وسلم ولم يؤخرالصلاة كما سيأتي وسيأتي الجواب عن ذلك
وقد ذكرها الشمس الشامي رحمه الله تعالى بعد خيبر والأصل لم يذكر ما تقدم عن البخاري بل رواه بالمعنى فقال روينا في صحيح البخاري للحديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه أنهم نقبت أقدامهم فلفوا عليها الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع قال وجعله أي البخاري حديث أبي موسى هذا حجة على أن غزوة ذا ت الرقاع متاخرة عن خيبر أبا موسى إنما تقدم في خيبر لا دلالة فيه على ذلك أي لأنه يجوز أن يكون قول ابي موسى رضي الله تعالى عنه إنهم نقبت اقدامهم يعني الصحابة فيكون هذا مما رواه أبو موسى عمن شاهد الوقعة من الصحابة وفيه أن هذا لا يأتي مع قول البخاري عن أبي موسى فنقبت قدماي وسقطت أظفاري إذ هو صريح في أن أبا موسى رضي الله تعالى عنه حضرها والأصل تبع في تقديمها على خيبر شيخه الديمياطي وتابعه أيضا في رواية ما تقدم ما تقدم عن البخاري بالمعنى ونظر الديمياطي في رواية أبي موسى أي التي في البخاري التي رواها عنه بالمعنى بأنها مخالفة لما عليه أهل المغازي من تقديمها على خيبر
قال الحافظ بن حجر وإدعى الدمياطي غلط الحديث الصحيح وأن جميع أهل السير على خلافه والاعتماد على مافي الصحيح أي من تاخأيرها أولى لأن أصحاب المغازي مختلفون في زمانها قال والبخاري مع روايتة عن ابي موسى الصريحة في تاخر غزوة ذات الرقاع عن غزوة خيبر قدم غزوة ذات الرقاع على خيبر قال ولا أدري هل تعمد ذلك تسليم لأصحاب المغازي أنها كانت قبل خيبراو ان ذلك من الرواة عنه او إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسما لغزوتين مختلفتين أي واحدة قبل خيبر والثانية بعدها كما قدمناه أي وقدمنا أن سبب التسمية في الثانية ما ذكر عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه وأما في الأولى فأحد الاسباب الآتية
قال في الامتاع وقد قال بعض من أرخ إن غزوة ذات الرقاع أكثر من مرة فواحدة كانت قبل الخندق وأخرى بعدها أي وبعد خيبر
ولما غزا صلى الله عليه وسلم استخلف على المدينة أبا ذر الغفاري وقيل عثمان بن

عفان رضي الله تعالى عنه قال ابن عبدالبر وعليه الأكثر أي وقد نظر في الأولى بأن أبا ذر رضي الله تعالى عنه لما اسلم بمكة رجع إلى بلاد قومه فلم يجيء حتى مضت بدرا وأحد والخندق
أقول وهذا النظر بناء على أنها كانت قبل الخندق وأما على انها كانت بعد لخندق وبعد خيبر فلا يتأتى هذا النظر واللهأعلم
وسار صلى الله عليه وسلم حتى بلغ نجد فلم يجدبها أحد ووجد نسوة فأخذهن وفيهن جارية وضيئة ثم لقي جمعا فتقارب الجمعان ولم يكن بينهما حرب
وقد خاف بعضهم بعضا أي خاف المسلمون أن تغير المشركون عليهم وهم غارون أي غافلون حتى صلى رسول الله صلى اللع عليه عليه وسلم بالناس صلاة الخوف وكانت أول صلاة للخوف صلاها
قال وفي رواية حانت صلاة الظهر فصلاها صلى الله عليه وسلم باصحابه فهم بهم المشركون فقال قائلهم دعوهم فإن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أبنائهم أي وهي صلاة العصر فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبره فصلى صلاة العصر صلاة الخوف آه
أقول سيأتي هذا كله بعينه في غزوة الحديبية التي هي صلاة الخوف بعسفان ولا مانع من تعدد ذلك ويحتمل أنه من الاشتباه على بعض الرواة والله أعلم
وكان العدو في غير جهة القبلة ففرقهم فرقتين فرقة وقفت في وجه العدو وفرقة صلى بها ركعة ثم عند قيامه للثانية فارقته وأتمت بقية صلاتها ثم جاءت ووقفت في وجه العدو وجاءت تلك الغرقة التي كانت في وجه العدو واقتدت به في ثانيته فصلى بها ركعة ثم قامت وهو في جلوس التشهد وأتمت بقية صلاتها ولحقته في جلوس التشهد وسلم بها وهذه الكيفية في ذات الرقاع رواها الشيخان ونزل بها القرآن وهو قوله تعالى { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } الآية
اي وفي كلام بعضهم فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف صلى بطائفة ركعتين وبالأخرى أخريين وسيأتي ان هذه صلاته صلى الله عليه وسلم ببطن نخل


وفي الخصائص الصغرى وخص صلى الله عليه وسلم بصلاة الخوف فلم تشرع لأحد من الأمم من قبلنا وبصلاة شدة الخوف عند التحام القتال
أي وفي هذه الغزوة نزل صلى الله عليه وسلم ليلا وكانت تلك اليلة ذات ريح وكان نزوله صلى الله عليه وسلم في شعب استقبله فقال من رجل يكلؤنا أي يحفظنا هذه الليلة فقام عباد بن بشر رضي الله تعالى عنه وعمار بن يا سر رضي الله تعالى عنهما فقالا نحن يا رسول الله نكلؤكم فجلسا على فم الشعب فقال عباد بن بشر لعمار بن ياسر أنا أكفيك أول الليل وتكفيني أخره فنام عمار رضي الله تعالى عنه وقام عباد رضي الله تعالى عنه يصلي وكان زوج بعض النسوة التي أصابهن رسول الله صلى الله عليه وسلم غائبا فلما جاء أخبر الخبر فتبع الجيش وحلف لا ينثني حتى يصيب محمدا أويهريق في أصحاب محمد دما فلما رأى سواد عباد قال هذا ربيئة القوم ففوق سهما فوضعه فيه فانتزعه عباد فرماه باخر فوضعه فيه فانتزعه فرماه بأخر فانتزعه فلما غلبه الدم قال لعمار اجلس فقد اثبت فلما راى ذلك الرجل عمار أجلس علم أنه قد نذر به فهرب فقال عمار اي أخي ما منعك أن توقظني له في أول سهم رمى به فقال كنت أقرأ في سورة أي في سورة الكهف فكرهت ان أقطعها
وفي لفظ جعل صلى الله عليه وسلم شخصين من اصحابه يقال هما عباد بن بشر من الانصار وعمار بن ياسر من المهاجرين في مقابلة العدو فرمى أحدهما بسهم فأصابه ونزفه الدم وهو يصلي ولم يقطع صلاته بل ركع وسجد ومضى في صلاته ثم رماه بثان وثالث وهو يصيبه ولم يقطع صلاته أى وهو عباد بن بشر كما تقدم وقد قال عباد اعتذارا اعن إيقاظ صاحبه لولا اني خشيت ان أضيع ثغرا أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انصرفت ولو أتى على نفسي
أقول وبهذه الواقعة استدل أئمتنا على أن النجاسة الحادثة من غير السبيلين لا تنقض الوضوء لأنه صلى الله عليه وسلم علم ذلك ولم ينكره
وأما كونه صلى مع الدم فلعل ما أصاب ثوبه وبدنه منه قليل ولاينافي ذلك ما تقدم في الرواية قبل هذه فلما غلبه الدم إذ يجوز مع كونه كثيرا انه لم يصب ثوبه ولا بدنه إلا القليل منه والله أعلم
ويقال إن رجلا من القوم اي وهو غورث بالغين المعجمة مكبرا على الأشهر

وقيل غويرث بالتصغير والمهملة ابن الحارث قال لهم ألا أقتل لكم محمدا قالوا بلى وكيف تقتله قال أفتك به أى أجيء إليه على غفلة فجاء إليه صلى الله عليه وسلم وسيفه في حجره فقال يا محمد أرني أنظر إلى سيفك هذا فأخذه من حجره فاستله ثم جعل يهزه ويهم فيكبته الله أي يخزيه ثم قال يا محمد ما تخافني قال لا بل يمنعني الله تعالى منك ثم دفع السيف إليه صلى الله عليه وسلم فأخذه صلى الله عليه وسلم وقال من يمنعك مني فقال كن خير أخذ قال تشهدا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال أعاهدك علي اني لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك قال فخلي رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله فجاء إلى قومه فقال جئتكم من عند خير الناس واسلم هذا بعد وكانت له صحبة
وفي رواية جاء إليه صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيفه في حجره فقال يا محمد انظر إلى سيفك هذا قال نعم فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ثم قال يا محمد أما تخافني وما أخاف منك قال وفي يدي السيف قال لا يمنعني الله تعالى منك ثم غمد سيفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده عليه فقال
وهذه واقعة غير واقعة دعثور المتقدمة في غزوة ذي أمر فهما واقعتان احداهما مع دعثور والثاني ة مع غورث فقول أصله والظاهر أن الخبرين واحد فيه نظر ظاهر فليتأمل
قال وفي رواية لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة ادركته القائلة يوما بواد كثير العضاة أي الأشجار العظيمة التي لها شوك وتفرق الناس في العضاة أي الاشجار يستظلون بالشجر ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ظل شجرة أي ظليله قال جابر رضي الله تعالى عنه تركناها للنبي صلى الله عليه وسلم فعلق صلى الله عليه وسلم سيفه فيها فنمنا نومة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فجئنا إليه فوجدنا عنده أعرابيا جالسا فقال إن هذا قد اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده مصلتا أي مسلولا فقال لي من يمنعك مني قلت الله قال ذلك ثلاث مرات ولم يعاقبه صلى الله عليه وسلم
وهذه الرواية مع ما قبلها يقتضي سياقهما أنهما واقعتان لا واقعة واحدة ويبعد أن يكون ذلك الأعرابي هو غورث صاحب الواقعة الأولى فيكون تعدد منه هذا الفعل

مرتين أي وأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم } ** وتقدم أن سبب نزولها إرادة ألقاء الحجر عليه من بعض أهل بني النضير لعنهم الله وتقدم أنه لا مانع من تعدد النزول لتعدد الأسباب
وفي الشفاء قيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف قريشا فلما نزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم } الآية استلقى ثم قال من شاء فليخذلني
اي وفيه أن هذا لا يحسن إلا عند نزول آية { والله يعصمك من الناس } إلا أن يقال هو صلى الله عليه وسلم علم من ذلك أن الله مانع له ممن يريده بسوء وإن كان يجوز أن يمنعه من شخص دون آخر فليتأمل
وإنما لم يعاقب صلى الله عليه وسلم ذلك الأعرابي حرصا على استئلاف قلوب الكفار ليدخلوا في الإسلام
وكانت مدة غيبته صلى الله عليه وسلم خمسة عشرة ليلة وبعث صلى الله عليه وسلم جعال بن سراقة إلى المدينة مبشرا بسلامته وسلامة المسلمين أي وكان رضي الله تعالى عنه من أهل الصفة وهو الذي يتمثل به أبليس لعنه الله يوم أحد حين نادى إن محمدا قد قتل كما تقدم
وأبطأ جمل جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه فنخسه صلى الله عليه وسلم وفي لفظ انه حجنه بمحجنه فانطلق متقدما بين يدي الركب وفي رواية فلقد رأيتني أكفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حياء منه لا يسبقه أي وهو ينازعني خطامه مع أني كنت أرجو أن يستاق معنا ثم قال له صلى الله عليه وسلم أتبيعنيه فابتاعه منه أي بأوقية وقيل بأربع اواق وقيل بخمس أواق وقيل بخمسة دنانير وقيل بأربعة دنانير بعد ان أعطعاه فيه أولا درهما ممازحا له فقال له جابر رضي الله تعالى عنه تبيعني يا رسول الله وفي رواية لا زال صلى الله عليه وسلم يزيده درهما درهما فيقول جابر أخذته بكذا والله يغفر لك يا رسول الله قال بعضهم كأنه صلى الله عليه وسلم أراد بأعطائه درهما درهما أن يكثر استغفاره له وقال له لك ظهره إلى المدينة وفي رواية وشرط لي ظهره إلى المدينة أي واستغفر لجابر رضي الله تعالى عنه في تلك الليلة خمسا اوعشرين مرة وقيل سبعين مرة فلما وصل صلى الله عليه وسلم المدينة أعطاه الثمن ووهب له الجمل

أي وقيل إن هذه القصة أي ابطاء جمل جابر رضي الله تعالى عنه إنما اكان في رجوعه صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وقيل كانت في رجوعه من غزوة تبوك
أي والذي في البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكمنت على جمل ثقال إنما هو في آخر القوم فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال من هذا فقلت جابر بن عبد الله قال فمالك قلت إني على جمل ثقال قال أمعك قضيب قلت نعم قال أعطنيه فضربه فزجره فكان من ذلك المكان من أول القوم قال بعنيه قل بل هو لك يا رسول الله قال بل بعنيه فقد أخذته بأربعة دنانير ولك ظهره غلى المدينة لفما قدمت المدينة قاليابلال اقضه وزده فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا قال جابر رضي الله عنه أعطاني الجمل وسهمي مع القوم
وفي لفظ عن جابر قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فدخلت إليه فلفت الجمل في ناحية البلاط فقلت يا رسول الله هذا جملك فخرج صلى الله عليه وسلم فجعل يطوف بالجمل قال الثمن والجمل لك وفي لفظ إنما باعه له بوقية اي ذهب وأنه استثنى حملانه إلى أهله فلما قدم المدينة وانقره الثمن وانصرف أرسل على اثره وقال له ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك
وعن جابر رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم اشتراه بطريق تبوك بأربع أواق وفي لفظ بعشرين دينار فليتأمل الجمع بين هذه هذه الروايات على تقدير صحتها فإن التعدد بعددها بعيد
قيل سميت ذات الرقاع باسم شجرة كانت في ذلك المحل يقال لها ذات الرقاع أو لأنهم رقعوا راياتهم او لأنهم لفوا على أقدامهم الخرق لما حصل لهم الحفاء كما تقدم أو لأن الصلاة رقعت فيها او لأن الجبل الذي نزلوا به كانت أرضه ذات ألوان تشبه الرقاع فيه بقع حمر وسود وبيض واستغربه الحافظ ابن حجر
قال الإمام النووي رحمه الله ويحتمل أنها سميت بالمجموع قال وفي هذه الغزوة جاءته صلى الله عليه وسلم امرأة بدوية باني لها فقالت يا رسول الله هذا ابني قد غلبني عليه الشيطان ففتح فاه فبزق فيه وقال اخسأ عدو الله أنا رسول الله ثم قال صلى الله عليه وسلم شأنك بابنك لن يعود إليه شيئ مما كان يصيبه أي فكان كذلك


وفيها أيضا جاء رجل بفرخ طائر فأقبل أحد أبويه حتى طرح نفسه بين يدي الذي أخذ فرخه فعجب الناس من ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتعجبون من هذا الطائر أخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة لفرخه ولله لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه
وفيها ايضا جيء له صلى الله عليه وسلم بثلاث بيضات من بيض النعام فقال لجابر دونك يا جابر قال جابر فاعمل هذه البيضات رضي الله تعالى عنه فعملتهن ثم جئت بهن في قصعة فجعلنا نطلب خبزا فلم نجد فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه يأكلون من ذلك البيض من بغير خبز حتى انتهى كل إلى حاجته أي إلى الشبع والبيض في القصعة كما هو
وفيها ايضا جاء جمل يرفل أي حتى وقف عنده صلى الله عليه وسلم وأرغى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون ماقال هذا الجمل هذا جمل يستعيذ بي على سيده يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين وانه أراد أن ينحره اذهب يا جابر إلى صاحبه فأت به قال جابر رضي الله تعالى عنه فقلت لاأعرفه قال أنه سيدلك عليه قال جابر فخرج بين يدي حتى وقف على صاحبه فجئته به فكلمه صلى الله عليه وسلم في شان الجمل آه
وعن عبدالله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائط رجل من الأنصار فإذا جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حين وذرفت عيناه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح عليه فسكن ثم قال من رب هذا الجمل فجاء فتى من الانصار فقال هذا لي يا رسول الله فقال ألا تتقي الله عز وجل في هذ البهيمة التي ملكك الله فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه
وفي رواية كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعير أقبل حتى وقف على هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ايها البعيراسكن فان تك صادقا فلك صدقك وأن تك كاذبا فعليك كذبك إن الله تعالى قد امن عائدنا ولن يخيب لأئذنا فقلنا يا رسول الله ما يقول هذا البعير قال يريد أهله نحره وأكل لحمه فهرب منهم واستغاث بنبيكم فبينما نحن كذلك إذ أقبل أصحابه يتقعادون فلما ظر إليهم البعير عاد إلى هامة الرسول صلى الله عليه وسلم فلاذ بها فقالوا يا رسول الله

بعيرنا هرب منذ ثلاثة ايام فلم نجده إلابين يديك فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أنه يشكو فقالوا يا رسول الله ما يقول قال إنه ربي فيكم سنين وكنتم تحملون عليه في الصيف إلى موضع الكلأفإذا كان الشتاء حملتم عليه إلى موضع الدفيء فلما كبر استفحلتموه فرزقكم الله إبلا سليمة فلما أدركت هذه السنة الجذبة هممتم بنحره وأكل لحمه فقالوا والله يا رسول الله قد كا ن ذلك فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا جزاء المملوك الصالح من مواليه فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لا نتعبه ولاننحره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبتم قد استغاث بكم فلم تغيثوه وأناأولى بالرحمة منكم لأن الله قد نزع الرحمة من قولب المنافقين وأسكنها في قولوب المؤمنين فاشتراه الرسول صلى الله عليه وسلم منهم بمائة درهم منهم وقال ايها البعير انطلق حيث شئت فرغا البعير على هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له آمين ثم رغا الثانية فقال له آمين ثم رغا الثالثة فقال له آمين ثم رغا الرابعة فبكى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله ما يقول هذا البعير قال قال جزاك الله خيرا أيها النبي عن الإسلام والقرآن قلت آمين قال سكن الله رعب أمتك كما سكنت قلبي قلت آمن قال حقنت الله دماء أمتك كما حنت دمي قلت آمين قال لا جعل الله بأسهم بينهم شديد فبكيت لأني سألت الله ربي فيها أي في هذه الرابعة فمنعني إعطاءها وقوله صلى الله عليه وسلم للجمل اذهب كيف شئت لا يناسب ما عليه ائمتنا من عدم جواز إرسال الدواب تقربا إلى الله تعالى لأنه في معنى سوائب الجاهلية إلا أن يقال المراد بقوله صلى الله عليه وسلم له إذهب كيف شئت أي أنت آمن في سائر أحوالك مما شكوت منه
ورايت في كلام ابن الجوزي رحمه الله ما يؤيد ذلك وهو أن رسول الله لى الله عليه وسلم وسمه سمة نعم الصدقة ثم بعث به وعليه لا اشكال وإلى قصة الجمل اشار الإمام السبكي رحمه الله في تائيته بقوله ** ورب بعير قد شكى لك حاله ** فأذهبت عنه كل كل وثقلة **
وفي هذه أعني السنة الرابعة تزوج صلى الله عليه وسلم أم سلمة هند رضي الله تعالى عنها بعد موت أبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله تعالى عنه وما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما انه قال تزوجها سنة اثنتين ليس بشيء قيل وفيها شرع التيمم

غزوة بدر الآخرة
ويقال لها بدر الموعد أي لموعد أبي سفيان رضي الله تعالى عنه حيث قال حين منصرفه من أحد موعد ما بيننا وبينكم بدر أي موسمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قل نعم أن شاء الله تعالى كما تقدم
لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة ذا الرقاع أقام بقية جمادى الأولى إلى آخر رجب ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان وعليه اقتصر الأصل وقيل خرج في شوال وقيل في مستهل ذي القعدة كل ذلك في سنة اربع ومن الوهم قول موسى بن عقبة رحمه الله أنها كانت في شعبان سنة ثلاث لما علمت أنها بعداحد وأحد كانت في شوال سنة ثلاث والحافظ الدمياطي قدم هذه الغزوة على غزوة ذات الرقاع وتبعه الشمس الشامي وصاحب الأمتاع
وكان وصوله صلى الله عليه وسلم إلى بدر هلال ذي القعدة وهذا لايناسب إلاالقول بأن خروجه صلى الله عليه وسلم كان في شوال وكان ذلك موسم لبدر في كل سنة يحضره الناس ويقيمون به ثمانية ايام كما تقدمت الحوالة عليه وحين خرج صلى الله عليه وسلم من المدينة استخلف عليها عبد الله بن عبدالله بن أبي ابن سلول رضي الله تعالى عنه وقيل عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه وخرج في ألف وخمسمائة من اصحابه وكان الخيل عشرة افراس
وعند تهيؤ المسلمين للخروج قدم نعيم بن مسعود الاشجعي أي وكان ذلك قبل إسلامه رضي الله تعالى عنه وأخبر قريش أن المسلمين تهيأوا للخروج لقتالهم ببدر فكره أبو سفيان الخروج لذلك وجعل لنعيم أن رجع إلى المدينة وخذل المسلمين عن الخروج لبدر عشرين بعيرا وفي لفظ عشرة من الأبل وحمله على بعير أي وقال له أبو سفيان إنه بدا لي أن لا أخرج وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جراءة يكون الخلف منة لهم أحب إلي من ان يكون من قبلي فالحق بالمدينة واعلمهم أنا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا ولك عندي من الأبل كذا وكذا أدفعها لك على يد سهيل بن عمر فجاء نعيم إلى سهيل بن عمرو فقال له يا ابا يزيد تضمن لي هذه الإبل وانطلق إلى محمد وأثبطه قال نعم فقدم نعيم المدينة وأرجف بكثرة المجموع

أبي سفيان أي وصار يقول فيهم حتى قذف الرعب في قولوب المسليمن ولم يبقى لهم نية في الخروج واستبشر المنافقون أي واليهود وقالو محمد لايفلت من هذا الجمع فجاء أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمعا ما ارجف به المسلمون وقالا له يا رسول الله إن الله مظهر نبيه ومعز دينه وقد وعدنا القوم موعط لا نحب ان نتخلف عنه فيرون ان هذا جبن فسر لموعدهم فوالله إن في ذلك لخيرة فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ثم قال والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي أحد فأذهب الله عنهم ما كانوا يجدون وحمل لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ابي طالب كرم الله وجهه وخرج المسلمون معهم بتجارات إلى بدر فربحت الضعف
ثم أن أبا سفيان قال لقريش لقد بعثنا نعيما ليخذل أصحاب محمد عن الخروج ولكن نخرج نحن فنسيرليلة أو ليلتين ثم نرجع فإن كان محمد لم يخرج وبلغه انا خرجنا فرجعنا لأنه إن لم يخرج كان هذا لنا عليه وإن خرج أظهرنا أن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام عشب قالوا نعم ما رأيت فخرج أبو سفيان في قريش اي وهم الفان ومعهم خمسون فرسا حتى انتهوا إلى مجنة أي بفتح الميم والجيم وتشديد النون وهو سوق معروف من ناحية مر الظهران وقيل إلى عفان ثم قال يا معشر قريش لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه الماء وإن عامكم هذا عام جدب وإني راجع فارجعوا فرجع الناس فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون إنما خرجتم لتشربوا السويق
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده مدة الموسم التي هي ثمانية ايام أي فإنه صلى الله عليه وسلم انتهى إلى بدر هلال ذي القعدة كما تقدم وقام السوق صبيحة الهلال فاقاموا ثمانية أيام والسوق قائمة اي وصار المسلمون كلما سألوا عن قريش وقيل لهم قد جمعوا لكم يقولون حسبنا الله ونعم الوكيل حتى قيل لهم لما قربوا من بدر إنها قد امتلأت من الذين جمعهم أبو سفيان يرعبونهم ويرهبونهم فيقول المؤمنون حسبنا الله ونعم الوكيل فلما قدموا بدرا وجدوا أسواقا لا ينازعهم فيها أحد فأنزل الله تعالى { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } فالمراد بالناس الأول نعيم نزل منزلة الجماعة


وعن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه أن القائلين ذلك كانوا أربعة ولا مانع أن يكون هؤلاء الأربعة من المنافقين لعنهم الله وافقوا نعيما على ما قال حتى أن قائلهم قال للمسلمين إنما أنتم لهم أكلة رأس وإن ذهبتم إليهم لا يرجع منكم أحد
وقيل القائلون ركب من عبد القيس كانوا قاصدين المدينة للميرة فجعل لهم أبو سفيان حمل أبعرتهم زبيبا إن هم خذلوا المسلمون وأرجفوهم ولا مانع من وجود ذلك كله
هذا وقد نقل ابن عطية رحمه الله عن الجمهور أن هذه الآية الواقعة المذكورة إنما كانت بحراء الأسد عند انصرافه من أحد فليتأمل
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة اي وبلغ قريشا خروج المسلمين لبدر وكثرتهم وأنهم كانوا أصحاب الموسم أي والمخبر لهم بذلك معبد بن أبي معبد الخزاعي فإنه بعد انقضاء الموسم خرج سريعا إلى مكة واخبرهم بذلك فقال صفوان ابن أمية لابي سفيان قد والله نهيتك يومئذ أن تعد القوم وقد اجترأوا علينا ورأوا انا أخلفناهم وإنما خلفنا الضعف

غزوة دومة الجندل
بضم الدال ويجوز فتحها واقتصر الحافظ الدمياطي على الأول أي وأما دومة بالفتح ا غير فموضع آخر ومن ثم قال الجوهري الصواب الضم وأخطا المحدثون في الفتح سميت بدومى بن اسماعيل عليه السلام بأنه كان نزلها وهي بلدة بينها وبين دمشق خمس ليال وهي اقرب بلاد الشام إلى المدينة وبينها وبين المدينة خمس أوست عشرة ليلة أي وهي بقرب تبوك بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بها جمعا كثيرا يظلمون من مر بهم وانهم يريدون أن يدنوا من المدينة فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس لذلك فخرج في الف من المسلمين أي وذلك في أواخر السنة الرابعة
وذكر بعضهم أنها كانت في ربيع الاول من السنة الخامسة ويوافقه قول الحافظ الدمياطي أنها كانت على رأس تسعة واربعين شهرا من مهاجرته صلى الله عليه وسلم أي واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري فكان يسير الليل ويكمن النهار ومعه

دليل له من بين عذرة أي يقال له مذكور رضي الله تعالى عنه فلما دنا منهم جاء إليهم الخبر فتفرقوا فهجم على ماشيتهم رعاتهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يلق بها أحدا وبعث السرايا فرجعت ولم تلق منهم أحدا أي ورجعت كل سرية بأبل واخذ محمد بن مسلمة رجلا منهم وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم فعرض عليه السلام فأسلم رسول الله عليه وسلم رجع المدينة
وفي رجوعه وادع أي صالح عيينة بن حصن واسمه حذيفة الفزاري أن يرعى بمحل بينه وبين المدينة ستة وثلاثون ميلا اي لأن أرضه كانت أجدبت ولما سمن حافره وخفه وانتقل إلى أرضه غزا على لحاق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة كما سيأتي وقيل له بئس ما جزيت به محمد صلى الله عليه وسلم احلك أرضه حتى سمن حافرك وخفك وتفعل معه ذلك فقال هو حافري وقيل له عيينة لأنه أصابته لقوة فجحظت عيناه وسمي عيينة وعيينة هذا أسلم بعد الفتح وشهد حنينا والطائف وكان من المؤلفة كما سياتي وكان يقال له الأحمق المطاع كان يتبعه عشرة آلاف فتى
ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم بغيرأذن واساء الادب فصبر النبي صلى الله عليه وسلم على جفوته وقال فيه صلى الله عليه وسلم إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه وقيل إن ذلك إنما قيل في مخرمة بن نوفل أي ولامانع من تعدد ذلك وقد ارتد عيينة بعد ذلك في زمن الصديق رضي الله تعالى عنه فإنه لحق بطليحة بن خويلد حين تنبأ وآمن به فلما هرب طليحة أسره خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه وأرسل به إلى الصديق في وثاق فلما دخل المدينة صار أولاد المدينة ينفسونه بالحديد ويضربونه ويقولون اي عدو الله كفرت بالله بعد ايمانك فيقول والله ما كنت ى من فمن عليه الصديق فأسلم ولم يزل مظهر للإسلام
وفي سنة أربع نزلت آية الحجاب لأزواجه صلى الله عليه وسلم وكان فيها قصر الصلاة وولادة الحسين رضي الله تعالى عنه ووقع أنه لما ولد سماه علي كرم الله وجهه حربا فلما جاء صلى الله عليه وسلم قال أروني أبني ما سميتموه قالوا حربا قال بل اسمه حسين أي كما فعل ذلك بالحسن كما مر فلما ولد الثالث جاء النبي صلى الله عليه وسلم

فقال أروني ابني ما سميتموه قال علي كرم الله وجهه سميته حربا فقال بل هو محسن ثم قال صلى الله عليه وسلم إن سميتهم بأسماء ولل هارون شبر وشبير ومشبر
ومن المستظرف ما حكاه بعضهم قال وقع بين الحسن والسحين كلام فتهاجرا فلما كان بعد ذلك أقبل الحسن على الحسين وأكب على رأسه يقبله فقال له الحسين إن الذي منعني ابتدائك بهذا أنك أحق بالفضل مني فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به ورجم اليهوديين الزانيين وفرض الحج وقيل فرض في الخامسة وقيل في السادسة وقيل في السابعة وقيل في الثامنة وقيل في التاسعة وقيل في العاشرة
قيل وفيها أي الرابعة شرع التيمم أي كما تقدم وقيل شرع في الغزوة التي تلي هذه وهي

غزوة بني المصطلق
وقيل كان في غزوة أخرى اي وفي غيبته صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة ماتت أم سعد بن عبادة وكان ابنها رضي الله تعالى عنه معه صلى الله عليه وسلم ولما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة صلى على قبرها وذلك بعد شهر وقال له سعد يا رسول الله أتصدق عنها قال نعم قال أي الصدقة افضل قال الماء فحفر بئرا وقال هذه لأم سعد رضي الله تعالى عنها غزوة بني المصطلق
ويقال لها غزوة الريسيع ويقال لها غزوة محارب وقيل محارب غيرها ويقال لها غزوة الأعاجيب لما وقع فيها من الأمور العجيبة أي كما قيل بذلك كذلك في غزوة ذات الرقاع كما تقدم
وبنو المصطلق بطن من خزاعة وهم بنو جذيمة وجذيمة هو الصطلق من الصلق وهو رفع الصوت والمريسع اسم ماء من مياههم أي من ماء خزاعة مأخوذة من قولهم رسعت عين الرجل إذا دمعت من فساد وذلك الماء في ناحية قديد
وسببها أنه صلى الله عليه وسلم بلغه أن الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق رضي الله تعالى عنه فإنه اسلم بعد ذلك كما سيأتي جمع لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر عليه من قومه ومن العرب فأرسل صلى الله عليه وسلم بريدة بالتصغير ابن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين في آخره موحده كما تقدم أي ليعلم علم ذلك
قال واستأذن بريدة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما يتخلص به من به من

شرهم أي وإن كان خلاف الواقع فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج حتى ورد عليهم ورأى جمعهم فقالوا له من الرجل قال رجل منكم قدمت لما بلغني من جمعكم لهذا الرجل فأسير في قومي ومن أطاعني فنكون يدا واحدة حتى نستاصلهم فقال له الحارث فنحن على ذلك فعجل علينا قال بريدة اركب الآن فآتيكم بجمع كثير من قومي فسروا بذلك منه ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر القوم انتهى فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إليهم فأسرعوا لخروج وكان في شعبان لليلتين خلتا منه سنة خمس من الهجرة وقيل اربع كما في البخاري نقلا عن ابن عقبة وعليه جرى الإمام النووي في الروضة قال الحافظ ابن حجر وكأنه سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس من الهجرة فكتب سنة أربع لأن الذي في مغازي ابن عقبة من عدة طرق سنة خمس وقيل سنة ست وأن عليه أكثر المحدثين وقادوا الخيل هي ثلاثون فرسا عشرة للمهاجرين منها فرسان له صلى الله عليه وسلم اللزاز والظرب وعشرون للانصار رضي الله تعالى عنهم واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما وقيل ابا ذر الغفاري رضي الله عنه وقيل نميلة تصغير نملة بن عبد الله الليثي رضي الله تعالى عنه وخرج معه صلى الله عليه وسلم من نسائه عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما أي وخرج معه صلى الله عليه وسلم ناس كثير من المنافقين لم يخرجو في غزوة قط مثلها منهم عبد الله بن أبي سلول وزيد بن الصلط ليس لهم رغبة في لاجهاد وإنم اغربضهم أن يصيبوا من عرض الدنيا مع قرب المسافة وسار صلى الله عليه وسلم حتى بلغ محلا نزل به فأتى برجل بن عبد القيس فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أين اهلك قال بالرواحاء قال أين تريد قال إياك جئت لامن بك أشهد أن ما جئت به حق وأقاتل معك عدوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي هداك للإسلام وسال رسول الله صلى الله عليه وسلم اي الأعمال أحب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأول وقتها فكان بعد ذلك يصلي الصلاة لأول وقتها
واصاب صلى الله عليه وسلم عينا للمشركين كان وجهه الحارث ليأتيه بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فلم يذكر من شانهم شيئا فعرض عليه الإسلام فأبى فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب

رضي الله تعالى عنه ان يضرب عنقه فضرب عنقه فلما بلغ الحارث مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وانه قتل عينه سيء بذلك ومن معه وخافوا خوفا شديداوتفرق عنه جمع كثير ممن كان معه وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع فضربت له صلى الله عليه وسلم قبة من ادم وكان معه فيها عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما فتهيأ المسلمون للقتال ودفع صلى الله عليه وسلم راية المهاجرين إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه وقيل لعمار بن ياسر وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه أي وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن يقول لهم قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم ففعل عمر ذلك فأبو فترامسوا بالنبل ساعة ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهم أنسان وقتل منهم عشرة وأسر سائرهم الرجال والنساء والذرية واستاق ابلهم وشياههم فكانت الابل ألفي بعير والشاة خمسة آلاف شاة واستعمل صلى الله عليه وسلم على ذلك مولاه شقران أي بضم الشين المعجمة واسمه صالح وكان رضي الله عنه حبشيا وكان السبي مائة اهل بيت وفي كلام بعضهم كانوا أكثر من سبعمائة وكانت برة بنت الحارث الذي هو سيد بني المصطلق في السبي
وقيل أغار عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم غافلون فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم أي وهذا القول هو الذي في صحيح البخاري ومسلم والأول هو الذي في السيرة الهشامية
وجمع بأنه يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم لما أغار عليهم ثبتوا وصفوا للقتال ثم انهزوموا ووقعت الغلبة عليهم أي وقتل منهم من قاتل ولم يستأسر وكان شعار المسلمين أي علامتهم التي يعرفون بها في ظلمة الليل أو عند الاختلاط يا منصور أمت تفاؤلا بأن يحصل لهم النصر بعد موت عدوهم
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسارى فكتفوا واستعمل عليهم بريدة رضي الله تعالى عنه ثم فرق صلى الله عليه وسلم السبي فصار في ايدي الناس
أي وفي هذا دليل لقول إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في الجديد يجوز استرقاق العرب لان بني المصطلق عرب من خزاعة خلافا لقوله في القديم إنخ م لا يسترقون

لشرفهم وقد قال في الأم لولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هكذا أي لا يجري الرق على عربي
وبعث صلى الله عليه وسلم أبا ثعلبة الطائي إلى المدينة بشيرا من المريسيع أي وجمع صلى الله عليه وسلم المتاع الذي وجده في رحالهم واللاح والنعم والشاء وعدلت الجزور بعشرة من الغنم ووقعت برة بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس وابن عم له فجعل ثابت لابن عمه نخلات له بالمدينة في حصته من برة وكاتبها أي على تسع أواق من ذهب فدخلت عليه صلى الله عليه وسلم فقالت له يا رسول الله إني ارم امرأة مسلمة أسلمت لأني أشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله وإني برة بنت الحارث سيد قومه أصابنا من الأمر ما قد علمت ووقعت في سهم ثابت بن قيس وابن عم له وخلصني ثابت من ابن عمه بنخلات في المدينة وكاتبني على مال مالا طاقة لي به وإني رجوتك فأعني في مكاتبتي فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو خير من ذلك قالت ما هو قال اؤدي عنك كتابتك وأتزوجك قالت نعم يا رسول الله قد فعلت فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت بن قيس فطلبها منه فقال ثابت رضي الله تعالى عنه هي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان كاتبها عليه وأعتقها وتزوجها أي وهي ابنة عشرين سنة وسماها جويرية أي وكان اسمها برة وكذلك ميمونة وزينب بنت جحش كان اسم كل منهما برة فغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا كان اسم بنت أم سلمة برة فسماها زينب ويذكر أن علي كرم الله وجهه هو الذي أسرها
أقول ولا مانع أن يكون علي كرم الله وجهه أسرها ثم وقعت في سهم ثابت وابن عمه رضي الله تعالى عنهما عند القسمة لأنه لم يثبت في هذه الغزوة أنه صلى الله عليه وسلم جعل الاسرى لمن أسرهم كما وقع في بدر إلا مايأتي من قول أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ورغبنا في الفداء وقد يقال رغبوا في الغداء بعد القسمة والله اعلم
قال وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كانت جويرية امرأة حلوة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه فبينما النبي صلى الله عليه وسلم عدي ونحن على الماء أي الذي هو المريسع إذ دخلت جويرية تسأله في كتابتها فوالله ما هو إلاأن رأيتها فكرهت دخولها على النبي صلى الله عليه وسلم وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت فقالت

يا رسول الله إني امرأة مسلمة الحديث آه وإنما كرهت ذلك لما جبلت عليه النساء من الغيرة ومن ثم جاء انه صلى الله عليه وسلم خطب امرأة فأرسل عائشة رضي الله تعالى عنها لتنظر إليها فلما رجعت إليه قالت ما رأيت طائلا فقال بلى رايت خالا في خدها فاقشعرت منه كل شعرة في جسدك أي وفي لفظ آخر عن عائشة رضي الله تعالى عنها فما هو إلا أن وقفت جويرية بباب الخباء لتستعين رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتابتها فنظرت إليها فرايت على وجهها ملاحة وحسنا فأيقنت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآها أعجبته علما منها بموقع الجمال منه فما هو إلاأن كلمته صلى الله عليه وسلم فقال لها صلى الله عليه وسلم خير من ذلك أنا أؤدي كتابتك وأتزوجك فقضى عنها كتابتها وتزوجها والملاح أبلغ المليح والمليح مستعار من قولهم طعام مليح إذا كان فيه الملح بمقدار ما يصلحه
قال الأصمعي رحمه الله الحسن في العنين والجمال في الأنف والملاحة في الفم وهذا السياق يدل على انه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهم على الماء الذي هو المريسع ويؤيده ما يأتي عنها رضي الله تعالى عنها قال
الشمس الشامي رحمه الله ونظر رسول الله لجويرية حتى عرف من حسنها ما دعاه لتزوجها لأنها كانت أمة مملوكة أي لانها مكاتبة ولو كانت غيرمملوكة أي حرة ما ملأ صلى الله عليه وسلم عينه منها أو أنه صلى الله عليه وسلم نوى نكاحها أو أن ذلك كان قبل لآية الحجاب
أقول تبع في هذا السهيلي رحمه الله وقد قدمنا أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم جواز نظر الأجنبية والخلوة بها لامنه صلى الله عليه وسلم من الفتنة فلا يحسن قوله ولو كانت حرة ما ملأ صلى الله عليه وسلم عينه منها
ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم حرمة نكاح الامة وفلا يحسن قوله أو أنه نوى نكاحها وأن نزول آية الحجاب كان في سنة ثلاث على الراجح
ومذهب الشافعي رضي الله عنه حرمة نظر سائر الأمة لاأجنبية كالحرة على الراجح عند الشافعية ومنهم الشمس الشامي فلا يحسن قوله لأنها كانت امة مملوكة والله أعلم
روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

غزوة بني المصطلق فسبينا كرائم العرب أي واقتسمناها وملكناها فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء وفأردنا نستمع ونعزل فقلنا نفعل ذلك وفي لفظ فأصبنا سبايا وفينا شهوة للنساء واشتدت علينا العزوبة وأجبنا الفداء وأردنا أن نستمتع ونعزل وقلنا نعزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا فسألناه عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لا عليكم ألا تفعلوا ما كتب الله خلق نسمة أي نفسا قدرها هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون وفي لفظ ما عليكم أن لا تفعلوا فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة وفي رواية لا عليكم ان لا تفعلوا ذلك فإنما هو القدر وفي رواية ما من كل الماء يكون الولد وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه أي ما عليكم حرج في عدم فعل العزل وهو الإنزال في الفرج لأن العزل الإنزال خارج الفرج فيجامع حتى إذا قارب الإنزال نزع فأنزل خارج الفرج ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة أي عزلتم أم لا فلا فائدة في عزلكم لأن الماء قد يسبق العزل إلى الرحم فيجيء الولد وقد ينزل في الفرج ولا يجيء الولد
وكون ذلك كان في بني المطلق هو الصحيح خلافا لما نقل عن موسى بن عقبة رحمه الله تعالى ان ذلك كان في غزوة اوطاس وقول أبي سعيد رضي الله تعالى عنه طالت علينا العزبة واشتهينا النساء أي لعل أبا سعيد الخدري رضي الله عنه ومن تكلم على لسانه كان في المدينة أعرب وإلا فأيام تلك الغزوة لم تطل فإنها كانت ثمانية وعشرين يوما قال أبو سعيد رضي الله تعالى عنه فقدم علينا وحدهم أي بالمدينة ففي الإمتاع وكانوا قدموا المدينة ببعض السبي فقدم عليهم أهلوهم فافتدوا الذرية والنساء كل واحد بست فرائض ورجعوا إلى بلادهم
قال أبو سعيد رضي الله تعالى عنه وخرجت بجارية أبيعها في السوق أي قبل ان يقدم وفدهم في فدائهم فقال لي يهودي يا أبا سعيد تريد بيعها وفي بطنها منك سخلة هي في الأصل ولد الغنم فقلت كلا إني كنت أعزل عنها فقال تلك الوأدة الصغرى أي المرة من الوأد وهو أن يدفن الرجل بنته حيا فالموءدودة البنت تدفن في القبر وهي حية كانت الجاهلية خصوصا كندة تفعل ذلك فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال كذبت يهود كذبت يهود زاد في رواية لو أراد الله عز وجل أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه وبهذا مع ماتقدم من نفي الحرج استدل ائمتنا رحمهم

الله على جواز العزل مع الكراهة في كل امرأة سرية أو حرة في كل حال سواء رضيت أم لا وقال جمع بحرمته قالوا لأنه طريق إلى قطع النسل وفي مسلم ما يوافق ماقالته يهود ففي مسلم سألوه صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوأد الخفي أي بمثابة دفن البنت حية الذي كان يفعله الجاهلية خوف الإملاق أو خوف حصول العار
إلاأن يقال هذا كان منه صلى الله عليه وسلم قبل ان يوحي إليه بحل ذلك ثم نسخ فلا مخالفة ويدل لذلك ما في مسلم أيضا عن جابر رضي الله عنه كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل فلم ينهنا وفي رواية أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن لي جارية هي خادمنا وساقيتنا في النخل وانا اكره أن تحمل فقال صلى الله عليه وسلم اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها فلبث الرجل ثم أتاه صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن الجارية قد حبلت فقال قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها افقد أرشده إلى العزل الذي لا يكون معه الولد غالبا وأخبر بأن ذلك لا يمنع وجود ما قدر لها من حصول الولد
وعن عبد الله بن زياد رضي الله تعالى عنه قال أفاء اي غثم رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق جويرية بنت الحارث وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأقبل أبوها في فدائها فلما كان العقيق نظر إلى ابله التى يغدي بها ابنته فرغب في بعيرين منها كان من أفضلها فعقبها في شعب من شعاب العقيق ثم اقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أصبتم ابنتي وفي رواية قال يا رسول الله كريمة لا تسبى وهذا فداؤها فقال له رسول الله فأين البعير إن اللذان عقبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا فقال الحارث أشهد أنك رسول الله ما اطلع على ذلك إلا الله وأسلم ولعله دخل بالأمان إلى المدينة وفي رواية أنه أسلم قبل ذلك وأسلم معه ابنان وناس من قومه وعليه فيكون قوله فأسلم أي أظهر اسلامه وعند ذلك أمره صلى الله عليه وسلم بأن يخيرها فقالت أحسنت وأجملت فقال لها ابوها يا بنية لا تفضحي قومك قالت اخترت الله ورسوله وفيه كيف يأمره صلى الله عليه وسلم بتخييرها بعد أن تزوجها كما تقدم أن مقتضى السياق أنه تزوجها وهم على الماء
ثم رايت الأمام ابا العباس بن تيمية انكر مجيء ابيها وتخييرها فليتأمل

وفي الإستيعاب أن عبدالله بن الحارث أخا جويرية بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في فداء أسارى بني المصطلق وعيب في الطيرق ذودا وجارية سوداء فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء الأسارى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فما جئت به قال ما جئت بشيء قال فاين الذود والجارية السوداء الذي غيبت في موضع كذا قال أشهد أن لا إله إلاالله وإنك محمد رسول الله والله ما كان معي أحد ولاسبقني إليك أحد فأسلم وفيه ما تقدم في ابيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لك الهجرة حتى تبلغ برك الغماد والذود من الابل ما بين الثلاث إلى العشر
والمتبادر من هذا السياق انه جاء بذلك الذود وتلك الجارية للفداء فعن له أن يسأل في الفداء من غير شيء فغيب ذلك الذود وتلك الجارية طمعا في أنه صلى الله عليه وسلم يجيبه لذلك لمكان أخته عنده ويحتمل أن العبارة فيها اختصار وحينئذ يكون الاصل في قوله صلى الله عليه وسلم فما جئت به المال الزائد على هذا الذي جئت به فيكون الذود والجارية بعض ما جاء به للفداء فقال ما جئت بشيء اي زائد على هذا الذي جئت به لانه يبعد أن يطلب الفداء من غير شيء فليتامل
وفي لفظ أنه لما جاء أبوها في فدائها دفعت إليه ابنته جويرية وأسلمت وحسن اسلامها فخطبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبيها فزوجه إياها واصدقها أربعمائة درهم
وفي الإمتاع يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل صداقها عتق كل اسير من بني المصطلق ويقال جعل صداقها عتق أربعين من قومها ولايخفى أن مجيئ أبيها في فدائها وتزويجها للنبي صلى الله عليه وسلم مخالف لسياق ما تقدم أنه تزوجها وهم على الماء ويحتاج للجمع بين ما ذكروبين ما روي أنه ما لما رأى المسلمون أنه صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية قال في حق بني امصطلق أصها ر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقوا ما بايديهم منهم ط
وعبارة الإمتاع ولما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج الخبر إلى الناس وقد اقتسموا رجال بني المصطلق وملكوهم ووطئوا نسائهم فقالوا اصهار النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقوا ما بأيديهم من ذلك السبي
وعن جويرية رضي الله تعالى عنها قالت لما أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم

وتزوجني والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين ارسلوهم وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر فحمدت الله سبحانه وتعالى
أقول وذكر بعضهم أن ليلة دخوله صلى الله عليه وسلم بها طلبتهم منه فوهبهم لها ويحتاج للجمع ويقال في الجمع بين ما تقدم من فدائهم وأطلاقهم من غير فداء بأنه يجوز أن يكون الفداء وقع لبعضهم قبل عتق جويرية والتزويه بها فلما تزوجها صلى الله عليه وسلم أطلق بعضهم والإعتاق وقع لبعضهم الآخرالباقي فالفداء وقع لبعضهم الآخر فإن السبي كان لأهل مائتي بيت ويؤيد ذلك قول بعضهم كان السبي منهم من من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير فداء ومنهم من افتدى ويؤيد ذلك ما يأتي في كلام عائشة رضي الله تعالى عنها أن الاعتاق كان لأهل مائة بيت أي يكون الفداء لاهل مائة بيت والإطلاق في الففداء لاهل المائة الاخرى ويكون مراد جويرية رضي الله تعالى عنها بقولها ما كلمته في قومي أي فيمن بقي مهم
ثم لايخفى ان مجيء ابيها او أخيها ومجيء وفدهم لفدائهم مخالف لما تقدم من انه أسرسائرهم الرجال والنساء والذرية ولم يفلت منهم احد ويبعد غياب هؤلاء خصوصا أباها الذي كان يجمع القوم فعليك ان تتنبه للجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها والله أعلم ثم بعد ذلك اسلم بنو المصطلق وبعدها بعامين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط لاخذ الصدقة أي وكان بينهم وبينه شحناء في الجاهلية فخرجوا للقائه وهم متقلدون السيوف فرحا وسرورا بقدومه فتوهم أنهم خرجوا لقتاله ففر راجعا وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم ارتدوا فهم عليه الصلاة والسلام بقتالهم أي واكثر المسلمون ذكر غزوهم فعند ذلك قدم وفدهم وأخبروا بأنهم خرجوا إليه ليكرموه ويؤدوا ما عليهم من الصدقة
أي وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم خالد بن الوليد فأخبروه الخبر وعند إرساله قال له صلى الله عليه وسلم أرمقهم عند الصلاة فإن كان القوم تركوا الصلاة فشأنك بهم فدنا منهم عند غروب الشمس فكمن حيث يسمع الصلاة فإذا هو بالمؤذن قد قام حين غربت الشمس فأذن ثم اقام الصلاة فصلوا المغرب ثم لما غاب الشفق أذن مؤذنهم ثم اقام الصلاة فصلو العشاء ثم لما كان جوف الليل فإذا هم يتهجدون ثم عند طلوع الفجر أذن مؤذنهم وأقام الصلاة فصلوا فلما انصرفو اوأضاء النهار فإذا

هم بنواصي الخيل في ديارهم فقالوا ما هذا قيل خالد بن الوليد فقالوا يا خالد ما شأنك قال أنتم والله شاني أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له إنكم تركتم الصلاة وكفرتم بالله فجثوا يبكون وقالوا ما عاذ الله وهذا الوليد بيننا وبينه شحناء في الجاهلية وإنما خرجنا بالسيوف خشية أن يكافئنا بالذي كان بيننا وبينه فرد الخيل عنهم ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة } الآيتين
قال ابن عبد البر رحمه الله لاخلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله { إن جاءكم فاسق بنبأ } نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق لأخذ صدقاتهم أي ونزل فيه وفي علي بن ابي طالب كرم الله وجهه { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } أي فكان يدعى الفاسق وبعثه لأخذ صدقات بني المصطلق يرد قول من قال أنه ممن أسلم يوم الفتح وكان قد ناهز الحلم
أي ويرد ما روى بعضهم أنه قال لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصيانهم فيمسح على رءوسهم ويدعو لهم بالبركة فأتى بي إليه وأنا مضخ بالخلوق فلم يمسح على رأسي ولم يمنعه من ذلك إلا وجو الخلوق ويرد ذلك ايضا ما سيأتي أنه خرج هو واخوه عمارة ليردا أختها أم كلثوم عن الهجرة وكانت هجرتها في الهدنة هدنة الحديبية والوليد هذا كان أخا عثمان بن عفان لأمه ووالاه الكوفة أي وعزل عنها سعد بن أبي وقاص فلما قدم الوليد الكوفة على سعد رضي الله عنه قال له والله ما أدري أصرت كيسا بعدنا أم حمقنا بعدك فقال له لا تجزعن أبا اسحاق وإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون فقال سعد أراكم يعني أبا أمية ستجعلونها والله يعني الخلافة ملكا ملكا وعند ذلك قال الناس بئسما فعل عثمان رضي الله عنه عزل سعدا الهين اللين الورع المستجاب الدعوة وولى أخاه الخائن الفاسق كما تقدم
ولق الوليد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال له ما جاء بك فقال جئت أمير فقال له ابن معسود ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس وكان الوليد شاعرا ظريفا حليما شجاعا كريما شرب الخمر ليلة من أول الليل إلى الفجر فلما أذن المؤذن لصلاة الفجر

خرج إلى المسجد وصلى باهل الكوفة الصبح اربع ركعات وصار يقول في ركوعه وسجوده اشرب واسقني ثم قال في المحراب ثم سلم وقال هل اسزيدكم فقال له ابن مسعود لرضي الله عنه لا زادك الله خيرا ولا من بعثك إلينا وأخذ فرده خفه وضرببه وجه الوليد وحصبه الناس فدخل القصر والحصباء تأخذه وهو مترنح وإلى ذلك يشير الحطيئة بقوله ** شهد الخطيئة يوم لقى ربه ** أن الوليج أحق بالعذر ** ** نادى وقد تمت صلاتهم ** أأزيدكم سكرا وما يدرى **

ولما شهدوا عليه بشرب الخمر عند عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه استقدمه وأمربه فجلد أي أمر عليا كرم الله وجهه أن يقيم عليه الحد فجلده وقيل فقال علي كرم الله وجهه لأبن أخيه عبد الله بن جعفر رضي الله عنه أقم عليه الحد أي بعد أن أمر ابنه الحسن رضي الله
تعالى عنه بذلك فامتنع فأخذ عبد الله رضي الله تعالى عنه السوط وجلده وعلي كرم الله وجهه يعد عليه حتى بلغ أربعين فقال لعبد الله أمسك جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين أبو بكر رضي الله تعالى عنه أربعين وجلد وعمر رضي الله عنه ثمانين وكل سنة وهذا أي مافعلته من جلد أربعين أحب إلى من جلد عمر ثمانين
هذا وفي البحاري ان عبد الله جلده ثمانين واجيب عنه بأن السوت كان له رأسان وحينئذ يكون قوله وكل سنة أي طريقه فاربعون طريقته صلى الله عليه وسلم وطريقة الصديق رضي الله تعالى عنه ولثمانون طريقة عمر رضي الله تعالى عنه رآه اجتهادا مع استشارته لبعض الصحابة لما رآها من كثرة شرب الناس للخمر
وبعد أن جلده وعزله عن الكوفة أعاد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ولما اراد سعد أن يصعد المنبر قال لا أصعد عليه حتى تغسلوه من آثار الوليد الفاسق فإنه نجس فغسلوه كما تقدم
وإرسال الوليد بن عقبة لبني المصطلق كان ينبغي ان يذكر في وكذا إرسال السرايا وخالد رضي الله تعالى عنه لهم
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها لاأعلم امرأة أعظم بركة على قومها من جويرية أعتق بتزويجها لرسول صلى الله عليه وسلم أهل مائة بيت أي ومن المعلوم أن هذا

كان قبل سبايا اوطاس الذين أطلقوا بسبب اخته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة على ما سيأتي في بعض الروايات وقيل في حقها ما عرفت امرأة هي أيمن على قومها منها
وذكرت جويرية رضي الله تعالى عنها أنها قبل قدومه صلى الله عليه وسلم بثلاث ليال رأت كأن القمريسير من يثرب حتى وقع في حجرها أي وعنها رضي الله تعالى عنها قالت فكرهت أن اخبربها احد من الناس فلما سبينا رجوت الرؤيا
قال وعنها رضي الله تعالى عنها قالت لما أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن على المريسع فأسمع ابي يقول أتانا مالا قبل لنا به فلبثت أرى من الناس والخيل والسلاح أصف من الكثرة فلما أن أسلمت وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعنا حعلت أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى فعلمت أنه رعب من الله تعالى يلقيه في قلوب المشركين أي وهذا مما يؤيد ما تقدم من أنه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهم على الماء الذي هو المريسع وكان رجل مهم ممن أسلم وحسن أسلامه يقول لقد كنا نرى رجلا بيضا على خيل بلق ما كنا نراهم قبل ولابعد انتهى وهو يدل على أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام كانت مددا لهم في هذه الغزوة
ولم يقتل في غزوة بني المصطلق من المسلمين إلا رجل واحد قتله رجل من الأنصار خطا يظنه من العدو والمقتول هشام بن صبابة رضي الله تعالى عنه
أقوال وهذا مجمل القول الحافظ الدمياطي رحمه الله في سيرته أنه لم يقتل من المسلمين إلا جل واحد فاعتراض صاحب الهدى عليه بأن هذا وهم لأنهم لم يكن بينهم قتال ليس في محله لأنه فهم أن الرجل قتله الكفار وقد علمت أنه إنما قتله شخص من الأنصار يظنه من العدو والله أعلم وقدم أخو هذا المقتول من مكة على رسول الله عليه وسلم مظهر الإسلام على رسول الله عليه وسلم مظهر الإسلام بدية أخيه فأخذها مائة من الأبل وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كثير ثم عدا قاتل اخيه فقتله ثم خرج إلى مكة على رسول الله عليه وسلم مظهر الإسلام مردتد ويوم فتح مكة أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه فقتل في ذلك اليوم كما سيأتي
وما هنا هوالصحيح خلافا لما يأتي عن الاصل في فتح مكة أن قتل أخيه كان في غزوة ذي قرد ثم بعد انقضاءالحرب وهم على الماء اختصم أجير لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أي كان يقود له فرسه يقال له جهجاه رضي الله عنه مع رجل من حلفاء الخزرج قيل

حليف عمرو بن عمرو وقيل حليف عبد الله بن أبي سلول وهوسنان بن فروة رضي الله تعالى عنه أي فضرب أجير عمر رضي الله تعالى عنه حليف الخزرج فسال الدم وفي لفظ كسعة أي دفعة فنادى حليف الخزرج يا معشر الانصار أي وقيل قال يا للخزرج ونادى أجير عمر يا معشر المهاجرين وقيل قال يا لكنانة يا لقريش فأقبل جمع من الجيشين وشهروا السلاح حتى كاد أن تكون فتنة عظيمة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما بال دعوى الجاهلية فأخبر بالحال أي فقالوا رجل من المهاجرين ضرب رجل من الانصار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوها أي تلك الكلمة التي هي يا لفلان فإنها منتنة أي مذمومة لانها من دعوى الجاهلية وجاء من دعا دعوى الجاهلية كان من محشى جهنم أي مما يرمي بها فيها قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ام وإن صلى وزعم أنه مسلم قال وإن صام وان صلى وزعم أنه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم لينصرالرجل أخه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينهه فإنه ناصر أي له وإن كان مظلوما فلينصره أي يزيل ظلامته ثم كلمو اذلك المضروب فترك حقه فكسنت الفتنة وانطفت ثائرة الحرب
وجهجاه هذا روى عنه عطاء بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الكافر ياكل في سبعة امعاء والمؤمن يأكل في معى واحد وهو المراد في بهذا الحديث في كفره وإسلامه لأنه شرب حلاب سبع شياه قبل أن يسلم ثم اسلم فلم يستتم حلاب شاه واحدة اي وسيأتي نظير ذلك لثمامة الحنفي ونقل أبو عبيد ان الرجل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المقالة هو أبو بصرة العقاري أي ولامانع أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك في حق الرجل المذكور ايضا فقد تكرر منه صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات لرجال ثلاث أكل كل واحد منهم في الكفر أكثر مما كل في الإسلام
قال ابن عبد البر رحمه الله وجهجاه هذا هو الذي تناول عصر الرسول صلى الله عليه وسلم من يد عثمان رضي الله تعالى عنه وهو يخطب فكسرها على ركبته فأخذته أكله في ركبته فمات منها هذا كلامه
وفي كلام السهيلي رحمه الله أنه انتزع تلك العصا من عثمان حين اخرج من المسجد ومنع من الصلاة فيه وكان هو أحد من المعينين عليه هذا الكلام

وقد يقال لا مخالفة بين كونه أخذ العصا منه وهو يخطب وبين كونه أخذها حين أخرج من المسجد لانه يجوز أن يكون أخرج من المسجد في أثناء الخطبة وأخذت العصا منه حينئذ
وعند تخاصم الرجلين غضب عبد الله بن ابي ابن سلول وكان عنده رهط من قومه من الخزرج من المنافقين وكان عندهم زيد بن ارقم رضي الله تعالى عنه وهو غلام حديث السن فقال عبد الله بن ابي لعنه الله والله ما رايت كاليوم مذلة اوقد فعلوها نافرونا أي غلبونا وكاثرونا في بلادنا أي وأنكرون ملتنا والله ما أعدنا أي ظننا يعني معاشر الأنصار وقريش وفي رواية وجلابيب قريش هؤلاء يعني معاشر المهاجرين إلا كما قال الأول اي الاقدمون في أمثالهم سمن كلبك يأكلك أي ويقولون أجع كلبك يتبعك والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن اسمع هاتفا يهتف بما سمعت أما والله لأن رجعنا إلى لامجدينة ليخرجن الأعز منها الأذل يعني الأعز نفسا وبالأذل النبي صلى الله عليه وسلم
وفي الاستيعاب ان عبد الله بن أبي قال ذلك في غزوة تبوك هذا كلامه وفيه نظرة ظاهر
والجلابيب جمع جلبيب وما يجلب من بلد إلى غيره يعني إغراب وقيل شبهوا بالجلابيب التي هي الأزر الغلاظ أو القليلة القيمة
ثم اقبل على من حضر من قومه فقال هذا ما فعلتم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو امسكتم عنهم ما بايديكم لتحول إلى غير داركم أي ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا فقلتم دونه يعني النبي صلى الله عليه وسلم فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عند محمد صلى الله عليه وسلم فسمع ذلك زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه على ما هو الصحيح وقيل سفيان بن تيم مفمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر وعنده عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه أي ونفر من المهاجرين والنصار
وفي البخاري عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه فذكرت ذلك لعمه أو لعمر فذكره النبي صلى الله عليه وسلم فجعاني فحدثته فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات وتغير وجهه وقال له يا غلام لعلك غضبت عليه قال

سمعته منه قال لعله أخطأ سمعك ولامه من حضر من الأنصار وقالوا عمدت إلى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل
أي وفي البخاري فكذبني رسول الله وأصابنى هم لم يصبنى مثله قط وجلست في البيت أي الخباء فقال لي عمى ما أردت إلا أن كذبك رسول الله ومقتك فقال زيد والله لقد سمعت ما قال ولو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول الله وإني لأرجو أن ينزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ما يصدق حديثي
أي وقيل إن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال لابن أبي لما قال أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل أنت والله الذليل المنقص في قومك ومحمد في عز من الرحمن وقوة من المسلمين فقال له ابن أبي لعنة الله اسكت فإنما كتب ألعب فعند تغير وجه رسول الله استأذنه عمر رضي الله عنه في أن يقتل ابن أبي والتمس منه أن يأمره غيره بقتله إذا لم يأذن له في ذلك
أي فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما كان من أمر ابن أبي ما كان جئت رسول الله وهو في فيء شجرة أي ظلها عنده غليم أسود يغمز ظهره أي يكبسه فقلت يا رسول الله كأنك تشتكى ظهرك فقال تقحمت بي الناقة أي ألقتنى الليلة فقلت يا رسول الله ائذن لي أن أضرب عتق ابن أبي أو مر محمد بن مسلمة بقتله أي وفي رواية مر به عباد بن بشر فيلقتله فقال له رسول الله كيف يا عمر إذا اتحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه
وفي لفظ أن عمر رضي الله عنه قال له رسول الله إن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصاريا فقال ترعد له أذن وأنف كثيرة بيثرب يعنى المدينة ولعل تسميته لها بذلك إن كان بعد النهى لبيان الجواز ويبعد أن يكون ذلك كان قبل النهى عن ذلك ولكن أذن بالرحيل وكان ذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها
أي وفي رواية لما شاع الخبر ولم يكن الناس حديث في ذلك اليوم أي الوقت إلا ذلك أذن بالرحيل وكانت ساعة لم يكن رسول الله يرحل فيها أي لشدة الحر فارتحل الناس وسار رسول الله فجاءه أسيد بن حضير

رضي الله عنه فحياه بتحية النبوة وسلم عليه أي قال السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وقال يا نبي الله لقد رحلت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها أي فإنه كان لا يرحل إلا إن برد الوقت فقال له رسول الله أما بلغك ما قال صاحبكم فقال أي صاحب يا رسول الله قال عبدالله بن أبي ابن سلول قال وما قال قال زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل قال فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وفي رواية لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي فإنه ليرى أنك استلبته ملكا وقد تقدم الاعتذار عنه بذلك في غير ما مرة
ثم سار رسول الله بالناس سيرا حثيثا أي صار يضرب راحلته بالسوط في مراقها أي مارق من جلد أسفل بطنها وسار يومهم ذلك وليلتهم وصدر ذلك اليوم الثاني حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياما وإنما فعل ذلك ليشتغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبدالله بن أبي ابن سلول
قال وذهب بعض الأنصار الذين سمعوا قول النبي ورده على الغلام إلى ابن أبي لعنه الله فقال له يا أبا الحباب إن كنت قلت ما نقل عنك فأخبر به النبي فليستغفر لك ولا تجحده فينزل فيك ما يكذبك وإن كنت لم تقله فائت رسول الله فاعتذر له واحلف له ما قتله فحلف بالله العظيم ما قال من ذلك شيئا ثم مشى إلى رسول الله فقال له رسول الله يا ابن أبي إن كانت سبقت منك مقالة فتب فجعل يحلف بالله ما قلت ما قال زيد وما تكلمت به انتهى
أي وفي لفظ أنه أرسل إلى ابن أبي فأتاه فقال له أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني عنك فقال والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك وإن زيدا لكاذب فقال من حضر رسول الله من الأنصار يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل أي وفي لفظ أنهم قالوا يا رسول الله شيخنا وكبرنا لا يصدق عليه كلام غلام


ثم أن عبد الله رضي الله تعالى عنه ولد عبد الله بن أبي بن سلول أي وكان اسمه الحباب فسماه صلى الله عليه وسلم يوم موت ابيه عبدالله لما بلغه مقالة عمر رضي الله تعالى عنه من قتل أبيه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه قد بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي يعني والده فيما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرني أن أحمل لك راسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل بر بوالده مني إني أخشى أن تامر به غيري فيقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا
قال وفي رواية فمرني فوالله لأحملن إليك راسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا وأني لاخشى يا رسول الله أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل ابي يمشي في الناس فأقتله فأدخل النارر فعفوك أفضل ومنتك أعظم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اردت قتله ولا أمرت به ولنحسنن صحبته ما كان بين أظهرنا فقال عبد الله يا رسول الله إن أبي كانت أهل هذه البحيرة أي المدينة اتفقوا على ان يتوجوه عليهم فجاء الله عز وجل بك فوضعه ورفعا بك أي زاد في رواية ومعه قوم أي من المنافقين يطيفون به ويذكرونه أمورا قد غلب الله عليها وتقدم أنه وقع لعبد الله رضي الله تعالى عنه مثل ذلك مع أبيه
روى الدارقطني مسندا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على جماعة فيهم عبد الله بن أبي فسلم عليهم ثم ولى وفقال عبد الله لقد عثا ابن أبي كبشة في هذه البلاد فسمعها ابنه عبد الله فاستاذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ان يأتيه برأس أبيه فقال لا ولكن بر اباك ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرب المدينة هاجت ريح شديدة تخوفوها كادت تدفن الراكب أي خافوا أن تكون لأمر حدث في بالمدينة على أهلهم فإن مدة الموادعة التي كانت بينه صلى الله عليه وسلم وبين عيينة بن حصن كان ذلك حين انقضائها فخافوا على المدينة منه فقال صلى الله عليه وسلم ليس عليكم منه يعني من عيينه بن حصن بأس ما بالمدينة من نقب أي باب إلا وملك يحرسه وما كان ليدخلها اعدو حتى تاتوها ولكن تعصف هذه الريح لموت عظيم من الكفار وفي رواية لموت منافق وفي لفظ مات اليوم منافق عظيم النفاق في المدينة فكان كما قال عليه الصلاة والسلام مات في ذلك اليوم زيد بن رفاعة بن التابوت وكان كهفا للمنافقين

كان من عظماءيهود بني قينقاع وكان ممن أسلم ظاهرا وإلى ذلك أشار الإمام السبكى رحمه الله تعالى في تأئيته بقوله ** وقد عصفت ريح فأخبرت أنها ** لموت عظيم في اليهود بطيبه **
قال وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بموته فقد جاء أن عبادة بن الصامت قال لابن أبي يا ابا حباب مات خليلك قال اي خليل قال من موته فتح للإسلام وأهله قال من قال زيد بن رفاعة قال واويلاه من أخبرك يا أبا الوليد بموته قال قلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه مات هذه الساعة فحزن حزنا شديدا انتهى وذكر أهل المدينة ان هذه الريح وجدت في المدينة وأنه لما دفن عدو الله سكنت
أقول لكن في كلام ابن الجوزي رفاعة بن زيد بن التابوت وهو عم وقتادة بن النعمان قد ذكر عنه قتادة رضي الله تعالى عنه ما يدل على صحة إسلامه
أي وقد يقال جاز أن يكون أظهر ذلك لقتادة ليظن به ما ظنه من صحة إسلامه
قال ابن الجوزي ولهم رفاعة بن التابوت في الصحابة ذكره في الإصابة قال جاء ذكره في حديث مرسل كانوا في الجاهلية إذا أحرموا لم يأتوا بيتا من قبل بابه ولكن من قبل ظهره إلا الحمس فإنها كانت تأتي البيوت من أبوابها فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا ثم خرج من بابه فاتبعه رجل يقال له رفاعة بن التابوت ولم يكن من الحمس فقالوا يا رسول الله نافق رفاعة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حملك على ما صنعت ولم تكن من الحمس قال فإن ديننا واحد فنزلت { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } وسيأتي نحو هذه القصة لقطبة بن عامر ولعلها وقعت لهما
وأما لحديث الذي أخرجه مسلم أن ريحا عظيما هبت فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها هبت لموت منافق عظيم النفاق وهو رفاعة بن التابوت فهو آخر غير هذا فقد جاء من وجه آخر رافع بن التابو أي فذكر رفاعة بدل رافع من تصرف بعض الرواة
وذكر في الأصابة أن رفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان رضي الله تعالى عنه لم يوصف بأنه ابن التابوت كما ذكره ابن الجوزى اي فوصفه بابن التابوت من تصرف بعض الرواة فليتأمل الله أعلم


وعن جابر رضى الله عنه قال كنا مع رسول الله عليه في سفر فهاجت ريح منتنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن ناسا من المنافقين اغتابوا ناسا من المؤمنين فلذلك هاجت هذه الريح ولم يعين جابر السفرة فيحتمل أن تكون هى هذه الغزوة وهو ظاهر سياقها فيها
ويحتمل أن تكون غيرها وفقدت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء من بين الإبل أى ليلا فجعل المسلمون يطلبونها من كل وجه فقال زيد بن الصلت وكان منافقا كما علمت من بني قينقاع وكان بمجمع من الأنصار نصار أين يذهب هؤلاء في كل وجه قالوا يطلبون ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضلت قال أ فلا يخبره الله بمكانها أ ي وفى لفظ كيف يدعى أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته ولا يخبره الذي يأ تيه بالوحى فأ نكر عليه القوم وقالوا قاتلك الله يا عدو الله نافقت وأرادوا قتله فعمدهاربا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم متعوذا به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم وذلك الرجل يسمع إ ن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إلا يخبره الله بمكانها والله قد أخبرني بمكانها ولا يعلم الغيب إلا الله وإ نها في الشعب مقابلكم قد مسك زمامها بشجرة فاعمدوا نحوها فذهبوا فأ توا بها من حيث قال صلى الله عليه وسلم فقام ذلك الرجل سريعا إلى رفقائه فقالوا له حين دنا لاتدن منا فقال لهم أنشدكم الله هل أتى أحد منكم محمدا فأخبره خبرى قالوا لا والله ولا قمنا من مجلسنا فقال إني وجدت ما تكلمت به عنده فأشهد أن محمدا رسول الله كأنى لم أسلم إلا اليوم فقالوا له فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك فذهب إليه واعترف بذنبه واستغفر له قال ويقال إنه لم يزل فشلا أى جبانا حتى مات ووقع مثل هذا أى هبوب الريح وإضلال ناقته صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم فى غزوة تبوك
وأوقع صلى الله عليه وسلم الله السباق بين الإبل فسابق بلال رضى الله عنه على ناقته صلى الله عليه وسلم القصواء فسبقت غيرها من الإبل وسابق أبو سعيد الساعدى رضى الله عنه على فرسه صلى الله عليه وسلم الذى يقال له الظراب فسبق غيره من الخيل اه
أى وجاء أن ناقته صلى الله عليه وسلم العضباء كانت لا تسبق فجاء أعرابى على قعود فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم الله حق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه اه

أقول في الإمتاع أنه صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة تسابق مع عائشة رضي الله عنها فتحزمت بقبائها وفعل كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استبقا فسبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها هذه بتلك التي كنت سبقتني يشير صلى الله عليه وسلم إلى أنه جاء إلى بيت ابي بكر رضي الله عنه فوجد مع عائشة شيئا فطلبه منها فأبت وسعت وسعى صلى الله عليه وسلم خلفها فسبقته
هذا وفي كلام ابن الجوزي عن عائشة رضي الله عنهاأنها قالت خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم فقال للناس تقدموا فتقدموا ثم قال تعالى حتى أسابقك فسابقته فسبقته فسكت عني حتى حملت اللحم وخرجت معه في سفره اخرى فقال للناس تقدموا فتقدموا ثم قال لي تعالى حتى أسابقك فسابقته فسبقني فجعل يضحك وهو يقول هذه بتلك فليتأمل
قال ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي العقيق تقدم عبد الله رضي الله عنه ابن عبد الله بن ابى سلول وجعل يتصفح الركاب حتى مر أبوه فأناخ به ثم وطئ عل يد راحلته فقال أبوه ما تريد يالكع فقال والله لا تدخل حتى تقر أنك الذليل وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز حتى ياذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلم ايضا الأعز من الأذل أنت او رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار يقول لأنا أزل من الصبيان لأنا ازل من النساء حتى جا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خل عن أبيك فخلى عنه
أي وفي لفظ أنه لما جاء قال له ابنه وراءك قال مالك ويلك قال والله لا تدخلها يعني المدينة حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلم اليوم من الأعز من الأذل وفي لفظ حتى تقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وانت الأذل فقال له أنت من بين الناس فقال نعم أنا من بين الناس وانصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا له ما صنع ابنه رضي الله عنه فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى ابنه أن خل عنه وفي لفظ قال له ابنه رضي الله عنه لئن لم تقر لله ولرسوله بالعزة لأضربن عنقك فقال ويحك افاعل أنت قال نعم ولما رأى منه الجد قال أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبنه جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا وانزل الله تعالى سورة المنافقين قال زيد بن ارقم رضي الله عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

تأخذه البرحاء ويعرق جبينه الشريف وتثقل يدا راحلته فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورجوت أن ينزل الله تصديقي فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بأذني وأنا على راحلتي يرفعها إلى السماء حتى ارتفعت عن مقعدي وهو يقول وعت اذنك يا غلام وصدق الله حديثك وكذب المنافقين وفي رواية هذا الذي أوفى الله بأذنه ونزل { وتعيها أذن واعية } فكان يقال لزيد بن أرقم رضي الله عنه ذو الأذن الواعية
وذكر بعض الرافضة أن قوله تعالى وتعيها أذن واعية جاء في الحديث أنها نزلت في علي كرم الله وجهه قال الإمام ابن تيمية وهذا حديث موضوع باتفاق اهل العلم أي وعلى تقدير صحته لا مانع من التعدد
وصار قوم عبد الله بن أبي عند نزول سورة المنافقين يعاتبونه ويعنفونه ولما بلغه صلى الله عليه وسلم أي بغض قومه له ومعاتبتهم له قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه كيف ترى يا عمر إني والله لو قتلته يوم قلت لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته فقال عمر رضي الله عنه قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري آه
وجاء أنه لما نزلت سورة المنافقين وفيها تكذيب ابن أبي قال له أصحابه اذهب إلى رسول الله صى يستغفر لك فلوى رأسه ثم قال أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني ان أعطي زكاة أموالي فأعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم } الآية
وفي تفسير القرطبي عند قول تعالى { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر } قال السدى نزلت في عبد الله ابن أبي جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له بالله يارسول الله أما أبقيت فضله من شرابك أسقها أبي لعل الله يطهر بها قلبه فأفضل له فأتاه بها فقال له عبد الله ما هذا فقال هي فضلة من شراب النبي صلى الله عليه وسلم جئتك بها تشربها لعل الله يطهر قلبك بها فقال له أبوه فهلا جئتني ببول أمك فإنه أطهر منها فغضب وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال

يا رسول الله بالله أما أذنت لي في قتل أبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل ترفق به وتحسن إليه
وقد جاء أن ابنه رضي الله عنه قال يا رسول الله ذرني أسقي والدي من وضوئك لعل قلبه أن يلين فتوضأ صلى الله عليه وسلم وأعطاه فذهب به إلى أبيه فسقاه وقال له هل تدري ما سقيتك قال نعم سقيتني بول أمك قال لا والله لكن سقيتك بول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة هلال رمضان فكانت غيبته ثمانية وعشرين ليلة
قال وفي هذه الغزوة جاءت امرأة بابن لها وقالت يا رسول الله هذا ابني غلبني عليه الشيطان ففتح صلى الله عليه وسلم فم الولد وبزق فيه وقال اخسأ عدو الله أنا رسول الله قال ذلك ثلاثا ثم قال للمرأة شأنك بابنك لن يعود إليه شيء مما كان يصيبه
وفي هذه العزوة جاء شخص بثلاث بيضات له صلى الله عليه وسلم من بيض النعام فقال صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه دونك يا جابر فاعمل هذه البيضات قال جابر فعملتهن ثم جئت بهن فجعلنا نطلب خبزا فلم نجد فجعل كل من رسول اله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكل من ذلك بغير خبز حتى انتهى كل إلى حاجته والبيض كما هو
وفي الغزوة جاء جمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفل أي يختال في مشيه وصوت فقال صلى الله عليه وسلم تدرون ما يقول هذا الجمل هذا يستعيذني على سيده يقول إنه كان يحرث عليه وإنه أراد أن ينحره اذهب يا جابر إلى صاحبه فأت به فقلت لا أعرفه قال سيدلك فخرج بين يدي حتى وقف على صاحبه فجئت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه في شأن الجمل 1 هـ
أقول قد تقدمت هذه الأمور الثلاثة التي هي قصة ابن المراة وقصة البيض وقصة الجمل في ذات الرقاع والتعدد فيهما حتى لأجل هذه الأمور سميت كل منهما بغزة الأعاجيب بعيد والذي أراه أنه اشتباه من بعض الرواة فليتأمل
وفي هذه الغزوة كانت قصة الإفك أي الكذب على عائشة الصديقة المبراة المطهرة رضي الله عنها قالت لما دنونا من المدينة قافلين أي راجعين أذن ليلة بالرحيل فقمت

وذهبت لأقضي حاجتي حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع أظفار كذا بالألف عند البخاري وفي رواية ظفار بغير ألف قال القرطبي ومن قيده بالألف فقد أخطأ أي ولعل المراد خالف الرواية وفي لفظ ظفاري أي بياء النسبة وفي لفظ الجزع الظفري
وقد يقال لا مانع من وقوع هذه الألفاظ من الصديقة في أوقات مختلفة قال بعضهم الجزع بفتح الجيم وإسكان الزاي وآخره عين مهملة خرز وظفار بالظاء المعجمة كوبار مبنية على الكسر قرية من قرى اليمن كان ثمنه يسيرا وفي كلام بعضهم كان يساوي اثني عشر درهما قد انقطع فالتمست عقدي أي ذهبت إلى التماسة في المحل الذي قضيت فيه حاجتي وحبسني التماسه اقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي هو بتخفيف الحاء أي يجعلون هودجها على الرحل فاحتملوا ودجى فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون اني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لفلة اكلهن أي لأن السمن وكثرة اللحم غالبا تنشأ عن كثرة الأكل وساورا أي وعن عائشة رضي الله عنها أن الذي كان يرحل هودجها ويقود بعيرها أبو مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رجلا صالحا ولا يخالف هذا قولها وأقبل الرهط إلى آخره وقولها في بعض الروايات ولم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه لأنه يجوز أن جماعة كانوا يعاونون أبا مويهبة في ذلك فوجدت عقدي فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب وأقمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان السلمى خلف الجيش أي لأنه كان على ساقة الجيش يتخلف عن الجيش ليلتقط ما يسقط من المتاع وقيل كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرتحل الناس
وقد جاء أن زوجته شكته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له إنه لا يصلي الصبح فقال يا رسول الله إني امرؤ ثقيل النوم لا أستيقظ حتى تطلع الشمس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظت فصل أي وفي رواية شكته إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه يضربها فقال إنها تصوم بغير إذني فقال لها لا تصومي إلا بإذنه قالت إنه ينام عن الصلاة أي صلاة الصبح قال إنه شيء ابتلاه الله به فإذا استيقظ فليصل وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم من حاله أنه ينام عن الصلاة

الصبح قالت إنه إذا سمعني أقرأ يضربني فقال إن معي سورة ليس معي غيرها هي تقرؤها قال لا تضربها فإن هذه السورة لو قسمت في الناس لو سعتهم أي وهذا الجواب منه صلى الله عليه وسلم يدل على أن صفوان ظن أن امرأته إذا قرأت تلك السورة شاركته في ثوابها فليتأمل
فأدلج أي سار ليلا فأصبح عند منزلي أي على خلاف عادته فرأى سوادا أي شخص إنسان نائم فأتاني فعرفني فاستيقظت باسترجاعه أي بقوله إنا لله وإنا إليه راجعون أي لأن تخلف أم المؤمنين عن الرفقة في مضيعة مصيبة أي مصيبة قالت فخمرت وجهي بجلبابي وهو ثوب أقصر من الخمار ويقال له المقنعة تغطي بها المرأة رأسها أي لأن ذلك كان بعد نزول لآية الحجاب أي { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي } الآية أي لأنه تقدم أن ذلك كان في سنة ثلاث على الراجح عند الأصل
وفي الإمتاع وذكر بعض علماء الأخبار ان تزوجه صلى الله عليه وسلم زينب التي نزلت آية الحجاب بسببها كان في ذي القعدة سنة خمس ولا يخفى أن هذا القول ينافيه ما يأتي عن عائشة رضي الله عنها من قولها إن زينب هي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو صريح في أنها كانت زوجة له صلى الله عليه وسلم قبل هذه العزوة بناء على أن هذه الغزوة كانت سنة ست
قالت والله ما كلمني وفي لفظ والله ما يكلمني كلمة وما سمعت منه كلمة أي فلاكلمها ولا كلم نفسه قيل استعمل الصمت أدبا لهول هذا الأمر الذي هو فيه فلم يقع منه غير الاسترجاع حين أناخ ناقته فوطئ على يدها فركبتها وفي رواية ثم قرب البعير فقال اركبي أي وفي لفظ قال أمه قومي فاركبي واخذ براس البعير وجاء أنه لما ركبت قالت حسبي الله ونعم الوكيل
وفي سيرة ابن هشام انه لما قال لها ما خلفك يرحمك الله قالت فما كلمته أي ويحتاج إلى الجمع بين هذه الروايات الثلاث وما قبلها على تقدير صحتها
وقد يقال إنها لم تسمع منه غير استرجاعه ولا كلمها ولا تكلم قبل أن يقرب إليها البعير كما علمت فلما قرب البعير إليها قال لها يا أمه قومي فاركبي لأن إناخة البعير وتقريبه ليس صريحا في الإذن لها في الركوب فأتى بذلك اللفظ الدال على مزيدا من احترامها وإجلالها وتعظيمها وبعض الرواة اقتصر على قولها اركبي وبعد ان ركبت أي

وحصلت الطمأنينة واندفعت الريبة قال لها متعجبا لا مستفهما ما خلفك قالت فانطلق يقود بي الراحلة أتينا الجيش بعد ما نزلوا وذلك في نحر الظهيرة أي وسطها وهو بلوغ الشمس منتهاها من الإرتفاع
وبهذه الواقعة استدل فقهاؤنا على أنه يجوز الخلوة بالمرأة الأجنبية إذا وجدها منقطعة ببرية أو نحوها بل يجب استصحابها إذا خاف عليها لو تركها
هذا وفي الخصائص الصغرى وفي معاني الآثار للطحاوي رحمه الله قال أبو حنيفة كان الناس لعائشة رضي الله عنها محرما فمع أيهم سافرت فقد سافرت مع محرم وليس غيرها من النساء كذلك
أي وقوله وليس غيرها من النساء كذلك يشمل بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وحينئذ فليتأمل الفرق بينها وبين بقية أمهات المؤمنين فيما ذكر وفيما سيأتي عن بعضهم أن من قذف عائشة يقتل ويحد في غيرها من أزواجه صلى الله عليه وسلم حدين
قالت عائشة رضي الله عنها فلما نزلنا هلك من هلك بقول البهتان والإفتراء والذي تولى كبره أي معظمه عبد الله بن أبي ابن سلول أي فإنه كان أول من أشاعه في العسكر أي فإنه كان ينزل مع جماعة المنافقين مبتعدين من الناس فمرت عليهم فقال من هذه قالوا عائشة وصفوان فقال فجربها رب الكعبة وفي لفظ ما برئت منه وما برئ منها وفي لفظ والله ما نجت منه ولا نجا منها وصار يقول امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم أشاع ذلك في المدينة بعد دخولهم له لشدة عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي والذي في البخاري كان يتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه أي يستخرجه بالبحث عنه
وقد يقال لا منافاة لأنه يجوز أن يكون هو أول من أشاعه عند دخول المدينة ثم صار يستخرجه بالبحث عنه ليكثر إشاعته قالت فقدمنا المدينة فاشتكيت أي مرضت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك أي ووصل الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أبوي ولا أشعر بشيء من ذلك وكان يريبني أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي أي حين أمرض واللطف بضم اللام وسكون الطاء وقيل بفتح اللام والطاء وهو من

الإنسان الرفق ومن الله التوفيق إنما يدخل على فيسلم أي وعندي أمي تمرضني ثم يقول كيف تيكم أي لا يزيد على ذلك ثم ينصرف فذاك الذي يريبني حتى خرجت بعد ما نقهت بكسرالقاف وفتحها أي أول ما افقت من المرض فخرجت معي ام مسطح وهي بنت خالة أبي بكر أي وما في لفظ وكان مسطح ابن خالة أبي بكر هو عل ضرب من التجوز والمسامحة وكان مسطح يتيما في حجر أبي بكر وكان فقيرا ينفق عليه أبو بكر قالت وخروجنا كان إلى المحل الذي تخرج إليه النساء ليلا أي لقضاء حاجة الإنسان وذلك قبل أن تتخذ الكنف أي فإن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن نحو المنصع وهو محل متسع قالت فلما فرغنا من شأننا وأقبلت عثرت أم مسطح في مرطها أي إزارها فقالت تعس مسطح بفتح العين وكسرها هلك مسطح تعني ولدها ومسطح في الأصل عمود الخيمة قلت لها بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا قالت يا هنتاه بفتح الهاء الأولى وسكون النون وضم الهاء الثانية أي يا هذه أو لم تسمعي ما قال قلت وما قال فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي أي عاودني المرض وازددت عليه أي وفي لفظ مخرن مغشيا عليها
وفي رواية خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح قد حملت السطل وفيه ماء فعثرت ووقع السطل منها فقالت تعس مسطح فقلت أي أم تسبين ابنك فسكتت ثم عثرت الثانية فقالت تعس مسطح فقلت أي أم تسبين ابنك ثم عثرت الثالثة فقالت تعس مسطح فنهرتها فقالت والله م أشبه إلا فيك فقلت في أي شأني فبقرت أي كشفت لي الحديث فقلت وقد كان هذا قالت نعم فأخذتني حمى نافضة ورجعت إلى بيتي فلما رجعت إلى بيتي مكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ إلى دمع ولا اكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعد أن سلم كيف تيكم فقلت أتأذن لي أن آتي بيت أبوي وأنا أريد أن اتثبت الخير من قبلهما أي لأن أمها فارقتها لما نفهت من المرض وذهبت إلى بيتها فلا ينافي ما سبق من قولها وعندي أمي تمرضني قالت فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوي أي وأرسل معي الغلام فدخلت الدار فوجدت أم رومان في أسفل

وأبا بكر فوق يقرأ فقالت أمي ما جاء بك فأخبرتها فذهابها إلى أبويها كما علمت كان بعد أن صحت من المرض وبعد إخبار أم مسطح لها بالقصة
والذي في السيرة الهشامية يفيد أنه كان قبل ذلك وهو أنها رضي الله عنها قالت كان صلى الله عليه وسلم كلما يدخل يقول كيف تيكم لا يزيد على ذلك حتى وجدته في نفسي فقلت يا رسول الله حين رأيت ما رأيت من جفائه لو أذنت لي قال لا عليك قالت فانتقلت إلى امي تمرضني ولا علم لي بشيء مما كان حتى نفهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم أي بيوت الأخلية نعافها ونكرهها إنما نذهب في فسح المدينة فخرجت ليلة ومعي أم مسطح بنت خالة أبي بكر إذ عثرت في مرطها فقالت تعس مسطح قلت بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين وقد شهد بدرا قالت أو ما بلغك الخبر يا ابنة ابى بكر قلت وما الخبر فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك قلت أو قد كان هذا قالت نعم والله لقد كان فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت فوالله ما وزلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي فليتأمل الجمع بين ما في السيرة الهشامية وما في غيرها على تقدير صحتهما
قالت وقلت لأمي يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به لا تذكرين لي من ذلك شيئا الحديث وفي رواية فقلت لأمي يا أماه ما يتحدث الناس وفي لفظ قلت لأمي يغفر الله لك تحث الناس بما تحدثوا الآ تذكرين لي من ذلك شيئا قالت يا بنية هوني عليك وفي لفظ خفضي عليك الشأن فوالله لقلما ما كانت امراة قط وضيئة أي جميلة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها أي القول في تنقيصها
وفيه أن ضرائرها أمهات المؤمنين لم يكن السبب في إشاعة ذلك ولم ينقصها به إلا أن يقال ظنت أمها ذلك على ما هو العادة في ذلك وعند ذلك قالت فقلت سبحان الله ولقد تحدث الناس بهذا أي وقلت قد علم به أبي قالت نعم قلت ورسول الله قالت نعم فاستعبرت وبكيت فسمع أبو بكر صوتي فنزل فقال لأمي ما شأنها فقالت بلغها الذي ذكر من شأنها فقاضت عيناه فبكيت تلك الليلة حت اصبحت لا يرفأ لي دمع أي يرتفع ولا اكتحلت بنوم في الليلة الثانية كذلك ولما أصبحت أصبح أبواي عندي يظنان أن البكاء فالق كبدي فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي أي وهما
أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15