كتاب : الأصول في النحو
المؤلف : أبي بكر محمد بن سهل بن السراج النحوي البغدادي

الخير ويقول الرجل للرجل : لم فعلتَ ذلك فيقول : لم أنه ظريف تريد : لأنه
قال سيبويه : سألت الخليل عن قوله : ( وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) فقال : إنما هو على حذف اللام وقال عز و جل : ( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أني لكم نذير مبين ) : إنما أراد : بأني وإذا عطفت ( إن ) على أن وقد عمل في الأولى الفعل ففتحها فتحتِ المعطوفَ أيضاً إلا أن تريد أن تستأنف ما بعد حرف العطف وتأتي بجملة نحو قولك : قد عرفتُ أنه ذاهب ثم إنه معجل فتحت الثانية لأن ( عرفت ) قد عمل فيها وتقول قد عرفتُ أنه منطلق ثم إنني أخبرتك أنه معجل لأنك ابتدأت ( بأني )
وإن جئت بها بعد واو الوقت كسرت كما أخبرتك وتقع بعد ( لو ) مفتوحة فتقول : لو أنك في الدار لجئتك
قال سبيويه : ( فأن ) مبنية على ( لو ) كما كانت مبنية على ( لولا ) تقول :

لولا أني منطلق لفعلت ( فأن ) مبنية على ( لولا ) كما تبنى عليها الأسماء وقال في لو كأنك قلت : لو ذاك وهذا تمثيل وإن كانوا لا يبنون على ( لو ) غير أن كما كان ( تسلم ) في قولك بذي تسلم في موضع اسم
قال أبو العباس رحمه الله : إن ( لو ) إنما تجيء على هيئة الجزاء فإذا قلت : لو أكرمتني لزرتك فلا بد من الجواب لأن معناها : إن الزيارة امتنعت لإمتناع الكرامة فلا بد من الجواب لأنه علة الإمتناع و ( إن ) المكسورة لا يجوز أن تقع هنا كما لا يجوز أن تقع بعد حروف الجزاء لأنها إنما أشبهت الفعل في اللفظ والعمل لا في المعنى و ( أن ) المفتوحة مع صلتها مصدر في الحقيقة فوقوعها على ضربين : أحدهما أن المصدر يدل على فعله فيجري منه ويعمل عمله فقد صح معناها في هذا الوجه
فإن قال قائل إذا قلت : لو أنك جئتني لأكرمتك فلِمَ لا تقول : لو مجيئك لأكرمتك قيل له : لأن الفعل الذي قد لفظت به من صلة ( أن ) والمصدر ليس كذلك ألا ترى أنك تقول : ظننت أنك منطلق فتعديه إلى ( أن ) وهي وصلتها اسم واحد لأنه قد صار لها اسم وخبر فدلت بهما على المفعولين
وغيرهما من الأسماء لا بد معه من مفعول ثان
والوجه الآخر أن الأسماء تقع بعد ( لو ) على تقديم الفعل الذي بعدها فقد وليتها على حال وإن كان ذلك من أجل ما بعدها فلذلك وليتها ( أن ) لأنها اسم وامتنعت المكسورة لأنها حرف جاء لمعنى التوكيد والحروف لا تلي ( لو ) فمما وليها من الأسماء قوله تعالى : ( قل لو أنتم تملكون )
وقال جرير :
( لَوْ غَيْرُكُم عَلقَ الزُّبيرُ بِحبْلِه ... أدى الجِوَارَ إلى بني العَوَّامِ )

وفي المثل : لو ذات سوارٍ لطمتني . . وكذلك : لو أنك جئت أي : لو وقع مجيئك لأن المعنى عليه قال سيبويه : سألته يعني الخليل عن قول العرب : ما رأيته مذ أنّ الله خلقني
فقال : إن في موضع اسم كأنك قلت : مذ ذاك فإن كان الفعل أو غيره يصل باللام جاز تقديمه وتأخيره لأنه ليس هو الذي عمل فيه في المعنى وذلك نحو قول تعالى : ( وأن المساجد لله ولا تدعوا مع الله أحدا ) أي : ولأن المساجد وإنما جاز ذلك لأن اللام مقدرة قبل ( أن ) وهي العاملة في ( أن ) لا الفعل وكل موضع تقع فيه ( أن ) تقع فيه ( إنما ) وما ابتدئ بعدها صلة لها كما أن ما ابتدئ بعد الذي صلة له ول تكون هي عاملة فيما بعدها كما لا يكون الذي عاملاً فيما بعده فمن ذلك قوله تعالى : ( قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد )

فلو قلت : يوحي إلي أن إلهكم إله واحد كان حسناً فأما إنما مكسورة فلا تكون اسماً وإنما هي فيما زعم الخليل بمنزلة فعل ملغى مثل : أشهد لزيد خير منك
والموضع الذي لا يجوز أن يكون فيه ( أن ) لا تكون ( إنما ) إلا مبتدأة مكسورة مثل قولك : وجدتك إنما أنت صاحب كل خنيّ لأنك لو قلت : وجدتك أنك صاحب كل خنيِّ لم يجز
( وإنما وأن ) يُصيّران الكلام : شأناً وقصةً وحديثاً ولا يكون الحديث الرجل ولا زيداً ولا ما أشبه ذلك من الأسماء
ويجوز أن تبدل مما قبلها إذا كان ما قبلها حديثاً وقصةً تقول : بلغتني قصتك أنك فاعل وقد بلغني الحديث أنهم منطلقون فقولك : ( أنهم منطلقون ) هو الحديث
وقد تبدل من شيء ليس هو الحديث ولا القصة لإشتمال المعنى عليه نحو قول عز و جل : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم )
( فأن ) مبدلة من إحدى الطائفتين موضوعة في مكانها كأنك قلت : وإذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم وهذا يَتَّضِح إذا ذكرنا البدل في موضعه إن شاء الله

ذكر المواضع التي تقع فيها إن وأن
المفتوحة والمكسورة والتأويل والمعنى مختلف
تقول : إمّا أنه ذاهب وإمّا أنه منطلق
فتفتح وتكسر قال سيبويه : وسألت الخليل عن ذاك فقال : إذا فتحت فإنك تجعله كقولك : حقاً أنه منطلق وإذا كسرت فكأنه قال : إلا أنه ذاهب
وتقول أمَا والله إنه ذاهب كأنك قلت : قد علمت والله إنه ذاهب
وأمَا والله أنه ذاهب كقولك : إلا أنه والله ذاهب
قال : وسألته عن قوله تعالى : ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون )

ما يمنعه أن يكون كقولك : ما يدريك أنه يفعل فقال : لا يحسن ذا في هذا الموضع إنما قال : وما يشعركم ثم ابتدأ فأوجب فقال : إنها إذا جاءت لا يؤمنون قال : ولو كان : ( وما يشعركم أنها ) كان ذلك عذراً لهم وأهل المدينة يقرأون : أنَّها فقال الخليل : هي بمنزلة قول العرب : إئت السوق أنك تشتري لنا شيئاً أي : لعلك
فكأنه قال : لعلها إذا جاءت لا يؤمنون
وتقول : إن لك هذا على وأنك لا تؤذي فكأنه قال : وإن لك أنك لا تؤذي وإن شاء ابتدأ
وقد قرئ هذا الحرف على وجهين : ( وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى )
وتقول : إذا أردت أن تخبر ما يعني المتكلم أي : إني نَجْدٌ إذا ابتدأت كما تقول : أنا نَجْدٌ وإذا شئت قلت أي : أني نَجْدٌ
كأنك قلت : أي : لأني نَجْدٌ
وتقول : ذاك وإن لك عندي ما أحببت قال الله تعالى : ( ذلكم فذوقوه وإن للكافرين عذاب النار )
كأنه قال : يعلى الأمر ذلك وإن لك
قال سيبويه : ولو جاءت مبتدأة لجاز
قال : وسالت الخليل عن قوله : ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون )
فقال : إنما هو على حذف اللام قال : ولو قرأها قارئ :

( وإِنَّ ) كان جيداً
وتقول : لبيك إنَّ الحمد والنعمة لك وإن شئت قلت : أنَّ الحمد قال أبن الأطنابة :
( أَبْلِغِ الحارِثَ بنَ ظَالم الموعِدِ ... والناذرَ النذورِ عليّا )
( إنما تَقْتُلُ النِّيامَ ولا تقتُل ... يقظانَ ذا سلاحٍ كميا )
وإن شئتَ قلت : إنما تقتل النيامَ على الإبتداء زعم ذلك الخليل
وقال الخليل : في قوله ( ألم يعلموا أَنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم ) قال : ولو قال : فإن كانت عربية جيدة
وتقول : أول ما أقول إني أحمد الله كأنك قلت : أول ما أقول الحمدُ لله
و ( إن ) في موضعه فإن أردت أن تحكي قلت : أول ما أقول : إني أحمد الله وتقول : مررت فإذا إنه عبد وإذا أنه عبد تريد : مررت فإذا العبودية به واللؤم

وقد عرفت أمورك حتى إنك أحمق كأنه قال : حتى حمقكم وهذا قول الخليل
مسائل في فتح ألف ( أن ) وكسرها
تقول : قد علمت أنك إذا فعلت ذاك أنك سوف تغبط ويجوز أن تكسر تريد معنى الفاء وتقول : أحقاً أنك ذاهب والحق نك ذاهب وأكبر ظنك أنك ذاهب وأجهد رأيك أنك ذاهب وكذلك هما إذا كانا خيراً غير استفهام حملوه على : أفي حقٍ أنك ذاهب قال العبدي :
( أَحَقَّاً أن جِيرَتَنا أستَقَلُّوا ... فنِيَّتُنا ونِيَّتُهُم فَرِيقٌ )
قال : فريق ولم يقل فريقان كما يقال للجماعة : هم صديق
وقال تعال : ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ) ولم يقل : قعيدان والرفع في

جميع هذا قويّ إن شئت قلت : أحق أنك ذاهب وأكبر ظني أنك ذاهب تجعل الآخر هو الأول
قال أبو العباس : سألت أبا عثمان لِمَ لا تقول : يوم الجمعة أنك منطلق قال : هذا يجيزه قوم وهم قليل على التقديم والتأخير يجيزون : أنك منطلق يوم الجمعة وإنما كان الوجه : يوم الجمعة أنك منطلق لأنهم يريدون : في يوم الجمعة انطلاقك قلت : فلِمَ أجازوا : أما يوم الجمعة فإنك منطلق قال : لأن ما بعد الفاء مبتدأ ونصب ( يومَ الجمعة ) بالمعنى الذي أحدثته أما كأنه قال : مهما يكن من شيء يوم الجمعة فإنك منطلق وهو نحو قولك : زيد في الدار ( اليوم ) نصبت اليوم بمعنى الإستقرار في قولك : في الدار قلت : أتجيز كيف إنك صانع على قولك : كيف أنت صانع قال : من أجازه في يوم الجمعة أجازه ها هنا
قال أبو العباس : لا يجوز هذا في ( كيف ) لأن كيف لا ناصب لها قال : قال أبو عثمان : قرأ سعيد بن جبير : ( إلا أنهم ليأكلون الطعام ) ففتح إن وجعل اللام زائدة كما زيدت في قوله :
( أُم الحُلَيسِ لعجوزٌ شهربهْ ... )

وتقول : قد علمت أن زيداً لينطلقن فتفتح لأن هذه لام القسم وليست لام ( إن ) التي في قولك : قد علمت إن زيداً ليقوم لأن هذه لام الإبتداء والأولى لام اليمين فليست من ( إن ) في شيء
قال أبو عثمان : في قوله تعالى : ( إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) إن ( مِثْلَ ) و ( ما ) جُعِلا اسماً واحداً مثل : خمسة عشر وإن كانت ما زائدة وأنشد :
( وتَدَاعى مَنخرَاهُ بِدَم ... مثلَ ما أثمرَ حُماضُ الجبَل )
قال سيبويه والنحويون يقولون : إنما بناه يعني مثل لأنه أضافه إلى غير متمكن وهو قوله : إنكم وإن شاء أعربَ ( مثلاً ) لأنها كانت معربة قبل الإِضافة فترفع فتقول : مثل ما أنكم كما تقول في ( يومئذ ) من النباء والإِعراب فتعربه كما كان قبل الإِضافة ويبينه
لما أضافه إليه من أجل أنه غير متمكن وأن الأول كان مبهماً
فإنما حصر بالثاني
وكذلك :

( عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبا ... )
وكذلك :
( لم يَمْنَعِ الشّربَ منها غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ ... حَمَامَةٌ في غُصُونٍ ذَاتِ أَوْقَالِ )
وكل المبهمات كذلك ولا يدخل في هذا : ضربني غلام خمسة عشر رجلاً لأن الغلام مخصوص معلوم غير مبهم بمنزلة وحين ونحو ذلك وأبو عمرو يختار أن يكون نصب : ( مثل ما أنكم تنطقون ) على أنه حال للنكرة ( لحقٌ ) ولا اختلاف في جوازه على ما قال
وتقول : إن زيداً إنه منطلق

كأنك قلت : إن زيداً هو منطلق
والمكسورة والمفتوحة مجازهما واحد قال الله تعالى : ( ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) وقال عبد الله وهب الفزاري الأسدي جاهلي :
( زَعَمَتْ هُنَيْدَةُ أنها صَرَمَتْ ... حَبْلي وَوَصْلُ الغَانِيَاتِ غُرُورُ )
( إني وحالِك إنَّني لمشيّعٌ ... صُلْبُ القَناةِ بصرحكن جَدَير )
قال سيبويه : وسألته يعني الخليل عن شد ما أنك ذاهب بمنزلة : حقاً أنك ذاهب فقال : هذا بمنزلة حقاً إنك ذاهب كما تقول : أما إنك ذاهب بمنزلة : حقاً إنك وكما كانت ( لو ) بمنزلة ( لولا ) ولا يبدأ بعدها من الأسماء سوى ( إن ) نحو : لو أنك ذاهب ولولا يبتدأ بعدها الأسماء ولو بمنزلة ( لولا ) وإن لم يجز فيها ما يجوز فيها وإن شئت جعلت : شد ما كنِعْمَ ما كأنك قلت : نعم العملُ أنك تقول الحق قال : وسألته عن قوله
كما أنَّه لا يعلم ذلك فتجاوزَ الله عنه وذلك حق كما أنك ها هنا فزعم أنَّ العاملة في ( أنَّ ) الكاف وما لغوٌ إلا أن ( ما ) لا تحذف من ها هنا كراهية أن يجيء لفظها مثل لفظ ( كأن ) التي للتشبيه كما ألزموا النون ( لأفعلن ) واللام في قولهم : إن كان ليفعل : كراهية أن يلتبس اللفظان ويدلك على أن الكاف هي العاملة قولهم : هذا حق مثل ما أنك هنا ففتحوا ( أن ) وبعض العرب يرفع ( مثل ) حدثنا به يونس فما أيضاً لَغْو لأنك تقول :

مثل ما أنك ها هنا ولو جاءت ( ما ) مسقطة من الكاف في الشعر جاز
قال النابغة الجعدي :
( قُرُومٌ تَسَامَى عِنْدَ بَابِ دِفَاعِه ... كَأَنْ يُؤْخَذَ المرءُ الكريمُ فيقتلا )
يريد : كما أنه يؤخذ المرء قال أبو عثمان : أنا لا أنشده إلا ( كأن ) يؤخذ المرء
فأَنصُب يؤخذ لأنها ( أن ) التي تنصب الأفعال دخلت عليها كاف التشبيه ألا ترى أنه نسق عليه ( يقتل ) فنصبه لذلك
قال سبيويه : سألته يعني الخليل هل يجوز : إنه لحق كما أنك ها هنا على حد قولك : كما أنت ها هنا فقال : لا لأن أن لا يبتدأ بها في كل موضع ألا ترى أنك لا تقول : يوم الجمعة أنك ذاهب ولا : كيف أنك صانع ( فكما ) بتلك المنزلة قال : وسألتُ الخليل عن قوله : أحقاً أنه لذاهب فقال : لا يجوز كما لا يجوز يوم الجمعة أنه لذاهب
وقال : يجوز في الشعر : أشهد أَنهُ ذاهب يشبهه بقوله والله أنه ذاهب لأن معناه معنى اليمين كما أنه إذا قال : أشهد أَنتَ ذاهب ولم يذكر اللام لم يكن إلا ابتداء وهو قبيح ضعيف إلا باللام ومثل ذلك في الضعف : علمت أن

زيداً ذاهب كما أنه ضعيف : قد علمت عمرو خير منك ولكنه على إرادة اللام كما قال تعالى : ( قد أفلح من زكاها ) . . . وهو على اليمين وكان في هذا حسن حين طال الكلام يعني أن التأويل : ( والشمس وضحاها ) لقد أفلح
قال أبو العباس رحمه الله والبغداديون يقولون : والله إن زيداً منطلق فيفتحون ( إن ) وهو عندي القياس لأنه قسم فكأنه قال : أحلف بالله على ذاك أشهد أنك منطلق
قال : والقول عندي في قوله تعالى : ( لا جرم أن لهم النار ) والله أعلم أن ( لا ) زائدة للتوكيد وجرم فعل ماض فكأنه قال والله أعلم : جرم أن لهم النار وزيادة ( لا ) في هذا الموضع كزيادتها في قوله تعالى : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ) وإنما تقول : لا يستوي عبد الله وزيد وكقوله تعالى : ( لا أقسم بهذا البلد ) ونحوه من الفواتح

وتقول : أما جهد رأيي فإنك راحل وأما يوم الجمعة فإنك سائر لأن معنى ( أما ) مهما يكن من شيء فإنك سائر يوم الجمعة فما بعد الفاء يقع مبتدأ ألا ترى أنك تقول : أما زيداً فضربت على التقديم لأن المعنى : مهما يكن من شيء فزيداً ضربت وفضربت
قال أبو العباس : فيلزم سيبويه أن يقول على هذا : أما زيداً فإنك ضارب
قال سيبويه وإذا قلت : أما حقاً فإنك قائم وأما أكبر ظني فإنك منطلق فعلى الفعل لا على الظرف لأنك لم تضطر إلى أن تجعلها ظرفاً إذا كانت ( أما ) إنما وضعت على التقديم لما بعد الفاء فصار التقدير : مهما يكن من شيء فإنك ذاهب حقاً وفيما قال نظر وشغب : ولا يجوز عندي على هذا أن يقول : أما هنداً فإن عمراً ضارب لأن تقدير الإسم الذي يلي ( أما ) أن يلي الفاء ملاصقاً لهما
فما جاز أن يلاصق الفاء جاز أن يلي ( أما ) وما لم يجز أن يلاصقها لم يجز أن يلي ( أما ) فلا يجوز أن تقول : مهما يكن من شيء فإن هنداً عمراً ضارب فتنصب هنداً بضارب ويجوز أن تقول : مهما يكن من شيء فإن أكبر ظني عمراً ذاهب فيكون : أكبر ظني ظرفاً ( لذاهب ) وهذا إنما أجازه مع إما لأنهم وضعوها في أول أحوالها على التقديم والتأخير صار حكمها حكم ما لا تأخير فيه ولو كان موضع يجوز أن يقدم فيه ولا يقدم لم يجز أن يعمل ما بعد ( أن ) في ما قبلها وعلى ذلك ففيه نظر كثير والأقيس في قولك : أما حقاً فإنك قائم : أن تعمل معنى ( أما ) في ( حقاً ) كأنك قلت : مهما يكن من شيء حقاً فإنك قائم وأحسبه قول المازني

وتقول : أيقول : إنَّ عمراً منطلق إذا أردت معنى : أتظن كأنك قلت : أتظن أن عمراً منطلق فإن أردت الحكاية قلت : أتقول : إنَّ وتقول : ظننت زيداً أنه منطلق لأن المعنى : ظننت زيداً هو منطلق ولا يجوز فيه الفتح لأنه يصير معناه : ظننت زيداً الإنطلاق ولو قلت : ظننت أمرك أنك منطلق جاز كأنك قلت : ظننت أمرك الإنطلاق والأخفش يقول : إذا حسن في موضع ( إن ) وما عملت فيه ( ذاك ) فافتحها نحو قولك : بلغني أنه ظريف لأنك تقول : بلغني ذاك قال : وما لم يحسن فيه ( ذاك ) فاكسرها قال : وتقول : أما أنه منطلق لأنه لا يحسن ها هنا أما ذاك ثم أجازه بعد على معنى : حقاً أنه منطلق وقال : لأن أما في المعنى : ( حقاً ) لأنها تأكيد فكأنه ذكر حقاً فجعلها ظرفاً قال : وقد قال ناس : حقاً إنك ذاهب على قولهم : إنك منطلق حقاً فتنصب ( حقاً ) على المصدر كأنه قال : أحِقُّ ذاك حقاً قال : وهذا قبيح وهو من كلام العرب

ذكر ما يكون المنصوب فيه في اللفظ غير المرفوع والمنصوب بعض المرفوع وهو
المستثنى
المستثنى يشبه المفعول إذا أتى به بعد استغناء الفعل بالفاعل وبعد تمام الكلام
تقول : جاءني القوم إلا زيداً فجاءني القوم : كلام تام وهو فعل وفاعل فلو جاز أن تذكر ( زيداً ) بعد هذا الكلام بغير حرف الإستثناء ما كان إلا نصباً
لكن لا معنى لذلك إلا بتوسط شيء آخر فلما توسطت ( إلا ) حدث معنى الإستثناء ووصل الفعل إلى ما بعد إلا فالمستثنى بعض المستثنى منهم ألا ترى أن زيداً من القوم فهو بعضهم فتقول على ذلك : ضربت القومَ إلا زيداً ومررت بالقومِ إلا زيداً فكأنك قلت في جميع ذلك : أستثني زيداً فكل ما أستثنيه ( بإلا ) بعد كلام موجب فهو منصوبٌ وألا تخرج الثاني مما دخل فيه الأول فهي تشبه حرف النفي فإذا قلت : قام القوم إلا زيداً فالمعنى : قام القوم لا زيد إلا أن الفرق بين الإستثناء والعطف أن الإستثناء لا يكون إلا بعضاً من كلّ والمعطوف يكون غير

الأول ويجوز أيضاً في المعطوف أن تعطف على واحد نحو قولك : قام زيد لا عمرو ولا يجوز أن تقول في الإستثناء : قام زيد إلا عمرو
لا يكون المستثنى إلا بعضاً من كل وشيئاً من أشياء و ( لا ) إنما تأتي لتنفي عن الثاني ما وجب للأول و ( إلا ) تخرج الثاني مما دخل فيه الأول موجباً كان أو منفياً ومعناها الإستثناء والإسم المستثنى منه مع ما تستثنيه منه بمنزلة اسم مضاف ألا ترى أنك إذا قلت : جاءني قومك إلا قليلاً منهم فهو بمنزلة قولك : جاءني أكثر قومك فكأنه اسم مضاف لا يتم إلا بالإِضافة فإن فرغت الفعل لما بعد إلا عمل فيما بعدها لأنك إنما تنصب المستثنى إذا كان اسماً من الأسماء وهو بعضها فأما إذا فرغت الفعل لما بعد إلا عمل فيما بعد إلا وزال ما كنت تستثني منه وذلك نحو قولك : ما قام إلا زيد وما قعد إلا بكر فزيد مرتفع بقام وبكر مرتفع بقعد وكذلك : ما ضربت إلا زيداً وما مررت إلا بعمرو ولما فرغت الفعل لما بعد إلا عمل فيه
فإذا قلت : ما قام أحد إلا زيد فإنما رفعت لأنك قدرت إبدال زيد من ( أحد )
فكأنك قلت : ما قام إلا زيد وكذلك البدل من المنصوب والمخفوض تقول : ما ضربت إلا أحداً إلا زيداً وما مررت بأحد إلا زيد فالمبدل منه بمنزلة ما ليس في الكلام وهذا يبين في باب البدل فإن لم تقدر البدل وجعلت قولك : ما قام أحد كلاماً تاماً لا ينوي فيه الإِبدال من ( أحد ) نصبت فقلت : ما قام أحد إلا زيداً

والقياس عندي إذا قال قائل : قام القوم إلا أباك فنفيت هذا الكلام أن تقول : ما قام القوم إلا أباك لأن حق حرف النفي أن ينفي الكلام الموجب بحاله وهيئته فأما إن كان لم يقصد إلى نفي هذا الكلام الموجب بتمامه وبني كلامه على البدل قال : ما قام القوم إلا أبوك فإن قدمت المستثنى لم يكن إلا النصب نحو قولك : ما لي إلا أباك صديق وما فيها إلا زيداً أحداً لأنه قد بطل البدل فلم يتقدم ما يبدل فيه لأن البدل كالنعت إنما يجري على ما قبله فإن أوقعت استثناء بعد استثناء قلت : ما قام أحد إلا زيد إلا عمراً
فتنصب عمراً لأنه لا يجوز أن يكون لفعل واحد فاعلان مختلفان يرتفعان به بغير حرف عطف فهذا مما يبصرك أن النصب واجب بعد استغناء الرافع بالمرفوع
ولك أن تقول : ما أتاني أحد إلا زيد إلا عمراً وإلا زيداً إلا عمرو فتنصب أيهما شئت وترفع الآخر
وتقول : ما أتاني إلا عمراً إلا بشراً أحد
فإن استثنيت بعد الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين نحو : أعطيتُ زيداً درهماً قلت : أعطيتُ الناس الدراهم إلا زيداً ولا يجوز أن تقول : إلا عمراً الدنانير لأن حرف الإستثناء إنما تستثني به واحداً فإن قلت : ما أعطيتُ أحداً درهماً إلا عمراً دانقاً وأردت الإستثناء أيضاً لم يجز فإن أردت البدل جاز فأبدلت عمراً من أحد ودانقاً من قولك : درهماً فكأنك قلت : ما أعطيت إلا عمراً دانقاً
واعلم : أنهم قد يحذفون المستثنى استخفافاً نحو قولهم : ليس إلا وليس غير كأنه قال : ليس إلا ذاك وليس غير ذلك

واعلم : أيضاً : أنهم ربما يحملون في هذا الباب الإسم على الموضع وذلك قولهم : ما أتاني من أحد إلا زيد وما رأيت من أحد إلا زيداً لأنه يقبح أن تقول : ما أتاني إلا من زيد
فإذا قلت لا أحد فيها إلا عبد الله فلا بد من إجرائه على الموضع ورفعه لأن أحداً مبني مع ( لا ) وسنذكره في بابه إن شاء الله
ولا يجوز أن يعمل ما بعد ( إلا ) فيما قبلها لا يجوز ما أنا زيداً إلا ضارب تريد ما أنا إلا ضاربٌ زيداً وقد جاءت ألفاظ قامت مقام ( إلا ) وأصل الإستثناء ( لا لا ) ونحن نفرد لها باباً إن شاء الله
ولا يجوز أن تستثني النكرة من النكرات في الموجب لا تقول : جاءني قوم إلا رجلاً لأن هذا لا فائدة من استثنائه فإن نَعَتَّه أو خَصَصْتَه جاز وهذا امتناعه من جهة الفائدة فمتى وقعت الفائدة جاز .

هذا باب ما جاء من الكلم في معنى إلا
أعلم : أنه قد جاء من الأسماء والأفعال والحروف ما فيه إلا : أما الأول من ذلك : فما جاء من الأسماء نحو : غير وسوى وقوم يحكون : سوى وسواء ويضمون إليها : بيد بمعنى : غير وحكم ( غير ) إذا أوقعتها موقع إلا أن تعربها بالإِعراب الذي يجب للإسم الواقع بعد إلا تقول : أتاني القوم غير زيد لأنك كنت تقول : أتاني القوم إلا زيداً وتقول : ما جاءني أحد غير زيد لأنك كنت تقول أتاني القوم إلا زيدا وتقول ما جاءني أحد غير لأنك كنت تقول : ما جاءني أحد إلا زيد وما رأيت أحداً غير زيد كما تقول : ما رأيت أحداً إلا زيداً وما مررت بأحد غير

زيد كما تقول : ما مررت بأحد إلا زيد فتعرب ( غيراً ) بإعراب زيد في هذه المسائل بعد إلا وكل موضع جاز فيه الإستثناء بإلا جاز بغير ولا يجوز أن تكون غير بمنزلة الإسم الذي تبتدأ بعد إلا في قولك : ما مررت بأحد إلا زيد خير منه لا يجوز أن تقول ما مررت بأحد غير زيد خير منه وأنت تريد ذلك المعنى وإنما أدخلوا فيها معنى الإستثناء في كل موضع يصلح أن يكون صفة وكذلك ( إلا ) أقاموها مقام غير إذا كانت صفة كما أقاموا غير مقام إلا إذا كانت استثناء وأصل غير في هذا الباب أن تكون صفة والإستثناء عارض فيها وأصل ( إلا ) الإستثناء والصفة عارضة فيها شبهت بغير لما شبهت غير بها فتقول على هذا إذا جعلت غير صفة : جاءني القوم غير زيد ومررت بالقوم غير أخويك ورأيت القوم غير أصحابك تجري غير مجرى ( مثل ) في الإِعراب والصفة وكذلك إن جعلت إلا بمعنى غير قلت : جاءني القوم إلا زيد ومررت بالقوم إلا زيد ورأيت القوم إلا زيداً تنصبه نصب غير إلى الصفة لا على الإستثناء
وزعم الخليل ويونس : أنه يجوز : ما أتاني غير زيد وعمرو فيجريه على موضع غير لا على ما بعد غير والوجه الجر وذلك أن : غير زيد في موضع إلا زيد وفي معناه حملوه على الموضع ألا ترى أنك تقول : ما أتاني غير زيد وإلا عمرو ولا يقبح : كأنك قلت : ما أتاني إلا زيد وإلا عمرو
واعلم : أن إلا لا يجوز أن تكون صفة إلا في الموضع الذي يجوز أن تكون في استثناء وذلك أن تكون بعد جماعة أو واحد في معنى الجماعة إما نكرة وإما ما فيه الألف واللام على غير معهود لأن هذا هو الموضع الذي تجتمع فيه هي وغير فضارعتها لذلك ولم تكن بمنزلتها في غير هذا الموضع لأنهما لا يجتمعان فيه كما أن غير لا تدخل في الإستثناء إلا في

الموضع الذي ضارعت فيه إلا ألا ترى أنك تقول : مررت برجل غيرك ولا تقع إلا في مكانها لا يجوز أن تقول : جاءني رجل إلا زيد تريد غير زيد على الوصف والإستثناء ها هنا محال ولكن تقول : ما يحسن بالرجل إلا زيد أن يفعل كذا لأن الرجل : جنس ومعناها بالرجل الذي هو غير زيد كما قال لبيد :
( إنما يُجزَى الفتى غَيرُ الجَمَل ... )
وكذلك : مررت بالقوم إلا زيد كما قال :
( أُنيخَتْ فألقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ ... قَلِيل بها الأَصْوَات إلا بُغَامُها )

وذكر سيبويه قولهم : أتاني القوم سواك وحكى عن الخليل أن هذا كقولك : أتاني القوم مكانك إلا أن في سواك معنى الإستثناء وسواء تنصب في هذا كله لأنها تجري مجرى الظروف وتخفض ما بعدها
وأما الثاني : فما جاء في الأفعال في موضع الإستثناء وهي : لا يكون وليس وعدا وخلا فإذا جاءت وفيها معنى الإستثناء ففيها إضمار وذلك قولك : أتاني القوم لس زيداً وأتوني لا يكون عمراً وما أتاني أحد لا يكون زيداً كأنه قال : ليس بعضهم زيداً
وترك ( بعضاً ) استغناءً بعلم المخاطب والخليل يجيز في ليس ولا يكون أن تجعلهما صفتني وذلك قولك : ما أتاني أحد ليس زيداً وما أتاني رجل لا يكون عمراً فيدلك على أنه صفة أن بعضهم يقول : ما أتاني امرأة لا تكون فلانة وما أتتني امرأة ليست فلانة
وأما ( عدا ) و ( خلا ) فلا يكونان صفة ولكن فيهما إضمار كما كان في ( ليس )
ولا ( يكون ) وذلك قولُك : ما أتاني أحد خلا زيداً وأتاني القوم عدا عمراً فإن أدخلت ( ما ) على عدا وخلا وقلت : أتاني القومُ ما عدا زيداً وأني ما خلا زيداً ( فما ) هنا اسم وخلا وعدا صلة له قال ولا توصل إلا بفعل
قال سيبويه : وإذا قلت : أتوين إلا أن يكون زيد فالرفع جيد بالغ وهو كثير في كلامهم و ( أن يكون ) في موضع اسم مستثنى والدليل على أن ( أن يكون ) هنا ليس فيها معنى الإستثناء أن ليس وخلا وعدا لا يقَعْنَ هنا

ومثل الرفع قوله تعالى : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) وبعضهم ينصب على وجه النصب في لا يكون
وأما الثالث : فما جاء من الحروف في معنى ( إلا ) قال سيبويه : من ذلك ( حاشا ) وذكر أنه حرف يجر ما بعده كما تجرُّ ( حتى ) ما بعدها وفيه معنى الإستثناء قال : وبعضُ العرب يقول : ما أتاني القوم خلا عبدِ الله فيجعل خلا بمنزلة حاشا فإذا قلت : ما خلا فليس فيه إلا النصب لأن ( ما ) اسم ولا يكون صلتها إلا الفعل وهي ( ما ) التي في قولك : أفعل ما فعلت
وحكى أبو عثمان المازني عن أبي زيد : قال : سمعتُ أعرابياً يقول : اللهم أغفر لي ولمن سَمِعَ حاشا الشيطان وأبا الأصبع نصب ب ( حاشا )

قال أبو العباس : إنما حاشا بمنزلة خلا ولأن خلا إذا أردت به الفعل إنما معناه جاوزه من قولك : خلا يخلو وكذلك حاشا يحاشي وكذلك قولك : أنت أحب الناس إليّ ولا أُحاشي أحداُ أي : ولا أستثني أحداً وتصييرها فعلاً بمنزلة خلا في الإستثناء قول أبي عمر الجرمي وأنشد قول النابغة :
( وَلاَ أَرَى فَاعِلاً في النَّاسِ يُشبِهُهُ ... ولا أُحَاشِي مِنَ الأَقْوَامِ مِنْ أَحَدِ )
والبغداديون أيضاً يجيزون النصب والجر ب ( حاشا )
واعلم : أن من الإستثناء ما يكون منقطعاً من الأول وليس ببعض له وهذا الذي يكون ( إلا ) فيه بمعنى لكن
ونحن نفرد له باباً يلي هذا الباب إن شاء الله

باب الإستثناء المنقطع من الأول
إلا في تأويل ( لكن ) إذا كان الإستثناء منقطعاً عند البصريين
ومعنى سوى عند الكوفيين والإختيار فيه النصب في كل وجه
وربما ارتفع ما قبل إلا وهي لغة بني تميم وإنما ضارعت إلا ( لكن ) لأن ( لكن ) للإستدراك بعد النفي فأنت توجب بها للثاني ما نفيت عن الأول فمن ها هنا تشابها تقول : ما قام أحدٌ إلا زيد فزيد قد قام ويفرق بينهما : أنّ لكن لا يجوز أن تدخل بعد واجب إلا لترك قصة إلى قصة تامة نحو قولك : جاءني عبد الله لكن زيد لم يجيء ولو قلت : مررت بعبد الله لكن عمرو لم يجز وليس منهاج الإستثناء المنقطع منهاج الإستثناء الصحيح لأن الإستثناء الصحيح إنما هو أن يقع جمع يوهم أن كل جنسه داخل فيه ويكون واحد منه أو أكثر من ذلك لم يدخل فيما دخل فيه السائر بمستثنيه منه ليعرف أنه لم

يدخل فيهم نحو : جاءني القوم إلا زيداً فإن قال : ما جاءني زيد إلا عمراً فلا يجوز إلا على معنى لكن
واعلم : أن إلا في كل موضع على معناها في الإستثناء وأنها لا بد من أن تخرج بعضاً من كل فإذا كان الإستثناء منقطعاً فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل إلا قد دل على ما يُستَثْنى منه فتفقد هذا فإنه يدقّ فمن ذلك قوله تعالى : ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) فالعاصم الفاعل من رحم ليس بعاصم ولكنه دلّ على العصمة والنجاة
فكأنه قال والله أعلم : لكن من رحم يُعصم أو معصوم ومن ذلك قوله تعالى : ( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ) وهذا الضرب في القرآن كثير
ومن ذلك من الكلام : لا تكونن من فلان في شيء إلا سلاماً بسلام وما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضرَّ ( فما نفع ) مع الفعل بمنزلة اسم
ولولا ( ما ) لم يجز الفعل هنا بعد إلا وإنما حسن هذا الكلام لأنه لما قال : ما زاد دل على قوله هو على حاله فكأنه قال : هو على حاله إلا ما نقص وكذلك دل بقوله : ما نفع ما هو على أمره إلا ما ضرَّ وقال الشاعر :
( نَجَا سَالِم والنَّفْسُ مِنْهُ بِشِدْقهِ ... ولم يَنْج إلا جَفْنَ سيفٍ ومئزَرا )

فقوله : نجا ولم ينج كقولك : أفلت ولم يفلت أي : لم يفلت إفلاتاً صحيحاً كقولك : تكلمت ولم أتكلم ثم قال : إلا جفن سيف ومئزراً كأنه قال : لكن جفن سيف ومئزراً وقال الآخر :
( وما بالربَّعِ من أحدِ ... )
ثم قال : إلا أَوَ آرِيَّ
فهذا كأنه كما قال : من أحد اجتزأ بالبعض من الكل فكأنه قال : ما

بالربع من شيء واكتفى بأحد لأنه من الإستثناء فساغ ذلك له لأنه لم يلبس
وأما قول الشاعر :
( مَنْ كَانَ أَسْرَعَ في تَفَرٌّقِ فَالِجٍ ... فَلَبُونُه جربت مَعَا وأغَدَّتِ )
( إلا كَنَاشِرَةِ الَّذِي ضيَّعَتُمُ ... كالغُصْنِ في غُلوائِهِ المتنبّتِ )
وقال الآخر :
( كَلاَّ وَبَيْتِ الله حتى يُنْزِلوا ... مِنْ رأسِ شاهقةٍ إلينا الأسْوَدا )

ثم قال :
( إلا كَخَارِجَةِ المكلّفِ نفسَه ... وابنى قبيصة أن أَغِيبَ ويُشْهدا )
فإن الكاف زائدة كزيادتها في قول الله تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )

وكقول رؤبة :
( لواحقُ الأقرابِ فيها كالمقَق ... )
والمقق : الطول وإنما المعنى : فيها طول كما يقال : فلان كذا الهيئة أي : ذو الهيئة

مسائل من باب الإستثناء
تقول : ما مررتُ بأحدٍ يقول ذاك إلا زيد
وما رايت أحداً يقول ذاك إلا زيداً هذا وجه الكلام وإن حَملْتَه على الإِضمار الذي في الفعل أعني : المضمر في ( يقول ) فقلت : ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدٌ فعربي
قال عديُّ بن زيد :
( في لَيْلَةٍ لا نَرَى بها أحَدَاً ... يَحْكِي علينا إلا كَواكِبُها )

وإنما تكلَّموا بذلك لأن ( تقول ) في المعنى منفي إذ كان وصفاً لمنفي أو خبراً كما قالوا : قد عَرَفْتُ زيداً أبو من هو لأن معناه معنى المستفهم عنه
ويجوز : ما أظنُّ أحداً فيها إلا زيدٌ لا أحدٌ منهم اتخذت عنده يداً إلا زيد رفعت زيداً في المسألة الأولى على البدل من المضمر في فيها المرفوع وخفضته في الثانية على البدل من الهاء المخفوضة
في ( عنده ) وتقول : ما ضربت أحداً يقول ذاك إلا زيداً لا يكون في ذلك إلا النصب لأن القول غير منفي هنا وإنما أخبرت : أنك ضربت ممن يقول ذاك زيداً والمعنى في الأول أنك أردت أنه ليس يقول ذاك إلا زيدا لا يكون في ذلك إلا النصب لأن القول غير منفي هنا وإنما أخبرت أنك ضربت ممن يقول ذاك زيدا والمعنى في الأول أنك أردت أنه ليس يقول ذاك إلا زيد
ولكنك قلت : رأيت أو ظننت ونحوهما لتجعل ذلك فيما رأيت وفيما ظننت ولو جعلت : رأيت من رؤية العين كان بمنزلة ( ضربت )
قال الخليل : ألا ترى أنك تقول : ما رأيته يقول ذلك إلا زيد وما أظنُّه يقوله إلا عمرو فهذا يدلك على أنك إنما أنتحيت على القول وتقول : قل رجل يقول ذاك إلا زيد وليس ( زيد ) بدلاً من الرجل في ( قل )
قال سيبويه : لكن ( قل رجل ) في موضع ( أقل رجل ) ومعناه كمعناه وأقل رجل مبتدأ مبني عليه
والمستثنى بدل منه لأنه يدخله في شيء

يخرج منه من سواه وكذلك أقل من وقل من إذا جعلت من بمزلة رجل قال حدثنا بذلك يونس عن العرب
يجعلونه نكرة يعني من قال أبو العباس : إذا قلت : قل رجل يقول ذاك إلا زيد فهذا نفي
كثر رجل يقول ذاك إلا زيد وليست هذه قل التي تريد بها قل الشيء وإنما تريد ما يقول ذاك إلا زيد
والدليل على أن رجل في معنى رجال أنك لو قلت : قل زيد إلا زيد لم يجز لأنك لا تستثني واحداً من واحد هو هو وقولك : إلا زيداً يدلُّ على معنى أقل رجل فهو بدل من قولك : قل رجل
وتقول : ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به من قبل ( أن بشيء ) في موضع رفع في لغة بني تميم فلما قبح أن يحمله على الباء صار كأنه بدل من اسم مرفوع وبشيء في لغة أهل الحجاز في موضع اسم منصوب ولكنك إذا قلت : ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به استوت اللغتان وصارت ( ما ) على أقيس الوجهين وهي لغة تميم
وتقول : لا أحد فيها إلا عبد الله تحمل عبد الله على موضع ( لا ) دون

لفظه وكذلك تقول : ما أتاني من أحد إلا عبد الله ألا ترى أنك تقول : ما أتاني من أحد لا عبدُ الله ولا زيدٌ من قبل أنه خطأ أن تحمل المعرفة على ( من ) في هذا الموضع كما تقول : لا أحدَ فيها إلا زيدٌ , لا عمروٌ لأن المعرفة لا تحمل على ( لا )
وتقول : ما فيها إلا زيد وما علمت أن فيها إلا زيداً ولا يجوز : ما إلا زيد فيها ولا ما علمت أن إلا زيداً فيها وإنما حسن لما قدمت وفصلت بين أن وإلا لطول الكلام كأشياء تجوز في الكلام إذا طال وتحسن
ولا يجوز أن تقول : ما علمت أن إلا زيدا فيها من أجل أنك لم تفصل بين ( أن ) وإلا كما فصَلْت في قولك ما علمت أن فيها إلا زيداً
قال سيبويه : وتقول إن أحداً لا يقول ذاك وهو خبيث ضعيف فمن أجاز هذا قال : إن أحداً لا يقول هذا إلا زيداً حمله على ( إن ) وتقول : لا أحد رأيته إلا زيد وإن بنيت جعلت ( رأيته ) خبراً لأحد أو صفة
وتقول ما فيهم أحد إلا قد قال ذاك إلا زيداً كأنه قال : قد قالوا ذاك إلا زيداً
وتقول : ما أتاني إلا أنهم قالوا كذا و ( أن ) في موضع اسم مرفوع قال الشاعر :
( لم يَمْنَعِ الشَّربَ منها غَيْرَ أن هَتَفت حَمَامَةٌ في غُصُونٍ ذَاتِ أَوْقَالِ )
وناس يقولون : غير أن نطقت وقد مضى تفسيره

وتقول : ما أتاني زيد إلا عمرو إذا أردت بذكرك زيداً : بعض من نَفَيْتَ توكيداً للنفي فهي بمنزلة ما لم تذكره ولا يجوز أن تقول : ما زيد إلا قام فإن قلت : ما زيد إلا يقوم كان جيداً وذلك أن الموضع موضع خبر والخبر اسم فلو كان : ما زيداً إلا يقوم كان جيداً لمضارعة يفعل الأسماء . ولم يقولوا : أكثر من ذلك
قال أبو العباس رحمه الله : والتقدير : ما زيد شيئاً إلا ذا فلا يجوز أن يقع بعد إلا شيء إلا اسم في معنى شيء الذي هو حدُّ زيد لأنه واحد من شيء لأنه شيء في معنى جماعة وتقدره : ما زيد شيئاً من الأشياء إلا قائم فلا يجوز أن يقع قعد ( إلا ) إلا اسم أو مضارع له ومن ها هنا وجب أن تقول ما زيد إلا الجبن آكل وإلا الخبر آكله هو وفيمن قال زيداً ضربته : قال : ما زيد إلا الخبز آكله ولا يجوز : ما الخبز إلا زيد آكل
لا يجوز أن تعمل الفعل الذي بعد إلا في الإسم الذي قبلها بوجه من الوجوه لأن الإستثناء إنما يجيء بعد مضي الإبتداء لأن المعنى : ما الخبز شيئاً إلا زيد آكله فإن حذفت الهاء من ( آكله ) أضمرتها ورفعت الخبز
لا يجوز إلا ذلك . فإن قلت : ما زيد إلا قد قام فهو أمثل ولو لم يجزه مجيز كان قاصداً فيه إلى مثل ترك إجازة ما قبله لأن ( قد ) إنما أكدت وصارت جواباً لتوقع خبر والفعل الماضي على حاله ومن أجازه فعلى وجه أن ( قد ) لما زادت ضارع الفعل بالزيادة التي قبله الأفعال المضارعة والأسماء لأن الأفعال المضارعة يدخلها السين وسوف والأسماء يدخلها الألف واللام فتقول : ما زيد إلا قد قام ألا ترى أن ( قد ) إذا لحقت الفعل الماضي صلح أن يكون حالاً نحو : جاء زيد قد ركب دابة ولولا ( قد ) كان قبيحاً فإن قيل : ألست تقول : ما جاءني زيد إلا تكلم بجميل فقد وقع الفعل الماضي بعد إلا قيل : إنما جاز وجاد لأنه ليس قبله أسم يكون خبراً له وإنما معناه : كلما جاءني زيد تكلم ( بجميل ) فإن قال : فأنت قد تقول : ما تأتيني إلا قلت حسناً وما تحدثني إلى صدقت فمن أين وقع الماضي بعد إلا والذي قبله مضارع قيل : فالمضارع الذي قبله في معنى الماضي لأنه حكاية الحال

ألا ترى أن معناه : كلما حدثتني صدقتني وكلما جئتني قلت : حقاً ولو قلت : ما زيد إلا أنا ضارب لأضمرت الهاء في ( ضارب ) لأن زيداً لا سبيل لضارب عليه لأن تقديره : ما زيد شيئاً إلا أنا ضاربه فإن كانت ما الحجازية فهي الرافعة لزيد وإن كانت التميمية فإنما جاء الفعل بعد أن عمل الإبتداء فصار بمنزلة قولك كان زيد ضربت في أنه لا بد من الهاء في ( ضربت ) وتقول : ما كان أخاكل إلا زيد وما ضرب أباك إلا زيد لأن الفعل فارغ لما بعده فتقديره ما كان أحد أخاك إلا عمرو وما كان أخوك أحداً إلا زيداً فما بعد ( إلا ) من فاعل أو مفعول مستثنياً من اسم في النية أو خبر ولا يجوز : ما منطلقاً إلا كان زيد من حيث استحال ما زيداً إلا ضرب عمرو وتقول ما كان زيد قائماً إلا أبوه وما زيد قائماً إلا أبوه لأن ( ما ) في قائم منفي في المعنى والأب هو الفاعل كما تقول : ما قام إلا زيد
فإن قلت : ما زيد قائماً أحد إلا أبوه كان جيداً لأن الإستثناء معلق بما قبله غير منفصل منه ونظير ذلك : زيد ما قام أحد إلا أبوه وزيد ما كان أحد قائماً إلا أبوه
وتقول : ما أظنُّ أحداً قائماً إلا أبوك والنصب في الأب أجود على البدل من ( أحد ) ولو قلت : ما زيد قائماً أحد إليه إلا أبوه كان أجود حتى يكون الإستثناء فضلة
ويقول : إن أخويك ليسا منطلقاً إلا أبوهما كما تقول : إن أخويك ليسا منطلقة جاريتهما وكذلك : إن أخويك ليسا منطلقاً أحد إلا أبوهما كما تقول : مررت برجالٍ ليسوا إلا منطلقاً آباؤهم
قال أبو العباس رحمه الله : يزعم البغداديون : أن قولهم : إلا في الإستثناء إنما هي إن ولا ولكنهم خففوا إن لكثرة الإستعمال ويقولون

إذا قلنا : ما جاءني أحد إلا زيد
فإنما رفعنا زيداً ( بلا ) وإن نصبنا فبإن
ونحن في ذلك مخيرون في هذا لأنه قد اجتمع عاملان ( إن ولا ) فنحن نعمل أيهما شئنا وكذلك يقولوا جاءني القوم إلا زيداً ولا يعرفون ما نقول نحن أن رفعه على الوصف في معنى غير فيلزمهم أن يقولون : ما جاءني إلا زيداً إذا أعملوا ( إن ) وهم لا يقولون به فسألناهم : لِمَ ذلك فقالوا : لأن أحدً مضمرة قلت ذاك أجدر أن يجوز النصب كما يجوز إذا أظهرت أحداً فلم يكن في ذاك وما يتولد فيه من المسائل حجة وهذا فاسد من كل وجه ذكرنا إياه يجعل له حظاً فيما يلتفت إليه ويجب على قولهم أن تنصب النكرات في الإستثناء بلا تنوين لأن : لا تنصب النكرات بلا تنوين قال سيبويه : إذا قلت لو كان معنا زيد رجل إلا زيد لغلبنا الدليل على أنه وصف أنك لو قلت : لو كان معنا إلا زيد لهلكنا وأنت تريد الإستثناء لكنت قد أحلت ونظير ذلك قوله : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) ومثل ذلك قوله : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ) ومثله قول لبيد : :
( وإذا جُوزِيتَ قَرْضَاً فَأْجْزهِ ... إنّما يَجْزِي الفَتَى غَيْرُ الجَمَل )
قال أبو العباس رحمه الله : لو كان معنا إلا زيداً لغلبنا أجود كلام وأحسنه والدليل على جودته أنه بمنزلة النفي نحو قولك : ما جاءني أحد إلا

زيد وما جاءني إلا زيد أنك لو قلت : لو كان معنا أحد إلا زيد لهلكنا فزيد معك كما قال تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) والله تعالى فيهما
وتقول : لو كان لنا إلا زيداً أحد لهلكنا كما تقول : ما جاءني إلا زيداً أحد والدليل على جودة الإستثناء أيضاً أنه لا يجوز أن يكون إلا وما بعدها وصفاً إلا في موضع لو كان فيه استثناء لجاز
ألا ترى أنك تقول : ما جاءني أحد إلا زيد على الوصف إن شئت وكذلك : جاءني القوم إلا زيد على ذلك ولو قلت : جاءني رجلاً إلا زيد تريد : غير زيد على الوصف لم يجز لأن الإستثناء هنا محال وتقول : ما أكل أحد إلا الخبز إلا إلا زيداً لأن معنى : ما أكل أحد إلا الخبز أنه قد أكل الخبز كل إنسان فكأنك قلت أكل الخبز كل إنسان فكأنك قلت أكل الخبز كل إنسان إلا زيداً وكذلك ما مسلوب أحد إلا ثوباً إلا زيداً لأنك أردت : كل إنسان سلب ثوباً إلا زيداً وتقول : ما ضربت أحداً إلا قائماً فتنصب ( قائماً ) على الحال وكذلك : ما مررت بأحد إلا ( قائماً ) وما جاءَني أحد إلا راكباً فإن قلت : ما مررت بأحد إلا قائماً إلا زيداً نصبت : زيداً ولم يجز أن تبدله من ( أحد ) لأن المعنى : مررت بكل أحد قائم وإن شئت : قائماً إلا زيداً وتقول : ما مر بي البعير إلا إبلك وذهب الدنانير إلا دنانيرك وفي كتاب الله تعالى : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات )
قال الأخفش : لو قلت : أين إلا زيداً قومك وكيف إلا زيداً قومك
لجاز لأن هذا بمنزلة أها هنا إلا زيداً قومك ويجيز ضرب إلا زيد قومك أصحابنا على أن يستثنى زيداً من الفاعلين
وقال : لو استثنيته من المفعولين لم يحسن لأنك لم تجيء للمفعولين بذكر في أول الكلام و ( ضرب ) هو من ذكر الفاعلين لأن الفعل ( لهم )

واعلم : أنه لا يجوز أن تجمع بين حرفين من هذه الحروف إلا ويكون الثاني اسماً مثل قولك : قام القوم إلا خلا زيداً هذا لا يجوز أن تجمع بين إلا وخلا فإن قلت : إلا ما خلا زيداً وإلا ما عدا جاز ولا يجوز إلا حاش زيداً والكسائي : يجيزه إذا خفض ( بحاشا ) والبغداديون يجيزون في : ما عندي إلا أباك أحداً الرفع والنصب في ( أبيك ) يجيزون : ما عندي إلا أبوك أحد
وقد مضى ذكر هذا وما يجوز فيه وما لا يجوز
وإذا قلت : ما قام القوم إلا زيد وهل قام القوم إلا زيد فالرفع عند البصريين على البدل وعند الكوفيين على العطف ويقولون : إذا اجتمعت ( إلا وغيرا ) فاجعل إحداهما تتبع ما قبلها وإحداهما استثناء فيقولون : ما جاءني أحد إلا زيد غير عمرو ترفع زيداً وتنصب ( غير ) وهذا عندنا إنما انتصب الثاني لأنه لا يجوز أن يرفع بالفعل فاعلان وقد مضى تفسير ذلك وإذا نَسَقْتَ جاز رفعهما جميعاً فقلت : ما جاءني أحد إلا زيد وغير عمرو قال الشاعر :
( مَا بِالمِدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ ... دَار الخليفةِ إلا دَارَ مَرْوَانَا )

ترفع ( غير ) وتنصب دارَ مروان ولك أن تنصبهما جميعاً على قولك : ما جاءني أحد إلا زيداً ورفعهما جميعاً لا يجوز إلا على أن تجعل ( غير ) نعتاً فيصير الكلام كأنك قلت : ما بالمدينة دار كبيرة إلا دار مروان
ولا يجوز أن يقع بعد إلا شيئان مختلفان على غير جهة البدل لا يجوز : ما أكل إلا عبد الله طعامَكَ
ولا ما أكل إلا طعامك عبد الله وقد مضى تفسير هذا فإن جعلت ( إلا ) بمعنى غير فقد أجازه قوم
وإذا قال القائل : الذي له عندي مائة دِرهم إلا درهَمَين فقد أقر بثمانية وتسعينَ وإذا قال : الذي له عندي مائة إلا درهمان فقد أقر بمئة لأن المعنى : له عندي مائة غير درهمين
وكذلك لو قال : له عليَّ مائة غير ألف
كان له مائة ألا ترى أنه لو قال : له عليَّ مائة مثل درهمين جاز أن يكون المعنى : أن المائة درهمان
وكذلك لو قال : له عليَّ مئة مثل ألف كان عليه ألف ( فغير ) نقيض مثل وإذا قلت : ما له عندي إلا درهمين فأردت أن تقر بما بعد ( إلا ) رفعته لأنك إذا قلت : ما له عندي مئة إلا درهمان فإنما رفعت درهمان بأن جعلته بدلاً من ( مئة ) فكأنك قلت : ما له عندي إلا درهمان وإذا نصبت فقلت : ما له عندي مئة إلا درهمين فما أقررت بشيء لأن ( عندي ) لم ترفع شيئاً فيثبت له عندك فكأنك قلت : ما له عندي ثمانية وتسعون
كذلك إذا قلت ما لك عليّ عشرون إلا درهماً فإذا قلت : ما لك عشرون إلا خمسة فأنت تريد : ما لك إلا خمسة وتقو ل : لك عليّ عشرة إلا خمسة ما خلا درهماً فالذي له ستة
وكل استثناء فهو مما يليه والأول : حط والثاني : زيادة وكذلك جميع العدد فالدرهم مستثنى من الخمسة فصار

المستثنى أربعة
ولا ينسق على حروف الإستثناء ( بلا ) لا تقول : قام القوم ليس زيداً ولا عمراً ولا : قام القوم غير زيد ولا عمرو والنفي في جميع العربية ينسق عليه ( بلا ) إلا في الإستثناء وقال بعضهم : ( لا سيما ) يجيء شبيهاً بالإستثناء وحكي : ولا سيما يوم ويوماً من رفع جعله في صلة ( ما ) ومن خفض خفض بشيء
ها هنا وجعل ( ما ) زائدة للتوكيد والسي
والمثل ومن نصب جعله ظرفاً وحكي عن الأحمر : أنه كان يجيز : ما قام صغير وما خلا أخاك كبير وإنما قاسه على قول الشاعر :
( وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بها طُورِي ... ولا خلا الجن بها إنسي )

وليس كما ظن لأن إنسي مرتفع ( بها ) على مذهبهم ولو قلت : ما أتاني إلا زيد إلا أبو عبد الله إذا كان أبو عبد الله زيداً كان جيداً
قال أبو بكر : قد كنا قلنا عند إفتتاحنا ذكرنا الأسماء المنصوبات أنها تنقسم قسمة أولى على ضربين
وأن الضرب الأول : هو العام الكثير
وقد ذكرناه بجميع أقسامه وبقي الضرب الآخر وهو ( إلا ) ونحن ذاكرون إن شاء الله الضرب الآخر من الأسماء المنصوبة من القسمة الأولى
هذا الضرب كل اسم نذكره لفائدة بعد اسم مضاف أو فيه نون ظاهرة أو مضمرة قد تما بالإِضافة والنون وحالت النون بينهما أو الإِضافة ولولاها لصلح أن يضاف إليه والفرق بين هذا الضرب من التمييز وبين التمييز الذي قبله أن المنصوب هنا ينتصب عند تمام الإسم وذلك ينتصب عند تمام الكلام وهذا الضرب أكثر ما يكون في نوعين يميزان المقادير والأعداد وقد نصبوا أشياء نصب الأسماء بعد المقادير

باب تمييز المقادير
المقدرات بالمقادير على ثلاثة أضرب : ممسوح ومكيل وموزون
أما ما كان منها على معنى المساحة فقولهم : ما في السماء قدر راحة سحاباً جعل قدر الراحة شيئا معلوماً نحو : ما يمسح به ما في الأرض وكل ما كان في هذا المعنى فهذا حكمه
وأما ما كان على معنى الكيل فقولهم : عندي قفيزان براً وما أشبه ذلك
وأما ما كان على معنى الوزن فقولهم : عندي منوان سمناً وعندي رطل زيتاً
فالتمييز إنما هو فيما يحتمل أن يكون أنواعاً ألا ترى أنك إذا قلت : عندي مناً ورطل وأنت تريد : مقدار مناً ومقدار رطل لا الرطل والمن اللذين يوزن بهما جاز أن يكون ذلك المقدار من كل شيء يوزن من الذهب والفضة والسمن والزيت وجميع الموزونات وكذلك الذراع يجوز أن يكون مقدار الذراع من الأرضين والثياب ومن كل ما يمسح وكذلك القفيز والمكيل يصلح أن يكال به الحنطة والشعير والتراب وكل ما يكال
فأما قولهم : لي مثله رجلاً فمشبه بذلك لأن المثل مقدار فذلك الأصل ولكنهم يتسعون في الكلام فيقولون : لي مثله رجلاً وهم يريدون : في شجاعته وغنائه أو غير ذلك
فإذا قلت : لي مثله زيداً فذلك على بابه إنما يريد : مثل شيء في وزنه وقدره والهاء في مثله حالت بين مثل وبين زيد

أن تضيفه إليه وكذلك النون في ( منوان ) فنصبته كما نصبت المفعول لما حال الفاعل بينه وبين الفعل بينه وبين الفعل
ولولا المضاف والنون لأضفته إليه لأن كل إسم يلي إسماً ليس بخبر له ولا صفة ولا بدل منه فحقه الإِضافة وسيتضح لك ذلك في باب الخفض إن شاء الله
ومثل ذلك : عليه شعر كلبين ديناً فالشعر مقدار وكذلك : لي ملء الدار خيراً منك ولي ملء الدار أمثالك لأن خيراً منك وأمثالك نكرتان وإن شئت قلت لي ملء الدار رجلاً وأنت تريد : رجالاً وكل مميز مفسر في المقادير والأعداد وغيرها
( فمن ) تحسن فيه إذا رددته إلى الجنس تقول : لي مثله من الرجال وما في السماء قدر راحة من السحاب ولله دره من الرجال وعندي عشرون من الدراهم ومنه ما تدخل فيه ( من ) وتقره على إفراده كقولك : لله دره من رجل
قال أبو العباس رحمه الله : أما قولهم : حسبك بزيد رجلاً وأكرم به فارساً وحسبك يزيدٍ من رجل وأكرم به من فارس ولله دره من شاعر وأنت لا تقول : عشرون من درهم ولا هو أفره من عبد فالفصل بينهما : أن الأول كان يلتبس فيه التمييز بالحال فأدخلت ( من ) لتخلصه للتمييز ألا ترى أنك لو قلت : أكرم به فارساً وحسبك به خطيباً لجاز أن تعني في هذه الحال وكذلك إذا قلت : كم ضربت رجلاً وكم ضربت من رجل
جاز ذلك لأن ( كم ) قد يتراخى عنها مميزها
وإذا قلت : كم ضربت لم يدر السامع أردت : كم مرةً ضربت رجلاً واحداً أم : كم ضربت من رجل فدخول ( من ) قد أزال الشك
ويجوز أن تقول : عندي رطل زيت وخمسة أثواب على البدل لأنه جائز أن تقول : عندي زيت رطل وأثواب خمسة فتوخوها على هذا المعنى وجائز الرفع في : لي مثله رجل

تريد : رجل مثله فأما الذي ينتصب إنتصاب الإسم بعد المقادير فقولك : ويحه رجلاً ولله دره رجلاً وحسبك به رجلاً
قال العباس بن مرداس :
( ومرةّ يحميهم إذا ما تبدَّدوا ... ويطعنهم شزراً فأبرحتَ فارسا )
قال سيبويه : كأنه قال : فكفى بك فارساً وإنما يريد : كفيت فارساً ودخلت هذه الباء توكيداً ومن ذلك قول الأعشى :
( فأَبْرَحْتَ رَبّاً وَأْبرَحْتَ جَارَاً ... )

ومثله : أكرم به رجلاً
وإذا كان في الأول ذكر منه حسن أن تدخل ( من ) توكيداً لذلك الذكر تقول : ويحه من رجل ولله در زيد من فارس وحسبك به من شجاع ولا يجوز : عشرون من درهم ولا هو أفرههم من عبد لأنه لم يذكره في الأول ومعنى قولهم : ذكر منه أن رجلاً هو الهاء في ويحه
وفارس هو زيد والدرهم ليس هو العشرون والعبد ليس هو زيد ولا الأفره لأن الأفره خبر زيد

باب تمييز الأعداد
اعلم : أن الأعداد كالمقادير تحتاج إلى ما يميزها كحاجتها
وهي تجيء على ضربين : منها ما حقه الإِضافة إلى المعدود وذلك ما كان منه يلحقه التنوين ومنها ما لا يضاف وهو ما كان فيه نون أو بني إسم منه مع اسم فجعلا بمنزلة اسم واحد
أما المضاف فما كان منها من الثلاثة إلا العشرة فأنت تضيفه إلى الجمع الذي بني لأدنى العدد نحو : ثلاثة أثوب وأربعة أفلس وخمسة أكلب وعشرة أجمال
فأفعل وأفعال مما بني لأقل العدد وأقل العدد هو العشرة فما دونها ذلك أن تدخل في المضاف إليه الألف واللام لأنه يكون الأول به معرفة فتقول : ثلاث الأثواب وعشرة الأفلس
ومن ذلك مئة وألف لأن المئة نظير عشرة لأنها عشر عشرات والألف نظير المئة لأنه عشر مئات
قال أبو العباس رحمه الله : ولكنك أضفت إلى المميز : لأن التنوين غير لازم في المئة والألف والنون في عشرين لازمة لأنها تثبت في الوقف وتثبت مع الألف واللام فإذا زدت على العشرة شيئاً جعل مع الأول اسماً واحداً وبنيا على الفتح ويكون في موضع عدد فيه نون وذلك قولك : أحد

عشر درهماً وخمسة عشر ديناراً ويدلك على أن عشر قد قامت مقام التنوين قولهم : إثنا عشر درهماً ألا ترى أن عشر قد عاقبت النون فلم تجتمعا فهذا على ذلك إلى تسعة عشر فإذا ضاعفت أدنى العقود وهو عشرة كان له اسم من لفظه ولحقته الواو والنون والياء والنون نحو : عشرون وثلاثون إلى تسعين والذي يبين به هذه العقود لا يكون إلا واحداً نكرة تقولال : عشرون ثوباً وتسعون غلاماً
فإذا بلغت المئة تركت التنوين وأضفت المئة إلى واحد مفسر ووجب ذلك في المئة لأنها تشبه عشرة وعشرين أما شبهها بعشرة فلأنها عشر عشرات فوجب لها من هذه الجهة الإِضافة وأما شبهها بعشرين وتسعين فلأنها العقد الذي يلي تسعين فوجب أن يكون مميزها واحداً فأُضيفت إلى واحد لذلك إلا أنك تدخل عليه الألف واللام إن شئت
لأن الأول يكون به معرفة وكذلك ألفَ حكمهُ حكمُ مئة وتثنيتها فتقول : مئتا درهم وألفا درهم وقدْ جاءَ بعضُ هذا منوناً منصوباً ما بعده في الشعر قال الربيع :
( إذَا عاشَ الفَتى مئتين عاماً ... فقد ذهبَ البشاشةُ والفَتاءُ )

قال سيبويه وثلاث : وأما تسع مئة وثلاث مئة فكان حقه مئتين أو مئات ولكنهم شبهوه بعشرين وأحد عشر
وقال : اختص هذا إلى تسع مئة ثم ذكر : أنهم قد يختصونَ الشيءَ بما لا يكون لنظائرهِ فذكَر : لدُن وغدوة وما شعرت به شعرة وليت شعري والعَمْرُ والعُمْرُ ولا يقولون إلا لعمرك في اليمين وذكر مع ذلك أنه قد جاء في الشعر الواحد يراد به الجمع وأنشد :
( في حَلقُكُم عَظمٌ وقَد شَجِينَا ... )
يريد في حلوقكم . وقال آخر :
( كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... فإنَّ زمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ )

واعلم : أن ( كم ) اسم عدد مبهم فما يفسرها بمنزلة ما يفسر العدد وقد أفردت لها باباً يلي هذا الباب

باب كم
اعلم : أن ل ( كم ) موضعين : تكون في أحدهما استفهاماً وفي الآخر خبراً فأما إذا كانت استفهاماً فهي فيه بمنزلة : عشرين وما أشبهه من الأعداد التي فيها نون تنصب ما يفسرها تقول : كم درهماً لك كما تقول : أعشرون درهماً لك أثلاثون درهماً لك فينتصب الدرهم بعد ( كم ) كما انتصب بعد عشرين وثلاثين لأن ( كم ) اسم ينتظمُ العدد كلهُ وخص الإستفهام بالنصب ليكون فرقاً بينه وبين الخبر لأن العدد على ضربين : منه ما يضاف إلى المعدود ن ومنه ما لا يضاف كما ذكرنا فجعلت ( كم ) في الإستفهام بمنزلة ما لا يضاف منه وذلك نحو : خمسة عشر وعشرين فخمسة عشر أيضاً بمنزلة اسم منون ألا ترى أنه لا يضاف إلى ما يفسره فإذا قلت : كم درهماً لك فإنما أردت : كم لك من الدراهم كما أنك لما قلت : عشرون درهماً إنما أردت : عشرون من الدراهم ولكنهم حذفوا ( من ) استخفافاً كما قالوا : هذا أول فارس في الناس وإنما يريدون : هذا أول الفرسان
قال الخليل : إن : كم درهماً لك أقوى من قولك : كم لك درهماً وذلك أن قولك : أعشرون لك درهماً أقبح إلا أنها في ( كم ) عربية

جيدة وذلك قبيح في عشرين إلا أن الشاعر قد قال :
( على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثونَ للهجرِ حولاً كميلا )
واعلم : أن ( كم ) لا تكون إلا مبتدأة في الإستفهام والخبر ولا يجوز أن تبنيها على فعل وأنها تكون فاعلة في المعنى ومفعولة ومبتدأة وظرفاً كما يكون سائر الأعداد في التقدير لا يجوز أن تقول : رأيت كم رجلاً فتقدم عليها ما يعمل فيها
فأما كونها فاعلة فقولك : كم رجلاً أتاني وأما كونها مفعولة فقولك : كم رجلاً ضربت وأما كونها مبتدأة فقولك : كم دانقاً دراهمك
واعلم : أنه لك ألا تذكر ما تفسر به ( كم ) كما جاز لك ذلك في العدد تقول : كم درهم لك فالتقدير : كم قيراطاً درهم لك ولا تذكر القيراط

وتقول : كم غلمانك والمعنى كم غلاماً غلمانك ولا يجوز إلا الرفع في غلمانك لأنه معرفة
ولا يكون التمييز بالمعرفة فكأنك قلت : أعشرون غلمانك وأما كونها ظرفاً فقولك : كم ليلة سرت كأنك قلت : أعشرين ليلة سرت وكم يوماً أقمت كأنك قلت : أثلاثين يوماً أقمت فكم عدد
والعدد : حكمه حكم المعدود الذي عددته به
فإن كان المعدود زماناً فهو زمان وإن كان حيواناً فهو حيوان
وإن كان غير ذلك فحكمه حكمه
ولا يجوز : كم غلماناً لك كما لا يجوز : أعشرون غلماناً لك
قال : وحكى الأخفش : أن الكوفيين يجيزونه وإذا قلت : كم عبد الله ماكث ( فكم ) ظرف فكأنك قلت : كم يوماً عبد الله ماكث فكم أيام وعبد الله يرتفع بالإبتداء كما ارتفع بالفعل حين قلت : كم رجلاً ضرب عبد الله وتقول : كم غلمان لك فتجعل ( لك ) صفة لهم والمعنى : كم غلاماً غلمان لك
قال سيبويه : وسألته يعني الخليل عن قولهم : على كم جذع بيتك مبني فقال : القياس والنصب وهو قول عامة الناس يعني نصب جذع
قال : فأما الذين جروا فإنهم أرادوا معنى : ( مِن ) ولكنهم حذفوا ها هنا تخفيفاً على اللسان
وصارت ( على ) عوضاً منها أما ( كم ) التي تكون خبرا فهي في الكثير نظيره رب في التقليل إلا أن كم : التي اسم ورب : حرف وهي في الخبر بمنزلة اسم لعدد غير منون نحو : مئتي درهم فهي

مضافة وذلك قولك : كم غلام لك قد ذهب جعلوها في الإستفهام بمنزلة : عشرين وفي الخبر بمنزلة : ثلاثة تجر ما بعدها ولا تعمل ( كم ) في الخبر إلاّ فيما تعمل فيه ( رب ) في اسم نكرة لا يجوز أن تدخل فيه الألف واللام كما فعلت ذلك في مئة الدرهم وما أشبهها ولا تعمل إلا في نكرة نصبت أو خفضت فتقول : كم رجل قد لقيت وكم درهم قد أعطيت
وإن شئت قلت : كم رجال قد لقيت وكم غلمان قد وهبت فيجوز الجمع إذا كانت خبراً ولا يجوز إذا كانت استفهاماً أن تفسر بجميع
وتقول العرب : كم رجل أفضل منك تجعله خبر ( كم ) وحكى ذلك : يونس عن أبي عمرو وكم تفسر ما وقعت عليه من العدد بالواحد المنكور كما قلت : عشرون درهماً أو بجمع منكور نحو : ثلاثة أثواب
وهذا جائز في التي تقع في الخبر
فأما التي في الإستفهام فلا يجوز فيها إلا ما جاز في العشرين وناس من العرب يعملونها في الخبر كعملها في الإستفهام فينصبون كأنهم يقدرون التنوين ومعناها منونة وغير منونة سواء
وبعض العرب ينشد :
( كَمْ عمةً لَكَ يَا جَريرُ وخَالةً ... فَدْعَاءُ قَدْ حلَبَتْ عليَّ عِشَارِي )

وهم كثير منهم الفرزدق وهذا البيت ينشد على ثلاثة أوجه : رفع ونصب وخفض فإذا قلت : كم عمة فعلى معنى : رُبَّ فإن قلت : كم عمةً فعلى وجهين : على ما قال سبيويه في لغة من ينصب في الخبر وعلى الإستفهامِ فإن قلتَ : كم عمةٌ فرفعتَ أوقعتَ ( كم ) على الزمان فقلت : كم يوماً عمة لك وخالة قد حلبت عليّ عشاري أو كم مرة ونحو ذلك
واعلم : أنك إذا قلت : كم عمة فلست تقصد إلى واحدة بعينها
وكذلك إذا نصبت
فإن رفعت لم يكن إلا واحدة لأن التمييز يقع واحدة في موضع الجميع
فإذا رفعت فإنما المعنى : كم دانقاً هذا الدرهم الذي أسألك عنه فالدرهم واحد لأنه خبر وليس بتمييز وإذا فصلت بين كم وبين الإسم وبشيء استغنى عليه السكون أو لم يستغن فاحمله على لغة الذين يجعلونها بمنزلة اسم منون وانصب لأنه قبيح أن تفصل بين الجار والمجرور قال زهير :
( تَؤُمُّ سَناناً وكَمْ دُونَهُ ... من الأرضِ مُحدوْدِباً غَارُهَا )

وإن شئت رفعت فجعلت : كم مراراً وأنشد سيبويه :
( كَمْ بِجُودٍ مقرفٍ نَالَ العُلى ... وكَرِيمٍ بخلهُ قد وضَعَهْ )
يفصل بين كم وبين مقرف بالظرف وأجاز في مقرف الرفع والنصب أيضاً على ما فسرنا
واعلم : أنك إذا قلت : كم من درهم عندك فلا يجوز أن تقول : عندك عشرون من درهم
وقد أجروا مجرى ( كم ) في الإستفهام فنصبوا قولهم : له كذا وكذا درهماً كأنهم قالوا : له عدد ذا دراهم
قال سيبويه : هو كناية للعدد بمنزلة فلان في الحيوان وهو مبهم وصار ذا من كذا بمنزلة التنوين لأن المجرور بمنزلة التنوين
قال ! وكذلك كأين رجلاً قد رايت قال : زعم ذلك يونس
وكائن قد أتاني رجلاً إلا أن أكثر العرب إنما تتكلم بها مع ( من ) قال الله تعالى : ( وكأين من قرية ) فإن حذفت ( من ) فالكلام عربي جيد

مسائل من هذه الأبواب
تقول : عندي رطل زيتاً ورطل زيت فمن نصب فعلى التمييز ومن خفض أضاف ومن رفع اتبع وكل هذا جائز في المقادير وكذلك : بيت تبنٍ وجرة زيتٍ فإن قلت : شاة لحمٍ وجبة خزٍ فالإِضافة لأنك لم ترد : مقدار شاة لحماً ومقدار جبة خزاً فإن أردت هذا المعنى جاز النصب وتقول : عندي زق عسل سمناً تضيف الأول وتنصب الثاني تريد مقدار زق عسل سمنا ولا يجوز عندي ملء زق عسلاً سمناً إلا في بدل الغلط خاصة لأنه لا يكون عندك ملء زق عسلاً سمناً إلا في بدل الغلط خاصة لأنه لا يكون عند ملء زق سمناً وملؤه عسلاً لأنه من أيهما امتلأ فقد شغله عن الآخر ومن ذلك قوله جل وعز : ( أو عدل ذلك صياما ) و ( ملء الأرض ذهبا ) ويجوز : ملءُ الأَرضِ ذَهبٌ في غير القرآن
وتقول : عندي رطلان زيتاً والرطلان زيتاً ورطلا زيت ولا يجوز : الرطلا زيت لأنه لا يجمع بين الألف واللام والإِضافة وكان الكسائي يضيفه ويدخل الألف واللام في كل ما كان مفسراً ويجيز أيضاً : الرطل الزيت والرطل الزيت والخمسة الأثواب والخمسة الأثواب فإذا قال : رجل السوء وزن السبعة لم يجز أن تدخل عليه الألف واللام لإن إضافته صحيحة والبصريون يأبون إدخال الألف واللام في جميع هذا والفراء أيضاً يأباه إلا مع الضارب الرجل والحسن الوجه وقد مضى تفسير هذا
فإذا قلت : ماء فرات وتمر شهرير ورطب بَرْنِيّ قضيبا عوسج ونخلتا برني فكان ليس بمقدار معروف مشهور فكلام العرب الخفض والإختيار فيه الإِضافة أو الإِتباع ولا يجوز فيه التمييز إذ لم يكن

مقدار وتقول : كم مثله لك وكم خيراً منه لك وكم غيره مثله لك انتصب ( غير ) بكم وانتصب المثل لأنه صفة له ومثله وغيره نكرة وإن كانا مضافين إلى معرفة وقد ذكر هذا
ولم يجز يونس والخليل : كم غلماناً لك لأنك لا تقول : أعشرون غلماناً لك إلا على وجه : لك مئة بيضاً وعليك راقود خلا فإن أردت هذا المعنى قلت : كم لك غلمانا ويقبح أن تقول : كم غلمانا لك لأن : لك سبب نصب : غلمان ولا يجوز أن يتقدم عليها كما لم يجز : زيد قائماً فيها وقد بينا : أن العامل إذا كان معنى لم يجز أن يتقدم مفعوله عليه
وتقول : كم أتاني لا رجل ولا رجلان وكم عبد لك لا عبد ولا عبدان فهذا محمول على ( كَمْ ) وموضعُها مِنَ الإِعرابِ لا على ما تعملُ فيهِ كم كأنك قلت : عشرونَ أتوني لا رجلٌ ولا رجلان ولو قلت : كم لا رجل ولا رجلين في الخبر والإستفهام كان غير جائز
وتقول : كم منهم شاهد على فلان إذا جعلت شاهداً خبراً ( لكم ) وكذلك هو في الخبر أيضاً تقول : كم مأخوذ بك إذا أردت أن تجعل : مأخوذاً بك في موضع ( لك ) إذا قلت : كم لك لأن ( لك ) لا تعمل فيه ( كم ) ولكنه مبني عليها خبر لها وتقول : كم رجل قد رأيته أفضل من زيد لأنك جعلت ( أفضل ) خبراً عن ( كم ) لأن ( كم ) اسم مبتدأ

فأما ( رُبَّ ) إذا قلت : رُب رجل أفضل منك فلا يكون لها خبرٌ لأنها حرف جر وكم لا تكون إلا اسماً وتقول : كم امرأة قد قامت ولا يجوز أن تقول : كم امرأة قد قمن لأن المعنى : كم من مرة امرأة قد قامت
فإن كانت ( امرأة ) مميزة فقلت : كم امرأة قد قامت جاز أن تقول : قامت وقمن لجعل الفعل مرة على لفظ المفسر ومرة على معنى ( كم ) وقال الله جل وعز : ( وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا ) فردوه إلى معنى ( كم ) وقال جل ثناؤه : ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا ) فجاء على لفظ المفسر فإدخالك ( من ) وإخراجها واحد لأنك تريد التفسير
وتقول : كم ناقة لك وفصيلَها وفصيلُها نصباً ورفعاً من رفع اتبع ما في لك ومن نصب اتبع الناقة وإنما جاز في فصيلها النصب وهو مضاف إلى الضمير لأن التأويل : وفصيلا لها كما قيل : كل شاة وسخلتها بدرهم فالتأويل وسخلة لها كما قالوا : رُب رجل وأخيه والمعنى : وأخ له فإذا قلت : كم ناقة وفصيلها لك فلا يجوز في الفصيل إلا النصب كأنك قلت : كم ناقة وكم فصيل ناقة لك وتقول : كم رجلاً قد رايت وامرأة على لفظ ( رجل ) ويجوز : ونساءه لأن المعنى : رجل لكل رجل امرأة والفراء يقول : كم رجلاً قد رأيت ونساءه وكم رجل قد رأيت ونسائه ويقول : تأويل ( رجل ) جمع فلا أرد عليه بالتوحيد

قال أبو بكر : ويجوز عندي : كم رجلاً رأيت ونساءهم لأن المعنى : كم رجالاً رأيت ونساء لهم
وتقول : كم زيد قائم وبكم ثوبك مصبوغ تريد : كم مرة أو ساعة زيد قائم وما أشبه ذلك . وبكم درهماً أو ديناراً ثوبك مصبوغ وما أ شبه ذلك
قال الفراء : إذا قلت : عنيد خمسة أثواباً فهو أشبه شيء بقولك : مررت برجل حسن وجهاً
قال أبو بكر : وليس هو عند أصحابنا كذلك لأن وجهاً عندهم منصوب بأنه مشبه بالمفعول لأن حسن يشبه اسم الفاعل . وقد مضى ذكر هذا
والنصب في قولهم : خمسة أثواباً شاذ إنما يجوز مثله في ضرورة شاعر
وقال أحمد بن يحيى رحمه الله كل منصوب على التفسير فقد جعل ما قبله في تأويل الفعل ولذلك قلت : عندي خمسة وزناً وعدداً فجعلت لها مصدراً
فتأويله عندي ما يعد به الدرهم خمسة وكذلك في كل التفسير ترده تقديره إلى أن تقدره الفعل : فإن قال قائل : فأنت تقول : ما أحسنك من الرجال وما أحسنك من رجل فيثبتهما إذاً فيه فرق إذا قلت : ما أحسنك من الرجال فإنما تريد : أنتً حَسَنٌ مِن بينهم ومِن جماعتِهم وإذا قلتَ : مِنْ رجل ففيها مَذاهب
أما مذهب أبي العباس محمد بن يزيد رحمه الله فيقول : فصلوا بين الحال والتمييز وقد مضى ذكر ذلك
وقال غيره : تكون ( من ) هنا لإبتداء الغاية كأنك قلت : ما أحسنك من أول أحوالك يوصف بها الرجل إلى غاية النهاية ومذهب آخر أن تكون ( من ) تبعيضاً للجنس المميز برجل رجل كأنك

قلت : ما أحسنك من الرجال إذا ميزوا رجلاً رجلاً فجعلت رجلاً موحداً ليدل على تمييز الرجال بهذا الإِفراد وكذلك : ما أحسنك من رجلين
كأنك قلت : من الرجال إذا ميزوا رجلين رجلين
والقياس على مذهب الكسائي : عندي الخمسة الألف الدرهم فيجعل الخمسة مضافة إلى الالف والألف مضافة إلى الدرهم وذا عندنا لا يجوز وتقول على مذهبهم : عندي الخمسة العشر الألْف الدرهم فتفتح الخمسة والعشر وتنصب الألْف على التفسير وتضيفه إلى الدرهم
وهذا لا يجوز لما قدمنا ذكره
وتقول : عندي عشرون رجلاً صالحاً وعندي عشرون رجلاً صالحون ولا يجوز : صالحين على أن تجعله صفة رجل فإن كان جمعاً على لفظ الواحد جاز فيه وجهان : تقول : عندي عشرون درهماً جياداً وجياد من رفع جعله صفة للعشرين ومن نصب أتبعه المفسر وهذا البيت ينشد على وجهين :
( فِيهَا اثْنَتَانِ وأرْبَعُونَ حَلُوبةً ... سُودَاً كَخَافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحمِ )
يروى : سود وتقول : عندي ثلاث نسوة وعجوزين وشابة
ترده مرة على ثلاث ومرة على نسوة وإذا قلت : خمستك أو خمسة أثوابك لم تخرج منه مفسراً لأنه قد أضيف وعلم
ويجيز البغداديون : خمسة دراهمك ودرهمك ينوي في الأول الإِضافة وهذا إنما يجوز عندي مثله في ضرورة الشاعر قالوا : وقد سمع : برئت إليك من خمسة وعشري

النخاسين قالوا : ولا يجوز مع المكنى وتقول : عندي خمسةٌ وزناً تنصب وترفع من نصب فعلى المصدر ومن رفع جعله نعتاً
كأنه قال : خمسة موزونة وإذا قالوا : عندي عشرون وزن سبعة نصبوا ورفعوا مثل ذلك وكذلك إن أدخلوا الألف واللام قالوا : عندي العشرون وزنُ السبعة ووزنَ السبعة النصب والرفع وكان الأخفش يجيز : كم رجلاً عندك وعبيده يعطف ( عبيده ) على المضمر الذي في ( عندكَ ) ويرفعهُ قال : ولو قلت : كَمْ رجلاً وعبيدهُ عندك على التقديمِ والتأخير جاز كأنك قلت : كم رجلاً عندك وعبيده قال الشاعر :
( ألا يَا نُخْلَةً مِنْ ذَاتِ عِرْقِ ... عَلَيْكِ وَرَحْمَة اللهِ السَّلامُ )
وقال يزيدُ بنُ الحكم الثقفي :
( جَمَعْتَ وَبُخلاً غِيَبةً ونَمِيمَةً ... ثَلاَثَ خِصَال لَسْتَ عَنْها بِمُرْعَوي )
قال : وقد فسروا الآية في كتاب الله جل وعز : ( إن الذين آمنوا

والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر ) والصابئون كذلك وتقول : كم يسيرك أن لك درهماً
فتنصب الدرهم وتعني : درهماً واحداص ولو قلت : كم يسرك أن لك من ( درهم ) لم يجز لأن ( أن ) لا اسم لها وكذلك لو قلت : كم درهماً يسرك أن لك لم يجز وتصحيح المسألة : كم يسرك أنه لك من درهم تريد : كم من درهم يسرك أنه لك وتقول : كم تزعم أن إلى زيد درهماً قد دفع تنصب درهماً ( بأن ) ودرهم ها هنا واحد وكم مرار ترد : كم مرة تزعم وتقول : كم عندك قائماً رجلاً تنصب ( قائماً ) على الحال وتجعل خبر ( كم ) ( عندك ) وهو قبيح لأنك قد فصلت بين ( كم ) وبين ما عملت فيه وتقول : كم مالك إلا درهمان إذا كنت تستقله وكم عطاؤك إلا خمسون كأنك قلت : كم درهماً مالك إلا درهمان وكم درهماً عطاؤك إلا خمسون فهذا في الإستقلال كقول القائل : هل الأمير إلا عبد الله وهل الدنيا إلا شيء زائل وتقول : كم ثلاثة ستة إلا ثلاثتان وكم خمسة عشرة إلا خمستان وكم رجلاً أصحابك إلا خمسون إذا كنت تستقل عددهم ويكون ما بعد إلا تفسيراً ( لكم ) وترفعه إذا كانت ( كم ) رفعاً وتنصب إذا كانت ( كم ) نصباً وتجره إذا كانت ( كم ) جراً يقول : كم ثلاثة وجدت ستة إلا ثلاثين وبكم درهماً أرضك إلا ألف وكذلك : كم ثلاثة ستة إلا ثلاثتان وكم عشرون خمسة إلا أربع خمسات
هذا على الإستثناء تجعل ما بعد إلا بدلاً من ( كم ) كأنك

قلت : هل بشيء أرضك إلا ألف وهل شيئاً وجدت ستة إلا ثلاثين فاعتبر هذا بهذا
قال أبو بكر : قد فرغنا من ذكر المرفوعات والمنصوبات وذكرنا في كل باب من المسائل مقداراً كافياً فيه دربة للمتعلم ودرس للعالم بحسب ما يصلح في هذا الكتاب لأنه كتاب أصول ونحن نفرد كتاباً لتفريع الأصول ومزج بعضها ببعض ونسمية كتاب الفروع ليكون فروع هذه الأصول إن أخر الله في الأجل وأعان وإذا فرغنا من الرفع والنصب فلنذكر الضم والفتح اللذين يضارعانهما إن شاء الله
ذكر الإسم المضموم والمفتوح اللذين يضارعان المعرب
أعلم : أن الضم الذي يضارع الرفع هو الضم الذي يطرد في الأسماء ولا يخص اسماً بعينه كما أن الفعل هو الذي يرفع الأسماء ولا يخص اسماً بعينه وهذا الضرب إنما يكون في النداء وأما الفتح الذي يشبه النصب فما كان على هذا المنهاج مطرداً في الأسماء ولا يخص اسماً بعينه وهذا الضرب إنما يكون في النفي ( بلا ) وسنذكر كل واحد منهما في بابه إن شاء الله

باب النداء
الحروف التي ينادى بها خمسة : يا وأيا وهيا وأي وبالألف وهذه ينبه بها المدعو إلا أن أربعة غير الألف يستعملونها إذا أرادوا أن يمدوا أصواتهم للشيء المتراخي عنه أو للإِنسان المعروض أو النائم المستثقل وقد يستعملون هذه التي للمد في موضع الألف ولا يستعملون الألف في هذه المواضع التي يمدون فيها ويجوز أن تستعمل هذه الخمسة إذا كان صاحبك قريباً مقبلاً عليك توكيداً وإن شئت حذفتهن كلهن استغناء إلا في المبهم والنكرة فلا يحسن أن تقول : هذا وأنت تريد : يا هذا ولا رجل وأنت تريد : يا رجل ويجوز حذف : يا من النكرة في الشعر
والندبة يلزمها : يا ووا ( ووا ) يخص بها المندوب
وأصل النداء تنبيه المدعو ليقبل عليك وتعرض فيه الإستغاثة والتعجب والمدح والندبة وسنذكر ذلك في مواضعه والأسماء المناداة تنقسم على ثلاثة أضرب : مفرد ومضاف ومضارع للمضاف بطوله

شرح الأول :
وهو الإسم المفرد في النداء الإسم المفرد ينقسم على ضربين : معرفة ونكرة فالمعرفة : هو المضموم في النداء والمعرفة المضمومة في النداء على ضربين : إحداهما : ما كان اسماً علماً قبل النداء نحو : زيد وعمرو فهو على معرفته
وضرب كان نكرة فتعرف بالنداء نحو : يا رجل أقبل صار معرفة بالخطاب وأنه في معنى : يا أيها الرجل
فهذان الضربان هما اللذان يُضَمّان في النداء تقول : يا زيد ويا عمرو ويا بكر ويا جعفر ويا رجل أقبل ويا غلام تعال
فأما : يا زيد فزيد وما أشبهه من المعارف معارف قبل النداء وهو في النداء معرفة كما كان ولو كان تعريفه بالنداء لقدر تنكيره قبل تعريفه ويحيل قول من قال : أنه معرفة النداء فقط إنك قد تنادي بإسمه من لا تعلم له فيه شريكاً كما تقول : يا فرزدق أقبل ولو كنت لا تعرف أحداً له مثل هذا الإسم ولو لم يكن عرف أن هذا اسمه فيما تقدم لما أجابك إذا دعوته به
ومن قال إذا قلت : يا زيد أنه معرفة بالنداء فهذا الكلام من وجه حسن ومن وجه قبيح عندي أما حسنة : فأن يعني : أن أول ما يوضع الإسم ليعرف به الإِنسان أنه ينادي به فيقول له أبوه أو من سماه مبتدأ : يا فلان وإذا كرر ذلك عليه علم أنه اسمه ولولا التكرير أيضاً ما علم فمن قال : أن الإسم معرفة بالنداء أي : أصله أنه به صار يعرف المسمى فحسن وإن كان أراد : أن التعريف الذي كان فيه قد زال وحدث بالنداء تعريف آخر فقد بينا وجه الإِحالة فيه ويلزم قائل هذا القول شناعات أخر عندي

وأما قولك : يا رجل . فهذا كان نكرة لا شك فيه قبل النداء وإنا صار بإختصاصك له وإقبالك عليه في معنى : يا أيها الرجل فرفع وإنما ادعى من قال : أن : يا زيد معرفة بالنداء لا بالتعريف الذي كان له
قيل : أنه وُجِد الألف واللام لا يثبتان مع ( يا ) في التعريف في التثنية ألا ترى أنك تقول يا زيدان أقبلا ولولا يا لقلت : الزيدان إذا أردت التعريف وإنما حذفت الألف واللام استغناء بيا عنهما إذ كانتا آلة للتعريف كما حذفنا من النكرة في النداء أيضاً
ووجدنا ما ينوب عنهما فليس ينادي شيءٌ مما فيه الألف واللام إلا الله عز و جل
قال سيبويه : وذلك من أجل أن هذا الإسم لا تفارقه الألف واللام وكثر من كلام العرب
وأما الإسم النكرة الذي بقي على نكرته فلم يتعرف بتسمية ولا نداء فإذا ناديته فهو منصوب تقول : يا رجلاً أقبل ويا غلاماً تعال وكذلك إن قلت : يا رجلاً عاقلاً تعالى فالنكرة منصوبة وصفتها أو لم تصفها ومعنى هذا أنك لم تدع رجلاً بعينه فمن أجابك فقد أطاعك ألا ترى أنه يقول : من هو وراء حائط ولا يدري من وراؤه من الناس : يا رجلاً أغثني ويا غلاماً كلمني كما يقول : الضرير يا رجلاً خذ بيدي فهو ليس يقصدٌ واحداً بعينهِ بَل من أخذَ بيدهِ فهو بغيتُهُ قال الشاعر :
( فيا رَاكِباً إما عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... نَدامَايَ مِنْ نَجْرَان أنْ لا تَلاقِيا )

وإنما أعربت النكرة ولم تبن لأنها لم تخرج عن بابها إلى غير بابها كما خرجت المعرفة فإن قال قائل : ما علمنا أن قولهم : يا زيد مبني على الضم وليس بمعرب مرفوع قيل : يدل على أنه غير معرب أن موضعه نصب والدليل على ذلك أن المضاف إذا وقع موقع المفرد نصب تقول : يا عبدَ الله وأن الصفة قد تنصب على الموضع تقول : يا زيدٌ الطويلٌ فلو كانت الضمة إعراباً لما جاز أن تنصبه إذا أضفناه ولا أن تنصب وصفه لكنا نقول : أنه مضموم مضارع للمرفوع ويشبهه من أجل أن كل اسم متمكن يقع في هذا الموضع يضم فأشبه من أجل ذلك المرفوع ( بقام ) يعني الفاعل لأن كل اسم متمكن يلي ( قام ) فهو مرفوع فلهذا حسن أن تتبعه النعت فتقول : يا زيدٌ الطويلٌ كما تقول : قام زدٌ الطويلٌ يا زيد وعمرو فتعطف كما تعطف على المرفوع

وينبغي أن تعلم : أن حق كل منادى النصب
من قبل أن قولك : يا فلان ينوب عن قولك : أنادي فلاناً لأن قولك : ( يا ) هو العمل بعينه وأنه فارق سائر الكلام
لأن الكلام لفظ يغني عن العمل وهذا العمل فيه هو اللفظ
فإن قلت : ناديت زيداً بعدَ قولِكَ : يا زيد وهو مثل قولِكَ : ضربت زيداً بعدَ علمِكَ ذلكَ به فتأملْ هذا فإنه منفرد به هذا الباب
وأما السبب الذي أوجب بناء الإسم المفرد فوقوعه موقع غير المتمكن ألا ترى أنه قد وقع موقع المضمرة والمكنيات والأسماء إنما جعلت للغيبة لا تقول : قام زيد وأنت تحذف زيداً عن نفسه إنما تقول : قمت يا هذا فلما وقع زيد وما أشبهه بعد ( يا ) في النداء موقع أنت والكاف وأنتم وهذه مبنيات لمضارعتها الحروف بُني وسنبين أمر المبنيات في مواضعها
وبني على الحركة في النداء لأن أصله التمكن ففرق بينه وبين ما لا أصل له في التمكن فأما تحريكه بالضم دون غيره فإنهم شبهوه بالغايات نحو قبل وبعد إذ كانت تعرب بما يجب لها من الإِعراب إذا أضفتها وهو النصب والخفض دون الرفع وتقول : جئت قبلك ومن قبلك فلما حذف منها الإسم المضاف إليه بني الباقي على الضم وهي الحركة التي لم تكن له قبل البناء فعلم أنها غير إعراب
فقالوا : جئتك من قبل ومن بعد ومن علُ يا هذا فكذلك هذا المنادى لما كان مضافهُ منصوباً ضم مفرده ألا ترى أنك تقول : يا عبد الله فتنصب فإن لم تضف قلت : يا عبد ويا غلام فضممت فكذلك التقدير في كل مفرد وإن كنت لم تفرد عن إضافة فهذا تقديره
واعلم : أن لك أن تصف زيداً وما أشبهه في النداء وتؤكده وتبدل منه وتعطف عليه بحرف العطف وعطف البيان
أما الوصف فقولك : يا زيد الطويلُ والطويلَ فترفع على اللفظ وتنصب على الموضع فإن وصفته

بمضاف نصبت الوصف لا غير لأنه لو وقع موقع زيد لم يكن إلا منصوباً تقول : يا زيد ذا الجمة وكذلك إن أكدته تقول : يا زيد نفسُهُ ويا تميم كلكُم ويا قيس كلكُم
فأما يا تميم أجمعون فأنت فيه بالخيار إن شئت رفعت وإن شئت نصبت حكم التأكيد حكم النعت إلا أن الصفة يجوز فيها النصب على إضمار ( أعني ) ولا يجوز في أجمعين ذلك وأما البدل فقولك : يا زيد زيدٌ الطويلَ ويا زيد أخانا لأن تقدير البدل أن يقوم الثاني مقام الأول فيعمل فيه ما عمل في الأول فقولك : يا زيد أخانا كقولك : يا أخانا
واعلم : أن عطف البيان كالنعت سواء لا يلزمك فيه طرح التنوين كما لا يلزمك في النعت طرح الألف والام تقول : يا زيدٌ زيداً فتعطفُ على الموضعِ ويا زيدٌ زيدٌ وأمر البدل وعطف البيان سنذكرهما مع ذكر توابع الأسماء وهذا البيت ينشد على ضروب :
( إني وأسطارْ سُطِرْنَ سَطْرَا ... لَقَائِلٌ : يا نَصْرُ نَصْرَاً نَصْرَا )
فمن قال : يا نصر نصراً فإنه جعل المنصوبين تبييناً للمضموم وهو

الذي يسميه النحويون عطف البيان وسأفرق لك عطف البيان من البدل في موضعه ومجرى العطف للبيانِ مجرى الصفةِ فأجريا على قولك : يا زيد الظريفَ وتقديرهُ : يا رجل زيداً أقبل على قول من نصب الصفة . وينشد :
( يا نَصْرُ نَصْرا ... )
جعلهما تبييناً وأجرى أحدهما على اللفظ والآخر على الموضع كما تقول : يا زيدٌ الظريفٌ العاقلُ ولو نصبت ( العاقل ) على ( أعني ) كان جيداً ومنهم من ينشده :
( يا نَصْرُ نَصْرُ نَصْرا ... )
فجعل الثاني بدلاً من الأول وتنصب الثالث على التبيين فكأنه قال :
( يا نَصْرُ نصرُ نَصْرا ... )
وأما العطف فقولك : يا زيد وعمرو أقبلا ويا هند وزيد أقبلا ولا

يجوز عطف الثاني على الموضع لما ذكرناه في باب العطف وهو أن حكم الثاني حكم الأول لأنه منادى مثله وكل مفرد منادى فهو مضموم
وقد قالوا على ذلك : يا زيد والحرث لما دخلتِ الألفُ واللامُ ( ويا ) لا تدخل عليهما فاعلم وإنما يبني الأولُ لأنه منادى مخاطب باسمه وعلة الثاني وما بعده كعلة الأول لا فرقَ بينهما في ذلك ألا ترى أنهم : يقولون : يا عبدَ الله وزيدٌ فيضمون الثاني والأول منصوب لهذه العلة ولولا ذلك لم يجز قال جميع ذلك ابن السراج أيضاً فإن عطفت اسماً فيه ألف ولام على مفرد فإن فيه إختلافاً
أما الخليل وسيبويه والمازني : فيختارون الرفع يقولون : يا زيدٌ والحارثُ أقبلا وقرأ الأعرج وهو عبد الرحمن بن هرمز : ( يا جبال أوبي معه والطير )
وأما أبو عمرو وعيسى ويونس وأبو عمر الجرمي فيختارون النصب وهي قراءة العامة
وكان أبو العباس يختار النصب في قولك : يا زيد والرجلُ ويختار الرفع في الحارث إذا قلت : يا زيدٌ والحراثُ لأن الألف واللام في ( الحارث ) دخلت عنده للتفخيم والألف واللام في الرجل دخلتا بدلاً من ( يا ) لأن قولك : النضر والحارث ونصر وحارث بمنزلة ومثل

ذلك إختلافهم في الإسم المنادى إذا لحقه التنوين اضطراراً في الشعر فإن الأولين يؤثرون رفعه أيضاً ويقولون : هو بمنزلة مرفوع لا ينصرف يلحقه التنوين فيبقى على لفظه وأبو عمرو بن العلاء وأصحابه يلزمون النصب ويقولون هو بمنزلة قولك : مررت بعثمان يا فتى فإذا لحقه التنوين رجع إلى الخفض
فإن كان المنادى مبهماً فحكمه حكم غيره إلا أنه يوصف بالرجل وما أشبهه من الأجناس وتقول : يا أيها الرجل أقبل فيكون ( أي ) ورجل كاسم واحد ( فأي ) مدعو والرجل نعت له ولا يجوز أن يفارقه نعته لأن ( أياً ) اسم مبهم ولا يستعمل إلا بصلة إلا في الجزاء والإستفهام فلما لم يوصل أُلزم الصفة لتبينه كما كانت تبينه الصلة
و ( ها ) تبينه وكذلك إذا قلت : يا هذا الرجل فإذا قلت : يا أيها الرجل لم يصلح في ( الرجل ) إلا الرفع لأنه المنادى في الحقيقة و ( أي ) مبهم متوصل إليه به
وكذلك : يا هذا الرجل إذا جعلت هذا سبباً إلى نداء الرجل ولك أن تقيم الصفة مقام الموصوف فتقول : يا أيها الطويل ويا هذا القصير كقوله تعالى : ( قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ) فإن قدرت الوقف على هذا ولم تجعله وصلة إلى الصفة وكان مستغنياً بإفرادهِ كنت في صفته بالخيار : إن شئت رفعت وإن شئت نصبت كما كان ذلك في نعت زيد فقلت : يا هذا الطويلُ والطويلَ
وأما ( أي ) فلا يجوز في وصفها النصب لأنها لا تستعمل مفردة فإن وصفتَ الصفةَ بمضافٍ فهو مرفوع لأنك إنما تنصب صفة المنادى فقط
قال الشاعر :
( يا أيُّها الجَاهِلُ ذو التَّنَزِّي ... )

فوصف ( الجاهل ) وهو صفة ب ( ذو ) ويجوز النصب على أن تجعله بدلاً من ( أي ) فتقول : يا أيها الجاهل ذا التنزي ولا يجوز أن تقول : هذا أقبل وأنت تناديه تريد : يا هذا كما تقول : زيد أقبل وأنت تريد يا زيد ولا : رجل أقبل لأن هذين نعت لأي فإن جاء في الشعر فهو جائز ولك أن تسقط ( يا ) فتقول : زيد أقبل وإنما قبح إسقاط حرف النداء من هذا ورجل لأنهما يكونان نعتاً لأي فلا يجمع عليها حذف المنعوتِ وحرفُ النداءِ فاعلم
فأما قولهم : اللهُّم اغفر لي فإنَّ الخليل كان يقول : الميم المشددة في آخرهِ بدل من ( يا ) التي للنداء لأنهما حرفان مكان حرفين
قال أبو العباس : الدليل على صحة قول الخليل : أن قولك : اللهم لا يكون إلا في النداء لا تقول : غفر اللهم لزيد ولا : سخط اللهم على زيد كما تقول : سخط الله على زيد وغفر الله لزيد وإنما تقول : اللهم اغفر لنا اللهم اهدنا وقال : فإن قال الفراء : هو نداء معه ( أم ) قيل : له فكيف تقول : اللهم اغفر لنا واللهم أمنا بخير فقد ذكر ( أم ) مرتين قال : ويجب على قوله أن تقول : يا اللهم لأنه : يا الله أمنا ولا يلزم ذلك الخليل : لأنه يقول الميم بدل من يا
وإذا وصفت مفرداً بمضاف لم يكن المضاف إلا منصوباً تقول : يا زيد

ذا الجمة فأما : يا زيد الحسن الوجه فإن سيبويه : يجيز الرفع والنصب في الصفة لأن معناه عنده الإنفصال فهو كالمفرد في التقدير لأن حسن الوجه بمنزلة حسن وجههُ فكما أن يجيز : يا زيد الحَسَنُ والحسنَ فكذلك يفعل إذا أضاف لأنه غير الإِضافة يعني به وأنشد :
( يا صَاحِ ياذَا الضَّامِرِ العَنسِ ... )
يريد : يا ذا الضامرة عنسُه وتقول : يا زيدٌ أو عبد الله ويا زيدٌ أو خالدُ وقال سيبويه : أو ولا في العطفِ على المنادى بمنزلة الواو

شرح الإسم المنادى الثاني وهو المضاف :
اعلم : أن كل اسم مضاف منادى فهو منصوب على أصل النداء الذي يجب فيه كما بينا تقول : يا عبدَ الله أقبل ويا غلامَ زيد افعل ويا عبدَ مرة تعال ويا رجل سوء تُبْ المعرفة والنكرة في هذا سواء وقال عز و جل ( يا قومنا أجيبوا داعي الله )
وذكر سيبويه : أن ذلك منصوب على إضمار الفعل المتروك إظهاره
وقال أبو العباس : أن ( يا ) بدل من قولك : أَدعو أو أُريد لا أنك تخبر أنك تفعل ولكن بها علم أنك قد أوقعت فعلاً يا عبد الله وقع دعاؤك بعبد الله فانتصب على أنه مفعول تعدى إليه فعلك فإن أضفت المنادى إلى نفسك فحكم كل اسم تضيفه إلى نفسك أن تحذف إعرابه وتكسر حرف الإِعراب وتأتي بالياء التي هي اسمك فتقول : يا غلامي وزيدي فإذا ناديت قلت : يا غلام أقبل لا تثبت ( ياء ) الإِضافة كما تثبت التنوين في المفرد تشبيهاً به وثبات الياء فيما زعم يونس في المضاف لغة وكان أبو عمرو يقول : ( يا عبادي اتقون )
وقد يبدلون مكان الياء الألف لأنها أخف عليهم نحو : يا ربا تجاوز عنا ويا غلاماه لا تفعل فإذا وقفت قلت : يا غلاماُ وعلى هذا يجوز : يا أَباه ويا أُماه
قال سيبويه : وسألت الخليل عن قولهم : يا أبه ويا أبةِ لا تفعل ويا أبتاه ويا أُمتاه فزعم الخليل : أن هذه الهاء مثل الهاء في عمة وخالة وزعم : أنه سمع من العرب من يقول : يا أمة لا تفعلي ويدلك على أن الهاء بمنزلة الهاء في عمة أنك تقول في الوقت : يا أمةْ ويا أبه كما تقول :

يا خالة إنما يلزمون هذه في النداء إذا أضفت إلى نفسك خاصة كأنهم جعلوها عوضاً من حذف الياء قال : وحدثنا يونس : أن بعض العرب يقول : يا أم لا تفعلي ولا يجوز ذلك في غيرها من المضاف
وبعض العرب يقول : يا ربُّ أغفر لي ويا قومُ لا تفعلوا فإن أضفت إلى مضاف إليك قلت : يا غلام غلامي ويا ابن أخي فتثبت الياء لأن الثاني غير منادى فإنما تسقط الياء في الموضع الذي يسقط فيه التنوين وقالوا : يا ابن أُم ويا ابن عم فجعلوا ذلكَ بمنزلة اسمْ واحدٍ لكثرته في كلامهم
قال أبو العباس رحمه الله : سألت أبا عثمان عن قول من قال : يا ابن أم لا تفعل فقال : عندي فيه وجهان : أحدهما أن يكون أراد : يا ابن أمي فقلب الياء ألفاً فقال : يا ابن أما ثم حذف الألف استخفافاً من ( أما ) كما حذف الياء من ( أمي )
ومثل ذلك : يا أبة لا تفعل والوجه الآخر أن يكون : ابن عمل في أُم عمل خمسة عشر فبني لذلك قلت : فلم جاز في الوجه الأول قلب الياء ألفاً فقال : يجوز في النداء والخبر وهو في النداء أجود قلت : وأمّ قال : لأن النداء يقرب من الندبة وهو قياس واحد وذلك قولك : وا أماه قلت : فنجيزه في الخبر في الشعرِ فقالَ : في الشعر وفي الكلام جيدٌ بالغ أقول : هذا غلاما قد جاء فأقلبها لأنَّ الألف أخف من الياء
وقد قال الشاعر :
( وقَدْ زَعَمُوا أنِّي جَزِعْتُ علَيهِمَا ... وهَلْ جَزَعٌ إن قُلْتَ : وا بأباهما )

يريد : وا بأبي هما . وأنشد سيبويه لأبي النجم :
( يا بنتَ عَمَّا لا تلومِي واهْجَعِي ... )
فإن أضفت اسماً مثنى إليك : نحو عبدين وزيدين قلت : يا عبدي ويا زيد ففتحت الياء من قبل أن أصل الإِضافة إلى نفسك الفتح تقول : هذا بني وغلامي يا فتي ثم تسكن إذا شئت استخفافاً فلما التقى ساكنان في عبدي واحتجت إلى الحركة رددت ما كان للياء إليها فإذا صغرت ابناً فقلت بني ثم أضفته إلى نفسك قلت : يا بني أقبل ولم تكن هذه الياء كياء التثنية لأن هذه حرف إعراب كما يتحرك دال عبدٍ تقول : هذا بني كما تقول : هذا عبد فإذا أضفتهما إلى نفسك كسرت حرف الإِعراب إرادة للياء وكان الأصل في : يا بني أن تأتي بياء بعد الياء المشددة فحذفتها واستغنيت بالكسر عنها وتقول : يا زيد عمرو ويا زيد زيد أخينا ويا يزد زيدنا
قال سيبويه وزعم الخليل ويونس : أن هذا كله سواء وهي لغة للعرب جيدة وذلك لأنهم قد علموا : أنهم لو لم يكرروا الإسم كان الأول نصباً لأنه مضاف فلما كرروه تركوه على حاله قال الشاعر :

( يا تيمَ تَيمَ عَدِيٍّ لا أَبَا لَكُمُ ... لا يَلْقَيَنَّكُم في سَوأةٍ عُمَرُ )
وإن شئت قلت : يا تيم تيمَ عدي ويا زيد زيدَ أخينا فكل اسمين لفظهما واحد والآخر منهما مضاف فالجيد الضم في الأول والثاني منهما منصوب لأنه مضاف فإن شئت كان بدلاً من الأول وإن شئت كان عطفاً عليه عطف البيان والوجه الآخر نصب الأول بغير تنوين لأنك أردت بالأول : يا زيد عمرو فأما أقحمت الثاني توكيدا للأول وأما حذفت من الأول المضاف استغناء بإضافة الثاني فكأنه في التقدير : يا زيد عمرو زيد عمرو ويا تيم عدي تيم عدي
واعلم : أن المضاف إذا وصفته بمفرد وبمضاف مثله مل يكن نعته إلا نصباً لأنك إن حملته على اللفظ فهو نصب والموضع موضع نصب فلا يزال ما كان على أصله إلى غيره وذلك نحو قولك : يا عبدَ الله العاقلَ ويا غلامنا الطويلَ والبدل يقوم مقام المبدل منه تقول : يا أخانا زيد أقبل فإن لم ترد البدل وأردت البيان قلت : يا أخانا زيداً أقبل لأن البيان يجري مجرى النعت

شرح الثالث : وهو الإسم المنادى المضارع للمضاف لطوله :
إذا ناديت أسماً موصولاً بشيء هو كالتمام له فحكمه حكم المضاف إذا كان يشبهه في أنه لفظ مضموم إلى لفظ هو تمام الإسم الأول ويكون معرفة ونكرة وذلك قولك : يا خيراً من زيد أقبل
ويا ضارباً رجلاً ويا عشرون رجلاً ويا قائماً في الدار وما أشبهه جميع هذا منصوب أقبلت على واحد فخاطبته وقدرت التعريف وإن أردت التنكير فهو أيضا منصوب وقد كنت عرفتك أن المعارف على ضربين : معرفة بالتسمية ومعرفة بالنداء
وقال الخليل : إذا أردت النكرة فوصفت أو لم تصف فهي منصوبة لأن التنوين لحقها فطالت فجعلت بمنزلة المضاف لما طال نصب ورد إلى الأصل كما تفعل ذلك بقبل وبعد وزعموا : أن بعض العرب يصرف قبلاً فيقول : أبدأ بهذا قبلا فكأنه جعلها نكرة وأما قول الأحوص :
( سَلامُ اللَّهِ يَا مَطَرٌ عَلَيْهَا ... وَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلامُ )
فإنما لحقه التنوين كما لحق ما لا ينصرف
وكان عيسى بن عمر يقول : يا مطراً يشبهه بيا رجلاً قال سيبويه : ولم نسمع عربياً يقوله وله وجه من القياس إذا نون فطال كالنكرة فالتنوين في جميع هذا الباب كحرف في وسط الإسم وكذلك : لو سميت رجلاً : بثلاثة وثلاثين لقلت : يا ثلاثة وثلاثين أقبل وليس بمنزلة قولك للجماعة : يا ثلاثة وثلاثون لأنك أردت

في هذا : يا أيها الثلاثة والثلاثون ولو قلت أيضاً وأنت تنادي الجماعة : يا ثلاثة والثلاثين لجاز الرفع والنصب في الثلاثين كما تقول : يا زيد والحارث والحارثَ ولكنك أردت في الأول : يا من يقال له ثلاثة وثلاثون
وإن نعت الإسم المفرد بابن فلان أو ابن أبي فلان وذكرت اسمه الغالب عليه وأضفته إلى اسم أبيه أو كنيته فإن الإسمين قد جعلا بمنزلة اسم واحد لأنه لا ينفك منه ونصب لطوله تقول : يا زيدَ بن عمرو كأنك قلت : يا زيد عمرو فجعلت زيداً وابناً بمنزلة اسم واحد ولا تنون زيداً كما لم تكن تنونه قبل النداء إذا قلت : رأيت زيد بن عمرو فإن قلت : يا زيد ابن أخينا ضممت الدال من ( زيد ) لأن ابن أخينا نعت غير لازم وكذلك : يا زيد ابن ذي المال ويا رجل ابن عبد الله لأن رجلاً اسم غير غالب فمتى لم يكن المنادى اسماً غالباً والذي يضيف إليه ابنا سما غالباً لم يجز فيه ما ذكرنا من نصب الأول بغير تنوين وإذا قلت : يا رجل ابن عبد الله فكأنك قلت : يا رجل يا ابن عبد الله وعلى هذا ينشد هذا البيت :
( يا حكمَ بنَ المنذرِ بن الجَارُود ... )

ولو قلت : يا حكمُ بنُ المنذر كان جيداً وقياساً مطرداً وكان أبو العباس رحمه الله يقول : إن نصب : يا حسن الوجه لطوله لا لأنه مضاف لأن معناه : حسن وجههُ
قال أبو بكر : والذي عندي أنه نصب من حيث أضيف فما جاز أن يضاف ويخفض ما أضيف إليه وإن كان المعنى على غير ذلك كذلك نصب كما ينصب المضاف لأنه على لفظه

باب ما خص به النداء من تغيير بناء الإسم المنادى والزيادة في آخره
والحذف فيه
أما التغيير فقولهم : يا فسقُ ويا لكعُ عدل عن فاعل إلى فعيل للتكثير والمبالغة كما عدل : عمر عن عامر ولم يستعمل فسق إلا في النداء وهو معرفة فيه ويقوى أنه كذلك ما حكى سيبويه عن يونس : أنه سمع من العرب من يقول : يا فاسقُ الخبيثُ فلو لم يكن فاسق عنده معرفة ما وصفه بما فيه الألف واللام وكذلك : يا لَكاعِ ويا فَساقِ ويا خَباثِ معدول عن معرفة كما صارت جَعَارِ اسماً للضبع وكما صارت : حذام ورقاش اسماً للمرأة وجميع ذلك مبني على الكسر لأنك عدلته من اسم معرفة مؤنث غير منصرف وليس بعد ترك الصرف إلا البناء فبني على كسر لأن الكسرة والتاء من علامات التأنيث
ولهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله فإن لم ترد العدل قلت : يا لكعُ ويا لكعاءُ وأما ما لحقه الزيادة من آخره فقولهم : يا نومان ويا هناه وقال بعض المتقدمين في النحو : يا هناه هو فعال في

التقدير وأصله هن فزيد هذا في النداء وبنى هذا البناء
ويلزم قائل هذا القول أن يقول في التثنية : يا هنانان أقبلا ولا أعلم أحداً يقول هذا
قال الأخفش : تقول : يا هناه أقبل ويا هنانيه أقبلا ويا هنوناه أقبلوا
وإن شئت قلت : يا هن ويا هنان أقبلا ويا هنون أقبلوا وإن أضفت إلى نفسك لم يكن فيه إلا شيء واحد يأتي فيما بعده قال أبو بكر : والمنكر من ذا تحريك الهاء من هناه وإلا فالقياس مطرد كهاء الندبة وألفها
وقال أيضاً الأخفش : تقول : يا هنتاه أقبلي ويا هنتانيه أقبلا ويا هناتوه أقبلن
وتقول للمرأة بغير زيادة يا هنت أقبلي ويا هنتان أقبلا ويا هنات أقبلن وتقول في الإِضافة : إليك : ياهن أقبل وياهني أقبلا ويا هنى أقبلوا
وللمرأة في الإِضافة يا هنت أقبلي ويا هنتي أقبلا وللجمع : يا هنات أقبلن وتزاد في آخر الإسم في النداء الألف التي تبين بالهاء في الوقف إذا أردت أن تسمع بعيداً أو تندب هالكاً لأن المندوب في غاية البعد وللندبة باب مفرد نذكره بعون الله تعالى
تقول : يا زيداه إذا ناديت بعيداً هذا إذا وقفت على الهاء وهي ساكنة وإنما تزاد في الوقف لخفاء الألف كا تزاد لبيان الحركة في قولك غلاميه وما أشبه ذلك
إذا وصلت ألف النداءِ بشيءٍ أغنى ما بعدَ الألف من الهاءِ فقلت : يا زيدا أقبل ويا قوما تعالوا
فأما لام الإستغاثة والتعجب فتدخل على الإسم المنادى من أوله وهي

لام الجر فتخفضهُ ولذلكَ أيضاً بابٌ يذكر فيه إلا أنها تزادُ إذا أردت أن تسمع بعيداً وأما ما حذفُ من آخره في النداء فقولهم في فلان : يا فل أقبل
وذكر سيبويه أن : هناه ونومان وفل أسماء اختص بها النداء
وقال : قول العرب : يا فل أقبل لم يجعلوه اسماً حذفوا منه شيئاً يثبت في غير النداء ولكنهم بنوا الإسم على حرفين وجعلوه بمنزلة دم والدليل على ذلك أنه ليس أحد يقول : يا فلا
فإن عنوا امرأة قالوا : يا فلة وإنما بني على حرفين لأن النداء موضع تخفيف ولم يجز في غير النداء لأنه جعل اسماً لا يكون إلا كناية لمنادى نحو : يا هناه ومعناه . يا رجل . وأما فلان . فإنما هو كناية عن اسم سمى به المحدث عنه خاص غالب قال : وقد اضطر الشاعر فبناه على هذا المعنى قال أبو النجم :
( في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فلاناً عن فُلِ ... )
قوله في لجة أي : في كثرة أصوات ومعناه : أمسك فلاناً عن فلان

فأما ما حذف آخره للترخيم فله باب وإنما أخرجنا ( فل ) عن الترخيم لأنه لا يجوز أن يرخم اسم ثلاثي فينقص في النداء ولم يكن منقوصاً في غيرِ النداءِ ولأنَّه ليس باسم علمٍ وللترخيمِ بابٌ يفرد به إن شاء الله

باب اللام التي تدخل في النداء للإستغاثة والتعجب
اعلم : أن اللام التي تدخل للإستغاثة هي لام الخفض وهي مفتوحة إذا أدخلتها على الإسم المنادى كأن المنادى كالمكنى
وقد بينا هذا فيما مضى فانفتحت مع المنادى كما تنفتح مع المكنى إلا ترى أنك تقول : لزيد ولبكر فتكسر
فإذا قلت : لك وله فتحت وقد تقدم قولنا في أن المبني كالمكنى فلذلك لم يتمكن في الإِعراب وبني فتقول : يا لبكر ويا لزيد ويا للرجال ويا للرجلين إذا كنت تدعوهم وقال أصحابنا : إنما فتحتها لتفصل بين المدعو والمدعو إليه
ووجب أن تفتحها لأن أصل اللام الخافضة إنما كان الفتح فكسرت مع المظهر ليفصل بينها وبين لام التوكيد ألا ترى أنك تقول : إن هذا لزيد إذا أردت : إن هذا زيد فاللام هنا مؤكدة وتقول : إن هذا لِزيد إذا أردت أنه في ملكه
ولو فتحت لألتبسا فإن وقعت اللام على مضمر فتحتها على أصلها فقلت : أن هذا لك وإن هذا لأنت لأنه ليس هنا لبس وتقول : يا للرجال للماء ويا للرجال للعجب ويا لزيد للخطب الجليل قال الشاعر :

( يا لَلِّرجَالِ لِيوْمِ الأربعاءِ أما ... يَنْفَكُّ يُحْدِثُ لِي بَعْدَ النُّهى طَربا )
وقال آخر :
( تَكَنَّفَني الوُشَاةُ فَأَزْعَجُوني ... فَيا للناسِ لِلواشي المُطَاعِ )
فالذي دخلت عليه اللام المفتوحة هو المدعو والمستغاث به والذي دخلت عليه اللام المكسورة هو الذي دعي له ومن أجله
واعلم : أنه لا يجوز أن تقول : يا لزيدٍ لمن هو قريب منك ومقبل عليك
وذكر سيبويه : أن هذه اللام التي للإستغاثة بمنزلة الألف التي تبين بها في الوقف إذا أردت أن تسمع بعيداً فإن قلت : يا لزيد ولعمرو

كسرت اللام في ( عمرو ) وهو مدعو لأنه يسوغ في المعطوف على المنادى ما لا يسوغ في المنادى
ألا ترى أن الألف واللام تدخل على المعطوف على المنادى ويجوز فيه النصب وإنما يتمكن في باب النداء ما لصق ( بيا ) يعني بحرف النداء
وأما أبو العباس رحمه الله فكان يقول في قولهم : يا لزيد ولعمرو إنما فتحت اللام في ( زيد ) ليفصل بين المدعو والمدعى إليه فلما عطفت على ( زيد ) استغنيت عن الفصل لأنك إذا عطفت عليه شيئاً صار في مثل حاله وقال الشاعر :
( يَبْكِيكَ نَاءٍ بَعِيدُ الدارِ مُغتَربٌ ... يا لَلْكُهُولِ ولِلشُّبان لِلْعِجبِ )
وأما التي في التعجب فقول الشاعر :
( لَخُطَّابُ لَيْلَى يا لبُرثُنَ مِنْكُمُ ... أَدَلُّ وأمضى مِنْ سُليكِ المقانبِ )
وقالوا : يا للعجب ويا للماء لما رأوا عجباً أو رأوا ماء كثيراً كأنه يقول :

تعال يا عجب وتعال يا ماء فإنه من أيامك وزمانك وأبانك ومثل ذلك قولهم : يا للدواهي أي : تعالين فإنه لا يستنكر لكن لأنه من أحيانكن وكل هذا في معنى التعجب والإستغاثة فلا يكون موضع ( يا ) سواها من حروف النداء نحو : أي وهيا وأيا
وقد يجوز أن تدعو مستغيثاً بغير لام فتقول : يا زيد وتتعجب كذلك كما أن لك أن تنادي المندوب ولا تلحق آخره ألِفاً لأن النداء أصل لهذه أجمع وقد تحذف العرب المنادى المستغاث به مع ( يا ) لأن الكلام يدل عليه فيقولون : يا للعجب ويا للماء كأنه قال : يا لقوم للماء ويا لقوم للعجب وقال أبو عمرو قولهم : يا ويل لك ويا ويح لك كأنه نبه إنساناً ثم جعل الويل له ومن ذلك قول الشاعر :
( يَا لعنَةُ الله والأقوامِ كُلِّهِمِ ... والصالحينَ على سِمَعانَ مِن جَارِ )
فيا لغير اللعنة ولغير الويل كأنه قال : يا قوم لعنة الله على فلان

باب الندبة
الندبة تكون بياء أو بواو ولا بد من أحدهما وتلحق الألف آخر الإسم المندوب إن شئت وإن شئت ندبت بغير ألف والألف أكثر من هذا الباب قال سيبويه : لأن الندبة كأنهم يترنمون فيها ومن شأنهم أن يزيدوا حرفاً إذا نادوا بعيداً ولا أبعد من المندوب فإذا وقفوا قالوا : يا زيداه واعمراه فيقفون على هاء لخفاء الألف فإن وصلوا النداء بكلام أسقطوا الهاء وإذا لم تلحق الألف قلت : وا زيد بكر والألف تفتح ما قبلها مضموما كان أو مكسورا تقول وا زيد فتضم فإن أدخلت الألف قلت : وا زيداه فإن أضفت إلى أسم ظاهر غير مكنى قلت : وا غلام زيد فإن أدخلت الألف قلت واغلام زيداه وحذفت التنوين لأنه لا يلتقي ساكنان
قال سيبويه : ولم يحركوها يعني التنوين في هذا الموضع لأن الألف زيادة فصارت تعاقب التنوين وكان أخف عليهم فإن أضفت إلى نفسك قتل وأزيدِ فكسرت الدال فإن أدخلت الأل قلت : وا زيداه يكون إذا أضفته إلى نفسك وإذا لم تضفه سواء ومن قال : يا غلامي قال : وا زيدياه فيحرك الياء في لغة من أسكن الياء للألف التي بعدها لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً

قال أبو العباس : ولك في وا غلامي في لغة من أسكن الياء وجهان : أن تحرك الياء لدخول الألف فقتول : واغلامياه وأن تسقطها لإلتقاء الساكنين فتقول : واغلاماه كما تقول جاء غلام العاقل فتحذف الياء فأما من كان يحرك الياء قبل الندبة فليس في لغته إلا إثباتها مع الألف تقول : وا غلاماه وذكر سيبويه : أنه يجوز في الندبة : واغلاميه فيبين الياء بالهاء كما هي في غير النداء فإن أضفت إلى مضاف إليك قلت : واغلام غلامي فإن أدخلت الألف قلت : واغلام غلامياه لا يكون إلا ذلك لأن المضاف الثاني غير منادى وقد بيناه لك فيما تقدم
وكذلك وانقطاع ظهرياه لا بد من إثبات الياء وإذا وافقت ياء الإِضافة الياء الساكنة في النداء لم يجدوا بداً من فتح ياء الإِضافة ولم يكسر ما قبلها كراهية للكسرة في الياء ولكنهم يفتحون ياء الإِضافة ويجمعون على ذلك لئلا يلتقي ساكنان
فإذا ناديت فأنت في إلحاق الألف بالخيار أيضاً وذلك قولك : وا غلامياه وواقاضياه وواغلاميَّ في تثنية غلام وواقاضيَّ

وإن وافقت ياء الإِضافة ألفاً لم تحرك الألف وأثبتوا الياء وفتحوها لئلا يلتقي ساكنان وأنت أيضاً بالخيار في إلحاق الألف وذلك قولك وامثناي ووا مثناه
فإن لم تضف إلى نفسك قلت : وامثناي وتحذف الألف الأولى لئلا يلتقي ساكنان ولم يخافوا التباساً فإن كان الإسم المندوب مضافاً إلى مخاطب مذكر قلت : واغلامك يا هذا فإن ألحقت ألف الندبة قلت : وا غلامكاه وإن ثنيت قلت : وا غلامكاه وإن جمعت قلت : وغلامكموه فقلبت الف الندبة واواً كيلا يلتبس بالتثنية وتقول للمؤنث : واغلامكيه
وكان القياس الألف لولا اللبس وفي التثنية وا غلامهماه والمذكر والمؤنث في التثنية سواء وتقول في الجمع : وا غلامكناه وتقول في الواحد المذكر الغائب واغلامهوه وللإثنين واغلامهماه وللجميع واغلامهموه وللمؤنث : واغلامهاه وفي التثنية : واغلامهاه وللجميع واغلامهمناه فإن كان المنادى مضافاً إلى مضاف نحو : وانقطاع ظهره ( ) قلت في قول من قال : مررت بظهرهوه قيل : وانقطاع ظهرهوه وفي قول من قال : بظهرهي قال : وانقطاع ظهرهيه
وقال قوم من النحويين : كل ما كان في أخره ضم أو فتح وكسر ليس يفرق بين شيء وبين شيء جاز فيه الإِتباع والفتح وغير الإِتباع مثل قطام تقول : واقطاميهْ ويا قطاماه ويقولون : يا رجلانية ويا رجلاناه ويا مسلموناه ويقولون : يا غلام الرجلية والرجلاه فإذا كانت الحركة فرقاً بين شيئين مثل : قمتُ وقمتَ فالإِتباع لا غير نحو : واقياماً قمتوه وقمتاه وقمتيه وقد مر تثنية المفرد وجمعه في النداء في ( هن ) فقس عليه
واعلم : أن ألف الندبة لا تدخل على الصفة ولا الموصوف إذا اجتمعا

نحو وأزيد الظريف والظريفَ لأن الظريف غير منادى وليس هو بمنزلة المضاف والمضاف إليه لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد وأنت في الصفة بالخيار إن شئت وصفت وإن شئت لم تصف وهذا قول الخليل
وأما يونس فيلحق الألف الصفة ويقول : وا زيد الظريفاه ولا يجوز أن تندب النكرة وذلك : وارجلاه ويا رجلاه ولا المبهم لا تقول : واهذاه قال سيبويه : إنما ينبغي أن تتفجع بأعرف الأسماء ولا تبهم وكذلك قولك : وامَن في الداراه في الفتح وذكر يونس : أنه لا يستقبح : وا من حفر زمزماه لأن هذا معروف بعينه
وقال الأخفش : الندبة لا يعرفها كل العرب وإنما هي من كلام النساء فإذا أرادوا السجع وقطع الكلام بعضه من بعض أدخلوا ألف الندبة على كلام يريدون أن يسكتوا عليه وألحقوا الهاء لا يبالون أي كلام كان

باب الترخيم
الترخيم حذف أواخر الأسماء المفردة الأعلام تحقيقاً ولا يكون ذلك إلا في النداء إلا أن يضطر شاعر ولا يكون في مضاف إليه ولا مضاف ولا في وصف ولا اسم منون في النداء ولا يرخم مستغاث به إذا كان مجروراً لأنه بمنزلة المضاف ولا يرخم المندوب هذا قول سيبويه والمعروف من مذاهب العرب
والترخيم يجري في الكلام على ضربين : فأجود ذلك أن ترخم الإسم فتدع ما قبل آخره على ما كان عليه وتقول في : حارث : يا حار أقبل فتترك الراء مكسورة كما كانت
وفي مسلمة : يا مسلم أقبل وفي جعفر : يا جعف أقبل تدع الفتحة على حالها وفي يعفر : يا يعف أقبل وفي برثن : يا برث أقبل تترك الضمة على حالها وفي هرقل أقبل تدع القاف على سكونها والوجه الآخر أن تحذف من أواخر الأسماء وتدع ما بقي اسماً على حياله نحو : زيد وعمرو فتقول : في حارث يا حار وفي جعفر يا جعفُ أقبل وفي هرقل : يا هرق أقبل
وكذلك كل اسم جاز ترخيمه فإن كان آخر الإسم حرفان زيدا معا حذفتهما لأنهما بمنزلة زيادة واحدة وذلك قولك : في عثمان : يا عثم وفي مروان يا مرو أقبل وفي أسماء يا أسم أقبلي وكذلك كل ألفين للتأنيث نحو : حمراء وصفراء وما

أشبه ذلك
إذا سميت به وكذلك ترخيم رجل يقال له : مسلمون تحذف منه الواو والنون وكذلك رجل اسمه مسلمان قال سيبويه : فأما رجل اسمه بنون فلا يطرح منه إلا النّون لأنك لا تصير اسماً على أقل من ثلاثة احرف ومن قال يا حار قال يا بني فإن رخمت اسما آخره غير زائد إلا أن قبل آخره حرفاً زائداً وذلك الزائد واو ساكنة قبلها ضمة أو ياء ساكنة قبلها كسرة أو ألف ساكنة حذفت الزائد مع الأصلي وشبه بحذف الزائد ولم يكن ليحذف الأصل ويبقى الزائد وذلك قولك في منصور : يا منص أقبل تحذف الراء وهي أصل وتحذف الواو وهي زائدة وفي عمار يا عمَّ أقبل وفي رجل اسمه عنتريس : يا عنتر أقبل فإن كان الزائد الذي قبل حرف الإِعراب متحركاً ملحقاً كان أو زائداً جرى مجرى الأصل
فأما الملحق فقولك في قَنَّور : يا قنو أقبل وفي رجل اسمه هبينح يا هبي أقبل لأن هذا ملحق بسفرجل وسنبين لك هذا في موضعه من التصريف إن شاء الله
وأما الزائد غير الملحق فقولك في رجل سميته بحولايا وبردرايا يا حولاي أقبل ويا بردراي أقبل لأن الحرف الذي قبل آخره متحركاً فأشبهت الألف التي للتأنيث الهاء التي للتأنيث فحذفت الألف وحدها كما تحذف الهاء وحدها لأن الهاء بمنزلة اسم ضم إلى إسم ولا يكون ما قبلها ألا مفتوحاً والهاء لا تحذف إلا وحدها كان ما قبلها أصلياً أو زائداً أو ملحقاً أو منقوصاً وحذف الهاء في ترخيم الإسم العلم أكثر في كلام العرب من الترخيم فيما لا هاء فيه وكذلك إن كان اسماً عاماً غير علم

والعلم قولهم في سلمة : يا سلم أقبل تريد يا سلمة وقالت الجهنية في هوذة بن علي الحنفي وكان كسرى أقطعه وتوَّجَهُ بتاج :
( يا هَوذَ ذَا التاَّجِ إنَّا لا نَقُولُ سَوَى ... يا هَوذَ يا هَوذَ إما فَادحٌ دَهَمَا )
وأما العام فنحو قول العجاج :
( جَارِيَ لاَ تسْتَنْكِرِي عَذِيرِي ... )

أي : حالي وأما ما كان منقوصاً وكان مع الهاء على ثلاثة أحرف فقولهم : يا شاء ادجني
قال أبو علي : إذا وصلت سقطت همزة الوصل فالتقت الألف وهي ساكنة مع الراء مع ادجني وهي ساكنة أيضاً فحذفت الألف لإلتقاء الساكنين ووليت الشين المفتوحة الراء وإذا وقفت قلت : يا أدجني مثل أقبلي فلم يحذف الألف رخم شاة ويا ثبت أقبلي تريد : ثبة وناس من العرب يثبتون الهاء فيقولون : يا سلمة أقبلي يقحمون الهاء ويدعون الإسم مفتوحا على لفظ الترخيم والذين يحذفون في الوصل الهاء إذا وقفوا قالوا : يا سلمهْ ويا طلحهْ لبيان الحركة ولم يجعلوا المتكلم بالخيار في حذف الهاء عند الوقف والشعراء إذا اضطروا حذفوا هذه الهاء في الوقف لأنهم إذا اضطروا يجعلون المدة التي تلحق القوافي بدلاً منها قال ابن الخَرِع :
( وكَادَتْ فَزَارَةُ تَشَقَى بِنَا ... فَأَوْلَى فَزَارَةَ أَوْلى فَزَارا )
والضم جائز في البيت وكذلك إن رخمت اسماً مركباً من اسمين قد

ضم أحدهما إلى الآخر فحكم الثاني حكم الهاء في الحذف وذلك
نحو : حضرموت ومعدي كرب ومار سرجس ومثل رجل سميته بخمسة عشر تحذف الثاني وتبقي الصدر على حاله فتقول : يا حضر أقبل ويا معدي أقبل ويا خمسة أقبل قال سيبويه : وإن وقفت قلت : يا خمسهْ بالهاء وإنما قال ذلك لأن تاء التأنيث لا ينطق بها إلا في الوصل
فإذا وقفت عليها وقفت بالهاء ومما شبه بحضر موت : عمرويه زعم الخليل : أنه يحذف الكلمة التي ضمت إلى الصدر فيقول : يا عمر أقبل قال : أراه مثل الهاء لأنهما كانا بائنين فضم أحدهما إلى الآخر
واعلم : أن من قال : يا حار فإنه لا يعتد بما حذف ويجعل حكم الإسم حكم ما لم تحذف منه شيئاً
فإن كان قبل الطرف حرفاً يعتل في أواخر الأسماء وينقلب أعل وقلب نحو : رجل سميته بعرقوة إن رخمت فيمن قال يا حار قلت : يا عرقي أقبل ولم يجز أن تقول : يا عرقوا لأن الإسم لا يكون آخره واواً قبلها حرف متحرك وهذا يبين في التصريف ومن قال : يا حار فإنما يجعل الراء حرف الإِعراب تقدير ما لا فاء فيه فيجب عليه أن لا يفعل ذاك إلا بما مثله في الأسماء فمن رخم اسماً فكان ما بيقى منه على مثال الأسماء فجائز وإن كان ما يبقى على غير مثال الأسماء فهو غير جائز وكذلك إن كان قبل المحذوف للترخيم شيء قد سقط لإلتقاء الساكنين فإنك إذا رخمت وحذفت رجع الحرف الذي كان سقط لإلتقاء الساكنين نحو : رجل سميته ( بقاضون ) كان الواحد ( قاضي ) قبل الجمع فلما جاءت واو الجمع سقطت الياء لإلتقاء الساكنين فإن رخمت ( قاضين ) وهو في الأصل قلت : يا قاضي فرجع ما كان سقط

لإلتقاء الساكنين وشبيه بهذا وقفك على الهاء إذا رخمت رجلاً اسمه : خمسة عشر لأن التاء إنما جلبها الوصل فلما زال الوصل رجعت الهاء وكذلك إن كنت أسكنت حرفاً متحركاً للإِدغام في حرف مثله وقبله ساكن فحذفت الأخير للترخيم فإنك ترد الحركة لإلتقاء الساكنين وذلك قولك لرجل اسمه ( راد ) يا رادِ أقبل إذا رخمت وفي محمارٍّ أقبل لأن الأصل : رادد ومحمارر وأما مفر فإذا سميت به ورخمته قلت : يا مفر أقبل ولم تحرك الراء لأن ما قبلها متحرك وأما محمر إذا كان اسم رجل فإنك إذا رخمته تركت الراء الأولى مجزومة لأن ما قبلها متحرك فقلت : يا محمر أقبل ولقائل أن يقول : هلاَّ رددت الحركة فقلت : يا محمرُ أقبل إذ كان الأصل محمرراً كما رددت الياء في ( قاضي ) فالجواب في ذلك : أنك إنما رددت الياء في ( قاضي ) لأنك لم تبن الواحد على حذفها كما بنيت ( دم ) على الحذف ومحمر لم تلحق الراء الأخيرة بعد إن تم بالأولى ولم يتكلم بأصله
فإن كان آخر الإسم حرفاً مدغماً بعد الألف وأصل الأول منهما السكون أعني الحرفين المدغم أحدهما في الآخر حركته إذا رخمته بحركة ما قبله وذلك نحو : اسحارّ يا هذا تقول : يا اسحار فتحركه بحركة أقرب المتحركات منه
وكذلك تفعل بكل ساكن احتيج إلى حركته من هذا الضرب
قال رجل من أزد السراة :
( ألا رُبَّ مَوْلُودٍ وليَسْ لَه أبٌ ... وذي وََلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أبوانِ )

ففتحَ الدالَ بحركةِ الياءِ لما احتاجَ إلى تحريكها لأن الفتحة قريبةٌ مِنها وأسحارٌ اسم وقع مدغماً آخره وليس لرائه الأولى نصيب في الحركة
واعلم : أن الأسماء التي ليست في أواخرها هاء أن لا يحذف منها أكثر قال سيبويه : وليس الحذف لشيء من هذه الأسماء ألزم منه لحارث ومالك وعامر قال : وكل اسم خاص رخمته في النداء فالترخيم فيه جائز وإن كان في هذه الأسماء الثلاثة أكثر وكل اسم على ثلاثة أحرف لا يحذف منه شيء إذا لم يكن آخره الهاء لأن أقل الأصول ثلاثة فإنما يرخم من الأربعة وما زاد لأن ما بقي في الأسماء على عدته والفراء يرخم من ذلك ما كان محرك الثاني نحو : قدم وعضد وكتف إذا سمى به رجلاً وقال : إن من الأسماء ما يكون على حرفين كدم ويد ولم يجز أن تقول في بكر : يا بك أقبل لأنه لا يكون اسم على حرفين ثانيه ساكن إلا مبهماً نحو من وكم وليس من الأسماء اسم نكرة ليس في آخره هاء تحذف منه شيء إذا لم يكن اسماً غالباً إلا أنهم قد قالوا : يا صاح أقبل وهم يريدون : يا صاحب وذلك لكثرة استعمالهم هذا الحرف والفراء إذا رخم : قمطر حذف الطاء مع الراء لأنها حرف ساكن والنحويون على خلافه في حذف الطاء وما أشبهها من السواكن الواقعة ثالثة ويجيز الفراء في حمار : يا حما أقبل يصير مثل رضا
وفي سعيد يا سعى يصير مثل عمى ولا يجيز : يا ثمود في ثمود لأنه ليس له في الأسماء نظير

واعلم : أن الشعراء يرخمون في غير النداء اضطراراً فمن ذلك قول الأسود ابن يعفر :
( أَوْدَى ابنُ جَلْهُمَ عَبَّادٌ بِصِرْمَته ... إنَّ ابْنَ جُلْهَمَ أمسى حَيَّةَ الوادي )
أراد : جُلهمه والعربَ يسمون الرجل جُلهمة والمرأة جُلهم

باب مضارع للنداء
اعلم : أن كل منادى مختص وإن العرب أجرت أشياء لما اختصتها مجرى المنادى كما أجروا التسوية مجرى الإستفهام إذ كان التسوية موجودة في الإستفهام وذلك قولهم : أما أنا فأفعل كذا وكذا أيها الرجل أو : نفعل نحن كذا وكذا أيها القوم
واللهم أغفر لنا أيتها العصابة
قال سيبويه : أراد أن يؤكذ لأنه اختص إذ قال : إنه لكنه أكد كما تقول لمن هو مقبل عليك كذا كان الأمر يا فلان ولا يدخل في هذا الباب لأنك لست تنبه غيرك
ومن هذا الباب قول الشاعر :
( إنَّا بني نَهْشَلٍ لا نَنْتَمي لأَبٍ ... عنْهُ ولا هُوَ بالأَبْناءِ يَشرِيناَ )

نصب بني مختصا على فعل مضمر كما يفعل في النداء نحو ( أعني ) وما أشبه ذلك

مسائل من هذا الباب
تقول : يا هذا الطويلُ أقبل في قول من قال : يا زيدُ الطويلُ ومن قال : يا زيدٌ الطويلَ قال : يا هذا الطويلَ وليس الطويل بنعت لهذا ولكنه عطف عليه وهو الذي يسمى عطف البيان لأن هذا وسائر المبهمات إنما تبينُ بالأجناس ألا ترى أنكَ إذا قلت : جاءني زيدٌ فخفت أن يلتبس الزيدان على السامع أو الزيود قلت : الطويل وما أشبه لتفصل بينه وبين غيره ممن له مثل اسمه وإذا قلت : جاءني هذا فق أو مأت له إلى واحد بحضرتك وبحضرتك أشياء كثيرة وإنما ينبغي لك أن تبين له عن الجنس الذي أومأت له إليه لتفصل ذلك عن جميع ما بحضرتك من الأشياء ألا ترى أنك لو قلت له : يا هذا الطويلُ وبحضرتك إنسان ورمح وغيرهما لم يدر إلى أي شيء تشير
وإن لم يكن بحضرتك إلا شيء طويل واحد وشيء قصير واحد فقلت : يا هذا الطويل جاز عندي لأنه غير ملبس والأصل ذاك وأنت في المبهمة تخص له ما يعرفه بعينه وفي غير المبهمة تخص له ما يعلمه بقلبه
وتقول في رجل سميته بقولك : زيد وعمرو يا زيداً وعمراً أقبل تنصب لطول الإسم ولو سميته : طلحة وزيداً لقلت : يا طلحة وزيداً أقبل فإن أردت بطلحة الواحدة من الطلح قلت : يا طلحةً وزيداً أقبل لأنك سميته بها منكورة ولم تكن ولم تكن جميع الإسم فتصير معرفة إنما

هي في حشو الإسم كما كانت فيما نقلتها عنه وتقول : يا زيدٌ الظريفَ على أصلِ النداء عند البصريين وقال الكوفيون : يراد بها يا أيها الظريفَ فلما لم يأت ( بيا أيها ) نصبته وربما نصبوا المنعوت بغير تنوين فأتبعوه نعته وينشدون :
( فَما كَعْبُ بنُ مَاَمَة وابنُ سُعدى ... بأَجْودَ مِنْكَ يا عُمر الجَوادا )
والنصب عند الكوفيين في العطف على ( أيها ) كما كان في النعت فلما لم يأتي ( يا أيها ) نصب ويجيزون : يا عبد الله وزيداً ويقولون : يا أبا محمدٍ زيدٌ أقبل وهو عند البصريين بدل وهو عند الكوفيين من نداء ابن
وإذا قلت : زيداً فهو عند الكوفيين نداء واحد ويسميه البصريون عطف البيان ويجيز الكوفيون : يا أيها الرجلُ العاقلَ على تجديد النداء كذا حكي لي عنهم ويجيز البصريون : يا رجلاً ولا يجيز الكوفيون ذاك إلا فيما كان نعتاً نحو قوله :
( فيَا رَاكِبَاً إمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... نَدَاماي مِنْ نَجْرَانَ أنْ لا تلاقيا )

ولا يكادون يحذفون ( يا ) من النكرة ويقولون : وا زيدُ في النداء ويقولون : وأ أي زيد
قال أبو العباس : إنما قالوا : هذا ابنمٌ ورأيت ابنماً ومررت بابنمٍ فكسروا ما قبل الميم إذا انكسرت وفعلوا ذلك في الضم والنصب لأن هذه الميم زيدت على اسم كان منفرداً منها وكان الإِعراب يقع على آخره فلما زيدت عليه ميم أُعربت الميم إذ كانت طرفاً وأُعربت ما قبلها إذ كانت تسقط فرجع الإِعراب إليه وقولك وقد يخفف الهمز فتقول : مُرْ فيقع الإِعراب على الراء فلذلك تبعت الهمزة وكذلك إذا قلت : يا زيدَ بنَ عمرو جعلتهما بمنزلة واحدة اسم واحد واتبعت الدال حركة ابن فهو مثل ابنم وقال في قولهم : اللهم أغفر لنا ايتها العصابة
لا يجوز : اللهم أغفر لهم أيتها العصابة
وقال : قلت لأبي عثمان : ما أنكرت من الحال للمدعو قال : لم أنكر منه إلا أن العرب لم تدع على شريطة لا يقولون يا زيد راكباً أي ندعوك في هذه الحال ونمسك عن دعائك ماشياً لأنه إذا قال : يا زيد فقد وقع الدعاء على كل حال
قال : قلت : فإنه إن احتاج إليه راكباً ولم يحتج إليه في غير هذه الحال فقال : يا زيد راكباً أي أريدك في هذه الحال قال : ألست قد تقول : يا زيد دعاء حقاً قلت : بلى قال : علام تحمل المصدر قلت لأن قولي : يا زيد كقولي : أدعو زيداً فكأني قلت : أدعو دعاء حقاً قال : فلا أرى بأساً بأن تقول على هذا : يا زيد قائماً وألزم القياس
قال أبو العباس : ووجدت أنا تصديقاً لهذا قول النابغة :

( قَالت بنو عامرٍ خَالوا بني أسَد ... يا بُؤْسَ لِلَجْهِل ضَرَّاراً لأقوامِ )
وقال الأخفش : لو قلت : يا عبد الله صالحاً لم يكن كلاماً
وقال أبو إسحاق يعني الزيادي : كان الأصمعي : لا يجيز أن يوصف المنادى بصفة البتة مرفوعة ومنصوبة
وقال أبو عثمان لا أقول : يا زيد وخيراً من عمرو أقبلا إذا أردت بخير من عمرو المعرفة لأني أدخل الألف واللام إذا تباعد المنادى من حرف النداء كما أقول : يا زيد والرجل أقبلا ولكن أقول : يا زيد والأخير

أقبلا ويا زيد ويا خيراً من عمرو أقبلا إذا أردت حرف النداء كان ما بعده معرفة
ولم يجىء معه الألف واللام كما تقول : يا خيراً من زيد العاقل أقبل فتنصب العاقل لأنه صفة له وكذلك : يا زيد ويا أخير أقبلا وقال أبو عثمان : أنا لا أرى أن أقول : يا زيد الطويل وذا الجمة إن عطفت على زيد والنحويون جميعاً في هذا على قول
قال : وأرى إن عطفت ( ذا الجمة ) على ( الطويل ) أن أرفعه كما فعلت في الصفة والنحويون كلهم يخالفونه ولا يجيزون إلا نصب ذي الجمة وهذا عنده كما تقول : يا زيدُ الطويلُ ذو الجمة إذا جعلته صفة للطويل
وإن كان وصفاً لزيد أو بدلاً منه نصبته وكان أبو عثمان يجيز يا زيد أقبل على حذف ألف الإِضافة لأنه يجوز في الإِضافة : يا زيدِ أردت : يا زيدي فأبدلت من الياء ألفاً
وعلى هذا قرئ : ( يا أبت لم تعبد ) و ( يا قوم لا أسألكم ) : قال : ومن زعم أنه على حذ ألف الندبة فهذا خطأ لأن من كان من العرب لا يلحق الندبة ألفاًُ فهي عنده نداء فلو حذفوها لصارت بدلاً على غير جهة الندبة
وقال أبو العباس : لا أرى ما قال أبو عثمان في حذف الألف إذا جعلتها مكان ياء الإِضافة
صواباً نحو : يا غلاماً أقبل لا يجوز حذف الألف لخفتها كما تحذف الياء إذا قلت : يا غلامِ أقبل
وقال : يا أبت . لا يجوز عندي إلا على الترخيم كما قال سيبويه مثل : يا طلحة أقبل وقال : زعم أبو عثمان أنه يجيز : يا زيد وعمراً أقبلا على الموضع كما أجاز : يا زيدُ زيداً أقبل فعطف زيد الثاني على الموضع عطف البيان وأهل بغداد يقولون : يا الرجلُ أقبل ويقولون لم نر موضعاً يدخله التنوين يمتنع من الألف واللام وينشدون :

( فَيا الغُلامَانِ اللَّذَانِ فَرّا ... إيَّاكُما أن تُكْسِبانا شَرّا )
وقال أبو عثمان : سألت الأخفش كيف يرخم طيلسان فيمن كسر اللام على قولك : يا حار فقال : يا طيلس أقبل قلت : أرأيت فيعل إسماً قط في الصحيح إنما يوجد هذا في المعتل نحو : سيد وميت
قال : فقال : قد علمت أني قد أخطأت لا يجوز ترخيمه إلا على قولك يا حار قال : وكان الأخفش لا يجوز عنده ترخيم حُبلوى اسم رجل فيمن قال : يا حار وذلك لأنه يلزمه أن يحذف يائي النسب ويقلب الواو ألفاً لإنفتاح ما قبلها فيقول : يا حُبلى فتصير ألف فعلى منقلبة وهذا لا يكون أبداً إلا للتأنيث
فلهذا لا يجوز لأن ألف التأنيث لا تكون منقلبة أبداً من شيء وهذا البناء لا يكون للمذكر أبداً وقال : كان الأخفش يقول : إذا رخمت سفيرج اسم رجل في قول من قال : يا حار
فحذفت الجيم لزمك أن ترد اللام التي حذفتها لطول الإسم وخروجه من باب التصغير فتقول : يا سفيرلُ أقبل لأنه لما صار إسماً على حياله فحذفت الجيم على أن يعتد بها وتجعله بمنزلة ( قاضون ) اسم رجل إذا قلت : يا قاضي الياء التي كانت ذهبت لإلتقاء الساكنين لما حذفت ما حذفت من أجله
قال أبو العباس : وليس هذا القول بشيء
ووجه الغلط فيه بينِّ وذلك لأنك لم تقصد به إلى سفرجل فتسميه به ولا هو منه في شيء إنما قصدت إلى هذا الذي هو سفيرج ولا لام فيه فهو على مثال ما يرخم فرخمته

بعد أن ثبت إسماً ألا ترى أنك تقول : في تصغير سفرجل : سفيرج وسفيريج للعوض ولو سميته : سفيريج لم يجز أن تقول فيه : سفرجل واسمه سفيريج لأنك لست تقصد إلى ما كان يجوز في سفرجل وكذلك فرزدق
لو سميته بتصغيره فيمن قال : فريزد لم يجز في اسمه أن تقول : فريزق وإن كان ذلك يجوز في تصغير فرزدق لأنك سميته بشيء بعينه فلزمه
وتقول : يا زيد وعمرو الطويلين والطويلان لأنه بمنزلة قولك : يا زيد الطويل وتقول بلا هؤلاءِ وزيدٌ الطوالُ لأن كله رفع والطوال عطف عليهم ولا يجوز أن يكون صفة لإفتراق الموصوفين وتقول : يا هذا ويا هذان الطَّوالُ وإن شئت قلت : الطَّوالُ لأن هذا كله مرفوع والطوال عطف عليهم هنا وليس الطوال بمنزلة : يا هؤلاء الطوال لأن هذا يقبح من جهتين : من جهة أن المبهم إذا وصفته بمنزلة اسم واحد فلا يجوز أن تفرق بينه وبينه والجهة الأخرى أن حق المبهم أن يوصف بالأجناس لا بالنعوت وتقول : يا أيها الرجلُ وزيدُ الرجلين الصالحين تنصب ولا ترفع من قبل أن رفعهما مختلف وذلك أن زيداً على النداء والرجل نعت ( لأي ) وتقول في الندبة : يا زيدُ زيداه ويا زيداً زيداه وقوم يجيزون : يا زيداً زيداه وقوم يجيزون : يا زيداً يا زيداه ويا زيداه يا زيداه وقد مضى تفسير ما يجوز من ذا وما لا يجوز وقالوا : من قال يا هناهُ ويا هناهِ بالرفع والجر من رفع توهم أنه طرف للإسم ويكسر لأنه جاء بعد الألف
والتثنية : يا هنانيه ويا هناناه ويا هنوتاه في الجمع وهنتاه في المؤنث وهنتانيه في التثنية وهنتاناه ويا هناتوه في الجمع لا غير والفراء لا ينعت المرخم إلا أن يريد نداءين ونعت المرخم عندي قبيح كما قال الفراء من أجل أنه لا يرخم الإسم إلا وقد علم ما حذف منه وما يعني به
فإن احتيج إلى النعت للفرق فرد ما سقط منه أولى كقول الشاعر :
( أضمرَ بن ضمرةَ ماذا ذكرتَ ... من صرمةٍ أخذتْ بالمرار )

أراد : يا ضمر يا ابن ضمرة
والكوفيون يجيزون : يا جرجر في جرة وفي حولايان يا حول فيحذفون الزوائد كلها وهذا إخلال بالإسم
يسقطون فيه ثلاثة أحرف فيها حرف متحرك ولا نظير لهذا في كلام العرب ويقولون للمرأة : يا ذات الجمة أقبلي ويا ذواتي الجمم للإثنين وللجماعة يا ذوات الجمم بكسر التاء وقد يقال : يا ذواتي الجمة ويا ذوات الجمة
قال أبو بكر : وذلك أن ذات إنما هي ذاة فالتاء زائدة للجمع وإنما صارت الهاء في الواحدة تاء حين أضفتها ووصلتها بغيرها
وتقول : يا هذا الرجلُ . والرجلَ أقبل ويا هذان الرجلان والرجلين مثل : يا زيد الظريفُ والظريفَ النصب على الموضع والرفع على اللفظ وتقول : يا أخوينا زيد وعمرو على قولك يا : زيد وعمرو يعني البدل
وقال الأخفش : وإن شئت قلت : زيد وعمرو على التعويض كأنك قلت أحدهما زيد والآخر عمرو ز
قال أبو بكر : هذا عندي إنما يجوز إذا أراد أن يخبر بذلك بعد تمام النداء
وتقول : يا أيها الرجلُ زيدٌ لأن زيداً معطوف على الرجل عطف البيان يجري عليه كما يجري النعت للبيان ولو جاز أن لا تنون زيداً لجاز أن تقول : يا أيها الجاهلُ ذا التنزي
على النعت وإنما هو ذو التنزي وتقول : يا أيها الرجلُ عبدُ الله تعطف على الرجل عطف البيان

قال الأخفش : ولو نصبت كان في القياس جائز إلا أن العرب لا تكلم به نصباً ولكن تحمله على أن تبدله من ( أي ) لأن ( أي ) في موضع نصب على أصل النداء وقال : إذا رخمت رجلاً اسمه شاة قلت : يا شا أقبل ومن قال : يا حارُ فرفع قال : يا شاةُ أقبل فرد الهاء الأصلية لأنه لا يكون الإسم على حرفين أحدهما ساكن إلا مبهماً وقال : تقول في شية على ذا القياس يا وشي أقبل وفي دية : يا ودي أقبل فترد الواو في أوله لأنها ذهبت من الأول لأن الأصل : وديت ووشيت وإنما ردت الواو لأن مثل : شيء لا يكون اسماً
وذلك أن الإسم لا يكون على حرفين أحدهما ساكن قال : وتكسر الواو إذا رددتها لأن الأصل وشبه كما كانت قالت العرب : وجهة لما أتموا : وقالوا : ولدة والكوفيون وقوم يجيزون : يا رجل قام ويقولون : إن كان تعجباً نصبت كقولك : يا سيداً ما أنت من سيد ويكون مدحاً كقولك : يا رجلاً لم أرَ مثله وكذلك جميع النكرات عندهم وتقول : يا أيها الرجل ويا أيها الرجلان ويا أيها الرجال ويا أيها النساء على لفظ واحد والإختيار في الواحدة في المؤنث يا أيتها المرأة وإذا قلت : يا ضاربي فأردت به المعرفة كان مثل : يا صاحبي وغلامي ويجوز عندي أن تقول : يا ضاربِ أقبل كما تقول : يا غلامِ أقبل فإن أردت غير المعرفة لم يجز إلا إثبات الياء وتقول : يا ضاربي غداً وشاتمي لأنك تنوي الإنفصال وتقول : يا قاضي المدينة لك أن تنصبهما ولك أن ترفع الأول وتنصب الثاني والكوفيون يجيزون نصب الأول بتنوين لأنه يكون خلفاً وما لا يكون خلفاً فلا يجوز في الأول عندهم التنوين مثل : يا رجلُ رجلنا لا يجيزون النصب في الأول وقالوا كل ما كان يكون خلفاً فلك الرفع بلا تنوين والنصب بتنوين ويقولون : يا قائماً أقبل ويا قائمُ أقبل ويجيزون أن يؤكد ما فيه وينسق عليه ويقطع منه كما يصنع بالخلف ويجيزون : يا رجلُ قائماً أقبل على نداءين وإن شئت كان في الصلة ويجيزون : يا رجلُ قائمٌ أقبل

ينوون فيها الألف واللام
ويحكون عن العرب : يا مجنونُ مجنونُ أقبل ويجيزون : يا أيها الذي قمت أقبل ويا أيها الذي قام أقبل وهو جائز ولا يجيزونه في من وكذا ينبغي ويقولون : يا رجلاً قمت أقبل ويا رجلُ قمت أقبل والفراء إذا خاطب رفع لا غير ويقولون : يا قاتلَ نفسك ويا عبدَ بطنك وهذا جائز قال أحمد بن يحيى : لو أجزت الرفع لم يكن خطأ قال : وكذلك : يا ضاربنا ولا شاتمنا يختار النصب مع كل ما ظهرت إضافته قال : ويجوز في القياس الرفع وأنت تنوي الألف واللام
فإذا كان لا يجوز فيه الألف واللام لم يجز إلا النصب مثل : يا أفضل منا ويا أفضلنا ويا غلام زيد ويا غلام رجل إنما يجوز الرفع في القياس مع ضارب زيدٍ وحسن الوجهِ وقال : أما مثلنا وشبهنا فالنصب لا غير
وقال الأخفش : تقول : إذا نسبت رجلاً إلى حباري وحبنطي قلت : حباريُّ وحبنطيُّ فإذا رخمت لم ترد الألف وكذلك إذا نسبت إلى مرمى فقلت : مرميُّ لم ترد الألف لو رخمته لأن هذا لم يحذف لإلتقاء الساكنين ولو كان حذف لإلتقاء الساكنين لبقي الحرف مفتوحاً فكان يكون حباريُّ وحبنطيُّ قال : وإن شئت قلت : إني أرد الألف وأقول ذهب لإجتماع الساكنين ولكنهم كسروا لأنهم رأوا جميع النسب يكسر ما قبله قال : ومن قال : احذفه على أني أبنيه بناء قال : لا أحذفه لإجتماع الساكنين وجب عليه أن لا يرد في : ناحي وقاضي إذا نسب إلى ناحية وقاضٍ وقال : إذا سميت رجلاً حبلاوي أو حمراوي إذا رخمته فيمن قال : يا حارُ فرفع همزت لأنها واو صارت آخراً فتهمزها وتصرفها في المعرفة والنكرة لأنها الآن ليست للتأنيث

قال أبو بكر : وجميع ما ذكرت من المسائل فينبغي أن تعرضه على الأصول التي قدمتها فما صح في القياس فأجزه وما لم يصح فلا تجزه وإنما أذكر لك قول القائلين كيلا تكون غريباً فيمن خالفك فإن الحيرة تقارن الغربة وقد ذكرنا الضم الذي يضارع الرفع ونحو نتبعه الفتح الذي يشبه النصب إن شاء الله

باب النفي بلا
الفتح الذي يشبه النصب هو ما جاء مطرداً في الأسماء النكرات المفردة ولا تخص اسماً بعينه من النكرات إذا نفيتها ( بلا ) وذلك قولك : لا رجل في الدار ولا جارية فأي اسم نكرة ولي ( لا ) وكان جواباً لمن قال : هل من غلام فهو مفتوح فإن دخلت ( لا ) على ما عمل بعضه في بعض من معرفة أو نكرة لم تعمل هي شيئاً إنما تفتح الإسم الذي يليها إذا كانت قد نفت ما لم يوجبه موجب
فأما إذا دخلت على كلام قد أوجبه موجب فإنها لا تعمل شيئاً وإنما خولف بها إذا كانت تنفي ما لم يوجب وكل منفي فإنما ينفي بعد أن كان موجباً وأنت إذا قلت : لا رجل فيها إنما نفيت جماعة الجنس وكذلك إذا قلت : هل من رجل لم تسأل عن رجل واحد بعينه إنما سألت عن كل من له هذا الإسم ولو أسقطت ( من ) فقلت : هل رجل لصلح لواحد والجمع فإذا دخلت ( من ) لم يكن إلا للجنس
واعلم : أن ( لا ) إذا فتحت ما بعدها فقد يجيء الخبر محذوفاً كثيراً تقول : لا رجل ولا شيء تريد في مكان أو زمان وربما لم يحذف خالفت ما وليس ألا ترى أن ( ما ) تنفي بها ما أوجبه الموجب و ( ليس ) كذلك وهما يدخلان على المعارف و ( لا ) في هذا الموضع ليست كذلك وقد اختلف النحويون في تقديرها إختلافاً شديداً فقال سيبويه : ( لا ) تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين ونصبها لما بعدها كنصب ( إنَّ ) لما بعدها وترك التنوين لما

تعمل فيه لازم لأنها جعلت وما تعمل فيه بمنزلة اسم واحد نحو : خمسة عشر وذلك لأنه لا يشبه ما ينصب وهو الفعل ولا ما أجرى مجراه لأنها لا تعمل إلا في نكرة ( ولا ) ما بعدها في موضع ابتدء فلما خولف بها عن حال أخواتها خولف بلفظها كما خولف بخمسة عشر ولا تعمل إلا في نكرة كما أن : رُبَّ لا تعمل إلا في نكرة فجعلت وما بعدها كخمسة عشر في اللفظ وهي عاملة فيما بعدها كما قالوا : يا ابن أم فهي مثلها في اللفظ وفي أن الأول عامل في الثاني و ( لا ) : لا تعمل إلا في نكرة من قبل أنها جواب فيما زعم الخليل كقولك : هل من عبد أو جارية فصار الجواب نكرة كما أنه لا يقع في هذه المسألة إلا نكرة
( فلا ) وما عملت فيه في موضع إبتداء كما أنك إذا قلت : هل من رجل فالكلام بمنزلة اسم مبتدأ والذي يبني عليه في زمان أو مكان هو الخبر ولكنك تضمره وإن شئت أظهرته
قال أبو العباس محمد بن يزيد : فإن قال قائل : فهل يعمل في الإسم بعضه فالجواب في ذلك : بلغني أنك منطلق إنما هو بلغني إنطلاقك ( فإن ) عاملة في الكاف وفي منطلق وكذلك موقعها مفتوحة أبداص وكذلك ( أن ) الخفيفة هي عاملة في الفعل وبه تمت اسماً فكذلك ( لا ) عملت عنده فيما بعدها وهي وما بعدها بمنزلة اسم
قال : والدليل على أن ( لا ) وما عملت فيه اسم أنك تقول : غضبت من لا شيء وجئت بلا مال كما قال :
( حَنَّتْ قلُوصي حينَ لا حِينَ محن ... )

فجعلها اسماً واحداً فالموضع موضع نصب نصبته ( لا ) وسقوط التنوين لأنه جعل معها اسماً واحداص والدليل على ذلك : أنه إن اتصل بها اسم مفرد سقط منه التنوين وصار اسماً واحداً وموضع الإسم بأسره موضع رفع كما كان موضع ما هو جوابه كذلك
وأما الكسائي : فإنه يقول : النكرات يبتدأ بأخبارها قبلها لئلا يوهمك أخبارها أنها لها صلات فلما لزمت التبرئة الإسمَ وتأخر الخبر أرادوا أن يفصلوا بين ما ابتدئ خبره وما لا يكون خبره إلا بعده فغيروه من الرفع إلى النصب لهذا ونصبوه بغير تنوين لأنه ليس بنصب صحيح إنما هو مغير كما فعلوا في الندءا حين خالفوا به نصب المضاف فرفعوه بغير تنوين ولم يكسروه فيشبه ما أُضيف إليه
وقال الفراء : إنما أخرجت ( لا ) من معنى غير إلى ( ليس ) ولم تظهر ليس ولا إذا كانت في معنى ( غير ) عمل ما قبلها فيما بعدها كقولك : مررت برجل لا عالم ولا زاهد و ( لا ) إذا كانت تبرئة كان الخبر بعدها ففصلوا بهذا الإِعراب بين معنيين
وفي جميع هذه الأقوال نظر وإنما تضمنا في هذا الكتاب الأصول والوصول إلى الإِعراب فأما عدا ذلك من النظر بين المخالفين فإن الكلام يطول فيه ولا يصلح في هذا الكتاب على أنا ربما ذكرنا من ذلك الشيء القليل

ذكر الأسماء المنفية في هذا الباب
واعلم : أن المنفي في هذا الباب ينقسم أربعة أقسام : نكرة مفردة غير موصوفة ونكرة موصوفة ونكرة مضافة ومضارع للمضاف
أما الأول : وهو النكرة المفردة : فنحو ما خبرتك من قولك : لا رجل عندي ولا رجل في الدار ولا صاحب لك و ( لا ملجأ من الله إلا إليه ) ولا صنع لزيد ولا رجل ولا شيء تريد : لا رجل في مكان ولا شيء في زمان وتقول : لا غلامَ ظريفٌ في الدار
فقولك : ظريف خبر وقولك : في الدار خبر آخر وإن شئت جعلته لظريف خاصة ومن ذلك قول الله عز و جل : ( لا عاصم اليوم من أمر الله )
وقال : ( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) وأما قول الشاعر :
( لا هَيثَم الليلَة للمَطِّي ... )

فإنه جعله نكرة أراد لا مثل هيثم ومثل ذلك : لا بصرَ لكم
وقال ابن الزبير الأسدي :
( أَرَى الحَاجَاتِ عِنْدَ أبي خُبَيْبٍ ... نَكِدْنَ ولا أُمَيَّةَ في البلادِ )
أراد : ولا مثل أمية فإن ثنيت المنفي ( بلا ) قلت : لا غلامين لك ولا جاريتين لا بدّ من إثبات النون في التثنية والجمع الذي هو بالواو والنون قد تثبت في المواضع التي لا تثبت فيها التنوين بل قد يثنى بعض المبنيات بالألف والنون والياء والنون . نحو : هذا والذي . تقول : هذان واللذان
قال أبو العباس : وكان سيبويه والخليل يزعمان : أنك إذا قلت : لا غلامين لك أن غلامين مع ( لا ) اسم واحد النون كما تثبت مع الألف واللام في تثنية ما لا ينصرف وجمعه نحو : هذان أحمران وهذان المسلمان وقال : وليس القول عندي كذلك لأن الأسماء المثناة والمجموعة بالواو والنون لا تكون مع ما قبلها اسماً واحداً لم يوجد ذلك كما لو يوجد المضاف ولا الموصول مع ما قبلهما بمنزلة اسم واحد

الثاني : النكرة الموصوفة :
اعلم : أنك إذا وصفت النكرة في هذا الباب فلك فيها ثلاثة أوجه : الأول منها : وهو الأحسن أي تجري الصفة على الموصوف وتنون الصفة وذلك قولك : لا رجل ظريفاً في الدار فتنون لأنه صفة ويكون قولك : في الدار وهو الخبر وحجة من فعل هذا أن النعت منفصل من المنعوت مستغني عنه وإنما جيء به بعد أن مضى الإسم على حاله فإن لم تأتِ به لم تحتج إليه
والوجه الثاني : أن تجعل المنفي ونعته اسماً واحدا وتبنيه معه فتقول : لا رجلَ ظريفَ في الدار بنيت رجل مع ظريف وحجة من رأى أن يجعله مع المنعوت اسماً واحداً أن يقول : لما كان موضع يصلح فيه بناء الإسمين اسماً واحداً كان بناء اسم مع ( اسم ) أكثر وأفشى من بناء اسم مع حرف فإن قلت : لا رجل ظريفاً عاقلاً فأنت في النعت الأول بالخيار فأما الثاني : فليس فيه إلا التنوين لأنه لا يكون ثلاثة أشياء اسماً واحداً وكذلك المعطوف لو قلت : لا رجل وغلاماً عندك لم يصلح في ( غلام ) إلا التنوين من أجل واو العطف لأنه لا يكون في الأسماء مثل حضرموت اسماً

واحداً إذا كانت بينهما واو العطف
والتكرير والنعت : بمنزلة واحدة تقول في النعت : لا رجل ظريف لك والتكرير على ذلك يجري تقول : لا ماءَ ماءً بارداً وإن فصلت بين الموصوف والصفة بشيء لم يجز في الصفة إلا التنوين وذلك قولك : لا رجل اليوم ظريفاً ولا رجل فيها عاقلاً من قبل أنه لا يجوز لك أن تجعل الإسم والصفة بمنزلة اسم واحد وقد فصلت بينهما كما أنه لا يجوز لك أن تفصل بين : عشر وخمسة في خمسة عشر
والوجه الثالث : أن تجعل النعت على الموضع فترفع لأن ( لا ) وما علمت فيه في موضع اسم مبتدأ فتقول : لا رجلَ ظريفَ فتجري ( ظريف ) على الموضع فيكون موضع اسم مبتدأ والخبر محذوف وإن شئت جئت بخبر فقلت : ( لك ) أو عندك كما بينت لك فيما تقدم قال الشاعر :
( ورَدَّ جَازِرُهُم حَرْفاً مُصَرَّمةً ... ولا كَرِيمَ مِن الوِلْدَانِ مَصْبُوحُ )
والنعت على اللفظ أحسن وكذلك إذا قلت : لا ماءَ ماءً بارداً وإن

شئت قلت : لا ماءَ ماءٌ باردٌ فإن جعلت الإسمين اسماص واحدا قلت : لا ماءَ ماءَ باردٌ جعلت ماء الأول والثاني اسماً واحداً وجعلت ( بارد ) نعتاً على الموضع
ومن ذا قول العرب : لا مالَ لهُ قليلٌ ولا كثيرٌ
قال سيبويه : والدليل على أن ( لا رجل ) في موضع اسم ( مبتدأ ) في لغة تميم قول العرب من أهل الحجاز : لا رجلَ أفضل منك والعطف في هذا الباب على الموضع كالنعت فمن ذلك قول الشاعر وهو رجل من مذحج :
( هَذا لَعَمْرُكُم الصَّغَارُ بَعْينِه ... لا أُمَّ لي إِنْ كَانَ ذاكَ ولا أَبُ )
والأجود أن تعطِفَ على اللفظ فتقول : لا حولَ ولا قوةٌ هذا إذا جعلت لا الثانية مؤكدة للنفي ولم يقدر أنك ابتدأت النفي بها فإن قدرت ذلك كان حكمها حكم الأول فقلت : لا حولَ ولا قوةَ وإن شئت عطفت على الموضع كما خبرتك

باب ما يثبت فيه التنوين والنون من الأسماء المنفية
فإن ثنيت فلا بد من النون تقول : لا غلامين ولا جاريتين تثبت النون هنا كما تثبت في النداء والأسماء المبنية فيها ما يبنى وتثبت فيه النون وإن كان المفرد مبنياً ألا ترى أنك تثني هذا فتقول : هذان وهذين وكذلك : اللذان واللذين
وتقول : لا غلامين ظريفين لك ولا مسلمين صالحين لك ولا عشرين درهماً لك ونظير هذه النون التنوين إذا لم يكن منتهى الإسم وصار كأنه حرف قبل آخر الإسم وهو قولك : لا خيراً منه ولا حسناً وجهه لك ولا ضارباً زيداً لك لأن ما بعد حسن وضارب وخير صار من تمام الإسم فقبح أن يحذفوا قبل أن ينتهوا منتهى الإسم
وقال الخليل : كذلك : لا آمراً بالمعروف لك إذا جعلت ( بالمعروف ) من تمام الإسم وجعلته متصلاً به كأنك قلت : لا آمراً معروفاً لك
وإن قلت : لا آمر بمعروف لك فكأنك جئت بمعروف بعد ما بنيت على الأول كلاماً
الثالث : نكرة مضافة :
التنوين يسقط من كل مضاف في هذا الباب وغيره فإذا نصبت

مضافاً وأعملت ( لا ) نصبته ولا بد من أن يكون ذلك المضاف نكرة لأن ( لا ) لا تعمل في المعارف والمضاف ينقسم في هذا الباب على قسمين : مضاف لم يذكر معه لام الإِضافة ومضاف ذكرت معه لام الإِضافة
فأما المضاف المطلق فقولك : لا غلامَ رجلٍ لك ولا ماءَ سماءٍ في دارك ولا مثلَ زيدٍ لك وإنما امتنع هذا أن يكون اسماً واحداً مع ( لا ) لأنه مضاف والمضاف لا يكون مع ما قبله اسماً واحداً ألا ترى أنّكَ لا تجد اسمين جعلا اسماً واحداً وأحدهما مضاف إنما يكونان مفردين : كحضر موت وبعلبك ألا ترى أن قوله : يا ابن أم لما جعل ( أم ) مع ابن اسماً واحداً حذف ياء الإِضافة وقال ذو الرمة :
( هيَ الدَّار إذْ ميٌّ لأهلكِ جيرَةٌ ... لَيَاليَ لا أمثالَهَنَ لَياليا )
فأمثالهن نصب ب ( لا )
وأما القسم الآخر المنفي بلام الإِضافة :
فالتنوين والنون تقع في هذا الموضع كما وقع مما قبله لما أضفته وذلك قولهم : لا أباً لك ولا غلام لك :

وقال الخليل : إن النون إنما ذهبت للإِضافة ولذلك لحقت الألف الأب التي لا تكون إلا في الإِضافة وإنما كان ذلك من قبل أن العرب قد تقول : لا أباك في موضع : لا أبالك ولو أردت الإِفراد : لا أبَ لزيد فاللام مقحمة ليؤكد بها الإِضافة كما وقع في النداء : يا بؤس للحرب هذا مقدار ما ذكره أصحابنا
ولقائل أن يقول : إذا قلت : أنّ قولهم : لا أباك تريد به : لا أبالك فمن أين جاز هذا التقدير والمضاف إلى كاف المخاطب معرفة والمعارف لا تعمل فيها لا قيل له : إن المعنى إذا قلت : لا أبالك الإنفصال كأنك قلت : لا أباً لك فتنون لطول الإسم وجعلت ( لك ) من تمامه وأضمرت الخبر ثم حذفت التنوين استخفافاً وأضافوا وألزموا اللام لتدل على هذا المعنى فهو منفصل بدخول اللام وهو متصل بالإِضافة
وإنما فعل في هذا الباب وخصوه كما خصوا النداء بأشياء ليست في غيره
وإنما يجوز في اللام وحدها أن تقحم بين المضاف والمضاف إليه لأن معنى الإِضافة معنى اللام ألا ترى أنك إذا قلت : غلام زيد فمعناه : غلام لزيد فدخول اللام في هذا يشبه قولهم : يا تيمَ تيمَ عَدي أكد هذه الإِضافة بإعادة الإسم كما أكد ذلك بحرف الإِضافة فكأنه قد أضافه مرتين

والشاعر قد يضطر فيحذف اللام ويضيف قال :
( أبا المَوَتِ الذي لا بُدَّ أنِّي ... مُلاقٍ لا أباك تُخوِّفيني )
وقال الآخر :
( فقدْ ماتَ شَمَّاخٌ وماتَ مُزوِّدٌ ... وأيُّ كريمٍ لا أباكَ مُخَلَّدُ )
فإن قال : لا مسلمين صالحين : لك فوصف المنفي قبل مجيئك ( بلك ) لم يكن بد من إثبات النون من قبل أن الصالحين نعت للمنفي وليس بمنفي وإنما جاء التخفيف في النفي
الرابع : المضارع للمضاف :
المضارع للمضاف في هذا الباب ما كان عاملاً فيما بعده كما أن المضاف عامل فيما بعده فهو منصوب كما أن المضاف منصوب وما بعده من تمامه كما أن المضاف من تمام الأول إلا أن التنوين يثبت فيه ولا يسقط منه لأنه ليس منتهى الإسم فصار كأنه حرف قبل آخر الإسم
فالتنوين

هنا والنون يثبتان إذا كان المنفي عاملاً فيما بعده فهو وما عمل فيه بمنزلة اسم واحد فمن ذلك قولهم : لا خيراً منه ولا حسناً وجهه لك ولا ضارباً زيداً لك لأن ما بعد حسن وضارب وخير صار من تمام الإسم
فجميع هذا قد عمل فيما بعده ومثل ذلك قولك : لا عشرين درهماً لك لولا درهم لجاز أن تقول : لا عشرين لك وعشرون عملت في درهم فنصبته وقال الخليل : كذلك : لا آمراً بالمعروف لك
إذا جعلت بالمعروف من تمام الإسم وجعلته متصلاً به كأنك قلت : لا آمراً معروفاً لك وإذا قلت : لا آمر بمعروف فكأنك جئت بمعروف تبييناً بعد أن تم الكلام وتقول : لا آمر يوم الجمعة لك إذا نفيت جميع الآمريين ووزعمت : أنه ليسوا له يوم الجمعة فإن أردت أن تنفي الأمرين يوم الجمعة خاصة قلت : لا آمر يوم الجمعة لك جعلت يوم الجمعة من تمام الإسم فصار بمنزلة قولك : لا آمراً معروفاً لك
ولو قلت : لا خير عند زيد ولا آمر عنده لم يجز إلا بحذف التنوين لأنك لم تصله بما يكمله اسماً ولكنه اسم تام فجعلته مع ( لا ) اسماً واحداً

باب ما إذا دخلت عليه ( لا ) لم تغيره عن حاله
هذا الباب ينقسم على ثلاثة أقسام : اسم معرفة واسم منفي بلا بعده اسم منفي بلا وهما جواب مستفهم قد ثبت عنده أحد الشيئين واسم قد عمل فيه فعل أو هو في معنى ذلك
أما الأول : فالإسم المعرفة :
وقد عرفتك أن ( لا ) لا تنصب المعارف فإن عطفت معرفة منفية على نكرة وقد عملت فيها لم تعملها في المعرفة وأعملتها في النكرة وذلك قولك : لا غلام لك ولا العباس لك ولا غلامَلك ولا أخوةُ لك
قال سيبويه : فأما من قال : كل نعجة وسخلَتها بدرهم فينبغي أن يقول : لا رجلَ لك وأخاً له ولا يحسن أن تدخل ( لا ) على معرفة مبتدأة غير معطوفة على كلام فقد تقدم فيه ( لا ) فإن كررت لا جاز
فأما الذي لا يجوز فقولك : لا زيد في الدار لأن هذا موضع ( ما ) إلا أن يضطر شاعر فيرفع المعرفة ولا يثني ( لا ) قال الشاعر :

( بَكَتْ حَزَناً واسترجعت ثمَّ آذَنَتْ ... ركائبُها أن لا إلينا رُجوعها )
فأما الذي يحسن ويجوز فقولك : لا زيد في الدار ولا عمرو ولما ثنيت حسن
الثاني : الإسم المنفي بلا وبعده اسم منفي أيضاً بلا :
وهذا الصنف إنما يجيءْ على لفظ السائل إذا قال : أغلام عندك أم جارية إذا ادعى أن عنده أحدهما إلا أنه لا يدري : أغلام هو أم جارية فلا يحسن في هذا إلا أن تعيد ( لا ) فتقول : لا غلام عندي ولا جارية وإذا قال : لا غلام فإنما هو جواب لقوله : هل من غلام ولم يثبت أن عنده شيئاً فعملت لا فيما بعدها وإن كان في موضع ابتداء ومن ذلك قول الله : ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
وقال الشاعر :

( ومَا ضَرَمْتُكِ حَتَّى قُلْتِ مُعْلِنَةً ... لاَ نَاقَةٌ ليَ في هذا ولا جَمَلُ )
وكذلك إذا فصلت بين ( لا ) والإسم بحشو لم يحسن إلا أن تعيد الثانية لأن جعل جواب إذا عندك أم ذا فمن ذلك قوله تعالى : ( لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون )
ولا يجوز : لا فيها أحد إلا على ضعف فإن تكلمت به لم يكن إلا رفعاً لأن ( لا ) لا تعمل إذا فصل بينها وبين الإسم رافعة ولا ناصبةً ومعنى قولي : رافعةً إذا أعملت عملَ ليسَ تقول : لا أحدٌ أفضلَ منكَ في قولِ مَنْ جعلهَا ك ( ليس )
الثالث : وهو ما عمل فيه فعل أو كان في معنى ذلك :
اعلم : أن هذا يلزمك فيه تثينة ( لا ) كما لا تثنى لا في الأفعال وذلك قولك : لا مرحباً ولا أهلاً ولا كرامةً ولا مسرةً ولا سقياً ولا رعياً ولا هنيئاً ولا مرياً لأن هذه الأسماء كلها عملت فيها أفعالٌ مضمرة فالفعل مقدر بعد ( لا ) كأنك قلت : لا أكرمك كرامةً ولا أسرك مسرةً فعلى هذا جميع هذه الأسماء وما لم يجز أن يلي ( لا ) من الأفعال لم يجز أن يليها ما عمل فيه ذلك الفعل لا يجوز أن تقول : لا ضرباً وأنت تريد الأمر لأنه لا يجوز : لا أضرب إنما تدخل على الدعاء إذا كان لفظه لفظ الخبر وأضربه على ذلك نحو : لا سقياً ولا رعياً كأنك قلت : لا سقاه الله ولا رعاه

وكذلك إذا ولي ( لا ) مبتدأ في معنى الدعاء لم تعمل فيه كما لم تعمل فيما بني على الفعل ن ومعناه الدعاء وذلك قولهم : لا سلام عليكم
قال سيبويه : قولهم : لا سواء إنما دخلت ها هنا لأنها عاقبت ما ارتفعت عليه ألا ترى أنك لا تقول : هذان لا سواء فجاز هذا كما جاز : لاها الله ذا حين عاقبت فلم يجز ذكر الواو يعني أن قولهم : لا سواء أصله : هذان لا سواء وهذان مبتدأ ولا سواء خبرهما كما تقول : هذان سواء ثم أدخلت ( لا ) للنفي وحذفت ( هذان ) وجعلت ( لا ) تعاقب ( هذان ) وقال أبو العباس : وقول سيبويه : ألا ترى أنك لا تقول : هذان لا سواء أي : لا تكاد تقول ولو قلته جاز
وقالوا : لا نولك أن تفعل جعلوه معاقباً لقولك لا ينبغي وصار بدلاً منه
واعلم : أنه قبيح أن تقول : مررت برجل لا فارسٍ حتى تقول : ولا شجاع وكذلك : هذا زيد فارساً لا يحسن حتى تقول : لا فارساً ولا شجاعاً وذلك أنه جواب لمن قال : أبرجل شجاع مررت أم بفارس ولقوله : أفارس زيد أم شجاع وقد يجوز على ضعفه في الشعر

باب لا النافية إذا دخلت عليها ألف الإستفهام
الألف إذا دخلت على ( لا ) جاز أن يكون الكلام استفهاماً وجاز أن يكون تمنياً والأصل الإستفهام فإذا كان استفهاماً محضاً فحالها كحالها قبل أن يلحقها ألف الإستفهام وذلك قولك : ألا رجلَ في الدار الأعلامًَ أفضلْ منك ومن قال : لا رجلَ قائمٌ في الدار قال : ها هنا ألا رجل قائم في الدار وكذلك من نون ومن رفع ثم رفع ها هنا وقال الشاعر :
( حَارِ بن كعبٍ ألا أَحْلاَمَ تَزْجُرُكُم ... عَنَّا وأَنْتُم مِن الجُوف الجماخيرِ )

فإذا دخلها مع الإستفهام معنى التمني فإن النحويين مختلفون في رفع الخبر ويجرون ما سراه على ما كان عليه قبل
فأما الخليل وسيبويه والجرمي أكثر النحويين فيقولون : ألا رجل أفضل منك ولا يجيزون رفع : أفضل وحجتهم في ذلك أنهم قالوا : كنا نقول : لا رجل أفضل منك فيرفع لأن ( لا ) ورجل في موضع ابتداء وأفضل : خبره فهو خبر اسم مبتدأ وإذا قلت متمنياً : ألا رجل أفضل منك فموضعه نصب وإنما هو كقولك : اللهم غلاماً أي : هب لي غلاماً فكأنك قلت : ألا أعطي ألا أصيب فهذا مفعول
وكان المازني وحده يجيز فيه جميع ما جاز في النافية بغير الإستفهام فتقول : ألا رجل أفضل منك وتقول فيمن جعلها كليس : ألا أفضل منك ويجريها مجراها قبل ألف الإستفهام

واعلم : أن ( لا ) إذا جعلت ك ( ليس ) لم تعمل إلا في نكرة ولا يفصل بينها وبينَ ما عملت فيهِ لأنها تجري رافعة مجراها ناصبة
وأما قول الشاعر
( ألا رجلاً جَزاهُ اللَّهُ خَيراً ... يَدُلُّ على محصَلة تَبيتُ )
فزعم الخليل : أنه أراد : الفعل وأنه ليس ل ( لا ) ها هنا عمل إنما أراد ألا ترونني وأما يونس فكان يقول : إنما تمنى ولكنه نوّن مضطراً وكان يقول في قول جرير :
( فلا حَسَباً فَخَرْتَ بهِ لِتَيِمِ ... ولا جَداً إذا ذُكِرَ الجُدودُ )
إنما نوّن مضطراً وكذا يقول أبو الحسن الأخفش

ومن قال : لا رجلَ ولا أمراةٌ لم يقل في التمني إلا بالنصب وعلى مذهب أبي عثمان يجوز الرفع كما كان قبل دخول الألف
كان أبو عثمان يقول : اللفظ على ما كان عليه وإن كان دخله خلاف معناه ألا ترى أن قولك : غفر الله لزيد معناه الدعاء ولفظه لفظ ضرب فلم يغير لما دخله في المعنى
وكذلك : حسبكَ رفعٌ بالإبتداء إن كان معناه النهي

باب تصرف ( لا )
ل ( لا ) في الكلام مواضع وجملتها النفي ومواضعها تختلف فتقع على الأسماء نحو قولك : ضربت زيداً لا عمراً وجاءني زيدٌ لا أخوه وتقع على الأفعال في القَسَم وغيره تقول : لا يخرج زيد وأنت مخبر ولا ينطلق عبد الله ويكون للنهي في قولك : لا ينطلق عبد الله ولا يخرج زيد وتجزم بها الفعل فيكون بحذاء قولك في الأمر : ليخرج عبد الله ولتقم طائفة منهم معك
وقد تكون من النفي في موضع آخر وهو نفي قولك : إيتِ وعمراظً فإذا أردت نفي هذا قلت : لا تأت زيداً وعمراً لم يكن هذا نفيه على الحقيقة لأنه إن أتى أحدهما لم يعصه لأنه نهاه عنهما جميعاً فإن أراد أن تمتنع منهما معاً فنفي ذلك : لا تأت زيداً ولا عمراً فمجيئها ها هنا لمعنى انتظام النهي بأمره لأن خروجها إخلال به
ويقع بعدها في القسم الفعل الماضي في معنى المستقبل وذلك قولك : والله لا فعلت إنما المعنى : لا أفعل لأن قولك في القسم : لا أفعل إنما هو لما يقع فأما قولهم : لا أفعل نفي لقولك : لأفعلنُّ ولذلك يجوز أن تحذف ( لا ) وأنت تريد النفي وجائز أن تقول : لا قام زيد ولا قعد عمرو تريد الدعاء عليه . وهذا مجاز
وحق هذا الكلام أن يكون نفياً لقيامه وقعوده فيما مضى
وقال الله عز و جل : ( فلا

اقتحم العقبة )
ومن هذا قول النبي : ( أرأيت من لا أكل ولا شرب ولا صاح فاستهل ) أي : من لم يأكل ولم يشرب يعني الجنين
فإذا قلت : والله أفعل ذاك فمعناه : لا أفعل فلو قلت : والله أقوم تريد : لأقومنَّ كان خطأن لأنها حذفت استخفافاً لإستبداد الإِيجاب باللام والنون ولهذا موضع آخر يذكر فيه ويكون في موضع ( ليساقتحم العقبة ) . ) وقد مضى ذكرها وقد تكون ( لا ) مؤكدة كما كانت ( ما ) في قوله : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) و ( مما خطاياهم )
فمن ذلك قوله : ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب ) إنما هو : فأقسم يدلك على ذلك قوله : ( وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ) وكذلك قال المفسرون في قوله : ( لا أقسم بيوم القيامة ) إنما هو : أُقسم فوقع القسم على قوله : ( إن علينا جمعه وقرآنه )
قال أبو العباس : فقيل لهم في عروض ذلك : أن الزوائد من هذا الضرب إنما تقع بين كلامين أو بعد كلام كقولك : جئتك لأمرٍ ما فكان من جوابهم : أن مجاز القرآن كله مجاز سورة واحدة بعد ابتدائه وأن بعضه متصل ببعض فمن ذلك قوله : ( لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء )
وقوله : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ) وإنما هو :

لا تستوي الحسنة والسيئة ومعناه ينبئك عن ذلك إنما هو : لا تساوي الحسنة السيئة
مسائل من باب ( لا )
تقول : لا غلامين ولا جاريتي لك إذا جعلت الآخر مضافاً ولم تجعله خبراً له
وصار الأول مضمراً له كأنك قلت : لا غلامين في ملكك ولا جاريتي لك كأنك قلت : ولا جاريتك في التمثيل
قال سيبويه : ولكنهم لا يتكلمون به يعني بالمضمر واختص ( لا ) بهذا النفي وإن شئت قلت : لا غلامين ولا جاريتين لك إذا جعلت ( لك ) خبراً لهما وهو قول أبي عمرو
وكذلك لو قلت : لا غلامين لك وجعلت ( لك ) خبراً
فإذا قلت : لا أبالك فها هنا إضمار مكان ولكنه يترك استخفافاً واستغناء
وتقول : لا غلامين ولا جاريتين لك وغلامين وجاريتين لك كأنك قلت : لا غلامين ولا جاريتين في مكان كذا وكذا
فجاء ( بلك ) بعدما بني على الكلام الأول في مكان كذا وكذا كما قال : لا يدين بها لك حين صيره كأنه جاء ( بلك ) بعدما قال : لا يدين بها في الدنيا لك وقبيح أن تفصل بين الجار والمجرور فتقول لا أخا هذين اليومين لك قال سيبويه : وهذا يجوز في ضرورة الشعر لأن الشاعر إذا اضطر فصل بين المضاف والمضاف إليه
قال الشاعر :

( كأنَّ أصواتَ مِنْ إيغالهَّن بِنَا ... أواخرِ الميسِ أصواتُ الفراريج ) ن
ومن قال : كم بها رجل فأضاف فلم يبال الفتح قال : لا يدري بها لك ولا أخا يوم الجمعة لك ولا أخا فاعلم لك والجر في : ( كم ) بها وترك النون في : لا يدي بها لك قول يونس
واحتج بأن الكلام لا يستغني ورد ذلك عليه سيبويه بأن قال : الذي يستغني به الكلام والذي لا يستغني قبحهما واحد إذا فصلت بين الجار والمجرور وتقول : لا غلامَ وجاريةً فيها لأن ( لا ) إنما تجعل وما تعمل فيه اسماً إذا كانت إلى جنب الإسم لكنك يجوز أن تفصل بين خمسة وعشر في قولك : خمسة عشر كذلك لا يجوز أن تفصل بين ( لا ) وبين ما بني معها وتقول : لا رجلٌ ولا امرأةٌ يا فتى
إذا كانت ( لا ) بمنزلتها في ( ليس ) مؤكدة للنفي حين تقول : ليس لك رجل ولا امرأة قال رجل من بني سليم وهو أنس بن العباس :
( لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً ... اتَّسَعَ الفَتْقُ على الراَّتِقِ )

وتقول : لا رجلَ ولا امرأةَ فيها فتعيد ( لا ) الأولى كما تقول : ليس عبد الله وليس أخوه فيها فيكون حال الآخرة كحال الأولى وتقول : لا رجلَ اليوم ظريفاً ولا رجلَ فيها عاقتحم العقبة ) . اقلاً إذا جعلت ( فيها ) خبراً ولا رجلَ فيك راغباً من قبل أنه لا يجوز لك أن تجعل الإسم والصفة بمنزلة اسم واحد . وقد فصلت بينهما
وتقول : لا ماء سماء بارداً ولا مثله عاقلاً
من قبل أن المضاف لا يجعل مع غيره بمنزلة خمسة عشر فإذا قلت : لا ماء ولا لبن ثم وصفت اللبن فأنت بالخيار في التنوين وتركه فإن جعلت الصفةَ للماء لم يكن إلا منوناً لأنُه لا يفصل بين الشيئينِ اللذينِ يجعلان بمنزلة اسم واحد
وحكى سيبويه عن العرب : لا كزيد أحداً تنون لأنك فصلت بين ( لا ) و ( أحد ) وحكى سيبويه عن العرب : لا كزيد أحد ولا مثله أحد فحمله على الموضع والموضع رفع وإن شئت حملته على ( لا ) فتونته ونصبته وإن شئت قلت : لا مثلَهُ رجلاً على التمييز كما تقول : لي مثله غلاماً قال ذو الرمة :
( هِيَ الدَّارُ إذْ مَيَّ لأهْلِكِ جِيرَةٌ ... لَيالِيَ لا أَمْثَالُهُنَّ لَيَاليَا )
قال سيبويه : وأما قول جرير :
( لا كالعَشِيَّةِ زائراً ومَزُورا ... )

فلا يكون إلا نصباً من قبل أن العشية ليست بالزائر وإنما أراد : لا أرى كالعشية عشية زائراً كما تقول : ما رأيت كاليوم رجلاً فكاليوم كقولك : في اليوم
لأن الكاف ليست باسم وفيه معنى التعجب كما قال : تالله رجلاً وسبحان الله رجلاً إنما أراد : تالله ما رأيت رجلاً ولكنه يترك إظهار الفعل استغناء
وتقول : لا كالعشية ولا كزيد رجل
لأن الآخر هو الأول ولأن زيداً رجل وصار : لا كزيد كأنك قلت : لا أحد كزيد ثم قلت : رجل كما تقول : لا مال له قليل ولا كثير على الموضع قال امرؤ القيس :
( ويلمها في هَوَاء الجَوِّ طَالِبة ... ولا كهذا الذي الأْرضِ مَطْلُوبُ )
لأنه قال : ولا شيء لهذا ورفع على الموضع
وإن شئت نصبت على التفسير كأنه قال : لا أحد كزيد رجلاً
قال سيبويه : ونظير : لا كزيد في حذفهم الإسم قولهم : لا عليك وإنما يريدون : لا بأس عليك ولا شيء عليك ولكنه حذف لكثرة استعمالهم إياه
ومن قال : لا غلامٌ ولا جارية قال : أغلام وألا جارية

إنما دخلت في النفي لا في المعطوف عليه
ألا تراك تقول في النداء : يا بؤس للحرب ولا تقول : يا بؤس زيد وبؤس الحرب فالنفي كالنداء وكذلك إذا قلت : لا غلامي لك ولا مسلمي لك إن كانت لا الثانية نافية غير عاطفة جاز إسقاط النون وإن كانت عاطفة لم يجز إلا إثبات النون فتقول : لا غلامين لك ولا مسلمين لك
وناس يجيزون أن تقول : لا رجلٌ ولا امرأةَ وهو عندي جائز على قبح لأنك إذا رفعت فحقه التكرير وتقول : لا رجل كان قائماً ولا رجل ظننته قائماً إن جعلت كان وظننت : صلة لرجل أضمرت الخبر وإن جعلتهما خبرين لم تحتج إلى مضمر
وقوم يجيزون : لا زيدَ لك ولا يجيزون لا غلامَ الرجل لك إلا بالرفع ويجيزون : لا أبا محمد لك ولا أبا زيد لك
يجعلونه بمنزلة اسم واحد ولا يجيزون : لا صاحب درهم لك لأن الكنية بمزلة الإسم
ويقولون : عبد الله يجري مجرى النكرة إذ كانت الألف واللام لا يسقطان منه
وقال الفراء : جعل الكسائي : عبد العزيز وعبد الرحمن بمنزلة عبد الله وإسقاط الألف واللام يجوز نحو قولك : عبدَ العزيز لك
وقالوا : الغائب من المكنى يكون مذهب نكرة نحو قولك : لا هو ولا هي لأنه يوهمك عدداً وإن شئت قضيت عليه بالرفع والنصب فإن جعلته معرفة جئت معه بما يرفعه وحكوا : إن كان أحدٌ في هذا الفخ ولا هو يا هذا وكذلك : هذا وهذان عندهم ويقولون : لا هذين لك ولا هاتين لك وكذلك ذاك لأنه غائب
وجميع هذه الأشياء التي تخالف الأصول التي قدمتها لك لا تجوز في القياس ولا هي مسموعة من الفصحاء
وتقول : لا رجل أخوك ولا رجل عمك لا يجوز في أخيك وعمك إلا الرفع
وقد حُكي : أنّ كلام العرب أنْ يُدخِلوا : هو مع المفرد فيقولون : لا رجل هو أخوك ولا رجل هو عمرو ويقولون : لا بنات لك كما تقول : لا مسلمي لك
وتقول : ألا رجلاً زيداً أو عمراً تريد : ألا أحدَ

رجلاً يكون زيداً أو عمراً ويجوز أن يكون بدلاً من رجل فإذا جاءت أو مع ( ألا ) فهو طلب
وتقول : لا رجل في الدار لا زيدٌ ويدخل عليها ألف الإستفهام فتقول : ألا رجل في الدار ألا زيد
وتقول : ألا رجل ألا امرأةٌ يا هذا
وتقول : ألا ماء ولو بارداً وهو عند سيبويه : قبيح
لأنه وضع النعت موضع المنعوت فلو قلت : ألا ماء ولو بارداً لكان جيداً
وذلك يجوز إلا أنك تضمر بعد ( لو ) فعلاً ينصب ماء
وكأنك قلت : ولو كان ماءً بارداً
فإذا جئت بلو كان ما بعدها أحسن قال أحمد بن يحيى ثعلب : كان يقال : متى كان ما بعد ( لو ) نعتاً للأول نصب ورفع ومتى كان غير نعت رفع هذا قول المشايخ
وقال الفراء : سمعت في غير النعت الرفع والنصب
وإذا قال : ألا مستعدي الخليفة أو غيره وألا معدي الخليفة أو غيره فالرفع كأنك بينت فقلت : ذاك الخليفة أو غيره أو هو الخليفة أو الخليفة هو أو غيره
والنصب على إضمار ( يكون ) كأنك قلت : يكون الخليفة
أي : يكون المعدي الخليفة أو غيره
وقوم يجيزون : ألا قائل قولاً ألا ضارب ضرباً وهذا عندي لا يجوز إلا بتنوينٍ لأنه قد أعملَ في المصدر فطالَ وقد مضى تفسير هذا
ويجوز أن تقول : لا قائل قول ولا ضارب ضرب فتضيف إلى المصدر
وتقول لا خير بخير بعده النار ولا شر بشر بعده الجنة لأنك قلت : لا خير في خير بعده النار ولا شر في شَرٍّ بعده الجنة ويجوز أن تكون هذه الباء دخلت لتأكيد النفي كما تدخل في خبر ( ما ) وليس فتكون زائدة كأنك قلت : لا خير خير بعده النار ولا شر شرٍّ بعده الجنة فإن جعلت الهاء راجعة إلى خبر الأول الذي مع ( لا ) قلت : لا خير بعدهُ النار خير
فصار قولكَ : بعد النار جملة نعت بها : لا خير والنار مبتدأ وبعده :

خبره والجملة صفة لخير كما تقول : لا رجلَ أبوه منطلق في الدارِ فرجل : منفي وأبوه : منطلق مبتدأ وخبر
والجملة بأسرها صفة لرجل قال أبو بكر : وقد ذكرنا الأسماء المرفوعات والمنصوبات وما ضارعها بجميع أقسامها وبقيَّ الأسماء المجرورة ونحن نذكرها إن شاء الله

ذكر الجر والأسماء المجرورة
الأسماء المجرورة تنقسم قسمين : اسم مجرور بحرف جر أو مجرور بإضافة اسم مثله إليه وقولي : جر وخفض بمعنى واحد
ذكر حروف الجر
حروف الجر تصل ما قبلها بما بعدها فتوصل الإسم بالإسمِ والفعلَ بالإسم ولا يدخل حرف الجر إلا على الأسماء كما بينا فيما تقدم فأما إيصالها الإسمِ بالإسم فقولك : الدار لعمرو وأما وصلها الفعل بالإسم فقولك : مررت بزيد فالباء هي التي أوصلت المرور بزيد
وحروف الجر تنقسم قسمين : فأحد القسمين : ما استعملته العرب حرفاً فقط ولم يشترك في لفظهِ الإسم ولا الفعل مع الحرف ولم تجره في موضع من المواضع مجرى الأسماء ولا الأفعال
والقسم الآخر : ما استعملته العرب حرفاً وغير حرف
فالقسم الأول : وهو الحرف التي استعملته حرفاً فقط على ضربين : فالضرب الأول منها : أُلزم عمل الجر والضرب الثاني : غير ملازم لعمل الجر
فأما الحروف الملازمة لعملِ الجرِّ : فمن وإلى وفي والباء واللام
ولِرُبَّ : باب يفردُ به لخروجها عن منهاجِ أخواتِها وأنا مُبيّن معنى حرفٍ حرفٍ منها

أما ( من ) : فمعناها : ابتداء الغاية
تقول : سرت من موضع كذا إلى موضع كذا
وفي الكتاب : من فلان إلى فلان
إنما يريد : إبتداؤه فلان
وسيبويه يذهب إلى أنها تكون لإبتداء الغاية في الأماكن وتكون للتبعيض نحو قولك : هذا من الثوب
وهذا منهم تقول : أخذت ماله ثم تقول : أخذت من ماله فقد دلت على البعض
قال أبو العباس : وليس هو كما قال عندي لأن قوله : أخذت من ماله إنما ابتداء غاية ما أخذ فدل على التبعيض من حيث صار ما بقي إنتهاء له والأصل واحد
وكذلك : أخذت منه درهماً وسمعت منه حديثاً أي : أول الحديث وأول مخرج هذه الدراهم وقولك : زيد أفضل من عمرو وإنما ابتدأت في إعطائه الفضل من حيث عرفت فضل عمرو فابتداء تقديمه هذا الموضع فلم يحرج من إبتداء الغايةِ
وقال في وقتٍ آخرَ : مِنْ تكون على ثلاثة أضرب لإبتداء الغاية كقولكَ : خرجت مِنَ الكوفة إلى البصرة وللتبعيض كقولك : أخذت من ماله
والأصل يرجع إلى إبتداء الغاية لإنك إذا قلت : أخذت من المال فأخذك إنما وقع إبتداؤه من المال
ويكون لإِضافة الأنواع إلى الأسماء كقول الله تعالى :

( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان )
وكقول الله عز و جل : ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة )
أي : من هؤلاء الذين آمنوا واجتنبوا الرجس من الأوثان
فقولك : رجس جامع للأوثان وغيرها
فإذا قلت : من الأوثانُ فإنما معناه الذي ابتداؤه من هذا الصنف قال : وكذلك قول سيبويه : هذا باب علم ما الكلم من العربية لأن الكلم يكون عربياً وعجمياً فأضاف النوع وهو الكلم إلى اسمه الذي يبين به ما هو وهو العربية وتكون زائدة قد دخلت على ماهو مستغن من الكلام إلا أنها تجر لأنها حرف إضافة نحو قولهم : ما جاءني من أحد وما كلمت من أحد وكقوله عز و جل : ( أن ينزل عليكم من خير من ربكم ) إنما هو : خير ولكنها توكيد وكذلك : ما ضربت من رجل إنما هو : ما ضربت رجلاً فهذا موضع زيادتها إلا أنه موضع دلت فيه على أنه للنكرات دون المعارف ألا ترى أنك تقول : ما جاءني من أحد وما جاءني من رجل ولا تقول : ما جاءني من عبد الله
لأن رجلاً في موضع الجمع ولا يقع المعروف هذا الموضع لأنه شيء قد عرف بعينِه ألا ترى أنك تقول : عشرون درهماً ولا تقول : عشرون الدرهم وقال سيبويه : إذا قلت : ما أتاني من رجل أكدت بمن لأنه موضع تبعيض فأراد أنه لم يأته بعض الرجال والناس وكذلك : ويحه من رجل إنما أراد أن يجعل التعجب من بعض الرجال وكذلك : لي ملؤه من عسل وقال كذلك : أفضل من زيد
إنما أراد أن يفضله على بعض ولا يعم وجعل زيداً الموضع الذي ارتفع منه أو سفل منه في قولك : شرٌ من زيد وكذلك إذا قال : أخزى الله

الكاذبين مني ومنك إلا أن هذا وأفضل لا يستغني عن ( من ) فيهما لأنها توصل الأمر إلى ما بعدها وقال : وتقول : رأيته من ذلك الموضع فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حيث أردت الإبتداء
وأما ( إلى ) فهي للمنتهى تقول : سرت إلى موضع كذا فهي منتهى سيرك وإذا كتبت من فلان إلى فلان فهو النهاية فمن الإبتداء وإلى الإنتهاء وجائز أن تقول : سرت إلى الكوفة وقد دخلت الكوفة وجائز أن تكون بلغتها ولم تدخلها لأن ( إلى ) نهاية فهي تقع على أول الحد وجائز أن تتوغل في المكان ولكن تمتنع من مجاوزته لأن النهاية غاية قال أبو بكر : وهذا كلام يخلط معنى ( من ) بمعنى ( إلى ) فإنما ( إلى ) للغاية و ( من ) لإبتداء الغاية وحقيقة هذه المسألة : أنك إذا قلت : رأيت الهلال من موضعي ( فمن ) لك وإذا قلت : رأيت الهلال من خلال السحاب ( فمن ) للهلال والهلال غاية لرؤيتك فكذلك جعل سيبويه ( من ) غاية في قولك : رأيته من ذلك الموضع وهي عنده ابتداء غاية إذا كانت ( إلى ) معها مذكورة أو منوية فإذا استغنى الكلام عن ( إلى ) ولم يكن يقتضيها جعلها غاية ويدل على ذلك قوله : ما رأيته مذ يومين فجعلتها غاية كما قلت : أخذته من ذلك المكان فجعلته غاية ولم ترد منتهى أي : لم ترد إبتداء له منتهى
أي : استغنى الكلام دون ذكر المنتهى وهذا المعنى أراد والله أعلم وهذه المسألة ونحوها إنما تكون في الأفعال المتعدية نحو : رأيت وسمعت وشممت وأخذت
تقول : سمعت من بلادي الرعد من السماء ورأيت من موضعي

البرق من السحاب وشممت من داري الريحان من الطريق ( فمن ) الأولى للفاعل و ( من ) الثانية للمفعول وعلى هذا جميع هذا الباب لا يجوز عندي غيره إنما جاز هذا لأن للمفعول حصة مِن الفعل كما للفاعل
وبعض العرب يحذف الأسماء مع ( من ) وقد ذكرنا بعض ذلك فيما قد مضى قال الله تعالى : ( وما منا إلا له مقام معلوم ) : والتأويل عند أصحابنا : وما منا أحد إلا له
والكوفيون يقولون إن ( مَنْ ) تضمر مع ( من ) وفي التأويل عندهم : إلا مَنْ له مقام وما كان بعده شيء لم يسم غاية قال سيبويه : ( إلى ) منتهى لإبتداء الغاية يقول : مِنْ كذا إلى كذا
ويقول : الرجل : إنما أنا إليك أي : أنت غايتي وتقول : قمت إليه فتجعله منتهاك من مكانك
( في ) : وفي معناها الوعاء
فإذا قلت : فلان في البيت فإنما تريد : أن البيت قد حواه وكذلك : المال في الكيس فإن قلت : في فلان عيب فمجاز واتساع لأنكَ جعلتَ الرجل مكاناً للعيب يحتويه وإنما هذا تمثيل بذاك وكذلك تقول : أتيتُ فلاناً وهو في عنفوان شبابه أي : وهو في أمرهِ ونهيهِ فهذا تشبيه وتمثيل أي : أحاطت بهِ هذه الأمور قال : وإن اتسعت في الكلام فإنما تكون كالمثل يجاءُ به يقارب الشيء وليس مثله ز
( الباء ) : معناه الإِلصاق فجائز أن يكون معه استعانة وجائز لا

يكون فأما الذي معه استعانة فقولك : كتبت بالقلم وعمل الصانع بالقيدوم
والذي لا استعانة معهُ فقولك : مررتُ بزيدٍ ونزلت بعبد الله
وتزاد في خبر المنفي توكيداً نحو قولك : ليس زيد بقائم وجاءت زائدة في قولك : حسبك بزيد وكفى بالله شهيداً وإنما هو كفى الله
قال سيبويه : باء الجر إنما هي للإِلزاق والإختلاط وذلك قولك : خرجت بزيدٍ ودخلت به وضربته بالسوط ألزقت ضربك إياه بالسوط فما اتسع من هذا الكلام فهذا أصله
( اللام ) : اللام : لام الإِضافة قال سيبويه : معناها الملك والإستحقاق ألا ترى أنك تقول : الغلام لك والعبدُ لكَ فيكون في معنى : هو عبدٌ لكَ وهو أخ لكَ فيصير نحو : هو أخوك فيكون هو مستحقاً لهذا كما يكون مستحقاً لما يملك فمعنى هذا اللام معنى إضافة الإسم
وقال أبو العباس : لام الإِضافة تجعل الأول لاصقاً بالثاني ويكون المعنى : ما يوجد في الأول تقول : هذا غلام لزيد وهذه دار لعبدِ الله
فأما تسميتهم إياها لام الملك فليس بشيء إذا قلت : هذا غلام لعبد الله فإنما دللت على الملك من الثاني للأول فإذا قلت : هذا سيد لعبدِ الله دللت بقولك على أن الثاني للأول
وإذا قلت : هذا أخ لعبدِ الله فإنما هي مقاربة وليس أحدهما في ملك الآخر
ولام الإستغاثة : هي هذه اللام إلا أن هذه تكسر مع الإسم الظاهر وتلك تفتح وقد مضى ذكر ذلك في حد النداء
فلام الإضافة حقها الكسر إلا أن تدخلها على مكنى نحو قولك : له مال ولك ولهم ولها فهي في جميع ذلك مفتوحة وهي في الإستغاثة كما عرفتك مفتوحة

قال سيبويه : إنما أردت أن تجعل ما يعمل في المنادى مضافاً إلى بكر باللام يعني بذلك الفعل المضمر الذي أغنت عن إظهاره ( يا ) وقد مضى تفسير هذا
فهذه الحروف التي للجر كلها تضيف ما قبلها إلى ما بعدها
فإذا قلت : سرتَ مِن موضع كَذا فقد أضفتَ السير إلى ما بعدها فإذا قلت : مررت بزيد فقد أضفت المرورَ إلى زيد بالباء
وكذلك إذا قلت : هذا لعبدِ الله فإذا قلت : أنتَ في الدار فقد أضفتَ كينونتك في الدار إلى الدار ( بفي ) فإذا قلت : فيك خصلة سوء فقد أضفت إليه الرداءة ( بفي ) فهذه الحروف التي ذكرت لك تدخل على المعرفة والنكرة والظاهر والمضمر فلا تجاوز الجرَّ
واعلم : أن العرب تتسع فيها فتقيم بعضها مقام بعض إذا تقاربت المعاني فمن ذلك : الباء تقول : فلان بمكة وفي مكة وإنما جازا معاً لأنك إذا قلت : فلان بموضع كذا وكذا
فقد خبرت عن إتصاله والتصاقه بذلك الموضع وإذا قلت : في موضع كذا فقد خبرت ( بفي ) عن احتوائه إياه وإحاطته به فإذا تقارب الحرفان فإن هذا التقارب يصلح لمعاقبة وإذا تباين معناهما لم يجز ألا ترى أن رجلاً لو قال : مررت في زيد أو : كتبت إلى القلم لم يكن هذا يلتبس به فهذا حقيقة تعاقب

حروف الخفض فمتى لم يتقارب المعنى لم يجز وقد حكي : كنت بالمال حرباً وفي المالِ حَرباً وهو يستعلي الناسَ بكفهِ وفي كفهِ
وقال في قولِ طرفة :
( وإنْ يَلْتقِ الحَيُّ الجَمِيعُ تلاقني ... إلى ذِرْوَةِ البَيت الكَرِيمِ المُصَمد )
إنَّ ( إلى ) بمعنى ( في ) ولا يجوز أن يدخل حرف من هذه التي ذكرت على حرف منها فلا يجوز أن تدخل الباء على ( إلى ) ولا اللام على ( مِنْ ) ولا ( في ) على ( إلى ) ولا شيئاً منها على آخر

باب رُبَّ
رُبَّ : حرف جر وكان حقه أن يكون بعد الفعل موصلاً له إلى المجرور كأخواته إذا قلت : مررت برجل وذهبت إلى غلام لك ولكنه لما كان معناه التقليل وكان لا يعمل إلا في نكرة فصار مقابلاً ( لكم ) إذا كانت خبراً فجعل له صدر الكلام كما جعل ( لكم ) وآخر الفعل والفاعل فموضع رُبَّ وما عملت فيه نصبٌ كما أن موضع الباء ومن وما عملنا فيه نصب إذا قلت : مررت بزيد وأخذت من ماله
ويدل على ذلك أن ( كم ) يُبنى عليها ورُبَّ : لا يجوز ذلك فيها وذلك قولهم : كم رجل أفضل منك فجعلوه خبراً ( لكم ) كذلك رواه سيبويه عن يونس عن أبي عمرو بن العلاء : أن العربَ تقوله ولا يجوز أن تقول : رُبَّ رجل أفضل منك ولا يجوز أن تجعله خبراً لِرُب كما جعلته خبراً ( لكم ) ومما يتبين أن رُبَّ حرف وليست باسم ( ككم )
أن ( كم ) يدخل عليها حرف الجر ولا يدخل على رُبَّ تقول : بكم رحل مررت وإنك تولي ( كم ) الأفعال ولا توليها رُبَّ
قال أبو العباس : رُبَّ تنبىء عما وقعت عليه أنه قد كان وليس بكثير

فلذلك لا تقع إلا على نكرة ولأن ما بعدها يخرج مخرج التمييز تقول : رب رجل قد جاءني فأكرمته ورب دار قد أبتنيتها وأنفقت عليها وقال في موضع آخر : رب معناها الشيء يقع قليلاً ولا يكون ذلك الشيء إلا منكوراً لأنه واحد يدل على أكثر منه ولا تكون رب إلا في أول الكلام لدخول هذا المعنى فيها
وقال أبو بكر : والنحويون كالمجتمعين على أن رُبَّ جواب إنما تقول : رُبَّ رجل عالمٍ لمن قال : رأيت رجلاً عالماً أو قدرت ذلك فيه فتقول : رُبَّ رجل عالم تريد : رُبَّ رجل عالم قد رأيتُ فضارعت أيضاً حرف النفي إذا كان حرف النفي يليه الواحد المنكور وهو يراد به الجماعة
فهذا أيضاً مما جعلت له صدراً
واعلم : أن الفعل العامل فيها أكثر ما يستعمله العرب محذوفاً لأنه جواب وقد علم فحذف وربما جيء به توكيداً وزيادة في البيان فتقول : رُبّ رجل عالم قد أتيت فتجعل هذا هو الفعل الذي تعلقت به ( رُبَّ ) حتى يكون في تقديره : برجلٍ عالمٍ مررت وكذلك إذا قال : رُبَّ رجل جاءني فأكرمته وأكرمته فها هنا فعل أيضاً محذوف فكأنه قال له قائل : ما جاءك رجل فأكرمته وأكرمته فقلت : رُبَّ رجل جاءني فأكرمته وأكرمته أي : قد كنت فعلت ذاك فيكون جاءني وما بعده صفة رجلٍ والصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد والكلام بعدُ ما تم فإن لم تضمر : قد فعلت وما أشبه ذلك وإلا لم يجز فإذا قال : ما أحسنت إليّ
قلت : رُبَّ إحسان قد تقدم إليك مني فكأنك قلت : قد فعلت من إحسان إليك قد تقدم
فإن قال قائل : لِمَ لزم الصفة قيل : لأنه أبلغ في باب التقليلِ لأن رجلاً قائماً أقل من رجل وحده فخصت بذلك والله أعلم
وكذلك لو قلتَ : رُب رجل جاهل ضربت إن جعلت : ضربتُ هو

العامل في رب
فإن جعلته صفة أضمرت فعلاً نحو ما ذكرنا
فصار معنى الكلام : رُبَّ رجل جاهل ضربت قد فعلت ذاك
واعلم : أنَّهُ لا بد للنكرة التي تعمل فيها ( رُبَّ ) من صفة إما اسم وإما فعل لا يجوز أن تقول : رُبَّ رجل وتسكت حتى تقول : رُبَّ رجل صالح أو تقول : رجل يفهم ذاك ورب حرف قد خولف به أخواته واضطرب النحويون في الكلام فيه
وهذا الذي خبرتك به ما خلص لي بعد مباحثة أبي العباس رحمه الله وأصحابنا المنقبين الفهماء وسأخبرك ما قال سيبويه والكوفيون فيه قال سيبويه : إذا قلت : رُب رجل يقول ذاك فقد أضفت القول إلى الرجل بِرُب وكذلك يقول مَنْ تابعه على هذا القول إذا قال : رُب رجل ظريف قد أضافت رُب الظريف إلى رجل وهذا لا معنى له لأن إتصال الصفة بالموصوف يغني عن الإِضافة
وأما الكوفيون ومن ذهب مذهبهم فيقولون : رب وضعت على التقليل نحو : ما أقل من يقول ذاك وكم وضعت على التكثير نحو قولك : ما أكثر من يقول ذاك وإنما خفضوا ( لكم ) لأن مِن تصحبها تقول : كم من رجل ثم تسقط من وتعمل فكذلك : رُبَّ وإن لم تر ( من ) معها كما قال : ألا رجل ومن رجل وهم يريدون : أمَا من رجل وحكي عن الكسائي أو غيره من القدماء : أن بعض العرب يقول : رُبَّ رجل ظريف فترفع ظريفاً تجعله خبراً ( لرُب ) ومن فعل هذا فقد جعلها اسماً وهذا إنما يجيء على الغَلط والتشبيه وفي رب لغات : رُبَّ ورُبُّ يا هذا ومن النحويينَ من يقولُ : لو سكنت جازَ : ورُبْتَ
واعلم : أن رُبَّ تستعملُ على ثلاثة وجوه

فالوجه الأول : هو الذي قد ذكرت من دخولها على الإسم الظاهر النكرة وعملها فيه وفي صفته الجر
والوجه الثاني : دخلوها على المضمر على شريطة التفسير فإذا أدخلوها على المضمر نصبوا الإسم الذي يذكرونه للتفسير بعد المضمر فيقولون : رُبَّه رجلاً والمضمر ها هنا كالمضمر في ( نعم ) إذا قلت : نعم رجلاً زيد إلا أن المضمر في ( نعم ) مرفوع لأنه ضمير الفاعل وهو مع رُبَّ مجرور وإنما جاز في رُبّ وهي لا تدخل إلا على نكرة من أجل أن المعنى تؤول إلى نكرة وليس هو ضمير مذكور وحق الإِضمار أن يكون بعد مذكور ولكنهم ربما خصوا أشياء بأن يضمروا فيهاه على شريطة التفسير وليس ذلك بمطرد في كل الكلام وإنما يخصون به بعضه فإذا فعلت ذلك نصبت ما بعد الهاء على التفسير فقلت : ربُه رجلاً وهذه الهاء على لفظ واحد وإن وليها المذكر أن المؤنث أو الإثنان أو الجماعة موحدة على كل حال
الوجه الثالث : أن تصلها فتستأنف ما بعدها وتكفها عن العمل فتقول : ربما قام زيد وربما قعد وربما زيد قام وربما فعلت كذا ولما كانت رب إنما تأتي لما مضى فكذلك ربما لما وقع بعدها الفعل كان حقه أن يكون ماضياً فإذا رأيت الفعل المضارع بعدها فثم إضمار كان قالوا : في قوله : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) أنه لصدق

الوعد كأنه قد كان كما قال : ( ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت )
ولم يكن فكأنه قد كان لصدق الوعد
ولا يجوز : رُبَّ رجل سيقوم وليقومن غداً إلا أن تريد : رُبّ رجل يوصف بهذا تقول : رب رجل مسيء اليوم ومحسن غداً أي : يوصف بهذا ويجوز : ربما رجل عندكَ فتجعل : ( مَا ) صلة ملغاة
واعلم : أنّ العربَ تستعملُ الواوَ مبتدأة بمعنى : ( رُبَّ ) فيقولون : وبلد قطعتُ يريدونُ ورُبَّ بلد وهذا كثير
وقال بعض النحويين : أن الواو التي تكونَ معَ المنكراتِ ليست بخلف من ( رُبَّ ) ولا كم وإنما تكون مع حروف الإستفهام فتقول : وكم قد رأيت ( وكيف تكفرون ) يدل على التعجب ثم تسقط كم وتترك الواو ولا تدخل مع رُبَّ ولو كانت خلفاً مِن ( كم ) لجازَ أن يدخلَ

عليها النسق كما فعلَ بواوِ اليمينِ وهي عندي : واو العطفِ وهذا أيضاً مما يدل على أن رب جواب وعطف على كلام

مسائل من هذا الباب
تقول : رُبَّ رجل قائم وضارب وَرُبَّ رجل يقوم ويضرب
وتقول : رب رجل قائم نفسه وعمرو ورب رجل قائم ظريفاً فتنصب على الحال من ( قائم ) وتقول : رب رجل ضربته وزيداً ورب رجل مررت به فتعيد الباء لأن المضمر المجرور لا ينسق عليه بالإسم الظاهر وتقول : رب رجل قائم هو وزيد فتؤكد ما في ( قائم ) إذا عطفت عليه ويجوز أن تقولَ : رب رجل قامَ وزيدٌ فتعطف على المضمر من غير تأكيد وتقول : رب رجل كان قائماً وظننته قائماً ففي ( كان ) ضمير رجل وهو اسمها وقائماً خبرها
وكذلك : الهاء في ( ظننته ) ضمير رجل وهو مفعولها الأول
وقائماً مفعولها الثاني وإذا قلت : رب رجل قد رأيت ورب امرأة فالإختيار أن تعيد الصفة فتقول : ورب امرأة قد رأيت لأنك قد أعدت رُب وقد جاء عن العرب إدخال ( رُبَّ ) على ( مِنْ ) إذا كانت نكرة غير موصولة إلا أنها إذا لم توصل لم يكن بُد من أن توصف لأنها مبهمة حكي عنهم : مررت بمن صالح ورب من يقوم ظريف وقال الشعر . صالح ورب من يقوم ظريف وقال الشعر
( يَا رُبَّ مَنْ تَغْتَشُّه لَكَ نَاصِحٍ ... ومُؤتَمَنٍ بالغَيْبِ غَيْرِ أَمِينِ )

وتدخل رُب على مثلكَ وشبهكَ إذ كانتا لم تتصرفا بالإِضافة وهما نكرتان في المعنى
وتقول : رب رجل تختصم وامرأة وزيد ولا يجوز الخفض لأنه لا يتم إلا بإثنين فإن قلتَ : رب رجلين مختصين وامرأتين جازَ لكَ الخفض والرفع فتقول : وامرأتان وامرأتين أما الخفض : فبالعطفِ على ( رجلين ) والرفع : بالعطف على ما في مختصمين ولو قلت : رُبَّ رجلين مختصمين هما وامرأتان فأكدت ثم عطفتَ لكان أجود حكي عن بعضهم : أنه يقول : إذا جاءَ فعل يعني بالفعلِ اسمَ الفاعل بعد النعتِ رفعَ نحو قولك : رب رجل ظريف قائم والكلام الخفض وزعم الفراء : أنهم توهموا ( كم ) إذ كانوا يقولون : كم رجلاً قائمٌ
وتقول : رب ضاربكَ قد رأيت ورب شاتمك لقد لقيت لأن التنوين في تَينكَ يريد ضارب لكَ وإن قلت : ضاربكَ أمس لم يجز لأنه معرفة
والأخفش يعترض بالأيمان فيقول : رُبَّ وَالله رجل قد رأيت ورُبَّ رجل قد رأيت وهذا لا يجوزُ عندنا لأنّ حروف الجر لا يفصل بينَها وبينَ ما عملت فيهِ وسائر النحويين يخالفونَه
وحكى الكوفيون : ربه رجلاً قد رأيت وربهما رجلين وربهم رجالاً وربهن رجالاً وبهن نساء وربَه نساء مَنْ وحَد
فلأنه رد كناية عن مجهول ومَن لم يوحد فلأنه كلام كأنه قال : له ما لك جوار فقال : ربهن جوار قد ملكت
وكان الكسائي يجيز : رب مَنْ قائم على أنَّهَ استفهام ويخفض ( قائماً ) والفراء يأباه لأن كل موضع لم تقعه المعرفة لم يستفهم بمن فيه
والضرب الثاني : من حروف الجر وهوما كان غير ملازم للجر

وذلك حتى والواو
فواو القسم وهي بدل من الباء وأبدلت لأنها من الشفة مثلها
والتاء : تستعمل في القسم في الله عز و جل وهي بدل من الواو والتاء قد تبدل من الواوِ في مواضع ستراها وقد خصوا القسمَ بأشياء ونحن نفرد باباً للأسماء المخفوضة في القسم وأما الواو التي تقع موقع رب فقد مضى ذكرها

باب حتى
حتى : منتهى لإبتداء الغاية بمنزلة ( إلى ) إلا أنها تقع على ضربين : إحداهما : أن يكون ما بعدها جزءاً مما قبلها وينتهي الأمر به
والضرب الآخر أن ينتهي الأمر عنده ولكنها قد تكون عاطفة وتليها الأفعال
ويستأنف الكلام بعدها ولها تصرف ليس ( لإِلى ) و ( لإِلى ) أيضاً مواقع لا تقع ( حتى ) فيها
فأما الضرب الأول : وهو ما ينتهي به الأمر فإنه لا يجوز : أن يكون الإسم بعد حتى إلا من جماعة كالإستثناء لا يجوز : أن يكون بعد واحد ولا إثنين لأنه جزء من جماعة وإنما يذكر لتحقير أو تعظيم أو قوة أو ضعف وذلك قولك : ضربتُ القومَ حتى زيدٍ فزيد من القوم وانتهى الضرب به فهو مضروب مفعول ولا يخلو أن يكون أحقر من ضربت أو أعظمهم شأناً وإلا فلا معنى لذكره وكذلك المعنى إذا كانت عاطفة كما تعطف الواو تقول : ضربتَ القومَ حتى عمراً
فعمرو من القوم به انتهى الضرب
وقدمَ الحاج حتى المشاة والنساء
فهذا في التحقير والضعف وتقول : ماتً الناسُ حتى الأنبياء والملوكُ فهذا في التعظيم والقوة ولك أن تقول : قامَ القومُ حتى زيد جر وإن كان في المعنى : جاء لأنك أنتهيت بالمجيء إليه بحتى فتقدير المفعولِ وقد بينا فيما تقدم أن كل فعل معه فاعلُه تعدى بحرف جر إلى اسم فموضعه نصب
قال أبو بكر : والأحسن عندي في هذا إذا أردت أن تخبرَ عن زيد بفعله أن تقول : القوم حتى زيد فإذا رفعت فحكمه حكم الفاعل في أنه لا

بد منه فإذا خفضت فهو كالمنصوب الذي يستغني الفاعل دونه وأما قول الشاعر :
( أَلْقَى الصَّحِيفةِ كَيْ يُخَفِّف رَحْلَهُ ... والزَّادَ حتَّى نَعلَه أَلْقَاهَا )
فلك فيه الخفض والرفع والنصب فالخفض : على ما خبرتكِ به والنصب فيه وجهان : فوجه أن يكون منصوباً ( بألقى ) ومعطوفاً على ما عمل فيه ( ألقى ) ويكون ألقاها توكيداً
والوجه الثاني : أنْ تنصبه بفعل مضمر يفسره ( ألقاها ) والرفع على أن يستأنفَ بعدها والمعنى ألقى ما في رحله حتى نعله هذه حالها وإذا قلت : العجب حتى زيد يشتمني فالمعنى : العجب لسبِّ الناس إياي حتى زيد يشتمني
قال الفرزدق :
( فيا عَجَباً حَتَّى كُلَيْب تَسَّبني ... كأنَّ أباها نَهْشلٌ أو مُجَاشِعٌ )
فإذا قلت : مررتُ بالقوم حتى زيدٍ فإن أردتَ العطف فينبغي أن تعيد الياء لتفرق بين ما أنجر بالباء وبين ما أنجر ( بحتى )
الضرب الثاني : المجرور بحتى : وهو ما انتهى الأمر عنده وهذا

الضرب لا يجوز فيه إلا الجر لأن معنى العطف قد زال وذلك قولك : إن فلاناً ليصوم الأيام حتى يوم الفطر فأنتهت ( حتى ) بصوم الأيام إلى يوم الفطر ولا يجوز أن تنصب ( يوم الفطر ) لأنه لم يصمه فلا يعمل الفعل فيما لم يفعله وكذلك إذا خالف الإسم الذي بعدها ما قبلها نحو قولك : قام القوم اليوم حتى الليل فالتأويل : قام القوم اليومَ حتى الليلِ
واعلم : أنك إذا قلت : سرتُ حتى أدخلها فحتى على حالها في عمل الجر وإن كان لم يظهرْ هنا ( وإن وصلتها ) اسم وقال سيبويه : إذا قلت : سرت حتى أدخلها فالناصب للفعل ها هنا هو الجار للإسم إذا كان غاية
فالفعل إذا كان غاية منصوب والإِسم كان غاية جر وهذا قول الخليل
وقال سيبويه : إنها تجيء مثل كي التي فيها إضمار ( أن ) وفي معناها وذلك قولك : كلمتك حتى تأمر لي بشيء : قال سيبويه : لحتى في الكلام نحو ليس لإِلى تقول إنما أنا إليك أي : أنت غايتي ولا تكون حتى ها هنا
وهي أعم من ( حتى ) تقول : قمت إليه فجعلته منتهاك من مكانك ولا تقول : حتاه وغير سيبويه يجيز : حتاه وحتاك في الخفض ولا يجيزون في النسق لأن المضمر المتصل لا يلي حرف النسق لا تقول : ضربت زيداً وك يا هذا ولا قتلت عمراً وه إنما يقولون في مثل هذا : إياك وإياه والقول عندي ما قال سيبويه : لأنه غير معروف إتصال حتى بالكاف وهو في القياس غير ممتنع

مسائل من هذا الباب
تقول : ضربتُ القومَ حتى زيداً وأوجعتُ تنصب لأنك جئت بحرف نسق على الأول وكذلك : ضربت القوم حتى زيداً ثم أوجعت وقال قوم : النصب في هذا لا غيرَ لأنكَ جئتَ بحرف نسق على الأولِ تريد حتى ضربت زيداً وأوجعت وثم أوجت
قال أبو بكر : وهذا عندي على ما يقدر المتكلم أن قدر الإِيجاع لزيد فالنصب هو الحسن وإذا كان الإِيجاع للقوم جاز عندي النصب والخفض وتقول : ضربتُ القومَ حتى زيداً أيضاً وحتى زيداً زيادة وحتى زيداً فيما أظن لأن هذه دلت على المضمر : كأنك قلت : حتى : ضربت زيداً فيما أظن
وحتى ضربت زيداً أيضاً فإن جعلت : ( فيما أظن ) من صلة الأول خفضت كأنك قلت : ضربتُ القومَ فيما أظن حتى زيد وتقول : أتيتكَ الأيامَ حتى يومِ الخميس ولا يجوز : حتى يوم لأنه لا فائدة فيه وكذلك لو قلت : صمتُ الأيامَ إلا يوماً فإن وقت ما بعد إلا وما بعد ( حتى ) حسن وكانت فيه فائدة فقلت : صمتُ الأيامَ إلا يومَ الجمعة وحتى يومِ الجمعةِ
وقال قوم : إن أردت مقدار يوم جاز فقلت على هذا : أتيتكَ الأيامَ حتى يومٍ
وقالوا : فإن قلت : أتيتكض كل وقت حتى ليلاً
وحتى نهاراً وكان الأول غير موقت والثاني غير موقت نصبت الثاني كما نصبت الأول وكان الخفض قبيحاً
وقال أبو بكر : وجميع هذا إنما يراعي به الفائدة واستقامة الكلام صلحا فيه فهو جائز
ونقول : ضربتُ القومَ حتى إن زيداً لمضروب
فإذا أسقطت اللام فإن كانت ( إن ) مع ما بعدها بتأويل المصدر فتحتها قال سيبويه : قد عرفت أموركَ حتى أنك أحمقُ كأنه قال : حتى حمقَك وقال : هذا قول الخليل فهذا لأن الحمق جاء بتأويلِ المصدر وقد مضى تفسير ذا

وتقول : ضربتُ القوم حتى كان زيد مضروباً وضربتُ القوم حتى لا مضروبَ صالحاً فيهم جاز في هذا كما جاز الإستئناف والإبتداء بعدها فلما جاز الإبتداء جاز ما كان بمنزلة الإبتداء وتقول : لا آتيكَ إلى عشر مِنَ الشهرِ
وحتى عَشر من الشهر لأنكَ تترك الإِتيانَ من أول العشرِ إلى آخر هذه فتقع هنا ( حتى ) وإلى ولا تقول : آتيكَ حتى عشر إلا أن تريد : آتيكَ وأواظب على إتيانك إلى عشر
وتقول : كتبتتُ إلى زيد ولا يجوز حتى زيد لأنه ليس هنا ما يستثني منه زيد على ما بينت لك فيما تقدم
وقوم يجيزون : ضربتُ القومَ حتى زيداً فضربت إن أردتَ كلامين وقالوا : يجوز فيه الخفض والنصب والإختيار عندهم الخفض قالوا : وإن اختلف الفعل أدخل في الثاني الفاء ولم تسقط وخفض الأول نحو قولك : ضربتُ القومَ زيدٍ فتركت ولا يكون ضربت القومَ حتى تركت زيداً
وتقول : جَلسَ حتى إذا تهيأ أمرنا قام وأقام حتى ساعة تهيأ أمرنا قطع علينا وانتظر حتى يوم شخصنا مضى معنا فيوم وساعة مجروران وإذا في موضع جر وهذا قول الأخفش لأن قولك : جلسَ حتى ساعة تهيأ أمرنا ذهب إنما قولك : ذهبَ جواب لتهيأ وحتى واقع على الساعةِ وهي غاية له
وتقول : انتظر حتى إن قسم شيء أخذته منه فقولكَ : اخذت منه راجع إلى : قسَم وهو جوابه وقعَ الشرط والجواب بعدها كما استؤنف ما بعدها وكما وقعَ الفعل والفاعلَ والإبتداء والخبر
وتقول : اقم حتى متَى تأكلْ تأكلْ معنا
وأقم حتى أينا يخرج نخرج معه فأي مبتدأه لأنها للمجازاة وكذلك : أجلس حتى أي يخرج تخرج معه
وقال الأخفش : يقول لكَ الرجل : ائتني فتقول : إما حتى الليل فلا وإما حتى الظهر فلا وإما إلى الليل فلا ولا يحسن فيه إلا الجر وقال تقول : كل القوم حتى أخيك وهو الآن غاية وذلك أنه لا بد لكلِ القومِ من جرٍ وتقول : كل القوم حتى أ خيك فيها لأنك أردت : كل القوم فيها حتى أخيك
وتقول : كل القومِ حتى أخيكَ ضربت
وقالَ الأخفش في كتابه الأوسط : إن قوماً يقولون : جاءني القوم حتى أخوكَ يعطفونَ الأخ على

( القوم ) وكذلك : ضربت القومَ حتى أخاكَ قال : وليس بالمعروفِ
وتقول : ضربت القومَ حتى زيدٍ ضربته على الغاية ولو قلت : حتى زيدٍ مضروف فجررت زيداً لم يكن كلاماً لأن مضروباً وحده لا يستغني لأنه اسم واحد كما استغنى ضربته فعل وفاعل وهو كلام تام

ناس ؤ

باب الأسماء المخفوضة في القسم
أدوات القسم والمقسم به خمس : الواو والباء والتاء واللام ومن فأكثرها الواو ثم الباء وهما يدخلان على محلوف تقول : والله لأفعلن وبالله لأفعلن فالأصل الباء كما ذكرت لك ألا ترى أنك إذا كنيت عن المقسم به رجعت إلى الأصل فقلت : به آتيكَ ولا يجوزوه لا آتيكَ ثم التاء وذلك قولك : تالله لأفعلن ولا تقال مع غير الله قال الله : ( وتالله لأكيدن أصنامكم ) وقد تقول : تالله وفيها معنى التعجب وبعض العربِ يقول في هذا المعنى فتجيء باللامِ ولا يجيء إلا أن يكون فيه معنى التعجب وقال أُمية بن عائِذ :
( للِه يَبْقَى عَلَى اَلأيَّامِ ذُو حَيَدٍ ... بِمُشْمَخِرٍ بهِ الظيَّانُ والآسُ )
يريد والله لا يبقى إلا أن هذا مستعمل في حال تعجب

وقد يقول بعض العرب : للِه لأفعلنَ
ومن العرب من يقول : مِن ربي لأفعلنَ ذاك ومن ربي إنك لا شر كذا حكاه سيبويه وقال : ولا يدخلونها في غير ( ربي ) ولا تدخل الضمة في ( مِنْ ) إلا ها هنا
وقال الخليل : جئتُ بهذه الحروفِ لأنكَ تضيف حلفك إلى المحلوف به كما تضيف به بالباء إلا أن الفعلَ بيجيء مضمراً يعني أنك إذا قلت : واللِه لأفعلنَ وباللِه لأفعلنَ فقد أضمرتَ : أحلف وأقسم وما أشبهه مما لا يتعدى إلا بحرفٍ والقسم في الكلام إنما تجيء به للتوكيد وهو وحده لا معنى له لو قلت : والله وسكت أو بالله ووقفت لم يكن لذلك معنى حتى تقسم على أمر من الأمور وكذا إن أظهرتَ الفعل وأنت تريد القسم فقلت : أَشهدُ باللِه وأُقسم بالله فلفظه لفظ الخبر إلا أنه مَضمر بما يؤكده
ويعرض في القسم شيئان : أحدهما : حذف حرف الجر والتعويض أو الحذف فيه بغير تعويض
فأما ما حذف منه حرف الجر وعوض منه فقولهم : أي ها اللِه ثبتت ألفَ ها لأن الذي بعدها مدغم ومن العرب من يقول : أي هَللهِ فيحذف الألف التي بعد الهاء قال سيبويه : فلا يكون في المقسم به ها هنا إلا الجر لأن قولهم ( ها ) صار عوضاً من اللفظ بالواو فحذفت تخفيفاً على اللسان ألا ترى أن الواو لا تظهر ها هنا
ويقولون أي هَا اللِه للأمر هذا فحذف الأمر لكثرة استعمالهم وقدم ( ها ) كما قدم قوم : ها هو ذا وها أنذا قال زهير :

( تَعْلَمَنْ هَا لَعَمْرِ اللِه ذا قَسَماً ... فاقْصِدْ بذَرْعِكَ واْنُظْر أينَ تَنْسِلِكُ )
ومن ذلك ألف الإستفهام قالوا : اللِه ليفعلنَ فالألف عوض من الواو ألا ترى أنك لا تقول : او اللِه
وقال سيبويه : ومن ذلك ألف اللام وذلك قولهم : أفاللِه لتفعلنَ : وقال : ألا ترى أنك إن قلت : أفوالله لم تثبت هذا قول سيبويه وللمحتج لسيبويه أن يقول : إن الألف كما جعلت عوضاً قطعت وهي لا تقطع مع الواو
الثاني : ما يعرض في القسم وهو حذف حرف الجر بغير تعويض
اعلم : أن هذا يجيء على ضربين : فربما حذفوا حرف الجر وأعملوا الفعل في المقسم فنصبوه
وربما حذفوا حرف الجر وأعملوا الحرف في الإسمِ مضمراً
فالضربُ الأول قولك : اللِه لأفعلنّ وقال ذو الرمة :
( ألا رَُبَّ مِنْ قَلْبِي لَه اللَّه نَاصِحٌ ... ومَنْ قَلْبُه لي في الظِّبَاءِ السَّوانِحِ )

وقال الآخر :
( إِذَا ما الخُبْزٌ تَأدُمهُ بِلَحْمٍ ... فَذَاكَ أَمَانةَ اللِه الثَرِيدُ )
أراد : وأمانة الله
ووالله فلما حذف أعمل الفعل المضمر ولكنه لا يضمر ما يتعدى بحرف جر
وتقول : أي اللَه لأفعلنّ ومنهم مَن يقول : أي اللَه لأفعلنَ فيحرك أي بالفتح لإلتقاء الساكنين ومنهم من يدعها على سكونها ولا يحذفونها لأن الساكن الذي بعدها مدغم
والضرب الثاني : وهو إضمار حرفِ الجر وهو قول بعضِ العرب : الله لأفعلن
قال سيبويه : جازَ حيثُ كثر في كلامهم فحذفوه تخفيفاً كما حذف رُبَّ قال : وحذفوا الواو كما حذفوا اللامين من قولهم : لاه أبوك حذفوا لام الإِضافة واللام الأخرى ليخفوا الحرف على اللسان وذلك ينوون قال : وقال بعضهم : لهي أبوك فقلب العين وجعل اللام ساكنة إذا صارت مكان العين كما كانت العين ساكنة وتركوا آخر الإسم مفتوحاً كما تركوا آخر ( أين ) مفتوحاً وإنما فعلوا ذلك به لكثرته في كلامهم فغيروا إعرابه كما غيروه

واعلم : أنه يجيء كلام عامل بعضه في بعض : إما مبتدأ وخبر وإما فعل وفاعل ومعنى ذلك القسم فالمبتدأ والخبر قولك : لعَمَر الله لأفعلن وبعض العرب يقول : وأيمُن الكعبة وأيمُ الله فقولك : لعَمَرَ الله اللام : لام الإبتداء وعمر الله : مرفوع بالإبتداء
والخبر محذوف كأنه قال : لعَمَر الله المقسم به وكذلك : أيم الله . وأيمن
وتقول : العرب : عليّ عهد الله لأفعلن
فعهد مرتفعة وعليّ مستقر لها وفيها معنى اليمين وزعم يونس : أن ألف أيم موصولة وحكوا : أيم وإيم وفتحوا الألف كما فتحوا الألف التي في الرجل وكذلك أيمن قال الشاعر :
( فَقَالَ فَرِيقُ اَلْقومِ لمَّا نَشَدتُهم ... نَعَمْ وفريقٌ ليَمنُ اللِه ما نَدري )
وأما الفعل والفاعل فقولهم : يعلمُ الله لأفعلن وعلمَ الله لأفعلنَ فإعرابه كإعراب : يذهبُ زيد والمعنى : واللِه لأفعلن
قال سيبويه : وسمعنا فصحاءَ العربِ يقولون في بيت امرئ القيس :
( فَقُلْتُ يَمِينَ اللِه أنترح قَاعِدَاً ... ولو قَطَّعُوا رَأسي لَدَيْكِ وأوصالي )

قال : جعلوه بمنزلة أيمن الكعبةِ وأَيم الله وقالوا : تتلقى اليمين بأربعة أحرف من جوابات الأيمان في القرآن وفي الكلام مَا ولا وإن واللامُ فأما : ما فتقول : واللِه ما قامَ . وما يقوم وما زيد قائماً
ولا تدخل اللام على ( ما ) لأن اللامَ تحقيق وما نفي فلا يجتمعان
قال وقول الشاعر :
( لما أغفلت شُكركَ فاصْطَنِعْنِي ... فَكَيْفَ ومِنْ عَطائِكَ جُلُّ مالي )
فإنه توهم الذي والصلة
وأما : لا فتقول : والله لا يقوم
وتلغي ( لا ) من بين أخواتها جوابات الأيمان فتقول : واللِه أقوم إليكَ أبداً تريد : لا أقوم إليكم أبداً
فإذا قلت : واللِه لا قمت إليك أبداً تريد : أقوم جاز وإن أردت : المضي كان خطأ فأما ( إن ) فقولك : واللِه إن زيداً في الدار وإنكَ لقائم وقوله عز و جل : ( حم والكتاب المبين إنا أنزلناه ) قال الكسائي : إنا أنزلنا استئناف وحم والكتابُ كأنه قال : حق والله
وقال الفراء : قد يكون جواباً
وأما اللام فتدخل على المبتدأ والخبر
فتقول : واللِه لزيد في الدارِ هذه

التي تدخل على المبتدأ والخبر
وأما التي تدخل على الأفعال : فإن كان الفعل ماضياً قلت والله : لقد فعلَ وكذلك : واللِه لفيكَ رغبت
وأما اللام التي تدخلُ على المستقبلِ فإن النونينِ : الخفيفةَ والثقيلةَ يجيئان معها نحو : والله ليقومنَّ ولتقومَنْ يا هذا ولهما باب يذكران فيه

مسائل من هذا الباب
تقول : وحياتي ثم حياتك لأفعلنّ فثم : بمنزلة الواو وتقول : واللِه ثم اللِه لأفعلن وبالله ثُم اللِه لأفعلن
وإن شئت قلتَ : واللَه لآتينكَ ثم الله لأضربنكَ وإن شئت قلت : واللِه لآتينكَ لأضربنكَ
قال سيبويه : وهذه الواو بمنزلة الواو التي في قولك : مررتُ بزيدٍ وعمروٍ خارج يعني أن الواو في قولك : وعمرو خارج عطفتَ جملةً على جملة كأنك قلت : باللِه لآتينكَ
الله لأضربنكَ مبتدأ ثم عطفت هذا الكلام على هذا الكلام فإذا لم تقطع جررت قلت : وإلا لآتينكَ ثم واللِه لأضربنكَ صارت بمنزلة قولك : مررت بزيدٍ ثم بعمروٍ وإن قلت : واللِه لآتينكَ ثم لأضربنك الله لم يكن إلا النصبُ لأنه ضم الفعل إلى الفعل ثم جاء بالقسم على حدته
وإذا قلت : واللِه لآتينكَ ثم اللِه فإنما أحد الإسمين مضموم إلى الآخر وإن كان قد أخر أحدهما ولا يجوز في هذا إلا الجر لأن الآخر معلق بالأول لأنه ليس بعده محلوف عليه
قال سيبويه : ولو قالَ : وحقِّكَ وحقِّ زيدٍ على وجهِ الغلطِ والنسيانِ جازَ يريدُ بذلكَ أنهُ لا يجوز لغير كساه من عري وسقاه من

العيمة فهذا يبن أنها في هذا الموضع حرف لأنهم أجمعوا على أن ( من ) حرف وعن أيضاً لفظة مشتركة للإسم والحرف
قال أبو العباس : إذا قال قائل : على زيدٍ نزلت وعن زيدٍ أخذت فهما حرفان يعرف ذلك ضرورة لأنهما أوصلا الفعل إلى زيد كما تقول : بزيدٍ مررت
وفي الدار نزلت وإليكَ جئت فهذا مذهب الحروف وإذا قلت َ : جئت من عن يمينهِ فعن اسم ومعناها ناحية وبنيت لمضارعتها الحروف
وأما الموضع الذي هي فيه اسم فوقلهم : مَن عن يمينكَ لأن ( من ) لا تعمل إلا في الأسماء
قال الشاعر
( فَقُلْتُ اجْعَلِي ضَوْءَ الفَرَاقِدِ كُلَّها ... يَمِيناً ومهوى النَّجْمِ مِن عَن شِمَالِكَ )
وأما كاف التشبيه فقولك : أنت كزيدٍ ومعناها معنى : مثل وسيبويه يذهب إلى أنها حرف
وكذلك البصريون ويستدلون على أنه حرف بقولك : جاءني الذي كزيدٍ كما تقول : جاءني الذي في الدارِ ولو قلتَ : جاءني الذي مثل زيدٍ لم يصلح إلا أن تقول : الذي هو مثل زيدٍ حتى يكون لهذا الخبر ابتداء ويكون راجعاً في الصلة إلى الذي فإن أضمرته : جاز على قبح وإذا قلت : جاءني الذي كزيدٍ لم تحتج إلى هو ومما يدلك على أنها حرف مجئها زائدة
والأسماء لا تقعَ موقعَ الزوائدِ إنما تزاد الحروف قالَ

الله عز و جل : ( ليس كمثله شيء )
فالكاف زائدة لأنه لم يثبت له مثلاً تبارك وتعالى عن ذلك والمعنى : ليس مثله شيء
وقد جاءت في الشعر واقعةً موقع مثل موضوعةً موضعها قال الشاعر :
( وَصَالِيَاتٍ كَكَما يُؤْثَفَيْن ... )
أراد كمثل ما
وقال الآخر :
( فصيروا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأكُول ... )

فإضافته مثل إلى الكاف يدل على أنه قدرها اسماً
وهذا إنما جاءَ على ضرورة الشاعر
وذكر سيبويه : أنه لا يجوز الإِضمار معها إذا قلت : أنت كزيدٍ لم يجز أن تكني عن زيدٍ
استغنوا بمثل وشبه فتقول : أنتَ مثلُ زيدٍ وقال : مثل ذلك في حتى ومذ
وقال أبو العباس : فأما الكاف وحتى فقد خولف فيهما قال : وهذا حَسن والكاف أشد تمكناً فأما امتناعهم من الكاف ومذ وحتى فلعلةٍ واحدة
يقولون : كل شيء من هذه الحروف غير متمكن في بابه لأن الكاف تكون اسماً وتكون حرفاً فلا تضيفها إلى المضمر مع قلة تمكنها وضعف المضمر إلا أن يضطر شاعر
ومنذ تكون اسماً وتكون حرفاً
وحتى تكون عاطفة وتكون جارة فلم تعط نصيبها كاملاً في أحد البابين وقال : الكاف معناها معنى مثل فبذلك حكم أنها اسم لأن الأسماء إنما عرفت بمعانيها وأنت إذا قلت : زيد كعمروٍ أو زيد مثل عمروٍ فالمعنى واحد فهذا باب المعنى
قال : وأما اللفظ فقد قيل في الكلام والأشعار ما يوجب لها أنها اسم
قال الأعشى
( أَتَنْتَهُونَ ولَنْ يَنهَى ذَوِي شَططٍ ... كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فيه الزَّيْتُ والفتل )

فالكاف هي الفاعلة فإنق قال قائل : إنما هي نعتُ قيل له : إنما يخلف الإسم ويقوم مقامه ما كان اسماً مثله نحو : جاءني عاقل ومررت بظريف وليس بالحسن

المجرور بالإِضافة
القسم الثاني من الأسماء المجرورة من القسمة الأولى وهو المجرورة بالإِضافة :
الإِضافة على ضربين : إضافة محضة وإضافة غيرُ محضة
والإِضافة المحضة تنقسم إلى قسمين : إضافة اسم إلى اسم غيرِه بمعنى اللام وإضافةِ اسم إلى اسم هو بعضُه بمعنى ( من )
أما التي بمعنى اللام فتكون في الأسماء والظروف
فالإسم نحو قولِك : غلامُ زيدٍ ومالُ عمروٍ وعبدُ بكرٍ وضَرْبُ خالدٍ وكلُ الدراهمِ والنكرة إذا أُضيفت إلى المعرفة صارت معرفةً نحو : غلام زيدٍ ودار الخليفةِ والنكرة تُضاف إلى النكرة وتكون نكرةً نحو : راكب حمارٍ فأما مثل وغير وسوى فإنهن إذا أُضفن إلى المعارف لم يتعرفن لأنهن لم يُخصِّصن شيئاً بعينه
وأما الظروف فنحو : خَلْفَ وقُدامَ ووراءَ وفوقَ وما أشبهه تقول : هو وراءك وفوق البيت وتحت السماء وعلى الأرض
والإِضافةُ المحضةُ لا تجتمع مع الألف واللام ولا تجتمع أيضاً الإِضافةُ والتنوينُ ولا يجتمع الألفُ واللامُ والتنوينُ
الثاني : المضاف بمعنى ( من ) وذلك قولك : هذا بابُ ساجٍ وثوبُ خَزٍّ وكساءُ صوبٍ وماءُ بحرٍ بمعنى : هذا بابٌ من ساجٍ وكساءٌ من صوفٍ

الضرب الثاني : الإِضافة التي ليست بمحضة
الأسماء التي أُضيفتْ إليها إضافةً غير محضة أربعة أضرب
الأول : اسم الفاعل إذا أضفته وأنت تريد التنوينَ نحو : هذا ضاربُ زيدٍ غداً وهو بمعنى يضرب
والثاني : الصفةُ الجاري إعرابُها على ما قبلها وهي في المعنى لما أُضيفتْ إليه نحو : مررت برجلٍ حسنِ الوجهِ المعنى : حسنٌ وجهُه
شرح الثالث : وهو إِضافة أفعلِ إلى ما هو بعضٌ له :
إذا قلت : ( زيدٌ أفضل القوم ) فقد أضفته إلى جماعة هو أحدهم تزيد صفته على صفتهم وجميعهم مشتركون في الصفة تقول : عبد الله أفضل العشيرة فهو أحد العشيرة وهمْ شركاءُ في الفضل والمفضل من بينهم يزيدُ فضلُه على فضلهم ويَدُلُّك على أنه لا بد من أن يكون أحد ما أضيف إليه أنك لو قلت : زيد أفضل الحجارة لم يجز فإن قلت : الباقون أفضل الحجارة صلُحَ وأفضل هذه لا تثنى ولا تجمعُ ولا تؤنثُ وهي ( أفضل ) التي إذا لم تضفها صَحِبَتْها ( منك ) تقول : فلان خيرٌ منك وأحسنُ منكَ
وقد اختلف الناس في الإحتجاج لتركيب اِفعلَ في هذا الباب وجمعِه وتأنيثِه فقال بعضهم : لأن تأويل هذا يرجع إلى المصدر كأنه إذا قال : قومك أفضل أصحابنا قد قال : فضلُ قومِك يزيدُ على فضلِ سائِر أصحابنا وإذا قلت : هو أفضلُ العشيرة فالمعنى أنَّ فضلَه يزيدُ على فضلِ كل واحدٍ من العشيرة وكذلك إذا قلت : زيدٌ أفضلُ منك فمعناه : فضلُهُ يزيدُ على فضلك فجعلنا موضعَ : يزيدُ فضله أفضل تضمن معنى

المصدرِ والفعلِ جميعاً وأضفناه إلى القوم وما أشبههم وفيهم أعداد المفضولين لأنك كنت تذكر الفضلَ مرتين إذا أظهرت ( يزيدُ ) فتجعل فضلاً زائداً على فضل زائدٍ فصار الذي جمع هذا المعنى مضافاً وقال آخرون : ( أفعل ) إنما لم يثن ولم يجمع ولم يؤنث لأنه مضارع للبعض الذي يقع للتذكير والتأنيث والتثنية والجمع بلفظ واحد وقال الكوفيون وهو رأيُ الفراءِ أنه إنما وُحِّد أفعلُ هذا لأنه أُضيفَ إلى نفسه فجرى مجرى الفعلِ وجرى المخفوضُ مجرى ما يُضَمَّنُ في الفعل فكما لا يثنى ولا يُجمع الفعلُ فكذا لا يثنى هذا ولا يجمع
قال أبو بكر : وأشبه هذه الإحتجاجات عندي بالصواب الإحتجاجُ الأول والذي أقوله في ذا أن ( أفعلُ ) في المعنى لم يثن ولم يجمع لأن التثنيةَ والجمعَ إنما تلحق الأسماءَ التي تنفرد بالمعاني ( وأفعلُ ) اسم مركب يدل على فعلٍ وغيرِه فلم يجز تثنيته وجمعه كما لم يجز تثنية الفعل ولا جمعه لما كان مركباً يدل على معنى وزمان وإنما فعلت العرب هذا اختصاراً للكلام وإيجازاً واستغناءً بقليل اللفظ الدال على كثير من المعاني ولا يجوز تأنيثه لأنك إذا قلت : هندُ أفضل منكَ فكان المعنى هندُ يزيد فضلُها على فضلكَ فكان أفعلُ ينتظم معنى الفعلِ والمصدرِ والمصدرُ مذكر فلا طريق إلى تأنيثه وإنما وقع ( أفعل ) صفةً من حيثُ وقع ( فاعل ) لأن فاعل في معنى ( يفعل ) وقد فسر أبو العباسِ معنى ( منكَ ) إذا قلت : زيد أفضل من عمروٍ أنه ابتداءُ فضلِه في الزيادة من عمروٍ وقد تقدم هذا في ذكرنا معنى ( مِن ) ومواضِعها من الكلام فقولُك : زيدٌ أفضلُ ( منكَ ) وزيد أفضلكما

في المعنى سواء إلا أنك إذا أتيت ( بمنك ) فزيدٌ منفصلٌ ممن فضلته عليه وإذا أَضفتَ فزيدٌ بعض ممن فضلته عليه فإن أردت ( بأفعلَ ) معنى فاعل ثنيتَ وجمعتَ وأنَّثت فقلت : زيدٌ أفضلُكم والزيدانِ أفضلاكم والزيدونُ أفضلوكم وأفاضلكُم وهند فُضلاكم والهندانِ فُضلياكم والهنداتُ فُضلياتِكم وفضلُكم وإذا قلت : زيد الأفضل استغنى عن ( من ) والإِضافة وعلم أنه قد بانَ بالفضل فهو عند بعضهم إذا أُضيف على معنى ( من ) نكرةٌ وهو مذهبُ الكوفيين وإذا أُضيف على معنى اللام معرفةٌ وفي قول البصريين هو معرفةٌ بالإِضافة على كل حال إلا أنْ يضاف إلى نكرة
الرابع : ما كان حقه أن يكون صفة للأول :
فإنْ يكُ من الصفة وأُضيفَ إلى الإسم وذلك نحو : صلاة الأولى ومسجدُ الجامعِ فمن قال هذا فقد أزال الكلام عن جهته لأن معناه النعت وحده الصلاةُ الأولى والمسجدُ الجامعُ ومن أضاف فجواز إضافتهِ على إرادة : هذه صلاةُ الساعةِ الأولى وهذا مسجدُ الوقتِ الجامعِ أو اليومِ الجامعِ وهو قبيحٌ بإقامته النعتَ مقام المنعوت ولو أراد به نعت الصلاة والمسجد كانت الإِضافة إليهما مستحيلة لأنك لا تضيف الشيء إلى نفسه لا تقولُ : هذا زيدٌ العاقلِ والعاقلُ هو زيدٌ وهذا قول أبي العباس رحمه الله
وسئل عن قولهم : جاءني زيدٌ نفسُه ورأيت القومَ كلَّهم وعن قول الناس : بابُ الحديدِ ودارُ الآخرةِ وحقُّ اليقينِ وأشباه ذلك فقال : ليس من هذا شيء أضيف إلا قد جُعلَ الأول من الثاني بمنزلة الأجنبي فإضافته راجعة إلى معنى اللام ومن فأنت قد تقول : له نفسٌ وله حقيقةٌ والكل عقيب البعض فهو منسوب إلى ما يتضمنه الشيء فقد صار الإجتماعُ فيه

كالتبعيض لأنه محيط بذلك البعضِ الذي كان منسوباً إليه ألا ترى أنك لو قلتَ : اخترت من العشرةِ ثلاثةً لكانت إضافةُ ثلاثةٍ إلى العشرة بعضاً صحيحاً فقلتَ : أضفتُ بعضَها فإذا أخذتها كلَّها فالكل إنما هو محيط بالأجزاء المتبعضة وكل جزء منه ما كانت إضافته إلى العشرة جائزة فصار الكل الذي يجمعها إضافته إلى العشرة لأنه اسم لجميع أجزائها كما جاز أن يضاف كل جزء منها إليها فقيل له : أفلسنا نرجُع إلى أنه إذا اجتمعت الأجزاء صار الشيء المجزيء هو كل الأجزاء وصار الشيء هو الكل والكل هو الشيء فقال : لا لأن الكل منفرداً لا يؤدي عن الشيء كما أن البعضَ منفرداً لا يؤدي عن المبعض دون إضافته إليه فكذلك الكلُّ الذي جمع التبعيض وليس الكل هو الشيء المجزىء إنما الكل اسم لأجزائه جميعاً المضافة إليه فصار هو بأنه اسمٌ لكل جزءٍ منها في الحكم بمنزلتها في إضافتها إلى المجزىء
قال أبو بكر : وهذا القول الذي قالهُ حَسنٌ ألا ترى أنك لا تقول : رأيتُ زيداً كلهُ ولا توقع الكلَّ إلا على ما كان يجوز فيه التبعيض وسُئل عن قولهم : دار الآخرة لِمَ لَمْ نقل الآخر فقال : لأن أول الأوقات الساعة فأكثر ما يجوز في هذا التأنيث كقولهم ذات مرةٍ ولو جرى بالتذكير كانَ وجهاً فما جرى منه بالتأنيث حمل على الساعة ألا ترى أنه يسمى يوم القيامة الساعة لأن الساعةَ أولُ الأوقاتِ كلِّها وأما النفس فهي بمنزلة حقيقة الشيء وكذلك عينه أما أسماؤه الموضوعة عليه الفاصلة بينه وبين خبرِهِ فلا يجوز إضافة شيء منها إلى شيء ألا ترى أن رجلاً اسمه وهو شاب أو شيخ لا يجوز أن تقول : زيد الشابِ فتضيف ولا زيد الشيخ ولا شيخُ زيدٍ ولا شابُ زيد فقيل له : وقد رأينا العلماءَ إذا لُقبَ الرجلُ بلقبٍ ثم ذكر لقبه مع اسمه جاز أن تضيف اسمه إلى لقبه كقولك : زيد رأسٍ وثابتُ قطنة ولا تجد بين ثابت وقطنة إذا كان قد عُرفا فرقاً فقال : اللقب مما يشتهر به الإسم حتى يكون هو الأعرفُ ويكون اسمه لو ذكر على أفراده مجهولاً فصار اللقب علماً والإسم مجروراً إليه كالمقطوع عن المسمى لأن الملقب إنما

يراد بلقبه طرح اسمه وقد كانت تسميتهم أن يسمى الشيء بالإسم المضاف إلى شيء كقولك : عبدُ الدارِ وعبدُ اللِه فجعلوا الإسم مع لقبه بمنزلة ما أضيف ثم سمي به وكان اللقب أولى بأن يضاف الإسم إليه لأنه صار أعرف من الإسم وأصل الإِضافة تعريف كقولك : جاءني غلام زيدٍ فالغلام يتعربُ بزيد فلذلك جعل الإسم مضافاً إلى اللقب
ومن الإِضافة التي ليست بمحضة إضافة أسماء الزمان إلى الأفعال والجمل ونحن نفرد باباً لذلك إن شاء الله

باب إضافة الأسماء إلى الأفعال والجمل
اعلم : أن حق الأسماء أن تضاف إلى الأسماء وأن الأصل والقياس أن لا يضاف إسم إلى فعل ولا فعل إلى اسم ولكن العرب اتسعت في بعض ذلك فخصت أسماء الزمان بالإِضافة إلى الأفعال لأن الزمان مضارعٌ للفعل لأن الفعل له بنى فصارت إضافة الزمان إليه كإضافته إلى مصدره لما فيه من الدليل عليهما وذلك قولهم : أتيتكُ يوم قام زيدٌ وأتيتُك هو يقعدُ عمرو فإذا أضفت إلى فعل معرب فإعراب الإسم عندي هو الحسنَ تقول : هذا يوم يقومُ زيد وقوم يفتحون ( اليوم ) وإذا أضفته إلى فعل مبني جاز إعرابه وبناؤه على الفتح وأن يُبنى مع المبني أحسنُ عندي من أن يُبنى مع المعرب وهذا سنعيد ذكره في موضع ذكر الأسماء المبنية إن شاء الله
وقال الكوفيون : تُضاف الأوقات إلى الأفعال وإلى كل كلام تم وتفتح في موضع الرفعِ والخفض والنصب فتقول : أعجبني يومَ يقومُ ويوم قمتُ ويوم زيدٌ قائمٌ وساعةَ قمت ويجوز عندهم أن يعرب إذا جعلته بمنزلة إذ وإذا كأنك إذا قلت : يوم قامَ زيدٌ إذا قام زيد وإذا قلت : يوم

يقوم زيد قلت : إذا يقوم ولك أن تضيف أسماء الزمان إلى المبتدأ وخبره كقولك : أتيتكَ زمنَ زيدٌ أميرٌ كما تقول : إذا زيد أميرٌ والأوقات التي يجوز أن يفعل فيها هذا ما كان حيناً وزماناً يكون في الدهر كله لا يختص منه به شيءٌ دون شيء كقولك : أتيتك حين قام زيد وزمن قامَ ويوم قام وساعة قام وعامَ وليلة وأزمان وليالي قام وأيام قام ويفتح في الموقتات كقولك : شهر قامَ وسنة قام وقالوا : لا يضاف في هذا الباب شيء له عدد مثل يومين وجمعه ولا صباحَ ولا مساءَ وأما ذو تسلم وآية يفعل فقال أبو العباس : هذا من الشواذ قالوا : أفعلُه بذي تسْلم وآية يقوم زيد فأما آية فهي علامة والعلامة تقع بالفعل وبالإسم وإنما هي إشارة إلى الشيء فجعله لك علماً لتوقَع فعلك بوقوعه وأما بذي تسْلم فإنه اسم لم يكن إلا مضافاً فاحتمل أن يدخل على الأفعال والتأويل : بذي سلامتُكَ وفيه معنى الذي فصرفه إلى الفعل وليس بقياس عليه
قال أبو بكر : وللسائل في هذا الباب أن يقول : إذا قلت : آتيكَ يوم تقوم فإنها بمعنى يوم قيامك فلِمَ لا تنصب الفعل بأضمار ( أنْ ) كما فعل باللام فإن الإِضافة إنما هي في الأسماء فالجواب في ذلك أنَّ أنْ لا تصلح في هذا الموضع لو قلت : أجيئك يوم أن يقوم زيد لم يجز لأن هذا موضع يتعاقب المبتدأ والخبر والفاعل فيه ويحسن أن يقع موقع اسم إذ وإذا وجميع ذلك لا يصلح مع ( أنْ ) وليس كل موضع يقع فيه المصدر تصلح فيه ( أنْ ) ألا ترى أنك إذا قلت : ضرباً زيداً لم يقع هذا الموضع ( أنْ تضرب )
وحكى الكوفيون : أن العرب تضيف إلى ( أنّ وأنْ ) فتقول : أعجبني يوم أنّكَ محسنٌ ويوم أن تقوم ومن أجاز هذا فينبغي أن يجيز : يوم يقوم :

فينصب ولا يجوز أن يبنى اليوم لأنه قد أضافه إضافة صحيحة وأظن أن الفراء كان ربما أجازه وربما لم يجزه أعني أنْ يعرب ( يومَ ) أو يبنيه وكان يقيسه على قوله :
( هل غير أنْ كثر الأشد وأهلكت ... حربُ الملوكِ أكاثر الأقوام )

مسائل من هذه الأبواب
تقول : ( هذامعطي زيد أمس الدراهم ) بعد الإِضافة أضفتَ ( الدراهمَ ) قال أبو العباس : وليس كذلك لأنك أعملت فيها ( معطي ) هذه التي ذكرنا ولكن جاءت الدراهم بعد الإِضافة فحملت في النصب على المعنى لأنك ذكرت اسماً يدل على فعل ولا موضع لما بعده إذا كان قد استغنى بالتعريف فحملته على المعنى الذي دل عليه ما قبله وكذلك لو قلت : هذا ضاربُ زيدٍ أمسِ وعمراً لجاز والوجه الجر لأنهما شريكان في الإِضافة ولكن الحمل على المعنى يحسن إذا تراخى ما بين الجار والمجرور ومن ذلك حمل على جعل الليل سكناً قول الله عز و جل : ( وجاعل الليل سكنا ) لأن الإسم دل على ذلك ولو قال قائل : ( مررت بزيد وعمرو ) لجاز لأن ( بزيدٍ ) مفعول والواصل إليه الفعل بحرف في المعنى كالذي يصل إليه الفعل بذاته لأن قولكَ : ( مررت بزيدٍ ) معناه أتيت زيداً إلا أن الجر الوجه للشركة

وقولك : خشنت بصدره وصدر زيد وهو إذا نصبت في هذا الموضع أحسن من قولك : مررتُ بزيدٍ وعمرٍو لأن قولك : ( خشنت ) يجوز فيه حذف الباء ولا يجوز في : ( مررتُ بزيدٍ ) حذفها
وتقول : ( عبد اللِه الضاربُ زيداً ) جميع النحويين على أن هذا في تقدير : الذي ضرب زيداً ولم يجيزوا الإِضافة وزعم الفراء : أنه جائز في القياس على أن يكون بتأويل : ( الذي هو ضارب زيدٍ ) وكذا حكم : ( زيدٌ الحَسنُ الوجهِ ) عنده أن يكون تأويله الذي هو حسن الوجه وقد ذكرنا أصول هذا وحقائقه فيما تقدم وتقول عبد الله الحسنُ وجهاً ولا يجوز : الحسنُ وجهٍ لأنه يخالف سائر الإِضافات وأما أهل الكوفة فيجوز في القياس عندهم إلا أنهم يقولون : ( الوجهُ ) مفسرٌ وإذا دخل في الأول ألف ولام دخل في مفسره عندهم ومن قولهم : خاصة العشرون الدرهم والخمسة الدراهم والمائة الدرهم ولا يجوزُّ هذا البصريون لأنه نقض لأصول الإِضافة والبصريون يقولون : خمسةُ الدراهم ومائة الدرهم فيدخلون الألف واللام في الثاني ويكون الأول معرفاً به على سبيل الإِضافة ويقولون : العشرون درهماً والخمسةَ عشر درهماً فيدخلون الألف واللام في الأول فيكون معرفاً يقرون الثاني على حده في النكرة
وقيل لأبي العباس رحمه الله : ألستم تقولون : عبد الله الضاربهُ والضاربك والضاربي فتجمعون على أن موضع الكاف والهاء خفض قال : بلى قيل له : فهذا يوجبُ الضاربُ زيدٍ لأن المكنى على حد الظاهر ومن قولك أنت خاصة : أن كل من عمل في المظهر جائز أن يعمل في المضمر وكذلك ما عمل في المضمر جائز أن يعمل في المظهر فقال : نحو قول سيبويه : أن هذه الحروف يعني حروف الإِضمار قلَّتْ وصارت بمنزلة التنوين لأنها على حرف كما أن التنوين حرف فاستخفوا أن يضيفوا إليها الفاعل لأنها تصير في الإسم

كبعض حروفه وحكَى لي عنه بعدُ أنه قال : ( الضاربَهُ ) ( الهاء ) في موضع نصب لأن لا تنوين ها هنا تعاقبه الهاء والضارباه ( الهاء ) في موضع خفض فإذا أردت النصب أثبت النون بناء على الظاهر وبه اختلف الناس في المضمر فأما الظاهر فلا أعلم أحداً يجيزه الخفض إلا الفراء وحكى لنا عنه أنه قال : وليس منْ كلام العرب إنما هو قياس ويقول : أعجبني يوم قام زيدٌ ويوم قيامِكَ نسقت بإضافة محضة على إضافة غير محضة فإن قلت أعجبني يوم قمته فرددت إلى ( يومٍ ) ضميراً في ( قامَ ) لم تجز الإِضافة قال الله عز و جل : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) والمضافُ إلى غير محضٍ لا يؤكد ولا ينعت
ومن الكوفيين من يجيز تأكيده
وقال الأخفش : في قول العرب : اذهبْ بذي تَسلم وإنما هو اذهب لسلامتِكَ أي : اذهب وأنت سالم كما تقول : قام بحمقة وقام بغصة وخرج بطلعته أي خرج وهو هكذا وهذا في موضع حال قال : وإن شئت قلت : معناه معنى سلمكَ اللّهُ وجاء في لفظ ما لا يستغنى وحده ألا ترى أنك تقول زيد بسلامته كما تقول : زيد سلمهُ اللّهُ ولا تقول : إنك بذي تَسلم وتقول : إنك مسلمك الله إلا أن تدعو له فإن دعوت لم يحسن حتى تجيء له بخبر لأن لا بد لها من خبر وقد خرج مسلمك الله من أن يكون خبراً وقال : تقول : هذه تمرة قريثاء يا هذا وإن شئت قلت : كريثاء وهما لغتان وتمرتا كريثاء إذا أردت الإِضافة وهاتان تمرتان قريثاء إذا أردت النعت وهذه تمرة دقلة وتمرتان دقلتان إذا نعت وتمرتا دقل إذا أضفت وتقول هذه تمرة إذاذة وتمرتان إذاذتان وتمرتا إذاذ قال : وليس شيء من الأجناس يثنى ويجمع إذا وصف به إلا التمر

قال أبو بكر : والذي عندي أن كل جنس اختلف ضروبه جاز أن يثنى ويجمع إذا أردت ضربين منه أو أكثر وتقول : هذا رجلٌ حَسنُ وجه الأخ جميلهُ فتضمنُ الوجهَ لأنك قد ذكرته وتقول هذانِ رجلان حسنا الوجوهِ جميلاها تضيف ( الجميلين ) إلى الوجوه وإنما قلت : جميلاها فأنثت لأن الوجوه مؤنثة وتقول : هذا رجلٌ أحمرُ الجاريةِ لا أسودها فقلت أحمر وإنما الحمرةُ للجارية لأنك تُجري التأنيث والتذكير على الأول وعطِفت الأسود على الأحمر وأضفت الأسود إلى الجارية كما أضفت الأحمرَ إليها وتقول : هذانِ رجلانِ أحمرا الجارية لا أسوداها وهولاء رجال حمرُ الجواري لا سودُها تجعل التثنية والجمع والتأنيث والتذكير على الأول وتقول : هذا رجلٌ أبيضُ بطنِ الراحة لا أسوَدُه وإنما قلت : لا أسوده لأن البطنَ مذكرٌ وتقول : هذان رجلان أبيضا بطون الراح لا أسوداها وإنما قلت : الراحُ لأنه جمع جماعة الراحة وقلت : بطونُ لأن كل شيئين من شيئين فهو جماعةٌ وتقول هؤلاء رجالٌ حمر بطون الراح لا سودها وأجاز الأخفش : هذان أخواك أبيضُ بطوح الراح لا أسوديها وقال : لأن أخويكَ معرفة وأبيض بطون الراح نكرةٌ وقال : تقول : هذه جاريتُك بيضاءَ بطن الراحة لا سوداءهُ لأنك أضفت إلى البطن وهو مذكر ونصبت بيضاء وسوداء لأنه نكرةٌ وهؤلاء رجال بيض بطون الراح لا سودها لأن هذا نكرةٌ وصف بنكرةٍ وتقول : هذا رجل أحمر شرك النعلين إذ جعلت الشراكين من النعلين وإن شئت لم تجعلهما من النعلين فقلت : هذا رجلُ أحمر شراكي النعلين وتقول هاتان حمراوا الشراك لا صفراواها وإن شئت حمراوا الشراكين لا صفراوهما وتقول : مررتُ بنعلك المقوطعتي إحدى الأذنين ومررت برجل مقطوع إحدى الأذنين ولا تقول : مررت برجلينِ مقطوعي إحدى الآذان لأن ( إحدى ) لا تثنى ولا تجمع وتقول : مررت برجل مكسور إحدى الجانبين ولا تقولُ : مررتُ برجلينِ مكسوري أحد الجنوب لأنه يلزمك أن تثني

( أحداً ) لأن جنب كل واحدٍ منهما مكسور ولا يجوز تثنية أحدٍ ولا إحدى لأن موضع أحدٍ وإحدى من الكلام في الإِيجاب أن يدلا على أن معهما غيرهما ألا ترى أنك إذا قلت : إحداهما أو أحدهم فليس يكون إلا مضافاً لا بد من أن يكون معه غيره فلو ثنيت زال هذا المعنى وكذلك ( كِلا وكلتا ) لا يجوز أن يثنى ولا يجمع لأنهما يدلان على اثنين فلو ثنيا لزال ما وضعا له ولو قلت : مررتُ برجلين مكسوري أحد الجنوب وأنت تريد أن أحدهما مكسور الجنب جاز على قبح لأن تأويله : مررتُ برجلينِ مكسور أحد جنوبهما
قال الأخفش : ولو قلت : أي النعال المقطوعة إحدى الآذان نعلك وواحدة منهن المقطوعة إحدى الأذنين لجاز على قبحه وقال : ألا ترى أنك لو قلت : ضربت أحد رؤوس القوم وإنما ضربت رأساً واحدا لكان كلاماً ولو قلت : قطعتُ إحدى آذان هؤلاء القوم وإنما قطعت أذناً واحدة لجاز وتقول : هذا رجلٌ لا أحمر الرأس فأقول : أحمره ولا أسوده فأقول : أسود ومررت برجلينِ لا أحمري الرؤوس فأقول : أحمراهُما ولا أسوديهما فأقول : أسوداها ومررتُ برجالٍ لا حمرُ الرؤوسِ فأقول : حُمرها ولا سودها فأقول سودها ومررت بامرأةٍ لا حمراء الرأس فأقول : حمراوة ولا سوداية فأقول : سودايةً ونصبت ( أقول ) في كل هذا لأنها بالفاء وهو جواب النفي ورفعت ما بعد القول : لأن ما بعد القول لا يقع إلا مرفوعاً وعطفت قولاً وما بعده على الذي قبله وكذلك : مررت بامرأتين لا حمراوي الرؤوس فأقول حمراواهما ولا سوداويهما فأقول سوداواها وتقول : هذه امرأة أحمر ما بين عينيها لا أسود
ترفعُ ( بين ) إذا جعلت ( ما ) لغواً لأنك جعلت الصفة ( للبين ) فرفعته بها كما ترفع بالفعل
وقلت : أسود ولم تصف لأنك لم تضف الأول وكذلك تقول : هاتان امرأتان أحمر ما بينَ عينيهما لا أسود فإن جعلت ( ما ) بمنزلة ( الذي ) ولم تجعلها زائدة وجعلتها في موضع رفع فرفعتهما بأحمر نصبت البينَ لأنه

ظرفٌ فإن أضفت أحمر ونقلت إلى العينين قلت إذا جعلت ( ما ) لغواً قلت : هذه امرأةٌ حمراءُ ما بينَ العينين لا سودائه وهذا رجل أحمرُ ما بينَ العينين لا أصفره لما أضفت أحمر إلى ما بين وأضفت أصفر إلى ضميره وتقول : هذان رجلان أحمرا ما بينَ الأعين لا أصفراه وهؤلاء رجال حمرُ ما بينَ الأعين لا صفره إذا ألغيت ( ما ) فإن جعلت ( ما ) بمنزلة ( الذي ) جعلتها في موضع جر وأضفت إليها الصفة وجعلت ( بين ) ظرفاً ( لما ) فقلت : هاتان امرأتان حمراوا ما بينَ الأعين لا صفراواه فهذه الهاء التي في قولك : لا صفراواه ( لما ) فكأنك قلت : هاتان امرأتانِ حمراوا الذي بين الأعينِ
واعلم أنه من قال : مررت برجلٍ حسنٍ الوجهَ قال : مررت برجل أحمرَ الوجهُ لأن أحمر لا ينصرف ومن قال : مررت برجل حسن الوجه جميله لم يجد بداً من أن يضيف جميلاً إلى مررت برجل حسن الوجه جميله لم يجد بداً من أن يضيف جميلاً إلى ضمير الوجه فكذلك : مررت برجل أحمر الوجه لا أصفره لم يجد بداً من أن يضيف أصفر إلى ضمير الوجه وإذا أضافه أنجز ويشبه هذا مررت برجل ضاربٍ أخاكَ لا شاتمِه لا تجد بداً من أن تقول : لا شاتمهِ لأنك تجيء بالإسم المفعول فإذا جئت بالإسم المفعول به في هذا الباب مضمراً لم تكن الصفة إلا مضافة إليه نحو : هذان ضاربان غداً فلذلك قلت : أصفره فصرفت ( أصفر ) لأنك أضفته ولم تجعله يعمل كعمل الأول لأن المضمر والمظهر يختلفان في هذا الباب ألا ترى أنك تقول : مررت بنسوةٍ ضوارب زيداً لا قواتله تجر الآخر وتفتح ضوارب لأنك أردت معنى التنوين ويدلك على ذلك أنك تقول : مررت برجلين أحمرين الوجوه ولا أصفريها ولا يجوز بوجه من الوجوه أصفرنيها فإن قلت : لِمَ لا أقول : لا أصفرين لأن لَم أضف الأول فلا أضيف الآخر فلأن الأول قد وقع على شيء حين صار كالمفعول به فلا بد من أن يكون

الثاني أيضاً له مفعولٌ
نجزت الأسماء المرفوعاتُ والمنصوبات والمجروراتُ وسنذكر توابعها في إعرابها إن شاء الله

هذه توابع الأسماء في إعرابها
التوابع خمسة : التوكيد والنعت وعطف البيان والبدل والعطف بالحروف وهذه الخمسة : أربعة تتبع بغير متوسط والخامس وهو العطف لا يتبع إلا بتوسط حرف فجميع هذه تجري على الثاني ما جرى على الأول من الرفع والنصب والخفضِ
شرح الأول : وهو التوكيد :
التوكيد يجيء على ضربين إما توكيد بتكرير الإسم وإما أن يؤكد بما يحيط به
الأول : وهو تكرير الإسم :
اعلم : أنه يجيء على ضربين ضرب يعاد فيه الإسم بلفظه وضرب يعاد معناه فأما ما يعاد بلفظه فنحو قولك : رأيت زيداً زيداً ولقيت عمراً عمراً وهذا زيدٌ زيدٌ ومررت بزيدٍ زيدٍ وهذا الضرب يصلح في الأفعال والحروف والجمل وفي كل كلام تريد تأكيده فأما الفعل فتقول : قام عمرو قامَ وقم قمْ واجلس اجلسْ قال الشاعر :
( ألا فَاسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثَمَّتَ اسْلَمِي ... ثَلاثُ تَحيَّاتٍ وإنْ لم تكلَّميِ )
وأما الحروف فنحو قولك : في الدار زيدٌ قائمٌ فيها فتعيد
فيها

( توكيداً ) وفيك زيدٌ راغِبٌ فيك وقال الله عز و جل : ( وأما الذين سُعِدُوا ففي الجنةِ خالدينَ فيها ) إلا أن الحرف إنما يكرر مع ما يتصل به لا سيما إذا كان عاملاً وأما الجملُ فنحو قولك : قام عمرو قام عمرو وزيدٌ منطلقٌ وزيد منطلقٌ والله أكبر الله أكبر وكل كلام تريد تأكيده فلك أن تكرره بلفظه
الثاني : الذي هو إعادة المعنى بلفظٍ آخر نحو قولك : مررتُ بزيدٍ نفسهِ وبكم أنفسكم وجاءني زيدٌ نفسُه ورأيت زيداً نفسَهُ ومررت بهم أنفسِهم فحق هذا أن يتكلم به المتكلم في عقب شك منه ومن مخاطبه فتقول : مررت بزيدٍ نفسِه كما تقول : مررت بزيدٍ لا أشك ومررت بزيد حقاً لتزيل الشك فإذا قلت : قمت نفسُك فهو ضعيف لأن النفس لم تتمكن في التأكيد لأنها تكون اسماً تقول : نزلتُ بنفس الجبلِ وخرجت نفسه وأخرج الله نفسه فلما وصلتها الإسم المضمر في الفعل الذي قد صار كأحد حروفه فأسكنت له ما كان في الفعل متحركاً ضعف ذلك من حيث ضعف العطف عليه
فإن أكدته ظهر ما يجوز أن تحمل النفس عليه فقلت : قمتَ أنتَ نفسُكَ وقاموا هم أنفسُهم فإن أتبعته منصوباً أو مجروراً حسنٌ لأن المنصوب والمجرور لا يغيران الفعل تقول : رأيتكم أنفسكم ومررت بكم أنفسِكم ومررتُ بكم أنفسِكم وتقول : إن زيداً قامَ هو نفسُه فتؤكد المضمر الفاعل المتصل بالمكنى المنفصل وتؤكد المكنى المنفصل بالنفس كالظاهر
إن زيداً قامَ نفسُه فحملتَهُ على المنصوب جاز وكذلك : مررت بهِ نفسِه ورأيتُك نفسَك لأن المنصوب والمجرور المضمرين لا يغيرُ لهما الفعل

الضرب الثاني في التأكيد وهو ما يجيء للإِحاطة والعموم :
تقول : جاءني القومُ أجمعون وجاءني القومُ كلهُم وجاءوني أجمعون وكلهم وإن المال لكَ أجمع أكتعٌ ترفع إذا أردت أن تؤكد ما في ( لك ) وإذا أردت أن تؤكد المال بعينه نصبت وكذلك : مررتُ بدارك جمعاء كتعاء أو مررت بنسائك جمع كتع
ولا يجوز بزيدٍ أجمع ولا بزيدٍ كلِه وإنما يجوز ذلك فيما جازت عليه التفرقة
وأجمعون وما تصرف منها وكل إذا كانت مضافة إلى الضمير وجميعهن يجرين على كل مضمر إلا أجمعين لا تكون إلا تابعة لا تقول : رأيت أجمعين ولا مررت بأجمعين لا يجوز أن يلي رافعاً ولا ناصباً ولا جاراً فلما قويت في الإتباعِ تمكنت فيه وصلح ذلك في ( كُلٍّ ) لأنها في معنى ( أجمعين ) في العموم وذلك قولك : إن قومك جاءوني أجمعون ومررت بكم أجمعين فمعناها العموم وذلك مخالف لمعنى نفسه وأنفسهم لأن أنفسهم وأخواتها تثبت بعد الشك فإذا قلت : مررتُ بهم كلِّهم فهو بمنزلة ( أجمعين ) ومررت بهم جميعهم وتقول : مررت بدارك كلها ولا تقول : مررت بزيدٍ كله ولو قلت : أخذت درهماً أجمع لم يجزْ لأن درهماً نكرة وأجمع معرفة كما لا يجوز : مررت برجلٍ الظريف إلا على البَدلِ ولا يجوز البدل في ( أجمَعَ ) لأنه لا يلي العوامل ولكن يجوز أخذت الدرهم أجمع وأكلت الرغيف كله
فأما : قولهم : مررت بالرجلِ كُلِّ الرجلِ فقال أبو العباس معناه : مررت بالرجل المستحقِّ لأن يكون الرجلَ الكاملَ لأنك لا تقول : ذاك إلا وأنت تريد حزمه ونفاذه أو جبنه وشجاعتَهُ وما أشبه ذلك فإذا

قلت مررت بالرجلِ كل الرجلِ فهو كقولك : مررت بالعالمِ حقِّ العالمِ ومررت بالظريف حقِّ الظريفِ ولو قلت على هذا : مررت بزيدٍ كل الرجل لم يجز إلا ضعيفاً لأن زيداً اسم علم وليس فيه معنى تقريظ ولا تخسيس وكذلك : مررت برجلٍ كلِّ رجلٍ وبعالم حق عالمٍ وبتاجر خيرِ تاجرٍ فجميع هذا ثناء مؤكد وليس بنعت يخلص واحداً من آخر ولو قلت : زيدٌ كلُّ الرجلِ فجعلته خبراً صَلُحَ لأنه ليس بتأكيد لشيء ولكنه ثناءٌ خالص كما تقول : زيدٌ حقٌّ العالمِ وزيد عينُ العالم لأنك لو قلت : مررت بزيدٍ حَقِّ العالمِ لم يكن هذا موضعه وتقول : مررت بالرجلين كليهما ومررت بالمرأتين كلتيهما ولك أن تجري ثلاثتهم وأربعتَهم مجرى كلهم فتقول : مررت بهم ثلاثتهم ولك أن تنصب كما تنصب ( وحدَهُ ) في قولك : مررت برجلٍ وحدَهُ وكذلك المؤنث : مررت بهن ثلاثَتِهن وأربعَتهن ولك أن تقول : أتينني ثلاثتهن وأربعتهن نصباً ورفعاً قال الأخفش : فإذا جاوزت العشرة لم يكن إلا مفتوحاً إلى العشرين تقول للنساء أتينني ثماني عشرهن وللرجال أتوني ثمانية عشرهم وأما نصبكَ ( وحدَهُ ) فعلى المصدر كأنك قلت : أوحدَتُه إيحاداً فصار وحده كقولك : إيحاداً كأنك قلت : أفردتهُ إفراداً وتقول : إنَّ المالَ لكَ أجمع أكتعُ إذا أردت أن تؤكد ما في ( لكَ )
وأما ( كُلهم ) فالأحسن أن تكون جامعين وقد يجوز أن تلي العوامل وتقول إن القومَ جاءوني كلهُم وكلَهم : النصب إذا أكدت ( القومَ ) والرفع إذا أكدت الفاعلين المضمرين في ( جاءوني ) ويجوز أن تقول : إن قومَك كلهُم ذاهبٌ يحسن عند الخايل أن يكون مبتدأً بعد أن تذكر ( قومَك ) فيشبه التوكيد لأن التوكيد لا يكون إلا جارياً على ما قبله ويجوز أيضاً قومكَ ضربت كلهم لهذه الإِضافة الواقعة في ( كُلِّ ) فصار معاقباً ( لبعضهم ) كقولك : ضربتُ بعضهم وهو على ذلك ضعيف والصواب الجيد : قومك ضربتهم كلُهم لأن المعنى معنى ( أجمعينَ ) في العموم والتأكيد فأما قوله عز

وجل : ( قُلْ إن الأمر كُلَّهُ لله ) فالنصب على التوكيد للأمر والرفع على قولك : إن الأمر جميعه لله
واعلم : أنه لا يجوز أن تقول : مررت بقومِكَ إما بعضهم وإما أجمعينَ وإما كلهُم وإما بعضهم لأن أجمعينَ لا تنفرد ولكن تقول : إما بهم كلهم وإما بهم أجمعينَ فإن قلت : مررت بقومكَ إما كلهم وإما بعضهم جاز على قبحٍ فأما ما يؤكد به ( أجمعون ) من قولك : جاءني قومُكَ أجمعون أكتعونَ ونحوه فإنما هو مبالغة ولا يجوز أن يكون أكتعون قبل ( أجمعين ) وكذلك سائر هذه التوكيدات نحو قولك : ويلة وعولة وهو جائعُ نائعُ وعطشان نطشان وحسن بسن وقبيح شقيح وما أشبه هذا إلا يكون المؤكِّدُ قبل المؤكَّدِ وكلاهما وكلتاهما وكلهن يجرين مجرى ( كلهم ) فأما النكرة فلا يجوز أن تؤكدُ بنفسه ولا أجمعينَ ولا كلهم لأن هذه معارف فإن أكدت بتكرير اللفظ بعينه لم يمتنع أن تقول : رأيتُ رجلاً رجلاً وأصبتُ درةً درة فأما قولهم : ( مررت برجلٍ كلِّ رجلٍ ) فإنما هذا على المبالغة في المدح كأنك قلت : مررت برجلٍ كاملٍ
الثاني من التوابع وهو النعتُ :
النعت ينقسم بأقسام المنعوتِ في معرفته ونكرتِه فنعتُ المعرفةِ معرفةٌ ونعت النكرةِ نكرةٌ والنعت يتبع المنعوت في رفعه ونصبه وخفضه وأصل الصفة أن يقع للنكرةِ دون المعرفةِ لأن المعرفةَ كان حقها أن تستغني بنفسها وإنما عرض لها ضرب من التنكير فاحتيج إلى الصفة فأما النكرات فهي المستحقة للصفات لتقرب من المعارف وتقع بها حينئذٍ الفائدة والصفة : كل ما فرق بين موصوفين مشتركين في اللفظ وهي تنقسم على خمسة أقسام :

القسم الأول : حلية للموصوف تكون فيه أو في شيء من سببه
الثاني : فعلٌ للموصوف يكون به فاعلاً هو أو شيء من سببهِ
الثالث : وصفٌ ليس بعمل ولا بحليةٍ
الرابع : وصفٌ ينسبُ إلى أبٍ أو بلدة أو صناعة أو ضرب من الضروبِ
الخامس : الوصفُ ( بذي ) التي في معنى صاحبٍ لا بذو التي في معنى ( الذي )
شرح الأول : وهو ما كان حلية للموصوف تكون فيه أو في شيء من سببه نحو الحلية :
نحو الزرقة والحمرةِ والبياضِ والحول والعور والطول والقصر والحسنِ والقبح وما أشبهُ هذه الأشياء تقول : مررت برجل أزرق وأحمرَ وطويل وقصير وأحول وأعور وبامرأة عوراء وطويلة زرقاء وبرجلٍ حَسَنٍ وبامرأة حسنَةٍ فجميعُ هذه الصفات قد فرقت لك بين الرجلِ الأزرق وغيره والأحمر وغيره والرفع والنصب مثل الخفضِ والرجل والجمل والحجرُ في الوصف سواء إذا وصفتهنَّ بما هو حليةٌ لهن فأما الموصوف بصفة ليست له في الحقيقة وإنما هي لشيء من سببه وإنما جرت على الإسم الأول لأنها تفرق بينه وبين منْ له اسم مثل اسمِه وذلك قولك : مررتُ برجلٍ حَسنٍ أبوهُ ومضيت إلى رجلٍ طويل أخوهُ وقد تقدم ذكر الصفة التي تجري على الموصوف في الإِعرابِ إذا كان لشيءٍ من سببه عورض بها وقلنا : أنه إنما يجري على الإسم منها ما كان مشبهاً باسم الفاعل مما تدخله الألف واللام أو يثنى ويجمع بالواو والنون ويذكّر ويؤنث
شرح الثاني من النعوت :
وهو ما كان فعلاً للموصوف يكون به فاعلاً أو متصلاً بشيءٍ من سببه وذلك نحو : ( قائمٍ ) وقاعدٍ وضاربٍ ونائمٍ تقول : مررت برجلٍ قائمٍ

وبرجلٍ نائمٍ وبرجل ضاربٍ وهذا رجلٌ قائمٌ ورأيت رجلاً قائماً فهذه صفة استحقها الموصوف بفعله لأنه لما قام وجب أن يقالَ له : قائمٌ ولما ضَرَبَ وجب أن يُقال له : ضاربٌ وكذلك جميع أسماء الفاعلينَ على هذا نحو : مكرم ومستخرج ومدحرجِ كثرت حروفُه أو قلت ولهذا حَسُنَ أن توصف النكرة بالفعل فتقول : مررتُ برجلٍ ضَرب زيداً وبرجلٍ قامَ وبرجلٍ يضربُ لأنه ما قيل له ضاربٌ إلا بعد أن ضَربَ أو يضربُ في ذلك الوقت أو يكون مقدراً للضربِ لأن اسم الفاعل إنما يجري مجرى الفعل فجميع هذا الذي ذكرت لك من أسماء الفاعلين يجري على الموصوفات التي قبلها فيفصل بين بعض المسميات وبعضٍ إذا أخلصتها نحو : مررتُ برجلٍ ضاربٍ وقاتلٍ ومكرمٍ ونائمٍ وكذلك إن كانت لما هو من سبب الأول نحو قولك : مررت برجلٍ ضاربٍ أبوه وبرجلٍ قائم أخوهُ ورأيت رجلاً ضارباً أخوه عمراً وهذا رجلٌ شاكر أخوه زيداً ولك أن تحذف التنوين وأنت تريده من اسم وتضيف فتقول : مررت برجل ضاربِ زيدٍ غداً وبرجلِ قاتلِ بكرٍ الساعةَ وقد بينت ذا فيما تقدم وكذا إن كان الفعل متصلاً بشيءٍ من سبب الأول تقول : مررت برجلٍ ضاربٍ رجلاً أبوه وبرجلٍ مخالطِ بدنَه داءٌ ولك أن تحذف التنوين كما حذفت فيما قبله فتقول مررت برجلٍ ضاربِ رجلٍ أبوهُ وبرجلِ مخالطِ بدنه داءٌ
وحكى سيبويه عن بعض المتقدمين من النحويين أنه كان لا يجيز إلا النصب في : مررتُ برجلٍ مخالطٍ بدنه داءٌ فينصبون ( مخالطَ ) وردَّ هذا القول وقال : العمل الذي لم يقع والعمل والواقع الثابت في هذا الباب

سواءٌ قال : وناس من النحويين يفرقون بين التنوين وغير التنوين ويفرقون إذا لم ينونوا بين العمل الثابتِ الذي ليس فيه علاجٌ يرونَهُ نحو : الآخذِ واللازم والمخالطِ وبين ما كان علاجاً نحو : الضاربِ والكاسر فيجعلون هذا رفعاً على كل حال ويجعلون اللازم ما أشبههُ نصباً إذا كان واقعاً فإن جعلت ملازمهُ وضاربه وما أشبه هذا لما مضى صار اسماً ولم يكن إلا رفعاً تقول : مررتُ برجلٍ ضاربهُ زيدٌ أمسِ وبرجلٍ ضارب أبيه عمرو أمس ورأيتُ رجلاً مخالطه داءٌ أمسِ
شرح الثالث : من النعوت وهو ما كان صفة غير عمل وتحلية :
وذلك نحو العقلِ والفهمِ والعلم والحزنِ والفرحِ وما جرى هذا المجرى تقول : مررتُ برجلٍ عالم وبرجل عاقلٍ ورجل عالمٍ أبوهُ وبرجل ظريفةٍ جاريتُهُ فجميع هذه الصفات وما أشبهها وقاربها فحكمها حكمٌ واحدٌ وقياسُها قياسُ ضاربٍ وقائمٍ في إعرابها إذا كانت متصرفةً كتصرفها
شرح الرابع : وهو النسب :
إذا نسبت إلى أبٍ أو بلدةٍ أو صناعةٍ أو ضربٍ من الضروب جرى مجرى النعوت التي تقدم ذكرها وذلك قولك : مررتُ برجلٍ هاشمي وبرجلٍ عربيٍ منسوب إلى الجنس وكذلك عجمي وبرجلٍ بزازٍ وعطارٍ وسراج وجمّال ونجار فهذا منسوبٌ إلى الأمور التي تعالج وبرجلٍ بصري ومصري وكوفي وشامي فهذا منسوب إلى البلد وتقول : مررتُ برجلٍ دارعٍ ونابلٍ أي : صاحبُ درعٍ وصاحبُ نبلٍ وكذلك برجلِ

فارسٍ فجميع هذه الأشياءُ إنما صارت صفاتٍ بما لها من معنى الصفةِ وسنبين النسب في بابه فإنه حدٌّ من النحو كبير إن شاء الله فأما أبٌ وأخٌ وابنٌ وما جرى مجراهن فصفاتٌ ليست منسوبة إلى شيءٍ وهي أسماءٌ أوائل في أبوابها ولا يجوز أن تنسب إليها كنسب هاشمي المنسوب إلى هاشم ولا كعطارِ المنسوب إلى العطرِ ولا دارع المنسوب للدرعِ
شرح الخامس : وهو الوصفُ بذي :
وذلك نحو : مررتُ برجلٍ ذي إبلٍ وذي أدبٍ وذي عقل وذي مروءة وما أشبه ذلك ويفسر بأن معناه ( صاحبٌ ) ولا يكون إلا مضافاً ولا يجوز أن تضيفه إلى مضمر وإذا وصفت به نكرةً أضفته إلى نكرةٍ وإذا وصفت به معرفةً أَضَفْتَ إلى الألف واللام ولا يجوز أن تضيفه إلى زيدٍ وما أشبههُ وتقول للمؤنث ( ذاتِ ) تقول : مررتُ بامرأةٍ ذات جمالٍ وإذا ثنيت قلت : مررت برجلينِ ذوي مالٍ وهذان رجلانِ ذوا مالٍ وهاتانِ امرأتان ذواتا مالٍ وهؤلاء رجالٌ ذوو مالٍ ونساء ذوات مالٍ فأما ( ذو ) التي بمعنى ( الذي ) فهي لغةُ طيءٍ فحقها أن يوصفَ بها المعارف

ذكر الصفات التي ليست بصفات محضة
هذه الصفات التي ليست بصفات محضة في الوصف يجوز أن تبتدأ كما تبتدأ الأسماء ويحسن ذلك فيها وهي التي لا تجري على الأول إذا كانت لشيءٍ من سببه وهي تنقسم ثلاثة أقسام مفردٍ ومضافٍ وموصولٍ
فالأول : المفرد نحو قولك : مررتُ بثوبٍ سبعٍ وقول العرب : أخذَ بنو فلانٍ من بني فلانٍ إبلاً مائةً
وقال الأعشى :
( لئن كنتَ في جُبٍّ ثمانينَ قامةً ... ورقيتَ أسبابَ السماءِ بسلمِ )

ومررتُ بحيةٍ ذراعٍ فإذا قلت : مررت بحيةٍ ذراعٌ طولها رفعت ( الذراع ) وجعلت ما بعد ( حيةٍ ) مبتدأً وخبراً وكذلك مررت بثوب سبعٌ طوله ومررت برجلٍ مائةٌ إبلُه
قال سيبويه وبعض العرب يجره كما يجر الخزَّ حين تقول : مررت برجلِ خَزٍّ صُفَتُه وهو قليل : كما تقول : مررت برجل أسد أبوهُ إذا كنت تريد أن تجعله شديداً ومررت برجلٍ مثل الأسد أبوهُ إذا كنت تشبهه فإن قلت : مررت بدابةٍ أسدٌ أبوها فهو رفعٌ لأنك إنما تخبر أن أباها هذا السبعُ قال : فإن قلت : مررت برجلٍ أسدٌ أبوهُ على هذا المعنى رفعت لأنك لا تجعل أباه خلقته كخلقة الأسد ولا صورته هذا لا يكون ولكنه يجيء كالمثل ومن قال : مررتُ برجلٍ أسدٌ أبوهُ قال : مررت برجلٍ مائةٌ إبلُه وزعم يونس : أنه لم يسمعهُ من ثقةٍ ولكنهم يقولون : هو نارٌ جُمْرة لأنهم قد يبنون الأسماء على المبتدأ ولا يصفون بها فالرفع فيما كان بهذه الحال الوجه قال : ومن قال : مررتُ برجلٍ سواءٍ والعدمُ كان قبيحاً حتى تقول : هو والعدمُ لأن في ( سواءٍ ) اسماً مضمراً مرفوعاً كما تقول : مررتُ بقومٍ عربٍ أجمعونَ فارتفع ( أجمعونَ ) على مضمرٍ في ( عَربٍ ) في النيةِ فالعدم هنا معطوف على المضمر الثاني المضاف وذلك قولهم : مررتُ برجلٍ أي رجلٍ وبرجلٍ أيما رجلٍ وبرجل أبي عشرةٍ وبرجلٍ كُلِّ

رجلٍ وبرجل مثلِكَ وغيرك وبرجلٍ أفضلَ رجلٍ وما أشبههُ فجميع هذا يجري على الموصوف في إعرابه في رفعه ونصبه وجره إذا أخلصتها له فإن جعلت شيئاً من هذه الصفات رافعاً لشيء من سببه لم يجز أن تصف به الأول ولا تجريه عليه ورفعته فقلت : مررت برجلٍ أبو عشرةٍ أبوه وبرجلٍ أفضلَ رجلٍ أبوه وبرجلِ مثلكَ أخوهُ وبرجل غيركَ صاحبُه : وكلُّ ما ورد عليك من هذا النحو فقسهُ عليه
الثالث : النعت الموصول المشبه بالمضاف :
وإنما أشبه المضاف لأنه غير مستعمل إلا مع صلته وذلك نحو : أفضل منكَ وأب لكَ وأخ لكَ وصاحبٌ لكَ فجميع هذه لا يحسن أن تفردها من صلاتها لو قلت : مررت برجلٍ أبٍ وبرجلٍ أخٍ لك وبرجلٍ خيرٍ وبرجل شَرٍّ لم يجز حتى تقول : مررتْ برجلٍ أبٍ لك وبرجل أخٍ لك وبرجل خيرٍ منكَ فجميع هذه إذاً أخلصتها للموصوف ولم تعلقها بشيءٍ من سببه أجريتها على الأول فقلت : هذا رجلٌ خيرٌ منكَ وصاحبٌ لكَ وأبٌ لكَ ورأيت رجلاً خيراً منكَ وأباً لكَ ومررت برجلِ خيرٍ منكَ وأبٍ لكَ فإن علقتها بشيء من سببه رفعت وغلبت عليها الإسمية فقلت : مررت برجلٍ أبٍ لكَ أبوهُ وبرجلٍ صاحبٍ لكَ أخوه وبرجلٍ خير منه أبوه ترفع جميع هذا على الإبتداء والخبر والجر لغة وليست بالجيدة وتقول : ما رأيت رجلاً أبغضَ إليه الشرُّ منهُ إليه وما رأيتُ آخر أحسن في عينه الكحلُ منه في عين زيدٍ فإنما جرى : ( أبغضُ وأحسنُ ) على ( رجلٍ ) في إعرابه
وإن كان قد وقع بهما الشر والكحلَ لأن الصفة في المعنى له وليس هنا موصوفٌ غيره لأنه هو المبغضُ للشر وهو الحسنُ بالكحلِ فلهذا لم يشبه : مررت برجلٍ خيرٍ منهُ أبوهُ لأن أباه غيره وليس له في الخبر الذي

في ( أبيهِ ) نصيبٌ وقد تخفضُ العرب هذا الكلام فتقول : ما رأيتُ رجلاً أحسن في عينه الكحل من زيدٍ وما رأيت أبغضَ إليه الشرُّ منهُ فإذا فعلوا هذا جعلوا الهاء التي كانت في ( منهُ ) للمذكرِ المضمرِ وكانت للكحلِ والشرِّ وما أشبههما قال الشاعر :
( مَرَرْتُ عَلَى وادي السِّبَاعِ ولا أَرَى ... كَوَادي السِّبَاعِ حِينَ يُظْلمُ وَادِيا )
( أقلَّ بهِ رَكْبٌ أَتَوْهُ تئيةً ... وأخوْفَ إلاّ ما وقى الله ساريا )
قال سيبويه : إنما أراد : أقلَّ به الركب تئيةً منهم ولكنه حذف ذلك استخافاً كما تقول : أنت أفضلُ ولا تقولُ من أحدٍ وتقول : الله أكبرُ ومعناه : أكبر من كلِّ كبير وكلِّ شيءٍ
وكما تقول : لا مالَ ولا تقول لك
واعلم : أن ما جرى نعتاً على النكرة فإنه منصوبٌ في المعرفة على الحال وذلك قولك : مررتُ بزيدٍ حسناً أبوهُ ومررتُ بعبد الله ملازمكَ وما كان في النكرة رفعاً غير صفةٍ فهو في المعرفة رفعٌ فمن ذلك قولهُ عز و جل : ( أم حَسب الذين اجترحوا السيئاتِ أنْ نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ سواءٌ محياهم ومماتهم ) لأنك تقول : مررت برجلٍ سواءٌ محياهُ ومماتهُ وتقول : مررت بعبد الله خير منهُ أبوهُ ومن أجرى هذا على الأول في

النكرة نصبه هنا على الحال فقال : مررت بعبدِ اللهِ خيراً منهُ أبوهُ وهي لغةٌ رديئةٌ وقد يكون حالاً ما لا يكون صفةً لأن الحال زيادة في الخبر فأشبهت خبر المبتدأ الذي يجوزُ أن يكون صفةً ويجوز أن يكون اسماً والصفة ما كانت تفرق بين اسمين والحال ليست تفرق بين اسمين وقد يجوز أن يكون من اسم لا شريكَ له في لفظه ولكنها تفرق بين صاحبِ الفعل فاعلاً كان أو مفعولاً وبين نفسه في وقتهن فمما استعملوه حالاً ولم يجز أن يكون صفةً
قولهم : مررتُ بزيد أسداً شدة قال سيبويه : إنما قال النحويون : مررتُ برجلٍ أسداً شدةً وجرأةً إنما يريدون : مثل الأسد وهذا ضعيفٌ قبيحٌ لأنه لم يجعل صفةً إنما قاله النحويون تشبيهاً بقولهم : مررتُ بزيدٍ أسداً شدةً وقد يكون خبراً ما لا يكون صفةً واعلم أنهم ربما وصفوا بالمصدر نحو قولك : رجلٌ عدلٌ وعلم فإذا فعلوا هذا فحقه أن لا يثنى ولا يجمع ولا يذكّر ولا يؤنث والمعنى إنما هو ذو عَدلٍ فإن ثنى من هذا شيءٌ فإنما يشبه بالصفة إذا كثر الوصف به والنكرة توصف بالجمل وبالمبتدأ والخبر والفعل والفاعلِ لأن كلَّ جملة فهي نكرةٌ لأنها حديثٌ وإنما يحدث بما لا يعرف ليعيدهُ السامع فيقول : مررتُ برجلٍ أبوهُ منطلقٌ فرجل صفته مبتدأ وخبره وتقول : مررتْ برجلِ قائمٌ أبوهُ فهذا موصوف بفعل وفاعلٍ ولا يجوز أن تصف المعرفة بالجمل لأن الجملَ نكراتٌ والمعرفة لا توصف إلا بمعرفةٍ فإذا أردت ذلك أتيت ( بالذي ) فقلت : مررتُ بزيدٍ الذي أبوهُ قائمٌ وبعمروٍ الذي قائمٌ أبوهُ

ذكر وصف المعرفة
وهو ينقسم بأقسام المعارف إلا المضمر فإنه لا يوصف به وأقسام

الأسماء المعارف خمسةٌ العلم الخاصُ والمضاف إلى المعرفةِ والألف واللام والأسماء المبهمةُ والإِضمار
فالموصوف منها أربعٌ :
الأول : وهو العلم الخاص : يوصف بثلاثة أشياء بالمضاف إلى مثله وبالألف واللام نحو : مررتُ بزيدٍ أخيكَ والألف واللام نحو : مررتَ بزيدٍ الطويلِ وما أشبه هذا من الإِضافة والألف واللام
وأما المبهمة فنحو : مررتُ بزيدٍ هذا وبعمروٍ ذاكَ والمرفوع والمنصوب في أتباع الأول كالمجرورِ
الثاني : المضاف إلى المعرفة يوصف بثلاثة أشياء بما أضيف كإضافته وبالألف واللام والأسماء المبهمةُ وذلك مررتُ بصاحبِكَ أخي زيدٍ ومررتُ بصاحبِكَ الطويلِ ومررتُ بصاحبِكَ هذا
الثالث : الألف واللامُ : يوصف بالألف واللامِ وربما أضيف إلى الألف واللامِ لأنه بمنزلة الألف واللامِ وذلك قولكَ مررتُ بالجميلِ النبيلِ ومررت بالرجلِ ذي المالِ
الرابع : المبهمةُ : توصف بالأسماء التي فيها الألفُ واللامُ والصفات التي فيها الألف واللامُ جميعاً
قال سيبويه : وإنما وصفت بالأسماء لأنها والمبهمة كشيءٍ واحدٍ
والصفات التي فيها الألف واللام هي بمنزلة الأسماء في هذا الموضع وليست بمنزلة الصفاتِ في زيدٍ وعمروٍ يعني أنك إذا قلت : هذا الطويل فإنما تريد : الرجل الطويل أو الرمح الطويل أو ما أشبه ذلك لأن هذا مبهم يصلح أن تشير به إلى كل ما بحضرتك فإذا ألبس على السامع فلم يدر إلى الرجل تشير أم إلى الرمح وجب أن تقول : بهذا الرجلِ أو بهذا الرمحِ فالمبهم يحتاج إلى أن يميز بالأجناسِ عند الإِلباس فلهذا صار هو وصفتُه بمنزلة شيءٍ واحدٍ وخالف

سائر الموصوفات لأنها لم توصف بالأجناس وإنما يجوز أن تقول بهذا الطويلِ إذا لم يكن بحضرتكَ طويلانِ فيقع لبسٌ فأما إذا كان شيئانِ طويلانِ لم يجز إلا أن تذكر الإسم قبل الصفة وهذا المعنى ذكره النحويون مجملاً وقد ذكرته مفصلاً واعلم أن صفة المعرفة لا تكون إلا معرفةً كما أن صفة النكرةِ لا تكون إلا نكرةً ولا يجوز أن تكون الصفةُ أخص من الموصوفِ ألا ترى أنك إذا قلت : مررتُ بزيدٍ الطويلِ فالطويلُ أعم من زيد وحدُه والأشياء الطوال كثيرة وزيدٌ وحدُه أخص من الطويل وحده فإن قال قائل : فكان ينبغي إذا وصفت الخاص بالعامِ أن تخرجه إلى العموم قيلَ له : هذا كانَ يكونُ واجباً لو ذكرَ الوصف وحدهُ فقلت : مررتُ بالطويلِ لكانَ لَعمري أعم من زيدٍ ولكنك إذا قلت : بزيدِ الطويلِ كان مجموع ذلك أحسن من زيدٍ وحده ومن الطويل وحده ولهذا صارت الصفة والموصوف كالشيء الواحد
واعلم : أنه لك أن تجمع الصفة وتفرق الموصوف إذا كانت الصفة محضة ولم تكن اسما وصفت به مبهماً
ولك أن تفرق الصفة وتجمع الموصوف في المعرفة والنكرة فتقول : مررتُ بزيدٍ وعمروٍ وبكرٍ الطوال تجمع النعت وتفرق المنعوت وتقول : مررتُ بالزيدينِ الراكبِ والجالسِ والضاحكِ فتجمع الإسم وتفرق الصفة ولكن المفرق يجب أن يكون بعدد المجموع وليس لك مثل هذا في المبهم لا يجوز أن تقول : مررتُ بهذينِ : الراكع والساجد وأنت تريد الوصف لأن المبهم اسم وصفته اسم فهما اسمان يبين أحدهما الآخر فقاما مقام اسم واحد ولا يجوز أن يفرقا لا يثني أحدهما ويفرد الآخر بل يجب أن يكون مناسباً له في توحيده وتثنيته وجمعه ليكون مطابقاً له لا يفصل أحدهما عن الآخر

مسائل من هذا الباب
تقول : إن خيرهم كلهم زيدٌ وإن لي قبلكم كلكم خمسين درهماً وإن خيرهما كليهما أخوك لا يكون ( كلَيهما ) من نعت ( خيرٍ ) لأن خيراً واحدٌ

وتقول : جاءني خيرُهما كليهما راكباً وإن خيرهما كليهما نفسه زيد فيكون ( نفسُه ) من نعت ( خيرٍ ) وتقول : جاءني اليوم خيرهما كليهما نفسُه وقال الأخفش : أن عبدَ الله ساجٌ بابُهُ منطلقٌ فجعل ( ساجٌ بابُه ) في موضع نصب على الحال لأَنه كان صفة للنكرة
وتقول : مررتُ بحسنٍ أبوهُ تريد : رجلٌ حَسن أبوه وبأحمرَ أبوهُ ولا يجوز : رأيت ساجاً بابُهُ تريد : رأيت رجلاً ساجاً بابُه
وتقول : مررتُ بأصحابٍ لكَ أجمعونَ اكتعونَ لأن في ( لَكَ ) اسماً مضمراً مرفوعاً
ومررتُ بقومٍ ذاهبينَ أجمعونَ أكتعونَ لأن في ( ذاهبين ) اسماً مرفوعاً مضمراً وكذلك : مررت بدرهمٍ أجمع أكتع ومررت بدارٍ لك جمعاءَ كتعاءَ ومررت بنساءٍ لكَ جمع كتع ولا يجوز أن تكون هذه الصفة للأول لأن الأول نكرة وتقول : مررت بالقوم ذاهبينَ أجمعينَ أكتعينَ إذا أكدت القومَ فإن أجريته على الإسم المضمر في ( ذاهبين ) رفعت فقلت : أجمعونَ أكتعونَ
وتقول : مررت برجلٍ أيما رجلٍ وهذا رجلٌ أيما رجلٍ وهذان رجلانِ أيما رجلينِ وهاتان امرأتانِ أيتما امرأتين ومررت بامرأتين أيتما امرأتينِ و ( ما ) في كل هذا زائدة وأضفت أياً وأيةَ إلى ما بعدها
وتقول : مررت برجل حسبكَ من رجلٍ وبامرأة حسبكَ من امرأة وهذه امرأةٌ حسبك من امرأةٍ وهاتان امرأتان حسبك من امرأتين وتقول : هذا رجلٌ ناهيكَ من رجلٍ وهذه امرأة ناهيتك من امرأةٍ فتذَكر ( ناهياً ) وتؤنثه لأنه اسم فاعل ولا تفعل ذلك في ( حسبكَ ) لأنه مصدر وتقول في المعرفة : هذا عبد الله حسبكَ من رجل وهذا زيد أيما رجلٍ فتنصب ( حسبكَ ) وأيما على الحال
وهذا زيدٌ ناهيكَ من رجلٍ وهذه أمة الله أيتما جاريةٍ
وتقول : مررت برجلين لا عطشاني المرأتين فأقول عطشاناهما ولا ريانيهما فأقول : رياناهما وتقول : مررت برجال لا عطاش النساء فأقول :

عطاشهن ولا روائهن فأقول : رواؤهن وإنما قلت : رواء لأنه فعال من رويت
وتقول : هاتان امرأتان عطشيا الزوجين لا ريياهما وتقول هؤلاء نساءٌ لا عطاش الأزواج فأقول : عطاشهم ولا رواؤهم فإذا جمعت : ريّا وريان فهو على فعال
وتقول : مررت برجل حائضٍ جاريتُه ومررت بامرأة خصي غلامُها ولو قلت : مررت برجلِ حائض الجارية لقَبحَ لأنك إن أدخلت الألف واللام جعلت التأنيث والتذكير على الأول فأنت تريد أن تذكر حائضاً لأن قبله رجلاً والحائض لا يكون مذكراً أبداً وقال بعضهم : هذا كلام جائز لأن ( حائضاً ) مذكر في الأصل وقد أُجيز مررت بامرأة خصي الزوجِ لأن خصياً فعيلٌ مما يكون فيه مفعولُه فهذا يكون للمذكر والمؤنث سواء ولا يجوز : مررت برجلٍ عذر الجاريةِ إذا كان الجارية عُذراً وكذلك : مررت بامرأة محتلمة الزوجِ لأن محتلماً مما لا يكون مؤنثاً وكذلك : مررت بامرأةٍ آدر الزوجِ ولا يجوز : مررت برجلٍ أعْفلَ المرأةِ لأن أعفل مما لا يكون في الكلام
ومن قال : مررت برجل كفاكَ به رجلاً قال للجميع : كفاكَ بهم وللإثنين : كفاكَ بهما لأن اسم الفاعل هو الذي بعد الباء والباءُ زائدةٌ وفي هذا لغتان : منهم من يجريه مجرى المصدر فلا يؤنثه ولا يثنيه ولا يجمعه ومنهم من يجمعه فعلاً فيقول : مررت برجل هدكَ من رجلٍ وبامرأةٍ هدتك من امرأة وإن أردت الفعل في ( حسبكَ ) قلت : مررت برجل

حسبكَ من رجلٍ وبرجلين أحسباك من رجلينِ وبرجال أحسبوكَ وتقول : مررت برجلين ملازماهما رجلانِ أمسِ كما تقول : برجلين عبداهما رجلانِ ومررت برجل ملازموهُ رجالٌ أمسِ لأن ملازمه هذا اسم مبتدأ لأنه بمنزلة غلام إذا كان لما مضى وقد بينا ذا فيما تقدم فإذا كان اسماً صار مبتدأً ولا بدّ من أن يكون مساوياً للخبر في عدته كما تقول : الزيدانِ قائمانِ وغلاماك منطلقانِ وتقول : مررت برجلٍ حسبكَ ومررت بعبد الله حسبكَ فيكون حالاً فإذا قلت : حسبك يلزمكَ فحسبك مرتفع بالإبتداء والخبر محذوف وهذا قول الأخفش وغيره من النحويين
وقال أبو العباس رحمه الله الخبر محذوف لعلتين : إحداهما : أنك لا تقول ( حسبَك ) إلا بعد شيء قد قاله أو فعله ومعناه يكفيك أي ما فعلت وتقديره : كافيكَ لأن حسبكَ اسم فقد استغنيت عن الخبر بما شاهدت مما فعل قال : وكذلك أخوات حسبك
نحو ( هدكَ ) والوجه الآخر : في الإقتصار على حسبٍ بغير خبرٍ إن معنى الأمر لما دخلها استغنت عن ذلك كما تستغني أفعال الأمر تقول : حسبُكَ ينم الناسُ كما تقول : اكففْ ينم الناسُ وكذلك ( قدكَ ) و ( قطكَ ) لأن معناهما حسبك إلا أن حسبك معربة وهاتان مبنيتان على السكون يعني قَدْ وقَطْ وتقول : حسبكَ درهمانِ فأنت تجريه مجرى يكفيك درهمانِ وتقول : إن حسبك درهمانِ
قال الأخفش : إذا تكلمت ( بحسْب ) وحدها يعني إذا لم تضفها جعلتها أمراً وحركت آخرها لسكون السين تقول : رأيت زيداً حسْب يا فتى غير منون كأنك قلت : حسبي أو حسبكَ فأضمر هذا فلذلك لم ينون لأنه أراد الإِضافة
وقال تقول : حسبُكَ وعبد اللِه درهمان على

معنى يكفيك وعبد الله درهمانِ فإن جررت فهو جائز وهو قبيح وقبحه أنك لا تعطف ظاهراً على مضمر مجرور وأنشدوا :
( إذَا كَانَتِ الهَيْجَاءُ وانْشَقَّتِ العَصَا ... فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ )
فمنهم من ينصب ( الضحاكَ ) ومنهم من يجر ومنهم من يرفع فإن أظهرت قلت : حسب زيدٍ وأخيهِ درهمانِ وقبح النصب والرفع لأنك لم تضطر إلى ذلك وتقول مررت برجل في ماءٍ خائضهُ هُوَ لا يكون إلا هو إذا أدخلت الواو لأنك قد فصلت بينه وبين ماء وتقول : مررت برجلٍ معهُ صقْرٌ صائدٌ وصائدٍ بهِ كما تقول : أتيتَ على رجلٍ ومررت بهِ قائماً إن حملته على الرجل جررت وإن حملته على ( مررت بهِ ) نصبت وتقول : نحن قومٌ ننطلقْ عامدونَ وعامدينَ إلى بلد كذا وتقول : مررت برجلٍ معه بازٌ قابضٍ على آخر وبرجل معه جبةٌ لابسٍ غيرها ولابساً إن حملته على الإِضمار الذي في ( معهُ ) وتقول : مررت برجل عندهُ صقرٌ صائدٍ ببازٍ وصائداً إن حملته على ما في ( عندَه ) من الإِضمار وكأنك قلت : عندَه صقرٌ صائداً ببازٍ وتقول : هذا رجلٌ عاقلٌ لبيبٌ لم تجعل الآخر حالاً وقع فيه

الأول ولكنك سويت بينهما في الإِجراء على الإسم والنصب فيه جائز ضعيفٌ
قال سيبويه : وإنما ضعف لأنه لم يرد أن الأول وقع وهو في هذه الحال ولكنه أراد أنهما فيه ثابتان لم يكن واحد منهما قبل صاحبه وقد يجوز في سعة الكلام وتقول مررت برجلٍ معه كيسٌ مختوم عليهِ الرفع الوجهُ لأنه صفة الكيس والنصب جائز على قوله : فيها رجلٌ قائماً وهذا رجلٌ ذاهباً وتقول : مررت برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً تريد مقدراً الصيد به غداً ولولا هذا التقدير ما جاز هذا الكلامُ وتقول : مررتُ برجلٍ معهُ امرأةٌ ضاربتُه فهذا بمنزلة معه كيسٌ مختومٌ عليهِ فإن قلت : مررت برجلٍ معه امرأةٌ ضارِبها جررت ونصبت على ما فسر
وإن شئتَ وصفت المضمر في ( ضاربها ) في النصب والجر فقلت : مررت برجلٍ معهُ امرأةٌ ضاربها هُوَ أو ضاربَها هُو فإن شئت جعلت ( هو ) منفصلاً فيصير بمنزلة اسم ليس من علامات الإِضمار فتقول : مررت برجلٍ معه امرأةٌ ضاربها ( هُوَ ) كأنك قلت : معه ضاربَها زيدٌ وتقول : يا ذا الجاريةُ الواطئَها أبوه كما تقول يا ذا الجاريةٌ الواطئَها زيدٌ والمعنى : التي وطئَها زيدٌ
وتقول : يا ذا الجاريةُ الواطئَها أبوهُ فجعل بها ( الواطئَها ) صفة ( ذا ) المنادى
ولا يجوز أن تقول : يا ذا الجاريةُ الواطئُها زيدٌ من قبل أن ( الواطئَها ) من صفة المنادى فإذا لم يكن هو الواطىء ولا أحد من سببه لم يكن صفة له كما لا يجوز : يا عبد اللِه الواطىء الجارية زيدٌ فلم يجز هذا كما لم يجز : مررتُ بالرجل الحسنِ زيدٌ وقد يجوز أن تقول : مررتُ بالرجلٍ الحسنِ أبوهُ وتقول : يا ذا الجاريةِ الواطئُها هُو جعلت ( هُو ) منفصلاً كالأجنبي لا يجوز حذفه وإن شئت نصبته كما تقول : يا ذا الجاريةِ الواطئَها تجريه على

المنادى فإن قلت : يا ذا الجاريةِ الواطئَها وأنت تريد : الواطئَها هُو لم يجز أن تطرح ( هُوَ ) كما لا يجوز بالجاريةِ الواطئها هو أو أنت حتى تذكرهما فإن ذكرتهما جاز وليس هذا كقولك : مررت بالجاريةِ التي وطئَها أو التي وطئتُها لأن الفعل يضمر فيه وتقع فيه علامة الإِضمار وقد فسرت هذا فيما تقدم وإنما يقع في هذا إضمار الإسم رفعاً إذا لم يوصف به شيء غير الأول وذلك قولك : يا ذا الجاريةِ الواطئَها ففي هذا إضمار ( هُوَ ) وهو اسم المنادى والصفة إنما هي للأول المنادى
قال سيبويه : ولو جاز هذا لجازَ مررت بالرجلِ الآخذيهِ تريد : أنتَ ولجاز : مررت بجاريتِكَ راضياً عنها تريد أنْتَ ويقبح أن تقول : رُبَّ رجلٍ وأخيهِ منطلقينِ حتى تقول : وأخٍ لهُ وإذا قيل : والمنطلقينَ مجروران من قبل أنّ قوله : وأخيهِ في موضع نكرةِ والمعنى : وأخٍ لَهُ والدليلُ على أنه نكرةٌ دخول ( رُبَّ ) عليه ومثل ذلك قول بعض العرب : كُلُّ شاةٍ وسخلتِها
أي : وسخلةٍ لَها ولا يجوز ذلك حتى تذكر قبله نكرة فيعلم أنك لا تريد شيئاً بعينه وأنشد سيبويه في نحو ذلك :
( وأيُّ فَتى هَيْجَاءَ أنْتَ وَجَارِها ... إذا ما رجَالٌ بالرِّجَالِ أستقَّلتِ )
فلو رفع لم يكن فيه معنى : أي جارها الذي هو في معنى التعجب والمعنى : أي فتى هيجاءَ وأي جارٍ لها أنْتَ قال الأعشى :

( وكم دُونَ بيتِكَ منْ صَفْصَفٍ ... ودَكْدَاكِ رمْلٍ وأعقادِهَا )
( ووَضْعِ سِقاءٍ وأحْقابِهِ ... وحَلِّ حُلوسٍ وأغْمادِهَا )
فجميع هذا حجة لرب رجل وأخيه وهذا المضافُ إلى الضمير لا يكون وحده منفرداً نكرة ولا يقع في موضع لا يكون فيه إلا نكرة حتى يكون أول ما يشغل به ( رُبَّ ) نكرة ثم يعطف عليه ما أضيف إلى النكرة وتقول : هذا رجلٌ معهُ رجل قائمينِ فهذا ينتصب لأن الهاء التي في معهُ معرفةٌ وانتصابه عندي بفعلٍ مضمر ولا يجو نصبه على الحال لإختلاف العاملين لأنه لا يجوز أن يعمل في شيء عاملان وتقول : ( فوق الدار رجل وقد جئتُكَ برجلٍ آخر عاقلينِ مسلمينِ ) فتنصب بفعل آخر مضمر وتقول : ( اصنع ما سرَّ أخاكَ وما أحب أبوك الرجلانِ الصالحانِ ) فترفع على الإبتداء وتنصب على المدح كقول الخزنق :
( لا يَبْعَدَنْ قَوْمي الَّذِينَ هُمُ ... سَمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ )
( النَّازِلِينَ بكُلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ )

وسيبويه يجيزُ نصب : هذا رجلُ مع امرأةٍ قائمين على الحال ويجيزُ : مررت برجلٍ مع امرأةٍ منطلقينِ على الحال أيضاً ويحتج بأن الآخر قد دخل مع الأول في التنبيه والإِشارة وأنك قد جعلت الآخر في مرورك فكأنك قلت : هذا رجلٌ وامرأةً ومررت برجلٍ وامرأةٍ وتجعل ما كان معناهما واحدا على الحال
وإذا كان معنى ما بينهما يختلف فهو على ( أعنى ) والقياس المحض يوجب إذا اختلف عاملان في اسمين أو أكثر من ذلك لم يجز أن تثنى صفتهما ولا حالهما لإختلاف العاملين اللذين عملا في الإسمين وكيف يجوز أن يفترقا في الموصوفين ويجتمعا في الصفة ولكن يجوز النصب بإضمار شيء ينتظم المعنيين يجتمعان فيه
وأعلم : أنه لا يجوز أن تجيز وصف المعرفة والنكرة كما لا يجوز وصف المختلفين
وزعم الخليل : أن الرفعين أو الجرين إذا اختلفا فهما بمنزلة الجر والرفع وذلك قولك : ( هذا رجلٌ وفي الدار آخر كريمينِ ) لأنهما لم يرتفعا من جهة واحدة
وشبه بقوله : هذا لإبنِ إنسانينِ عندنا كراماً فقال : الجر ها هنا مختلف ولم يشرك الآخر فيما جر الأول ومثل ذلك : هذا جاريةٌ أخوي

ابنينِ لفلانِ كراماً لأن أخوي ابنينِ اسم واحد والمضاف إليه الآخر منتهاه ولم يأت بشيء من حروف الإِشراك ومثل ذلك : هذا فرس أخوي ابنيك العقلاءِ الحلماءِ لأن هذا في المعرفة مثل ذلك في النكرة ولا يجوز إلا النصب على ( أعنى ) ولا يكون الكرام العقلاء صفة للأخوين والإبنين ولا يجوز أن يجري وصفاً لما انجز من وجهين كما لم يجز فيما اختلف إعرابه
وقال سيبويه : سألت الخليل عن : مررت بزيدٍ وأتاني أخوهُ أنَفسهما فقال : الرفع على هُما صاحباي أنفسهُما والنصب على ( أعنيهما ) ولا مدح فيه لأنه ليس مما يمدح به وقال : تقول : هذا رجلٌ وامرأة منطلقان وهذا عبد اللِه وذاكَ أخوك الصالحانِ لأنهما ارتفعا من وجه وهما اسمان بنيا على مبتدأَين وانطلق عبد اللِه ومضى أخوك الصالحان لأنهما ارتفعا بفعلين معناهما واحد
والقياس عندي أن يرتفعا على ( هُما ) لأن الذي ارتفع به الأول غير الذي ارتفع به الثاني
ولكن إن قدرت في معنى التأكيد ورفعت عبد اللِه بالعطف من الفعل جازت عندي الصفة ولا يجوز : من عبد اللِه وهذا زيدٌ الرجلينِ الصالحينِ رفعت أن نصبت لأنك لا تثني إلا على من أثبتُه وعرفته فلذلك لم يجز المدح في ذا ولا يجوز صفتهما لأنك من يعلم ومن لا يعلمُ فتجعلهما بمنزلة واحدةٍ
قال أبو العباس في قولهم : ما رأيت رجلاً أحسنُ في عينه الكحلُ منهُ في عين زيدٍ وما رأيت رجلاً أبغض إليه الشر منهُ إلى زيدٍ قد علمنا أن الإختيار : مررت برجلٍ أحسنَ منه أبوهُ ومررت برجلٍ خيرٌ منه زيدٌ فما باله لم يجز الرفع في قوله : أحسنُ في عينه الكحلُ وأبغض إليه الشرُ فقال : الجواب في ذلك : أنه إن أراد أن يجعل الكحل الإبتداء كان الإختيار

ما رأيت رجلاً أحسنُ في عينه منه في عين زيدٍ الكحل تقديره : ما رأيتُ رجلاً الكحل أحسن في عينه منه في عين زيدٍ وما رأيت رجلاً الكحل في عينه أحسنُ منهُ في عينِ زيدٍ كل جيد كما تقول : زيدٌ أحسنُ في الدار منه في الطريق
وزيدٌ في الدار أحسن منهُ في الطريقِ فتقدم في الدار لأنه ظرف والتفضيل إنما يقع بأفعل فإن أردت أن يكون ( أحسنُ ) هو الإبتداء فمحالٌ لأنك تضمر قبل الذكر
لأن الهاء في قولك : ( منه ) هي الكحل ومنه متصلة ( بأفعلَ ) لأن ( أَفعلَ ) للتفضيل فيصير التقدير ما رأيت رجلاً أحسنُ في عينه منهُ في عينِ زيدٍ الكحلُ فتضمر الكحل قبل أن تذكره لأن الكحل الآن خبر الإبتداء وإن قدمت الكحل فقلت على أن ترفع ( أحسنَ ) بالإبتداء ما رأيتُ رجلاً أحسن في عينه الكحلُ منه في عينِ ( زيدٍ ) فهو أردأ وذلك لأنه خبر الإبتداء وقد فصلت بين ( أحسنَ ) وما يتصل به وليس منهما في شيء فلذلك لم يجز على هذه الشريطة إلا أن الجملة على مثل قولك : مررت برجلٍ خيرٌ منهُ أبوهُ فتقول : ما رأيت رجلاً أحسنُ في عينه الكحلُ منه في عين زيدٍ فترفع الكحلَ ( بأحسنَ ) ويقع ( منهُ ) بعده فيكون الإِضمار بعد الذكر وتقديره : ما رأيت رجلاً يحسنُ الكحل في عينه كحسنهِ في عينِ زيدٍ فالمعرفة والنكرة في هذا واحد إذا كان الفعل للثاني ارتفع به معرفة كان أو نكرة وإن كان للأول والثاني معرفة بطل وإن كان الثاني نكرة انتصب على التمييز وذلك قولك : ما رأيت رجلاً أحسنَ وجهاً من زيدٍ ولا رأيتُ رجلاً أكرمَ حسباً منهُ لأن أكرم وأحسن للأول لأن فيه ضميره فإن جعلته للثاني رفعته به ورددت إلى الأول شيئاً يصله بالثاني كما

تقول : رأيتُ رجلاً حسَن الوجهِ لأن حَسن الوجه ( لرجلٍ ) فإن جعلته لغيره قلت : رأيتُ رجلاً حسنَ الوجهِ أخوهُ وحسن الوجهِ رجلٌ عندهُ فإن قلت : ما رأيت قوماً أشبه بعضُ ببعضٍ من قومِكَ رفعت البعض لأن ( أشبَه ) له وليس لقومٍ لأن المعنى : ما رأيت قوماً أشبه بعضُهم ببعضٍ كما ذكر ذلك سيبويه في قوله مررتُ بكُلٍّ صالحاً وببعضٍ قائماً أنه محذوف من قولك : بعضُهم وكلهم والمعنى يدل على ذلك ألا ترى أن تقديره : ما رأيتُ قوماً أشبَهَ بعضُهم بعضاً كما وقع ذلك في ( قومِكَ ) وتقول : ما رأيت رجلاً أبر أبٍ لهُ بأُمِّ من أخيكَ لأن الفعل للأب ووضعت الهاء في ( لَهُ ) إلى الرجل فلم يكن في ( أُمٍّ ) ضمير لأن الأب قد ارتفع به فإن لم يرد هذا التقدير قلت : ما رأيتُ رجلاً أبَر أباً بأُمٍّ من زيدٍ كما تقول : ما رأيت رجلاً أحسنَ وجهاً من زيدٍ وكذلك : ما رأيت رجلاً أشبه وجهٍ لهُ بقفاً من زيدٍ فإن حذفت له قلت : ما رأيت رجلاً أشبه بقفاً من زيدٍ لأن في ( أشبَه ) ضمير رجل
وأما قولهم : ما من أيامٍ أحبَّ إلى اللهِ فيها الصومُ منه في عَشْرِ ذي الحجةِ ولكنه لما قال : في الأول ( إلى اللِه ) لم يحتج إلى أنْ يذكر ( إليه ) لأن الرد إلى واحدٍ وليس كقولك : زيدٌ أحبُ إلى عمرو منه إلى خالدٍ لأنك رددت إلى اثنين فلا تحتاج إلى أن تقول : زيدٌ عندي أحسنَ من عمروٍ عندي لأن الخبر يرجع إلى واحد فأما قولهم : ما مِن أيامٍ أحب إلى اللِه فيها الصومُ منه في عَشْرِ ذي الحجةِ فإنما هو بمنزلة : ما رأيت رجلاً أحسنَ في عينه الكحلُ منهُ في عينِ زيدٍ فقولُه : فيها بمنزلة قولهِ : في عينهِ وإنما أضمرت الهاءَ في ( فيها ) وفي عينِه لأنك ذكرت الأيام وذكرت رجلاً

وكذلك قلت : اللُه عز و جلَّ : ما رأَيت أياماً أحب إليه فيها الصوم لأضمرته في ( إليهِ ) ومنه للصوم كما كان للكحلِ وأما قولُهُ : إلى اللِه فتبيينٌ لأحب وأحسن لا يحتاج إلى ذلك ألا ترى أنك تقول : زيد أحسن من عمروٍ فلا تحتاج إلى شيء وتقول : زيد أحب إلى عمروٍ منكَ فقولك : إلى عمروٍ كقولك إلى الله في المسألة الأولى ولو قلت : ما رأيتُ رجلاً أحسن في عينه الكحلُ عند عمروٍ منهُ في عينِ أخيكَ كان بمنزلة ذلك لأن قولك عندَ عمروٍ قد صار مختصراً كقولك إلى اللِه في تلك المسألةِ وأما قولهم : ما رأيت رجلاً أبغضَ إليه الشرُّ من زيدٍ وما رأيت رجلاً أحسنَ في عينه الكحل من زيدٍ فإنما هو مختصر من الأول والمعنى : إنما هو الأول لا أنك فضلت الكحل على زيدٍ ولكنك أخبرت أن الكحل في عين زيدٍ أحسنُ منه في غيرها كما أردت في الأول ولكنك حذفت لقلة التباسه وليست ( مِنْ ) ها هنا بمنزلتها في قولك : ما رأيتُ رجلاً أحسنَ من زيدٍ لأنكَ هنا تخبر أنك لم ترَ من يتقدم زيداً وأنت في الأول تخبر أنك لم ترَ من يعمل الكحل في عينه عمله في عين زيدٍ فتقديره : ما رأيت رجلاً أحسنَ كحلاً في عينٍ من زيدٍ لما أضمرت رجلاً في ( أحسَن ) نصبت كحلاً على التمييز ليصح معنى الإختصار
الثالث من التوابع وهو عطف البيان :
اعلم : أن عطف البيان كالنعت والتأكيد في إعرابهما وتقديرهما وهو مبين لما تجريه عليه كما يبينان وإنما سمي عطف البيان ولم يقل أنه نعت لأنه اسم غير مشتق من فعل ولا هو تحلية ولا ضرب من ضروب الصفات فعدل النحويون عن تسميته نعتاً
وسموه عطف البيان لأنه للبيان جيء به وهو مفرق بين الإسم الذي يجري عليه وبين ما له مثل اسمه نحو : رأيتُ زيداً أبَا عمروٍ ولقيت أخاكَ بكراً

والفرق بين عطف البيان والبدل أن عطف البيان تقديره النعت التابع للإسم الأول والبدل تقديره أن يوضع موضع الأول وتقول في النداء إذا أردت عطف البيان يا أخانا زيداً فتنصب وتنون لأنه غير منادى فإن أردت البدل قلت : يا أخانا زيدُ وقد بينت هذا الباب في النداء ومسائله وستزداد بياناً في باب البدل إن شاء الله
الرابع من التوابع : وهو عطف البدل :
البدل على أربعة أقسام
إما أن يكون الثاني هو الأول أو بعضه أو يكون المعنى مشتملاً عليه أو غلطاً وحق البدل وتقديره أن يعمل العامل في الثاني كأنه خالٍ من الأول وكان الأصل أن يكونا خبرين أو تدخل عليه واو العطف ولكنهم اجتنبوا ذلك للبس
الأول ما ابتدلته من الأول وهو هُو : وذلك نحو قولك : مررتُ بعبد الله زيدٍ ومررت برجلٍ عبد الله وكان أصل الكلام : مررت بعبد الله ومررت بزيدٍ أو تقول : مررتُ بعبد اللِه وزيدٍ ولو قلت ذلك لظن أن الثاني غير الأول فلذلك استعمل البدل فراراً من اللبس وطلباً للإختصار والإِيجاز ويجوز إبدال المعرفة من النكرة والنكرة من المعرفة والمضمر من المظهر والمظهر من المضمر البدل في جميع ذلك سواء
فأما إبدال المعرفة من النكرة فنحو : قول الله : ( صراطٍ مستقيمِ صراطٍ الله ) فهذا إبدال معرفة من نكرة فتقول على هذا : مررت برجلٍ عبد اللِه وأما إبدال النكرة من المعرفة

فنحو قولك : مررت بزيدٍ رجلٍ صالحٍ كما قال الله عز و جل ( بالناصية ناصيةٍ كاذبة خاطئة ) فهذا إبدال نكرة من معرفة وأما إبدال الظاهر من المضمر فنحو قولك : مررتُ بهِ زيدٍ وبهما أخويك ورأيت الذي قامَ زيدٌ تبدل زيداً من الضمير الذي في ( قام ) ولا يجوز أن تقول : رأيتُ زيداً أباهُ والأب غير زيدٍ لأنك لا تبينه لغيره
الثاني ما أبدل من الأول وهو بعضه : وذلك نحو قولك : ضربتُ زيداً رأسَهُ وأتيتُ قومَكَ بعضَهم ورأيتُ قومَكَ أكثَرهم ولقيت قومكَ ثلاثَتهم ورأيت بني عمِّكَ ناساً منهم وضربت وجوهها أولها قال سيبويه : فهذا يجيء على وجهينِ : على أنه أراد أكثَر قومِكَ وثلثي قومكَ وضربتُ وجوهَ أولِها ولكنه ثني الإسم تأكيداً والوجه الآخر : أن يتكلم فيقول : رأيتُ قومَكَ ثم يبدو أن يبين ما الذي رأى منهم
فيقول : ثلاثتَهم أو ناساً منهم ومن هذا قوله عز و جل : ( ولله على الناس حج البيتِ من استطاع إليهِ سبيلاً ) والمستطيعونَ بعضُ الناسِ
الثالث ما كان من سبب الأول : وهو مشتمل عليه نحو : سُلبَ زيدٌ ثوبَهُ وسرق زيد مالُه لأن المعنى : سُلبَ ثوب زيد وسرق مالُ زيدٍ ومن ذلك قول الله عز و جل : ( يسألونك عَنِ الشهرِ الحرامِ قتالٍ فيهِ ) لأن المسألة في المعنى عن القتال في الشهر الحرام ومثله : ( قُتلَ أصحابُ الأخدودِ النارِ ذات الوقود ) وقال الأعشى

( لَقدْ كَانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُهُ ... تفضى لَبَانَاتُ ويْسأْمُ سائِمُ )
وقال آخر :
( وذَكَرَتْ تَقْتُدَ بَرْدَ مَائِهَا ... وعَتَكُ الَبْولِ على أنسائِها )
الرابع وهو بدل الغلط والنسيان : وهو البدل الذي لا يقع في قرآن ولا شعرٍ وذلك نحو قولهم : مررتُ برجلٍ حمارٍ كأنه أراد أن يقول : مررتَ بحمارِ فغلط فقال : برجلٍ أو بشيءٍ
واعلم : أن الفعل قد يبدل من الفعل وليس شيء من الفعل يتبع الثاني الأول في الإِعراب إلا البدل والعطف والبدل نحو قول الشاعر :
( إنَّ على اللِه أنْ تُبايعا ... تُؤخذَ كُرهاً أو تجيء طائعاً )

وإنما يبدل الفعل من الفعلِ إذا كان ضرباً منه نحو هذا البيت
ونحو قولك : إن تأتني تمشي أمشي معكَ لأن المشيَ ضرب من الإِتيان ولا يجوز أن تقول : أن تأتي تأكل آكلْ معكَ لأن الأكل ليس من الإِتيان في شيء
مسائل من هذا الباب
تقول : بعتُ متاعَك أسفلَهُ قبلَ أعلاهُ واشتريتُ متاعَك بعضَهُ أعَجلَ من بعضٍ وسقيت إبلَك صغارها أحسن من سقي كبارها ودفعت الناس بعضَهم ببعضٍ وضربت الناسَ بعضَهم قائماً وبعضَهم قاعداً وتقول : مررت بمتاعِكَ بعضِه مرفوعاً وبعضِه مطروحاً كأنك قلت مررت ببعضِ متاعِكَ مرفوعاً وببعضِ مطروحاً لأنك مررتَ به في هذه الحال وإذا كان صفة للفعل لم يجز الرفع وتقول : بعتُ طعامَكَ بعضه مكيلاً وبعضَهُ موزوناً إذا أردت أن الكيل والوزن وقعا في حال البيع فإن رفعت فإلى هذا المعنى ولم يكن متعلقاً بالبيع فقلت : بعتُ طعامَك بعضهُ مكيلٌ وبعضهُ موزونٌ أي بعته وهو موجود كذا فيكون الوزن والكيل قد لحقاه قبل البيع وليسا بصفة للبيع وتفهم هذا بأن الرجل إذا قال : بعتُكَ هذا الطعامَ مكيلاً وهذا الثوب مقصوراً فعليه أن يسلمه إليه مكيلاً ومقصوراً وإذا قال : بعتُكَ وهو مكيل فإنما باعه شيئاً موصوفاً بالكيل ولم يتضمنه البيع تقول : خَوفتُ الناسَ ضعيفَهم وقويُهم كأنك قلت : خوفت ضعيفَ الناسِ قويهم وكان تقدير الكلام قبل أن ينقل فعل إلى ( فَعَلتُ ) خافهُ الناس ضعيفُهم قويهم فلما قلت : خَوَّفتُ صار الفاعلُ مفعولاً وقد بينت هذا فيما

تقدم ومثل ذلك ألزمت الناس بعضهم بعضاً كان الأصل : لزمَ الناسُ بعضَهم بعضاً فلما قلت ألزمتُ صار الفاعل مفعولاً وصار الفعل يتعدى إلى مفعولين وتقول : دفعتُ الناسِ بعضُهم ببعضٍ على قولكَ : دفع الناسُ بعضُهم بعضاً فإذا قلت : دفعَ صار ما كان يتعدى لا يتعدى إلا بحرف جر فتقول : دفعَ الناسُ بعضَهم ببعضٍ وتقول : فضلتُ متاعَكَ أسفلَهُ على أعلاهِ كأنه في التمثيل : فَضل متاعُكَ أسفلهُ على أعلاه فلما قلت : فضَّلتُ صار الفاعل مفعولاً ومثله : صككتُ الحجرينِ أحدهما بالآخرِ كان التقدير : اصطكَ الحجرانِ أحدهما بالآخرِ فلما قلت : صككتُ صار الفاعل مفعولاً ومثل ذلِكَ : ولولا دفاعُ اللِه الناسَ بعضَهُم ببعضٍ والمعنى : لولا أن دفعَ الناسُ بعضهُم ببعضٍ ولو قلت : دفعَ الناسُ بعضَهم بعضاً لم يحتج إلى الباء لأنه فعل يتعدى إلى مفعول قلت دفَع اللُه الناسَ واستتر في الفعلِ عمله في الفاعل ن لم يجز أن يتعدى إلى مفعول ثانٍ إلا بحرفِ جرٍّ فعلى هذا جاءت الآيةُ ولذلك دخلت الباء وتقول : عجبتُ من دفعِ الناسِ بعضَهم بعضاً إذا جعلت الناس فاعلين كأنك قلت عجبت من أن دفع الناسُ بعضَهم بعضاً فإن جعلت الناس مفعولين قلت : عجبت من دفعِ الناسِ بعضِهم ببعضٍ لأن المعنى : عجبتُ من أنْ دفَع الناسُ بعضهم ببعضٍ وتقول : سمعتُ وقَع أَنيابهِ بعضِها فوقَ بعضٍ جرى على قولك : وقعت أنيابهُ بعضُها فوقَ بعضٍ فأنيابُه هنا فاعلةٌ وتقول : عجبتُ من إيقاعِ أنيابهِ بعضِها فوقَ بعضٍ جراً فأنيابِه هنا مفعولةٌ قامت مقام الفاعل ولو قلت : أوقعت أنيابُه بعضُها فوقَ بعضٍ لقلت : عجبتُ من إيقاعي أنيابَهُ بعضَها فوقَ بعضٍ فنصبت أنيابَه وتقول : رأيتُ متاعك بعضَهُ فوقَ بعضٍ إذا جعلت ( فوقَ ) في موضع الإسم المبني على المبتدأ وجعلت المبتدأ بعضَهُ كأنك قلت : رأيتُ متاعَكَ بعضَهُ أجود من

بعضٍ فإن جعلت ( فوقَ ) وأجودها حالاً نصبتَ ( بعضَهُ ) وإن شئت قلت : رأيت متاعَك بعضَه أحسنَ من بعضِ فتنصبُ ( أَحسنَ ) على أنه مفعول ثانٍ وبعضُه منصوب بأنه بدلٌ من متاعِكَ
قال سيبويه : والرفع في هذا أعرف والنصب عربي جيدٌ فما جاء في الرفع ( ويومَ القيامةِ ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة )
ومما جاء في النصب : ( خلقَ اللُه الزرافةَ يديها أطولَ من رجلِيها ) قال : حدثنا يونس أن العرب تنشد هذا البيت لعبدة بن الطبيب :
( فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُه هُلْك وَاحِدٍ ... ولِكَّنهُ بُنيانُ قَوْمٍ تَهَدَّما )
وقال رجل من خثعم أو بجيلة :
( ذَرِيني إنَّ أَمَرِكِ لَنْ يُطاعَا ... وما ألفيتِني حِلْمي مُضَاعا )
وتقول : جعلتُ متاعَكَ بعضَهُ فوقَ بعضٍ كما قلت : رأيتُ متاعَك

بعضَهُ فوقَ بعضٍ وأنتَ تريد رؤية العين وتنصب ( فوقَ ) بأنه وقع موقع الحال فالتأويل : جعلت ورأيتُ متاعك بعضَهُ مستقراً فوقَ بعضٍ أو راكباً فوق بعضٍ أو مطروحاً فوق بعضٍ أو ما أشبه هذا المعنى ( ففوقَ ) ظرف نصبه الحال وقام مقام الحال كما يقوم مقام الخبر في قولك : زيدٌ فوقَ الحائِط إذا قلت : رأيتُ زيداً في الدار فقولك ( في الدارِ ) يجوز أن يكون ظرفاً لرأيت ويجوز أن يكون ظرفاً لزيدٍ كما تقول : رميتُ من الأرضِ زيداً على الحائِط فقولك : على الحائِط ظرف يعمل فيه استقرار زيدٍ كأنكَ قلت : رميتُ من الأرضِ زيداً مستقراً على الحائِط ونحو هذا ما جاء في الخبر كتب عمر إلى أبي عبيدة بالشام : الغوثَ الغوثَ وأبو عبيدة وعمر رحمه اللُه كتب إليه من الحجاز فالكتاب لم يكن بالشام ولك أن تعدى ( جعلتَ ) إلى مفعولين فتقول : جعلتُ متاعَكَ بعضَهُ فوقَ بعضٍ فتجعل ( فوقَ بعضٍ ) مفعولاً ثانياً كما يكون في ( ظننتُ ) متاعَكَ بعضَه فوقَ بعضٍ ( فجعلتُ ) هذه إذا كانت بمعنى ( علمتُ ) تعدت إلى واحد مثل رأيتُ إذا كانت من رؤية العين وإذا كانت جعلتُ ليست بمعنى علمتُ وإنما تكلم بها عن توهم أو رأيٍ أو قولٍ كقول القائل : جَعلتُ حسني قبيحاً وجعلتُ البصرةَ بغدادَ وجعلت الحلالَ حراماً فإذا لم ترد فجعلت العلاج والعمل في التعدي بمنزلة ( رأيتُ ) إذا أردت بها رؤية القلب ولم ترد رؤية العين ولك أن تعدي ( جعلتُ ) إلى مفعولين على ضرب آخر على أن تجعل المفعول الأول فاعلاً في الثاني كما تقول : أَضْربتُ زيداً عمراً تريد أنك جعلتَ زيداً يضربُ عمراً فيكون حينئذٍ قولك : فوقَ بعضٍ مفعولُ مفعولٍ وموضعه نصب تعدى إليه الفعل بحرف جرٍّ لأنك إذا قلت : مررت بزيدٍ فموضع هذا نصب وهذا نحو : صُكَّ الحجرانِ أحدهما بالآخرِ فإذا جعلت أنت أحدهما يفعل بالآخر قلت : صككتُ الحجرين أحدهما بالآخر ولم يكن بُدٌ من الباء لأن الفعل متعدٍّ إلى مفعولٍ واحدٍ فلما جعلت المفعول في المعنى فاعلاً احتجت إلى مفعول فلم يتصل الكلام إلا بحرف جرٍّ وقد بينت ذا فيما تقدم وأوضحته فهذه ثلاثة أوجهٍ في نصب ( جَعَلْتُ )

متاعَكَ بعضَهُ على بعضٍ وهي النصب على الحال والنصب على أنه مفعولٌ ثانٍ والنصب على أنه مفعولُ مفعولٍ فافهمهُ فإنه مشكل في كتبهم ويجوز الرفعُ فتقول : جعلت متاعَك بعضه على بعضٍ وتقول : أبكيتَ قومكَ بعضهم على بعضٍ فهذا كان أصله بكى قومُكَ بعضُهم على بعضٍ فلما نقلته إلى ( أبكيتُ ) جعلت الفاعل مفعولاً وهو في المعنى فاعلٌ إلا أنك أنت جعلتهُ فاعلاً وقولك : على بعضٍ لا يجوز أن يقع موقع الحال لأنك لا تريد أنّ بعضَهم مستقرٌ على بعضٍ ولا مطروحٌ على بعضٍ كما كان ذلكَ في المتاعِ قال سيبويه : لم ترد أن تقول : بعضُهم على بعضٍ في عونٍ ولا أن أجسادَهم بعضاً على بعضٍ وقولك : بعضُهم في جميع هذه المسائل منصوب على البدل فإن قلت : حزنتُ قومَك بعضُهم أفضلُ من بعضٍ كان الرفع حُسناً لأن الآخر هو الأول وإن شئت نصبت على الحال يعني ( أفضلَ ) فقلت : حَزنت قومَكَ بعضَهم أفضلَ من بعضٍ كأنك قلت : حَزنت بعضَ قومِكَ فاضلينِ بعضهم
قال سيبويه : إلا أن الأعرف والأكثر إذا كان الآخر هو الأول أن يبتدأ والنصب عربي جيد وتقول : ضُربَ عبد اللِه ظهرُه وبطنُهُ ومُطرنا سهلُنا وجبلُنا ومطرنَا السهلُ والجبلُ وجميع هذا لك فيه البدل ولك أن يكون تأكيداً كأجمعينَ لأنك إذا قلت : ضُرب زيدٌ الظهرُ والبطنُ فالظهر والبطن هما جماعة زيدٍ وإذا قلت : ( مَطرنا ) فإنما تعني : مطرت بلادُنا والبلاد يجمعها السهل والجبل
قال سيبويه : وإن شئت نصبت فقلت ضُربَ زيدٌ الظهرَ والبطنَ ومطرنا السهل والجبل وضُرب زيد ظهرهُ وبطنهُ والمعنى : حرف الجر

وهو ( في ) ولكنهم حذفوه قال : وأجازوا هذا كما أجازوا دخلتُ البيتَ وإنما معناه : دخلت في البيتِ والعامل فيه الفعل وليس انتصابه هنا انتصاب الظروف قال : ولم يجيزوا حذف حرف الجر في غير السهلِ والجبلِ والمظهر والبطنِ نظير هذا في حذف حرف الجر نُبئتَ زيداً تريد : عن زيدٍ وزعم الخليل : أنهم يقولون مطرنا الزرع والضرع وإن شئت رفعت على البدل على أن تصيره بمنزلة أجمعينَ توكيداً
قال سيبويه : إن قلت : ضُربَ زيد اليدُ والرجلُ جاز أن يكون بدلاً وأن يكون توكيداً وإن نصبته لم يحسن والبدل كما قال جائزٌ حَسنٌ والتوكيد عندي يَقْبُحُ إذا لم يكن الإسم المؤكِدُ هو المؤكَدُ واليد والرجل ليستا جماعة زيدٍ وهو في السهلِ والجبلِ عندي يحسنُ لأن السهلَ والجبلَ هما جماعة البلادِ وكذلك البطنُ والظهرُ إنما يراد بهما جماعة الشخص فإن أراد باليد والرجل أنه قد : ضُربت جماعة واجتزأ بذكر الطرفين في ذلك جاز
قال : وقد سمعناهم يقولون : ضربتهم ظهراً وبطناً وتقول : ضربت قومَك صغيرهم وكبيرهم على البدل والتأكيد جميعاً فإن قلت : أو كبيرهم لم يجز إلا البدل وتقول : زيدُ ضربتهُ أخاكَ فتبدل ( أخاك ) من الهاء لأن الكلام الأول قد تم وقد خبرتك : أن البدل إنما هو اختصار خبرين فإن قلت : زيدٌ ضربتُ أخاكَ إيّاهُ لم يجز لأن الكلام الأول ما تم فإن قلت : مررتُ برجلٍ قائمٍ رجلُ أبوهُ فجعلت أباه بدلاً من رجل لم يجز لأنه لا يصلح أن تقول : مررت برجلٍ قائمٍ أبوهُ وتسكت ولا يتم بذلك الكلام فإن قلت : مررتُ برجلٍ قائمٍ زيدٍ أبوهُ فقد أجازه الأخفش

على الصفة وقال : لأن قولك أبوه من صفة زيدٍ فصار كأنه بعض اسمه ولو كان بدلاً من زيدٍ لم يكن كلاماً ونظير هذا : مررتُ برجلٍ قائمٍ رجلٌ يحبُه وبرجلٍ قائمٍ زيدٌ الضاربه
الخامس من التوابع : وهو العطف بحرف :
حروف العطف عشرة أحرف يُتبِعنَ ما بعدهن ما قبلهن من الأسماء والأفعال في إعرابها
الأول : الواو ومعناها إشراك الثاني فيما دخل فيه الأول وليس فيها دليل على أيهما كان أولاً نحو قولك : جاء زيدٌ وعمروٌ ولقيت بكراً وخالداً ومررت بالكوفةِ والبصرةِ فجائز أن تكون البصرة أولاً وجائز أن تكون الكوفةُ أولاً قال الله عز و جل : ( واسجدي واركعي مع الراكعين ) والركوع قبل السجود
الثاني الفاء : وهي توجب أن الثاني بعد الأول وإن الأمر بينهما قريبٌ نحو قولك : رأيتُ زيداً فعمراً ودخلت مكةَ فالمدينةَ وجاءني زيدٌ فعمروٌ ومررت بزيدٍ فعمروٍ فهي تجيء لتقدم الأول واتصال الثاني فيه
الثالث ثُمَّ : وثم مثل الفاء إلا أنها أشد تراخياً وتجيء لتعلم أن بين الثاني والأول مهلة تقول ضربتُ زيداً ثم عمراً وجاءني زيدٌ ثم عمروٌ ومررت بزيدٍ ثم عمروٍ
الرابع أو : ولها ثلاثة مواضع تكون لأحد الشيئين بغير تعيينه عند

شك المتكلم أو قصده أحدهما أو إباحة وذلك قولك : أتيت زيداً أو عمراً وجاءني رجلٌ أو ا مرأةٌ هذا إذا شك فأما إذا قصد بقوله أحدهما فنحو : كُلِ السمكَ أو اشربِ اللبنَ أي لا تجمعهما ولكن اختر أيهما شئت وكقولك : أعطني ديناراً أو اكسني ثوباً والموضع الثالث الإِباحة وذلك قولك : جالس الحسن أو ابن سيرين وأئت المسجد أو السوق أي قد أذنت لك في مجالسة هذا الضرب من الناسِ وعلى هذا قولُ الله عز و جلَ : ( ولا تطعْ منهم آثماً أو كفوراً )
الخامس إما : وإما في الشك والخبر بمنزلة ( أو ) وبينهما فصل وذلك أنك إذا قلت : جاءني زيدٌ أو عمروٌ وقع الخبر في ( زيدٍ ) يقيناً حتى ذكرت ( أو ) فصار فيه وفي عمروٍ شك و ( إما ) تبتدىء به شاكاً وذلك قولك : جاءني إما زيدٌ وإما عمروٌ أي أحدهما وكذلك وقوعها للتخيير تقول : اضرب إما عبد الله وإما خالداً فالآمر لم يشك ولكنه خير المأمور كما كان ذلك في ( أو ) ونظيره قول الله عز و جل : ( إنّا هديناهُ السبيلَ إما شاكراً وإما كفوراً ) وكقوله عز و جل : ( فإمّا مناً بعدُ وإما فداءً )
السادس ( لاَ ) : وهي تقع لإخراج الثاني مما دخل فيه الأول وذلك قولك : ضربتُ زيداً لا عمراً ومررت برجلٍ لا امرأةٍ وجاءني زيدٌ لا عمروٌ

السابع بلْ : ومعناها الإِضراب عن الأول والإِثبات للثاني نحو قولك : ضربتُ زيداً بلْ عمراً وجاءني عبد الله بلْ أخوهُ وما جاءني رجلٌ بل امرأةٌ
الثامن لكنْ : وهي للإستدراك بعد النفي ولا يجوز أن تدخل بعد واجب إلا لترك قصةٍ إلى قصةٍ ( تامةٍ ) فأما مجيئها للإستدراك بعد النفي فنحو قولك : ما جاءني زيدٌ لكنْ عمروٌ وما رأيت رجلاً لكنْ امرأة ومررت بزيدٍ لكنْ عمروٍ لم يجز
التاسع أَمْ : وهي تقع في الإستفهام في موضعين : فأحدهما أن تقع عديلة الألف على معنى ( أي ) وذلك نحو قولك : أزيدٌ في الدار أم عمروٌ وكقولك : أأعطيتَ زيداً أم أحرمته فليس جوابُ هذا لا ولا ( نَعَمْ ) كما أنه إذا قال : أيهما لقيتَ أو أي الأمرين فعلت لم يكن جواب هذا لا ولا ( نعم ) لأن المتكلم مدع أن أحد الأمرين قد وقع لا يدري أيهما هو فالجواب أن يقول : زيدٌ أو عمروٌ فإن كان الأمر على غير دعواه فالجواب : أن تقول : لم ألقَ واحداً منهما أو كليهما فمن ذلك قول الله عز و جل : ( أأنتم أشدُّ خلقا أم السماءُ بناها ) ومثل ذلك : ( أهمْ خيرٌ أم قومُ تُبع ) فخرج هذا من الله مخرج التوقيف والتوبيخ ومخرجه من الناس يكون استفهاماً ويكون توبيخاً ويدخل في هذا

الباب التسوية لأن كل استفهام فهو تسوية وذلك نحو قولك : ليتَ شعري أزيدٌ في الدارِ أمْ عمروٌ وسواءٌ عليَّ أذهبت أم جئتَ فقولك : سواءٌ عليَّ تخبر أن الأمرين عندك واحدٌ وإنما استوت التسوية والإستفهام لأنك إذا قلتَ مستفهماً أزيدٌ عندك أم عمروٌ فهما في جهلك لهما مستويان لا تدري أن زيداً في الدار كما لا تدري أن عمراً فيها وإذا قلت : قد علمتُ أزيدٌ في الدار أم عمروٌ فقد استويا عند السامع كما استوى الأولانِ عند المستفهم وأي داخلة في كل موضع تدخل فيه أم مع الألف تقول : قد عملتُ أيُّهما في الدار تريد أذَا أم ذَا قال الله عز و جل : ( فلينظر أيها أَزكى طَعاماً ) وقال ( لنعلم أيُّ الحزبين أحصى لمِا لبثوا أمدا ) فأي تنتظم معنى الألف مع أم جميعاً وأما الموضع الثاني من موضعي ( أمْ ) فإن تكون منقطعة مما قبلها خبراً كان أو استفهاماً وذلك نحو قولك فيما كان خبراً : إنَّ هذا لزيدُ أم عمروٌ يا فتى وذلك أنك نظرت إلى شخصٍ فتوهمته زيداً فقلت على ما سبق إليك ثم أدركك الظن أنه عمرو فانصرفت عن الأول فقلت : أم عمروٌ مستفهماً فإنما هو إضراب على معنى ( بَلْ ) إلا أن ما يقعُ بعد ( بَلْ ) يقينٌ وما يقع بعد ( أمْ ) مظنون مشكوك فيه وذلك أنك تقول : ضربتُ زيداً ناسياً أو غالطاً ثم تذكر فتقول : بَلْ عمراً مستدركاً مثبتاً للثاني تاركاً للأول فهي تخرج من الغلط إلى استثباتٍ ومن نسيان إلى ذكر و ( أمْ ) معها ظن أو استفهام وإضراب عما كان قبله ومن ذلك : هل زيدٌ منطلقٌ أم عمروٌ يا فتى قائماً أضرب عن سؤاله عن انطلاق زيد وجعل السؤال عن عمرو فهذا مجرى هذا وليس على منهاج

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6