كتاب : شرح العمدة في الفقه
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

أقيمت أو جنازة حضرت لم يقطع موالاته لأنه فرض يخاف فوته فأشبه خروج المعتكف لصلاة الجمعة
قال في رواية ابن ابراهيم في الرجل يطوف ويرى جنازة يقطع ويصلي عليها ويبني وسئل عن الرجل يطوف بالبيت فيعيا هل يستريح قال نعم قد فعله ابن عمر وابن الزبير طافا واسترحا
فإن أطال فذكر فيها روايتين إحداهما يبني قال في رواية ابن منصور وقد سئل إذا قطع الطواف يبني أو يستأنف قال يبني وقال في رواية حنبل في رجل طاف ستة أشواط وصلى ركعتين ثم ذكر بعد يطوف شوطا ولا يعيد وإن طاف ابتداء فهو أحوط
والثانية يستأنف قال في رواية حرب في امرأة طافت ثلاثة أشواط ثم حاضت تقيم حتى تطوف قيل له تبني على طوافها قال لا تبتديء وقال في رواية أبي طالب إذا طاف خمسا أو ستا ورجع إلى بلده يعيد الطواف
قال أبو بكر عبد العزيز لو طافت خمسا ثم حاضت بنت وقيل

تبتديء وهو اختياري وهذا هو الذي ذكره
وقال القاضي في المجرد وابن عقيل إنه إن قطعه لعذر مثل سبق الحدث فعلى الروايات الثلاث وكذلك النسيان وإن قطعه لغير عذر وأطال إبتدأ وإن لم يطل بنى
الشرط التاسع أن يطوف بالبيت جميعه فلا يطوف في شيء منه لأن الله قال وليطوفوا بالبيت العتيق فإن اخترق الحجر في طوافه أو الشاذروان لم يصح
قال أحمد في رواية الأثرم فيمن طاف في الحجر فاخترقه لا يجزؤه لأن الحجر من البيت فإن كان شوطا واحدا أعاد ذلك الشوط وإن كان كل الطواف أعاده
وكذلك نقل حنبل فيمن طاف واخترق الحجر لا يجزؤه ويعيد ونقل حرب كذلك لأن الله أمر بالطواف بالبيت ومن سلك شيئا من البيت في طوافه لم يطف به كله وإنما طاف فيه
قال ابن عباس من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر فان الله يقول

وليطوفوا بالبيت العتيق وقد طاف النبي صلى الله عليه و سلم من وراء الحجر رواه الأثرم
وعن عمر قال لو أن الحجر لم يكن من البيت لما طيف به
وعن عائشة قالت الحجر من البيت
وعن الزهري قال سمعت بعض علمائنا يقول إنما حجر الحجر فطاف الناس من ورائه إرادة أن يستوعب الناس الطواف بالبيت رواهن أحمد
والأصل في ذلك ما روى سالم بن عبد الله أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لها ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم فقلت يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم قال لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت قال عبد الله لأن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه و سلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد ابراهيم
وفي رواية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية أو قال بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض ولأدخلت فيها من الحجر

وعن عروة عن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس ابراهيم فان قريشا حين بنت استقصرت ولجعلت لها خلفا وفي رواية يعني بابا
وعن الأسود عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الجدر أمن البيت هو قال نعم قلت فما لهم لم يدخلوه في البيت قال إن قومك قصرت بهم النفقة قلت فما شأن بابها مرتفعا قال فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولولا أن قومك حديث عهد بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدر في البيت وألصق بابه بالأرض وفي رواية الحجر مكان الجدر متفق عليهن
وعن يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لها يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه

ما أخرج منه والزقته بالأرض ولجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس ابراهيم فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه قال يزيد وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه من الحجر وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كاسنمة البخت قال جرير ابن حازم فقلت له يعني يزيد أين موضعه فقال أريكه الان فدخلت معه الحجر فأشار إلى مكان فقال ها هنا قال جرير فحزرت من الحجر ست أذرع أو نحوها رواه البخاري
وعن سعيد بن ميناء عن عبد الله بن الزبير قال حدثتني خالتي يعني عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حين بنت الكعبة رواه مسلم

وعن عطاء عن ابن الزبير قال إني سمعت عائشة تقول إن النبي صلى الله عليه و سلم قال لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع ولجعت له بابا يدخل الناس منه وبابا يخرج الناس منه رواه مسلم
وعن الحارث بن عبد الله بن ربيعة أنه سمع عائشة تقول قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن قومك استقصروا من بنيان البيت ولولا حدثان عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمني لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع رواه مسلم
الشرط العاشر أن يطوف في المسجد الحرام فإن طاف خارج المسجد لم يصح وإن طاف فيه جاز سواء كان بينه وبين البيت حائل مثل زمزم وقبة السقاية أو طاف في الأروقة التي في جوانب المسجد أو طاف قريبا منه هذا قول وعلى هذا القول فالمصحح للطواف الكون في المسجد
ولا فرق بين ما كان مسجدا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وبين ما زيد فيه على عهد عمر وبني أمية وبني العباس

وقال القاضي في المجرد يجوز الطواف في المسجد وإن حال بينه وبين البيت قبة زمزم وسقايته لأن الحائل في المسجد كلا حائل وإن طاف خارج المسجد لم يجزه لأن الحائل خارج المسجد يقطع حكم المسجد كما لو ائتم بالإمام في المسجد وبينهما سوره وعلى هذا فالمانع وجود الحائل فلو فرض زوال جدار المسجد صحت الصلاة خارجه
وقال ابن عقيل إن تباعد عن البيت من غير عذر لم يمنع الاجزاء لأن هذه عبادة تتعلق بالبيت فلا يؤثر في ابطالها البعد مع مسامتته ومحاذاته كالصلاة
وإن طاف حول المسجد أو حول البيت وبينه وبين البيت جدار اخر احتمل أن لا يجزءه لأنه لا يسمى طائفا بالبيت بل بالمسجد أو الجدار الذي هو حائل ولأن البقعة التي هي محال الطواف معتبرة لقوله صلى الله عليه و سلم خذوا عني مناسككم فلا يجوز أن يجعل غير المطاف مطافا ولأنه لو سعي في مسامته المسعى وترك السعي بين الصفا والمروة لم يجزه كذلك ها هنا
ووجه الأول قوله تعالى أن طهرا بيتي للطائفين والعكفين والركع السجود فإنه يقتضي أن بيته معد للطائفين والعاكفين والمصلين وذلك يقتضي أن له أثر في اختصا

الفصل الثالث أنه لا ركن إلا الوقوف بعرفه والطواف طواف الزيارة وقد
احتلفت عبارة أصحابنا في ذلك
وأصل ذلك أن السعي بين الصفا والمروة هل هو ركن فيه روايتان فإن قلنا ليس بركن فمن أصحابنا من يقول هما ركنان كما ذكره الشيخ
قال ابو الحسن التيمي فرض الحج فرضان لا ثالث لهما روى ذلك عن أحمد المروذي واسحق بن إبراهيم وغيرهم ونقل عنه ابناه وأبو الحارث والفضل بن زياد أنه قال فيمن وقف بعرفة وزار البيت يوم النحر وانصرف ولم يعمل غير ذلك فحجتة صحيحه وعليه دم قال وبهذا أقول
وهذا قول أبي بكر عبد العزيز
قال حرب قيل لأحمد رجل حج فوقف بعرفة ثم زار البيت يوم النحر

فمضى على وجهه ولم ينصرف إلى منى ولم يرم الجمار قال عليه دم وقال القاضي وأصحابه وعامة المتأخرين من أصحابنا أركانه ثلاثة بغير خلاف الاحرام والوقوف والطواف
ومن أصحابنا من يحكى ذلك خلافا فيقول الأركان ركنان في قول وثلاثة في قول وأربعة في قول ويعتقد أن المذهب مختلف في الاحرام كاختلافه في السعي
قال ابن أبي موسى وفروض الحج أربعة فروض وهي الاهلال بالحج والوقوف بعرفة وطواف الافاضة والسعي بين الصفا والمروة وروي عنه أن السعي بين الصفا والمروة ليس بواجب وروي عنه أن فرض الحج فرضان هما الوقوف بعرفة وطواف الافاضة وما عداهما مسنون حتى أنه سئل عن رجل حج فوقف بعرفه وطاف طواف الافاضة وانصرف ولم يأت بغير ذلك فقال عليه دم شاة وحجه صحيح
واعلم أن الاختلاف في الاحرام اختلاف في عبارة وذلك أن الاحرام يعني به شيئان أحدهما قصد الحج ونيته وهذا مشروط في الحج بغير خلاف فإن الحج لا يصح بغير نية باجماع المسلمين وهذا المعنى هو الغالب على أصول أصحابنا لأن الاحرام ينعقد بمجرد النية
فعلى هذا منهم من يجعل هذا القصد والنية ركنا وهو الغالب على قول الفقهاء المصنفين في المذهب من أصحابنا وهو الجاري على أصول أحمد لأن العمرة عنده للشهر الذي أحرم فيه

ومنهم من يجعله شرطا للحج بمنزلة الطهارة للصلاة وهو قول كثير من مصنفي الخلاف من أصحابنا ويشهد له من أصولنا إنعقاده قبل أشهر الحج وسقوط الفرض عن العبد والصبي إذا عتق وبلغ قبل الافاضة من عرفات وإن كان الاحرام قد إنعقد قبل وجوب الحج فإن أركان العبادة لا تفعل قبل وجوبها ولا قبل دخول وقتها
والتحقيق أنه أصل منفرد بنفسه كما أن الحج عبادة مستقلة بنفسها وهو يشبه أركان العبادة من وجه وشروطها من وجه فإنه ركن مستدام إلى اخر العبادة
والمعنى الثاني للاحرام هو التجرد عن المخيط وكشف الرأس واجتناب المحظورات وهذا هو واجب ليس بركن ولا شرط فمن فهم الاحرام هذا المعنى قال إن أركان الحج ركنان ومن فهم المعنى الأول قال أركانه ثلاثة ومن أعتقد الاحرام شرطا قال إن أركانه ركنان فعلى هذا قيل الاحرام شرط وقيل هو ركن وقيل هو واجب على ما بيناه
مسألة وواجباته الاحرام من الميقات
وجملة ذلك أن واجبات الحج هي عبارة عما يجب فعله ولا يجوز تركه إلا لعذر وإذا تركه كان عليه دم يجبر به حجه ويصح الحج بدونه لكن هل يتم الحج قبل إخراج الهدي
فأول الواجبات أن يحرم من الميقات وهو أن ينشيء النية ويعقد الاحرام من الميقات فالواجب هو الابتداء بالاحرام من الميقات وقد يجوز أن يكون أراد أن الواجب هو الاحرام وابتداؤه من الميقات إذا عنى بالاحرام ترك المحظور كما تقدم وذلك لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة وهذا خبر معناه الأمر وإلا لزم مخالفته

مخبره والأمر يقتضي الوجوب خصوصا في العبادات وإنما قلنا ليس بركن لأن
مسألة والوقوف بعرفة إلى الليل
وجملة ذلك أنه إذا وافى عرفة نهارا لم يجز أن يفيض منها إلى الليل لكن هل يجوز أن يتعمد المكث في غير عرفة إلى الليل ثم يقف بها ليلا مثل أن يمكث بنعمان أو بالحرم أو بنمرة وهل عليه أن يجد في السير إذا خاف فوت النهار وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقف بعرفة حتى غابت الشمس كما تقدم ولأن أهل الجاهلية كانوا يفيضون من عرفات إذا اصفرت فسن النبي صلى الله عليه و سلم الوقوف إلى غروب الشمس مخالفة لهديهم وذلك داخل في امتثاله لأمر الله سبحانه بالحج وفي تفسيره للحج المجمل في كتاب الله
والفعل إذا خرج منه مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر وهو داخل في عموم قوله خذوا عني مناسككم وقد روى محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خطب يوم عرفة فقال هذا يوم الحج الأكبر إن من كان قبلكم من أهل الأوثان والجاهلية كانوا يفيضون إذا الشمس على الجبال كأنها عمائم الرجال ويدفعون من جمع إذا أشرقت على الجبال كأنها عمائم الرجال فخالف هدينا هدي الشرك رواه ابو داود في مراسيله وفي

رواية كانوا يفيضون من عرفات قبل غروب الشمس فلا تعجلوا فإنا نفيض بعد غروبها
وإنما قلنا ليس بركن لقول النبي صلى الله عليه و سلم ووقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا ولحديث الذي وقصته راحلته بعرفات

فصل
لا يجوز له أن يفيض من عرفات قبل غروب الشمس بلا تردد سواء فرض أن الإمام أخطأ السنة فأفاض قبل ذلك أم لا أم لم يكن للموسم امام فإذا غربت الشمس فالسنة أن لا يفيض قبل الإمام إلا أن يخالف الإمام السنة فيقف إلى مغيب الشفق
قال أحمد في رواية المروذي إذا دفع الإمام دفعت معه ولا تفض حتى يدفع الإمام فإن أفاض بعد غروب الشمس قبل الإمام فقال أبو الحارث سألت أحمد هل يجوز لأحد أن يفيض قبل الامام قال إذا أفاض الإمام أفاض معه ويفيض الإمام إذا غربت الشمس وعليه السكينة ويفيض الناس معه قلت فإن أفاض قبل الإمام فقال ما يعجبني قلت فما يجب على من دفع قبل الإمام قال أقل ما يجب عليه دم ثنا يحيى عن ابن جريج عن عطاء إذا دفع قبل أن تغيب الشمس فعليه دم وقال الحسن يرجع فإن لم يرجع فعليه بدنة وقال مالك إذا دفع قبل أن تغرب الشمس فسد حجه

قال أحمد بن حنبل إذا دفع قبل غروب الشمس قبل الإمام فعليه دم
وقال في رواية الأثرم وقد سئل عن رجل دفع قبل الإمام من عرفة بعد ما غابت الشمس فقال ما وجدت أحدا سهل فيه كلهم يشدد فيه وما يعجبني أن يدفع قبل الإمام
وممن قال إذا دفع قبل الإمام عليه دم الخرقي وأبو بكر
وقال أكثر المتأخرين من أصحابنا إنما الدم على من دفع قبل غروب الشمس وجعل هؤلاء قوله دفع قبل بمعنى دفع قبل غروب الشمس لأن الإمام إنما يدفع بعد الغروب وحمل القاضي رواية الأثرم الصريحة على الاستحباب لأنه قال في رواية حرب إذا دفع من عرفة قبل غروب الشمس يهريق دما وقال أيضا في رواية الأثرم مالك يقول إذا دفع قبل غروب الشمس فسد حجه وهذا شديد والذي نذهب عليه دم
فإن كان له عذر في الافاضة قبل غروب الشمس مثل أن ينسى نفقته بمكان اخر فقال أبو طالب سألت أحمد عن الرجل يقف بعرفة مع الإمام

من الظهر إلى العصر ثم يذكر أنه نسى نفقته بمنى قال إن كان قد وقف بعرفة فأحب إلى أن يستأذن الإمام يخبره أنه نسى نفقته فإذا أذن له ذهب ولا يرجع قد وقف وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه وهم معه على أمر جامع وإن كان لم يقف بعرفة يرجع فيأخذ نفقته ويرجع إلى عرفة فيقف بها ومن وقف بعرفة من ليل أو نهار قبل طلوع الفجر فقد تم حجه فهذا يرجع فيقف
فصل
ولو وقف قبل الزوال ثم خرج ثم رجع بعد الزوال فقد أحسن وإن خرج بعد الزوال إلى عرفة ليصلي بها ويخطب وإن وقف بعد الزوال ثم أفاض من عرفه ثم رجع فقال القاضي وابن عقيل وكثير من أصحابنا إن عاد قبل الغروب ووقف إلى غروب الشمس فلا دم عليه وإن عاد بعده فعليه دم وخرج ابن عقيل إحتمالا بأن عليه دما مطلقا ويحتمله كلام أحمد لأنه قال إذا دفع قبل الإمام فعليه دم ولم يفرق بين أن يعود أو لا يعود مع ذكر التفرقة عن الحسن
وذكر القاضي في خلافه أنه لا دم عليه إذا عاد مطلقا وقد ذكره أحمد عن الحسن لأنه قد جمع بين الليل والنهار

مسألة والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل
وجملة ذلك أن الوقوف بمزدلفة في الجملة واجب تارة يعبر عنه أحمد بالوقوف بمزدلفة وتارة يعبر بالمبيت بمزدلفة لقوله سبحانه فإذا أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم والمشعر الحرام مزدلفة كلها كما تقدم وإن أريد به نفس قزح فقد أمر بالذكر عنده وذلك يحصل بالوقوف فيما حوله بدليل قول النبي صلى الله عليه و سلم هذا الموقف ومزدلفة كلها موقف وارفعوا عن بطن محسر
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم وقف بها وقال خذوا عني مناسككم وقال هذا الموقف ومزدلفة كلها موقف كما قال هذا الموقف وعرفة كلها موقف
فإن طلعت الشمس ولم يقف بالمزدلفة فعليه دم وحجه صحيح
قال أحمد في رواية ابن القاسم ليس أمر جمع عندي كعرفة ولا أرى الناس جعلوها كذلك
وقال صالح سألت أبي عن رجل فاته الوقوف بجمع وقد وقف بعرفة ومر بجمع بعد طلوع الشمس قال عليه دم
وقال أبو طالب سألت أحمد عن حديث عروة الطائي من صلى معنا صلاة الصبح وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجة قال هذا شديد قلت فكيف يصنع من أتى عرفات ولم يشهد جمعا مع الإمام قال هذا أحسن حالا ممن لم يجئها
وقد رخص رسول الله صلى الله عليه و سلم للضعفة أن يتعجلوا بليل وصلى عمر

رضوان الله عليه وجعل ينتظر الأعرابي وقد جاء الأعرابي قلت فيجزؤه إذا أتى عرفة ثم لم يدرك جمعا قال هذا مضطر أرجو أن يجزءه لأن النبي صلى الله عليه و سلم قدم الضعفة ولم يشهدوا معه قلت أليس من لم يقف بجمع عليه دم قال نعم عليه دم إذا لم يقف بجمع عليه دم لكن يأتي جمع فيمر قبل الإمام قلت قبل الإمام يجزؤه قال نعم قد قدم النبي صلى الله عليه و سلم الضعفة
وقال حنبل قال عمي من لم يقف غداة المزدلفة ليس عليه شيء لأن النبي صلى الله عليه و سلم قدم الضعفة ولا ينبغي له أن يفعل إلا أن يكون معه ضعفة أو غلمة وعليه أن يبيت ليلة المزدلفة وإن لم يبت فعليه دم وسئل عمن لم يأت جمع قال ليس عليه شيء إذا أخطأ الطريق أو كان جاهلا فليس عليه شيء إذا لم ينزل وهو قول الحسن رضي الله عنه
وقال حرب قلت لأحمد رجل أتى عرفة قبل طلوع الفجر قال حجه جائز إذا وقف بعرفة قبل طلوع الفجر قيل فإن لم يقف بجمع جائز

وأحكام جمع مضطربة تتخلص في مسائل
الأولى أن الوقوف بها واجب في الجملة لما تقدم
الثانية أنه ليس بركن فمن فاته الوقوف بها حتى طلعت الشمس لعذر صح حجه وإن تعمد ترك اتيانها أو سلك إلى منى غير طريقها فكلامه يقتضي روا ينظر ألفاظ الأحاديث وذلك لأن النبي صلى الله عليه و سلم لما سألوه وهو واقف بعرفة كيف فقال الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج ومعلوم أنه لو كان الحج يفوت بفوات المزدلفة لما قال الحج عرفة بل قال الحج عرفة ومزدلفة
وقوله من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج يدل على أمن الفوات لأن من أدرك العبادة لا تفوته البتة ولو كان ترك الوقوف بمزدلفة يفوت الحج لم يكن الواقف بعرفة مدركا وهذا كقوله من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر نعم يمكن أن يوجد بعد الإدراك ما يبطل العبادة ولا يبطل الحج إلا الوطء فأما ترك واجب مؤقت يكون تركه فواتا للحج فلا ألا ترى أنه لما أراد أن يبين ما به يتم الحج قال من شهد معنا هذه الصلاة ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه فجعل الوقوف بمزدلفة بعد التعريف به يتم الحج ويقضي التفث إذ لم يبق بعده إلا التحلل برمي جمرة العقبة وما بعده فعلم بهذين الحديثين أنه بالوقوف بعرفة يدرك الحج ويؤمن فواته فلو كان بعده ركن مؤقت لم يدرك ولم يؤمن الفوات وبالوقوف بمزدلفة يتم الحج ويقضي التفث

وأيضا ما احتج به أحمد من إجماع الناس حيث قال ليس أمره عندي كعرفة ولا أرى الناس جعلوها كذلك فذكر أنه لم ير أحدا من الناس سوى بينهما مع معرفته لمذاهب الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الفتوى
وعن ابن عمر قال من وقف بعرفة بليل فقد أدرك الحج وإن لم يدرك الموقف بجمع
وعن ابن عباس قال الحج عرفات والعمرة لا يجاوز بها البيت ومن لم يحل عند البيت فلا عمرة له
الثالثة أن من فاته الوقوف بها والمبيت فعليه دم هذا هو المذهب المنصوص في رواية صالح وغيره
ويحتمل كلامه في رواية حنبل وأبي طالب إذا تركها لعذر لا شيء عليه
وخرج القاضي وابن عقيل فيمن لم يمر بها حتى طلعت الشمس أو أفاض منها أول الليل لا شيء عليه تخريجا من إحدى الروايتين في المبيت بمنى لأن المبيت ليس بمقصود لنفسه وإنما يقصد للوقوف في غداتها وذلك ليس بواجب فما يقصد له أولى
وهذا التخريج فاسد على المذهب باطل في الشريعة فإن بين الوقوف

بمزدلفة والمبيت بمنى من المباينة في الكتاب والسنة ما لا يجوز معه الحاق أحدهما بالاخر إلا كالحاق الوقوف بين الجمرتين بالوقوف بعرفة
وقولهم ليس بمقصود قد منعه من يقول إن الوقت يمتد إلى طلوع الفجر
والتحقيق أن المقصود هو الوقوف بالمشعر الحرام ووقته من أواخر الليل إلى طلوع الشمس كما سيأتي
الرابعة أنه يفوت وقتها بطلوع الفجر فمن لم يدركها قبل ذلك فعليه دم هذا هو الذي ذكره القاضي وعامة أصحابنا بعده لقول أحمد وعليه أن يبيت بالمزدلفة فإن لم يبت فعليه دم لأن الواجب هو المبيت بالمزدلفة والمبيت إنما يكون بالليل كالمبيت بمنى فإذا طلع الفجر ذهب وقت المبيت وأصحاب هذا القول لا يرون الوقوف بالمزدلفة واجبا وإنما الواجب عندهم المبيت بها ولا يرون الوقوف غداة جمع من جنس الواجب بل من جنس الوقوف بين الجمرتين وهذا القول في غاية السقوط لمن تدبر الكتاب والسنة ونصوص الإمام أحمد والعلماء قبله
ونقل عنه صالح في رجل فاته الوقوف بجمع وقد وقف بعرفة ومر بجمع بعد طلوع الشمس قال عليه دم
ونقل عنه المروذي إذا وقف بعرفة فغلبه النوم حتى طلعت الشمس عليه دم فأوجب الدم بفوات الوقوف بها إذا طلعت الشمس
وكذلك قال في رواية أبي طالب إذا لم يقف بجمع عليه دم ولكن يأتي

جمع فيقف قبل الإمام ويجزءه فجعل الموجب للدم عدم الوقوف فإذا وقف مع الإمام أو قبله فلا دم عليه وكذلك احتج بحديث عمر لما انتظر الأعرابي وإنما جاء بعد طلوع الفجر وعلى هذا إذا لم يقف قبل طلوع الفجر فعليه أن يقف بعد طلوعه وهذا هو الصواب أن وقت الوقوف لا يفوت إلى طلوع الشمس فمن وافاها قبل ذلك فقد وقف بها لأن النبي صلى الله عليه و سلم وقف بها وأفاض قبيل طلوع الشمس وهذا الوقوف المشروع في غداتها هو المقصود الأعظم من الوقوف بمزدلفة وبه يتم امتثال قوله فإذا أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام الاية وإليه الإشارة بقوله هذا هو الموقف وجمع كلها موقف وارفعوا عن بطن محسر وهذا نظير الوقوف عشية عرفة وأحد الموقفين الشريفين فكيف لا يكون له تأثير في الوجوب وجودا وعدما أم كيف لا يكون هذا الزمان وقتا للنسك المشروع بمزدلفة
وأيضا فإن عروة بن مضرس أتى النبي صلى الله عليه و سلم وهو بمزدلفة حين خرج لصلاة الفجر وقال له النبي صلى الله عليه و سلم من أدرك معنا هذه الصلاة ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه
وهذا نص في مزدلفة تدرك بعد طلوع الفجر كما تدرك قبل الفجر لأن هذا السائل إنما وافاها بعد طلوع الفجر وأخبره النبي صلى الله عليه و سلم بقضاء حجه ولم يخبره أن عليه دما وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ولا يصح أن يقال فلعله دخل فيها قبل الفجر

ولأن النبي صلى الله عليه و سلم أخبر أن من أدرك الصلاة والموقف بجمع ووقف قبل ذلك بعرفات فقد تم حجه ولم يذكر دما ولا غيره ولم يشترط إدراك مزدلفة قبل الفجر بل نص على الإكتفاء بإدراك الوقوف مع الناس
وفي لفظ من أدرك افاضتنا هذه والافاضة قبيل طلوع الشمس فأين يذهب عن البيان الواضح من النبي صلى الله عليه و سلم
ولأن من أدرك عرفة قبيل الفجر فمحال أن يدرك المزدلفة تلك الليلة فلو كان هذه المدرك لعرفة قد فاتته المزدلفة وعليه دم لم يصح أن يقال من أدرك عرفة أدرك الحج مطلقا فإنه قد فاته بعض الواجبات بل أعظم الواجبات ولذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم والتابعون بعده صرحوا بأن من طلع عليه الفجر بعرفة فقد أدرك الحج من غير ذكر لدم ولا تفويت الوقوف بالمزدلفة
وأيضا فايجاب النسك باسم المبيت بمزدلفة لم ينطق كتاب ولا سنة ولا ذكره الصحابة والتابعون بل الذي في كتاب الله قوله فاذكروا الله عند المشعر الحرام وهذا يقتضي التعقيب لقوله فإذا أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام فمن أفاض من عرفات عند طلوع الفجر يذكر الله إذا أفاض بعد طلوع الفجر بنص الاية
وأيضا فإن الله أمر كل مفيض من عرفات بذكره عند المشعر الحرام فلو كان وقت هذا الواجب يفوت بطلوع الفجر لم يمكن كل مفيض امتثال هذا الأمر
وأيضا فإن وقت التعريف يمتد إلى طلوع الفجر فلا بد أن يكون عقبيه وقت

للمشعر الحرام لئلا يتداخل وقت هذين النسكين
وأما السنة فإن النبي صلى الله عليه و سلم الوقوف بالمزدلفة وشهود صلاة الصبح والوقوف معه وإنما جاء المبيت بمزدلفة تبعا لأن الوقوف بعد الفجر وإنما يكون ذلك بعد المبيت فكيف يكون المقصود تبعا والتبع مقصودا
وأيضا فما روى إبراهيم عن الأسود أن رجلا قدم على عمر بن الخطاب وهو بجمع بعدما أفاض من بعرفات فقال يا أمير المؤمنين قدمت الان فقال أما كنت وقفت بعرفات قال لا قال فأت عرفة وقف بها هنيهة ثم أفض فانطلق الرجل وأصبح عمر بجمع وجعل يقول أجاء الرجل فلما قيل قد جاء أفاض رواه سعيد باسناد صحيح واحتج به أحمد
فهذا رجل إنما أدرك الناس قبل الافاضة من جمع لأن مجيئه إلى مزدلفة قبل التعريف لا أثر له فإن مزدلفة إنما يصح المبيت والوقوف بها بعد عرفة ومع هذا لم يأمره عمر بدم بل انتظره ليقف مع الناس ولو كان وقت الوجوب قد ذهب لما كان لانتظاره معنى
وأيضا فإن الوقوف بالمزدلفة بعد الوقوف بعرفة بنص القرآن والسنة والعبادات المتعاقبة لا يجوز دخول وقت إحداهما في وقت الأخرى كأوقات الصلوات

ووقت عرفة يمتد إلى طلوع الفجر فلو كان وقت مزدلفة ينتهي إلى ذلك الوقت لكان وقت مزدلفة بعض وقت عرفة وذلك لا يجوز
وأما قولهم المبيت بمزدلفة واجب
قلنا هذا غير مسلم فإن من أدركها في النصف الثاني أو قبيل طلوع الفجر لا يسمى بائتا بها ألا ترى أن المبيت بمنى لما كان واجبا لم يجز أن يبيت بها لحظة من اخر الليل حتى يبيت بها معظم الليل نعم من أدركها أول الليل فعليه أن يبيت بها إلى اخر الليل لأجل أن الوقوف المطلوب هو في النصف الاخر وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وصار هذا مثل الوقوف الواجب بعرفة هو اخر النهار فإذا نزلوا بنمرة أقاموا إلى نصف النهار لانتظار الوقوف لا لأن النزول بنمرة هو المقصود ولو تأخر الانسان إلى وقت الوقوف أجزأ كذلك هنا
الخامسة من وافاها أول الليل فعليه أن يبيت بها بمعنى أن يقيم بها لا يجوز له الخروج منها إلى اخر الليل
قال أحمد في رواية حنبل وعليه أن يبيت بمزدلفة وإن لم يبت فعليه دم
ثم إن كان من أهل الأعذار مثل النساء والصبيان والمرضى ومن يقوم بهم فله الدفع منها في اخر الليل من غير كراهة كما تقدم
وأما غيرهم فالسنة له أن يقيم إلى ان يقف بعد طلوع الفجر
وفي الوقت الذي يجوز الدفع فيه روايتان إحداهما يجوز الدفع بعد نصف الليل قال حرب قلت لأحمد رجل خرج من المزدلفة نصف الليل فأتى

منى وعليه ليل يرمي الجمار قال نعم أرجو أن لا يكون به بأس قلت لأحمد فإنه مضى من حتى أتى مكة فطاف طواف الزيارة قبل أن يطلع الفجر قال لا يمكنه أن يأتي مكة بليل
ولعل حربا سأل أحمد عن هاتين المسألتين في وقتين لأن في أول المسألة أنه أباح الافاضة نصف الليل وفي اخرها قال لا يجوز الخروج من جمع حتى يغيب القمر وبينهما زمن جيد وقال عنه في موضع اخر وقد سئل عن الافاضة من جمع من غير عذر فقال أرجو إلا أنه قال في وجه السحر وهذا قول القاضي ومن بعده من أصحابنا لما روى عن عائشة قالت أرسل النبي صلى الله عليه و سلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه و سلم تعني عندها رواه أبو داود
وفي رواية لابن أبي حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة

قالت قدمني النبي صلى الله عليه و سلم فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة قالت فرميت الجمرة بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى
قالوا ومن المنزل إلى مكة نحو من سبعة أميال أو أكثر ومن موقف الإمام بعرفة إلى باب المسجد الحرام بريد اثنا عشر ميلا
ومن يسير إلى منى ويرمي الجمرة ويطوف للافاضة ثم يصلي الصبح لا يقطع سبعة أميال إلا أن يكون أفاض بليل
ولأن أكثر الشيء يقوم مقام جميعه فإذا بات أكثر الليل بالمزدلفة صار في حكم من بات جميعها لما رخص النبي صلى الله عليه و سلم في الافاضة منها قبل طلوع الفجر
فعلى هذا العبرة بنصف الليل المنقضي بطلوع الفجر أو بطلوع
والرواية الثانية لا تجوز الافاضة قبل مغيب القمر وانما يغيب قبل الفجر بمنزلتين من منازل القمر وهما أقل من ساعتين
قال في رواية حرب أيضا لا يجوز أن يخرج من جمع حتى القمر وأكثر نصوصه على هذا لأن الذي في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه و سلم أرخص للضعفة أن يفيضوا من جمع بليل ولم يؤقته بل إنما قدمهم في وجه السحر
وكان ابن عمر يقدم ضعفة أهله فيقومون عند المشعر الحرام

بالمزدلفة فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع بهم فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة وكان ابن عمر يقول أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه و سلم متفق عليه
ولم يجيء توقيت في حديث إلا حديث أسماء رواه عبد الله الهر مولاها أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلى فصلت ساعة ثم قالت يا بني هل غاب القمر قلت لا فصلت ساعة قالت يا بني هل غاب القمر قلت نعم قالت فارتحلوا فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها يا هنتهاه ما أرانا إلا قد غلسنا قالت يا بني إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أذن للظعن متفق عليه
فهذه أسماء قد روت الرخصة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وجعلتها مؤقتة بمغيب القمر إذ كانت هي التي روت الرخصة وليس في الباس شيء مؤقت أبلغ من هذا وسائر الأحاديث لا تكاد تبلغ هذا الوقت وحديث أم سلمة لا يخالفه فإن ستة أميال تقطع في أقل من ثلاث ساعات بكثير بل في قريب من ساعتين فإذا قامت بعد مغيب القمر أدركت الفجر بمكة ادراكا حسنا
وأما طوافها

وعلى هذا فيكون المبيت واجبا إلى أن يبقى سبعا الليل إذا جعل اخره طلوع الشمس وذلك أقل من الثلث ولا يصلون إلى جمع إلا بعد أن يمضي شيء من الليل فتكون الافاضة من جمع جائزة إذا بقى من وقت الوقوف الثلث وتقدير الرخصة بالثلث له نظائر في الشرع والتقدير بالأسباع له نظائر خصوصا في المناسك فإن أمر الأسباع فيه غالب فيجوز أن يكون الوقوف بمزدلفة مقدرا بالأسباع

فصل
وهل يجب هذا المبيت على أهل السقاية والرعاء قال
المسألة السادسة أن من وافاها بعد جواز الافاضة منها إما بعد منتصف الليل أو بعد مغيب القمر أو بعد طلوع الفجر على ما مضى أجزأه ذلك ولا دم عليه وسواء نزل بها أو لم ينزل
قال في رواية أبي الحارث فيمن أفاض من جمع بليل قبل طلوع الفجر فقال إذا نزل بها أو مر بها فأرجو أن لا يكون عليه شيء إن شاء الله تعالى
وقال أبو طالب قلت أليس من لم يقف بجمع عليه دم قال نعم إذا لم يقف بجمع عليه دم لكن يأتي جمع فيمر قبل الإمام قلت قبل الإمام يجزؤه قال نعم قد قدم النبي صلى الله عليه و سلم الضعفة

المسألة السابعة من لا عذر له فإنه يجوز أن يخرج منها قبل طلوع الفجر ويكون وقوفه الواجب مكثه بها قبل ذلك والمستحب وقوفه عند قزح قبل ذلك هذا هو المذهب وقد نص عليه في رواية الجماعة
قال في رواية حنبل من لم يقف غداة المزدلفة ليس عليه شيء
وقال في رواية أبي طالب يأتي جمع فيقف قبل الإمام يجزؤه وقد تقدم نصه في رواية حنبل وأبي الحارث
وقال الأثرم قيل لأبي عبد الله يدفع من مزدلفة قبل الإمام قال المزدلفة عندي غير عرفة وذكر حديث ابن عمر أنه دفع قبل ابن الزبير قيل لأبي عبد الله كأن سنة المزدلفة عندك غير سنة عرفة قال نعم واحتج على ذلك بأن النبي صلى الله عليه و سلم قدم الضعفة ولم يشهدوا معه الموقف بجمع ولو كان الوقوف بالغداة واجبا لما سقط عن الظعن ولا غيرهم كالوقوف بعرفة إلى غروب الشمس وكرمي الجمار وغير ذلك من الواجبات ولأنهم من حين يدخلون إلى المزدلفة فهم في الموقف بالمشعر الحرام إلى أن يخرجوا منها فجاز التعجيل منها لطول المقام بها رخصة وتخفيفا بخلاف عرفات فإن الوقوف بها ليس بطويل
ولأن الوقوف بالمزدلفة ليس بمحدود المبتدأ فإن الناس يجيئون اليها على قدر سيرهم فجاز أن لا يكون محدود المنتهي فيخرجون منها كذلك بخلاف عرفات يدخلونها وقت الزوال ويخرجون منها بعد الغروب وهذا لأنه لما لم يتقيدوا بالإمام في مبتدأ الوقوف بمزدلفة لم يتقيدوا به في منتهاه وعرفة بخلاف ذلك
وأيضا فإن عرفات كان المشركون يتعجلون منها فسن لنا مخالفتهم بايجاب التأخير إلى غروب الشمس وكانوا يتأخرون بالمزدلفة إلى طلوع

الشمس فسن لنا التعجيل منها قبل ذلك مخالفة لهم فجاز أن يوسع وقت التعجيل وأن يفيض قبل الإمام لأن ذلك أبعد عن التشبه بهدي المشركين وهذا معنى قول أحمد سنة عرفة غير سنة المزدلفة
وقد أجاب أحمد عن قول النبي صلى الله عليه و سلم من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا حتى تطلع الشمس فقد تم حجه وقضى تفثه بأن منطوق الحديث لا اشكال فيه وأما مفهومه فليس على عمومه إذ لا يجوز أن يكون معناه من لم يصل معنا ويقف إلى طلوع الشمس لم يتم حجه لأن النبي صلى الله عليه و سلم قدم الضعفة ولم يصلوا معه ولم يقفوا وعمر رضي الله عنه انتظر الأعرابي بين ظهراني المسلمين حتى جاء ولم يصل والناس يرون ذلك ولم ينكر أحد عليه فوت الصلاة وذلك لأن هذا مفهوم منطوق خرج جوابا عن سؤال سائل فإن عروة بن مضرس كان قد أدرك مع النبي صلى الله عليه و سلم الصلاة والوقوف فذكر النبي صلى الله عليه و سلم حكم من هو في حاله أن حجه تام ومثل هذا قد لا يكون له مفهوم لأن التخصيص بالذكر لأجل حال السائل ومنه فائدة أخرى وهو أن من أدرك الصلاة فإنه يكون قد أدرك الوقوف بعرفة قبل ذلك بخلاف من لم يدرك الصلاة فإنه قد لا يكون دخل عرفة إلا بعد الفجر
وفيه أيضا وجوب الوقوف مع الإمام على من لم يقف قبل طلوع الفجر على ما ذكرناه فيما تقدم
ويتوجه وجوب الوقوف بعد الفجر لغير أهل الأعذار لما روت عائشة قالت كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه و سلم أن

تفيض من جمع بليل فأذن لها فقالت عائشة فليتني كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه و سلم كما استأذنته سودة وكانت عائشة إلا مع الإمام
وفي رواية وددت أني كنت أستأذنت رسول الله صلى الله عليه و سلم كما استأذنته سودة فأصلى الصبح بمنى فأرم الجمرة قبل أن يأتي الناس فقيل لعائشة فكانت سودة استأذنته قالت نعم إنها كانت ثقيلة ثبطة فاستأذنت لها رسول الله صلى الله عليه و سلم فأذن لها وفي رواية استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة ثبطة يقول القاسم والثبطة الثقيلة قالت فأذن لها فخرجت قبل دفعه وحبسن حتى أصبحنا فدفعنا بدفعة ولأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه و سلم كما استأذنته سودة فأكون أدفع بإذنه أحب إلى من مفروح به متفق عليه
فلو كان الإذن في الدفع قبل الإمام عاما للناس لم تستأذنه عائشة لسودة ولو فهمت وهي السائلة له أن إذنه لسودة إذن لكل الناس لم تتأسف على أنها لم تستأذنه لنفسها وهي أعلم بمعنى ما سألته وما أجابها وإنما كانت الرخصة مقصورة على ذي العذر فخشيت عائشة أن لا تكون هي من جملة أولى الأعذار فبنت على الأصل
وأيضا قول ابن عمر أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي لفظ

لضعفة الناس وقول أسماء إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أذن للظعن كل دليل على أن الإذن خاص بالظعن وأن المعرف المستقر بينهم أنه لا يجوز إفاضة أحد حتى يفيض الإمام حتى رويت الرخصة في الضعفاء ولا يلزم من الأذن للضعفة الأذن لغيرهم لأن تخصيص النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه لهم بالذكر والأذن من بين سائر الناس دل على أن حكم غيرهم بخلاف ذلك
ولأن الأصل وجوب اتباعه في جميع المناسك بقوله صلى الله عليه و سلم اخذوا عنى مناسككم لا سيما وفعله صلى الله عليه و سلم خرج إمتثالا لقوله فإذا أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام والفعل إذا خرج إمتثالا لأمر كان بمنزلته والأمر للوجوب ولا يجوز أن يقال فالذكر ليس بواجب لأن أمر الله في كتابه للوجوب لا سيما في العبادات المحضة وهناك ذكر واجب بالإجماع وهو صلاة الفجر بمزدلفة على أنه يحتاج من قال إن الذكر لا يجب إلى دليل
مسألة والسعي
يعن به بين الصفا والمروة
وقد اختلفت الرواية عن أحمد فيه فروى عنه أنه ركن لا يتم الحج والعمرة إلا به قال في رواية الأثرم فيمن انصرف ولم يسع يرجع فيسعى وإلا فلا حج له
وقال في رواية ابن منصور إذا بدأ بالصفا والمروة

يرجع قبل البيت لا يجزئه
وقال في رواية أبي طالب في معتمر طاف فواقع أهله قبل أن يسعى فسدت عمرته وعليه مكانها ولو طاف وسعى ثم وطيء قبل أن يحلق أو يقصر فعليه دم إنما العمرة الطواف والسعي والحلاق
وروى عنه أنه سنة قال في رواية أبي طالب فيمن نسى السعي بين الصفا والمروة أو تركه عامدا فلا ينبغي له أن يتركه وأرجو أن لا يكون عليه شيء
وقال في رواية الميموني السعي بين الصفا والمروة تطوع والحاج والقارن والمتمتع عند عطاء واحد إذا طافوا ولم يسعوا
وقال في رواية حرب فيمن نسى السعي بين الصفا والمروة حتى أتى منزله لا شيء عليه
وقال القاضي في المجرد وغيره هذا واجب يجبره دم هذا هو الذي ذكره الشيخ في كتابه
فمن قال إنه تطوع احتج بقوله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله

فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم فأخبر أنهما من شعائر الله وهذا يقتضي أن الطواف بهما مشروع مسنون دون زيادة على ذلك إذ لو أراد زيادة لأمر بالطواف بهما كما قال فاذكروا الله عند المشعر الحرام ثم قال فمن حج البيت أو أعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ورفع الجناح وإن كان لإزالة الشبهة التي عرضت لهم في الطواف بهما كما سيأتي إن شاء الله فإن هذه الصيغة تقتضي إباحة الطواف بهما وكونهما من شعائر الله يقتضي استحباب ذلك فعلم أن الكلام خرج مخرج الندب إلى الطواف بهما واماطة الشبهة العارضة فأما زيادة على ذلك فلا ثم قال تعالى ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم وإذا ندب الله إلى أمر وحسنه ثم ختم ذلك بالترغيب في التطوع كان دليلا على أنه تطوع وإلا لم يكن بين فاتحة الآية وخاتمتها نسبة
وعن عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ أن لا يطوف بهما
وعن عطاء في قراءة ابن مسعود أو في مصحف ابن مسعود أن لا يطوف بهما رواهما أحمد في الناسخ والمنسوخ

وعن أنس قال كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى نزلت إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما متفق عليه لفظ مسلم ولفظ البخاري عن عاصم بن سليمان قال سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة قال كنا نرى من أمر الجاهلية فلما كان الاسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله إن الصفا والمروة من شعائر الله فذكر إلى بهما
فهذا أنس بن مالك قد علم سبب نزول الاية وقد كان يقول إنه تطوع فعلم أنه فهم من الاية أنها خرجت مخرج الندب والترغيب في التطوع
وأما من قال إنها واجبة في الجملة وهو الذي عليه جمهور

أصحابنا فإن الله قال هما من شعائر الله وكل ما كان من شعائر الله فلا بد من نسك واجب بهما كسائر الشعائر من عرفة ومزدلفة ومنى والبيت فإن هذه الأمكنة جعلها الله يذكر فيها اسمه ويتعبد فيها له وينسك حتى صارت أعلاما وفرض على الخلق قصدها واتيانها فلا يجوز أن يجعل المكان شعيرة لله وعلما له ويكون الخلق مخيرين بين قصده والأعراض عنه لأن الأعراض عنه مخالف لتعظيمه وتعظيم الشعائر واجب لقول الله تعالى ومن يعظم شعئر الله فأنها من تقوى القلوب والتقوى واجبة على الخلق وقد أمر الله بها ووصى بها في غير موضع وذم من لا يتقي الله ومن استغنى عن تقواه توعده وإذا كان الطواف بهما تعظيما لهما وتعظيمهما من تقوى القلوب والتقوى واجبة كان الطواف بهما واجبا وفي ترك الوقوف بهما ترك لتعظيمهما كان ترك الحج بالكلية ترك لتعظيم الأماكن الى شرفها الله وترك تعظيمها من فجور القلوب بمفهوم الاية
وأما قوله فلا جناح عليه أن يطوف بهما فنفس تدل على أنه لم يقصد بذلك مجرد اباحة الوقوف بحيث يستوي وجوده وعدمه لأنهما

جعلهما من شعائر الله ثم قال فلا جناح عليه والحكم إذا تعقب الوصف بحرف الفاء علم أنه علة فيكون كونهما من شعائر الله موجبا لرفع الحرج ثم اتبع ذلك بما يدل على الترغيب وهو قوله ومن تطوع خيرا الاية نعم هذه الصفة لا تستعمل إلا فيما يتوهم حظره كقوله فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة وقوله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه وقوله ليس على الذين أمنوا وعملوا الصلحت جناح الاية فإن المحرم للميتة موجود حال الاضطرار والموجب للصلاة موجود حال السفر كذلك هنا كانت هاتان الشعيرتان قد انعقد لهما سبب من أمور الجاهلية خيف أن يحرم التطوف بهما لذلك وقد تقدم عن أنس أنهم كانوا يكرهون الطواف بهما حتى أنزل الله هذه الاية
وعن الزهري عن عروة قال سألت عائشة فقلت أرأيت قول الله عز و جل إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو أعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة قالت بئس ما قلت يا ابن أخي إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح أن لا يطوف بهما ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل فكان من

أهل يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فقالوا يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة فأنزل الله إن الصفا والمروة من شعائر الله الاية قالت عائشة رضي الله عنها وقد سن رسول الله صلى الله عليه و سلم الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال إن هذا لعلم ما كنت سمعته ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل لمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة فلما ذكر طواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القران قالوا يا رسول الله كنا نطوف بالصفا وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة فأنزل الله عز و جل إن الصفا والمروة من شعائر الله الاية
قال أبو بكر فأسمع هذه الاية نزلت في الفريقين كلاهما في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الاسلام من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر

الصفا حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت متفق عليه
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال قلت لعائشة وأنا حديث السن أرأيت قول الله إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما فما أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما فقالت عائشة كلا لو كانت كما تقول كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما إنما نزلت هذه الاية في الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الاسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأنزل الله إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما متفق عليه وفي لفظ لمسلم إنما أنزل هذا في أناس من الأنصار كانوا إذا أهلوا أهلوا لمناة في الجاهلية فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة

وفي لفظ له إن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان يهلون لمناة فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة وكان ذلك سنة في أبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة
وقد روى الأزرقي عن ابن اسحاق أن عمرو بن لحي نصب بين الصفا صنما يقال له نهيك مجاود الريح ونصب على المروة صنما يقال له مطعم الطير ونصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديدا وهي التي كانت الأزد وغسان يحجونهما ويعظمونهما فإذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى لم يحلقوا إلا عند مناة وكانوا يهلون لها ومن أهل لها لم يطف بين الصفا والمروة لمكان الصنمين الذين عليهما نهيك مجاود الريح ومطعم الطير فكان هذه الحى من الأنصار يهلون لمناة قال وكانت مناة للأوس والخزرج وغسان من الأزد ومن كان بدينها من أهل يثرب وأهل الشام وكانت على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد وذكره باسناده عن ابن

السائب قال كانت صخرة لهذيل وكانت بقديد
قد تبين أن الاية قصد بها رفع ما توهم الناس أن الصفا والمروة من جملة الأحجار التي كان أهل الجاهلية يعظمونها
أما الأنصار في الجاهلية فكانوا يتركون الطواف بهما لأجل الصنم الذي كانوا يهلون له ويحلون عنده مضاهاة بالصنمين الذين كانا على الصفا والمروة
وأما غيرهم فلكون أهل الجاهلية غير الأنصار كانوا يعظمونهما ولم يجر لهما ذكر في القرآن وهذا السبب يقتضي تعظيمهما وتشريفهما مخالفة للمشركين وتعظيما لشعائر الله فإن اليهود والنصارى لما أعرضوا عن تعظيم الكعبة قال الله ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين وأوجب حجها على البيت فإذا كانت الصفا والمروة مما أعرض عنه بعض المشركين وهو من شعائر الله كان الأظهر ايجاب العبادة عنده كما وجبت العبادة عند البيت ولذلك سن النبي صلى الله عليه و سلم مخالفة المشركين حيث كانوا يفيضون من المزدلفة فأفاض من عرفات وصارت الافاضة من عرفات واجبة ووقف إلى غروب الشمس فصار الوقوف بها واجبا فقد رأينا كل مكان من الشعائر أعرض المشركون عن النسك فيه أوجب الله النسك فيه
وأما قوله ومن تطوع خيرا فإن التطوع في الأصل مأخوذ من الطاعة وهو الإستجابة والإنقياد يقال طوعت الشيء فتطوع أي سهلته

فتسهل كما قال فطوعت له نفسه قتل أخيه وتطوعت الخير إذا فعلته بغير تكلف وكراهية
ولما كانت مناسك الحج عبادة محضة وانقيادا صرفا وذلا للنفوس وخروجا عن العز والأمور المعتادة وليس فيها حظ للنفوس فربما قبحها الشيطان في عين الانسان ونهاه عنها ولهذا قال لاقعدن لهم صرطك المستقيم قال رجل من أهلم العلم هو طريق الحج وقال بعد أن فرض ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين لعلمه أن من الناس من قد يكفر بهذه العبادة وإن لم يكفر بالصلاة والزكاة والصيام فلا يرى حجه برا ولا تركه اثما ثم الطواف بالصفا والمروة خصوصا فإنه مطاف بعيد وفيه عدو شديد وهو غير مألوف في غير الحج والعمرة فربما كان الشيطان أشد تنفيرا عنهما فقال سبحانه ومن تطوع خيرا فاستجاب لله وانقاد له وفعل هذه العبادة طوعا لا كرها عبادة لله وطاعة له ولرسوله وهذا مبالغة في الترغيب فيهما ألا ترى أن الطاعة موافقة الأمر وتطوع الخير خلاف تكرهه فكل فاعل خير طاعة لله طوعا لا كرها فهو متطوع خيرا سواء كان واجبا أو مستحبا نعم ميز الواجب بأخص اسميه فقيل فرض أو واجب وبقى الاسم العام في العرف غالبا على أدنى القسمين كلغة الدابة والحيوان وغيرهما
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم طاف في عمره وفي حجته والمسلمون معه بين الصفا والمروة وقال لتأخذوا عني مناسككم والطواف بينهما من

أكبر المناسك وأكثرها عملا وخرج ذلك منه مخرج الإمتثال لأمر الله بالحج في قوله ولله على الناس حج البيت وفي قوله وأتموا الحج والعمرة ومخرج التفسير والبيان لمعنى هذا الأمر فكان فعله هذا على الوجوب ولا يخرج عن ذلك إلا هيئات في المناسك وتتمات وأما جنس تام من المناسك ومشعر من المشاعر يقتطع عن هذه القاعدة فلا يجوز أصلا وبهذا احتج أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال عمرو بن دينار سألنا ابن عمر عن رجل قدم بعمرة فطاف بالبيت ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته فقال قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين وبين الصفا والمروة سبعا وقد كان لكم في رسول الله صلى الله عليه و سلم أسوة حسنة متفق عليه وزاد البخاري وسألنا جابر بن عبد الله فقال لا يقربنها حتى يطوف بالصفا والمروة
وأيضا فما روى ابن عمر وعائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لأصحابه من كان منكم أهدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد وذكر الحديث متفق عليه وهذا أمر من النبي صلى الله عليه و سلم وهو للإيجاب لا سيما في العبادات المحضة وفي ضمنه أشياء كلها واجب
وعن عائشة قالت أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم من لم يكن معه هدي إذا

طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل متفق عليه فأمره بالحل بعد الطوافين فعلم أنه لا يجوز التحلل قبل ذلك
وعن أبي موسى قال أهللت باهلال النبي صلى الله عليه و سلم قال هل معك من هدي قلت لا فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني فأهللت وفي لفظ فطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل متفق عليه
ثم من قال هو واجب يجب بتركهما هدي قال قد دلت الأدلة على وجوبهما لكن لا يبلغ مبلغ الركن لأن المناسك إما وقوف أو طواف والركن من جنس الوقوف نوع واحد فكذلك الركن من جنس الطواف يجب أن يكون طوافا واحدا لأن أركان الحج لا يجوز أن تتكرر من جنس واحد كما لا يتكرر وجوبه بالشرع
ولأن الركن يجوز أن يكون مقصودا بإحرام فإنه إذا وقف بعرفة ثم مات فعل عنه سائر الحج وتم حجه وإذا خرج من مكة قبل طواف الزيارة رجع إليها محرما للطواف فقط والسعي لا يقصد بإحرام فهو كالوقوف بمزدلفة ورمى الجمار ولأن نسبة الطواف بهما إلى الطواف بالبيت كنسبة الوقوف بمزدلفة إلى وقوف عرفة لأنه وقوف بعد وقوف وطواف بعد طواف ولأن الثاني لا يصح إلا تبعا للأول فإنه لا يجوز الطواف بهما إلا بعد الطواف بالبيت ولا يصح الوقوف بمزدلفة إلا إذا أفاض من عرفات وقد دل على ذلك قوله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما وقوله فإذا أفضتم من عرفت الاية فإذا كان الوقوف المشروع بعد عرفة ليس بركن فالطواف المشروع بعد طواف البيت أولى أن لا يكون ركنا لأن الأمر بذلك في القرآن

أظهر وذلك لأن ما يفعل إلا تبعا لغيره يكون ناقصا عن درجة ذلك المتبوع والناقص عن الركن هو الواجب ولهذا كل ما يفعل بعد الوقوف بعرفة تبعا له فهو واجب وطرد ذلك أركان الصلاة فإن بعضها يجوز أن ينفرد عن بعض فإن القيام يشرع وحده في صلاة الجنازة والركوع ابتداء في صلاة المسبوق والسجود عند التلاوة والسهو ولو عجز عن بعض أركان الصلاة أتى بما بعده فعلم أنه ليس بعضها تبعا لبعض وهنا إذا فاته الوقوف بعرفة لم يجز فعل ما بعده
ولأنه لو كان ركنا لشرع من جنسه ما ليس بركن كالوقوف من جنسه الوقوف بمزدلفة
ولأنه لو كان لتوقت أوله واخره كالاحرام والطواف والوقوف والسعي لا يتوقت
ومن قال إنه ركن احتج على ذلك بما روت صفية بنت شيبة أخبرتني حبيبة بنت أبي تجراة إحدى نساء بني عبد الدار قالت نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يسعى بين الصفا والمروة فرأيته يسعى وإن ميزره ليدور من شدهةالسعي حتى أقول إني لأرى ركبتيه وسمعته يقول اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي وفي رواية رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى أرى ركبته من شدة السعي يدور به ازاره وهو يقول اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي رواه أحمد

ورواه أيضا عن صفية امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه و سلم بين الصفا والمروة يقول كتب عليكم السعي فاسعوا
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم أمر به كما أمر بالطواف بالبيت في قرن واحد وأمره على الوجوب كما تقدم وما ثبت وجوبه تعين فعله ولم يجز أن يقام غيره مقامه إلا بدليل
وايضا فإنه نسك يختص بمكان يفعل في الحج والعمرة فكان ركنا كالطواف بالبيت وذلك لأن تكرره في النسكين دليل على قوته
واختصاصه بمكان دليل على وجوب قصد ذلك الموضع وقد قيل نسك يتكرر في النسكين فلم ينب عنه الدم كالطواف والاحرام
وأيضا فإن الأصل في جميع الأفعال أن يكون ركنا لكن ما يفعل بعد الوقوف لم يكن ركنا لأنه لو كان ركنا لفات الحج بفواته والحاج إذا أدرك عرفة فقد أدرك الحج والسعي لا يختص بوقت
وأيضا فإن أفعال الحج على قسمين مؤقت وغير مؤقت فالمؤقت إما أن يفوت بفوات وقته أو يجبر بدم لكون وقته إذا مضى لم يمكن فعله وأما غير المؤقت إذا كان واجبا فلا معنى لنيابة الدم عنه لأنه يمكن فعله في جميع الأوقات والطواف والسعي ليسا بمؤقتين في الانتهاء فالحاق أحدهما بالاخر أولى من الحاقه بالمزدلفة ورمى الجمار لأن ذلك يفوت بخروج وقته وبهذا

يظهر الفرق بينه وبين توابع الوقوف
فصل
وبكل حال فيشترط له ستة أشياء أحدها نية السعي بينهما كما اشترطناها في الطواف
الثاني استكمال سبعة أشواط تامة فلو ترك خطوة من شوط لم يجزه ولا بد أن يستوعب ما بين الجبلين بالسعي سواء كان راكبا أو ماشيا
قال الأزرقي حدثني جدي قال كانت الصفا والمروة يسند فيهما من يسعى بينهما ولم يكن بينهما بناء ولا درج حتى كان عبد الصمد بن علي في خلافة أبي جعفر فبنى درجهما فكان أول من أحدث بناءها
الثالث الترتيب هو أن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة فإن بدأ بالمروة لم

يعتد بذلك الشوط لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لما خرج إلى الصفا أبد بما بدأ الله به
الرابع الموالاة قال في رواية حنبل وذكر له أن الحسن طاف بين الصفا والمروة أسبوعا فغشى عليه فحمل إلى أهله فجاء من العشى فأتمه فقال أحمد إن أتمه فلا بأس وإن استأنف فلا بأس
الخامس أن يتقدمه طواف سواء كان واجبا أو مسنونا فإذا طاف عقب طواف القدوم أو طواف الزيارة أجزأ ذلك وإن طاف عقب طواف الوداع لم
وإن سعى عقب طواف اخر

وإن قدم السعي على الطواف
فأما الموالاة بينه وبين الطواف
السادس أن يتقدم على أشهر الحج فلو أحرم بالحج قبل أشهره وقدم مكة فطاف للقدوم لم يجز أن يسعى قبل دخول أشهر الحج
وأما الطهارة فتسن له ولا تشترط هذا هو المنصوص عنه صريحا قال في رواية أبي طالب إذا حاضت المرأة وهي تطوف بالبيت قبل أن تقضي خرجت ولا تسعى بين الصفا والمروة لأنها لم تتم الطواف فإن طافت بالبيت ثم خرجت تسعى فحاضت فلتمض في سعيها فإنه لا يضرها وليس عليها شيء
وقال في رواية حرب الحائض لا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة إلا أن تكون قد طافت قبل ذلك فإنها تسعى
وحكى بعض أصحابنا القاضي وغيره رواية أخرى أن الطهارة شرط لقوله في رواية اسحق بن ابراهيم الحائض تقضي المناسك كلها إلا

الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة

فصل
ومن طاف راكبا على دابة أو محمولا لانسان فإن كان لعذر من مرض أو جاز
مسألة والمبيت بمنى
السنة للحاج أن لا يبيت ليالي منى إلا بها لأن الله سبحانه قال واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومعنى التعجل هو الافاضة من منى فعلم أنه قبل التعجل يكون مقيما بها فلو

لم يبت بها ليلا وليس عليه أن يقيم بها نهارا لم يكن مقيما بها ولم يكن فرق بين إتيانه منى لرمي الجمار واتيانه مكة لطواف الافاضة والوداع
والاية دليل على أن عليه أن يقيم في الموضع الذي شرع فيه ذكر الله وجعل ذلك المكان والزمان عيدا لأن النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه فعلوا ذلك ولأن العباس استأذن النبي صلى الله عليه و سلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له متفق عليه
فاستئذان العباس دليل على أنهم كانوا ممنوعين من المبيت بها وإذنه له من أجل السقاية دليل على أنه لا يؤذن في ترك المبيت بغير عذر
ولأن النبي صلى الله عليه و سلم قال يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الاسلام
والعيد هو المجتمع للعبادة فيوم عرفة ويوم النحر يجتمعون بعرفة ومزدلفة ومنى وأيام منى لا أن بد أ يجتمعوا وهم لا يجتمعون نهارا لأجل مصالحهم فإنهم يرمون الجمار متفرقين فلا بد من الإجتماع ليلا
وعن ابن عمر قال لا يبيتن أحد من الحاج من وراء جمرة العقبة وكان يبعث إلى من وراء العقبة فيدخلون منى رواه مالك وأحمد وهذا لفظه
وعن نافع عن أسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لا يبيتن أحد من الحاج وراء جمرة العقبة وكان يرسل رجالا فلا يجدون أحدا شذ من

منى إلا أدخل
وعن ابن عمر قال لا يبيتن أحد من وراء جمرة العقبة ليالي منى رواهما أحمد فإن ترك المبيت بمنى فقال أبو بكر في الشافي روي عنه عليه الدم وروي يتصدق بشيء وروى عنه لا شيء عليه وبهذا أقول
فهذه ثلاث روايات إحداهن لا شيء عليه قال في رواية المروذي من بات بمكة ليالي منى يتصدق بشيء وإن بات من غير عذر أرجو أن لا يكون عليه شيء
وذلك لأن النبي صلى الله عليه و سلم أرخص لأهل السقاية في ترك المبيت بها وللرعاة كما أرخص للضعفة في الافاضة من جمع بليل ولو كان واجبا لم يسقط إلا لضرورة كطواف الوداع
ولأن ابن عباس قال إذا رميت الجمرة فبت حيث شئت رواه أحمد في رواية حرب

ولأنه أحد المبيتين بمنى فلم يجب كالمبيت بها ليلة عرفة عشية التروية
والثانية قال حنبل سمعت أبا عبد الله قال ولا يبيت أحد ليالي منى من وراء العقبة ومن زار البيت رجع من ساعته ولا يبيت اخر الليالي إلا بمنى لأن عمر رضي الله عنه منع من ذلك فمن بات فعليه دم وهذا قول القاضي وأصحابه لأنه واجب كما تقدم ومن ترك شيئا من نسكه فعليه دم كما لو ترك المبيت بمزدلفة قال القاضي في خلافه فإنها تجب رواية واحدة
والثانية يتصدق بشيء وهو أكثر عنه
قال في رواية ابن منصور من بات دون منى ليلة يطعم شيئا
قال في رواية حرب في الرجل يبيت وراء العقبة ليالي منى يتصدق بشيء

قال ابن جريج عن عطاء يتصدق بدرهم ومغيرة عن شعبة قال أبو عبد الله الدم شديد ويحيى عن سفيان ليس عليه شيء وكان سفيان يرخص وقال ابن عباس إذا رميت جمرة العقبة فبت حيث شئت
وقال في رواية الأثرم فيمن جاء للزيارة فبات بمكة يعجبني أن يطعم شيئا وخففه بعضهم يقول ليس عليه شيء وإبراهيم قال عليه دم وضحك وقال الدم شديد وكذلك نقل ابن أبي عبدة
وقال في رواية أبي طالب وابن إبراهيم لا يبيت أحد بمكة ليالي منى فمن غلبته عينه فليتصدق بدرهم أو بنصف درهم كذا قال عطاء ولا يبيت عامدا

فقد أمره أن يتصدق بشيء ولم يقدره وقال مرة درهم أو نصف درهم لأنه أقل ما يتصدق به من النقود وإن تصدق بطعام
وذلك لأن الإذن في ترك هذا المبيت لحاجة غير ضرورية تدل على أنه ليس من المناسك المؤكدة فإن المناسك المؤكدة لا يرخص في تركها لأحد ولو قيل تقدر به
ولو ترك المبيت ليلة واحدة أو ليلتين فقال القاضي في خلافه وابن عقيل ليس عليه دم رواية واحدة بخلاف ترك المبيت بمزدلفة فإنها نسك واحد فإذا تركه لزمه الدم وليالي منى جميعها نسك واحد فلا يجب في بعضها ما يجب في جميعها كما لو ترك حصاة أو حصاتين
واستشهدوا على ذلك بما تقدم عنه أنه استكثر الدم في ترك ليلة واحدة وأمره أن يتصدق بشيء وخرجاها على ثلاث روايات
إحداهن يتصدق بدرهم أو نصف درهم وهو المنصوص عنه هنا
والثانية في ليلة مد وفي ليلتين مدان
والثالثة في ليلة قبضة من طعام وفي ليلتين قبضتان وهاتان مخرجتان من حلق شعرة أو شعرتين
وأما أبو الخطاب فإنه جعل في ترك المبيت ليالي منى الدم قولا واحدا

وذكر في ترك ليلة أو ليلتين أربع روايات
إحداهن عليه دم
والثانية يتصدق بدرهم أو نصف درهم
والثالثة مد من طعام
والرابعة لا شيء عليه
ومن سلك هذه الطريقة حمل كلام أحمد في الأمر بالصدقة وفي كونه لا شيء عليه على الليلة والليلتين وأصحاب هاتين الطريقتين يسوون بين ثلاث حصيات وترك ثلاث ليال وحلق ثلاث شعرات ويجعلون عدد الليالي كعدد الحصى والشعر قالوا لأن كل واحد من هذه الأشياء الثلاثة يجب في جميعه دم وفي بعضه صدقة فلذلك سوينا بينهما لكن منصوص أحمد في أن من بات ليالي منى من وراء العقبة يتصدق بشيء أو لا شيء عليه تبطل هذه الطريقة
والطريقة المنصوصة عن أحمد أن في الليلة والليالي الثلاث ثلاث روايات كما تقدم لفظه فيهن إحداهن عليه دم والثانية عليه صدقة والثالثة لا شيء عليه وغير مستنكر إيجاب الدم في جملة وايجابها في بعضها فإن رمي الجمار كلها فيها دم وفي الجمرة الواحدة أيضا دم بل المنصوص عنه أنه إذا ترك مزدلفة ومنى ورمي الجمار وطواف الوداع كفاه دم
وكذلك لا فرق بين أن يحرم دون الميقات بمسافة قليلة أو كثيرة ولا فرق بين أن يخرج من عرفات قبل المغيب بزمن طويل أو طويل والحاق هذه

بالحصى ويحلق الشعر لا يصح لأن ذاك قد ثبت بالنص والإجماع أن في جميعه دما وهنا الخلاف في أصل وجوبه

فصل وقدر المبيت الواجب بمنى
مسألة والرمي
لا يختلف المذهب أن الرمي واجب لأن الله سبحانه قال الحج أشهر معلومت إلى قوله فإذا أفضتم من عرفت إلى قوله فإذا قضيتم منسككم فأذكروا الله كذكركم أباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول الاية إلى قوله واذكروا الله في أيام معدواات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن أتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون
فأمر سبحانه بعد قضاء المناسك بذكر الله سبحانه وأمر بذكره في أيام معدودات أمرا يختص الحاج لأنه قال فمن تعجل في يومين فلا إثم

عليه ومن تأخر فلا إثم عليه وإنما يمكن ذلك للحاج فعلم أنهم مأمورون بهذا الذكر بمنى وليس بمنى ذكر ينفرد به الحج إلا ذكر الجمار كما قال صلى الله عليه و سلم إنما جعل الطواف بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله فعلم أن رمي الجمار شرع لإقامة ذكر الله المأمور به في قوله واذكروا الله في أيام معدودات
وأيضا فإنه قال فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه فعلم أنه من تعجل قبل اليومين لا يزول عنه الاثم وإنما ذاك لأن بمنى فعلا واجبا ولا فعل بها إلا رمي الجمار لأن المبيت اخف منه وإنما وجب تبعا له
وأيضا فإنه أمر بالذكر في الأيام وجعل التعجيل فيها فلا بد من فعل واجب في الأيام
وأيضا فما روى
ومن رمى بحجر قد رمى به لم يجزه ومن رمى بذهب أو فضة لم يجزه قولا واحدا

وفي غير الحصى روايتان إحداهما لا يجزؤه إلا الحجر فليعد الرمي والثانية يجزؤه مع الكراهة

فصل
وأما الأدعية المشروعة في الحج مثل التبية والذكر عند رؤية البيت وفي الطواف وعلى الصفا والمروة وفي السعي وفي عرفة ومزدلفة ومنى وعند رمى الجمار فهي سنة عند أصحابنا
فصل وأما ركعتا الطواف
مسألة والحلق
اختلفت الرواية عن أحمد في وجوبه على روايتين إحداهما أنه واجب قال في رواية مهنا إذا أخرت المرأة التقصير حتى خرجت أيام منى

عليها دم
مسألة وطواف الوداع
وجملة ذلك أن هذا الطواف يسمى طواف الوداع وطواف الصدر وطواف الخروج أن طواف الوداع واجب نص عليه في رواية ابن منصور وابن ابراهيم وابي طالب والأثرم والمروذي وحرب وأبي داود
فإذا خرج قبل أن يودع وجب عليه أن يرجع قبل أن يبلغ مسافة القصر فيودع فإن رجع فلا شيء عليه وإن بلغ مسافة القصر استقر الدم عليه ولا ينفعه الرجوع بعد ذلك وسواء تركه عامدا أو ناسيا أو جاهلا
وإن لم يمكنه الرجوع قبل مسافة القصر لعدم الرفيق أو خشية الانقطاع عن الرفقة قال في رواية ابن منصور فيمن نفر ولم يودع البيت فإذا تباعد فعليه دم وإذا كان قريبا رجع
وقال في رواية ابن إبراهيم إذا نسى الرجل طواف الصدر وتباعد

بقدر ما تقصر فيه الصلاة فعليه دم
وقال في رواية الأثرم من ترك طواف الصدر عليه دم وذلك لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا ينفرن أحد حتى يكون عهده بالبيت رواه مسلم
وأيضا فترخيصه للحائض أن تنفر قبل الوداع دليل على أن غيرها لا رخصة له في ذلك
وعن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب رد رجلا من مر الظهران لم يكن ودع البيت رواه مالك عنه

فصل
فأما طواف القدوم فالمشهور في المذهب أنه ليس بواجب بل سنة ونقل عنه محمد بن أبي حرب الجرجرائي الطواف ثلاثة واجبة طواف القدوم

وطواف الزيارة وطواف الصدر أما طواف الزيارة فلا بد منه فإن تركه رجع معتمرا وطواف الصدر إذا تباعد بعث بدم
وهذه رواية قوية لأن النبي صلى الله عليه و سلم واصحابه من بعده لم يزالوا إذا قدموا مكة طافوا قبل التعريف ولم ينقل أن أحدا منهم ترك ذلك لغير عذر وهذا خرج منه إمتثالا لقوله تعالى ولله على الناس حج البيت وقوله وأتموا الحج والعمرة لله وبيانا لما أمر الله به من حج بيته كما بين الطواف الواجب بسبعة أشواط فيجب أن تكون أفعاله في حجه كلها واجبة إلا أن يقوم دليل على بعضها أنه ليس بواجب وقد قال صلى الله عليه و سلم لتأخذوا عنى مناسككم ولم يرد أن نأخذها عنه علما بل علما وعملا كما قال وما آتكم الرسول فخذوه فتكون المناسك التي أمر الله بها هي التي فعلها رسول الله صلى الله عليه و سلم
مسألة وأركان العمرة الطواف وواجباتها الاحرام والسعي والحلق
القول في حكم هذه المناسك في العمرة كالقول في حكمها في الحج وما زاد على ذلك من الوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى ورمي الجمار فإنما يشرع في الحج الأكبر ويتوقت بوقت مخصوص إذ الحج لا يكون إلا في وقت مخصوص إذ العمرة تجوز في جميع السنة
فأما الطواف فلا بد منه وأما الاحرام فقد عده المصنف رحمه الله من الواجبات على ما تقدم من التفسير أنه يعني به اجتناب المحظورات مع قصد الحج من الميقات المشروع
وأما النية نية الاعتمار فلا بد منها وقد تقدم وجه أن الاحرام من الحل ركن في العمرة لأنه لولا ذلك لكان كل طائف معتمرا وقد تقدم معنى قول من

يعد الاحرام مطلقا من الأركان ومن يعده شرطا
أما السعي والحلق فعلى ما تقدم إلا أن الحلق في العمرة
وقال ابن عقيل السعي في العمرة ركن لا نعرف فيه رواية أخرى بخلاف الحج لأنها أحد النسكين فلا يجزيء فيها بركنين كالحج فإن هناك دخل الوقوف يعني أن فيها الاحرام والطواف فلا بد من ثالث وهو السعي وعامة أصحابه على أن حكمها في العمرة كحكمها في الحج
وأما الحلق فإن عامة النصوص عن أحمد أنه لا يجوز له الوطء قبل الحلاق وأنه إذا وطيء قبله فأكثر الروايات عنه أن عليه دما وفي بعضها قال الدم لهذا كثير
مسألة فمن ترك ركنا لم يتم نسكه إلا به ومن ترك واجبا جبره بدم ومن ترك سنة فلا شيء عليه
وهو كما قال الركن لا بد منه وأما الواجب فإذا تركه فعليه أن يأتي به ما لم يفت وقته إن كان مؤقتا كالمبيت بمزدلفة ومنى ورمى الجمار والاحرام من

الميقات والوقوف بعرفة إلى الليل وطواف الوداع إذا خرج إلى مسافة القصر فإنه قد تعذر فعل هذه الواجبات فاستقر الدم
وأما السعي فمن قال إنه واجب فقوله مشكل لأنه لا يفوت بالتأخير فكيف يجزؤه إخراج الدم وهو بدل عن الواجب مع قدرته على أداء الواجب وبعده عن البلد ليس عذرا إذا كان متمكنا من العود
وأما الحلق أو التقصير فإن قلنا هو مؤقت بأيام منى فقد التحق برمى الجمار
فإن قلنا ليس بمؤقت فهو كالحلق في العمرة فإذا لم يكن مؤقتا بمكان أيضا بل يجوز في الحل والحرم فكيف يتصور فوات حتى يجزيء إخراج الدم عنه
وأما السنن فهي على مراتبها منها ما هو نسك إذا تركه يكون مسيئا
مسألة ومن لم يقف بعرفه حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج فيتحلل بطواف وسعى وينحر هديا إن كان معه وعليه القضاء
في هذا الكلام فصول أحدها أنه يجب على الرجل إذا أحرم بالحج أن

يقصد الوقوف بعرفة في وقته ولا يجوز له التباطؤ حتى يفوته الحج فإن احتاج الى سير شديد وإن لم يصل العشاء الى اخر ليلة النحر وخاف إن نزل لها فاته الحج فقياس المذهب أنه يصلى صلاة الخائف لأن تفويت كل واحدة من العبادتين غير جائز وفوات الحج أعظم ضررا في دينه ونفسه من فوت قتل كافر
فإذا طلع الفجر ولم يواف عرفة فقد فاته الحج سواء فاته لعذر من مرض أو عدو أو ضل الطريق أو أخطأ العدد أو أخطأ مسيره أو فاته بغير عذر كالتواني والتشاغل بما لا يعنيه لا يفترقان إلا في الاثم وعلى من فاته أن يأتي بعمرة فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر
وأما الأفعال التي تخص الحج من الوقوف بمزدلفة ومنى ورمى الجمار فقد سقطت هذا هو المعروف في المذهب الذي عليه أصحابنا وهو المنصوص عن أحمد
قال في رواية أبي طالب إذا فاته الحج تحلل بعمرة
وقال في رواية الأثرم فيمن قدم حاجا فطاف وسعى ثم مرض فحيل بينه وبين الحج حتى مضت أيامه يحل بعمرة فقيل له يجدد اهلالا فيمن

فاته الحج للعمرة أم يجزؤه الإهلال الأول فقال يجزؤه الإهلال الأول
وقد حكى ابن أبي موسى عنه رواية ثانية أنه يمضي في حج فاسد قال ومن فاته الحج بغير احصار تحلل بعمرة في إحدى الروايتين وعليه الحج من قابل ودم الفوات فإن كان قد ساق هديا نحره ولم يجزه عن دم الفوات
والرواية الأخرى يمضي في حج فاسد ويحج من قابل وعليه دم الفوات
وقال أحمد في رواية ابن القاسم في الذي يفوته الحج يفرغ من عمله يعني عمل الحج وفسر القاضي هذا الكلام بأنه الطواف والسعي والحلق الذي يفعله الذي كان واجبا بالحج كأحد الوجهين كما سيأتي
ومن فسره باتمام الحج مطلقا على ظاهره قال لأنه قد وجب عليه فعل جميع المناسك ففوات الوقوف بعرفة لا يسقط ما أدرك وقته من المناسك كمن عجز عن بعض أركان الصلاة وقدر على بعض أكثر ما فيه أن الحج قد انتقض وفسد فأشبه من أفسده بالوطء فإنه يمضي في حج فاسد
والصواب هو الأول لأن الله سبحانه قال فإذا أفضتم من عرفت فأذكروا الله عند المشعر الحرام الاية فأمرهم بالذكر عقب الافاضة من عرفات فمن لم يفض من عرفات لم يكن مأمورا بالوقوف بالمشعر الحرام وما لا يؤمر به من أفعال الحج فهو منهى عنه كالوقوف بعرفة في غير وقته
ولأن الحكم المعلق بالشرط معدوم بعدمه فإذا علق الوقوف بالمشعر الحرام بالافاضة من عرفة اقتضى عدمه عند عدم الافاضة من عرفات

ولأن الآية تقتضي أنه مأمور بالذكر عند المشعر حين الافاضة وعقبها فإذا بطل الوقت الذي أمر بالذكر عند المشعر الحرام فيه وبطل التعقيب كان قد فات وقت الوقف بالمشعر وشرطه وذلك يمنع الوقوف فيه ونظير هذا قوله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما فإنها دليل على امتناع الطواف بهما من غير الحاج والمعتمر ولذلك لا يشرع الطواف بالصفا والمروة إلا في حج أو عمرة بخلاف الطواف بالبيت فإنه عبادة منفردة أفردها بالذكر في قوله أن طهرا بيتي للطائفين والعكفين والركع السجود ثم قال بعد ذلك فإذا قضيتم منسككم فاذكروا الله كذكركم أباءكم إلى قوله واذكروا الله في أيام معدودات فالأمر بالذكر كذكر الاباء والذكر في أيام معدودات هو بعد قضاء المناسك ومن لم يقف بعرفة لم يقض مناسكه فبطل في حقه الذكر المأمور به الذي يتضمن التعجل والتأخر ولا يقال واذكروا الله في أيام معدودات كلام مبتدأ
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال الحج عرفة من جاء من ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج
فإذا لم يدرك عرفة فلا حج له بل قد فاته الحج ومن لا حج له لا يجوز أن

يفعل شيئا من أعمال الحج لأنه يكون في حج من لا حج له وهذا لا يجوز بخلاف المفسد فإنه في حج تام لأنه أدرك الوقوف لكن هو فاسد وغير ممتنع انقسام العمل إلى صحيح وفاسد أما أن يكون في حج من ليس في حج فهذا ممتنع ولهذا قلنا إذا فاته الحج لم يفعل ما يختص بالحج من المواقف والرمى وإنما يفعل ما اشترك فيه الحج والعمرة من الطواف والحلق
وأيضا قوله من أدرك معنا هذه الصلاة وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا
وأيضا فما روى ابن أبي ليلى عن عطاء أن نبي الله صلى الله عليه و سلم قال من لم يدرك فعليه دم ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل رواه النجاد وهذا وإن كان مرسلا من مراسيل عطاء فهو أعلم التابعين بالمناسك وهذا المرسل معه أقوال الصحابة وقول جماهير أهل العلم وظاهر القرآن وذلك يوجب كونه حجة وفاقا بين الفقهاء

والعمدة الظاهرة اجماع الصحابة والتا فعن أن أبا أيوب بن زيد خرج حاجا حتى إذا كان بالنازية أضل رواحله فطلبهن فقدم وقد فاته الحج فسأل عمر فأمره أن يجعلها عمرة ويحج من عام المقبل وعليه ما استيسر من الهدي
وعن سليمان بن يسار عن هناد بن الأسود أنه أهل بالحج فقدم على عمر رضي الله عنه يوم النحر وقد أخطأ العدد فقال أهل بعمرة وطف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصر أو احلق وحج من قابل وأهرق دما

وعن الأسود عن عمر وزيد قالا في رجل يفوته الحج يهل بعمرة عليه الحج من قابل
وعن ابن عمر كان يقول من لم يقف بعرفة إلا بعد طلوع الفجر فقد فاته الحج وليجعلها عمرة وليحج قابلا وليهد إن وجد هديا وإلا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع
وعن عطاء عن ابن عباس من فاته الحج فإنه يهل بعمرة وليس عليه الحج رواهن النجاد
فصل
وقد اتفق أصحابنا على أنه يطوف ويسعى ثم يحل واختلفت عباراتهم في هذا العمل فقال أكثرهم يتحلل بعمرة ويخرج من إحرام الحج إلى احرام العمرة بمنزلة الذي يفسخ الحج إلى العمرة صرح بذلك أبو بكر

والقاضي وأصحابه وغيرهم وهو المفهوم من كلام أحمد والخرقي قالا إذا فاته الحج تحلل بعمرة بل هو المنصوص صريحا عن أحمد لأنه نص على أن من فاته الحج بعد أن طاف وسعى أنه يتحلل بعمرة ولو كان إنما يفعل طواف الحج وسعيه لم يحتج إلى سعى ثان
ثم اختلفت عبارة هؤلاء فقال القاضي وأصحابه يتحول احرامه بالحج احراما بعمرة فعلى هذا لا يحتاج إلى قصد وإرادة لأن أحمد قال يكفيه الإهلال الأول
وقال أبو بكر إذا فاته الحج جعله عمرة وعليه دم قال أحمد إذا فاته الحج جعلها عمرة
وقال ابن حامد احرام الحج باق ويتحلل منه بعمل عمرة وهو ظاهر كلام المصنف

وذكر القاضي أن قول أحمد في رواية ابن القاسم في الذي يفوته الحج يفرغ من عمله إيماء إلى هذا القول وذلك لأن الاحرام بالحج أوجب عليه أفعالها كلها فتعذر الوقوف وما يتبعه لا يوجب تعذر الطواف وما يتبعه فوجب أن يكون هذا الطواف هو الطواف الذي أوجبه احرام الحج
ونحن وإن قلنا إنه يجوز له فسخ الحج إلى العمرة فإنما ذاك أن يفسخ باختياره ويأتي بعد ذلك بالحج وهنا الانتقال إلى العمرة يصير واجبا ولا حج معه فكيف يقاس هذا على فسخ الحج إلى العمرة
والأول أصح لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال الحج عرفة وبين أن من لم يدركها لم يدرك الحج فلو كان قد بقى بعض أعمال الحج لكان إنما فاته بعض الحج ولكان قد أدرك بعض الحج ولم يكن فرق بين قوله الحج عرفة والحج الطواف بالبيت لو كان كل منهما يمكن فعله مع فوت الاخر فلما قال الحج عرفة علم أن سائر أفعال الحج معلقة به فإذا وجد أمكن أن يوجد غيره وإذا انتفى امتنع أن يوجد غيره
وأيضا فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كلهم صرحوا بأنه يجعلها عمرة ومنهم من قال يهل بعمرة
وهذا كله دليل بين في أنه يجعل احرامه بالحج عمرة ويهل بها كما قد يجعل الرجل صلاة الفرض نفلا نعم قد روى في بعض الطرق أن عمر قال لأبي أيوب اصنع كما يصنع المعتمر وقد حللت فإذا أدركت قابل فاحجج واهد ما تيسر من الهدي رواه النجاد وهذا كقول النبي صلى الله عليه و سلم

لعائشة لما حاضت اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت
وأيضا فإن طواف الحج الواجب بعد التعريف كما أن الوقوف بمزدلفة لا يصح إلا بعده لأن الله قال ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق فمن لم يعرف كيف يطوف للحج ولم يقض تفثه ولم يوف نذره
وأيضا فإن العبادة المؤقتة التي يشترط الوقت لصحتها إذا فاتت زالت جميعها كالجمعة ولا يجوز أن يتمم شيء منها على أنه منها بعد خروج وقتها فكيف يجوز أن يقال قد فاته الحج ويمضي فيما بقى من أفعال الحج نعم لما كان الاحرام يوجب عليه إتمامه وإتمامه إنما يكون في حج أو عمرة وقد تعذر اتمامه لحجة أتمه لعمرة لأنه لا يجوز أن يخرج من الاحرام إلا بالتحلل ولا يتحلل من قدر على البيت إلا بعمرة أو حج فكان إنتقاله إلى ما هو جنسه العبادة التي تضمنته العبادة أشبه وهذا كمن أحرم بالفرض قبل وقته فإنه يصير نفلا لأن الصلاة اشتملت على شيئين فإذا امتنع أحدهما الاخر كذلك الحج الأصغر هو بعض الأكبر فإذا تعذر الأكبر بقى الأصغر
وأيضا فإن كونه يجوز فسخ الحج إلى العمرة فإنما ذاك إذا أمكن اتمامه كما أمر الله فأما إذا لم يمكن اتمامه صار إنتقاله إلى العمرة ضرورة و غيره فائدة هذا أنه إذا قلنا يجعل احرامه عمرة وأن يحج كان بمنزلة من أدخل عمرة على احرامه بالحج قبل أشهر الحج وأما أحرم بعمرة لم

يصح على القولين ولو أراد أن يبقى محرما إلى عام قابل فيحج به لم يكن له ذلك
ولو بقى إلى عام قابل وطاف وسعى في أشهر متمتعا ولو كان قارنا فإنه يفعل عمرة الفوات وعمرة القران للحج وليس عليه إلا دم واحد ابن أبي موسى ومن أهل بح الحج اجزأه دم واحد

فصل
وعليه القضاء من العام المقبل في عند أصحابنا مع اختيارهم أن المحصر لا قضاء عليه والروا يلزمه الهدي ولا يلزمه القضاء لأنه امتنع اتمام حجه من جهته فلم يلزمه القضاء كالمحصر وذلك لأن المفوت قد العمرة ما بقى عليه من أعمال الحج كا مقام أفعال هذه

الرواية يجب عليه الهدى لم يجد
الأول أن الله سبحانه قال وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي فأوجب الأتمام على كل أحد غير المحصر وحجة الفوت لا تتم إلا بالقضاء فوجب أن يلزمه ذلك
وايضا ما تقدم من الحديث المرسل وأقوال الصحابة مثل عمر وزيد وان عمر وإفتاهم بذلك مثل أبي أيوب وهبار بن الأسود وغيرهم من الصحابة ولم ينكره منكر في ذلك الوقت فصار اجماعا
وإنما خالف فيه ابن عباس ولم يكن ذلك الوقت من أهل الفتيا
ولأنه أخر العبادة الواجبة عليه عن وقتها فلزمه قضاؤها كما لو فوت الصلاة والعبادات المنذورة عن أوقات معينة وذلك لأنه لما أحرم بالحج فقد وجب عليه شرعا أن يفعله في عامه كما تجب الصلوات والصيام في مواقيتها المحدودة بخلاف المحصر فإنه لم يجب عليه اتمام الحج والعمرة بل جاز له الخروج من الاحرام قبل الوقت فهو نظير من جاز له ترك الجمعة والجماعة أو ترك بعض الصلاة لعذر

وقد علله بعض أصحابنا بأنه لم يكمل أفعال الحج فوجب عليه القضاء كالمفسد للحج وهذا ضعيف لأن المريض ونحوه لا تفريط من جهته ولكن أحسن من هذا ترك لعام للحج مع وصوله إلى المشاعر فلزمه القضاء سد بالحج وهذا لأن الحج في الأصل هو قصد المشاعر وإتيانها بوقت مثل الشرط لهذا المقصود والتكملة له كأوقات فإذا تمكن من اتيان المشاعر ولم يتم الحج وجب عليه القضاء ل رمضان فلم يصم أو دخل وقت الصلاة فلم يصل وإذا إلى المشاعر فقد تعذر أصل الحج في حقه فصار بمنزلة إليه سبيلا أو بمنزلة من لم يدرك شهر رمضان ولا وقت هذا لأن الاستطاعة في وجوب الحج والوقت شرط إذا لم يستطع الوصول إليه فقد فات شرط الوجوب

وإذا وقت فقد الصحة مع إلا نعقاد بسبب الوجوب
مسألة

من أول كتاب الصلاة

- كتاب الصلاة
الصلاة في أصل اللغة الدعاء و منه قول تعالى و صل عليهم إن صلاتك سكن لهم و قوله تعالى و من الأعراب من يتخذ ما ينفق قربات عند الله و صلوات الرسول و قول النبي صلى الله عليه و سلم إذا دعي أحدكم فليجب فان كان مفطرا فليطعم و إن كان صائما فليصل رواه مسلم و الداعي يؤم المدعو و يقصده و سمي الثاني من الخيل مصليا لاتباعه السابق و قصده إياه ثم سمي عظم الورك صلا لأنه هو الذي يقصده المصلي من السابق ثم اتسع ذلك حتى قال علي رضي الله عنه سبق رسول الله صلى الله عليه و سلم و صلى أبو بكر و ثلث عمر و لما بين القاصد و المقصود من الإيصال و القرب كان منه في الاشتقاق الأوسط الوصل لأن فيه الصاد و اللام و الواو و لهذا يقال الصلاة صلة بالله و منه الاشتقاق الأكبر صلى النار و اصطلابها لما فيه من المماسة و المقاربة و الدعاء قصد المدعو

و التوجه إليه إما على وجه المسألة و إما على وجه العبادة المحضة لأن دعاء الشيء هو طلبه و إرادته سواء طلب لذاته أو للأمر منه و من ذلك قوله تعالى و قال ربكم ادعوني استجب لكم فإنه فسر بالمسألة و بالعبادة و قوله إن الذين يستكبرون عن عبادتي إلى قوله هو الحي لا اله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين إلى قوله قل إني نهيت أن اعبد الذين تدعون من دون الله إلى قوله أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا و قوله تعالى فادعوا الله مخلصين له الدين و قوله تعالى قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم و قوله تعالى و لم اكن بدعائك ربي شقيا و قوله تعالى و الذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا و قوله تعالى قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض و قوله تعالى إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم و قوله تعالى إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم الآية إلى قوله تعالى و الذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم و قوله تعالى قل ادعوا الله أو

ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى و قوله تعالى قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا اعبد الذين تعبدون من دون الله و لكن اعبد الله الذي يتوفاكم إلى قوله و لا تدع من دون الله ما لا ينفعك و لا يضرك و قوله تعالى له دعوة الحق و الذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء الآية و قوله تعالى إن يدعون من دونه إلا إناثا و إن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله فان الدعاء في هذه المواضع يراد به نفس اتخاذ المدعو ربا و إلها بحيث يسأل و يعبد و قد فصل معنى الدعاء بقوله إياك نعبد و إياك نستعين و قوله تعالى فاعبده و وتوكل عليه و في قوله عليه توكلت و إليه أنيب و نحو ذلك من الآي فهو يعبد من حيث هو اله و يسأل من حيث هو رب و إن كان كل عابد سائلا و طالبا و كل سائل عابدا و قاصدا من جهة الإلتزام فسميت العبادات لله المحضة مثل الصلاة و الذكر و السؤال و الركوع و السجود و الطواف صلاة أو هي دعاء لله و عبادة لله بلا توسط شيء آخر و لهذا قال ابن مسعود ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة و إن كنت في السوق ثم

غلب هذا الاسم على ما كان فيه فعل مثل القيام و السجود و الطواف دون القول المحض كالقراءة و الذكر و السؤال و لأن ذلك عبادة بجميع البدن و لهذا اشترطت له الطهارة و إن اشتركا في استحباب الطهارة ثم غلب على القيام و الركوع و السجود مع أذكارها لأنها أخص بالتعبد من الطواف و لهذا حرم فيه الكلام و العمل الكثير و سمي السجود المفرد كسجود التلاوة و الشكر و القيام المفرد كقيام الجنازة صلاة و إن كان اغلب الصلوات المشروعة هي مما اشتملت على القيام و القعود و الركوع و السجود فإذا أطلق اسم الصلاة في الشرع لم يفهم منه إلا هذا و هي القيام و الركوع و السجود لله بالأذكار المشروعة فيها ثم قال جماعة من أصحابنا منهم أبو الخطاب و ابن عقيل هي منقولة في اللغة إلى الشرع و معدول بها عن المفهوم الأول إلى مفهوم آخر
و قال القاضي و غيره ليست منقولة بل ضمت إليها الشريعة شروطا و قيودا و هي مبقاة على ما كانت عليه و كذلك القول في اسم الزكاة و الصيام و غيرها من الأسماء الشرعية
و تحقيق ذلك إن تصرف الشرع فيها كتصرف أهل العرف في بعض الأسماء اللغوية إما تخصيصها ببعض معانيها كالدابة و إما تحويلها إلى ما بينه و بين المعنى الأول سبب كإسم الراوية و الغائط و العذرة فالصلاة كانت اسما لكل دعاء فصاري إسما لدعاء مخصوص أو كانت اسما

لدعاء فنقلت إلى الصلاة الشرعية لما بينها و بين الدعاء من المناسبة و الأمر في ذلك متقارب نعم قد يسرف بعض من يقول هي منقولة فلا يشترط إن يكون بين المنقولة منه والمنقولهه إليه مناسبة بل يجعله وصفا ثانيا حتى كأنه ليس من المجاز اللغوي و يسرف من يقول هي منقولة حتى يعتقد أن مفهومها في الشرع هو محض الدعاء و المسألة فقط مما يكون في اللغة و ما خرج عن ذلك من قيام و قعود و غير ذلك فهو شرط في الحكم بمعنى الصلاة التي هي الدعاء لا تجزئ إلا على هذا الوجه كمالا تجزئ إلا بتقدم الإيمان و الطهارة و لا يجعل هذه الأفعال جزءا من المسمى و لا مفهومة من نفس الاسم و كلا القولين طرف و خيار الأمور أوسطها و بهذا التقرير قول من يقول هي منقولة اقرب إلى الصواب وكذلك أيضا بهذا التقرير أن معنى النقل تخصيصها ببعض معانيها وهي في ذلك أبلغ من تخصيص أهل العرف الاسم ببعض معانيه كالدابة و النجم لأن ذلك التخصيص كان معلوما بخلاف ما كان من خصائص الصوم و الصلاة و الزكاة فانه لم يكن معروفا معناه و لا دلالة للفظ عليه و قد اتفقوا على إن الصلاة المشروعة بعد بيان النبي صلى الله عليه و سلم صارت في المفهوم من لفظ الصلاة في الكتاب و السنة و من ادعى بعد ذلك أنها بعد ذلك تصرف إلى مجرد المعنى اللغوي فقد غلط
و الصلاة واجبة في الجملة قال تعالى و ما أمروا إلا ليعبدوا الله

مخلصين له الدين و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و قال تعالى فان تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فإخوانكم في الدين و قال إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا و نصوص القرآن التي فيها ذكر الصلاة كثيرة جدا
و كذلك السنة منها حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال بني الإسلام على خمس شهادة أن لا اله إلا الله و أن محمدا رسول الله و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة و حج البيت و صوم رمضان متفق عليه
و أجمعت الأمة على أن الصلاة واجبة في الجملة و أنها اعظم مباني الإسلام الفعلية و هي عمود الدين و سنذكر إن شاء الله بعض خصائصها

مسألة روى عبادة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم و الليلة فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة و من لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه و إن شاء غفر له
فالصلوات الخمس واجبة على كل مسلم بالغ عاقل إلا الحائض و النفساء
أما عدد الصلوات المكتوبات و عدد ركعاتها في حق المقيم الآمن فهو من باب العلم العام الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم المبلغ عن الله و المبين عنه معاني خطابه و تأويل كلامه الشارع عن الله بإذنه و بما انزل إليه من الكتاب و الحكمة
و قد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه و سلم بذلك مثل الحديث الذي ذكره الشيخ رحمه الله و قد رواه احمد و أبو داود و النسائي و ابن ماجة و عن طلحة ابن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ثائر الرأس فقال يا رسول الله اخبرني ماذا فرض الله علي من الصلوات قال الخمس إلا إن تطوع شيئا فقال اخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام فقال شهر رمضان إلا إن تطوع فقال اخبرني ماذا فرض الله علي من الزكاة قال فاخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم بشرائع الإسلام قال و الذي أكرمك لا أتطوع شيئا و لا انقص مما فرض الله علي شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم افلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق متفق عليه

و عن انس بن مالك قال فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم ليلة اسري به خمسين ثم نقصت حتى جعلت خمسا ثم نودي يا محمد أنه لا يبدل القول لدي و إن لك بهذه الخمس خمسين رواه احمد و النسائي و الترمذي و صححه
و معناه في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة و غيره مثل حديث معاذ بن جبل لما قال النبي صلى الله عليه و سلم أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم و الليلة و حديث ضمام بن ثعلبة و هي واجبة على كل مسلم بالغ لأن هذه شروط التكليف بالشرائع على أي حال كان من صحة أو سقم أو خوف أو إقامة أو سفر و الأدلة الدالة على وجوبها في هذه الأحوال عموما و خصوصا كما تذكر إن شاء الله تعالى
إلا الحائض و النفساء لما سبق في باب الحيض أن الحائض لم تكن تؤمر بقضاء الصلاة
فأما المستحاضة و من به سلس البول فتجب عليهما و يجب عليهما قضاء ما تركاه منها كما تقدم

فصل
فأما الكافر الأصلي فإنها تجب عليه في اشهر روايتين
بمعنى أنه يعاقب على تركها في الآخرة و في الدنيا إذا شاء الله تعجيل عقوبته و يذم على ذلك في الدنيا و الآخرة
فأما في حال كفره فلا تصح منه و إذا اسلم لم يجب عليه القضاء باتفاق لأن الله تعالى يقول قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف و عن عمرو بن العاص قال لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت ابسط يدك فلأبايعك فبسط يمينه قال فقبضت يميني فقال ما لك يا عمرو فقلت أردت أن اشترط فقال تشترط ماذا قلت يغفر لي قال أما علمت إن الإسلام يهدم ما كان قبله و أن الهجرة تهدم ما كان قبلها و أن الحج يهدم ما كان قبله رواه مسلم
و في لفظ لأحمد الإسلام يجب ما قبله و قوله الإسلام يهدم ما قبله من ترك الواجبات و فعل المحرمات بخلاف الهجرة و الحج فانهما يهدمان ما فعل من إثم فما بين العبد وبين الله تعالى دون ما ترك من واجب يقضى لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يأمر أحدا ممن اسلم أن يقضي صلاة و لا

صوما و لا زكاة و لا يأخذه بضمان دم ولا مال ولا بشيء من الأشياء و هذا لأن الكافر كان منكرا للوجوب و للتحريم فكان الفعل و الترك داخلا في ضمن هذا الاعتقاد الباطل و فرعا له فلما تاب من هذا الاعتقاد و موجبه غفر الله له الأصل و فروعه و دخلت هذه الفروع فيه في حال المغفرة كما دخلت فيه في حال المعصية بخلاف من تركه معتقدا للوجوب فان الترك هناك غير مضاف إلى غيره بل إلى كسل فالتوبة منه بالنشاط إلى فعل ما ترك و لأن تخلل المسقط بين زمني الوجوب و القضاء لا يسقط الواجب كما لو ترك صلاة ثم حصل جنون أو حيض ثم حصل الغسل و الطهارة فإنه يجب القضاء
و لا يخاطب الكافر بفعلها إلا بعد إن يسلم لما روى ابن عباس إن النبي صلى الله عليه و سلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له انك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله و أن محمدا رسول الله فان هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في يوم و ليلة فان هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم فان هم أطاعوك لذلك فإياك و كرائم أموالهم و اتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها و بين الله حجاب رواه الجماعة

و أما الكافر المرتد فالمشهور أنه يلزمه قضاء ما تركه قبل الردة من صلاة و زكاة و صوم و لا يلزمه قضاء ما تركه في زمن الردة و هذا هو المنصوص عنه في مواضع مفرقا بين ما تركه قبل الردة و بعدها
و حكي ابن شاقلا رواية أنه لا يلزمه شيء من ذلك بناء على أن الردة تحبط العمل لقوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك و قوله و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله و قوله و لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون و قوله تعالى إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى إلى قوله تعالى ذلك بأنهم اتبعوا ما اسخط الله و كرهوا رضوانه فاحبط أعمالهم و لأن الكفر الطارئ يهدم ما كان قبله من الصالحات كما إن الإيمان الطارئ يهدم ما كان قبله من السيئات و القضاء إنما يراد به جبر ما حصل به من الخلل في العمل فإذا حبط الجميع فلا معنى لجبره مع ظاهر قوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

و عنه رواية أخرى أنه يلزمه قضاء الجميع أما قبل الردة فلوجوبه عليه و أما ما بعد الردة فلأنه التزم حكم الإسلام فلا يقبل منه الرجوع عنه كالمسلم إذا تركها عامدا و لهذا يضمن ما اتلفه في حال الردة من دية أو مال على المنصوص و لهذا لا يقر على دينه بغير جزية و لا فرق
فإذا لم يقر على الاعتقاد لم يقر على موجبه و هو الترك فيكون مطالبا بالفعل في الدنيا و لأن الدليل يقتضي وجوبها على كل حال و إنما عفي للكافر الأصلي عن القضاء لأن مدة الترك تطول غالبا و قد كان على دين يعتقد صحته و لم يعتقد بطلانه و هو مع ذلك مقر عليه يجوز إن يهادن و يؤمن و أن يسترق و يعقد له الجزية إن كان من أهل ذلك بخلاف المرتد
و وجه المشهور أن ما تركه قبل الردة قد وجب في ذمته و استقر فلا يسقط بعد ذلك بفعله لو كان مباحا فكيف يسقط بالمحرم و لأنه ترك صلاة يخاطب بفعلها ابتداء فخوطب بقضائها كالنائم و الناسي و أولى و لأن تخلل المسقط بين زمن الوجوب و القضاء لا يسقط الواجب كما لو ترك الصلاة ثم حصل جنون أو حيض ثم حصل العقل و الطهارة فانه يجب القضاء
و أما حبوط عمله بالردة فقد منع ذلك بعض أصحابنا و قالوا الآيات فيمن مات على الردة بدليل قوله تعالى و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة و الإطلاق في الآيات البواقي لا يمنع ذلك لأن كل عقوبة مرتبة على كفر فإنها مشروطة

بالموت عليه
فان قيل التقييد في هذه الآية بالموت على الكفر إنما كان لأنه مرتب علي شيئين و هو حبوط العمل و الخلود في النار
و الخلود إنما يستحقه الكافر و تلك الآيات إنما ذكر فيها الحبوط فقط فعلم إن مجرد الردة كافية
قلنا قوله و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله و هو في الآخرة من الخاسرين و قوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين لا يكون إلا لمن مات مرتدا لأن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم و أهليهم يوم القيامة و هذا ليس لمن مات على عمل صالح لأنه إذا عاد إلى الإسلام فقد غفر له الإرتداد الماضي لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له و إذا زال الذنب زالت عقوباته و موجباته و حبوط العمل من موجباته يبين هذا أنه لو كان فعل في حال الردة ما تقتضيه الردة من شتم او سب أو شرك لم يقم عليه إذا اسلم و لأن الكافر الحربي لو تقرب إلى الله بأشياء ثم ختم له بالإسلام لكانت محسوبة له بدليل ما روى حكيم ابن حزام قال قلت يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صلاة و عتاقة و صلة هل فيها من اجر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أسلمت على ما سلف لك من خير متفق عليه فإذا كان الكفر المقارن

للعمل لا يحبط إلا بشرط الموت عليه فانه لا يحبط الكفر الطارئ إلا بشرط الموت أحرى و أولى لأن بقاء الشيء أولى من ابتدائه و حدوثه و الدفع اسهل من الرفع و لهذا قالوا الردة و الإحرام و العدة تمنع ابتداء النكاح دون دوامه كيف و تلك الأعمال حين عملت عملت لله سبحانه و قد غفر الله ما كان بعدها من الكفر بالتوبة منه
و من أصحابنا من قال يحبط العمل مطلقا لكن قال الإحباط هو إحباط الثواب لا إبطال العمل في نفسه بدليل أنه لا ينقض ما قبل الردة من الأمور المشروطة بالإسلام كالحكم و الولاية و الإرث و الإمامة و الذبح فلا تبطل صلاة من صلى خلفهم و لا يحرم ما ذبحه قبل الردة ولايلزم من بطلان ثوابه مما فعله سقوط الواجب الذي لم يفعله فان الردة تناسب التشديد لا التخفيف
ثم نقول فعل المكتوبة له فائدتان إحداهما أنه يقتضي الثواب
و الثانية أنه يمنع العقاب الواجب بتقدير الترك فإذا ارتد ذهبت فائدة واحدة و هي الثواب و بقيت الأخرى و هي منع العذاب على الترك بحيث لا يعذب من فعل و يحبط عمله على نفس ما فعله من الخير و إنما يعذب على الكفر المحبط كما يعذب من لم يفعل و هذا الخلل يتعين جبره و إلا عوقب على الترك و هذا معنى ما يجيء في كثير من الأعمال الواجبة أنها غير مقبولة أي لا ثواب فيها و إن أبرأت الذمة بحيث لولا الفعل لكان مكلفا و لولا السبب المانع من القبول لكان فيها ثواب و لهذا قلنا إذا أتى قبل الردة ما يوجب الحد من زنى أو سرقة و غيرهما فانه يقام عليه الحد بعد الإسلام الثاني نص عليه بخلاف من أقيم عليه الحد قبل

الردة فانه لا يقام عليه الحد ثانية فلو فرضنا إن لا فائدة أصلا فيما فعله قبل الردة فإنما ذلك فيما يفعله دون ما يوجب عليه و لم يفعله فانه الآن قادر على فعله على وجه يبرئه فيجب عليه كما يجب عليه قضاء الحقوق التي كانت واجبة قبل الردة و يثاب على قضائها و إن كان قد بطلت فائدة ما قضاه قبل الردة
و أما ما قبل الإسلام فإنه لم يخاطب به ابتداء و إنما يخاطب أولا بالإسلام فلا يجب قضاؤه كالكافر الأصلي فان الموجب للسقوط في أحدهما موجود في الآخر و قد ارتد جماعة في زمن النبي صلى الله عليه و سلم و أبي بكر و مكث منهم طائفة على الردة برهة من الدهر و لم ينقل أن أحدا منهم أمر بالقضاء و لأن الترك هنا كان في ضمن الاعتقاد فلما غفر له الاعتقاد غفر له ما في ضمنه و لأن إيجاب القضاء هنا قد يكون فيه تنفير عن الإسلام لا سيما إذا كثرت أعوام الردة و كانت الأموال كثيرة فإنه قد يعجز عن القضاء فيصر على الكفر فرارا من القضاء
فأما ما فعله قبل الردة فلا يجب عليه قضاؤه بحال لأن الذمة برئت منه حتى الحج في إحدى الروايتين
و عنه إيجاب قضاء الحج فمن أصحابنا من علل ذلك بأن العمل الماضي حبط بالردة فيجب عليه ما يجب على الكافر الأصلي فعلى هذا يجب إعادة ما صلى إذا اسلم و وقته باق و هذه طريقة ابن شاقلا و أبي الخطاب و غيرهما

و قال القاضي و الآمدي و اكثر أصحابه مثل الشريف أبي جعفر يجب إعادة الحج مع القول بأن العمل لم يحبط لأن هذا إسلام جديد و الإسلام مبني على خمس فلا بد فيه من جميع المباني بخلاف ما تكرر وجوبه من الصلاة و الزكاة و الصوم و لأن الإحتساب له بذلك الحج لا يمنع أن يجب عليه حج ثان بالإسلام كالكافر الحربي لو حج ثم اسلم لزمه حج ثان مع أن ذلك الحج محسوب له و كذلك العبد و الصبي لو حجا قبل الوجوب كتب لهما ثوابه ثم يلزمهما بالوجوب حج ثان
و إذا اسلم لزمه قضاء ما تركه بعد الإسلام و إن لم يعلم وجوبه
فصل
و أما المجنون فلا يجب عليه قضاء على ما في ظاهر المذهب نص عليه في رواية صالح و أبي داود و غيرهما
و قد روى حنبل عنه أن المجنون يقضي الصلاة و الصيام إذا أفاق كالمغمى عليه
و حمله بعض أصحابنا على الجنون العارض دون المطبق لقرب شبهه بالإغماء

و قال في رواية أنه يحتمل الحال كالمبرسم بعد الصلاة و إن طال ذلك شهرا أو اكثر
و الأول هو المذهب لما روي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ و عن الصبي حتى يحتلم و عن المجنون حتى يفيق رواه احمد و أبو داود و الترمذي و قال حديث حسن و هذا الحديث ينفي القضاء و الأداء لكن وجب القضاء على النائم لقوله من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فبقي المجنون على الإطلاق كالصبي
و أما من زال عقله بغير جنون فيجب عليه القضاء سواء كان السبب مباحا أو محرما من فعله أو من غير فعله كالسكران ببنج أو خمر و النائم و المغمى عليه لمرض أو شرب دواء أو غير ذلك
و قال القاضي إن كان الإغماء بشرب دواء مباح لم يجب القضاء لأنه

لو وجب القضاء لامتنع من شرب الدواء بخلاف إغماء المريض
و المباح هو ما تحصل معه السلامه في اغلب الأحوال و إن كان سما في أقوى الوجهي
و في الآخر لا يجوز شرب السم بحال
و الأول المذهب لأنها عبادة تسقط بالإغماء
و قيل إن كان عقله يزول بالدواء و يطول فهو كالمجنون و إن كان لا يدوم كثيرا فهو كالإغماء في الصيام و سائر العبادات
قال الإمام احمد أغمى على عمار بن ياسر ثلاثا و روي نحو ذلك عن سمرة بن جندب و عمران بن حصين و هذا لأن هذه الأسباب هي بين محرم لا يعذر في شربه و بين مباح تقصر مدته غالبا فأشبه النوم و يفارق الجنون فانه يطول غالبا و ينافي أهلية التكليف و يوجب الولاية على صاحبه و لا يجوز على الأنبياء و لأن الإغماء و النوم و نحوهما يزيل الإحساس الظاهر و العقل الظاهر و إلا فيجوز إن يرى رؤيا و يوحى إليه في حال نومه و إغمائه و يكون زوال العقل تبعا لزوال حس الظاهر بخلاف المجنون فإن حسه و إدراكه باق و العقل زائل فهو في ذلك ليس كالنائم و لهذا النائم و المغمى عليه يندر منهما القول و العمل بخلاف المجنون

فصل
و أما الصبي فلا تجب عليه في اشهر الروايتين
و عنه أنها تجب عليه إذا بلغ عشرا اختارها أبو بكر و التميمي لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم مروا أبناءكم بالصلاة لسبع و اضربوهم عليها لعشر سنين و فرقوا بينهم في المضاجع رواه احمد و أبو داود و عن سبرة الجهني قال قال رسول الله مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين و إذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها رواه أبو داود و الترمذي و قال حديث حسن فقد أمر بالعقاب على تركها و ما يعاقب على ترك شيء إلا الواجب لا سيما مع رأفة

النبي صلى الله عليه و سلم و رحمته بأمته و لأنه يفهم الأمر و يقدر على الامتثال فوجب عليه كالبالغ و هذا لأن عمدة الوجوب إنما هي العقل الذي به يعلم و القدرة التي بها يفعل و كلاهما موجود ولأن العشر مظنة الاحتلام و أول سببه فجاز أن تقوم مقامه و يحمل حديث رفع القلم على ما يفعله من الذنوب لا على ما يتركه من الواجب و يؤيد هذا أن المأمورات تصح منه فجاز أن تجب عليه و لهذا صح منه الإسلام و هو يلزم لأحكام كثيرة في الدنيا و الآخرة و أما المنهيات فإنها تقع منه باطلة إذا كانت تقبل البطلان فلا تحرم عليه و لهذا لا تصح تصرفاته بغير إذن من نكاح و بيع و هبة و يقع كفره و قذفه و زناه و سرقته غير موجب للحد و العقوبة و من قال هذا صحح إسلامه دون ردته كإحدى الروايات و هذا لأن فعل البر اسهل من ترك الإثم و لهذا قال سهل بن عبد الله أعمال البر يفعلها البر و الفاجر و لا يصبر عن الآثام إلا صديق و من قال هذا التزم وجوب الصيام إذا أطاقه
فأما الحج فلا يجب عليه قبل الإحتلام قولا واحدا لقوله أيما صبي حج به أهله ثم احتلم فعليه حجة أخرى و هذا يروى مرسلا و موقوفا عن

ابن عباس و كذلك لو بلغ بالسن أو الإنبات و لم يحتلم لم يجب عليه و لو حج بعد البلوغ بالسن ثم احتلم لزمه إعادة الحج في رواية منصوصة على ظاهر الحديث الوارد فيه و لأن السن و الإنبات ليس هو حقيقة الإدراك لأن الله انما علق الأحكام ببلوغ الحلم بقوله تعالى و ابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح و قوله تعالى و إذا بلغ الأطفال منكم الحلم و قوله تعالى حتى يبلغ اشده و قول النبي صلى الله عليه و سلم رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم لكن لما كان بلوغ الحلم خفيا عن غير المحتلم و كان ذلك غالبا يكون مع بلوغ خمسة عشر و إنبات شعر العانة جعل مظنته علامة قائمة مقامه في الأحكام التي تتعلق بغير هذا البالغ من الحدود و القصاص و الجهاد و الحجر و غير ذلك إذ كانوا لا يطلقون على الحقيقة غالبا فأما ما بينه و بين الله فإنه يعلم وقت احتلامه و لأن هذه الأمور تتكرر قبل الإحتلام و بعده فجاز إن يجعل ما يقارب الاحتلام في حكمه احتياطا و عموما بخلاف الحج فإنه لا يتكرر و لأنه احرم لحجه قبل الإحتلام لكان قد فعل الحج قبل كمال قواه و بلوغ اشده و لذلك يعيده إذا بلغ
و الرواية الأخرى اختيار اكثر أصحابنا حتى جعلها القاضي رواية واحدة و كذلك ابن بطة تأول الرواية الأولى لما تقدم من قوله صلى الله عليه و سلم رفع

القلم عن الصبي حتى يحتلم و هذا يعم حكم الإثم الحاصل بفعل محرم أو ترك واجب كما شاركه في ذلك المجنون و لأنها عبادة بدنية فلم تجب قبل البلوغ كالحج و الجهاد و هذا لأن الصبي في الأصل لما كان مظنة نقص العقل و ضعف البنية جعل الشرع بلوغ الأشد حدا للتكليف لأن مظنة استكمال شرائطه غالبا و لأنها لو وجبت عليه لقتل بتركها كالبالغ و لكان الإمام هو الذي يقيم عليه الحد و لم يكتف بضربه و لم يفوض ذلك إلى الوالي و بهذا يعلم إن ضربه عليها ليتمرن عليها ويعتادها وقد يجب لمصالحه وإن لم تكن واجبة عليه كما تضرب البهيمة تأديبا لها و دواء و كما يضرب المجنون لذلك و كان ابن عباس يقيد عكرمة على حفظ القرآن و السنة و قال رجل للنبي صلى الله عليه و سلم مم اضرب يتيمي قال مما كنت ضاربا منه ولدك و كما يضرب على الكذب و فعل المحرمات ليكف عنها و يعتاد تعظيم المحرمات و إن كان قلمه مرفوعا إجماعا
و على الروايتين فيؤمر بها إذا بلغ سبع سنين
قال أصحابنا و يهدد على تركها ويضرب عليها إذا بلغ العشر كما في الحديث و ذلك واجب على وليه و كافله نص عليه و كما تقدم في

الحديث فإن الأمر من النبي صلى الله عليه و سلم يقتضي الوجوب و قد قال الله تعالى قوا أنفسكم و أهليكم نارا قال علي عليه السلام علموهم و أدبوهم
و إهمال ذلك سبب مصيره إلى النار و لأن هذا من مصالحه فوجب مراعاته كما يجب حفظ ماله و منعه من جميع الفواحش و المعاصي و يؤمر مع ذلك بالطهارة و نحوها مما يشترط للصلاة لأن الصلاة لا تصح بدونها
فإن بلغ في أثناء الوقت لزمته الصلاة و إن كان قد صلاها أو هو فيها لأنها حينئذ وجبت عليه و ما تقدم كان نفلا فلم يمنع الإيجاب كما لو حج قبل البلوغ ثم بلغ
و لو بلغ في أثنائها ثم خرج الوقت لم تجب عليه لزوال وقت الوجوب هذا هو المذهب المنصوص حتى لو احتلم في أثناء الليل و قد صلى المغرب و العشاء أعادهما نص عليه
و لو قيل إنه صلاها مرة لم تجب عليه ثانية لكان وجيها لأن تعجيل الصلاة و الزكاة قبل وجوبها إذا كان مشروعا منع الوجوب كما لو صلى الثانية من المجموعتين في وقت الأولى أو فعل الجمعة قبل

الزوال و كذلك لو عجل زكاة ماله قبل وجوبه و النفل قد يمنع وجوب الفرض كما لو صلى العيد أول النهار سقطت عنه الجمعة و لأن العادة الغالبة إن الصبيان يحتلمون بالليل و لم ينقل عنهم انهم كانوا يؤمرون بإعادة المغرب و العشاء

مسألة فمن جحد وجوبها بجهله عرف ذلك و إن جحدها عنادا كفر
هذا اصل مضطرد في مباني الإسلام الخمسة و في الأحكام الظاهرة المجمع عليها من مكلف إن كان الجاحد لذلك معذورا مثل إن يكون حديث عهد بالإسلام أو قد نشأ ببادية هي مظنة الجهل بذلك لم يكفر حتى يعرف إن هذا دين الإسلام لأن أحكام الكفر و التأديب لا تثبت إلا بعد بلوغ الرسالة لا سيما فيما لا يعلم بمجرد العقل قال الله تعالى و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا و قال تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل و قال تعالى و لو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا و قال تعالى و ما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا و قال تعالى لأنذركم به و من بلغ فالإنذار لمن بلغه القرآن بلفظه أو معناه فإذا بلغته الرسالة بواسطة أو بغير واسطة قامت عليه الحجة و انقطع عذره
فأما الناشىء بديار الإسلام ممن يعلم أنه قد بلغته هذه الأحكام فلا

يقبل قوله أي لم اعلم ذلك و يكون ممن جحد وجوبها بعد إن بلغه العلم في ذلك فيكون كافرا كفرا ينقل عن الملة سواء صلاها مع ذلك أو لم يصلها و سواء اعتقدها مستحبة أو لم يعتقد و سواء رآها واجبة على بعض الناس دون بعضا أو لا وسواء تأول في ذلك أو لم يتأول لأنه كذب الله و رسوله و كفر بما ثبت إن محمدا صلى الله عليه و سلم بعث به و لهذا اجمع رأي عمر و الصحابة في إن الذين شربوا الخمر مستحلين لها انهم إن اقروا بالتحريم خلوا و إن أصروا على الاستحلال قتلوا و قالوا و كذلك من تأول تأويلا يخالف به جماهير المسلمين
و كذلك لو اقر إن الله أوجبها و صدق الرسول في الرسالة و امتنع من قبولها بالإيجاب و أبى إن يلتزمه و ينقاد لله و رسوله فهو كإبليس فإنه لم ينكر الإيجاب و إنما استكبر عن القبول فانه يكفر بذلك و يقال له كافر و لا يقال مكذب

مسالة و لا يحل تأخيرها عن وقتها إلا لناو جمعها أو مشتغل عنها بشرطها
أما فعلها في الوقت المضروب لها ففرض و تأخيرها عنه عمدا من الكبائر لقوله تعالى حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و المحافظة عليها فعلها في الوقت لأن سبب نزول الآية تأخيرالصلاة يوم الخندق دون تركها لأن السلف فسروها بذلك و لأن المحافظة خلاف الإهمال و الإضاعة و من أخرها عن وقتها فقد أهملها و لم يحافظ عليها
و قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات و أضاعتها تأخيرها عن وقتها كذلك فسرها ابن مسعود و إبراهيم و القاسم بن محمد و الضحاك و غيرهم من غير مخالف لهم قال ابن مسعود إضاعتها صلاتها لغير وقتها لأن الشيء الضائع ليس هو معدوما إنما هو مهمل غير محفوظ و قوله تعالى فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون والمشهور منها إضاعة الوقت كذلك فسر هذه المواضع جماهير الصحابة و التابعين و هو معقول من الكلام و قال تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا و أمر سبحانه الخائف إن يصلي مع الإخلال بكثير من الأركان و كذلك المتيمم و نحوه و لو جاز التأخير لما احتاج ذلك إلى شيء من ذلك و سائر

الآيات الموجبة فعلها في الوقت المحدود مثل قوله سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب وقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس دليل مفصل على ذلك وكذلك الأحاديث
عن أبي ذر رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يا أبا ذر إنها ستكون عليكم أئمة يميتون الصلاة فان ادركتموهم فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة رواه احمد ومسلم وعن أبي قتادة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة إن يؤخر صلاة إلى وقت الصلاة الأخرى رواه مسلم والنصوص في ذلك كثيرة و هو مجمع عليه
واما الذي يؤخرها ينوي جمعها إلى التي بعدها حيث يجوز ذلك فهذا في الحقيقة قد صلاها في وقتها وكذلك يصليها أداء لأن الوقت للصلاة هو الذي حده الله سبحانه لجواز فعلها و إنما استثناه الشيخ لسببين
أحدهما أنه ليس هو الوقت المطلق و إنما هو وقت في حال العذر خاصة وقد لا يفهم هذا من مطلق الوقت
الثاني إن التأخير إليه لا يجوز إلا بنية العزم على الفعل فلو قصد تركها في الوقت ولم يقصد فعلها فيما بعد إثم بذلك
فأما تأخيرها عن أول الوقت إلى آخره فيجوز وهل يشترط له العزم

ليكون بدلا عن التعجيل فيه وجهان
أحدهما يشترط قاله القاضي وابن عقيل وغيرهما لأن الصلاة تجب في أول الوقت وجوبا موسعا واعتقاد الوجوب واجب على الفور ومتى وجب الاعتقاد وجب العزم لأنه لو جاز التأخير من غير بدل عنه لبطل معنى الوجوب في ا أول الوقت ولأن العزم على الترك حرام فإذا لم يكن ذاهلا أو ناسيا فلا بد من العزم على الفعل
والثاني لا يشترط قاله أبو الخطاب وغيره وذكره القاضي في بعض المواضع لأن النصوص الدالة على جواز التأخير ليس فيها شرط العزم فاشتراطه تحكم ولان العزم لو كان بدلا عن الفعل فينبغي إن لا يجب الفعل وان كان بدلا عن تعجيله فالتعجيل ليس بواجب ولان الإنسان إذا دخل وقت الصلاة فإن لم يعلم به بنوم أو غيره فلا إثم عليه اتفاقا وان علم الوقت وعزم على الترك أثم اتفاقا لكن لنفس العزم على المعصية كما لو عزم على الترك قبل الوقت وان لم يعزم على واحد منهما أو هم بالترك وحدث به نفسه فهذا مورد الوجهين أنه لا يجب تأثيمه لقول النبي صلى الله عليه و سلم إن الله تجاوز لامته عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به متفق عليه

فصل
و إنما يجوز التأخير من أول الوقت إلى آخره إذا لم يغلب على ظنه الفوات بالتأخير فأما إن غلب على ظنه الفوات بالتأخير أو حدوث أمر يمنع منها أو من بعض فروضها قبل خروج الوقت كمرض يغلب على ظنه الموت أو من يقدم للقتل أو امرأة عادتها تحيض في أثناء الوقت أو غير ذلك أو أعير سترة في أول الوقت ولم يمهل إلى آخره أو متوضىء عادم للماء في السفر لا تبقى طهارته إلى آخر الوقت ولا يرجوا وجود الماء لم يجز له التأخير إلى الوقت الذي يغلب على ظنه فوت ذلك كالتأخير إليه لأنه يفضي إلى تفويت واجب فإنه إذا أخرها في هذه المواضع فمات مات عاصيا
وان تخلف ظنه أثم وكانت الصلاة أداء لأنه تبين إن الوقت الشرعي باق والقضاء فعل العبادات بعد الوقت المحدود بالشرع فلهذا لو نام عنها أو نسيها حتى خرج الوقت صلاها قضاء وان لم يجب عليه فعلها إلا في ذلك الوقت ولهذا فان ما تقضيه الحائض ونحوها من الصوم يكون قضاء وان لم يجب فعله إلا بعد خروج الوقت ومثل هذه الصورة العبادة الواجبة على الفور فإنها لو أخرت عن أول أوقات الإمكان كانت أداء وان أثم بالتأخير إذ لم يوقت لها الشرع وقتا عاما ومما يكون أداء مع الإثم صلاة العصر بعد الإصفرار والعشاء في النصف الثاني من الليل

ولو أخرها تأخيرا جائزا ومات قبل الفعل فقيل يموت عاصيا لأن التأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة
والمشهور أنه لا إثم عليه لأن اشتراط ما لا يعلم ولا دليل عليه غير جائز والتأخير هنا له حد ينتهي إليه بخلاف الواجب المطلق أن جوزنا تأخيره فإنا نؤثمه إذ ليس للتأخير حد مؤقت
واما قوله أو مشتغل بشرطها فمثل أن يستيقظ فيخاف إن توضا أو لبس ثوبه أو إن أزال عنه نجاسة طلعت الشمس فان هذا يفعلها بشروطها وأركانها إذ لا يقدر على اكثر من ذلك وليس تضييعا ولا تفريطا إذ ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة
وكذلك الكافر إذا اسلم والمجنون إذا أفاق والحائض إذا طهرت والصبي إذا بلغ وقد ضاق الوقت عنها وعن شرائطها فانهم يشتغلون بشرطها وان خرج الوقت لأنه حينئذ أمر بإقامة الصلاة وقد أمر الله بالوضوء عند القيام إلى الصلاة وهذا هو الوقت الذي وجب فعلها فيه وان كان بعد خروج الوقت المحدد في الأمر العام وكذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فان ذلك وقتها
ومسائل هذا الباب منقسمة إلى ما ترجح فيه الوقت والى ما ترجح فيه السبب أي الشرط كما يذكر مفصلا في موضعه بخلاف من ضاق الوقت عن تعلمه الفاتحة والتشهد فانه يصلي بحسب حاله ولا يتعلم لأن

الأول قادر على نفس الشرط مشتغل بفعله وهذا عاجز عن الركن و إنما يشتغل بتعلمه وليس هو نفس الركن و أيضا فان محل الشرط ما قبل الصلاة وحكمه مستدام إلى أخرها فإذا اشتغل به في وقته لم يكن آخر الصلاة والقراءة محلها في نفس الصلاة فإذا اشتغل بتعلمها فهو اشتغل في وقت خطابه بالصلاة
و إذا تعمد تأخير الصلاة حتى ضاق الوقت عن فعل شروطها وأركانها مثل إن تكون عليه نجاسة أو هو جنب و آخر الصلاة بحيث متى اشتغل بالطهارة خرج الوقت فعليه إن يشتغل بالطهارة أيضا وهو آثم بفعلها في غير الوقت لأنه كان يجب عليه الطهارة قبل ضيق الوقت والصلاة فيه فمتى أخر ذلك فعليه إن يفعله كما وجب عليه مع إثمه بالتأخير ولو آخر التيمم بالسفر وهو عادم للماء ثم وجده قبل خروج الوقت فهنا وجهان والفرق بينهما أنه كان قد وجب عليه الصلاة بتيمم ولم يرخص له في التأخير إلى إن يخرج الوقت فمتى صلى بالتيمم فقد فعل ما وجب عليه وقد تقدم هذا فأما إن عجز في الوقت عن بعض الشروط والأركان وعلم أنه يقدر عليه بعد خروج الوقت كعار يعلم أنه يجد الثياب بعد الوقت أو محدث يعلم أنه يجد الماء بعد الوقت أو خائف يعلم أنه يأمن بعد الوقت أو مريض يعلم أنه يصح بعد الوقت ونحوهم فإنه لا يجوز له التأخير بالنصوص الظاهرة في وجوب الصلاة في حال الخوف والمرض والعري والتيمم والى غير القبلة ولا فرق في هذا ولا بين من يشتغل تحصيل الشرط ويعلم أنه يحصله بعد الوقت أو من ينتظر حصوله بعد الوقت لأن

الشرط متى طال زمن حصوله سقط وكانت مصلحة الصلاة في الوقت مقدمة على مصلحة حصوله بخلاف ما زمنه قريب ولأن الشرط هنا معجوز عنه و إنما يريد إن يشتغل بتحصيل القدرة عليه وهذا غير واجب فلا يفوت بسببه واجبا وهو الصلاة في الوقت
مثل هذا لو دخل عليه الوقت والقبلة مشتبهة لا يعلم جهتها إلا بعد خروج الوقت فإنه ليس له الإشتغال بشرط يستغرق الوقت
وان كان الإجتهاد ممكنا لكن قد ضاق الوقت بحيث إذا اجتهد فات الوقت فانه يصلي بالتقليد أيضا في اشهر الوجهين كما لو لم يكن عالما بالدليل والوقت ضاق على التعلم والاجتهاد و لأنه ليس مشتغلا بشرطها و إنما هو طالب للتعلم به فأشبه من طلب العلم بالدلالة
وفي الآخر عليه إن يجتهد مع ضيق الوقت كما على المفتي والحاكم إن يجتهدا مع ضيق الوقت وسعته

مسألة فإن تركها تهاونا استتيب ثلاثا فان تاب وإلا قتل أما ترك الصلاة في الجملة فإنه يوجب القتل من غير خلاف لأن الله تعالى قال فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم و احصروهم إلى قوله فإن تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم فأمر بالقتل مطلقا واستثنى منه ما إذا تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فمن لم يفعل ذلك بقي على العموم و لأنه علق تخلية السبيل على ثلاثة شروط والحكم المعلق بشرط ينعدم عند عدمه ولأن الحكم المعلق بسبب عرف أنه يدل على إن ذلك السبب علة له فإذا كان علة التخلية هذه الأشياء الثلاثة لم يجز إن تخلى سبيلهم دونها ولا يجوز إن يقال إقامة الصلاة هنا المراد له التزامها فإن تخليتهم بعد الإلتزام وقبل الفعل واجبة لأنا نقول المراد به التزامها وفعلها لأن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة حقيقة الفعل والإلتزام إنما يراد له فإذا التزموا ذلك خليناهم تخلية مراعاة فإن وفوا بما التزموا وإلا أخذناهم وقتلناهم و إنما خليناهم بنفس الإلتزام لأنه أول أسباب الفعل كما يخلى من أراد الوضوء والطهارة فإن أتم الفعل وإلا اخذ وحتى لو قيل فإن فعلوا الصلاة فخلوا سبيلهم وان لم يفعلوها فاقتلوهم ثم قال ألتزم لم يجب تخلية

سبيلهم كما في آية الجزية فإنه مد قتالهم إلى حين الإعطاء فإذا التزموا الإعطاء فهو أول الأسباب بمنزلة الشروع في الفعل فإن حققوا ذلك وإلا قتلناهم و لأنه لو كان المراد مجرد الإلتزام وان عري عن الفعل لم يكن بين الصلاة والزكاة وغيرهما فرق إذ من لم يلتزم جميع الإسلام فإنه يقاتل وأيضا فإن الإلتزام قد لا يحصل لقوله فان تابوا فان التائب من الكفر لا يكون تائبا حتى يقر بجميع ما جاء به الرسول ويلتزمه ولأن الإلتزام إن أريد به اعتقاد الوجوب والإقرار به فليس في اللفظ ما يدل على أنه المراد وحده وان أريد به الفعل والوعد به فهذا لا يجب إلا إذا وجب قتلهم بالترك وإلا فلو كان قتلهم بالترك غير واجب وقالوا نحن نعتقد الوجوب ولا نفعل لحرم قتلهم وهذا خلاف الآية وأيضا مما هو دليل في المسألة وتفسير للآية ما أخرجاه في الصحيحين عن عبد الله بن عمر إن النبي صلى الله عليه و سلم قال أمرت إن أقاتل الناس حتى يشهدوا إن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله وليس في لفظ مسلم إلا بحق الإسلام وعن انس بن مالك قال لما توفي النبي صلى الله عليه و سلم ارتدت العرب فقال عمر يا أبا بكر كيف تقاتل العرب فقال أبو بكر إنما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرت إن أقاتل الناس حتى يشهدوا إن لا اله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة رواه النسائي فهذا يدل على إن

القتال مأمور به إلى إن يوجد فعل الصلاة والزكاة إذ لو كان مجرد الاعتقاد كافيا لاكتفي بشهادة إن محمدا رسول الله فإنها تنتظم بصدقه بجميع ما جاء به ولم يكن لتخصيص الصلاة والزكاة بالاعتقاد دون غيرهما معنى ثم قوله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم دليل على إن العصمة لا تثبت إلا بنفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع الشهادتين ثم فهم أبو بكر رضي الله عنه منه حقيقة الإتباع بموافقة الصحابة له على ذلك حتى قال لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم لقاتلتهم على منعها ولم يقل على جحدها وتعميمه من منعها جاحدا أو معترفا دليل على إن الفعل مراد
فان قيل فقد روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرت إن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها متفق عليه
قلنا هذا الخبر قد روي فيه حتى يشهدوا إن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ثم قد حرم دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه فهذا المقيد يقضي على ذلك المطلق ثم لو كان قد قيل مفردا فإن الصلاة والزكاة من حقها كما قال الصديق لعمر ووافقه عمر وسائر الصحابة على ذلك

و يكون صلى الله عليه و سلم قد قال كلا من الحديثين في وقت فقال أمرت إن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله ليعلم المسلمون إن الكافر المحارب إذا قالها وجب الكف عنه و صار دمه و ماله معصوما ثم بين في الحديث الآخر إن القتال ممدود إلى الشهادتين و العبادتين ليعلم إن تمام العصمة و كمالها إنما تحصل بذلك و لئلا تقع الشبهة فان مجرد الإقرار لا يعصم على الدوام كما وقعت لبعض الصحابة حتى طلاها الصديق ثم وافقه و تكون فائدة ذلك أنه إذا قال لا اله إلا الله كان قد شرع في العاصم لدمه فيجب الكف عنه فإن تمم ذلك تحققت العصمة و إلا بطلت و عن عبيد الله بن عدي بن الخيار إن رجلا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه و سلم و هو في مجلس فساره فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أليس يشهد إن لا اله إلا الله قال الأنصاري بلى يا رسول الله و لا شهادة له فقال أليس يشهد إن محمدا رسول الله قال بلى و لا شهادة له قال أليس يصلي قال بلى و لا صلاة له قال أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم رواه الشافعي و احمد في مسنديهما و لو كانت الشهادتان موجبة للعصمة مع ترك الصلاة لم يسأل عنها و لم يسقها مع الشهادتين مساقا واحدا و قوله بعد ذلك أولئك الذين نهاني الله عن

قتلهم يوجب حصر الذين نهي عن قتلهم في هذا الصنف و عن أبي سعيد في حديث الخوارج فقال ذو الخويصرة التميمي للنبي صلى الله عليه و سلم يا رسول الله اتق الله فقال ويلك الست أحق أهل الأرض إن يتقي الله قال ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا اضرب عنقه فقال لا لعله إن يكون يصلي قال خالد و كم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لم أؤمر إن أنقب عن قلوب الناس و لا اشق بطونهم رواه مسلم فلما نهى عن قتله و علل ذلك باحتمال صلاته علم إن ذلك هو الذي حقن دمه لا مجرد الإقرار بالشهادتين فإنه قد قال يا رسول الله و مع هذا لم يجعل النبي صلى الله عليه و سلم ذلك وحده موجبا لحقن الدم و عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال يستعمل عليكم أمراء فتعرفون و تنكرون فمن أنكر فقد برىء و من كره فقد سلم و لكن من رضي و تابع فقالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم فقال لا ما صلوا رواه الجماعة إلا البخاري و النسائي و لأن الصلاة أحد مباني الإسلام الخمسة فيقتل تاركها كالشهادتين
و على هذه الطريقة يقتل تارك المباني الثلاثة
أما الزكاة فإذا غيب ماله و لم يقدر على أخذها منه
و أما الصيام فيقتل إذا امتنع منه

و أما الحج فإذا عزم على الترك بالكلية أو قال لا أحج أبدا بعد وجوبه عليه أو آخره إلى عام يغلب على ظنه موته قبله و هو إحدى الروايتين
و الرواية الأخرى لا يقتل بالحج لأن وجوبه على التراخي عند بعض العلماء و لا بالصيام لأنه يمكن استيفاؤه منه بأن يحبس في مكان و يمنع الأكل و الشرب و لأن الآية و الأحاديث إنما هي في الصلاة و الزكاة و لأن الصلاة تشبه الشهادتين من حيث لا يدخلها الإنسان بنفس و لا مال

فصل و لا يجوز قتله حتى يدعا إليها فيمتنع لأنه قد يتركها لعذر أو لشبهة عذر أو لكسل يزول قريبا و لهذا أذن النبي صلى الله عليه و سلم في الصلاة خلف الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها نافلة و لم يأمر بقتلهم و لا قتالهم حيث لا يصرون على الترك و أما التأخير فإذا دعي فإمتنع من غير عذر في وقت تحقق على الترك
و يقتل بإصراره على ترك الصلاة واحدة في اشهر الروايتين
و عنه لا يقتل إلا بترك ثلاث لأن الموجب الترك عن إصرار و ربما كان له عذر و كسل في الصلاة أو الصلاتين فإذا تكرر الترك بعد الدعاء إلى الفعل علم أنه إصرار و روى إسحاق بن شاقلا يقتل بترك الواحدة إلا إذا كانت أولى المجموعتين و هي الظهر أو المغرب فلا يقتل حتى يخرج وقت الثانية لأن وقتها وقت الأولى في حال الجمع فصار شبهة
وجه الأول ما تقدم من الأحاديث فإنها مطلقة و روى معاذ بن جبل

إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله رواه احمد و لأنه إذا دعي إليها في الوقت فقال لا اصلي و لا عذر له فقد ظهر إصراره فيجب قتله زجرا له و حملا على الفعل إذ ليس في تقدير ذلك نص ولا إجماع ولا قياس صحيح و احتمال عوده يقتضي تأخير استيفاء القتل دون عصمة الدم كالمرتد

فصل
المنصوص عن احمد أنه يقتل بترك صلاة واحدة أو بترك ثلاث صلوات
فمن أصحابنا من اقر ذلك على ظاهره فقال إذا دعي في وقت الأولى فلم يصلها حتى فاتت وجب قتله قال و إنما اعتبر أصحابنا إن يضيق وقت الثانية في موضع دعي إلى الصلاة بعد فوت الأولى و قد صارت فائتة و لا يقتل بترك الفائتة و إنما يقتل في تلك الصورة بترك الثانية و هذا ينتقض باعتبارهم ضيق وقت الرابعة مع انهم ذكروا ذلك إذا دعي في وقت الأولى أيضا و على مقتضى هذا القول أنه إذا ضاق وقت الأولى وجب قتله
و قال بعضهم بل يقتل بترك الأولى و إن كانت فائتة و كذلك يقتل بترك كل فائتة و قال كثير منهم بل لا بد إن يضيق وقت الثانية و الرابعة

و القتل عندهم وجب بترك الثانية مع ترك الأولى لأننا نستدل على ترك الثانية بترك الأولى وبتحقق الترك لأن ترك الأولى لا يتحقق حتى يفوت الوقت فتصير فائتة فلا يقتل بها وحدها فإذا ضاق وقت الثانية تحقق الدوام على الترك و هذا كما قلنا في الوعيد أنه ليس بإكراه فإذا عذب و لم يفعل المكره عليه ثم توعد صار إكراها معصوما إلى العذاب الأول
و قد أشار احمد إلى هذا فقال إذا ترك الفجر عامدا حتى وجبت عليه أخرى فلم يصلها يستتاب فان تاب و إلا ضربت عنقه
و كذلك الأحكام لا يمكن تعلقها بالماضي فانه فائت و لا بالمستقبل لأنه مظنون فلا تعلق به و إلا أفضى إلى تبطيلها و قد صرح بعض من سلك هذه الطريقة أنه لا بد أن يترك التي دعي في وقتها و يضيق وقت الثانية إلغاء لما تركها قبل الدعاء
ومنهم من أطلق الترك وهو ظاهر كلام أحمد وإذا دعي إليها فامتنع إن يصليها في الوقت و ترك الصلاة بعد خروج الوقت قتل أيضا ذكره بعض أصحابنا و حكم بكفره على الترك
فصل
فإذا ترك صلاة عمدا و دعي في وقت الثانية و لم يفعلها حتى ضاق الوقت قتل فصارت ثلاثة اوجه إذا قلنا لا يقتل إلا بترك فائتة
و الأشبه أنا إذا قلنا لا يقتل إلا بترك ثلاث لم يعتبر ضيق وقت الرابعة و إن قلنا يقتل بواحدة اعتبر ضيق وقت الثانية لأنه قال في إحدى

الروايتين إذا ترك صلاة و صلاتين ينتظر عليه لكن إذا ترك ثلاث صلوات
قال في الأخرى إذا ترك الفجر عامدا حتى وجبت عليه أخرى و لم يصلها يستتاب فان تاب و إلا ضربت عنقه و سواء كان الترك قبل دعائه أو بعد دعائه
لكن لا يباح إلا بعد دعائه و امتناعه إذا ترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها و يدخل وقت غيرها
و الثانية إذا ترك صلاتين
و الثالثة إذا ترك ثلاث صلوات حتى تخرج أوقاتها

مسألة و يستتاب بعد وجوب قتله كما يستتاب المرتد ثلاثا نص عليه
و هل الاستتابة واجبة أو مستحبة على روايتين
و يقتل بالسيف ضربا في عنقه لأن ذلك هو الواجب في قتل المقدور عليه من الآدميين و البهائم كالأسير و قاطع الطريق و المرتد فأما العجوز عنه منهما فيقتل كيف أمكن لأن هذه القتلة أهون على المقتول و أوحى لزهوق النفس
و الأصل في ذلك ما روى شداد بن اوس إن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة رواه أحمد و مسلم و قال عليه السلام إن اعف الناس قتلة أهل الإيمان و كان صلى الله عليه و سلم يأمر بالصدقة و ينهى عن المثلة و لهذا مواضع غير هذا

فصل
و يقتل لكفره في إحدى الروايتين
و في الأخرى يقتل كما يقتل الزاني و المحارب مع ثبوت إسلامه حدا محضا و هي اختيار ابن بطة و قال هذا هو المذهب و أنكر خلاف هذا لما روى عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من شهد إن لا اله إلا الله وحده لا شريك له و إن محمدا عبده و رسوله و إن عيسى عبد الله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه و إن الجنة حق و النار حق ادخله الله الجنة على ما كان من العمل و عن انس إن الرسول صلى الله عليه و سلم و معاذ رديفه على الرحل قال يا معاذ قال لبيك يا رسول الله و سعديك قال ما من عبد يشهد إن لا اله إلا الله و إن محمدا عبده و رسوله إلا حرمه الله على النار قال يا رسول الله أفلا اخبر الناس فيستبشروا قال إذا يتكلوا و اخبر بها

معاذ عند موته تأثما متفق عليهما و لما تقدم من حديث عبادة و قوله من لم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه و إن شاء غفر له و عن أبي ذر إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة و قال دعوت لأمتي و أوجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم تركوا الصلاة فقال أبو ذر يا رسول الله ألا ابشر الناس فقال بلى فانطلق فقال عمر انك إن تبعث إلى الناس بهذا يتكلوا عن العبادة فناداه إن ارجع فرجع و الآية و إن تعذبهم فإنهم عبادك و إن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم رواه احمد و هذا سياقه و رواه النسائي وابن ماجة و لأن الصلاة عمل من أعمال الجوارح فلم يكفر بتركه كسائر الأعمال المفروضة و لأن من أصول أهل السنة انهم لا يكفرون أحدا من أهل السنة بذنب و لا يخرجونه من الإسلام بعمل بخلاف ما عليه الخوارج و إنما الكفر بالاعتقادات و قد روى انس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاث من اصل الإيمان الكف عمن قال لا اله إلا الله لا يكفره بذنب و لا يخرجه من الإسلام بعمل و الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى إن تقاتل أمتي الدجال لا

يبطله جور جائر و لا عدل عادل و الإيمان بالأقدار رواه أبو داود و ذكره الإمام احمد في روايه ابنه عبد الله و تارك الصلاة مع إقراره بالوجوب صحيح الإعتقاد فلا يكفر
و الرواية الأولى اختيار اكثر الأصحاب مثل أبي بكر و ابن شاقلا و ابن حامد القاضي و أصحابه و هو المنقول عن جماهير السلف لقول الله تعالى فان تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فإخوانكم في الدين
فعلق الإخوة في الدين على التوبة من الشرك و أقام الصلاة و إيتاء الزكاة و المعلق بالشرط ينعدم عند عدمه فمن لم يفعل ذلك فليس بأخ في الدين و من ليس بأخ في الدين فهو كافر لأن المؤمنين اخوة مع قيام الكبائر بهم بدليل قوله في آية المقتتلين إنما المؤمنون اخوة مع أنه قد سمى قتال المؤمن كفرا و لما روى جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بين الرجل و بين الكفر ترك الصلاة رواه الجماعة إلا البخاري و النسائي و في رواية لمسلم بين الرجل و بين الشرك ترك

الصلاة و في رواية صحيحة لأحمد ليس بين العبد و الكفر إلا ترك الصلاة و عن بريدة الاسلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول العهد الذي بيننا و بينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه احمد و النسائي وابن ماجة و الترمذي وصححه و هو على شرط مسلم و عن ثوبان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول بين العبد و بين الكفر و الإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشرك رواه هبة الله الطبري و قال إسناد صحيح على شرط مسلم و عن عبادة بن الصامت قال أوصانا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لا تشركوا بالله شيئا و لا تتركوا الصلاة تعمدا فمن تركها تعمدا فقد خرج من الملة رواه ابن أبي حاتم في سننه و نحوه من حديث معاذ و أبي الدرداء و قال الإمام احمد في رسالته رسالته في الصلاة جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أول ما تفقدون من دينكم الأمانة و آخر ما تفقدون منه

الصلاة قال الإمام احمد كل شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعه و عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رأس الأمر الإسلام و عموده الصلاة و ذروة سنامه الجهاد رواه الترمذي و صححه و متى وقع عمود الفسطاط وقع جميعه و لم ينتفع به و لأن هذا إجماع الصحابة قال عمر رضي الله عنه لما قيل له و قد خرج إلى الصلاة نعم و لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة و قصته في الصحيح و في رواية عنه قال لا إسلام لمن لم يصل رواه النجاد و هذا قاله بمحضر من الصحابة و قال علي

عليه السلام من لم يصل فهو كافر رواه البخاري في تاريخه و ذكر ابن عبد البر مثله عن أبي الدرداء و ابن عباس و جابر و قال عبد الله بن مسعود من ترك الصلاة فهو كافر و في رواية عنه في إضاعة الصلاة قال هو إضاعة مواقيتها و لو تركوها لكانوا كفارا و قال أبو الدرداء لا إيمان لمن لا صلاة له و لا صلاة لمن لا وضوء له رواهما البخاري و هبة الله الطبري و غيرهما و رأى حذيفة رجلا يصلي و هو لا يتم ركوعه و لا سجوده فقال لما قضى صلاته ما صليت و لو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه و سلم رواه البخاري
و عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال له طبيب حين وقع في عينه الماء استلق سبعة أيام لا تصل قال ابن عباس من ترك الصلاة كفر رواه النجاد و قال عبد الله بن شقيق كان أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة رواه الترمذي و قال الحسن بلغني

إن أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم كانوا يقولون بين العبد و بين إن شرك فيكفر إن يترك الصلاة من غير عذر رواه النجاد و هبة الله الطبري
فإن قيل هذا محمول على كفر دون كفر كما قال ابن عباس في قوله تعالى و من لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون و من لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون فأولئك هم الفاسقون إنه كفر دون كفر و ظلم دون ظلم و فسق دون فسق و كما قال النبي صلى الله عليه و سلم و الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل و فسره بالرياء و كما قال من صام يرائي فقد أشرك و من صلى يرائي فقد أشرك و كما قال الرياء هو الشرك الأصغر و قال من حلف بشيء

دون الله فقد أشرك رواه احمد و كقوله صلى الله عليه و سلم ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه و هو يعلمه إلا كفر
و قال سباب المسلم فسوق و قتاله كفر و قال لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض متفق عليهن و قال اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب و النياحة على الميت رواه

مسلم و قال أيما عبد ابق من مواليه فقد كفر و قال لا إيمان لمن لا أمانة له و لا دين لمن لا عهد له رواهما احمد و قال ثلاث من كن فيه كان منافقا من إذا حدث كذب و إذا وعد اخلف و إذا اؤتمن خان متفق عليه و في رواية و إن صام و صلى و زعم أنه مسلم و كما قال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كلهم يخاف النفاق على نفسه و كما خاف حنظلة الاسدي إن يكون نافق بنسيانه الذكر و اختلاف حاله عند النبي صلى الله عليه و سلم و أهله و الحديث في صحيح مسلم و هذا باب واسع متسع
و ربما قال بعض الناس يحمل على كفر النعمة أو على المبالغة

و التغليظ في الشرك لأن الكفر الناقل عن الملة و الشرك الذي لا يغفره الله و النفاق الموجب للدرك الأسفل من النار لا يثبت بمجرد هذه الأفعال عند أحد من أهل السنة لكن عند الخوارج و المعتزلة الذين تأولوا ظاهر هذا الكلام على وفق رأيهم و اعرضوا عما سواه مما يفسره و يبين معناه الذي هو خلاف الإيمان
قيل الكفر المطلق لا يجوز إن يراد به إلا الكفر الذي هو خلاف الإيمان لأن هذا هو المعنى الشرعي و لا سيما إذا قوبل بالإيمان فإنه يجب حمله على ذلك ثم لو صح هذا في بعض المواضع فهنا إنما أراد به الكفر المخالف للإيمان كما نص عليه في الحديث و كما سيأتي تفسيره إن شاء الله تعالى
و أما تأويله بكفر النعمة فساقط في جميع هذه المواضع و لذلك لم ينقل هذا عن السلف لأن كفر النعمة إن أريد به جحد انعام الله عليه فهذا كفر صريح مع إن هذه المواضع ليس فيها ما يتضمن جحد الإنعام بخصوصه و إن أريد به التقصير في الشكر فليس بعض الأعمال بهذا أولى من بعض بل كل من ترك شيئا من الفرائض فقد قصر في شكر نعمة الله فينبغي إن يسمى كافرا على هذا الوجه ثم إنه لا مناسبة بين ذلك و بين اكثر هذه المواضع لمن تدبره من الدلالات الكثيرة في الكتاب و السنة
و الإجماع على ثبوت اصل الإيمان مع وجود هذه الأعمال و ربما حمله بعضهم على مقارنة الكفر لذلك و من الناس من يحمل الترك عمن تركها جاحدا غير مقر بوجوبها و لا يستلزمها في الجملة و يكون تخصيصها بالذكر لعموم فرضها زمانا و مكانا و حالا و محالا

و أما قول من يقول هو على سبيل المبالغة و التغليظ فلعمري أي مبالغة أو تغليظ لكن على الوجه المحدود من غير مجازفة و لا مجاوزة و من اعتقد إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يمدح عملا على سبيل الترغيب أو يذمه على سبيل الترهيب بمجاوزة في موضعه و زيادة في نعته فقد قال قولا عظيما بل قد كفر بالله و رسوله إن فهم مضمون كلامه و أصر عليه و لهذا لما نهت قريش عبد الله بن عمرو إن يكتب ما يسمع من النبي صلى الله عليه و سلم توهما أنه قد يقول في الغضب ما لا يقوله في الرضا قال اكتب و الذي نفسي بيده ما خرج بينهما إلا حق كيف و هو صلى الله عليه و سلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى نعم هو صلى الله عليه و سلم يرغب في الشيء بذكر احسن صفاته من غير مجاوزة حده و يذم الفعل القبيح ببيان اقبح صفاته من غير مجاوزة أيضا إنما يجوز أن يظن المبالغة الزائدة عن الحد بسائر الناس الذين لا يحفظون منطقهم و لا يعصمون في كلامهم لا سيما الشعراء و نحوهم و لهذا زجر الإمام احمد عن تأويل أحاديث الوعيد حيث تأولها المرجئة على أشياء يخرجها عن مقصود الرسول كما تأولت الجهمية و القدرية الأحاديث المخالفة لأهوائهم تأويلا يخرجها عن مقصوده
و أما حمله على مفر دون كفر فهذا حمل صحيح و محمل مستقيم في الجملة في مثل هذا الكلام و لهذا جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه و التابعين في كثير من المواضع مفسرا لكن الكفر الوارد في الصلاة هو الكفر الأعظم لوجوه

أحدها إن الكفر المطلق هو الكفر الأعظم المخرج عن الملة فينصرف الإطلاق إليه و إنما صرف في تلك المواضع إلى غير ذلك لقرائن انضمت إلى الكلام و من تأمل سياق كل حديث وجده معه و ليس هنا شيء يوجب صرفه عن ظاهره بل هنا ما تقرره على الظاهر
الثاني إن ذلك الكفر منكر مبهم مثل قوله و قتاله كفر هما بهم كفر و قوله كفر بالله و شبه ذلك و هنا عرف باللام بقوله ليس بين العبد و بين الكفر أو قال الشرك و الكفر المعروف ينصرف إلى الكفر المعروف و هو المخرج عن الملة
الثالث إن في بعض الأحاديث فقد خرج عن الملة و في بعضها بينه و بين الإيمان و في بعضها بينه و بين الكفر و هذا كله يقتضي إن الصلاة حد تدخله إلى الإيمان إن فعله و تخرجه عنه إن تركه
الرابع إن قوله ليس بين العبد و بين الكفر إلا ترك الصلاة و قوله كان أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة

لا يجوز إن يراد به إلا الكفر الأعظم لأن بينه و بين غير ذلك مما يسمى كفرا أشياء كثيرة و لا يقال فقد يخرج عن الملة بأشياء غير الصلاة لأنا نقول هذا ذكر في سياق ما كان من الأعمال المفروضة و على العموم يوجب تركه الكفر و ما سوى ذلك من الاعتقادات فإنه ليس من الأعمال الظاهرة
الخامس أنه خرج هذا الكلام مخرج تخصيص الصلاة و بيان مرتبتها على غيرها في الجملة و لو كان ذلك الكفر فسقا لشاركها في ذلك عامة الفرائض
السادس أنه بين أنها آخر الدين فإذا ذهب آخره ذهب كله
السابع أنه بين أن الصلاة هي العهد الذي بيننا و بين الكفار و هم خارجون عن الملة ليسوا داخلين فيها و اقتضى ذلك أن من ترك هذا العهد فقد كفر كما أن من أتى به فقد دخل في الدين و لا يكون هذا إلا في الكفر المخرج عن الملة
الثامن إن قول عمر لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة أصرح شيء في خروجه عن الملة و كذلك قول ابن مسعود و غيره مع أنه بين إن إخراجها عن الوقت ليس هو الكفر و إنما هو الترك بالكلية و هذا لا يكون إلا فيما يخرج عن الملة
التاسع ما تقدم من حديث معاذ فإن فسطاطا على غير عمود لا يقوم كذلك الدين لا يقوم إلا بالصلاة و في هذه الوجوه يبطل قول من

حملها على من تركها جاحدا و أيضا قوله كانوا لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر و قوله ليس بين العبد و بين الكفر و غير ذلك مما يوجب اختصاص الصلاة بذلك و ترك الجحود لا فرق فيه بين الصلاة و غيرها و لأن الجحود نفسه هو الكفر من غير ترك حتى لو فعلها مع ذلك لم ينفعه فكيف يعلق الحكم على ما لم يذكر و لأن المذكور هو الترك و هو عام في من تركها جحودا أو تكاسلا و لأن هذا عدول عن حقيقة الكلام من غير موجب فلا يلتفت إليه
و أما الأحاديث المطلقة في الشهادتين فعنها أجوبة
أحدها إن الزهري يقول كان هذا قبل إن تنزل الفرائض ثم نزلت فرائض نرى إن الأمر انتهى إليها فمن استطاع ألا يغتر فلا يغتر
الثاني أنها مطلقة عامة و أحاديث الصلاة مقيدة خاصة فيقضي المطلق على المقيد و كما روى الإمام احمد في مسنده عن معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من لقي الله لا يشرك به شيئا يصلي الخمس و يصوم رمضان غفر له قلت أبشرهم يا رسول الله قال دعهم يعملوا و يحقق هذا إن من جحد آية من كتاب الله تعالى أو علما ظاهرا من أعلام الدين فهو كافر و إن اندرج في هذه العمومات
الثالث أنه صلى الله عليه و سلم قصد بيان الأمر الذي لا بد منه في جميع الأشياء

و الذي قد يكتفى به عن غيره في جميع الخلق و هو الشهادتان فإن الصلاة قد لا تجب على الإنسان إذا اسلم و مات قبل الوقت و ربما أخرها ينوي قضاءها و مات قبل ذلك
الرابع إن هذا كله محمول على من يؤخرها عن وقتها و ينوي قضاءها أو يحدث به نفسه كالأمراء الذين كانوا يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت و كما فسره ابن مسعود و بين إن تأخيرها عن وقتها من الكبائر و إن تركها بالكلية كفر و كذلك أمر النبي صلى الله عليه و سلم بالكف عن قتال هؤلاء الأئمة ما صلوا فعلم انهم لو تركوا الصلاة لقوتلوا و الإمام لا يجوز قتاله حتى يكفر و إلا فبمجرد الفسق لا يجوز قتاله و لو جاز قتاله بذلك لقوتل على تفويتها كما يقاتل على تركها و هذا دليل مستقل في المسألة و يحمل أيضا على من يخل ببعض فرائضها ببعض الأوقات و شبه ذلك فأما من لا يصلي قط في طول عمرة و لا يعزم على الصلاة و مات على غير توبة أو ختم له بذلك فهذا كافر قطعا و كذلك قوله من لم يحافظ عليها فإنه يفهم منه فعلها مع الإخلال بالمحافظة و مثل ذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها و إلا قيل انظروا هل من تطوع فأكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر

الأعمال المفروضة مثل ذلك رواه احمد و أبو داود و ابن ماجة و الترمذي و قال حديث حسن و أيضا فان الإيمان عند أهل السنة و الجماعة قول و عمل كما دل عليه الكتاب و السنة و اجمع عليه السلف و على ما هو مقرر في موضعه فالقول تصديق الرسول و العمل تصديق القول فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا و القول الذي يصير به مؤمن قول مخصوص و هو الشهادتان فكذلك العمل هو الصلاة
و أيضا ما احتج به ابن شاقلا و يذكر عن الإمام احمد إن إبليس بامتناعه عن السجود لآدم قد لزمه الكفر و اللعنة فكيف من يمتنع عن السجود لله تعالى و هذا لأن الكفر لو كان مجرد الجحد أو إظهار الجحد لما كان إبليس كافرا إذ هو خلاف نص القرآن
و أيضا فإن حقيقة الدين هو الطاعة و الإنقياد و ذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله دينا و من لا دين له فهو كافر
فأما قياس الصلاة على غيرها من الأركان فقد ذكر أبو بكر عن احمد أنه يصبح مرتدا بترك الأركان الخمسة
و عنه أنه بترك الصلاة و الزكاة فقط
و عنه بترك الصلاة و الزكاة إذا قاتل الإمام عليها

و عنه بترك الصلاة فقط و بكل حال فالصلاة لها شأن انفردت به على سائر الأعمال و تبين ذلك من وجوه نذكر بعضها مما انتزعه الإمام احمد و غيره
أحدها إن الله سمى الصلاة إيمانا بقوله وما كان الله ليضيع إيمانكم يعني صلاتكم إلى بيت المقدس لأن الصلاة تصدق عمله و قوله و تحصل طمأنينة القلب و استقراره إلى الحق و لا يصح إن يكون المراد به مجرد تصديقهم بفرض الصلاة لأن هذه الآية نزلت فيمن صلى إلى بيت المقدس ومات ولم يدرك الصلاة إلى الكعبة وول كان مجرد التصديق لشركهم في ذلك كل الناس وفي يوم القيامة فإنهم مصدقون بأن الصلاة إلى بيت المقدس إذ ذاك كانت حقا و لم يتأسفوا على تصديقهم بفرض معين لم يترك كما لم يتأسفوا على ترك تصديقهم بالحج و غيره من الفرائض و لم يكن اعتماد تصديقهم بالصلاة فقط أولى من تصديقهم بجميع ما جاء به الرسول هذا مع أنه خروج عما عليه أهل التفسير و عما يدل عليه كلام الباري لأن الله افتتح أعمال أعمال المفلحين بالصلاة فقال قد افلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون و ختمها بالصلاة فقال و الذين هم على صلاتهم يحافظون و كذلك في قوله إلا

المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون إلى قوله و الذين هم على صلاتهم يحافظون و هاتان الآيتان جمعتا خصال أهل الجنة و ملاكها
الثاني إن الله تعالى قال لنبيه اتل ما أوحى إليك من الكتاب و تلاوة الكتاب اتباعه و العمل بما فيه من جميع شرائع الدين ثم قال و أقم الصلاة فخصها بالذكر تمييزا لها فسبحانه خصها بالأمر بعد دخولها في عموم المأمور به و كذلك قوله و أوحينا إليهم فعل الخيرات و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة خصها بالذكر مع دخولها في جميع الخيرات و كذلك قوله تعالى إنهم كانوا يسارعون في الخيرات و يدعوننا رغبا و رهبا و كذلك قوله تعالى فإذ لم تفعلوا و تاب الله عليكم فأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و أطيعوا الله و رسوله فان في طاعة الله و رسوله فعل جميع الفرائض وخص الصلاة و الزكاة بالذكر و قوله و لقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك و كن من الساجدين و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين تعم جميع الطاعات و قد خصت الصلاة بذلك الأمر والاصطبار عليها و كذلك اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربكم و افعلوا الخير و كذلك قوله و استعينوا بالصبر

و الصلاة فان الصبر و إن كان هو الحبس عن المكروهات فإن فيه فعل جميع العبادات و كذلك قوله قد افلح من تزكى و ذكر اسم ربه فصلى فان الصلاة تعم العمل الصالح كله و إن خص بالصدقة و غيرها و كذلك قوله تعالى إنني أنا الله لا اله إلا أنا فاعبدني و أقم الصلاة لذكري فان عبادة الله تعم جميع الأعمال الصالحة ثم خص الصلاة بالذكر و قوله لبني إسرائيل و أوفوا بعهدي ينتظم جميع الفرائض ثم قال و أقيموا الصلاة و آتو الزكاة و اركعوا مع الراكعين
الثالث أن كل عبادة من العبادات فإن الصلاة مقرونة بها فإن العبادة تعم جميع الطاعات و قد خصت الصلاة بذلك الأمر و الاصطبار عليها فإذا ذكرت الزكاة قيل أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و إذا ذكرت المناسك قيل فصل لربك و انحر إن صلاتي و نسكي و إن ذكر الصوم قيل استعينوا بالصبر و الصلاة و أنها لكبيرة إلا على الخاشعين فان الصبر المعدود في المثاني هو الصوم قال صلى الله عليه و سلم صوم شهر الصبر و ثلاثة أيام من كل شهر

الرابع أن الله أمر نبيه إن يأمر أهله بالصلاة فقال و أمر اهلك بالصلاة و اصطبر عليها لا نسألك رزقا مع أنه مأمور بالاصطبار على جميع العبادات لقوله و اصطبر لعبادته و بإنذارهم بجميع الأشياء لقوله و انذر عشيرتك الأقربين
الخامس أن الله فرضها ليلة الإسراء و أمر بها نبيه بلا توسط رسول و لا غيره
السادس أنه أوجبها على كل حال و لم يعذر بها مريضا و لا خائفا و لا مسافرا و لا منكسرا به و لا غير ذلك بل وقع التخفيف تارة في شرائطها وتارة في عددها و تارة في أفعالها و لم تسقط مع ثبات العقل
السابع أنه اشترط لها اكمل الأحوال من الطهارة و الزينة باللباس و الاستقبال مما لم يشترط في غيرها
الثامن أنه استعمل فيها جميع أعضاء الإنسان من القلب و اللسان و سائر الجوارح و ليس ذلك بغيرها
التاسع أنه نهى إن يشتغل فيها بغيرها حتى بالخطرة و اللفظة و الفكرة
العاشر أنها أول ما يجب من الأعمال و آخر ما يسقط وجوبه
الحادي عشر أنها دين الله الذي يدين به أهل السماوات و الأرض و هي مفتاح شرائع الأنبياء كلهم فان كل من دان لله من العقلاء فان عليه

الصلاة و لم يبعث نبي إلا بالصلاة بخلاف الصوم و الحج و الزكاة و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم لما اشترطوا إلا يحيوا بمعنى لا يركعوا لا خير في دين لا تحية فيه
الثاني عشر أنها مقرونة بالتصديق بقوله فلا صدق و لا صلى و لكن كذب و تولى و قوله و الذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به و هم على صلاتهم يحافظون و قوله تعالى و امرنا لنسلم لرب العالمين و أن أقيموا الصلاة و اتقوه و خصائص الصلاة كثيرة جدا فكيف تقاس بغيرها
فصل
قال أصحابنا يحكم بكفره في الوقت الذي يباح فيه دمه و هو ما إذا دعي فامتنع كما تقدم
قال الإمام احمد إذا قال لا اصلي فهو كافر نص على أنه لا يرث و لا يورث و يكون حكمه حكم المرتد في جميع أموره بحيث لا يغسل و لا يصلى عليه و لا يدفن في مقابر المسلمين إلا أنه لا يسقط عنه شيء من الصلوات و إن أسقطناها عن المرتد لأنه كفر بتركها فلو سقطت

عنه لزال سبب الكفر و إذا صلى بعد الامتناع عاد بذلك إلى الإسلام من الردة و صحت صلاته و إن كان الكافر الأصلي لا تصح صلاته قبل الشهادتين لأن هذا كفره بترك الفعل فإذا فعله عاد إلى الإسلام كما إن من كفره بترك الإقرار إذا أتى بالإقرار عاد إلى الإسلام
فان قيل فالمرتد غير هذا لا يصح إسلامه حتى يأتي بالشهادتين كيف ما كانت ردته قبل ذلك لأنه جاحد فلا بد أن يأتي بأصل كلمة الإقرار التي تتضمن جميع التصديق و الاعتراف و هذا معترف فيكفيه الفعل
فأما إذا لم يدع و لم يمتنع فهذا لا يجري عليه شيء من أحكام المرتدين في شيء من الأشياء و لهذا لم يعلم انم أحدا من تاركي الصلاة ترك غسله و الصلاة عليه و دفنه مع المسلمين و لا منع ورثته ميراثه و لا إهدار دمه بسبب ذلك مع كثرة تاركي الصلاة في كل عصر و الأمة لا تجتمع على ضلالة و قد حمل بعض أصحابنا أحاديث الرجاء على هذا الضرب
فإن قيل فالأدلة الدالة على التكفير عامة عموما مقصودا و إن حملتموها على هذه الصورة كما قيل قلت فائدتها و إدراك مقصودها الأعظم و ليس في شيء منها هذه القيود
قلنا الكفر على قسمين قسم تنبني عليه أحكام الدنيا من تحريم المناكح و الذبائح و منع التوارث و العقل و حل الدم و المال و غير ذلك فهذا إنما يثبت إذا ظهر لنا كفره إما بقول الامتناع عن الصلاة و شبه يوجب التكفر أو عمل مثل السجود للصنم وإلى غير القبلة ذلك فهذا النوع لا نرتبه على تارك الصلاة حتى يتحقق امتناعه الذي هو الترك لجواز إن يكون قد نوى القضاء فيما بعد أو له عذر و شبه ذلك

و الثاني ما يتعلق بأحكام الآخرة و الانحياز عن أمة محمد و اللحاق بأهل الكفر و نحو ذلك فهذا قد يجوز على كثير ممن يدعي الإسلام و هم المنافقون الذين أمرهم بالكتاب و السنة معلوم الذين قيل فيهم يوم يقول المنافقون و المنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا إلى قوله ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم الآية فمن لم يصل و لم ير أن يصلي قط و مات على ذلك من غير توبة فهذا تارك الصلاة مندرج في عموم الأحاديث و إن لم يظهر في الدنيا حكم كفره
و من قال من أصحابنا لا يحكم بكفره إلا بعد الدعاء و الامتناع فينبغي إن يحمل قوله على الكفر الظاهر فأما كفر المنافقين فلا يشترط له ذلك فان احمد و سائر أصحابنا لم يشترطوا لحقيقة الكفر هذا الشرط
فأما إن أخرها عن وقتها و فعلها فيما بعد فمات أو كان ممن يلزمه إن يفعلها فيما بعد فمات فهذا مع أنه فاسق من أهل الكبائر ليس بكافر كالأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت و لذلك امرنا النبي صلى الله عليه و سلم إن نصلي معهم النافلة و لذلك قال ابن مسعود الذين هم في صلاتهم ساهون أخروها حتى يخرج وقتها و لو تركوها لكانوا كفارا
و هذا الضرب كثير في المسلمين و هم من أهل الكبائر الذين ادخرت لهم

الشفاعة و ما جاء من الرجاء لمن يتهاون في الصلاة فإليهم ينصرف و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم ومن لم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد و نفي المحافظة لا ينفي الفعل بخلاف من لم فانه يكون تاركا بالكلية كما تقدم و كذلك من أخل بما يسوغ فيه الخلاف من شرائطها و أركانها
وأما من أخل بشيء من شرائطها و أركانها التي لا يسوغ فيها الخلاف فهذا بمنزلة التارك لها فيما ذكره أصحابنا كما تقدم من حديث حذيفة و لأن هذه الصلاة وجودها كعدمها في منع الاكتفاء بها فأشبه من آمن ببعض الكتاب و كفر ببعض
فأما من يترك الصلاة بعض الأوقات لا يقضيها و لا ينوي قضاءها أو يخل ببعض فرائضها و لا يقضيها و لا ينوي قضاءها فمقتضى ما ذكره كثير من أصحابنا أنه يكفر بذلك فإن دعي إليها و امتنع حكم عليه بالكفر الظاهر و إلا لحقه حكم الكفر الباطن بذلك ثم إذا صلى الأخرى صار مؤمنا كما دل على ذلك قوله من ترك صلاة العصر متعمدا حبط عمله و قوله من ترك الصلاة عمدا فقد برئت منه الذمة و لا يلزم ذلك أحكام الكفر في حقه كالمنافقين
و الأشبه في مثل هذا أنه لا يكفر بالباطن أيضا حتى يعزم على تركها بالكلية كما لم يكفر في تأخيرها عن وقتها كما تقدم من الأحاديث و لأن الفرائض تجبر يوم القيامة بالنوافل و لأنه متى عزم على بعض الصلاة فقد أتى بما هو مجرد إيمان

باب الأذان و الإقامة
الأذان مصدر أذن يؤذن تأذينا و أذانا و إيذانا و هو الإعلام الرفيع المدرك بالسمع و منه قوله تعالى ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون و قوله تعالى و آذان من الله و رسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر سمي بذلك لأن المؤذن يعلم الناس بمواقيت الصلاة و يسمى النداء من قولك ناديت فلانا إذا دعوته دعاء رفعت به الصوت لأن المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة
و الإقامة أيضا تسمى الأذان الثاني و النداء الثاني و إنما سميت إقامة لأن إقامة الصلاة تفسر فعل الصلاة من قولهم قامت الحرب و قامت السوق لأن الشيء إذا أتي به تاما كاملا فهو قائم بخلاف ما لم يقم فانه يكون ناقصا و أول ما يشرع في إقامة الصلاة إذا نوي النداء الثاني إذ الأول إعلام بالوقت و الثاني إعلام بالفعل

مسألة و هما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها للرجال دون النساء
في هذا الكلام فصول
الأول أن الأذان مشروع للصلوات الخمس بالكتاب و هو قوله تعالى و إذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا و لعبا الصلاة هنا هي الصلاة المعهودة و هي الخمس لأن الله سبحانه اخبر عن ندائهم إلى الصلاة لأنهم كانوا ينادون إلى الخمس و قد قال في الجمعة إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة و قوله سبحانه و من احسن قولا ممن دعا إلى الله و قوله تعالى و قد كانوا يدعون إلى السجود و هم سالمون و في السنة المتواترة أنه كان ينادى للصلوات الخمس على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وبإجماع الأمة و عملها المتوارث خلفا عن سلف
و أول ما شرع الأذان عن رؤيا عبد الله بن زيد كما سنذكره إن شاء الله تعالى و قد رضي ذلك و اقرهم حيث أنزل به كتابه و قال بعض العلماء كان النبي صلى الله عليه و سلم ليلة فرضت عليه الصلوات الخمس قد أمر بالأذان في السماء و أذن بعض الملائكة و لم يظهره في مكة من اجل الكفار فلما احتاجوا إليه في المدينة و كان من رؤيا عبد الله بن زيد ما كان ذكر النبي صلى الله عليه و سلم تأذين الملك فقال أنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى و روى النجاد بإسناده عن العلاء قال قلت لإبن الحنفية كنا نحدث أن الأذان رؤيا رآها رجل من الأنصار ففزع و قال عمدتهم إلى احسن دينكم فزعمتم أنه

كان رؤيا هذا و الله هو الباطل و لكن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما عرج به انتهى إلى مكان في السماء توقف و بعث الله إليه ملكا ما رآه أحد في السماء قبل ذلك اليوم علمه الأذان فقال الله اكبر قال الله صدق عبدي و أنا اكبر قال اشهد أن لا اله إلا الله قال صدق عبدي و أنا الله لا اله إلا أنا قال اشهد أن محمدا رسول الله قال صدق عبدي أنا أرسلته و اخترته قال حي على الصلاة قال صدق عبدي دعا إلى فريضتي و من أتاها محتسبا كانت كفارة لكل ذنب فلما قال حي على الفلاح قال صدق عبدي هي الفلاح و هي النجاح فلما قال قد قامت الصلاة قال صدق عبدي أنا أقمت حدودها و فريضتها قال فأم أهل السماء فتم له شرفه على جميع خلق الله و روي نحو ذلك من وجوه مسندة
و النبي صلى الله عليه و سلم هو الذي أمر بذلك و سنه و شرعه بأذن الله له إن يشرع و يسن و رؤيا صاحب النبي عليه السلام في زمانه إذا عرضها على النبي صلى الله عليه و سلم وأقرها كانت مثل رؤيا النبي صلى الله عليه و سلم في أنها حق كما إن رؤيا الأنبياء وحي لأن الله سبحانه و تعالى يبين لنبيه الحق من الباطل بما يقذفه في قلبه من نوره

الفصل الثاني
أنه لا يشرع الأذان و الإقامة إلا للصلوات الخمس فلا تشرع لعيد و لا كسوف و لا استسقاء و لا غير ذلك فأما الجمعة فإنها إما ظهر ذلك اليوم أو بدل عن الظهر أو معينة عن الظهر فآذانها هو آذان الظهر لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن يؤذن على عهده إلا للصلوات الخمس و قد نقل الناس صلواته غير الخمس إنما كانت بغير آذان ا و لا إقامة و في الصحيحين عن جابر و ابن عباس أنه لم يكن يؤذن يوم الفطر و لا يوم الأضحى و قال جابر بن سمرة صليت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم العيد مرة أو مرتين بغير آذان و لا إقامة رواه احمد و مسلم و أبو داود و الترمذي و قال حديث حسن صحيح
و كذلك نقلوا في غير العيد على ما يذكر في موضعه و لأن هذا الأذآن صار شعار الصلوات الخمس المكتوبات و الإعلام بمواقيتها و الدعاء إليها فلا يشرع لغيرها و لأن هذا الدعاء إعلام بالوقت المحدود و هذا إنما هو للمكتوبات و لأنه نداء إلى الصلاة التي تجب الإجابة إليها على الأعيان و هذا يخص الخمس
فأما النداء بغير الأذان فالسنة إن ينادى لكسوف الشمس الصلاة

جامعة لما روت عائشة رضي الله عنها قالت خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فبعث مناديا الصلاة جامعة فقام فصلى أربع ركعات في ركعتين و أربع سجدات و عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه و سلم مثل ذلك متفق عليهما
و كذلك العيد و الاستسقاء عند اكثر متأخري أصحابنا لأنها صلاة ذات ركوع و سجود يشرع لها الاجتماع و لها وقت تنفرد به فأشبهت الكسوف و أولى لأن الاجتماع لها أكد و قد روى النجاد بإسناده عن الزهري إن النبي صلى الله عليه و سلم نادى يوم عيد الصلاة جامعة و قد كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا أراد إن يجمع أصحابه لأمر يخطبهم له بعث مناديا ينادي الصلاة جامعة كما في حديث الجساسة و كما اخبرهم عن الفتن في بعض أسفاره و غير ذلك
و قال بعضهم لا يسن النداء للعيد و لا للإستسقاء و قد قال الإمام

احمد صلاة العيد ليس فيها آذان و لا إقامة هكذا السنة إذا جاء الإمام قام الناس و كبر الإمام و ظاهره موافق لهذا القول لأنه قد تكرر تعييده و قد استسقى و لم ينقل عنه فيه نداء كما نقل عنه في الكسوف مع أن صلاة الكسوف كانت اقل و لو كان ذلك معلوما من فعله لنقل كما قد نقل غيره بالروايات المشهورة و القياس هنا فاسد الوضع و الاعتبار لأنه موضوع في مقابلة النص و ذاك أن تركه صلى الله عليه و سلم سنة كما أن فعله سنة و ليست الزيادة على المسنون في المخالفة بدون نقص من المسنون و أما فساد الاعتبار فإن النداء في قوله الصلاة جامعة إنما كان ليجمع الناس و يعلمهم بأنه قد عرض أمر الكسوف فلا يلحق بهذا إذ لم يستعدوا للاجتماع له فأما العيد فيوم معلوم مجتمع له و كذلك الاستسقاء قد اعدوا له يوما فأغنى اجتماعهم له عن النداء و لم يبق للنداء فائدة إلا الإعلان بنفس الدخول في الصلاة و هذا يحصل بالتكبير و المشاهدة و لأن النبي صلى الله عليه و سلم بعث المنادي في الطرقات للكسوف الصلاة جامعة و في العيد و الاستسقاء لا يبعث مناديا ينادي في الطرقات و إنما ينادي عند اجتماعهم عند من يقول هي بمنزلة الإقامة للصلاة وهذا لا أصل له يقاس عليه لأن نداءه لصلاة الكسوف بمنزلة الأذان لا بمنزلة الإقامة
و لهذا لا يشرع النداء للجنازة لأن ذلك لم يفعله رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا أصحابه إذ لو كان لنقل لكثرة وقوع الجنائز على عهده
و كذلك أيضا لا يشرع إن ينادي للتراويح بشيء في المنصوص عنه
و قيل له الرجل يقول بين التراويح الصلاة قال لا تقل الصلاة

كرهه سعيد بن جبير و أبو قلابة و كذلك قال كثير من أصحابنا
و قال القاضي و الآمدي و غيرهما ينادى لها كذلك لأنها عبادة محضة أو ذات ركوع و سجود تسن لها الجماعة فيسن لها النداء كالكسوف
و الأول اصح حيث لم ينقل ذلك عن السلف الصالح و لا هو في معنى المنقول لأن التراويح تفعل بعد العشاء تبعا فيكفيها نداء العشاء
فأما ما لا يشرع له الاجتماع فلا يشرع فيه النداء بلا تردد

الفصل الثالث
أن النساء لا يشرع لهن آذان و لا إقامة سواء صلت المرأة منفردة أو أمت النساء لما روت أسماء بنت يزيد قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ليس على النساء آذان و لا إقامة رواه حرب في مسائله و النجاد و قال

المصنف مضت السنة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ليس على النساء آذان و لا إقامة في حضر و لا سفر و عن ابن عمر و ابن عباس قالا ليس على النساء آذان و لا إقامة رواهما حرب و عن انس مثله ذكره إن المنذر و لأن التأذين إنما شرع في الأصل بصوت رفيع و المرأة ليست أهلا لرفع الصوت فإن ذلك عورة منها و لذلك لا ترفع صوتها بالتلبية و لأنه مشروع في الأصل لصلاة الجماعة و ليس على النساء جماعة و لما أمر النبي صلى الله عليه و سلم أم ورقة إن تؤم أهل دارها جعل مؤذنا من الرجال
و لا بأس إن تؤذن نص عليه لما روى النجاد عن ابن عمر قال لا أنهى عن ذكر الله قال أصحابنا هذا إذا لم ترفع صوتها فان رفعته كره و ينبغي أنه إن كان هناك من يسمع صوتها من الرجال و الأجانب أن يحرم

وإلا فلا وهل تستحب لها الإقامة على روآيات اشهرها لا تستحب لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال المرأة لا تؤم ولا تؤذن ولا تنكح ولا تشهد النكاح ولان الإقامة في الجملة مظنة رفع الصوت فلم تستحب لها كالآذان ولأنه لم يرد به الشرع في المحل فلم تستحب كالزيادة على التلبية
والأخرى تستحب لما روي عن جابر أنه قيل له أتقيم المرأة قال نعم ذكره ابن المنذر ولأنه ذكر لله فاستحب لها كالتلبية ولان من السلف من يأمرها بالإقامة ويكره لها تركها ففي الإقامة خروج من الخلاف
والثالثة أنها تخير بين الفعل والترك قال احمد إذا فعلت فان شاءت اقتصرت على الإقامة وان شاءت أذنت وأقامت قال إذا أذن وأقمن فلا بأس وان لم يفعلن فجائز قال و سئل ابن عمر عن ذلك فغضب وقال أنا أنهي عن ذكر الله تعالى وقد روى النجاد عن

عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم ولان ذلك لم يأمر به النبي صلى الله عليه و سلم فلا يؤمر به وهو ذكر الله تعالى فلا ينهى عنه كسائر الأذكار
فأما الأذان فلا يستحب لها بل الأفضل تركه في المشهور عنه وعنه أنها تخير بين فعله وتركه

مسألة والأذان خمس عشرة جملة لا ترجيع فيه والإقامة إحدى عشرة

مسألة وينبغي إن يكون المؤذن أمينا صيتا عالما بالأوقات ويستحب إن يؤذن قائما متطهرا على موضع عال مستقبل القبلة فإذا بلغ الحيعلة التفت يمينا وشمالا ولا يزيل قدميه ويجعل إصبعيه في أذنيه ويترسل في الأذان ويحدر الإقامة

مسألة ويقول في آذان الصبح الصلاة خير من النوم مرتين بعد الحيعلة وذلك لما روي عن بلال قال امرني رسول الله صلى الله عليه و سلم أن لا أثوب إلا في الفجر رواه احمد ورواه ابن ماجة ولفظه امرني أن أثوب في الفجر ونهاني أن أثوب في العشاء والترمذي ولفظه قال لي النبي صلى الله عليه و سلم لا تثوبن في شيء من الصلاة إلا في صلاة الفجر وعن سعيد بن المسيب عن بلال أنه أتى النبي صلى الله عليه و سلم يؤذنه بصلاة الفجر فقيل له هو نائم فقال الصلاة خير من النوم مرتين فأقرت في تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك رواه ابن ماجة وقد تقدم في آذان أبي محذورة إن النبي صلى الله عليه و سلم قال له فإن كان في صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم الله اكبر الله اكبر لا اله إلا الله رواه احمد وأبو داود والنسائي والدارقطني وعن

انس بن مالك قال من السنة إذا قال المؤذن في صلاة الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم الله اكبر الله اكبر لا اله إلا الله وفي رواية كان التثويب في صلاة الفجر إذا قال المؤذن حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم رواه سعيد وحرب وابن المنذر والدارقطني وقال عمر لمؤذنه إذا بلغت حي على الفلاح في الفجر فقل الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم رواه الدارقطني ورواه الشافعي في القديم عن علي مثل ذلك ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك وهذا لأن الصبح مظنة نوم الناس في وقتها فاستحب زيادة ذلك فيها بخلاف سائر الصلوات وسواء أذن مغلسا أو مسفرا لأنه مظنة في الجملة
فأما التثويب في غيرها أو التثويب بين الندائين مثل إن يقول إذا

استبطأ الناس حي على الصلاة حي على الفلاح أو الصلاة خير من النوم في الفجر أو غيرها أو يقول الصلاة الإقامة أو الصلاة رحمكم الله عند الإقامة أو بين النداءين فمكروه سواء قصد ذلك نداء الأمراء أو نداء أهل السوق أو غير ذلك لما روي عن ابن عمر أنه نزل الكوفة في بعض الأحياء فنودي بالصبح في مسجد أولئك الحي فخرج إليهم ليصلي معهم فلما ثوبوا قال أليس قد نودي للصلاة قالوا بلى قال فما يقول هذا قالوا إن هذا شيء يصنعونه عند ضوء الصبح إذا أضاء لهم فقال إن هؤلاء قد ابتدعوا لا نصلي معهم فانصرف إلى منزله فصلى فيه رواه سعيد وعن أبي العالية قال كنا مع ابن عمر في سفر ونزلنا بذي المجاز على ماء لبعض العرب فحضرت الصلاة فأذن مؤذن ابن عمر ثم أقام الصلاة فقام رجل فعلا على رحل من رحالات القوم ثم نادى بأعلى صوته الصلاة يا أهل الماء الصلاة فجعل ابن عمر يسبح في صلاته حتى إذا قضت الصلاة قال ابن عمر من الصائح بالصلاة قالوا أبو عامر يا أبا عبد الرحمن فقال له ابن عمر لا صليت ولا تليت أي شيطانك أمرك بهذا أما كان في الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم والصالحين ما أغنى عن بدعتك هذه إن الناس لا يحدثون بدعة وان رأوها حسنة إلا أماتوا سنة فقال رجل من القوم إنه ما أراد إلا خيرا يا أبا عبد الرحمن فقال ابن عمر لو أراد خيرا ما رغب بنفسه عن سنة نبيه والصالحين من عباده رواه ابن بطة في جزء

صنفه في الرد على من صاح عند الأذان الصلاة الإقامة وعن مجاهد قال كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر فقال اخرج بنا فإن هذه بدعة رواه أبو داود في سننه وعن مجاهد قال لما قدم عمر مكة فأذن أبو محذورة ثم أتى عمر فقال الصلاة يا أمير المؤمنين حي على الصلاة حي على الفلاح قال عمر أما كان في دعائك الذي دعوتنا إليه أولا ما كفاك حتى تأتينا ببدعة تحدثها لنا رواه سعيد وابن بطة وهذا كله إذا كانوا قد سمعوا النداء الأول فأن لم يكن الإمام أو البعيد من الجيران قد سمع النداء الأول فلا ينبغي إن يكره تنبيهه لما تقدم عن بلال أنه أتى النبي صلى الله عليه و سلم ليؤذنه بصلاة الفجر بعد الأذان فقيل أنه نائم فقال الصلاة خير من النوم قال ابن عقيل فان تأخر الإمام الأعظم أو إمام الحي أو أماثل الجيران فلا بأس إن يمضي إليه منبه يقول له قد حضرت الصلاة لأن النبي صلى الله عليه و سلم قصده بلال ليؤذنه بالصلاة وهو مريض فقال مروا أبا بكر إن يصلي بالناس وذكر احتمال إن نداء الأمراء ليس ببدعة

لأنه فعل على عهد معاوية و لعله اقتدى به في ذلك في حديث بلال لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم إن بلالا ينادي بليل فكلوا و اشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم
فأما قصد الإمام لاستئذانه في الإقامة فلا بأس به لأن بلالا كان يجيء إلى النبي صلى الله عليه و سلم يستأذنه في الإقامة لأن الإمام املك في الإقامة

فصل
و يكره إن يوصل الأذان بذكر قبله مثل قراءة بعض المؤذنين قبل الأذان و قل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا الآية و قول بعض من يقيم الصلاة اللهم صل على محمد و على آل محمد و نحو ذلك لأن هذا محدث و كل بدعة ضلالة لا سيما و هو تغيير للشعار المشروع و كذلك إن وصله بذكر بعده

مسألة و لا يؤذن قبل الوقت إلا لها لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم إن بلالا يؤذن بليل فكلوا و اشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم
أما غير صلاة الفجر فلا يجوز و لا يجزىء الأذان لها إلا بعد دخول الوقت فإن أذن قبله أعاد إذا دخل الوقت لأن المقصود بالأذان الإعلام بدخول الوقت و دعاء الناس إلى الصلاة و هذا لا يكون إلا في الوقت و لأن الأذان معتبر للصلاة فلا بد من حصوله في وقتها كسائر أسبابها من الشرائط و الأركان فإن الشرط و إن جاز فعله قبل الوقت فلا بد من بقائه حكما إلى آخر الصلاة و الأذان لا يبقى
و يستحب إن يكون الأذان في أول الوقت لما روي جابر بن سمرة قال كان بلال يؤذن إذا زالت الشمس لا يخرم ثم لا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه و سلم فإذا خرج أقام حين يراه رواه احمد و مسلم و أبو داود و النسائي
و أما الفجر فيجوز الأذان لها قبل وقتها لما روي ابن عمر و عائشة رضي الله عنهم إن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن بلالا يؤذن بليل فكلوا و اشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم متفق عليهما و في رواية للبخاري فانه لا يؤذن حتى يطلع الفجر و عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم

لا يمنعكم من سحوركم آذان بلال و لا الفجر المستطيل و لكن الفجر المستطير في الأفق رواه الجماعة إلا البخاري و ابن ماجة و عن عبد الله ابن مسعود إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا يمنعن أحدكم آذان بلال من سحوره فانه يؤذن أو قال ينادي بليل ليرجع قائمكم و يوقظ نائمكم رواه الجماعة إلا البخاري و الترمذي فقد نبه صلى الله عليه و سلم على حكمة تقديم الأذان في الفجر و ذلك لأن آخر الليل مظنة نوم النائم و قيام القائم للصلاة فإذا أذن قبل الفجر استيقظ النائم و تأهب للصلاة بالتخلي و التطهر و اللباس ليتمكن من الصلاة في أول الوقت و لذلك خصت بالتثويب فيها بخلاف سائر الصلوات فان الناس عند النداء بها يكونون إيقاظا و أهبة للصلاة إذ ذاك فكانت خفيفة على أكثرهم و أما القائم فانه يعلم دنو الفجر فيبادر الفجر بالوتر

فصل
و يستحب الأذان قبل الفجر لما تقدم و يستحب إن يكون مؤذنان أحدهما يؤذن قبل الفجر و الآخر بعده كما كان النبي صلى الله عليه و سلم و ليحصل الإعلام بدخول الوقت فان أذن المؤذن مرتين فقال الآمدي هو مستحب أيضا كالمؤذنين و إن أذن واحد جاز لما روى الحارث بن زياد الصدائي قال لما كان آذان الصبح امرني النبي صلى الله عليه و سلم فناديت فجعلت أقول أقيم أقيم يا رسول الله فجعل ينظر إلى ناحية المشرق فيقول لا حتى إذا طلع الفجر نزل فتبرز ثم انصرف إلي و قد تلاحق أصحابه فتوضأ فأراد بلال إن يقيم فقال النبي صلى الله عليه و سلم إن أخا صداء قد أذن و من أذن فهو يقيم قال فأمت رواه أبو داود و الترمذي و ابن ماجة
و يستحب أن يكون التأذين قريب الفجر ليحصل المقصود و هو إيقاظ النائم و رجع القائم فإنه لا يقصد قبل ذلك و في الصحيحين أنه لم يكن بين آذان بلال و ابن أم مكتوم إلا إن ينزل هذا و يرقى هذا

و يستحب إن يكون الأذان في وقت واحد لأنه إذا قدم تارة و آخر أخرى اضطرب على الناس أمر الوقت و لم ينتفع بآذانه بل قد يتضرر به فأشبه من عادته الأذان أول الوقت فأذن في أثنائه و على ذلك ما حمل بعض أصحابنا ما روى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر إن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه و سلم إن يرجع فينادي إلا إن العبد نام فرجع فنادى إلا إن العبد نام رواه أبو داود و قال الترمذي هو غير محظوظ وقال الدارقطني الصواب عن نافع عن ابن عمر أن مؤذنا لعمر أذن قبل الصبح فأمره إن يرجع فينادي و كذلك ما روى شداد مولى عياض بن عامر عن بلال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا و مد يديه عرضا رواه أبو داود و قال هو منقطع لأن شدادا لم يدرك بلالا فان صحا حملا على نوبة بلال فإنه كان تارة يؤذن قبل أبي محذورة و تارة بعده كذلك رواه احمد و النسائي عن حبيب بن عبد الرحمن عن عمته و كانت حجت مع النبي صلى الله عليه و سلم قالت كان النبي صلى الله عليه و سلم

يقول إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا و اشربوا حتى ينادي بلال
و روى احمد عن عائشة قالت كان لرسول الله صلى الله عليه و سلم مؤذنان بلال و عمرو بن أم مكتوم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أذن عمرو فكلوا و اشربوا فإنه رجل ضرير و إذا أذن بلال فارفعوا أيديكم فان بلالا لا يؤذن حتى يصبح قال ابن خزيمة إن الأذان كان نوبا بين بلال و ابن أم مكتوم فكان يتقدم بلال و يتأخر عمرو و يتقدم عمرو و يتأخر بلال
فأما في شهر رمضان فقد كره الإمام احمد الأذان قبل طلوع الفجر قال لأنه يمنع الناس من السحور يعني إذا لم يكن مؤذنان كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فانه لا بأس به حينئذ و الكراهة المطلقة من الإمام تحمل على التحريم أو التنزيه فيه وجهان
و ذكر الآمدي في جواز الأذان في رمضان قبل الفجر روايتين
إحداهما لا يجوز لما فيه من منع الناس من السحور المشروع

و تحريم ما أباح الله لهم
و الثانية يجوز لأنه إذا علم أنه يؤذن قبل الوقت لم يقلد في ذلك

فصل
و ليس عن احمد نص في أول الوقت الذي يجوز فيه التأذين إلا أن أصحابنا قالوا يجوز بعد منتصف الليل كما تجوز الإفاضة من مزدلفة و رمي الجمرة و الطواف و حلق الرأس بعد ذلك قالوا لأن النصف الثاني هو التابع لليوم الثاني بخلاف الأول و لأنه حينئذ يكون قد ذهب معظم الليل فيشبه ذهاب جميعه و لأن النصف الأول وقت للعشاء في حال الاختيار فلو جاز الأذان فيه لاشتبه على السامع الأذانان و على هذا فينبغي أن يكون الليل الذي يعتبر نصفه أوله غروب الشمس و آخره طلوعها كما لو كان النهار المعتبر نصفه أوله طلوع الشمس و آخره غروبها لانقسام الزمان إلى ليل و نهار و إن كان في غير التنصيف يكون آخر الليل طلوع الفجر و هو أول النهار و لعل قول النبي صلى الله عليه و سلم في أحد الحديثين ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يعني الليل الذي ينتهي بطلوع

الفجر و في الآخر حين يمضي نصف الليل يعني الليل الذي ينتهي بطلوع الشمس فإنه إذا انتصف الليل الشمسي يكون قد بقي ثلث الليل الفجري تقريبا و لو قيل تحديد وقت إلى نصف الليل تارة و إلى ثلثه أخرى من هذا الباب و أنه إذا مضى ثلث الليل الشمسي فقد قارب مضي نصف الليل الفجري لكان متوجها

مسألة قال النبي صلى الله عليه و سلم إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول هذا الحديث أخرجه الجماعة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فانه من صلى علي صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وارجوا أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قال المؤذن الله اكبر الله اكبر فقال أحدكم الله اكبر الله اكبر ثم قال اشهد أن لا اله إلا الله قال اشهد أن لا اله إلا الله ثم قال اشهد أن محمدا رسول الله قال اشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله اكبر الله اكبر ثم قال لا اله إلا الله من قلبه دخل الجنة رواه احمد ومسلم وأبو داود وعن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم

أن بلالا اخذ في الإقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه و سلم أقامها الله وأدامها وقال في سائر الإقامة بنحو حديث عمر في الأذان رواه أبو داود وجاء ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم من حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص وابنه وأبي رافع ومعاوية وغيرهم وعن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال من قال حين يسمع المؤذن وأنا اشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه رواه الجماعة إلا احمد والبخاري

وهذا الذكر مستحب استحبابا مؤكدا لأن النبي صلى الله عليه و سلم أمر به واقل أحوال الأمر الاستحباب حتى إنه إذا سمعه لم يشتغل عنه بصلاة نافلة من تحية مسجد ولا سنة راتبة ولا غيرها بل إذا دخل المسجد وسمع المؤذن بدأ بإجابته قبل التحية نص عليه
ويستحب أن لا يقوم إذا اخذ المؤذن في الأذان لسبب آخر وهو أن الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ففي التحرك عند سماع النداء تشبه بالشيطان قال احمد رحمه الله في الرجل يقوم فيتطوع إذا أذن المؤذن فقال لا يقوم أول ما يبدأ ويصبر قليلا وقال أيضا يستحب له أن يكون ركوعه بعدما يفرغ أو يقرب من الفراغ لأنه يقال إن الشيطان يدبر حين يسمع النداء وعلى هذا فيستحب لمن كان قاعدا أن لا يقوم عند سماع الأذان سواء أجابه في حال قيامه ومشية أم لم يجبه وان سمعه وهو في قراءة أو دعاء قطع لأن إجابة المؤذن تفوت فان كان في صلاة لم يقله لأن في الصلاة لشغلا ولهذا لا يستحب له أن يؤمن على دعاء غيره ولا أن يصلي على النبي صلى الله عليه و سلم عند ذكره وهو في الصلاة ويقوله إذا فرغ من الصلاة ذكره القاضي وكلام غيره يقتضي أنه لا يستحب لأنه سنة فات محلها فأشبه صلاة الكسوف بعد التجلي وتحية المسجد بعد الخروج منه ولأنه ذكر معلق بسبب فلم يشرع بعد انقضاء السبب كالذكر المشروع عند دخول المسجد والخروج منه والأكل والشرب والخلاء ودعاء الاستفتاح والاستعاذة وغير ذلك فان قاله في الصلاة لم

تبطل لأنه ذكر لله إلا أن يقول حي على الصلاة حي على الفلاح فإنها تبطل لأنه خطاب لآدمي و لهذا كان المسنون أن يقول كما يقول المؤذن إلا في الحيعلة فإنه يقول لا حول و لا قوة إلا بالله كما جاء مفسرا في رواية عمر و غيره نص عليه
و استحب بعض أصحابنا إن يجمع بين ذلك و بين الحيعلة أخذا بظاهر القول فقولوا مثل ما يقول مع أمره بالحوقلة
و الصحيح الأول لأن الروآيات المفسرة من أمره و قوله تبين الرواية المطلقة و لأن كلمات الأذان كلها ذكر لله سبحانه فاستحب ذكر الله سبحانه عند ذلك
أما الحيعلة فإنها دعاء للناس إلى الصلاة و سامع المؤذن لا يدعو أحدا فلم يستحب أن يتكلم بما لا فائدة فيه لكن لما كان هو من جملة المدعوين شرع له أن يقول ما يستعين به على أداء ما دعي إليه و هو لا حول و لا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة و بها يقتدر الإنسان على كل فعل إذ معناها خالق الأعمال و القوي عليها فجمعت جميع الحركات و القدرة التي بها تكون الحركات في السماوات و الأرض
و قيل لا حول عن معصية الله إلا بمعونة الله و لا قوة على طاعة الله إلا

بتوفيق الله و المعنى الأول اجمع و أشبه
قال بعض أصحابنا و يقول إذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم صدقت و بررت أو نحو هذا
و قد قال احمد بن ملاعب سمعت أبا عبد الله ما لا أحصيه و كان يكون هو المؤذن فإذا قال الله اكبر الله اكبر قال قليلا الله اكبر الله اكبر إلى آخر الآذان قال أصحابنا فيستحب للمؤذن إن يقول سرا مثل ما يقول علانية و قوله صلى الله عليه و سلم إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول كقوله إذا قال الإمام و لا الضالين فقولوا آمين و قوله إذا قال سمع الله لمن حمده ربنا و لك الحمد و هذا لأنه ذكر يقتضي جوابا فاستحب له إن يجيب نفسه كما استحب لغيره إن يجيبه كالتأمين و التحميد و لأنه بذلك يجمع له بين اجرين بذكر الله سرا و علانية و لأن السر ذكر محض بخلاف العلانية فإنه يقصد به الإعلام و لأنه يستحب أن يفصل بين كلمات الأذان فاستحب له أن يشغلها بذكر الله سبحانه
والاستحباب في حق غيره أوكد وبكل حال فهو مستحب حتى لو تركه أو اشتغل عنه بصلاة أو قراءة لم يكن عليه شيء نص عليه و قال أيضا إذا دخل المسجد و المؤذن يؤذن استحب له أن يقول مثل ما يقول

المؤذن و إن لم يقل و افتتح الصلاة فلا بأس و قال الآمدي يكره أن يشرع في النافلة إذا سمع التأذين
و المستحب أن يقول مثل ما يقول المؤذن كلمة كلمة فلا يسبقه بالقول كما في حديث عمر و غيره و لقوله عليه السلام إذا سمعتم المؤذن فقولو مثل ما يقول و لأنه بذلك يحصل له اجر استماع الأذان و موافقة المؤذن
قال أصحابنا و يستحب إذا سمع الإقامة إن يقول مثل ما يقول المؤذن لما تقدم فإذا قال المؤذن قد قامت الصلاة قال أقامها الله و أدامها
فأما المنادي بالإقامة فلا يستحب له إن يقول سرا ما يقول علانية لأن الإقامة تحدر و لا يحصل بينها سكوت
و إذا أقيمت الصلاة و هو قائم فيستحب له إن يجلس و إن لم يكن صلى تحية المسجد قال ابن منصور رأيت أبا عبد الله احمد يخرج عند المغرب فحين انتهى إلى موضع الصف اخذ المؤذن في الإقامة فجلس لما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه و سلم جاء و بلال في الإقامة فقعد رواه الخلال و رواه أبو حفص و لفظه دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم و بلال يؤذن فجلس و لأن القيام قبل الشروع في الصلاة غير مشروع و تحية المسجد قد سقطت بالإقامة فإنها إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت

فصل
و يستحب إن يدعو إذا فرغ من الأذان و الإقامة نص عليه و كان إذا أقيمت الصلاة رفع بكفيه و جعل يدعو لما روى سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ثنتان لا تردان الدعاء عند النداء و عند البأس حين يلحم بعضهم بعضا رواه أبو داود و عن عبد الله بن عمرو إن رجلا قال يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه رواه أحمد وأبو داود و عن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة قالوا فما نقول يا رسول الله قال سلوا الله العافية في الدنيا و الآخرة رواه احمد و الترمذي و أبو داود و هذا لفظه و عن أم سلمة قالت علمني رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أقول عند

آذان المغرب اللهم هذا إقبال ليلك و إدبار نهارك و أصوات دعاتك فاغفر لي رواه أبو داود
و ينبغي إن يقدم إمام الدعاء لنفسه الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم بل ينبغي إن يقرن ذلك بإجابة المؤذن و إن لم يدع لنفسه كما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو و لما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة و الفضيلة و ابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة رواه الجماعة إلا مسلما زاد بعض أصحابنا و اسقنا بكأسه من حوضه مشربا هنيئا سائغا رويا غير خزايا و لا ناكثين برحمتك

فصل
السنة إن يقيم من أذن لما روى زياد بن الحارث الصدائي قال كنت

مع النبي صلى الله عليه و سلم فأمرني فأذنت فأراد بلال إن يقيم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أخا صداء أذن و من أذن فهو يقيم رواه الخمسة إلا النسائي و لولا إن السنة إن يتولاهما رجل واحد لم يمنع المؤذن الراتب من حقه و هو الإقامة لما حضر و عن عبد العزيز بن رفيع قال رأيت أبا محذورة جاء و قد أذن أنسان قبله فأذن ثم أقام رواه أبو حفص و احتج به احمد و لولا إن ذلك سنة عندهم لاكتفى بتأذين الرجل و لأن ذلك اقرب إلى إن يعلم الناس إن الثاني إقامة و ليس بأذان آخر و لأنهما فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة فكانت السنة أن يتولاهما واحد كالخطبتين
فان أذن غير المؤذن الراتب فإما أن يقيم من أذن كما فعل زياد أو يعيد الراتب الأذان كما صنع أبو محذورة
فان أقام غير من أذن كره نص عليه و اجزأ لأن المقصود قد حصل
و لو تناوب اثنان على آذان واحد فقال هذا كلمة و هذا كلمة أو بنى الرجل على آذان غيره لم يجز لعذر و لا لغيره بل لا بد من آذان رجل واحد و إن جوزنا الخطبة من اثنين لأنه ذكر واحد يختلف مقصوده باختلاف الأصوات بخلاف الخطبة

و لا يقيم إلا بإذن الإمام فإن أمر الصلاة إليه قال علي رضي الله عنه المؤذن املك بالأذان و الإمام املك بالإقامة رواه سعيد و أبو حفص
و السنة إن يكون الأذان و الإقامة في موضع واحد فإذا أذن في مكان استحب إن يقيم فيه لا في الموضع الذي يصلي فيه لما احتج به الإمام احمد رحمه الله عن بلال رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله لا تسبقني بآمين رواه احمد و أبو داود و قال اسحق بن راهويه و كذلك أبو هريرة و غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قالوا لأئمتهم و لو كانت الإقامة موضع الصلاة لم يخشوا إن يسبقوا بآمين فعلم إن الإقامة كانت حيث يسمعها الغائبون عن المسجد إما موضع الأذان أو قريبا منه و كذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة و عليكم بالسكينة متفق عليه و قد تقدم قول ابن عمر رضي الله عنه كنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة و لأن الإقامة أحد الندائين فاستحب

أسماعها للغائبين كالآذان و لأن المقصود بها الإعلام بفعل الصلاة لمنتظرها في المسجد و غيره فان شقت الإقامة قريبا من موضع الأذان بأن يكون الأذان في المنارة أو في موضع بعيد من المسجد فانه يقيم في غيره بحيث يعلم الغائبين أيضا لما روى عبد الله بن شقيق قال الأذان في المنارة و الإقامة في المسجد و قال هي السنة رواه سعيد
فصل
و إذا أذن قريبا من المسجد جاز و إن كان بينهما طريق كما يجوز الأذان في منارة المسجد كما تقدم من حديث بلال أنه كان يؤذن على سطح امرأة من الأنصار
و إن أذن في مكان بعيد من المسجد فقال احمد معاذ الله ما سمعنا إن أحدا يفعل هذا لأن المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة فلا بد أن يكون نداؤه قريبا من موضع الصلاة ليقصده الناس
فأما إن أذن لغير المسجد بل للإعلام بالوقت فلا بأس بذلك بكل موضع

فصل
و لا يصح الأذان إلا مرتبا متواليا على ما جاءت به السنة لأنه ذكر مجموع فوجب إن يؤتى به على وجهه كقراءة الفاتحة و لأنه بدون ذلك يختل المقصود به من الإعلام و الدعاء فإن نكسه لم يصح بحال
و إن فرق بين كلماته بسكوت يسير أو كلام يسير مباح لم يقطعه لكنه إن كان لغير حاجة كره و هو في الإقامة أشد كراهة من الأذان
و إن كان لحاجة مثل إن يرد على من سلم عليه أو يأمر بعض أهله بحاجة أو يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر بكلام قليل لم يكره لما ذكره الإمام احمد عن سليمان بن صرد و كانت له صحبة أنه كان يأمر غلامه بالحاجة و هو يؤذن و أمر ابن عباس مؤذنه إن يقول في يوم مطير بعد قوله حي على الفلاح إلا صلوا في الرحال متفق عليه و لأن ذلك لا يخل بمقصود الأذان و به إليه حاجة فأشبه العمل اليسير في الصلاة
و عنه إن ذلك يكره مطلقا
و على الروايتين فالأفضل إن لا يتكلم برد سلام في الأذان و لا غيره
فأما الإقامة فلا يتكلم فيها لأن السنة حدرها و الكلام يقطع ذلك

فأما إن طال الكلام أو السكوت استأنف لأن ذلك يخل بمقصود الإعلام فأشبه التنكيس
و إن فصل بينه بكلام يسير محرم كالسب و القذف فهل يبطل على وجهين و من أصحابنا من يحكيها على روايتين
إحداهما يبطل قال الآمدي و هو الصحيح لأنه ذكر محض مجموع و الكلام المحرم مناف له و ربما ظن متلاعبا لا مؤذنا إذا خلط الحق بالباطل
و في الأخرى لا يبطل لأنها عبادة لا تبطل بالكلام المباح فكذلك بالمحرم كالصوم و الحج
فأم الكلام بين الأذانين فلا يكره لأن الفصل بينهما مشروع بعمل أو جلوس و الكلام من جملة الفواصل
و لو ارتد في أثناء الأذان بطل لأنها عبادة واحدة فبطلت بالردة في أثنائها كسائر العبادات فلو عاد إلى الإسلام في الحال استأنف
و لو جن أو نام أو أغمى عليه ثم أفاق في الحال بنى لأنه لم يخرج عن كونه من أهل العبادة
و قال الآمدي إذا أغمى عليه بطل الأذان كما يبطل بالكلام الكثير
و لو ارتد بعد الأذان ففيه وجهان
أحدهما يبطل قاله القاضي و الآمدي و غيرهما كما تبطل الطهارة بالردة و هذا إذا كانت الردة بين الأذان و الصلاة فأما إن كانت بعد الصلاة

لم يبطل حكم الأذان قولا واحدا و كذلك إن كان بعد الشروع في الصلاة
و الثاني لا يبطل و إن استمر على ردته و هو اصح قاله طائفة من أصحابنا لأنها عبادة قد انقضت فلم تبطل بالردة كسائر العبادات بخلاف الطهارة فان حكمها باق و لأنه لا يبطل بعد فراغه شيء من المبطلات فلم تبطل بالردة كالصلاة وأولى و عكسه الطهارة و هذا لأن إحباط العمل لا يلزم منه بطلانه كما تقدم في الطهارة
فصل
يستحب أن يفصل بين الأذان و الإقامة للمغرب بجلسة بقدر ركعتين قال في رواية المروذي بين الأذانين جلسة في المغرب وحدها لأن في حديث الأنصاري الذي رأى الأذان رأيت رجلا كان عليه ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها رواه احمد وأبو داود و في رواية قال رأيت الذي أذن في المنام أذن المغرب و قعد بين الأذان و الإقامة قعدة رواه حرب و عن أبي بن كعب قال قال

رسول الله صلى الله عليه و سلم يا بلال اجعل بين أذانك و إقامتك نفسا يفرغ الأكل من أكل طعامه في مهل و يقضي المتوضىء حاجته في مهل رواه عبد الله بن احمد في المسند قال اسحق بن راهويه لا بد من القعدة في الصلوات كلها حتى في المغرب لما صح عن بلال حيث علمه النبي صلى الله عليه و سلم الأذان فأمره إن ينتظر بين الأذان و الإقامة قدر ما يستيقظ النائم و ينتشر المنتشر للصلاة فأذن مثنى مثنى و أقام مرة مرة و قعد قعدة و عن مجاهد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أذن المؤذن فلا يقيم حتى يجلس
و عن ابن عباس قال ينتظر المؤذن في الصلاة كلها بين الأذان و الإقامة قدر ما يغتسل الرجل و في المغرب قدر ما يتوضأ رواه الشالنجي و إنما قدرها الإمام أحمد بركعتين لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا يصلون بين الأذانين للمغرب ركعتين و قد قال صلى الله عليه و سلم بين كل أذانين صلاة و لأنه بالفصل يتأهب إلى الصلاة من ليس على أهبة و يصلي من يريد الصلاة و يدرك اكثر الجماعة حد الصلاة و هو تكبيرة الإحرام و يدركون التأمين

و ذلك مقصود للشارع و فيه اجر عظيم جاءت به الأحاديث
و أما القعود فليفصل بين الأذانين و ليكون قائما إلى الإقامة قياما مبتدأ و لأنهما فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة يفصل بينهما بجلسة كالخطبتين و إنما خصت المغرب بذلك لضيق وقتها و كراهة تأخيرها
فأما سائر الصلوات فالفصل بين الصلاتين يحصل بأسباب أخرى من الصلاة و غيرها
فإن تأخرت الجماعة اكثر من قدر ركعتين استحب له انتظارهم ما لم يخف خروج الوقت قال مهنا سألت احمد عن إمام أذن لصلاة المغرب فرأى أن ينتظر القوم إلى إن يتوضأ ما لم يخف فوت الوقت
و عنه أنه إنما استحب انتظارهم بالقدر المتقدم قال في رواية حنبل ينبغي للمؤذن إذا أذن إن لا يعجل بالإقامة و يلبث حتى يأتيه أهل المسجد و يقضي المعتصر حاجته يجعل بين آذانه و إقامته نفسا و هذا أشبه بالروايتين
و فيما إذا أسفر الجيران يغلس أو يسفر على روايتين
و لو أذن ثم خرج من المسجد أو ذهب إلى منزله لحاجة مثل أن يتوضأ لم يكره و إن كان لغير حاجة كره لأن الخروج من المسجد بعد الأذان منهي عنه لغير المؤذن فالمؤذن أشد إلا أن يكون التأذين للفجر قبل الوقت فلا يكره الخروج نص على ذلك كله لأن وقت الصلاة لم يدخل و لا تجب

الإجابة إليها ألا بعد الوقت

فصل
الأذان من افضل الأعمال فانه ذكر الله على وجه الجهر و يفتح أبواب به السماء و تهرب منه الشياطين و تطمئن به القلوب و هو إظهار لشعار الإسلام و أعلام للناس بوقت الصلاة و دعاء إليها و مراعاة الشمس و القمر و الظلال لذكر الله قال الإمام احمد الأذان احب إلي من الإمامة لأن الإمام ضامن لصلاة من خلفه و المؤذن يغفر له مد صوته و هذا اختيار اكثر أصحابنا
و روي عنه أن الإمامة افضل و هذا اختيار أبي عبد الله ابن حامد و أبي الفرج ابن الجوزي لأن الإمامة تولاها صلى الله عليه و سلم هو بنفسه و كذلك خلفاؤه الراشدون و وكلوا الأذان إلى غيرهم و كذلك ما زال يتولاها أفاضل المسلمين علما و عملا و لأن الإمامة يعتبر لها من صفات الكمال اكثر مما يعتبر للأذان و لأن الإمامة واجبة في كل جماعة و الأذان إنما يجب مرة في المصر و قد روي عن داود بن أبي هند قال حدثت أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال مرني بعمل اعمله قال كن إمام قومك قال فان لم اقدر قال

فكن مؤذنهم رواه سعيد
و الأول اصح لما تقدم من قوله صلى الله عليه و سلم الإمام ضامن و المؤذن مؤتمن اللهم ارشد الأئمة و اغفر للمؤذنين و منزلة الأمانة فوق منزلة الضمان و المدعو له بالمغفرة افضل من المدعو له بالرشد لأن المغفرة نهاية الخير و لهذا أمر الله رسول الله صلى الله عليه و سلم بالاستغفار بقوله إذا جاء نصر الله و الفتح و قد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و كان ذلك خصوصا خصه به دون سائر الأنبياء و ندب قوام الليل إلى الاستغفار بالأسحار و الرشد مبتدأ الخير فإنه من لم يرشد يكن غاويا و الغاوي المتبع للشهوات المضيع للصلوات و لأن الأذان له خصائص لا توجد في الإمامة
منها أنه يغفر له مد صوته
و أنه يستغفر له كل رطب و يابس
و أنه لا يسمع صوت المؤذن جن و لا انس و لا شيء ألا شهد له يوم القيامة و قد تقدم ذلك و عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لو يعلم الناس ما في النداء و الصف الأول ثم لا يجدوا ألا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه متفق عليه و عن معاوية أن النبي صلى الله عليه و سلم قال المؤذنون

أطول الناس أعناقا يوم القيامة رواه احمد و مسلم و عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه و سلم قال المؤذن يغفر له مد صوته و يصدقه من يسمعه من رطب و يابس و له مثل اجر من صلى معه رواه احمد و النسائي و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من أذن محتسبا سبع سنين كتبت له براءة من النار و عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من أذن اثنتي عشرة سنة و جبت له الجنة و كتب له بتأذينه كل يوم ستون حسنة و في كل إقامة ثلاثون حسنة رواهما ابن ماجة و لم يجىء في فضل الإمامة مثل هذا و لأن الإمامة من باب الإمامة و الولاية إذ هي الإمامة الصغرى و لذلك قال عثمان لابن عمر اقض بين الناس فاستعفاه و قال لا اقضي بين اثنين و لا أؤم رجلين رواه احمد و هي فتنة لما فيها من الشرف و الرئاسة حتى ربما كان طلبها مثل طلب الولآيات و الإمارات الذي هو من إرادة العلو في الأرض و هذا مضر بالدين و قد روى كعب بن مالك عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص

المرء على المال و الشرف لدينه قال الترمذي حديث حسن صحيح و لأنه يخاف على صاحبها انتفاخه بذلك و اختياله و أن يفتن باشتهاره و لذلك صلى حذيفة بن اليمان مرة إماما ثم قال لتصلن وحدانا أو لتلتمسن لكم إماما غيري فإني لما أممتكم خيل إلي أنه ليس فيكم مثلي و قيل لمحمد بن سيرين في بعض المرات ألا تؤم أصحابك فقال كرهت أن يتفرقوا فيقولوا أمنا محمد بن سيرين و لأن الإمام يتحمل صلاة المأمومين الذي دل عليه حديث الضمان و الأذان سليم من هذه المخاوف كلها بل ربما زهد الشيطان فيه و ثبط عنه حتى يفوض إلى أطراف الناس و لذلك قال عمر رضي الله عنه لبعض العرب من يؤذن لكم قالوا عبيدنا قال ذلك شر لكم و أما إمامته صلى الله عليه و سلم و إمامة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فمثل الإمارة و القضاء و ذلك أن الولايات و أن كانت خطرة لكن إذا أقيم أمر الله فيها لم يعدلها شيء من الأعمال و إنما يهاب الدخول فيها أولا خشية أن لا يقام أمر الله فيها لكثرة نوائبها و خشية أن يفتن القلب بالولاية لما فيها من الشرف و العز و يكره طلبها لأنه من حب الشرف و إرادة العلو في الأرض يكون في الغالب و لأنه تعرض للمحنة و البلوى فإذا ابتلي المرء بها صار القيام بها فرضا عليه و كذلك إذا تعينت عليه فإمامته و إمامة الخلفاء الراشدين كانت متعينة عليهم فإنها

وظيفة الإمام الأعظم و لم يمكن الجمع بينها و بين الأذان فصارت الإمامة في حقهم افضل من الأذان لخصوص أحوالهم و إن كان لأكثر الناس الأذان افضل و لهذا قال عمر رضي الله عنه لولا الخليفي لأذنت رواه سعيد و هذا كالإمارة نفسها و كما أن مقامهم بالمدينة لكونها دار هجرتهم كان افضل من مقامهم بمكة بل كان يحرم عليهم استيطان مكة و هذا الوصف مفقود في غيرهم و كذلك صوم يوم وفطر يوم هو افضل الصيام و كان النبي صلى الله عليه و سلم يصوم غيره لأنه كان يضعفه عما هو افضل منه فصار قلة الصوم في حقه افضل و نظائر هذا كثيرة نعم نظير هذا أن يكون في القوم رجل لا يصلح للإمامة ألا هو و هو أحقهم بالإمامة و من يصلح للأذان كثير فتكون إمامته بهم إذا قصد وجه الله بها و إقامته هذا الفرض و اتقى الله فيها افضل لما ذكرناه و على هذا يحمل حديث داود بن أبي هند و قد روى عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة عبد أدى حق الله و حق مواليه و رجل أم قوما و هم به راضون و رجل ينادي بالصلوات الخمس في كل يوم و ليلة رواه الترمذي و قال حديث حسن غريب

فصل
و إذا تشاح نفسان في الأذان قدم أكملهما في الخصال المطلوبة في المؤذن و هي الصوت و الأمانة و العلم بالأوقات بأن يكون أندى صوتا أو اعلم بالأوقات و يقدم أكملهما في عقله و دينه لما تقدم فان استويا في ذلك قدم اعمرهما للمسجد و أكثرهما مراعاة له و أقدمهما تأذينا فيه
و لا يقدم أحدهما بكون أبيه كان هو المؤذن فان استويا في ذلك قدم من يرتضيه الجيران أو أكثرهم فان انقسموا طائفتين متساويتين أو لم يختاروا أحدهما أو لم يكن للمسجد جيران اقرع بينهما لقوله لو يعلم الناس ما في النداء و الصف الأول ثم لم يجدوا ألا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه و لأن الناس تشاحوا في الأذان بالقادسية فاقرع بينهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ذكره الإمام احمد و غيره
و الأول اصح لأن ذلك اقرب لرضاهم و انتظام أمرهم و لذلك اعتبر ذلك في الإمامة

فصل
قال القاضي يستحب الاقتصار على مؤذنين و إن اقتصر على واحد أجزأه إقتداء بالنبي صلى الله عليه و سلم فانه كان له مؤذنان بلال و ابن أم مكتوم و كذلك قال الآمدي يستحب أن لا ينقص في مسجد الجماعة عن اثنين لدعوى الحاجة إليهما كالواحد في غير مسجد الجماعة و معنى هذا أنه يرتب للمسجد مؤذنان إن غاب أحدهما حضر الآخر و أما تأذين واحد بعد واحد فعلى ما ذكره القاضي يستحب و على ما ذكره غيره لا يستحب ذلك إلا في الفجر
قال القاضي و لا يستحب أن يزيد على أربعة يعني أن ترتيب الأربعة ورزقهم جائز من غير كراهة بخلاف الزيادة على الأربعة و كذلك قال الآمدي لا يرزق اكثر من أربعة لأن عثمان رضي الله عنه اتخذ أربعة من المؤذنين و لأنه إذا زاد على أربعة فأذن واحد بعد واحد فات فضيلة أول الوقت فلا يزاد على الإثنين ألا لحاجة
و إذا احتيج إلى اكثر من أربعة كانت الزيادة مشروعة و هذا ظاهر المذهب ذكر أبو بكر عن احمد أنه قال في رواية احمد بن سعيد و يقيم الإمام من المؤذنين ما أراد و يرزقهم من الفيء

فصل
و إذا أذن جماعة فالأفضل أن يؤذن واحد بعد واحد إن كان المسجد صغيرا و الإبلاغ يحصل بذلك لأن مؤذني رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يؤذن أحدهما بعد الآخر
فان أذنوا جميعا من غير حاجة فقال الآمدي يكره و ذلك لما فيه من اختلاط الأصوات على المستمع حتى لا يفهم ما يقولون مع ما فيه من مخالفة السنة و إن كان المسجد كبيرا لا يحصل التبليغ بأذان الواحد و المقصود إسماع أماكن لا يبلغهم صوت الواحد فلا بأس باذانهم جميعا نص عليه و قال إذا أذن في المنارة عدة فلا بأس لأن المقصود بالأذان الإبلاغ و ذلك يحصل باجتماع الأصوات ما لا يحصل بتفريقها
و إن أذنوا في وقت واحد متفرقين فان كان كل واحد يستمع آذانه أهل ناحية بأن يؤذن أحدهما في طرف و الآخر في طرف بعيد منه فهو حسن
و إن أدنوا في مكان واحد فهذا أولى بالكراهة من اذانهم جميعا في المكان الصغير لما فيه من اختلاط الأصوات قال بعض أصحابنا و إن خافوا من تأذين واحد بعد واحد فوات أول الوقت أذنوا دفعة واحدة
و لا يؤذن قبل تأذين المؤذن الراتب ألا أن يغيب و يخاف فوت وقت التأذين فأما مع حضوره فلا

باب شروط الصلاة
مسألة و هي ستة
شرائط الصلاة ما يجب لها قبلها و يستمر حكمه إلى انقضائها و كذلك كل متقدم على الشيء يسمى شرطا كشروط الطلاق و منه أشراط الساعة
و قد ذكر الشيخ رحمه الله أنها ستة يعني شرائط المكتوبات و هي الطهارتان و الاستقبال و الوقت و النية
و بعض أصحابنا يضم إلى ذلك الموضع لأن الصلاة لا تصح ألا في موضع مستقر و لأن الأماكن المنهي عن الصلاة فيها لا تصح الصلاة فيها على ظاهر المذهب مع طهارتها و لعل الشيخ ترك ذلك لأن المكان غير المستقر في الغالب يمنع تكميل الصلاة فتكون العلة نقص الأركان و كذلك الأماكن المنهي عنها معللة عنده بكونها مظنة النجاسة فيدخل في قسم الطهارة

مسألة أحدهما الطهارة من الحدث لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم لا صلاة لمن احدث حتى يتوضأ
و قد مضى ذكرها
أما الطهارة من الحدث فهي شرط لجميع الصلوات فرضها و نفلها و لما يجري مجرى الصلاة و هو الطواف و لمس المصحف و وجوبها ثابت بالكتاب و السنة و الإجماع و قد تقدم ذلك

مسألة الثاني الوقت
المذكور هنا هو شرط للصلوات المكتوبات خاصة فأما سواها فمنها ما يصح في كل وقت كركعتي الطواف والفوائت ومنها ما يصح في غير أوقات النهي كالنوافل المطلقة ومنها ما هو مؤقت أيضا كالرواتب والضحى ومنها ما هو معلق بأسباب كصلاة الكسوف والاستسقاء ومعنى كونه شرطا للصلاة أن الصلاة لا تصح قبله ولا ينتقض هذا بالمجموعة إلى ما قبلها والجمعة إذا صليت في صدر النهار فإن ذلك وقت لها أي وقت لجواز فعلها
ومع كون الوقت شرطا فإنه موجب للصلاة فإن الصلاة لا تجب قبله وليس في الشرائط ما هو سبب لوجوب الصلاة ألا الوقت
لكن الوقت الموجب للصلاة قد يكون هو الوقت المشروط لصحتها كالزوال للظهر والغروب للمغرب وقد يكون غيره كالزوال للجمعة ومصير الظل مثل الشخص للعصر في حق المعذور فإن هذا الوقت ليس شرطا للصحة وهو سبب الوجوب والوقت شرط مع العلم والجهل والعمد والنسيان فمتى صلى قبل الوقت لزمته الإعادة في الوقت لكن إن كان معذورا مثل المطمور والمغيم عليه فلا إثم عليه وان فعل ذلك عمدا أثم

مسألة وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله
بدأ الشيخ رحمه الله بالظهر وكذلك جماعة من أصحابنا منهم الخرقي والقاضي في بعض كتبهم لأن جبريل لما أقام للنبي صلى الله عليه و سلم المواقيت بدأ بها وكذلك تسمى الأولى ولأنه بدا بها في حديث عبد الله ابن عمرو وأبي هريرة فأقتدي به في ذلك
وقال بعض أصحابنا هي أول ما فرض الله من الصلوات ولان الله سبحانه بدأ بها في قوله أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر
ومنهم من يبدأ بالفجر كابن أبي موسى وأبي الخطاب والقاضي في بعض كتبه وهذا أجود إن شاء الله لأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر وإنما تكون وسطى إذا كانت الفجر الأولى ولان النبي صلى الله عليه و سلم قال المغرب وتر النهار فاوتروا صلاة الليل رواه احمد من حديث ابن عمر فجعل جميع الصلوات موتورة فلو كانت الظهر هي الأولى لخرجت الفجر عن أن تكون داخلة في وتر النهار أو وتر الليل وذلك لا يجوز ولان الفجر هي

المفعولة في أول النهار فحقيقة الابتداء موجود فيها
ولان النبي صلى الله عليه و سلم لما بين المواقيت في المدينة بفعله في حديث أبي موسى وبريدة وجابر ووصيته لمعاذ بدأ بالفجر وهذا متأخر عن حديث جبريل وناسخ له إذ كان بمكة وفي هذا جواب عن الاحتجاج بقصة جبريل ولان بيان جبريل للمواقيت كان صبيحة ليلة الإسراء وهو صلى الله عليه و سلم لم يخبر الناس بها حتى اصبح وفات الفجر فلعله أخر البيان إلى وقت الظهر ليعلم المسلمون ويأتموا برسول الله صلى الله عليه و سلم حيث كان يأتم هو بجبريل ولأن اكثر آيات القرآن بدأت بالفجر مثل قوله وأقم الصلاة طرفي النهار وقوله وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار وقوله وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب
وإنما بدأ بالظهر تارة كما بدا في المغرب في قوله تعالى فسبحان لله حين تمسون وحين تصبحون الآية فتارة يبدأ أول النهار وتارة بأوسطه وتارة بأول الليل ولان النائم إذا استيقظ بأول النهار كان بمنزلة الخلق الجديد فإن الانتباه حياة بعد الموت ونشور بعد السكون فما فعله حينئذ كان أول أعماله وبهذا يتبين أن

اعمال النهار سابقة لأعمال الليل وان أعمال النهار فواتيح وأعمال الليل خواتيم وان كان الليل هو المتقدم على النهار خلقا وإبداعا

فصل
الظهر أربع ركعات بالنقل العام المستفيض والإجماع المستيقن في حق المقيم فأما المسافر فيذكر إن شاء الله في موضعه
وتسمى الظهر و الهجير و الأولى وأول وقتها هو زوال الشمس عن كبد السماء وهذا مما أجمعت عليه الأمة وجاءت به السنة المستفيضة من ذلك ما روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه و سلم جاءه جبريل فقال قم فصله فصلى الظهر حين زالت الشمس ثم جاءه العصر فقال قم فصله فصلى العصر حين صار كل ظل شيء مثله ثم جاء المغرب فقال قم فصله فصلى المغرب حين وجبت الشمس ثم جاءه العشاء فقال قم فصله فصلى العشاء حين غاب الشفق ثم جاء الفجر فقال قم فصله فصلى الفجر حين برق الفجر أو قال سطع ثم جاءه من الغد للظهر فقال قم فصله فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله ثم جاءه العصر فقال قم فصله فصلى حين صار ظل كل شيء مثليه ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل فصلى العشاء ثم جاءه حين أسفر جدا فقال قم فصله فصلى الفجر ثم قال ما بين هذين وقت

رواه احمد والنسائي والترمذي وقال البخاري هو اصح شيء في المواقيت وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وافطر الصائم ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم وصلى المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شيء مثل لوقت العصر بالأمس ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه ثم صلى المغرب لوقته الأول ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض ثم التفت إلى جبريل فقال يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك الوقت فيما بين هذين الوقتين رواه احمد وأبو داود والترمذي وقال

حديث حسن وقد دل على ذلك قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس وقوله حين تظهرون وقوله تعالى أطراف النهار
ومعنى زوال الشمس أن تحاذي رأس المصلي ثم تميل عنه يقال زالت وزاغت ودلكت ودحضت ويعرف ذلك بازدياد الظل بعد كمال نقصانه وذلك أن الشمس ما دامت مرتفعة في رأي العين فان الظل ينقص ويتقلص فإذا وقفت في رأي العين فان الظل يبقى على حاله فإذا أخذت في الانحطاط اخذ الظل في الزيادة فإذا جئت إلى شاخص من جبل أو شجر أو جدار أو نصبت عودا وأعلمت رأس ظله ثم نظرت بعد ذلك فان وجدته قد نقص فالشمس لم تستوي ولم تزل وان وجدته قد زاد فقد زالت الشمس
وكذلك إن وجدته على حاله لأنه يكون قد تكامل نقصه ثم اخذ في الزيادة فعاد إلى حاله الأولى لأن الشمس لا تقف أبدا
وقد ذكر بعض أهل العلم قدر ظل الإنسان حين تزول الشمس بالإقدام في شهور السنة وهذا مع أنه تقريب إذ الزوال لا يكون في يومين متواليين على حد واحد ولا يستمر في جميع الأمصار وإنما ضبط في الأصل لبعض البلدان كالكوفة والبصرة
وأما آخر وقتها فانه بصيرورة ظل كل شخص مثله بعد ظله حين الزوال

فمن صلاها بعد ذلك من غير نية جمع كان قاضيا لا مؤديا و هذا لما تقدم من حديث جبريل فان معنى قوله في اليوم الثاني فصلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله أي فرغ منها حين صار ظل كل شيء مثله
و معنى قوله في العصر في اليوم الأول أنه صلاها حين صار ظل كل شيء مثله أنه ابتدأها حينئذ لأن المراد تحديد الوقت و ضبطه و إنما يقع حد آخره بوقوع حد آخر الصلاة فيه كما يقع حد أوله بوقوع أول الصلاة فيه و قد جاء ذلك مفسرا فيما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وقت الظهر إذا زالت الشمس و كان ظل كل شيء كطوله ما لم تحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يغب الشفق و وقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط و وقت الفجر من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس رواه احمد و مسلم و هذا أتم أحاديث المواقيت بيانا لأنه من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم و ليس بحكاية فعل و قد روي نحوه من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أن للصلاة أولا و آخرا و أن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس و آخر وقتها حين يدخل وقت العصر و أن أول وقت العصر حين يدخل وقتها و أن آخر وقتها حين تصفر الشمس و أن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس و أن آخر وقتها حين

يغيب الأفق و أن أول وقت العشاء حين يغيب الأفق و إن آخر وقتها حين ينتصف الليل و إن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر و إن آخر وقتها حين تطلع الشمس رواه احمد و الترمذي ألا إن محمد بن فضيل رواه عن الأعمش هكذا و غيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلا و مراسيل مجاهد حسنة لا سيما و قد روي مسندا من وجوه صحيحة و كذلك أيضا في حديث السائل عن مواقيت الصلاة قد بين أنه آخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر و قال لما ناموا عن الصلاة ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة إن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى
فهذا كله يبين أنه إذا صار الظل مثل الشاخص خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وإنما يعتبر مساواة الظل لشخصه بعد فيئه حين الزوال لأن الظل حين الزوال قد يكون مثل الشاخص أو أطول لا سيما في البلاد الشمالية في زمن الشتاء فلو اعتبر إن يكون الظل مثل الشاخص مطلقا لتداخل الوقتان أو استحال ذلك و إنما أطلق في الأحاديث لأنه قصد إن يبين إن وقت الظهر بزيادة الظل عن مثل شخصه و لأن الظل وقت

الزوال يكون مستقيما فإذا انحرف بقدر الشاخص فهو آخر وقت الظهر و لأنه في الصيف في ارض الحجاز يكون الظل وقت الزوال شيئا يسيرا لا عبرة به فبمجرد كون الظل مثل الشاخص يكفي في التقريب و لهذا قال في الحديث لما كان الفيء مثل الشراك

مسألة ووقت العصر و هي الوسطى من آخر وقت الظهر إلى إن تصفر الشمس ثم يذهب وقت الاختيار و يبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس
في هذا الكلام ثلاثة فصول
أحدها إن العصر هي الصلاة الوسطى المعنية في قوله تعالى حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و هذا مما لا يختلف المذهب فيه قال الإمام احمد تواطأت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و عن أصحابه إن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى و قال أيضا اكثر الأحاديث على صلاة العصر و خرج فيها نحوا من مائة و عشرين حديثا و ذلك لما روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه و سلم قال يوم الأحزاب ملأ الله قبورهم و بيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس متفق عليه و في لفظ لأحمد و مسلم و أبي داود شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر و عن عبد الله بن مسعود

رضي الله عنه قال حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه و سلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس و اصفرت فقال شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم و قبورهم نارا أو حشا الله اجوافهم و قبورهم نارا رواه احمد و مسلم و ابن ماجة و عنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة الوسطى صلاة العصر رواه الترمذي و قال حديث حسن صحيح و عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال في الصلاة الوسطى صلاة العصر رواه الترمذي و قال حديث حسن صحيح و في رواية لأحمد إن النبي صلى الله عليه و سلم قرأ حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و سماها لنا أنها صلاة العصر و عن البراء بن عازب قال نزلت هذه الآية حافظوا على الصلوات و الصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى فقال رجل فهي أذن صلاة العصر فقال قد أخبرتك كيف نزلت و كيف نسخها الله و الله اعلم رواه احمد و مسلم و هذا يدل على أنها العصر لأن تخصيصها بالأمر بالمحافظة متيقن بالقراءة الأولى و تبديل اللفظ لا يوجب المعنى إذا أمكن إن يكون معنى اللفظين واحد فلا يزول اليقين بالشك

فإنه قيل فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قرأت حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و صلاة العصر و قوموا لله قانتين وقالت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه و سلم رواه الجماعة ألا البخاري و ابن ماجة و هذا يقتضي إن يكون غيرها لأن المعطوف غير المعطوف عليه
قلنا العطف قد يكون للتغاير في الذوات و قد يكون للتغاير في الأسماء و الصفات كقوله سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى و الذي قدر فهدى و الذي اخرج المرعى و هو سبحانه واحد و إنما تعددت أسماؤه و صفاته فيكون العطف في هذه القراءة لوصفها بشيئين بأنها وسطى و بأنها هي العصر و هذا أجود من قول طائفة من أصحابنا أن الواو تكون زائدة فان ذلك لا اصل له في اللغة عند أهل البصرة و غيرهم من النحاة و إنما جوزه بعض أهل الكوفة و ما احتج به لا حجة فيه على شيء من ذلك
فان قيل فقد قال و قوموا لله قانتين و القنوت إنما هو في الفجر
قلنا القنوت هو دوام الطاعة و الثبات عليه و ذلك واجب في جميع الصلوات كما قال تعالى يا مريم اقنتي لربك و اسجدي

و قال و له من في السماوات و الأرض كل له قانتون و قال أمن هو قانت آناء الليل ساجدا و قائما فجعله قانتا في حال سجوده و قيامه و قال إن المسلمين و المسلمات و المؤمنين و المؤمنات و القانتين و القانتات أراد به الصلاة و لم يرد به مجرد الدعاء في القيام و الصالحات قانتات أي مطيعات لأزواجهن
و لا يجوز إن يراد بهذه الآية الدعاء في صلاة الفجر لأن ذلك لو كان مشروعا لكان سنة حقيقية و الآية سيقت لبيان ما يجب فعله و يتوكد في حال الخوف و غيره فلا وجه لتخصيص الدعاء في حال القيام دون غيره بالذكر و إنما يكون ذلك بالاشتغال بالصلاة عن غيرها و لذلك لما نزلت أمروا بالسكوت و نهوا عن الكلام ولو فرض أن المراد به الدعاء في القيام فليس في الكلام ما يوجب إن ذلك في الصلاة الوسطى لا حقيقة و لا مجازا فلا يجوز حمل الكلام عليه بل لو كان القنوت هنا هو الدعاء لوجب إن يكون في جميع الصلوات على ما جاءت به السنة عند الحوادث و النوازل و لأن الأمر بالمحافظة عليها خصوصا بعد دخولها في العموم

يوجب الاعتناء بها و التحذير من تضييعها و العصر محفوفة بذلك لما روى أبو بصرة الغفاري قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم العصر بالمخمص فقال إن هذه الصلاة عرضت على من قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له اجره مرتين و لا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد و الشاهد النجم رواه احمد و مسلم و النسائي و قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي الصلاة التي عقر سليمان الخيل من اجلها لما فاتته فبين صلى الله عليه و سلم إن من قبلنا ضيعوها و ما هذا شأنه فهو جدير إن يؤمر بالمحافظة عليه و إن لنا اجرين بهذه المحافظة و هما و الله اعلم الأجران المشار إليهما بقوله تعالى اتقوا الله و آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته و في المثل المضروب لنا و لأهل الكتاب و هو ما رواه الجماعة من الصحابة منهم ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس و مثلكم و مثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط فعملت اليهود ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر فعملت النصارى ثم قال من يعمل لي من العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين فأنتم هم فغضبت اليهود و النصارى قالوا كنا اكثر عملا و اقل عطاء قال هل نقصتكم من حقكم قالوا لا قال فذلك فضلي

أوتيه من أشاء رواه احمد والبخاري و الترمذي و صححه و ذلك إنما استحققنا الأجربين بحفظ ما ضيعوه و هو صلاة العصر و لأن المسلمين كانوا يعرفون فضلها على غيرها من الصلوات حتى علم منهم الكفار و لهذا لما صلى النبي صلى الله عليه و سلم بأصحابه صلاة الظهر بعسفان قال المشركون قد كانوا على حالة لو أصبنا غرتهم قالوا يأتي عليهم الآن صلاة هي احب إليهم من أبنائهم و أنفسهم فأنزل الله عز و جل صلاة الخوف فكانت صلاة العصر هي السبب في تزول صلاة الخوف اليسير لما خافوا من تفويتها في الجماعة و لأن في تفويتها من الوعيد ما ليس في غيرها فروى ابن عمر إن النبي صلى الله عليه و سلم قال الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله و ماله رواه الجماعة و عن أبي بكرة إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من ترك صلاة العصر حبط عمله رواه

احمد و البخاري و لأن أول الصلوات هي الفجر كما تقدم فتكون العصر هي الوسطى و كذلك قال بعض السلف و امسك أصابعه الخمس فوضع يده على الخنصر فقال هذه هي الفجر ثم وضعها على البنصر و قال هذه الظهر ثم وضعها على الوسطى و قال هذه الوسطى و كذلك أهل العبارة يعتبرون الأصابع الخمس بالصلوات الخمس على هذا الوجه و لأن الصلوات غيرها يقع في وقت الفراغ فان الفجر تكون عند الانتباه و العشائين يكونان عند السكن و الرجوع إلى المنازل و انقطاع الشغل و الظهر في وقت القائلة و إنما يقع الشغل أول النهار و آخره لكن ليس في صدر النهار صلاة مفروضة فيقع العصر وقت اشتغال الناس و لذلك ضيعها أهل الكتاب و لأن آخر النهار افضل من أوله فان السلف كانوا لآخر النهار أشد تعظيما منه لأوله و هو وقت تعظمه أهل الملل كلها و لذلك امر الله بتحليف الشهود بعد الصلاة يعني صلاة العصر و لأن آخر النهار وقت ارتفاع عمل النهار و اجتماع ملائكة الليل و النهار و إنما الأعمال بالخواتيم فتحسين خاتمة العمل أولى من تحسين فاتحته و صلاة الفجر و إن كان يرفع عندها عمل الليل لكن ليس في عمل الليل من الذنوب و الخطايا في الغالب ما يحتاج إلى محو مثل عمل النهار و لهذا و الله

اعلم جعل تركها موجبا لحبوط العمل يعني و الله اعلم عمل يومه فان الأعمال بالخواتيم و لأن وقتها ليس متميزا في النظر تمييزا محدودا مثل مواقيت سائر الصلوات فان وقت الفجر يعرف بظهور النور و وقت الظهر يعرف بزوال الشمس و وقت المغرب يعرف بغروبها و وقت العشاء بمغيب الشفق وأما العصر فان حال الشمس لا تختلف بدخول وقتها اختلافا ظاهرا و إنما يعرف بالظلال أو نحو ذلك فلما كان وقتها قد يشتبه دخوله كان التضييع لها أكثر نت التضييع لغيرها فكان تخصيصها بالأمر بالمحافظة عليها مناسبا لذلك

الفصل الثاني
أنها أربع ركعات في حق المقيم بالنقل العام الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف
و وقتها من حين يصير ظل كل شيء مثله فإذا صار ظل الشخص مثله و زاد أدنى زيادة فقد دخل وقت العصر و يمتد وقتها إلى إن يتغير لون الشمس و تصفر على هذا اكثر الروآيات عن أبي عبد الله
و عنه أنه يمتد إلى إن يصير ظل كل شيء مثليه فقط و هي اختيار الخرقي و طائفة من أصحابنا لما تقدم من إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه و سلم فانه

صلى العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه و قال الوقت ما بين هذين
و الأول اصح لما تقدم من قوله صلى الله عليه و سلم وقت العصر ما لم تصفر الشمس من رواية عبد الله بن عمرو و غيره و لما روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أتاه سائل سأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئا و امر بلالا فأقام الفجر حين انشق الفجر و الناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس و القائل يقول انتصف النهار أو لم ينتصف و كان اعلم منهم ثم أمره فأقام العصر و الشمس مرتفعة ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ثم آخر الفجر من الغد حتى انصرف منها و القائل يقول طلعت الشمس أو كادت و آخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس ثم آخر العصر فانصرف منها و القائل يقول احمرت الشمس ثم آخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق و آخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول ثم اصبح فدعا السائل فقال الوقت فيما بين هذين رواه احمد و مسلم و أبو داود و النسائي و هذه الأحاديث أولى من حديث جبريل عليه السلام لوجوه

أحدها إن فيه زيادة منطوقة فتقدم على ما ليس فيه تلك الزيادة و إنما تنفيها بطريق المفهوم
الثاني أنها متأخرة لأنها كانت بالمدينة فان السائل الذي سأله إنما كان بالمدينة و بلال يؤذن له بل رواتها أبو موسى و عبد الله بن عمرو و أبو هريرة و بريدة بن الحصيب و كل هؤلاء لم يصحبوه ألا بالمدينة و أبو موسى و أبو هريرة إنما صحباه بعد خيبر و حديث جبريل كان قبل الهجرة بأكثر من سنة و إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من امر رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه يكون هو الناسخ للأول إن كان بينهما تعارض
الثالث إن حديث عبد الله بن عمرو و أبي هريرة قول مبين و هو أتم تحديدا و أصرح دلالة من حكاية الفعل
الرابع أنها اكثر واصح من حديث جبريل
الخامس إن فيها زيادات في وقت العصر و المغرب و الفجر و في بعضها العشاء و قد وجب العمل بها في تلك المواضع لما صاحبها من الدلائل فكذلك ها هنا
السادس إن الله تعالى قال و سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل غروبها و كذلك قوله طرفي النهار لكن إذا تغير لون الشمس فقد أخذت الشمس في التحول و الغروب فيبقى ما قبل ذلك على عموم الآية

السابع إن من الناس من يقول لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه فان لم يكن فعلها في ذلك الوقت هو الأفضل خروجا من الخلاف فلا اقل من إن يكون جائزا من غير كراهة
الثامن إن التحديد بالشمس نفسها أولى من مقدار الظل بدليل سائر الصلوات و إنما ترك في أول صلاة العصر إذ ليس في الشمس علامة ظاهرة بخلاف آخره

الفصل الثالث
إن وقت الضرورة يبقى إلى إن تغيب جميع الشمس و معنى ذلك إن أهل الضرورة و العذر الذين لا يمكنهم الصلاة قبل تغير الشمس مثل الحائض تطهر و المجنون و المغمى عليه يفيقان و النائم ينتبه و الصبي يبلغ بعد اصفرار الشمس يصلونها أداء في هذا الوقت من غير إثم و كذلك الكافر يسلم لأن المنع من صحة الصلاة كان موجودا فيه و إن كان على الحقيقة ليس بذي بعذر و لكن الحق بهم لأنه غفر له تأخيرها إذ الإسلام يجب ما قبله فأما من تمكنه الصلاة قبل هذا الوقت فلا يجوز له تأخيرها البتة فان آخرها و صلاها فهي أداء مع كونه إثما فأما المريض يبرا فقد الحق بالقسم الأول و هذا اشهر لأن من يقدر على الصلاة فانه لا يحل له تأخيرها عن وقت الاختيار ألا أن يكون مغلوبا على عقله كما قالوا في المسافر لا يجوز له تأخيرها إلى حين الاصفرار إذا علم أنه يجد الماء

حينئذ بل يصلي وقت الاختيار بالتيمم
أما أنه لا يحل له تأخيرها البتة لمن يقدر على الصلاة فلأن النبي صلى الله عليه و سلم بين المواقيت في حديث جبريل عليه السلام و السائل و ذكرها بكلامه و في جميعها إن وقت العصر ما لم تصفر الشمس أو ما لم يصر ظل كل شيء مثليه و قال الوقت فيما بين هذين فلو جاز تأخيرها عن ذلك لبينه و قد ذم من يؤخرها عن ذلك فيما رواه انس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كان بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها ألا قليلا رواه احمد و مسلم و أبو داود و الترمذي و صححه والنسائي و لا يقال إنما ذمه على النقر و قلة ذكر الله لأنه إنما ذمه على المجموع و لو لم يكن للتأخير مدخل في استحقاق الذم لما ذكره كمن نقرها في أول الوقت
وأما كون وقت الإدراك و الضرورة باقيا فلما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من أدرك ركعة من العصر قبل إن تغرب الشمس فقد أدركها و من أدرك ركعة من الفجر قبل إن تطلع الشمس فقد أدركها متفق عليه

و قال ملأ الله قبورهم و بيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غابت الشمس متفق عليه و قوله إنما التفريط في اليقظة إن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى هذا مع ظاهر قوله تعالى و سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل الغروب و قد فسرها النبي صلى الله عليه و سلم بصلاتي الفجر و العصر في حديث جرير حديث الرؤية و قوله طرفي النهار يدل على بقاء الوقت و حصول الإدراك بالصلاة فيه و أنها لا تفوت حتى تغيب الشمس فالمعذور صلاها في الوقت فلا يلحقه ذم و القادر لحقه الذم كما تقدم
فان قيل كيف يكون مؤديا لها في الوقت مع أنه مذموم
قلنا كما يمدح إذا قضاها بعد خروج الوقت و هو معذور لنوم أو نسيان و ذلك لأن الأداء فعل العبادة في الوقت المضروب لها في الجملة وكونه في بعض الأوقات والقضاء فعلها بعد خروج الوقت المضروب لها و إن لم يقدر على غيره
و قال الآمدي يكره إن يؤخرها إلى وقت الضرورة من غير عذر و ظاهر هذا أنه مكروه غير محرم و المذهب ما قدمناه

مسألة و وقت المغرب من الغروب إلى مغيب الشفق الأحمر
المغرب ثلاث ركعات بإجماع الأمة و نقلها العام المتوارث خلفا عن سلف سواء في ذلك المقيم و المسافر فإنها وتر صلاة النهار فلو ثنيت أو ربعت لبطل معنى الوتر و تسميتها بالمغرب افضل من العشاء فان سميت العشاء أحيانا مع تقييدها بما يدل على أنها المغرب فلا بأس ما لم يهجر اسم المغرب لأن النبي صلى الله عليه و سلم سمى العشاء الآخرة في حديث جبريل و حديث اثقل صلاة على المنافقين و اقر على تسميتها بذلك لسائل سأله و سماها أصحابه بذلك في عدة أحاديث و قولهم الآخرة دليل على العشاء الأولى و إنما كان تسميتها المغرب افضل لما روى عبد الله بن مغفل إن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب قال والأعراب تقول هي العشاء متفق عليه و لأن الله تعالى قال و من بعد صلاة العشاء و أراد بذلك صلاة العتمة فعلم إن العشاء المطلقة هي العشاء الآخرة و لأن تسميتها بالعشاء دائما يشعر

بتأخيرها بخلاف تسميتها بالمغرب فإنه يشعر بفعلها عند الغروب و على الوجه الذي يأتي ذكره يكره تسميتها بالعشاء لظاهر الحديث
و أول وقتها إذا غاب قرص الشمس و حينئذ يفطر الصائم و يزول وقت النهي و لا اثر لما يبقى في الأفق من الحمرة الشديدة في شيء من الأحكام و كذلك في حديث بريدة الآتي ذكر أنه صلى الله عليه و سلم امر بالمغرب حين غاب حاجب الشمس
و يمتد وقتها إلى مغيب الشفق الأحمر لأهل الأعذار و غيرهم فمن صلاها قبل ذلك كان مؤديا بغير إثم من غير خلاف في المذهب لما سبق في حديث عبد الله بن عمرو من قوله صلى الله عليه و سلم وقت المغرب ما لم يغب الشفق و في حديث أبي هريرة آخر وقتها حين يغيب الشفق و في حديث أبي موسى في جواب السائل أنه أخرها في اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق و عن بريدة بن الحصيب إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه و سلم فسأله عن مواقيت الصلاة فقال اشهد معنا الصلاة فأمر بلالا فأذن بغلس فصلى بهم الصبح حين طلع الفجر ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء ثم أمره بالعصر و الشمس مرتفعة ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس ثم أمره بالعشاء حين وقع الشفق ثم أمره الغد فنور بالصبح ثم أمره بالظهر فأبرد ثم أمره بالعصر و الشمس بيضاء نقية لم

يخالطها صفرة ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل أو بعضه فلما اصبح قال أين السائل قال ما بين ما رأيت وقت رواه الجماعة ألا البخاري و لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قرأ فيها بالأعراف فرقها في ركعتين و لا يجوز مد الصلاة إلى إن يخرج وقتها لإيقاع شيء منها خارج الوقت فعلم إن وقتها يمتد بقدر قراءة سورة الأعراف
و صح عنه من وجوه صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل صلاة المغرب و لا تعجلوا عن عشائكم و صح عنه إن أصحابه كانوا يصلون

بحضرته ركعتين بين الأذانين و لو لم يجز تأخيرها عن أول الوقت لم يجز شيء من ذلك و لأنها إحدى الصلوات الخمس فاتسع وقتها كغيرها و لأنها تجمع إلى ما بعدها فاتصل وقتها الذي يليها كالظهر فان جواز الجمع يجعل الوقتين وقتا واحدا و الصلاتين كالصلاة الواحدة و الصلاة الواحدة لا يكون لها وقتان متباينان و عكسه الفجر و العصر و العشاء لما لم يجز تأخيرها عمدا إلى وقت التي تليها لم لم تجمع معها
فان قيل هذا معارض بحديث جبريل فانه صلى المغرب في اليومين لوقت واحد حين غربت الشمس و ذلك يقتضي أنه يجب المبادرة إليها حين الغروب وروى أبو أيوب إن النبي صلى الله عليه و سلم قال بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم وعن مرثد بن عبد الله الزني قال قدم علينا أبو أيوب غازيا و عقبة بن عامر يومئذ على مصر فأخر المغرب فقام إليه أبو أيوب فقال ما هذه الصلاة يا عقبة قال شغلنا قال أما و الله ما بي ألا إن يظن الناس انك رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يصنع هذا أما سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى إن تشتبك النجوم رواهما احمد

و عن عقبة بن عامر مثله رواه احمد و أبو داود و عن عبد الرحمن الصنابحي قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لن تزال أمتي في مسكة من دينها ما لم يعملوا بثلاث ما لم يؤخروا المغرب انتظار الظلام مضاهاة اليهود و ما لم يؤخروا الفجر محاق النجوم مضاهاة النصرانية و ما لم يكلوا الجنائز إلى أهلها رواه احمد و لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال المغرب وتر صلاة النهار و معلوم أنها تفعل بعد انسلاخ النهار فيجب تقريبها من النهار و إن تكون عقيبه ليتحقق صعوده مع عمل النهار و لأن المسلمين في جميع الأعصار و الأمصار ما زالوا يعجلونها و لو كان تأخيرها جائزا لصنعوا فيها ما يصنعون في غيرها
قلنا هذا يفيد إن السنة فيها التعجيل و إن المداومة على تأخيرها منهي عنه بخلاف بقية الصلوات و كذلك نقول و لهذا لم ينكر أبو أيوب على عقبة مجرد التأخير لكن خاف إن يظن الناس إن السنة التأخير و قد ورد مثل هذا الكلام إن تعجيل الفطور و تأخير السحور سنة مع أنه ليس بواجب

و هكذا الجواب عن حديث جبريل فانه لعله قصد تبيين المواقيت التي لا كراهة في المداومة عليها أولا و اخرا ثم هو حديث متقدم كان بمكة و الأحاديث المدنية الصحاح الصرائح قاطعة في جواز التأخير فان كان معارضا لها كانت هي الناسخة له كما تقدم و مرجحة بصحة أسانيدها و كثرة رواتها و كونها وتر النهار و لا يمنع تأخيرها فإنها و إن كانت من صلاة الليل كما قد نص عليه الإمام احمد رحمه الله لكن الحمرة في الأفق هي من توابع الشمس فجاز إن تلحق بالنهار من هذا الوجه كما أن الفجر من صلوات النهار و جهر فيها بالقراءة تبعا لصلاة الليل لبقاء الظلمة قبل طلوع الشمس

فصل
و مغيب الشفق يخرج به وقت المغرب لما تقدم من هذه الأحاديث و يدخل به وقت والعشاء لما تقدم من حديث جبريل أنه صلى العشاء حين غاب الشفق و كذلك في حديث السائل أنه صلى العشاء حين غاب الشفق و في حديث أبي هريرة وقت العشاء من حين يغيب الأفق و كذلك حديث عبد الله بن عمرو لما قال وقت المغرب ما لم يغب الشفق و وقت العشاء إلى ثلث الليل يدل على تواصل الوقتين مع قوله

و إنما التفريط في اليقظة و هو إن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت التي تليها مع إن هذا مما اجمع عليه
و الشفق الشفق شفقان احمر و هو الأول و الأبيض و هو الثاني و العبرة بمغيب الشفق الأحمر فإذا غاب دخل وقت العشاء
و استحب أبو عبد الله إن يؤخر العشاء في الحضر إلى إن يغيب الشفق الأبيض ليستدل بمغيبه على مغيب الشفق الأحمر لأن الحمرة قد تكون باقية و يواريها الجدران فيظن أنها قد غابت و هي باقية و لأن اسم الشفق يقع عليها
و قد قال بعضهم أنه البياض فإذا صلى بعد مغيب البياض خرج من الشك و الاختلاف
فان صلى في الحضر بعد إن غاب الأحمر و قبل إن يغيب الأبيض صحت صلاته نص عليه و نص في مواضع كثيرة على أنه لا يصلي ألا بعد مغيب الأبيض فجعل القاضي و أصحابه و كثير من أصحابنا المسألة رواية واحدة بالجواز و حملوا بقية الروآيات على الاستحباب لا على الوجوب و قال ابن أبي موسى لم يختلف القول عنه إن الشفق في السفر الحمرة و اختلف قوله في الحضر على روايتين
إحداهما أنه الحمرة في الحضر و السفر
و الأخرى أنه البياض في الحضر فإذا غاب فقد وجبت فأما في

السفر فلا شيء يواريها و الجمع جائز فيه لصحة الأحاديث أنه كان يصلي العشاء في السفر قبل مغيب الشفق
و ذلك لما رواه الإمام احمد في مسنده و مسائل ابنه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال سأل رجل النبي صلى الله عليه و سلم عن وقت الصلاة فقال صل معي فصلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الصبح حين طلع الفجر ثم صلى الظهر حين زاغت الشمس ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثله ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق ثم صلى الظهر حين كان فيء الإنسان مثله ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثليه ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق ثم صلى العشاء قال بعضهم ثلث الليل و قال بعضهم شطره و معلوم أنه ما صلى العشاء قبل الشفق الأحمر فعلم أنه صلاها قبل مغيب الأبيض و عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه و سلم قال وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق رواه احمد و مسلم و النسائي و أبو داود و لفظه فور الشفق و ثور الشفق ثوران حمرته و فوره فورانه و سطوعه و هذا إنما يكون في الشفق الأحمر و لأن الأحمر أظهر في الإستعمالمن الشفق الأبيض قال الفراء سمعت بعض العرب يقول عليه ثوب كأنه الشفق و كان احمر و لهذا فسر اكثر الناس

قوله تعالى فلا اقسم بالشفق بالحمرة و ما قبلها من النهار و فهم اكثر الصحابة و أكابرهم من الشفق الحمرة قال عمر و ابن عمر و ابن عباس و أبو هريرة رضي الله عنهم الشفق الحمرة و قال عبادة بن الصامت و شداد بن اوس الشفق شفقان الحمرة و البياض فإذا غابت الحمرة حلت الصلاة و إنما نقل خلاف هذا عن انس و أبي هريرة أيضا و لأنهما نوران يتبعان الشمس فتعلق الوقت بأقربهما إلى الشمس كالفجرين و هذا لأن البياض الذي يمتد في المغرب في الأفق بعد مغيب الحمرة نظير البياض الذي يستطيل في المشرق قبل طلوع الفجر الثاني و ذلك لم يتعلق به حكم

مسألة و وقت العشاء من ذلك إلى نصف الليل و يبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني
أما أول وقتها فقد تقدم و أما آخر وقتها في حال الاختيار ففيه روايتان
إحداهما إلى ثلث الليل و هو اكثر الروآيات عنه واختارها الخرقي و القاضي و غيرهما لأنه كذلك في حديث جبريل و في حديث السائل أيضا من رواية أبي موسى و بريدة و رواية جابر شك فيها قال بعضهم ثلث الليل و قال بعضهم شطره فتحمل رواية من روى على نصف الليل على أنه قال بالتحري و الاجتهاد و روى النسائي عن عائشة إن النبي صلى الله عليه و سلم قال صلوها ما بين إن يغيب الشفق إلى ثلث الليل أو أراد مقاربة نصف الليل
و الرواية الثانية إلى نصفه اختارها طائفة من أصحابنا لأن في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط و هو أبين شيء في المواقيت و كذلك في حديث أبي هريرة و إن آخر وقتها حين ينتصف الليل و عن أبي برزة إن النبي صلى الله عليه و سلم كان لا

يبالي بتأخير العشاء إلى نصف الليل رواه مسلم و عن انس قال آخر النبي صلى الله عليه و سلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال قد صلى الناس و ناموا أما أنكم في صلاة ما انتظرتموها متفق عليه و لمسلم حتى كان قريبا من نصف الليل و عن أبي سعيد الخدري قال انتظرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة صلاة العشاء حتى ذهب نحو من شطر الليل فجاء فصلى بنا و قال لولا ضعف الضعيف و سقم السقيم و حاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل رواه احمد و أبو داود و النسائي و ابن ماجة
و هذا كلام مفسر من النبي صلى الله عليه و سلم يقضي به على ما سواه من الحكايات المحتملة و في هذه الأحاديث زيادة فيجب الأخذ بالزائد و يحمل قول من روى على ثلث الليل أنه أراد ثلث الليل الممتد إلى طلوع الشمس فان ما بعد طلوع الفجر قد يجعل ليلا و لهذا يسمى وقت الزوال نصف النهار في كثير من الأحاديث التي تقدمت و إنما يكون نصف النهار إذا كان أوله من حين طلوع الشمس كما يقوله بعض أهل اللغة و الحساب و الفقه و إذا كان الغالب على لسان الشرع انتهاء الليل إلى طلوع الفجر و ابتداء النهار من حينئذ و ثلث الليل بهذا الاعتبار اكثر من ثلثه بالاعتبار الأول فإذا انضم إلى

هذا احتياط الراوي و إخباره بالمستيقن جاز إن يسمى ما يقارب النصف ثلثا
فصل
وأما وقت الإدراك و الضرورة فيمتد إلى طلوع الفجر الثاني لما روى يحيى بن آدم عن ابن عباس قال لا يفوت وقت الظهر حتى يدخل وقت العصر و لا يفوت وقت العصر حتى يدخل وقت المغرب و لا يفوت وقت المغرب إلى العشاء و لا يفوت وقت العشاء إلى الفجر و روى الخلال أيضا عن ابن عباس لا يفوت وقت العشاء إلى الفجر و سنذكر إن شاء الله عن عبد الرحمن بن عوف و أبي هريرة و ابن عباس انهم قالوا في الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب و العشاء
و لم ينقل عن صحابي خلافه بل وافقهم التابعون على إن العشاء تجب بالطهر قبل الفجر مع قوله في حديث أبي قتادة لما ناموا أما أنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى رواه احمد و مسلم و أبو داود فانه يقتضي امتداد كل صلاة

إلى وقت التي تليها و إنما استثنى منه الفجر لظهور وقتها و ظاهر القران في قوله تعالى زلفا من الليل و قوله سبحانه إلى غسق الليل و قوله تعالى و من اناء الليل فسبح يعم ذلك الجملة
و تأخير الصلاة إلى هذا الوقت لغير عذر لا يجوز كما تقدم في صلاة العصر
و هذه الصلاة أربع ركعات بالنقل العام
و تسمى العشاء لقوله تعالى من بعد صلاة العشاء و هو افضل من تسميتها بالعتمة وإن ميت العتمة لم يكره ألا إن يهجر اسم العشاء لأن في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم لو يعلمون ما في العتمة و الصبح لأتوهما و لو حبوا و قد صح من وجوه كثيرة عن أبي موسى و ابن عباس وعائشة و جابر بن سمرة انهم سموها العتمة و لأن ذلك نسبة

إلى وقتها فأشبه المغرب و الفجر و إنما كره ترك ذلك الاسم لما روى ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا أنها العشاء و هم يعتمون بالإبل رواه احمد و مسلم و النسائي و ابن ماجة و لمسلم لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء و أنها تعتم بحلاب الإبل
و فيه وجه ثان أنه يكره إن تسمى بالعتمة لظاهر الحديث و حملا لأحاديث الرخصة على أنها منسوخة ذكره الامدي

مسألة و وقت الفجر من ذلك إلى طلوع الشمس
و تسمى هذه الصلاة الفجر لقوله تعالى و قران الفجر و قوله من قبل صلاة الفجر و قوله الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر و الصبح لقول النبي صلى الله عليه و سلم من أدرك ركعة من الصبح
و صلاة الغداة لقوله عليه السلام لو يعلم المتخلفون عن صلاة العشاء و صلاة الغداة ما فيهما لأتوهما و لو حبوا و قال الرجل له إني لأتأخر عن صلاة الغداة من اجل فلان مما يطيل بنا
و المستحب تسميتها الفجر و الصبح و لا يكره تسميتها بالغداة في المشهور
و في الآخر يكره لأنه يقال أنها تسمية الأعراب
و هي ركعتان بنقل الأمة العام المتوارث بينها و هي من صلاة النهار نص عليه و جعلت ركعتان من اجل طول القراءة فيها و كأنه عوض بتطويل القراءة عن تكثير الركعات

و أول وقتها من طلوع الفجر الثاني كما تقدم في أحاديث المواقيت كلها مع قوله طرفي النهار و قوله و قران الفجر و قوله و حين تصبحون و قوله قبل طلوع الشمس و قبل غروبها و غير ذلك
و هما فجران فالأول المستدق المستطيل في طول السماء كذنب السرحان و هو الذئب و يسمى الفجر الأول و لا عبرة به في شيء من الأحكام ثم يسود الأفق بعده ثم يطلع الفجر الصادق بعده معترضا في الأفق منتشرا لا ظلمة بعده و لذلك قال صلى الله عليه و سلم لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال و لا الفجر المستطيل و لكن الفجر المستطير في الأفق و قد تقدم و قد روى أبو حفص و الدارقطني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال الفجر فجران فجر تحل فيه الصلاة و يحرم فيه الطعام و فجر تحرم فيه الصلاة و يحل فيه الطعام أما الذي يكون كذنب السرحان فلا تحل الصلاة فيه و لا يحرم فيه الطعام و أما الذي يذهب مستطيلا في الأفق فانه يحل الصلاة و يحرم الطعام
و يمتد وقتها في حال الاختيار و الاضطرار إلى طلوع الشمس فإذا بدا حاجب الشمس خرج وقتها هذا ظاهر المذهب و هو المنصوص عنه

و قال بعض أصحابنا إذا أسفر ذهب وقت الاختيار و يبقى وقت الضرورة إلى طلوع الشمس كالعصر و العشاء لأن جبريل عليه السلام لما صلى بالنبي صلى الله عليه و سلم صلى به في اليوم الثاني حين أسفرت الأرض و قال الوقت فيما بين هذين الوقتين
و الأول اصح لأن في حديث عبد الله بن عمرو وقت الفجر ما لم تطلع الشمس و في لفظ ما لم يطلع قرن الشمس الأول هذا لفظ مسلم و قد تقدم و كذلك في حديث أبي هريرة إن آخر وقتها حين تطلع الشمس و لا يجوز حمل هذا على وقت الإدراك و الضرورة لأنه إنما ذكر فيه وقت الاختيار إذ الإطلاق يقتضي ذلك و كذلك قال في العصر ما لا تصفر الشمس و في العشاء إلى نصف الليل فلم يدخل وقت الضرورة في هذا الحديث و لأن في حديث السائل أنه انصرف من الفجر في اليوم الثاني و القائل يقول طلعت الشمس أو كادت و قد تقدم من رواية أبي موسى و لم يتبين ألا أوقات الاختيار و لأن الشمس تغرب بين قرني شيطان فإذا اصفرت أخذت في الغروب فلذلك

امر إن لا تؤخر الصلاة إلى ذلك الوقت عمدا و في الفجر لا يقارنها الشيطان حتى يطلع حاجبها فإذا لم تطلع فالوقت مبقى على حاله فلا وجه للكراهية فيه و حديث جبريل قد جاء فيه أنه أسفر جدا و ظاهره أنه سلم قبيل طلوع الشمس فتحمل الرواية الأخرى على ذلك و إن كان قد سلم قبل بساعة فهو حديث متقدم قد تبين فيه الأفضل كما مضى

فصل
إذا نام قبل العشاء و لم يوكل به من يوقظه كره له ذلك لأنه يخاف إن يدوم النوم فيفضي إلى فوت الوقت أو فوت الجماعة و إن وكل به من يوقظه لم يكره
فصل
و أما الحديث بعدها فان كان وحده أو كان يتحدث مع غيره في علم أو مصلحة لم يكره و لإيناس الضيف و إن كان حديثا لا فائدة فيه كره له ذلك

مسألة و من كبر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها
أما إذا صلى ركعة بسجدتيها قبل خروج الوقت فانه يكون مدركا للصلاة من غير خلاف في المذهب و سواء في ذلك الفجر و غيرها لما روى أبو هريرة إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من أدرك من ركعة الصبح قبل إن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح و من أدرك ركعة من العصر قبل إن تغرب الشمس فقد أدرك العصر رواه الجماعة ألا الترمذي
و إن صلى دون الركعة مثل إن يكبر و يركع أو يركع و يسجد سجدة أو يكبر للإحرام فقط فهل يكون مدركا للصلاة على روايتين
إحداهما يكون مدركا كما ذكره الشيخ و هي اختيار اكثر أصحابنا لما روت عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من أدرك من العصر سجدة قبل إن تغرب الشمس أو من الصبح قبل إن تطلع الشمس فقد أدركها رواه أحمد ومسلم و النسائي و ابن ماجة
و للبخاري في حديث أبي هريرة إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل إن تغرب الشمس فليتم صلاته و إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل إن تطلع الشمس فليتم صلاته و هذا المنطوق أولى من ذلك

المفهوم و لأن بعض الصلاة قد وجد في الوقت حقيقة فلا يمكن إن نجعلها فائتة كما لو صلى ركعة
و الرواية الثانية لا يكون مدركا هذا قولي الخرقي و ابن أبي موسى و هو أشبه بالحديث المفهوم حديث أبي هريرة و قوله في الرواية الأخرى سجدة المراد به الركعة بكمالها و هذا كثير في الحديث تسمى السجدة الثانية ركعة تعبيرا عنها بركنها و ذلك أنه لا يصح حتى يقع الركوع و سجدتان فإذا قيل قد صلى ركعة أو سجدة علم أنه قد كمل ركعة بسجدتيها و منه قول زيد لمروان ألم أرك قصرت سجدتي المغرب يعني ركعتي الجهر رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرأ فيها بالأعراف و قول عائشة كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي بعد الوتر سجدتين تعني فيها الركعتين اللتين كان يصليهما و هو قاعد و قول علي كان إذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك و كبر و في حديث أبي هريرة إذا قام من الركعتين و في حديث أبي حميد حتى إذا قام من السجدتين كبر و رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة و هذا كما تسمى

الصلاة قياما تعبيرا عنها بركنها
و تسمى قرآنا تعبيرا عنها بركنها و لا يجوز حمله على السجدة الأولى من الركعة إذ ليس في تعليق الحكم بها فائدة أصلا حيث لا فرق بين إدراكها و إدراك الركوع وحده أو الركوع و الاعتدال و لو أريدت السجدة بعينها لم يدل على ثبوت الإدراك بما دونها و لأنه إدراك للصلاة فلم يتعلق بما دون الركعة كالجمعة و لمن نصر الأولى إن يقول تقييد الحكم بالركعة لا يمنع ثبوته بما دونها كما أنه لما قيد بالفجر والعصر لم يمنع أن يثبت في ذلك المغرب والعشاء والله أعلم إنما قيده بذلك لأن آخر وقت الفجر و العصر محدود و مرئي بالعين و الركعة جزء من الصلاة معلوم بخلاف ما دون ذلك فانه لا ينضبط فعله قبل خروج الوقت و المسألة محتملة
و إذا أدرك بعض الصلاة في الوقت فبعضها المفعول خارج الوقت هل يكون أداء أو قضاء على وجهين
اشهرهما تكون أداء لظاهر قوله فقد أدركها فمن زعم إن بعضها أو كلها يقع قضاء لم يكن قد أدركها كلها عنده و هو خلاف النص و لأن المشهور في المذهب إن الجمعة تفعل بعضها بعد خروج الوقت مع أنها لا تكون قضاء
و الثاني تكون قضاء لأن حقيقة القضاء ما فعل بعد الوقت و هذا كذلك و لأن مدرك الجمعة و الجماعة يكون منفردا بعد سلام الإمام حقيقة و حكما و إن كان قد أدرك فضل الجماعة في الجملة فكذلك هذا

و بكل حال فيجب عليه إن يفعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت كما تقدم و متى آخر شيئا منها عن الوقت عمدا إثم بذلك لأن النصوص المتقدمة في المواقيت تدل على وجوب فعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت

مسالة و الصلاة في أول الوقت افضل ألا عشاء الآخرة و في شدة الحر الظهر
هذا الكلام فيه فصلان لأن الكلام في تعجيل الصلوات أما إن يكون على سبيل الإجمال أو على سبيل التفضيل

الفصل الأول
إن الأصل في الصلاة في أول الوقت افضل من آخره ألا لمعنى يقتضي استحباب التأخير لأن الله تعالى قال فاستبقوا الخيرات و قال تعالى سارعوا إلى مغفرة من ربكم و قال تعالى سابقوا إلى مغفرة من ربكم و قال تعالى أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون و قال السابقون السابقون أي إلى الأعمال الصالحة في الدنيا هم السابقون إلى الدرجات في الجنة و قال تعالى فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات و قال تعالى السابقون الأولون من

المهاجرين و الأنصار و قال عن نبيه موسى و عجلت إليك ربي لترضى و هذه الآيات تقتضي إن المسارعة إلى الخيرات مأمور بها و إن فاعلها مستوجب لثناء الله و رضوانه و لذلك يقتضي الاستباق إلى الخيرات و إلى أسباب المغفرة أمرا بها و ثناء على أهلها و تفضيلا لهم على غيرهم و الصلاة من افضل الخيرات و اعظم أسباب المغفرة و عن محمد ابن عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه و سلم قال ثلاث يا علي لا تؤخرهن الصلاة إذا أتت و الجنازة إذا حضرت و الايم إذا وجدت لها كفؤا

رواه احمد و الترمذي و قال حديث حسن غريب و ما أرى إسناده بمتصل لكن هذا الانقطاع هو من رواية ولده و مثل ذلك يكون من أقوى المراسيل فانهم اعلم بحديثهم و عن عائشة رضي الله عنها قالت ما صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة لوقتها الآخر حتى قبضه الله رواه احمد و الترمذي و رواه الدارقطني فقال ألا مرتين و عن أم فروة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن احب العمل إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها رواه الترمذي و إسناده كإسناد الذي قبله متقاربان فيهما لين

و عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الرجل ليصلي الصلاة لوقتها و قد ترك من وقتها الأول ما هو خير له من أهله و ماله رواه الدارقطني و قد روى الترمذي و الدارقطني عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الوقت الأول من الصلاة رضوان الله و الوقت الأخير عفو الله و روى الدارقطني عن أبي محذورة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أول الوقت رضوان الله وأوسط الوقت رحمة الله و آخر الوقت عفو الله
و هي أحاديث لينة قال الإمام احمد لا اعرف شيئا في أوقات الصلاة أولها كذا و آخرها كذا يعني مغفرة و رضوان ألا إن هذا لا يمنع

العمل بها في الفضائل لا سيما مع تعدد طرقها
فان قيل فالعفو إنما يكون عن المسيء و لا إساءة في التأخير
قلنا العفو قد يكون عن الذنب بعد وقوعه و قد يكون عن اصل الإيجاب مع انعقاد سبب الوجوب أو التحريم كقوله صلى الله عليه و سلم عفوت لكم عن صدقة الخيل و الرقيق و قوله صلى الله عليه و سلم ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه فالعفو عن الصلاة في آخر الوقت بمعنى أنه رفع الحرج و العقوبة عمن صلى فيه و قد كان يمكن إن يضيق الوقت و لأن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا كقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس ففي المبادرة إلى فعلها إبراء لذمته عن الواجب كالمبادرة إلى فعل الواجبات

المطلقة من الحج و غيره و تحصل المبادرة المشروعة بأن يشتغل عقب دخول الوقت بالوضوء و الصلاة لأن الله تعالى امر بالوضوء عند القيام إلى الصلاة و إن توضا قبل الوقت فهو مبادر أيضا هذا ما لم يشق على غيره كما سيأتي

الفصل الثاني
في تفضيل الصلوات أما الظهر فان الأفضل إن يصليها عقب الزوال لما روى أبو برزة الاسلمي رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي الهجيرة التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس و يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة و الشمس حية و نسيت ما قال في المغرب و كان يستحب إن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة و كان يكره النوم قبلها و الحديث بعدها و كان ينتفل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه و يقرا فيها بالستين إلى المائة متفق عليه و عن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت أحدا أشد تعجيلا للظهر من رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا من أبي بكر و لا من عمر رواه الترمذي و قال حديث حسن و عن

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9