التهذيب في اختصار المدونة
المؤلف : أبي سعيد خلف بن أبي القاسم القيرواني

ثم إن أفاد مالاً رابعاً فيه مع ما بيده ما فيه الزكاة فليزك جميع ما بيده لتمام حول المال الرابع إلا هن يكون فيه مال قد زكاه على حوله قبل أن تجب الزكاة في الفائدة الأخرى فلا يزكيه ثانية إذ لا يزكى مال واحد مرتين في حول.
ومن أفاد عشرين ديناراً ثم بعد أشهر أفاد عشرة فزكى العشرين لحولها فنقصت فإن حلّ حول العشرة والعشرون كما هي أو بقي منها عشرة دنانير فأكثر زكى كل مال على حوله.
552 - ومن أقرض رجلاً مائة دينار، فأقامت عنده أحوالاً، ثم أفاد عشرة دنانير فلا يزكيها لتمام حولها، لأنه لا يدري أيقبض من دينه شيئاً أم لا، فإن أنفق العشرة بعد حولها، أو أبقاها ثم اقتضى من دينه عشرة زكاها مع العشرة الفائدة، ويصير حولهما واحداً من يوم زكاهما ثم يزكي قليل ما يقتضي [بعد ذلك] من دينه وكثيره ويصير حول ما اقتضى من يوم يزكيه.
553 - [ومن] كاتب عبده على دنانير أو غنم أو بقر فقبضها منه بعد حول فلا يزكيها حتى تقيم عنده حولاً بعد قبضها.
ومن أفاد مالاً عيناً من دية أو هبة أو صدقة [أو ميراث] فقبضه بعد أحوال فليستقبل به حولاً بعد قبضه ثم يزكيه لعام واحد، وإن كانت عروضاً أفادها بما ذكرنا، أو اشتراها للقنية، داراً كانت أو غيرها، فقبضها ثم باعها بعد أعوام فمطل بالثمن سنين، فلا زكاة عليه فيها ولا في ثمنها حتى يقبض الثمن، ثم يستقبل به حولاً من يوم قبضه ويزكيه لعام واحد.
554 - ولو أسلف ناضاً كان معه أو باع سلعة عنده للتجارة فمطل بالثمن سنين ثم قبضه زكاه مكانه زكاة واحدة.
ومن كان له على رجل دين له أخوال وهو قادر على أخذه منه فوهبه له فلا زكاة [فيه] على ربه ولا على الموهوب له حتى يتم له عنده حول من يوم وهب له، وهذا إذا لم يكن للموهوب له مال غيره، فإما إن كان له عرض سواه فعليه زكاته وهب له أم لا. [وقال غيره: عليه زكاته إذا وهب له، كان له مال أو لم يكن].

555 - وما ورث الرجل من السلع فنوى بها التجارة، لم تكن بنيته للتجارة ولا زكاة عليه فيه حتى يبيعه ويستقبل بثمنه حولاً بعد قبضه، وإن ورث حُليّاً مصوغاً فنوى به التجارة، وزكى وزنه لتمام حوله، وإن نوى به القنية لم يزكه، وإن ورث آنية ذهب أو فضة أو وهبت له فليزك وزنها لا قيمتها، نوى بها التجارة أو القنية، إذ ليست مما أبيح اتخاذه.
556 - وغلة الدور والدواب والرقيق فائدة وإن ابتيعت الغلة. وإجارة الأجير فائدة يستقبل بها حولاً بعد القبض، وكذلك ما فضل بيد المكاتب بعد عتقه لا يزكيه إلا بعد حول بعد عتقه.
557 - وتستقبل المرأة بصداقها حولاً من يوم تقبضه كان عيناً أو ماشية مضمونة، وإن قبضته بعد أحوال لأنه فائدة، وضمانه كان من الزوج، فأما [إن كان] ماشية بعينها أو نخلاً بعينها فاثمرت فزكاتها عليها أتى الحول وهي عند الزوج أو عندها، لأن ضمانها [كان] منها، ولو قبضت ذلك بعد حول زكته مكانها ولم تؤخره.
558 - وإذا باع القاضي داراً لقوم ورثوها، ووقف ثمنها حتى يقسم بينهم، ثم قبضوه بعد أعوام، فلا زكاة عليهم فيه إلا بعد حول من يوم قبضوه.
وكذلك من ورث مالاً بمكان بعيد فقبضه بعد سنين، فليستقبل به حولاً بعد قبضه، وإن بعث في طلبه رسولاً بأجر أو بغير أجر فليحسب له حولاً من يوم يقبضه رسوله فيزكيه، وإن لم يكن يصل إليه بعد.
وكذلك الوصي يقبض للأصاغر عيناً أو ثمن عرض باعه لهم، فليزك ذلك العين لحول من يوم قبضه الوصي، وإن كان الورثة صغاراً و كباراً لم يكن قبض الوصي قيضاً للصغار ولا للكبار حتى يقتسموا، فليستقبل الكبار [بحصتهم] حولاً بعد قبضه، ويستقبل الوصي للصغار بحصتهم حولاً من يوم القسم، وأما من ورث ماشية تجب فيها الزكاة، أو نخلاً فأثمرت وهي في يدي وصي أو غيره، فإن الساعي يأخذ صدقتها كل عام علم الوارث بها أم لا، بخلاف العين.

559 - وصوف الغنم إذا اشتراها للتجارة فجزها، ولبنها وسمنها فائدة يستقبل بثمنه حولاً بعد قبضه، وكذلك كراء المساكن والعبيد إذا ابتاعهم للتجارة.
560 - وإن ابتاع نخلاً للتجارة فأثمرت ثم جذها فأدى منها الصدقة ثم باع الأصل، فليزك ثمنه إذا قبضه لتمام حول من يوم زكى الثمن الذي ابتاعه به، وإن باع الثمرة فهي فائدة يستقبل بثمنها حولاً بعد قبضه فيصير حول الثمرة على حدة، وحول الأصل على حدة.
* * *
في زكاة المِديان(1)
561 - ومن معه مال حلّ حوله وعليه دين فليجعل دينه في عروضه وداره وسرجه وخاتمه وسلاحه، وفي كل ما يبيعه عليه الإمام في دينه، والإمام يبيع عليه إذا فُلّس عروضه كلها إلا ما لا بد له [منه] من ثياب جسده ويترك له ما يعيش به [هو] وأهله الأيام، ويبيع عليه ثوبي جمعته إن كانت لهما قيمة، فإن لم يكن لهما تلك القيمة فلا.
562 - ويجعل دينه في قيمة رقاب مدبره، وفي قيمة كتابة المكاتبين تقوّم الكتابة بعرض ثم يقوّم العرض بعين، فإن بقي عليه بعد ذلك [شيء من دينه جعله فيما بيده من العين، فإن بقي له بعد ذلك] عشرون ديناراً فصاعداً زكى، وإلا لم يزك شيئاً، ويجعل الدين الذي عليه فيما له من دين، إن كان يرتجيه وإلا فلا، ولا يجعل دينه في قيمة عبده الآبق، لأن بيعه لا يجوز.
563 - ويسقط زكاته مهر امرأته، وزكاة فرط فيها من حرث أو ماشية أو عين، وكذلك إن كان عليه إجارة أجراء عملوا له قبل الحول [أو كراء إبل وجب عليه قبل الحول] فإنه يسقطها كما يسقط الدين.
564 - وتحاصّ المرأة بمهرها الغرماء في الموت والفلس، وتسقط زكاة العين نفقة الزوجة، كانت بقضية أو بغير قضية، ويلزمه ما أنفقت على نفسها في يسره، كان حاضراً أو غائباً ما أنفقت من عندها أو تسلفت، وإن كان معسراً لم يضمن لها ما أنفقت.
__________
(1) هو الكثير الدّين الذي عليه الديون - عافانا الله - وهو مفعال من الدين للمبالغة، انظر: نهاية ابن الأثير (2/150).

565 - ولا تسقط الزكاة ما يجب للأبوين والولد الصغير من النفقة إذ لا تجب لهم حتى يبتغوها، وإن أنفقوا ثم طلبوا لم يلزمه ما أنفقوا وإن كان موسراً، وإن فرض القاضي للأبوين نفقة معلومة فلم يأخذاها شهراً فحل الحول وهي عليه لم تسقط عنه الزكاة بذلك، وأشهب يسقطها لنفقتهما إن كان بقضية، ويجعل الولد كالزوجة، ويعد الولد والزوجة بما تسلفا في يسره من النفقة، وتسقط عنه الزكاة [بذلك] كان بقضية أو بغير قضية، لأن نفقة الولد لم تسقط عن الأب المليء [مذ كانوا] حتى يبلغوا، ونفقة الأبوين كانت ساقطة عنه، وإنما تلزمه بالقضاء.
* * *
في زكاة القراض(1)
567 - ولا بأس بالقراض على أن على رب المال أو العامل زكاة الربح، ولا يجوز اشتراط زكاة المال على العامل [ويجوز اشتراط زكاة الربح خاصة عليه].
568 - ويجوز في المساقاة اشتراط الزكاة على رب الأصل.
ولا يزكي العامل ما بيده [من القراض]، وإن أقام أحوالاً حتى ينبض المال ويحضر ربه ويقتسماه.
569 - وإذا عمل بالمال سنة ثم اقتسما فكان في المال ما وجب لرب المال بربحه ما فيه الزكاة، فالزكاة عليهما، كان في حظ العامل ما فيه الزكاة أم لا، وغن سقطت الزكاة عن رب المال لدين عليه فلا زكاة على العامل في حصته، وإن نابه ما فيه الزكاة، فإن كان على العامل وحده دين يغترق [فيه] ربحه فلا زكاة عليه إلا أن يكون عنده عرض يجعل دينه فيه.
570 - والعامل في المساقاة إذا نابه في حصته من الثمرة أقل من خمسة أوسق زكاه.
571 - وإذا عمل المقارض بالمال أقل من حول ثم اقتسما [وفيما نابه ما فيه الزكاة] فزكى رب المال لتمام حوله فلا يزكي العامل ربحه حتى يحول حوله من يوم اقتسما، ولو كان رب المال عبداً مأذوناً له لم يزك العامل، وإن عمل حولاً ونابه ما فيه الزكاة، وليأتنف بحصته حولاً.
* * *
__________
(1) هو لغة من القرض والقطع، ويُسمى مضاربة ومقارضة، وانظر: معجم المصطلحات (3/78)، والشرح الصغير (1/227).

في أخذ الزكاة من تجار المسلمين
572 - وتؤخذ من تجار المسلمين الزكاة تجروا ببلادهم أو بغيرها، ويسألهم الإمام إذا كان عدلاً عما عندهم من ناض، وإن لم يتجروا، ولا يبعث في ذلك أحداً، وإنما ذلك على أمانة الناس، إلا أن يعلم الإمام أن أحداً لا يؤدي زكاته فيأخذها منه كرهاً ولا ينصب لهذا المكس(1) أحداً.
573 - ومن تجر من المسلمين من بلد إلى بلد لم يؤخذ منه الزكاة [في السنة] إلا مرة واحدة بخلاف أهل الذمة في هذا، ومن تجر ومن لم يتجر إنما عليه الزكاة في كل سنة مرة.
574 - ومن خرج من مصر إلى المدينة بتجارة فلا يقوّم عليه ما في يديه لتؤخذ منه الزكاة، ولكن إذا باع أدى الزكاة، ولا يقوّم أيضاً على أهل الذمة ولكن إذا باعوا أخذ منهم العشر.
575 - ومن قدم بتجارة من المسلمين فقال: هذا الذي معي مضاربة أو بضاعة أو عليّ دين، أو لم يحلّ على ما عندي حول، صدق ولم يحلف.
576 - وإذا تجر الذمي من أعلى بلده على أسفله ولم يخرج إلى غيره لم يؤخذ منه شيء، ولا يؤخذ منه [زكاة] عين أو حرث أو ماشية إلا الجزية صَغاراً لهم.
577 - وإن خرج من بلده إلى غيرها من بلاد المسلمين تاجراً، ومعه بز أو غيره، فلا يؤخذ منه شيء حتى يبيع فيؤخذ منه عشر الثمن، باع بأقل من مائتي درهم أو أكثر، وكذلك لو قدم مائة مرة في السنة، ولا تكتب لهم براءة إلى الحول كما تكتب للمسلمين، ثم إن اشترى [بالثمن شيئاً] بعد ذلك وباع فلا شيء عليه، وإن لم يبع متاعه ورجع به إلى بلده، أو إلى بلد آخر فذلك له، ولا يؤخذ منه شيء، وإن قدم بعين فاشترى به سلعة أخذ منه عشر السلعة مكانه، فإن باعها بعد ذلك وأقام سنين يبيع ويشتري ثم أراد السير إلى بلده أم لا فلا شيء عليه.
__________
(1) المكس: بمعنى الجباية والضريبة.

578 - وإن أكرى ذمي إبله من الشام إلى المدينة فلا شيء عليه، وإن أكراها بالمدينة راجعاً إلى الشام أخذ منه عشر الكراء بالمدينة. وإذا تجر عبيد أهل الذمة أخذ منهم العشر مثل ساداتهم.
579 - وأهل الحرب إذا نزلوا بتجارة أخذ منهم ما صولحوا عليه، وقاله ابن نافع، وروى علي بن زياد: أن عليهم العشر.(1)
580 - وتؤخذ الجزية ممن دان بغير الإسلام، ولا تُضاعف الجزية على [نصارى] بني تغلب ولا غيرهم، ولا جزية على نصراني أعتقه مسلم، فإن أعتقه ذمي كانت عليه.
581 - ومن أسلم منهم وعليه جزية سنين، أو أسلم أهل حصن بعد أن صولحوا على هدنة يؤدونها سنين فقد أسقط ذلك عنهم الإسلام، والمال الذي هودنوا عليه مثل الجزية.
وإذا أسلم أحد من أهل الصلح سقطت الجزية عنه وعن أرضه، وكانت أرضه له، وإن كان من أهل العنوة لم يكن له أرضه ولا ماله ولا داره، وأسقطت عنه الجزية.
582 - وإذا غلب خوارج على بلد أعواماً فلم يؤدوا زكاة فليأخذهم الإمام إن ظهر عليهم بزكاة ما تقدم للحرث والماشية وغيرها، قال أشهب: إلا أن يقولوا قد أدينا ما قبلنا فلا يأخذهم إلا بزكاة عام ظهوره لأنهم متأولون بخلاف الهارب. ولا ينبغي إخراج زكاة شيء من عين أو حرث أو ماشية قبل وجوبه إلا أن قبل الحول بيسير فيجزيه، ولا يجزيه فيما بهد، ويُستحب له أن لا يفعل حتى يحول الحول.
583 - وإن عجل زكاة الماشية لعامين لم يجزه، وأخذه المصّدّق بزكاة ما يجد عنده، وإذا كان الإمام يعدل لم يسع لأحد أن يفرق زكاة ماله الناض ولا غيره، وليدفعه إلى الإمام، وأما زكاة الماشية وما أنبتت الأرض فإن الإمام يبعث في ذلك.
584 - وإذا غلب خوارج على بلد فأخذوا من الناس الزكاة والجزية لم تؤخذ منهم ثانية وأجزأتهم.
__________
(1) انظر: الموطأ مع المنتقى (2/178).

585 - مالك: ومن حلّ عليه حول بغير بلده زكى عن ما معه، وعن ما خلف ببلده، وكذلك إن خلف ماله كله ببلده [فليستلف وليؤد] إلا أن يخاف الحاجة ولا يجد سلفاً فليؤخر إلى بلده، وإن وجد من يسلفه فليخرج زكاته أحب إلي، وقد كان يقول: يقسم في بلده. وقال أشهب: إذا كان ماله ببلده، وكان يقسم ببلده عاجلاً عند حلوله وشبه ذلك فلا يقسمها في سفره وقسمته ذلك في بلده أفضل إلا أن يكون بموضع هو به في سفره حاجة مفدحة، فليزكه هناك أحب إليّ إذا كان يجد ذلك، إلا أن يخشى أن تؤدى عنه زكاته ببلده فليس ذلك عليه.
* * *
القول في زكاة المعادن والركاز
586 - ولا زكاة فيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة حتى يبلغ وزنه ما تجب فيه الزكاة فيزكيه، ثم ما اتصل بعد ذلك خروجه مما قلّ أو كثر أخذ منه ربع عشره كالزرع، إلا أن ينقطع [ذلك] النيل ويأتنف بعد ذلك بشيء آخر فيكون كابتدائه، وهذا فيما يتكلف بعمل.(1)
587 - وأما الندرة(2) من ذهب أو فضة أو الذهب النابت يوجد بغير عمل أو بعمل يسير ففيه الخمس كالركاز، وما ينال من ذلك بتكلف ومؤنة ففيه الزكاة.
588 - ولا يسقط الدين زكاة المعدن كالزرع، ويفرق على الفقراء كالزكاة لا كالفيء.
__________
(1) قال ابن الجلاء: ووفى معادن الذهب والورق الزكاة، إذا بلغ ذلك نصاباً وكان نيله متصلاً به، فيزكى عن أخذه، ولا ينتظر به حولاً بعده، ومن استخرج من معدن نصاباً من ذهب أو ورق، وعليه دين مثله، فالزكاة عليه واجبة، وانظر: التفريع (1/278).
(2) النّدْرة: القطعة من الذهب والفضة، الوسيط (ندر/2/947).

589 - ولا زكاة في معادن النحاس والرصاص والحديد والزرنيخ وشبهه. وما ظهر من المعادن في أرض العرب أو البربر فالإمام يليها ويقطعها لمن رأى، ويأخذ زكاتها سواء ظهرت في الجاهلية أو بعد الإسلام، وما ظهر منها في أرض الصلح فهي لأهل الصلح دون الإمام، ولهم أن يمنعوها من الناس أو يأذنوا لهم فيها، وما ظهر منها في أرض العنوة فهو إلى الإمام [يصنع فيها ما شاء ويقطع لمن يعمل فيها].
590 - وكره مالك حفر قبور الجاهلية والطلب فيها، [قال ابن القاسم:] ولست أراه حراماً، وما وجد فيها من مال [الجاهلية] ففيه الخمس.
591 - والركاز دفن الجاهلية من ذهب أو فضة، فما وجد بأرض العرب كاليمن والحجاز وفيافي الأرض، فهو لمن وجده وعليه فيه الخمس، كان كثيراً أو قليلاً، وإن نقص عن مائتي درهم، أصابه غني أو فقير أو مديان، قال مالك: ناله بعمل أو بغير عمل.
592 - وقال أيضاً مالك في موضع آخر: سمعت أهل العلم يقولون في الركاز: إنما هو دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال أو يتكلف فيه كثير عمل، فأما ما طلب بمال وتكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز وهو الأمر عندنا، وما أصيب من دفن الجاهلية من الجوهر والحديد والنحاس [والرصاص] وشبهه. فقال مالك مرة: فيه الخمس، ثم قال: لا خمس فيه ثم قال: فيه الخمس، وبه أقول، ولم يختلف قوله قط فيما أصيب من ذهب أو فضة انه ركاز وفيه الخمس.(1)
593 - وما وجد من ركاز ببلد العنوة فهو لجميع من افتتحها، وليس هو لمن وجده دونهم وفيه الخمس، وإن وجد بأرض الصلح فهو للذين صالحوا على أرضهم ولا يخمس، وإن وجد في دار أحدهم فهو لجميعهم، إلا أن يجده رب الدار فيكون له خاصة إلا أن يكون رب الدار ليس من أهل الصلح فيكون [ذلك] لأهل الصلح دونه، وإن وجد ببلاد الحرب فهو لأهل الجيش [لأنه إنما نال ذلك بهم].
__________
(1) انظر: المعونة على مذهب عالم المدينة، (1/378) لعبد الوهاب البغدادي.

594 - ومن حال الحول على فلوس له قيمتها مائة درهم فلا زكاة عليه فيها إلا أن يكون مدبراً فيقومها كالعرض.
595 - ولا زكاة في [اللؤلؤ ولا في الجوهر ولا في العنبر ولا زكاة في] التوابل والزعفران والكرسف والعصفر، وليس في الجوز واللوز [والتين] وما ييبس ويدخر من الفواكه، ولا في الخضر كلها والبقول، ولا في ثمن شيء من ذلك حتى يستقبل به حولاً بعد قبضه.
596 - وليس الزكاة إلا في العنب والتمر والزيتون والحب والقطنية.
597 - ومن لم يجد إلا صنفاً واحداً ممن ذكر الله تعالى في كتابه أجزأه أن يجعل زكاته فيهم، وإن وجد الأصناف كلها آثر أهل الحاجة منهم، وليس في ذلك قسم مسمى. قال الشعبي: لم يبق من المؤلفة قلوبهم أحد.
598 - ومن له دار وخادم لا فضل في ثمنهما عن سواهما أعطي من الزكاة، وإن كان فيهما فضل [ليسر فيه] لم يعط، ويعطى منها من له أربعون درهماً، إن كان أهلاً لذلك لكثرة عيال ونحوه، ولا يعطى منها من له ألف وعليه ألفان وله دار وخادم يساويان ألفين، ولو أدى الألف في دينه [وبقيت عليه ألف]، وليس في الدار والخادم فضل عن سواهما مما يغنيه، أعطي وكان من الفقراء والغارمين، ويؤثر بالزكاة أهل الحاجة ولا يرضخ لغيرهم ممن لا يستحقها.
599 - ولا يرفع الإمام من جميع الزكاة شيئاً إلى بيت المال، وليفرقها بموضع جبيت فيه، فإن لم يجد في الموضع من يفرقها عليهم أو فضل عنهم شيء، نقل ذلك إلى أقرب البلدان إليهم، وإن بلغ الإمام عن أهل بلد شدة وحاجة فليعط الإمام أهل البلد الذي جبي فيه ذلك المال [منه]، ويوجه جله إلى الموضع المحتاج، [لأن حق بلاد المسلمين في ذلك سواء]. وكذلك لو بلغ رجلاً من أهل المدينة عن أهل المدينة حاجة فبعث إليهم من زكاة ماله كان ذلك صواباً.
600 - وإن رأى الإمام البلدان متكافئة في الحال آثر بذلك [المال] أهل البلد الذي جبي فيه فقسمه عليهم وآثر الفقراء على الأغنياء [إلا أن يفضل عنهم فضل فيخرج إلى غيرهم].

[قال مالك]: والصدقات في القسم كالزكاة.
مالك: ولا يعجبني أن يلي أحد قسم صدقته خوف المحمدة والثناء، وعمل السر أفضل. ويدفع ذلك إلى من يثق به فيقسمه.
601 - فإن وليها هو فلا يعطيها أحداً تلزمه نفقته. وإيعاب النفقات في كتاب إرخاء الستور.
وأما من لا تلزمه نفقته من قرابة فلا يعجبني أن يلي هو إعطاءهم، ولا بأس أن يعطيهم من يلي تفرقتها بغير أمره كما يعطي غيرهم، إن كانوا لها أهلاً. قال ابن عباس وغيره: إن أعطى قرابته على الصحة كما يعطي غيرهم أجزأه. وكرهه ابن المسيب وغيره، وأكثر شأن مالك فيه الكراهية لخوف المحمدة، ولدفع صلة كانوا يرجونها منه وقضى مذمة كانت عليه، ولو صح ذلك عنده أجزأه.
602 - ولا تعطي المرأة زوجها من زكاتها. قال أشهب: فإن فعلت ولم يرد ذلك عليها فيما يلزمه من مؤونتها [أجزأها، وإن رد ذلك عليها فيما يلزمه] لم يجزها.
603 - ولا بأس أن يبتاع الإمام من الزكاة رقاباً فيعتقهم، وولاؤهم للمسلمين، وكذلك من ولي صدقة نفسه، وإن أعتقها عن نفسه أعاد ولم تجزه، لأن الولاء له وكأنها زكاة لم يخرجها، ولا يعجبني أن يعان بها مكاتب.
ويعطى منها ابن السبيل [المحتاج وإن كان غنياً ببلده، والحاج ابن السبيل]، وكذلك الغازي يعطى منها، وإن كان ملياً ببلده.
ولا يعطى من الزكاة في كفن الميت، أو بناء مسجد، ولا لذمي أو مجوسي أو عابد وثن ولا العبد، ولا يعطى منها ولا من الكفارات إلا مؤمن حر كما لا يعتق منها إلا عبد مؤمن. ولا يعطي فيما لزمه من زكاة العين عرضاً أو طعاماً، وأكره للرجل شراء صدقته.
604 - ومن [كان] له دين على فقير فلا يعجبني أن يحسبه عليه في زكاته، وقال غيره: لأنه تاو لا قيمة له أو له قيمة دون.

605 - ومن أصاب ركازاً وله قرابة فقراء لا تلزمه نفقتهم لم يخصهم بخمسه، ولكن يعطيهم كما يعطي غيرهم من الفقراء، إن كان لا يدفع به مذمة ولا يجر به محمدة إلا على وجه الاجتهاد، وأما من تلزمه نفقتهم فلا يعجبني ذلك، وإن كانوا فقراء، لأن نفقتهم تلزمه، فيدفع بذلك مضرة نفقتهم، وإن كانوا أغنياء فغيرهم أحق بذلك منهم. وقال غيره: إذا أعطاهم كما يعطي غيرهم من الأباعد بغير إيثار جاز، لأنه حلال للغني والفقير، إلا أن الفقير يؤثر على الغني.
606 - قال ابن القاسم: وإذا كان رجل فقير له أب مليء لا يناله رفقه فلا بأس أن يعطى من الزكاة، وإن كان يناله رفقه فغيره ممن لا يناله رفق أحد أولى أن يؤثر.
607 - وجزية جماجم أهل الذمة وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلح فهو عند مالك جزية، والجزية عنده فيء. قال مالك: ويعطى هذا الفيء أهل كل بلد افتتحوها عنوة أو صالحوا عليها فيقسم عليهم ويفضل بعض الناس في الفيء ويبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا [منه]، ولا يخرج إلى غيرهم إلا أن تنزل بقوم حاجة فينقل غليهم منه بعد أن يعطي أهله ما يغنيهم على الاجتهاد.
608 - ومن أوصى بنفقة في السبيل بدئ بأهل الحاجة منهم، ويعطى من هذا الفيء للمنفوس، وقد فرض له عمر مائة درهم، ويبدأ بكل منفوس والده فقير، وقد كان عمر يقسم للنساء حتى إن كان ليعطيهن المسك.
609 - قال ابن القاسم: ويبدأ بالفقيرة منهن قبل الغنية. قال مالك: ويبدأ بالفقراء في هذا الفيء، فإن فضل بعد غناهم شيء كان بين الناس كلهم بالسواء عربيهم ومولاهم.
610 - وقال ابن القاسم: يعني أن كل إنسان يعطى قدر ما يغنيه من صغير أو كبير أو امرأة، فإن فضل بعد غنى أهل الإسلام من هذا المال فضل اجتهد [فيه] الإمام إن رأى أن يحبسه لنائبة تنزل فعل.

وقد قال عمر: ما من أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه حتى لو كان راعياً أو راعية بعدن(1). وأعجب مالكاً هذا الحديث.
611 - وإن رأى الإمام أن يفرقه على أغنيائهم فرقه، لأن الفيء حلال للأغنياء، ولا بأس أن يعطي [الإمام] منه للرجل يراه للجائزة أهلاً، لدين عليه أو غيره ذلك، ولا بأس على ذلك الرجل أن يأخذها، ولا يجبر الإمام أحداً على أخذ هذا المال إذا أبى أخذه.
* * *
“تم كتاب الزكاة الأول بحمد الله وعونه
يتلوه كتاب الزكاة الثاني
بحول الله وقوته”
* * *

(كتاب الزكاة الثاني)
612 - وليس فيما دون خمس من الإبل صدقة، ثم في الخمس شاة إلى تسع فإذا بلغت عشراً ففيها شاتان إلى أربع عشرة، فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه إلى تسع عشرة، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه إلى أربع وعشرين، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض(2) إلى خمس وثلاثين.
__________
(1) رواه البيهقي في الكبرى (6/352) من حديث زيد بن أسلم عن أبيه رضي الله عنهم.
(2) هي التي لها سنة وحملت أمها.

فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون(1) ذكر، فإن لم يوجدا جميعاً في الإبل أجبر ربها على أن يأتي بابنة مخاض غلا أن يشاء أن يدفع خيراً منها، فليس للساعي ردها، فإن أتاه بابن لبون لم يأخذه الساعي إلا أن يشاء ويرى ذلك نظرا، ثم ما زاد على خمس وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فما زاد إلى ستين ففيه حقه(2) طروقة الفحل، فما زاد إلى خمس وسبعين ففيه جذعة(3)، فما زاد إلى تسعين ففيه ابنتا لبون فما زاد إلى عشرين ومائة ففيه حقتان، فإذا زادت على العشرين ومائة واحدة كان الساعي عند مالك مخيراً في أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون.
613 - وقال ابن شهاب وابن القاسم: لا يأخذ إلا [ثلاث] بنات لبون كن في الإبل أم لا. واتفقوا إذا بلغت ثلاثين ومائة أن فيها حقة وابنتي لبون فما زاد ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، فإذا بلغت مائتين كان الساعي مخيراً إن شاء أخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون كانت الأسنان في الإبل أم لا.
614 - ويجبر رب المال على أن يأتيه بما شاء إلا أن يكون في الإبل سن واحدة فليس للساعي غيرها، وإذا صارت الفريضة في الإبل لم ترجع إلى الغنم، قال سحنون: إلا أن ترجع الإبل إلى أقل من فريضة الإبل فترجع إلى الغنم.
__________
(1) ابن لبون: ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة، لأن أمه ولدت غيره، فصار لها لبن، وهي ابنة لبون، الوسيط (2/847).
(2) هي ما مضت عليها ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة فهو حق والأنثى حقه.
(3) الجذعة، والثنية ما أوفى سنة ودخل في الثانية إلا أن الثنية ما أوفت سنة ودخلت في الثانية دخولاً بيناً، الثمر الداني (345).

ولا يأخذ الساعي دون السن المفروضة وزيادة ثمن، ولا فوقها، ويؤدي ثمناً، ولا يشتري أحد من الساعي قبل خروجه شيئاً من الصدقة، وإن وصف أسنانها، إذ لا يدري ما يقتضي في نحوها وهيئتها، ومن اشترى الصدقة التي عليه يدين إلى أجل لم يجز، لأنه دين في دين، ولا يأخذ الساعي فيها دراهم.
615 - واستحب مالك أن يترك المرء شراء صدقته، وإن كانت قبضت منه.
616 - ومن [كان] له خمس من الإبل فهلكت منهن واحدة قبل الحول بيوم ونتجت أخرى فتم الحول بالتي نتجت خمسة ففيها شاة، والشّنَق من الإبل ما يزكى بالغنم، ولا يزكى بالغنم إلا أربع وعشرون فأدنى، ويؤخذ في الإبل من الغنم من الصنف الذي هو جلّ أغنام ذلك البلد من ضان أو معز وافق ما في ملك ربها، أو خالفه إلا أن يتطوع ربها بدفع الصنف الأفضل.
617 - وليس في البقر صدقة حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع ذكر، إلى أن تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة، ولا تكون إلا أنثى، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان، وفي سبعين تبيع ومسنة، وفي ثمانين مسنتان ثم على هذا، وكذلك الجواميس.(1)
618 - وليس في الغنم صدقة حتى تبلغ أربعين [فإذا بلغت أربعين] ففيها شاة، إلى عشرين ومائة، وفي إحدى وعشرين ومائة شاتان إلى مائتي شاة، وفي مائتي شاة وشاة ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فما زاد ففي كل مائة شاة.
__________
(1) انظر: التفريع لابن الجلاب (1/284)، وأسهل المدارك (1/388).

619 - وإذا كانت الغنم رُبَّى(1) كلها أو ماخضاً(2) أو أكولة(3) أو فحولة لم يكن للمصدق أن يأخذ منها شيئاً، وليأت ربها بجذعة أو ثنية مما فيها وفاء، ويلزم الساعي قبولها، [ولا يأخذ ما فوق الثني ولا ما تحت الجذع]، ولا يأخذ إلا الثني والجذع إلا أن يشاء رب المال أن يعطيه ما هو أفضل من ذلك، والجذع من الضان والمعز في أخذ الصدقة سواء.
620 - ولا يأخذ المصدق تيساً(4)، ويحسبه على رب الغنم كما يحسب عليه العمياء والمريضة البين مرضها، والهرمة(5)، والسخلة(6)، والعرجاء التي لا تلحق، وكل ذات عوار، ولا يأخذها، وإن كانت الغنم كلها قد جربت(7)، أو ذات عوار(8)، أو سخالاً، أو كانت البقر عجاجيل كلها، والإبل فصلانا كلها كلف ربها أن يشتري ما يجزيه.
621 - وإذا رأى المصدق أن يأخذ ذات العوار أو التيس، أو الهرمة، أخذها إن كان ذلك خيراً له، ولا يأخذ من [هذه] الصغار شيئاً.
622 - ولا شيء في الوقص وهو ما بين الفريضتين في جميع الماشية، ومن كانت له ثلاثون من الغنم فتوالدت قبل قدوم الساعي بيوم فتمت أربعين زكاها عليه.
__________
(1) هي التي تربى في البيت لأجل اللبن، النهاية (2/180).
(2) هي الحامل التي دنت ولادتها.
(3) هي التي تُسمن للأكل، النهاية (1/58).
(4) هو الذكر من المعز والظباء والوعول إذا أتى عليه الحول، الوسيط (1/95).
(5) هي الكبيرة الضعيفة.
(6) ولد الغنم، النهاية (2/350).
(7) الجرب: مرض جلدي ينشأ عنه حكة شديدة في أثناء النوم خاصة، الوسيط (1/119).
(8) أي عيب.

623 - ولا يفرق الساعي الغنم فرقتين ليخير ربها في أخذ أحدهما ليأخذ هو من الآخر، وتؤخذ الصدقة من الإبل العوامل وغيرها، ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يؤخذ من حزرات الناس شيء.(1)
624 - وزكاة ماشية القراض على رب المال في رأس ماله. ولا يقوم المدبر غنمه في شهره الذي يزكي فيه، وإن ابتاعها للتجارة، وليزك رقابها كل عام، ولو زكى ثمنها ثم اشتراها به بعد أشهر فليستقبل بها حولاً من يوم ابتاعها، ثم يزكي رقابها، كان مدبراً أو غير مدبر، ولو باع الغنم قبل الحول أو بعده قبل مجيء الساعي، فليزك الثمن لأول حول من يوم أفاده أو زكاه، ولا زكاة عليه فيها للمصدق، ولو باعها بعد أن زكى رقابها زكى الثمن لتمام حول من يوم زكى الرقاب.
__________
(1) رواه أبو داود في المراسيل (ص15)، والبيهقي (4/102)، ووصله الطحاوي في الشرح (2/33)، وله شاهد عند البخاري (1395)، ومسلم (19) بنحوه، والحزرات جمع حزْرَة وهي خيار رمال الرجل، النهاية (1/377).

625 - ومن له سبعون ضائنة، وأربعون ماعزة فعليه شاة [واحدة] من الضأن [ومن له سبعون ضائنة وستون معزة فعليه شاة من الضأن] وأخرى من المعز، ولو كانت المعز خمسين كانت عليه شاة واحدة من الضأن، ولو كانت ستين من الضأن وستين من المعز أخذ الساعي واحدة من أيها شاء، ولو كانت عشرين ومائة ضائنة وأربعين معزة أخذ من الضأن واحدة ومن المعز أخرى، ولو كانت معزاها ثلاثين أخذ شاتين من الضأن، ولو كانت ثلاثمائة ضائنة، وتسعين معزة، أخذ ثلاث ضوائن، ولا شيء في المعز، لأنها هاهنا وقص حتى تبلغ مائة فيكون فيها معزة، ولو كانت ثلاثمائة وخمسين ضائنة وخمسين معزة أخذ ثلاث ضوائن وخير في الرابعة، إن شاء معزة أو ضائنة، ولو كانت الضأن ثلاثمائة وستين والمعز أربعين أخذ الأربع من الضأن، وكذلك من كانت له ستون ضائنة وأربعون معزة أخذ منها شاة من الضأن، ولو كانت الضأن ثلاثمائة وأربعين والمعز ستين أخذ ثلاث ضوائن ومعزة، ولو كانت مائتي ضائنة ومائة من المعز، أو مائة وخمسين أخذ ضائنتين ومعزة، وكذلك في تسعين ومائة ضائنة، وستين ومائة معزة، وإن كان من كل صنف مائة وخمسة وسبعون أخذ من كل صنف واحدة، وأخذ الثالثة من أيها شاء.
626 - وكذلك يجري هذا في اجتماع الجواميس مع البقر والبخت مع الإبل العراب، فإن كان له عشرون من الجواميس وعشرة من البقر فعليه تبيع من الجواميس، وإذا كانت له أربعين جاموساً وثلاثين من البقر، أخذ من الجواميس مسنة ومن البقر تبيعا، ولو كانت الجواميس أربعين والبقر عشرين أخذ من كل صنف تبيعا، ولو كانت عشرون جاموساً وعشرون من البقرة أخذ [المصدق] مسنة من أيهما شاء، ولو كان من كل صنف ثلاثون أخذ من كل صنف تبيعا.
627 - ولا يسقط الدين زكاة الحرث والماشية، وإن كان الدين يغترقها أو كان الدين مثل صفتها، ولا يمنع الغرماء المصدق من أخذ الزكاة، إنما يسقط الدين زكاة العين خاصة على ما وصفنا.

628 - وأما من له عبد وعليه عبد مثله في صفته فلا يزكي الفطر عنه إن لم يكن له مال.
629 - ومن استهلكت غنمه بعد الحول قبل مجيء الساعي وهي أربعون فأخذ في قيمتها دراهم زكاها مكانه، لأن حولها قد تم، وإن أخذ بالقيمة إبلاً أو بقراً فلا شيء عليه، ويستقبل بها حولاً من ذي قبل، فإن أخذ في قيمتها غنماً في مثلها الزكاة فلا زكاة عليه أيضاً، ولابن القاسم قول ثان، أنه يزكيها كالمبادلة بها والقيمة لغو غلا أن تكون [القيمة] اقل من أربعين فلا شيء عليه.
630 - ومن ورث غنماً، أو اشتراها للقنية ثم باعها بعد الحول قبل مجيء الساعي، لم يزك الثمن واستقبل به حولاً بعد قبضه، إلا أن يبيعها فراراً فتلزمه زكاة السائمة، ثم قال بعد ذلك: أرى أن يزكي الثمن [وإن لم يبيعها فراراً]، وكذلك إن باعها بعد ستة أشهر من يوم ابتاعها أو ورثها زكى الثمن لستة أشهر أخرى، وعلى هذا ثبت، وهذا أحب إلي.
631 - ومن كان عنده أربعة من الإبل فباعها بعد حولها لم يزك الثمن، ومن بادل غنماً بإبل وبقراً بغنم بعد أشهر من يوم زكى رقابها فليأتنف بالذي أخذ حولاً من يوم ابتاعها، وقد انتقض الحول الأول إلا أن يبيع جنساً بمثله كغنم بغنم، فالثانية على حول الأولى، إلا أن تنقص الثانية عن ما فيه الزكاة مثل أن يبيع عشرين ومائة شاة لها عنده ستة أشهر بثلاثين شاة، فلا زكاة عليه فيها لتمام الحول، فإن باعها بأربعين زكاها شاة لتمام ستة أشهر أخرى.(1)
632 - ومن باع بعد الحول نصاب إبل بنصاب غنم هارباً من الزكاة، أخذ منه المصدق زكاة ما أعطى، وإن كانت زكاة الذي أخذ أفضل، ولو باعها غير فار فلا شيء عليه، ويستقبل بالثمن حولاً، ولو باعها بعد الحول بثمن يزكى مثله لزكى الثمن الآن إن لم يبع فراراً، وإن قبضه بعد أعوام زكاه لعام واحد، وإن أخذ الثمن فأقرضه فأقام سنين ثم قبضه زكاه لعامين.
__________
(1) انظر: الشرح الكبير (1/481، 482).

633 - ومن مات عن ماشية بعد الحول قبل مجيء الساعي لم يلزمه ولا وارثه شيء حتى يأتي حول من يوم ورثها الوارث فيزكيها، وإن كانا وارثين في الماشية فكالخليطين لا زكاة على من لا زكاة في حظه، ولو كانا قد اقتسما، فعلى كل واحد ما يلزمه، ولو مر به الساعي قبل حول من يوم ورثها فلا شيء عليه لتمام حول حتى يمر به من عام قابل فليأخذ منه لعام واحد.
634 - ومن أفاد غنماً إلى غنم، أو بقراً إلى بقر، أو إبلاً إلى إبل، بإرث أو هبة أو شراء زكى الجميع لحول الأول، وسواء ملك [الثانية قبل تمام حول الأول] بيوم، أو بعد حولها قبل قدوم الساعي، وهذا إذا كانت الأولى نصاباً يجب فيها الزكاة، وإلا استقبل بالجميع حولاً من يوم أفاد الآخرة إلا أن تكون [الفائدة] بولادة [الأولى] كما ذكرنا، وأما إن أفاد جنساً إلى غيره، كإبل إلى غنم والأول نصاب أم لا فكل صنف على حوله.(1)
635 - ومن كانت غنمه مائتي شاة وشاة فهلكت منها واحدة بعد نزول الساعي قبل العدة لم يأخذ غير شاتين، ولو نقصت الأربعون شاة شاة واحدة قبل الحول بيسير أو كثير ثم أفادها من يومه ائتنف بالجميع حولاً من يوم أفاد الآخرة، إلا أن تكون من ولادتها.
636 - ومن وجبت له إبل في دية فقبضها بعد أعوام فليأتنف بها حولاً من يوم قبضها. ومن ورث مالاً نصاباً غائباً عنه لم ينبغ أن يزكى عليه وهو غائب، خوفاً أن يكون وارثه مدياناً أو يرهقه دين قبل مجيء السنة، فإذا قبضه وارثه استقبل به حولاً بعد قبضه ثم زكاه، وقد تقدم كثير من هذا المعنى في الجزء الأول من الزكاة.
637 - ومن مات عن نصاب ماشية بعد حولها وقبل مجيء الساعي فلا زكاة عليه، ولو أوصى بزكاته كانت من الثلث غير مبدأة، وتفرق على المساكين [وفي الأصناف التي ذكر الله تعالى]، وليس للساعي قبضها لأنها لم تجب على الميت، وكأنه مات قبل حولها إذ حولها مجيء الساعي مع مضي عام.
__________
(1) انظر: التفريع لابن الجلاب (1/285).

638 - وأما من حلت عليه في مرضه زكاة العين أو أتاه مال غائب، فأمر بزكاته فذلك من راس ماله لأنه لم يفرط، وإن لم يوص بها أمر بذلك الورثة ولم يجبروا، ولو كان قد فرط فيها وأوصى بها كانت من الثلث مبدأة على سائر الوصايا من العتق والتدبير في المرض وغيره، إلا المدبر في الصحة، وإن لم يوص بها لم يلزم الورثة إخراجها إلا أن يشاءوا.
639 - وإن أوصى بذلك وبعتق رقبة عليه من ظهار أو قتل نفس [فضاق الثلث بدئ بالزكاة ثم بالعتق الواجب من الظهار وقتل النفس]، ولا يبدأ أحدهما على صاحبه، ويبدءان على العتق التطوع، والعتق التطوع بعينه يبدأ على ما سواه من الوصايا.
640 - ومن نزل به الساعي فقال له: إنما أفدت غنمي منذ شهر، صدق ما لم يظهر كذبه، وإذا كان الإمام عدلاً فلا يخرج أحد زكاة ماشيته حتى يأتيه المصدق، فإن أتاه فقال له: أديت زكاة ماشيتي لم يقبل قوله، وليأخذه بها، وإن كان الإمام غير عدل فليضعها [ربها] مواضعها إن خفي له ذلك، وأحب إلي أن يهرب بها عنهم إن قدر وإن لم يقدر أجزأه ما أخذوا.
641 - ومما يوجب الخلطة أن يكون الراعي والفحل والدلو والمراح والمبيت واحداً، فهذه أوجه الخلطة، وإن لم تكن كلها وانخرم بعضها لم يخرجهم ذلك من الخلطة، وكذلك إن كان الرعاة شتى وهم يتعاونون فيها وافترقوا في معنى واجتمعوا في غيره فهم خلطاء.
قال مالك: وإن لم يختلطوا إلا في شهرين من آخر السنة أو في طرفها فهم خلطاء، وإنما ينظر إلى آخر السنة لا إلى أولها. ابن القاسم: وإن اجتمعت في آخر السنة أقل من شهرين فهما خلطاء ما لم يقرب الحول جداً فيصير إلى الحديث الذي نهي فيه أن يجمع بين مفترق أو يفرق بين مجتمع. مالك: ومعنى الجمع بين مفترق أن يكون لكل واحد أربعون شاة، فإذا أظلهما الساعي جمعاها ليؤديا شاة واحدة، والتفرق بين مجتمع أن يختلطا ولحدهما مائة وللآخر مائة شاة وشاة ففيها ثلاث شياه، فإذا افترقا أديا شاتين.

642 - ولا يكونان خليطين حتى يكون لكل واحد من الماشية ما تجب فيه الزكاة، ومن لم يبلغ حظه ذلك فلا زكاة عليه، والزكاة على من بلغ ذلك حظه خاصة. ولا يحسب عليه غنم خليطه وإن لم يبلغ حظ واحد منهما منفرداً ما تجب فيه الزكاة، وفي اجتماعهما عدد الزكاة، فلا زكاة عليهما، فإن تعدى الساعي فأخذ منهما شاة من غنم أحدهما فليترادا فيها على عدد غنمهما.
والخليطان في البقر كالخليطين في الغنم، وإن كان لأحدهما خمسة عشر ومائة من الإبل، وللآخر خمسة، فأخذ الساعي منهما حقتين فليترادا قيمتها على أربعة وعشرين جزءاً على صاحب الخمسة جزء منها وهو ربع السدس، وما بقي فعلى الآخر.
وإذا كان لأحدهما تسعة من الإبل وللآخر خمسة، فقال مالك مرة: على كل واحد بمنهما] شاة، ثم رجع فقال: يترادان في الشاتين للخلطة. وإن كانوا ثلاثة لواحد خمسون [شاة]، وللآخر أربعون، وللآخر واحدة فأخذ الساعي منهم شاة فهي على صاحبي التسعين على تسعة أجزاء دون رب الواحدة إذ لم يضرهما، ولو أخذها له [غرماها له] على تسعة أجزاء، خمسة على رب الخمسين وأربعة على رب الأربعين.
وإن كان لأحدهما عشرة ومائة، وللآخر إحدى عشرة، فأخذ الساعي شاتين فليترادا فيها. ولو كان لأحدهما أربعون، وللآخر ثلاثون، فأخذ الساعي شاة فهي على صاحب الأربعين وحده، وإن كان لأحدهما ألف شاة أو أقل، وللآخر أربعون شاة أو أكثر كانا خليطين، ثم يترادان الفضل بينهما بالسوية.
643 - ومن تزوج امرأة على ماشية بعينها فلم تقبضها حتى تم لها حول عند الزوج فطلقها قبل البناء [بها] وقبل مجيء الساعي، فإن أتى الساعي ولم يقسماها، أو وجدهما قد تخالطا بعد اقتسام فهما كالخليطين لا زكاة عليهما حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما فيه الزكاة، وإن بلغ ذلك حظ أحدهما كانت الزكاة عليه في غنمه فقط.
644 - ولا تكون للزوج فائدة إذا كان له فيها شرك في نمائها ونقصانها.

645 - ويجمع على الرجل ما افترق له في البلدان من الماشية فمن له أربعون شاة ولخليطه مثلها وله ببلد آخر أربعون لا خليط له فيها، فلتضم إلى غنم الخليط، فيأخذ الساعي للجميع شاة ثلثاها على رب الثمانين، والثلث على رب الأربعين، وهكذا يتراجعان في هذا الوجه [كله].
646 - وما ذبحه الرجل بعد الحول أو مات من ماشية قبل قدوم الساعي ثم قدم لم يحاسبه به، وإنما يزكي ما وجد بيده حاضراً.(1)
647 - ومن هرب بماشيته عن الساعي وهي ستون، فأقام ثلاث سنين، وهي بحالها، ثم أفاد بعد ذلك مائتي شاة فضمها إليها، ثم أتى في السنة الخامسة تائباً فليؤد عن كل عام [زكاة] ما كان عنده من الغنم، ولا يؤدي عما أفاد في العامين الأخيرين لماضي السنين، لأنه كان ضامناً لزكاتها لو هلكت.
648 - والذي تخلف عنه الساعي سنين ثم أتاه فإنما يأخذ منه زكاة ما وجد بيده لماضي السنين ما بينه وبين أن ينقص بأخذه عن عدد [ما] تجب فيه الزكاة لأنها لو هلكت لم يضمنها.
فإن غاب الساعي خمس سنين وغنمه فيها ألف شاة ثم نقصت في غيبة الساعي فوجدها حين أتى ثلاثاً وأربعين شاة، أخذ منها أربع شياه، وإن وجدها قد رجعت إلى ما لا زكاة فيه فلا زكاة فيها، ولو زادت أضعافاً عند مجيء الساعي [بفائدة أو شراء فليضفها إلى ما بيده] وليزك ما وجد في يده للأعوام الماضية كلها. وكذلك الإبل والبقر، وهكذا فعل الأئمة زمن الفتنة، قال مالك: وهو الشان.
فإن غاب الساعي عن خمس من الإبل خمس سنين ثم أتى فليأخذ [عنها] خمس شياه، لأن زكاة الإبل هاهنا من غيرها، وإن غاب بالساعي] عن خمس وعشرين من الإبل خمس سنين ثم أتى، فليأخذ لعام واحد بنت مخاض، ولأربع سنين ست عشرة شاة. ولو كانت الإبل عشرين ومائة أخذ عشر حقاق، ولو كانت إحدى وتسعين أخذ حقتين وثماني بنات لبون. قال أبو الزناد: وهي السنة.
__________
(1) انظر: الشرح الكبير لأبي البركات (1/443).

649 - وتبعث السعاة عند طلوع الثريا في استقبال الصيف، واجتماع الناس للمياه.
650 - ومن غصبت ماشيته فردت عليه بعد أعوام، فليزكها لعام واحد، وقال أيضاً ابن القاسم [وأشهب] أنه يزكيها لكل عام مضى [على ما توجد عليه عنده] إلا أن يكون السعاة قد زكوها كل عام فيجزيه إذ لم تزل عن ملكه، كما لو غصبه نخلاً ثم ردها عليه بعد سنين مع ثمرها لزكى ذلك، والعين بخلاف هذا لا يزكيه إذا رجع إلا لعام واحد.(1)
651 - ومن أجبره المصدق على أن أدى في صدقته ثمناً رجوت أن تجزيه، إن كانت للحول وكانت وفاء لقيمة ما وجب عليه، وإنما أجزأ ذلك، لأن يحيى بن سعيد قال: من الناس من يكره اشتراء صدقته، ومنهم من لا يرى به بأساً فكيف بمن أكره. وقال مالك: لا يشتري الرجل صدقة حائطه ولا زرعه ولا ماشيته.(2)
* * *
باب في زكاة الثمار والحبوب
652 - ولا صدقة في حب أو تمر حتى يُجَذّ أو يحصد ويبلغ كيله خمسة أوسق، فإن كان مما تسقيه السماء أو يشرب سيحاً(3) أو بعلاً(4) ففيه العشر. وما سقت السواني(5) بغَرْب(6) أو دالية(7) أو غيره [ففيه] نصف العشر.
__________
(1) انظر: مواهب الجليل (2/267).
(2) انظر: حاشية الدوسوقي على الشرح الكبير (1/457).
(3) السيح: الماء الجاري المنبسط على وجه الأرض، النهاية (2/432).
(4) البعل: ما يشرب بعروقه من غير سقي ولا سماء، اللسان (1/448).
(5) السواني: جمع سانية، وهي الناقة التي يُستقى عليها.
(6) الغَرْب: الدلو العظمة تتخذ من جلد الثور، الوسيط (1/305).
(7) الدالية: خشبة تصنع على هيئة الصليب تثبت برأس الدلو، ثم يشد بها طرف حبل.

653 - ولا يخرص إلا التمر والعنب للحاجة إلى أكلهما رطبين، فيخرص ذلك إذا أزهى وحلّ بيعه، لا قبل ذلك، فينظر قدر مكيلته رطباً ثم يقال: ما ينقص إذا يبس فيسقط، فإن بقي بعد ذلك ما فيه الزكاة زُكي. وكذلك الكرم يخرص عنباً ثم يقال ما ينقص هذا العنب إذا تزبب فيسقط على ما وصفنا، ولو كانت بلحاً لا يتمر أو عنباً لا يتزبب فليخرص على أن لو كان ذلك فيه ممكناً.
654 - فإن صح في التقدير خمسة أوسق أخذ من ثمنه، كان أقل من عشرين ديناراً أو أكثر، وإن لم يبلغ خرصه خمسة أوسق فلا شيء فيه، وإن كثر ثمنه وهو فائدة.
مالك: وإذا كان الحائط صنفاً واحداً من أعلى التمر أو أدناه أخذ منه، وإن كان أجناساً أخذ من أوسطها جنساً، لا من أدناها، لقول الله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ [مِنْهُ تُنفِقُونَ]}.(1)
655 - ومن مات وقد أزهى حائطه وطاب كرمه وأفرك زرعه واستغنى عن الماء وقد خرص عليه شيء أو لم يخرص، فزكاة ذلك على الميت إن بلغ ما فيه الزكاة، أوصى بها أم لا، بلغت حصة كل وارث ما فيه الزكاة أم لا. وإن مات قبل الإزهاء والطيب فلا شيء عليه.
656 - والزكاة على من بلغت حصته من الورثة ما فيه الزكاة، دون من لم تبلغ حصته ذلك، وإنما يخرص الكرم إذا طاب وحل بيعه، والنخل إذا أزهت(2) وحل بيعها، لا قبل ذلك.
657 - ولا يخرص(3) الحائط إذا لم يكن فيه خمسة أوسق، ويحسب على رب الحائط ما أكل أو علف أو تصدق بعد طيبه، ولا يترك له الخارص مما يخرص لمكان الأكل والفساد شيئاً، ومن خرص عليه أربعة أوسق فوجد خمسة أوسق أحببت له أن يزكي لقلة إصابة الخُرّاص اليوم.
__________
(1) سورة البقرة: آية 267.
(2) الزهو: التلون بحمرة أو صفر للبلح أو البُسر، الوسيط (1/420).
(3) خرص النخل والمكرم: حرز ما عليها الرطب تمراً، ومن العنب زبيباً، اللسان (خرص).

658 - ولا يخرص الزيتون ويؤتمن عليه أهله كما يؤتمنون على الحبّ، فإذا بلغ كيل حبه خمسة أوسق أخذ من زيته، فإن كان لا زيت له كزيتون مصر فمن ثمنه على ما فسرنا في النخل والكرم، ومن باع زيتوناً له زيت أو رطباً يتمر أو عنباً يتزبب فليأت بمثل ما لزمه زيتاً أو زبيباً من عشر أو نصف عشر.
659 - مالك: والشركاء في كل حبّ يزكى أو تمر أو عنب أو ورق أو ذهب أو ماشية فليس على من لم تبلغ حصته منهم مقدار الزكاة [زكاة](1).
660 - وتؤدى الزكاة على الحوائط المحبسة في سبيل الله، أو على قوم بأعيانهم، أو بغير أعيانهم، ومن حبس إبلاً في السبيل للحمل عليها أو على نسلها، أو دنانير وقفها للسلف ففي ذلك الزكاة، وإن أوقف الدنانير أو الماشية، لتفرق في سبيل الله، أو على المساكين، أو لتباع الماشية ويفرق الثمن، فلا زكاة فيما أدرك الحول من ذلك.(2)
661 - ويجمع التمر كله بعضه إلى بعض في الزكاة، وكذلك العنب، وإن كانت كرومه [متفرقة] في بلدان شتى جمع بعضها إلى بعض، وكذلك الماشية والحبّ.
__________
(1) انظر: التفريع لابن الجلاب، (1/286).
(2) انظر: الذخيرة (3/91).

662 - ومن جذ ثمره أو حصد زرعه وفيه ما تجب فيه الزكاة فلم يدخله بيته حتى ضاع من الأندر(1)و الجرين(2) لم يضمن زكاته، وكذلك لو عزل عشره من أندره أو جرينه ليفرقه فضاع بغير تفريط فلا شيء عليه، وإن أدخل ذلك كله بيته قبل قدوم المصدق فضاع ضمن زكاته، قال مالك: وكذلك لو عزل عشره حتى يأتيه المصدق [فضاع ضمنه، لأنه قد أدخله بيته، وقال ابن القاسم: إذا أخرجه وأشهد عليه فتأخر عنه المصدق] لم يضمن، وبلغني أن مالكاً قال في ذلك: إذا لم يفرط في الحبوب لم يضمن، وقال المخزومي: إذا عزله وحبسه للمصدق فتلف بغير سببه فلا شيء عليه، إذ ليس عليه أكثر مما صنع وليس إليه دفعه.
663 - ومن اكترى أرض خراج أو غيرها [فزرعها] فزكاة ما أخرجت الأرض على المكتري، ولا يضع الخراج الذي على الأرض زكاة ما خرج منها عن الزارع كانت الأرض له أو لغيره.
664 - ومن باع زرعاً بعد أن أفرك(3) ويبس فليأت بما لزمه حباً، ولا شيء على المبتاع، فإن أعدم البائع أخذ الساعي من المبتاع من الطعام، إن وجده بعينه، ثم يرجع المبتاع على البائع بقدر ذلك الثمن، وقال أشهب: لا شيء على المبتاع، لأن البائع كان له البيع جائزاً. سحنون: وهو عندي صواب.
665 - ومن باع أرضه بزرعها وقد طاب فزكاته على البائع، وإن كان الزرع أخضر فاشترطه المبتاع فزكاته على المشتري.
666 - ومن منح أرضه صبياً أو ذمياً أو عبداً أو إكراهاً منه ليزرعها، فلا زكاة على واحد منهم إلا على الصبي الزارع وحده.
__________
(1) هو الذي يهذب ويخرج منه الزرع، الوسيط (2/947).
(2) هو الجرن، الموضع الذي يُداس فيه القمح والشعير ونحوهما، الوسيط (1/124).
(3) المراد بالإفراك أن يبلغ حداً يستغني معه عن السقي، وذهاب الرطوبة وعدم النقص، أسهل المدارك (1/400).

667 - ومن أوصى بزكاة زرعه الأخضر أو بثمرة حائطه قبل طيبه فهي وصية من الثلث غير مبدأة، إذ لم تلزمه، ولا تسقط هذه الوصية عن الورثة زكاة ما بقي [لهم] لأنه كرجل استثنى عشر زرعه لنفسه، وما بقي فللورثة، فإن كان في حظ كل وارث وحده ما تجب فيه الزكاة، زكاه وإلا فلا.
668 - وإن كان في العشر الذي أوصى به للمساكين خمسة أوسق فأكثر، زكاه المصدق، وإن لم يقع لكل مسكين إلا مد، إذ ليسوا بأعيانهم وهم كمالك واحد، ولا يرجع المساكين على الورثة بما أخذ منهم المصدق، وإن جعل ذلك الثلث، لأنه كشيء بعينه أوصى لهم [به] فاستحق أو بعضه.
669 - وكذلك لو أوصى بثمرة حائطه أو بزرعه قبل طيبه [كله] للمساكين، أو قال: ثمرة حائطي سنتين أو ثلاثاً للمساكين لم تسقط عنهم زكاته، وإن لم يصر لكل مسكين من ذلك إلا مُدّاً بخلاف الورثة، وأما إن أوصى بزكاة زرعه قبل طيبه لرجل بعينه كان كأحد الورثة، وعليه النفقة معهم، لأنه استحقه يوم الوفاة، والمساكين لا يستحقون ذلك غلا بعد بلوغه وسقيه وعمله، والنفقة عليه في مال الميت حتى يقبضوه.
670 - والقمح والشعير والسلت كصنف واحد يجمع في الزكاة، ولا يجمع مع سواه، فمن رفع خمسة أوسق من جميعها فليزك ويخرج من كل صنف بقدره.
وأما الدُّخن(1) والأرز والذرة فأصناف لا تجمع، ولا تضم إلى غيرها، ولا تزكى حتى يرفع [من] كل صنف منها خمسة أوسق.
671 - وتجمع القطاني كلها [في الزكاة كصنف واحد] [الفول والعدس والحمص، والجلبان واللوبياء وما يثبت معرفته عند الناس أنه من القطاني] ولا تجمع مع غيرها، فمن رفع من جميعها خمسة أوسق، أخرج من كل صنف بقدره.
__________
(1) الدخن: نبات عشبي من الفصيلة النجيلية، حبة صغيرة، أملس كحب السمسم، وله ذكر في كتب الطب كثير، وقد حققنا منها العديد.

وفي حب الفجل الزكاة إذا بلغ كيل حبه خمسة أوسق أخذ من زيته، وكذلك الجلجلان إذا كان يعصر أخذ من زيته إذا بلغ كيل حبه خمسة أوسق، وإن كان قوم لا يعصرون [من] الجلجلان وإنما يبيعونه حباً لزيت فأرجو إذا أخذ من حبه أن يكون خفيفاً.
* * *
في زكاة الفطر(1)
672 - وتجب زكاة الفطر على من يحل له أخذها. ويؤديها المحتاج إن وجد، أو وجد من يسلفه، فإن لم يجد لم يلزمه، وإن أيسر بعد ذلك بأعوام قضاها لماضي السنين، [وإن أخرها الواجد فعليه قضاؤها لماضي السنين].
673 - ويستحب أن تؤدى بعد الفجر من يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإن أداها بعد الصلاة فواسع، ويستحب الأكل يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وليس ذلك في الأضحى، وإن أداها قبل [يوم] الفطر بيوم أو يومين فلا بأس به، ويؤديها المسافر حيث هو، وإن أداها عنه أهله أجزأه.
674 - ومن ملك بعض عبد لم يؤد إلا عن حصته كان باقيه عتيقاً أو لغيره، ولا شيء على العبد فيما كان منه عتيقاً، ومن له سدس عبد وبقيته لآخر فسدس الزكاة عليه، وخمسة أسداسه على شريكه، ويؤديها عن عبيده المسلمين، لتجارة كانوا أو لغيرها، كانت قيمتهم أقل من مائتي درهم أو أكثر، كانوا أصحاء أو بهم جنون، أو جذام أو عمى، ولا يعتقون عليه ولا يؤديها المكاتب عن نفسه، ويؤديها عن المكاتب سيده.
675 - ولا يؤديها عن عبده الآبق إباق إياس، فأما من يرتجيه لقربه فهي عليه عنه، وزكاة الفطر عن عبيد القراض على رب المال خاصة، فأما نفقتهم فمن مال القراض، وقال أشهب: إذا بيعوا
وكان فيهم فضل، مثل ثلث الثمن، فعلى العامل سدس تلك الزكاة، وإن كان الربع فعليه الثمن، إن قارضه على النصف، والفطرة على الموصى بخدمته لرجل، ثم برقبته لآخر على صاحب الرقبة، إن قبل الوصية كمن أخدم عبده رجلاً أمداً فصدقة الفطر عنه على سيده الذي أخدمه.
__________
(1) انظر: التفريع لابن الجلاب (1/294)، والذخيرة للقرافي (3/154)، ط الغرب - بيروت.

676 - ومن جنى عبده جناية فيها نفسه فحلّ عليه الفطر [وهو في يد سيده] قبل أن يقتل فنفقته وزكاة الفطر عنه على سيده.
677 - ومن رهن عبده فنفقته وزكاة الفطر عنه على سيده، ومن ابتاع عبداً يوم الفطر قال مالك: زكي عنه المبتاع ثم قال: بل البائع، وبه أقول.
678 - وإن بعت عبداً بخيار أو أمة على مواضعة فغشيهم الفطر قبل زوال أيام الخيار والاستبراء فالنفقة والفطرة عنهما عليك، وسواء رد العبد مبتاعه أم لا، وضمانهما منك حتى يخرج العبد من الخيار والأمة من الاستبراء.
679 - وإن ابتعت عبداً بيعاً فاسداً فجاءه الفطر عندك فنفقته وزكاة الفطر عنه عليك، رددته يوم الفطر أو بعده، لأن ضمانه منك. وإن ورثت عبداً [لم تعلم به] فلم تقبضه حتى مضى يوم الفطر فزكاته ونفقته عليك، فإن شركك فيه وارث فذلك عليكما.
680 - ومن أسلم بعد الفجر من يوم الفطر أحببت له أن يؤدي زكاة الفطر، والأُضحية أبين عليه في الوجوب.
681 - ولا يؤدي عن الحمل زكاة الفطر إلا أن يولد ليلة الفطر حياً أو يومه فيؤدى عنه، ومن أراد أن يعق عن ولده، فإن وُلد بعد انشقاق الفجر لم يحسب ذلك اليوم وحُسبت سبعة أيام سواه، ثم يعق عنه يوم السابع ضحى، وهي سنة الضحايا والعقائق والنسك.
682 - ومن مات ليلة الفطر أو يومه ممن يلزمك أداء الفطرة عنه، لم يزلها موته، ولو مات رجل يوم الفطر أو ليلة الفطر وأوصى بالفطرة عنه كانت من رأس ماله، وإن لم يوص بها لم يجبر ورثته عليها، ويؤمرون بها كزكاة العين تحل عليه في مرضه، وإنما يكون في الثلث من ذلك كله، ما فرط فيه في صحته ثم أوصى به فإنه يبدأ في ثلثه على سائر الوصايا خلا المدبر في صحته.
683 - ولا يؤدي الرجل زكاة الفطر عن عبده أو امرأته أو أم ولده النصارى، ولا يؤديها إلا عن من يُحكم عليه بنفقته من المسلمين خلا المكاتب ولا يؤديها عن عبد عبده.

684 - ويلزمه أداؤها عن نفسه وعن الإناث من ولده حتى يدخل بهن أزواجهن، أو يُدعى الزوج إلى البناء، فحينئذ تسقط عن الأب، وتلزم الزوج [مع] النفقة، ويلزمه عن ولده الذكور حتى يحتلموا. ومن كان من ولده له مال ورثه أو وُهب له، أنفق عليه منه وزكى عنه الفطر وضحى عنه وحاسبه إذا بلغ، ويلزمه أداؤها من ماله عن امرأته وعن خادم واحدة من خدمها التي لا بد لها منها لأن عليه نفقتها، وإن كانت الزوجة ملية.
685 - ومن نكح على أمة بعينها فأتى الفطر وهي بيد الزوجة ثم طلقها بعد يوم الفطر قبل البناء فزكاة لفطر عن الزوجة وعن الأمة على الزوجة إن كان الزوج ممنوعاً من البناء، فإن لم يكن ممنوعاً وكانت هذه الخادم لا بد للمرأة منها فذلك عليه عنهما، لأن نفقتهما كانت عليه.
686 - وقد فرض النبي - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر على كل حر وعبد ذكر أو أنثى من المسلمين، ومن لزمه نفقة أبويه لحاجتهما لزمه أداء [زكاة] الفطر عنهما.
687 - وإذا حبس الأب عبيد ولده الصغار لخدمتهم ولا مال للولد سواهم فعلى الأب أن ينفق على العبيد ويؤدي فطرتهم ثم يكون ذلك في مال ولده، وهم العبيد، لأنهم أغنياء، ألا ترى أن من له عبد فهو مال تسقط به النفقة [عنه] عن أبيه، لأن له أن يبيع العبد وينفق منه عليه.
688 - وإن كان للعبيد خراج، أنفق منه [الأب] على عبيده وولده ويؤدى منه عنهم صدقة الفطر إن حمل، وإن لم يكن لهم خراج وأبى الأب أن ينفق عليهم أجبره السلطان على بيهم أو الإنفاق عليهم، وكذلك إن أبى السيد أن ينفق على عبده جبر أن ينفق أو يبيع.
689 - ويؤديها الوصي عن اليتامى الصغار وعن عبيدهم من أموالهم، ومن في حجره يتيم بغير إيصاء أحد وله بيده مال رفع أمره إلى الإمام فينظر له، فإن لم يفعل وأنفق عليه منه وزكى عنه الفطر وبلغ الصبي فهو مصدق في نفقة مثله في تلك السنين ويقبل قوله إن قال قد أديت عنهم زكاة الفطر كانوا في حجره أو حجر الأم.

690 - مالك: وتؤدى زكاة الفطر من القمح والشعير والسلت والذرة والدّخن والأرز والزبيب والتمر [والأقط] صاعاً من كل صنف منها، ويخرج أهل كل بلد من جل عيشهم من ذلك، والتمر عيش أهل المدينة، ولا يخرج أهل مصر إلا البر، لأنه جل عيشهم، إلا أن يغلو سعرهم فيكون عيشهم الشعير فيجزيهم.
691 - ولا يجزئ في زكاة الفطر شيء من القطنية، وإن أعطى من ذلك قيمة صاع من حنطة أو من شعير أو تمر.
مالك: ولا يجزيه أن يخرج قيمتها دقيقاً أو سويقاً. وكره مالك أن يخرج فيها تيناً، وأنا أرى أنه لا يجزيه.
قال ابن القاسم: وكل شيء من القطنية مثل اللوبياء، أو شيء من هذه الأشياء التي ذكرناها أنها لا تجزئ، إذا كان ذلك عيش قوم، فلا بأس أن يؤدي من ذلك ويجزيهم.
692 - مالك: ولا يجزئ إخراج قيمتها [عيناً] ولا عرضاً.
ويفرقها كل قوم في أمكنتهم من حضر أو بدو أو عمود ولا يدفعونها إلى الإمام إن كان لا يعدل، وإن كان عدلاً لم يسع لأحد أن يفرق شيئاً من [تلك] الزكاة، وليدفعها إلى الإمام فيفرقها الإمام في مواضعها، ولا يخرجها منه إلا أن لا يكون بموضعهم محتاج فيخرجها إلى أقرب المواضع إليهم ويفرقها، ويجوز أن يعطيها الرجل عنه وعن عياله لمسكين واحد، ولا تعطى لهل الذمة ولا للعبيد.
693 - ومن أخرج زكاة الفطر عند محلها فضاعت أو أُهريقت فلا ضمان عليه، وكذلك زكاة العين، ولو تلف ماله وبقيت لزمه إنفاذها، ولو أخرجها بعد إبانها وقد كان فرط فيها فضاعت قبل أن ينفذها بغير تفريط كان ضامناً لها.
* * *

(كتاب الحج(1) الأول)
__________
(1) انظر: مقدمات ابن رشد (1/357)، الشرح الصغير (1/27)، معجم المصطلحات (1/550).

694 - ومن أراد الإحرام من رجل أو امرأة فليغتسل، كانت المرأة حائضاً أو نفساء أم لا، ولم يوسع [لهم] مالك في ترك الغسل إلا من ضرورة. ولم يستحب أن يتوضأ من يريد الإحرام ويدع الغسل، فمن أحرم من ذي الحليفة اغتسل بها، ومن اغتسل بالمدينة وهو يريد الإحرام ثم مضى من فوره إلى ذي الحليفة فأحرم [بها] أجزأه غسله، وإن اغتسل بها غدوة، ثم أقام إلى العشي، ثم راح إلى ذي الحليف فأحرم، لم يجزه الغسل وأعاده.(1)
695 - ويحرم من أتى الميقات أي وقت شاء حيث يجوز فيه التنفل من ليل أو نهار، ولا يحرم إلا بإثر صلاة نافلة، أو بإثر [صلاة] فريضة، كان بعدها نافلة أو لا، والمستحب إحرامه بإثر النافلة ولا حد لتنفله.
696 - وإن جاء في وقت لا يتنفل فيه انتظر وقتاً تحل فيه الصلاة، فيصلي ويحرم إلا أن يكون خائفاً أو مراهقاً يخشى فوات الحج وشبه ذلك من العذر، فيجوز أن يحرم وإن لم يصل.
697 - ولا يحرم في دبر الصلاة في المسجد ولكن إذا خرج منه ركب راحلته، فإذا استوت به في فناء المسجد لبى ولم ينتظر أن تسير، فإن كان ماشياً فحين يخرج من المسجد متوجهاً للذهاب يحرم ولا ينتظر أن يظهر بالبيداء، وإن توجه ناسياً للتلبية من فناء المسجد كان بنيته محرماً فإن ذكر من قريب لبى ولا شيء عليه، وإن تطاول ذلك به، أو نسيه حتى فرغ من حجه فليهرق دماً.
ويجزئ من أراد الإحرام التلبية، وينوي بها ما يريد من حج أو عمرة أو قران، ولا يسمي حجاً ولا عمرة، وهذا أحب إلى مالك من تسمية ذلك، ووجه الصواب في القران أن يقول: لبيك بعمرة وحجة، ويبدأ [القارن] في تلبيته بالعمرة قبل الحج وتجزيه النية أيضاً.
698 - ومن أراد الإحرام ومعه هدي فليقلده ثم يشعره ثم يجلله، و[كل] ذلك واسع، ثم يدخل المسجد فيركع ويحرم كما وصفنا. فإن أراد أن يقلد ويشعر بذي الحليفة ويؤخر إحرامه إلى الجحفة فلا يفعل.
__________
(1) انظر: الخيرة للقرافي (3/223، 224).

699 - ولا ينبغي له أن يقلد ويشعر إلا عندما يريد الإحرام، ثم يحرم بعقب تقليده وإشعاره، إلا أن يكون لا يريد الحج فجائز أن يقلد بذي الحليفة(1). وإن لم يكن معه هدي وأراد أن يهدي فيما يستقبل فله أن يحرم ويؤخر الهدي.
ومن قلد هديه وهو يريد الذهاب معه إلى مكة لم يكن بالتقليد أو بالإشعار أو بالتجليل محرماً حتى يحرم. ويقلد [هدي جزاء الصيد وما كان من هدي عن جماع وهدي ما نقص من حجه، والهدي كله يقلد] ويشعر خلا الغنم فإنها لا تقلد ولا تشعر.
700 - وإذا أدخله في الحج فلا ينحره إلا يوم النحر بمنى، فإن لم يفعل نحره بمكة بعد ذلك، ويسوقه إلى الحل إن كان اشتراه من الحرم، وإن أدخله من الحل إلى مكة فنحره بها أجزأه [عنه]. ومن جهل أن يقلد بدنته أو يشعرها من حيث ساقها حتى ينحرها وقد أوقفها أجزأته.
701 - وتقلد البقر ولا تشعر إلا أن تكون لها أسمنة فتشعر. والإشعار في الجانب الأيسر من أسمنتها عرضاً، ولا تقلد بالأوتار. ولا تقلد فدية الأذى ولا تشعر لأنها نسك، ومن شاء قلدها وجعلها هدياً.
702 - ومن أتى الميقات مغمى عليه، فأحرم عنه أصحابه بحجة أو بعمرة أو قران وتمادوا، فإن أفاق فأحرم بمثل ما أحرموا عنه أو بغيره ثم أدرك فوقف بعرفة مع الناس أو بعدهم، قبل طلوع الفجر من ليلة النحر أجزأه حجه، وأرجو ألا يكون عليه دم لترك الميقت [لأنه معذور]، وليس ما أحرم عنه أصحابه بشيء، وإنما الإحرام ما أحرم به هو ونواه، وإن لم يفق حتى طلع الفجر [من] ليلة النحر، وقد وقف به أصحابه لم يجزه حجه.
703 - وإذا نوى الحاج أو المعتمر رفض إحرامه فلا شيء عليه وهو على إحرامه.
704 - ولا بأس أن يحرم في ثوب غير جديد، وإن لم يغسله، وقد أحرم مالك في ثوب حججاً ما غسله.
__________
(1) ذو الحليفة: بالتصغير، قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، فيها ميقات أهل المدينة، انظر: مراصد الاطلاع (1/420).

705 - وكره مالك للرجال والنساء أن يحرموا في الثوب المعصفر المقدم لانتفاضه، وكرهه للرجال في غير الإحرام.
706 - ولا بأس أن يحرم الرجل في البركانات(1) والطيالسة والكحلية وجميع ألوان الثياب إلا المعصفر المقدم الذي ينتفض.
707 - وما صبغ بالوَرْس(2) والزعفران(3) فإن مالكاً كرهه، ولم يكره شيئاً من الصبغ غيره، وما صبغ بورس أو زعفران فغُسل وبقي فيه أثر لونه فقد كرهه أيضاً مالك، إلا أن يذهب لونه كله فلا بأس به، وإن لم يخرج لونه، ولم يجد غيره صبغه بالمِشْق وأحرم فيه.
ولا بأس بالمورد والممشق(4)، ولا بأس بالإحرام في الثياب الهروية إن كان صبغها بغير الزعفران، فإن كان بالزعفران فلا يصلح.
ولا يحرم في ثوب علق به ريح المسك حتى يذهب ريحه بغسل أو نشر.
708 - وإذا لم يجد المحرم نعلين وهو مليء جاز له لبس الخفين إذا قطعهما أسفل من الكعبين، وإذا وجد نعلين فليشترهما، وإن زيد عليه في الثمن يسيراً، وأما ما يتفاحش من الثمن فما عليه أن يشتريهما [به]، وأرجو أن يكون في سعة.
709 - ويدهن الرجل عند الإحرام وبعد الحلاق رأسه بالزيت [وشبهه]، وبالبان السمح، وهو البان غير المطيب، وأما ما يبقى رائحته فلا يعجبني.
710 - وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، [وإحرام المرأة في يجيها ووجهها]، ويكره للمحرم أن يغطي ما فوق ذقنه، فإن فعل فلا شيء عليه لما جاء [فيه] عن عثمان - رضي الله عنه(5) - [في الجزء الثالث من الحج، ولا بأس بتغطية الذقن للمرأة والرجل].
__________
(1) هو الكساء الأسود.
(2) الورس: نبات يستعمل لتلوين الملابس الحريرية، شديد الحمرة، الوسيط (2/1067).
(3) الزعفران: نبات منه نوع صبغي طبي مشهور يستعمل في الحمرة، الوسيط (1/408).
(4) الممشق: المصبوغ بالمشق، والمشق: المغرة وهي الطين الأحمر يستعمل كصبغة، الوسيط (1/906).
(5) رواه مالك فيالموطأ (الحج/13).

711 - وليرفع المحرم صوته بالتلبية، ولا يسرف أو يلح ولا يسكت، وقد جعل الله لكل شيء قدراً.
ولا ترفع الأصوات بالتلبية في شيء من المساجد، إلا في المسجد الحرام، أو مسجد منى، و[حد ما] ترفع المرأة صوتها قد رما تسمع نفسها.
712 - مالك: وإذا دخل المحرم المسجد الحرام أول ما يدخل وهو مفرد بالحج أو قارن فلا يلبي، ويقطع التلبية من حين يبتدئ بالطواف الأول بالبيت إلى أن يفرغ من سعيه [بين الصفا والمروة] وإن لبّى حول البيت [الحرام لم أر ذلك ضيقاً عليه وهو] في سعة.
713 - وقال مالك: لا بأس أن يلبي في السعي بين الصفا والمروة وذلك واسع. قال: فإذا فرغ من سعيه عاد إلى التلبية ولا يقطعها حتى يروح يوم عرفة إلى المسجد.
قال ابن القاسم: يريد إذا زالت الشمس وراح يريد الصلاة، قطع التلبية، وثبت مالك على هذا، وعلمنا أنه رأيه، لأنه قال: لا يلبي الإمام يوم عرفة على المنبر، ويكبر بين ظهراني خطبته، ولم يؤقت في تكبيره وقتاً، وكان مالك قبل ذلك يقول: يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف، وكان يقول: [يقطع] إذا زاغت الشمس، ثم رجع فثبت على ما ذكرناه. وإذا قطع التلبية فلا بأس أن يكبر.
714 - وكره مالك ان يلبي من لا يريد الحج، ورآه خرقاً ممن فعله(1). ومن اعتمر من ميقاته قطع التلبية إذا دخل الحرم ثم لا يعاودها، وكذلك من أتى وقد فاته الحج أو أحصر بمرض حتى فاته الحج يقطع التلبية إذا دخل أوائل الحرم، لأن عملهم صار عمل العمرة. ولا يُحل المحصر بمرض من إحرامه إلا البيت، وإن تطاول ذلك به سنين.
__________
(1) خرق الشيء: أي جهله ولم يحسنه عمله، انظر: الوسيط (1/237).

715 - والذي يحرم بعمرة من غير ميقاته مثل الجعرانة والتنعيم يقطع إذا دخل بيوت مكة [قلت له: أو المسجد الحرام، قال:] أو المسجد الحرام، كل ذلك واسع. ويلبي الحاج والقارن في المسجد [الحرام]، وحكم من جامع في حجه فأفسده في قطع التلبية وغيرها حكم من لم يفسده، وأهل مكة في التلبية كغيرهم من الناس.
716 - والإفراد بالحج أحب إلى مالك من القران والتمتع. وأجاز الشاة في دم القران على تكره، يقول: إن لم يجد، واستحب فيما استيسر من الهدي قول ابن عمر: البقرة دون البعير.
717 - وكره مالك لمن أحرم بالحج أن يضيف إليه عمرة أو حجة، فإن أردف ذلك أول دخوله مكة أو بعرفة أو في أيام التشريق فقد أساء، وليتماد على حجه، ولا يلزمه شيء مما أردف، ولا قضاؤه ولا دم قران.
718 - ولمن أحرم بعمرة أن يضيف إليها الحج، ويصير قارناً ما لم يطف بالبيت، فإذا طاف [بالبيت] ولم يركع، كره له أن يردف الحج، فإن فعل لزمه، وصار قارناً، وعليه دم القران.
719 - [وإن أردف الحج قبل تمام طوافه للعمرة، فيتمه ولا يسعى شيئاً] وإن أردف الحج بعد أن طاف وركع ولم يسع، أو سعى بعض السعي وهو من أهل مكة أو غيرها كره له ذلك، فإن فعل فليمض على سعيه ويحل [قال أبو زيد:] ثم يستأنف الحج، [قال يحيى: إن شاء].
720 - وإن أردف الحج بعد تمام سعيه وقبل أن يحلق لزمه الحج، ولم يكن قارناً، ويؤخر حلاق رأسه، ولا يطف بالبيت، ولا يسع حتى يرجع من منى إلا أن يشاء أن يطوف تطوعاً ولا يسعى، ولا دم قران عليه، وعليه دم لتأخير الحلاق في عمرته كان مكياً أو غير مكي، لأنه لما احرم بالحج لم يقدر على الحلاق، ولا دم عليه لمتعته [إلا أن يحل من عمرته في أشهر الحج فيلزمه الدم لمتعته] إن كان غير مكي، وإن كان مكياً لم يلزمه غير دم تأخير الحلاق فقط.

721 - ويقلد هدي تأخير الحلاق، ويشعره ويقف به بعرفة مع هدي تمتعه، فإن لم يقف [به] بعرفة [مع هدي تمتعه] لم يجزه إن اشتراه من الحرم إلا أن يخرجه إلى الحل(1) فيسوقه منه إلى مكة، ويصير منحه بمكة، وليس على من حلق من أذى أن يقف بهديه بعرفة، لأنه نسك.
722 - مالك: ولا يحرم أحد بالعمرة من داخل الحرم، قال ابن القاسم: والقران عندي مثله، لأنه يحرم بالعمرة من داخل الحرم.
وإذا أحرم مكي بعمرة من مكة ثم أضاف إليها حجة لزمتاه وصار قارنا، ويخرج إلى الحل، لأن الحرم ليس بميقات للمعتمرين، وليس عليه دم قران، لأنه مكي.
وإن هو أحرم بحجة بعدما سعى بين الصفا والمروة لعمرته، وقد كان يخرج إلى الحل فليس بقارن، وعليه دم لتأخير الحلاق، والمكي وغيره في هذا الدم سواء.
723 - ولو دخل مكي بعرفة فأضاف [إليها] الحج ثم أحصر بمرض حتى فاته الحج فإنه يخرج إلى الحل ثم يرجع فيطوف ويحل ويقضي الحج والعمرة قابلاً قارناً.
724 - ومن دخل مكة قارناً فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فعليه دم القران، ولا يكون طوافه حين دخل مكة لعمرته لكن [يكون] لهما جميعاً. ولا يحل من واحدة منهما دون الأخرى، لأنه لو جامع فيهما لقضاهما قارناً.
725 - وليس على أهل مكة - القرية - بعينها، أو أهل ذي طوى إذا قرنوا أو تمتعوا دم قران ولا متعة أحرموا من الميقات أو من غيره، لكنهم يعملون عمل القارن، وكذلك لو أقام المكي بمصر أو بالمدينة مدة لتجارة أو غيرها، ولم يوطنها ثم رجع إلى مكة فقرن جاز قرانه ولا دم عليه للقران لأنه مكي.
__________
(1) الحل: مأخوذ من معنى الفتح والإطلاق، وأصل الحل: حل العقدة، وهو نقيض العقد، وهو أعم من الحلال لأنه يطلق على ما سوى التحريم، معجم المصطلحات (1/585).

وأما أهل منى والمناهل التي بين مكة والمواقيت كقديد، وعسفان، ومرظهران، وغيرهم من سكان الحرم إذا قرنوا من موضع يجوز لهم [أو دخلوا بعمرة من موضع يجوز لهم]، أو تمتعوا فحلوا من عمرتهم في أشهر الحج، ثم أقاموا بمكة حتى حجوا، فعليهم الدم للمتعة وللقران، ومن رجع منهم إلى قراره بعد أن حل من عمرته في أشهر الحج ثم حج من عامه سقط عنه دم المتعة لرجوعه إلى منزله.
726 - ومن كان له أهل بمكة وأهل ببعض الآفاق، فقدم مكة معتمراً في أشهر الحج فهذا من مشتبهات الأمور، وأحوط له أن يهدي.
727 - ومن دخل مكة في أشهر الحج بعمرة وهو يريد سكناها ثم حج [من] عامه [ذلك] فعليه دم المتعة، وليس هو كأهل مكة، لأنه أتى يريد السكنى، وقد يبدو له.
ومن حل من أهل الآفاق من عمرته قبل أشهر الحج ثم اعتمر عمرة ثانية من التنعيم في أشهر الحج ثم حج من عامه ذلك فعليه دم المتعة، وهو أبين من الذي قدم ليسكن، لأن هذا لم تكن إقامته الأولى سكنى.
ومن حلّ من عمرته في أشهر الحج وهو من أهل الشام، أو من مصر، فرجع من مكة إلى المدينة ثم حج من عامه فعليه دم المتعة غلا أن يرجع إلى أفق مثل أفقه، وتباعد من مكة ثم يحج فلا يكون متمتعاً.
728 - ومن اعتمر في رمضان فطاف وسعى بعض السعي ثم أهل [هلال] شوال فأتم سعيه فيه، ثم حج من عامه، كان متمتعاً [حج عن نفسه أو عن غيره]، ولو فرغ من سعيه في رمضان ثم أهل [هلال] شوال قبل أن يحلق ثم حج من عامه فليس بمتمتع، لأن مالكاً قال: من فرغ من سعيه بين الصفا والمروة [فلبس الثياب قبل أن يقصر] فلا شيء عليه.
729 - واستحب مالك لأهل مكة أو لمن دخلها بعمرة أن يحرم بالحج من المسجد الحرام، [قال أشهب: من داخل المسجد لا من باب الحرم]، ومن دخل مكة من أهل الآفاق في أشهر الحج بعمرة وعليه نفس فأحب إلي أن يخرج إلى ميقاته فيحرم منه بالحج، ولو أقام حتى يحرم من مكة كان ذلك له.

730 - ويهل أهل قديد وعسفان ومر ظهران من منازلهم، وكل من كان وراء الميقات إلى مكة فميقاته من منزله.
731 - وذو الحليفة ميقات أهل المدينة، ومن مر بها من الناس [كلهم] خلا أهل الشام ومصر ومن وراءهم من أهل المغرب، فإن ميقاتهم الجحفة لا يتعدوه، ولهم إذا مروا بالمدينة أن يؤخروا إحرامهم إلى الجحفة، والأفضل لهم أن يحرموا من ذي الحليفة ميقات النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنها طريقهم. وميقات أهل اليمن من يلملم، وأهل نجد قرن، ووقت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذات عرق لأهل العراق.
ومن مر بالمدينة من أهل العراق فليحرم من ذي الحليفة ولا يؤخر إلى الجحفة، وإن مر أهل الشام ومصر قادمين من العراق فليحرموا من ذات عرق.
وكذلك حميع أهل الآفاق من مر منهم بميقات ليس له فليحرم منه، خلا أهل الشام ومصر ومن وراءهم إذا مروا بالمدينة على ما وصفنا.
732 - ومن جاوز الميقات [ممن يريد الإحرام] جاهلاً ولم يحرم منه، فليرجع فيحرم منه ولا دم عليه، إلا أن يخاف فوات الحج فليحرم من موضعه ويتماد وعليه دم، ولو أحرم بعد أن جاوزه لم يرجع وإن لم يكن مراهقاً وتمادى وعليه دم.
733 - ومن أهل من ميقاته بعمرة فلما دخل مكة أو قبل أن يدخلها أردف حجه إلى عمرته، فلا دم عليه، لتركه الميقات في الحج، لأنه لم يجاوز الميقات إلا محرماً.
734 - وإن تعدى الميقات ثم قرن أو أحرم بعمرة لما دخل مكة أو قبل أن يدخلها أردف الحج، فعليه دم لترك الميقات، ودم للقران، لأن كل من كان ميقاته من منزله أو غيره فجاوزه، وهو يريد أن يحرم بحج، أو عمرة، فاحرم بعد ذلك فعليه دم.
ولا يشبه بالذي جاء من عمل الناس في الذين يخرجون من مكة ثم يعتمرون من الجعرانة والتنعيم، لأن ذلك رخصة لهم، وإن لم يبلغوا [مواقيتهم].

735 - ومن جاوز ميقاته في حاجته [وهو لا يريد إحراماً] ثم بدا له أن يحج من موضعه ذلك فليحرم منه ولا دم عليه، وكذلك لو مضى مصري إلى عسفان في حاجة، ثم بدا له أن يحج منها، أو يعتمر فله ذلك ولا دم عليه لترك الميقات.
736 - مالك: ومن تعدى الميقات وهو صرورة ثم أحرم فعليه دم(1). قيل لابن القاسم: فإن تعداه ثم أحرم بالحج بعد أن جاوزه وليس [بصرورة، قال: إن كان جاوزه] مريداً للحج ثم أحرم فعليه دم. ومن تعدى الميقات فأحرم بالحج ثم فاته الحج فلا دم عليه لتعديه لرجوعه إلى عمل العمرة وإنه يقضي حجته.
737 - وإن جامع فأفسد حجه فعليه دم الميقات، لأنه على عمل حجه متماد وإن قضاه.
738 - ومن وجب عليه دم لتعدي الميقات أو لتمتع لم يجزه مكانه طعام، وأجزأه الصوم إن لم يجد هدياً، وإنما يكون الصيام أو الطعام مكان الهدي في فدية الأذى أو في جزاء الصيد.
739 - ومن أحرم بالحج من خارج الحرم، مكي أو متمتع، فلا دم عليه لتركه الإحرام من داخل الحرم، لأنه زاد ولم ينقص، فإن مضى إلى عرفات ولم يدخل الحرم وهو مراهق فلا دم عليه.
740 - وإن أحرم بالحج من الحل أو من التنعيم وهو مكي أو غير مكي فعليه أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يخرج إلى عرفات إن لم يكن مراهقاً، ويكون خلاف من أحرم بالحج من الحرم.
741 - ومن دخل مكة بغير إحرام متعمداً أو جاهلاً فقد عصى ولا شيء عليه، لأن ابن شهاب كان لا يرى بأساً أن يدخل مكة بغير إحرام، وخالفه مالك وقال: لا أحب لأحد من الناس أن يقدم من بلده فيدخل مكة بغير إحرام.
__________
(1) الصرورة: هو الذي لم يحج قط، انظر: النهاية لابن الأثير (3/22).

742 - وإن كان من [أهل] المناهل القريبة منها كقديد ونحوها يقدم في السنة لحاجة وليس شأنهم الاختلاف، وإنما أرخص في ذلك للمختلفين بالفواكه والطعام والحطب مثل الطائف وجدة وعسفان فيدخلوا [مكة] بغير إحرام لكثرة ذلك عليهم أو مثل فعل ابن عمر حين خرج إلى قديد فبلغه خبر فتنة المدينة فرجع فدخل مكة بغير إحرام.
743 - ومن جاوز الميقات وهو يريد الحج فلم يحرم منه حتى دخل مكة بغير إحرام فأحرم منها بالحج فعليه دم لترك الميقات وحجه تام. وإن جاوز الميقات غير مريد للحج فلا دم عليه وقد أساء [فيما فعل] حين دخل الحرم حلالاً من أي اهل الآفاق كان ولا شيء عليه.
744 - وللسيد أن يدخل عبده أو أمته مكة بغير إحرام ويخرجهما إلى منى وعرفات غير محرمين، ومن ذلك الجارية يريد بيعها فلا بأس أن يدخلها بغير إحرام، فإن أذن السيد لعبده بعد ذلك فأحرم من مكة فلا دم على العبد لترك الميقات.
745 - وإذا أسلم نصراني أو عتق عبد أو بلغ صبي أو حاضت جارية بعد دخولهم مكة، أو هم بعرفات، فأحرموا حينئذ بالحج ووقفوا أجزأتهم عن حجة الإسلام، ولا دم عليهم لترك الميقات.
746 - ولو أحرم العبد قبل عتقه والصبي والجارية قبل البلوغ تمادوا على حجهم ولم يجز لهم أن يجددوا إحراماً، ولا تجزيهم عن حجة الإسلام.
747 - وإذا أحرم مكي أو متمتع من مكة بالحج فليؤخر الطواف حتى يرجع من عرفات فيطوف ويسعى، ولو عجل الطواف والسعي قبل خروجه إلى عرفات لم يجزه، وليعدهما إذا رجع من عرفات، فإن لم يعد السعي حين رجع من عرفات حتى رجع إلى بلده أجزأه السعي الأول، وعليه هدي، وذلك أيسر شأنه.
748 - مالك - رحمه الله - وأحب إلي أن يحرم أهل مكة إذا أهلّ هلال ذي الحجة.

وكان مالك يأمر أهل مكة، وكل من أنشأ الحج من مكة أن يؤخر طوافه الواجب وسعيه حتى يرجع من عرفات، وله أن يطوف تطوعاً قبل أن يخرج، ولا يسعى حتى يرجع من عرفات، فإذا رجع طاف الطواف الواجب و[سعى. والطواف الواجب] هو الذي يصل به السعي بين الصفا والمروة.
وكره مالك أن يحرم أحد قبل [أن يأتي] ميقاته، أويحرم بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل في الوجهين [جميعاً] لزمه ذلك.
749 - ومن أذن لعبده أو لأمته أو [لزوجته] في الإحرام فليس له أن يحلّهم بعد ذلك، فإن خاصموه قضي لهم عليه، وإن باع عبده أو أمته وهما محرمان جاز بيعه، وليس للمبتاع أن يحلّهما، وله غن لم يعلم بإحرامهما الرد لعيب بهما إلا أن يقربا من الإحلال.
750 - وإن أحرم العبد بغير إذن سيده فحلله منها ثم أذن له في عام آخر في قضائها حج وأجزأه منها، وعلى العبد الصوم لما حلله سيده إلا أن يهدي عنه سيده أو يطعم.
قيل: [فإذا] أحرمت المرأة بفريضة بغير إذن زوجها فحللها، ثم أذن لها من عامها فحجت أيجزيها حجها من الفريضة والقضاء؟، فقال: أرجو ذلك.
وأما إن أحرم [عبد] بغير إذن سيده فحلله ثم أعتقه فحج ينوي القضاء، وحجة الإسلام أجزأته للقضاء لا للفريضة، كما لو نذر فقال: إن أعتق الله رقبتي فعلي المشي إلى بيت الله في حجة، فأعتق، فإنه يحج حجة الإسلام ثم النذر بعدها، ولا يجزيه حجته حين أعتق عنهما، لأنه أدخل تطوعاً مع واجب.
والمرأة إنما أجزأها حجها عن الفريضة والقضاء، لأنها قضت واجباً بواجب، ولو كان إنما حللها من تطوع [وهي صرورة] فهذه قضاء [لها] وعليها حجة الإسلام.(1)
751 - وقد قال مالك فيمن حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث وهو صرورة فمشى في حجة ينوي بها نذره وفرضه، إنها تجزيه لنذره لا لفرضه، وعليه حجة الإسلام، فمسألة العبد مثل هذا.
__________
(1) انظر: التاج الإكليل (3/164)، ومواهب الجليل (3/165).

752 - وإن حج بالصغير أبوه وهو لا يجتنب ما يؤمر به [مثل] ابن سبع سنين وثمانية، فلا يجرده حتى يدنو من الحرم، والذي قد ناهز يجرد من الميقات، لأنه يدع ما يؤمر بتركه، وإذا كان لا يتكلم فلا يلبي عنه أبوه، فإذا جرده أبوه [يريد] بتجريده [الإحرام] فهو محرم، ويجنبه ما يجتنب الكبير، فإن احتاج إلى دواء أو طيب فعل به [ذلك] وفدى عنه، وإن لم يقو على الطواف طيف به محمولاً، ويرمل الذي يطوف به في الأشواط الثلاثة بالبيت ويسعى في المسيل، ولا يركع عنه الركعتين إن لم يعقل الصلاة، ولا يطوف به إلا من طاف لنفسه لئلا يدخل في طواف واحد طوافين، والطواف بالبيت كالصلاة. ولا بأس أن يسعى لنفسه وللصبي سعياً واحداً يحمله في ذلك ويجزيه منهما، لأن السعي أخف من الطواف، وقد يسعى من ليس على وضوء، ولا يطوف إلا متوضئ، ولا يرمي عنه إلا من رمى عن نفسه كالطواف.
753 - والمجنون في جميع أمره كالصبي، وليس لأب الصبي أو أمه أو من هو في حجره من وصي أو غيره أن يخرجه ويحجه وينفق عليه من مال الصبي إلا أن يخاف [عليه] من ضيعته بعده، إذ لا كافل له، فله أن يفعل به ذلك، وإلا ضمن ما أكرى له به وأنفق عليه إلا قدر ما كان ينفق في مقامه.
754 - [مالك]: ولا بأس أن يحرم بالأصاغر الذكور وفي أرجلهم الخلاخل وعليهم الأسورة، وكره مالك للصبيان الذكور حلي الذهب.
755 - ومن أتى مكة ليلاً فواسع له أن يدخل، واستحب مالك أن يدخلها نهاراً، واستحب لمن أتى من طريق المدينة أن يدخل مكة من كداء. وذلك واسع من حيث [ما] دخل.
756 - فإذا دخل المسجد فعليه أن يبتدئ باستلام الحجر الأسود بفيه إن قدر، وإلا لمسه بيده ثم وضعها على فيه من غير تقبيل، فإن لم يصل كبّر إذا حاذاه، ولا يرفع يديه ثم يمضي ويطوف، ولا يقف، وكلما مر به فواسع إن شاء استلم أو ترك.

757 - ولا يقبل بفيه الركن اليماني لكن يلمسه بيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل، فإن لم يستطع لزحام الناس كبّر ومضى، وكلما مرّ به في طواف واجب أو تطوع فواسع إن شاء استلم أو ترك، ولا يدع التكبير كلما حاذاهما في طواف واجب أو تطوع.
758 - ولا يستلم الركنين اللذين يليان الحجر بيده ولا يقبلهما [ولا يكبر] إذا حاذا[هما].
[وأنكر مالك قول الناس إذا حاذوا] الركن الأسود: إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ورأى أنه ليس عليه العمل، وقال: لا يزيد على التكبير شيئاً، وأنكر وضع الخدين والجبهة على الحجر الأسود وقال: هذه بدعة.
759 - وليزاحم على استلام الحجر ما لم يكن آذى، ولا بأس باستلامه لغير طواف، قلت: فإذا طاف أول دخول مكة الطواف الواجب الذي يصل به السعي بين الصفا والمروة، واستلم الحجر ثم طاف بعد ذلك [أيبدأ باستلام الركن من كل طواف يطوفه بعد ذلك؟ قال: نعم].
قال: ليس عليه أن يستلم الحجر في ابتداء طوافه إلا في الطواف الواجب إلا أن يشاء، فإذا فرغ من طوافه أول ما دخل مكة وصلى الركعتين فلا يخرج إلى الصفا والمروة حتى يستلم الحجر، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، فإذا طاف بالبيت بعد أن تم سعيه [بين الصفا والمروة] وأراد الخروج إلى منزله فليس عليه أن يرجع [حتى] يستلم الحجر إلا أن يشاء.
760 - ومن طاف بالبيت في حج أو عمرة طوافه الواجب فلم يستلم الحجر في شيء من ذلك فلا شيء عليه.
761 - ولا بأس بما خف من الحديث في الطواف، ولا ينشد شعراً، وليست القراءة في الطواف من السنة، وإن باع واشترى في طوافه فلا يعجبني.
762 - وإذا زوحم في الرمل(1) فلم يجد مسلكاً رمل بقدر طاقته، ومن جهل أو نسي فترك الرمل في الأشواط الثلاثة بالبيت أو السعي بين الصفا والمروة فهذا خفيف، وكان مالك يقول: [عليه الدم، ثم رجع عنه وقال: لا دم عليه.
__________
(1) رمل: أسرع في المشي وهز منكبيه، النهاية (2/265).

763 - قال مالك: يرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وكان يقول] في تارك الرمل إن قرب أعاد، وإن بعد فلا شيء عليه، ثم خففه ولم ير أن يعيد [وإن قرب]، ومن قضى حجة فائتة فليرمل بالبيت، ويسعى في الليل، ويستحب لمن اعتمر من الجعرانة أو التنعيم أن يرمل إذا طاف بالبيت، وليس وجوبه عليه كوجوبه على من حج أو اعتمر من المواقيت. وأما السعي فواجب على من اعتمر من التنعيم وغير ذلك، ومن ذكر في الشوط الرابع أنه لم يرمل في الثلاثة أشواط مضى ولا شيء عليه، دم ولا غيره، ومن رمل الأشواط السبعة كلها فلا شيء عليه.
764 - ومن طاف بالبيت منكوساً لم يجزه، ومن طاف محمولاً من عذر أجزأه، وإن كان لغير عذر أعاد الطواف بالبيت، إلا أن يكون رجع إلى أهله فليهرق دماً، وإن طاف راكباً أعاد إن لم يفت، فإن تطاول [ذلك] فعليه دم.
765 - ومن طاف الطواف الواجب وفي ثوبه أو جسده نجاسة لم يعد كمن صلى بذلك ثم ذكر بعد الوقت.(1)
766 - ولا يعتد بما طاف في داخل الحجر(2)، ويبني على ما طاف خارجاً منه، وإن لم يذكر حتى رجع إلى بلده فليرجع، وهو كمن لم يطف. والطواف بالبيت للغرباء أحب إلي من الصلاة، ولم يكن مالك يجيب في مثل هذا.
767 - ولم يكره مالك الطواف بالبيت بالنعلين والخفين، وكره أن يدخل البيت بهما أو يرقى بهما الإمام أو غيره منبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأجاز ابن القاسم أن يدخل بهما الحجر.
768 - ومن طاف وراء زمزم أو في سقائف المسجد من زحام الناس فلا بأس به، وإن طاف في سقائفه لغير زحام لحرّ ونحوه أعاد الطواف.
__________
(1) انظر: مواهب الجليل (3/76، 77).
(2) الحجر: بكسر الحاء وسكون الجيم، هو فناء محوط مدور على صورة نصف دائرة، خارج عن جدار الكعبة في جهة الشام، وقد جعله إبراهيم عليه السلام إلى جانب البيت، وعمله عريشاً بالآراك، وكان زرباً لغنم إسماعيل عليه السلام، وانظر: مواهب الجليل (3/76، 77).

769 - ومن قرن الحج والعمرة أجزأه طواف واحد لهما [جميعاً] وهي السنة.
770 - ومن دخل مكة مراهقاً(1) فخشي فوات الحج، وهو مفرد بالحج أو قارن، فليدع الطواف ويمضي إلى عرفات، ولا دم عليه لترك الطواف، وسواء دخل مكة أو الحرم أو لم يدخل، ومضى كما هو إلى عرفات، لأنه مراهق.
وإن كان غير مراهق وهو مفرد بالحج أو قارن فأخر الطواف حتى أفاض كان عليه دم لتأخيره، دخل مكة أو الحرم أو لم يدخل [الحرم] ومضى إلى عرفات وهو يقدر على الدخول والطواف فتركه فالدم يلزمه لتأخير الطواف، لأنه غير مراهق. وعلى القارن دم آخر [لقرانه].
771 - وأما من دخل مكة معتمراً يريد الحج وهو مراهق أو غير مراهق ففرض الحج وتمادى صار قارناً ولا دم عليه لتأخير الطواف، إذ له غرداف الحج ما لم يطف، وإنما عليه دم القران فقط.
772 - والمفرد بالحج إذا طاف الطواف الواجب أول ما يدخل مكة وسعى بين الصفا والمروة على غير وضوء ثم خرج إلى عرفات فوقف المواقف ثم رجع إلى مكة يوم النحر فطاف للإفاضة على وضوء ولم يسع حتى رجع إلى بلده فأصاب النساء والصيد والطيب وليس الثياب فليرجع لابساً للثياب حلالاً إلا من النساء والصيد والطيب حتى يطوف ويسعى ثم يعتمر ويهدي. وليس عليه أن يحلق إذا رجع بعد فراغه من السعي، لأنه قد حلق بمنى، ولا شيء عليه في لبس الثياب، لأنه لما رمى الجمرة حل له اللباس بخلاف المعتمر، [لأن المعتمر] لا يحل له ليس الثياب حتى يفرغ من السعي.
773 - ولا شيء عليه في الطيب لأنه بعد [رمي] الجمرة، فهو خفيف، وعليه لكل صيد أصابه الجزاء، ولا دم عليه إذا أخر الطواف الذي طافه حين دخل مكة على غير وضوء، وأرجو أن يكون خفيفاًن لأنه لم يتعمد ذل وهو كالمراهق، والعمرة مع الهدي يجزيه من ذلك كله، وجل الناس يقولون: لا عمرة عليه.
__________
(1) أرهق فلاناً: دنا منه وأدركه، وانظر: الوسيط (1/391).

774 - ومن طاف لعمرته على غير وضوء فذكر بعد أن حل منها بمكة أو ببلده فليرجع حراماً كما كان، وهو كمن لم يطف بالبيت بويسعى]، وإن كان قد حلق بعد طوافه افتدى، وإن كان أصاب النساء [والصيد] والطيب فعليه لكل صيد أصابه الجزاء.
775 - ومن طاف للإفاضة على غير وضوء رجع لذلك من بلده، فيطوف للإفاضة إلا أن يكون قد طاف بعده تطوعاً فيجزيه [من طواف الإفاضة].
776 - وطواف الإقامة واجب كطوافه الذي يصل به السعي بين الصفا والمروة، يرجع لما ترك منهما فيطوفهما، وعليه الدم، والدم في هذا خفيف.
777 - ومن طاف في أول دخوله مكة ستة أشواط ونسي السابع وصلى ركعتين، وسعى، فإن كان قريباً طاف شوطاً واحداً، وركع وسعى، وإن طال ذلك أو انتقض وضوءه أو ذكر ذلك في طريقه أو ببلده [أو بعد أن وقف بعرفات] رجع فابتدأ الطواف من أوله وركع وسعى. وإن كان قد جامع النساء فليرجع وليفعل كما وصفنا في الذي طاف وسعى على غير وضوء.
778 - وإذا ذكر المعتمر ببلده أنه نسي الركعتين، وقد أصاب النساء، فليركعهما ويهدي، وإن ذكر أنه لم يكن طاف بالبيت إلا ستاً رجع فابتدأ الطواف ورجع وسعى وأمر الموسى على رأسه، وقضى عمرته وأهدى.
779 - ولو أتم سعيه [لعمرته] ثم أردف الحج ثم ذكر بعرفة أنه لم يكن طاف بالبيت إلا ستاً صار قارناً يعمل عمل القارن.
780 - وإذا طاف حاج أول دخوله مكة ولا ينوي بطوافه [هذا] فريضة ولا تطوعاً ثم سعى لم يجزه سعيه إلا بعد طواف ينوي به طواف الفريضة، فإن لم يتباعد رجع فطاف وسعى. وإن فرغ من حجه ثم رجع إلى بلده وتباعد وجامع النساء أجزأه ذلك وعليه الدم، والدم في هذا خفيف.
781 - ومن طاف بعض طوافه ثم خرج فصلى على جنازة أو خرج لنفقة نسيها فليبتدئ الطواف ولا يبني، ولا يخرج من طوافه لشيء إلا لصلاة الفريضة.

782 - وطواف الإفاضة تعجيله يوم النحر أفضل، وإن أخره حتى مضت أيام التشريق وانصرف من منى إلى مكة فلا بأس. وإن أخّر الإفاضة والسعي بعدما انصرف من منى أياماً وتطاول ذلك فليطف ويسع ويهد.
783 - وللرجل أن يؤخر الطواف والسعي إلى الموضع الذي يجوز له أن يؤخر الإفاضة وطواف الإفاضة هو الذي يسمى طواف الزيارة، وكره مالك أن يقال: طواف الزيارة، أو يقال: زرنا قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
784 - وطواف الصّدر(1) مستحب ليس بواجب، وهو طواف الوداع، ويرجع له ما لم يبعد، وقد ردّ له عمر - رضي الله عنه - من مرظهران، ولم يجد فيه مالك أكثر من قوله: إن كان قريباً. وأنا أرى أن يرجع ما لم يخش فوات أصحابه، أو منعاً من كريّه، فيمضي حينئذ ولا شيء عليه، ومن تركه فلا شيء عليه.
785 - ومن طاف للوداع ثم باع واشترى في ساعة بعض حوائجه فلا يرجع، وإن أقام في ذلك [بمكة] يوماً أو بعض يوم رجع فطاف، ولو ودعوا ثم برز بهم الكري إلى ذي طوى فأقام بها يومه وليلته فلا يرجعوا للوداع ويتمّوا الصلاة بذى طوى ما داموا بها، لأنها من مكة، فإذا خرجوا منها إلى بلادهم قصروا.
786 - وطواف الوداع على من حج من النساء والصبيان والعبيد وعلى كل أحد، وليس ذلك على مكي ولا على من قدم مكة حاجاً يريد أن يستوطنها، ولا على من فرغ من حجه فخرج ليعتمر من الجعرانة أو التنعيم، وأما إن خرج ليعتمر من ميقات كالجحفة وغيرها فليودع، وإن سافر مكي ودّع، و[من] حج من مرظهران أو من عرفة أو من غيرها من يقرب، فليودع.
787 - ومن اعتمر ثم خرج من فوره أجزأه طواف عمرته من الوداع، وإن أقام ثم خرج ودع، وكذلك من فاته الحج ففسخه في عمرة، أو أفسد حجه عليه طواف الصدر إذا اقام هذا المفسد بمكة، لأن عمله عاد إلى عمرة، وإن خرج مكانه فلا شيء عليه.
__________
(1) طواف الصدر: ويقال طواف الزيارة وطواف الإفاضة، والطواف الواجب، وطواف الصدر، والصدر رجوع المسافر من مقصده.

788 - وإن حاضت امرأة بعد الإفاضة فلتخرج قبل أن تودع، وإن حاضت قبل الإفاضة أو نفست لم تبرج حتى تفيض، ويحبس عليها كريهاً أقصى جلوس النساء في الحيض والاستظهار، وفي النفاس من غير سقم [و]لا يحبس أكثر من هذا.
وقد تقدم ذكر دخول البيت بنعلين أو خفين.
789 - ولا تجزئ المكتوبة من ركعتي الطواف.
790 - ومن طاف أسبوعاً فلم يركع ركعتيه حتى دخل في أسبوع ثانٍ قطع وركع، فإن لم يذكر حتى أتمه ركع لكل أسبوع ركعتين للاختلاف فيه.
791 - ومن طاف في غير إبان صلاة أخّر الركعتين، وإن خرج إلى الحل ركعهما فيه، وتجزيانه ما لم ينتقض وضوءه. فإن انتقض [وضوءه] قبل أن يركع وكان طوافه ذلك واجباً رجع وابتدأ الطواف [بالبيت] وركع، [لأن الركعتين من الطواف توصلان به] إلا ان يتباعد فليركعهما، ويهد ولا يرجع.
792 - ومن دخل مكة حاجاً أو معتمراً فطاف وسعى ونسي ركعتي الطواف، وقضى جميع حجه أو عمرته ثم ذكر ذلك بمكة أو قريباً منها، رجع فطاف وركع وسعى، فإن كان معتمراً فلا شيء عليه، إلا أن يكون قد لبس الثياب وتطيب، وإن كان في حج وكانت الركعتان من الطواف الذي وصل به السعي حين دخل مكة فعليه الهدي وإن كانتا من طواف الإفاضة وكان قريباً رجع فطاف وركع [وسعى]، وإن كان وضوءه قد انتقض، ولا شيء عليه.
وإن كانتا من طواف السعي الذي يؤخره المراهق حتى يرجع من عرفة فذكر ذلك بعد تمام حجه وهو بمكة أو قريباص منها، فليعد الطواف [إذا كان وضوءه قد انتقض] ويركع ويسعى [ما فيه السعي] ولا هدي عليه، لأنهما من طواف هو بعد وقوفه بعرفة، ولو ذكرهما بعد أن بلغ بلده، أو تباعد من مكة، فلا يبالي من اي طواف كانتا من طواف عمرة أو حجة قبل وقوف عرفة أوبعد، فليركعهما حيث هو ويهدي ومحل هديه مكة.(1)
__________
(1) انظر: مواهب الجليل (3/47).

793 - ومن فرغ من طوافه خرج إلى الصفا، ولم يَحُدّ مالك ن أي باب يخرج، ويستحب ان يصعد منه ومن المروة أعلاهما حيث يرى الكعبة منه، ولا يعجبني أن يدعو قاعداً عليهما إلا من علة.
وتقف النساء أيضاً إلا من بها ضعف أو علة، ويقفن أسفلهما، وليس عليهن أن يصعدن إلا أن يخلوا [من الرجال] فيصعدن وذلك أفضل لهن.(1)
794 - ولم يحدّ مالك في الدعاء على الصفا والمروة حداً، ولا لطول القيام وقتاً، واستحب المكث عليهما في الدعاء، وإن رفع يديه عليهما أو في وقوف عرفة فرفعاً خفيفاً، وترك الرفع في كل شيء أحب إلى مالك إلا ابداء الصلاة فإنه يرفع [يديه]، ولا يرفع يديه في المقامين عند الجمرتين.
795 - ويبدأ في سعيه بالصفا ويختم بالمروة، فإن بدأ بالمروة [زاد] شوطاً ليصير بادياً بالصفا، ومن رمل فيجميع سعيه بين الصفا والمروة أجزأه وقد أساء، وإن لم يرمل في بطن المسيل فلا شيء عليه.(2)
796 - وإن سعى جنباً أجزأه إن كان في طوافه وركوعه طاهراً، ولا يسعى راكباً إلا من عذر، وإن جلس بين ظهراني سعيه شيئاً خفيفاً فلا شيء عليه، وإن طال فصار كالتارك لما كان عليه فليبتدئ ولا يبني.
797 - وإن صلى على جنازة قبل أن يفرغ من السعي أو باع أو اشترى أو جلس [مع أحد أو وقف معه يحدثه، لم ينبغ له ذلك، فإن فعل منه شيئاً بنى فيما خف ولم يتطاول [و] أجزأه. وإن أصابه حقن في سعيه] مضى فتوضأ وبنى.
798 - ومن ترك السعي بين الصفا والمروة أو شوطاً منه في حجة أو عمرة صحيحة أو فاسدة فليرجع لذلك من بلده.
__________
(1) انظر: الذخيرة (3/247).
(2) انظر: الذخيرة (3/247).

799 - [قال مالك]: كان المقام في عهد إبراهيم - عليه السلام - في مكانه اليوم، وكان [أهل] الجاهلية ألصقوه بالبيت حيفة السيل، فكان كذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعهد أبي بكر - رضي الله عنه - ، فلما ولي عمر - رضي الله عنه - [وحج] رده إلى الموضع الذي هو فيه اليوم، بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة كانت في خزائن الكعبة قيس بها حين أخذ، وعمر الذي نصب معالم الحرم بعد أن بحث عن ذلك.
وبلغني أن الله تعالى أوحى إلى الجبال فتنحّت حن أرى الله إبراهيم مواضع المناسك فهو قوله - عز وجل - : {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}، (البقرة: 128).
* * *
(كتاب الحج الثاني)
800 - ومن أحرم بالحج من مكة فأخّر الخروج يوم التروية والليلة المقبلة فلم يبت بمنى وبات بمكة ثم غدا من مكة إلى عرفات، فقد أساء ولا شيء عليه. وكره [له] مالك أن يدع المبيت مع الناس بمنى ليلة عرفة كما كره أن يبيت ليالي منى إذا رجع من عرفات في غير منى، ورأى على من بات ليلة كاملة أو جلها في غير منى ليالي منى الدم، وإن كان بعض ليلى فلا شيء عليه، ولم ير في ترك المبيت بمنى ليلة عرفة دماً.
801 - وكره مالك التقدم إلى منى قبل يوم التروية أو إلى عرفة قبل يوم عرفة، وأن يتقدم الناس أبنيتهم إليها.
وكره البنيان الذي اتخذه الناس بمنى، وبنيان مسجد عرفة، وما كان بعرفة مسجد مذ كانت، وإنما أحدث مسجدها بعد بني هاشم بعشر سنين، وكان الإمام يخطب منها بموضع يخطب [الإمام] اليوم متوكئاً على شيء، ويصلي بالناس [فيه]، وفي الجزء الأول ذكر قطع التلبية.
802 - ويؤذن المؤذن بعرفة إن شاء والإمام يخطب أو بعد فراغه من خطبته، ذلك واسع، قيل له: فقبل أن يأتي الإمام أو قبل أن يخطب؟، فقال: ما أظنهم يفعلون هذا.

803 - وإن ذكر إمام عرفة صلاة نسيها وهو في الظهر قطع وقطعوا، بخلاف من ذكر أنه غير متوضئ، ثم يستخلف من يصلي بهم الظهر والعصر، ويصلي هو ما نسيها، ثم الظهر والعصر، ولو ذكرها بعد أن سلم من الظهر استخلف من يصلي بهم العصر وفعل هو كما وصفنا، ولو ذكرها وهو في العصر قطع وقطعوا، واستخلف من يصلي بهم العصر، وصلى هو ما نسي ثم الظهر ثم العصر، وأحب إلي أن يعيدوا ما صلوا معه في الوقت. وهذه مخالفة لما في كتاب الصلاة وهو آخر قوله، وإذا فرغ الناس من صلاتهم قبل الإام فلهم أن يدفعوا إلى عرفات، ولا ينتظرون الإمام، لأن خليفته موضعه، إذا فرغ من الصلاة دفع [بالناس] إلى عرفة، ودفع الناس بدفعه. وينزل الناس بعرفة أو منى أو المشعر الحرام حيث أحبوا.
804 - ومن وقف به بعرفة وهو مغمى عليه حتى دفعوا(1) منها أحزأه ولا دم عليه.
805 - ومن تعمد ترك الوقوف بعرفة حتى دفع الإمام أجزأه أن يقف ليلاً، وقد أساء وعليه الهدي، قيل: فمن مر بعرفة ماراً بعد دفع الإمام ولم يقف لها أيجزئه ذلك من الوقوف؟.
806 - قال: قال مالك: من جاء ليلاً وقد دفع الإمام أجزأه أن يقف [بعرفة] قبل طلوع الفجر.
807 - ومن وقف بعرفة على غير وضوء أو جنباً من احتلام فقد أساء ولا شيء عليه، ووقوفه طاهراً أحب إلي وأفضل.
قيل: أي هدي يجب علي أن أقف به بعرفة؟.
قال: كل هدي لا يجوز لك أن تنحره إن اشتريته في الحرم حتى تخرجه إلى الحل فتدخله الحرم، أو تشتريه من الحل فتدخله الحرم، فهذا الذي يوقف به بعرفة، لنه إن فاته الوقوف به بعرفة، لم ينحره حتى يخرج [به] إلى الحل، غن كان إنما اشتراه في الحرم، وإن كان [إنما] اشتراه في الحل فلا يخرج به إلى الحل ثانية.
__________
(1) الدفع من عرفات: ابتداء السير، ودفع نفسه منها ونحّاها، أو دفع ناقته، وحملها على السير، النهاية (2/124).

808 - وكل هدي أخطأه الوقوف بعرفة أو اشتراه بعد يوم عرفة وليلتها ينحره بمكة ولا ينحر بمنى إلا ما وقف به بعرفة، ولا يجزيك ما أوقفه غيرك من الهدي حتى توقفه أنت بنفسك.
809 - وتوقف الإبل والبقر والغنم وما وقف به من الهدي بعرفة، فإن بات [به] في المشعر الحرام فحسن، وإن لم يبت به فلا شيء عليه.
قيل: فهل يخرج الناس بالهدي يوم التروية كما يخرجون إلى منى ثم يدفعون بها كما يدفعون إلى عرفات؟.
قال: لم أسمع من مالك أكثر من أن يقف بها بعرفة، ولا يدفع بها قبل غروب الشمس.
قال ابن القاسم: فإن فعل لم يكن ذلك وقفاً وينحر بمكة [لا بمنى]، قال: فإن عاد بها فأوقفها بعرفة قبل انفجار الصبح من ليلة النحر كان ذلك وقفاً، لأن مالكاً قال في الرجل يدفع من عرفة قبل غروب الشمس: إنه إن رجع فوقف بعرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج ولا هدي عليه، لأنه كالمفاوت، وإن لم يرجع يقف، حتى طلع الفجر، فاته الحج، وعليه الحج قابلاً، والهدي ينحره فيحج قابل وهو كمن فاته الحج. فإذا اشترى الهدي بعرفة فوقف به أجزأه.
810 - وأكره لمن انصرف من عرفة أن يمر في غير طريق المأزمين. ومن دفع حين غربت الشمس قبل دفع الإمام أجزأه، لأنه دفع وقد حل الدفع، ولو دفع بدفع الإمام كانت السنة وكان ذلك أفضل.
811 - ومن لم تكن به علة ولا بدايته وهو يسير لسير الناس فلا يصلي المغرب والعشاء إلا بالمزدلفة، فإن صلى قبلها أعاد إذا أتاها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الصلاة أمامك.(1)
وأما من به علة أو بدابته فلم يستطع المضي مع الناس أمهل حتى يغيب الشفق ثم يجمع بينهما حيث كان وأجزأه.
قيل: فإن أدرك الإمام المزدلفة قبل مغيب الشفق.
__________
(1) رواه البخاري (1667)، ومسلم (1280)، ومالك في الموطأ (الحج: 206)، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما مرفوعاً.

قال: هذا ما لا أظنه يكون، ولو كان ما أحببت أن يصلوا الصلاتين حتى يغيب الشفق، ولا يكبر دبر الصلاة في المشعر الحرام في المغرب والعشاء والصبح.
812 - ومن بات بالمشعر الحرام فلم يقف حتى دفع الإمام فلا يقف بعده، ولا يتخلف عنه، وإن كان لم يبت معه، وإنما ذهب إلى عرفات فوقف بها ليلاً ثم أتى وقد طلعت الشمس. قال مالك: فلا وقف له بالمشعر [الحرام].
واستحسن ابن القاسم إن أتى قبل طلوع الشمس أن يقف ما لم يسفر، والوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر وبعد صلاة الصبح، فمن وقف بعد الفجر وقبل أن يصلي الصبح فهو كمن لم يقف.
813 - ومن أتي به المزدلفة مغمى عليه أجزأه ولا دم عليه، ومن مر بالمزدلفة ماراً ولم ينزل بها فعليه دم، وإن نزل بها ثم دفع منها في أول الليل أو في وسطه أو في آخره وترك الوقوف مع الإمام أجزأه ولا دم عليه.
814 - ويستحب للرجل أن يدفع من المشعر [الحرام] بدفع الإمام، ولا يتعجل قبله، وواسع للنساء والصبيان أن يتقدموا أو يتأخروا، ولا يقف أحد بالمشعر إلى طلوع الشمس أو الإسفار، ولكن يدفعون قبل ذلك، وإذا أسفر ولم يدفع الإمام دفع الناس وتركوه، ومن لم يدفع من المشعر الحرام حتى طلعت الشمس أساء ولا شيء عليه.
815 - واستحب مالك أن تكون حصى الجمار أكبر من حصى الخذف قليلاً، وليأخذها من حيث شاء، ولا يرمي بحصى الجمار لنه قد رمى بها مرة.
816 - قال مالك: الشأن أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر [ضحوة] راكباً كما يأتي الناس على دوابهم، وفي غير يوم النحر يرمي ماشياً، فإن مشى يوم النحر في رمي العقبة أو ركب في رمي الجمار [في الأيام] الثلاثة فلا شيء عليه.
وإن رمى العقبة قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أجزأه، وبطلوع الفجر يوم النحر يحل الرمي، والنحر بمنى، وإن رماها قبل الفجر أعاد الرمي. والرجال والنساء والصبيان في هذا سواء.

ويرمي العقبة يوم النحر بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة يرميها، وأحب إلينا أن يرميها من أسفلها، وتفسير حديث القاسم أنه كان يرميها من حيث تيسر معناه: من أسفلها من حيث تيسر. قال مالك: وإن رماها من فوقها أجزأه.(1)
817 - وإن ترك رمي جمرة العقبة أو بعضها يوم النحر حتى [إلى] الليل فليرمها ليلاً، وفي نسيان بعضها يرمي عدد ما ترك، ولا يستأنف جميع الرمي، وأحب إلي أن يهدي على اختلاف من قول مالك في وجوبه.
818 - ومن حلق قبل أن يرمي الجمرة افتدى، ولا يذبح حتى يرمي، فإن ذبح قبل أن يرمي أو حلق بعد الرمي قبل أن يذبح أجزأه ولا شيء عليه، ووجه النحر والذبح ضحوة، ومن ذبح قبل الفجر أعاد الذبح.
819 - ومن جامع يوم النحر بعدما رمى جمرة العقبة قبل أن يحلق فحجه تام وعليه هدي وعمرة، ينحر الهدي فيها وهديده بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة من الغنم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام [في الحج] وسبعة [إذا رجع] بعد ذلك إن شاء فرق بينهن أو جمع، لأنه إنما يصومها بعد أيام منى إذا قضى عمرته.
وإن جامع يوم النحر أول النهار أو آخره قبل أن يرمي ويفيض، فسد حجه وعليه حج قابل، ولو وطئ بعد يوم النحر قبل أن يفيض ويرمي فحجه مجزئ عنه ويعتمر ويهدي، ولو وطئ يوم النحر أو بعده قبل الرمي وبعد الإفاضة، فإنما عليه الهدي وحجه تام ولا عمرة عليه، ولو وطئ بعد الإفاضة ثم ذكر أنه طاف للإفاضة ستة اشواط، أو ترك ركعتي الطواف فليطف بالبيت سبعاً ويركع ثم يخرج إلى الحل فيعتمر ويهدي.(2)
وأكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض، فإن فعل فلا شيء عليه لما جاء فيه.
825 - وإذا رمى العقبة فبدأ فقلم أظفاره، وأخذ من لحيته وشاربه، واستحد وأطلى بالنورة قبل أن يحلق رأسه فلا بأس بذلك.
__________
(1) رواه مالك في الموطأ (225) من حديث مالك أنه سأل عبد الرحمن بن القاسم، من أين كان القاسم يرمي جمرة العقبة؟.
(2) انظر: مواهب الجليل (3/166).

826 - ويستحب له إذا حل من إحرامه أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره من غير إيجاب وفعله ابن عمر. [قال] مالك: والحلاق يوم النحر بمنى أحب إلي وأفضل.
827 - وإن حلق بمكة في أيام التشريق أو بعدها، أو حلق في الحل في أيام منى فلا شيء عليه، وإن أخر الحلاق حتى رجع إلى بلده جاهلاً أو ناسياً حلق أو قصر وأهدى.
828 - ومن ضفر أو عقص أو لبد فعليه الحلاق، [ومعنى قوله: ولا تشبهوا بالتلبيد: أن السنة جاءت فيمن لبد أن عليه الحلاق، فقيل: من ضفر أو عقص فليحلق، ولا تشبهوا [بالتلبيد] أي ولا تشبهوا علينا، فإنه مثل التلبيد].
829 - ومن ضلّت بدنته يوم النحر أخّر الحلاق وطلبها ما بينه وبين الزوال، فإن أصابها وغلا حلق. ويفعل ما يفعل من لم يهد من الإفاضة ووطئ النساء وحلق الرأس ولبس الثياب كانت هذه البدنة مما عليه بدلها أم لا.
830 - ويُمِرّ الأقرع الموسى على رأسه عند الحلاق، ومن حلق رأسه بالنورة عند الحلاق أجزأه.
831 - ومن أخّر الطواف والسعي من مراهق وشبهه فليحلق إذا رمى الجمرة، ولا يؤخر حتى يطوف.
832 - وإذا قصّر الرجل فليأخذ من جميع شعر رأسه، وما أخذ من ذلك أجزأه، وكذلك الصبيان.
وليس على النساء إلا التقصير، ولتأخذ من جميع قرونها في الحج والعمرة الشيء القليل، وما أخذت من ذلك أجزأها، ولا يجزيهما أن يُقصّرا بعضاً ويُبقيا بعضاً. فإن جامعها بعد أن قصّر وقصّرت بعضاً وأبقيا بعضاً فعليهما الهدي.
833 - وإذا طاف المعتمر وسعى ولم يقصر، فأحب إلي أن يؤخر لبس الثياب حتى يقصر، وإن لبس قبل أن يقصر فلا شيء عليه.
834 - وإن وطئ قبل أن يقصر أو بعد أن أخذ من بعض شعره فعليه الهدي.
835 - والأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر يرمي في كل يوم منها ثلاث جمرات بعد الزوال ماشياً، كل جمرة منها بسبع حصيات، ولو رمى قبل الزوال أعاد الرمي بعد الزوال.

ويرمي الجمرتين جميعاً من فوقهما والعقبة من أسفلها، وإن رمى بسبع حصيات في مرة لم يجزه وتكون كواحدة، ويرمي بعدها بست ويوالي بين الرمي، ولا ينتظر بين كل حصاتين شيئاً، ويكبر مع كل حصاة تكبيرة، فإن لم يكبر أجزأه الرمي.
قيل [له]: فإن سبح مع كل حصاة؟. قال: السنة التكبير.
836 - ويقف عند الجمرتين للدعاء، ولا يرفع يديه، وإن لم يقف فلا شيء عليه، [ولا يقف عند العقبة].
837 - وإن وضع الحصى وضعاً [أو طرحها] لم يجزه، وإن رمى حصاة فوقعت قرب الجمرة فإن وقعت موضع حصى الجمرة وإن لم تبلغ الرأس أجزأه، وإن سقطت في محمل(1) رجل فنفضها صاحب المحمل فسقطت في الجمرة لم يجزه، ولو أصابت المحمل ثم مضت لقوة الرمي الأول حتى وقعت في الجمرة أجزأته.
838 - ولا يرم بحصى الجمار، لأنه قد رُمي بها، ومن نفد حصاه فأخذ ما بقي عليه من حصى الجمرة فرمى به أجزأه.
قال ابن القاسم: سقطت مني حصاة فلم أعرفها فرميت بحصاة من حصى الجمرة فقال لي مالك: إنه مكروه، وما أرى عليك شيئاً.
839 - ومن ترك يوم ثاني النحر رمي الجمرة من هذه الجمار حتى غابت الشمس رماها ليلاً، واختلف قول مالك في وجوب الدم [عليه]، وأحب إلي أن يلزمه الدم.
وإن ترك رمي جمرة أو الجمار كلها حتى مضت أيام منى فحجه تام وعليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام، وأما في حصاة فعليه دم. فإذا مضت أيام التشريق فلا رمي لمن لم يكن رمى.
840 - ومن رمى الجمار الثلاث بخمس خمس يوم ثاني النحر ثم ذكر من يومه رمىالأولى التي تلي مسجد منى بحصاتين ثم الوسطى بسبع ثم العقبة بسبع ولا دم عليه، ولو ذكر من الغد رمى هكذا وليهد على أحد قولي مالك.
__________
(1) المحمل: الهودج، والعدلان على جانبي الدابة يُحمل فيهما، والزنبيل الذي يُحمل فيه العنب ونحوه، والجمع محامل، ويقال ما على البعير محمل، موضع الشيء الذي يحمل، الوسيط (حمل/1/206).

841 - ولو رمى من الغد ثم ذكر قبل مغيب الشمس أنه نسي حصاة من الجمرة الأولى بالأمس فليرم الأولى بحصاة، والاثنتين بسبع سبع، ثم يعيد رمي يومه، لأنه في بقية من يومه، وعليه دم للأمس [على أحد قوليه].
وإن ذكر [ذلك] بعد مغيب الشمس من اليوم الثاني رمى عن أمس بما ذكرنا وعليه [فيه] دم ولم يعد رمي يومه، وإن لم يذكر ذلك إلا بعد رمي يومين فذكره قبل مغيب الشمس [من] آخر أيام التشريق رمى الأولى بحصاة والاثنين بسبع سبع عن أول يوم، وأعاد الرمي ليومه هذا فقط، إذ عليه بقية يومه، ولا يعيد رمي اليوم الذي بينهما، لأن وقت رميه قد مضى، [وعليه دم على أحد قوليه].
842 - وإن ذكر أنه نسي حصاة من أول يوم لا يدري من أي جمرة، فقال مالك مرة: يرمي الأولى بحصاة ثم الوسطى [والعقبة] بسبع سبع [وبه أقول. ثم قال: يرمي كل جمرة بسبع سبع].
843 - وإذا قُدر على حمل المريض وهو يقوى على الرمي، [ووجد من يحمله] حُمل ورمى بيده، ولا يرمي الحصاة في كف غيره ليرميها ذلك عنه، [وإن لم يُقدر على حمله ولم يستطع الرمي رمى عنه غيره]، ثم يتحرى المريض وقت الرمي فيكبر لكل حصاة تطبيرة، وليقف الرامي عنه عند الجمرتين للدعاء، وحسن أن يتحرى المريض [ذلك] الوقت فيدعو، وعلى المريض الدم، لأنه لم يرم، وإنما رمى عنه غيره، فإن صحّ ما بينه وبين غروب الشمس من آخر أيام الرمي، أعاد ما رمى عنه كله في الأيام الماضية وعليه الدم.
ولو رمى عنه العقبة يوم النحر ثم صحّ آخر ذلك اليوم أعاد الرمي ولا دم عليه، وإن صح ليلاً فليرم ما رمى عنه وعليه الدم. والمغمى عليه [في الرمي] كالمريض.
844 - ويرمي عن الصغير من رمى عن نفسه كالطواف، ولو كان الصبي كبيراً قد عرف الرمي فليرم عن نفسه، فإن ترك الرمي أو لم يرموا عن الذي لا يقدر على الرمي فالدم على من أحجهما.

845 - ولا يُشترك في هدي تطوع أو واجب أو نذر أو جزاء أو فدية، ولا يشتركا [في بعير] وقد لزمهما شاة شاة أو لزم رجلاً وأهل بيته شاة شاة فأشركهم في بعير لم يجزهم، وأهل البيت والأجنبيون في هذا سواء. ولو ابتاع هو هدي تطوع لم ينبغ أن يشرك فيه أهل بيته.
846 - والشأن أن تُنحر البدن قياماً، فإن امتنعت جاز أن تعقل، والإبل تنحر ولا تذبح بعد النحر، والبقر تُذبح ولا تنحر بعد الذبح.
* * *

[ما نُحر قبل الفجر]
847 - والهدايا كلها إذا نحرها قبل الفجر يوم النحر لم تجزه، [ومن قلّد نسكاً لأذى فلا يجزيه أن ينحره إلا يوم النحر بمنى بعد طلوع الفجر، ولا تذبح الضحايا والهدايا إلا في أيام النحر نهاراً، ولا تذبح ليلاً، فإن ذبحت ليلاً لم تُجز].(1)
848 - وكره مالك للرجل أن ينحر هديه أو [يذبح] أضحيته غيره، فإن نحر له غيره [أو ذبح] أجزأه إلا أن يكون غير مسلم فلا يجزيه وعليه البدل.
849 - ومن ذبح فقال: بسم الله والله أكبر، اللهم تقبل من فلان، فذلك حسن، وإن لم يقله وسمى الله أجزأه.
850 - وكل هدي واجب أو تطوع أو جزاء صيد دخله عيب بعد أن قلده وأشعره وهو صحيح مما يجوز في الهدي فحمله صاحبه أو ساقه حتى أوقفه بعرفة فنحره بمنى أجزأه.
851 - وإن فاته أن يقف [به] بعرفة فساقه إلى منى فلا ينحره بها ولكن بمكة، ولا يخرجه إلى الحل ثانية، إن كان قد أدخله من الحل، فإن هلك هذا الهدي في سيره به إلى مكة لم يجزه، لأنه لم يبلغ محله، وكل هدي فاته الوقوف بعرفة فمحله مكة لا منى.
852 - ومن أوقف هدي جزاء صيد أو متعة أو غيره بعرفة ثم قدم [به] مكة فنحره بها جاهلاً وترك منى تعمداً أجزأه.
853 - ومن ضل هديه الواجب بعدما أوقفه بعرفة فوجده بعد أيام منى فلينحره بمكة، قال لي مالك مرة: ولا يجزيه وعليه الهدي الذي كان عليه، وقال قديماً - فيما بلغني - أنه يجزيه، وبه أقول.
__________
(1) انظر: مواهب الجليل (3/186)، الشرح الكبير (2/92).

854 - ومن قلد هديه وأشعره ثم ضل منه فأصابه رجل فأوقفه بعرفة ثم وجده ربه يوم النحر أو بعده أجزأه ذلك التوقيف، لأنه قد وجب هدياً، لا يرجع في ماله ولا يجزئ ما أوقف التجار، لأن توقيفهم لا يوجبها هدياً، ولهم ردها وبيعها.
855 - ومن أوقف هديه بعرفة، ثم ضل منه فوجده رجل فنحره بمنى، لأنه رآه هدياً، فوجده ربه منحوراً أجزأه.
856 - فإذا أخطأ الرفقاء يوم النحر فنحر كل واحد منهم هدي صاحبه أجزأهم، ولو كانت ضحايا لم تجزهم وعليهم بدلها، ويضمن كل واحد لصاحبه القيمة، لأن الهدي إذا قلد وأشعر لم يرجع في مال صاحبه، ومن نحره بعد أن بلغ محله أجزأ صاحبه، والضحايا له أن يبدلها بخير منها.
857 - قال مالك في امرأة دخلت مكة [بعمرة] ومعها هدي فحاضت بعد دخولها مكة قبل أن تطوف، فإنها لا تنحر هديها حتى تطهر ثم تطوف وتسعى وتنحر وتقصر، فإن كانت ممن تريد الحج وخافت الفوات ولم تستطع الطواف لحيضتها، أهلت بالحج وساقت هديها وأوقفته بعرفة ولا تنحره إلا بمنى، وأجزأها لقرانها وسبيلها سبيل من قرن.
858 - ومن اعتمر في أشهر الحج وساق معه هدياً فطاف لعمرته وسعى فلينحره إذا تم سعيه ثم يحلق أو يقصر ويحل. قال مالك - رحمه الله - : ولا يؤخره إلى يوم النحر، فإن أخره فلا يثبت حراماً، وليحل من عمرته، فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج، واستحب [له] مالك أن يحرم في أول العشر.
859 - قال مالك: فإن كان لما حل من عمرته أخر هديه إلى يوم النحر فنحره لم يجزه عن متعته، لأنه قد لزمه أن ينحره أولاً، ثم قال مالك: إن أخر هذا المتمتع هديه إلى يوم النحر فنحره عن متعته رجوت أن يجزيه، وقد فعله أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأحب إلي أن ينحره [ولا يؤخره].

860 - وإذا هلك هدي التطوع قبل محله فليتصدق به ولا يأكل منه، لأنه غير مضمون، وليس عليه بدله، فإن أكل منه فعليه بدله، وإن استحق فعليه بدله، ويجعل ما يرجع [إليه] من ثمنه في هدي كما يفعل فيما يرجع به من عيب هدي التطوع، والهدي المضمون هو الذي إذا هلك قبل محله أو عطب أو استحق كان عليه بدله.
861 - قال مالك: وله أن يأكل من الهدي كله، واجبه وتطوعه، إذا بلغ محله، ويجزئ إلا ثلاثة: جزاء الصيد، وفدية الأذى، وما نذره للمساكين، فإن أكل من جزاء الصيد أو فدية الأذى [ما] قل أو كثر بعد محله فعليه البدل.
قال ابن القاسم: ولا أدري ما قول مالك إن أكل مما نذره للمساكين، وأرى أن يطعم المساكين قدر ما أكل، ولا يكون عليه البدل، لأن هدي نذر المساكين لم يكن عند مالك في ترك الأكل منه بمنزلة جزاء الصيد، وفدية الأذى، وإنما استحب مالك ترك الأكل منه.
862 - قال مالك: وكل هدي مضمون هلك قبل محله فلصاحبه أن يأكل منه ويطعم من شاء غنياً أو فقيراً لأن عليه بدله، ولا يبيع من ذلك لحماً، ولا جلداً، [ولا حبلاً]، ولا خطاماً، [ولا جلالاً]، ولا قلائد، لا يستعين بذلك في ثمن البدل.
863 - قال مالك - رحمه الله - : ومن الهدي المضمون ما إن عطب قبل [أن يبلغ] محله جاز [له] أن يأكل منه، لأن عليه بدله، وإن بلغ محله لم يجز له أن يأكل منه، وإن أكل منه لم يجزه وعليه [البدل] وهو جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونذر المساكين.
864 - والهدي الذي ليس بمضمون هو [هدي] التطوع وحده، وكل هدي ساقه رجل لا لشيء وجب عليه من أمر الحج، أو يجب [عليه] في المستقبل فهذا تطوع.
865 - ومن قلّد بدنة أو أهدى هدياً تطوعاً ثم مات قبل أن تبلغ محلها فلا ترجع ميراثاً، لأنه قد أوجبها على نفسه.
866 - والمبعوث معه بالهدي يأكل منه إلا من الجزاء والفدية ونذر المساكين فلا يأكل منه [شيئاً] إلا أن يكون الرسول مسكيناً فجائز أن يأكل منه.

ومن بعث بهدي تطوع مع رجل [حرام] ثم خرج بعده حاجاً فإن أدرك هديه لم ينحر فليؤخر نحره إلى أن يحل، وإن لم يدركه فلا شيء عليه.
867 - وإن أضل هدي التطوع ثم وجده بعد أيام النحر نحره بمكة، ولو ضلت منه أضحيته فوجدها بعد أيام النحر فلا يذبحها وليصنع بها ما شاء، وإن أصابها في أيام النحر ذبحها، إلا أن يكون قد ضحى ببدلها فلا شيء عليه. ولو ضل منه هدي واجب أو جزاء فنحر غيره يوم النحر ثم وجده بعد أيام النحر نحره أيضاً، لأنه قد أوجبه [على نفسه] فلا يرد في ماله.
868 - ومن عطب هديه التطوع ألقى قلائدها في دمها إذا نحرها ورمى عندها جلها وخطامها وخلى بين الناس وبينها، ولا يأمر من يأكل منها فقيراً ولا غنياً، فإن أكل أو أمر بأكلها وبأخذ شيء من لحمها فعليه البدل، وسبيل الجل والخطام سبيل لحمها، وإن بعث بها مع رجل فعطبت [فسبيل الرسول] سبيل صاحبها لو كان معها، ولا يأكل منها الرسول [إن عطبت]، فإن أكل لم يضمن ولا يأمر ربها الرسول إن عطبت [أن] يأكل منها، فإن فعل ضمن، وإن أمره ربها إن عطبت أن يخلي بين الناس وبينها فعطبت فتصدق بها الرسول لم يضمن، وأجزت صاحبها، كمن عطب هديه التطوع فخلّى بين الناس وبينه، فأتى أجنبي فقسمه بين الناس، فلا شيء عليه ولا على ربه.
869 - ومن وجب عليه هدي في حج أو عمرة فله أن يبعثه مع غيره، وكل هدي واجب ضلّ من صاحبه بعد تقليده أو مات قبل أن ينحره [وهو بمنى أو في الحرم أو قبل أن يدخل الحرم] فلا يجزيه وعليه بدله، وكل هدي تطوع مات أو سرق أو ضلّ فلا بدل على صاحبه [فيه].
870 - ومن سُرق هديه الواجب بعدما ذبحه أجزأه.
871 - ومن أطعم الأغنياء من الجزاء أو الفدية [فعليه البدل، جهلهم أو علم بهم كالزكاة، ولا يطعم منها، ولا من جميع الهدي غير مسلم، فإن فعل البدل الجزاء والفدية]، ولا يبدل غيرهما وهو خفيف وقد أساء، وإن أطعم ذميّاً كفارة عليه لم تجزه.

872 - ولا يتصدق بشيء من الهدي على فقراء أهل الذمة، ولا يطعم من الجزاء أبويه وزوجته وولده ومدبره ومكاتبه وأم ولده، كما لا يعطيهم من زكاته.
873 - ومن قلد هدياً وأشعره وهو لا يجزيه لعيب به فلم يبلغ محله حتى زال ذلك العيب لم يجزه وعليه بدله إن كان مضموناً، ولو قلده سليماً ثم حدث به ذلك قبل محله أجزأه.
874 - وما أصاب الضحايا من عيب بعد شرائها فعلى صاحبها بدلها، لأن له بدل أضحيته بخير منها، وليس لمن قلد هدياً بدله بخير منه ولا بيعه، فإن باعه رد إن وجد، وإن لم يعرف مكانه فعليه البدل بثمنه، ولا ينقص منه، وإن وجد بدله [بدونه]، وإن لم يجد بالثمن فليزد عليه لأنه قد ضمن الهدي.
875 - وجلود الهدايا في الحج والعمرة وفي الأضحى يصنع بها ما يصنع بلحومها، ولا يعطي الجزار على جزر الهدايا والضحايا والنسك من لحومها ولا جلودها [شيئاً]، وكذلك خطمها وجلالها.
876 - وتجزئ المكسورة القرن في الهدايا والضحايا إذا كان قد برئ، فإن كان يدمي فلا يصلح، ولا بأس في الهدايا والضحايا باليسير من قطع أو شق في الأذن مثل السمة ونحوها، ويجوز الخصي في [الهدايا و]الضحايا، ووسع مالك في الهدايا والضحايا فيالكوكب يكون في العين إذا كان يبصر بها ولم يكن على الناظر.
877 - ولا يجوز في الهدايا والضحايا العرجاء البين عرجها، ولا المريضة البين مرضها وكذلك جاء في الحديث(1)، ولا يجوز الدّبر، من الإبل في الهدي، ولا المجروح وذلك في الدبرة الكبيرة والجرح الكبير، ولا يجوز في جزاء الصيد [و]الفدية ذوات العوار.
__________
(1) رواه مالك في الموطأ، كتاب الضحايا (2/482).

878 - ولا يجوز في الفدية إلا ما يجوز في الضحايا والبدن، والذي يجزئ من الأسنان في الهدايا والضحايا والدن والفدية الجذع من الضأن والثني من سائر الأنعام، وكان ابن عمر يقول: لا يجزئ إلا الثني من كل شيء، قال مالك - رحمه الله - : إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - [قد] أرخص في الجذع من الضأن.(1)
879 - والبدن عند مالك من الإبل وحدها، والذكور والإناث بدن كلها لعموم قول الله تعالى: {والبدن}(2) ولم يقل ذكراً ولا أنثى، وتعجب مالك ممن قال: لا تكون إلا في الإناث. [ويجوز الذكور والإناث] من الغنم وغيرها في الهدي.
880 - ومن نذر بدنة فهي من الإبل، فإن لم يجد بدنة فبقرة، فإن لم يجد [بقرة] فسبعاً من الغنم، والذكور والإناث في ذلك سواء. ومن نذر هدياً ولا نية له فالشاة تجزيه لأنها هدي.
881 - ومن أهدى ثوباً فليبعه ويشتري بثمنه هدياً ما حمل من بدنة أو بقرة أو شاة وليشتري ذلك من الحل فيسوقه إلى الحرم، ولا يشتري إلا ما يجوز في الهدي.
882 - ومن اشترى هدياً تطوعاً فلما قلده وأشعره أصاب به عيباً فليمض به هدياً ولا بدل عليه، ويرجع على البائع بما بين الصحة والداء فيجعله في هدي آخر إن بلغ، فإن لم يبلغ تصدق به. وإن كان هدياً واجباً فعليه بدله ويستعين بما يرجع به على البائع في ثمن بدله، ولا ترد البدنة المعيبة تطوعاً كانت أو واجبة، كمن اشترى عبداً فأعتقه عن واجب وبه عيب لا يجزئ [به] ثم ظهر على العيب فإنه لا يجزيه، وليس له رده في الرق بعد عتقه، ولكن يرجع على البائع بما بين الصحة والداء فيستعين به في رقبة أخرى.
883 - وإن كان العيب مما تجزئ به الرقبة جعل حصة العيب في رقبة أو قطاعة مكاتب يتم بها عتقه، وإن كانت الرقبة تطوعاً صنع بها ما شاء.
[وأما هدي التطوع فإنه يجعل ما يرجع به من حصة العيب في هدي آخر إن بلغ وإلا تصدق به كما وصفنا].
__________
(1) رواه مسلم (1962).
(2) سورة الحج: آية (36).

884 - وما جنى على الهدي فأخذ له صاحبه أرشاً فليصنع به ما يصنع من رجع من عيب أصابه في الهدي المقلد، ومن وجد بالضحايا عيباً ردها وأخذ ثمنها فاشترى [به] بدلها بخلاف الهدي المقلد، ولو جنى على الضحايا [أحد] أخذ منه صاحبها عقل ما جنى فاشترى بدلها ولم يذبح المعيبة.
885 - وإذا نتجت الناقة أو البقرة أو الشاة وهي هدي فليحمل ولدها معها إلى مكة إن وجد محملاً على غيرها، فإن لم يجد حمله عليها، فإن لم يكن في أمه ما يحمله عليها تكلف حمله.
886 - ولا يشرب من لبن الهدي شيئاً، ولا ما فضل عن ولدها، فإن فعل فلا شيء عليه، لأن بعض من مضى أرخص فيه بعد ريّ فصيلها.
887 - ومن احتاج إلى ظهر هديه فليركبه وليس عليه أن ينزل بعد راحته، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: “اركبها ويحك”(1) في الثانية أو الثالثة، وإنما استحسن الناس ألا يركبها حتى يحتاج إليها.
888 - وإذا ضلّ الهدي بعد التقليد والإشعار فوُجد بعد أيان منى نُحر بمكة، فإن وجد خارجاً من مكة بعد أيام منى سبق إلى مكة فنحر بها، وإن لم يوقف بعرفة فوجد [في] أيام منى سيق إلى مكة فنحر بها، وإن وقف به بعرفة ثم وجد أيام منى نحر بمنى.
889 - ومن كان عليه هدي من جزاء الصيد فلم ينحره حتى مضت أيام التشريق فاشتراه في الحرم ثم خرج به إلى الحل فليدخل حلالاً، ولا بأس أن يبعث بهديه هذا مع حلال من الحرم ثم يقفه فيالحل، ثم يدخله مكة فينحره عنه ولا يجزئ ذبح جزاء الصيد، وما كان من هدي إلا بمكة أو بمنى، وإن أطعم لحمه للمساكين وذلك يبلغ شبع عدد قيمة الصيد من الأمداد، لو أطعم الأمداد، لم يجزه.
__________
(1) رواه مالك في الموطأ (138)، (1/377)، والبخاري (1689)، ومسلم (1322).

890 - وما كان من هدي في عمرة [نحره إذا حل منها بمكة إذا] [كان] وجب لشيء نقصه منها أو هدي نذر أو تطوع أو جزاء صيد فلذلك سواء ينحره إذا حل من عمرته، فإن لم يفعل لم ينحره إلا بمكة أو بمنى إلا ما كان من هدي الجماع في العمرة، فإنه لا ينحره إلا في قضائها أو بعد قضائها بمكة.
891 - ومن اشترى يوم النحر شاة أو بقرة أو بعيراً ولم يوقفه بعرفة ولم يخرجه إلى الحل فيدخله الحرم وينوي به الهدي، وإنما أراد أن يضحي بذلك، فليذبحها ضحوة، وليست بضحية، لأن أهل منى ليس عليهم أضاحي، وكل شيء في الحج فهو هدي، وما ليس في الحج فهو أضاحي.
892 - وكل من وجب عليه الدم في حج أو عمرة فلم يجده فالصوم يجزيه منه ولا إطعام فيه. وليس الطعام في الحج والعمرة مكان الهدي إلا في جزاء الصيد وفدية الأذى، وكل هدي وجب على من تعدى ميقاته، أو تمتع، أو قرن، أو أفسد حجه، أو فاته الحج، أو ترك الرمي، أو النزول بالمزدلفة، أو نذر مشياً فعجز عنه، أو ترك شيئاً من الحج يجبره بالدم فإنه إذا لم يجد هدياً صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد ذلك.
893 - وله أن يصوم الثلاثة الأيام ما بينه وبين يوم النحر، فإن لم يصمها قبل يوم النحر أفطر يوم النحر وصام الثلاثة الأيام التي بعده، وهي أيام التشريق، ويصل السبعة بها إن شاء، وقول الله تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ}(1)، يقول: من منى، وسواء أقام بمكة أم لا.
__________
(1) سورة البقرة: آية (196).

894 - وإن كان قد صام قبل يوم النحر يوماً أو يومين فليصم ما بقي عليه في أيام التشريق، فإن لم يصم الثلاثة الأيام حتى مضت أيام التشريق صام بعد ذلك إن شاء وصل ثلاثاً بسبع أو لم يصل، وإنما يصوم ثلاثة أيام في الحج كما ذكرنا المتمتع أو القارن أو من تعدى ميقاته أو أفسد حجه أو فاته [الحج]، وأما من لزمه ذلك لترك جمرة أو النزول بالمزدلفة فليصم متى شاء، وكذلك الذي يطأ أهله بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة، لأنه إنما يصوم إذا اعتمر بعد أيام منى، ومن مشى في نذر إلى مكة فعجز فليصم متى شاء، لأنه يقضي في غير حج فكيف لا يصوم في غير حج.
قال: وما صنع في عمرته من ترك ميقات أو وطئ أو ما يلزمه به فلم يجده، فليصم ثلاثة أيام وسبعة بعد ذلك.
وكل من لم يصم ممن ذكرنا حتى رجع إلى بلده وله بها مال بعث بهدي ولم يجزه الصوم، وكذلك من أيسر قبل صيامه، ومن وجد من يسلفه، فلا يصم وليستلف إن كان موسراً ببلده.
895 - ولا بأس أن يقدم الناس أثقالهم من منى إلى مكة، وإذا رجع الناس من منى نزلوا بأبطح مكة وهو معروف حيث المقبرة، فيصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء إلا أن يكون رجل أدركه وقت الصلاة قبل أن يأتي الأبطح فليصلها حيث أدركه الوقت، ثم يدخل مكة بعد العشاء أول الليل.
896 - واستحب مالك لمن يقتدى به ألا يدع النزول [أول الليل] بالأبطح، ووسع لمن لا يقتدى به في ترك النزول [به]، وكان يفتي به سراً، ويفتي في العلانية بالنزول في الأبطح لجميع الناس.(1)
897 - وتجوز العمرة في أيام السنة كلها إلا لحاج فيكره لهم أن يعتمروا حتى تغيب الشمس من آخر أيام الرمي، وكذلك من تعجل في يومين أو لم يتعجل أو قفلوا إلى مكة بعد الزوال من آخر أيام الرمي فلا يحرم بالعمرة من التنعيم حتى تغيب الشمس.
__________
(1) انظر: التقييد (2/86).

قال ابن القاسم: ومن أحرم منهم في أيام الرمي لم يلزمه إلا أن يحرم بعد أن يتم رميه من آخر أيام الري [وحل من إفاضته، فيلزمه].
ومن لم يكن حاجاً من أهل الآفاق فجائز أن يعتمر في أيام التشريق، لأن إحلاله بعد أيام منى. وقال ابن القاسم: سواء كان إحلاله منها في أيام منى أو بعدها بخلاف الحاج. والعمرة في السنة إنما هي مرة واحدة، ولواعتمر بعدها لزمته كانت الأولى في أشهر الحج أولاً أراد أن يحج من عامه أم لا.
898 - والمحصر بعدو غالب أو فتنة في حج أو عمرة يتربص ما رجا كشف ذلك، فإذا يئس من أن يصل إلى البيت فليحل بموضعه حيث كان من البلاد، في الحرم أو غيره، ولا هدي عليه إلا أن يكون معه هدي فينحره هناك ويحلق أو يقصر، ويرجع إلى بلده ولا قضاء عليه لحج ولا عمرة إلا أن يكون صرورة فلا يجزيه ذلك من حجة الإسلام، وعليه حجة الإسلام [من] قابل. وإن أخر حلاقه حتى رجع إلى بلده [حلق] ولا دم عليه.
899 - وقال في موضع آخر [وفي المحصر] بعدو قبل أن تمضي أيام الحج لا يكون مُحْصَراً حتى يفوته الحج أو يصير إن خُلّي لم يدرك الحج فيما بقي من الأيام، فيكون محصراً ويحل مكانه لا ينتظر ذهاب الحج.
900 - ومن أحصر [بعدو] بعد أن وقف بعرفة فقد تم حجه ولا يُحِلّه من إحرامه إلا طواف الإفاضة، وعليه لجميع ما فاته من رمي الجمار والمبيت بالمزدلفة وبمنى هدي واحد، كمن ترك رمي الجمار كلها ناسياً حتى زالت أيام منى، فحجه تام وعليه هدي واحد.
901 - وإذا أحرم مكي بالحج من مكة [أو من الحرم] أو رجل دخل معتمراً ففرغ من عمرته ثم أحرم بالحج من مكة فأحصر بمرض حتى فرغ الناس من حجهم، فلا بد له أن يخرج إلى الحل فيلبي من الحل، ويعمل عمل العمرة ويحج قابلاً ويهدي، ويؤمر من فاته الحج وقد أحرم من مكة أن يخرج إلى الحل فيعمل فيما بقي عليه مما يعمل المعتمر ويحل.

902 - والمحصر بمرض إذا فاته الحج لا يقطع التلبية حتى يدخل أوائل الحرم، ولا يحله من إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنين، وإن تمادى مرضه إلى حج قابل فمضى على إحرامه الأول وحج به أجزأه من حجة الإسلام ولا دم عليه.
903 - وإذا كان من المحصر بمرض هدي حبسه حتى يصح فينطلق [به] معه، إلا أن يصيبه من ذلك مرض يتطاول عليه [ويخاف] على الهدي فليبعث به ينحر بمكة، ويقيم هو على إحرامه، فإذا صح مضى ولا يحل دون البيت، وعليه إذا دخل وقد فاته الحج هدي آخر مع حجة القضاء، ولا يجزيه عنه هديه الذي بعث، ولو لم يبعثه ما أجزأه أيضاً [ذلك الهدي عن الهدي الذي وجب عليه من فوات الحج].
904 - ومن دخل مكة مفرداً بالحج فطاف وسعى، ثم خرج إلى الطائف في حاجة له قبل أيام الموسم، ثم أحصر، أو أحصر بمكة ولم يحضر الموسم مع الناس، لم يجزه الطواف الأول والسعي من إحصاره، ولا يحل إلا بطواف وسعي مؤتنفين.
905 - وكذلك من أحصر بمرض ففاته الحج فقدم مكة فطاف فعليه أن يسعى ولا يحل أحد ممن أحصر بمرض إلا بعد السعي ثم يحلق، والمحصر بمرض إذا أصابه أذى [فحلق] فلينحر هدي الأذى حيث أحب.
906 - قال ابن القاسم: كنت عند مالك سنة خمس وستين ومائة فسئل عن قوم اتهموا بدم وهم محرمون فحبسوا في المدينة فقال: لا يحلهم إلا البيت، ولا يزالون محرمين في حبسهم حتى يقتلوا أو يخلوا فيحلوا بالبيت.
907 - وتحج المرأة مع وليها، فإن أبى أو لم يكن لها ولي ووجدت من يخرج معها من رجال أو نساء مأمونين فلتخرج [معهم].
908 - ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت فصده عن البيت عدو، فإن كان أخذه على البلاغ رد ما فضل عن نفقته ذاهباً وراجعاً، وإن كان أجيراً كان له من الأجر بحساب مسيره إلى موضع صُدّ فيه وردّ ما بقي.

909 - وكذلك لو مات الأجير في الطريق فإنه يحاسب هكذا بقدر ما بلغ من الطريق. وإن أحصر صاحب البلاغ بمرض فلا شيء عليه، وله نفقته في مال البيت ما أقام مريضاً، فإن أقام إلى حج قابل أجزأ ذلك عن الميت، وإن لم يقم إلى حج قابل وقوي على الذهاب قبل ذلك إلى البيت، فله نفقته.(1)
910 - ومن كبر ويئس أن يبلغ مكة لكبره [وضعفه] وهو صرورة [أو غير صرورة] فلا يُحج أحداً عن نفسه.
911 - ومن مات وهو صرورة ولم يوص أن يحج عنه احد، فأراد أن يتطوع عنه بذلك ولد أو والد أو زوجة أو أجنبي فليتطوع عنه بغير هذا، يهدي عنه أو يتصدق أو يعتق، فإن أوصى أن يحج عنه أنفذ ذلك، ويحج عنه من [قد] حج أحب إلي، فإن جهلوا فاستأجروا من لم يحج أجزأ عنه، وكذلك إن أوصى بعمرة أنفذت أيضاً.(2)
912 - ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة لم يجز ذلك عن الميت، وعليه أن يحج حجة أخرى عن الميت كما استوجر.
913 - ولو قرن ونوى العمرة عن نفسه والحج عن الميت ضمن [المال]، لأنه أشرك في عملهم غير ما أمروه وعليه دم القران.
914 - ومن حج عن ميت فالنية تجزيه، وإن لم يقل لبيك عن فلان.
915 - ومن حج عن ميت فترك من المناسك شيئاً يجب فيه الدم، فإن كانت الحجة لو كانت عن نفسه أجزته، فهي تجزئ عن الميت، وكل ما لم يتعمد من ذلك أو فعله لضرورة فوجب به عليه هدي أو أغمي عليه أيام منى حتى رمى عنه غيره، أو أصابه أذى فلزمته فدية، كانت الفدية والهدي في مال الميت، وهذا كله في أخذه المال على البلاغ، [وما وجب عليه من ذلك بتعمده فهو في ماله، وأما إن أخذ المال على الإجارة] فكل ما لزمه بتعمد أو خطأ فهو في ماله.
__________
(1) انظر: مواهب الجليل (2/548)، وحاشية الدسوقي (2/11، 14).
(2) انظر: كلام العلامة المازري في المعلم بفوائد مسلم (2/108).

916 - ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت على البلاغ فسقطت منه نفقته رجع من موضع سقطت، ونفقته في رجوعه عليهم، وإن تمادى ولم يرجع فهو متطوع، ولا شيء عليهم في ذهابه إلا أن تسقط بعد إحرامه فليمض، لأنه لما أحرم لم يستطع الرجوع، وينفق في ذهابه ورجوعه ويكون ذلك على الذي دفع إليه المال، ولو أخذه على الإجارة فسقط فهو ضامن للحج، أحرم أم لم يحرم.
917 - ومن أوصى أن يحج عنه بهذه الأربعين ديناراً فدفعوها إلى رجل على البلاغ ففضلت منها عشرون ديناراً، فليرد إلى الورثة ما فضل، كقوله: اشتروا عبد فلان بمائة دينار فاعتقوه عني، فاشتروه بتسعين فالبقية ميراث، وإن قال اعطوا فلاناً أربعين ديناراً يحج عني بها فاستأجروه بثلاثين فالعشرة الفاضلة ميراث.
918 - ومن دفع إليه رجل أربعة عشر ديناراً يتكارى بها من المدينة من يحج عن ميت فاكتراه بعشرة، فليرد الأربعة إلى من دفعها إليه لا لمن حج عن الميت.
919 - وينبغي للأعزب يفيد مالاً أن يحج به قبل أن ينكح، وحجه به أولى من قضائه ديناً على أبيه.
* * *
(كتاب الحج الثالث)
920 - [قال مالك] وأحب لكل من فاته الحج أن ينفذ لوجهه في عمل العمرة على إهلاله الأول، ولا يهل بالعمرة إهلالاً مستقبلاً، ويقطع التلبية أوائل الحرم، ويحل من إحرامه ذلك، ولا ينتظر قابلاً، وإنما له أن يثبت على إحرامه ذلك إلى قابل ما لم يدخل مكة، فإن دخلها فليطف بالبيت ويسعى ويحل من إحرامه ولا يثبت عليه، فإذا كان قابلاً قضى الحجة التي فاتته وأهراق دماً.
قيل: فإن أراد أن يطوف ويسعى قبل أشهر الحج من قابل، ويجعل ذلك لحجة قابل؟.
قال: أخاف أن لا يجزيه.

ولا ينبغي لمن فاته الحج فأقام على إحرامه إلى أشهر حج قابل أن يحل فيها بعمرة، فإن فعل أجزأه، ثم إن حج من عامه لم يكن متمتعاً، لأنه لم يبتد عمرته وإنما كان إحرامه للحج، فإحلاله منه في عمرة رخصة له، كذلك جاء في [حديث] هبار بن الأسود وصاحبه حين فاتهما الحج فقال لهما عمر: طوفا وأحلا، وعليكم الحج من قابل والهدي.(1)
وقد قال ابن القاسم: إن فسخ ذلك في أشهر الحج في عمرة كان فعله باطلاً. وقال أيضاً: إن جهل ففسخ حجه في أشهر الحج في عمرة ثم حج من عامه كان متمتعاً، ولو ثبت على أول إحرامه بعدما دخل مكة حتى حج بإحرامه ذلك قابلاً أجزأه من حجة الإسلام.
921 - وليس لمن فاته الحج أن يحرم بحجة أخرى، فإن فعل لم يلزمه، وهو على إحرامه الأول، وإنما له أن يحل بعمرة، أو يقيم على إحرامه إلى حج قابل فيجزيه حجه.
922 - ومن فاته الحج فأصاب النساء والطيب والصيد، فعليه في ذلك ما على الصحيح الحج، إلا أنه يهريق دم الفساد، ودم الفوات في حجة القضاء، وما أصاب من الصيد وتطيب ولبس فليهرق له الدم متى شاء.
والهدي عن جماعه قبل أن يفوته الحج أو بعد أن فاته هدي واحد، وليس عليه عمرة أخرى، وطئ بعد أن فاته الحج أو قبل.
923 - ومن فاته الحج فلا يقدم هدي الفوات، وإن خاف الموت، ولا ينحره إلا في حجة القضاء بمنى، فإن اعتمر بعد أن فاته الحج فنحر هدي الفوات في عمرته أجزأه، وقد كان مالك يخففه ثم استثقله.
قال ابن قاسم: ولا أحب له أن يفعل إلا بعد [القضاء]، فإن فعل وحج أجزأ عنه، لأنه لو هلك قبل أن يحج أهدي عنه لمكان ذلك، ولو كان [ذلك] لا يجزيه إلا بعد القضاء ما أهدي عنه بعد الموت.
قال: فإن فاته أن ينحره بمنى ساقه إلى الحل، ثم قلده وأشعره إن كان مما يقلد، ثم أدخله مكة فنحره بها وأجزأه.
__________
(1) رواه مالك فيالموطأ (1/383).

[ومن أفرد الحج ففاته فلا يقضي قارناً وليقض مفرداً، وكذلك لو أفرد الحج ثم جامع فيه فلا يقضي قارناً فإن فعل لم يجزه، إلا أن يفرد كما أفسد، لأن القارن ليس حجه تاماً كتمام حج المفرد، إلا بما أضاف إليه من الدي، ومن قرن ثم فاته الحج، فلا يفرق القضاء، فيقضي الحج وحده والعمرة وحدها، ولكن يقضي قارناً]، ولا يقضي قارناً عن إفراد، ولا فرداً عن قران، [فإن فعل لم يجزه].
924 - ومن جامع زوجته [في الحج] فليفترقا، إذا أحرما بحجة القضاء، ولا يجتمعا حتى يحلا، ويحرم في قضاء الحج أو العمرة من حيث أحرم في الأول، إلا أن يكون إحرامه الأول أبعد من الميقات فليس عليه أن يحرم الثانية إلا من الميقات، فإن تعداه في القضاء أجزأه وكان عليه دم، لأن من أفطر فيقضاء رمضان متعمداً إنما يقضي يوماً بلا كفارة.
925 - وإذا طاف القارن أول ما دخل مكة وسعى ثم جامع فليقض قارناً، لأن طوافه وسعيه إنما كان للعمرة والحج جميعاً، ألا ترى أنه لو لم يجامع ومضى على القران صحيحاً لم يلزمه إذا رع من عرفات أن يسعى لحجته، وأجزأه السعي الأول.(1)
926 - ومن أفسد حجه بالوطء ولم يتمه حتى أحرم بحجة القضاء، لم يلزمه ذلك ولا قضاؤه، وهو على إحرامه الأول، ولا يكون ما جدد من إحرامه نقضاً لحجته الفاسدة.
927 - ولو جامع في عمرته ثم أحرم بالحج لم يكن قارناًن ولا يردف الحج على العمرة الفاسدة.
928 - وإذا جامع القارن لزمه الآن دم لقرانه ويقضي قابلاً قارناً، وعليه مع حجة القضاء هدي لقرانه الثاني وهدي لفساده الأول، ولا يجزيه أن يفرق القضاء فيقضي العمرة وحدها والحج وحده، فإن فعل أعاد قارناً، ويهدي إذا قرن هديين كما ذكرنا.
929 - ومن تمتع ثم أفسد حجه فعليه الآن دم المتعة وهدي الفساد عند [حجة] القضاء.
__________
(1) انظر: التقييد (2/98).

930 - ومن جامع في حجه فأفسده ثم أصاب صيداً أو حلق من أذى، أو تطيب، فإن تأول أو جهل أن ليس عليه إتمام ما أفسد لما لزمه من القضاء فتطيب ولبس وقتل الصيد مراراً عامداً لفعله يرى أن الإحرام سقط عنه فليس عليه إلا فدية واحدة إلا في الصيد فعليه لكل صيد قتله جزاء.
وإن لم يتأول ذلك فعليه لكل مرة فدية مثل ما يلزم الصحيح الحج.
وأما وطؤه مرة واحدة أو مراراً امرأة واحدة، أو عدداً من النساء فليس عليه في ذلك إلا هدي واحد، لأنه بالوطء فسد حجه، ولزمه القضاء.
931 - وإن أكره نساءه وهن محرمات أحجهن، وكفر عن كل واحدة [كفارة]، وإن بِنّ منه ونكحن غيره، فإن طاوعنه فذلك عليهن دونه.
932 - وإذا أدام المحرم التذكر للذة حتى أنزل، أو عبث بذكره فأنزل، أو كان راكباً فهزته الدابة فاستدام ذلك حتى أنزل، أو لمس أو قبل أو باشر فأنزل، أو أدام النظر للذة حتى أنزل فسد حجه، وعليه الحج من قابل والهدي، [وكذلك المحرمة إذا فعلت ما يفعل شرار النساء من العبث بنفسها حتى أنزلت].
فأما إن نظر المحرم فأنزل، ولم يتابع النظر ولا أدامه، أو قبّل أو غمز أو جسّ أو باشر أو تلذذ بشيء من أهله فلم ينزل، ولم تغب الحشفة [منه] في ذلك منها، فعليه لذلك الدم وحجه تام.
933 - وإذا طرح المحرم عن نفسه الحلمة أو القراد أو الحمنان أو البرغوث أو طرح العلقة عن بعيره أو دابته أو دابة غيره أو عن نفسه فلا شيء عليه، وأما إن طرح الحمنان أو الحلم أو القراد عن بعيره فليطعم.
934 - وكره مالك أن يغسل المحرم رأسه بخطمي، فإن فعل افتدى أي الفداء شاء، وله أن يفعل ذلك إذا حل له الحلاق وهو الشأن، وإن أصابته جنابة صب على رأسه الماء وحركه بيديه، وجائز أن يصب الماء على رأسه وبدنه لحر بجده أو لغير حر.
935 - قال مالك: وأكره له غمس رأسه في الماء، خيفة قتل الدواب، فإن فعل أطعم شيئاً، وأكره للصائم الحلال غمس رأسه في الماء، فإن فعل لم يقض، إلا أن يدخل الماء حلقه.

936 - وأكره للمحرم دخول الحمام، لأنه ينقي وسخه، فإن دخله افتدى إذا تدلك وأنقى الوسخ، وأكره أن يغسل ثوبه أو ثوب غيره خيفة قتل الدواب، إلا أن يصيب ثوبه نجاسة فيغسله بالماء وحده، لا بالحرض.
وجائز [له] أن يبدل ثوبه الذي أحرم فيه أو يبيعه.(1)
940 - وأكره أن يدخل منكبيه في القباء، وإن لم يدخل يديه في كميه ولا زره عليه، لأن ذلك دخول فيه ولباس له.
941 - وجائز أن يطرح قميصه على ظهره يرتدي به من غير أن يدخل فيه، وجائز أن يحتبي، ولا يزرر الطيلسان على نفسه ولا يخلل عليه كساء، وجائز أن يتوشح بثوبه ما لم يعقد ذلك، فإن عقده على نفسه أو خلل كساه أو لبس قميصه، فإن طال ذلك حتى انتفع به افتدى، وإن نزعه مكانه أو حل الثوب الذي عقده مكانه فلا شيء عليه.
942 - وجائز للمحرمة [وغير المحرمة] لباس الخز والحرير والعصب والحلي والسراويل [والخف]، ويكره لهن لباس القباء في الإحرام وغيره لحرة أو أمة لأنه يصفهن.
943 - ويكره للمحرم لبس الجوربين، فإذا لم يجد نعلين ووجد خفين قطعهما من أسفل الكعبين ولا شيء عليه، فإن لبسهما لضرورة بقدميه وهو يجد نعلين افتدى، لأنه متداوٍ بخلاف الأول.
944 - وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، و[إحرام] المرأة في وجهها [وكفيها]، والذقن هما فيه سواء، لا بأس بتغطيته [لهما]، وإن غطى المحرم رأسه ووجهه ناسياً أو جاهلاً، فإن نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه حتى انتفع به افتدى، وكذلك المحرمة إن غطت وجهها مثل الرجل.
945 - ووسع لها مالك أن تسدل رداءها من فوق رأسها [على وجهها] إذا أرادت ستراً، وإن لم ترد ستراً فلا تسدل.
قال ابن القاسم: وما علمت أن مالكاً كان يأمرها إذا أسدلت رداءها أن تجافيه عن وجهها، ولا علمت أنه كان [ينهاها] عن أن يصيب الرداء وجهها إذا أسدلته، فإن رفعته من أسفل وجهها افتدت، لأنه لا يثبت حتى تعقده بخلاف السدل.
__________
(1) انظر: التقييد (2/98).

946 - ويكره لها أن تتبرقع وإن جافته عن وجهها، أو تلبس القفازين، فإن فعلت افتدت كفدية الرجل.
947 - وما جره المحرم على وجهه من لحافه وهو نائم فانتبه فنزعه فلا شيء عليه، وإن طال، بخلاف المستيقظ.
948 - ولو نام فغطى رجل رأسه ووجهه أو طيبه أو حلق رأسه، ثم انتبه فلينزع ذلك ويغسل الطيب [عنه]، ولا شيء عليه، والفدية على من فعل ذلك به.
949 - ولو تقلب في نومه على جراد أو فراخ حمام أو ذباب أو غيره من الصيد فقتله، فعليه الكفارة.
950 - وجائز أن يحمل على رأسه إذا كان راجلاً ما لا بد له منه، مثل خرجه فيه زاده، أو جرابه، ولا يحمل ذلك لغيره طوعاً ولا بإجارة، فإن فعل افتدى، ولا أحب له أن يحمل على رأسه تجارة لنفسه من بزّ أو سقط ولا يتجر فيما يغطي به رأسه في إحرامه.
951 - وجائز أن يشد منطقته التي فيها نفقته على وسطه ويدخل السيور في الثقب ويربطها من تحت إزاره، فإن ربطها من فوقه افتدى، لأنه احتزم من فوق إزاره، والمحرم لا يحتزم بحبل ولا بخيط إذا لم يرد العمل، فإن فعل افتدى، وإن أراد العمل فجائز أن يحتزم، ولم يوسع له أن يشدّها إلا في وسطه، ويكره أن يجعلها في عضده أو فخذه أو ساقه، فإن فعل فأرجو أن يكون خفيفاً، ولا فدية عليه.
ولا يحمل نفقة غيره فيها ويشدها على بطنه، فإن فعل افتدى، وإنما أرخص له في حمل نفقته للضرورة، ولو ربطها أولاً لنفقته ثم أودعه رجل نفقة فجعلها فيها فلا شيء عليه، لأن أصل ما شدها لنفسه. وإن ألجئ المحرم إلى تقليد السيف فلا بأس به.
952 - وجائز أن يعصب على جراحه خرقاً ويفتدي، وإن عصب رأسه من صداع أو عصّب رأسه أو جسده من خراج [أو جرح] أو عصب على بعض جسده من غير علّة، أو ربط الجبائر علىكسر أصابه أو ألصق على صدغيه مثل ما يصنع الناس، افتدى، فإن شاء صام أو أطعم أو نسك، ولو ألصق على قروح به خرقاً صغاراً فلا شيء عليه، وإن كانت خرقاً كباراً افتدى.

953 - وإن خضب رأسه ولحيته بحناء أو بوسمة أو خضبت المرأة المحرمة يديها أو رجليها أو رأسها أو طرّفت أصابعها بحناء فليفتديا، وإن خضب الرجل أصبعه بحناء لجرح أصابه، فإن كانت رقعة كبيرة افتدى، وإن كانت صغيرة فلا شيء عليه.
954 - وإن داوى جرحه بما فيه طيب برقعة صغيرة أوكبيرة فليفتد، بخلاف الحناء، لأن الحناء هي طيب مثل الريحان، وليس بمنزلة المؤنث من الطيب.
955 - ويكره له شم الطيب، وإن لم يمسه بيده أو بمنخريه، إذا كان قريباً منه يمسه أو يشمه أو يمر في موضع العطارين، أو يشم الريحان والياسمين والورد والخيريّ والبنفسج، وشبهه، فإن تعمد شم شيء من ذلك فلا فدية عليه. وإن مسّ الطيب بيده افتدى، لصق بيده أم لا.
956 - ولا شيء عليه فيما لصق بيده من خلوق الكعبة، إذ لا يكاد يسلم منه. ولا تخلق الكعبة أيام الحج، ويقام العطارون [من] بين الصفا والمروة أيام الحج.
957 - ويكره له أن يتوضأ [أو يغسل يديه] بالريحان أو يغسل يديه بالأُشّنان المطيبة بالريحان، فإن فعل فلا فدية عليه، وإن كان طيب الأشنان بالطيب افتدى.
وجائز أن يتوضأ بالحرض أو يغسل يديه بأشنان غير مطيب أو بغاسول وشبهه.
958 - وإن دهن قدميه وعقبيه من شقوق فلا شيء عليه، وإن دهنهما لغير علّة، أو دهن ذراعيه أو ساقيه ليحسنهما لا من علة افتدى، وإن دهن شقوقاً في [يديه أو] رجليه بزيت أو شحم أو ودك فلا شيء عليه، وإن دهن ذلك بطيب افتدى.
959 - وما فعله القارن من إماطة أذى، أو طيب، أو نقص من حجه، فكفارة واحدة تجزيه لا كفارتين.
960 - وإن جعل المحرم في أذنيه قطناً لشيء وجده فيهما افتدى، كان في القطنة طيب أم لا.

961 - ويكره للمحرم والحلال شرب الماء فيه الكافور لناحية السرف، وإن شرب المحرم دواء فيه طيب افتدى، ويكره له أن يشرب شراباً فيه كافور، وأن يأكل مرقة مزعفرة فإن فعل افتدى، وإن أكل طعاماً مسته النار فيه [كافور أو] ورس أو زعفران فلا شيء عليه، وإن لم تمسه النار فلا خير فيه.
962 - وإن دهن رأسه بزيت أو زنبق أو بان أو بنفسج أو بشيرج الجلجلان أو بزيت الفجل وشبه ذلك افتدى، كان شيء من ذلك مطيباً أم لا.
963 - وجائز أن يأتدم بدهن الجلجلان وهو كالسمن، ويكره أن يأتدم [بدهن] الزنبق والبنفسج وشبهه، أو يستسعط بذلك، وجائز أن يستسعط بالزيت والسمن ويأكله.
964 - وله أن يكحل عينيه لحر يجده بالإثمد وغيره، إلا أن يكون فيه طيب فليفتد، ويكره [له] أن يكتحل لزينة، فإن فعل افتدى، ولا تكتحل المرأة لزينة، ولا بالإثمد لغير زينة، لأنه زينة لها، فإن اكتحلت بالإثمد لزينة افتدت، وإن كان لضرورة فلا فدية عليها، لأن الإثمد ليس بطيب وكذلك الرجل.
965 - ولا يحلق المحرم رأس حلال فإن فعل قال مالك: يفتدي. قال ابن القاسم: يتصدق بشيء من طعام.
966 - ولو حجمه فحلق موضع المحاجم، فإن أيقن أنه لم يقتل دواب فلا شيء عليه، ولو اضطر محرم إلى الحجامة جاز لمحرم [و]غيره أن يحلق [له] موضع المحاجم ويحجمه إذا أيقن أنه لا يقل دواب، والفدية على المفعول به ذلك، وإن لم يضطر إلى ذلك فلا يفعله، وإن دعا محرماً غيره إلى أن يفعل [به] ذلك فلا يعينه عليه، وإن أيقن أنه لا يقتل دواب، فإن فعل فلا شيء على الحجام والفدية على المحرم.

967 - وإن قلم محرم أظفار حلال فلا بأس به، ولا ينبغي لمحرم أن يقلم أظفاره، فإن فعل ناسياً أو جاهلاً افتدى، وإن قلمت له بأمره فعليه الفدية، وإن كان مكرهاً أو نائماً فالفدية على الفاعل به ذلك من حلال أو حرام، وإن قلم ظفراً واحداً لإماطة أذى افتدى، وإن لم يمط به] عنه أذى أطعم شيئاً من طعام، فإن انكسر ظفره فليقلمه ولا شيء عليه، وإن أصابت أصابعه قروح فاحتاج أن يداويها ولم يصل إلى ذلك إلا بقص أظفاره افتدى كفدية من أماط الشعر من الأذى.
قيل [له]: فإن أخذ من شاربه؟.
قال: قال مالك: من نتف شعره أو شعرات يسيرة أطعم شيئاً من طعام كان جاهلاً أو ناسياً، وإن نتف ما أماط به عنه أذى افتدى.
968 - ولم يجد مالك فيما دون إماطة الأذى أكثر من حفنة في شيء من الأشياء، وقال في قملة أو قملات حفنة من طعام، والحفنة ملء يد واحدة.
ولا شيء عليه فيما انقلع عند وضوئه من لحيته أو رأسه أو أنفه إذا امتخط أو ما حلق الإكاف والسرج في الركوب من ساقيه، وهذا خفيف لا بد للناس منه.
969 - وإذا لبس قلنسوة أو عمامة لوجع في رأسه ثم نزعها فعاد إليه ذلك المرض فلبسها، قال مالك: الشأن فيه إن كان [أعاد] نزعها على البرء وتركها فعليه فديتان، وإن كان نوى حين نزعها إن عاد إليه وجعه أعادها ففدية واحدة.
970 - وإن وطئ مرة بعد مرة، أو لبس الثياب لوجع [به] مرة بعد مرة ونوى أن يلبسها إلى برئه يخلعها بالليل ويلبسها بالنهار، فمضى لذلك عشرة أيام، أو لم يكن به أذى ونوى أن يلبسها كذلك عشرة أيام حمقاً أو جهلاً [أو جرأة] أو نسياناً، فإنما عليه كفارة واحدة في كل ما لبس أو وطئ، لأنه على نيته في لبسها، وكذلك المعتمر الذي طاف على غير وضوء فلبس الثياب إنما عليه فدية واحدة، لأنه إنما أراد بذلك لباساً واحداً.

971 - وما أصاب هذا المحرم من صيد مرة بعد مرة، أو طيب مرة بعد مرة، فعليه لكل صيد جزاء، وكذلك الطيب لكل مرة فدية [إلا أن يكون به جرح أو قرحة فنوى أن يتعالج بدواء فيه طيب حتى يبرأ فإنما عليه كفارة واحدة، وإن لم ينو ذلك فلكل مرة فدية] وإن ظهرت به قرحة أخرى فداواها بذلك الدواء الذي فيه طيب فعليه كفارة أخرى، وإن أصابه رمد فداواه [بدواء فيه طيب مراراً، فعليه كفارة واحدة، فإن انقطع رمده ذلك ثم رمد بعد ذلك] فداواه فعليه فدية أخرى، لأن هذا وجع غير الأول.
972 - وإن احتاج في فور واحد إلى لباس أصناف لضرورة فلبس خفين [وقلنسوة] وقميصاً وسراويل ونحوه فعليه في ذلك كفارة واحدة، وإن احتاج إلى خفين فلبسهما ثم احتاج بعد ذلك إلى قميص فلبسه فعليه كفارتان.
973 - وإن قلم اليوم أظفار يده، وفي غد أظفار يده الأخرى، فعليه فديتان.
وإن لبس الثياب وتطيب وحلق شعره وقلم أظفاره في فور واحد لم تلزمه [في ذلك] إلا فدية واحدة، وإن فعل ذلك شيئاً بعد شيء ففي كل وجه فدية.
وكذلك قال مالك في محرمة أصابتها حمى فتعالجت بأدوية مختلفة فيها طيب فقال: إن كان ذلك في موضع واحد، وكان ذلك قريباً بعضه من بعض فليس عليها لذلك [كله] إلا فدية واحدة.
974 - وهذه فدية الأذى التي ذكرناها في إماطة الأذى وما ضارعه من اللباس والطيب [وغيره]، مما يفعله [الحاج] لحاجة لا يحكم فيه الحكمان، والرجل فيها مخير كما قال الله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}(1)، [وكذلك الذي يلبس أو يتطيب جهلاً من غير أذى يخير فيا ذكرنا كما يخير من فعله من أذى].
__________
(1) سورة البقرة: آية (196).

975 - والنسك شاة يذبحها أين شاء من البلاد، [إذا ذبحها بمكة أو بمنة لم يكن عليه وقوفها بعرفة ولا خروجها إلى الحل وإن لم يدخلها منه، وكذلك له الإطعام والصيام حيث شاء من البلاد] والصيام ثلاثة أيام، والإطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - من عيش [أهل] ذلك [البلد] من بر أو شعير، ولا يجزئ أن يغدي أو يعشي، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى مدين، وأجزأ في كفارة اليمين لأنها مد مد، والغداء والعشاء أفضل [من] مُد.(1)
976 - ويجوز للمحرم قتل سباع الوحش والنمور التي تعدو وتفترس، يبتدئها وإن لم تبتده ولا شيء عليه في ذلك.(2)
ولا يقتل صغار أولادها التي لا تعدو ولا تفترس، [فإن قتلها فلا شيء عليه].
977 - ويكره له قتل الهر الوحشي والثعلب والضبع، فإن فعل فعليه جزاؤهم إلا أن يبتدئوا أذاه فلا شيء [عليه] [فيهم].
978 - ويكره له قتل سباع الطير كلها وغير سباعها، فإن قتل سباعها فعليه الجزاء إلا أن تعدو عليه ويخافها على نفسه فيقتلها، ولا جزاء عليه، لأنه لو عدا عليه رجل يريد قتله فدفعه عن نفسه فقتله لم يلزمه شيء.
979 - ولا بأس بصيد البحر كله للمحرم، والأنهار والغدر والبرك، وإن أصاب من طير الماء شيئاً فعليه جزاؤه، ويؤكل صيد البحر الطافي وغير الطافي، والضفدع، وترس الماء من صيد البحر، وهذه السلحفاة التي تكون في البراري هي من صيد البر، إذا ذكيت أكلت، ولا تحل إلا بذكاة ولا يصيدها المحرم.
980 - ولا يقطع أحد من شجر الحرم شيئاً يبس أو لم ييبس، فإن فعل فليستغفر الله [ولا شيء عليه].
__________
(1) انظر: التاج والإكليل على هامش مواهب الجليل (3/174).
(2) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (4/64، 65).

981 - ولا بأس بقطع ما أنبته الناس في الحرم من الشجر، مثل النخل والرمان والفاكهة كلها والبقل كله، [و]الكراث(1)، والخص(2) والسلق(3) وشبهه والسنا(4) والإذخر.
982 - وجائز الرعي في حرم مكة وحرم المدينة في الحشيش والشجر. وأكره أن يَحْتَشّ في الحرم حلال أو حرام خيفة قتل الدواب، وكذلك الحرام في الحلّن فإن سلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم وأكره لهم ذلك.
ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخبط(5) وقال: هشوا وارعوا(6). وقال مالك رحمه الله: الهش تحريك الشجرة بالمحجن ليقع الورق، ولا يخبط، ولا يعضد، ومعنى العضد: الكسر.
983 - وكره مالك - رحمه الله - أن يذبح المحرم الحمام الوحشي وغير الوحشي، والحمام الرومية [الألوف] التي لا تطير، وإنما تتخذ للفراخ، لأنها من أصل ما يطير.
984 - وجائز أن يذبح الأوز والدجاج، لأن أصلها ليس مما يطير، وجائز أن يذبح الحلال بمكة الحمام الأنسي، والوحشي، والصيد يدخله من الحل فيذبحه في الحرم، لأن شأن أهل مكة في ذلك يطول، فهم محلون في ديارهم، والمحرم إنما يقيم محرماً أياماً قلائل. قال مالك: وما أدركت أحداً ممن أقتدي به يكره ذلك إلا عطاء بن أبي رباح ثم أجازه.
985 - وما وقع من الجراد في الحرم فلا يصيده حلال ولا حرام، ولا يصاد الجراد في حرم المدينة، ونهى مالك عن الصيد في حرمها، ولم ير فيما قتل من الصيد في حرمها جزاء.
__________
(1) الكراث: عشبة معمرة ذو بصلة أرضية تخرج منها أوراق مفلطحة ليست جوفاء، وهي معروفة.
(2) الخس: نبات عشبي عريض الأوراق، يؤكل نيئاً، وهو معروف.
(3) السلق: بقلة لها ورق طوال، يؤكل مطبوخاً مضافاً لبعض الخضروات، وهو معروف.
(4) السنا: نبات شجري زهره مصفر، وحبه مفلطح، رقيق كلوي الشكل تقريباً إلى الطول، يستعمل مسهلاً للتداوي، ويعرف بالنسامكي.
(5) الخبط: ما سقط من ورق الشجر بالخبط والنفض.
(6) رواه أبو داود (2039)، عن جابر مرفوعاً.

986 - وليس في جراح الصيد شيء إذا أيقن أنها سلمت من ذلك الجراح، ولو ضرب المحرم فسطاطه فتعلق بأطنابه صيد فعطب، أو حفر بئراً للماء فعطب فيه صيد، فلا جزاء عليه، وذلك فعل الصيد بنفسه، كمن حفر بئراً بموضع يجوز له فمات فيه رجل، فلا دية عليه.
987 - وإن رأى الصيد محرماً ففزع منه فأحضر فمات من حضره، فعلى المحرم جزاؤه. وإن نصب شركاً للذئب والسباع مخافة على غنمه أو دابته أو [على] نفسه فوقع فيه صيد ظبي أو غيره [فعطب]، فعليه الجزاء، كمن حفر في منزله بئراً للسارق، أو عمل في داره شيئاً ليتلف به السارق فهو ضامن إن وقع فيه سارق فمات، ولو وقع فيه غير السارق فمات ضمن ديته.
988 - وإذا أمر المحرم عبده أن يرسل صيداً كان معه فظن العبد أنه أمره أن يذبحه فذبحه فعلى السيد الجزاء، وإن كان العبد محرماً فعليه الجزاء أيضاً، ولا ينفعه خطؤه، ولو امره [بذبحه فأطاعه] فذبحه كان عليهما جميعاً الجزاء.
989 - وإذا دل المحرم على صيد محرماً أو حلالاً فقتله المدلول عليه، فليستغفر الله الدال ولا شيء عليه، وكذلك إن أشار أو أمر بقتله فلا شيء عليه، إلا أن يكون المأمور عبده فيكون على الآمر جزاء واحد، وقد أساء، وعلى القاتل الجزاء إن كان محرماً، وإن كان حلالاً فلا شيء عليه.
990 - وإذا اجتمع محرمون على قتل صيد [في الحرم]، أو اجتمع محلون على قتل صيد يف الحرم، أو محل ومحرم قتلا صيداً [في الحرم]، فعلى كل واحد منهما الجزاء كاملاً، ولا يزاد على المحرم لإحرامه شيء فوق الجزاء.
[قلت فلو اجتمع محرمون على صيد فجرحه كل واحد منهم جرحاً؟. قال: قال مالك]: إذا جرح محرم صيداً فغاب عنه [الصيد] فعليه جزاؤه.

991 - وإذا أمسك محرم صيداً لغير القتل، وإنما أراد أن يرسله فقتله حرام فعلى القاتل جزاؤه [وإن قتله حلال فعلى الماسك جزاؤه، لأن قتله من سببه، وإن أمسكه لمن يقتله، فإن قتله محرم فعليهما جزاءان، وإن قتله حلال فعلى المحرم جزاؤه]، ولا شيء على الحلال.
992 - ومن أحرم [و]في بيته صيد فلا شيء عليه فيه ولا يرسله، وإن أحرم هو في يده أو يقوده أو في قفص معه فليرسله ولا يأخذه حتى يحل، وإن أرسله من يده حرام أو حلال لم يضمن له شيئاً، لأن ملكه زال عن الصيد بإحرامه. ألا ترى أن مالكاً قال في حلال أخذ صيداً فأفلت منه فأخذه غيره، فإن كان بحدثان ذلك رده إليه، وإن طال ولحق بالوحش كان لمن أخذه [آخراً]، وزال ملك الأول عنه وهذا حين أحرم زال ملكه عن الصيد، ألا ترى أنه لو حبسه معه حتى يحل أو بعث به إلى بيته بعدما أحرم وهو بيده ثم حل وجب عليه إرساله، ورأى بعض الناس أن له حبسه، لأنه قد حل، ولا آخذ به.
993 - وما صاد في إحرامه فليرسله، فإن لم يفعل حتى أرسله من يده حلال أو حرام لم يضمن له [شيئاً]، وإن صاده في إحرامه أو أحرم وهو بيده فأتاه مرم ليرسله من يده فتنازعاه فقتلاه بينهما فعلى كل واحد منهما الجزاء، وإن نازعه حلال فعلى المحرم الجزاء ولا قيمة له على الحلال، ولا يضمنان [أيضاً] له الجزاء، لأن القتل جاء من قبله حين منعهما من إرساله.
994 - ومن طرد صيداً فأخرجه من الحرم فعليه جزاؤه [ولا يؤكل]، وإن رمى صيداُ في الحرم [من الحلّ] أو في الحل من الحرم [فقتله] فعليه الجزاء ولا يؤكل، وإن رمى صيداً في الحل وهو في الحل فهرب الصيد فتبعته الرمية فأصابته في الحرم فعليه جزاؤه.

995 - وإن أرسل كلبه أو بازه قرب الحرم، وهو والصيد جميعاً في الحل فأخذه [في الحل] فلا شيء عليه، وإن أخذه في الحرم فقتله فيه أو طلبه حتى أدخله الحرم ثم أخرجه [منه] فقتله في الحل [فعليه الجزاء ولا يؤكل، وإن أرسل كلبه أو بازه في بُعْد من الحرم، فقتل الصيد في الحرم، أو أدخله الحرم ثم أخرجه منه فقتله في الحل] فلا يؤكل، ولا جزاء عليه، لأنه لم يغرر بالإرسال.
996 - وإن أرسل كلبه على صيد في الحرم فأشلاه رجل آخر فأخذ الصيد، فإن انشلا الكلب بإشلائه فعلى الذي أشلاه الجزاء [أيضاً، وإن أرسل كلبه على ذئب في الحرم فأخذ صيداً فعليه الجزاء]. وإن صاد طيراً فنتفه ثم حبسه حتى نسل فطار فلا شيء عليه.
997 - والجزاء على قاتل الصيد عمداً أو خطأ كان أول ما أصابه أو كان قد أصابه قبل ذلك.
998 - وإن أصاب الصيد والنساء والطيب مراراً على وجه الإحلال والرفض لإحرامه فعليه لكل صيد جزاؤه، ولجميع لبسه وطيبه كفارة واحدة، وكذلك لتكرار الجماع كفارة واحدة.
999 - ومن قتل صيداً في الحل بعد رمي جمرة العقبة فعليه الجزاء، وإن كان بعد الإفاضة وقبل الحلاق فلا شيء عليه.
وكذلك المعتمر إن أصاب صيداً في الحل فيما بين طوافه وسعيه فعليه الجزاء، وإن أصابه بعد السعي قبل الحلاق فلا جزاء عليه.
1000 - وما ذبح المحرم من الصيد بيده أو صاده بكلبه أو بازه فأدى جزاءه فلا يأكله حلال ولا حرام، فإن أكل هو من لحمه لم يكن عليه جزاء آخر، ولا قيمة ما أكل، لأنه أكل لحم ميتة.
وما ذبح من أجل محرم بأمره أو بغير أمره، ولي ذبحه حلال أو حرام فلا يأكله محرم ولا حلال، ولم يأخذ مالك بحديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - حين قال لأصحابه: إنما صيد من أجلي فكلوا، وأبى أن ياكل.
1001 - وإذا أصاب القارن صيداً فعليه جزاء واحد، وإذا قتل المحرم بازياً معلماً فعليه جزاؤه غير معلم وعليه قيمته لربه معلماً.

1002 - وإذا أحرم الأخرس فأصاب صيداً حكم عليه كما يحكم على غيره، وإذا حج بالصبي لصغير الذي لا يعقل أبوه فأصاب صيداً ولبس وتطيب فالجزاء والفدية على الأب، وإن كان للصبي مال، وكذلك كل شيء وجب على الصبي من الدم في الحج فذلك على والده، لأنه أحجه، ولا يصوم عنه والده في الجزاء والفدية ولكن يطعم عنه أو يهدي.
1003 - وإذا أحرم العبد بإذن سيده فما لزمه من جزاء صيد خطأ أو فدية لإماطة أذى من ضرورة أو فوات حج [أصابه] لم يتخلف له عامداً، فلزمه هدي، فذلك كله على العبد، وليس له أن يخرج ذلك من مال سيده إلا بإذنه، وإن لم يأذن له صام، ولا يمنعه سيده من الصوم، وإن أضر به إلا أن يُفدي عنه أو يُطعم.
1004 - وما أصاب العبد عمداً مما وجب به عليه الهدي أو الفدية، فلسيده أن يمنعه أن يفتدي بالنسك أو الصدقة، ولا يمنعه من الصوم إلا أن يضر به في عمله فيمنعه [منه] [إن شاء]، وكذلك العبد إذا ظاهر لا سبيل له إلى زوجته حتى يكفر، ولا يمنعه سيده من الصوم إلا أن يضر به في عمله، فيمنعه إن شاء، لأنه أدخل الظهار على نفسه، وليس له أن يضر سيده.
1005 - وإذا كسر محرم [أو حلال] بيض طير وحشي في الحرم وفيه فرخ أم لا، أو أخرج منه الفرخ حياً يضطرب فمات قبل أن يستهل صارخاً فعليه عشر ثمن أمه. وإن استهل الفرخ من بعد الكسر صارخاً فعليه الجزاء كاملاً كجزاء كبير [ذلك] الطير، وهذا كالحرة لو ضرب رجل بطنها فألقت جنيناً ميتاً أو حياً يضطرب فمات قبل أن يستهل [صارخاً]، فليس عليه إلا عشر دية أمه ولا قسامة فيه، وإن خرج حياً فاستهل صارخاً فعليه الدية كاملة بقسامة.
1005 - وإن أصاب محرم أو حلال بيض حمام مكة فعليه عشر دية أمه وفي أمه شاة. وإذا شوى المحرم بيض النعام أوكسره فأخرج جزاءه لم يصلح كله لحلال ولا لحرام.

1006 - وإن أفسد [المحرم] وكر طير فلا شيء عليه، إلا أن يكون فيه بيض أو فراخ فعليه في البيض ما على المحرم في الفراخ، لأنه لما أفسد الوكر فقد عرض البيض والفراخ للهلاك.(1)
1007 - وإن ضرب بطن عنز من الظبا فألقت جنيناً ميتاً وسلمت الأم، فعليه في الجنين عشر قيمة أمه، ولو ماتت العنز بعد ذلك كان عليه مع ذلك جزاؤها أيضاً، ولو استهل جنين العنز ثم مات وماتت أمه [كان عليه جزاءان، ولو ضرب بطن امرأة خطأ فألقت جنيناً ميتاً ثم ماتت بعده كان في الجنين عشر دية أمه وفي المرأة دية كاملة تحمل ذلك كله العاقلة، ولو استهل الجنين صارخاً ثم مات وماتت أنه ففيهما] على العاقلة ديتان بقسامة، ويحكم في جنين العنز إذا استهل صارخاً كما يحكم في كبار الظبا، ويحكم في صغير كل شيء أصابه من الصيد مثل ما يحكم في كباره، كمساواة الحر الكبير الصغير في ديته.
1008 - ويحكم في جزاء الصيد حكمان كما قال الله تعالى(2)، ولا يكونان إلا عدلين فقيهين، ويجوز أن يكونا دون الإمام ولا يكتفيان من الجزاء بما روي وليبتديا بالاجتهاد، ولا يخرجا باجتهادهما عن آثار من مضى، وإن حكما فاختلفا ابتدأ الحكم فيه غيرهما حتى يجتمعا على أمر واحد.
1009 - وإن أخطأ خطأً بيناً فحكما بشاة فيما فيه بدنة أو بقرة أو ببدنة فيما فيه شاة انتقض حكمهما ويؤتنف الحكم [فيه].(3)
1010 - والمحكوم عليه مخير إن شاء أن يحكما عليه بجزاء ما أصاب من النعم، أو بالصيام أو بالطعام، كما قال الله تعالى، فإن أمرهما بالحكم بالجزاء من النعم فحكما به وأصابا فأراد بعد حكمهما أن يرجع إلى الطعام أو الصيام يحكمان عليه [به] هما أو غيرهما، فذلك له.(4)
__________
(1) انظر: التقييد (2/114)، والذخيرة للقرافي (3/328).
(2) في سورة المائدة آية (95).
(3) انظر: الذخيرة (3/330).
(4) انظر: الذخيرة (3/330، 331).

1011 - وأدنى ما يجزئ في جزاء الصيد الجذع من الضأن والثني ما سواه، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه طعام أو صيام، ولا يحكم بجَفْرة ولا بعَناق ولا بدون السن.(1)
1012 - وإن أرادا أن يحكما عليه بالطعام فليقوّما الصيد [نفسه حياً] بالطعام، ولا يقوّما جزاءه من النعم، ولو قُوّم الصيد بدراهم ثم اشترى بها طعاماً، رجوت أن يكون واسعاً، ولكن تقويمه بالطعام أصوب.
1013 - ثم إن شاء الصوم صام عدد أمداد الطعام أياماً بمد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن جاوز ذلك شهرين أو ثلاثة، وأحب غلي أن يصوم لكسر المد يوماً.
1014 - ويقوم الصيد بطعام ولا ينظر إلى فراهيته وجماله، ولكن قيمته على الحال التي كان عليها حين أصابه، وكذلك البازي، [و]الفاره وغير الفاره في الحكم سواء، ويقوم بالحنطة، فإن قوم شعيراً أو تمراً أجزأ إذا كان ذلك طعام ذلك الموضع، ويتصدق على كل مسكين من ذلك مداً بمد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قيل: أيقوم الصيد بشيء من [الطعام] القطاني أو بزبيب أو أقط وهو عيش [أهل] ذلك الموضع؟.
قال: يجزئ فيه ما يجزئ في كفارة الأيمان، ولا يجزئ فيه ما لا يجزئ في كفارة الأيمان، ولو قوم عليه طعام فأعطى المساكين قيمة الطعام دراهم أو عرضاً لم يجزه، فإن حكم في الجزاء بثلاثين مداً فأطعم عشرين مسكيناً ولم يجد تمام الثلاثين فله أن يذبح الجزاء ولا يجزئه أن يصوم مكان العشرة، وإنما هو طعام كله، أو صيام كله كالظهار. والصوم في كفارة الصيد متتابع أحب إلي، وإن فرق أجزأه.
__________
(1) انظر: الذخيرة (3/332).

1015 - ولا يبلغ شيء من جزاء الصيد دمين، وليس شيء من الصيد إلا وله نظير من النعم، وإن أصاب نظيره من الإبل فقال: احكموا علي من الغنم ما يكون مثل البعير أو مثل قيمته فلا يحكم عليه إلا بنظير ما أصاب، إن كان من الإبل فمن الإبل، وإن كان من البقر فمن البقر، وإن كان من الغنم فمن الغنم لقول الله تبارك وتعالى {فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}(1)، وإنما ينظر إلى مثله من النعم في نحوه وعظمه.(2)
1016 - وجزاء الصيد [وغيره] من الهدايا لا ينحر أو يذبح إلا بمكة أو بمنى، إن وقفه بعرفة نحره بمنى، وإن لم يوقفه بعرقة سيق من الحل ونحر بمكة، فإن كان أوقفع بعرفة ولم ينحره أيام النحر بمنى نحره بمكة ولا يخرجه إلى الحل ثانية، وإنما يحكم عليه في الجزاء بالطعام بالموضع الذي أصاب فيه الصيد، ثم لا يطعم في غير ذلك المكان.
قال مالك رحمه الله: يحكم عليه بالمدينة ويطعم بمصر؟ إنكاراً لمن يفعل ذلك.
قال ابن القاسم: يريد إن فعل لم يجزه.
وأما الصيام في الجزاء [والنسك] فحيث شاء من البلاد.
1017 - وإذا حكما عليه بالجزاء فله أن يهديه متى شاء، إن شاء أهداه وهو حلال أو حرام ولكن إن قلده وهو في الحج لم ينحره إلا بمنى، وأن قلده وهو معتمر أو بعث به نحر بمكة.
1018 - وإذا أصاب المحرم اليربوع والضب والأرنب وشبهه حُكم عليه بقيمته طعاماً وخُيّر المحرم، فإن شاء أطعم كل مسكين مداً، أو صام لكل مد يوماً.
1019 - وفي حمام مكة والحرم شاة، وأما دُبْسِيّ الحرم وقمريه فإن كان من الحمام عند الناس ففيه شاة، واليمام مثل الحمام، وأما حمام غير مكة والحرم ففيه حكومة.
1020 - وإذا وطئ الرجل ببعيره على ذباب أو ذر أو [نمل] فقتلهن فليتصدق بشيء من الطعام.
* * *

(كتاب الصيد)
__________
(1) سورة المائدة: آية (95).
(2) انظر: الذخيرة للقرافي (3/333).

1021 - والمعلَّم من كلب أو باز هو الذي إذا زُجر انزجر، وإذا أرسل أطاع، ولا بد من التسمية عند الرمي، وعند إرسال الجوارح وعند الذبح. فإن نسي في ذلك كله التسمية أكل وسمى الله، وإن ترك التسمية عامداً لم تؤكل، ومن أمر عبده بالذبح وأمره بالتسمية مرتين أو ثلاثاً، فقال العبد: قد سميت، ولم يسمعه السيد جاز أن يصدقه ويأكل ما ذبح إلا أن يتركه تنزهاً.
وإن أرسل مسلم ومجوسي كلباً، أو أرسل مجوسي كلب مسلم لم يؤكل ما صاد، وإن أرسل مسلم كلباً معلماً لمجوسي أُكل صيده.
1022 - ومن توارى عنه كلبه والصيد ثم وجده ميتاً فيه أثر كلبه أو بازه أو سهمه أكله ما لم يبت، فإن بات لم يأكله وإن أنفذت مقاتله الجوارح أو سهمه وهو فيه بعينه، قال مالك: وتلك السنة.(1)
1023 - ولو لم يبت إلا أنه لما توارى عنه الجارح والصيد رجع الرجل إلى بيته ثم عاد فأصابه من يومه لم يؤكل إذ لعله [لو] كان في الطلب ولم يفرط أدرك ذكاته قبل فوات نفسه، أو قبل إنفاذ مقاتله ففرط حين رجع.
1024 - وإذا أدرك الصيد لم تنفذ الجوارح مقاتله فتركها حتى قتلته لم يؤكل.
ولو اشتغل بإخراج سكين من خُرجه أو بانتظار من هي معه من عبده(2) أو غيره حتى تقتله الجوارح، أو يموت وقد اعتزلت الجوارح عنه لم يؤكل، لأنه أدركه حياً، ولو شاء أن يذكيه ذكاه، إلا أن يدركه وقد أنفذت الجوارح مقاتله فلا بأس بأكله.
1025 - وإن أكل الكلب أكثر الصيد أُكل بقيته ما لم [يبت، وهو] [و]إن أكل من كل ما أخذ فهو معلّم.
__________
(1) انظر: التاج والإكليل (3/218)، وقد أشار إلى حديث ابن عباس الذي رواه عبد الرزاق في المصنف (4/451، 460)، وكذلك ابن أبي شيبة (4/615)، والنسائي في الكبرى (9/241).
(2) لحديث أبي ثعلبة الخشني في أبي داود (3/109).

1026 - وإن أدرك المنفوذ مقاتله يضطرب فمستحسن أن يفري أوداجه فإن لم يفعل وتركه حتى مات أكله ولا شيء عليه، وإن لم تنفذ مقاتله وقدر على خلاصه من الجوارح للذكاة فلا يؤكل إلا بذكاة، وإن غلبته عليه ولم يقدر على خلاصه منها، ولم يفرّط حتى فات بنفسه أُكل إن نيبته، وإن لم يقدر على خلاصه منها وقدر أن يذكيه تحتها فليفعل، فإن لم يذكه فلا يأكله، ولو قدر على خلاصه منها فذكاه وهو في أفواهها تنهشه فلا يؤكل، إذ لعله من نهشها مات، إلا أن يوقن أنه ذكاه وهو مجتمع الحياة قبل أن تنفذ هي مقاتله، فيجوز أكله، وبئس ما صنع، وإن أدركه وقد فرى الكلب أو البازي أو السهم أوداجه، فقد فرغ من ذكاته، وإن أدركه غير منفوذ المقاتل والكلاب تنهشه وليس معه ما يذكيه به فتركه حتى مات بقتلها، لم يؤكل. ولو بادر لذبحه ولم يفرط ففات بنفسه لأُكل.(1)
1027 - والفهد وجميع السباع إذا عُلّمت فهي كالكلب. قلت: فجميع سباع الطير إذا علمت أهي بمنزلة البازات؟ قال: لا أدري ما مسألتك هذه، ولكن [ما عُلّم من] [البازات](2) والعُقبان(3) والزمامجة(4) والشذانقات(5) والسفاة(6) والصقور وشبهها لا بأس بها عند مالك.
__________
(1) انظر: مقدمات ابن رشد (1/419)، والبيان والتحصيل (3/311).
(2) ضرب من الصقور، شرح الزرقاني (2/509).
(3) العقبان: بموحدة جمع عقاب، طائر معروف، ويجمع على أعقب، شرح الموطأ للزرقاني (2/509).
(4) الزمامجة: جمع زمج، طائر يصيد به الملول، الحيوان للدميري (2/8).
(5) هي كلمة فارسية ويراد بها الشاهين وهو لفظ فارسي أيضاً، وهو نوع من الصقور، وانظر: معجم البلدان (2/53)، واللسان (10/171)، وتحرير ألفاظ التنبيه للنووي (1/169),
(6) لعله السفنح: وهو طائر له أسنان كثيرة، وانظر: حياة الحيوان (2/23).

1028 - [قال مالك:] وإن أرسل كلبه على صيد فأخذ غيره لم يؤكل، وإن أرسله على جماعة وحش أو طير ونوى ما أخذ منها ولم يخصّ شيئاً منها، أو على جماعتين، ونوى ما أخذ منهما جميعاً فليأكل ما أمسك عليه من ذلك كله، مما قلّ عدده أو كثر، وكذلك الرمي، وإن نوى واحداً من جماعة فأخذ الكلب غيره منها لم يؤكل، وكذلك الرمي، وإن أرسل على جماعة ينويها ولم ينو غيرها لم يؤكل ما صاد من غيرها، كان قد رآها، أو لم يرها.
وإن أرسله على جماعة لا يرى غيرها ونوى إن كان وراءها غيرها فهو عليها مرسل، فليأكل إن أخذ من سواها، وكذلك إن أرسله على صيد لا يرى غيره ونوى ما صاد سواه فليأكل ما صاد.
1029 - وإن رميت صيداً عمدته فأصبت غيره، أو أصبته فأنفذته وأصبت آخر وراءه لم تأكل إلا الذي اعتمدت إلا أن تنوي ما أصاب سواه كما ذكرنا.
والسلالقة(1) وغيرها إذا عُلّمت فهي سواء.
1030 - وإن أرسل كلباً غير معلم، لم يؤكل ما صاد إلا أن يكون معلماً، أو يدرك ذكاته.
1031 - وإذا أثار [الرجل] صيداً فأشلى عليه كلبه، وهو مطلق، فانشلى وصاد من غير أن يرسله من يده، فإنه يؤكل ما صاد، قاله مالك، ثم رجع فقال: لا يؤكل حتى يطلقه من يده مرسِلاً له مُشْلياً، وبالأول أقول.
1032 - وأما لو ابتدأ الكلب طلبه، أو أفلت من يده عليه ثم أشلاه ربه بعد ذلك لم يؤكل، لأن الكلب خرج بغير إرسال صاحبه.
1033 - وتؤكل ذبيحة الصبي قبل البلوغ إذا أطاق الذبح وعرفه، وكذلك صيده.
1034 - وإن أرسلت كلباً أو بازاً معلماً فأعانه عليه كلب أو باز غير معلم لم يؤكل.
1035 - وما أصيب بحجر أو ببندقة فخرق أو بضع أو بلغ المقاتل لم يؤكل، وليس ذلك بخرق وإنما هو رضّ.
__________
(1) نسبة إلى سلوق ويقال: سلقية، من الكلاب المنسوبة إلى مدينة مدائن الروم فأعربت، وانظر: معجم ما استعجم (3/751)، ومعجم البلدان (3/242)، (4/307)، واللسان (10/163).

1036 - وما أصيب بالمعراض فخرق، فكل ما قتل وإن لم ينفذ المقاتل [كالسهم]، إلا أن يصيب بعرضه.
1037 - ومن رمى صيداً بعود أو عصا فخرقه، أو برمح أو حربة أو مطردة فخرقه فإنه يؤكل.(1)
1038 - وما ند من الأنعام الإنسية فلم يُقدر على أخذه لم يؤكل إلا بذكاة الإنسية، وما دَجَن من الوحش ثم ندّ واستوحش أُكل بما يؤكل به الصيد، من الرمي وغيره.
1039 - وإن رميت صيداً بسكين أو بسيف فبضعت فيه ولم تنفذ مقاتله فمات قبل أن تدركه من غير تفريط، فإنه يؤكل، ومن رمى صيداً بسكين فقطع رأسه أكله إن نوى اصطياداً، وإن لم ينو اصطياداً لم يؤكل منه شيء، فإن رمى حجراً فإذا هو صيد، فأنفذ مقاتله لم يؤكل، وكذلك لو ظنه سبعاً أو خنزيراً، وكذلك لو ضرب شاة بسكين، و[هو] لا يريد قتلها، ولا ذبحها، فأصاب الحلقوم والأوداج ففراهما لم تؤكل، لأنه لم يُرِد ذبحها. والإنسية لا تؤكل بشيء مما يؤكل به الوحشي من الضرب والرمي.
1040 - وإذا طلبت الجوارح صيداً فمات انبهاراً ولم تأخذه لم يؤكل، ولو أخذته فقتلته بالعض أو بغيره ولم تنيبه وتدمه لم يؤكل، وكذلك إن مات بصدمها.
ولو ضربت صيداً بسيف حتى مات ولم يقطع فيه، لم يؤكل كالعصا.
1041 - وإذا دجن عندك صيد ثم ندّ فصيد بحدثان ما ندّ ولم يتوحش، فهو لك، وإن لم يؤخذ بحدثانه وقد لحق بالوحش، فهو لمن صاده كان ظبياً أو بازاً أو غيره.
1042 - وإن قطع الباز أو الكلب عضواً من الصيد من يد أو رجل أو فخذ أو جناح أو خطم فأبانه فمات منه قبل أن يدرك ذكاته لم يؤكل ما بان، وتؤكل بقيته، وإن أدرك ذكاته فليذكه ويأكل بقيته دون ما بان منه، وكذلك غن ضربت صيداً فأبنت ذلك منه أو أبقيته معلقاً بالجلد بقاء لا يعود لهيئته أبداً، ولو كان ما لم يبن منه يعلم أنه يلتحم ويعود لهيئته لأُكل جميعه.
__________
(1) انظر: المدونة الكبرى (16/315)، وحاشية الدسوقي (2/104)، والتاج والإكليل (6/247)، والتعاريف (1/51).

1043 - [وإن ضرب عنق الصيد فأبانه أكل الرأس وجميع الجسد، وكذلك إن ضرب وسطه فجزله نصفين فليأكل جميعه].
1044 - وإن ضرب عنق الشاة بالسيف فأبانه ونوى الذكاة فلا تؤكل، كمن أخطأ فذبح من العنق أو من القفا فلا تؤكل.(1)
1045 - ويجوز أكل الضب والأرنب والوبر والظرابيب(2) والقنفذ. قال مالك: ولا أحب أكل الضبع [والثعلب] والذئب والهر الوحشي والإنسي ولا شيء من السباع.
1046 - ويؤكل ما ذبحه أهل الكتاب، ولا يؤكل ما صادوه لقوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}، (المائدة: 94).
ويؤكل ما صاده المجوسي من البحر دون ما صاده من البر، إلا أن يدرك ذكاته قبل أن ينفذ المجوسي مقاتله.(3)
1047 - ويؤكل ما يعيش من دواب الماء في البر الثلاثة الأيام والأربعة، و[يؤكل] ترس البحر بغير ذكاة.
1048 - وتؤكل ذبيحة الغلام أبوه نصراني وأمه مجوسية، لأنه تبع لدين أبيه إلا أن يكون [قد] تمجّس وتركه أبوه على ذلك، فلا يؤكل ما ذبح.
1049 - وما قتلت الحبالات من الصيد فلا يؤكل، إلا ما أدركت ذكاته من ذلك ولو كانت فيها حديدة أنفذت المقاتل لم يؤكل، ولا تنفع ذكاته بعد ذلك ولا تؤكل ذبيحة المرتد ولا صيده.
1050 - ويؤكل صيد البحر بغير ذكاة، ولا يحتاج فيه إلى التسمية، لأنه ذكي، ويؤكل طافي الحوت، وجميع دواب البحر.
1051 - ومن ذبح طير الماء فوجد في بطنه حوتاً فله أكله، وكذلك إن وجد حوتاً في بطن حوت.
__________
(1) انظر: مواهب الجليل (3/210)، والمدونة الكبرى (3/62).
(2) هي دويبة صغيرة أيضاً، ذات شوك كبير كالقنفذ، وانظر: حاشية العدوي (1/511)، ومعجم ما استعجم (1/169)، وجواهر الإكليل (1/218، 219)، والتقييد (2/368).
(3) انظر: حاشية الدسوقي (2/102)، والذخيرة للقرافي (4/169، 170).

1052 - ولا تؤكل ميتة الجراد، ولا ما مات منه في الغرائر(1)، ولا يؤكل [منه] إلا ما قُطف رأسه أو سُلق أو قلي أو شوي حياً، وإن لم تقطع رؤوسه، ولو قطعت أرجله أو أجنحته فمات لذلك لأُكل.
1053 - وتوقف مالك أن يجيب في خنزير الماء، وقال: أنتم تقولون خنزير، قال ابن القاسم: وأنا أتقيه، ولا أرى أكله حراماً.(2)
1054 - ومن ذبح ذبيحة [فتردت بعد الذبح] من جبل أو سقطت في ماء فإنها تؤكل.
1055 - و[من] ذبح شاة فقطع بضعة منها قبل أن تزهق نفسها فبئس ما صنع، وتؤكل البضعة وسائر الشاة.
1056 - ومن أرسل كلبه أو بازه على صيد فطلبه ساعة ثم رجع عن الطلب، ثم عاد فقتله، فإن كان كالطالب له يميناً وشمالاً، أو عطف وهو على طلبه، فهو على أول إرساله، فإن وقف لأجل جيفة، أو لشمّ كلب، أو سقط البازي على موضع عجزاً عنه، ثم رأياه فاصطاداه فلا يؤكل إلا بإرسال مؤتنف.(3)
1057 - ومن رمى صيداً فأثخنه حتى صار لا يقدر أن يفر ثم رماه آخر فقتله لم يؤكل، لأنه أسير كالشاة، لا يؤكل إلا بذكاة، ويضمنه للأول.
1058 - ومن رمى صيداً في الجو فسقط، أو رماه في الجبل فتردى منه، فأدركه ميتاً لم يؤكل، إذ لعله من السقطة مات، إلا أن يكون [قد] أنفذ مقاتله بالرمية.
1059 - ومن طرد صيداً حتى دخل دار قوم فإن اضطره هو أو جوارحه إليها فهو له، وإن لم يضطروه وكانوا قد بعدوا عنه فهو لرب الدار.
__________
(1) هي الجُوالق، وقيل: وعاء من الأوعية، بخلاف غرارة القمح، وانظر: حاشية الدسوقي (3/207)، والتاج والإكليل (4/288)، والشرح الكبير (4/339)، ومواهب الجليل (4/293)، والمدونة الكبرى (3/57).
(2) انظر: المدونة الكبرى (3/58)، والكافي لابن عبد البر (1/187)، والتاج والإكليل (3/234)، والتمهيد (16/223، 224)، عون المعبود (10/226)، وبداية المجتهد (1/345).
(3) انظر: الإكليل للأحبر (143)، وجواهر الإكليل (1/219).

وما وقع في الحبالات [من الصيد] فأخذه أجنبي فرب الحبالات أحق به.
وقد تقدم ذكر من رمى صيداً فأصاب غيره.
* * *

(كتاب الذبائح)
1060 - ولا بأس بأكل اليربوع والخَلْد والوَبْر [والحيات] إذا ذُكي ذلك.
[قال مالك: وإذا ذُكيت الحيات في موضع ذكاتها فلا بأس بها لمن احتاج إليها.
ولا بأس] بأكل خشاش الأرض وهوامها، وذكاة ذلك كله كذكاة الجراد.
1061 - وجائز أكل الضفادع وإن ماتت، لأنها من صيد الماء.
والحلزون(1) كالجراد، ما أُخذ منه حياً فسُلِق أو شوي، أُكل، وما وجد منه ميتاً لم يؤكل.
1062 - وإذا دجن حمار وحشي فصار يعمل عليه لم يؤكل عند مالك، وأجازه ابن القاسم.
1063 - ولا بأس بأكل الجلالة من الأنعام والرخم والعقبان والنسور والأحدية والغربان والهدهد والخُطّاف وشببها، وجميع الطير سباعها وغير سباعها، ما أكل الجيف منها أم.
1064 - ومن احتاج إلى أن يذبح بمروة، أو عود أو حجر أو عظم أو غيره أجزأه، ولو ذبح بذلك ومعه سكين فإنها تؤكل إذا فرى الأوداج.
1065 - وتمام الذبح فري الأوداج والحلقوم، فإن فرى الأوداج وحدها أو الحلقوم، لم يؤكل، ولم يذكر مالك المري [الذي يكون مع الحلقوم].
1066 - ولا يذبح [ما] يُنحر، ولا يُنحر ما يذبح. واستُحِب في البقر الذبح، لقول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}، (البقرة: 67)، فإن نُحرت أُكلت، والغنم تذبح، والإبل تُنحر، فإن نُحرت الغنم، أو ذبحت الإبل من غير ضرورة لم تؤكل. ولا يؤكل ما نحر من الطير كله.
1067 - وما وقع من الأنعام في بئر فلم يوصل إلى ذكاته فإن ما بين اللبة والمنحر منه مذبح ومنحر إن ذبح أو نحر فجائز، ولا يجزئ في موضع سواه، من جنب أو كتف أو غيره.
__________
(1) هي دابة توجد في الرعى والصحارى، انظر: المدونة الكبرى (3/64)، والمحلي (7/405)، واللسان (5/307).

ولا يجزئ هذا في غير هذه الضرورة، ويترك يموت، وبلغ مالكاً أن الجزارين يجتمعون على الحفرة يدورون بها، فيذبحون حولها، فنهاهم عن ذلك، وأمرهم بتوجيهها إلى القبلة.
1068 - وأكره أن يبدأ الجزار بسلخ الشاة قبل أن تزهق نفسها، ولا تُنخع ولا يقطع رأسها، ولا شيء من لحمها حتى تزهق نفسها، فإن فعل أُكلت مع ما قطع منها، والنخع: قطع المخ الذي في عظم العنق، وكسر العنق من النخع إن انقطع النخاع.
1069 - قال مالك: ومن ذبح ونزلت يده إلى أن أبان الرأس أُكلت إذا لم يتعمد ذلك، قال ابن القاسم: لو تعمد هذا وبدأ في قطعه بالحلقوم والأوداج أُكلت لنخعه إياها بعد تمام الذكاة.
1070 - ومن وجه ذبيحته لغير القبلة أُكلت وبئس ما صنع.
1071 - وليسم الله عند الذبح والنحر وعلى الضحايا، وليقل: بسم الله والله أكبر، وليس بموضع صلاة على النبي عليه السلام، ولا يذكر هناك إلا الله، وإن شاء قال في الأضحية بعد التسمية: اللهم تقبل مني، وإلا فالتسمية تكفي، وأنكر مالك قوله: اللهم منك وإليك، وقال: هذه بدعة.(1)
1072 - ويؤكل ما ذبحت المرأة من غير ضرورة، [وإن اضطرت إلى الذبح] ولم يحضرها إلا نصراني فلتل هي الذبح دونه.
1073 - و[ذبيحة] رجال الكتابيين ونسائهم [وصبيانهم] إذا أطاقوا الذبح سواء في إجازة أكلها. وكره مالك أكل ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم أو لأعيادهم من غير تحريم، وتأول قول الله تعالى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ}، قال ابن القاسم: وكذلك ما [ذبحوا]، وسموا عليه اسم المسيح، [فهو بمنزلة ما ذبحوا لكنائسهم،] ولا أرى أن يؤكل.
1074 - ولْيَل الرجل ذبح أضحيته وهديه بيده، فإن أمر ذمياً فذبح أضحيته لم تجزه، وأعادها، وإن أمر بذلك مسلماً أجزته وبئس ما صنع.
__________
(1) انظر في ذلك: المدونة الكبرى (3/67)، والتاج والإكليل (3/222)، ومختصر خليل (1/91)، وحاشية العدوي (1/723)، ونصب الراية (4/184)، ومختصر اختلاف العلماء (2/177).

1075 - وما ذبحه اليهود فأصابوه فاسداً عندهم لحال الرئة وشبهها التي يحرمونها في دينهم، فمرة أجاز مالك أكلها، ثم كرهها وقال: لا تؤكل، قال ابن القاسم: وما ذبح اليهود مما لا يستحلونه لا يؤكل.
1076 - وذبيحة الحربيين ومن عندنا من الذميين سواء، ومالك يكره ذبائحهم، والشراء في مجازرهم، ولا يراه حراماً، وقال أمر عمر [رضي الله عنه]، أن لا يكونوا جزارين أو صيارفة، وأن يُقاموا من أسواقنا كلها، [فإن الله أغنانا بالمسلمين].
1077 - وإن ارتد المسلم إلى أي دين كان، لم تؤكل ذبيحته. وتؤكل ذبيحة الأخرس.
1078 - وإذا تردت الشاة من جبل أو غيره فاندق عنقها أو أصابها ما يعلم أنها لا تعيش من ذلك، فلا بأس بأكلها ما لم يكن قد نخعها.(1)
1079 - والأزلام قداح كانت في الجاهلية، في واحد افعل، وفي الآخر لا تفعل، والآخر لا شيء فيه، فكان أحدهم إذا أراد سفراً أو حاجة ضرب بها، فإن خرج الذي فيه لا تفعل ترك، وإن خرج الذي فيه افعل فعل، وإن خرج الذي لا شيء فيه أعاد الضرب.(2)
* * *

(كتاب الضحايا)(3)
1080 - ولا يجزئ ما دون الثني من سائر الأنعام في الضحايا والهدايا، [إلا الضأن] فإن جذعها يجزئ.
1081 - ويذبح الإمام أو ينحر أضحيته بالمصلى بعد الصلاة، ثم يذبح الناس بعده، ومن ذبح قبل صلاة الإمام، أو بعد صلاته، وقبل ذبحه أعاد، وليتحر أهل البوادي ومن لا إمام له من أهل القرى صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه فيذبحوا بعده، فإن تحروا وذبحوا قبله أجزأهم.
__________
(1) انظر: منح الجليل (2/415).
(2) انظر: الثمر الداني، شرح رسالة القيرواني (1/712)، وحاشية العدوي (2/645).
(3) انظر: كفاية الطالب (1/711)، وحاشية الدسوقي (3/92)، وشرح الزرقاني (3/92)، والتاج والإكليل (3/241)، ومواهب الجليل (3/253)، والذخيرة (4/141)، والمقدمات لابن رشد (1/235).

1082 - ويجزئ في الضحايا والهدايا المكسورة القرن، إلا أن يكون يدمي، لأنه مرض، ولا تجزئ المريضة البيّن مرضها، ولا الحَمِرة وهي: البشمة، لأن ذلك مرض ولا الجربة إن كان ذلك لها مرضاً.
1083 - وله أن يبدل أضحيته، ولا يبدلها إلا بخير منها أو مثلها، قلت: فإن باعها واشترى دونها ما يصنع بها وبفضلة الثمن؟ قال: قال مالك: لا يجوز أن يستفضل من ثمنها شيئاً، وأنكر الحديث الذي جاء في مثل هذا(1)، وإن لم يجد بالثمن مثلها فليزد من عنده حتى يشتري مثلها.
1084 - ولا يدع أحد الأضحية ليتصدق بثمنها، ولا أحب تركها لمن قدر عليها. ولا يشترك في الضحايا إلا أن يشتريها رجل فيذبحها عن نفسه، وعن أهل بيته، وإن ضحى بشاة أو بعير أو بقرة عنه وعن أهل بيته أجزأهم، وإن كانوا أكثر من سبعة أنفس، وأحب إلي [إن قدر] أن يذبح عن كل نفس شاة، واستحب مالك حديث ابن عمر لمن قدر، دون حديث أبي أيوب الأنصاري، ولو اشترى أضحية عن نفسه، ثم نوى أن يشرك فيها أهل بيته جاز ذلك، بخلاف الهدي، ولو اراد أن يذبحها عن نفسه، وعن أجنبيين على أن لا يأخذ منهم حصتهم من الثمن، لم يجز ذلك وإنما يجوز ذلك في أهل البيت.
1085 - ولو كانوا رفقاء في سفر ونفقتهم واحدة، قد تخارجوها فأرادوا أن يشتروا منها عن جميعهم كبشاً يضحون به، لم يجزهم. وليس على الرجل أن يضحي عن زوجته، بخلاف النفقة.
1086 - قال مالك: وإذا ولدت الأضحية فحسن أن يذبح ولدها معها، وإن تركه لم أر ذلك عليه واجباً، لأن عليه بدل أمه إن هلكت.
قال ابن القاسم: ثم عرضتها عليه فقال: أمحها واترك منها إن ذبحه معها فحسن. قال ابن القاسم: ولا أرى ذلك واجباً عليه.(2)
__________
(1) الذي رواه أبو داود (3386)، والترمذي (1257) عن حكيم بن حزام. وقال أبو عيسى: لا نعرفه إلا من هذا الوجه وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع من حكيم.
(2) انظر: المدونة الكبرى (3/144)، ومنح الجليل (2/486)، والشرح الكبير (2/122).

1087 - ولا يجوز أن يجزّ صوفها قبل الذبح، ولا يبيع من أضحيته لحماً ولا [شحماً] ولا جلداً ولا شعراً ولا غيره، ولا يشتري به ماعوناً ولا غيره، ولينتفع بذلك منها، أو يتصدق به، ولا يبدل منها جلداً أو غيره بمثله، أو بخلافه، ولم أسمع من مالك في لبنها شيئاً، إلا أنه كره لبن الهدي، وقد روي في الحديث: “لا بأس بالشرب منه بعد ريّ فصيلها”.(1)
1088 - فإن لم يكن لأضحيته ولد فأرى أن لا يشربه إلا أن يَضُرّ بها فيحلبه ويتصدق به، ولو أكله لم أر عليه شيئاً، وإنما أنهاه عنه كما أنهاه عن جز صوفها قبل ذبحها.
1089 - ولا بأس في الضحايا والهدايا بالبياض وغيره في العين إن لم يكن على الناظر، ولا بأس في الأذن بمثل السمة، أو قطع يسير، أو شق يسير، وأما جدع الأذن أو قطع جُلّها فلا يجزئ، وما سمعت مالكاً يؤقت في الأذن نصفاً من ثلث.
1090 - ولا تجزئ العرجاء البين ظلعها، إلا أن يكون الشيء الخفيف الذي لا ينقص مشيها، ولا تعب عليها به في سيرها، وتسير بسير الغنم، فأراه خفيفاً.
1091 - ومن اشترى أضحية سمينة فعجفت عنده أو أصابها عمى أو عور، أو ابتاعها بذلك لم يجزه، بخلاف ما يحدث بالهدي بعد التقليد من عيب، وقد ذكرناه في كتاب الحج.
1091 - ومن ضلت [منه] أضحيته ثم وجدها في أيام النحر فليذبحها، إلا أن يكون [قد] ضحى ببدلها فليصنع بها ما شاء، [وكذلك إن لم يضح ببدلها ثم وجدها بعد أيام النحر فليصنع بها ما شاء].
1092 - وليس على أحد أن يضحي بعد أيام النحر، وهو بمنزلة من ترك الأضحية، وكذلك لو حبس أضحيته حية حتى مضت أيام [النحر] إلا أن هذا قد أثم.
1093 - ومن سرقت أضحيته أو ماتت أو ضلت، فعليه البدل.
1094 - ولو أضجعها للذبح فاضطربت فانكسرت رجلها أو أصابت السكين عينها ففقأتها، لم تجزه. والشاة تخلق خلقاً ناقصاً لا تجزئ.
__________
(1) رواه البيهقي في الكبرى (5/236).

1095 - ولا بأس بالجلحاء، وهي الجمّاء، والسكاء: وهي الصغيرة الأذنين، قال ابن القاسم: ونحن نسميها الصمعاء. ولو خلقت بغير أذنين لم تجز.
1096 - ومن ذبح أضحيتك بغير إذنك، فأما ولدك، أو بعض عيالك، ممن فعله ليكفيك مؤنتها، فذلك مجزئ عنك، وأما على غير ذلك فلا يجزيك.
1097 - وإن ذبحت أضحية صاحبك، وذبح هو أضحيتك غلطاً لم تجزئ واحداً منكما، ويضمن كل واحد لصاحبه القيمة.
1098 - والأضحية [واجبة] على من استطاع، وهي على الناس كلهم الحاضر والمسافر إلا الحاج، فليست عليه، وإن كان من سكان منى، ومن لم يشهد الموسم من أهل مكة فهم في ضحاياهم كالأجنبيين، ولا تجب الأضحية على مملوك أو من فيه بقية رِق، ولا يُضحى عن من في البطن.
1099 - وأيام النحر ثلاثة: يوم النحر، ويومان بعده، وليس اليوم الرابع من أيام الذبح وإن كان الناس بمنى.
[ولا تذبح] الهدايا والضحايا ليلاً، فإن فعل لم يجزه وعليه البدل.
1100 - وكل من تجب عليهم الجمعة فعليهم أن يجمعوا في صلاة العيدين، وليس على الحاج بمنى جمعة، ولا صلاة عيد.
1101 - ولا يصاد حمام الأبرجة، ومن صاد منها شيئاً رده أو عرّف به إن لم يعرف ربه ولا يأكله، وإذا دخل حمام برج لرجل في برج لآخر ردّها إلى ربها إن قدر، وإلا فلا شيء عليه.(1)
1102 - ومن وضع أجباحاً في جبل فله ما دخلها من النحل، ومن صاد طيراً في رجليه سباقان، أو ظبياً في أذنيه قرطان وفي عنقه قلادة، عرف بذلك، ثم ينظر فإن كان هروبه ليس بهروب انقطاع ولا توحش رده، وما وجد عليه لربه، وإن كان هروبه هروب انقطاع وتوحش فالصيد خاصة لصائده دون ما عليه، فإن قال ربه: ندّ مني منذ يومين، وقال الصائد: لا أدري متى ندّ منك، فعلى ربه البينة، والصائد مصدق.
__________
(1) انظر: التاج والإكليل (3/356")، والفواكه الدواني (2/239)، ومواهب الجليل (5/153)، (6/69)، والمدونة الكبرى (3/77)، والكافي في فقه مالك لابن عبد البر (1/184)، وحاشيةالعدوي (2/471).

1103 - وإذا قتل محرم بازياً لرجل معلماً فعليه جزاؤه غير معلم، كجزاء غيره من الوحش، وعليه قيمته لربه معلماً.
1104 - ولا يجوز بيع كلب سلوقي أو غيره، ويجوز بيع الهر، ويجوز بيع الأسد والسباع والفهود والنمور والذئاب، إن كان ذلك [لتُذَكّى] لأخذ جلودها. فإذا ذُكيت جاز بيع جلودها ولباسها والصلاة عليها.
1105 - ومن قتل كلباً من كلاب الدور مما لم يؤذن فيه، فلا شيء عليه، لأنها تقتل ولا تترك، وإن كان مما أذن في اتخاذه لزرع أو ضرع، فعليه قيمته.
1106 - وإذا باع الذمي خمراً بدينار كرهت للمسلم أن يتسلفه منه، أو يبيعه به شيئاً أو يأخذه هبة، أو يعطيه فيه دراهم، ويأخذه، أو يأكل من طعام ابتاعه الذمي بذلك الدينار، وجائز أن يأخذه منه في قضاء دين، كما أباح الله تعالى أخذ الجزية منهم.
1107 - ولا بأس بصيح حمام مكة فيالحل للحلال، وما صيد في الحل فإذا دخل الحرم جاز أن يؤكل فيه، وإن كانت شجرة أصلها في الحرم، ولها غصن في الحل فوقع عليه طائر فلا بأس بصيده، ويؤكل. ولم يجب مالك [رحمه الله] فيه بشيء.
* * *

(كتاب الجهاد)(1)
1108 - قال مالك: لا يُقاتل المشركون ولا يبيّتون حتى يُدعوا إلى الله ورسوله، فيسلموا أو يؤدوا الجزية، قال ابن القاسم: وكذلك إن أتوا إلى بلادنا. وقال أيضاً مالك: أما من قرُبت داره منا فلا يُدعوا لعلمهم بالدعوة، ولتطلب غرتهم، وأما من بعدت داره وخيف أن لا يكونوا كهؤلاء فالدعوة أقطع للشك.
__________
(1) انظر: شرح الزرقاني (3/3)، التاج والإكليل (3/346)، ومواهب الجليل (3/346)، والمدونة الكبرى (3/2)، والكافي (1/205)، والقوانين الفقهية لابن جزي (1/8)، وشرح حدود ابن عرفة للرصاع (193)، والتقييد (1/339)، والمطلع (1/209)، وأنيس الفقهاء (1/181).

قال يحيى بن سعيد: ولا بأس بابتغاء عورة العدو بالليل والنهار، لأن دعوة افسلام قد بلغته، إلا من ترجى إجابته من أهل الحصون [فلا بد من الدعوة]، و[روي] عن علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] الدعوة ثلاث مرات.(1)
1109 - قال مالك: وأما القبط فلا يقاتلوا، ولا يبيتوا حتى يدعوا، بخلاف الروم، ولم ير أن الدعوة قد بلغتهم.
1110 - وينبغي أن يُدعى اللص إلى التقوى، فإن أبى قوتل، كان بطريق، أو أتى إلى محلّك، وكذلك إن نزل قوم بآخرين يريدون أنفسهم وأموالهم وحريمهم ناشدوهم الله، فإن أبوا فالسيف.
1111 - ومن عاجلك عن الدعوة من لص أو مشرك فقاتله، وإن طلب السلابة طعاماً أو ثوباً أمراً خفيفاً رأيت أن يُعطوه ولا يُقاتلوا. قال محمد بن سيرين: ما علمت أحداً ترك قتال من يريد نفسه وماله تأثماً، وكانوا يكرهون قتال الأمراء، ولا بأس بالجهاد مع هؤلاء الولاة، إذ لو ترك [مثل] هذا لكان ضرراً على الإسلام.
1112 - ولا بأس أن يخرج الرجل بأهله إلى مثل السواحل، ولا [يخرج] بهن إلى دار الحرب في الغزو إلا أن يكونوا في عسكر عظيم لا يُخاف عليهم لكثرتهم.
1113 - ولا يُقتل النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير في أرض الحرب، ولا الرهبان في الصوامع والديارات، ويترك لهم من أموالهم ما يعيشون به، ولا تؤخذ كلها فيموتون، وروى ابن وهب أن النبي عليه السلام نهى عن قتل العسيف(2)، قال سحنون: وهو الأجير.
__________
(1) رواه عبد الرزاق في المصنف (5/217)، (9424)، والدارقطني في العلل (6/15)، والطبراني في الأوسط كما في المجمع (5/305)، وأورده الزيلعي في نصب الراية (3/378، 381).
(2) رواه أبو داود (3/52)، وابن ماجة (2/948).

1114 - ولا بأس بتحريق قراهم وحصونهم، وتغريقها بالماء وتخريبها، وقطع الشجر المثمر وغيره، و[قد] تأول مالك قول الله تعالى: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً} (الحشر: 5)، وقد قطع النبي عليه السلام نخل بني نضير وأحرق قراهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية(1)، قال سحنون: وأصل نهي أبي بكر الصديق [رضي الله عنه] عن قطع الشجر، وإخراب العامر إنما ذلك فيما يُرجى مصيره للمسلمين نظراً لهم، وما لم يُرج الظهور عليه، فالنظر لهم خرابه.
1115 - ويقتل من الأسارى من لا يؤمن منه، ألا ترى ما كان من أبي لؤلؤة [لعنه الله]، وأما الصغير والكبير الفاني فاتقى مالك قتلهم وهم الحشوة، ولهم قوتل العدو فهم كالأموال وقوة على الجهاد، وكتب عمر [رضي الله عنه] بقتل من جرت عليه المواسي من الكفار، وقال: لا يجلب إلى المدينة من علوجهم أحد(2)، قيل: فحربي أخذ ببلدنا أيكون لمن أخذه أم يكون [فيئاً]؟، قال: قال مالك: فيمن وجد بساحلنا من العدو فقالوا: نحن تجار ونحوه، فلا يقبل منهم وليسوا لمن وجدهم، ويرى فيهم الإمام رأيه، وأنا أرى ذلك فيئاً للمسلمين ويجتهد فيهم الإمام.
__________
(1) رواه البخاري (4884)، ومسلم (4471).
(2) رواه ابن حزم في المحلي (7/299)، وابن عبد البر في الاستذكار (4/65)، وانظر: المدونة (3/9)، والفتح (7/64).

1116 - وإذا أُخذ الرومي وقد نزل [تاجراً] بساحلنا فيقول: ظننت أنكم لا تعرضون من جاء تاجراً حتى يبيع، أو يؤخذ ببلد العدو، وهو مقبل إلينا فيقول جئت أطلب الأمان، فهو أمر مشكل، فأرى أن يُردّ إلى مأمنه، وروى ابن وهب عن مالك في قوم من العدو نزلوا في ساحلنا بغير إذن فأُخذوا، فزعموا أنهم تجار لفظهم البحر، ولا يعلم صدقهم، وقد تكسرت مراكبهم ومعهم السلاح، أو يشكون العطش الشديد فينزلون للماء بغير إذن، أن ذلك للإمام يرى فيهم رأيه، ولا يُخمّسون، وإنما الخمس فيما أوجف عليه بالخيل والركاب، قال يحيى بن سعيد: ومن زعم بعدما أُخذ ببلاد المسلمين أنه جاء لأمان، أو لتجارة، لم يقبل منه إلا أن يكون رسولاً بعث لأمر [مما] بين المسلمين وبين عدوهم، وقال ربيعة: إن كانوا من أرض متجر قد أُمنوا بالتجارة [قبل ذلك] فهم بمنزلة أمان، وإن لم يكن ذلك منهم قبل ذلك فلا عهد لهم ولا ذمة، وإذا نزل تجارهم بأمان فباعوا وانصرفوا فأينما رمتهم الريح من بلاد المسلمين فالأمان لهم ما داموا في تجرهم، حتى يردوا بلادهم.(1)
1117 - والشأن قسم الغنائم وبيعها ببلد الحرب، وهم أولى برخصها.
1118 - وما أحرزه المشركون من مال مسلم أو ذمي، من عرض أو عبد أو غيره ابق لهم، ثم غنمناه فإن عرف ربه قبل أن يقسم كان أحق به [بغير شيء] ولا يقسم، ويوقف له إن غاب، وإن لم يعرف ربه بعينه، وعرف أنه لمسلم أو ذمي قسم، ثم إن جاء ربه كان أحق به بالثمن ما بلغ، ولا يجبر على فدائه، وهو مخير، فإن أراد أخذه بالثمن لم يكن لمن في يده العبد أن يأبى ذلك، قيل: فمن وقع في سهمه من المغنم أمة أو ابتاعها من العدو الذين أحرزها هل يحل له وطؤها؟ قال: إن علم أنها لمسلم فلا يطؤها، حتى يعرضها عليه فيأخذها بالثمن أو يدع، وسواء اشتراها في بلد الحرب، أو في بلد الإسلام، وكذلك إن كان عبداً فليُعرض على سيده.
__________
(1) انظر: التاج والإكليل (3/362)، والتقييد (1/345).

1119 - وما وجده السيد قد فات بعتق أو ولادة، فلا سبيل له إليه، ولا إلى رقه، أخذهم من كانوا بيده في مغنم أو ابتياع من حربي أغار عليهم أو أبقوا إليه، ويمضي عتقهم. وتكون الأمة [أم ولد] لمن ولدت منه.
1120 - ومن اشترى من المغنم أم ولد لرجل أو ابتاعها من حربي فعلى سيدها أن يعطيه جميع الثمن الذي اشتراها به، وإن كان أكثر من قيمتها ولا خيار له، بخلاف العبيد والعروض، فإن كان عديماً أتبع بذلك ديناً [عليه] وأخذها، [قال ابن شهاب: في رجل عرف أم ولده في أرض الروم وقد خُمّست وأعطي أهل النفل نفلهم والقوم الذي لهم فليأخذها ربها بالقيمة، ولو عتقت لم تؤخذ فيها فدية.
1121 - قال ابن القاسم: وإذا سبى أهل الحرب ذمياً ثم غنمناه، لم يكن فيئاً ورد إلى ذمته، ومن وجد آبقاً بغير دار الحرب ردّه إلى مولاه.
1122 - ومن فدى حراً من أيدي العدو بغير أمره، فله اتباعه بما فداه به على ما أحب أو كره.
قال يحيى بن سعيد: ومن فدى ذمية فلا يطاها، وله عليها ما فداها به وهي على أمرها، [قال ابن القاسم] وما أحرز أهل الشرك من أموال المسلمين فأتوا به ليبيعوه لم أحب لأحد أن يشتريه منهم].
1123 - وإذا دخلت دار الحرب بأمان فابتعت عبداً لمسلم من حربي أسره، أو أبق إليه، أو وهبه الحربي لك، وكافيته عليه، فلسيده أخذه بعد أن يدفع إليك ما أديت من ثمن أو عوض، وإن لم تثب واهبك أخذه ربه بغير شيء، وإن بعته أنت ثم جاء ربه مضى البيع، وإنما له أن يأخذ الثمن منك ويدفع إليك ما أديته من ثمن أو عوض، وإن لم تؤد عوضاً فلا شيء لك.
وقال غيره: ينتقض بيع الموهوب [له]، ويأخذه ربه بعد أن يدفع الثمن إلى المبتاع ويرجع به على الموهوب [له].

1124 - قال ابن القاسم: و[أما] إن نزل بنا حربي بأمان ومعه عبيد لأهل الإسلام قد كان أحرزهم، فباعهم عندنا من مسلم أو ذمي، لم يكن لربهم أخذهم بالثمن إذ لم يكن يقدر أن يأخذهم من بائعهم في عهده، بخلاف بيع الحربي إياهم في بلد الحرب، لأن الحربي لو وهبهم في بلد الحرب لمسلم فقدم بهم كان لربهم أخذهم بغير ثمن، وهذا الذي خرج [بهم] إلينا بأمان لو وهبهم لأحد لم يأخذهم سيدهم على حال.
1125 - ومن أسلم من أهل بلد [الحرب] على ما بأيديهم، وبأيديهم أحرار ذمتنا فهم رقيق لهم كعبيدنا، وهم أحق بجميع الأمتعة من أربابها.
1126 - وإن نزل بنا حربي بأمان ومعه عبيد مسلمون قد أسرهم، فلا يؤخذوا منه، ثم لو أسلم عندنا كانوا له دون سيدهم، كمحارب اسلم على مال أحرزه منا بنفسه أو ابتاعه من حربي أحرزه.
1127 - وإذا أسر العدو حرة مسلمة أو ذمية، فولدت عندهم أولاداً ثم غنمها المسلمون، فولدها الصغار بمنزلتها، لا يكونون فيئاً، وأما الكبار إذا بلغوا وقاتلوا فهم فيء.
1128 - ولو كانت أمة لرجل كان كبير ولدها وصغيرهم لسيدها.
1129 - وإذا أسلم حربي ببلدة ثم قدم إلينا، وترك أهله وماله وولده، ثم غنمنا ذلك، فما له [وأهله] وولده فيء.
1130 - قال ربيعة: من ابتاع عبداً من الفيء فدل سيده على مال له أو لغيره بأرض العدو، والعبد كافر وقد أسلم أو أعتق، فإن دلّه [في جيش آخر فالمال لهذا الجيش الآخر دون الذين قفلوا، ولا يكون للسيد ولا للعبد] وإن دله قبل أن يقفل الجيش الذين كانوا سبوه، فهو لذلك الجيش الذي كان فيهم، [لأنه إنما نال ذلك بهم].

1131 - وإذا خرج قوم من أهل الذمة محاربين متلصصين فأخافوا السبيل وقتلوا، حكم فيهم بحكم أهل الإسلام [إذا حاربوا. وإن خرجوا نقضاً للعهد ومنعاً للجزية، وامتنعوا من أهل الإسلام] من غير أن يظلموا والإمام عدل، فهم فيء، ومن هرب منهم إلى بلاد الحرب نقضاً للعهد فحارب ثم أسر فهو فيء، ولا يُرد إلى ذمته إذا قضوا [العهد] لغير ظلم ركبوا به، وإن كان لظلم رُدوا إلى ذمتهم، ولا يكونون فيئاً، وقال غيره: لا يعود الحر إلى الرق أبداً، ويردون إلى ذمتهم، ولا يكونون فيئاً.(1)
1132 - ومن أسلم من عبيد الحربيين لم يزل ملك سيده عنه، إلا أن يخرج [العبد] إلينا وندخل نحن بلادهم فنغنمه وهو مسلم وسيده مشرك فيكون حراً، ولا يرد إلى سيده [و]إن أسلم سيده بعد ذلك، وقد أعتق النبي - صلى الله عليه وسلم - عبيداً لأهل الطائف(2) لخروجهم [إليه] مسلمين، وابتاع أبو بكر بلالاً إذ أسلم فأعتقه والدار دار شرك(3)، فلو انتقل ملك ربه عنه كان ذلك فداءً، ولم يكن ولاؤه لأبي بكر.
1133 - وإن خرج العبد إلينا مسلماً وترك سيده مسلماً فهو له [رق إن أتى]، وإن باع حربي عبداً له قد أسلم من مسلم فهو لمبتاعه رق، لأن سيده لو أسلم عليه قبل أن يخرج العبد إلينا بقي له رقاً، وقال أشهب [وغيره]: إسلام العبد في دار الحرب يزيل ملك سيده عنه خرج إلينا أو أقام بداره، وإن اشتُري كان كالحر المسلم يلُفدى فيتبعه مشتريه بالثمن.
1134 - قال ابن القاسم: ولو قدم إلينا عبد لرجل من أهل الحرب بأمان فأسلم ومعه مال لسيده، فالمال للعبد ولا يُخمّس، وقد ترك النبي عليه السلام للمغيرة إذ قدم مسلماً مالاً أخذه لأصحابه.(4)
__________
(1) انظر: منح الجليل (3/178).
(2) رواه أحمد في المسند (1/243، 349).
(3) رواه الحاكم في المستدرك (3/319).
(4) رواه البخاري (2731).

1135 - قال يحيى بن سعيد: وإن ائتمن الأسير على شيء، فليرد أمانته، وإن كان مرسلاً وقد رأى أن يأخذ من أموالهم شيئاً، لم يؤتمن عليه ويتخلص به فليفعل.
1136 - وتسترق العرب إن سُبوا كالعجم. وإذا مات عندنا حربي مستأمن وترك مالاً أو قتل فماله وديته تدفع إلى من يرثه ببلده، ويعتق قاتله رقبة، وقال غيره: تدفع دينه وماله إلى حكامهم، وأهل النظر لهم، [حتى كأنه مات تحت أيديهم].
1137 - وإذا كان مسلم في حصن العدو أو مركب لم أر أن يحرق أو يغرق، لقول الله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الفتح: 25)، ولا يعجبني ذلك إذا كان فيهم ذرية للمشركين ونساؤهم فقط، إلا أن يكون ليس فيها غير الرجال المقاتلة فلا بأس بذلك.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى أهل الطائف بالمجانيق فقيل له: إن فيها النساء والصبيان، فقال: هم من آبائهم.(1)
1138 - وإذا أحرق العدو سفينة للمسلمين، فلا بأس أن يطرحوا أنفسهم في البحر، لأنهم فروا من موت إلى موت، ولم ير ذلك ربيعة إلا لمن طمع بنجاة، أو اختار الأسر ونحوه، فلا بأس بذلك، وإن هلك في ذلك. وقال ربيعة أيضاً: إن صبر فهو أكرم له، وإن اقتحم فقد عوفي ولا بأس به [إن شاء الله].
1139 - وقال ربيعة: إن انحرقت سفينة فلا يُثقّل الرجل نفسه ليغرق وليثبت [في مركبه] لأمر الله.
1140 - قال مالك رحمه الله: الفيء والخمس سواء، يجعلان في بيت المال، ويُعطي منهما الإمام أقرباء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدر اجتهاده.
__________
(1) رواه البيهقي (9/384).

1141 - وأما جزية الأرض فلا أدري كيف كان يصنع فيها، إلا أن عمر رضي الله عنه قد أقر الأرض فلم يقسمها بين الذين افتتحوها(1)، وأرى لمن نزل ذلك به أن يكشف عنه من يرضاه من أهل العلم [والأمانة من أهل البلد كيف كان الأمر في ذلك]، فإن وجد عالماً يستيقنه وإلا اجتهد هو ومن بحضرته رأياً، وكل ما يقسم مما يؤخذ من أوجه الفيء كلها فإنه ينظر إلى البلدان، فإن تكافأت في الحاجة بدأ بالذين فيهم المال حتى يغنوا منه، وما فضل أعطاه غيرهم أو يوقفه الإمام إن رأى ذلك لنوائب المسلمين، وإن كان في غير ذلك البلد من هو أشد منهم حاجة فليُنقل إليهم أكثر ذلك المال.
1142 - وكل ما أصيب من العدو فخُمّس فهو الخمس.
1143 - وكل أرض افتتحها أهل الإسلام بصلح فهي فيء، ولا يقسمها المسلمون، وأهلها على ما صولحوا عليه.
1144 - وأما كل أرض فُتحت عنوة فتُركت لأهل الإسلام فهذه التي قال مالك رحمه الله: يجتهد فيها الإمام ومن حضره من المسلمين.
1145 - قال ابن القاسم: وأما الجماجم في خراجهم فلم يبلغني عن مالك فيه شيء، وأنا أرى الجماجم تبعاً للأرض كانوا عنوة أو صلحاً، وقيل له في موضع آخر: أرأيت جزية جماجم أهل الذمة وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلحاً ما يصنع بهذا الخراج؟ قال: قال مالك: هذه جزية، والجزية عند مالك فيء، وقد أعلمتك ما قال مالك في العنوة.
1146 - قال مالك: ويعطي هذا الفيء أهل كل بلدة افتتحوها عنوة أو صولحوا عليها، ويبدأ بفقرائهم حتى يغنوا، وفي الزكاة [الأول] شيء من هذا الباب.
1147 - قيل: فمن قتل قتيلاً هل يكون له سلبه؟ قال: قال مالك: لم يبلغني أن ذلك كان إلا في يوم حنين، وإنما هذا إلى الإمام يجتهد فيه.
__________
(1) رواه أبو عبيد في الأموال (ص74)، وابن أبي شيبة في المصنف (7/632، 633).

1148 - ولا يجوز نفل قبل الغنيمة، ويجوز في أول المغنم أو آخره على الاجتهاد، ولا يكون إلا من الخمس، وإنما نفل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين من الخمس بعد أن برد القتال، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : والسلب والفرس من النفل.(1)
1149 - قال سليمان بن موسى: لا نفل في عين ولا فضة، وأكره للإمام أن يقول: اقتلوا ولكم كذا، أو من قاتل موضع كذا، أو تقدم إلى الحصن، أو قتل قتيلاً فله كذا، أو نصف ما غنم، ويكره أن يسفك [أحد] دمه على مثل هذا.(2)
1150 - وكذلك أكره للأسير [المسلم] أن يقاتل مع الروم عدواً لهم على أن يخلوه إلى بلد الإسلام، [ولا يحل له أن يسفك دمه على هذا].
1151 - ويسهم للفرس سهمان، وسهم لفارسه، وللراجل سهم، والبراذين إن أجازها الوالي كانت كالخيل، ولا يسهم لبغل أو حمار أو بعير، وصاحبه راجل، ومن له أفراس فلا يزاد على سهم فرس [واحد] كالزبير يوم حنين، وإذا لقوا العدو في البحر ومعهم الخيل في السفن أو سروا رجالة ولبعضهم خيل فغنموا وهم رجالة أُعطي لمن كان له فرس ثلاثة أسهم.
1152 - وإذا خرجت من العسكر سرية، فغنمت، أو ردت الريح بعض المراكب إلى بلاد الإسلام مغلوبين بالريح ونفذ البعض فغنموا، أو ضل رجل عن أصحابه ببلد العدو فلم يحضر قتالاً ثم رجع بعد الغنيمة، كانت الغنيمة بين السرية وبين من ردته الريح أو ضل، وبين جميع العسكر بعد خروج الخمس: للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم.
1153 - ومن دخل أرض العدو غازياً فمات قبل لقاء العدو ثم غنموا [بعده] فلا سهم له. وكذلك موت فرسه.
1154 - ولو شهد القتال مريضاً أو بفرس رهيص، أو مات هو أو فرسه بعد القتال قبل الغنيمة ثم غنموا بعده في قتالهم [ذلك] فله ولفرسه ثلاثة أسهم. ومن ابتاع فرساً ببلد الحرب أُسهم له من يومئذ إن لقي به العدو.
__________
(1) رواه مالك في الموطأ (2/454)، والبخاري (3142)، وأبو داود (2717)، والترمذي (1562).
(2) انظر: الاستذكار لابن عبد البر (14/142).

1155 - وإذا قاتل الأجير أُسهم له، وإلا فلا، وكذلك التاجر إذا علم منه ما علم من الأجير.
1156 - ولا يُسهم للنساء ولا للعبيد ولا الصبيان [إذا قاتلوا]، ولا يُرضخ لهم، ورأى أبو بصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني أن يسهم لمن أنبت من الصبيان [الأحرار].(1)
1157 - ولا بأس بأخذ العلف والطعام من الغنيمة والغنم والبقر لمأكله بغير إذن الإمام، أو جلود يعملونها نعالاً أو خفافاً [أو لأكفهم] أو لغير ذلك من حوائجهم. وإن جاز ذلك الإمام فلهم أخذه بغير إذنه. [قال ابن القاسم وغيره]. وللرجل أن يأخذ من المغنم سلاحاً يقاتل به ويرده، أو دابة للقتال أو ليركبها إلى بلده إن احتاجها ثم يردها إلى الغنيمة، فإن كانت الغنيمة قد قسمت باعها وتصدق بالثمن، والسلاح كذك، أو ما يحتاج إلى لبسه من ثياب. وروى علي وابن وهب أن مالكاً قال: لا ينتفع بدابة ولا بسلاح ولا بثوب، ولو جاز ذلك لجاز أن يأخذ العين يشتري بها هذا.
1158 - وما فضل معه بعد أن رجع إلى بلده من طعام فقال القاسم وسالم: يأكله، وكرها بيعه، وقال مالك: يأكل القليل ويتصدق بالكثير.
[قال سليمان بن موسى: لا باس أن يحمل الرجل من بلد العدو الطعام مثل القديد وغيره فإن باع ذلك بعد بلوغه إلى أهله صار مغنماً].
1159 - وما استغنى عنه من الطعام في أرض العدو فليعطه أصحابه بغير بيع ولا قرض، فإن أقرضه فلا شيء على المستقرض.
1160 - وإذا أخذ هذا لحماً، وهذا عسلاً، وهذا طعاماً، يتبادلونه ويمنع أحدهم صاحبه منه حتى يبادله فلا بأس [به] وكذلك العلف وكل ما أُذن [له] في النفع به من المغنم فبيع، فإن ثمنه يرجع مغنماً ويُخمّس.
__________
(1) رواه مالك في المدونة (2/34)، وانظر: التاج والإكليل (3/369)، والكافي (1/214)، والرسالة لأبي زيد القيرواني (1/84)، وصحيح مسلم (3/1444).

1161 - قال مالك: ومن نحت سرجاً، أو برى سهماً، أو صنع مشجباً ببلد العدو فهو له ولا يخمّس، [قال سحنون: معناه فيما عمل] إذا كان يسيراً، [وقد قيل أنه إذا كان له قدر أنه يأخذ إجازة عمله فيه، والباقي يصير فيئاً]، قال مكحول: إلا أن يجده مصنوعاً.
قال القاسم وسالم: وما كسب من صيد طير او حيتان، أو صنعه عبده من فخار فهو له، وإن كثر.
1162 - وما ضعف المسلمون عن النفوذ به من بلد الحرب من ماشية ودواب ومتاع مما غنموه أو كان لهم، أو ما قام عليهم من دوابهم فليعرقبوا الدواب، أو يذبحوها، وكذلك جميع الماشية، ولا يحرقوها بعد القتل. ويحرق المتاع والسلاح.
1163 - ولا يُستعان بالمشركين في القتال إلا أن يكونوا نواتيّ أو خدماً فلا بأس به.

1164 - [قال مالك:] ويجوز أمان المرأة والعبد والصبي إن عقل الأمان، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يجير على المسلمين أدناهم، وقال - صلى الله عليه وسلم - لأم هانئ: قد أجرنا من أجرت [يا أم هانئ]، قال غيره: لم يجعل ذلك أمراً يكون بيد أدناهم لا خروج للإمام عنه، ولكن ينظر الإمام فيما فعل بالاجتهاد. قال إسماعيل بن عياش: سمعت أشياخنا يقولون: لا جواز للصبي ولا للمعاهد، فغن أجارا خُيّر الإمام بين إمضائه ورده إلى مأمنه، [ومما روي أن عمر - رضي الله عنه - كتب بذلك أنه من أمّنه منكم حرّ أو عبد من عدوكم فهو آمن حتى يرد إلى مأمنه أو يقيم فيكم فيكون على الحكم بالجزية، وإذا أمنه بعض من تستعينون به على عدوكم من أهل الكفر فهو آمن حتى يرد إلى مأمنه أو يقيم فيكم، وإذا نهيتم عن الأمان فأمن أحد منكم أحداً منهم ناسياً أو عاصياً أو جاهلاً أو لم يعلم رُدّ إلى مأمنه، ولا سبيل لكم عليه إلا أن يشاء أن يقيم فيكم فيكون على الحكم في الجزية، وكذلك إن أشار أحد منكم إلى أحد أن هلم فإنا قاتلوك فأتى ظناً منه أنه آمن ولم يفهن ما قال له، وكذلك إن جاءكم رجل مطمئن تعلمون أنه جاء متعمداً، وإن شككتم فيه فلا تردوه إلى مأمنه واضربوا عليه الجزية، ومن وجدتموه في عسكركم ولم يعلمكم بنفسه حتى قدرتم عليه فلا أمان له ولا ذمة، واحكموا فيه بما هو أفضل للمسلمين].
1165 - وجائز التكبير في الرباط والحرس على البحر ورفع الصوت به بالليل والنهار، وأكره التطريب.

1166 - وما كان مثل ديوان مصر والشام والمدينة مثل دواوين العرب فلا بأس. وإذا تنازع رجلان في اسم مكتوب في العطاء، فأعطى احدهما الآخر مالاً على أن يبرأ إليه من ذلك الاسم لم يَجُز، [لأنه إن كان الذي أعطاه الدراهم أخذ غير اسمه فلا يجوز شراؤه، وإن كان الذي أعطى الدراهم صاحب الاسم فقد باع ما لا يحل له، وإن كان الآخر هو صاحب الاسم فلا يجوز له، لأنه لا يدري ما باع أقليلاً بكثير، أو كثيراً بقليل]، ولا يدري ما تبلغ حياة صاحبه فهذا غرر لا يجوز. وكذلك لا يجوز لمن زيد في عطائه أن يبيع تلك الزيادة بعَرَض.
1167 - قال الأوزاعي: أوقف عمر والصحابة الفيء وخراج الأرض للمجاهدين، ففرض منه للمقاتلة والعيّال والذرية فصار ذلك سنة لمن بعده، فمن افترض فيه ونيته الجهاد فلا بأس به، قال ابن مُحَيْريز: أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يروعون، وقال مكحول: روعات البعوث تنفي روعات القيامة.
1168 - ولا بأس بالجعائل في البعوث، يجعل القاعد للخارج، مضى الناس على ذلك لمن كان من أهل ديوان واحد، لأن عليهم سد الثغور، قال مالك: ربما خرج لهم العطاء، وربما لم يخرج، ولا ينبغي أن يجعل لمن ليس معه في ديوان ليغزو عنه.(1)
1169 - وقد كره [مالك] لمن في سبيل الله إجارة فرسه لمن يغزو به، أو يرابط عليه كمن بعسقلان وشبهها، فهو إذا أجّر نفسه أشد كراهة.
1170 - قال يحيى بن سعيد: لا بأس بالطوى من ماحوز إلى ماحوز [والطوى] أن يقول لصاحبه: خذ بعثي وآخذ بعثك وأزيدك كذا، قال شريح: يكره ذلك من قبل أن يكتتبا فأما بعد الكتبة فجائز، إلا من انتصب من ماحوز إلى ماحوز [آخر] يريد الزيادة في الجُعل.
1171 - قال مكحول: وإذا اكتُتب في المغزى ففرض له فيه جُعل فليأخذه، وإن كان لا يغزو إلا بجعل فمكروه.
__________
(1) انظر: المدونة (3/43)، والكافي (1/207).

1172 - قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في المجوس: سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب(1) وأخذ عثمان [رضي الله عنه] الجزية من مجوس البربر(2)، قال مالك: فالأمم كلها من الفزازنة والصقالبة والأبر والترك وغيرهم من الأعاجم ممن لا كتاب لهم بمنزلة المجوس في هذا، إذا دُعوا إلى الإسلام فلم يجيبوا، دُعوا إلى إعطاء الجزية ويُقرّوا على دينهم، فإن أجابوا قُبِل منهم.
1173 - ويُستتاب أهل الأهواء [من القدرية وغيرهم]، فإن تابوا وإلا قُتلوا إذا كان الإمام عدلاً، وإن خرجوا على إمام عدل فأرادوا قتاله، ودعوا إلى ما هم عليه دُعوا إلى السنة والجماعة، فإن أبوا قوتلوا.
1174 - وإذا دعا الإمام أهل العصبية إلى الحق فلم يرجعوا قوتلوا.
1175 - والخوارج إذا خرجوا فأصابوا الدماء والأموال ثم تابوا ورجعوا وضعت الدماء عنهم، ويؤخذ منهم ما وُجد بأيديهم من مال بعينه، و[أما] ما استهلكوه فلا يُتبعون به وإن كانوا أملياء، لأنهم متأولون بخلاف المحاربين، أولئك لا يوضع عنهم من حقوق الناس شيء، وإنما يسقط عنهم [إن تابوا] حد الحرابة.
1176 - قال ابن شهاب: هاجت الفتنة الأولى فرأى جماعة من البدريين إسقاط القصاص والحدود عمن قاتل في تأويل القرآن فقتل.
1177 - ولا حد على المرأة سُبيت، ولا بينها وبين زوجها ملاعنة، ويُحدّ قاذفها وتُردّ إلى زوجها الأول بعد أن تنقضي عدتها من زوجها الآخر، [وترث زوجها الأول إن مات].
* * *

(كتاب الأيمان والنذور)(3)
__________
(1) رواه مالك في الموطأ (1/278)، وأبو عبيد في الأموال (ص40)، والطبراني في الكبير (19/437).
(2) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (7/583).
(3) انظر: شرح حدود ابن عرفة (ص175، 190)، والكافي (1/193)، والدراري المضية (1/352)، والقوانين الفقهية (1/8)، ومختصر خليل (1/94)، والتقييد (2/2).

1178 - ومن قال: إن كلمت فلاناً فعليّ المشي إلى بيت الله، فكلمه لزمه المشي، وله أن يجعلها في حج أو عمرة، فإن جعلها في عمرة مشى حتى يسعى بين الصفا والمروة، فإن ركب بعد سعيه وقبل أن يحلق فلا شيء عليه، وإن جعلها في حجة مشى حتى يقضي طواف الإفاضة، فإذا قضاه فله أن يركب في رجوعه من مكة إلى منى وفي رمي الجمار بمنى، وإن أخّر طواف الإفاضة فلا يركب في رمي الجمار، وله أن يركب في حوائجه، [كماله إذا وصل المدينة أو المناهل ماشياً أن يركب في حوائجه]، أو ذكر في طريقه وهو ماشٍ حاجة نسيها فليرجع وراءها راكباً.
1179 - ومن أوجب على نفسه المشي إلى الكعبة في نذر أو يمين حلف بها، فعليه الوفاء به، وإن أكثر من النذور بذلك مما لا يبلغه عمره فلا يجزيه إلا أن يمشي ما قدر من الزمان، ويتقرب إلى الله عز وجل بما قدر عليه من خير، [وقاله الليث]. ويمشي الحالف من حيث حلف، إلا أن ينوي موضعاً فيمشي منه.
1180 - ومن قال: إن كلمت فلاناً فأنا محرم بحجة أو عمرة، فإن كلمه قبل أشهر الحج لم يلزمه أن يحرم بالحجة إلى [دخول] أشهر الحج، إلا أن ينوي أنه محرم من يوم حنث، فيلزمه [ذلك، وإن كان في غير أشهر الحج]، وأما العمرة فعليه أن يحرم بها وقت حنثه إلا أن لا يجد صحابة ويخاف على نفسه، فليؤخر حتى يجد، فيحرم حينئذ، وإحرامه في ذلك بحج أو بعمرة من موضعه لا من ميقاته، إلا أن ينويه فله نيته.
1181 - ومن قال: أنا محرم يوم أكلم فلاناً، فإنه يوم يكلمه محرم، وقوله: يوم أفعل كذا فأنا أحرم بحجة، كقوله: فأنا محرم، وقوله: إن فعلت كذا فأنا أحج إلى بيت الله، [أو أمشي إلى مكة أو إلى بيت الله، أو فعلي المشي إلى مكة، أو إلى بيت الله] أو فعلي حجة، أو لله علي حجة كل ذلك سواء، ويلزمه الحج إن حنث.
1182 - قال إبراهيم والشعبي: من قال: إن فعل كذا فهو محرم بحجة، فليحرم إن شاء من عامه، أو متى تيسر عليه، وإن قال: يوم أفعل [كذا]، ففعل فهو يومئذ محرم.

1183 - ومن لزمه المشي إلى مكة فخرج ماشياً فعجز في مشيه فليركب فيما عجز، فإذا استراح نزل، وعرف أماكن ركوبه من الأرض، ثم يعود ثانية فيمشي أماكن ركوبه، ولا يجزيه أن يمشي عدة أيام ركوبه، إذ قد يركب موضعاً ركبه أولاً، وليس عليه [المشي] في رجوعه ثانية وإن كان قوياً أن يمشي الطريق كله، ولكن يمشي ما ركب فقط ويهدي، لأنه قد فرق مشيه، قال ابن عباس: ينحر بدنة(1)، فإن عجز فلم يوعب مشيه في الثانية لم يعد ثالثة وأهدى، وإن علم في الثانية أنه لا يقدر على تمام المشي قعد وأهدى وأجزأه الذهاب الأول كانت حجة أو عمرة، ولو عل أول خروجه أنه لا يقدر أن يمشي كل الطريق في ترداده إلى مكة مرتين، أو كان شيخاً زمناً، أو امرأة ضعيفة، أو مريضاً يئس من البرء فلا بد أن يخرج أول مرة، ويمشي ولو نصف ميل ثم يركب بعد ذلك ويهدي وإذا رجا المريض إفاقة يقدر بعدها أن يمشي [تربص للإفاقة، إلا أن يعلم أنه غير قادر في إفاقته أن يمشي] فهو بمنزلة الشيخ الكبير.
1184 - وإذا مشى حجه كله وركب في الإفاضة [فقط]، أو مرض في طريقه فركب الأميال أو البريد أو اليوم ومشى البقية لم يعد ثانية وأهدى. ولو مشى حتى سعى بين الصفا والمروة ثم خرج إلى عرفات وشهد المناسك والإفاضة راكباً رجع قابلاً راكباً، فركب ما مشى، ومشى ما ركب، والمشي على الرجال والنساء [سواء] فيما ذكرنا.
1185 - وله أن يجعل مشيه الثاني في غير ما جعل الأول من حج أو عمرة، [إذا أبهم يمينه أو نذره كذلك، فأما إن سمى حجاً أو عمرة] فلا يجعل الثانية إلا مثلها، ولا يجعل المشي الثاني ولا الأول في فريضة.
1186 - ومن قال: علي المشي إلى بيت الله حافياً راجلاً فلينتعل، وإن أهدى فحسن، وإن لم يهد فلا شيء عليه، وهو خفيف.
__________
(1) رواه عبد الرزاق في المصنف (8/449)، وابن أبي شيبة (3/492)، والبيهقي في الكبرى (10/81).

1187 - ومن حلف بالمشي فحنث فمشى في حج ففاته الحج أجزأه ما مشى وجعلها عمرة، ومشى حتى يسعى بين الصفا والمروة، ويقضي الحج قابلاً راكباً، ويهدي لفوات الحج، [ولا شيء عليه غير ذلك]، وإن جعل مشيه في عمرة فله إذا حلّ منها أن يحج الفريضة من مكة ويكون متمتعاً إن كانت عمرته في أشهر الحج، ولو قرن يريد بالعمرة المشي الذي عليه وبالحج فريضته، لم يجزه من الفرض وعليه دم القران، كمن نذر مشياً فحج ماشياً وهو صرورة ينوي بذلك نذره وفريضته، أجزأه لنذره لا لفرضه، وعليه قضاء الفريضة قابلاً.
1188 - ومن قال: إن فعلت كذا فأنا أحمل فلاناً إلى بيت الله فحنث، قال مالك: يُنوّى فإن أراد التعب بحمله على عنقه حج ماشياً وأهدى وليس عليه أن يحج بالرجل، وإن لم ينو ذلك حج راكباً، ويحج بالرجل معه ولا هدي عليه، وإن أبى الرجل أن يحج حج الحالف وحده راكباً ولا شيء عليه في الرجل، وقال عنه علي: إن نوى إحجاجه من ماله فلا شيء عليه إلا إحجاج الرجل، فإن أبى الرجل [أن يحج] فلا شيء على الحالف، [قال] ابن القاسم: وقوله أنا أحج بفلان أوجب [عليه] من قوله أحمله لا يريد بذلك على عنقه، لأن إحجاجه إياه من طاعة الله، فإن أبى الرجل فلا شيء عليه فيه، ومن قال: [أنا] أحمل هذا العمود أو غيره إلى مكة، طلب بذلك المشقة على نفسه فليحج ماشياً غير حامل شيئاً ويهدي.
قال إبراهيم: من قال أنا أهدي فلاناً على أشفار عيني فليحجه ويهدي بدنة.
1189 - ومن قال: علي المشي إلى مكة، إلا أن يبدو لي أو أرى خيراً من ذلك، لزمه المشي، ولا ينفعه استثناؤه، ولا استثناء لذي طلاق، ولا عتاق، ولا مشي ولا صدقة، ولو قال في ذلك إن شاء فلان لم يلزمه شيء حتى يشاء فلان.
1190 - ومن قال: علي المشي، ولم يقل إلى بيت الله، فإن نوى مكة مشى، وإن لم ينو ذلك فلا شيء عليه، ولو قال مع ذلك إلى بيت الله [فليمش] إلى بيت الله إلا أن ينوي مسجداً فله نيته.

1191 - ومن قال: لله علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس، أو المشي إلى المدينة، أو بيت المقدس فلا يأتيهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما، أو يسميهما فيقول: إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو مسجد إيليا، وإن لم ينو الصلاة فيهما فليأتهما راكباً ولا هدي عليه، وكأنه لما سماهما، قال: لله علي أن أصلي فيهما.
1192 - ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار صلى بموضعه، ولم يأته، ومن نذر أن يرابط أو يصوم بموضع يتقرّب بإتيانه إلى الله كعسقلان والإسكندرية لزمه ذلك، وإن كان من أهل مكة والمدينة.
1193 - ولا يلزم المشي إلا من قال: علي المشي إلى مكة، أو بيت الله، أو المسجد الحرام أو الكعبة أو الحجر أو الركن، وأما غير هذا كقوله: إلى الصفا أو المروة أو منى أو عرفة أو ذي طوى أو الحرم أو المزدلفة أو إلى غير ذلك من جبال الحرم فلا يلزمه.
1194 - ومن قال: إن كلمت فلاناً فعلي أن أسري أو أذهب أو انطلق أو آتي أو أركب إلى مكة، فلا شيء عليه إلا [أن ينوي] أن يأتيهما حاجاً أو معتمراً فيأتيهما راكباً إلا أن ينوي ماشياً، وقد اختلف قول ابن القاسم في الركوب، فأوجبه مرة، وأشهب يرى عليه إتيان مكة في هذا كله حاجاً أو معتمراً.
1195 - ومن قال لحر: إن فعلت كذا فأنا أهديك إلى بيت الله، فحنث فعليه هدي، قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : شاة.
وإن قال: فعبد فلان أو داره أو شيء من ماله هدي، فحنث فلا شيء عليه. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: “لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم”.(1)
__________
(1) رواه مسلم (3/1262)، (1641)، وأبو داود (3/232، 233)، والنسائي في الكبرى (3/136) والدارجي (2/240)، والبيهقي في الكبرى (8/109، 231)، والدارقطني في سننه (4/16)، والشافعي في مسنده (1/339، 352)، وابن ماجة (1/686)، وأحمد (4/430).

1196 - ومن قال: إن فعلت كذا فعلي هدي [فحنث] فإن نوى [شيئاً] فهو ما نوى، وإلا فعليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد وقصرت نفقته رجوت أن تجزيه شاة، [وزحفها مالك] وقال: البقر أقرب شيء إلى الإبل، ولو قال بدنة فحنث، فالبدن من الإبل، فإن لم يجد بعيراً فبقرة، فإن لم يجد فسبع من الغنم، وكذلك لو قال: علي أن أهدي بدنة، فلينحر بعيراً، فإن قصرت نفقته ولم يجد فبقرة، ولا يجزيه شراء بقرة حتى لا تبلغ نفقته ثمن بدنة، فإن لم يجد ثمن بقرة فسبع من الغنم، فإن لم يجد الغنم لضيق وجده فلا أعرف في هذا صوماً، إلا أن يحب فليصم عشرة أيام، فإن أيسر يوماً ما، كان عليه ما نذر، وقد قال مالك فيمن نذر عتق رقبة فلم يستطعها: إن الصوم لا يجزيه إلا أن يشاء أن يصوم، فإن أيسر يوماً ما أعتق، فهذا مثله.
1197 - ومن قال: لله علي أن أنحر بدنة، أو قال: لله علي هدي فلينحر ذلك بمكة، ولو قال: لله علي جزور، أو أن أنحر جزوراً، فلينحرها بموضعه، ولو نوى موضعاً، أو سماه، فلا يخرجها إليه كانت الجزور بعينها أو بغير عينها، وكذلك إن نذرها لمساكين بلد بعينها، وهو بغيرها، فلينحرها بموضعه، ويتصدق بها على مساكين من عنده، وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال.
1198 - ومن نذر هدي شيء من مال غيره لم يلزمه شيء. وإن قال: داري أو عبدي أو شيء من ماله [مما] لا يهدى هو هدي، أو حلف بذلك فحنث، فليبعه وليبعث بثمنه، وبما أهدى من العين فيُبتاع به هدي.
فإن لم يبعه وبعث به بعينه فلا يعجبني ذلك، ويباع هناك فيُشترى به هدي، فإن لم يبلغ ذلك ثمن هدي - وأدناه شاة - أو فضل منه ما لا يبلغ ذلك. قال مالك: يبعثه إلى خزنة الكعبة، ينفق عليها، وقال ابن القاسم: أحب غلي أن يتصدق به حيث شاء.
وأعظم مالك أن يشرك مع الحجبة في الخزانة أحد، لأنها ولاية من النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ دفع المفاتح لعثمان بن طلحة.

1199 - ومن قال: إن فعلت كذا فغنمي [هذه] أو إبلي [أو بقري] هدي، فحنث فليبعث بها من ذلك الموضع، إن كانت تصل، ويقلد الإبل ويشعرها، والبقر لا تصل من إفريقية ولا من مصر، فإذا خاف على هذه الهدايا أن لا تبلغ لبعد سفر، أو لغير ذلك باعها، وابتاع بثمن الغنم غنماً، وبثمن الإبل إبلاً وبثمن البقر بقراً، وجائز أن يبتاع بثمن البقر إبلاً، لأنها لما بيعت صارت كالعين.
1200 - ولا أحب شراء الغنم بثمنها حتى يقصر عن ثمن بعير أو بقرة، ويشتري ذلك من مكة، أو من موضع تصل، فإن ابتاعها من مكة فليخرجها إلى الحل ثم يدخلها [إلى] الحرم.
1201 - وإن نذر هدي بدنة غير معينة أجزأه شراؤها من مكة أو المدينة فتوقف بعرفة ثم تنحر بمنى، فإن لم توقف بعرفة، [لم تنحر بمنى] وأخرجت إلى الحل إن اشتريت في الحرم ثم نحرت بمكة، فإن لم يجد ثمنها فذلك دين عليه.
1202 - ومن قال: لله علي أن أهدي مالي [او قال: جميع مالي]، أو قال: مالي صدقة، أو في سبيل الله، أو هدي أو حلف بذلك فحنث [أجزأه الثلث، وإن سمى شيئاً من ماله فقال: داري أو دابتي أو ثوبي أو غيره صدقة، أو في السبيل، أو هدي، أو حلف بذلك فحنث]، اخرج ذلك كله وإن أحاط بماله، كمن عم النساء أو خص في الطلاق.
1203 - وإن قال: ثلث مالي صدقة، أو ثلاثة أرباعه أو أكثر فليخرج جميع ما سمى، ما لم يقل: مالي كله.
وإن قال: إن فعلت كذا فعبدي هدي فحنث ولا مال له غيره فليبعه وليشتر بثمنه هدياً، ولو قال: جميع مالي، فإنما يهدي ثلثه.
1204 - وإن حلف بهدي عبده هذا وجميع ماله فحنث، أهدى العبد وثلث ما بقي من المال، [وكذلك هذا في الصدقة أو في سبيل الله]، وكذلك لو قال: فرسي ومالي في سبيل الله، أخرج الفرس وثلث ما بقي من ماله، ومن جعل عبيده صدقة أو في سبيل الله في يمين فحنث، ففي الصدقة يبيعه ويتصدق بثمنه، وأما في السبيل، فليبعه ويدفع ثمنه إلى من يغزو به من موضعه إن وُجد، وإن لم يجد فليبعث بثمنه.

1205 - وإن كان فرساً أو سلاحاً أو شيئاً من آلات الحرب، جعله في السبيل [في يمين] فحنث، فليبعث ذلك بعينه [إن وجد من يقبله]، فإن لم يجد من يقبله، أو يبلغه، فليبعث بثمنه فيجعل في مثل المبيع من كراع أو سلاح أو غيره بخلاف البقر الهدي تباع إذا لم تبلغ، فيجوز أن يشتري بثمنها إبلاً، لأن تلك كلها للأكل وهذا تختلف منافعه.
1206 - وإذا جعل جميع هذه [الأشياء] صدقة، باعها وتصدق بثمنها، وكذلك إن جعله هدياً فليبعه ويهدي ثمنه.
1207 - وإذا جعل مالاً أو غيره في سبيل الله، فذلك في الجهاد والرباط، من السواحل والثغور، وليس جُدّة من ذلك، وإنما كان الخوف بها مرة.
1208 - ومن قال: مالي في الكعبة، أو في رتاجها، أو في حطيمها فلا شيء عليه، لأن الكعبة لا تنقض فتبنى، - والرتاج: الباب، والحطيم: ما بين الباب إلى المقام - وإن قال: مالي في كسوة الكعبة أو طيبها، أهدى ثلث ماله [ويدفعه] إلى الحجبة.
1209 - وإن قال: أنا أضرب بمالي أو بشيء منه بعينه حطيم الكعبة [أو الركن]، فعليه حجة أو عمرة، ولا شيء عليه في ماله، [وكذلك لو قال: أضرب بكذا أو كذا إلى الركن الأسود فليحج أو يعتمر، ولا شيء عليه] إن لم يرد حملان ذلك [الشيء] على عنقه، [قال ابن القاسم:] وكذلك هذه الأشياء.

1210 - قال مالك: ومن قال إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي، فحنث فعليه كفارة يمين، وقال ابن عباس(1)، ثم رجع [مالك] فقال: لا كفارة عليه، ولا غيرها، إلا أن ينوي به وجه الهدي، أن يهدي ابنه لله، فعليه هدي، قال ابن القاسم: وهذا أحب إلي من الذي سمعت منه [والذي سمعت منه] أنه إن لم يقل عند مقام إبراهيم فعليه كفارة يمين، وإن قال عند مقام إبراهيم فليهد، قال ابن عباس: كبشاً، [وقال أيضاً ابن عباس في من جعل ابنه بدنة فليهد ديته مائة من الإبل، ثم ندم بعد ذلك فقال: ليتني كنت أمرته أن يهدي كبشاً كما قال تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (الصافات: 107)، قال ابن القاسم:] وإن قال: أنا أنحر ولدي بين الصفا والمروة، أو بمنى، فعليه الهدي، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عند المروة: “هذا المنحر، وكل طرق مكة وفجاجها منحر”(2)، ويلزمه في نحر أبويه ما يلزمه في نحر ولده.
1211 - ومن لزمته يمين فافتدى منها بمال جاز ذلك.
1212 - ومن قال: والله ما لقي فلاناً أمس، وهو لا يدري ألقيه أم لا، ثم علم بعد يمينه أنه كما حلف برّ، وإن كان خلاف ذلك أثم وكان كمتعمد الكذب، وهي أعظم من أن تكفر.
1213 - ولغو اليمين ليس كقول الرجل: لا والله، وبلى والله، وإنما اللغو: أن يحلف بالله على أمر يوقنه، ثم يتبين له [أنه] خلاف ذلك فلا شيء عليه، ولا ثنياً ولا لغو في طلاق.
1214 - ولا مشي ولا صدقة ولا غيرها إلا في اليمين بالله، أو نذر لا مخرج له.
__________
(1) رواه مالك في الموطأ (2/476)، وابن أبي شيبة في المصنف (3/503)، وعبد الرزاق (8/459).
(2) رواه الترمذي (3/232)، وابن خزيمة (4/283)، والبيهقي (5/122)، ومالك (1/393)، والطبراني في الأوسط (4/297)، الصغير (1/350)، والبزار (2/165)، وأحمد (1/75)، وأبو يعلى في مسنده (1/264، 413)، والدارمي (2/79)، وعبد ابن حميد (359).

1215 - [قال مالك رحمه الله:] والأيمان [بالله] أربعة: يمين غموس، ولغو يمين، فلا كفارة [في هذين]، ويمين الرجل والله لأفعلن، ووالله لا فعلت: ففي هذين كفارة، [فإن رأى] الحنث [أفضل] أحنث نفسه.
والغموس: الحلف على تعمد الكذب، أو على غير يقين، وهي أعظم من أن تكفّر.
1216 - والحلف بجميع أسماء الله تعالى وصفاته لازم، كقوله: والسميع والعليم، والعزيز والخبير واللطيف، أو قال: والله أو تالله لأفعلن كذا، أو لا أفعل كذا أو قال: وعزة الله وكبريائه وقدرته وأمانته، أو قال لعمر الله فهي كلها أيمان تكفّر.
1217 - ومن قال: علي عهد الله أو ذمته أو كفالته أو ميثاقه، أو قال: علي عشر كفالات أو عشر مواثيق، أو عشر نذور أو أقل أو أكثر، يلزمه عدد ما ذكر كفارات.
1218 - وإن قال: أشهد أو أقسم أو أحلف أو أغرم أن لا أفعل كذا، فإن أراد بالله فهي يمين، وإلا فلا شيء عليه [وإن قال: أعزم أن لا أفعل كذا، فليس بيمين، وإن قال: أعزم بالله أن لا أفعل كذا، فيمين].
1219 - وإن قال لرجل: أعزم بالله عليك إلا ما فعلت كذا، فيأبى، فهو كقوله: اسألك بالله لتفعلن كذا، فامتنع، فلا شيء على واحد منهما.
1220 - وإن قال: علي نذر، أو لله علي نذر، أو حلف بذلك فحنث، فعليه كفارة يمين إلا أن ينوي بنذره ذلك صوماً أو فعل خير [فليزمه ذلك] وله نيته.
1221 - وإن قال: علي يمين إن فعلت كذا، ولا نية له فعليه [كفارة] يمين كقوله: علي عهد أو نذر.
1222 - قيل: فمن قال: [الحلال] علي حرام إن فعلت كذا، قال: لا يكون الحرام يميناً في شيء لا في طعام، ولا في شراب، ولا في أم ولد إن حرمها على نفسه، ولا في خادم ولا عبد إلا أن يحرم امرأته فيلزمه الطلاق، قال زيد بن أسلم: إنما كفّر النبي عليه السلام في تحريمه أم ولده، لأنه حلف بالله أن لا يقربها.

1223 - ومن قال: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو كافر بالله أو بريء من الإسلام فليست هذه أيماناً، وليستغفر الله مما قال.
1224 - وقوله لعمري، [أو] هو زان، أو هو سارق، أو قال: والصلاة والصيام والزكاة والحج أو قال: هو يأكل لحم الخنزير أو لحم الميتة، أو يشرب بالخمر] أو الدم أو يترك الصلاة، أو عليه لعنة الله أو غضبه، أو حرمه الله الجنة، أو أدخله النار، وكل ما دعا به على نفسه لم يكن شيء من هذا أيماناً.
1225 - وكذلك قوله: وأبي وأبيك وحياتي وحياتك وعيشي وعيشك، وهذا من كلام النساء وضعفاء الرجال، وأكره اليمين بهذا، أو بغير الله، أو برغم أنفه، أو برغم أنفه لله، ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت.
1226 - ومن حلف بشيء من أسماء الله أو صفاته، أو نذر لا مخرج له [منه] فقال: إن شاء الله، فإن أراد بذلك الاستثناء [فلا حنث عليه، وإن أراد به معنى قول الله تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا. إِلاّ أَن يَشَاء اللَّهُ} (الكهف: 23)، ولم يرد به الاستثناء] فهو حانث، وإن حدثت له نية الاستثناء قبل تمام لفظه باليمين أو بعد، إلا أنه لم يصمت حتى وصل بها الاستثناء أجزأه، وإن كان بين الاستثناء واليمين صمات فلا ثنيا له، ومن استثنى في نفسه ولم يحرك لسانه لم ينتفع بذلك.
1227 - وإن حلف بالله ذمي أن لا يفعل كذا، فحنث بها بعد إسلامه فلا كفارة عليه.
1228 - ومن قال: علي نذر أن أحج أو أفعل شيئاً من الخير، سماه أو حلف بذلك فحنث، فلا يجزيه إلا الوفاء بذلك.
1229 - وإن قال: علي نذر إن لم اعتق رقبة، أو إن لم أفعل من البر كذا، فإن شاء فعله فبر، أو تركه وكفر كفارة [يمين]، فإن ضرب لفعله اجلاً فجاوزه ولم يفعل فعليه كفارة يمين، إلا أن يجعل لنذره مخرجاً من البر، مثل قوله: علي صدقة، أو نحوه، أو ينوي ذلك فيلزمه، لأنه مخرج نذره.

1230 - وإن قال: علي نذر إن لم أشرب الخمر أو أقتل فلاناً، ونحوه من المعاصي، فلا يفعل ذلك، وليكفر كفارة يمين، إلا أن يجعل لنذره مخرجاً من البر، فإن اجترأ وفعل ما قال من المعصية فقد أثم وسقط عنه النذر، كان له مخرج، أو لم يكن.
1231 - وإن قال: علي نذر إن شربت الخمر، فلا يشربها، ولا كفارة عليه، وهو علي بر، وإن شربها فعليه كفارة يمين، إلا أن يجعل لنذره مخرجاً من البر فيلزمه.(1)
1232 - ومن نذر ما ليس فعله بطاعة، ولا تركه بمعصية، مثل المشي إلى السوق، ونحوه فإن شاء فعل أو ترك، ولا شيء عليه.
1233 - ومن حلف لا فعلت كذا، [أو إن فعلت كذا]، فهو على بر، ولا يحنث حتى يفعل ذلك، وإن قال: إن لم أفعل، أو لأفعلن، فهو على حنث حتى يفعله.
1234 - ومن حلف بطلاق أو عتق أو مشي أو بالله ليضربن فلاناً أو ليقتلنه، فإن ضرب أجلاً فهو على بر، وإنما يحنث إذا حل الأجل ولم يفعل، وإن لم يضرب أجلاً، فهو على حنث ولا ينبغي له أن يفعل ذلك، وليكفر أو يمشي ويطلق عليه الإمام أو يعتق إن رُفع ذلك إليه بالقضاء، فإن اجترأ ففعل ذلك قبل النظر فيه زالت عنه أيمانه.
1235 - ومن قال لامرأته: والله لأطلقنك، فليس بمولٍ، ولا يمنع من الوطء، فإن شاء طلق فبر في يمينه، وإن لم يطلق لم يحنث إلا بموته، أو موتها، ولا يجبر على الكفارة.
1236 - ومن قال: والله لأفعلن كذا، فإن ضرب أجلاً فلا يكفر حتى يمضي الأجل.
[في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن لم أفعل كذا أو إن فعلت]
1237 - ومن قال لامرأته: أنت طالق واحدة إن لم أتزوج عليك، فأراد أن لا يتزوج [عليها] فليطلقها طلقة ثم يرتجعها فتزول يمينه، ولو ضرب أجلاً كان على بر، وليس له أن يُحنّث نفسه قبل الأجل، وإنما يحنّث إذا مضى الأجل ولم يفعل ما حلف عليه.
__________
(1) انظر: التاج والإكليل (3/270)، والتمهيد (6/99)، والمدونة الكبرى (3/111).

1238 - وإن قال لها: أنت طالق إن لم أفعل كذا، حيل بينه وبينها حتى يفعل ذلك وإلا دخل عليه الإيلاء، وإن كانت يمينه لا فعلت، لم يُحل بينه وبينها، لأنه على بر [حتى يفعل ذلك فيحنث].
1239 - ومن قال لنسائه الأربع: والله لا أجامعكن، فجامع واحدة منهن حنث، وإنما يلزمه إذا وطئ إحداهن أو كلهن كفارة واحدة، وله أن يطأ البواقي قبل أن يكفر، إذ كان له أن يطأهن كلهن قبل الكفارة.
1240 - [ومن قال: والله لا أدخل دار فلان، والله لا أكلم فلاناً، والله لا أضرب فلاناً، فعليه ها هنا لكل صنف فعله كفارة].
1241 - ولو قال: والله لا أدخل دار فلان، ولا أكلم فلاناً، [ولا أضرب فلاناً]، ففعل ذلك كله أو بعضه، أجزأته كفارة واحدة ولا شيء عليه في فعل ما بقي.
1242 - ومن حلف بالله أن لا يفعل كذا، ثم ردد اليمين في ذلك مراراً في مجلس واحد أو مجالس، ثم حنث، فكفارة واحدة تجزيه عن ذلك، نوى باليمين الثانية غير الأولى، أو بالثالثة غير الأولى والثانية، أو لم ينو شيئاً، فهي يمين واحدة، إلا أن ينوي أن عليه ثلاثة أيمان كالنذور، فيلزمه ثلاث كفارات، سواء [قال في يمين:] لله علي، أم لا.
1243 - وإن قال: والله لا أكلم فلاناً، ثم قال: علي حجة أو عمرة إن كلمته، فهما يمينان إن حنث لزمتاه جميعاً.
1244 - واستحب مالك الكفارة بعد الحنث، فإن كفر قبل [الحنث] أجزأه، وكذلك المولي.
1245 - وإن كفر بالصوم معسر قبل حنثه، ثم حنث بعد يسره فلا شيء عليه.(1)
1246 - [قال مالك:] ومن حلف الا يفعل شيئاً إلى حين أو زمان أو دهر، فذلك كله سنة، وقال عنه ابن وهب: إنه شك في الدهر أن يكون سنة.
__________
(1) انظر: التاج والإكليل (3/271)، وشرح الزرقاني (3/85)، والتمهيد (21/244)، ومواهب الجليل (3/269)، والمدونة الكبرى (3/117)، والقوانين الفقهية (1/111).

1247 - وإذا حنث العبد في اليمين بالله فكسا أو أطعم بإذن سيده، رجوت أن يجزيه، وليس بالبيّن، والصوم أحب إلي، وأما العتق فلا يجزيه وإن أذن له سيده، إذ الولاء لسيده، وصومه وفعله في كل كفارة كالحر.
1248 - ولو حنث في رقه ثم كفّر بالعتق بعد أن عتق أجزأه.
1249 - ولا تغربل الحنطة في كفارة اليمين، إلا أن تكون مغلوثة.
1250 - قال مالك: والإطعام في كفارة اليمين بالله مُدّ قمح، لكل مسكين عندنا بالمدينة، لأنه وسط عيشهم، فأما سائر الأمصار فإن لهم عيشاً غير عيشنا، فليخرجوا وسطاً من عيشهم، وقال ابن القاسم: حيثما أخرج مداً بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - أجزأه، [ولا يجزيه أن يخرج قيمة الطعام عرضاً، وإن غدّى وعشّى في كفارة اليمين بالله أجزأه،] ولا يجزيه غداء دون عشاء، ولا عشاء دون غداء، ويطعم الخبز مأدوماً بزيت ونحوه.
1251 - ويعطى الفطيم من طعام الكفارة [مثل ما يعطى الكبير]. ومن عليه يمينان فأطعم عن واحدة مساكين، كرهت له إعطاءهم لليمين الأخرى وإن لم يجد غيرهم في مكانه أو بعد أيام، وليطلب سواهم.
ولا يعطى من شيء من الكفارات ذمي أو عبد أو أم ولد، وإن كان سيدهم محتاجاً، فإن فعل وأعطى منها لغني لم يعلم به، لم يجزه، وكذلك الكسوة.
ويُعطى منها من له دار وخادم، لا فضل في ثمنهما عن سواهما، كما يُعطى من الزكاة، ولا يعجبني أن يعطى منها لذي قرابة منه لا تلزمه نفقته، فإن فعل أجزأه إذا كان محتاجاً، وكذلك الزكاة وجميع الكفارات.
1252 - [قال مالك:] ومن حلف بالله فحنث، فهو مخير في إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة.

1253 - ولا يجزيه الصوم وهو قادر على شيء من هذا، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام [متتابعات أحب إلي، فإن فرقها أجزأه، وإن أكل أو شرب ناسياً في صومها قضاه، وإن حاضت فيه امرأة بنت إذا طهرت، ولا يجزيه صوم الكفارة] في أيام التشريق إلا اليوم الرابع فعسى به أن يجزيه إن صامه، ولا يجزيه الصوم إن كان له مال غائب وليستلف، وإن كان له مال [غائب] وعليه دين مثله، أجزأه الصوم، [ولا يجزيه الصوم] إن كان يملك داراً أو خادماً، وإن قل ثمنهما كالظهار.
1254 - وإن كسا في الكفارة لم يجزه إلا ما تحل الصلاة فيه، ثوباً للرجل، ولا تجزيه عمامة وحدها، وللمرأة درع وخمار.
1255 - وعتق من صلى وصام في كفارة الأيمان أحب إلي، فإن أعتق [فطيماً] أو رضيعاً لقصر النفقة رجوت أن يجزيه، وكذلك الأعجمي، ويجزئ في ذلك ما يجزئ في الظهار وواجب الرقاب، ولا يجزئ أقطع اليد، أو الرجل، وأما الأعرج فقد كرهه [مالك] مرة وأجازه مرة [أخرى]، وآخر قوله لا يجزئ إلا أن يكوزن عرجاً خفيفاً، قال ابن شهاب: ولا يجزئ عتق أعمى ولا مجنون ولا أبرص، قال عطاء: ولا أشل ولا صبي لم يولد في الإسلام، قال ابن القاسم: ولا رقبة غير مؤمنة، ولا مدبر ولا مكاتب، ولا أم ولد، ولا معتق إلى أجل، ولا من يعتق عليه إذا ملكه، ولا رقبة اشتراها بشرط العتق، ولا زوجته إذا ابتاعها حاملاً فأعتقها قبل أن تضع في شيء من الكفارات، وتجعل الزوجة بذلك الحمل أم ولد إذا ابتاعها، ولا أحب له [أن يعتق] في عتق واجب عليه إلا ما كان يملكه بعد ابتياعه ولا يعتق عليه.
1256 - ويجوز شراء رقبة بشرط العتق ليعتقها تطوعاً. ومن كفر عن أحد بعتق أو غيره بأمره أو بغير أمره أجزأه، كمكفّر بعتق عن ميت.
1257 - ومن كسا وأطعم وأعتق عن ثلاثة أيمان ولم ينوِ لأحد الأيمان بعينه صنفاً من ذلك أجزأه، وكذلك إن أعتق عبده عن أحد الأيمان بغير عينه أجزأه، وإن نوى بعتقه [عن] جميعها لم يجزه.

1258 - ولا يجزيه أن يكفر يمينه بإطعام خمسة مساكين وكسوة خمسة، ولا يجزه إخراج قيمة الكسوة عيناً، ولا [يجزئ] إخراج الكفارة في بناء مسجد، أو كفن ميت، أو قضاء دين عنه، أو معونة في عتق.
وأكره ان ترجع إلى الرجل صدقته [التطوع أو الواجبة، ببيع أو هبة أو صدقة]، [وجائز بميراث].
1259 - ومن حلف أن لا يأكل هذا الرغيف حنث بأكل بعضه، وإن حلف ليأكلنه لن يبر إلا بأكل جميعه، وإن حلف ليأكلنه اليوم فأكل اليوم بعضه وفي غد بعضه حنث، وإن حلف لا يأكل هذا الدقيق أو هذه الحنطة أو من هذه الحنطة، فأكلهما بحالهما أو أكل خبزيهما أو سويق الحنطة حنث، لأن هذا هكذا يؤكل.
1260 - وإن حلف أن لا يأكل من هذا الطلع فأكل بسره أورطبه أو تمره حنث، إلا أن ينوي الطلع بعينه، وإن حلف أن لا يأكل من هذا اللبن فأكل من زبده أو جبنه، حنث، إلا أن تكون له نية، وإن حلف أن لا يأكل بسر هذه النخلة أو بسراً منها، فأكل من بلحها لم يحنث.
1261 - وإن حلف أن لا يأكل من هذه الحنطة أو من هذا الطعام، فلا يأكل ما اشتري بثمنهما من طعام ولا ما أنبتت الحنطة، إن نوى وجه المن، وإن كان لشيء في الحنطة من رداءة، أو سوء صنعة في الطعام لم يحنث بأكل ما ذكرنا.
1262 - وإن حلف أن لا يشرب هذا السويق فأكله حنث، إلا أن ينوي الشرب لما يعرض منه من نفخ أو غيره فلا يحنث إذا أكله.
1263 - وإن حلف أن لا يأكل هذا اللبن فشربه حنث، إلا أن تكون له نية.
1264 - وإن حلف أن لا يأكل سمناً فأكل سويقاً لُتّ بسمن حنث، وجد طعمه أو ريحه أم لا، إلا أن ينويه خالصاً.
1265 - وإن حلف أن لا يأكل خلاً فأكل لحماً طُبخ بخل لم يحنث، إلا أن ينوي ولا ما طُبخ بخل.
1266 - وإن حلف ألا يهدم هذه البئر، حنث بهدم حجر منها، إلا أن ينوي هدم جميعها.
1267 - وإن حلف أن لا يأكل خبزاً وزيتاً فأكل أحدهما، أو لا يفعل فعلين، ففعل أحدهما حنث، إلا أن ينوي جميعهما فلا يحنث.

1268 - وإن حلف في طعام أو شراب أن لا يأكله فذاقه، فإن لم يصل إلى جوفه لم يحنث.
1269 - قال مالك: وإن حلف أن لا يكلم فلاناً فكتب إليه كتاباً أو أرسل إليه رسولاً حنث، إلا أن ينوي مشافهته. ثم رجع فقال: لا يُنوى في الكتاب ويحنث، إلا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله إليه فلا يحنث.
1270 - ومن حلف أن لا يساكن فلاناً، فسكن كل واحد منهما في مقصورة في دار جمعتهما، فإن كان إذ حلف هذا في دار واحدة وكل واحد منهما في منزله حنث، وإن كان في بيت فلما حلف انتقل عنه إلى منزل في الدار، يكون مدخله ومخرجه ومرفقه في حوائجه على حدة لم يحنث، إلا أن يكون نوى الخروج من الدار، وكذا إن حلف أن لا يُساكن أخته امرأته وكانت ساكنتين في حجرة واحدة، فانتقلتا إلى دار سكنت هذه في سفلها، وهذه في علوها، وكل مسكن مستغن عن الآخر بمرافقه إلا أن سُلّم العلو في الدار، ويجمعهما باب واحد فلا يحنث.
وإن حلف أن لا يساكن فلاناً وهما في دار فساكنه في قرية أو مدينة لم يحنث، إلا أن يساكنه في دار.
فإن حلف أن لا يساكنه فزاره، فليست الزيارة بسكنى، وينظر إلى ما كانت عليه يمينه، فإن كان لما يدخل بين العيال والصبيان فهو أخف، وإن أراد التنحي فهو أشد.
وإن حلف أن لا يساكنه في دار سماها أم لا، فقُسّمت وضرب بين النصيبين بحائط، وجعل لكل نصيب مدخل على حدة، فسكن هذا في نصيب، وهذا في نصيب، فكرهه مالك، وقال: لا يعجبني [ذلك]، وقال ابن القاسم: لا أرى به بأساً، ولا حنث عليه.
1271 - وإن حلف ألا يأكل لحماً فأكل شحماً أو لحم حوت، أو حلف أن لا يأكل رؤوساً [أو بيضاً]ن فأكل رؤوس سمك أو طير أو بيضهما حنث، إلا أن تكون له نية أو ليمينه بساط فيحمل عليه، وإن حلف أن لا يأكل شحماً فأكل لحماً لم يحنث.(1)
__________
(1) انظر: المصنف لعبد الرزاق (6/379)، والمدونة (3/130)، والتاج والإكليل (3/296)، ومختصر اختلاف العلماء (3/265)، وبداية المجتهد (1/305)، ومنح الجليل (3/64).

1272 - [قال مالك:] ومن حلف أن لا يكلم زيداً، فأمّ قوماً فيهم زيد فسلّم من الصلاة عليهم، أو صلى خلف زيد، وهو عالم به، فردّ عليه السلام حين سلّم من صلاته لم يحنث، وليس مثل هذا كلاماً، ولو سلّم على جماعة وهو فيهم حنث، علم به أم لا، إلا أن يُحاشي، ولو مرّ [به] في جوف الليل فسلّم عليه وهو لا يعرفه حنث.
1273 - [قال مالك:] وإن حلف أن لا يسكن هذه الدار وهو فيها، خرج مكانه، وإن كان في جوف الليل، فإن أخّر إلى الصباح حنث إلا أن ينويه، فليجتهد إذا أصبح في مسكن ولينتقل، وإن تغالى في الكراء، أو وجد منزلاً لا يوافقه، فلينتقل إليه حتى يجد سواه، فإن لم يفعل حنث، ويرتحل بأهله وولده وجميع متاعه، وإن أبقى متاعه حنث.
1274 - وإن حلف أن لا يسكن هذه الدار، أو قال: دار فلان هذه، فباعها فلان فسكنها الحالف في غير ملكه حنث، إلا أن ينوي ما دامت في ملكه، ولو قال: دار فلان، فباعها فلان، فسكنها الحالف في غير ملكه لم يحنث، إلا أن يكون نوى أن لا يسكنها، وكذلك إن حلف أن لا يأكل من طعام فلان، فباع فلان طعامه، ثم أكل منه لم يحنث، إلا أن يقول: من هذا الطعام، فلا يأكل منه أبداً، فإن فعل حنث، إلا أن ينوي ما دام في ملكه.
1275 - وإن حلف أن لا يسكن دار فلان، فسكن داراً بين فلان ورجل آخر، أو لا يأكل من طعام اشتراه فلان، فأكل من طعام اشتراه فلان وآخر معه، أو لا يلبس ثوباً غزلته فلانة، فلبس ثوباً غزلته فلانة وأخرى معها، أو قال لامرأته: أنت طالق إن كسوتك هذين الثوبين، ونيته أن لا يكسوها إياهما جميعاً فكساها أحدهما، أو حلف أن لا يسكن بيتاً، ولا نية له، فسكن بيت شعر، وهو بدوي أو حضري، فهو في ذلك كله حانث.
1276 - فإن قال: امرأته طالق ماله مال، وقد ورث قبل يمينه مالاً ما لم يعلم به حنث، إلا أن ينوي في يمينه أن يعلمه فلا يحنث.

1277 - وإن حلف أن لا يدخل [على فلان] بيتاً فدخل عليه المسجد لم يحنث، وليس على هذا حلف، وإن دخل على جاره فوجده عنده حنث، وإن دخل المحلوف عليه [على الحالف] فخاف عليه مالك الحنث، وقال ابن القاسم: لا يحنث إلا أن ينوي أن لا يجتمعا في بيت فحنث.
1276 - وإن حلف أن لا يدخل هذه الدار فهُدّمت أو خربت، حتى صارت طريقاً فدخلها لم يحنث، فإن بينت بعد ذلك فلا يدخلها، وإن دخلها مكرهاً لم يحنث، إلا أن يأمرهم بذلك فيحنث.
وإن حلف أن لا يدخل دار فلان فدخل بيتاً يسكنه فلان كراء، أو أقام على ظهر بيت منها حنث.
وإن حلف أن لا يدخل من باب هذه الدار، أو من هذا الباب، فحُوّل الباب عن حاله، أو أغلق وفتح غيره، فإن دخل منه حنث إلا أن يكره الباب دون الدار، إما لضيقه، أو لجواز على أحد فلا يحنث.(1)
ومن حلف أن لا يأكل من طعام فلان، ولا أدخل داره، ولا ألبس [من] ثيابه، ثم ملك أشياء فلان هذه شراء منه، فأكل ولبس ودخل بعد الشراء فلا شيء [عليه] إلا أن يكره تلك الأشياء بأعيانها، ولو وهبها [له] المحلوف عليه، أو تصدق بها عليه فقبلها ثم أكل ولبس ودخل، وحنث إن كان ماكره من ناحية المنّ.
1277 - قال مالك: وإن حلف أن لا يأكل لرجل طعاماً، فدخل ابن الحالف على المحلوف عليه فأطعمه خبزاً فخرج به الصبي إلى أبيه فأكل منه الأب ولم يعلم حنث، ومن حلف أن لا يأكل طعاماً فأُكره على أكله لم يحنث، وإن أكره على أن يحلف، لم تلزمه يمين.
__________
(1) انظر: حاشية الدسوقي (2/136)، والتاج والإكليل (3/277)، ومواهب الجليل (4/78)، والمدونة الكبرى (3/114، 115).

1278 - ومن قال لزوجته: أنت طالق إن خرجت إلا بإذني، فأذن لها [وهو] في سفر، أو حيث لا تسمعه، و[أشهد] فخرجت بعد إذنه، وقبل علمها بالإذن، فهو حانث، وإن حلف أن لا يأذن لها إلا في عيادة مريض، فخرجت في العيادة بإذنه ثم مضت بعد ذلك إلى حاجة أخرى، لم يحنث، لأن ذلك بغير إذنه، ولو خرجت إلى الحمام بغير إذنه لم يحنث إلا أن يتركها بعد علمه، وإن هو حين علم بذلك لم يتركها، فلا يحنث، وإن لم يعلم حتى رجعت فلا شيء عليه.
1279 - ومن حلف ليقضين فلاناً حقه غداً، فقضاه اليوم برّ، ولو حلف ليأكلن هذا الطعام غداً فأكله اليوم حنث، إذ الطعام قد يخص به اليوم، والغريم إنما القصد فيه القضاء.
1280 - ومن حلف بعتق أو طلاق أن لا يشتري ثوباً فاشتراه وشياً أو صنفاً سواه، وقال: نويت ذلك الصنف، أو حلف أن لا يدخل هذه الدار، ثم دخلها بعد شهر، وقال أردت شهراً فله نيته في الفتيا لا في القضاء إن قامت عليه بينة.(1)
1281 - وإن حلف أن لا يلبس هذا الثوب، وهو لابسه، أو لا يركب هذه الدابة، وهو عليها، فإن نزل عنها، أو نزع الثوب مكانه [برّ] وإلا حنث.
وإن حلف أن لا يلبس هذا الثوب، فقطعه قباء أو قميصاً أو سراويل أو جبة، أو قلنسوة فلبسه حنث، إلا أن يكون كره الأول لضيقه، أو لسوء عمله، [فحوله] فلا يحنث.
وإن ائتزر به أو لف به رأسه، أو جعله على منكبيه حنث، ولو جعله في الليل على فرجه ولم يعلم [به] لم يحنث حتى يتزر به.
1282 - ومن حلف أن لا يركب دابة فلان فركب دابة عبده حنث إلا أن تكون له نية، إذ لو اشترى العبد من يعتق على سيده أعتقناه [عليه]، وقال أشهب: لا يحنث.
1283 - ومن حلف بالله ماله مال، وله دين عرض أو غيره، أو له شوار وخادم ولا ناض له، حنث، إلا أن تكون له نية.
__________
(1) انظر: مواهب الجليل (3/282).

1284 - وإن استُعير منه ثوب فحلف بالطلاق ما يملك إلا ثوباً، وله ثوبان مرهونان فإن كانا كفاف دينه لم يحنث إن كانت تلك نيته، وإن لم تكن له نية حنث كان فيهما فضل أم لا.
1285 - ومن حلف أن لا يكلم فلاناً عشرة أيام فكلمه فيها حنث، ثم [إن] كلمه فيها مراراً قبل أن يكفر لم تلزمه إلا كفارة واحدة.
1286 - ومن حلف لرجل إن علم كذا [وكذا] ليعلمنه أو ليخبرنه، فعلماه جميعاً، لم يبر حتى يعلمه أو يخيره، وإن كتب به إليه، أو أرسل إليه رسولاً برّ، ولو أسر إليه رجل سراً فأحلفه ليكتمنه، ثم أسره المسر لآخر فذكره الآخر للحالف فقال له الحالف: ما ظننت أنه أسره لغيري حنث.
1287 - ومن حلف أن لا يتكفل بمال أبداً، فتكفل بنفس رجل حنث، لأن الكفالة بالنفس كفالة بالمال، إلا أن يشترط وجهه بلا مال فلا يحنث.
1288 - ومن حلف أن لا يتكفل لفلان بكفالة، فتكفل لوكيل له ولم يعلم به، فإن لم يكن [الوكيل] من سبب فلان وناحيته لم يحنث الحالف.(1)
1289 - ومن حلف ليضربن عبده مائة سوط فجمعها فضربه بها ضربة واحدة، أو أخذ سوطاً له رأسان، [أو جمع سوطين] فجلده بهما خمسين جلدة، لم يبر، ولو ضربه بسوط مائة جلدة ضرباً خفيفاً، لم يبر إلا بضرب مؤلم.
ومن حلف أن لا يشتري عبداً فأمر غيره فاشتراه له حنث.
وإن حلف أن لا يضرب عبده فأمر غيره فضربه حنث، إلا أن ينوي بنفسه، [وإن حلف ليضربنه فأمر غيره بضربه بر إلا أن ينوي بنفسه]، وإن حلف أن لا يبيع سلعة، فأمر غيره [فباعها له] حنث، ولا يُديّن.
__________
(1) انظر: حاشية الدسوقي (2/156)، والتاج والإكليل (3/310).

وإن حلف أن لا يبيع لفلان شيئاً، فدفع فلان ثوباً [لرجل] فأعطاه الرجل للحالف فباعه ولم يعلم به، فإن لم يكن الرجل من سبب فلان وناحيته مثل الصديق الملاطف أومن في عياله وناحيته لم يحنث، وإلا حنث، وكذلك إن حلف أن لا يبيع منه فباع ممن اشترى له ولم يعلم، فإن لم يكن المشتري من ناحية فلان ولا من سببه لم يحنث وإلا حنث، وإن قال [له] عند البيع: إني حلفت أن لا أبيع فلاناًن فقال [له]: إنما أبتاع لنفسي، ثم صح بعد البيع أنه إنما ابتاع لفلان [المحلوف عليه]، لزم الحالف البيع، ولم ينفعه ذلك، ويحنث إن كان المشتري من ناحية فلان.
1300 - ومن حلف ليقضين فلاناً حقه إلى أجل فقضاه إياه، ثم وجد فيها صاحب الحق درهماً نحاساً أو رصاصاً أو ناقصاً نقصاناً بيناً أو باراً لا يجوز، أو استحقت من يده فقام عليه بعد الأجل فهو حانث.
وكذلك لو حلف أن لا يفارقه إلا بحقه فأحاله على غريم له، أو أخذ منه حقه ثم وجد فيه ما ذكرنا بعد أن فارقه فهو حانث.
ولو أعطاه قضاء من حقه عرضاً يساوي ما عليه لو بيع [بالنقد] لبرّ، ثم استثقله مالك، وبأول قوله قول.(1)
وإن حلف أن لا يفارق غريمه إلا بحقه، ففر منه أو فلت حنث، إلا أن يكون قوله لا أفارقك، كالقائل لا أتركه إلا أن يفر أو أغلب عليه، فلا شيء عليه.
1301 - ومن قال لامرأته: أنت طالق إن قبلتك أو ضاجعتك، فقبلته من ورائه أو ضاجعته وهو نائم، لم يحنث، إلا أن يكون منه في القبلة استرخاء، وإن كانت يمينه إن قبلني أو ضاجعتني حنث بكل حال.
1302 - ومن حلف ليقضين فلاناً حقه رأس الشهر، أو عند رأسه، أو إذا استهل، فله يوم وليلة من أول الشهر، وإن قال: إلى رمضان أو إلى استهلاله، فإذا انسلخ شعبان، واستهل الشهر ولم يقضه حنث.
__________
(1) انظر: مختصر خليل (86)، والشرح الكبير (2/153).

1303 - وإن حلف لك غريمك ليقضينك حقك أو [قال] دنانيرك رأس الشهر، فوهبت له حقك، أو وضعته عنه صدقة أو صلة لم يبر، ولو باعك به سلعة تساوي الدين لبر إن كانت [يمينه] على وجه القضاء، ولم تكن على أعيان الدنانير، ثم كرهه مالك، وقوله الأول أعجب إلي.
1304 - ولو كانت يمينه على أعيان الدنانير لم يبر إلا بدفعها، فإن مات رب الحق قبل الأجل، فقضى الغريم ورثته أو وصيه أو السلطان قبل الأجل برّ.
1305 - ومن حلف أن لا يهب فلاناً هبة، فتصدق عليه حنث، وكل هبة لغير الثواب كالصدقة.
وكذلك كل ما نفعه به من عارية أو غيرها، إلا أن تكون له نية في العارية، لأن [أصل] يمينه على المنفعة.(1)
1306 - وإن حلف أن لا يكسو فلاناً فوهبه دنانير، أو حلف أن لا يكسو امرأته فأعطاها ما اشترت به ثوباً حنث.
1307 - قال مالك: وإن افتكّ [لها] ثيابها الرُّهُن حنث، ثم عرضتها عليه فقال: امحها، وأبى أن يجيب فيها، وقال ابن القاسم: يُنوّى، فإن كانت نيته أن لا يهب لها ثوباً ولا يبتاعه لها لم يحنث، وإن لم تكن له نية حنث.
وأصل هذا عند مالك، إنما هو على وجه المنافع والمن.
1308 - وإن حلف أن لا يهب لأجنبي أو لامرأته دنانير فكساها، أو أعطى الرجل فرساً أو عرضاً حنث، فإن نوى الدنانير دون غيرها، لم يُنوّ في الرجل ونُوي في الزوجة إذ قد يكره هبتها العين لسوء نظرها فيه.
1309 - وإن وهبه رجل شاة ثم منّ بها عليه فحلف أن لا يشرب من لبنها، ولا يأكل من لحمها، فإن أكل مما اشترى بثمنها، أو اكتسى منه حنث، ويجوز أن يعطيه [رب الشاة] من غير ثمنها ما شاء، إلا أن يكون [الحالف] نوى أن لا ينتفع منه بشيء أبداً.
1310 - وإن حلف بطلاق أو غيره أن لا يدخل دار زيد، أو أن لا يقضيه حقه إلا بإذن محمد، فمات محمد، لم يجزه إذن ورثته إذ ليس بحث يورث، وإن دخل أو قضى حنث.
__________
(1) انظر: التاج والإكليل (3/302).

1311 - وإن حلف رجل للأمير تطوعاً لئن رأى أمر كذا ليرفعنه إليه، أو حلّف الأمير قوماً أن لا يخرجوا إلا بإذنه، فمات الأمير أو عزل فليرفع ذلك [إلى] من ولي بعده، ولا يخرج القوم إلا بإذنه، إذا كان ذلك من الأول نظراً أو عدلاً، ومن حلف ليقضين فلاناً حقه رأس الشهر، فغاب فلان فليقض وكيله أو السلطان، ويخرجه ذلك من يمينه، فإن احتجب عنه السلطان فلم يجده، أو كان بقرية ليس فيها سلكان وخاف إن خرج إلى السلطان حل الأجل قبل بلوغه، فإن جاء بالحق على شرطه إلى عدول فأشهدهم على ذلك بعد اجتهاده في طلبه بعلمهم فلم يجده لم يحنث، وإن قضى وكيلاً له في ضيعته ولم يوكله رب الحق في تقاضي دينه أجزأه.(1)
1312 - وإن حلف لرجل لأقضينك حقك [إلى أجل] إلا أن تشاء أن تؤخرني فمات الطالب فإنه يجزيه تأخير ورثته إن كانوا كباراً، أو وصيه إن كان ولده أصاغر ولا دين عليه، فإن كان عليه دين لم يكن لوصي أو وارث تأخير مع الغرماء، ويجزيه تأخير الغرماء إن أحاط الدين بماله على أن يبرئ ذمة الميت.
1313 - ومن حلف ليأكلن هذا الطعام، أو ليلبسن هذه الثياب، أو يركب هذه الدابة أو يضرب عبده غداً، فماتت الدابة والعبد، وسرقت الثياب والطعام قبل غد فلا حنث عليه في الموت، لأنه كان على بر بالتأجيل، ويحنث في السرقة، إلا أن يكون نوى إلا [أن] يسرق أو لا يجده.
1314 - وإن حلف ليقضين فلاناً ماله إلى أجل، وقد مات فلان والحالف لا يعرف فليقض ورثته ولا يحنث، لأن يمينه إنما وقعت على الوفاء، فورثة الغريم مقامه، وإنما يحنث إن مضى الأجل ولم يقضهم.
1315 - وإن حلف ليذبحن حمامات ليتيمه فقام مكانه فألقاها ميتة، فلا شيء عليه.
__________
(1) انظر: التاج والإكليل (3/302)، والتقييد (3/38)".

1316 - وإن حلف بعتق عبده ليضربن فلاناً ولم يضرب أجلاً منع من بيعه حى يبر أو يحنث، فإن مات المحلوف عليه والحالف صجيج قبل ضربه، عتق العبد من رأس ماله، ولو مات والحالف مريض ثم مات الحالف من مرضه ذلك، عتق العبد من لثه، وهذا كله إذا عاش المحلوف عليه مدة، لو أراد الحالف أن يضربه فيها لضربه، ولو ضرب أجلاً فمات الحالف أو المحلوف عليه قبل الأجل لم يحنث، لأنه على برّ.
1317 - وإن حلف ليقضين فلاناً حقه في رمضان، فمات الحالف في شعبان لم يحنث، لأنه مات على بر، وديونه التي عليه تحل بموته، فإن لم يقض ورثته ذلك الحق إلا بعد الأجل لم يلحق الميت حنث، وليس على الورثة يمين ولا حنث في يمين صاحبهم.
1318 - ومن قال لامرأته عبدي حر إن لم أضربك إلى سنة، فماتت قبل السنة لم يحنث في عبده، لأنها ماتت وهو على برّ، وله بيعه، وإن مضى الأجل وهو عنده لم يعتق.(1)
* * *

(كتاب النكاح الأول)
1319 - [قال مالك]: ومن قال لرجل: زوجي ابنتك على أن أزوجك ابنتي، أو زوجني أمتك على أن أزوجك أمتي ولا مهر بيننا، فذلك شغار يفسخ أبداً، وإن ولدت الأولاد ورضياه، وللمدخول بها صداق المثل ولا شيء لغير المدخول بها. والشغار بين العبيد مثل [الشغار] بين الأحرار.
1320 - وإن قال له: زوجني ابنتك بمائة على أن أزوجك ابنتى بمائة، أو قال: بخمسين، فلا خير فيه، وهو [من] وجه الشغار، ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لكل واحدة [منهما] الأكثر من التسمية أو صداق المثل وليس هذا بصريح الشغار لدخول الصداق [فيه] إلا أن بعض الصداق لا يجوز، فصار كمن نكح بمائة دينار وبخمر أو بمائة [دينار] نقداً ومائة إلى موت أو فراق، فإنه يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده، ويكون لها صداق المثل إلا أن يكون أقل من المائة النقد، فلا ينقص من المائة شيء.
__________
(1) انظر: المدونة الكبرى (3/149، 150).

وإن زوجه ابنته بخمسين على أن يزوجه الآخر ابنته بغير شيء، فإن دخلا ثبت نكاح المسمى لها، وفسخ الآخر وكان لكل واحدة منهما صداق المثل.(1)
1321 - [قال مالك:] وإذا ردّت الثيب الرجال رجلاً بعد رجل لم تجبر على النكاح، ولا يجبر أحد أحداً على النكاح إلا الأب في ابنته البكر وفي ابنه الصغير وفي أمته وفي عبده، والولي في يتيمه. ولا يزوج البكر وليها وإن كانت سفيهة إلا برضاها.
1322 - [قال ابن القاسم:] ومن زوج ابنته الصغيرة بأقل من مهر مثلها جاز إن كان على وجه النظر [لها]، وقد أتت امرأة مطلقة إلى مالك فقالت له: إن لي ابنة في حجري موسرة مرغوباً فيها، فأراد أبوها أن يزوجها ابن أخ له فقيراً، فقال [لها: نعم] إني لأرى لك في ذلك متكلماً.
قال ابن القاسم: وأنا أراه ماضياً إلا أن يأتي من ذلك ضرر فيمنع.
1324 - ومن زوج ابنته البكر فطلقها الزوج قبل البناء أو مات عنها فلأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر، [وإن زوجها تزويجاً حراماً] فبنى بها الزوج ثم طلقها أو مات عنها فهي أحق بنفسها وتسكن حيث شاءت، إلا أن يخاف منها هوى أو ضيعة أو سوء موضع، فيمنعها الأب أو الولي من ذلك ويضمناها إليهما.
1325 - وإذا زنت البكر فحدت أو لم تحد فلأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر، وإن زوجها تزويجاً حراماً فبنى بها الزوج ثم طلقها أو مات عنها بالقرب لم يكن لأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر، لأنه نكاح يلحق فيه الولد، ويدرأ به الحد، وتعتد فيه في بيت زوجها الذي كانت تسكن [فيه] كما تعتد في النكاح الحلال.
__________
(1) انظر: الذخيرة (4/384، 385)، ومنح الجليل (3/305)، والمدونة الكبرى (4/152، 153)، وحاشية الدسوقي (2/307)، شرح الزرقاني (3/185)، الفواكه الدواني (20/13)، الشرح الكبير (2/307)، التمهيد (14/90)، حاشية العدوي (2/67).

1326 - ومن زوج ابنته [البكر] فدخل بها الزوج ثم فارقها قبل أن يمسها لم يكن لأبيها أن يزوجها كما تزوج البكر إن طالت إقامتها مع زوجها وشهدت مشاهد النساء، وأرى السنة طول إقامة، وإن كان أمراً قريباً فله أن يزوجها [كما تزوج البكر]، وكذلك إن طلقها الزوج فأنكرت المسيس وادعاه الزوج، نظرت إلى طول المدة وقربها.
1327 - [قال مالك رحمه الله:] وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء وليس لأبيه منعه. قال ابن القاسم: إلا أن يخاف منه سفهاً فله منعه.
1328 - [قال مالك رحمه الله:] وإذا قال للبكر وليها: إني مزوجك من فلان فسكتت فذلك منها رضى، قال غيره: إذا كانت تعلم أن السكوت رضى، وليس صمات الثيب رضى في أب ولا غيره [إلا أن تتكلم وتستخلف الولي على نكاحها].
[قال مالك:] وليس المشورة بلازمة للأب في الأبكار.
1329 - ومن زوج أخته الثيب أو البكر بغير أمرها فبلغها ذلك فرضيت، فبلغني أن مالكاً قال مرة: إن كانت بغير البلد أو فيه فتأخر إعلامها لم يجز، وإن قرب جاز، فسألنا مالكاً ونزلت بالمدينة في رجل زوج أخته فقالت حين بلغها ذلك: ما وكلت ولا أرضى، ثم كلمت فرضيت، فقال: لا يجوز هذا النكاح ولا يقام عليه حتى يأتنفا نكاحاً [جديداً] إن أحبا.
1330 - [قال مالك:] ومن زوج ابنه الكبير المنقطع عنه أو ابنته الثيب وهما غائبان فرضيا بفعل أبيهما لم يجز النكاح، لأنهما لو ماتا لم يتوارثا.
1331 - ولا تزوج اليتيمة التي يولى عليها حتى تبلغ وتأذن في ذلك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر باستئذان اليتيمة(1) ولا إذن إلا للبالغة، فإن زوجها وليها بغير إذنها ثم أعلمها بالقرب فرضيت جاز، ولا يعد صماتها هاهنا رضى، وإن كانت بغير البلد أو فيه فتأخر إعلامها لم يجز وإن رضيت، [قال سحنون:] وهذا قول مالك الذي عليه أصحابه.
__________
(1) رواه أبو داود (2093)، والترمذي (9408)، وقال: حديث حسن.

1332 - ويجوز عفو الأب عن نصف الصداق في طلاق البكر قبل البناء، ولا يجوز ذلك لغيره من وصي أو غيره، وقد قال الله تعالى: {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (البقرة: 237)، وهو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته، وقول الله تعالى: {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ} هي المرأة الثيب.
قال مالك: ولا يجوز ذلك للأب قبل الطلاق.
قال ابن القاسم: إلا بوجه النظر من عسر الزوج فيخفف عنه وينظره فذلك جائز. فأما لغير طلاق ولا على وجه نظر لها فلا يجوز.
1333 - وإذا زوج البكر اليتيمة وليها بأمرها فقبض صداقها، لم يجز قبضه عليها إلا أن يكون وصياً [فيجوز قبضه عليها، لأنه الناظر لها وما لها في يديه]، وإذا قبضه الأب لابنته الثيب بغير إذنها ثم ادعى تلفه ضمنه [لأنه متعد] كقبضه من غريمها ديناً لها بغير أمرها، فلا يبرأ الغريم والأب ضامن ولها أن تتبع الغريم.
1334 - [قال مالك رحمه الله:] وإذا اختلف الأولياء [في إنكاح المرأة] وهم في القُعْدُد سواء، نظر السلطان في ذلك، فإن كان بعضهم أقعد من بعض فالأقعد أولى بإنكاحها، وهذا إذا فوضت إليهم وقالت: زوجوني، والأخ وابن الأخ أولى بإنكاحها من الجد، والابن وابن الابن أولى بإنكاحها وبالصلاة عليها من الأب، فإن زوجها الأبعد برضاها وهي ثيب ووالدها حاضر فأنكر والدها وسائر الأولياء لم يرد النكاح، وكذلك إن كنت بكراً بالغاً لا أب لها ولا وصي فزوجها الأبعد برضاها وأنكره الأقعد فالنكاح جائز.
1335 - قال علي عن مالك: في الأخ يزوج أخته لأبيه وثمّ أخوها لأبيها وأمها، أن النكاح جائز إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الشقيق فلا تنكح حينئذ إلا برضاه، وإنما الذي لا ينبغي لبعض الأولياء أن ينكح وثم من هو أولى منه إذا لم يكونوا إخوة وكان أخاً وعماً، أو عماً وابن عم ونحو هذا وهم حضور.

قال عنه ابن القاسم: وذو الرأي من أهلها إذا كان له الفضل والصلاح يجوز إنكاحه إياها إذا أصاب وجه النكاح، وإن كانت من العرب ولها من الأولياء من ذكرنا.
وكذلك مولى النعمة يجوز أن يزوج مولاته من نفسه، ويلي عقد نكاح نفسه أو يزوجها من غيره برضاها فيجوز ذلك على الأقعد من أخ وغيره وهو من ذوي الرأي من أهلها، إذا كان له بالفضل] والصلاح، وهذا [كله] إذا كانت المرأة ثيباً أو بكراً بالغاً لا أب لها ولا وصي.
1336 - قال مالك: وقول عمر - رضي الله عنه - لا تنكح المرأة إلابإذن وليها أو ذوي الرأي من أهلها أو السلطان، فذو الرأي من أهلها الرجل من العشيرة أو ابن العم أو المولى، وقال عنه ابن نافع هو الرجل من العصبة، وقال أكثر الرواة: لا يزوج ولي وثم من هو أولى منه حاضر، فإن فعل نظر السلطان في ذلك.
وقال آخرون: للأقرب أن يرد أو يجيز إلا أن يتطاول مكثها عند الزوج وتلد الأولاد، لأن العقد لم يخرج من أن وليه ولي وهذا في ذات المنصب والقدر.
1337 - ومن غاب عن ابنته البكر غيبة انقطاع كمن خرج في المغازي إلى مثل إفريقية والأندلس وطنجة فأقام بها فرفعت أمرها إلى الإمام فلينظر لها ويزوجها، وأما إن خرج تاجراً في سفر لغير مقام، فلا يزوجها ولي ولا سلطان، وإن أرادته الابنة.(1)
1338 - [قال مالك:] وإذا رضيت [الثيب] بكفء في دينه وهو دونها في النسب والشرف والمال، [أو رضيت بمولى] ورده أب أو ولي، زوجها إياه الإمام، لأن نكاح الوالي في العرب لا بأس به.
__________
(1) انظر: التاج والإكليل (3/435)، ومواهب الجليل (3/435).

قيل: فإن رضيت بعبد؟، قال: [قد] قال مالك: المسلمون بعضهم لبعض أكفاء، إذ قيل له: إن بعض هؤلاء القوم [قد] فرقوا بين عربية ومولى، فاستعظم ذلك [استعظاماً شديداً]، [وقال: السلمون كلهم بعضهم لبعض أكفاء] لقول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)، وقال غيره: ليس الولي بعاضل في منعه ذات القدر نكاح العبد ومثله، لأن للناس مناكح قد عرفت لهم وعرفوا لها، ولا يكون الأب عاضلاً لابنته البكر البالغ في ردّ أول خاطب أو خاطبين حتى يتبين ضرره، فإذا تبين [ذلك منه وأرادت الجارية النكاح] قال له الإمام: إما أن تزوج وإلا زوجناها عليك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: “لا ضرر ولا ضرار”.(1)
1339 - قال مالك: وللوصي أن يزوج البكر البالغ برضاها وإن كره الولي، ولو رضيت هي ووليها برجل وعقدا له لم يجز إلا برضى الوصي، فإن اختلفوا نظر السلطان، قال يحيى بن سعيد: الوصي أولى من الولي، ويشاور الولي.
قال مالك: ووصي الوصي في البكر وإن بعد كالوصي، ويزوج الولي الثيب برضاها، وإن كره الوصي، وإن زوجها الوصي برضاها أيضاً جاز، وإن كره الولي، وليس كالأجنبي فيها، وليس لأحد أن يزوج الطفلة قبل بلوغها من قاض أو وصي أو ولي إلا الأب وحده، وأما الطفل الصغير فلأبيه أو وصيه أن يزوجه قبل بلوغه، وليس ذلك لغيرهما من الأولياء، ولهما أن يوكلا بذلك غيرهما، وليس للأم أن تستخلف من يزوج ابنتها البالغ اليتيمة، إلا أن تكون الأم وصية، [فإن كانت وصية] عليها أو على صبية غير ابنتها فلا تلي هي عقد نكاحها، ولكن توكل بذلك رجلاً بعد بلوغ الصبية ورضاها، وأما قبل بلوغها فلا.
__________
(1) رواه مالك في الموطأ (2/745)، وأحمد في المسند (1/313)، وابن ماجة (2341)، وانظر: نصب الراية (4/384)، والدارية في تخريج الهداية (2/282).

1340 - وإذا وكلت المرأة كل واحد من ولييها فزوجها هذا من رجل وهذا من رجل فالنكاح لأولهما إذا عرف الأول، إلا أن يدخل بها الآخر فهو أحق [بها]، وبذلك قضى عمر - رضي الله عنه(1) - فإن لم يدخل بها واحد منهما ولم يعلم الأول فسخا جميعاً ولا قول لها إن قالت: هذا هو الأول، ثم تبتدي نكاح من أحبت منهما أو من غيرهما.
1341 - وإذا عتق الأمة رجلان فكلاهما وليها، فإن أنكحها أحدهما بإذنها جاز ذلك على الآخر وإن لم يرض، وإذا رضي الولي بعبد أو بحر ليس بكفء، فصالح ذلك الرجل زوجته فبانت منه ثم أرادت المرأة نكاحه بعد ذلك وامتنع الولي فليس ذلك له، إلا أن يظهر منه على فسق أو تلصص أو ما فيه حجة غير الأمر الأول، فذلك للولي.
1342 - وإذا وكلت المرأة الدنية مثل: المعتقة والسوداء والمسالمة والمسكينة، أجنبياً، فزوجها وهي ببلد لا سلطان فيه أو فيه سلطان يعسر عليها تناوله ولا ولي لها، جاز ذلك، وكذلك إن ولّت من أسلمت هي على يديه، وذلك فيهن أخف منه في ذوات القدر، وأما إن أسلم على يديه أبوها، وتقادم ذلك حتى يكون لها من القدر والغناء [والآباء] في الإسلام، وتنافس الناس فيها فلا يزوجها، وهو كأجنبي فيها.
قيل لمالك: فرجال من الموالي يأخذون صبياناً من الأعراب تصيبهم السّنة فيكفلونهم ويربونهم حتى يكبروا، فتكون فيهم الجارية فيريد أن يزوجها، فقال: ذلك جائز، ومن أنظر لها منه؟.(2)
وأما كل امرأة لها بال أو غناء وقدر فإن تلك لا يزوجها إلا وليها أو السلطان.
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (3/461)، وعبد الرزاق (6/2303).
(2) انظر: المدونة الكبرى (4/170)، والتمهيد (19/105)، والمطلع (1/212)، وأنيس الفقهاء (1/96).

1343 - [قيل لمالك: فلو أن امرأة لها بال أو غناء وقدر، وقد تزوجت بغير أمر ولي فوضت أمرها إلى رجل فرضي الولي بعد ذلك، أيثبت ذلك النكاج؟ فوقف فيه]، وقال عنه ابن وهب في موضع آخر إنه يفرق بينها وبين زوجها بطلقة، دخل [بها] الزوج أم لا، إلا أن يجيز ذلك الولي أو السلطان إن لم يكن لها ولي.
وقال ابن القاسم: إذا أجازه الولي [وكان] بالقرب جاز، سواء دخل [بها] الزوج أم لا، وإن أراد فسخه بحدثان الدخول فذلك له، فأما إن طالت إقامتها معه وولدت الأولاد، أمضيته إن كان ذلك صواباً ولم يفسخ، وقاله مالك.
وقال غيره: لا يجوز، وإن أجازه الولي، لأنه [نكاح] عقده غير ولي، وقال غير واحد من الرواة مثل قول ابن القاسم: إن أجازه الولي [بالقرب] جاز.
وإذا استخلفت امرأة على نفسها رجلاً فزوجها، ولها وليان أحدهما أقعد بها من الآخر، فلما علما أجازه الأبعد ورده الأقعد، فلا قول هاهنا للأبعد، بخلاف التي زوجا الأبعد وكره الأقعد، لأن ذلك نكاح عقده ولي وهذا نكاح عقده غير ولي، فلا يكون فسخه إلا بيد الأقعد، فإن غاب الأقعد وأراد الأبعد فسخه نظر السلطان في ذلك، فإن كانت غيبة الأقعد قريبة بعث إليه وانتظره ولم يعجل، وإن كانت غيبته بعيدة نظر السلطان كنظر الغائب في الرد والإجازة، وكان أولى من الولي الحاضر.
1344 - قال مالك: وإن قالت [امرأة] لوليها: زوجني ممن أحببت، فزوجها من نفسه أو من غيره لم يجز حتى يسمي لها من يزوجها، ولها أن تجيز أو ترد، وقد قال عبد الرحمن: إن زوجها من غيره جاز وإن لم يسمه، وإن زوجها من نفسه فبلغها ذلك فرضيت به جاز، وإن لم يكن لها ولي فزوجها القاضي من نفسه أو من ابنه برضاها جاز ذلك، لأنه ولي من لا ولي له، وإن كان لها ولي فزوجها القاضي من [نفسه أو من ابنه] برضاها، وأصاب وجه النكاح ولم يكن منه جور فليس لوليها فسخ ذلك.

1345 - ومن زوج ابنه البالغ المالك لأمره وهو حاضر صامت، فلما فرغ الأب من النكاح قال الابن: ما أمرته ولم أرض، صدق مع يمينه، وإن كان الابن غائباً فأنكر حين بلغه، سقط النكاح والصداق عنه وعن الأب، وابنه والأجنبي في هذا سواء.
1346 - ومن أعتق صبياً صغيراً أو صغيرة فزوجها قبل البلوغ لم يجز عقده عليها، وللوصي إنكاح آماء اليتامى وعبيدهم على وجه النظر [لهم].
1347 - ومن خطب على رجل امرأة بأمره فرضيت ووليها، وضمن الخاطب الصداق، ثم قال الرجل: ما أمرته، بطل النكاح والصداق عنه وعن الزوج.
1348 - ومن قال لرجل: زوجني بألف [أو قال له: زوجني فلانة بألف]، فزوجه بألفين، فعلم بذلك قبل البناء، قيل للزوج: إن رضيت بألفين وإلا فرق بينكما بطلقة، إلا أن ترضى المرأة بألف فيثبت النكاح، وإن قال الرسول: أنا أغرم الألف التي زدت وأبى الزوج، لم يلزمه النكاح بذلك، وإن لم يعلما حتى دخلا لم يلزم الزوج غير الألف ولا يلزم المأمور شيء، لأنها صدّقته والزوج جحدها الألف الزائدة والنكاح بينهما ثابت. [قال ابن القاسم:] وإن أقرّ المأمور بعد البناء بالتعدي غرم الألف الثانية والنكاح ثابت. وإن دخل الزوج بعد علمه بتعدي المأمور لزمه ألفان، علمت المرأة أو لم تعلم، وكذلك أمة اشتراها له بأكثر مما أمره به فوطئها عالماً بما زاد، والبائع عالم بذلك أو غير عالم.
1349 - قال مالك - رحمه الله - : ولا يجوز لنصراني عقد نكاح مسلمة، ويعقد النصراني نكاح وليته النصرانية لمسلم إن شاء، ولا يعقده وليها المسلم، لقول الله تعالى في أهل الكفر: {مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ} (الأنفال: 72)، إلا التي ليست من نساء [أهل] الجزية قد أعتقها رجل مسلم فيجوز.

1350 - والعبد والمكاتب والنصراني والمدبر والمعتق بعضه والمرتد، ليس منهم من يعقد عقدة النكاح، فإن عقد أحد منهم نكاح ابنته البكر أو الثيب برضاها، وابنة النصراني مسلمة لم يجز ويفسخ وإن دخل بها، وللمدخول بها المهر بالمسيس، ولو كانت ابنة العبد حرة فأراد أولياؤها إجازة ذلك لم يجز، ولا بد من فسخه.
والعبد إذا استخلفه حر على البضع فليوكل غيره على العقد، وللمكاتب إنكاح إمائه على ابتغاء الفضل وإن كره سيده، ولكن يلي العقد غيره أمره، ولا يجوز على غير ابتغاء الفضل إذا رده السيد، ولا يتزوج المكاتب إلا بإذن سيده.
1351 - ولا تعقد المرأة النكاح على أحد من الناس ولا لابنتها، ولكن تستخلف رجلاً يعقد لها النكاح إن كانت وصية، ولها أن تستخلف أجنبياً وإن كان أولياؤها حضوراً.
1352 - قيل لمالك: من تزوج امرأة بغير أمر ولي بشهود، أيضرب أحد منهم؟، فقال: أدخل بها؟، قالوا: لا، وأنكر الشهود أن يكونوا حضوراً، فقال: لا عقوبة عليهم.
قال ابن القاسم: إلا أني رأيت منه أن لو دخل بها لعوقبت المرأة والزوج والذي أنكح، ويؤدب الشهود أيضاً إن علموا.
ويكره للرجل أن يتزوج امرأة بغير أمر ولي. وقال ابن القاسم: فإن فعل كره له وطؤها حتى يعلم وليها فيجيز أو يفسخ، فإن فسخه الإمام أو وليها عند الإمام ثم أرادته زوّجها إياه الإمام مكانها وإن كره الولي إذا دعت إلى سداد وإن لم يساو حسبها ولا غناها وكان مرضياً في عقله ودينه(1)، وهذا إذا لم يكن دخل بها، وإن كان وليها غائباً وقد استخلفت رجلاً فزوجها فرفعت هي أمرها إلى الإمام قبل قدوم وليها، نظر الإمام في ذلك وبعث إلى وليها إن قرب فيفرق أو يترك، وإن بعد، نظر الإمام [في ذلك] كنظره في الرد والإجازة.
__________
(1) انظر: الاستذكار لابن عبد البر (16/35، 37)، وكفاية الطالب (2/49، 67، 71)، والتاج والإكليل (4/35)، والفواكه الدواني (2/28)، ومواهب الجليل (2/110)، والتمهيد (19/85).

قال غيره: وإن بعدت غيبة الولي لم ينتظر، وينبغي للإمام أن يفرق بينهما ويأتنف إنكاحها منه إن أرادته، ولا ينبغي أن يثبت نكاح عقده غير ولي في ذات القدر والحال.
قال ابن القاسم: فإن أراد الولي أن يفرق بينهما فعند الإمام إلا أن يرضى الزوج بالفراق دونه، وإن تزوجت ولم تستخلف أحداً لم يقر هذا النكاح في دنية أو غيرها، ويفسخ وإن ولدت الأولاد، ويدرأ عنها الحد.
وإن زوجها وليها من رجل ثم طلقها ذلك الرجل ثم خطبها، فليس لها نكاحه إلا بعقد الولي أيضاً.
1353 - ومن أعتق أم ولده ثم أنكحها من نفسه بإذنها جاز ذلك وإن كره ولدها.
1354 - قال ابن القاسم وأكثر الرواة: كل نكاح، للولي أو لأحد الزوجين أو لغيرهما إمضاؤه أو فسخه، فإن فسخه إياه بطلاق، وتكون تطليقة بائنة، ويقع فيه الطلاق والموارثة قبل الفسخ، مثل التي تتزوج بغير أمر ولي فيطلقها الزوج قبل البناء أو بعده أو يخالعها على مال يأخذه منها، وذلك قبل أن يجيز الولي، فالطلاق يلزم ويحل له ما أخذ.
قال ابن القاسم: لأن فسخ هذا النكاح عند مالك ليس على وجه تحريم النكاح، وقد سمعته يقول: ما فسخه بالبين ولكنه أحب إلينا، [فقلنا له:] أترى أن يفسخ وإن أجازه الولي؟ فوقف عنه.
1355 - قال ابن القاسم وأكثر الرواة: كل نكاح كانا مغلوبين على فسخه مثل: نكاح الشغار، ونكاح المريض، والمحرم، وما كان صداقه فاسداً، أو عقد على أن لا صداق [فيه] فأدرك قبل البناء فكانا مغلوبين [على فسخه]، فالفسخ في ذلك كله بغير طلاق، [ولا يقع فيه طلاق] ولا ميراث فيه، [ولا يجوز فيه الخلع قبل البناء ولا بعده].
وما عقدته المرأة على نفسها أو على غيرها، وما عقده العبد على غيره، فإن هذا يفسخ قبل البناء وبعده بلا طلاق ولا ميراث فيه.

1356 - قال ابن القاسم: وكل ما فسخ بعد البناء مما فسد لعقده ففيه المسمى، وما فسخ من جميع ما ذكرناه قبل البناء فلا صداق فيه، وترده إن قبضته، وإن قذفها الزوج في النكاح الذي لا يقر على حال لاعن، لثبوت النسب فيه، ولا يلزم فيه الظهار إلا أن يريد إن تزوجتك، ويلزمه الإيلاء إن تزوجها كالأجنبية، [ثم] قال ابن القاسم لرواية بلغته عن مالك وغيره من أهل العلم: إن كل نكاح نص الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على تحريمه لا يختلف فيه، فإنه يفسخ بغير طلاق، وإن طلق فيه قبل الفسخ لم يلزم، ولا يتوارثان، كمتزوج الخامسة أو أخته من الرضاعة أو المرأة على عمتها أو خالتها أو من تزوج امرأة فلم يبن بها حتى تزوج ابنتها أو ناكح في عدة، ولا تحرم بهذا النكاح إن لم يمس فيه على آبائه وأبنائه، [ولا يحصنها الوطء فيه. وقال غيره في الابنة التي نكحها على أمها قبل البناء بالأم: إن الابنة لا تحل لآبائه وأبنائه،] لشبهة العقد.
1357 - قال ابن القاسم: وكل ما اختلف الناس في إجازته ورده فالفسخ فيه بطلاق، ويقع فيه الطلاق والموارثة قبل الفسخ، كالمرأة تزوج نفسها أو تنكح بغير ولي، والأمة تتزوج بغير إذن السيد، لأن هذا قد قال خلق كثير: إن أجازه الولي جاز، وإذ لو قضى به قاض لم أنقضه، وكذلك نكاح المحرم والشغار بعينه للاختلاف فيهما.(1)
__________
(1) انظر: التاج والإكليل (3/447)، والفواكه الدواني (2/13)، ومواهب الجليل (3/429، 450)، ومنح الجليل (3/411).

1358 - وإن نكح عبد بغير إذن سيده، فطلق امرأته قبل أن يجيز السيد نكاحه، أو أعتقت أمة تحت عبد فطلقها زوجها قبل أن تختار، فالطلاق لازم كان واحدة أو البتات، فإن فسخ السيد نكاح عبده قبل البناء لم يحل للعبد أن يتزوج أمها، وكذلك [كل] من فسخ نكاحه قبل البناء مما اختلف فيه الناس فإنها لا تحل لابنه ولا لأبيه، لأن كل نكاح اختلف الناس [فيه]، فالحرمة تقع فيه كحرمة النكاح الصحيح الذي لا اختلاف فيه، وقد روي عن مالك في رجل زوج ابنه البالغ المالك لأمره وهو غائب بغير إذنه فرد ذلك الابن، قال: لا ينبغي للأب أن يتزوج تلك المرأة، وإن زوج أجنبياً غائباً فأجاز إذ بلغه لم يجز ذلك إن طال، ولا يتزوجها آباؤه ولا أبناؤه، ولا ينكح هو أمها، وينكح ابنتها إن لم يبن بالأم.
1359 - قال مالك: وإذا نكح عبد بغير إذن سيده فلسيده أن يطلق عليه واحدة بائنة أو طلقتين جميع طلاق العبد، وقال أكثر الرواة: لا يطلق عليه إلا واحدة، لأن الواحدة تبينها وتُفرّغ له عبده.
1360 - قال مالك: وللأمة إذا عتقت تحت عبد أن تختار نفسها بالبتات، على حديث زبراء، وكان [مالك] يقول: لا تختار إلا واحدة بائنة، وقاله أكثر الرواة، وكره مالك أن يزوج الرجل أم ولده، فإن فعل لم يفسخ.
1361 - ومن تزوج أمة رجل بغير إذنه لم يجز، وإن أجازه السيد، ويفسخ وإن ولدت الأولاد، ولو أعتقها السيد قبل علمه بالنكاح لم يكن بد من فسخه، ولا ينكحها الزوج إلا بعد العدة من مائه الفاسد وإن كان نسب ما في بطنها يثبت منه، وكذلك إن اشتراها في تلك العدة فلا يطؤها حتى تنقضي [تلك العدة لفساد مائه]، وكذلك كل وطء كان فاسداً يلحق فيه الولد، ففرق بين الزوج والمرأة فلا يتزوجها حتى تنقضي عدتها، ولو باع الأمة رجل أو باعت هي نفسها بغير إذن السيد فأجازه السيد جاز، ولا كلام للمبتاع [فيه].

1362 - ولا تنكح أمة أو عبد بين رجلين إلا بإذنهما، فإن عقد للأمة أحد الشريكين بصداق مسمى لم يجز [النكاح]، وإن أجازه الآخر، ويفسخ وإن دخلت، ويكون بين السيدين الصداق المسمى إذا دخلت، فإن نقص عن صداق المثل أتم للغائب نصف صداق المثل إن لم يرض بنصف التسمية.
وأما نكاح العبد بغير إذن سيده فإن أجازه السيد جاز، لأنه يعقد على نفسه بإذنه بخلاف الأمة، وإن كُلّم السيد فامتنع أن يجيز ثم أجاز، فإن أراد بأول قوله فسخاً تم الفسخ، وإن أراد أنه لم يرض [بما كان] ثم أجاز، فذلك جائز إن كان ذلك قريباً، وإن أعتقه السيد قبل علمه بنكاحه جاز نكاحه ولم يكن للسيد رده، وإن باعه قبل علمه بنكاحه لم يكن للمبتاع فسخه فإما رضيه أو رده فيفسخ البائع نكاحه، أو يجيزه، ولو مات السيد قبل علمه بنكاحه فلورثته من الخيار ما كان للسيد.
1363 - ومن زوج أخته البكر بغير أمر الأب لم يجز، وإن أجازه الأب، إلا أن يكون ابناً قد فوض إليه [أبوه] جميع شأنه فقام بأمره فيجوز بإجازة الأب، وكذلك في أمة الأب، وكذلك في الأخ والجد يقيمه هذا المقام.
1364 - وإن تزوج صبي بغير إذن أبيه أو وصيه ومثله يقوى على الجماع، فإن أجازه من يلي عليه جاز، كبيعه وشرائه يجيزه على وجه النظر، وإن رأى فسْخه فَسَخَه، فإن فسخه قبل البناء أو بعده فلا صداق لها، وكذلك رأى مالك فيمن بعث يتيماً في طلب آبق [له] فأخذه وباعه وأتلف الثمن، أن لرب العبد أخذه ولا عهدة على اليتيم ولا ثمن، بخلاف ما أفسد أو كسر.

1365 - وإذا وكلت المرأة وليها فزوجها من رجل، فقال لها الوكيل: قد زوجتك من فلان فأقرت أنها أمرته وقالت: لم تزوجني، فلا قول لها والنكاح يلزمها إن ادعاه الزوج، وكذلك الوكيل على بيع سلعة، وإن وكلته المرأة على العقد وقبض الصداق فقبضه ثم ادعى تلفه، كان كدين لها وكلته على قبضه فقبضه ثم ادعى تلفه فصدقته في الوكالة وكذبته في القبض، فإن أقام الزوج أو الغريم بينة أنه دفع ذلك إلى الوكيل صدق الوكيل على التلف، وإن لم يقيما بينة بالدفع ضمناً ثم لا شيء لهما على الوكيل، لأنهما قد صدقاه في الوكالة. وأما الوكيل على بيع سلعة يقول: قبضت الثمن وضاع مني، فهو مصدق، لأن وكيل البيع له قبض الثمن وإن لم يؤمر بذلك، وليس للمبتاع أن يأبى ذلك عليه، والوكيل على عقد النكاح ليس له قبض الصداق إلا بتوكيل عليه خاصة، ولا يلزم الزوج دفع ذلك إليه فإن فعل ضمن.
1366 - ومن نكح بغير بينة على غير استسرار أشهد الآن وجاز نكاحه، وإن أقر الزوج والولي بالعقد ثم قالا أو أحدهما لم يُشهد، أشهدا الآن وليس لأحدهما فسخه. ولا يزوج الرجل عبده أمته إلا ببينة وصداق، فإن زوجه بغير بينة أشهد الآن إن لم يكن دخل بها وجاز النكاح، وإن زوجه إياها على أن لا صداق [لها] عليه، فسخ النكاح قبل البناء وثبت بعده وكان لها صداق مثلها، ولو زوجه ولم يذكر الصداق ولا شرط إسقاطه فذلك جائز كالتفويض، ويفرض للأمة صداق مثلها.
1367 - ومن عقد نكاحاً واستكتم البينة، وذلك حين العقد فالنكاح فاسد.
قال ابن شهاب: ويفرق بينهما وإن دخلا، ولها مهرها [بالمسيس، وتقعد حتى تنقضي عدتها ثم إن شاءت نكحته بعد العدة]، وإن فرق بينهما قبل البناء فلا صداق لها ويعاقب الزوجان والبينة.

قال ابن القاسم: وإن شهد الأب وأجنبي على توكيل ابنته الثيب إياه على إنكاحها فلاناً فأنكر لم تجز الشهادة، لأن الأب شهد على فعل نفسه. وإن وجد رجل مع امرأة في بيت فشهد أبوها وأخوها أنه تزوجها لم يجز نكاحه [إياها] ويعاقبان.
1368 - وإن نكح مسلم ذمية بشهادة ذميين لم يجز، فإن كان لم يدخل بها أشهد الآن مسلمين ولزمه النكاح.
قال يحيى بن سعيد: وتجوز شهادة الأبداد في النكاح والعتاق.
1369 - [ومن] نكح على أن الخيار له أو للولي أو للزوجة أو لجميعهم يوماً أو يومين لم يجز وفسخ قبل البناء، إذ لو ماتا قبل الخيار لم يتوارثا وإن بنى بها ثبت النكاح وكان لها المسمى. وكذلك الجواب فيمن تزوج امرأة على أنه إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا فلا نكاح بينهما. وقد كان مالك يقول فيهما: إن النكاح يفسخ بعد البناء، لأن فساده في عقده، ثم رجع فقال: يثبت بعد البناء.
1370 - ومن نكح امرأة على أحد عبديه أيهما شاءت المرأة جاز ذلك، وإن كان أيهما شاء الزوج لم يجز، وكذلك البيع [إذا كان الخيار للمشتري، وإن كان للبائع لم يجز].
1371 - [قال مالك:] ولا يجوز النكاح إلى أجل قرب أو بعد وإن سمى صداقاً، وهذه المتعة، [وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريمها].(1)
1372 - ومن قال لامرأة: إذا مضى شهر فأنا أتزوجك، فرضيت [هي] ووليها، فهذا النكاح باطل لا يقام عليه. وكره مالك النكاح بصداق [بعضه معجل وبعضه مؤجل على سنة أو أكثر، فإن وقع أجازه، وللزوج إذا أتى بالمعجل أن يدخل [بزوجته] وليس لها منعه ويتأخر بقية] الصداق إلى أجله، وإن كان إلى أجل بعيد جاز ما لم يتفاحش بعد ذلك.
__________
(1) إشارة لحديث الإمام علي في البخاري (5115)، ومسلم (1407)- صلى الله عليه وسلم -، ومالك في الموطأ (2/542).

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8