كتاب : ربيع الأبرار
المؤلف : الزمخشري

وقيل لقراد فقال: كيف يصبح م يرجو خير هذا، وأشار إلى قرده.
كان معاوية يقوم لشيخ من أهل الشام قد بلغ التسعين، فقيل له، فقال إن فيه لشبهاً من رسول الله، وإنما أقوم لرسول الله.
المودة شجرة الزيارة ثمرتها.
نهض هشام عن مجلسه، فسقط رداؤه عن منكبه، فتناوله بعض جلسائه ليرده، فجذبه هشام من يده وقل: مهلاً! إنا لا نتخذ جلساءنا خولاً.
ابن عباس: لجليس علي ثلاث أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس وأصغى إليه إذا حدث.
كان عمر بن عبد العزيز إذا دخل عليه سالم مولى بني مخزوم يتحسى له عن الصدر، وكان يسميه أخي في الله، فيقال له في ذلك، فيقول: إذا دخل عليك من لا ترى لنفسك عليه فضلاً فلا تأخذ عليه أشرف المجلس.
قيل الأصمعي يد الرشيد بعقب كلام قرظه به فقال: والله يا أمير المؤمنين ما شممت طيباً قط أطيب من نسيم يدك، فطيب الله عيشك كما طيبها، وأنعم بالك كما أنعمها، وألان زمانك كما ألانها، فإنها ضد ما قال الأسدي لابن مطيع العدوي حين جلس ليأخذ البيعة لابن الزبير:
دعا ابن مطيع للبياع فجئته ... إلى بيعة قلبي لها غير آلف
فأبرز لي خشناء لما لمستها ... بكفي ليست من أكف الخلائف
غلب حارثة بن بدر الغداني على زياد، وكان رجل بنى تميم في وقته، فأغري به زياد، فقال: وكيف باطراح رجل هو يسايرني منذ دخلت العراق فلم تصكك ركابي ركاباه، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت عنقي إليه، ولا أخذ عني الشمس في شتاء قط، ولا الروح في صيف، ولا سألته عن علم قط إلا ظننته لم يحسن غيره.
ساير شرخبيل بن السمط معاوية فرائت دابته، وكان عظيم الهامة، بسيط القامة، فقال له معاوية: يا أبا يزيد، يقال أن الهامة إذا عظمت دلت على وفور الدماغ وصحة العقل. قال: نعم يا أمير المؤمنين، إلا هامتي فإنها عظيمة وعقلي ناقص ضعيف، فتبسم معاوية وقال: وكيف ذاك؟ لله درك! فقال لا قضامي هذا النائك أمه مكوكي شعير، فضحك وحمله على دابة من مراكبه.
وعن الموبذ أنه ساير كسرى فراثت بغلته، فقال له كسرى: ما الذي يستدل به على حمق الرجل؟ قال: أن يعلف دابته في الليلة التي يركب في صبيحتها الملك وهو يريد أن يسايره. قال: بهذه الفطنة قدمك آبائي.
زار الخليل بعض تلامذته فقال له: أن زرتنا فبفضلك، وأن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائراً ومزوراً.
شاعر:
أيا رب حي الزائرين كلاهما ... وحي دليلاً بالفلاة هداهما
وليتهما ضيفان في كل ليلة ... مدى الدهر محتوم على قراهما
وليتهما لا ينزلان ببلدة ... ولا منزلاً إلا وعيني تراهما
ثق متى بكتمان وأن أتعب القلب، ومساعدة وأن ثلمت المروءة، وطاعة وان قدحت في الدين.
أراد رجل أن يقبل يد هشام بن عبد الملك فقال: لا تفعل، فإنما يفعله من العرب الطمع، ومن العجم الطبع.
طلحة بن عبيد الله: جلوس الرجل على باب داره مروءة.
قال رجل للمنصور: أعطني يدك أقبلها، قال: أنا نصونك عنها، ونصونها عن غيرك.
سأل بعض أصحاب أبي حنيفة الشافعي عن مسألة فأجاب عنها، فقال له: أخطأت. فقال: لو كنت مكانك ثم كلمتك بمثل ما كلمتني لاحتجت إلى أدب.
ما أحسن الصبر فإنا على ... أن لا أرى وجهك يوماً فلا
لو أن يوماً منك أو ساعة ... يباع بالدنيا إذاً ما غلا
قال أنس رضي الله عنه: كنت عند الحسن بن عربي فدخلت جارية بيدها طاقة ريحان فحيته بها، فقال لها: أنت حرة لوجه الله تعالى، فقلت له: حيتك جارية بطاقة ريحان لا خطر لها فاعتقتها! فقال: كذا أدبنا ربنا الله، وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها، وكان أحسن منها اعتاقها.
علي رضي الله عنه: توق من إذا حدثك كذبك، وإن حدثته كذبك، وإن ائتمنته خانك، وإن ائتمنك اتهمك.
قال رجل لخالد بن صفوان: علمني كيف أسلم على الأخوان، فقال: لا تبلغ بهم النفاق، ولا تقصر بهم عن الاستحقاق.
قال العتبي لأحمد بن أبي خالد الأحول: هل أنكرت على يوم دخولي إلى المأمون شيئاً؟ قال: نعم، قلت: وما هو؟ قال: ضحك من شيء فكان ضحكك أكثر من ضحكه.
قال عبيد الله بن يحيي لأبي العيناء: كيف كنت بعدي؟ قال: كنت في أحوال مختلفة، شرها غيبتك، وخيرها أوبتك.

وصف العباس بن الحسن العلوي جليساً له فقال: جليسه لطيب عشرته أطرب من الإبل على لحن الحداء، ومن الثمل على شدو الغناء.
النبي صلى الله عليه وسلم: انزلوا الناس على منازلهم.
مع التغالب النحاب.
عنه عليه الصلاة والسلام: فرق بين معد تجاب.
قال المأمون لثمامة: ارتفع، قال يا أمير المؤمنين، لم يفي شكرى بموضعي هذا، وأنا أبعد عنك إعظاماً لك، أقرب منك شحاً عليك.
صافح أبو العمثل عبد الله بن طاهر عند قدومه من سفر فقبل يده، فقال عبد الله: كيف كنت بعدي؟ قال: إليك مشتاقاً، وعلى الزمان عاتباً، ومن الناس مستوحشاً، فأما الشوق فلفضلك وأما العتب على الزمان فلمنعه منك، وأما الاستيحاش من الناس فإن أراهم بعدك. فاحتبسه، فلما حضر الشراب سقاه بيده فقال:
نادمت حراً كأن البدر غرته ... معظماً سيداً قد أحرز المهلا
تعلني برحيق الراح راحته ... فملت سكراً وشكراً للذي فعلا
لكل شيء محك، ومحك العقل مجالسة العلماء.
بصق عبد الملك بن مروان فقصر بصادقه فوقع على البساط، فقام رجل فمسحه بثوبه، فقال عبد الملك: أربعة لا يستحي من خدمتهم: السلطان، والوالد، والضيف، والدابة، وأمر له بصلة.
كانت تحية العرب: صبحتك الأنعمة، وطيب الأطعمة، وتقول: صبحتك الأفالح، كل طير صالح.
هاشم بن عبد مناف: أكرموا الجليس يعمر ناديكم.
قال المبرد: تأخرت عن مجلس جعفر بن القاسم، وكان يتقلد امرأة البصرة للواثق. فقال لي: ما أخرك؟ قلت: علة مرة، وغبة مرة، فقال: وتوان مرة، وتقصير مرة، فقلت: والله ما أغيب عن الأمير إلا بود حاضر، ولا أعصيه إلا بنية طائع. فضحك ثم أنشد بيت إبراهيم بن المهدي.
ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها الأبنية طائع
قدم أبو مسلم فتلقاه ابن أبي ليلى فقبل يده، فقيل له، فقال: قد تلقى أبو عبيدة بن الجراح عمر بن الخطاب فقبل يده. فقيل له: تشبه أبا مسلم بعمر! فقال: أتشبهوني بأبي عبيدة؟ أعرابي: العبوس بؤس، والبشر بشرى.
مجالسة الأحمق خطر، والقيام عنه طفر.
قال المبرد: كان في خلق الحسن بن رجاء شراسة، وفي كفه ضيق، فكتب إليه: أعز الله الأمير، الناس رجلان عبد وحر، فثمن الحر الأكرام، وثمن العبد الأنعام، فأصلحه هذا القول، ثم رجع إلى طبعه.
مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على صبيان في المكتب فسلم عليهم. أخذ رجل من راس عمر رضي الله عنه، ثم صنع ذلك يوماً آخر، فأخذ بيده وقال: ما أراك أخذت شيئاً! فإذا هو كذلك. ثم قال: إذا أخذ أحدكم من رأس أخيه شيئاً فليره.
قيل لمحمد بن واسع: ألا تتكئ، فقال: تلك جلسة الآمنين.
علي رضي الله عنه: رسولك ترجمان عقلك.
كان أحمد بن يوسف يكتب بين يدي المأمون، وطلب منه السكين، فدفعها إليه والنصاب في يده، فنظر إليه المأمون نظر منكر، فقال: على عمد فعلت ذلك ليكون الحد لأمير المؤمنين على أعدائه. فتعجب من فطنته.
شاعر:
قد بمكت الناس دهراً ليس بينهم ... ود فيزرعه التسليم واللطف
غيره:
يا ذا الذي زار وما زارا ... كأنه مقتبس نارا
قام بباب الدار من تهمة ... ماضره لو دخل الدارا
نفسي نقيه السوء من زائر ... ما حل حتى قيل قد سارا
لو دخل الدار وكلمته ... بحاجتي ما دخل النارا
وصف المأمون ثمامة بحسن المعاشرة فقال: أنه يتصرف مع القلوب تصرف السحاب مع الجنوب.
بينا أبو العباس السفاح يحدث أبا بكر الهذلي، إذ عصفت الريح فأدرت طبتاً من سطح إلى المجلس، فارتاع من حضر، ولم يتحرك الهذلي، ولم تزل عينه مطابقة لعين السفاح، فقال: ما أعجب شأنك يا هذلي! فقال إن الله تعالى يقول: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وإنما لي قلب واحد، فلما غمره السرور بفائدة أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال، فلو انقلب الخضراء على البيضاء ما أحسست بها ولا وجمت لها. فقال السفاح: لئن بقيت لأرفعن منك ضبعاً لا تطيف به السباع، ولا تنحط عليه العقبان.
شاعر:
لا تقطعن الصديق ما طرفت عي ... ناك من قول كاشح أشر
ولا تملن من زيارته ... زره وزره وزر وزر وزر
كان أسماء بن خارجة يقول: ما غلبني أحد قط غلبة رجل بصغى إلى حديثي،.

معاوية: يغلب الملك حتى يركب بالحلم عند سورته، والاصغاء إلى حديثه.
في نوابغ الكلم: أكرم حديث أخيك بإنصاتك، وصنه من صمة التفاتك.
كان قوم من سفهاء بني تميم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، اخرج إلهيا نكلمك. فغم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وساءه ما ظهر من سوء أدبهم، فأنزل: إن الذين ينادوك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون.
حرمة مجلس الملك إذا غاب كحرمته إذا حضر. وكان للملوك عيون على مجالسهم إذا غابوا، فمن حضر وكان في المحافظة على حسن الأدب على مثل ما كان عليه عند حضورهم أثبت وزيد في تكرمته، وسمى من كان على خلاف ذلك ذا وجهين وبقي منقوصاً متضيعاً.
قيل لإبراهيم بن أدهم: كيف أصبحت؟ قال: بخير ما لم يحمل مؤونتي غيري.
من حق الملك إذا تثاءب أو ألقى المروحة من يده ومد رجليه أو نمطى أو اتكأ أو فعل ما يدل على كسله أن يقوم من بحضرته، وكان أردشير إذا تمطى قام سماره، وكان قباذ إذا رفع رأسه إلى السماء قاموا ومن حقه ن لا يعاد عليه حديث وأن طال الدهر.
قال روح بن زنباع: أقمت مع عبد الملك تسع عشرة سنة فما أعدت عليه حديثاً إلا مرة، فقال لي: قد سمعته منك.
وعن الشعبي: ما حدث بحديث مرتين رجلاً بعينه.
كان أردشير وأنوشروان إذا زارا وزيراً أو عظيماً أرخت الفرس تلك الزيارة، وجرى بذلك تاريخ كتبهم في الأطراف. وكان سنة من زاراه أن يعقر ضياعه، وترسم خيله، ولا يؤخذ أحد من قومه بجناية، وتقدم هداياه في النيروز والمهرجان، وكانت مرتبته في القعود عن يمين الملك، وإذا خرج لم يقعد أحد مكانه.
البسامى:
سرى إلي وجنح الليل معتكر ... كذلك البدر في ظلمائه سارى
يورد في الزائر في الليل، ومثله قول ابن الرومي:
لا تعجب من سرانا فالسرى ... عادة الأقمار والناس هجود
علي بن داود:
عودت نفسك في الزيادة عادة ... تدع الخفيف من الصديق ثقيلاً
عودت نفسك أن تزور إذا التقت ... ظلم المساء فلم يبن سبيلا
شر الرجال وشر وقت زيارة ... أن يطرقوا وقت العشاء خليلا
زياد الأعجم:
فقم صاغراً يا شيخ جرم فإنما ... يقال لشيخ الصدق ثم غير صاغر
كان ابن المبارك يقول: كنت لو خيرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله بن محرز لخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلي منه.
جالسوا أهل الدين، فإن لم تقدروا عليهم فجالسوا الأشرف فإن الفحش لا يجرى في مجالسهم، وروى فإن الخنا لا يجرى بعقوتهم.
قيل للمأمون: أي المجالس أحسن؟ قال: ما نظر فيه إلى الناس، فلا منظر أحسن من الناس.
قعد رجل في وسط الحلقة فقال لحذيفة بن اليمان: أن فلاناً أخاك مات. فقال: وأنت حقيق على الله أن يميتك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الجالس وسط الحلقة ملعون.
البشاشة أول قرى الأضياف.
من أحب المحمدة من الناس بغير مرزئة فليتلقهم ببشر حسن.
الأحنف: رأس المروءة طلاقة الوجه، والتودد إلى الناس.
جرير بن عبد الله: ما رآني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسم في وجهي.
معاذ: أن المسلمين إذا التقيا فضحك كل واحد منهما في وجه صاحبه ثم أخذ بيده تحاتت ذنوبها كتحات ورق الشجر.
البشر دال على السخاء كما يدل النوى على الثمر.
الق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره.
العتابي: من ضن ببشره كان بمعروفه أضن.
حسن البشر مخيلة النجح.
النبي صلى الله عليه وسلم: الرجل أحق بمجلسه وبصدر دابته.
وعن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاده فما تحوز له عن فراشه أي ما تنحى.
عنه عليه الصلاة والسلام أنه لم يصافحه أحد فخلى يده حتى يكون الرجل البادي، ولا جلس إليه أحد قط فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقوم.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أذن في بيته لم يجلس على فراشه إلا العباس وأبو سفيان بن حرب، فقيل له، فقال: أما هذا فعم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما هذا فشيخ قريش.
أبو بكر رضي الله عنه: كتب إلى عماله: إذا أبردتم إلي بريداً فأبردوه أشيب.
أوصى أبو الأسود ابنه فقال: يا بني، إذا جلست مع قوم فلا تتكلم بما هو فوقك فيمقتوك، ولا بما هو دونك فيزدروك.

قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت قريباً أجلى، بعيداً أملى، سيئاً عملى.
ثابت البناني: بلغنا أنه ما من قوم جلسوا مجلساً فقاموا قبل أن يسألوا الله الجنة ويتعوذوا به من النار إلا قالت الملائكة: مساكين أغفلوا العظيمين.
الأحنف: ما جلست مجلساً فخفت أن أقام عنه لغيري، ولأن أدعي من بعيد أحب إلي من أن أقصى من قريب. وإذا كان الأحنف في مجلس فدخل داخل وسع له، فإن لم يجد متسعاً تحرك له ليريه أنه بوسع له.
منصور بن زاذان: إني لفي جهاد من جليسي حتى يفارقني مخافة أن يأثم ويؤثمني.
محمد بن عبد الوهاب: ما رأيت الأغنياء أذل منهم في مجلس سفيان، وما رأيت الفقراء أعز منهم في مجلسه، وكان يقال: الفقراء في مجلس سفيان أمراء.
عبد الله بن شبرمة قال لبنيه: لا تجالسوا السفلة فيجترثوا عليكم، قال هؤلاء أزط ليسوا بأشجع الناس، وإنما اجترءوا على الأسود لكثرة ما يرونها.
قيل لشريح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت ونصف الناس علي غضاب. أراد المقضي عليهم.
عطاء بن أبي رباح: أن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه قط، وقد سمعته من قبل أن يولد.
فضيل: من أراد عز الآخره فليكن مجلسه مع المساكين.
كان يقال: حسن البشر واللقاء رق للأشراف والأكفاء.
أبو بكر الصديق عنه عليه الصلاة والسلام: لا تحقرن أحداً من المسلمين فإن صغيرهم عند الله كبير.
أنس رضى الله عنه: لم يكن أحد أكرم علينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا إذا رأينا لم نقم له لما نعلم من كراهته.
أنس ما رأيت أخرج رسول الله ركبته بين يدي جليس له قط، ولا ناول يده أحداً قط فيدعها حتى يكون هو الذي يدعها.
لقمان: يا بني لا تبعث رسولاً جاهلاً، فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك.
إذا ذكرت كريماً فحضر، فقل: اذكر الكريم وافرش له.
شاعر:
وزوراً أتاني طارقاً فحسبته ... خيالاً أتى من آخر الليل يطرق
أقسم فيه الظن طوراً مكذباً ... به أنه حق وطوراً أصدق
آخر:
فزرنا غير محتشم تزرنا ... بزورتك المكارم والسماح
آخر:
وتفضل بزورة نحو دار ... لك فيها بني صديق وعبد
يقال: متى أنت منا؟ أي متى تزورنا، ألقاه عدة الثريا، أي كل عام مرة، لئن الشمس تنزل الثريا في السنة مره ما كان إلا كنا فض غباراً أو قابس ناراً، إذا قل مكثه. ما عرج حتى خرج. ودع قبل أن يودع، ربما كان التقالى في كثرة التلاقي.
قيل لرجل: هل ترى فلاناً؟ قال: لمعاً، أي أحياناً.
الإكثار من الزيادة ممل، والإقلال منها مخل.
لا تستيقظ نفسي إلا بهاجس من ذكرك يدعوها، ولا تحلم إلا بطارق من طيفك يعروها.
ما في قلبي مكان إلا موشى بذكرك، مطرزاً باسمك.
صورتك للعين حملاق.
كيف أنساك وإذا رأيت حسناً ذكرتك به مشبهاً، وإذا رأيت قبيحاً ذكرتك به منزها.
شاعر:
لو تفضلت بالرواح إلينا ... لقررنا بقرة العين عينا
آخر:
إذا ما تقاطعنا ونحن ببلدة ... فما فضل قرب الدار منا على البعد
آخر:
وأن مروري بالبلاد التي بها ... سليمى ولم ألمم بها لجفاء
ابن قيس الرقيات:
قد أتانا من آل سعدي رسول ... حبذا ما يقوله وأقول
قال لقمان لابنه: يا بني إذا مررت بقوم فارمهم بسهم الإسلام وهو السلام، فقل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم دخل المدينة: افشوا السلام، وأطيبوا الكلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.
كان جذيمة الوضاح لا ينادم أحداً ذهاباً بنفسه، كان يقول: أنا أعظم من أن أنادم إلا الفرقدين، فكان يشرب كأساً ويصب لهما كأسين، فلما آتاه مالك وعقيل بابن أخته عمرو صاحب الطوق بعدما استهوى، قال لهما: حاجتكما؟ قالا: منادمتك. فنادماه أربعين سنة وما أعادا عليه حديثاً قط. فضرب بندماني جذيمة المثل. قال الشاعر:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن نتصدعا

كان أبو الهذيل على مائدة المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، أن الله لا يستحي من الحق غلامي وحماري بالباب، فقال المأمون: صدقت يا أبا الهذيل، وقال للحاجب: أخرج إلى غلام أبي الهذيل وحماره ما يصلحهما. فكان محمد بن الجهم إذا تعذر عليه أمر قال: إن الذي سخر المأمون لحمار أبي الهذيل وغلامه لقادر على أن يسهل هذا الأمر.
وفعل مثل ذلك على مائدة المعتصم، فقال المعتصم للحاجب: مر لحمار أبي الهذيل بعلف ولغلامه بطعام. فقال أحمد بن أبي دواد: يا أمير المؤمنين، أما ترى إلى متانة دين هذا الشيخ وتفقده لما يلزمه، لم يمنعه جلالة مجلس عما يجب لله عليه في حماره وغلامه. فجعل أحمد ما قدره محوجاً إلى الاعتذار منه شهادة له بالفضل.
رؤي عند مالك بن دينار كلب، فقيل له: ما هذا؟ قال: هو خير جليس من جليس السوء. قال:
لكلب الناس أن فكرت فيه ... أضر عليك من كلب الكلاب
لئن الكلب لا يؤذي جليساً ... وأنت الدهر من ذا في عذاب
وقال الموصلي: رأيت بين يدي الفضل بن جعفر بن يحيى كلباً، فقلت له: أتنادم كلباً؟ قال: نعم، يمنعني أذاه، ويكتب عن أذى سواه، يجرس قليل، ويحرس مبيتي ومقيلي.
جلسة العيادة خلسة، ويقال: جلسة فلان عندي أخف من جلسه الخطيب بين الخطبتين.
كتب صاحب البريد إلى حضرة السلطان أنه وقع بين القواد وأن فلاناً شتم بكذا، فعاتبه الوزير وقال: هذصنت حضرة السلطان عن هذه اللفظة القذعة! قال: أمرت بإنهاء الأخبار على وجوها، فقال: ويحك! عجزت عن أن تكنى عنها فتقول: شتمة بما يشتم به الأحداث، أو كلاماً هذا معناه.
قال سيف الدولة الحمداني لابن عم له: ما عافاك اليوم عن التصبيح؟ قال: دخلت الحمام وقلمت أظفاري. فقال: لو قلت: أخذت من أطرافي كان أوجز وأحسن.
قال عبد الله بن الزبير لامرأة عبد الله بن خازم أخرجي المال الذي وضعتيه تحت استك، فقالت: ما ظننت أحداً يلي شيئاً من أمور المسلمين يتكلم بهذا. فقال بعض الحاضرين: أما ترون الخلع الخفي الذي أشارت إليه.
وعن الحجاج انه قال لأم عبد الرحمن بن الأشعث: عمدت إلى مال الله فوضعته تحت ذيلك، فكنى لئلا يعاب بما عيب به ابن الزبير.
شاعر:
زورة فردة إذا ضعف المر ... ء وطال الطريق تعدل عشرا
عمرو بن عبد العزيز السلمى:
دعوت بني عمي فكان جوابهم ... بلبيك فعل السادة النجب الغر
المتنبي:
خير أعضائنا الرؤوس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام
المعرى:
أتيته وبودي أنني قلم ... أسعى إليه ورأسي تحتي الساعي
العباس بن الأحنف؛:
الله يعلم ما تركى زيارتكم ... إلا مخافة أعدائي وحراسي
ولو قدرت على الأتيان جئتكم ... سعياً على الوجه أو مشياً على الرأس
أهدى أبو غسان التميمي، وكان سيء الأدب، إلى الأمير نصر بن أحمد كتاباً من تصنيفه في نيروز، فقال: ما هذا يا أبا غسان؟ قال: كتاب أدب النفس. قال: فكيف لا تعمل بما فيه؟ شاعر:
يا مغرقاً في أدب الدرس ... أحسن منه أدب النفس
العتبي: لسان التقصير قصير.
من الآداب اللطيفة ما يحكى عن إبراهيم بن المهدي، قال: كنت عند الرشيد فأتاه رسول معه أطباق عليها مناديل ورقعة، فأخذ يقرأ الرقعة ويقول: وصله الله وبره، فقلت: يا أمير المؤمنين، من هذا الذي قد أطنبت في شكره لنشركك في جميل ذكره؟ فقال: عبد الملك بن صالح. ثم كشف عن الأطباق فإذا فيها فواكه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما يستحق هذا الوصف، إلا أن يكون في الرقعة ما لا نعلمه. فرمى بها إلي، فإذا فيها: دخلت يا أمير المؤمنين إلى بستان في داري قد عمرته من نعمتك، وقد أينعت فواكهه، فحملتها في أطباق قضبان، ووجهتها إلى أمير المؤمنين ليصل إلي من بركة دعائه مثل ما وصل إلي من نوافل بره. فقلت: وما في هذا الكلام ما يستحق الدعاء؟ فقال: أما ترى كيف كنى بالقضبان عن الخيزران وهو اسم أمنا؟ قيل للعباس: أأنت أكبر أم رسول الله؟ فقال: رسول الله أكبر مني، وأنا ولدت قبله.
ونحوه ا، معاوية قال لسعيد بن مرة الكندي: أأنت سعيد؟ قال: أمير المؤمنين السعيد وأنا ابن مرة.

وقال المأمون للسيد بن أنس: أأنت السيد؟ فقال: أمير المؤمنين السيد وأنا ابن أنس.
وقال الحجاج للمهلب وهو يماشيه: أنا أطول أم أنت؟ قال: الأمير أطول وأنا أبسط قامة. أراد الطول وهو الفضل.
كان الجاحظ يتعجب من فطنه طويس ووضعه الكلام موضعه من حسن الأدب في قوله لبعض القرشيين: أمك المباركة وأبوك الطيب. يعني أصابته في قسمه الصفتين وأن لم يصفها بالطيب.
سفيان بن عيينة: الوضوء والخلال يبدأ فيهما بالأكبر، ولماء يبدأ في سقيه بالأيمن فالأيمن.
شعر:
أن حسن اللقاء والبشر مما ... يزرع الود في فؤاد الكريم
وهما يزرعان يوماً فيوماً ... أسوأ الظن في فؤاد اللئيم
جميل:
وقد طال هجري بيتها لا أزوره ... كفى حزناً هجران من أنت وامق
وهجرك من تهوى بلاء وشقوة ... عليك مع الشوق الذي لا يفارق
وله:
أزور بيوتاً لاصقات ببيتها ... وقلبي في البيت الذي لا أزوره
إسحاق الموصلي: يا هذا أذقنا نفسك حتى إذا استعذبناك تركتنا.
الشعبي في عبد الملك: ما رأيت أحسن حديثاً منه إذا حدث، ولا أحسن إنصاتاً منه إذا حدث، وإلا أحلم منه إذا خولف. وأخطأت عنده في أربع: حدثني يحديث فقلت: أعده علي، فقال: أما علمت أنه لا يستعاد أمير المؤمنين؟ وقلت حين أذن لي: أنا الشعبي، فقال ما أدخلناك حتى عرفناك. وكنيت عنده رجلاً، فقال: أما عملت انه لا يكنى أحد عند أمير المؤمنين؟ وسألته أن يكتبني حديثاً، فقال إنا نكتب ولا نكتب.
كانت العرب تقول: أعطني قلبك والقنى متى شئت، تريد أن العبرة بخلوص الود لا بكثرة اللقاء.
بهرام جور: إذا لم تصد قلوب الأحرار بالبشر والبر فبأي شيء تصيدها؟ زار المستعين يزيد بن محمد المهلبي فوهب له مائتي ألف وأقطعه فقال:
وخصصتني بزيارة أبقت لنا ... مجداً على طول الزمان يؤثل
وقضيت ديني وهو دين فادح ... لم يقضه مع جوده المتوكل
معاوية: نكحت النساء حتى ما أفرق بين امرأة وحائط، وأكلت حتى ما أجد ما استمرئه، وشربت الأشربة حتى رجعت إلى الماء، وركبت المطايا حتى نعلي، ولبست الثياب حتى اخترت البياض، فما بقي من اللذات ما تتوق إليه نفسي إلا محادثة أخ كريم، وأنشد:
وما بقيت من اللذات إلا ... محادثة الرجال ذوي العقول
وقد كنا نعدهم قليلاً ... فقد صاروا أقل من القليل
آخر:
غاب عن المجلس من لم يكن ... إلا به يستحسن المجلس
كذلك الريحان مستوحش ... ما لم يكن في وسطه النرجس
آخر:
لا يجمعنك والمعربد مجلس ... إلا وترس في يسارك واق
وبكفك اليمنى حسام مرهف ... عضب يحز أعالي الأعناق
فبذاك تسلم أن سلمت ولا أرى ... إلا وترس في يسارك واق
أمر المأمون الحسن بن عيسى كاتب وزيره عمرو بن مسعدة أن يكتب كتاباً، فالتفت إلى الوزير يطلب الأمر منه، ففهمها عنه المأمون فقال: تعطى الحسن مائة ألف لانتظاره أمر صاحبه.
صلى هارون إلى جنب ابن أبي رواد، وهو مكفوف، فصافحه وقال: تعرفني؟ قال: لا، إلا أن قبضتك قبضة جبار.
الحسن: رحم الله أقواماً كان إذا لقي أحدهم أخاه المسلم فسلم عليه علم ما وراء ذلك منه سليم.
وقيل له: كيف حالك؟ قال: ما ظنك بأناس ركبوا في سفينة حتى إذا توسطوا البحر انكسرت وتعلق كل إنسان بخشبة؟ فعلى أي حال هم؟ قيل: شديدة، قال: حالي أشد من حالهم.
النبي صلى الله عليه وسلم: المجالس أمانة.
وعن عبد الملك أنه انقطع عن أصحابه فانتهى إلى أعرابي، فقال: أتعرف عبد الملك؟ قال: جائر بائر. قال ويحك! أنا عبد الملك بن مروان. قال: لا حياك الله ولا بياك ولا قربك، أكلت مال الله، وضيعت حرمته. قال: ويحك! أنا أضر أنفع، قال: لا رزقني الله نفعك، ولا دفع عني ضرك. فلما وصلت خيله قال: يا أمير المؤمنين، اكتم ما جرى، فالمجالس أمانة.
عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
وأما ليجري بيننا حين تلتفي ... حديث له وشيء كوشي المطارف
حديث كوقع القطر بالمحل يستقى ... به الوجد في داخل الوجه شاعف
لبيد:

ما عاتب المرء اللبيب كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح
كتب المهدي إلى الخيزران من بعض منتزهاته:
نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غيب ونحن حضور
فأغذوا المسير بل أن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا
علي رضي الله عنه: البشاشة حبالة المودة، والاحتمال قبر العيوب.
المأمون: اثنتان لا تصنعان على موائد الملوك: نكت المخ، وكثرة أكل النقل.
بعض السلف: تعايش الناس ملء مكيال ثلثاه فطته وثلثه تغافل.
جعفر بن محمد: عظموا أقدار كم بالتغافل.
شاعر:
فلما بصرنا به طالعاً ... حللنا الحبا وابتدره القياما
فلا تنكرن قيامي له ... كان الكريم يحب الكراما
وقال:
وفاجأتني والطرف نحوك شاخص ... وذكرك ما بين اللسان إلى القلب
خزامى جارية المعتز:
ذكرتكم ليلاً قنور ذكركم ... دجى الليل حتى إنجاب عنه ديار جره
ولو أن ليل الدهر نحويه ليلة ... تقصرها ذكرى لمن أنا ذاكره
شعبة بن عبد الملك البستي:
فديت من زارني على وجل ... من الأعادي وقلبه يجب
فلو خلعت الدنيا عليه لما ... قضيت من حقه الذي يجب
قال أبو الفتوح البستي: أن ما رغبني في استخراج هذا التجنس أني سمعت من شعبة بيته، وأنا إذا ذاك في سن الحداثة فاستحسنتها، وحدثت نفسي في سلوك طريقته.
في نوابغ الكلم: رب زورة زائر أشد من زأرة زائر.
سأل يوسف جبريل عليهما السلام عن حزن يعقوب عليه السلام، فقال: حزن سبعين ثكلى، قال: فماذا له من الأجر؟ قال: ما الله به عليم، قال: فهل تراني لاقيه؟ قال: نعم، قال: ما أبالي ما رأيت أن لقيته.
رأى سعيد بن العاص شناب من قريش يمشى وحده، فمشى معه، فالتفت إليه فقال له ألك حاجة؟ قال: لا، ولكني رأيتك تمشي وحدك فأحببت أن أصل من جناحك. فدخل منزله وأخرج إليه بدرة وقال: خذها هنيئاً لك فنعم ما أدبك أهلك.
وروي انه لم يجد ما يكافئه به، فضرب على نفسه صكاً بمال، فجاء به القرشي إلى ابنه فقال له: من أين لك هذا الماء؟ فقص عليه القصة، فقال: لا جرم والله لازمنه لك بالوافية.
من أبطأ رسوله فما أخطأ سوله.
إذا أبطا الرسول فقل نجاح ... ولا تفرح إذا عجل الرسول
أنعم الله بالرسول الذي أر ... سل والمرسل الرسالة عينا
هو بيت قديم للسلامى في عبد العزيز بن يوسف وقد وجه رسولاً إلى الخليفة من جهة عضد الدولة فاحسن تبليغ الرسالة وفيه يقول:
فأثبت فضائلك الباهرات ... على ملك الدهر فيما اصطنع
طلعت فكنت كنجم الصبا ... ح دل على الشمس لم اطلع
أبو مجلز: خرج معاوية إلى ابن الزبير وبن عامر فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير. فقال معاوية لابن عامر: اجلس فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أحب أن يمثل الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار.
أبو أمامة: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئاً على عصا، فقمنا إليه، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضاً.
أطفأ الله نفحة التهاجر ينفحة التزاور.
قال رجل لأبي الدرداء: فلان يقرئك السلام، فقال: هدية حسنة ومحمل خفيف.
جارية من العرب:
تحمل هداك الله عني تحية ... إليه جديداً كل يوم سماعها
وخبر عن الوعاء أن قد توخمت ... إليه مراعيها وطال نزاعها
لقد قطع البيت المشتت الفة ... عزيز علينا أن يحمم انقطاعها
مد يحيى بن خالد البرمكي يده المصافحة معاذ بن مسلم حاجب المهدي فتجنب مصافحه، فقال: أواجد أنت؟ قال: لا، ولكني أكره أن أتلف مالي، وقال:
لست يحيى مصافحاً حين ألقى ... أنني أن فعلت أتلفت مالي
لو يمس البخيل راحة يحيى ... لسخت نفسه ببذل النوال
أوسع رجل لرجل في مجلس سليمان بن عبد الملك، وكان الناس مودحمين، فقال سليمان: ما أعظمها من يد! وأحسنه من معروف! وما ضاعت يد أودعها رجل رجلاً.

سمع عمر بن عبد العزيز رجلاً يقول لآخر: تحت إبطك فقال: ما على أحدكم أن يتكلم بأجمل ما يقدر عليه، يعني لو قال: تحت يدك كان أجمل.
لما تزوج علي رضي الله عنه النهشلية بالبصرة قعد على سريره، وأقعد الحسن عن يمينه، والحسين عن شماله، وأجلس محمد بن الحنفية بالحضيض، فخاف أن يجد من ذلك فقال: يا بني أنت ابني وهذان ابنا رسول الله.
دخل على علي رضي الله عنه رجلان فألقى لهما وسادتين، فجلس أحدهما ولم يجلس الآخر، فقال له علي: اجلس فإنه لا يرد الكرامة إلا حمار.
عن النبي صلى الله عليه وسلم: أيما رجل عرضت عليه كرامة فلا يدع أن يأخذ منها مما قل أو كثر.
إسماعيل بن سالم عن حبيب: بلغني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أفضل المؤمنين أحسنهم خلقا.
قال حبيب: ومن حسن الخلق أن يحدث الرجل صاحبه وهو يبتسم.
وقال حبيب: من السنة إذا حدثت القوم أن لا تقبل على رجل من جلسائك ولكن اجعل لكل منهم نصيباً.
قيل لعبد الله بن المبارك: كيف أصبحت؟ قال إنك تسأل الهارب عن باب ربه عن عافية صباحه، إنما العافية للثوري وأصحابه.
هرثمة: لا يتقدم الأصاغر الأكابر إلا في ثلاث: إذا ساروا ليلاً، أو خاضوا سيلاً، أو وجهوا خيلاً.
قال لقمان لابنه: يا بني، إذا أتيت نادى القوم فأمرهم بسهم الإسلام، ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن رأيتهم قد نطقوا في ذكر الله فاجر سهمك معهم، وإلا فتحول من عندهم إلى غيرهم.
كان الحسن اللؤلؤي الفقيه يختلف إلى المأمون وهو صبي يلقى عليه الفرائض، فنعس فأطبق جفنه، فقال الحسن: أنمت أيها الأمير؟ ففتح عينيه فقال عامي والله، لم يغذ بالأدب، خذوا بيده ولا تعدوه.
فبلغ ذلك الرشيد فتمثل بقول زهير: وهل ينبت الخطى.
دخل محمد بن عمران النخعي على المأمون فجعل يحدثه، فدعاه له بتكأة، فقال: ما كنت لأتكئ بحضرة أمير المؤمنين، فقال: لتفعلن يا محمد، إن على قلبك من بدنك ثقلاً ومؤونة فأردنا أن يستريح بدنك ليفرغ لنا قلبك.
/الأسماء، والكنى، والألقاب ومن استحسن منها واستهجن، ونهي عنه، وحث عليه.
أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رفع قرطاساً من الأرض مكتوباً عليه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالاً له ولاسمه عن أن يداس كان عند الله من الصديقين، وخفف عن والديه وإن كانا من المشركين " .
عن عائشة: قالت لخياط لها: أسميت حين ضربت بإبرتك؟ قال: لا، قالت: فافتق ما خطت.
ابن عباس: لم يرن إبليس مثل ثلاث رنات قط: رنة حين لعن فأخرج من ملكوت السماوات، ورنة حين ولد محمد صلى الله عليه وسلم، ورنة أنزلت سورة الحمد وفي ابتدائها بسم الله الرحمن الرحيم.
النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يرد دعاء أوله بسم الله الرحمن الرحيم، فأن أمتي يوم القيامة وهم يقولون بسم الله الرحمن الرحيم فتثقل حسناتهم في الميزان، فتقول الأمم: ما أرجح موازين أمة محمد؟ فتقول الأنبياء: إن ابتداء كلامهم ثلاثة أسماء من أسماء الله، لو وضعت في كفة الميزان ووضعت سيئات الخلق في كفة أخرى لرجحت حسناتهم " .
عكرمة: لما نزلت التسمية ضجت جبال الدنيا حتى سمع دويها، فقالوا سحر محمد قد قيد الجبال. رأى الإسكندر سمياً له لا يزال ينهزم، فقال: يا رجل، إما أن تغير فعلك وإما أن تغير اسمك.
قال يموت بن المزارع قال لي ابن صدقة المري: ضربك الله باسمك، فقلت: أحوجك الله إلى اسم أبيك.
سعيد بن المسيب بن حزن فقيه أهل المدينة غير مدافع، أتى جده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أنت سهل؟ فقال له: بل أنا حزن، ثلاثاً.
وروي أنه قال: لا، السهل يوطأ ويمتهن، فقال: فأنت حزن. قال سعيد: فما زالت تلك الحزونة فينا.
قال عمرو بن عبيد: أتى الحسن بفالوذج، فقال: يا عمرو، فما فرحت بشيء فرحي بأن عرف اسمي.
وكان المنصور يكنه، فقيل له: إن أمير المؤمنين يكنيك، فقال ما ذكرت ذلك إلا دخلتني غضاضة.
شاعر:
لعمرك ما الأسماء إلا علامة ... منار ومن خير المنار يفاعها
سأل رجل أبا عبيدة عن اسم رجل فما عرفه، فقال كيسان أنا أعرف الناس به، هو خراش أو خداش أو رياش أو شيء آخر. فقال أبو عبيدة: ما أحسن ما عرفته! فقال: إي والله، وهو قرشي أيضاً، قال: وما يدريك؟ قال: أما ترى كيف احتوشته السيئات من كل جانب.

دق رجل على عمرو بن عبيد الباب، فقال: من هذا؟ قال: أنا، قال: لست أعرف في إخواننا أحداً اسمه أنا.
الفرزدق:
وما تلتقي الأسماء الناس والكنى ... كثيراً ولكن فرقوا في الخلائق
الجاحظ: لولا أن القدماء من الشعراء سمت الملوك وكنتها في أشعارها وأجازت ذلك واصطلحت عليه ما كان جزاء من فعل ذلك إلا العقوبة. على أن ملوك بني ساسان لم يكنها أحد من رعاياها قط ولا سماها في شعر ولا خطبة. وإنما حدث هذا في ملوك الحيرة.
وكان الجفاة من العرب، بسوء أدبها، وغلط تركيبها، إذا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم خاطبوه باسمه وكنيته، فأما أصحابه فكانت مخاطبتهم إياه بيا رسول الله، ويا نبي الله. وهكذا يقال للملك في المخاطبة يا خليفة الله، ويا أمير المؤمنين.
وينبغي للداخل على الملك أن يتلطف في مراعاة الآداب، كما حكي أن سعيد بن مرة الكندي، دخل على معاوية فقال له: أنت سعيد؟ فقال: أمير المؤمنين السعيد وأنا ابن مرة، وقال المأمون للسيد بن أنس الأزدي: أنت السيد وأنا ابن أنس.
أنشد الجاحظ:
وهبت لبحر درهميه ولم يكن ... لترخص عني خلتي درهما بحر
وقلت لبحر خذهما واصطرفهما ... وأنفقهما في غير حمد ولا شكر
أتمنع سؤال العشيرة بعدما ... سميت ببحر واكتنيت أبا الغمر
جابر: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من بيت فيه اسم محمد إلا وسع الله عليهم الرزق. فإذا سميتموهم فلا تضربوهم ولا تشتموهم، ومن ولد له ثلاثة ذكور فلم يسم أحداً منهم أحمد أو محمد فقد جفاني " .
أبو هريرة: عنه عليه السلام: من تسمى باسمي فلا يتكن بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسم باسمي.
وروى محمد بن الحنيفة عن علي: قلت يا رسول الله، إن ولد لي بعدك ولد أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم.
أبو الدرداء: عنه عليه السلام: إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم.
أبو وهب الجشمي يرفعه: تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة.
وقال عليه السلام: إذا سميتم فعبدوا.
ابن عباس: رفعه: من حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويحسن أدبه.
عن عبد الرحمن بن زيد: بلغني أن السقط يوم القيامة وراء أبيه يقول: أنت ضيعتني، وأنت تركتني لا اسم لي. فقال له عمر بن عبد العزيز: كيف وقد لا يدري أنه غلام أو جارية؟ قال: من الأسماء ما يجمعهما، كحمزة وعمارة وطلحة وعتبة.
وكان عليه الصلاة والسلام يغير بعض الأسماء، سمى الصديق عبد الله وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، وابن عوف عبد الرحمن وكان اسمه عبد الحارث، وهشاماً وحزناً سهلاً، والمضطجع المنبعث، وأرضاً تسمى عفرة خضرة، وشعب الضلالة شعب الهدى، وبني الزنية بني الرشدة، وبني مغوية بني رشد، وبني الصماء بني السميعة.
وقدم الخلفاء وغيرهم رجالاً لحسن أسمائهم، وأقصي قوم لشناعة أسمائهم. وتعلق المدح والذم بذلك في كثير من الأمر.
في رسالة الجاحظ إلى أبي الفرج ابن نجاح: وقد أظهر الله في أسمائكم وأسماء آبائكم وكناكم وكنى أجدادكم من برهان الفأل الحسن ونفي طيرة السوء ما جمع لكم به صنوف الأمل، وصرف إليكم وجوه الطلب، فأسماؤكم وكناكم بين فرج ونجح وسلامة وفضل، ووجوهكم وأخلاقكم وفق أعراقكم وأفعالكم، فلم يضرب التفاوت فيكم بنصيب.
أراد عمر رضي الله عنه الاستعانة برجل فسأله عن اسمه فقال: ظالم بن سراق، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك! فلم يستعن به.
وعن علي رضي الله عنه أن رجلاً من عائذة قريش قال له: ما بال المهاجرين والأنصار تخطوك إلى أبي بكر وعمر وأنت أقدمهم سابقة، وأكرمهم سالفة وأفضلهم منقبة؟ وكان متكئاً فاستوى جالساً فقال: لولا أن المؤمن عائذ الله لقتلتك.
أعرابي في خلة له اسمها جنوب:
فيا نخلات الحي حي ابن غالب ... سقيتن ما دامت بكن جنوب
فيا خير أسماء الرياح تركتني ... كذي الداء ما يدعى إليه طبيب
سأل رجل رجلاً ما اسمك؟ قال: بحر، قال: أبو من؟ قال: أبو الفيض، قال: ابن من؟ قال: ابن الفرات. قال: ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلا في زورق.

كان البحتري إذا ذكر الخثعمي الشاعر قال: ذاك الغث العمى. لما أنشد جرير سليمان بن عبد الملك قصيدته:
ظعن الخليط برامتين فودعوا ... أو كلما ظعنوا لبين تجزع
أطربه عذوبة النسيب، وأقبل عليه، وجعل يحفز إليه، حتى قال:
وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلا هزئت بغيرنا يا بوزع
فأنكسر نشاطه، وقال: أفسدت شعرك بهذا الاسم.
سألت زينب بن أبي سلمة محمد بن عمرو بن عطاء ما سميت ابنتك: قال: برة، قالت: إن رسول الله نهى عن هذا الاسم، قال: لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم.
قيل لقرقر المخنت: أبو من؟ قال: أم محمد.
قيل لصبي من العرب: من أبوك؟ قال: وَوْ وَوْ. لأن اسم أبيه كان كلبا.
قيل في رجل اسمه وثاب واسم كلبه عمرو:
ولو هيا له الله ... من التوفيق أسبابا
لسمى نفسه عمراً ... وسمى الكلب وثابا
أبو هريرة يرفعه: أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى ملك الأملاك، اسم الله الأعظم الحي القيوم، وقيل ذو الجلال والإكرام، وعن الحسن: الله والرحمن.
كان قصي بن كلاب يقول: ولد لي أربعة، فسميت اثنين بآلهتي بعبد العزى وعبد مناف، واثنتين بنفسي وداري يعني عبد قصي وعبد الدار، وهي دار الندوة بناها قصي، فكانت قريش لا تفصل أمراً ذا بال إلا فيها.
ذات الخمار هنيدة بنت صعصعة عمة الفرزدق كانت تقول: من جاءت من نساء العرب بأربعة يحل لها أن تضع خمارها عندهم فهي خير مني، أبي صعصعة، أخي غالب، وخالي الأقرع بن حابس، وزوجي الزبرقان بن بدر. فسميت ذات الخمار.
قال الزبير بن بكار: كان هند بن أبي هالة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا أكرم الناس بأربعة: أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمي خديجة، وأختي فاطمة، وأخي القاسم فهؤلاء الأربعة لا أربعتها.
أتى عبد الله بن أبي بكر الغار ليلاً بالسفرة ومعه أسماء، وما كان للسفرة من شناق فشقت من نطاقها شقة فشنقتها بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة. وقيل كان لها نطاقان تحمل في أحدهما الزاد إلى الغار. وقيل: كانت تظاهر بين نطاقين لزيادة الستر، فسميت ذات النطاقين.
كلما كان الاسم غريباً كان أشهر لصاحبه وأمنع من يعلق النبز به. قال رؤبة:
وقد رفع العجاج ذكرى فأدعى ... باسمي إذ الأسماء طالت بكفتي
وقد سأله النسابة البكري عن نسبه فقال: العجاج، فقال قصرت وعرفت.
وقال أبو نواس:
شنع الأسامي مسبلي أزر ... حمر تمشي الأرض بالهدب
ولا ترى أمة أكثر أعلاماً وأوسع أسماء شنعاً من العرب.
ويشهد لفضل غرابة الاسم قوله تعالى: لم نجعل له من قبل سميا؟ ودخل عبادة على المتوكل وبين يديه جام من ذهب فيه ألف دينار، فقال: أسألك عن شيء إن أجبتني فيه بديهة من غير أن تتفكر أو تتنعنع فلك الجام بما فيه، قال: سل يا أمير المؤمنين. قال: أخبرني عن شيء له اسم ولا كنية له، وعن شيء له كنية ولا اسم له. قال: المنارة وأبو رياح من غير فكر، فتعجب وأعطاه الجام بما فيه قيل لعثمان ذو النورين لأنه ورقيه كانا أحسن زوجين في الإسلام، يروى أن رسول الله عليه السلام بعث بلطف مع رجل إلى عثمان واحتبس. فلما رجع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أخبرتك ما حبسك، كنت تنظر إلى عثمان ورقية تعجب من حسنهما، فقال: صدقت يا رسول الله. فالنوران نور نفسه ونور رقية. وقيل: النوران رقية وأم كلثوم.
عن النزال بن سبرة: سألت علياً عن عثمان فقال: ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذو النورين، كان ختن رسول الله على ابنتيه. وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لو أن لي أربعين بنتاً لزوجتك واحدة بعد واحدة حتى لا يبقى منهن أحد " . وقالوا: ما تزوج أحد بنتي نبي غير عثمان.
وما ذو النور فهو فالطفيل بن عمرو الدوسي أعطاه رسول الله نوراً في جبينه ليدعو به قومه، فقال: يا رسول الله، هي مثل، فجعله في طرف سوطه، فكان كالمصباح يضيء له الطريق بالليل.
ورأى ابن طباطبا علي: باب علي بن رستم عثمانيين أسودين عليها عمامتان حمراوان فقال:
أرى بباب الدار أسودين ... ذوي عمامتين حمراوين

كجمرتين فوق فحمتين ... جدكما عثمان ذو النورين
فما له أنسل ظلمتين ... ما أنتما إلا غرابا بين
ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت الأنصاري. روى أن رسول الله استقضاه يهودي ديناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو لم أقضك؟ فطلب البينة، فقال لأصحابه: أيكم يشهد لي؟ فقال خزيمة: أنا يا رسول الله؛ قال: وكيف تشهد بذلك ولم تحضره ولم تعلمه؟ قال: يا رسول الله نحن نصدقك على الوحي من السماء، فكيف لا نصدقك على أنك قضيته؟ فأنفذ شهادته وسماه بذلك، لأنه صير شهادته شهادتي رجلين.
قتادة بن النعمان الأنصاري: أصيبت عينه يوم أحد فسقطت على خده فردها رسول الله فكانت أحسن وأصح من الأخرى، كانت تعتل الباقية ولا تعتل المردودة. فقيل له ذو العينين، أي له عينان مكان الواحدة.
كان الحسين زيد بن علي بكاء فقيل له ذو الدمعة، وكان يقول إذا قيل له في ذلك: وهل تركت النار والسهمان لي مضحكاً. يريد السهمين اللذين أصابا زيد بن علي، ويحيى بن زيد.
قال أبو هريرة: كنيت بهرة صغيرة كنت ألب بها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له أبا هر. واختلف في اسمه قيل له عبد الله، وعبد شمس، وعمير، وسكين.
ذو الثدية وقيل ذو الخويصرة، حرقوص بن زهير باب الخوارج وكبيرهم الذي علمهم الضلالة. وجد يوم النهروان بين القتلى، فقال علي رضي الله عنه: ائتوني بيده المخدجة، فأتى بها فأمر بنصبها وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئاً، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئاً ولا صيامكم إلى صيامهم شيئاً، يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وأية ذلك أن فيهم رجل له عضد وليست له ذراع، على عضده مثله حلمة الثدي، عليه شعيرات بيض " .
نحر قريع جزوراً فقسمه بين نسائه، فأدخل جعفر بن قريع في أنفه يده، وهو غلام، فجر الرأس إلى أمه، فقيل له ما هذا؟ فقال: أنف الناقة، فسمى به وبقي نبذا لولده حتى قال فيهم الحطيئة:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
فرجع إليهم فخراً يتبجحون بذكره.
فصاح أعرابي بعبد الله بن جعفر: يا أبا الفضل، فقيل له: ليست كنيته، فقال: إن لم تكن كنيته فأنها صفته.
كان بالبصرة قوم يلقبون الناس، فخطب إليهم رجل وقال: أتزوج إليكم على شريطة، قالوا: وما هي؟ قال: أن لا تلقبوني وتدعونني رأساً يرأس. قالوا: فلقبك رأسا برأس، فلزمه.
قال الشعبي: كنية الدجال أبو يوسف.
شاعر:
زياد لست أدري من أبوه ... ولكن الحمار أبو زياد
كان صاحب ربع يتشيع ، فارتفع إليه خصمان يسمى أحدهما علياً والأخر معاوية، فتحامل على معاوية فضربه مائة مقرعة، من غير أن انجهت عليه حجة. ففطن من أين أتي، فقال: أصلحك الله، سل خصمي عن كنيته، فإذا هو عبد الرحمن، فبطحه فضربه مائة. فقال لصاحبه: ما أخذته مني بالاسم استرجعته منك بالكنية.
كان سعيد بن جبير يسمى جهبذ العلماء، مات وما على الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه.
كتب الصابي كاتب أمير المؤمنين متلقباً متسمياً، ومن سواه متلقباً مكنياً لأن اللقب تكرمه من جهة الخليفة، وأما التكنية فتكرمة بين الناس.
عنبسة الفيل النحوي سمي بذلك لأن معدان أباه كان يروض فيلاً للحجاج وسمع الفرزدق أن عنبسة يروي أهاجي جرير فقال:
لقد كان في معدان والفيل زاجر ... لعنبسة الراوي علي القصائدا
وقيل لغيلان الراجز راكب الفيل، ولسعدويه الطنبوري عين الفيل لأن الحجاج كان يحملها على الفيل.
وإذا سمى أهل البصرة أنساناً بفيل فصغروه قالوا فيلويه، كما يجعلون عمراً عمرويه وحمداً حمدويه.
يقال لكل جارح من الطير ذو النظرتين، لأنه ينظر ثم يطأطئ وينظر، فإذا أثبت الصيد قصده، ويقال لكل شيء يئس منه طار به ذو النظرتين.
ويقال للجاسوس ذو العيينتين. وفي الأعم يسمونه العينتين بطرح ذو، كما يسمونه العين.
ذو الشهرة أبو دجانه الأنصاري، كانت له مشهرة يلبسها ويتخايل بين الصفين.

ذو اليميني طاهر بن الحسين، سمي بذلك لأن المأمون قال له: يا أبا الطيب، يمينك أمير المؤمنين وشمالك يمين، فبايع بيمينك يمين أمير المؤمنين. وكتب إليه بعض أصحابه كتاباً عنونه بقوله: الأمير المهذب المكنى بأبي الطيب، ذي اليمينين طاهر ابن الحسين بن مصعب.
ذو الرياستين الفضل بن سهل، لأنه دبر أمر السيف والقلم، ولي رياسة الجيوش والدواوين. ودخل عليه شاعر يوم المهرجان، وبين يديه الهدايا، فقال:
اليوم يوم المهرجان ... وهديتي فيه لساني
لك دولتان حديثه ... وقديمة ورياستان
لك في الذرى من هاشم ... بيت وبيت خسرواني
علم الخليفة كيف أنت ... فصرت في هذا المكان
فأمر له بجميع الهدايا.
كان اسم بن معد خالداً فقدم على يستأسف، وكان رجلاً نحيفاً فقال: أي نزاراً فبقى نزاراً لقمعه بن الياس:
خلفنا جديساً ثم طمساً بأرضنا ... فأعظم يوم الفخار فخارا
وفيه:
هاشم نزاراً بعد أن كان خالداً ... وأمسى بنوه الأطيبون خيارا
هاشم عمرو بن عبد مناف، لأنه جلب البر من الشام فعمل الخبز وهشم الثريد لأهل مكة والحاج، قال:
أتاهم الغرائر متآقات ... من أرض الشام بالبر النفيض
فوسع أهل مكة من هشيم ... وشاب الخبز باللبن الغريض
المطيبون: بنو عبد مناف، وبنو أسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، والحارث بن فهر، غمسوا أيديهم في خلوق ثم تحالفوا.
والأحلاف: بنو عبد الدار، وبنو مخزوم، وبنو جمح، وبنو سهم، وبنو عدي. نحروا جزوراً وغمسوا أيديهم في دمائها وتحالفوا، فسموا لعقة الدم. ولم يل الخلافة من الأحلاف إلا واحد، وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والباقون من المطيبين.
قل لقريش سخينة، وهي حساء لأنهم يتخذونها في الجدب. قال حسان:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب
الأحابيش: الذي حالفوا قريشاً من القبائل، اجتمعوا بذنب حبشي جبل بمكة، فقالوا: بالله إنهم يد على من خالفهم ما سجا ليل وربما الحبشي في مكانه. وقيل: هو من التحبيش وهو الاجتماع، الواحد أحبوش.
الحُمس: حمس قريش، وكنانة، وخزاعة، وعامر، وثقيف، لتحمسهم في دينهم.
وكان يقال: للحمس الحرم، والحل لهم ولغيرهم، ويقال على هذا اجتمع الناس حمسهم وحلهم. كان يقال لخثعم الفجار، لأنهم لم يكونوا يحجون البيت في الجاهلية. العنابس: حرب، وأبو حرب، وسفيان، وأبو سفيان، وعمرو، وأبو عمرو، بنو أمية، لأنهم شبهوا بالأسد في حرب الفجار.
والأعياص: العاص، وأبو العاص، والعيص، والعويص، بنوه أيضاً، وكان الأحد عشر كل منهم يكنى باسم صاحبه إلا العويص فما كان له كنى.
قصي: اسمه زيد قصي عن دار قومه، لأنه حمل من مكة في صغره إلى بلاد أزدشنوءة بعد موت أبيه، فلما شب رجع إلى مكة ولم ينشب أن ساد، وكانت قريش في رؤوس الجبال والشعاب، فجمعهم وقسم بينهم المنازل بالبطحاء، فقيل له مجمع. قال حذافة بن غانم العدوي:
وزيد أبوكم كان يدعى مجمعاً ... به جمع الله القبائل من فهر
شيبة الحمد بن عبد المطلب، لقب بشيبة كانت في رأسه حين ولد. قال حذافة:
بني شيبة الحمد الذي كان وجهه ... يضيء ظلام الليل كالقمر البدر
وقيل له عبد المطلب لأن عمه المطلب مر به في سوق مكة مرقلاً، فجعلوا يقولون: من هذا وراءك؟ فيقول: عبد لي.
أبو بكر رضي الله عنه اسمه عبد الله، ولقباه العتيق والصديق لجماله وتصديقه بخبر المسرى، ولأنه أول من صدق رسول الله.
الفاروق قيل لعمر لأنه قال يوم أسلم: لا يعبد الله سراً، فظهر به الإسلام وفرق بين الحق والباطل.
الكامل لقب سعد بن عبادة لأنه كان يكتب ويحسن الرمي والغوص.
طلحة بن عبيد الله كان يقال له طلحة الخير وطلحة الفياض وطلحة الطلحات لسخائه.
يعسوب قريش عبد الرحمن بن عتاب بن أسعد، شهد الجمل فمر به علي رضي الله عنه فقال: لهفي عليك يعسوب قريش! شفيت نفسي وجدعت أنفي قتلت الصناديد من قريش وتركت الأعيار من بني جمح. فقال له رجل: أتقول هذا فيه وقد خرج عليك؟ فقال: إنه قام وعني وعنه نسوة لم يقمن عنك.
الجراضم معاوية، لأكله في سبعة أمعاء.

رشح الحجر وأبو الذبان لقبا عبد الملك لبخله وبخره.
عكة العسل سعيد بن العاص، وكان ذميماً نحيفاً.
الحبر عبد الله بن العباس لعلمه، كان يقال له مرة الحبر ومرة البحر.
عمرو بن سعيد الأشدق لأنه كان مائل الشد: وقيل دخل على معاوية فقال له: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: أبي أوصاني ولم يوص بي، قال: وبم أوصاك؟ قال: أوصاني بأن لا يفقد أخوته منه غير وجهه، فقال: إن ابن سعد هذا لأشدق، يريد التشادق في الكلام.
الجرادة الصفراء مسلمة بن عبد الملك لصفرة لونه، ولقول يزيد بن المهلب: وما مسلمة إلا جرادة صفراء أتاكم في أقباط وأخلاط وأنباط.
كان ابنا عبد الملك بن بشر بن مروان أبان والحكم في أجل حال وأفخم منزلة عند ابن هبيرة فقيل لهما الفيل والزندبيل.
وقيل لعكرمة بن ربعي الفياض لسخائه، خرج مع الوليد ابن عبد الملك إلى الصائفة، ومعه ألف بعير عليها الطعام فجعل ينحر كل يوم سمينها ويطعم ما عليه، فقال فيه الأخطل:
رأيت عكرمة الفياض في دمه ... سبط الفعال إذا ما يذكر الجود
ميزيقاء عمرو بن عامر ماء السماء من ملوك الحيرة، كانت تنسج له حلة من ذهب في سنة كاملة فيلبسها يوم العيد، فإذا أمسى مزقها، وتقدم ينسج أخرى لعيد السنة القابلة. وقيل: كان يلبس كل يوم حلة جديدة ويمزقها لئلا يلبسها غيره قال:
لقباني مزيقاء فاني ... أنا أولى من ابن ماء السماء
كان تمزيق حلة دأب عمرو ... كل عيد وقيل كل مساء
ولتمزيق فروة ابن فلان ... عادتي كل ساعة بهجاء
جذيمة بن سعد الخزاعي، قيل له المصطلق لحسن صوته وشدته. مفتعل من الصلق وهو شدة الصوت. عرض على الحارث بن عبد الله مكيال لابن الزبير فقال: إن مكيالكم هذا لقباع فلقب بالقباع قال أبو الأسود لابن الزبير:
أمير المؤمنين جزيت خيراً ... أرحنا من قباع بني المغيرة
راح يكذب لقب المهلب لأنه كان يضع الحديث في أيام الخوارج فيحدث به فإذا رأوه قالوا: راح يكذب. قال واثلة السدوسي:
أعور مشنوء يخالف قوله ... لما وصفوه إذ راح يكذب
صالح قبة: كان ينكر أن يتولد شيء من شيء، وكان يقول: يبتدئ الله ذلك في حال وجوده، ولو قربت النار من الحطب اليابس ولم يخلق الله الاحتراق أبداً، ولو طرح حيوان في النار ولم يخلق الله الألم فيه لم يتألم. حتى قيل له: فما تنكر أن تكون أنت في هذا الوقت قاعداً بمكة في قبة وأنت لا تعلم لأن الله لم يخلق فيك العلم، فقال: لا أنكر ذلك. فلقب بذلك.
واصل الغزال: كان يكثر الجلوس في سوق الغزالين، وقيل: كان يتتبع العجائز فيها فيتصدق عليهن، ولم يكن غزالاً.
خالد الحذاء لم يكن حذاءً وإنما يجلس في الحذائين. وقيل كان يكثر إذا ناظر أحداً: على حذاء الكلام.
وسليمان التيمي كانت داره ومسجده في بني تيم، ولم يكن منهم، وهو شيباني.
واليزيدي كان يعلم ولد يزيد بن منصور الحميري فنسب إليه.
وأبو عمر الشيباني لم يكن من شيبان وإنما كان معلم يزيد بن مزيد الشيباني.
ذو القروح امرؤ القيس لأن ملك الروم كساه الحلة المسمومة، فقرحته، والضليل: لأنه أضل ملك أبيه، والمفرك لأن النساء كان يفركنه.
قال ابن الكلبي: دخلت على ضرار بن عطارد وعنده رجل كأنه جرذ يتمرغ في الخز، فقال لي ابن عطارد: سله ممن أنت، فسألته فقال: إن كنت ناسياً فانسبني فإني من بني تميم، فابتدأت النسب إلى أن بلغت إلى غالب أبيه فقلت: وولد غالب هماماً، فاستوى جالساً وقال: والله ما سماني به إلا ساعة من نهار، فقلت: والله إني لأعرف اليوم الذي سماك به الفرزدق، بعثت في حاجة فخرجت تمشي وعليك مشقة لك فقلت والله لكأنك فرزدق دهقان. فقال: صدقت والله، ثم قال: أتروى من شعري شيئاً؟ فقلت: لا، ولكن أروي لجرير قصيدة، فقال: لأهجون كلباً سنة أو تروون لي كما رويت لابن المراغة، فجعلت اختلف إليه وأقرأ عليه النقائض وما بي حاجة إليها خوفاً منه.
سلم الخاسر باع مصحفاً لأبيه واشترى بثمنه دفتراً من شعر فقيل له الخاسر، واستطعمه الرشيد حديثاً فاستطرفه فأمر بأن يسمى سلم الرابح.

العماني الراجز محمد بن ذؤيب لم يكن من عمان وإنما رآه دكين الراجز وهو غليم نضو مصفر مطحول يمتح على بكره ويرتجز فقال: من هذا العماني فلزمه، لأن الطحال يعتري نازل البحرين.
ثابت قطنة أصيبت عينه في حرب فكان يحشوها قطناً. وقال فيه حاجب الفيل المازني:
لا يعرف الناس منه غير قطنته ... وما سواها من الإنسان مجهولاً
زياد الأعجم لقب بذلك للكنه يرتضخها، وكنيته أبو أمامة، فتسمى باسم النابغة وتكنى بكنيته.
شاعر:
أحب من الأسماء ما وافق اسمها ... وأشبهه أو كان منه مدانيا
وكان في رفقتي أعرابي بطريق مكة فصيح اللسان من خفاجة اسمه مرشد بن معضاد كنت استدنيه لأسمع منه فرأيته يوماً حانا إلى ولده، فسألته عن أسمائهم فقال: علي وعلي وعلوان، ثم قال: وأني لنا عن أي تراب.
أول من سمي في الإسلام أحمد أبو الخليل. وأول من سمي عبد الملك بن مروان.
قال ابن الأعرابي: منظور زبان الفزاري بقي في بطن أمه سنتين فولد وقد نبتت له ثنيتان، فسمي منظوراً لانتظارهم إياه، وقيل فيه:
وأبطأت حتى قيل أنك لا تجي ... وسميت منظوراً وجئت على قدر
وإني لأرجو أن تجود كحاتم ... وأني لأرجو أن تسود بني بدر
خارجة بن سنان المرئ ماتت أمه وهو حمل، فتحرك في بطنها فنقر عنه حتى خرج فسمي خارجة وبقير غطفان.
لما أقبل قحطبة على ابن هبيرة أراد أن يكتب إلى مروان يخبره وكره أن يسميه فقال: اقلبوه، فوجد هبط حق، فقال: دعوه على هئيته.
نظر عمر رضي الله عنه إلى جارية سوداء تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: ضربني أو عيسى. قال: أو قد تكنى بأبي عيسى؟ علي به، فأحضروه، فقال: ويحك! أكان لعيسى أب فتكنى به؟ أتدري ما كنى الأعراب؟ أبو سلمة، أبو عرفطة، أبو طلحة، أبو حنظلة، فأدبه واقتص منه للجارية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم حين حاصر الطائف: أيّما عبد نزل إلى فهو حر. فتدلى أبو بكرة، من السور على بكرة. فقال له النبي: أنت أبو بكرة، واسمه نفيع وأخوه نفيع وأخوه نافع، وكانا مولي الحارث ابن كلدة.
قال برصوما الزامر لأمه: أما وجدت لي اسماً علي هذا؟ قالت: لو علمت أنك تجالس الملوك لسميتك يزيد بن مزيد.
قيل لبعض صبيان الأعراب: ما اسمك؟ قال: قراد؛ قيل: لقد ضيق أبوك عليك؛ قال: إن ضيق الاسم فقد وسع الكنية؛ قيل: وما كنيتك؟ قال: أو الصحارى.
أنشد تعلب:
ليست بشامية النحاس ولا ... سفراء مصموحة معاصمها
بل ذات أكرومة تنكفها ال ... أحجار مشهورة مواسمها
وقال: الأحجار رهط بني نهشل، وهم جندل وصخر وجرول. وأنشد غيره:
وحللت من مضر بأمنع ذروة ... ضعت بحد الشوك والأحجار
يريد بالشوك أخواله، وهم قتادة وطلحة وعوسجة، وبالأحجار أعمامه، وهم صفوان وفهر وجندل وصخر.
من شأنهم أن يغيروا الاسم من صيغته، يقولون في سليمان: سليم وسلام وسالم، قال النابغة:
وكل صموت فثلة تبعية ... ونسج سليم كل قضاء ذائل
وقال الحطيئة:
فيه الرماح وفيه كل سابغة ... جدلاء محكمة من نسج سلام
وقال أبو أيوب بن أخت أبي الوزير في مرثية أم سليمان بن وهب:
وكنت سراج البيت يا أم سالم ... فأضحى سراج البيت بين المقابر
ودخل رجل على سليمان بن وهب فقال: ما تزداد مصيبتنا إلا تضاعفاً، قال: وما ذاك؟ قال: أي شيء أعظم مما أنا فيه وفاة والدتي وتسيير هذه المرثية التي فيها نقل اسمي من سليمان إلى سالم.
وقال الأغلب في سجاح المتنبئة:
قد علقت سجحاء خوطاً خائطاً ... أبيض جعداً عمرطا عمارطا
وقال آخر: والله لو شيخنا عباد، يريد معبداً.
وقال الأعشى:
إلا كخارجة المكلف نفسه ... وأبي قبيصة أن أغيب ونشهدا
يريد اليخرجان، وكان كسرى أخرجه مع إياس بن قبيصة أميراً على جيش من العرب في حرب ذي قار.
سمى عبد الملك لحبه الحجاج ابنا له الحجاج، وقال:
سميته الحجاج بالحجاج ... بالناصح المكاشف المداجي
وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً.
همدان أصابه أمر أهمه فقال هذا هم دان، فلقب بهمدان، واسمه أوسله بن مالك.

ولد نبت بن زيد بن يشجب والشعر نابت على جميع جسده فلقب بالأشعر، وولده الأشعرون ومنهم أبو موسى الأشعري.
استأذن الجاحظ السكاك على رئيس، فقال الخادم: الجاحد والشكاك بالباب، فقال: هما من أسماء الزنادقة، فقال له الجاحظ: قل الحدقى، فولى وهو يقول: الحلقي، فقال: ويحك! ارجع على الجاحد.
الأحواز مقلوبة عن أخواز جمع خوز، لأنها كانت بلدهم، وقال الأصمعي: الخوز الفعلة الذي بنو الصرح لفرعون، سمو بخوز وهو الخنزير بالفارسية، ولما جاء الإسلام وأقامت العرب بها اتقوا من هذا الاسم، فبذلوا لأصحاب السلطان أموالاً حتى غير الأخواز بالأهواز. جمع أبو بكر بن دريد ثمانية أسماء في بيت:
فنعم أخو الجلي ومستنبط الندى ... وملجأ محزون ومفزع لاهث
عياذ بن عمرو بن الحليس بن عامر ... بن زيد بن مذكور بن سعد بن حارث
قالوا: لم تكن الكنى لشيء من الأمم إلا للعرب وهي من مفاخرها. وقال عمر رضي الله عنه: أشيعوا الكنى فإنها منبهة. والتكنية إعظام، قلما كان لا يؤهل له إلا ذو شرف في قومه قال:
أكنيه حين أناديه لا كرمه ... ولا ألقبه والسوأة اللقب
وقيل في قوله تعالى: فقولا له قولا لينا، كنياه.
وقال البحتري:
يتشاغفن بالصغير المسمى ... موبصات وبالكبير المكنى
وقال ابن الرومي:
بكت شجونها الدنيا فلما تبينت ... مكانك منها استبشرت وتثنت
وكان ضئيلاً شخصها فتطاولت ... وكانت تسمى ذلة فتكنت
وعن مولى لعمر بن عتبة: كنت وصيفاً فأسلمني في المكتب، فلما حذفت وتأدبت ألزمني خدمته وأعتقني، فصاح يوماً يا أبا يزيد، فالتفت أنظر من عيني، فقال لي: إياك أعني، ثم قال: يا معشر قريش لا تدعوه باسمه. وقال لي: إنك أمس كنت لي وأنت اليوم مني.
والذي دعاهم إلى التكنية الإجلال عن التصريح بالاسم بالكناية عنه، ونظيره العدول عن فعل إلى فعل في نحو قوله تعالى: وغيض الماء وقضى الأمر، وقول الكتاب أمر بكذا ونهي عن كذا.
ومعن كنيته بكذا سميته به على قصد الإخفاء والتورية، وكنى وكمى أخوان في إعطاء معنى الإخفاء، وكذلك كنى عنه بمعنى ترجم عنه على وجه الإخفاء، ألا ترى إلى قولهم وروى عنه ثم ترقوا عن الكنى إلى الألقاب الحسنة التي هي أضداد ما يتنابز به مما نهى الله عنه وسماه فسوقاً، فقل من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب، ولم تزل في الأمم كلها من العرب والعجم تجري في المخاطبات والمكاتبات من غير نكير، غير أنها كانت تطلق على حسب استحقاق الموسومين بها.
وأما ما استحدث من تلقيب السفلة بالألقاب العلية، حتى زال التفاضل، وذهب التفاوب، وانقلب الضعة والشرف، والفضل والنقص، شرعاً واحداً فمنكر، وهب أن العذر مبسوط في ذلك فما العذر في تلقيب من ليس في الدين بقبيل ولا دبير، ولا له فيه ناقة ولا جمل، بل هو محتو على ما يضاد الدين وينافيه، بجمال الدين وشرف الإسلام؟ وهي لعمر الله الغصة التي لا تساغ، والغبن الذي يتنائر الصبر دونه. نسأل الله إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، وأن يصلح فاسدنا، ويوقظ غافلنا.
وكم أسام تزدهيك بحسنها ... وصاحبها فوق السماء اسمه سمج
والرجل يتكنى باسم ولده، وكذلك المرأة، فإذا كنوا من لم يولد له فعلى جهة التفاؤل. وبناء الأمر على رجاء أن يعيش ويولد له، كالأطفال المكنين والعقم. وقد يكنون بما يلابس المكنى من غير الأولاد، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي أبو تراب، وذلك لأنه نام في غزوة ذي العشيرة فذهب به النوم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متمرغ في البوغاء، فقال: اجلس أبا تراب. وكان من أحب أسمائه إليه، وكقولهم أبو لهب لحمرة لونه، وأبو الذبان لابن مروان.
وسمعتهم يكنون الكبير الرأس والعمامة بأبي الرأس وأبي العمامة، وكان داود بن عيسى يلقب بأترجة، وعبد السميع بن محمد بن منصور بشحم الخنزير، ومحمد بن أحمد بن عيسى الهاشمي بكعب البقر، وكانوا مع المستعين. فلما صاروا إلى المعتز قال فيهم:
أتاني أترجة في الأمان ... وعبد السميع وكعب البقر
فأهلا وسهلاً بمن جاءنا ... ويا ليت من لم يجيء في سقر

فقالوا قد شرفنا أمير المؤمنين ولكنه قد ذكرنا باللقب دون عبد السميع، فقال: ما عرفت لقبه، فقالوا: شحم الخنزير، فقال: هو في وزنه سواء بسواء، فضعوه موضعه.
أبو صخر الهذلي:
أبي القلب إلا حبه عامرية ... لها كنية عمرو وليس لها عمرو
ووجه له ديباجة قرشية ... بها تدفع البلوى ويستنزل القطر
تكاد تندى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق النضر
يعني يقال لها أم عمرو وليس لها ولد اسمه عمرو لأنها صغيرة لم تلده.
اجتاز المبرد بسذاب الوراق فسامه دخول ميز له، فقال: ما عندك؟ قال: عندي أنت وأنا. يعني اللحم البارد والسذاب.
قالت عائشة: يا رسول الله كل صواحبي لهن كنى، قال فاكتني بابنك عبد الله بن الزبير فكانت تكنى أم عبد الله.
أنس رضي الله عنه: كان لي أخ صغير وله نغر يلعب له فمات فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه حزيناً فقال ما شأنه؟ قالوا: مات نغره الذي يلعب به فقال: يا أبا عمير ما فعل النغير؟ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رباح، وقيل مهران، وكنيته أبو عبد الرحمن، كان معه في سفر، فكان كل من أعيا ألقى عليه بعض متاعه، فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنت سفينة، فلقب به.
علي رفعه: إذا سميتم الولد محمداً فأكرموه، ووسعوا له في المجلس، ولا تقبحوا له وجهاً.
وعنه: ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم.
وما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه أحمد أو محمد إلا قدس ذلك المنزل في كل يوم مرتين.
دخل أرطأة بن سهبة على عبد الملك فأنشده:
رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقى المنية حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد
واعلم أنها ستكر حتى ... توفي نذرها بأبي الوليد
فارتاع عبد الملك وتغير، وقدر أنه أراده لتكنيه بأبي الوليد، فقال يا أمير المؤمنين، إنما أردت نفسي.
من آداب الملك أن تتجنب نحو هذا، وعلى الشاعر أن لا يشبب بامرأة يوافق اسمها اسم بعض نسائهم.
كان يقال لخويلد بن أسد بن عبد العزى أبو الخسف لقوله:
نحن أباة الخسف يوم كلية ... ونحن أباة الخسف كل مكان
وكانت بنو بكر منعته أن يسقي حوض كلية فقاتلهم وهزمهم.
ولد معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله عند معاوية بن أبي سفيان بالشام، فسأله معاوية أن يسميه باسمه، ودفع إليه معاوية خمسمائة ألف درهم، وقال: اشتر بها لسمي ضيعة.
انتهى أعرابي إلى قوم قد سلخوا جزوراً وقد عضوها بكشاطها، فقال: من الكشطة؟ وهو يريد أن يستوهبهم، فقال بعض القوم: وعاء المرامي ومثابت القرن وأدنى الجزاء من الإبل، فقال الأعرابي: يا كنانة ويا أسد ويا بكر أطعمونا من لحم جزوركم وأدنى الجزاء من الإبل، يقال ثبت لقرنه وثابته وتثابتا، والجزاء ما يجزى من الهبة.
سئلت عائشة رضي الله عنها عن اسم أبي بكر فقالت: عبد الله، فقيل: الناس يقولون عتيق، فقالت: إن أباه أبا قحافة كان له ثلاثة، سماهم عتيقاً ومعتقاً ومعيتقاً.
نظر المأمون إلى غلام حسن في الموكب فسأله عن اسمه فقال: لا أدري. فقال أو يكون أحد لا يعرف اسمه؟ قال: فاسمي الذي أعرف لا أدري. وقال:
قسمت لا أدري بأنك لا تدري ... بما فعل الحب المبرح في صدري

السفر، والسير، والفراق
وذكر الرحيل، والقدوم، والوداع، والبعد، والقرب، والذهاب، والمجيء، ونحوها.
الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من فر بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبراً من الأرض، استوجب الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد " .
أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو يعلم الناس برحمة الله للمسافر لأصبح الناس على ظهر سفر، إن الله بالمسافر رحيم " .
لما أخرج يوسف عليه السلام من الجب واشتري قال لهم قائل: استوصوا بهذا الغريب خيراً، فقال لهم يوسف: من كان مع الله فليس عليه غربة.

علي رضي الله عنه عند مسيره إلى الشام: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء النظر في الأهل والمال، اللهم أنت الصاحب في السفر، وأنت الخليفة في الأهل، ولا يجمعهما غيرك، لأن المستخلف لا يكون مستصحباً، والمستصحب لا يكون مستخلفاً.
وقال لبعض من أنفذه: سر البردين وغور بالناس ورفه بالسير، ولا تسر أول الليل فإن الله جعله سكناً، وقدره مقاماً لا ظعنا، فأرح فيه بدنك وروح ظهرك، فإذا وقفت حين ينبطح السخر أو حين ينفجر الفجر فسر على بركة الله.
ذكر لحوقة برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته فقال: فجعلت اتبع مأخذ رسول الله فأطأ ذكره حتى انتهيت إلى العرج. أراد كنت أعطي خبره حتى انتهيت إليه.
عمرو بن شاش أبو عرار:
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى لمطايانا برياك هاديا
أليس يزيد العيس خقة أذرع ... وإن كن حسري أن تكوني أماميا
الحركة ولود، والسكون عاقر.
أعرابي: قربني إليك قطع مفازة وركوب أخرى، وملاطمة هواجر النهار، ومراعاتي نجوم الليل، ورميي بالنجيب الناجي أثباج الليل الداجي.
الفرس: وجدنا في مهارقنا القديمة: إذا لم يساعد الجا فالحركة خذلان.
رب لازم لعرصته فاز ببغيته.
في بعض الكتب السماوية: إن مما عاقبت به عبادي أني ابتليتهم بفراق الأحبة.
قريبة الأعرابية: إذا كنت في غير قومك فلا تنسى نصيبك من الذل.
فراقك مثل فراق الحياة ... وفقدك مثل افتقاد الأيم
عليك السلام فكم من وفا ... ء نفارق منك وكم من كرم
أعرابي: الاغتراب يعيد الجدة ويفيد الجدة.
حكيم: السفر ميزان الأخلاق، لأنه يفصح عن مقاديرها في الكرم واللؤم.
قيل لصوفي مسفار: كم رأيت من البلدان؟ قال: لا تسأل! فإن شيطاني كان من الفيوج.
أعرابي: لا يغني المخلب ما دام في المقنب.
يقال فلان ركوب للأهوال، وفلان ألوف للظلال.
الغريب النائي عن أهله كالثور الناد عن اصطبله فهو لكل سبع فريسة، ولكل رام فريضة.
تميم الداري لم تبق أرض لم يطأها، ولا واد لم يسلكه، حتى رأى الردم ووصفه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ بلاد الظلمة وقطع وبار.
حكيم: لا توحشنك الغربة إذا أنستك الكفاية مع لزوم الأوطان.
محمد بن عبد العزيز بن سهل من أمراء الجبل: قيل لأعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان.
كأن لم تكن سعدى بأعناء غيقة ... ولم تر من معدي بهن منازل
ولم تتربع السرير ولم تكن ... للصيف خيمات العذيب الظلائل
قيل لعبد الواحد بن زيد من أصحاب الحسن: كيف كنت في سفرك؟ فقال: أبلاني الله في سفري هذا من حسن البلاء كأني لم أعصه قط.
خرج أيوب السختياني في سفر فشيعه الناس، فقال: لولا أني أعلم أن الله يعلم من قلبي لهذا كاره لخشيت المقت من الله.
قيل لأعرابي: متى الرحيل؟ قال: تلغموا بيوم السبت من قالهم فلان يتلغم بذكرك، أي يذكرك دائماً، من اللغام.
لا داء أدوى من الهجر إلا البين فإنه قاصمة الظهر.
إن أعانتك الغربة على الزمن فلا تطع النزاع إلى الوطن.
النجح مقيم في كنف الدؤوب.
مر إياس بن معاوية بماء فقال: اسمع صوت كلب غريب. فقيل له: لم عرفته؟ قال بخضوع صوته وشدة نباح غيره.
يقال للرجل المسفار خليفة الخضر، قال أبو تمام:
خليفة الخضر، من يربع على وطن ... في بلدة، فظهور العيس أوطاني
بالشام قومي وبغداد الهوى أنا ... بالرقمتين وبالفسطاط أخواني
العلاء بن أسلم: أردت الخروج إلى مكة فجاءني هشام بن عقبة أخو ذي الرمة فقال: يا ابن أخي، إنك تريد سفراً يحضر الشيطان فيه حضوراً لا يحضره غيره، فاتق الله، وصل الصلاة لوقتها، فأنك مصليها لا محالة، فصلها وهي تنفعك، واعلم أن لكل رفقة كلباً ينبح دونهم فإن كان مهناً شركوه فيه، وإن كان عاراً تقلده دونهم، فلا تكونن كلب الرفقة.
طفرة النظام مثل في المغذ الذي يطوي في مدة يسيرة، ومن مذهبه أن الجوهر ينتقل من المكان الأول إلى الثالث من غير أن يمر بالمكان الثاني.
قيل لرجل: إن السفر قطعة من العذاب، فقال: بل العذاب قطعة من السفر. قال:
كل العذاب قطعة من السفر ... يا رب فارددني إلى روح الخضر
دعبل:

ويك أن القعود يلعب بالقع ... دد لعب الرياح بالبوغاء
كذب الزاعمون إن دوا اله ... م قرب الخريدة و الحسناء
ما دواء الهموم إلا المهارى ... تعتلي في التنوفة الملساء
فمتى أوثر النساء على العي ... س فاصبحت دالي الأنساء
إن تحت الحشا لهماً دخيلاً ... ترك القلب ناسياً للنساء
قيل لأعرابي: إنك تبعد السفر! قال: رأيت ما في أيدي الناس أبعد مما في السفر.
قيل لابن الأعرابي: لم سمي السفر سفراً؟ قال: لأنه يسفر عن أخلاق القوم، أي يكشف.
شبهت الحكماء الغريب باليتيم ثكل أبويه، فلا أم ترأم له ولا أب يحدب عليه.
الغريب كالغرس الذي زايل تربته ذاو لا يثمر وذايل لا ينضر.
شاعر:
وسائلة بظهر الغيب عنا ... وما تدري أمتنا أم حيينا
فنحن كما يسرك غير أنا ... بنا الأفاق بعدك ترتمينا
أفراسياب: مثل التركي مثل الدر والمسك لا يشرقان ما لم يفارقا معدتهما.
سافر أعرابي فرجع خائباً فقال: ما ربحنا من سفرنا إلا ما قصرنا من صلاتنا.
علي رضي الله عنه: فقد الأحبة غربة.
علي رضي الله عنه: ست من المروءة، ثلاث في الحضر وثلاث في السفر، وأما اللاتي في الحضر فتلاوة كتاب الله، وعمارة مساجد الله، واتخاذ الأخوان في الله، وأما اللاتي في السفر فبذل الزاد، وحسن الخلق، والمزاح في غير المعاصي.
أغار حذيفة بن بدر على هجان المنذر بن ماء السماء، وسار في ليلة مسيرة ثمان، فضرب بمسيره المثل فقال: سار فلان بمسير حذيفة. وقال قيس بن الخطيم:
هممنا بالإقامة ثم سرنا ... مسير حذيفة الخير ابن بدر
وسار ذكوان مولى عمر رضي الله عنه من مكة إلى المدينة في يوم وليلة.
الصاحب: خرج على الطائر الأسعد والجد الأصعد.
لقاء الحبيب روح الحياة، وفراقه سم الحياة.
دخل علي يوم الصدر عن مكة حرسها الله الشريف سلامة بن عياش الينبعي للوداع فأنشدني لبعض الحسنيين:
فبت مرقرقاً قد أنشبتني ... رسبسة ورد بينهم وأحاها
لعلمي أن صرف البين يصحي ... بنبل العين قرتها لماحا
جرير:
يا أخت ناجيه السلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
قيل لعمارة بن عقيل بن بلال بن جرير: ما كان جدك صانعاً؟ قال: كان يقلع عينيه ولا يرى مظعن أحبابه.
خرج علي بن الجهم إلى الغزو قتلقته خيل بناحية حلب فجرحوه، فبات يئن ويقول:
أسال بالليل سيل ... أم زيد في الليل ليل
يا أخوتي بدجيل ... وأين مني دجيل
وكان منزله في شارع دجيل ببغداد، ودفن بحلب، فوجد في جيبه رقعة مكتوب فيها:
يا رحمتا للغريب في البلد النا ... زح ماذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا
رب غريب كالبدر الطالع والكوكب اللامع يهتدي بضيائها السائر ويأنس برؤيتهما الساهر.
وجد المتوكل على قبيحة فألبست وصيفة لها قباء حرير مكتب بالذهب في صدره:
حين تم الهوى وقلنا سررنا ... وأمنا من الصدود أمنا
بعث النأي رسله في سكون ... فأبادوا من شملنا ما جمعنا
كان لرجل من العرب ابن يريد السفر وهو يمنعه إشفاقاً عليه، فقال:
ألا خلني أمضي لشأني ولا أكن ... على الأهل كلا أن ذا لشديد
أرى السير في البلدان أغنى معاشراً ... ولم أر من أجدى عليه قعود
تهيبني ريب المنايا ولم أكن ... لأهرب عما ليس عنه محيد
فلو كنت ذا مال لقرب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت أنت رشيد
فذرني أجول في البلاد لعله ... يُسر صديق أو يساء حسود
نظر امرؤ القيس إلى قبر امرأة من بني عامر، وكانت جارة له، فقال:
أجارتنا أن المزار قريب ... وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إن غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب

محفوظ بن علقمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: " أما إنك إن ترافق غير قومك يكن أحسن لخلقك وأحق أن يقتفى بك " أراد الحسن الحج فأحب ثابت أن يصطحبا، فقال: ويحك! دعنا نتعايش بستر الله، إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه.
أراد أعرابي سفراً فقال لامرأته:
عدي السنين لغيبتي وتصبري ... وذري الشهور فأنهن قصار
فأجابته:
اذكر صبابتنا إليك وشوقنا ... وارحم بناتك أنهن صغار
فأقام وترك سفره.
جهم بن عوف العقيلي:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بعيداً من اسم الله والبركات
عرض بمتاعب السفر وقول السفر كلما حلوا وارتحلوا بسم الله وعلى بركة الله.
أنشد ثعلب:
راحوا ورحنا على آثارهم أصلا ... محملين من الأحزان أوتارا
كأن أنفاسنا لم ترتحل معنا ... أو سرن في أول الحي الذي سارا
وأنشد أيضاً:
وما وجد مغلول بصنعاء موثق ... بساقية من ماء الحديد كبول
قليل الموالي مسلم بجريرة ... له بعد نومات العيون أليل
يقول له الحداد أنت معذب ... غداة غد أو مسلم فقتيل
بأكثر مني لوعة يوم راعني ... فراق حبيب ما إليه سبيل
النبي صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوي بالليل ما لا تطوي بالنهار.
كعب بن مالك: قل ما كان رسول الله يخرج في سفر إلا يوم الخميس " .
صخر بن وداعة الغامدي: عنه عليه السلام أنه كان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم أول النهار. وكان صخر رجلاً تاجراً وكان يبعث تجارته من أول النهار، فأثرى وكثر ماله.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن يسافر الرجل في غير رفقة، وقال: الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب.
وعن ابن عباس رفعه: خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة.
وقال: إذا خرج ثلاثة في سفر فليأمروا أحدهم، رواه الخدري.
فزعة: قال لي ابن عمر رضي الله عنهما: هلم أودعك كما ودعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.
علي بن ربيعة: شهدت علياً رضي الله عنه، وأتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون. ثم قال الحمد لله ثلاث مرات، ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين، من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كما فعلت، ثم ضحك، فقلت: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: إن ربك يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري.
وما أنس ملأشياء لا أنس قولها ... بنفسي بين لي متى أنت راجع
فقلت لها والله ما من مسافر ... يحيط له علم بما الله صانع
فألقت على فيها اللثام وأدبرت ... وأقبل بالحكل السحيق المدامع
الأقرع بن معاذ عبد العزيز بن الماجشون من فقها ء المدينة: قال لي المهدي: يا ماجشون، ما قلت حين فارقت أصحابك الفقهاء بالمدينة؟ فقلت: قلت:
لله باك على أحبابه جزعاً ... قد كنت أحذر من ذا قبل أن يقعا
إن الزمان إلف السرور لنا ... فدب بالبين فيما بيننا وسعى
ما كان والله شؤم الدهر يتركني ... حتى يجرعني من بعدهم جرعا
فليصنع الدهر بي ما شاء مجتهداً ... فلا زيادة شيء فوق ما صنعا
فقال والله لأغنيك، فأعطاني عشرة آلاف دينار.
عمر بن أحمد بن بديل اليامي:
أما الرحيل فحين جد ترحلت ... مهج النفوس له عن الأجساد
من لم يبت والين يصدع قلبه ... لم يدر كيف تفتت الأكباد
عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير:
ليت شعري ولليالي صروف ... هل أرى مرة بقيع الزبير
ذاك مغنى ألفته وقطين ... تفرح النفس إذ تراهم بخير

عمار بن عبد الله الكلبي:
أذن جيرانك بالرحيل ... وقربوا أنايق الحمول
من رامتي حومة فالدخول ... ثم غدوا بقلبك المتبول
وخلفوا جسمك في الطول
عدي بن غطيف الكلبي
يا من رأى ظعناً تيمم صرخدا ... يحدو بها حوران فهي ظماء
أخبرن بالجولان روضا ممرعا ... فتبعن ما فاهت به البشراء
لما احتللن محلة من جاسم ... طرح العصي وأدرك الأهواء
قيس بن ذريح الكلبي:
بكيت نعم بكيت وكل إلف ... إذا بانت قرينته بكاها
وما فارقت لبنى عن تقال ... ولكن شقوة بلغت مداها
كعب بن ذي الحبكة النهدي سيره الوليد بن عقبة إلى دنباوند فقال:
وإن اغترابي في البلاد وجفوتي ... وشتمي في ذات الإله قليل
وإن دعائي كل يوم وليلة ... عليكم بدنيا وندبكم لطويل
الهيثم بن القاسم الخثعمي:
سائل عن الظاعنين ما فعلوا ... وأين بعد ارتحالهم نزلوا
يا ليت شعري والليت عصمة من ... يأمل ما حال دونه الأجل
أين استقرت نوى الأحبة أم ... هل يرتجى للأحبة القفل
ركب ألحت يد الزمان على ... إزعاجهم في البلاد فانتقلوا
ذكر عند العباس بن علي ولد قد فارقه فقال: دعوني أتذوق طعم فراقه، فهو والله الذي لا تشجى له النفس، ولا تدمع له العين، ولا يكثر في أثره الالتفات، فلا يدعى له فراقه بالسلامة.
شاعر:
عجبت لما رأتني ... أندب الربع المحيلا
واقفاً في الدار أبكي ... لا أرى إلا الطلولا
كلما قلت اطمأنت ... دارهم قالوا الرحيلا
كان نعيم النحام قديم الإسلام، ولقب بذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم فيها. وأقام بمكة حتى كان قبل الفتح، لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم، فقال له قومه حين أراد الهجرة وتشبثوا به: أقم ودن بأي دين شئت. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه: قومك يا نعيم كان خير من قومي لي، إن قومي أخرجوني وأقرك قومك، فقال نعم، بل قومك خير يا رسول الله، أخرجوك للهجرة، وقومي حبسوني عنها.
الصبا والشباب، والشيخوخة والهرم وما شاكل ذلك.
ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. " البركة مع أكابرهم " .
أنس: جاء شيخ إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأبطأوا عن الشيخ أن يوسعوا له، فقال: ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا.
جعفر بن محمد عن أبيه: جاء رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ وشاب، فتكلم الشاب قبل الشيخ، فقال: كبر كبر.
وبهذه الرواية: من عرف فضل كبير لسنه فوقره أمنه الله من فزع يوم القيامة.
علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن من حق إجلال الله إكرام ثلاثة: ذو الشيبة المسلم، وذو السلطان المقسط، وحامل القرآن غير الجافي ولا الغالي فيه " .
قام وكيع بن الجراح إلى سفيان الثوري فأنكر عليه قيامه، فقال وكيع: حدثني عن عمرو بن دينار عن أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم " ، فسكت سفيان وأخذ بيده فأجلسه إلى جانبه.
أنس يرفعه: ما أكرم شاب شيخاً إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه.
أنس يرفعه: قال الله تبارك وتعالى وعزتي وجلالي وفاقة خلقي إلي إنه لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام أن أعذبهما. ثم بكى، فقيل له: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: أبكي ممن يستحي الله منه وهو لا يستحي من الله.
وقال: من بلغ ثمانين من هذه الأمة حرمه الله على النار.
وقال: إن الله يحب أبناء الثمانين.
وقال: إذا بلغ المؤمن ثمانين سنة فأنه أسير الله في الأرض، تكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات.
وقال: من أتت عليه مائة سنة بعثه الله وافداً لأهل بيته.
عبد الله: كان الرجل من قبلكم لا يحتلم حتى تأتي عليه ثمانون سنة.
وهب: إن أصغر من مات من ولد آدم ابن مائتي سنة تبكيه الأنس والجان لحداثة سنه.
عبادة بن الصامت رفعه: ألا أنبئكم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أطولكم أعماراً في الإسلام إذا سددوا.

قال رجل للفضل بن مروان: كم سنوك؟ قال: سبعون، ثم سأله بعد سنين فقال: سبعون، فقال: ألم تخبرني منذ عشرين سنة بهذا؟ قال: بلى ولكني رجل ألوف، إذا ألفت سنة أقمت فيها عشرين سنة لم أتجاوزها إلى غيرها.
أفلاطن: أيها الشبان، أكرموا كباركم ليتأسى بكم من يأتي بعدكم.
شاعر:
إن معاذ بن مسلم رجل ... قد ضج من طول عمره الأبد
قد شاب رأس الزمان واكته ... ل الدهر وأثواب عمره جدد
يا نسر لقمان كم تعيش وكم ... تسحب ذيل الحياة يا لبد
قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كفك الوتد
تسأل غربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصداع والرمد
قال يزيد بن معن السلمي لمعاوية حين سقطت مقاديم فيه في الطست: والله ما بلغ أحد سنك إلا أبغض بعضه بعضاً، فثنلياك أهو من علينا من سمعك وبصرك، فطابت نفسه.
لما شد عبد الملك أسنانه بالذهب قال: لولا المنبر والنساء ما باليت مني سقطت.
عمرو بن الليث: سافر بالحمار الهرم فإن نقل وإلا دل على الطريق.
دخل يونس بن حبيب المسجد وهو يهادي بين اثنين من الكبر، فقال من كان يتهمه على مودته: بلغ بك الكبر من أرى يا أبا عبد الرحمن! فقال: هو ما ترى، فلا بلغته.
يحيى بن خالد البرمكي:
الليل شيّب والنهار كلاهما ... رأسي بكثرة ما تدور رحاها
الشيب إحدى الميتتين تقدمت ... أولاهما وتأخرت آخراهما
تميم بن خزيمة:
قالت تغيرت قلت الدهر غيرني ... والهم شيبني ما شبت من كبر
قيل لحكيم: مالك تدمن إمساك العصا ولست بمريض ولا كبير؟ قال: لأرى إني مسافر دخل سليمان بن عبد املك مسجد دمشق فرأى شيخاً يزحف فقال: يا شيخ، أيسرك أن تموت. قال: لا، قال: ولم وقد بلغت من السن من أرى؟ قال: ذهب الشباب وشره، وبقي الكبر وخيره، إذا أنا قعدت ذكرت الله، وإذا قمت حمدت الله، فأحب أن تدوم لي هاتان الخصلتان.
قيل لأبي الجماهر: ابن كم أنت؟ قال: ولتني الخمسون ذنبها. وقال آخر: حبوت إلى الستين، وقال آخر: أخذت بعنق الستين.
مسروق: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله. وأنشد ابن الأعرابي:
إذا المرء وافي الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي من حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي أتى ... وإن جر أرسان الحياة له الدهر
أنس رضي الله عنه رفعه: يبغض ابن السبعين في طرة ابن العشرين.
كتب الحجاج إلى قتيبة: إني نظرت في سنك فوجدتك لدتي، وقد بلغت الخمسين وإن امرءاً سار إلى منهل الخمسين لقريب منه، فسمع به الحجاج بن يوسف التيمي فقال:
إذا كانت السبعون داءك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب
وإن امرءً قد سار سبعين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب
النخعي: كان يقال إذا بلغ الرجل أربعين سنة على خلق لم يتغير حتى يموت.
ودعي مدني إلى لهو كان يساعد عليه فقال: دخلت في حد الأربعين، فما بقي في على الجهل مساعد، وقال:
إذا ما المرء قصر ثم مرت ... عليه الأربعون ولم يبال
ولم يلحق بصالحهم فدعه ... فليس بلاحق أخرى الليالي
هو الأعور الشني.
عبادة بن الصامت: قال جبريل لرسول الله يؤمر الحافظان أن ارفقا بعبدي في حداثة سنه، فإذا بلغ الأربعين قال احفظا وحققا.
ابن عباس رفعه: من أتى عليه أربعون سنة ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار.
محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم: إذا بلغ الرجل أربعين سنة نادى مناد من السماء: دنا الرحيل فأعد زاداً.
هلال بن يساف: كان الرجل من أهل المدينة إذا بلغ أربعين سنة تخلى للعبادة.
النخعي: كانوا يطلبون الدنيا فإذا بلغوا الأربعين طلبوا الآخرة.
كان يقول عمر بن عبد العزيز: لقد تمت حجة الله على الأربعين، فمات بها.
الحسن: لقد أعذر إليك أن عمرك أربعين فبادر المهلة قبل حلول الأجل. أما والله لقد كان الرجل فيما مضى إذا أتت عليه أربعون سنة عاتب نفسه.
أنس رضي الله عنه رفعه: لكل شيء حصاد، وحصاد أمتي ما بين الستين والسبعين.

حذيفة رضي الله عنه: قالوا: يا رسول الله، ما أعمار أمتك؟ قال: مصارعهم ما بين الخمسين والستين. قالوا: يا رسول الله فأبناء السبعين؟ قال: قل من بلغها من أمتي، فرحم الله أبناء السبعين، ورحم الله أبناء الثمانين.
سأل وهباً عمرو بن دينار عن سنة فقال: ستون، فقال: ينبغي لمن سار إلى الله منذ ستين سنة أن يكون قد أناخ، وروي: أنت تسير إلى الله منذ ستين سنة أوشك أن تريح راحلتك وتحط رحلك.
بليل الصفار:
وما صاحب السبعين والعشر بعدها ... بأقرب ممن حنكته القوابل
ولكن آمالاً يؤملها الفتى ... وفيهن المراجين حق وباطل
إبراهيم بن أدهم: كنا نرجو الشباب، فإذا تكلم عند من هو أكبر منه أيسنا من كل خير عنده.
عاش كل واحد من حسان وأبيه ثابت، وجده المنذر، وجد أبيه مائة وأربعين سنة، وكان عبد الرحمن إذا حدث بذلك أشرأب له وثنى يده عليها. فمات وهو ابن ثمان وأربعين.
عنه عليه السلام: ما أعمار أمتي في أعمار من مضى إلا كما بين مغيربان الشمس.
أبو هريرة رفعه: من عمر ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر.
عبد الله بن الزبير: أنت علي سبعون سنة، أنا محمد زرع قد استحصد.
يحيى بن معاذ مقدار عمرك في جنب عيش أهل الجنة كنفس واحد، فإذا ضيعت نفسك فخسرت عيش الأبد إنك لمن الخاسرين.
أبو البلاد الطهري:
مضت مدتي حتى انحنيت من البلى ... وكانت قناتي من قنا الخط عودها
وغيرني الأحداث يا أم مالك ... وراجع خطوي مشية لا أريدها
عنه عليه السلام: خلق ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون ميتة إن أخطأته وقع في الهموم حتى يموت.
سئل أحمد بن عيسى العلوي عن سنيه فقال: خلفت الخمسين من ورائي، وإن التفاتي إليها لطويل.
الدهر أبلاني وما أبليته ... والدهر غيرني ولم يتغير
والدهر قيدني بقيد محكم ... فمشيت به وكل يوم يقصر
أبو الحسن الحماني:
هبني بقيت على الأيام والأبد ... ونلت ما رمت من مال ومن ولد
من لي برؤية من قد كنت آلفه ... وبالشباب الذي ولى فلم يعد
ابن عروس الكاتب:
لقد تأملت الحياة ... عقيب أيام التصابي
فإذا المصيبة في الحياة ... هي المصيبة بالشباب
قال عبد الملك للعريان بن الهيثم: كيف تجدك؟ قال: أجدني قد ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض، واشتد مني ما أحب أن يلين، ولان مني ما أحب أن يشتد، ثم قال:
سلني أنبئت بآيات الكبر ... نوم العشاء وسعال بالسحر
وقلة النوم إذا الليل اعتكر ... وقلة الطعم إذا الزاد حضر
وسرعة الطرف وتحميج النظر ... وتركي الحسناء في قبل الطهر
وكثرة النسيان فيما يذكر ... وشعر بدلته بعد شعر
والناس يبلون كما تبلى الشجر
علي رضي الله عنه: بقية عمر المرء لا ثمن لها، يدرك بها ما فات، ويحيي بها ما أمات.
قيل لشيخ: كم أتى عليك؟ قال: عشر سنين. قيل: وكيف وأنت شيخ كبير؟ قال: أنا منذ عشر سنين من التوابين.
هو ابن قبيصة وقد شارف أن يحتوي هنيدة، أين هو ابن ثلاث وتسعين وقارب المائة، أبلى ثلاث عمائم في الشعر الأسود والمغلس والأبيض.
غيلان بن سلمة الثقفي:
الشيب إن يظهر فإن وراءه ... عمراً يكون خلاله منفس
لم ينتقص مني المشيب قلامة ... الآن حين بدا ألب وأكيس
استحضر المتوكل الجاحظ فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بامرئ ليس بطائل، ذي شق مائل، ولعاب سائل، وعقل حائل.
ديك الجن:
نهنهت الخمسون من شرتي ... وقصرت خطوي بعد اتساع
تعترف النفس بنقص القوى ... فأمسك النفس ببعض الخداع
أذكر أسنان التي فوقها ... والموت قد يودي بمن في الرضاع
قريبة الإسناد من عاد، وفرعون ذي الأوتاد.
قد عطل الدهر مسواكها. عشورية لم يبق إلا هديرها.
قيس بن الحدادية الخزاعي:
هل الأدم كالآرام والزهر كالدمى ... معاودتي أيامهن الصوالح
زمان سلاحي بينهن شبيبتي ... لها سائف في سيبهن ورامح

فأقسمن لا يسقينني قطر مزنة ... لشيبي ولو سالت بهن الأباطح
عبد الرحمن بن أبي بكرة: من تمنى طول العمر فليوطن نفسه على المصائب.
شاعر:
وكأن طول العمر روحة راكب ... قضى اللغوب وجد في الإسراء
أبو حية النميري:
ترحل بالشباب الثيب عنا ... فليت الشيب كان به الرحيل
وقد كان الشباب لنا خليلاً ... فقد قضى مآربه الخليل
لعمر أبي الشباب لقد تولى ... حميداً ولا يراد به بديل
إذ الأيام مقبلة علينا ... وظل أراك الدنيا ظليل
أنس: قال ملك الموت لنوح عليه السلام: يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا ولذاتها؟ قال: كرجل دخل بيتاً له بابان، فقام وسط البيت هنية ثم خرج من الباب الآخر.
يقال للبالغ عمره: ما بقي منه إلا مثل ظمء الحمار.
وعن مروان بن الحكم: الآن حين نفذ عمري ولم يبق منه إلا مثل ظمء الحمار صرت أضرب الجيوش بعضها ببعض.
يقال لمن بلغ ساحل الحياة ما هو إلا شمس العصر على القصر.
ابن المعتز عظم الكبير فإنه عرف الله قبلك، وارحم الصغير فإنه أغر بالدنيا منك.
قال المنتصر للحسين بن الضحاك وكان من بقية أهل الفضل، وقد أتاه مهنئاً بالخلافة، وهو شيخ أخذت منه السن العالية، بعدما بالغ في إكرامه، وسر بسلامته، بقاؤك بهاء للملك، وزينة للدولة، وقد ضعفت عن الحركة، فكاتبني بحاجاتك، ولا تحمل على نفسك.
أبو الطفيل عامر بن واثلة له صحبه. وتروى لمسعود بن مصاد الكلبي:
أيدعونني شيخاً وقد عشت حقبة ... وهن من الأزواج نحوي نوازع
وما شاب رأسي من سنين تتابعت ... علي ولكن شيبتني الوقائع
دخل معن بن زائدة على المأمون فقال: إلى أين خال صيرك الكبر؟ قال: إلى أن أعثر ببعرة، وتقيدني شعرة، قال: كيف حالك في المأكول والمشروب والنوم؟ قال: إن جعت جررت وإن أكلت ضجرت، وإن كنت في ملأ نعست، وإذا صرت إلى قوامي شتى أرقت، قال: كيف حالك مع النساء؟ قال: أما القباح فلست أريدهن وأما الملاح فليس يردنني. قال: لا يحل أن يستثاب مثلك، أضعفوا رزقه وأكرموا منزله يركب إليه الناس ولا يركب إلى أحد.
شميط: أحدهم قد كبر سنه، ورق عظمه، وأنكر نومه وطعمه وهو فاغر فاه، لهفان على الدنيا، كأنما ابتكر العيش جدعاً، ويحك أترجو أن يرجع إليك الشباب، فليس بعائد إليك، أما تدرك نفسك في بقية عمرك، أما تتوب إلى الله، من قريب.
أطع أكبر منك ولو بليلة.
رأى الحسن البصري في يد أمه كراثة فقال: يا أمه، ما هذه الشجرة الخبيثة في يدك؟ قالت: يا بني أنك شيخ قد خرفت! قال: يا أمه، أينا أكبر أنا أو أنت؟ داود بن متمم بن نويرة:
يخاف على المشفقون ومدتي ... إلى أجل لو يعلمون قريب
وما رغبتي في آخر العيش بعدما ... لبست شبابي كله ومشيبي
وأصبحت في قوم كأن لست منهم ... وغاب قروني بينهم وضروبي
شاعر:
لو لم يوكل بالفتى ... إلا السلامة والنعم
فتداولاه لأوشكا ... أن يسلماه إلى الهرم
النبي صلى الله عليه وسلم: " من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة ما لم يخضبها أو ينتفها " .
شاعر:
أعر طرفك المرآة فانظر فإن بنا ... بعينيك منك الشيب فالبيض أعذر
إذا شئت وجه الفتى عين نفسه ... فعين سواه بالشناوة أجدر
العتبي:
رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر
وكن إذا أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرقعن الكوى بالمحاجر
أبو الشبل البرجمي:
عذيري من جوارحي الح ... ي إذ يرغبن عن وصلي
رأين الشيب قد ال ... بسني أبهة الكهل
فأعرضن وقد لن ... ن إذا قيل أبو شبل
تساعين فرقعن ال ... كوى بالحدق النجل
آخر:
علاني من صروف الدهر نقع ... أحاذر نفضه عني حذارا
فويلي حين غبرت الليالي ... وويلي حين ينفضن الغبارا

إياس بن قتادة العبشمي: رأي شيبة في لحيته فقال: أرى الموت يطلبني، وأراني لا أفوته، يا رب أعوذ بك من فجاءات الأمور. يا بني سعد إني قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبتي، ولزم بيته. فقال له أهله: تموت هزلاً، فقال: لأن أموت مؤمناً أحب إلي من أموت منافقاً سميناً.
وروي أنه قال: لا أراني حميراً لحاجات بني تميم والموت يطلبني، فنزل الشبكة فاتخذها مسجداً، فلم يزل يعبد الله حتى مات.
الحسن: أفضل الناس ثواباً يوم القيامة المؤمن المعمر.
عبد العزيز بن أبي رواد: من لم يتعظ بثلاث لم يتعظ بشيء: الإسلام، والقرآن، والشيب.
شاعر:
يا عامر الدنيا على شيبه ... فيك أعاجيب لمن يعجب
ما عذر من يعمر بنيانه ... وجسمه منهدم يخرب
الشيب مطية الأجل وطريدة الأمل.
أبو حازم: لا تقتد بمن لا يخاف الله بظهر الغيب، ولا يصلح عند الشيب.
عمر رضي الله عنه: أنا تنهاك شماطتك عن معاصي الله؟ يونس بن حبيب: قال لي رؤبة: حتى متى تسألني عن هذه الأباطيل وأزوقها لك؟ أما ترى الشيب قد بلغ في لحيتك؟ الفرزدق:
وتقول كيف يميل مثلك للصبا ... وعليك من عظة الحكيم عذار
والشيب ينهض في الشباب كأنها ... ليل يصيح بجانبه نهار
الشعبي: الشيب علة لا يعاد عنها ومصيبة لا يعزى عليها.
وقال محمود الوراق:
أليس عجيباً بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
فمن بين باك له موجع ... وبين معز مغذ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشبا ... ب فليس يعزيه خلق عليه
رأى حكيم طارئ شيبة فقال: مرحباً بثمرة الحكمة، وجنى التجربة، ولباس التقوى.
أعرابي كنت أنكر الشعرة البيضاء فأصبحت أنكر الشعرة السوداء.
أبو دلف:
تأوبني هم لبيضاء نابتة ... لها بغضة في مضمر القلب ثابتة
ومن عجب أني إذا رمت قصتها ... قصصت سواها وهي تضحك شامتة
ابن المعتز:
فظللت أطلب وصلها بتذلل ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي
يقال: فلان صفق وجهه على المشيب، إذا تصابى وهو أشيب.
وروي أن إبراهيم صلوات الله عليه أول من شاب ليتميز عن إسحاق، إذا كان من الشبه به بحيث لا يكاد يميز بينهما، فلما وخطه الشيب قال: يا رب، ما هذا؟ قال: هو الوقار، قال: يا رب، زدني وقاراً.
الحماني:
لعمرك للشيب علي مما ... فقدت من الشباب أشد فوتا
تمنيت الشباب فصار شيباً ... وأبليت المشيب فصار موتا
إذا رأيت صلعاً في الهامة ... وحدباً بعد اعتدال القامة
وصار رأس الشيخ كالثمامة ... فايأس من الصحة والسلامة
النمر بن تولب:
ألست الشيخ قد خطمت بلحية ... فتقصر عن جهل الغراتقة المرد
قال شاب لشيخ: من قيدك يا شيخ؟ قال: الذي خليته يفتل قيدك.
مر شيخ بفتيان من العرب فقالوا: أجززت يا شيخ! فقال لهم: يا بني وتختضرون.
وصاح صبي بشيخ أحدب: بكم ابتعت هذا القوس يا عماه؟ فقال: إن عشت أعطيتها بلا ثمن.
المفجع البصري:
لعمري لئن حل المشيب بمفرقي ... لقد كان ما أحللت بالشيب أعظما
سل الشيب هل وقرته في خطيئة ... وقد عفت حوبا أو تجاوزت مأثما
الكلبي: ما أطيب العيش لولا أن صفوه مشوب، وثمره مشيب! قال: ما أقبح غشيان اللمم، إذا ألم المشيب بالممم.
وصف بعضهم الشيب فقال: لا الخضاب يخفيه، ولا المقراص يحفيه.
مر رجل أشمط بامرأة كاملة فقال: إن كان لك زوج فبارك الله لك فيه، وإلا فأعلمينا. فقالت: كأنك تخطبني! ثم قالت: إن في شيئاً؛ قال: وما هو؟ قالت: شيب في رأسي. فثنى عنان دابته، فقالت: على رسلك! لا والله ما بلغت عشرين سنة، ولا رأيت في رأسي شعرة بيضاء، ولكن أحببت أن أعلمك أني أكره منك مثل ما تكره مني.
وأنشد النميري:
أرى شيب الرجال من الغواني ... بموقع شيبهن من الرجال
ابن المعتز:
وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل
وكان المأمون يتمثل:
رأت وضحاً في الرأس مني فراعها ... فريقان مبيض به وبهيم

تفاريق شيب في السواد لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم
شاعر:
لا يرعك المشيب يا ابنة عبد الل ... ه فالشيب حلية ووقار
ابن الرومي
لا شيبي فرحت امرح فيه ... مرح الطرف في العذار المحلي
أنشد ابن الأنباري:
واسوءتا لمشيب ضاف أرحلنا ... لم نقره نهية منا ولا ورعا
يقال: ليلة عبسعس وصبحة تنفس، إذا شاب.
ابن عباس: من شاب مقدمه فهو كرم، ومن شاب صدغيه فهو درع، ومن شاب من شاربه فهو فحش، ومن شاب من قفاه فهو لؤم.
ألا إن شيب العبد من نقرة القفا ... وشيب كرام الناس فوق المفارق
ابن أبي فنن
من عاش أخلقت الأيام جدته ... وخانه ثقتاه السمع والبصر
شيب الشعر موت الشعر، وموت الشعر علة موت البشر.
في ديوان المنظوم:
ألا قل لمن شارفته المنون ... وحل بفوديه فراطها
قيامتك اقتربت أن تقوم ... فانظر فقد جاء أشراطها
آخر:
ومروعة بمشيب رأس أقبلت ... تبكي فقلت لها ودمعي جاري
هذا المشيب لهيب نار أوقدت ... في القلب موقدها حذار النار
آخر:
إذا نازل الشيب الشباب فاصلتا ... بسيفهما فالشيب لا بد غالب
النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: " الشيب نوري فلا يجمل بي أن أحرق نوري بناري " .
حكيم: الشيب نور لمن اهتدى، والشيب ظلمة لمن ظلم.
ابن المعتز:
وكيف التصابي بعد ما ذهب الصبا ... وقد مل مقراضي عتاب مشيبي
أنس رفعه: خير شبابكم من تشبه بكهولكم، وشر كهولكم من تشبه بشبابكم.
ابن عمر رفعه: خياركم شبابكم وشراركم شيوخكم، فسألوه فقال: إذا رأيتم الشاب يأخذ بزي الشيخ العابد المسلم في تقصيره وتشميره فذلك خياركم، وإذا رأيتم الشيخ الطويل الشاربين يسحب ثيابه فذلك شراركم.
عمير بن هانئ: التوبة تقول للشاب: مرحباً وأهلاً، وتقول للشيخ: نقبلك على ما كان فيك.
عيسى ابن مريم عليه السلام كان إذا مر على الشباب يقول: كم من زرع لم يدرك الحصاد! وإذا مر على الشيوخ قال: ما ينتظر بالزرع إذا أدرك إلا أن يحصد.
العتبي:
قالت عهدك مجنوناً فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر
علي بن ربيعة العبادي:
كبرت ورق العظم مني وعتني ... بني وزالت عن فراشي والقعائد
وأصبحت أعشى أخبط الأرض بالعصا ... تقودني بين البيوت الولائد
آخر:
لم لا أصر على البطالة والصبا ... وعلي برد شبيبتي وإزارها
وإذا تراءت للقيان محاسني ... طمحت إلي شواخصاً أبصارها
ولو أن عيدانا بغير مضارب ... أبصرنني لتحركت أوتارها
هو من قول الأعرابي: لو أبصرت العيدان فلاناً لتحركت أوتارها، ولو نظرت إليه مومسة لسقط خمارها.
نظر رجل إلى أبي دلف في مجلس المأمون فقال: إن همته ترمي به وراء سنه.
يونس النحوي: ما بكت العرب على شيء ما بكوا على الشباب وما بلغوا منه ما يستحق.
عمر رفعه: ما من شاب يدع لذة الدنيا ولهوها، ويستقبل بشبابه طاعة الله إلا أعطاه الله أجر اثنين وسبعين صديقاً.
يقول الله تعالى: أيها الشباب المبتذل شبابه لي، التارك شهواته، أنت عندي كبعض ملائكتي.
جواس بن نعيم:
وللكبير رثيات أربع ... الركبتان والنسا والأخدع
ولا تزال رأسه تصدع ... وكل شيء بعد ذلك ييجع
أنشد الجاحظ:
قامت تخاصرني لقبتها ... خود تأطر غادة بكر
كلٌ يرى أن الشباب له ... في كل مبلغ لذة عذر
القتال المخرمي:
يا شباباً سلبتني ... ه الليالي والخطوب
طلعت في الرأس شمس ... ما لها بعد غروب
آخر:
إن الأمور إذا قام الشباب بها ... دون الشيوخ ترى في بعضها زللا
إن الشباب لهم في الأمر بادرة ... وللشيوخ أناة ترفع الخللا
أرطأة بن سهية:
فقلت لها يا أم بيضاء إنه ... حريق شبابي واستثن أديمي
وكان ابن ميادة يستحسنه.

أيوب عليه السلام: إن الله يزرع الحكمة في قلب الصغير والكبير، فإذا جعل الله العبد حكيماً في الصبا لم يضع منزلته عند الحكماء حداثة سنه وهم يرون عليه من الله نور كرامته.
كثير بن المطلب السهمي:
يزيد كما زاد الهلال إذا بدا ... دقيقاً إلى عاد ضخماً حواجبه
فتى السن كهل العقل يؤمن شره ... ويحمده العافون لين جوانبه
حمزة بن بيض في مخلد بن المهلب:
بلغت لعشر مضت من سني ... ك ما يبلغ السيد الأشيب
فهمك في معضلات الأمو ... ر وهم لداتك أن يلعبوا
ومات مخلد بخناصرة فخرج عمر بن عبد العزيز في جنازته وكان معجباً به لأنه كان سيداً جواداً شجاعاً فصلى عليه، ثم تمثل عند قبره:
على مثل عمرو تهلك النفس حسرة ... وتضحى وجوه القوم مسودة غبرا
وقال: لو أن الله أراد بيزيد خيراً لأبقى له هذا الفتى شاعر:
أرى جذعاً إن يثن لم يقو رائض ... عليه فبادر قبل أن يثني الجذع
تقول العرب للغلام إذا بلغ عشر سنين رمى، أي قويت يده على الرمي، ولوي إذا بلغ عشرين، أي لوي يد غيره، وعوى إذا بلغ ثلاثين، وهو أشد من لوى، واستوى إذا بلغ الأربعين، وحرى إذا بلغ الخمسين أين هو حري هو أن ينال الخير.
إسحاق الموصلي:
فقدنا الشباب وريعانه ... وريحانه الناضر الأخضرا
وكان الشباب لنا صاحباً ... فلما وثقنا به أدبرا
أبو العتاهية:
عريت من الشباب وكنت غضاً ... كما يعرى من الورق القضيب
فيا ليت الشباب يعود يوماً ... فأخبره بما فعل المشيب
عمرو بن معد يكرب:
ولقد أروح كأنني ذو خلة ... غضب أجد له القيون صقلا
غزلاً أرجل جمة فنانه ... وأجر حاشية الإزار مذالا
أبو الطيب المصعبي:
ألم أقل للشباب في كنف الل ... ه وفي ستره غداة استقلا
زائراً لم يزل مقيماً إلى أنسود الصحف بالذنوب تولى
عباءة الراتجي في معن:
مسح القوابل وجهه فبدا ... كالبدر أو أبهى من البدر
فنشا بحمد الله حين نشا ... غمر المروءة نابه الذكر
حتى إذا ماطر شاربه ... خضع الملوك لسيد قهر
أخت طرفة ترثيه:
عددنا له خمساً وعشرين حجة ... فلما توفاها استوى سيداً ضخماً
فجعنا به لما انتظرنا إيابه ... على خير حال لا وليداً ولا قحما
يقال هم أحداث لم تحنكهم الأحداث إناء شبابه يفهق من جانبيه.
دخل الحسين بن الفضل على بعض الخلفاء، وعنده كبير من أهل العلم، فأحب أن يتكلم، فزبره وقال: أصبي يتكلم في هذا المقام؟ فقال: إن كنت صغيراً فلست أصغر من هدهد سليمان ولا أنت بأكبر من سليمان حين قال: أحطت بما لم تحط به، ثم قال: أترى أن الله فهم الحكم سليمان ولو كان الأمر بالكبر لكان داود أولى.
البحتري:
حدث يوقره الصبا فكأنه ... أخذ الوقار من المشيب الشامل
قال عبد الرحمن بن حسان لأبيه وهو طفل: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة. فقال: قد قال ابني الشعر ورب الكعبة، وقال:
الله يعلم أني كنت معتزلاً ... في دار حسان اصطاد اليعاسبا
وقال سهل بن هارون وهو يختلف إلى المكتب لجار له:
نبئت بغلك مبطوناً فرعت له ... فهل تماثل أو نأتيه عوادا
الفراء: أنشدني صبي من الأعراب أرجوزة فقلت لمن هي؟ فقال: لي، فزبرته، فأدخل رأسه في فروته ثم قال:
إني وإن كنت صغير السن ... وكان في العين نبو عني
فإن شيطاني أمير الجن ... يذهب بي في الشعر كل فن
وعن علي بن الجهم: وجد علي أبي فأمر المعلم أن يحصرني فكتبت إلى أمي:
أمي جعلت فداك من أم ... أشكو إليك فظاظة الجهم
قد سرح الصبيان كلهم ... وبقيت محصوراً بلا جرم
وفد سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت على هشام وهو صبي وضيء الوجه فسلمه إلى معلم الوليد بن يزيد وهو عبد الصمد بن عبد الأعلى، فطمع فيه، فدخل على هشام وهو يقول:
إن والله لو لا أنت لم ... ينج مني سالماً عبد الصمد
قال: ولم؟ قال:

إنه قد رام مني خطة ... لم يرمها قبله مني أحد
قال: وما ذاك؟ قال:
رام جهلاً بي وجهلاً بأبي ... يولج العصفور في خيس الأسد
فصرفه عن التعليم: نهض أبو مسلم في الدعوة وهو ابن ثمان عشرة سنة، وقيل هو ابن ثلاث وثلاثين.
أبو العيزار:
يدنو فترفعه الرياح كأنه ... شلو تنشب في مخالب ضاري
فثوى صريعاً والرماح تنوشه ... إن الشراة قصيرة الأعمار
عبد هند:
وإن الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحي في طرة البرد
يعلل والأيام تنقص عمره ... كما تنتقص النيران من طرف الرند
الموصلي:
لعمري لئن حلئت عن منهل الصبا ... لقد كنت وراداً لمنهله العذب
ليالي أمشي بين بردي لاهياً ... أميس كغصن البانة الناعم الرطب
سلام على سير القلاص مع الركب ... ووصل الغواني والمدامة والشرب
سلام امرئ لم يبق منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
إسماعيل بن داود الكاتب العبرتابي:
سقياً لأيام الشباب الذي مضى ... ورعياً لعيش عهده غير عائد
لهونا به حيناً وما كان مره ... على طوله إلا كرخدة راقد
إبراهيم بن عبد الخالق الأنصاري:
وما زال عبد العزيز بن سهل ... صغيراً يروم الأمور الكبارا
فكيف وقد صار ذا حنكة ... وشمر للمكرمات الإزارا
علي بن محمد الكوفي العلوي:
وقف النعيم على الصبا ... وزللت عن تلك المواقف
أحمد بن حنبل: ما شبهت الشباب إلا كشيء كان في كمي فسقط.
أبو عون أحمد بن المنجم الكاتب الأنباري:
هزئت أن رأت مشيبي وهل ... غير المصابيح زينة للسماء
إنما الشيب في المفارق كالن ... ور ولون الشباب كالظلماء
لم أبدل بالشيب إذ شبت إلا ... عمة من عمائم الحكماء
إن عمراً عوضت فيه من المو ... ت بشيب من أعظم العظماء
كان يقل: طيروا دماء الشباب في وجوههم، أي حركوهم وألهبوهم للأمر فإن فيهم من سورة الشباب ما يؤثر معه الإلهاب.
المشايخ أشجار الوقار، ومنابع الأخبار، لا يطيش لهم سهم، ولا يسقم لهم وهم، إن رأوك على قبيح صدوك، وإن رأوك على جميل أمدوك.
عرام بن المنذر الطائي:
ووالله ما أدري أأدركت أمة ... على عهد القرنين أم كنت أقدما
متى تنزعا عني القميص تبينا ... جآجئ لم يكسين لحما ولا دما
فلان شاخ حتى باخ، ما بقي من حديثه إلا خرافة، ولا من بصره إلا شقافة ولا من جسمه إلا خيال يستبينه المتفرس، ولا من روحه إلا ما يلجلحه المتنفس.
أحمد بن المرتحل المعمري:
يرى طفلنا بين الرواضع جنة ... عشايرنا حتى نشد به الظهرا
فإن سلفت عشر عليه كوامل ... سعى لبني العباس يمنحها النصرا
فينفق في مرضاتها من حياته ... فإن بلغ العشرين سدت به الثغرا
زياد الأعجم في محمد بن القاسم الثقفي:
قاد الجيوش لخمس عشرة حجة ... ولداته عن ذاك في أشغال
قعدت بهم أهواؤهم وسمت به ... همم الملوك وسورة الأبطال
وله فيه:
إن المنابر أصبحت مختالة ... بمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب سورة سؤدد من مولد
الخلع البصري المعروف بحسين الأشقر، صحب الخلفاء ونادمهم عمر وهو يقول للمستعين:
أسلفت أسلافك في خدمتي ... من مدتي إحدى وستينا
كنت ابن عشرين وست وقد ... وفيت سبعاً وثمانينا
حدير العقيلي:
وأخلين لما لاح لي من مفارقي ... بياض وأزرى بالسواد قتيرها
كما انصاعت الآرام يوماً فأدبرت ... حذار سهام القانصين نفورها
وكنت أرى الشخص البعيد بمقلة ... قطامية يجلو دجة الليل نورها
وأهدي دليل القوم في مدلهمة ... من الليل والظلماء داج ستورها
أبو العتاهية:

علمت يا مجاشع بن مسعدة ... أن الشباب والفراغ والجدة
مفسدة للمرء أي مفسدة
هو أخو عمرو بن مسعدة كاتب المأمون.
زرعة بن عمرو:
وأفنتني الليالي أم عمرو ... وحلي في التنائف وارتحالي
وتربيتي الصغير إلى مداه ... وتأميلي هلالاً عن هلال
الحزين الكناني في زيد بن علي رضي الله عنه.
فلما تردى بالحمائل وانثنى ... يصول بأطراف القني الذوابل
تبينت الأعداء أن سنانه ... يطيل حنين الأمهات الثواكل
تبين فيه ميسم العز والتقى ... وليداً يفدي بين أيدي القوابل
إبراهيم الموصلي:
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب ... فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جل قدر الشيب إن كنت كلما ... بدت شيبة يعري من اللهو مركب
فأجابه عبد الله بن عبد الرحيم العباسي:
أهلا وسهلاً بالمشيب فإنه ... سمة العفيف وحلية المتحرج
ضيف أحل بك النهى فقريته ... رفض الغواية واقتياد المنهج
لا شيء أحسن من مشيب وافد ... بالحلم مخترم الشباب الأهوج
قال الجاحظ:
أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب
أبو السري ابن بديل اليامي:
ألا طالما أوضعت في طلب الصبا ... ورقت الغواني باسوداد الذوائب
غلام أرى للجهل فضلاً على النهى ... وألبس للناهين ثوب المحارب
سقى ورعى الله الأوانس كالدمن ... بكوفان والاخوان صوب السحائب
أخلاي ما فارقتكم عن تقاطع ... ولكن هذا الدهر جم العجائب
وأرى الليالي ما طوت من قوتي ... ردته في عظتي وفي إفهامي
وعلمت أن المرء من سنن الردى ... حيث الرمية من سهام الرامي
أبو الحسن الحماني:
واهاً لمنزلة وطيب ... بين الأرجارع والكثيب
واهاً لأيام الشباب ... بعدن عن عهد قريب
أيام كنت من الغواني ... في السواد من القلوب
لو يستطعن جعلنني ... بين المخانق والجيوب
عطاء: ما استسقى كبير قط قبله إلا غارت عين من العيون.
علي رضي الله عنه: لمن تكلم بما يستصغر مثله عن التكلم به: لقد طرت شكيراً، وهدرت سقباً، وهو كقولهم: تزببت حصرماً عمر رضي الله عنه: أسرع إلي الشيب من قبل أخوالي بني المغيرة. أم عمر حنتمة بنت هشام بن المغيرة وأبو جهل بن هشام خاله.
مالك بن دينار: جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم، ثم قال: ما أشد فطام الكبير! كان علي والزبير وطلحة رضي الله عنهم إعذار عام واحد أي عذورا في عام واحد، كانت أسنانهم متقاربة.

الشوق والحنين إلى الأوطان
ووصف النزاع والوله إلى الأهل والأحبة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيل الغفاري من مكة، فقال: يا أصيل، كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها والله قد أخصب جنابها، وأعذق إذخرها، وأسلب ثمامها، وأمشر سلمها. فقال: حسبك يا أصيل.
وروي أن أبان بن سعد قدم عليه، فقال: يا أبان كيف تركت أهل مكة؟ قال: تركتهم وقد جيدوا وتركت الأذخر وقد أعذق، وتركت الثمام وقد خاص، فاغرورقت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بلال رضي الله عنه:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنة ... ويبدو لعيني شامة وطفيل
قيل لأعرابي: أتشتاق إلى وطنك؟ فقال: كيف لا اشتاق إلى رملة كنت جنين ركامها، ورضيع غمامها.
أخر: يحن الكريم إلى جنابه كما يحن الأسد إلى غابه.
من علامة الرشدة أن تكون النفس إلى بلدها تواقة، وإلى مسقط رأسها مشتاقة.
فلان برقت له بارقة من أرضه فضاق صدراً، ولم يعط صبراً، فحن حنين الإبل، وغمره حب الوطن، فكاد يسير على غوارب السحاب، ويطير بخوافي العقاب.
شوق خشن الجوانب، وعر المناكب، مرير الحبل، ثقيل الظل.
كاتب: لي إليك شوق لو أعرتني لسانك لشرحته، ولو منحتني بنانك لوصفته.
أنشد الجاحظ:

ألا يا سيالات الآخايل بالحمى ... عليكن من بين السيال سلام
أرى الوحش آجالاً إليكن بالضحى ... لهن إلى أفنانكن بغام
وإني لمجلوب إلى الشوق كلما ... ترنم في أفنانكن حمام
أنشد ثعلب:
ولما تبينت المنازل من منى ... ولم يقض ي تسليمه المتزود
زفرت إليها زفرة لو حشوتها ... سرابيل أبدان الحديد المسرد
لفضت حواشيها وظلت لحرها ... تلين كما لانت لداود في اليد
حكيم: أكرم الخيل أفزعها للسوط، وأكيس الغلمان أشدهم بغضاً للكتاب، وأكرم الصفايا أشدها ولهاً إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدها حنيناً إلى أعطافها، وأكرم المهارة أشدها مؤالفاً لأمهاتها، وخير الناس آلفهم للناس.
أعرابي: يحن اللبيب إلى وطنه كما يحن النجيب إلى عطنه.
شاعر:
إلى عامر أصبو وما أرض عامر ... هي الرملة الوعساء والبلد الرحب
معاشر بيض لو وردت بلادهم ... رأيت بحوراً للندا ماؤها عذب
إذا ما بدا للناظرين خيامهم ... فثم العتاق القب والأسل الشهب
آخر
ألا ليت شعري هل تحلن ناقتي ... بصحراء من نجران ذات ثرى جعد
وهل تنفضن الريح أفنان لمتي ... على لاحق الأطلين مضطمر ورد
وهل أردن الدهر حسي مزاحم ... وقد ضربته نفحة من صبا نجد
كان عمر رضي الله عنه يقول: ما هبت الصبا إلا أتتني بريح زيد.
سأل المهدي سعيد بن سلم وهو يسايره: من الذي يقول:
أرجى أن ألاقي الكاس يوماً ... كما يرجو أخو السنة الربيعا
فقال: لا أدري، فسأل عبد الله بن مصعب فقال: هو لصخر بن الجعد الخضري فأخبر المهدي فقال: لعل عبد الله أنبأه به لأنه أعلم أصحابه

الشر والفجور، وذكر الأشرار والفجار
وما يرتكبون من الفواحش والمناكير.
النواس بن سمعان، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " قبل قيام الساعة يرسل الله ريحاً باردة طيبة فتقبض روح كل مؤمن مسلم، ويبقى شرار يتهارجون تهارج الحمير، وعليهم تقوم الساعة " .
عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما وعظني أحد بأحسن مما وعظني به طاووس، كتب إلى أن استعن بأهل الخير يكن عملك خيراً، ولا تستعن بأهل الشر يكن عملك شراً كله.
الحسن رحمه الله إن صحبة الأشرار تورث سوء الظن.
مالك بن دينار كفى بالمرء سراً أن لا يكون صالحاً وهو يقع في الصالحين.
وعنه إن المؤمنين نية في الخير هي أمامه لا يبلغها عمله، وإن للفاجر نية في الشر هي أمامه لا يبلغها عمله.
لقمان: يا بني، كذب من قال إن الشر يطفي الشر، فإن كان صادقاً فليوقد نارين ثم لينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى؟ إنما يطفئ الخير الشر كما يطفئ الماء النار.
يقال: خيره وإن، وشره دان.
لم تسر الروح في أسوأ منه نحلة، ولا أخبث منه دخلة.
كأنه التيس قد أودى به هرم ... فلا للحم ولا عسب ولا ثمن
عري من حلية التقوى، ومحي عنه طابع الهدى، لا تثنيه يد المراقبة، ولا تكفه خيفة المحاسبة.
هو لدعائم دينه مضيع، ولدواعي شيطانه مطيع.
وفي الحديث: إياك والمشارة، فإنها تميت العزة، وتحيي العرة.
أردشير بن هرمز: الشر نابت في طبيعة كل أحد، فإن كان له الغلبة ظهر، وإن كانت عليه بطن.
أعرابي: تفد إليه مواكب الضلالة فترجع عنه ببدور الأيام أكثر ذنوباً من الدهر وصاحب السوء قطعة من النار.
حميد شر الكوفي:
ألا رب شر قد أخذت برأسه ... فمارسته حتى أتيت به أهلي
وله
إني امرؤ فوق رأس الشر مضطجعي ... أغفى عليه ولا أغفى على السرر
الشر يعلم أني إن ظفرت به ... لم ينج مني بأنياب ولا ظفر
أخذ ثابت بن جابر الفهمي جونة فملأها حيات، ثم أتى بها أمه متأبطها، فقالت تأبط شراً، فلزمه.
الفضل بن هاشم بن حدير البصري، وكان مشتهراً بالخلاعة.
أنا فضل بن هاشم بن حدير ... لم أقل مذ خلقت كلمة خير
من فعل ما شاء لقي ما ساء.
نوفل بن مساحق أحبل ابن أخيه جارية جار له، فقال له: يا عدو الله! هلا إذا ابتليت بفاحشة عزلت! قال: بلغني أن العزل مكروه، قال: فما بلغك إن الزنا حرام.

ثمامة: الشهرة بالشر خير من أن لا تعرف بخير ولا شر.
شاعر:
أرى العلباء كالعلباء ... لا حلو ولا مر
شيخ من بني الجارو ... د لا خير ولا شر
اتهم سعيد بن مصعب بامرأة في ليلة عرس، وكانت تحته بنت حمزة بن عبد الله الزبير فقال الأحوص:
وليس لسعد النار من تذكرونه ... ولكن سعد النار سعد بن مصعب
ألم تر إن القوم ليلة جمعهم ... بغوه فألفوه لدى شر مركب
وما يبتغي بالشر لا در دره ... وفي بيته مثل الغزال المربب
سعد النار شاطر كان بالمدينة، نسب إلى النار لارتكابه الموجبات، فدعا سعد بالأحوص ليعزره فقال: دعني فلا والله لا أهجو زبيرياً أبداً، فخلاه، ثم قال: ما أنكرت إلا قولك: وفي بيته مثل الغزال المربب.
قال الجاحظ: قيل لرجل يتعشق قينة: لو اشتريتها ببعض ما تنفق عليها! فقال: من لي إذ ذاك بلذة الخلسة، ولقاء المسارقة، وانتظار الموعد على الرقبة، وإيقاع الكشح على مولاها؟ قيل لأعرابي: أزنيت قط؟ قال: معاذ الله إنما هما اثنتان: إما حرة آنف لها من فسادها، وإما أمة آنف لنفسي من الفساد بها.
الحسن: إن في معاوية لثلاث مهلكات موبقات: غصب الأمة أمرها، وفيهم بقايا من أصحاب رسول الله، وولي ابنه سكيراً حميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنبور، وادعى زياداً وولاه العراق وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقيل حجراً وأصحاب حجر. ويل له من حجر وأصحاب حجر " ! هشام بن عبد الملك: رفع إليه أن بعض أبنائه يخالف رجلاً إلى امرأته فوقع: هلا فسقاً كفسق الملوك! قتل هذا وأحياء هذا. إفقار ذاك وإغناء هذا.
رئي أعرابي يجلد عميرة فسجن فقال:
نكحت يدي لم أرتكب محرماً لهم ... ولم أزن أن دوايت لحمي من لحمي
فإن كان ذا ذنبي إليهم فإنني ... سأترك هذا الفعل مني علي رغمي
لأبي نواس
تعففه ما دام في السجن ثاوياً ... فأنكح زبيباً راحة ابنة ساعد
وقل بالرفا ما نلت من وصل حرة ... منعمة حنت بخمس ولائد
تعفه ما دام في السجن ثاوياً ... ودامت عليه محكمات القلائد
أبو الشمقمق في السحاقات
أراهن يرقعن الخروق بمثلها ... وأي لبيب يرقع الخرق بالخرق
علي رضي الله عنه: أحصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك.
أبو العيناء: رأيت جارية في النخاسين تحلف لا ترجع إلى مولاها، فقلت: لمه؟ قالت: يا سيدي، يواقعني من قيام ويصلي من قعود، ويشتمني بإعراب، ويلحن في القرآن، ويصوم الاثنين والخميس ويفطر في رمضان، ويصلي الضحى ويترك الفجر.
قيل لبنت الخس: كيف زنيت وأنت سيد نسائك؟ قالت: طول السواد وقرب الوساد، قال ابن محارب القمي لو قالت: وحب السفاد لتممت عذرها.
ليلى الأخيلية:
فنعم الفتى إن كان توبة فاجراً ... وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر
وهب: تبكي السماء السبع والأرض السبع من الشيخ الزاني ما تكاد الأرض تقله.
أبو هريرة: رفعه: إن للإيمان سربالاً يسربله الله تعالى من شاء، فإذا زنى العبد نزع الله منه سربال الإيمان، فإذا تاب رده الله عليه.
وعنه رفعه: إن السماوات السبع والأرضين السبع لتلعن العجوز الزانية والشيخ الزاني.
أنس رفعه: إن لأهل النار صرخة من نتن فروج الزناة.
وفي حديث الإسراء: ثم انطلق بي إلى رجال بين أيديهم لحم لم ير الناس أطيب منه ريحاً ولا أحسن منه منظراً، وبين أيديهم جيف منتفخة لم أر جيفاً أنتن ريحاً منها وهم يأكلون منها، فقلت: يا جبريل، من هؤلاء الذين يدعونه الطيب ويعمدون إلى الخبيث فقال: هؤلاء الزناة.
أعرابية: لكل شيء نجاسة، ونجاسة اللسان المجون.
بلغ عثمان رضي الله عنه أن قوماً على فاحشة فأتاهم وقد تفرقوا، فحمد الله وأعتق رقبة.
سئل وهب بن منبه عن قوله تعالى: إن يأجوج وماجوج مفسدون في الأرض، ما فسادهم؟ قال: كانوا يلاوهون الناس.
السري الموصلي ي وصف قواد اسمه إدريس:
من ذم إدريس في قيادته ... فإنني حامد لإدريس
كلم لي عاصياً فكان له ... أطوع من آدم لإبليس

وكان في سرعة المجيء به ... آصف في حمل عرش بلقيس
أبو الحسن ابن طباطبا:
عزيزة رق حافرها فأزرت ... برقة حافر امرأة العزيز
كنى برقة الحافر عن البغاء، وأنها بغت الرجال وسعت في طلبهم حتى رق حافرها.
زيد بن عمير الخزاعي:
إذا طمثت قادت وإن طهرت زنت ... فما برحت تغشى الزنا وتقود
أعاتبها حتى إذا قلت أقبلت ... أبى الله إلا خزيها فتعود
كانت ظلمة القوادة صبية في المكتب فكانت تسرق دوي الصبيان وأقلامهم، فلما شبت زنت، فلما أسنت قادت، فلما قعدت اشترت تيساً تنزيه.
قال صاحب المسالك والممالك: إن عامة ملوك الهند يرون الزنا ملحاً خلا قمار، وأقمت بمدينته سنتين فلم أر ملكاً أغير منه، وكان يعاقب على الزنا والشرب بالقتل، وقمار ينسب إليها العود، كما ينسب إلى مندل. قال مسكين الدارمي
ولا ذنب للعود القماري إنه ... يحرق إن نمت عليه روائحه
ألح رجل في النظر إلى أمة غيره فقالت له: ما تنظر؟ قرة عينك وشيء غيرك.
ونظر آخر إلى أعرابية فقالت:
وما لك منها غير أنك ناكح ... بعينيك عينيها فهل ذاك نافع
شاعر:
الخير أرفع جانباً ... من قلة الجبل الرفيعة
والشر أسرع جرية ... من جرية السيل السريعة
جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزداد المال إلا كثرة، ولا يزداد الناس إلا شحاً، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق " .
علي رضي الله عنه: قلت اللهم لا تحوجني إلى أحد من خلقك. فقال يا علي: لا تقولن هذا فليس من أحد إلا وهو محتاج إلى الناس، فقلت: كيف أقول: قال: قل اللهم لا تحوجني إلى شرار خلقك. فقلت يا رسول الله، ومن شرار خلقه: قال: الذين إذا أعطوا منوا، وإذا منعوا عابوا.
ابن عباس: عهدت الناس وأهواؤهم تبع لأديانهم، وإن الناس اليوم أديانهم تبع لأهوائهم.
علي رضي الله عنه: رد الحجر من حيث أتاك فإن الشر لا يدفعه إلا الشر.
الحسن: لو جاءت كل أمه بخبيثها وفاسقها وجئنا بالحجاج وحده لزدنا عليهم.
قال الشعبي: أكان الحجاج مؤمناً؟ قال: نعم، بالطاغوت.
النبي صلى الله عليه وسلم: " حسب امرئ من الشر أن يخيف أخاه المسلم " .
وهب بن منبه: ظهر في بني إسرائيل قراء فسقة، وسيظهرون فيكم. والله أعلم.

الشفاعة والعناية والإعانة
وإصلاح ذات البين والسفارة ونحو ذلك عوف بن مالك الأشجعي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " شفاعتي يوم القيامة لكل مسلم " .
ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من زار قبري وجبت له شفاعتي " .
معقل بن يسار عن النبي عليه السلام: رجلان من أمتي لا تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وغال في الدين مارق منه.
عثمان بن عفان رضي الله عنه: عن النبي عليه السلام: من غش العرب لم يدخل في شفاعتي، ولم تنله مودتي.
أبو موسى الأشعري عنه عليه السلام: اشفوا إلي لتؤجروا وليقبض الله على لسان نبيه ما شاء.
قال المأمون لإبراهيم بن المهدي بعد اعتذاره: قد مات حقدي بحياة عذرك، وقد عفوت عنك، وأعظم من عفوي يداً عندك أني لم أجرعك مرارة امتنان الشافعين.
قال المبرد: أتاني رجل لأستشفع له في حاجة، فأنشدني لنفسه:
إني قصدتك لا أدلي بمعرفة ... ولا بقربي ولكن قد فشت نعمك
فبت حيران مكروباً يؤرقني ... ذل الغريب ويعشيني الكرى كرمك
ما زلت أنكب حتى زلزلت قدمي ... فاحتل لتثبيتها لا زلزلت قدمك
فلو هممت بغير العرف ما علقت ... به يداك ولا انقادت له شيمك
فبلغت له جميع ما قدرت عليه.
بزرجمهر: من لم يستغن بنفسه عن وسائله وهت قوى أسبابه، ومن لم ترغب أدوائه في اجتنائه لم يحظ بمدح شفعائه.
كلم الأحنف مصعب بن الزبير في قوم حبسهم فقال: أصلح الله الأمير، إن كانوا حبسوا في باطل فالحق يخرجهم، وإن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم، فخلاهم.

دفع أبو الهذيل إلى ضيقة فطلب إلى سهل بن هارون الكاتب أن يكلم الحسن بن سهل في شأنه، فقال: عرفت أيها الأمير حال أبي الهذيل ومحله وقدره في الإسلام، وأنه متكلم قومه والراد على أهل الإلحاد، وقد فزع إليك لإضافة وقع فيها، فوعده النظر في أمره. ثم ما ترك لؤم طبعه أن كتب إليه:
إن الضمير إذا سألتك حاجة ... لأبي الهذيل خلاف ما أبدي
فامنعه روح اليأس ثم امدد له ... حبل الرجاء بمخلف الوعد
وألن له كنفاً ليحسن ظنه ... بعناية فاجبهه بالرد
فوقع الحسن: هذه، لك الويل، صفتك لا صفتي، وأمر لأبي الهذيل بألف دينار.
قال رجل لبعض الولاة: إن الناس يتوسلون إليك بغيرك فينالون معروفك ويشكرون غيرك، وأنا أتوسل إليك بك ليكون شكري لك لا لغيرك.
قابوس: بزند الشفيع تورى نار النجاح، ومن كف النقيض ينتظر فوز القداح.
شاعر:
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون لشافع
كان المنصور معجباً بمحادثة محمد بن جعفر بن عبيد الله بن عباس فكان الناس لعظم قدره عنده يفزعون إليه في الشفاعات. فثقل ذلك على المنصور فحجبه مدة، ثم لم يصبر عنه، فأمر الربيع أن يكلمه في ذلك، فكلمه وقال له: أعط أمير المؤمنين مما يثقل عليه فقبل، فلما توجه إلى البال اعترضه قوم من قريش مع رقاع سألوه إيصالها إلى المنصور، فقص عليهم قصته، فأبوا أن يقبلوا وألحوا عليه، فرق لهم وقال: اقذفوها في كمي. فدخل عليه وهو في الخضراء مشرف على مدينة السلام وما حولها من البساتين والضياع، فقال له: أما ترى إلى حسنها؟ بلى يا أمير المؤمنين، فبارك الله لك فيما آتاك، وهنّاك بإتمام نعمته عليك فيما أعطاك، فما بنت العرب دولة في الإسلام ولا العجم في سالف الأيام أحصن ولا أحسن من مدينتك، ولكن سمجتها في عيني خصلة واحدة، قال: وما هي؟ قال: ليس فيها ضيعة، فتبسم وقال: حسنتها في عينيك ثلاث ضياع قد أقطعتكها، فقال: أنت والله شريف الموارد كريم المصادر، فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه.
وقد ندرت الرقاع من كمه وهو يتشكر فأقبل يردها وهو يقول: ارجعن خاسئات خائبات، فضحك وقال: بحقي عليك إلا أعلمتني بخبر هذه الرقاع، فأعلمه، فقال: أبيت يا ابن معلم الخير إلا كرماً، وتمثل بقول عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب:
إنا وإن أحسبانا كرمت ... لسنا على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وتصفحها وأمر بقضاء حوائجهم.
قال محمد: فخرجت من عنده وقد ربحت وأربحت.
قال المبرد لرجل: قد كلمتك في شأن فلان، فقال: قد سمعت وأطعت، فما كان من نقص فعلي، وما كان زيادة فله. فقال المبرد: لله درك! أنت كما قال زهير:
وجار سار معتمداً إلينا ... أجاءته المخافة والرجاء
ضمنا ما له فغدا سليماً ... علينا نقصه وله النماء
وقع بين رجل وامرأته شر، فتهاجرا أياماً، ثم واقعها فلما فرغ قالت: قبحك الله! كلما وقع بيني وبينك شر بشفيع لا أقدر على رده.
كتب أبو صالح بن يزداد: هذه رقعتي، وأنا في درجها عناية مني بصاحبها، فأما قضيت حقه عني وعنك، وإما رددته علي فأرحته منك، والسلام.
سأل رجل سعيد بن عبد الملك كتاب شفاعة، وهو راكب، فكتب وهو على ظهر دابته: كتابي كتاب معني بمن كتب فيه، واثق بمن كتب إليه، ولن يضيع حامله بين العناية والثقة، والسلام.
أمر المأمون بقتل علي بن الجهم وأخذ ماله، فقال له أحمد بن أبي داود: إذا قتلته فممن تأخذ ماله؟ قال: من ورثته، قال: حينئذ تأخذ مال الورثة و أمير المؤمنين يأبى ذلك، قال: يوخز حتى يستصفى ماله. فانفض المجلس وسكن غضبه، فوصل إلى خلاصه.
أسوت غطفان أخاً لسعد بن حيان التميمي فاستشفع عمرو بن معد يكرب إلى سنان بن أبي حارثة فأطلق فقال:
مشيت بعمرو فارس القوم مذحج ... إلى رأس هذا الحي من غطفان
يمان نماء خير مذحج والداً ... ووالدة إن الكريم يماني
كتب رجل إلى يحيى بن خالد رقعة فيها:
شفعي إليك الله لا شيء غيره ... وليس إلى رد الشفيع سبيل

فأمره بلزوم الدهليز، فكان يعطيه في كل صباح ألف درهم، فلما استوفى ثلاثين ألفاً ذهب، فقال: والله لو أقام إلى آخر العمر ما قطعتها عنه.
وقف العتابي باب المأمون، فوافى يحيى بن أكثم، فقال له العتابي: إن رأيت أن تعلم أمير المؤمنين بمكاني، قال: لست بحاجب، قال: قد علمت، ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان، فأعلمه بمكانه فأعطاه ثلاثين ألفاً.
أبو هريرة يرفعه: من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
شاعر:
وما هداك إلى أرض كعالمها ... وما أعانك في عزم كعزام
ولا استعنت على قوم إذا اظلموا ... مثل ابن عم أبي الظلم ظلام
لما أحيط بمصعب بن الزبير هرب ابن قيس الرقيات فدخل الكوفة، فقالت امرأة: خائف والله! اصعد، فصعد مشربة لها، فقام أربعة أشهر، يغدى عليه بمصلحته ويراح، لا تسأله من أنت؟ ولا يسألها من أنت؟ وهي تسمع الجعيلة فيه صباح مساء. فلما أراد الرحيل نزل ليلاً فإذا براحلتين، على إحداهما رحله والأخرى زاملة عليها الزاد، وعبدان، فقالت: هذا يرحل بك وهذا يدلك حيث شئت.
وهي التي يقول فيها:
كوفية نازح محلتها ... لا أمم دارها ولا صقب
والله ما إن صب إلي ولا ... يعرف بيني وبينها سبب
روي أن جبريل عليه السلام قال: يا محمد، لو كانت عبادتنا لله على وجه الأرض لعلمنا ثلاث خصال: سقي الماء للمسلمين، وإعانة أصحاب العيال، وستر الذنوب على المسلمين.
كانت لدعبل على بني الصباح الكنديين وظيفة يجمعونها كل شهر ويوصلونها إليه، فقصروا، فشكى إلى أبي يعقوب إسحاق بن الصباح، فقال: أنا أكفيك، فلم يبرح حتى أخذها، فقال:
وإن امرء أسدى إليك بشافع ... إليه ويبغي الشكر مني لأحمق
شفيعك فاشكر في الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
قال الحجاج لأهل الشام: إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه، ينفي عنهم القذر، ويباعد عنهم الحجر، ويكفيهم من المطر، ويحميهم من الضباب، ويحرسهم من الذباب، يا أهل الشام أنتم الجنة والرداء، وأنتم العداة والجداء.
اهتجر الحسن والحسين فبلغ ذلك ابن الحنيفة، فأتى الحسين فقال: يا أبا عبد الله، بلغني ما كان بينك وبين أبي محمد، فامض بنا إليه فقال: سمعت جدي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من مهتجر بدأ أحدهما صاحبه بالصلح إلا كان السابق إلى الجنة " ، وأنا أكره أن أسبق أبا محمد إلى الجنة، فمضى إلى الحسن فحكى له ذلك، فقال: صدق أبو عبد الله، امض بنا إليه فاصطلحا.
أبو الدرداء رفعه: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: صلاح ذات البين. وفساد ذات البين هي الحالقة.
حميد بن عبد الرحمن عن أمه رفعته: لم يكذب من نما بين اثنين ليصلح القعقاع بن توبة العقيلي:
لا أصلح الله حالي إن أمرتكم ... بالصلح حتى تصيبوا آل شداد
حتى يقال لواد كان مسكنكم ... قد كنت تعمر يوماً أيها الوادي
موسى بن جابر الحنفي:
لبست شيبتي ما ذم خلقي ... ولا شمت العدو ولا هفوت
ولا أدع السفارة بين قومي ... ولا أمشي بغل إن مشيت
علي رضي الله عنه: الشفيع جناح الطالب.
غضب الرشيد على كلثوم بن عمرو العتابي القنسريني، فشفع له الفضل بن يحيى حتى رضي عنه، فقال:
ما زلت في غمرات الموت مطرحاً ... يضيق عن وسيع الرأي من جيلي
فلم تزل دائباً تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي
إن أبي فنن: سألت الفتح بن خاقان، أن يوصلني إلى المتوكل ففعل، فأنشدته:
إذا كنت أرجو نوال الإمام ... وفتح بن خاقان لي شافع
فقل للغريم أتاك الغياث ... وللضيف منزلنا واسع

لزمت داود بن قحذم العبدي، وكان عامل مصعب مائة ألف درهم، فأخذ بها، فأرسل امرأته أم الفضل بنت غيلان بن خرشة الضبي إلى عائشة بنت طلحة امرأة مصعب تشفع له. فجاء مصعب فسأل أم الفضل ومازحها ساعة، وكانت من أجمل نساء زمانها، ثم قال لعائشة، ما حاجتها؟ فذكرت ذلك، فقال: تحط عنه المائة، ونجيزه بمثلها، وكتب بذلك. فجاءت بالكتابين لزوجها.
عن الشقراني مولى رسول الله: خرج العطاء أيام أبي جعفر وما لي شفيع، فبقيت على الباب متحيراً، فإذا أنا بجعفر بن محمد فقمت إليه فقلت: جعلني الله فداءك، أنا مولاك الشقراني، فرحب بي، وذكرت له حاجتي، فنزل ودخل وخرج وعطائي في كمه، فصبه في كمي ثم قال: يا شقراني، إن الحسن من كل أحد حسن وإنه منك أحسن لمكانك منا، وإن القبيح من كل قبيح وأنه منك أقبح لمكانك منا. وإنما قال له ذلك لأن الشقراني كان يصيب من الشراب. فانظر كيف أحسن اسنتجاز طلبته، وكيف رحب به وأكرمه مع إطلاعه على حاله، وكيف وعظه على جهة التعريض. وما هو إلا من أخلاق الأنبياء.

الصبر، والاستقامة
وضبط النفس عند الشهوات عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله " .
عائشة: عنه عليه الصلاة والسلام: لو كان الصبر من الرجال لكان كريماً.
علي رضي الله عنه، رفعه: الصبر ثلاثة، صبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية. فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلثمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسع مائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين الأرضين إلى العرش.
وعنه عليه الصلاة والسلام: الحياء زينة، والتقى كرم، وخير المراكب الصبر.
أيوب عليه السلام: قالت له امرأته: لو دعوت الله أن يشفيك، قال: ويحك! كنا في النعماء سبعين عاماً فهلمي نصبر على الضراء مثلها، فلم ينشب إلا يسيراً أن عوفي.
سعيد بن حميد الكاتب:
لا تعتبن على النوائب ... فالدهر يرغم كل عاتب
واصبر على حدثانه ... إن الأمور لها عواقب
كم نعمة مطوية ... لك تحت أثناء النوائب
ومسرة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب
جابر بن عبد الله: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: " الصبر والسماحة " .
علي رضي الله عنه: القناعة سيف لا ينبو، والصبر مطية لا تكبو، وأفضل عدة صبر على شدة.
الحسن: جربنا وجرب المجربون، فلم نر شيئاً أنفع وجداناً، ولا أضر فقداناً من الصبر، به تداوى الأمور، ولا يداوى هو بغيره.
النبي صلى الله عليه وسلم: " الصبر عن الصدمة الأولى " .
قال الفرس: وجدنا في مهارقنا القديمة: بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور. وفيها: من امتطى الغراء ربع بمحل الظفر.
أعرابي: لا يكشف منسدل الهم إلا منشمر الصبر.
آخر الصبر يقلم أظفار الخطوب. الصبر مر لا يتجرعه إلا حر.
أعرابي: كل حلو الصبر عند مر النازلة.
أعشى همدان:
إن نلت لم أفرح بشيء نلته ... إذا سبقت به فلا أتهلف
ومتى تصبك من الحوادث نكبة ... فاصبر فكل ضبابة ستكشف
العتابي:
اصبر إذا بدهتك نائبة ... ما عال منقطع إلى الصبر
الصبر أولى ما اعتصمت به ... ولنعم حشو جوانح الصدر
قال الملك ليزر جمهر: ما علامة الظفر بالأمور المستعصية؟ قال: المحافظة على الصبر وملازمة الحذر، وكتمان السر.
الصبر مفتاح الظفر، والتوكل على الله مفتاح الفرج.
الأحنف: لست حليماً، وإنما أنا صبور.
الحسن: وجدت الدنيا والآخرة في صبر ساعة.
علي رضي الله عنه: الصبر يناضل الحدثان والجزع من أعوان الزمان، وسئل: أي شيء أقرب إلى الكفر؟ فقال ذو فاقة لا صبر له.
السندي:
ويوم كيوم البعث ما فيه حاكم ... ولا عاصم إلا فناً ودروع
حبست به نفسي على موقف الردى ... حفاظاً وأطراف الرماح شروع
لا يستوي عند الملمات إن عرت ... صور على مكروهها وجزوع

خرج معاوية يوماً يسير ومعه عبد العزيز بن زرارة الكلابي وكان مقدماً في فهمه وأدبه، إلى شرفه ومنصبه، فقال له: يا عبد العزيز، أتاني نعي سيد شباب العرب، فقال: ابني أم ابنك؟ قال: بل ابنك، قال: الموت ما تلد الوالدة.
وهب: قيل له: فلان بلغ من العبادة ما علمت ثم رجع، فقال: لا تعجب ممن يرجع، ولكن ممن يستقيم.
كان مالك بن دينار يمر بالسوق فيرى ما يشتهيه فيقول: يا نفس اصبري، ما أحرمك ما تريدين إلا لكرامتك علي قال عبد الله الداراني لمالك بن دينار: يا مالك إن سرك أن نذوق حلاوة العبادة وتبلغ ذروة سنامها فاجعل بينك وبين شهوات الدنيا حائطاً من حديد.
أبو حية النميري:
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جد في أمر يطالبه ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
سويد بن عطوان السدوسي:
فأوصيكم يا ابني سدس كليكما ... بتقوى الذي أعطاكما وبراكما
فشكراً إذا ما الله أحدث نعمة ... وصبراً لأمر الله فيما ابتلاكما
قال لمالك بن دينار جار له في مرضه: ما تشتهي؟ قال: إن نفسي لتنازعني إلى شيء منذ أربعين سنة رغيف أبيض ولبن في زجاج، فأتاه به. فجعل ينظر إليه ثم قال: دافعت شهوتي عمري كله حتى إذا لم يبق من عمري إلا مثل ظمء الحمار أجدها، انظروا يتيم آل فلان فادفعوه إليه، ومات بشهوته.
محمد بن واسع: الإبقاء على العمل أشد من العمل.
قيل للأحنف: إنك شيخ ضعيف وإن الصيام يضعفك، قال: أني أعده لشر يوم طويل، والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه.
عبد الله بن الربيع بن خثيم الثوري وقد ثقل ولده:
أصبحت لا أدعو طبيباً لطبه ... ولكنني أدعوك يا منزل القطر
لترزقني صبراً على ما أصابني ... وتعزم لي فيه على الرشد من أمري
فإن لأرجو أن تكون مصيبتي ... بغيت بها خيراً وإن كنت لا أدري
قيل لخالد بن صفوان: بم ساد الأحنف؟ قال: بفضل سلطانه على نفسه.
الأحنف: من لم يصبر علة كلمة سمع كلمات، ورب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد منه.
يونس بن عبيد: لو أمرنا بالجزع لصبرنا.
قيل لداود الطائي: كيف صبرت عن النساء؟ قال: قاسيت شهوتي عند إدراكي سنة ثم سهلت علي.
ابن السماك: المصيبة واحدة، فإن جزع صاحبها فهما اثنتان. يعني فقد المصاب وفقد الثواب.
الحارث بن أسد المحاسبي: لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر.
صالح بن عبد القدوس:
إن يكن ما به أصبت جليلاً ... فذهاب العزاء منه أجل
أمر بعض السلاطين بخم فصبت في الطريق، فقال ذؤيب بن حبيب الخزاعي:
يا لقومي لما جنى السلطان ... لا يكن للتي أهنت هوان
سكبوها صفراء من حلب الكرام ... رحيقاً كأنها الزعفران
صبها في مكان سوء لقد صا ... دف سعد السعود ذاك المكان
كيف صبري عن بعض نفسي وهل ... يصبر عن بعض نفسه إنسان
محمد بن عمرو بن حزم: لقد أدركت أقواماً لو أثروا أن لا يشربوا الماء ما شربوا حتى تنقطع أعناقهم.
ونحوه قول عمرو بن عبيد: لقد رضت نفسي رياضة لو أردتها على ترك الماء لتركته.
أبو الحسين ابن عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد:
لو أنني رمت صبراً ... عما بقلبي منها
لحان يومي وما حا ... ن يوم صبري عنها
مات لأعرابي أولاد فصبر، فقيل له، فقال: ما هم في الموت ببدع، ولا أنا في المصيبة بأوحد، ولا جداء في الجزع، فعلام أجزع! كتب ابن العيد: اقرأ في الصبر سوراً، ولا أقرأ في الجزع.
الحسن: المؤمن لا يجهل وإن جهل عليه، حليم لا يظلم وإن ظلم غفر، لا يبخل وإن بخل عليه صبر.
لقمان: الصبر عند مس المكارة من حسن اليقين.
أكثم بن صيفي: الصبر على جزع الحلم أعذب من جني ثمر الندم.
كن كالمداوي جرحه يصبر على الدواء مخافة من طول الأذاء. اصبر على عمل لا غنى لك عن ثوابه، وعن عمل لا صبر لك على عقابه. من لم يتلق نوائب الدهر بالصبر طال عتبه عليه. اصبر لحكم من لا تجد معولاً إلا عليه، ولا مفزعاً إلا إليه. الصبر يمنح الفرج، ويفتح المرتج.
عبد العزيز بن زرارة:

قد عشت في الدهر أطواراً على طرق ... شتى وقاسيت فيه اللين والشبعا
كلاً بلوت فلا النعمى تبطرني ... ولا تخشعت من لأوائها ضرعا
لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه ... ولا يضيق به ذرعي إذا وقعا
آية. واحفظ في التجلد والتثبت قصائد، ولا احفظ في الهلع والتهافت قافية.
من تبصر صبر، والمحنة إذا تلقيت بالرضا والصبر كانت نعمة دائمة، والنعمة إذا خلت من الرضا والنكر كانت محنة لازمة.
رستم: حسن الصبر طليعة النصر.
قيل لأبي مسلم: بم أصبت ما أصبت؟ قال: ارتديت بالصبر، وائتزرت بالكتمان، وحالفت الحزم، ولم اجعل العدو صديقاً، ولا الصديق عدواً.
منصور النمري في الرشيد:
وليس لأعياء الأمور إذا عرف ... بمكترث لكن لهن صبور
يرى ساكن الأوصال باسط وجهه ... يريك الهويني والأمور تطير
علي رضي الله عنه: أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل لكانت لذلك أهلاً. لا يرجون أحد منكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحين أحد إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، ولا يستحين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه، وبالصبر فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، لا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه.
وعنه لا يعدم الصبور الظفر وإن طال الزمان.
لما كلم الله موسى اعتزل النساء وترك أكل اللحم، ولم يصبر هارون فتزوج وأكل اللحم. فقيل لموسى، فقال: لكني لا أرجع في شيء تركته أبداً.
محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الطالبي:
بعثت إليها ناظري بتحية ... فأبدت لي الإعراض بالنظر الشزر
فلما رأيت النفس أوفت على الردى ... فزعت إلى صبري فأسلمني صبري
علي رضي الله عنه: اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين.
وعنه: وإذا كنت جازعاً على تفلت من يدك فاجزع على كل ما لم يصل إليك.
وفي كتابه إلى عقيل: ولا تحسبن ابن أبيك ولو أسلمه الناس متضرعاً متخشعاً، ولا مقراً للضيم واهناً، ولا سلس الزمام للقائد، ولا وطئ الظهر المراكب المتقعد، ولكنه كما قال أخو بني سليم:
فإن تسألني كيف أنت فإنني ... صبور على ريب الزمان صليب
يعز علي أن ترى بي كآبة ... فيشمت عاد أو يساء حبيب
أغارت الروم على أربعمائة جاموس لبشير الطبري، فلقيه عبيده الذين كانوا يرعونها معهم، فقالوا: يا مولانا ذهبت الجواميس، قال: فاذهبوا أنتم معها، أنتم أحرار لوجه الله، وكانت قيمتهم ألف دينار، فقال له ابنه: قد أفقرنا! فقال: اسكت يا بني، إن الله اختبرني أن أزيده.
سليمان بن الحسن الخواص العابد المصري:
اله عما استأثر الله به ... أيها القلب ودع عنك الحرق
فقضاء الله لا يدفعه ... حول محتال إذا الأمر سبق
بيهس الملقب بنعامة حين قتل اخوته:
شفيت ما مازن حر صدري ... أدركت ثاري ونقضت وتري
كيف رأيتم طلبي وصبري ... السيف عزمي والإله ظهري
العتبي: إذا خفت صعوبة أمر فلصعب له، تذل مراكبه وتلين جوانبه.
عروة بن الزبير: حين رمحت الدابة ابنه فمات، ووقعت الأكلة في رجله فقطعت: كانوا أربعة أخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، وكن أربعة فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثاً. إلهي لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت الجوارح أبليت لقد عافيت، وعزتك لو قطعتني إرباً إرباً لم أزد لك إلا حباً.
أوحى الله إلى داود عليه السلام: تخلق بأخلاقي، وإن من أخلاقي إني أنا الصبور، فاصبر على الأيام صبر الملوك.
قدم على الوليد وفد من عبس فيهم شيخ ضرير، فسأله عن حاله وذهاب عينه، فقال: بت ليلة في بطن واد ولا أعلم عبسياً يزيد ماله على مالي فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد، غير صبي صغير وبعير وكان صعباً فنفر، فوضعت الصبي عن منكبي وتبعت البعير، فلم أجاوز حتى سمعت صيحة الصبي، فرجعت إليه ورأس الذئب في بطنه يأكله. فاستدرت بالبعير لأحبسه فنفحني برجله فحطم وجهي، فذهبت عيناي. فأصبحت لا عين ولا أهل ولا مال ولا ولد.
اذهبوا به إلى عروة ليعلم أن في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه فيتسلى.

الجاحظ: ليس في الأرض نفس تصبر على مضض الحقد ومطاولة الأيام صبر الملوك.
وعن حسن الخادم أشهد لكنت مع الرشيد، وهو متعلق بأستار الكعبة بحيث يمس ثوبي ثوبه ويدي يده وهو يقول في مناجاته: اللهم إني أستخيرك في قتل جعفر، ثم قتله بعد ذلك بست سنين.
نهشل بن حري:
وجار منعناه من الضيم والعدى ... وجيران أقوام بمدرجة الدهر
ويم كأن المصطلين بحسره ... وإن لم تكن نار قعود على الجمر
صبرنا له حتى يبوخ وإنما ... تفرج أيام الكريهة بالصبر
هلال بن فضلة الربعي:
وسبحت واسترجعت من بعد صدمة ... لها رجفت كبدي ومست فؤاديا
صبر فكان الصبر أدنى إلى التقى ... على حرّة قد يعلم الله ما هيا
غيره:
من يمتط الصبر يضع رجله ... في ساحة الراحة والفوز
غيره:
وما زلت أرسو الدهر صبراً على الذين ... يسوء إلى أن سرفي فيكم الدهر
غيره:
عجبت لصبر بعده وهو ميت ... وقد كنت أبكيه دماً وهو غائب
على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
غيره:
فديتك لم أصبر ولي فيك حيلة ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر
تصبرت مضطراً وإن كنت كارهاً ... كما صبر العطشان في البلد القفر
إذا استهدف لك غرض فارمه بنبال الصبر.
عمر رضي الله عنه: لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيها ركبت.
لما دفن عمر بن عبد العزيز ابنه عبد الملك رأى رجلاً يتكلم ويشير بشماله، فصاح به: إذا تكلمت فأشر بيمينك. فقال الرجل: ما رأيت رجلاً دفن أعز الناس عليه ثم هو تهمه يميني من شمالي. فقال عمر: إذا استأثر الله بشيء فاله عنه.
مات أيوب بن سليمان بن عبد الملك فجزع عليه سليمان جزعاً شديداً، وبكى عليه بكاء ينقطع له نياط قلبه، ثم قال:
فإن صبرت فلم ألفظك من شبع ... وإن جزعت فعلق منفس ذهبا
كتب محمد بن الحنيفة إلى ابن عباس حين سيره ابن الزبير إلى الطائف: أما بعد فقد بلغني أن ابن الزبير قد سيرك إلى الطائف، فأحدث الله لك بها ذكراً، وحط عنك بها وزراً.
يا ابن عم، إنما يبتلي الصالحون، وتعد الكرامة للأخيار، وإن لم نؤجر وتؤجر إلا بما نحب وتحب قل الأجر. وقد قال الله تعالى: " وعسى أن تكرهوا شيئاً " الآية. عزم الله لنا ولك على الصبر على البلاء، والشكر على الرخاء، ولا أشمت بك ولا بنا فيك عدواً. والسلام.
لما اشتدت العلة بالرشيد جعل يقول صبراً لأمر الله.
وإني لمن قوم كرام يزيدهم ... رجاء وصبراً شدة الحدثان

الصناعات والحرف
وذكر الصناع والمحترفين وما يتعلق بهم سهل بن سعد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عمل الأبرار من الرجال الخياطة، وعمل الأبرار من النساء الغزل " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيط ثوبه ويخصف نعله، وكان أكثر عمله في بيته الخياطة.
سعيد بن المسيب: كان لقمان الحكيم خياطاً.
ابن شوذب: كان إدريس خياطاً.
وقف علي رضي الله عنه على خياط فقال: يا خياط ثكلتك الثواكل، صلب الخيوط، ودقق الدروز، وقارب الغرز، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يحشر الله الخياط الخائن وعليه قميص ورداء مما خاط وخان فيه، وأحذر السقاطات صاحب الثوب أحق بها، ولا تتخذ بها الأيادي تطلب المكافأة.
عتبة: رأيت خياطاً عند عائشة رضي الله عنها يخيط لها درعاً، فقالت له: لا تبل الخيوط بريقك.
دعا الحسن خياطاً فشد زره، فأعطاه درهماً، فأبى أن يأخذه، فقال: خذه فلو كنت تلقط الذهب بإبرتك لكان قليلاً.
فيلسوف: من القبيح أن يتولى امتحان الصناع من ليس بصانع.
سأل معاوية سعيد بن العاص عن المروءة، فقال: العينة والحرفة.
كان أيوب السختياني يقول: يا فتيان احترفوا، فإني لا آمن عليكم أن تحتاجوا إلى القوم، يعني الأمراء.
حاك مجمع التيمي ثوباً قد تنوق فيه فباعه، فرد عليه بعيب فبكى. فقال له المشتري: لا تبك فقد رضيت به، فقال: ما أبكاني إلا أني تنوقت فيه فرد علي بالعيب، فأخاف أن يرد علي عملي الذي عملته من أربعين سنة.

يقال: فلان أخضر البطن، يعنون أنه حائك، لأن بطنه تسود لطول التزاقه بالخشبة التي يطوي عليها الثوب.
وكان النظام يقول العروضي الأخضر البطن. فيكشف عن بطنه يريه الناس يريد تكذيبه، حتى قال له إسماعيل بن غزوان: إنما يريد أنك من أبناء الحاكة.
أنس: عنه عليه السلام: " لا تلعنوا الحاكة فإن أول من حاك أبي آدم " .
قيل لسفيان بن عيينة: من أعبد أهل الكوفة؟ قال: حائك وصيرفي، أما الحائك فمجمع التيمي، وأما الصيرفي فالربيع بن راشد.
كانت عند أبي الحجاج الحائك شهادة أقامها عند بكار. فلما كان بعد مدة قال بكار لأخيه أبي صفوان: اشتهي نظرة من أبي الحجاج، فركب أبو صفوان إليه، فألقى له المرش فقعد عليه وأقبل على عمله وقال: اعذر يا أبا صفوان، فإن هذا الغلام الذي يعمل معي مملوك لامرأة يعود عليها بكسبه، وأكره أن أجلس معك فيبطل ويضر ذلك بها، فانصرف أبو صفوان، وقال لبكار: لا تطمع في أبي الحجاج، رجل تورع أن يجلس معي، فكيف يجيئك.
وكان مجمع يقول: إذا رخص الطعام كفاني رغيفان، وإذا غلا كفاني رغيف، فلو لا المسلمون ما باليت بغلاء ولا رخص.
مجاهد في قوله تعال: واتبعك الأرذلون، الحواكون.
قال حائك للأهمش: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ قال: لا بأس بها علة غير وضوء. قال: فما تقول في شهادته؟ قال: مقبولة مع شاهدين عدلين. فالتفت الحائك وقال: هذا ولا شيء واحد.
قال حائك لإبراهيم الحربي: ما تقول فيمن صلى العيد ولم يشتر ناطفاً، ما الذي يجب عليه؟ فتبسم إبراهيم ثم قال: يتصدق بدرهمين، فلما مضى قال: ما علينا أن نفرح المساكين من مال هذا الأحمق! قيل لحائك: لو كنت خليفة ما كنت تشتهي؟ قال: تمراً ولبأ، فالتفت إلى ابنه وقال يا بني لو كنت أنت خليفة ما كنت تشتهي؟ فقال: يا أبت أو تركت لي من اللذات شيئاً؟ قيل لرجل: هل عندكم حائك؟ قال: لا، قيل: فمن ينسج ثيابكم؟ قال: كل ينسج لنفسه في بيته. فإذا كلهم حاكه ولم يعلم.
وقع بين أبي علقمة وبين رجل فقال له: لو وضعت يمنى رجليك على حراء والأخرى على ثبير ثم تناولت قوس الله فندفت ما كنت إلا ندافاً.
وفي الحديث: أحل ما أكل العبد كسب يد الصانع إذا نصح. وفيه: إن الله يحب المؤمن المحترف.
وفيه: إن الله يحب العبد يتخذ المهنة يستغني بها عن الناس، ويبغض العبد يتعلم العلم يتخذه مهنة.
وفيه: ويل للتاجر من لا والله، وبلى والله، وويل لعامل يد من غد وبعد غد.
مازح الفرزدق بلالاً، فذم بلال بني تميم ومدح أبا موسى، فقال الفرزدق: والله لو لم يكن لأبي موسى إلا فضيلة واحدة لكفته. قال: وما هي؟ قال: حجامته. قال بلال: قد فعل ذلك لحاجة رسول الله إلى ذلك، وما فعله قبله ولا بعده. قال: كان أبو موسى أتقى لله من أن يقدم على نبيه بغير حذق.
عتبة الأعور:
أبوك أدهى النجاد عاتقه ... كم من كمي أدمى ومن بطل
يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من ثائر على وجل
كان أردشير بن بابك لا يرتضى لمنادمته ابن ذي صناعة دنيئة كحائك وحجام ولو كان يعلم الغيب مثلاً.
كانت لبعضهم جارية مليحة فأراد أن يعلمها الغناء، فسلمها إلى المحتكر فأعيته، فسألها مولاها بعد مدة عما تعلمت فقالت: شد الأوتار وحلها. قال: أنت حرة إن أسلمتك إلا إلى الحجامات، فتعلمت الحجامة وتقدمت فيها، فدخل المغني يوماً على الرجل وهي تحجمه فقال:
نعم لهذا خلقت وحده ... ليس لضرب البم والزبر
حديدة المشرط في كفها ... أحسن من ريش الطنابير
وطبعها في مصها جيد ... يضغط أذناب القوارير
فضحك الرجل وأعطاه مائتي درهم.
السري الموصلي في مزين:
إذا لمع البرق في كفه ... أفاض على الرأس ماء النعيم
دعا المأمون إبراهيم بن رستم إلى القضاء، فقال: أنا دباغ لا أصلح للقضاء. فقال المأمون: وما تضر الحرفة؟ إنما يطلب الرجل لذاته إذا اتقى الله.
أبو العتاهية:
وليس على عبد تقي نقيصة ... إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم
مر داود عليه السلام باسكاف فقال: يا هذا، اعمل وكل فإن الله يحب من يعمل ويأكل، ولا يحب من يأكل ولا يعمل.

سفيان الثوري: إذا لم يكن للعالم حرفة ولا عقار كان شرطياً لهؤلاء الظلمة، وإذا لم يكن للجاهل حرفة كان رسولاً للفساق.
قال رجل للحسن: أنشر مصحفي فاقرأه النهار كله؟ قال: لا، اقرأه بالغداة والعشي ويكون يومك في صنعتك وما لا بد منه.
أخذ حجام من شارب الحسن فقال: أعطوه درهمين، فقالوا يا أبا سعيد، إنهم لا يطلبون في هذا شيئاً. قال: أفنتسخره؟ سأل داود عن نفسه في الخفية، فقالوا: يعدل، إلا أنه يأكل من أموال بني إسرائيل. فسأل الله أن يعلمه عملاً فعلمه اتخاذ الدروع.
وكان سليمان يعمل القفاف ويبيعها ويأكل من ثمنها.
وكان فضيل يستقي على الروايا بكراء وينفق على نفسه وعياله.
إذا لقي الصانع من العرب صانعاً مثله قال: يا ابن عملي. قال:
يا سعد يا ابن عملي يا سعد ... هل يروين ذودك سقى معد
وساقيان سبط وجعد ... وسائقان أمة وعبد
سبط وجعد أي عجمي وعربي لأنهما لا يتفاهمان كلاهما فلا يشغلهما الحديث عن السقي. وأمة وعبد لأنهما يتحدثان فلا ينامان عن السوق.
في الحديث: أكذب أمتي الصواغون والصباغون.
وفي أمثال العرب أكذب من صنع.
وكذب الدلال مثل. قالوا لكل أحد رأس مال ورأس مال الدلال الكذب.
وروى أن أول من دل إبليس، حيث قال: هل أدلك على شجرة الخلد.
راحة الصباغ يشبه بها ما لا يستنظف.
كعب: لا تستشيروا الحاكة فإن الله سلب عقولهم ونزع البركة من كسبهم.
شهد رجل حلقة الشعبي: فلما قام قال له: إني أجد في قفاي حكة، أفترى لي أن أحتجم؟ فقال: الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة.
الجاحظ: دعوت نجاراً لتلعيق باب ثمين، فقلت له: إن إحكام تعليق الباب شديد لا يحسنه من مائة نجار واحد، وقد يذكر الرجل بالحذق في نجارة السقوف والقباب وهو لا يكمل لتعليق كل باب على تمام الأحكام. ومثاله إن الغلام والجارية يشويان الجدي والحمل ويحكمان الشي وهما لا يحكمان شي جنب، فقال النجار: أحسنت حين أعلمتني أنك تبصر العمل، فإن معرفتي بمعرفتك تمنع التشقيق ثم أحكم تعليقه.
عمر رضي الله عنه: إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول: هل له حرفة؟ فإن قالوا لا، سقط من عيني.
علي رضي الله عنه: مررت مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان على مسجد فرأى فيه خياطاً فأمر بإخراجه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إبه يقم أحياناً المسجد ويرشه ويغلق أبوابه. فقال: يا أبا الحسن، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " جنبوا مساجدكم صناعكم " قال خياط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب السلاطين فهل تخاف علي أن أكون من أعوان الظلمة؟ قال: لا، إن أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة، أما أنت فمن الظلمة أنفسهم.
مجاهد: مرت مريم في طلب عيسى عليهما السلام بحاكة، فسألت عن الطريق، فأرشدوها إلى غير الطريق، فقالت: اللهم انزع البركة من كسبهم ،وأمتهم فقراء، حقرهم في أعين الناس، فاستجيب دعاؤها.
جاء في تفسير قوله تعالى: " لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " أنهم كانوا حدادين وخرازين، فكان أحدهم إذا رفع المطرقة، أو غرز الأشفى فسمع الأذان لم يخرج الأشفى من المغرز، ولم يضرب بالمطرقة ورمى بها، وقال إلى الصلاة.
أيوب: كان أبو قلابة يحثني على الاحتراق ويقول: إن الغنى من العافية.
خرج علي رضي الله عنه يوماً فقام على القصابين فقال: يا معشر القصابين، من نفخ شاة فليس منا. والله أعلم.

الأصوات والألحان في الشعر والقرآن
وما جاء في الغناء من التحليل والتحريم، وما اتصل من ذلك.
النبي صلى الله عليه وسلم: " أتدورن من كان الحداء؟ قالوا: لا، بأبينا وأمنا، قال: إن أباكم مضر خرج في مال له، فوجد غلامه قد تفرقت إبله عليه، فضرب على يده بالعصا، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: وأيداه، وأيداه، فسمعت الإبل صوته فتعطفت عليه. فقال مضر: لو اشتق من الكلام مثل هذا لكان شيئاً تجتمع عليه الإبل فاشتق الحداء " .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بعض أسفاره لرباح بن المعترف غنني:

فغناه، فأصغى إليه عمر وقال: أجدت بارك الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، لو قلت زه كان أعجب إلي، قال: وما زه؟ قال: كلمه كان كسرى إذا قالها أعطى من قالها له أربعة آلاف درهم. قال: إن شئت أن أقولها لك فعلت، فأما أعطي أربعة آلاف درهم فلا يجوز لي من أموال المسلمين. قال: فبعضها من مالك، فأعطاه أربعمائة درهم. قال يرفأ: أتصل المغني؟ قال: خدعني.
عبد الله بن مسعود: ما بعث الله نبياً إلا حسن صوته وحسن صورته.
لأهل الرهبانية نغمات وألحان شجية يجدون الله بها، ويقصرون بها السهر، ويبكون بها على خطاياهم، ويتذكرون بها نعيم الجنة.
سأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء، فقال القاسم: أرأيت إذا جمع الله الحق والباطل أين يكون الغناء؟ أتراه يكون مع الحق؟ قال: لا، قال: فهو مع الباطل.
نزل الحطيئة ببني قريع، فسمع شباباً يتغنون فقال: جنبوني مغنيكم فإن الغناء رقية الزنا.
وكان سليمان بن عبد الملك يقول: إن الفرس يصهل فتستودق له الحجر، وإن الفحل يهدر فتضبع له الناقة، وإن التيس ينب فتستدر له العنز، وإن الرجل يغني فتشبق له المرأة.
قيل لإسحاق الموصلي: كيف وجدت بني مروان في اللهو؟ قال: أما معاوية وعبد الملك وسليمان ومروان فكانت بينهم وبين الندماء المغنين ستارة، لئلا يظهر منهم طرب الخلفاء للغناء، وأما أعقابهم فكانوا لا يتحاشون، ولم يكن أحد منهم في مثل حال يزيد بن عبد الملك في السخف، قيل: فعمر بن عبد العزيز؟ قال: ما طن في سمعه حرف قط من الأغاني بعد ما أفضت إليه الخلافة، وقبلها كان يسمع من جواريه خاصة. قيل فيزيد الناقص؟ قال: ما بلغني أنه سمع الغناء قط، كان يظهر التأله ويقول بالقدر.
الزهري: قال لي الرشيد: من بالمدينة حرم الغناء؟ قلت: من قنعه الله خزيه. قال بلغني أن مالك بن أنس حرمه. قلت: ولمالك أن يحرم ويحلل؟ والله، ما كان هذا لابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أكرم الخلق، إلا عن وحي من ربه، فهل يجوز ذلك لمالك؟ لما بلغ رسول صلى الله عليه وسلم في هجرته ثنية الوداع، استقله الجواري يضربن بالدفوف ويغنين:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيجيء من بعدي قوم يرجعون بالقرآن الغناء والرهبانية والنوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب اللذين يعجبهم شأنهم.
عمران بن عبد الله بن طلحة: كنت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وكان رجل يقرأ بطرب، فأنكر ذلك القاسم إنكاراً شديداً، وقال: يقول الله تعالى: وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
سئل الفضل عن قراءة القرآن بألحان، فقال: إنما أخذ هذا من الغناء قوم اشتهوا الغناء فاستحبوا فحولوا نصب الغناء على القرآن، وعسى أن يقرأ رجل ليس له صوت فلا يعجبهم وهو خير من صاحب الصوت، ويقرأ الآخر فيعجبهم صوته، فيقولون: ما أحسن قراءته! ولعله لا تجاوز قراءته حنجرته.
أنس: وعظ النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فإذا رجل قد صعق، فقال: من هذا الملبس علينا ديننا؟ إن كان صادقاً فقد شهر نفسه، وإن كان كاذباً فمحقه الله.
زعموا أن في البحر دواب ربما ترنمت أصواتاً مطربة ولحوناً مستلذة يأخذ السامعين الغشي من حلاوتها، فاعتنى وضعة الألحان فشبهوا بها أغانيهم فلم يبلغوا.
وزعموا أن في بلاد يونان طائراً يصوت بالظهائر أصواتاً يجتمع أصناف الطيور استلذاذاً لها.
عن عمرو بن ماسويه المتطبب: إن شجرة على شط البحر هلباء ليست لها أغصان ولا روق، يقع عليها طائر وجهه وجه إنسان، وصدره صدر طاووس، وبدنه بدن نمر، وخفه خف بعير، وهو في سائر جسده كالفرس، يصوت بأنواع الأغاني فبنى برصوما أسقف الرها ألحانه عليها.
الجاحظ: من الأصوات ما يقتل، كصوت الصاعقة، والرعد القاصف، والهدة، وزئير الأسد، وقعاقع الحديد وصلاصله تورث انتفاخ السحر وارتفاع القلب، وربما أدت إلى انشقاق المرارة.
وقالوا: إن الرعد الشديد إذا وافق سباحة السمكة في أعلى الماء رمت ببيضها، وربما ماتت، ويمرق بيض الحمام قبل وقته، والصوت الحسن قد يزيل العقل حتى يغشى على سامعه للطافة وصوله إلى الدماغ وممازجته للقلب.
والأم تناغي الصبي فيقبل بسمعه إلى مناغاتها ويتلهى عن البكاء.

والإبل تزداد في نشاطها وقوتها بالحداء، فترفع آذانها وتتلفت يمنة ويسرة وتتبختر في مسيرها.
وإذا اصطادوا الفيلة جمعوا لها الملاهي والمغنين فتلهى عن رعيها وتسهو عن الهرب حتى تؤخذ وتخطم.
وزعم ابن ربن أن السماكين بنواحي العراق يبنون في جوف الماء حظائر ثم يطربون عندها فيجتمع السمك في الحظائر حتى يصدروها.
وعن بعض الفلاسفة أن سمل أيايل قد سمعت زمراً وعزفاً فأقبلت إليه وطأطأت رأسها وكادت تنام تلذذاً باستماعه.
والراعي إذا رفع عقيرته أو نفخ في يراعته تلقته الغنم بآذانها وجدت في رعيها.
قالوا: ربما يفسد العقل الولوع بالسماع وطول ملازمته.
تعاف الدابة الماء فإذا سمعت الصفير بالغت في الشرب.
حكيم: الصوت الحسن مما يزيد في المنة، ويكون مادة للقوة، وليس شيء مما يستلذه الإنسان أخف مؤونة من السماع، لأنه لا بد له في غيره من أعمال حاسة، ما خلا السماع فإنه ليس له إلا السكوت.
أفلاطون: من حزن فليسمع الأصوات الحسنة، فإن النفس إذا حزنت خمد نورها، فإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمد.
وما زالت ملوك فارس تلهي المحزون بالسماع، وتعلل به المريض وتشغله عن الفكر، ومنهم أخذت العرب حتى قال ابن عسلة الشيباني
وسماع مسمعة تعالمنا ... حتى ننام تناؤم العجم
أبو نواس:
إذا غنين صوتاً كان موتاً ... وهجن به عليك الزمهريرا
ولو في يوم هرمز جئت زوراً ... لصيره عبوساً قمطريرا
أذن البعلبكي مؤذن المنصور فرجع، وجارية تصب الماء على يده، فارتعدت حتى وقع الإبريق من يدها، فقال للمؤذن: خذ هذه الجارية فهي لك، ولا ترجع هذا الرجيع.
دخل الشعبي وليمة فأقبل على أهلها فقال: ما لكم كأنكم اجتمعتم على جنازة؟ أين الغناء والدف.
إسحاق بن إبراهيم الموصلي: كان ابن أبي حفصة يتغذى عند أبي، فإذا فرغ قال: أطعموا آذاننا رحمكم الله.
قال رجل للحسن: ما تقول في الغناء؟ قال: نعم الشيء المغنى، يوصل له الرحم، وينفس به عن الكروب، ويفعل فيه المعروف. قال: إنما أعني الشدو، قال: وما الشدو، وتعرف منه شيئاً، قال: نعم، قال: فما هو؟ فاندفع الرجل يغني ويلوي شدقيه ومنخريه ويكسر عينيه. فقال: ما كنت أرى أن عاقلاً يبلغ من نفسه ما أرى.
أبو عمرو بن العلاء: ما في الأرض شيء أقل حاذقاً من الغناء.
قال السعيدي: قلت لأبي أويس: هل تروي في وزن هذا البيت شيئاً:
أعرضت فلاح لها ... عارضان كالبرد
فقال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سيرين أخت مارية وهو تصفق وتقول:
هل علي ويحكما ... إن لهوت من حرج
فقال: لا. قال السعيدي: فكان سرورنا بالحديث أكثر من سرورنا بالبيت.
قالت ديباجه الأعرابية لإسحاق الموصلي: أنت بنغم ألفاظك دون نغم ألحانك. تطرب إذا تكلمت فكيف نراك تصنع إذا ترنمت.
قال رجل لآخر: غنني صوت كذا ومن بعده صوت كذا، فقال: أراك لا تقترح صوتاً إلا بولي عهد.
بعض السلف: الغناء نوح إبليس على الجنة حين أخرج منها.
سمع سليمان عن عبد الملك مغنياً في عسكره، فطلبه فاستعاده: فاحتفل بالغناء، وكان مفرط الغيرة، فقال لأصحابه: والله لكأنها جرجرة الفحل في الشول، وما أحسب أنثى تسمع هذا إلا صبت، ثم أمر به فخصي.
ابن الراوندي: اختلف الناس في السماع فأباحه قوم وحظره آخرون، وأنا أخالف الفريقين فأقول هو واجب.
كان صالح بن كيسان لا يرى بالغناء بأساً، ويقول: إنه يخرج من جلجلان القلب إلى قمع الأذن وليس على أحد مؤونة.
ابن الحجاج:
وقينة تفخيمها في الغنا ... أملح من قهقهة القمري
غناؤها الممدود بي فاعل ... فعل الغنى المقصور بالعسر
الموصلي: دخلت على المعتصم يوماً قد استخلى فيه وعنده جارية تغني، قال: كيف ترى يا أبا إسحاق؟ قلت: أراها تقهره بحذق، وتختله برفق، ولا تخرج شيئاً إلا إلى أحسن منه، وفي صوتها مقطع شذور أحلى من الدر المنثور، فقال: لصفك لها أحسن منها ومن غنائها.
وكان يقول الوليد بن يزيد: ما أقدر على الحج. قيل له كيف ذاك؟ قال: يستقبلني أهل المدينة بصوتي معبد.
القصر فالنخل فالجماء بينهما أشهى إلى القلب من أبواب جيرون.
والآخر:
يوم تبدى لنا قتيلة عن ... جيد تليع تزينه الأطواق

وكان الغناء في أهل المدينة حائزين فيه قصبات السبق.
يحكى أن ابن سريج والغريض قدما بالمدينة يتعرضان لمعروف أهلها، فلما شارفاها وصار بالمغسلة، وهي جبانة على طرفها تغسل فيها الثياب، إذا هما بغيم ملتحف بإزار وبيده حباله يتصيد بها ويتغنى القصر فالنخل، قالا: فسمعنا شيئاً ما سمعنا مثله قط، فقال ابن سريج: هذا غناء غلام يتصيد الطير! فكيف بمن في الجوية؟ أما أنا فثكلت والدته إن لم أرجع، فكرا راجعين.
وقيل: أربع في أهل المدينة: الغناء، والمتعة، والماء من الماء، والوضوء مسته النار.
وصف بعضهم مسمعه فقال: تلوك لحنها كما يلوك الفرس لجامه، ثم تلقيه في هامة لدنة ثم تخرجه من منخر أغن، والله ما ابتدأته فتوسطته وأنا أعقل، ولا فرغت منه فأفقت إلا وأنا أظن أني رأيته في نومي.
عن عبد الله بن عوف: أتيت باب عمر فسمعته يتغنى بالركبانية:
فكيف ثوائي بالمدينة بعد ما ... قضى وطراً منها جميل بن معمر
هو جميل الجمحي وكان خاصاً به فلما استأذنت عليه قال لي: أسمعت ما قلت؟ قلت: نعم، قال: إنا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم.
نافع: سمع ابن عمر يوماً مزماراً فوضع إصبعيه في آذنيه، ونأى عن الطريق، وقال: يا نافع، هل تسمع شيئاً؟ فقلت: لا، فرفع إصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا.
أبو أمامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن ولا شراؤهن ولا التجارة فيهن، وثمنهن حرام. وما نزلت علي هذه الآية إلا في مثل هذا الحديث: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله. ثم قال: والذي بعثني بالحق ما رفع رجل عقيرة صوته بالغناء إلا بعث الله عليه عند ذلك شيطانين، على هذا العاتق واحد، وعلى هذا العاتق واحد، يضربان بأرجلهما في صدره حتى يكون هو الذي يسكت.
اشتد المعتز في قرقرة الإبريق فأنشده ابن خلاد قول بشار:
وأتلع كالضبي يحكي لنا ... أعاليه العنق الأقود
إذا ما أكب على كأسه ... أرن كما صدح الصفرد
فأمر له بصلة. ولبشار.
كأن قرقرة الإبريق بينهم ... صوت المزامير أو ترجيع فأفاء
وله:
ومالت كف ساقينا ... بإبريق إلى طاس
له قهقهة فيه ... على حبسة أنفاس
سمع أعرابي مغنية بالفارسية فشوقته فقال:
ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت كبدي فلم أجهل شجاها
فكنت كأنني أعمى معنىً ... يحب الغانيات ولا يراها
كانت لبعض الظرفاء جاريتان مغنيتان، حاذقة ومتخلفة، فكان يخرق قميصه إذا غنت الخارقة، فإذا غنت الأخرى قعد يخيطه.
تخاصم إبراهيم بن المهدي وإسحاق في الغناء، فقال له إسحاق: جعلت فداك، إلى من نتحاكم والعالم بيني وبينك بهائم؟ قال معاوية لعمرو بن العاص يوماً: امض بنا إلى هذا الذي تشاغل باللهو وسعى في هدم مروءته، يريد عبد الله بن جعفر، فدخلا عليه وعنده سائب خاثر يلقى الغناء على جواريه، فأمر بتخيتهن، وتنحى لمعاوية عن سريره، فقال معاوية: أعد علينا ما كنت فيه، فغنى سائب بقول قيس بن الحظيم:
ديار التي كانت ونحن على منى ... نحل بها لولا نجاء الركائب
وردده الجواري معه، فحرك معاوية يديه وتحرك، ومد رجليه يضرب بهما وجه السرير فقال له عمرو: اتئد! فإن الذي جئت تلحاه أحسن حالاً منك وأقل حركة. فقال معاوية: اسكت فكل كريم طروب.
سمع فيلسوف صوت مغن بارد فقال: يزعم أهل الكهانة أن صوت البومة يدل على موت الإنسان، فإن كان ما ذكروه حقاً فإن هذا يدل على موت البومة.
كان العباس بن عبد المطلب أجهر الناس صوتاً، كان يرجز السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه، وفيه يقول النابغة الجعدي:
زجر أبي عروة السباع إذا ... أشفق أن يختلطن بالغنم
وقد أتتهم غارة فصاح يا صياحاه! فأسقطت الحوامل، وكان يقف على سلع فينادي على غلمانه وهم بالغابة فيسمعهم، وبين الغابة وسلع وهو جبل في وسط المدينة ثمانية أميال.

وعن العباس لما ولي الناس يوم حنين: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، آخذاً بثفر بغلته الشهباء فشجرتها بالحكمة وكنت رجلاً صيتاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين رأى من الناس من رأى وأنهم لا يلوون على شيء، يا عباس أصرخ: يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة فناديت، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها.
أتى عبد الملك بن صالح وفود من الروم فأخفى بعض من في المجلس عطسته، فقال له: هلا إذ كنت ليئم العطاس، كز الخيشوم أتبعت عطستك صرخة تخلع بها قلب العلج! وكان الرشيد جمهورياً فقال فيه بعض العرب وهو يطوف بالبيت:
جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النعم
ويخطو على الأين خطو الظليم ... ويعلو الرجال بخلق عمم
الجاحظ: كان أبو ديومه مولى آل زياد ينهق بباب الكرخ بحضرة المكارين فلا يبقى حمار مريض ولا هرم ولا حسير متعب إلا نهق. وقيل تسمع نهيق الحمار على الحقيقة فلا تنبعث حتى كان أبو ديوبه يحركها. وكان يجمع جميع صور نهيق الحمار فيجعلها في نهيق واحد، وكذلك كان في نباح الكلاب.
قيل لرجل من العرب: ما الجمال؟ فقال: غؤور العينين، وإشراف الحاجبين، ورحب الأشداق، وبعد الصوت.
سأل الحجاج جلساءه عن أرق الصوت عندهم، فقال أحدهم: ما سمعت صوتاً أرق في سمعي من صوت قارئ حسن القراءة لكتاب الله في جوف الليل. قال: إن ذلك لحسن. وقال آخر: ما سمعت صوتاً أعجب من أن أترك امرأتي ماخضاً وأخرج إلى المسجد مبكراً فيأتيني آت فيبشرني بغلام. فقال: واحسناء! فقال شعبة بن علقمة التميمي: لا والله ما سمعت صوتاً قط أعجب إلي من أكون جائعاً فأسمع خفخفة الخوان. فقال الحجاج: أبيتث يا بني إلا حب الزاد.
قيل لمخنث: أي الأصوات أحب إليك؟ قال: نشنشة القلية، وقرقرة القنينة، وخفخفة الخوان، وفشفشة التكة.
كان المفضل يروي بيت أوس تصمت بالماء تولياً جذعاً، فقال له الأصمعي: أخطأت إنما هو جدعا وهو السيئ الغذاء، وتكلم المفضل ورفع صوته، فقال له: إن رفع الصوت لا يغني عنك ولو نفخت بالشبور تكلم كلام النمل وأصب.
سمع سعيد بن المسيب ذات ليلة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد العزيز يجهر القراءة في صلاته، وكان حسن الصوت، وهو إذ ذاك أمير المدينة، فرفع سعيد صوته وقال: يا أيها المصلين إن كنت تريد الله بصلاتك فاخفض صوتك، وإن كنت تريد الناس فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً، فسكت وخفف ركعتيه ثم أخذ نعليه وخرج.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قام أحدكم من الليل فليجهر بقراءته، فإن الملائكة وعمار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون بصلاته.
عن داود عليه السلام أنه كان يخرج إلى صحراء بيت المقدس يوماً في الأسبوع ويجتمع الخلق فيقرأ الزبور تلك القراءة الرخيمة الشجية، وله جاريتان موصوفتان بالقوة فيضبطان جسده ضبطاً خيفة أن تنخلع أوصاله مما كان ينتحب ويزفر، وتحتشد على قراءته الوحوش والطير.
وعن مالك بن دينار: بلغنا أن الله يقيم داود يوم القيامة عند ساق العرش فيقول: يا داود، مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم.
واستمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى فقال: لقد أوتي هذا من مزامير آل داود. فبلغ ذلك أبو موسى فقال: يا رسول الله، لو أعلم أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً.
أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنه رأت ملكاً. وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطاناً " وعن ابن عباس يرفعه: إن مما خلق الله لديكاً بقاثنه على الأرض السابعة السفلى، وعرفه مطوي تحت العرش، قد أحاط جناحاه بالأفقين، فإذا بقي ثلث الليل الآخر، ضرب بجناحيه ثم قال: سبحان الملك القدوس، سبحوا الملك القدوس، سبحان ربنا الملك القدوس إلا إله لنا غيره، فيسمعها من بين الخافقين كلا الثقلين.
قال محمد بن إسحاق: فيرون أن الديكة إنما تضرب بأجنحتها وتصرخ إذا سمعت ذلك.
جابر بن عبد الله يرفعه: إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله، فإنهن يرين ما لا ترون.

أبو موسى الأشعري: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فلما دنونا من المدينة كبر الناس ورفعوا أصواتهم. فقال: يا أيها الناس، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذين تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم.
وفي النصائح الصغار: عملك علم منه في عدمه ما لا تعلم أنت، وقد وجدوا دعاؤك لمن هو أخبر منك بما أردت به مما لم ترد، فما هذا الرغاء كأنه هدير؟ وما هذا الصراخ الذي الأصم به جدير؟ إن كنت ممن يأوي إلى السنة دون البدعة، ولا يكون على الرياء والسمعة، وأردت بذلك وجه العليم بما خطر في قلب العبد وهجس الخبر بما وسوست به النفس، وأوجس من هوى نفسك العمل المشهور، فالكتم الكتم، ومن شهرتها الدعاء المنشور فالختم الختم، إن خير النوق والفتى المكتوم، وخير الكتاب والشراب المختوم.
وفي الرسالة الناصحة: وأن لا ترى في مدرستك فاتر الرغبة والنشاط، قليل الاسترسال والانبساط، ناطقاً كالصامت، جاهراً كالخافت، فإذا سمعت تحفيف الركب المار تحركت وانتعشت، ونبت لك عرف وانتفشت، ورفعت من صوتك وأصوات أصحابك، وما شئت من صرخك وإجلالك، لتسمع المارة ذلك الزجل واللجب، ويقضي من كدك واجتهاد العجب.
قال حكم الوادي: كنت أنا وجماعة نتعلم من معبد فغنى لنا صوتاً أعجب به، وكنت أول من أخذه عنه ذلك اليوم، فاستحسنه مني، فأعجبتني نفسي. فلما انصرفت عملت فيه من عند نفسي لحناً آخر وبكرت عليه، فغنيته ذلك اللحن، فوجم ساعة، ثم قال: كنت أمس أرجي مني لك اليوم، وأنت اليوم عندي أبعد من الفلاح.
الأصمعي: قلت لأعرابي ألك شعر؟ قال: قلت أبياتاً فتغنى بها حكم الوادي، فما حرك بها قصابه إلا خفت النار، فأبغضت قول الشعر.
قال سلام الحادي للمنصور، وكان يضرب المثل بحداثه: مر يا أمير المؤمنين بأن يظمئوا إبلاً ثم يوردوها الماء، فأتى آخذاً في الحداء فنرفع كؤوسها وتترك الشرب حتى اسكت.د سأل المعتصم إسحاق الموصلي عن النغم كيف يميز بينها على تشابهها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة ولا تؤديها الصفة.
ذو جدن من الأقيال اسمه علس بن الحارث. والجدن الصوت بالحميريه. كانوا يضربون المثل بحسن صوته، ويقولون إن الوحش كانت تأذن له.
أبو أمامة عن النبي عليه السلام: " ما من عبد يدخل الجنة إلا وهو يجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتان من الحور العين تغنيانه بأحسن صوت سمعه الأنس والجن، ليس بمزامير الشياطين ولكن بتحميد الله وتقديسه " .
كان عليه الصلاة والسلام يصف الجنة، فقال رجل: يا رسول الله أيها سماع؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إن الله ليوحي إلى شجرة الجنة أن أسمعي عبادي الذين شغلوا أنفسهم بذكري عن المعازف والمزاهر والمزامير، فتسمعهم أصواتاً ما سمع الخلائق مثلها قط بالتسبيح والتقديس.
كان عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار الجشمي القارئ ينزل مكة، فسمي القس من عبادته وزهده، ثم استهيم بمغنية من مولدات مكة اسمها سلامة حتى نسبت إليه، فقيل لها سلامة القس، وله فيها:
ألم تراها أبعد الله دارها ... إذا رجعت في صوتها كيف تصنع
تمد نظام القول ثم ترده ... إلى صلصل في صوتها يترجع
وله:
إذا ما عج مزهرها إليها ... وعجت نحوه أذن كرام
وأصغوا نحوها الآذان حتى ... كأنهم وما ناموا نيام
يعلى بن عقيل العنزي في إسحاق الموصلي، وقيل هي للأصمعي:
أأن تغنيت للشرب الكرام إلا ... حيث الخليط جمال الحي فانطلقوا
وقيل أنت حسان الناس كلهم ... وابن الحسان فقد قالوا وقد صدقوا
فما بهذا تقوم النادبات ولا ... تبكي البواكي إذا ما ضمك الخرق
قيل لأعرابي في يوم حار بحضرة قوم يتصايحون في الخيام: أما ترى أجيج اليوم؟ فقال: إن ضجيج القوم أشد من أجيج اليوم.
قدم عمر بن أبي ربيعة الكوفة فنزل على عبد الله بن هلال الملقب بصاحب إبليس، وكانت له قينتان، فقال فيهما:
يا أهل بابل ما نفست عليكم ... من عيشكم إلا ثلاث خلال
ماء الفرات وظل عيش يرد ... وغناء محسنتين لابن هلال

قيل لسفيان بن عيينة: لم كان يستحب خفض الصوت عند الجنائز؟ قال: شبهوه بالحشر إلى الله، أما سمعته يقول: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً.
كان الحجاج إذا سمع نوحاً في دار أمر بهدمها، فلما مات ابنه وأخوه أحب أن يسمع النوح، وكان يتمثل بقول الفرزدق: في كل ناحية نائحة.
هل ابنك إلا من بني الناس فاصبري ... فلن يرجع الموتى حنين المآتم
تناظر رجلان عند المأمون فارتفعت أصواتهما، فقال: الصواب في الأسد لا في الأشد.
إن صاح يوماً الصخر منحدراً ... والريح عاصفة والموج ملتطما
كتب الوليد بن يزيد بن عبد الملك في أشعب فحمل إليه، فألبسه سروايل من جلد فرد له ذنب، وقال: ارقص وغن صوتاً يعجبني، ففعل فوصله.
وأرسل إلى الهيثم القاري وهو أول من طرب في قراءته، فاستقرأه فقرأ، فقال: غنني، فقال: لا أحسن الغناء، قال: فالذي قرأت ليس صوت كذا وكذا؟ ولقد صدق الفاسق فإن القراءة بالتطريب من باب الاغتناء فقبلوه من الأبيات فلحنوا القرآن تلحيناً، ولقنوه الفتيان تلقيناً، حتى اتخذه قصاص السوء مكسبة ومتسوقاً، وإلى صرف العامة إليهم متسلقاً، ففتنوا به ضعفة الدهماء وجهله الرجال والنساء، فإذا قالوا: ما أطيب كلام الله! فهو لطيب الأغنية لا لصحة العقيدة وصدق النية.
وعن الهيثم استقرأني الوليد فقرأت، ثم طلب مني الغناء فتغنيت، فقال: قراءتك أطيب من غنائك. وإنما حكم بطيبها من أجل تطريبها.
وحكى إسحاق الموصلي عن أبيه إبراهيم أنه غنى الهادي صوتاً أطربه فقال: سل ما شئت، فقال: فقال: تقطعني عين مروان بالمدينة، فقال: يا غلام جأ عنقه، يا جاهل! أردت ويلك أن تضيع في الناس أنك غنيتني فأقطعك على الغنائم! ثم قال لوزيره: أدخل هذا الجاهل الخزانة فأعطه ما شاء.
كان يقول حماد بن إسحاق الموصلي: أول من وصله الرشيد، حين استخلف جدي إبراهيم، وذلك أنه قال:
ألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها
فليست الدنيا كمالاً بملكه ... فهارون وإليها ويحيى وزيرها
وعمل فيها لحناً وأسمعه الرشيد من وراء الحجاب، فأعطاه مائة ألف، ويحيى خمسين ألف.

الصدق، والحق، والصواب
والتكلم بالحق، والتصلب في الدين، والغضب لله، وغير ذلك.
عبد الله بن عمر: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما عمل أهل الجنة؟ فقال: الصدق، إذا صدق العبد بر، وإذا بر آمن، وإذا آمن دخل الجنة، قال: يا رسول الله ما عمل أهل النار؟ الكذب، إذا كذب العبد فجر،وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار " .
وعنه عليه الصلاة والسلام: الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإن المرء ليتحرى الصدق حتى يكتب صديقاً.
وعنه: عليك بالصدق وإن ضرك، وإياك والكذب وإن نفعك.
إسماعيل بن عبد الله: لما حضرت أبى الوفاة جمع بنيه فقال: يا بني، عليكم بتقوى الله، وعليكم بالقرآن فتعاهدوه، وعليكم بالصدق حتى لو قتل أحدكم قتيلاً ثم سئل أقر به، والله ما كذبت كذبة منذ قرأت القرآن.
عائشة رضي الله تعالى عنها: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم يعرف المؤمن؟ قال: بوقاره ولين كلامه وصدق حديثه.
علي رضي الله عنه: الصدق خير للمؤمن من المال يأكله ويورثه.
الأحنف: عيي صدوق خير من بليغ كذوب، لعن الله المرء إذا كان كذاباً. وقال لابنه: يا بني، يكفيك من شرف الصدق أن الصدوق يقبل قوله في عدوه، ومن دناءة الكذب أن الكذاب لا يقبل قوله في صديقه ولا عدوه.
لكل شيء حلية، وحلية المنطق الصدق.
محمود الوراق:
الصدق منجاة لأصحابه ... وقربة يدنى من الرب
مضرة الصدق على أهله ... أرد من منفعه الكذب
الصدق عمود الدين، وركن الأدب، وأصل المروءة، ولا تتم هذه الثلاثة إلا به.
رسطاليس: أحسن الكلام ما صدق فيه قائله، وانتفع به سامعه.
قتيبة: ثلاث لا يصح السلطان إلا بهن: الشدة على الريب، واللين للحسن، وصدق الحديث.
المهلب بن أبي صفرة: ما السيف في يد الشجاع بأعز له من الصدق.
قالوا: اثنان لا تخطئهما سعادة وغبطة: سلطان حليم، ورجل صدوق.
حكيم: الصدق صدقان، أعظمهما الصدق فيما يضرك.
النبي صلى الله عليه وسلم: ما أملق تاجر صدوق.

أفلاطون: الحق عقال العقول. علي رضي الله عنه: إن الحق ثقيل وإن الباطل خفيف وبئ. وعنه: من صارع الحق صرعه. وعنه: من تعدى الحق ضاق مذهبه. وعنه: من أبدى صفحته للحق هلك.
وعنه: حق وباطل ولكل أهل، فلئن أمر الباطل لقديماً فعل، ولئن قل الحق ولعل، ولقلما أدبر شيء فقبل.
وعنه: التاجر الصدوق إن مات في سفره مات شهيد وإن مات على فراشه مات صديقاً.
الصدق يدل على اعتدال وزن العقل.
في النصائح: لو صور الصدق لكان أسداً يروع، ولو صور الكذب لكان ثعلباَ يروغ.
فلئن تكون في فجوة عرين ليث أغلب خير لك من أن تكون وجار ثعلب.
جعل الحجاج يعرض الأسارى من أصحاب ابن الأشعث على السيف، فقال رجل شاب منهم: أصلح الله الأمير، إن لي بك حرمة. قال: ما هي؟ قال: منعت ابن الأشعث عن أبويك فنضحت عنك. قال: ومن يشهد لك بهذا؟ فرمى بطرفه إلى فتى فشهد له. فقال الحجاج: فما منعك من مثل فعله؟ فقال: قديم بغضي إياك. فقال: يخلى هذا لحرمته، وهذا لصدقه.
قال عبد الملك للحجاج: أصدقني من نفسك فليس العاقل إلا من عرف نفسه. قال: أنا حديد حقود حسود.
لئن هملجت في الباطل إنك على الحق لقطوف.
قيس بن الخطيم:
مني ما تقد بالباطل الذر يأبه ... وإن قدت بالحق الرراسي تنفذ
وإني لأغنى الناس عن متكلف ... يرى الناس ضلالاً وليس بمهتدى
لا أقول إلا ما طبق الحق مفاصله، وأصاب الصدق شواكله. لسانه وقف على الصدق.
أبو ذر: ساكن شفته مصباح الحق يزهو من فيه. يتحرى الصدق في مقاله، ويتوخى الحق في فعاله. الصدق محمود من كل أحد إلا من الساعي.
الجاحظ: حدثني موسى بن عمران، وكان هو والكذب لا يأخذان في طريق، ولم يكن عليه من الصدق مؤونة، لا يثاره له حتى كاد يستوي عنده ما يضره وما لا يضره.
إن خبيق الأنطاكي: لا يستغني حال من الأحوال عن الصدق والصدق مستغن عن الأحوال كلها: لو صدق عبد فيما بينه وبين الله تعالى حقيقة الصدق لا طلع على خزائن من خزائن الغيب، ولكان أميناً في السماوات والأرض.
عامر بن الظرب العدواني في وصيته: إني وجدت صدق الحديث طرفاً من الغيب فأصدقوا. يعني من لزم الصدق وعوده لسانه وفق، فلا يكاد يتكلم بشيء يظنه إلا جاء على ظنه.
وعظ الحسن الناس وذكر لهم سيرة الأولين، ثم أقبل على المضر ابن عمرو أمير البصرة فقال: أصبحت والله مخالفاً للقوم في الهدى والسيرة، فإياك أن تمنى الأماني وتترجح فيها، وإن أخاك من صدق، ومن نصحك في دينك خير ممن يمنيك ويغرك.
شاعر:
الحق أبلج ما يحيل سبيله ... والحق يعرفه ذوو الألباب
خطب بلال لأخيه خالد بن رباح امرأة قرشية فقال لأهلها: نحن من قد عرفتم، كنا عبدين فأعتقنا الله، وكنا ضالين فهدانا الله، وكنا فقيرين فأغنانا الله، وأنا أخطب إليكم على أخي فلانة، فإن تنكحونا فالحمد لله، وإن تردونا فالله أكبر، فأقبلوا بعضهم على بعض فقالوا: بلال من قد عرفتم سابقته ومشاهده ومكانه من رسول الله، فزوجوا أخاه، فلما انصرفا قال له أخوه: يغفر الله لك! أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله! فقال: مه يا أخي! صدقت فأنكحك الصدق.
عمر رضي الله عنه: عليك بالصدق وإن قتلك الصدق.
قال رجل لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: رأيتك تسحب ذيلك. قال: فهلا قلت لي، قال: هبتك، قال: أما علمت أن القائل الحق من الله سلطاناً.
عمر رضي الله عنه في خطبته: لو صرفناكم عما تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين؟ فأزموا، قال ذلك ثلاثاً. فقام علي فقال: يا أمير المؤمنين، إذن كنا نستتيبك فإن تبت قبلناك، قال: فإن لم أتب؟ قال: نضرب الذي فيه عيناك. فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذا الأمة من إذا اعوججنا أقام أودنا.
خطب المهدي يوماً فقال: عباد الله اتقوا الله، فقام رجل فقال: وأنت فاتق الله فإنك تعمل بغير الحق. فأخذ الرجل وأدخل عليه، فقال: يا ابن الفاعلة! تقول لي وأنا على المنبر اتق الله! فقال الرجل: سوأة لك! لو غيرك قالها لكنت المستعدي عليه. قال: ما أراك إلا نبطياً! قال: ذاك أوكد للحجة عليك أن يكون نبطي يأمرك بتقوى الله.

عبد العزيز العمري للمهدي: إن دوابك التي تركب تمسح بالمناديل، ويبرد لها الماء، وينقى لها العلف، ليعجبك شحومها وبريقها وحسن ألوانها، ودينك أعجف قاتم أغبر، والله لو رأيته لساءك منظره.
سلمه بن عباد ملك عمان وقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتاباً جاء بالحق معلنا
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه ... وكان قديماً ركنه قد تهدما
غيلان بن مسلم الدمشقي رحمه الله، قال فيه عمر بن عبد العزيز: من سره أن ينظر إلى رجل وهب نفسه لله، ليس فيه عضو لا ينطق بحكمة فلينظر إلى هذا.
وقال له: يا أبا هارون، أعني أعانك الله، فقال: ولني رد المظالم، فولاه، فكان يخرج خزائن بني أميه فينادي: هلموا إلى متاع الخونة. ونادى على جوارب خز قد تأكلت، فبلغت قيمتها ثلاثين ألفاً فقال: من عذيري ممن يزعم أن هؤلاء أئمة عدل، وقد تأكلت هذه الجوارب في خزائنهم والفقراء والمساكين يموتون جوعاً.
قلما ولي هشام بعث إليه واستنطقه، فقال: أعوذ بجلال الله أن يأتمن الله خواناً أو يستخلف خزاناً، إن أئمته لقوامون بأحكامه، الراهبون لمقامه، لم يول الله وثاباً على الفجور، ولا شراباً للخمور، ولا ركاباً للمحظور. فقطع هشام يديه ورجليه.
حج معاوية فطلب امرأة يقال لها دارمية الحجونية من شيعة علي رضي الله عنه، وكانت سوداء ضخمة، فقال: كيف حالك يا بنت حام؟ قالت: بخير، ولست بحام أدعى، إنما أنا امرأة من كنانة، قال: صدقت، هل تعلمين لم دعوتك؟ قالت: يا سبحان الله! وأنى لي بعلم الغيب؟ قال: لأسألك لم أحببت علياً وأبغضتني؟ وواليته وعاديتني؟ قالت: أو تعفيني؟ قال: لا، قالت: أما إذ أبيت فإني أحببت علياً على عدله في الرعية، وقسمة السوية، وأبغضتك على قتال من هو أولى بالأمر منك، وطلب ما ليس لك. وواليته على ما عقد له رسول الله من الولاء، وحبه للمساكين، وإعظامه لأهل الدين. وعاديتك على سفك الدماء، وشق العصا. قال: فلذلك انتفخ بطنك وكبر ثديك، وعظمت عجيزتك. قالت: يا هذا، بهند يضرب بي المثل لا بي. قال: لا تغضبي فأنا لم نقل إلا خيراً، إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا كبر ثدي المرأة حسن غذاء ولدها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها، فسكتت.
فسألها عن كلام علي، فقالت: كان كلامه يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الطست. فقال: هل من حاجة؟ قالت: أو تفعل إذا سألت؟ قال: لك الله علي بالوفاء. قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها. قال: تصنعين بها ماذا؟ قالت: أغدو بها لصغار، واستحيي بها للكبار، واكتسب بها المكارم، وأصلح بها من العشائر. قال: فإن أعطيتكها لأحل عندك محل علي؟ قالت: يا سبحان الله! أو دونه، أو دونه، أو دونه. فأنشأ يقول:
إذا لم أجد بالحلم مني عليكم ... فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم
خديها هنيئاً واذكري فعل ماجد ... حباك على طول العداوة والصرم
أما والله لو كان علي لما أعطاك! فقالت: لا والله، ولا برة واحدة من مال المسلمين. فضحك معاوية، وأمر لها بما سألت وردها مكرمة.
أتي عبيد الله بن زياد بجارية خماسية من الخوارج، كان يطلب أباها بذحل، فقال: أين أبوك؟ قالت: لو كان تحت أخمصي ما رفعته عنه. قال: حبك له لأنه يفعل بأمك، قالت: إن فعل فبنكاح استحله بكتاب الله وسنة رسوله، ليس كمن جاء من سفاح لا نكاح.
فقال بعض جلسائه: لعلك تعنيني؟ قالت: لا والله، ولكني أعني صاحب السرير. قال: ما تقولين في الشيخين؟ قالت: سبقا وفازا، وواتبعا ما به أمرا. قال: ما تقولين في عثمان وعلي؟ قالت: إن كانا أحسنا فالله ولي إحسانهما، وإن كانا أساءا فالله غفور رحيم، قال: ما تقولين في معاوية وعمرو؟ فلعنتهما، قال: فما تقولين في يزيد؟ قالت: ما أقول فيمن أنت سيئة من سيئاته؟ عليك وعليه لعنة الله. فما تقولين فيّ؟ قالت أولك لزنية وآخرك لدعوة، وأنت فيما بين ذلك جبار عنيد.

طاووس: ما شفاني أحد من الحجاج ما شفاني يمني قال له الحجاج وهو يطوف يا يمني، كيف خلفت محمد بن يوسف؟ قال عظيماً سميناً. قال: لست عن السمن أسألك، ولكن عن عدله في رعيته، قال: خلفته ظلوماً غشوماً. قال: كيف لا تشكوه إلى من فوقه؟ قال: ذاك والله أشر منه، قال: تعرفني؟ قال: نعم، أنت الحجاج بن يوسف. قال: تعرف مكانه مني؟ قال: نعم، هو أخوك، قال: فلم يمنعك ذلك أن قلت ما قلت؟ قال: أترى مكان الله أهون عندي من مكانك؟ قال: أي العرب خير؟ قال: بنو هاشم. قال: لم؟ قال: لئن محمداً صلى الله عليه وسلم منهم. قال: وأياهم شر؟ قال: ثقيف. قال: لم؟ قال: لئن الحجاج منهم.
فدعا بعشرة آلاف فأعطاه، ثم قال: يا طاووس، هذا رجل لا تأخذه في الله لومة لائم.
قال موسى عليه السلام: أي عبادك أسعد؟ قال: من آثر هواك على هواه، وغضب لي غضب النمر لنفسه.
قال رسطاليس للأسكندر: انصر الحق على الهوى تملك الأرض تملك استعباد.
محمد بن علي الباقر: إن الحق استصرخني، وقد حواه الباطل في جوفه، فبقرت عن خاصرتي وأطلعت الحق عن حجبه حتى ظهر وانتشر، بعدما خفي واستتر.
أحمد بن يزيد المهلبي: سمعت المنتصر يقول وهو يناظر قوماً: والله لا عز ذو باطل ولو طلع من جيبه القمر، ولا ذل ذو حق ولو أصفق العالم عليه.
المأمون: لو شئت أن آخذ أمري بأبهة الخلافة لعدلت وإن كنت جائراً، ولصدقت وإن كنت كاذباً. ولكني لا آخذه إلا بغلبة الحجة وإزاحة الشبهة. وإن أوهن الملوك من رضي بصدق الأمير.
وعنه: غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة، لئن غلبة القدرة تزول بزوالها، وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.
لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل:
إذا قالت حذام فصدوقها ... فإن القول ما قالت حذام
الصدق رأس الدين وعماد اليقين. الصدق بالحر أحرى.
قال معاوية لأبي مسلم الخولاني: سمعت أنك تطوف وتبكي على الإسلام، قال: نعم. ما اسمك؟ قال: معاوية، قال: إنك لو عدلت بأهل الأرض ثم جرت على واحد منهم لما وفى جورك بعدلك.
أتي المنصور ببشير الرحال ومطر الوراق مكبلين، وقد كانا خرجا مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، فقال لبشير: أنت القائل أجد في قلبي غماً لا يذهبه إلا برد عدل أو حرسنان؟ قال: نعم، قال: فوالله لأذيقنك حر سنان يشيب منه رأسك، قال: إذن اصبر صبراً يذل به سلطانك. فقطعت يده فما قطب ولا تحلحل.
وقال لمطر: يا ابن الزانية؟ قال: إنك تعلم أنها خير من سلامة، قال: يا أحمق! قال: ذاك من باع آخرته بدنياه فرمى به من سطح فمات.
قال مسلم بن عقيل لعبد الله بن زياد، حين قال لأقتلنك قتلة تتحدث بها العرب: إنك تدع لؤم القدرة وسوء المثلة لأحد أحق بها منك.
لما ولي أسد بن نوح أبو السامانية بلخ من قبل المعتصم قصده علماؤها، فقال: هل بقي أحد؟ قالوا: بقي خلف بن أيوب العامري صاحب أبي يوسف أعلم الناس وأروعهم، فاشتهى لقاءه، فقيل له: لا سبيل إلى لقائه إلا أن تراه في طريقه إلى صلاة الجمعة، فلقيه فنزل عن دابته وسلم عليه، فغطى خلف وجهه بردائه ورد عليه رداً خفياً، ولم يرفع رأسه، ولا نظر إليه. فقال أسد: اللهم إن هذا العبد الصالح يبغضنا فيك ونحن نحبه فيك. فلما مرض عاده فقال: حاجتك؟ فقال: أن لا تعودني ثانية، قال: غيرها؟ قال: أن لا تضلي علي وعليك السواد، فمشى خلف جنازته راجلاً ونزع السواد، فصلى عليه.
صالح المري للمهدي: إن محمداً خصم من خلفه في أمته بشر، ومن كان محمد له خصماً كان الله له خصماً، فاعدد لمخاصمة الله ومخاصمة رسوله حججاً توجب لك النجاة وتقف به عن التهلكة. ومثلك لا يكابر بتجريد المعصية، ولكن يمثل لك الشيطان الإساءة إحساناً، ويشهد له على ذلك خونة هذه العلماء، وبهذه الحبائل يصاد أهلها.
وأعلم أن أبطأ الناس نهضة يوم القيامة صريع هوى يدعى قربه إلى الله.
أهل المدينة يقولون: إذا وافق الهوى الصواب فما للبأ وابن طالب. وهو جنس من تمر المدينة.
عتبة بن أبي سفيان: إذا اجتمع في قلبك أمران لا تدري أيهما أصوب فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه، فإن الصواب أقرب إلى مخالفة الهوى.
الكميت بن زيد:
فقل لبني أميه حيث حلوا ... وإن خفت المهند والقطيعا
أجاع الله من أشبعتموه ... وأشبع من بجوركم أجيعا

رسطاليس: الموت مع الصدق خير من الحياة مع الكذب.
العرب: سهم الحق مريش.
سقراط: لا تجلس على المكيال. أي لا تكتم الحق.
كان نقش خاتم ذي اليمينين وضع الخد للحق عز.
أمر عبد الملك بعساس من خلنج فملئت بلبن البخت، يحمل العس جماعة، وصففت بين يديه، فقال لابن قيس الرقيات: أين هذه من عساس مصعب حيث تقول:
يلبس الجيش بالجيوش ويسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج
فقال: لا أين أمير المؤمنين، والله لو طرحت هذا العساس كلها في أصغر عس من عساس مصعب لتقلقلت داخله. قال: قاتلك الله! أبيت إلا كرماً.

الصحة والسلامة، والعافية وقوة البدن
والأمن وما شاكل ذلك.
أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية " وعنه عليه الصلاة والسلام: " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصح بدنك وأروك من الماء البارد " الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو لم كان يوكل بابن آدم إلا الصحة والسلامة لأوشكا أن يرداه إلى أرذل العمر، وروي لكفى بهما داء قاتلاً.
قال ابن عائشة: سبحان الله! ما أعجب كلام العرب وأشبه بعضه ببعض! والله لكأن النمر بن تولب سمع هذا فقال:
يود الفتى طول السلامة جاهداً ... فكيف يرى طول السلامة يفعل
وقال عبد الله بن سويد، وهو رجل بني مرة كان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم فدعاه ذلك إلى أن تعبد:
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
فدعوت ربي بالسلامة جاهداً ... ليصحني فإذا السلامة داء
أبو عثمان النهدي دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي ذو جثمان عظيم، فقال له: متى عهدك بالحمى؟ قال: ما أعرفها. قال: فالصداع؟ ما أدري ما هو. قال: فأصبت بمالك؟ قال: لا، قال: أفرزئت بولدك؟ قال: لا، قال: إن الله ليبغض العفرية النفرية الذي لا يرزأ في ولده ولا يصاب في ماله.
علي رضي الله عنه في قوله تعالى: ثم لتسألن يومئذ عن النعيم: الأمن والصحة والعافية.
وعن ابن عباس: صحة الأبدان والأبصار والأسماع يسأل الله العباد فيم استعملوها وهو أعلم بذلك.
عنه عليه الصلاة والسلام: كم من نعمة لله في عرق ساكن.
ابن السماك: أيها المغرور بصحته ونشاطه أما علمت أن الأرواح يغدى عليها بالمنايا ويراح، وأنشد:
ومؤمل قد قصرت أكفانه ... ومحاذر أكفانه لم تغزل
معاوية بن قرة: أشد الناس حساباً الصحيح الفارغ.
ابن عيينة: من تمام النعمة طول الحياة في الصحة والأمن والسرور.
إذا أكلت قفارك فأذكر العافية واجعلها إدامك.
عائشة رضي الله عنها: لو رأيت ليلة القدر ما سألت الله تعالى إلا العفو والعافية.
حاتم: قيل ما تشتهي؟ قال: عافية يومي. قيل له: أليست الأيام كلها كذلك؟ قال: لا، إن عافية يومي أن لا أعصي الله تعالى فيه.
قبيصة بن ذؤيب: كنا نسمع نداء عبد الملك من وراء الحجرة في مرضه: يا أهل النعيم لا تستقلوا شيئاً من النعم مع العافية.
وروي أنه لما حضرته الوفاة أمر فصعد به إلى أرفع سطح في داره فقال: يا دنيا، ما أطيب ريحك! يا أهل العافية لا تستقلوا منها شيئاً.
كنت ذا علة تفضل الله بإزالة أكثرها، وهو المرجو للإدالة من غيرها.
بعض الأطباء: أفصحت قارورتك عن الصحة.
البحر لا جوار له، والملك لا صديق له، والعافية لا ثمن لها.
إياس بن معاوية: صحة الأبدان مع الشمس ذهب أهل العمد والوبر.
وقال مثنى بن بشير: الشمس والحركة خير من الظل والسكون. أم عافية كنية الحمة.
الظبي والظليم مثلان في الصحة، يقال: أصح من ظليم، وأصح من ظبي. ومنه قول الفرزدق:
أقول له لما أتاني نعيه ... به لا بئطبي بالصريمة أعفرا
ابن الرومي:
إذا ما كساك الله سربال صحة ... ولم تخل من قوت يحل ويعذب
فلا تغبطن المكثرين فإنما ... على قدر ما يكسوهم الدهر يسلب
إذا كان السرب آمنا لم يكن الشرب آجنا.
وذكر بعضهم العافية فقال: أي وطاء، وأي غطاء! وأي عطاء.

قيل للمقفع وامد عبد الله: هلا تحركت لتذكر كما ذكر ابنك؟ فقال: إني لما رأيت معالي الأمور مشفوعة بالمتالف اقتصرت على الخمول ضناً مني بالعافية. فاستحسنت الحكماء ذلك وقالوا: أنت في فعلك أحسن من عبد الله في قوله.
بلاش بن فيروز: الأمن يجمع الأماني كلها. وكان يقول صحة الجسم أوفر القسم.
بزرجمهر: إن كان شيء فوق الحياة فالصحة، وإن كان شيء مثل الحياة فالغنى، وإن كان شيء فوق الموت فالمرض، وإن كان شيء مثل الموت فالفقر.
دعا الحجاج إلى طعامه في طريق الحج بدوياً فقال أنا صائم. قال: أفطر وتصوم غداً، قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد، قال: إنه طعام طيب، قال: إنك لم تطيبه ولا الخباز ولكن طيبته العافية.
قيل لأعرابي: من أنعم الناس عيشاً؟ قال: أنا، قيل: فما بال الخليفة؟ فخفس أنفه وقال:
وما العيش إلا في الخمول مع الغنى ... وعافية تغدو بها وتروح
علي رضي عنه: العجب لغفلة الحساد عن سلامة الأحساد. وعنه صحة الجسد من قلة الحسد.
وعنه: ما المبتلي الذي قد اشتد به البلاء بأحوج إلى الدعاء من المعافي الذي لا يأمن البلاء.
غمضت أعرابية ميتاً وقالت: ما أحق من ألبس العافية وأطيلت له النظرة أن لا يعجز عن النظر لنفسه قبل الحلول بساحته.
شاعر:
المال للمرء في معيشته ... خير من الوالدين والولد
ومن يطل سقمه عليه يجد ... خيراً من المال صحة الجسد
وما لمن نال فضل عافية ... وقوت يوم فقر إلى حد
أبو العباس المبرد:
ولو رفع الله عنا البلاء ... لم ندر ما خطر العافية.
مطرف: لأن: أعافى فأشكر أحب إلي من أن ابتلي فأصبر. ونظرت في الخير الذي لا شر فيه فلم أر مثل المعاناة والشكر.
رأت فأرة البيوت فأرة الصحراء في شدة ومحنة، فقالت لها: ما تصنعين هاهنا؟ اذهبي معي إلى البيوت التي فيها أنواع النعيم والخصب، فذهبت معها، وإذا رب البيت الذي كانت تسكنه قد هيأ لها الرصد لبنة تحتها شحمة، فاقتحمت لتأخذ الشحمة، فوقعت عليها اللبنة فحطمتها فهزت الفأرة البرية رأسها متعجبة وقالت: أرى نعمة كبيرة وبلاءً شديداً، العافية والفقر أحب إلي، ففرت إلى البرية جاء الرومي بخنزير فشده إلى أسطوانة ووضع ألقت بين يديه ليسمنه، وإلى جنبه أتان لها جحش كان يلتقط ما يتناثر منه، فقال لأمه: ما أطيب هذا العلف! قالت: لا تغتر بهذا العلف فإن وراءه الطامة الكبرى، فما وضع السكين على حلقه، وهو يضطرب وينفخ، هرب الجحش إلى أمه وأطلع أسنانه وقال: ويحك انظري! هل بقي في خلال أسناني شيء من ذلك العلف.
لما أخذ يعقوب بن الليث محمد بن طاهر وقبض على جواريه وغلمانه وقهارمته ووكلائه، وطرحهم في المحابس، وسلط عليهم العذاب، نظر إليهم فقير، فعاين نفسه واغتبط بالسلامة وقال: يا فقري يا حبيبي إنما كنت أطلبك لهذا اليوم.
أبو رهب: لما خلق الله العافية، قال لها صلى. قالت: أسألك العافية..

الطلب والاستجداء والهز، ورفع الحوائج
وقضائها وذكر الرد والإلحاح، ونحو ذلك.
ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من فتح على نفسه باب مسألة من غير فاقة نزلت به أو عيال لا يطيقهم فتح الله عليه باب فاقة من حيث لا يحتسب " عمر رفعه: ما أتاك الله من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه.
ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يتقبل لي واحدة أتقبل له الجنة؟ فقلت: أنا، فقال: لا تسأل الناس شيئاً. فكان ثوبان إذا سقط سوطه لا يأمر أحد يناوله وينزل هو فيأخذه " .
سمرة رفعه: إن هذه المسائل كدوح يكدح بها المرء وجهه، إلا أن يسأل المرء ذا سلطان، أو في أمر لا بد به.
أصابت أنصارياً حاجة فأخبر رسول الله فقال: ائتني بما في منزلك ولا تحقر شيئاً، فأتاه بحلس وقدح، فقال عليه السلام: " من يشتريهما؟ فقال رجل: علي بدرهم. فقال من يزيد؟ فقال رجل: هما علي بدرهمين، فقال: هما لك. ابتع بأحدهما طعاماً لأهلك، وابتع بالآخر فأساً. فأتاه بفأس. فقال عليه السلام: من عنده نصاب لهذه الفأس؟ فقال أبو بكر: عندي، فأخذه رسول الله فأثبته بيده وقال: أذهب فاحتطب ولا تحقرن شوكاً ولا رطباً، ولا يابساً خمس عشرة ليلة.

فأتاه وقد حسنت حاله. فقال عليه السلام: " هذا خير لك أن تجيء يوم القيامة وفي وجهك كدوح الصدقة " ابن عمر رفعه: لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله يوم لا تسأل الناس شيئاً، فما كان في خلافة عمر جعل عمر يعطي الناس ويعطي حكيم بن حزام فيأبى أن يأخذه، فيقول عمر: اشهدوا أني أدعوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذه، يقول: لا أرزأ أحد بعد رسول الله شيئاً.
ابن عمر رفعه: لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم.
جابر: دخل رجل المسجد ومعه سهم فقال: من يعين في سبيل الله؟ فقام إليه عمر فلببه قال: من يستأجر هذا مني؟ قال رجل من الأنصار: أنا، فأجره منه سنة، وقال: أنفق عليه من أجره وما فضل فوافيني به في رأس السنة، فلما كان رأس الحول جاء بعشرين درهما.
فقال عمر: استعن بهذا ولا تسأل الناس شيئاً.
أم الدرداء: قال لي أبو الدرداء: لا تسألي أحد شيئاً قلت: فإن احتجت. قال: تتبعي الحصادين فانظري ما يسقط منهم فخذيه فاخبطيه ثم أطحنيه ثم اعجنيه ثم كليه، ولا تسألي أحد شيئاً.
طلق بن حبيب: في زبور داود: إن كنت لا بد تسأل عبادي فسل معادن الخير ترجه مغبوطاً مسروراً، ولا تسل معادن الشر ترجع ملوماً محسوراً.
النبي صلى الله عليه وسلم: " إن من أمتي من لا يستطيع أن يأتي مسجده من العري يحجزه إيمانه أن يأل الناس، منهم أويس القرني وفرات بن حيان.
مطرف، قال لإخوانه: من كان له إلي حاجة فليكتبها في رقعة، فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهه.
محمد بن سوقة: إياك وكثرة تطلب الحاجات فإنه فقر حاضر.
ابن السماك: لا تسأل من يفر من أن تسأله، ولكن اسأل من أمرك أن تسأله.
محمود الوراق:
شاد الملوك قصورهم وتحصنوا ... من كل طالب حاجة أو راغب
عالوا بأبواب الحديد لعزها ... وتنوقوا في قبح وجه الحاجب
فإذا تلطف للدخول عليهم ... عاف تلقوه بوعد كاذب
فارغب إلى ملك الملوك ولا تكن ... بادي الضراعة طالباً من طالب
أعرابي: لقد جعت حتى أكلت النوى المحرق، ولقد مشيت حتى انتعلت الدم، وحتى سقط من رجلي نخص، وتمنيت أن أديم وجهي حذاء لقدمي، أفلا رجل يرحم ابن سبيل، وفل طريق، ونضو سفر؟ قال رجل لبينه: يا بني، تعلموا الرد فإنه أشد من الإعطاء.
جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم: إني لأسارع إلى حاجة عدوي خوفاً من أن أرده فيستغني عني.
أعرابي: ما رددت رجلاً عن حاجة فولى عني إلا رأيت الغنى في قفاه.
ابن عباس: ما رأيت رجلاً أسعفته بحاجة إلا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلاً رددته إلا أظلم ما بيني وبينه.
دخل النخار العذري على معاوية في عباءة فاقتحمته عينه.
فقال: ليست العباءة تكلمك إنما يكلمك من فيها، ثم تكلم فملأ سمعه ونهض ولم يسأله حاجة. فقال: ما رأيت رجلاً أحقر أولاً ولا أجل آخراً منه.
أعرابي: عليك فلاناً فإنه لا ينظر في قفا محروم قط.
يقال: طلبت إلى فلان حاجة فما قطع شعرة، ولا فت بعرة.
وكان للمتوكل مضحكان يقال لأحدهما شعرة وللآخر بعرة، فقال شعرة لبعرة: ما فعل فلان في حاجتك؟ فقال: ما فتني ولا قطعك.
سأل رجل من الكلبيين وهم جنس من اليونانيين الإسكندر مثقالاً واحداً، فقال: ليس هذا عطاء ملك. قال: فهب لي قنطاراً، قال: ولا هذا سؤال كلبي.
كاتب: إنك ممن إذا أسس بنى، وإذا غرس سقى، لاستتمام بناء أسه، واجتناء ثمار غرسه، وأسك في بري وهي وقارب الدروس، وغرسك في حفظي قد عطش وقارب اليبوس، فتدارك بالبناء ما أسست، وبالسقي ما غرست.
سأل أعرابي بطريق مكة فلم يعطوه، فقال: ما أراني إلا محروماً، ومعه صبي صغير فقال: يا أبه، المحروم من أمل فبخل، من سأل فلم يعط. فاستعجبوا من كلامه وأفاضوا عليه المواهب.
لمست أعرابية كف أبيها فألفتها خشناء فقالت:
هذه كف أبي خشنها ... ضرب مسحاة ونقل بالزبيل
فأجابها:
ويلك لا تستنكري مس يدي ... ليس من كد لعز بذليل
إنما الذلة أن يمشي الفتى ... ساحب الذيل إلى باب البخيل
من لقيك بالسؤال الحار فالقه بالمنع البارد.
كاتب: من العجب إذكار معني وحث متيقظ واستبطاء ذاكر، إلا أن ذا الحاجة لا يدع أن يقول في حاجته.

سأل أعرابي فقال: داووا سقمي بصحتكم.
سأل الفضل بن الربيع إلى أبي عباد حاجة في نكبته فأرتج عليه، فقال له: أبهذا اللسان دبرت خليفتين؟ فقال: يا أبا عباد، إن اعتدنا أن نُسأل ولم نعتد أن يَسأل.
قال المنصور لرجل: ما مالك؟ قال: ما يكف وجهي ويعجز عن الصديق. قال: لطفت في المسألة.
سأل رجل حاجة ثم تواني عن طلبها، فقال له المسؤول: أنمت عن حاجتك؟ قال: ما نام عن حاجته من أسرك لها، ولا عدل عن محجة النجح من قصدك بها.
سأل عروة مصعباً حاجة فلم يقضها، فقال: علم الله أن لكل قوم شيخ يفزعون إليه وإنا نفرع منك.
بات المفضل الضبي عند المهدي فلم يزل يحدثه وينشده حتى جرى ذكر حماد الراوية فقال المهدي: ما فعل عياله؟ ومن أين يعيشون؟ قال: من ليلة مثل هذا أنفقت له مع الوليد بن يزيد فوصله بما أغناه.
وقف ابن الزبين: على باب مية مولاة لمعاوية كانت ترفع حوائج الناس إليه، فقيل له: يا أبا بكر، أعلى باب مية؟ قال: نعم، إذا أعيتك الأمور من رؤوسها فأتها من أذنابها.
سأل سائل نصر بن أحمد ملك خراسان فقال: الصناعة واحدة ولكنكم تطلبون بلين المس ونحن نطلب بالضرب والحبس.
عبد الله بن جعفر: لا خير في المعروف إلا أن يكون ابتداء، فأما أن يأتيك الرجل بعد تململه على فراشه، وآرق من وسنه، لا يدري أيرجع بنجح الطلب أم بكآبة المنقلب، فإن أنت رددته عن حاجته تصاعرت إليه نفسه، وتراجع الدم في وجهه، وتمنى أن يجد نفقاً يدخل فيه فلا يجده.
سأل أبو الجهم بن حذيفة معاوية فأطال وألح، فقال له ابنه: خفف عن أمير المؤمنين، فقال: يا بني، ما رواءه مطلب، ولا عنه مذهب، وما مثلنا معه إلا كما قال عبد المسيح الحارثي:
نقليه لنخبر حالتيه ... فنخير منها كرماً ولينا
نميل على جوانبه كأنا ... إذا ملنا نميل على أبينا
فيلسوف: لا تفرطوا في طلب الحوائج فإن العجل إذا ألح على أمه بالرضع رفسته.
الحاجات تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء.
قيل لرجل: طلبت حاجة فوجدت قليلاً، فقال: كيف لا أقل ومعي حيرة الحاجة، وذل المسألة، وخوف الرد.
تعرض أعرابي لمعاوية في طريق، فسأله فمنعه، ثم عاوده في مكان آخر، فقال: ألم تسألني آنفا؟ قال: نعم، ولكن بعض البقاع أيمن من بعض، فضحك ووصله.
قال الحجاج لجلسائه: ما يذهب بالإعياء؟ قال بعضهم: التمرخ. وقال آخر: النوم. قال: لا، ولكن الظفر بالحاجة التي كان الإعياء بسببها.
سأل ابن السماك رجلاً حاجة فقال: اعلم أني أتيتك في حاجة وأن الطالب والمطلوب إليه عزيزان أن قضيت، وذليلان أن لم تقض، فاختر لنفسك عز البذل على ذل المنع، ولي عز النجح على ذل الرد.
أعرابي: حاجتي إليك حاجة الضال إلى المرشد، والمضل إلى المنشد.
آخر: أعدك لمعضلة تلم، ومظلعة تهم.
آخر: أنا أستجديك إذا كنت مضافاً واسترفدك إذا كنت مضيفاً. آخر: سألت فلاناً حاجة أقل من قيمته فردني رداً أقبح من خلقته.
قيل لصوفي: كيف حالك؟ قال: طلبت فلم أرزق، وحرمت فلم أصبر.
قيل لرجل: إياك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه..
كتب إسحاق بن إبراهيم الموصلي إلى إبراهيم بن المهدي: من كان كله لك كان كله عليك. ربما قضينا حوائج الناس برماً لا كرماً. سأل رجل جبلة بن عبد الرحمن أن يكلم الحجاج في حاجة، فقال: لست من الحوائج التي يقضيها، فقال: كلمة فربما وافقت قدراً يقضيها وهو كاره. فكلمه فقال: أعلمه أنا قضيناها ونحن كارهون.
عطاء الخرساني: الحوائج عند الشبان أسهل منها عند الشيوخ، ألم تسمع قول يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، وقول يعقوب: سوف أستغفر لكم ربي.
عروة بن الزبير: كان الرجل فيما مضى من الزمان إذا أراد أن يشين جاره أو صاحبه طلب حاجته إلى غيره.
دخل سليمان بن عبد الملك الكعبة فقال لسالم بن عبد الله: أرفع حوائجك، فقال: والله لا أسال في بيت الله غير الله.
سأل رجل الحسن بن سهل فقال: ما وسيلتك؟ فقال: وسيلتي أني أتيتك عام أول فوصلتني فقال مرحباً بمن توسل إلينا بنا. ووصله.
سأل المأمون محمد بن حازم الباهلي أن يرتجل بيتين فقال:
أنت سماء ويدي أرضها ... والأرض قد تأمل غيث السماء
فارع يداً عندي محمودة ... تحصد بها عندي حسن الثناء
فأعطاه عشرة آلاف درهم.

أعرابي: إن أحق من خفف عنه واكتفى باليسير منه رئيس مكنور عليه، وسيد منظور إليه.
آخر: بنا إلى معروفك حاجة، ولك على صلتنا قوة فانظر في ذلك بما أنت ونحن من أهله.
بزرجمهر: من خلصت طويته احتملت دالته.
ابن دريد:
لا تلحقنك ضجرة من سائل ... فبقاء عزك أن ترى مسؤولا
لا تجبهن بالرد وجه مؤمل ... فلخير يومك أن ترى مأمولا
وأعلم بأنك عن قليل صائر ... خيراً فكن خيراً يروق جميلا
عمرو بن عبيد رحمه الله: أقلوا عند مسألة الحوائج من قولا لا، فإنه ليس في الجنة لا.
في الأثر: من عظمت عليه نعمة الله عظمت عليه مؤونة الناس.
قال أبو نواس لرجل من وعده: دعني من الوعد فإنه أكثر كناية عن الرد.
النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا يقم بغضاء في صدره حتى أصبح فقصدني بها، ورجل أفشى إلي سره فوضعني مكان قلبه، ورجل ابتدأني بالسلام، ورجل دعوته فأجابني " .
قال أعرابي لملح في سؤاله: كنت قتباً لكنت ملحاحاً عقره.
في الحدث: " اعتمد لحوائجك الصباح الوجوه فإن حسن الصورة أول نعمة تتلقاك من الرجل " حكيم: إن طالب الأمور في غير حينها بمنزلة من يروم الصخر بمعول من خشب.
قال محمد بن واسع لقتيبة: أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله قبلك، فإن تقضها حمدنا الله وشكرناك، وإن لم تقضها حمدنا الله وعذرناك.
قال أبو العباس لأبي دلامة: سل حاجتك. قال: كلب. قال: كلب. قال: ودابة أتصيد عليها، قال: ودابة، قال: وغلام يركب الدابة ويتصيد، قال: وغلام، قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا، قال: وجارية. قال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء عيال لا بد من دار يسكنونها، قال: ودار. قال: ولا بد من ضيعة، قال: قد أقطعتك مائة جريت عامرة، ومائة جريب غامرة. قال ما الغامرة؟ قال: ليس فيها نبات. قال: فأنا أقطعتك ألفين وخمسمائة جريب من فيافي بني أسد، قال: قد جعلتها عامرة كلها. قال: أقبل يديك، قال: أما هذه فدعها. قال: ما منعت عيالي شيئاً أهو عليهم فقداً منها.
قال رجل لعلي بن عبد الله بن عباس: إني أتيتك في حاجة صغيرة. قال: هاتها، إن الرجل لا يصغر عن كبير أخيه، ولا يكبر عن صغيره.
قدم رجل من بني سهم على سليمان بن عبد الملك ثلاث قدمات فحياه فيهن. ثم قدم فضجر وقال:
وشقاء من المعيشة رحل ... فوق أصلاب بازل خنشيليل
فاتحاً فاك للمعيشة تلقى ... كل يوم على شراك سبيل
فقال الرجل: أما والله يا أمير المؤمنين إن أحق الناس بسد ذلك الفم وحل ذلك الرحل لأنت. فقال سليمان: أما والله لأصلن رحمك ولأعودن لك إلى خير مما كنت عليه.
قدم وفد من العراق على هشام بن عبد الملك في الحطمة التي يقال لها حطمة خالد وفيهم رجل من بني أسد فقال: يا أمير المؤمنين، أصابتنا سنون ثلاث: أما الأولى فأذابت الشحم، وأما الثانية فنحضت اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله فبثوها في عباد الله، وإن كانت لكم فتصدقوا أن الله يحب المتصدقين.
فقال هشام: قد قلت في حاجة الناس، فقل في حاجة نفسك. فقال: ما لي حاجة خاصة دون عامة.
أحتبس الوليد بن يزيد بن عبد الملك ابن ميادة قبله، فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بحرة ليلى حيث رببني أهلي
بلاد بها نيطت على تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي
فإن كنت عن تلك المواطن حابسي ... فافش على الرزق واجمع أذن شملي
فأعطاه مائة ناقة سوداء ومائة ناقة بيضاء، فجعلت تضيء من جانب وتظلم من جانب.
المهلب بن أبي صفرة لبنيه: ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم، وإذا غدا الرجل مسلماً عليكم فكفى بذلك تقاضياً.
أنشد المبرد:
أروح بتسليم عليك واغتدى ... وحسبك بالتسليم مني تقاضيا
كفى بطلاب المرء ما لا يناله ... عناء وباليأس المصرح شافياً

جاء عطاء بن أبي رباح إلى سدة سليمان بن عبد الملك فقعد مع الحلقة فقال سليمان: أفسحوا له فتزحزح له عن مجلسه، فقال: أصلحك الله، احفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبناء المهاجرين والأنصار. قال: أصنع بهم ماذا؟ قال: انظر في أرزاقهم، قال: ثم ماذا؟ قال: أهل البادية تتفقد أمورهم فإنهم مادة العرب، قال: ثم ماذا؟ ذمة المسلمين تفقد أمورهم وخفف عنهم من خراجهم فإنهم عون لك على عدو الله وعدوهم، قال: ثم ماذا؟ قال: أهل الثغور تفقدهم، فإنه يدفع بهم عن هذه الأمة. قال: ثم ماذا؟ قال: يصلح الله أمير المؤمنين.
فلما ولي قال: هذا والله الشرف لا شرفنا، وهذا والله السؤدد لا سؤددنا، والله كأنما معه ملكان ما أقدر أن أراجعه في شيء سألني، ولو سألني أن أتزحزح عن هذا المجلس لفعلت.
فضل: ترى أنك إذا قضيت حاجة أخيك فقد اصطفعته، فهذا طرف من اللؤم، بل هو المصطنع حين خصك بحاجته.
بلغني أن رجلاً أتى رجلاً في حاجته، فقال: خصصتني بحاجتك فجزاك الله خيراً.
إبراهيم بن أدهم: ما لنا نشكو الفقر إلى فقراء مثلنا ولا نطلب كشفه من عند ربنا؟ ثكلت عبداً أمه أحب عبداً لدنياه ونسي ما في خزائن مولاه.
قال بعضهم: قدمت على سليمان بن عبد الملك، فبينا أنا عنده إذ نظرت إلى رجل حسن الوجه يقول: والله يا أمير المؤمنين لحمدها خير منها، ولذكرها أحسن من جمعا، ويدي موصولة بيدك فأبسطها لسؤالها خيراً. فسألت عنه فقيل يزيد بن المهلب يتكلم في حمالات حملها.
أنشد ابن الأعرابي:
أبا هانئ لا تسأل الناس والتمس ... بكفيك فضل الله فالله واسع
فلو تسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا فينعوا
عبد الله: جاء رجل إلى رسول الله فقال: إن بني فلان أغاروا على إبلي وبقري وغنمي: فقال: ما أصبح عند آل محمد غير هذا المد، فيسل الله. فرجع إلى امرأته فحدثها فقال: نعم المردود إليه. فرد الله نعمه إليه أوفر ما كانت. فقال رسول الله فحمد الله وأثنى عليه وأمر الناس أن يسألوا الله ويرغبوا إليه، فقرأ: ومن يتق الله يجعل له مخرجاُ أدل فأمل، وألحف فأجحف، وأوجف فأفجف ما هي استماحة، إنما هلي استباحة. من أراد أن يطاع فليسأل ما يستطاع.
فلان خفيف المشقة. أي قليل السؤال.
أعرابي: إن لم يكن عنده ورق لخابطه فإن عوده لهاصره.
شاعر:
إلا يكن روقي غضاً يراح به ... للمعتنين فأنى لين العود
لا شيء أوجع للأحرار من الرجوع إلى الأشرار.
أوحي إلى موسى عليه السلام: لئن تدخل يدك في فم التنين إلى المرفق خير من أن تبسطها إلى غني قد نشأ في الفقر.
قيل للأحنف: جئناك في حاجة لا ترزؤك ولا تنكؤك. قال: ليس مثلي يؤتى في حاجة لا ترزأ ولا تنكأ.
أبو الشيص:
وصاحب كان لي وكنت له ... مثل ذراع شدت إلى عضد
حتى إذا استرفدت يدي يده ... كنت كمسترفد يد الأسد
يد الأسد مثل في المناعة وصعوبة نيل ما فيها.
سأل رجل معاوية حاجة فأبى، فسأله أخرى فقال:
طلب الأبيض العقوق فلما ... لم ينله أراد بيض الأنوق
طلب رجل إلى رئيس كتاب عناية فضن به، فقال: إن الله آمر بإيتاء الزكاة، من زكاة الجاه الكتب. فكتب له واعتذر إليه.
وقال أبو أحمد بن أبي بكر الكاتب لأبي الفضل البلعمي:
يا أبا الفضل لك الفضل المنين ... وبما نلت به أنت قمين
ليس تخلو من زكاة نعمة ... وزكاة الجاه رفد المستعين
في وصف شحاذ: لزوم الدبق حتى يأخذ، ثم ينسل انسلال الزئق الكريم إذا سئل ارتاح، واللئيم إذا سئل ارتاع.
في نوابغ الكلم: الشحيح إذا أربى زاده ربى، وإذ لقي بالسؤال لفي.
شاعر:
وكلت مجدك باقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضياً ووكيلاً
آخر:
وأبثثته حالي وانكبت معرضاً ... ليفعل صوب المزن ما هو فاعله
من كنت بحره لم يخثر الدر إلا ثميناً، وكان له الإقبال بما شاء ضمينا.
قيل لأعرابي: ما السقم الذي لا يبرأ، والجرح الذي لا يندمل؟ قال: حاجة الكريم إلى اللئيم.
أعرابي: تكون له الحاجة فيغضب قبل أن يطلبها، وتطلب إليه فيغضب قبل أن يفهمها.

سأل أعرابي في جامع البصرة فقال: رحم الله من تصدق من فضل، أو آسى من كفاف أو آثر من قوت. فقال يونس النحوي: ما ترك منكم أحداً إلا سأله.
أبو محلم السعدي:
إذا ما نبا دهر بمالك فانتجع ... قديم الغنى في الناس إنك حامده
ولا تطلبن الخير ممن أفاده ... حديثاً ومن لم يورث المجد والده
علي رضي الله عنه: استغن عمن شئت فأنت نظيره، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، وامنن على من شئت فأنت أميره.
وعنه: فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها.
وعنه: لا تكثر على أخيك الحوائج فإن العجل إذا أكثر مص ثدي أمه نطحته: سأل أعرابي فقال: رحم الله امرءً لم تعج أذنه كلامي، وقدم لنفسه معاذه من سوء مقامي، أيها الناس إن البلاد مجدبة، والحال مسبغة، والحياء زاجر عن كلامكم، والفقر عاذر يدعو إلى إعلامكم، وإحدى الصدقتين الدعاء، فرحم الله من أمر بمير أو دعا بخير. فقالوا: أحسنت! فمن أنت: فقال: سوء الاكتساب من حسن الانتساب.
قدم زيادة الأعجم على طلحة الطلحات بسجستان، فأقام على بابه أربعين صباحاً، فلما طال كتب إليه:
ورد السقاة المعطشون فأنهلوا ... ريّاً وطاب لهم لديك المكرع
ووردت بحراً طامياً متدفقاً ... فرددت دلوي شنه يتقعقع
وأراك تمطر جانباً عن جانب ... ومحل بيتي من سمائك بلقع
فدعا به وبيده ثلاثة أحجار من الياقوت، فقال: اختر أحدهما أو مائة ألف، فاختار المائة ألف، فلما أخذها قال: إن رأى الأمير أكرمه الله أمر لي بحجر منها، فضحك ورمى به إليه.
سمع أبو الأسود الدؤلي سائلاً يقول: من يعشيني الليلة؟ فقال: عليّ به، فعشاه، فذهب يخرج، فقال: هيهات، تريد أن تؤذي المسلمين، فوضع الأدهم في رجله حتى أصبح.
فقال المهدي: صلى الله على محمد، فقال أبو دلامة: ما أسرعك إلى:
إني نذرت إذا رأيتك قادماً ... أرض العراق وأنت ذو وفر
لتصلين على النبي محمد ... ولتملأن دراهماً حجري
فقال المهدي: صلى الله على محمد، فقال أبو دلامة: ما أسرعك إلى الأولى وأبطأك عن الثانية! فضحك، وأمر له ببدرة، فصبت في حجره.
سأل أعرابي عتبة بن أبي سفيان فقال: أنا رجل من بني عار بن صعصعة يلقاكم بالعمومة ويتمنى إليكم بالخؤولة، وقد كثر عياله، ووطئه دهره، وبه فقر، وفيه أجر، وعنده شكر. فقال: قد أمرت لك بغناك، فليت إسراعي إليك يقوم بإبطائي عنك.
لما أنشد الراعي عبد الملك قوله:
فإن رفعت بهم رأساً نعشتهم ... وإن لقوا مثلها في قابل فسدوا
قال: تريد ماذا؟ قال: ترد غنيهم. قال: إن ذاك لكثير! قال: أنت أكثر منه، قال: قد فعلت، فسلني حوائجك، قال: قد قضيتها قال: سل لنفسك، قال: لا والله لا أشوب هذه المكرمة بالمسألة لنفسي.
سمع الرشيد أعرابية بمكة تقول:
طحنتنا كلاكل الأعوام ... وبرتنا طوارق الأيام
فأتينا كم نمد أكفاً ... لقمامات زادكم والطعام
فاطلبوا الأجر والمثوبة فينا ... أيا الزائرون بيت الحرام
فاستعبر الرشيد وقال لأصحابه: سألتكم بالله ألا دفعتم إليها صدقاتكم. فألقوا الثياب حتى وارتها كثرة، وملأوا حجرها دنانير ودراهم.
سأل أعرابي بمكة فقال: أخ في الله، وجار في بلاد الله، وطالب خير من عند الله، فهل من أخ مواس في الله.
أبو هريرة رفعه: سلوا الله حوائجكم حتى في شسع النعل، فإن الله إذا لم ييسره لكم لم يتيسر.
أنس رفعه: من قضى لأخيه المسلم حاجة كان كمن خدم الله عمره.
شاعر:
ليس في كل وهلة وأوان ... تتهيا صنائع الإحسان
فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذراً من تعذر الإمكان
علي رضي الله عنه: اصطنع الخير إلى من هو أهله ومن ليس بأهله، فإن لم تصب أهله فأن أهله.
وعنه مرفوعاً: إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكر في طلبها في الخميس، وليقرأ إذا خرج من منزله آخر سورة آل عمران وآية الكرسي وإنا أنزلناه في ليلة القدر وأم الكتاب. فإن فيها حوائج الدنيا والآخرة.
سأل إسحاق بن أبي ربعي إسحاق بن إبراهيم المصعبي أن يوصل له رقعة إلى المأمون فقال لكاتبه: ضمها إلى رقعة فلان، فقال:

تأت لحاجتي واشدد عراها ... فقد أضحت بمنزلة الضياع
إذا أشركتها بلبان أخرى ... أضر بها مشاركة الرضاع
إسماعيل بن فطري القراطيسي في الفضل بن الربيع
ألا قل للذي لم يه ... ده الله إلى نفعي
لئن أخطأت في مد ... حك ما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع
إدريس بن عبد الله اللخمي الضرير:
صاحب الحاجة أعمى ... وأخو المال بصير
فمتى يبصر فيها ... رشده أعمى فقير
أبو ذفافة البصري:
أضحت حوائجنا إليك مناخة ... معقولة برجائك الوصال
أطلق فديتك بالنجاح عقالها ... حتى تثور معاً بغير عقال
أحمد بن يوسف الأنباري:
لموت الفتى خير من البخل للفتى ... وللبخل خير من سؤال بخيل
لعمرك ما شيء لوجهك قيمة ... فلا تلق إنساناً بوجه ذليل
سلمة بن صالح اليشكري في زائدة بن معن بن زائدة:
إني مع التسليم جئت لحاجة ... فما أنت فيها يا فتى الناس صانع
فإن تقضها فالحمد لله وحده ... وإن تأبها فالعذر عندي واسع
وعندي لما استودعتني منك موضع ... ومثلي لا تتوى لديه الصنائع
سلم الخاسر:
إذا أذن الله في حاجة ... أتاك النجاح على رسله
فلا تسأل الناس من فضلهم ... ولكن سل الله من فضله
شويس العدوي:
رب عجوز خبة زبون ... سريعة الرد على المسكين
تظن أن بوركاً تكفيني ... إذا خرجت باسطاً يميني
عبد الله بن الحجاج الثعلبي:
وأخ إن جاءني في حاجة ... كان بالإنجاز مني واثقاً
وإذا ما جئته في مثلها ... كان بالرد بصيراً حاذقا
يعمل الفكرة لي في الرد من ... قبل أن أبدأ فيها ناطقاً
عباد بن عباد المهلبي:
إذا خلة نابت صديقك فاغنم ... مرمتها فالدهر بالناس قلب
وبادر بمعروف إذا كنت قادراً ... زوال اقتدار غني عنك يعقب
عثمان بن عمرو الوائلي:
نفسي فدت نفس الأمير من الردى ... ما للأمير فداه عني غافل
إن عن شغل للأمير فإنني ... ما يشغل الإفلاس عني شاغل
أعطيك جملة وصف بيتي إنه ... سيان خارج بابه والداخل
عمران بن حطان:
أيها السائل العباد لعطي ... إن لله ما بأيدي العباد
فسل الله ما طلبت إليهم ... وارج فضل المقسم العواد
هانئ بن قثمير في بلال بن جرير بن الخطفي وقد حمد مرافقته:
وكل فتى عد الرجال إخاءه ... فداء إذا آخيته لبلال
إذا ما رأى المصحوب صاحب حاجة ... أتى نفعه طوعا بغير سؤال
سأل الحوفزان بن شريك عمرو بن معد يكرب أسيراً فدفعه إليه فقال:
إذا أنت ضاقت عليه الأمو ... ر فناد بعمرو بن معد يكرب
فتى لا يرى المال رباً له ... ولا يتبع النفس ما قد ذهب
وكنا نقول فتى مذحج ... وفارسها عند إحدى الكرب
فأصبحت آمن عار الخطا ... إذا قلت عمرو شهاب العرب
عمرو بن أحمر الباهلي:
إذا أنت راودت البخيل رددته ... إلى البخل واستمطرت غير مطير
ومن يطلب المعروف من غير أهله ... يجد مطلب المعروف غير يسير
إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة ... من الذم سار الذم كل مسير
علي رضي الله عنه: لا يستقيم قضاء الحوائج إلا بثلاث باستصغارها لتعظم، وباستكتامها لتظهر، وبتعجيلها لنهنأ.
وعنه: يا كميل مر أهلك أن يرحوا في كسب المكارم، ويدلجوا في حاجة وهو نائم، فو الذي وسع سمعه الأصوات ما من أحد أودع قلباً سروراً إلا خلق الله له من ذلك السرور لطفاً، فإذا نزلت به نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتى يطردها عنه كما تطرد غريبة الإبل.
وعنه: ماء وجهك جامد يقطره السؤال، فانظر عند من تقطره.

وقال لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر من كثرت نعمة الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فمن قام لله فيها بما يجب عرضها للدوام والبقاء، ومن لم يقم فيها بما يجب عرضها للزوال والفناء.
وعنه: من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنما شكاها إلى الله، ومن شكاها إلى كافر فكأنما شكا الله.
إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال! يحملون زادنا إلى الآخرة.
عرضت لأبي سليمان الداراني حاجة إلى رجل، فقيل: ندعوه لك؟ فقال: ما يسرني أن يطلع الله من قلبي على أني أريد أن يدعى لي من لي إليه حاجة ولو أن لي ما طلعت عليه الشمس قوموا بنا إليه.
سليمان بن عبد الله بن نوفل الهاشمي في السفاح:
أمير المؤمنين إليك نشكو ... زماناً حظنا فيه زهيد
أتانا الملك فيه فما اغتبطنا ... ولا دارت لنا منه سعود
كأنا بعد في زمن الأعادي ... يدمرنا هشام والوليد
فسامح بالذي تهواه حتى ... يساء به عدو أو حسود
فأقطعه السفاح ضيعة بالبصرة تغل عشرة آلاف دينار.
وفد قرة بن هبيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرمه وكساه واستعمله على صدقات قومه فقال:
حباها رسول الله إذ نزلت به ... وأمكنها من نائل غير أنكد
فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة ... وقد أنجحت حاجاتها من محمد
الضمير لناقته. يزيد بن الطثرمة:
ويا رب باغي حاجة لا ينالها ... وآخر قد تقضي له وهو جالس
فلا الكيس يدني ما تأجل وقته ... ولا العجز عن نيل المطالب حابس
الحكم بن أبي العاص الملقب بالوزغ طريد رسول الله.
بينا تبغيك الرجال ... وجدت راحلة ورجلا
بشر الراسبي:
إن من يرتجيك يا ابن بحير ... وابن حجر وأنت لص مغير
لجهول بمن غدا يطلب الني ... ل من الفاجر اللئيم غرير
يريد لجهول بحال من لم يبال بالحرام ويطلب من مثله، لأنه، لو عرف حال من هذه صفته وقبحها لما دخل مدخله ولا فعل فعله.
سأل صيرفي أفلس بعض أجواد قريش أن يسد خلته، فقال: إنا والله لا نجمد عن الحق، ولا نذوب في الباطل، وتمثل بقول كثير:
إذا المال لم يوجب عليك عطاؤه ... صنيعة قربى أو صديق توامقه
منعت وبعض المنع حزم وقوة ... ولم يقتلدك المال إلا حقائقه
وعن خالد بن صفوان أنه دخل في يوم شديد الحر على هشام، وهو في بركة فيها مجالس كالكراسي، فقعد على بعضها، فقال له هشام: رب خالد قد قعد مقعدك هذا حديثه أشهى إلي من الشهد. أراد خالد بن عبد الله القسري، فقال: ما يمنعك من إعادته إلى موضعه؟ قال: هيهات، أدل فأمل، وأرجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعاً، ولا للعودة موضعاً، وأنشد:
إذا انصرفت نفسي عبد الله الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تنبل
ثم سأله أن يزاد عشرة دنانير في عطائه فرده، فقال: وفقك الله يا أمير المؤمنين فأن كما قال أخو خزاعة وأنشد بيتي كثير.
فقيل له: ما حملت على تزيينك الإمساك لهشام؟ فقال أن يمنع غيري فيكثر من يلومه.
كان طاووس يغري الشرط بالسؤال يوم الجمعة.
قيل لمحارب بن دثار: علام ترد الناس؟ قال أني أغادي بما لم يمس عندي وأطرق.
شكا رجل إلى علي بن صالح حاجته فقال:
إني إذا اختارني لحاجته ... مثلك أرسلته إلى الأرب
أرد وجه الفتى بجدته ... لم تبتذله ضراعة الطلب
من أمكنته صنيعة فأبى ... فلا تهنأ بوافر النشب
كان لبيد آلى على نفسه كلما هبت الصبا أن ينحر جزوراً ويطعم، وربما ذبح العناق إن اضاق. فخطب الوليد بن عقبة وقال: قد علمتم ما جعل أبو عقيل على نفسه، فأعينوه على مروءته، وبعث إليه بخمس جزاير وبهذه الأبيات:
أرى الجزار يشحذ مديتي ... إذا هبت رياح أبي عقيل
طويل الباع أبلج جعفري ... كريم الجد كالسيف الصقيل
وفي ابن الجعفري بما نواه ... على العلات والمال القليل
فدعا لبيد بنتاً له خماسية فقال: إني قد تركت قول الشعر فأجيبي الأمير، فقالت:
إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا

طويل الباع أبلج عبشمياً ... أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأن ركباً ... عليها من بني حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيراً ... نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إن الكريم له معاد ... وظني يا ابن أروى أن تعودا
فقال لبيد: أحسنت لو لا أنك سألت. فقالت: يا أبه، إن الملوك لا يستحي منهم في المسألة. فقال: أن في هذا أشعر.
وفد رجل من بني ضبة على يد عبد الملك فأنشده:
والله من ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتك التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فأمر له بألف دينار. فعاد إليه من قابل وأنشده:
وليس كبانٍ حين تم بناؤه ... تتبعه بالنقض حتى تهدما
فأمر له بألف. فاد في الثالثة فأنشده: يعودون بالإحسان عوداً على بدء.
وقال: يا أمير المؤمنين، إن الروي لينازعني، وإن الحياء ليمنعني. فأمر له بألف، وقال: والله لو قلت حتى تنفذ بيوت الأموال لأعطيتك.
ظلم كبير من الأموية حجازياً، فما تظلم منه إلى أحد إلا ضلع للأموي عليه، فخرج إلى سليمان وجعل لخصي أثير عنده مائتي دينار ليوصله إليه خالياً، فأوصله إليه حين سلم في صلاته، وجعل يدعو ويخطر بإصبعه نحو السماء ويتضرع، فلما رآه كذلك رجع ومر. فسأل عنه وأمر بطلبه حتى صودف خارجاً من باب دمشق. فأدخل عليه بعنف شديد وإلحاح فقال له: ما شأنك؟ قال: جددت في التوصل إليك، فلما رأيتك تخطر بإصبعك نحو السماء علمت أني قد أخطأت موضع طلب الحاجة، فرجعت لأطلبها من حيث طلبت أنت حوائجك. فبكى سليمان وقال: إن الذي طلبت منه حاجتك قد قضاها، وأمر برد ما أخذ منه، وأعطاه ما يصلح به حاله، ووصله وكساه، وأمر له بفرائض.
من عبد الله بن حسن بن حسن: أتيت باب عمر بن عبد العزيز في حاجة، فقال لي: إذا كانت لك حاجة فأرسل إلي رسولاً أو اكتب إلي كتاباً، فأني لأستحي من الله أن يراك على بابي.
كان لخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد قصر بحيال قصر يزيد بن عبد الملك، فقال له يوماً: لأمير المؤمنين إليك حاجة، قال: لا يدفع عنها. قال: أسألك القصر، قال: هو لك. قال: فلك به خمس حوائج فسل، قال: أولها القصر، قال: هو لك وقضى له الأربع البواقي.
أتى علياً رضي الله عنه أعرابي فقال: والله يا أمير المؤمنين ما تركت في بيتي لا سيداً ولا لبداً، ولا ثاغية ولا راغية. فقال: والله ما أصبح في بيتي فضل عن قوتي. فولى الأعرابي وهو يقول: والله ليسألنك الله عن موقفي بين يديك. فبكى بكاء شديداً. وأمر برده واستعادة كلامه. ثم بكى فقال: يا قنبر أتني بدرعي الفلانية، ودفعها ذلك الأعرابي وقال: لا تخدعن عنها فمالم كسفت بها الكرب عن وجه رسول الله.ثم قال قنبر: كان يجزيه عشرون درهماً. قال: يا قنبر والله ما يسرني أن لي زنة الدنيا ذهباً أو فضة فتصدقت وقبله الله مني، وأنه سألني عن موقف هذا بين يدي.
علي رضي الله عنه: أن لكل شيء ثمرة، وثمرة المعروف تعجيل السراح.
قدم دهقان أصبهان على معاوية فلم يجد من يكلمه في حاجته، فقيل له: ليس لها إلا عبد الله بن جعفر، فكلمه الدهقان وبذل له ألف ألف درهم. فكلم معاوية فقال: أردنا أن نصلك بألف ألف فربحناها. فقال عبد الله قد ربحت وربحنا شكر الدهقان. فلما قضى حاجته أكب عليه الدهقان يقبل أطرافه ويقول: أنت قضيتها لا أمير المؤمنين، وحمل إليه المال، فقال: ما كنت لآخذ على معروفي أجراً. وبلغ الخبر معاوية فبعث إليه ألف ألف درهم، فلم يقبلها وقال: لا أقبل ما هو عوض مما تركت. فقال معاوية: لوددت أنه من أمية وأني مخزوم ببره.
كان نذر عبد الملك أن أمكنه الله من ابن الرقيات أن يقتله، فاستجار بعبد الله وسأله مسألة عبد الملك أن يصفح عن جرمه ويرد عليه عطاءه. فأقام ابن جعفر حتى قضى حوائجه ونسي حاجة ابن الرقيات، وانصرف عن الشام إلى المدينة. فلقيه وسأله عن القيام بحاجته، فصاح يا غلمان ردوا علي ركابي. فتعلق به ابن قيس وقال: بالله دعه إلى أن يحدث الله لك سفراً آخر. فقال: والله لابت إلا على سفر. فذهب إلى الشام حتى قاضى حاجته.

روي أن رجلاً من الأولين كان يأكل، وبين يديه دجاجة مشوية، فجاء سائل فرده خائباً. وكان الرجل مترفاً. فوقعت بينه وبين امرأته فرقة، وذهب ماله، وتزوجت، فبينما زوجها الثاني يأكل، وبين يديه دجاجة مشوية، إذ جاء سائل، فقال لزوجته: ناوليه الدجاجة، فناولته، ونظرت فإذا زوجها الأول، فأخبرته بالقصة، فقال الثاني: وأنا والله ذلك المسكين، خيبني فحول الله نعمته وأهله إلي لقلة شكره.
استبطأ سعيد بن سلم أحمد بن أبي خالد في حاجة لرجل، فقال: قد اجتهدت فلم تعن المقادير. فقال سعيد: إنما يعاتب الأديم ذو الشره. بل لم تحب أن تسعى في أمر، وأنشد:
إذا عيروا قالوا مقادير قدرت ... وما العار إلا ما تجر المقادر
ثم قال:
ستعزل إن عزلت ولا يساوي ... صنيعك في صديقك نصف مد

الطعام وألوانه، والإطعام والضيافة
والأكل والأكلة، والجوع والشبع، وما يتعلق بذلك.
المقدام بن يكرب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن، بحسب الرجل من طعمه ما أقام صلبه. أما إذا أبيت ابن آدم فثلث طعام وثلث شراب وثلث نفس " حذيفة. عنه عليه السلام : من قل طعمه صح بطنه وصفاً قلبه، ومن كثر طعمه سقم بطنه وقسا قلبه.
وعنه عليه السلام: لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلب يموت كالزرع بكثرة الماء.
عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أكلت يوماً ثريداً ولحماً سميناً، ثم أتيت رسول الله وأنا أتجشأ، فقال: فقال: احبس جشاءك يا أبا جحيفة، إن أكثرتم شبعاً في الدنيا أكثركم جوعاً في الآخرة. فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى قبضه الله.
أكل علي رضي الله عنه من تمر دقل ثم شرب عليه الماء، وضرب على بطنه وقال: من أدخل بطنه النار فأبعده الله، ثم تمثل
فإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
كان علي رضي الله عنه يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد على اللقمتين أو الثلاث، فقيل له، فقال: إنما هي ليال قلائل حتى يأتي أمر الله وأنا خميص البطن. فقتل في ليلته.
الحسن: لقد أدركت أقواماً ما كان يأكل أحدهم إلا في ناحية من بطنه ما شبع رجل منهم من طعام حتى فارق الدنيا. كان يأكل فإذا قرب شبعه أمسك.
أنشد المبرد:
فإن امتلاء البطن في حسب الفتى ... قليل الغناء وهو في الجسم صالح
عيسى عليه السلام: يا بني إسرائيل، لا تكثروا الأكل، فإنه من أكثر الأكل أكثر النوم، ومن اكثر النوم أقل الصلاة، ومن أقل الصلاة كتب من الغافلين.
سئل فضيل عمن يترك الطيبات من الحواري واللحم والخبيص للزهد. فقال: وما أكل الخبيص! ليتك تأكل وتتقي الله، إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام. انظر كيف برك بوالديك وكيف صلتك للرحم، وكيف عطفك على الجار، وكيف رحمتك للمسكين، وكيف كظمك للغيظ، وكيف عفوك عن ظلمك، وكيف إحسانك إلى من أساء إليك، وكيف صبرك واحتمالك للأذى. أنت إلى أحكام هذا أحوج منك إلى ترك الخبيص.
قيل العامر بن عبد قيس ما تقول في الإنسان؟ قال: ما أقول فيمن إذا جاع ضرع وإذا شبع طغى.
كان فرقد السبخي لا يأكل الخبيص، ويقول أخشى أن لا أقوم بشكره، وكان الحسن ينكر عليه، ويقول إذا قدم طعامه: هلموا إلى طعام الأحرار، لا صحناة فرقد، ولا قرص ممالك بن دينار.
كان سليمان بن داود عليه السلام يأكل خبز الشعير ويطعم الناس الحُواري.
النبي صلى الله عليه وسلم: ما زين الله رجلاً بزينة أفضل من عفاف بطنه.
قال عمرو بن عبيد: ما رأيت الحسن ضاحكاً إلا مرة، قال رجل من أصحابه: ما آذاني طعام قط، فقال آخر: أنت لو كانت في معدتك الحجارة لطحنته.
الخليل: أثقل ساعاتي على ساعة آكل فيها. وما هي إلا سجية مكية، ومن ذلك قول الإمام عبد القاهر:
لولا قضاء جرى نزهت أنملتي ... عن أن تلم بمأكول ومشروب
فضيل: أتخال أن تجوع؟ لا تخف، أنت أهون على الله من ذلك إنما كان يجوع محمد وأصحابه.
وعنه: أجمعت العرب على أن الشبع لؤم.
وعنه: خصلتان تقسيان القلب، كثرة الأكل، وكثرة الكلام.
قيل ليوسف عليه السلام: ما لك لا تشبع وفي يدك خزائن الأرض؟ فقال: إني إذا شبعت نسيت الجائعين.

وأكلة قرنت بالهلك صاحبها ... كحبة الفخ دقت عنق عصفور
لكسرة بجريش الملح آكلها ... ألذ من تمرة تحشى بزنبور
دعت أبا الحارث جميزاً حبيبة له فحادثته ملياً، فجاع فاستطعم، فقالت: أما في وجهي ما يشغلك عن الأكل؟ فقال: جعلني الله فداك، لو أن جميلاً وبثينة قعدا ساعة لا يأكلان لبزق كل واحد منهما في وجه صاحبه وافترقا.
الحجاج: البخل على الطعام أقبح من البرص على الجسد.
دخل سفيان بن عينية على الرشيد، وهو يأكل بملعقة، فقال: حدثت عن جدك ابن عباس في قوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم، قال: جعلنا لهم أيدياً يأكلون بها. فكسر الملعقة.
أكل عذري مع معاوية فرأى تريدة كثيرة السمن فجدها بين يديه، فقال معاوية: أخرقتها لتفرق أهلها، فقال: فسقناه إلى بلد ميت.
قيل لأعرابية: ما خبر قدرك؟ قالت حليمة مغتاظة. أي هي ساكنة الغلي ولمام تبرد.
رأى محمق زنجياً يأكل خبزاً حُوارَى فقال: يا قوم انظروا إلى الليل كيف يأكل النهار.
قال عبد الملك يوماً لجلسائه، وكان يجتنب غير الأدباء: أي المناديل أفضل؟ فقال بعضهم: مناديل مصر كأنها غرقيء البيض، وقال آخر: مناديل اليمن كأنها أنوار الربيع. فقال ما صنعتما شيئاً. أفضل المناديل ما ذكره أخو بني تميم يعني عبدة بن الطيب:
لما نزلنا نصبنا ظل أخبية ... وفار للقوم باللحم المراجيل
ورد وأشقر ما يؤتيه طابخه ... ما غير الغلي منه فهو مأكول
تمت قمنا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل
النبي صلى الله عليه وسلم: أكرموا الخبز فإن الله أكرمه وسخر له بركات السماوات والأرض.
قال حاتم الطائي لغلامه: قدم إلينا مائدة تباعد بين أنفاسنا.
أعرابي: جاءنا بثريدة كأنها ربضة أرنب، أي كثيرة.
رؤية بن العجاج: خرجت مع أبي في زمن خصيب إلى سليمان بن عبد الملك، فأهدى لنا تمراً ووطباً من لبن وكمأة وجبناً عليه كمرافئ السحم واللحم، فطبخنا ذاك بذاك، وأكلت منه أكلة ما زالت ذفرياي ينتحان منها حتى رجعت من الشام.
النبي صلى الله عليه وسلم: من أكل وذو عينين ينظر إليه ولم يواسه ابتلي بداء لا دواء له.
حكيم: إنك تأكل ما تستمرئ، وما لا تستمرئ فهو يأكلك.
العرب: أقلل طعاماً تحمد مناماً.
مر أعرابي في أطمار فقال له رجل: والله ما يسرني أن أكون ضيفك ليلتي هذه. فقال: والله لو كنت ضيفي لغدوت من عندي أبطن من أمك قبل أن تضعك بساعة. أنا إذا وجدنا آكلكم للممأدوم وأعطاكم للمحروم.
كان أبو هريرة يقول: اللهم ارزقني ضرساً طحوناً ومعدة هضوماً ودبراً نثوراً.
نزل رجل بامرأة من العرب فقال: هل من لبن أو طعام يباع؟ فقالت: إنك اللئيم أم حديث عهد باللئام. فأعجب بقولها وتزوجها.
كان ابن سريني إذا دعي إلى وليمة قال: يا جارية هاتي قدحاً من سويق، فإني أكره أن أجعل حرة جوعي على طعام الناس.
شاعر:
قالت أما ترحل تبغي الغنى ... قلت فمن للطارق المعتم
قالت فهل عندك شيء له ... قلت نعم جهد الفتى المعدم
فكم وحق الله من ليلة ... قد طعم الضيف ولم أطعم
إن الفتى بالنفس يا هذه ... ليس الغنى بالثوب والدرهمِ
حث رجل رجلاً على الأكل من طعامه، فقال: عليك بقريب الطعام وعلينا بأديب الأجسام.
علي رضي الله عنه: إذا طرقك إخوانك فلا تدخر عنهم ما في المنزل، ولا تتكلف ما وراء الباب.
شاعر:
وإذا طرقت فما حضر ... وإذا دعوت فلا تذر
صوفي: من جلس على المائدة فأكثر كلامه غش بطنه.
قيل لحكيم: أي الأوقات أحمد للأكل؟ قال: أما من قدر فإذا اشتهى، وأما من لم يقدر فإذا وجد.
اتخذ الحجاج وليمة اجتهد فيها واحتشد ثم قال لزاذان فروخ: هل عمل كسرى مثلها؟ فاستعفاه، فأقسم عليه، فقال: أو لم عبد عبد كسرى فأقام على رؤوس الناس ألف وصيفة في يد كل واحدة إبريق من ذهب. فقال الحجاج: أف، والله ما تركت فارس لمن بعدها شرفاً.
العرب: تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المؤاكلة.
حاتم الطائي:
صلى الطارق المعتر يا أم مالك ... إذا ما أتاني بين قدري ومجزري
هل أبسط وجهي أنه أول القرى ... وابذل معروفي له دون منكري

شاعر:
إنك يا ابن جعفر خير فتى ... وخيرهم لطارق إذا أتى
ورب نضر طرق الحي سريً ... صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى
إن الحديث جانب من القرى
عمر رضي الله عنه: أترون أني لا أعرف رقيق العيش لباب البر بصغار المعزى.
سمع الحسن رجلاً يعيب الفالوذج فقال: لباب البر بلعاب النخل بخالص السمن، ما عاب هذا مسلم.
عائشة رضي الله عنها: ما شبع رسول الله من هذه البرة السمراء حتى فارق الدنيا.
كان معاوية من أنهم الناس، كان يأكل حتى يتسطح، ثم يقول: يا غلام ارفع، فوالله ما شبعت ولكن مللت. وكان يأكل في اليوم سبع أكلات أخراهن بعد العصر وعظماهن فيها ثريدة عظيمة في جفنة على وجهها عشرة أمنان من البصل.
دعا المهدي بميسرة التراس فألقى إليه رغيفاً وإلى الفيل رغيفاً، فأكل مائة رغيف وكف الفيل عند التاسع والتسعين.
كان سعيد بن المحسن من أدم الناس وأكلهم، فقال له زياد: مالك من الولد؟ قال: تسع بنات، قال أين هن منك؟ قال: هن آكل مني وأنا أجمل منهن. فالحق خمساً منهن في العطاء.
شاعر:
يلقم لقماً ويندى زاده ... يرمي بأمثال القطا فؤاده
قيل لحكيم: أي الطعام أطيب؟ قال: الجوع أعلم.
وكان يقال: نعم الأدام الجوع.
قيل لمدني: بم تنسحر الليلة؟ قال: باليأس من فطور القابلة.
عرض الشراب على أعرابي فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة.
الأصمعي: مررت بأعرابية وبين يديها فتى في السياق، ثم رجعت فرأيت بيدها قدح سويق تشربه، فقلت لها: ما فعل الشاب؟ قالت: واريناه فقالت: ما هذا السويق؟ فقالت:
على كل حال يأكل المرء زاده ... على البؤس والضراء والحدثان
قيل لأعرابي: كيف حزنك على ولدك؟ قال: ما ترك حب الغداء والعشاء لي حزناً.
قال الحسن بن سهل يوماً على مائدة المأمون: الأرز يزيد في العمر، فسأله المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، إن طب الهند صحيح، وهم يقولون إن الأرز يرى منامات حسنة، ومن رأى مناماً حسناً كان في نهارين، فاستحسن كلامه ووصله.
الحسن: كنا نسمع أن من غير أخاه بذنب قد تاب منه ابتلاه الله به، وأن من وافق من أخيه المسلم شهوته غفر له. وكنا نسمع أن إحدى مواجيب الرحمة إطعام الأخ المسلم الجائع.
النبي صلى الله عليه: من لقط شيئاً من الطعام فأكله حرم الله جسده على النار.
وكان يقال: ما من لقطة أحب إلى الله من قطعة من طعام ترفعها، وإن تركتها فسدت.
خمن ضبط بطنه فقد ضبط الأخلاق الصالحة كلها.
وصف لسابور ذي الاكتف رجل من أهل اصطخر لقضاء القضاة، فاستقدمه فدعاه إلى الطعام، فأخذ دجاجة فنصفها ووضع نصفها بين يديه، فأتى عليه قبل فراغ الملك. فصرفه إلى بلده. وقال: إن سلفنا كانوا يقولون: من شره إلى طعام كان إلى أموال الرعاية والسوقة أشره.
الجاحظ: إذا وضع الملك بين يديك شيئاً على مائدته فلعله إن لم يقصد كرامتك وإيناسك، أن يكون أراد تعرف ضبطك نفسك، فحسبك أن تقنع يدك عليه أو تنفش منه شيئاً. وإنما يحسن التبسط مع الصديق والعشير، فأما الملوك فيرتفعون عن هذه الطبقة.
ومن حق الملك أن لا يُحَدَّث على طعامه بجد ولا هزل، وإن حدث فمن حقه أن يصغي لحديثه والبصر خاشع ولا يعارض.
وكانت ملوك آل ساسان إذا قدموا موائدهم زمزموا عليها، ولم ينطق ناطق بحرف حتى ترتفع، فإذا اضطروا إلى كلام أشاروا إشارة.
ومن أيين الملك أن يكون منديل يده للغمر كمنديل وجهه في التقاء والبياض.
وضع معاوية بين يدي الحسن بن علي دجاجة ففكها، فقال: هل بينك وبين أمها عداوة؟ فقال الحسن: هل بينك وبين أمها صداقة؟ أراد معاوية أن يوقر الحسن مجلسه كما توقر مجالس الملوك، والحسن أعلم بالآداب والرسوم المستحسنة، ولكن معاوية كان في عينه أقل من ذاك وأحقر، وما عده معد نظرائه فضلاً أن يعتد بملكه ويعبأ بمجلسه، ولذلك قرعة بقوله الذي صك به وجهه، وهدم أينه، وأراد أنه ليس عنده بالمثابة التي قصدها وطمع منه فيها ولا موقع الملك الباغي من سبط النبوة وسليل الخلافة.
عمر بن هبيرة: عليكم بمباكرة الغداء فإن مباكرته ثلاث خلال يطيب النكهة، ويطفي المرة، ويعين على المروءة. قيل فما أعانته على المروءة؟ قال: أن لا تثوق النفس إلى طعام غيرك.

قيل لسمرة بن جندب: إن ابنك أكل طعاماً كاد يقتله، فقال: لو مات ما صليت عليه.
النبي صلى الله عليه: " من أكل سقط المائدة عاش في سعة، وعوفي ولده وولد ولده من الحمق " .
علي بن الجهم:
قلت لزين لا عدمت زيناً ... يا زين يا أحسن من رأينا
أحب منك طلعة إلينا ... ضيف أتى معتمداً علينا
فقر عيناً وأقر عينا ... حتى إذا أزمع منا بينا
قام فأثنى بالذي أولينا
شقيق ما بقيت وليمة أو مأتم على السُنَّة. ولقد ندمت على الإجابة غير مرة، ولم أندم على ترك الإجابة مرة.
سئل يوسف بن أسباط عن السمن والعسل فقال: لا بأس إذا كان ثمنهما حلالاً.
كان يحيى بن خالد البرمكي إذا أكل علق يده وقال: يا غلام رد علينا أيدينا.
أنس رفعه: إن من السرف أن تأكل كل يوم ما اشتهيت.
وعن عمر رضي الله عنه أنه دخل على عاصم بن عمر وهو يأكل لحماً، فقال: ما هذا؟ قرمنا إليه، فقال: ويحك: قرمت إلى شيء فأكلته!كفى المرء شرهاً أن يأكل كل ما يشتهي.
الخدري رفعه: استعيذوا بالله من الرغب.
عائشة: أراد رسول الله أن يشتري غلاماً فألقى بين يديه تمراً، فأكل فأكثر، فقال عليه السلام: كثرة الأكل شؤم.
أنس رفعه: إن أصل كل داء البَرَدة.
الحسن: إن الأرض لتضج إلى الله من المتخم كما تضج من السكران، ولا شيء أثقل عليها ولا على الجبال الرواسي من المتخم.
ابن دريد: العرب تعبر بكثرة الأكل وأنشد:
لست بأكال كأكل العبد ... ولا بنوام كنوم الفهد
الأصمعي: ندبت أعرابية ابناً لها فقالت: ما كل مالك لبطنك ولا برك لعرسك.
قال عمرو بن العاص يوم الحكمين لمعاوية: أكثروا لهم من الطعام فإنه والله ما بطن قوم إلا فقدوا عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطيناً. فلما وجد معاوية ما قاله صحيحاً قال: إن البطنة تأفن الفطنة، أن تنقص، يقال رجل مأفون العقل وأفين الرأي.
أنشد الأصمعي لرجل من نهد.
إذا لم أزر إلا لآكل أكلة ... فلا رفعت كفي إلى طعامي
فما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام
يقال:فلان مُغل الإصبع، من أغل إذا خان، وهو الذي يَخدَ بإصبعه حتى يستسيل الودك إليه. وهو عيب عند العرب.
قعد صبي مع قوم على طعام فأخذ يبكي. قالوا: ما يبكيك؟ قال: هو حار، قالوا: فاصبر حتى يبرد، قال أنتم لا تصبرون.
قيل لأعرابي: كيف تأكل الرأس؟ قال: أفك لحييه، وابخص عينيه، واعفص أذنيه وأسجي خديه، وأرمي بالدماغ إلى من هو أحوج مني إليه.
كشاجم في الرقاق والرؤوس:
قد ركين الخوان أرؤس خسر ... فإن وأنزل عنه ببعض نعام
تلك كالماء ذي الحباب وها ... تيك عليها كطير ماء نيام
قيل لطفيلي: لم أنت حائل اللون؟ قال: للفترة بين القصعتين مخافة أن يكون قدفني الطعام.
قيل لأبي الحارث جمين: ما تقول في الفالوذجة؟ قال: وددت أنها وملك الموت اعتلجا في صدري، والله لو أن موسى لقي فرعون بفالوذجة لآمن ولكنه لقيه بعصا.
لقمان: يا بني لا تأكل شبعاً فإنك إن نبذته للكلاب كان خيراً لك من أن تأكله.
ابن عباس: كان رسول اله يبيت طاوياً ليالي ماله ولا لأهله عشاء، وكان عامة طعامه الشعير.
قالت عائشة: والذي بعث محمداً بالحق ما كان لنا منخل، ولا أكل النبي صلى الله عليه خبزاً منخولاً مذ بعثه الله إلى أن قبض. قلت: وكيف تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول: أف أف.
أنس: ما رأى رسول الله رغيفاً محوراً حتى لقي الله.
أبو هريرة: ما شبع رسول الله وأهله ثلاثة أيام تباعاً من خبز حنطة حتى فارق الدنيا.
عائشة: دخل رسول الله فرأى كسرة ملقاة، فأخذها ومسحها وأكلها. ثم قال: يا عائشة أكرمي كريمتك فإنها ما نفرت عن قوم فعادت إليهم.
جابر رفعه: نعم الأدام الخل. وكفى بالمرء سرفاً أن يتسخط ما قرب إليه.
أنس: أكل رسول الله بشعاً، وليس خشناً، وليس الصفر واعتذى المخصوف.
قيل للحسن: ما لبشع؟ قال: خبز الشعير، ما كان رسول الله ليسيغه إلا بجرعة من ماء.
عمر رضي الله عنه: ما اجتمع عند رسول الله أدمان غلا أكل أحدهما وتصدق بالآخر.

عائشة رضي الله عنها: ما كان يجتمع لونان في لقمة في فم رسول الله، إن أكل لحماً لم يكن خبزاً، وأن كان خبزاً لم يكن لحماً.
مسروق دخلت على عائشة وهي تبكي، فقالت: ما أشاء أن أبكي إلا بكيت، مات رسول الله ولم يشبع من خبز البر في يوم مرتين، ثم انهارت علينا الدنيا.
وعنها: ما شبع آل محمد من خبز البر حتى قبضه الله، وما رفع من بين يدي نبي الله فضل من خبز حتى قبضه الله.
شاعر:
الله يعلم أنه ما سرني ... يوماً كطارقة الضيوف المنزل
ما زلت بالترحيب حتى خلتني ... ضيفاً له والضيف رب المنزل
أهدى رجل إلى آخر فالوذجة زنخة، وكتب: إني اخترت لعملها السكر السوسي والعسل الماذي والزعفران الأصبهاني. فأجابه: والله العظيم، ما علمت إلا قبل أن تمصر اصبهان، وقبل أن يفتح السوس، وقبل أن أوحى ربك إلى النحل.
أولم طفيلي على ابنته، فأتاه كل طفيلي، فلما رآهم رحب بهم ورقاهم إلى غرفة بسلم وأخذ السلم، حتى إذا فرغ من طعام الناس أنزلهم وأخرجهم.
قيل لبنان الطفيلي: كم كان أصحاب النبي صلى الله عليه يوم بدر؟ قال: ثلثمائة وثلاثة عشر رغيفاً.
قال طفيلي: ليس أضر على الضيف من أن يكون صاحب البيت شبعان.
معن بن زائدة في أخيه مزيد:
لا تسألن أبا داود خلعته ... عول على مزيد في الخبز واللبن
قيل لمدني: ما بال فلان أرق لوناً وأعتق وجهاً من أخيه؟ فقال: لأنه آكل للدجاج، وشارب للمزاج.
أكل أبو الأسود وقعد معه أعرابي فرأيي لقماً منكراً، فقال: ما اسمك؟ قال: لقمان، قال: صدق أهلك أنت لقمان. ذهب إلى فعلان من اللقم أو إلى لقمان ابن عاد.
ازدشير: احذروا صولة الكريم إذا جاع، وصولة اللئيم إذا شبع.
الأسود وعلقمة: - دخلنا على علي رضي الله عنه وبين يديه طبق من خوص، عليه قرص أو قرصان من شعير وأن أسطار النخالة لتبين في الخبز، وهو يكسره على ركبته ويأكله بملح جريش، فقلنا لجارية سوداء اسمها فضة: ألا نخلت هذا الدقيق لأمير المؤمنين! فقالت: - أيأكل من المهنا ويكون الوزر في عنقي؟ فتبسم وقال: أنا أمرتها أن لا تنخله. قلنا: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: - ذلك أجدر أن يذل النفس، ويقتدي بي المؤمن، وألحق بأصحابي.
كان يقال لإبراهيم عليه السلام أبو الضيفان لأنه أول من قرى الضيف، وسن لأبنائه العرب القرى، وكان إذا أراد الأكل بعث أصحابه ميلاً في ميل يطلبون ضيفاً يؤاكله.
أنشد أبو عمرو: -
إن أبا عمرة شر جارِ ... يجرني في ظلم الصحاري
جر الذباب جيفة الحمار
قيل لأعرابي: - أتعرف أبا عمرة؟ قال: - كيف لا أعرفه وهو متربع في كبدي؟ اتخذ بنو حنيفة آلها من حيس فعبدوه سنين، ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه.
حميد بن ثور في البدويات: -
أولئك لم يدرين ما سمك القرى ... ولا عصب فيها رئات العمارس
قدم أعرابي إلى ضيفه ثريدة وقال له: - لا تَصقعها ولا تَقْعرها ولا تشرمها.
فقال الضيف: - فمن أين آكل؟ قال لا أدري، فانصرف جائعا. أي لا تأكل من أعلاها ولا من أسفلها ولا من حروفها.
شكا إلى أبي العيناء مدني سوء الحال، فقال له: - اشكر الله فإن الله قد رزقك الإسلام والعافية، قال: - أجل، ولكن بينهما جوع يقلقل الكبد.
وضعت بين يدي أعرابي عصيدة تنش حرارة، فضرب بيده إليها فامتنعت عليه، فقال: - أما والله إني لأعلم أنك هنيئة المزدرد، لينة المسترط، وإنك لتعلمين أني ابن بجدة بلادك في أكلك، وأني لأخاف أن العود إلى أمثالك ستطول مدته، فما يمنعني أن أتلقى حرارتك ببلعوم سرطم، وحلقوم لهجم، وبطن أكبد، وجوف أرحب، فقضى الله في ذلك قضاءه بما أحببت أو كرهت.
عمر بن قميئة: -
وأهون كف لا يضيرك ضيره ... يد بين أيد في إناء طعام
يد من قريب أو غريب بقفرة ... أتتك بها غبراء ذات قتام
سنة أو مفازة أو طريق.
في أمثال الفرس: في مفترس الأسود تشبع الثعالب.
قيل لإبراهيم الخليل عليه السلام: بم اتخذ الله خليلاً؟ قال: بثلاث: ما خيرت بين شيئين غلا اخترت الذي لله على غيره، وما اهتممت بما تكفل الله لي به، وما تغديت ولا تعشيت إلا مع ضيف.

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9