كتاب : العقد الفريد
المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي

ذل السؤال شجاً في الحلق معترض ... من دونه شرق من خلفه جرض
ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوض
إني بأيسر ما أدنيت منبسط ... كما بأكثر ما أقصيت منقبض
وقالوا: من بذل إليك وجهه فقد وفاك حق نعمتك وقالوا: أكمل الخصال ثلاث: وقار بلا مهابة، وسماح بلا طلب مكافأة، وحلم بغير ذل.
وقالوا: السخي من كان مسروراً ببذله، متبرعاً بعطائه، لا يلتمس عرض دنيا فيحبط عمله، ولا طلب مكافأة فيسقط شكره، ولا يكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقي الحب للطائر، لا يريد نفعها ولكن نفع نفسه.
نظر المنذر بن أبي سبرة إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع، فقال له: ما أصبرك على هذا القميص؟ فقال له: رب مملوك لا يستطاع فراقه. فبعث إليه بتخت من ثياب. فقال أبو الأسود:
كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
وإن أحق الناس إن كنت شاكراً ... بشكرك من أعطاك والعرض وافر
وسأل معاوية صعصعة بن صوجان: ما الجود؟ فقال: التبرع بالمال، والعطية قبل السؤال: ومن قولنا في هذا المعنى:
كريم على العلات جزل عطاؤه ... ينيل وإن لم يعتمد لنوال
وما الجود من يعطى إذا ما سألته ... ولكن من يعطى بغير سؤال
وقال بشار العقيلي:
مالكي ينشق عن وجهه الجد ... ب كما انشقت الدجى عن ضياء
فثجوج السماء فيض يديه ... لقريب ونازح الدار نائي
ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء
لا ولا أن يقال شيمته الجو ... د ولكن طبائع الآباء
وقال آخر:
إن بين السؤال والإعتذار ... خطة صعبة على الأحرار
وقال حبيب بن أوس
لئن جحدتك ما أوليت من نعم ... إني لفي اللؤم أمضى منك في الكرم
أنسى ابتسامك والألوان كاسفة ... تبسم الصبح في داج من الظلم
رددت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بهاء الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي

استنجاح الحوائج
كانوا يستفتحون حوائجهم بركعتين يقولون فيهما: اللهم بك أستنجح وباسمك أستفتح، وبمحمد نبيك إليك أتوجه. اللهم ذلل لي صعوبته، وسهل لي حزونته، وارزقني من الخير أكثر مما أرجو، وأصرف عني من الشر أكثر مما أخاف.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: استعينوا على حوائجكم بالكتمان لها، فإن كل ذي نعمة محسود.
وقال خالد بن صفوان: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها، ولا تطلبوها من غير أهلها؛ فإن الحوائج تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء.
وقال: مفتاح نجح الحاجة الصبر على طول المدة، ومغلاقها اعتراض الكسل دونها.
قال الشاعر:
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جد في أمر يحاوله ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
ومن أمثال العرب في هذا: من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له.
أخذ الشاعر هذا المعنى فقال:
إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذ تضايق أمر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
وقال خالد بن صفوان: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وأشد من المصيبة سوء الخلف منها.
وقالوا: صاحب الحاجة مبهوت، وطلب الحوائج كلها تعزير.
وقالت الحكماء: لا تطلب حاجتك من كذاب، فإنه يقر بها بالقول، ويبعدها بالفعل؛ ولا من أحمق، فإنه يريد نفعك فيضرك، ولا من رجل له آكلة من جهة رجل، فإنه لا يؤثر حاجتك على أكلته.
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
جئتك مسترفداً بلا سبب ... إليك إلا بحرمة الأدب
فاقض ذمامي فإنني رجل ... غير ملح عليك في الطلب

وقال شبيب بن شيبة: إني لأعرف أمراً لا يتلاقى به اثنان إلا وجب النجح بينهما. قيل له: وما ذاك؟ قال: العقل، فإن العاقل لا يسأل ما لا يمكن ولا يرد عما يمكن.
وقال الشاعر:
أتيتك لا أدلي بقربى ولا يد ... إليك سوى أني بجودك واثق
فإن تولني عرفاً أكن لك شاكراً ... وإن قلت لي عذراً أقل أنت صادق
وقال الحسن بن هانئ:
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور
وقال آخر:
لعمرك ما أخلقت وجهاً بذلته ... إليك ولا عرضته للمعاير
فتى وفرت أيدي المكارم عرضه ... عليه وخلت ماله غير وافر
ودخل محمد بن واسع على بعض الأمراء، فقال: أتيتك في حاجة فإن شئت قضيتها وكنا كريمين، وإن شئت لم تقضها وكنا لئيمين.
أراد إن قضيتها كنت أنت كريماً بقضائها، وكنت أنا كريما بسؤالك إياها، لأني وضعت الطلبة في موضعها. فإن لم تقضها كنت أنت لئيماً بمنعك، وكنت أنا لئيما بسوء اختياري لك.
وسرق حبيب هذا المعنى فقال:
عياش إنك للئيم وإنني ... إذ صرت موضع طلبي للئيم
ودخل سوار القاضي على عبد الله بن طاهر صاحب خراسان، فقال: أصلح الله الأمير:
لنا حاجة والعذر فيها مقدم ... خفيف معناها مضاعفة الأجر
فإن تقضها فالحمد لله وحده ... وإن عاق مقدور ففي أوسع العذر
قال له: ما حاجتك أبا عبد الله؟ قال: كتاب لي إن رأى الأمير - أكرمه الله - أن ينفذه في خاصته، كتبه إلى موسى بن عبد الملك في تعجيل أرزاقي. قال: أو غير ذلك أبا عبد الله نعجلها لك من مالنا؟ وإذا وددت كنت مخيراً بين أن تأخذ أو ترد. فأنشد سوار يقول:
فبابك أيمن أبوابهم ... ودارك مأهولة عامرة
وكفك حين ترى المجتدي ... ن أندى من الليلة الماطرة
وكلبك آنس بالمعتفين ... من الأم بابنتها الزائرة
ودخل أبو حازم الأعرج على بعض أهل السلطان، فقال: أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله فبلك، فإن يأذن الله لك في قضائها قضيتها وحمدناك، وإن لم يأذن في قضائها لم تقضها وعذرناك.
وفي بعض الحديث: اطلبوا الحوائج عن حسان الوجوه.
أخذه الطائي فنظمه في شعره فقال:
قد تأولت فيك قول رسول ال ... له إذا قال مفصحاً إفصاحاً
إن طلبتم حوائجاً عند قوم ... فتنقوا لها الوجوه الصباحا
فلعمري لقد تنقيت وجهاً ... ما به خاب من أراد النجاحا
قال المنصور لرجل دخل عليه: سل حاجتك؛ قال: يبقيك الله يا أمير المؤمنين. قال: سل حاجتك فإنك لست تقدر على مثل هذا المقام في كل حين. قال: والله يا أمير المؤمنين، ما أستقصر عمرك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك، وإن عطاءك لشرف، وإن سؤالك لزين، وما بامرئ بذل إليك وجهه نقض ولا شين، فوصله وأحسن إليه.

استنجاز المواعيد
من أمثالهم في هذا: أنجز حر ما وعد.
وقالوا: وعد الكريم نقد، ووعد اللئيم تسويف.
وقال الزهري: حقيق على من أورق بوعد أن يثمر بفعل.
وقال المغيرة: من أخر حاجة فقد ضمنها.
وقال الموبذان الفارسي: الوعد السحابة، والإنجاز المطر.
وقال غيره: المواعيد رؤوس الحوائج، والإنجاز أبدانها.
وقال عبد الله بن عمر رحمه الله: خلف الوعد ثلث النفاق، وصدق الوعد ثلث الإيمان، وما ظنك بشيء جعله الله تعالى مدحة في كتابه، وفخراً لأنبيائه، فقال تعالى: " وذاكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد " .
وذكر جبار بن سلمى عامر بن الطفيل، فقال: كان والله إذا وعد الخير وفى، وإذا أوعد بالشر أخلف، وهو القائل:
ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ... ويأمن مني صولة المتهدد
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... ليكذب إيعادي ويصدق موعدي
وقال ابن أبي حازم:
إذا قلت في شيء نعم فأتممه ... فإن نعم دين على الحر واجب
وإلا فقل لا تسترح وترح بها ... لئلا يقول الناس إنك كاذب
ولو لم يكن في خلف الوعد إلا قول الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " لكفى.

وقال عمر بن الحارث: كانوا يفعلون ولا يقولون، ثم صاروا يقولون ويفعلون، ثم صاروا يقولون ولا يفعلون، ثم صاروا لا يقولون ولا يفعلون: فزعم أنهم ضنوا بالكذب فضلاً عن الصدق.
وفي هذا المعنى يقول الحسن بن هانئ:
قال لي ترضى بوعد كاذب ... قلت إن لم يك شحم فنفش
ومثله قول عباس بن الأحنف، ويقال إنه لمسلم بن الوليد، صريع الغواني:
ما ضر من شغل الفؤاد ببخله ... لو كان عللني بوعد كاذب
صبراً عليك فما أرى لي حيلة ... إلا التمسك بالرجاء الخائب
سأموت من كمد وتبقى حاجتي ... فيما لديك وما لها من طالب
قال عبد الرحمن بن أم الحكم لعبد الملك بن مروان في مواعيد وعدها إياه فمطله بها: نحن إلى الفعل أحوج منا إلى القول، وأنت بالإنجاز أولى منك بالمطل. واعلم أنك لا تستحق الشكر إلا بإنجازك الوعد، واستتمامك المعروف.
القاسم بن معن المسعودي قال: قلت لعيسى بن موسى، أيها الأمير، ما انتفعت بك مذ عرفتك، ولا أوصلت لي خيراً مذ صحبتك. قال: ألم أكلم لك أمير المؤمنين في كذا وسألته لك كذا؟ قال: قلت: بلى، فهل استنجزت ما وعدت، واستتممت ما بدأت؟ قال: حال من دون ذلك أمور قاطعة، وأحوال عاذرة. قلت: أيها الأمير، فما زدت على أنها نبهت العجز من رقدته، وأثرت الحزن من ربضته، إن الوعد إذا لم يشفه إنجاز يحققه، كان كلفظ لا معنى له، وجسم لا روح فيه.
وقال عبد الصمد بن الفضل الرقاشي لخالد بن ديسم، عامل الري.
أخالد إن الري قد أجحفت بنا ... وضاق علينا رحبها ومعاشها
وقد أطعمتنا منك يوماً سحابة ... أضاءت لنا برقاً وأبطأ رشاشها
فلا غيمها يصحو فييئس طامعاً ... ولا ماؤها يأتي فتروى عطاشها
وقال سعيد بن سلم: وعد أبي بشاراً العقيلي حين مدحه بالقصيدة التي يقول فيها:
صدت بخد وجلت عن خد ... ثم انثنت كالنفس المرتد
فكتب إليه بشار بالغد:
ما زال ما منيتني من همي ... والوعد غم فأرح من غمي
إن لم ترد حمدي فراقب ذمي
فقال له أبي: يا أبا معاذ، هلا استنجحت الحاجة بدون الوعيد؟ فإذ لم تفعل فتربص ثلاثاً وثلاثاً، فإني والله ما رضيت بالوعد حتى سمعت الأبرش الكلبي يقول لهشام: يا أمير المؤمنين، لا تصنع إلي معروفاً حتى تعدني، فإنه لم يأتني منك سيب على غير وعد وإلا هان علي قدره، وقل مني شكره. قال له هشام: لئن قلت ذلك لقد قاله سيد أهلك أبو مسلم الخولاني: إن أوقع المعروف في القلوب، وأبرده على الأكباد معروف منتظر بوعد لا يكدره المظل.
وكان يحيى بن خالد بن برمك لا يقضي حاجة إلا بوعد، ويقول: من لم يبت على سرور لم يجد للصنيعة طعماً.
وقالوا: الخلف ألأم من البخل، لأنه من لم يفعل المعروف لزمه ذم اللؤم وحده، ومن وعد وأخلف لزمه ثلاث مذمات: ذم اللؤم، وذم الخلف، وذم الكذب.
قال زياد الأعجم:
لله درك من فتى ... ولو كنت تفعل ما تقول
لا خير في كذب الجوا ... د وحبذا صدق البخيل
استبطأ حبيب الطائي الحسن بن وعيب في عدة وعدها إياه، فكتب إليه أبياتاً يستعجله بها. فبعث إليه بألف درهم، وكتب إليه:
أعجلتنا فأتاك عاجل برنا ... قلاً ولو أخرته لم يقلل
فخذ القليل وكن كمن لم يسأل ... ونكون نحن كأننا لم نفعل
وقال عبد الله بن مالك الخزاعي: دخلت على أمير المؤمنين المهدي وعنده ابن دأب وهو ينشد قول الشماخ:
وأشعث قد قد السفار قميصه ... يجر شواء بالعصا غير منضج
دعوت إلى ما نابني فأجابني ... كريم من الفتيان غير مزلج
فتى يملأ الشيزي ويروي سنانه ... ويضرب في رأس الكمي المدجج
فتي ليس بالراضي بأدنى معيشة ... ولا في بيوت الحي بالمتولج
فرفع رأس إلي المهدي وقال: هذه صفتك أبا العباس فقلت: بك نلتها يا أمير المؤمنين. فضحك إلي وقال: هل تنشد من الشعر شيئاً؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فأنشدني. فأنشدته قول السموأل:
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل

إذا المرء أعيته المروءة يافعاً ... فمطلبها كهلاً عليه ثقيل
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد السيوف نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل
وأسيافنا في كل شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول
فقال: أحسنت! اجلس، بهذا بلغتم، سل حاجتك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، تكتب لي في العطاء ثلاثين رجلاً من أهلي؟ قال: نعم، فرض علي إذا وعدت. فقلت يا أمير المؤمنين، إنك متمكن من القدرة وليس دونك حاجز عن الفعل، فما معنى العدة؟ فنظر إلى بن دأب كأنه يريد منه كلاماً في فضل الموعد. فقال ابن دأب:
حلاوة الفعل بوعد ينجز ... لا خير في العرف كنهب ينهز
فضحك المهدي وقال:
الفعل أحسن ما يكو ... ن إذا تقدمه ضمان
وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه: يا بني، إذ غدا عليكم الرجل وراح مسلماً، فكفى بذلك تقاضيا. وقال الشاعر:
أروح بتسليمي عليك وأغتدي ... وحسبك بالتسليم مني تقاضيا
وقال آخر:
كفاك مخبراً وجهي بشأني ... وحسبك أن أراك وأن تراني
وما ظني بمن يعنيه أمري ... ويعلم حاجتي ويرى مكاني
كتب العتابي إلى بعض أهل السلطان: أما بعد، فإن سحائب وعدك قد أبرقت، فليكن وبلها سالماً من علل المطل، والسلام.
وكتب الجاحظ إلى رجل وعده: أما بعد، فإن شجرة وعدك قد أورقت، فليكن ثمرها سالماً من جوائح المطل، والسلام.
ووعد عبد الله بن طاهر دعبلاً بغلام، فلما طال عليه تصدى له يوماً، وقد ركب إلى باب الخاصة، فلما رآه قال: أسأت الافتضاء، وجهلت المأخذ، ولم تحسن النظر، ونحن أولى بالفضل، فلك الغلام والدابة لما ننزل إن شاء الله تعالى. فأخذ دعبل بعنانه وأنشده:
يا جواد اللسان من غير فعل ... ليت في راحتيك جود اللسان
عين مهران قد لطمت مراراً ... فاتقي ذا الجلال في مهران
عرت عيناً فدع لمهران عيناً ... لا تدعه يطوف في العميان
قال: فنزل له عن دابته، وأمر له بالغلام.
وسأل خلف بن خليفة أبان بن الوليد جارية فوعده بها، وأبطأت عليه، فكتب إليه:
أرى حاجتي عند الأمير كأنها ... تهم زماناً عنده بمقام
وأحصر عن إذكاره إن لقيته ... وصدق الحياء ملجم بلجام
أراها إذا كان النهار نسيئة ... وبالليل تقضى عند كل منام
فيا رب أخرجها فإنك مخرج ... من الميت حياً مفصحاً بكلام
فتعلم ما شكري إذا ما قضيتها ... وكيف صلاتي عندها وصيامي
وكتب أبو العتاهية إلى رجل وعده وعداً وأخلفه:
أحسبت أرض الله ضيقة ... عني فأرض الله لم تضيق
وجعلتني فقعاً بقرقرة ... فوطئتني وطئاً على حنق
فإذا سألتك حاجة أبداً ... فاضرب لها قفلاً على غلق
وأعد لي غلاً وجامعة ... فاجمع يدي بها إلى عنقي
ما أطول الدنيا وأوسعها ... وأدلني بمسالك الطرق
ومن قولنا في رجل كتب إلى بعدة في صحيفة ومطلني بها:
صحيفة طابعها اللوم ... عنوانها بالجهل مختوم
يهدى لها والخلف في طيها ... والمطل والتسويف واللوم
من وجهه نحس ومن قربه ... رجس ومن عرفانه شوم
لا تهتضم إن بت ضيفاً له ... فخبزه في الجوف هاضوم
تكلمه الألحاظ من رقة ... فهو بلحظ العين مكلوم

ولا تأتدم على أكله ... فإنه بالجوع مأدوم
وقلت فيه:
صحيفة كتبت ليت بها وعسى ... عنوانها راحة الراجي إذا يئسا
وعد له هاجس في القلب وقد برمت ... أحشاء صدري به من طول ما هجسا
يراعة غرني منها وميض سنى ... حتى مددت إليها الكف مقتبسا
فصادفت حجراً لو كنت تضربه ... من لؤمه بعضا موسى لما انبجسا
كأنما صيغ من بخل ومن كذب ... فكان ذاك له روحاً وذا نفسا
وقلت فيه:
رجاء دون أقربه السحاب ... ووعد مثل ما لمع السراب
وتسويف يكل الصبر عنه ... ومطل ما يقوم له حساب
وأيام خلت من كل خير ... ودنيا قد توزعها الكلاب

لطيف الاستمناح
قال الحكماء: لطيف الاستمناح سبب النجاح، والأنفس ربما انطلقت وانشرحت بلطيف السؤال، وانقبضت وامتنعت بجفاء السائل؛ كما قال الشاعر:
وجفوتني فقطعت عنك فوائدي ... كالدر يقطعه جفاء الحالب
وقال العتابي: إن طلب حاجة إلى ذي سلطان فأجمل في الطلب إليه، وإياك والإلحاح علي، فإن إلحاحك يكلم عرضك، ويريق ماء وجهك، فلا تأخذ منه عوضاً لما يأخذ منك؛ ولعل الإلحاح يجمع عليك إخلاق الوجه، وحرمان النجاح؛ فإنه ربما مل المطلوب إليه حتى يستخف بالطالب.
وقال الحسن بن هانئ:
تأن مواعيد الكرام فربما ... حملت من الإلحاح سمحاً على بخل
وقال آخر:
إن كنت طالب حاجة فتجمل ... فيها بأحسن ما طلب وأجمل
إن الكريم أخا المروءة والنهى ... من ليس في حاجاته بمثقل
وقال مروان بن أبي حفصة: لقيت يزيد بن مزيد وهو خارج من عند المهدي، فأخذ بعنان دابته وقلت له: إني قلت فيك ثلاثة أبيات أريد لكل بيت منها مائة ألف. قال: هات، لله أبوك! فأنشأت أقول:
يا أكرم الناس من عجم ومن عرب ... بعد الخليفة يا ضرغامة العرب
أفنيت مالك تعطيه وتنهبه ... يا آفة الفضة البيضاء والذهب
إن السنان وحد السيف لو نطقا ... لا خبراً عنك في الهيجاء بالعجب
فأمر لي بها.
المدائني قال: قدم قوم من بني أمية على عبد الملك بن مروان، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن ممن تعرف، وحقنا لا ينكر، وجئناك من بعيد، ونمت بقريب، وهما تعطنا فنحن أهله.
دخل عبد الملك بن صالح على الرشيد فقال: أسألك بالقرابة والخاصة، أم بالخلافة والعامة؟ قال: بل بالقرابة والخاصة. قال: يداك يا أمير المؤمنين بالعطية أطلق من لساني بالمسألة. فأعطاه وأجزل له.
ودخل أبو الريان على عبد الملك بن مروان، وكان عنده أثيراً، فرآه خائراً، فقال: يا أبا الريان، مالك خائراً؟ قال: أشكو إليك الشرف يا أمير المؤمنين. قال: وكيف ذلك؟ قال: نسأل ما لا نقدر عليه ونعتذر فلا نعذر. قال عبد الملك: ما أحسن ما استمنحت، واعتررت يا أبا الريان! أعطوه كذا وكذا.
العتابي قال: كتب الشعبي إلى الحجاج يسأله حاجة، فاعتل عليه. فكتب إليه الشعبي: والله لا عذرتك وأنت والي العراقين، وابن عظيم القريتين، فقضى حاجته.
وكان جد الحجاج لأمه عروة بن مسعود الثقفي.
العتبي قال: قدم عبد العزيز بن زرارة الكلابي على أمير المؤمنين معاوية، فقال: إني لم أزل أهز ذئاب الرحال إليك، فلم أجد معولاً إلا عليك؛ امتطى الليل بعد النهار، وأسم المجاهل بالآثار؛ يقودني إليك أمل، وتسوقني بلوى، المجتهد يعذر، وإذا بلغتك فقطني. فقال: احطط عن راحلتك رحلها.
ودخل كريز بن زفر بن الحارث على يزيد بن المهلب فقال: أصلح الله الأمير، أنت أعظم من أن يستعان بك ويستعان عليك، ولست تفعل من الخير شيئاً إلا وهو يصغر عنك وأنت أكبر منه، وليس العجب أن تفعل، ولكن العجب أن لا تفعل قال: سل حاجتك. قال: قد حملت عن عشيرتي عشر ديات. قال: قد أمرت لك بها وشفعتها بمثلها.
العتبي عن أبيه قال: أتى رجل إلى حاتم الطائي فقال: إنها وقعت بيني وبين قومي ديات فاحتملتها في مالي وأملي، فعدمت مالي وكنت أملي، فإن تحملها عني فرب هم فرجته، وغم كفيته، ودين قضيته؛ وإن حال دون ذلك حائل لم أذم يومك، ولم أيأس من غدك. فحملها عنه.
المدائني قال:

سأل رجل خالداً القسري حاجة، فاعتل عليه. فقال له: لقد سألت الأمير من غير حاجة. قال وما دعاك إلى ذلك؟ قال رأيتك تحب من لك عنده حسن بلاء، فأردت أن أتعلق منك بحبل مودة. فوصله وحباه وأدنى مكانه.
والأصمعي قال: دخل أبو بكير الهجري على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، نغض فمي، وأنتم أهل البيت بركة، فلو أذنت لي فقبلت رأسك لعل الله يشدد لي منه. قال: اختر منها ومن الجائزة. فقال: يا أمير المؤمنين أهون علي من ذهاب درهم من الجائزة ألا تبقى حاكة في فمي. فضحك المنصور وأمر له بجائزة.
وذكروا أن جاراً لأبي دلف ببغداد لزمه كبير دين فادح حتى احتاج إلى بيع داره. فساوموه بها، فسألهم ألف دينار، فقالوا له: إن دارك تساوي خمسمائة دينار. قال: وجواري من أبي دلف بألف وخمسمائة دينار. فبلغ أبا دلف، فأمر بقضاء دينه، وقال له لا تبع دارك ولا تنتقل من جوارنا.
ووقفت امرأة على قيس بن سعد بن عبادة، فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان، قال: ما أحسن هذه الكناية! املئوا لها بيتاً خبزاً ولحماً وسمناً وتمراً.
إبراهيم بن أحمد عن الشيباني قال: كان أبو جعفر المنصور أيام بني أمية إذا دخل البصرة دخل مستتراً، فكان يجلس في حلقة أزهر السمان المحدث. فلما أفضت الخلافة إليه، قدم عليه أزهر، فرحب به وقربه، وقال له ما حاجتك يا أزهر؟ قال: داري متهدمة، وعلي أربعة آلاف درهم، وأريد أن يبني محمد ابني بعياله، فوصله باثني عشر ألفاً، وقال. قد قضينا حاجتك يا أزهر، فلا تأتنا طالباً: فأخذها وارتحل. فلما كان بعد سنة أتاه. فلما رآه أبو جعفر، قال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال جئتك مسلماً. قال: إنه يقع في خلد أمير المؤمنين أنك جئت طالباً. قال: ما جئت إلا مسلماً. قال: قد أمرنا لك باثني عشر ألفاً، واذهب فلا تأتنا طالباً ولا مسلماً. فأخذها ومضى. فلما كان بعد سنة أتاه، فقال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: أتيت عائداً. قال: إنه يقع في خلد أمير المؤمنين أنك جئت طالباً. قال: ما جئت إلا عائداً قال أمرنا لك باثني عشر ألفاً فاذهب ولا تأتنا لا طالباً ولا مسلماً ولا عائداً، فأخذها وانصرف. فلما مضت السنة أقبل، فقال له: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: دعاء كنت أسمعك تدعو به يا أمير المؤمنين، جئت لأكتبه. فضحك أبو جعفر وقال: إنه دعاء غير مستجاب، وذلك أني قد دعوت الله تعالى به أن لا أراك، فلم يستجب لي، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفاً، فاذهب وتعال متى شئت، فقد أعيتني فيك الحيلة.
أقبل أعرابي إلى داود بن المهلب فقال له: إني مدحتك فاستمع. قال: على رسلك، ثم دخل بيته وقلد سيفه وخرج، فقال: فإن أحسنت حكمناك، وإن أسأت قتلناك. فأنشأ يقول:
أمنت بداود وجود يمينه ... من الحدث المخشي والبؤس والفقر
فأصبحت لا أخشى بداود نبوة ... من الحدثان إذ شددت به أزري
له حكم لقمان وصورة يوسف ... وملك سليمان وعدل أبي بكر
فتى تفرق الأموال من جود كفه ... كما يفرق الشيطان من ليلة القدر
فقال: قد حكمناك، فإن شئت على قدرك وإن شئت على قدري. قال: بل على قدري، فأعطاه خمسين ألفاً. فقال له جلساؤه: هلا احتكمت على قدر الأمير! قال: لم يك في ماله ما يفي بقدره. قال له داود: أنت في هذه أشعر منك في شعرك، وأمر بمثل ما أعطاه.
الأصمعي قال: كنت عند الرشيد إذ دخل عليه إسحاق بن إبراهيم الموصلي فأنشده:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل
فعالى فعال المكثرين تجملاً ... ومالي كما قد تعلمين قليل
فكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل
فقال له الرشيد: لله در أبيات تأتينا بها! ما أحسن أصولها، وأبين فصولها، وأقل فضولها! يا غلام، أعطه عشرين ألفاً. قال: والله لا أخذت منها درهماً واحداً. قال: ولم؟ قال: لأن كلامك والله يا أمير المؤمنين خير من شعري. قال: أعطوه أربعين ألفاً. قال الأصمعي: فعلمت والله أنه أصيد لدراهم الملوك مني.
العتبي عن أبيه قال:

قدم زيد بن منية من البصرة على معاوية - وهو أخو يعلى بن منية صاحب جمل عائشة رضي الله عنها ومتولي تلك الحروب ورأس أهل البصرة، وكانت ابنة يعلى عند عتيبة بن أبي سفيان - فلما دخل على معاوية شكا دينه، فقال: يا كعب، أعطه ثلاثين ألفاً. فلما ولى قال: وليوم الجمل ثلاثين ألفاً أخرى. ثم قال له: الحق بصهرك - يعني عتبة - فقدم عليه مصر، فقال: إني سرت إليك شهرين، أخوض فيهما المتالف، ألبس أردية الليل مرة، وأخوض في لجج السراب أخرى، موقراً من حسن الظن بك، وهارباً من دهر قطم، ومن دين لزم. بعد غنى جدعنا به أنوف الحاسدين. فقال عتبة: إن الدهر أعاركم غنى، وخلطكم بنا، ثم استرد ما أمكنه أخذه، وقد أبقى لكم منا ما لا ضيعة معه، وأنا رافع يدي ويدك بيد الله. فأعطاه ستين ألفاً كما أعطاه معاوية.
إبراهيم الشيباني قال: قال عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف: أعدم أبي إعدامة شديدة بالبصرة وأنفض، فخرج إلى خراسان، فلم يصب بها طائلاً، فبينا هو يشكو تعزر الأشياء عليه، إذ عدا غلامه على كسوته وبلغته فذهب بهما. فأتى أبا ساسان حضين بن المنذر الرقاشي فشكا إليه حاله. فقال له: والله يا بن أخي ما عمك ممن يحمل محاملك، ولكن لعلي أحتال لك: فدعا بكسوة حسنة فألبسني إياها، ثم قال. امض بنا. فأتى باب والي خراسان فدخل وتركني بالباب، فلم ألبث أن خرج الحاجب فقال: أين علي بن سويد؟ فدخلت إلى الوالي، فإذا حضين على فراش جانبه. فسلمت على الوالي، فرد علي، ثم أقبل عليه حضين فقال: أصلح الله الأمير، هذا علي بن سويد بن منجوف، سيد فتيان بكر بن وائل، وابن سيد كهولها، وأكثر الناس مالاً حاضراً بالبصرة، وفي كل موضع ملكت به بكر بن وائل مالاً، وقد تحمل بي إلى الأمير حاجة. قال: هي مقضية. قال: يسألك أن تمد يدك في ماله ومراكبه وسلاحه إلى ما أحببت. قال: لا والله لا أفعل ذلك به، نحب أولى بزيادته. قال: فقد أعفيناك من هذه إذ كرهتها، فهو يسألك أن تحمله حوائجك بالبصرة. قال: إن كانت حاجة فهو فيها ثقة، ولكن أسألك أن تكلمه في قبول معونة منا، فإنا نحب أن يرى على مثله من أثرنا. فأقبل علي أبو ساسان فقال: يا أبا الحسن، عزمت عليك أن لا ترد على عمك شيئاً أكرمك به. فسكت. فدعا لي بمال ودواب وكساو ورقيق. فلما خرجت قلت: أبا ساسان، لقد أوقفتني على خطة ما وقفت على مثلها قط. قال: اذهب إليك يا بن أخي، فعمك أعلم بالناس منك. إن الناس إن علموا لك غرارة من مال حشوا لك أخرى، وإن يعلموك فقيراً تعدوا عليك مع فقرك.
إبراهيم الشيباني قال: ولدت لأبي دلامة ابنة ليلاً، فأوقد السراج وجعل يخيط خريطة من شقق. فلما اصبح طواها بين أصابعه وغدا بها إلى المهدي فاستأذن عليه، وكان لا يحجب عنه. فأنشده:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا من شعاع الشمس في درج ... إلى السماء فأنتم أكرم الناس
قال له المهدي: أحسنت والله أبا دلامة! فما الذي غدا بك إلينا؟ قال: ولدت لي جارية يا أمير المؤمنين. قال: فهل قلت فهيا شعراً؟ قال: نعم، قلت:
فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمك أم سوء ... إلى لباتها وأب لئيم
قال: فضحك المهدي. وقال: فما تريد أن أعينك به في تربيتها أبا دلامة؟ قال: تملأ هذه يا أمير المؤمنين، وأشار إليه بالخريطة بين إصبعيه. فقال المهدي: وما عسى أن تحمل هذه؟ قال: من لم يقنع بالقليل لم يقنع بالكثير. فأمر أن تملأ مالاً. فلما نشرت أخذت عليهم صحن الدار، فدخل فيها أربعة آلاف درهم.
وكان المهدي قد كسا أبا دلامة ساجاً. فأخذ به وهو سكران، فأتي به إلى المهدي. فأمر بتمزيق الساج عليه، وأن يحبس في بيت الدجاج، فلما كان في بعض الليل وصحا أبو دلامة من سكره ورأى نفسه بين الدجاج، صاح: يا صاحب البيت.
فاستجاب له السجان؛ فقال: مالك يا عدو الله؟ قال له: ويلك! من أدخلني مع الدجاج؟ قال: أعمالك الخبيثة، أتى بك أمير المؤمنين وأنت سكران فأمر بتمزيق ساجك وحبسك مع الدجاج. قال له: ويلك! أو تقدر على أن توقد سراجاً، وتجيئني بدواة وورق ولك سلبي هذا. فأتاه بدواة وورق: فكتب أبو دلامة إلى المهدي:

أمن صهباء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج
تهش لها النفوس وتشتهيها ... إذا برزت ترقرق في الزجاج
وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت من النطف النضاج
أمير المؤمنين فدتك نفسي ... علام حبستني وخرقت ساجي
أقاد إلى السجون بغير ذنب ... كأني بعض عمال الخراج
ولو معهم حبست لهان وجدي ... ولكني حبست مع الدجاج
دجاجات يطيف بهن ديك ... يناجي بالصياح إذا يناجي
وقد كانت تخبرني ذنوبي ... بأني من عذابك غير ناجي
على أني وإن لاقيت شراً ... لخيرك بعد ذاك الشر راجي
ثم قال: أوصلها إلى أمير المؤمنين. فأوصلها إليه السجان. فلما قرأها، أمر بإطلاقه وأدخله عليه، فقال: أين بت الليلة أبا دلامة؟ قال: مع الدجاج يا أمير المؤمنين. قال: فما كنت تصنع؟ قال: كنت أقاقي معهن حتى أصبحت. فضحك المهدي وأمر بصلة جزيلة، وخلع عليه كسوة شريفة.
وكتب أبو دلامة إلى عيسى موسى، وهو والي الكوفة رقعة فيها هذه الأبيات:
إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الله الرحيم
فأما بعد ذاك فلي غريم ... من الأنصار قبح من غريم
لزوم ما علمت لباب داري ... لزوم الكلب أصحاب الرقيم
له مائة علي ونصف أخرى ... ونصف النصف في صك قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم
أتوني بالعشيرة يسألوني ... ولم أك في العشيرة باللئيم
قال: فبعث إليه بمائة ألف درهم.
ولقى أبو دلامة أبا دلف في مصاد، وهو والي العراق، فأخذ بعنان فرسه وأنشد:
إن حلفت لئن رأيتك سالماً ... بقرى العراق وأنت ذو وفر
لتصلين على النبي محمد ... ولتملأن دراهماً حجري
فقال: أما الصلاة على النبي، فنعم، صلى الله عليه وسلم؛ وأما الدراهم، فلما نرجع إن شاء الله تعالى. قال له: جعلت فداك، لا تفرق بينهما. فاستلفها له، وصبت في حجره حتى أثقلته.
ودخل أبو دلامة على المهدي، فأنشده أبياتاً أعجب بها، فقال له: سلني أبا دلامة واحتكم وأفرط ما شئت. فقال: يا أمير المؤمنين، كلب اصطاد به، قال: قد أمرنا لك بكلب؛ وهاهنا بلغت همتك، وعلى هاهنا انتهت أمنيتك؟ قال لا تعجل علي يا أمير المؤمنين، فإنه بقي علي. قال: وما بقي عليك؟ قال غلام يقود الكلب. قال: وغلام يقود الكلب. قال: وخادم يطبخ لنا الصيد. قال: وخادم يطبخ الصيد. قال ودار نسكنها. قال: ودار تسكنها. قال وجارية نأوي إليه. قال: وجارية تأوي إليها. قال: قد بقى الآن المعاش، قال: قد أقطعناك ألفي جريب عامرة وألفي جريب غامرة. قال: وما الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: التي لا تعمر. قال: أنا أقطع أمير المؤمنين خمسين ألفاً من فيافي بني أسد. قال قد جعلتها كلها لك عامرة. قال: فيأذن لي أمير المؤمنين في تقبيل يده؟ قال: أما هذه فدعها. قال: ما منعتني شيئاً أيسر هي أم ولدي فقداً منه.
ودخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور يوماً وعليه قلنسوة طويلة - وكان قد أخذ أصحابه بلبسها وأخذهم بلبس دراريع عليها مكتوب بين كتفي الرجل: " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " وأمرهم بتعليق السيوف على أوساطهم - فدخل عليه أبو دلامة في ذلك الزي، فقال له: كيف أصبت أبا دلامة؟ قال: بشر حال يا أمير المؤمنين. قال: كيف ذلك؟ ويلك! قال: وما ظنك يا أمير المؤمنين بمن أصبح وجهه في وسطه، وسيفه في أسته، وقد نبذ كتاب الله عز وجل وراء ظهره. قال: فضحك أبو جعفر، وأمر بتغيير ذلك، وأمر لأبي دلامة بصلة.
وأوصل أبو دلامة إلى العباس بن المنصور رقعة فيها هذه الأبيات:
قف بالديار وأي الدهر لم تقف ... على منازل بين الظهر والنجف
وما وقوفك في أطلال منزلة ... لولا الذي استحدثت في قلبك الكلف
إن كنت أصبحت مشغوفاً بجارية ... فلا وربك لا تشفيك من شغف
ولا تزيدك إلا العل من أسف ... فهل لقلبك من صبر على الأسف

هذي مقالة شيخ من بني أسد ... يهدي السلام إلى العباس في الصحف
تخطها من جواري المصر كاتبة ... قد طالما ضربت في اللام والألف
وطالما اختلفت صيفاً وشاتية ... إلى معلمها باللوح والكتف
حتى إذا ما استوى الثديان وامتلأت ... منها وخيفت على الإسراف والقرف
صينت ثلاث سنين ما ترى أحداً ... كما تصان ببحر درة الصدف
بينا الفتى يتمشى نحو مسجده ... مبادراً لصلاة الصبح بالسدف
حانت لن نظرة منها فأبصرها ... مطلة بين سجفيها من الغرف
فخر في الترب ما يدري غداتئذ ... أخر منكشفاً أم غير منكشف
وجاءه القوم أفواجاً بمائهم ... لينضحوا الرجل المغشى بالنطف
فوسوسوا بقران في مسامعه ... خوفاً من الجن والإنسان لم يخف
شيئاً ولكنه من حب جارية ... أمسى وأصبح من موت على شرف
قالوا: لك الخير ما أبصرت؟ قلت لهم ... جنية أقصدتني من بني خلف
أبصرت جارية محجوبة لهم ... تطلعت من أعالي القصر ذي الشرف
فقلت من أيكم والله يأجره ... يعير قوته مني إلى ضعفي
فقام شيخ بهي من تجارهم ... قد طالما خدع الأقوام بالحلف
فابتاعها لي بألف أحمر فغدا ... بها إلي فألقاها على كتفي
فبت ألثمها طوراً وتلثمني ... طوراً ونفعل بعض الشيء في اللحف
بتنا كذلك حتى جاء صاحبها ... يبغي الدنانير بالميزان ذي الكفف
وذاك حق على زند وكيف به ... والحق في طرف والعين في طرف
وبين ذاك شهود لم أبال بهم ... أكنت معترفاً أم غير معترف
فإن تصلني قضيت القوم حقهم ... وإن تقل لا فحق القوم في تلف
فلما قرأ العباس الأبيات أعجب بها واستظرفها، وقضى عنه ثمن الجارية. واسم أبي دلامة: زند.

إبراهيم بن المهدي قال: قال لي جعفر بن يحيى يوماً: إني استأذنت أمير المؤمنين في الحجامة وأردت أن أخلو وأفر من أشغال الناس وأتوحد. فهل أنت مساعدي قلت: جعلني الله فداك، أنا أسعد الناس بمساعدتك، وآنس بمخالاتك. قال: فكر إلي بكور الغراب. قال: فأتيت عند الفجر الثاني فوجدت الشمعة بين يديه، وهو قاعد ينتظرني للميعاد. قال: فصلينا ثم أفضنا في الحديث حتى جاء وقت الحجامة، فأتى بحجام وحجمنا في ساعة واحدة، ثم قدم إلينا طعام فطعمنا. فلما غسلنا أيدينا خلع علينا ثياب المنادمة، وضمخنا بالخلوق، وظللنا بأسر يوم مر بنا. ثم إنه ذكر حاجة فدعا الحاجب، فقال: إذا جاء عبد الملك القهرماني فأذن له. فنسي الحاجب، وجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي، على جلالته وسنه وقدره وأدبه، فإذن له الحاجب. فما راعنا إلا طلعة عبد الملك. فتغير لذلك جعفر بن يحيى وتنغص عليه ما كان فيه. فلما نظر عبد الملك إليه على تلك الحال دعا غلامه دفع إليه سيفه وسواده وعمامته، ثم جاء ووقف على باب المجلس، وقال: اصنعوا بي ما صنعتم بأنفسكم. قال: فجاء الغلام فطرح عليه ثياب المنادمة. ودعا بالطعام فطعم، ثم دعا بالشراب فشرب ثلاثاً، ثم قال: ليخفف عني، فإن شيء ما شربته قط. فتهلل وجه جعفر وفرح به، وكان الرشيد قد عتب على عبد الملك بن صالح ووجد عليه. فقال له جعفر بن يحيى: جعلني الله فداك، قد تفضلت وتطولت وأسعدت، فهل من حاجة تبلغها مقدرتي، أو تحيط بها نعمتي فأقضيها لك مكافأة لما صنعت؟ قال: بلى، إن قلب أمير المؤمنين عاتب علي، فسله الرضا عني. قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين. ثم قال: علي أربعة آلاف دينار. قال حاضرة، ولكن من مال أمير المؤمنين أحب إليك. قال: وابني إبراهيم أحب أن أشد ظهره بصهر من أولاد أمير المؤمنين. قال: قد زوجه أمير المؤمنين ابنته عائشة. قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه. قال: قد ولاه أمير المؤمنين على مصر. قال: وانصرف عبد الملك، ونحن نعجب من إقدامه على قضاء الحوائج من غير استئذان أمير المؤمنين. فلما كان من الغد وقفنا على باب الرشيد ودخل جعفر، فلم نلبث أن دعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك، فعقد النكاح، وحملت البدر إلى منزل عبد الملك، وكتب سجل إبراهيم على مصر. وخرج جعفر فأشار إلينا. فلما صار إلى منزله ونحن خلفه، نزل ونزلنا بنزوله. فالتفت إلينا فقال: تعلقت قلوبكم بأول أمر عبد الملك فأحببتم معرفة آخره، وإني لما دخلت على أمير المؤمنين ومثلت بين يديه ابتدأت القصة من أولها كما كانت، فجعل يقول: أحسن والله! أحسن والله! فما صنعت؟ فأخبرته بما سأله وبما أجبته به. فجعل يقول في ذلك: أحسنت، أحسنت! وخرج إبراهيم والياً على مصر.
قدم رجل على ملك من ملوك الأكاسرة، فمكث ببابه حيناً لا يصل إليه، فتلطف في رقعة أوصلها إليه، وفيها أربعة أسطر: في السطر الأول: الضر والأمل أقدماني عليك.
والسطر الثاني: الفقر لا يكون معه صبر على المطالبة.
السطر الثالث: الانصراف بلا فائدة فتنة وشماتة للعدو.
والسطر الرابع: فإما نعم مثمرة، وإما لا مريحة.
فلما قرأها وقع تحت كل سطر منها بألف مثقال وأمر له بها.
ودخل رجل من الشعراء على يحيى بن خالد بن برمك فأنشده:
سألت الندى هل أنت حر فقال لا ... ولكنني عبد ليحيى بن خالد
فقلت شراء قال لا بل وراثة ... توارثني عن والد بعد والد
فأمر له بعشر آلاف.
ودخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسري فأنشده:
أخالد إن لم أزرك لخلة ... سوى أنني عاف وأنت جواد
أخالد بين الحمد والأجر حاجتي ... فأيهما تأتي فأنت عماد
فأمر له بخمسة آلاف درهم.
ومن قولنا في هذا المعنى. ودخلت على أبي العباس القائد فأنشدته:
الله جرد للندى والباس ... سيفاً فقلده أبا العباس
ملك إذا استقبلت غرة وجهه ... قبض الرجاء إليك روح إلياس
وجه عليه من الحياء سكينة ... ومحبة تجري مع الأنفاس
وإذا أحب الله يوماً عبده ... ألقى عليه محبة للناس
ثم سألته حاجة فيها بعض الغلظ. فتلكأ فيها علي، فأخذت سحاية من بين يديه فوقعت فيها على البديهة:

ما ضر عندك حاجتي ما ضرها ... عذراً إذا أعطيت نفسك قدرها
انظر إلى عرض البلاد وطولها ... أولست أكرم أهلها وأبرها
حاشى لجودك أن يوعر حاجتي ... ثقتي سهلت لي وعرها
لا يجتني حلو المحامد ماجد ... حتى يذوق من المطالب مرها
فقضى الحاجة وسارع إليها.
وأبطأ عبد الله بن يحيى عن الديوان، فأرسل إليه المتوكل يتعرف خبره، فكتب إليه:
عليل من مكانين ... من الإفلاس والدين
ففي هذين لي شغل ... وحسبي شغل هذين
فبعث إليه بألف دينار.
عبد الله بن منصور قال: كنت يوماً في مجلس الفضل بن يحيى. فأتاه الحاجب فقال: إن بالباب رجلاً قد أكثر في طلب الإذن وزعم أن له يداً يمت بها. فقال: أدخله. فدخل رجل جميل الوجه رث الهيئة. فسلم فأحسن. فأومأ إليه بالجلوس، فجلس. فلما علم أنه قد انطلق وأمكنه الكلام قال له: ما حاجتك؟ قال له: قد أعربت بها رثاثة هيئتي وضعف طاقتي. قال: أجل، فما الذي تمت به؟ قال: ولادة تقرب من ولادتك، وجوار يدنو من جوارك، واسم مشتق من اسمك. قال: أما الجوار فقد يمكن أن يكون كما قلت، وقد يوافق الاسم الاسم، ولكن ما علمك بالولادة؟ قال: أعلمتني أمي أنها لما وضعتني، قيل: إنه ولد الليلة ليحيى بن خالد غلام وسمي الفضل، فسمتني فضيلاً، إعظاماً لاسمك أن تلحقني به. فتبسم الفضل وقال: كم أتى عليك من السنين؟ قال: خمس وثلاثون سنة. قال: صدقت، هذا المقدار الذي أتيت عليه، فما فعلت أمك؟ قال: توفيت رحمها الله. قال: فما منعك من اللحوق بنا فيما مضى؟ قال: لم ارض نفسي للقائك لأنها كانت في عامية وحداثة تقعدني عن لقاء الملوك. قال: يا غلام، أعطه لكل عام مضى من سنيه ألفاً، وأعطه من كسوتنا ومراكبنا ما يصلح له. فلم يخرج من الدار إلا وقد طاف به إخوانه وخاصة أهله.
وكتب حبيب بن أوس الطائي إلى أحمد بن أبي داود:
اعلم وأنت المرء غير معلموافهم جعلت فداك غير مفهم
أن اصطناع العرف ما لم توله ... مستكملاً كالثوب ما لم يعلم
والشكر ما لم يستثر بصنيعةكالخط تقرؤه وليس بمعجم
وتفنني في القول إكثار وقد ... أسرجت في كرم الفعال فألجم.
وقال دعبل بن علي الخزاعي في طاهر بن الحسين صاحب خراسان:
أيا ذا اليمينين والدعوتين ... ومن عنده العرف والنائل
أترضى لمثلى أنى مقيم ... ببابك مطرح خامل
رضيت من الود والعائدات ... ومن كل ما أمل الآمل
بتسليمة بين خمس وست ... إذا ضمك المجلس الحافل
وما كنت أرضى بذا من هسواك ... أيرضى بذا رجل عاقل
وإن ناب شغل ففي دون ما ... تدبره شغل شاغل
عليك السلام فإني امرؤ ... إذا ضاق بي بلد راحل
الأصمعي قال: ونظر زياد إلى رجل من ضبة يأكل أكلاً قبيحاً، وهو أقبح الناس وجهاً، فقال: يا أخا ضبة، كم عيالك؟ قال: سبع بنات أنا أجمل منهن وجهاً، وهن آكل مني: فضحك زياد وقال: لله درك! ما ألطف سؤالك! افرضوا له و لكل واحدة منهن مائة وخادماً، وعجلوا له و لهن أرزاقهم. فخرج الصبي وهو يقول:
إذا كنت مرتاد السماحة والندى ... فناد زياداً أو أخاً لزياد
يجبك امرؤ يعطى على الحمد ما له ... إذا ضن بالمعروف كل جواد
ومالي لا أثنى عليك وإنما ... طريفي من معروفكم وتلادي
ووقف دعبل ببعض أمراء الرقة، فلما مثل بين يديه قال: أصلح الله الأمير، إني لا أقول كما قال صاحب معن:
بأي الخلتين عليك أثني ... فإني عند منصرفي مسول
أبالحسنى وليس لها ضياء ... علي فمن يصدق ما أقول
أم الأخرى ولست لها بأهل ... وأنت لكل مكرمة فعول
ولكنني أقول:
ماذا أقول إذا أتيت معاشري ... صفراً يداي من الجواد المجزل
إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... ضن الأمير بماله لم يجمل
ولأنت أعلم بالمكارم والعلا ... من أن أقول فعلت ما لم تفعل

فاختر لنفسك ما أقول فإني ... لا بد مخبرهم وإن لم أسأل
قال له: قاتلك الله! وأمر له بعشرة آلاف درهم.
العتبي قال: دخل ابن عبدل على عبد الملك بن بشر بن مروان، لما ولي الكوفة فقعد بين السماطين، ثم قال: أيها الأمير، إني رأيت رؤيا فإذن لي في قصصها. فقال: قل. فقال:
أغفيت قبل الصبح يوم مسهد ... في ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنك رعتني بوليدة ... مفلوجة حسن علي قيامها
وببدرة حملت إلي وبغلة ... شهباء ناجية يصر لجامها
قال له عبد الملك بن بشر بن مروان: كل شيء رأيت فهو عندي إلا البغلة، فإنها دهماء فارهة. امرأتي طالق ثلاثاً إن كنت رأيتها إلا دهماء. إلا أني غلطت.
الشيباني عن البطين الشاعر قال: قدمت على علي بن يحيى الأرميني فكتبت إليه:
رأيت في النوم أني راكب فرساً ... ولي وصيف وفي كفي دنانير
فقال قوم لهم حذق ومعرفة ... رأيت خيراً وللأحلام تعبير
رؤياك فسر غداً عند الأمير تجد ... تعبير ذاك وفي الفال التباشير
فجئت مستبشراً مستشعراً فرحاً ... وعند مثلك لي بالفعل تيسير
قال: فوقع لي في أسفل كتابي: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. ثم أمر لي بكل شيء ذكرته في أبياتي ورأيته في منامي.
وقال بشار العقيلي:
حتى متى ليت شعري يا بن يقطين ... أثني عليك بما لا منك توليني
أما علمت جزاك الله صالحة ... عني وزادك خيراً يا بن يقطين
أني أريدك للدنيا وزينتها ... ولا أريدك يوم الدين للدين
وقال آخر في مثل هذا المعنى:
يا بن العلاء ويا بن القرم مرداس ... إني لأطريك في أهلي وجلاسي
أثني عليك ولي حال تكذبني ... فيما أقول فاستحيي من الناس
حتى إذا قيل ما أعطاك من صفد ... طأطأت من سوء حالي عندها رأسي

الأخذ من الأمراء
حدثنا جعفر بن محمد عن يزيد بن سمعان عن عبد الله بن ثور عن عبد الحميد ابن وهب عن أبي الخلال، قال: سألت عثمان بن عفان عن جائزة السلطان، فقال: لحم طري زكي.
جعفر بن محمد بن يحيى بن محمد العامري عن المعتمر عن عمران بن حدير، قال: انطلقت أنا ورجل إلى عكرمة، فرأى الرجل عليه عمامة متخرفة. فقال الرجل: عندنا عمائم، ألا نبعث إليك بعمامة منها؟ قال عكرمة: إنا لا نقبل من الناس شيئاً، إنما نقبل من الأمراء.
وقال هشام بن حسان: رأيت على الحسن البصري خميصة لها أعلام يصلي فيها، أهداها إليه مسلمة بن عبد الملك.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس خفين أسودين أهداهما إليه النجاشي صاحب الحبشة.
وقال نافع: كان عبد الله بن عمر يقبل هدايا أهل الفتنة، مثل المختار وغيره.
ودخل مالك بن أنس على هارون الرشيد، فشكا إليه ديناً لزمه، فأمر له بألف دينار عين. فلما وضع يديه للقيام قال: يا أمير المؤمنين، وزوجت ابني محمداً فصار علي فيه ألف دينار. قال: ولابنه ألف دينار.
فلقد مات مالك وتركها زنته في مزوده.
وقال الأصمعي: حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: كان الربيع بن خثيم في ألف ومائة من العطاء، فكلم فيه أبي معاوية فألحقه بألفين. فلما حضر العطاء نودي الربيع بن خثيم، فقيل له: في ألفين، فقعد. فنظروا على اسمه مكتوباً: كلم فيه ابن يحيى بن طلحة أمير المؤمنين فألحقه بألفين.
وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: يا أبا إسحاق، كنت أريد أن تقبل مني هذه الجبة كسوة. قال: إن كنت غنياً قبلتها منك، وإن كنت فقيراً لم أقبلها منك. قال: فإن غني. قال: وكم مالك؟ قال: ألفا دينار. قال: فأنت تود أنها أربعة آلاف. قال: نعم. قال: فأنت فقير لا أقبلها منك.
وأمر إبراهيم بن الأغلب، المعروف بزيادة الله، بمال يقسم على الفقهاء، فكان منهم من قبل، ومنهم من لم يقبل. فكان أسد بن الفرات فيمن قبل، فجعل زيادة الله يغمص على كل من قبل منهم: فبلغ ذلك أسد ابن الفرات، فقال: لا عليه، إنما أخذنا بعض حقوقنا والله سائله عما بقي.
وقد فخرت العرب بأخذ جوائز الملوك، وكان من أشرف ما يتمولونه، فقال ذو الرمة:

وما كان مالي من تراث ورثته ... ولا دية كانت ولا كسب مأثم
ولكن عطاء الله من كل رحلة ... إلى كل محجوب السرادق خضرم
وقال آخر: يهجو مروان بن أبي حفصة ويعيبه بأخذه من العامة، ويفخر بأنه لا يأخذ إلا من الملوك، فقال:
عطايا أمير المؤمنين ولم تكن ... مقسمة من هؤلاء وأولئكا
وما نلت حتى شبت إلا عطية ... تقوم بها مصرورة في ردائكا

التفضيل في العطاء
تفضيل بعض الناس على بعض في العطاء
ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الفقراء، فقال: إن سعيد بن حذيم منهم. فأعطاه ألف دينار، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أعطيت فأغن.
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد من العرب فأعطاهم، وفضل رجلاً منهم. فقيل له في ذلك. كل القوم عيال عليه.
وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين المؤلفة قلوبهم فأعطى الأفرع ابن حابس التيمي وعيينة بن حصن الفزاري مائة من الإبل، وأعطى العباس ابن مرداس السلمي خمسين، فشق ذلك عليه، فقال أبياتاً، فأتاه بها وأنشده إياها، وهي:
أيذهب نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع
ولا كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت غير امرئ منهم ... ومن تضع اليوم لم يرفع
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: اقطع عني لسان العباس. فأعطاه حتى أرضاه.
وقال صفوان بن أمية: لقد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما خلق الله خلقاً أبعض إلي منه، فما زال يعطيني حتى ما خلق الله خلقاً أحب إلي منه. وكان صفوان بن أمية من المؤلفة قلوبهم.
شكر النعمة
سليمان التميمي قال: إن الله أنعم على عباده بقدر قدرته. وكلفهم من الشكر بقدر طاقتهم.
وقالوا: مكتوب في التوراة: اشكر لمن أنعم عليك وأنهم على من شكرك.
وقالوا: كفر النعمة يوجب زوالها، وشكرها يوجب المزيد فيها.
وقالوا: من حمدك فقد وفاك حق نعمتك.
وجاء في الحديث: من نشر معروفاً فقد شكره، ومن ستره فقد كفره.
وقال عبد الله بن عباس: لو أن فرعون مصر أسدى إلي يداً صالحة لشكرته عليها.
وقالوا: إذا قصرت يدك عن المكافأة. فليطل لسانك بالشكر.
وقالوا: ما نحل الله تعالى عباده شيئاً أقل من الشكر، واعتبر ذلك بقول الله عز وجل: " وقليل من عبادي الشكور " .
محمد بن صالح بن الواقدي قال: دخلت على يحيى بن خالد البرمكي، فقلت: إن هاهنا قوماً جاءوا يشكرون لك معروفاً، فقال: يا محمد، هؤلاء يشكرون معروفاً، فكيف لنا بشكر شكرهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنعم الله على عبده نعمة فرأى عليه أثرها إلا كتب: حبيب الله شاكراً لأنعمه، وما أنعم الله على عبده نعمة فلم ير أثرها عليه إلا كتب: بغيض الله كافراً لأنعمه.
وكتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز: إني بأرض كثرت فيها النعم، وقد خفت على من قبلي من المسلمين قلة الشكر والضعف عنه. فكتب إليه عمر رضي الله عنه: إن الله تعالى لم ينعم على قوم نعمة فحمدوه عليها إلا كان ما أعطوه أكثر مما أخذوا. واعتبر ذلك لقول الله تعالى: " ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا " . فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان.
وسمع النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها تنشد أبيات زهير بن جناب:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوماً فتدركه عواقب ما جنى
يجزيك أو يثني عليك فإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: صدق يا عائشة، لا شكر الله من لا يشكر الناس.
الخشنى قال: أنشدني الرياشي:
إذا أنا لم أشكر على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذمما
ففيم عرفت الخير والشكر باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما
وأنشدني في الشكر:
سأشكر عمراً ما تراخت منبتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقة ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت
قلة الكرام في كثرة اللئام

قال النبي صلى الله عليه وسلم: الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة.
وقالت الحكماء: الكرام في اللئام كالغرة في الفرس.
وقال الشاعر:
تفاخرني بكثرتها قريظ ... وقبلي والد الحجل الصقور
فإن أك في شراركم قليلاً ... فإني في خياركم كثير
بغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأم الصقر مقلات نزور
وقال السموأل:
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها عن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
وقال حبيب:
ولقد تكون ولا كريم نناله ... حتى نخوض إليه ألف لئيم
قال ابن أبي حازم:
وقالوا لو مدحت فتى كريماً ... فقلت وكيف لي بفتى كريم
بلوت ومر بي خمسون حولاً ... حسبك بالمجرب من عليم
فلا أحد يعد ليوم خير ... ولا أحد يعود على عديم
وقال دعبل:
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... والله يعلم أني لم أقل فندا
إن لأغلق عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن ما أرى أحد
وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول حبيب الطائي:
إن الجياد كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا
لا يدهمنك من دهمائهم عجب ... فإن جلهم أو كلهم بقر
وكلما أضحت الأخطار بينهم ... هلكي تبين من أضحى له خطر
لو لم تصادف شيات البهم أكثر ما ... في الخيل لم تحمد الأوضاح والغرر
الأصمعي قال: قال كسرى: أي شيء أضر؟ فأجمعوا على الفقر. فقال كسرى: الشح أضر منه، لأن الفقير يجد الفرجة فيتسع.
من جاد أولاً وضن آخراً
نزل أعرابي برجل من أهل البصرة، فأكرمه وأحسن إليه، ثم أمسك. فقال الأعرابي:
تسرى فلما حاسب المرء نفسه ... رأى أنه لا يستقر له السرو
وكان يزيد بن منصور يجري لبشار العقيلي وظيفة في كل شهر، ثم قطعها عنه فقال:
أبا خالد ما زلت سابح غمرة ... صغيراً فلما شبت خيمت بالشاطئ
جريت زماناً سابقاً ثم لم تزل ... تأخر حتى جئت تقطو مع القاطي
كسنور عبد الله بيع بدرهم ... صغيراً فلما شب بيع بقيراط
وقال مسلم بن الوليد صريع الغواني لمحمد بن منصور بن زياد:
أبا حسن قد كنت قدمت نعمة ... وألحقت شكراً ثم أمسكت وانيا
فلا ضير لم تلحقك مني ملامة ... أسأت بنا عوداً وأحسنت باديا
فأقسم لا أجزيك بالسوء مثله ... كفى بالذي جازيتني لك جازياً
وقال سليمان الأعمى، وهو أخو صريع الغواني، في سليمان بن علي:
يا سوءة يكبر الشيطان إن ذكرت ... منها العجائب جاءت من سليمانا
لا تعجبن بخير زل عن يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
من ضن أولاً ثم جاد آخراً
قدم الحارث بن خالد المخزومي على عبد الملك فلم يصله، فرجع وقال فيه:
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها
حبست عليك النفس حتى كأنما ... بكفيك يجري بؤسها ونعيمها
فبلغ قوله عبد الملك، فأرسل إليه فرده، وقال: أرأيت عليك غضاضة من مقامك ببابي؟ قال: لا، ولكني اشتقت إلى أهلي ووطني، ووجدت فضلاً من القول فقلت، وعلي دين لزمني. قال: وكم دينك؟ قال: ثلاثون ألفاً. قال: فقضاء دينك أحب إليك أم ولاية مكة؟ قال: بل ولاية مكة. فولاه إياها.
وقدم الحطيئة المدينة فوق إلى عتيبة بن النهاس العجلي فقال: أعطني. فقال: مالك عند فأعطيكه، وما في مالي فضل عن عيالي فأعود به عليك. فخرج عنه مغضباً. وعرفه به جلساؤه، فأمر برده، ثم قال له: يا هذا إنك وقفت إلينا فلم تستأنس ولم تسلم، وكتمتنا نفسك، كأنك الحطيئة؟ قال: هو ذلك. قال: اجلس، فلك عندما كل ما تحب. فجلس، فقال له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
من يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
يعني زهيراً: قال: ثم من؟ قال: الذي يقول:

من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
يعني عبيداً. قال: ثم من؟ قال: أنا.
فقال لوكيله: خذ بيد هذا فامض به إلى السوق، فلا يشيرن إلى شيء إلا اشتريته له. فمضى معه إلى السوق، فعرض عليه الخز والقز، فلم يتلفت إلى شيء منه وأشار إلى الأكسية والكرابيس الغلاظ والأقبية. فاشترى له منها حاجته، ثم قال: أمسك. قال: فإنه قد أمرني أن أبسط يدي بالنفقة قال: لا حاجة في أن يكون له على قومي يد أعظم من هذه، ثم أنشأ يقول:
سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلاً ... فسيان لا ذم عليك ولا حمد
وأنت امرؤ لا الجود منك سجية ... فتعطى وقد يعدى على النائل الوجد
من مدح أميراً فخيبه
قال سعيد بن سلم: مدحني أعرابي فأبلغ، فقال:
ألا قل لساري الليل لا تخش ضلة ... سعيد بن سلم نور كل بلاد
لنا سيد أربى على كل سيد ... جواد حثا في وجه كل جواد
قال: فتأخرت عنه قليلاً. فهجاني فأبلغ، فقال:
لكل أخي مدح ثواب علمته ... وليس لمدح الباهلي ثواب
مدحت سعيداً والمديح مهزة ... فكان كصفوان عليه تراب
ومدح الحسن بن رجاء أبا دلف فلم يعطه شيئاً، فقال:
أبا دلف ما أكذب الناس كلهم ... سواي فإني في مديحك أكذب
وقال آخر في مثل هذا المعنى:
إني مدحتك كاذباً فأثبتني ... لما مدحتك ما يثاب الكاذب
وقال آخر في مثل هذا المعنى:
لئن أخطأت في مدحي ... ك ما أخطأت في منعي
لقد أحللت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع
ومدح حبيب الطائي عياش بن لهيعة، وقدم عليه بمصر، واستسلفه مائتي مثقال. فشاور فيها زوجته، فقالت له: هو شاعر يمدحك اليوم، ويهجوك غداً، فاعتل عليه واعتذر إليه ولم يقض حاجته. فقال فيه:
عياش إنك للئيم وإنني ... مذ صرت موضع مطلبي للئيم
ثم هجاه حتى مات. وهجاه بعد موته، فقال فيه:
لا سقيت أطلالك الدائرة ... ولا انقضت عثرتك العاثرة
يا أسد الموت تخلصته ... من بين فكي أسد القاصرة
ما حفرة واراك ملحودها ... ببرة الرمس ولا طاهره
ومن قولنا في هذا المعنى، وسألت بعض موالي السلطان إطلاق محبوس فتلكأ فيه، فقلت:
حاشا لمثلك أن يفك أسيرا ... أو أن يكون من الزمان مجيرا
لبست قوافي الشعر فيك مدارعاً ... سوداً وصكت أوجهاً وصدورا
علا عطفت برحمة لما دعت ... ويلاً عليك مدائحي وثبورا
لو أن لؤمك عاد جوداً عشره ... ما كان عندك حاتم مذكورا
قال: ومدح ربعة الرقي يزيد بن حاتم الأزدي، وهو والي مصر فاستبطأه ربيعة. فشخص عنه من مصر وقال:
أراني ولا كفران الله راجعاًبخفي حنين من نوال ابن حاتم
فبلغ قوله يزيد بن حاتم. فأرسل في طلبه، فرد إليه. فلما دخل عليه قال له: أنت القائل:
أراني ولا كفران الله راجعاً
قال: نعم؛ قال: فهل قلت غير هذا؟ قال: لا والله؛ قال: لترجعن بخفي حنين مملوءة مالاً. فأمر بخلع نعليه وملئت له مالاً. فقال فيه لما عزل عن مصر وولي يزيد بن أسيد السلمي مكانه:
بكى أهل مصر بالدموع السواجم ... غداة غدا منها الأغر ابن حاتم
وفيها يقول:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم
فهم الفتى الأزدي إنفاق ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم

أجود أهل الجاهلية
الذين انتهي إليهم الجود في الجاهلية ثلاثة نفر: حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، وهرم بن سنان المري، وكعب بن مامة الإيادي.
ولكن المضروب به المثل: حاتم وحده، وهو القائل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد ناراً في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضل الطريق ليلاً فيصمد نحوه، فقال في ذلك:
أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح ما موقد ريح صر
عسى يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفاً فأنت حر

ومر حاتم في سفره على عنزة، وفيهم أسير. فاستغاث بحاتم ولم يحضره فكاكه، فاشتراه من العنزيين وأطلقه، وأقام مكانه في القيد حتى أدى فداءه.
وقالوا: لم يكن حاتم ممسكاً شيئاً ما عدا فرسه وسلاحه، فإن كان لا يجود بهما.
وقالت نوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء، وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها فما تبض بقطرة، وحلقت ألسنة المال وأيقنا بالهلاك. فوالله إنا لفي ليلة صنبر، بعيدة ما بين الطرفين، إذا تضاغى صبيتنا جوعاً، عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد؛ فقال: من هذا؟ قالت: إلا عليك يا أبا عدي. فقال. أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم. فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي جانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها. فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر، ثم كشطه عن جلده، ودفع المدية إلى المرأة، فقال لها: شأنك. فاجتمعنا على اللحم نشوي بالنار، ثم جعل يمشي في الحي يأتيهم بيتاً بيتاً، فيقول: هبوا أيها القوم عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع في ثوبه ناحية ينظر إلينا، فلا والله إن ذاق منه مزعه، وإنه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول:
مهلاً نوار أقل اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلاً وإن كنت أعطى الإنس والخبلا
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
ورئي حاتم يوماً يضرب ولده لما رآه يضرب كلبة كانت تدل عليه أضيافه، وهو يقول:
أقول لابني وقد سطت يديه ... بكلبة لا يزال يلدها
أوصيك خيراً بها فإن لها ... عندي يداً لا أزال أحمدها
تدل ضيفي علي في غلس ال ... ليل إذا النار نام موقدها
ذكرت طبئ عند عدي بن حاتم: أن رجلاً يعرف بأبي الخيبري مر بقبر حاتم فنزل به وجعل ينادي: أبا عدي، أقر أضيافك. قال: فيقال له: مهلاً ما تكلم من رمة بالية؟ فقال: إن طيئاً يزعمون أنه لم ينزل به أحد إلا قراه، كالمستهزئ. فلما كان في السحر وثب أبو خيبري يصيح: وا راحلتاه! فقال له أصحابه: ما شأنك؟ قال: خرج والله حاتم بالسيف حتى عقر ناقتي وأنا أنظر إليها. فتأملوا راحلته فإذا هي لا تنبعث، فقالوا: قد والله أقراك. فنحروها وظلوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه وانطلقوا. فبينما هم في مسيرهم إذ طلع عليهم عدي بن حاتم ومعه جمل قد قرنه ببعيره، فقال: إن حاتماً جاء في النوم فذكر لي قولك وأنه أقراك وأصحابك راحلتك وقال لي أبياتاً رددها علي حتى حفظتها وهي:
أبا الخيبري وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتامها
فماذا أردت إلى رمة ... بداوية صخب هامها
أتبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وأنعامها
وإنا لنطعم أضيافنا ... من الكوم بالسيف نعتامها
وأمرني بدفع راحلة عوض راحلتك فخذها، فأخذها ولحاتم بن عبد الله أيضاً:
أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنا عن طلابكم العذر
أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً حل في مالي النذر
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
تري أن ما أنفقت لم يك ضرني ... وأن يدي مما بخلت به صفر
إذا أنا دلاني الذين يلونني ... بمظلمة لج جوانبها غبر
وراحوا سراعاً ينفضون أكفهم ... يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر
أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله سكر وآخره ذكر

وقد يعلم الأقوام لو أن حاتماً ... أراد ثراء المال كان له وفر
فإن وجدي رب واحد أمه ... أجرت فلا قتل عليه ولا أسر
ولا أظلم بن العم إن كان إخوتي ... شهوداً وقد أودى بإخوته الدهر
غنينا زماناً بالتصعلك والغنى ... وكلاً سقاناه بكاسيهما الدهر
فما زادنا بأواً على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر
وأما هرم بن سنان فهو صاحب زهير الذي يقول فيه:
متى تلاق على علاته هرماً ... تلق السماحة في خلق وفي خلق
وكان سنان أبو هرم سيد غطفان، وماتت أمه وهي حامل به، وقالت: إذا أنا مت فشقوا بطني فإن سيد غطفان فيه. فلما ماتت شقوا بطنها فاستخرجوا منه سناناً.
وفي بني سنان يقول زهير:
قوم أبوهم سنان حين تنبسهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
جن إذا فزعوا إنس إذا أمنوا ... مرزءون بهاليل إذا قصدوا
محسدون على كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ما له حسدوا
وقال زهير في هرم بن سنان:
وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب نوائله
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أخور ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يتلف المال نائله
أخذ الحسن بن هانئ هذا المعنى فقال:
فتى لا تغول الخمر شحمة ماله ... ولكن أياد عود وبوادي
وقال زهير في هرم بن سنان وأهل بيته:
إليك أعملتها فتلا مرافقها ... شهرين يجهض من أرحامها العلق
حتى دفعن إلى حلو شمائله ... كالغيث ينبت في آثاره الورق
من أهل بيت برى ذو العرش فضلهم ... يبنى لهم في جنان الخلد مرتفق
المطعمون إذا ما أزمة أزمت ... والطيبون ثياباً كلما عرقوا
كأن آخرهم في الجود أولهم ... إن الشمائل والأخلاق تتفق
إن قامروا أو فاخروا فخروا ... أو ناضلوا نضلوا أو سابقوا سبقوا
تنافس الأرض موتاهم إذا دفنوا ... كما تنوفس عند الباعة الورق
وقال فيهم أيضاً:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
على مكثريهم حق من يعتفيهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
فما كان من خير ألوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطى إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل
وأما كعب بن مامة الإيادي، فلم يأت عنه إلا ما ذكر من إيثاره رفيقه النمري بالماء حتى مات عطشاً ونجا النمري، وهذا أكثر من كل ما أثني لغيره.
وله يقول حبيب:
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقص غاية الجود
وله ولحاتم الطائي يقول:
كعب وحاتم اللدان تقسما ... خطط العلا من طارف وتليد
هذا الذي خلف السجاب ومات ذا ... في المجد ميتة خضرم صنديد
إلا يكن فيها الشهيد فقومه ... لا يسمحون به بألف شهيد

أجواد أهل الإسلام
وأما أجواد أهل الإسلام فأحد عشر رجلاً في عصر واحد لم يكن قبلهم ولا بعدهم مثلهم.
فأجواد الحجاز ثلاثة في عصر واحد: عبيد الله بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص.
وأجواد البصرة خمسة في عصر واحد، وهم: عبد الله بن عامر بن كريز وعبيد الله بن أبي بكرة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسلم بن زيادة، وعبيد الله بن معمر القرشي، ثم التمي، وطلحة الطلحات، وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وله يقول الشاعر يرثيه، ومات بسجستان وهو وال عليها:
نضر الله أعظماً دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات
وأجواد أهل الكوفة ثلاثة في عصر واحد، وهم: عتاب بن ورقاء الرياحي، وأسماء بن خارجة الفزاري، وعكرمة بن ربعي الفياض.
جود عبيد الله بن عباس

أنه أول من فطر جيرانه، وأول من وضع الموائد على الطرق، وأول من حيا على طعامه، وأول من أنهبه، وفيه يقول شاعر المدينة:
وفي السنة الشهباء أطعمت حامضاً ... وحلواً ولحماً تامكا وممزعا
وأنت ربيع لليتامى وعصمة ... إذ المحل من جو السماء تطلعا
أبوك أبو الفضل الذي كان رحمة ... وغوثاً ونوراً للخلائق أجمعا
ومن جوده: أنه أتاه رجل وهو بفناء داره، فقام بين يديه فقال: يا بن عباس، إن لي عندك يداً، وقد احتجت إليها. فصعد فيه بصره وصوبه، فلم يعرفه، ثم قال له: ما يدك عندنا؟ قال رأيتك واقفاً بزمزم وغلامك يمتح لك من مائها، والشمس قد صهرتك، فظللتك بطرف كسائي حتى شربت قال: إني لأذكر ذلك، وإنه يتردد بين خاطري وفكري، ثم قال لقيمه: ما عندك؟ قال: مائتا دينار وعشرة آلاف درهم؛ قال فادفعها إليه وما أراها تفي بحق يده عندنا. فقال له الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيه ما كفاه فكيف وقد ولد سيد الأولين والآخرين محمداً صلى الله عليه وسلم، ثم شفعه بك وبأبيك.
ومن جوده أيضاً: أن معاوية حبس عن الحسين بن علي صلاته حتى ضاقت عليه حاله. فقيل له: لو وجهت إلى ابن عمك عبيد الله، فإن قد قدم بنحو من ألف ألف درهم. فقال الحسين: وأين تقع ألف ألف من عبيد الله، فوالله لهو أجود من الريح إذا عصفت، وأسخى من البحر إذا زخر. ثم وجه إليه مع رسوله بكتاب ذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق حاله، وأنه يحتاج إلى مائة ألف درهم. فلما قرأ عبيد الله كتابه، وكان من أرق الناس قلباً وألينهم عطفاً، انهملت عيناه، ثم قال: ويلك يا معاوية مما اجترحت يداك من الإثم أصبحت حين لين المهاد، رفيع العماد، والحسين يشكو ضيق الحال، وكثرة العيال، ثم قال لقهرمانه: احمل إلى الحسين نصف ما أملكه من فض وذهب وثوب ودابة، وأخبره أني شاطرته مالي، فإن أقنعه ذلك وإلا فارجع واحمل إليه الشطر الآخر؛ فقال له القيم: فهذه المؤن التي عليك من أين تقوم بها؟ قال: إذا بلغنا ذلك دللتك على أمر يقيم حالك. فلما أتى الرسول برسالته إلى الحسين، قال: إنا الله حملت والله على ابن عمي وما حسبته يتسع لنا بهذا كله؛ فأخذ الشطر من ماله. وهو أول من فعل ذلك في الإسلام.
ومن جوده: أن معاوية بن أبي سفيان أهدى إليه وهو عنده بالشام من هدايا النيروز حللاً كثيرة ومسكاً وآنية من ذهب وفضة ووجهها مع حاجبه، فلما وضعها بين يديه نظر إلى الحاجب وهو ينظر إليها، فقال: هل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم والله، إن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف عليهما السلام؛ فضحك عبيد الله، وقال: فشأنك بها فهي لك. قال: جعلت فداك، أخاف أن يبلغ ذلك معاوية فيجد علي. قال: فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن فإذا حان خروجنا حملها إليك ليلاً. فقال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم أكثر من الكرم ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه - يعني معاوية - فظن عبيد الله أنها مكيدة منه، قال: دع عنك هذا الكلام فإنا قوم نفي بما وعدنا، ولا ننقض ما أكدنا.
ومن جوده أيضاً: أنه أتاه سائل وهو لا يعرفه، فقال له: تصدق، فإني نبئت أن عبيد الله بن عباس أعطى سائلاً ألف درهم واعتذر إليه؟ فقال له: وأين أنا من عبيد الله؟ قال أين أنت منه في الحسب أم كثرة المال؟ قال: فيهما؛ قال: أما الحسب في الرجل، فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت، وإذا فعلت كنت حسيباً، فأعطاه ألفي درهم واعتذر له من ضيق الحال؛ فقال له السائل: إن لم تكن عبد الله بن عباس فأنت خير منه، وإن كنت هو فأنت اليوم خير منك أمس؛ فأعطاه ألفاً أخرى. فقال السائل: هذه هزة كريم حسيب، والله لقد نقرت حبة قلبي فأفرغتها في قلبك، فما أخطأت إلا باعتراض الشك بين جوانحي.
ومن جوده أيضاً: أنه جاءه رجل من الأنصار فقال: يا بن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه ولد لي في هذه الليلة مولود، وإني سميته باسمك تبركاً مني به، وإن أمه ماتت.

فقال عبيد الله: بارك الله لك في الهبة وأجزل لك الأجر على المصيبة، ثم دعا بوكيله، فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه، وادفع إليه مائتي دينار للنفقة على تربيته، ثم قال للأنصاري: عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش يبس وفي المال قلة. قال الأنصاري: لو سبقت حاتماً بيوم واحد ما ذكرته العرب أبداً، ولكنه سبقك، فصرت له تالياً، وأنا أشهد أن عفوك أكثر من مجهوده، وكل كرمك أكثر من وابله.

جود عبد الله بن جعفر
ومن جود عبد الله بن جعفر أن عبد الرحمن بن أبي عمار دخل على نخاس يعرض قياناً له، فعلق واحدة منهن، فشهر بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه، فكان جوابه أن قال:
يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أم وقعا
فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر، فلم يكن له هم غيره، فحج فبعث إلى مولى الجارية، فاشتراها منه بأربعين ألف درهم، وأمر قيمة جواريه أن تزينها وتحليها، ففعلت. وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه، فقال: مالي لا أرى ابن أبي عمار زارنا! فأخبر الشيخ، فأتاه مسلماً. فلما أراد أن ينهض استجلسه ثم قال: ما فعل حب فلانة؟ قال: في اللحم والدم والمخ والعصب. قال: أتعرفها لو رأيتها؟ قال: لو أدخلت الجنة لم أنكرها فأمر بها عبد الله أن تخرج إليه وقال له: إنما اشتريتها لك، ووالله ما دنوت منها، فشأنك بها، مباركاً لك فيها. فلما ولى، قال يا غلام، احمل معه مائة ألف درهم ينعم بها معها. قال: فبكى عبد الرحمن فرحاً، وقال: يا أهل البيت، لقد خصكم الله بشرف ما خص به أحداً قبلكم من صلب آدم، فتهنئكم هذه النعمة، وبورك لكم فيها.
ومن جوده أيضاً: أنه أعطى امرأة سألته مالاً عظيماً. فقيل له: إنها لا تعرفك. وكان يرضيها اليسير. قال: إن كان يرضيها اليسير فإني لا أرضى بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
جود سعيد بن العاص
ومن جود سعيد بن العاص: أنه مرض وهو بالشام، فعاده معاوية ومعه شرحبيل بن السمط ومسلم بن عقبة المري، ويزيد بن شجرة الرهاوي، فلما نظر سعيد معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظاماً لمعاوية، فقال له معاوية: أقسمت عليك أبا عثمان أن لا تتحرك، فقد ضعفت بالعلة. فسقط، فتبادر معاوية نحوه حتى حنا عليه وأخذه بيده، فأقعده على فراشه وقعد معه، وجعل يسائله عن علته ومنامه وغذائه، ويصف له ما ينبغي أن يتوقاه، وأطال القعود معه. فلما خرج التفت إلى شرحبيل بن السمط، ويزيد بن شجرة، فقال: هل رأيتما خللا في مال أبي عثمان؟ فقالا: ما رأينا شيئاً ننكره. فقال لمسلم بن عقبة: ما تقول؟ قال: رأيت. قال: وما ذاك؟ قال: رأيت على حشمه ومواليه ثياباً وسخة ورأيت صحن داره غير مكنوس، ورأيت التجار يخاصمون قهرمانه. قال: صدقت، كل ذلك قد رأيته فوجه إليه مع مسلم بثلاثمائة ألف. فسبق رسول يبشره بها ويخبره بما كان، فغضب سعيد وقال للرسول: إن صاحبك ظن أنه أحسن فأساء، وتأول فأخطأ. فأما وسخ ثياب الحشم فمن كثرة حركته اتسخ ثوبه؛ وأما كنس الدار فليست أخلاقنا أخلاق من جعل داره مرآته، وتزينه لبسه، ومعروفه عطره، ثم لا يبال بمن مات هزلاً من ذي لحمة أو حرمة. وأما منازعة التجارة قهرماني، فمن كثرة حوائجه وبيعه وشرائه لم يجد بداً من أن يكون ظالماً أو مظلوماً؛ وأما المال الذي أمر به أمير المؤمنين، فوصلته كل ذي رحم قاطعة، وهنأته كرامته المنعم بها عليه، وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمائة ألف، ولشرحبيل بن السمط بمثلها، وليزيد بن شجرة بمثلها، وفي سعة الله وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه معولنا.
فركب مسلم بن عقبة إلى معاوية فأعلمه. فقال: صدق ابن عمي فيما قال، وأخطأت فيما انتهيت إليه، فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك، فإنه من جنى جناية عوقب بمثلها، كما أنه فعل خيراً كوفئ عليه.

ومن جوده أيضاً: أن معاوية كان يداول بينه وبين مروان بن الحكم في ولاية المدينة، فكان مروان يقارضه. فلما دخل على معاوية قال له: كيف تركت أبا عبد الملك؟ - يعني مروان - قال: تركته منفذاً لأمرك، مصلحاً لعملك. قال معاوية: إنه كصاحب الخبزة كفى إنضاجها فأكلها. قال: كلا يا أمير المؤمنين، إنه من قوم لا يأكلون إلا ما حصدوا. ولا يحصدون إلى ما زرعوا. قال: فما الذي باعد بينك وبينه؟ قال: خفته على شرفي وخافني على مثله. قال: فأي شيء كان له عندك؟ قال: أسوءه حاراً وأسره غائباً. قال: يا أبا عثمان، تركتنا في هذه الحروب. قال: حملت الثقل وكفيت الحزم. قال: فما أبطأ بك؟ قال: غناك عني أبطأني عنك. وكنت قريباً، لو دعوت لأجبناك، ولو أمرت لأطعناك. قال: ذلك ظننا بك. فأقبل معاوية على أهل الشام، فقال يا أهل الشام هؤلاء قومي وهذا كلامهم. ثم قال: أخبرني عن مالك، فقد نبئت أنك تتجر فيه. قال: يا أمير المؤمنين، لنا مال يخرج لنا منه فضل، فإذا كان ما خرج قليلاً أنفقناه على قلته، وإن كان كثيراً فكذلك، غير أنا لا ندخر منه شيئاً عن معسر، ولا طالب، ولا مستحمل، ولا نستأثر منه بفلذة لحم، ولا مزعة شحم. قال: فكم يدوم لك هذا؟ قال: من السنة نصفها. قال: فما تصنع باقيها؟ قال: نجد من يسلفنا ويسارع إلى معاملتنا. قال: ما أحد أحوج إلى أن يصلح من شأنه منك. قال: إن شأننا لصالح يا أمير المؤمنين، ولو زدت في مالي مثله ما كنت إلا بمثل هذه الحال. فأمر له معاوية بخمسين ألف درهم، وقال: اشتر بها ضيعة تعينك على مروءتك. فقال سعيد: بل أشتري بها حمداً وذكراً باقياً، أطعم بها الجائع، وأزوج بها الأيم، وأنك بها العاني؛ وأواسي بها الصديق، وأصلح بها حال الجار. فلم تأت عليه ثلاثة أشهر وعنده منها درهم. فقال معاوية: ما فضيلة بعد الإيمان بالله هي أرفع في الذكر ولا أنبه في الشرف، من الجود، وحسبك أن الله تبارك وتعالى جعل الجود أحد صفاته.
ومن جوده أيضاً ما حكاه الأصمعي، قال: كان سعيد بن العاص يسمر معه سماره إلى أن ينقضي حين من الليل، فانصرف عنه القوم ليلة ورجل قاعد لم يقم. فأمر سعيد بإطفاء الشمعة وقال: حاجتك يا فتى؟ فذكر أن عليه ديناً أربعة آلاف درهم، فأمر له بها. وكان إطفاؤه للشمعة أكثر من عطائه.

جود عبيد الله بن أبي بكرة
ومن جود عبيد الله بن أبي بكرة: أنه أدلى إليه رجل بحرمة، فأمر له بمائة ألف درهم. فقال: أصلحك الله، ما وصلني أحد بمثلها قط. ولقد قطعت لساني عن شكر غيرك، وما رأيت الدنيا في يد أحد أحسن منها في يدك، ولولا أنت لم تبق لها بهجة إلا أظلمت ولا نور إلا انطمس.
جود عبيد الله بن معمر
القرشي التيمي
ومن جود عبيد الله بن معمر القرشي: أن رجلاً أتاه من أهل البصرة كانت له جارية نفيسة قد أدبها بأنواع الأدب حتى برعت وفاقت في جميع ذلك، ثم إن الدهر قعد بسيدها ومال عليه. وقدم عبيد الله بن معمر البصرة من بعض وجوهه فقالت لسيدها: إني أريد أن أذكر لك شيئاً أستحي منه، إذ فيه جفاء مني، غير أن يسهل ذلك علي ما أرى من ضيق حالك، وقلة مالك وزوال نعمتك، وما أخافه عليك من الاحتياج، وضيق الحال، وهذا عبيد الله بن معمر قدم البصرة، وقد علمت شرفه وفضله وسعة كفه وجود نفسه، فلو أذنت لي فأصلحت من شأني، ثم تقدمت بي إليه وعرضتني عليه هدية، رجوت أن يأتيك من مكافأته ما يقيلك الله به وينهضك إن شاء الله. قال فبكى وجداً عليها وجزعاً لفراقها منه، ثم قال لها: لولا أنك نطقت بهذا ما ابتدأتك به أبداً. ثم نهض بها حتى أوقفها بين يدي عبيد الله، فقال: أعزك الله، هذه جارية ربيتها ورضيت بها لك فاقبلها مني هدية. فقال: مثلي لا يستهدي من ملك، فهل لك في بيعها، فأجزل لك الثمن عليها حتى ترضى؟ قال: الذي تراه. قال: يقنعك مني عشرة بدر، في كل بدرة عشرة آلاف درهم؟ قال: والله يا سيدي ما امتد أملي إلى عشر ما ذكرت، ولكن هذا فضلك المعروف، وجودك المشهور. فأمر عبيد الله بإخراج المال حتى صار بين يدي الرجل وقبضه، وقال للجارية: ادخلي الحجاب. فقال سيدها: أعزك الله لو أذنت لي في وداعها؟ قال: نعم. فوقفت وقام، وقال لها وعيناه تدمعان:
أبوح بحزن من فراقك موجع ... أقاسي به ليلاً يطيل تفكري

ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
عليك سلام لا زيادة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
قال عبيد الله بن معمر: قد شئت ذلك، فخذ جاريتك، وبارك الله لك في المال. فذهب بجاريته وماله، فعاد غنياً.
فهؤلاء أجواد الإسلام المشهورون في الجود المنسوبون إليه، وهم أحد عشر رجلاً كما ذكرنا وسمينا، وبعدهم طبقة أخرى من الأجواد، قد شهروا بالجود وعرفوا بالكرم، وحمدت أفعالهم. وسنذكر ما أمكننا ذكره منها إن شاء الله تعالى.

الطبقة الثانية من الأجواد
الحكم بن حنطب
قيل لنصيب بن رباح: خرف شعرك أبا محجن؛ قال: لا، ولكن خرف الكرم، لقد رأيتني ومدحت بن حنطب، فأعطاني ألف دينار ومائة ناقة وأربعمائة شاة.
وسأل أعرابي الحكم بن حنطب، فأعطاه خمسمائة دينار فبكى الأعرابي فقال: ما يبكيك يا أعرابي؟ لعلك استقللت ما أعطيناك؟ قال: لا والله، ولكني أبكي لما تأمل الأرض منك، ثم أنشأ يقول:
وكأن آدم حين حان وفاته ... أوصاك وهو يجود بالحوباء
ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء
العتبي قال: أخبرني رجل من أهل منبج، قال: قدم علينا الحكم بن حنطب، وهو مملق فأغنانا. قال: كيف أغناكم وهو مملق؟ قال: علمنا المكارم فعاد غنينا على فقيرنا.
معن بن زائدة
وكان يقال فيه: حدث عن البحر ولا حرج، وحدث عن معن ولا حرج. وأتاه رجل يسأله أن يحمله، فقال: يا غلام، أعطه فرساً وبرذوناً وبغلاً وعيراً وبعيراً وجارية، وقال: لو عرفت مركوباً غير هؤلاء لأعطيتك.
العتبي قال: لما قدم معن بن زائدة البصرة واجتمع إليه الناس، أتاه مروان بن أبي حفصة أخذ بعضادتي الباب، فأنشده شعره الذي قال فيه:
فما أحجم الأعداء عنك بقية ... عليك ولكن لم يروا فيك مطمعا
له راحتان الحتف والجود فيهما ... أبى الله إلا أن يضر وينفعا
يزيد بن المهلب
وكان هشام بن حسان إذ ذكره قال: والله إن كانت السفن لتجري في جوده.
وقيل ليزيد بن المهلب: مالك لا تبني داراً؟ قال: منزلي دار الإمارة أو الحبس.
ولما أتى يزيد بن عبد الملك برأس يزيد بن المهلب نال منه بعض جلسائه، فقال له: مه! إن يزيد بن المهلب طلب جسيماً، وركب عظيماً، ومات كريماً.
ودخل الفرزدق على يزيد بن المهلب في الحبس فأنشده:
صح في قيدك السماحة والجو ... د وفك العناة والإفضال
قال: أتمدحني وأنا في هذه الحال؟ قال: أصبتك رخيصاً فاشتريتك. فأمر له بعشرة آلاف.
وقال سليمان بن عبد الملك لموسى بن نصير: اغرم ديتك خمسين مرة. قال: ليس عندي ما أغرم. قال: والله لتغر من ديتك مائة مرة. قال يزيد بن المهلب: أنا أغرمها عنه يا أمير المؤمنين. قال: اغرم، فغرمها عنه مائة ألف.
العتبي قال: أخبرني عوانة قال:

استعمل الوليد بن عبد الملك عثمان بن حيان المري على المدينة وأمره بالغلظة على أهل الظنة، فلما استخلف سليمان أخذه بألفي ألف درهم. فاجتمعت القيسية في ذلك، فتحملوا شطرها وضاقوا ذرعاً بالشطر الثاني، ووافق ذلك استعمال سليمان يزيد بن المهلب على العراق. فقال عمر بن هبيرة: عليكم بيزيد بن المهلب فما لها أحد غيره. فتحملوا إلى يزيد وفيهم عمر بن هبيرة، والقعقاع بن حبيب، والهذيل بن زفر بن الحارث، وانتهوا إلى رواق يزيد. قال يحيى بن أقتل - وكان حاجباً ليزيد بن المهلب، وكان رجلاً من الأزد - : فاستأذنت لهم، فخرج يزيد إلى الرواق فقرب ورحب، ثم دعاء بالغداء، فأتوا بطعام، ما أنكروا منه أكثر مما عرفوا. فلما تغدوا، تكلم عثمان بن حيان وكان لساناً مفوهاً وقال: زادك الله في توفيقك أيها الأمير، إن الوليد بن عبد الملك وجهني إلى المدينة عاملاً عليها، وأمرني بالغلظة على أهل الظنة وصخذ عليهم، وإن سليمان أغرمني غرماً، والله ما يسعه مالي ولا تحمله طاقتي، فأتيناك لتحمل من هذا المال ما خف عليك، وما بقي والله ثقيل علي. ثم تكلم كل منهم بما حضره، وقد اختصرنا كلامهم، فقال يزيد بن المهلب: مرحباً بكم وأهلاً، إن خير المال ما قضيت فيه الحقوق، وحملت به المغارم. وإنما لي من المال ما فضل عن إخواني، وأيم الله، لو علمت أن أحداً أملأ بحاجتكم مني لهديتكم إليه، فاحتكموا وأكثروا. فقال عثمان بن حيان: النصف، أصلح الله الأمير. قال: نعم وكرامة، اغدوا على مالكم فخذوه. فشكروا له وقاموا فخرجوا. فلما صاروا على باب السرادق، قال عمر بن هبيرة: قبح الله رأيكم، والله ما يبالي يزيد أنصفها تحمل أم كلها، فمن لكم بالنصف الباقي؟ قال القوم: هذا والله لرأي. وسمع يزيد مناجاتهم، فقال لحاجبه: انظر يا يحيى إن كان بقي على القوم شيء فليرجعوا. فرجعوا إليه. وقالوا: أقلنا. قال: قد فعلت. قالوا: فإن رأيت أن تحملها كلها فأنت أهلها، وإن أبيت فما لها أحد غيرك. قال: قد فعلت. وغدا يزيد بن المهلب إلى سليمان. فقال: يا أمير المؤمنين أتاني عثمان بن حيان وأصحابه، قال: أمسك في المال؟ قال: نعم. قال سليمان: والله لآخذنه منهم. قال يزيد: إني قد حملته. قال: فأده. قال يزيد: والله ما حملته إلا لأؤديه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن هذه الحمالة وإن عظم خطبها، فحمدها والله أعظم منها، ويدي مبسوطة بيدك. فابسطها لسؤالها. ثم غدا يزيد بالمال على الخزان فدفعه إليهم. فدخلوا على سليمان فأخبروه بقبض المال. فقال: وفت يمين سليمان، احملوا إلى أبي خالد ماله: فقال عدي ابن الرقاع العاملي:
والله علينا من رأى كحمالة ... تحملها كبش العراق يزيد
الأصمعي قال: قدم على يزيد بن المهلب قوم من قضاعة من بني ضنة، فقال رجل منهم:
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتنا التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فأمر له بألف دينار. فلما كان في العام المقبل وفد عليه فقال:
مالي أرى أبوابهم مهجروة ... وكأن بابك مجمع الأسواق
حابوك أما هابوك أم شاموا الندى ... بيديك فاجتمعوا من الآفاق
إني رأيتك للمكارم عاشقاً ... والمكرمات قليلة العشاق
فأمر له بعشر آلاف درهم.
ومر يزيد بن المهلب في طريق البصرة بأعرابية فأهدت إليه عنزاً فقبلها، وقال لابنه معاوية: معاوية: ما عندك من نفقة؟ قال: ثمانمائة درهم. قال: ادفعها إليها. قال: إنها لا تعرفك ويرضيها اليسير. قال: إن كانت لا تعرفني، فأنا أعرف نفسي، وإن كان يرضيها اليسير، فأنا لا أرضى إلا بالكثير.

يزيد بن حاتم
وكتب إليه رجل يستوصله، فبعث إليه ثلاثين ألف درهم، وكتب إليه: أما بعد، فقد بعثت إليك بثلاثين ألفاً لا أكثرها امتناناً، ولا أقللها تجبراً، ولا أستثنيك عليها ثناءً، ولا أقطع لك بها رجاء، والسلام.
وكان ربيعة الرقى قد قدم مصر فأتى يزيد بن حاتم الأزدي، فلم يعطه شيئاً، فخرج وهو يقول:
أراني ولا كفران الله راجعاًبخفي حنين من نوال ابن حاتم

فسأل عنه يزيد، فأخبر أنه قد خرج، وقال كذا، وأنشد البيت؛ فأرسل في طلبه، فأتي به فقال: كيف قلت؟ فأنشده البيت. فقال: شغلنا عنك. ثم أمر بخفيه فخلعتا من رجليه وملئتا مالاً، وقال: ارجع بها بدلاً من خفي حنين. فقال فيه لما عزل عن مصر وولي مكانه يزيد بن أسيد.
بكى أهل مصر بالدموع السواجم ... غداة غدا منها الأغر ابن حاتم
وفيها يقول:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
وخرج إليه رجل من الشعراء يمدحه، فلما بلغ مصر وجده قد مات، فقال فيه:
لئن مصر فاتتني بما كنت أرتجي ... وأحلفني منها الذي كنت آمل
فما كل ما يخشى الفتى بمصيبه ... ولا كل ما يرجو الفتى هو نائل
وما كان بيني لو لقيتك سالماً ... وبين الغنى إلا ليال قلائل

أبو دلف
واسمه القاسم بن إسماعيل، وفيه يقول علي بن جبلة:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين مبداه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
وقال فيه رجل من شعراء الكوفة:
الله أجرى من الأرزاق أكثرها ... على العباد على كفى أبي دلف
بارى الرياح فأعطى وهي جارية ... حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف
ما خط لا كاتباه في صحيفته ... يوماً كما خط لا في سائر الصحف
فأعطاه ثلاثين ألفاً.
ومدحه آخر فقال له:
يشبهه الرعد إذا الرعد رجف ... كأنه البرق إذا البرق خطل
كأنه الموت إذا الموت أزف ... تحمله إلى الوغى الخيل القطف
إن سار سار المجد أو حل وقف ... انظر بعينيك إلى أسنى الشرف
هل ناله بقدرة أو بكلف ... خلق من الناس سوى أبي دلف
فأعطاه خمسين ألفاً.
أخبار معن بن زائدة
قال شراحيل بن معن بن زائدة: حج هارون الرشيد وزميله أبو يوسف القاضي، وكنت كثيراً ما أسايره، إذ عرض له أعرابي من بني أسد فأنشده شعراً مدحه فيه وأفرط؛ فقال له هارون: ألم أنهك عن مثل هذا في مدحك يا أخا بني أسد؟ إذا قلت فينا فقل كقول القائل في أب هذا:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول
وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا إن أعطوا أطابوا وأجزلوا
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وأن أعطوا أطابوا وأجزلوا
خالد بن عبد الله القسري
وهو الذي يقول فيه الشاعر:
إلى خالد حتى أنحن بخالد ... فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمل
بينما خالد بن عبد الله القسري جالس في مظلة له إذ نظر إلى أعرابي يخب به بعيره مقبلاً نحوه، فقال لحاجبه: إذا قدم فلا تحجبه. فلما قدم أدخله عليه فلم وقال:
أصلحك الله قل ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا
أناخ دهر ألقى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا
فقال خالد: أرسلوك وانتظروا؟ والله لا تنزل حتى تنصرف إليهم بما يسرهم، وأمر له بجائزة عظيمة وكسوة شريفة.
عدي بن حاتم
دخل عليه ابن دارة فقال: إني مدحتك؟ قال: أمسك حتى آتيك بمالي، ثم امدحني على حسبه، فإني أكره ألا أعطيك ثمن ما تقول، لي ألف شاة وألف درهم وثلاثة أعبد وثلاث إماء وفرسي هذا حبس في سبيل الله، فامدحني على حسب ما أخبرتك. فقال:
تحن قلوصى في معد وإنما ... تلاقي الربيع في ديار بني ثعل
وأبقى الليالي من عدي بن حاتم ... حساماً كنصل السيف سل من الخلل

أبوك جواد لا يشق غباره ... وأنت جواد ما تعذر بالعلل
فإن تتقوا شراً فمثلكم اتقى ... وإن تفعلوا خيراً فمثلكم فعل
قال له عدي: أمسك لا يبلغ مالي أكثر من هذا.

أصفاد الملوك على المدح
سعيد بن مسلم الباهلي قال: قدم على الرشيد أعرابي من باهلة وعليه جبة حبرة ورداء يمان، قد شده على وسطه، ثم ثناه على عاتقه، قد عصها على فوديه، وأرخى لها عذبة من خلفه. فمثل بين يدي الرشيد. فقال سعيد: يا أعرابي. خذ في شرف أمير المؤمنين. فاندفع في شعره. فقال الرشيد: يا أعرابي، أسمعك مستحسناً وأنكرك متهماً، فقل لنا بيتين في هذين - يعني محمداً الأمين وعبد الله المأمون ابنيه وهما عن حفافيه - فقال: يا أمير المؤمنين، حملتني على الوعر القردد، ورجعتني عن السهل الجدد، روعة الخلافة، وبهر الدرجة، ونفور القوافي على البديهة، فأرودني تتألف لي نوافرها، ويسكن روعي. قال: قد فعلت: وجعلت اعتذارك بدلاً من امتحانك. قال: يا أمير المؤمنين، نفست الخناق، وسهلت ميدان السباق؛ فأنشأ يقول:
بنيت لعبد الله ثم محمد ... ذرى قبة لإسلام فاخضر عودها
هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها
فقال الرشيد: وأنت يا أعرابي، بارك الله فيك، فسل ولا تكن مسألتك دون إحسانك. قال: الهنيدة يا أمير المؤمنين. فأمر له بمائة ناقة وسبع خلع.
وقال مروان بن أبي حفصة: دخلت على المهدي فاستنشدني؛ فأنشدته الشعر الذي أقول فيه:
طرقتك زائرة فحي خيالها ... بيضاء تخلط بالحياء دلالها
قادت فؤادك فاستقاد ومثلها ... قاد القلوب إلى الصبا فأمالها
حتى انتهيت إلى قولي:
شهدت من الأنفال آخر آية ... بتراثهم فأردتم إبطالها
أوتجحدون مقالة عن ربكم ... جبريل بلغها النبي فقالها
هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفكم أو تسترون هلالها
قال: وأنشدته أيضاً شعري الذي أقول فيه:
يا بن الذي ورث النبي محمداً ... دون الأقارب من ذوي الأرحام
الوحي بين بنى البنات وبينكم ... قطع الخصام فلات حين خصام
ما للنساء مع الرجال فرضية ... نزلت بذلك سورة الأنعام
إني يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام
ألغى سهامهم الكتاب فحاولوا ... أن يشرعوا فيها بغير سهام
ظفرت بنو ساقي الحجيج بحقهم ... وغررتم بتوهم الأحلام
قال مروان بن أبي حفصة: فلما أنشدت المهدي الشعرين، قال: وجب حقك على هؤلاء - وعنده جماعة من أهل البيت - قد أمرت لك بثلاثين ألفاً، وفرضت على موسى خمسة آلاف، وعلى هارون مثلها، وعلى علي أربعة آلاف، وعلى العباس كذا، وعلى فلان كذا. فحسبت سبعين ألفاً. قال: فأمر بالثلاثين ألفاً فأتي بها، ثم قال: اغد على هؤلاء، وخذ ما فرضت لك، فأتيت موسى، فأمر لي بخمسة آلاف، وأتيت هارون فأمر لي بمثلها، وأتيت علياً، قال: قصر بي دون إخوتي فلن أقصر بنفسي، فأمر لي بخمسة آلاف، فأخذت من الباقين سبعين ألفاً.
ودخل أعشى ربيعة على عبد الملك بن مروان وعن يمينه الوليد، وعن يساره سليمان. فقال له عبد الملك: ماذا بقي يا أبا المغيرة؟ قال: مضى ما مضى وبقي ما بقي، وأنشأ يقول:
وما أنا في حقي ولا في خصومتي ... بمهتضم حقي ولا قارع سني
ولا مسلم مولاي من سوء ما جنى ... ولا خائف مولاي من سوء ما أجني
وفضلى في الأقوال والشعر أنني ... أقول الذي أعني وأعرف ما أعني
وأن فؤادي بين جنبي عالم ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني
وإني وإن فضلت مروان وابنه ... على الناس قد فضلت خير أب وابن
فضحك عبد الملك، وقال للوليد وسليمان: أتلوماني على هذا؟ وأمر له بعشرة آلاف.
العتبي قال: دخل الفرزدق على عبد الرحمن الثقفي بن أم الحكم، فقال له عبد الرحمن: أبا فراس، دعني من شعرك الذي لا يأتي آخره حتى ينسى أوله، وقل في بيتين يعلقان أفواه الرواة، وأعطيكها عطية لم يعطكها أحد قبلي. فغدا عليه وهو يقول:

وأنت ابن بطحاوي قريش فإن تشأ ... تكن في ثقيف سيل ذي حذب غمر
وأنت ابن فرع ماجد لعقيلة ... تلقت له الشمس المضيئة بالبدر
قال: أحسنت. وأمر له بعشرة آلاف.
أبو سويد قال: أخبرني الكوفي قال: اعترض الفضل بن يحيى بن خالد في وقت خروجه إلى خراسان فتى من التجار كان شخص إلى الكوفة فقطع به وأخذ جميع ما كان معه، فأخذ بعنان دابة الفضل وقال:
سأرسل بيتاً ليس في الشعر مثله ... يقطع أعناق البيوت الشوارد
أقام الندى والبأس في كل منزل ... أقام به الفضل بن يحيى بن خالد
قال فأمر له بمائة ألف درهم.
العتبي: قال أبو الجنوب مروان بن أبي حفصة أبياتاً ورفعها إلى زبيدة بنت جفعر يمتدح ابنها محمداً، وفيها يقول:
لله درك يا عقيلة جعفر ... ماذا ولدت من العلا والسودد
إن الخلافة قد تبين نورها ... للناظرين على جبين محمد
فأمرت أن يملأ فمه دراً.
وقال الحسن بن رجاء الكاتب: قدم علينا علي بن جبلة إلى عسكر الحسن ابن سهل والمأمون هناك بانياً على خديجة بنت الحسن بن سهل، المعروفة ببوران، ونحن إذ ذاك نجري على نيف وسبعين ألف فلاح، وكان الحسن بن سهل مع المأمون يتصبح، فكان الحسن يجلس للناس إلى وقت انتباهه. فلما قدم علي ابن جبلة نزل بي، فقلت له، قد قوي شغل الأمير. قال: إذاً لا أضيع معك. قلت: أجل. فدخلت على الحسن بن سهل في وقت ظهوره فأعلمته مكانه. فقال: ألا ترى ما نحن فيه؟ فقلت: لست بمشغول عن الأمر له. فقال: يعطى عشرة آلاف إلى أن نتفرغ له. فأعلمت علي بن جبلة. فقال في كلمة له:
أعطيتني يا ولي الحق مبتدئاً ... عطية كافأت حمدي ولم ترني
ما شمت برقك حتى نلت ريقه ... كأنما كنت بالجدوى تبادرني
عرض رجل لابن طوق، وقد خرج متنزهاً في الرحبة، فناوله رقعة فيها جميع حاجته، فأخذها فإذا فيها:
جعلتك دنياي فإن أنت جدت لي ... بخير وإلا فالسلام على الدنيا
فقال: والله لأصدقن ظنك. فأعطاه حتى أغناه.
عرض دعبل بن علي الشاعر لعبد الله بن طاهر الخراساني، وهو راكب في حراقة له في دجلة، فأشار إليه برقعة، فأمر بأخذها فإذا فيها:
عجبت لحراقة بن الحسين ... كيف تسير ولا تغرق
وبحران: من تحتها ... واحد وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها ... إذا مسها كيف لا تورق
فأمر له بخمسة آلاف درهم وجارية وفرس.
وخرج عبد الله بن طاهر، فتلقاه دعبل برقعة فيها:
طلعت قناتك بالسعادة فوقها ... معقودة بلواء ملك مقبل
تهتز فوق طريدتين كأنما ... تهفو يقص لها جناحاً أجدل
ربح البخيل على احتيال عرضه ... بندى يديك ووجهك المتهلل
لو كان يعلم أن نيلك عاجل ... ما فاض منه جدول في جدول
فأمر له بخمسة آلاف.
ووقف رجل من الشعراء إلى عبد الله بن طاهر فأنشده:
إذا قيل أي فتى تعلمون ... أهش إلى البأس والنائل
وأضرب للهام يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل
أشار إليك جميع الأنام ... إشارة غرقى إلى ساحل
فأمر له بخمسين ألف درهم.
أحمد بن مطير قال: أنشدت عبد الله بن طاهر أبياتاً كنت مدحت بها بعض الولاة، وهي:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيقطر يوم الجود من كفه الندى ... ويقطر يوم البؤس من كفه الدم
فلو أن يوم البؤس لم يثن كفه ... عن الناس لم يصبح على الأرض محرم
ولو أن يوم الجود فرغ كفه ... لبذل الندى ما كان بالأرض معدم
فقال لي عبد الله: كم أعطاك؟ قلت خمسة آلاف؛ قال: فقبلتها؟ قلت: نعم، قال لي: أخطأت، ما ثمن هذه إلا مائة ألف.
ودخل حماد عجرد على أبي جعفر بعد موت أبي العباس أخيه فأنشده:
أتوك بعد أبي العباس إذ بانا ... يا أكرم الناس أعراقاً وعيدانا
لو مج عود على قوم عصارته ... لمج عودك فينا الشهد والبانا
فأمر له بخمسة آلاف درهم.
القحذمي قال:

جاء موسى شهوات إلى سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، فقال: إن هنا جارية تعشقتها، وأبوا أن ينقصوني عن مائتى دينار. فقال: بورك فيه. فذهب إلى سعيد بن خالد بن أسيد، وأمه عائشة بنت طلحة الطلحات، فدعا بمطرف خز فبسطه وعقد في كل ركن من أركانه مائة دينار، وقال لموسى: خذ المطرف بما فيه، فأخذه، ثم غدا عليه فأنشده:
أبا خالد أعني سعيد بن خالد ... أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
عميد الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرض الندى بعميد
دعوه دعوه إنكم قد رقدتم ... وما هو عن أحسابكم برقود
العتبي: سمعت عمي ينشد لأبي العباس الزبيري:
وكل خليفة وولي عهد ... لكم يا آل مروان الفداء
إمارتكم شفاء حيث كانت ... وبعض إمارة الأقوام داء
فأنتم تحسنون إذا ملكتم ... وبعض القوم إن ملكوا أساءوا
أأجعلكم وغيركم سواء ... وبينكم وبينهم الهواء
هم أرض لأرجلكم وأنتم ... لأيديهم وأرجلهم سماء
فقلت له: كم أعطي عليها؟ قال: عشرين ألفاً.
الأصمعي قال: حدثني رؤبة قال: دخلت على أبي مسلم صاحب الدعوة، فلما أبصرني نادى: يا رؤبة، فأجبته:
لبيك إذ دعوتني لبيكا ... أحمد رباً ساقني إليكا
الحمد والنعمة في يديكا
قال: بل في يدي الله تعالى. قلت له: وأنت إذا أنعمت أجدت. ثم قلت: يأذن لي الأمير في الإنشاد؟ قال: نعم، فأنشدته:
ما زال يأتي الملك من أقطاره ... وعن يمينه وعن يساره
مشمراً لا يصطلى بناره ... حتى أقر الملك في قراره
فقال: يا رؤية، إنك أتيتنا وقد شف المال واستنفده الإنفاق، وقد أمرنا لك بجائزة وهي تافهة يسيرة، ومنك العود وعلينا المعول، والدهر أطرق مستتب فلا تجعل بيننا وبينك الأسدة. قال رؤبة: فقلت: الذي أفادني الأمير من كلامه أكثر من الذي أفادني من ماله.
ودخل نصيب بن رباح على هشام فأنشده:
إذا استبق العلا سبقتهم ... يمينك عفواً ثم صلت شمالك
فقال هشام: بلغت غاية المدح فسلني. فقال: يا أمير المؤمنين، يداك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة؟ قال: لا بد أن تفعل؟ قال: لي ابنة نفضت عليها من سوادي فكسدها فلو أنفقها أمير المؤمنين بشيء يجعله لها؟ قال: فأقطعها أرضاً، وأمر لها بحلي وكسوة فنفقت السوداء.
الرياشي عن الأصمعي، قال: مدح نصيب بن رباح عبد الله بن جعفر، فأمر له بمال كثير، وكسوة شريفة، ورواحل موقرة براً وتمراً. فقيل له: أتفعل هذا بمثل هذا العبد الأسود؟ قال: أما لئن كان عبداً إن شعره في لحر، ولئن كان أسود إن ثناءه لأبيض، وإنما أخذ مالاً يفنى، وثياباً تبلى، ورواحل تنضى، وأعطى مديحاً يروى، وثناء يبقى.
وذكروا عن أبي النجم العجلي أنه أنشد هشاماً شعره الذي يقول فيه:
الحمد لله الوهوب المجزل
وهو من أجود شعره، حتى انتهى إلى قوله:
والشمس في الجو كعين الأحول
وكان هشام أحول، فأغضبه ذلك، فأمر به فطرد. فأمل أبو النجم رجعته، فكان يأوي إلى المسجد. فأرق هشام ذات ليلة فقال لحاجبه: ابغنى رجلاً عربياً فصيحاً يحدثني وينشدني. فطلب له ما سأل، فوجد أبا النجم، فأتى به. فلما دخل عليه قال: أين تكون منذ أقصيناك؟ قال: حيث ألفاني رسولك. قال: فمن كان أب النجم أبا مثواك؟ قال: رجلين أتغدى عند أحدهما وأتعشى عند الآخر. قال: فما لك من الولد؟ قال: ابنتان. قال: أزوجتهما؟ قال: زوجت إحداهما. قال: فبم أوصيتها ليلة أهديتها؟ قال: قلت لها:
سبي الحماة وابهتي عليها ... وإن أبت فازدلفي إليها
ثم اقرعي بالعود مرفقيها ... وجددي الخلف به عليها
قال: هل أوصيتها بعد هذا؟ قال: نعم:
أوصيت من برة قلباً برا ... بالكلب خيراً والحماة شرا
لا تسأمي خنقاً لها وجرا ... والحي عميهم بشر طرا
وإن كسوك ذهباً ودرا ... حتى يروا حلو الحياة مرا

قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب ولا ولدي كولده. قال: فما حال الأخرى؟ قال: هي ظلامة التي أقول فيها:
كان ظلامة أخت شيبان ... يتيمة ووالداها حيان
الرأس قمل كله وصئبان ... وليس في الرجلين إلا خطيان
فهي التي يذعر منها الشيطان
قال هشام لحاجبة: ما فعلت بالدنانير التي أمرتك بقبضها؟ قال: هي عندي، وهمس خمسمائة دينار. قال له: ادفعها لأبي النجم ليجعلها في رجلي ظلامة مكان الخيطين.
أبو عبيدة قال: حدثني يونس بن حبيب قال: لما استخلف مروان بن محمد دخل الشعراء يهنئونه بالخلافة، فتقدم إليه طريح بن إسماعيل الثقفي، خال الوليد بن يزيد، فقال: الحمد الله الذي أنعم بك على الإسلام إماماً، وجعلك لأحكام دينه قوماً، ولأمة محمد المصطفى جنة ونظاماً، ثم أنشده شعره الذي يقول فيه:
تسوء عداك في سداد ونعمة ... خلافتنا تسعين عاماً وأشهرا
فقال مروان: كم الأشهر؟ قال: وفاء المائة يا أمير المؤمنين، تبلغ فيها أعلى درجة وأسعد عاقبة في النصرة والتمكين. فأمر له بمائة ألف درهم.
ثم تقدم إليه ذو الرمة متحانياً كبرة قد انحلت عمامته منحدرة على وجهه، فوقف يسويها. فقيل له: تقدم. قال: إني أجل أمير المؤمنين أن أخطب بشرفه مادحاً بلوثة عمامتي فقال مروان: ما أملت أنه قد أبقت لنا منك مي ولا صيدح في كلامك إمتاعاً. قال: بلى والله يا أمير المؤمنين، أرد منه قراحاً، والأحسن امتداحاً. ثم تقدم فأنشد شعراً يقول فيه:
فقلت لها سيري أمامك سيد ... تفرع من مروان أو من محمد
فقال له: ما فعلت مي؟ فقال: طويت غدائرها ببرد بلى، ومحا الترب محاسن الخد فالتفت مروان إلى العباس بن الوليد، فقال: أما ترى القوافي تنثال انثيالاً، يعطى بكل من سمى من آبائي ألف دينار. قال ذو الرمة: لو علمت لبلغت به عبد شمس.
الربيع حاجب المنصور قال: قلت يوماً للمنصور: إن الشعراء ببابك وهم كثيرون طالت أيامهم، ونفدت نفقاتهم. قال: أخرج إليهم فاقرأ عليهم السلام وقل لهم: من مدحني منكم فلا يصفني بالأسد، فإنما هو كلب من الكلاب، ولا بالحية، فإنما هي دويبة منتنة تأكل التراب، ولا بالجبل، فإنما هو حجر أصم، ولا بالبحر، فإنما هو غطامط لجب، ومن ليس في شعره هذا فليدخل ومن كان في شعره هذا فلينصرف فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم بن هرمة، فإنه قال له: أنا له يا ربيع، فأدخلني. فأدخله، فلما مثل بين يديه، قال المنصور يا ربيع، قد علمت أنه لا يجيبك أحد غيره، هات يا بن هرمة. فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
له لحظات عن حفافى سريره ... إذا كرها فيها عذاب ونائل
لهم طينة بيضاء من آل هاشم ... إذا أسود من كوم التراب القبائل
إذا ما أبي شيئاً مضى كالذي أبى ... وإذا قال إني فاعل فهو فاعل
فقال: حسبك، هاهنا بلغت، هذا عين الشعر، قد أمرت لك بخمسة آلاف درهم. فقمت إليه وقبلت رأسه وأطرافه ثم خرجت؛ فلما كدت أن أخفى على عينيه سمعته يقول: يا إبراهيم. فأقبلت إليه فزعاً، فقلت: لبيك، فداك أبي وأمي. قال: احتفظ بها فليس لك عندنا غيرها. فقلت: بأبي وأمي أنت، أحفظها حتى أوافيك بها على الصراط بخاتم الجهبذ.
علي بن الحسين قال: أنشد علي بن الجهم جعفراً المتوكل شعره الذي أوله:
هي النفس ما حملتها تتحمل
وكان في يد المتوكل جوهرتان. فأعطاه التي في يمينه، فأطرق متفكراً في شيء يقوله ليأخذ التي في يساره. فقال: مالك مفكراً؟ إنما تفكر فيما تأخذ به الأخرى خذها لا بورك لك فيها. فأنشأ يقول:
بسر من رى إمام عدل ... تغرف من بحره البحار
يرجى ويخشى لكل أمر ... كأنه جنة ونار
الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار
يداه في الجود ضرتان ... عليه كلتاهما تغار
لم تأت منه اليمين شيئاً ... إلا أتت مثله اليسار
وقال آخر في الهول:
إذا سألت الندى عن كل مكرمة ... لم تلف نسبتها إلا إلى الهول
لو زاحم الشمس ألفى الشمس مظلمة ... أو زاحم الصم ألجاها إلى الميل

أمضى من الدهر إن نابته نائبة ... وعند أعدائه أمضى من السيل
ودخل شاعر من أهل الري يقال له أبو يزيد على عبد الله بن طاهر صاحب خراسان فأنشده:
اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً ... من شاذياخ ودع غمدان لليمن
فأنت أولى بتاج الملك تلبسه ... من هوذة بن علي وابن ذي يزن
فأمر له بعشر آلاف درهم.
ودخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فأنشدته:
إذا ورد الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
فقال لها: لا تقولي غلام، ولكن قولي: همام. ثم قال: أي النساء أحب إليك أنزلك عندها؟ قال: ومن نساؤك أيها الأمير؟ قال أم الجلاس بنت المهلب بنت سعيد بن العاص الأموية، وهند بنت أسماء من خارجة الفزارية، وهند بنت المهلب بن أبي صفرة العتكية. قالت: القيسية أحب إلي. فلما كان من الغد دخلت عليه. قال: يا غلام، أعطها خمسمائة. قالت: أيها الأمير، أحسبها أدما. قال قائل: إنما أمر لك بشاء قالت: الأمير أكرم من ذلك. فجعلها إبلاً إناثا على استحياء، وإنما كان أمر لها بشاء أولاً.

كتاب الجمانة في الوفود
قال الفقيه أبو عمر أحمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الأجواد والأصفاد على مراتبهم ومنازلهم، وما جروا عليه، وما ندبوا إليه، من الأخلاق الجميلة، والأفعال الجزيلة؛ ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الوفود الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الخلفاء والملوك، فإنها مقامات فضل، ومشاهد حفل يتخير لها الكلام، وتستهذب الألفاظ، وتستجزل المعاني. ولا بد للوافد عن قومه أن يكون عميدهم وزعيمهم الذي عن قوته ينزعون، وعن رأيه يصدرون؛ فهو واحد يعدل قبيلة، ولسان يعرب عن ألسنة. وما ظنك بوافد قوم يتكلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أو خليفته، أو بين يدي ملك جبار في رغبة أو رهبة، فهو يوطد لقومه مرة، ويتحفظ ممن أمامه أخرى؛ أتراه مدخراً نتيجة من نتائج الحكمة، أو مستبقياً غريبة من غرائب الفطنة، أم تظن القوم قدموه لفضل هذه الخطة إلا وهو عندهم في غاية الحذلقة واللسن، ومجمع الشعر والخطابة. ألا ترى أن قيس بن عاصم المنقري لما وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، بسط له رداءه وقال: هذا سيد الوبر. ولما توفي قيس بن عاصم قال فيه الشاعر:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلما
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
وفود العرب على كسرى
ابن القطامي عن الكلبي قال:

قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين، فذكروا من ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم، لا يستثنى فارس ولا غيرها. فقال كسرى - وأخذته عزة الملك - يا نعمان، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، ونظرت في حال من يقدم علي من وفود الأمم، فوجدت الروم لها حظ في اجتمع ألفتها، وعظم سلطانها، وكثرة مدائنها، ووثيق بنيانها، وأن لها ديناً يبين حلالها وحرامها، ويرد سفيهها، ويقيم جاهلها؛ ورأيت الهند نحواً من ذلك في حكمتها وطبها، مع كثرة أنهار بلادها وثمارها، وعجيب صناعاتها، وطيب أشجارها، ودقيق حسابها، وكثرة عددها؛ وكذلك الصين في اجتماعها، وكثرة صناعات أيديها في آلة الحرب وصناعة الحديد، وفروسيتها وهمتها، وأن لها ملكاً يجمعها، والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش، وقلة الريف والثمار والحصون، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس، لهم ملوك تضم قواصيهم، وتدبر أمرهم؛ ولم أر للعرب شيئاً من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا، ولا حزم ولا قوة؛ مع أن مما يدل على مهانتها وذلها وصغر همتها، محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة، والطيرة الحائرة؟ يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضاً من الحاجة؟ قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ولهوها ولذتها، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع، لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها؛ وإن قرى أحدهم ضيفاً عدها مكرمة، وإن أطعم أكلة عدها غنيمة؛ تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم، ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها، وشد مملكتها، ومنعها من عدوها، فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا؛ وإن لها مع ذلك آثاراً ولبوساً، وقرى وحصوناً، وأموراً تشبه بعض أمور الناس - يعني اليمن. ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة، والفاقة والبؤس، حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس.
قال النعمان: أصلح الله الملك، حق لأمة منها أن يسموا فضلها، ويعظم خطبها، وتعلو درجتها، إلا أن عندي جواباً في كل ما نطق به الملك، وفي غير رد عليه ولا تكذيب له، فإن أمنني من غضبه نطقت به. قال كسرى: قل، فأنت آمن.
قال النعمان: أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل، لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها، وبسطة محلها، وبحبوحة عزها، وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك. وأما الأمم التي ذكرت، فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها. قال كسرى: بماذا؟ قال النعمان: بعزها ومنعتها وحسن رجوا وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائه.
فأما عزها ومنعتها، فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد، ووطدوا الملك، وقادوا الجند، لم يطمع فيهم طامع، ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم، ومهادهم الأرض، وسقوفهم السماء، وجبنتهم السيوف، وعدتهم الصبر؛ إذ غيرها من الأمم، إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور.
وأما حسن وجوهها وألوانها، فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة، والصين المنحفة، والترك المشوهة، والروم المقشرة.
وأما أنسابها وأحسابها، فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيراً من أولها، حتى إن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنياً، فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أباً فأباً، حاطوا بذلك أحسابهم، وحفظوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يدعى إلى غير أبيه.
وأما سخاؤها، فإن أدناهم رجلاً الذي تكون عنده البكرة والناب، عليها بلاغه في حموله وشبعه وريه، فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزئ بالشربة، فيعقرها له، ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر.
وأما حكمة ألسنتهم، فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه، مع معرفتهم بالأشياء، وضربهم للأمثال، وإبلاغهم في الصفات، ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس. ثم خيلهم أفضل الخيل، ونساؤهم أعف النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ومعادنهم الذهب والفضة، وحجارة جبلهم الجزع، ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفر.

وأما دينها وشريعتها، فإنهم متمسكون به، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهراً حرماً، وبلداً محرماً، وبيتاً محجوجاً، ينسكون فيه مناسكهم، ويذبحون فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه، وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك رغبته منه، فيحجزه كرمه، ويمنعه دينه عن تناوله بأذى.
وأما وفاؤها، فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماءة فهي ولث وعقدة لا يحلها إلى خروج نفسه. وإن أحدهم ليرفع عوداً من الأرض فيكون رهناً بدينه، فلا يغلق رهنه، ولا تخفر ذمته؛ وإن أحدهم ليبلغه أن رجلاً استجار به، وعسى أن يكون نائياً عن داره، فيصاب، فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته، لما خفر من جواره؛ وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله.
وأما قولك أيها الملك: يئدون أولادهم؛ فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج.
أما قولك: إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها؛ فما تركوا ما دونها إلا احتقاراً له، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها، فكانت مراكبهم وطعامهم؛ مع أنها أكثر البهائم شحوماً، وأطيبها لحوماً، وأرقها ألباناً، وأقلها غائلة، وأحلاها مضغة؛ وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه.
وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضاً، وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعه؛ فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفاً، وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون لهم بأزمتهم؛ وأما العرب، فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكاً أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطف بالعسف.
وأما اليمن التي وصفها الملك، فإنما أتى جد الملك الذي أتاه عند غلبة الحبش له، على ملك متسق، وأمر مجتمع، فأتاه مسلوباً طريداً مستصرخاً. قد تقاصر عن إيوائه، وصغر في عينه ما شيد من بناءه؛ ولولا ما وتر به من يليه من العرب، لمال إلى مجال، ولوجد من يجيد الطعان، ويغضب للأحرار، من غلبة العبيد الأشرار.
قال: فعجب كسرى لما أجابه النعمان به، وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك ولما هو أفضل. ثم كساه كسوته، وسرحه إلى موضعه من الحيرة.
فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيهم مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة، التميميين وإلى الحارث بن عباد وقيس بن مسعود، البكريين، وإلى خالد بن جعفر وعلقمة ابن علاثة وعامر بن الطفيل، العامريين، وإلى عمرو بن الشريد السلمي، وعمرو ابن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المري. فلما قدموا عليه في الخورنق، قال لهم: قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن يكون لها غور، أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولاً كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه، كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله، فاقتص مقالات كسرى وما رد عليه. فقالوا: أيها الملك، وفقك الله، ما أحسن ما رددت، وأبلغ ما حججته به! فمرنا بأمرك، وادعنا إلى ما شئت. قال: إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكت وعززت بمكانكم، وما يتخوف، من ناحيتكم، وليس شيء أحب إلي مما سدد الله أمركم، وأصلح به شأنكم، وأدام به عزكم؛ والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره، ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدثته نفسه، ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه، فإنه ملك عظيم السلطان، كثير الأعوان، مترف معجب بنفسه؛ ولا تنخزلوا له انخزال الخاضع الذليل، وليكن أمر بين ذلك تظهر به وثاقة حلومكم، وفضل منزلتكم، وعظمة أخطاركم؛ وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي، لسني محله، ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها؛ وإنما دعاني إلى التقدمة بينكم علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه فلا يكونن ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعناً، فإنه ملك مترف، وقادر مسلط. ثم دعا لهم بما في خزانته من طرائف حلل الملوك، كل رجل منهم حلة، وعممه عمامة وختمه بياقوته، وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية وفرس نجيبة، وكتب معهم كتاباً:

أما بعد، فإن الملك ألقى إلي من أمر العرب ما قد علم، وأجبته بما قد فهم، بما أحببت أن يكون منه على علم، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها، وحمت ما يليها بفضل قوتها، تبلغها في شيء من الأمور التي يتعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة، وقد أوفدت أيها الملك رهطاً من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم، وعقولهم وآدابهم، فليسمع الملك، وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم، وليكرمني بإكرامهم، وتعجيل سراحهم، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم.
فخرج القوم في أهبتهم، حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن، فدفعوا إليه كتاب النعمان، فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلساً يسمع منهم. فلما أن كان بعد ذلك بأيام، أمر مرازبته ووجوه أهل مملكته فحضروا وجلسوا على كراسي عن يمينه وشماله، ثم دعا بهم على الولاء والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه، وأقام الترجمان ليؤدي إليه كلامهم، ثم أذن لهم في الكلام.
فقام أكثم بن صيفي فقال: إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أعمها نفعاً، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها. الصدق منجاة، والكذب مهواة، والشر لجاجة، والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطيء آفة الرأي الهوى، والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور الصبر. حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة. إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي. من فسدت بطانته كان الغاص بالماء. شر البلاد بلاد لا أمير بها. شر الملوك من خافه البريء. المرء يعجز لا المحالة. أفضل الأولاد البررة. خير الأعوان من لم يراء بالنصيحة. أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته. يكفيك من الزاد ما بلغك المحل. حسبك من شر سماعه. الصمت حكم وقليل فاعله. البلاغة الإيجاز. من شدد نفر، ومن تراخى تألف.
فتعجب كسرى من أكثم، ثم قال: ويحك يا أكثم! ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك كلامك في غير موضعه! قال أكثم: الصدق ينبئ عند لا الوعيد؛ قال كسرى: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى؛ قال أكثم: رب قول أنفذ من صول.
ثم قام حاجب بن زرارة التميمي فقال: ورى زندك، وعلت يدك، وهيب سلطانك، إن العرب أمة قد غلظت أكبادها، واستحصدت مرتها، ومنعت درتها؛ وهي لك وامقة ما تألفتها، مسترسلة ما لا ينتها، سامعة ما سامحتها؛ وهي العلقم مرارة، والصاب غضاضة، والعسل حلاوة، والماء الزلال سلاسة؛ نحن وفودها إليك، وألسنتها لديك، ذمتنا محفوظة، وأحسابنا ممنوعة، وعشائرنا فينا سامعة مطيعة، وإن نؤب لك حامدين خيراً فلك بذلك عموم محمدتنا، وإن نذم لم نختص بالذم دونها.
قال كسرى: يا حاجب، ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها؛ قال حاجب: بل زئير الأسد بصولتها؛ قال كسرى: وذلك.
ثم قام الحارث بن عباد البكري فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظها، وعلو سنائها. من طال رشاؤه كثر متحه، ومن ذهب ماله قل منحه. تناقل الأقاويل يعرف به اللب، وهذا مقام سيوجف بما ينطق فيه الركب، وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب؛ ونحن جيرانك الأدنون، وأعوانك المعينون، خيولنا جمة، وجيوشنا فخمة؛ إن استنجدتنا فغير ربض، وإن استطرقتنا فغير جهض، وإن طلبتنا فغير غمض، لا ننثني لذعر، ولا نتنكر لدهر؛ رمحنا طوال، وأعمارنا قصار.
قال كسرى: أنفس عزيزة، وأمة والله ضعيفة.
قال الحارث: أيها الملك، وأنى يكون لضعيف عزة، أو لصغير مرة.
قال كسرى: لو قصر عمرك لم تستول على لسانك نفسك.
قال الحارث: أيها الملك، إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة، مغرراً بنفسه على الموت، فهي منية استقبلها، وحياة استدبرها؛ والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدماً وأحسبها وهي تصرف بهم؛ حتى إذا جاشت نارها، وسعرت لظاها، وكشفت عن ساقها، جعلت مقادها رمحي، وبرقها سيفي، ورعدها زئيري، ولم أقصر عن خوض خضاخضها، حتى انغمس في غمرات لججها، وأكون فلكاً لفرساني إلى بحبوحة كبشها، فأستمطرها دماً، وأترك حماتها جزر السباع، وكل نسر قشعم.
ثم قال كسرى لمن حضره من العرب: أكذلك هو؟ قالوا: فعاله أنطق من لسانه. قال كسرى: ما رأيت كاليوم وفداً أحشد، ولا شهوداً أوفد.

ثم قام عمرو بن الشريد السلمي فقال: أيها الملك، نعم بالك، ودام في السرور حالك؛ إن عاقبة الكلام متدبرة، وأشكال الأمور معتبرة، وفي كثير ثقلة، وفي قليل بلغة، وفي الملك سورة العز. وهذا موطن له ما بعده، شرف فيه من شرف، وخمل فيه من خمل. لم نأت لضيمك، ولم نفد لسخطك، ولم نتعرض لرفدك؛ إن في أموالنا مرتقداً، وعلى عزنا معتمداً؛ إن أورينا ناراً أثقبنا، وإن أود دهر بنا اعتدلنا؛ إلا أنا مع هذا لجوارك حافظون، ولمن رامك مكافحون؛ حتى يحمد الصدر، ويستطاب الخبر.
قال كسرى: ما يقوم قصد منطقك بإفراطك، ولا مدحك بذمك.
قال عمرو: كفى بقليل قصدي هادياً، وبأيسر إفراطي مخبراً. ولم يلم من عزفت نفسه عما يعلم، ورضي من القصد بما بلغ.
قال كسرى: ما كل ما يعرف المرء ينطق به، اجلس.
ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال: أحضر الله الملك إسعاداً، وأرشده إرشاداً؛ إن لكل منطق فرصة، ولكل جابة غصة؛ وعي المنطق أشد عي السكوت، وعثار القول أنكى من عثار الوعث؛ وما فرصة المنطق عندنا إلا بما نهوي، وغصة المنطق بما لا نهوي غير مستساغة، وتركي ما أعلم من نفسي ويعلم من سمعني أنني له مطيق أحب إلي من تكلفي ما أتخوف ويتخوف مني؛ وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان، وهو لك من خير الأعوان، ونعم حامل المعروف والإحسان أنفسنا بالطاقة لك باخعة، ورقابنا بالنصيحة خاضعة، وأيدينا لك بالوفاء رهينة.
قال له كسرى: نطقت بعقل، وسموت بفضل، وعلوت بنبل.
ثم قام علقمة بن علانة العامري فقال: أنهجت لك سبل الرشاد، وخضعت لك رقاب العباد؛ إن للأقاويل مناهج، وللآراء موالج، وللعويص مخارج؛ وخير القول أصدقه، وأفضل الطلب أنجحه؛ إنا وإن كانت المحبة أحضرتنا، والوفادة قربتنا، فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب عنك، بل لو قست كل رجل منهم، وعلمت منهم ما علمنا، لوجدت له في آبائه دنياً أنداداً وأكفاء، كلهم إلى الفضل منسوب، وبالشرف والسودد موصوف، وبالرأي الفاضل والأدب النافد معروف؛ يحمي حماه، ويروي نداماه، ويذود أعده؛ لا تخمد ناره، ولا يحترز منه جاره. أيها الملك، من يبل العرب يعرف فضلهم فاصطنع العرب فإنها الجبال الرواسي عزاً، والبحور طمياً، والنجوم الزواهر شرفاً، والحصى عدداً؛ فإن تعرف لهم فضلهم يعزوك، وإن تستصرخهم لا يخذلوك.
قال كسرى - وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه - : حسبك، أبلغت وأحسنت.
ثم قام قيس بن مسعود الشيباني فقال: أطاب الله بك المراشد، وجنبك المصائب، ووقاك مكروه الشصائب، ما أحقنا إذا أتيناك بإسماعك، ما لا يحنق صدرك، ولا يزرع لنا حقداً في قلبك. لم نقدم أيها الملك لمساماة، ولم ننتسب لمعاداة، ولكن لتعلم أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أنا في المنطق غير محجمين، وفي البأس غير مقصرين، إن جورينا فغير مسبوقين، وإن سومينا فغير مغلوبين.
قال كسرى: غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين، وهو يعرض به في تركه الوفاء بضمانه السواد.
قال قيس: أيها الملك، ما كنت في ذلك إلا كواف غدر به، أو كخافر أخفر بذمته.
قال كسرى: ما يكون لضعيف ضمان، ولا لذليل خفارة.
قال قيس: أيها الملك، ما أنا فيها خفر من ذمتي، أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك، وانتهك من حرمتك.
قال كسرى: ذلك لأن من ائتمن الخانة واستنجد الأثمة ناله من الخطأ ما نالني، وليس كل الناس سواء؛ كيف رأيت حاجب بن زرارة، لم يحكم قواه فيبرم، ويعهد فيوفي، ويعد فينجز؟ قال: وما أحقه بذلك وما رأيته إلا لي.
قال كسرى: القوم بزل، فأفضلها أشدها.
ثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال: كثر فنون المنطق، ولبس القول أعمى من حندس الظلماء؛ وإنما الفخر في الفعال، والعز في النجدة، والسودد مطاوعة القدرة، وما أعلمك بقدرنا، وأبصرك بفضلنا، وبالحري، إن أدالت الأيام وثابت الأحلام، أن تحدث لنا أموراً لها أعلام.
قال كسرى: وما تلك الأعلام؟ قال: مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر، على أمر يذكر.
قال كسرى: وما الأمر الذي يذكر؟ قال: ما لي علم بأكثر مما خبرني به مخبر.
قال كسرى: متى تكاهنت يا بن الطفيل؟ قال: لست بكاهن، ولكني الرمح طاعن. قال كسرى: فإن أتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع؟ قال ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي، وما أذهب عيني عيث، ولكن مطاوعة العبث.

ثم قام عمرو بن معد يكرب الزبيدي فقال: إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه؛ فبلاغ المنطق الصواب، وملاك النجعة الارتياد، وعفو الرأي خير من استكراه الفكرة، وتوقف الخبرة خير من اعتساف الحيرة؛ فاجتبذ طاعتنا بلفظك، واكتظم بادرتنا بحلمك، وألن لنا كنفك يسلس لك قيادنا، فإنا أناس لم يوقس صفاتنا قراع مناقير من أراد لنا قضماً، ولكن منعنا حمانا من كل من رام لنا هضماً.
ثم قام الحارث بن ظالم المري فقال: إن من آفة المنطق الكذب، ومن لؤم الأخلاق الملق، وانقيادنا لك عن تصاف؛ فما أنت لقبول ذلك منا بخليق، ولا للاعتماد عليه بحقيق؛ ولكن الوفاء بالعهود، وإحكام ولث العقود؛ والأمر بيننا وبينك معتدل، ما لم يأت من قبلك ميل أو زلل.
قال كسرى: من أنت؟ قال: الحارث بن ظالم؛ قال: إن في أسماء آبائك لدليلاً على قلة وفائك، وأن تكون أولى بالغدر، وأقرب من الوزر.
قال الحارث: إن في الحق مغضبة، والسرو التغافل، ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع القدرة، فلتشبه أفعالك مجلسك.
قال كسرى: هذا فتى قوم. ثم قال كسرى: قد فهمت ما نطقت به خطباؤكم وتفنن فيه متكلموكم، ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقف فيه أودكم، ولم يحكم أمركم، وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة، فنطقتم بما استولى على ألسنتكم، وغلب على طباعكم، لم أجز لكم كثيراً مما تكلمتم به؛ وإني لأكره أن أجبه وفودي أو أخنق صدورهم، والذي أحب هو إصلاح مداركم، وتألف شواذكم، والإعذار إلى الله فيما بيني وبينكم، وقد قبلت ما كان في منطقهم من صواب، وصفحت عما كان فيه من خلل، فانصرفوا إلى ملككم فأحسنوا موازرته، والتزموا طاعته، واردعوا سفهاءكم، وأقيموا أودهم، وأحسنوا أدبهم، فإن في ذلك صلاح العامة.

وفود حاجب بن زرارة
على كسرى
العتبي عن أبيه: إن حاجب بن زرارة وفد على كسرى لما منع تميماً من ريف العراق، فاستأذن عليه، فأوصل إليه: أسيد العرب أنت؟ قال: لا؛ قال: فسيد مضر؛ قال: لا؛ قال: فسيد بني أبيك أنت؟ قال: لا. ثم أذن له، فلما دخل عليه، قال له: من أنت؟ قال: سيد العرب؛ قال: أليس قد أوصلت إليك، أسيد العرب؟ فقلت لا، حتى اقتصرت بك على بني أبيك فقلت لا؟ قال له: أيها الملك، لم أكن كذلك حتى دخلت عليك، فلما دخلت عليك صرت سيد العرب؛ قال كسرى: آه، املئوا فاه دراً. ثم قال: إنكم معشر العرب غدر، فإن أذنت لكم أفسدتم البلاد، وأغرتم على العباد، وآذيتموني. قال حاجب: فإني ضامن للملك أن لا يفعلوا؛ قال: فمن لي بأن تفي أنت؟ قال أرهنك قوسي. فلما جاء بها ضحك من حوله وقالوا: لهذه العصا يفي! قال كسرى: ما كان ليسلمها لي لشيء أبداً فقبضها منه، وأذن لهم أن يدخلوا الريف.
ومات حاجب بن زرارة، فارتحل عطارد بن حاجب إلى كسرى يطلب قوس أبيه؛ فقال له: وقد وفى له قومه ووفى هو للملك. فدرها عليه وكساه حلة.
فلما وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم عطارد بن حاجب وهو رئيس تميم، وأسلم على يديه، أهداها للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقبلها، فقالوا: يا رسول الله، هلك قومك وأكلتهم الضبع، يريدون الجوع - والعرب يسمون السنة الضبع والذئب. قال جرير: من ساقه السنة الحصاء والذيب - فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأحيوا؛ وقد كان دعا عليهم، فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف.
وفود أبي سفيان
إلى كسرى
الأصمعي قال: حدثنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن بكر المري قال: قال أبو سفيان: أهديت لكسرى خيلاً وأدماً فقبل الخيل ورد الأدم، وأدخلت عليه، فكان وجهه وجهين من عظمه، فألقى إلي مخدة كانت عنده، فقلت: وا جوعاه! أهذه حظي من كسرى بن هرمز؟ قال: فخرجت من عنده، فما أمر على أحد من حشمة إلا أعظمها، حتى دفعت إلى خازن له، فأخذها وأعطاني ثمانمائة إناء من فضة وذهب.
قال الأصمعي: فحدثت بهذا الحديث النوشجان الفارسي، فقال: كانت وظيفة المخدة ألفاً أن الخازن اقتطع منها مائتين.
وفود حسان بن ثابت على النعمان بن المنذر

قال: وفد حسان بن ثابت على النعمان بن المنذر قال: فلقيت رجلاً ببعض الطريق، فقال لي: أين تريد؟ قلت: هذا الملك؛ قال: فإنك إذا جئته متروك شهراً ثم تترك شهراً آخراً، ثم عسى أن يأذن لك، فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه خيراً، وإن رأيت أبا أمامة النابغة فاظغن، فإنه لا شيء لك. قال: فقدمت عليه ففعل بي ما قال: ثم خلوت به وأصبت مالاً كثيراً ونادمته. فبينما أنا معه إذا رجل يرتجز حول القبة ويقول:
أنام أم يسمح رب القبة ... يا أوهب الناس لعنس صلبه
ضرابة بالمشفر الأذبة ... ذات نجاء في يديها جذبه
فقال النعمان: أبو أمامة! ائذنوا له. فدخل فحياه وشرب معه، ووردت النعم السود؛ ولم يكن لأحد من العرب بعير أسود غيره، ولا يفتحل أحد فحلاً أسود. فاستأذنه النابغة في الإنشاد فأذن له، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فأمر له بمائة ناقة من الإبل السود برعاتها. فما حسدت أحداً قط حسدي له في شعره وجزيل عطائه.

وفود قريش على سيف بن ذي يزن
بعد قتله الحبشة
نعيم بن حماد قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري قال: قال ابن عباس: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة، وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم، أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها تهنئه وتمدحه وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه. فأتاه وفد قريش، فيهم: عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وأسد بن عبد العزى، وعبد الله بن جدعان، فقدموا عليه وهو في قصر له يقال غمدان - وله يقول أبو الصلت، والد أمية بن أبي الصلت:
ليطلب الثأر، أمثال ابن ذي يزن ... لجج في البحر للأعداء أحوالا
أني هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده القول الذي قالا
ثم انثنى نحو كسرى بعد تاسعة ... من السنين لقد أبعدت إيغالا
حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم ... إنك عمري لقد أسرعت إرقالا
من مثل كسرى وبهرام الجنود له ... ومثل وهرز يوم الجيش إذ جالا
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن رأينا لهم في الناس أمثالا
صيداً جحاجحة بيضاً خضارمة ... أسداً تربب في الغابات أشبالا
أرسلت أسداً على سود الكلاب فقد ... غادرت أوجههم في الأرض أفلالا
اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً ... في رأس غمدان داراً منك محلالا
ثم اطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

فطلبوا الإذن عليه، فإذن لهم، فدخلوا فوجدوه متضمخاً، بالعنبر يلمع وبيص المسك في مفرق رأسه، وعليه بردان أخضران، قد ائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، وسيفه بين يديه، والملوك عن يمينه وشماله، وأبناء الملوك والمقاول. فدنا عبد المطلب فاستأذنه في الكلام؛ فقال له: قل؛ فقال؛ إن الله تعالى أيها الملك أحلك محلاً رفيعاً، صعباً منيعاً، باذجاً شامخاً، وأنبتك منبتاً طابت أرومته، وعزت جرثومته، ونبل أصله، وبسق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن، فأنت - أبيت اللعن - رأس العرب، وربيعها الذي به تخصب، وملكها الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي إليه يلجأ العباد؛ سلفك خير سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف؛ ولن يهلك من أنت خلفه، ولن يخمل من أنت سلفه. نحن أيها الملك أهل حرم الله وذمته وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أنهجك لكشفك، الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفود المرزئة. قال: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم؛ قال: ابن أختنا؟ قال: نعم. فأدناه وقربه، ثم أقبل عليه وعلى القوم وقال: مرحباً وأهلا، وناقة ورحلا، ومستناخاً سهلا، وملكاً ربحلا، يعطى عطاء جزلا؛ فذهبت مثلا. وكان أول ما تكلم به: قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأهل الشرف والنباهة أنتم، ولكم القربى ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم. قال: ثم استنهضوا إلى دار الضيافة والوفود، وأجريت عليهم الأنزال، فأقاموا ببابه شهراً لا يصلون إليه، ولا يأذن لهم في الانصراف. ثم انتبه إليهم انتباهة، فدعا بعبد المطلب من بينهم، فخلا به وأدنى مجلسه، وقال: يا عبد المطلب، إني مفوض إليك من سر علمي أمراً لو غيرك كان لم أبح له به، ولكني رأيتك موضعه فأطلعتك عليه، فليكن مصوناً حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره: إني أجد في العلم المخزون، والكتاب المكنون؛ الذي ادخرناه لأنفسنا، واحتجبناه دون غيرنا؛ خبراً عظيماً وخطراً جسيماً؛ فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة؛ للناس كافة، ولرهطك عامة، ولنفسك خاصة.
قال عبد المطلب: مثلك يا أيها الملك من بر وسر وبشر، ما هو؟ فداك أهل الوبر، زمراً بعد زمر.
قال ابن ذي يزن: إذا ولد مولود بتهامة، بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة إلى يوم القيامة.
قال عبد المطلب: أبيت اللعن. لقد أبت بخير ما آب به أحد فلولا إجلال الملك لسألته أن يزيدني في البشارة ما أزداد به سروراً.
قال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه؛ قد ولدناه مراراً، والله باعثه جهاراً، وجاعل له منا أنصاراً؛ يعز بهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويفتتح كرائم الأرض، ويضرب بهم الناس عن عرض؛ يخمد الأديان، ويدحر الشيطان، ويكسر الأوثان، ويعبد الرحمن؛ قوله حكم وفصل، وأمره حزم وعدل؛ يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.
فقال عبد المطلب: طال عمرك، ودام جدك، وعز فخرك؛ فهل الملك يسرني بأن يوضح فيه بعض الإيضاح؟ فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الطنب، والعلامات والنصب، إنك يا عبد المطلب، لجده من غير كذب. فخر عبد المطلب ساجداً.
قال ابن ذي يزن: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئاً مما ذكرت لك؟ قال عبد المطلب: أيها الملك، كان لي ابن كنت له محباً وعليه حدباً مشفقاً، فزوجته كريمة من كرائم قومه، يقال لها آمنة بنت وهب بن عبد مناف، فجاءت بغلام بين كتفيه شامة، فيه كل ما ذكرت من علامة، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه.
قال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت، فاحفظ ابنك، واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلاً؛ اطو ما ذكرت لك، دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة، من أن تكون لكم الرياسة؛ فيبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، وهم فاعلون وأبناؤهم. ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مهاجر. فإني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق، أن يثرب دار هجرته، وبيت نصرته، ولولا أني أتوقى عليه الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأعلنت على حداثة سنة أمره، وأوطأت أقدام العرب عقبه؛ ولكني صارف ذلك إليك عن غير تقصير مني بمن معك.

ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد، وعشر إماء سود، وخمسة أرطال فضة، وحلتين من حلل اليمن، وكرش مملوءة عنبراً. وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول فأنبئني بما يكون من أمره.
فما حول الحول حتى مات ابن ذي يزن، فكان عبد المطلب بن هاشم يقول: يا معشر قريش، لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك فإنه إلى نفاذ، ولكن يغبطني بما يبقى لي ذكره وفخره لعقبي؛ فإذا قالوا له: وما ذاك؟ قال سيظهر بعد حين.

وفود عبد المسيح على سطيح
جرير بن حازم عن عكرمة ابن عباس قال: لما كان ليلة ولد النبي صلى الله عليه وسلم ارتج إيوان كسرى، فسقطت منه أربع عشرة شرفة؛ فعظم ذلك على أهل مملكته، فما كان أوشك أن كتب إليه صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة؛ وكتب إليه صاحب السماوة يخبره أن وادي السماوة انقطع تلك الليلة؛ وكتب إليه صاحب طبرية أن الماء لم يجر تلك الليلة في بحيرة طبرية؛ وكتب إليه صاحب فارس يخبره أن بيوت النيران خمدت تلك الليلة ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة. فلما تواترت الكتب أبرز سريره وظهر لأهل مملكته، فأخبرهم الخبر؛ فقال الموبذان: أيها الملك، إني رأيت تلك الليلة رؤيا هالتني؛ قال له: وما رأيت؟ قال: رأيت إبلاً صعاباً، تقوم خيلاً عراباً، قد اقتحمت دجلة وانتشرت في بلادنا؛ قال: رأيت عظيماً، فما عهدك في تأويلها؟ قال: ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء، ولكن أرسل إلى عاملك بالحيرة، يوجه إليك رجلاً من علمائهم، فإنهم أصحاب علم بالحدثان، فبعث إليه عبد المسيح بن نفيلة الغساني، فلما قدم عليه، أخبره كسرى الخبر؛ فقال له: أيها الملك، والله ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء، ولكن جهز إلى خال لي بالشام، يقال له سطيح؛ قال: جهزوه، فلما قدم على سطيح وجده قد احتضر، فناداه فلم يجبه، وكلمه فلم يرد عليه، فقال عبد المسيح:
أصم أم يسمع غطريف اليمن ... يا فاصل الخطة أعيت من ومن
أتاك شيخ الحي من آل سنن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن
رسول قيل العجم يهوي للوثن ... لا يرعب الوعد ولا ريب الزمن
فرفع إليه رأسه، وقال: عبد المسيح، على جمل مشيح، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح؛ بعثك ملك بني ساسان، لارتجاج الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان؛ رأى إبلاً صعاباً، تقود خيلاً عراباً؛ قد اقتحمت في الواد، وانتشرت في البلاد. يا عبد المسيح، إذا ظهرت التلاوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وظهر صاحب الهراوة، وخمدت نار فارس؛ فليست بابل للفرس مقاماً، ولا الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات، عدد سقوط الشرفات، وكل ما هو آت آت. ثم قال:
إن كان ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوار دهارير
منهم بنوا الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور
فربما أصبحوا منهم بمنزلة ... يهاب صولهم الأسد المهاصير
حثوا المطي وأدوا في رمالهم ... فما يقوم لهم سرح ولا كور
والناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أقل فمحقور ومهجور
والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور
ثم أتى كسرى فأخبره، فغمه ذلك. ثم تعزى فقال: إلى من يملك منا أربعة عشر ملكاً يدور الزمان. فهلكوا كلهم في أربعين سنة.
الوفود على رسول الله
وفود همدان على النبي
صلى الله عليه وسلم
قدم مالك بن نمط في وفد همدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقوه مقبلاً من تبوك، فقال مالك بن نمط: يا رسول الله، نصية من همدان، من كل حاضر وباد، أتوك على قلض نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف ويام وشاكر. عهدهم لا ينقض. عن سنة ما حل ولا سوداء عنقفير، ما أقام لعلع، وما جرى اليعفور بصلع.

فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم: هذا كتاب من محمد رسول الله إلى مخلاف خارف، وأهل جناب الهضب، وحفاف الرمل، مع وافدها ذي المشعار، مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه أن لهم فراعها ووهاطها وعزازها ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عفاها، لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل والفارض الداجن والكبش الحوري، وعليهم الصالغ والقارح.

وفود النخع على النبي
صلى الله عليه وسلم
قدم أبو عمرو النخعي على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني رأيت في طريقي هذه رؤيا، رأيت أتاناً تركتها في الحي ولدت جدياً أسفع أحوى؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك من أمة تركتها مصرة حملاً؟ قال: نعم، تركت أمة لي أظنها قد حملت؛ قال: فقد ولدت غلاماً وهو ابنك؛ قال: فما له أسفع أحوى؟ قال: ادن مني؛ فدنا منه. فقال: هل بك برص تكتمه؟ قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبياً ما رآه مخلوق ولا علم به؛ قال: فهو ذلك. قال: ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان؛ قال: ذلك ملك العرب عاد إلى أفضل زيه وبهجته. قال: ورأيت عجوزاً شمطاء تخرج من الأرض؛ قال: تلك بقية الدنيا. قال: ورأيت ناراً خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، ورأيتها تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، أطعموني، آكلكم آكلكم، أهلككم وما لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تلك فتنة في آخر الزمان: قال: وما الفتنة يا رسول الله؟ قال: يقتل الناس إمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس - وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه - يحسب المسيء أنه محسن، ودم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء.
وفود كلب على النبي صلى الله عليه وسلم قدم قطن بن حارثة العليمي في وفد كلب على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر كلاماً، فكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً نسخته: هذا كتاب من محمد رسول الله لعمائر طلب وأحلافها، ومن ظأره الإسلام من غيرها، مع قطن بن حارثة العليمي، فإقامة الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة لحقها، في شدة عقدها، ووفاء عهدها؛ بمحضر شهود من المسلمين: سعد بن عبادة، وعبد الله بن أنيس، ودحية بن خليفة الكلبي. عليهم في الحمولة الراعية البساط الظؤار، في كل خمسين ناقة غير ذات عوار، والحمولة المائرة لهم لاغية؛ وفي الشوي الوري مسنة حامل أو حائل، وفيما سقى الجدول من العين المعين العشر من ثمرها مما أخرجت أرضها، وفي العذي شطره بقيمة الأمين، فلا تزاد عليهم وظيفة ولا يفرق، يشهد الله تعالى على ذلك ورسوله. وكتب ثابت بن قيس بن شماس.
وفود ثقيف على النبي
صلى الله عليه وسلم
وفدت ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فكتب لهم كتاباً حين أسلموا: إن لهم ذمة الله، وإن واديهم حرام عضاهه وصيده وظلم فيه، وإن ما كان لهم من دين إلى أجل فبلغ أجله فإنه لياط مبرأ من الله ورسوله، وإن ما كان لهم من دين في رهن وراء عكاظ فإنه يقضى إلى رأسه ويلاط بعكاظ ولا يؤخر.
وفود مذحج على النبي
صلى الله عليه وسلم

وفد ظبيان بن حداد في سراة مذحج على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: بعد السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثناء على الله عز وجل بما هو أهله: الحمد لله الذي صدع الأرض بالنبات، وفتق السماء بالرجع. ثم قال: نحن قوم من سراة مذحج من يحابر بن مالك. ثم قال: فتوقلت بنا القلاص، من أعالي الحوف ورؤوس الهضاب، ترفعها عرر الربا، وتخفضها بطنان الرفاق، وتلحفها دياحي الدجى. ثم قال: وسروات الطائف كانت لبني مهلائيل بن قينان غرسوا وديانه، وذللوا خشانه، ورعوا قريانه. ثم ذكر نوحاً حين خرج من السفينة بمن معه، قال: فكان أكثر بنيه بناتا، وأسرعهم نباتا، عاد وثمود، فرماهم الله بالدمالق، وهم الذي خطوا مشاربها، وأتوا جداولها، وأحيوا غراسها، ورفعوا عريشها. ثم قال: وإن حمير ملكوا معاقل الأرض وقرارها، وكهول الناس وأغمارها، ورؤوس الملوك وغرارها، فكان لهم البيضاء والسوداء، وفارس الحمراء، والجزية الصفراء؛ فبطروا النعم، واستحقوا النقم، فضرب الله بعضهم ببعض. ثم قال: وإن قبائل من الأزد نزلوا على عهد عمرو بن عامر، ففتحوا فيها الشرائع، وبنوا فيها المصانع، واتخذوا الدسائع، ثم ترامت مذحج بأسنتها، وتنزت بأعنتها، فغلب العزيز أذلها، وقتل الكثير أقلها. ثم قال: وكان بنو عمرو بن جذيمة يخبطون عضيدها، ويأكلون حصيدها، ويرشحون خضيدها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن نعيم الدنيا أفل وأصغر عند الله من خرء بعيضة، ولو عدلت عند الله جناح ذباب لم يكن لكافر منها خلاق، ولا لمسلم منها لحاق.

وفود لقيط بن عامر بن المنتفق على النبي
صلى الله عليه وسلم
وفد لقيط بن المنتفق على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له، يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق. قال لقيط: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا لانسلاخ رجب، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيباً، فقال: أيها الناس، ألا إني قد خبأت لكم صوتي من أربعة أيام لتسمعوا الآن، ألا فهل من امرئ قد بعثه قومه؟ - فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم - ألا، ثم لعله أن يلهبه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه ضال، ألا وإني مسئول هل بلغت، ألا اسمعوا، ألا اجلسوا. فجلس الناس: وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره، قلت: يا رسول الله، ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعمر الله وهز رأسه، وعلم أني أبتغه سقطه؛ فقال: ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله. وأشار بيده. قلت: وما هي؟ قال: علم المنية، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه؛ وعلم ما في غد، وما أنت طاعم غداً، ولا تعلمه وعلم المني حين يكون في الرحم، قد علمه ولا تعلمونه؛ وعلم الغيث، يشرف عليكم آزلين مسنتين فيظل يضحك، قد علم أن عونكم قريب - قال لقيط: قلت: لن نعدم من رب يضحك خيراً - وعلم يوم الساعة؛ قلت: يا رسول الله، إني أسألك عن حاجتي فلا تعجلني؛ قال: سل عما شئت؛ قال قلت: يا رسول الله، علمنا مما لا يعلم الناس ومما تعلم، فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحداً، من مذحج التي تدنو إليها وخشعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلبثون ما لبثتم، ثم توفى نبيكم، ثم تلبثون حتى تبعث الصيحة، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين عند ربك، فيصبح ربك يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد، فيرسل ربك السماء بهضب من عند العرش، فلعمر ألهك ما تدع ظهرها من مصرع قتيل، ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلقه من قبل رأسه، يستوي اليوم!. ولعهده بالحياة يحسبه حديث عهد بأهله. فقلت: يا رسول الله، كيف يجمعنا بعد ما قد تفرقنا الرياح والبلى والسباع؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في إل الله، أشرفت على الأرض وهي مدبرة يابسة، فقلت: لا تحيا هذه أبداً؛ ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث إلا أياماً حتى أشرفت عليها وهي شربة واحدة. ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأصواء. - قال ابن إسحاق: الأصواء: أعلام القبور.

ومن مصارعكم، فتنظرون إليه ساعة وينظر إليكم. قال: قلت: يا رسول الله، كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في إل الله، الشمس والقمر آية منه صغيرة، ترونهما ويريانكم ساعة واحدة. ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما. قال: قلت: يا رسول الله، فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى منكم خافية، فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح بها قلبكم، فلعمر إلهك ما تخطئ وجه واحد منكم قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر بتخطمه بمثل الحمم الأسود، ثم ينصرف نبيكم ويتفرق على أثره الصالحون؛ قال: فتسلكون جسراً من النار، فيطأ أحدكم الجمر، فيقول: حس؛ فيقول ربك عز وجل: أو إنه؟ فتطلعون على حوض الرسول لا يظمأ والله ناهله، فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يظهره من الطوف والبول والأذى، وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما أحداً. قال: قلت: يا رسول الله، فبم نبصر يومئذ؟ قال: بمثل بصر ساعتك هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال. قال: قلت: يا رسول الله، فبم نجزى من سيآتنا وحسناتنا؟ قال: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها أو يعفو. قال: قلت: يا رسول الله، فما الجنة وما النار؟ قال: لعمر إلهك، إن للنار سبعة أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاماً، وإن للجنة لثمانية أبواب، ما منهما بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاماً. قال: قلت: يا رسول الله، فعلام نطلع من الجنة؟ قال: على أنها من عسل مصفى، وأنها من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنها من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن وفاكهة، لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة. قال: قلت: يا رسول الله، أولنا فيها أزواج، أو منهن صالحات؟ قال: الصالحات للصالحين، تلذون بهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذذن بكم، غير أن لا توالد. قال لقيط: قلت: أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه. فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم. قال: قلت: يا رسول الله، علام أبايعاك؟ قال: فبسط إلي يده وقال: على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزيال الشرك، فلا تشرك بالله إلهاً غيره. قال: فقلت: وإن لنا ما بين المشرق والمغرب؟ فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وظن أن أشترط عليه شيئاً لا يعطينيه قال: قلت نحل منها حيث شئنا، ولا يجزى عن امرئ إلا نفسه؟ فبسط إلي يده وقال: ذلك لك: حل حيث شئت، ولا يجزي عنك إلا نفسك. قال: فانصرفنا عنه.

وفود قيلة على النبي
صلى الله عليه وسلم

خرجت قيلة بنة مخرمة التميمية تبغي الصحبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عم بناتها، وهو أثوب بن أزهر، قد انتزع منها بناتها، فبكت جويرية منهن حديباء قد أخذتها الفرصة، عليها سبيج من صوف، فرحمتها فذهبت بها. فبينما هما ترتكان الجمل إذا انتفجت منه الأرنب. فقال الحديباء: الفصية، والله لا يزال كعبك أعلى من كعب أثوب، ثم سنح الثعب، فسمته اسماً غير الثعلب نسيه ناقل الحديث. ثم قالت فيه، مثل ما قالت في الأرنب، فبينما هما ترتكان الجمل إذ برك الجمل وأخذته رعدة. فقالت الحديباء: أخذتك - والأمانة إخذة أثوب. قالت قيلة: فقلت لها: فما أصنع؟ ويحك! قالت: قلبي ثيابك ظهورها لبطونها، وادحرجي ظهرك لبطنك، واقلبي أحلاس جملك، ثم خلعت سبيجها فقلبته، ثم ادحرجت ظهرها لبطنها، فلما فعلت ما أمرتني به انتفض الجمل، ثم قام فنأج وبال. فقالت: أعيدي عليه أداتك. ففعلت، ثم خرجنا نرتك، فإذا أثوب يسعى وراءنا بالسيف صلتا، فوألنا إلى حواء ضخم فداراه، حتى ألقه الجمل إلى رواقه الأوسط وكان جملاً ذلولاً، واقتحمت داخله، وأدركني بالسيف، فأصابت ظبته طائفة من قرون رأسيه، ثم قال: ألق إلي ابنة أخي يا دفار. فألقيتها إليه، فجعلها على منكبيه وذهب بها، وكنت أعلم به من أهل البيت. وخرجت إلى أخت لي ناكح في بني شيبان أبتغي الصحبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبينما أنا عندها تحسب أني نائمة، إذ جاء زوجها من السامر، فقال لها: وأبيك، لقد وجدت لقيلة صاحب صدق. قالت أختي: من هو؟ قال: حريث بن حسان الشيباني، وافد بكر بن وائل عاوياً ذا صياح. فقالت أختي: الويل لي! لا تخبرها، فتتبع أخا بكر بن وائل بين سمع الأرض وبصرها، ليس معها أحد من قومها؛ قال: لا ذكرته. قالت: وسمعت ما قالا فغدوت إلى جملي فشددت عليه، ثم نشدت عنه فوجدته غير بعيد، فسألته الصحبة؛ فقال: نعم وكرامة، وركابه مناخ عنده. قالت: فسرت معه صاحب صدق، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي بالناس صلاة الغداة، قد أقيمت حين شق الفجر، والنجوم شابكة في السماء، والرجال لا تكاد تعارف من ظلمة الليل فصففت مع الرجال، وأنا امرأة قريبة عهد بجاهلية. فقال الرجل الذي يليني من الصف: امرأة أنت أم رجل؟ فقلت: لا، بل امرأة؛ فقال: أنك كدت تفتنيني، فصلي في النساء وراءك. فإذا صف من نساء قد حدث عند الحجرات لم أكن رأيته إذا دخلت، فكنت فيهن، حتى إذا طلعت الشمس دنوت، لجعلت إذا رأيت رجلاً ذا رواء وقشر طمح إليه بصري لأرى رسول الله فوق الناس، حتى جاء رجل، فقال: السلام عليك يا رسول الله؛ فقال: وعليك السلام ورحمة الله؛ وعليه - تعني النبي صلى الله عليه وسلم أسمال مليتين، كانتا بزعفران قد نفضتا، ومعه عسيب نخلة مقشو غير خوصتين من أعلاه، وهو قاعد القرفصاء، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متخشعاً في الجلسة أرعدت من الفرق؛ فقال جليسه: يا رسول الله، أرعدت المسكينة. فقال رسول الله، ولم ينظر إلي وأنا عند ظهره: يا مسكينة عليك السكينة. قالت: فلما قالها صلى الله عليه وسلم أذهب الله ما كان دخل في قلبي من الرعب، وتقدم صاحب أول رجل فبايعه على الإسلام، عليه وعلى قومه، ثم قال: يا رسول الله، اكتب بيننا وبين تميم كتاباً بالدهناء لا يجاوزها إلينا منهم إلا مسافر أو مجاوز. قال: يا غلام، اكتب له بالدهناء. قالت: فلما رأيته أمر أن يكتب له، شخص بي، وهي وطني وداري، فقلت: يا رسول الله، إنه لم يسألك السوية من الأرض إذ سألك، إنما هذه الدهناء مقيد الجمل ومرعى الغنم، ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك؛ فقال: أمسك يا غلام، صدقت المسكينة: المسلم أخو المسلم، يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتان. فلما رأى حريث أن قد حيل دون كتابه، قال: كنت أنا وأنت كما قال في المثل: حتفها تحمل ضأن بأظلافها؛ فقلت: أما والله ما علمت إن كنت لدليلاً في الظلماء، جواداً لدى الرحل، عفيفاً عن الرفيقة حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا تلمني أن أسأل حظي إذ سألت حظك؛ قال: وأي حظ لك في الدهناء لا أبالك؟ قلت: مقيد جملي تريده لجمل امرأتك؛ فقال: لا جرم، إني أشهد رسول الله أني لك أخ ما حييت إذ أثنيت علي عنده؛ فقلت: إذ بدأتها فلن أضيعها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيلام ابن هذه أن يفضل الخطة

وينتصر من وراء الحجزة؛ فبكيت ثم قلت: فقد والله ولدته يا رسول الله حراماً، فقاتل معك يوم الربذة، ثم ذهب يمتري خيبر، فأصابته حماها ومات، فقال: لو لم تكوني مسكينة لجررناك على وجهك. أيغلب أحيدكم على أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفاً فإذا حال بينة وبينه من هو أولى بن استرجع ثم قال: رب آسني لما أمضيت، وأعني على ما أبقيت. فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعير له صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم. ثم كتب لها في قطعة أدم أحمر: لقيلة والنسوة من بنات قيلة أن لا يظلمن حقاً، ولا يكرهن على منكح، وكل مؤمن ومسلم لهن نصير، أحسن ولا تسئن.ينتصر من وراء الحجزة؛ فبكيت ثم قلت: فقد والله ولدته يا رسول الله حراماً، فقاتل معك يوم الربذة، ثم ذهب يمتري خيبر، فأصابته حماها ومات، فقال: لو لم تكوني مسكينة لجررناك على وجهك. أيغلب أحيدكم على أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفاً فإذا حال بينة وبينه من هو أولى بن استرجع ثم قال: رب آسني لما أمضيت، وأعني على ما أبقيت. فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعير له صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم. ثم كتب لها في قطعة أدم أحمر: لقيلة والنسوة من بنات قيلة أن لا يظلمن حقاً، ولا يكرهن على منكح، وكل مؤمن ومسلم لهن نصير، أحسن ولا تسئن.

كتاب رسول الله لأكيدر دومة
صلى الله عليه وسلم لأكيدر دومة
من محمد رسول الله لأكيدر دومة حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها: إن لنا الضاحية من الضحل والبور، والمعامي وأغفال الأرض، والحلقة، والسلاح والحافر والحصن؛ ولكم الضامنة من النخل والمعين من المعمور، ولا تعدل سارحتكم ولا تعد فاردتكم، ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق، ولكم به الصدق والوفاء، شهد الله ومن حضر من المسلمين.
كتابه لوائل بن حجر الحضرمي
صلى الله عليه وسلم لوائل بن حجر الحضرمي
من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب من أهل حضرموت، بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، في التيعة شاة، لا مقورة الألياط ولا ضناك، وأنطوا الثبجة؛ والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، لا خلاط ولا وراط، ولا شناق، ولا شغار، ومن أجبى فقد أربى، وكل مسكر حرام.
حديث جرير بن عبد الله البجلي
قدم جرير بن عبد الله البجلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن منزله ببيشة، فقال: سهل ودكداك، وسلم وأراك، وحمض وعلاك، إلى نخلة ونخلة، ماؤها ينبوع، وجنابها مريع، وشتاؤها ربيع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن خير الماء الشبم، وخير المال الغنم، وخير المرعى الأراك، والسلم إذا أخلف كان لجينا، وإذا سقط كان درينا، وإذا أكل كان لبينا. وفي كلامه عليه السلام: إن الله خلق الأرض السفلى من الزبد الجفاء، والماء الكباء.
حديث عياش بن أبي ربيعة
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عياش بن أبي ربيعة إلى بني عبد كلال، وقال له: خذ كتابي بيمينك وادفعه بيمينك في أيمانهم، فهم قائلون لك اقرأ، فاقرأ: " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين " ، فإذا فرغت منها فقل: آمن محمد وأنا أول المؤمنين، فلن تأتيك حجة إلا وقد دحضت، ولا كتاب زخرف إلا وذهب نوره، ومح لونه، وهم قارئون، فإذا رطنوا فقد ترجموا، فقل: حسن، آمنت بالله وبما أنزل من كتاب الله، فإذا أسلموا، فسلهم قضبهم الثلاثة التي إذا تخصروا بها سجد لهم: وهي الأثل، قضيب ملمع ببياض، وقضيب ذو عجر كأنه من خيزران، والأسود البهيم، كأنه من ساسم، اخرج بها فحرقها في سوقهم.
حديث راشد بن عبد ربه السلمي
عبد الله بن الحكم الواسطي عن بعض أشياخ أهل الشام قال قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب على نجران، فولاه الصلاة والحرب، ووجه راشد بن عبد ربه أميراً على القضاء والمظالم. فقال راشد بن عبد ربه:
صحا القلب عن سلمى وأقصر شأوه ... وردت عليه ما نفته تماضر
وحكمه شيب القذال عن الصبا ... وللشيب عن بعض الغواية زاجر
فأقصر جهلي اليوم وارتد باطلي ... عن الجهل لما آبيض مني الغدائر

على أنه قد هاجه بعد صحوة ... بمعرض ذي الآجام عيس بواكر
ولما دنت من جانب الغوط أخصبت ... وحلت ولاقاها سليم وعامر
وخبرها الركبان أن ليس بينها ... وبين قرى بصرى ونجران كافر
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر

وفود نابغة بني جعدة على النبي
صلى الله عليه وسلم
وفد أبو ليلى نابغة بني جعدة على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنشده شعره الذي يقول فيه:
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا
قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إلى أين أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله. فلما انتهى إلى قوله:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا يفضض الله فاك، فعاش مائة وثلاثين سنة لم تنفض له سن. وبقي حتى وفد على عبد الله بن الزبير في أيامه بمكة وامتدحه؛ فقال له: يا أبا ليلى، أن أدنى وسائلك عندنا الشعر، لك في مال الله حقان: حق برؤيتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق بشركتك أهل الإسلام في فيئهم، ثم أحسن صلته وأجازه.
وفود طهفة بن أبي زهير على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
لما قدمت وفود العرب على النبي صلى الله عليه وسلم، قام طهفة بن أبي زهير، فقال: يا رسول الله، أتيناك من غوري تهامة بأكوار الميس، ترمي بنا العيس، نستحلب الصبير، ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير؛ ونستخيل الرهام، ونستجيل الجهام؛ من أرض غائلة النطاء، غليظة الوطاء؛ قد نشف المدهن، ويبس الجعئن؛ ومات العسلوج؛ وسقط الأملوج؛ وهلك الهدي، ومات الودي. برئنا يا رسول الله من الوثن والعنن، وما يحدث الزمن؛ لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام؛ ما طمى البحر وقام تعار؛ ولنا نعم همل أغفال، ما تبص ببلال؛ ووقير كثير الرسل قليل الرسل أصابتها سنية حمراء، مؤزلة ليس بها علل ولا نهل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك لهم في محضها ومحضها ومذقها، وابعث راعيها في الدثر، بيانع الثمر؛ وافجر له الثمد، وبارك له في المال والولد؛ من أقام الصلاة كان مسلماً، ومن أتى الزكاة كان محسناً، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصاً. لكم يا بني نهد، ودائع الشرك، ووضائع الملك؛ لا تلطط في الزكاة، ولا تلحد في الحياة، ولا تثاقل عن الصلاة.
وكتب معه كتاباً على بني نهد: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد: السلام على من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، ولكم الفارض والفريش، وذو العنان الركوب، والفلو الضبيس، لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس دركم، ما لم تضمروا الإمآق، وتأكلوا الرباق، من أقر بما في هذه الكتاب، فله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى عليه فعليه الربوة.
الوفود على عمر بن الخطاب
وفود جبلة بن الأيهم
على عمر بن الخطاب رضي الله عنه

العجلى قال: حدثني أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر بن الأجدع الكوفي بهيت، قال: حدثني إبراهيم بن علي مولى بني هاشم، قال: حدثنا ثقات شيوخنا: أن جبلة بن الأيهم بن أبي شمر الغساني لما أراد أن يسلم كتب إلى عمر بن الخطاب من الشام يعلمه بذلك يستأذنه في القدوم عليه، فسر بذلك عمر والمسلمون، فكتب إليه أن أقدم ولك ما لنا وعليك ما علينا: فخرج جبلة في خمسمائة فارس من عك وجفنة، فما دنا من المدينة ألبسهم ثياب الوشي المنسوج بالذهب والفضة، ولبس يومئذ جبلة تاجه وفيه قرط مارية، وهي جدته، فلم يبق يومئذ بالمدينة أحد إلا خرج ينظر إليه حتى النساء والصبيان، وفرح المسلمون بقدومه وإسلامه، حتى حضر الموسم من عامه ذلك مع عمر بن الخطاب، فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطئ على إزاره رجل من بني فزارة فحله، فالتفت إليه جبلة مغضباً، فلطمه فهشم أنفه، فاستعدى عليه الفزاري عمر بن الخطاب، فبعث إليه فقال: ما دعاك يا جبلة إلى أن لطمت أخاك هذا الفزاري فهشمت أنفه؟ فقال: إنه وطئ أزاري فحله، ولولا حرمة هذا البيت لأخذت الذي في عيناه؛ فقال له عمر: أما أنت فقد أقررت، إما أن ترضيه وإلا أقدته منك؛ قال: أتقيده مني وأنا ملك وهو سوقة؟ قال: يا جبلة، إنه قد جمعك وإياه الإسلام، فما تفضله بشيء إلا بالعافية؛ قال: والله لقد رجوت أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية؛ قال عمر: دع عنك ذلك؛ قال: إذن أتنصر؛ قال: إن تنصرت ضربت عنقك. قال: واجتمع قوم جبلة وبنو فزارة فكادت تكون فتنة؛ فقال جبلة: أخرني إلى غد يا أمير المؤمنين؛ قال: ذلك لك. فلما كان جنح الليل خرج هو وأصحابه، فلم يئن حتى دخل القسطنطينية على هرقل فتنصر، وأقام عنده، وأعظم هرقل قدوم جبلة وسر بذلك، وأقطعه الأموال والأرضي والرباع. فلما بعث عمر بن الخطاب رسولاً إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام أجابه إلى المصالحة على غير الإسلام، فلما أراد أن يكتب جواب عمر، قال للرسول: ألقيت ابن عمك هذا الذي ببلدنا - يعني جبلة - الذي أتانا راغباً في ديننا؟ قال: ما لقيته؛ قال: آلقه، ثم ائتني أعطك جواب كتابك. وذهب الرسول إلى باب جبلة، فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة وكثر الجمع مثل ما على باب هرقل. قال الرسول: فلم أزل أتلطف في الإذن، حتى أذن لي، فدخلت عليه، فرأيت رجلاً أصهب اللحية ذا سبال، وكان عهدي به أسمر أسود اللحية والرأس، فنظرت إليه فأنكرته، فإذا هو قد دعا بسحالة الذهب فذرها في لحيته حتى عاد أصهب، وهو قاعد على سرير من قوارير، قوائمه أربعة أسود من ذهب، فلما عرفني رفعني معه في السرير، فجعل يسائلني عن المسلمين، فذكرت خيراً وقلت: قد أضعفوا أضعافاً على ما تعرف؛ فقال: كيف تركت عمر ابن الخطاب؟ قلت: بخير، فرأيت الغم قد تبين فيه، لما ذكرت له من سلامة عمر؛ قال: فانحدرت عن السرير؛ فقال: لم تأبى الكرامة التي أكرمناك بها؟ قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا؛ قال: نعم، صلى الله عليه وسلم، ولكن نق قلبك من الدنس، ولا تبال علام قعدت. لما سمعته يقول: صلى الله عليه وسلم، طمعت فيه؛ فقلت له: ويحك يا جبلة! ألا تسلم وقد عرفت الإسلام وفضلة؟ قال: أبعدها ما كان مني؟ قلت: نعم، قد فعل رجل من بني فزارة أكثر مما فعلت، ارتد عن الإسلام وضرب وجوه المسلمين بالسيف، ثم رجع إلى الإسلام، وقبل ذلك منه، وخلفه بالمدينة مسلماً؛ قال: ذرني من هذا، إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الأمر من بعده رجعت إلى الإسلام؛ قال: ضمنت لك التزوج، ولم أضمن لك الإمرة؛ قال: فأومأ إلى خادم بين يديه، فذهب مسرعاً، فإذا خدم قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام، فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحاف الفضة، وقال لي: كل، فقبضت يدي، وقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة، فقال نعم، صلى الله عليه وسلم، ولك نق قلبك وكل فيما أحببت، قال: فأكل في الذهب والفضة وأكلت في الخليج، فلما رفع الطعام جيء بطساس الفضة وأباريق الذهب، وأومأ إلى خادم بين يديه، فمر مسرعاً، فسمعت حساً، فالتفت، فإذا خدم معهن الكراسي مرصعة بالجواهر، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره، ثم سمعت حساً، فإذا عشر جوار قد أقبلن مطمومات الشعر متكسرات في الحلي عليهن ثياب الديباج، فلم أر وجوها قط أحسن منهن، فأقعدهن على الكراسي عن يمينه ثم

سمعت حساً، فإذا عشر جوار أخرى، فأجلسهن على الكراسي عن يساره، ثم سمعت حساً، فإذا جارية كأنها الشمس حسناً وعلى رأسها تاج، وعلى ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه، وفي يدها اليمنى جام فيه مسك وعنبر، وفي يدها اليسرى جام فيه ماء ورد؛ فأومأت إلى الطائر، أو قال فصفرت بالطائر، فوقع في جام ماء الورد فاضطرب فيه، ثم أومأت إليه، أو قال فصفرت به، فطار حتى نزل على صليب في تاج جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما ريشه عليه، وضحك جبلة من شدة السرور حتى بدت أنيابه، ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه، فقال: بالله أطربنني. فاندفعن يتغنين يخفقن بعيدانهن ويقلن:معت حساً، فإذا عشر جوار أخرى، فأجلسهن على الكراسي عن يساره، ثم سمعت حساً، فإذا جارية كأنها الشمس حسناً وعلى رأسها تاج، وعلى ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه، وفي يدها اليمنى جام فيه مسك وعنبر، وفي يدها اليسرى جام فيه ماء ورد؛ فأومأت إلى الطائر، أو قال فصفرت بالطائر، فوقع في جام ماء الورد فاضطرب فيه، ثم أومأت إليه، أو قال فصفرت به، فطار حتى نزل على صليب في تاج جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما ريشه عليه، وضحك جبلة من شدة السرور حتى بدت أنيابه، ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه، فقال: بالله أطربنني. فاندفعن يتغنين يخفقن بعيدانهن ويقلن:
لله در عصابة نادمتهم ... يوماً بجلق في الزمان الأول
يسقون من وريد البريص، عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول
قال: فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت: لا، قال: قائله حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم التفت إلى الجواري اللاتي عن يساره، فقال: بالله أبكيننا، فاندفعن يتغنين يخفقن بعيدانهن ويقلن:
لمن الدار أقفرت بمعان ... بين أعلى اليرموك فالخمان
ذاك مغنى لآل جفنة في الدهر ... محلاً لحادث الأزمان
قد أراني هناك دهراً مكيناً ... عند ذلك التاج مقعدي ومكاني
ودنا الفصح فالولائد ينظمن ... سراعاً أكلة المرجان
لم يعللن بالمغافير والصمغ ... ولا نقف حنظل الشريان
قال: فبكى حتى جعلت الدموع تسيل على لحيته، ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت لا أدري؛ قال: حسان بن ثابت. ثم أنشأ يقول:
تنصرت الأشراف من عار لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني منها لجاج ونخوة ... وبعت لها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى الأمر الذي قال لي عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر
ثم سألني عن حسان: أحي هو؟ قلت: نعم، تركته حياً. فأمر لي بكسوة ومال، ونوق موقرة برا، ثم قال لي: إن وجدته حياً، فادفع إليه الهدية وأقرئه سلامي، وإن وجدته ميتاً فادفعها إلى أهله، وانحر الجمال على قبره. فلما قدمت على عمر أخبرته خبر جبلة وما دعوته إليه من الإسلام، والشرط الذي شرطه، وأني ضمنت له التزوج، ولم أضمن له الإمرة. فقال: هلا ضمنت له الإمرة؟ فإذا أفاء الله به الإسلام قضى عليه بحكمه عز وجل. ثم ذكرت له الهدية التي أهداها إلى حسان بن ثابت. فبعث إليه، وقد كف بصره؛ فأتي به وقائد يقوده، فلما دخل، قال: يا أمير المؤمنين، إني لأجد رياح آل جفنة عندك؛ قال: نعم، هذا رجل أقبل من عنده؛ قال: هات يا بن أخي، إنه كريم من كرام مدحتهم في الجاهلية فحلف أن لا يلقى أحداً يعرفني إلا أهدى إلي معه شيئاً. فدفعت إليه الهدية: المال والثياب، وأخبرته بما كان أمر به في الإبل إن وجد ميتاً؛ فقال: وددت أني كنت ميتاً، فنحرت على قبري.
قال الزبير: وانصرف حسان وهو يقول:
إن ابن جفنة من بقية معشر ... لم يغذهم آباؤهم باللوم

لم ينسني بالشام إذ هو ربها ... مهلكاً ولا متنصراً بالروم
يعطى الجزيل ولا يراه عنده ... إلا كبعض عطية المذموم
فقال له رجل كان في مجلس عمر: أتذكر ملوكاً كفرة أبادهم الله وأفناهم؟ قال: ممن الرجل؟ قال: مزني؛ قال: أما والله لولا سوابق قومك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لطوقت؛ طوق الحمامة. قال: ثم جهزني عمر إلى قيصر وأمرني أن أضمن لجبلة ما اشترط به، فلما قدمت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته، فعملت أن الشقاء غلب عليه في أم الكتاب.

وفود الأحنف
على عمر بن الخطاب رضي الله عنه
المدائني قال: قدم الأحنف بن قيس التميمي على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أهل البصرة وأهل الكوفة، فتكلموا عنده في أنفسهم وما ينوب كل واحد منهم، وتكلم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إن مفاتيح الخير بيد الله، وقد أتتك وفود أهل العراق، وإن إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازل الأمم الخالية، والملوك الجبابرة، ومنازل كسرى وقيصر، وبني الأصفر، فهم من المياه العذبة، والجنان المخصبة، في مثل حولاء السلى وحدقة البعير؛ تأتيهم ثمارهم غضة لم تتغير، وإنا نزلنا أرضاً نشاشة، طرف في فلاة وطرف في ملح أجاج، جانب منها منابت القصب، وجانب سبخة نشاشة، لا يجف ترابها، ولا ينبت مرعاها، تأتينا منافعها في مثل مريء النعامة، يخرج الرجل الضعيف منا يستعذب الماء من فرسخين، وتخرج المرأة بمثل ذلك ترنق ولدها ترنيق العنز، تخاف عليه العدو والسبع، فإلا ترفع خسيستنا، وتنعش ركيستنا، وتجبر فاقتنا، وتزيد في عيالنا عيالاً، وفي رجالنا رجالاً، وتصفر درهمنا، وتكبر قفيزنا، وتأمر لنا بحفر نهر نستعذب به الماء هلكنا.
قال عمر: هذا والله السيد! هذا والله السيد! قال الأحنف: فما زلت أسمعها بعدها.
فأراد زيد بن جبلة أن يضع منه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس هناك، وأمه باهلية. قال عمر: هو خير منك إن كان صادقاً. يريد إن كانت له نية. فقال الأحنف:
أنا ابن الباهلية أرضعتني ... بثدي لا أجد ولا وخيم
أغض على القذى أجفان عيني ... إذا شر السفيه إلى الحليم
قال: فرجع الوفد واحتبس الأحنف عنده حولاً وأشهراً، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حذرنا كل منافق صنع اللسان، وإني خفتك فاحتبستك، فلم يبلغني عنك إلا خير، رأيت لك جولاً ومعقولاً، فارجع إلى منزلك واتق الله ربك. وكتب إلى أبي موسى الأشعري: أن يحتفر لهم نهراً.
وفود الأحنف وعمرو بن الأهتم
على عمر بن الخطاب رضي الله عنه
العتبي عن أبيه قال: وفد الأحنف وعمرو بن الأهتم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأراد أن يقرع بينهما في الرياسة، فلما اجتمعت بنو تميم، قال الأحنف:
ثوى قدح عن قومه طالما ثوى ... فلما أتاهم قال قوموا تناجزوا
فقال عمرو بن الأهتم: إنا كنا وأنتم في دار جاهلية فكان الفضل فيها لمن جهل، فسفكنا دماءكم، وسبينا نساءكم، وإنا اليوم في دار الإسلام، والفضل فيها لمن حلم، فغفر الله لنا ولك. قال: فغلب يومئذ عمرو بن الأهتم على الأحنف ووقعت القرعة لآل الأهتم. فقال عمرو بن الأهتم:
لما دعتني للرياسة منقر ... لدى مجلس أضحى به النجم باديا
شددت لها أزري وقد كنت قبلها ... لأمثالها مما أشد إزاريا
وعمرو بن الأهتم: هو الذي تكلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأله عن الزبرقان؛ فقال عمرو: مطاع في أدنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله، إنه ليعلم مني أكثر مما قال، ولكن حسدني، قال: أما والله يا رسول الله، إنه لزمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الولد، لئيم الخال، والله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى، رضيت عن ابن عمي فقلت أحسن ما علمت، ولم أكذب، وسخطت عليه فقلت أقبح ما علمت، ولم أكذب؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً.
وفود عمرو بن معد يكرب
على عمر بن الخطاب رضي الله عنه
إذ أوفده سعد

لما فتحت القادسية على يدي سعد بن أبي وقاص، أبلى فيها عمرو بن معد يكرب بلاء حسناً، فأوفده سعد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكتب إليه معه بالفتح وأثنى في الكتاب على عمرو. فلما قدم على عمر بن الخطاب سأله عنه سعد؛ فقال: أعرابي في نمرته، أسد في تأمورته، نبطي في جبايته، يقسم بالسوية، ويعدل في القضية، وينفر في السرية، وينقل إلينا حقنا نقل الذرة. فقال عمر: لشد ما تقارضتما الثناء. وكان عمر قد كتب إلى سعد يوم القادسية أن يعطى الناس على قدر ما معهم من القرآن. فقال سعد لعمرو بن معد يكرب: ما معك من القرآن؟ قال: ما معي شيء؛ قال: إن أمير المؤمنين كتب إلي أن أعطي الناس على قدر ما معهم من القرآن؛ فقال عمرو:
إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد ... قالت قريش ألا تلك المقادير
نعطى السوية من طعن له نفذ ... ولا سوية إذ نعطى الدنانير
قال: فكتب سعد بأبياته إلى عمر. فكتب إليه أن يعطى على مقاماته في الحرب.

وفود أهل اليمامة على أبي بكر الصديق
رضي الله عنه
وفد أهل اليمامة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بعد إيقاع خالد بهم وقتله مسيلمة الكذاب؛ فقال لهم أبو بكر: ما كان يقول صاحبكم؟ قالوا: أعفنا يا خليفة رسول الله؛ قال: لا بد أن تقولوا؛ قالوا: كان يقول: يا ضفدع، كم تنقين، لا الشراب تمنعين، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريش قوم لا يعدلون. فقال لهم أبو بكر: وحيكم! ما خرج هذا من إل ولا بر، فأين ذهب بكم؟ قال أبو عبيد: الإل: الله تعالى. والبر: الرجل الصالح.
وفود عمرو بن معد يكرب على مجاشع بن مسعود
وفد عمرو بن معد يكرب الزبيدي على مجاشع بن مسعود السلمي - وكانت بين عمرو وبين سليم حروب في الجاهلية - فقدم عليه البصرة يسأله الصلة؛ فقال: اذكر حاجتك؛ فقال له: حاجتي صلة مثلي. فأعطاه عشرة آلاف درهم، وفرساً من بنات الغبراء، وسيفاً جرازاً، ودرعاً حصينة، وغلاماً خبازاً. فلما خرج من عنده، قال له أهل المجلس: كيف وجدت صاحبك؟ قال: لله در بني سليم، ما أشد في الهيجاء لقاءها، وأكرم في اللأواء عطاءها، وأثبت في المكرمات بناءها، والله يا بني سليم لقد قاتلناكم في الجاهلية فما أجبناكم، ولقد هاجيناكم فما أقحمناكم، وقد سألناكم فما أبخلناكم.
فلله مسؤولاً نوالاً ونائلاً ... وصاحب هيج يوم هيج مجاشع
الوفود على معاوية
وفود الحسن بن علي
رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه
أبو بكر بن أبي شيبة قال: وفد الحسن بن علي رضي الله عنهما على معاوية بعد عام الجماعة، فقال له معاوية، والله لأحبونك بجائزة ما أجزت بها أحداً قبلك، ولا أجيز بها أحداً بعدك، فأمر بمائة ألف.
وفي بعض الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل على ابنته فاطمة، فوجد الحسن طفلاً يلعب بين يديها، فقال لها: إن الله تعالى سيصلح على يدي ابنك هذا بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
وفود زيد بن منية
على معاوية رحمه الله
العتبي قال: قدم زيد بن منية على معاوية من البصرة - وهو أخو يعلى بن منية صاحب جمل عائشة ومتولي تلك الحروب، ورأس أهل البصرة، وكان عتبة بن أبي سفيان قد تزوج يعلى بن منية - فلما دخل على معاوية، شكا إليه ديناً لزمه؛ فقال: يا كعب، أعطه ثلاثين ألفاً، فلما ولى قال: وليوم الجمل ثلاثين ألفاً أخرى: ثم قال له: الحق بصهرك - يعني عتبة - فقدم عليه مصر، فقال: إن سرت إليك شهرين أخوض فيهما المتالف، ألبس أردية الليل مرة، وأخوض في لجج السراب أخرى، موقراً من حسن الظن بك، وهارباً من دهر قطم، ودين لزم، بعد غنى جدعنا به أنوف الحاسدين، فلم أجد إلا إليك مهربا، وعليك معولاً؛ فقال عتبة: مرحباً بك وأهلاً، إن الدهر أعاركم غنى، وخلطكم بنا، ثم استرد ما أمكنه أخذه، وقد أبقى لكم منا ما لا ضيعة معه، وأنا واضع يدي ويدك بيد الله. فأعطاه ستين ألفاً، كما أعطاه معاوية رحمه الله.
وفود عبد العزيز بن زرارة
على معاوية رحمه الله
العتبي عن أبيه قال:

وفد عبد العزيز بن زرارة على معاوية، وهو سيد أهل الكوفة، فلما أذن له وقف بين يديه، وقال: يا أمير المؤمنين، لم أزل أهز ذوائب الرحال إليك، إذ لم أجد معولاً إلا عليك؛ أمتطي الليل بعد النهار، وأسم المجاهل بالآثار، يقودني إليك أمل، وتسوقني بلوى؛ والمجتهد يعذر، وإذ بلغتك فقطني. فقال معاوية: احطط عن راحتك رحلها.
وخرج عبد العزيز بن زرارة مع يزيد بن معاوية إلى الصائفة فهلك هناك، فكتب به يزيد بن معاوية إلى معاوية، فقال لزرارة: أتاني اليوم نعي سيد شباب العرب؛ قال زرارة: يا أمير المؤمنين، هو ابني أو ابنك؟ قال: بل ابنك؟ قال: للموت ما تلد الوالدة.
أخذ سابق البريري فقال:
وللموت تغدو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدار تبنى المساكن
وقال آخر:
للموت يولد منا كل مولود ... لا شيء يبقى ولا يفنى بموجود

وفود عبد الله جعفر على يزيد بن معاوية
المدائني قال: قدم عبد الله بن جعفر على يزيد بن معاوية. فقال له: كم كان عطاؤك؟ فقال له: ألف ألف، قال: قد أضعفاناها لك؛ قال: فداك أبي وأمي، وما قلتها لأحد قبلك؛ قال: أضعفناها لك ثانية. فقيل ليزيد: أتعطي رجلاً واحداً أربعة آلاف ألف! فقال: ويحكم! إنما أعطيتها أهل المدينة أجمعين، فما يده فيها إلا عارية. فلما كان في السنة الثانية قدم عبد الله بن جعفر، وقدم مولى له يقال له نافع، كانت له منزلة من يزيد بن معاوية. قال نافع: فلما قدمنا عليه أمر لعبد الله بن جعفر بألف ألف، وقضى عنه ألف ألف، ثم نظر إلي فتبسم؛ فقلت: هذه لتلك الليلة. وكنت سامرته ليلة في خلافة معاوية وأسمعته فيها فذكرته بها. وقدمت عليه هدايا من مصر كثيرة، فأمر بها لعبد الله بن جعفر، وكان له مائة ناقة، فقلت لابن جعفر: لو سألته منها شيئاً نحتلبه في طريقنا؟ ففعل، فأمر بصرفها كلها إليه. فلما أراد الوداع أرسل إلي فدخلت عليه، فقال: ويلك! إنما أخترك لأتفرغ إليك، هات قول جميل:
خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي
قال: فأسمعته! فقال: أحسنت والله؛ هات حاجتك. فما سألته شيئاً إلا أعطانيه؛ فقال: إن يصلح الله هذا الأمر من قبل ابن الزبير تلقنا بالمدينة، فإن هذا لا يحسن إلا هناك. فمنع والله من ذلك شؤم ابن الزبير.
الوفود على عبد الملك بن مروان
وفود عبد الله بن جعفر
على عبد الملك بن مروان
قال بديح: وفد عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان، وكان زوج ابنته أم كلثوم من الحجاج على ألفي ألف في السر وخمسمائة في العلانية، وحملها إليه إلى العراق، فمكثت عنده ثمانية أشهر. قال بديح: فلما خرج عبد الله بن جعفر إلى عبد الملك بن مروان، خرجنا معه حتى دخلنا دمشق، فإنا لنحط رحالنا إذ جاءنا الوليد بن عبد الملك على بغلة وردة ومعه الناس، فقلنا: جاء إلى ابن جعفر ليحييه ويدعوه إلى منزله. فاستقبله ابن جعفر بالترحيب؛ فقال له: لكن أنت لا مرحباً بك ولا أهلاً؛ مهلاً يا بن أخي، فلست أهلاً لهذه المقالة منك؛ قال: بلى ولشر منها؛ قال: وفيم ذلك؟ قال: إنك عمدت إلى عقيلة نساء العرب، وسيدة بني عبد مناف، ففرشتها عبد ثقيف يتفخذها؛ قال: وفي هذا عتب علي يا بن أخي؟ قال: وما أكثر من هذا؟ قال: والله إن أحق الناس أن لا يلومني في هذا لأنت وأبوك، إن كان من قبلكم من الولاة ليصلون رحمي، ويعرفون حقي، وإنك وأباك منعتماني ما عندكما حتى ركبني من الدين ما والله لو أن عبداً مجدعاً حبشياً أعطاني بها ما أعطاني عبد ثقيف لزوجتها، فإنما فديت بها رقبتي من النار. قال: فما راجعه كلمة حتى عطف عنانه، ومضى حتى دخل على عبد الملك - وكان الوليد إذا غضب عرف ذلك في وجهه - فلما رآه عبد الملك قال: مالك أبا العباس؟ قال: إنك سلطت عبد ثقيف وملكته ورفعته، حتى تفخذ نساء عبد مناف، وأدركته الغير. فكتب عبد الملك إلى الحجاج يعزم عليه أن لا يضع كتابه من يده حتى يطلقها. فما قطع الحجاج عنها رزقاً ولا كرامة يجريها عليها حتى خرجت من الدنيا. قال: وما زال واصلاً لعبد الله بن جعفر حتى هلك.
قال بديح: فما كان يأتي علينا هلال إلا وعندنا عير مقبلة من الحجاج، عليها لطف وكسوة وميرة، حتى لحق عبد الله بن جعفر بالله.

ثم استأذن ابن جعفر على عبد الملك، فلما دخل عليه استقبله عبد الملك بالترحيب، ثم أخذ بيده فأجلسه معه على سريره، ثم سأله فألطف المسألة، حتى سأله عن مظعمه ومشربه، فلما انقضت مسألته، قال له يحيى بن الحكم: أمن خبيثة كان وجهك أبا جعفر؟ قال: وما خبيثة؟ قال: أرضك التي جئت منها؛ قال: سبحان الله! رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميها طيبة وتسميها خبيثة! لقد اختلفتما في الدنيا وأظنكما في الآخرة مختلفين. فلما خرج من عنده هيأ له ابن جعفر هدايا وألطافاً. فقلت لبديح: ما قيمة ذلك؟ قال: قيمته مائة ألف، من وصفاء ووصائف وكسوة وحرير ولطف من لطف الحجاز. قال: فبعثني بها، فدخلت عليه وليس عنده أحد، فجعلت أعرض عليه شيئاً شيئاً. قال: فما رأيت مثل إعظامه لكل ما عرضت عليه من ذلك، وجعل يقول كلما أريته شيئاً: عافى الله أبا جعفر، ما رأيت كاليوم، وما كنا نريد أن يتكلف لنا شيئاً من هذا، وإن كنا لمتذممين محتشمين. قال: فخرجت من عنده، وإذن لأصحابه، فوالله لبينا أنا أحدثه عن تعجب عبد الملك وإعظامه لما أهدى إليه، إذا بفارس قد أقبل علينا، فقال: أبا جعفر، إن أمير المؤمنين يقرأ السلام عليك، ويقول لك: جمعت لنا وخش رقيق الحجاز أباقهم، وحبست عنا فلانة، فابعث بها إلينا - وذلك أنه حين دخل عليه أصحابه جعل يحدثهم عن هدايا ابن جعفر ويعظمها عندهم؛ فقال له يحيى بن الحكم: وماذا أهدى إليك ابن جعفر؟ جمع لك وخش رقيق الحجاز وأباقهم وحبس عنك فلانة؛ قال: ويلك! وما فلانة هذه؟ قال: ما لم يسمع والله أحد بمثلها قط جمالاً وكمالاً وخلقاً وأدباً، لو أراد كرامتك بعث بها إليك؛ قال: وأين تراها، وأين تكون؟ قال: هي والله معه، وهي نفسه التي بين جنبيه - فلما قال الرسول ما قال، وكان ابن جعفر في أذنه بعض الوقر إذا سمع ما يكره تصام، فأقبل علي فقال: ما يقول بديح؟ قال: قلت: فإن أمير المؤمنين يقرأ السلام ويقول: إنه جاءني بريد من ثغر كذا يقول: إن الله نصر المسلمين وأعزهم؛ قال: اقرأ أمير المؤمنين السلام، وقل له: أعز الله نصرك، وكبت عدوك؛ فقال الرسول: يا أبا جعفر، إني لست أقول هذا، وأعاد مقالته الأولى. فسألني، فصرفته إلى وجه آخر؛ فأقبل علي الرسول، فقال: يا ماص أبرسل أمير المؤمنين تهكم؟ وعن أمير المؤمنين تجيب هذا الجواب؟ قال: والله لأطلن دمك؛ فانصرف. وأقبل علي ابن جعفر فقال: من ترى صاحبنا؟ قال: صاحبك بالأمس؛ قال: أظنه، فما الرأي عندك؟ قلت: يا أبا جعفر، قد تكلفت له ما تكلفت فإن منعتها إياه جعلتها سبباً لمنعك، ولو طلب أمير المؤمنين إحدى بناتك ما كنت أرى أن تمنعها إياه، قال: ادعها لي. فلما أقبلت رحب بها، ثم أجلسها إلى جنبه، ثم قال: أما والله ما كنت أظن أن يفرق بيني وبينك إلا الموت؛ قالت: وما ذاك؟ قال: إنه حدث أمر وليس والله كائناً فيه إلا ما أحببت، جاء الدهر فيه بما جاء؛ قالت: وما هو؟ قال: إن أمير المؤمنين بعث يطلبك، فإن تهوين فذاك، وإلا والله لا يكون أبداً؛ قالت: ما شيء لك فيه هوى ولا أظن فيه فرجاً عنك إلا فديته بنفسي، وأرسلت عينيها بالبكاء؛ فقال لها: أما إذا فعلت فلا ترين مكروهاً، فمسحت عينيها، وأشار إلي فقال: ويحك يا بديح! استحثها قبل أن تتقدم إلي من القوم بادرة. قال: ودعا بأربع وصائف ودعا من صاحب نفقته بخمسمائة دينار، ودعا مولاة له كانت تلي طيبه، فدحست لها ربعة عظيمة مملوءة طيباً، ثم قال: عجلها ويلك! فخرجت أسوقها حتى انتهيت إلى الباب، وإذا الفارس قد بلغ عني، فما تركني الحجاب أن تمس رجلاي الأرض حتى أدخلت على عبد الملك وهو يتلظى؛ فقال لي: يا ماص! وكذا أنت المجيب عن أمير المؤمنين والمتهكم برسله؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ائذن لي أتكلم؛ قال: وما تقول يا كذا وكذا؟ قلت: ائذن لي يجعلني الله فداك أتكلم؛ قال: تكلم؛ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا أصغر شأناً، وأقل خطراً من أن يبلغ كلامي من أمير المؤمنين ما أرى، وهل أنا إلا عبد من عبيد أمير المؤمنين، نعم قد قلت ما بلغك، وقد يعلم أمير المؤمنين أنا إنما نعيش في كنف هذا الشيخ، وأن الله لم يزل إليه محسناً، فجاءه من قبلك شيء ما أتاه قط مثله، إنما طلبت نفسه التي بين جنبيه، فأجبت بما بلغك لأسهل الأمر عليه، ثم سألني فأخبرته، واستشارني فأشرت عليه، وها هي ذه قد جئتك بها؛ قال: أدخلها ويلك! قال:

فأدخلتها عليه، وعنده مسلمة ابنه غلام ما رأيت مثله ولا أجمل منه حين اخضر شاربه، فلما جلست وكلها أعجب بكلامها، فقال: لله أبوك! أمسكك لنفسي أحب إليك، أم أهبك لهذا الغلام؟ فإنه ابن أمير المؤمنين؛ قالت: يا أمير المؤمنين، لست لك بحقيقة، وعسى أن يكون هذا الغلام لي وجهاً؛ قال: فقام من مكانه ما راجعها؛ فدخل وأقبل عليها مسلمة، يالكاع، أعلى أمير المؤمنين تختارين؟ قالت: يا عدو نفسه، إنما تلومني أن اخترتك! لعمر الله، لقد قال: رأي من اختارتك. قال: فضيقت والله مجلسه؛ واطلع علينا عبد الملك، قد ادهن بدهن وارى الشيب، وعليه حلة تتلألأ كأنها الذهب، بيده مخصرة يخطر بها، فجلس مجلسه على سريره، ثم قال: إيها! لله أبوك! أمسكك لنفسي أحب لك، أم أهبك لهذا الغلام؟ قالت: ومن أنت أصلحك الله؟ قال لها الخصي: هذا أمير المؤمنين؛ قالت: لست مختارة على أمير المؤمنين أحداً؛ قال: فأين قولك آنفاً؟ قالت: رأيت شيخاً كبيراً، وأرى أمير المؤمنين أشب الناس وأجملهم، ولست مختارة عليه أحداً، قال: دونكها يا مسلمة.دخلتها عليه، وعنده مسلمة ابنه غلام ما رأيت مثله ولا أجمل منه حين اخضر شاربه، فلما جلست وكلها أعجب بكلامها، فقال: لله أبوك! أمسكك لنفسي أحب إليك، أم أهبك لهذا الغلام؟ فإنه ابن أمير المؤمنين؛ قالت: يا أمير المؤمنين، لست لك بحقيقة، وعسى أن يكون هذا الغلام لي وجهاً؛ قال: فقام من مكانه ما راجعها؛ فدخل وأقبل عليها مسلمة، يالكاع، أعلى أمير المؤمنين تختارين؟ قالت: يا عدو نفسه، إنما تلومني أن اخترتك! لعمر الله، لقد قال: رأي من اختارتك. قال: فضيقت والله مجلسه؛ واطلع علينا عبد الملك، قد ادهن بدهن وارى الشيب، وعليه حلة تتلألأ كأنها الذهب، بيده مخصرة يخطر بها، فجلس مجلسه على سريره، ثم قال: إيها! لله أبوك! أمسكك لنفسي أحب لك، أم أهبك لهذا الغلام؟ قالت: ومن أنت أصلحك الله؟ قال لها الخصي: هذا أمير المؤمنين؛ قالت: لست مختارة على أمير المؤمنين أحداً؛ قال: فأين قولك آنفاً؟ قالت: رأيت شيخاً كبيراً، وأرى أمير المؤمنين أشب الناس وأجملهم، ولست مختارة عليه أحداً، قال: دونكها يا مسلمة.
قال بديح: فنشرت عليه الكسوة والدنانير التي معي، وأريته الجواري والطيب؛ قال: عافى الله ابن جعفر، أخشي أن لا يكون لها عندنا نفقة وطيب وكسوة؟ فقلت: بلى، ولكن أحب أن يكون معها ما تكتفي به حتى تستأنس. قال: فقبضها مسلمة. فلم تلبث عنده إلا يسيراً حتى هلكت. قال بديح: فوالله الذي ذهب بنفس مسلمة، ما جلست معه مجلساً، ولا وقفت موقفاً أنازعه فيه الحديث إلا قال: أبغني مثل فلانة، فأقول: أبغني مثل ابن جعفر.
قال: فقلت لبديح: ويلك! فما أجازه به؟ قال: قال: حين دفع إليه حاجته ودينه، لأجيزنك جائزة، لو نشر لي مروان من قبره ما زدته عليها، فأمر له بمائة ألف، وأيم الله إني لا أحسبه أنفق في هديته ومسيره ذلك وجاريته التي كانت عدل نفسه مائتي ألف.

وفود الشعبي
على عبد الملك بن مروان
كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: أن ابعث رجلاً يصلح للدين وللدنيا، أتخذه سميراً وجليساً وخلياً؛ فقال الحجاج: ما له إلا عامر الشعبي، وبعث به إليه. فلما دخل عليه وجده قد كبامهتماً، فقال: ما بال أمير المؤمنين؟ قال: ذكرت قول زهير:
كأني وقد جاوزت تسعين حجة ... خلعت بها عني عذار لجامي
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برامي
فلو أنني أرمى بنبل رأيتها ... ولكنني أرمى بغير سهام
على الراحتين تارة وعلى العصا ... أنوء ثلاثاً بعدهن قيامي
قال له الشعبي: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كما قال لبيد بن ربيعة وقد بلغ سبعين حجة:
كأني وقد جاوزت سبعين حجة ... خلصت بها عن منكبي ردائياً
ولما بلغ سبعاً وسبعين سنة قال:
بانت تشكي إلى النفس موهنة ... وقد حملتك سبعاً بعد سبعيناً
فإن تزادي ثلاثاً تبلغي أملاً ... وفي الثلاث وفاء للثمانيناً
ولما بلغ تسعين سنة قال:
وقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد
ولما بلغ عشراً ومائة قال:

أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي خلت ... أنوء كأني كلما قمت راكع
ولما بلغ ثلاثين ومائة وحضرته الوفاة قال:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
فقوما فقولا بالذي تعلمانه ... ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر
وقولا هو المرء الذي لا صديقه ... أضاع ولا خان الخليل ولا غدر
إلى سنة ثم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
قال الشعبي: فلقد رأيت السرور في وجه عبد الملك طمعاً أن يعيشها.

وفود الحجاج بإبراهيم بن محمد
بن طلحة على عبد الملك بن مروان
عمران بن عبد العزيز قال:

لما ولي الحجاج بن يوسف الحرمين بعد قتله ابن الزبير استخلص إبراهيم بن محمد بن طلحة فقربه وعظم منزلته، فلم تزل حاله عنده حتى خرج إلى عبد الملك بن مروان، فخرج معه معادلاً، لا يقصر له في بر ولا إعظام، حتى حضر به عبد الملك، فلما دخل عليه لم يبدأ بشيء بعد السلام إلا أن قال له: قدمت عليك أمير المؤمنين برجل الحجاز، لم أدع له بها نظيراً في الفضل والأدب والمروءة وحسن المذهب، مع قرابة الرحم ووجوب الحق وعظم قد الأبوة وما بلوت منه في الطاعة والنصيحة وحسن الموازرة، وهو إبراهيم بن محمد بن طلحة، وقد أحضرته بابك ليسهل عليه إذنك، وتعرف له ما عرفتك؛ فقال: أذكرتنا رحماً قريبة وحقاً واجباً، يا غلام، ائذن لإبراهيم بن محمد بن طلحة، فلما دخل عليه أدناه عبد الملك حتى أجلسه على فراشه، ثم قال له: يا بن طلحة، إن أبا محمد ذكرنا ما لم نزل نعرفك به في الفضل والأدب والمروءة وحسن المذهب، مع قرابة الرحم ووجوب الحق وعظم قدر الأبوة، وما بلاه منك في الطاعة والنصيحة وحسن الوازرة، فلا تدعن حاجة عن خاصة نفسك وعامتك إلا ذكرتها؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن أول الحوائج وأحق ما قدم بين يدي الأمور ما كان لله فيه رضا، ولحق نبيه صلى الله عليه وسلم أداء، ولك فيه ولجماعة المسلمين نصيحة، وعندي نصيحة لا أجد بداً من ذكرها، ولا أقدر على ذلك إلا وأنا خال، فأخلني يا أمير المؤمنين ترد عليك نصيحتي؛ قال: دون أبي محمد؟ قال: نعم، دون أبي محمد. قال عبد الملك للحجاج: قم. فلما خطرف الستر أقبل علي، فقال: يا بن طلحة، قل نصيحتك؛ فقال: تالله يا أمير المؤمنين، لقد عمدت إلى الحجاج في تغطرسه، وتعجرفه، وبعده من الحق، وقربه من الباطل، فوليته الحرمين، وهما ما هما وبهما ما بهما من المهاجرين والأنصار والموالي الأخيار يطؤهم بطغام أهل الشام ورعاع لا روية لهم في إقامة حق ولا في إزاحة باطل، ويسومهم الخسف ويحكم فيهم بغير السنة، بعد الذي كان من سفك دمائهم، وما انتهك من حرمهم، ثم ظننت أن ذلك فيما بينك وبين الله زاهق، وفيما بينك وبين نبيك غداً إذا جاثاك للخصومة بين يدي الله في أمته، أما والله لا تنجو هنالك إلا بحجة، فاربع على نفسك أودع. فقال له عبد الملك: كذبت ومنت وظن بك الحجاج ما لم يجده فيك، وقد يظن الخير بغير أهله، قم فأنت الكاذب المائن. قال: فقمت وما أعرف طريقاً، فلما خطرف الستر لحقني لاحق، فقال: احبسوا هذا، وقال للحجاج: ادخل، فدخل، فمكث ملياً من النهار لا أشك أنهما في أمري، ثم خرج الآذن، فقال: ادخل يا بن طلحة، فلما كشف لي الستر لقيني الحجاج، وهو خارج وأنا داخل، فاعتنقني وقبل ما بين عيني، وقال: أما إذا جزى الله المتواخيين خيراً تواصلهم فجزاك الله عني أفضل الجزاء، فوالله لئن سلمت لك لأرفعن ناظرك، ولأعلين كعبك، ولأتبعن الرجال غبار قدميك؛ قال: قلت: يهزأ بي وحق الكعبة. فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أدناني عن مجلسي الأول، ثم قال: يا بن طلحة، لعل أحداً شاركك في نصيحتك هذه؟ قلت: والله يا أمير المؤمنين، ما أعلم أحداً أنصع عندي يداً ولا أعظم معروفاً من الحجاج، ولو كنت محابياً أحداً لغرض دنيا لحابيته، ولكني آثرت الله ورسوله وآثرتك والمؤمنين عليه؛ قال: قد علمت أنك لم ترد الدنيا، ولو أردتها لكانت لك في الحجاج، ولكن أردت الله والدار الآخرة، وقد عزلته عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما، وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استقلالاً لهما، ووليته العراقين، وما هنالك من الأمور التي لا يدحضها إلا مثله، وأعلمته أنك استدعيتني إلى ولايته عليهما استزادة له، لألزمه بذلك من حقك ما يؤدي إليك عني أجر نصيحتك، فاخرج معه فإنك غير ذام لصحبته. فخرجت مع الحجاج وأكرمني أضعاف إكرامه.

وفود رسول المهلب على الحجاج
بقتل الأزارقة
أبو الحسن المدائني قال:

لما هزم المهلب بن أبي صفرة قطري بن الفجاءة صاحب الأزارقة، بعث إلى مالك بن بشير، فقال له: إني موفدك إلى الحجاج فسر، فإنما هو رجل مثل؛ وبعث إليه بجائزة، فردها وقال: إنما الجائزة بعد الاستحقاق، وتوجه. فلما دخل إلى الحجاج؛ قال له، ما اسمك؟ قال: مالك بن بشير؛ قال: ملك وبشارة؛ كيف تركت المهلب؟ قال: أدرك ما أمل وأمن من خاف؛ قال: كيف هو بجنده؟ قال: والد رءوف؛ قال: فكيف جنده له؟ قال أولاد بررة؛ قال: كيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم بالفضل وأقنعهم بالعدل؛ قال: فكيف تصنعون إذا لقيتم عدوكم؟ قال: نلقاهم بحدنا فنطمع فيهم، ويلقوننا بحدهم فيطعمون فينا؛ قال: كذلك الحد إذا لقي الحد؛ قال: فما حال قطري؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه؛ قال: فما منعكم من إتباعه؟ قال: رأينا المقام من ورائه خيراً من إتباعه؛ قال: فأخبرني عن ولد المهل؛ قال: أعباء القتال بالليل، حماة السرح بالنهار؛ قال: أيهما أفضل؟ قال: ذلك إلى أبيهم؛ قال: لتقولن؛ قال: هم كحلقة مضروبة لا يعرف طرفاها؛ قال: أقسمت عليك، هل روأت في هذا الكلام؟ قال: ما أطلع الله على غيبة أحداً؛ فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله الكلام المطبوع، لا الكلام المصنوع.

وفود جرير
على عبد الملك بن مروان
لما مدح جرير بن الخطفي الحجاج بن يوسف بشعره الذي يقول فيه:
من سد مطلع النفاق عليكم ... أم من يصول كصولة الحجاج
أم من يغار على النساء حفيظة ... إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
وقوله:
دعا الحجاج مثل دعاء نوح ... فأسمع ذا المعارج فاستجابا
قال له الحجاج: إن الطاقة تعجز عن المكافأة، ولكني موفدك على أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فسر إليه بكتابي هذا. فسار إليه، ثم استأذنه في الإنشاد، فأذن له، فقال:
أتصحو بل فؤادك غير صاحي
قال له عبد الملك: بل فؤادك. فلما انتهى إلى قوله:
تعزت أم حزرة ثم قالت ... رأيت الواردين ذوي امتياح
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
سأشكر إن رددت إلي ريشي ... وأثبت القوادم في جناحي
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
ارتاح عبد الملك وكان متكئاً، فاستوى جالساً، ثم قال: من مدحنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو ليسكت؛ ثم قال له: يا جرير، أترى أم حزرة ترويها مائة ناقة من نعم كلب؟ قال: إذا لم تروها يا أمير المؤمنين فلا أرواها الله. فأمر له بمائة ناقة من نعم كلب كلها سود الحدقة؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنها أباق ونحن مشايخ، وليس بأحدنا فضل عن راحلته؛ فلو أمرت بالرعاء؛ فأمر له بثمانية من الرعاء. وكانت بين يدي عبد الملك صحاف من فضة يقرعها بقضيب في يده؛ فقال له جرير: والمحلب يا أمير المؤمنين، وأشار إلى صحفة منها، فنبذها إليه بالقضيب وقال: خذها لا نفعتك. ففي ذلك يقول جرير:
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا شرف
الوفود على عمر بن عبد العزيز
وفود جرير
عن أهل الحجاز على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
قدم جرير بن الخطفي، على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، عن أهل الحجاز فاستأذنه في الشعر، فقال: ما لي وللشعر يا جرير؟ إني لفي شغل عنه؛ قال: يا أمير المؤمنين، إنها رسالة عن أهل الحجاز؛ قال: فهاتها إذاً؛ فقال:
كم من ضرير أمير المؤمنين لدى ... أهل الحجاز دهاه البؤس والضرر
أصابت السنة الشهباء ما ملكت ... يمينه فحناه الجهد والكبر
ومن قطيع الحشا عاشت مخبأة ... ما كانت الشمس تلقاها ولا القمر
لما اجتلتها صروف الدهر كارهة ... قامت تنادي بأعلى الصوت يا عمر
وفود دكين الراجز
على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه

قال دكين بن رجاء الفقيمي الراجز: مدحت عمر بن عبد العزيز، وهو والي المدينة، فأمر لي بخمس عشرة ناقة كرائم صعاباً، فكرهت أن أرمي بها الفجاج فتنشر علي، ولم تطب نفسي ببيعها، فقدمت علينا رفقة من مضر، فسألتهم الصحبة، فقالوا: إن خرجت الليلة؛ فقلت: إني لم أودع الأمير ولا بد من وداعه؛ قالوا: فإن الأمير لا يحجب عن طارق ليل؛ فاستأذنت عليه، فأذن لي وعنده شيخان لا أعرفهما؛ فقال لي: يا دكين، إن لي نفساً تواقة، فإن أنا صرت إلى أكثر مما أنا في فبعين ما أرينك؛ قلت: أشهد لي بذلك أيها الأمير؛ قال: إني أشهد الله؛ قلت: ومن خلقه؟ قال: هذين الشيخين؛ قلت لأحدهما: من أنت يرحمك الله أعرفك؟ قال: سالم بن عبد الله؛ فقلت: لقد استسمنت الشاهد؛ وقلت للآخر: من أنت يرحمك الله؟ قال: أبو يحيى مولى الأمير، وكان مزاحم يكنى أبا يحيى. قال دكين: فخرجت بهن إلى بلدي فرمى الله في أذنابهن بالبركة، حتى اتخذت منهن الضياع والربع والغلمان، فإني لبصحراء فلج إذا بريد يركض إلى الشام، فقلت له: هل من مغربة خبر قال: مات سليمان بن عبد الملك؛ قلت: فمن القائم بعده؟ قال: عمر بن عبد العزيز. قال: فأنخت قلوصي، فألقيت عليها أداتي وتوجهت عنده، فلقيت جريراً في الطريق جائياً من عنده، فقلت: من أيا أبا حزرة؟ قال: من عند أمير يعطي الفقراء ويمنع الشعراء؛ قلت: فما ترى، فإني خرجت إليه؟ قال: عول عليه في مال ابن السبيل، كما فعلت. فانطلقت فوجدته قاعداً على كرسي في عرصة داره قد أحاط الناس به، لم أجد إليه سبيلاً للوصول، فناديت بأعلى صوتي:
يا عمر الخيرات والمكارم ... وعمر الدسائع العظائم
إني امرؤ من قطن بن دارم ... أطلب حاجي من أخي مكارم
إذ ننتجي والله غير نائم ... في ظلمة الليل وليلي عاتم
عند أبي يحيى وعند سالم
فقام أبو يحيى، ففرج لي وقال: يا أمير المؤمنين، إن لهذا البدوي عندي شهادة عليك؛ قال: أعرفها، ادن مني يا دكين، أنا كما ذكرت لك أن لي نفساً تواقة، وأن نفسي تاقت إلى أشرف منازل الدنيا؛ فلما أدركتها وجدتها تتوق إلى الآخرة، والله ما رزأت من أمور الناس شيئاً فأعطيك منه، وما عندي إلا ألفا درهم، أعطيك أحدهما؛ فأمر لي بألف درهم. فوالله ما رأيت ألفاً كانت أعظم بركة منها.

وفود كثير والأحوص
على عمر بن العزيز رضي الله عنه
حماد الراوية قال:

قال لي كثير عزة: ألا أخبرك عما دعاني إلى ترك الشعر؟ قلت: نعم؛ قال: شخصت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وكل واحد منا يدل عليه بسابقة وإخاء قديم، ونحن لا نشك أنه سيشر كنا في خلافته، فلما رفعت لنا أعلام خناصرة، لقينا مسلمة بن عبد الملك، وهو يومئذ فتى العرب؛ فسلمنا، فرد، ثم قال: أما بلغكم أن إمامكم لا يقبل الشعر؟ قلنا ما توضح إلينا خبر حتى انتهينا إليك، ووجمنا وجمة عرف ذلك فينا؛ فقال: إن يك ذو دين بنى مروان قد ولي وخشيتم حرمانه، فإن ذا دنياها قد بقي ولكم عندي ما تحبون، وما ألبث حتى أرجع إليكم وأمنحكم ما أنتم أهله. فلما قدم كانت رحالنا عنده بأكرم منزل وأكرم منزول عليه؛ فأقمنا عنده أربعة أشهر يطلب لنا الإذن هو وغيره فلا يؤذن لنا، إلى أن قلت في جمعة من تلك الجمع: لو أني دنوت من عمر فسمعت كلامه فحفظته كان ذلك رأيا، ففعلت. فكان مما حفظت من كلامه: لكل سفر زاد لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من ثوابه أو عقابه، فترغبوا وترهبوا، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم؛ في كلام كثير لا أحفظه. ثم قال: أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي، وتظهر عيلتي، وتبدو مسكنتي، في يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق. ثم بكى حتى ظننت أنه قاض نحبه، وارتج المسجد وما حوله بالبكاء فانصرفت إلى صاحبي فقلت لهما: خذا في شرج من الشعر غير ما كنا نقول لعمر وآبائه، فإن الرجل آخري وليس بدنيوي. إلى أن استأذن لنا مسلمة في يوم جمعة ما أذن للعامة، فلما دخلت سلمت ثم قلت: يا أمير المؤمنين، طال الثواء وقلت الفائدة وتحدثت بجفائك إيانا وفود العرب؛ قال؛ يا كثير " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل " أفي واحد من هؤلاء أنت؟ قلت: بلى، ابن سبيل منقطع به، وأنا ضاحك؛ قال: ألست ضيف أبي سعيد؟ قلت: بلى؛ قال: ما أرى ضيف أبي سعيد منقطعاً به؛ قلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في الإنشاء؟ قال: نعم، ولا تقل إلا حقاً، فقلت:
وليت فلم تشتم عليا ولم تخف ... بريا ولم تقبل إشارة مجرم
وصدقت بالفعل المقال مع الذي ... أتيت فأمسى راضياً كل مسلم
ألا إنما الفتى بعد زيغة ... من الأود البادي ثقاف المقوم
وقد لبست لبس الهلوك ثيابها ... تراءى لك الدنيا بكف ومعصم
وتومض أحياناً بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظم
فأعرضت عنها مشمئزاً كأنما ... سقتك مدوفاً من سمام وعلقم
وقد كنت من أجبالها في ممنع ... ومن بحرها في مزبد الموج مفعم
وما زلت تواقاً إلى كل غاية ... بلغت بها أعلى البناء المقوم
فلما أتاك الملك عفواً ولم يكن ... لطالب دنيا بعده من تكلم
تركت الذي يفنى وإن كان مونقا ... وآثرت ما يبقى برأي مصمم
وأضررت بالفاني وشمرت للذي ... أمامك في يوم من الهول مظلم
ومالك إذ كنت الخليفة مانع ... سوى الله من مال رغيب ولا دم
سما لك هم في الفؤاد مؤرق ... بلغت به أعلى المعالي بسلم
فما بين شرق الأرض والغرب كلها ... مناد ينادي من فصيح وأعجم
يقول: أمير المؤمنين ظلمتني ... بأخذ للدينار ولا أخذ درهم
ولا بسط كف لامرئ غير مجرم ... ولا السفك منه ظالماً ملء محجم
ولو يستطيع المسلمون لقسموا ... لك الشطر من أعمارهم غير ندم
فأربح بها من صفقة لمبايع ... وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم
قال: فأقبل علي وقال: إنك مسؤول عما قلت. ثم تقدم الأحوص فاستأذنه في الإنشاد؛ فقال: قل ولا تقل إلا حقاً؛ فقال:
وما الشعر إلا حكمة من مؤلف ... بمنطق حق أو بمنطق باطل
فلا تقبلن إلا الذي وافق الرضا ... ولا ترجعنا كالنساء الأرامل

رأيناك تعدل عن الحق يمنة ... ولا شأمة فعل الظلوم المخاتل
ولكن أخذت الحق جهدك كله ... وتقفو مثال الصالحين الأوائل
فقلنا ولم نكذب بما قد بدا لنا ... ومن ذا يرد الحق من قول قائل
ومن ذا يرد السهم بعد مضائه ... على فوقه إذ عار من نزع نابل
ولولا قد عودتنا خلائف ... غطاريف كانوا كالليوث البواسل
لما وخدت شهراً برحلى شملة ... تقدمتون البيد بين الرواحل
ولكن رجونا منك مثل الذي به ... حبينا زماناً من ذويك الأوائل
فإن لم يكن للشعر عندك موضع ... وإن كان مثل الدر من نظم قائل
وكان مصيباً صادقاً لا يعيبه ... سوى أنه يبنى بناء المنازل
فإن لنا قربى ومحض مودة ... وميراث آباء مشوا بالمناصل
فذادوا عدو السلم عن عقر دارهم ... وأرسوا عمود الدين بعد التمايل
وقبلك ما أعطى الهنيدة جلة ... على الشعر كعباً من سديس وبازل
رسول الإله المستضاء بنوره ... عليه سلام الضحى والأصائل
فقال: إنك مسؤول عما قلت. قم تقدم نصيب فاستأذنه في الإنشاد، فلم يأذن له، وأمره بالغزو إلى دابق، فخرج إليها وهو محموم. وأمر لي بثلثمائة، وللأحوص بمثلها، ولنصيب بمائة وخمسين.

وفود الشعراء
على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
ابن الكبى: لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وفدت إليه الشعراء كما كانت تفد إلى الخلفاء قبله، فأقاموا ببابه أياماً لا يأذن لهم بالدخول، حتى قدم عون بن عبد الله بن عنبة بن مسعود على عمر بن عبد العزيز، وعليه عمامة قد أرخى طرفيها، وكانت له منه مكانة، فصاح به جرير:
يا أيها الرجل المرخي عمامته ... هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أني لدى الباب كالمصفود في قرن
وحش المكانة من أهلي ومن لدى ... نائي المحلة عن داري وعن وطني
قال: نعم أبا حزرة ونعمى عين. فلما دخل على عمر، قال: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء ببابك، وأقوالهم باقية وسنانهم مسنونة؛ قال: يا عون: مالي وللشعراء؛ قال: يا أمير المؤمنين، إن النبي صلى الله عليه وسلم: قد مدح وأعطى، وفيه أسوة لكل مسلم؛ قال: ومن مدحه؟ قلت: عباس بن مرداس، فكساه حلة قطع بها لسانه؛ قال: وتروي قول؟ قلت: نعم:
رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتاباً جاء بالحق معلما
ونورت بالبرهان أمراً مدمساً ... وأطفأت بالبرهان ناراً مضرما
فمن مبلغ عني النبي محمداً ... وكل امرئ يجزى بما قد تكلما
تعالى علواً فوق عرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما
قال: صدقت، فم بالباب منهم؟ قلت: ابن عمك عمر بن أبي ربيعة؛ قال: لا قرب الله قرابته ولا حيا وجهه، أليس هو القائل:
ألا ليت أني يوم حانت منيتي ... شممت الذي ما بين عينيك والفم
وليت طهوري كان ريقك كله ... وليت حنوطي من مشاشك والدم
ويا ليت سلمى في القبو ضجيعتي ... هنالك أو في جنة أو جهنم
فليته والله تمنى لقاءها في الدنيا، ويعمل عملاً صالحاً، والله لا دخل علي أبداً؛ فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: جميل بن معمر العذري؛ قال: هو الذي يقول:
ألا ليتنا نحيا جميعاً وإن نمت ... يوافي لدى الموتى ضريحي ضريحها
فما أنا في طول الحياة براغب ... إذا قيل قد سوي عليها صفيحها
أظل نهاري لا أراها ويلتقي ... مع الليل روحي في المنام وروحها
اعزب به، فوالله لا دخل علي أبداً، فمن غير من ذكرت؟ قلت: كثير عزة؛ قال: هو الذي قال:
رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خروا لعزة راكعين سجودا

اعزب به، فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: الأحوص الأنصاري؛ قال: أبعد الله ومحقه، أليس هو القائل، وقد أفسد على أهل المدينة جارية عرب بها منه:
الله بيني وبين سيدها ... يفر عني بها وأتبع
اعزب به، فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: همام بن غالب الفرزدق؛ قال: أليس هو القائل يفخر بالزنى:
هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحي يرجى أم قتيل نحاذره
وأصبحت في القوم الجلوس وأصبحت ... مغلقة دوني عليها دساكره
فقلت ارفعا الأسباب لا يشعروا بنا ... ووليت في أعقاب ليل أبادره
اعزب به، فوالله لا دخل علي أبداً، فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: الأخطل التغلبي؛ قال: أليس هو القائل:
فلست بصائم رمضان عمري ... ولست بآكل لهم الأضاحي
ولست بزاجر عنسا بكوراً ... إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بقائم كالعير يدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولاً ... وأسجد عند منبلج الصباح
اعزب به، فوالله لا وطئ لي بساطاً أدباً وهو كافر، فمن الباب غير من ذكرت؟ قلت: جرير بن الخطفي؛ قال: أليس هو القائل:
لولا مراقبة العيون أريتنا ... مقل المها وسوالف الآرام
هل ينهينك أن قتلن مرقشا ... أو ما فعلن بعروة بن حزام
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام
طرقتك صائدة القول وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام
فإن كان ولا بد فهذا، فأذن له فخرجت إليه، فقلت: ادخل أبا حزرة؛ فدخل وهو يقول:
إن الذي بعث النبي محمداً ... جعل الخلافة في إمام عادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه ... حتى أرعوى وأقام ميل المائل
والله أنزل في القرآن فريضة ... لابن السبيل وللفقير العائل
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً ... والنفس مولعة بحب العاجل
فلما مثل بين يديه، قال: اتق الله يا جرير، ولا تقل إلا حقاً؛ فأنشأ يقول:
كم باليمامة من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
ممن يعدك تكفي فقد والده ... كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر
يدعوك دعوة ملهوف كأن به ... خبلا من الجن أو مسا من البشر
خليفة الله ماذا تأمرن بنا ... لنا إليكم ولا في دار منتظر
ما زلت بعدك في هم يؤرقني ... قد طال في الحي إصعادي ومنحدري
لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا باد على حضر
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة إذ كانت له قدراً ... كما أتى ربه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
فقال: يا جرير، والله لقد وليت هذا الأمر، وأملك إلا ثلثمائة، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام، أعطه المائة الباقية؛ فقال: والله يا أمير المؤمنين إنها لأحب مال إلي كسبته، ثم خرج؛ فقالوا له: ما وراءك؟ قال: ما يسوؤكم، خرجت من عند أمير المؤمنين يعطى الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض، ثم أنشأ يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقياً.

الوفود على ابن الزبير
وفود نابغة بني جعدة على ابن الزبير
رحمه الله تعالى:
الزبير بن بكار قاضي الحرمين قال: أقحمت السنة نابغة بني جعدة، فوفد إلى ابن الزبير، فدخل عليه في المسجد الحرام، ثم أنشده:
حكيت لنا الصديق لما وليتنا ... وعثمان والفاروق فارتاح معدم
وسويت بين الناس في الحق فاستووا ... فعاد صباحاً حالك اللون مظلم
أتاك أبو ليلى يجوب به الدجى ... دجى الليل جواب الفلاة عثمثم

لتجبر منه جانباً زعزعت به ... صروف الليالي والزمان المصمم
فقال له ابن الزبير: هو عليك أبا ليلى، فالشعر أدنى وسائل عندنا، أما صفوة أموالنا فلآل الزبير، وأما عفوته فإن بني أسد وتيماً تشغلها عنك، ولكن لك في مال الله سهمان، سهم برؤيتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسهم بشركتك أهل الإسلام في فيئهم، ثم أخذ بيده ودخل به دار النعم فأعطاه قلائص سبعاً، وجملاً رحيلاً، وأوقر له الركاب براً وتمراً وثياباً. فجعل النابغة يستعجل فيأكل الحب صرفاً؛ فقال ابن الزبير: ويح أبي ليلى! لقد بلغ به الجهد؛ قال النابغة: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما وليت قريش فعدلت، واسترحمت فرحمت، وحدثت فصدقت، ووعدت خيراً فأنجزت، فأنا والنبيون فراط القاصفين.
قال الزبير بن بكار: الفارط: الذي يتقدم إلى الماء يصلح الرشاء والدلاء. والقاصف: الذي يتقدم لشراء الطعام.

وفود أهل الكوفة على ابن الزبير
رحمة الله تعالى
قال: لما قتل صعب بن الزبير المختار بن أبي عبيد خرج حاجاً، فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير بمكة، ومعه وجوه أهل العراق، فقال له: يا أمير المؤمنين، جئتك بوجوه أهل العراق، لم أدع لهم بها نظيراً، لتعطيهم من هذا المال؛ قال: جئتني بعبيد أهل العراق لأعطيهم مال الله! والله لا فعلت. فلما دخلوا عليه وأخذوا مجالسهم، قال لهم: يا أهل الكوفة، وددت والله أن لي بكم من أهل الشام صرف الدينار والدرهم، بل لكل عشرة رجلاً. قال عبيد الله بن ظبيان: أتدري يا أمير المؤمنين ما مثلنا ومثلك فيما ذكرت؟ قال: وما ذلك؟ قال: فإن مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام، كما قال أعشى بكر بن وائل:
علقتها عرضاً وعقلت رجلاً ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل
أحببناك نحن، وأحببت أنت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك. ثم انصرف القوم من عنده خائبين، فكاتبوا عبد الملك بن مروان وغدروا بمصعب بن الزبير.
وفود رؤبة على أبي مسلم
الأصمعي قال: حدثنا رؤبة قال: قدمت على أبي مسلم صاحب الدعوة، فأنشدته، فناداني: يا رؤية؛ فنوديت له من كل مكان: يا رؤبة، فأجبت:
لبيك إذ دعوتني لبيكا ... أحمد ربا ساقني إليكا
الحمد والنعمة في يديكا
قال: بل في يدي الله عز وجل؛ قلت: وأنت لما أنعمت حمدت. ثم استأذنت في الإنشاد، فأذن لي فأنشدته:
ما زال يأتى الملك من أقطاره ... وعن يمينه وعن يساره
مشمراً لا يصطلى بناره ... حتى أقر الملك في قرراه
فقال: إنك أتيتنا وقد شف المال واستنفضه الإنفاق، وقد أمرنا لك بجائزة، وهي تافهة يسيرة، ومنك العود وعليك المعول، والدهر أطرق مستتب، فلا تجعل بجنبيك الأسدة؛ قال: فقلت: الذي أفادني الأمير من كلامه أحب إلي من الذي أفادني من ماله.
وفود العتابي على المأمون
الشيباني قال: كان كلثوم العتابي أيام هارون الرشيد في ناحية المأمون، فلما خرج إلى خراسان شيعه إلى قومس حتى وقف على سنداد كسرى، فلما حاول وداعه، قال له المأمون: لا تدع زيارتنا إن كان لنا من هذا الأمر شيء. فلما أفضت الخلافة إلى المأمون، وفد إليه العتابي زائراً، فحجب عنه، فتعرض ليحيى بن أكثم، فقال: أيها القاضي، إن رأيت أن تذكر بي أمير المؤمنين؛ فقال له يحيى: ما أنا بالحاجب؛ قال له: قد علمت، ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان. فدخل على المأمون؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أجرني من العتابي ولسانه، فلم يأذن له وشغل عنه، فلما رأى العتابي جفاءه قد تمادى، كتب إليه:
ما على ذاكنا افترقنا بسندا ... دولا هكذا رأينا الإخاء
لم أكن أحسب الخلافة يزدا ... د بها ذو الصفاء إلا صفاء
تضرب الناس بالمثقفة السم ... ر على غدرهم وتنسى الوفاء
فلما قرأ أبياته دعا به؛ فلما دنا منه سلم بالخلافة ووقف بين يديه؛ فقال: يا عتابي، بلغتنا وفاتك فغمتنا، ثم انتهت إلينا وفادتك فسرننا؛ فقال: يا أمير المؤمنين، لو قسم هذا البر على أهل منى وعرفات لوسعهم، فإنه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك؛ قال: سل حاجتك؛ قال: يدك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة. فأحسن جائزته وانصرف

وفود أبي عثمان المازني على الواثق
أبو عثمان بكر بن محمد قال: وفدت على الواثق، فلما دخلت وسلمت قال: هل خليت وراءك أحداً يهمك أمره؟ قلت: أخية لي ربيتها فكأنها بنتي؛ قال: ليس شعري! ما قالت حين فارقتها؟ قلت: أنشدتني قول الأعشى:
تقول ابنتي يوم جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا نخاف بأن تخترم
أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم
قال: ليت شعري! ما قلت لها؟ قال: أنشدتها أمير المؤمنين قول جرير:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عنده الخليفة بالنجاح
قال: أتاك النجاح، وأمر له بعشرة آلاف درهم. ثم قال: حدثني حديثاً ترويه عن أبي مهدية مستظرفاً؛ قلت: يا أمير المؤمنين، حدثني الأصمعي قال: قال لي أبو مهدية: بلغني أن الأعراب والأعزاب سواء في الهجاء؛ قلت: نعم؛ قال: فاقرأ: الأعراب أشد كفراً ونفاقاً ولا تقرأ الأعراب، ولا يغرنك العزب وإن صام وصلى. فضحك الواثق حتى شغر رجله، وقال: لقد لقي أبو مهدية من العزبة شراً، وأمر له بخمسمائة دينار.
الوافدات على معاوية
وفود سودة بنت عمارة
على معاوية
عامر الشعبي قال: وفدت سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان، فاستأذنت عليه، فأذن لها؛ فلما دخلت عليه سلمت؛ فقال لها: كيف أنت يا بنة الأشتر؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين؛ قال لها: أنت القائلة لأخيك:
شمر كفعل أبيك يا بن عمارة ... يوم الطعان وملتقى الأقران
وانصر عليا والحسين ورهطه ... واقصد لهند وابنها بهوان
إن الإمام أخو النبي محمد ... علم الهدى ومنارة الإيمان
فقد الجيوش وسر أمام لوائه ... قدماً بأبيض صارم وسنان
قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس وبتر الذنب، فدع عنك تذكار ما قد نسي؛ قال: هيهات؛ ليس مثل مقام أخيك ينسى؛ قالت: صدقت والله يا أمير المؤمنين، ما كان أخي خفي المقام، ذليل المكان، ولكن كما قالت الخنساء:
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وبالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيته؛ قال: قد فعلت: فقولي حاجتك؛ قالت: يا أمير المؤمنين، إنك للناس سيد، ولأمورهم مقلد، والله سائلك عما افترض عليك من حقنا، ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزك، ويبسط سلطانك، فيحصدنا حصاد السنبل، ويدوسنا دياس البقر، ويسومنا الخسيسة، ويسألنا الجليلة، هذا ابن أرطأة قدم بلادي، وقتل رجالي، وأخذ مالي، ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فإما عزلته فشكرناك، وإلا لا فعرفناك؛ فقال معاوية: إياي تهددين بقومك! والله قد هممت أن أردك إليه على قتب أشرس، فينفذ حكمه فيك؛ فسكتت ثم قالت:
صلى الإله على روح تضمنه ... قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به ثمناً ... فصار بالحق والإيمان مقرونا
قال: ومن ذلك؟ قالت: علي بن أبي طالب رحمه الله تعالى؛ قالت: وما أرى عليك منه أثراً؛ قال: بلى، أتيته يوماً في رجل ولاه صدقاتنا، فكان بيننا وبينه ما بين الغث والسمين، فوجدته قائماً يصلي، فانفتل من الصلاة، ثم قال برأفة وتعطف: ألك حاجة؟ فأخبرته خبر الرجل، فبكى ثم رفع يديه إلى السماء، فقال: اللهم إني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا ترك حقك؛ ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب، فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. قد جاءتكم بينة من ربكم، فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ. إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك، حتى يأتي من يقبضه منك، والسلام.
فأخذته منه يا أمير المؤمنين ما خزمه بخزام، ولا ختمه بختام. فقال معاوية: اكتبوا لها الإنصاف لها والعدل عليها؛ فقالت: ألي خاصة، أم لقومي عامة؟ قال: وما أنت وغيرك؟ قال: هي والله إذا الفحشاء واللؤم إن لم يكن عدلاً شاملاً، وإلا يسعنى ما يسع قوي؛ قال: هيهات، لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئاً ما تفطمون، وغركم قوله:
فلو كنت بواباً على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

وقوله:
ناديت همدان والأبواب مغلقة ... ومثل همدان سنى فتحة الباب
كالهنداوي لم تفلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجاب
اكتبوا لها بحاجتها

وفود بكارة الهلالية
على معاوية
استأذنت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان، فأذن لها، وهو يومئذ بالمدينة، فدخلت عليه، وكانت امرأة قد أسنت وعشي بصرها، وضعفت قوتها، ترعش بين خادمين لها، فسلمت وجلست، فرد عليها معاوية السلام، وقال: كيف أنت يا خالة؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين؛ قال: غيرك الدهر؛ قالت: كذلك هو ذو غير، من عاش كبر، ومن مات قبر. قال عمرو بن العاص: هي والله والقائلة يا أمير المؤمنين:
يا زيد دونك فاستشر من دارنا ... سيفاً حساماً في التراب دفينا
قد كنت أذخره ليوم كريهة ... فاليوم أبرزه الزمان مصونا
قال مروان: وهي والله القائلة يا أمير المؤمنين:
أترى ابن هند للخلافة مالكاًهيهات، ذاك وإن إراد بعيد
منتك نفسك في الخلاء ضلالة ... أغراك عمرو للشقا وسعيد
قال سعيد بن العاصي: هي والله القائلة:
قد كنت أطمع أن موت ولا أرى ... فوق المنابر من أمية خاطبة
فالله آخر مدتي فتطاولت ... حتى رأيت من الزمان عجائب
في كل يوم للزمان خطيبهم ... بين الجميع لآل أحمد عائباً
ثم سكتوا. فقالت: يا معاوية، كلاك أعشى بصري وقصر حجتي، أنا والله قائلة ما قالوا، وما خفي عليك مني أكثر؛ فضحك وقال: ليس يمنعنا ذلك من برك، اذكري حاجتك. قالت: الآن فلا.
وفود الزرقاء
على معاوية
عبيد الله بن عمرو الغساني عن الشعبي قال: حدثني جماعة من بني أمية ممن كان يسمر مع معاوية قالوا: بينما معاوية ذات ليلة مع عمرو وسعيد وعتبة والوليد، إذ ذكروا الزرقاء بنت عدي بن غالب بن قيس الهمدانية، وكانت شهدت مع قومه صفين، فقال: أيحكم يحفظ كلامها؟ قال بعضهم: نحن نحفظه يا أمير المؤمنين؛ قال: فأشيروا علي في أمرها؛ فقال بعضهم: نشير عليك بقتلها؛ قال: بئس الرأي الذي أشرتم به علي، أيحسن بمثلى أن يتحدى عنه أنه قتل امرأة بعدما ظفر بها! فكتب إلى عامله بالكوفة أن يوفدها إليه ما ثقة من ذوي محارمها، وعدة من فرسان قومها، وأن يمهد لها وطاء ليناً، ويسترها بستر خصيف، ويوسع لها في النفقة، فأرسل إليها فأقرأها الكتاب؛ فقالت: إن كان أمير المؤمنين جعل الخيار إلي فإني لا آتية، وإن كان حتم فالطاعة أولى. فحملها وأحسن جهازها على ما أمر به، فلما دخلت على معاوية، قال: مرحباً وأهلاً، قدمت خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين. أدام الله لك النعمة؛ قال: كيف كنت في مسيرك؟ قالت: ربيبة بيت أو طفلاً ممهداً؛ قال: بذلك أمرناهم، أتدرين فيما بعثت إليك؟ قالت: أنى لي بعلم ما لم أعلم؛ قال: ألست الراكبة الجمل الأحمر، والوقفة بين الصفين يوم الصفين تحضين على القتال. وتوقدين الحرب، فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس، وبتر الذنب، ولم يعد ما ذهب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعد الأمر؛ قال لها معاوية: صدقت. أتحفظين كلامك يوم صفين؟ قالت: لا والله لا أحفظه ولقد أنسيته؛ قال: لكني أحفظه، لله أبوك حين تقولين: أيها الناس، ارعووا وارجعوا، إنكم قد أصبحتم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم، وجارت بكم عن قصد المحجة، فيا لها فتنة عمياء، صماء بكماء؛ لا تسع لناعقها، ولا تنساق لقائدها. إن المصباح لا يضيء في الشمس، ولا تنير الكواكب مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد. ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه. أيها الناس، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار على الغصص، فكأن قد اندمل شعب الشتات، والتأمت كلمة العدل، ودمغ الحق باطله، فلا يجهلن أحد، فيقول: كيف العدل وأنى، ليقض الله أمراً كان مفعولا. ألا وإن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء، ولهذا اليوم ما بعده.
والصبر خير في الأمور عواقبا
أيهاً، في الحرب قدماً غير ناكصين ولا متشاكسين.

ثم قال لها: والله يا زرقاء، لقد شركت علياً في كل دم سفكه؛ قالت: أحسن الله بشارتك، وأدام سلامتك، فمثلك بشر بخير وسر جليسه؛ قال: أو يسرك ذلك؟ قالت: نعم والله. لقد سررت بالخبر فأنى لي بتصديق الفعل؛ فضحك معاوية وقال: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته، اذكري حاجتك؛ قالت: يا أمير المؤمنين، آليت على نفسي أن لا أسأل أميراً أعنت عليه أبداً، ومثلك أعطى عن غير مسألة، وجاد من غير طلبة؛ قال: صدقت، وأمر لها وللذين جاؤوا معها بجوائز وكسا.

وفود أم سنان بنت خيثمة
على معاوية
رحمه الله
سعيد بن أبي حذافة قال: حبس مروان بن الحكم وهو والي المدينة غلاماً من بني ليث في جناية جناها، فاتته جدة الغلام أم أبيه، وهي أم سنان بنت خيثمة بن خرشة المذحجية، فكلمته في الغلام، فأغلظ مروان، فخرجت إلى معاوية، فدخلت عليه فانتسب، فعرفها؛ فقال لها: مرحباً يا بنة خيثمة، ما أقدمك أرضنا؟ وقد عهدتك تشتميننا وتحضين علينا عدونا؛ قالت: إن لبني عبد مناف أخلاقاً طاهرة، وأحلاماً وافرة؛ لا يجهلون بعد علم، ولا يسفهون بعد حلم، ولا ينتقمون بعد عفو، وإن أولى الناس باتباع ما سن آباؤه لأنت؛ قال: صدقت، نحن كذلك، فكيف قولك:
عزب الرقاد فمقلتي لا ترقد ... والليل يصدر بالهموم ويورد
يا آل مذحج لا مقام فشمروا ... إن العدو لآل أحمد يقصد
هذا علي كالهلال تحفه ... وسط السماء من الكواكب أسعد
خير الخلائق وابن عم محمد ... إن يهدكم بالنور منه تهتدوا
ما زال مذ شهد الحروب مظفراً ... والنصر فوق لوائه ما يفقد
قالت: كان ذلك يا أمير المؤمنين، وأرجو أن تكون لنا خلفاً بعده. فقال رجل من جلسائه: كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة:
إما هلكت أبا الحسين فلم تزل ... بالحق تعرف هادياً مهديا
فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت ... فوق الغصون حمامة قمريا
قد كنت بعد محمد خلفاً كما ... أوصى إليك بنا فكنت وفيا
فاليوم لا خلف يؤمل بعده ... هيهات نأمل بعده إنسيا
قالت: يا أمير المؤمنين، لسان نطق، وقول صدق، ولئن تحقق فيك ما ظننا فحظك الأوفر؛ والله ما ورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلا هؤلاء، فأدحض مقالتهم، وأبعد منزلتهم، فإنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قربا، ومن المؤمنين حبا؛ قال: وإنك لتقولين ذلك؟ قالت: سبحان الله! والله ما مثلك مدح بباطل، ولا اعتذر إليه بكذب، وإنك لتعلم ذلك من رأينا، وضمير قلوبنا؛ كان والله علي أحب إلينا منك، وأنت أحب إلينا من غيرك؛ قال: ممن؟ قالت: مروان بن الحكم وسعيد بن العاصي؛ قال: وبم استحققت ذلك عندك؟ قالت: بسعة حلمك وكريم عفوك؛ قال: فإنهما يطمعان في ذلك؛ قال: والله لقد قاربت، فما حاجتك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، إن مروان تبنك بالمدينة تبنك من لا يريد منها البراح. لا حكم بعدل، ولا يقضي بسنة، يتتبع عثرات المسلمين، ويكشف عورات المؤمنين، حبس ابن ابني فأتيته، فقال: كيت وكيت، فألقمته أخشن من الحجر، وألعقته أمر من الصاب، ثم رجعت إلى نفس باللائمة، وقلت: لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولى بالعفو منه، فأتيتك يا أمير المؤمنين لتكون في أمري ناظراً، وعليه معديا؛ قال: صدقت، لا أسألك عن ذنبه، ولا عن القيام بحجته، اكتبوا لها بإطلاقه؛ قالت: يا أمير المؤمنين، وأنى لي بالرجعة، وقد نفذ زادي، وكلت راحلتي. فأمر لها براحلة موطأة وخمسة آلاف درهم.
وفود عكرشة بنت الأطرش
على معاوية رحمه الله تعالى
أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال:

دخلت عكرشة بنت الأطرش بن رواحة على معاوية متوكئة على عكاز لها، فلمت عليه بالخلافة، ثم جلست؛ فقال لها معاوية: الآن يا عكرشة صرت عندك أمير المؤمنين؟ قالت: نعم، إذ لا علي حي؛ قال: ألست المتقلدة حمائل السيف بصفين، وأنت واقفة بين الصفين تقولين: أيها الناس، عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إن الجنة لا يرحل عنها من قطنها، ولا يرهم من سكنها، ولا يموت من دخلها، فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها، ولا تنصرم همومها، وكونوا قوماً مستبصرين في دينهم، مستظهرين بالصبر على طلب حقهم؛ إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب غلف القلوب، لا يفقهون الإيمان ولا يدرون ما الحكمة، دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى الباطل فلبوه، فالله الله عباد الله في دين الله، وإياكم والتواكل، فإن ذلك ينقض عرى الإسلام، ويطفئ نور الحق، هذه بدر الصغرى، والعقبة الأخرى؛ يا معشر المهاجرين والأنصار، امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم، فكأني بكم غداً، ولقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة تصقع صقع البقر وتروث روث العتاق. فكأني أراك على عصاك هذه وقد انكفأ عليك العسكران، يقولون: هذه عكرشة بنت الأطرش بن رواحة، فإن كدت لتقتلين أهل الشام لولا قدر الله، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: " يا أيها الذي آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " وإن اللبيب إذا كره أمراً لا يحب إعادته؛ قال: صدقت، فاذكري حاجتك؛ قالت: إنه كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فترد على فقرائنا، وإنا قد فقدنا ذلك فما يجبر لنا كسير، ولا ينعش لنا فقير، فإن كان ذلك عن رأيك، فمثلك من انتبه عن الغفلة، وراجع التوبة، وإن كان عن غير رأيك، فما مثلك من استعان الخونة، ولا استعمل الظلمة. قال معاوية: يا هذه، إنه ينوبنا من أمور رعيتنا أمور تنبثق، وبحور تنفهق، قالت: يا سبحان الله، والله ما فرض الله لنا حقاً فجعل فيه ضرراً على غيرنا وهو علام الغيوب؛ قال معاوية: هيهات يا أهل العراق، نبهكم علي بن أبي طالب فلن تطاقوا. ثم أمر برد صدقاتهم فيهم وإنصافها.

قصة دارمية الحجونية
مع معاوية رحمه الله تعالى
سهل بن أبي سهل التميمي عن أبيه قال: حج معاوية، فسأل عن امرأة من بني كناية كانت تنزل بالحجون، يقال لها دارمية الحجونية، وكانت سوداء كثيرة اللحم، فأخبر بسلامتها، فبعث إليها فجيء بها، فقال: ما حالك يا بنة حام؟ فقالت: لست لحام إن عبتني، أنا امرأة من بني كنانة؛ قال: صدقت، أتدرين لم بعثت إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله؛ قال: بعثت إليك لأسألك علام أحببت علياً وأبعضتني، وواليته وعاديتني؟ قالت: أوتعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك؛ قالت: أما إذ أبيت، فأني أحببت علياً على عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وأبغضتك على قتالك من هو أولى منك بالأمر، وطلبتك ما ليس لك بحق؛ وواليت علياً على ما عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم من الولاء، وحبه المساكين، وإعظامه لأهل الدين؛ وعاديتك على سفكك الدماء، وجورك في القضاء، وحكمك بالهوى؛ قال: فلذلك انتفخ بطنك، وعظم ثدياك، وربت عجيزتك؛ قالت: يا هذا، بهند والله كان يضرب المثل في ذلك لا بي، قال معاوية: يا هذه اربعي، فإنا لم نقل إلا خيراً، إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروى رضيعها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها؛ فرجعت وسكنت. قال لها: يا هذه هل رأيت علياً؟ قالت: إي والله؛ قال: فكيف رأيته؟ قالت: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك؛ قال: فهل سمعت كلامه؟ قالت: نعم والله، فكان يجلو القلب من العمى، كما يجلو الزيت صدأ الطست؛ قال: صدقت، فهل لك من حاجة؟ قالت: أو تفعل إذا سألتك؟ قال: نعم، قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فحلها وراعيها؛ قال: تصنعين بها ماذا؟ قالت: أغذوا بألبانها الصغر، وأستحيي بها الكبار، وأكتسب بها المكارم، وأصلح بها بين العشائر؛ قال: فإن أعطيتك ذلك، فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب؟ قالت: ماء ولا كصداء، ومرعى ولا كالسعدان، وفتى ولا كمالك، يا: سبحان الله، أو دونه؟. فأنشأ معاوية يقول:
إذ لم أعد بالحلم مني عليكم ... فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم

خذيها هنيئاً واذكري فعل ماجد ... جزاك على حرب العداوة بالسلم
ثم قال: أما والله لو كان علي حياً ما أعطاك منها شيئاً؛ قالت: لا والله، ولا وبرة واحدة من مال المسلمين.

وفود أم الخير بنت الحريش
على معاوية
عبيد الله بن عمر الغساني عن الشعبي قال: كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقي برحلها، وأعلمه أنه مجازيه بقولها فيه بالخير خيراً وبالشر شراً. فلما ورد عليه كتابه ركب إليها فأقرأها كتابه؛ فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعة، ولا معتلة بكذب، ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري. فلما شيعها وأراد مفارقتها، قال لها: يا أم الخير، إن أمير المؤمنين كتب إلي أنه مجازيني بالخير خيراً وبالشر شراً، فمالي عندك؟ يا هذا لا يطمعنك برك بي أن أسرك بباطل، ولا تؤيسك معرفتي بك أن يقول فيك غير الحق. فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية، فأنزلها مع الحرم، ثم أدخلها عليه في اليوم الرابع، وعنده جلساؤه؛ فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ فقال لها: وعليك السلام يا أم الخير، بحق ما دعوتني بهذا الاسم؟ قالت: يا أمير المؤمنين، مه، فإن بديهة السلطان مدحضة لما يحب علمه، و لكل أجل كتاب؛ قال: صدقت، فكيف حالك يا خالة؟ وكيف كنت في مسيرك؟ قالت: لم أزل يا أمير المؤمنين في خير وعافية حتى صرت إليك، فأنا في مجلس أنيق، عند ملك رفيق؛ قال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم؛ قالت: يا أمير المؤمنين، يعيذك الله من دحض المقال وما تردي عاقبته؛ قال: ليس هذا أردنا، أخبرينا كيف كان كلامك إذ قتل عمار بن ياسر؟ قالت: لم أكن زورته قبل، ولا رويته بعد، وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة، فإن أحببت أن أحدث لك مقالاً عن ذلك فعلت؛ قال: لا أشاء ذلك. فالتفت معاوية إلى جلسائه، فقال: أيكم يحفظ كلامها؟ فقال رجل منهم: أنا أحفظ بعض كلامها يا أمير المؤمنين؛ قال: هات؛ قال: كأني بها وعليها برد زبيدي كثيف النسيج، وهي على جمل أرمك، وقد أحيط حولها، وبيدها سوط منتشر الضفيرة، وهي كالفحل يهدر في شقشقته، تقول:

يا أيها الناس، اتقوا ربكم، إن زلزلة الساعة شيء عظيم، إن الله قد أوضح لكم الحق، وأبان الدليل، وبين السبيل، ورفع العلم، ولم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمة، فأين تريدون رحمكم الله، أفراراً عن أمير المؤمنين، أم فراراً من الزحف، أم رغبة عن الإسلام، أم ارتداداً عن الحق؟ أما سمعتم الله جل ثناؤه يقول: " ولبيلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " . ثم رفعت رأسها إلى السماء، وهي تقول: اللهم قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرغبة، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع اللهم بها الكلمة على التقوى، وألف القلوب على الهدى، واردد الحق إلى أهله، هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والرضي التقي؛ والصديق الأكبر، إنها إحن بدرية وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية، وثب بها واثب حين الغفلة، ليدرك ثارات بني عبد شمس. ثم قالت: قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون. صبراً يا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم وثبات من دينكم، فكأني بكم غداً وقد لقيتم أهل الشام، كحمر مستنفرة، فرت من قسورة، لا تدري أين يسلك بها فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى، وعما قليل ليصبحن نادمين، حين تحل بهم الندامة، فيطلبون الإقالة ولات حين مناص، إنه من ضل والله عن الحق وقع في الباطل، ألا إن أولياء الله استصغروا عمر الدنيا فرفضوها، واستطابوا الآخرة فسعوا لها؛ فالله الله أيها الناس، قبل أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون؛ وتقوى كلمة الشيطان، فإلى أين تريدون رحمكم الله؟ عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره وأبي سبطيه؟ خلق من طينته، وتفرع من نبعته، وخصه بسره، وجعله باب مدينته، وأبان ببغضه المنافقين، وها هو ذا مغلق الهام، ومكسر الأصنام، صلى والناس مشركون. وأطاع والناس كارهون، فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وهزم الأحزاب، وقتل الله به أهل خيبر، وفرق بن جمع هوازن. فيالها من وقائع زرعت في قلوب نفاقاً، وردة وشقاقاً، وزادت المؤمنين أيماناً، قد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله.
فقال معاوية: يا أم الخير، ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي، ولو قتلتك ما حرجت في ذلك؛ قالت: والله ما يسوءني أن يجري قتلي على يدي من يسعدني الله بشقائه؛ قال: هيهات يا كثيرة الفضول، ما تقولين في عثمان بن عفان رحمه الله؟ قالت: وما عسيت أن أقول في عثمان، استخلفه الناس وهم به راضون، وقتلوه وهم له كارهون، قال معاوية: يا أم الخير، هذا أصلك الذي تبينين عليه؟ قالت: لكن الله يشهد وكفى بالله شهيداً، ما أردت بعثمان نقصاً، ولكن كان سابقاً إلى الخير، وإنه لرفيع الدرجة غداً. قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة، اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لم يحذر، وقد وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة. قال: فما تقولين في الزبير؟ قالت: وما أقول في ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ولقد كان سباقاً إلى كل مكرمة في الإسلام. وأنا أسألك بحق الله يا معاوية - فإن قريشاً تحدثت أنك أحلمها - أن تسعني بفضل حلمك، و أن تعفني من هذه المسائل وتسألني عما شئت من غيرها؛ قال: نعم ونعمة عين، قد أعفيتك منها، ثم أمر لها بجائزة رفيعة وردها مكرمة.

وفود أروى بنت عبد المطلب
على معاوية رحمه الله

العباس بن مكار قال: حدثني عبد الله بن سليمان المدني وأبو بكر الهذلي: أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب دخلت على معاوية، وهي عجوز كبيرة، فلما رآها معاوية قال: مرحباً بك وأهلاً يا عمة، فكيف كنت بعدنا؟ فقالت: يا بن أخي، لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك، من غير بلاء كان منك، ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام، بعد أن كفرتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتعس الله منك الجدود، وأضرع منكم الخدود، ورد الحق إلى أهله، ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو المنصور، فوليتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن أقرب إليه منكم، وأولى بهذا الأمر، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب رحمه الله بعد نبينا صلى الله عليه وسلم بمنزلة هارون من موسى، فغايتنا الجنة وغايتكم النار. فقال لها عمرو بن العاص: كفى أيتها العجوز الضالة، وأقصري من قولك مع ذهاب عقلك، إذ لا تجوز شهادتك وحدك! فقالت له: وأنت يا بن النابغة، تتكلم وأمك كانت أشهر امرأة تغني بمكة وآخذهن لأجرة؛ ادعاك خمسة نفر من قريش، فسئلت أمك عنهم، فقالت: كلهم أتاني، فانظروا أشبههم به فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل، فلحقت به. فقال مروان: كفى أيتها العجوز، واقصدي لما جئت له. فقالت: وأنت أيضاً يا بن الزرقاء تتكلم! ثم التفتت إلى معاوية، فقالت: والله ما جرأ علي هؤلاء غيرك، فإن أمك القائلة في قتل حمزة:
نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان لي عن عتبة من صبر ... وشكر وحشى علي دهري
حتى ترم أعظمي في قبري
فأجابتها بنت عمي، وهي تقول:
خزيت في بدر وبعد بدر ... يا بنة جبار عظيم الكفر
فقال معاوية: عفا الله عما سلف، يا عمة، هات حاجتك؛ قالت: مالي إليك حاجة؛ وخرجت عنه.

كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الوفود والوافدات ومقاماتهم بين يدي نبي الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي الخلفاء والملوك، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه وتأييده وتسديده في مخاطبة الملوك والتزلف إليهم بسحر البيان، الذي يمازج الروح لطافة، ويجري مع النفس رقة؛ والكلام الرقيق مصايد القلوب، وإن منه لما يستعطف المستشيط غيظاً، والمندمل حقداً، حتى يطفئ جمرة غيظه، ويسل دفائن حقده؛ وإن منه لما يستميل قلب اللئيم، ويأخذ بسمع الكريم وبصره؛ وقد جعله الله تعالى بينه وبين خلقه وسيلة نافعة، وشافعاً مقبولاً؛ قال تبارك وتعالى: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب إنه هو التواب الرحيم " .
وسنذكر في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى من تخلص من أنشوطة الهلاك وتفلت من حبائل المنية، بحسن التفصل، ولطيف التوصل، ولين الجواب، ورقيق الاستعتاب، حتى عادت سيآته حسنات، وعيض بالثواب بدلاً من العقاب. وحفظ هذا الباب، أوجب على الإنسان من حفظ عرضه، وألزم له من قوام بدنه.
البيان
كل شيء كشف لك قناع المعنى الخفي حتى يتأدى إلى الفهم ويتقبله العقل، فذلك البيان الذي ذكره الله عز وجل في كتابه، ومن به على عباده، فقال تعالى: " الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان " .
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: فيم الجمال؟ فقال: في اللسان، يريد البيان.
وقال صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً.
وقالت العرب: أنفذ من الرمية كلمة فصيحة.
وقال الراجز:
لقد خشيت أن تكون ساحراً ... راوية طوراً وطوراً شاعراً.
وقال سهل بن هارون: العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم.
وقالوا: البيان بصر، والعي عمى؛ كما أن العلم بصر، والجهل عمى. والبيان من نتاج العلم، والعي من نتاج الجهل.
وقالوا: ليس لمنقوص البيان بهاء، ولو حك بيافوخه عنان السماء.
وقال صاحب المنطق: حد الإنسان: الحي الناطق المبين. وقال: الروح عماد البدن والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم.
تبجيل الملوك وتعظيمهم
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.
وقالت العلماء:

لا يؤم ذو سلطان في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.
وقال زياد ابن أبيه: لا يسلم على قادم بين يدي أمير المؤمنين.
وقال يحيى بن خالد بن برمك: مساءلة الملوك عن حالها من سجية النوكى، فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير؟ فقل: صبح الله الأمير بالنعمة والكرامة؛ وإذا كان عليلاً، فأردت أن تسأله عن حاله، فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة؛ فإن الملوك لا تسأل ولا تشمت ولا تكيف، وأنشد:
إن الملوك لا يخاطبونا ... ولا إذا ملوا يعاتبونا
وفي المقال لا ينازعونا ... وفي العطاس لا يشمتونا
وفي الخطاب لا يكيفونا ... يثنى عليهم ويبجلونا
فافهم وصاتي لا تكن مجنونا
اعتل الفضل بن يحيى، فكان إسماعيل بن صبيح الكاتب إذا أتاه عائداً لم يزد على السلام عليه والدعاء له، ويخفف في الجلوس، ثم يلقى حاجبه فيسأله عن حاله ومأكله ومشربه ونومه، وكان غيره يطيل الجلوس. فلما أفاق من علقته قال: ما عادني في علتي هذه إلا إسماعيل بن صبيح.
وقال أصحاب معاوية له: إنا ربما جلسنا عندك فوق مقدار شهوتك، فنريد أن تجعل لنا علامة نعرف بها ذلك؛ فقال: علامة ذلك أن أقول: إذا شئتم.
وقيل ذلك ليزيد، فقال: إذا قلت: على بركة الله.
وقيل ذلك لعبد الملك بن مروان، فقال: إذا وضعت الخيزرانة من يدي.
ومن تمام خدمة الملوك أن يقرب الخادم إليه نعليه، ولا يدعه يمشي إليهما، ويجعل النعل اليمنى مقابلة الرجل اليمنى، واليسرى مقابلة اليسرى؛ وإذا رأى متكأ يحتاج إلى إصلاح أصلحه قبل أن يؤمر، فلا ينتظر في ذلك؛ ويتفقد الدواة قبل أن يأمره، وينفض عنها الغبار إذا قربها إليه؛ وإن رأى بين يديه قرطاساً قد تباعد عنه قربه ووضعه بين يديه على كسره.
ودخل الشعبي على الحجاج، فقال له: كم عطاك؟ قال: ألفين؛ قال: ويحك! كما عطاؤك؟ قال ألفان؛ قال: فلم لحنت فيما لا يلحن فيه مثلك؟ قال: لحن الأمير فلحنت، وأعرب الأمير فأعربت، ولم أكن ليلحن الأمير فأعرب أنا عليه، فأكون كالمقرع له بلحنه، والمستطيل عليه بفضل القول قبله. فأعجبه ذلك منه ووهبه مالاً.

قبلة اليد
ذكر عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا نقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن حديث عبد الرحمن وكيع عن سفيان قال قال: قبل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
ومن حديث الشعبي قال: لقي النبي عليه الصلاة والسلام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فالتزمه وقبل ما بين عينيه.
قال إياس بن دغفل: رأيت أبا نضرة يقبل خد الحسين.
الشيباني عن أبي الحسن عن مصعب قال: رأيت رجلاً دخل على علي بن الحسين في المسجد فقبل يده ووضعها على عينيه فلم ينهه.
العتبي قال: دخل رجل على عبد الملك بن مروان فقبل يده، وقال: يدك يا أمير المؤمنين أحق يد بالتقبيل، لعلوها في المكارم، وطهرها من المآثم؛ وإنك تقل التثريب، وتصفح عن الذنوب، فمن أراد بك سوءاً جعله الله حصيد سيفك، وطريد خوفك.
الأصمعي قال: دخل أبو بكر الهجري على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، نغض فمي، وأنتم أهل البيت بركة، فلو أذنت فقبلت رأسك، لعل الله يمسك علي ما بقي من أسناني؛ قال: اختر بينها وبين الجائزة؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أيسر علي من ذهاب الجائزة أن لا تبقى في فمي حاكة؛ فضحك المنصور وأمر له بجائزة.
ودخل جعفر بن يحيى في زي العامة وكتمان النباهة على سليمان صاحب بيت الحكمة، معه ثمامة بن أشرس؛ فقال ثمامة: هذا أبو الفضل، فنهض إليه سليمان فقبل يده، وقال له: بأبي أنت، ما دعاك إلى أن تحمل عبدك ثقل هذه المنة التي لا أقوم بشكرها ولا أقدر أن أكافئ عليها.
الشعبي قال: ركب زيد بن ثابت، فأخذ عبد الله بن عباس بركابه؛ فقال له: لا تفعل يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال هكذا: أمرنا أن نفعل بلعمائنا؛ فقال له زيد: أرني يدك؛ فأخرج إليه يده، فأخذها وقبلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
وقالوا: قبلة الإمام في اليد، وقبلة الأب في الرأس، وقبلة الأخ في الخد، وقبلة الأخت في الصدر، وقبلة الزوجة في الفم.
من كره من الملوك تقبيل اليد
العتبي قال:

دخل رجل على هشام بن عبد الملك فقبل يده؛ فقال: أف له، إن العرب ما قبلت الأيدي إلا هلوعاً، ولا فعلته العجم إلا خضوعاً.
واستأذن رجل المأمون في تقبيل يده، فقال له: إن قبلة اليد من المسلم ذلة، ومن الذمي خديعة، ولا حاجة بك أن تذل، ولا بنا أن نخدع.
واستأذن أبو دلامة الشاعر المهدي في تقبيل يده؛ فقال: أما هذه فدعها؛ قال: ما منعت عيالي شيئاً أيسر فقداً عليهم من هذه.

حسن التوفيق في مخاطبة الملوك
قال هارون الرشيد لمعن بن زائدة: كيف زمانك يا معن؟ قال: يا أمير المؤمنين، أنت الزمان، فإن أصلحت صلح الزمان، وإن فسدت فسد الزمان.
وهذا نظير قول سعيد بن سلم، وقد قال له أمير المؤمنين الرشيد: من بيت قيس في الجاهلية؟ قال: يا أمير المؤمنين، بنو فزارة؛ قال: فمن بيتهم في الإسلام؟ قال: يا أمير المؤمنين، الشريف من شرفتموه؛ قال: صدقت أنت وقومك.
ودخل معن بن زائدة على أبي جعفر، فقال له: كبرت يا معن؛ قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين؛ قال: وإنك لجلد؛ قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين؛ قال وإن فيك لبقية؛ قال: هي لك يا أمير المؤمنين؛ قال أي الدولتين أحب إليك أو أبغض، أدولتنا أم دولة بني أمية؟ قال: ذلك إليك يا أمير المؤمنين، وإن زاد برك على برهم كانت دولتك أحب إلي، وإن زاد برهم على برك كانت دولتهم أحب إلي؛ قال: صدقت.
قال هارون الرشيد لعبد الملك بن صالح: أهذا منزلك؟ قال: هو لأمير المؤمنين ولي به؛ قال: كيف ماؤه؟ قال: أطيب ماء؛ قال: فكيف هواءه؟ قال: أصح هواء.
وقال أبو جعفر المنصور لجرير بن يزيد: إنك أردتك لأمر؛ قال: يا أمير المؤمنين، قد أعد الله لك مني قلباً معقوداً بطاعتك، ورأياً موصولاً بنصيحتك، وسيفاً مشهوراً على عدوك، فإذا شئت فقل.
وقال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي ابنك عبد الله؛ قال: يا أمير المؤمنين، إن مدحته عبته، وإن ذممته اغتبته، ولكنه قدح في كف مثقف ليوم نضال في خدمة أمير المؤمنين.
وأمر بعض الخلفاء رجلاً بأمر؛ فقال: أنا أطوع من الرداء، وأذل لك من الحذاء.
وهذا قاله الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك الزيات.
وقال آخر: أطوع لك من يدك، وأذل لك من نعالك وقال المنصور لمسلم بن قتيبة: ما ترى في قتل أبي مسلم؟ قال: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " . قال: حسبك أبا أمية.
وقال المأمون ليزيد بن مزيد: ما أكثر الخلفاء في ربيعة؟ قال: بلى، ولكن منابرهم الجذوع.
وقال المنصور لإسحاق بن مسلم: أفرطت في وفائك لبني أمية؛ قال: يا أمير المؤمنين، إنه من وفىّ لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى.
وقال هارون لعبد الملك بن صالح: صف لي منبج؛ قال: رقيقة الهواء، لينة الوطاء؛ قال: فصف لي منزلك بها؛ قال: دون منازل أهلي، وفوق منازل أهلها؛ قال: ولم قدرك فوق أقدارهم؟ قال: ذلك خلق أمير المؤمنين أتأسى به وأقفو أثره وأحذو مثاله.
ودخل المأمون يوماً بيت الديوان، فرأى غلاماً جميلاً على أذنه قلم، فقال: من أنت يا غلام؟ قال: أنا الناشئ في دولتك، والمتقلب في نعمتك، والمؤمل لخدمتك، الحسن بن رجاء؛ قال المأمون: بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول، ارفعوا هذا الغلام فوق مرتبته.
علي بن يحيى قال: إني عند المتوكل حين دخل عليه الرسول برأس إسحق بن إسماعيل، فقام علي بن الجهم يخطر بين يدي المتوكل، ويقول:
أهلاً وسهلاً بك من رسول ... جئت بما يشفي من الغليل
برأس إسحق بن إسماعيل
فقال المتوكل: قوموا التقطوا هذا الجوهر لئلا يضيع.
ودخل عقال بن شبة على أبي عبيد الله كاتب المهدي، فقال: يا عقال، لم أرك منذ اليوم؛ قال: والله إني لألقاك بشوق، وأغيب عنك بتوق.
وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب بن رباح - وكان أسود - يا نصيب، هل لك فيما يثمر المحادثة؟ يريد المنادمة؛ فقال: أصلح الله الأمير، اللوم مرمد، والشعر مفلفل، ولم أقعد إليك بكريم عنصر، ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلي ولساني، فإن رأيت أن لا تفرق بينهما فافعل.
ولما ودع المأمون الحسن بن سهل عند مخرجه من مدينة السلام، وقال له: يا أبا محمد، ألك حاجة تعهد إلي فيها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أن تحفظ علي من قلبك ما لا أستعين على حفظه إلا بك.

وقال سعيد بن سلم بن قتيبة للمأمون: لو لم أشكر الله إلا على حسن ما أبلاني في أمير المؤمنين من قصده إلي بحديثه، وإشارته إلي بطرفه، لكان ذلك من أعظم ما توجبه النعمة، وتفرضه الصنيعة؛ قال المأمون: ذلك والله لأن الأمير يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدثت، وحسن الفهم إذا حدثت، ما لا يجده عند غيرك.

مدح الملوك والتزلف إليهم
في سير العجم أن أردشير بن يزدجرد لما استوثق له أمره، جمع الناس، فخطبهم خطبة حضهم فيها على الألفة والطاعة، وحذرهم المعصية ومفارقة الجماعة، وصنف لهم الناس أربعة أصناف، فخروا له سجداً. وتكلم متكلمهم، فقال: لا زلت أيها الملك محبواً من الله بعز النصر، ودرك الأمل، ودوام العافية، وتمام النعمة، وحسن المزيد؛ ولا زلت تتابع لديك المكرمات، وتشفع إليك الذمامات حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها، ولا تنقطع زهرتها، في دار القرار التي أعدها الله لنظرائك من أهل الزلفى عنده، والحظوة لديه؛ ولا زال ملكك وسلطانك باقيين بقاء الشمس والقمر، زائدين زيادة البحور والأنهار، حتى تستوي أقطار الأرض كلها في علوك عليها، ونفاذ أمرك فيها، فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمنا عموم ضياء الصبح، ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتصل بأنفسنا اتصال النسيم، فأصبحت قد جمع الله بك الأيادي بعد افتراقها، وألف بين القلوب بعد تباغضها، وأذهب عنا الإحن والحسائف بعد توقد نيرانها، بفضلك الذي لا يدرك بوصف، ولا يحد بنعت. فقال أردشير: طوبى للممدوح مستحقاً؛ وللداعي إذا كان للإجابة أهلاً.
ودخل حسان بن ثابت على الحارث الجفني فقال: أنعم صباحاً أيها الملك، السماء غطاؤك، والأرض وطاؤك، ووالدي فداؤك، أنى يناوئك المنذر، فوالله لقذالك أحسن من وجهه، ولأمك أحسن من أبيه، ولظلك خير من شخصه، ولصمتك أبلغ من كلامه، ولشمالك خير من يمينه. ثم أنشأ يقول:
ونبئت أن أبا منذر ... يساميك للحدث الأكبر
قذالك أحسن من وجهه ... وأمك خير من المنذر
ويسرى يديك إذا أعسرت ... كيمنى يديه فلا تمتر
ودخل خالد بن عبد الله القسري على عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة، فقال: يا أمير المؤمنين، من تكون الخلافة قد زانته فأنت قد زنتها، ومن تكون شرفته فأنت قد شرفتها، وأنت كما قال الشاعر:
وإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا.
فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أعطي صاحبكم مقولاً ولم يعط معقولاً.
ذكر بن أبي طاهر قال: دخل المأمون بغداد فتلقاه وجوه أهلها، فقال له رجل منهم: يا أمير المؤمنين بارك الله لك في مقدمك، وزادك في نعمتك، وشكرك على رعيتك، تقدمت من قبلك، وأتعبت من بعدك، وآيست أن يعاين مثلك؛ أما فيما مضى فلا نعرفه، وأما فيما بقي فلا نرجوه، فنحن جميعاً ندعو لك ونثني عليك؛ خصب لنا جنابك، وعذب شرابك، وحسنت نظرتك، وكرمت مقدرتك؛ جبرت الفقير، وفككت الأسير، فأنت يا أمير المؤمنين كما قال الأول:
ما زلت في البذل للنوال وإط ... لاق لعان بجرمه علق
حتى تمنى البراء أنهم ... عندك أسرى في القيد والحلق
ودخل رجل على خالد بن عبد الله القسري فقال: أيها الأمير، إنك لتبذل ما جل، وتجبر ما اعتل، وتكثر ما قل؛ ففضلك بديع، ورأيك جميع.
وقال رجل للحسن بن سهل: لقد صرت لا أستكثر كثيرك، ولا أستقل قليلك؛ قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك أكثر من كثيرك، ولأن قليلك أكثر من كثير غيرك.
وقال خالد بن صفوان لوال دخل عليه: قدمت فأعطيت كلاً بقسطه من نظرك ومجلسك؛ وصلاتك وعداتك، حتى كأنك من كل أحد، وكأنك لست من أحد.
وقال الرشيد لبعض الشعراء: هل أحدثت فينا شيئاً؟ قال: يا أمير المؤمنين، المديح كله دون قدرك، والشعر فيك فوق قدري، ولكني أستحسن قول العتابي:
ماذا عسى مادح يثني عليك وقد ... ناداك في الوحي تقديس وتطهير
فت الممادح إلا أن ألسننا ... مستنطقات بما تخفي الضمايير

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16