كتاب :الذخيرة 2

كتاب :الذخيرة
المؤلف : شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي

السادس الماء الأبيض يخرج من الحامل ويعرف بالهادي يجتمع في وعاء له يخرج عند وضع الحمل أو موجب السقط قال ابن القاسم في العتيبة يجب منه الوضوء قال الأبهري في شرح المختصر لأنه بمنزلة ( كلمة غير واضحة ) قال صاحب البيان الأحسن عدم الوجوب لكونه ليس معتادا السابع الصفرة والكدرة من الحيض قال المازري هما حيض إن تباعد بينهما وبين الطهر وما عقبيه ومضى من الزمان ما يكون طهرا أوجب الوضوء دون الغسل عند عبد الملك ووجهه قول أم عطية كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر قال ابن يونس وتسمى هذه الترية قال صاحب الخصال وكذلك إذا خرجا عقيب النفاس الثامن الحقن الشديد ويقال الحاقن لمدافع البول والحاقب لمداف الغائط وكذلك يقال للفضلتين الحقبة والحقنة قال في الكتاب إن صلى وهو يدافع الحدث يعيد بعد الوقت قال ابن بشير قال الأشياخ إن منعه ذلك من إتمام الفروض أعاد بعد الوقت أو من إتمام السنن أعاد في الوقت وينبغي أن يختلف فيه كما اختلف في متعمد تارك السنن هل يعيد بعد الوقت أم لا ؟ وإن منعه من الفضائل لا يعيد في الوقت ولا بعده فمتى كان بحيث يبطل الصلاة أوجب الوضوء ومتى كان يوجب إعادة الصلاة في الوقت استحب منه الوضوء التاسع قال صاحب الخصال القرقرة الشديدة توجب الوضوء وينبغي أن يتخرج ذلك على تفضيل ابن بشير فهذه الموجبات إن خرجت عن العادة واستغرقت الزمان فلا يشرع الوضوء منها لأن مقصوده أن يوقع الصلاة بطهارة ليس بعدها حدث وقد تعذر ذلك وإن لم تستغرق الزمان ففيها ثلاث حالات الأولى أن يستنكح ويكثر تكراره فيسقط إيجابه عند مالك رحمه الله كما قال في الكتاب خلافا ش و ح لما في السنن أن رجلا قال للنبي عليه السلام إن بي الناسور يسيل مني فقال عليه السلام
إذا توضأت فسال من فرقك إلى قدمك فلا وضوء عليك
وقياسا على دم الحيض فإنه يوجب الغسل فإن خرج عن العادة لم يوجبه وهو دم الاستحاضة وروي عن مالك رحمه الله إيجابه وإن تكرر نظرا لجنسه وإذا سقط الإيجاب بقي الندب ومراعاة للجنس والخلاف فرعان مرتبان الأول قال صاحب الطراز إذا استحب له الوضوء استحب له غسل فرجه قياسا عليه وكذلك المستحاضة وقال سحنون لا يستحب لأن النجاسة أخف من الحدث بدليل أن صاحب الجرح لا يستحب له غسل اليسير من دمه ويستحب الوضوء من يسير السلس الثاني قال أبو العباس الإبياني يبدل الخرقة أو يغسلها عند الصلاة وقال سحنون ليس عليه ذلك وغسل الفرج أهون فإن زيد بن ثابت رضي الله عنه كان به سلس البول حين كبر وما كان يزيد عن الوضوء الحالة الثانية أن يكون زمان وجوده أقل وفي الجواهر فيجب منه الوضوء عملا بالأصل السالم عن الضرورة وعند العراقيين لا يجب لأن الله تعالى إنما خاطب عباده بالمعتاد إذ هو غالب التخاطب وهذا ليس بمعتاد ويؤكد هذا حمل الألفاظ في التكاليف والوصايا والأوقاف والمعاملات على الغالب بالإجماع الحالة الثالثة أن يستوي الحالان وفي الجواهر فيجب الوضوء لعدم المشقة وقيل لا يجب لخروجه عن العادة فروع أربعة الأول إذا كثر المذي للعزبة ففي الكتاب عليه الوضوء لخروجه على وجه الصحة وقال بعض العراقيين لا وضوء عليه لخروجه عن العادة قال صاحب الطراز والمدار عند ابن حبيب في هذا على وجود الذة فإن وجدت وجب الوضوء وإلا فلا وهذا يشهد له المني فإنه إذا كان لطول العزبة بغير لذ لا يوجب غسلا قال وقال ابن الجلاب والتونسي إن كان يقدر على النكاح أو التسري وجب ولم يفصلا والأشبه التفصيل ويلزم ابن الجلاب أن يراعي في سلس البول القدرة على التداوي الثاني في الجواهر إذا لم يجب الوضوء بالسلس هل يسقط حكمه باعتبار غيره حتى يؤم به ؟ قولان منشؤهما أن الشرع أسقط اعتباره فتجوز الإمامة به والقياس على إمامة المتيمم وهو محدث بالمتوضيء وينظر إلى اختصاص السبب المسقط لاعتباره بصاحبه وهو الضرورة فلا يثبت الحكم في غير محل العلة بدونها الثالث قال إذا خرج المعتاد الموجب على العادة من غير المخرج فللمتأخرين في نقض الوضوء به قولان نظرا لجنسه أو لكون محله غير معتاد والله تعالى إنما خاطب عباده بالمعتاد الرابع قال في المدونة قال يحيى بن سعيد إذا كان الناسور يطلع في كل حين ويرده بيده فليس عليه إلا غسل يده فإن كثر ذلك سقط غسل اليد ويروى بالنون وهو عربي وبالباء وهو عجمي حكاه الزبيدي وبالباء وجع المقعدة وتورمها من داخل وخروج الثآليل وبالنون انتفاخ عروقها وجريان الدم ومادتها وقيل بالباء للمقعدة وبالنون للأنف الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل فإن النون ينقط أعلاها والباء أسفلها قال صاحب الطراز فعند الشافعي رحمه الله يجب الوضوء لمسه دبره ها هنا وعند حمديس من أصحابنا يفرق بين أن يتكرر فلا ينقض أو لا فينقض وإذا قلنا بعدم النقض فتنجس اليد لأن بلة الفرج نجسة وعند من يقول بطهارتها إلحاقا لها بالعرق لخروجها من مسام الجلد تكون اليد طاهرة العاشر في التلقين الردة خلافا ش لقوله تعالى ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) ونحوه بعد الرجوع إلى الإسلام لبطلان الوضوء السابق فيصير محدثا قال المازري لا يبطل الوضوء ومستند هذا القول وهو قول الشافعي رحمه الله قوله تعالى ( ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) تحقيق القاعدة الأصولية أن المطلق يحمل على المقيد فتحمل الآية الأولى على الثانية فلا يحصل الحبوط بمجرد الردة حتى يتصل بها الموت والجواب لمالك رحمه الله أن الآية رتب فيها أمران وهما حبوط العمل والخلود في النار على أمرين وهما الردة والوفاة عليها فجاز أن يكون الأول للأول والثاني للثاني فلم يتعين صرف الآية الأولى للثانية لعدم التعارض ولا يكونان من باب المطلق والمقيد كما لو قيل
فمن جاهد منكم فيمت فله الغنيمة والشهادة
فإن هذا القول حق وليس الموت شرطا في الغنيمة إجماعا الحادي عشر في الجواهر الشك في الحدث بعد الطهارة في حق غير الموسوس يوجوب الوضوء خلافا ش و ح وهي رواية ابن القاسم في الكتاب وروي عنه في غيره الاستصحاب فأجرى القاضيان أبو الفرج وأبو الحسن والأبهري رواية ابن القاسم على ظاهرها وحملها أبو يعقوب الرازي على الندب وكذلك إذا شك في الطهارة والحدث جميعا أو تيقنهما جميعا وشك في المتقدم أو تيقن الحدث وشك في الطهارة أو بعضها وعلم تأخرها أو شك فيه أو علم تقدمها وشك في طرو الحدث وأما الموسوس فأطلق ابن شاس رحمه الله القول باعتبار أول خواطره لأنه حينئذ في حيز العقلاء وقال عبد الحق والتونسي واللخمي إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة توضأ وإن كان موسوسا وعكسه يعفى عن الموسوس والفرق استصحاب الأصل السابق وقال اللخمي إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث وهو غير موسوس ففيه خمسة أقوال الوجوب والندب والتفرقة بين أن يكون في صلاة أم لا والثلاثة لمالك رحمه الله وعند ابن حبيب الشك في الريح ملغى وفي البول والغائط معتبر وفرق أيضا بين الشك في الزمن الماضي وبين الشك في الحال في الريح فقال في الماضي يجب وفي الحاضر لا يجب إذا كان مجتمع الحس قال صاحب الطراز وهذه التفرقة ظاهر المذهب لما في الترمذي وأبي داود
إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحا بين ألييه فلا يخرج حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا
قال الترمذي حديث صحيح فروع متناقضة قال مالك رحمه الله فيمن شك في الطهارة عليه الوضوء فاعتبر الشك وقال فيمن شك هل طلق أم لا لا شيء عليه فألغى الشك وفيمن شك هل صلى ثلاثا أو أربعا يبني على ثلاث ويسجد بعد السلام فاعتبر الشك وقال فيمن شك هل سها أم لا لا شيء عليه وألغى الشك وقال فيمن شك هل رأى هلال رمضان لا يصوم فألغاه ونظائر ذلك كثيرة في المذهب والشريعة فعلى الفقيه أن يعلم السر في ذلك قاعدة الأصل ألا يعتبر في الشرع إلا العلم لقوله تعالى ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) لعدم الخطأ فيه قطعا لكن تعذر العلم في أكثر الصور فجوز الشرع اتباع الظنون لندرة خطئها وغلبة إصابتها وبقي الشك على مقتضى الأصل فكل مشكوك فيه ليس بمعتبر ويجب اعتبار الأصل السابق على الشك فإن شككنا في السبب لم نرتب المسبب أو في الشرط لم نرتب المشروط أو في المانع لم ننف الحكم فهذه القاعدة مجمع عليها لا تنتقض وإنما وقع الخلاف بين العلماء في وجه استعمالها فالشافعي رحمه الله يقول الطهارة متيقنة والمشكوك فيه ملغى فنستصحبها مالك رحمه الله يقول شغل الذمة بالصلاة متيقن يحتاج إلى سبب مبرىء والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط فيقع الشك في الصلاة الواقعة بالطهارة المشكوك فيها وهي السبب المبرىء والمشكوك فيه ملغى فيستصحب شغل الذمة وكذلك إذا شك في عدد صلواته فقد شك في السبب المبرىء فيستصحب شغل الذمة حتى يأتي المكلف بسبب مبرىء وكذلك العصمة متيقنة والشك في السبب الواقع فيستصحبها وكذلك يجب على الفقيه تخريج فروع هذه القاعدة تتميم قد يكون الشك نفسه سببا كما يجب السجود بعد السلام على الشك فالسبب ههنا معلوم وهو الشك فإن الشاك يقطع بأنه شاك والذي انعقد الإجماع على إلغائه هو المشكوك فيه لا الشك فلا يلتبس عليك ذلك فرع قال صاحب الطراز إذا صلى شاكا في الطهارة ثم تذكرها قال مالك صلاته تامة لأن الشرط الطهارة وهي حاصلة في نفس الأمر سواء علمت أم لا وقال الأشهب وسحنون هي باطلة لأنه غير عامل على قصد الصحة الثاني عشر المني يخرج بعد الغسل قال مالك رحمه الله ليس فيه إلا الوضوء وقال صاحب الطراز أوجب سحنون مرة به الغسل ومرة الوضوء وقال في الجواهر في وجوبه يعني الوضوء قولان الوجوب للبغداديين واستحسنه ابن الجلاب وهو ملحق بدم الاستحاضة الذي ورد الحديث فيه بجامع إيجاب حيضها للغسل فكما أوجب أحدهما الوضوء حالة قصوره عن الغسل يوجب الآخر الثالث عشر دم الاستحاضة يستحب منه الوضوء عند مالك رحمه الله خلافا ش و ح وقال ابن أبي زيد في الرسالة يجب منه الوضوء وفي الموطأ أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله فاستفتت لها أم سلمة رسول الله فقال عليه السلام لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ولتستتر بثوب ثم لتصل قال أبو داود زاد عروة ثم تتوضأ لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت قال صاحب الطراز ويدل على عدم وجوبه اتفاق الجميع على أنه خرج في الصلاة أكملتها وأجزأت عنها قال والفرق بينه وبين المني الخارج بعد الغسل على أحد القولين لزوم الخروج بخلاف المني وإنما بابه سلس البول لاشتراكهما في المرض ولو خرجت فضلة المني في الصلاة أبطلتها اتفاقا بخلاف سلسه ودم الاستحاضة . الرابع عشر رفض النية كما إذا عزم على النوم فلم ينم قال صاحب الطراز ظاهر الكتاب يقتضي عدم الوجوب لقوله فيمن وطئ زوجته بين فخذيها لا غسل عليهما إلا أن ينزلا وفي مختصر ابن شعبان أنه يتوضأ . وجه الأول أن المقصود من النية تخصيص العمل لله تعالى وقد حصل ذلك والثاني مبني على أن النية كجزء الطهارة وذهاب الجزء يقتضي ذهاب الحقيقة المركبة ولأن العزم على منافي الطهارة بنافي النية الفعلية فأولى أن ينافي الحكمية . الخامس عشر رؤية الماء بعد التيمم وقبل الصلاة يوجب استعماله وبطلان الإباحة السابقة لأن الإقدام على الصلاة بالتيمم مشروط بدوام عدم الماء إلى الشروع فيها على ما يأتي تقريره في باب التيمم إن شاء الله تعالى . القسم الثاني مظنات الأسباب : والمظنة في اللغة واصطلاح العلماء التي يوجد عندها الظن من باب مقتل ومضرب الذي هو القتل والضرب فجعله مكان الظن مجاز وهي ثمان : المظنة الأولى مس الذكر بباطن الكف عند مالك وبباطن الأصابع أيضا عند ابن القاسم كما حكاه في الكتاب يوجب الوضوء خلافا ح لما في الموطأ عنه عليه السلام أنه قال
إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ
وقال أشهب باطن الأصابع لا يوجب وضوءا ووجه تخصيص باطن الكف والأصابع لأن العادة أن اللمس يكون بهما ولأن فيهما من اللطف والحرارة المحركين للمذي ما ليس في غيرهما ولأن الأصابع أصل اليد بدليل تكميل العقل فيهما ووجه قول أشهب أن الأصابع أقل حرارة ولطفا من باطن الكف فلا تلحق به . ولا يشترط اللذة عند المغاربة وبعض البغدادين وتشترط عند العراقيين قياسا على لمس النساء ولحديث طلق قال قدمنا على سول الله فجاء رجل كأنه بدوي فقال يا رسول الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ فقال
( هل هو إلا بضعة منك )
رواه أبو داود فقال العراقيون يجمع بين الأحاديث بوجود اللذة وعدمها وعند جميع المغاربة بتعيين الكف والأصابع للوجوب وقالوا طلق من المرجئة فيسقط حديثه فلا حاجة إلى الجمع وقال مالك في العتيبة لا يجب من مسه وضوء كما قاله أبو حنيفة وأورد الحنفية على حديث بسرة عشرة أسئلة : أحدها أن رواية عنها مروان بن الحكم وهو كان يحدث في زمانه مناكير ولذلك لم يقبل طلحة منه الرواية وقال لا أعرفه . وثانيها أنه أرسل رجلا من الشرط لينقل له ما أنكره عليه طلحة والرجل مجهول . وثالثها أن ربيعة شيخ مالك رحمه الله قال لو شهدت بسرة في بقلة ما قبلتها . ورابعها رواية ابن وهب عن مالك رحمه الله أن الوضوء من مس الذكر سنة فكيف يصح عنده هذا الحديث ثم يستجيز هذا القول . وخامسها قول ابن معين لم يصح في مس الذكر حديث . وسادسها أن الرجل أولى بنقله من بسرة . وسابعها أنه مما تعم به البلوى فينبغي أن ينقل مستفيضا ولما لم يكن كذلك دل على ضعفه . وثامنها إنكار أكابر الصحابة رضي الله عنهم لحكمه كعلي وابن مسعودفيقول علي ما أبالي مسته أو مسست طرف أنفي ويقول ابن مسعود إن كان شيء منك نجسا فاقطعه . وتاسعها سلمنا صحته لكن نحمله على غسل اليد لأنهم كانوا يستجمرون ثم يعرقون ثم يؤمر من مس موضع الحدث بالوضوء الذي هو النظافة . وعاشرها أنه معارض بحديث طلق والقياس على سائر الأعضاء . والجواب عن الأول أن مروان كان عدلا ولذلك كانت الصحابة تأتم به وتغشى طعامه وما فعل شيئا إلا عن اجتهاد وإنكار عروة لعدم اطلاعه ، وعن الثاني أن الرجل معلوم عند عروة وإلا لما حسنت إقامة الحجة عليه به وقد روى أن عروة سمعه بعد ذلك منها . وعن الثالث أن عدم استقلال المرأة في الشهادة لا يدل على عدم قبول روايتها وإلا لما قبلت رواية عائشة رضي الله عنها . وعن الرابع أنه لم يطعن في الصحة وإنما تردد في دلالة اللفظ هل هي للوجوب أو الندب ؟ وعن الخامس أنه إذا لم يصح عنده فقد صح عند غيره . وعن السادس والسابع أن الخبر رواه نحو خمسة عشر من الرجال والنساء . وعن الثامن أن الحديث لم يثبت عندهم وثبت عند غيرهم ولا يجب في الصحابي أن يطلع على سائر الأحاديث . وعن التاسع أن لفظ الشارع إذا ورد حمل على عرفه حتى يرد خلافه . وعن العاشر أن حديث طلق لا يصح والقياس قبالة النص فاسد قال صاحب الاستذكار الذي تقرر عند المغاربة أن من مس ذكره أمر بالوضوء ما لم يصل فإن صلى أمر بالإعادة في الوقت وكذلك قاله ابن القاسم وابن نافع وأشهب وقال سحنون والعتبى لا يعيد مطلقا قال اللخمي الاعادة مطلقا رواية المدنيين عن مالك وقال ابن حبيب العامد يعيد مطلقا والناسي في الوقت وقال سحنون أيضا يعيد في اليومين والثلاث . واختلفوا في مسه ناسيا أو على ثوب خفيف أو بذراعه أو بظاهر كفه أو قصد إلى مسه بشيء من اعضائه سوى يده . وتحصيل المذهب عند أكثر المغاربة أن مسه بباطن الكف والأصابع دون حائل ينقض الوضوء وغير ذلك لا ينقضه . في الجواهر قال القاضي أبو الحسن العمل من الروايات على وجوب الوضوء منه من فوق ثوب أو من تحته وروي عن مالك رحمه الله الوجوب من فوق الغلالة الخفيفة . فروع ثمانية : الأول من الطراز إذا مسه بين أصبعيه أو بحرف كفه أو بأصبع زائدة انتقض على ظاهر قول ابن القاسم وفي الأصبع الزائدة خلاف والقياس على سائر الأحداث يقتضي أن القصد لا يشترط وكذلك عموم الحديث . الثاني في الجواهر لو مس ذكره بعد قطعه لم ينتقض وضوؤه لأنه صار ليس بذكر له والحديث إنما ورد في ذكره ولذهاب اللذة منه ولأن المرأة لو استدخلته لم يجب على صاحبه غسل . الثالث قال لا ينتقض وضوء الختان بذكر المختون ولا بذكر الغير خلافا ش لأنه ليس ذكرا له . الرابع قال لا وضوء على المرأة من مس فرجها قاله في الكتاب لأن فرجها ليس بذكر فيتناوله الحديث وروي عنه أن عليها الوضوء لحديث أبي هريرة رضي الله عنه
( من أفضى بيده إلى فرجه فليتوضأ )
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت قال عليه السلام
( ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضئون فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله هذا للرجال فما بال النساء فقال عليه السلام إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ )
وروي عنه التفرقة بين أن تلطف وبين ألا تلطف فيجب الوضوء من الأول لوجود اللذة وسأل ابن أبي أويس مالكا عن الإلطاف فقال أن تدخل يدها بين شفريها . واختلف المتأخرون في بقاء هذه الروايات على ظاهرها أو جعل التفصيل تفسيرا للإطلاقين أو جعل المذهب على قولين النقض مطلقا أو التفصيل ثلاث طرق . الخامس قال لا ينتقض الوضوء بمس الدبر وانفرد حمد يس بإيجاب مس حلقة الدبر للوضوء تخريجا على إيجاب مس المرأة لفرجها وعلى القول الآخر لا يوجبه . السادس قال مس الخنثي المشكل فرجه قال الإمام أبو عبد الله يتخرج على القولين فيمن أيقين الطهارة وشك في الحدث على مذهب المغاربة وعلى مذهب البغداديين في مراعاة اللذة ففي أي فرج اعتاد وجودها أوجب الوضوء . السابع لا ينتفض وضوء من مس ذكر غيره وقال الأيلي البصري من أصحابنا ينتفض . الثامن قال عبد الحق في تهذيبه قال أشهب من صلى خلف من لا يرى الوضوء من الملامسة أعاد أبدا ومن صلى خلف من لا يرى الوضوء من مس الذكر لم يعد لأن الوضوء من الملامسة ثابت بالقرآن المتواتر ومن مس الذكر بأخبار الآحاد وقال سحنون يعيدان جميعا في الوقت . المظنة الثانية الملامسة قال في الكتاب مس أحد الزوجين صاحبه للذة من فوق ثوب أو من تحته أو قبلة في غير الفم يوجب الوضوء خلافا ح في اشتراطه التجرد والتعانق والتقاء الفرجين مع الانتشار ولمنع محمد ابن الحسن إيجاب الملامسة مطلقا وخلافا ش في عدم اشتراط اللذة مع نقضه أصله بذوات المحارم لنا قوله تعالى ( أو لامستم النساء ) وفي اشتراط اللذة ما في مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كنت أنام بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح . وفي الموطأ عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت كنت نائمة إلى جنب النبي ففقدت رسول الله من الليل فلمسته بيدي فوقعت على أخمص قدميه الحديث . تمسك الحنفية بأن هذا حكم تعم به البلوى ولم ينقل عنه عليه السلام أنه قال من لمس زوجته انتقض وضوؤه بل نقل عنه عليه السلام أنه كان يقبل بعض زوجاته ولا يتوضأ نقله أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها وقد قال ابن عباس الإفضاء والتغشي والرفث والملامسة في كتاب الله تعالى كنايات عن الوطء ولأن السبب في الحقيقة إنما هو المذي ويمكن الوقوف عليه فلا حاجة إلى اعتبار مظنة له . والجواب عن الأول أن تمسكهم بعموم البلوى هنا وفي مسألة الوضوء من مس الذكر بناء على أن كل ما تعم به البلوى يجب اشتهاره وإلا فهو غير مقبول لأن ما تعم به البلوى يكثر السؤوال فيه فيكثر الجواب عنه فيشتهر وهم نقضوا هذه القاعدة بإيجاب الوضوء من الحجامة والدم السائل من الجسد وغيرهما وقد كان عليه السلام يتلو طول عمره ( أو لامستم النساء ) وهو مقطوع به متواتر . وعن الثاني أن الحديث غير صحيح طعن فيه الترمذي وأبو داود وقال الدارقطني هذه اللفظة لا تحفظ وإنما المحفوظ كان يقبل وهو صائم . وعن الثالث أن قوله مدفوع بقول عائشة وعبد الله بن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم أن القبلة توجب الوضوء . وعن الرابع أن مظنة الشيء تعطي حكم ذلك الشيء وإن أمكن الوقوف عليه كالتقاء الختانين مظنة الإنزال أعطي حكمه والنوم مظنة الحدث وأعطي حكمه مع إمكان الوقوف عليه وعلى رأيهم المباشرة مع التجرد وما معه مظنة أيضا . ولا فرق عندنا بين أن يكون الملموس عضوا أو شعرا من زوجة أو أجنبية أو محرم وبين قليل المباشرة وغيرها وبين اليد والفم وسائر الأعضاء إذا وجدت اللذة في جميع ذلك . فروع ثمانية : الأول في الجواهر القبلة في الفم لا يشترط فيها اللذة لأنها لا تنفك عنها غالبا فأقيمت المظنة مقامها وإن لم يعلم وجودها كالمشقة في السفر لا نعتبرها مع وجود مظنتها وهي المسافة المحدودة لها وروي عنه اعتبارها قال الباجي وعليه أكثر الأصحاب والأول ظاهر الكتاب . الثاني إذا وجد الملامس اللذة ولم يقصدها أو قصدها ولم يجدها فعليه الوضوء على المنصوص أما الأول فلوجود اللذة وهي السبب وأما الثاني قال صاحب الطراز قال ابن القاسم لأن القلب التذ لأجل قصده لذلك وهذا لا يستقيم لأن السبب هو اللذة لا إرادة اللذة ألا ترى أنه لا وضوء عليه إذا قصد مسها من فوق حائل كثيف قال اللخمي هذا يتخرج على رفض الطهارة . واستقرأ بعض المتأخرين عدم النقض هنا في مسألة الرفض وتعب بالفرق بمقارنة الفعل . الثالث قال صاحب الطراز إذا كان اللمس من وراء حائل خفيف يصل بشرتها إلى بشرته وجب الوضوء خلافا ش لوجود اللذة وإن كان كثيفا قال مالك رحمه الله في العتبية والمجموعة لا وضوء عليه وقاله ابن القاسم وسحنون وابن حبيب فيحمل قوله في الكتاب على هذا دفعا للتناقض قال اللخمي أما إذا ضمها استوى الخفيف والكثيف . الرابع في الجواهر الملموس إذا وجد اللذة توضأ خلافا ش في أحد قوليه لأن الله تعالى إنما خاطب اللامس بقوله ( أو لا مستم النساء ) لاشتراكهما في اللذة فيشتركان في موجبها كالتقاء الختانين وإن لم يجد الملموس لذة فلا وضوء عليه إلا أن يقصد فيكون لامسا في الحكم . الخامس قال لو نظر فالتذ بمداومة النظر ولم ينتشر ذلك منه فلا وضوء عليه لعدم السبب الذي هو الملامسة وقال ابن بكير يؤثر . السادس الإنعاظ قال صاحب الطراز قال مالك رحمه الله لا شيء عليه لأن العادة فيه غير منضبطة فيهمل بخلاف اللمس فإن غالبه المذي قال اللخمي قيل عليه الوضوء لأن غالبه المذي وأرى أن يحمل على عادته فإن اختلفت عادته توضأ أيضا وإن أنعظ في الصلاة وعادته عدم المذي مضي عليها وإلا قطع إلا أن يكون ذلك الإنعاظ ليس بالبين فإن كان شأنه المذي بعد زوال الإنعاظ وأمن ذلك في الصلاة أتمها فإن تبين أن ذلك كان قبل قضي الصلاة وإن أشكل عليه جرى على الخلاف . السابع قال صاحب الطراز يجب الوضوء من مس ظفر الزوج والسن والشعر إذا التذ خلافا ش ولم يره مالك في العتبية في الشعر . والعجب من الشافعي رحمه الله أنه نقض الوضوء بمس أذن الميتة ولم ينقضه بمس أظفار أنامل الحية مع قوله إن شعر الميتة نجس وإن لم يكن حيا لأن كل متصل بالحية فهو على حكمها فما باله هنا لا يكون على حكمها لا سيما وهو لا يراعي اللذة وقد اتفقنا على أنه إذا قال إن مسست امرأتي فهي طالق أو عبدي فهو حر فمس ظفرهما طلقت وعتق العبد . قاعدة أصولية يتخرج عليها فروع هذا الباب وغيره . وهي أن الشرع إذا نصب سببا لحكم لأجل حكمه اشتمل عليها ذلك السبب هل يجوز التعليل بتلك الحكمة لأنها سبب جعل السبب سببا والأصل متقدم على الفرع أولا يجوز ذلك وهو الصحيح عند العلماء لأن حكمه جعل السرقة سبب القطع صون الأموال وحكمة جعل الإحصان مع الزنا سبب الرجم صون الأنساب وحكمة جعل المسافة المعينة في السفر سبب القصر المشقة ونظائر ذلك كثيرة جدا مع انعقاد الإجماع على منع ترتيب أحكام هذه الأسباب بدونها وإن وجدت الحكم فكذلك هنا جعل الله تعالى اللمس سببا للوضوء لاشتماله على اللذة فهل يجوز اتباع اللذة على الإطلاق كما في التذكر والإنعاظ أولا يراعي ذلك على الإطلاق حتى لا يوجب الوضوء من وراء حائل وإن رق أو يتوسط بين الرتبتين وهو ظاهر المذهب . تمهيد يظهر منه مذهب مالك رحمه الله على الشافعية والحنفية . أما الحنفية فلأن الله تعالى عطف الملامسة على المجيء من الغائط والذي يفعل في الغائط لا يوجب غسلا فتحمل على ما لا يوجب غسلا تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه ولأن الله تعالى قال ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) فلو كان المراد بالملامسة الجماع لزم التكرار ويؤكد ذلك ما قاله صاحب الصحاح إن اللمس اللمس باليد يقال لمسه يلمسه بضم الميم في المضارع وبكسرها . وأما الشافعية فلأن أئمة اللغة قالوا اللمس الطلب ومن ذلك قوله عليه السلام
( التمس ولو خاتما من حديد )
وقوله تعالى حكاية عن الجان ( وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ) أي طلبناها . ولما كانت النساء تلمس طلبا للذة قال الله تعالى ( أو لامستم النساء ) والأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون هذا نصا على إبطال مذهب الشافعية والحنفية وعلى اشتراط اللذة والطلب . المظنة الثالثة النوم وليس حدثا في نفسه ونقل صاحب الطراز عن ابن القاسم قولا أنه حدث وإذا فرعنا على المذهب فهو يوجب الوضوء لكونه مظنة الريح لقوله عليه السلام
( العينان وكاء السه فإذا نامت العينان انفتح الوكاء )
على أن أبا عمر قال في التمهيد هذا حديث ضعيف لا يحتج به إلا أن معناه معلوم بالعادة وجرت عادة الفقهاء بذكره فذكرته . والوكاء الخيط الذي يربط به الشيء والسه أصله العجز ويقولون رجل ستة وامرأة ستهاء إذا كان الرجل أو المرأة كبيرة العجز ثم يستعمل مجازا في حلقة الدبر وهو المراد ههنا وأصل اللفظة ستة مثل قلم فحذفت التاء التي هي عين الكلمة فبقي سه ويروي بحذف لام الكلمة التي هي الهاء وإثبات العين التي هي التاء . فشبه عليه السلام الإنسان بزق مفتوح لا يمنع خروج الريح منه إلا الحواس وذهابها بمنزلة ذهاب الخيط الذي يشد به الزق . وقد اختلف الأصحاب في النوم الذي هو مظنة فضبطه اللخمي وغيره بالزمان وكيفية النوم فقال طويل ثقيل ناقض بلا خلاف في المذهب وقصير خفيف غير ناقض على المعروف منه وخفيف طويل يستحب منه الوضوء وثقيل قصير فيه قولان : وضبطه أبو محمد عبد الحميد بهيئة النائم فإن كان يتهيأ منه الخروج مع الطول نقض كالراقد وعكسه كالقائم والمحتبي لا ينقض وإن كان الطول فقط كالحالتين مستندا وعكسه كالراكع ففيهما قولان وهذا الضبط أشبه بروايات الكتاب ومقصود الجميع مظنة الخروج فإن كان بحيث لو خرج لم يشعر به انتقض وعكسه لا ينتقض وإن استوى الأمران فهو كالشاك في انتقاض وضوئه . وهذا الكلام على النوم من حيث الجملة فلنتكلم عليه من حيث التفصيل فنقول : للنائم إحدى عشرة حالة : الأولى الساجد قال في المدونة يجب منه الوضوء إذا استثقل خلافا ح لقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) الآية قال زيد بن أسلم معناه قمتم من المضاجع فجعل النوم سببا واختار هذا التفسير مالك رحمه الله وجماعة من أصحابنا لأن الله تعالى لم يذكر النوم في نواقض الوضوء فوجب حمل هذا عليه . وقال غيره إذا أردتم القيام للصلاة محدثين على أي حالة كنتم لما في أبي داود لما قيل له عليه السلام صليت وقد نمت فقال عليه السلام
( تنام عيني ولا ينام قلبي )
فلو كان نوم القلب لا يؤثر في الوضوء لم يكن لهذا الكلام معنى الثانية الراكع إذا استثقل نوماُ وجب عليه الوضوء خلافاً ح لما سبق الثالثة المضطجع قال صاحب الطراز راعى مالك في المجموعة الاستثقال في الاضطجاع ولم يره القاضي في التلقين ههنا ولا في السجود الرابعة والخامسة الراكب والجالس قال في الكتاب إذا استثقل وطال أوجب الوضوء وإلا فلا قال وبين العشائين طويل خلافا ش و ح قال صاحب الطراز قال ابن حبيب لا وضوء على الراكب والراكع والجالس إن كان غير مستند ومراعاة الشافعية انضمام المخرج من الجالس في عدم الإيجاب ليس بشيء لأنه إذا ضعفت القوة الماسكة وانصب الريح إلى المخرج لم يمنعه الانضمام فإن الريح ألطف من الماء والماء لا ينضبط بسبب الضم فالريح أولى بذلك . السادسة المحتبي قال في الكتاب لا وضوء عليه لأنه لا يثبت لو استثقل بخلاف الجالس قال صاحب الطراز فرق مالك رحمه الله في العتبية بين من نام قاعدا وطال في انتظار الصلاة وبين من لا ينتظرها وقيل له وبما رأى الرؤيا قال ذلك أحلام لأن منتظر الصلاة لا يمكن نفسه من كمال النوم بخلاف غيره وهو ضرورة تحصل للناس في انتظار الصلاة والحلم قد يكون حديث النفس ولأنه إنما يحصل مع خفة النوم ولذلك تكثر الرؤيا آخر الليل بعد أخذ النهمة من النوم . فرع قال صاحب الطراز إذا سقط المحتبي قال ابن الصباغ من أصحاب الشافعي إذا زالت اليتاه أو إحداهما قبل انتباهه انتقضت طهارته وإن انتبه لزوالهما لم تنتقض قال وهذا حسن . قال صاحب التنبيهات المحتبي هو الجالس قائم الركبتين جامعا يديه على ركبتيه بالتشبيك والمسك . السابعة المستند قال القاضي في الإشراف هو عند مالك رحمه الله كالجالس لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينتظرون الصلاة ولا يعرون عن النوم والاستناد قال ابن حبيب هو كالمضطجع لأنه باستناده خرج عن هيئة الجلوس معتمد الأعضاء منحلها قال صاحب الطراز وهذا أحسن . الثامنه القائم . التاسعة الماشي . العاشرة المستند القائم قال صاحب القبس ما استثقل نوما في هذه الحالات فعليه الوضوء وإلا فلا . الحادية عشرة إذا استثفر وارتبط ثم نام قال الطرطوشي الذي يأتي على المذهب أن لا وضوء عليه . فائدة الفرق بين السنة والغفوة والنوم أن الأبخرة متصاعدة على الدوام في الجسد إلى الدماغ فمتى صادفت منه فتورا أو إعياء استولت عليه وهو معدن الحس والحركة فيحصل فيه فتور وهو السنة فإن عم الاستيلاء حاسة البصر فهو غفوة وإن عم جميع الجسد فهو نوم مستثقل . والأولان لا وضوء فيهما لما في مسلم كان أصحاب النبي ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤن ومنه أيضا اعتم النبي عليه السلام ذات ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر رضي الله عنه وقال الصلاة والأحاديث الصحيحة في هذا كثيرة وقال أبو حنيفة رحمه الله من نام على هيئة من هيئات الصلاة اختيارا مثل الراكع والقائم والساجد والجالس فلا وضوء عليه وإنما الوضوء على المضطجع والمائل والمستند محتجا بما يروي في الترمذي وأبي داود عنه عليه السلام أنه نام وهو ساجد حتى غط ونفخ ثم قام يصلي قال ابن عباس فقلت يا رسول الله إنك قد نمت فقال إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعا فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله وضعفه أبو داود وأنكره . المظنة الرابعة الخنق من الجن قال في الكتاب يوجب الوضوء دون الغسل سواء كان قائما أو قاعدا لشدة استيلائه على الحواس فلا يفرق بين حالاته وقال ابن حبيب يوجب الغسل إن دام يوما أو أياما قال الشافعي رحمه الله قيل ما جن إنسان إلا أنزل . المظنة الخامسة الإغماء يوجب الوضوء لما سلف قاله في الكتاب . المظنة السادسة ذهاب العقل بالجنون لا بالجن قال في الكتاب عليه الوضوء . المظنة السابعة السكر قال في الكتاب يوجب الوضوء فإن النصوص الموجبة للوضوء من النوم توجبه بطريق الأولى لأن هؤلاء لو ردوا لإحساسهم لم يرجعوا بخلاف النائم . المظنة الثامنة الهم المذهب للعقل بغلبته قال صاحب الطراز قال مالك في المجموعة عليه الوضوء قيل له هو قاعد قال أحب أن يتوضأ قال يحتمل الاستحباب أن يكون خاصا بالقاعد بخلاف المضطجع لتمكنه من الأرض ويحتمل أن يكون عاما فيهما فهذه ثلاثة وعشرون موجبا للوضوء عندنا . تزييل وقع بيني وبين بعض فضلاء الشافعية خلاف هل هذه الأمور نواقض للطهارة أو موجبات للوضوء والتزمت أنها موجبات . وينبني على الخلاف من لم يحدث قط ثم أراد الصلاة فإنه مأمور بالوضوء إجماعا ويبقى الخلاف في مدرك هذا الوجوب فإنا قلنا إن هذه الأمور موجبة فسبب هذا الأمر ما تقدم منه من الإحداث وإن قلنا إنها ليست موجبة بل ناقضة للطهارة فلا عبرة بما تقدم من إحداثه لأنها لم ترد على طهارة فتنقضها ويجب الوضوء لكونه شرطا في الصلاة كستر العورة واستقبال القبلة . وأكثر عبارات أصحابنا أنها موجبة للوضوء ومنهم من يقول إنها ناقضة للطهارة وجمع القاضي في التلقين بينهما فقال باب ما يوجب الوضوء وينقضه بعد صحته والخلاف يرجع إلى مدرك الحكم لا الحكم . فصل في موجبات مختلف فيها وهي نحو عشرة : الأول مس الدبر ويسمى الشرج بفتح الشين وفتح الراء تشبيها له بشرج السفرة التي يؤكل عليها وهو مجتمعها وكذلك تسمى المجرة شرج السماء على أنها بابها ومجتمعها ومسه لا يوجب الوضوء خلافا ش وحمد يس من أصحابنا . الثاني الأنثيان لا يوجب مسهما وضوءا خلافا لعروة بن الزبير لاندارجهما في معنى الفرج عنده . الثالث الأرفاغ واحدها رفغ بضم الراء وسكون الفاء والغين المعجمة وهو طي أصلي العجز مما يلي الجوف ويقال بفتح الراء وقيل هو العصب الذي بين الشرج والذكر قال القاضي في التنبيهات ومسها ليس بشيء فلا يوجب وضوءا خلافا لعمر رضي الله عنه لقوله عليه السلام
( من مس ذكره فليتوضأ )
خصه دون سائر الجسد فدل ذلك على عدم اعتبار غيره من الجسد فإن عارضوا المفهوم بالقياس عليه فرقنا بأنه سبب المذي بخلاف غيره . الرابع مس ذكر الصبي وفرج الصبية لا يوجب وضوءا خلافا ش لأنهما ليسا مظنة اللذة . الخامس فرج البهيمة لا يوجب وضوءا خلافا لليث لأنه ليس مظنة اللذة . السادس الدم يخرج من الدبر أو الحصا أو الدود لا يوجب وضوءا خلافا ش و ح لأن الله تعالى يقول ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) وخطاب الشارع محمول على الغالب المعتاد وهذه ليست معتادة قال صاحب الطراز قال ابن نافع ذلك إذا لم يخالطه أذى قال التونسي ولو خالطه الأذى لكان فيه نظر لأنه غير معتاد . وحصى الإحليل إن خرج عقيبه بول توضأ وإلا فلا وقال ابن عبد الحكم من خرج من دبره دم صاف أو دود فعليه الوضوء . السابع أكل ما مسته النار أو شربه لا يوجب وضوءا خلافا لأحمد في لحوم الإبل ولعائشة وابن عمر وجماعة معهما رضي الله عنهم أجمعين لما في الموطأ أنه عليه السلام أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ وأما الأحاديث الواردة في الوضوء فمحمولة على الوضوء اللغوي جمعا بين الأحاديث . الثامن القهقهة لا توجب الوضوء خلافا ح لأنها لا توجبه خارج الصلاة فلا توجبه داخلها قياسا على العطاس والسعال أو نقول لو أوجبته داخل الصلاة لأوجبته خارج الصلاة قياسا على الريح وأما ما يروى عنه عليه السلام أنه كان يصلي بأصحابه فدخل رجل في بصره ضر فتردى في حفيرة كانت في المسجد فضحك طوائف منهم فلما قضى عليه السلام أمر كل من كان منهم ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة فقال عبد الحق لا يصح من أحاديث هذا الباب شيء ولو سلمنا صحته فهي قضية عين يحتمل أن بعضهم خرج منه ريح فأراد عليه السلام ستره بذلك . التاسع القيء والقلس والحجامة والفصادة والخارج من الجسد من غير السبيلين لا توجب وضوءا خلافا ح لأن ما يروى عنه عليه السلام
( الوضوء من كل دم سائل )
ومن قوله
( إذا رعف أحدكم في صلاته فلينصرف وليغسل عنه الدم ثم ليعد وضوءه وليستقبل صلاته )
ومن قوله عليه السلام
( إذا قاء أحدكم في صلاته )
أو قلس فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته ونحو ذلك من الأحاديث لا يثبت منها شيء . والقياس على الإحداث بجامع النجاسة ممنوع فإنه تعبد لإيجاب الغسل من هذه الأسباب لغير المتنجس والقياس في التعبد متعذر لعدم العلة الجامعة . العاشر ذبح البهائم ومس الصلب والأوتان والكلمة القبيحة والنظر للشهوة وقلع الضرس وإنشاد الشعر والتقطير في المخرجين أو إدخال شيء فيهما أو أذى مسلم أو حمل ميت أو وطء نجاسة رطبة لا توجب وضوءا خلافا لقوم عملا بالأصل حكاه ابن حزم في مراتب الإجماع . تنقيح أمر الله تعالى بالوضوء مما يحصل في الغائط بقوله ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) قال أبو حنيفة رحمه الله السبب في ذلك هو الخارج النجس الموجب لاستخباث جملة الجسد كما أن الإنسان لو كان به برص أو جذام ببعض أعضائه كرهت جملته عرفا فكذلك يستخبث شرعا فيلحق به كل خارج نجس كالحجامة ونحوها . وقال الشافعي رحمة الله عليه المعتبر المخرج لأنه هو المفهوم المطرد عند قوله ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) أي ما خرج من هذين المخرجين أوجب الوضوء كان طاهرا أو نجسا معتادا أو نادرا . وقال مالك رحمة الله عليه المعتبر الخارج والمخرج المعتادان اللذان يفهمان من الآية وهما تعبدان لا يجوز التصرف فيهما بل يقتصر على مورد النص وهذا هو الصواب والله أعلم . وليس هذا من باب أخذ محل الحكم قيدا في العلة الذي هو منكر بل هذا من باب الاقتصار على محل الحكم لتعذر التصرف فيه والنقل منه إلى غيره . تفريع في الجواهر كل سبب من الأسباب المعتبرة يمنع من الصلاة والطواف وسجود التلاوة وسجود السهو ومس المصحف أو جلده أو حواشيه أو بقضيب لأن ذلك بمنزلة اللمس عرفا للاتصال وكذلك حمله في خريطة أو بعلاقة أو صندوق مقصود له . ولا بأس بحمله في وعاء مقصود لغيره أو مس كتب التفسير أو الفقه المتضمنة له لأنها المقصود دونه وكذلك الدرهم عليه ذكر الله تعالى وقد منعه بعضهم تعظيما لذكر الله تعالى . وأما معلم الصبيان فلا يكلف الطهارة لمس الألواح قاله ابن القاسم لأجل الضرورة ولم يره ابن حبيب واستحب أيضا للصبيان مس الأجزاء أو اللوح على وضوء وكره لهم مس جملة المصحف على غير وضوء . ولمالك في العتبية يعلق من القرآن على الحائض والجنب والصبي في العنق إذا احترز عليه أو جعل في شيء يكنه ولا يعلق بغير ما يكنه . وكذلك يكتب للحمى قال صاحب الطراز لأنه خرج عن هيئة المصحف وصار ككتب التفسير يحملها المحدث . والأصل في هذه الجملة الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ) وجه التمسك به أنه تعالى نهى عن ملامسة القرآن ومسه لغير الطاهرين إجلالا والمحدث ليس بطاهر فوجب أن يمنع من مسه وتقريره أنها صيغة حصر تقتضي حصر الجواز في المتطهرين وعموم سلبه في غيرهم والأصل عدم التخصيص فيحصل المطلوب . فإن قيل لا نسلم أن هذه الصيغة نهي وإلا لكانت مجزومة الأجزاء ومؤكدة بنون التأكيد . سلمنا لكن لا نسلم أن المراد بالمطهرين أهل الأرض بل أهل السماء كما قال تعالى في عبس ( بأيدي سفرة كرام بررة ) سورة عيسى 15 16 . سلمنا أن المراد أهل الأرض لكن المطهرون عام في المطهر مطلق في التطهير فلم لا تكفي الطهارة الكبرى ولا تندرج الصغرى لخفتها ؟ والجواب عن الأول من وجهين : الأول أن الصيغة لو كانت خبرا للزم الخلف فيه لأنا نجد كثيرا من غير الطاهرين يمسه والخلف في خبر الله تعالى محال فيتعين أن تكون نهيا وقد حكى النحاة في الفعل المشدد الآخر أن من العرب من يحكيه حالة النهي على الرفع الثاني سلمنا أنه خبر لفظاً ونهي معنى كما قال تعالى ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) والمراد الأمر كذلك ههنا يكون المراد النهي وعن الثاني من وجهين أحدهما لو كان المراد أهل السماء لكان يقضي أن في السماء من ليس بمتطهر وليس كذلك بخلاف ما إذا حملناه على أهل الأرض . وثانيهما أن الألف واللام للعموم فيشمل أهل الأرض والسماء والأصل عدم التخصيص فيحصل المطلوب . وعن الثالث أنه يجب أن يحمل المتطهر على أعلى مراتبه تعظيما لكتاب الله تعالى . وأما السنة فما في الموطأ أنه عليه السلام كتب كتابا إلى عمرو بن حزم باليمين ( ألا يمس القرآن إلا طاهر ) وهذا الحديث يؤكد التمسك بالآية لأنه على صيغتها . تحقيق قد توهم بعض الفقهاء أن هذه النصوص لا تتناول الصبيان كسائر التكاليف فكما لا يكون تركهم لتلك التكاليف رخصة فكذلك ههنا وليس كما ظن فإن النهي عن ملامسة القرآن لغير المتطهر كالنهي عن ملامسته لغير الطاهر من جهة أن كل واحد منهما لا يشعر بأن المنهي عن ملامسته موصوف بالتكليف أو غير موصوف فيكون الجواز في الصبيان رخصة .

الباب الثاني في الوضوء
الفصل الأول في فرائضه وهي سبعة
والوضوء بفتح الواو الماء وبضمها الفعل وحكي عن الخليل الفتح فيهما والأول الأشهر وكذلك الغسل والغسل والطهور والطهور واشتقاقه من الوضاءة وهي النظافة والحسن ويقال وجه وضيء أي سالم مما يشينه ولما كان الوضوء يزيل الحدث الذي هو مانع للصلاة سمي وضوءا وفيه
ثلاثة فصول الأول الماء المطلق وقد تقدم تحريره الثاني النية وفيها تسعة أبحاث البحث الأول في حقيقتها وهي قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله فهي من باب العزوم والإرادات لا من باب العلوم والاعتقادات والفرق بينها وبين الإرادة المطلقة أن الإرادة قد تتعلق بفعل الغير بخلافها كما نريد مغفرة الله جل جلاله وتسمى شهوة ولا تسمى نية والفرق بينها وبين العزم أن العزم تصميم على إيقاع الفعل والنية تمييز له فهي أخفض منه رتبة وسابقة عليه . البحث الثاني في محلها وهو القلب لأنه محل العقل والعلم والإرادة والميل والنفرة والاعتقاد . وروي عن عبد الملك في كتاب الجنايات أن العقل في الدماغ لا في القلب فيلزم على مذهبه أن النية في الدماغ لا في القلب لأن هذه الأعراض كلها أعراض النفس والعقل فحيث وجدت النفس وجد الجميع قائما بها فالعقل سجيتها والعلوم والإرادات صفاتها . ويدل على قول مالك رحمة الله عليه قوله تعالى ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ) ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) ( وختم الله على قلوبهم ) ولم يصف الله شيئا من هذه الأمور بالدماغ فدل على أن محلها القلب ولذلك قال المازري أكثر المتشرعين وأقل أهل الفلسفة على أن النية في القلب وأقل المتشرعين وأكثر الفلاسفة على أنها في الدماغ . البحث الثالث في دليل وجوبها وهو قوله تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) لأي يخلصونه له دون غيره وهذا يدل على أن ما ليس كذلك ليس مأمورا به فوجب ألا يبرئ الذمة من المأمور به . وقوله عليه السلام في مسلم
( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه )
. ومعنى هذا الحديث أن الأعمال معتبرة بالنيات فإن خبر المبتدأ محذوف وهذا أحسن ما قرر به فوجب الحمل عليه فيكون ما لا نية فيه ليس بمعتبر وهو المطلوب . وهذا الحديث يتناول سائر الأعمال لعموم الألف واللام . وأما آخر الحديث فمشكل لأجل أن الشرط يجب أن يكون غير المشروط وهنا اتحد الشرط والمشروط لأنه إعادة اللفظ بعينه . وتحقيقه أن يقول من كانت هجرته مضافة إلى الله ورسوله في القصد فهجرته موكولة إلى الله ورسوله في الثواب ومن كانت هجرته مضافة إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته موكولة إليها ومن وكل عمله إلى ما لا يصلح للجزاء عليه فقد خاب سعيه نسأل الله العافية من كل موبقة . وإنما قدر موكولة لأن خبر المبتدأ إذا كان مجرورا لا بد من تقدير عامل فيه وهذا أحسن ما قدر فباين الشرط المشروط . إذا تقرر ذلك فهي واجبة في الوضوء ونقل المازري عدم وجوبها عن مالك رحمه الله وخرج على ذلك الغسل . البحث الرابع في حكمه إيجابها وهي تمييز العبادات عن العادات ليتميز ما لله عن ما ليس له أو تمييز مراتب العبادات في أنفسها لتتميز مكافأة العبد على فعله ويظهر قدر تعظيمه لربه . فمثال الأول الغسل يكون تبردا وعبادة ودفع الأموال يكون صدقة شرعية ومواصلة عرفية والإمساك عن المفطرات يكون عبادة وحاجة وحضور المساجد يكون مقصودا للصلاة وتفرجا يجري مجرى اللذات . ومثال القسم الثاني الصلاة تنقسم إلى فرص ومندوب والفرض ينقسم إلى الصلوات الخمس قضاء أو أداء والمندوب ينقسم إلى راتب كالعيدين والوتر وغير راتب كالنوافل . وكذلك القول في قربات المال والصوم والنسك فشرعت النية لتمييز هذه الرتب ولأجل هذه الحكمة تضاف صلاة الكسوف والاستسقاء والعيدين إلى أسبابها لتمييز رتبتها وكذلك تتعين إضافة الفرائض إلى أسبابها لتتميز لأن تلك الأسباب قرب في نفسها بخلاف أسباب الكفارات لا تضاف إليها لأنها مستوية . وسوى أبو حنيفة رحمه الله بين الصلوات والكفارات في عدم الإضافة إلى الأسباب . والفرق بينهما ما ذكرناه لا سيما ومعظم أسباب الكفارات جنايات لا قربات واستحضارها حالة التقرب ليس بحسن وأما الصلوات فكلها مختلفة حتى الظهر والعصر بقصر القراءة في العصر وطولها في الظهر . وهذه الحكمة قد اعتبرت في ست قواعد في الشريعة فنذكرها ليتضح للفقيه سر الشريعة في ذلك . وهي القربات والألفاظ والمقاصد والنقود والحقوق والتصرفات . القاعدة الأولى القربات فالتي لا لبس فيها لا تحتاج إلى نية كالإيمان بالله تعالى وتعظيمه وإجلاله والخوف من نقمه والرجاء لنعمه والتوكل على كرمه والحياء من جلاله والمحبة لجماله والمهابة من سلطانه . وكذلك التسبيح والتهليل وقراءة القرآن وسائر الأذكار فإنها متميزة لجنابه سبحانه وتعالى وكذلك النية منصرفة إلى الله تعالى بصورتها فلا جرم لم تفتقر إلى نية أخرى ولا حاجة إلى التعليل بأنها لو افتقرت إلى نية للزم التسلسل ولذلك يثاب الإنسان على نية مفردة ولا يثاب على الفعل مفردا لانصرافها بصورتها إلى الله تعالى والفعل متردد بين ما لله وما لغيره وأما كون الإنسان يثاب على نية حسنة واحدة وعلى الفعل عشرا إذا نوى فإن الأفعال مقاصد والنيات وسائل والوسائل أخفض رتبة من المقاصد . القاعدة الثانية الألفاظ إذا كانت نصوصا في شيء غير مترددة لم تحتج إلى نية لانصرافها بصراحتها لمدلولاتها فإن كانت كناية أو مشتركة مترددة افتقرت إلى النية . القاعدة الثالثة المقاصد من الأعيان في العقود إن كانت متعينة استغنت عما يعينها كمن استأجر بساطا أو قدوما أو ثوبا أو عمامة لم يحتج إلى تعيين المنفعة في العقد لانصراف هذه الأشياء بصورها إلى مقاصدها عادة . وإن كانت العين مترددة كالدابة للحمل والركوب والأرض للزرع والغرس والبناء افتقرت إلى التعيين . القاعدة الرابعة النقود إذا كان بعضها غالبا لم يحتج إلى تعيينه في العقد وإن لم يكن احتاج إلى التعيين . القاعدة الخامسة الحقوق إذا تعينت لمستحقها كالدين المنقول فإنه معين لربه فلا يحتاج إلى نية مثل حقوق الله تعالى إذا تعينت له كالإيمان وما ذكر معه . وإن تردد الحق بين دينين أحدهما برهن والآخر بغير رهن فإن الدفع يفتقر في تعيين المدفوع لأحدهما إلى النية . القاعدة السادسة التصرفات إذا كانت دائرة بين جهات شتى لا تنصرف لجهة إلا بنية كمن أوصى على أيتام متعددة فاشترى سلعة لا تتعين لأحدهم إلا بالنية ومتى كان التصرف متحدا انصرف لجهته بغير نية فإن مباشرة العقد كافية في حصول ملكه في السلعة ومن ملك التصرف لنفسه ولغيره بالوكالة لا ينصرف التصرف للغير إلا بالنية لأن تصرف الإنسان لنفسه أغلب فانصرف التصرف إليه والنية في هذه الأمور مقصودها التمييز ومقصودها في العبادات التمييز والتقرب معا . سؤال هذا التقرير يشكل بالتيمم فإنه متميز بصورته لله تبارك وتعالى فلم افتقر إلى النية ؟ جوابه أن التيمم خارج عن نمط العبادات فإنها كلها تعظيم وإجلال وليس في مس التراب ومسحه على الوجه صورة تعظيم بل هو شبه العبث واللعب فاحتاج إلى النية ليخرجه من حيز اللعب إلى حيز التقرب . تنبيه إذا ظهرت حكمه اشتراط النية فليعلم أن ملاحظتها سبب اختلاف العلماء في اشتراطها في صيام رمضان والوضوء فزفر يقول في الأول وأبو حنيفة رحمه الله يقول في الثاني هما متعينان بصورهما وليس لهما رتب فلا حاجة إلى النية ومالك والشافعي رضي الله عنهما يقولان الإمساك في رمضان قد يكون لعدم المفطرات والوضوء قد يكون للتعليم فيحتاجان إلى ما يميز كونهما عبادة عن غيرهما . البحث الخامس فيما يفتقر إلى النية الشرعية الأعمال كلها إما مطلوب أو مباح والمباح لا يتقرب به إلى الله تعالى فلا معنى للنية فيه والمطلوب نواه وأوامر . فالنواهي كلها يخرج الإنسان عن عهدتها وإن لم يشعر بها فضلا عن القصد إليها مثاله زيد المجهول لنا حرم الله علينا دمه وماله وعرضه وقد خرجنا عن عهدة ذلك النهي وإن لم نشعر به وكذلك سائر المجهولات . نعم إن شعرنا بالمحرم ونوينا تركه لله تبارك وتعالى حصل لنا مع الخروج عن العهدة الثواب لأجل النية فهي شرط في الثواب لا في الخروج عن العهدة . والأوامر على قسمين الأول منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته كأداء الديون والودائع والغصوب ونفقات الزوجات والأقارب فإن المصلحة المقصودة من هذه الأمور انتفاع أربابها وذلك لا يتوقف على قصد الفاعل لها فيخرج الإنسان عن عهدتها وإن لم ينوها . والقسم الثاني من الأوامر ما تكون صورة فعله ليست كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه كالصلوات والطهارات والصيام والنسك فإن المقصود منها تعظيمه تعالى بفعلها والخضوع له في إتيانها وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله سبحانه وتعالى فإن التعظيم بالفعل بدون قصد المعظم محال كمن صنع ضيافة لإنسان انتفع بها غيره فإنا نجزم بأن المعظم الذي قصد إكرامه هو الأول دون الثاني فهذا القسم هو الذي أمر فيه الشرع بالنيات وعلى هذه القاعدة يتخرج خلاف العلماء في إيجاب النية في إزالة النجاسة فمن اعتقد أن الله تعالى أوجب على عباده مجانبة الحدث والخبث حالة المثول بين يديه تعظيما له فيكون من باب المأمورات التي لا تكفي صورتها في تحصيل مصلحتها فتجب فيها النية ومن اعتقد أن الله تعالى حرم على عبادة ملابسة الخبث فيكون عنده من باب المنهيات فلا يفتقر إلى النية وهو الصحيح . البحث السادس في شروط النية وهي ثلاثة : الأول أن يتعلق بمكتسب الناوي فإنها مخصصة وتخصيص غير المفعول للمخصص محال . وأشكل هذا الشرط بنية الإمام الإمامة فإن صلاته حالة الإمامة مساوية لصلاته حالة الانفراد فهذه النية لا بد لها من مكتسب ولا مكتسب فيشكل . وأجاب بعض العلماء عن هذا السؤال بأن النية يشترط فيها أن تتعلق بمكتسب استقلالا ويجوز أن تتعلق بتوابع ذلك المكتسب وإن لم تكن مكتسبة كما تتعلق بالوجوب في الصبح والندب في صلاة الضحى ونحو ذلك وليس الوجوب والندب مكتسباً للعبد فإن الأحكام الشرعية واجبة الوجود قديمة صفة الله تعالى سبحانه فحسن القصد إليها تبعا لقصد المكتسب وكذلك الإمامة وإن لم تكن فعلا زائدة على الصلاة مكتسبا فإن القصد إليها تبعا لقصد المكتسب . الشرط الثاني أن يكون المنوي معلوما أو مظنونا فإن المشكوك تكون فيه النية مترددة فلا تنعقد ولذلك لا يصح وضوء الكافر ولا غسله قبل انعقاد الإسلام لأنهما عنده غير معلومين ولا مظنونين . فروع : الأول لو شك في طهارته وقلنا لا يجب عليه الوضوء أو كان شكه غير مستند إلى سبب فتوضأ في الحالتين احتياطا ثم تيقن الحدث ففي وجوب الإعادة قولان أما لو قلنا بوجوب الوضوء عليه فإنه معلوم فلا تردد . الثاني لو توضأ مجددا ثم تيقن الحدث ففي كتاب سحنون لا يجزئه وعند أشهب يجزئه . الثالث لو أغفل لمعة من الغسلة الأولى وغسل الثانية بنية الفضيلة ففي الإجزاء قولان وخرج أصحابنا هذه المسألة ونحوها على أن القصد إلى الفضائل إنما يكون بعد اعتقاد حصول الفرائض فقد اندرجت نية الفرض في نية الفضيلة وهذا لا يستقيم لأنا قد بينا أن النية من القصود والإرادات لا من باب العلوم والاعتقادات . والحاصل أن الناسي لفرضه الفاعل للنفل إنما هو على اعتقاد حصول الفرض والاعتقاد ليس بنية كما تقدم . نظائر ثمانية في المذهب وقع فيها إجزاء غير الواجب : أربعة في الطهارة وهي من جدد ثم ذكر الحدث ومن غسل الثانية بنية الفضيلة وقد بقيت لمعة من الأولى ومن اغتسل للجمعة ناسيا للجنابه ومن توضأ احتياطا ثم تيقن الحدث . وثلاثة في الصلاة وهي من سلم من اثنتين ثم صلى ركعتين عقيب ذلك بنية النافلة أو ظن أنه سلم وفعل ذلك ولم يكن سلم أو أعاد في جماعة ثم تبين له أنه كان محدثا في صلاته الأولى . والثامنة في الحج وهي من نسي طواف الإفاضة وقد طاف طواف الوداع وبعد عن مكة . والمشهور في هذه المسائل يختلف . ولا يشكل على هذا الشرط من نسي صلاة من خمس فإنه يصلي خمسا مع شكه في وجوب كل واحدة منهن لأن الشرع جعل شكه سببا لإيجاب الجميع فالجميع معلوم الوجوب . ولا يشكل أيضا من شك أصلى ثلاثا أو أربعا فإنه ينوي صلاة ركعة رابعة ليتم صلاته مع شكه في وجوبها لأنا نمنع الشك فيها بناء على أنا نقطع بشغل ذمته بالصلاة حتى يغلب على الظن عند الحنفي أو يقطع عند المالكي والشافعي بإيقاع الأربع وما حصل ذلك فالقطع الأول مستصحب . الشرط الثالث أن تكون النية مقارنة للمنوي لأن أول العبادة لو عرا عن النية لكان أولها مترددا بين القربة وغيرها وآخر الصلاة مبني على أولها وتبع له بدليل أن أولها إن نوي نفلا أو واجبا أو قضاء أو أداء كان آخرها كذلك فلا تصح . واستثني من ذلك الصوم للمشقة والزكاة في الوكالة على إخراجها عونا على الإخلاص ودفعا لحاجة الفقير من باذلها فتتقدم النية عند الوكالة ولا تتأخر لإخراج المنوي . فرع قال صاحب الطراز جوز ابن القاسم تقدم النية عندما يأخذ في أسباب الطهارة بذهابه إلى الحمام أو النهر بخلاف الصلاة وخالفه سحنون في الحمام ووافقه في النهر وفرق بأن النهر لا يؤتى غالبا إلا لذلك فتميزت العبادة فيه بخلاف الحمام فإنه يؤتى لذلك ولإزالة الدرن والرفاهية غالبة فيه فلم تتميز العبادة وافتقرت إلى النية وقيل لا تجزئ النية المتقدمة في الموضعين حتى تتصل بفعل الواجب وقيل إذا نوى عند أول الوضوء وهو أول السنن أجزأه لأن الثواب على السنن والتقرب بها إنما يحصل عند النية وقيل إن عزبت نيته قبل المضمضة والاستنشاق وبعد اليدين لا يجزئه وإن اتصلت بهما وعزبت قبل الوجه أجزأه لأن المضمضة من الوجه وبها غسل طاهر الفم وهي الشفة من الوجه . البحث السابع النية على القسمين فعلية موجودة وحكمية معدومة وكذلك الإخلاص والإيمان . فيجب على المكلف أن يعزم على طاعة الله ما دام حيا مستطيعا قبل حضورها وحضور أسبابها فإذا حضرت وجب عليه النية والإخلاص الفعليات في أولها ويكفي الحكميان في بقيتها للمشقة في استمرارها بالفعل وكذلك قال صاحب الطراز لو وزن زكاته وعزلها للمساكين ثم دفعها بعد ذلك بغير نية اكتفى بالحكمية وأجزأت ولم يشترط الإيمان الفعلى في ابتدائها لصعوبة الجمع وأفردت النية دونه لأنها مستلزمة له من غير عكس . فروع ثلاثة : الأول تكفي الحكمية بشرك عدم المنافي قال ابن القاسم في المدونة إذا توضأ وبقيت رجلاه فخاض بها نهرا ومسح بيديه رجليه في الماء ولم ينو بذلك غسل رجليه لا يجزئه غسل رجليه قال صاحب الطراز يريد إذا قصد بذلك غير الوضوء بل إزالة القشب وقال صاحب النكت معناه أنه ظن كمال وضوءه فرفض نيته أما لو بقي على نيته والنهر قريب أجزأه . قال صاحب الطراز النية الحكمية تتناول الفعل ما لم تتناوله النية الفعلية بخصوصه فإن النية الخاصة به أقوى كما لو قام لركعة وقصد أنها خامسة وهي رابعة في نفس الأمر فسدت الصلاة أو صام يوما في الصوم المتتابع ينوي به النذر بطل التتابع ويتخرج على هذه المسألة الخلاف الذي في صلاة من قام إلى اثنين وصلى بقية صلاته بنية النافلة ثم ذكر فعند ابن القاسم لا يجزئه وعند ابن المواز يجزئه سلم أو لم يسلم لأن النية الحكمية متحققة فلا تبطل إلا برفض الثاني إذا رفض النية الحكمية بعد كمال الطهارة روي عن مالك رحمه الله أنها لا تفسد لحصول المقصود منها وهو التمييز حالة الفعل وروي عنه فسادها لأنها جزء من الطهارة وذهاب جزء الطهارة يفسدها قال صاحب النكت إذا رفض النية في الطهارة أو الحج لا يضر بخلاف الصلاة والصوم والفرق أن المراد بالنية التمييز وهما متميزان بمكانهما وهو الأعضاء في الوضوء والأماكن المخصوصة في الحج فكان استغناؤها عن النية أكثر ولم يؤثر الرفض فيهما بخلاف الصوم والصلاة الثالث قال المازري رحمه الله تكفي النية الحكمية في العمل المتصل فلو نسي عضوا وطال ذلك افتقر إلى تجديد النية فإن الاكتفاء بالحكمية على خلاف الأصل فيقتصر فيها العمل المتصل وكذلك من خلع خفيه وشرع في غسل رجليه البحث الثامن في أقسام المنوي وأحواله المنوي من العبادات ضربان أحدهما مقصود في نفسه كالصلاة والثاني مقصود لغيره وهو قسمان أحدهما مع كونه مقصودا لغيره فهو أيضا مقصود لنفسه كالوضوء والثاني مقصود لغيره فقط كالتيمم ويدل على ذلك أن الشرع أمر بتجديد الوضوء دون التيمم والمقصود بالنية إنما هو تمييز المقصود لنفسه لأنه المهم فلا جرم إذا نوى التيمم دون استباحة الصلاة فقولان للعلماء أحدهما لا يجزئ لكونه مما ليس بمقصود في نفسه والثاني يجزئه لكونه عبادة والذي هو مقصود لنفسه ولغيره يتخير المكلف بين قصده له لكونه مقصودا في نفسه وبين قصده للمقصود منه دونه فالأول كقصده الوضوء والثاني كقصده استباحة الصلاة فإن نوى الصلاة أو شيئا لا يقدم عليه إلا بارتفاع الحدث الذي هو الاستباحة صح لاستلزام هذه الأمور رفع الحدث فروع سبعة الأول في الجواهر إذا نوى ما يستحب له الوضوء كتلاوة القرآن وحده فالمشهور أن حدثه لا يرتفع لأن الحدث عبارة عن المنع الشرعي وصحة هذا الفعل لا تتوقف على رفع المنع فلا تستلزمه فيكون حدثه باقيا وقيل يرتفع نظرا إلى أصل الأمر بالوضوء لهذه الأمور . الثاني إذا نوى رفع بعض الأحداث ناسيا لغيرها أجزأه لأن المقصود رفع المنع وقد حصل ومعنى هذا الكلام على التحقيق أنه نوى رفع سبب بعض الأحداث لأن الأسباب لا يمكن رفعها لاستحالة رفع الواقع . الثالث قال إذا نوى استباحة صلاة بعينها وأخرج غيرها من نيته فقيل يستبيح ما نواه وما لم ينوه لأن حدثه قد ارتفع باعتبار ما نواه وذلك يقتضي استباحة سائر الصلوات وليس للمكلف أن يقتطع مسببات الأسباب الشرعية عنها فلو قال أتزوج ولا يحل لي الوطء أو أشتري السلعة ولا يحصل لي الملك لم يعتبر ذلك فكذلك ههنا وقيل تبطل طهارته للتضاد ولا تستبيح شيئا وقيل تختص الإباحة بالمنوي لقوله عليه السلام
( الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى )
. الرابع قال المازري إذا نوى رفع بعض الأحداث مخرجا لغيره من نيته ففيه الثلاثة الأقوال التي في تخصيص الصلاة بالإباحة . الخامس قال المازري لو نوى رفع الحدث والتبرد أجزأه لأن ما نواه معه حاصل وإن لم ينوه فلا تضاد وقيل لا يجزئه لأن المقصود من النية أن يكون الباعث على العبادة طاعة الله تعالى فقط وههنا الباعث الأمران . السادس قال ابن بشير لو نوى رفع الحدث وقال لا أستبيح أو نوى الاستباحة وقال لا يرتفع الحدث أو نوى امتثال أمر الله تبارك وتعالى وقال لا أستبيح ولا يرتفع الحدث لم يصح وضوؤه للتضاد . السابع إذا فرق النية على الأعضاء فنوى الوجه وحده ثم كذلك اليدين إلى آخر الطهارة فقولان منشؤهما عند الأصحاب أن الحدث هل يرتفع عن كل عضو وحده أو لا بد في ارتفاعه من غسل الجميع ؟ ويخرج على ذلك مسألة الكتاب وهي إذا مس ذكره في غسل جنابته بعد غسل أعضاء وضوئه وأعاد وضوءه فإنه يفتقر إلى نية عند الشيخ أبي محمد لأن حدث الجنابة قد ارتفع عن المغسول قبل ذلك عن أعضائه وغير الجنب يجب عليه نية الوضوء ولا يعيد النية عند الشيخ أبي الحسن لأن الحدث لم يرتفع عن الأعضاء السابقة فهو جنب والجنب لا يجب عليه أن ينوي الوضوء . وقال المازري قال بعض المتأخرين يتخرج على رأي أبي الحسن إذا مس ذكره بعد غسله بفور ذلك أن لا ينوي الوضوء لأن النية الحكمية كما تستصحب في آخر العبادة تستصحب بفورها وقال غيره لا يجرئ الخلاف ههنا . ويتخرج عليه أيضا من غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف ثم غسل الأخرى وأدخلها في الخف هل يمسح عليهما قولان . البحث التاسع في معنى قول الفقهاء المتطهر ينوي رفع الحدث . اعلم أن الحدث له معنيان في اصطلاح الفقهاء أحدهما الأسباب الموجبة يقال أحدث إذا خرج منه ما يوجب الوضوء وثانيهما المنع المرتب على هذه الأسباب فإن من صدر منه سبب من هذه الأسباب فقد منعه الله تبارك وتعالى من الإقدام على العبادة حتى يتوضأ وليس يعلم للحدث معنى ثالث بالاستقراء . والقصد إلى رفع الحدث الذي هو السبب محال لاستحالة رفع الواقع فيتعين أن يكون المنوي هو رفع المنع وإذا ارتفع المنع ثبتت الإباحة فيظهر بهذا البيان بطلان القول بأن الحدث يرتفع عن كل عضو على حياله لأن المنع باق بالإجماع حتى تكمل الطهارة وبطلان القول بأن التيمم لا يرفع الحدث فإن الإباحة حاصلة به فيكون الحدث مرتفعا ضرورة وإلا لاجتمع المنع مع الإباحة وهما ضدان . سؤال إذا كان الحدث منعا شرعيا والمنع حكم الله تعالى وحكمه قديم واجب الوجود فكيف يتصور رفع واجب الوجود ؟ جوابه هذا السؤال عام في سائر الأحكام المحكوم بتجددها عند الأسباب والجواب في الجميع أن الحكم مرتفع ومتجدد باعتبار تعلقه لا باعتبار ذاته والتعلق عدمي ممكن الارتفاع ولو كان قديما فإن القديم لا يستحيل رفعه إلا إذا كان وجوديا على ما تقرر في علم الكلام الفرض الثالث استيعاب غسل جميع الوجه وحده طولا من منابت الشعر المعتاد إلى منتهى الذقن للأمرد واللحية للملتحي ونريد بقولنا المعتاد خروج النزعتين والصلع عن الغسل ودخول الغمم فيه والنزعان هما الخاليتان من الشعر على جنبي الجبين والذاهبتان على جنبي اليافوخ والغمم ما نزل من الشعر على الجبين ومن العذار إلى العذار عرضا قال صاحب الطراز واللحي الأسفل من الوجه عند سحنون وليس منه عند التونسي ومقتضى قول القاضي في التلقين خروج البياض الذي بين الأذن والعذار وأطراف اللحي الأسفل للأذنين عن الوجه وفي البياض الذي بين العذار والأذان ثلاثة أقوال يجب غسله في الأمرد والملتحي لمالك والشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهم لأنه يواجه مارن الأنف لأنه لو لم يكن من الوجه لأفرد بماء غير ماء الوجه كسائر المسنونات و لا يجب فيهما لمالك أيضا وللقاضي عبد الوهاب لأن المواجهة لا تقع عليه غالبا ولأن المرأة لا يلزمها فدية إذا غطته في الإحرام والوجوب في الامرد فقط للأبهري لأن العذار يمنع المواجهة وإذا قلنا بعدم الوجوب غسل سنة في حق الأمرد والملتحي عند القاضي ويحتمل عدم الغسل في الملتحي لأنه خرج عن وصف المواجهة كالذي تحت الشعر الكثيف وإذا قلنا بالغسل فلا يجدد ماء لأنه لا يمكن الاقتصار عليه لاتصاله فلو جددنا له الماء لزم التكرار في الوجه بخلاف سائر المسنونات فرعان الأول قال صاحب النوادر قال بعض أصحابنا يغسل ما تحت مارنه والمارن طرف الأنف وما غار من أجفانه وأسارير جبهته بخلاف الجراح التي برئت غائرة أو كانت خلقا وبخلاف ما تحت الذقن الثاني في الجواهر يجب إيصال الماء إلى منابت الشعر الخفيف الذي تظهر البشرة منه بالتخليل كالحاجبين والأهداب والشارب والعذار ونحوها ولا يجب في الكثيف وقيل يجب لأن الخطاب متناول له بالأصالة ولغيره بالرخصة والأصل عدمها ويجب غسل ما طال من اللحية وقيل لا يجب ومنشأ الخلاف هل ينظر إلى مباديها فيجب أو محاذيها فلا يجب كما قيل فيما زاد من شعر الرأس قال المازري على الأول أكثر الأصحاب والثاني للأبهري وقال مالك في المدونة تحرك اللحية من غير تخليل قال صاحب الطراز قال محمد بن عبد الحكم يخللها وهو يحتمل الإيجاب والندب وجه الوجوب قوله تعالى ( فاغسلوا وجوهكم ) والأمر للوجوب ومن السنة أنه عليه السلام كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه ثم خلل لحيته وقال بهذا أمرني ربي خرجه أبو داود والترمذي قال البخاري هذا أصح ما في الباب وبالقياس على غسل الجناية وقال مالك ذلك محمول على وضوء الجناية لأنه مطلق فلا يعم وأما الآية فجوابها أن الوجه من المواجهة واللحية من المواجهة الآن فلا جرم وجب غسلها وقد ثبت عنه عليه السلام أنه توضأ مرة فغسل وجهه بغرفة وكان عليه السلام كث اللحية ومعلوم أن الغرفة لا تعم الوجه وتخليل اللحية والبشرة التي تحتها قال صاحب الطراز وكما وجب غسل الباطن إذا ظهر كموضع القطع من الشفة وأثر الجراح الظاهرة يجب أن يسقط غسل ما ظهر إذا بطن فروع أربعة من الطراز الأول إذا سقط الوجوب استوى على ذلك كثيف اللحية وخفيفها على المذهب وقول القاضي يجب إيصال الماء للخفيف لا يناقضه لأنه إذا أمر يده عليها وحركها وصل الماء إلى المحال المكشوفة فإن لم يصل الماء لقلته هنا يقول القاضي لا يجزئه خلافا ح الثاني روى ابن القاسم ليس عليه تخليل لحيته في الجنابة كما في الوضوء وروى أشهب أن عليه تخليلها قياسا على شعر الرأس الثالث إذا قلنا لا يجب في الجنابة فهو سنة ولا يختلف المذهب أنه مشروع وإنما الخلاف في الوجوب والفرق بين الجنابة والوضوء أن الوجه من المواجهة فانتقل الحكم لظاهر اللحية والجنابة ليست كذلك الرابع إذا قلنا لا يجب التخليل في الوضوء فلا بد من إمرار اليد عليها بالماء وتحريك يده عليها لأن الشعر يدفع بعضه عن بعض فإن حرك حصل الاستيعاب في غسل الظاهر خلافا ح في اقتصاره على المسح الفرض الرابع غسل اليدين مع المرفقين وقيل لا يجب غسل المرفقين حجة الأول أن أبا هريرة رضي الله عنه توضأ وأدار الماء عليهما وقال عند كمال وضوئه هكذا توضأ رسول الله واختلف العلماء في قوله تعالى ( إلى المرافق ) فقيل إلى بمعنى مع كقوله تبارك وتعالى حكاية عن عيسى بن مريم عليه السلام ( من أنصاري إلى الله ) أي مع الله وكذلك ( لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) وقيل هي للغاية واختلف في الغاية هل تدخل مع المغيا أو لا تدخل أو يفرق بين ما هو من الجنس فيدخل أو من غيره فلا يدخل أو يفرق بين الغاية المنفصلة بالحس كقوله تعالى ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) فإن الليل منفصل عن النهار بالحس فلا تدخل وبين ما لا يكون منفصلا بالحس كالمرافق فيدخل أربعة أقوال هذا خلافهم في الغاية من حيث الجملة ثم اختلفوا في الغاية التي في الآية فمنهم من جعلها غاية للمغسول لأنه المذكور في الآية السابق للفهم ومنهم من يقول اليد اسم للعضو والمغيا لا بد أن تتقرر حقيقته قبل الغاية ثم ينبسط إلى الغاية وههنا لا تكمل حقيقة المغيا الذي هو غسل اليد إلا بعد الغاية فيستحيل أن يكون غاية له فيتعين أن يكون غاية للمتروك ويكون العامل فيها فعلا مضمرا حتى يبقى معنى الآية فاغسلوا وجوهكم وأيديكم واتركوا من آباطكم الى المرافق والغاية لا تدخل في المغيا على الخلاف فتبقى الغاية وهي المرافق مع المغسول وعلى هذا المأخذ يتخرج الخلاف هناك في الكعبين تنبيهان أحدهما أن القول بأن إلى غاية للمغسول يقتضي أن لفظ اليد استعمل مجازا في بعضها كآية السرقة والقول بأنها غاية المتروك يقتضي أن اليد استعملت حقيقة في كلها لكن يقتضي الإضمار وإذا تعارض المجاز والإضمار اختلف الأصوليون في أن المجاز أرجح أو يستويان ؟ الثاني المرفق يقال بفتح الميم وكسر الفاء وبكسر الميم وفتح الفاء فروع ثمانية الأول من قطع من الساعد أو من المرفقين لا يجب عليه شيء لأن القطع يأتي عليها قال ابن القاسم في الكتاب والتيمم مثله قال صاحب الطراز يريد في استيعاب المرفقين لا في الوجوب لاختصاص التيمم عندنا بالكوعين الثاني في الطراز لو وقع القطع بعد الوضوء وقد بقي شيء من المرفقين لم يجب عليه خلافا لمحمد بن جرير الطبري لأن موجب الأمر قد حصل قبل القطع الثالث لو بقيت جلدة متعلقة بالذراع أو المرفق قال صاحب الطراز يجب غسلها لأن أصلها في محل الفرض وإن جاوزت إلى العضد لم تجب اعتبارا بأصلها وموضع استمداد حياتها وإن انقطعت من العضد وتعلقت بالمرفق أو الذراع وجب غسلها قال وفيه نظر لأن ما لا يجب في أصل خلقته لا يكون واجبا ولهذا المعنى يمكن الفرق بين هذا الفرع وبين السلعة إذا ظهرت في الذراع الرابع إذا وجد الأقطع من يوضئه لزمه ذلك وإن كان بأجر كما يلزمه شراء الماء فإن لم يجد وقدر على مس الماء من غير تدلك وجب عليه ذلك وسقط عنه المعجوز عنه ويحتمل أن يقال لا يجزئه لأن حقيقة الغسل الإمساس مع الدلك فإذا فات أحدهما فلا غسل ويجب عليه مسح وجهه بالأرض والأول أظهر لأن التيمم لا يجوز لمن يقدر على مس الماء واعتبارا بما لا تصل اليد إليه من الظهر الخامس من طالت أظفاره عن أصابعه كأهل السجن وغيرهم قال وجب عليهم غسل الخارج عن الأصابع فإن تركوه خرج على الخلاف فيما طال من شعر الرأس واللحية أو يفرق بينهما فإن الشعر زيادة على العضو والظفر منه لأن أصله حي بمنزلة العضو وإنما فارقته الحياة لما طال فأشبه الأصبع الشلاء السادس من له أصبع زائدة في كفه قال يجب غسلها لأنها من اليد فيتناولها الخطاب وكذلك إذا كانت له كف زائدة في ذراعه وجب غسلها تبعا لمحل الفرض قال وكذلك لو كانت يد زائدة في محل الفرض فإن كان أصلها في العضد أو المنكب ولها مرفق وجب غسلها لمرفقها لتناول الخطاب لها وإن لم يكن لها مرفق لم تدخل في الخطاب سواء بلغت أصابعها للمرفق أم لا السابع قال في تخليل الأصابع ثلاثة أقوال وجوبه في اليدين واستحبابه في الرجلين لمالك في العتبية وابن حبيب وعدم الوجوب فيهما لابن شعبان وهو ظاهر المذهب وروى عنه ابن وهب الرجوع إلى تخليلها ومنشأ الخلاف أمران هل خلل الأصابع من الباطن فيسقط كداخل الفم والأنف والعين أو من الظاهر فيجب ؟ وهل محاكتها وتدافعها حالة الغسل تقوم مقام الغسل أو لا ؟ فرع مرتب قال بعض العلماء يبدأ بتخليل الرجلين بخنصر اليمنى لأنه يمنى أصابعها ويختم بإبهامها لأنه يسرى أصابعها ويبتدئ بإبهام اليسرى لأنه يمنى أصابعها ويختم بخنصرها الثامن قال في الخاتم ثلاثة أقوال قال مالك في الواضحة يحركه إن كان ضيقا وإلا فلا وقال ابن شعبان يحركه مطلقا ولمالك في الموازية لا يحركه مطلقا لأنه يطول لبسه فجاز المسح عليه قياسا على الخف قال وإذا جوزنا المسح عليه وكان ضيقا فنزعه بعد وضوئه ولم يغسل موضعه لم يجزه إلا أن يتيقن إصابة الماء لما تحته وقد علم الاختلاف فيمن توضأ وعلى يده خيط من عجين فإن كان الخاتم ذهبا لم يعف عن غسل ما تحته في حق الرجال لتحريمه عليهم والحرمة تنافي الرخصة قال سحنون لبسه في الصلاة يوجب الإعادة في الوقت الفرض الخامس مسح جميع الرأس في الكتاب يمسح الرجل والمرأة على الرأس كله ودلاليهما ولا يحل المعقوص خلافا ش في اقتصاره على أقل ما يسمى مسحا ولأبي ح في اقتصاره على الناصية وحده من منبت الشعر المعتاد إلى القفا وقال ابن شعبان إلى منتهى منبت الشعر محتجا بما في أبي داود أنه عليه السلام مسح رأسه حتى أخرج يديه من تحت أذنيه وهو ضعيف لا حجة فيه والأحاديث الثابتة أنه عليه السلام بلغ إلى القفا ومن الأذنين إلى الأذنين وجوز ابن مسلمة ترك الثلث والقاضي أبو الفرج ترك الثلثين وأوجب أشهب الناصية وعنه أيضا بعض غير محدود حجة المشهور الكتاب والسنة والقياس أما الكتاب فقوله تعالى ( وامسحوا برؤوسكم ) وجه التمسك به من وجوه أحدها أن هذه الصيغة تؤكد بما يقتضي العموم فوجب القول بالعموم لقولهم امسح برأسك كله والتأكيد تقوية لما كان ثابتا في الأصل وثانيهما أنها صيغة يدخلها الاستثناء فيقال امسح برأسك إلا نصفه أو إلا ثلثه والاستثناء عبارة عما لولاه لاندرج المستثنى تحت الحكم وما من جزء إلا يصح استثناؤه من هذه الصيغة فوجب اندراج جملة الأجزاء تحت وجوب المسح وهو المطلوب وثالثها أن الله تعالى أفرده بذكره ولو كان المراد أقل جزء من الرأس لاكتفى بذكر الوجه لأنه لا بد معه من ملامسة جزء من الرأس وأما السنة فما روي عنه عليه السلام أنه مسح بناصيته وعمامته ولو كان الاقتصار على مسح بعض الرأس جائزا لما جمع بينهما لحصول المقصود بالناصية وأما القياس فنقول عضو شرع المسح فيه بالماء فوجب أن يعمه حكمه قياسا على الوجه في التيمم أو نقول لو لم يجب الكل لوجب البعض ولو وجب البعض لوجب البعض الآخر قياسا عليه وهذا قياس يتعذر معه الفارق لعدم تعين المقيس عليه وأما قول الشافعية إن الفعل في الآية متعد فيستغنى عن الباء فتكون للتبغيض صونا لكلام الله تعالى عن اللغو قلنا الجواب عنه من وجوه أحدهما لا نسلم أنه مستغن عن الباء وتقريره أن فعل المسح يتعدى إلى مفعولين أحدهما بنفسه والثاني بالباء إجماعا كقولنا مسحت يدي بالمنديل فالمنديل المزيل عن اليد وإذا قلنا مسحت المنديل بيدي فاليد المزيلة والمنديل المزال عنه والرطوبة في الوضوء إنما هي في اليد فتزال عنها بالرأس فيكون معنى الآية فامسحوا أيديكم برؤوسكم فالمفعول الأول هو المحذوف وهو المزال عنه والرأس المفعول الثاني المزال به فالباء على بابها للتعدية الثاني سلمنا أنها ليست للتعدية فلم لا يجوز أن تكون للمصاحبة كقوله تعالى ( تنبت بالدهن ) بضم التاء يدل على أنه عدي بالهمزة فتتعين الباء للمصاحبة لأنه لا يجتمع على الفعل معديان وكقولنا جاء زيد بمائة دينار والباء في هذا القول للمصاحبة دون التعدية لأنها لو كانت للتعدية لحسن أن تقوم الهمزة مقامها فيقال أجاء زيد مائة دينار وليس كذلك الثالث سلمنا أنها ليست للمصاحبة فلم لا يجوز أن تكون زائدة للتأكيد فإن كل حرف يزاد في كلام العرب فهو للتأكيد قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى والتأكيد أرجح مما ذكر تموه من التبغيض فإنه مجمع عليه والتبغيض منكر عند أئمة العربية حتى إن ابن جني شنع عليه وقال لا يعرف العرب الباء للتبغيض فضلا عن كونه مجازا مرجوحا وحمل كتاب الله تبارك وتعالى على المجمع عليه أولى من المختلف فيه فضلا عن المنكر وأما قولهم تعميم الوجه في التيمم إنما ثبت بالسنة وكان مقتضى الباء فيه التبغيض فنقول على ما ذكرتموه تكون السنة معارضة للكتاب وعلى ما ذكرناه لا تكون معارضة بل مبينة مؤكدة وعدم التعارض أولى وأما وجه القول بالثلثين فلأنه عضو مختلف فيه والثلث في حيز القلة بدليل إباحته للمريض والمرأة المتزوجة مع الحجر عليهما ووجه الربع مسحه عليه السلام بالناصية والعمامة والناصية نحو الربع ووجه الاقتصار على أقل ما يسمى مسحا أن الباء للتبغيض وليس البعض أولى من البعض فيقتصر على أقل ما يسمى مسحا وقد عرفت ما على هذا الوجه فروع أحد عشر الأول حكى في تعاليق المذهب أن رجلا جاء لسحنون فقال توضأت للصبح وصليت به الصبح والظهر والعصر والمغرب ثم أحدثت وتوضأت فصليت العشاء ثم تذكرت أني نسيت مسح رأسي من أحد الوضوءين لا أدري أيهما هو ؟ فقال سحنون امسح برأسك وأعد الصلوات الخمس فذهب فأعاد الصلوات الخمس ونسي مسح رأسه فجاء إليه فقال أعدت الصلوات ونسيت مسح رأسي فقال له امسح برأسك وأعد العشاء وحدها ففرق سحنون بين الجوابين مع أن السائل نسي في الحالتين ووجه الفقه في المسألة أنه أمره أولا بإعادة الصلوات كلها لتطرق الشك للجميع والذمة معمرة بالصلوات حتى يتحقق المبرئ فلما أعادها بوضوء العشاء صارت الصلوات الأربع كل واحدة منها قد صليت بوضوءين الوضوء الأول والثاني وأما العشاء فصليت بوضوئها أولا وأعيدت بوضوئها أيضا فلم يوجد فيها إلا وضوء واحد فجاز أن يكون هو الذي نسي منه مسح الرأس فلم تتحقق براءة الذمة منها فتجب إعادتها وأحد الوضوءين في الصلوات الأول صحيح جزما بأنه ما نسي المسح إلا من أحدهما وإذا وقعت بوضوءين صحيح وفاسد صحت بالوضوء الصحيح فلا تعاد ولا فرق في هذه المسألة بين أن تكون الصلوات الأول كل واحدة بوضوء أو كلها بوضوء وهذا فرع لا يكاد تختلف العلماء فيه الثاني من نسي مسح رأسه وذكره في الصلاة وفي لحيته بلل قال مالك رحمه الله عليه في الكتاب لا يجزئه مسحه بذلك البلل ويعيد الصلاة بعد مسح رأسه قال صاحب الطراز يحتمل قوله الوجوب والندب وقال عبد الملك يجزئه إن لم يجد ماء قريبا وكان في البلل فضل بين قال المازري المسألة تتخرج على القولين في الماء المستعمل وحجة عبد الملك ما روي عنه عليه السلام أنه لم يستأنف لرأسه ماء الثالث في الجلاب لا يستحب فيه التكرار وهي إحدى خمس مسائل لا يستحب فيها التكرار هذه والوجه واليدان في التيمم والجبائر والخفان لأن حكمة المسح التخفيف إذ لو لا ذلك لشرعه الله عز وجل غسلا فلو كرر لخرج بتكراره عن التخفيف فتبطل حكمته الرابع في الجواهر يجزئ الغسل عن المسح فيه عند ابن شعبان لأن الغسل إنما سقط لطفا بالمكلف فإذا عدل إليه أجزأه كالصوم في السفر وقال غيره لا يصح لأن الله تعالى أوجب عليه المسح وحقيقته مباينة للغسل ولم يأت به وكرهه آخرون لتعارض المآخذ الخامس ما انسدل من الشعر من محل الفرض قال المازري فيه قولان كالمنسدل من اللحية نظرا إلى مبادئه فيجب أو محاذيه فلا يجب قال ابن يونس روى ابن وهب أن عائشة وجويرية زوجتي النبي وصفية زوج ابن عمر كن إذا توضأن أدخلن أيديهن تحت الوقاية فيمسحن جميع رؤوسهن وقال مالك تمسح المرأة على ما استرخى من دلاليها وإن كان شعرها معقوصا مسحت على ضفرها . وكذلك الطويل الشعر من الرجال إذا ضفره وقال في العتبية يمر بيديه على قفاه ثم يعيدهما من تحت شعره إلى مقدم رأسه . قال ابن حبيب إذا كان في شعرها خيط أو شعر لم يجز مسحها حتى تنزعه إذا لم يصل الماء إلى شعرها بشيء للعنه عليه السلام الواصلة والمستوصلة . السادس قال في الكتاب إذا توضأ وحلق رأسه ليس عليه إعادة مسحه وكذلك قال فيمن قلم أظفاره قال ابن القاسم وبلغني عن عبد العزيز ابن أبي سلمة أنه قال هذا من لحن الفقه . قال صاحب الطراز لا يعرف في هذه المسألة مخالف إلا ابن جرير الطبري لأن الفرض قد سقط أولا فزاول الشعر لا يوجبه كما إذا غسل وجهه أو تيمم ثم قطع أنفه ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يحلقون بمنى ثم ينزلون لطواف الإفاضة ولم ينقل عن أحد منهم إعادة مسح رأسه ولأنه لا يعاد الغسل للجنابة وهي أولى لأن منابت الشعر لم تغسل قبل الحلق وهي من البشرة المأمور بغسلها وأما كلام عبد العزيز وهذا من لحن الفقه فكلام محتمل . قال ابن دريد اللحن فطنة ومنه قوله عليه السلام ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض أي أفطن لها . وأصل اللحن أن تريد الشيء فتوري عنه واستشهد بقول الفرزدق ( وحديث ألذه وهو مما ** يشتهي الناعتون يوزن وزنا ) ( منطق صائب وتلحن أحيانا ** وأحلى الحديث ما كان لحنا ) قال ابن يونس ذكر أهل اللغة أن اللحن بإسكان الحاء الخطأ وبفتحها الصواب فمن رواها بالإسكان فمعناه أن القول ينقض الوضوء خطأ وبالتحريك معناه أن القول بعدم النقض صواب وقال القاضي عبد الوهاب معناه أنه عاب قول مالك ووافقه القاضي عياض في التنبيهات وقال لا يتلفت إلى قول من يقول إنه أراد تخطئة غيرنا . وقال عبد الحق في النكت يحتمل كلامه التصويب والتخطئة فلإن اللحن من أسماء الأضداد . والفرق بين الخفين ومسح الرأس أن الشعر أصل والخف فرع فإذا زال رجع إلى الأصل وفرق صاحب الطراز بأن ماسح الرأس مقصوده الرأس لا الشعر فإن كان الرأس من التراوس فقد صادف الواجب وإن كان الرأس العضو فهو المقصود بالمسح والشعر تبع بخلاف الخف فإنه المقصود وكذلك القول في الأظفار هي تبع أيضا . قال وقد فرع أصحابنا على القول بأن المراد باللحن الخطأ إذا قطعت بضعة منه بعد الوضوء أنه يغسل موضع القطع أو يمسح إن تعذر الغسل وهو تخريج فاسد فإنه لا يعرف لأحد فإنا نعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يجرحون ويصلون بجراحهم من غير إعادة وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن رجلا رمي بسهم وهو يصلي ونزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته . السابع قال في الكتاب الأذنان من الرأس ويستأنف لهما الماء فإن نسي حتى صلى فلا إعادة عليه ويمسحهما للمستقبل وكذلك إن نسي داخلهما . قال صاحب الطراز اختلف في معنى قوله هما في الرأس قيل في وجوب المسح وقيل في المسح دون الوجوب واعتذر بهذا عن عدم الإعادة والقولان للأصحاب . وقال الشعبي والحسن بن صالح يغسل باطنهما مع الوجه ويمسح ظاهرهما مع الرأس وقال الزهري يغسلان مع الوجه . حجة الأول أن ابن عباس والمقداد والربيع رضي الله عنهم ذكروا وضوءه عليه السلام وكلهم مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما أخرجه أبو داود والترمذي وفيهما عنه عليه السلام قال الأذنان من الرأس إلا أنه يرويه شهر بن حوشب وقد تكلم فيه . حجة الثاني قال المزري إن الأمة مجمعة على أن مسحهما لا يجزئه عن الرأس مع أن أكثر العلماء على أن بعض الرأس يجزئ مسحه . حجة الثالث قول عليه السلام في سجوده سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره فأضافهما للوجه وهذا الحديث لا حجة فيه لأن الوجه يراد به هنا الجملة لأنه اللائق بالنسبة إلى الخضوع إلى الله تعالى وهذا المجاز جائز كما قال تبارك وتعالى ( ويبقى وجه ربك ) أي ذاته وصفاته . وهو معارض بقوله عليه السلام فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من أشفار عينيه فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه فأضافهما إلى الرأس كما أضاف العينين إلى الوجه . وأما تجديد الماء فقد احتج به بعض الأصحاب على أن مسحهما سنة وإلا لمسحا مع الرأس بمائه كالصدغ وغيره من أجزاء الرأس وهذا قول الشافعي إنهما سنة ويجدد الماء لهما . وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه لا يجدد محتجا بأن كل من وصف وضوء رسول الله لم ينقل التجديد بل الذي في الصحيحين لم يذكر الأذن أصلا لاعتقاد أنهما من الرأس . حجتنا أنهما مباينان للرأس حقيقة وحكما أم الحقيقة فبالمشاهدة فإنهماغضاريف منفردة عن الرأس بحاجز خال من الشعر وأما حكمهما فلا خلاف أن مسحهما بعد مسح الرأس والمحرم لا يؤمر بحلق شعرهما وجنايتهما منفردة بأرشها وإذا تحقق التباين وجب تجديد الماء لهما . وفي الموطأ كان ابن عمر رضي الله عنهما يجدد لهما الماء وهو شديد الاتباع جدا ولم ينكره أحد من الصحابة رضي الله عنهم . فروع مرتبة : الأول قال صاحب الطراز إذا قلنا مسحهما سنة فلا يمسحهما بماء الرأس قال مالك فإن فعل أعاد وقال محمد بن مسلمة إن شاء جدد وإن شاء لم يجدد ويمسح بماء الرأس وإن قلنا إن مسحهما واجب فتركهما سهوا وصلى فلا يختلف في صحة صلاته والذي صرف المتأخرين عن الإعادة إجماع المتقدمين على الصحة . واختلف في التعليل فقيل هو استحسان وليس بقياس وقال الأبهري السبب اجتماع خلافين في كونهما من الرأس ووجوب مسحهما . فإن تركهما عمدا اختلف القائلون بالوجوب فتعليل الأبهري يقتضي صحة الصلاة وقال بعض أصحابنا يعيد الوضوء وحمل قول مالك على السهو استحسان . الثاني في كيفية مسحهما قال صاحب الطراز قال عيسى بن دينار يقبض أصابع يده إلا السبابتين يبلهما ويمسح بهما أذنيه من داخل وخارج لأن ابن عمر كان يفعل ذلك رواه مالك في الموطأ والأمكن أن يبل إبهاميه وسبابتيه فيمسح بإبهاميه ظهورهما وبسبابتيه بطونهما قال مالك في المختصر ويدخل أصبعيه لأنه عليه السلام كان يدخل أصبعيه في صماخيه لأنه عليه السلام كان يدخل أصبعيه في جحري أذنيه خرجه أبو داود والترمذي . قال ابن حبيب وليس عليه أن يتتبع غضونهما اعتبارا بغضون الوجه في التيمم والخفين . الثالث قال صاحب الطراز إذا قلنا إن مسحهما سنة وهو الصحيح فيفارق الغسل والوضوء على ظاهر الكتاب فإنه قال في تاركهما في الوضوء لا إعادة عليه وتارك داخلهما في الغسل لا إعادة عليه فيكون ظاهرهما وباطنهما مستويين في الوضوء وداخلهما في الجنابة مسنون فقط وعلى القول الآخر يكون ظاهرهما في الوضوء واجبا وداخلهما سنة فيستوي المسنون منهما في الطهارتين . الثامن قال في الكتاب لا يمسح على الحناء قال صاحب الطراز إن كان للضرورة جاز من حر وشبهه أو يكون في باطن الشعر لتغييره وقتل دوابه فالأول لا يمنع كالقرطاس على الصدغ وكما مسح عليه السلام على ناصيته وعمامته وإن كانت لغير ضرورة وهي مسألة الكتاب منع المسح خلافا لابن حنبل وجماعة معه فإن الماسح عليه ليس ماسحا . فرعان مرتبان : الأول قال صاحب الطراز إن كانت الحناء ليس على ظاهر الشعر منها شيء لا يمنع لأن مسح الباطن لا يجب وقد أجاز الشرع التلبيد في الحج وفي أبي داود أنه عليه السلام لبد رأسه لئلا يدخله الغبار والشعث والتلبيد يكون بالصمغ وغيره . الثاني قال إذا خرج الحناء من بعض تعاريج الشعر يخرج على الخلاف في قدر الواجب من الرأس . التاسع قال في الكتاب لا تمسح المرأة على خمارها ولا غيره قال صاحب الطراز يريد إذا أمكنها المسح على رأسها وهو قول الشافعي وأبي حنيفة . وقال ابن حنبل يجوز المسح على الخمار والعمامة كالخفين واشترط اللبس على طهارة لما في مسلم أنه عليه السلام مسح على الخفين والعمامة وفي أبي داود مسح على عمامته ومفرقه . ومستندنا قوله تعالى ( وامسحوا برؤوسكم ) قال سيبويه بالباء للتأكيد معناه رؤوسكم أنفسها وقوله عليه السلام بعد الوضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به وكان قد مسح رأسه فيه ولأنه لو مسح على غيره لكان ذلك الغير شرطا وهو خلاف الإجماع . ولنا أيضا القياس على الوجه واليدين . العاشر قال في الكتاب تمسح المرأة على شعرها المعقوص والضفائر من غير نقض قال صاحب الطراز فلو رفعت الضفائر من أجناب الرأس وعقصت الشعر في وسط الرأس فالظاهر عدم الإجزاء لأنه حائل كالعمامة . الحادي عشر مسح الرقبة والعنق لا يستحب خلافا ش لعدم ذكره في وضوئه عليه السلام . ايضاح قوله تعالى ( وامسحوا برؤوسكم ) إن راعينا الاشتقاق من التراوس وهو كل ما علا فيتناول اللفظ الشعر لعلوه والبشرة عند عدمه لعلوها من غير توسع ولا رخصة وإن قلنا إن الرأس العضو فيكون ثم مضاف محذوف تقديره امسحوا شعر رؤوسكم فعلى هذا يكون المسح على البشرة لم يتناوله النص فيكون المسح عليها عند عدم الشعر بالإجماع لا بالنص وعلى كل تقدير يكون الشعر أصلا في الرأس فرعا في اللحية والأصل الوجه . الفرض السادس غسل الرجلين مع الكعبين ، وقيل إليهما دونهما وهما الناتئان في الساقين لقوله عليه السلام
ويل للأعقاب من النار فلو كان معقد الشراك لما عوقب على ترك العقب وفي قوله تعالى ( إلى الكعبين ) إشارة إليهما لأن اليد لها مرفق واحد ولو كان المراد الناتئ في ظهر القدم لكان للرجل كعب واحد فكان يقول
إلى الكعاب كما قال
إلى المرافق لتقابل الجمع بالجمع فلما عدل عن ذلك إلى التثنية دل ذلك على أن مراده الكعبان اللذان في طرف الساق فيصير معنى الآية اغسلوا كل رجل إلى كعبيها . وروى ابن القاسم وغيره عن مالك رحمة الله عليهما أنهما اللذان عند معقد الشراك فيكون غاية الغسل والأول مذهب الكتاب والثاني في غيره . والكعبان يدخلان في الغسل على المذهب لما تقدم في المرفقين . فرعان : الأول تخليل أصابع الرجلين مستحب على المذهب وقيل واجب وقيل مكروه والفرق بين أصابع اليدين والرجلين شدة الالتصاق وصغر الحجم الموجبان للتحاك والتدلك . الثاني أقطع الرجلين يغسل الكعبين بخلاف أقطع اليدين لتقاربهما في الرجلين بعد القطع . تمهيد قوله تعالى ( وأرجلكم ) قرئ بالرفع والنصب والخفض أما الرفع فتقديره مبتدأ خبره محذوف تقديره اغسلوها والنصب عطف على اليدن والخفض اختلف الناس فيه فحمله ابن جرير الطبري وداود على التخيير بين الغسل والمسح جمعا بين القراءتين وحمله الشيعة على تعين المسح وتأولوا قراءة النصب بأن الرجل معطوف على الرأس قبل دخول حرف الجر عليه كقول الشاعر : ( معاوي إننا بشر فأسجح ** فلسنا بالجبال ولا الحديدا ) والفرق بينهما أن ليس تتعدى بنفسها لنصب خبرها بخلاف المسح لا يتعدى لمفعولين بنفسه وقد بينا أن أحد مفعوليه المنصوب مضمر فيكون الرأس المفعول الثاني فيتعين له حرف الجر . وقال المازري وابن العربي وجماعة من أصحابنا الخفض محمول على حالة لبس الخفين والنصب على حالة عدمهما ومنهم من قال الأصل النصب وإنما الخفض على الجوار كقول العرب هذا حجر ضب خرب وورد عليهم أمران : أحدهما أن المثال لا لبس فيه بخلاف الآية فإن المسح في الرجلين ممكن وليس يمكن أن يوصف الضب بالخراب . وثانيهما أن العطف في الآية يأبى ذلك لاقتضائه التشريك بخلاف المثال . تذييل قال بعض العلماء ينبغي في غسل اليدين والرجلين أن يختم المتطهر أبدا بالمرافق والكعبين مراعاة لظاهر الغاية الواردة في القرآن وإن فعل غير ذلك أجزأ لكن الأدب أولى . الفرض السابع الموالاة . وهي حقيقة في المجاورة في الأعيان وهنا المجاورة في الأفعال ومنه الأولياء والولاء والتوالي . وفي الجواهر في حكمها خمسة أقوال الوجوب مع الذكر والوجوب مطلقا وعدمه مطلقا والفرق بين الممسوح فلا يجب وبين المغسول فيجب والفرق بين الممسوح البدلي كالجبيرة والخفين فيجب والممسوح الأصلي فلا يجب وهذه الأقوال تدور على مدارك أحدها آية الوضوء والاستدلال بها للوجوب من ثلاثة أوجه أحدها قوله تعالى ( إذا قمتم ) فإنه شرط لغوي والشروط اللغوية أسباب والأصل ترتيب جملة المسبب على السبب من غير تأخير الثاني قوله تعالى ( فاغسلوا ) الفاء للتعقيب فيجب تعقيب المجموع للشرط وهو المطلوب الثالث قوله تعالى ( فاغسلوا ) صيغة أمر والأمر للفور على الخلاف فيه بين الأصوليين فيتخرج الخلاف في الفرع على الخلاف في الأصل . المستند الثاني أنه عليه السلام توضأ مرة في فور واحد وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به فنفى القبول عند انتفائه فدل ذلك على وجوبه ثم ههنا نظر وهو أنه عليه السلام هل أشار إليه من حيث هو مرة مرة وهو الصحيح أو أشار إليه بما وقع فيه من القيود فتجب الموالاة ويرد هذا الاحتمال أنه لو كانت الإشارة لقيوده لاندرج في ذلك الماء المخصوص والفاعل والمكان والزمان وغيره وهو خلاف الإجماع ولك أن تقول الإشارة إلى المجموع فإن خرج شيء بالإجماع بقي الحديث متناولا لصورة النزاع وأما إسقاط الوجوب مع النسيان فلضعف مدرك الوجوب المتأكد بالنسيان وأما الفرق بين الممسوح وغيره فلخفة الممسوح في نظر الشرع وأما الممسوح البدل فنظرا لأصله . فروع ستة : الأول التفريق اليسير لا يضر قال القاضي لا يختلف المذهب في ذلك لقوة الخلاف في المسألة ولأنه عليه السلام في حديث المغيرة بن شعبة شرع في وضوء وعليه جبة شامية ضيقة الكم فترك عليه السلام وضوءه وأخرج يده من كمه من تحت ذيله حتى غسلها وهذا تفريق يسير ولما في مسلم قال ابن عمر رجعنا معه عليه السلام من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء في الطريق فعمد قوم عند العصر فتوضئوا وهم عجال فانتهى إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء فقال عليه السلام
ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء
فإن هذا التفريق يسير لقوله تلوح أعقابهم وما يرى ذلك إلا إذا كان البلل موجودا . الثاني قال في الكتاب إذا عجز الماء في الوضوء فقام لأخذه إن كان قريبا بنى وإن تباعد وجف وضوؤه ابتدأ لأن القريب في حكم المتصل ولأنه عليه السلام في الحديث أمر تاركي الأعقاب بالإسباغ لا بالإعادة وأما إذا كان عالما بأنه لا يكفيه فإنه يخرج على الخلاف فيمن فرق بغير سبب . والتقييد بالجفوف لأكثر الفقهاء مالك والشافعي وابن حنبل وجماعة فكان قيام البلل عندهم بقاء أثر الوضوء فيتصل الأخير بأثر السغل السابق وقيل المعتبر الطول في العادة حكاه القابسي لاختلاف الجفاف باختلاف الأبدان والأزمان . الثالث في الطراز إذا قلنا إنها واجبة مع الذكر هل يشترط مع الذكر التمكن أم لا وينبني عليه إذا نسي عضوا وذكره في موضع لا ماء فيه ولم يجده حتى طال هل يبتدئ أو يبني وكذلك إذا نسي النجاسة ثم ذكرها في الصلاة هل تبطل عند الذكر أو ينزعها ويتمادى في ذلك خلاف حكاه صاحب الطراز قال إن أخر الشيء اليسير بنى . وإن طال ولم يتوان في الطلب قال أبو العباس الإبياني هو كالحائض تبادر للطهر لا تراعي وقت ابتدائها وقال صاحب النكت حكمه حكم من عجز ماؤه في ابتداء الطهارة حكاه عن جماعة من الشيوخ . الرابع قال إذا نسي لمعة لا يعفى عنها وحكي الباجي عن محمد بن دينار فيمن لصق بذراعيه قدر الخيط من العجين أو غيره لا يصل الماء إلى ما تحته يصلي بذلك ولا شيء عليه لأنه يعد في العرف غاسلا ولما رواه الدار قطني أنه عليه السلام صلى الصبح وقد اغتسل لجنابة فكان بكفيه مثل الدرهم لم يصبه الماء فقيل يا رسول الله هذا موضع لم يصبه الماء فسلت من شعره الماء ومسح ولم يعد الصلاة إلا أن الدار قطني ضعفه وقياسا على ذلك القدر من الرأس ومن بين الأصابع والخاتم . وقال ابن القاسم يعيد الصلاة فإن كان مما لا يمكن الاحتراز منه لم ينقل حكم الفرض إليه قال مالك في الموازية فيمن توضأ وعلى يديه مداد فرآه بعد الصلاة لم يغيره الماء إذا أمر الماء عليه أجزأه ذلك إذا كان كاتبا فإنه رأى الكاتب معذورا بخلاف غيره الخامس الموالاة فرض في الوضوء والغسل خلافا لأحمد بن حنبل وفرق بأن الموالاة إنما تكون بين شيئين والوضوء أعضاء متعددة والغسل واحد وهو البدن السادس إذا نسي شيئا من فروض طهارته إن كان في القرب فعله وما بعده وإن طال فعله وحده وقال ابن حبيب إن كان مغسولا وطال ابتدأ وإن كان ممسوحا مسحه فقط ورواه مطرف عن مالك أما إن كان المنسي مسنوناً وذكره بالقرب قال مالك في المختصر يعيد ما بعدها بخلاف نسيان المفروض وقال في الواضحة خلاف ذلك ( الفصل الثاني ) في مسنوناته والسنة في اللغة الطريقة لكن عرف الشرع خصصه ببعض طرائقه . قال صاحب الطراز والفرق بين السنة والفضيلة والفريضة أن الأول يؤمر بفعله إذا تركه من غير إعادة الصلاة والثاني لا يؤمر بفعلها إذا تركها ولا بالإعادة والثالث تعاد لتركه الصلاة . والفرض مأخوذ من الفرضة الحسية وهي المحددة والفروض الشرعية كذلك فسميت فروضا . والفضيلة مأخوذة من الفضل وهو الزائد لأنها زائدة على الواجب .
ومسنونات الوضوء سبعة
: السنة الأولى في الجلاب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء لكل مريد الوضوء محدثا أو مجددا أو يداه طاهرتان خلافا بن حنبل في إيجابه لذلك من نوم الليل دون غيره لما في الموطأ أنه عليه السلام قال
إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده منه
والبيات إنما يكون بالليل مع نوم أو غيره وألحقنا به نوم النهار والمستيقظ بجامع الاحتياط للماء وقوله قبل أن يدخلها في إنائه ألحقنا به الوضوء من الإبريق لأن المتوقع من وضع اليد في الماء متوقع من وضع الماء في اليد لا سيما والموضوع في اليد أقل فيكون أقرب للفساد . وفي الجواهر قيل غسلهما تعبد وينبني عليه القول بغسل اليدين مفترقتين لأن شأن أعضاء الوضوء التعبدية لا يغسل عضو حتى يفرغ من الآخر ولا يجمعان لأنه أبلغ في النظافة قال صاحب المنتقى روى أشهب عن مالك أنه يستحب أن يفرغ على اليمنى فيغسلها ثم يدخلها في إنائه ثم يصب على اليسرى وقال ابن القاسم يفرغ على يديه فيغسلهما كما جاء في الحديث وإذا كانت يداه نظيفتين غسلهما عند مالك احتياطا للعبادة وهي رواية ابن القاسم واختياره لحصول المقصود . السنة الثانية المضمضة في الجواهر المضمضة معجمة وهي تطهير باطن الفم في الغسل والوضوء وأصلها تحريك الماء في الإناء وكذلك تحريك الماء في الفم والاستنشاق جذب الماء بالخياشيم قال الأصمعي تقول استنشقت الشيء إذا شممته والاستنثار استفعال من النثرة وهي الأنف ومن النثر وهو الجذب . وأما ظاهر الشفتين فغسلهما واجب وأوجبهما أو حنيفة وابن حنبل في الجنابة لقوله عليه السلام
خللوا الشعر وأنقوا البشر فإن تحت كل شعرة جنابة وفي الأنف شعر وفي الفم بشر . وقال ابن أبي ليلى هما واجبتان في الوضوء والغسل لأنه عليه السلام واظب عليهما في وضوئه وغسله وهو المبين عن الله تعالى . ومنهم من أوجب الاستنشاق وحده لأنه عليه السلام أمر به والأمر للوجوب وإنما فعل المضمضة وفعله على الندب . السنة الثالثة الاستنشاق وهو غسل داخل الأنف فأما ما يبدو منه فهو من الوجه فيجذب الماء بريح الأنف وأنكر مالك رحمه الله في المجموعة الاستنشاق من غير وضع إبهامه وسباته على أنفه وقال هكذا يفعل الحمار . والأصل في ذلك ما في الموطأ أنه عليه السلام قال
إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينثر ومن استجمر فليوتر ولا تجب هي ولا المضمضة في الطهارتين لأنهما من باطن الجسد كداخل الأذنين وموضع الثيوبة من المرأة وداخل العينين وهذه المواضع لا يجب غسلها ولا مسحها فكذلك هاتان لا يتناولهما من يغتسل للجنابة ولا للوضوء وتحمل السنة الواردة فيهما على الندب قياسا على نظائرهما في عدم الوجوب ولقوله عليه السلام للأعرابي المسيء لصلاته
إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله خرجه النسائي وليس في الآية ذكرهما . وفي أبي داود
لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ كما أمره الله تعالى . قال صاحب الطراز وأما استدلال الحنفية بأن الفم في حكم الظاهر بدليل وجوب تطهيره من النجاسة وإذا وصل القئ إليه أفطر فمدفوع بعدم وجوب تطهير داخل الأذنين وداخل العينين إذا اكتحل بمراة خنزير ونحوه وبالقئ إذا استدعاه ووصل إلى خياشيمه ولم ينزل إلى أنفه حتى غربت الشمس أو وصل إلى فمه فلم يمتلئ فإنه لا ينقض الوضوء عندهم إلا بالامتلاء حتى يسيل بنفسه ولو كان غير طاهر لنقض يسيره وكثيره . أصله الدم في غير الفم عندهم وببلع الريق أيضا فإنه لا يفطر وهو لو بلعه من الظاهر أفطر وعندهم لو جرح في خده فنفذت إلى فمه كانت جائفة والجائفة لا تكون في ظاهر الجسد . وأما قوله عليه السلام
فإن تحت كل شعرة جنابة
فالمراد به الشعور الكثيرة والمبالغة في الغسل بدليل شعر داخل الأذنين والعينين . فروع أربعة : الأول قال يستحب المبالغة فيهما ما لم يكن صائما . الثاني قال حكى ابن سابق في كيفية المضمضة والاستنشاق قولين أحدهما يتمضمض ثلاثا بثلاث غرفات ويستنشق ثلاثا كذلك وهو قول مالك رحمه الله تعالى والثاني لأصحابه غرفة واحدة لهما . وجه الأول ما في أبي داود أنه عليه السلام كان يفصل بينهما والقياس على سائر الأعضاء . ووجه الثاني أنه عليه السلام تمضمض واستنشق من غرفة واحدة وقال المازري يجمع بينهما بثلاث غرفات فجعلهما كعضو واحد . الثالث قال صاحب الطراز لو تركهما عامدا حتى صلى فالمشهور أنه لا يعيد وقال ابن القاسم في العتبية يعيد في الوقت ولغير ابن القاسم في العتبية يعيد بعد الوقت إما لكونهما عنده واجبتين وإما لأن ترك السنن لعب وعبث . وقال صاحب الجواهر إن تركها ناسيا حتى صلى لم يعد الصلاة ويؤمر بإعادة ما ترك مطلقا على المذهب وقال القاضي لا يعيدهما بعد الصلاة لأن السنن لا تعاد بعد الوقت قال صاحب الطراز إن أراد بعدم الإعادة إذا لم يرد صلاة فهو المذهب كما قال مالك في الموطأ يفعلهما لما يستقيل إن أراد الصلاة وإن كان مراده عدم فعلهما مطلقا فلا يستقيم لأن تركهما نقص في الطهارة كترك الاستنجاء فتكمل الطهارة للصلاة المستقبلة . الرابع قال صاحب الطراز يفعلهما باليمين وهو متفق عليه ويستنثر باليسار وهو مروي عنه عليه السلام وفي النسائي أن عليا رضي الله عنه تمضمض فاستنشق وفعل بيده اليسرى ذلك ثلاثا ثم قال هذا طهور النبي عليه السلام . تنبيه قدمت المضمضة والاستنشاق على الواجبات وهما من المسنونات لوجهين : أحدهما ليطلع بهما على حال الماء في ريحه وطعمه فإن كان ليس بطهور استعمل غيره وتركه لمنافعه لئلا يفسده فيضيع الماء ويكثر التعب لغير مصلحة . الثاني أنهما أكثر اقذارا وأوضارا من غيرهما فكانت العناية بتقديمهما أولى . السنة الرابعة في الجواهر مسح الأذنين بماء جديد لهما ظاهرهما وباطنهما خلافا ش في غسل ظاهرهما وباطنهما قال صاحب الطراز فأما ما قرب من الصماخين مما لا يمكن غسله ولا صب الماء عليه لما فيه من المضرة فليس بمشروع ولعل هذا القول تفسير لقول ابن الجلاب ويدخل أصبعيه في صماخيه . من ظاهر الأذنين مما يلي الرأس قال ابن شاس وهو الأظهر وقيل مما يلي الوجه ويقال إن الأذن في ابتداء خلقها تكون مغلقة كزر الورد فإذا كمل خلقها انفتحت على الرأس فالظاهر للحس الآن كان باطنا أولا والباطن كان ظاهرا فيبقى النظر هل يعتبر حال الانتهاء لأنه الواقع حال ورود الخطاب أو يعتبر الابتداء عملا بالاستصحاب . السنة الخامسة قال رد اليدين من مؤخر الرأس إلى مقدمة وأن يبدأ به وفي الموطأ عن عمر بن يحي المازري أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم وكان من أصحاب رسول الله هل تستطيع أن تريني كيف كان عليه الصلاة والسلام يتوضأ قال عبد الله نعم فدعا بوضوئه فأفرغ على يده فغسل يديه مرتين مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجعا إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه . واختلف العلماء في قوله في بعض الروايات فأقبل بهما وأدبر فقيل الواو لا تقتضي الترتيب إذ الواقع أنه أدبر بهما وأقبل وقيل أقبل بهما على قفاه وأدبر بهما عن قفاه فإن الإقبال والإدبار من الأمور النسبية وقيل بدأ من وسط الرأس وأقبل بيديه على وجهه ثم أدبر بهما على قفاه ثم ردهما إلى موضع ابتدائه ويمنع هذا قوله في الحديث
من مقدم رأسه وأن أعضاء الوضوء كلها تبتدأ من أطرافها لا من أوساطها . وأما قول ابن الجلاب يبدأ من مقدم رأسه إلى قفاه واضعا أصابعه على وسط رأسه رافعا راحتيه عن فوديه ثم يقبل بهما لاصقا راحتيه بفوديه مفرقا أصابع يديه فهذه الصفة لم تعلم لغيره قصد بها على زعمه عدم التكرار وخالف السنة إذ التكرار لا يلزم من ترك ما قاله لأن التكرار إنما يكون بتجديد الماء بدليل أن دلك اليد مرارا بماء واحد لا يعد إلا مرة واحدة فكذلك ههنا . السنة السادسة في الجواهر الترتيب وهذا قول مالك في العتبية وقال الشيخ أبو إسحاق بوجوبه وقال ابن حبيب باستحبابه . وجه الأول أن الله تبارك وتعالى عدل عن حروف الترتيب وهي الفاء وثم إلى الواو التي لا تقتضي إلا مطلق الجمع وذلك يدل على عدم وجوبه وقول علي رضي الله عنه ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت وقال ابن عباس رضي الله عنهما لا بأس بالبداية بالرجلين قبل اليدين خرج الأثرين الدار قطني مع صحبة علي لرسول الله طول عمره فلولا اطلاعه على عدم الوجوب لما قال ذلك وكذلك ابن عباس رضي الله عنهما والقياس على العضو الواحد بجامع أن الآية إذا دلت على حصول الطهارة في العضو الواحد في الجملة فعدم وجوب الترتيب في الأعضاء أولى لأن النص ورد في الأعضاء بصيغة إلى الدالة على البداية والنهاية ومع ذلك فلم يجب ذلك فأولى ألا يجب ما ليس فيه دليل . وأما استدلال الأصحاب بقول ابن مسعود ما نبالي بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا فلا حجة فيه على الشافعي لأنه لا يقول بوجوبه بين اليمين واليسار . حجة الوجوب أن الله تعالى فرق بين المتناسبات في الغسل وهي الرجلان وما قبل الرأس بالرأس والأصل ضم الشيء إلى مناسبه وما خولف الأصل إلا لغرض الترتيب لأن الأصل عدم غيره . وقوله عليه الصلاة والسلام
هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به وكان مرتبا وإلا كان التنكيس واجبا وهو خلاف الإجماع . والقياس على الصلاة بجامع أن كل واحد منهما مشتمل على قربات مختلفة . فالجواب عن الأول أن الرجلين أيضا ممسوحتان بدليل قراءة الخفض ونحن نقول به حالة لبس الخفين فإن الماسح على خفيه يصدق عليه أنه ماسح رجليه كما يصدق على المسح بالذراع إن كان من فوق الثوب فلا يحصل التفريق بين المتناسبات بل الجمع بينها . وعن الثاني أن الإشارة في الحديث إلى غسل المرة لا إلى الجميع وإلا يلزم التخصيص بالزمان والمكان وهو خلاف الأصل أم تجب هذه القيود وهو خلاف الإجماع . وعن الثالث بالفرق من وجوه أحدها أن الصلاة مقصد والطهارة وسيلة والمقاصد أعلى رتبة من الوسائل فلا يلزم الإلحاق . وثانيها أن المصلي يناجي ربه فيشبه بقارع باب على ربه لمناجاته فكان الواجب أن يقف بين يديه ولا يستفتح أمره بالجلوس ويثنى بالركوع لأنه أقرب إلى حالة القيام ثم إذا تقرب إلى ربه بالثناء على جلاله والتذلل بركوعه لعظيم علائه حسن منه حينئذ هيئة الجلوس . وأما الوضوء فالمقصود منه طرف واحد وهو رفع الحدث وذلك حاصل باستعمال الماء في الأعضاء . وثالثها أن الصلاة لو لم تكن مرتبة لبطلت الإمامة لأنه لا يبقى للإمام عند المأموم ضابط يستدل به على أي ركن شرع فيه الإمام فتبطل مصالح الإمامة بخلاف الوضوء . فإن فرعنا على الوجوب فأخل به ابتدأ عبد ابن زياد وقيل لا يعيد لأنا إن قلنا بوجوبه فليس شرطا في الصحة . وإن فرعنا على أنه سنة فتركه عمدا فهو كالنسيان وقيل يعيد على الخلاف في تعمد ترك السنن هل يبطل أم لا وأما على القول بأنه فضيلة واستحباب فلا إعادة وحيث قلنا يبدأ فإن كان بحضرة الماء ابتدأ لليسارة وإن بعد وجف وضوؤه فقولان بالبناء والابتداء . تفريع قال صاحب الطراز إذا بدأ بيديه ثم بوجهه ثم برأسه ثم برجليه أعاد وضوءه إن كان عامدا أو جاهلا وإن كان ناسيا قال مالك أخر ما قدم من غسل ذراعيه ولا يعيد ما بعده كما لو ترك غسلهما حتى طال أعادهما فقط وقال ابن حبيب يؤخر ما قدم ثم يغسل ما يليه طال أو لم يطل لتحصيل حقيقة الترتيب فإنه إذا لم يعد غسل رجليه وقع غسل ذراعيه آخرا فلو بدأ بوجهه ثم رأسه ثم ذراعيه ثم رجليه أعاد عند ابن القاسم رأسه فقط فيرتفع الخلل حيث قدمه على محله وعند غيره يمسح رأسه ثم يغسل رجليه لأنه إذا لم يعد مسح رأسه فكأنه أسقطه فوقع غسل يديه بعد وجهه ولو غسل رجليه قبل ذراعيه والمسألة بحالها فعند ابن القاسم يعيد مسح رأسه لأنه ما وقع بعد يديه ويعيد غسل رجليه لهذه العلة ويتفق ابن القاسم وغيره ههنا وإذا قلنا يعيد مسح رأسه وغسل رجليه فبدأ برجليه فيحتمل عند ابن القاسم الإجزاء لأن مسح الرأس يعتد به في رفع الحدث ووقع غسل رجليه بعد مسح رأسه فلا خلل فيه فإذا أعاد غسل رجليه فقط وقع بعد ذراعيه وبعد الرأس أعني في الطهارة الأولى فيحصل الترتيب بمجموعهما وأعاد رأسه ليقع بعد اليدين وعند غيره إذا مسح رأسه أعاد رجليه ليكون آخر فعله . فإن غسل وجهه ثم رجليه ثم رأسه ثم ذراعيه فالاتفاق على أنه يعيد رأسه ثم رجليه لأنه قدمهما ورأسه على يديه فيؤخر ما قدم فيمسح رأسه ليقع ذلك بعد يديه ثم يغسل رجليه . فلو أنه والمسألة بحالها بدأ برجليه ثم برأسه فيحتمل عند ابن القاسم أن يجزئه لأن مسحه رأسه الأول قد وقع بعد الرجلين أولا وإنما مسح رأسه الآن ليقع بعد ذراعيه وعند غيره يعيد رجليه بعد رأسه ليكون آخر فعله . فول بدأ بوجهه ثم رجليه ثم ذراعيه ثم رأسه أعاد رجليه فقط اتفاقا لأن يديه غسلت بعد وجهه ومسح رأسه بعد يديه فيغسل رجليه بعد رأسه وقد ذهب الخلل . والأصل في هذا الباب عند ابن حبيب وعند عبد الملك أن المقدم على الوجه يلغى والمقدم على اليدين بعد الوجه يلغى والمؤخر بعد اليدين من قبل الرأس يلغى والمؤخر بعد الرأس قبل الرجلين يلغى . وعند ابن القاسم المقدم في حكم الملغى على ما قدمه عليه وما وقع بعد المقدم مما ينبغي أن يتأخر عنه فهو مرتب عليه فيكون المقدم ملغى في حق ما تقدم عليه ثابتا في حق ما ترتب عليه فالذي بدأ بذراعيه ثم وجهه ثم رأسه ثم رجليه عند عبد الملك لما بدأ بذراعيه قبل وجهه كان غسل ذراعيه ملغى ويعيد وجهه لأنه لو استفتى حينئذ عالما لقال له اغسل وجهك ويكون غسل وجهه أولا غير معتد به ثم كان شأنه بعد وجهه أن يغسل يديه فمسحه رأسه بعد وجهه ملغى للوقوعه قبل موقعه ولو استفتى حينئذ لقيل له اغسل ذراعيك وإذا ألغى مسح رأسه كان الصواب أن يغسل ذراعيه فغسل رجليه والحالة هذه ملغى لوقوعه في غير موضعه فلم يبق إلا الوجه فيعيد من ذلك إلى آخر وضوئه وعند ابن القاسم لما قدم يديه على الوجه كان ذلك ملغى في حق الوجه فيقع مسح رأسه بعد اليدين والوجه وذلك موضعه فرتب الرأس على سبق اليدين له والرجلين على الرأس ويبقى الخلل بين اليدين والوجه فقط فإذا أعاد غسل يديه انجبر الخلل . وإذا بدأ بذراعيه ثم رأسه ثم وجهه ثم رجليه فعند ابن القاسم وقع اليدان مقدمتين على الوجه وكذلك الرأس والرجلان مؤخرتين عن الجميع وهو الصواب فيعيد يديه ورأسه فقط وعند الغير يعيد يديه ورأسه ورجليه . فإن بدأ بالرأس ثم الوجه ثم اليدين ثم الرجلين فعند ابن القاسم يعيد رأسه ليتأخر عن يديه ولا يعيد رجليه ليوقعه بعد رأسه وعند الغير يمسح رأسه ثم وجهه فإن بدأ برأسه ثم رجليه ثم وجهه ثم يديه أعاد رأسه ثم رجليه اتفاقا . ولو بدأ برجليه ثم وجهه ثم يديه ثم رأسه أعاد رجليه وفاقا . ولو بدأ برجليه ثم يديه ثم وجهه ثم رأسه فعند ابن القاسم يعيد يديه ورجليه فقط لأن رجليه مقدمتان على ما حقهما أن تتأخرا عنه وكذلك يداه تقدمت على الوجه وحكمهما التأخير ومسح الرأس لم يقع مقدما على ما يتقدمه وعند الغير يعيد يديه ثم رأسه ليقع بعد اليدين ثم رجليه ولو بدأ برجليه ثم رأسه ثم وجهه ثم يديه لأعاد رأسه ورجليه وفاقا ولو قلت ههنا بيديه ثم بالوجه أعاد يديه إلى آخر وضوئه وفاقا . فروع خمسة : الأول في الجواهر يستحب الابتداء باليمين من اليدين والرجلين لقوله عليه السلام
إذا توضأ أحدكم فليبدأ بميامنه رواه ابن وهب وأدخله سحنون في الكتاب ولأنه (1) . الثاني قال المازري إذا أمر المتوضئ أربعة رجال أن يطهروا أعضاءه معا فقال بعض من أوجب الترتيب هو بمنزلة المنكس لأنه لم يقدم ما وجب تقديمه . الثالث في الطراز القول بالوجوب مختص بالواجب دون المسنون وكذلك قال الشافعي رحمه الله تعالى لأن ما لا يجب أصله كيف يجب وصفه . الرابع لو ترك الترتيب حتى صلى قال صاحب الطراز قال بعض المتأخرين يعيد مراعاة للخلاف في وجوبه قال وليس كذلك والفرق بين إعادة الوضوء لأجله وإعادة الصلاة أن إعادة الوضوء مرغب فيه بدليل الأمر بالتجديد بخلاف الصلاة لقوله عليه السلام
لا تصلوا في يوم مرتين . الخامس إذا نكس مسنون وضوئه فبدأ بالوجه قبله قال صاحب الطراز إن كان ساهيا لم يعد وجهه قال مالك رحمه الله تعالى وإن كان جاهلا أو عامدا فظاهر الموطأ أنه لا شيء عليه وقال ابن حبيب يبتدئ الوضوء وسوى بين المفروض والمسنون . سؤال ندب الشرع لتقديم اليمنى من اليدين والرجلين والجنبين في الغسل والوضوء ولم يندب لتقديم اليمنى من الأذنين أو الفودين أو الخدين أو الصدغين ونحو ذلك فما الفرق ؟ جوابه أن أولئك الأعضاء المقدمة اشتملت على منافع تقتضي شرفها فقدمها الشرع لذلك . بيانه اليد اليمنى فيها من الحرارة الغريزية والقوة ووفور الخلق والصلاحية للأعمال ما ليس في اليسار وذلك أن الخاتم يضيق في اليمنى1- ( متفق عليه )

ويتسع في اليسار وكذلك القول في الرجلين ومن اعتبر ذلك وجده مقتضى الخلقة الأولى ما لم تعارضه عادة فاسدة عن الخلق الأصلي . وأما الأذنان ونحوهما فمستويان في المنافع وصفات الشرف فلم يقدم الشرع يمين شيء من ذلك على يساره وقدم الجنب الأيمن لاشتماله على الأعضاء الشريفة المذكورة . تذييل يبدأ بالأعالي في الطهارة لشرفها لما اشتمل عليه الوجه من الحواس والنطق ويثنى باليدين لكثرة دخولهما في الطاعة وغيرها ويقدم الرأس على الرجلين لشرفه لما اشتمل عليه من القوى المدركة والحكمة وقدم الفم على الأنف لشرفه بالذوق والنطق وقدم الفرجان محافظة على الطهارة من النقض . السنة السابعة غسل البياض الذي بين الصدغين والأذنين قال المازري انتقد هذه السنة على القاضي أصحابنا وقالوا إن كان من الوجه فهو واجب وإلا فهو كالقفا ساقط على الإطلاق قال ولعله ظفر بحديث يوجب كونه سنة أو يكون سنة مراعاة للخلاف على سبيل التوسع .

الفصل الثالث في فضائله وهي سبعة
الفضيلة الأولى التسمية قال صاحب الطراز استحسنها مالك رحمه الله مرة وأنكرها مرة وقال أهو يذبح ما علمت أحدا يفعل ذلك ونقل ابن شاس عنه التخيير وعن ابن زياد الكراهة . وأفعال العبد على ثلاثة أقسام منها ما شرعت فيه التسمية ومنها ما لم تشرع فيه ومنها ما تكره فيه . الأول كالغسل والوضوء والتيمم على الخلاف وذبح النسك وقراءة القرآن ومنه مباحات ليست بعبادات كالأكل والشرب والجماع . والثاني كالصلوات والأذان والحج والعمرة والأذكار والدعاء . والثالث المحرمات إذ الغرض من التسمية حصول البركة في الفعل المشتمل عليها والحرام لا يراد كثرته وكذلك المكروه . وهذه الأقسام تتحصل من تفاريع أبواب الفقه في المذهب فما ضابط ما شرع فيه التسمية من القربات والمباحات مما لم يشرع فيه ؟ قلت وقع البحث في هذا الفصل مع جماعة من الفضلاء وعسر الفرق وإن كان بعضهم قد قال إنها لم تشرع مع الأذكار وما ذكر معها لأنها بركة في نفسها . وورد عليه أن القرآن من أعظم البركات مع أنها شرعت فيه . والأصل في شرعيتها في الوضوء قوله عليه الصلاة والسلام
لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه
خرجه أبو داود والترمذي إلا أنه لا أصل له وقال ابن حنبل بوجوبها مع أن الترمذي قال عنه لا أعرف في هذا الباب حديثا (1) . الفضيلة الثانية في الجواهر السواك لما في الموطأ أنه عليه السلام قال
لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة
وفي أبي داود
كان يوضع له وضوؤه وسواكه
والكلام في وقته وآلته وكيفيته . أما وقته فقال صاحب الطراز يستاك قبل الوضوء ويتمضمض بعده ليخرج الماء بما ينثره السواك ولا يختص السواك بهذه الحالة بل في الحالات التي يتغير فيها الفم كالقيام من النوم أو بتغيير الفم لمرض أو وجع أو صمت كثير أو مأكول متغير . وأما الآلة فهي عيدان الأشجار لأنه سنة النبي وسنة السلف أو بأصبعه إن لم يجد ويفعل ذلك مع الماء في المضمضة لأنه يخفف القلح1- ( جيد الإسناد )

والقلح صفرة الأسنان فإن استاك بأصبع فجعلها سواكا للسن أولى من جعل السن سواكا للأصبع ويتجنب من السواك ما فيه أذى للفم كالقصب فإنه يجرح اللثة ويفسدها وكالريحان ونحوه مما يقول الأطباء فيه فساد وقد نص على ذلك جماعة من العلماء . وأما كيفيته فيروى عنه عليه الصلاة والسلام
استاكوا عرضا وادهنوا غبا أي يوما بعد يوم واكتحلوا وترا فالسواك عرضا أسلم للثة من التقطع والأدهان إن كثرت تفسد الشعر وتنثره . والسواك وإن كان معقول المعنى فعندي أنه ما عري من شائبة تعبد من جهة أن الإنسان لو استعمل الغسولات الجلاءة عوضا من العيدان لم يأت بالسنة . الفضيلة الثالثة في التلقين تكرار المغسول وقوله في الكتاب لم يوقت مالك رحمه الله في التكرار إلا ما أسبغ قال صاحب الطراز وغيره يريد به نفي الوجوب لا نفي الفضيلة وكذلك قال وقد اختلفت الآثار في التوقيت قال صاحب التنبيهات التوقيت التقدير من الوقت وهو المقدار من الزمان فمعناه لم يقدر عددا قال ومن الناس من قال معناه لم يوجب من قوله تعالى ( كتابا موقوتا ) أي فرضا لازما وليس بصواب وروي عنه عليه السلام أنه توضأ مرة مرة وقال
هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به
فأثبت القبول عند ثبوته فدل ذلك على عدم وجوب غيره ويروى عنه عليه السلام
مرتين مرتين وثلاثا ثلاثا
أخرجه البخاري ومسلم قال اللخمي فالأولى واجبة والثانية سنة والثالثة فضيلة والرابعة مخترعة إذا أتى بها عقيب الثالثة أو بعد ذلك وقبل الصلاة بذلك الوضوء فإن صلى به كان تجديد الوضوء فضيلة لقوله عليه السلام
الوضوء على الوضوء نور على نور
وقوله في الرابعة
فمن زاد أو استزاد فقد تعدى وظلم والتجديد زيادة فيجمع بينهما بهذه الطريقة ودليل تحريم الرابعة قوله عليه السلام لما توضأ ثلاثا
هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء أبي إبراهيم فمن زاد أو استزاد فقد تعدى وظلم قال صاحب المقدمات قال الأصيلي ليس هذا بثابت . والوضوء من خصائص هذه الأمة قال ابن رشد إن صح الحديث فيكون معنى ما روي في الغرة والتحجيل ويكون الاختصاص بالغرة لا بالوضوء وأما قوله عليه السلام فمن زاد أو استزاد فيحتمل معنيين أحدهما التأكيد ويكون المراد بهما واحدا والثاني أن يكون استزاد من باب الاستفعال وهو طلب الفعل والإنسان له حالتان تارة يتوضأ بنفسه فيقال إنه زاد الرابعة وتارة يستعين بغيره في سكب الماء وغيره فيطلب من ذلك الغير زيادة الرابعة فيقال له استزاد . وجوز مالك رحمه الله في المدونة الاقتصار على الواحدة وقال أيضا لا أحبها إلا من عالم يعني لأن من شرط الاقتصار عليها الإسباغ وذلك لا بضبطه إلا العلماء وإذا لم يسبغ وأسبغ في الثانية كان بعض الثانية فرضا وهو ما حصل به الإسباغ في بقية الأولى وبقيتها فضيلة وهو ما عدا ذلك وإلى أن يأتي برابعة تختص بها المواضع المتروكة أولا ولا تعم لئلا يقع في النهي . فرع في الجواهر إذا شك في أصل الغسل ابتدأه لأنه في عهدة الواجب حتى يفعله وإن شك هل هي ثالثة أو رابعة قال المازري تنازع الأشياخ في فعلها هل تكره مخافة أن تكون محرمة أو لا تكره لأن الأصل بقاء المأمور به من الطهارة متوجها على الإنسان والبناء على اليقين في الطهارة وركعات الصلات من العدد فيصلي الركعة وإن شك هل هي رابعة واجبة أو خامسة محرمة ويلحق بهذا صوم التاسع من ذي الحجة إذا شك فيه فإنه دائر بين المندوب والمحرم قاعدة إذا تعارض المحرم وغيره من الأحكام الأربعة قدم المحرم لوجهين أحدهما أن المحرم لا يكون إلا لمفسدة وعناية الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أشد من عنايتهم بتحصيل المصالح ولأن تقديم المحرم يفضي إلى موافقة الأصل وهو الترك فمن لاحظ هذه القاعدة قال بالتراك ومن قال يغسل يقول المحرم رابعة بعد ثالثة متيقنة ولم يتيقن ثالثة فلا يحرم وكذلك القول في الصوم وما أظن في الصلاة خلافا والله أعلم الفضيلة الرابعة الاقتصاد والرفق بالماء مع الإسباغ والإسباغ التعميم ومنه قوله تعالى ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) أي عممها وأنكر مالك في المدونة قول من قال حد الوضوء أن يقطر أو يسيل قال ابن يونس أي أنكر التحديد قال مالك رأيت عباسا قال صاحب التنبيهات عباس بباء واحدة من تحتها وسين مهملة ومن الشيوخ من يقول عياشا بالياء والشين وهو خطأ يتوضأ بثلث مد هشام ويفضل له منه ويصلي بالناس وأعجبني ذلك وفي البخاري كان عليه السلام يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد قال بعض العلماء إذا كان المغتسل معتدل الخلق كاعتدال خلق رسول الله فلا يزيد في الماء على المد في الوضوء والصاع في الغسل وإن كان ضئيلا فليستعمل من الماء ما يكون نسبته إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسده عليه الصلاة والسلام فإن تفاحش الخلق فلا ينقص عن مقدار أن يكون نسبته إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسده الفضيلة الخامسة قال ابن يونس أن يجتنب الخلاء لنهيه عليه السلام عن ذلك مخافة الوسواس الفضيلة السادسة قال ابن يونس يجعل الإناء عن اليمين لفعله عليه السلام لذلك ولأنه أمكن واعلم أن هذه المكنة إنما تتصور في الأقداح وما تدخل الأيدي إليه أما الأباريق فالتمكن إنما يحصل بجعله على اليسار ليسكب الماء بيساره في يمينه الفضيلة السابعة قال ابن أبي زيد في الرسالة يستحب أن يقول بأثر الوضوء اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين وقال عليه الصلاة و السلام من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء
خاتمة قال في الكتاب لا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء خلافا لأصحاب الشافعي محتجين بما في مسلم أن عائشة رضي الله عنها لما وصفت غسله عليه السلام
قالت ثم أتيته بالمنديل فرده وقال إنه يذهب بنور الوجه حجتناما روي عنه عليه السلام أنه كان إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه وفي الترمذي أنه عليه السلام كانت له خرقة ينشف فيها بعد الوضوء وضعفه الترمذي وقال لا يصح في هذا الباب شيء ولأن المسح يؤدي إلى النظافة فإن الماء إذا بقي في شعره قطر من اللحية على الثوب فعلق به الغبار فينطمس لونه وكذلك يعلق ماء رجليه بذيول ثوبه وحديث مسلم لا ينافي ما قلنا لأنا نقول باباحة تركه والحديث يدل على ذلك والقياس معنا لما ذكرناه ويؤكده أن غسالة الماء نجسة عند جماعة من العلماء فيجب إزالتها على هذا التقدير فرع وإذا أبيح التنشيف فهل يباح قبل الفراغ قال صاحب الطراز على رأي ابن الجلاب لا يجوز لقوله ولا يجوز تفريق الطهارة من غير عذر وعلى المشهور يجوز ليسارته وفي المجموعة قلت لمالك أيفعل ذلك قبل غسل رجليه قال نعم وإني لأفعله

الباب الثالث في الغسل وفيه فصلان
الفصل الأول في أسبابه
وهي سبعة عشر التقاء الختانين وإنزال الماء الدافق من الرجل والمرأة والشك في أحدهما ما لم يستنكح ذلك وتجديد الإسلام بعد البلوغ والولادة وإن كان الولد جافا وانقطاع دم الحيض وانقطاع دم النفاس والموت في غير الشهداء فهذه أسباب الوجوب وتليها أسباب الندب وهي شهود الجمعة وشهود صلاة عيد الأضحى وشهود صلاة عيد الفطر وإحرام الحج ودخول مكة والرواح لعرفة للوقوف ومباشرة غسل الميت وانقطاع دم الاستحاضة وانقطاع دم المرأة التي شأنها ألا تحيض فإنها لا تترك الصلاة بسببه وتغتسل لانقطاعه والمقصود بالكلام ههنا الخمسة الأول فغيرها نتكلم عليه في مواضعه إن شاء الله تعالى وهذه الخمسة هي أسباب الجنابة والجنابة مشتقة من التجنب وهو البعد ومنه الرجل الأجنبي منك أي البعيد عن قرابتك وصحبتك ومنه المجانبه للقبائح ولما كان المتصف بهذه الأسباب بعيدا من العبادات سمي جنبا وقيل مشتقة من الجنب لأن الغالب في حصول هذه الأسباب مباشرة النساء فيحصل اجتماع الجنب مع الجنب حسا لذلك السبب الأول في الجواهر التقاء الختانين يوجب الغسل أو مقدار الحشفة من مقطوعها لما في مسلم عنه عليه السلام أنه قال
إذا جلس بين شعبها الأربع وجهدها فقد وجب الغسل
وفي مسلم أن رجلا سأله عليه السلام عن ذلك وعائشة رضي الله عنها جالسة فقال عليه السلام
إني لأفعل ذلك ثم أغتسل
فهذه الأحاديث قال العلماء هي ناسخة لما تقدمها من قوله عليه السلام في مسلم للأنصاري الذي مر عليه فخرج إليه ورأسه يقطر بالماء فقال
لعلنا أعجلناك ؟ قال نعم يا رسول الله فقال عليه السلام إذا أعجلت أو قحطت فلا غسل
ومن قوله عليه السلام في مسلم
إنما الماء من الماء
أي إنما يجب استعمال الماء في الطهر من إنزال الماء الدافق وقال بعض العلماء كانت هذه رخصة في أول الإسلام ثم نسخت وقال صاحب الاستذكار قال ابن عباس في قوله عليه السلام
إنما الماء من الماء
محمول على النوم فإن الوطء فيه من غير إنزال لا يوجب شيئا إجماعا وهذا أولى من النسخ فإنه وإن كان عاما في الماءين فهو مطلق في الحالين النوم واليقظة فحمله على النوم تقييد للمطلق والتقييد أولى من النسخ لما تقرر في علم الأصول ومما يدل على أن التقاء الختانين يوجب الغسل أنها طهارة حدث فتتعلق بنوع من اللمس كالوضوء ولأن التقاء الختانين سبب قوي لخروج المني فيتعلق به حكمه كاللمس لما كان سببا قويا للمذي فيتعلق به حكمه قاعدة أصولية اللفظ إذا خرج مخرج الغالب لا يكون له مفهوم كقوله تعالى ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ) فإن الغالب أنهم إنما يقدمون على ذلك الخوف غزو أو فضيحة فلا يدل مفهومه على جواز قتل الأولاد إذا أمن ذلك إذا تقرر ذلك فنقول لما كان الغالب على الناس الختان لم يدل مفهوم اللفظ على انتفاء الحكم إذا لم يوجد الختانان فلا جرم قال صاحب الطراز يجب الغسل بالإيلاج في الحية والميتة والبهيمة خلافا ح في قوله فرج الميتة غير مقصود فأشبه الكوة ولنا عموم الحديث والنقض عليه بالعجوز الفانية والمجذومة والبرصاء ويجب بالإيلاج في فرج الخنثى المشكل خلافا لأصحاب الشافعي لعموم الخبر وقياسا على دبره وقال ابن شاس خرجه الإمام أبو عبد الله على نقض الطهارة بالشك قال صاحب الطراز يجب باستدخال المرأة ذكر البهيمة كما يجب على الرجل بفرج البهيمة ولا فرق بين القبل والدبر والنوم واليقظة في حق الرجل والمرأة لعموم الخبر فرعان الأول في الجواهر إذا عدم البلوغ في الواطئ أو الموطوء أو فيهما أما الأول قال في الكتاب لا غسل عليه إلا أن ينزل يريد لنقصان لذته وفتور شهوته وبالقياس على أصبع رجل لو غيبة فيها وقال أصبغ في الواضحة يغتسل لعموم الحديث وأما الثاني وهو عدم البلوغ في الموطوءة وهي ممن تؤمر بالصلاة قال ابن شاس قال في مختصر الوقاد لا غسل عليها لأنها إنما أمرت بالوضوء لتكرره بخلاف الغسل كما أمرت بالصلاة دون الصوم وقال أشهب عليها الغسل وأما الثالث وهو عدم البلوغ فيهما قال أبو الطاهر يقتضي المذهب ألا غسل عليهما وقد يؤمران به على وجه الندب الثاني إذا جامع دون الفرج فأنزل ووصل ماؤه إلى فرجها فإن أنزلت وجب الغسل وإن لم تنزل ولم تلتذ لم يجب وإن التذت ولم يظهر منها إنزال فقولان الوجوب لأن التذاذهاا قد يحصل به الإنزال وهو الغالب وهو مقتضي قول مالك رحمه الله عليه في الكتاب لقوله لا يجب عليها إلا أن تكون قد التذت وعدم الوجوب رواية لابن القاسم عن مالك قال صاحب الطراز إذا قلنا تبطل الطهارة برفض النية وجب عليها الغسل ويؤيد قول مالك قوله عليه السلام في الصحيح
إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان وجب الغسل
فالشرط التقاء الختانين تمهيد يوجب التقاء الختانين نحو ستين حكما وهي تحريم الصلاة والطواف وسجود القرآن وسجود السهو ومس المصحف وحمله وقراءة القرآن والإقامة في المسجد ويفسد الصوم ويوجب فسق متعمدة والكفارة لذلك والتعزيز عليه وفساد الاعتكاف والتعزيز عليه وفسق متعمدة لا سيما إذا تكرر أو وقع في المسجد وفساد الحج والعمرة وفسق متعمدة والتعزيز عليه والهدي وأما المضي في الفاسد فمسبب عن الإحرام وتحليل المبتوتة وتقرير المهر المسمى في الصحيح والمثل في الفاسد ووطء الشبهة والتفويض والعدة والاستبراء في المملوكة قبل الملك وبعده والمستكرهة والجلد والتعزيز في الزنا والرجم والتفسيق وتحريم المظاهرة في الحلال والحرام ولحوق الولد في الحلال والإماء المشتركات ووطء الشبهات وجعل الأمة فراشا وإزالة ولاية الإجبار عن الكبيرة وتحصين الزوجين والفيتة في الإيلاء والعود في الظهار على الخلاف وتحريم أم الزوجة وجداتها وبنت الزوجة وبناتها وبنات أبنائها وفسق المتعمد لارتكاب الممنوع من ذلك وتحريم الجمع بين الأختين في الإماء وتفسيق فاعله وتحريم وطء الزوج في استبراء وطء الشبهة وتعزيزه لمن فعل وكل موضع حرم على الرجل المباشرة حرم على المرأة التمكين إذا علمت بالتحريم أو ظنته ظنا معتبرا تنبيه فرج المرأة يشبه عقد الخمسة والثلاثين وهو جمع الإبهام والسبابة فهذه الثلاثون وإلصاق الوسطى بالكف وهو الخمسة فإذا جمع بينهما فهو خمسة وثلاثون فإذا كان بطن الكف إلى فوق فالثلاثون مجرى البول والخمسة مجرى الحيض والنفاس والوطء والولد فإن قلبت اليد كان الأمر بالعكس وموضع ختان المرأة هو في الخمسة العليا فيكون التقاء الختانين عبارة عن مقابلتهما كما تقول العرب التقى الفارسان إذا تقابلا وجبلان متلاقيان إذا كانا متقابلين ولو التقيا على التحقيق بأن يقع ختانه على ختانها لم يكن شيء من الحشفة ولا غيرها في مجرى الوطء فلا يجب غسل كما قاله في الكتاب بل إنما تتحقق ملاقاة ختان الرجل بختان المرأة بمغيب الحشفة في الفرج فهذا التقاء الختانين السبب الثاني في الجواهر إنزال الماء الدافق مقرونا بلذة يوجب الغسل وجد من الرجل أو المرأة وهو من الرجل في اعتدال الحال أبيض ثخنين دفاق يخرج مع الشهوة الكبرى رائحته كرائحة الطلع أو العجين يعقبه فتور ومني المرأة رقيق أصفر والفرق بينه وبين المذي خروجه مع اللذة الكبرى بخلاف المذي قال صاحب الطراز ولا يشترط في إنزال المرأة مائها لأن عادته أن يندفع إلى داخل الرحم ليخلق منه الولد وربما دفعه الرحم إلى خارج وليس عليها انتظار خروجه لكما الجنابة باندفاعه إلى الرحم فإن خرج قبل الصلاة وبعد الغسل غسلت فرجها وتوضأت وإن صلت قبل خروجه صحت صلاتها وتغسل فرجها وتتوضأ لما يستقبل ويدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام
إنما الماء من الماء
تقديره إنما يجب الغسل بالماء الطهور من إنزال الماء الدافق وفي الموطأ أن أم سليم قالت له عليه السلام المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل أتغتسل ؟ فقال لها عليه الصلاة والسلام
نعم فلتغتسل
فقالت عائشة رضي الله عنها وهل ترى ذلك المرأة ؟ فقال لها عليه الصلاة والسلام
تربت يمينك ومن أين يكون الشبه
وهذا الحديث يدل على أن المرأة تنزل المني وعلى ذلك دل التشريح في الطب وأن للمرأة انثيين ملتصقين في أصل مجرى الوطء يتدفق منهما المني ومجرى الوطء للمرأة بمنزلة الذكر أنثيا كل واحد منهما في أصله والطول كالطول وقد يقع الاختلاف بين الطولين وقوله عليه الصلاة والسلام
تربت يمينك
قال صاحب المنتقى المراد نفي الغني وقال ابن نافع معناه ضعيف عقلك أتجهلين هذا ؟ وقال الأصمعي معناه التحضيض على التعلم نحو قولهم ثكلتك أمك وقيل أصابت يدك التراب ولم يدع عليها بالفقر وقيل
ثربت
بالثاء المثلثة من الثرب الذي هو إصابة الشحم أي استغنت وهي لغة فيه بإبدال المثناة من المثلثة والأظهر أنها للإنكار وإن كان أصلها افتقرت حتى تلتصق يدك بالتراب تقول العرب ترب إذا افتقر وأترب إذا استغنى وقوله عليه السلام
من أين يكون الشبه
قال صاحب القبس قال عليه السلام في الصحيحين
إذا سبق ماء المرأة أذكر وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل أنث
وروي إذا سبق ماء المرأة ماء الرجل أو علا أشبه الولد أخواله وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أو علا أشبه أعمامه لأجل الغلبة وإذا سبق ماء المرأة وعلا كان الولد أنثى لأجل السبق وأسبه أخواله لأجل الغلبة والكثرة وإن سبق ماء الرجل وغلب ماء المرأة بعده وكان أكثر كان الولد ذكرا يشبه أخواله وإن سبق ماء المرأة وماء الرجل أكثر كان الولد أنثى يشبه أعمامه تفريغ في الجواهر فلو خرج بغير لذة لمرض أو غيره فلا يجب الغسل قياسا على دم الاستحاضة قال صاحب القبس والظاهر عندي إيجابه لقوله عليه السلام
إنما الماء من الماء
ولإجماع الأمة أن من استيقظ ووجد المني ولم ير احتلاما أن عليه الغسل فقد قال صاحب المنتقى قال مجاهد إذا لم يذكر شيئا لا شيء عليه وفي أبي داود والترمذي أنه عليه السلام سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً قال عليه الغسل وفي الرجل يرى الاحتلام ولا يجد بللا لا غسل عليه وإذا فرعنا على الأول فهل يستحب منه الوضوء أو يجب يخرج ذلك على الخارج النادر هل يوجب أم لا ولو اقترنت به لذة غير معتادة كمن به حكة أو اغتسل بماء حار فوجد لذة فأنزل فييه خلاف فأوجبه سحنون ولو وجدت اللذة المعتادة متقدمة على الإنزال كمن يجامع أو يلتذ بغير جماع ثم ينزل بعد ذلك فثلاثة أقوال الوجوب لمالك وابن القاسم قال صاحب الطراز أكتفي باللذة المتقدمة قال صاحب القبس إن اغتسل أعاد الغسل لأن الإيلاج والماء سببان فيجب الغسل كمن بال بعد وضوئه من اللمس وعدم الوجوب لعدم المقارنة لابن القاسم أيضا في المجموعة والتفرقة لمحمد في كتابه بين أن يكون جامع فاغتسل له فلا يجب لأنه مما أدى حكمه وبين عدم الاغتسال فيغتسل قال صاحب الطراز قال مالك في المجموعة في الملاعب يعيد الصلاة بعد الغسل لأن سبب الحدث يقوم مقامه كاللمس والنوم وأنهما أقيما مقام الودي والريح والتقاء الختانين مقام المني ولا يجب الغسل والإعادة قبل الخروج لعدم تحقق السبب وبعد خروجه بعده جنبا من حين الملاعبة ومن صلى جنبا وجبت عليه الإعادة وقال مالك في المجامع يعيد الصلاة بعد الوضوء ولا يغتسل لأن سبب قد ترتب عليه غسله والوضوء مأمور به قياسا على الاستحاضة بجامع الخروج عن العادة وأما إعادة الصلاة من الأول فلا ينافي ما هنا لأنه إذا كان جنبا من حين الجماع فقد اغتسل فتصح صلاته بخلاف الملاعب ويمكن أن يقال إقامة السبب مقام السبب بخلاف الأصل وإذا وجد المسبب أضيف الحكم إليه وسقط سببه كالمس إذا اتصل به الإمذاء بطل حكمه وكان الحكم للمذي حتى يجب غسل الذكر لكن يقال ههنا إذا لغيتم الأول تكون الصلاة وقعت قبل نقض الطهارة فلا إعادة \ فنجيب بأن الإيلاج إذا اتصل به الإنزال كانت الجنابة قائمة لم ينفصل حكمها ولم يكمل السبب أولا ولا آخرا بل المجموع هو السبب لأن هذا الإنزال عن تلك المجامعة فأشبه استدامة المجامعة فكأن حكم المجامعة مستمر حتى ينزل ونظير هذه المسألة الحيض لا يرتفع حكمه حتى يكمل جميعه قال صاحب الطراز وهذا يقتضي أنه يعيد الغسل والصلاة وهو قول بعض أصحابنا وقال آخرون يعيد الغسل دون الصلاة ملاحظة لاستقلال الأقوال بالسببية وإن عري عن اللذة ومتى قلنا بعدم إعادة الغسل فالإعادة استحباب فرع مرتب قلنا فيمن أولج ثم اغتسل إنه يغتسل أيضا إذا أنزل فلو أنه أنزل أولا فاغتسل ثم خرج منه بقية ماء فمقتضى الأصل المتقدم أنه يغتسل لأن حدثه الآن كما كمل فأشبه من اغتسل بعد إيلاجه وقبل إنزاله وعلى القول الآخر لا يجب ولا فرق بين خروجه قبل البول أو بعده خلافا ش في إيجابه الغسل في الحالين وقال أبو حنيفة يجب قبل البول لأنه بقية الماء المعتبر ولا يجب بعده لخروجه بغير دفق ولا شهوة وإذا قلنا بعدم الغسل فقيل يجب الوضوء وهو مذهب ابن حنبل قياسا على المذي ولأنه إذا لم يوجب الغسل فلا أقل من الوضوء وقال القاضي عبد الوهاب وابن الجلاب هو مستحب قياسا على الاستحاضة قال صاحب الطراز وارتكاب هذا صعب لأنه لا يعرف لمن تقدم وإنما اختلف المتقدمون في إيجابه الغسل أو الوضوء فالخروج عن قول الجميع محذور وكذلك من جامع ولم ينزل واغتسل ثم أنزل قال مالك في المجموعة عليه الغسل فروع ستة الأول قال في الكتاب قال سحنون قلت لابن القاسم أرأيت المسافر يكون على وضوء أو غير وضوء ويطأ أهله أو جاريته وليس معه ماء قال قال مالك لا يفعل ذلك قال ابن القاسم وهما سواء قال صاحب الطراز اختلف في قوله هما سواء قيل المتوضئ والمحدث وقيل الزوجة المملوكة لأن أهل العراق يفرقون بينهما لحق الزوجة في الوطء والأول بين لأن للزوجة أن تمنع ويسقط حقها لأجل العبادة وقال الشافعي له ذلك إن كان معهما ماء يغسلان به النجاسة عن فرجهما حجتنا أن الله تعالى أوجب الصلاة بالطهارة الكاملة مع القدرة وهما قادران فلا يتسببان في إبطالها ويرجعان إلى لبتيمم قياسا على من معه ماء فيهرقه ويتيمم ولهذا قال مالك رحمه الله تعالى ليس للزوجين المتوضئين أن يقبل أحدهما الآخر إذا لم يكن معهما ماء يتوضئان به وقال التونسي في مسألة الكتاب لو طال عدم الماء في سفره جاز له الوطء قياسا على الجريح والفرق بينهما أن الجرح يطول برؤه غالبا خلافا عدم الماء الثاني إذا منعناه من الوطء قال صاحب الطراز منعناه من البول إذا لم يكن معه ماء وحقنته خفيفة قال ابن القاسم فإذا كانت الحقنة مثقلة لا يمنع ولا يختلف في الأول أنه إن فعل تيمم وصلى ووقع الخلاف في المحدث بريق الماء ويتيمم ويجزئه عندنا خلافا لبعض الشافعية حجتنا آية التيمم الثالث قال في الكتاب للمجروح أو المشجوج أن يطأ بخلاف المسافر لطول أمره قال عبد الحق عن بعض الشيوخ المراد اللذان يتيممان لأن من به شجه واحدة لا تمنعه الغسل هو كالمسافر لا يطأ أهله إن عدم الماء قال صاحب الطراز هذا عدول عن المقصود بمسألة الكتاب وإنما المقصود من كان قادرا على الصلاة بلا جنابة لا ينبغي له أن يتسبب في إبطال ذلك وورد على هذه القاعدة صاحب الشجة فإنه يمسح عليها بدلا من الغسل فكان ينبغي أن لا ينهى عن الوطء قال مالك ذلك يطول الرابع قال في الكتاب لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة ليلا كان أو نهارا خلافا لأهل العراق ابن حبيب من أصحابنا حجتنا ما في الموطأ والصحيحين أن عمر رضي الله عنه ذكر لرسول الله أنه تصيبه الجنابة من الليل فقال له عليه الصلاة والسلام
توضأ ثم اغسل ذكرك ونم
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة وأما ما رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام
كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء
قال أبو داود قال سويد هذا الحديث خطأ وجماعة من أهل العلم طعنوا فيه واختلف في علة هذا الوضوء فقيل لينام على احدى الطهارتين وقيل لينشط فيغتسل وقيل إن الأرواح ترفع إلى العرش لتسجد إلا من كان على غير طهارة وهذا يبطل بالحائض وقيل إن النفوس إذا استشعرت أنها متقربة مالت إلى جناب الله تعالى فيكون أقرب للمواهب الربانية فإن من أساء استوحش ومن أحسن استبشر والمشهور أنه مندوب قال صاحب الاستذكار ولم يقل بوجوبه إلا أهل الظاهر قال صاحب الطراز قال ابن حبيب إن اقتصر الجنب على فعل ابن عمر رضي الله عنهما فحسن ففي الموطأ إذا أراد أن ينام أو يطعم وهو جنب غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح رأسه وكان يترك غسل رجليه لسقوط غسلهما مع الخف قال مالك في الكتاب والجنب بخلاف الحائض والفرق بينهما أن الحيض مستمر يبطل كل وضوء يفعل للنوم وإن عللنا بالنشاط للغسل ظهر الفرق أيضا لتعذره في حقها مع أنه في الجواهر قال يتخرج أمرها بالوضوء على علة الأمر به وحكى قولا بوجوب وضوء الجنب فروع مرتبة الأول إذا عدم الماء قال صاحب الطراز قال مالك في الواضحة لا يتيمم وقال ابن حبيب يتيمم الثاني إذا توضأ ثم خرج منه بقية المني أو أحدث قال مالك في المجموعة لا يعيد الوضوء قال اللخمي على تعليلنا بالمبيت على إحدى الطهارتين يعيد حجة مالك رحمه الله تعالى أن في الحديث أمره بغسل ذكره بعد الوضوء فدل ذلك على أنه لا تنقضه نواقض الطهارة الصغرى قال صاحب الطراز ولأن الوضوء ههنا طهارة عن الجنابة باعتبار النوم فلا ينقضه إلا الجنابة الطارئة بعده الثالث قال في الكتاب لا بأس أن يعاود أهله ويأكل قبل الوضوء خلافا لبعض الشافعية في الأمرين لما في الصحيحين أنه عليه السلام كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل أو النهار وهن إحدى عشرة وفي رواية وهن تسع نسوة قيل لأنس أو كان يطيقه ؟ قال كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين والظاهر عدم الوضوء في هذه الحالة ولأن الجماع ينقض الغسل والوضوء بدل من الغسل فلا يشرع الوضوء لناقضه وإنما تشرع الطهارة لما يجتمع معه وتكمل مصلحته وأما ما رواه مسلم من قوله عليه السلام
إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما
فيدل على الشرعية قال صاحب الطراز ونحن لا نكره الوضوء وأما الأكل فلما في أبي داود أنه عليه السلام كان إذا أراد أن يأكل غسل يديه ثم يأكل أو يشرب وهو المعروف عن فقهاء الأمصار مالك في الموطأ يعيد من أحدث نومه نام فيها محتجا بأن عمر رضي الله عنه صلى بالناس الصبح ثم خرج إلى أرضه بالحرة فرأى في ثوبه احتلاما فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه وأعاد الصلاة بعد طلوع الشمس ولم يعد ما كان قبل ذلك والأثر في الموطأ قال مالك في الواضحة إلا أن يكون يلبسه ولا ينزعه فيعيد من أول يوم نام فيه قال الباجي أكثر أصحابنا يجعلون هذا تفسيرا لما في الموطأ وهو عندي غير بين بل هو اختلاف قول . قال صاحب الطراز يريد أنه مخالف لقوله فيمن شك في الحدث . قال وعذر المذهب أنه متى شك في طهارته أو ظن نقضها بطلت صلاته . وهل يستوي في طريان الشك قبل الصلاة أو بعدها قولان ومتى غلب على ظنه الطهارة لا إعادة ووجب العمل بذلك الظن فلو توضأ ووجد بللاعقيبه فغالب الظن أن ذلك البلل من الماء المستعمل فهذه القاعدة توجب الفرق بين الثوبين فإن الذي لا يفارقه الشك في الطهارة متحقق في جملة لياليه والذي يفارقه ما يدري ما طرأ عليه فيكون ظن الطهارة سالما في معارضة الشك والطهارتان في هذه القاعدة سواء . أما لو كان المني رطبا أعاد من أحدث نومة نامها فيه قولا واحدا . فرع مرتب قال إذا قلنا يعيد من أحدث نومة وكان غيره ينام فيه قبله قال سحنون لا شيء على الأول لعدم الأمارة في حقه . الخامس إذا رأت امرأة في ثوبها دم حيض لا تدري أنه منها أو من شيء أصابها قال صاحب الطراز قال ابن القاسم إن لم يفارقها ليلا ولا نهارا أو كان يلي جسدها اغتسلت وأعادت جميع صلاة صلتها فيه يريد أنها تسقط أيام الطهر وتعيد الصيام الواجب من يوم أن صامت فيه ما لم يجاوز أيام حيضتها وإن كانت تلبسه المرة بعد المرة أعادت من أحدث لبسة كواجد الجنابة قال ابن حبيب تعيد صوم يوم واحد لأنه دم حيض انقطع مكانه قال التونسي إن كانت نقطة أعادت يوما وإن كانت نقطا أعادت بعددها أياما فيحمل كلام ابن القاسم على أنه دم كثير متفرق . السبب الثالث في الجواهر الشك في تحقق التقاء الختانين والإنزال فإن وجد بللا ولا يدري أهو مذي أو مني وأيقن أنه ليس بعرق قال مالك لا أدري ما هذا قال ابن نافع يغتسل وقال ابن زياد لا يلزمه إلا الوضوء مع غسل الذكر وقال ابن سابق هذا ينبني على أصل مالك في تيقن الطهارة والشك في الحدث . السبب الرابع تجدد الإسلام قال مالك في الكتاب عليه الغسل قال صاحب الطراز وروى ابن وهب يكفيه الوضوء وفرق ابن القاسم بين من أجنب فيغتسل وبين من لم يجنب لم يجب عليه إلا الوضوء . قال ابن شاش والمشهور اختصاص الوجوب بالجناية وروي عن مالك أنه مستحب فأما الوجوب على من أجنب ومن لم يجنب فمشكل وأما التفرقة فقال صاحب الطراز هو مأمور بالوضوء إجماعا وإذا لم يسقط الإسلام الحدث الأصغر فأولى ألا يسقط الأكبر ولأن الحائض إذا أسلمت بعد طهرها لا تتوضأ حتى تغتسل ولأن الصلاة التي هو مستقبلها من شرطها الطهارة من الحدثين فيجب عليه تحصيل الشرط لا أنه مؤاخذ بأمر تقدم الإسلام فيسقط لقوله عليه السلام
الإسلام يجب ما قبله بل هذا الأمر أوجبه الإسلام لأن الصلاة والطهارة من آثار الإسلام فلا يسقطهما الإسلام وأما الاستحباب على الإطلاق فكما قال مالك رحمه الله لم يبلغني أن النبي أمر من أسلم بالغسل وأكثر من أسلم محتلم . والفرق بين الجنابة والحدث الأصغر أن الجنابة صدرت في وقت لم يخاطب فيها أحكام الفروع وإذا سقط الخطاب بالحكم سقط الخطاب باسبابه وشروطه وموانعه لأن الخطاب بها لأجله وأما الحدث الأصغر الصادر في الكفر فيلزم هذا التقرير سقوطه أيضاً لكن يجب الوضوء للصلاة لا للحدث السابق بل لأن الطهارة شرط في الصلاة لقوله تعالى ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) الآية فدلت على إيجاب الوضوء دون الغسل . فإن قلت فقد قال تعالى ( حتى تغتسلوا ) فهذا يدل على أن الغسل شرط . قلت يحمل ذلك على جنابة الإسلام جمعا بين الآية وعدم أمره عليه السلام لمن أسلم بالاغتسال . ويستحب له الغسل لأنه مستقبل أعظم القرب فينبغي أن يتطهر لها كما يتطهر للإحرام ودخول مكة وشهود الجمعة وههنا أولى . وأما ما رواه أبو داود أنه عليه السلام أمر قبس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر ورواه الترمذي فيمكن أن يحمل على الوجوب لظاهر الأمر ويمكن أن يقال المراد به النظافة لا العبادة بدليل امره بالسدر والسدر إنما يقصد للنظافة ولعله رآه مشوها بالدرن . فروع ستة : الأول قال ابن القاسم في الكتاب إذا اغتسل قبل إسلامه وهو عازم عليه أجزأه لما في مسلم أنه عليه السلام بعث خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد وساق الحديث إلى أن قال عليه السلام
أطلقوه إلى تمامه فانطلق إلى جبل قريب فاغتسل ثم دخل المسجد فأسلم ولأن الكفر يحصل بالاعتقاد إجماعا . واختلفوا هل يحصل الإيمان بمجرد الاعتقاد لأنه ضده فإذا ارتفع أحد الضدين تعين الآخر ولأنه عليه السلام قبل إسلام الجارية ولم يصدر منها إلا إشارتها إلى السماء أو لا يحصل الإيمان إلا بالإقرار ؟ وعليه الأكثرون من الأصوليين بشرط إمكان التلفظ وآي القرآن تشهد لهم فإن الله تعالى حيث ذكر الإيمان في كتابه ذكره مقرونا بالباء كقوله ( ومن لم يؤمن بالله ورسوله ) وآمن يتعدى بنفسه قال أرباب علم البيان إنما دخلت هذه الباء لأن الفعل مضمن معنى أقر والإقرار يتعدى بالباء فيكون المعنى ومن لم يصدق بقلبه ويقر بلسانه وكذلك سائر الآيات كما قال الفرزدق ( كيف تراني قالبا مجني ** قد قتل الله زيادا عني ) أي صرفة بالقتل فضمن قتل معنى صرف فعداه بعن كما يتعدى صرف وهو من أسرار كلام العرب وجوامع كلمها لتعبيرها عن الجملتين بجملة واحدة فإنه أراد أن يقول صرفه فقتله فقال قتله عني فعلى القول الأول تظهر صحة الغسل وعلى الثاني يشكل لأن الإيمان إذا لم يقبل فأولى الغسل ويمكن أن يقال إن التلفظ اللآحق لما صحح التصديق السابق صحح الغسل السابق أيضا فيكون الإيمان القلبي والغسل موقوفين على التلفظ فإذا تلفظ صحا جميعا ويصح الغسل بطريق الأولى لأن الأدنى يتبع الأعلى الثاني لو كان الكافر يعتقد دينا يقتضي الغسل من الجنابة فاغتسل قال صاحب الطراز الظاهر عدم الإجزاء وهو مختلف وقد خرجه بعض الشافعية على غسل الذمية قبل الإسلام فإنها لا تحتاج إلى إعادته بعده باعتبار إباحة الوطء به الثالث قال صاحب الطراز ينوي بغسله الجنابة فإن نوي الإسلام أجزأه عند ابن القاسم لأنه نوى بذلك الطهر على وجه اللزوم كما أن الوضوء إذا نوى به الصلاة ارتفع الحدث على وجه اللزوم الرابع قال ابن القاسم إذا لم يجد الماء يتيمم فإن ادرك الماء اغتسل وينوي بتيممه الجنابة عند فعل الصلاة وينبغي أن يكون تيممه عند فعل الصلاة وأحكامه أحكام المتيمم قال أبو الطاهر ويحتمل أن يقال إن تعذر الغسل فلا يتيمم الخامس قال ابن شاس قال الشيخ أبو الحسن غسل الكافر إذا أسلم تعبد وعلى المشهور معلل بالجنابة ويتخرج على القولين غسل من لم يجنب السادس قال صاحب الطراز يؤمر من أسلم أن يغتسل ويحلق رأسه إن كان قزعا ونحوه واستحب الشافعي حلقه على الإطلاق لما في أبي داود عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده أنه قال لما أسلمت قال لي عليه السلام
ألق عنك شعر الكفر
ومعناه الذي هو زي الكفر وإلا فقد كان الناس يدخلون في دين الله أفواجا بغير حلق السبب الخامس إلقاء الولد جافا قال القاضي في التلقين يوجب الغسل ورواه أشهب وغيره عن مالك وقال اللخمي لا غسل عليها ومعنى الأول أنه يجب الغسل عليها بخروج مائها والولد مشتمل على مائها لأنه منه خلق فيجب عليها بخروجه ووجه الثاني أن ماءها قد استحال عن هيئته التي منها الغسل فأشبه حالة السلس بل هذا أشد بعدا
الفصل الثاني في كيفية الغسل
وصفه سائر الأغسال واحدة وهو مشتمل على فروض وسنن وفضائل ففروضه خمسة الأول الماء الطهور وقد تقدم تحريره لكن كره مالك رحمه الله في الكتاب الاغتسال في الماء الدائم والقصرية والبئر القليلة الماء إذا وجد من ذلك بدا وفي مسلم قال عليه السلام
لايغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب
وهو يفسده إما لنجاسته على رأي الحنفية وإما لأن النفوس تعافه للطعام والشراب بعد ذلك وإن كان طهورا وفي الكتاب قال ابن القاسم سألت مالكا عن البئر القليلة الماء يأتيها الجنب وليس معه ما يغرف به وفي يده قذره قال يحتال حتى يغسل يده . قال صاحب الطراز وجه الحيلة أن يرفع الماء بفيه ويغسل يديه به أعلى البئر مرارا إن أمكن الصعود أو يسكب على يده من فمه ويغسلها عند الحائط البئر إن تعذر الصعود حتى لا يبقى في يده ما يظهر له أثر في إفساد الماء . الفرض الثاني النية وقد تقدمت مباحثها في الوضوء فلنكتف بما هناك ونذكر ما يختص بهذا الباب وهو قوله في الكتاب إذا اغتسل للجمعة أو للتبرد ولم ينو الجنابة لا يجزئه لقوله عليه السلام
إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ ما نوى
قال صاحب الطراز روى أشهب وابن نافع وابن كنانة عن مالك رحمه الله تعالى الإجزاء وأفتوا به قياسا على من توضأ لنافلة فإنه يجزئ للفريضة . ولأن غسل الجمعة إنما شرع لصلاة الجمعة إذ لا يؤمر به من لا يصليها فالغسل لها يتضمن رفع ما يمنع منها كالوضوء للنافلة . والفرق للمشهور أن النافلة تتضمن رفع الحدث لتحريم فعلها بالحدث فإذا نواها فقد نوى لازمها على وجه الالتزام بخلاف غسل الجمعة فليس من شرطة رفع الحدث ويمكن أن يقال إنه لا يصح إلا بعد رفع الحدث فيتضمن القياس السابق بل يؤكد ذلك ونقول كل سببين بينهما تلازم شرعي فإن القصد إلى أحدهما قصد للآخر كالصلاة مع رفع الحدث والعبادة مع أجزائها . فإن اغتسل لجنابة ناسيا لجمعته قال صاحب الطراز قال ابن حبيب لا يختلف أصحاب مالك في عدم الإجزاء خلافا ش ح وقال ابن عبد الحكيم وأشهب وابن أبي سلمة يجزئه قال وهذا لا يقتضي العكس لأن ابن عبد الحكم قال لا تجزئ الجمعة عن الجنابة وقال ابن الماجشون تجزئ الجمعة عن الجنابة ولا تجزئ الجنابة عن الجمعة . أما ابن عبد الحكم فرأى أن غسل الجمعة لا يتضمن رفع الحدث والجنابة تتضمن النظافة فيحصل المقصودان وأما عبد الملك فرأى أن غسل الجمعة لا يصح من الجنب وإنما شرع في حق الطاهر فالقصد إليها قصد للزمها كما تقدم . فرق يجزئ غسل الجنابة عن الوضوء من غير أن ينويه ولا يجزئه عن غسل الجمعة حتى ينويه مع أنه سنة وأخفض رتبة وإذا أجزأ عن الأعلى فأولى أن يجزئ عن الأدنى والفرق من وجهين : أحدهما أن الوضوء بعض أجزاء الجنابة والأقل تابع للأكثر وغسل الجمعة في كل أعضاء الجنابة . وثانيهما أن الوضوء واجب من الجنس فضم الشيء إلى جنسه أقرب من ضمه إلى غير جنسه . ولو اغتسل لجمعته وجنابته ونواهما معا فالإجزاء في الكتاب لأن المقصود من الجنابة رفع الحدث ومن غسل الجمعة النظافة ولا منافاة بين المقصودين . وقال الشيخ أبو القاسم ينفي الإجزاء لأنه مأمور بغسل جملة جسده للجنابة فلم يفعل ذلك بل جعل الجمعة مشتركة فلا يكون آتيا بما أمر به في واحد منهما فلا يجزئه عن واحد منهما . قال ابن الجلاب ويحتمل أن يجزئه عن جمعته دون جنابته لضعف الغسل بالتشريك وهو أضعف الغسلين وتوهم رحمه الله أنها مخرجة على من مشى في حجة واحدة لنذره وفرضه فإن فيها اختلافا وقال مالك أحقهما بالقضاء أوجبهما عند الله تعالى وليس كما توهمه بل المسألة مذكورة في المدونة كما ترى . وقال في الكتاب إذا حاضت أخرت غسلها حتى تطهر قال ابن يونس ينبغي إذا طهرت من الحيض ولم تغتسل أن يكون حكمها حكم الجنب في القراءة والوضوء قبل النوم لتمكنها من الغسل حينئذ قال ابن حبيب يجزئها غسل واحد لهما وقال ابن القاسم في المجموعة إن نسيت الجنابة أجزأها لأن الحيض أشدهما منعا وقال سحنون إن نسيت الحيض لم يجزئها لاختصاص الحيض بالمنع من الوطء ولأنه الناسخ لحكم الجنابة والحكم للناسخ لبطلان المنسوخ وقال ابن عبد الحكم يجزئها قياسا على أسباب الأحداث في الطهارة الصغرى قال ابن يونس وهذا هو الصواب وهو موافق لقول ابن القاسم في المدونة في الشجة إذا كانت موضع الوضوء إن غسلها بنية الوضوء يجزئ عن الجنابة وقال اللخمي تجزئ نية الوضوء عن الغسل ويبني على المغسول ونية الغسل عن الوضوء لأن كليهما فرض طهارة . الفرض الثالث تعميم الجسد بالغسل لقوله تعالى ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) وقوله تعالى ( حتى تغتسلوا ) واللفظ ظاهر في الاستغراق . الفرض الرابع التدليك قال في الكتاب في الجنب والمتوضئ يأتي النهر ينغمس فيه ناويا الطهر لا يجزئه إلا أن يتدلك خلافا ش ح . قال في الرسالة وما شك فيه عاوده بالماء والدلك ويتابع عمق سرته وتحت حلقه وحاجبيه وباطن ركبتيه ورفغيه قال ابن عبد الحكم وأبو الفرج إذا والى الصب بالماء أو أطال المكث تحت الماء حتى علم وصوله للبشرة أجزأه فرأى أن الدلك لا يجب لنفسه وإنما يجب للإيصال . ومنشأ الخلاف هل حقيقة الغسل لغة الإيصال مع الدلك فيجب وهو الصحيح ولذلك تفرق العرب بين الغسل والغمس لأجل التدليك فتقول غمست اللقمة في المرق ولا تقول غسلتها أو نقول حقيقته الإيصال فقط لقول العرب غسلت السماء الأرض إذا أمطرتها واعتبر أصحابنا التدليك في الوضوء والغسل ومسح الرأس والتيمم والخفين لأنها طهارات فتسوى في ذلك . وقال بعض الشافعية لو ألقت الريح التراب على وجهه ويديه أو تلقى المطر برأسه أجزأه . حجتنا أن المحدث ممنوع من العبادات وفاقا والأصل بقاؤه على ذلك في صورة النزاع وأما ما في مسلم من قوله عليه السلام لأم سلمة
إنما يكفيك أن تحثي الماء على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي الماء عليك فتطهرين وفي أبي داود والترمذي عنه عليه الصلاة والسلام
الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم
يجد الماء عشر سنين
فهي مطلقة في كيفية الاستعمال فتحمل على ما ذكرناه جمعا بين الأدلة ولأنه مجمع عليه فيكون أرجح مما ذكره الخصم . فرع إن عجز عن تدليك بعض جسده قال صاحب الطراز قال سحنون يعد له خرقة وقال ابن القصار يسقط كما يسقط فرض القراءة عن الأخرس ولأنه لم ينقل عن أحد من السلف إتخاذ خرقة ونحوها فلو كان واجبا لشاع من فعلهم وفرق أيضا بين القليل والكثير . الفرض الخامس الفور قاله ابن يونس ودليله ما تقدم في الوضوء . وأما سننه قال القاضي ثلاث المضمضة والاستنشاق وتخليل اللحية على إحدى الروايتين والرواية الأخرى الوجوب وزاد ابن يونس رابعة داخل الأذنين . وأما فضائله ففي التلقين خمس البداءة بغسل اليدين ثم بإزالة الأذى ثم الوضوء ثم تخليل أصول شعره ثم يغرف عليه ثلاثا لما في الموطأ أنه عليه السلام كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ثم يصب الماء على رأسه ثلاث غرفات بيده ثم يفيض الماء على جلده كله فغسل اليدين ههنا إن كان من نجاسة فهو واجب وإن كان من نوم فهو مستحب وأما الوضوء فقدم لكون أعضاء الوضوء أشرف الجسد ومحل العبادة قال صاحب الطراز اتفق أئئمة الفقه على أنه غير واجب سواء طرأت الجنابة على الحدث أو الطهارة إلا الشافعي في أحد قوليه إن كان محدثا قبل الجنابة . واحتج عليه القاضي بدخوله معه إذا اجتمعا أو سبقت الجنابة فكذلك ههنا ولأن الكبرى تدخل في الكبرى فالصغرى أولى . فإن اغتسل من غير وضوء قال صاحب الاستذكار أجمع أهل العلم على أن الوضوء بعد الغسل لا وجه له وإنما يستحب قبله قال صاحب الطراز ظاهر المذهب أنه يؤمر بالوضوء بعد الغسل قال فإن لم يكن معه ماء يسبغ الوضوء والغسل غسل أعضاء وضوئه أولا بنية الجنابة ثم غسل ما بقي من جسده وحده وقد فعله عليه الصلاة والسلام خرجه البخاري . تمهيد يقع التداخل في الشريعة في ستة مواضع الأول الطهارات كالوضوء إذا تعددت أسبابه أو تكرر السبب الواحد والغسل إذا اختلفت أسبابه أو تكرر السبب الواحد والوضوء مع الجنابة وفي تداخل طهارة الحدث والخبث خلاف . الثاني العبادات كسجود السهو إذا تعددت أسبابه وتحية المسجد مع الفرض والعمرة مع الحج . الثالث الكفارات كما لو أفطر في رمضان في اليوم الواحد مرارا بخلاف اليومين أو الأكثر خلافا ح في إيجابه كفارة واحدة في جملة رمضان واختلف قوله في الرمضانين . الرابع الحدود إذا تماثلت وهي أولى بالتداخل من غيرها لكونها أسبابا مهلكة وحصول الزجر بواحد منها ألا ترى أن الإيلاج سبب الحد والغالب تكرر الإيلاجات فلولا تداخل الحدود هلك الزاني وإنما يجب تكررها إذا تخللت بين أسبابها لأن الأول منها موجب لسببه السابق فلو اكتفينا به لأهملنا الجنابة فيكثر الفساد ولأنا علمنا أن الأول لم يف بزجره فحسن الثاني . الخامس العدد يقع التداخل فيها على تفصيل نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى . السادس الأموال كدية الأطراف مع النفس إذا سرت الجراحة والصدقات في وطء الشبهات ويدخل المتقدم في المتأخر والمتأخر في المتقدم والطرفان في الوسط والقليل في الكثير والكثير في القليل . فالأول نحو الأطراف مع النفس إذا سرت الجراحة والجنابة مع الحيض والوضوء مع الغسل والصداق المتقدم مع المتأخر إن اتحدت الشبهة مع أن الظاهر من المذهب اعتبار الحالة الأولى كيف كانت لأن الوجوب حصل عندها فلا ينتقل عنها والانتقال مذهب الشافعي . والثاني نحو الحيض في الجنابة المتقدمة عليه والحدود المتأخرة مع المتقدم عليها من جنسها عددا والكفارات . والثالث نحو الموطوءة بالشبهة وكانت حالها الوسطى أعظم صداقا . والرابع كالأصبع مع النفس إذا سرت الجراحة والصداق المتقدم والمتأخر إذا كان أقل والعمرة مع الحج والوضوء مع الغسل . والخامس كالأطراف إذا اجتمعت مع النفس والحدود مع الحد الأول والكفارات والاغتسالات والوضوءات إذا تعددت أسبابها أو اختلفت . فرع جوز في الكتاب أن يؤخر غسل رجليه من وضوئه حتى يفرغ الغسل فيغسلهما في مكان طاهر لما في البخاري من ميمونة رضي الله عنها أدنيت له عليه السلام غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا ثم أدخل يده في الإناء ثم أفرغ بهما على فرجه وغسله بشماله ثم أفضى بيده إلى الأرض فدلكها دلكا شديدا ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم أفرغ على رأسه ثلاث حثيات ملء كفيه ثم غسل سائر جسده ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه ثم أتيته بالمنديل فرده ولأن البداءة لما كانت بأعضاء الوضوء لشرفها كان الختم بها شرفا وفضلا . قال صاحب الطراز وعنه في المبسوط ليس العمل على تأخير غسل الرجلين فعلى هذا إذا أخرهما أعاد الوضوء وراعى في هذه الرواية الموالاة وراعى في الأولى تبعية الوضوء للغسل وأن الجميع عبادة واحدة فلا تفريق . وإذا قلنا يؤخر غسلهما فظاهر الرواية أنه يمسح على رأسه وقال الباجي لا يمسح بل إذا غسل ذراعيه غرف على رأسه . وفي البخاري أنه عليه السلام غسل فرجه ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه ثم صب على رأسه وجسده وعلى كل تقدير فبأي نية يغسلهما قال صاحب الرسالة ينوي بذلك الوضوء والغسل قال صاحب الطراز وعند ابن القاسم لا يحتاج إلى أن ينوي الوضوء . واتفق الجميع على أنه لا يجزئه أن ينوي به تمام الوضوء دون غسله لأن المستحب لا يجزئ عن الواجب . وأما قوله في الحديث
يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره فقال صاحب المنتقى فيه مصالح إحداها تسهيل إيصال الماء إلى البشرة وأصول الشعر وهو مذكور في المختصر والواضحة وثانيهما مباشرة الشعر باليد على حسب الإمكان وقد أشار إليه مالك رحمه الله تعالى في المجموعة . وثالثها تأنيس الجسد بالماء لئلا يقشعر فيمرض . قال الباجي وقال ابن القاسم عن مالك ليس عليه تخليل لحيته لأن الفرض قد انتقل إلى الشعر فيسقط إيصال الماء إلى البشرة ورواية أشهب أن ذلك عليه لقول عائشة رضي الله عنها في الحديث
ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ولأن الأصل البشرة والفرق بين الجنابة والوضوء على رواية أشهب أن الطهارة الصغرى أقرب للتخفيف لجواز البدل فيها عن الغسل بالمسح على الخفين لغير ضرورة بخلاف الغسل . فروع ثمانية : الأول قال في الكتاب الحائض والجنب لا تنقض شعرها في غسلها ولكن تضغثه خلافا لابن حنبل في الحائض واللخمي فيهما لحديث أم سلمة أنها سألته عليه السلام في حل ضفر شعر رأسها في الجنابة فقال إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي عليك الماء فتطهرين . الثاني إذا كان على ذكر الجنب نجاسة فغسله بنية الجنابة وإزالة النجاسة قال صاحب الطراز الأظهر الإجزاء وقيل لا يجزئ حتى يغسله بنية الجنابة فقط . الثالث في الجلاب الجنب طاهر الجسد والعرق لما في مسلم أنه عليه السلام لقيه أبو هريرة في طريق من طرق المدينة وهو جنب فانسل فذهب فاغتسل فتفقده عليه السلام فلما جاء قال
أين كنت يا أبا هريرة قال يا رسول الله لقيتني وأنا جنب فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل فقال عليه السلام
سبحان الله إن المؤمن لا ينجس
الرابع قال في الكتاب لا يجوز عبوره ولبثه في المسجد خلافا لداود والمزني فيهما والشافعي في العبور لما في أبي داود أنه عليه السلام قال
وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لجنب ولا حائض
حجة الشافعي قوله تعالى ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) فاستثناء السبيل يدل على أن المستثنى منه بقاع فيكون تقدير الآية لا تقربوا مواضع الصلاة . جوابه أن الأصل عدم الإضمار بل المراد الصلاة نفسها نهينا عن قربانها سكارى وجنبا إلا في السفر فإنا نقربها جنبا بالتيمم وخص السفر بالذكر لعدم الماء فيه غالبا وهذا تفسير علي بن أبي طالب والأول لزيد بن أسلم رضي الله عنهما . حجة الثالث قوله عليه السلام
إن المؤمن لا ينجس ونحن نقول بموجبه ولا تنافي بين عدم تنجسه ومنعه من المسجد كالقراءة . إذا تقرر هذا فلا فرق بين مسجد بيت الإنسان وغيره قاله مالك في الواضحة قال صاحب الطراز ولا فرق بين المؤجر والمستأجر وإن كان يرجع بعد انقضاء الإجارة حانوتا . الخامس قال صاحب الطراز وهو مرتب إذا احتاج لينام في المسجد لعدم غيره فإنه يتيمم وكذلك كل ما يمنع منه الجنب يباح له بالتيمم إذا عدم الماء وإذا احتلم في المسجد قال يخرج من غير تيمم وفي النوادر عن بعض الأصحاب ينبغي أن يتيمم . حجتنا أنه عليه الصلاة والسلام ذكر أنه جنب فخرج من غير تيمم ولأن اشتغاله بالتيمم لبث مع الجنابة . السادس قال مالك لا يدخل الكافر المسجد خلافا ش ح زاد في الجواهر وإن أذن له المسلم ومنعه الشافعي في المسجد الحرام ويشترط بعض الأصحاب في غير المسجد الحرام إذن المسلم في دخوله . حجتنا قوله تعالى ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ) وبالقياس على الجنب بطريق الأولى وأما ربطة عليه السلام ثمامة بن أثال في المسجد فذلك كان في صدر الإسلام وهو منسوخ بما ذكرناه . السابع قال في الكتاب إذا صلى ناسيا للجنابة ثم ذكرها بعد خروجه إلى السوق يرجع ولا يتمادى لغرضه ويغتسل ويصلي قال صاحب الطراز وهو محمول على ضيق وقت الصلاة أو على قضائها فإن القضاء واجب عند الذكر لقوله تعالى ( وأقم الصلاة لذكري ) . الثامن في الطراز يفارق الجنب الحائض في جواز قراءة القرآن ظاهرا ومس المصحف للقراءة على المشهور في الحائض لحاجة التعليم وخوف النسيان . قال صاحب الطراز يقرأ الآية ونحوها على وجه التعوذ ولا يعد قارئا ولا له ثواب القراءة . تنبيه حمل القرآن على قسمين أحدهما لا يذكر إلا قرآنا كقوله تعالى ( كذبت قوم لوط المرسلين ) فيحرم على الجنب قراءته لأنه صريح في القرآن ولا تعوذ فيه وثانيهما هو تعوذ كالمعوذتين فتجوز قراءتهما لضرورة دفع مفسدة المتعوذ منه . والأصل في المنع حديث الترمذي قال عليه الصلاة والسلام
لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن
والمتعوذ لا يعد قارئا وكذلك المبسمل والحامد فبقي ما عدا هذه الصور على المنع .
الباب الرابع في المسح الذي هو بدل من الغسل
وفيه فصلان الفصل الأول في المسح على الجبائر قال في الكتاب يمسح عليها فإن ترك ذلك أعاد الصلاة أبدا خلافا ح في قوله بعدم الإعادة لأن المسح لا يجب عنده لاقتضاء القرآن الغسل والزيادة على النص نسخ عنده ونسخ القرآن بخبر الواحد ممتنع إجماعا وقال بمسح الخفين لوصول أحاديثه إلى التواتر عنده فأمكن النسخ . احتج أصحابنا بما رواه الدار قطني عن علي رضي الله عنه قال انكسرت إحدى زندي فأمرني عليه السلام أن أمسح على الجبائر قال عبد الحق وهو غير صحيح قال صاحب الطراز والأحاديث في هذا الباب واهية فنعدل إلى القياس على الخفين بجامع الضرورة وبطريق الأولى لمزيد الشدة ويؤكد هذا القياس ما في أبي داود أنه عليه السلام بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على رسول الله أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين قال أبو عبيد العصائب العمائم والتساخين الخفاف وإذا جاز المسح لضرورة البرد فأولى الجراح . قال صاحب الطراز ولا فرق في المذهب بين ترك الجبيرة أو بعضها وقال بعض الشافعية يجزئ أقل ما يقع عليه الاسم على أصلهم في مسح الرأس . حجتنا أن العضو كان يجب استيعابه والأصل بقاء ما كان على ما كان ولأن الأصل في ذمته بيقين والأصل عدم براءته بما ذكره الخصم من الطهارة . سؤال مسح الخف والتيمم بدلان من الغسل ولا يجب تعميمها في مواضع الغسل لجواز الاقتصار على أعلى الخفين والكوعين في التيمم . جوابه الفرق بين الجبيرة والخفين أنها لا يجوز المسح عليها مع القدرة على الغسل بخلاف الخفين وبينها وبين التيمم أنه عبادة مستقلة بدل عن أصل الغسل والوضوء لا بدل عن أجزائهما فالوضوء والغسل لم يهجرا بل هما مطلوبان فوجبت العناية بمراعاة أجزائهما والتيمم فقد أعراض الطهارتين فلا يراعى فيه أجزاؤهما . فروع ستة : الأول قال في الكتاب إذا كان الجنب ينكب الماء عن جرحه أو شجته غسل ذلك الموضع إذا صح فإن لم يغسل حتى صلوات كثيرة وهو في موضع لا يصيبه الوضوء أعاد صلاته من حين قدر على مسه بالماء كاللمعة . قال صاحب الطراز يريد في غسل جسده لا أنه لا يمسحها فإذا صح غسل الموضع الذي كان بمسح عليه كالخف إذا نزعه إلا أن يبرأ الجرح وهو على وضوئه الأول كما إذا نزع خفه وهو على وضوئه الأول فإن كانت الشجة في رأسه ومسحها للوضوء لا يجزئه المسح عن الجنابة وهذا الفرع يدل على أن الجنابة تجزئ بنية الوضوء لأنهما فرضان فأجزأ أحدهما عن الآخر كالحيض مع الجنابة قال ابن يونس فإن اغتسل لجنابته أعاد حين الغسل قال قال ابن حبيب يعيد الموضع إذا تركه ناسيا فقط والمتأول والعامد يعيدان الغسل . سؤال تنوب نية الوضوء عن نية الجنابة ولا تنوب نية التيمم للوضوء عن نية التيمم للغسل إذا نسيه وإن كان بدلا من الوضوء فرضا كالجنابة ونقل صاحب الطراز في ذلك خلافا . جوابه أن التيمم عن الوضوء بدل الوضوء وهو بعض الغسل والتيمم عن الجنابة بدل عن غسل جميع الجسد وبدل البعض لا يقوم مقام الكل والوضوء والغسل أصلان في لمعة الجبيرة متساويان فيها بإجزاء أحدهما عن الآخر . الثاني قال في الكتاب يمسح على الدواء والمرارة على الظفر والقرطاس على الصدغ للضرورة قال صاحب الطراز ولا يشترط في ذلك أن يكون الغسل متلفا بل لمجرد الضرورة أو خوف زيادة المرض أو تأخير البرء خلافا ش في إشتراطه التلف . الثالث لو سقطت الجبيرة قبل البرء أو حلها للتداوي قال صاحب الطراز إن قدر أن يمسح نفس الجرح وجب وإلا رد الجبيرة في حينه ومسح عليها فإن احتاجت المداواة إلى طول فهل يعيدها أو يبني على قصده وهو ظاهر المذهب ويتخرج فيها الخلاف الذي في ناسي بعض طهارته ثم ذكره بحيث لا ماء وطال عليه طلبه للماء أو هريق ماؤه من غير تفريط وطال ذلك . قال فإن كانت الجبيرة في ذراعه فمسح عليها لم يعد ما بعدها لأن الترتيب قد وقع في وضوئه أولا واتصف بالكمال بخلاف من نسي بعض طهارته ولا فرق بين سقوط الجبيرة والعصابة العليا التي عليها المسح كالخف الأعلى إذا نزعه . الرابع إذا كثرت الخرق قال عبد الحق عن بعض شيوخه إن أمكن المسح على السفلى لا يمسح على العليا قال صاحب الطراز يجزئ ويتخرج ذلك على لبس خف على خف لأنه إذا انتقل الفرض للجبيرة لا يجب محل مخصوص بل الإمرار باليد . فرع مرتب من الطراز إذا قلنا لا يمسح إلا على أقل ما يمكن لا يمسح على الكثيف المستغنى عنه وهذا الكلام في الارتفاع وأما العرض فلا يجوز أن يؤخذ من الموضع السالم إلا ما كان من ضرورة شده وكذلك العصابة إن أمكن حلها من غير ضرر حلها ومسح على الجرح إن تعذرت مباشرته بالمسح . الخامس قال في الطراز لا يعيد ما صلى بالمسح على الجبيرة خلافا ش قياسا على ما صلى بالتيمم والخفين وصلاة المريض والخائف ولأن القضاء بأمر جديد والأصل عدمه . وهذا الخلاف مبني على أن الطهارة هل هي شرط في المسح على الجبيرة أم لا فعند الشافعي هي شرط محتجا بحديث أبي داود قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا شجه في رأسه فاحتلم فسأل أصحابه على تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة في التيمم وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على رسول أخبر بذلك فقال
قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا وإنما شفاء الغى السؤال وإنما كان يكفيه أن يتيمم ويشد على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده . وجوابه أن التيمم لو كان طهارة لم يحتج إلى الغسل لأنا لا نعني بالطهارة إلا ما أزال المانع الشرعي ولأن الجمع بين طهارتين خلاف قواعد الشرع في الأحداث فيتعين حمل الحديث على حالتين حتى يكون معناه إنما كان يكفيه أن يتيمم إن عجز عن استعمال الماء ويشد على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده إن أمكنه استعمال الماء ومثل هذا الإضمار مجمع على جوازه وما ذكرتموه على خلاف القواعد غير مجمع عليه وحمل كلام الشارع على موافقة قواعده وطرد عوائده وما أجمع عليه أولى مما ذكرتموه ولأن الإجماع منعقد على جواز الصلاة بالمسح على الجبيرة وإن ابتدأ لبسها على غير وضوء وإنما الخلاف في الإعادة وإذا ثبت الجواز بدون الطهارة لا تكون شرطا فيه . وأما القياس على الخفين فمندفع بفارق الضرورة فإن الجرح يأتي بغير علم . السادس في الجواهر إذا كان الموضع لا يمكن وضع شيء عليه ولا ملاقاته بالماء فإن كان في موضع التيمم ولا يمكن مسه بالتراب وجب تركه فلا غسل ولا مسح لأنه المقدور وإن لم يكن في أعضاء التيمم فثلاثة أقوال التيمم ليأتي بطهارة تامة والغسل ترجيحا للأصل والجمع بينهما احتياطا فائدتان الأولى إيقاع الطهارة في غير محل الحدث عبث لكنه جاز على الجبائر والخفاف لمسيس الحاجة لهذه الأمور ليلا يعتاد المكلف ترك المسح والغسل فيثقلا عليه عند إمكانهما الثانية يفرق الفصل من الجسد إن كان في الرأس قيل له شجة أو في الجلد قيل له خدش أو فيه وفي اللحم قيل له جرح والقريب العهد الذي لم يفتح يقال له خراج فإن فتح قيل له قرح أو في العظم قيل له كسر أو في العصب عرضا قيل له بتر وطولا قيل له شق وإن كان عدده كثيرا سمي شدخا أو في الأوردة والشرايين قيل له انفجار وهذه الفائدة محتاج إليها في قول الجلاب والتهذيب من كانت له شجاج أو جراح أو قروح فيعلم الفرق بينها في اللغة
الفصل الثاني في المسح على الخفين
والكلام في حكمه وشروطه وكيفيته أما حكمه فثلاثة أقوال قال في الكتاب يمسح المسافر والمقيم ثم قال لا يمسح المقيم وهذا اللفظ يقتضي أنه رجع عن الأول وقال في المجموعة إني لأقول اليوم مقالة ما قلتها قط قد أقام عليه الصلاة والسلام بالمدينة عشر سنسن وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي في خلافتهم وذلك خمس وثلاثون سنة فلم يرهم أحد يمسحون وإنما كانت الأحاديث بالقول وكتاب الله أحق أن يتبع ويعمل به وقال في النوادر لا أمسح في سفر ولا حضر قال ابن وهب فيها آخر ما فارقته عليه المسح في السفر والحضر قال صاحب الاستذكار والمازري ينبغي أن يحمل قوله بالمنع على الإطلاق على الكراهة في خاصة نفسه كالفطر في السفر جائز والأفضل تركه وقد يترك العالم ما يفتي بجوازه فقد قال الحسن البصري حدثني سبعون من أصحاب النبي أنه مسح على الخفين وأخبار المسح قد وردت في الصحاح إلا أن يقال نزلت المائدة بعدها كما يزعم جماعة لكن في مسلم وأبي داود عن جرير قال رأيته عليه السلام بال ثم توضأ ومسح على خفيه قال إبراهيم كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد المائدة قال الترمذي قبل موته عليه السلام بيسير ويدل على جوازه في الحضر قوله تعالى ( وأرجلكم ) بالخفض إذا حملناه على المسح على الخفين وما ورد في الحديث أنه
أتى سباطة قوم فبال قائما ومسح على خفيه
والبساطة المزبلة وهي من خواص الحضر وفي مسلم أنه وقت للحاضر يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام والتوقيت فرع الجواز ووجه التفرقة بين المسافر والمقيم أن المشقة إنما تعظم في نزع الخف في السفر لفوات الرفاق وقطع المسافات مع تكرار الصلوات ولا يرد عليه سفر البحر لأن التعليل لجنس السفر ولأن الغالب السفر في البر فكان سفر البحر تبعا له ولأن الطهارة مشابهة للصلاة لكونها شرطها ولإبطال الحدث لهما ورخصة القصر في الصلاة تختص بالسفر فكذلك الطهارة فتكون رخصة في عبادة تختص بالسفر أصله الصوم فروع ثلاثة الأول قال صاحب الطراز إذا قلنا لا يمسح إلا المسافر فيشترط في السفر الإباحة قياسا على القصر والفطر ولأن الرخص لا تستباح بالمعاصي وإذا قلنا يمسح الحاضر والمسافر فهل يمسح العاصي بسفره ؟ قولان والصحيح المسح لأن عدم الاختصاص يصير طرديا في الرخصة الثاني قال في الكتاب ليس للمسح توقيت خلافا ح و ش قال صاحب الطراز روى أشهب عنه يمسح المسافر ثلاثة أيام وهذا القول إنما ينسب إليه في كتاب السر الذي بعثه إلى الرشيد والأصحاب ينكرونه فقال فيه على زعم الناقل يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام وفي مسلم رخص لنا عليه السلام إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن من غائط وبول إلا من جنابة ولأن الأصل الغسل بالقرآن فلا يترك إلا لدليل معلوم راجح عليه ووجه المذهب ما رواه سحنون في الكتاب عن عامر الجهني قال قدمت على عمر من فتح الشام وعلي خفاي فنظر إليهما فقال كم لك منذ لم تنزعهما ؟ فقلت لبستهما يوم الجمعة واليوم الجمعة ثمان فقال أصبت وروي أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لو لبست الخفين ورجلاي طاهرتان وأنا على وضوء لم أبال أن لا أنزعهما حتى أبلغ العراق وأقضي سفري ولأن التوقيت ينافي أصول الطهارات فإنها دائرة مع أسبابها لا مع أزمانها وإذا تقابلت الأخبار بقي معنا النظر قال ابن يونس قال ابن مهدي وابن معين حديثان لا أصل لهما ولا يصحان حديث التوقيت وحديث التسليمتين في الصلاة قال صاحب الطراز وروي عن علي رضي الله عنه إنكار المسح أصلا وأن المائدة متأخرة عن المسح وفي أبي داود عن أبي عمارة أنه قال يا رسول الله أمسح على الخفين ؟ قال نعم قال يوما قال يومين قال وثلاثا قال نعم وما شئت قال أبو داود في سنده اختلاف الثالث إذا فرعنا على رواية أشهب ومسح المقيم ثم سافر قبل تمام مدته هل يبني على ذلك مدة المسافر أم لا ؟ قال صاحب الطراز ويتخرج على المسافر إذا صلى ركعتين ثم نوى الإقامة هل يبني عليها صلاة المقيم أم لا ؟ وقال الشافعي ينزع بعد يوم وليلة وقال أبو حنيفة يقيم مدة المسافر وأما شروطه فعشرة وهي أن يكون جلدا طاهرا مخروزا ساترا لمحل الفرض ويمكن متابعة المشي فيه لذوي المروءة لبس على طهارة بالماء كاملة وأن يكون لابسه حلالا غير مرفه فالأول احتراز من الخرق ونحوها فإنها ليست خفا للعرب ولا تعم الحاجة إليها ولا وردت بها الرخصة الثاني احتراز من جلد الميتة فإن الصلاة بالنجس لا تجوز ولأنه ليس المعتاد الذي وردت فيه السنة وتدعو إليه الضرورة الثالث احتراز من المربوط لما تقدم الرابع في الجواهر احتراز مما دون الكعبين فإنه اقتصر عليه فقد قصر البدل عن المبدل والأصل المساواة بينهما وإن غسل ما بقي جمع بين البدل والمبدل وذلك لا يجوز لأن البدل هو المشروع سادا مسد المبدل قال صاحب الطراز وروى الوليد بن مسلم عن مالك رحمه الله في المحرم يمسح على الخفين إذا قطعهما دون الكعبين ويمر الماء على ما بدا قال الباجي والذي قال هذا إنما هو الأوزاعي وهو كثير الرواية فلعله وهم ولعل ذلك يخرج على قول مالك في أن غسل الكعبين غير واجب فرع قال صاحب الطراز إذا قطع الخف إلى فوق الكعبين ثم خرج عن موضع الغسل قإن كان ذلك لا يرى منه القدم جاز المسح وهو متفق عليه بين المذاهب حتى قال الشافعي إن كان فيه شرج يفتح ويغلق إن أغلق جاز المسح وإن فتح غلقه بطل المسح الخامس احتراز من الواسع جدا أو المقطوع قطعا فاحشا قال في الكتاب إن كان قليلا مسح وإلا فلا وتحديد الكثير بالعرف خلافا لأبي ح في تحديده بثلاثة أصابع فإن المعلوم من عادة الناس أنهم لا يعزفون عن القطع اليسير لا سيما الصحابة رضي الله عنهم مع غزوهم وكثرة أسفارهم فكان الجواز في القليل معلوما وأما من حده بغير العرف فرواية المتقدمين ظهور القدم أو جلها وحده البغداديون بإمكان المشي فيه فراعى الأولون ظهور المبدل والآخرون فقد الحاجة إلى اللبس فإن شك في مجاوزة القطع للقدر المعفو عنه قال ابن حبيب لا يمسح لأن الأصل الغسل السادس احتراز من المحدث لما في الموطأ أن عبد الله بن عمر سأل أباه رضي الله عنهما عن المسح على الخفين فقال إذا أدخلت رجليك في الخف وهما طاهرتان فامسح عليهما وروى المغيرة بن شعبة قال ثم أهويت لأنزع خفيه يعني رسول الله قال دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ومفهومه أنه لولا الطهارة لما جاز المسح قال صاحب الاستذكار أجمع الفقهاء على ذلك من حيث الجملة وإن اختلفوا في تفسير الطهارة وقال صاحب الطراز قال أبو حنيفة رضي الله عنه لا تشترط الطهارة حالة اللبس بل لو لبسهما محدثا وأدخل الماء فيهما حتى عم رجليه صح فالشرط عنده ورود الحدث وهو لابسهما على طهارة قال ابن اللبس عادة لا عبادة والطهارة إنما تشترط في العبادات وإنما يظهر حكم الطهارة في اللبس عند طرو الحدث والرجل مكنونة في الخف فلا يصادفها الحدث وهذا تهويل ليس عليه تعويل فإن الحدث ليس جسما يحجب بالخفاف وإنما هو حكم شرعي متعلق بما دل النص على تعلقه به ثم قال رضي الله عنه يشكل بأمرين أحدهما ظاهر قوله عليه السلام
أدخلتهما وهما طاهرتان
فعلل الطهارة بالمقارنة الثاني إذا كان اكتنان الرجل في الخف يمنع من وصول الحدث فينبغي إذا نزع الخف أو الجبيرة لا يجب غسل الأعضاء المستورة بهما لعدم تعلق الحدث بها السابع احتراز من التيمم قاله في الكتاب وقال أصبغ يمسح إذا لبسهما قبل الصلاة فلو صلى بالتيمم ثم لبسهما لا يمسح لانتفاض تيممه بتمام صلاته والخلاف مبني على رفع الحدث فأصبغ يراه ومالك لا يراه تحقيق قد تقدم أن الحدث له معنيان الأسباب الموجبة كالريح ونحوه ولذلك يقال أحدث إذا وجد منه سبب منها والثاني المنع الشرعي من الإقدام على الصلاة حتى يتطهر وهو الذي تريده الفقهاء بقولهم ينوي في وضوئه رفع الحدث إذا تقرر هذا فالتيمم يبيح إجماعا ومع الإباحة لا منع فيكون الحدث قد ارتفع ضرورة قلا معنى لقولنا إنه لا يرفع الحدث وأما الاحتجاج بوجوب الغسل من الجنابة عند وجود الماء فلا يستقيم لأنه يقتضي بقاء المنع مع الإباحة فإن اجتماع الضدين محال عقلا والشرع لا يرد بخلاف العقل فإن كان الحدث مفسرا بغير ذلك فينبغي أن يبرز حتى نتكلم عليه بالرد أو القبول فإنا لا نجد غير هذين المعنيين الثامن احتراز من غسل إحدى الرجلين وإدخالها في الخف قبل غسل الرجل الأخرى فإنه لا يمسح حتى يخلع ثم يلبسهما بعد كمال الطهارة خلافا لأبي ح ومطرف من أصحابنا قال صاحب الطراز عن مالك رضي الله عنه فيمن ليس معه من الماء إلا ما يتوضأ به فغسل رجليه ثم لبس خفيه ثم أتم وضوءه قال أحب إلي أن يغسل رجليه بعد وضوئه فإن لم يفعل فلا شيء عليه فالأصحاب يخرجون هذا الفرع بطريقين يبقى أن الحدث هل يرتفع عن كل عضو بانفراده أم لا يرتفع إلا بعد كما الطهارة ؟ فإن قلنا بالارتفاع فمذهب مطرف وإلا فمذهب مالك وهي مفرعة على ما تقدم فإن الحدث هو المنع الشرعي من الصلاة حتى يتطهر المحدث وهو ممنوع قبل الكمال بالإجماع فكيف يليق أن يقال الحدث يرتفع عن كل عضو بانفراده وما يظهر بعد هذه المقالة على التحقيق أنه لو كان معه من الماء ما يكفيه لبعض طهارته وهو محدث فإنه يتيمم ولا يجب عليه استعمال ذلك الماء على الأصح ولو كانت الطهارة تحصل في بعض الأعضاء يوجب استعماله في بعض الأعضاء كمن معه لا يكفيه لإزالته النجاسة إلا عن بعض أعضائه فإنه يزيل منها بحسب الإمكان . والطريق الأخرى أن المستديم للشيء هل يكون كالمبتدئ له كمن حلف لا يدخل الدار وهو داخلها أو لا يلبس الثوب وهو لابسه أم لا يكون كذلك وهو أصل مختلف فيه . فرعان : الأول قال صاحب الطراز الشرط حصول الطهارة غسلا أو وضوءا وقال بعض المتأخرين لا يمسح على طهارة الغسل . الثاني قال لو توضأ ولبس خفيه ثم ذكر لمعة في وجهه أو يديه فغسل ذلك وصلى ثم أحدث لا يمسح على خفيه إلا أن يكون نزعهما بعد غسل اللمعة قبل أن يحدث وعلى قول مطرف يمسح . التاسع احتراز من المحرم فإنه لا يجوز له لبس الخفين فإن لبسهما لم يجز له المسح عليهما قال الباجي وعندي يجوز للمرأة المحرمة أن تمسح على الخفين لأنها ليست ممنوعة من لبسهما . سؤال المحرم والغاصب للخف كلاهما عاص باللبس والغاصب إذا مسح صحت صلاته بخلاف المحرم فما الفرق ؟ جوابه أن الغاصب يؤذن له في الصلاة بالمسح على الخفين في الجملة وإنما أدركه التحريم من جهة الغصب فأشبه المتوضئ بالماء المغصوب والذابح بالسكين المغصوبة فيأثمان وتصح أفعالهما وأما المحرم فلم يشرع له المسح ألبتة . العاشر احتراز من المترفه قال في الكتاب إذا اختضبت المرأة بالحناء وهي على غير وضوء فلبست الخف فتمسح عليه إذا أحدثت أو الرجل يريد أن ينام وهو على وضوء فيلبسه ليمسح إذا استيقظ لا يعجبني وقاله ابن القاسم في المدونة في الذي يريد البول قال صاحب الطراز قال مالك في الواضحة يعيد أبدا وقال ابن دينار وأصبغ يكره ذلك والصلاة تامة لأن الخف لا يشترط في لبسه نية القربة فلا يضره فيه الرفاهية . حجة مالك رحمه الله عليه أن الخف إنما شرع لبسه للوضوء لا لمتعة اللبس فلا تترك عزيمة غسل الرجلين لغير ضرورة . وأما كيفية المسح فقال في الكتاب يمسح ظهور الخفين وبطونهما ولا يتتبع غصونهما وهي كسروهما وينتهي إلى الكعبين مارا على العقبين من أسفل ومن فوق وقال أبو حنيفة لا يمسح أسفلهما وروى الترمذي عن علي رضي الله عنه أنه قال لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى من أعلاه ولكني رأيت رسول الله يمسح ظهر خفيه وروي أيضا أنه عليه الصلاة والسلام كان يمسح أعلى الخف وأسفله وضعفه قال صاحب الطراز وخالف ابن شعبان في غضون الخفين والجبهة في التيمم . حجة المذهب أن الغضون في حكم الباطن والباطن ليس محلا للطهارة لأن المسح مبني على التخفيف . فروع اثنا عشر : الأول قال سحنون في العتبية يمسح على المهاميز قال الباجي قال ابن مسلمة وجماعة أصحابه لا يجب الإيعاب والواجب عند الشافعي رضي الله عنه أقل ما ينطلق عليه الاسم وعند أبي حنيفة ثلاثة أصابع وعند ابن حنبل مسح أكثره . حجتنا أن كل موضع صح فيه الفعل وجب إذ لوانتفى الوجوب لما صح أصله الساق وإذا كان الوجوب متقررا في آخر العضو وجب إيعابه كسائر أعضاء الوضوء . الثاني صفة المسح في الكتاب وضع اليد اليمنى على أطراف أصابع الرجل من ظهرها واليسرى تحت أصابعها مارا بهما إلى موضع الوضوء قياسا على الوضوء لأنه بدله قال صاحب الطراز وقيل عكسه وعند ابن عبد الحكم اليمنى على حالتها واليسرى يبدأ بها من العقب إلى الأصابع ليسلم من آثار العقب وهو قول الشافعي قال صاحب الطراز قال بعض الأصحاب ظاهر الكتاب يقتضي جعل اليمنى على أعلى اليسرى ويفعل في اليسرى كذلك وهو وهم فإن الإشارة إلى البداية فقط لقول مالك في الواضحة يجعل اليمنى تحت اليسرى واليسرى من فوقها لأنه أمكن في مسحها الثالث قال في الكتاب لا يجزئ مسح الباطن عن الظاهر ولا العكس لكن الاقتصار على الظاهر يوجب الإعادة في الوقت وقال سحنون لا يعيد مطلقا قال صاحب الطراز وقوله لا يجزئ يحتمل في الفعل وفي الحكم وهو قول ابن نافع ويعيد عند أبدا وهو أقعد بأصل مالك لأن الخف بدل فيثبت له حكم مبدله ولأنه لو انخرق باطنه خرقا فاحشا لا يمسح عليه . والمذهب مبني على أن الحكم انتقل إلى الخف من حيث هو خف كالتيمم لا يراعى فيه مواضع الوضوء ولا الغسل فلو اقتصر على الأسفل قال لا يجزئه على المشهور وقال أشهب يجزئه . فرع مرتب قال إذا قلنا يعيد في الوقت قال ابن أبي زيد يعيد الوضوء لعدم المولاة ويتخرج فيه قول بإعادة أسفله وحده . الرابع قال في الكتاب يزيل الطين من أسفل الخف ليصادفه المسح فلو مسح الطين أو غسله ليمسح الخف ثم نسي لم يجزه ويعيد الصلاة لعدم نية الطهارة قاله صاحب الطراز فلو غسل بنية الوضوء قال ابن حبيب يجزئه ويستحب له الإعادة ليأتي بالمشروع غير تابع . الخامس قال في الكتاب إذا لبس خفين على خفين مسح الأعلى وروى ابن وهب المنع . حجة الأول أن الأحاديث وردت من غير استفصال ولأن الضرورة كما تدعو الخف الواحد تدعو الخفين قال اللخمي والخلاف إنما هو في لبسهما عقيب غسل أما لو لبس الأول عقيب غسل والثاني بعد مسح فإنه يجوز قولا واحدا قال صاحب الطراز ينبغي العكس وحجة المنع أن الخف الأعلى إن كان بدلا من الأسفل لزم أن يكون للبدل بدل وهو غير معهود أو من الرجل فيلزم ألا يعيد المسح على الأسفل إذا نزع الأعلى السادس قال في الكتاب إذا مسح على خفيه ثم لبس أخرى بعد المسح مسح على الأخرى لقيام مسح الخف مقام غسل الرجل في رفع الحدث وقال بعض الشافعية لا يمسح لأن المسح لا يرفع الحدث لوجوب الغسل عند النزع فلا يقوم مقام الغسل كالتيمم وفرق بين هذه المسألة ولبسهما بعد الغسل لأن الغسل يرفع الحدث السابع قال ابن القاسم في الكتاب إذا مسح الأعلى ثم نزعه مسح الأسفل وأجزأه خلافا ح فإن أخر ذلك أعاد الوضوء كالذي يفرق وضوءه ورأى أبو حنيفة أن الخفين شيء واحد بدل من الرجل فإذا لم تظهر بقي حكم المسح وفرق بين الخفين والجرموقين وقال يمسح الخف إذا نزع الجرموق الأعلى لاختلاف الجنس ويؤيد قوله من مسح رأسه ثم حلق شعره لا يعيد مسحا حجتنا القياس على من نزع الخف عن الرجل وعلى الجبائر قال صاحب الطراز وأما نزع خفه بعد المسح فثلاثة أقوال الغسل لمالك والوضوء له أيضا ولا يتوضأ ولا يغسل للحسن حجة المشهور انتقال حكم المسح للرجل والرجل لا تمسح فتغسل وقوله عليه السلام
إذا أدخلت رجليك في الخف وهما طاهرتان فامسح عليهما ما شئت وما بدا لك ما لم تخلعهما أو تصيبك جنابة
فاشترط عدم النزع والقياس على نزع العصائب حجة الوضوء أن المسح رفع الحدث فإذا نزع تجدد الحدث وهو لا يتبعض لأنا لا نجد شيئا ينقض الوضوء في عضو دون غيره فيعم فيجب الوضوء ويرد عليه أن النزع ليس بحدث بل الحدث هو ما سلف وقد عمل بموجبه إلا غسل الرجل أبدل بالمسح فإذا ذهب المسح أكملت الطهارة بالغسل حجة الثالث القياس على حلق الرأس فإذا قلنا يمسح على الأسفل فنزع فردا من الأعلين قال صاحب الطراز قال ابن القاسم يمسح تلك الرجل على الأسفل وقال سحنون وابن حبيب ينزع الأخرى ويمسح الأسفلين حجة ابن القاسم أن الملبوس باق على حكم البداية والقياس على ما إذا لبس ابتداء على إحدى رجليه خفين وعلى رجل خفا والفرق بين هذه وبين خلع أحد الخفين المنفردين أن الخف باق على البدلية وهناك بالخلع بطلت البدلية بسبب الغسل في إحدى الرجلين إذ لا يجمع بينهما حجة سحنون أن الطهارة لا تتبعض في الانتقاض والخفاف كالشيء الواحد فيبطل فيهما كما لو كانا على الرجلين وإذا قلنا يمسح ما تحت المنزوع فمسح ثم لبس المنزوع قال ابن القاسم في العتيبة يمسح عليه ولا يشترط أن يزيد على الرجل الأخرى خفا آخر فإن البدلية قد حصلت بستر الرجلين بجنس الخف الثامن في الجلاب إذا كان على كل رجل خف فنزع إحدى الرجلين نزع الأخرى وغسل لئلا يجمع البدل والمبدل وقال القاضي في الإشراف عن أصبغ يمسح اللابسة ويغسل المنزوعة التاسع لو تعسر نزع الخف الباقي قال عبد الحق عن بعض الشيوخ إنه يغسل المنزوعة ويمسح الأخرى على ذلك الخف حفظا لمالية الخف وقياسا على الجبيرة ونقل عن بعض البغداديين منع الإجزاء لتعذر المشي على هذه الهيئة قال ابن شاس وينتقل إلى التيمم واستحسنه صاحب الطراز وقيل يمزق الخف ترجيحا لجانب العبادة على المالية العاشر قال في الكتاب كان مالك يقول يمسح على الجرموقين أسفلهما جلد يبلغ موضع الوضوء مخروز ثم رجع عن ذلك قال صاحب الطراز والجرموقان على ظاهر الكتاب الجوربان المجلدان قال ابن حبيب هما الخفان الغليظان لا ساق لهما وهذا الذي قاله ابن حبيب هو المعروف ونقل ابن بشير هما خف على خف فيكون فيهما ثلاثة أقوال حجة الجواز ما رواه الترمذي أنه عليه السلام توضأ ومسح على الجرموقين والنعلين وروي ذلك عن عمر وابن عباس وجماعة من السلف ووجهة الثاني أن القرآن اقتضى الغسل فلا يخرج عنه إلا بمتواتر مثله وهذه الأحاديث لم يخرجها أحد ممن اشترط الصحة وقد ضعفها أبو داود بخلاف أحاديث الخفين فإنها متواترة ولأنها بمنزلة اللفائف والفائف لا يمسح عليها وأما ما يروى عن السلف فمحمول على المجلدين ويتخرج هذا الخلاف أيضا في القاعدة الأصولية وهي أن الرخص إذا وقعت على خلاف الأصل هل يلحق بها ما في معناها للعلة الجامعة بينهما أو يغلب بالدليل الثاني للمترخص قولان الحادي عشر قال في الكتاب إذا تزحزحت رجلاه إلى ساق الخف نزعهما وغسل رجليه وإن خرج العقبان إلى الساق قليلا والقدم على حالها فردهما مسح لأن الأول يعد خلعا لهما بخلاف الثاني قال صاحب الطراز إن كان بقصده أخرج عقبه خرج على رفض الطهارة وإن كان بغير قصده فلا شيء عليه الثاني عشر في الجواهر يكره التكرار والغسل فيهما ويجزئ إن فعل وقد تقدم خلاف ابن حبيب في الغسل وسبب الكراهة في التكرار أن الغسل مبني على التخفيف والتكرار ينافيه ولأن العمل في السنة على خلافه وأما الغسل فلأن المسح أول مراتب الغسل فيقع المأمور به تبعا والأصل أن يكون مقصودا
الباب الخامس في بدل الوضوء والغسل وهو التيمم
وهو من خصائص هذه الأمة لطفا من الله تعالى بها وإحسانا إليها وليجمع لها في عبادتها بين التراب الذي هو مبدأ إيجادها والماء الذي هو سبب استمرار حياتها إشعارا بأن هذه العبادة سبب الحياة الأبدية والسعادة السرمدية جعلنا الله تعالى من أهلها من غير محنة وهو في اللغة من الأم بفتح الهمزة وهو القصد يقال أمه وأممه وتأممه إذا قصده وأمه أيضا شجه في وسط رأسه ومن الأول قوله تعالى ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) أي لا تقصدوه ثم نقل في الشرع للفعل المخصوص وأوجبه لتحصيل مصالح أوقات الصلوات قبل خواتها ولولا ذلك لأمر عادم الماء بتأخير الصلاة حتى يجد الماء وهذا يدل على أن اهتمام الشرع بمصالح الأوقات أعظم من اهتمامه بمصالح الطهارة فإن قلت فأي مصلحة في إيقاع الصلاة في وقتها دون ما قبله وبعده مع جزم العقل باستواء أفراد الأزمان قلت اعتمد العلماء رضوان الله عليهم في ذلك على حرف واحد وهو أنا استقرأنا عادة الله تعالى في شرعه فوجدناه جالبا للمصالح ودارئا للمفاسد وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما إذا سمعت نداء الله تعالى فارفع رأسك فتجده إما يدعوك لخير أو ليصرفك عن شر فمن ذلك إيجاب الزكوات والنفقات لسد الخلات وأروش الجنايات جبرا للملتفات وتحريم القتل والزنا والمسكر والسرقة والقذف صونا للنفوس والأنساب والعقول والأموال وإعراضا عن المفسدات وغير ذلك من المصالح الدنيويات والأخرويات ونحن نعلم بالضرورة أن الملك إذا كان من عادته إكرام العلماء وإهانة الجهلاء ثم رأيناه خصص شخصا بالإكرام ونحن لا نعرف حاله فإنه يغلب على ظننا أنه عالم على جريان العادة وكذلك ما تسميه الفقهاء بالتعبد معناه أنا لا نطلع على حكمته وإن كنا نعتقد أن له حكمة وليس معناه أنه لا حكمة له ولأجل هذه القاعدة أمر مالك رحمه الله بإعادة الصلاة في الوقت لترك السنن لأن الإعادة حينئذ تحصل مصلحة الوقت والسنة ومجموعهما مهم بخلاف خارج الوقت لذهاب مصلحة الوقت ولا يلزم من الاهتمام بمجموع مصلحتين الاهتمام بإحداهما ثم يبحث الفقهاء في هذا الباب في أسبابه والذي يؤمر بالتيمم من هو والذي يتيمم به وصفة التيمم والمتيمم له ووقت التيمم والأحكام التابعة للتيمم فهذه فصول سبعة
الفصل الأول في أسبابه وهي ستة
الأولى عدم الوجدان للماء وإنما يتحقق عند بذل الجهد في الطلب في حق من يمكنه استعماله ويدل على وجوب الطلب إلى حين الصلاة أن الوضوء واجب إجماعا فيجب طلب الماء لأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب فيكون طلب الماء واجبا حتى يتبين العجز فيتيمم حينئذ ولأن المفهوم من قوله تعالى ( فلم تجدوا ماء ) أي بعد الطلب قال صاحب الطراز الطلب الواجب على قدر الوسع والحالة الموجودة فقد روى ابن القاسم في العتيبة لا بأس بسؤال المسافر أصحابه الماء في موضع يكثر فيه أما موضع يعدم فلا وروى أشهب إنما يطلبه ممن يليه ويرجوه فليس عليه أن يطلب أربعين رجلا وقال عبد الملك وأصبغ وابن عبد الحكم يطلب في الرفقة العظيمة ممن حوله فإن لم يفعل فقد أساء ولا يعيد وإن كانت الرفقة يسيرة ولم يطلبه أعاد في الوقت إلا أن يكون الرجل والرجلان وشبههما وهم متقاربون فليعد أبدا لكثرة الرجاء وقالوا المرأة التي لا تخرج تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت ثم تخرج فتطلب إذا تقرر هذا ففي الجواهر أربع حالات إحداهما تحقق العدم حوله فيتيمم من غير طلب الثانية أن يتوهمه حوله فليفحص فحصا لا مشقة فيه وهذا يختلف بحسب القوي والضعيف والرجل والمرأة الثالثة أن يعتقد قربه فيلزمه السعي له وحد القرب عدم المشقة وفوات الرفقة وروي في كتاب محمد بن المواز من شق عليه نصف الميل فقال سحنون لا يعدل للميلين وإن كان آمنا لأن البعد يؤدي إلى خروج وقت الصلاة وقال في الكتاب إذا غابت الشمس وقد خرج من قرية يريد قرية أخرى وهو غير مسافر إن طمع في الماء قبل مغيب الشفق مضى إليه وإلا تيمم قال صاحب الطراز هذا يقتضي أن وقت المغرب الاختياري إلى مغيب الشفق وهو مذهبه في الموطأ فإن التيمم لا يؤخر عن وقت الاختيار ولو جاز ذلك لجاز بعد الشفق فعلى القول بعدم امتداده لا يؤخر تيممه إلى الشفق قال التونسي ويتخرج فيها قول آخر بالتأخير إلى ما بعد الشفق لقوله
في الحضر
بخلاف إن رفع الماء من البئر أو ذهب إلى النهر أنه لا يتيمم وكذلك خرجه ابن حبيب أيضا قال وهو عندي لا يصح لغلبة الماء في الحضر بخلاف الصحراء ما بين القريتين حجة المذهب قوله تعالى ( فلم تجدوا ماء ) وهو يغلب على ظنه وجدانه وروى مالك عن نافع قال أقبلت أنا وعبد الله بن عمر من الجرف حتى إذا كنا بالمربد تيمم فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين ثم صلى والمربد من المدينة على ميلين قال القاضي في التنبيهات الجرف بضم الجيم والراء والمربد بكسر الميم والباء بواحدة من تحتها ولأن التيمم إنما يشرع لتحصيل مصلحة الوقت قال سحنون لا يعدل الخارج من القرية إلى ميل وكذلك المسافر يريد لا يخرج عن مقصده وهو لا يخالف قول مالك فإن قول مالك محمول على الذي يكون ذلك قصده الرابعة أن يكون الماء حاضرا لكن ليس له آلة توصل إليه فإنه يتيمم لأنه فاقد ولو وجده لكن إن اشتغل بالنزع خرج الوقت قال في الكتاب يعالجه عند المغاربة وإن خرج الوقت ويتيمم عند العراقيين ولو كان بين يديه لكن لو استعمله خرج الوقت قال ابن شاس يستعمله عند المغاربة لأنه واجد ويتيمم عند القاضي أبي محمد وحكاه الأبهري رواية قال ابن يونس ولا فرق عندي بين تشاغله باستعماله أو باستخراجه من البئر فإن المقصود الصلاة في الوقت قال وكذلك قال ابن القصار والقاضي عبد الوهاب وفرق ابن القصار أيضا فقال في الجمعة يتوضأ ولو خاف فواتها لأن الظهر هي الأصل ووقتها باق وسوى بينهما بعض الأصحاب بجامع الفريضة وقال بعضهم يتيمم ويعيد الصلاة احتياطا قال عبد الحق في النكت والفرق بين النزع من البئر والاستعمال أن المستعمل واجد والنازح فاقد وإنما هو يتسبب ليجد فرعان الأول لو كان مع ثلاثة نفر قدر كفاية أحدهم ماء وأحدهم جنب والآخر محدث والثالث ميت قال صاحب الطراز قال ابن القاسم الحي أولى وييمم الميت إلا أن يكون الماء للميت لأن الحي يصلي بطهارته على الميت وغيرها من الصلوات والميت يصلى عليه بها فقط ولأن حالة طهارة الحي تعود على الميت وحال طهارة الميت لا تعود على الحي فإن كان الماء للميت واحتاج إليه الحي ليشربه أخذه ويقوم بثمنه للوارث وليس له دفع مثله إذا رجع إلى بلده وإن كان الماء بينهما فالحي أولى به وقال القاضي الميت أولى به فعلى البحث الأول إذا كان مع رجل ما يغتسل به ووجد جنبا وميتا يكون الحي أولى بهبته من الميت خلافا ش في قوله إن المقصود من طهارة الميت النظافة ولا تحصل إلا بالماء وطهارة الحي المقصود منها الإباحة والتيمم كاف في ذلك ولأنه آخر عهده من الدنيا بالطهارة والحي يتطهر بعد ذلك وجواب الأول أن المقصود بطهارة الميت الصلاة عليه والنظافة تبع ولهذا إذا لم يوجد الماء لا يصلى عليه حتى ييمم وكذلك الشهيد لما لم يصل عليه لم يغسل وعن الثاني أن هذه الصلاة آخر عهده من الصلوات فينبغي أن تكمل والجنب أولى من المحدث لعموم منع الجنابة ولأن الجنب مستعمل جملة الماء والمحدث يترك بعضه بلا انتفاع وعلى هذا لو اجتمع جنب وحائض هل تكون الحائض أولى لكونها تستفيد بالغسل أكثر من الجنب أو يستويان ؟ وهو الظاهر لأن الغسل واحد بخلاف الوضوء فإنه بعض الغسل للجنابة الثاني قال في الكتاب إذا كان معه ما يكفيه للوضوء وهو جنب تيمم ولا يتوضأ في أول تيممه ولا ثانيه ويغسل بذلك الماء النجاسة خلافا ش في أمره بالوضوء حتى يصير فاقدا للماء لنا أنه بدل والبدل هو الذي شأنه أن يحل محل المبدل ولا يجمع بينهما والفرق بين صورة النزاع والمسح على الخف في كونه يجمع بين مسحه وغسل غيره أنه بدل عن غسل الرجلين لا عن المغسول وبينها وبين النجاسة أن الماء يطهر من الخبث كل موضع غسل به ولو قل بخلاف المحدث لا تحصل طهارته إلا بجملة الغسل والفرق بين الغسل للجنابة والتيمم للجنابة في كون الوضوء شرع مع الغسل دون التيمم أمران أحدهما أن الوضوء من جنس الغسل شرع بين يديه أهبة له كالمضمضة والاستنشاق قبل الوضوء والإقامة بين يدي الصلاة والصدقة بين يدي النجوى وهو ليس من جنس التيمم فلا يشرع تهيؤا له وثانيهما أن أعضاء الوضوء أشرف الجسد لكونها موضع التقرب إلى الله فكانت البداءة به أولى والتيمم شرع في عضوين منها فالوضوء يأتي عليهما وعلى غيرهما فلا معنى للبداية بالوضوء السبب الثاني في الجواهر الخوف من فوات النفس أو عضو أو منفعة أو زيادة مرض أو تأخر برء أو حدوث مرض يخاف معه ما ذكرناه وروى بعض البغداديين لا يتيمم لتوقع المرض أو لزيادته أو تأخر البرء أو مجرد الألم فلا يبيح التيمم لقوله تعالى ( وإن كنتم مرضى ) وما رواه أبو داود عن عمرو ابن العاص قال احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكر ذلك للنبي فقال يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب فأخبرته الذي منعني من الاغتسال وقلت سمعت الله تعالى يقول ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) فضحك ولم يقل شيئا ولأن الفطر أبيح للمريض مع عدم الأذى فههنا أولى وخالفنا الشافعي رحمه الله في تأخير البرء وحجتنا عليه أنه ضرر عليه فيكون منفيا قياسا على توقع المرض ولقوله تعالى ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) قاعدة المشاق قسمان أحدهما لا تنفك عنه العبادة كالوضوء والغسل في البرد والصوم في النهار الأطول والمخاطرة بالنفوس في الجهاد ونحو ذلك لا يوجب تخفيفا في العبادة لأنها قررت معه والقسم الثاني تنفك العبادة عنه وهو ثلاثة أنواع نوع في المرتبة العليا كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع فهذا يوجب التخفيف لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة فلو حصلنا هذه العبادة لثوابها لذهب أمثالها ونوع في المرتبة الدنيا كأذى وجع في أصبع فتحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة لشرف العبادة وخسة هذه المشقة النوع الثالث مشقة بين هذين النوعين فما قرب من العليا أوجب التخفيف وما قرب من الدنيا لم يوجب وما توسط يختلف فيه لتجاذب الطرفين له فعلى هذه القاعدة تتخرج الفتاوى في مشاق العبادات تتميم قال بعض العلماء تختلف المشاق باختلاف رتب العبادات فما كان في نظر الشرع أهم اشترط في إسقاطه أشد المشاق أو أعمها فإن العموم بكثرته يقوم مقام العظم كما سقط التطهر من الخبث في الصلاة التي هي أفضل العبادات بسبب التكرار كدم البراغيث وثوب المرضع وكما سقط الوضوء فيها بالتيمم لكثرة عدم الماء أو الحاجة إليه أو العجز عن استعماله وما لم تعظم رتبته في نظر الشرع تؤثر فيه المشاق الخفيفة وجميع بحث هذه القاعدة يطرد في أبواب الفقه فكما وجدت المشاق في الوضوء على ثلاثة أقسام متفق على اعتباره ومتفق على عدم اعتباره ومختلف فيه كذلك نجد في الصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوقان الجائع للطعام عند حضور الصلاة والتأذي بالرياح الباردة في الليلة الظلماء والمشي في الوحل وغضب الحكام وجوعهم المانع من استيفاء النظر وغير ذلك وكذلك الغرر والجهالة في البيع ثلاثة أقسام سؤال ما ضابط المشقة المؤثرة في التخفيف من غيرها ؟ فإنا إذا سألنا الفقهاء يقولون ذلك يرجع إلى العرف فيحيلون على غيرهم ويقولون لا نحد ذلك فلم يبق بعد الفقهاء إلا العوام والعوام لا يصح تقليدهم في الدين ؟ جوابه هذا السؤال له وقع عند المحققين إن كان سهلا في بادي الرأي ونحن نقول ما لم يرد الشرع بتحديده يتعين تقريبه بقواعد الشرع لأن التقريب خبر من التعطيل لما اعتبره الشرع فنقول على الفقيه أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص أو إجماع أو استدلال ثم ما ورد عليه بعد ذلك من المشاق مثل تلك المشقة أو أعلى جعله مسقطا وإن كان أدنى لم يجعله مثاله التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق بحديث كعب بن عجرة فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح وإلا فلا والسفر مبيح الفطر بالنص فيعتبر به غيره من المشاق سؤال آخر ما لا ضابط له ولا تحديد وقع في الشرع على قسمين قسم اقتصر فيه على أقل ما تصدق عليه تلك الحقيقة كمن باع عبدا واشترط أنه كاتب يكفي في هذا الشرط مسمى الكتابة ولا يحتاج إلى المهارة فيها في الوفاء بالشرط وكذلك شروط السلم في سائر الأوصاف وأنواع الحرف يقتصر على مسماها دون مرتبة معينة منها والقسم الآخر ما وقع مسقطا للعبادات لم يكتف الشرع في إسقاطها بمسمى تلك المشاق بل لكل عبادة مرتبة معينة من مشاقها المؤثرة في إسقاطها فما الفرق بين العبادات والمعاملات ؟ جوابه العبادات مشتملة على مصالح المعاد ومواهب ذي الجلال وسعادة الأبد السرمدية فلا يليق تفويتها بمسمى المشقة مع يساره احتمالها ولذلك كان ترك الرخص في كثير من العبادات أولى ولأن تعاطي العبادة مع المشقة أبلغ في إظهار الطاعة وأبلغ في التقرب ولذلك قال عليه السلام أفضل العبادة أحمزها أي أشقها وقال أجرك على قدر نصبك وأما المعاملات فتحصل مصالحها التي بذلت الأعواض فيها بمسمى حقائق الشروط بل التزام غير ذلك يؤدي إلى كثرة الخصام ونشر الفساد وإظهار العناد فروع ثلاثة الأول قال صاحب الطراز إذا تيمم المريض من الجنابة ثم أحدث حدث الوضوء وهو قادر عليه لم يتوضأ لأن الجنابة تسقط حكم الحدث الأصغر ويتيمم لكل صلاة للجنابة الثاني قال إذا قدر المريض على الوضوء والصلاة قائما فحضرت الصلاة وهو في عرقه فخاف إن فعل ذلك انقطع عرقه ودام عليه المرض قال مطرف وعبد الملك وأصبغ يتيمم ويصلي إيماء للقبلة وإن خرج الوقت قبل زوال عرقه لم يعد وهذا موافق للمذهب لأنه تأخير البرء الثالث قال إذا عظمت بطنه حتى لا يتمكن من تناول الماء أو أدركه الميد في البحر حتى لا يملك نفسه يتيمم لأنه وسعه السبب الثالث الجراح المانعة من استعمال الماء قال في الكتاب قيل لابن القاسم إذا عمته الجراح ؟ قال يتيمم قيل فأكثره جريح قال يغسل الصحيح ويمسح الجريح قيل له لم يبق إلا يد أو رجل صحيحة قال لا أحفظ عن مالك فيها شيئا وأرى أن يتيمم وقال ابن الجلاب من كانت به جراح في أكثر جسده وهو جنب أو في أكثر أعضاء وضوئه وهو محدث يتيمم قال صاحب الطراز إن كان مراده أن الأكثر متفرق في الجسد منع مس السالم فهو موافق لقول ابن القاسم وإلا فهو مخالف لمذهب الكتاب وموافق لأبي حنيفة فإن أصحاب الرأي يقولون إن كان أقله مجروحا جمع بين الماء والتيمم أو سالما كفاه التيمم وعند الشافعي لا يكفي فيما صح إلا الغسل وإن قل وإذا مسح وغسل يتيمم أيضا بناء على أصله فيمن وجد بعض كفايته من الماء فإنه يستعمله لما في أبي داود عن جابر رضي الله عنه قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه فقال لأصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا لا نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فأخبر بذلك رسول الله فقال قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا إنما شفاه العي السؤال إنما كان يكفيه ان يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده يريد أن إحدى هاتين الحالتين تجزئه على حسب حال المجروح ولا معنى للتيمم مع الغسل لأن البدل والمبدل منه لا يجتمعان فرع قال عبد الحق في النكت عن بعض الأصحاب إذا لم يبق منه إلا يد أو رجل فغسل الصحيح ومسح الجراح لم يجزه لأنه لم يأت بالغسل ولا يبدله الذي هو التيمم ولو تحمل المشقة وغسل الجميع أجزأه لأن التيمم حقه فإذا أسقطه سقط كمن صلى قائما مع المبيح الجلوس السبب الرابع غلاء الماء إن كان لا يجد الماء إلا بثمن وهو قليل الدراهم يتيمم أو كثيرها اشتراه ما لم يكثر الثمن فيتيمم أما الشراء فقياسا على الرفع من البئر والطلب في الفلوات بجامع المشقة وأما إذا كثر الثمن فلا يشتريه لما فيه من المضرة وليس في الكثير حد قال في المختصر ليس عليه أن يشتريه بأضعاف ثمنه إلا بثمنه أو شبهه وقال في المجموعة ليس عليه شراء القربة بعشرة دراهم قال ابن الجلاب يحتمل أن يحد بالثلث واعتبر أصحاب الشافعي مطلق الزيادة فرع في الجواهر لو وهب له الماء لزمه قبوله عند القرويين لعدم المنة في مثل هذا ولا يلزمه عند القاضي أبي بكر وقيل إنما يلزمه قبول ثمن الماء وقال ابن شاس يلزمه الماء قولا واحدا بخلاف الثمن السبب الخامس خوف العطش على نفسه قاله في الكتاب وفي التفريع وإن خافه على غيره وكذلك قاله ش ح قال صاحب الكتاب يكفي ضرر العطش من غير تلف كالجبيرة ولا فرق بين خوف العطش الآن أو في المستقبل السبب السادس في الجواهر الخوف على النفس أو المال من السارق أو السبع وقيل الخوف على المال لا يبح
الفصل الثاني فيمن أبيح له التيمم
قال في الكتاب يتيمم الجنب والمحدث الحدث الأصغر وحكى ابن المنذر عن النخعي منع الجنب وهو قول ابن عمر وابن مسعود لنا عموم قوله تعالى ( فلم تجدوا ماء ) الآية من غير تفصيل وفي البخاري أنه عليه السلام رأى رجلا معتزلا لم يصل فقال له يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم فقال يا رسول الله أصابني جنابة ولا ماء معي قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك ولأن التيمم إنما شرع لاستدراك مصلحة الوقت وهذا قدر مشترك فيه بين الصورتين وقال فيه أيضا يتيمم الحاضر إذا فقد الماء وخشي فوات الوقت قبل الوصول إليه قال ابن القاسم وكذلك المسجون وقال صاحب الطراز في المسألتين ثلاثة أقوال أحدهما ما مر والثاني الإعادة بعد الوقت إذا وجد الماء لمالك أيضا الشافعي والثالث أن الحاضر يطلب الماء وإن طلعت الشمس إلا أن يكون له عذر لمالك أيضا في الموازية وهو قول أبي حنيفة إنه لا يتيمم حاضر إلا مريض أو محبوس قال ابن شاس قال ابن حبيب الذي رجع إليه مالك أن يعبد أبدا وجه المشهور عموم آية التيمم وفي الصحيحين أنه عليه السلام لقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويده ثم رد عليه السلام زاد أبو داود قال عليه السلام إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر فإذا شرع التيمم في الحضر لتحصيل مصلحة رد السلام فالصلاة أولى وفي أبي داود قال أبو ذر انتقلت بأهلي إلى الربذة فكنت أجنب وأعدم الماء الخمسة الأيام والستة فأعلمت بذلك رسول الله فقال الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج قال ابن يونس وأبو ذر انتقل للإقامة حجة المنع أن آية التيمم وردت في المسافر والمريض وليس هذا منهما والقياس عليهما مدفوع بفارق غلبة عدم الماء في السفر وعجز المريض عن استعماله ولأن الوضوء عبادة شطرت في التيمم فوجب أن يكون السفر شرطا فيها قياسا على تشطير الصلاة بالقصر فرعان مرتبان الأول قال صاحب الطراز إذا قلنا يتيمم فآخر الوقت الثاني إذا منعنا التيمم في الحضر فهل يشترط في السفر مسافة القصر حكى الباجي عن ابن حبيب أن كل من قال بقصره على السفر رأى ذلك وقال القاضي يجوز في أقل ما يصدق عليه سفر
الفصل الثالث في المتيمم به
في الجواهر هو التراب والحصباء والسباخ والجص والنورة غير مطبوختين وجميع أجزاء الأرض إذا لم تغيرها الصنعة بطبخ أو نحوه سواء وجد التراب أو لم يوجد خلافا ش وابن شعبان منا في قصر التيمم على التراب وخصص ابن حبيب الأجزاء بعدم التراب ويجوز بالملح عند مالك وابن القاسم ولا يجوز عن أشهب وقال اللخمي في الملح ثلاثة أقوال المنع لمالك لأنه طعام والجواز لابن القصار لأنه أجزاء من الأرض احترقت والتفرقة بين المعدني فيجوز لأنه أجزاء الأرض احترقت بحر الشمس وبين المصنوع لمخالطته لغيره بالصنعة وقال ابن يونس قال مالك رحمه الله تعالى لا يتيمم على الرخام كالزمرد والياقوت ولا الشب والزاج والزرنيخ والكحل والكبريت لأنها عقاقير قال سليمان في السليمانية إن أدركه الوقت في أرضها ولا يمكنه الخروج حتى يخرج الوقت أجزأه قال وقال مالك يتيمم على المغرة لأنه تراب منه الأحمر والأصفر والأسود يريد إذا كان غير مطبوخ قال صاحب الطراز المتولد في الأرض منه ما يشاكلها كالزرنيخ والكحل والمغرة فيجوز به التيمم وقال أبو بكر الوقاد لا يتيمم وأما المنطرفة كالفضة ونحوها فلا يتيمم به قولا واحدا وأما النخيل والحلفاء والحشيش ونحوه إذا لم يقدر على قلعه قال الأبهري وابن القصار يتيمم به فيضرب بيده الأرض عليها وأجازه الوقاد في الخشب إذا علا وجه الأرض كما في الغابات لأنه ضرورة ولأنه لو حلف لا يبرك على الأرض فبرك على هذه المواضع حنث ولو برك على جذع وشبهه لم يحنث فتلخص أن المتيمم به ثلاثة أقسام جائز إتفاقا وهو التراب الطاهر وغير جائز إتفاقا وهو المعادن والتراب النجس ومختلف فيه وهو ما عدا ذلك حجتنا على الشافعي رضي الله عنه قول الله تعالى ( فتيمموا صعيدا طيبا ) قال ثعلب وجماعة من أئمة اللغة كأبي عبيدة والأصمعي الصعيد وجه الأرض من الصعود وهو العلو ومنه سميت الفتاة صعدة لعلوها فكل صعد على وجه الأرض فهو صعيد يجوز التيمم به إلا ما خصه الدليل فإن قيل قوله تعالى ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) وصيغة منه تقتضي التبعيض والتبعيض إنما يتصور في التراب لا في الحجر وكذلك لفظ المسح لا يتصور إلا مع التراب إذ لا يصدق مسحت يدي بالمنديل إلا وفي اليد شيء يزال قلنا السؤالان جليلان والجواب عن الأول من وجوه الأول أن من كما تكون للتبعيض تكون لابتداء الغاية كقولنا بعت من ههنا إلى ههنا وابتداء الفعل في التيمم هو المسح من الحجر الثاني أنها تكون لبيان الجنس كقوله تعالى ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) فيكون المراد امسحوا من هذا الجنس الطهور الطاهر فإنه المراد عندنا بالطيب احترازا من النجس الثالث أن الحجر لو سحق لم يصح التيمم به مع إمكان التبعيض فيكون ظاهر اللفظ عندكم متروكا فيسقط الاستدلال وعن الثاني أن نقول الغالب على الحجر وسائر أنواع الأرض إذا مرت عليها اليدان أن يتعلق بهما ما يغبرهما فصح المسح لذلك وأما الحجر الذي دلك مرارا أو غسل وهو بين الغسل فنادر والخطاب مبني على الغالب وأما الطيب فليس المنبت خلافا له حيث استدل بقوله تعالى ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ) لأن الطيب في اللغة هو الملائم للطباع المستحسن اللائق بالسياق يدل على ذلك قوله تعالى ( الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ) وليس المراد المنبتات بل البعيدات من الدناءآت الشرعية وقوله عليه السلام من تصدق بكسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا المراد الحلال لأنه المناسب للسياق في الإنفاق وقوله والبلد الطيب إنما حمل على المنبت لأن السياق في الزراعة والسياق فيما نحن فيه في الطهارات فوجب أن يكون المراد بالطيب الطاهر لأن المناسب للسياق التطهر وفي الصحيحين عنه عليه السلام أنه قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهروأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وبعثت للأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة صلى الحديث وأما قوله عليه السلام في بعض طرقه وترابها طهورا فلا حجة فيه للشافعي لأن الأرض مشتملة على التراب وغيره والقاعدة الأصولية أن تخصيص بعض أنواع العام بالذكر لا يقتضي تخصيصه نعم يدل على شرفه ونحن نقول به تنبيه قال صاحب الطراز قوله في الكتاب سئل عن الحصا والجبل يكون عليه وهو لا يجد ترابا أيتيمم عليه ؟ قال نعم ليس المراد أن عدم التراب شرط بل وقع ذلك اتفاق في السؤال فروع أربعة الأول قال في الكتاب إذا وجد الطين وعدم التراب وضع يديه عليه ويجففه ما استطاع ويتيمم به خلافا ش في قوله الطين لا يسمى صعيدا وهو ممنوع لأن الطين تراب وماء والماء أفضل من التراب والأفضل لا يوجب قصورا في المفضول الثاني قال في الكتاب إذا تيمم على موضع نجس أعاد في الوقت قال وكان مالك يقول من توضأ بماء غير طاهر أعاد في الوقت وكذلك هذا عندي وقال القاضي في الإشراف عن ابن عبد الحكم والأبهري لا يجزيه وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ونقض أبو حنيفة أصله في أن الشمس تطهر قال صاحب الطراز قال أبو الفرج أظن أن ابن القاسم رأى أن النجاسة لما لم تظهر عليه كان كالماء المشكوك فيه فلا ينجسه إلا ما غيره كالماء قال ويمكن أن يقال إن التيمم لا يجب إيصال التراب فيه إلى البشرة إذ لو تيمم على الحجر الصلد أجزأه وإنما الواجب قصد الأرض وضربها باليد والمرتفع من التراب النجس إلى الأعضاء لم يحصل به خلل في طهارة الحدث وإنما هو حامل لنجاسة لم يتعمدها فيعيد في الوقت على قاعدة إزالة النجاسة أو لأن الغبار ينتقل مع الريح الجارية على هذا المكان والتيمم إنما يقع على أعلى المنتقل الطاهر ولما كان المذهب في الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره أنه نجس احتاج الأصحاب ههنا إلى الفرق بينه وبين التراب الذي لم يتغير فقال أبو الفرج الماء ينقل المحدث إلى كمال الطهارة فاشترط فيه ما لم يشترط في التراب الذي لا ينقل إلى كمال الطهارة وقال غيره الماء يتوصل إلى نجاسته بالحواس بخلاف التراب فإن المطلوب فيه الاجتهاد فإذا أخطأ فلا شيء عليه لأن المنتقل إليه من التراب لا يقطع بطهارته وإنما يمكن فيه ذلك فنقض الظن بالعلم متجه وأما نقض الظن بالظن فلا كالمجتهد في الكعبة إذا أخطأ في اجتهاده حيث يؤمر بالاجتهاد ولو أمكنه العلم بالكعبة أعاد أبدا قال ابن حبيب وأصبغ هذا إذا لم يعلم نجاسته فإن علم أعاد أبدا ووجه عدم الإجزاء قوله تعالى ( فتيمموا صعيدا طيبا ) والطيب ههنا الطاهر على ما تقدم وهذا ليس بطاهر ولأن الطهارة لا تحصل بالنجاسة قال صاحب الطراز ولو تغير بالنجاسة لم يجزه وفاقا فرع مرتب إذا منعنا التيمم من التراب المذكور فهل نكرهه بالتراب الذي تيمم به مدة لأجل طهارة الحدث كما في الماء فلابن القاسم في النوادر لا بأس به وهو مذهب الشافعي والفرق بينه وبين الماء المستعمل أن المستعمل من التراب هو ما علق باليدين أما ما بقي فهو كالماء الباقي في الإناء فإنه طاهر إجماعا وإنما الخلاف في الساقط الذي بقي من الأعضاء الثالث في الجلاب لا يتيمم على لبد ولا حصير وإن كان فيهما غبار خلافا ح لنا أنها ليست بصعيد فلا يجزئ الرابع في الجواهر من لم يجد ماء ولا ما يتيمم به كالمصلوب والخائف من النزول عن الدابة والمريض لا يجد من يناوله ذلك فأربعة أقوال يصلي ويقضي إذا وجد ماء أو ترابا لابن القاسم في العتيبة وعبد الملك ومطرف وابن عبد الحكم والشافعي ولا صلاة ولا قضاء لمالك وابن نافع ويقضي ولا يصلي في الحال لأصبغ وأبي حنيفة ويصلي ولا يقضي لأشهب فوجه الصلاة في الحال ما في الصحيحين أنه عليه السلام أرسل أناسا في طلب قلادة عائشة رضي الله عنها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء ولم يكن إذا ذاك تيمم فشكوا ذلك لرسول الله فنزلت آية التيمم ولم ينكر عليهم فكان شرعا عاما حتى يرد رافعه ووجه القول بعدم الصلاة في الحال قوله عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة بغير طهور وما لا يقبل لا يشرع فعله ولأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجنب ولم يعلم أن الجنب يتيمم فلم يصل وهو في الصحيحين ووجه القول بعدم الإعادة أنه فعل ما أمر به فلا إعادة إلا بأمر جديد والأصل عدم ذلك قياسا على المريض والمسافر يصليان كما أمرا ولا يعيدان ولأنه عليه السلام لم يأمر من ذهب للقلادة بإعادة وقال ابن بشير منشأ الخلاف هل الطهارة شرط في الوجوب أو في الأداء فمن رأى أنها شرط في الوجوب لم يوجب الصلاة في الحال وهذا مشكل منه رحمه الله تعالى فإن الأمة مجمعة على أن الوجوب ليس مشروطا بالطهارة وإلا لكان لكل مكلف أن يقول أنا لا تجب علي الصلاة حتى أتطهر وأنا لا أتطهر فلا يجب علي شيء لأن وجوب الطهارة تبع لوجوب الصلاة فإذا سقط أحدهما سقط الآخر لأن القاعدة أن كل ما هو شرط في الوجوب كالحول مع الزكاة والإقامة مع الجمعة والصوم لا يتحقق الوجوب حالة عدمه ولا يجب على المكلف تحصيله فإن كان مراده أمرا آخر فلعله يكون مستقيما ( الفصل الرابع في صفة التيمم ) فأول ذلك النية واجبة فيه خلافا للأوزاعي وقد تقدمت مباحثها في الوضوء فلنكتف بما هناك وينوي استباحة الصلاة سواء كان جنبا أو محدثا الحدث الأصغر فلو اجتمعا وكان ناسيا للجنابة فروايتان إحداهما عدم الإجزاء لأن التيمم حينئذ يكون بدلا عن الوضوء وهو بعض أعضاء الجنابة والبدل عن البعض لا ينوب مناب البدل عن الكل وهو التيمم عن الجنابة والأخرى يجزيه لأن المقصود ارتفاع المنع من الصلاة وهو واحد فلا يضر اختلاف أسبابه وقد صرح في الكتاب بنيابة الوضوء عن الجنابة في الجبيرة إذا مسحها وهو جنب ثم برئت وغسلها بنية الوضوء ونص اللخمي على النيابة مطلقا والفرق بين الوضوء والتيمم على الأول أن التيمم بدل عن الوضوء الذي هو بعض الجنابة والوضوء أصل في نفسه وإذا نوى استباحة الفرض استباح النفل لأن الأدنى يتبع الأعلى في نظر الشرع ولأنه ورد في الحديث أن الفرائض يوم القيامة تكمل بالنوافل فكانت كالأجزاء لها ولا يصلي ركعتي الفجر بتيمم الصبح لأن الفرض لا يكون تبعا للنفل وقيل يصلي لحصول الاستباحة رواه محمد بن يحيى ولو نوى فرضين صح ولا يصلي أكثر من فرض واحد على المشهور ثم يستعمل الصعيد قال في الكتاب يضرب الأرض بيديه جميعا ضربة واحدة فإن تعلق بهما شيء نفضه نفضا خفيفا ومسح بهما وجهه ثم يضرب أخرى لليدين ويضع اليسرى على اليمنى فيمرها من فوق الكف إلى المرفق ومن باطن المرفق إلى الكوع ويفعل باليسرى كذلك قال ابن شاس وأجاز الشيخ أبو الحسن وعبد الحق مسح كف اليمنى قبل الشروع في اليسرى وروى ابن حبيب تركها حتى يصل كوع الأخرى ويمسح الكوعين واختاره والقولان مؤولان من الكتاب قال صاحب الطراز والثاني ظاهر الكتاب ووجهه أن كفه اليمنى كما تمسح ذراعه فكذلك ذراعه يمسح كفه والتكرار في التيمم غير مطلوب فلا يؤمر بمسح كفه بكفه ولأنه يذهب بما في كفه اليمين من التراب ووجه الأول أن الأصل أن لا يشرع في عضو إلا بعد كمال ما قبله وما نقله صاحب الرسالة إذا وصل الكوع مسح بباطن إبهام اليسرى ظاهر إبهامه اليمنى وكذلك في اليسرى قال صاحب الطراز قال ابن عبد الحكم ليس في ذلك حد كالوضوء وهذه الصفة وإن لم ترد فليست تحكما بل لما علم الفقهاء أن الإيعاب مطلوب والصعيد ليس يعم بسيلانه كالماء اختاروا هذه الصفة لإفضائها لمقصود الشارع وفعل الوسائل لتحصيل المقاصد من قواعد الشرع وعادته قال مالك في العتيبة يجزيه ضربة إذا اقتصر عليها قال ابن القاسم لا يعيد في وقت ولا غيره وعند ابن حبيب يعيد في الوقت وقال ابن نافع والشافعي وأبو حنيفة يعيد مطلقا لنا ما في مسلم والبخاري أن عمار بن ياسر قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد الماء فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب كما تتمرغ الدابة وصليت فأتينا رسول الله فقال إنما كان يكفيك ضربة للوجه وضربة للكفين فقال له اتق الله يا عمار فقال عمار إن شئت يا أمير المؤمنين لم أحدث به فقال بل نوليك من ذلك ما توليت ويروي إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك ويروى أن تقول هكذا وضرب بيديه إلى الأرض ونفض يديه فمسح وجهه وكفيه وقد بينا أنه لا يجب نقل شيء من الأرض فلا معنى للإعادة وإنما ضرب أولا ليخرج من العهدة ولأن تكرار التيمم كترك تكرار الوضوء لا تعاد لأجله الصلاة في الوقت ولا في غيره وقال أيضا في الكتاب إن تيمم إلى الكوعين أعاد التيمم والصلاة في الوقت فإن خرج الوقت أعاد التيمم فقط قال صاحب الطراز يعيد عند ابن نافع أبدا وكذلك عند أبي ح و ش لإطلاق اليد في التيمم وتقييدها في الوضوء والمطلق يحمل على المقيد والقياس على الوجه حجة المذهب أن اليد أطلقت في السرقة فحملت على الكوع فكذلك ههنا ولأن اليد لو لم تصدق على الكوعين لما قيل في الوضوء ( إلى المرافق ) لأن المغيا يجب أن تكمل حقيقته قبل الغاية ولو لا ذلك لكانت إلا للاستثناء مكان إلى لإخراج العضدين ويمنع ههنا حمل المطلق على المقيد لاختلاف الحكم لأن أحدهما وضوء والآخر تيمم قاعدة أصولية المطلق مع المقيد على أربع أقسام تارة يختلف الحكم والسبب كالوضوء والسرقة فلا حمل إجماعا وتارة يتحدان كما لو ذكر الرقبة في الظهار مرتين مطلقة ومقيدة بالإيمان فإنه يحمل المطلق على المقيد وتارة يختلف السبب ويتحد الحكم كالرقبة في القتل مقيدة بالإيمان ومطلقة في الظهار وفي الحمل مذهبان وتارة يختلف الحكم ويتحد السبب كالوضوء والتيمم فالسبب واحد وهو الحدث والحكم مختلف وهو الوضوء والتيمم وفي الحمل مذهبان فعلى هذه القاعدة تتخرج فروع كثيرة ويظهر أن إلحاق التيمم بالوضوء أولى من إلحاقه بالسرقة لكن يؤكد المذهب من جهة الأحاديث الصحيحة كحديث عمار وغيره فإنه مسح وجهه وكفيه وقد روي من طرق ولم يذكر المرفقين ورواية المرفقين منكرة عند أهل الحديث قال أبو داود قال شعبة كان سلمة يقول الوجه والذراعين فقال له منصور ذات يوم أنظر ما تقول فإنه لا يذكر الذراعين غيرك ولو صحت لحملناها على الفضيلة جمعا بين الحديثين وأما الخصم فيعطل أحدهما ولأن اليد تغسل جملتها للجنابة فإذا أبدل التيمم من الغسل تيمم على بعضها وترك العضدان فكذلك إذا أبدل من الوضوء ترك بعض ما يغسل للوضوء وعكسه الوجه لما كان يوعب للجنابة أوعب بدلا من الوضوء ولأن التيمم شرع فيما لم يستر عادة فأسقط من محال الطهارة ما ستر عادة ولذلك لم يشرع في الرأس لستره بالعمامة ولا في الرجلين لسترهما بالنعل وشرع في الوجه لكونه باديا فكذلك يقتصر على الكوعين لكونهما الباديين هذا الكلام في الإجزاء والأفضل البلوغ إلى المرفقين لأنه فعل الصحابة رضي الله عنهم وقال ابن شهاب يتيمم إلى الآباط من أسفل والمناكب من فوق لأن اليد اسم للجملة وأما قول مالك إن خرج الوقت أعاد التيمم فقط فهو مشكل لأن التيمم لا بد من إعادته ولو كان سابغا قال صاحب الطراز هو محمول على أنه تنفل بعد فرضه واستمر تنفله حتى خرج الوقت ثم ذكر فإنه يعيد التيمم ولا يتنفل بذلك التيمم الناقص وكذلك إذا علم قبل انقضاء الوقت فلا يتنفل بذلك التيمم حتى يعيد التيمم فائدة الكوع آخر الساعد وأول الكف والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء وبفتح الميم وكسر الفاء أول الساعد والإبهام بكسر الهمزة مثل الإكرام وهو الأصبع العظمى من اليد والبهام بغير همز جمع بهم والبهم جميع بهيمة وهو واحد أولاد الضأن ذكرا كان أم أنثى وهي للضأن مثل السخل للمعز فروع أربعة الأول قال صاحب الطراز يعم وجهه ولحيته بالمسح كما في الوضوء فما لا يجزئ في الوضوء لا يجزئ في التيمم وجوز ابن مسلمة ترك اليسير وأبو حنيفة ترك الربع لأن المسح مبني على التخفيف لنا قوله تعالى ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) كما في الوضوء الثاني قال يختلف في مسح الوجه بجميع اليد فجوز ابن القاسم مسح الرأس في الوضوء بأصبع إن أوعب ويلزم مثله في التيمم وقالت الحنفية لا يجزئ أقل من ثلاثة أصابع لآن الأمر بالمسح يقتضي آلة للمسح والآلة المعتادة هي الكف وهو صادق على أكثره وهذا باطل لأن الآية اقتضت المسح بأي طريق كان الثالث قال ابن شاس يخلل أصابعه وينزع الخاتم قياسا على الوضوء وقال صاحب الطراز تخليل الأصابع في التيمم أولى من الوضوء لبلوغ الماء ما لا يبلغه التراب قاله ابن شعبان قال ابن أبي زيد وما رأيت ذلك لغيره قال قال ابن عبد الحكم ينزع الخاتم ومقتضى المذهب أنه لا ينزعه لأنه أخف من الوضوء وقد اختلف قول مالك في تخليل الأصابع في الوضوء فإذا قلنا بالوجوب ثم لم يبعد الوجوب ههنا الرابع قال ابن شاس حكمه في الم والاة والترتيب حكم الوضوء وقاله في الكتاب لاشتراكهما في أدلة الحكمين ولأن العلماء لم يفرقوا بينهما إلا الأعمش فإنه قال يبدأ في التيمم باليدين وهو ضعيف وكذلك التدليك قال صاحب الطراز وعلى القول بأنه لا يجب في الوضوء لو سفت الريح التراب عليه لم يجزه وإن قلنا إن المنغمس في الماء يجزيه لأن الوضوء لا بد فيه من إيعاب الأعضاء بالماء فإذا أوعبها أجزأه على هذا القول فأما التيمم فلا يجب فيه الإيعاب بدليل التيمم على الحجر فلا بد من الإيعاب بصورة المسح فإذا لم يتدلك لم يحصل التيمم ألبته والفرق مذهب الشافعي ( الفصل الخامس في المتيمم له ) قال في التلقين وهو كل قربة لزم التطهر لها كالصلاة ومس المصحف وغسل الميت تنبيه ولم يقتصر على قوله ما يلزم التطهر له احترازا من الحائض فإنه يلزمها الطهر للوطء ولا تتيمم ولنفصل ذلك فروعا أحد عشر الأول قال ابن القاسم في الكتاب يتيمم المريض والمسافر لخسوف الشمس والقمر ولم أحفظ عن مالك فيهما فقها وقال عبد العزيز بن أبي سلمة في النوادر لا يتيمم لنافلة لعدم الضرورة لها لنا قوله تعالى ( إذا قمتم إلى الصلاة ) وهو عام في جنس الصلاة ولهذا يشترط الوضوء للنافلة ثم قال ( فلم تجدو ماء فتيمموا صعيدا ) فشرع التيمم لكل صلاة يتوضأ لها الثاني قال في الكتاب إذا أحدث خلف الإمام في صلاة العيدين لا يتيمم خلافا لأبي ح قال صاحب الطراز لأنه قادر على الوضوء ويصلي وحده فلا يتيمم لإدراك فضيلة الجماعة وكذلك كل من أحدث مع الإمام ليس له أن يتيمم لذلك وإن فاتته الجماعة والجمعة وقد سلم أبو حنيفة بذلك ويوضح ذلك أن الوضوء شرط واجب والجماعة فضيلة والواجب لا يترك لأجل الفضيلة وقيل يتيمم لخوف فوات الجمعة وعلى هذا يتيمم لفوات العيدين قال ولو خاف فوات ركعتي الفجر إن توضأ ويدرك الصبح ويدركهما إن تيمم قال يتوضأ الثالث قال في الكتاب لا يصلي الجنازة بالتيمم إلا المسافر الذي لا يجد الماء قال صاحب الطراز لأن الغالب في الحضر الماء فإن كان ثم من يصلي عليها فلا حاجة إلى التيمم وإن لم يكن وأمكن التأخير حتى يوجد الماء أخرت وإلا صلوا بالتيمم قال اللخمي قال ابن وهب إذا خرج للجنازة وهو طاهر ثم أحدث ولم يجد ماء تيمم وإن خرج على غير طهارة لم يتيمم وقال أبو حنيفة يتيمم كقوله في العيدين ويجيء ذلك على قول بعض أصحابنا كما تقدم الرابع قال صاحب الطراز من مسجده في سوقه أو دخل مسجدا فأراد تحيته أو أراد القراءة وهو جنب لا يتيمم لشيء من ذلك وإن كان يتركه الخامس قال في الكتاب من لم يجد الماء في سفره يتيمم لمس المصحف ويقرأ حزبه قال صاحب الطراز وهذا قول أكثر أئمة المذهب وقال عبد الملك لا يتيمم إلا للمكتوبة لأنه محدث أجيزت له الفريضة للضرورة ولذلك منع الصلاة أول الوقت لجواز التأخير لنا آية التيمم قال فيصلي النافة متصلة بها أو بالفرض الذي قبلها وإذا نوى بتيممه النافلة فعل سائر النوافل فإذا نوى مس المصحف فعل القراءة وسجود التلاوة المتعلقة بمس المصحف وهل له أن يتنفل به وهو المروي عن مالك أو يقال الوضوء لمس المصحف مختلف فيه يضعف عن الوضوء ؟ وهو لبعض الشافعية السادس قال في الكتاب إذا قدم النافلة على الفريضة أعاد التيمم للفريضة لبطلانه بالفراغ منها قال صاحب الطراز وروي عن مالك وابن القاسم الإعادة في الوقت حجة البطلان أن المتيمم محدث فلا يشرع له التيمم إلا لضرورة ولا ضرورة إلا عند دخول الصلاة ولهذه العلة لا يجمع بين فرضين وحجة عدم البطلان أن التيمم بدل فلا يبطل إلا بوجود المبدل أو الحدث فيستمر حكمه إلى ذلك السابع قال ابن القاسم في الكتاب إذا تيمم الجنب للنوم لا يتنفل ولا يمس مصحفاً وروي عن مالك ذلك كالخلاف في الوضوء قال صاحب الطراز ولو تيمم للفريضة فله فعلها وفعل النافلة بعدها وقراءة القرآن حتى يحدث وقال بعض الشافعية الحدث الطارئ لا يمنع القراءة لتقدم الاستباحة وليس كما زعم فإن الجنابة ثابتة وإنما التيمم مبيح إلى حين الحدث فمن ادعى بقاء الإباحة بعد ذلك فعليه الدليل الثامن قال في الكتاب لا يصلي به مكتوبتين قال اللخمي فيه أربعة أقوال عدم الجمع مطلقا في الأداء والقضاء لما تقدم والجمع قياسا على مبدله والتفرقة بين الصلاتين إذا اجتمعتا في الأداء كالظهر مع العصر آخر القامة الأولى وبين غيرهما فيجوز في الأول دون الثاني والتفرقة بين من يطلب الماء ومن لا يطلبه كالمجدور والمحصوب فيجوز في الثاني دون الأول قال صاحب الطراز والمذهب المنع مطلقا وقد روى ابن وهب مسندا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة قال الطرطوشي في تعليقه هذه المسألة تنبني على ثلاثة أقوال أن الصلاة لا يتيمم لها قبل وقتها وأن الطلب واجب وأن التيمم لا يرفع الحدث فإن جمع قال ابن القاسم في العتيبة يعيد في الوقت ولو أعاد أبدا كان أحب إلي وقال في كتاب محمد يعيد أبدا وقال أصبغ يعيد المشتركة في الوقت والمباينة أبدا التاسع قال صاحب الطراز إذا قلنا لا يجمع بين فرضين فهل يجمع بين فرض وسنة أو فرض معين وفرض على الكفاية ؟ المذهب الجواز إذا قدم الفرض وقال سحنون إذا تيمم للعشاء يستحب له أن لا يصلي الوتر وإذا قلنا يصلي الجنازة بتيمم الفريضة فلا فرق بين كثرة الجنائز وقلتها وقال بعض الشافعية لا يصلي على جنائز بتيمم واحد في صلاة واحدة لأنه إسقاط لفرائض بتيمم واحد وهو باطل لأن الصلاة واحدة العاشر قال صاحب الطراز إذا تيمم لصلاة ثم ذكر غيرها فإن كانت المذكورة في الترتيب بعدها تيمم لها إذا فرغ من الأولى وإن كانت قبلها لم يجز تيممه للأخرى الحادي عشر قال لو نسي صلاة من خمس تيمم لكل واحدة منهن لئلا يتيمم للفرض قبله ( الفصل السادس في وقت التيمم ) قال ابن شاس إنما شرع التيمم بعد دخول الوقت على المعروف واختار القاضي أبو إسحاق قبله بناء على أن التيمم يرفع الحدث وإذا فرعنا على المشهور فالراجي يتيمم آخر الوقت الاختياري والآيس أوله والشاك وسطه وروي آخره على الإطلاق وقيل بل وسطه إلا الراجي فإنه يؤخره وقيل آخره إلا الآيس فإنه يقدم ونبسط ذلك على العادة فنقول قال في الكتاب لا يتيمم مسافر أول الوقت إلا أن يكون آيسا فيتيمم ويصلي ولا إعادة عليه والمريض والخائف يتيممان في وسط الوقت قال صاحب الطراز روى ابن وهب وابن نافع لا يتيمم أحد إلا أن يخاف فوات الوقت وهو مذهب ابن حنبل لأن التيمم طهارة ضرورة ولا ضرورة مع بقاء الوقت وروى عنه ابن عبد الحكم يتيمم المسافر أول الوقت مطلقا ولم يفرق قال وهو القياس لأن بدخول الوقت قد وجبت الصلاة فيمكن المكلف من فعل ما وجب عليه إلا أن المستحب أن يختلف باختلاف الأعذار فإن سقط استعمال الماء لعذر كالمجدور يتيمم أول الوقت لإدراك فضيلة الوقت وعدم الفائدة في التأخير وقال مالك في الموازية إن سقط استعمال الماء لعدمه أو لعدم المناول أو عدم الأمن االموصل إليه كالآيس من الماء حتى يخرج الوقت يتيمم أول الوقت وكذلك قال مطرف وابن عبد الحكم وابن الماجشون والشافعي وأبو حنيفة وهو على خلاف أصله لتعلق الوجوب عنده بآخر الوقت وأما الراجي فيتيمم آخر الوقت توقعا لتحصيل مصلحة الطهارة بالماء وقاله مالك في المجموعة وأبو حنيفة والشافعي لأن فضيلة أول الوقت تترك لرخصة الجمع والطهارة لا تترك لرخصته وإنما تترك للعجز وأما الذي لا يرتجي ولا ييأس كالجاهل بموضع الماء يتيمم وسط الوقت عند القاضي عبد الوهاب وابن الجلاب فرع لا إعادة على من أوقع الصلاة في الوقت المعين له إلا أربعة فإنهم يعيدون في الوقت الأول الشاك فإنه كالمقصر في حدسه ولو أنها نهايته لأوشك أن يظهر له قال في الكتاب من أمر بالتيمم وسط الوقت ففعل ثم وجد الماء فإنهم يعيدون إلا المسافر فإنه لا يعيد إلا أن يعلم أنه يصل الماء في الوقت فتيمم أوله وصلى قال ابن القاسم يعيدها في الوقت قال صاحب الطراز لأن هذه الإعادة مستحبة والمسافر جوز له ترك نصف العزيمة والمستحبة أولى ويعيد غيره كالفاقد إذا وجد الماء وأما قوله إلا أن يعلم أنه يصل الماء أمره بالإعادة في هذه الصورة في الوقت لأن دخول الوقت وهو على غير ماء لا يمنع من تحصيل مصلحة أول الوقت كما لا يمنع النافلة فإذا فعل أجزأ ولأنه لو لم يجد الماء لصحت صلاته ولو كان اعتقاد وجدان الماء يمنع من الصحة لكانت فاسدة تعاد أبدا فالفائت عليه حينئذ إنما هو فضيلة الطهارة فإن وجد الماء يعيد لتحصيلها قال وقال ابن حبيب إن لم يعد في الوقت أعاد أبدا لأن اعتقاد الوجدان يمنع التيمم تنزيلا للاعتقاد منزلة الرؤية إلا أنه إذا صلى ولم يجد ماء تبين فساد اعتقاده وصحة صلاته وإذا قلنا يعيد في الوقت قال صاحب الطراز فهو القامة الأولى على ظاهر المذهب وقيل الغروب ويعيد من صلى بالنجاسة إلى الاصفرار والفرق بينهما أن النجاسة منافيه مقارنة والصلاة ههنا بغير مناف الثاني الناسي للماء في رحله فيه ثلاثة أقوال قال في الكتاب إذا ذكر الناسي أعاد في الوقت فإن ذكر وهو الصلاة قطعها وأعادها بالوضوء قال صاحب الطراز وروى المدنيون الإعادة مطلقا وهو قول مطرف وعبد الملك وابن عبد الحكم ووافق أبو حنيفة المشهور واختلف قول الشافعي وفرق بعض أصحابه بين الناسي فلا يجزئه لتفريطه وبين الجاهل الذي جعل الماء في ساقيته ولم يعلم به فيجزيه لعدم تفريطه قال ابن شاس وروى ابن عبد الحكم عدم الإعادة مطلقا ولو أدرج الماء في رحله ولم يعلم لم يقطع ولم يقض ووافقه ابن يونس وهو خلاف ظاهر الطراز والذي في الكتاب لا علم عنده وهو أعم من القسمين . حجة المشهور أن استعمال الماء سقط بالأعذار كاللصوص والسباع وتقليد إنسان في عدم الماء والنسيان عذر فيسقط وإخبار نفسه كإخبار غيره له وهو ناس . حجة الوجوب أن وجود الماء لا ينافيه النسيان وإنما ينافيه العدم والتيمم مشروط بعدم الوجود للآية ولم يتحقق الشرط وقياسا على نسيان الرقبة في ملكه في الكفارة فإنه لا يجزئه الصوم وعلى الجبيرة إذا صحت ونسي أن ينزعها ويغسل ما تحتها وعلى الخف إذا نسي غسل ما تحته والعلة في الجميع نسيان الشرط وقوله إن ذكره في الصلاة قطعها لأنه معنى تعاد الصلاة لأجله في الوقت فتقطع له قياسا على من أقيمت عليه الصلاة في المسجد بعد إحرامه منفردا قال صاحب الطراز ويتخرج فيها قول أنه لا يقطع كمن نسي ثوبه الطاهر وصلى بنجس ثم ذكره في الصلاة . فرع مرتب لو سأل رفقته الماء فنسوه فلما تيمم وصلى وجدوه قال ابن القاسم في العتبية إن ظن أنهم إن علموا به منعوه لا يعيد وإلا أعاد في الوقت ولو تيقن الماء في راحلته واختلطت في القافلة ولم يقدر عليها قال صاحب الطراز الظاهر أنه ليس بمفرط فتصح صلاته لأن المسافر قد يشتغل بشد متاع أو إصلاح شأن فيعرض له ذلك كثيرا ولأصحاب الشافعي فيه قولان . الثالث الخائف من اللصوص . الرابع العادم من يناوله الماء لتقصيرهم وهو قول مالك رحمه الله في الكتاب . هذا حكم من أوقع الصلاة في الوقت المأمور به وفي الجواهر وأما من أخر ما أذن له في تقديمه فلا إعادة ومن قدم ما أذن له في تأخيره فقيل يعيد في الوقت وقيل وبعده وسبب الخلاف هل التأخير من باب الأولى أو الأوجب وقيل بالفرق بين العالم فيعيد مطلقا وبين الظان فيعيد في الوقت ومن قدم ما أمر يتوسطه فلا يعيد في الوقت وإن أمرناه بالإعادة في الوقت فنسي فالمشهور أنه لا يعيد بعد الوقت وقال ابن حبيب كل من أمرناه بإعادة في الوقت فنسي أعاد بعد الوقت
الفصل السابع في الأحكام التابعة للتيمم
وفيه فروع عشرة : الفرع الأول قال في الكتاب الآيس من الماء لا يعيد خلافا لطاووس لما في أبي داود قال خرج رجلان لسفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما وصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر ثم أتيا النبي فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلاتك وقال للآخر لك الأجر مرتين وقياسا على الجبيرة والقصر للصلاة في السفر فإذا زالت أعذارهم لا يعيدون فكذلك ههنا . الثاني قال في الكتاب إذا طلع عليه رجل معه ماء وهو في الصلاة لا يقطع وفرق بينه وبين من نسي الماء في رحله وقال أبو حنيفة يقطع إلا أن يجده قبل السلام قال صاحب الطراز وقال بعض أصحابنا يقطع . لنا أنه مأذوق له في الدخول في الصلاة بالتيمم والأصل بقاء ذلك الإذن ولقوله تعالى ( ولا تطلبوا أعمالكم ) والعمل كان معصوما قبل طريان الماء والأصل بقاؤه . حجة الحنفية أن الأصل إيقاع الصلاة بالوضوء مع القدرة وقد قدر فيجب ولأن كل ما أبطل الطهارة خارج الصلاة أبطلها داخل الصلاة . جوابه أن ذلك ينتقض بصلاة الجنازة والعيدين وسؤر الحمار فإنهم لا يقولون ببطلانها . نقوض سنة : يحتج الخصم بالقياس على الأمة تعتق في الصلاة مكشوفة الرأس والعريان يجد ثوبا في الصلاة والمسافر ينوي الإقامة في أثنائها وناسي الماء في رحله والوالي يقدم على وال آخر في إتيان الجمعة وذكر الصلاة في صلاة والفرق بين صورة النزاع وبين الأولى والثانية أنهما دخلا بغير بدل وههنا ببدل وهو التيمم مع أن ابن يونس قال إذا عتقت الأمة بعد ركعة وهي مكشوفة الرأس قال أشهب تتمادى ولا تعيد في وقت ولا غيره كالمتيمم وقال ابن القاسم إن لم تجد من يناولها خمارا ولا وصلت إليه فلا تعيد وإن قدرت أعادت في الوقت وبين الثالثة أن الإبطال وجد من جهته وفعله بكونه قصد الإقامة والقصر رخصة في السفر وبين الرابعة أنه منسوب للتفريط لنسيانه وبين الخامسة أن أستنابة الثاني عن الأول كالوكيل وأما التيمم فهو بدل عن الوضوء والأصل بقاؤه على ذلك ولو أبقينا الأول لتركنا الاحتياط للناس كافة في جمعهم وبين السادسة أن نسيان الصلاة كان من قبله فهو مفرط ولأن الشرع قد جعل الوقت للمنسية لقوله عليه السلام
فإن ذلك وقت لها
الحديث فتكون الحاضرة حينئذ في غير وقتها ومن صلى قبل الوقت أعاد أما المتيمم فصلاها في وقتها بشروطها فتجزئه . الثالث قال صاحب الإشراف إذا وجده قبل الشروع لا يبطل تيممه إذا خشي فوات الوقت وإن لم يخش فالعلماء على بطلان تيممه إلا أبا سلمة . لنا أن الله تعالى اشترط عدو وجود الماء وهو واجد . الرابع قال في الكتاب إذا وجد الجنب الماء بعد التيمم والصلاة وخروج الوقت اغتسل للمستقبل وصلاته تامة قال صاحب الطراز إلا أن يكون على بدنه نجاسة فيعيد ما صلى في الوقت الذي وجد فيه الماء . لنا ما في أبي داود والترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي ذر
الصعيد طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته وحكى صاحب الاستذكار فيه الإجماع
وهذه المسألة هي التي اعتمد عليها الأصحاب وغيرهم في أن التيمم لا يرفع الحدث وهو من الأمور المشكلة وقد آن أن نكشف عنه فنقول كيف يستقيم قولنا التيمم لا يرفع الحدث مع أن الحدث له معنيان أحدهما الأسباب الموجبة كالريح للوضوء والوطء للغسل مثلا والثاني المنع الشرعي من الإقدام على العبادة حتى نتطهر وهذا هو الذي قصده الفقهاء بقولهم ينوي المتطهر رفع الحدث فإن رفع الأسباب محال . فإن كان المراد بأن التيمم لا يرفع الحدث الأول فكذلك الوضوء وإن كان المراد الثاني فقد ارتفع بالضرورة فإن الإباحة ثابتة إجماعا ومع الإباحة لا منع فهذا بيان ضروري لا محيص عنه . وأما ما يتمسك به من قوله عليه السلام لعمرو بن العاص
صليت بأصحابك وأنت جنب وكان متيمما ومن إيجاب الغسل على الجنب إذا وجب الماء ومن عدم استباحة الصلوات فتخيلات لا تحقيق لها . أما الأول فمحمول على الاستفهام ليتبين ما عند عمرو بن العاص من الفقه لا على الخبر والكلام محتمل للأمرين فيتعين حمله على ما نقول على وفق الدليل الضروري الذي ذكرناه . وأما وجوب الغسل على الجنب فإن الماء فيه من المناسبة للتقرب ما ليس في التراب فوجب استعماله عند وجوده لمناسبته لمعنى التقرب لا أن الحدث باق . وأما عدم الجمع بين صلوات فذلك هو الأصل فيه وفي الوضوء لأن الله تعالى يقول ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) إلى قوله تعالى ( فتيمموا ) والشروط اللغوية أسباب والأصل ترتيب المسببات على الأسباب وكذلك كان علي رضي الله عنه يرى ألا يجمع بين فرضين بوضوء واحد ولم يقل أحد إن الوضوء لا يرفع الحدث فكذلك التيمم . وأما وجوب استعمال الماء إذا وجده قبل الصلاة فلما تقدم من مناسبته للنظافة وأصالته لا لبقاء الحدث . وقد اشتد نكير صاحب القبس وإنه لمعذور قال رفع التيمم للحدث هو الذي يفهم من قول مالك فإن الموطأ كتابه الذي كان يعنى به ويقرأ عليه طول عمره حتى لقي الله وهو القائل فيه يؤم المتيمم المتوضئين لأن المتيمم قد أطاع الله وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتم صلاة وقال ابن نافع رفع الحدث بالتيمم مغي بطريان الماء كما أن رفع بالوضوء مغي بطريان الحدث . وكذلك اشتد تعجب المازري من هذه المسألة وقال لعل الخلاف في اللفظ واستدل على رفع التيمم للحدث بقوله تعالى ( ولكن يريد ليطهركم ) وبقوله عليه السلام
جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا
وحكى فيه روايتان عن مالك وابن المسيب وابن شهاب . وعن أبي سلمة أنه يرفع الحدثين ولا يجب عليه الوضوء إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الصلاة قال وفائدة رفع الحدث عند الأصحاب أربعة أحكام وطء الحائض إذا طهرت به ولبس الخفين به وعدم وجوب الوضوء إذا وجد الماء بعده وإمامة المتيمم المتوضئين من غير كراهة زاد ابن شاس التيمم قبل الوقت فتكون خمسة . نظائر خمسة التيمم والمسح على الخفين والمسح على الجبيرة والمسح على شعر الرأس والغسل على الأظفار وفي الجميع قولان للعلماء والمذهب في الثلاثة الأول عدم الرفع . الخامس قال في الكتاب يؤم المتيمم المتوضئين وإمامة المتوضئ لهم أحب إلي لأن التيمم لا يرفع الحدث على أصلنا فيكره لأنها حالة ضرورة كصاحب السلس والإجزاء لحديث عمرو بن العاص أنه صلى متيمما بالمتوضئين وقد تقدم . والفرق بين هذه وبين الصلاة خلف من يومئ والقارئ خلف الأمي أن السجود والقراءة من نفس الصلاة فالإخلال بهما إخلال في نفس الصلاة فالمأموم حينئذ آت بصلاة لا سجود فيها ولا قراءة لأن الصلاتين واحدة وأما الطهارة فلا تبعية فيها ولا اختلاط وإنما المقصود منها الاستباحة وهي حاصلة . السادس قال في الكتاب إذا نوى بتيممه الصلاة جاهلا للجنابة وصلى لا يجزئه ويعيد أبدا وهو قول أبي حنيفة قال صاحب الطراز وروي عنه الإجزاء وهو قول الشافعي ويعيد في الوقت . وجه الأول قوله عليه الصلاة والسلام إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى وهو لم ينو الجنابة فلا ترتفع ولأن الذي نواه ليس بمانع للصلاة لاندراج الحدث الأصغر في الأكبر فأشبه ما إذا نوى الأكل أو الشرب ولو سلمنا عدم الاندراج لكن التيمم للوضوء بدل عن الوضوء والوضوء نفسه بعض أعضاء الجنابة فلا يجزئ عنها فيكون بدله كذلك بطريق الأولى ووجه الإجزاء أن صورة التيمم لهما واحدة وموجبه لهما واحد وهو عدم الماء فيجزئ كالوضوء للريح عن الوضوئ من المس . فلو تيمم للجنابة ثم تبين عدمها هل يجزئه عن الوضوء قال ابن القاسم في العتبية يجزئه . السابع قال في الكتاب إذا تيممت الحائض وصلت بعد طهرها لا يطؤها زوجها حتى يكون معهما من الماء ما يغتسلان به جميعا قال صاحب الطراز يريد حتى يكون معهما من الماء ما يتطهران به من الحيض والجنابة وفي كتاب ابن شعبان له وطؤها بالتيمم وهو قول الشافعي . لنا أن التيمم ليس بطهارة فيقتصر به على الصلاة . حجة الجواز أنه طهارة للصلاة فيكون طهارة لغيرها عملاً بارتفاع المنع في الصورتين . الثامن قال صاحب الطراز إذا تيمم رجلان في سفر أو نفر يسير فقال رجل وهبت هذا الماء لأحدكما وهو يكفي أحدهما قال سحنون من أسلمه لصاحبه انتقض تيمم التارك له وكذلك إذا قال هو لأحدكم إلا في العدد الكثير كالجيش فلا ينتقض وضوء الباقين وإن قل كأنه رأى أن قوله يوجب التشريك بينهم ونصيب كل واحد لا يقع به الكفارية بخلاف قوله هو لأحدكما فإنهما لو تقارعا عليه حصل لأحدهما فمن أسلمه مع جواز أن يكون له بطل تيممه فإذا كان اثنان كان ظن أحدهما لحوزه أقرب من الثلاثة وكلما كثر العدد ضعف الظن ولو وجدوه في الصحراء بعد تيممهم بمكان لا ينسون فيه إلى تفريط فإن بدر إليه أحدهم فتوضأ به قال سحنون في العتيبة لا ينتقض تيمم الباقين فلو أعطوه لواحد منهم اختياراً قال سحنون في العتبية ينتقض تيممهم أجمعين وقال في الجموعة لا ينتقض إلا تيمم المسلم إليه لأنهم قبل حوزه لا يعدون مالكين له وإنما ملكه من حازه كالصيد ولو سلم ملكهم فالذي يصيب كل واحد منهم لا تقع به الكفاية كما لو وهبه لجميعهم قال صاحب البيان قال ابن القاسم إذا وجد الرجلان في السفر من الماء كفاية أحدهما فيتشاحان عليه يتقاومانه لأن المقاومة شراء وشراء الماء واجب فإن ترك أحدهما المقاومة قبل بلوغه القدر الذي يجب عليه شراؤه به وصلى أعاد الصلاة أبدا فلو كانا معدمين كان لهما التيمم جميعا إلا أن يجيبا إلى القرعة فمن صار له انتقض تيممه وكان عليه قيمة نصيب صاحبه دينا ولو كان أحدهما موسرا والآخر معسرا كان للموسر الوضوء به ويؤدي لشريكه قيمة نصيبه إلا أن يحتاج إلى نصيبه منه فيقسم وقال ابن كنانة لا تلزم المقاومة عند ابن القاسم إلا أن يتشاحا وأما إن تركاها وأسلم أحدهما الماء لصاحبه لم ينتقض تيمم الدافع قال وذلك بعيد عندي . قاعدة الموانع الشرعية على ثلاثة أقسام : الأول يمنع ابتداء وانتهاء كالرضاع يمنع النكاح قبله وطارئا عليه . والثاني يمنع ابتداء فقط كالاستبراء يمنع النكاح ابتداء وإذا طرأ عليه لا يبطله . الثالث مختلف فيه كالإحرام يمنع من وضع اليد على الصيد ابتداء وإن طرأ على الصيد اختلف فيه وكذلك الماء مع التيمم وعلى الفقيه أن ينظر في رد الفروع إلى أقرب الأصول إليها فيعتمد عليه . التاسع قال صاحب الطراز لو وجد المتيمم ماء فتوضأ به وصلى أو لم يصل ثم علم بنجاسته قال سحنون لا ينتقض تيممه قال ويريد بالنجس غير المتيقن قال وفيه نظر لعدم اتصال تيممه بصلاته . العاشر قال صاحب البيان وقال ابن القاسم إذا أصاب المتيمم بول ولا ماء معه مسحه بالتراب وأعاد في الوقت لأنه يزيل العين . صفحه فارغه
الباب السادس في الحيض
ولنقدم الكلام على لفظه وحقيقته وسببه ثم الكلام على فقهه أما لفظه فحكى صاحب التنبيهات فيه احتمالين : الأول أنه مأخوذ من قول العرب حاضت السمرة إذا خرج منها ماء أحمر فشبه دم الحيض به . وثانيهما أن الحيض والمحيض مجتمع الدم ومنه الحوض لاجتماع الماء فيه وهو مشكل لأن الحوض من ذوات الواو والحيض من ذوات الياء فهما متباينان ولذلك جعلهما صاحب الصحاح في بابين وتقول حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا فهي حائض وحائضة وقال بعض أئمة اللغة إن أردت الحالة المستمرة والصفة المعتادة قلت حائض وطاهر وطالق وإن أردت الحالة الحاضرة قلت حائضة وطاهرة وطالقة والحيضة المرة الواحدة ولو دفعة بفتح الحاء ولكن اصطلاح المذهب على أنها المدة التي تعتد بها من زمان الحيض في العدد والاستبراء والحيضه بكسر الحاء الاسم والخرقة التي تستثفر بها وكذلك المحيضة . والحيض والطهر يسمى كل واحد منها قرءا وقرءا بضم القاف وفتحها ومن العلماء من يفرق بينهما على المذهبين قيل الإطلاق على سبيل الاشتراك وقيل متواطئ موضوع للقدر المشترك واختلف في ذلك المشترك فقيل اجتماع الدم في الجسد زمان الطهر أو في الرحم زمان الحيض فإن أصل القرء الجمع ومنه قرأت الماء في الحوض إذا جمعته ومنه القراءة للكتب فإنه جمع حرف إلى حرف وكلمة إلى كلمة وقيل المشترك الزمان لقولهم جاء فلان لقرئه أي لزمانه ولما كان لكل واحد منهما زمان يخصه قيل له قرء وتقول العرب استحيضت المرأة إذا استمر دمها بعد أيامه فهي مستحاضة وتحيضت أي قعدت أيام حيضها وفي الحديث
تحيضي في علم الله ستا أو سبعا
وأما حقيقته فهو غسالة الجسد وفضلات الأغذية التي لا تصلح للبقاء ولذلك عظم نتنه وقبح لونه واشتد لذعه وامتاز على دم الجسد وكذلك على الذي منه دم الاستحاضة وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام ذلك عرق وليس بحيضة أي عرق انشق فخرج منه دم الجسد وليس بغسالة فيجتمع ذلك من الوقت إلى الوقت ثم يندفع في عروق الدم فيخرج من فوهاتها إلى تجويف الرحم فيجتمع هناك ثم يندفع في عنق الرحم الذي هو محل الوطء وجعل الله سبحانه وتعالى ذلك علما على براءة الأرحام وحفظا للأنساب . وأما سببه فقيل لما أعانت حواء آدم على الأكل من الشجرة أرسل الله تعالى عليها هذا الدم عقوبة لها يبعدها عن طاعة ربها حالة ملابسته لها وأقر ذلك في بناتها وقيل أول ما امتحن به بنو إسرائيل . وأما فقهه فنمهد له بالنظر في أحكام الحيض والطهر وأقسام الحيض ودم الاستحاضة ودم النفاس فهذه أربعة فصول .
الفصل الأول في أحكام الحيض والطهر
وأقل الحيض غير محدود بل الصفرة والكدرة حيض سواء كانتا في أوله أو في آخره خلافا لمكحول لما في الموطأ عن عائشة رضي الله عنها أن النساء كن يبعثن إليها بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة فتقول لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء والدرجة بكسر الدال وفتح الراء جمع درجة بضم الدال وسكون الراء الخرقة والكرسف القطن وهو أليق بالرحم اللينه وتجفيفه لما يجده وصفائه . والدفعة من الدم حيض خلافا لأبي حنيفة والشافعي في أنهما لا يعدان حيضا إلا ما كان يعتد به في العدة والاستبراء فحدده أبو حنيفة وابن مسلمة بثلاثة أيام والشافعي بيوم وليلة . وفي التفريع أقل الحيض خمسة أيام في العدد والاستبراء لعبد الملك قال المازري قال بعض أصحابنا أقله ثلاثة أيام في العدة والاستبراء وفي الكتاب في كتاب الاستبراء إذا رأت الدم يوما أو يومين فتسأل عنه النساء فإن قلن يقع به الاستبراء استبرأت به قال صاحب الطراز قال محمد بن خويز منداد تفرقة مالك بين العدد والصلاة استحسان والقياس عدم التفرقة فتكون الدفعة تحرم بها الصلاة وتنقضي بها العدة فتنقضي العدة بعشرة أيام وبعض يوم . والمعروف من المذهب التفرقة لقوله عليه السلام
دم الحيض أسود يعرف فإذا رأيت ذلك فاتركي الصلاة
وقوله تعالى ( فل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ) واتفق الجميع على أن أول النفاس غير محدود فكذلك فروع أربعة : الأول الحيض والنفاس قال في التلقين يمنعان أحد عشر حكما وجوب الصلاة وصحة فعلها وفعل الصوم دون وجوبه والجماع في الفرج وما دونه والعدة والطلاق والطواف ومس المصحف ودخول المسجد والاعتكاف وفي القراءة روايتان أما الأول والثاني فبالإجماع فرع قال صاحب الطراز لو بقي من النهار ركعة فابتدأت تصلي العصر فلما فرغت الركعة غابت الشمس وحاضت قال سحنون تقضيها لأنها لم تحض إلا بعد خروج وقتها كما لو لم تصلها وقال أصبغ لا تقضيها لأن ما توقعه بعد الغروب لو كان زمن أداء لكانت من إذا حاضت فيه ولم تصل العصر يسقط عنها وأما الحديث فمعناه فقد أدرك وجوبها لأنه قد لا يصليها فلا يكون أداء وخبر الشرع يجب أن يكون صادقا . وأما الثالث وهو وجوب الصوم قال المازري أنكره على القاضي جماعة من العلماء لأن حقيقة الواجب ما يعاقب تاركه والحائض لا تعاقب على الصوم والشيء لا يوجد بدون حقيقته وحده فلا يكون الصوم واجبا وهو محرم ووافق القاضي على ذلك أبو الطاهر وجماعة شبهتهم أمران : أحدهما أن الحائض تنوي القضاء إجماعا والقضاء فرع وجوب الأداء . الثاني لو كان الصوم لا يجب أداؤه لكان وجوبه منشأ في زمن القضاء ولو كان كذلك لما احتاجت إلى إضافته لرمضان السابق . وجواب الأول أن القضاء فرع تحقق سبب وجوب الأداء لا الأداء والسبب متحقق في حقها وهو رؤية الهلال . وجواب الثاني أن الحاجة لإضافته لما سبق لتعين نسبته إليه فإن الوجوب يثبت حالة الطهر مضافا لذلك السبب ومقصود النية تمييز العبادات عن العادات أو تمييز مراتب العبادات ولا تمييز لهذا الصوم إلا بسببه فوجبت إضافته إليه كما تضاف الصلوات إلى أسبابها . وأما الوطء فلقوله تعالى ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ) فحرم ونبه على سبب المنع وهو الأذى وهذا الظاهر يقتضي اعتزالهن على الإطلاق وقد قال به بعض العلماء لا سيما إذا قلنا في المحيض اسم زمان الحيض فإن هذا البناء يصلح للمصدر والزمان والمكان وظاهر التعليل يقتضي اقتصار تحريم المباشرة للفرج فقط لا سيما إن قلنا إن المحيض اسم مكان الحيض وهو قول أصبغ وابن حبيب ولولا السنة لكان النظر معهما لأن النصوص تتسع عللها . والمذهب المشهور جمع بين الكتاب والسنة ففي الموطأ والصحيحين عن عائشة رضي الله عنها كانت إحدانا إذا كانت حائضا أمرها النبي فتأتزر بإزار ثم يباشرها وفي أبي داود عن ميمونة زوج النبي عليه السلام كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين أو الركبتين . فائدتان : الأولى سبب سؤالهم له حتى نزل قوله تعالى ( ويسئلونك عن المحيض ) فقيل كانوا يعتزلون مواضع الحيض كاليهود فسألوا عن ذلك فأخبرهم الله تعالى أن الحرام الجماع بقوله تعالى ( في المحيض ) ويدل على ذلك في الآية أمران أحدهما قوله تعالى ( فإذا تطهرن فأتوهن ) والمراد بالإتيان الوطء فدل ذلك على أن الممنوع منه هو الوطء وأنه هو المغيا بحتى ليلتئم السياق وثانيهما أنا نحمل المحيض على اسم مكان الحيض وقيل سألوا لأنهم يجتنبون الحيض في القبل ويأتونهن في الدبر فأمرهم الله تعالى بالاعتزال في الموضعين وأباح بعد الطهر القبل فقط بقوله ( من حيث أمركم الله ) . الثانية ليس على واطئ الحائض كفارة لأنها ليست من لوازم التحريم بدليل الغصب والغيبة والنميمة وغير ذلك فلا بد حينئذ من دليل يقررها ولم يوجد فيقرر . وقال الشافعي وابن حنبل وجماعة يكفر وأوجب الحسن كفارة رمضان وأحمد يخبره بين دينار ونصف دينار وقتادة يوجب بإصابته في الدم دينارين وبعد انقطاعه نصف دينار وابن عباس يوجب إن أصابها أول الدم دينارا وفي آخره نصف دينار ولعل هذه الأمور منهم استحسان لدفع السيئة بالحسنة فرع في الجواهر يحرم وطؤها بعد انقطاع الدم وقبل الغسل خلافا للأبي حنيفة في إباحته ذلك إذا انقضى أكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده أو وجد معنى ينافي حكم الحيض مثل حضور آخر وقت الصلاة لأن الوجوب عنده متعلق بآخر الوقت أو يتيمم للصلاة ووافقه ابن بكير من أصحابنا في الإباحة . لنا قوله تعالى ( حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن ) فاشترط انقطاع الدم والغسل ويدل على أن المراد الغسل قوله تعالى ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) مدحا وحثا على التطهير وذلك يدل على أنه مكتسب وانقطاع الدم ليس بمكتسب . وأما قول أبي حنيفة إن علة المنع الدم فيزول بزوال علته فيشكل عليه بانقطاعه قبل العشرة الأيام فلو تييمت على مذهبنا ففي جواز وطئها بعد أيام الدم قولان مبنيان على أن التيمم هل يرفع الحدث أم لا . فرع في الكتاب يجبر المسلم زوجته الذمية على غسل الحيض دون الجنابة لأنه لا يطؤها حتى تغسل وعن مالك في غير الكتاب لا يجبرها لأن الغسل الذي هو شرط هو الغسل الشرعي وهو متعذر منها لأنها لا تنوي الوجوب قيل هو ينوي عنها فقيل كيف ينوي الإنسان عن غيره قيل كغسل الميت ينوي غير المغسول . أجيب بأن غسل الميت فعل الناوي فلذلك صحت نيته فإن نية الإنسان إنما تخصص فعله دون فعل غسل غيره وغسل الذمية ليس فعل الزوج فنيته له كنيته لصلاة غيره وإما غسل الميت ففعل الناوي فظهر الفرق وعلم أن الممكن من الذمية ليس هو شرط الوطء وشرط الوطء ليس ممكنا منها حالة الكفر وفي هذا المقام اضطربت أراء الأصحاب وتزلزلت عليهم القواعد فرأوا أن أحد الإشكالين لازم إما إباحة الوطء بدون شرطه أو اعتقاد ما ليس بشرط شرطا وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن تقول : قاعدة خطاب الشرع قسمان خطاب وضع لا يفتقر إلى علم المكلف ولا قدرته ولا إرادته ولا نيته وهو الخطاب بالأسباب والشروط والموانع وخطاب تكليف يفتقر إلى ذلك وقد تقدم بسطه في مقدمة الكتاب والغسل من الحيض من الحيض فيه لله تعالى خطابان خطاب وضع من جهة أنه شرط وخطاب تكليف من جهة أنه عبادة والخطاب الثاني هو المحتاج إلى النية فعدم النية يقدح فيه دون الأول فيبطل كون هذا الغسل عبادة ويبقى كونه شرطا ولا يلزم إباحة المسلمة إذا اغتسلت من غير نية لأنها مكلفة بخلاف الذمية وكان الأصل إباحتها خولف الدليل ثمت فيبقى ها هنا على مقتضى القاعدة . وأما مس المصحف فلقوله تعالى ( لا يمسه إلا المطهرون ) ولقوله عليه السلام لعمرو بن حزم لا يمس المصحف إلا طاهر . وأما المسجد فلقوله عليه السلام لا يحل المسجد لحائض ولا جنب قال المازري وأجازه ابن مسلمة وقال هما طاهران وإنما يخشى من دم الحيض . وأما جواز القراءة فلما يروى عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ القرآن وهي حائض والظاهر اطلاعه عليه السلام وأما المنع فقياسا على الجنب والفرق للأول من وجهين أن الجنابة مكتسبة وزمانها لا يطول بخلاف الحيض . فروع : الأول قال صاحب النكت إذا وقع دم الحيض ولم تغتسل فهي كالجنب في المنع من القراءة والوضوء للنوع لأنها ملكت أمرها . الثاني قال ابن القاسم في الكتاب إذا رأت الدم قبل أيام حيضتها قبل وقت العادة إن كان حيضها من الأمام ما يمنع الإصابة جعل حيضا وإلا كان حيضة واحدة قال صاحب الطراز وفي القدر المانع خمسة أقوال أحدها ما في الكتاب من الإحالة على العرف والأربعة المتقدمة . الثالث إذا انقطعت الحيضة فحاضت يوما وطهرت يوما قال في الكتاب تلغي أيام النقاء خلافا لأبي ح فإذا كمل من أيام الدم خمسة عشر يوما اغتسلت وصلت قال أيضا في الكتاب تلفق من أيام الدم أيامها وتستطهر بثلاث والأيام التي تلغى هي فيها طاهر تصلى ويأتيها زوجها ثم هي مستحاضة تتوضأ لكل صلاة وتغتسل كل يوم إذا انقطع الدم إذ لعله لا يرجع إليها ولا تكون حائضا بعد ذلك إلا أن تتيقن دم الحيض قال صاحب الطراز وأما قوله تستطهر يرد إذا كانت دون الخمسة عشر وفيها خمسة أقوال التي تأتي في المعتادة إذا جاوز دمها عادتها وأما قوله تكون مستحاضة فخالف فيه ابن مسلمة على تفصيل فإن أقل الطهر عنده خمسة عشر يوما فإذا مضى من الأيام أكثر الحيض وأقل الطهر كان الآتي بعد ذلك حيضا تاما وتلفق أيام الطهر كما يلفق الحيض فإذا كان الحيض يوما بيوم لفقت من أيام الدم خمسة عشر يوم ولا تكون مستحاضة وإن كان الحيض يوما والطهر يومين لم تلفق أيام الحيض وإلا فقد بقي أقل من أقل الطهر فتكون مستحاضة . وضابطه أن أيام الدم إن كانت أكثر من أيام الطهر فهي مستحاضة لأن المرأة لا تحيض أكثر من زمن طهرها وإن كان زمن الطهر أكثر أو مساويا فهي عنده حائض بعد ذلك في أيام الدم وطاهر في أيام الانقطاع والمذهب أظهر لأنه إذا يعلم أن الدم الأول والأخير حيضة فالأيام المتخللة ليست فاصلة بين حيضين فلا يكون طهرا . حجة أبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه أن حد الطهر غير موجود ها هنا فيلزم انتفاء المحدود فلا يكون يوم النقاء طهرا فيكون حيضا إذ لا واسطة . جوابه من وجهين أحدهما أن الطهر محدود بحسب العدد لا بحسب العبادة وثانيهما أن أبا حنيفة قد يجوز وطأها في يوم النقاء إذا اغتسلت أو تيممت وذلك دليل الطهر وأما قوله تغتسل كل يوم فلما في أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنه إذا رأت المستحاضة الطهر ولو ساعة فلتغتسل . فرعان مرتبان . الأول قول ابن القاسم في المجموعة والعتبية إذا رأت الدم في اليوم ولو ساعة حسبته من أيام الدم وإن اغتسلت في باقيه وصلت . الثاني لو طلقها في إبان النقاء قال التونسي مخير على رجعتها وفي النكت عن جماعة من الشيوخ لا يخير لأنه زمان يجوز الوطء فيه والأول أظهر لقوله تعالى ( فطلقوهن لعدتهن ) أي لاستقبالها وهذه لا تستقبل عدتها . الرابع قال في الكتاب علامة الطهر القصة البيضاء إن كانت تراها وإلا فالجفوف قال ابن القاسم وهي أن تدخل الخرقة جافة فتخرج جافة كذلك . والقصة بفتح القاف والصاد المهملة من القص بفتح القاف وهو الجير ومنه نهيه عن تقصيص القبور وروى ابن القاسم عنه أنها تشبه البول وروى أنها تشبه المني ولعل ذلك مختلف في النساء قال ابن يونس وروى ابن القاسم أنها إن رأت الجفوف وعادتها القصة فلا تصلي حتى تراها إلا أن يطول ذلك قال قال أبو محمد الطول خوف فوات الصلاة واختلف هل هو الاختياري أو هو الضروري قال قال بعض شيوخنا لا تنتظر زوال القصة بل تغتسل إذا رأتها لأنها علامة الطهر قال قال ابن حبيب من عادتها الجفوف لا تطهر بالقصة ومن عادتها القصة تطهر بالجفوف لأن الحيض دم ثم صفرة ثم ترية ثم كدرة ثم قصة ثم جفاف قال ابن شاش قال القاضي أبو محمد كل واحد منهما علامة مستقلة في حق من اعتادتها فيكون فيها ثلاثة أقوال ويدل للمذهب على أن القصة أبلغ أنها متصلة بداخل الرحم والخرقة لا تصل إلى ذلك وقول عائشة رضي الله عنها لا تعجلين حتى ترين القصة البيضاء قال ابن يونس قال ابن القاسم لا تطهر حتى ترى الجفاف ثم تجري بعد ذلك على ما تقرر من عادتها قال صاحب الطراز ويتخرج فيها قولان أحدهما أنها لا تغتسل حتى ترى القصة لأنها أبلغ والثاني أنها تنتظر عادة أقاربها من أهلها فإن رأت عادتهن اتبعتها وإلا كانت على حكمين إذا رأت خلاف عادتهن فإن اختلف أقاربها فأخواتها أقرب فإن لم يكن فأمها وخالاتها أقرب من عماتها . فروع ثلاثة : الأول قال عبد الملك إذا اغتسلت من حيض أو نفاس ثم رأت قطرة دم أو غسالته لم تعد الغسل وتتوضا وهذه تسمى التربة بالتاء المثناة وكسر الراء وتشديد الياء التحتية لقول أم عطية رضي الله عنها
كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا وفي الكتاب عن ابن شهاب لا تصلي ما دامت ترى الترية شيئا من حيض أو حمل لأنه دم من الرحم وقياسا على ما إذا تمادى يوما ويمكن حمل الحديث على أنها لا تعدهما طهرا . الثاني قال صاحب الطراز إن خرجت الخرقة بالدم وحشت غيرها ثم أخرجتها آخر النهار جافة كانت طاهرا من قبل هذا الحشو بخلاف ما إذا رأت في الحشو الثاني القصة فإنها تكون طاهرا من حين خروجها لأنها من توابع الدم كالصديد ثم عليها اعتبار حال خروجها فإن تيقنته وإلا عملت بالأحوط . الثالث قال صاحب البيان قال مالك ليس على المرأة أن تقوم قبل الفجر لتنظر طهرها وليس ذلك من عمل الناس ولم يكن في ذلك الزمان مصابيح قال والقياس ذلك لكن العمل أسقطه فتعتبره عند إرادة النوم فإن استيقظت بعد الفجر وهي طاهر وحزرت تقدمه من الليل عملت على ما قامت عليه ولا تقضي الصلاة حتى تتيقن الطهر ويجب عليها أيضا أن تنظر عند أوقات الصلاة في أوائلها وجوبا موسعا وفي أواخرها وجوبا مضيقا بقدر ما يمكنها أن تغتسل وتصلي وروى صاحب المنتقى عن عائشة رضي الله عنها إنكار قيام النساء بالمصابيح بالليل فيتفقدن الطهر وقالت لم يكن النساء يفعلن ذلك وهي أكثر علما ودينا الفصل الثاني في الحيض وهن ست : الأولى المبتدأة إن انقطع دمها لعادة لداتها أو دونها طهرت وإن زاد فثلاث روايات ففي الكتاب تمكث خمسة عشر يوما ورواية علي بن زياد تغتسل مكانها ورواية ابن وهب تستظهر وقال الشافعي رحمه الله إذا رأت الدم على غالب الحيض ستا أو سبعا فمستحاضة . حجة الأول قوله عليه السلام تترك المرأة الصلاة نصف دهرها وهذا لا يفهم إلا إذا كانت تحيض من كل شهر نصفه وقد تقدم ما يرد على هذا الحديث ولأن الخمسة عشر قد تكون عادة فهي زمان حيض وقد أجمعنا على أن أول دمها حيض والأصل بقاء ما كان على ما كان عليه . ووجه الاستظهار قال ابن يونس روى المدنيون والقاضي إسماعيل قوله عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت أبي حبيش لما سألته اقعدي أيامك التي كنت تقعدين واستظهري بثلاثة أيام ثم اغتسلي وصلي ولأنه خارج من الجسد أشكل أمره فتستظهر له بثلاثة أيام أصله لبن المصراة ولأن الدم لما كان فضلة الغذاء وغسالة الجسد فلذلك يختلف باختلاف أحوال البدن من الدعة والغذاء والأحوال النفسانية فكان الاستظهار فيه متعينا . ووجه عدم الاستظهار أن إلحاقها بأقرانها أمر اجتهادي فلا يزاد عليه كدم الاستظهار وهذا هو الفرق بينها وبين المعتادة . تمسك الشافعي بما في أبي داود والترمذي قالت حمنة بنت جحش كنت أسحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت النبي عليه السلام أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش فقلت يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصوم قال أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم قالت هو أكثر من ذلك قال اتخذي ثوبا قالت هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجا قال سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عن الآخر وإن قويت عليهما فأنت أعلم إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله تعالى ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت فصلي ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزيك وكذلك فافعلي كل شهر حين تحيض النساء في ميقات حيضهن وطهرهن وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الفجر وتصلين فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك وهذا أحب الأمرين إلي قال الترمذي حسن صحيح قال صاحب الطراز يقال إن حمنة كانت مبتدئة وأراد بقوله
ستا أو سبعا اعتبارا بلداتها إن كن يحضن ستا فستا أو سبعا فسبعا قال وقيل كانت لها عادة فنسيتها هل هي ست أو سبع فأمرها أن تجتهد في عادتها ولهذا قال
في علم الله أي ما علمه من ذلك وأما قوله
من ركضات الشيطان
قال الخطابي أصل الركض الضرب بالرجل ومعناه أن الشيطان وجد بتلك سبيلا للتشكيك عليها وأمرها بتأخير الصلاة وجمعها قال صاحب الطراز هو الأصل في جمع المستحاضة وصاحب السلس فائدة اللدات بكسر اللام جمع لدة وهي التي ولدت معها في عام واحد وكذلك الترب الذي خرج مع الإنسان إلى التراب في وقت واحد وجمعه أتراب . الثانية الصغيرة بنت ست سنين ونحوها فدمها ليس بحيض قال صاحب الطراز ويرجع بعد ذلك إلى ما يقوله النساء فإن شككن أخذن بالأحوط . قال إمام الحرمين في النهاية قال الشافعي رأيت جدة باليمن بنت عشرين سنة . الثالثة الآيسة قال مالك رحمه الله في العتبية يسأل عنها النساء فإن قلن إن مثلها تحيض كان حيضا وإن قلن مثلها لا تحيض قال في الموازية تتوضأ وتصلي ولا يكون حيضا ولا تغتسل له وإن أشكل الأمر قال ابن حبيب كان حيضا . قال ابن شاس والآيسة بنت السبعين والثمانين وبنت الخمسين عند أبي إسحاق . حجته قول عمر رضي الله عنه بنت الخمسين عجوز في الغابرين وقول عائشة رضي الله عنها إن امرأة تجاوز الخمسين فتحيض إلا أن تكون قرشية . الرابعة المعتادة فإن نقص دمها من عادتها أو تساوى طهرت وإن زاد فخمسة أقوال قال ابن القاسم الذي كان يقوله مالك طول عمره إنها تقعد خمسة عشر يوما ثم رجع عنه إلى الاقتصار على الاستظهار . قال صاحب الطراز قال ابن حبيب الذي رجع عنه مالك الخمسة عشر وبه يقول المدنيون وابن مسلمة وبالثاني قال المصريون . الثالث تقتصر على العادة وهو لأبن عبد الحكم والشافعي وأبي حنيفة . الرابع لأبي الجهم الاجتياط فيما بعد الثلاث فتصوم وتصلي ولا توطأ ثم تعيد الغسل وتعيد الصوم . الخامس للمغيرة وأبي مصعب الاحتياط من حين مفارقة العادة ولا تعيد الغسل إن تمادى بها الدم فوق خمسة عشر يوما لأن الغيب كشف أنه دم استحاضة والسابق يقول لعله حصل دم حيض في أثناء هذا الدم . سؤال الصلاة من الحائض حرام ومن الطاهر واجبة والقاعدة متى تعارض المحرم والواجب قدم الحرام ترجيحا لدرء المفاسد على تحصيل المصالح وتغليبا لجانب الأصل فكان الاحتياط ههنا ترك العبادة . جوابه أن تحريم الصلاة مشروط بالعلم بالحيض وهو غير حاصل فانتفى التحريم جزما . حجة الأول الحديث المتقدم في المبتدئة . حجة الثاني حديث الاستظهار . حجة الثالث أن الغالب البقاء على العوائد فيكون الزائد استحاضة وما في الموطأ والصحيحين من قوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش في الحيضة يتمادى دمها
إذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي
وروى البخاري
دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي
وصلي وهو حجة الاستظهار فإن الحيضة قد يزيد قدرها وقد ينقص . فروع ثلاثة : الأول في الكتاب إذا كانت عادتها خمسة عشر يوما لا تستظهر بشيء وقال في كتاب محمد تسنظهر يوما أو يومين وهو مشكل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر شطر العمر في سياق المبالغة في الذم فالظاهر أنه الغاية والنهاية . الثاني لو تأخر الدم من غير علة ثم خرج فزاد على قدره قال في النوادر لا تزيد في الاستظهار على الثلاث . الثالث تثبت العادة بمرة قاله الغافقي قال صاحب الطراز وهو ظاهر قول ابن القاسم في الواضحة لقوله تعالى ( كما بدأكم تعودون ) واعتبر أبو حنيفة مرتين ومنه العيد . الخامسة المتحيرة ففي الكتاب سئل ابن القاسم عمن حاضت في شهر عشرة أيام وفي آخر ستة أيام وفي آخر ثمانية أيام ثم استحيضت كم تجعل عادتها قال لا أحفظ عنه في ذلك شيئا ولكنها تستظهر على أكثر أيامها قال صاحب الطراز قال ابن حبيب تستظهر على أقل أيامها إن كانت هي الأخيرة لأنها المستقرة ويقول ابن القاسم لعل عادتها الأولى عادت إليها بسبب زوال سدة من المجاري . وقول مالك الأول إنها تمكث خمسة عشر يوما لأن العادة قد تنتقل . قال ويتخرج فيها قول آخر أنها لا تستظهر بشيء على القول ينفي الاستظهار عموما . السادسة في الجلاب الحامل تحيض عندنا خلافا للحنفية محتجا بأن الله تعالى جعل الدم دليل براءة الرحم فلو حاضت لبطل الدليل وأما قوله عليه الصلاة والسلام
دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة
فمحمول على الحائل . لنا ما في الموطأ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في الحامل ترى الدم إنها تترك الصلاة من غير نكير فكان إجماعا وإجماع أهل المدينة عليه وكما جاز النفاس مع الحمل إذا تأخر أحد الولدين فكذلك الحيض ولقول عائشة رضي الله عنها لما راقها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآاك الشاعر ما قال شعره إلا فيك وهو قوله : ( ومبرإ من كل غبر حيضة ** وفساد مرضعة وداء مغيل ) معناه أن الحيض إذا جرى على الولد في الرحم أكسبه بسواده غبرة في جلده فيكون أقتم عديم الوضاءة فدل ذلك على أنه أمر متعارف عندهم وأما دلالته على البراءة فهي على سبيل الغالب وحيض الحامل هو القليل والنادر فلا يناقض دلالة الغالب . فروع ثلاثة : الأول قال ابن القاسم في الكتاب لم يقل مالك في الحامل إنها تستظهر قديما ولا حديثا قال صاحب الطراز إن استمر دمها على عادتها قبل الحمل وزاد دمها في بعض الشهور تجري فيها الخمسة الأقوال التي تقدمت في الحائل وإن لم تستمر على عادتها فإما أن تنقطع أو تنقص أو تزيد فإن انقطعت أو نقصت ودام ذلك حيضا ثم أتاها الدم فزاد على عادتها الأولى ففيها ثمانية أقوال الخمسة السابقة السادس يجتهد لها في ذلك قال في الكتاب ليس أول الحمل كآخره وليس لذلك حد إلا الاجتهاد وقال ابن القاسم إن رأت ذلك بعد ثلاثة أشهر ونحوها تركت الصلاة خمسة عشر ونحوها وفي التفريع إلى عشرين يوما وإن جاوزت ستة أشهر فإلى العشرين وقال في التفريع إلى الثلاثين السابع أنها تقعد أقصى عادة الحوامل لمالك في المجموعة الثامن أنها تضاعف أيامها التي كانت لها قبل الحمل وتغتسل قاله ابن وهب وقال قال مالك تجلس في أول الشهور عادتها والاستظهار وفي الثاني ضعف أيام حيضتها والاستظهار وفي الثالث تجلس مثلها ثلاث مرات وفي الرابع تربعها وهكذا حتى تبلغ ستين يوما فلا تزيد لأنه أقصى مدة النفاس فهو أعظم دم يجتمع في الرحم بسبب الحمل وأنكر ابن الماجشون ذلك من قول مالك وقال هو خطأ وقال النفاس لا يكون إلا بعد الوضع والاستحاضة أولى بها ومذهبه أن الحامل لا تزيد على خمسة عشر يوما . وأما إن رأته أولا بزيادة وقد كان قبل مستقيما فهي في أوله حائض للزيادة مستحاضة في قدر الزيادة على الخلاف الماضي فكأنه يكون حيضا بتلك الزيادة فهذه عادة انتقلت تبنى عليها ما يفعل بالحامل . وجه الاجتهاد أن الحمل يحبس الدم عن الخروج فإذا خرج كان زائدا وربما استمر لطول المكث . ووجه عدم الاستظهار هو أنه دم ثبت بالاجتهاد فلا يزاد عليه كأيام الاستظهار . الثاني لو رأت الحامل صفرة أو كدرة قال يحيى بن سعيد في الكتاب لا تصلي حتى تنقطع عنها لأن عائشة رضي الله عنها كانت تأمر النساء بذلك . الثالث إذا رأت الحامل ماء أبيض عقيب سبب إسقاط أو نحوه روى ابن القاسم وأشهب عن مالك في العتبية عليها الوضوء دون الغسل ولا يلحق بالدم لخروجه عن صفته والوضوء لكونه خارجا معتادا من الفرج . الفصل الثالث في دم الاستحاضة وهو ما زاد على الدم المعتبر قال ابن شاس إذا حكمنا بالاستحاضة فالحائض إما مبتدأة أو معتادة وكلاهما إما مميزة أو غير مميزة فهذه أقسام أربعة الأول المبتدأة المميزة فحيضتها مدة تمييزها ما لم يزد على خمسة عشر يوما وأما المبتدأة غير المميزة فقد تقدم حكمها وأما المعتادة المميزة فحيضتها مدة التمييز لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ولأن العادة تختلف والتمييز لا يختلف والنظر إلى اللون اجتهاد والعادة تقليد والاجتهاد أولى وأما المعتادة غير المميزة فثلاثة أقوال الاقتصار على العادة للمغيرة وأبي مصعب فإذا شكت أهو انتقال عادة أو استحاضة اغتسلت وصلت وصامت ولا يصيبها زوجها احتياطا فإن انقطع الدم لخمسة عشر يوما علمت انتقال العادة فكانت المدة كلها حيضا وإن استمر الدم علم أنها استحاضة وثبت حيضها على ما تقدم من عادتها وتقضي الصوم فيما بين ذلك وبين الزيادة على الخمسة عشر يوما . الثاني قال مطرف تبلغ خمسة عشر يوما . الثالث الاستظهار على العادة والمشهور أنها لا تتجاوز الخمسة عشر يوما وقال في كتاب محمد تتجاوز باليومين وقال ابن نافع وأنكره سحنون . فروع تسعة : الأول استحب للمستحاضة في الكتاب أن تتوضأ لكل صلاة قال صاحب الطراز لا يختلف في وجوب الصلاة عليها واختلف إذا كانت جاهلة فتركت الصلاة فأنكر سحنون ما ذكر من سقوطها بالجهل واستحب لها الوضوء ولم يستحب لها الغسل كما جاء في حديث حمنة لأن ترك الغسل (1) وإنما الخلاف في الوضوء قال الخطابي اتفق العلماء على عدم وجوب الغسل إلا أن تشك ودهب أبو ح و ش وجماعة إلى وجوب الوضوء عليها ويدل على عدم الوجوب أن حديث وجوبه لم يخرجه أحد ممن اشترط الصحة قال أبو داود زاد عروة ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت وقال هذه الزيادة موقوفة على عائشة رضي الله عنها وأنكرها صاحب الطراز ويدل على عدم الوجوب اتفاق الجميع على أنه إذا خرج في الصلاة أتمتها وأجزأتها .1- ( متفق عليه )

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29