كتاب : التذكرة الحمدونية
المؤلف : ابن حمدون

ونجى ابن حرب سابح ذو علالةٍأجش هزيم والرماح دواني
من الأعوجيات الطوالِ كأنهعلى شرف التقريب شاةُ إران
شديد على فاس اللجام شكيمهُيفرج عنه الربو بالعسلانِ
كأن عقاباً كاسراً تحت سرجهيحاول قرب الوكر بالطيرانِ
إذا قلت أطراف العوالي ينلنهُمرته به الساقان والقدمان
إذا ابتل بالماء الحميم رأيتهكقادمة الشؤبوب ذي النفيانِ
كأن جنابي سرجه ولجامهمن الماء ثوب ماتح خضلانِ
جزاه بنعمى كان قدمها لهبما كان قبل الحرب غير مهان
وقال أبو تمام في وصف فرس أصفر:
يكاد يجري الجادي من ماء عطفي ... هِ ويجني من متنه الورسُ
هذب في جنسه ونال المدىبنفسه فهو وحده جنسُ
ضمخ من لونه فجاء كأنْقد كشفت في أديمه الشمسُ
وقال البحتري في مثله:
شيةٌ تخدع العيون ترى أن ... نَ عليه مها سحالة تبرِ
صبغة الأفق بين آخر ليلٍمنقض شأنه وأول فجرِ
وقال أبو تمام:
ترى رزان القوم قد أسمحتْعيونهم في حسنه فهي شوسْ
كأنما لاح لهم بارقٌفي المحلِ أو زفت إليهم عروسْ
سامٍ إذا استعرضته زانهأعلى رطيب وقرار يبيسْ
كأنما خامره أولقٌأو غازلت هامته الخندريس
عوذه الحاسد بخلاً بهورفرفت خوفاً عليه النفوس
وقال البحتري وكان وصافاً للخيل:
أما الجواد فقد بلونا يومهوكفى بيوم مخبراً عن عامهِ
جارى الجياد فطار عن أوهامهاسبقاً وكاد يطير عن أوهامِهِ
جذلان تلطمه جوانب غرةجاءت مجيء البدر عند تمامه
واسود ثم صفت لعيني ناظرٍجنباته فأضاء في إظلامهِ
مالت نواحي عرفه فكأنهاعذبات أثل مال تحت حمامهِ
وكأن فارسه وراء قذالهردف فلست تراه من قدامه
لانت معاطفه فخيل أنهللخيزران مناسب بعظامه
في شعلة كالشيب مر بمفرقيغزل لها عن شيبه بغرامه
وكأن صهلته إذا استعلى بهارعد يقعقع في ازدحام غمامه
مثل الغراب مشى يباري صحبهُبسواد صبغته وحسن قوامهِ
والطرف أجلب زائر لمؤونةٍما لم تزره بسرجه ولجامه
وقال يستهدي ابن حمدي فرساً:
فأعن على غزو العدو بمنطوٍأحشاءه طي الكتاب المدرجِ
إما بأشقر ساطع أغشى الوغىمنه بمثل الكوكب المتأججِ
متسربل شيةً طلت أعطافهبدمٍ فما يلقاك غير مضرجِ
أو أدهم صافي السواد كأنهتحت الكمي مظهر بيرندجِ
ضرمٌ يهيجُ السوطُ من شؤبوبههيج الجنائب من حريق العرفجِ
خفت مواقع وطئه فلو أنهيجري برملة عالجٍ لم يرهجِ
أو أشهب يققٍ يضيء وراءهمتن كمتن اللجة المترجرج
يخفي الحجول ولو بلغن لبانهفي أبلق متألق كالدملج
أوفى بعرف أسود متغربٍفيما يليه وحافرٍ فيروزجي
أو أبلق يلقى العيون إذا بدامن كل لون معجب بنموذجِ
أرمي به شوك القنا وأردهكالسمع أثر فيه شوك العوسج
وقال:
وأغر في الزمن القديم محجلقد رحت منه على محجل
كالهيكل المبني إلا أنهللحسن جاء كصورة في هيكل
ذنب كما سحب الرداء فذب عنعرف وعرف كالقناع المسبل
تتوهم الجوزاء في أرساغهوالبدر غرة وجهه المتهلل
صافي الأديم كأنما عنيت بهلصفاء نقبته مداوس صيقل
وكأنما نقضت عليه صبغهاصهباء للبردان أو قطربل
وتخاله كسي الخدود نواعماًمهما تواصلها بلحظٍ تخجل
ملك العيون فإن بدا أعطيتهنظر المحب إلى الحبيب المقبل
هزج الصهيل كأن في نغماتهنبرات معبد في الثقيل الأولِ
وقال ابن المعتز:
أسرع من ماء إلى تصويبومن وقوع لحظة المريب
ومن نفوذ الفكر في القلوبِ
وقال:
قد ضحكت غرتهفي موضع التقطيب
وقال أبو الفرج الببغا:
إن لاحَ قلت أدمية أم هيكلأو عن قلت أسابح أم أجدل
تتخاذل الألحاظ في إدراكهويحار فيه الناظر المتأمل
فكأنه في اللطف فهم ثاقبوكأنه في الحسن حظ مقبل
وقال محمد بن هانئ وأغرق في المبالغة:
عرفت بساحة سبقها لا أنهاعلقت بها يوم الرهان عيونُ
فأجل علم البرق فيها أنهامرت بجانحتيه وهي ظنونُ

ويستحب العربُ في الخيل أن يطولَ بطنه، ويقصر ظهره، ويشرف منسجه، وتعرض أوظفة رجليه، وتحدب أوظفة يديه، ويدق زوره وهو الصدر، وتعظم بركته، والبركة عظم الصدر وما عليه من اللحم، فإذا أسقطوا الهاء فتحوا الباء فقالوا بَرْكاً، وكان يقال لزياد أشعر بركا، وكان كثير شعر الصدر، وأن يرهل منكباه، ويتسع جلده، ويرق أديمه، وتقصر شعرته، ويطول عنقه، ويعرض منخره، ويدق مذبحه، ويلهز ماضغه، أي يغلظ فيكثر عصبه، وأن يعرض خداه، ويرق مستطعمه أي جحافله، ويتسع منخره، ويرحب شدقاه، ويجشع حجاجه، ويحد كعبه وطرفه وعرقوبه، وتؤلل أذنه، وتتسع ضلوعه، وتقصر طفطفته، ويعرض كتفه ووركه وجبهته، ويلحب متنه فيقل لحمه وتظمأ فصوصه، وتتمحص قوائمه، وتمكن أرساغه، ويشتد صهيله ويضحى عجانه، أي يظهر، وتحبط قصيراه، وهي آخر الأضلاع أي ينتفج جنباه، ويشرف عنقه، والتحنيب في الرجلين شبه الروح، وهو أن يكون فيهما ميل إلى وحشيهما. ويستحب طول الوظيفين في الرجلين، وقصر الوظيفين في اليدين. ويكره في الخيل الهضم وهو اضطمار الجنبين، والقنا وه احديداب الأنف، وعظم الزور، وقصر العصبة، وغلظ العنق، واضطراب الأذن، طول اشعر، وكثرة لحم المتن، وقصر الضلع، وطول العسيب، وضيق الجلد على الكتف، وضيقه على العضد، وغظ الذفرى والجفحلة، وكثرة لحم الوجه، واستدارة القوائم، واضطراب الحوافر ورححها، واستواء مقدمه ومؤخره، وظهور النسور، وقلة الدماع، وضعف الضرس، واصطراب المتن، ودنو الصدر من الأرض، ونكس الجاعرة، وطمأنينة القطاة، وضيق الشدق، وانمساخ الحماة، أي اضطمارها، وموج الربلة، وطول النسا، والفحج الفاحش، والبدد في اليدين، وهو تباعد ما بين الركبتين والإقعاد في الرجلين، وهو أن تفرش جداً فلا ينتصب، ويقال مفروش الرجلين، والعزل وهو ميل في الذنب في أحد الشقين. وهذا القدر كافٍ ليعرف المحمود منها فتصفه والمذموم فتجتنبه، ولا نتعداه إلى ذكر أنساب الخيل، وأسماء المشهورة منها، وأنواع مشيها وجرها، والعيوب في كل عضو من أعضائها، وأصناف ألوانها وشياتها وأسنانها، فنخرج عن فن الكتاب ومقصده. ونعود إلى ما قيل في وصفها: قال ابن نباتة السعدي:
يا أيها الملك الذي أخلاقهمن خلقة ورواؤه من رائهِ
قد جاءنا الطرف الذي أهديتههاديه يعقد أرضه بسمائهِ
أولايةً أوليتنا فبعثتهُرمحاً سبيب العرف عقد لوائهِ
تختال منه على أغر محجَّلٍماء الدياجي قطرة من مائهِ
وكأنما لطم الصباح جبينهفاقتص منه وخاض في أحشائه
متهللاً متمهلاً والبرق من أسمائهمتبرقعاً والحسن من أكفائه
ما كانت النيران يكمن حرهالو كان للنيران بعض ذكائه
لا تعلق الألحاظ في أعطافهإلا إذا كفكفت من غلوائه
فهناك تنتهب العيون كأنماوقف الوجيه عليه من آبائه
لا يكمل الطرف المحاسن كلهاحتى يكون الطرف من أسرائه
اشترى شاب من العرب فرساً فجاء إلى أمه وقد كُفَّ بصرها فقال: يا أماه، قد ابتعت فرساً. قالت: صفه لي، قال: إذا استقبل فظبي ناصب، وإذا استدبر فهقل خاضب، وإذا استعرض فسيد قارب، مؤلل المسمعين، طامح الناظرين، مذعلق الصبيين. قالت: أجودت إن كنت أعربت، قال: إنه مشرف التليل، سبط الخصيل، وهواهُ الصهيل، قالت: أكرمتَ فارتبط.
الهقل: الذكر من النعام، والأنثى هقلة. والخاضب: الذي أكل الربيع فاحمرت ظنبوباهُ وأطراف ريشه. والسيد: الذئب، ومؤلل: محدد، وطامح: مشرف، والذعلوق: نبت يشبه الكراث يلتوي وهو طيب للأكل. والصبيان: مجتمع لحييه من مقدميهما. قال أبو عبيدة: الصبيان العظمان المنحنيان من حرفي وسط اللحيين من ظاهرهما عليهما لحم، والحصيل: كل ما انماز من لحم الفخذ بعضه من بعض، والوهوهة: صوت تقطعه.
وقال شاعر:
فوق طرفٍ كالطرف في سرعة الشد ... دِ وكالقلب قلبه في الذكاء
ما تراه العيون إلا خيالاًوهو مثل الخيال في الانطواء
وقال عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي المغربي:
بيوم تسامى فيه وردٌ مسومٌوأشقر بعبوب وسابحة حجرُ
ودهم كأن الليل ألقى رداءهعليها فمرفوع النواحي ومنجزٌ
وقبلها ضوء الصباح كرامةًفهم إلى التحجيل مرثومة غر
وبلق تقاسمن الدجنة والضحىفمن هذه شطر ومن هذه شطر

ولاحقة الأقراب لو جازت الصباكبت خلفها واعتاق ريح الصبا حسرُ
كرائم مكتوم أبوها ومذهبيلوح عليهن المشابه والنجرُ
مجزعة غر كأن جلودهاتجزع فيها اللؤلؤ الرطبُ والشذرُ
وصفر كأن الزعفران خضابهاوإلا فمن ماء العقيق لها قشرُ
وشهب من اللج استعيرت متونهاومن طرر الأقمار أوجهها القمرُ
إذا هزها مشي العرضنة عارضتْقدود العذارى هز أعطافها السكرُ
سوابق بشرن الربيع منوراًعليك يباهيه ربيعك والنشرُ
وقال ابن ميخائيل المغربي:
ولقد ذعرت الوحش وهي كوانسٌبوثيق أوظفة اليدين إذا ارتمى
من نسل أعوج هيجته فكأنماحاولت برقاً لاح أو غيثاً همى
ذي غرة محفوفةٍبسواده كالنجم أشرق في ظلام أدهما
يجري لغاية ما أريد كأنهعلم المراد فما يريد معلما
وقال غيلان بن الحريث:
قد أغتدي والليل داج سترهوالصبح قد كادت تضيء طرره
بأعوجي حسن معذرهمرتفع الحارك وحف عذره
يكاد مما يزدهيه أشرهيطير لولا أننا نوقره
جاءت فرس لهشام سابقة، فأمر الشعراء أن يقولوا فيها، فاستمهلوا، فقال أبو النجم: بل لك من ينقدك إذا استنسأوك؟ قال: هات، فقال:
أشاع للغراء فينا ذكرهاقوائم عوج أطعن أمرها
ملبوة شد المليك أسرهاأسفها وبطنها وظهرها
يكاد هاديها يكون شطرها
وقال محمد بن هانئ:
إن شيم أقبل عارضاً متهللاًأو ريعَ أقبل خاضباً إجفيلا
صلتان يعنفُ بالبروق لوامعاًولقد يكون لأمهن سليلا
يستغرق الشأو البعيد معنقاًويجيء سابق حلبة مشكولا
ونتبع هذا الفصل ما جاء في: وصف البغال والحمير: قال البحتري يذكر بغلاً:
وأقب نهد للصواهلِ شطرهيوم الفخارِ وشطرُهُ للشحجِ
خرق يتيه على أبيه ويدعيعصيبة لبني الضبيب وأعوج
مثل المذرع جاء بين عمومةٍفي غافق وخؤولةٍ في الخزرجِ
وقال الحطيئة في حمار:
رباعٌ أبوهُ أخدري وأمهُمن الحقب فحاش على العرس باسلُ
عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي المغربي يصف حمار الوحش:
وأخرج صلصال لأخدر ينتميأمين الفصوص لم يدمث له ظهرُ
كأن العيون النجل صيغت بجلدهرأت رقباء فهي مشطورة خزرُ
تولع منها الجلد حتى كأنماصباح وليل فيه حطهما قدر
تعاطى لباس الخيل فاختال راكضاًله حلة لا تدعي لبسها الحمر
كأن الحجار الصلبية قدرتفجاءت لها وفقاً حوافره الحفر
إذا اختال واستولى به رديانهُتوالى صفير منه ترجيعه تبرُ
وقال بعضهم: إذا اشتريت بغلة فاشترها طويلة العنق - تجده في نجائها، مشرفة الهادي - تجده في طاعتها، مجفرة الجوف - تجده في صبرها.
كان خالد بن صفوان والفضل بن عيسى الرقاشي يختاران ركوب الحمار ويجعلان أبا سيارة الذي يضرب المثل بحماره فيقال: أصح من عير أبي سيارة قدوة لهما وحجة.
وقيل للفضل لم تركبه؟ فقال: لأنه أقل الدواب مؤونة، وأكثرها معونة، وأسلمها جماحاً، وأخفضها مهوى، وأقربها مرتقى، يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويدعى مقتصداً وقد أسرف في ثمنه، ولو شاء أبو سيارة لركب جملاً مهرياً، أو فرساً عربياً ولكنه امتطى عيراً أربعين سنة.
وقال خالد بن صفوان: عيرٌ من نسل الكداد، أصحر السربال، محملج القوائم، مفتول الأجلاد، ويحمل الرحلة، ويبلغ العقبة، ويقل داؤه، ويخف دواؤه، ويمنعني أن أكون جباراً عنيداً، ولولا ما في الحمار من المنافع ما امتطاه أبو سيارة أربعين سنة.
فعارضهما أعرابي فقال: الحمار إن ركبته أدلى، وإن تركته ولى، كثير الروث، قليل الغوث، سريع إلى الغرارة، بطيء في الغارة، لا ترقأ به الدماء، ولا تمهر به النساء، ولا يحلب في الإناء.
صفات الإبل قال عبدة بن طبيب:
وقام إلى وجناء كالفحل حرةٍبثني زمام بعد ما كان يشرقُ
رجيعٌ رباها الكور إلا جناجناًفقد جعلت في صفرة النسع تقلقُ
لها عجز كالباب سد رتاجهيطوف به بوابه وهو مغلقُ
وزور كطي البئر جاب ضلوعهوإبط ودف كالخليط ومرفقُ
ومستنتل كالكور فعم يزينهُدسيع بصفقيه ودأي موثقُ
المستنتل: المتقدم، يعني متقدم سنامها وفعم ممتلئ، والدسيع: مغرز العنق في الزور، وصفقاه جانباه.
وأتلعُ فيه بالزمام نحيلهيضايقه منها إذا شاء مصدقُ

وساجيتان يطحران قذاهماووجه عليه نقبة العنق تبرقُ
النقبة: ها هنا الأثر، وهي في غير هذا اللون، وهي الجرب أيضاً.
نجاة إذا كلت كأن صريفهاوقد قلقت أنساعها فهي محنقُ
ترنم خطاف بحبلي محالةله محور يجري بدلوين أخلقُ
شبه صرير أنيابها بصوت خطاف البكرة، وأخلق: أملس، يعني المحور.
وعوجٌ تحاسي بالحصى كل وجهةٍولاء كما ارفض الزجاج المفلقُ
تحاسي: أي ترمي به حساً، أي فرداً، في كل ناحية.
ترد يداها خلفها ما أصابتاوتنجر رجلاها نفياً فيلحقُ
وتعطيه منها كلما جد جدهاهوياً كتخليط المؤاربِ أدفقُ
النفي: ما تطاير منه، والمؤارب: الضارب بالقداح، ورفع أدفق على الاستئناف.
وقال الأقرع بن معاذ القشيري:
مذكرة الثنيا مساندة القراجمالية تجتب ثم تنيبُ
مخيسة ذلاً ونتحسب أنهاإذا ما بدت للناظرين قضيبُ
كمثل أتان الوحش أما فؤادهافصعب وأما ظهرها فركوبُ
ترى ظلها عند الرواحِ كأنهاإلى جنبها رأل يخب جنيبُ
يشج بها الموماة مستحكم القوىله من أخلاء الصفاء حبيبُ
متين حبال الود مطلع العداأكول على غيظ الرجال شروبُ
وقال زهير بن أبي سلمى:
ثنت أربعاً منها على ثني أربعٍفهن بمثنياتهن ثماني
إليك من الغور اليماني تدافعتْيداها ونسعا غرضها قلقان
تظل تمطى في الزمام كأنهاإذا بركت قوس من الشريان
نهوز بلحييها أمام سفارهاومعتلة إن شئت في الجمزانِ
الغرض: حزام الرحل، والشريان: شجر تتخذ منه القسي، وحرك الراء. والنهوز: التي تمد عنقها تنهز به الزمام من نشاطها. والسفار: حديدة تجعل على أنف البعير مثل الحكمة، وجماعها سفر.
وقال ذو الرمة:
كأن راكبها يهوي بمنخرقٍمن الجنوب إذا ما ركبها نصبوا
تشكو الخشاش ومجرى النسعتين كماأن الجريحُ إلى عواده الوصبُ
لا تشتكي سقطة منها وقد سقطتبها المفارزُ حتى ظهرها حدبُ
تخدي بمنخرق السربال منصلتٍمثل الحسام إذا أصحابهُ شحبوا
تصغي إذا شدها بالكر جانحةًحتى إذا ما استوى في غرزها تثبُ
وقال:
سرى ثم أغفى عند روعاء حرةترى خدها في ظلمة الليل يبرقُ
رجيعة أسفار كأن زمامهاشجاع لدى يسرى الذراعين مطرقُ
وقال أيضاً:
ألمَّتْ بشعْثٍ كالسيوفِ وأينقٍحراجيجَ من نسل الجديل وداعرِ
جَذَبْنَ البُرَى حتى شدِقْنَ وأصعرتأنوفُ المهارى لقوة في المناخر
شدقن: مله، يقول ما لعنقها حتى كأن به لقوةً، والحراجيج: الطوال واحدها حرجوج.
وقال الشماخ:
كأن ذراعيها ذراعاً مدلةٍبعيد السباب حاولت أن تعذرا
كأن بذفرها مناديل فارقتأكف رجال يعصرون الصنوبرا
كأن ابن آوى موثق تحت غرضهاإذا هو لم يكلم بنابيه ظفرا
شبه يديها بيدي مدلة بجمال ومنصب قد سابت وأقبلت تعتذر، ووصفها بسواد الذفرى وهي أعلى القفا، ووصفها بأنها ليست تستقر فكأنَّ ابن آوى يعضها بنابيهِ.
ومثل البيت الأول قول الآخر:
كأن ذراعيها ذراعاً بذيةٍمفجعة لاقت ضرائر عن عفر
وقال بشامة بن الغدير:
كأن يديها إذا أرقلتْوقد جرن ثم اهتدين السبيلا
يدا سابح خر في غمرةٍوقد شارف الموت إلا قليلا
إذا أقبلت قلت مشحونةأطاعت لها الريح قلعاً جفولا
وإن أدبرت قلت مذعورةٌمن الربد تتبع هيقاً ذمولا
وقال الأخطل:
ومهمهٍ طامس تخشى غوائلهُقطعته بكلوء العين مسفارِ
بحرة كأتان الضحل أضمرهابعد الربالة ترحالي وتسياري
الضحل: الماء القليل. والربالة: السمن.
أخت الفلاة إذا شدت معاقدهازلت قوى النسع عن كبداء ميهار
كأنها برج رومي يشيدهلز بجص وآجر وأحجار
وقال في ذلك أيضاً:
ومحبوسةٍ في الحي ضامنة القرىإذا الليل وافاها بأشعثَ ساغبِ
معقرة لا يدرك السيف وسطهاإذا لم يكن فيها معس لحالبِ
مرازيح في المأوى إذا هبت الصباتطيف أوابيها بأكلف ثالبِ
إذا ما الدم خودر عزمهوناب رهناها بأعلى النوائب
وقال كثير:
ألمت بنا والعيس تسري كأنهاأهلة محلٍ زل عنها قتامُها
وقال القطامي:
يمشين رهواً فلا الأعجازُ خاذلةٌولا الصدور على الأعجاز تتكل
فهن معترضات والحصى رمضٌوالريح ساكنة والظل معتدلُ
وقال أيضاً:

إذا بركتْ خرت على ثفناتهامجافية صلباً كقنطرة الجسر
كأن يديها حين تجري ضفورهاطريدان والرجلان طالبتا وتر
وقال عنترة بن عبفس النميري من أبيات:
فراحت ترامى في الزمان كأنهاسحابة صيف آخر الليل أمطرا
وقال الفرزدق:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرةنفيَ الدراهم تنقاد الصياريف
وقال آخر ويروي للقصافي، وهو عمر بن نصر التميمي: قال دعبل: إن القصافي قال الشعر ستين سنة، فلم يعرف له إلا هذا البيت:
خمص نواجٍ إذا حث الحداة بهاحسبت أرجلها قدام أيديها
وقال الغطمش الضبي:
كأن يديها حين جد نجاؤهايدا سابحٍ في غمرة يتبوعُ
وقال رؤبة:
كأن أيديهن بالقاع القرقأيدي جوارٍ يتعاطين الورق
وقال مروان بن أبي حفصة:
يتبعن جاهلة الزمام كأنهاإحدى القناطر وهي حرف ضامر
وقال بشار:
وإذا المطي متحن في أعطافهفات المطي بكاهل وتليل
وكأنه والناعجات يردنهُقدح تطلع من قداح مجيل
وقال سالم بن عمرو الخاسر:
وكأنهن من الكلال أهلةٌأو مثلهن عواطف الأقواس
قود طواها ما طوت من مهمهِنابي الصوى ومناهج أدراسِ
وقال العتابي يصف كلالها:
إذ الركائب مخسوف نوظرهاكما تضمنت الدهن القواريرُ
وقال أبو نواس:
ألا حبذا عيش الوحاد وضجعةإلى جنب مقلاق الوضين سعوم
الوضين للبعير مثل الحزام للدابة. والسعوم: الواسعة الخطو.
ترامت بها الأهوال حتى كأنمانحيف من أقطارها بقدومِ
وقال في سرعتها:
وتجشمت بي هول كل تنوفةٍهوجاء فيها جرأة إقدامُ
تذر المطي وراءها وكأنهاصنف تقدمهن وهي إمامُ
وقال الرضي:
قعدت بها الأخفاف من طول السرىمحسورة ومشت بها الأعراقُ
وقال أبو تمام:
أتينا القادسية وهي ترنوإلي بعين شيطان رجيمِ
فما بلغت بنا عسفان حتىرنت بلحاظ لقمان الحكيم
وبدلها السرى بالجهل حلماًوقد أديمها قد الأديم
بدت كالبدر وافى ليل سعدٍوآبت مثل عرجون قديم
وقال البحتري:
يترقرقن كالسراب وقد خض ... نَ غماراً من السحاب الجاري
كالقسي المعطلات بل الأس ... هم مبرية بل الأوتارِ
وقال أيضاً:
كالربى في الربى ويحسبن أحياناً نسوعاً مجدولةً في نسوعِ
وقال ابن المعتز:
ترنو بناظرة كأن حجاجهاوقب أناف بشاهقٍ لم يحلل
وكأن مسقطها إذا ما عرستْآثار مسقط ساجدٍ متبتلِ
وكأن آثار النسوعِ بدفهامسرى الأساود في هيام أهيل
قال الأصميع: وصف أعرابي ناقةً فقال:تقطع الأرض عرضاً، وترض الحجارة رضاً، وتنهض في الزمام نهضاً، سريعة الوثوب، بطيئة النكوب، مدلاجٌ سروب.
وقال أعرابي آخر: إذا اكحالت عينها، وأللت أذنها، وسجح خدها، وهدل مشفرها، واستدارت جمجمتها، فهي الكريمة.
وقال أعرابي:
انزع بدلويك لحمر كالضربْفهي صواف لونها من الرتبْ
كالفضة البيضاء حيصت بالذهببنات ذيال صهابي أقب
حناجر يوعبن أحرار القلبْكالوحد الأحقب أو ثور العرب
أو كأديم الصرف أو عرق النجب
وصف الفيل:
قال عبد الصمد بن بابك:
وممسك البردين فيشبه النقا شية وقداً
فكأنما نسجت علي ... ه يد السحاب الجون جلدا
وإذا لوتك صفاتهأعطتك متن الدرع نقدا
فكأن معصم غادةٍفي ماضغيه إذا تصدى
وكأن عوداً عاطلاًفي صفحتيه إذا تبدى
جاب المطوق قد تفر ... ردَ بالكرامة واستبدا
فإذا تجلل هضبةفكأن جنح الليل مدا
وإذا هوى فكأن رك ... ناً من عماية قد تردى
وإذا استقل رأيت في أعطافه هزلاً وجدا
أبو محمد الخازن:
من كل جهمٍ خلتهُيوم الوغى غولاً تصدى
وعليه طارونيةٌيزها بها حراً وبردا
وكأنما خرطومهراووق خمر مد مدا
وكأنما انقلبت عصاموسى غداة بها تحدى
يكسى الحداد وتارةًيكسى نسيج الدرع سردا
كفل تموج كالكثي ... ب يميله صوباً وصعدا
وكأنه يوم الوغىيكسى من الخيلاء بردا
وما وجدت للعرب شعراً في صفة الفيل إلا ما لا طائل فيه مثل قول رؤبة:
أجرد كالحصن طويل النابينمشرف اللحي صغير الفقمين
عليه أذنان كفضل البردين

وكقول أبي الحلال الهدادي:
وما كنت يوم الفيل فوق مطيةٍولكن على وطفاء جون ربابها
وقد واقعه قوم منهم في الإسلام، وذكروا شجاعتهم في قتاله، لكنهم لم يصفوه، وهاتان القطعتان من الشعر فيه سببهما أن الصاحب أبا القاسم ابن عباد حصل على الفيل في وقعة كانت بجرجان، فأمر الشعراء أن يصفه، وكان أبو القاسم عبد الصمد بن بابك عنده وهو يتهمه بالانتحال، وقد انتدب له عدو ينسبه إلى انتحال شعر ابن نباتة، فأمره الصاحب أن يصف الفيل في شعر على وزن قول عمر بن معد يكرب:
أعددت للحدثان سا ... بغة وعداء علندا
فقال، وقالت الشعراء، فكانت قصيدته مفضلة على غيرها، فحينئذ عرف الصاحب موضعه من الفضل، وزالت الشبهة في حقه. فقال عدوه: أيها الصاحب هذا معه ستون قصيدة لابن نباتة

في نعت الفيل على هذا الوزن.
وقال عبد الكريم النهشلي المغربي:
وأضخم هندي النجار تعدهملوك بني ساسان أن رابها دهرُ
من الروق لا من ضربة الورق يرتعيأضاخ ولا من ورده الخمسُ والعشرُ
يجيء كطود جائل فوق أربعٍمضبرةٍ لمت كما لمت الصخرُ
له فخذان كالكثيبين لبداوصدر كما أوفى من الهضبة الصدرُ
ووجه به أنف كراووق خمرةٍينال به ما تدرك الأنملُ العشرُ
وجنبان لا يروي القليب صداهماولو أنه بالقاع منهرتٌ جفرُ
وأذن كنصف البرد تسمعه النداخفياً وطرف ينفض الغيب مزورُّ
ونابان شقا لا يريد سواهماقناتين سمراوين طعنتهما نتر
له لون ما بين الصباح وليلهِإذا نطق العصفور أو غرد الصقرُ
نعت الأسد
قال زهير بن أبي سلمى:
ورد غراض الساعدين حدي ... د الناب بين ضراغمٍ غثرِ
يصطاد إحدان الرجال فماتنفك أجريه على ذخرِ
وقال مالك بن خالد الهذلي:
ليث هزبر مدل عند خيستهبالرقمتن له أجر وأعراسُ
أحمى الصريمة إحدان الرجال لهصيد ومستمع بالليل هجاسُ
وصعب البديهة مشبوب أظافرهُ ... مواثب أهرت الشدقين هراس
دخل أبو زبيد الطائي على عثمان رحمه الله فاستنشده فأنشده قوله:
من مبلغ قومي النائين إذ شحطواأن الفؤاد إليهم شيق ولعُ

ووصف الأسد فقال له عثمان: تالله تفتأ تذكر الأسد ما حييت، والله إني لأحسبك جباناً هداناً، فقال: كلا يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت منه منظراً، وشهدت مشهداً، لا يبرح ذكره يتردد ويتجدد في قلبي، ومعذور أنا يا أمير المؤمنين غير ملوم. فقال له عثمان: وإني كان ذلك؟ قال: خرجت في صُيّابةٍ أشراف من أفناء قبائل العرب ذوي هيئة وشارة حسنة، ترتمي بنا المهاري ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروط بنا السير في حمارة القيظ حتى إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشفاه، وشولت المياه، وأذكت الجوزاء المعزاء، وذاب الصيهد، وصر الجندب، وضاف العصور الضب وجاوره في جحره، وقال قائل: أيها الركب غوروا بنا في ضوج هذا الوادي، وإذا وادٍ قد بدا لنا كثير الدغل، دائم الغلل، شجراؤه مغنة، وأطياره مرنة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات متهدلات، فأصبنا من فضلات المزاود وأتبعناها الماء السلس البارد، فإنا لنصف حر يومنا ومماطلته، إذ صر أقصى الخيل أذنيه، وفحص الأرض بيديه، فوالله ما لبث أن جال ثم حمحم فبال، ثم فعل فعله الفرس الذي يليه واحداً فواحداً، فتضعضعت الخيل، وتكعكعت الإبل، وتقهقرت البغال، فمن نافرٍ بشكاله، وناهض بعقاله، فعلمنا أن قد أتينا، وعلمنا أنه السبع، ففزع كل رجل منا إلى سيفه فاستلّه من جرابه ووقفننا رزدقاً، فأقبل يتظالع كأنه مجنوب أو في هجار، لصدره نحيط، ولبلاعمه غطيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض، كأنما يخبط هشيماً، ويطأ صريماً، وإذا هامة كالمجن، وخد كالمسن، وعينان سجراوان، وكأنهما سارجان يقدان، وقصرة ربلة، وكتد معبط، وزورٌ مفرط، وساعد مجدول، وعضد مفتول، وكف شثنة البراثن، إلى مخالب كالمحاجن، فضرب بيده فأرهج، وكشر فأفرج عن أنيابٍ كالمعاول مصقولة غير مفلولة، وفم أشدق، كالغار الأخرق، ثم تمطى فأشرع بيديه، وحفز وركيه برجليه، حتى صار ظله مثليه، ثم أقعى فاقشعر، ثم مثل فاكفهر، ثم تجهم فزبأر، فلا وذو بيته في السماء ما اتقيناه إلا بأخٍ لنا من فزارة، كان ضخم الجزارة، فوقصه ثم نفضه نفضة فقضقض متنيه، وجعل يلغُ في دمه. فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا، فهجهجنا به فكر مقشعراً كأن به شيهما حولياً، فاختلج رجلاً أعجز ذا حوايا فنفضه نفضة تزايلت لها مفاصله، ثم نهم فقرقر، ثم زفر فبربر، ثم زأر فجرجر، ثم لحظ، فوالله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه، من عن شماله ويمينه، فأرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل، وأطت الأضلاع، وارتجت الأسماع، وشخصت العيون، وانخزلت المتون، وساءت الظنون. فقال له عثمان: اسكت قطع الله لسانك فقد أرعبت قلوب المؤمنين.
قال شعبة، قلت للطرماح بن حكيم: ما شأن أبي زبيد وشأن الأسد؟ فقال: إنه لقيه بالنجف، فلما رآه سلح من فرقه، فكان بعد ذلك يصفه كما رأيت.

نعت وحش الفلاة وسباعها
قال الأخطل يذكر الثور الوحشي:
فما به غير موشي أكارعهُإذا أحس بشخص نابئ مثلا
كأن عطارة باتت تطيفُ بهحتى تسربل ماء الورس وانتعلا
من خضب نور خزامى قد أطاع لهأصاب بالقفر من وسميه خضلا
بات إلى حقف أرطاةٍ يلوذ بهاإذا أحس بسيل تحته انتقلا
كأنه ساجد من نضخ ديمتهمقدس قام تحت الليل فابتهلا
ينفي التراب بروقيه وكلكلهكما استماز رئيس المقنب النفلا
وله في مثله:
أو مقفر خاضب الأظلاف جاد لهغيث تظاهر من ميثاء مبكارِ
بات إلى جنب أرطاة تكفئهريح شآمية هبت بأمطارِ
إذا أراد بها التغميض أرقهسيل يدبب بهدم الترب موارِ
حتى إذا إنجاب عنه الليل وانكشفتْسماؤه عن أديم مصحر عارِ
آنس صوت قنيص أو أحس بهمكالجن يهفون من جرم وأنمار
فانصاع كالكوكب الدري ميعتهغضبان يخلط من معج وإحضار
فأرسلوهن يذرين التراب كمايذري سبائخ قطن ندف أوتار
حتى إذا قلت نالته سوابقها وأرهقته بأنياب وأظفار
أنحى إليهن عيناً غير غافلةٍوطعن محتقر الأقران كرار
تضمه الضاريات اللاحقات بهضم الغريب قداحاً بين أيسارِ
وقال ذو الرمة يصف عدو ثورين:
لا يذخران من الإيغال باقيةًحتى تكاد تفرى عنهما الأهُبُ
وقال أيضاً، ويروي لعدي بن الرقاع في مثله:
يتعاوران من الغبار ملاءةًبيضاء محكمة هما نسجاها

تطوى إذا وردا مكاناً جاسياًوإذا السنابك أسهلت نشراها
خلف الأحمر في مثله:
كالكوكب الدري مبتذلاًشداً يفوت الطرف أسرعهُ
فكأنما جهدت أليتهُألا تمس الأرض أكرعُهُ
وقال الطرماح في مسافر:
يبدو وتضمره البلادُ كأنهُسيف على شرف يسل ويغمدُ
وقال النابغة الذبياني:
كأنها ذو وشوم بات منكرساًفي ليلة من جمادى أخضلت ديما
منكرس: منقبض.
بات بحقف من البقار يهدمهإذا استكف قليلاً تربه انهدما
البقار: أرض ذات رمال، والحقف من الرمل ما استدار.
تقالُ الريح روقيه وكلكلهُكالهبرقي تنحى ينفخ الفحما
وقال أوس بن حجر يذكر ثوراً والكلاب تتبعه:
ففاتهم وأزمعن اللحاق بهكأنهن بجنبيه الزنابيرُ
حتى إذا قلت نالته أوائلهاولو يشاء لنجته المثابيرُ
كر عليها ولم يفشل يمارسهاكأنه بتواليهن مسرورُ
يشكها بذليق حده سلبٌكأنه حين يعلوهن موتورُ
ثم استمر يباري ظله جذلاًكأنه مرزبان فاز محبورُ
وقال الشماخ يصف فحل العانة:
فوجهها قوارب فاتلأبتله مثل القنا المتأوداتِ
يعض على ذوات الضغن منهاكما عض الثقافُ على القناةِ
وهن يثرن بالمعزاء نقعاًنرى منه لهن سرادقاتِ
وقال أبو ذؤيب يذكره والأتن تتبعه:
فكأنهن ربابة وكأنهيسر يفيض على القداح ويصدعُ
وكأنما هو مدوس متقلبٌبالكف إلا أنه هو أضلع
المدوس: حجر تسن به السيوف. والأضلع والضليع: الغليظ الشديد.
وقال الشماخ في الأروى:
وما أروى وإن كرمت علينابأدنى من موقفة حرون
تطيف بها الرماة وتتفيهمْبأوعالٍ معطفة القرونِ
وقال تميم بن أبي بن مقبل يصف الثور:
يظل بها ذب الرياد كأنهُسرادق أغرابٍ بحبلين مطنبُ
تحدر صبيان الصبا فوق متنهكما لاح في سلك جمان مثقبُ
لياحٌ تظل الآبدات يسفنهكسوف العذارى ذا القرابة منجبُ
الذب: الذي لا يستقر، والأغراب: جمع غرب أي قوم غربوا، صبيان الصبا: صغار القطر، ولياح : أبيض، أراد لياح منجب.
وقال حميد بن ثور:
ترى طرفيه يعسلان كلاهماكما اهتز عود الساسم المتتابعُ
ينام بإحدى مقلتيه ويتقيبالأخرى الأعادي فهو يقظان هاجعُ

نعت القنص وآلاته وأماكنه
قال أبن أبي كريمة في الفهد:
مدنرة ورق كأن عيونهاحواجل تستذري متون الرواكبِ
إذا قلبتها في العجاج حسبتهاسنا ضرم في ظلمة الليل ثاقبِ
مولعة فطح الجباه عوابسٌتخال على أشداقها خط كاتب
ذوات أشاف ركبت في أكفهانوافذ في صم الصخور نواشبِ
معقفة الترهيف عوج كأنهاتعقرب أصداغ الملاح الكواعب
توسد أجياد الفرائس أذرعاًمرملة تحكي عناق الحبائبِ
وقال عبد الصمد في مثله:
كأنها والخزر من أحداقهاوالخطط السود على أشداقها
ترك جرى الإثمد في آماقها
وقال ابن طاهر فيه:
وليس للطراد إلا فهدكأنما ألقت عليه الكرد
من خلقها أو ولدته الأسدوهو كفيل النجح حين يعدو
وقال ذو الرمة وذكر كلباً:
كأنه كوكب في إثر عفريةٍمسوم في سواد الليل منقضبُ
وقال آخر فيه:
تفوت خطاها الطرف سبقاً كأنهاسهام مغالٍ أو رجوم الكواكبِ
كأن بنات القفر حين تفرقتغدون عليها بالمنايا الشواعبِ
وقال أبو نواس فيه:
كأن متنيه لدى انسلابهمتنا شجاع لج في انسيابه
كأنما الأظفار في قنابهموسى صناعٍ رد في نصابهْ
تراه في الحضر إذا هاها بهيكاد أن يخرج من إهابهْ
وقال أيضاً:
أرسله كالسهم غذ غالى بهيسبق طرف العين في التهابه
كلمعان البرق في سحابه
وقال ابن المعتز:
وكلبة يغدو به فتيانُأطلقهم من يده الزمانُ
كأنها إذا تمطت جانُأو صعدة وخطمها السنانُ
ونجمت للحظها الغزلانُفلحت ما لحق العيانُ
وقال أيضاً:
وأبصرت سرباً من الظباءفغادرتهن بلا إعياء
ترضى من اللحوم بالدماء
وقال أبو نواس:
تحمل حملاقاً سريع الطحركأنه مكتحلٌ بتبر
في هامةٍ لمت كلم الفهرِوجؤجؤ كالحجر القهقرِ
القهقر: الصلب. وعين طحور: إذا كانت تخرج القذى.
وقال:
ومنسرٍ أكلف فيه شغاكأنه عقدُ ثمانينا
وقال ابن المعتز:

ونذعر الصيد ببازٍ أقمرٍكأنه في جوشنٍ مزررِ
وجؤجؤ منمنمٍ محبركأنه رقٍّ خفيُّ الأسطر
وقال أيضاً:
غدوت في ثوب من الليل خلقْبطارح النظرة في كل أفق
ومقلة تصدقهُ إذا رمقمبارك إذا رأى فقد رزق
وقال أيضاً:
قد أغتدي في نفس الصباحبقرم للصيد ذي ارتياحِ
معلق الألحاظِ بالأشباحِعليه منه كحبابِ الراحِ
وقال أيضاً:
وزرقٍ ريان من شبابهكأن سلخ الأيم من أثوابه
وقال أيضاً:
وفتيان غدوا والليل داجٍوضوء الصبح متهم الطلوعِ
كأنه بزاتهم أمراءُ جيشعلى أكتافهم صدأ الدروعِ
وقال أبو ذؤيب الهذلي في تشبيه الصائد:
حتى استبانت مع الإصباح صائدهاكأنه في حواشي ثوبه صردُ
وقال ابن الرومي في قوس البندق:
متاح لراميها المنايا كأنمادعاها له داعي المنايا فأسمعا
تقلب نحو الجو عيناً بصيرةًكعينك بل أذكى ذكاء وأسرعا
يحاذرها العفريت عند انصلاتهافيعجله الإشفاقُ أن يتسمعا
لها عولة أولى بها من تصيبهوأجدر بالاعوال من كان موجعا
وهذا المعنى ينظر إلى قوله أيضاً وذكر امرأة:
يشكو المحب وتشكو وهي ظالمةٌكالقوس تصمي الرماية وهي مرنانُ
قال أخر:
قد أغتدي ملث الظلام بفتيةٍللرمي قد حسروا له عن أذرع
متنكبين خرائطاً لبنادقٍمن بين مضفورٍ وبين مرَصَّعِ
بأكفهمْ قضبانُ روضٍ قد غدواللطير قبل نهوضها للمرتعِ
تقذي منيات الطيور عيونهايوماً إذا رمدت بأيدي النزعِ
صفر البطون كأن ليط ظهورهاسرقُ الحرير نواظر لم تسمع
وكتب أبو إسحاق الصابي إلى محمد بن العباس بن فسانجس في صفة رمي البندق وآلته: مآرب الناس - أطال الله بقاء سيدنا الوزير - منزلة بحسب قربها من هزل أو جد، ومرتبة على قدر استحقاقها من ذم أو حمد. فإذا وقع المتأمل عليها وجد أولاها بأن تعتده الخاصة نشوة وملعباً، والعامة حرفة ومكسباً، الصيد الذي فاتحته طلاب لذة ووطر، وخاتمته حصول مغنم وظفر. وقد اشتركت الملوك والسوقة في استجماله، واتفقت الشرائع المختلفة على استحلاله، ونطقت الكتب المنزلة بالرخصة فيه، وبعثت المروءات على مزاولته وتعاطيه. وهو رائض للأبدان وجامع لشمل الإخوان، وداع إلى اتصال العشرة منهم والصحبة، وموجب لاستكمال الألفة بينهم والمحبة.
ولما كانت الجوارح المثمنة لكل الناس غير ممكنة، بل لمن جل منهم قدره، وعلا فيهم خطره، وعظم شأنه وحاله، وجم وفره وماله، جعلت القول مقصوراً على قسي البندق التي لا تتعذر على مكثر ولا مملق، ولا تضيق على اتخاذها يد موسرٍ ولا معسر، ولو لم أفعل ذلك لبلغ الأسف من العادم الفاقد، أكثر من الجذل من القادر الواجد. لكنني اعتمدت الذي يتوافق في استطاعته الأدنى والأشرف، ويتلاحق في التمكن منه الأقوى والأضعف، فأنا أكتفي في ترغيب من كان عنه منحرفاً، وتثبيت من كان إليه تشوفاً، بوصف موقف منه شهدته، ومنظر استحسنته، في بعض ظواهر مدينة السلام:

هناك غيضة ذات ماء صاف أزرق، وشجر مرجحن مورق، فبينا أنا ماثل فيها، متنزه في نواحيها، وقد تضوعت بالأرج أرجاؤها، وتأودت في حلل الورد شجراؤها، وتفاوحت بفوائح المسك أنوارها، وتفاوضت بغرائب النطق أطيارها، إذ أٌبلت رفقة من الرماة قد برزت قبل الذرور للشروق، وشمرت عن الأذرع والسوق، متقلدين خرائط شاكلت السيوف بحمائلها ونياطانها، وناسبتها في آثارها ونكاياتها، تحمل من البندق الملموم، ما هو في الصحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرج بالجهر، فجاء كبنات الفهر، قد اختير طينه، وملك عجينه، فهو كالكافور الصاعد في الملمس والمنظر، وكالعنبر الأذفر إلا في المشم والمخبر، مأخوذ من خير مواطنه، مجلوب من أطيب معادنه، كافل بمطاعم حاملين، محقق لأمال آمليه، ضامن لحمام الحمام، متناول لها من أبعد مرام، يعوج إليها وهو سم ناقع، ويهبط بها وهي رزق نافع. وبأيديهم قسي مكسوةٌ بأغشية السندس، مشتملة منها بأفخر ملبس، مثل الكماة في جواشنها ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها، حتى إذ جردت من تلك المطارف، وانتضيت من تلك الملاحف، رأيت منها قدوداً مخطفة رشيقة، وألواناً معجبة أنيقة، صليبة المكاسر والمعاجم، نجية المنابت والمناجم، خطية الانتماء والمناسب، سمهرية الاعتزاء والمناصب، تركبت من شظايا الرماح الداعسة، وقرون الأوعال الناخسة، فحازت الشرف من طرفيها، واحتوت عليه بكلتا يديها، قد تحنت تحني المشيخة النساك، وصالت صيال الفتية الفتاك، واستبدلت من قديمها في هز الفوارس، بحديثها في قبض المعاجس، وانتقلت عن جدها في طرد الغارات، إلى هزلها في طرد المتنزهات. ظواهرها صفر وارسةٌ، ودواخلها سود دامسة، كأن شمس أصيل طلعت على متونها، أو جنح ليلٍ اعتكر في بطونها، أو زعفراناً جرى فوق مناكبها، أو غاليةً جمدت عفى ترائبها، أو هي قضبان فضة أذهب شطرها وأحرق شطر، أو حيات رمل اعتنق السود منها والصفر. فلما توسطوا تلك الروضة، وانتشروا على أكناف تلك الغيضة، وثبتت للرمي أقدامهم، وشخصت إلى الطير أبصارهم، وتروها بكل وتر فوق سهمه منه، ومفارق للسهم وخارج عنه، مضاعف عليها من وترين، كأنه برد ذو جسدين، أو عناق ضم ضجيعين، في وسطه عين كشريحة كيس مختوم، أو سرة بطن خميص مهضوم، محولة عن المحاذاة، مزورة عن الموازاة، كأنها متخازرٌ ينظر شزراً، أو مصغٍ يسمع رزاً، تروع قلوب الطير بالإنباض، وتصيب منهم مواقع الأعراض. فلم يزل القوم يرمون ويصيبون، وينجحون ولا يخيبون، حتى خلت من البندق خرائطهم، وامتلأت بالصيد حقائبهم. فكم من أفرخ زغب أيتموها فضاعت، ومن آباء لها وأمهات استجابوها فأطاعت، قد انقادت نوافرها صعراً، واقتسرت أوابيها قسراً، وكسرت أجنحتها وجآجيها، واستطارت في الجو قوادمها وخوافيها، فأصبحت بين عاثر لا ينهض من عثاره، ومهيضٍ لا يطمع في انجباره، يداوي جريحها بالإجهاز، ويتلافى عقيرها بالتذكية والإنجاز، تعاجل قبل فناء ذمائها، وبصير ريشها كالمجاسد من دمائها، مصرعة شر مصارعها، مستقرة في أخفى مضاجعها، محمولة على حكم الكفار، إذ يقتلون ومصيرهم إلى النار، تغسل بالاستقصار سمطها، وتكفن بالتعرية من ريطها، وتحنط بتوابلها وأبازيرها، وتوارى في قدورها وتنانيرها. ثم تبعث إلى إخوان متوافقين، وخلان مترافقين، قد تطابقوا في الآراء، وتألفوا في الأهواء وتمالحوا في الطعام، وتراضعوا بالمدام، نداؤهم تفدية، وجوابه تلبية، لا يضبون على الأحقاد، ولا يتنافسون في الوداد، ولا يشوب صفوهم شائب، ولا يعيب فضلهم عائب.
فالحمد لله الذي أباحنا لذيذ المطاعم، ونهج لنا سبل الغنائم، وهدانا إلى رخص الطيبات، ووقف بنا على حدود اللذات، ووفقنا أن نأخذ منها بأمره، ونزدجر عنها بزجره، ونتصرف مع الشرائع في إحلال ما أحلت، واجتناب ما حرمت وحظرت.
وأطال الله بقاء الوزير ما اختار البقاء، وعلا كعبهُ ما امتد العلاء، وجعل له من كل رزق هنيءٍ حظاً جزيلاً، وإلى كل مشرب عذبٍ هادياً ودليلاً، بمنه وطوله، وقدرته وحَوْلِه.

وكتب أبو إسحاق عن ابن فسانجس إلى بختيار بن أحمد بن بويه في صفة متصيد كان له بواسط: من حل محلي في اصطناع الأمير عز الدولة - أطال الله بقاءه - واصطفائه، وانتهى إلى غايتي من أثرته واجتبائه، كان حقيقاً في التسوية في طاعته بين سره وجهره، والجمع في نصيحته بين جده وهزله، غير مسامحٍ نفسهُ بقضاء وطر لا حظ له فيه، ولا موسع له في بلوغ أرب لا فائدة له منه، تمسكاً بعلائق الولاية في سائر الأحوال، وأداء الفريضة الأمانة في صغير وكبير الأعمال، والله بلطفه يمدني في خدمته بالتوفيق، ويقف بي منها على سواء الطريق، ويهب لي تحفظاً يحرس من الزيغ والزلل، وتيقظاً يعصم من الخطأ والخطل.
ووجدت في سفري هذا - أيد الله الأمير عز الدولة - فضلاً في زماني عن المهمات، يستروح النفوس إلى توفيره على المحبوبات، فاعتمدت مها التصيد تأدباً بأدبه - أطال الله بقاءه - في الولوع به، واعتماداً لعائدته على من يحضرني من أوليائه وعبيده، في قوة أبدانهم ونشاطها، ورياضة خيلهم وانبساطها، واعتيادهم طراد ما يسنح ويعن، واستثارة ما يستكن ويستجن، وإغرائهم بطلب ما يحاولونه، وإضرابهم عن الفتك بمن يساورونه، إذ كان هذا الأمر مثالاً يحتذى في مطاعنة الفرسان، ومنهجاً يقتفى في مطاردة الأقران. وافق لي من السرور لذلك يوم غاب نحسه وهوى، وطلع سعده واعتلى، وصدق الله أيامِنهُ وسوانحه، وأكذب أشائمه وبوارحه، بما رزقناه من اجتماع الصيد ووفوره، وكثرته وجمومه، وسهله لنا من إدراك ما طلبناه منه وأرغناه، والوصول إلى ما اعتمدناه وانتحيناه، بظل مولانا الأمير عز الدولة - أدام الله عزه الممدود علينا - وبركة اسمه الذي به استنجحنا والزمان ساقطة جماره، مفعمة أنهاره، مورقة أشجاره، مغردة أطياره، ونحن غب سماء أقلعَ بعد الارتواء، وأقشع عند الاستغناء، والبقل خضل ممطور، والنقع ساكن محصور، والرياض كالعرائس في وشيها ومطارفها، متجلية في خلعها وملابسها، متبرجة في حللها ومجاسدها، باسطة زرابيها وأنماطها، ناشرة حبراتها ورياطها، زاهية بحمرائها وصفرائها، تائهةً بعوانِها وعذرائها، كأنما عارضت عصباً، أو فاخرت صحباً، أو احتفلت لوفدٍ، أو هي من حبيب على وعد، تتبارى طيباً وحسناً، وتتفاوحُ أرجاً وعرفاً، فما نرد منها حديقة إلا استوقفتنا بهجتها ونضارتها، واستنزلتنا جدتها وغضارتها، وخيلنا كالأمواج المتدفقة، والأطواد الموثقة، متشوفة عاطية، مستبقة جارية، تشتاق إلى الصيد وهي لا تطعمه،وتحن إليه كأنه قضيم تقضمه، وعلى أيدينا جوارحُ مؤللة المخالب والمناسر، ومذربة النصال والخناجر، طامحة الألحاظ والمناظر، بعيدة المرامي والمطارح، ذكية القلوب والنفوس، قليلة القطوب والعبوس، ذات قوادم كثةٍ أثيثة، وخوافٍ وحفةٍ أثيرة، سابغة الأذناب، كريمة الأنساب، صليبة الأعواد، قويمة الأوصالُ، تزيد إذا ألحمت شرها وقرماً، وتضاعفُ إذا شبعت كلباً ونهماً. فبينا نحن سائرون، وفي الطلب ممعنون، إذ وردنا ماء زرقاً جمامهُ، طاميةً أرجاؤه، يبوح بأسراره صفاؤُهُ، وتلوحُ في قرارهِ حصباؤهُ، وأفانين الطير به محدقة، وغرائبه عليه واقعة، متغايرة الألوان والصفات، مختلفة اللغات والأصوات، فمن بين صريح خلص وتهذب نوعه، ومن مشوب تهجن أو أقرف عرقه. فلما أوفينا عليها، أرسلنا الجوارح إليها، كأنها رسل المنايا، أو سهام القضايا، فلما تسمع إلا مسمياً، ولم تر إلا مذكياً. ثم عدنا لشأننا دفعات، وأطلقنا مرات، حتى ازددنا واستكثرنا، وانتهينا واكفينا، وانطلقنا بعد ذلك نعتام ونتخير، ونقترح ونتحكم. فكان الدراج أطرف مطلوباتنا، وأنظف مأكولاتنا، فاستثرناه عن مجاثمه، وانتزعناه من مكامنه، واختطفنا ببزاتنا ما طار منه وانتشر، وبعثتنا بوازجنا على ما تبنج واستتر، فاهتدت إليها كالودائع المستودعة،ت وأظهرتها كالكنوز المستخرج، تستدل عليها بالشميم، وتستنبطها بالنسيم. فلم يفتنا ما برز، ولا سلم منا ما احتجز.

ثم عدلنا - أيد الله الأمير - عن مطارح الحمام، إلى مسارح الآرام، نستقري ملاعبها، ونوم مجامعها، لا نألو بحثاً وفحصاً، ولا نفتر اجتهاداً وحرصاً، وأمامنا أدلة فرهة يهدون، ورواد مهرة يرشدون، حتى أفضينا إلى أسرابٍ كثيرة العدد، متصلة المدد، لاهية بأطلائها، راتعة في أكلائها، غارة بما أحاط بها، ذاهلة عما أعد لها، ومعنا فهود أخطفُ من البروق، وأثقف من الليوث، وأجْدى من الغيوث، وأمكن من الثعالب، وأنزى من الجنادب، وأدب من العقارب، خمص الخصور، قب البطون، رقش المتون، حمر الآماق، خزر الحداق، هرت الأشداق، عراضُ الجباه، غلب الرقاب، كاشرة عن أنياب كالحراب، تلحظ الظباء من أبعد غاياتها، وتعرف حسها من أقصى نهاياتها، تتبع مرابضها وآثارها، وتنسم روائحها وأنشارها. فأقبلنا من تجاه الريح إليها وأغذذنا السير نحوها، ثم دببنا لها الضراء، وشننا عليها الغارة الشعواء، وأرسلنا فهودنا إليها، فانقضت كالشهب عليها، جائلةً في أدمها وعفرها، صائلة بعترها وشصرها. وجرت خيلنا في آثارها، كاسعة لأدبارها، فألقينا كلاً منها على ظبيٍ قد افترسه وافترشه، وصرعه وجعجعه، فصانعناها بالدماء فقنعت وولغتْ، واستنزلناها عن الظباء فسامحت ونزلت. وأوغلنا من بعد في اللحاق بما شذ وشرد، وقص أثر ما ند وبعد، قد انتهت النوبة إلى الكلاب والصقور، وفي صحبتنا منها كل كلب عريق المناسب، نجيح المكاسب، حلو الشمائل، نجسب المخايل، حديد الناظرين، أغضف الأذنين، أسيل الخدين، مخطف الجنبين، عريض الزور، متين الظهر، أبي النفس، ملهب الشد، لا يمس الأرض إلا تحليلاً وإيماء، ولا يطأها إلا إشارة وإيحاء، وكل صقر عميم الجسم، مصمت العظم، ماضٍ كالحسام، قاضٍ كالحمام، كثير التلفت، طويل التلهف، متيقظ في نواظره، مشتط في مطالبه، خفيف النهضة إلى ما يريد، ثقيل الوطأة على ما يصيد. فما لبثنا أن أشرفنا على يعافير متطرفة، ويحامير متعزبة، فخرطنا القلائد والشباقات، فمرت مترافقات متوافقات، قد تباينت في الصور والأجناس، وتألفت في الارتياد والالتماس، فسقت الصقور إليها ضاربةً وجوهها، ناكسة رؤوسها، ولحقت الكلاب بها منشية فيها، مدمية لها. وبادرناها مجهزين، وغنمناها فائزين. واعترضنا في المرجع - أيد الله الأمير - عانةٌ من حمير، لم نحتسبها ولم نطمع في الوقوع على مثلها، فثاورها سرعان خيلنا، وخالطها فتاك فرساننا، فصرعنا منها جحشاً ومنعنا مما سواه شدة الكلال والملال، وامتلاء الحقائب من الأثقال.
وانقلبنا - أيد الله الأمير - إلى معرس كنا استطبناه بادئين، وأعددناه للاستراحة عائدين. وقد وجب الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، فنزلنا ريثما صلينا، وعرفنا عدد ما صدنا، واجتمع إلينا أهل موكبنا، ونهضنا فأتممنا، وأخذنا في صيد ما يقرب ويحف، وتحصيل ما يلوح ويستدف، فكان ذلك حبارى أرسلنا بعض شواهيننا إليه، فثاروه وهو يتقيه، وثاقفه وهو ينتحيه، يعلو عليه تارةً ويستفل عنه أخرى، كالفارسين المتطاردين، والبطلين المتنازلين، فداما كذلك ساعة أو ساعتين، إلى أن اعتلقه،وهبط به، وخبطه وجثم عليه. وكان قريباً منه قنبر أطلقنا عليه يؤيؤاً لنا، فعرجَ إلى السماء عروجاً، ولجج في إثره تلجيجاً، كأن ذلك يعتصم منه بالخالق، وكأن هذا يستطعمه من الرازق، حتى غابا عن النظار، واحتجبا عن الأبصار، وصارا كالغيب المرجم، والظن المتوهم، حتى خطفه ووقع به وهما كهيئة الطائر الواحد، فأعجبنا أمرهما، وأطربنا منظرهما، ووردنا المنازل سالمين، وولجناها غانمين، والغزالة مصوبة للغروب، مؤذنة بالمغيب، والجو في أطمار منهجةٍ من أصائله، وشفوف مورسةٍ من غلائله.

فالحمد لله الذي قدر الأرزاق ونزلها، ويسرها وسهلها، وآتاها عبادهُ من مستصعب جهاتها، وممتنع مراماتها، وجعل لهم في الأطيار السارية والوحوشِ الجارية طعماً من أطايبها، وخدماً من جنائبها، وعلمهم تذليل شامِسِها وآبيها، واستجابة نافرها وعاصيها، إسباغاً للمواهب، وإرغاماً للمعايش، وإمتاعاً بالأوطار، وإسعافاً بالمسار. وإياه أسأل أن ينصر راية الأمير في دقيق الأغراض وجليلها، ويقضي الظفر لها في جسيم المطالب وضئيلها، حتى يكون شعاره في الجميع ضامناً للظهور والغلبة، وافياً له كفيلاً باليمن والبركة، ويلهمنا من شكره جل ثناؤه ما يؤذن بالدوام والتمام، ويؤمن من الانفصام والانصرام، بمنه وطوله، وقدرته وحوله.
أبو نواس:
ما البرقُ في ذي عارضٍ لماحِولا انقضاض الكوكب المنصاحِ
ولا انبتات الحواب المنداححين دنا من راحة المتاح
أجذ في السرعة من سرياحِيكاد عند ثمل المراح
يطير في الجو بلا جناحِ
الحوأب: الدلو، والمنداح: الواسع، ومنه: لك عن كذا مندوحة. والمتاح: المستقي. والسرياح: اسم كلب.
ولأبي نواس:
كأنه إذ لج في كيادهمحتسب للأجر في جهادِهْ
يحظر ما صاد على فهادهتحنن الشيخ على أولاده
فليس يغدو معه بزادهْ
وقال المخزومي في الفخ:
ذو قصر أحدب من غير كبرْمحتقر المنظر جبار الخبر
مستضعف لكن إذا ضيم انتصرمستأنس فإن مسسناه نفرْ
وإن جنى جنايةً لم يعتذرمنعطف مثل الهلال في الصغرْ
مفوق سهماً إذا شد استمرنصاله الحب ومأواه الحفرْ
لما رأيى العصفور حباً قد بذرارتاب بالحنطة ما بين المدرْ
ولم يزل بين الرجاء والحذريبعثه الحرص ويثنيه الخطرْ
ثم هوى مستيقناً لما افتكرأن بني الدنيا جميعاً في غررْ
وأمل النفع ولم يخش الضررفشده الفخ بأشراك الغير
ولم يطق دفع القضاء والقدرفكثرة الأطماع آفاتُ البشرْ
وفي تصاريف الليالي معتبرْوالحزم أن تجزع من حيث تسر
فآخر الصفو وإن لذ الكدر
وقال الشمردل:
قد أغتدي قبل طلوع الشمسللصيد في يوم قليل النحسِ
بأحجن الخطم كمي النفسغرثان إلا أكلة من أمس
يطرح للطمس وراء الطمسِكنظر الغضبان أو ذي المس
حتى إذا عاين بعد الحبسعشرين من حباريات عبس
يمشين مشيَ الخاطبات القعسِأو كالنصارى في ثياب طلس
فهن بين أربع وخمسصرعى ومستدم أميم الرأس
كأنما مخلبه في ورسِمن علق الأجواف بعد النهسِ
وخرب قد ذل بعد القعسِكالبكر يعطي رأسه للعكسِ
لاح وقد أرضاهم في الحدسِعلى شمال قانصٍ معتس
كأنه وهو لها في درسِجلمود قذافٍ قليل الوكسِ
ململٌ من صخرات ملسِ

نعت الطير
قال لعنترة يصف غراباً:
ظعن الذين فراقهمْ أتوقعوجرى ببينهم الغراب الأبقعُ
خرق الجناحِ كأن لحيي رأسهجلمان بالأخبار هش مولعُ
وقال صخر الغي يذكر العقاب:
والله فتخاءُ الجناحين لقوةٌتوسد فرخيها لحوم الأرانب
كأن قلوب الطير في جوف وكرهانوى القسب ملقى عند بعض المآدبِ
والمقدم قول امرئ القيس في مثل:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساًلدى وكرها العنابُ والحشفُ البالي
وقالت جنوب أخت عمرو ذي الكلب:
تمشى النسور إليه وهي لاهيةٌمشي العذارى عليهن الجلابيبُ
وقال النابغة الذبياني وذكر أتباعها للجيش ترقب القتلى:
تراهن خلف القوم خزراً عيونهاجلوس الشيوخ في مسوك الأرانبِ
المسوك جمع مسك: وهو الجلد.
وقال آخر ينعت حمامةٌ:
مزبرجةُ الأعناق نمْرٌ ظهورهامخطمةٌ بالدر خضرٌ روائِعُ
ترى طُرَراً بين الخوافي كأنهاحواشي برودٍ أحكمتها الوشائعُ
ومن قطع الياقوت صيغت عيونهاخواضب بالحناء منها الأصابعُ
وقال ابن المعتز في الديك:
بشر بالصبح طائرٌ هتفاهاج من الليل بعدما انتصفا
مذكر بالصبوح صاح بناكخاطبٍ فوق منبرٍ وقفا
صفق إما ارتياحةً لسنا ال ... فجر وإما على الدجى أسفا
وقال ابن الرومي:
كأن بنات الماء في صرح متنهإذا ما علا روق الضحى فترفعا
زرابي كسرى بثها في صحانهليحضر وفداً أو ليجمع مجمعا
وأخضر كالطاووس يحسب رأسهبخضراء من حر الحرير مقنعا

يتيه بمنقارٍ عليه حبائكٌيخيلن في ضاحيه جزعاً مجزعا
يلح على أسطامه وشم صفرةٍترقش منها متنه فتلمعا
كملعقة الصيني أخدمها يداًصناعاً وإن كانت يد الله أصنعا
وقال أبو إسحاق الصابئ يصف قبجة:
أنعتُ طارونية الثيابِلابسةً خزاً على الإهابِ
تصنعتْ تصنغَ التصابيوأبرزتْ موجهاً بلا نقابِ
ريان من محاسن الشبابِمكحولة العينين كالكعابِ
كأنما تسقى دم الرقابِتسمعنها منها وراء البابِ
تمتمة بالقاف في الخطابِكأنما تقرأ من كتاب
قهقهة الإبريق بالشرابِأهلاً بصياد لها جلاب
جاء بها كريمة النصابِربيبة الجبال والهضابِ
كردية الأعراق والأنسابِلم تدر ما بادية الأعرابِ
غريبة صارت من الأحباب
وقال ذو الرمة في الظليم:
شخت الجزارة مثل البيت سائرهمن المسوح خدب شوقب خشبُ
وقال علقمة بن عبدة فيه:
هيق كأن جناحيهِ وجؤجؤهُبيتٌ أطافتْ به خرْقاءُ مَهجومُ
سأل المهدي رجلاً عن طائرٍ جاء من الغابة فقال: لو لم يبن بفضيلة السبق لبان بحسن الصورة. فقال: صفه لي، فقال: قُدَّ قَدَّ الجلم، وقوم تقويم القلم، لو كان في ثوب خرقه، أو في صندوق فلقه، يمشي على عنمتين، ويلقط بدرتين، وينظر بجمرتين، إذا أقبل فديناه، وإذا أدبر حميناه.
وقال عبد الواحد بن فتوح المعروف بالزقاق المغربي في الحمام:
يجتاب أردية السحاب بخافقكالبرقِ أومض في السحاب فأبرقا
لو سابق الريح الجنوب لغايةٍيوماً لجاءكَ مثلها أو أسبقا
يستقرب الأرض البسيطة مذهباًوالأفق ذا السقف الرفيعة مرتقى
ويظل مسترق السماع يخافهفي الجو تحسبه الشهاب المحرقا
يبدو فيعجب من رآه بحسنهوتكاد أيةُ عتقه أن تنطقا
مترفرفاً من حيث درت كأنمالبس الزجاجة أو تجلبب زئبقا
وقال أبو نواس في الإوز:
كأنما يصفرن من ملاعقِصرصرة الأقلام في المهارقِ
وقال يصف الديك:
أنعت ديكاً من ديوك الهندأحسن من طاووس قصر المهدي
أشجع من غادى عرين الأسدِترى الدجاجَ حوله كالجندِ
يقعين من خيفته للسفدِ
نعت أنواع من الحيوان قال محمد بن أبي محمد اليزيدي يصف قنفذاً رآه فأطعمه وسقاه:
وطارق ليلٍ جاءنا بعد هجعةٍمن الليل إلا ما تحدث سامرُ
قريناه صفو الزاد حين رأيتهوقد جاء خفاق الحشا وهو سادرُ
جميل المحيا في الرضى فإذا أبيحمته من الضيم الرماح الشواجرُ
ولست تراه واضعاً لسلاحهيد الدهر موتوراً ولا هو واترُ
وقال ذو الرمة في صفة الحرباء:
يظل مرتبئاً للشمس تصهرهُإذا رأى الشمس مالت جانباً عدلا
كأنه حين يمتد النهار لهإذا استقام يمان يقرأ الطولا
وقال أيضاً:
كأن يدي حربائها متشمساًيدا مذنبٍ يستغفر الله تائب
وقال أيضاً:
يصلي بها الحرباء للشمس ماثلاًعلى الجذل إلا أنه لا يكبرُ
إذا حول الظل العشي رأيتهُحنيفاً وفي قرن الضحى يتنصرُ
وقال أيضاً:
كم دون مية من خرقٍ ومن علمِكأنه لامعٌ عريان مسلوبُ
كأن حرباءه في كل هاجرةٍذو شيبةٍ من رجال الهند مصلوبُ
وقال أبو داود الأيادي:
أنى أتيحَ له حرباء تنضبةٍلا يرسِلُ الساق إلا ممسكاً ساقا
الحرباء تأتي شجرة تعرف بالتنضبة وما أشبهها من ذوات الأغصان فتمسك بيديها غصنين من الشجرة، وتقابل بوجهها عين الشمس، فكلما زالت عين الشمس عن ساق خلت الحرباء يدها عنه وأمسكت ساقاً أخرى حتى تغيب الشمس، ثم تستخفي.
وقال آخر يصف الضفادع:
ومقعدات ما لهن أرجلُكقعدة الناكح حين يُنزلُ
وقال في الضب:
شديد اصفرار الكشيتين كأنماتطلى بورسٍ بطنه وشواكلهْ
فذلك أشهى عندنا من بياحكملحا الله شاريه وقُبِّحَ آكلهْ
دخل أعرابي البصرة فاشترى خبزاً فأكله الفأر فقال:
عجل رب البيت بالعقابلعامرات البيت بالخرابِ
كحل العيون وقص الرقابِمجررات أحبل الأذناب
كيف لنا بأنمر الإهابِمنهرت الشدق حديد النابِ
كأنما برثِنَ بالحرابِيفرِسُها كالأسدِ الوثابِ
قال أبو عمرو بن العلاء: رأيت باليمن غلاماً من جرم ينشد عنزاً له، فقلت، يا غلام صفها، فقال: حسراء مقبلة، شعراء مدبرة، ما بين غثرة

الدهسة، وقنوء الدبسة، سجحاء الخدين، خطلاءُ الأذنين، فشقاء الصورين، كأن زنمتيها تتوا قلنسية، يا لها أم عيال، وثمال مال.
الغثرة: غبرة كدرة، والدهسة: لون كلون الدهاس، قال الأصمعي: الدهاس من الرمل كل لين لال يبلغ أن يكون رملاً وليس بترابٍ ولا طين. والديسة حمرة كدرة. والسجحاء: السهلة الخدين. والخطلاء: الطويلة الأذنين وفشقاء: منتشرة متباعدة، والصوران: القرنان، والتتوان: ذؤابتا القلنسوة، وفي القلنسوة لغاتٌ إحداها قلنسية.
وقال ابن قاضي ميلة المغربي، وذكر كلب البحر، والمغارة يسمونه عدا قرش، وكان التقف إنساناً فتتبعه صاحب الولاية حتى صيد، ووجد بعض أشلاء الرجل في جوفه:
وأشغى بكفيه مثل المدىطويل القرا مدمج الأعظمِ
تصرفه في ضمان المياهِومهجته في يد الخضرم
نخاف الهواء ويخشى الضياءوإن كان أجرأ من ضيغمِ
ولما ارتقت نفسه للأذىوبات مع البغي في مجثمِ
وعزته منعته بالبحارومثواه في زاخر مظلم
دعاه إلى حتفه حينهُفأقعص مرءاً من العومِ
فألقاه سعدك في راحتيكوقيده سفكُه للدمِ
ونزهك الله عن أن تضيعبأرضك نفس امرئٍ مسلمِ
وقال ابن زهير الكلبي:
قل لأبي الجودي عند الفجرأتاك حصاد بغير أجر
مسربلين في ملاء خضرلا يتشكين انقلاب الدهرِ
من كلام علي عليه السلام: إن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين، وأسرج لها حدقتين قمراوين، وجعل لها السمع الخفي، وفتح لها الفم السوي، وجعل لها الحس القوي، ونابين بهما تقرض، ومنجلين بهما تقبض، يرهبها الزراع في زرعهم، ولا يستطيعون ذبها ولو أجلبوا بجمعهم، حتى ترد الحرث في نزواتها، وتقضي منه شهواتها.

نعت الحية
قال النابغة الذبياني، ووجدتها في بعض الكتب منسوبةً إلى خلف الأحمر:
صلُّ صَفا لا ينطوي من القصرْطويلةُ الإطراقِ من غير خفرْ
داهية قد صغُرت من الكبرْكأنما قد ذهبت به الفكر
مهروتة الشدقين حولاء النظرْتفتر عن عوجٍ حدادٍ كالإبرْ
وقال الهذلي، وذكر آثارها على الطريق:
كأن مزاحف الحياة فيهقبيل الصبح آثارُ السياطِ
وقال خلف الأحمر:
وكأنما لبست بأعلى لونهابرداً من الأثواب أنهجه البلى
في عينها قَبَلٌ وفي حَيْزومهافطسٌ وفي أنيابها مثلُ المدى
وقال أيضاً:
وحية مسكنها الرمالُكأنها إذا شتتْ خلخالُ
وقال آخر:
ارقش بين حنش وثعبانْكأنما في رأسه سنانانْ
وفي حجاجي رأسه مغاران
وقال هميان بن قحافة:
وأفعوان مسه كالمبردِفي قدر شبرين كساق المقعدِ
كأن عينيه سراجاً موقِدِتخال رزَّ نَفْخِهِ المرددِ
صَريفَ نابَي جَمَلٍ في قَردَدِأو غليان مرجل لم يبرد
وقال آخر:
خلقت لهازمهُ عزين ورأسهُكالقرْصِ فلطح من دقيق شعير
وكأن شدقيه إذا استعرضتهُشدقا عجوزٍ مضمَضت لطهورِ
وقال عنترة بن الأخرس:
لعلك تمنى من أراقم أرضنابأرقم يسقى السم من كل منطفِ
تراه بأجوازِ الهشيم كأنماعلى متنه أخلاقُ بردٍ مفوفِ
كأن بضاحي جلده وسراتهومجمع ليتيه تهاويل زخرف
كأن تثني نسعه تحت حلقهلما قد طوى من جلده المتعطفِ
وقال أشجع:
وكأنما التدريج في بطنانهاأمواج دجلة في هبوب الشمال
وقال ابن المعتز:
تلقي إذا انسلخت في الأرض جلدتهاكأنها كم درعٍ قده بطلُ
وقال ابن نباته:
ففي الهضبة الحمراء إن كنتَ سارياًأغيبرُ يأوي في صدور الشواهقِ
يسالم ركبان الطريق نهارهُإلى الليل مخبوء لإحدى البوائقِ
كأن بقايا ما سرى من قميصهعلى متنه أفوافُ بردٍ شبارقِ
يقصر عن يافوخه حين ينطويحقيبة مملوء من الشر زاهقِ
وغرهم منه وهم يخدعونهكراهُ على أيمانهم والمرافق
ودون الذي يرجون من سقطاتهحفيظة مشبوب اللحاظ مرافقِ
مطولٍ إذا ما طلته الكيد سادرٍجريءٍ إذا بادهته بالحقائقِ
نعت الهوام والحشرات
قال رياح الأسدي:
تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكنبحنو الغضا ليلي علي يطولُ
تؤرقني حدب قصار أذلةٌوإن الذي يؤذينه لذليلُ
إذا جلت بعض الليل منهن جولةٌتعلقن بي أو جلن حيث أجولُ
إذا ما قتلناهن أضعفن كثرةًعلينا ولا ينعى لهن قتيلُ

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةًوليس لبرغوث علي سبيلُ
وقال أعرابي:
ألا يا عباد الله من لقبيلةٍإذا ظهرت في الأرض شد مغيرها
فلا الدين ينهاها ولا هي تنتهيولا ذو سلاح من معد يضيرها
وقال السلامي في الزنبور:
ولابس ثوب واحد وهو طائرٌملوثة أبراده وهو واقعُ
أغر محشي الطيلسان مدبجوسود المنايا في حشاه ودائعُ
إذا حك أعلى رأسه فكأنمابسالفتيه من يديه جوامعُ
يخاف إذا ولى ويؤمن مقبلاًويخفى على الأقران ما هو صانعُ
بدا فارسي الزي يعقد خصرهُعليه قباء زينته الوشائعُ
يرجع ألحان الغريض ومعبدٍويسقي كؤوساً ملؤها السم ناقعُ
فمعجزهُ الوردي أحمر ناصعُومئزره التبري أصفر فاقعُ
وقال عبد الصمد في العقرب:
يا رب ذي إفكٍ كثير خدعهُيبرز كالقرنين حين يطلعهْ
في مثل صدر السبت حين تقطعهأسود كالسبحة فيه مبضعهْ
لا تصنع الرقشاء ما لا يصنعهينطف فيها سمه وسلعه
وروي أن عبد الرحمن بن حسان دخل على أبيه يبكي وهو صبي، فقال: ما يبكيك؟ قال: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرةٍ. فقال: قلتَ والله الشعر.
وقال عنترة:
وخلا الذباب بها فليس ببارحٍغرداً كفعل الشارب المترنمِ
هزجاً يحك ذراعه بذراعهفعل المكب على الزناد الأجذمِ
وقال الصابئ في البق:
طافوا علينا وحر الصيف يطبخناحتى إذا نضجت أجسادنا أكلوا وأول الأبيات:
وليلة لم أذق من حرها وسناكأن في جوفها النيران تشتعلُ
أحاط بي عسكر للبق ذو لجبٍما فيه إلا شجاع فاتك بطلُ
من كل شائلة الخرطوم طاعنةٍلا تمنع الحجب مسراها ولا الكللُ
وقال آخر:
إذا البعوض زجلت أصواتهاوأخذ اللحن مغنياتها
لم تطرب السامع زامراتهاصغيرة كبيرة أذاتها
يقصر عن بغيتها بغاتهافلا تصيب أبداً رماتها
رامحة خرطومها قناتها
وقال ابن المعتز:
بت بليل ساهراً لم أطرفجرجسه كالزئبر المنتفِ
تنفذ في الجسم وراء المطرفِحتى ترى فيه كشكل المصحفِ
أو مثل رض العصفر المدوفِ
وقال أبو نواس:
يا رب مستخف بحر ... زِ الدرز يكنفه صؤابه
أنحى له بمذلق ال ... حدين إصبعه نصابه
لله درك من أخيقنص أصابعه كلابه
وقال آخر:
للقمل حول أبي العلاء مصارعٌمن بين مقتول وبين عقيرِ
وكأنهن إذا علون قميصهُفذ وتوأم سمسم مقشور
وقال أبو عثمان الخالدي:
كأنما قمل أبي رياشِما بين صئبان قفاه الفاشي
وذا وذا قد لج في انتعاششهدانج بدد في خشخاش
وقال ابن المعتز يصف الأرضة:
أرقط ذو شيب كلون المكتهلْتخاله مكتحلاً وما اكتحلْ
راكب كفٍّ أين ما شاء رحلْمثل العروق لا ترى فيه خلل
بيني أنابيب له فيها سبل
بعض المحدثين من أبيات:
إذا تغنى بعوضهُ طرباًساعد برغوثها الغنا فرقصْ
فهل سمعتم بمطربي أحدٍتقاسموه على الجذور حصص
وقال آخر مثله:
كأن جنبي البيت الحرام فمايؤنس منه إلا بمستلمِ
كأن حرب البسوس قد فرشتْتحتي فمن ظافر ومنهزمِ
وقال آخر:
قبيلة في طولها وعرضهالم يطبقوا عيناً لها بغمضها
خوف البراغيث وخوف عضهاكأن في جلودها من مضها
عقارباً ترفض من مرفضهاإن دام هذا هربت من أرضها
يا رب فاقتل بعضها ببعضها

نعت النساء جملة وتفصيلا
ً
قد ذكرنا في باب الغزل والنسيب من ذلك ما يليق به، ونقتصر هاهنا على ما هو وصف ونعت مدحاً كان أو ذماً.
قال الله عز وجل في مدح حور العين: " كأنهن الياقوت والمرجان " الرحمن: 58، وقال تعالى في موضع آخر: " كأنهن بيض مكنونٌ " الصافات: 49.
وقال عدي بن زيد:
بيض عليهن الدمقس وفي ال ... أعناق من تحت الأكفة در
كالبيض في الروض المنور قدأفضى بهن إلى الكثيب بهرْ
يأرج من أردائهن مع ال ... مسكِ الزكي عنبر وقطرْ
وقد وصفهن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وسَلَّم موجزاً فقال: النساء حبائل الشيطان.
وما أحسن ما عرفهن علقمة بن عبدة حيث يقول:
فإن تسألوني بالنساء فإننيخبير بأدواء النساء طبيبُ
إذا شاب رأسُ المرء أو قل مالُهُفليس له في ودهن نصيبُ

تراهن لا يحببن من قل مالُهُوشرخُ الشباب عندهن عجيبُ
وقال جرير:
ما استوصف الناس من شيء يروقهمإلا رأوا أم عمرٍو فوق ما وصفوا
كأنها مُزنة غراء لائحةأو درة لا يواري ضوءها الصدفُ
وقال النابغة الذبياني يصف امرأة النعمان بن المنذر:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطهفتناولته واتقتنا باليد
بمخضب رخص كأن بنانهُغنم على أغصانه لم يعقدِ
وبفاحمٍ رجلٍ أثيثٍ نبتهُكالكرم مال على الدعام المسندِ
نظرت إليك بحاجة لم تقضهانظر السقيم إلى وجوه العودِ
زعم الهمام بأن فاها باردٌعذب إذا ما ذقته قلت ازدد
والبطن ذو عكنٍ لطيف لينٌوالصدر ينفجه بثدي مقعدِ
وتخالها في البيت إذ فاجأتهاقد كان محجوباً سراجُ الموقدِ
صفراء كالسيراء أكمل خلقهاكالغصن في غلوائه المتأودِ
وإذا لمست لمست أخثم جاثماًمتحيراً بمكانه ملءَ اليدِ
وإذا طعنت طعنت في مستهدفرابي المجسة بالعبير مقرمدِ
وإذا نزعت نزعت من مستحصفٍنزع الحزور بالرشاء المحصدِ
لا واردٌ منها يريد إذا استقىصدراً ولا صدر يجوز لموردِ
وقال عبد الصمد:
وهتكت ثني الليل عنبيض السوالف والصفاحِ
فكأنما ضحكت سجو ... فُ الليل عن بيض الأداحي
وقال آخر:
مريضات أوبات التهادي كأنماتخاف على أحشائها أن تقطعا
تسيب انسياب الأيم أخصره الندىفرفع من أعطافه ما ترفعا
وقال بكر بن النطاح:
بيضاء تسحب من قيام فرعهاوتغيب فيه وهو جثل أسحمُ
فكأنها فيه نهار ساطعٌوكأنه ليل عليها مظلمُ
وقال بشار:
وكأن تحت لسانهاهاروت ينفث فيها سحرا
وتخال ما ضمت علي ... ه ثيابها ذهباً وعطرا
يقال للصبي إذا كان في بطن أمه جنين، فإذا ولد قيل له وليد، فإذا زاد على هذا قيل له طفل، فإذا أرضعته أمه قيل له رضيع، فإذا فطمته أمه قيل له فطيم، وإذا زاد على هذا قيل له جفر، فإذا زاد على هذا قيل له جحوش، فإذا زاد عليه قيل له حزور، فإذا قوي وعدا واستقل قيل له بدر، ويقال له مذ يفطم إلى أن يبلغ عشر سنين غلام، ويقال له بعد ذلك يافع، فإذا قارب الإدراك قيل له مراهق وكوكب، فإذا أدرك قيل له حالم ومحتلم ومترعرع، فإذا جاز الإدراك قيل له ناشئ وأمرد، فإذا ابتدأت لحيته تخرج قيل له طار، فإذا اسود الشعر في عارضيه قيل له محمم وفتىً وشاب، فإذا استوت لحيته قيل له مجتمع. ويقال له من خمس إلى عشرة إلى خمس وعشرين قمد، ومن خمس وعشرين إلى ثلاثين عنطنط، ومن ثلاثين إلى أربعين صمل، ومن أربعين إلى خمسين كهل، ومن خمسين إلى ثماني شيخ، ويقال له بعد الثمانين يفن.
وقال عمر بن أبي ربيعة:
زهراء آنسة مقبلهاعذب كأن مذاقه الخمرُ
وإذا تراءت في الظلام جلتْدجن الظلام كأنها البدر
نظرت إليك بعين مغزلةٍحوراء خالط طرفها فترُ
وقال:
قليلة إزعاج الحديث يروعهاتعالي الضحى لم تنتطق عن تفضل نؤومُ الضحى ممكورة الخلق غادةٌهضيم الحشا حسانه المتعطل.
وقال أبو القاسم الزاهي:
سفرن بدوراً وانتقبن أهلةًومسن غصوناً والتفتن جآذرا
وأطلعن في الأجياد بالدر أنجماًجعلن لحبات القلوب ضرائرا
واحتذى في البيت الأول قول المتنبي:
بدت قمراً ومالت خوط بانٍوفاحت عنبراً ورنت غزالاً
وقال عدي بن الرقاع العاملي:
وكأنها بين النساء أعارهاعينيه أحورُ من جآذر جاسمِ
وسنان أقصده النعاس فرنقتْفي عينه سنة وليس بنائمِ
وقال عبيد بن الأبرص:
كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقتْمن ماء أدكن في الحانوت فضاحِ
أو من مشعشعةٍ كالمسك نشوتهاومن أنابيب رمان وتفاحِ
وقال كعب بن زهير:
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمتكأنه منهل بالراحِ معلولُ
شجت بذي شبمٍ من ماء محنيةٍصافٍ بأبطحَ أضحى وهو مشمولُ
تجلو الرياحُ القذى عنه وأفرطهُمن صوب سارية بيضٌ يعاليل

كان هيت المخنث يدخل على أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وسَلَّم، فدخل ذات يوم دار أم سلمة هو صَلَّى اللهُ عَلَيه وسَلَّم عندها، فأقبل على أخي أم سلمة عبد الله بن أبي أمية فقال: إن فتح الله عليكم الطائف فسل أن تنفل بنت غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي فإنها مبتلة هيفاء، شموخ نجلاء، تناصف وجهها في القسامة، معتدلة في القامة، جامعة للوسامة، إن قامت تثنت، وإن قعدت تبنت، وإن تكلمت تغنت. أعلاها قضيب، وأسفها كثيب، في شيء بين فخذيها كالقعب المكفأ، كما قال قيس بن الخطيم:
تغترق الطرف وهي لاهيةٌكأنها شف وجهها نزفُ
بين شكول النساء خلقتهاقصد فلا جبلة ولا قضفُ
فسمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وسَلَّم قوله فقال: " ما لك سباك الله، ما كنت أحسبك إلا من غير أولي الإربة من الرجال، ولذلك كنت لا أحجبك عن نسائي. وأمر أن يسير إلى خاخ، ففعل. فدخل بعض الصحابة في أثر الحديث فقال: أتأذن لي أن أتبعه فأضرب عنقهُ؟ قال: لا، إنا قد أمرنا ألا نقتل المصلين.
وكتب أبو إسحاق الصابئ في صفة جارية: ممشوقة القد، أسيلة الخد، شاجية اللحظ، شاجية اللفظ، صادقةُ الدعج، ظاهرة الغنج، حوراء الطرف، قنواء الأنف، مائلة الرد، جائلة العطف، رائقة الشكل، بارعةُ الشكل، مليحة النحر، صحيحة الصدر، دقيقة الخصر، مشرقة الثغر، جعدة الشعر، مريضة النظر، كثير الخفر، شديدة الكحل، مبينة الخجل، نقية اللون، خمصانة البطن، زجاء الحواجب، سبطاء الرواجب، سوداء الذوائب، بيضاء الترائب، غضة المحاجر، سهلة ما كف المعاجر، سقيمة الجفون، غليظة القرون، متراصفة الأسنان، باردة اللسان، رطبة الأطراف، أرجة الأعطاف، معتدلة القوام، بطيئة القيام، مدورة السر، واضحة الطرة، حسنة المنقب، جميلة المعصب، قائمة العنق، ناهدة الثديين، متساوية اليدين، كاسية الساقين، غليظة الفخذين، مناصفة الأعضاء، هضيمة الأحشاء، ذكية القلب، ممتلئة القلب، ريا السوار، سبغى الإزار، إن التفتت فخشف، وإن انفلتت فحقف، أو تبدت فوثن، أو تثنت فغصن، أو أقبلت فقضيب، أو ولت فكثيب، أو طلعت فشمس، أو سفرت فبدر، أو ابتسمت فعن برد مرصوف، أو نطقت فعن در مشوف. فرعها ليل، ووجهها صبح، وخدها ورد، وعرقها يمان، وصدغها نون كاتب، وأنفها حدب قاضب، تتأرجُ عن نسيم الرياض، وتضحك عن نقي البياض، وتفتر عن عذب المذاق، وتكشف عن حلو العناق، وتخطر بعطف الشباب، وترشف بطعم الشراب. تحلو في كل جارحة منك جارحة منها أو معنى من معانيها: فالوجه لعينك، والنطق لسمعك، والريق لفمك، والعرف لنفك، والصدر لضمك، والنحر للثمك:
شرك النفوس ونزهة ما مثلهاللمطمئن وعقلة المستوفزِ
والشعر لابن الرومي.
تمام أبيات قيس في صفة المرأة:
قضى الله لها حين صورها ال ... خالقُ أن لا يجنها السدفُ
تنامُ عن كبر شانها فإذاقامت رويداً تكاد تنغرفُ
خود يغث الحديث ما سكتتوهو بفيها ذو لذة طرفُ
تخزنه وهو مشتهىً حسنٌوهو إذا ما تكلمت أنفُ
حوراء جيداء يستضاء بهاكأنها خوطُ بانةٍ قصِفُ
تمشي كمشي المبهور في دهس الر ... رمل إلى السهل دونه الجرفُ
أهدى المنذر بن ماء السماء جارية إلى كسرى أنوشروان وكتب معها إليه: قد أهديت إليك جارية معتدلة الخلق، نقية اللون والثغر، بيضاء قمراء، وطفاء دعجاء، حوراء عيناء، قنواء شماء، زجاء برجاء، أسيلة الخد جثلة الشعر، عظيمة الهامة، بعيدة مهوى القرط، عيطاء عريضة الصدر، كاعب الثدي، مشاشة المنكب والعضد، حسنة المعصم، لطيفة الكف، سبطة البنان، لطيفة طي البطن، خميصة الخصر، غرثى الوشاح، رداح القبل، رابية الكفل، مفعمة الساق، لفاء الفخذين، ريا الروادف، ضخمة المأكمتين، مشبعة الخلخال، لطيفة الكعب والقدم، قطوف المشي، مكسال الضحى، بضة المتجرد، شموع للسيد، ليست بخنساء ولا سفعاء، ذليلة الأنف، عزيزة النفس، لم تغذ في بؤس، حيية رزينة، حليمة ركينة، كريمة الخال، تقتصر بنسب أبيها دون فصيلتها، وبفصيلتها دون جماع قبيلتها، قد أحكمتها التجارب في الأدب، فرأيها رأي أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صناع الكفين، قطيعة اللسان، رهوة الصوت، تزين البيت، وتشين العدو، إن أردتها اشتهت، وإن تركتها انتهت، وحملق عيناها، وتحمر وجنتاها، وتذبذب شفتاها، وتبادرك الوثبة.

قال أبو العباس لخالد بن صفوان: يا خالد إن الناس قد أكثروا في النساء، فأي النساء أحب إليك؟ قال: يا أمير المؤمنين، أحبها ليسب الضرع الصغيرة ولا بالفانية الكبيرة، وحسبي من جمالها أن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب، أعلاها عسيب، وأسفلها كثيب، غذي في النعيم وأصابتها حاجة، فأدبها النعيم وأذلها الفقر، لم تقرأ فتجبن، ولم تفتك فتمجن، الهلوك على زوجها الحصان من جارها. إذا خلونا كنا أهل دنيا، وإن تفرقنا كنا أهل آخرة.
ومن الجيد في وصف أخلاقهن قول يزيد بن الحكم، ويروى لابن قيس الرقيات:
إن النساء إذا ينهين عن خلقٍفكل ما قيل لا يفعلن مفعولُ
وما وعدنك من شر وفين بهوما وعدن من الخيرات تضليل
إن النساء كأشجار نبتن معاًفيهن مر وبعض المر مأكول
وصف أعرابي امرأة فقال: هي أرق من الهواء، وأطيب من الماء وأحسن من النعماء، وأبعد من السماء.
ومن كلام أحمد بن يوسف في صفة جارية كاتبة: كأن خطها أشكال صورتها، وكأن مدادها سواد شعرها، وقرطاسها أديم وجهها، وكأن قلمها بعض أناملها، وكأن لسانها سحر مقلتها، وكأن مبراتها سيف لحظها وكأن مقطها قلب عاشقها.
وقال إبراهيم الرقيق الكاتب المغربي:
وما أم ساجي الطرف خفاقة الحشاأطاع لها الحوذان والسلم النضرُ
إذا ما دعاها نصت الجيد نحوهأغن قصير الخطو في عظمه فترُ
بأملح منها ناظراً أو مقلداًولكن عداني عن تقنصها الهجرُ
وقال أعرابي:
بيضاء في وجنتها احمرارُيعبنها جاراتها القصارُ
هن الليالي وهي النهارُ
أنشد أحمد بن يحيى:
إذا نطقت سمعت لها صواباًوتخطئ في الفعال فما تصيب
إذا أعطيتها كفرت وألوتوإن منعت فعابسةٌ طوبُ
ومنصب كالأقحوان منطقٍبالظلم مغلوث العوارض أشنبُ
كسلافة العنب العصير مزاجهُعود وكافور ومسك أصهبُ
وقال آخر:
تجري الأراك على أغر كأنهبرد تحدر من متون غمام
وقال النابغة:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍبرداً أسف لثاته بالإثمدِ
كالأقحوان غداة غب سمائهجفت أعاليه وأسفله ندِ
وقال ابن الرومي:
ألا ربما سؤت الغيور وساءنيوبات كلانا من أخيه على وحرِ
وقبلت أفواها عذاباً كأنهاينابيع خمر حصبت لؤلؤ البحرِ
وجمع البحتري كل ما يشبه به الثغر في بيت واحد فقال:
كأنما يضحك عن لؤلؤمنضد أو برد أو أقاحْ
وقال الأعشى وذكر مشيهن فأحسن وتبعه الناس:
كأن مشيها من بيت جارتهامر السحابة لا ريث ولا عجلُ
غراء فرعاء مصقول عوارضهاتمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحِلُ
وقال آخر:
تمشي الهوينا إذا مشت فضلاًمشي النزيف المخمور في صعدِ
تظل من زور بيت جارتهاواضعة كفها على الكبدِ
وقال الحارث بن حلزة وذكر العجيزة:
وتنوء تثقلها روادفهافعل الضعيف ينوء بالوسْقِ
وهذا من المقلوب، إنما الوسق ينوء بالضعيف، قال الله عز وجل: " ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة " القصص: 76.
وقال آخر:
وبيض نضيرات الوجوه كأنماتأزرن دون الأزر رملات عالجِ
وقال التمار وأجاد:
آخرها متعبٌ لأولهافبعضها جائر على بعضِ
وقال آخر:
مجدولة الأعلى كثيب نصفهاإذا مشت أقعدها ما خلفها
وكانت عائشة بنت طلحة موصوفة بعظم العجيزة، فإذا نهضت فلا تستقل، فكانت تقول: إني لمعناة بكما.
وقال البحتري:
رددن ما خففت منه الخصور إلىما في المآزر فاستثقلن أردافا
وقال ابن الرومي:
وهبت له عيني الهجوعافأثابها منه الدموعا
ظبي كأن بخصرهمن دقة ظمأ وجوعا
وقال عمرو بن كلثوم:
وثديا مثل حق العاج رخصاًحصاناً من أكف اللامسينا
وقال مسلم بن الوليد:
فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصباوقد فاجأتها العين والسترُ واقعُ
فغطتْ بأيديها ثمار نحورهاكأيدي الأسارى أثقلتها الجوامعُ
وقال ابن الرومي:
صدور فوقهن حقاق عاجٍوثغر زانه حسن اتساق
يقول القائلون إذا رأوهُأهذا الدر من تلك الحقاق
وقال الأصمعي: ما وصف أحد الثغر بأحسن من بيت بشر بن أبي خازم:
يفلجن الشفاه عن اقحوانجلاه غب سارية قطارُ
ولا وصف اللون بأحسن من قول عمر بن أبي ربيعة:
وهي مكنونة تحدر عنهافي أديم الخدين ماء الشباب

ولا وصف أحد امرأة إلا احتاج إلى قول عدي بن الرقاع:
وكأن بين النساء أعارها
وقد كتبنا البيتين. وذكر الأصمعي بعد ذلك ما لا يليق بهذا الباب.
وقالت عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص:
هيفاء فيها إذا استقبلتها عجفٌعجزاء غامضة الكعبين معطارُ
من الأوانس مثل الشمس لم يرهابساحة الدار لا بعل ولا جارُ
وقال خالد بن صفوان المنقري:
عليك إذا ما كنت لا بد ناكحاًذوات الثنايا الغر والأعين النجل
وكل هضيم الكشح خفاقة الحشاقطوف الخطا بلهاء وافرةَ العقل
وقال ذو الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفةٍملساء ليس بها خال ولا ندبُ
تزداد للعين إبهاجاً إذا سفرتوتحرج العين منها حين تنتقبُ
لمياء في شفتها حوة لعسٌوفي اللثات وفي أنيابها شنبُ
كحلاء في برج صفراء في نعجِكأنها فضة قد مسها ذهبُ
البرجُ: سعة العين، والنعج بياضها.

نعت لباسهن وزينتهن
ّ
قال عمر بن أبي ربيعة:
لا يزال الخلخال فوق الحشايامثل أثناء حية مفتول
وقال الطائي:
من الهيف لو أن الخلاخيل صيرتْلها وشحاً جالت عليها الخلاخلُ
وقال ابن الرومي:
فإذا لبسن خلاخلاًكذبن أسماء الخلاخلْ
تأبى تخلخلهن سو ... قٌ مرجحنات بخادلْ
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وشاحها يحسد خلخالهاكجائع يحسد شبعانا
وقال منصور بن كيغلغ:
كأنها والقرط في أذنهابدر الدجى قرط بالمشتري
قد كتب الحسن على وجههايا أعين الناس قفي فانظري
وصف إسحاق بن إبراهيم الموصلي قميصاً فقال: كأنه قد من جرم الزهرة.
وذكر شاعر معشوقاً لبس ثوباً أزرق فقال:
الآن صرت البدرَ حي ... نَ لبستَ لونَ سمائهِ
وقال ابن الرومي:
كأنها وعثان المسك يشملهاشمس عليها ضبابات وأدجانُ
وقال الصابئ مثله:
تبخرت والعثان يكنفهافكانت البدر وسط هالته
كاتب: ثوب كلعاب الشمس، وخلع الهلالِ، لو رآه أصحابُ الكلام، لجعلوه من حيز الأعراض لا الأجسام.
والهلال ها هنا الحية.
نعت الغلمان
أحسن البحتري في قوله:
وأهيف مأخوذ من النفس شكلهترى العين ما تختار أجمع فيهِ
وقال ابو محمد المهلبي الوزير في تكين الجاندار غلام معز الدولة:
ظبي يرق الماء فيوجناته فيرف عودهْ
ويكاد من شبه العذا ... رى فيه أن تبدو نهودهْ
ناطوا بمعقد خصرهسيفاً ومنطقةً توودهْ
جعلوه قائدَ عسكرضاع الرعيل ومن يقوده
وقال ابن المعتز في غلام عذر:
ظبي يتيه بحسن صورتهعبث الفتور بلحظ مقلته
وكأن عقرب صدغه وقفتْلما دنت من نار وجنته
وقال أيضاً:
له مقلة ترمي القلوب ووجنةٌتفتح فيها الورد من كل جانبِ
وعذَّرَ خداه بخطين قوماًكما اثر التسطير في رق كاتبِ
وكان أبو نواس والحسين بن الضحاك الخليع أول من أطنب في وصف الغلمان، وجعلاه مذهباً، فمن شعر أبي نواس في المعنى:
من كف مضطمر الزنار معتدلٍكأنه غصن بان غير ذي أودِ
ومنه:
في مثل وجهك يحسن الشعرُويكون فيه لذي الهوى عذرُ
ما إن نظرت إلى محاسنهغلا تداخلني له كبرُ
تتزين الدنيا بطلعتهويكون بدراً حين لا بدْرُ
ومنه:
فإذا بدا اقتادت محاسنهُقسراً إليه أعنة الحدقِ
وقال أبو عثمان الخالدي:
يا شبيه البدر حسناًوضياء ومثالا
وشبيه الغصن ليناًوقواماً واعتدالا
أنت مثل الورد لوناًونسيماً وملالا
وقال المعروف بالعطار المغربي:
مهفهف القامةِ ممشوقهامستملح الخطرة معشوقها
في طرفه من سقم ألحاظهدعوى وفي جسمي تصديقها
وقال ابن ميخائيل المغربي:
صور عبد الله بن مسكةوصور الناس من الطين
مهفهف القد هضيم الحشايكاد ينقد من اللين
كأن في أجفانه منتضىسيف علي يوم صفينِ
نعت السودان
الغاية المومى إليها قول ابن الرومي:
غصن من الآبنوس ركب فيمؤتزرٍ معجب ومنتطق
في لين سمورة تخيرها ال ... فراء أو لين جيد الدلقِ
أكسبها الحسن أنها صبغتصبغة حب القلوب والحدق
فانصرفت نحوها الضمائر وال ... أبصارُ يعنقن أيما عنقِ

يفتر ذاك السواد عن يققٍمن ثغرها كاللآلئ النسقِ
كأنها والمزاحُ يضحكهاليل تفرى دجاه عن فلقِ
وكانت حاملاً فقال:
أخلق بها أن تقوم عن ذكرٍكالسيف يفري مضاعف الحلقِ
إن جفون السيوف أكثرهاأسود والحق غير مختلقِ
وقال بشار:
يكون الحارُ في خد مليحٍفيكسوه الملاحة والدلالا
ويوقفه لعين مبصريهفكيف إذا رأيت اللون خالا
وقال أبو علي البصير:
لم يعبها استحالة اللون عنديإنها صبغة كلون الشبابِ
وقال آخر:
مشبهات الشباب والمسك تفدي ... هن نفسي من الردى والخطوب
كيف يهوى إلى الأريب وصال ال ... بيض والبيض مشبهات المشيب
وقال الرضي أبو الحسن الموسوي:
إذا كنت تهوى الظبي ألمى فلا تلمجنوني على الظبي الذي كله لمى
حببتك يا لون الشباب لأننيرأيتكما في العين والقلب توأما
وقال أبو إسحاق الصابئ:
لك وجه كأن يمناي خطت ... ه بلفظٍ تمله آمالي
فيه معنىً من البدور ولكننفضت صبغها عليه الليالي
وقال أعشى بن سليم في امرأته، وكانت سوداء، ورآها تختضب:
تخضب كفاً بتكت من زندهافتخضب الحناء من مسودها
كأنها والكحل في مرودهاتكحل عينيها ببعض جلدها
وقيل لآخر: لم تحب السودان؟ قال: لأنهن أسخن، فقيل: نعم هن أسخن للعين.
نظر ابن أبي عتيق إلى سوداء فقال: لو اقتسمتها الغواني خيلانا لحظين بها.
وقال يعقوب بن رافع:
فجئني بمثل المسك أطيب نكهةًوجئني بمثل الليل أطيب مرقدا
وقال آخر:
كسيت من أديمها الحال الجو ... ن غشاء أحسن به من غشاء
مشبها صبغة الشباب ولما ... ت العذارى ولبسة الخطباء

نعت السماء والنجوم وما يتعلق بها
قال أعرابي في صفة الشمس:
مخبأة أما إذا الليل جنهافتخفى وأما بالنهار فتظهرُ
إذا انشق عنها ساطعُ الفجر وانجلىدجى الليل وإنجاب الحجاب المسترُ
وألبس عرض الأرض لوناً كأنهعلى الأفق الشرقي ثوب معصفرُ
ولون كردع الزعفران يشبهشعاع يلوح فهو أزهر أصفرُ
إلى أن علت وابيض منها اصفرارهاوجالت كما جال المنيحُ المشهرُ
ترى الظل يطوى حين تعلو وتارةًتراه إذا مالت إلى الأرض ينشرُ
وأفنت قروناً وهي ذاك ولم تزلْتموت وتحيا كل وقت وتنشرُ
وقال الطرماح:
والشمس معرضة تمور كأنهاترسٌ يقلبه كمي رامحُ
وقال ابن الرومي:
إذا رنقت شمس الأصيل ونفضتْعلى الأفق الغربي ورساً مذعذعاً
وودعت الدنيا لتقضي نحبهاوشول باقي عمرها فتسعسعا
ولاحظت النوار وهي مريضةٌوقد وضعت خداً إلى الأرض أضرها
كما لاحظت عواده عين مدنفٍتوجع من أوصابه ما توجعا
وقال أبو النجم العجلي في إصغاء الشمس للمغيب:
والشمس قد صارت كعين الأحولِ
وقال آخر:
والشمس كالمرآة في كف الأشل
وقال ابن الرومي:
كأن حنو الشمس ثم غروبهاوقد جعلت في مجنح الليل تمرضُ
تخاوص عين مس أجفانها الكرىيرنق فيها النوم ثم تغمض
وأنشد ثعلب لجميل يريد الهلال:
كأن ابن مزنتها جانحاًفسيط تساقط من خنصرِ
الفسيط: قلامة الظفر.
وقال ابن المعتز:
في ليلة أكل المحاق هلالهاحتى تبدى مثل وقف العاجِ
وقال أيضاً:
ولاح ضوء هلالٍ كاد يفضحهُمثل القلامة قد قصت من الظفرِ
وقال الناجم:
والبدرُ قد قابلني طالعاًكأنه حزة بطيخِ
وقال آخر:
ما للهلال ناحلاً في المغربكالنون قد خط بماء الذهبِ
وقال ابن المعتز:
يا ليلة ما كان أط ... يبها سوى قصر البقاء
أحييتها وأمتهاوطويتها طي الرداء
حتى رأيت الشمس تت ... لو البدر في أفق السماء
وكأنه وكأنهقدحان من خمر وماء
وقد أكثر الشعراء في وصف الثريا، ووصفوها فأغربوا.
فمن أحسن ما قيل فيها قول امرئ القيس:
إذا ما الثريا في السماء تعرضتْتعرض أثناء الوشاح المفصلِ
وقال يزيد بن الطثرية:
إذا ما الثريا في السماء كأنهاوشاحٌ وهي من سلكه فتبددا
وقال ذو الرمة:
وردت اعتسافاً والثريا كأنهاعلى قمة الرأس ابن ماء محلقُ
يدب على آثارها دبرانهافلا هو مسبوق ولا هو يلحقُ

وقال ابن الرومي:
طيب ريقه إذا ذقت فاهوالثريا في جانب الغرب قرطُ
ووصفها مرقش على اختلاف حالها فقال:
في الشر كأس وفي مغاربهاقرط وفي أوسط السماء قدمْ
وذكر ابن المعتز المعنى الأخير وزاد فيه فقال:
وأرى الثريا في السماء كأنهاقدم تبدت من ثياب حدادِ
وقال ابن المعتز أيضاً:
فناولنيها والثريا كأنهاجنى نرجس حيّا النديم به الساقي
وقال أيضاً:
وقد أصغت إلى الغرب الثرياكما أصغى إلى الحس الفروقُ
كأن نجومها والفجر بادٍلأعيننا سقيمات تفيقُ
وقال جران العود:
أراقب لمحاً من سهيل كأنهإذا ما بدا من آخر الليل يطرف
وقال آخر:
يقر بعيني أن أرى بمكانهسهيلاً كطرف الأخزر المتشاوسِ
وقال أرطأة بن سهية:
ولاح سهيل من بعيد كأنهشهاب ينحيه عن الريح قابسُ
وقال ابن المعتز:
وقد لاح للساري سهيل كأنهعلى كل نجم في السماء رقيبُ
وقال البحتري:
كأن سهيلاً شخصُ ظمآن جانحمن الليل في نِهْيٍ من الماء يكرعُ
وقال جرير وذكر جملة النجوم:
سرى نحوهم ليل كأن نجومهقناديل فيهن الذبال المفتلُ
وهو من قول امرئ القيس:
نظرت إليها والنجوم كأنهامصابيح رهبان تشب لقفالِ
وتبعهما ذو الرمة فقال:
وردت وأرداف النجوم كأنهاقناديل فيهن المصابيح تزهرُ
وقال إبراهيم بن المهدي:
طرقتها ونجوم الليل خاضعةٌكأنها في أديم الليل عنقودُ
وقال كعب بن سعد الغنوي:
وقد مالت الجوزاء حتى كأنهافساطيطُ ركبٍ بالفلاةِ نُزُولُ
وقال الدلفي:
إذا السماء روضةٌنجومها كالزهرِ
والجو صافٍ لم يك ... دره انتشار البشرِ
وقال ابن المعتز:
كأن سماءنا لما تجلتخلال نجومها عند الصباحِ
رياض بنفسج خضل نداهُيفتح بينه نور الأقاحي
وقال أيضاً:
والصبح يتلو المشتري فكأنهعريان يمشي في الدجى بسراجِ
وقال العلوي الكوفي في النسر:
وركب ثلاث كالأثافي تعاوروادجى الليل حتى أومضت سنة الفجرِ
إذا جمعوا أسميتهم باسم واحدٍوإن فرقوا لم يعرفوا آخر الدهرِ
وقال محمد بن الحسين الآمدي من شعراء عصرنا:
ورث قميص الليل حتى كأنهسليب بأنفاس الصبا متوشحُ
ورفع منه الذيل صبحٌ كأنهوقد لاح شخص أشقر اللون أجلحُ
ولاحت بطيئات النجوم كأنهاعلى كبد الخضراء نور مفتحُ
وله أيضاً:
وقد غرد النسر الشمالي هابطاًكما عكست في هامش دال كاتبِ
وقد وسط النجم السماء كأنهطليعة جيشٍ أو دليل ركائبِ
وقال ابن حيان المغربي:
وكان المجر جدول ماءنور الأقحوان في جانبيه

نعت الليل والصبح وما جاء في طوله وقصره
قال ذو الرمة:
وليل كجلباب العروس ادرعتهُبأربعة والشخص في العين واحدُ
أحم علافي وأبيض صارمٌوأعيس مهري وأروع ماجد
وقال أبو نواس:
أبن لي كيف صرت إلى حريميجفن اللي مكتحل بقارٍ
ومثله لأبي تمام:
إليك هتكنا جنح ليل كأنهقد اكتحلت منه الليالي بإثمدِ
وقال ابن المعتز:
يا رب ليل أسود الجلبابملتحف بخافقي غراب
وقال ذو الرمة يذكر الصبح:
كمثل الحصان الأنبط البطن قائماًتمايل عنه الجل واللون أشقر
أخذه ابن المعتز فقال:
وما راعنا إلا الصباح كأنهجلال قباطي على سابح وردِ
وقال ذو الرمة:
كأن عمود الصبح جيد ولبةٌوراء الدجى من حرة اللون حاسرُ
وقال أيضاً وأحسن:
أقامت به حتى ذوى العود في الثرىوساق الثريا في ملاءته الفجرُ
وقال حميد بن ثور:
وترى الصباح كأن فيه مصلتاًبالسيف يحمله حصان أشقر
وقال أبو نواس:
فقمت واللي يجلوه الصباح كماجلى التبسم عن غر الثنياتِ
وقال أيضاً:
لما تبدى الصبح من حجابهكطلعة الأشمط من جلبابهْ
وقال أيضاً:
قد أغتدي والصبح في حريمهْمعسكر في الزهر من نجومه
والصبح قد نسم في أديمهبدعة بكتفي حيزومه
دع الوصي في قفا يتيمه
وقال ابن المعتز:
قد أغتدي على الجياد الضمروالصبح قد أسفر أو لم يسفرِ
حتى بدا في ثوبه المعصفركأنه غرة مهرٍ أشقرِ
وقال:
حتى بدا ضوء صباح فاتقِمثل تبدي الشيب في المفارقِ
وقال، وذكر خيلاً:

فوردت قبل الظلام المعتديوالأفق الغربي ذو التوردِ
كأنه أجفان على الأمرد
وقال امرؤ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدولهعلي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبهوأردف أعجازاً وناءَ بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجليبصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيالك من ليل كأنه نجومهبكل مغار الفتل شدت بيذبل
كأن الثريا علقت في مصامهابأمراس كتان إلى صم جندل
وقال النابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصبِوليل أقاسيه بطيء الكواكبِ
تقاعس حتى قلت ليس بمنقضٍوليس الذي يرعى النجوم بآيبِ
وقال آخر:
كأن الليل أوثق جانباهُوأوسطه بأمراسٍ شداد
وقال بشار:
خليلي ما بال الدجى ليس ينزحُوما لعمود الصبح لا يتوضحُ
أضل النهارُ المستنير طريقهأم الدهر ليل كله ليس يبرحُ
وطال علي الليل حتى كأنهبليلين موصولين ما يتزحزحُ
أظن الدجى طالت وما طالت الدجىولكن أطال الليل هم مبرحُ
وقال سويد بن أبي كاهل:
وإذا ما قلت ليل قد مضىعطف الأول منه فرجعْ
وقال البعيث:
تطاول هذا الليل حتى كأنهإذا ما مضى تثنى عليه أوائله
ومنها أخذ بشار قوله:
حتى كأنه بليلين موصولين
وقد مضى الشعر.
وتبعه خالد بن يزيد فقال:
والليل وقف علينا ما يفارقناكأنما كل وقت منه أولُه
وقد ظرف القائل:
وليل المحب بلا آخر
وقول اليقطيني أظرف:
عدمتك من ليل أما لك آخرُ
وقال عدي بن الرقاع:
وكأ، ليلي حين تغرب شمسهُبسواد آخر مثله موصولُ
أرعى النجوم إذا تغيب كوكبٌأبصرت آخر كالسراج يجولُ
وقال أصرم بن حميد:
وليل طويل الجانبين قطعتهُعلى كمد والدمع تجري سواكبهُ
كواكبه حسرى عليه كأنهامقيدة دون المسير كواكبهُ
وقال علي بن محمد بن نصر:
لا أظلم الليل ولا أدعيأن النجوم الليل ليست تغورْ
ليلي كما شاءت فإن لم تجدطال وإن جادت فيلي قصيرْ
وقال عباس بن الأحنف:
أيها الراقدون حولي أعينوني على الليل حسبة وائتجارا
حدثوني عن النهار حديثاًأو صفوه فقد نسيت النهارا
وقال آخر:
ليلٌ تحير ما ينحط في جهةٍكأنه فوق متن الأرض مشكولُ
نجومهُ ركدٌ ليست بزائلةٍكأنما هن في الجو القناديلُ
حتى أرى الصبح قد لاحت بشائرهوالليل قد مزقت عنه السرابيل
حتى أرى الصبح كفي إن ظفرت بهوإن بدت غرةٌ منه وتحجيلُ
وقال القاضي أو القاسم التنوخي:
وليلة مشتاق كأن نجومهاقد اغتصبت عيني الكرى فهي نوم
كأن عيون السامرين لطولهاإذا شخصت للأنجم الزهر أنجم
كأن سواد الفجر والليل ضاحكيلوح ويخفى أسود يتبسم
وقال ابن الرومي:
رب ليل كأنه الدهر طولاًقد تناهى فليس فيه مزيد
ذي نجوم كأنهن نجوم الش ... شيب ليست تزول لا بل تزيد
وقال أبو نواس في قصره:
ليلة كاد يلتقي طرفاهاقصراً وهي ليلة الميلاد
أخذه محمد بن أحمد الأصبهاني ونقص في المعنى فقال:
يوم لهو قد التقى طرفاهفكأن العشي منه غدو
وقال ابن المعتز:
يا ليلة كان من تقاصرهايعثر منها العشاء بالسحر
وقال أيضاً:
لم تك غير شفق وفجرحتى تولت وهي بكر الدهر
وقال حبيب بن عيسى الكاتب:
إنا خلونا ليلة مشهورةطاب الحديث وعفت الأسرار
في كل مقمرة كأن بياضهاللسامرين إذا استشف نهار
فكأنها كانت علينا ساعةوكذا ليالي العاشقين قصار
وقال أعرابي:خرجت في ليلة حندس قد ألقت أكارعها على الأرض،فمحت صور الأبدان،فما كنا نتعارف إلا بالآذان.
وقال جحظة:
وليل في كواكبه حرانٌفليس لطول مدته انتهاءُ
عدمت تبلج الإصباح فيهكأن الصبح جود أو وفاءُ
وقال آخر:
وكأنما الليل الطويل بهاقصراً وطيباً قبلة الخلسِ

نعت السحاب والغيث وما كان منهما

بينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وسَلَّم جالس مع أصحابه ذات يوم إذ نشأت سحابة فقالوا: يا رسول الله هذه سحابة، قال: كيف ترون قواعدها؟ قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها. قال: كيف ترون رحاها؟ قالوا: ما أشد استقامتها، قال: كيف برقها، أوَميضاً أم خفواً أم يشق شقاً؟ قالوا: بل يشق شقاً. فقال صَلَّى اللهُ عَلَيه وسَلَّم: الحيا، فقالوا: يا رسول الله ما رأينا أفصح منك، قال: وما يمنعني وإنما أنزل الله عز وجل القرآن بلسان عربي مبين.
قواعدها: أسافلها، ورحاها: وسطها ومعظمها، وإذا استطار البرق من قطرها إلى قطرها فذلك الانشقاق والانبثاق، وإذا كان البرق كالتبسم في خلل السحاب فذلك الوميض، وومض السحاب وأومض لغتان. والخفو: أقل من الومض، يقال: خف يخفو خفواً، وهو أن يلمع تارة ثم يسكن.
وروي أن أعرابياً مكفوفاً خرج مع ابنته يرعى غنماً له، فقال الشيخ: أجد ريح النسيم قد دنا، فارفعي رأسك فانظري قالت: أراها كأنها سرب معز هزلي، أو بطن حمار أصحر. قال: ارعي واحذري. ثم مكث ساعة فقال: إني أجد ريح النسيم قد دنا فما ترين؟ قالت: أراها كأنها بغال دهم تجر جلالها، قال: ارعي واحذري. ثم سكت ساعة فقال: إني أجد ريح النسيم قد دنا فما ترين؟ قالت: أراها كما قال الشاعر:
دان مسف فوق الأرض هيدبهُيكاد يدفعه من قام بالراحِ
كأنما بين أعلاه وأسفلهريط منشرة أو ضوء مصباحِ
فمن بعقوته كمن بنجوتهوالمستكن كمن يمشي بقرواحِ
فقال: انجي لا أبا لك. فما انقضى كلامه حتى هطلت السماء عليها. والأبيات لأوس بن حجر وأولها:
يا هل ترى البرق لما بت أرقبهُكما استضاء يهودي بمصباحِ
إني أرقت ولم يأرق معي صاحِلمستكن بعيد النومِ لواحِ
يهدي الجنوب بأولاه وناء بهأعجاء مزن تسح الماء دلاحِ
كأن مزنتهُ لما علا شطباًأقرابُ أبلق ينفي الخيل رماحِ
كأن فيه إذا ما الرعدُ فجرةُدهماً مطافيل قد همت بإرشاحِ
فأصبح الروض والقيعانُ مترعةًمن بين مرتتقٍ منها ومنصاحِ
وقال الأخطل:
بمرتجزٍ داني الربابِ كأنهعلى ذات ملحٍ مقسمٌ لا يريمها
فما زال يسقي بطن خبتٍ وعرعرٍوأرضهما حتى اطمأن جسيمها
وعمهما بالماء حتى تواضعتورؤوس المتان سهلها وحزونها
إذا قلت قد خفت عزاليه أقبلتبه الريح من عين سريع جمومها
وقال:
ومظلم تعلن الشكوى حواملهمستفرغٍ بسجالِ الغين منشطبِ
دان أبست به ريح يمانيةٌحتى تبجس من حيران منثعبِ
وقال ابن ميادة:
سحائب لا من صيف ذي صواعقٍولا محرقات ماؤهن حميمُ
إذا ما هبطن الأرض قد جف عودهابكين بها حتى يعيش هشيمُ
قيل لبعض العرب: من أين أقبلت؟ قال: من الفج العميق. قيل أين تريد؟ قال: البيت العتيق. قيل: وهل كان من مطر؟ قال: نعم حتى عفى الأثر، وأنضر الشجر، ودهده الحجر.
بعث يزيد بن المهلب سريعاً مولى عمرو بن حريث إلى سليمان بن عبد الملك، قال سريع: فعلمت أنه سيسألني عن المطر، ولم أكن أرتق بين كلمتين، فدعوت أعرابياً فأعطيته درهماً وقلت له: كيف تقول إذا سئلت عن المطر؟ فكتبت ما قاله وجعلته بيني وبين القربوس حتى حفظته. فلما قدمت قرأ كتابي وقال: كيف المطر يا سريع؟ قلت: يا أمير المؤمنين، عمد الثرى، واستأصل العرق، ولم أر وادياً إلا دارياً. فقال سليمان: هذا كلام لست بأبي عذره. فقل: بلى، قال: اصدقني، فصدقته، فضحك حتى فحص برجليه وقال: لقنته والله لابن بجدتها.
أنشد المبرد:
إذا الله لم يسق إلا الكرامَفأسقي ديار بني حنبل
ملثاً مرياً له هيدبٌصدوق الرواعد والأزمل
كأن الرباب دوين السحابِنعام تعلق بالأرجل
الرباب: سحاب دون سحاب.
وقال آخر:
جاءت تهادي مشرفاً ذراهاتخر أولاها على أخراها
مشي العروس ناقصاً خطاهاكأنما تحط من حشاها
قراقر الجراد أم دباها
وقال أبو ذؤيب:
له هيدبٌ يعلو الشراج وهيدبٌمسفٌ بأذناب التلاعِ خلوجُ
علاجمه غرقى رواءٌ كأنهاقيان شروبٍ رجعهن نشيجُ
الشراج: شعاب الحرار.
وقالت أعرابية:
فبينا نرمق أحشاءناأضاء لنا عارض فاستنارا
وأقبل يزحف زحفَ الكسيرسياق الرعاء البطاء العشارا
يغني وتضحكُ حافاتُهأمام الجنوب وتبكي مرارا

فلما خشينا بأن لا نجاءوأن لا يكون قرار قرارا
أشار له آمر فوقههلم فأم إلى ما أشارا
وقال عنترة:
جادت عليها كل بكر حرةٍفتركن كل قرارةٍ كالدرهمِ
وقال أبو عون الكاتب:
في مزنة طبقت فكادتتصافح الأرض بالغمامِ
وقال ابن المعتز:
جاءت بجفن أكحل وانصرفتْمرهاءَ من إسبال دمعٍ منسكبْ
وقال أيضاً:
يكسو البلاد قميصاً من زخارفهِكأنه فوق جيب الأرض مزرورُ
ظلت جآذره صرعى مطرحةًكأنه لؤلؤ في الأرض منثورُ
وقال أيضاً:
ما ترى نعمة السماء على الأر ... ضِ وشكر الرياضِ للأمطارِ
وكأن الربيع يجلو عروساًوكأنا من قطره في نثارِ
وقال البحتري
ذات ارتجاز لحنينِ الرعدِمجرورةُ الذيل صدوق الوعدِ
مسفوحةُ الدمع لغير وجدِلها نسيم كنسيم الوردِ
ورنة مثل زئير الأسدِولمعُ برقٍ كسيوف الهندِ
جاءت بها ريحُ الصبا من نجدِفانتثرت مثل انتثار العقدِ
فراحت الأرض بعيش رغدِمن وشي أثواب الربى في بردِ
كأنما غدرانا في الوهدِيلعبن من حبابها بالنردِ
وقال الطائي:
لم أر عيراً جمة الدؤوبِتواصل التهجير بالتأويبِ
أبعد من أين ومن لغوبِمنها غداةَ السارق المهضوبِ
كالليل أو كاللوب أو كالنوبِمنقادةً لعارضٍ غربيبِ
كالشيعة التفتْ على النقيبِآخذةً بطاعة الجنوبِ ناقضةً لمررِ الخطوبِتكف غرب الزمن العصيبِ
محاءَة للأزمةِ اللزوبِمحوَ استلام الركن للذنوبِ
لما دنت للأرض من قريبِتشوفتْ لوبلها السكوبِ
تشوف المريض للطبيبِوطرب المحب للحبيبِ
وفرحةَ الأديب بالأديبوخيمت صادقة الشؤبوبِ
فقام فيها الرعدُ كالخطيبِوحنت الريحُ حنين النيبِ
الشمس ذات حاجبٍ محجوبِوالأرض في رداءها القشيبِ
في زاهر من نبتها رطيبِبعد اشهبابِ الثلج والضريبِ
كالكهل بعد السن والتحنيبِتبدل الشباب بالمشيبِ
كم آنست من جانبٍ غريبٍوفتقت من مذنب يعبوبِ
ونفست عن بارضٍ مكروبِومكنت من نافر الجنوبِ
تحفظ عهد الغيب بالمغيبكأنها تهمي على القلوبِ
وقال الفرزدق وذكر الثلج:
وأصبح مبيضُ الصقيعِ كأنهعلى سروات النيب قطن مندفُ
وقال العرجي:
كأن سقيط الثلجِ ما حصبت بهعلى الأرض قطن أو دقيق مغربلُ
وقال ابن المعتز:
أرقت له والركب ميل رؤوسهميخوضون ضحضاح الكرى بهم فتر
علاهم جليد الليل حتى كأنهمبزاةٌ تجلى في مراتبها قمر
وقال امرؤ القيس يصف البرق:
أصاحِ ترى برقاً أريك وميضهُكلمع اليدين في حبي مكلل
يضيء سناه أو مصابيحُ راهبٍأمال السليط بالذبال المفتلِ
وقد أكثر الشعراء في ذكر البرق ولكن اعتمادنا على ما فيه وصف أو تشبيه.
قال دعبل:
أرقت لبرق آخر الليل منصبِخفي كبطن الحية المتقلبِ
وقال في ذلك:
ما زلت أكلاً برقاً في جوانبهكطرفة العين يخبو ثم يختطفُ
برق تحاسر من خفان لامعهُيقضي اللبانة من قلبي وينصرفُ
وقال آخر ويروى لعبد الله بن العباس الربيعي:
ألا من لبرق سرى موهناًخفي كغمزك بالحاجبِ
كأن تألقه في السماءيدا حاسبٍ أو يدا كاتبِ
وقال كلثوم بن عمرو العتابي وذكر أنواعاً من التشبيه:
أرقت للبرق يخبو ثم يأتلقُيخفيه طوراً وبيديه لنا الأفقُ
كأنه غرة شهباء لائحةٌفي وجه دهماء ما في جلدها بلقُ
أو ثغر زنجية تفتر ضاحكةٍتبدو مشافرها طوراً وتنطبقُ
أو سلة البيض في جأواءَ مظلمةٍوقد تلقت ظباها البيض والدرقُ
وقال الطائي وذكر سحابة:
سيقت ببرقٍ ضرم الزنادِكأنه ضمائرُ الأغمادِ
وقال في ذلك:
يا سهم للبرق الذي استطارابات على رغم الدجى نهارا
آض لنا ماءً وكان ناراأرضى الثرى وأسخط الغبارا
وقال أيضاً:
إليك سرى بالمدح ركبٌ كأنهمعلى الميس حيات اللصابِ النضانضُ
يشمن بروقاً من نداكَ كأنهاوقد لاح أخراها عروقٌ نوابضُ
وقال الحسين بن مطير:
مستضحك بلوامعٍ مستعبربمدامعٍ لم تمرها الأقذاءُ
فله بلا حزن ولا بمسرةٍضحك يراوحُ بينه وبكاءُ
كثرت لكثرة ودقه أطباؤُهفإذا تحلب فاضت الأطباء

وكأن بارقهُ حريق يلتقيريحٌ عليه وعرفجٌ وألاءُ
لو كان من لجج السواحل ماؤهُلم يبق في لجج السواحل ماءُ
وقال أبو الحسن علي بن إسحاق بن خلف الزاهي يصف قوس قزح:
ضحك الزمان لدمع عين مقبلينهل بين شمائل وجنائبِ
وكأن وجه الجو نيط ببرقعٍوكأن شمس الدجن وجنةُ كاعبِ
وكأن قوس المزن في تخطيطهشفة بدت من تحت خضرة شاربِ
وأنشدني أبو الفوارس بن الصفي لنفسه متشبهاً بالقدماء:
دانٍ تكاد الوحش تكرهُ وسطهُوتمسه كف الوليد المرضعِ
متتابعٌ جم كأن ركامهُركباتُ قيصر أو سرايا تبعِ
فهمي فألقى بالعراء بعاعهُسحاً كمندفع الأتي المترعِ
فتساوت الأقطار من أفواههفالقارة العلياء مثل المدفعِ
وغدا سرابُ القاعِ بحر حقيقةٍفكأنه لتيقنٍ لم يخدعِ
متغطمطاً غصب الوحوش مكانهاتيارهُ فالضب جار الضفدع
وقال عبيد:
سقى الرباب مجلجل ال ... أكناف لماحٌ بروقهْ
جون تكفكفه الصباوهناً وتمريه خريقه
مري العسيف عشارهُحتى إذا درت عروقهْ
ودنا يضيء ربابهغاباً يضرمه حريقهْ
حتى إذا ما ذرهُبالماء ضاق فما يطيقهْ
هبت له من خلفهريح شآميةٌ تسوقهْ
حلت عزاليه الجنو ... بُ فثج واهيةً خروقهْ

نعت الأرواح
قال الفرزدق:
وركبٍ كأن الريح تطلبُ عندهملها ترةً من جذبها بالعصائبِ
سروا يخبطون الليل وهي تلفهمإلى شعبِ الأكوار من كل جانب
ثم افتخر بعد ذلك بما ليس هاهنا موضع إيراده.
وقال البحتري:
كأن الريح والمطر المناجيخواطرها عتابٌ واعتذارُ
كأن مدار دجلة حين جاءتْبأجمعها هلال أو سوارُ
وقال ابن المعتز:
يا رب ليل سحرٍ كلهمفتضح البدر عليل النسيمْ
تلتقط الأنفاس برد الندىفيه فتهديه لحر الهموم
وقال ابن الرومي:
وشمألٍ باردةِ النسيمِألوتْ عن الهموم بالهمومِ
تشفي حزازاتِ القلوب الهيمِمشايةً في الليل بالنميمِ
بين نسيم الروضِ والخيشومِكأنها من جنة النعيمِ
وقال في ذلك:
كأن نسيمها أرجُ الخزامىولاها بعد وسمي وليُّ
هدية شمألٍ هبت بليللأفنان الغصون بها نجي
إذا أنفاسها نسمت سحيراًتنفس كالشجي لها الخلي
وقال:
حيتك عنا شمألٌ طاف ريقهابجنة فجرت روحاً وريحانا
هبت سحيراً فناجى الغصن صاحبهُسراً بها فتنادى الطير إعلانا
ورق تغني على خضر مهدلةٍتسمو بها وتمس الأرض أحيانا
تخال طائرها نشوان من طربٍوالغصن من هزه عطفيه نشوانا
وذكر أعرابي ركود الهواء فقال: ركد حتى كأنه أذن تسمع.
وقال السري الرفاء:
والريح وسنى خلال الروض وانيةٌفما يراعُ لها مستيقظُ التربِ
وقال ابن المعتز:
والريح تجذب أطراف الرداء كماأفضى الشفيق إلى تنبيه وسنان
وله أيضا
ً
ونسيم يبشر بالأرض القط ... ر كذيل الغلالة المبلولِ
ووجوه البلاد تنتظر الغي ... ث انتظار المحب رجع الرسولِ
نعت الخصب والمحل
بعث رجل ابنين له يرتادان في خصب، فقال أحدهما: رأيت ماء غيلاً، يسيل سيلاً، وحوضه يميل ميلاً، يحسبه الرائد ليلاً. قال الثاني: رأيت ديمةً على ديمة، في عهاد غير قديمة،يشبع منها الناب قبل الفطيمة.
سئل بعض العرب: ما وراءك؟ قال: التراب يابس، والأرض عابس.
قال أبو عمرو بن العلا: وقعت إلى ناحية فيها نفير من الأعراب، فرأيتها مجدبة، فقلت لبعضهم: ما بال بلدكم هذا؟ قال: لا ضرع ولا زرعْ قلت:فكيف فتعيشون؟ قالوا: نحترش الضبابَ، ونصيد الدواب فنأكلها. قلت: فكيف صبركم عليه؟ فقال: يا هناه، سُئل خالق الأرض: هل سويت؟ قال: بل أرضيت.
وقال الطائي وذكر الخصب بالغيث:
إذا ما ارتدى بالبرق لم يزل الثرىله تبعاً أو يرتدي الروض بالبقل
سحاباً إذا ألقت على خلفه الصبايداً قالت الدنيا أتى قاتلُ المحل
ترى الأرض تهت ارتياحاً لوقعهِكما ارتاحت البكر الهدي إلى البعل
إذا انتشرت أعلامه حوله انطوتبطون الثرى منه وشيكاً على حمل

قدمت ليلى الأخيلية على الحجاج فقال لها: ما أتى بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النجوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله ردءاً. قال فأخبريني عن الأرض، قال: الأرض مقشعرة، والفجاج مغبرة، وذو الغنى مختلّ، وذو الحد منفلّ. قال: وما سبب ذاك؟ قالت: أصابتنا سنون مجحفة مظلمة، لم تدع لنا فصيلاً ولا ربعاً، ولم تبق عافطة ولا نافطةً، فقد أهلكت الرجال، ومزقت العيال، وأفسدت الأموال.
وقالت أعرابية:
ألم ترنا غبناً ماؤنازماناً فظلنا نكدُّ البئارا
فلما عدا الماء أوطانهوجف الثماد فصارت حرارا
وفتحت الأرض أفواههاعجيج الجمال وردن الجفارا
وضجت إلى ربها في السماءرؤوس العضاه تناجي السرارا
لبسنا لدى عطن ليلةًعلى اليأس أثوابنا والخمارا
وقلنا أعيرا الندى حقهوعيشوا كراماً وموتوا حرارا
فإن الندى لعسى مرةًيرد إلى أهله ما استعارا
فبينا نوطن أحشاءناأضاء لنا بارقٌ فاستطارا
وأقبل يزحفُ زحف الكسيركسوق الرعاء البطاء العشارا
يغني وتضحك حافاتهُخلال الغمام ويبكي مرارا
فلما خشينا بأن لا نجاءَوأن لا يكون فرارٌ فرارا
أشار له آمرٌ فوقهُهلم فأم إلى ما أشارا
وقال أعرابي:
مطرنا فلما أن روينا تهادرتْشقاشقُ منها رائبٌ وحليبُ
ورامت رجال من رجال ظلامةًوعدت ذحول بيننا وذنوب
ونصت ركاب للصبا فتروحتْألا ربما هاج الحبيب حبيب
وطئن فناء الحي حتى كأنهرجا منهلٍ من كرهن لحيب
بني عمنا لا تعجلوا بنضب الثرىقليلاً ويشفي المترفين طبيب
فلو قد توالى النبت وامتيرت القرىوخبت ركاب الحي حين تؤوبُ
وصار غبوق الخودِ وهي كريمةٌعلى أهلها ذو جدتين مشوب
وصار الذي في أنفه خنزوانةٌينادي إلى هادي الرجا فيجيبُ
أولئك أيام تبين للفتىأكاب سكيت أم أشم نجيبُ

نعت المياه والأنهار والغدران
قال جابر بن رالان:
فيا لهف نفسي كلما التحت لوحةًعلى شربةٍ من بعض أحواض ماربِ
بقايا نطافٍ أودع الغيم صفوهامصقلة الأرجاء زرق المشاربِ
ترقرق ماء المزن فيهن والتقتْعليهن أنفاس الرياح الغرائب
وقال آخر:
فما انشق ضوء الصبح حتى تبينتْجداول أمثال السيوف القواطع
وقال آخر:
ألا ليت شعري هل أرى جانب الحمىوقد أنبتت سلانهُ نفلاً جعدا
وهل أردن الدهر ماء وقيعةكأن الصبا شدت على متنه بردا
وأنشد الطائي:
اقرأ على الوشل السلام وقل لهكل المشارب مذ هجرت ذميمُ
سقيا لظلك بالعشي وبالضحىولبرد مائك والمياهُ حميم
وقال آخر:
وماء كضوء الصبح كدرت صفوهُبأخفاف عيسٍ في الأزمة تمرحُ
صقيل كمتن السيف قد جر فوقهُذيول رياحٍ تغتدي وتروحُ
وقال ذو الرمة يذم ماء:
وماء قديم العهد بالناس آجنٍكأن الدبا ماء الغضا فيه تبصق
وقال أيضاً:
وماء كلون الغسل أقوى فبعضهأواجنُ أسدامٍ وبعضٌ مغورُ
وقال ابن المعتز في مثله:
وماء دارسِ الآثار خالٍكدمع حار في جفن كحيلِ
وقال ابن الرومي:
على حفافي جدول مسجورِأبيض مثل المهرق المنشورِ
أو مثل متن المنصل المشهورينساب مثل الحية المذعورِ
وقال أبو الحسن السلامي:
ونهرٍ تمرح الأمواجُ فيهمراحَ الخيل في رهَجِ الغبارِ
إذا صفرتْ عليه الشمسُ خلنانمير الماء يمزجُ بالعقارِ
وقال السري الرفاء:
وضاحكِ الروض محلى المنزلسبط هبوبِ الريح جعد المنهل
موشح بالنور أو مكللمفرجةٍ حلته عن جدول
أقبل قد غص بمدٍ مقبلوالطير ينقض عليه من عل
وصف بعضهم الماء فقال: إن قلت إنه متصل فبذاك يشهد انتظامه، وإن قلت متباين فعلى ذاك يدل انقسامه.أوائله جاذبة لأواخره، وأعجازُهُ طوعُ صدوره، وهو طبيب الأرض من سقامها، يقذف ما تضمنته بطونها على ظهورها.
أنشد تغلب:
ومنهل فيه الغراب ميتكأنه من الأجون الزيت
سقيت منه القوم واستقيت
وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الزيدي العلوي المغربي يذكر نهراً أجراه المعز إلى الساحل:
يا حسن ماجلنا وخضرة مائهوالنهر يفرغ فيه ماء مزبدا
كاللؤلؤ المنثور إلا أنهلما استقر به استحال زبرجدا

وإذا الشمال سطت على أمواجهنثرت حباباً فوقهن منضدا
فكأنما الفلك الأثير أدارهفلكاً وضمنه النجوم الوقدا
وقال أبو إسماعيل ابن عبدون الكاتب المغربي:
والنيل بين الجانبين كأنماقدت بصفحته صفيحة منصل
يأتيك من كدر الزواخر مدهبممسك من مائه ومصندل
فكأن ضوء البدر في تمويجهبرق تموج في سحاب مسبل
وكأن نور السرج من جنباتهزهر الكواكب تحت ليل أليل
مثل الرياض مفتقاً نوارهاتبدو لعين مشبه وممثل
وصف السفن قال طرفة:
يشق حباب الماء خيزومها بهاكما قسم الترب المفايل باليد
وقال الحسن بن هانئ:
سأرحل من قود المهارى شملةمسخرة لا تستحث بحاد
مع الريح ما راحت فإن هي أعصفتتروح برأس كالعلاة وهاد
وقال البحتري:
يا من تأهب مزمعاً لرواحمتيمماً بغداد غير ملاح
في بطن جارية كفتك بسيرهارقلان كل شناحة وشناح
فكأنها والماء ينضح صدرها والخيزرانة في يد الملاح
جون من العقبان تبتدر الدجىتهوي بصف واصطفاق جناح
وقال أبو فراس ابن حمدان:
كأنما الماء عليه الجسردرج بياض خط فيه سطر
كأننا لما استتب العبرأسرة موسى يوم شق البحر
وقال أبو إسماعيل ابن عبدون الكاتب المغربي:
بركائب سود الرحال نجائبلين العرائك سابقات ذلل
خضر وصفر تزدهيك شياتهابمولع وملمع في أشكل
كالزهر في تلوينه موشيةفي بنية مثل القصور المثل
وترى زبازبها تمشي خلفهبين البطيء مسيره والمعجل
جري الجياد فجاهد متأخردون المدى عن سابق متمهل
وزوارقاً كادت تطير كأنماحملت مقادمها قوادم شمال
تعلو بها الأرواح ثن تحطهافتكاد تلحق بالقرار الأسفل

نعت الرياض والأزهار
قال ابن الرومي:
وروضة عذراء غير عانسهجادت لها كل سماء راجسه
كأنما الألسن عنها خارسهفيها شموس للبهار وارسه
كأنها جماجم الشمامسهتروقك النورة منها الناكسه
بعين يقظى وبجيد ناعسهلؤلؤة الطل عليها فارسه
وقال في ذلك:
ورياض تخايل الأرض فيهاخيلاء الفتاة في الأبراد
ذات وشي تكلفته سوارلبقات تحوكه وغواد
شكرت نعمة الولي على الوس ... مي ثم العهاد بعد العهاد
فهي تثني على السماء ثناءطيب النشر شائعاً في البلاد
وقال في ذلك:
أصبحت الدنيا تروق من نظربمنظر فيه جلاء للبصر
واهاً لها مصطنعاً لقد شكرأثنت على الأرض بآلاء المطر
والأرض في روض كأفواف الحبرتبرجت بعد حياء وخفر
تبرج الأنثى تصدت للذكر
وقال أبو الفتح البكتمري الكاتب:
وروضة راضية عن الديموطئتها بناظري دون القدم
وصنتها صوني بالشكر النعم
وقال العلوي الحماني:
دمن كأن رياضهايكسين أعلام المطارف
وكأنما غدرانهافيها عشور في مصاحف
وكأنما أنوارهاتهتز بالريح العواصف
طرر الوصائف يلتقي ... ي بها إلى طرر الوصائف
وقال البحتري:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاًمن الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النيروز في غلس الدجىأوائل ورد كن بالأمس نوما
يفتحه برد الندىفكأنهينث حديثاً كان قبل مكتما
وأنشد الزبير بن بكار:
شموس وأقمار من النور طلعلذي اللهو في أكنافها متمتع
نشاوى تثنيها الرياح فتنثنيويلثم بعض بعضها ثم يرجع
كأن عليها من مجاجة طلهالآلئ إلا أنها ليس تلمع
وتحدرها عنها الصبا فكأنهادموع مراها البين والبين يفجع
وقال آخر:
سقياً لأرض إذا ما شئت نبهنيبعد الهدو بها قرع النواقيس
كأن سوسنها في كل شارقةعلى الميادين أذناب الطواويس
وقال ابن المعتز:
كأن آذريونهاوالشمس فيه كاليه
مداهن من ذهبفيها بقايا غاليه
وقال أيضاً يصف جملة من الأنوار:
ألا ترى البستان كيف نوراًونشر المنثور برداً أصفرا
وضحك الورد إلى الشقائقواعتنق القطر اعتناق الوامق
في روضة كحلل العروسوخرم كهامة الطاووس
وياسمين في ذرى الأغصانمنتظم كقطع العقيان
والسرو مثل قطع الزبرجدقد استمد الماء من ترب ندي
على رياض وثرىً ثريوجدول كالمبرد المجلي

وفرج الخشخاش جيباً وفتقكأنه مصاحف بيض الورق
أو مثل أقداح من البلورتخالها تجسمت من نور
تبصره قبل انتشار الوردمثل الدبابيس بأيدي الجند
والسوسن الأزاذ منشور الحللكقطن قد مسه بعض البلل
وقد بدت فيه ثمار الكنكركأنه جماجم من عنبر
وحلق البهار بين الآسجمجة كهامة الشماس
وجلنار كاحمرار الخدأو مثل أعراف ديوك الهند
والأقحوان كالثنايا الغرقد صقلت أنواره بالقطر
وقال ابن الرومي:
وظلت عيون الروض تخضل بالندىكما اغرورقت عين الشجي لتدمعا
وقال آخر:
وكأن البنفسج الغض يحكيأثر اللطم في خدود الغيد
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في النرجس:
ترنو بأبصارها إليك كماترنو إذا خافت اليعافير
مثل اليواقيت قد نظمن علىزمرد فوقهن كافور
كأنها والعيون ترمقهادراهم وسطها دنانير
وقال أبو نواس:
لدى نرجس غض القطاف كأنهإذا ما منحناه العيون عيون
مخالفة في شكلهن فصفرةمكان سواد والبياض جفون
وقال آخر وذكر العلة في أنه عين لا تطرف فتم التشبيه:
كأنما النرجس يحكي لناعين محب أبداً تنظر
لا تطرف الدهر لإشفاقهاتخوفاً من نظرة تقصر
وقال آخر:
وكأن العيون في النرجس الغض ... ض عيون قد وكلت بالسهود
وقال ابن الرومي يفضل النرجس على الورد:
خجلت خدود الورد من تفضيلهخجلاً توردها عليه شاهد
للنرجس الفضل المبين وإن أبىآب وحاد عن الطريقة حائد
يحكي مصابيح السماء وتارةيحكي مصابيح السماء تراصد
وإذا احتفظت به فأمتع صاحببحياته لو أن شيئاً خالد
ينهي النديم عن القبيح بلحظهوعلى المدامة والسماع مساعد
فصل القضية أن هذا قائدزهر الربيع وأن هذا طارد
شتان بين اثنين هذا موعدبتسلب الدنيا وهذا واعد
هذي النجوم هي التي ربتهمابحيا السحاب كما يربي الوالد
فانظر إلى الأخوين من أدناهماشبهاً بوالده فذاك الماجد
أين الخدود من العيون نفاسةورياسة لولا القياس الفاسد
وكان ابن الرومي يكره الورد ويذمه فقال:
وقائل لم هجوت الورد قلت لهوذاك من قبحه عندي ومن غمطه
كأنه سرم بغل حين يفتحهوقت البراز وباقي الروث في وسطه
وقال ابن الرومي يستسقي نبيذاً ويذكر النرجس:
أدرك ثقاتك إنهم وقعوافي نرجس معه ابنة العنب
فهم بحال لو بصرت بهاسبحت من عجب ومن عجب
ريحانهم ذهب على درروشرابهم در على ذهب
يا نرجس الدنيا أقم أبداًللإقتراح ودائر النخب
ذهب العيون إذا مثلن لناورد الجفون زبرجد القصب
وقال السري الرفاء:
لو رحبت كأس بذي زورةلرحبت بالورد إذ زارها
جاء فخلناه خدوداً بدتمضرمة من خجل نارها
قد عطر الدنيا فطابت بهلا عدمت دنياه عطارها
وقال ابن الجهم:
ما أخطأ الورد منك شيئاًطيباً وحسناً ولا ملالا
أقام حتى إذا أنسنابقربه أسرع انتقالا
وقال البحتري:
شقائق يحملن الندى فكأنهدموع التصابي في خدود الخرائد
وقال محمد بن هانئ المغربي:
الورد في رامشنة من نرجسوالياسمين وكلهن غريب
فكأن هذا عاشق وكأن ذا ... ك معشق وكأن ذاك رقيب
وقال الشمشاطي في وصف الأرض المجودة:
الجو يبكي ووجه الأرض مبتسمفالجو في مأتم والأرض في عرس
وقال آخر:
أما ترى الأرض قد أعطتك عذرتهامخضرة واكتسى بالنور عاريها
فللسماء بكاء في جوانبهاوللربيع ابتسام في نواحيها
وقال ابن رشيق المغربي:
شقائق أنستك حسن الوردبكل محمر إلى مسود
كمقلة أو شامة في خدكأنها وسط ثراها الجعد
تلحظ خلساً من عيون رمد
وقال عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي المغربي وجمع أنواعاً من التشبيه وأوردتها متصلة لأحفظ نظمها البديع من التصديع:
بارق في خلال غيم دلوحصدع الليل كالصباح الصديع
بات يزجي سوامه من قطيعمكفهر مثل السوام القطيع
فهو فيها كطرة المطرف المذ ... هب أو سلة الحسام الصنيع
قائماً ينثر الحباب على ور ... د خدود الربيع نثر الدموع
في فضاء مضمخ من عبيروهواء مخلق من ردوع

يعتلي الفجر فيهما ذا حياءوتمر الرياح ذات خضوع
في رياحين تأخذ الريح عنهن ... ن معاني جيب العروس الشموع
شجر ذاب فوقه القطر فاختا ... ل من الحسن في رداء وشيع
وفياء الرياض في توشيعووشاح السماء في تجزيع
وأصيل معصفر الجيب يجريماؤه جري أدمع التوديع
خففت فوقه الصبا وأدارتلحظها الشمس فيه تحت خشوع

نعت النخل والشجر
قال النمر بن تولب في صفة النخل:
ضربن العرق في ينبوع عينطلبن معينه حتى روينا
بنات الدهر لا يخشين محلاًإذا لم تبق سائمة بقينا
كأن فروعهن بكل ريحعذارى بالذوائب ينتصينا
وقال عبد الصمد يصف البلح:
كأنه في ناضر الأغصانزمرد لاح على تيجان
حتى إذا تم له شهرانوانسدلت عثاكل القنوان
فصلن بالياقوت والمرجانرأيته مختلف الألوان
من قانئ أحمر أرجوانوفاقع أصفر كالنيران
مثل الأكاليل على الغواني
وقال البحتري:
ومن شجر رد الربيع لباسهعليه كما نشرت وشياً منمنما
أحل فأبدى للعيون بشاشةوكان قذى للعين إذ كان محرما
حكي أن النظام جاء به أبوه إلى الخليل بن أحمد وهو حدث ليعلمه، فقال الخليل يوماً يمتحنه، وفي يده قدح زجاج: يا بني صف لي هذه الزجاجة، قال أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح قال: تريك القذى، ولا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراءها. قال: فذمها، قال: سريع كسرها، بطيء جبرها، قال: فصف هذه النخلة، وأومى إلى نخلة في داره، قال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح قال: هي حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها. قال: فذمها قال: هي صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوف بها الأذى. قال الخليل: يا بني نحن إلى التعلم منك أحوج.
قال سعيد بن حميد:
حفت بسرو كالقيان تلبستخضر الحرير على قوام معتدل
فكأنها والريح تخطر بينهاتنوي التعانق ثم يمنعها الخجل
وقال:
وترى الغصون إذا الرياح تنفستملتفة كتعانق الأحباب
وقال ابن المعتز:
ظللت بملهى خير يوم وليلةتدور علينا الكأس في فتية زهر
لدى نرجس غض وسرو كأنهقدود جوار رحن في أزر خضر
وقال كشاجم:
لنا على دجلة نخل منتخلنسلفه ماء ويسقينا عسل
كأنما أعذاقه إذا حملغدائر من شعر وحف رجل
وفيه عمري كعمر مقتبلكذهب الإبريز لوناً ومحل
وجيسوان طعمه يشفي العللكأنه أطراف ربات الكلل
وعظم الآزاذ فيه ونبللولا النوى يشد منه لهطل
وقال ابن المعتز في الكرم:
حتى إذا حر آب جاش مرجلةبفاتر من هجير الصيف مستعر
ظلت عناقيده يخرجن من ورقكما احتبى الزنج في خضر من الأرز
قال معاوية لصحار العبدي: ما هذه البلاغة التي فيكم؟ قال: شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا. فقال له رجل من عرض القوم: هؤلاء بالبسر أبصر منهم بالخطب. فقال صحار: أجل والله إنا لنعلم أن الريح لتلقحه وإن البرد ليعقده، وإن القمر ليصبغه، وإن الحر لينضجه. قال معاوية: فما تعدون البلاغة فيكم؟ قال: الإيجاز قال: وما الإيجاز قال: أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ.
نعت الحرب والجيش
قال معقر بن الحارث بن أوس بن حمار البارقي:
وقد جمعا جمعاً كأن زهاءهجراد سفاً في هبوة متطاير
يفرج عنا كل خوف نخافهجواد كسرحان الأباءة ضامر
وكل طموح في الحراء كأنهاإذا اغتسلت في الماء فتخاء كاسر
فباكرهم عند الشروق كتائبكأركان سلمى سيرها متواتر
كأن نعام الدو باض عليهموأعينهم تحت الحديد جواحر
ضربنا حبيك البيض في غمر لجةفلم ينج في الناجين منهم مفاخر
وقال الحصين بن الحمام المري: فليت أبا شبل رأى كر خيلناوخيلهم بين الستار وأظلما
نطاردهم نستنقذ الجرد كالقنا ويستنقذون السمهري المقوما
عشية لا تغني الرماح مكانهاولا النبل إلا المشرفي المصمما
لدن غدوة حتى أتى الليل ما ترى من الخيل إلا خارجياً مسوما
واجرد كالسرحان يضربه الندىومحبوكة كالسيد شقاء صلدما
يطأن من القتلى ومن قصد القناخباراً فما يجرين إلا تجشما
عليهن فتيان كساهم محرقوكان إذا يكسو أجاد وأكرما
صفائح بصرى أخلصتها قيونهاومطرداً من نسج داود مبهما

يهزون سمراً من رماح ردينةإذا حركت بضت عواملها دما
وقال رميض بن رشيد العنزي:
فجئنا بجمع لم ير الناس مثلهيكاد له ظهر الوديقة يطلع
بأرعن دهم ينشد البلق وسطهله عارض فيه المنية تلمع
وقال زيد الخيل:
بجيش تضل البلق في حجراتهترى الأكم فيه سجداً للحوافر
ومن كلام لعبد الحميد في صفة الحرب: والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع، وعارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أورى ناراً، فأقلعت عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم.
وقال زهير:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنواضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
وقال مهلهل، وذكر الحرب وتناصفهم فيها:
كأنا غدوة وبني أبينابجنب عنيزة رحيا مدير
وقال:
أنبضوا معجس القسي وأبرق ... نا كما توعد الفحول الفحولا
وقال:
دلفت له بأبيض مشرفيكما يدنو المصافح للسلام
وقال قيس بن الخطيم:
إذا ما فررنا كان أسوا فرارناصدود الخدود وازورار الحواجب
صدود الخدود والقنا متشاجرولا نبرح الأقدام عند التضارب
وقال البحتري:
لقد كان ذاك الجأش جأش مسالمعلى أن ذاك الزي زي محارب
وقال:
تسرع حتى قال من شهد الوغىلقاء عدو أم لقاء حبائب
وقال:
لله درك يوم بابك باسلاًبطلاً لأبواب الحتوف قروعا
لما أتوك تقود جيشاً أرعناًيمشى عليه كثافة وجموعا
في معرك ضنك تخال به القنابين الضلوع إذا انحنين ضلوعا
وزعتهم بين الأسنة والظباحتى أبدت جموعهم توزيعا
وقال ابن المعتز:
وعم السماء النقع حتى كأنهدخان وأطراف الرماح شرار
وقال أبو الهول في قتل يزيد بن مزيد الوليد بن طريف:
قل للقوافل والجنود وغيرهمسيروا فقد قتل الوليد يزيد
لا ذا يني طلباً ولا ذا يأتليهرباً فذا نصب وذا مجهود
كالليل يطلبه النهار بضوئهفظلام ذاك بنور ذا مطرود
وقال آخر:
عشية كنا بالخيار عليهمأننقص من أعمارهم أم نزيدها
وقال أبان بن عبدة بن العباس بن مسعود:
إذا الدين أودى بالفساد فقل لهيدعنا ورأساً من معد نصادمه
ببيض خفاف مرهفات قواطعلداود فيها أثره وخواتمه
وزرق كستها ريشها مضرحيةأثيت خوافي ريشها وقوادمه
بجيش تضل البلق في حجراتهبيثرب أخراه وبالشام قادمه
إذا نحن سرنا بين شرق ومغربتنبه يقظان التراب ونائمه
وقال الأخطل يذكر الفرار والحضر:
ونجى ابن بدر ركضه من رماحناونضاخة الأعطاف ملهبة الحضر
إذا قلت نالته العوالي تقاذفتبه سوحق الرجلين صائبة الصدر
كأنهما والآل ينجاب عنهماإذا انغمسا فيه يعومان في بحر
يسر إليها والرماح تنوشهفدى لك أمي أن دأبت إلى العصر
فظل يفديها وظلت كأنهاعقاب دعاها جنح ليل إلى وكر
وقال تميم بن أبي بن مقبل يصف الكتيبة:
وشهباء ينبو الليل عنها كأنهاصفاً زل عن أركانها المتزحلف
لها كلكل أعيا على كل غامزبه زور باد من العز أجنف
وقال الخوارزمي:
بجيش عنده للأكم ثاروجسم الشمس في يده ضئيل
إذا الأرض اشتكته إلى سماءأجابتها السماء كذا أقول
فكاهل هذه منه ثقيلوناظر هذه منه كليل
وقال الحاتمي:
بيوم عقيم يلقح البيض بأسهولود المنايا وهو اشمط ثاكل
إذا ما أسر النقع أنوار شمسهأذاعت بأسرار المنايا المناصل
وقال أبو الفرج الببغاء:
قاد الجياد إلى الجياد عوابساًشعثاً ولولا بأسه لم تنقد
في جحفل كالسيل أو كالليل أوكالقطر صافح موج بحر مزبد
متوقد الجنبات يعتنق القنافيه اعتناق تواصل وتودد
مثعنجر بظبا الصوارم مبرقتحت الغبار وبالصواهل مرعد
رد الظلام على الضحى واسترجع ال ... إظلام من ليل العجاج الأربد
وكأنما نقشت حوافر خيلهللناظرين أهلة في الجلمد
وكأن طرف الشمس مطروف وقدجعل الغبار له مكان الاثمد

وكتب كاتبه: حتى إذا اشتد الكرب، وعظم الخطب، وكثر الطعان والضرب، وثار الرهج، وسالت المهج، وضاقت الحلق، واحمرت الحدق، وقامت الحرب على ساق، وأنزل الله النصر، وحكم لنا بالعلو والقهر، وولوا هرباً، واتبعناهم طلباً، قد خامرهم الوهل، واستولى عليهم الأجل، وأخطأهم الأمل، فمن بين قتيل طريح، وعقير جريح، وهارب طائح، ومستأمن جانح، قد أصبح رجاؤه خائباً، وظنه كاذباً، وباله كاسفاً، وقلبه خائفاً.
وكتب آخر: فبرز الفاجر الكافر في عدة تشتمل على كذا خيلاً كأتي السيل، ورجلاً كحلول الليل، بالصفائح المذلقة، والرماح المثقفة، والقسي المطورة، والآل المطرورة، والجواشن الحصينة، والحلق الموضونة، والتقت الفتيان قد انتضت مناصلها، وهزت عواملها، فمن مثلم في الهام مغمود، ومجرد في الأصلاب مقصود، ورديع بنجيع الأحشاء، وهاتك شغف السويداء.
وكتب آخر: قد خسروا الدين بما شروه من خسائس الأعراض، وفاتتهم الدنيا بما أتيح لهم من حواضر الآجال، وصاروا أغراضاً لمواقع الغير، ونصباً لمواضع العبر.
وكتب آخر: قانعاً من الأمر الذي قصد له بحشاشة يستبقيها، راضياً من مسعاته في الطمع بنفسه أن يوؤب بها، وانثال الأولياء فاصلين من العجاج إليهم، منقضين من الجبال عليهم.
وكتب آخر: فهم بين ميت مقبور بين مدرج السيول ومهب الرياح، عوائده السباع وحواضره الذئاب، قد اكتسب آثاماً وخدت به إلى مصارع الذلة، ومضاجع الهلكة، ومصاير أهل الشقوة، من العذاب الواصب، والخزي الدائم، وبين مأسور مقهور، قد أوبقته بجرائره ذنوبه، وأسلمته إلى الذلة مكاسبه، فهو في ضيق الأسر، وذل القهر، وخشوع العبودية، و خضوع الاستكانة، يتلهف على فرطاته نادماً، ويحاول قبول توبته آبياً، ويهتف بوله الاعتذار مستكيناً.
وكتب آخر: حتى إذا لقحت الحرب عواناً، وبركت بكلكلها، ودارت رحاها، وتلافت الصفوف، وتدانت الزحوف، وترامى القوم أرشاقاً، فترنمت القسي، وكثر الدوي، ورنت الأوتار، وشقت الأبصار، وسارت التكائب، وتهاوت المقانب إلى المقانب، واطعنت بالرماح، وتدافعت بالراح، فلم ير إلا مقعص أو جريح، أو مأطور أو نطيح، أو مائل أو سطيح، وقد ثار الغضب، وانقطع السبب، واشتدت الحمية، وذهبت الروية، واعترك الزحام، وضاق مع سعة الفضاء المقام، وتغيرت الألوان وكشرت الأسنان،وصار الدهم شقراً، والشقر كمتاً، والرجال بهتاً، فعند ذلك حمي الوطيس، وأسلم الرئيس، وحال الموت دون الفوت، وصار الأكس كالأروق، والمحتال كالأحمق، وذو البصيرة كالأخرق.
وقال أبو الحسن السلامي:
فالروض من زهر مضرجوالماء من ماء الترائب أشكل
والنقع ثوب بالنسور مطيروالأرض فرش بالجياد مخيل
تهوي العقاب على العقاب ويلتقيبين الفوارس أجدل ومجدل
وسطور خيلك إنما ألفاتهاسر تنقط بالدماء وتشكل

نعت السلاح والجنن
قال الرضي:
وجيش يسامي كل طود عجاجهويفتر عنه كل واد يضمه
تخطف أبصار الأعادي سيوفهوتملأ أسماع القبائل لجمه
إذا سار صبحاً طارد الشمس نقعهوإن سار ليلاً طبق الأرض دهمه
تراجع حمراً في دم الضرب بيضهوتنجاب شقراً من دم الطعن دهمه
وقال قيس بن الخطيم:
أجالدهم يوم الحديقة حاسراًكأن يدي بالسيف مخراق لاعب
وقال معقر بن حمار:
وحامى كل قوم عن أبيهمفصارت كالمخاريق السيوف
وقال إسحاق بن خلف في السيف أيضاً:
ألقى بجانب خصرهأمضى من الأجل المتاح
وكأنما ذر الهبا ... ء عليه أنفاس الرياح
وقال أبو الهول:
حسام غداة الروع ماض كأنهمن الله في قبض النفوس رسول
إذا ما تمطى الموت في يقظاتهفلا بد من نفس هناك تسيل
كأن علي إفرنده موج لجةتقاصر في ضحضاحه وتطول
وقال أيضاً:
وكأن الفرند والرونق الجا ... ري في صفحتيه ماء معين
يستطير الأبصار كالقبس المش ... عل ما تستبين فيه العيون
ما يبالي إذا الضريبة حانتأشمال نيطت به أم يمين
نعم مخراق ذي الحفيظة في الهي ... جاء يعصى به ونعم القرين
وقال البحتري وأجاد:
يتناول الروح البعيد منالهعفواً ويفتح في القضاء المقفل
ماض وإن لم تمضه يد فارسبطل ومصقول وإن لم يصقل

يغشى الوغى فالترس ليس بجنةمن حده والدرع ليس بمعقل
يصغي إلى حكم الردى فإذا مضىلم يلتفت وإذا قضى لم يعدل
متوقد يفري بأول ضربةما أدركت ولو أنها في يذبل
وإذا أصاب فكل شيء مقتلوإذا أصيب فما له من مقتل
وقال علي بن إسماعيل الزيدي العلوي المغربي:
ومهند عضب الغرار كأنهتحت العجاجة لجة خضراء
نقش الفرند ذبابه فكأنماسلخت عليه الحية الرقطاء
ألقى عزيمته أبو موسى علىمتنيه فهو لحده إمضاء
وقال ابن الرومي:
يشيعه قلب رواع وصارمصقيل بعيد عهده بالصياقل
تشيم بروق الموت في صفحاتهوفي حده مصداق تلك المخايل
وقال ابن المعتز:
ولي صارم فيه المنايا كوامنفما ينتضى إلا لسفك دماء
ترى فوق متنيه الفرند كأنهبقية غيم رق دون سماء
وقال ابن الرومي:
يقول القائلون إذا رأوهلأمر ما تعوليت الدروع
وقال مزرد بن ضرار أخو الشماخ يصف الرمح:
ومطرد لدن الكعوب كأنهتغشاه منباع من الزيت سائل
أصم إذا ما هز مارت سراتهكما مار ثعبان الرمال الموائل
له فارط ماضي الغرار كأنههلال بدا في ظلمة الليل ناحل
وقال آخر: وصارم فيه ماء لو ألم بهنوح على فلكه لم يأمن الغرقا
وبين أمواجه نار مسعرةلو حل فيها خليل الله لاحترقا
وقال محمد بن هانئ:
وأبيض كلسان البرق مخترطمن دون حق معز الدين إصليت
منية ليس تبغي غير طالبهاوكوكب ليس يبغي غير عفريت
وقال عنترة في الرماح:
يدعون عنتر والرماح كأنهاأشطان بئر في لبان الأدهم
وقال دريد بن الصمة:
فجئت إليه والرماح تنوشه كوقع الصياصي في النسيج الممدد
وقال الطائي:
مثقفات سلبن الروم زرقتهاوالعرب ألوانها والعاشق القضفا
وقالت ليلى الأخيلية:
إن الخليع ورهطه في عامركالقلب ألبس جؤجؤاً وحزيما
قوم رباط الخيل وسط بيوتهموأسنة زرق يخلن نجوما
وقال الطائي:
من كل أزرق نظار بلا نظرإلى المقاتل ما في متنه أود
أنه كان ترب الحب مذ زمنفليس يعجزه قلب ولا كبد
وقال ساعدة بن جؤية:
وأعد أزرق في الكماة كأنهفي طخية الظلماء ضوء شهاب
وقال آخر:
وأسمر خطياً كأن كعوبه نوىالقسب قد أرمى ذراعاً على العشر
وقال مالك بن نويرة:
وسمر كأشطان الجرور نواهليجور بها زو المنايا ويهتدي
يقعن معاً فيهم بأيدي كماتناكأن المنون للرماح بموعد
وقال سلامة بن جندل:
سن الثقاف قناها فهي محكمةقليلة الزيغ من هم وتركيب
كأنها بأكف القوم إذ لحقوامواتح البئر أو أشطان مطلوب
وقال ابن المعتز وجمع:
أعددت أخرس للطعان ونثرةزغفاً ومطرداً من الخرصان
وكعوب شوحطة كأن حنينهابالكف عولة فاقد مرنان
وسلاجماً زرقاً كأن ظباتهامشحوذة بضرائم النيران
أفواقها حشو الجفير كأنهاأفواه أفرخة من النغران
وقال الشماخ يصف قوساً:
إذا أنبض الرامون عنها ترنمتترنم ثكلى أوجعتها الجنائز
وأنشد ثعلب فيها:
وهي أذا أنبضت فيها تسجعترنم الثكلى أبت لا تهجع
وأولها:
نزعت فيها وهي فرع أجمعوهي ثلاث أذرع وإصبع
وافتخرت جاريتان من العرب بقوسي أبيهما فقالت إحداهما: قوس أبي طروح مروح، تعجل الظبي أن يروح. وقالت الأخرى: قوس أبي كزة، تعجل الظبي النقزة.
وقال محمد بن بشير:
ومشمرين عن السواعد حسرعنها بكل رفيقة التوتير
ليس الذي تشوي يداه رميةمنهم بمعتذر ولا معذور
عطف السيات موانع في عطفهاتعزى إذا نسبت إلى عصفور
وقال أبو العيال الهذلي في السهام:
فترى النبال تعير في أقطارهاشمساً كأن نصالهن السنبل
وقال أبو كبير الهذلي:
فتعاوروا نبلاً كأن سوامهانفيان قطر في عشي مسدف
وقال: ومعابلاً صلع الظبات كأنهاجمر بمسهكة يشب لمصطلي
نجفاً بذلت لها خوافي ناهضحشر القوادم كاللفاع الأطحل
وإذا تسل تخشخشت أرياشهاخشف الجنوب بيابس من إسحل
مسهكة: موضع ريح شديدة، ونجف: جمع نجيف أي عريض، وحشر لطيف، واللفاع: لحاف يتلفع به، وأطحل: أسود.
وقال أبو دواد وذكر الدرع:
وأعددت للحرب فضفاضةتضاءل في الطي كالمبرد
وقال امرؤ القيس:

ومسرودة النسج موضونةتضاءل في الطي كالمبرد
تفيض على المرء أردانهاكفيض الأتي على الجدجد
وقال آخر:
وأرعن ملموم الكتائب خيلهمضرجة أعرافها ونحورها
عليها مذالات القيون كأنهاعيون الأفاعي سردها وقتيرها
وقال جزء بن ضرار:
ومسفوحة فضفاضة تبعيةوآها القتير تجتويها المعابل
دلاص كظهر النون لا يستطيعهاسنان ولا تلك الحظاء الدواخل
الحظاء: جمع حظوة وهي سهام صغار لا نصل لها.
وقال حزن بن عامر الطائي:
لباسهم إذا فزعوا دروعكأن قتيرها حدق الجراد
وقال آخر:
فتخال موج البحر يصفق بعضهبعضاً وميض قتيرها وسرادها
وقال محمد بن عبد الملك الحلبي:
وعلي سابغة الذيول كأنهاسلخ كسانيه الشجاع الأرقم
وقال أبو الحسين ابن لنكك البصري:
يا رب سابغة حبتني نعمةكافأتها بالسوء غير مفند
أضحت تصون عن المنايا مهجتيوظللت أبذلها لكل مهند
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن معد يكرب: أخبرني عن السلاح قال: عن أية تسأل؟ قال: أخبرني عن الرمح قال: أخوك وربما خانك، قال فالسهام، قال: منايا تخطئ وتصيب قال: فالدرع: قال مشغلة للفارس، متعبة للراجل، وإنها لحصن حصين، قال: فالترس، قال: ذاك مجن وعليه تدور الدوائر. قال: فالسيف، قال: هناك قارعتك أمك الهبل. ولهذا الخبر تمام لا يليق بهذا المكان إيراده.
قال الرقاشي في قوس:
مجلوزة الأكعب في استواءسالمة من أبن السيساء
فلم تزل مساحل البراءتأخذ من طرائف اللحاء
حتى بدت كالحية الصفراءترنو إلى الطائر في الهواء
بمقلة سريعة الإقذاءليست بكحلاء ولا زرقاء
وقال آخر فيها:
صفراء نبع خطموها بوترلام ممر مثل حلقوم النغر
حدت ظباة اسهم مثل الشررفصرعتهن بأخفاف القتر
حور العيون بابليات النظريحسبها الناظر من خير البشر
وقال ابن نباته في سكين:
ما أبصر الناظر من قبلهاماء وناراً جمعاً في مكان
ووصفها آخر فقال: أقطع من البين.
النامي في سيف:
فيريك في لألائه متوقداًحنق المنون به على الآجال

نعت أنواع القتل والجراح
قال معقر بن حمار البارقي:
كأن جماجم الأبطال لماتلاقينا ضحى حدج نقيف
وقال عنترة:
وحليل غانية تركت مجدلاًتمكو فريصته كشدق الأعلم
سبقت يداي له بعاجل طعنةفوهاء نافذة كلون العندم
وقال أبو خراش الهذلي:
فنهنهت أولى القوم عني بضربةتنفس منها كل حشيان مجحر
وطعن كرمح الشول أمست غوارزاًجواذبها تأبى على المتغبر
الغوارز: التي قد ذهبت ألبانها فإذا طلب منها الدر رمحن. والغبر بقية اللبن.
وقال قيس بن الخطيم:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائرلها نفذ لولا الشعاع أضاءها
ملكت بها كفي فانهرت فتقهايرى قائم من دونها ما وراءها
وقال أبو النجم يصف الطعنة:
لنصرعن ليثاً يرن مأتمهبطعنة نجلاء فيها ألمه
يجيش من نهر تراقيه دمهكمرجل الصباغ جاش بقمه
وقال محمد بن عبد الملك الحلبي:
نهنهت أولاها بضرب صادقهبر كما خط الرداء المعلم
وقال السري الرفاء:
لما تراءى لك الجمع الذي نزحتأقطاره ونأت بعداً جوانبه
تركتهم بين مصبوغ ترائبهمن الدماء ومخضوب ذوائبه
فحائد وشهاب الرمح لاحقهوهارب وذباب السيف طالبه
يهوي إليه بمثل النجم طاعنهوينتحيه بمثل البرق ضاربه
يكسوه من دمه ثوباً ويسلبهثيابه فهو كاسيه وسالبه
ونظر في هذا المعنى إلى قول البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهممحمرة فكأنهم لم يسلبوا
وأنشد المبرد في مصلوب:
قام ولما يستعن بساقهألف مثواه على فراقه
كأنما يضحك من أشداقه
وقال مسلم بن الوليد في مثله:
ورأس مهران قد ركبت قلتهلدناً كفاه مكان الليت والجيد
وضعته حيث ترتاب الرياح بهوتحسد الطير فيه أضبع البيد
ما زال يعنف بالنعمى ويغمطهاحتى استقل به عود على عود
تعدو السباع فترميه بأعينهاتستنشق الجو أنفاساً بتصعيد
وقال الطائي:
ولقد شفى الأنفاس من برحائهاأن صار بابك جار مازيار
سود اللباس كأنما نسجت لهمأيدي السموم مدارعاً من قار
بكروا وأسروا في متون ضوامرقيدت لهم من مربط النجار

لا يبرحون ومن رآهم خالهمأبداً على سفر من الأسفار
وقال البحتري في مثله:
وتراه مطرداً على أعوادهمثل اطراد كواكب الجوزاء
مستشرفاً للشمس منتصباً لهافي أخريات الجذع كالحرباء
وقال الأخيطل الواسطي:
كأنه عاشق قد مد بسطتهيوم الفراق إلى توديع مرتحل
أو قائم من نعاس فيه لوثتهمداوم لتمطيه من الكسل
وقال أبو الحسن الأنباري في ابن بقية لما صلبه عضد الدولة فوصف حاله وإن كان مخرجه مخرج التأبين:
علو في الحياة وفي المماتبحق أنت إحدى المعجزات
ولما ضاق بطن الأرض عن أنيضم علاك من بعد الممات
أصاروا الجو قبرك واستنابواعن الأكفان ثوب السافيات
كأن الناس حولك حين قامواوفود نداك أيام الصلات
كأنك قائم فيهم خطيباًوكلهم قيام للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاءكمدهما إليهم بالهبات
أسأت إلى النوائب فاستثارتفأنت قتيل ثار النائبات

نعت المعاقل والأبنية
قال أبو تمام وذكر عمورية:
وبرزة الوجه قد أعيت رياضتهاكسرى وصدت صدوداً عن أبي كرب
بكر فما افترعتها كف حادثةولا ترقت إليها همة النوب
من عهد اسكندر أو قبل ذلك قدشابت نواصي الليالي وهي لم تشب
وقال آخر في وصف قلعة:
وخلقاء قد تاهت على من يرومهابمرقبها العالي وجانبها الصعب
يزر عليها الجو جيب غمامهويلبسها عقداً بأنجمه الشهب
فأبرزتها مهتوكة الجيب بالقناوغادرتها ملصوقة الخد بالترب
وقال علي بن الجهم:
وقبة ملك كأن النجو ... م تصغي إليها بأسرارها
لها شرفات كأن النجومكستها طرائف أنوارها
وهن كمصطبحات خرجنلعيد النصارى وإفطارها
فمن بين عاقصة شعرهاومصلحة عقد زنارها
وقال البحتري:
لما كملت روية وعزيمةأعملت رأيك في ابتناء الكامل
ذعر الحمام وقد ترقت فوقهمن منظر خطر المزلة هائل
وكأن حيطان الزجاج بجوهلجج يمجن على جوانب ساحل
وكأن تفويف الرخام إذا التقىتأليفه بالمنظر المتقابل
حبك الغمام رصفن بين منمرومسير ومقارب ومشاكل
وقال:
يا من رأى البركة الحسناء رؤيتهاوالآنسات إذا لاحت مغانيها
ما بال دجلة كالغيرى تنافسهافي الحسن طوراً وأطواراً تباهيها
كأن جن سليمان الذين ولواإبداعها فأدقوا في معانيها
فلو تمر بها بلقيس عن عرضقالت هي الصرح تمثيلاً وتشبيها
إذا علتها الصبا أبدت لها حبكاًمثل الجواشن مصقولاً حواشيها
إذا النجوم تراءت في جوانبهاليلاً حسبت سماء ركبت فيها
كأنها حين لجت في تدفقهايد الخليفة لما سال واديها
وقال:
غرف من بناء دين ودنيايوجب الله فيه أجر الإمام
شوقتنا إلى الجنان فزدنافي اجتناب الذنوب والآثام
وقال المتوكل لأبي العيناء وقد بنى بناء: كيف ترى دارنا؟ قال: رأيت الناس يبنون دورهم في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك.
وقال أبو سعيد الرستمي في دار بناها الصاحب:
هي الدار أبناء الندى من حجيجهانوازل في ساحاتها وقوافلا
فكم أنفس تأوي إليها مغذةوأفئدة تهوي إليها حوافلا
وسامية الأعلام تلحظ دونهاسنا النجم في آفاقها متضائلا
نسخت بها إيوان كسرى بن هرمزفأصبح في أرض المدائن عاطلا
فلو أبصرت ذات العماد عمادهالأمست أعاليها حياء أسافلا
ولو لحظت جنات تدمر حسنهادرت كيف تبني بعدهن المجادلا
متى ترها خلت السماء سرادقاًعليها وأعلام النجوم تماثلا
وقال علي بن يوسف المغربي التونسي:
بنى منظراً يسمى العروسين رفعةكأن الثريا عرست في قبابه
إذا الليل أخفاه بحلكة لونهبدا ضوءه كالبدر تحت سحابه
تمكن من سعد السعود محلهفأضحى ومفتاح الغنى قرع بابه
ولو شاده عزم المعز ورأيهعلى قدره في ملكه ونصابه
لكان حصى الياقوت والتبر مفرغاًعلى المسك من آجره وترابه
وكانت أعاليه سمواً ورفعةتباشر ماء المزن قبل انسكابه
سأل عثمان رضي الله عنه بعض من وفد عليه عن حصن بناحية هراة فقال قي ذلك:
محلقة دون السماء كأنهاغمامة صيف زال عنها سحابها
فما تبلغ الأروى شماريخها العلىولا الطير إلا نسرها وعقابها

وما خوفت بالذئب ولدان أهلهاولا نبحت إلا النجوم كلابها

نعت الدار والرسوم
قال زهير بن أبي سلمى:
لمن طلل برامة لا يريمعفا وخلا له حقب قديم
يلوح كأنه كفا فتاةترجع في معاصمها الوشوم
أبو نواس:
لم دمن تزداد حسن رسومعلى طول ما أقوت وطيب نسيم
تجافى البلى عنهن حتى كأنمالبسن على الأقواء ثوب نعيم
وقال الطائي:
إن شئت أن لا ترى صبراً لمصطبرفانظر على أي حال أصبح الطلل
كأنما جاد مغناه فغيرهدموعنا يوم بانوا وهي تنهمل
وقال البحتري:
أرى بين ملتف الأراك منازلاًمواثل لو كانت مهاها مواثلا
لقينا المغاني باللوى فكأنمالقينا الغواني الآنسات عواطلا
وقال معلى الطائي:
لبسن البلى حتى كأن رسومهاطعمن الهوى أو ذقن فقد الحبائب
وقال محمد بن وهيب:
لبسا البلى فكأنما وجدابعد الأحبة مثل ما أجد
وقال الطائي:
أو ما رأيت منازل ابنة مالكرسمت له كيف الزفير رسومها
وكأنما ألقى عصاه بها النوىمن نية قذف فليس يريمها
وقال ابن هرمة:
نبكي على دمن ونؤي هامدوجواثم سفع الخدود رواكد
عرين من عقب القدور وأهلهافعكفن بعدهم بهاب لابد
ووقينه عبث الصبا فكأنهدنف مرته الربع بين عوائد
وقال أبو نواس:
لمن طلل عاري المحل دفينخلا عهده إلا خوالد جون
كما اقترنت عند المبيت حمائمبعيدات ممسى ما لهن وكون
وقال أيضاً في الأثافي في معرض الذم:
رأيت قدور الناس سوداً من الصلاوقدر الرقاشيين بيضاء كالبدر
نبينها للمعتفي بفنائهمثلاث كنقط الثاء من نقط الحبر
وقال الطائي:
أثاف كالخدود لطمن حزناًونؤي مثل ما انفصم السوار
وقال:
والنؤي أهمد شطره فكأنهتحت الحواجب حاجب مقرون
وقال ابن المعتز:
عفا غير مائلات كأنهاخدود عذارى مسهن شحوب
وقال القطامي:
وما هداني لتسليم على دمنبالغمر غيرهن الأعصر الأول
فهن كالحلل الموشي ظاهرهاأو كالكتاب الذي قد مسه بلل
وقال ذو الرمة:
كأنها بعد أحوال مضين لهابالاشيمين يمان فيه تسهيم
أودى بها كل عراص ألث بهاأو جافل من عجاج الصيف مهجوم
منازل الحي إذ لا الدار نازحةبالأصفياء وإذ لا العيش مذموم
كادت بها العين تنبو ثم بينهامعارف الأرض والجون اليحاميم
وقال بعض أهل المعرة، وهو ابن النوت، وتروى لأبي العلاء وليست له:
مررت بربع في سياث فراعنيبه زجل الأحجار تحت المعاول
تناولها عبل الذراع كأنماجنى الحقد فيما بينهم حرب وائل
أهادمها شلت يمينك خلهالمعتبر أو واقف أو مسائل
منازل قوم أذكرتنا حديثهمولم أر أحلى من حديث المنازل
وصف الفلاة والآل وقال الأخطل:
وبيداء ممحال كأن نعامهابأرجائها القصوى أباعر همل
ترى لامعات الآل فيها كأنهارجال تعرى تارة وتسربل
وجوز فلاة ما يغمض ركبهاولا عين هاديها من الخوف تغفل
بكل بعيد الغول لا يهتدى بهبعرفان أعلام وما فيه منهل
ملاعب جنان كأن ترابهإذا اطردت فيه الرياح مغربل
أجزت إذا الحرباء أوفى كأنهمصل يمان أو أسير مكبل
ترى الثعلب الحولي فيها كأنهإذا ما علا نشزاً حصان مجلل
وقال زهير:
وتنوفة عمياء لا يجتازهاإلا المشيع ذو الفؤاد الهادي
قفر هجعت بها ولست بنائموذراع ملقية الجران وسادي
وعرفت إن ليست بدار إقامةفكصفقة بالكف كان رقادي
وقال جرير:
وهاجد موماة بعثت إلى السرىوللنوم أحلى عنده من جنى النحل
يكون نزول الركب فيها كلا ولاغشاشاً ولا يدنين رحلاً إلى رحل
وقال ذو الرمة:
وغبراء يقتات الأحاديث ركبهاوتشفى ذوات الضغن من طائف الجهل
ترى قورها يغرقن في الآل مرةوآونة يخرجن من غامر ضحل
ورمل عزيف الجن في عقداتههزيز كتضراب المغنين بالطبل
وقال أيضاً:
ودوية جرداء جداء خيمتبها هبوات الصيف من كل جانب
سباريت يخلو سمع مجتاز خرقهامن السمع إلا من ضباح الثعالب
وقال:
ومشتبه الأرباء يرمي بركبهيبيس الثرى نائي المناهل أخرق
إذا هبت الريح الصبا درجت بهغرائب من بيض هجائن دردق

فأصبحت أجتاب الفلاة كأننيحسام جلت عنه المداوس مخفق
الأرباء: جمع ربوة، وأخرق: بعيد واسع، ودردق: صغار ولا واحد لها من لفظها، وأراد بالغرائب: فراخ النعام.
وقال أيضاً:
وساحرة السراب من المواميترقص في عساقلها الأروم
العساقل: السراب، والأروم: الأعلام.
يموت قطا الفلاة بها أواماًويهلك في جوانبها النسيم
مللت بها المقام وأرقتنيهموم ما تنام ولا تنيم
أبيت الليل أرعى كل نجموشر رعاية العين النجوم
وقال مسعود أخو ذي الرمة:
ومهمه فيه السراب يلمحيدأب فيه القوم حتى يطلحوا
ثم يظلون كأن لم يبرحواكأنما أمسوا بحيث أصبحوا
وكان أبو حامد البصري إذا رأى أهل النظر وتفرقهم بعد الكلام في المجلس والخصام تمثل بأبيات مسعود هذه.
وقال آخر:
أخوف بالحجاج حتى كأنماتحرك عظم في الفؤاد مهيض
ودون يد الحجاج من أن تنالنيبساط لأيدي الناعجات عريض
مهامه أشباه كأن سرابهاملاء بأيدي الغاسلات رحيض
وقال مسلم بن الوليد:
وقاطعة رجل السبيل مخوفةكأن على أرجائها حد مبرد
مؤزرة بالآل فيها كأنهارجال قعود في ملاء معمد
وقال إسحاق الموصلي وتشبه بذي الرمة:
ومدرجة للريح تيهاء لم يكنليجشمها زميلة غير حازم
يضل بها الساري وإن كان هادياًوتقطع أنفاس الرياح النواسم
تعسفت أفري جوزها بشملةبعيدة ما بين القرا والمحازم
كأن شرار المرو من نبذها بهنجوم هوت أخرى الليالي العواتم
وقال القلاخ:
وبلد أغبر مخشي العطبيضحي به موج السراب مضطرب
لو قذف الكتان فيه لالتهبقطعت أحشاه بسير منجذب
وقال ذو الرمة:
قد أعسف النازح المجهول معسفهفي ظل أغضف يدعو هامه البوم
بين الرجا والرجا من جنب واصيةيهماء خابطها بالخوف معكوم
للجن بالليل في أرجائها زجلكما تناوح يوم الريح عيشوم
دوية ودجى ليل كأنهمايم تراطن في حافاته الروم
كأننا والقنان القود تحملناموج الفرات إذا التج الدياميم
وصف السير والسرى وقال الأخطل:
وغارت عيون العيس والتفت العرىفهن من الضراء والجهد نحل
وقد ضمرت حتى كأن عيونهابقايا قلات أو ركي ممكل
ممكل: غار ماؤها ونزح ثم جم بعد النزح، يقال فيه مكلة من ماء أي قليل اجتمع بعد النزح.
وصارت بقاياها إلى كل حرةلها بعد إسآد مراح وأفكل
وقعن وقوع الطير فيها وما بهاسوى حرة ترجيعها متطلل
وقال ذو الرمة:
ونشوان من طول النعاس كأنهبحبلين في مشطونة يترجح
أطرت الكرى عنه وقد مال رأسهكما مال رشاف الفضال المرنح
إذا مات فوق الرمل أحييت روحهبذكراك والعيس المراسيل جنح
وقال الحطيئة:
وأشعث يهوى النوم قلت له ارتحلإذا ما الثريا أعرضت واسبطرت
فقام يجر الثوب لو أن نفسهيقال له خذها بكفيك خرت
وقال الفرزدق:
وأبيض مخمور يميل برأسهنعاساً ولم يشرب طلاء ولا خمرا
إذا لم يجد بداً من الأمر هجتهوجيب الذراع لا يضيق به صدرا
وقال أعرابي:
بدأن بنا وابن الليالي كأنهحسام جلا عنه القيون صقيل
فما زلت أفني كل يوم شبابهإلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
وقال مسكين الدارمي:
ومنعقد ثني اللسان بعثتهتخال النعاس في مفاصله خمرا
رماه الكرى في الرأس حتى كأنهأميم جلاميد تركن به وقرا
وقال ذو الرمة:
وأشعث مثل السيف قد لاح جسمهوجيف المهارى والهموم الأباعد
سقاه السرى كأس النعاس فرأسهلدين الكرى من آخر الليل ساجد
أقمت له صدر المطي وما درىأجائرة أعناقها أم قواصد
ترى الناشئ الغريد يضحي كأنهعلى الرحل مما منه السير عاصد
منه: أي جهده، وعصد البعير: إذا لوى عنقه للموت.
وقال مسلم بن الوليد:
إليك أمين الله راعت بنا القطابنات الفلا في كل نشز وفدفد
أخذن السرى أخذ العنيف وأسرعتخطاها بها والنجم حيران مهتد
لبسن الدجى حتى نضت وتصوبتهوادي نجوم الليل كالدحو باليد
وقال العتابي:
وأشعت مشتاق رمى في جفونهغريب الكرى بين الفجاج السباسب
أمات الليالي شوقه غير زفرةتردد ما بين الحشا والترائب
سحبت له ذيل السرى وهو لابسدجى الليل حتى صح ضوء الكواكب

ومن فوق أكوار المهارى لبانهأحل لها أكل الذرى والغوارب
إذا ادرع الليل انجلى وكأنهبقية هندي حسام المضارب
بركب ترى كسر الكرى في جفونهموعهد الفيافي في وجوه شواحب
وقال الطائي وجعل السير طريقاً إلى همة مروته:
وركب كأمثال الأسنة عرسواعلى مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدورهوليس عليهم أن تتم عواقبه
وقال جحدر بن ربيعة العكلي:
وركب تعادوا بالنعاس كأنماتساقوا عقاراً خالطت كل مفصل
سريت بهم حتى مضى الليل كلهولاحت هوادي الصبح للمتأمل
وقالوا وقد مالت طلاهم من الكرىأنخ إنها نعمى علينا وأفضل
فطاوعتهم حتى أناخوا كلا ولامهارى لهوا منها ولما تعقل
ومالوا على أعطافها وتوسدواإلى الركب اليسرى سواعد أشمل
ولاثوا بأيديهم فضول أزمةتصور البرى أزرارها لم تحلل
غشاشاً غرار العين ثم تنبهواسراعاً إلى أكوار سدس وبزل
وقال أبو النجم العجلي:
وبلدة ما الإنس من أهالهاولا ضعيف القوم من رجالها
زوراء تبكي الجن من إمحالهاقطعت بالعيس على كلالها

نعت البيان والمحاورة
قال حسان بن ثابت:
لساني وسيفي صارمان كلاهماويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي
وقال جرير فأخذ اللفظ والمعنى:
لساني وسيفي صارمان كلاهماوللسيف أشوى وقعة من لسانيا
وقال الأخطل:
أفحمت عنكم بني النجار قد علمتعليا معد وكانوا طالما هدروا
حتى استكانوا وهم مني على مضضوالقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر
وقال محمد بن هانئ:
حكم يجلي غيب كل ملمةكالشمس تكشف جنح كل ظلام
وقال آخر:
من كل معنى يكاد الميت يفهمهحسناً ويعبده القرطاس والقلم
وقال الصابي:
فقر لم يزل إليها فقيراًكل مبدي فصاحة ومعيد
يغتدي البارع المفيد إليهالاحقاً بالمقصر المستفيد
ببيان شاف ولفظ مصيبواختصار كاف ومعنى سديد
وقال أيضاً:
ولي فقر تضحي الملوك فقيرةإليها لدى أحداثها حين تطرق
أرد بها رأس الجموح فينثنيوأجعلها سوط الحرون فيعنق
فإن حاولت لطفاً فماء مرقرقوإن حاولت عنفاً فنار تألق
وقال أبو فراس ابن حمدان:
وروضة من رياض الفكر دبجهاصوب القرائح لا صوب من المطر
كأنما نشرت يمناك بينهمابرداً من الوشي أو برداً من الحبر
وقال آخر:
نطقت بحكمة جلى سناهاعن المعنى اللطيف دجى الظلام
تلذ كأنها راح وروحتمشى في العروق وفي العظام
وقول رسول الله صلى الله وعليه وسلم: " إن من البيان لسحراً " هو الغاية إيجازاً وبلاغة.
وكتب الصاحب بن عباد: خط أحسن من عطفات الأصداغ، وبلاغة كالأمل آذن بالبلاغ. فقر كما جيدت الرياض، وفصول كما تغامزت المقل المراض. ألفاظ كما نورت الأشجار، ومعان كما تنفست الأسحار.
وقال الماهر:
وحديث كأنهأوبة من مسافر
فهو أحلى من الرقا ... د لدى طرف ساهر
وقال بشار:
وكأن رجع حديثهاقطع الرياض كسين زهرا
وكأن تحت لسانهاهاروت ينفث فيه سحرا
وقال السري الرفاء:
يتنازعون على الرحيق غرائباًيحسبن زاهرة كؤوس رحيق
صدرت عن الأفكار وهي كأنهارقراق صادرة عن الراووق
وقال محمد بن أحمد الحزور:
لله لؤلؤ ألفاظ أساقطهالو كن للغيد لاستأنسن بالعطل
ومن عيون معان لو كحلت بهانجل العيون لأغناها عن الكحل
سحر من الفكر لو دارت سلافتهعلى الزمان تمشى مشية الثمل
وصف العباس بن الحسن العلوي رجلاً بفصاحة فقال: ما شبهته يتكلم إلا بثعبان ينهال من رمال، أو ماء يتغلغل بين جبال.
وقال ثمامة: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع التمهل والجزالة والحلاوة وإفهاماً يغنيه عن الإعادة، ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإشارة لاستغنى جعفر عن الإشارة كما استغنى عن الإعادة.
وقال: قلت لجعفر: ما البيان؟ فقال: أن يكون الكلام يحيط بمعناك، ويجلي عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بالفكرة، والذي لا بد منه أن يكون سليماً من التكلف، بريئاً من التعقيد، غنياً عن التأويل.
الجاحظ: هذا تأويل قول الأصمعي: البليغ من طبق المفصل، وأغناك عن المفسر.

قال المفضل: قلت لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل.
وذكر أعرابي امرأة فقال: كلامها الوبل على المحل، والعذب البارد على الظمأ.
والجيد قول القطامي:
فهن ينبذن من قول يصبن بهمواقع الماء من ذي الغلة الصادي
وقول الأخطل:
وقد تكون بها سلمى تحادثنيتساقط الحلي حاجاتي وأسراري
وقول الشماخ:
حديث لو أن اللحم يصلى ببعضهغريضاً أتى أصحابه وهو منضج
قال عبد الحميد بن يحيى: البلاغة ما رضيته الخاصة، وفهمته العامة.
وقال أيضاً: خير الكلام ما قل ودل ولم يمل قال آخر: اللفظ الحسن إحدى النفاثات في العقد.

نعت القوافي
وقال عدي بن الرقاع:
وقصيدة قد بت أجمع شملهاحتى أقوم ميلها وسنادها
نظر المثقف في كعوب قناتهحتى يقيم ثقافه منآدها
وعلمت أني لست أسأل واحداًعن حرف واحدة لكي أزدادها
وقال بشر بن أبي خازم:
فأبعثهن أربعة وخمساًبألفاظ مثقفة عذاب
وكنت إذا وسمت بهن قوماًكأطواق الحمائم في الرقاب
وقال الفرزدق:
ومن يك خائفاً لأذاة شعريفقد أمن الهجاء بنو حرام
هم قادوا سفيههم وخافواقلائد مثل أطواق الحمام
ومثله قول ابن هرمة:
إني إذا ما امرؤ خفت نعامتهفي الجهل واستحكمت منه قوى الوذم
عقدت في ملتقى أوداج لبتهطوق الحمائم لا يبلى على القدم
وقال جرير:
وعاو عوى من غير شيء رميتهبقافية أنفاذها تقطر الدما
خروج بأفواه الرواة كأنهاقرا هندواني إذا هز صمما
وقالت الخنساء:
وقافية مثل حد السنا ... ن تبقى ويذهب من قالها
نطقت ابن عمرو فسهلتهاولم ينطق الناس أمثالها
وقال أبو تمام الطائي:
ووالله لا أنفك أهدي شوارداًإليك يحملن الثناء المنخلا
تخال به برداً عليك محبراًوتحسبه عقداً عليك مفصلا
ألذ من السلوى وأطيب نفحةمن المسك مفتوقاً وأيسر محملا
أخف على روح وأثقل قيمةوأقصر في سمع الجليس وأطولا
ويزهى له قوم ولم يمدحوا بهإذا مثل الراوي به أو تمثلا
وقال علي بن الجهم:
ولكن إحسان الخليفة جعفردعاني إلى ما قلت فيه من الشعر
فسار مسير الشمس في كل بلدةوهب هبوب الريح في البر والبحر
وقال البحتري:
وقد أتتك القوافي غب مسألةكما تفتح غب الوابل الزهر
وقال:
وكنت إذا استبطأت ودك زرتهبتفويف شعر كالرداء المحبر
عتاب بأطراف القوافي كأنهطعان بأطراف القنا المتكسر
فأجلو به وجه الإخاء وأجتليحياء كصبغ الأرجوان المعصفر
وقال:
ألست الموالي فيك نظم قصائدهي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ثناء كأن الروض فيه منورضحى وكأن الوشي فيه منمنما
وقال:
إليك القوافي نازعات قواصداًيسير ضاحي وشيها وينمنم
ومشرقة في النظم غراً يزينهابهاء وحسناً أنها لك تنظم
ضوامن للحاجات إما شوافعاًمشفعة أو حاكمات تحكم
وكائن غدت لي وهي شعر مسيروراحت علي وهي مال مسوم
وقال أيضاً:
في نظام من البلاغة ما شك ... ك امرؤ أنه نظام فريد
ومعان لو فصلتها القوافيهجنت شعر جرول ولبيد
حزن مستكمل الكلام اختياراًوتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المرام البعيد
وقال ابن الرومي:
ودونكها من شاعر لك شاكروإن حرك الخيم الكريم وحضضا
وما ازداد فضل فيك بالمدح شهرةولكنه كالمسك صادف مخوضا
وقال أيضاً:
خذها إليك مشيحة سيارةفي الناس من باد ومن متحضر
تغدو عليك بحاصب وبتاربوعلى الرواة بلؤلؤ متخير
وقال:
خذها تبوعاً لمن ولى مسومةكأنها كوكب في إثر عفريت
وقال دعبل وذكر التفاوت ما بين المجيد والمسيء:
يموت رديء الشعر من قبل أهلهوجيده يبقى وإن مات قائله
أخذ السري الرفاء هذا المعنى فقال:
فتعيش بعد مماته أشعارهويموت قبل مماتها أشعارها
وقال الصاحب ابن عباد:
أتتني بالأمس أشعارهتعلل روحي بروح الجنان
كبرد الشباب وبرد الشرابوظل الأمان ونيل الأماني
وعهد الصبا ونسيم الصباوصفو الدنان ورجع القيان
فلو أن ألفاظها جسمتلكانت عقود نحور الغواني

وقال القاضي أبو القاسم التنوخي:
وقصيدة ألفاظهافي النظم كالدر النثير
جاءت إلي كأنها الت ... وفيق في كل الأمور
بأرق من شكوى وأح ... سن من حياة في سرور
فكأنها أمل تحق ... قق بعد يأس في الصدور
أو كالمنام لساهرأو كالأمان لمستجير
وكأنما هي من شبا ... ب أو وصال أو نشور
من كل معنى كالسلا ... مة أو كتيسير العسير
وقال يزيد بن مفرغ:
يغسل الماء ما صنعت وشعريراسخ منك في العظام البوالي
وقال أبو تمام:
يود وداداً أن أعضاء جسمهإذا أنشدت شوقاً إليه مسامع
وقال المتنبي:
إذا ما صافح الأسماع يوماًتبسمت الضمائر والقلوب
قيل لمعتوه: ما أجود الشعر؟ قال: ما دل صدره على عجزه، ولا يحجبه شيء دون بلوغه.
وقال الكندي:
تقصر عن مداها الريح جرياًوتعجز عن مواقعها السهام
تناهب حسنها حاد وشادفحث بها المطايا والمدام
وصف الكتاب والقلم وما يجانسهما قال أبو تمام الطائي:
لك القلم الأعلى الذي بشباتهتصاب من الأمر الكلى والمفاصل
لعاب المنايا القاتلات لعابهوأري الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقة طل ولكن وقعهابآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكبوأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغتعليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف الرماح وقوضتلنجواه تقويض الخيام الجحافل
إذا استغزر الذهن الجلي وأقبلتأعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رفدته الخنصران وسددتثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلاً شأنه وهو مرهفضنى وجسيماً خطبه وهو ناحل
وقال ابن الرومي:
لعمرك ما السيف سيف الكميبأخوف من قلم الكاتب
له شاهد إن تأملتهظهرت على سره الغائب
سنان المنية في جانبوسيف المنية في جانب
وقال السري الرفاء:
لك القلم الذي يضحي ويمسيبه الإقليم محمي الحريم
هو الصل الذي لو عض صلاًلأسلمه إلى ليل السليم
وقال العتابي: الأقلام مطايا الفطن.
وقال سهل بن هارون: القلم لسان الضمير، إذا رعف أعلن سراره وأنار آثاره.
قال علي بن عبيدة فيه: أصم يسمع النجوى ويخبر بالغائب.
وقيل: الخط هندسة روحانية، وإن ظهرت بآلة جسدانية.
وقيل: فضل الخط على اللفظ أن الخط للقريب والبعيد، واللفظ للقريب فقط.
وقال جالنيوس: الخط كلام ميت، واللفظ كلام حي. ولو تمم المعنى لقال: الخط كلام ميت وحي.
وقيل: الدواة منهل، والقلم ماتح،والكتاب عطن.
وقال آخر:
خطه روضة وألفاظه الأز ... هار يضحكن والمعاني الثمار
وقال آخر:
مكررة ألفاظنا في فصولهفإن نحن أتممنا قراءته عدنا
إذا ما نشرناه فكالمسك نشرهونطويه لا طي السآمة بل ضنا
وقال الصابئ: فخاتم كامن في بطن راحتهاوفي أناملها سحبان مستتر وقال آخر:
وأدى خطاباً في سطور كأنهامخانق در في نحور الكواعب
وقال التنوخي:
خط وقرطاس كأن ... نهما السوالف والشعور
وكأنه ليل يمو ... ج خلاله صبح منير
وبدائع تدع القلو ... ب تكاد من طرب تطير
في كل معنى كالغنىيحويه محتاج فقير
أو كالفكاك ينالهمن بعد ما يأس أسير
وكأنما الإقبال جا ... ء أو الشفاء أو النشور
وكأنه شرخ الشبا ... ب وعيشه الغض النضير
وله من أبيات ذكر فيها قصيدة ثم ذكر فيها الخط:
وكأنه إذ لاح منفوق المهارق والسطور
ورد الخدود إذا انتقل ... ت به على راح الثغور
كتبت بحبر كالنوىأو كفر نعمى من كفور
في مثل أيام التوا ... صل أو كإعتاب الدهور
وقال علي بن الجهم:
يا رقعة جاءتك مثنيةكأنها خد على خد
نبذ سواد في بياض كماذر فتيت المسك في الورد
ساهمة الأسطر مصروفةمن نبذ الهزل إلى الجد
يا كاتباً أسلمني عتبهإليه حسبي منك ما عندي
وقال آخر:
سواد مثل خافية الغرابوأقلام كمرهفة الحراب
وقرطاس كرقراق السرابوألفاظه كأيام الشباب
وقال ابن المعتز:

قلم ما أراه أم فلك يج ... ري بما شاء قاسم ويسير
راكع ساجد يقبل قرطا ... ساً كما قبل البساط شكور
وقال أيضاً:
إذا أخذ القرطاس خلت يمينهتفتح نوراً أو تنظم جوهرا
قال الجاحظ في وصف كتاب:لا أعلم جاراً أبر، ولا خليطاً أنصف، ولا رفيقاً أطوع، ولا معلماً أخضع، ولا صاحباً أظهر كفاية ولا أقل خيانة، ولا أبدى نفعاً، ولا أقل إبراماً وإملالاً، ولا أحمد أخلاقاً، ولا أقل خلافاً، ولا أتم سروراً، ولا أقل غيبة، ولا أكثر أعجوبة، ولا أبعد مراء، ولا أزهد في جدال، ولا أكف عن قتال، ولا آمن على كشف الأسرار والإطلاع على شكوى ذات النفس، من كتاب.
ونظر المأمون إلى ابنه الفضل وهو ينظر في كتاب فقال له: ما هذا يا بني؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا بعض ما يشحذ الفطنة، ويؤنس من الوحدة، فقال: الحمد لله الذي رزقني من ولدي من يرى بعين عقله أكثر مما يرى بعين جسمه.
وقال ابن الرومي:
حبر أبي حفص لعاب الليلكأنه ألوان دهم الخيل
يجري إلى الإخوان جري السيلبغير وزن وبغير كيل
كأنه من نهر الرفيل
ووصف عبد الله بن المعتز الكتاب فقال: هو والج الأبواب، جريء على الحجاب، مفهم لا يفهم، وناطق لا يتكلم.
وقال الرياشي، قال الأصمعي: ألا أدلك على بستان يكون في كمك، وروضة تكون في حجرك، وميت ينطق، وأخرس يتكلم، يحدثك إذا شئت، ويقطع عنك إذا سئمت؟ قلت: بلى، قال: عليك بكتابك.
سئل بعض الكتاب: متى يستحق الخط أن يوصف بالجودة؟ قال: إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وضاهى صعوده حدوره، وتفتحت عيونه، ولم يشتبه واوه ونونه، وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنفاسه، ولم تختلف أجناسه، وأسرع إلى العيون تصوره، وإلى القلوب تميزه، واندمجت فصوله، وتناسب دقيقه وجليله، وخرج عن نمط الوراقين، وبعد عن تصنع المحررين، وقام لكاتبه مقام النسبة والحلية، وكان حينئذ كما قيل:
إذا ما تجلل قرطاسهوساوره القلم الأرقش
تضمن من خطه حلةكنقش الدنانير أو أنقش
حروف تعيد لعين الكليلنشاطاً ويقرأها الأخفش

نعت النار والحر وما يتعلق بهما ويتبعهما
قال جران العود:
ونار كسحر العود يرفع ضوءهامع الليل هبات الرياح الصوارد
وقال جميل:
رأيت وأصحابي بأيلة موهناًوقد غار نجم الفرقد المتصوب
لبثنة ناراً ما تبوخ كأنهاإذا ما رمقناها مع البعد كوكب
وقال آخر:
ويوم كأن المصطلين بحرهوإن لم يكن جمر قيام على الجمر
صبرت له حتى تجلى وإنماتفرج أيام الكريهة بالصبر
وقال آخر:
بحر لو أن اللحم يصلى بحرهغريضاً أتى أصحابه وهو منضج
وقال مسكين الدارمي:
وهاجرة ظلت كأن ظباءهاإذا ما اتقتها بالقرون سجود
تلوذ بشؤبوب من الشمس فوقهاكما لاذ من حر السنان طريد
ومن كلام لأبي الفضل ابن العميد: وممتحن بهواجر يكاد أوارها يذيب دماغ الضب، ويصرف وجه الحرباء عن التحنف ويزويه عن التنصر، ويقبضه عن إمساك ساق وإرسال ساق:
ويترك الجأب في شغل عن الحقبويقدح النار بين الجلد والعصب
ويغادر الوحش قد مالت هواديها:
سجوداً لدى الأرطى كأن رؤوسهاعلاها صداع أو فواق يصورها
وكما قال الفرزدق:
بيوم أتت دون الظلال شموسهفظل المها صوراً جماجمها تغلي
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يعاتب أخاه ويقول: أما والله لرب يوم كتنور الطهاة رقاص بأكمامه، قد رميت بنفسي في أجيج سمومه، أتحمل منه ما تكره لما تحب.
سمع الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة قول أخيه عمر: ويوم كتنور الطواهي سجرنهوألقين فيه الجمر حتى تضرما
قذفت بنفسي في أجيج سمومهوبالعنس حتى ابتل مشفرها دما
فقال: الله أكبر أخذت في فن آخر، فلما سمع:
أؤمل أن ألقى من الناس عالماًبأخباركم أو أن ألم مسلما
قال: إنك لفي ضلالك القديم.
وقال الصابي يصف الشمعة:
ولا دليل سوى هيفاء مخطفةتهدي الركاب وجنح الليل معتكر
غصن من الذهب الإبريز أثمر فيأعلاه ياقوتة صفراء تستعر
يأتيك ليلاً كما يأتي المريب فإنلاح الصباح طواه دونك الحذر
وقال السري الرفاء فيها:
فلما دجا الليل فرجتهبروح تحيف جثمانها
غصون من التبر قد أزهرتلهيباً يزين أفنانها

فيا حسن أرواحها في الدجىوقد أكلت فيه أبدانها
وقال فيها أبو إسماعيل الكاتب منشئ السلطان محمد بن ملكشاه:
ومساعد لي بالبكاء مؤانسبالليل يؤنسني بطيب لقائه
هامي المدامع أو يصاب بعينهحامي الأضالع أو يموت بدائه
ساويته في لونه ونحولهوفضلته في بؤسه وشقائه
هب أنه مثلي بحرقة قلبهوسهاده طول الدجى وعنائه
أفوادع طول النهار مرفةكمعذب بصباحه ومسائه
وقال الصاحب:
ورائق القد مستحبيجمع أوصاف كل صب
سهاد ليل ودمع عينولون جسم وحر قلب
وقال كشاجم:
أعددت لليل إذا الليل غسقأغصان تبر عريت من الورق
ثمارها مثل مصابيح الأفقيغني الندامى ضوءها عن الفلق
شفاؤها إن مرضت ضرب العنق
وقال الصنوبري فيها:
مجدولة في قدهاحاكية قد الأسل
كأنها عمر الفتىوالنار فيها كالأجل
وقال المتنبي فيها:
قد شابهتني في لون وفي قضفوفي احتراق وفي دمع وفي سهر
وقال سوار بن مضرب:
وهاجرة تشتوى بالسمومجنادبها في رؤوس الأكم
إذا الموت أخطأ حرباءهارمى رأسه بالعمى والصمم

نعت البرد والصلاء
قال مرة بن محكان:
في ليلة من جمادى ذات أنديةلا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدةحتى يلف على خيشومه الذنبا
وقالت أخت عمرو ذي الكلب:
وليلة يصطلي بالفرث جازرهايختص بالنقرى المثرين داعيها
لا ينبح الكلب فيها غير واحدةحتى الصباح ولا تسري أفاعيها
وقال آخر الشنفري:
وليلة قر يصطلي القوس ربهاوأقدحه اللاتي بها يتنبل
وقال كشاجم يصف الثلج:
راحت به الأرض الفضاء كأنهامن كل ناحية بثغرك تضحك
ويقال: برد الربيع مونق، وبرد الخريف موبق.
وقال القاضي أبو القاسم التنوخي:
فانهض بنار إلى فحم كأنهمافي العين ظلم وإنصاف قد اتفقا
جاءت ونحن كقلب الصب حين سلابرداً فصرنا كقلب الصب إذ عشقا
وقال أبو بكر الخالدي يصف الكانون:
ومقعد لا حراك ينهضهوهو على أربع قد انتصبا
مصفر محرق تنفسهتخاله العين عاشقاً وصبا
إذا نظمنا في جيده سبجاًصيره بعد ساعة ذهبا
وقال ابن حيان المغربي:
كأنما الفحم والرماد وماتفعله النار فيهما لهبا
شيخ من الزنج شاب مفرقهعليه درع منسوجة ذهبا
وقال آخر:
وفحم كأيام الوصال فعالهومنظره في العين يوم صدود
كأن لهيب النار بين خلالهبوارق لاحت في عمائم سود
نعت الأكول والمآكل
أنشد ثعلب:
ترى كل محلول الإزار كأنمايطين سطحاً أو يلقم ناصحا
وقال البحتري:
وكأن الفتى يطم ركاياقد تهورن أو يسد بثوقا
معدة أولية كرحى البز ... ر تلقى حباً وتلقي دقيقا
وقال ابن المعتز:
كأن أكف القوم في جنباتهقطاً لم ينفره عن الماء سارح
وقال ابن الرومي:
إلا يلاقوك فتلقي بهمأكل يتامى ما لهم كاسب
من كل شحذان الحشا بائسيأكل ما لا يحسب الحاسب
فكاه كالعصرين من دهرهكلاهما في شأنه دائب
كأنما الفروج في كفهفريسة ضرغامها دارب
وقال:
يا عدو الزاد ياثع ... بان موسى المتلقف
وقال آخر:
لم تر عيني آكلاً مثلهيأكل باليسرى معاً واليمين
تلعب في القصعة أطرافهلعب أخي الشطرنج بالشاه بين
وقال ابن الرومي:
ما أنس لا أنس خبازاً مررت بهيدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفه كرةوبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلا بمقدار ما تنداح دائرةفي صفحة الماء يرمى فيه بالحجر
وقال أيضاً يصف سمكاً استهداه:
وبنات دجلة في فنائكممأسورة في كل معترك
بيض كأمثال السبائك بلمشحونة بالشحم كالعكك
تفرى بأمثال الدروع وأح ... ياناً بمثل نوافذ الشكك
تغني عن الزيات قاليهاوتبخر الشاوين بالودك
حسنت مناظرها وساعدهاطعم كحل معاقد التكك
وقال يستهدي لوزينجاً:
لا يخطئني منك لوزينجإذا بدا أعجب أو عجبا
لم تغلق الشهوة أبوابهاإلا أبت زلفاه أن يحجبا
لو شاء أن يذهب في صخرةلسخر الطيب له مذهبا
يدور بالنفخة في جامهدوراً ترى الدهن له لولبا

عاون فيه منظر مخبراًمستحسن ساعد مستعذبا
كالحسن المحسن في شدوهتم فأضحى مضرباً مطربا
مستكثف الحشو ولكنهأرق جلداً من نسيم الصبا
كأنما قدت جلابيبهمن أعين القطر إذا قببا
يخال من رقة خرشائهشارك في الأجنحة الجندبا
لو أنه صور في خبزهثغراً لكان الواضح الأشنبا
وقال يصف دجاجة:
وسميطة صفراء ديناريةثمناً ولوناً زفها لك حزور
عظمت فكادت أن تكون إوزةونزت فكاد إهابها يتفطر
طفقت تجود بذوبها جوذابةفأتى لباب اللوز فيها السكر
نعم السماء هناك ظل صبيبهايهمي ونعم الأرض ظلت تمطر
ظلنا نقشر جلدها عن لحمهافكأن تبراً عن لجين يقشر
وقال في الرؤوس:
ما إن علمنا من طعام حاضرنعتده لفجاءة الزوار
كمهيئين من المطاعم فيهماشبه من الأبرار والفجار
هام وأرغفة وضاء ضخمةقد أخرجا من جاحم فوار
كوجوه أهل الجنة ابتسمت لنامقرونة بوجوه أهل النار
وقال كشاجم في مثله:
وقد عزمنا على مباكرة الشر ... ب ولكن ما عندنا من طعام
غير ما راج من رقاق هنيءمع هام على عداد الهام
تلك كالماء ذي الحباب وهاتي ... ك عليها كمثل طير سام
يمتطين الخوان أرؤس خرفا ... ن وينزلن عنه بيض نعام
وقال ابن الرومي يصف العنب:
ورازقي مخطف الخصوركأنه مخازن البلور
قد ضمنت مسكاً إلى الشطوروفي الأعالي ماء ورد جوري
لم يبق منه وهج الحرورإلا ضياء في ظروف نور
له مذاق العسل المشوروبرد مس الخصر المقرور
ونفحة المسك مع الكافورورقة الماء على النحور
لو أنه يبقى على الدهورقرط آذان الحسان الحور
وقال السري الرفاء ينعت حملاً مشوياً:
أنعته معصفر البردينأبيض قاني حمرة الجنبين
خلف شهرين على الخلفينثم رعى بعدهما شهرين
فجسمه شبران في شبرينيا حسنة وهو صريع الحين
بين ذراعين مفصلينكسارق حد من اليدين
وطرف يستوقف الطرفينكمثل مرآة من اللجين
مذهبة المقبض والوجهينبكف شاو عطر الكفين
شق حشاه عن شقيقتينأختين في القد شبيهتين
كما قرنت بين كمأتينأو كرتي مسك لطيفتين
وقال الأعرج الخثعمي:
طاب له مأكله ومشربهحديقة فيها ثمار تعجبه
يكثر فيها موزه ورطبهيلقاه منها حين يجنى أطيبه
بعيد ما يجنيه منه أقربه

نعت القدور
قد أكثر الناس في وصفها وإنما يكنون بذلك عن سعة القرى وكمال المروءة.
قال جحدر بن ربيعة العكلي:
وقدر كجوف الليل أنعمت غليهاترى الفيل فيها طافياً لم يفصل
على راسيات بينهن خصاصةثلاث كأثباج النعامات مثل
ومن كل قوم يعرفون عيالهاإذا الشول راحت كالحني المعطل
وقال ابن أحمر:
ودهم تصاديها الولائد جلةإذا جهلت أجوافها لم تحلم
ترى كل هرجاب لجوج لهمةزفوف بشلو الناب هوجاء عيلم
لها لغط جنح الظلام كأنهعجارف غيث رائح متهزم
وقال ربيع بن أصرم بن خارجة العنبري:
وسمحاء تستوفي الجزور نصبتهافجاءت كأجلاد الحصان المقيد
تفرغ في الشيزى الجماع كأنهاإذا مدت الأيدي شريعة مورد
وقال أبو ذؤيب:
وسود من الصيدان فيها مذائبنضار إذا لم يستفدها نعارها
الصيدان: جمع صيداء وهي البرم، والمذانب: المغارف واحدتها مذنبة، والنضار: الاثل.
لهن نشيج بالنشيل كأنهاضرائر حرمي تفاحش غارها
إذا استعجلت بعد الهدو ترازمتكهزم الظؤار جر عنها حوارها
الظؤار: جمع ظئر، وهي العاطفة على الفصيل. ورزمة الناقة: صوتها، يقال: أرزمت إرزاماً: إذا حنت.
وقال الفرزدق:
وقد علم الجيران أن قدورناضوامن للأرزاق والريح زفزف
نرى حولهن المعتفين كأنهمعلى صنم في الجاهلية عكف
وقال:
بعثت له دهماء ليست بلقحةتدر إذا ما هب نحساً عقيمها
كأن المجال الغر في حجراتهاعذارى بدت لما أصيب حميمها
مخصرة لا يجعل الستر دونهاإذا المرضع الهوجاء جال بريمها
وقال معن بن أوس:
إذا ما امتطاها الموقدون رأيتهالوشك قراها وهي بالجزل تشعل
سمعت لها لغطاً إذا ما تغطمطتكهدر الجمال رزماً وهي تجفل
وقال أمية بن أبي الصلت:

وقدوره بفنائهللضيف مترعة زواخر
وكأنهن بما شجي ... ن وما حمين به ضرائر
زبد وقرقره كقر ... قرة الفحول إذا تخاطر
يقال: خطر البعير بذنبه خطراً وخطراناً.
وقال النابغة الذبياني:
له بفناء البيت سوداء ضخمةتلقم أوصال الجزور العراعر
بقية قدر من قدور تورثتلآل الجلاح كابراً بعد كابر
يظل الإماء يبتدرن قديحهاكما ابتدرت كلب مياه قراقر
وقال مسكين الدارمي:
كأن قدور قومي كل يومقباب الترك ملبسة الجلال
كأن الموقدين بها جمالطلاها الزفت والقطران طال
بأيديهم مغارف من حديدأشبهها مقيرة الدوالي
وقال ابن المعتز:
والسيف راعي ابلي في المحلسلمها إلى قدور تغلي
مثل الليالي سامحت بهطلترقل فيها بالوقود الجزل
إرقالها في السير تحت الرحل
وقال ابن حيان المغربي:
كأن الأثافي حول كل معرسنزلناه غربان على الأرض جثم

نعت الملاهي
قال الحمدوني في العود:
وناطق بلسان لا ضمير لهكأنه فخذ نيطت إلى قدم
يبدي ضمير سواه في الحديث كمايبدي ضمير سواه الخط بالقلم
وقال السري الرفاء يصف الطبل:
ومقيد الطرفين يض ... رب عند تضييق القيود
ولقد يلطم خذهفي حال ترفيه الخدود
وكأنما زأراتهيحسبن زأرات الأسود
انظر إليه مع المدا ... م ترى بروقاً في رعود
وقال آخر في راقص:
إذا اختلس الخطى واهتز ليناًرأيت لرقصه سحراً مبينا
يمس الأرض من قدميه وهمكرجع الطرف يخفى أن يبينا
ترى الحركات منه بلا سكونفتحسبها لخفتها سكونا
كسير الشمس ليس بمستقروليس بممكن أن يستبينا
نعت الشواذ
التي يقل اهتمام الواصفين بها ويبعد تكررها.
في وصف دعوة مظلوم:
وسارية لم تسر بالليل تبتغيمحلاً ولم يقصر لها القيد مانع
تحل وراء الليل والليل ضارببجثمانه فيه سمير وهاجع
إذا وردت لم يردد الله وفدهاعلى أهلها والله راء وسامع
تفتح أبواب السماوات دونهاإذا قرع الأبواب منهن قارع
وإني لأرجو الله حتى كأننيأرى بجميع الظن ما الله صانع
ذكرت العمائم عند أبي الأسود الدؤلي فقال: هي جنة في الحرب، ومكنة من الحر، ومدفأة من القر، ووقار في الندي، وواقية من الأحداث، وزيادة في القامة، وهي بعد عادة من عادات العرب.
وقال آخر يصف الحبس:
نزلت بأحصنها منزلاًثقيلاً على عنق السالك
ولست بضيف ولا في كرىولا مستعير ولا مالك
وليس بغصب ولا كالرهونولا شبه الوقف عن هالك
ولي مسمعان فأدناهمايغني ويسلك في الحالك
وأقصاهما ناظر في السما ... ء عمداً وأوسخ من عارك
وروي عن يوسف عليه السلام أنه كتب على باب السجن: هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء.
وقال آخر:
قد أشهد اللهو بفتيان غررعلى جياد كتماثيل الصور
كأنما خيطوا عليها بالإبرأو سمر الفارس فيها فانسمر
وقال آخر في مريض:
أمسى يجود بنفسه وكأنهقمر تغشاه الدجى بكسوف
ومشى البلى في جسمه فكأنهورد قطيف مؤذن بجفوف
وقال الصابئ في عتيدة الطيب:
وعتيدة للطيب إن تستدعهاتبعث إليك أمامها ببشيرها
يلقاك قبل عيانها أرج لهافكأنه مستأذن لحضورها
لا عيب فيها غير أن نسيمهامثل اللسان يشيع سر ضميرها
وقال تميم بن أبي بن مقبل يصف القدح:
غداً وهو مجدول فراح كأنهمن الصك والتقليب في الكف أفطح
خروج من الغمى إذا صك صكةبدا والعيون المستكفة تلمح
مفدى مؤدى باليدين ملعنخليع لجام فائز متمنح
خليع لجام: مثل يريد القمار، والخليع: الذي خلعه أهله وتبرؤوا من جريرته...أي مستدير جوفه.
إذا امتنحته من معد عصابةغدا ربه قبل المفيضين يقدح
وقال آخر يذكر ماء في العين:
يقولون ماء طيب خان عينهوما ماء عين خان عيناً بطيب
ولكنه أزمان أنظر طيباًبعيني قطامي علا فوق مرقب
كأن ابن حجل مد فضل جناحهعلي بانسانيهما المتغيب
وقال آخر في الحول:
حمدت إلهي إذ بلاني بحبهاعلى حول يغني عن النظر الشزر

نظرت إليها والرقيب يظننينظرت إليه فاسترحت من العذر
وقال آخر فيه:
ونجمين في برجين هاد وجائرإذا طلعا حل الكسوف بواحد
لهذا على التقدير قوة زهرةوفي ذا التشبيه طرف عطارد
إذا أفل الهادي ووافاه برجهتراءى لنا المكسوف في زي قاصد
من الأنجم اللائي جرت في بروجهاولم تدر ما معنى نجوم الفراقد
وقال أبو نواس في أعور:
أعور المقلة من تحت دعجلو عداه عور العين سمج
تحسب النكتة في ناظرهدرة بيضاء في فص سبج
وقال آخر يصف طيب يومه:
أنت والله من الأي ... ام لدن الطرفين
كلما قلبت عيني ... ي ففي قرة عين
وقال آخر يذكر الدواليب:
بكرت تحن وما بها وجديوأحن من وجد إلى نجد
فدموعها تحيا الرياض بهاودموع عيني أقرحت خدي
وقال الطرماح يصف الخوف:
كأن بلاد الله وهي عريضةعلى الخائف المذعور كفة حابل
تؤدي إليه أن كل ثنيةتيممها ترمي إليه بقاتل
وقال الفرزدق:
وخافوك حتى القوم تنزو قلوبهمكنزو القطا ضمت عليه الحبائل
وقال الطرماح:
وقد زادني حباً لنفسي أننيبغيض إلى كل امرئ غير طائل
إذا ما رآني قطع الطرف بينهوبيني فعل العارف المتجاهل
ملأت عليه الأرض حتى كأنهامن الضيق في عينيه كفة حابل
وقال آخر في محجمة:
وخضراء لا من نبات الهديريلفف بالسيف منقارها
كأن مشق عيون القطاإذا هن هومن آثارها
وقال خلف بن خليفة في حجام:
وكان سلاحك في جونةتعلق في سيرها ودعه
سلاح امرئ يدع الآدميكأن ورا أذنه هقعه
وقال ابن نصر الكاتب في سمستجه: وأنا أتنجز سؤدده، أباها طويلة كفضله، عريضة كطوله، نقية كعرضه، دقيقة كفكره، رقيقة كلفظه، مفوفة كخطه، مشوفة من شرطه، قد زانها باستعماله، وصانها بابتذاله، فتعطرت بذكاء أنامله، وقطرت من ماء محاسنه، تذكر مواقع منحته، وتحرك بشكر منته.
ولمحدث فيها:
يا رب مسعدة حليف صبابةوكآبة لعب الغرام بلبه
محمولة إما كواكف عبرةمن عينه أو روعة من قلبه
وقال آخر:
يا ابن من يكتب في الأر ... قاب من غير دواة
لم يكن يكتب فيهاغير خط الألفات
وقال الطائي يصف رداء خلعه عليه الحسن بن وهب:
كالسراب الرقراق في النعت إلاأنه ليس مثله في الخداع
وتراه تسترجف الريح متني ... ه بأمر من الهبوب مطاع
رجفاناً كأنه الدهر منهكبد الصب أو حشا المرتاع
وقال كشاجم في البطيخ:
وزائر وقد تعطراأسر شهداً وأذاع عنبرا
ملتحفاً للحر ثوباً أصفراًمعمداً من الحرير أخضرا
يظنه الناظر إن تبصرادب الدبا في متنه فأثرا
وقال ابن الجهم:
وفوارة ثارها في السماءفليست تقصر عن ثارها
ترد على المزن ما أنزلتعلى الأرض من صوب أمطارها
وقال كشاجم:
طلعة غضة أتتنا تحاكيسفطاً فيه لؤلؤ منظوم
ما جواد من جاد بالمال لكن ... ن المواسي هو الجواد الكريم
وقال آخر في الرمان:
ورمان رقيق القشر يحكيثدي الغيد في أثواب لاذ
إذا قشرته طلعت علينانجوم من عقيق أو بجاذي
وقال أبو الحسن الجهرمي في المشمش:
وهاجر دهراً يزور شهراًزان وطاب مخبراً وخبرا
مثل الجساد صبغة ونشراًخالف ما أعلن ما أسرا
جسماً حلا يضم قلباً مراًكما تضم الصدفات الدرا
يكاد في الأيدي يذوب قطرا
ولكشاجم في كيزان الفقاع:
دواء داء الثمل المخموررشف شراب شبم مقرور
رق كدمع العاشق المهجورفي قعر كيزان من الصخور
يدفع قضباناً من البلورفي نفس مثل جنى الكافور

النوادر في هذا الباب
قال الحمدوني:
ما أرى إن ذبحت شاة سعيدحاصلاً في يدي غير الإهاب
ليس إلا عظامها لو تراهاقلت هذي أرزان في جراب
وقال آخر:
فإن تمنعوا منا السلاح فعندناسلاح لنا لا يشترى بالدراهم
جلاميد أمثال الأكف كأنهارؤوس رجال حلقت في المواسم
وقال أبو علي البصير يذكر بيتاً:
وليلة عارض لا نوم فيهاأرقت بها إلى الصبح الفتيق
تفيض عيون جيرتنا عليناإذا نظروا إلى الغيم الرقيق
تواصلت السحائب وهو بيتوأجلت وهو قارعة الطريق

وقال ابن الحجاج في مثله:
جوف بيت لم تبق منه اللياليغير رسم رث المعالم فاني
منزل ما تقوم جدرانه الرث ... ثة إلا بقدرة الرحمن
تتثنى حيطانه من هبوب الر ... يح فيه تثني الأغصان
وإذا دب عنكبوت على السط ... ح تداعت جوانب الحيطان
وقال ابن سكرة يصف فرساً:
تعطيك مجهودها فراهتهافي السير والحضر عندها وتد
وقال ابن الرومي يصف خادماً:
نمشة فوق صفرة فتراهكونيم الذباب في اللفاح
وقال آخر:
وهو مستهتر ببرشاء نمشا ... ء كحب الشونيز في الشيراز
وقال ابن الرومي:
ولها كعثب كظلف غزالفيه صدع كأنما هو خدش
وقال المصيصي وذكر ديناراً أعطاه ممدوح:
قد لعب السقم بجثمانهفهو خيال واقف النفس
كأنه في الكف من خفةمقداره من صفرة الشمس
وقال ابن الرومي:
رأيك في جبة مخرقةأطول أعمار مثلها يوم
وطيلسان كالآل تلبسهعلى قميص كأنه غيم
وقال ابن الحجاج:
قال لي الغسال لماجئته قولاً صحيحا
مر حبيبي أنا لا أغ ... سل بالصابون ريحا
وللحمدوني في طيلسانه أوصاف مطبوعة فضل فيها غيره، وجعله دأبه كما انفرد راشد الكاتب بصفة عوده، فمن ذلك قوله:
إن ابن حرب جاد لي كاسياًبطيلسان هرم قشعم
انظر إلى كثرة تمزيقهكأنه مزق في مأتم
يصدعه اللحظ بإيماضهصدع فؤاد العاشق المغرم
تذكرني كثرة تمزيقهتفرق الناس عن الموسم
وقال أيضاً:
وطيلسان إن توهمتهقددته بالطول والعرض
كأن إشفاقي عليه إذاعدوت إشفاقي على عرضي
لو أنه بعض بني آدمكان أسير الله في الأرض
وقال أيضاً:
كأنني من طول رفقي بهيملكني مذ صار في ملكي
وقال أيضاً:
كأن كفي إذا ضمتاعليه خوف الريح في غل
وقال:
يا ابن حرب أطلت فقري برفويطيلساناً قد كنت عنه غنيا
فهو في الرفو آل فرعون في العر ... ض على النار غدوة وعشيا
وقال:
كم رفوناه إذ تمزق حتىبقي الرفو وانقضى الطيلسان
وقال:
فيما كسانيه ابن حرب معتبرفانظر إليه فإنه إحدى الكبر
قد كان أبيض ثم ما زلنا بهنرفوه حتى اسود من صدأ الإبر
وقال:
شكا ثقل اسم الطيلسان لضعفهفسميته ساجاً فهل ذاك نافعي
وقال ابن الرومي:
كأن وقع الأعجر المتينفي طيز ذات الكفل الرزين
صوت يد العجان في العجينتواضعت لا للتقى والدين
تحت فتى من قلبها مكينتواضع البطة الشاهين
وقال آخر:
أنعت عيراً هو أير كلهحافره ورأسه وظله
أنعظ حتى طار عنه جلهكأن حمى خيبر تمله
إدخاله عما وعام سله
وقال آخر:
انعت أيراً من أيور الزطكأنما قط على مقط
كأنه صلعة شيخ ثط
وقال راشد الكاتب:
ينام على كف الفتاة وتارةله حركات ما تحس بها الكف
كما يرفع الفرخ ابن يومين رأسهإلى أبويه ثم يدركه الضعف
تطوق فوق الخصيتين كأنهرشاء على ظهر الركية ملتف
وقال: أير ضعيف المتن رخو القوىلو شئت أن تعقده لانعقد
إن يمس كالبقلة في لينهافطالما أصبح مثل الوتد
وقال:
وقد كنت تملأ كف الفتاةفأصبحت تدخل في الخاتم
وقال: كأنه وهو مقع فوق خصيتهمسافر تحته خرجان من أدم وقال:
أير تعقف واسترخت مفاصلهمثل العجوز حناها شدة الكبر
تراه حين يريد البول منحنياًكأنه قوس نداف بلا وتر
وقال:
كأنه ويد الحسناء تلمسهسير الإداوة لما مسه البلل
وقال:
كأن أيري من لين مقبضهخريطة قد خلت من الكتب
كأنه حية مطوقةقد جعلت رأسها على الذنب
وقال آخر:
ولقد غدوت بمشرف يافوخهعسر المكرة ماؤه يتدفق
أرن يسيل من النشاط لعابهويكاد جلد إهابه يتمزق
وقال ابن المعتز:
ألا ربما أنعظت حتى أخالهسينقد أو ينعط أو يتمزق
فأغمده حتى إذا قلت قد ونىأبى وتمطى جامحاً يتمطق
وقال بشار:
وتراه بعد ثلاث عشرة قائماًمثل المؤذن شك يوم سحاب
وقال أيضاً يصف فرج المرأة وقيل فرج الرجل:
وصاحب مطرق من طول صحبتهلا ينفع الدهر إلا وهو محموم
تأتيك في شدة الحمى منافعهفإن أفاق بدا في وجهه اللوم

وقال الفرزدق:
فبتن بجانبي مصرعاتوبت أفض أغلاق الختام
كأن مفالق الرمان فيهوجمر غضاً قعدن عليه حامي
وقال:
يا رب خود من بنات الزنجتمشي بتنور شديد الوهج
أخثم مثل القدح الخلنج
وقال أيضاً:
ثم اتقتني بجهم لا سلاح لهكمنخر الثور محبوساً على البقر
كأنه وجه تركيين قد غضبامستهدف لطعان غير منجحر
وقال رجل من بني دارم:
وأنت رويبة قد تعلمينفضلت النساء بضيق وحر
ويعجبني منك عند النكاححياة الكلام وموت النظر
فقال الفرزدق: يا هذا لقد دللت فاحترس.
وقال ابن النجم:
كأن تحت درعها المنعطوقد بدا منها الذي تغطي
شطا رميت فوقه بشطكهامة الشيخ اليماني الثط
لم ينز في البطن ولم ينحطرابي المجس حسن المحط
كأنه قط على مقطفيه شفاء من أذى التمطي
الشط: شط السنام، وكل سنام له شطان،وناقة شطوطي: عظيمة السنام.
وكان الناس يقدمون قول النابغة:
وإذا لمست لمست أخثم جاثماًمتحيزاً بمكانه ملء اليد
وهي أبيات قد تقدم ذكرها - على جميع ما قيل في معناه حتى قال بشار في ذلك:
عجزاء من سر بني مالكلها حر من بطنها أرفع
زين أعلاه بإشرافهوانضم من أسفله المشرع
وما أنصف من عاد عن تقديم أبيات النابغة، فلو لم يكن منها إلا قوله منحيزاً بمكانه لكفاه فصاحة وحلاوة، ولكن الناس مولعون بالمحدث، ولكل جديد لذة.
وقال أعرابي:
جاءت عروساً تفضل العرائساشكلاً وألفاظاً ودلاً خالسا
ومركباً مثل الأمير جالساًجهم المحيا ينفج الملابسا
يدخل مبلولاً ويبدو يابساًلا يفضل الأول منه السادسا
وقال أخر:
فكشفت عن أبيض حبككأنه قعب نضار مكي
أو جبنة من جبن بعلبكتسمع فيه الدلك بعد الدلك
مثل صرير القتب المنفكأو حك صفار شديد الحك
وقال سحيم:
أبصرتها تميل كالوسنانمن الظباء الخرد الحسان
تمشي بمثل القدح الجيشاني
وقال آخر:
يا رب خود من بنات الكركتمشي بجهم مثل وجه التركي
وقال آخر:
فقربت رحباً خبيث المفلقمنى ينكه نائك يبقبق
بقبقة الجر بكف المستقي
وقال المعذل بن غيلان:
وركب كبيضة الأدحيكأن بيت الشعر المطلي
عليه شونيز على فرني
وقال ابن الرومي في سوداء:
لها حر تستعير وقدتهمن قلب صب وصدر ذي حنق
كأنما حره لخابرهما أوقدت في حشاه من حرق
يزداد ضيقاً على المراس كماتزداد ضيقاً انشوطة الوهق
ونظر سحيم إلى امرأة تضحك منه وهو يمضي ليقتل فقال:
فإن تضحكي مني فيا رب ليلةتركتك فيها القباء المفرج
وجاءت امرأة بزوجها إلى المغيرة تستعديه عليه وتذكر أنه عنين، فقال الزوج:
الله يعلم يا مغيرة أننيقد دستها دوس الحصان المرسل
وأخذتها أخذ المقصب شاتهعجلان يذبحها لقوم نزل
فقال المغيرة: إني لا أرى ذلك في شمائلك.
وقال المؤمل وذكر العجيزة:
من رأى مثل حبتيتشبه البدر إذ بدا
تدخل اليوم ثم تد ... خل أردافها غدا
وقال ابن الرومي:
ولحية كذنب البرذونلو أنها كانت على فرعون
لاحتاج أن يحملها بعون
وقال أيضاً:
إن تطل لحية عليك وتعرضفالمخالي معروفة للحمير
علق الله في عذاريك مخلا ... ة ولكنها بغير شعير
لو رأى مثلها النبي لأجرىفي لحى الناس سنة التقصير
وقال إسحاق بن خلف:
ما سرني أنني في طول داودوأنني علم في البأس والجود
ماشيت داود فاستضحكت من عجبكأنني والد يمشي بمولود
ما طول داود إلا طول لحيتهيظل داود فيها غير موجود
تكنه خصلة منها إذا نفحتريح الشمال وجف الماء في العود
ركب يزيد بن مفرغ إلى جنب عباد بن زياد، وكان عباد عظيم اللحية كأنها جوالق فدخلت فيها الريح فنفشتها، فضحك ابن مفرغ وقال لرجل من لخم كان إلى جانبه:
ألا ليت اللحى كانت حشيشاًفنعلفها خيول المسلمينا
دخل مخنث الحمام فرأى رجلاً كبير الذكر كثير الشعر فقال: انظروا الحليفة في القطيفة.
قدم إلى أبي العيناء قدر كثيرة العظام فقال: هذه قدر أم قبر؟!

رأى رجل الهلال فاستحسنه فقال له الجماز: وما يستحسن منه؟! فوالله إن فيه لخصالاً لو كانت إحداهن في الحمار لرد بها، قال: وما هي؟ قال: إنه يدخل الروازن، ويمنع من الدبيب، ويدل على اللصوص، ويسخن الماء، ويحرق الكتان، ويورث الزكام، ويحل الدين، ويزهم اللحم.
قيل لأعرابي: ما صفة الأير عندكم؟ قال: عصبة ينفخ فيها الشيطان فلا ترد.
سئل رقبة بن مصقلة عن مأدبة حضرها فقال: أتينا بخوان كأنه جوبة من الأرض، ورقاق كآذان الفيلة، وجرجير كآذان المعزى، تم أتينا بساكنة ماء كأن ظهرها قرطاسي، وبفالوذج رعديد كأن الزنبق والجاذي ينبعان منه ترى النفش من تحته.
أتى رجل مكفوف نخاساً فقال: اطلب لي حماراً ليس بالصغير المحتقر، ولا الكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفق، وإن كثر الزحام ترفق، لا يصادم السواري، ولا يدخلني تحت البواري، إن أقللت علفه صبر، وإن أكثرت شكر، وإن ركبته هام، وإن ركبه غيري نام، فقال له النخاس: اصبر فإن مسخ الله القاضي حماراً قضيت حاجتك.
وقالت أم الورد بنت أوس العجلانية:
هن لعمارة جهم منظرهيروق عيني كل خرق يبصره
ظلت به لاهية تزعفرهمثل السنام طار عنه وبره
كأن حجاماً شديداً أبهرهيمص ماء ظهره ويحدره
كأن رماناً يفت أحمرهبعثره في جوفه مبعثره
تم له منظره ومخبره
وقالت:
بيضاء من مصايد الشيطانلها هن مستهدف الأركان
أقمر تطليه بزعفرانأخثم يملأ راحة الإنسان
بجبهة كالقدح الجيشانيكأن فيه فلق الرمان
أو لهباً من لهب النيرانرابي المجس مشرف المكان
تراه عند الشم والتدانيمبرطماً برطمة الغضبان
بشفة ليست على أسنانادرد معشوق من الدردان
يزل عنه الفعل في الطعانكما يزل طرف السنان
عن ترس مخشي من الفرسان
رأى عبادة دابة تحت مخارق يقرمط فقال: برذونك هذا يمشي على استحياء.
آخر باب الصفات والنعوت يتلوه باب الشيب وهو الباب الثامن والعشرون من كتاب التذكرة والحمد الله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

المجلد السادس
الفصل الأول
الفجيعة بالشيب وحلوله
يقال: إن أول من شاب إبراهيم الخليل عليه السلام ليتميز به عن إسحاق فإنه كان شديد الشبه به، فلما وخطه الشيب قال: يا رب ما هذا؟ قال: هو الوقار، قال: يا رب زدني وقاراً، ولم يكن أحد رأى الشيب قبله.
والشيب رائد الموت، قال الله عز وجل: " أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير " . جاء في التفسير: أنه الشيب.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو لم يوكل بابن آدم إلا الصحة والسلامة لأوشك أن يرداه إلى أرذل العمر.
وقال صلى الله عليه وسلم: كفى بالسلامة داءً.
وقال النمر بن تولب: من الطويل
يسرُّ الفتى طولُ السلامةِ جاهداً ... فكيف ترى طُولَ السلامةِ يَفْعَلُ
ومثله لحميد بن ثور: من الطويل
أرى بصري قد رابني بعد صِحَّةٍ ... وحسبكَ داءً أن تصحَّ وتسلما
وقال عبد الرحمن بن سويد المري: من الكامل
كانت قناتي لا تلينُ لغامز ... فأَلانَها الإصباحُ والإمساءُ
ودعوتُ ربي بالسلامةِ جاهداً ... لِيُصِحَّني فإِذا السلامةُ داءُ
كعب بن زهير: من البسيط
كلُّ ابنِ أنثى وإِن طالتْ سلامَتُهُ ... يوماً على آلةٍ حَدْباءَ محمولُ
بعض المعمرين: من الكامل
وإِذا رأيتَ عجيبةً فاصبرْ لها ... فالدهرُ قد يأتي بما هو أعجبُ
ولقد أُراني والأُسودُ تخافني ... وأَخَافَني من بعد ذاكَ الثعلبُ
قال ابن عباس: ما آتي الله عبده علماً إلا شاباً، والخير كله في الشباب، ثم تلا قوله تعالى: " قالوا سمعنا فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم " وقوله عز وجل: " إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدىً " وقوله تعالى: " وآتيناه الحكم صبياً " .
وكان أنس يقول: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، فقيل له: يا أبا حمزة وقد أسن؟ فقال: لم يشنه الله تعالى بالشيب، فقيل: أو شين هو؟ قال: كلكم يكرهه.
قال بعض الزهاد: الشيب للجاهل نذير، وللعاقل بشير.
وقال آخر: الشيب تبسم المنايا.

كان عيسى عليه السلام إذا مر على الشباب قال لهم: كم من زرع لم يدرك الحصاد، وإذا مر على الشيوخ قال: ما ينتظر بالزرع إذا أدرك إلا أن يحصد.
وقال مسروق: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله.
أنس رفعه: من أتى عليه أربعون سنةً ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار.
محمد بن علي بن الحسي عليهما السلام: إذا بلغ الرجل أربعين سنة نادى مناد من السماء: دنا الرحيل فاتخذ زاداً.
قال النخعي: كانوا يطلبون الدنيا فإذا بلغوا الأربعين طلبوا الآخرة.
وقال الشعبي: الشيب علة لا يعاد عنها، ومصيبة لا يعزى عليها.
وقال عمرو بن قميئة: من الطويل
كأني وقد جاوزت تسعين حجّةً ... خلعت بها عنّي عِذَارَ لجامي
على الرّاحتين مرّةً وعلى العصا ... أَنوءُ ثلاثاً بعدهنَّ قيامي
رمتْني بناتُ الدهرِ من حيث لا أَرَى ... فكيف بمَن يُرْمَي وليس برامِ
فلو أنها نبلٌ إذاً لاتَّقَيْتُهَا ... ولكنّني أُرْمَى بغيرِ سهامِ
إذا ما رآني الناسُ قالوا ألم يكنْ ... حديثاً حديدَ الطرفِ غير كَهَامِ
وأَفْنَى وما أُفْني من الدهر ليلةً ... ولم يُغْنِ ما أفنيتُ سلكَ نظامِ
وأهلكني تأميلُ يومٍ وليلةٍ ... وتأميلُ عامٍ بعد ذاك وعامِ
وأنشد الفَرَّاء: من الوافر
حنتتي حانياتُ الدهرِ حتى ... كأنّي حابلٌ يدنو لِصَيْدِ
قصيرُ الخَطْوِ يَحْسَبُ مَنْ رآني ... ولستُ مقيّداً أنّي بقيدِ
الأخطل: من البسيط
وقد لبستُ لهذا الدهر أَعْصُرَهُ ... حتى تَجَلَّلَ رأسي الشّيبُ واشتعلا
فبانَ مني شبابي بعد لِذَّتِهِ ... كأنما كان ضيفاً طارقاً نزلا
وبينما المرءُ مغبوطٌ بعيشته ... إذ خانه الدهرُ عما كان فانتقلا
وقال أيضاً: من البسيط
أَعْرَضْنَ عن شَمَطٍ في الرأسِ لاح به ... منهنَّ منه إذا أبصرنني حِيدُ
يا قلَّ خيرُ الغواني كيف رُعْنَ به ... فَشُرْبُهُ وَشَلٌ منهنَّ تصريدُ
قد كنَّ يعهدنَ مني منظراً حسناً ... ومَفْرِقاً حَسَرَتْ عنه العناقيدُ
إنّ الشبابَ لمحمودٌ لذاذَتُهُ ... والشّيبُ مُنْصَرَفٌ عنه ومصدودُ
وقال بعض العرب، بل هي للتيمي: من الطويل
إذا كانت السبعون سنَّكَ لم يكن ... لدائك إِلا أن تموتَ طبيبُ
وإنّ امرءاً قد عاش سبعين حجةً ... إلى منهلٍ من وِرِدِهِ لقريبُ
إذا ما مضى القرنُ أنت فيهمُ ... وخُلِّفتَ في قرنٍ فأنت غريبُ
رأى إياس بن قتادة العبشمي شيبة في لحيته فقال: أرى الموت يطلبني وأراني لا أفوته، أعوذ بك من فجآت الأمور، يا بني سعد قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبي، ولزم بيته، فقال أهله: تموت هزلاً، قال: لأن أموت مهزولاً مؤمناً أحب إلى من أن أموت منافقاً سميناً.
وقال غسان خال الفرار: من الكامل
ابيَضَّ مني الرأْسُ بعد سوادِ ... ودعا المشيب حليلتي لبعادِ
واستحصد القرنُ الذي أنا منهمُ ... وكفى بذاك علامةً لحصادِ
وقال نافع بن لقيط الفقعسي: من الكامل
فلئن بليتُ لقد عُمِرْتُ كأنني ... غصنٌ تُثَنِّيهِ الرياحُ رطيبُ
وكذاك حَقاً مَنْ يُعَمَّرْ يُبْلِهِ ... كَرُّ الزمانِ عليه والتقليبُ
حتى يعودَ من البلى وكأَنَّهُ ... في الكفِّ أفوقُ ناصل معصوبُ
مَرِطَ القَذَاذِ فليس فيه مُصنعٌ ... لا الريشُ ينفعُهُ ولا التعقيبُ
وقال النابغة الجعدي: من المتقارب
وما البغيُ إِلا على أَهْلِهِ ... وما الناسُ إِلا كهذي الشَّجَرْ
ترى المرءَ في عنفوانِ الشّبابِ ... يهتزُّ في بَهَجاتٍ خُضُر
زماناً من الدهرِ ثم التوى ... وعاد إلى صُفْرَةٍ فانكسرْ
وقال آخر: من الرجز

من عاش دهراً فسيأتيهِ الأَجَلْ ... والمرءُ توّاقٌ إِلى ما لم ينلْ
والمرءُ يبلوهُ ويلهيهِ الأَمَلْ وقال لبيد: من الطويل
وما المرءُ إِلا كالشهابِ وضوئِهِ ... يحورُ رماداً بعد إذ هُوَ ساطعُ
نظر ابن الرومي إلى المعنى فقال: من الطويل
محارُ الفتى شيخوخةٌ أو مَنِيَّةٌ ... ومرجوعُ وَهَّاجِ المصابيحِ رَمْدَدُ
آخر: من الطويل
لعمري لئنْ حُلِّئتُ عن مَنْهَلِ الصِّبا ... لقد كنتُ ورّاداً لمشربِهِ العذبِ
لياليً أغدو بين بٌرْدَيَّ لاهياً ... أميسُ كغصنِ البانةِ الناعمِ الرطبِ
سلامٌ على سَيْرِ القلاصِ مع الركب ... ووصلِ الغواني والمدامةِ والشربِ
سلامَ امرئٍ لم تَبْقَ منه بقيَّةٌ ... سوى نَظَرِ العينين أو شهوةِ القلبِ
ابن مُقْبل: من البسيط
يا حُرّ إن سوادَ الرأسِ خالَطَهُ ... شيبُ القَذالِ اختلاطَ الصَّفْوِ بالكَدَر
يا حُرّ من يعتذرْ من أن يُلِمَّ به ... رَيْبُ الزمانِ فإني غيرُ مُعْتَذِر
وقال منصور التمري: من البسيط
ما تنقضي حسرةٌ مني ولا جَزَعُ ... إذا ذكرتُ شباباً ليس يُرْتَجَعُ
بانَ الشبابُ وفاتتني بشِرَّتِهِ ... صُروفُ دهر وأيامٌ لها خُدَعُ
وما كنتُ أُوْفِي شبابي كُنْهَ غِرَّتِهِ ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تَبَعُ
أبكي شباباً رُزِيناهُ وكان ولا ... تُوْفِي بقيمَتِهِ الدنيا ولا تَسَعُ
ما واجه الشيب من عينٍ وإن وَمِقَتْ ... إِلا لها نبوةٌ عنه ومُرْتَدَعُ
محمد بن خازم: من البسيط
لا تُكْذَبَنَّ فما الدنيا بأجمعها ... من الشبابِ بيومٍ واحدٍ بَدَلُ
كفال بالشيّبِ ذنباً عند غايَتِهِ ... وبالشبابِ شفيعاً أيّها الرجلُ
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: من الطويل
إذا المرءُ قاسَى الدهرَ وابيضَّ رأسُهُ ... وثُلِّمَ تثليمَ الإناءِ جوانِبُهْ
فليس له في العيش خير وإِن بكى ... على العيش أو رجَّى الذي هو كاذِبُهْ
وقال أبو دلف العجلي: من البسيط
في كلِّ يومٍ أرى بيضاءَ قد طَلَعَتْ ... كأنما نبَتتْ في ناظرِ البَصَرِ
لئن قصصتكِ بالمقراضِ عن بصري ... لما قَصَصْتُكِ عن همِّي ولا فكري
وقال يحيى بن خالد بن برمك: من الكامل
الليل شيَّبَ والنهارُ كلاهما ... رأسي بكثرة ما تدور رحاهما
الشّيبُ إحدى الميتتين تَقَدَّمَتْ ... أولاهما وتأَخَّرَتْ أخراهما
أبو تمام: من الطويل
غدا الشيّبُ مختطّاً بفودَيَّ خطةً ... طريقُ الرّدى منها إلى النفسِ مَهْيَعُ
هو الزَّوْرُ يُجْفَى والمعاشَرُ يُجْتَوَى ... وذو الإِلفِ يُقْلَى والجديدُ يُرَقَّعُ
له منظرٌ في العينِ أبيضُ ناصعٌ ... ولكنه في القلبِ أسودُ أَسْفَعُ
ونحن نُرَجّيه على الكُرْهِ والرّضَى ... وأنفُ الفتى من وَجْهِهِ وهو أَجْدَعُ
وقال: من الخفيف
لو رأى اللهُ أن في الشيّبِ فضلاً ... جاوَرَتْهُ الأبرارُ في الخُلْدِ شيبا
وقال: من الخفيف
شاب رأسي وما رأيت مشيبَ الرْ ... اسِ إِلا من فَضْلِ شيبِ الفؤادِ
وكذاك القلوبُ في كلِّ بؤسٍ ... ونعيمٍ طلائعُ الأجسادِ
طال إنكاريَ البياضَ وإن عُمْ ... مرت شيئاً أنكرتُ لونَ السّوادِ
البحتري: من الطويل
وكنتُ أُرَجِّي في الشبابِ شفاعةً ... فكيف لباغي حاجةٍ بشفيعِهِ
مشيبٌ كبثِّ السِّرِّ عَيَّ بحمله ... مُحَدَّثُهُ أو ضاقَ صَدْرُ مذيعِهِ
تلاحقَ حتى كاد يأتي بطيئُهُ ... بحثِّ الليالي قبل أَتْيِ سَرِيعِهِ
وقال: من البسيط
جاوزتُ حدَّ الشبابِ النَّضْرِ مُلْتَفِتاً ... إلى بناتِ الصِّبا يركضنَ في طلبي

والشيبُ مَهْرَبُ من جارَى منيَّتَهُ ... ولا نجاءَ له من ذلك الهَرَبِ
والمرءُ لو كانت الشِّعْرَي له وطناً ... صُبَّتْ عليه صروفُ الدهرِ من كثبِ
وقال: من الخفيف
خَلِّياهُ وجدَّة اللهو ما دا ... م رداءُ الشباب غضّاً جديدا
إنّ أيامَهُ من البيضِ بيضٌ ... ما رأينَ المفارقَ السّودَ سُودا
ابن الرومي: من الخفيف
لو يدومُ الشبابُ مُدَّةَ عمري ... لم تدمْ لي بشاشةُ الأوطارِ
كلّ شيءٍ له تَناهٍ وَحَدٌّ ... كلُّ شيءٍ يجري إِلى مِقْدارِ
أبو العتاهية: من الوافر
ألا يا موتُ لم أرَ منكَ بُدّاً ... أَتيتَ فما تحيفُ ولا تحابي
كأنك قد هَجَمْتَ على مشيبي ... كما هجم المشيبُ على شبابي
دخل أو الأسود الدؤلي على عبيد الله بن زياد وقد أسن، فقال له عبيد الله يهزأ به: يا أبا الأسود إنك لجميل فلو علقت تميمةً، فقال أبو الأسود: من البسيط
أفنى الشبابَ الذي أفنيتُ جدَّتَهُ ... كَرُّ الجديدَيْنِ من آتٍ ومنطلقِ
لم يتركا ليَ في طولِ اختلافهما ... شيئاً أخافُ عليه لَذْعَةَ الحَدَقِ
قيل لشيخ: ما صنع الدهر بك؟ فقال: فقدت المطعم وكان المنعم، وأجمت النساء وكن الشفاء، فنومي سبات، وسمعي خفات، وعقلي تارات.
وسئل آخر فقال: ضعضع قناتي، وأوهن شهواتي، وجرأ علي عداتي.
ابن الرومي: من الطويل
كفى بِسِرَاجِ الشّيبِ في الرأس هادياً ... إلى من أَضَلَّتْهُ المنايا لياليا
أَمن بَعْدِ إِبداءِ المشيب مقاتلي ... لرامي المنايا تحسبينيَ ناجيا
وكان كرامي الليل يرمي ولا يَرَى ... فلما أَضاءَ الشّيبُ شخصي رمانيا
عبد العزيز الطارقي المغربي: من الطويل
سقى اللهُ أيامَ الصبّا كلَّ رَيِّقٍ ... إذا جادها صَوْبُ البشاشةِ أَرْزَمَا
فلا زالَ يرتادُ الزَّمانَ لرجعها ... رقيبٌ متى غُمَّتْ عن اللحظِ رَجَّما
فما هي إلا بهجة العيشِ قُوَّضَت ... هناك وإلا نور عيني أظلما
ضرار بن عمرو، وتروى للعتبي: من البسيط
من عاش أَخْلَقَتِ الأيامُ جِدَّتَهُ ... وخانه الثقتان السمعُ والبصرُ
قالتْ عهدتك مجنوناً فقلتُ لها ... إن الشبابَ جنونٌ بُرْؤُهُ الكبرُ
المخارق اليشكري: من الطويل
وكنتُ أُبَاهِي الرائحين بلمَّتي ... فأصبح باقي نَبْتِها قد تَقَصَّبا
فقد ذهبت إِلا شَكيراً كأنه ... على ناهضٍ لم يبرح العشَّ أزغبا
أبو حية النميري: من الوافر
ترحَّلَ بالشبابِ الشيّبُ عنّا ... فليتَ الشّيبَ كان به الرحيلُ
وقد كان الشبابُ لنا خليلاً ... فقد قَضَّى مآرِبَهُ الخليلُ
لَعَمْرُ أبي الشبابِ لقد تَوَلَّى ... حَمِيداً ما يُرَادُ به بديلُ
إذ الأيامُ مقبلةٌ علينا ... وظلُّ أراكةِ الدنيا ظليلُ
ابن الرومي: من الطويل
أَعِرْ طرفَكَ المرآةَ فانظر فإن نبا ... بعينيك عنكَ الشّيبُ فالبِيضُ أَعْذَرُ
إذا شَنِئْتَ وَجْهَ الفتى عينُ نفسِهِ ... فعينُ سواهُ بالشناءَة أَجْدَرُ
وقال العتبي: من الطويل
رأينَ الغواني الشّيبَ لاحَ بمفرقي ... فأعرضنَ عني بالخدودِ النواضرِ
وكنَّ إذا أبصرنني أو سمعنَ بي ... سَعَيْنَ فرقَّعْنَ الكُوَى بالمحاجرِ
فَصِرْنَ إذا أبصرنني أو سمعنني ... نهضنَ فرقَّعْنَ الكُوَى بالمعاجرِ
الحماني: من الوافر
لعمرُكَ لَلْمَشِيبُ أشدُّ مما ... فقدتُ من الشبابِ أشدُّ فَوْتا
تَملَّيتُ الشبابَ فصار شيباً ... وأبليتُ المشيبَ فصار مَوْتا
أبو العتاهية: من الوافر
عَرِيتُ من الشبابِ وكان غَضّاً ... كما يَعْرَى من الورقِ القضيبُ
فيا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً ... فأخبره بما فَعَلَ المشيبُ
الحماني: من الكامل المجزوء

واهاً لمنزلةٍ وَطِيبِ ... بينَ الأجارعِ والكثيبِ
واهاً لأيامِ الشبا ... ب وعَيشِهِ الغَضِّ الرطيبِ
واهاً لأيام الشبا ... ب بَعُدْنَ عن عَهْدٍ قريبِ
أيام كنت من الغوا ... ني في السوادِ من القلوبِ
لو يَسْتَطِعْنَ خَبَأْنَني ... بين المخانِقِ والجيوبِ
مزرد: الطويل
فلا مرحباً بالشّيبِ من وَفْدِ زائرٍ ... متى يأت لا تُحْجَبْ عليه المداخِلُ
وَسَقياً لريعانِ الشبابِ فإِنه ... أخو ثقةٍ في الدهرِ إذ أنا جاهلُ
أبو نواس: الكامل المرفل
كان الشبابُ مطيَّةَ الجهلِ ... ومُحسِّنَ الضَّحِكَاتِ والهَزْلِ
كان الجميلَ إذا ارتديتُ به ... ومَشَيْتُ أخطرُ صَيِّتَ النعلِ
كان الفصيحَ إذا نطقتُ به ... وأصاختِ الآذانُ للمملي
كان المُشَفَّعَ في مآرِبِهِ ... عند الفتاةِ ومُدْرِكَ التَّبْلِ
والباعثي والناسُ قد رقدوا ... حتى أبيتَ خليفةَ البَعْلِ
والآمري حتى إذا عَزَفَتْ ... نفسي أعانَ يديَّ بالبخلِ
فالآن صرتُ إلى مقاربةٍ ... وحططتُ عن ظَهْرِ الصبا رَحْلي

الفصل الثاني
الرضى بالشيب والتسلي عن جدته
جاء في الأثر أن الشيب وقار، ومنه قول الشاعر: من الخفيف
لا يَرُعْكِ المشيبُ يا ابنة عبد ال ... لّه فالشّيبُ حليةٌ ووقارُ
إنّما تحسنُ الرياضُ إذا ما ... ضحكتْ في خِلالها الأنوارُ
وقال طريح بن إسماعيل الثقفي: من الكامل
والشّيبُ للحكماءِ من سَفَهِ الصِّبا ... بَدَلٌ تكونُ له الفضيلةُ مَقْنَعُ
والشّيبُ غايةُ من تأخَّرَ حَيْنُهُ ... لا يستطيعُ دفاعَهُ مَنْ يَجْزَعُ
إنّ الشّبابَ له لذاذةُ جِدَّةٍ ... والشّيبُ منه في المغبَّةِ أنفعُ
لا يبعدُ الله الشبابَ ومرحباً ... بالشّيبِ حين أرى إليه المرجعُ
وقال بشار، ويروي لمسلم: من البسيط
الشيب كُرْهٌ وكُرْهٌ أن يفارقَني ... أعجبْ بشيءٍ على البغضاءِ مودودِ
يمضي الشبابُ ويأتي بعده خَلَفٌ ... والشيّبُ يذهبُ مفقوداً بمفقودِ
بعض العرب: من الطويل
ألا قالت الحسناءُ يومَ لقيتها ... كبرتَ ولم تجزعْ من الشّيب مَجْزَعَا
رأَتْ ذا عصاً يمشي عليها وشيبةً ... تقنَّعَ منها رأسُهُ ما تقنعا
فقلتُ لها لا تهزئي بي فقلَّما ... يسودُ الفتى حتى يشيبَ ويصلعا
وللقارحُ اليَعْبُوبُ خيرٌ عُلالَةً ... من الجَذَعِ المجرى وأبعدُ مَنْزَعا
دعبل: من الكامل
أهلاً وسهلاً بالمشيبِ فإنَّهُ ... سِمَةُ العفيفِ وَحِلْيَةُ المتحرِّجِ
وكأن شيبي نظمُ دُرٍّ زاهرٍ ... في تاج ذي مُلْكٍ أغرَّ مُتَوَّجِ
والجيد في ذلك قول الآخر: من الكامل
والشّيبُ إن يَحْلُلْ فإنَّ وراءَهُ ... عمراً يكونُ خلالَهُ مُتَنَفَّسُ
لم ينتقصْ مني المشيبُ قُلاَمَةً ... الآنَ حين بدا أَلَبُّ وأَكْيَسُ
أبو تمام: من البسيط
فلا يُؤَرِّقْكَ إيماضُ القتيرِ بهِ ... فإنّ ذاك ابتسامُ الرأيِ والأدبِ
وقد اعتذر البحتري للشيب وكرر ذلك في مواضع من شعره فقال: من الخفيف:
عَيَّرتْني المشيبَ وهي بَدَتْهُ ... في عِذاري بالصدِّ والاجتنابِ
لا تَرَيْهِ عاراً فما هو بالشَّي ... ب ولكنّه جلاءُ الشّبابِ
وبياضُ البازيِّ أَصْدَقُ حُسْناً ... إن تأمَّلْتِ من سوادِ الغراب
وقال: من الخفيف
ورأت لمَّةً ألمّ بها الشي ... بُ فَرِيْعَتْ من ظُلْمَةٍ في شروقِ
ولعمري لولا الأقاحي لأبصر ... ت أنيقَ الرياض غيرَ أنيقِ
وسوادُ العيونِ لو لم يُحَسَّنْ ... ببياضٍ ما كان بالموموقِ

ومزاج الصهباء بالماء أملى ... بصبوحٍ مُسْتَحْسَنٍ وَغَبوقِ
أيّ ليل يُبْهَى بغير نجوم ... أو سحابٍ يُبدى بغيرِ بروقِ
وهذا من قول الآخر: من الطويل
تفاريقُ شيبٍ في الشبابِ لوامعٌ ... وما حُسْنُ ليلٍ ليس فيه نجومُ
البحتري أيضاً: من الخفيف
طبتَ نفساً عن الشباب وما سُوْ ... ودَ من صِبْغِ بُرْدِهِ الفضفاضِ
فهلِ الحادثاتُ يا ابنَ عُوَيفٍ ... تاركاتي ولبسَ هذا البياضِ
رأتْ فَلَتاتِ الشيّب فابتسمتْ لها ... وقالتْ نُجومٌ لو طَلَعْنَ بأَسْعُدِ
أَعاذِلَ ما كان الشبابُ مُقَرِّبي ... إليكِ فأَلْحَى الشّيبَ إذ كان مُبْعِدِي
فأما ما ورد في الأثر من رأفة الله عز وجل بالشيخ، وما أعد له من صنوف الرحمة والعفو، فتلك حالٌ مقترنةٌ بالطاعات، ويوجبها التقلب في العبادات، وإلا فهو كلما اسن في المعاصي كان أبعد له عن الله، وأنأى مما أمله ورجاه، وليس هذا موضع ذكرها، ولا يليق بإيرادها؛ وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى عز ذكره يقول: وعزتي وجلالي وفاقة خلقي إلي إني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام أن أعذبهما. ثم بكى، فقيل له: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أبكي ممن يستحي الله منه وهو لا يسحي من الله.
وقال أبو الفرج حمد بن خلف الهذاني: من الطويل
تعيّرني وَخْطَ المشيبِ بعارِضِي ... ولولا الحُجولُ البيضُ لم تَحْسُنِ الدُّهْمُ
حتى الدهرُ قوسي فاستمرَّتْ عزيمتي ... ولولا انحناءُ القوسِ لم ينفذِ السهمُ
وقال النمر بن تولب: من الطويل
فإنْ تَكُ أثوابي تَمَزَّقُ عن بِلىً ... فإني كنصلِ السّيفِ في خَلَقِ الغمدِ
لبيد: من الطويل
فأصبحتُ مثلَ السيف أَخْلَقَ جَفْنَهُ ... تقادمُ عهدِ القينِ والنصلُ قاطِعُ
ومثله للعجير السلولي: من الطويل
لقد آذنتْ بالهجر هيفاءُ ليتها ... به آذنْتنا والفؤادُ جميعُ
وإنّي وإنْ واجهن شيئاً كَرِهْنَهُ ... لكالسيفِ يبلى الجفنُ وهو قَطُوعُ
المتنبي: من الطويل
وشى بالمشيبِ الشّيبُ عند الكواعبِ ... فهنَّ وإن وَاصَلْنَ مِيلُ الحواجبِ
رأينَ بياضاً في سوادٍ كأنْه ... بياضُ العطايا في سوادِ المطالبِ
هو الليلُ لا يُزْرِي عليه بأن ترى ... جوانِبَهُ محفوفةً بالكواكبِ
بلغ أبو بكر هبة الله بن الحسن الشيرازي تسعين سنة ولم تبيض له شعرة فقل يتبرم بالشباب من قصيدة: من الوافر
إلامَ وفيمَ يظلمني شبابي ... وتلبسُ لمَّتي حَلَكَ الغُرَابِ
وآملُ شعرةً بيضاءَ تبدو ... بُدُوَّ البدرِ من خَلَلِ السحابِ
وأُدْعَى الشّيخَ ممتلئاً شباباً ... كذي ظمإِ يُعَلَّلُ بالشرابِ
وكافورُ المشيبِ أجلُّ عندي ... وفي فوديَّ من مِسْكِ الشبابِ
وأين من الصباح ظلامُ ليلٍ ... وأين من الرّبابِ دُجَى ضبابِ
قال أفلاطون: هرم النفس شباب العقل؛ أخذ ذلك ابن المعتز ونظمه فقال: من المتقارب
وما يُنْتَقَصْ من شبابِ الرجالِ ... يُزَدْ في نُهاها وأَلبابها
قال أبو مجيب الأعرابي، وقد رأى قوماً يعذلون شاباً: لا تعذلوه فقد رأيتني وأنا شاب أعض على الملام عض الجموح على اللجام، حتى اخذ الشيب بعنان شبابي.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ا،ه قال: ألا أنبئكم بخياركم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أطولكم أعماراً في الإسلام إذا سددوا.
وقال الحسن: أفضل الناس ثواباً يوم القيامة المؤمن المعمر.
رأى حكيمٌ طارئ شيبةٍ فقال: مرحباً بثمرة الحكمة، وجنى التجربة، ولباس التقوى.
وكان المأمون يتمثل: من الطويل
رأَتْ وَضْحَاً في الرأسِ منّي فراعَها ... فريقانِ مُبْيَضٌّ بهِ وبَهيمُ
تفاريقُ شيبٍ في السوادِ لوامعٌ ... وما حُسْنَ ليلٍ ليس فيهِ نجومُ
العكوك: من الكامل

وأرى الليالي ما طَوَتْ من قوتي ... رَدَّتْهُ في عِظَتي وفي إفهامي
وعلمتُ أنّ المرءَ من سنن الرّدى ... حيثُ الرميَّةُ من سِهامِ الرّامي
عبد الله بن محمد الأزدري المعروف بالعطار المغربي: الكامل
سَلْنِي بِوَقْعاتِ الزمانِ فإِنما ... هذا القتيرُ غُبارُ ذاكَ الموكبِ
ولقد عَذَلتُ الدهرَ ثم عَذَرْتُهُ ... ورأيْتُ ظلماً عَذْلَ مَنْ لم يُذْنِبِ
وحمدتُهُ لمّا علمتُ بأنه ... يَسِمُ المجرّبَ بالعذارِ الأشيبِ
وعجبتُ أن طلعَ المشيبِ بلمَّتي ... فَنَكِرْتُهُ والليلُ ثوبُ الكوكبِ

الفصل الثالث
ما جاء في الخضاب
أول من خضب من أهل مكة بالسواد عبد المطلب بن هاشم، خضبه بذلك ملكٌ من ملوك حمير وزوده، وأقبل عبد المطلب من عنده، فلما قرب من مكة اختضب ودخلها فقالت نثيلة بنت جناب بن كلب أم العباس بن عبد المطلب: يا شيبة الحمد ما احسن هذا الخضاب لو دام، فقال لها عبد المطلب: من الطويل
فلو دامَ هذا يا نُثَيْلَ حَمِدْتُهُ ... ولكن بديلٌ من شبابٍ قد انْصَرَمْ
تمتّعتُ منه والحياةُ قصيرةٌ ... ولا بدَّ من موتٍ نثيلةُ أو هَرَم
وما ذا الذي يُجْدِي على المرء خَفْضُهُ ... ونعمتُهُ يوماً إذا عَرْشُهُ انهدَم
فموتٌ جهيزٌ عاجلٌ لا شَوَى له ... أحبُّ إلينا من مقالكُمُ حُطم
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود.
وكان جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم يخضبون، وسئل علي عليه السلام عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك والدين قلٌّ، فأما الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامروٌ وما اختار.
وقد أحسن ابن الرومي في قوله: من الطويل
إذا دامَ للمرء الشبابُ ولم تدمْ ... غَضَارَتُهُ ظَنَّ الشّبابَ خضابا
فكيف يظنُّ المرءُ أنّ خضابَهُ ... يُخَالُ سواداً أو يُظَنُّ شبابا
الخضاب بالسواد مكروه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير شبابكم من تشبه بشيوخكم، وشر شيوخكم من تشبه بشبابكم، ونهى عن الخضاب بالسواد وقال: هو خضاب أهل النار، وفي لفظ آخر: الخضاب بالسواد خضاب الكفار، والخضاب بالحمرة والصفرة جائز تلبيساً للشيب على الكفار في الغزو والجهاد. وقال صلى الله عليه وسلم: الصفرة خضاب المؤمنين، وكانوا يخضبون بالحناء للحمرة، وبالخلوق والكتم للصفرة، وخضب بعض العلماء بالسواد، وذلك لا بأس به إذا صحت النية، ولم يكن فيه هوىً وشهرة.
قال محمود الوراق في إنكار الخضاب: من مجزوء الكامل
يا خاضِبَ الشّيبِ الذي ... في كلِّ ثالثةٍ يعودُ
إنَّ النُّصُولَ إذا بدا ... فكأنه شيبٌ جديدُ
فَدَعِ المشيبَ لما تري ... د فلن يعودَ كما تريدُ
ولابن المعتز يعتذر عن ذلك: من المتقارب
وقالوا النصولُ مشيبٌ جديدُ ... فقلتُ الخضابُ شبابٌ جديدُ
إساءةُ هذا بإحسانِ ذا ... فإن عادَ هذا فهذا يَعُودُ
وقال أبو الفرج حمد بن خلف الهمذاني: من الطويل
وأنكرَ جاراتي خضابَ ذوائبي ... وهنَّ به سَوَّدْنَ بيضَ الأناملِ
فواعجبا منهنَّ ينكرن باطلاً ... عليَّ ولم يجلبنَ قلبي بباطلِ
فَسُلَّ مشيبي من خضابي كأنما ... تُسَلُّ من الأغمادِ بيضُ المناصلِ
وكنت متى أبدى النصولُ بياضَها ... رأيتُ نصولاً رُكِّبَتْ في مقاتلي

حدث بعضهم قال: خرجت إلى ناحية الطفاوة فإذا ا،ا بامرأة لم أر أحسن منها فقلت: أيتها المرأة إن كان لك زوج فبارك الله لك فيه، وإلا فأعلميني، قال فقالت: وما تصنع بي وفي شيءٌ لا أراك ترتضيه، قلت: وما هو؟ قالت: مشيب في رايب، قال: فثنيت عنان دابتي راجعاً، فصاحت بي: على رسلك أخبرك بشيء، فوقفت وقلت: ما هو يرحمك الله؟ قالت: والله ما بلغت العشرين بعد وهذا رأسي وكشفت عن عناقيد كالحمم وما رأيت في رأسي بياضاً قط، ولكن أحببت أن تعلم أنا نكره منكم ما تكرهون منا وأنشدت: من الوافر
أرى شيبَ الرجالِ من الغواني ... بموضع شيبهنَّ من الرجالِ
قال: فرجعت خجلاً كاسف البال.
قال الأصمعي: بلغني عن بعض العرب فصاحةٌ، فأتيته لأسمع من كلامه، فصادفته وهو يخضب، فلما رآني قال: إن الخضاب لمن مقدمات الضعف، ولئن كنت قد ضعفت مشيت أمام الجيوش، وعدوت على الوحوش، ولهوت بالنساء، واختلت في الرداء، وأرويت السيف، وقريت الضيف، وأبيت العار، وحميت الجار، وغلبت القروم، وعاركت الخصوم، وشربت الراح، ونادمت الجحجاح، فاليوم قد حناني الكبر، وضعف البصر، وجاءني بعد الصفو الكدر، ثم أنشد: من البسيط
شيبٌ نُعَلِّلُهُ كيما نُدَلِّسَهُ ... كهيئةِ الثوبِ مطويّاً على حُرَقِ
قد كنتُ كالغصنِ ترتاحُ الرياحُ له ... فصرتُ عوداً بلا ماءٍ ولا ورقِ
صبراً على الدهرِ إنَّ الدهرَ ذو غِيَرٍ ... وأهلُهُ فيه بين الصَّفْوِ والرّنقِ
يقال: إن أول من خضب بالسواد فرعون؛ وتزوج رجلٌ على عهد عمر رضي الله عنه فكان يخضب بالسواد، فنصل خضابه وظهرت شيبته، فرفعه أهل المرأة إلى عمر فرد نكاحه وأوجعه ضرباً، وقال غررت القوم بالشباب، ولبست عليهم بشيبتك.
سئل الحسن عن الخضاب فقال: هو جزع قبيح.
قال أسماء بن خارجة لجاريته أخضبيني، قالت: حتى متى أرقعك فقال: من البسيط
عَيَّرْتِني خَلَقاً أبليتُ جِدَّتَهُ ... وهل رأيتِ جديداً لم يَعُدْ خَلَقا
المتنبي: من الطويل
وما خَضَبَ الناسُ البياضَ لأنه ... قبيحٌ ولكن أحسنُ الشَّعرِ فاحِمُهْ
مُشِبُّ الذي يبكي الشبابَ مُشِيبُهُ ... فكيفَ تَوَقِّيهِ وبانيهِ هادِمُهْ

الفصل الرابع
أخبار المعمرين
زعموا إن الربيع بن ضبع الفزاري كان من المعمرين، وأنه دخل على بعض خلفاء بني أمية فقال له: وأبيك يا ربيع لقد طلبك جدٌّ غير عاثر، ثم قال: فصل لي عمرك، قال: عشت مائتي سنة في الفترة، فترة عيسى بن مريم، وعشرين ومائة سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام، فقال: أخبرني عن الفتية من قريش المتواطئي الأسماء، قال: سل عن أيهم شئت، قال: أخبرني عن عبد الله بن عباس، قال:فهمٌ وعلم وعطاءٌ جذم، ومقرئ ضخم، قال: فأخبرني عن عبد الله بن عمر، قال: حلٌ وعلمٌ وطول كظم وبعدٌ عن الظلم، قال: فأخبرني عن عبد الله بن جعفر، قال: ريحانةٌ طيبٌ ريحها، لين مسها، قليل على المسلمين ضرها، قال فأخبرني عن عبد الله بن الزبير، قال: جبلٌ وعرٌ ينحدر منه الصخر، قال: لله درك يا ربيع ما أخبرك بهم! قال: يا أمير المؤمنين قرب جواري وكثر استخباري.
أتي معاوية برجل من جرهم قد أتت عليه الدهور، فقال له: أخبرني عما رأيت في سالف عمرك، قال: رأيت مثل ما رأيت، رأيت الدنيا ليلة في إثر ليلة، ويوماً في إثر يوم، ورأيت الناس بين جامع مالاً مفرقاً، ومفرق مالاً مجموعاً، وبين قوي يظلم، وضعيف يظلم، وصغير يكبر، وكبير يهرم، وحي يموت، وجنين يولد، وكلهم بين مسرور بموجود، ومحزونٍ بمفقود. والعرب لا تعد معمراً إلا من بلغ مائةً وعشرين وسنة فصاعداً.
ومن المعمرين المستوغر بن ربيعة، وهو عمر بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر، قيل إنه أدرك الإسلام أو كاد يدرك أوله، ونسبه إلى تميم، وبقاؤه إلى الإسلام أو قبله يدل على طول بقائه، قيل إنه عاش ثلاثمائة وعشرين سنة حتى قال: من الكامل
ولقد سئمتُ من الحياةِ وطولِها ... وعمرتُ من عَدَدِ السنين مئينا
مائةٌ أتت من بعدها مائتان لي ... وازددتُ من عَدَدِ الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا ... يومٌ يَكُرُّ وليلةٌ تَحْدُونا

وإنما سمي المستوغر لبيت قاله وهو: من الوافر
يَنِشُّ الماءُ في الرَّبلاتِ منها ... نشيشَ الرضفِ في اللبنِ الوغيرِ
الربلات: وأحدها ربلة بفتح الباء وإسكانها، وهي لحمةٌ غليظة، والرضف: الحجارة المحماة، والوغير: لبن تلقى فيه حجارة محماة ثم يشرب، أخذ من وغيرة الظهيرة، وهي أشد ما يكون من الحر، ومنه وغر صدر فلان يغر وغراً إذا التهب من الغيظ من غضب أو حقد.
ومنهم دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة: قال أبو حاتم: عاش دويد بن زيد أربعمائة سنة وستاً وخمسين سنة. وقال ابن دريد: لما حضرت دويد بن زيد الوفاة قال لبنيه: أوصيكم بالناس شراً، لا ترحموا لهم عبرةً، ولا تقيلوا لهم عثرةً، قصروا الأعنة، وطولوا الأسنة، واطعنوا شزراً، واضربوا هبراً، وإذا أردتم المحاجزة فقبل المناجزة؛ والمرء يعجز لا المحالة، بالجد با بالكد، التجلد ولا التبلد، المنية ولا الدنية، لا تأسوا على فائت وإن عز فقده، ولا تحنوا إلى ظاعن وإن ألف قربه، ولا تطمعوا، ولا تهنوا فتجزعوا، ولا يكون لكم المثل السوء، إن الموصين بنو سهوان، إذا مت فأرحبوا حط مضجعي ولا تصبوا علي برحب الأرض، وما ذاك بمؤد إلي نفعاً، ولكن حاجة نفسٍ خامرها الإشفاق. ثم مات؛ وهو القائل عند موته: من الرجز
اليوم يُبْنَى لدويدٍ بَيْتُهْ ... يا رُبَّ نَهْبٍ صالحٍ حَوَيْتُهْ
وَرُبَّ قِرْنٍ بَطَلٍ أَرْدَيْتُهْ ... ومعصمٍ مُخَضَّبٍ ثَنَيْتُهْ
لو كان للدهرِ بلىً أَبْلَيْتُهْ
ومن قوله أيضاً: من الرجز
ألقى عليَّ الدهرُ رِجْلاً ويَدَاً ... والدهرُ ما أصلحَ يوماً أفسدا
يُفْسِدُ ما أصلحه اليوم غدا
قوله: الموصون بنو سهوان مثلٌ، أي لا تكونوا كمن تقدم إليهم فسهوا وأعرضوا عن الوصية. ومن المعمرين عبيد بن شربة، أتى عليه مائتان وعشرون سنة، سأله معاوية عمن رأى من القرون، فقال: أدركت الناس يقولون: ذهب الناس. وممن عمر عدي بن حاتم الطائي، ولما غلب المختار بن أبي عبيد على الكوفة وقع بينهما، فهم عدي بالخروج عليه، ثم عجز لكبر سنه، وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة وقال: من المنسرح
أصبحتُ لا أنفعُ الصديقَ ولا ... أَمْلِكُ ضرّاً للشانئ الشَّرِسِ
وإِن جرى بي الجوادُ منطلقاً ... لم تملك الكفُّ رَجْعَةَ الفرسِ
وعمر زهير بن أبي سلمى المزني مائة وثماني سنين فقال: من الطويل
بدا ليَ أني عشت تسعينَ حجةً ... خلعتُ بها عن منكبيَّ ردائيا
بدا ليَ أني لستُ مُدرِكَ ما مضى ... ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا
وما إن أرى نفسي تَقيها كريمتي ... وما إن تقي نفسي كريمةَ ماليا
وروي أن أكثم بن صيفي طال عمره فقال: من الطويل
وإن امرءاً قد عاش تسعينَ حجةً ... إلى مائةٍ لم يسأمِ العيش جاهلُ
مضت مائتان غيرَ ستٍّ وأربعٍ ... وذلك من عَدِّ الليالي قلائلُ
وقيل إن رجلاً من جرهم وفد على معاوية بن أبي سفيان وقد أتت عليه مائتان وأربعون سنة، فقال له معاوية: ممن الرجل؟ قال: من جرهم، قال: وهل بقي من جرهم باقٍ؟! قال: بقيت ولو لم أبق لم ترني، فقال له معاوية: صف لي الدنيا وأوجز، قال: نعم سنيات رخاءٍ وسنيات بلاء، يولد مولود ويهلك هالك، ولولا المولود لباد الخلق، ولولا الهالك لضاقت الأرض بأهلها، ثم أنشأ يقول: من الطويل
وما الدهرُ إلاّ صَدْرُ يومٍ وليلةٍ ... ويُولَدُ مولودٌ وَيَفْقَدُ فاقدُ
وساعٍ لرزقٍ يُدْرِك رِزْقَهُ ... ومهدىً إليه رِزقُهُ وهو قاعدُ
ومنهم زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك ابن عمرو بن زيد بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير.

قال أبو حاتم: عاش زهير بن جناب مائتي سنة وعشرين سنة، وأوقع مائتي وقعة، وكان سيداً مطاعاً شريفاً في قومه، ويقال: كان فيه عشر خصال لم تجتمع في غيره من أهل زمانه، كان سيد قومه وشريفهم وخطيبهم وشاعرهم وقائدهم إلى الملوك وطبيبهم، والطب في ذلك الزمان شرف، وحازي قزمه: أي كاهنهم، وكان فارس قومه، وله البيت فيهم والعدد منهم. وأوصى بنيه فقال: يا بني إني قد كبرت سني، وبلغت حرساً من دهري، فأحكمتني التجارب والأمور تجربةً واختبارً، فاحفظوا عني ما أقول وعوا، وإياكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب، فإن ذلك داعيةٌ للغم وشماتة العدو وسوء الظن بالرب. وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنه ما سخر قومٌ قط إلا ابتلوا، ولكن توقعوها، فإنما الإنسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة، فمقصر دونه ومجاوزٌ موضعه، وواقعٌ عن يمينه وشماله، ثم لا بد أنه مصيبه.
وكان زهير بن جنابٍ على عهد كليب وائل، ولم تجتمع قضاعة إلا عليه وعلى رزاح بن ربيعة. وسمع زهير بعض نسائه تتكلم بما لا ينبغي أن تتكلم به امرأة عند زوجها فنهاها، فقالت: اسكت عني وإلا ضربتك بهذا العمود، فوالله ما كنت أراك تسمع شيئاً وتعقله فقال: من الطويل
ألا يا لَقَوْمي لا أَرَى النجم طالعاً ... ولا الشمسَ إِلا حاجتي بيميني
معزبتي عند القفا بعمودها ... يكون نكيري أن أقولَ ذريني
أمينٌ على سرِّ النساء وربما ... أكونُ على الأسرار غيرَ أمينِ
فللموتُ خيرٌ من حِدَاجٍ مُوَطَّإ ... مع الظّعنِ لا يأتي المحلَّ لحينِ
وهو القائل: من الكامل المجزوء
أبنيَّ إن أَهْلِكْ فقدْ ... أورثتكم مجداً بَنِيَّه
وتركتكم أبناء سا ... داتٍ زنادُكم وَرِيَّهْ
من كلِّ ما نال الفتى ... قد نلتُهُ إلا التحيه
فالموت خيرٌ للفتى ... فليهلكَنْ وبهِ بقيَّه
من أن يُرَى الشيخَ البجا ... لَ وقد تهادَى بالعشيه
وقال، وقد مضت له مائتا سنة من عمره: من الوافر
لقد عمرت حتى ما أبالي ... أحتفي في صباحي أم مسائي
وحق لمن أنت مائتان عاماً ... عليه أن يمل من الثواء
ومن المعمرين ذو الإصبع العدواني، واسمه حرثان بن محرث بن الحارث بن ربيعة بن وهب بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عتاب بن يشكر بن عدوان، وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر، وإنما سمي الحارث عدوان: لأنه عدا على أخيه فهم بقتله، وقيل بل فقأ عينيه، وقيل إن اسم ذي الإصبع حرثان بن حويرث، وقيل: ابن حرثان بن حارثة، ويكنى: أبا عدوان، وسبب لقبه بذي الإصبع: أن حيةً نهسته على إصبعه فشلت فسمي بذلك، ويقال: إنه عاش مائةً وتسعين سنة.
وقال أبو حاتم: عاش ثلاثمائة سنة. وهو أحد حكام العرب في الجاهلية، وروي أنه كان أثرم، وروي عنه: من الكامل المرفل
لا يبعدنْ عصر الشباب ولا ... لذَّاتِهِ ونباتِهِ النضرِ
لولا أولئك ما حَفَلْتُ متى ... عُوليتُ في حَرَجي إلى قبري
هَزِئَتْ أُثَيْلَةُ أن رَأَتْ هَرَمي ... وأن انحنى لتقادمٍ ظهري
وخبر بناته اللواتي زوجهن مشهورٌ يرد في موضعه. وهو القائل: من الوافر
إذا ما الدهرُ جَرَّ على أُناس ... كلاكله أناخ بآخرينا
فقلْ للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقَى الشامتون كما لقينا
ومن المعمرين معدي كرب من آل ذي رعين، وهو القائل وقد طال عمره: من الوافر
أراني كلَّما أفنيتُ يوماً ... أتاني بَعْدَهُ يومٌ جديدُ
يعودُ ضياؤه في كلِّ فجرٍ ... ويأبَي من شبابي لا يعودُ
ومن المعمرين أبو الطمحان القيني، واسمه حنظلة بن الشرقي من بني كنانة بن القين. قال أبو حاتم: عاش أبو الطمحان القيني مائتي سنة، وقال في ذلك: من الوافر
حَنَتْنِي حانياتُ الدهرِ حتى ... كأني خَاتِلٌ يدنو لِصَيْدِ
قصير الخطو يحسبُ من رآني ... ولستُ مقيّداً أمشي بقيدِ

ومن المعمرين عبد المسيح بن بقيلة الغساني، وبقيلة اسمه ثعلبة، وقيل: الحارث، وإنما سمي بقيلة لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين، فقالوا له: ما أنت إلا بقيلة فسمي بذلك. وذكر ابن الكلبي وأبو مخنف وغيرهما أنه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام ولم يسلم ولم يسلم وكان نصرانياً. وروي أن خالد بن الوليد لما نزل الحيرة وتحصن أهلها منه، أرسل إليهم: ابعثوا لي رجلاً من عقلائكم وذوي أسنانكم، فبعثوا إليه عبد المسيح بن بقيلة، فأقبل يمشي حتى دنا من خالد، فقال: أنعم صباحاً أيها الشيخ، قال: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه، فمن أين أقصى أثرك أيها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي، قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل لا عقلت؟ قال: أي والله وأقيد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قط، إني أسأله عن الشيء وينحو بي في غيره، قال: ما أنبأتك إلا عما سألت، فسل ما بدا لك، قال: أعربٌ أنتم أم نبط؟ قال: عربٌ استنبطنا، ونبطٌ استعربنا، قال: فحربٌ أنتم أم سلم؟ قال: بل سلم، قال فما هذه الحصون قال: بنيناها لسفيه نحذر منه حتى يجيء الحليم ينهاه، قال: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترقى إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرأة من أهل الحيرة مكتلها على رأسها، لا تزود إلا رغيفاً واحداً حتى ترد الشام، ثم قد أصبحت اليوم خراباً، وذلك دأب الله تعالى في العباد والبلاد. قال: وبيده سم ساعة يقلبه في كفه، فقال له خالد: ما هذا في كفك؟ قال: السم، قال: وما تصنع به؟ قال: إن كان عندك أن يوافق قومي وأهل بلدي حمدت الله تعالى وقبلته، وإن كانت الأخرى لم أكن أول من ساق إليهم ذلاً، أشربه وأستريح من الحياة، فإن ما بقي من عمري ليسير، قال خالد: هاته، فأخذه وقال: بسم الله وبالله رب الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء ثم أكله، فتجللته غشيةٌ ثم ضرب بذقنه في صدره طويلاً، ثم عرق وأفاق فكأنما نشط من عقال، فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: جئتكم من عند شيطان أكل سم ساعة فلم يضره، صانعوا القوم وأخرجوهم عنكم، فإن هذا أمرٌ مصنوع لهم، فصالحوهم على مائة ألف درهم.
وقال عبد المسيح: لما بنى بالحيرة قصره المعروف بقصر بني بقيلة: من الوافر
لقد بَنَّيْتُ للحَدَثانِ حصناً ... لو أنَّ المرءَ تنفعُهُ الحصونُ
طويلَ الرأس أقعسَ مشمخرّاً ... لأنواع الرياحِ به حنينُ
وذكر أن بعض مشايخ أهل الحيرة خرج إلى ظهرها فخط ديراً، فلما حفر موضع الأساس وأمعن في الاحتفار، أصاب كهيئة البيت، فدخله فإذا رجلٌ على سرير من زجاج، وعند رأسه كتابه: أ،ا عبد المسيح بن بقيلة: من الوافر
حَلَبْتُ الدهرَ أشطره حياتي ... ونلت من المنى بُلَغَ المزيدِ
وكافحتُ الأمورَ وكافحْتني ... ولم أحفلْ بمعضلةٍ كَؤُودِ
وكدتُ أنال في الشرف الثريّا ... ولكن لا سبيلَ إلى الخلودِ
ومن المعمرين: النابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله بن ربيعة ابن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويكنى: أبا ليلى.
وروى أبو حاتم السجستاني قال: كان النابغة الجعدي أسن من النابغة الذبياني، والدليل على ذلك قوله: من الطويل
تذكرتُ والذكرى تهيجُ على الهوى ... ومن حاجة المحزون أن يتذكّرا
ندامايَ عند المنذرِ بن مُحَرِّقٍ ... أرى اليومَ منهم ظاهرَ الأرض مقفرا
كهولٌ وشبّانٌ كأنَّ وجوهَهُمْ ... دنانيرُ مما شيفَ في أرضِ قيصرا
فهذا يدل على أنه كان مع المنذر بن محرق، والنابغة الذبياني كان مع النعمان بن المنذر بن محرق، ويقال: إن النابغة غبر ثلاثين سنة لا يتكلم، ثم تكلم بالشعر، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة.
وروي عن هشام بن محمد الكلبي: أنه عاش مائة وثمانين سنة وروى ابن دريد عن أبي حاتم أنه عاش مائتي سنة، ووفد النابغة على عبد الله بن الزبير في خلافته، وروي أنه مات بأصبهان، وبها كان ديوانه، ومن شعره: من الوافر
ومن يكُ سائلاً عنّي فإني ... من الفتيانِ أيامَ الخنان

أيام الخنان: كانت للعرب قديمة، هاج بها فيهم مرضٌ من أنوفهم وحلوقهم. وقال محمد بن حبيب: بل هي وقعةٌ كانت لهم، قال قائل منهم وقد لقوا عدوهم خنوهم بالرماح:
مَضَتْ مائةٌ لعامِ وُلِدْتُ فيهِ ... وَعَشْرٌ بعد ذاكَ وحجتان
فأبقى الدهرُ والأيامُ مني ... كما أبقى من السيفِ اليماني
يُفَلَّل وهو مأثورٌ جُرازٌ ... إذا جُمِعت بقائمِهِ اليدانِ
قيل: وعمر بعد ذلك طويلاً، ومن ذلك قوله: من الكامل المجزوء
المرءُ يأمل أن يعي ... شَ وطولُ عيشٍ قد يَضُرُّهْ
تفنى بشاشته ويب ... قى بعدَ حُلْوِ العيشِ مُرَّهْ
وتسوءُهُ الأيامُ حت ... ى لا يَرَى شيئاً يسرّهْ
كم شامتٍ بي إن هلك ... تُ وقائلٍ للهِ دَرُّهْ
وتمثل المنصور بهذه الأبيات عند موته. ومن شعره في المعنى: من المتقارب
لبستُ أناساً فأفنيتُهُمْ ... وأفنيتُ بعد أناسٍ أناسا
ثلاثةَ أهلين أفنيتهم ... وكان الإله هو المستآسا
ويروى أن النابغة كان يفتخر ويقول: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنشدته: من الطويل
بلغنَا السماءَ مَجْدُنَا وَجُدودُنَا ... وإنّا لنبغي فوقَ ذلك مظهرا
فقال عليه السلام: أين المظهر يا أبا ليلي؟ فقلت: الجنة يا رسول الله، فقال عليه السلام: أجل إن شاء الله. وأنشده القصيدة، فقال صلى الله عليه وسلم: لا يفضض الله فاك، وفي رواية أخرى: لا يفضض فوك، فيقال: إنه لم يسقط من فمه سنٌ ولا ضرسٌ.
ومن شعره في كبره: من الكامل
شيخٌ كبيرٌ قد تَخَدَّدَ لحمُهُ ... أفنَى ثلاثَ عمائمٍ ألوانا
سوداءَ داجيةً وَسَحْقَ مُفَوَّفٍ ... ودروسَ مُخْلَقَةٍ تلوحُ هجانا
ثم المنيةُ بعدَ ذلك كلِّه ... وكأنما يُعْنى بذاك سوانا
ويزعمون أن أماناة بن قيس بن الحارث بن شيبان بن العاتك ابن معاوية الكندي عاش ثلاثمائة وعشرين، وفي ذلك يقول المثلم النخعي: من الطويل
ألا ليتني عُمِّرْتُ يا أمَّ خالدٍ ... كعمرِ أماناة بن قيسِ بن شيبانِ
لقد عاش حتى قيل ليس بميّتٍ ... وأَفْنَى فِئَاما من كهولٍ وشبّانِ
فحلَّتْ به من بعد حَرْسٍٍ وحقبةٍ ... دُوَيْهِيَةٌ حَلَّتْ بنصرِ بن دَهْمَانِ
ومنهم عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي، قال عبد العزيز بن عمران: خرج أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي قبل الإسلام في نفرٍ من قريش يرديدون اليمن، فأصابهم عطِشٌ شديدٌ ببعض الطريق، فأمسوا على الطريق، فساروا جميعاً فقال لهم أبو سلمة: إني أرى ناقتي تنازعني شقاً، أفلا أرسلها وأتبعها؟ قالوا: فافعل، فأرسل ناقته وتبعها فأصبحوا على ماءٍ وحاضر، فاسقوا وسقوا، فإنهم لعلى ذلك إذا أقبل رجلٌ فقال: من القوم؟ فقالوا: من قريش، فرجع إلى شجرة أمام القوم فتكلم عندها بشيء ورجع فقال: لينطلق أحدكم معي إلى رجلٍ يدعوه، قال أبو سلمة: فانطلقت معه، فوقف بي تحت شجرة، فإذا وكرٌ مغلق، فصوت يا أبه، فزعزع شيخٌ رأسه فأجابه، فقال: هذا الرجل، فقال لي: ممن الرجل؟ قلت: من قريش، قال: من أيها؟ قلت: من بني مخزوم بن يقظة، قال: من أيها؟ قلت: أنا أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة، قال: ايهات أنا ويقظة بسن واحد، أتدري من يقول؟ من الطويل
كأنْ لم يكنْ بين الحَجُونِ إلى الصفا ... أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكةَ سامرُ
بَلَى نحن كنّا أهلَها فأبادَنَا ... صروفُ الليالي والجدودُ العواثرُ
قلت: لا، قال: أنا قائلها، أنا عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي، أتدري لم سمي أجياداً؟ قلت: لا، قال: جادت بالدماء يوم التقينا نحن وقطورا، أتدرى لم سمي فقيقان؟ قلت: لا، قال: لتقعقع السلاح على ظهورنا لما طلعنا عليهم منه.
دخل سليمان بن عبد الملك مسجد دمشق فرأى شيخاً يزحف فقال: يا شيخ أيسرك أن تموت؟ قال: لا، قال: ولم، وقد بلغت من السن ما أرى؟ قال: ذهب الشباب وشره، وبقي الكبر وخيره، إذا أنا قعدت ذكرت الله، وإذا قمت حمدت الله، فأحب أن تدوم لي هاتان الخصلتان.

وقد جاءت الأخبار عن القرن الأول دالةً على طول العمر المضاعف على أعمار هذا العصر، فمن الحجة فيها عمر نوحٍ عليه السلام في قومه الذي لا خلاف فيه، دل عليه كتاب الله تعالى والتوراة وسائر الكتب.
وقال وهب: إن أصغر من مات من ولد آدم عليه السلام ابن مائتي سنة فبكته الإنس والجن لحداثة سنه.
وقال عبد الله: كان الرجل ممن كان قبلكم لا يحتلم حتى تأتي عليه ثمانون سنة.

الفصل الخامس
نوادر هذا الباب
قال سهل بن غالب الخزرجي في معاذ بن مسلم جد يحيى بن معاذ: من المنسرح
إن معاذ بن مسلم رجل ... ليس لميقاتِ عمره أَمَدُ
قد شاب رأسُ الزمان واكتهل الدْ ... هرُ وأثوابُ عمره جُددُ
قل لمعاذٍ إذا مررتَ به ... قد ضجَّ من طولِ عمركَ الأَبَدُ
يا بِكْرَ حوّاءَ كم تعيش وكم ... تسحبُ ذيلَ الحياة يا لُبَدُ
قد أصبحت دارُ آدمٍ خَرِبَتْ ... وأنت فيها كأنَّكَ الوتدُ
تسأَلُ غِرْبَانَها إذا نَعَبتْ ... كيف يكونُ الصُّداعُ والرمَدُ
فاشخص ودعْنا فإنّ غايتك ال ... موتُ وإن شدَّ رُكْنَكَ الجلَدُ
قيل لأعرابي: ألا تغير مشيبك بالخضاب؟ قال: ألا بلى! ففعل ذلك مرة ثم لم يعاوده، فقيل له: لم لم تعاود الخضاب؟ فقال: يا هناه لقد تشد لحياي فجعلت إخالني ميتاً.
نظر يزيد بن مزيد الشيباني إلى رجل ذي لحيةٍ عظيمة وقد تلففت على صدره وإذا هو خاضب، فقال له: إنك من لحيتك لفي مؤونةٍ؟ قال: أجل! ولذلك أقول: من الطويل
لها درهمٌ للزيتِ في كلِّ جُمْعَةٍ ... وآخرُ للحنَّاء يبتدرانِ
فلولا نوالٌ من يزيدَ بنِ مزيد ... لصوَّت في حافاتها الجلمانِ
قيل للجماز وقد أسن: ما بقي من شهوتك للنساء؟ قال: القيادة عليهن.
نظر شاب إلى شيخٍ تقارب خطاه فقال له: من قيدك؟ قال: الذي تركته يقتل قيدك.
قال رجل لجاريةٍ أراد شراءها: لا يريبك شيبي فإن عندي قوةً، قالت: أيسرك أن عندك عجوزاً مغتلمة؟! بعض العرب: من الرجز
رأت شباباً بان واضمحلاَّ ... وفاتَها الدهرُ به فولَّى
وصار شيخاً فانياً انْقَحْلا ... فاستعبرتْ تَهْمرُ سجلاً سجلاّ
الإنقحل: المسن الذي تجاوز المائة.
تقولُ لَلْمَوْتُ بهذا أولى ... بئس امرؤٌ هذا لمثلي بَعْلا
مازح اشيخ جاريةً من الأعراب فقالت: من البسيط
يا أيها الشيخُ ما عنَّاكَ للغَزَلِ ... قد كنتَ في مقعدٍ عن ذا ومُعْتَزلِ
رُضْتَ القِلاصَ فلم تُحْكِمْ رياضَتَها ... فاعمدْ برحلك نحو الجلَّةِ الذُللِ
صاح صبي بشيخٍ قد احدودب: بكم ابتعت هذه القوس يا عماه؟ قال: يا بني إن عشت أعطيتها بغير ثمن.
رأى الخليل مع رجل دفتراً بخط دقيق فقال: يا هذا أيئست من طول العمر؟ عبد المحسن الصوري: من البسيط
أهدى ليَ الشيّبُ رِجْلاً منه ثالثةً ... وكنتُ من قبله أمشي برجلينِ
هديةً كنت آباها فصيَّرَها ... عليَّ بالرغمِ مني قُرَّةَ العينِ
أبو نواس: من الكامل
قالوا كبرتَ فقلت ما كبرتْ يدي ... عن أن تُحَثَّ إلى فمي بالكاسِ
نظر رجلٌ إلى فيلسوفٍ يدب شيخاً فقال: ما تصنع؟ قال: أغسل مسحاً لعله يبيض.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الإعانة
اللهم إنا نحمدك على ما سترت من العيوب، وأسبلت دونه من ذيل عفوك المطلوب، ونستغفرك من موبقات الذنوب، ونسألك عصمة الأجساد والقلوب، حتى لا تسعى تلك إلى هواها، ولا ترتع هذه عن هداها، وأن تجعل الصون لنا شعاراً، والعفة سجيتنا إعلاناً وإسراراً، ولا تؤاخذنا بلغو الألسنة الناطقة عن قلوب سليمة، ولا بطرب النفوس المرتاحة ما لم يكن ذا نية سنية وعزيمة، ونسألك الصلاة على نبيك الداعي إلى دار السلام، الناهي عن الرهبانية في الإسلام، وعلى آله الأصفياء الكرام.
الباب التاسع والعشرون
في النسيب والغزل
وهو اثنان وعشرون نوعاً:

هذا الباب تتداخل معانيه، ويتضمن كل بيت منه صحبة أخيه. فإن فصل وأضيف كل معنى إلى بابه، انقطع البيت عن قرينه، وتبدد نظام تأليفه وترتيبه، فذهبت بهجة الكلام وسلب رونقه، وعلى ذلك فقد أفردت منه عشرين نوعاً ميزتها لحاجة شاهدٍ إن دعت إليها وهي: شدة الغرام والوجد، الإعراض والصد والهجر، الشوق والنزاع، ذكر الوداع، المسرة عند الإياب، الطيف والخيال، الرقة والنحول، البكاء والهمول، إحماد المواصلة ولذة العناق، شكوى البين والفراق واحتمالهما، الأرق والسهاد، تعاطي الصبر والتجلد، العذول والوشاة والرقيب، وصف المحبوب، طيب الأفواه، وصف الثغر، إسرار الهوى وإعلانه، عشق الحلائل، غزل العباد وتساهلهم، أخبار من قتل بالكمد.
وما عدا ذلك على كثرة فنونه وعدد ضروبه جعلته باباً واحداً، وأتبعته بفصل من نوادر هذا الباب، على ما شرطته في أول الكتاب. وقد تجيء أبيات وأخبار تتضمن عدة معان من الأنواع المفردة، فلا أرى حل نظامها وتفريق التئامها، فأضيفها إلى الفصل العام، وأثبتها في بعض الأنواع إذا كان يتضمن معنىً منها، محافظةً على أن تلج الأسماع متصلةً لم تسلب حسن ازدواجها، وترد على القلوب مكسوةً رونق ألفتها واصطحابها، والله الموفق للصواب.

النوع الأول
شدة الغرام والوجد
قال جرير: من الكامل
لا يستطيع أخو الصبابةِ أن يُرَى ... حَجراً أصمَّ ولا يكونُ حديدا
الله يعلمُ لو أردتُ زيادةً ... في الحبِّ عندي ما وجدتُ مزيدا
وقال أيضاً: من الكامل
أسرى بخالدةَ الخيالُ ولا أرى ... شيئاً أحبَّ من الخيالِ الطارقِ
إنّ البَلِيَّةَ مَنْ تملُّ حديثه ... فانشح فؤادَكَ من حديثِ الوامقِ
أهواك فوق هوى النفوس ولم يزلْ ... ما بِنْتِ قلبي كالجناحِ الخافقِ
وقال الصمة بن عبد الله القشيري: من الطويل
لعمري لئن كنتم على النأي والقلى ... بكمْ مثلُ ما بي إنكمْ لصديقُ
إذا زَفَراتُ الحبِّ صَعَّدْنَ في الحشا ... رُدِدْنَ ولم يُنْهَجْ لهنَّ طريقُ
وقال بعض بني طيء: من الطويل
هَوِيتُكِ حتى كاد يقتلني الهوى وزرتُكِ حتى مَلَّني كلُّ صاحبِ
وحتى رأى مني أدانيكِ لينة ... لديهم ولولا أنتِ ما لانَ جانبي
أَلا حبَّذا لوما الحياء وربما ... مَنَحْتُ الهوى مَنْ ليس بالمتقاربِ
بأهلي ظباءٌ من ربيعةِ عامرٍ ... عذابُ الثنايا مُشرفاتُ الذوائب
وقال المتنبي: من الطويل
وما هي إلا نظرةٌ بعد نظرةٍ ... إذا نَزَلَتْ في قلبِهِ رَحَلَ العقلُ
جرى حبُّها مجرى دمي في مفاصلي ... فأصبح لي عن كل شُغْلٍ بها شغلُ
كان رقيباً منك سدَّ مسامعي ... عن العذلِ حتى ليس يَدْخُلُها العَذْلُ
وقال البحتري: من الطويل
رأى البرقَ مختاراً فباتَ بلا لُبِّ ... وأصباه من ذِكْرِ البخيلةِ ما يُصْبي
وقد عاج في أطلالها غير مُمْسِكٍ ... لدمعٍ ولا مُصْغٍ إلى عَذَلِ الركبِ
وكنتُ جديراً يومَ أعْرِفُ منزلاً ... لآل سُليمى أن يُعَنِّفَني صحبي
وبي ظمأ لا يملكُ الماءُ دَفْعَهُ ... إلى نَهْلَةٍ من ريقها الخَصِرِ العذبِ
تزوّدتُ منها نظرةً لم تَجُدْ بها ... وقد يُؤْخَذُ العِلْقُ الممَّنعُ بالغصبِ
وما كان حظُّ العينِ من ذاك مذهبي ... ولكن رأيتُ العينَ باباً إلى القلبِ
وقال أيضاً: من الكامل
شوقٌ إليك تفيض منهُ الأَدْمُعُ ... وجوىً عليك تضيقُ عنه الأضلعُ
وهوىً تُجَدِّدُهُ الليالي كلما ... قَدُمَتْ وتُرجِعُهُ السُّنونَ فيرجعُ
يقتادني طربي إليك فيغتلي ... وجدي ويدعوني هواكِ فأتبعُ
كلفاً بحبِّكِ مولعاً وَيَسُرُّني ... أنّي امروٌ كَلِفٌ بحبِّكِ مولعُ
وقال أيضاً: من الطويل
قضى الله أني منك ضامنُ لوعةٍ ... تَقَضَّى الليالي وهي ثاوٍ مُقيمها

أميلُ بقلبي عنكِ ثم أَرُدُّهُ ... وأعذِرُ نفسي فيكِ ثم ألومُها
وقال جميل: من الطويل
أظنُّ هواها تاركي بِمُضِلَّةٍ ... من الأرضِ لا مالٌ لديَّ ولا أَهْلُ
محا حبُّها حبَّ الأُولَى كان قبلها ... وَحَلَّتْ مكاناً لم يكنْ حُلَّ من قبلُ
وقال كثير: من الطويل
أريد لأَنْسَي ذكرها فكأنما ... تَمَثَّلُ لي ليلى بكلِّ سبيلِ
وقالوا نأَتْ فاخترْ من الصبرِ والبكا ... فقلتُ البكا أَشْفَى إذنْ لغليلي
وقال ذو الرمة: من الطويل
إذا ذكرت عندي أَئِنُّ لذكرِهَا ... كما أَنَّ من حَرِّ السلاحِ جريحُ
ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني ... بها كبداً ليستْ بذاتِ قروحِ
أبى الناسُ ويبُ الناسِ لا يشترونها ... ومَنْ يشتري ذا عِلَّةٍ بصحيح
وقال أيضاً: من الطويل
وجدتُ بها وَجْدَ المُضلِّ بعيرَهُ ... بمكّةَ والحجاجُ غادٍ ورائحُ
وجدتُ بها ما لم تجدْ أمُّ واحدٍ ... بواحدها تُطْوَى عليه الصفائح
وجدتُ بها ما لم يجدْ ذو حرارةٍ ... يراقبُ جَمَّاتِ الركيّ البرائح
وقال أيضاً: من الطويل
إذا غيَّرَ النأيُ المحبيّن لم أجدْ ... رسيسَ الهوى من ذكرِ مَيَّةَ يَبْرَحُ
فلا القُرْبُ يُدْني من هواها ملالةً ... ولا حُبُّها إن تبرحِ الدارُ يبرح
تَصَرَّفُ أهواءُ القلوبٍ ولا أرى ... نصيبَكِ من قلبي لغيرِكِ يمنح
إذا خطرت ذكرِ مَيَّة خَطْرَةٌ ... على القلبِ كادتْ في فؤادك تجرح
أنَاةٌ يطيبُ البيت من طيبِ نشرها ... بُعَيْدَ الكرى زينٌ له حين يصبح
لئن كانت الدنيا عليَّ كما أرى ... تباريحَ من ذكراكِ لَلْمَوْتُ أَرْوَحُ
ويروى: من مي فللموت أروح وقال أعرابي: من الطويل
أَيا مُنْشِرَ الموتى أَعِنِّي على التي ... بها نَهِلَتْ نفسي سَقَاماً وعَلَّتِ
لقد بَخِلَتْ حتى لو أني سألتها ... قَذَى العينِ من سافي التراب لَضَنَّتِ
ألا قاتلَ الله الحمامةَ غُدْوَةً ... على الغُصْنِ ماذا هَيَّجتْ حين غَنَّتِ
تَغَنَّتْ بصوتٍ أعجميِّ فهيَّجَتْ ... هوايَ الذي كانت ضلوعي أَجَنَّتِ
فلو قَطَرَتْ عينُ امرئٍ من صبابةٍ ... دماً قَطَرَتْ عيني دماً وألَّمتِ
إذا قلتُ هذي زفرةُ اليومِ قد مَضَتْ ... فمن لي بأُخْرَى في غدٍ قد أطلَّتِ
حلفتُ لها باللهِ ما أمُّ واحدٍ ... إذا ذَكَرَتْهُ آخرَ الليلِ أَنَّتِ
وما وجدُ أعرابيّةٍ قذفَتْ بها ... صُرُوفُ النّوى من حيثُ لم تكُ ظَنَّتِ
إذا ذكرت ماءَ العضاه وطيبَهُ ... وَبَرْدَ حصاهُ آخرَ الليلِ حَنَّتِ
بأكثرَ منّي لوعةً غير أنني ... أجمجمُ أحشائي على ما أَجَنَّ تِ
وقال عروة بن حزام: من الطويل
وإني لتعروني لذكراكِ فَتْرَةٌ ... لها بين جلدي والعظامِ دبيبُ
وما هو إلا أنْ أراها فجاءَةً ... فأبهتَ حتى ما أكادُ أُجيبُ
عشيةَ لا عفراءُ منكَ بعيدةٌ ... فتسلو ولا عفراءُ منكَ قريبُ
لئن كان بَرْدُ الماءِ حَرَّانَ صادياً ... إليَّ حبيباً إنها لحبيبُ
وقال عمرو بن ضبيعة: من الطويل
تضيقُ جفونُ العينِ عن عَبَراتِها ... فتسفَحُهَا بعد التجلُّدِ والصَّبرِ
وغصة صدرٍ أظهرتها فرفَّهتْ ... حرارةَ حرٍّ في الجوانحِ والصدرِ
ألا لِيَقُلْ مَنْ شاءَ ما شاءَ إنما ... يُلاَمُ الفتى فيما استطاعَ من الأمرِ
قضى الله حبَّ المالكيةِ فاصطبرْ ... عليه فقد تَجْرِي الأمورُ على قَدْرِ
وقال خلف بن خليفة: من الطويل

سَلَبْتِ عظامي لحمَها فتركتِها ... مجرَّدَةً تَضْحَى إليكِ وتَخْصَرُ
وأخلَيتِها من مخِّها فتركتها ... أنابيبَ في أجوافها الريحُ تصفرُ
إذا سمعتْ باسم الفراق تَقَعْقَعَتْ ... مَفَاصِلُها من هولِ ما تَنَتَظَّرُ
خذي بيدي ثم ارفعي الثوب فانظري ... بيَ السقمَ إلا أنني أتستَّرُ
وليس الذي يَجْرِي من العين ماؤُهَا ... ولكنَّها روحٌ تذوبُ فَتَقْطُرُ
وقال عبد الله بن الدمينة الخثعمي: من الطويل
أُقَضِّي نهاري بالحديثِ وبالمنى ... ويجمعني والهمَّ بالليلِ جامِعُ
نهاري نهارُ الناسِ حتى إذا بدا ... ليَ الليلُ هَزَّتْنِي إليكِ المضاجعُ
إذا نحن أَنْفَذْنَا الدموعَ عشيّةً ... فموعدنا قَرْنٌ من الشمسِ طالعُ
وقال أيضاً: من الطويل
يقولون مجنونٌ بسمراءَ مُولَعٌ ... نعم زِيدَ في حبٍّ لها وولوعُ
وإني لأخفي حبَّ سمراء في الحشا ... ويعلمُ قلبي أنه سيشيعُ
أظلُّ كأني واجمٌ لمصيبةٍ ... ألمَّتْ وأهلي سالمونَ جميعُ
وقال أيضاً: من الطويل
ولما أبى إلا جماحاً فؤادُهُ ... ولم يَغْنَ عن ليلى بمالٍ ولا أهلِ
تسلَّى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلَّى بها تُغْرِي بليلى ولا تسلي
وقال حسان بن ثابت: من الطويل
كأنّ فؤادي في مخاليبِ طائرٍ ... إذا ذكرتكِ النفسُ شدَّتْ به قَبْضَا
كأنّ فجاجَ الأرضِ حلقةُ خاتمٍ ... عليَّ فما تزدادُ طولاً ولا عرضا
وقال المأمون: من المديد
نَفَسٌ تَدْمَى مَسَالِكُهُ ... وحنينٌ لستُ أملكُهُ
والذي أخفيهِ من سقمٍ ... فلسانُ الدمعِ يهتكُهُ
وقال ديك الجن: من الطويل
كأنَّ علي قلبي قطاةً تذكرت ... على ظمأٍ وِرْداً فَهَزَّتْ جناحها
ولي كبدٌ حَرَّى ونفسٌ كأنها ... بكفِّ عدوٍّ ما يريدُ سَرَاحَها
وقال بعضُ بني قشير: من الطويل
ولما تبيّنت المنازلَ باللوى ... ولم تُقْضَ لي تسليمةُ المتزوِّدِ
زفرتُ إليها زفرةً لو حَشَوْتُها ... سرابيلَ أبدانِ الحديدِ المسرَّدِ
لَقَصَّتْ حواشيها وظَلَّتْ لحرّهَا ... تلينُ كما لانت لداودَ في اليدِ
وقال آخر: من الطويل
إذا كنت لا يُسْلِيكَ عَمَّنْ تودُّهُ ... تناءٍ ولا يشفيكَ طولُ تَلاقِ
فهل أنتَ إلاّ مستعيرٌ حُشاشَةً ... لمهجةِ نفسٍ آذنتْ بفراقِ
وقال أبو الشميص الخزاعي: من الكامل
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخَّرٌ عنه ولا مُتَقَدَّمُ
أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً ... حبّاً لذكركِ فليلمني اللُّوَمُ
أشبهتِ أعدائي فصرتُ أحبُّهم ... إذ كان حظّي منكِ حظّي منهمُ
وأهنتني فأهنتُ نفسي عامداً ... ما مَنْ يهونُ عليكِ ممّن أُكرمُ
إن كان عندكِ قد أَذَلنَّيَ الهوى ... فبكلّ ناحية أعزُّ وأكرمُ
وقال ابن الحجاج: من الطويل
بديعةُ حُسْنِ الوجهِ ليس بمنكرٍ ... عليكِ جَوَى قلبي ولا ببديعِ
سأبكيك لا أنّ المنى يستفزّني ... لِعَوْدٍ ووصلٍ منكِ أو لرجوعِ
ولكنَّ نارَ الشوقِ لم أرَ مطفياً ... لها في فؤادي مثلَ فَيْضِ دموعي
تبدّلتِ بي من لا يكونُ قنوعه ... يسرُّ وما تولينه كقنوعي
فعيشكما لا زال إلاَّ مُنَغَّصاً ... وشملكما لا زالَ غيرَ جميعِ
آخر: من الطويل
كأنَّ همومَ الناسِ في الأرضِ كلِّها ... عليَّ وقلبي فيهم قلبُ واحدِ
ولي شاهدا عَدْلٍ سُهَادٌ وعبرةٌ ... وكم مُدَّعٍ للحبِّ من غيرِ شاهدِ
وقال أبو نواس: من مجزوء الخفيف
دع جناباً وذكرَها ... عنكَ إن كنتَ عاقلا
لا تُذَكِّرْ بنفسِكَ ال ... موتَ ما دامَ غافلا

عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي المغربي: منا لطويل
أواجدةٌ وجدي حمائمُ أيكةٍ ... تميلُ بها مَيْلَ النزيفِ غُصُونُها
نشاوَى وما مالتْ بخمرٍ رقابُها ... بواكٍ وما فاضتْ بدمعٍ عيونُها
أعيدي حماماتِ اللِّوى إنَّ عندنا ... لشجوِكِ أمثالاً يعودُ حَنينها
وكلُّ غريبِ الدارِ يَدْعُو همومَهُ ... غرائبَ محشودٌ عليها شجونُها
أبو إسحاق الحصري الأنصاري المغربي: من الكامل
ولقد تَنَسَّمْتُ الرياحَ لعلّني ... أرتاحُ أن يبعثنَ منكِ نسيما
فأثرنَ من حُرَقِ الصبابةِ كامناً ... وأَذَعْنَ من سرِّ الهوى مكتوما
وكذا الرياحُ إذا مررنَ على لظى ... نارٍ بَدَتْ ضَرَّمْنَها تَضْرِيمَا

النوع الثاني
الإعراض والصد
قال البحتري: من الطويل
علمتكِ إن مَنَّيْتِ مَنَّيْتِ موعداً ... جَهَاماً وإن أبرقتِ أبرقتِ خُلَّبَا
فواأسفا حتَّامَ أسألُ مانعاً ... وآمَنُ خواناً وأُعْتِبُ مذنبا
وقال أيضاً: من الكامل
أين الغزالُ المستعيرُ من النَّقَا ... كَفَلاً ومن نَوْرِ الأقاحي مَبْسِمَا
تظما مراشفنا إليه وَرِيُّها ... في ذلك اللَّعَسِ المُمَنِّع واللّمى
متعتِّبٌ في غيرِ ما مُتَعَّتبٍ ... إن لم يَجِدْ جُرْماً لديَّ تَجَرَّمَا
أَلِفَ الصدودَ فلو يمرُّ خيالُهُ ... بالصبِّ في سِنَةِ الكَرَى ما سَلَّما
وقال عروة بن أذينة: من الكامل
إنّ التي زَعَمَتْ فؤادَكَ ملَّها ... خُلِقَتْ هواكَ كما خُلِقَتْ هوىً لها
بيضاءُ باكرها النعيمُ فَصَاغَها ... بلباقةٍ فأدَقَّها وأجلَّها
حَجَبَتْ تحِيَّتها فقلتُ لصاحبي ... ما كانَ أكثَرَهَا لنا وأَقَلَّها
وإذا وجدتَ لها وساوسَ سَلْوَةٍ ... شفعَ الضميرُ إلى الفؤادِ فَسَلَّها
وقال البحتري: من البسيط
تَصَرَّمَ الدهر لا وَصْلٌ فيطمعني ... فيما لديكِ ولا يأسٌ فيُسْلِيني
ولستُ أعجبُ من عصيانِ قلبكِ لي ... يوماً إذا كان قلبي فيكِ يعصيني
وقال آخر: من الطويل
إذا كان هذا منكِ حقّاً فإنني ... مداوِي الذي بيني وبينك بالهجرِ
ومنصرفٌ عنك انصرافَ ابنِ حُرَّةٍ ... طوى وُدَّهُ والطيُّ أبْقَى من النشرِ
وقال عبد الله بن الدمينة: من الطويل
ولما بدا لي منكِ مَيْلٌ مع العِدَى ... عليَّ ولم يَحْدُثْ سواكِ بديلُ
صددتُ كما صدَّ الرميُّ تطاولَتْ ... به مدةُ الأيَّامِ وهو قتيلُ
وعزيتُ نفساً عن نوارٍ كريمةٍ ... عليَّ بها من لوعةٍ وغليل
وقال أيضاً: من الكامل
وإذا غضبتِ عليَّ بتُّ كأنني ... بالليلِ مستحرُ الفؤادِ كليمُ
ولقد أردتُ الصبرَ عنكِ فعاقني ... عَلَقٌ بقلبي من هواكِ قديمُ
يبقى على حَدَثِ الزمان وَرَيْبِهِ ... وعلى جفائك إنَّهُ لكريمُ
واريتُهُ زمناً فعاد بحلمِه ... إن المحبَّ عن الحبيبِ حليمُ
وعتبتُ حين صحوتُ وهو بدائِهِ ... شتّى العتاب مُصَحَّحٌ وسقيمُ
وقال النظار الفقعسي: من الطويل
يقولون هذي أُمُّ عمروٍ قريبةٌ ... دَنَتْ بكَ أرضٌ نحوها وسماءُ
وألا إنما قُرْبُ الحبيبِ وَبُعْدُهُ ... إذا هو لم يُوصَلْ إليهِ سواءُ
وقال ابن نباتة: من المتقارب
مَلاَلُكِ علَّمني في هوا ... كِ أن أتمنَّى النَّوى والصدودا
وكيف السبيلُ إلى رَقْدَةٍ ... أُذَكِّرُ طيفَكِ فيها العهودا
وأغرب ابن الرومي فحمد الإعراض فقال: من مجزوء الرجز
ما ساءَني إعراضُهُ ... عنّي ولكنْ سَرَّني
سالفتاهُ عِوَضٌ ... عن كلِّ شيءٍ حَسَنِ
عوَّضَني من حُسْنِهِ ... حسناً فماذا ضرَّني

ما قلت أن قد عَقَّني ... بالصدِّ إلا بَرَّني
وقال قيس بن ذريح: الطويل
وقد أَيْقَنَتْ نفسي ببينكِ بُرْهَةً ... من الدهرِ لو يأتي بيأسِ يقينها
صلي الحبلَ يحمل ما سواهُ فإِنه ... يُعَفّي على غثّ الأمورِ سمينها
وقال إسماعيل بن يسار: منا لكامل
لو تبذلينَ لنا دلالَكِ مَرَّةً ... لم نبغِ منكِ سوى دلالكِ محرما
ما ضرَّ أهلك لو تَطَوَّفَ عاشقٌ ... بِفَناءِ بيتكِ أو أَلَمَّ مُسَلِّما
وقال أبو الطيب المتنبي: من البسيط
وما صبابةُ مشتاقٍ على أملٍ ... من اللقاء كمشتاقٍ بلا أَمَلِ
والهجرُ أقتلُ لي مما أفارقه ... أنا الغريقُ فما خوفي من البللِ
وقال ابن الحجاج: من السريع
يا مولعاً بالهجر مَهْلاً فقد ... عَلَّمتني الصبرَ على الهجرِ
وقد تسببت لقلبي إلى ... سُلُوِّهِ من حيثُ لا تدري
صبراً وتسليماً وهل لي إذا ... جنت سوى التسليم والصبرِ
كم تتجنَّى والتجنيّ إذا ... فَكَّرتَ فيه أَوَّلُ الغدرِ
عتب المأمون على عريب وهجرها أياماً، ثم اعتلت فعادها فقال: كيف وجدت طعم الهجر؟ فقالت: يا أمير المؤمنين لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل، ومن ذم بدء الغضب حمد عاقبة الرضى؛ فخرج المأمون إلى جلسائه فحدثهم بالقصة وقال: أترى لو كان من كلام النظام لم يكن كثيراً؟ وكلمها دفعةً بكلامٍ أغضبها فهجرته، فدخل أحمد بن أبي دواد فقال: يا أحمد اقض بيننا، فقالت عريب: لا حاجة لي في قضائه ودخوله بيننا ثم أنشأت تقول: من المنسرح:
ونخلط الهجرَ بالوصالِ ولا ... يدخل في الصلحِ بيننا أَحَدُ
وقال ابن مقبل: من الطويل
فأصبحنَ لا يَسقيننا من مَوَدَّةٍ ... بِلالاً ولو سالتْ بهنَّ الأباطحُ
إذا الناسُ قالوا كيف أنت وقد بدا ... ضميرُ الهوى بي قلتُ للناسِ صالحُ
أُري الناسَ أني لا أحبّ وأنني ... سلوتُ وفي قلبي كلومٌ جوارحُ
وقال عتيق بن مفرج المغربي: من الكامل
خُمْصَانَةٌ مِلءُ الإزارِ إذا مَشَتْ ... تمشي الهوينا خَطْوُها مَقْصُورُ
قالت وقد نظرتْ إليَّ بمقلةٍ ... هاروتُ من أجفانها مسحورُ
عرَّضْتُ نفسي في الهوى وَتَلُومُها ... إنّ المحبَّ على الهوى لجسورُ
ما أنت أوَّل مُغْرَمٍ هَجَرَ الكرى ... لما تيقَّنَ أنه مهجورُ

النوع الثالث
الشوق والنزاع
قال ابن ميادة، وهو الرماح بن أبرد: من الطويل
ألا ليتَ شِعْري هل أبيتنَّ ليلةً ... بِحَرَّةِ ليلى حيث ربَبَّني أهلي
بلادٌ بها نِيطَتْ عليَّ تمائمي ... وَقُطِّعْنَ عني حيثُ أدركني عقلي
وروي أن عبد السلام ابن القتال الكلابي أنشد ابن ميادة البيت الثاني فأغار عليه وأدخله شعره. يقال: ربيته ورببته، ومنه قول الأحوص: من الطويل
وفي بيتهِ مثلُ الغزال المُرَبَّب
وقال آخر: من الطويل
لعمركَ إني يومَ بانوا ولم أَمُتْ ... خُفَاتاً على آثارهمْ لصَبُورُ
أهذا ولمّا تمضِ للبينِ ليلةٌ ... فكيف إذا مَرَّت عليكَ شهورُ
وقال آخر: من الطويل
يَقَرُّ بعيني أن أَرَى من بلادِهَا ... ذَرَى عَقَداتِ الأجْرَعِ المتقاوِدِ
وأن أرِدَ الماءَ الذي وَرَدَتْ به ... سُلَيْمى وقد ملَّ السُّرَى كلُّ واحد
وأُلصقَ أحشائي بِبَرْدِ ترابِهِ ... ولو كان ممزوجاً بِسُمِّ الأساودِ
وقال جميل: من الطويل
وما صادياتٌ حُمْنَ يوماً وليلةً ... على الماءِ يَغْشَيْنَ العصيَّ حواني
لوابث لا يَصْدُرْنَ عنه لوجهةٍ ... ولا هُنَّ من بَرْدِ الحياضِ دواني
يَرَيْنَ حبابَ الماءِ والموتُ دونَهُ ... فهنَّ لأصواتِ السقاةِ رواني
بأوجعَ مني جَهْدَ شوقٍ وغُلَّةٍ ... إليكِ ولكنَّ العدوَّ عداني

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19