كتاب : أبحاث هيئة كبار العلماء
المؤلف : هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

هـ - وقال المرداوي في [ الإنصاف ] : قوله : ( وإن ماتت حامل لم يشق بطنها ) وهذا المذهب نص عليه ، وعليه أكثر الأصحاب ، قال الزركشي : هذا المنصوص ، وعليه الأصحاب . وقوله : ( ويحتمل أن يشق بطنها إذا غلب على الظن أنه يحيا ) وهو وجه في ابن تميم وغيره . فعلى المذهب ( تسطو عليه القوابل فيخرجنه ) إذا احتمل حياته على الصحيح من المذهب ، وقال القاضي في الخلاف : إن لم يوجد أمارات الظهور بانتفاخ المخارج وقوة الحركة فلا تسطو القوابل .
فعلى الأول : إن تعذر إخراجه بالقوابل : فالمذهب : أنه لا يشق بطنها ، قاله في [ المغني ] و [ الشرح ] و [ الفروع ] وغيرها . وعليه أكثر الأصحاب ، واختار ابن هبيرة : أنه يشق ويخرج الولد . قلت : وهو أولى . فعلى المذهب : يترك ولا تدفن حتى يموت . قال في [ الفروع ] : هذا الأشهر ،

واختاره القاضي ، والمصنف ، وصاحب [ التلخيص ] ، وغيرهم وقدمه في [ الرعايتين ] ، و [ الحاويين ] ، وعنه : يسطو عليه الرجال ، والأولى بذلك المحارم ، اختاره أبو بكر ، والمجد : كمداواة الحي ، وصححه في [ مجمع البحرين ] ، وهو أقوى من الذي قبله . وأطلقهما ابن تميم ولم يقيده الإمام أحمد بالمحرم ، وقيده ابن حمدان بذلك . اهـ (1) .
و - وقال ابن حزم في [ المحلى ] :
مسألة : ومن بلع درهما أو دينارا أو لؤلؤة شق بطنه عنها ؛ لصحة نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ، ولا يجوز أن يجبر صاحب المال على أخذ غير عين ماله ، ما دام عين ماله ممكنا ؛ لأن كل ذي حق أولى بحقه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام » (2) فلو بلعه وهو حي حبس حتى يرميه ، فإن رماه ناقصا ضمن ما نقص ، فإن لم يرمه ضمن ما بلع ، ولا يجوز شق بطن الحي ؛ لأن فيه قتله ، ولا ضرر في ذلك على الميت ولا يحل شق بطن الميت بلا معنى ، لأنه تعد ، وقد قال تعالى : { وَلَا تَعْتَدُوا } (3) اهـ المقصود (4) .
وقال أيضا (5) :
مسألة : ولو ماتت امرأة حامل والولد حي يتحرك قد تجاوز ستة أشهر فإنه يشق بطنها طولا ويخرج الولد ؛ لقول الله تعالى : { وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } (6)
__________
(1) [ الإنصاف ] ( 2 \ 556 ) .
(2) صحيح البخاري الحج (1654),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1679),سنن ابن ماجه المقدمة (233),مسند أحمد بن حنبل (5/37),سنن الدارمي المناسك (1916).
(3) سورة البقرة الآية 190
(4) [ المحلى ] لابن حزم ( 5 \ 166 ، 167 ) ط . منيرية .
(5) [ المحلى ] لابن حزم ( 5 \ 166 ، 167 ) ط . منيرية .
(6) سورة المائدة الآية 32

ومن تركه عمدا حتى يموت فهو قاتل نفس ، ولا معنى لقول أحمد رحمه الله : تدخل القابلة يدها فتخرجه ، لوجهين :
أحدهما : أنه محال لا يمكن ولو فعل ذلك لمات الجنين بيقين قبل أن يخرج ، ولولا دفع الطبيعة المخلوقة المقدرة له وجر ، ليخرج لهلك بلا شك .
والثاني : أن مس فرجها لغير ضرورة حرام . اهـ .
قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على ذلك : أما إخراج الولد الحي من بطن الحامل إذا ماتت فإنه واجب ، وأما كيف يخرج فهذا من شأن أهل هذه الصناعة من الأطباء والقوابل .

المسألة الثالثة : أكل المضطر لحم آدمي ميت إذا لم يجد شيئا غيره : ثبت بالأدلة الصحيحة أن للمسلم ومن في حكمه حرمة ، وأنه يجب تكريمه حيا وميتا ، ومقتضى ذلك أنه لا يباح للمضطر أن يأكل من جسمه حيا ولا من جثته ميتا ، ولو لم يجد غيره ، ولو أدى ذلك إلى هلاكه ؛ لما في ذلك من انتهاك حرمته لمصلحة غيره ، وثبت بالأدلة الصحيحة أيضا أنه يجب على الإنسان أن يحافظ على حياته ، حتى إنه يجوز له أن يأكل حال الضرورة ما هو محرم عليه حال عدمها من ميتة الأنعام والدم ولحم الخنزير . . . إلخ ، بل يجب عليه أن يأكل من ذلك إذا خشي على نفسه الهلاك ، ومقتضى ذلك أنه يجوز له أو يجب أن يأكل ميتة الآدمي إبقاء على

حياته ، وعلى هذا نجد بين الأمرين تعارضا ، وهو مثار الخلاف بين الفقهاء في حكم هذه المسألة ، حيث منع بعضهم أكل المضطر من ميتة آدمي ولو كانت ميتة ذمي ، ترجيحا لحرمة الميت وإعمالا لأدلتها ، وأجاز آخرون له الأكل منها إذا لم يجد غيرها ؛ إيثارا لحق الحي على حق الميت .
وتقدم ما يمكن أن يعتبر مرجحا لهذا الجانب .
وفيما يلي ذكر بعض أقوالهم في حكم المسألة ، مع توجيه كل منهم لما ذهب إليه : ( والنص عدم جواز أكله ) ابن القصار : المضطر إلى أكل لحم الميتة لا يجد إلا لحم آدمي لا يأكله وإن خاف التلف ، ابن رشد : الصحيح : أن الميت من بني آدم ليس بنجس . . . ثم قال : والميت من بني آدم لا يسمى ميتة ، فليس برجس ولا نجس ، ولا حرم أكله لنجاسته ، وإنما حرم أكله إكراما له ، ألا ترى أنه لما لم يسم ميتة لم يجز للمضطر أن يأكله بإباحة الله له أن أكل الميتة على الصحيح من الأقوال . ( وصحح أكله ) ابن عرفة تعقب عبد الحق قول ابن القصار : المضطر لا يأكل ميتة آدمي . اهـ المقصود منه (1) .
أ - وقال أحمد الدردير في الشرح الكبير على مختصر خليل : النص المعول عليه ( عدم جواز أكله ) أي : أكل الآدمي الميت ولو كافرا ( لمضطر ) ولو مسلما لم يجد غيره ، إذ لا تنتهك حرمة مسلم لآخر ( وصحح أكله ) ابن عرفة : أي : صحح ابن عبد السلام القول بجواز أكله للمضطر (2) . اهـ .
__________
(1) [ مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ] ( 3 \ 77 ) .
(2) [ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ] ( 1 \ 429 ) .

ب - وقال النووي في [ الروضة ] : ثبت المحرم الذي يضطر إلى تناوله قسمان : مسكر ، وغيره ، فيباح جميعه ما لم يكن فيه إتلاف معصوم ، فيجوز للمضطر قتل الحربي والمرتد وأكله قطعا ، وكذا الزاني المحصن ، والمحارب ، وتارك الصلاة على الأصح منهم . ولو كان له قصاص على غيره ، ووجده في حالة اضطرار ، فله قتله قصاصا وأكله ، وإن لم يحضره السلطان ، وأما المرأة الحربية وصبيان أهل الحرب ففي [ التهذيب ] : أنه لا يجوز قتلهم للأكل ، وجوزه الإمام ، والغزالي ؛ لأنهم ليسوا بمعصومين ، والمنع من قتلهم ليس لحرمة أرواحهم ؛ ولهذا لا كفارة فيهم .
قلت : الأصح : قول الإمام ، والله أعلم .
والذمي ، والمعاهد ، والمستأمن معصومون ، فيحرم أكلهم ، ولا يجوز للوالد قتل ولده للأكل ، ولا للسيد قتل عبده ، ولو لم يجد إلا آدميا معصوما ميتا ، فالصحيح حل أكله ، قال الشيخ إبراهيم المروذي إلا إذا كان الميت نبيا ، فلا يجوز قطعا . قال في [ الحاوي ] : فإذا جوزنا لا يأكل منه إلا ما يسد الرمق ؛ حفظا للحرمتين ، قال : وليس له طبخه وشيه ، بل يأكله نيئا ؛ لأن الضرورة تندفع بذلك ، وطبخه هتك لحرمته ، فلا يجوز الإقدام عليه ، بخلاف سائر الميتات ، فإن للمضطر أكلها نيئة ومطبوخة ، ولو كان المضطر ذميا ، والميت مسلما ، فهل له أكله ؟
حكى فيه صاحب [ التهذيب ] وجهين .
قلت : القياس تحريمه ، والله أعلم .
ولو وجد ميتة ولحم آدمي أكل الميتة وإن كانت لحم خنزير ، وإن وجد المحرم صيدا ولحم آدمي أكل الصيد ، ولو أراد المضطر أن يقطع قطعة من

فخذه أو غيرها ليأكلها ، فإن كان الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو أشد حرم ، وإلا جاز على الأصح ، بشرط أن لا يجد غيره ، فإن وجد حرم قطعا ، ولا يجوز أن يقطع لنفسه من معصوم غيره قطعا ، ولا للغير أن يقطع من نفسه للمضطر . اهـ (1) .
ج - وقال ابن قدامة في [ المغني ] : ( فصل ) : وإن لم يجد إلا آدميا محقون الدم لم يبح له قتله إجماعا ولا إتلاف عضو منه ، مسلما كان أو كافرا ؛ لأنه مثله ، فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه ، وهذا لا خلاف فيه ، وإن كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي أن له قتله وأكله ؛ لأن قتله مباح ، وهكذا قال أصحاب الشافعي ؛ لأنه لا حرمة له ، فهو بمنزلة السباع ، وإن وجده ميتا أبيح أكله ؛ لأن أكله مباح بعد قتله فكذلك بعد موته ، وإن وجد معصوما ميتا لم يبح أكله في قول أصحابنا ، وقال الشافعي وبعض الحنفية : يباح ، وهو أولى ؛ لأن حرمة الحي أعظم ، قال أبو بكر بن داود : أباح الشافعي أكل لحوم الأنبياء ، واحتج أصحابنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : « كسر عظم الميت ككسر عظم الحي » (2) .
واختار أبو الخطاب أن له أكله ، قال : لا حجة في الحديث ههنا ؛ لأن الأكل من اللحم لا من العظم . اهـ (3)
د - وقال المرداوي في [ الإنصاف ] : فإن لم يجد إلا آدميا مباح الدم كالحربي والزاني المحصن - حل قتله وأكله ، هذا المذهب وعليه جماهير
__________
(1) [ روضة الطالبين ] ( 3 \ 284 ، 285 ) .
(2) سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1617).
(3) المغني ، للإمام موفق الدين ابن قدامة ، ط \ عام 1392 هـ . ويليه [ الشرح الكبير ] للإمام شمس الدين ابن قدامة ، ط \ دار الكتاب العربي - بيروت لبنان ، ( 11 \ 79 ، 80 ) .

الأصحاب ، وقال في [ الترغيب ] : يحرم أكله وما هو ببعيد . قوله : وإن وجد معصوما ميتا ففي جواز أكله وجهان ، وأطلقها في المذهب و [ المحرر ] و [ النظم ] :
أحدهما : لا يجوز ، وعليه جماهير الأصحاب ، قال المصنف والشارح : اختاره الأكثر ، كذا قال في [ الفروع ] وجزم به في [ الإفصاح ] وغيره . قال في [ الخلاصة ] ، و [ الرعايتين ] ، و[ الحاويين ] : لم يأكله في الأصح ، قال في [ الكافي ] : هذا اختيار غير أبي الخطاب ، قال في [ المغني ] : اختاره الأصحاب .
الثاني : يجوز أكله ، وهو المذهب على ما اصطلحناه ، صححه في [ التصحيح ] ، واختاره أبو الخطاب في [ الهداية ] ، و [ المصنف ] أو [ الشارح ] ، قال في الكافي : هذا أولى . وجزم به في [ الوجيز ] و [ المنور ] ومنتخب الآدمي ، وقدمه في [ الفروع ] .
فائدتان :
إحداهما : يحرم عليه أكل عضو من أعضائه على الصحيح من المذهب ، وعليه أكثر الأصحاب وقطعوا به ، وقال في [ الفنون ] عن حنبل : إنه لا يحرم ، انتهى (1) .
هـ - وقال ابن حزم في [ المحلى ] : مسألة : وكل ما حرم الله من المآكل والمشارب من خنزير أو صيد حرام أو ميتة أو دم أو لحم سبع طائر أو ذي أربع أو حشرة أو خمر أو غير ذلك - فهو كله عند الضرورة حلال ، حاشا
__________
(1) [ الإنصاف ] ( 10 \ 376 ) ، وانظر الفائدة الثانية في نفس الصفحة المذكورة ( الناشر ) .

لحوم بني آدم وما يقتل من تناوله ، فلا يحل شيء من ذلك أصلا ، لا بضرورة ولا بغيرها . . . وبعد أن ذكر وجه حل ذلك للمضطر قال : وأما استثناء لحوم بني آدم فلما ذكرنا قبل من الأمر بمواراتها فلا يحل غير ذلك . اهـ (1) .
__________
(1) [ المحلى ] ( 5 \ 426 ) .

المسألة الرابعة : إلقاء أحد ركاب سفينة خشي عليها العطب فيلقى أحدهم في البحر بقرعة لينجو الباقون :
الأصل في المسلمين أنهم سواء في عصمة الدم ووجوب المحافظة على حياتهم ، فإذا ركب منهم جماعة سفينة ثم أحدق بها الخطر وخشي من فيها على أنفسهم الغرق وعلموا أو غلب على ظنهم أن لا نجاة لهم إلا بتخفيف السفينة بإلقاء واحد منهم بالقرعة ، فهل يجوز لهم ذلك أو لا ؟
هذا محل نظر واجتهاد :
لذا اختلف فيه العلماء : فبعضهم لا يرى القرعة في مثل هذه المسألة ؛ لاستواء الركاب في عصمة الدم ، ووجوب محافظة كل منهم على حياته ، فيحرم على كل منهم أن يلقي بنفسه في اليم لإنقاذ الباقين ، ويحرم عليهم جميعا أن يلقوا واحدا منهم بقرعة أو بدونها ؛ لأن مصلحة إنقاذ الباقين جزئية لا كلية ، ونجاتهم بإلقائه ظنية لا قطعية ، وبعضهم يرى إلقاء واحد منهم لإنقاذ الباقين ؛ لأن المصلحة هنا وإن كانت جزئية فهي متضمنة للمحافظة على أقوى المصلحتين ، وهو إنقاذ الجماعة التي لم تلق في اليم بتفويت مصلحة من ألقي فيه ، وهذا مستلزم لارتكاب أخف المفسدتين وهو إلقاء أحدهم في اليم تفاديا لأشدهما ، وهو هلاك الجميع إذا لم يلق أحدهم بالقرعة ، وكون نجاة

من بقي ظنية لا تأثير له في منع إلقاء واحد ما دام ظنا غالبا لا وهما ، فإن الظن الغالب تبنى عليه الأحكام ، فإن القتل العمد العدوان يثبت به حق القصاص بشهادة عدلين ، وشهادتهما إنما تفيد غلبة الظن ، وكذا شهادة عدلين بالسرقة ، وأربعة بزنا البكر والمحصن إلى غير هذا مما يفيد غلبة الظن وتثبت به الأحكام في الضروريات الخمس المعروفة .
أما اعتبار القرعة أصلا تبنى عليه الأحكام فهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه بعد ثبوته وبناء الأحكام عليه في الكتاب والسنة في مسائل كثيرة متنوعة ، قد يفيد استقراؤها القطع بثبوت هذا الأصل .
وفيما يلي نقول عن بعض العلماء في العمل بالقرعة في مواضع كثيرة منها هذه المسألة .
أ - وقال في [ نتائج الأفكار ] : قوله : والقرعة لتطييب القلوب وإزاحة تهمة الميل . قال الشراح : هذا جواب الاستحسان ، والقياس يأباها ؛ لأن استعمال القرعة تعليق الاستحقاق بخروج القرعة وهو في معنى القمار ، والقمار حرام ؛ ولهذا لم يجوز علماؤنا استعمالها في دعوى النسب ودعوى الملك وتعيين العتق أو المطلقة ، ولكنا تركنا القياس ههنا بالسنة والتعامل الظاهر من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير منكر ، وليس هذا في معنى القمار ؛ لأن أصل الاستحقاق في القمار ، يتعلق بما يستعمل فيه ، أو فيما نحن فيه لا يتعلق أصل الاستحقاق بخروج القرعة ؛ لأن القاسم لو قال : أنا عدلت في القسمة فخذ أنت هذا الجانب وأنت ذاك الجانب كان مستقيما ، إلا أنه ربما يتهم في ذلك فيستعمل القرعة لتطييب قلوب الشركاء ونفي تهمة الميل عن نفسه ، وذلك جائز ، ألا يرى أن يونس

عليه السلام في مثل هذا استعمل القرعة مع أصحاب السفينة ، كما قال الله تعالى : { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ } (1) ؛ وذلك لأنه علم أنه هو المقصود ، ولكن لو ألقى نفسه في الماء ربما نسب إلى ما لا يليق بالأنبياء ، فاستعمل القرعة ، كذلك زكريا عليه السلام ، استعمل القرعة مع الأحبار في ضم مريم إلى نفسه مع علمه بكونه أحق بها منهم ؛ لكون خالتها عنده تطييبا لقلوبهم ، كما قال الله تعالى : { إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } (2) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرع بين نسائه إذا أراد السفر تطييبا لقلوبهن . انتهى كلامهم .
وعزى في [ النهاية ] و [ معراج الدراية ] هذا التفصيل إلى [ المبسوط ] .
أقول : بين أول كلامهم هذا وآخره تدافع ؛ لأنهم صرحوا أولا بأن مشروعية استعمال القرعة ههنا جواب الاستحسان ، والقياس يأبى ذلك ؛ لكونه في معنى القمار ، وقالوا آخرا : إن هذا ليس في معنى القمار ، وبينوا الفرق بينه وبين القمار ، وذكروا : ورود نظائر له في الكتاب والسنة فقد دل ذلك على أنه ليس مما يأباه القياس أصلا ، بل هو مما يقتضيه القياس أيضا فتدافعا . اهـ .
ب - وقال في [ كتاب الأم ] ( كتاب القرعة ) : أخبرنا الربيع بن سليمان قال : أخبرنا الشافعي قال : قال الله تعالى : { وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } (3) إلى قوله : { يَخْتَصِمُونَ } (4) وقال الله عز وجل : { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } (5) { إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } (6) { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ } (7) ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى :
__________
(1) سورة الصافات الآية 141
(2) سورة آل عمران الآية 44
(3) سورة آل عمران الآية 44
(4) سورة آل عمران الآية 44
(5) سورة الصافات الآية 139
(6) سورة الصافات الآية 140
(7) سورة الصافات الآية 141

فأصل القرعة في كتاب الله في قصة المقترعين على مريم والمقارعي يونس مجتمعة ، فلا تكون القرعة - والله أعلم - إلا بين قوم مستوين في الحجة ولا يعدو - والله تعالى أعلم - المقترعون على مريم أن يكونوا سواء في كفالتها فتنافسوها . ثم قال : فالقرعة تلزم أحدهما ما يدفع عن نفسه وتخلص له ما يرغب فيه لنفسه وتقطع ذلك عن غيره ممن هو مثل حاله ، ( قال ) : وهكذا معنى قرعة يونس لما وقفت بهم السفينة فقالوا : ما يمنعها من أن تجري إلا علة بها ، وما علتها إلا ذو ذنب فيها فتعالوا نقترع ، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس عليه السلام فأخرجوه منها وأقاموا فيها ، وهذا مثل معنى القرعة في الذين اقترعوا على كفالة مريم ؛ لأن حال الركبان كانت مستوية وإن لم يكن في هذا حكم يلزم أحدهم في حالة شيئا لم يلزم قبل القرعة ، ويزيل عن آخر شيئا كان يلزمه ، فهو يثبت على بعض حقا ويبين في بعض أنه بريء منه ، كما كان في الذين اقترعوا على كفالة مريم غرم وسقوط غرم ، ( قال الشافعي ) : وقرعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل موضع أقرع فيه في مثل معنى الذين اقترعوا على كفالة مريم سواء لا يخالفه ، وذلك أنه أقرع بين مماليك أعتقوا معا فجعل العتق تاما لثلثهم وأسقط عن ثلثيهم بالقرعة ، وذلك أن المعتق في مرضه أعتق ماله ومال غيره ، فجاز عتقه في ماله ولم يجز في مال غيره ، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم العتق في ثلثه ولم يبعضه كما يجمع القسم بين أهل المواريث ولا يبعض عليهم ، وكذلك كان إقراعه لنسائه أن يقسم لكل واحدة منهن في الحضر ، فلما كان السفر كان منزلة يضيق فيها الخروج بكلهن ، فأقرع بينهن فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وسقط حق غيرها في غيبته بها ، فإذا حضر عاد للقسم لغيرها ولم يحسب عليها أيام

سفرها ، وكذلك قسم خيبر ، فكان أربعة أخماسها لمن حضر ثم أقرع ، فأيهم خرج سهمه على جزء مجتمع كان له بكماله وانقطع منه حق غيره وانقطع حقه عن غيره . أخبرنا ابن عيينة عن إسماعيل بن أمية عن يزيد بن يزيد بن جابر عن مكحول عن ابن المسيب ، « أن امرأة أعتقت ستة مملوكين لها عند الموت ليس لها مال غيرهم ، فأقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة » (1) . أخبرنا عبد الوهاب عن أيوب عن رجل عن أبي المهلب عن عمران بن حصين : « أن رجلا من الأنصار إما قال : أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين ليس له شيء غيرهم ، وإما قال : أعتق عند موته ستة مملوكين ليس له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا شديدا ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء ، فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة » (2) . إلى أن قال : ( أخبرنا ) ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن أبي الزناد : أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قضى في رجل أوصى بعتق رقيقه وفيهم الكبير والصغير ، فاستشار عمر رجالا منهم خارجة بن زيد بن ثابت فأقرع بينهم . ثم قال أبو الزناد : حدثني رجل عن الحسن : « أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بينهم . . . » (3) ثم ساق كلاما ، وقال بعده : ( قال الشافعي ) وبهذا كله نأخذ . وحديث القرعة عن عمران بن حصين وابن المسيب موافق قول ابن عمر في العتق لا يختلفان في شيء حكي فيهما ولا في واحد منهما ، وذلك أن المعتق أعتق رقيقه عند الموت ولا مال له غيرهم ، وإن كان أعتقهم عتق بتات في حياته فهكذا فيما أرى الحديث ، فقد دلت السنة على معاني منها : إن أعتق البتات عند الموت إذا لم يصح المريض قبل أن يموت فهو وصية كعتقه بعد الموت ، فلما أقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ، فأعتق الثلث وأرق الثلثين ، استدللنا
__________
(1) سنن أبو داود العتق (3958),مسند أحمد بن حنبل (5/341).
(2) صحيح مسلم الأيمان (1668),سنن الترمذي الأحكام (1364),سنن النسائي الجنائز (1958),سنن أبو داود العتق (3958),سنن ابن ماجه الأحكام (2345),مسند أحمد بن حنبل (4/428).
(3) صحيح مسلم الأيمان (1668),سنن الترمذي الأحكام (1364),سنن النسائي الجنائز (1958),سنن أبو داود العتق (3958),سنن ابن ماجه الأحكام (2345),مسند أحمد بن حنبل (4/446),موطأ مالك العتق والولاء (1506).

على أن المعتق أعتق ماله ومال غيره ، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم ماله ورد مال غيره . اهـ المقصود (1) .
ج - وقال ابن حجر في [فتح الباري] (2) عند تفسير قوله تعالى : { وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } (3) الآية : أشار البخاري بذكر هذه الآية إلى الاحتجاج بهذه القصة في صحة الحكم بالقرعة ، بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه ، ولا سيما إذا ورد في شرعنا ما يقرره ، وساقه مساق الاستحسان والثناء على فاعله ، وهذا منه . اهـ .
وقال في تفسير قوله تعالى : { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ } (4) والاحتجاج بهذه الآية في إثبات القرعة يتوقف على أن شرع من قبلنا شرع لنا ، وهو كذلك ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه ، وهذه المسألة من هذا القبيل ؛ لأنه كان في شرعهم جواز إلقاء البعض لسلامة البعض ، وليس ذلك في شرعنا ؛ لأنهم مستوون في عصمة الأنفس فلا يجوز إلقاؤهم بقرعة ولا بغيرها . اهـ .
وقال (5) : والمشهور عند الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة ، قال عياض : هو مشهور عند مالك وأصحابه ؛ لأنه من باب الخطر والقمار ،
__________
(1) [ الأم ] للشافعي ( 8 \ 3 ، 4 ) الطبعة الأولى 1381هـ
(2) [فتح الباري] (5\292).
(3) سورة آل عمران الآية 44
(4) سورة الصافات الآية 141
(5) [ فتح الباري ] ( 9 \ 311 )

وحكي عن الحنفية إجازتها . اهـ . وقد قالوا به في مسألة الباب ، واحتج من منع من المالكية بأن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها ، فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر لأضر بحال الرجل ، وكذا بالعكس قد يكون بعض النساء أقوم ببيت الرجل من الأخرى . وقال القرطبي : ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء ، وتختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا تخرج واحدة معه فيكون ترجيحا بغير مرجح . اهـ . وفيه مراعاة للمذهب مع الأمن من رد الحديث أصلا لحمله على التخصيص ، فكأنه خصص العموم بالمعنى .

وقال ابن حجر في [فتح الباري]: مشروعية القرعة مما اختلف فيه : والجمهور على القول بها في الجملة ، وأنكرها بعض الحنفية ، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة القول بها ، وجعل المصنف ضابطها الأمر المشكل ، وفسرها غيره بما ثبت فيه الحق لاثنين فأكثر ، وتقع المشاحة فيه فيقرع لفصل النزاع ، وقال إسماعيل القاضي : ليس في القرعة إبطال الشيء من الحق ، كما زعم بعض الكوفيين ، بل إذا وجبت القسمة بين الشركاء فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة ثم يقترعوا فيصير لكل واحد ما وقع له بالقرعة مجتمعا مما كان له في الملك مشاعا ، فيضم في موضع بعينه ، ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه ، لأن مقادير ذلك قد عدلت بالقيمة ، وإنما أفادت القرعة ألا يختار واحد منهم شيئا معينا فيختاره الآخر فيقطع التنازع ، وهي إما في الحقوق المتساوية ، وإما في تعيين الملك ، فمن الأول عقد الخلافة إذا استووا في صفة الإمامة ، وكذا بين الأئمة في الصلوات

والمؤذنين والأقارب في تغسيل الموتى والصلاة عليهم ، والحاضنات إذا كن في درجة ، والأولياء في التزويج ، والاستباق إلى الصف الأول ، وفي إحياء الموات ، وفي نقل المعدن ، ومقاعد الأسواق ، والتقديم بالدعوى عند الحاكم ، والتزاحم على أخذ اللقيط ، والنزول في الخان المسبل ونحوه ، وفي السفر ببعض الزوجات ، وفي ابتداء القسم ، والدخول في ابتداء النكاح ، وفي الإقراع بين العبيد إذا أوصى بعتقهم ولم يسعهم الثلث ، وهذه الأخيرة من صور القسم الثاني أيضا ، وهو تعيين الملك ، ومن صور تعيين الملك : الإقراع بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة . اهـ (1) .
د - قال ابن القيم في [ الطرق الحكمية ] فصل القرعة : ومن طرق الأحكام الحكم بالقرعة ، قال تعالى : { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } (2) قال قتادة : ( كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم فتشاح عليها بنو إسرائيل ، فاقترعوا عليها بسهامهم أيهم يكفلها ، فقرع زكريا ، وكان زوج خالتها ، فضمها إليه ) ، وروي نحوه عن مجاهد ، وقال ابن عباس : ( لما وضعت مريم في المسجد اقترع عليها أهل المصلى ، وهم يكتبون الوحي ، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها ) وهذا متفق عليه بين أهل التفسير .
وقال تعالى : { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } (3) { إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } (4) { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ } (5)
__________
(1) [ فتح الباري ] ( 5 \ 293 ، 294 ) .
(2) سورة آل عمران الآية 44
(3) سورة الصافات الآية 139
(4) سورة الصافات الآية 140
(5) سورة الصافات الآية 141

أي : ( فقارع فكان من المغلوبين ) .
فهذان نبيان كريمان استعملا القرعة ، وقد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا إن صح ذلك عنهم .
وفي [ الصحيحين ] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا » (1) .
وفي [ الصحيحين ] أيضا عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم : « كان إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه » (2) .
وفي [ صحيح مسلم ] عن عمران بن حصين : « أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ، لم يكن له مال غيرهم ، فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثا ، ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ، وقال له قولا شديدا » (3) .
وفي [ صحيح البخاري ] عن أبي هريرة : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض على قوم اليمين ، فسارعوا إليه ، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين : أيهم يحلف » (4) . وفي سنن أبي داود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها ، فليستهما عليها » (5) ، وفي رواية أحمد : « إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها » (6) ، وفيه أيضا . « أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس لواحد منهما بينة ، فقال : استهما على اليمين ما كان ، أحبا ذلك أو كرها » (7) .
وفي [ الصحيحين ] عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت : « أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان ، يختصمان في مواريث لهما ، لم تكن
__________
(1) صحيح البخاري الأذان (590),صحيح مسلم الصلاة (437),سنن الترمذي الصلاة (225),سنن النسائي الأذان (671),سنن أبو داود الأدب (5245),سنن ابن ماجه المساجد والجماعات (797),مسند أحمد بن حنبل (2/303),موطأ مالك النداء للصلاة (295).
(2) صحيح البخاري المغازي (3910),صحيح مسلم التوبة (2770),سنن الترمذي تفسير القرآن (3180),سنن أبو داود الأدب (5219),سنن ابن ماجه الحدود (2567),مسند أحمد بن حنبل (6/198),سنن الدارمي النكاح (2208).
(3) صحيح مسلم الأيمان (1668),سنن الترمذي الأحكام (1364),سنن النسائي الجنائز (1958),سنن أبو داود العتق (3958),سنن ابن ماجه الأحكام (2345),مسند أحمد بن حنبل (4/431),موطأ مالك العتق والولاء (1506).
(4) صحيح البخاري الشهادات (2529),سنن أبو داود الأقضية (3616),سنن ابن ماجه الأحكام (2329),مسند أحمد بن حنبل (2/489).
(5) صحيح البخاري الشهادات (2529),سنن أبو داود الأقضية (3617),سنن ابن ماجه الأحكام (2329),مسند أحمد بن حنبل (2/524).
(6) صحيح البخاري الشهادات (2529),سنن أبو داود الأقضية (3617),سنن ابن ماجه الأحكام (2329),مسند أحمد بن حنبل (2/524).
(7) صحيح البخاري الشهادات (2529),سنن أبو داود الأقضية (3616),سنن ابن ماجه الأحكام (2329),مسند أحمد بن حنبل (2/524).

لهما بينة إلا دعواهما ، فقال : " إنما أنا بشر ، وإنكم تختصمون ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو مما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا ، فإنما أقطع له قطعة من النار » (1) رواه أبو داود في السنن ، وفيه : « فبكى الرجلان ، وقال كل واحد منهما : حقي لك ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : أما إذا فعلتما ما فعلتما فاقتسما ، وتوخيا الحق ، ثم استهما ، ثم تحالا . » (2)
فهذه السنة - كما ترى - قد جاءت بالقرعة ، كما جاء بها الكتاب ، وفعلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده . قال البخاري في [صحيحه] : ( ويذكر أن قوما اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد ) وقد صنف أبو بكر الخلال مصنفا في القرعة ، وهو في جامعه ، فذكر مقاصده . قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم وجعفر بن محمد : القرعة جائزة . وقال يعقوب بن بختان : سئل أبو عبد الله عن القرعة ومن قال : إنها قمار ؟ قال : إن كان ممن سمع الحديث فهذا كلام رجل له خبر يزعم أن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قمار .
وقال المروذي : قلت لأبي عبد الله : إن ابن أكثم يقول : إن القرعة قمار ، قال : هذا قول رديء خبيث ، ثم قال : كيف ؛ وقد يحكمون هم بالقرعة في وقت إذا قسمت الدار ولم يرضوا قالوا : يقرع بينهم ، وهو يقول : لو أن رجلا له أربع نسوة فطلق إحداهن وتزوج الخامسة ولم يدر أيتهن التي طلق ، قال : يورثهن جميعا ، ويأمرهن أن يعتددن جميعا ، وقد ورث من لا ميراث لها . وقد أمر أن تعتد من لا عدة عليها ، والقرعة تصيب الحق ، فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو الحارث : كتبت إلى أبي عبد الله أسأله ، فقلت : إن بعض الناس ينكر القرعة ويقول : هي قمار اليوم ، ويقول : هي
__________
(1) صحيح البخاري المظالم والغصب (2326),صحيح مسلم الأقضية (1713),سنن الترمذي الأحكام (1339),سنن النسائي آداب القضاة (5422),سنن أبو داود الأقضية (3583),سنن ابن ماجه الأحكام (2317),مسند أحمد بن حنبل (6/320),موطأ مالك الأقضية (1424).
(2) صحيح البخاري المظالم والغصب (2326),صحيح مسلم الأقضية (1713),سنن الترمذي الأحكام (1339),سنن النسائي آداب القضاة (5422),سنن أبو داود الأقضية (3583),سنن ابن ماجه الأحكام (2317),مسند أحمد بن حنبل (6/320),موطأ مالك الأقضية (1424).

منسوخة ؟ فقال أبو عبد الله : من ادعى أنها منسوخة فقد كذب ، وقال الزور ، القرعة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرع في ثلاثة مواضع : أقرع بين الأعبد الستة ، وأقرع بين نسائه لما أراد السفر ، وأقرع بين رجلين تدارأا في دابة ، وهي في القرآن في موضعين .
قلت : يريد أنه أقرع بنفسه في ثلاثة مواضع ، وإلا فأحاديث القرعة أكثر ، وقد تقدم ذكرها . قال : وهم يقولون إذا اقتسموا الدار والأرضين أقرع بين القوم ، فأيهم أصابته القرعة كان له ما أصاب من ذلك يجبر عليه .
وقال الأثرم . إن أبا عبد الله ذكر القرعة واحتج بها وبينها وقال : إن قوما يقولون : القرعة قمار ، ثم قال أبو عبد الله : هؤلاء قوم جهلوا ، فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم خمس سنن ، قال الأثرم : وذكرت له أنا حديث الزبير في الكفن فقال : حديث أبي الزناد ؛ فقلت : نعم ، قال أبو عبد الله : قال أبو الزناد يتكلمون في القرعة وقد ذكرها الله تعالى في موضعين من كتابه . وقال حنبل : سمعت أبا عبد الله قال في قوله تعالى : { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ } (1) أي : أقرع فوقعت القرعة عليه ، قال : وسمعت أبا عبد الله يقول : القرعة حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاؤه ، فمن رد القرعة فقد رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاءه وفعله ، ثم قال : سبحان الله لمن قد علم بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم ويفتي بخلافه ، قال الله تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } (2) وقال : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } (3) قال حنبل : وقال عبد الله بن الزبير
__________
(1) سورة الصافات الآية 141
(2) سورة الحشر الآية 7
(3) سورة المائدة الآية 92

الحميدي : من قال بغير القرعة فقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته التي قضى بها ، وقضى بها أصحابه بعده . وقال في رواية الميموني : في القرعة خمس سنن : حديث أم سلمة : « أن قوما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم في مواريث وأشياء درست بينهم فأقرع بينهم » (1) ، وحديث أبي هريرة حين تدارأا في دابة فأقرع بينهما ، وحديث الأعبد الستة ، وحديث : أقرع بين نسائه ، وحديث علي ، وقد ذكر أبو عبد الله من فعلها بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ابن الزبير وابن المسيب ، ثم تعجب من أصحاب الرأي وما يردون من ذلك .
قال الميموني : وقال لي أبو عبيد القاسم بن سلام - وذاكرني أمر القرعة - فقال : أرى أنها من أمر النبوة ، وذكر قوله تعالى : { إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } (2) وقوله : { فَسَاهَمَ } (3)
وقال أحمد في رواية الفضل بن عبد الصمد : القرعة في كتاب الله ، والذين يقولون : القرعة قمار قوم جهال ، ثم ذكر أنها في السنة ، وكذلك قال في رواية ابنه صالح : أقرع النبي صلى الله عليه وسلم في خمسة مواضع ، وهي في القرآن في موضعين .
وقال أحمد في رواية المروزي : حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عروة ، قال : أخبرني ابن الزبير : « أنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى كادت أن تشرف على القتلى قال : فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن تراهم ، فقال : المرأة ، المرأة
__________
(1) صحيح البخاري المظالم والغصب (2326),صحيح مسلم الأقضية (1713),سنن الترمذي الأحكام (1339),سنن النسائي آداب القضاة (5422),سنن أبو داود الأقضية (3583),سنن ابن ماجه الأحكام (2317),مسند أحمد بن حنبل (6/320),موطأ مالك الأقضية (1424).
(2) سورة آل عمران الآية 44
(3) سورة الصافات الآية 141

قال الزبير : فتوهمت أنها أمي صفية ، قال : فخرجت أسعى ، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى ، قال : فلهدت في صدري وكانت امرأة جلدة ، وقالت : إليك عني لا أم لك ، قال : فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم عليك ، فرجعت وأخرجت ثوبين معها فقالت : هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة ، فقد بلغني مقتله فكفنوه فيهما ، قال : فجئت بالثوبين ليكفن فيهما حمزة ، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل قد فعل به كما فعل بحمزة ، قال : فوجدنا غضاضة أن نكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له ، قلنا : لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب فقدرناهما ، فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقرعنا بينهما فكفنا كل واحد في الثوب الذي صار له . » (1) وقال في رواية صالح وحديث الأجلح عن الشعبي عن أبي الخليل عن زيد بن أرقم : وهو مختلف فيه . اهـ . وقد ذكر كيفية القرعة ومواضعها [ (2) .
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/165).
(2) الطرق الحكمية ] لابن قيم الجوزية ، تحقيق محمد حامد الفقي ، مطبعة السنة المحمدية بمصر عام 1372 هـ ص 287 - 291 .

المسألة الخامسة : تبييت المشركين أو رميهم بالمنجنيق ونحوه مما يعم الإهلاك به وفيهم النساء والأطفال
الكفار بالنسبة للمسلمين ، إما أهل حرب ، أو أهل ذمة ، فأهل الذمة يعاملون في الجملة معاملة المسلمين في عصمة الدم ورعاية حرمتهم أحياء وأمواتا ، وإن كان ذلك في المسلمين للإسلام وفي الذميين للوفاء بالعهد . وقد سبق الكلام عنهم في المسألة الأولى والثانية والثالثة تبعا للحديث عن المسلمين .
أما الكفار المحاربون فدمهم هدر ، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل من لا

شأن لهم في الحرب منهم كالنساء والصبيان ، وقد سبق الكلام على تبييت المحاربين من الكفار وقتالهم بما يعم إهلاكه وفيهم نساؤهم وصبيانهم في المسألة الأولى تبعا لقتالهم بما يعم وفيهم مسلمون أسارى أو تجار فأغنى عن إعادته هنا .

وقد كتب إلى فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا سؤال عن حكم الطب المرضي : فأجاب بجوازه بناء على المصلحة .
وفيما يلي نص السؤال والجواب .
السؤال : ما هو الحكم في إحضار الحكيم المعمول به في بعض الممالك الإسلامية الشرقية لأجل الاطلاع على من يخبر بموته وشهادته بصحة الخبر واكتشاف سبب الموت حتى لا يدفن الإنسان حيا ، ولا يخفى المرض المعدي ، وفي ذلك مما يفيد الأمة في حالتها الصحية ما لا يخفى ، فهل ذلك - رعاكم الله - مما لا يجوز مطلقا ، ولو كان الحكيم مسلما ولم يستتبع الكشف على الميت أدنى عملية جراحية أو ما يوجب أقل إهانة لكرامة الميت ولو مع تخصيص حكيم لمباشرة الرجل وحكيمة لمباشرة المرأة ، أو يسوغ مطلقا أم المقام فيه تفصيل ، أفيدونا تؤجروا وترحموا ؟ .
الجواب : ليس في هذه المسألة نص عن الشارع ، وهي من المسائل الدنيوية التي تتبع فيها قاعدة : درء المفاسد وجلب المصالح ، وحينئذ يختلف الحكم باختلاف الأموات ، فإذا وقع الشك في موت من ظهرت عليه علامات الموتى وعلم أن الطبيب يمكنه أن يعرف الحقيقة بالكشف عليه - فإن الكشف عليه يكون متعينا ، ويحرم دفنه مع بقاء الشك في موته وإبقائه عرضة للخطر ، ويختار الطبيب الذي يوثق به للعلم ببراعته وأمانته

على غيره ؛ لأن العبرة في ذلك بالثقة ، فإذا لم يوجد طبيب مسلم يوثق به ووجد غيره اعتمد عليه ، بل إذا وجد طبيب مسلم غير موثوق به وطبيب غير مسلم موثوق به بتكرار التجربة يرجح الاعتماد على الثاني ؛ لأن المسألة ليست عبادة فيكون الترجيح فيها بالدين ، بل أقول : إن من اشترط من الفقهاء إسلام الطبيب الذي يؤخذ بقوله في المرض الذي يبيح ترك الغسل والوضوء إلى التيمم ليس لاعتبار ذلك من أركان العدالة التي هي سبب الثقة ، وقد صرحوا حتى في هذه المسألة الدينية بأن المريض إذا صدق الطبيب الكافر بأن الماء يؤذيه في مرضه كان له أن يعمل بقوله ، وإذا كان من اشتبه في موته امرأة ووجدت طبيبة يوثق بها قدمت على الطبيب حتما ، فإن لم توجد كشف عليها الطبيب ، كما هو الشأن في جميع الأمراض ، ومن درء المفاسد والقيام بالمصالح العامة ما تفعله ( مصلحة الصحة ) بمصر وحيث توجد من مقاومة أسباب الوباء والأمراض المعدية ، ومن أعمالهم ما هو مفيد قطعا ، ومنه ما تظن فائدته ، فإذا علم أن في الكشف على الميت لمعرفة سبب مرضه مصلحة عامة - لم يكن ما يعبرون عنه بتكريم الميت مانعا من ذلك ، نعم ، إن إهانة الميت محظورة ، ولكن الإهانة تكون بالقصد ، وهو منتف هنا على أن درء المفاسد وحفظ المصالح العامة من الأصول التي لا تهدم بهذه الجزئيات ، والمدار على العلم بأن هنا مفسدة يجب درؤها أو مصلحة يجب حفظها ، فإذا علم أولو الأمر ذلك عملوا به والشرع عون لهم عليه .

وقد سئل فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف عن حكم إحراق جثث الموتى وتشريحهم ؟ فأجاب جوابا مستفيضا بين فيه المصالح التي تدعو إلى

التشريح وتبرره .
وفيما يلي نص السؤال والجواب :
السؤال : طلبت إحدى المصالح الحكومية بيان حكم الشريعة الغراء في إحراق جثث الموتى من المسلمين في زمن الأوبئة وفي حالة الوصية بذلك من المتوفى ؟ .
الجواب : اعلم أن تطبيب الأجسام وعلاج الأمراض أمر مشروع حفظا للنوع الإنساني حتى يبقى إلى الأمد المقدر له ، وقد تداوى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه ، وأمر به من أصابه مرض من أهله وأصحابه ، وقال : « تداووا ، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء » (1) ، وقال عليه الصلاة والسلام : « إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء ، علمه من علمه وجهله من جهله » (2) ودرج بعده أصحابه على هديه في التداوي والعلاج .
فكان الطب تعلما وتعليما مشروعا بقول الرسول وفعله ، بل بدلالة الآيات الواردة بالترخيص للمريض بالفطر تمكينا له من العلاج ، وبعدا عما يوجب تفاقم العلة أو الهلاك ، والترخيص لمن به أذى في رأسه في الإحرام ، وهو علاج للعلة وسبب للبرء ، والترخيص للمريض بالعدول عن الماء إلى التراب الطاهر حمية له أن يصيب جسده ، في ذلك كله تنبيه على حرص الشارع على التداوي وإزالة العلل والحمية من كل ما يؤذي الإنسان من الداخل أو الخارج ، كما أشار إليه الإمام ابن القيم في زاد المعاد ، فكان فن الطب علما وعملا من فروض الكفاية التي يجب على الأمة قيام طائفة منها بها ، وتأثم الأمة جميعها بتركه وعدم النهوض به ، كما أن جميع ما تحتاج إليه الأمة من العلوم والصناعات في تكوينها وبقائها من
__________
(1) سنن الترمذي الطب (2038),سنن أبو داود الطب (3855),سنن ابن ماجه الطب (3436).
(2) سنن ابن ماجه الطب (3438),مسند أحمد بن حنبل (1/443).

فروض الكفاية التي أمر بها الشارع ، وحث عليها ، وحذر من التهاون فيها . ومن مقدمات فن الطب ، بل من مقوماته تشريح الأجسام ، فلا يمكن الطبيب أن يقوم بطب الأجسام وعلاج الأمراض بأنواعها المختلفة إلا إذا أحاط خبرا بتشريح جسم الإنسان علما وعملا ، وعرف أعضاءه الداخلية وأجزاءه المكونة لبنيته واتصالاتها ومواضعها وغير ذلك ، فهو من الأمور التي لا بد منها لمن يزاول الطب حتى يقوم بما أوجب الله عليه من تطبيب المرضى وعلاج الأمراض ، ولا يمتري في ذلك أحد ، ولا يقال : قد كان فيما سلف طب ، ولم يكن هناك تشريح ؛ لأنه كان طبا بدائيا لعلل ظاهرة ، وكلامنا في طب واف لشتى الأمراض والعلل ، والعلوم تتزايد ، والوسائل تنمو وتكثر .
وإذا كان شأن التشريح ما ذكر كان واجبا بالأدلة التي أوجبت تعلم الطب وتعليمه ومباشرته بالعمل على الأمة لتقوم طائفة منها به ، فإن من القواعد الأصولية : أن الشارع إذا أوجب شيئا يتضمن ذلك إيجاب ما يتوقف عليه ذلك الشيء ، فإذا أوجب الصلاة كان ذلك إيجابا للطهارة التي تتوقف الصلاة عليها ، وإذا أوجب بما أومأنا إليه من الأدلة على الأمة تعلم فريق منها الطب وتعليمه ومباشرته ، فقد أوجب بذلك عليهم تعلم التشريح وتعليمه ومزاولته عملا .
هذا دليل جواز التشريح من حيث كونه علما يدرس وعملا يمارس ، بل دليل وجوبه على من تخصص في مهنة الطب البشري وعلاج الأمراض ، أما التشريح لأغراض أخرى كتشريح جثث القتلى لمعرفة سبب الوفاة وتحقيق ظروفها وملابساتها ، والاستدلال به على ثبوت الجناية على القاتل

أو نفيها عن متهم - فلا شبهة في جوازه أيضا إذا توقف عليه الوصول إلى الحق في أمر الجناية ؛ للأدلة الدالة على وجوب العدل في الأحكام حتى لا يظلم بريء ، ولا يفلت من العقاب مجرم أثيم .
وكم كان التشريح فيصلا بين حق وباطل ، وعدل وظلم ، فقد يتهم إنسان بقتل آخر بسبب دس السم له في الطعام ، ويشهد شهود الزور بذلك ، فيثبت التشريح أنه لا أثر للسم في الجسم ، وإنما مات الميت بسبب طبيعي فيبرأ المتهم ، ولولا ذلك لكان في عداد القاتلين أو المسجونين ، وقد يزعم مجرم ارتكب جريمة القتل ثم أحرق الجثة أن الموت بسبب الحرق لا غير ، فيثبت التشريح : أن الموت جنائي ، والإحراق إنما كان ستارا أسدل على الجريمة فيقتص من المجرم ، ولولا ذلك لأفلت من العقاب وبقي بين الناس جرثومة فساد . وهنا قد يثار حديث كرامة جسم الإنسان وما في كشفه وتشريحه من هوان فيظن جاهل أنه لا يجوز مهما كانت بواعثه ، ولكن بقليل من التأمل في قواعد الشريعة يعلم أن مدار الأحكام الشرعية على رعاية المصالح والمفاسد ، فما كان فيه مصلحة راجحة يؤمر به وما كان فيه مفسدة راجحة ينهى عنه ، فلا شك أن الموازنة بين ما في التشريح من هتك حرمة الجثة وما له من مصلحة في التطبيب والعلاج وتحقيق العدالة ، وإنقاذ البريء من العقاب ، وإثبات التهمة على المجرم الجاني تنادي برجحان هذه المصالح على تلك المفسدة .

ثم أتبع فتواه بفتوى في موضوع التشريح لفضيلة الشيخ يوسف الدجوي : قال : وقد اطلعت بعد كتابة هذا على فتوى في هذا الموضوع لشيخنا العلامة المحقق الشيخ يوسف الدجوي رحمه الله قال فيها ما نصه :

وليس عندنا في كتب الفقه نصوص شافية في هذا الموضوع ، وقد يظن ظان أن ذلك محرم لا تجيزه الشريعة التي كرمت الآدمي وحثت على إكرامه وأمرت بعدم إيذائه ، ولكن العارف بروح الشريعة وما تتوخاه من المصالح وترمي إليه من الغايات - يعلم أنها توازن دائما بين المصلحة والمفسدة فتجعل الحكم لأرجحهما على ما تقتضيه الحكمة ويوجبه النظر الصحيح ، فيجب إذا أن يكون نظرنا بعيدا متمشيا مع المصلحة الراجحة التي تتفق وروح الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان الكفيلة بسعادة الدنيا والآخرة .
وإذن نقول : من نظر إلى أن التشريح قد يكون ضروريا في بعض الظروف ؛ كما إذا اتهم شخص بالجناية على آخر وقد يبرأ من التهمة عندما يظهر التشريع أن ذلك الآخر غير مجني عليه ، وقد يجنى على رجل ثم يلقى بعد الجناية عليه في بئر بقصد إخفاء الجريمة وضياع الجناية إلى غير ذلك مما هو معروف ، فضلا عما في التشريح من تقدم العلم الذي تنتفع به الإنسانية كلها وينقذ كثيرا ممن أشفى على الهلكة أو أحاطت به الآلام من كل نواحيه فهو يأتيه الموت في كل مكان وما هو بميت إلى غير ذلك مما لا داعي للإطالة فيه - نقول : من نظر إلى ذلك الإجمال وما يتبعه من التفصيل لم يسعه إلا أن يفتي بالجواز تقديما للمصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة ، ومتى كان تشريح الميت بهذا القصد لم يكن إهانة له ولا منافيا لإكرامه ، على أن هذا أولى بكثير فيما نراه مما قرره الفقهاء ونصوا عليه في كتبهم من أن الميت إذا ابتلع مالا شق بطنه لإخراجه منه ولو كان مالا قليلا ، ويقدره بعض المالكية بنصاب السرقة ، أي : ربع دينار أو ثلاثة دراهم ، وكلام الشافعية قريب من هذا ، وربما كان الأمر عندهم أهون وأوسع في

تقدير المال الذي يبتلعه ، فإذا قسنا ذلك المال الضئيل على ما ذكرنا من الفوائد والمصالح وجدنا الجواز لدرء تلك المفاسد وتحصيل تلك المصالح أولى من الجواز لإخراج ذلك المال القليل فهو قياس أولوي فيما نراه . انتهى .
غير أنا نرى أنه لا بد من الاحتياط في ذلك حتى لا يتوسع فيه الناس بلا مبالاة فليقتصر فيه على قدر الضرورة ، وليتق الله الأطباء وأولو الأمر الذين يتولون ذلك ، وليعلموا أن الناقد بصير ، والمهيمن قدير ، والله يتولى هدى الجميع ، والله أعلم .

ثم كتبت

فتوى في جواز نقل عيون الموتى لترقيع قرنية الأحياء
قامت بمصر مؤسسة علمية اجتماعية تسمى : دار الإبصار تأسست في شهر يناير سنة 1951م ، ومن أغراضها إيجاد مركز لجمع العيون التي تصلح لعملية ترقيع القرنية وتوفيرها وإيجاد المواد الأخرى اللازمة لهذه العملية الخاصة باسترداد البصر وتحسينه وتوزيع العيون الواردة إلى الدار على الأعضاء ، وطلبت الدار من مصلحة الطب الشرعي بتاريخ 31 أكتوبر 1951 م السماح لها بالحصول على العيون اللازمة لهذه العملية من دار فحص الموتى الملحقة بمصلحة الطب الشرعي ، ونظرا إلى أن الجثث التي تنقل إلى دار فحص الموتى للتشريح لمعرفة أسباب الوفاة كلها خاصة بحوادث جنائية - طلبت المصلحة بكتابها المؤرخ 18 \ 2 \ 1952 م من قسم الرأي المختص إبداء الرأي في هذا الطلب من الوجهة القانونية ، فأرسل إلينا مستشار الدولة كتاب القسم المؤرخ 3 أبريل 1952م برقم ( 103 ) المتضمن طلب بيان الحكم الشرعي في هذا الموضوع وأضاف إلى ذلك أن بالولايات المتحدة معاهد مؤسسة دار الإبصار المصرية تقوم بجمع

عيون الموتى وتوزيعها على من يطلبها من الأطباء بعد التأكد من صلاحيتها فنيا لعملية الترقيع القرني ، وكذلك في إنجلترا وفرنسا وجنوب إفريقيا وبعض بلدان أوربا تشريعات خاصة لتسهيل الحصول على هذه العيون ، وقد اطلعنا على قانون دار الإبصار ، وعلى الكتب المشار إليها ، وعلى بحث ضاف في هذا الموضوع لسعادة الدكتور محمد صبحي باشا طبيب العيون الشهير .
الجواب : إنه واضح مما ذكر أن الباعث على طلب هذه المؤسسة للحصول على عيون بعض الموتى إنما هو التوصل بها فنيا إلى دفع الضرر الفادح عن الأحياء المصابين في أبصارهم وذلك مقصد عظيم تقره الشريعة الإسلامية ، بل تحث عليه ، فإذن المحافظة على النفس من المقاصد الكلية الضرورية للشريعة الغراء ، فإذا ثبت علميا أن ترقيع القرنية لهذه العيون هو الوسيلة الفنية لدرء خطر العمى أو ضعف البصر عند الإنسان - يجوز شرعا نزع عيون بعض الموتى لذلك بقدر ما تستدعيه الضرورة ؛ لوجوب المحافظة على النفس ؛ ولذا تقررت مشروعية التداوي من الأمراض ؛ محافظة على النفس من الآفات ، فقد تداوى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ألم به من الأمراض ، وأمر الناس بالتداوي لإزالة العلل والآلام فيما هو أقل شأنا مما نحن بصدده ، وذلك يستلزم مشروعية وسائله وجواز استعمال ما تقتضيه ضرورة التداوي والعلاج ، ولو كان محظورا شرعا إذا لم يقم غيره مما ليس بمحظور مقامه في نفعه ، بأن تعين التداوي به ، على أن الواجب شرعا على الأمة أن تختص منها طائفة بالطب والعلاج بقدر ما تستدعيه حاجتها ، وبحسب تنوع أمراضها ، فيجب أن يكون فيها أطباء في كل فروع الطب ،

ومنهم أطباء العيون ، سدا لحاجة الأمة في هذا الفرع بحيث إذا قصرت الأمة في ذلك كانت آثمة شرعا ، وهذا الواجب هو المعروف في الأصول بالواجب الكفائي أو الفرض الكفائي ، ويجب عليهم أن يحذقوا الفن حتى يؤدوا وظائفهم أكمل أداء ، فإذا هدوا إلى علاج نافع لأمراض العيون يحفظ حاسة البصر أو يعيدها بعد الفقدان وجب عليهم أن ينفعوا الناس به ، ووجب تمكينهم من وسائله بقدر ما تقتضيه الضرورة والحاجة ، وللوسائل في الشرع حكم المقاصد ؛ ولذلك جاز أن يباشر طلاب الطب وأساتذته تشريح جثث الموتى ما دام ذلك هو السبيل الوحيد لتعلم فن الطب وتعليمه والعمل به ، وبدونه لا يكون طب صحيح ولا علاج مثمر ، بل لا يعد طبيبا من لا يعرف فن التشريح علما وعملا ، كما قرر ذلك جميع الأطباء .
فيجب أن يمكن أطباء هذه المؤسسة من القيام بهذه المهمة الإنسانية الجليلة وعلاج عيون الأحياء بعيون الموتى الصالحة لذلك كشفا للضر عنهم ، ولا يمنع من ذلك ما يرى فيه من انتهاك حرمة الموتى ، فإن علاج الأحياء من الضروريات التي يباح فيها شرعا بارتكاب هذا المحظور ، هذا بتسليم أنه انتهاك لحرمة الموتى ، ولكن من القواعد الشرعية أن الضروريات تبيح المحظورات ؛ ولذا أبيح عند المخمصة أكل الميتة المحرمة ، وعند الغصة إساغة اللقمة بجرعة من الخمر المحرمة إحياء للنفس إذا لم يوجد سواهما مما يحل ، وجاز دفع الصائل ولو أدى إلى قتله ، وجاز شق بطن الميتة لإخراج الولد منها إذا كانت حياته ترجى ، بل قيل بجواز شق بطن الميت إذا ابتلع لؤلؤة ثمينة أو دنانير لغيره ، وإباحة المحظورات تقديرا للضرورات قاعدة يقتضيها العقل والشرع ، وفي الحديث : « لا ضرر ولا

ضرار » (1) وقد بني عليها كثير من الأحكام ؛ ولذا قال الفقهاء : الضرر يزال ، فعملا بهذه القاعدة يجوز نزع عيون بعض الموتى - مع ما فيه من المساس بحرمتهم - لإنقاذ عيون الأحياء من مضرة العمى والمرض الشديد .
ومن القواعد العامة : أن الحاجة تنزل منزل الضرورة عامة كانت أو خاصة ؛ ولذا أجاز الفقهاء بيع السلم مع كونه بيع المعدوم دفعا لحاجة المفلسين ، وأجازوا بيع الوفاء دفعا لحاجة المدينين ، ولا شك أن حاجة الأحياء إلى العلاج ودفع ضرر الأمراض وخطرها بمنزلة الضرورة التي يباح من أجلها ما هو محظور شرعا ، والدين يسر لا حرج فيه ، قال تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } (2)
على أنه إذا قارنا بين مضرة ترك العيون تفقد حاسة الإبصار ومضرة انتهاك حرمة الموتى - نجد الثانية أخف ضررا من الأولى ، ومن المبادئ الشرعية : أنه ( إذا تعارضت مفسدتان تدرأ أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما ضررا ، ولا شك أن الإضرار بالميت أخف من الإضرار بالحي ، ويجب أن يعلم أن إباحة نزع هذه العيون لهذا الغرض مقيدة بقدر ما تستدعيه الضرورة ؛ لما تقرر شرعا أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها فقط ؛ ولذلك لا يجوز للمضطر لأكل الميتة إلا قدر ما يسد الرمق ، وللمضطر لإزالة الغصة بالخمر إلا الجرعة المزيلة لها فقط ، ولا يجوز أن تستر الجبيرة من الأعضاء الصحيحة إلا القدر الضروري لوضعها ، ولا يجوز للطبيب أن ينظر من العورة إلا بقدر الحاجة الضرورية ، وغير خاف أن ابتناء الأحكام
__________
(1) سنن ابن ماجه الأحكام (2340),مسند أحمد بن حنبل (5/327).
(2) سورة الحج الآية 78

على المبادئ العامة والقواعد الكلية مسلك أصولي في تعريف الأحكام الجزئية للحوادث والوقائع النازلة التي لم يرد فيها بعينها نص عن الشارع ، ولذلك نجد الشريعة الإسلامية لا تضيق ذرعا بحادث جديد ، بل تفسح له صدرها وتشمله قواعدها الكلية ومبادئها العامة .
وإذ قد علم من هذا : أنه يجوز شرعا ، بل قد يتعين نزع عيون بعض الموتى لهذا الغرض العلمي الإنساني بقدر ما تستدعيه الضرورة - يعلم أنه لا يجوز أن يكون ذلك بقانون عام يخضع له جميع الموتى على السواء ؛ لأن ذلك - فضلا عن أنه لا تقتضيه الضرورة كما هو ظاهر - مفض إلى مفسدة عامة لا وزن بجانبها لمصلحة علاج مريض أو مرضى ، مظهرها ثورة أولياء الموتى وأهليهم إذا أريد انتزاع عيون موتاهم قهرا ثورة جامحة عامة ، فيجب أن يقتصر في ذلك على عيون بعض الموتى ممن ليس لهم أولياء ولا يعرف لهم أهل ، ومن الجناة الذين يحكم عليهم بالإعدام قصاصا ، والتحديد بهذا واف بالغرض دون اعتراض أحد أو مساس بحقه . والله أعلم .

ولفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي فتوى تتعلق بالموضوع رأينا إثباتها . وفيما يلي نصها (1) :
سؤال : هل يجوز أخذ جزء من جسد الإنسان وتركيبه في إنسان آخر مضطر إليه برضا من أخذ منه ؟ .
جواب : جميع المسائل التي تحدث في كل وقت ، سواء حدثت
__________
(1) [ الفتاوى السعدية ] للشيخ عبد الرحمن بن سعدي ، ص 143 - 148 .

أجناسها أو أفرادها - يجب أن تتصور قبل كل شيء ، فإذا عرفت حقيقتها ، وشخصت صفاتها ، وتصورها الإنسان تصورا تاما بذاتها ومقدماتها ونتائجها - طبقت على نصوص الشرع وأصوله الكلية ، فإن الشرع يحل جميع المشكلات : مشكلات الجماعات والأفراد ، ويحل المسائل الكلية والجزئية ، يحلها حلا مرضيا للعقول الصحيحة ، والفطر المستقيمة ، ويشترط أن ينظر فيه البصير من جميع نواحيه وجوانبه الواقعية والشرعية ، فنحن في هذه المسألة قبل كل شيء نقف على الحياد ، حتى يتضح لنا اتضاحا تاما للجزم بأحد القولين .
فنقول : من الناس من يقول : هذه الأشياء لا تجوز ؛ لأن الأصل أن الإنسان ليس له التصرف في بدنه بإتلاف أو قطع شيء منه أو التمثيل به ؛ لأنه أمانة عنده لله ؛ ولهذا قال تعالى : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } (1)
والمسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه .
أما المال : فإنه يباح بإباحة صاحبه ، وبالأسباب التي جعلها الشارع وسيلة لإباحة التملكات .
وأما الدم : فلا يباح بوجه من الوجوه ، ولو أباحه صاحبه لغيره ، سواء كان نفسا أو عضوا أو دما أو غيره ، إلا على وجه القصاص بشروطه ، أو في الحالة التي أباحها الشارع ، وهي أمور معروفة ليس منها هذا المسئول عنه .
ثم إن ما زعموه من المصالح للغير ، معارض بالمضرة اللاحقة لمن قطع منه ذلك الجزء ، فكم من إنسان تلف أو مرض بهذا العمل .
__________
(1) سورة البقرة الآية 195

ويؤيد هذا قول الفقهاء : من ماتت وهي حامل بحمل حي لم يحل شق بطنها لإخراجه ، ولو غلب الظن ، أو لو تيقنا خروجه حيا ، إلا إذا خرج بعضه حيا فيشق للباقي ، فإذا كان هذا في الميتة فكيف حال الحي ؛ فالمؤمن بدنه محترم حيا وميتا .
ويؤخذ من هذا أيضا أن الدم نجس خبيث ، وكل نجس خبيث لا يحل التداوي به ، مع ما يخشى عند أخذ دم الإنسان من هلاك أو مرض ، فهذا من حجج هذا القول .
ومن الناس من يقول : لا بأس بذلك ؛ لأننا إذا طبقنا هذه المسألة على الأصل العظيم للمحيط الشرعي - صارت من أوائل ما يدخل فيه ، وأن ذلك مباح ، بل ربما يكون مستحبا ، وذلك أن الأصل : إذا تعارضت المصالح والمفاسد ، والمنافع والمضار ، فإن رجحت المفاسد أو تكافأت منع منه ، وصار درء المفاسد في هذه الحال أولى من جلب المصالح ، وإن رجحت المصالح والمنافع على المفاسد والمضار اتبعت المصالح الراجحة . وهذه المذكورات مصالحها عظيمة معروفة ، ومضارها إذا قدرت فهي جزئية يسيرة منغمرة في المصالح المتنوعة .
ويؤيد هذا : أن حجة القول الأول ، وهي : أن الأصل أن بدن الإنسان محترم لا يباح بالإباحة ، متى اعتبرنا فيه هذا الأصل ، فإنه يباح كثير من ذلك للمصلحة الكثيرة المنغمرة في المفسدة بفقد ذلك العضو أو التمثيل به ، فإنه يباح لمن وقعت فيه الآكلة التي يخشى أن ترعى بقية بدنه ، يجوز قطع العضو المتآكل لسلامة الباقي ، وكذلك يجوز قطع الضلع التي لا خطر في قطعها ، ويجوز التمثيل في البدن بشق البطن أو غيره ؛ للتمكن من علاج

المرض ، ويجوز قلع الضرس ونحوه عند التألم الكثير ، وأمور كثيرة من هذا النوع أبيحت لما يترتب عليها من حصول مصلحة أو دفع مضرة . وأيضا فإن كثيرا من هذه الأمور المسئول عنها ، يترتب عليها المصالح من دون ضرر يحدث ، فما كان كذلك فإن الشارع لا يحرمه ، وقد نبه الله تعالى على هذا الأصل في عدة مواضع من كتابه ، ومنه قوله عن الخمر والميسر : { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } (1)
فمفهوم الآية : أن ما كانت منافعه ومصالحه أكثر من مفاسده وإثمه ، فإن الله لا يحرمه ولا يمنعه ، وأيضا فإن مهرة الأطباء المعتبرين متى قرروا تقريرا متفقا عليه أنه لا ضرر على المأخوذ من جسده ذلك الجزء ، وعرفنا ما يحصل من ذلك من مصلحة الغير ، كانت مصلحة محضة خالية من المفسدة ، وإن كان كثير من أهل العلم يجوزون ، بل يستحسنون إيثار الإنسان غيره على نفسه بطعام أو شراب هو أحق به منه ، ولو تضمن ذلك تلفه أو مرضه ونحو ذلك ، فكيف بالإيثار بجزء من بدنه لنفع أخيه النفع العظيم من غير خطر تلف ، بل ولا مرض ، وربما كان في ذلك نفع له ، إذا كان المؤثر قريبا أو صديقا خاصا ، أو صاحب حق كبير ، أو أخذ عليه نفعا دنيويا ينفعه ، أو ينفع من بعده .
ويؤيد هذا أن كثيرا من الفتاوى تتغير بتغير الأزمان والأحوال والتطورات ، وخصوصا الأمور التي ترجع إلى المنافع والمضار .
__________
(1) سورة البقرة الآية 219

ومن المعلوم أن ترقي الطب الحديث له أثره الأكبر في هذه الأمور ، كما هو معلوم مشاهد ، والشارع أخبر بأنه ما من داء إلا وله شفاء ، وأمر بالتداوي خصوصا وعموما ، فإذا تعين الدواء وحصول المنفعة بأخذ جزء من هذا ، ووضعه في الآخر ، من غير ضرر يلحق المأخوذ منه - فهو داخل فيما أباحه الشارع ، وإن كان قبل ذلك ، وقبل ارتقاء الطب فيه ضرر أو خطر ، فيراعى كل وقت بحسبه ؛ ولهذا نجيب عن كلام أهل العلم القائلين : بأن الأصل في أجزاء الآدمي تحريم أخذها ، وتحريم التمثيل بها ، فيقال : هذا يوم كان ذلك خطرا أو ضررا ، أو ربما أدى إلى الهلاك ، وذلك أيضا في الحالة التي ينتهك فيها بدن الآدمي وتنتهك حرمته ، فأما في هذا الوقت ، فالأمران مفقودان : الضرر مفقود ، وانتهاك الحرمة مفقود ، فإن الإنسان قد رضي كل الرضا بذلك ، واختاره مطمئنا مختارا ، لا ضرر عليه ، ولا يسقط شيء من حرمته ، والشارع إنما أمر باحترام الآدمي تشريفا له وتكريما ، والحالة الحاضرة غير الحالة الغابرة .
ونحن إنما أجزنا ذلك إذا كان المتولي طبيبا ماهرا ، وقد وجدت تجارب عديدة للنفع وعدم الضرر ، فبهذا يزول المحذور .
ومما يؤيد ذلك ما قاله غير واحد من أهل العلم ، منهم : شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم : أنه إذا أشكل عليك شيء ، هل هو حلال أم حرام ، أو مأمور به أو منهي عنه ؛ فانظر إلى أسبابه الموجبة وآثاره ونتائجه الحاصلة ، فإذا كانت منافع ومصالح وخيرات وثمراتها طيبة ، كان من قسم المباح أو المأمور به ، وإذا كان بالعكس ، كانت بعكس ذلك .
طبق هذه المسألة على هذا الأصل ، وانظر أسبابها وثمراتها ، تجدها

أسبابا لا محذور فيها ، وثمراتها خير الثمرات .
وإذ قال الأولون : أما ثمراتها - ( غير متيقنة ) فنحن نوافق عليها ، ولا يمكننا إلا الاعتراف بها ، ولكن الأسباب محرمة كما ذكرنا في أن الأصل في أجزاء الآدمي : التحريم ، وأن استعمال الدم استعمال للدواء الخبيث ، فقد أجبنا عن ذلك بأن العلة في تحريم الأجزاء إقامة حرمة الآدمي ، ودفع الانتهاك الفظيع ، وهذا مفقود هنا .
وأما الدم فليس عنه جواب إلا أن نقول : إن مفسدته تنغمر في مصالحه الكثيرة ، وأيضا ربما ندعي أن هذا الدم الذي ينقل من بدن إلى آخر ليس من جنس الدم الخارج الخبيث المطلوب اجتنابه والبعد عنه ، وإنما هذا الدم هو روح الإنسان وقوته وغذاؤه ، فهو بمنزلة الأجزاء أو دونها ، ولم يخرجه الإنسان رغبة عنه ، وإنما هو إيثار لغيره ، وبذل من قوته لقوة مخيره ، وبهذا يخف خبثه في ذاته ، وتلطفه في آثاره الحميدة ؛ ولهذا حرم الله الدم المسفوح ، وجعله خبيثا ، فيدل ( هذا ) على أن الدماء في اللحم والعروق ، وفي معدنها قبل بروزها ليست محكوما عليها بالتحريم والخبث .
فقال الأولون : هذا من الدم المسفوح ، فإنه لا فرق بين استخراجه بسكين أو إبرة أو غيرها ، أو ينجرح الجسد من نفسه فيخرج الدم ، فكل ذلك دم مسفوح محرم خبيث ، فكيف تجيزونه ، ولا فرق بين سفحه لقتل الإنسان أو الحيوان ، أو سفحه لأكل ، أو سفحه للتداوي به ، فمن فرق بين هذه الأمور فعليه الدليل .
فقال هؤلاء المجيزون : هب أنا عجزنا عن الجواب عن حل الدم المذكور فقد ذكرنا لكم عن أصول الشريعة ومصالحها ما يدل على إباحة

أخذ جزء من أجزاء الإنسان لإصلاح غيره ، إذا لم يكن فيه ضرر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » (1) و « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد » (2) .
فعموم هذا يدل على هذه المسألة ، وأن ذلك جائز .
فإذا قلتم : إن هذا في التواد والتراحم والتعاطف ، كما ذكره النبي لا في وصل أعضائه بأعضائه .
قلنا : إذا لم يكن ضرر ، ولأخيه فيه نفع فما الذي يخرجه من هذا ، وهل هذا إلا فرد من أفراده ؛ كما أنه داخل في الإيثار ، وإذا كان من أعظم خصال العبد الحميدة مدافعته عن نفس أخيه وماله ولو حصل عليه ضرر في بدنه أو ماله - فهذه المسألة من باب أولى وأحرى ، وكذلك من فضائله تحصيل مصالح أخيه ، وإن طالت المشقة ، وعظمت الشقة ، فهذه كذلك وأولى .
ونهاية الأمر : أن هذا الضرر غير موجود في هذا الزمن ، فحيث انتقلت الحال إلى ضدها وزال الضرر والخطر ، فلم لا يجوز ؛ ويختلف الحكم فيه لاختلاف العلة .
ويلاحظ أيضا في هذه الأوقات التسهيل ، ومجاراة الأحوال ، إذا لم تخالف نصا شرعيا ؛ لأن أكثر الناس لا يستفتون ولا يبالون ، وكثير ممن يستفتي إذا أفتي بخلاف رغبته وهواه تركه ولم يلتزم .
فالتسهيل عند تكافؤ الأقوال يخفف الشر ، ويوجب أن يتماسك الناس بعض التماسك ؛ لضعف الإيمان وعدم الرغبة في الخير ، كما يلاحظ أيضا أن العرف عند الناس : أن الدين الإسلامي لا يقف حاجزا دون المصالح الخالصة أو الراجحة ، بل يجاري الأحوال والأزمان ويتتبع المنافع
__________
(1) صحيح البخاري الصلاة (467),صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2585),سنن الترمذي البر والصلة (1928),سنن النسائي الزكاة (2560),سنن أبو داود الأدب (5131),مسند أحمد بن حنبل (4/405).
(2) صحيح البخاري الأدب (5665),صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2586),مسند أحمد بن حنبل (4/270).

والمصالح الكلية والجزئية ، فإن الملحدين يموهون على الجهال أن الدين الإسلامي لا يصلح لمجاراة الأحوال والتطورات الحديثة ، وهم في ذلك مفترون ، فإن الدين الإسلامي به الصلاح المطلق من كل وجه ، الكلي والجزئي ، وهو حلال لكل مشكلة خاصة أو عامة ، وغير قاصر من جميع الوجوه .

الموضوع الرابع : المقارنة بين المصالح التي بني عليها تشريح جثث الآدمي والمصالح التي بني عليها فقهاء الإسلام الاستثناء من قاعدة عصمة دماء بني آدم ووجوب تكريمهم ورعاية حرمتهم :
إن شريعة الإسلام تنزيل من حكيم حميد ، عليم بما كان وما سيكون ، وأنزلها على خير الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين ، وجعلها قواعد كلية ، ومقاصد سامية شاملة ، فكانت تشريعا عاما خالدا صالحا لجميع طبقات الخلق في كل زمان ومكان .
إن كثيرا من الجزئيات والوقائع التي حدثت لا نجدها منصوصا عليها نفسها في الكتاب أو السنة ، وربما لم تكن وقعت من قبل فلا يعرف لسلفنا الصالح فيها حكم ، لكن يتبين لبحث علماء الإسلام عنها أنها مندرجة في قاعدة شرعية عامة ، ومن ثم يعرف حكمها ، ومسألة تشريح جثث موتى بني آدم لا تعدو أن تكون جزئية من هذه الجزئيات التي لم ينص عليها في نص خاص ، فشأنها شأن الوقائع التي جدت ، لا بد أن تكون مشمولة بقاعدة كلية من قواعد الشريعة ، وراجعة لمقصد عام من مقاصدها العالية : ( ضرورة كمال الشريعة وشمولها ، وصلاحيتها لجميع الخلق ، وختمها

بمن أرسل رحمة للعالمين ) قال تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } (1) وقال : { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } (2) وقال : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } (3) وثبت في الحديث « لا أحد أحب إليه العذر من الله » (4) .
من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ، وبالبحث عن مسألة التشريح تبين أنها مندرجة تحت قواعد الشريعة العامة ، وراجعة إلى المصالح المعتبرة شرعا ، وأن لها نظائر من المسائل التي حكم فيها الفقهاء مع اختلاف نظرهم واجتهادهم فيها ، وهذا مما ينير الطريق ، ويهدي الباحث في مسألة التشريح ويساعده على الوصول إلى ما قد يكون صوابا إن شاء الله .
إن من قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها العامة : أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما ، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفاديا لأشدهما ، ومسألة التشريح داخلة في هذه القاعدة على كل حال ، فإن مصلحة حرمة الميت مسلما كان أو ذميا تعارضت مع مصلحة أولياء الميت والأمة والمتهم عند الاشتباه ، فقد ينتهي الأمر بالتشريح والتحقيق مع المتهم إلى إثبات الجناية عليه ، وفي ذلك حفظ لحق أولياء الميت ، وإعانة لولي الأمر على ضبط الأمن ، وردع لمن تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه
__________
(1) سورة مريم الآية 64
(2) سورة النساء الآية 165
(3) سورة المائدة الآية 3
(4) صحيح البخاري التوحيد (6980),صحيح مسلم اللعان (1499),مسند أحمد بن حنبل (4/248),سنن الدارمي النكاح (2227).

الجريمة خفية ، وقد ينتهي الأمر بثبوت موته موتا عاديا ، وفي ذلك براءة المتهم ، كما أن في التشريح المرضي معرفة ما إذا كان هناك وباء ، ومعرفة نوعه ، فيتقى شره بوسائل الوقاية المناسبة ، وفي هذا المحافظة على نفوس الأحياء والحد من أسباب الأمراض ، وقد حثت الشريعة على الوقاية من الأمراض وعلى التداوي مما أصابها ، وفي هذا مصلحة للأمة ومحافظة على سلامتها وإنقاذها مما يخشى أن يصيبها جريا على ما اقتضت به سنة الله شرعا وقدرا .
وفي تعريف الطلاب تركيب الجسم وأعضائه الظاهرة والأجهزة الباطنة ومواضعها وحجمها صحيحة ومريضة ، وتدريبهم على ذلك عمليا وتعريفهم بإصاباتها وطرق علاجها - في هذا وغيره مما تقدم بيانه في الموضوع الثاني ، وما ذكر في فتوى فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف وما ذكره الأطباء - مصالح كثيرة تعود على الأمة بالخير العميم ، فإذا تعارضت مصلحة المحافظة على حرمة الميت مع هذه المصالح نظر العلماء أي المصلحتين أرجح فبني عليها الحكم منعا أو إباحة ، وقد يقال : إن مصلحة الأمة في مسألتنا أرجح لكونها كلية عامة ، ولكونها قطعية ، كما دل على ذلك الواقع والتجربة ، وهي عائدة إلى حفظ نفوس الناس وحفظها من الضروريات التي جاءت بمراعاتها وصيانتها جميع شرائع الأنبياء ، وقد وجدت نظائر لمسألة التشريح بحثها فقهاء الإسلام ، منها : المسائل الخمس التي تقدم ذكرها ، فقد بحثوها وبينوا الحكم فيها على ما ظهر لهم ، فمسألة تترس الكفار بأسرى المسلمين ونحوهم في الحرب رجح كثير منهم رمي الترس إيثارا للمصلحة العامة ، وكذا رجح كثير منهم شق بطن

من ماتت وفي بطنها جنين حي ، وأكل المضطر لحم آدمي ميت ؛ إبقاء على حياته ، وإيثار الجانب الحي على الجانب الميت ، وبإلقاء أحد ركاب سفينة خيف عليهم الغرق ولا نجاة لهم إلا بإلقاء واحد منهم ، إيثارا لمصلحة الجماعة على مصلحة الواحد ، وقد سبق تفصيل ذلك ، فلا يبعد أن يقال يجوز التشريح إلحاقا له بهذه النظائر في الحكم .
وقد يقال : إن الحوادث كانت منذ كان الناس ، والطب قديم ، والحاجة إلى تشخيص الأمراض ومعرفة أسبابها وطرق علاجها كان في العهود الأولى ، ولم يتوقف شيء من ذلك على التشريح ؛ ولهذا لم يقدم الأطباء قديما على التشريح ، فلم نقدم عليه اليوم ؟ وقد أورد فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف هذا السؤال على نفسه وأوضحه ثم أجاب عنه في فتواه التي سبق ذكرها .
وقد يقال أيضا : إن اقتضت المصلحة - ولا بد - تشريح إنسان ميت فليقتصر على تشريح المحاربين فإن دمهم هدر ، ويستثنى منهم من نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلهم كنسائهم وصبيانهم ، ولا ينافي ذلك ما ورد عنه من النهي عن التمثيل بقتلاهم فإن نهيه عنه مقيد بما إذا لم يوجد ما يقتضي التمثيل بهم ، وهنا قد وجدت الضرورة ، وبهذا يجمع بين مصلحة حرمة الميت المسلم والذمي ومصلحة الخدمات الطبية . وربما نوقش ذلك باحتمال عدم الكفاية بتشريح المحاربين أو عدم تيسر الحصول عليهم فيعود الأمر إلى البحث في تشريح جثث موتى المسلمين ومن في حكمهم ، قد يقال : لا ضرورة تلجئ إلى تشريح جثث الموتى مطلقا ، إذا يمكن أن يستغنى عن ذلك بتشريح الحيوانات بعد ذبح ما يذبح منها ذبحا شرعيا محافظة على المال .

ففي ذلك غنية عن تشريح جثث بني آدم وجمع بين مصلحة موتى الآدميين ومصلحة الخدمات الطبية ، فإن لم يتيسر الاكتفاء بتشريحها فلا أقل من أن لا تشرح جثث بني آدم ، إلا فيما لا يمكن الاكتفاء فيه بتشريح جثث الحيوانات ، تقليلا للمفسدة ومحافظة على حرمة الموتى بقدر الإمكان .
وللدكتور محمد عبد الفتاح هدارة كلمة بين فيها أوجه الشبه والخلاف بين جسم الإنسان وجسم الحيوانات الأخرى القريبة الشبه به قد تعتبر جوابا عن ذلك من مختص في علم التشريح المقارن وفيما يلي نصها :
أوجه الشبه والخلاف
يستلزم تدريب الطبيب للممارسة الصحيحة للطب والجراحة أن يعرف حجم وشكل ومكان وتركيب كل عضو وما يجاوره من الأعضاء الأخرى في الجسم السليم ، إذ يمكنه بعدئذ أن يعرف ما قد يطرأ من تغييرات على حجم وشكل ومكان وتركيب أي من هذه الأعضاء بسبب المرض .
فالمعرفة المذكورة المطلوبة معرفة تفصيلية دقيقة يصعب تصورها أو الحصول عليها دون تشريح الأجسام البشرية ، ولا يمكن الاستعاضة في هذا المضمار عن الجسم البشري بجسم حيوان آخر .
فأقرب الحيوانات إلى شكل الإنسان هي مجموعة الأنواع التي تعرف بذوات الثدي أو الثدييات ، وهي التي تلد وترضع أولادها ، والشبه بينها وبين الإنسان عام ، ولكن هناك الاختلافات الكثيرة ، ولا تفيد دراسة تفاصيل جسم حيوان ثديي في فهم تفاصيل الجسم البشري التي تعين على تشخيص الأمراض في أحوال كثيرة .

فالاعتماد على تشريح الحيوانات الثديية وحدها ، حتى أقربها إلى الإنسان شكلا لا يعطي فكرة صادقة عن تفاصيل الجسم البشري ، وقد يزرع في ذهن الأطباء عامة صورة غير صادقة عن تركيب الجسم البشري تكون سببا في ارتكاب الأطباء للأخطاء الفنية . وخير ما يدل هو إبراز بعض أوجه الخلاف .
الهيكل العظمي وما يتصل به من مفاصل وعضلات :
يختلف هيكل الإنسان عن هيكل الثدييات الأخرى في مقاييس العظام المكونة له واعتداله ، وتقوسات العمود الفقري ، وشكل الحوض والقفص الصدري ، كما تختلف نسب وأشكال عظام الأطراف والمفاصل التي بينها وخاصة اليد والقدم ، وعظام العضوين المذكورين تختلف في عددها وطرق تفصيلها والعضلات المتصلة بها ، وأما اليد فعضو إنساني بلغ في الإنسان مبلغا من الدقة لا يوجد في سائر الثدييات .
أما الرأس فنسب الأعضاء فيه مختلفة اختلافا كبيرا في سائر الثدييات فهيكل الفكين في الثدييات يكون جزءا كبيرا من الجمجمة في حين أن صندوق الدماغ فيها صغير نسبيا ، ووضع تجاويف الأنف وحجاج العين يختلف في الثدييات عن الإنسان .
الأحشاء الداخلية : الأحشاء الداخلية سواء كانت في الصدر أم في البطن - تختلف في نسبها وشكلها العام في الإنسان عن سائر الثدييات ، فمعدة الإنسان بسيطة ، وقد تكون متعددة الأجزاء في الحيوانات المجترة ، وأمعاؤه تخالف في الطول وفي الوضع أمعاء الثدييات الأخرى .
ورحم الإنسان بسيط ، وقد يكون ذا قرنين معقدين في كثير من

الثدييات .
وكلية الإنسان ذات سطح ناعم لا أخاديد به رغم تعدد ما بها من الفصوص ، وكلى الثدييات تختلف ، فبعضها ذات فص واحد ، وبعضها متعدد الفصوص ، ولكن يفصل بين فصوصها أخاديد تبدو على سطحها .
ودماغ الإنسان أكبر بكثير من أدمغة الحيوانات الثديية التي تماثله حجما ، بل والتي تكبره بكثير مع اختلاف شكل دماغ الإنسان ونسب أجزائه عن أدمغة الثدييات الأخرى .
وهناك فروق كثيرة في التركيب الميكروسكوبي لأعضاء الإنسان وأعضاء الثدييات ، وإن كان الشبه بين أعضاء الثدييات عاما ، بالإضافة إلى أن هناك فروقا في التركيب الميكروسكوبي للأعضاء السليمة والأعضاء المريضة في جسم الإنسان لا بد من معرفتها حتى يعرف طبيعة المرض .
هذا ما تيسر إعداده ، والله الموفق ، وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وسلم .
حرر في 21 \ 7 \ 1396 هـ
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

قرار هيئة كبار العلماء
رقم ( 47 ) وتاريخ 20 \ 8 \ 1396هـ
الحمد لله وحده ، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد ، وعلى آله وصحبه ، وبعد :
ففي الدورة التاسعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام 1396 هـ - جرى الاطلاع على خطاب معالي وزير العدل رقم ( 3231 \ 2 \ خ ) المبني على خطاب وكيل وزارة الخارجية رقم ( 34 \ 1 \ 2 \ 13446 \ 3 ) وتاريخ 6 \ 8 \ 1395 هـ المشفوع به صورة مذكرة السفارة الماليزية بجدة - المتضمنة استفسارها عن رأي وموقف المملكة العربية السعودية من إجراء عملية جراحية طبية على ميت مسلم ، وذلك لأغراض مصالح الخدمات الطبية .
كما جرى استعراض البحث المقدم في ذلك من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ، وظهر أن الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام : الأول : التشريح لغرض التحقق عن دعوى جنائية .
الثاني : التشريح لغرض التحقق عن أمراض وبائية ؛ لتتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها .
الثالث : التشريح للغرض العلمي تعلما وتعليما .
وبعد تداول الرأي والمناقشة ودراسة البحث المقدم من اللجنة المشار إليه أعلاه - قرر المجلس ما يلي :

بالنسبة للقسمين الأول والثاني : فإن المجلس يرى : أن في إجازتهما تحقيقا لمصالح كثيرة في مجالات الأمن والعدل ووقاية المجتمع من الأمراض الوبائية ، ومفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك ، وإن المجلس لهذا يقرر بالإجماع : إجازة التشريح لهذين الغرضين ، سواء كانت الجثة المشرحة جثة معصوم أم لا .
وأما بالنسبة للقسم الثالث : وهو التشريح للغرض التعليمي فنظرا إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها ، وبدرء المفاسد وتقليلها ، وبارتكاب أدنى الضررين لتفويت أشدهما ، وأنه إذا تعارضت المصالح أخذ بأرجحها .
وحيث إن تشريح غير الإنسان من الحيوانات لا يغني عن تشريح الإنسان .
وحيث إن في التشريح مصالح كثيرة ظهرت في التقدم العلمي في مجالات الطب المختلفة : فإن المجلس يرى : جواز تشريح جثة الآدمي في الجملة ، إلا أنه نظرا إلى عناية الشريعة الإسلامية بكرامة المسلم ميتا كعنايتها بكرامته حيا ؛ وذلك لما روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « كسر عظم الميت ككسره حيا » (1) . ونظرا إلى أن التشريح فيه امتهان لكرامته ، وحيث إن الضرورة إلى ذلك منتفية بتيسر الحصول على جثث أموات غير معصومة : فإن المجلس يرى الاكتفاء بتشريح مثل هذه الجثث وعدم التعرض لجثث أموات معصومين
__________
(1) سنن أبو داود الجنائز (3207),سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1616),مسند أحمد بن حنبل (6/105).

والحال ما ذكر .
والله الموفق ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة
محمد بن علي الحركان
عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد الله بن خياط ... عبد الرزاق عفيفي
عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد صالح بن غصون ... عبد الله بن غديان
راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع

( 2 )
القسامةهيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية

بسم الله الرحمن الرحيم
القسامة
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده ، وبعد (1) :
فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثامنة المنعقدة في مدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الثاني عام 1396 هـ موضوع ( القسامة ، هل الورثة هم الذين يحلفون أيمان القسامة ، أو أن العصبة بالنفس هم الذين يحلفون ولو كانوا غير وارثين إذا كانوا ذكورا بالغين ؟ ) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء :
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
فبناء على ما تقرر في الدورة الرابعة لهيئة كبار العلماء من أن يدرج موضوع القسامة ضمن المواضيع التي اتفق المجلس على إعداد بحوث فيها - فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك
__________
(1) نشر هذا البحث في ( مجلة البحوث الإسلامية ) العدد الرابع ، ص83 - 181 ، سنة 1398 هـ .

يشتمل على العناصر التالية :
1 - بيان اشتقاق القسامة ، وتحديد معناها في اللغة ، والمراد بها عند الفقهاء .
2 - بيان مستند من عمل بالقسامة ، ومستند من لم يعمل بها ، ومناقشة كل منهما .
3 - ضابط اللوث وبيان صوره ، واختلاف العلماء فيها ، ومنشأ ذلك ، مع المناقشة .
4 - هل يتعين أن يكون المدعى عليه في القسامة واحدا ، أو يجوز أن يكون أكثر ولو مبهما ، مع ذكر الدليل والمناقشة .
5 - ذكر اختلاف العلماء فيمن توجه إليه أيمان القسامة أولا ، من مدع ومدعى عليه ، ومستند كل مع المناقشة .
6 - ذكر خلاف العلماء فيمن يحلف أيمان القسامة ، وبيان ذلك ، ومستند كل مع المناقشة ، وهل ترد الأيمان إذا نقص العدد أو لا ؟
7 - خلاف العلماء في الحكم على الناكل بمجرد النكول ، مع الأدلة والمناقشة .
8 - ذكر خلاف العلماء فيما يثبت بالقسامة من قود أو دية ، وذكر مستند كل ، مع المناقشة .
9 - خلاف العلماء فيمن يقتل بالقسامة إذا كان المدعى عليهم أكثر من واحد ، وفي العدول عن القتل إلى دفع الدية ، مع الأدلة والمناقشة .
وصلى الله على محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .

الأول : معنى القسامة :
المراد بالقسامة في اللغةأ - قال أحمد بن فارس : ( قسم ) القاف والسين والميم أصلان صحيحان يدل أحدهما على جمال وحسن ، والآخر على تجزئة شيء . . . وبعد كلامه على الأصل الأول قال : والأصل الآخر : القسم ، مصدر قسمت الشيء قسما ، والنصيب قسم بكسر القاف ، فأما اليمين فالقسم ، قال أهل اللغة : أصل ذلك من القسامة ، وهي : الأيمان تقسم على أولياء المقتول إذا ادعوا دم مقتولهم على ناس اتهموهم به 000 (1) .
ب - وقال ابن منظور نقلا عن ابن سيده : والقسامة : الجماعة يقسمون على الشيء أو يشهدون ، ويمين القسامة منسوبة إليهم ، وفي حديث : « الأيمان تقسم على أولياء الدم » .
وقال أيضا نقلا عن ابن زيد : جاءت قسامة الرجل ، سمي بالمصدر ، وقتل فلان فلانا بالقسامة ، أي : باليمين ، وجاءت قسامة من بني فلان وأصله اليمين ثم جعل قوما ، وقال أيضا نقلا عن الأزهري : القسامة : اسم من الإقسام ، وضع موضع المصدر ، ثم يقال للذين يقسمون : قسامة (2) .
ج - وقال الحسين بن أحمد السيافي : وقد اختلف كلام أهل اللغة في معناها : فقيل : هي اسم للأيمان تقسم على خمسين رجلا من أهل المحلة التي يوجد فيها القتيل لا يعلم قاتله ، وهي على هذا مأخوذة من التقسيم ، وقيل : هي اسم للجماعة يقسمون على الشيء ويشهدون به ويمين القسامة
__________
(1) [ معجم مقاييس اللغة ، ( 5 \ 86 ) ، ويرجع أيضا إلى [ اللسان ] ( 15 \ 381 ) ، والصحاح ] ، ( 5 \ 210 ) .
(2) [ لسان العرب ] ( 15 \ 381 ، 382 )

منسوبة إليهم ثم أطلقت على الأيمان نفسها ، ذكره في [ المحكم ] ونحوه في [ القاموس ] ، وقيل : بل هي اسم للأيمان ، وهي مصدر أقسم يقسم قسما وقسامة ... (1) .
__________
(1) [ الروض النظير ، ( 4 \ 285 ) .

المراد بالقسامة عند الفقهاء
أ - قال الكاساني : هي : اليمين بالله تبارك وتعالى بسبب مخصوص ، وعدد مخصوص ، وعلى شخص مخصوص ، وهو المدعى عليه ، وعلى وجه مخصوص ، وهو أن يقسم خمسون من أهل المحلة إذا وجد قتيل فيها بالله ما قتلناه ، ولا علمنا له قاتلا ، فإذا حلفوا يغرمون الدية ، وهذا عند أصحابنا رحمهم الله تعالى (1) .
ب - وقال أحمد الشلبي : ثم القسامة عبارة عن الأيمان التي تعرض على خمسين رجلا من أهل المحلة أو الدار إذا وجد فيها قتيل لم يعرف قاتله ، فإن لم يبلغ الرجال خمسين رجلا تكررت اليمين إلى أن تتم خمسين يمينا (2) .
ج - وقال خليل والدردير : والقسامة من البالغ العاقل خمسون يمينا متتالية ، فلا تفرق على أيام أو أوقات بتا قطعا ؛ بأن يقول : بالله الذي لا إله إلا هو من ضربه مات ، أو لقد قتله ، واعتمد البات على ظن قوي ، ولا يكفي قوله : أظن أو في ظني ، وإن أعمى أو غائبا حال القتل لاعتماد كل على اللوث المتقدم بيانه يحلفها في الخطأ من يرث المقتول من المكلفين وإن
__________
(1) [ بدائع الصنائع ، ( 5 \ 286 ) ، ويرجع أيضا إلى [ فتح القدير ] ، ( 8 \ 384 ) .
(2) [ حاشية الشلبي على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ] ( 6 \ 169 ) .

واحدا أو امرأة ولو أختا لأم وتوزع على قدر الميراث ؛ لأنها سبب في حصوله (1) .
د - وقال ابن حجر : وصفتها : أن يحلف أولياء الدم خمسين يمينا في المسجد الأعظم بعد الصلاة عند اجتماع الناس أن هذا قتله (2) .
هـ - وقال ابن حجر : وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم أو على المدعى عليهم الدم وخص القسم على الدم بلفظ القسامة (3) .
وقال الرملي : واصطلاحا : اسم لأيمانهم ، وقد تطلق على الأيمان مطلقا إذ القسم اليمين (4) .
و - وقال أبو محمد بن قدامة : والمراد بالقسامة هاهنا : الأيمان المكررة في دعوى القتل (5) .
__________
(1) [ مختصر خليل والشرح الكبير ] ، وعليها [ حاشية الدسوقي ] ( 4 \ 260 - 261 ) .
(2) [ قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية ] ص 377 .
(3) [ فتح الباري ] ، ( 12 \ 231 ) .
(4) [ نهاية المحتاج ] ( 7 \ 387 ) .
(5) [ المغني ] لابن قدامة ، تصحيح \ محمد خليل هراس ، مطبعة الإمام بمصر . ( 10 \ 2 ) ، ويرجع إلى [ الفروع ] ( 6 \ 46 ) .

الثاني :

بيان مستند من عمل بالقسامة ومستند من لم يعمل بها
ومناقشة كل منهما :
اختلف أهل العلم في حكم القسامة :
فمنهم من عمل بها ، ومنهم من لم يعمل بها .
وفيما يلي نذكر طائفة من كلام من عمل بالقسامة مع المناقشة ، ثم نذكر طائفة من كلام من لم يعمل بها وأدلتهم مع المناقشة :

أ - قال السمرقندي : القسامة مشروعة في القتيل الذي يوجد به علامة القتل من الجراح وغيرها ، ولم يعلم له قاتل بالأحاديث الصحيحة ، وقضاء عمر رضي الله عنه ، إجماع الصحابة في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه (1) .
ب - وقال القاضي عياض : وهذه الإيمان هي أيمان القسامة ، وهي أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد أحكامه ، وركن من أركان مصالح العباد ، أخذ به علماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين ، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به . بواسطة الأبي (2) .
وقال محمد بن رشد : أما وجوب الحكم بها على الجملة : فقال به جمهور فقهاء الأمصار : مالك والشافعي وأحمد وسفيان وداود وأصحابهم ، وغير ذلك من فقهاء الأمصار (3) .
ج - وقال الشافعي بعد ذكره لحديث محيصة وحويصة : وبهذا نقول (4) .
د - وقال البعلي : نقل الميموني عن الإمام أحمد أنه قال : أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ ، وإذا كان ثم سبب بين ، وإذا كان ثم عداوة ، وإذا
__________
(1) [ تحفة الفقهاء ] ( 3 \ 200 ) ويرجع إلى [ بدائع الصنائع ، ( 7 \ 286 ) [ فتح التقدير ] ( 8 \ 383 ) و [ تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ، ( 6 \ 189 ) ، وصوابه في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( الناشر ) .
(2) [ الأبي على مسلم ] ( 4 \ 394 ) و [ النووي ] ، ( 11 \ 143 ) و [ فتح الباري ] ( 12 \ 235 ) و [ جامع الترمذي ] وعليه [ التحفة ] ( 2 \ 317 ) .
(3) [ بداية المجتهد ونهاية المقتصد ] ( 2 \ 304 ) .
(4) [ الأم ] ( 6 \ 78 ) .

كان مثل المدعى عليه يفعل هذا (1) .
__________
(1) [ الاختيارات الفقهية ] ص 295 .

مستند القائلين بعدم العمل بالقسامة مع المناقشة :
استدلوا بالسنة والإجماع والأثر : أما السنة فدليلان : أحدهما : ما رواه مسلم في [ الصحيح ] بالسند المتصل إلى سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية . » (1)
وفي رواية له أيضا عن ابن شهاب ، وزاد - أي : عن رواية سليمان بن يسار - : « وقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود » (2) .
والقسامة التي وقعت في الجاهلية أخرج البخاري صفتها في [ الصحيح ] بالسند المتصل إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم ، كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى ، فانطلق معه في إبله ، فمر رجل به من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه ، فقال : أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل ، فأعطاه عقالا ، فشد به عروة جوالقه ، فلما نزلوا عقلت الإبل إلا بعيرا واحدا ، فقال الذي استأجره : ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل ؛ قال : ليس له عقال ، قال : فأين عقاله ؛ قال : فحذفه بعصا كان فيها أجله ، فمر به رجل من أهل اليمن فقال : أتشهد الموسم ؛ قال : ما أشهد ، وربما شهدته ، قال : هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر ؟ قال : نعم
__________
(1) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1670),سنن النسائي القسامة (4707),مسند أحمد بن حنبل (5/432).
(2) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1670),سنن النسائي القسامة (4708),مسند أحمد بن حنبل (5/432).

قال : فكنت : إذا أنت شهدت الموسم فناد : يا آل قريش ، فإذا أجابوك فناد : يا آل بني هاشم ، فإن أجابوك ، فاسأل عن أبي طالب فأخبره أن فلانا قتلني في عقال ، ومات المستأجر فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال : ما فعل صاحبنا ؟ قال : مرض فأحسنت القيام عليه ، فوليت دفنه ، قال : قد كان أهل ذاك منك ، فمكث حينا ، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال : يا آل قريش ، قالوا : هذه قريش ، قال : يا آل بني هاشم ، قالوا : هذه بنو هاشم ، قال : أين أبو طالب ؟ قالوا : هذا أبو طالب ، قال : أمرني فلان أن أبلغك رسالة : أن فلانا قتله في عقال . فأتاه أبو طالب فقال له : اختر منا إحدى ثلاث : إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا ، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله ، فإن أبيت قتلناك به ، فأتى قومه فقالوا : نحلف ، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له ، فقالت : يا أبا طالب ، أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان ، ففعل ، فأتاه رجل منهم فقال : يا أبا طالب ، أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل ، يصيب كل رجل بعيران ، فاقبلهما عني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلهما ، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا ، قال ابن عباس : ( فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف ) (1) .
وقد أجاب الصنعاني عن الاستدلال بذلك فقال : هو إخبار عن القصة التي في حديث سهل بن أبي حثمة ، وقد عرفت أنه صلى الله عليه وسلم : لم يقض بها فيه
__________
(1) [ صحيح البخاري ] ( 4 \ 236 ، 237 ) .

كما قررناه (1) . . . ثم قال :
( وقد عرفت من حديث أبي طالب أنها كانت في الجاهلية على أن يؤدي الدية القاتل لا العاقلة ، كما قال أبو طالب : إما أن تؤدي مائة من الإبل . فإنه ظاهر أنها من ماله لا من عاقلته ، أو يحلف خمسون من قومك ، أو تقتل ، وهاهنا في قصة خيبر لم يقع شيء من ذلك ، فإن المدعى عليهم لم يحلفوا ولم يسلموا الدية ولم يطلب منهم الحلف ، وليس هذا قدحا في رواية الراوي من الصحابة ، بل في استنباطه ؛ لأنه قد أفاد حديثه أنه استنبط قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسامة من قصة أهل خيبر ، وليس في تلك القصة قضاء ، وعدم صحة الاستنباط جائز على الصحابي وغيره اتفاقا ، وإنما روايته للحديث بلفظه أو بمعناه هي التي يتعين قبولها ) ا هـ . وقد استشعر الصنعاني إيرادا على قوله : ( وعدم صحة الاستنباط جائز على الصحابي وغيره اتفاقا ، فأجاب عنه بقوله :
وأما قول أبي الزناد : ( قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان ) .
فإنه قال في [ فتح الباري ] : ( إنما نقله أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت ، كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ، وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه روى عن عشرة من الصحابة فضلا عن ألف ) .
قلت : لا يخفى أن تقريره لما رواه أبو الزناد ؛ لثبوت ما رواه عن خارجة
__________
(1) سيأتي ما قرره جوابا عن الاستدلال بالدليل الثاني

ابن زيد الفقيه الثقة ، وإنما دلس بقوله : ( قتلنا ) وكأنه يريد قتل معشر المسلمين وإن لم يحضرهم .
ثم لا يخفى أن غايته بعد ثبوته عن خارجة فعل جماعة من الصحابة وليس بإجماع حتى يكون حجة ، ولا شك في ثبوت فعل عمر بالقسامة وإن اختلف عنه في القتل ، وإنما نزاعنا في ثبوت فعل عمر وإن اختلف عنه في القتل , وإنما نزاعنا في ثبوت حكمه صلى الله عليه وسلم بها فإنه لم يثبت (1) .
ويمكن أن يجاب عن قول الصنعاني : أنه صلى الله عليه وسلم لم يقض بالقسامة . أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في القسامة ، ووجه كونه صلى الله عليه وسلم قضى بها أنه طلب من الأنصار أن يحلفوا خمسين يمينا فامتنعوا ، فبين لهم صلى الله عليه وسلم أن لهم على اليهود خمسين يمينا وتبرأ اليهود من دم الأنصاري فلم يقبل الأنصار أيمان اليهود ، فلم يكن امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن الحكم لأولياء الدم لكون القسامة غير مشروعة ، بل لإبائهم أن يحلفوا ؛ لأنهم لم يشاهدوا الحدث ولم يقبلوا أيمان اليهود ؛ لأنهم قوم كفار .
الثاني : قصة عبد الله بن سهل ، فأخرج البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي ، عن سهل بن أبي حثمة - رضي الله عنه - قال : « انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر ، وهي يومئذ صلح فتفرقا ، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا فدفنه ، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهب عبد الرحمن يتكلم ، فقال : " كبر كبر " - وهو أحدث القوم
__________
(1) [ سبل السلام ] ( 3 \ 257 ) .

- فسكت ، فتكلما فقال : " أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم " قالوا : وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر ؟ ! قال : " فتبرئكم يهود بخمسين " ، قالوا كيف نأخذ أيمان قوم كفار ؛ فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده . » (1)
وفي رواية : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته قالوا : أمر لم نشهده كيف نحلف ؟ قال : " فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم " قالوا : يا رسول الله ، . . . . » (2) وذكر الحديث نحوه .
وقد اعترض على الاستدلال بهذا الحديث بأمرين :
الأمر الأول : ما ذكره الصنعاني بقوله : أنه صلى الله عليه وسلم لم يحكم بها وإنما كانت حكما جاهليا ، فتلطف بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليريهم كيف لا يجري الحكم بها على أصول الإسلام ، وبيان أنه لم يحكم بها أنهم لما قالوا : وكيف نحلف ولم نحضر ولم نشاهد ؟ لم يبين لهم أن هذا الحلف في القسامة من شأنه ذلك بأنه حكم الله فيها وشرعه ، بل عدل إلى قوله : « يحلف لكم يهود » (3) فقالوا : ليسوا بمسلمين ، فلم يوجب صلى الله عليه وسلم عليهم ، ويبين لهم أن ليس لكم إلا اليمين من المدعى عليهم مطلقا مسلمين كانوا أو غيرهم ، بل عدل إلى إعطاء الدية من عنده صلى الله عليه وسلم ، ولو كان الحكم ثابتا لبين لهم وجهه ، بل تقريره صلى الله عليه وسلم على أنه لا حلف إلا على شيء مشاهد مرئي - دليل على أنه لا حلف في القسامة ، ولأنه لم يطلب اليهود للإجابة عن خصومهم في دعواهم ، فالقصة منادية بأنها لم تخرج مخرج الحكم الشرعي ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فهذا أقوى دليل بأنها ليست حكما شرعيا ، وإنما تلطف صلى الله عليه وسلم في بيان أنها ليست بحكم شرعي بهذا التدريج المنادي بعدم ثبوتها شرعا ، وأقرهم صلى الله عليه وسلم أنهم لا يحلفون على ما لا يعلمونه ولا شاهدوه
__________
(1) صحيح البخاري الجزية (3002),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4715),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677).
(2) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4711),سنن أبو داود الديات (4520),سنن ابن ماجه الديات (2677),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1630),سنن الدارمي الديات (2353).
(3) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4715),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677).

ولا حضروه ، ولم يبين لهم بحرف واحد أن أيمان القسامة من شأنها أن تكون على ما لا يعلم . انتهى المقصود (1) .
ويمكن أن يجاب عن ذلك : بأن يقال : الرسول صلى الله عليه وسلم عرض على الأنصار أن يحلفوا خمسين يمينا فامتنعوا ، ثم بين لهم أن لهم على اليهود خمسين يمينا يحلفها خمسون منهم ، فبينوا للرسول صلى الله عليه وسلم أنهم لا يقبلون أيمانهم ، وهذا يدل على مشروعيتها ، إذ لا يصح أن يحمل هذا التصرف منه صلى الله عليه وسلم على العبث والألغاز التي لا يرشد إليها الكلام ، وإنما يحمل عليها الكلام بمجرد الظنون والأوهام .
الأمر الثاني : أن هذا الدليل مضطرب ، والاضطراب علة مانعة عن العمل به فيكون مردودا ، ويمكن أن نبين وجوه الاضطراب والجواب عن كل وجه بعده .
الوجه الأول : الاضطراب بالزيادة والنقص وفي البدء بتوجيه الأيمان ، فإن هذا الحديث ليس فيه طلب البينة أولا من المدعين ، كما أنه يدل على البدء بتوجيه الأيمان إلى المدعين ، وقد جاء ما يخالف ذلك : فروى البخاري في الصحيح بسنده المتصل إلى بشير بن يسار ، زعم أن رجلا من الأنصار يقال له : سهل بن أبي حثمة - وذكر الحديث وفيه - فقال لهم : « تأتون بالبينة على من قتله " قالوا : ما لنا بينة ، قال : " فيحلفون " ، قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود » (2) . . . . الحديث .
وقد أجاب ابن حجر عن ذلك بقوله : وطريق الجمع أن يقال : حفظ
__________
(1) [ سبل السلام ] ( 3 \ 257 ) .
(2) صحيح البخاري الديات (6502),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4715),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677).

أحدهم ما لم يحفظ الآخر ، فيحمل على أنه طلب البينة أولا فلم تكن لهم بينة ، فعرض عليهم الأيمان ، فامتنعوا ، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم فأبوا .
وأما قول بعضهم : إن ذكر البينة وهم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد علم أن خيبر حينئذ لم يكن بها أحد من المسلمين ، فدعوى نفي العلم مردودة ، فإنه وإن سلم أنه لم يسكن مع اليهود فيها أحد من المسلمين ، لكن في نفس القصة أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرا ، فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك ، وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهدا من وجه آخر ، أخرجه النسائي من طريق عبد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : « أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر فقال رسول صلى الله عليه وسلم : أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليك برمته قال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنى أصيب شاهدين ، وإنما أصبح قتيلا على أبوابهم » (1) . . . الحديث ، وهذا السند صحيح حسن ، وهو نص في الحمل الذي ذكرته فتعين المصير إليه .
وقد أخرج أبو داود أيضا من طريق عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج قال : « أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولا ، فانطلق أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم " قال : لم يكن ثم أحد من المسلمين وإنما هم اليهود ، وقد يجترئون على أعظم من هذا » (2) (3) .
__________
(1) سنن النسائي القسامة (4720),سنن ابن ماجه الديات (2678).
(2) سنن أبو داود الديات (4524).
(3) [ فتح الباري ] ( 12 \ 234 ) .

الوجه الثاني : أن الحديث مضطرب لاختلاف العبارات ، وقد وقع هذا في كثير من روايات الحديث لمن تأملها .
ويمكن أن يجاب عنه : بأن الرواية بالمعنى جائزة ، وما دام أن اختلاف الألفاظ لا يترتب عليه اختلاف تضاد في الحكم - فلا أثر له .
الوجه الثالث : أن الحديث مضطرب ؛ لوجود الاختلاف في دفع الدية ، ففي رواية البخاري : « فوداه مائة من إبل الصدقة » (1) ، وفي رواية مسلم : « فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده » (2) ، وفي رواية النسائي : « فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته عليهم وأعانهم بنصفها » (3) .
ويجاب عن هذا : أولا بما قاله ابن حجر : قوله : ( من إبل الصدقة ) زعم بعضهم : أنه غلط من سعيد بن عبيد ؛ لتصريح يحيى بن سعيد بقوله : ( من عنده ) وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده ، أو المراد بقوله : من عنده ، أي : بيت المال المرصد للمصالح ، وأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجانا ؛ لما في ذلك من قطع المنازعة وإصلاح ذات البين ، وقد حمله بعضهم على ظاهره ، فحكى القاضي عياض عن بعض العلماء : جواز صرف الزكاة في المصالح العامة واستدل بهذا الحديث وغيره ، قلت : وتقدم شيء من ذلك في كتاب الزكاة في الكلام على حديث أبي لاس (4) قال : حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل من إبل الصدقة في الحج ، وعلى هذا فالمراد بالعندية كونها تحت
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6502),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4715),سنن أبو داود الديات (4523),سنن ابن ماجه الديات (2677).
(2) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4715),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677).
(3) سنن النسائي القسامة (4720),سنن ابن ماجه الديات (2678).
(4) القائل ابن حجر في [ فتح الباري ] ( 12 \ 235 ) ، وقوله ( كتاب الزكاة ) أي : من [ صحيح البخاري ] اهـ الناشر .

أمره وحكمه ، وللاحتراز من جعل ديته على اليهود أو غيرهم .
قال القرطبي في [ المفهم ] : فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على مقتضى كرمه وحسن سياسته ، وجلبا للمصلحة ، ودرءا للمفسدة على سبيل التأليف ، ولا سيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق ، ورواية من قال : " من عنده " أصح من رواية من قال : " من إبل الصدقة " . وقد قيل : إنها غلط ، والأولى : أن لا يغلط الراوي ما أمكن فيحتمل أوجها منها ، فذكر ما تقدم وزاد : أن يكون تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفيء ، أو أن أولياء القتيل كانوا مستحقين للصدقة فأعطاهم ، أو أعطاهم ذلك من سهم المؤلفة استئلافا لهم ، واستجلابا لليهود . انتهى (1) .
ويجاب ثانيا عن رواية النسائي بأمرين :
أحدهما : من جهة السند والثاني : من جهة الدلالة .
أما من جهة السند : فإن النسائي رحمه الله تعالى ذكر هذه الترجمة ( ذكر اختلاف الناقلين لخبر سهل فيه ) وساق عدة روايات ، وقال بعد ذلك : ( خالفهم عمرو بن شعيب أخبرنا محمد بن معمر قال : حدثنا روح بن عبادة قال : حدثنا عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . . . وذكر الحديث ، وقال في آخره : « فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته عليهم وأعانهم بنصفها » (2) (3) .
وقال ابن القيم : قال النسائي : لا نعلم أحدا تابع عمرو بن شعيب على
__________
(1) [ فتح الباري ] ( 12 \ 235 ) .
(2) سنن النسائي القسامة (4720),سنن ابن ماجه الديات (2678).
(3) [ سنن النسائي ] ( 8 \ 12 ) .

هذه الرواية (1) .
ويمكن أن يقال : إن عمرو بن شعيب انفرد بهذه الزيادة وهو مختلف في الاحتجاج به ، فتكون هذه الزيادة مردودة .
ويمكن أن يجاب عن ذلك : بأنه سبق ما ذكر عن بعض العلماء كالإمام أحمد وابن المديني وغيرهما أنهم يحتجون به .
وبناء على أنه حجة فيقال من جهة دلالته : يمكن الجمع بينه وبين ما جاء دالا على أنه صلى الله عليه وسلم وداه من عنده ، ووجه الجمع أن يقال : إن قول الراوي ( فقسم رسول الله - صلى الله علية وسلم - ديته عليهم ) أي : على اليهود ، أي : على تقدير : أن يقروا بذلك ، كأنه أرسل إلى يهود أن يقسم الدية عليهم ويعينهم بالنصف إن أقروا فلما لم يقروا وداه من عنده (2) .
الوجه الرابع : أن الحديث مضطرب ؛ لوجود ذكر الحلف دون عدد الأيمان والحالفين في بعض الروايات ، ففي رواية البخاري " أتحلفون ؟ " فذكر الحلف ولم يذكر عدد الأيمان ولا عدد الحالفين ، وفي رواية البخاري " أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم ؟ " ، ففيها بيان عدد الحالفين ، وفي رواية مالك في بالموطأ ] " أتحلفون خمسين يمينا ؟ " ففي هذا عدد الأيمان .
ويمكن أن يجاب عن ذلك : بأن الروايات التي لم يذكر فيها عدد الأيمان وعدد الحالفين مجملة ، والروايات التي جاء فيها عدد الحالفين
__________
(1) [ عون المعبود شرح سنن أبي داود ] مع شرح الحافظ ابن القيم ( 12 \ 250 ) الناشر \ محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة .
(2) [ شرح السيوطي لسنن النسائي ] ( 8 \ 13 ) .

وعدد الأيمان مفسرة لهذا الإجمال ، وذلك أن القصة واحدة فيكون المفسر مبينا للمجمل فيحدد معناه ، وبهذا تجتمع الروايات وإذا أمكن الجمع وجب المصير إليه .
وأما الإجماع : فقد سبق ما نقل عن السمرقندي وهو قوله : وإجماع الصحابة في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه (1) .
وقول خارجة بن زيد : فأجمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم ليقتلوه (2) .
قال ابن حجر : وقد تمسك مالك بقول خارجة المذكور ، فأجمع أن القود إجماع (3) .
وقد تقدم ما نقله أبو الزناد عن خارجة من قوله : قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون ، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان ، وسبقت مناقشته .
ويرد دعوى الإجماع في عهد عمر بن عبد العزيز ما نقل عنه : أنه كان لا يرى القسامة ؛ ولهذا نصب أبو قلابة للناس ليعلن أبو قلابة رأيه في عدم مشروعية القسامة .
ويرد على دعوى إجماع أهل المدينة : ما ذكره ابن حجر بقوله : وسبق عمر بن عبد العزيز إلى إنكار القسامة سالم بن عبد الله بن عمر فأخرج ابن المنذر عنه أنه كان يقول : ( يا لقوم يحلفون على أمر لم يروه ولم يحضروه ،
__________
(1) انظر ص94 الحاشية رقم ( 1 ) .
(2) [ الفتح ] ( 12 \ 231 ) .
(3) [ الفتح ] ( 12 \ 232 ) .

لو كان لي من أمر لعاقبتهم ولجعلتهم نكالا ولم أقبل لهم شهادة ) وهذا يقدح في نقل إجماع أهل المدينة على القود بالقسامة ، فإن سالما من أجل فقهاء المدينة (1) .
وأما الآثار : فقد وردت آثار عن الخلفاء الأربعة وغيرهم تدل على مشروعية القسامة ، وبعضها لا يخلو من مقال
__________
(1) يرجع إلى [ نصب الراية ] ( 4 \ 393 ) وما بعدها , و [ المحلى ] ( 11 \ 65 ) .

القائلون بعدم العمل بالقسامة :
قال الأبي نقلا عن القاضي عياض : وأبطل الأخذ به - أي : بهذا الركن - فلم يثبت للقسامة حكما في الشرع سالم بن عبد الله ، والحكم بن عيينة ، وسليمان بن يسار ، وقتادة ، وابن علية ، ومسلم بن خالد ، وأبو قلابة ، والمكيون ، وإليه نحا البخاري (1) ، واختلف قول مالك في الأخذ به في قتل الخطأ .
ط - والشهير عنه إثباتها فيه ، وعنه : أنه لا قسامة فيه (2) .
ونسبة البخاري إلى معاوية وعمر بن عبد العزيز ، وستأتي مناقشة ما نسبه إليهما .
مستند القائلين بالعمل بالقسامة مع المناقشة :
احتجوا بالسنة والاستصحاب والأثر .
أما السنة : فقال ابن حزم : نظرنا فيما يمكن أن يحتج به فوجدناه من
__________
(1) مذهب البخاري يتضح أكثر بمطالعة صنيعه في حديث القسامة في المواضع التي ذكرها ، وهي كثيرة منها كتاب الديات ( 12 \ 229 ) ، وفي الصلح مع المشركين ، باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره ، وفي الأدب باب إكرام الكبير ويبدأ بالأكبر بالكلام والسؤال ، وفي الأحكام ، باب كتاب الحاكم إلى عماله والقاضي إلى أمنائه .
(2) [ إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ] ( 4 \ 394 ) .

طريق نا طاهر نا ابن وهب عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ، ولكن اليمين على المدعى عليه » (1) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام » (2) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « بينتك أو يمينه ليس لك إلا ذلك » (3) .
قالوا : فقد سوى الله تعالى على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام بين تحريم الدماء والأموال ، وبين الدعوى في الدماء والأموال ، وأبطل كل ذلك ، ولم يجعله إلا بالبينة واليمين على المدعى عليه ، فوجب أن يكون الحكم في كل ذلك سواء لا يفترق في شيء أصلا ، لا فيمن يحلف ولا في عدد يمين ولا في إسقاط الغرامة إلا بالبينة ولا مزيد .
وهذا كله حق ، إلا أنهم تركوا ما لا يجوز تركه مما فرض الله تعالى على الناس إضافته إلى ما ذكروا ، وهو أن الذي حكم بما ذكروا وهو المرسل إلينا من الله تعالى - هو الذي حكم بالقسامة ، وفرق بين حكمها وبين سائر الدماء والأموال المدعاة ، ولا يحل أخذ شيء من أحكامه وترك سائرها ، إذ كلها من عند الله تعالى وكلها حق ، وفرض الوقوف عنده والعمل به ، وليس بعض أحكامه علمه السلام أولى بالطاعة من بعض ، ومن خالف هذا فقد دخل تحت المعصية وتحت قوله تعالى : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } (4) ولا فرق بين من ترك حديث « بينتك أو يمينه » (5) لحديث القسامة وبين من ترك حديث القسامة لتلك الأحاديث (6) .
__________
(1) صحيح البخاري تفسير القرآن (4277),صحيح مسلم الأقضية (1711),سنن الترمذي الأحكام (1342),سنن النسائي آداب القضاة (5425),سنن أبو داود الأقضية (3619),سنن ابن ماجه الأحكام (2321),مسند أحمد بن حنبل (1/288).
(2) صحيح البخاري الحج (1654),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1679),سنن ابن ماجه المقدمة (233),مسند أحمد بن حنبل (5/37),سنن الدارمي المناسك (1916).
(3) صحيح مسلم الإيمان (139),سنن الترمذي الأحكام (1340),سنن أبو داود الأيمان والنذور (3245),مسند أحمد بن حنبل (4/317).
(4) سورة البقرة الآية 85
(5) صحيح مسلم الإيمان (139),سنن الترمذي الأحكام (1340),سنن أبو داود الأيمان والنذور (3245),مسند أحمد بن حنبل (4/317).
(6) [ المحلى ] ( 11 \ 77 ) .

ومما يوضح جواب ابن حزم رحمه الله ما قاله الخطابي رحمه الله ، قال : هذا حكم خاص جاءت به السنة لا يقاس على سائر الأحكام ، وللشريعة أن تخص كما لها أن تعم ، ولها أن تخالف بين سائر الأحكام المتشابهة في الصفة ، كما لها أن توفق بينها ولها نظائر كثيرة في الأصول (1) .
وجاء معنى ذلك عن ابن المنذر (2) وابن حجر (3) .
وقد أورد ابن حزم : رحمه الله اعتراضا على جوابه :
وأجاب عنه فقال : فإن قالوا : الدماء حدود ولا يمين في الحدود . قيل لهم : ما هي الحدود ؟ لأن الحدود ليست بموكولة إلى اختيار أحد إن شاء أقامها وإن شاء عطلها ، بل هي واجبة لله تعالى وحده ، لا خيار فيها لأحد ولا حكم ، وأما الدماء فهي موكولة إلى اختيار الولي ؛ إن شاء استقاد ، وإن شاء عفا ، فبطل أن تكون من الحدود وصح أنها من حقوق الناس ، وفسد قول من فرق بينهما وبين حقوق الناس من أموال وغيرها إلا حيث فرق الله تعالى ورسوله بين الدماء والحقوق وغيرها وليس ذلك إلا حيث القسامة فقط (4) .
وقد أجاب شيخ الإسلام : بأن القسامة من الحدود لا من الحقوق ، فقال : وهذه الأمور - أي : أمثلة منها القسامة - من الحدود في المصالح العامة ليس من الحقوق الخاصة ، وقال : فلولا القسامة في الدماء لأفضى
__________
(1) [ معالم السنن ] ( 6 \ 315 ) .
(2) [ الجامع لأحكام القرآن ] ( 1 \ 458 ) .
(3) [ فتح الباري ] ( 12 \ 197 ) .
(4) [ المحلى ] ( 11 \ 77 ) .

إلى سفك الدماء ، فيقتل الرجل عدوه خفية ، ولا يمكن لأولياء المقتول إقامة البينة ، واليمين على القاتل والسارق والقاطع سهلة ، فإن من يستحل هذه الأمور لا يكترث باليمين (1) .
وقد أجاب ابن القيم : رحمه الله بجواب آخر عن هذا الدليل فقال : وأما حديث ابن عباس : « لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ، ولكن اليمين على المدعى عليه » (2) فهذا إنما يدل على أنه لا يعطى أحد بمجرد دعواه دم رجل ولا ماله ، وأما في القسامة فلم يعط الأولياء فيها بمجرد دعواهم ، بل البينة وهي ظهور اللوث وأيمان خمسين لا بمجرد الدعوى . وظهور اللوث وحلف خمسين بينة بمنزلة الشهادة أو أقوى ، وقاعدة الشرع : أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين ؛ ولهذا يقضى للمدعي بيمينه إذا نكل المدعى عليه كما حكم به الصحابة ؛ لقوة جانبه بنكول الخصم المدعى عليه ؛ ولهذا يحكم له بيمينه إذا أقام شاهدا واحدا لقوة جانبه بالشاهد فالقضاء بها في القسامة مع قوة جانب المدعين باللوث الظاهر أولى وأحرى (3) . انتهى المقصود .
وقد بسط ابن القيم رحمه الله هذا الجواب في موضع آخر (4) .
وجواب ثالث عن مالك بن أنس رحمه الله قال : إنما فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق : أن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه في حقه ، وأن الرجل إذا أراد قتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس ، وإنما
__________
(1) [ الفتاوى المصرية ] ( 4 \ 291 ) .
(2) صحيح البخاري تفسير القرآن (4277),صحيح مسلم الأقضية (1711),سنن الترمذي الأحكام (1342),سنن النسائي آداب القضاة (5425),سنن أبو داود الأقضية (3619),سنن ابن ماجه الأحكام (2321),مسند أحمد بن حنبل (1/288).
(3) [ تهذيب سنن أبي داود ] ( 6 \ 235 , 326 ) .
(4) [ إعلام الموقعين ] ( 2 \ 331 ، 332 ) .

يلتمس الخلوة ، قال : فلو لم تكن القسامة إلا فيما ثبت فيه البينة ولو عمل فيها كما يعمل في الحقوق - هلكت الدماء ، واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها ، ولكن إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدءون بها فيها ؛ ليكف الناس عن القتل ، وليحذر القاتل أن يؤخذ في مثل ذلك (1) .
أما الاستصحاب : فقال ابن رشد : وعمدة الفريق النافي لوجوب الحكم بها أن القسامة مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها :
فمنها : أن الأصل في الشرع ألا يحلف أحد إلا على ما علم قطعا ، أو شاهد حسا ، وإذا كان ذلك كذلك فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القتل ، بل قد يكونون في بلد والقتل في بلد آخر ؛ ولذلك روى البخاري عن أبي قلابة : أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس ثم أذن لهم فدخلوا عليه .
فقال : ما تقولون في القسامة ؟
فأضب القوم وقالوا : نقول : القسامة القود بها الحق ، قد أقاد بها الخلفاء .
فقال : ما تقول يا أبا قلابة ؟ - ونصبني للناس - فقلت : يا أمير المؤمنين ، عندك أشراف العرب ورؤساء الأجناد ، أرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا على رجل أنه زنى بدمشق ولم يروه أكنت ترجمه ؟ !
قال : لا .
قلت : أفرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا عندك على رجل أنه سرق
__________
(1) [ المنتقى شرح موطأ الإمام مالك ] للإمام الباجي ( 7 \ 61 ) .

بحمص ولم يروه أكنت تقطعه ؟
قال : لا . وفي بعض الروايات : قلت : فما بالهم إذا شهدوا أنه قتله بأرض كذا وهم عندك أخذت بشهادتهم ؟
قال : فكتب عمر بن عبد العزيز في القسامة : أنهم إذا أقاموا شاهدي عدل أن فلانا قتله ، ولا يقتل بشهادة الخمسين الذين أقسموا ، قالوا : ومنها : أن من الأصول أن الأيمان ليس لها تأثير في إشاطة الدماء ، ومنها : أن من الأصول أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر (1) .
والجواب عن هذا الدليل من وجوه :
أحدها : بأن التعليق في عدم اعتبار القسامة بأنها من قبيل الحلف على ما لا يعلمه الحالف وهو غير مشروع قد أجيب عنه بما يلي :
أ- قال الإمام الشافعي : ( واحتج - أي : القائل بهذا - بأن قال : أحلفتهم على ما لا يعلمون ؟ قلت : فقد يعلمون بظاهر الأخبار ممن يصدقون ولا تقبل شهادتهم ، وإقرار القاتل عندهم بلا بينة ، ولا يحكم بادعائهم عليه الإقرار وغير ذلك ، قال : العلم ما رأوا بأعينهم أو سمعوا بآذانهم ، قلت : ولا علم ثالث ؛ قال : لا . قلت : فإذا اشترى ابن خمس عشرة سنة عبدا ولف بالمشرق منذ خمسين ومائة سنة ثم باعه فادعى الذي ابتاعه أنه كان آبقا فكيف تحلفه ؟ قال : على البينة ، قلت : يقول لك : تظلمني ؛ فإن هذا ولد قبلي وببلد غير بلدي وتحلفني على البينة وأنت تعلم أني لا أحيط بأن لم يأبق قط علما ، قال : يسأل ، قلت : يقول لك : فأنت تحلفني على ما تعلم
__________
(1) [ بداية المجتهد ] ( 2 \ 427 ، 428 ) .

أني لا أبر فيه ؟ قال : وإذا سئلت فقد وسعك أن تحلف ، قلت : أفرجل قتل أبوه فغبي من ساعته فسأل أولى أن يعلم ؟ قال : نعم ، قال بعض من حضره : بل من قتل أبوه ؟ فقلت : فقد عبت يمينه على القسامة ونحن لا نأمره أن يحلف إلا بعد العلم ، والعلم يمكنه واليمين على القسامة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت برأيك يحلف على العبد الذي وصفت . اهـ (1) .
وقال الشافعي أيضا : وإذا وجبت القسامة فلأهل القتيل أن يقسموا وإن كانوا غيبا عن موضع القتيل ؛ لأنه قد يمكن أن يعلموا باعتراف القتيل أو بينة تقوم عندهم لا يقبل الحاكم منهم ومن غيرهم غير ذلك من وجوه العلم التي لا تكون شهادة بقطع ، وينبغي للحاكم أن يقول : اتقوا الله ولا تحلفوا إلا بعد الاستثبات ويقبل أيمانهم متى حلفوا . اهـ (2) .
ب - وقال ابن قدامة : ( قال القاضي : يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله وإن كانوا غائبين عن مكان القتل ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : « تحلفون وتستحقون دم صاحبكم » (3) وكانوا بالمدينة والقتل بخيبر ، ولأن الإنسان يحلف على غالب ظنه ، كما أن من اشترى من إنسان شيئا فجاء آخر يدعيه جاز أن يحلف أنه لا يستحقه ؛ لأن الظاهر أنه ملك الذي باعه ، وكذلك إذا وجد شيئا بخطه أو خط أبيه ودفتره جاز له أن يحلف ، وكذلك إذا باع شيئا لم يعلم فيه عيبا فادعى عليه المشتري أنه معيب وأراد رده - كان له أن يحلف أنه باعه بريئا من العيب ، ولا ينبغي أن
__________
(1) [ اختلاف الحديث ] بهامش [ الأم ] ( 7 \ 356 ، 357 ) ، وفي [ مختصر المزني ] بهامش [ الأم ] ( 5 \ 49 ) هذا الجواب بإيجاز .
(2) [ الأم ] ] ( 6 \ 79 ) .
(3) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4715),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677).

يحلف المدعي إلا بعد الاستثبات وغلبة الظن (1) .
ج - ويمكن أن يقال : لا يلزم أن تكون اليمين على اليقين مطلقا ، وتقرير ذلك أن شريعة الإسلام تبنى أحكامها على الظاهر ، لا على الباطن . وعلى الظن لا على اليقين ، وهذا جار في أسانيد الأدلة ودلالاتها وبقائها ، وفي الجزئيات التطبيقية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبار الآحاد ظنية الثبوت ، ودلالة العموم على جميع أفراده مع احتمال مخصص ، ودلالة المطلق على بعض ما يتناوله مع احتمال مقيد ، ودلالة النص على مقتضاه مع احتمال ناسخ ، ودلالة الظاهر على معناه مع احتمال دليل صارف له عن ظاهره إلى التأويل . هذه الأمور كلها ظنية ومع ذلك يعمل بها ، ولو ترك العمل بهذا الباب فقيل : لا يعمل إلا باليقينيات لتعطل كثير من مواضع تطبيق الشريعة . وأما من الناحية التطبيقية في حياته صلى الله عليه وسلم فمن ذلك قضية اللعان ، فبعدما انتهى المتلاعنان قال صلى الله عليه وسلم : « الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب ؟ » (2) ثلاثا فهو صلى الله عليه وسلم قضى بمقتضى اللعان مع أن أحدهما كاذب يقينا ، وهذا الاحتمال لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من إجراء الحكم على الظاهر .
د - ويمكن أن يقال أيضا : إذا حلف أنه لم يقتل ولا يعلم قاتلا فهذا يقين في الظاهر من الجهتين ، فإن قوله : ( لم يقتله ) هذا نفي لصدور القتل منه ، وقوله : ( ولا يعلم له قاتلا ، هذا نفي لعلمه بالقاتل ومورد النفي في الصورتين مختلف ، لكن كل منهما يقين في الظاهر بحسبه ، وتحقق مطابقة الظاهر للباطن لا يتوقف عليه ربط الحكم الشرعي بالظاهر وإن كان مخالفا
__________
(1) [ المغني ] ( 8 \ 91 - 94 ) .
(2) صحيح البخاري تفسير القرآن (4470),سنن الترمذي تفسير القرآن (3179),سنن أبو داود الطلاق (2256),سنن ابن ماجه الطلاق (2067),مسند أحمد بن حنبل (1/239).

للباطن .
ثانيها : روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : دعاني عمر بن عبد العزيز فقال : إني أريد أن أدع القسامة : يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا وكذا فيحلفون ، قال : فقلت له : ليس ذلك لك ، قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده . وإنك إن تتركها أوشك الرجل أن يقتل عند بابك فيطل دمه فإن للناس في القسامة حياة (1) .
ثالثها : يمكن أن يقال : إن قصة أبي قلابة أكثر ما يقال فيها : إنها أثر تابعي فهل يصح أن يكون معارضا لقول معصوم ؛ كلا ، فلا عبرة بقول من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله صلى الله عليه وسلم .
رابعها : ويمكن أن يقال : إن قولهم : ( الأيمان ليس لها تأثير في إشاطة الدماء ) غير صحيح ؛ لأن المشرع هو الله جل وعلا في كتابه وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطرق الإثبات في الشريعة كثيرة ومتنوعة وكل طريق منها أصل بنفسه والمشرع هو الذي جعله أصلا ، فلا يصح أن تعارض هذه الأصول بعضها ببعض ، بل كل أصل منها يعمل في موضعه ، ومن ذلك القسامة الثابتة في قوله صلى الله عليه وسلم : « يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته » (2) ، وفي رواية مسلم « فيسلم إليكم » .
خامسها : قولهم : البينة على المدعي واليمين على من أنكر ، قد سبق الجواب عنه في معرض الإجابة عن الدليل الأول من أدلة القائلين بعدم العمل بالقسامة .
__________
(1) [ المصنف ] ( 10 \ 39 ) .
(2) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4711),سنن أبو داود الديات (4520),سنن ابن ماجه الديات (2677),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1630),سنن الدارمي الديات (2353).

قال الممانعون من العمل بالقسامة : ومما يؤيد دليل الاستصحاب أن ما ورد من الأحاديث في الحكم بالقسامة ليس نصا في ذلك ، بل هي محتملة يتطرق إليها التأويل ، فلم تنهض لمقاومة الاستصحاب فوجب تأويلها لتتفق مع الأصول الأخرى .
قال ابن رشد : ومن حجتهم : أنهم لم يروا في تلك الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بالقسامة ، وإنما كانت حكما جاهليا فتلطف لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليريهم كيف لا يلزم الحكم بها على أصول الإسلام .
ولذلك قال لهم : « أتحلفون خمسين يمينا » (1) أعني : لولاة الدم وهم الأنصار ، « قالوا : كيف نحلف ولم نشاهد ؟ قال : " فيحلف لكم اليهود " قالوا : كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ » (2)
قالوا : فلو كانت السنة أن يحلفوا وإن لم يشاهدوا لقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي السنة .
قالوا : وإذا كانت هذه الآثار غير نص في القضاء بالقسامة ، والتأويل يتطرق إليها فصرفها بالتأويل إلى الأصول أولى (3) .
وأما الأثر فمن ذلك : ما قال البخاري في [ صحيحه ] : قال ابن أبي مليكة : لم يقد بها معاوية .
قال ابن حجر : وقد وصله حماد بن سلمة في [ مصنفه ] ، ومن طريقه ابن المنذر ، قال حماد عن ابن أبي مليكة : سألني عمر بن عبد العزيز عن القسامة ، فأخبرته : أن عبد الله بن الزبير أقاد بها ، وأن معاوية - يعني : ابن أبي سفيان
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4712),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1631),سنن الدارمي الديات (2353).
(2) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4716),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1630),سنن الدارمي الديات (2353).
(3) [ بداية المجتهد ] ( 2 \420 ) .

- لم يقد بها ، وهذا المسند صحيح .
واعترض عليه بما نسبه ابن حجر إلى ابن بطال قال : وقد توقف ابن بطال في ثبوته فقال : قد صح عن معاوية أنه أقاد بها ، ذكر ذلك عنه أبو الزناد في احتجاجه على أهل العراق ، قلت - القائل ابن حجر - : هو في صحيفة عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ومن طريقه أخرجه البيهقي قال : حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال : قتل رجل من الأنصار رجلا من بني العجلان ، ولم يكن على ذلك بينة ولا لطخ ، فأجمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلوه ، فركبت إلى معاوية في ذلك فكتب إلى سعيد بن العاص : إن كان ما ذكره حقا فافعل ما ذكروه ، فدفعت الكتاب إلى سعيد فأحلفنا خمسين يمينا ثم أسلمه إلينا .
وقد أجاب ابن حجر عن هذا الاعتراض بثلاثة أجوبة ذكرها بقوله : ويمكن الجمع : بأن معاوية لم يقد بها لما وقعت له وكان الحكم في ذلك ، ولما وقعت لغيره وكل الأمر في ذلك إليه ، ونسب إليه أنه أقاد بها لكونه أذن في ذلك ، ويحتمل أن يكون معاوية كان يرى القود بها ثم رجع عن ذلك ، أو بالعكس (1) .
وقد أخرج الكرابيسي في أدب القضاء بسند صحيح عن الزهري عن سعيد بن المسيب قصة أخرى قضى فيها معاوية بالقسامة ، لكن لم يصرح فيها بالقتل .
__________
(1) [ فتح الباري ] ( 12 \ 231 ، 232 ) .

ويمكن أن يجاب عن هذا الأثر بالأجوبة السابقة .
وقال البخاري في [ صحيحه ] : وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة - وكان أمره على البصرة - في قتيل وجد عند بيت من بيوت السمانين : إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس ، فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة .
قال ابن حجر : وصله سعيد بن منصور حدثنا هشام حدثنا حميد الطويل قال : كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز . . . . وذكر الأثر ، وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن حميد قال : وجد قتيل بين قشير وعائش فكتب فيه عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز فذكر نحوه ، وهذا صحيح . وقد اعترض على هذا الأثر بقول ابن حجر : وقد اختلف على عمر بن عبد العزيز في القود بالقسامة ، كما اختلف على معاوية ، فذكر ابن بطال أن في [ مصنف حماد بن سلمة ] ، عن ابن أبي مليكة : أن عمر بن عبد العزيز أقاد بالقسامة في إمرته على المدينة (1) .
وقد أجاب ابن حجر عن هذا الاعتراض بقوله : ويجمع بأنه كان يرى ذلك لما كان أميرا على المدينة ، ثم رجع لما ولي الخلافة ، ولعل سبب ذلك ما سيأتي في آخر الباب من قصة أبي قلابة ، حيث احتج على عدم القود بها فكأنه وافقه على ذلك (2) .
والقصة التي أشار إليها ابن حجر هي ما رواها البخاري في [ الصحيح ]
__________
(1) [ فتح الباري ] ( 12 \ 231 , 232 ) .
(2) فتح الباري ( 12 \ 232 ) .

من حديث أبي قلابة الطويل وفيه : قال لي : ما تقول يا أبا قلابة ؟ - أي : في القسامة ، ونصبني للناس - فقلت : يا أمير المؤمنين ، عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب ، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى ولم يروه أكنت ترجمه ؟ قال : لا . قلت : أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه ؟ قال : لا . قلت : فوالله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا قط إلا في إحدى ثلاث خصال : رجل قتل بجريرة نفسه فقتل ، أو رجل زنى بعد إحصان ، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام (1) .
ومما يدل على أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان يرى العمل بها ثم رجع : ما أخرجه ابن المنذر من طريق الزهري قال : قال لي عمر بن عبد العزيز إني أريد أن أدع العمل بالقسامة ، يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا فيحلفون على ما لا يرون ، فقلت : إنك إن تتركها يوشك أن الرجل يقتل عند بابك فيطل دمه ، وإن للناس في القسامة لحياة (2) .
هذا وقد ذكر ابن حزم رحمه الله مجموعة من الآثار الدالة على أنه لا يقاد بالقسامة ولا يحكم بها ، وناقشها ، وقد تركنا ذكرها اختصارا واكتفاء بما سبق من الأدلة .
__________
(1) [ فتح الباري ] ( 12 \ 230 ) .
(2) [ فتح الباري ] ( 12 \ 232 ) , و [ المحلى ] ( 11 \ 65 ـ 70 ) .

الثالث : ضابط اللوث وبيان صوره واختلاف العلماء فيها ومنشأ ذلك مع المناقشة :
ضابط اللوث
( أ ) ضابط اللوث في اللغة :
قال الفيروزآبادي : اللوث : القوة ، وعصبة العمامة ، والشر ، واللوذ ، والجراحات والمطالبات بالأحقاد ، وشبه الدلالة ، واللوث بالضم : الاسترخاء والضعف ، والالتياث : الاختلاط والالتفاف ، والإبطاء ، والقوة ، والتلويث : التلطيخ والخلط والمرس كاللوث (1) .
قال الرملي : لوث بمثلثة من اللوث بمعنى القوة لقوة تحويله اليمين لجانب المدعي أو الضعف ، لأن الأيمان حجة ضعيفة (2) .
( ب ) ضابط اللوث عند الفقهاء :
ا- قال أحمد الشلبي : وسببها وجود قتيل لا يدرى قاتله في محلة أو دار أو موضع يقرب إلى القرية بحيث يسمع الصوت منه (3) .
2 - وقال الأبي : واللوث : هي القرائن الظاهرة الدالة على قتل القاتل (4) .
__________
(1) [ القاموس المحيط ] ( 1 \ 173 , 174 ) , وجاء ما يوافق ذلك في [ لسان العرب ] ( 2 \ 185 , 186 ) .
(2) [ نهاية المحتاج شرح المنهاج ] ( 7 \ 379 ) .
(3) [ حاشية تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ] ( 6 \ 169 ) ، وهذا المعنى يوجد في [ بدائع الصنائع ] ( 7 \ 286 ) .
(4) [ إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ] ( 4 \ 394 ) ، ويرجع أيضا إلى [ مكمل إكمال إكمال المعلم ] ، وهو حاشية على [ إكمال إكمال المعلم ] ( 4 \ 397 ) ، ويرجع أيضا إلى [ القوانين الفقهية ] ص 378 .

3 - وقال النووي والرملي : واللوث قرينة حالية أو مقالية مؤيدة تصدق المدعي بأن توقع في القلب صدقه في دعواه ولا بد من ثبوت هذه القرينة (1) .
4 - أما عند الحنابلة : ففي ضابطه روايتان : الأولى : قال ابن قدامة : هو العداوة الظاهرة ، وعنه : أنه يغلب على الظن صحة الدعوى به (2) .
__________
(1) [ المنهاج ] وشرحه [ نهاية المحتاج ] ( 7 \ 389 ) .
(2) [ المقنع ] ( 3 \ 432 ,433 ) .

3 - بيان صوره و

اختلاف العلماء فيها
نذكر فيما يلي مجمل صور مما نص عليه المالكية ، والشافعي رحمه الله ، والحنابلة ، ثم نتبعها بالكلام على كل صورة في حدود ما تيسر الاطلاع عليه .
مجمل الصور :
1 - قال ابن جزي : وشهادة الشاهد العدل على القتل لوث ، واختلف في شهادة غير العدل وفي شهادة الجماعة إذا لم يكونوا عدولا ، وفي شهادة النساء والعبيد ، وشهادة العدلين على الجرح لوث ، إذا عاش المجروح بعد الجرح وأكل وشرب ، واختلف في شهادة عدل واحد على إقرار القاتل هل يقسم بذلك أم لا ؟ ومن اللوث أن يوجد رجل بقرب المقتول ومعه سيف أو شيء من آلة القتل أو متلطخا بالدم ، ومن اللوث أن يحصل المقتول في دار مع قوم فيقتل بينهم ، أو يكون في محلة قوم أعداء له ، ومن اللوث عند مالك وأصحابه التدمية في العمد ، وهو قول المقتول : فلان قتلني ، أو دمي عند فلان ، سواء أكان المدمى عدلا أو مسخوطا ، ووافقه الليث بن سعد

في القسامة بالتدمية ، وخالفهما سائر العلماء ، واختلف في المذهب في كون التدمية في الخطأ لوثا على قولين (1) .
وقال الباجي : وذكر أبو محمد في معونته قسما سادسا في فئتين اقتتلتا فوجد بينهما قتيل فيها روايتان (2) وساقهما ، وذكر وجه كل منهما ، وسيأتي ذلك في موضعه .
وقتيل الزحام نقله الأبي ، كما سيأتي .
وقال الشافعي رحمه الله تعالى بعد سياقه لقصة قتل عبد الله بن سهل قال : فإذا كان مثل هذا السبب الذي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بالقسامة حكمنا بها وجعلنا فيها الدية على المدعى عليهم ، فإذا لم يكن مثل ذلك السبب لم نحكم بها .
فإن قال قائل : وما مثل السبب الذي حكم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل : كانت خيبر دار يهود التي قتل فيها عبد الله بن سهل محضة لا يخلطهم غيرهم وكانت العداوة بين الأنصار واليهود ظاهرة ، وخرج عبد الله بن سهل بعد العصر ووجد قتيلا قبل الليل ، فكاد أن يغلب على من علم هذا أنه لم يقتله إلا بعض يهود ، وإذا كانت دار قوم مجتمعة لا يخلطهم غيرهم وكانوا أعداء للمقتول أو قبيلته ووجد القتيل فيهم فادعى أولياؤه قتله فيهم فلهم القسامة ، وكذلك إذا كان مثل هذا المعنى مما يطلب على الحاكم أنه كما يدعي المدعي على جماعة أو واحد ، وذلك مثل أن يدخل نفر بيتا فلا يخرجون
__________
(1) [ قوانين الأحكام الفقهية ] ص 378 .
(2) [ المنتقى ] ( 7 \ 56 ) .

منه إلا وبينهم قتيل ، وكذلك إن كانوا في دار وحدهم أو في صحراء وحدهم ؛ لأن الأغلب أنهم قتلوه أو بعضهم ، وكذلك أن يوجد قتيل بصحراء أو ناحية ليس إلى جنبه عين ولا أثر إلا رجل واحد مختضب بدمه في مقامه ذلك ، أو يوجد قتيل فتأتي بينة متفرقة من المسلمين من نواح لم يجتمعوا فيثبت كل واحد منهم على الانفراد على رجل أنه قتله فتتواطأ شهادتهم ولم يسمع بعضهم شهادة بعض ، وإن لم يكونوا ممن يعدل في الشهادة ، أو يشهد شاهد عدل على رجل أنه قتله ؛ لأن كل سبب من هذا يغلب على عقل الحاكم أنه كما ادعى ولي الدم أو شهد من وصفت وادعى ولي الدم ، ولهم إذا كان ما يوجب القسامة على أهل البيت أو القرية أو الجماعة أن يحلفوا على واحد منهم أو أكثر ، فإذا أمكن في المدعى عليه أن يكون في جملة القتلة جاز أن يقسم عليه وحده وعلى غيره ممن أمكن أن يكون في جملتهم معه دعوى ، وإذا لم يكن معه ما وصفت لا يجب بها القسامة ، وكذلك لا تجب القسامة في أن يوجد قتيل في قرية يختلط بهم غيرهم أو يمر به المارة - إذا أمكن أن يقتله بعض من يمر ويلقيه (1) .
وقال المزني زيادة عما تقدم نقله عن الشافعي قال : أو صفين في حرب أو ازدحام جماعة (2) .
3 - وقال موسى الحجاوي في الكلام على شروط القسامة : الثاني : اللوث ، ولو في الخطأ وشبه العمد ، واللوث : العداوة الظاهرة ، كنحو ما كان بين
__________
(1) [ الأم ] ( 6 \ 78 ، 79 ) .
(2) [ مختصر المزني ] بهامش [ الأم ] ( 6 \ 147 ) .

الأنصار وأهل خيبر ، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضا بثأر ، وما بين أحياء العرب وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب ، وما بين البغاة وأهل العدل ، وما بين الشرط واللصوص ، وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن قتله . . . إلى أن قال : ويدخل في اللوث لو حصل عداوة بين سيد عبد وعصبته ، فلو وجد قتيل في صحراء وليس معه غير عبده كان ذلك لوثا في حق العبد ولورثة سيده القسامة ، فإن لم تكن عداوة ظاهرة ولكن غلب على الظن صدق المدعي كتفرق جماعة عن قتيل أو كان عصبته من غير عداوة ظاهرة ، أو وجد قتيلا عند من معه سيف ملطخ بدم ، أو في زحام أو شهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان والفساق أو عدل واحد وفسقة ، أو تفرق فئتان عن قتيل أو شهد رجلان على رجل أنه قتل أحد هذين القتيلين ، أو شهد أن هذا القتيل قتله أحد هذين أو شهد أحدهما أن إنسانا قتله والآخر أنه أقر بقتله ، أو شهد أحدهما أنه قتله بسيف والآخر بسكين ، ونحو ذلك - فليس بلوث ، ولا يشترط مع العداوة ألا يكون في الموضع الذي به القتل غير العدو ولا أن يكون بالقتيل أثر القتل كدم في أذنه أو أنفه . وقول القتيل : قتلني فلان ليس بلوث ، ومتى ادعى القتل عمدا أو غيره ، أو وجد قتيل في موضع فادعى أولياؤه على قاتل مع عدم اللوث حلف المدعى عليه يمينا واحدا وبرئ ، وإن نكل لم يقض عليه بالقود ، بل بالدية (1) .
وقال ابن قدامة - بعد ذكر الرواية الأولى - : وعنه أنه ما يغلب على الظن
__________
(1) [ متن الإقناع ] ( 4 \ 238 ، 240 ) .

صحة الدعوى به كتفرق جماعة عن قتيل ، ووجود قتيل عند من معه سيف ولطخ بدم ، وشهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان ونحو ذلك (1) .
3- بيان صوره واختلاف العلماء فيها مع المناقشة :
__________
(1) [ المقنع ] ( 3 \ 434 , 435 ) .

الصورة الأولى : التدمية .
قال الأبي : ( ع ) وصور الشبهة سبعة : الأولى : قول الميت دمي عند فلان أو هو قتلني أو جرحني أو ضربني ، وإن لم يظهر أثر ولا جرح أثبت مالك القسامة بذلك وقال : وعليه إجماع الأئمة في القديم والحديث ، وشرط بعض أصحابنا ظهور الأثر والجرح إلا لم تكن قسامة ، وخالف مالكا في ذلك سائر فقهاء الأمصار ، ولم يوافقه عليه إلا الليث ، وروي عن عبد الملك بن مروان .
واحتج أصحابنا لذلك : بأن القتل حال تطلب فيه الغيلة والاستتار ، والمرء عند آخر عهده بالدنيا يتحرى الصدق ، ويرد المظالم ، ويتزود من البر .
واحتج مالك بقضية البقرة في قوله : { فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } (1) فأحيي الرجل وأخبر بمن قتله . . . إلى أن قال :
قلت : ألغى القسامة بذلك ابن عبد الحكم ومن الأندلسيين عبد الرحمن بن بقي وعبيد الله بن يحيى ، وقيل : إن ادعاه على من لا يليق به لفضله وصلاحه ألغيت تدميته وإلا أعملت ، فالأقوال في المذهب
__________
(1) سورة البقرة الآية 73

ثلاثة , ثالثها : الفرق المذكور .
ابن عبد السلام : وإنما خالف مالكا والليث سائر الفقهاء ؛ لأن فيه قبول الدعوى دون بينة ، وقد علم أن الأموال أضعف حرمة من الدماء ، ومع ذلك لم تقبل فيها الدعوى ، فكيف تقبل دعوى القتل بهذه الحجة الضعيفة ؟ !
فإن قلت : قيل : كما يحتاط للدماء أن تراق فكذلك يحتاط لها أن تضيع .
قلت : شتان ما بين الاحتياطين . الثاني : دم فات وهذا دم يراق ، إلا أنه كما قال بعض المفتين : لأن يقال : ألم تقتله ؟ أحب إلي من أن يقال : لم قتلته ؟
فإن قلت : أفتى مالك بحضرة أصحابه بقتل رجل ، فلما ذهب به ليقتل جعل مالك يتطاول بعنقه وقد اصفر لونه ، ثم قال لأصحابه : لا تظنوا أني ندمت في فتياي ، ولكنني خفت أن يذهب من أيديهم فتضيع حدود الله .
قلت : هذا مسلم ؛ لأنه في قصاص ثبت ، والقائل بإعمال التدمية وإن لم يظهر أثر- أصبغ ، وهو ظاهر إطلاق الروايات ، والقائل بإلغائها حتى يظهر الأثر - ابن كنانة ، واختاره اللخمي وابن رشد ، وبه العمل .
قال اللخمي : إلا أن يعلم أنه قد كان بينهما قتال ويلزم الفراش عقب ذلك أو كان يتصرف تصرف مشتك عليه دليل المرض ، وتمادى به ذلك حتى هلك .
وباختيار اللخمي هذا أفتيت في نازلة ( وقعت من سنة خمس عشرة وثمانمائة أرسل بها إلي الخليفة المعظم أبو فارس عبد العزيز بن الخليفة المرحوم أبي العباس أحمد الحفصي فأمر أن نفتي فيها بما ظهر لي صوابه )

والنازلة هي : أنه وقعت هوشة بين جماعتي مارغنة بالراء والغين المعجمة ، ومزاتة بالزاي والتاء المثناة من فوق ، وانكشف الجميع عن جرحى من الفريقين ، فبعد أيام جاء رجل من مزاتة إلى العدول بسوسة ، وادعى على جماعة مارغنة وليس به جرح ولا أثر ضرب حسبما ضمن ذلك شهود الرسم ثم مات من الغد ، ونص فتياي : ( الحمد لله ، إذا لزم المدمى الفراش عقب الهوشة أو كان يتصرف تصرف مشتك عليه دليل المرض ودام به ذلك حتى مات ، وكان أعيان المارغنيين المدعى عليهم معروفة ولم تكن فئة المدمى هي المبتدئة والأخرى دافعة - فالتدمية صحيحة ، وإن لم يكن بالمدمى جرح ولا أثر ضرب ويستحقون قتل واحد أو يقبلون الدية ، إلا أن يكون الميت أوصى أن يقبل فيه [ الدية ] فليس إلا الدية ) هذا اختيار اللخمي في المسألة ، وليس ببعيد من الصواب . والله أعلم .
وليس من التدمية البيضاء ، لأن البيضاء هي التي ليس فيها سبب حتى يستند إليه قول المدمى ، وليس فيها إلا قول المدمى دمي عند فلان كقضية اللؤلئي ، فإذا لم تكن من التدمية البيضاء فلترجع لتدمية قتيل الصفين . ولا يعترض على هذا بأنه قال في [ المدونة ] : ولا قسامة في قتيل الصفين ؛ لأن معناه عند الأكثر ، إذا كان ذلك بدعوى الأولياء ، وأما بقول القتيل فإنه يقسم معه ، وسئل عنها المعين للفتيا في التاريخ فأجاب : بأنها من التدمية البيضاء التي جرى العمل على إلغائها ، وإليك الترجيح بين الجوابين والله أعلم بالصواب .
واختلف إذا قال الميت : دمي عند فلان خطأ : فلمالك في [ المدونة ] ، يقسم على قوله . وفي [ الموازية ] ، لا يقسم لتهمة أنه أراد غنى ورثته ، وفي

[ المدونة ] : وإن ادعى الورثة خلاف دعوى الميت من عمد أو خطأ فليس لهم أن يقسموا إلا على قوله ، ولم أسمعه من مالك . وفي [ الموازية ] إن ادعوا خلاف قول الميت فلا قسامة لهم وليس لهم أن يرجعوا إلى قول الميت ، وفي المدونة أيضا إذا قال : دمي عند فلان ولم يذكر عمدا أو خطأ ، فما ادعاه ولاة الدم من عمد أو خطأ أقسموا عليه واستحقوا عليه واستحقوه .
ابن الحارث : وفي المجالس عن ابن القاسم : أحسن من هذا أن قوله باطل ، وفي [ المدونة ] ، أيضا : قال بعضهم : عمدا ، وقال بعضهم : خطأ ، فإن حلفوا كلهم استحقوا دية الخطأ بينهم وبطل الدم ، فإن نكل مدعي الخطأ فليس لمدعي العمد أن يقسموا ولا دم ولا دية .
واختلف في تدمية الزوجة : فظاهر المذهب : أنها كالأجنبية ، وذكر ابن عات عن ابن حزين أنه قال : لا قود على الزوج إلا أن يتعمد واحتج : بأن الله أذن له في ضرب الأدب في قوله تعالى : { وَاضْرِبُوهُنَّ } (1) قال : فالذي يريد أن يدمى فيه أصله الجواز ، ولا تقام الحدود إلا بأمرين ؛ لحديث « ادرءوا الحدود بالشبهات » (2) ، وكذلك معلمو الصبيان يضرب أحدهم فيما يجوز له فيتعدى طرف الشراك أو عود الدرة فيفقأ العين ، وإنما عليه العقل إلا أن يتعمد ، وكذلك على الزوج ، قال : وهذا الذي تعلمنا من شيوخنا (3) .
__________
(1) سورة النساء الآية 34
(2) سنن الترمذي الحدود (1424).
(3) [ إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ] ( 4 \ 369 - 399 ) .

وقال الباجي : فأما قول القتيل : دمي عند فلان فهو عند مالك في الجملة لوث يوجب القسامة ، خلاف لأبي حنيفة والشافعي .
قد استدل أصحابنا في ذكره بقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } (1) الآية .
ففي [ المجموعة ] و [ الموازية ] قال مالك : وما ذكره الله سبحانه وتعالى من شأن البقرة التي ضرب القتيل بلحمها فحيي فأخبر عمن قتله دليل على أنه سمع من قول الميت .
فإن قيل : إن ذلك آية ، قيل : إنما الآية في إحيائه ، فإذا صار حيا لم يكن كلامه آية وقد قبل قوله فيه ، وهذا مبني على أن شريعة من قبلنا شرع لنا إلا ما ثبت نسخه (2) .
وقال ابن العربي : فإن قيل : فإنما قتله موسى صلى الله عليه وسلم بالآية ، قلنا : ليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه ، فلعله أمرهم بالقسامة معه أو صدقه جبريل فقتله موسى بعلمه ، كما قتل النبي صلى الله عليه وسلم الحارث بن سويد بالمجذر بن زياد بإخبار جبريل عليه السلام له بذلك (3) .
انتهى المقصود .
وقال الباجي أيضا : واستدل أصحابنا على ذلك بما روى هشام بن زيد عن أنس : « أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها ، فقتلها بحجر ، فجيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها رمق فقال : " أقتلك فلان ؟ " فأشارت برأسها أن لا ، ثم
__________
(1) سورة البقرة الآية 67
(2) [ المنتقى على الموطأ ] ( 7 \ 56 ) .
(3) [ أحكام القرآن ] تحقيق \ علي محمد البجاوي ، الناشر دار المعرفة - بيروت ، الجزء الأول تفسير قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) ( 1 \ 25 ) .

قال الثانية ، فأشارت برأسها : أن نعم » (1) ، وهذا الحديث رواه قتادة عن أنس فزاد فيه ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل به حتى أقر ، فرض رأسه بالحجارة (2) أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم وغيرهما على اختلاف في الروايات مع الاتفاق على أصل القصة .
وجه الدلالة : قال المازري : استدل به- أي : بحديث الجارية المذكورة - بعضهم ، أي : بعض المالكية- على التدمية ؛ لأنها لو لم تعتبر لم يكن لسؤال الجارية فائدة ، قال : ولا يصح اعتباره مجردا ؛ لأنه خلاف الإجماع فلم يبق إلا أنه يفيد القسامة .
وقال النووي : ذهب مالك إلى ثبوت قتل المتهم بمجرد قول المجروح ، واستدل بهذا الحديث ، ولا دلالة فيه ، بل هو قول باطل ؛ لأن اليهودي اعترف كما وقع التصريح به في بعض طرقه .
ونازعه بعض المالكية فقال : لم يقل مالك ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح ، وإنما قالوا : إن قول المحتضر عند موته : (فلان قتلني) لوث يوجب القسامة ، فيقسم اثنان فصاعدا من عصبته بشرط الذكورية ، وقد وافق بعض المالكية الجمهور ، واحتج من قال بالتدمية : أن دعوى من وصل إلى تلك الحالة وهو وقت خلاصه وتوبته عند معاينة مفارقة الدنيا- يدل على أنه لا يقول إلا حقا ، قالوا : وهي أقوى من قول الشافعية : إن الولي يقسم إذا وجد قرب وليه المقتول رجلا معه سكين ؛ لجواز أن يكون القاتل غير من معه السكين ،
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6485),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1672),سنن الترمذي الديات (1394),سنن النسائي القسامة (4740),سنن أبو داود الديات (4529),سنن ابن ماجه الديات (2666),مسند أحمد بن حنبل (3/171),سنن الدارمي الديات (2355).
(2) [المنتقى على الموطأ] (7\56) .

انتهى بواسطة ابن حجر (1) .
وقد ناقش ابن حزم الاستدلال بهذا الحديث أيضا ، فقال أبو محمد رحمه الله : وهذا لا حجة لهم فيه ؛ لأن هذا خبر رويناه بالسند المذكور إلى مسلم نا عبد بن حميد ، نا عبد الرزاق ، نا معمر عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أنس : « أن رجلا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها ثم ألقاها في قليب ورضخ رأسها بالحجارة ، وأخذ فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به أن يرجم حتى يموت . » (2) وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد العطار ، كلاهما عن قتادة عن أنس .
فإن قالوا : إن شعبة زاد ذكر دعوى المقتول في هذه القصة وزيادة العدل مقبولة .
قلنا : صدقتم ، وقد زاد همام بن يحيى عن قتادة ، عن أنس في هذا الخبر زيادة لا يحل تركها كما روينا من طريق مسلم : نا هداب بن خالد ، نا همام عن قتادة عن أنس : « أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين ، فسألوها من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان ؟ حتى ذكروا يهوديا ، فأومأت برأسها ، فأخذ اليهودي فأقر ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بالحجارة » (3) . . فصح أنه صلى الله عليه وسلم لم يقتل اليهودي إلا بإقراره لا بدعوى المقتولة .
ووجه آخر : وهو أنه لو صح لهم ما لا يصح أبدا من أنه- عليه السلام- إنما قتله بدعواها- لكان هذا الخبر حجة عليهم ، ولكانوا مخالفين له ؛ لأنه ليس فيه ذكر قسامة أصلا وهم لا يقتلون بدعوى المقتولة البتة حتى يحلف
__________
(1) [فتح الباري] (12\199)
(2) صحيح البخاري الديات (6483),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1672),سنن الترمذي الديات (1394),سنن النسائي القسامة (4742),سنن أبو داود الديات (4528),سنن ابن ماجه الديات (2666),مسند أحمد بن حنبل (3/203),سنن الدارمي الديات (2355).
(3) صحيح البخاري الديات (6483),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1672),سنن الترمذي الديات (1394),سنن النسائي القسامة (4742),سنن أبو داود الديات (4529),سنن ابن ماجه الديات (2666),مسند أحمد بن حنبل (3/203),سنن الدارمي الديات (2355).

اثنان فصاعدا من الأولياء خمسين يمينا ولا بد .
وأيضا فهم لا يرون القسامة بدعوى من لم يبلغ ، والأظهر في هذا الخبر أنها كانت لم تبلغ ؛ لأنه ذكر جارية ذات أوضاح ، وهذه الصفة عن العرب- الذين بلغتهم تكلم أنس - إنما يوقعونها على الصبية لا على المرأة البالغة ، فبطل تعلقهم بهذا الخبر بكل وجه ولاح خلافهم في ذلك فوجب القول به ، ولا يحل لأحد العدول (1) .
وقال الباجي أيضا : واستدلوا من جهة المعنى : بأن الغالب من أحوال الناس عند الموت ألا يتزودوا من الدنيا قتل النفس التي حرم الله ، بل يسعى إلى التوبة والاستغفار ، والندم على التفريط ، ورد المظالم ، ولا أحد أبغض إلى المقتول من القاتل ، فمحال أن يتزود من الدنيا سفك دم حرام يعدل إليه ويحقن دم قاتله .
قال الباجي بعد ذكره لاستدلال المالكية بقصة البقرة والجارية : وهذا الدليل من المعنى . قال : وهذا عمدة ما يتعلق به أصحابنا في هذه المسألة وهي مسألة فيها نظر ، والله أعلم وأحكم (2) .
2 - وقال ابن قدامة رحمه الله على قول الخرقي رحمه الله تعالى : (وإذا شهدت البينة العادلة أن المجروح قال : دمي عند فلان ، فليس ذلك بموجب القسامة ما لم يكن لوث) قال : هذا قول أكثر أهل العلم ، منهم : الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي ، وقال مالك والليث : هو لوث ؛ لأن
__________
(1) [المحلى] لابن حزم (11\84) ، ويرجع أيضا إلى [شرح معاني الآثار] للطحاوي (2\190 ، 191) .
(2) [المنتقى] للباجي (7\ 56) .

قتيل بني إسرائيل قال : قتلني فلان فكان حجة . وروي هذا القول عن عبد الملك بن مروان ، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم : « لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم » (1) ، ولأنه يدعي حقا لنفسه فلم يقبل قوله كما لو لم يمت ، ولأنه خصم فلم تكن دعواه لوثا كالولي .
فأما قتيل بني إسرائيل فلا حجة فيه ، فإنه لا قسامة فيه ، ولأن ذلك كان من آيات الله ومعجزات نبيه موسى عليه السلام ، حيث أحياه الله تعالى بعد موته ، وأنطقه بقدرته بما اختلفوا فيه ، ولم يكن الله ينطقه بالكذب بخلاف الحي ، ولا سبيل إلى مثل هذا اليوم ، ثم ذاك في تنزيه المتهمين فلا يجوز تعديتها إلى تهمة البريئين (2) .
وجاء في [حاشية المقنع] : ونقل الميموني : أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ ، وإذا كان ثم سبب بين ، وإذا كان ثم عداوة ، وإذا كان مثل المدعى عليه يفعل مثل هذا (3) .
__________
(1) صحيح البخاري تفسير القرآن (4277),صحيح مسلم الأقضية (1711),سنن الترمذي الأحكام (1342),سنن النسائي آداب القضاة (5425),سنن أبو داود الأقضية (3619),سنن ابن ماجه الأحكام (2321),مسند أحمد بن حنبل (1/288).
(2) [المغني] (8\498 ، 499) .
(3) [حاشية المقنع] (3\ 435) .

الصورة الثانية : شهادة بينة غير قاطعة على معاينة القتل :
1 - قال الأبي : (ع) : الصورة الثانية : اللوث من غير بينة قاطعة على معاينة القتل . لم يختلف قول مالك في أن شهادة العدل الواحد أو اللفيف من الناس وإن لم يكونوا عدولا لوث ، وإنما اختلف قوله في شهادة الواحد غير العدل وفي شهادة المرأة هل ذلك لوث ؟ وجعل بعض أصحابنا شهادة النساء والصبيان لوثا ، وأباه أكثرهم ، وجعل ربيعة ويحيى بن سعيد والليث

شهادة الذميين والعبيد لوثا (1) .
2 - وقال النووي والرملي : وشهادة العدل الواحد : أي : إخباره ولو قبل الدعوى بأن فلانا قتله لوث ؛ لأنه يفيد الظن ، وشهادته بأن أحد هذين قتله لوث في حقهما ، كما علم مما مر أول الباب ، فيعين الولي أحدهما أو كليهما ويقسم ، وكذا عبيد أو نساء ، يعني : إخبار اثنين فأكثر أن فلانا قتله ، وفي [الوجيز] : أن القياس أن قول واحد منهم لوث ، وجرى عليه في [الحاوي الصغير] فقال : وقول راو ، وجزم به في [الأنوار] وهو المعتمد . وقيل : يشترط تفرقهم لاحتمال التواطؤ ، ورد بأن احتماله كاحتمال الكذب في إخبار العدل . وقول فسقة وصبيان وكفار لوث في الأصح ؛ لأن اجتماعهم على ذلك يؤكد ظنه . والثاني قال : لا اعتبار بقولهم في الشرع ، ولو ظهر لوث في قتيل فقال أحد ابنيه مثلا : (قتله فلان) وكذبه الابن الآخر صريحا- بطل اللوث ، فلا يحلف المستحق ؛ لانخرام ظن الصدق بالتكذيب الدال على عدم قتله ، إذ جبلة الوارث على التشفي ، فنفيه أقوى من إثبات الآخر ، بخلاف ما إذا لم يكذبه كذلك بأن صدقه أو سكت ، أو قال : لا أعلم أنه قتله ، أو قال : إنه قتله . وبحث البلقيني أنه لو شهد عدل بعد دعوى أحدهم خطأ أو شبه عمد- لم يبطل اللوث بتكذيب الآخر قطعا ، فلمن لم يكذبه أن يحلف معه خمسين يمينا ويستحق ، وفي قول : لا يبطل كسائر الدعاوى ، ورد بما مر من الجبلة هنا ، وقيل : لا يبطل بتكذيب فاسق ، ويرد بما مر أيضا ، إذ الجبلة لا فرق فيها بين الفاسق وغيره ، ولو عين كل غير
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ](4\ 399) ، ويرجع أيضا إلى [المنتقى] (7\56) .

معين الآخر من غير تعرض لتكذيب صاحبه أقسم كل الخمسين على ما عينه وأخذ حصته . انتهى (1) .
3 - قال ابن قدامة : السادس : أن يشهد بالقتل عبيد ونساء ، فهذا فيه عن أحمد روايتان : إحداهما : أنه لوث ؛ لأنه يغلب على الظن صدق المدعي في دعواه فأشبه العداوة . الثانية : ليس بلوث ؛ لأنها شهادة مردودة فلم تكن لوثا كما لو شهد به الكفار . وإن شهد به فساق أو صبيان فهل يكون لوثا؟ على وجهين :
أحدهما : ليس بلوث ؛ لأنه لا يتعلق بشهادتهم حكم فلا يثبت اللوث بها كشهادة الأطفال والمجانين .
والثاني : يثبت بها اللوث ؛ لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي فأشبه شهادة النساء والعبيد . وقول الصبيان معتبر في الإذن في دخول الدار وقبول الهدية ونحوها ، وهذا مذهب الشافعي ، ويعتبر أن يجئ الصبيان متفرقين لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب ، فهذه الوجوه قد ذكر عن أحمد أنها لوث ؛ لأنها يغلب على الظن صدق المدعي أشبه العداوة .
وروي أن هذا ليس بلوث ، وهو ظاهر كلامه في الذي قتل في الزحام ؛ لأن اللوث إنما يثبت بالعداوة بقضية الأنصاري القتيل ، ولا يجوز القياس ؛ لأن الحكم ثبت بالمظنة ، ولا يجوز القياس في المظان ؛ لأن الحكم إنما يتعدى بتعدي سببه ، والقياس في المظان جمع بمجرد الحكمة وغلبة الظنون والحكم ، والظنون تختلف ولا تأتلف ، وتتخبط ولا تنضبط ، وتختلف باختلاف القرائن والأحوال والأشخاص ، فلا يمكن ربط الحكم
__________
(1) [نهاية المحتاج] (7\391 ، 392) .

بها ، ولا تعديته بتعديتها ، ولأنه يعتبر في التعدية به والقياس التساوي بين الأصل والفرع في المقتضى ، ولا سبيل إلى يقين التساوي بين الظنين مع كثرة الاحتمالات وترددها ، فعلى هذه الرواية حكم هذه الصورة حكم غيرها مما لا لوث فيه (1) .
__________
(1) [المغني] (8\490) .

الصورة الثالثة : شهادة عدلين بجرح ، وعدل بالقتل :
1 - قال الأبي : (ع) : الصورة الثالثة : شهادة عدلين بجرح وحيي بعده حياة بينة ثم مات بعده قبل أن يفيق منه ، قال مالك وأصحابه والليث : ذلك لوث . واختلف عندنا في شهادة العدل الواحد هل هي لوث؟ والأصح : الأول ، وأنه لا بد من شاهدين ، ولم ير الشافعي والحنفية في هذا قسامة ، ورأوا فيه القصاص إن ثبت بشاهدين ، قلت : قال ابن الحارث : إلا أن يكون ما شهد به العدلان من الجرح قد أنفذ مقاتله ، فإن أنفذها فلا قسامة فيه ، وهو كمقتول ، والمشهور في شهادة الواحد أنها لوث ، نص على ذلك في [ المدونة] وفي [العتبية] لا قسامة فيه .
واختلف في شهادة الواحد على إقرار القاتل بالقتل : فقال أشهب : فيه القسامة ، وفي [الموازية] : لا قسامة فيه (1) .
2 - وقال النووي والرملي : وشهادة العدل الواحد ، أي : إخباره ولو قبل الدعوى بأن فلانا قتله لوث ؛ لأنه يفيد الظن ، وشهادته بأن أحد هذين قتله لوث في حقهما ، كما علم مما مر في أول الباب ، فيعين الولي أحدهما
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\ 399 ، 400) ، ويرجع أيضا إلى [المنتقى شرح الموطأ ] (7\56) .

أو كليهما ويقسمه (1) .
3 - وقال ابن قدامة : فصل : وإن شهد رجلان على رجل أنه قتل أحد هذين القتيلين - لم تثبت هذه الشهادة ، ولم يكن لوثا عند أحد علمائنا ، قوله : وإن شهد رجلان أن هذا القتيل قتله أحد هذين الرجلين ، أو شهد أحدهما أن هذا قتله وشهد الآخر أنه أقر بقتله ، أو شهد أحدهما أن هذا قتله بسيف ، وشهد الآخر أنه قتله بسكين- لم تثبت الشهادة ولم يكن لوثا ، هذا قول القاضي واختياره ، والمنصوص عن أحمد فيما إذا شهد أحدهما بقتله والآخر بالإقرار بقتله أنه يثبت القتل ، واختار أبو بكر ثبوت القتل هاهنا ، وفيما إذا شهد أحدهما أنه قتله بسيف وشهد الآخر أنه قتله بسكين ؛ لأنهما اتفقا على القتل واختلفا في صفته .
وقال الشافعي : هو لوث في هذه الصورة في أحد القولين ، وفي الصورتين اللتين قبلها هو لوث ؛ لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي أشبهت شهادة النساء والعبيد .
ولنا أنها شهادة مردودة للاختلاف فيها فلم يكن لوثا كالصورة الأولى (2) .
__________
(1) [نهاية المحتاج](7\391) .
(2) [المغني] (8\490 ، 491) .

الصورة الرابعة : وجود المتهم بقرب القتيل أو آتيا من جهته ومعه آلة القتل أو عليه أثره :
1 - قال الأبي : (ع) : الرابعة : وجود المتهم بقرب القتيل أو آتيا من جهته ومعه آلة القتل وعليه أثر كالتلطخ بالدم وشبهه ، فروى ابن وهب وقاله ابن عبد الحكيم هو لوث . وقال الشافعي : نحوه ، قال ذلك إذا لم يوجد هناك أحد ولا به أثر سبع قال : ومنه إذا وجد في بيت أو صحراء وليس هناك

سواهم وتفرقوا عن قتيل ، وهذا كله شبهة توجب القسامة . قلت : رواية ابن وهب ذكرها ابن الجلاب كأنها المذهب ، قال : وإن وجد قتيل وبقربه رجل وبيده آلة القتل أو عليه شيء من دم القتيل أو عليه أثر القتل- فذلك لوث يقسم معه (1) .
2 - وقال ابن قدامة : الرابع : أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنه قتله ، مثل : أن يرى رجلا هاربا يحتمل أنه القاتل ، أو سبعا يحتمل ذلك فيه (2) .
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم] (3\400) ، أيضا إلى [المنتقى](7\ 56) .
(2) [المغني] (8\ 489) .

الصورة الخامسة : قتيل الصفين :
1 - قال الأبي : (ع) الخامسة : قتيل الصفين ، تقتتل الفئتان فيوجد بينهما قتيل لا يدرى من قتله ، ففيه عندنا روايتان :
الأولى : للأولياء أن يقسموا على من يعينونه منها أو على من يدعي عليه الميت كان منهما أو من غيرهما بالقسامة ، قال الشافعي : وقال عقله على الفئة المنازعة ، وإن عينوا رجلا ففيه القسامة .
قلت : الرواية الثانية في [المدونة] ، قال فيها : ولا قسامة في قتيل الصفين ، لكن اختلف : فقيل : معنى قوله : لا قسامة إذا عينه الأولياء ، وأما إذا عينه المقتول ففيه القسامة . وقيل : لا قسامة عينه المقتول أو الأولياء ، وعلى الأول حمل [ المدونة] ، الأكثر ، ووجه ابن عات رواية القسامة بأن وجوده بينهما يغلب على الظن أن قتله لم يخرج عنهما ، وذلك لوث ،

ووجه الرواية الأخرى بأن القسامة لا تكون إلا مع لوث في مشار إليه معين ، فإن اللوث إذا تعلق بواحد معين أثر في القسامة ، أما إذا تعلق بجماعة على أن القاتل واحد منهم غير معين فلا يؤثر (1)
2 - وقال الشافعي : إذا اقتتل القوم فانجلوا عن قتيل فادعى أولياؤه على أحد بعينه أو على طائفة بعينها أو قالوا : قد قتلته إحدى الطائفتين ولا يدرى أيتهما قتلته ، قيل لهم : إن جئتم بما يوجب القسامة على إحدى الطائفتين أو بعضهم أو واحد بعينه أو أكثر قيل لكم اقسموا على واحد ، فإن لم تأتوا بذلك فلا عقل ولا قود ، ومن شئتم أن نحلفه لكم على قتله أحلفناه ومن أحلفناه أبرأناه ، وهكذا إن كان جريحا ثم مات ادعى على أحد أو لم يدع عليه ، إذا لم أقبل دعواه فيما هو أقل من الدم ، لم أقبلها في الدم وما أعرف أصلا ولا فرعا لقول من قال : تجب القسامة بدعوى الميت ، ما القسامة التي قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن سهل إلا على خلاف ما قال ، فيها دعوى ولا لوث من بينة (2) .
3 - وقال ابن قدامة : الثاني : أن يتفرق جماعة عن قتيل ، فيكون ذلك لوثا في حق كل واحد منهم ، فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة فالقول قوله مع يمينه ، ذكره القاضي ، وهو مذهب الشافعي ؛ لأن الأصل عدم ذلك إلا أن يثبت ببينة (3) .
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\ 401) ويرجع أيضا إلى [المنتقى] (7\56) .
(2) [الأم]( 7 \ 136 ، 137 ) ، كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ، ويرجع أيضا إلى [المنهاج] وشرحه [نهاية المحتاج] (7\390) .
(3) [المغني] (8\589) .

وقال ابن قدامة : الخامس : أن يقتتل فئتان ، فيتفرقون عن قتيل من إحداهما- فاللوث على الأخرى ذكره القاضي ، فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضا فاللوث على طائفة القتيل ، هذا قول الشافعي .
وروي عن أحمد : أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه ، وهذا قول مالك ، وقال ابن أبي ليلى . على الفريقين جميعا ؛ لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه فاستوى الجميع فيه .
وعن أحمد في قوم اقتتلوا فقتل بعضهم وجرح بعضهم فدية المقتولين على المجروحين تسقط منها دية الجراح ، وإن كان فيهم من لا جرح فيه فهل عليه من الديات شيء؟ على وجهين ، ذكرها ابن حامد (1) .
__________
(1) [المغني] (8\ 489 ، 490 ) .

الصورة السادسة : قتيل الزحام :
1 - قال الأبي : (ع) : الصورة السادسة : قتيل الزحام ، قال مالك : دمه هدر ، وقال الشافعي : فيه القسامة والدية ، وقال الثوري وإسحاق : عقله في بيت المال ، وعن عمر وعلي مثله ، وقال الحسن والزهري : عقله على من حضر . قلت : الذي حكى أبو عمر عن الشافعي : إنما هو لا شيء فيه كقول مالك (1) .
وقال الباجي نقلا عن [الموازية] : وذلك أنه لا تتعلق التهمة بمعين ولا معينين (2) .
وقال النووي والرملي : أو تفرق عنه جمع محصور يتصور اجتماعهم
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\401) ، و[المنتقى] (7\114) .
(2) [المنتقى] (7\114) .

على قتله وإن لم يكونوا أعداءه في نحو دار أو ازدحام على الكعبة أو بئر ، وإلا فلا قسامة حتى يعين منهم محصورين فيكن من الدعوى والقسامة ، فلا بد من وجود أثر قتل وإن قل ، وإلا فلا قسامة ، وكذا في سائر الصور خلافا للأسنوي (1) .
وقال ابن قدامة : الثالث : أن يزدحم الناس في مضيق فيوجد قتيل ، فظاهر كلام أحمد : أن هذا ليس بلوث فإنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة : فديته في بيت المال ، وهذا قول إسحاق . وروي ذلك عن عمر وعلي فإن سعيدا روى في [سننه] عن إبراهيم قال : قتل رجل في زحام الناس بعرفة فجاء أهله إلى عمر فقال : بينتكم على من قتله ، فقال علي : يا أمير المؤمنين . لا يطل دم امرئ مسلم إن علمت قاتله وإلا فأعط ديته من بيت المال .
وقال أحمد فيمن وجد مقتولا في المسجد الحرام : ينظر من كان بينه وبينه شيء في حياته ، يعني : عداوة يؤخذون ، فلم يجعل الحضور لوثا وإنما جعل اللوث العداوة .
وقال الحسن والزهري فيمن مات في الزحام : ديته على من حضر ؛ لأن قتله حصل منهم ، وقال مالك : دمه هدر ؛ لأنه لا يعلم له قاتل ، ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة ، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إليه في رجل وجد قتيلا لم يعرف قاتله ، فكتب إليهم : إن من القضايا قضايا لا يحكم فيها إلا في الدار الآخرة ، وهذا منها (2) .
__________
(1) [نهاية المحتاج](7\390)
(2) [المغني](8\489) .

الصورة السابعة : وجود قتيل في محلة :
1 - قال شمس الدين السرخسي رحمه الله تعالى . ( وإذا وجد الرجل

قتيلا في محلة قوم فعليهم أن يقسم منهم خمسون رجلا بالله : ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا : ثم يغرمون الدية ، بلغنا هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا أحاديث مشهورة .
منها : حديث سهل بن أبي حثمة : « أن عبد الله بن سهل وعبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة خرجوا في التجارة إلى خيبر ، وتفرقوا بحوائجهم فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر يتشحط في دمه ، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبروه فأراد عبد الرحمن - وهو أخو القتيل- أن يتكلم فقال : عليه الصلاة والسلام : الكبر الكبر ، فتكلم أحد عميه حويصة ومحيصة ، وهو الأكبر منهما ، وأخبره بذلك قال : ومن قتله ؟ قالوا : ومن يقتله سوى اليهود ، قال : تبرئكم اليهود بأيمانها ؟ فقالوا : لا نرضى بأيمان قوم كفار لا يبالون ما حلفوا عليه ، قال عليه السلام : أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم ؟ فقالوا : كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد؟! فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة . » (1)
وذكر الزهري عن سعيد بن المسيب : أن القسامة كانت من أحكام الجاهلية ، فقررها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتيل من الأنصار وجد في حي ليهود ، وذكر الحديث . . . إلى أن قال : فألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود الدية والقسامة .
وفي رواية : فكتب إليهم : « إما أن يدوه أو يأذنوا بحرب من الله » (2) وذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل خيبر : أن هذا قتيل وجد بين أظهركم ، فما الذي يخرجه عنكم؟ فكتبوا إليه إن مثل هذه الحادثة وقعت في بني إسرائيل ، فأنزل الله على موسى عليه السلام أمرا ، فإن كنت نبيا فاسأل الله مثل ذلك ، فكتب إليهم :
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6502),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4716),سنن أبو داود الديات (4520),سنن ابن ماجه الديات (2677),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1630),سنن الدارمي الديات (2353).
(2) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن النسائي القسامة (4711),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677),موطأ مالك القسامة (1630).

إن الله أراني أن أختار منكم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ، ثم يغرمون الدية قالوا : لقد قضيت فينا بالناموس ، يعني : الوحي . »
وروى حنيف عن زياد بن أبي مريم قال : « جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني وجدت أخي قتيلا في بني فلان ، فقال : اختر من شيوخهم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ، قال : وليس لي من أخي إلا هذا؟ قال : نعم ، ومائة من الإبل » .
وفي الحديث : أن رجلا وجد بين وادعة وأرحب وكان إلى وادعة أقرب فقضى عليهم عمر رضي الله عنه بالقسامة والدية ، فقال حارث بن الأصبع الوادعي : يا أمير المؤمنين ، لا أيماننا تدفع عن أموالنا ولا أموالنا تدفع عن أيماننا ، فقال : حقنتم دماءكم بأيمانكم وأغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم .
فهذه الآثار تدل على ثبوت حكم القسامة والدية في القتيل الموجود في المحلة على أهلها ونوع من المعنى يدل عليه أيضا ، وهو أن الظاهر أن القاتل منهم ؛ لأن الإنسان قلما يأتي من محلة إلى محلة ليقتل مختارا فيها ، وإنما تمكن القاتل منهم من هذا الفعل بقوتهم ونصرتهم ، فكانوا كالعاقلة ، فأوجب الشرع الدية عليهم ؛ صيانة لدم المقتول عن الهدر ، وأوجب القسامة عليهم لرجاء أن يظهر القاتل بهذه الطريق فيتخلص غير الجاني إذا ظهر الجاني ؛ ولهذا يستحلفون بالله : ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا . ثم على أهل كل محلة حفظ محلتهم عن مثل هذه الفتنة ؛ لأن التدبير في محلتهم إليهم ، فإنما وقعت هذه الحادثة ؛ لتفريط كان منهم في الحفظ حين تغافلوا عن الأخذ على أيدي السفهاء منهم ومن غيرهم ، فأوجب الشرع القسامة

والدية عليهم لذلك ، ووجوب القسامة والدية على أهل المحلة مذهب علمائنا . ا هـ (1) .
قال الأبي : (ع) : الصورة السابعة : القتيل يوجد بمحلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم فقال مالك والشافعي : دمه هدر ؛ لأنه قد يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محلة قوم ليلطخهم به . قال الشافعي : إلا أن يكون مثل قضية الأنصار التي حكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم للعداوة الظاهرة بين الأنصار واليهود ، وخيبر مختصة باليهود ليس فيها غيرهم ، وخرج عبد الله بعد العصر فوجد مقتولا قبل الليل . وقال أحمد نحوه ، وتأوله النسائي على مذهب مالك ، وذهب أبو حنيفة ومعظم الكوفيين إلى أن للقتيل يوجد في القرية والمحلة القسامة ولا سبب عندهم من الوجوه السبعة للقسامة سواه ؛ لأنها الصورة التي حكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحلف خمسون رجلا خمسين يمينا ويستحقون الدية على ما تقدم من مذهبهم في العمل بها ، وذلك إذا وجد القتيل وبه أثر وإلا فلا قسامة فيه ، وإن وجد القتيل في مسجد أهل المحلة فالدية في بيت المال إذا ادعوا بذلك على أهل المحلة . وقال الأوزاعي : وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة وإن لم يكن فيه أثر على ما تقدم من مذهب .
وقال داود : لا قسامة إلا في العمد دون الخطأ على أهل القرية الكبيرة والمدينة ، وهم أعداء المقتول .
قلت في [المدونة] : وإن وجد قتيل في قرية قوم أو دارهم لا يدرى من
__________
(1) [المبسوط] (26\106- 108) .

قتله - فدمه هدر ، ولا دية في بيت المال ولا في غيره . ابن يونس : يريد إن لم يوجد معه ، وإن وجد معه رجل عليه أثر قتله قتل به مع القسامة . ابن رشد : ولو وقع مثل قضية الأنصاري في زماننا الواجب الحكم به ، ولم يصح أن يتعدى إلى غيره (1) .
وقال ابن حزم : واعترض المالكيون ومن لا يرى القسامة في هذا بأن قالوا : والقتيل قد يقتل ثم يحمله قاتله فيلقيه على باب إنسان أو في دار قوم .
فجوابنا وبالله تعالى التوفيق : أن هذا ممكن ، ولكن لا يعترض على حكم الله تعالى وحكم رسوله - عليه السلام- بأنه يمكن أمر كذا ، وبيقين يدري كل مسلم أنه قد يمكن أن يكذب الشاهد ، ويكذب الحالف ، ويكذب المدعي أن فلانا قتله هذا أمر لا يقدر أحد على دفعه . . . ومضى إلى أن أيد ذلك بقصة عبد الله بن سهل (2)
3 - وقال النووي والرملي : واللوث قرينة حالية أو مقالية مؤيدة ، تصدق المدعي ، بأن توقع في القلب صدقه في دعواه . ولابد من ثبوت هذه القرينة (بأن) أي : كأن ، إذ القرائن لم تنحصر فيما ذكره ، وجد قتيل أو بعضه وتحقق موته في محلة منفصلة عن بلد كبير أو في قرية صغيرة لأعدائه أو أعداء قبيلته دينا أو دنيا حيث كانت العداوة تحمل على الانتقام بالقتل ، ولم يساكنهم غيرهم ، كما صححه في [الروضة] وهو المعتمد ، والمراد بغيرهم :
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\401 ، 402) ، ويرجع أيضا إلى [المنتقى] (7\ 52 ، 114 ) .
(2) [المحلى](11\82, 83) .

من لم تعلم صداقته للقتيل ، ولا كونه من أهله ، أي : ولا عداوة بينهما ، كما هو واضح ، وإلا فاللوث موجود فلا تمتنع القسامة ، قال ابن أبي عصرون وغيره ، وهو ظاهر . قال الأسنوي تبعا لابن الرفعة : ويدل له قصة خيبر . فإن إخوة القتيل كانوا معه ، ومع ذلك شرعت القسامة . قال العمراني وغيره . ولو لم يدخل ذلك المكان غير أهله لم تعتبر العداوة ، قال الأذرعي : ويشبه اشتراط ألا يكون هناك طريق جادة كثيرة الطارقين ، وخرج بالصغيرة الكبيرة فلا لوث ، بل وجد فيها قتيل فيما يظهر ، إذ المراد بها من أهله غير محصورين ، وعند انتفاء حصرهم لا تتحقق العداوة بينهم فتنتفي القرينة (1) .
4 - وقال ابن قدامة : واختلفت الرواية فيه- أي . في اللوث المشترط في القسامة - فروي عنه : أن اللوث : هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه ، كنحو ما بين الأنصار ويهود خيبر ، وما بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب ، وما بين أهل البغي وأهل العدل ، وما بين الشرطة واللصوص ، وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله .
نقل مهنا عن أحمد في من وجد قتيلا في المسجد الحرام ، ينظر من بينه وبينه في حياته شيء- يعني : ضغنا- يؤخذون به ، ولم يذكر القاضي في اللوث غير العداوة إلا أنه قد قال في الفريقين يقتتلان فينكشفون عن قتيل ، فاللوث على الطائفة التي القتيل من غيرها ، سواء كان القتلى بالتحام ، أو مراماة بالسهام ، وإن لم تبلغ السهام ، فاللوث على طائفة القتيل .
إذا ثبت هذا فإنه لا يشترط مع العداوة ألا يكون في الموضع الذي به القتيل غير العدو ، نص عليه أحمد في رواية مهنا التي ذكرناها ، وكلام الخرقي يدل
__________
(1) [ المنهاج وشرحه نهاية المحتاج] (7\389 ,390) .

عليه أيضا . واشترط القاضي : أن يوجد القتيل في موضع عدو لا يختلط بهم غيرهم ، وهذا مذهب الشافعي ؛ لأن الأنصاري قتل في خيبر ولم يكن فيها إلا اليهود ، وجميعهم أعداء ، ولأنه متى اختلط بهم غيرهم احتمل أن يكون القاتل ذلك الغير ، ثم ناقض القاضي قوله ، فقال في قوم ازدحموا في مضيق فافترقوا عن قتيل : إن كان في القوم من بينهم وبينه عداوة وأمكن أن يكون هو قتله ، لكونه بقربه- فهو لوث . فجعل العداوة لوثا مع وجود غير العدو . ولنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأنصار : هل كان بخيبر غير اليهود أم لا ؟ مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها ؛ لأنها كانت أملاكا للمسلمين ، يقصدونها لأخذ غلات أملاكهم منها ، وعمارتها ، والاطلاع عليها ، والامتيار منها ، ويبعد أن تكون مدينة على جادة تخلو من غير أهلها ، وقول الأنصار : (ليس لنا بخيبر عدو إلا يهود) يدل على أنه قد كان بها غيرهم من ليس بعدو ؛ ولأن اشتراكهم في العداوة لا يمنع من وجود اللوث في حق واحد ، وتخصيصه بالدعوى مع مشاركة غيره في احتمال قتله ، فلأن يمنع ذلك وجود من يبعد منه القتل أولى .
وما ذكروه من الاحتمال لا ينفي اللوث ، فإن اللوث لا يشترط فيه يقين القتل من المدعى عليه ، ولا ينافيه الاحتمال ، ولو تيقن القتل من المدعى عليه لما احتيج إلى الأيمان ، ولو اشترط نفي الاحتمال لما صحت الدعوى على واحد من جماعة ؛ لأنه يحتمل أن القاتل غيره ، ولا على الجماعة ، لأنه يحتمل ألا يشترك الجميع في قتله .
والرواية الثانية عن أحمد : أن اللوث ما يغلب على الظن صدق

المدعي ، وذلك في دار أو غيرها ، من وجوه : أحدها : العداوة المذكورة (1) وسنذكر البقية موزعة في مواضعها .
__________
(1) [المغني] (8\7-9)(الطبعة المشتركة مع الشرح الكبير)

تحرير محل النزاع في اللوث مع بيان منشأ الخلاف
اتفق من يقولون بالقسامة على أنها لا تثبت بمجرد دعوى أولياء الدم ، واتفقوا على أنها تثبت بالدعوى إذا اقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بمقتضاها ، ثم اختلفوا في الصور التي تتحقق فيها هذه الشبهة ، ومنشأ الخلاف في ذلك اختلافهم في تطبيق ضابط هذه الشبهة المسماة لوثا على هذه الصور ، فمن رآها متحققة في صورة من الصور السبع المذكورة أو نحوها أثبت بها القسامة ، ومن لم يجد في نفسه غلبة الظن توجب الحكم بها في صورة لم يثبت الحكم بها في تلك الصورة . ا هـ (1) .
__________
(1) انظر [فتح الباري] (12\197) بتصرف .

الرابع : هل يتعين أن يكون المدعى عليه في القسامة واحدا أو يجوز أن يكون أكثر ولو مبهما , مع ذكر الدليل والمناقشة؟
لقد سبق الكلام على معنى اللوث وخلاف العلماء في صوره ، وكان مما تقدم : أن القسامة عند الحنفية لا تكون إلا في صورة واحدة من الصور التي سبق الكلام عليها ، وهي الواقعة بين الأنصار واليهود في خيبر ، وتقدم النقل عنهم في هذه الصورة مستوفيا أدلتهم من السنة والآثار .
ومما تقدم يتبين : أن أبا حنيفة رحمه الله يرى : أن الدعوى في القتل تكون على مبهم ، فتركنا إعادة ذلك النقل اكتفاء بما سبق ذكره ، ومعلوم أن هذا

الرأي يخالف قوله صلى الله عليه وسلم : « يقسم خمسون منكم على رجل منهم » (1) .
وأما المذاهب الثلاثة ففيما يلي تفصيل أقوالهم وما استندوا إليه ، ومعلوم أن الأصل في هذا الباب هو قصة خيبر ، وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة : « يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته » (2) .
1 - قال مالك : ( وإذا كان القسامة لم تكن إلا على رجل واحد ولم يقتل غيره ولم نعلم قسامة كانت قط إلا على رجل واحد . قال الباجي : هذا قول مالك وأكثر أصحابه . وقال أشهب : إن شاءوا أقسموا على واحد أو على اثنين أو على جميعهم ثم لا يقتلون إلا واحدا ممن أدخلوه في القسامة ، كان ذلك لقول الميت : دمي عند فلان أو فلان أو لشهادة شاهد على القتل أو شاهدين على الضرب ثم عاش أياما . وجه قول مالك : أنه لا يقتل في القسامة إلا واحد فلا معنى للقسامة على غيره . ووجه قول أشهب : أن القتيل إذا ادعى قتل جماعة له فيجب أن تكون القسامة على قدر ذلك ؛ لأن الأيمان لا تكون إلا موافقة للدعوى (3) .
وقال الباجي في الكلام على من يستحق القتل بالقسامة : قال : وإذا قلنا : لا يقتل إلا واحد فهل يقسم على واحد أو على جماعة؟ ففي المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك : لا يقسم إلا على واحد سواء ثبتت القسامة بدعوى الميت أو بلوث أو بينة على القتل أو بينة على الضرب ثم عاش أياما . وقال أشهب : إن شاءوا أقسموا على واحد أو على اثنين أو على أكثر أو على جميعهم ثم لا يقتلون إلا واحدا ممن أدخلوه في قسامتهم .
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4711),سنن أبو داود الديات (4520),سنن ابن ماجه الديات (2677),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1630),سنن الدارمي الديات (2353).
(2) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4711),سنن أبو داود الديات (4520),سنن ابن ماجه الديات (2677),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1630),سنن الدارمي الديات (2353).
(3) [الموطأ بشرح المنتقى] (7\62) .

وجه القول الأول : أن القسامة فائدتها القصاص من المدعى عليه القتل فلا معنى للقسامة على من لا يقتل ولا تؤثر فيه القسامة حكما .
ووجه القول الثاني : أن القسامة إنما هي على قدر الدعوى محققة لها ولا يجوز أن يكون في بعضه ، فإذا وجب لهم القصاص بالقسامة المطابقة لدعواهم كان لهم حينئذ تعيين من يقتص منه ؛ لأن القسامة قد تناولته (1) .
وقال سحنون فيما جاء في القسامة على الجماعة في العموم : قال : قلت : أرأيت إن ادعوا الدم على جماعة رجال ونساء؟ قال : قال مالك : إذا ادعوا الدم على جماعة أقسموا على واحد منهم وقتلوا إذا كان لهم لوث من بينة ، أو تكلم بذلك المقتول ، أو قامت البينة على أنهم ضربوه ثم عاش بعد ذلك ثم مات- قلت : فللورثة أن يقسموا على أيهم شاءوا ويقتلوه؟ قال : نعم ، عند مالك . قلت : فإن ادعوا الخطأ وجاءوا بلوث من بينة على جماعة أقسم الورثة عليهم كلهم بالله الذي لا إله إلا هو أنهم قتلوه ثم تفرق الدية على قبائلهم في ثلاث سنين؟ قال : نعم . وكذلك سألت مالكا فقال لي مثلما قلت لك ، وقال لي مالك : ولا يشبه هذا العمد (2) وقال ابن رشد : واختلف الذين أوجبوا القود بالقسامة ، هل يقتل بها أكثر من واحد؟ فقال مالك : لا تكون القسامة إلا على واحد ، وبه قال أحمد بن حنبل . وقال أشهب : يقسم على الجماعة ويقتل منها واحد يعينه الأولياء وهو
__________
(1) [المنتقى] (7\54) ثم قال الباجي : فرع : إذا قلنا : إنه إنما يقسم على واحد فإنهم يقولون في القسامة لمات من ضربه ، ولا يقولون من ضربهم رواه ابن عبدوس وابن المواز وابن حبيب عن ابن القاسم عن مالك ، فيقبل ذلك ويحلف الباقون خمسين .
(2) [المدونة الكبرى] (16\224) .

ضعيف . وقال المغيرة المخزومي : كل من أقسم عليه قتل . وقال مالك والليث : إذا شهد اثنان عدلان أن إنسانا ضرب آخر وبقي المضروب أياما بعد الضرب ثم مات أقسم أولياء المضروب أنه مات من ذلك الضرب وقيد به ، وهذا كله ضعيف (1) .
2 - قال الشافعي في باب القسامة : ولهم- أي : ولاة الدم- إذا كان ما يوجب القسامة على أهل البيت أو القرية أو الجماعة أن يحلفوا على واحد منهم أو أكثر ، فإذا أمكن في المدعى عليه أن يكون في جملة القتلة جاز أن يقسم عليه وحده وعلى غيره ممن أمكن أن يكون في جملتهم (2) . . . . . وقال أيضا في اختلاف المدعى عليه في الدم ، قال : فإن ادعى أولياؤه- أي : القتيل- على أهل المحلة لم يحلف لهم منهم إلا من أثبتوا بعينه فقالوا : نحن ندعي أنه قتله ، فإن أثبتوهم كلهم وادعوا عليهم وهم مائة أو أكثر وفيهم نساء ورجال وعبيد مسلمون كلهم أو مشركون كلهم أو فيهم مسلم ومشرك أحلفوا كلهم يمينا يمينا ؛ لأنهم يزيدون على خمسين وإن كانوا أقل من خمسين ردت الأيمان عليهم ، فإن كانوا خمسة وعشرين حلفوا يمينين يمينين ؛ وإن كانوا ثلاثين حلفوا يمينين يمينين ؛ لأن على كل واحد منهم يمينا وكسر يمين ، ومن كان عليه كسر يمين حلف يمينا تامة ، وليس الأحرار المسلمون أحق بالأيمان من العبيد ولا العبيد من الأحرار ولا الرجال من النساء ولا النساء من الرجال ، كل بالغ فيها سواء ،
__________
(1) [ بداية المجتهد] (2\432) .
(2) [الأم] (6\75) .

وإن كان فيهم صبي ادعوا عليه لم يحلف ، وإذا بلغ حلف فإن مات قبل البلوغ فلا شيء عليه ، ولا يحلف واحد منهم إلا واحد ادعوا عليه بنفسه ، فإذا حلفوا برئوا .
وقال الشافعي : بيان ما يحلف عليه في القسامة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : وينبغي للحاكم أن يسأل من وجبت له القسامة : من صاحبك؟ فإذا قال فلان ، قال : فلان وحده؟ فإن قال : نعم ، قال : عمدا أو خطأ؟ فإن قال : عمدا سأله ما العمد؟ فإن وصف ما يجب بمثله قصاص ولو قامت بينة أحلفه على ذلك ، وإن وصف من العمد ما لا يجب فيه القصاص وإنما يكون فيه العقل- أحلفه على ذلك بعد إثباته ، وإن قال : قتله فلان ونفر معه ، لم يحلفه حتى يسمي النفر ، فإن قال : (لا أعرفهم وأنا أحلف على هذا أنه فيمن قتله) لم يحلفه حتى يسمي عدد النفر معه ، فإن كانوا ثلاثة أحلفه على الذي أثبته ، وكان له عليه ثلث الدية أو على عاقلته ، وإن كانوا أربعة نفر فربعها ، وإن لم يثبت عددهم لم يحلف ؛ لأنه لا يدري كم يلزم هذا الذي يثبت ولا عاقلته من الدية لو حلف عليه ، ولو عجل الحاكم فأحلفه قبل أن يسأله عن هذا كان عليه أن يعيد عليه اليمين إذا أثبت كم عدد من قتل معه ، ولو عجل الحاكم فأحلفه لقتل فلان فلانا ولم يقل عمدا ولا خطأ أعاد عليه عدد ما يلزمه من الأيمان ؛ لأن حكم الدية في العمد أنها في ماله وفي الخطأ أنها على عاقلته ، ولو عجله فأحلفه لقتله مع غيره عمدا ولم يقل قتله وحده أعاد عليه اليمين لقتله وحده ، ولو عجل فأحلفه لقتله من غيره ولم يسم عدد الذين قتلوه معه أعاد عليه الأيمان إذا عرف العدد ، ولو أحلفه لقتله وثلاثة معه ولم يسمهم قضى عليه بربع الدية أو على عاقلته ،

فإن جاء بواحد من الثلاثة فقال : (قد أثبت هذا) أحلفه أيضا عدة ما يلزمه من الأيمان ، فإن كان هذا الوارث وحده أحلفه خمسين يمينا لقتله مع هؤلاء الثلاثة ، فإن كان يرث النصف فنصف الأيمان ولم تعد عليه الأيمان الأولى ، ثم كلما أثبت واحدا معه أعاد عليه ما يلزمه من الأيمان كما يبتدئ استحلافه على واحد لو كانت دعواه عليه منفردة ، وإن كان له وارثان فأغفل الحاكم بعض ما وصفت أنه عليه أن يحلفه عليه ، وأحلفه مغفلا خمسين يمينا ، ثم جاء الوارث الآخر فحلف خمسا وعشرين يمينا ، أعاد على الأول خمسا وعشرين عينا ، لأنها هي التي تلزمه مع الوارث معه ، وإنما أحلفه أولا خمسا وعشرين يمينا ؛ لأنه لا يستحق نصيبه من الدية إلا بها إذا لم تتم أيمان الورثة معه خمسين يمينا (1) .
3 - قال ابن قدامة : ذكر الخرقي من شروط القسامة : أن تكون الدعوى عمدا توجب القصاص إذا ثبت القتل وأن تكون الدعوى على واحد . وقال غيره : ليس بشرط ، لكن إن كانت الدعوى عمدا محضا لم يقسموا إلا على واحد معين ويستحقون دمه ، وإن كانت خطأ أو شبه عمد فلهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية (2) .
وقال في [حاشية المقنع] : قوله : (وأن تكون الدعوى على واحد) : إذا كانت الدعوى عمدا محضا لم يقسموا إلا على واحد معين ويستحقون دمه ، وهذا بلا نزاع . قال الشارح : لا يختلف المذهب أنه لا يستحق
__________
(1) [الأم] (6\81) .
(2) [المقنع] ( 3 \ 432 ، 433 ) .

بالقسامة أكثر من قتل واحد ، وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي ، وقال بعضهم : يستحق بها قتل جماعة ؛ لأنها بينة موجبة للقود فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة ، وقول أبي ثور نحو هذا .
ولنا : قوله صلى الله عليه وسلم : « يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته » (1) فخص بها الواحد .
ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد فيقتصر عليه وتبقى على الأصل .
وأما إن كانت الدعوى خطأ أو شبه عمد : فقال في [لإنصاف] فالصحيح من المذهب والروايتين ليس لهم قسامة ولا تشرع على أكثر من واحد وعليه جماهير الأصحاب منهم : الخرقي والقاضي وجماعة من أصحابه ؛ كالشريف وأبي الخطاب والشيرازي وابن البنا وابن عقيل ، وغيرهم وجزم به في [الوجيز] و[المنور] و[منتخب الآدمي] ، وغيرهم ، وقدمه في [المحرر] و[النظم] ، و[الحاوي الصغير] و[الفروع] وغيرهم . وعنه : لهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية ، وهو الذي قاله المصنف هنا ، وجزم به في [الهداية] و[المذهب] و[المستوعب] ، و[ الخلاصة] وقدمه في [الرعايتين] ، وظاهر كلام المصنف هنا أن غير الخرقي ما قال ذلك ، وتابعه الشارح وابن منجا وليس الأمر كذلك ، فقد ذكرنا عن غير الخرقي من اختار ذلك . انتهى . قلت : والذي جزم به في [الإقناع] أن لهم القسامة في الخطأ كالعمد ؛ لأن الخطأ أحد القتلين أشبه العمد ، ويقسمون
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4711),سنن أبو داود الديات (4520),سنن ابن ماجه الديات (2677),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1630),سنن الدارمي الديات (2353).

على واحد معين كالعم158د ، وهو معنى ما جزم به في [الإنصاف] (1) .
__________
(1) [حاشية المقنع] (3\433, 434)

الخامس : ذكر خلاف العلماء فيمن توجه إليه أيمان القسامة أولا من مدع ومدعى عليه ومستند كل مع المناقشة :
اختلف أهل العلم القائلون بالقسامة فيمن توجه إليه أيمان القسامة ابتداء :
فذهبت طائفة منهم إلى أنه يبدأ بالمدعين فتوجه إليهم الأيمان .
قال مالك : الأمر المجمع عليه عندنا ، والذي سمعت ممن أرضى في القسامة ، والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث : أنه يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون (1) .
وقال ابن رشد : قال الشافعي وأحمد وداود بن علي وغيرهم : يبدأ المدعون (2) .
وجاء في [ المقنع] وحاشيته : ويبدأ بأيمان المدعين ، فيحلفون خمسين يمينا ، هذا المذهب ، فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينا وبرئوا ، وهذا قول يحيى بن سعيد وربيعة وأبى الزناد والليث ومالك والشافعي (3) .
واستدلوا لذلك بالسنة والإجماع والاستصحاب والنظر والقياس :
أما السنة : فروى الشافعي قال : أخبرنا مالك عن
__________
(1) [المنتقى] على [الموطأ] (7\55) ، و[إكمال إكمال المعلم ](4\395) .
(2) [بداية المجتهد] (2\439) .
(3) [المقنع] وحاشيته (3\ 439) .

ابن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن سهل بن أبي حثمة : أنه أخبره رجال من كبراء قومه : « أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما فتفرقا في حوائجهما فأتى محيصة فأخبر : أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير أو عين فأتى يهود ، فقال : أنتم والله قتلتموه ، فقالوا : والله ما قتلناه ، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر ذلك لهم ، فأقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل أخو المقتول ، فذهب محيصة يتكلم- وهو الذي كان بخيبر - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحيصة كبر كبر يريد : السن ، فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إما أن يدوا صاحبكم ، وإما أن يؤذنوا بحرب ، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فكتبوا إليه : إنا والله ما قتلناه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن : أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا : لا ، قال : فتحلف يهود؟ قالوا : ليسوا بمسلمين ، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار . قال سهل : لقد ركضتني منها ناقة حمراء . » (1)
وعورض هذا الحديث : أولا : بما روى أبو داود عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عبد الرحمن بن بجيد بن قيظي أحد بني حارثة ، قال محمد بن إبراهيم : وايم الله ما كان سهل بأعلم منه ، ولكنه كان أسن منه ، قال : والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (احلفوا على ما لا علم لكم به) ولكنه كتب إلى يهود حين كلمته الأنصار : أنه وجد بين أبياتكم قتيل فدوه فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ، ولا يعلمون له قاتلا ، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد أجاب ابن قدامة رحمه الله عن ذلك : فقال : ولنا حديث سهل ،
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4710),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1630),سنن الدارمي الديات (2353).

وهو صحيح متفق عليه ، ورواه مالك في [موطئه] وعمل به ، وما عارضه من الحديث لا يصح ؛ لوجوه :
أحدها : أنه نفي فلا يرد به قول المثبت .
والثاني : أن سهلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد القصة وعرفها حتى أنه قال : ركضتني ناقة من تلك الإبل ، والأخرى يقول برأيه وظنه من غير أن يرويه عن أحد ولا حضر القصة .
والثالث : أن حديثنا مخرج في [الصحيحين] متفق عليه ، وحديثهم بخلافه .
والرابع : أنهم لا يعملون بحديثهم ، ولا حديثنا ، فكيف يحتجون بما هو حجة عليهم فيما خالفوه فيه (1) .
وعورض حديث سهل ثانيا : بما جاء في البخاري من رواية سعيد بن عبيد : فقال لهم : « تأتون بالبينة على من قتله ، قالوا : ما لنا بينة ، قال : فيحلفون ، قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه فوداه مائة من إبل الصدقة » (2) .
وما جاء في البخاري من رواية أبي قلابة ، وفيه قال : « أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه ، فقالوا : ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون ، قال : أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم ، قالوا : ما كنا لنحلف ، فوداه من عنده » (3) .
وأجاب ابن حجر عن هذا الاعتراض : بعد ذكره لمجموعة من الروايات
__________
(1) [المغني] (8\495, 496) .
(2) صحيح البخاري الديات (6502),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4715),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677).
(3) صحيح البخاري الديات (6503),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1671),سنن الترمذي الطهارة (72),سنن النسائي الطهارة (305),سنن أبو داود الحدود (4364),سنن ابن ماجه الحدود (2578),مسند أحمد بن حنبل (3/163).

فيها تقديم تحليف المدعين قال : كذا في رواية سعيد بن عبيد لم يذكر عرض الأيمان على المدعين ، كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد طلب البينة أولا ، وطريق الجمع أن يقال : حفظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر ، فيحمل على أنه طلب البينة أولا فلم تكن لهم بينة ، فعرض عليهم الأيمان فامتنعوا ، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم (1) فأبوا .
وقال أيضا : وأجابوا عن رواية سعيد بن عبيد - يعني : المذكورة في حديث الباب- بقول أهل الحديث : إنه وهم من رواية أسقط من السياق تبرئة المدعين باليمين ؛ لكونه لم يذكر فيه رد اليمين ، واشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ ، فوجب قبولها ، وهي تقضي على من لم يعرفها . نقله ابن حجر عن القاضي عياض (2) .
وما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة » .
قال ابن حجر في الكلام على سند هذا الحديث : قوله : روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : « البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر إلا في القسامة » (3) الدارقطني والبيهقي وابن عبد البر من حديث مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به ، قال أبو عمر إسناده لين ، وقد رواه عبد الرازق عن ابن جريج عن عمرو مرسلا ، وعبد الرزاق أحفظ من مسلم بن خالد وأوثق ، ورواه ابن عدي والدارقطني من حديث 158 عثمان بن
__________
(1) [فتح الباري] (12\234) .
(2) [فتح الباري] (12\236)
(3) سنن الترمذي الأحكام (1341).

محمد عن مسلم ، عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة وهو ضعيف أيضا ، وقال البخاري : ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب فهذه علة أخرى (1) .
أما الإجماع : فقال البيهقي : وأصح ما روي في القتل بالقسامة وأعلاه بعد حديث سهل ما رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال : حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال : قتل رجل من الأنصار - وهو سكران- رجلا آخر من الأنصار من بني النجار في عهد معاوية ، ولم يكن على ذلك شهادة إلا لطيخ وشبهته ، قال : فاجتمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلوه . قال خارجة بن زيد : فركبنا إلى معاوية وقصصنا عليه القصة فكتب معاوية إلى سعيد بن العاص - فذكر- الحديث ، وفيه فقال سعيد : أنا منفذ كتاب أمير المؤمنين ، فاغدوا على بركة الله ، فغدونا عليه فأسلمه إلينا سعيد بعد أن حلفنا عليه خمسين يمينا .
وفي بعض طرقه : وفي الناس يومئذ من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن فقهاء الناس ما لا يحصى ، وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يستحيوا ، فحلفوا خمسين يمينا وقتلوا ، وكانوا يخبرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالقسامة . انتهى بواسطة ابن القيم (2) .
وأما الاستصحاب : فقد نقل الأبي عن القاضي عياض : أن القسامة أصل في نفسها شرعت لحياة الناس ، وليرتدع المعتدي ، والدعاوى في
__________
(1) [تلخيص الحبير] (4\39) .
(2) [شرح ابن القيم لسنن أبي داود] وعليها [عون المعبود] (12\254) .

الأموال على سننها فكل أصل صحيح في نفسه يتبع ولا تطرح سنة بسنة (1) .
وقد سبق ذكر هذا دليلا ، ونوقش هناك ، فأكتفي به عن إعادة مناقشته خشية الإطالة .
وأما النظر : فقال الأبي نقلا عن القاضي عياض : القسامة إنما تكون مع الشبهة القوية على القتل ومع الشبهة صارت اليمين له (2) .
وأما القياس : فقال ابن قدامة : ولأنها أيمان مكررة فيبدأ فيها بأيمان المدعين ، كاللعان (3) .
ويمكن أن يقال : بأن هذا قياس مع النص ، وهو ما ورد من الأدلة دالا على البدء بالمدعى عليهم بالأيمان . وسيأتي ذكرها .
ويمكن أن يعارض هذا الجواب : بالأدلة الدالة على البدء بالمدعين ، وقد مضى الكلام في ذلك من جهة الجمع بين الأدلة المتعارضة ومن جهة الترجيح- فلا نطيل الكلام بإعادتها .
وذهبت طائفة أخرى من أهل العلم إلى أنه يبدأ أولا بالمدعى عليهم ، فتوجه إليهم الأيمان .
قال الأبي نقلا عن الإمام مالك رحمه الله : وقال الكوفيون وكثير من البصريين والمدنيين : ويروى عن عمر : أن المبدأ المدعى عليهم (4) .
ثم قال : قلت : واختلف هؤلاء :
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم](4\395) .
(2) [إكمال إكمال المعلم] (4\395) .
(3) [المغني](8\496) .
(4) [إكمال إكمال المعلم](4\395) .

فقال بعضهم : إن حلفوا برئوا ، وقال بعضهم : يحلفون وتكون الدية عليهم .
وقال ابن قدامة : وقال الحسن : يستحلف المدعى عليهم أولا خمسين يمينا ، ويبرءون ، فإن أبوا أن يحلفوا استحلف خمسون من المدعين أن حقنا قبلكم ، ثم يعطون الدية .
وقال أيضا : وقال الشعبي والنخعي والثوري وأصحاب الرأي : يستحلف خمسون رجلا من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل : بالله ما قتلناه ، ولا علمنا قاتلا ، ويغرمون الدية (1) .
وقد استدل أصحاب هذا القول بالسنة والأثر والقياس :
أما السنة : فمن ذلك ما أخرجه البخاري بالسند المتصل قال : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار . . . . الحديث إلى أن قال لهم : « تأتون بالبينة على من قتله؟ قالوا : ما لنا بينة ، قال : فيحلفون ، قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه فوداه مائة من إبل الصدقة » (2) ، وفي رواية أبي قلابة قال : « أترضون نفل خمسين من اليهود مما قتلوه ، فقالوا : ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون ، قال : أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم ، قالوا : ما كنا لنحلف ، فوداه من عنده » (3) .
ويمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين :
الأول : الجمع ، وسبق ذكر ذلك في مناقشة الدليل الأول للقائلين بأنه
__________
(1) [المغني] (8\495) .
(2) صحيح البخاري الديات (6502),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4715),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677).
(3) صحيح البخاري الديات (6503),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1671),سنن الترمذي الطهارة (72),سنن النسائي الطهارة (305),سنن أبو داود الحدود (4364),سنن ابن ماجه الحدود (2578),مسند أحمد بن حنبل (3/163).

يبدأ بالمدعين .
الثاني : قال القاضي عياض : وما احتج به الآخرون من رواية من روى أنه بدأ بالمدعى عليهم : قال المحدثون هي وهم من راويها (1) .
ويمكن أن يناقش هذان الجوابان بما ذكره ابن رشد : من أن الذين يرون البدء بالمدعى عليهم بالأيمان قالوا : وأحاديثنا هذه أولى من التي تروى فيها تبدئة المدعين بالأيمان ؛ لأن الأصل شاهد لأحاديثنا من أن اليمين على المدعى عليه .
ويناقش الجواب الثاني بما ذكره ابن رشد : من أن الأحاديث المتعارضة في ذلك مشهورة (2) .
ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة : بقول الحطاب : الرواية الصحيحة المستفيضة أنه إنما بدأ فيه بالمدعين (3) .
ومنها : ما رواه أبو داود في [سننه] قال : حدثنا الحسن بن محمد الصباح الزعفراني ، أخبرنا أبو نعيم ، أخبرنا سعيد بن عبيد الطائي عن بشير بن يسار : « زعم أن رجلا من الأنصار يقال له : سهل بن أبي حثمة أخبره : أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا أحدهم قتيلا ، فقالوا للذين وجدوه عندهم : قتلتم صاحبنا ؟ فقالوا : ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ، فانطلقا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فقال لهم : تأتون بالبينة على من
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\ 395)
(2) [بداية المجتهد] (2\ 430)
(3) [إكمال إكمال المعلم] (4\ 395)

قتل هذا ؟ قالوا : ما لنا بينة ، قال : فيحلفون لكم ؟ قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه ، فوداه مائة من إبل الصدقة . » (1)
ورد هذا الحديث بقول النسائي : (لا نعلم أحدا تابع سعيد بن عبيد على روايته عن بشير بن يسار ) . وبقول مسلم : (رواية سعيد بن عبيد غلط ويحيى بن سعيد أحفظ منه) .
وقال ابن القيم : والصواب : رواية الجماعة- الذين هم أئمة أثبات- أنه بدأ بأيمان المدعين ، فلما لم يحلفوا ثنى باليهود ، وهذا هو المحفوظ في هذه القصة وما سواه وهم (2) .
ويقول الخطابي في [المعالم] : في الحديث حجة لمن رأى أن اليمين على المدعى عليهم ، إلا أن أسانيد الأحاديث المتقدمة أحسن اتصالا وأصح متونا .
وقد روى ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بدأ في اليمين بالمدعين : سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج وسويد بن النعمان (3) .
هذا ويمكن أن تجرى فيه المناقشة التي مضت في الدليل الأول .
ومنها : ما رواه أبو داود في [سننه] ، قال : حدثنا الحسن بن علي بن راشد ، أنبأنا هشيم عن أبي حيان التيمي ، أخبرنا عباية (4) . بن رفاعة ، « عن رافع بن خديج قال : أصبح رجل من الأنصار مقتولا بخيبر ، فانطلق
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6502),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4715),سنن أبو داود الديات (4523),سنن ابن ماجه الديات (2677).
(2) [عون المعبود شرح سنن أبي داود] ومعه [معالم السنن] للخطابي (12\ 249 ، 250)
(3) [عون المعبود شرح سنن أبي داود] ومعه [معالم السنن] للخطابي (12\ 254) .
(4) قال المنذري : عباية : بفتح المهملة ، وبعدها باء موحدة مفتوحة ، وبعدها ألف وياء ثم تاء تأنيث (12\ 251) .

أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له ، فقال : لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم ؟ قالوا : يا رسول الله ، لم يكن ثم أحد من المسلمين ، إنما هم اليهود ، وقد يجترئون (يجترون) على أعظم من هذا ، قال : " فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم" ، فاستحلفهم فأبوا ، فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده . » (1)
ويمكن أن يناقش هذا الدليل بأمرين :
أحدهما : ما مضى من المناقشة من جهة المتن والدرجة .
الثاني : أن هذا الحديث في سنن الحسن بن علي بن راشد ، وقد رمي بشيء من التدليس ، قاله ابن حجر (2) .
ويجاب عن المناقشة الثانية : بأنه جاء في السند : وأخبرنا هشيم ، فزالت تهمة التدليس بذلك ، وقد حسن ابن التركماني إسناده ، فقال : ومنها ما أخرج أبو داود بسند حسن عن رافع بن خديج ، وساق الحديث (3) .
ومنها : ما رواه أبو داود في [سننه] قال : حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني ، أخبرنا (حدثني) محمد - يعني : ابن سلمة - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن عبد الرحمن بن بجيد قال : إن سهلا وإن أوهم الحديث : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى اليهود : أنه قد وجد بين أظهركم قتيل فدوه فكتبوا يحلفون بالله خمسين يمينا ما قتلناه وما علمنا له قاتلا ، قال : فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده مائة ناقة . » (4)
ورد هذا الحديث أولا بقول المنذري : في إسناده محمد بن إسحاق
__________
(1) سنن أبو داود الديات (4524).
(2) [أضواء البيان] (3\ 503)
(3) [الجوهر النقي على سنن البيهقي] لابن التركماني (8\ 120)
(4) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4715),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677).

وقد تقدم الكلام فيه ، وبقول الإمام الشافعي : فقال قائل : ما منعك أن تأخذ بحديث ابن بجيد ؟ قلت : لا أعلم ابن بجيد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يكن سمع منه فهو مرسل فلسنا وإياك نثبت المرسل ، وقد علمت سهلا صحب النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه وساق الحديث سياقا لا يثبت به الإثبات فأخذت به كما وصفت . انتهى بواسطة المنذري . وفي الإصابة في ترجمة عبد الرحمن بن بجيد قال أبو بكر بن أبي داود : له صحبة ، وقال ابن أبي حاتم : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جدته . وقال ابن حبان : يقال له صحبة ، ثم ذكره في ثقات التابعين . وقال البغوي : لا أدري له صحبة أم لا .
وقال ابن عمر : أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه فيما أحسب وفي صحبته نظر ؛ لأنه روى فمنهم من يقول : إن حديثه مرسل وكان يذكر بالعلم انتهى (1) .
ويجاب ثانيا بما أجيب به عن الحديث الأول من هذه الأدلة .
ومنها ما رواه أبو داود في [سننه] قال : حدثنا الحسن بن علي ، أخبرنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجال (رجل) من الأنصار : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لليهود - وبدأ بهم- : يحلف منكم خمسون رجلا فأبوا ، فقال للأنصار استحقوا (3) . فقالوا : نحلف على الغيب يا رسول الله ؟ فجعلها رسول الله
__________
(1) [عون المعبود شرح سنن أبي داود] (12\ 252)
(2) سنن أبو داود الديات (4526).
(3) قال في [عون المعبود] : فقال للأنصار : ''استحقوا'' : في [القاموس] : استحقه : استوجبه ، والمراد هنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأنصار بأن يستوجبوا الحق الذي يدعونه على اليهود بأيمانهم ، فأجابوا : بأنهم لا يحلفون على الغيب . (12\ 253) (2)

دية على يهود ؛ لأنه وجد بين أظهرهم . »
ورد هذا الحديث بقول المنذري : قال بعضهم : وهذا حديث ضعيف لا يلتفت إليه ، وقد قيل للإمام الشافعي رضي الله عنه : ما منعك أن تأخذ بحديث ابن شهاب ؟ فقال : مرسل والقتيل أنصاري والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم ، إذ كان كل ثقة وكل عندنا بنعمة الله ثقة . قال البيهقي رضي الله عنه : وأظنه أراد بحديث الزهري ما روى عنه معمر عن أبي سلمة وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار ، وذكر هذا الحديث (1) .
وقال ابن القيم : وهذا الحديث له علة ، وهي : أن معمرا انفرد به عن الزهري وخالفه ابن جريج وغيره ، فرووه عن الزهري ، بهذا الإسناد بعينه عن أبي سلمة وسليمان عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى فيها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود ) . ذكره البيهقي .
وفي قول الشافعي : إن حديث ابن شهاب مرسل نظر ، والرجال من الأنصار لا يمتنع أن يكونوا صحابة ، فإن أبا سلمة وسليمان كل منهما من التابعين قد لقي جماعة من الصحابة ، إلا أن الحديث غير مجزوم باتصاله لاحتمال كون الأنصاريين من التابعين (2) .
وأجيب عن هذا : بقول ابن رشد عند ذكره لهذا الحديث بسنده هذا ، قال : وهو حديث صحيح الإسناد ؛ لأنه رواه الثقات عن الزهري عن أبي سلمة (3) .
__________
(1) [عون المعبود شرح سنن أبي داود] (12\ 254 ، 255)
(2) [عون المعبود شرح سنن أبي داود] (12\ 253 ، 254)
(3) [بداية المجتهد] (2\ 430)

ويناقش بما سبق من أن جميع الروايات التي فيها البدء بالمدعى عليهم قال المحدثون : هي وهم من راويها .
ومنها : ما رواه مسلم في [صحيحه] : « ولكن اليمين على المدعى عليه » (1) وفي لفظ : « البينة على المدعي ، واليمين على المدعى عليه » (2) رواه الشافعي في مسنده .
وقد أجاب ابن قدامة عن الاستدلال بهذا الحديث : فقال : اليمين على المدعى عليه لم ترد به هذه القضية ؛ لأنه يدل على أن الناس لا يعطون بدعواهم ، هاهنا قد أعطوا بدعواهم على أن حديثنا أخص منه ، فيجب تقديمه ، ثم هو حجة عليهم ؛ لكون المدعين أعطوا بمجرد دعواهم من غير بينة ولا يمين منهم ، وقد رواه ابن عبد البر بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر ، إلا في القسامة » وهذه الزيادة يتعين العمل بها ؛ لأن الزيادة من الثقة مقبولة (3) . وأجاب الخطابي أيضا ، فقال : وأما عن الحديثين الآخرين : حديث « شاهداك أو يمينه » (4) ، « لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر » (5) - فإن القسامة أصل في نفسها شرع الحكم بها لتعذر إقامة البينة حينئذ ؛ لأن القاتل في الغالب إنما يقصد الخلوة والغيلة بخلاف سائر الحقوق .
وأيضا فإنها لم تخرج عن ذلك الأصل ؛ لأنه إنما كان القول قول المدعى عليه في تلك الحقوق ؛ لقوة جنبته بشهادة الأصل وهو أن الأصل
__________
(1) صحيح البخاري الرهن (2379),صحيح مسلم الأقضية (1711),سنن الترمذي الأحكام (1342),سنن النسائي آداب القضاة (5425),سنن أبو داود الأقضية (3619),سنن ابن ماجه الأحكام (2321),مسند أحمد بن حنبل (1/363).
(2) سنن الترمذي الأحكام (1341).
(3) [المغني] (8\ 396)
(4) صحيح البخاري الرهن (2380).
(5) صحيح البخاري تفسير القرآن (4277),صحيح مسلم الأقضية (1711),سنن النسائي آداب القضاة (5425),سنن ابن ماجه الأحكام (2321).

براءة الذمة ، وهذا المعنى موجود هنا ، فإنا لم نجعل القول قول المدعي إلا لقوة جنبته باللوث الذي يشهد بصدقه ، فقد أهملنا ذلك الأصل ولم نطرحه بالكلية (1) .
وأما الأثر : فقال ابن رشد : واحتج هؤلاء القوم على مالك بما روي عن ابن شهاب الزهري عن سليمان بن يسار وعراك بن مالك : أن عمر بن الخطاب قال للجهني الذي ادعى دم وليه على رجل من بني سعد ، وكان أجرى فرسه فوطئ على إصبع الجهني فنزي فيها فمات ، فقال عمر للذي ادعى عليهم : أتحلفون بالله خمسين يمينا ما مات منها ؟ فأبوا أن يحلفوا وتحرجوا ، فقال للمدعين : احلفوا فأبوا ، فقضى عليهم بشطر الدية (2) .
ويمكن أن يجاب عن هذا : بأنه أثر ، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة تقديم المدعين ، فلا تعارض الأحاديث الصحيحة بالآثار .
وهناك آثار لا تخلو من مقال تركنا ذكرها اختصارا ، ومن أراد الرجوع إليها فعليه بمراجعة : [نصب الراية] و [الدراية] و [تلخيص الحبير] و [شرح ابن القيم لسنن أبي داود ] .
وأما القياس : فقال ابن الهمام : ولأن اليمين حجة في الدفع لا الاستحقاق وحاجة الولي إلى الاستحقاق ؛ ولهذا لا يستحق بيمينه المال المبتذل فأولى ألا يستحق النفس المحترمة (3) .
__________
(1) [إكمال إكمال المعلم] (4\ 395)
(2) [بداية المجتهد] (2\ 430) .
(3) [فتح القدير] (8\ 385)

ويمكن أن يجاب عن هذا القياس :
أولا : بأنه قياس مع الفارق ، وقد بين ذلك الإمام مالك رحمه الله فقال : وإنما فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق : أن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه حقه وأن الرجل إذا أراد قتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس وإنما يلتمس الخلوة . قال : فلو لم تكن القسامة إلا فيما تثبت فيه البينة ولو عمل فيها كما يعمل في الحقوق هلكت الدماء واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها ، ولكن إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدءون فيها ليكف الناس عن القتل ، وليحذر القاتل أن يؤخذ في مثل ذلك بقول المقتول (1) .
وثانيا : أنه قياس مع النص والقياس مع النص لا يصح والنص ما ورد من الأدلة الصحيحة على البدء بالمدعين .
__________
(1) [الموطأ على المنتقى] (7\ 61)

السادس : ذكر خلاف العلماء فيمن يحلف أيمان القسامة ومستند كل مع المناقشة ، وهل ترد الأيمان إذا نقص العدد أم لا ؟
1 -

من يحلف من المدعين
اختلف أهل العلم في ذلك :
فمنهم : من رأى أن الوارث هو الذي يقسم .
ومنهم : من رأى أن العصبة هم الذين يقسمون .
فمن القائلين : بأن الورثة هم الذين يقسمون الإمام الشافعي - رحمه الله- وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله .

وفيما يلي ذكر بعض ما قالوه في ذلك مع الأدلة والمناقشة :
1 - قال الشافعي رحمه الله تحت ترجمة : (من يقسم فيه ويقسم عليه) قال : يحلف في القسامة الوارث البالغ غير المغلوب على عقله من كان منهم مسلما أو كافرا عدلا أو غير عدل ومحجور عليه ، والقسامة في المسلمين على المشركين والمشركين على المسلمين والمشركين فيما بينهم مثلها على المسلمين لا تختلف ؛ لأن كلا ولي دمه ، ووارث دية المقتول وماله ، إلا أنا لا نقبل شهادة مشرك على مسلم ، ولا نستدل بقوله بحال ؛ لأن من حكم الإسلام إبطال أخذ الحقوق بشهادة المشركين .
وقال الشافعي أيضا تحت ترجمة : (الورثة يقسمون) : وإذا قتل الرجل فوجبت فيه القسامة لم يكن لأحد أن يقسم عليه إلا أن يكون وارثا ، كان قتله عمدا أو خطأ ، وذلك أنه لا تملك النفس بالقسامة إلا دية المقتول ولا يملك دية المقتول إلا وارث ، فلا يجوز أن يقسم على مال يستحق إلا من له المال بنفسه أو من جعل الله تعالى له المال من الورثة .
وقال الشافعي : ولو وجبت في رجل القسامة وعليه دين وله وصايا فامتنع الورثة من القسامة ، فسأل أهل الدين أو الموصى لهم أن يقسموا لم يكن ذلك لهم ، وذلك أنهم ليسوا المجني عليه الذي وجب له على الجانين المال ، ولا الورثة الذين أقامهم الله تعالى مقام الميت في ماله بقدر ما فرض له منه .
وقال الشافعي : ولو ترك القتيل وارثين فأقسم أحدهما فاستحق به نصف الدية أخذها الغرماء من يده ، فإن فضل منها فضل أخذ أهل الوصايا ثلثها من يده ، ولم يكن لهم أن يقسموا ويأخذوا النصف الآخر ، فإن أقسم

الوارث الآخر أخذ الغرماء من يده ما في يده حتى يستوفوا ديونهم ، وإن استوفوها أخذ أهل الوصايا الثلث مما في يده ، وإن كان للغرماء مائة دينار فاستوفوها من نصف الدية الذي وجب للذي أقسم أولا ثم أقسم الآخر رجع الأول على الآخر بخمسين دينارا ولا يرجع عليه في الوصايا ؛ لأن أهل الوصايا إنما يأخذون منه ثلث ما في يده لا كله كما يأخذه الغرماء .
قال الشافعي : ولا يقسم ذو قرابة ليس بوارث ولا ولي يتيم من ولد الميت حتى يبلغ اليتيم ، فإن مات اليتيم قام ورثته في ذلك مقامه ، وإن طلب ذو قرابة وهو غير وارث القتيل : أن يقسم جميع القسامة لم يكن ذلك له فإن مات ابن القتيل أو زوجة له ، أو أم ، أو جدة فورثه ذو القرابة كان له أن يقسم ؛ لأنه صار وارثا (1) .
وقد أورد الشافعي رحمه الله تعالى اعتراضا على تخصيصه الوارث ، وأجاب عنه :
قال الشافعي : فإن قال قائل : ففي حديث ابن أبي ليلى ذكر أخي المقتول ورجلين معه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : تحلفون وتستحقون فكيف لا يحلف إلا وارث ؟ قلت : قد يمكن أن يكون قال ذلك لوارث المقتول هو وغيره ، ويمكن أن يكون قال ذلك لوارثه وحده : تحلفون لواحد ، أو قال ذلك لجماعتهم يعني به : يحلف الورثة أن كان مع أخيه الذي حكى أنه حضر النبي صلى الله عليه وسلم وارث غيره ، أو كان أخوه غير وارث له ، وهو يعني بذلك : الورثة .
فإن قال قاتل : ما الدلالة على هذا ؟ فإن جميع حكم الله وسنن رسول الله
__________
(1) [الأم] (6\ 80)

صلي الله عليه وسلم فيما سوى القسامة أن يمين المرء لا تكون إلا فيما يدفع بها الرجل عن نفسه ، كما يدفع قاذف امرأته الحد عن نفسه وينفي بها الولد ، وكما يدفع بها الحق عن نفسه والحد من غيره ، وفيما يأخذ بها الرجل مع شاهد ويدعي المال فينكل المدعى عليه ، وترد عليه اليمين ، فيأخذ بيمينه ، ونكول صاحبه ما ادعى عليه ، لا أن الرجل يحلف فيبرأ غيره ، ولا يحلف فيملك غيره بيمينه شيئا ، فلما لم يكن في الحديث بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها لغير وارث ويستحق بها الوارث لم يجز فيها- والله أعلم- إلا تكون في معاني ما حكم الله عز وجل من الأيمان ثم رسوله صلى الله عليه وسلم ثم المسلمون من أنه لا يملك أحد بيمين غيره شيئا .
قال الشافعي رحمه الله تعالى : ولا يجب على أحد حق في القسامة حتى تكمل أيمان الورثة خمسين يمينا ، وسواء كثر الورثة أو قلوا ، وإذا مات الميت وترك وارثا واحدا أقسم خمسين يمينا واستحق الدية ، وإن ترك وارثين أو أكثر فكان أحدهما صغيرا أو غائبا أو مغلوبا على عقله ، أو حاضرا بالغا فلم يحلف فأراد أحدهما اليمين- لم يحبس على غائب ولا صغير ، ولم يبطل حقه من ميراثه من دمه بامتناع غيره من اليمين ولا إكذابه دعوى أخيه ولا صغره ، وقيل للذي يريد اليمين : أنت لا تستوجب شيئا من الدية على المدعى عليهم ولا على عواقلهم إلا بخمسين يمينا ، فإن شئت أن تعجل فتحلف خمسين يمينا وتأخذ نصيبك من الميراث لا يزاد عليه قبلت منك ، وإن امتنعت فدع هذا حتى يحضر معك وارث تقبل يمينه فتحلفان خمسين يمينا أو ورثته فتكمل أيمانكم خمسين يمينا ، كل رجل منكم بقدر ما يجب عليه من الأيمان أو أكثر ، ولا يجوز أن يزاد على وارث

في الأيمان على قدر حصته من الميراث إلا في موضعين :
أحدهما : ما وصفت من أن يغيب وارث أو يصغر أو ينكل فيريد أحد الورثة اليمين فلا يأخذ حقه إلا بكمال خمسين يمينا ، فيزاد عليه في الأيمان في هذا الموضع ، ولا يجبر على الأيمان ، أو يدع الميت ثلاثة بنين فتكون حصة كل واحد منهم سبعة عشر يمينا إلا ثلث يمين فلا يجوز في اليمين كسر ، ولا يجوز أن يحلف واحد ستة عشر يمينا وعليه ثلثا يمين ، ويحلف آخر سبعة عشر (1) ، ولا سبعة عشرة زيادة ، ويحلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينا ، فيكون عليهم زيادة يمين بينهم ، وهكذا من وقع عليه أو له كسر يمين جبرها .
وإن لم يدع القتيل وارثا إلا ابنه أو أباه أو أخاه أجزأه أن يحلف خمسين يمينا ؛ لأنه مالك المال كله ، وكل من ملك شيئا حلف عليه ، وهكذا لو لم يدع إلا ابنته وهي مولاته حلفت خمسين يمينا ، وأخذت الكل : النصف بالنسب ، والنصف بالولاء ، وهكذا لو لم يدع إلا زوجته وهي مولاته ، وإذا ترك أكثر من خمسين وارثا سواء في ميراثه كأنهم بنون معا أو إخوة معا أو عصبة في القعدد إليه سواء (2) ، حلف كل واحد منهم يمينا وإن جازوا خمسين أضعافا ؛ لأنه لا يأخذ أحد مالا بغير بينة ولا إقرار من المدعى عليه بلا يمين منه ، ولا يملك أحد بيمين غيره شيئا ، ولو كانت فيهم زوجة فورثت الربع أو الثمن حلفت ربع الأيمان ثلاثة عشر يمينا ، يزاد عليها كسر
__________
(1) قوله : (ولا سبعة عشر) إلخ كذا في الأصل .
(2) قوله : (في القعدد إليه سواء) أي . مستوين في درجة النسب إلى الميت ، وانظر مادة (قعد) من ترتيب [القاموس المحيط]

يمين أو ثمن الأيمان سبعة أيمان يزاد عليها كسر يمين ، لما وصفت من أنه لا يجوز إذا كان على وارث كسر يمين إلا أن يأتي بيمين تامة (1) .
2 - قال ابن قدامة : والرواية الثانية : لا يقسم إلا الوارث ، وتفرض الأيمان على ورثة المقتول دون غيرهم على حسب مواريثهم ، هذا ظاهر قول الخرقي ، واختيار أبي حامد ، وقول الشافعي . فعلى هذه الرواية تقسم بين الورثة من الرجال من ذوي الفروض والعصبات على قدر إرثهم ، فإن انقسمت من غير كسر ، مثل : أن يخلف المقتول اثنين أو أخا وزوجا حلف كل واحد منهم خمسة وعشرين يمينا ، وإن كانوا ثلاثة بنين ، أو جدا وأخوين جبر الكسر عليهم ، فحلف كل واحد منهم سبعة عشر يمينا ؛ لأن تكميل الخمسين واجب ، ولا يمكن تبعيض اليمين ، ولا حمل بعضهم لها عن بعض ، فوجب تكميل اليمين المنكسرة في حق كل واحد منهم ، وإن خلف أخا من أب وأخا من أم ، فعلى الأخ من الأم سدس الأيمان ، ثم يجبر الكسر ، فيكون عليه تسع أيمان ، وعلى الأخ من الأب اثنان وأربعون ، وهذا أحد قولي الشافعي ، وقال في الآخر : يحلف كل واحد من المدعين خمسين يمينا ، سواء تساووا في الميراث أو اختلفوا فيه ؛ لأن ما حلفه الواحد إذا انفرد حلفه كل واحد من الجماعة كاليمين الواحدة في سائر الدعاوى ، وعن مالك أنه قال : ينظر إلى من عليه أكثر اليمين فيجبر عليه ويسقط الآخر .
ولنا على أن الخمسين تقسم بينهم قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار : « تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم » (2) .
__________
(1) [الأم] (6\ 80- 82)
(2) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4712),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1631),سنن الدارمي الديات (2353).

وأكثر ما روي عنه في الأيمان خمسون ، ولو حلف كل واحد خمسين لكانت مائة ومائتين ، وهذا خلاف النص ، ولأنها حجة للمدعين فلم تزد على ما يشرع في حق الواحد كالبينة .
ويفارق اليمين على المدعى عليه ، فإنها ليست حجة للمدعي ، ولأنها لم يمكن قسمتها فكملت في حق كل واحد ؛ كاليمين المنكسرة في القسامة ، فإنها تجبر وتكمل في حق كل واحد ؛ لكونها لا تتبعض ، وما لا يتبعض يكمل ؛ كالطلاق ، والعتاق .
وما ذكره مالك لا يصح ؛ لأنه إسقاط لليمين عمن عليه بعضها ، فلم يجز ، كما لو تساوى الكسران ، بأن يكون على كل واحد من الاثنين نصفها ، أو على كل واحد من الثلاثة ثلثها ، وبالقياس على من عليه أكثرها ؛ ولأن اليمين في سائر الدعاوى تكمل في حق كل واحد ، ويستوي من له في المدعي كثير وقليل ، كذا هاهنا ؛ ولأنه يفضي إلى أن يتحمل اليمين غير من وجبت عليه فلم يجز ذلك كاليمين الكاملة وكالجزء الأكثر (1) .
3 - قال الخرقي : ( وسواء كان المقتول مسلما أو كافرا ، حرا أو عبدا ، إذا كان المقتول يقتل به المدعى عليه إذا ثبت عليه القتل ؛ لأن القسامة توجب القود إلا أن يحب الأولياء أخذ الدية ) .
قال ابن قدامة : أما إذا كان المقتول مسلما حرا فليس فيه اختلاف ، سواء كان المدعى عليه مسلما أو كافرا ، فإن الأصل في القسامة قصة عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر ، فاتهم اليهود بقتله ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة .
__________
(1) [المغني ، (10\ 27, 28) (الطبعة المشتركة مع الشرح الكبير)

وأما إن كان المقتول كافرا أو عبدا ، وكان قاتله ممن يجب عليه القصاص بقتله ، وهو المماثل له في حاله- ففيه القسامة ، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي .
وقال الزهري والثوري ومالك والأوزاعي : لا قسامة في العبد ؛ لأنه مال فلم تجب القسامة فيه ، كقتل البهيمة . ولنا : أنه قتل موجب للقصاص ، فأوجب القسامة كقتل الحر . وفارق البهيمة ؛ فإنه لا قصاص فيها . ويقسم على العبد سيده ؛ لأنه المستحق لدمه . وأم الولد والمدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة ، كالقن ؛ لأن الرق ثابت فيهم ، وإن كان القاتل ممن لا قصاص عليه كالمسلم يقتل كافرا ، والحر يقتل عبدا- فلا قسامة فيه ، في ظاهر قول الخرقي ، وهو قول مالك ؛ لأن القسامة إنما تكون فيما يوجب القود .
وقال القاضي : فيهما القسامة ، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي ؛ لأنه قتل آدمي يوجب الكفارة فشرعت القسامة فيه كقتل الحر المسلم ، ولأن ما كان حجة في قتل الحر المسلم كان حجة في قتل العبد الكافر كالبينة .
ولنا : أنه قتل لا يوجب القصاص ، فأشبه قتل البهيمة ، ولا يلزم من شرعها فيما يوجب القصاص شرعها مع عدمه ، بدليل أن العبد إذا اتهم بقتل سيده شرعت القسامة إذا كان القتل موجبا للقصاص . ذكره القاضي ؛ لأنه لا يجوز قتله قبل ذلك ، ولو لم يكن موجبا للقصاص لم تشرع القسامة (1) .
ومن القائلين بأن العصبة هم الذين يحلفون : الإمام مالك رحمه الله ، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد .
__________
(1) [المغني] (8\ 504 . 505)

وفيما يلي ذكر بعض ما قالوا في ذلك :
1 - قال مالك رحمه الله : والقسامة تصير إلى عصبة المقتول وهم ولاة الدم الذين يقسمون عليه والذين يقتل بقسامتهم . وقال مالك أيضا : يحلف من ولاة الدم خمسون رجلا خمسين يمينا (1) .
وقال الباجي : قوله : ( يحلف من ولاة الدم خمسون رجلا خمسين يمينا ، يحتمل أن يريد إن كان الولاة أكثر من خمسين حلف خمسون ، فتكون (من) للتبعيض ، ويحتمل أن يريد به يحلف من هذا الجنس خمسون ، فتكون (من) للجنس إذا كان ولاة الدم خمسين فلا خلاف أن جميعهم يحلف ، وإن كانوا أكثر من خمسين فقد حكى القاضي أبو محمد في ذلك روايتين :
إحداهما : يحلف منهم خمسون خمسين يمينا .
والرواية الثمانية : يحلف جميعهم ، والذي ذكر ابن عبدوس وابن المواز من رواية ابن القاسم وابن وهب عن مالك يحلف من الولاة خمسون ، وقال المغيرة وأشهب وعبد الملك : وإن كانوا أكثر من خمسين وهم في العقد سواء ، ففي [الموازية] كالإخوة وغيرهم فليس عليهم أن يحلف منهم إلا خمسون ، وهذا المشهور من المذهب في كتب المغاربة من المالكيين ، وإنما اختلفوا إذا كان الأولياء خمسين فأرادوا أن يحلف منهم رجلان خمسين يمينا ، ففي [المجموعة] عن عبد الملك : لا يجزئهم ذلك ، وهو كالنكول . وقال ابن المواز : ذهب ابن القاسم إلى أن يمين رجلين منهم خمسين يمينا يجزئ وينوب عمن بقي ، قال محمد . وقول
__________
(1) [الموطأ] وعليه [المنتقى] (7\ 58)

ابن القاسم صواب ؛ لأن أهل القسامة تجزئ أيمان بعضهم عن بعض ، ولو لم يجوز ذلك لم يقل أشهب : إن كانوا ثلاثة يحلفون يمينا يمينا ثم يحلف عشرون منهم عشرين يمينا ولو كانوا مائة متساوين أجزأ يمين خمسين . قال : وأما إذا تشاح الأولياء ولم يرضوا أن يحمل بعضهم عن بعض- فلا بد من قول أشهب ، وبه قال ابن القاسم .
فرع : وهذا إذا كان إمساك عن اليمين يحمل ذلك عنه ، وأما أن امتنع عن اليمين فتسقط الدية . قاله ابن القاسم (1) .
قال الباجي : مسألة : ولا يحلف في القسامة على قتل العمد أقل من اثنين . قاله مالك في [المجموعة] و[الموازية] ، قال ابن القاسم : كأنه من ناحية الشهادة ، إذ لا يقتل بأقل من شاهدين . قال أشهب : وقد جعل الله لكل شهادة رجل في الزنا يمينا من الزوج في التعانه .
قال عبد الملك : ألا ترى أنه لا يحلف النساء في العمد ؛ لأنهن لا يشهدن فيه ، وإنما عرضها النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة والجماعة اثنان فصاعدا ، قال الله تعالى : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } (2)
وأصل هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للحارثيين : « أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم » (3) وإنما كان ولي الدم رجلا واحدا ، وهو عبد الرحمن بن سهل أخو المقتول عبد الله بن سهل ، وإنما كان حويصة ومحيصة ابني عم ، فلما علق النبي صلى الله عليه وسلم الأيمان بجماعتهم ، ولم يقصرها على ولي الدم كان الظاهر
__________
(1) [المنتقى على الموطأ] (7\ 58 ، 59)
(2) سورة النساء الآية 11
(3) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677).

أنها لا تثبت إلا في حكم الجماعة ، وأقل الجماعة اثنان ، وقد نص عليه ابن الماجشون واحتج عليه بآية الميراث { فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } (1) ولا خلاف أن الأخوين يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس كما يفعل الثلاثة الإخوة ، ولا يحجبها الأخ الواحد ؛ لأن اسم الإخوة لا يتناوله .
فرق : والفرق بين ولاة القتيل لا يقسم منهم أقل من اثنين ويقسم من جنبة القاتل واحد وهو القاتل- أن جنبة القتيل إذا عدم منهم اثنان وبطلت القسامة في جنبته فرجعت في جنبة القاتل ، فإن لم يكن معه من يحلف معه من جهتهم كان للطالب بالدم ما يرجع إليه وهو أيمان القاتل وأولياؤه ولو لم يقبل من القاتل ، وقد يعدم أولياء يحلفون معه لم يكن له ما يرجع إليه في تبرئة نفسه (2) .
قال الباجي : مسألة : فإن كان ولاة الدم اثنين حلف كل رجل منهم خمسا وعشرين يمينا ؛ وليس لأحدهما أن يتحمل عن صاحبه شيئا من الأيمان ، قال ابن المواز عن ابن القاسم : ووجه ذلك : أنه لا يجوز أن يحلف أحد في العمد أكثر من خمس وعشرين يمينا ، قال ابن المواز عن ابن الماجشون : ولهما أن يستعينا بمن أمكنهما من العصبة ، ويبدأ بيمين الأقرب فالأقرب ، يحلفون بقدر عددهم مع المعينين ، فإن حلف الأولياء أكثر مما ينوبهم في العدد مع المعينين جاز ذلك ، وإن حلف المعينون أكثر لم يجز ذلك ، ووجه ذلك عندي : أنه نوع من النكول .
وأما إذا تساووا على حسب العدد أو كانت أيمان الولاة أكثر فإنها على وجه العون للولاة ، ولو حلف أحد الوليين خمسا وعشرين ، ثم استعان
__________
(1) سورة النساء الآية 11
(2) [المنتقى على الموطأ] (7\ 59)

الآخر بأربعة وعشرين من العصبة لم يجزه أن يحلف إلا ثلاثة عشر يمينا ؛ لأن المعينين تتوجه معونتهم إليه وإلى صاحبه كما لو حلفوا قبل أن يحلف الولي الأول .
قال الباجي : مسألة : فإن كان ولي الدم واحدا جاز له أن يستعين من العصبة بواحد وأكثر من ذلك ما بينه وبين خمسين رجلا .
والأصل في ذلك ما روى أبو قلابة : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحارثيين اللذين ادعيا على اليهود : أتحلفون وتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم » (1) فكان الظاهر أن هذا العدد لا يزاد عليه ، لأن عدد الأنصار كان أكثر من ذلك ، وتكون الأيمان بينهم على ما تقدم من التفسير .
وقال مالك : القسامة في قتل الخطأ يقسم الذين يدعون الدم ، ويستحقون بقسامتهم يحلفون خمسين يمينا تكون على قسم مواريثهم من الدية ، فإن كان في الأيمان كسور ، وإذا قسمت بينهم نظر إلى الذي يكون عليه أكثر تلك الأيمان إذا قسمت فيجبر عليه تلك اليمين .
قال الباجي : وهذا على ما قال أن ولاة الدم الذين يدعون الدم يقسمون في قتل الخطأ مع الشاهد على القتل . قال أشهب : وكذلك إذا قال : دمي عند فلان قتلني خطأ . وقال عبد الملك : ويؤخذ في ذلك بشهادة النساء فيمن علم الناس بموته . وقال ابن المواز : اختلف قول مالك في القسامة على قول القتيل في الخطأ .
وقال عيسى بن دينار : أخبرني من أثق به أن قول مالك في الغريم لا يقسم في الخطأ بقول الميت ، ثم رجع فقال : يقسم مع قوله ، قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وجه القول الأولى أنه يتهم أن يريد غنى ولده وحرمة الدم أعظم .
__________
(1) صحيح البخاري الديات (6503).

ووجه القول الذي رجع إليه أنه معنى يوجب القسامة في العمد فأوجبها في الخطأ كالشاهد العدل .
(فرع) : فإذا قلنا : إنه يقسم مع قول القتيل فإنه يقسم مع قول المسخوط والرجال والنساء ما لم يكن صغيرا أو عبدا أو ذميا (1) .
قال الباجي : وقوله : (يحلفون خمسين يمينا) علق ذلك بالعدد ؛ لأنها قسامة في دم فما اختصت بالخمسين كالعمد ؛ ولهذا المعنى يبدأ فيها المدعون وتكون الأيمان على الورثة إن كانوا يحيطون بالميراث على قدر مواريثهم ، فإن كان في الأيمان كسر فالقسامة على أكثرهم حظا منها ، قاله مالك في [المجموعة] . قال عبد الملك . لا ينظر إلى كثرة ما عليه من الأيمان وإنما ينظر إلى تلك اليمين . قال ابن القاسم : إذا كان على أحدهم نصفها ، وعلى الآخر ثلثها ، وعلى الآخر سدسها- جبرت على صاحب النصف ، وإن كان الوارث لا يحيط بالميراث فإنه لا يأخذ حصته من الدية حتى يحلف خمسين يمينا (2) .
قال مالك : فإن لم يكن للمقتول ورثة إلا النساء فإنهن يحلفن ويأخذن الدية ، فإن لم يكن له وارث إلا رجل واحد حلف خمسين يمينا وأخذ الدية ، وإنما يكون ذلك في قتل الخطأ ولا يكون في قتل العمد .
قال الباجي : وهذا على ما قال : أن حكم القسامة في قتل الخطأ غير حكمها في قتل العمد . . . ؛ لأنها لما اختصت القسامة في الخطأ بالمال
__________
(1) [المنتقى على الموطأ] (7\ 63) . (2)
(2) [المنتقى على الوطأ] (7\ 63 ، 74)

كان ذلك للورثة رجالا كانوا أو نساء ، قل عددهم أو كثر ، ولا يحلف في ذلك إلا وارث ، وأما قتل العمد فإن مقتضاه القصاص ، وإنما يقوم به العصبة من الرجال ، فلذلك تعلقت الأيمان بهم دون النساء (1) .
قال الأبي : (ع) : والأيمان في القسامة خمسون لا ينقص منها لنص الحديث يحلفها في الخطأ الورثة ، فإن لم تكن إلا امرأة لم تأخذ فرضها حتى تحلف الخمسين ، وكذلك إن لم تكن الورثة إلا نساء فإنهن لا يأخذن فرضهن حتى يحلفن الخمسين يمينا ، وإن كانت الورثة جماعة وزعت الأيمان على قدر المواريث .
قال الأبي : قلت : وإنما وزعت كذلك ؛ لأن الأيمان هي السبب في حصول الدية فتوزع كما توزع الدية ، فإن انكسرت منها يمين أو أكثر فإن استوت الأجزاء أكملت اليمين على كل واحد من المنكسر عليهم ، وإن اختلف كما لو كان الوارث ابنا فالمشهور : أنه إنما تكمل اليمين على صاحب الجزء الأكبر ، وقيل : تكمل على كل واحد من المنكسر عليهم (2) .
قال الأبي : (ع) : فإن لم يحضر من الورثة إلا واحد وغاب الباقون لم يأخذ الحاضر نصيبه حتى يحلف الخمسين يمينا ، فإذا قدم الغائب لم يأخذ حظه من الميراث حتى يحلف نصيبه من الأيمان ، ولا يكتفي بحلف الحاضر (3) .
2 - قال ابن قدامة : اختلفت الرواية عن أحمد فيمن تجب عليه أيمان
__________
(1) [المنتقى على الموطأ] (7\ 64)
(2) [الأبي] (4\ 395 ، 396) .
(3) [الأبي] (4\ 396)

القسامة ، فروي أنه يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث خمسون رجلا ، كل واحد منهم يمينا واحدة ، وهذا قول لمالك ، فعلى هذا يحلف الوارث منهم الذين يستحقون دمه ، فإن لم يبلغوا خمسين تمموا من سائر العصبة ، يؤخذ الأقرب منهم فالأقرب من قبيلته التي ينتسب إليها ويعرف كيفية نسبه من المقتول .
فأما من عرف أنه من القبيلة ولم يعرف وجه النسب لم يقسم ، مثل : أن يكون الرجل قرشيا والمقتول قرشي ، ولا يعرف كيفية نسبه منهم- فلا يقسم ، لأننا نعلم أن الناس كلهم من آدم ونوح ، وكلهم يرجعون إلى أب واحد ، ولو قتل من لا يعرف نسبه لم يقسم عنه سائر الناس ، فإن لم يوجد من نسبه خمسون رددت الأيمان عليهم ، وقسمت بينهم ، فإن انكسرت عليهم جبر كسرها عليهم حتى تبلغ خمسين (1) .
جاء في [حاشية المقنع] : قوله : (وعنه يحلف من العصبة . . . إلخ) هذا قول لمالك ونصره جماعة من الأصحاب منهم الشريف وأبو الخطاب والشيرازي وابن البناء (2) .
__________
(1) [المغني] (8\ 501)
(2) [حاشية المقنع] (3\ 440)

2 -

من يحلف من المدعى عليهم
إذا لم يحلف المدعون حلف من المدعى عليهم خمسون رجلا خمسين يمينا ، هذا في المذاهب الثلاثة ، ويوافقهم المذهب الحنفي في أنه يحلف خمسون رجلا خمسين يمينا ، وهذا إذا أمكن عند الجميع ، وإذا لم

يمكن فسيأتي بيانه في رد الأيمان ، وقد بسط الكاساني رحمه الله الكلام على تحليف المدعى عليهم مع بيان خلاف أئمة المذهب الحنفي ، وفي مقدمتهم أبو حنيفة رحمه الله ، فذكرنا كلامه مفصلا .
قال الكاساني : وأما بيان سبب وجوب القسامة والدية : فنقول : سبب وجوبهما هو التقصير في النصرة وحفظ الموضع الذي وجد فيه القتيل ممن وجب عليه النصرة والحفظ ؛ لأنه إذا وجب عليه الحفظ فلم يحفظ مع القدرة على الحفظ- صار مقصرا بترك الحفظ الواجب ، فيؤخذ بالتقصير زجرا عن ذلك ، وحملا على تحصيل الواجب ، وكل من كان أخص بالنصرة والحفظ كان أولى بتحمل القسامة والدية ؛ لأنه أولى بالحفظ فكان التقصير منه أبلغ ، ولأنه إذا اختص بالموضع ملكا أو يدا بالتصرف كانت منفعته له فكانت النصرة عليه ، إذ الخراج الضمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال تبارك وتعالى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } (1)
ولأن القتيل إذا وجد في موضع اختص به واحد أو جماعة ؛ إما بالملك أو باليد وهو التصرف فيه فيتهمون أنهم قتلوه ، فالشرع ألزمهم القسامة دفعا للتهمة ، والدية- لوجود القتيل بين أظهرهم . وإلى هذا المعني أشار سيدنا عمر رضي الله عنه حينما قيل : أنبذل أموالنا وأيماننا ؟ فقال : (أما أيمانكم فلحقن دمائكم ، وأما أموالكم فلوجود القتيل بين أظهركم) ، وإذا عرف هذا فنقول : القتيل إذا وجد في المحلة فالقسامة والدية على أهل المحلة ، للأحاديث وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ما ذكرنا .
__________
(1) سورة البقرة الآية 286

ولأن حفظ المحلة عليهم ونفع ولاية التصرف في المحلة عائد إليهم ، وهم المتهمون في قتله فكانت القسامة والدية عليهم .
وكذلك إذا وجد في مسجد المحلة أو في طريق المحلة لما قلنا : فيحلف منهم خمسون ، فإن لم يكمل العدد خمسين رجلا تكرر الأيمان عليهم حتى تكمل خمسين يمينا .
لما روي عن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه : أنه حلف رجالا القسامة ، فكانوا تسعة وأربعين رجلا ، فأخذ منهم واحدا وكرر عليه اليمين حتى كملت خمسين يمينا ، وكان ذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه خالفه أحد فيكون إجماعا .
ولأن هذه الأيمان حق ولي القتيل فله أن يستوفيها ممن يمكن استيفاؤها منه ، فإن أمكن الاستيفاء من عدد الرجال الخمسين استوفى ، وإن لم يمكن يستوفي عدد الأيمان التي هي حقه . وإن كان العدد كاملا فأراد الولي أن يكرر اليمين على بعضهم- ليس له ذلك ، كذا ذكر محمد رحمه الله ؛ لأن موضوع هذه الأيمان على عدد الخمسين في الأصل ، لا على واحد ، وإنما التكرار على واحد لضرورة نقصان العدد ولا ضرورة عند الكمال .
وإن كان في المحلة قبائل شتى ؛ فإن كان فيها أهل الخطة والمشترون فالقسامة والدية على أهل الخطة ما بقي منهم واحد في قول أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة .
وقال أبو يوسف رحمه الله : عليهم وعلى المشترين جميعا .
وجه قوله : أن الوجوب على أهل الخطة باعتبار الملك ، والملك ثابت للمشترين ؛ ولهذا إذا لم يكن من أهل الخطة أحد كانت القسامة على

المشترين .
وجه قولهما : أن أهل الخطة أصول في الملك ؛ لأن ابتداء الملك ثبت لهم ، وإنما انتقل عنهم إلى المشترين ، فكانوا أخص بنصرة المحلة وحفظها من المشترين ، فكانوا أولى بإيجاب القسامة والدية عليهم ، وكان المشتري بينهم كالأجنبي ، فما بقي واحد منهم لا ينتقل إلى المشتري .
وقيل : إن أبا حنيفة بنى الجواب على ما شاهد بالكوفة ، وكان تدبير أمر المحلة فيها إلى أهل الخطة ، وأبو يوسف رأى التدبير إلى الأشراف من أهل المحلة كانوا من أهل الخطة أو لا ، فبنى الجواب على ذلك ، فعلى هذا لم يكن بينهما خلاف في الحقيقة ؛ لأن كل واحد منهما عول على معنى الحفظ والنصرة .
فإن فقد أهل الخطة وكان في المحلة ملاك وسكان فالدية على الملاك لا على السكان عند أبي حنيفة ومحمد ، وعند أبي يوسف عليهم جميعا .
لما روي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب القسامة على أهل خيبر وكانوا سكانا ولأن للسكان اختصاصا بالدار يدا ، كما أن للمالك اختصاصا بها ملكا ، ويد الخصوص تكفي لوجوب القسامة .
وجه قولهما : أن المالك أخص بحفظ الموضع ونصرته من السكان ؛ لأن اختصاصه اختصاص ملك أنه أقوى من اختصاص اليد ألا يرى أن السكان يسكنون زمانا ثم ينتقلون .
وأما إيجاب القسامة على يهود خيبر فممنوع ؛ لأنهم كانوا سكانا ، بل كانوا ملاكا ، فإنه روي أنه عليه الصلاة والسلام أقرهم على أملاكهم ووضع الجزية على رءوسهم ، وما كان يؤخذ منهم كان يؤخذ على وجه الجزية

لا على سبيل الأجرة .
ولو وجد قتيل في سفينة ؛ فإن لم يكن معهم ركاب فالقسامة والدية على أرباب السفينة وعلى من يمدها ممن يملكها أو لا يملكها ، وإن كان معهم فيها ركاب فعليهم جميعا ، وهذا في الظاهر يؤيد قول أبي يوسف في إيجاب القسامة والدية على الملاك والسكان جميعا .
وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يفرقان بين السفينة والمحلة ؛ لأن السفينة تنقل وتحول من مكان إلى مكان ، فتعتبر فيها اليد دون الملك كالدابة إذا وجد عليها قتيل ، بخلاف الدار فإنها لا تحتمل النقل والتحويل فيعتبر فيها الملك والتحويل ما أمكن لا اليد ، وكذا العجلة حكمها حكم السفينة ، لأنها تنقل وتحول ولو وجد القتيل ومعه رجل يحمله على ظهره فعليه القسامة والدية ؛ لأن القتيل في يده ، ولو جريح معه وبه رمق يحمله حتى أتى به أهله فمكث يوما أو يومين ثم مات لا يضمن عند أبي يوسف ، وقال أبو يوسف : وفي قياس قول أبي حنيفة رضي الله عنه يضمن .
وجه القياس : أن الحامل قد ثبتت يده عليه مجروحا ، فإذا مات من الجرح فكأنه مات في يده ، وهذا تفريع على من جرح في قبيلة فتحامل إلى قبيلة أخرى فمات فيهم ، وقد ذكرناه فيما تقدم .
وكذلك إذا كان على دابة ولها سائق أو قائد وعليها راكب فعليه القسامة والدية ؛ لأنه في يده وإن اجتمع السائق والقائد والراكب فعليهم جميعا ؛ لأن القتيل في أيديهم فصار كأنه وجد في دارهم .
وإن وجد على دابة لا سائق لها ولا قائد ولا راكب عليها ؛ فإن كان ذلك الموضع ملكا لأحد فالقسامة والدية على المالك ، وإن كان لا مالك له

فعلى أقرب المواضع إليه من حيث يسمع الصوت من الأمصار والقرى ، وإن كان بحيث لا يسمع فهو هدر لما قلنا فيما تقدم .
فإن وجدت الدابة في محلة فعلى أهل تلك المحلة .
وكذلك إذا وجد في فلاة من الأرض فإنه ينظر إن كان ذلك المكان الذي وجد فيه ملكا لإنسان فالقسامة والدية عليه ، وإن لم يكن له مالك فعلى أقرب المواضع إليه من الأمصار والقرى إذا كانت بحيث يبلغ الصوت منها إليه ، وإن كان بحيث لا يبلغ فهو هدر لما قلنا ، وذكر في الأصل في قتيل وجد بين قريتين أنه يضاف إلى أقربهما .
لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : « أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يذرع بين قريتين في قتيل وجد بينهما . » (1)
وكذا روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه في قتيل وجد بين وادعة وأرحب وكتب إليه عامله بذلك ، فكتب إليه سيدنا عمر رضي الله عنه : أن قس بين القريتين فأيهما كان أقرب فألزمهم ، فوجد القتيل إلى وادعة أقرب ، فألزموا القسامة والدية ، وذلك كله محمول على ما إذا كان بحيث يبلغ الصوت إلى الموضع الذي وجد فيه القتيل ، كذا ذكر محمد في الأصل ، حكاه الكرخي رحمه الله ، والفقه ما ذكرنا فيما تقدم .
وكذا إذا وجد بين سكتين فالقسامة والدية على أقربهما ، فإن وجد في المعسكر في فلاة من الأرض فإن كانت الأرض التي وجد فيها لها أرباب فالقسامة والدية على أرباب الأرض ؛ لأنهم أخص بنصرة الموضع وحفظه فكانوا أولى بإيجاب القسامة والدية عليهم وهذا على أصلهما ؛ لأن المعسكر كالسكان والقسامة على الملاك ، فأما على أصل أبي يوسف
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (3/39).

رحمه الله فالقسامة والدية عليهم جميعا, وإن يكن في ملك أحد بأن وجد في خباء أو فسطاط, فعلى من يسكن الخباء والفسطاط وعلى عواقلهم القسامة والدية ؛ لأن صاحب الخيمة خص بموضع الخيمة من أهل العسكر بمنزلة صاحب الدار مع أهل المحلة ، ثم القسامة على صاحب الدار إذا وجد فيها قتيل لا على أهل المحلة ، كذا ها هنا .
وإن وجد خارجا من الفسطاط والخباء فعلى أقرب الأخبية والفساطيط منهم القسامة والدية ، كذا ذكر في ظاهر الرواية ؛ لأن الأقرب أولى بإيجاب القسامة والدية لما ذكرنا .
وعن أبي حنيفة رضي الله عنه : إذا وجد بين الخيام فالقسامة والدية على جماعتهم كالقتيل يوجد في المحلة ، جعل الخيام المحمولة كالمحلة على هذه الرواية . . . هذا إذا لم يكن العسكر لقوا عدوا ، فإن كانوا قد لقوا عدوا فقاتلوا فلا قسامة ولا دية في قتيل يوجد بين أظهرهم ؛ لأنهم إذا لقوا عدوا وقاتلوا فالظاهر أن العدو قتله لا المسلمين ؛ إذ المسلمون لا يقتل بعضهم بعضا .
ولو وجد قتيل في أرض رجل إلى جانب قرية ليس صاحب الأرض من أهل القرية فالقسامة والدية على صاحب الأرض لا على أهل القرية ؛ لأن صاحب الأرض أخص بنصرة أرضه وحفظها من أهل القرية فكان أولى بإيجاب القسامة والدية عليه كصاحب الدار مع أهل المحلة . . . ولو وجد قتيل في دار إنسان وصاحب الدار من أهل القسامة ، فالقسامة والدية على صاحب الدار وعلى عاقلته . كذا ذكر في الأصل ولم يفصل بينهما إذا كانت العاقلة حضورا أو غيبا ، وذكر في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله : أن

القسامة على رب الدار وعلى عاقلته حضورا كانوا أو غيبا .
وقال أبو يوسف رحمه الله : لا قسامة على العاقلة هكذا ذكر فيه .
وقال الكرخي رحمه الله : أن كانت العاقلة حضورا في المصر دخلوا في القسامة وإن كانت غائبة ، فالقسامة على صاحب الدار تكرر عليه الأيمان ، والدية عليه وعلى عاقلته .
أما دخول العاقلة في القسامة إذا كانوا حضورا فهو قولهما ، وظاهر قول أبي يوسف : (لا قسامة على العاقلة) يقتضي ألا يدخلوا في القسامة .
وجه قول زفر رحمه الله : أنه لما لزمتهم الدية لزمتهم القسامة كأهل المحلة ، ولأبي يوسف أن صاحب الدار أخص بالنصرة وبالولاية والتهمة ، فلا تشاركه العاقلة كما لا يشارك أهل المحلة غيرهم .
ووجه قولهما : أن العاقلة إذا كانوا حضورا يلزمهم حفظ الدار ونصرتها . . . كما يلزم صاحب الدار ، وكذا يتهمون بالقتل كما يتهم صاحب الدار ، فقد شاركوه في سبب وجوب القسامة فيشاركونه في القسامة أيضا ، وبهذا يقع الفرق بين حال الحضور والغيبة على ما ذكره الكرخي رحمه الله ؛ لأن معنى التهمة ظاهر الانتفاء من الغيب وكذا معنى النصرة ، لئلا يلحق ذلك الموضع نصرة من جهتهم إلا أنه تجب عليهم الدية ؛ لأن وجوب الدية على العاقلة لا يتعلق بالتهمة ، فإنهم يتحملون عن القاتل المعين إذا كان صبيا أو مجنونا أو خاطئا ، وسواء كانت الدار فيها ساكن أو كانت مفرغة مغلقة فوجد فيها قتيل فعلى رب الدار ، وعلى عاقلته القسامة والدية .
أما على أصل أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما فظاهر ؛ لأنهما

يعتبران الملك دون السكنى ، فكان وجود السكنى فيها والعدم منزلة واحدة .
وأما أبو يوسف رحمه الله فإنما يوجب على الساكن لاختصاصه بالدار يدا ولم يوجد ها هنا ، وسواء كان الملك الذي وجد فيه القتيل خاصا أو مشتركا فالقسامة والدية على أرباب الملك لما قلنا ، وسواء اتفق قدر أنصباء الشركاء أو اختلف فالقسامة والدية بينهم بالسوية ، حتى لو كانت الدار بين رجلين لأحدهما الثلثان وللأخر الثلث فالقسامة عليهما ، وعلى عاقلتهما نصفان ، ويعتبر في ذلك عدد الرءوس لا قدر الأنصباء كما في الشفعة ؛ لأن حفظ الدار واجب على كل واحد منهما والحفظ لا يختلف ، ولهذا تساويا في استحقاق الشفعة ؛ لأن الاستحقاق لدفع ضرر الدخيل وأنه لا يختلف باختلاف قدر الملك ، وذكر في [الجامع الصغير] فيمن باع دارا ووجد فيها قتيل قبل أن يقبضها المشتري : أن القسامة والدية على البائع إذا لم يكن في البيع خيار ، فإن كان فيه خيار فعلى من الدار في يده في قول أبي حنيفة .
وعند أبي يوسف ومحمد : الدية على مالك الدار إن لم يكن في البيع خيار فإن كان فيه خيار فعلى من تصير الدار له ، وعند زفر رحمه الله : الدية على المشتري ، إلا أن يكون للبائع خيار فتكون الدية عليه .
وجه قول زفر : أن الملك للمشتري إذا لم يكن فيه خيار ، وكذا إذا كان الخيار للمشتري ؛ لأن خيار المشتري لا يمنع دخول المبيع في ملكه عنده ، فإذا كان الخيار للبائع فالملك له ؛ لأن خياره يمنع زوال المبيع عن ملكه بلا خلاف .
وجه قولهما : أنه إذا لم يكن فيه خيار فالملك للمشتري وإنما للبائع

صورة يد من غير تصرف ، وصورة اليد لا مدخل لها في القسامة ، كيد المودع فكانت القسامة والدية على المشتري ، وإذا كان فيه خيار فعلى من تصير الدار له ؛ لأنه إذا صارت للبائع فقد انفسخ البيع وجعل كأنه لم يكن ، وإن صارت للمشتري فقد انبرم البيع ، وتبين أنه ملكها بالعقد من حين وجوده .
وأما تصحيح مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه فمشكل من حيث الظاهر ؛ لأنه يعتبر الملك فيما يحتمل النقل والتحويل لا اليد ، وإن كانت اليد يد تصرف كيد الساكن والثابت للبائع صورة يد من غير تصرف فأولى أن يعتبره ، لكن لا إشكال في الحقيقة ؛ لأن الوجوب بترك الحفظ ، والحفظ باليد حقيقة ، إلا أنه يضاف الحفظ إلى الملك ؛ لأن استحقاق اليد به عادة فيقام مقام اليد فكانت الإضافة إلى ما به حقيقة أولى ، إلا أن مطلق اليد لا يعتبر ، بل اليد المستحقة بالملك وهذه يد مستحقة بالملك بخلاف يد الساكن ، وإذا وجد رجل قتيلا في دار نفسه فالقسامة والدية على عاقلته لورثته في قول أبي حنيفة رضي الله عنه ، وفي قولهما رحمهما الله : لا شيء فيه ، وهو قول زفر والحسن بن زياد رحمهما الله ، وروي عن أبي حنيفة مثل قولهم .
وجه قولهم : أن القتل صادفه والدار ملكه ، وإنما صار ملك الورثة عند الموت والموت ليس بقتل ؛ لأن القتل فعل القاتل ولا صنع لأحد في الموت ، بل هو من صنع الله تبارك وتعالى ، فلم يقتل في ملك الورثة ، فلا سبيل إلى إيجاب الضمان على الورثة وعواقلهم ، ولأن وجوده قتيلا في دار نفسه بمنزلة مباشرة القتل بنفسه كأنه قتل نفسه بنفسه فيكون هدرا .
ولأبي حنيفة رضي الله عنه : أن المعتبر في القسامة وقت ظهور القتيل

لا وقت وجود القتل ، بدليل : أن من مات قبل ذلك لا يدخل في الدية ، والدار وقت ظهور القتيل لورثته فكانت القسامة والدية عليهم وعلى عواقلهم تجب كما لو وجد قتيلا في دار ابنه . فإن قيل : كيف تجب الدية عليهم وعلى عواقلهم وأن الدية تجب لهم فكيف تجب لهم وعليهم ، وكذا عاقلتهم تتحمل عنهم لهم أيضا ، وفيه إيجاب لهم أيضا وعليهم ، وهذا ممتنع ؟
فالجواب : ممنوع أن الدية تجب لهم ، بل للقتيل ؛ لأنها بدل نفسه فتكون له ، بدليل أنه يجهز منها وتقضى منها ديونه وتنفذ منها وصاياه ، ثم ما فضل عن حاجته تستحقه ورثته لاستغناء الميت عنه ، والورثة أقرب الناس إليه ، وصار كما لو وجد الأب قتيلا في دار ابنه أو في بئر حفرها ابنه أليس أقرب أنه تجب القسامة والدية على الابن وعلى عاقلته ، ولا يمتنع ذلك لما قلنا ، كذا هذا .
وإن اعتبرنا وقت وجود القتيل فهو ممكن أيضا ؛ لأنه تجب على عاقلته لتقصيرهم في حفظ الدار فتجب عليهم الدية حقا للمقتول ثم تنتقل منه إلى ورثته عند فراغه عن حاجته ، وذكر محمد : إذا وجد ابن الرجل أو أخوه في داره قتيلا فإن على عاقلته دية ابنه ودية أخيه وإن كان هو وارثه ؛ لما قلنا أن وجد القتيل في الدار كمباشرة صاحبها القتل فيلزم عاقلته ذلك المقتول ثم يستحقها صاحب الدار بالإرث ، ولو وجد مكاتب قتيلا في دار نفسه فدمه هدر ؛ لأن داره في وقت ظهور القتيل ليست لورثته ، بل هي على حكم ملك نفسه إلى أن يؤدي بدل الكتابة فصار كأنه قتل نفس فهدر دمه .
رجلان كانا في بيت ليس معهما ثالث وجد أحدهما مذبوحا
قال أبو يوسف : يضمن الآخر ، وقال محمد : لا ضمان عليه .

وجه قوله: أنه يحتمل أنه قتل صاحبه, ويحتمل أنه قتل نفسه فلا يجب الضمان بالشك.
ولأبي يوسف : أن الظاهر أنه قتل صاحبه؛ لأن الإنسان لا يقتل نفسه ظاهرا أو غالبا، واحتمال خلاف الظاهر ملحق بالعدم، ألا ترى أن مثل هذا الاحتمال ثابت في قتيل المحلة ولم يعتبر (1)
إذا كان في المدعين والمدعى عليهم نساء وصبيان فهل عليهم قسامة؟
الأدلة والمناقشة:
1 - قال الكاساني : ولا تدخل المرأة في القسامة والدية في قتيل يوجد في غير ملكها؛ لأن وجوبهما بطريق النصرة وهي ليست من أهلها، وإن وجد في دارها أو في قرية لها لا يكون بها غيرها عليها القسامة، فتستحلف ويكرر عليها الأيمان وهذا قولهما.
وقال أبو يوسف : عليها لا على عاقلتها.
وجه قوله: أن لزوم القسامة لزوم النصرة وهي ليست من أهل النصرة, فلا تدخل في القسامة؛ ولهذا لم تدخل مع أهل المحلة.
وجه قولهما: أن سبب الوجوب على المالك هو الملك مع أهلية القسامة وقد وجد في حقها، أما الملك فثابت لها، وأما الأهلية فلأن القسامة يمين، وأنها من أهل اليمين ألا يرى أنها تستحلف في سائر الحقوق.
ومعنى النصرة يراعى وجوده في الجملة لا في كل فرد كالمشقة في السفر، وهل تدخل مع العاقلة في الدية، ذكر الطحاوي ما يدل على أنها
__________
(1) [بدائع الصنائع ] (7\290-294).

لا تدخل، فإنه قال: لا يدخل القاتل في التحمل إلا أن يكون ذكرا عاقلا بالغا، فإذا لم تدخل عند وجود القتل منها عينا فهاهنا أولى. وأصحابنا رضي الله عنهم قالوا: إن المرأة تدخل مع العاقلة في الدية في هذه المسألة, وأنكروا على الطحاوي قوله.. وقالوا: إن القاتل يدخل في البداية بكل حال، ويدخل في القسامة والدية: الأعمى، والمحدود في القذف، والكافر؛ لأنهم من أهل الاستحلاف والحفظ، والله سبحانه وتعالى أعلم (1) .
وقال أيضا: الصبي والمجنون لا يدخلان في القسامة في أي موضع وجد القتيل، سواء وجد في غير ملكهما أو في ملكهما؛ لأن القسامة يمين وهما ليسا من أهل اليمين، ولهذا لا يستحلفان في سائر الدعاوى؛ ولأن القسامة تجب على من هو من أهل النصرة وهما ليسا من أهل النصرة فلا تجب القسامة عليهما، وتجب على عاقلتهما إذا وجد القتيل في ملكهما؛ لتقصيرهم بترك النصرة اللازمة.
وهل يدخلان في الدية مع العاقلة؟ فإن وجد القتيل في غير ملكهما كالمحلة وملك إنسان لا يدخلان فيها وإن وجد في ملكهما يدخلان؛ لأن وجود القتيل في ملكهما كمباشرتهما القتل، وهما مؤاخذان بضمان الأفعال، وعلى قياس ما ذكره الطحاوي رحمه الله لا يدخلان في الدية مع العاقلة أصلا لكنه ليس بسديد؛ لأن هذا ضمان القتل والقتل فعل والصبي والمجنون مؤاخذان بأفعالهما (2) .
__________
(1) [بدائع الصنائع] (7\294 , 295).
(2) [بدائع الصنائع] (7\294).

قال الشافعي : ومن وجبت له القسامة وهو غائب أو مخبول أو صبي فلم يحضر الغائب أو حضر فلم يقسم ولم يبلغ الصبي ولم يفق المعتوه، أو بلغ هذا وأفاق هذا فلم يقسموا ولم يبطلوا حقوقهم في القسامة حتى ماتوا - قام ورثتهم مقامهم في أن يقسموا بقدر مواريثهم منه (1) . فقوله: ولم يبلغ الصبي. نص منه رحمه الله أنه لا يرى دخوله في أيمان القسامة حتى يبلغ .
2 - قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا : أنه لا يحلف في القسامة في العمد أحد من النساء، وإن لم يكن للمقتول ولاة إلا النساء فليس للنساء في قتل العمد قسامة ولا عفو (2) .
قال الباجي : قوله: لا يحلف في قسامة العمد أحد من النساء، يريد أنه لا يقسم إلا الأولياء من الرجال ومن له تعصيب, وأما من لا تعصيب له من الخولة وغيرهم فلا قسامة لهم, وإذا كان للقتيل أم فإن كانت معتقة أو أعتق أبوها أو جدها أقسم مواليها في العمد قاله ابن القاسم في [الموازية]، و[المجموعة]، وإن كانت أمه من العرب فلا قسامة في عمده. قال محمد : لأن العرب خولته ولا ولاية للخولة، ومن شهد شاهد عدل بقتله عمدا, وقال: دمي عند فلان ولم يكن له عصبة وكان له من الأقارب نساء وخولة فإنه لا قسامة فيه، ويحلف المدعى عليهم القتل . انتهى المقصود (3) .
3 - سبق في كلام الشافعي رحمه الله : أن النساء يدخلن في القسامة .
4 - قال الخرقي : والنساء والصبيان لا يقسمون.
__________
(1) [الأم] (6\80).
(2) [الموطأ] (7\62).
(3) [المنتقى] على [الموطأ] (7\62).

قال ابن قدامة : يعني: إذا كان المستحق نساء وصبيانا لم يقسموا؛ أما الصبيان فلا خلاف بين أهل العلم أنهم لا يقسمون، سواء كانوا من الأولياء أو مدعى عليهم؛ لأن الأيمان حجة للحالف، والصبي لا يثبت بقوله حجة. ولو أقر على نفسه لم يقبل، فلأن لا يقبل قوله في حق غيره أولى.
وأما النساء فإذا كن من أهل القتيل لم يستحلفن , وبهذا قال ربيعة والثوري والليث والأوزاعي .
وقال مالك : لهن مدخل في قسامة الخطأ دون العمد، قال ابن القاسم : ولا يقسم في العمد إلا اثنان فصاعدا، كما أنه لا يقتل إلا بشاهدين.
وقال الشافعي : يقسم كل وارث بالغ؛ لأنها يمين في دعوى، فتشرع في حق النساء كسائر الأيمان.
ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: « يقسم خمسون رجلا منكم، وتستحقون دم صاحبكم » (1) . ولأنها حجة يثبت بها قتل العمد فلا تسمع من النساء، كالشهادة، ولأن الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل، ولا مدخل للنساء في إثباته، وإنما يثبت المال ضمنا، فجرى ذلك مجرى رجل ادعى زوجية امرأة بعد موتها ليرثها، فإن ذلك لا يثبت بشاهد ويمين، ولا بشهادة رجل وامرأتين، وإن كان مقصودها المال، فأما إن كانت المرأة مدعى عليها القتل، فإن قلنا: إنه يقسم من العصبة رجال لم تقسم المرأة أيضا؛ لأن ذلك مختص بالرجال، وإن قلنا: يقسم المدعى عليه فينبغي أن تستحلف؛ لأنها لا تثبت بقولها حقا ولا قتلا، وإنما هي لتبرئتها منه فتشرع في حقها اليمين كما لو لم يكن لوث.
فعلى هذا: إذا كان في الأولياء نساء ورجال أقسم الرجال وسقط حكم
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4711),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1630),سنن الدارمي الديات (2353).

النساء، وإن كان فيهم صبيان ورجال بالغون، أو كان فيهم حاضرون وغائبون, فقد ذكرنا من قبل أن القسامة لا تثبت حتى يحضر الغائب. فكذا لا تثبت حتى يبلغ الصبي؛ لأن الحق لا يثبت إلا ببينته الكاملة، والبينة أيمان الأولياء كلهم، والأيمان لا تدخلها النيابة، ولأن الحق إن كان قصاصا فلا يمكن تبعيضه، فلا فائدة في قسامة الحاضر البالغ، وإن كان غيره فلا تثبت, وقد سبق كلام مالك رحمه الله في قسامة النساء في القتل الخطأ إلا بواسطة ثبوت القتل وهو لا يتبعض أيضا.
وقال القاضي: إن كان القتل عمدا لم يقسم الكبير حتى يبلغ الصغير، ولا الحاضر حتى يقدم الغائب؛ لأن حلف الكبير الحاضر لا يفيد شيئا في الحال، وإن كان موجبا للمال؛ كالخطأ وعمد الخطأ، فللحاضر المكلف أن يحلف، ويستحق قسطه من الدية، وهذا قول أبي بكر وابن حامد ومذهب الشافعي .
واختلفوا في كم يقسم الحاضر؟
فقال ابن حامد : يقسم بقسطه من الأيمان، فإن كان الأولياء اثنين أقسم الحاضر خمسا وعشرين يمينا، وإن كانوا ثلاثة أقسم سبع عشرة يمينا. وإن كانوا أربعة أقسم ثلاث عشرة يمينا، وكلما قدم غائب أقسم بقدر ما عليه واستوفى حقه؛ لأنه لو كان الجميع حاضرين لم يلزمه أكثر من قسطه وكذلك إذا غاب بعضهم، كما في سائر الحقوق، ولأنه لا يستحق أكثر من قسطه من الدية فلا يلزمه أكثر من قسطه من الأيمان.
وقال أبو بكر : يحلف الأول خمسين يمينا، وهذا قول الشافعي؛ لأن الحكم لا يثبت إلا بالبينة الكاملة والبينة هي الأيمان كلها؛ ولذلك لو ادعى أحدهما دينا لأبيهما لم يستحق نصيبه منه إلا بالبينة المثبتة لجميعه، ولأن

الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في سائر الحقوق، ولو ادعى مالا له فيه شركة له بعد شاهد لحلف يمينا كاملة، كذلك هذا. فإذا قدم الثاني أقسم خمسا وعشرين يمينا، وجها واحدا عند أبي بكر؛ لأنه يبني على أيمان أخيه المتقدمة. وقال الشافعي : فيه قول آخر: أنه يقسم خمسين يمينا أيضا؛ لأن أخاه إنما استحق بخمسين فكذلك هو، فإذا قدم ثالث وبلغ فعلى قول أبي بكر يقسم سبع عشرة يمينا؛ لأنه يبني على أيمان أخويه، وعلى قول الشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه يقسم سبع عشرة يمينا. والثاني: خمسين يمينا، وإن قدم رابع، كان على هذا المثال.
قال ابن قدامة : (فصل) فإن كان فيهم من لا قسامة عليه بحال، وهو النساء سقط حكمه، فإذا كان ابن وبنت حلف الابن الخمسين كلها، وإن كان أخ وأخت لأم وأخ وأخت لأب قسمت الأيمان بين الأخوين على أحد عشر، على الأخ من الأم ثلاثة، وعلى الآخر ثمانية، ثم يجبر الكسر عليهما، فيحلف الأخ من الأب سبعا وثلاثين يمينا، والأخ من الأم أربع عشرة يمينا (1)
هل ترد الأيمان إذا نقص العدد أم لا ؟
الأيمان قد تكون من المدعين، وقد تكون من المدعى عليهم، وفي كلتا الحالتين قد يكون العدد الذي اتجهت إليه الأيمان كافيا فيكون خمسين رجلا، وقد ينقص العدد، وعلى هذا الأساس فالرد يكون في جانب المدعين كما يكون في جانب المدعى عليهم.
__________
(1) [المغني] (8\502).

وفيما يلي بعض من أقوال أهل العلم في ذلك:
الرد في جانب المدعين :
1 - قال الباجي : (مسألة) : ولا يحمل بعض الورثة عن بعض شيئا من الأيمان في الخطأ كما يتحملها بعض العصبة عن بعض في العمد إلا في جبر بعض اليمين، فإنها تجبر على أكثرهم حظا منها على ما تقدم، قاله ابن القاسم، قال ابن المواز؛ لأنه مال، ولا يتحمل أحد اليمين عن غيره كالديون (1)
2 - وقال مالك : لا يقسم في قتل العمد من المدعين إلا اثنان فصاعدا، فترد الأيمان عليهما حتى يحلفا خمسين يمينا، ثم قد استحقا الدم, وذلك الأمر عندنا (2) .
قال الباجي : قوله: لا يقسم في قتل العمد من المدعين إلا اثنان فصاعدا، يريد أنه: إن لم يوجد من يستحق أن يحلف من الأولياء إلا واحد, فإن الأيمان لا تثبت في جنبتي القتيل، ولكن ترد على القاتل، فيحلف وحده بأن لم يوجد من يحلف معه، والفرق بينه وبينه: أن جنبة القتيل لا يحلف لإثبات الدم إلا اثنان، وفي جنبة القاتل يحلف لنفي الدم واحد؛ لأن جنبة القتيل إذا تعذرت القسامة فيها لم يبطل الحق؛ لأن رد الأيمان على جنبة القاتل فيه استيفاء حقهم، وجنبة القاتل لو لم تقبل أيمانه وحده مع كثرة وجود ذلك لم يكن لما فاته من الحق بدل يرجع إليه؛ لأن الأيمان ترد إلى جنبة القتيل بانتقالها إلى جنبة القاتل، والله أعلم (3) .
__________
(1) [المنتقى]على [الموطأ] (7\64).
(2) [المنتقى] على [الموطأ] (7\62).
(3) [المنتقى] على [الموطأ] (7 \62 )

3 - وأما رد الأيمان في المدعين إذا كانوا أقل من خمسين عند الشافعي : فقد مضى في الكلام على من يحلف من الورثة.
4 - قال ابن مفلح: فانفرد واحد منهم- أي: المدعين الذين توجهت إليهم اليمين- حلفها، نص عليه ونقل عنه الميموني أنه قال: لا اجترئ عليه، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يحلف خمسون منكم على رجل منهم ، قلت: فبم يأخذ من قال بذلك، قال: بحديث معاوية فإنه قصرها على ثلاثة، وكذا ابن الزبير، وفي [مختصر ابن رزين ] يحلف الولي يمينا وعنه خمسين، انتهى المقصود (1) .
وقد مضى أيضا الكلام على رد الأيمان في أثناء الكلام على من يحلف من الورثة.
ترديد الأيمان على المدعى عليهم :
1 - قال شمس الدين السرخسي: ( فإن لم يكن العدد خمسين رجلا كررت عليهم الأيمان حتى يكملوا خمسين يمينا، لما روي أن الذين جاءوا إلى عمر رضي الله عنه من أهل وادعة كانوا تسعة وأربعين رجلا منهم، فحلفهم ثم اختار منهم واحدا فكرر عليه اليمين؛ وهذا لأن عدد اليمين في القسامة منصوص عليه، ولا يجوز الإخلال بالعدد المنصوص عليه.
وقال: (وإن لم يكمل أهل المحلة كررت الأيمان عليهم حتى تتم خمسين).
لما روي أن عمر رضي الله عنه لما قضى في القسامة وافى إليه تسعة
__________
(1) [الفروع] (3\455).

وأربعون رجلا فكرر اليمين على رجل منهم حتى تمت خمسين, ثم قضى بالدية، وعن شريح والنخعي رحمهما الله مثل ذلك، ولأن الخمسين واجب بالسنة، فيجب إتمامها ما أمكن، ولا يطالب فيه الوقوف على الفائدة لثبوتها بالسنة، ثم فيه استعظام أمر الدم، فإن كان العدد كاملا فأراد الولي أن يكرر على أحدهم فليس له ذلك؛ لأن المصير إلى التكرار ضرورة الإكمال (1) .
قال الزيلعي: (قوله: روي عن عمر أنه قضى بالقسامة وافى إليه تسعة وأربعون رجلا، فكرر اليمين على رجل منهم حتى يتم خمسين، ثم قضى بالدية، وعن شريح والنخعي مثل ذلك. قلت: أما حديث عمر فرواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] بنقض، فقال: حدثنا وكيع، ثنا سفيان عن عبد الله بن يزيد الهذلي عن أبي مليح أن عمر بن الخطاب رد عليهم الأيمان حتى وفوا . انتهى .
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] بتغيير، فقال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب استحلف امرأة خمسين يمينا على مولى لها أصيب ثم جعل عليها الدية، ثم قال الزيلعي : حديث مرفوع في الباب رواه عبد الرزاق في [مصنفه] أخبرنا ابن جريج عن عبد العزيز : أن في كتاب عمر بن عبد العزيز : « أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في القسامة أن يحلف الأولياء، فإن لم يكن عدد يبلغ الخمسين ردت الأيمان عليهم بالغا ما بلغوا » . اهـ.
أثر عن أبي بكر رواه الواقدي في كتاب الردة: حدثني الضحاك بن عثمان الأسدي عن المقبري عن نوفل بن مساحق العامري
__________
(1) [المبسوط] (26\110). اهـ

عن المهاجر بن أبي أمية قال: كتب إلي أبو بكر : أن افحص لي عن داودي، وكيف كان أمر قتله إلى أن قال: فكتب أبو بكر إلى المهاجر أن ابعث إلي بقيس بن مكشوح في وثاق، فلما دخل عليه جعل قيس يتبرأ من قتل داودي، ويحلف بالله: ما قتله، فأحلفه أبو بكر خمسين يمينا عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم مردودة عليه: بالله ما قتله ولا يعلم له قاتلا، ثم عفا عنه أبو بكر، مختصر . . . وهو بتمامه في قصة الأسود العنسي (1) باب قسامة النساء.
ثم قال الزيلعي : ( قوله: وعن شريح والنخعي مثل ذلك، قلت: حديث شريح رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث عن ابن سيرين بلغ عن شريح قال: جاءت قسامة فلم يوفوا خمسين فردد عليهم القسامة حتى أوفوا . اهـ.
حدثنا وكيع ثنا سفيان عن هشام عن ابن سيرين عن شريح، قال: إذا كانوا أقل من خمسين رددت عليهم الأيمان. انتهى .
وحديث النخعي رواه عبد الرزاق في [مصنفه] أخبرنا الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قال: إذا لم تبلغ القسامة كرروا حتى يحلفوا خمسين يمينا . انتهى.
ورواه ابن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الشيباني عن حماد عن إبراهيم نحوه سواء. انتهى.
2 - قال الباجي : (فصل) وقوله: (فإن لم يبلغوا - أي: المدعى عليهم -
__________
(1) [نصب الراية] (4\395 , 396) , والحديث عند عبد الرازق [المصنف] (10\49)

خمسين رجلا ردت عليهم الأيمان) يحتمل أن يريد به إن لم يكن من يجوز أن يحلف من أولياء القاتل من يبلغ خمسين رجلا يريد- وكان من وجد منهم اثنان فزائد- ردت الأيمان على من وجد منهم حتى يستوفوا خمسين يمينا، قال ابن الماجشون في الواضحة: لهم أن يستعينوا بولاتهم وعصبتهم وعشيرتهم كما كان ذلك لولاة المقتول وقاله المغيرة وأصبغ.
وقال مطرف عن مالك : لا يجوز للمدعى عليه واحدا كان أو جماعة أن يستعينوا بمن يحلف معهم، كما يفعل ولاة المقتول؛ لأنهم إنما يبرئون أنفسهم وقد تقدم ذكره. ويحتمل أن يريد به فإن لم يبلغ الذين تطوعوا بالأيمان معه خمسين رجلا؛ لأن غيره ممن كان يصح أن يحلف معه أبوا من ذلك فإن الخمسين يمينا ترد على من تطوع بذلك.
قال الباجي: (فصل) وقوله: فإن لم يجد المدعى عليه القتل من يحلف معه حلف وحده خمسين يمينا وبريء.
والفرق بين الأيمان والحالفين: أن الأيمان لا ضرورة تدعو إلى التبعيض فيها عن العدد المشروع, وقد يعدم في الأغلب عدد الحالفين (1) .
3 - قال المزني: وقال الشافعي : وإذا وجد قتيل في محلة قوم يخالطهم غيرهم أو في صحراء أو في مسجد أو في سوق فلا قسامة , وإن ادعى وليه على أهل المحلة لم يحلف إلا من أثبتوه بعينه، وإن كانوا ألفا فيحلفون يمينا يمينا؛ لأنهم يزيدون على خمسين، فإن لم يبق منهم إلا واحد حلف خمسين يمينا وبرئء . فإن نكلوا حلف ولاة الدم خمسين
__________
(1) [المنتقى] (7\60, 61)

يمينا، واستحقوا الدية في أموالهم إن كان عمدا، على عواقلهم في ثلاث سنين إن كان خطأ (1) 4 - قال ابن قدامة رحمه الله تعالى : (فصل) إذا ردت الأيمان على المدعى عليهم وكان عمدا- لم تجز على أكثر من واحد، فيحلف خمسين يمينا.
وإن كانت عن غير عمد؛ كالخطأ، وشبه العمد، فظاهر كلام الخرقي : أنه لا قسامة في هذا؛ لأن القسامة من شرطها اللوث، والعداوة إنما أثرها في تعمد القتل لا في خطئه، فإن احتمال الخطأ في العمد وغيره سواء.
وقال غيره من أصحابنا: فيه قسامة، وهو قول الشافعي؛ لأن اللوث لا يختص العداوة عندهم، فعلى هذا تجوز الدعوى على الجماعة، فإذا ادعي على جماعة لزم كل واحد منهم خمسون يمينا.
وقال بعض أصحابنا: تقسم الأيمان بينهم بالحصص، كقسمها بين المدعين، إلا أنها هاهنا تقسم بالسوية؛ لأن المدعى عليهم متساوون فيها فهم كبني الميت.
وللشافعي قولان كالوجهين.
والحجة لهذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم: « تبرئكم يهود بخمسين يمينا » (2) .
وفي لفظ قال: « فيحلفون لكم خمسين يمينا ويبرءون من دمه » (3) .
ولأنهم أحد المتداعين في القسامة فتسقط الأيمان على عددهم كالمدعين . وقال مالك : يحلف من المدعى عليهم خمسون رجلا خمسين يمينا، فإن لم يبلغوا خمسين رجلا رددت على من حلف منهم حتى تكمل
__________
(1) [مختصر المزني] بهامش [الأم] (5\152).
(2) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4714).
(3) مسند أحمد بن حنبل (4/3).

خمسين يمينا، فإن لم يوجد أحد يحلف إلا الذي ادعي عليه حلف وحده خمسين يمينا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « فتبرئكم يهود بخمسين يمينا » (1) .
ولنا: أن هذه أيمان يبرئ بها كل واحد نفسه من القتل، فكان على كل واحد خمسون، كما لو ادعى على كل واحد وحده قتيل.
ولأنه لا يبرئ المدعى عليه حال الاشتراك إلا ما يبرئه حال الانفراد؛ ولأن كل واحد منهم يحلف على غير ما حلف عليه صاحبه بخلاف المدعين، فإن أيمانهم على شيء واحد فلا يلزم من تلفيقها تلفيق ما يختلف مدلوله ومقصوده (2) .
ولابن حزم رحمه الله كلام فيمن يحلف وكم يحلف، مع ذكر المذاهب والأدلة ومناقشتها - رأت اللجنة أن تختم هذه الفقرة بذكره.
5 - قال ابن حزم : فيمن يحلف بالقسامة، قال أبو محمد رحمه الله: اتفق القائلون بالقسامة على أنه يحلف فيها الرجال الأحرار البالغون العقلاء من عشيرة المقتول الوارثين له، واختلفوا فيما وراء ذلك في وجوه، منها: هل يحلف من لا يرث من العصبة أم لا؟ وهل يحلف العبد في جملتهم أم لا؟ وهل تحلف المرأة فيهم أم لا؟ وهل يحلف المولى من فوق أم لا؟ وهل يحلف المولى الأسفل فيهم أم لا؟ وهل يحلف الحليف أم لا؟ فوجب لما تنازعوا ما أوجبه الله تعالى علينا عند التنازع، إذ يقول تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } (3) ففعلنا، فوجدنا رسول الله
__________
(1) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4712),سنن الدارمي الديات (2353).
(2) [المغني] (8\503, 504),
(3) سورة النساء الآية 59

صلى الله عليه وسلم في حديث القسامة الذين لا يصح عنه غيره، كما قد تقصيناه قبل: « تحلفون وتستحقون، ويحلف خمسون منكم » (1) فخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بني حارثة عصبة المقتول, وبيقين يدري كل ذي معرفة أن ورثة عبد الله بن سهل رضي الله عنه لم يكونوا خمسين، وما كان له وارث إلا أخوه عبد الرحمن وحده، وكان المخاطب بالتحليف ابني عمه: محيصة، وحويصة، وهما غير وارثين له، فصح أن العصبة يحلفون، وإن لم يكونوا وارثين، وصح أن من نشط لليمين منهم كان ذلك له، سواء كان بذلك أقرب إلى المقتول أو أبعد منه ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطب ابني العم كما خاطب الأخ خطابا مستويا لم يقدم أحدا منهم، وكذلك لم يدخل في التحليف إلا البطن الذي يعرف المقتول بالانتساب إليه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخاطب بذلك إلا بني حارثة الذي كان المقتول معروفا بالنسب فيهم، ولم يخاطب بذلك سائر بطون الأنصار؛ كبني عبد الأشهل، وبني ظفر وبني زعورا، وهم أخوة بني حارثة، فلا يجوز أن يدخل فيهم من لم يدخله رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال أبو محمد رحمه الله: فإن كان في العصبة عبد صريح النسب فيهم إلا أن أباه تزوج أمة لقوم فلحقه الرق لذلك فإنه يحلف معهم إن شاء؛ لأنه منهم ولم يخص عليه السلام إذ قال: « خمسون منكم » (2) حرا من عبد إذا كان منهم، كما كان عمار بن ياسر رضي الله عنه من طينة عنس، ولحقه الرق لبني مخزوم، وكما كان عامر بن فهيرة أزديا صريحا فلحقه الرق؛ لأن أباه تزوج فهيرة أمة أبي بكر رضي الله عنه، وكما كان المقداد بن عمرو بهرانيا قحا ولحقه الرق من قبل أمه، وبالله تعالى التوفيق.
وأما المرأة فقد ذكرنا قبل: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحلف
__________
(1) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4715),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1630),سنن الدارمي الديات (2353).
(2) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن النسائي القسامة (4713),سنن أبو داود الديات (4520).

امرأة في القسامة وهي طالبة، فحلفت، وقضى لها بالدية على مولى لها. وقال المتأخرون: لا تحلف المرأة أصلا.
واحتجوا: بأنه إنما يحلف من تلزمه له النصرة، وهذا باطل مؤيد بباطل؛ لأن النصرة واجبة على كل مسلم، بما روينا من طريق البخاري نا مسدد نا معتمر بن سليمان عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « انصر أخاك ظالما كان أو مظلوما. قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: تأخذ فوق يديه » (1) ، وروينا من طريق مسلم، نا أحمد بن عبد الله بن يونس، نا زهير : هو ابن معاوية -نا أشعث - هو: ابن أبي الشعثاء - ني معاوية بن سويد بن مقرن قال: دخلنا على البراء بن عازب فسمعته يقول: « أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام » (2) فقد افترض الله تعالى نصر إخواننا، قال الله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } (3) نعم، ونصر أهل الذمة فرض، قال الله تعالى: { وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ } (4) فقد صح أنه ليس أحد أولى بالنصرة من غيره من أهل الإسلام, فوجب أن تحلف المرأة إن شاءت، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يحلف خمسون منكم » (5) وهذا اللفظ يعم النساء والرجال، وإنما ذكرنا حكم عمر لئلا يدعوا لنا الإجماع، فأما الصبيان والمجانين فغير مخاطبين أصلا بشيء من الدين، قال صلى الله عليه وسلم : « رفع القلم عن
__________
(1) صحيح البخاري المظالم والغصب (2312),سنن الترمذي الفتن (2255),مسند أحمد بن حنبل (3/99).
(2) صحيح البخاري النكاح (4880),صحيح مسلم اللباس والزينة (2066),سنن الترمذي الأدب (2809),سنن النسائي الجنائز (1939),مسند أحمد بن حنبل (4/284).
(3) سورة الحجرات الآية 10
(4) سورة الأنفال الآية 72
(5) صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن النسائي القسامة (4713).

ثلاثة فذكر الصبي والمجنون » (1) مع إنه إجماع أن لا يحلفا في القسامة متيقن لا شك فيه، وأما المولى من فوق، والمولى من أسفل، والحليف، فإن قوما قالوا: قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « مولى القوم منهم، » (2) « ومولى القوم من أنفسهم » (3) وأثبت الحلف في الجاهلية قالوا: ونحن نعلم يقينا أنه كان لبني حارثة موال من أسفل وحلفاء، ولا شك في ذلك ولا مرية، فوجب أن يحلفوا معهم.
قال أبو محمد رحمه الله: أما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مولى القوم منهم ومن أنفسهم » (4) فصحيح، وكذلك كون بني حارثة لهم الحلفاء والموالي من أسفل بلا شك إلا أننا لسنا على يقين من أن بني حارثة إذ قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تحلفون وتستحقون، ويحلف خمسون منكم » (5) حضر ذلك القول في ذلك المجلس حليف لهم أو مولى لهم، ولو أيقنا أنه حضر هذا الخطاب مولى لهم أو حليف لهم لقلنا بأن الحليف والمولى يحلفون معهم, وإذ لا يقين عندنا أنه حضر هذا الخطاب حليف ومولى، فلا يجوز أن يحلف في حكم منفرد برسمه إلا من نحن على يقين من لزوم ذلك الحكم له. فإن قيل: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مولى القوم منهم » (6) يغني عن حضور الموالي هنالك، والحليف أيضا يسمى في لغة العرب مولى، كما قال عليه السلام للأنصار أول ما لقيهم: « أمن موالي يهود » يريد: من حلفائهم، قلنا: وبالله تعالى التوفيق:
قد قال عليه الصلاة والسلام ما ذكرتم، وقال أيضا : « ابن أخت القوم منهم » (7) وقد أوردناه قبل بإسناده في كتاب العاقلة ولا خلاف في أنه لا حفص مع أخواله, فنحن نقول: إن ابن أخت القوم منهم حق؛ لأنه متولد من امرأة
__________
(1) سنن الترمذي الحدود (1423),سنن ابن ماجه الطلاق (2042),مسند أحمد بن حنبل (1/140).
(2) سنن الترمذي الزكاة (657),سنن النسائي الزكاة (2612),سنن أبو داود الزكاة (1650),مسند أحمد بن حنبل (6/390).
(3) صحيح البخاري الفرائض (6380).
(4) سنن الترمذي الزكاة (657),سنن النسائي الزكاة (2612),سنن أبو داود الزكاة (1650),مسند أحمد بن حنبل (6/390).
(5) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن الترمذي الديات (1422),سنن النسائي القسامة (4715),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677),مسند أحمد بن حنبل (4/3),موطأ مالك القسامة (1630),سنن الدارمي الديات (2353).
(6) سنن الترمذي الزكاة (657),سنن النسائي الزكاة (2612),سنن أبو داود الزكاة (1650),مسند أحمد بن حنبل (6/390).
(7) صحيح البخاري المناقب (3327),صحيح مسلم الزكاة (1059),سنن الترمذي المناقب (3901),سنن النسائي الزكاة (2611),مسند أحمد بن حنبل (3/246),سنن الدارمي السير (2527).

هي منهم بحق الولادة، والحليف والمولى أيضا منهم؛ لأنهما من جملتهم، وليس في هذا القول منه عليه السلام ما يوجب أن يحكم للمولى والحليف بكل حكم وجب للقوم، وقد صح إجماع أهل الحق على أن الخلافة لا يستحقها مولى قريش ولا حليفهم ولا ابن أخت القوم وإن كان منهم، والقسامة في العمد والخطأ، سواء فيما ذكرنا فيمن يحلف فيها ولا فرق . انتهى المقصود (1) .
وقال أيضا: كم يحلف في القسامة؟ اختلف الناس في هذا.
فقالت طائفة: لا يحلف إلا خمسون، فإن نقص من هذا العدد واحد فأكثر بطل حكم القسامة، وعاد الأمر إلى التداعي.
وقال آخرون: إن نقص واحد فصاعدا رددت الأيمان عليهم حتى يبلغوا اثنين، فإن كان الأولياء اثنين فقط بطلت القسامة في العمد، وأما في الخطأ فيحلف فيه واحد خمسين، وهو قول روي عن علماء أهل المدينة المتقدمين منهم.
وقال آخرون: يحلف خمسون، فإن نقص من عددهم واحد فصاعدا ردت الأيمان عليهم حتى يرجعوا إلى واحد، فإن لم يكن للمقتول إلا ولي واحد بطلت القسامة وعاد الحكم إلى التداعي، وهذا قول مالك .
وقال آخرون: تردد الأيمان، وإن لم يكن إلا واحد فإنه يحلف خمسين يمينا وحده، وهو قول الشافعي، وهكذا قالوا في أيمان المدعى عليهم: أنها تردد عليهم وإن لم يبق إلا واحد، ويجبر الكسر عليهم، فلما اختلفوا
__________
(1) [المحلى] (11\89 - 91).

وجب أن ننظر فوجدنا من قال بترديد الأيمان من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز : أن في كتاب لعمر بن عبد العزيز : « أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الأيمان أن يحلف الأولياء، فإن لم يكن عدد عصبته تبلغ خمسين رددت الأيمان عليهم بالغا ما بلغوا » .
ومن طريق ابن وهب، أخبرني محمد بن عمرو عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسين يمينا ثم يحق دم المقتول إذا حلف عليه، ثم يقتل قاتله، أو تؤخذ ديته، ويحلف عليه أولياؤه من كانوا قليلا أو كثيرا، فمن ترك منهم اليمين ثبتت على من بقي ممن يحلف، فإن نكلوا كلهم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا: ما قتلناه ثم يطل دمه، وإن نكلوا كلهم عقله المدعى عليهم، ولا يطل دم مسلم إذا ادعي إلا بخمسين يمينا .
قال أبو محمد رحمه الله: هذا لا شيء؛ لأنهما مرسلان والمرسل لا تقوم به حجة, أما حديث عمر بن عبد العزيز ففيه أن يحلف الأولياء وهذا لا يقول به الحنفيون, فإن تعلق به المالكيون، والشافعيون قيل للمالكيين: هو أيضا حجة عليكم؛ لأنه ليس فيه أن لا يحلف إلا اثنان، وأيضا فليس هو بأولى من المرسل الذي بعده من طريق ابن وهب، وهو مخالف لقول جميعهم؛ لأن فيه إن نكل الفريقان عقله المدعى عليهم ولا يقول به مالكي، ولا شافعي، وفيه القود بالقسامة، ولا يقول به حنفي ولا شافعي، وفيه ترديد الأيمان جملة دون تخصيص أن يكونا اثنين، كما يقول مالك (1)
__________
(1) [المحلى] (11\91, 92).

السابع: خلاف العلماء في الحكم على الناكل بمجرد النكول مع الأدلة والمناقشة :
لا يخلو أمر النكول من أحوال: فإما أن ينكل المدعون جميعهم عن الأيمان، أو ينكل بعضهم، وفي هذه الحال لا يخلو؛ إما أن يكون الناكل وارثا بالفعل أو بالإمكان. إما أن ينكل المدعى عليهم عن الأيمان جميعهم أو ينكل بعضهم.
وفيما يلي بعض من أقوال أهل العلم في ذلك:
أ- نكول المدعين عن الأيمان أو نكول بعضهم :
سبق فيما تقدم: أن الحنفية لا يرون البدء بالمدعين في الأيمان كما يراه غيرهم من الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد؛ ولهذا لا تأتي عندهم مسألة نكول المدعين أو بعضهم إلا في حال الرد عليهم بعد نكول المدعين.
1 - المذهب المالكي:
(أ) قال الباجي : مسألة: لو نكل ولاة الدم عن القسامة وقد وجبت لهم، زاد أبو زيد عن ابن القاسم : يحلف المدعى عليهم وبرئوا، وقد قال ابن المواز : فعلى المدعين الجلد والسجن، قال: ولم يختلف أصحاب مالك إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: إذا نكلوا فلا جلد ولا سجن وليحلف كل من ادعي عليه القتل خمسين يمينا, ويسلم من الضرب والسجن, ومن لم يحلف حبس أبدا حتى يحلف.
وجه القول الأول: أن العقوبة قد ثبتت بما أوجب القسامة فالضرب

والسجن حق الله تعالى، قاله عبد الملك بن الماجشون , والقتل حق الأولياء، فإن أسقط الأولياء حقهم بالنكول من القصاص لم يملكوا إسقاط حق الله تعالى كما لو عفوا أو عفا السلطان عن الجلد،: إنه لا يملك ذلك.
ووجه القول الثاني: أن القتل يثبت قبله فيجب عليه عقوبته، ونكول الأولياء يبطل ما ادعوه من القتل, فلا تجب فيه عقوبة سجن ولا ضرب (1)
ب- قال الباجي : في شرح قول النبي صلى الله عليه وسلم : « أتحلف لكم يهود » (2) قال: يحتمل أن يكون على وجه رد الأيمان على المدعى عليهم حين نكول المدعين، وهي السنة عند مالك والشافعي : أن يبدأ المدعون بالأيمان، فإن نكلوا ردت على المدعى عليهم، وقال أبو حنيفة : يبدأ المدعى عليهم بالأيمان فإن أقسموا برئوا وإن نكلوا ردت على المدعي، والدليل على ما نقوله الحديث المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحارثيين: « أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: لا، قال: فتحلف لكم يهود » (3) قال القاضي أبو محمد : قلنا: من هذا الحديث دليلان:
أحدهما: أنه بدأ المدعين بالأيمان.
والثاني: أنه نقلها عند نكولهم إلى المدعى عليهم وقد روى أبو قلابة : « أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ المدعين بالأيمان، » وهو حديث مقطوع وما رواه مسند من رواية أهل المدينة .
ومن جهة المعنى: أن اليمين إنما تثبت في إحدى الجنتين واللوث، وهو الشاهد العدل قد قوى جهة المدعين فتثبت الأيمان في
__________
(1) [المنتقى] (7\127).
(2) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677).
(3) صحيح البخاري الأحكام (6769),صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669),سنن أبو داود الديات (4521),سنن ابن ماجه الديات (2677).

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21