كتاب : أبحاث هيئة كبار العلماء
المؤلف : هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

منهما يعقل عن الآخر ويرثه.
والوجه الثالث : أن الهدف الأساسي والغاية القصوى من ولاء الموالاة هو النصرة، ومن التأمين الكسب المادي المحض لقاء أخطار قد تقع وقد لا تقع.

ب -

قياس عقد التأمين على الوعد الملزم عند المالكية
فيما يلي كلام العلماء السابقين في الوعد، هل يجب الوفاء به أولا؟ ثم ما تيسر من كلام علماء العصر في هذا الدليل مع المناقشة :
قال أحمد بن علي الرازي في كلامه على قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } (1) { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } (2) قال أبو بكر : يحتج به في أن كل من ألزم نفسه عبادة أو قربة أو أوجب على نفسه عقدا لزمه الوفاء به، إذ ترك الوفاء به يوجب أن يكون قائلا ما لا يفعل وقد ذم الله فاعل ذلك وهذا فيما لم يكن معصية . . . . وكذلك الوعد بفعل يفعله في المستقبل وهو مباح فإن الأولى الوفاء مع الإمكان، فأما قول القائل: إني سأفعل كذا، فإن ذلك مباح له على شريطة استثناء مشيئة الله، وأن يكون في عقد ضميره. الوفاء به ولا جائز له أن يعدو في ضميره أن لا يفي به؛ لأن ذلك هو المحظور الذي نهى الله عنه ومقت فاعله عليه، وإن كان في عقد ضميره الوفاء به ولم يقرنه بالاستثناء فإن ذلك مكروه؛ لأنه لا يدري هل يقع منه الوفاء به أم لا، فغير جائز له إطلاق القول في مثله مع خوف إخلاف فيه (3) .
__________
(1) سورة الصف الآية 2
(2) سورة الصف الآية 3
(3) [أحكام القرآن] (3\ 543) وما بعدها.

وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: قال ابن العربي : فإن كان المقول منه وعدا فلا يخلو أن يكون منوطا بسبب كقوله: إن تزوجت أعنتك بدينار، أو ابتعت حاجة كذا أعطيتك كذا فهذا لازم إجماعا من الفقهاء، وإن كان وعدا مجردا، فقيل: يلزم بمطلقه، وتعلقوا بسبب الآية فإنه روي أنهم كانوا يقولون: لو نعلم أي الأعمال أفضل أو أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله عز وجل هذه الآية وهو حديث لا بأس به، وقد روى مجاهد أن عبد الله بن رواحة لما سمعها قال: لا أزال حبيسا في سبيل الله حتى أقتل، والصحيح عندي: أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر.
قلت: قال مالك : فأما العدة مثل أن يسأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له: نعم، ثم يبدو له أن لا يفعل، فما أرى ذلك يلزمه، وقال ابن القاسم : إذا وعد الغرماء فقال: أشهدكم أني قد وهبت له من أن يؤدي إليكم فإن هذا يلزمه، وأما أن يقول: نعم أنا أفعل ثم يبدو له فلا أرى عليه ذلك. قلت: أي: لا يقضي عليه بذلك، فأما في مكارم الأخلاق وحسن المروءة فنعم، وقد أثنى الله تعالى على من صدق وعده ووفى بنذره، فقال: { وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا } (1) وقال تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ } (2) وقد تقدم بيانه.
وقال القرطبي أيضا: الرابعة قوله تعالى: { لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } (3) استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان
__________
(1) سورة البقرة الآية 177
(2) سورة مريم الآية 54
(3) سورة الصف الآية 2

عن نفسه من الخير ما لا يفعله، أما في الماضي فيكون كذبا وأما في المستقبل فيكون خلفا وكلاهما مذموم وتأول سفيان بن عيينة قوله تعالى: { لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } (1) أي: لم تقولون ما ليس الأمر فيه إليكم فلا تدرون هل تفعلون أو لا تفعلون، فعلى هذا يكون الكلام محمولا على ظاهره في إنكار القول (2) .
وقال القرطبي أيضا: وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي وسائر الفقهاء: إن العدة لا يلزمه منها شيء؛ لأنها منافع لم يقبضها في العارية؛ لأنها طارئة، وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها. انتهى المقصود (3)
وقال القرافي : الفرق الرابع عشر والمئتان بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد وما يجب الوفاء به منه وما لا يجب.
قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ } (4) { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } (5) والوعد إذا أخلف قول لم يفعل فيلزمه أن يكون كذبا محرما، وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقا. وقال عليه السلام: « من علامة المنافق ثلاث: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف » (6) ، فذكره في سياق الذم دليل على التحريم، ويروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « وأي المؤمن واجب » أي: وعده واجب الوفاء به. وفي [الموطأ] « قال رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أكذب
__________
(1) سورة الصف الآية 2
(2) [تفسير القرطبي] (18\ 79، 80).
(3) [تفسير القرطبي] (11\ 116).
(4) سورة الصف الآية 2
(5) سورة الصف الآية 3
(6) صحيح البخاري الإيمان (33),صحيح مسلم الإيمان (59),سنن الترمذي الإيمان (2631),سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5021),مسند أحمد بن حنبل (2/536).

لامرأتي؟ فقال - عليه السلام -: لا خير في الكذب » (1) ، فقال: يا رسول الله، أفأعدها وأقوله لها؟ فقال - عليه السلام -: « لا جناح عليك » (2) ، فمنعه من الكذب المتعلق بالمستقبل، فإن رضى النساء إنما يحصل به، ونفى الجناح على الوعد، وهو يدل على أمرين:
أحدهما: أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا؛ لجعله قسيم الكذب.
وثانيهما: أن إخلاف الوعد لا حرج فيه، ولو كان المقصود الوعد الذي يفي به لما احتاج للسؤال عنه، ولما ذكره مقرونا بالكذب، ولكن قصده إصلاح حال امرأته بما لا يفعله فتخيل الحرج في ذلك فاستأذن عليه.
وفي أبي داود قال - عليه السلام -: « إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه » (3) .
فهذه الأدلة تقتضي عدم الوفاء بالوعد وأن ذلك مباح، والكذب ليس بمباح فلا يكون الوعد يدخله الكذب عكس الأدلة الأول.
واعلم أنا إذا فسرنا الكذب بالخبر الذي لا يطابق لزم دخول الكذب في الوعد بالضرورة مع أن ظاهر الحديث يأباه، وكذلك عدم التأثيم فمن الفقهاء من قال: الكذب يختص بالماضي والحاضر، والوعد إنما يتعلق بالمستقبل فلا يدخله الكذب، وسيأتي الجواب عن الآية ونحوها إن شاء الله تعالى.
ومنهم من يقول: لم يتعين عدم المطابقة في المستقبل بسبب أن المستقبل زمان يقبل الوجود والعدم ولم يقع فيه بعد وجود ولا عدم فلا يوصف الخبر عند الإطلاق بعدم المطابقة ولا بالمطابقة؛ لأنه لم يقع بعد ما يقتضي أحدهما. وحيث قلنا: الصدق: القول المطابق، والكذب: القول
__________
(1) موطأ مالك الجامع (1859).
(2) موطأ مالك الجامع (1859).
(3) سنن الترمذي الإيمان (2633),سنن أبو داود الأدب (4995).

الذي ليس بمطابق ظاهر في وقوع وصف المطابقة أو عدمها بالفعل، وذلك مختص بالحال والماضي، وأما المستقبل فليس فيه إلا قبول المطابقة وعدمها، ونحن متى حددنا بوصف نحو قولنا في الإنسان: الحيوان الناطق أو نحوه، إما نريد الحياة والنطق بالفعل لا بالقول، وإلا لكان الجماد والنبات كله إنسانا؛ لأنه قابل للحياة والنطق، وهذا التعليل يؤيد القول الأول.
ومنهم من يقول: الكل يدخله الكذب، وإنما سومح في الوعد تكثيرا للعدة بالمعروف، فعلى هذا لا فرق بين الكذب والوعد، والأول هو الذي ظهر لي؛ لعدم تعيين المطابقة وعدمها اللذين هما ضابطا الصدق والكذب، وعلى ذلك يقع الفرق بينه وبين الكذب وبين الصدق، فلا يوصف بواحد منهما ويختص بالماضي والحاضر- وبعد إيراده اعتراضا وإجابته عنه قال: واعلم أن الفقهاء اختلفوا في الوعد هل يجب الوفاء به شرعا أم لا؟ قال مالك : إذا سألك أن تهب له دينارا فقلت: نعم، ثم بدا لك لا يلزمك، ولو كان افتراق الغرماء عن وعد وإشهاد؛ لأجله لزمك، لإبطالك مغرما بالتأخير.
قال سحنون : الذي يلزم من الوعد قوله: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به واخرج إلى الحج وأنا أسلفك أو اشتر سلعة أو تزوج امرأة وأن أسلفك؛ لأنك أدخلته بوعدك في ذلك، أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق، وقال أصبغ : يقضي عليك به تزوج الموعود أم لا. وكذا أسلفني لأشتري سلعة كذا، لزمك، تسبب في ذلك أم لا. والذي لا يلزم من ذلك أن تعده من غير ذكر سبب فيقول: أسلفني كذا، فتقول:

نعم. بذلك قضى عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
وإن وعدت غريمك بتأخير الدين لزمك؛ لأنه إسقاط لازم للحق سواء قلت له: أؤخرك، أو أخرتك، وإذا أسلفته فعليك تأخيره مدة تصلح لذلك، وحينئذ تقول: مرجع الجمع بين الأدلة المتقدمة التي يقتضي بعضها الوفاء به وبعضها عدم الوفاء به أنه إن أدخله في سبب يلزم بوعده لزم، كما قال مالك وابن القاسم وسحنون أو وعده مقرونا بذكر السبب، كما قال أصبغ؛ لتأكد العزم على الدفع حينئذ، ويحمل عدم اللزوم على خلاف ذلك مع أنه قد قيل في الآية: إنها نزلت في قوم كانوا يقولون: جاهدنا وما جاهدوا، وفعلنا أنواعا من الخيرات وما فعلوها، ولا شك أن هذا محرم؛ لأنه كذب، ولأنه تسميع بطاعة الله، وكلاهما محرم ومعصية اتفاقا، وأما ما ذكر من الإخلاف في صفة المنافق فمعناه: أنه سجية له ومقتضى حاله الإخلاف ومثل هذه السجية يحسن الذم بها كما يقال: سجيته تقتضي البخل والمنع فمن كانت صفاته تحث على الخير مدح أو تحث على الشر ذم شرعا وعرفا.
واعلم أنه لابد في هذا الفرق من مخالفة بعض الظواهر إن جعلنا الوعد يدخله الكذب بطل؛ لقوله - عليه السلام - للسائل لما قال له: أأكذب لامرأتي؟ قال: لا خير في الكذب ، وأباح له الوعد، وهو ظاهر في أنه ليس بكذب ولا يدخله الكذب، ولأن الكذب حرام إجماعا فيلزم معصيته فيجب الوفاء به نفيا للمعصية وليس كذلك، وإن قلنا: إن الكذب لا يدخله ورد علينا ظواهر وعد الله ووعيده فلابد من الجمع بينهما وما ذكرته أقرب

الطرق في ذلك (1) .
وقال ابن حجر : قوله: (باب من أمر بإنجاز الوعد ) وجه تعلق هذا الباب بأبواب الشهادات أن وعد المرء كالشهادة على نفسه، قاله الكرماني، وقال المهلب : إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء. اهـ.
ونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور، لكن القائل به قليل، وقال ابن عبد البر وابن العربي : أجل من قال به عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية : إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به وإلا فلا، فمن قال لآخر: تزوج ولك كذا، فتزوج لذلك وجب الوفاء به. وخرج بعضهم الخلاف على أن الهبة هل تملك بالقبض أو قبله، وقرأت بخط أبي - رحمه الله - في إشكالات على [الأذكار] للنووي، ولم يذكر جوابا عن الآية يعني: قوله تعالى: { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } (2) وحديث آية المنافق، قال: والدلالة للوجوب منها قوية فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع الوعيد الشديد، وينظر هل يمكن أن يقال يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء؟ أي: يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك (3) .
وقال محمد بن مفلح : ولا يلزم الوفاء بالوعد، نص عليه (و هـ ش)؛ لأنه يحرم بلا استثناء؛ لقوله تعالى: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا } (4) { إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } (5)
__________
(1) [الفروق] (4\ 20- 25).
(2) سورة الصف الآية 3
(3) [فتح الباري] (5\ 290) طبع المطبعة السلفية ومكتبتها.
(4) سورة الكهف الآية 23
(5) سورة الكهف الآية 24

ولأنه في معنى الهبة قبل القبض. وذكر شيخنا وجها: يلزم، واختاره، ويتوجه أنه رواية من تأجيل العارية والصلح عن عوض المتلف بمؤجل. ولما قيل للإمام أحمد : بم يعرف الكذابون؟ قال: بخلف المواعيد، وهذا متجه، وقاله من الفقهاء ابن شبرمة، وقال ابن العربي المالكي : أجل من قاله عمر بن عبد العزيز؛ لقوله: { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ } (1) ولخبر : « آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف » (2) (3) . وحملا على وعد واجب. وبإسناد حسن « العدة عطية » ، وبإسناد ضعيف « العدة دين » ، وذكر أبو مسعود الدمشقي والبرقاني أن مسلما روى « ولا يعد الرجل صبيه ثم يخلفه » (4) ، ورواه ابن ماجه من حديث ابن مسعود بإسناد حسن « ثم لا يفي له » (5) ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور. وفيه: والسعيد من وعظ بغيره. وفيه عبيد بن ميمون المدني روى عنه غير واحد، ووثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: مجهول، وعن ابن مسعود مرفوعا: « لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده ثم تخلفه » رواه الترمذي وغيره.
قال ابن الجوزي : فائدة الاستثناء خروجه من الكذب إذا لم يفعل، كقوله: ستجدني - إن شاء الله صابرا ، وذكر القاضي في مسألة الفرار من الزكاة لما قيل له: إن أصحاب الجنة عوقبوا على ترك الاستثناء في القسم، قال: لا؛ لأنه مباح، وعلى أن الوعيد عليهما. ومذهب (م) يلزم
__________
(1) سورة الصف الآية 3
(2) صحيح البخاري الإيمان (33),صحيح مسلم الإيمان (59),سنن الترمذي الإيمان (2631),سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5021),مسند أحمد بن حنبل (2/357).
(3) خرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة.
(4) سنن ابن ماجه المقدمة (46),مسند أحمد بن حنبل (1/410),سنن الدارمي الرقاق (2715).
(5) سنن ابن ماجه المقدمة (46).

لسبب، كمن قال لغيره: تزوج وأعطيك كذا، واحلف لا تشتمني ولك كذا وإلا لم يلزم، وقد روى أبو داود والترمذي عن أبي النعمان عن أبي وقاص - ولا يعرفان- عن زيد بن أرقم مرفوعا: « إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يف ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه » (1) ، وتقدم آخر كتاب العهد وأنه غير الوعد، ويكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفظ والرعاية والوصية وغير ذلك، وفي سيد الاستغفار: « وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت » (2) (3) .
قال ابن الجوزي : قال المفسرون: العهد الذي يجب الوفاء به الذي يحسن فعله، والوعد من العهد، وقال في وأوفوا بالعهد : عام فيما بينه وبين ربه وبين الناس، ثم قال الزجاج : كل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو من العهد (4) .
وقال ابن حزم : مسألة، ومن وعد آخر بأن يعطيه مالا معينا أو غير معين أو بأنه يعينه في عمل ما حلف له على ذلك أو لم يحلف لم يلزمه الوفاء به ويكره له ذلك، وكان الأفضل لو وفى به، وسواء أدخله بذلك في نفقته أو لم يدخله كمن قال: تزوج فلانة وأنا أعينك في صداقها بكذا وكذا أو نحو هذا، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأبي سليمان، وقال مالك : لا يلزمه شيء من ذلك إلا أن يدخله بموعد ذلك في كلفة فيلزمه ويقضي عليه، وقال ابن شبرمة: الوعد كله لازم ويقضي به على الواعد ويجبر.
__________
(1) سنن الترمذي الإيمان (2633),سنن أبو داود الأدب (4995).
(2) صحيح البخاري الدعوات (5964),سنن الترمذي الدعوات (3393),سنن النسائي الاستعاذة (5522),مسند أحمد بن حنبل (4/125).
(3) خرجه البخاري والنسائي وأحمد عن شداد بن أوس.
(4) [الفروع] (6\ 415، 416).

فأما تقسيم مالك فلا وجه له، ولا برهان يعضده لا من قرآن ولا سنة ولا قول صاحب ولا قياس.
فإن قالوا: قد أضر به إذ كلفه من أجل وعده عملا ونفقة. قلنا: فهبكم إنه كما تقولون، من أين وجب على من أضر بآخر وظلمه وغره أن يغرم له مالا؟ ما علمنا هذا في دين الله تعالى إلا حيث جاء به النص فقط، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه.
وأما من ذهب إلى قول ابن شبرمة فإنهم احتجوا بقول الله تعالى: { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } (1) والخبر الصحيح من طريق عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر » (2) (3) .
والآخر الثابت من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : « من علامة النفاق ثلاثة وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان » (4) (5) .
فهذان أثران في غاية الصحة، وآثار أخر لا تصح، أحدها من طريق الليث عن ابن عجلان أن رجلا من موالي عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي حدثه عن عبد الله بن عامر « قالت لي أمي: هاه تعال أعطك، فقال لها رسول
__________
(1) سورة الصف الآية 3
(2) صحيح البخاري الإيمان (34),صحيح مسلم الإيمان (58),سنن الترمذي الإيمان (2632),سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5020),سنن أبو داود السنة (4688),مسند أحمد بن حنبل (2/189).
(3) متفق عليه.
(4) صحيح البخاري الإيمان (33),صحيح مسلم الإيمان (59),سنن الترمذي الإيمان (2631),سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5021),مسند أحمد بن حنبل (2/536).
(5) متفق عليه.

الله - صلى الله عليه وسلم - ما أردت أن تعطيه؟ فقالت: أعطيه تمرا، فقال لها - عليه السلام -: أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة » (1) هذا لا شيء لأنه عمن لم يسم.
وآخر من طريق ابن وهب أيضا عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « وأي المؤمن حق واجب » (2) هشام بن سعد ضعيف، وهو مرسل.
ومن طريق ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن أبي إسحاق، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « ولا تعد أخاك وعدا فتخلفه، فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة . » وهذا مرسل وإسماعيل بن عياش ضعيف.
ومن طريق ابن وهب أخبرني الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « من قال لصبي: تعال، هاه لك ثم لم يعطه شيئا فهي كذبة » (3) ابن شهاب كان- إذ مات أبو هريرة - ابن أقل من تسع سنين لم يسمع منه كلمة، وأبو حنيفة و مالك يرون المرسل كالمسند، ويحتجون بما ذكرنا، فيلزمهم أن يقضوا بإنجاز الوعد على الواعد ولابد، وإلا فهم متناقضون فلو صحت هذه الآثار لقلنا بها.
وأما الحديثان اللذان صدرنا بهما فصحيحان إلا أنه لا حجة فيهما علينا؛ لأنهما ليسا على ظاهرهما؛ لأن من وعد بما لا يحل أو عاهد على معصية فلا يحل له الوفاء بشيء من ذلك كمن وعد بزنا أو بخمر أو بما يشبه ذلك، فصح أن ليس كل من وعد فأخلف أو عاهد فغدر مذموما ولا ملوما ولا عاصيا، بل قد يكون مطيعا مؤدي فرض، فإن ذلك كذلك فلا يكون
__________
(1) سنن أبو داود الأدب (4991),مسند أحمد بن حنبل (3/447).
(2) رواه أبو داود في مراسيله، والوأي: الوعد لفظا ومعنى.
(3) مسند أحمد بن حنبل (2/452).

فرضا من إنجاز الوعد والعهد إلا على من وعد بواجب عليه، كإنصاف من دين أو أداء حق فقط، وأيضا فإن من وعد وحلف واستثنى فقد سقط عنه الحنث بالنص والإجماع المتيقن، فإذا سقط عنه الحنث لم يلزمه فعل ما حلف عليه، ولا فرق بين وعد أقسم عليه وبين وعد لم يقسم عليه، وأيضا فإن الله تعالى يقول: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا } (1) { إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } (2) فصح تحريم الوعد بغير استثناء، فوجب أن من وعد ولم يستثن فقد عصى الله تعالى في وعده ذلك، ولا يجوز أن يجبر أحد أحدا على معصية، فإن استثنى فقال: إن شاء الله تعالى، أو إلا أن يشاء الله تعالى أو نحوه مما يعلقه بإرادة الله عز وجل فلا يكون مخلفا لوعده إن لم يفعل؛ لأنه إنما وعده أن يفعل إن شاء الله تعالى، وقد علمنا أن الله تعالى لو شاء لأنفذه فإن لم ينفذه فلم يشأ الله تعالى كونه.
وقول الله تعالى: { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } (3) على هذا أيضا مما يلزمهم كالذي وصف الله تعالى عنه إذ يقول: { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ } (4) { فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } (5) { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ } (6) فصح ما قلنا؛ لأن الصدقة واجبة، والكون من الصالحين واجب، فالوعد والعهد بذلك فرضان فرض إنجازهما، وبالله التوفيق،
__________
(1) سورة الكهف الآية 23
(2) سورة الكهف الآية 24
(3) سورة الصف الآية 3
(4) سورة التوبة الآية 75
(5) سورة التوبة الآية 76
(6) سورة التوبة الآية 77

وأيضا هذا نذر من هذا الذي عاهد الله تعالى على ذلك، والنذر فرض (1) .
وأما كلام علماء العصر في هذا الدليل فقال الأستاذ مصطفى الزرقاء :
وأما قاعدة الالتزامات والوعد الملزم عند المالكية فخلاصتها: أن الشخص إذا ما وعد غيره عدة بقرض أو يتحمل وضيعة عنه- أي: خسارة- أو إعارة أو نحو ذلك مما ليس بواجب عليه في الأصل، فهل يصبح بالوعد ملزما ويقضي عليه بموجبه إن لم يف له، أو لا يكون ملزما؟
اختلف فقهاء المالكية في ذلك على أربعة آراء: قد فصلها الحطاب في رسالته في الالتزامات، ونقلها عنه الشيخ محمد عليش في فتاواه المسماة [فتح العلي المالك] ج 2، ص 225 في بحث مسائل الالتزام فمنهم من يقول: يقضي بالعدة مطلقا أي أنها ملزمة له، ومنهم من يقول: لا يقضي بها مطلقا أي: أنها غير ملزمة، ومنهم من يقول: إن العدة تلزم الواعد فيقضي بها إذا ذكر لها سبب، وإن لم يباشر الموعود ذلك السبب، كما لو قال لآخر: إني أعيرك بقري ومحراثي لحراثة أرضك، أو أريد أن أقرضك كذا لتتزوج، أو قال الطالب لغيره: أريد أن أسافر، أو أن أقضي ديني فأسلفني مبلغ كذا، فوعده بذلك، ثم بدا له فرجع عن وعده قبل أن يباشر الموعود السبب الذي ذكر من سفر، أو وفاء دين، أو حراثة أرض . . . إلخ- فإن الواعد ملزم ويقضى عليه بالتنفيذ جبرا إن امتنع.
ومنهم من يقول: لا يلزم بوعده إلا إذا دخل الموعود في سبب ذكر في الوعد أي: إذا باشر السبب، كما إذا وعده بأن يسلفه ثمن شيء يريد شراءه
__________
(1) [المحلى] لابن حزم (8\ 26- 28).

فاشتراه فعلا، ومبلغ المهر في الزواج فتزوج ونحو ذلك، وهذا هو الراجح في المذهب من بين هذه الآراء الأربعة.
أما عند الحنفية فإن المواعيد ملزمة إلا في حالات ضيقة إذا صدرت بطريق التعاون، فإذا نظرنا إلى مذهب المالكية الأوسع في هذه القضية فإننا نجد في قاعدة الالتزامات هذه متسعا لتخريج عقد التأمين على أساس أنه التزام من المؤمن للمستأمنين، ولو بلا مقابل على سبيل الوعد أن يتحمل عنه أضرار الحادث الخطر الذي هو معرض له، أي: أن يعوض عليه الخسائر، فقد نص المالكية أصحاب الرأي الرابع، وهو الرأي الأضيق على أنه لو قال شخص لآخر: بع كرمك الآن وإن لحقتك من هذا البيع وضيعة- أي: خسارة- فأنا أرضيك فباعه بالوضيعة، كان على القائل أن يرضيه بما يشبه ثمن ذلك الشيء المبيع والوضيعة فيه- أي: أن يتحمل عنه مقدار الخسارة- وهو قول ابن وهب، قال أصبغ: وقول ابن وهب هذا هو أحب إلي. قال ابن رشد: لأنها عدة على سبب وهو البيع، والعدة إذا كانت على سبب لزمت بحصول السبب في المشهور من الأقوال (فتاوى عليش من المحل الآنف الذكر).
ولا يخفى أن أقل ما يمكن أن يقال في عقد التأمين: أنه التزام تحمل الخسائر عن الموعود في حادث معين محتمل الوقوع بطريق الوعد الملزم نظير الالتزام بتحمل خسارة المبيع عن البائع مما نص عليه المالكية على سبيل المثال لا على سبيل الحصر (1)
__________
(1) [أسبوع الفقه الإسلامي]، ص (410).

ويمكن أن يجاب عن ذلك بأمور:
الأول: أن عقد التأمين من عقود المعاوضات، والوعد الملزم من عقود التبرعات، فلا يصح أن يقاس معاوضة على عقد تبرع؛ لاختلافهما في التقعيد.
الثاني: أن العوض في الوعد الملزم معلوم عند الطرفين ابتداء، وأما ما تدفعه الشركة فهو مجهول لا يعلم لكل واحد من الطرفين إلا بعد وقوع الخطر، فلا يصح قياس مجهول على معلوم.
الثالث: الوعد الملزم لا يجب الوفاء به إلا إذا تسبب الموعود بالدخول في الأمر الموعود من أجله، وأما في التأمين فإن المستأمن لا يستحق شيئا إذا دخل بنفسه فأتلف المؤمن عليه قصدا ويستحق ما سوى هذه الصورة من صور التأمين، فالصورتان مختلفتان في تحقيق المناط فلا يصح القياس، وبيان ذلك أنه في الوعد الملزم إذا تحقق الحكم الوضعي تحقق بعده الحكم التكليفي، وفي التأمين إذا انتفى الحكم الوضعي- وهو: تسبب المستأمن- استحق المبلغ، وإذا ثبت الحكم الوضعي- وهو التسبب من المستأمن- انتفى الاستحقاق.

ج-

قياس عقد التأمين على عقد المضاربة
نذكر فيما يلي ما تيسر من كلام العلماء السابقين فيها، ثم نتبع ذلك بكلام العلماء المعاصرين.
أما كلام العلماء السابقين فقد قالوا في تعريف المضاربة : أن يدفع مالا إلى غيره؛ ليتجر فيه، ويكون الربح بينهما على ما شرطا، فيكون الربح لرب المال بسبب ماله؛ لأنه نماء ماله، وللمضارب باعتبار عمله الذي هو

سبب وجود الربح. وأما بيان أنواعها وشروطها وأحكامها:
فقال السمرقندي : ثم هي نوعان: مطلقة، وخاصة. أما المطلقة: فأن يدفع المال إلى رجل ويقول: دفعت هذا المال إليك مضاربة على أن الربح بيننا نصفان (1) .
وقال أيضا: ومن شروط صحتها : أن يكون الربح جزءا مشاعا في الجملة . . . . ومنها: إعلام قدر الربح؛ لأن الربح هو المقصود، فجهالته توجب فساد العقد، فكل شرط يؤدي إلى جهالة الربح يفسد المضاربة (2) .
وقال أيضا: المضاربة تشتمل على أحكام مختلفة، إذا دفع المال إلى المضارب فهو أمانة في يده في حكم الوديعة؛ لأنه قبضه بأمر المالك لا على طريق البدل والوثيقة. فإذا اشترى به فهو وكالة؛ لأنه تصرف في مال الغير بإذنه، فإذا ربح صار شركة؛ لأنه ملك جزءا من المال بشرط العمل والباقي نماء مال المالك فهو له فكان مشتركا بينهما، فإذا فسدت المضاربة بوجه من الوجوه صارت إجارة؛ لأن الواجب فيها أجر المثل، وذلك يجب في الإجارات، فإن خالف المضارب صار غاصبا، والمال مضمون عليه؛ لأنه تعدى في ملك غيره (3) .
وجاء في [مدونة الإمام مالك ] رحمه الله: قلت: أرأيت المقارضة على النصف أو الخمس أو السدس أو أقل من ذلك أو أكثر؟ قال: فلا بأس بذلك عند مالك . . . قلت: أرأيت إن دفعت إلى أجل مالا قراضا ولم أسم له ثلثا
__________
(1) [تحفة الفقهاء] (3\ 23).
(2) [تحفة الفقهاء] (3\ 24).
(3) [تحفة الفقهاء] (3\ 5 2، 26)، ويرجع أيضا إلى [بدائع الصنائع] (6\ 86، 87) وما بعدها.

ولا ربعا ولا نصفا ولا أكثر من أن قلت له: خذ هذا المال قراضا فعمل فربح وتصادق رب المال والعامل على ذلك، قال: يرد إلى قراض مثله (1) .
وقال ابن جزي : وإنما يجوز بستة شروط . . . . الثاني: أن يكون الجزء مسمى كالنصف، ولا يجوز أن يكون مجهولا . . . . السادس: أن لا يشترط أحدهما لنفسه شيئا ينفرد به من الربح، ويجوز أن يشترط العامل الربح كله، خلافا للشافعي (2) .
وقال أيضا: فروع سبعة، الفرع الأول: إذا وقع القراض فاسدا فسخ، فإن فات بالعمل أعطى العمل قراض المثل عند أشهب، وقيل: أجرة المثل مطلقا وفاقا لهما، وقال ابن القاسم : أجرة المثل إلا في أربعة مواضع وهي: قرض بعرض، أو لأجل، أو لضمان، أو بحظ مجهول . . . الفرع الثالث: لا يفسخ القراض بموت أحد المتقارضين، ولورثة العامل القيام به إن كانوا أمناء أو يأتون بأمين . . . . إلخ (3) .
وقال النووي : الركن الثالث: الربح وله أربعة شروط . . . . الشرط الثالث: أن يكون معلوما، فلو قال: قارضتك على أن لك في الربح شركا أو شركة أو نصيبا فسد . . . . الشرط الرابع: أن يكون العلم به من حيث الجزئية لا من حيث التقدير، فلو قال: لك من الربح أو لي منه درهم أو مائة والباقي بيننا نصفين فسد القراض (4) . . . .
__________
(1) [المدونة], (4\ 48).
(2) [القوانين الفقهية]، ص (309).
(3) [القوانين الفقهية]، ص (309، 310).
(4) [الروضة] (5\ 122، 123).

وقال أيضا: إذا فسد القراض بتخلف بعض الشروط فله ثلاثة أحكام:
أحدها: تنفذ تصرفاته، كنفوذها في القراض الصحيح؛ لوجود الإذن كالوكالة الفاسدة. الثاني: سلامة الربح بكماله للمالك. الثالث: استحقاق العامل أجرة مثل عمله، سواء كان في المال ربح أم لا، وهذه الأحكام مطردة في صور الفساد (1) .
وقال ابن قدامة: والشرط في المضاربة على ضربين: صحيح، مثل: أن يشترط ألا يتجر إلا في نوع معين أو بلد معين أو لا يعامل إلا شخصا معينا، وفاسد وهو على ضربين:
أحدهما: أن يضاربه ولا يذكر الربح أو يشترط جزءا من الربح لأحدهما ولأجنبي، والباقي بينهما، أو يقول: خذه مضاربة والربح كله لك أو كله لي وما أشبه هذا مما يعود بجهالة الربح فإن المضاربة تفسد والربح كله لرب المال وللمضارب الأجر.
والثاني: أن يشترط عليه ضمان المال من الوديعة . . . . . . فهل يبطل العقد بهذا؟ على روايتين (2) .
وقال الشيخ مرعي بن يوسف : والمضارب أمين بالقبض، وكيل بالتصرف، شريك بالربح، أجير بالفساد، غاصب بالتعدي، مقترض باشتراط كل الربح له، مستبضع باشتراط كل الربح لرب المال (3) .
__________
(1) [الروضة، (5\ 125).
(2) كتاب [الهادي وعمدة الحازم]، ص (116).
(3) [غاية المنتهى]، (2\ 171).

وأما كلام العلماء المعاصرين:
فقال الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير بعد ذكره لفتوى الشيخ محمد عبده: ثم جاء بعد الشيخ محمد عبده الأستاذ عبد الوهاب خلاف، وقال: بجواز عقد التأمين على الحياة، وأنه عقد مضاربة؛ لأن عقد المضاربة في الشريعة هو: عقد شركة في الربح بمال من طرف وعمل من طرف آخر، وفي التأمين المال من جانب المشتركين الذين يدفعون الأقساط والعمل من جانب الشركة التي تستغل هذه الأموال، والربح للمشتركين وللشركة حسب التعاقد، وقد أورد الأستاذ خلاف نفسه على هذا القياس اعتراضا هو أن شرط صحة المضاربة أن يكون الربح بين صاحب المال والقائم بالعمل شائعا بالنسبة، وفي التأمين يشترط للمشترك قدر معين في الربح= 3% أو 4% فالمضاربة غير صحيحة.
وأجاب عنه: أولا: بما جاء في تفسير آيات الربا في سورة البقرة للشيخ محمد عبده وهو: لا يدخل في الربا المحرم بالنص الذي لا شك في تحريمه من يعطي آخر مالا يستغله ويجعل له من كسبه حظا معينا؛ لأن مخالفة أقوال الفقهاء في اشتراط أن يكون نسبيا لاقتضاء المصلحة ذلك لا شيء فيه وهذه المعاملة نافعة لرب المال والعامل معا.
ثانيا: بأن اشتراط أن يكون الربح نصيبا لا قدرا معينا خالف فيه بعض المجتهدين من الفقهاء، وليس حكما مجمعا عليه (1) .
مناقشة هذا الدليل:
قال الشيخ محمد بخيت المطيعي : ولا يجوز أن يكون العقد المذكور-
__________
(1) [الروضة]، (5\ 122، 123). [أسبوع الفقه الإسلامي]، ص (454).

أي: عقد التأمين- عقد مضاربة كما فهمه بعض العصريين؛ لأن عقد المضاربة يلزم أن يكون المال من جانب المالك والعمل من المضارب والربح على ما اشترطاه والعقد المذكور ليس كذلك؛ لأن أهل القومبانية- الشركة- يأخذون المال على أن يكون لهم يعملون فيه لأنفسهم فيكون عقدا فاسدا شرعا؛ لأنه معلق على خطر، تارة يقع وتارة لا يقع، فهو قمار معنى (1) .
وقال الأستاذ محمد كامل البناء : إن هناك فرقا واضحا يتعذر معه قياس عقد التأمين على المضاربة، وهو أن رب المال يتحمل الخسارة وحده وليس الأمر كذلك في التأمين، كما أنه لو مات رب المال في المضاربة فليس لورثته إلا ما دفعه مورثهم لا يزيد شيئا، أما في التأمين فإنه لو مات المؤمن استحق صاحب منفعة التأمين مبلغا ضخما، وهذه مخاطرة ينهى عنها الشارع ؛ لأن ذلك لا ضابط له إلا الحظوظ والمصادفات (2) .
وقال الأستاذ الدكتور مصطفى زيد : الواقع أن عقد التأمين كان يمكن أن يكون من عقود المضاربة لولا أمران:
أولهما: أن طبيعة المضاربة تقتضي الاشتراك في الربح أو الخسارة، وليس في طبيعة عقد التأمين أي تعرض للخسارة.
والثاني: أن من شروط المضاربة أن يكون الربح نسبيا غير محدد (3) .
وقال الصديق محمد الأمين الضرير : والذي أراه أنه ليست هناك صورة
__________
(1) [أسبوع الفقه الإسلامي]، ص (430).
(2) [التأمين وموقف الشريعة الإسلامية منه]، ص (79).
(3) [التأمين وموقف الشريعة الإسلامية منه]، ص (79).

من صور عقد التأمين يمكن قياسها على عقد المضاربة، حتى لو تجاوزنا عن كون الربح في المضاربة يشترط فيه أن يكون قدرا شائعا بالنسبة، وذلك للأسباب الآتية:
1 - المبلغ الذي يدفعه رب المال للعامل في المضاربة يظل ملكا لصاحبه ولا يدخل في ملك العامل، وذلك بخلاف التأمين فإن القسط يدخل في ملك الشركة تتصرف فيه تصرف المالك في ملكه.
2 - في حالة موت رب المال في عقد المضاربة يستحق ورثته المال الذي دفعه مع ربحه إن كان، أما في عقد التأمين على الحياة فإن الورثة يستحقون عند موت المؤمن له المبلغ الذي اتفق عليه من الشركة بالغا ما بلغ، فلو أن شخصا أمن على حياته بمبلغ ألف جنيه ثم مات بعد أن دفع مبلغ مائة جنيه فقط للشركة فإن ورثته يستحقون الألف كاملة، فكيف يقاس هذا العقد على عقد المضاربة، ولا يصح أن يقال: إن الشركة تتبرع بالزائد على ما دفعه المؤمن له؛ لأن من خصائص عقد التأمين أنه عقد معاوضة وهو عقد ملزم للطرفين، فالشركة ملزمة بدفع المبلغ المتفق عليه إذا وفى المؤمن له بالتزامه في دفع الأقساط.
3 - في حال موت صاحب المال في عقد المضاربة يكون المبلغ الذي في يد الضارب- العامل- في ضمن تركة المتوفى يجري فيه ما يجري في سائر أموال التركة، أما في عقد التأمين فإن المال المستحق لا يذهب للورثة مطلقا، وذلك في حالة ما إذا عين المؤمن له مستفيدا- وهذا من حقه- فإن جميع المال يذهب لهذا المستفيد، ولو لم يكن للمتوفى مال غيره ولا حق

لورثته في الاعتراض (1) .
د- قياس عقد التأمين على ضمان المجهول وضمان ما لم يجب :
نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في ذلك ونتبعه ببيان فقهاء العصر، ووجه الاستدلال لهذا القياس على الجواز، مع المناقشة:
أما كلام الفقهاء السابقين:
فقال السرخسي : باب ضمان ما يبايع به الرجل، قال رحمه الله: وإذا قال الرجل لرجل: بايع فلانا فما بايعته به من شيء فهو علي، فهو جائز على ما قال؛ لأنه أضاف الكفالة إلى سبب وجوب المال على الأصيل، وقد بينا أن ذلك صحيح، والجهالة في المكفول به لا تمنع صحة الكفالة؛ لكونها مبنية على التوسع، ولأن جهالة عينها لا تبطل شيئا من العقود، وإنما الجهالة المفضية إلى المنازعة هي التي تؤثر في العقود وهذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن توجه المطالبة على الكفيل بعد المبايعة، وعند ذلك ما بايعه به معلوم، ويستوي إن وقت لذلك وقتا أو لم يوقت إلا أن في الموقت يراعى وجود المبايعة في ذلك الوقت حتى إذا قال: ما بايعته به اليوم فباعه غدا لا يجب على الكفيل شيء من ذلك؛ لأن هذا التقييد مفيد في حق الكفيل، ولكن إذا كرر مبايعته في اليوم فذلك كله على الكفيل؛ لأن حرف (ما) يوجب العموم، وإذا لم يوقت فذلك على جميع العمر، وإذا بايعته مرة بعد مرة فذلك كله على الكفيل، ولا يخرج نفسه من الكفالة لوجود الحرف الموجب للتعميم في كلامه، ويستوي إن بايعه بالنقود أو
__________
(1) [أسبوع الفقه الإسلامي] ص (455).

بغير النقود؛ لأنه قال: ما بايعته به من شيء وهو يجمع كل ذلك. انتهى المقصود (1) .
وقال ابن جزي: ويجوز ضمان المال المعلوم اتفاقا، والمجهول خلافا للشافعي، ويجوز الضمان بعد وجوب الحق اتفاقا، وقبل وجوبه خلافا لشريح القاضي وسحنون والشافعي (2) .
وقال النووي : ويشترط في المضمون كونه ثابتا، وصحح القديم ضمان ما سيجب، والمذهب صحة ضمان الدرك بعد قبض الثمن، وهو أن يضمن للمشترى الثمن إن خرج المبيع مستحقا أو معيبا أو ناقصا لنقص الصنجة، وكونه لازما، لا كنجوم كتابة، ويصح ضمانه الثمن في مدة الخيار في الأصح وضمان الجعل كالرهن به، وكونه معلوما في الجديد ، والإبراء من المجهول باطل في الجديد إلا من إبل الدية ويصح ضمانها في الأصح، ولو قال: ضمنت مالك على زيد من درهم إلى عشرة فالأصح صحته، وأنه يكون ضامنا لعشرة، قلت: الأصح لتسعة، والله أعلم.
وقال ابن قدامة : ولا كون الحق معلوما ولا واجبا إذا كان مآله إلى الوجوب، فلو قال: ضمنت لك ما على فلان أو ما تداينه به صح (3) .
قال في الحاشية: قوله: (ولا كون الحق معلوما) يعني: إذا كان مآله إلى العلم (ولا واجبا إذا كان مآله الوجوب) فلو قال: ضمنت لك ما على فلان أو ما تداينه به صح، هذا المذهب، وبه قال أبو حنيفة ، و مالك وقال
__________
(1) [المبسوط] (20\ 50).
(2) [قوانين الأحكام الشرعية]، ص (353).
(3) [المقنع]، (2\ 113).

الثوري والليث وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر : لا يصح؛ لأنه التزام مال فلم يصح مجهولا كالثمن، ولنا قوله تعالى: { وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } (1) وحمل البعير غير معلوم؛ لأن حمل البعير يختلف باختلافه، وعموم قوله - عليه الصلاة والسلام -: « الزعيم غارم » (2) (3) ، ومن ضمان ما لم يجب ضمان السوق، وهو: أن يضمن ما يلزم التاجر من دين وما يقتضيه من عين مضمونة، قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى، وقال: تجوز كتابته والشهادة به لمن لم ير جوازه؛ لأنه محل اجتهاد، قال: وأما الشهادة على العقود المحرمة على وجه الإعانة عليها فحرام، واختار صحة ضمان حارس ونحوه وتجار حرب ما يذهب من البلد أو البحر وأن غايته ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول كضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التجار للناس من الديون، وهو جائز عند أكثر العلماء؛ كمالك وأبي حنيفة وأحمد، وقال: الطائفة الواحدة الممتنعة من أهل الحرب التي ينصر بعضها بعضا تجري مجرى الشخص الواحد في معاهدتهم إذا شورطوا على أن تجارهم يدخلون دار الإسلام بشرط أن لا يأخذوا للمسلمين شيئا وما أخذوه كانوا ضامنين في أموالهم جاز حاشية [المقنع]، (2\113) وما بعدها. .
وأما كلام الفقهاء المعاصرين في توجيه الاستدلال والمناقشة فقالوا: الضامن يجب عليه أداء ما ضمنه مع أنه مجهول من حيث المبدأ، فكذلك
__________
(1) سورة يوسف الآية 72
(2) سنن الترمذي البيوع (1265),سنن أبو داود البيوع (3565),سنن ابن ماجه الأحكام (2405).
(3) أخرجه أبو داود الطيالسي، والبيهقي وأحمد وابن عدي والترمذي وتمام في [الفوائد]، وسنده صحيح.

التأمين يجب على المؤمن أن يدفع للمستأمن قيمة ما ضمنه بعد وقوع الخطر، وإن كان مجهولا من حيث المبدأ.
والجواب عن هذا: يمكن أن يقال: لا يصح قياس عقد التأمين على ضمان المجهول وما لم يجب، ومنه ضمان السوق؛ لأنه قياس مع الفارق وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن الضمان من عقود التبرعات فاغتفرت فيه الجهالة من باب دفع المشقة واليسر على الناس، وأما عقد التأمين فهو من عقود المعاوضات فلا تغتفر فيه الجهالة.
الوجه الثاني: أن الضمان يتكون من أربعة أركان : ضامن، ومضمون له، ومضمون عنه، ومضمون، وفي التأمين: ثلاثة أركان : ضامن وهو الشركة، ومضمون له، وهو: المستأمن، ومضمون، وهو: ما تدفعه الشركة عند وقوع الخطر، وأما المضمون عنه فمفقود هنا فلا يصح أن يقاس عليه لفقد ركن من أركانه فالصورتان مختلفتان.
الوجه الثالث: صورة الضمان تختلف عن صورة التأمين من وجه آخر وهو: أن الضامن في الشريعة فرع والمضمون عنه أصل، والتأمين اعتبر فيه الضامن أصلا، ومن شرط القياس الاتفاق في الصورة.
الوجه الرابع: أن الضامن إذا دفع إلى المضمون له فإنه يرجع إلى المضمون عنه، ويأخذ منه ما دفعه فلا ضرر عليه، أما الشركة فإذا وقع الضرر فإنها تدفع ما وجب عليها ولا ترجع إلى أحد، فتقرر الضرر عليها، فلا يصح أن يقاس ما فيه ضرر على ما لا ضرر فيه.

هـ-

قياس عقد التأمين على ضمان خطر الطريق
نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في ضمان خطر الطريق وأسباب الضمان ثم ما تيسر من كلام فقهاء هذا العصر.
أما كلام الفقهاء السابقين :
فقال ابن عابدين في أثناء كلامه على السوكرة: فإن قلت: سيأتي قبيل باب كفالة الرجلين، قال لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن فسلكه وأخذ ماله لم يضمن، ولو قال: إن كان مخوفا وأخذ مالك فأنا ضامن، ضمن، وعلله الشارح هناك بأول ضمن الغار صفة السلامة للمغرور نصا. اهـ.
بخلاف الأولى فإنه لم ينص على الضمان بقوله: فأنا ضامن، وفي جامع الفصولين: الأصل أن المغرور إنما يرجع على الغار لو حصل الغرر في ضمن المعاوضة أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور فصار كقول الطحان لرب البر اجعله في الدلو فجعله فيه فذهب من النقب إلى الماء، وكان الطحان عالما به يضمن إذ غره في ضمن العقد وهو يقتضي السلامة. اهـ.
قلت: لابد في مسألة التغرير من أن يكون الغار عالما بالخطر كما يدل عليه مسألة الطحان المذكورة، وأن يكون المغرور غير عالم إذ لا شك أن رب البر لو كان عالما بنقب الدلو يكون هو المضيع لماله باختياره ولفظ المغرور ينبئ عن ذلك لغة ؛ لما في [القاموس] غره غرا وغرورا فهو مغرور وغرير خدعه وأطمعه بالباطل فاغتر هو. ا هـ.
ولا يخفى أن صاحب السوكرة لا يقصد تغرير التجار، ولا يعلم بحصول الغرق هل يكون أم لا، وأما الخطر من اللصوص والقطاع فهو معلوم له وللتجار؛ لأنهم لا يعطون مال السوكرة إلا عند شدة الخوف طمعا

في أخذ بدل الهالك، فلم تكن مسألتنا من هذا القبيل. اهـ (1) .
وقال أبو محمد البغدادي : إذا غرقت السفينة فلو من ريح أصابها أو موج أو جبل صدمها من غير مد الملاح وفعله لا يضمن بالاتفاق, وإن كان بفعله يضمن سواء خالف بأن جاوز العادة أو لم يخالف؛ لأنه أجير مشترك ولو دخلها الماء فأفسد المتاع فلو بفعله ومده يضمن بالاتفاق، ولو بلا فعله إن لم يمكن التحرز عنه لا يضمن إجماعا، وإن كان بسبب يمكن التحرز عنه لا يضمن عند أبي حنيفة، وعندهما يضمن، وهذا كله لو لم يكن رب المتاع أو وكيله في السفينة فلو كان لا يضمن في جميع ما مر إذا لم يخالف بأن لم يجاوز المعتاد؛ لأن محل العدل غير مسلم إليه، كذا في الفتاوى الصغرى، ومشى عليه صاحب الفصولين، وكذا إذا كان بأمر لا يمكن التحرز عنه فإنه لا يضمن، ذكره في البزازية وفيها نقلا عن المنتقى لو كانت السفن كثيرة وصاحب المتاع أو الوكيل في إحداها فلا ضمان على الملاح فيما ذهب من السفينة التي فيها صاحب المتاع أو وكيله وضمن فيما سوى ذلك. وعن أبي يوسف : إذا كانت السفن تنزل معا وتسير فلا ضمان على الملاح فيما هلك فإنهن كسفينة واحدة وإن تقدم بعضها بعضا, فكون أحدهما في إحداهن ككون أحدهما في كلهن. وعن أبي يوسف أيضا في سفينتين أحدهما في إحداهن لا ضمان على الملاح, وكذا لو غير مقرونتين ويسيران معا ويحبسان معا (2) انتهى المقصود.
__________
(1) [حاشية ابن عابدين] (3\271, 272).
(2) [مجمع الضمانات]، ص (47).

وقال القرافي : الفرق السابع عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب الضمان وبين قاعدة ما لا يوجبه أسباب الضمان ثلاثة، فمتى وجد واحد منها وجب الضمان، ومتى لم يوجد واحد منها لم يجب الضمان.
أحدها : التفويت مباشرة؛ كإحراق الثوب، وقتل الحيوان، وأكل الطعام ونحو ذلك.
وثانيها : التسبب للإتلاف؛ كحفر بئر في موضع لم يؤذن فيه، ووضع السموم في الأطعمة، ووقود النار بقرب الزرع أو الأندر، ونحو ذلك مما شأنه في العادة أن يفضي غالبا للإتلاف.
وثالثها : وضع اليد غير المؤتمنة، فيندرج في غير المؤتمنة يد الغاصب، والبائع يضمن المبيع الذي يتعلق به حق توفية قبل القبض، فإن ضمان المبيع الذي هذا شأنه منه؛ لأن يده غير مؤتمنة ويد المتعدي بالدابة في الإجارة ونحوها, ويخرج بهذا القيد يد المودع وعامل القراض ويد المساقي ونحوهم فإنهم أمناء فلا يضمنون (1)
وقال أيضا : الفرق الخامس والمئتان بين قاعدة ما يضمن بالطرح من السفن وبين قاعدة ما لا يضمن. قال مالك : إذا طرح بعض الحمل للهول شارك أهل المطروح من لم يطرح لهم شيء في متاعهم، وكان ما طرح وسلم لجميعهم في نمائه ونقصه بثمنه يوم الشراء أن اشتروا من موضع واحد بغير محاباة؛ لأنهم صانوا بالمطروح مالهم والعدل عدم اختصاص أحدهم بالمطروح إذ ليس أحدهم بأولى من الآخر, وهو سبب سلامة
__________
(1) [الفروق] (4\27).

جميعهم, فإن اشتروا من مواضع، أو اشترى بعض، أو طال زمان الشراء حتى تغيرت الأسواق- اشتركوا بالقيم يوم الركوب دون يوم الشراء؛ لأنه وقت الاختلاط، وسواء طرح الرجل متاعه أو متاع غيره بإذنه أم لا. قال ابن أبي زيد : ولا يشارك من لم يرم بعضهم بعضا؛ لأنه لم يطرأ سبب يوجب ذلك بخلاف المطروح له مع غيره. قال ابن حبيب : وليس على صاحب المركب ولا النواتية ضمان كانوا أحرارا أو عبيدا إلا أن يكونوا للتجارة فتحسب قيمتهم، ولا على من لا متاع له؛ لأن هذه كلها وسائل، والمقصود من ركوب البحر إنما هو مال التجارة ويرجع بالمقاصد في المقاصد ومن معه دنانير كثيرة يريد بها التجارة فكالتجارة بخلاف النفقة وما يراد للقنية، وقال ابن بشير: لا يلزم في العين شيء من المطروح، لأنه لا يحصل الغرق بسببها لخفتها، وقال سحنون: يدخل المركب في قيمة المطروح؛ لأنه مما سلم بسبب الطرح (1) .
وقال أبو محمد : إن خيف عليه بصدم قاع البحر فطرح لذلك دخل في القيمة. وقال أهل العراق : يدخل المركب وما فيه للقنية أو التجارة من عبيد وغيرهم، لأن أثر المطروح سلامة الجميع، وجوابهم: أن شأن المركب أن يصل برجاله سالما إلى البر، وإنما يغرق ما فيه عادة وإزالة السبب المهلك لا يوجب شركة، بل فعل السبب المنجي وهو فرق حسن فتأمله فإن فاعل الضرر شأنه أن يضمن فإذا زال ضرره ناسب أن يستحقه أو بعضه؛ لأن موجد الشيء شأنه أن يكون له، فإن صالحوا صاحب المطروح
__________
(1) [الفروق]، (4\ 8، 9).

بدنانير ولا يشاركهم- جاز، إذا عرفوا ما يلزم في القضاء، فإن خرج بعد الطرح من البحر سالما فهو له وتزول الشركة، أو خرج وقد نقص نصف قيمته انتقض نصف الصلح ويرد نصف ما أخذه. ا هـ.
وأما كلام الفقهاء المعاصرين:
فقال الأستاذ مصطفى الزرقاء : وأما صحة ضمان خطر الطريق فيما إذا قال شخص لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، وإن أصابك فيه شيء فأنا ضامن. فسلكه فأخذ ماله، حيث يضمن القائل هو ما نص عليه الحنفية في الكفالة، وانتبه إليه ابن عابدين وناقشه في كلامه عن (السوكرة) كما سبق بيانه فإني أجد فيه فكرة فقهية يصلح بها أن يكون نصا استثنائيا قويا في تجويز التأمين على الأموال من الأخطار وإن لم يسلم ابن عابدين - رحمه الله - بكفاية هذه الدلالة فيه، ورأى فرقا بينه وبين (السوكرة) يمنع القياس عليه.
والذي أراه: أن فقهاءنا الذين قرروا هذا الحكم في الكفالة في ذلك الزمن البعيد لو أنهم عاشوا في عصرنا اليوم وشاهدوا الأخطار التي نشأت من الوسائل الحديثة؛ كالسيارات التي فرضت على الإنسان من الخطر بقدر ما منحته السرعة، وثبتت أمامهم فكرة التأمين، ولمسوا الضرورة التي نلمسها نحن اليوم في سائر المرافق الاقتصادية الحيوية؛ لتخفيف آثار الكوارث الماحقة- لما ترددوا لحظة في إقرار التأمين نظاما شرعيا (1) .
وأجيب عن ذلك بما قاله الصديق محمد الأمين الضرير .
قال: فهل يمكن أن يكون ما يلزم المؤمن بدفعه عند وقوع الكارثة من
__________
(1) [أسبوع الفقه الإسلامي]، ص (410).

قبيل الضمان؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد لنا أولا من معرفة أسباب الضمان.
الضمان يكون بواحد من الأسباب التالية:
1 - العدوان؟ كالقتل والإحراق وهدم الدور ونحو ذلك، فمن تعدى في شيء وجب عليه الضمان؛ إما المثل إن كان مثليا، أو القيمة إن كان قيميا، وواضح أن المؤمن لم يتعد على المؤمن له في شيء حتى يضمنه له، وإذا كان هناك متعد فإن الضمان يكون عليه لا على الشركة.
2 - التسبب للإتلاف؛ كحفر البئر في طرق الحيوان في غير الأرض المملوكة للحافر أو في أرضه لكن حفرها لهذا الغرض، وكرمي ما يزلق الناس في الطرقات فيسقط بسبب ذلك حيوان أو غيره ونحو ذلك. وليس المؤمن متسببا في إتلاف مال المؤمن له فلا وجه لتضمينه.
3 - وضع اليد التي ليست بمؤتمنة، سواء أكانت عادية، كيد السراق والنصاب أو ليست بعادية كما في المبيع بيعا صحيحا يبقى بيد البائع فيضمنه. والمؤمن عليه الذي يلتزم المؤمن بتعويضه يكون في يد صاحبه ولا يضع المؤمن يده عليه مطلقا.
4 - الكفالة: والكفالة لابد فيها من كفيل يلتزم بتأدية ما على الأصل. من الحق، ومكفول وهو المطالب في الأصل، ومكفول له هو صاحب الحق ومكفول به وهو الحق المطالب به. وعقد التأمين في كثير من صوره لا يوجد فيه ما يمكن أن يعتبر مكفولا، ففي تأمين الأشخاص يلتزم المؤمن بدفع المبلغ عند الوفاة أو حصول حادث جسماني، سواء كان ذلك قضاء وقدرا، أو كان بفعل فاعل.

وفي التأمين على الأشياء- كالتأمين من السرقة والحريق وموت الحيوان - يلتزم المؤمن بتعويض المؤمن له ما أصابه من ضرر، ولو كان وقوع الحادثة بما لا دخل للإنسان فيه، ففي مثل هذه الصور من التأمين لا يمكن أن يقاس التأمين على الكفالة لفقدان المكفول. ولكن هناك حالات يعتدي فيها معتد بإتلاف ماله المؤمن له، كما لو أحرق شخص مال المؤمن له فهل يمكن أن يعتبر ذلك الشخص مكفولا؟.
جاء في [مجمع الضمانات]: أو قال: إن غصب فلان مالك أو أحد من هؤلاء القوم فأنا ضامن لك صح، ولو عمم فقال: إن غصبك إنسان شيئا فأنا له ضامن لك لا تصح (ص 270) ولو قال: ما ذاب لك على الناس أو على أحد من الناس فعلي، لا يصح لجهالة المضمون عنه (ص 270).
ومن صور التأمين ما يكون فيه المؤمن له هو المكفول، ويكون المكفول له مجهولا، وهذه حالة التأمين من المسؤولية؛- كالتأمين من حوادث السيارات- فإن الشركة تلتزم فيه بدفع ما يثبت على المؤمن من تعويض لمن أصابه ضرر منه يستحق التعويض بسببه.
وهذه أيضا مكفولة غير صحيحة؛ لجهالة المكفول به.
ففي [مجمع الضمانات]: لو قال: ما ذاب للناس أو لأحد من الناس عليك فعلي لا يصح؛ لجهل المضمون له (ص. 27).
ففي جميع الصور المتقدمة لا يصح قياس عقد التأمين على عقد الكفالة، وهناك فارق عام يمنع من صحة القياس، هو: أن الكفالة من عقود التبرعات، والتأمين من عقود المعاوضات؛ ولذا لو شرط في العقد للكفالة أن يكون بعوض فإن الكفالة تكون باطلة.

جاء في [مجمع الضمانات]: ولو كفل بمال على أن يجعل الطالب له جعلا، فإن لم يكن مشروطا في الكفالة فالشرط باطل، وإن كان مشروطا في الكفالة فالكفالة باطلة. (ص 282).
وفارق آخر: هو: أن عقد التأمين ملزم للطرفين، المؤمن والمؤمن له، فهو يلزم المؤمن له بدفع القسط، ويلزم المؤمن بدفع العوض المالي أو المبلغ المؤمن عليه، أما عقد الكفالة فإنه لا يلزم المكفول له بشيء، فالالتزام فيه من جانب الكفيل فقط؛ ولذا كان عقدا لازما بالنسبة للكفيل وغير لازم بالنسبة للمكفول له (1) .
__________
(1) [أسبوع الفقه الإسلامي]، ص (456، 458).

و-

قياس عقد التأمين على نظام التقاعد
قال الأستاذ الزرقاء :
وأما نظام التقاعد والمعاش لموظفي الدولة، وهو نظام مالي عام في عصرنا، فإني لا أقصد الاستدلال به من حيث كونه نظاما قانونيا؛ لأن النظم القانونية لا تصلح حجة في الاستدلال لأحكام الشريعة الإسلامية ولكني أستدل بموقف فقهاء الشريعة أجمعين منه مع أنه نظام تأميني بكل ما في كلمة التأمين من معنى، فنظام التقاعد يقوم على أساس أن يقتطع من المرتب الشهري للموظف في أعمال الدولة جزء نسبي ضئيل محدود حتى إذا بلغ سن الشيخوخة القانونية وأحيل على التقاعد أخذ وهو غير موظف عامل راتبا شهريا يبلغ أضعافا مضاعفة من المبلغ الضئيل الذي كان يقتطع من راتبه شهريا وذلك بحسب مدة عمله في الوظيفة ويستمر المرتب

التقاعدي الجديد ما دام حيا مهما طالت حياته وينقل إلى أسرته التي يعولها من زوجة وأولاد وغيرهم بشرائط معينة بعد وفاته، فما الفرق بين هذا النظام وبين التأمين على الحياة؟
إن في كليهما يدفع الشخص قسطا ضئيلا دوريا لا يدري كم يستمر به دفعه ، وكم يبلغ مجموعه عند التقاعد وفي حكمها يأخذ الشخص أو أسرته في مقابل هذا القسط الدوري الضئيل مبلغا كبيرا دوريا أيضا في التقاعد وفوريا في التأمين على الحياة يتجاوز كثيرا مجموع الأقساط ولا يدري كم يبلغ مجموعه من التقاعد إلى أن ينطفئ الاستحقاق وانتقالاته، بينما هو محدد معلوم المقدار في التأمين على الحياة، فالضرر والجهالة في نظام التقاعد أعظم منها في التأمين على الحياة.
إن هذا النظام التقاعدي يقره علماء الشريعة الإسلامية كافة بلا نكير ولا يرون فيه أية شبهة شائبة من الناحية الشرعية، بل إنهم يرونه أساسا ضروريا في نظام وظائف الدولة ومصلحة عامة لابد منها شرعا وعقلا وقانونا؛ لصيانة حياة الموظفين العاملين في مصالح الدولة بعد عجزهم وحياة أسرهم إلى مراحل معينة من بعدهم فلماذا يحسن وجود هذا النظام التقاعدي ترتبا يقوم بين الدولة وموظفيها ولا يجوز نظيره تعاقدا ملزما بين الناس؟
والخلاصة : أن نظام التأمين التقاعدي بوجه عام تشهد لجوازه جميع الدلائل الشرعية في الشريعة الإسلامية وفقهها، ولا ينهض في وجهه دليل شرعي على التحريم، ولا تثبت أمامه شبهة من الشبهات التي يتوهمها القائلون بتحريمه (1)
__________
(1) [أسبوع الفقه الإسلامي]، ص (414، 415).

ونوقش ذلك بما يأتي :
أولا : أن قول المستدل : قد شهدت جميع الدلائل الشرعية في الشريعة الإسلامية وفقهها بجواز نظام التقاعد - مجرد دعوى مبالغ فيها ليس معه من الأدلة الصحيحة ما يعتمد عليه فيها فضلا عن أن يكون لها أدلة لا تقوم أمامها شبهة توهم المنع .
ثانيا : ادعى المستدل أن علماء الشريعة كافة في عصرنا أقروا نظام التقاعد دون أية شبهة ، وفي هذا من المبالغة مما في سابقه ، وإنما هي دعوى يردها الواقع ، فإن المسألة نظرية ، ويوجد من العلماء المعاصرين من يخالف فيها .
ثالثا : إنه على تقدير اتفاقهم هل يعتبر ذلك إجماعا شرعيا صحيحا تثبت به الأحكام وهم يعترفون على أنفسهم بالتقليد .
رابعا : قد يقال : إن كان ما اقتطع من مرتب الموظف لا يزال باقيا على ملكه مع ما قد ضم إليه إلا أنه قيد صرفه بزمن محدود وكيفية محدودة ، فالكلام في حكمه كالكلام في حكم التأمين وقد تقدم ، وربما كان التقاعد أشد ؛ لأن ما فيه من الغرر والمخاطرة والمغامرة أشد ، ولأن توزيعه يجري على غير سنن المواريث عطاء مستمرا أو مؤقتا أو حرمانا .
خامسا : أنه يمكن أن يقال : إن ما جعل للموظف أو أتباعه من راتب تقاعدي يعتبر مكافأة التزم بها ولي الأمر باعتباره مسئولا عنه وعن أسرته ، ووضع لصرفها نظاما راعى فيه مصلحته ومصلحة ألصق الناس به وأقربهم إليه من أسرته ، كما راعى فيه ما بذله

الموظف من جهد في خدمة الأمة .
وعلى هذا لا يكون المعاش التقاعدي من باب المعاوضات المالية التجارية حيث كان مبناه مسئولية ولي الأمر عن رعيته ومقابلة أرباب المعروف فيه بالمعروف ، وإذن فلا شبهة بينه وبين عقود التأمين فإنها معاوضات مالية تجارية استغلالية يقصد بها الربح ، فالفرق واضح بين مكافآت من أولياء أمور الأمة المسئولين عن رعيتهم لمن قام بخدمة الأمة أو من يعنيه أمره ، جزاء معروفه - وبين عقود معاوضات تجارية تقصد بها شركات التأمين استغلال المستأمنين والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة .

ز -

قياس التأمين على نظام العواقل في الإسلام
نذكر فيما يلي
كلام بعض الفقهاء السابقين في بيان العاقلة
ثم نذكر بعده كلام الفقهاء المعاصرين في هذا الدليل مع المناقشة .
أما كلام الفقهاء السابقين : فقال السمرقندي : ثم العاقلة من هم ؟ فعندنا العاقلة : هم أهل الديوان في حق من له الديوان ، وهم المقاتلة ، ومن لا ديوان له فعاقلته من كان من عصبته في النسب .
وعند الشافعي : لا يلزم أهل الديوان إلا أن يكونوا من النسب .
والصحيح : قولنا ؛ لما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال : كانت الدية على القبائل ، فلما وضع عمر رضي الله عنه الدواوين جعلها على أهل الديوان وذلك بحضرة الصحابة رضي الله عنهم من غير خلاف ، وتبين أنه إنما كان على أهل القبائل للتناصر ، فلما صار التناصر بالديوان اعتبر الديوان لوجود المعنى ؛ ولهذا لا تكون المرأة والصبي والعبد والمدبر

والمكاتب من جملة العاقلة ؛ لأنهم ليسوا من أهل التناصر ولا من أهل الإعانة بالشرع (1) .
وقال ابن جزي : وإنما تؤدي العاقلة الدية بأربعة شروط ، وهي : أن تكون الثلث فأكثر ، وقال ابن حنبل : تؤدي القليل والكثير ، وأن تكون عن دم ؛ احترازا من قيمة العبد ، وأن تكون عن خطأ ، وأن تثبت بغير اعتراف وإنما يؤديها منهم من كان ذكرا بالغا عاقلا موسرا في الدين والدار ، وتوزع عليهم حسب حالهم في المال ، فيؤدي كل واحد منهم ما لا يضر به ويبدأ بالأقرب فالأقرب (2) .
وقال الشافعي : لم أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة ، وهذا أكثر من حديث الخاصة ، ولم أعلم مخالفا في أن العاقلة العصبة وهم القرابة من قبل الأب ، وقضى عمر بن الخطاب على علي بن أبي طالب رضي الله عنهما بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب وقضى للزبير بميراثهم ؛ لأنه ابنها .
قال : وعلم العاقلة أن ينظر إلى القاتل والجاني ما دون القتل مما تحمله العاقلة من الخطأ ، فإن كان له إخوة لأبيه حمل عليهم جنايته على ما تحمل العاقلة ، فإن احتملوها لم ترفع إلى بني جده وهم عمومته ، فإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جده ، فإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جد أبيه ، ثم هكذا ترفع إذا عجز عنها أقاربه إلى أقرب الناس به ولا ترفع إلى بني أب
__________
(1) [ تحفة الفقهاء ] ( 3 \ 186 ) .
(2) [ قوانين الأحكام الفقهية ] ، ( ص 377 ) .

ودونهم أقرب منهم حتى يعجز عنها من هو أقرب منهم ، كأن رجلا من بني عبد مناف جنى فحملت جنايته بنو عبد مناف فلم تحملها بنو عبد مناف فترفع إلى بني قصي فإن لم تحملها رفعت إلى بني كلاب فإن لم تحملها رفعت إلى بني مرة فإن لم تحملها رفعت إلى بني كعب فإن لم تحملها رفعت إلى بني غالب فإن لم تحملها رفعت إلى بني فهر فإن لم تحملها رفعت إلى بني مالك فإن لم تحملها رفعت إلى بني النضر فإن لم تحملها رفعت إلى بني كنانة كلها ثم هكذا حتى تنفد قرابته أو تحتمل الدية .
قال : ومن في الديوان ومن ليس من العاقلة سواء ، قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على العاقلة ولا ديوان حتى كان الديوان حين كثر المال في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقال أيضا : ولم أعلم مخالفا في أن المرأة والصبي إذا كانا موسرين لا يحملان من العقل شيئا ، وكذلك المعتوه - عندي - والله أعلم ، ولا يحمل العقل إلا حر بالغ ولا يحملها من البالغين فقير . فإذا قضي بها وهو رجل فقير فلم يحل نجم منها حتى أيسر أخذ بها ، وإن قضي بها وهو غني ثم حلت وهو فقير طرحت عنه إنما ينظر إلى حاله يوم حل . . . إلخ (1) .
وقال الفتوحي : وهي من غرم ثلث دية فأكثر بسبب جناية غيره وعاقلة جان ذكور عصبته نسبا وولاء حتى عمودي نسبه ومن بعد (2) .
__________
(1) [ الأم ] ( 1 \ 101 ) وما بعدها .
(2) [ المنتهى ] ، ( 2 \ 448 ) .

وأما كلام بعض الفقهاء المعاصرين :
فقال الأستاذ مصطفى الزرقاء : وأما نظام العواقل في الإسلام فهو نظام وردت به السنة النبوية الصحيحة الثبوت ، وأخذ به أئمة المذاهب . وخلاصته أنه إذا جنى أحد جناية قتل غير عمد بحيث يكون موجبها الأصلي الدية أو القصاص فإن دية النفس توزع على أفراد عاقلته الذين يحصل بينه وبينهم التناصر عادة ، وهم الرجال البالغون من أهله وعشيرته وكل من يتناصر هو بهم ويعتبر هو واحدا منهم ، فتقسط الدية عليهم في ثلاث سنين بحيث لا يصيب أحدا منهم أكثر من أربعة دراهم في السنة فإذا لم يف عدد أفراد العشيرة بمبلغ الدية في ثلاث سنين يضم إليهم أقرب القبائل والأقارب نسبا على ترتيب ميراث العصبات ، فإذا لم يكن للقاتل عشيرة من الأقارب والأنساب وأهل التناصر كما لو كان لقيطا مثلا - كانت الدية في ماله تقسط على ثلاث سنين ، فإن لم يكن له مال كاف فعاقلته بيت المال العام ، أي : خزانة الدولة فهي التي تتحمل دية القتيل .
وهناك اختلافات يسيرة بين المذاهب في الموضوع . ينظر ابن عابدين جزء \ 5 ، كتاب المعاقل وغيره من كتب المذاهب .
إن هذا النظام نظام العواقل خاص بتوزيع الموجب المالي في كارثة القتل الخطأ وتهدف الحكمة فيه إلى غايتين :
الأولى : تخفيف أثر المصيبة عن الجاني المخطئ .
والثانية : صيانة دماء ضحايا الخطأ من أن تذهب هدرا ؛ لأن الجاني المخطئ قد يكون فقيرا لا يستطيع التأدية فتضيع الدية .
قال ابن عابدين رحمه الله في أول كتاب المعاقل من حاشيته [ رد

المختار ] نقلا عن المعراج ما نصه : إن العاقلة يتحملون باعتبار تقصيرهم وتركهم حفظه ومراقبته وخصوا بالضم ؛ لأنه إنما قصر لقوته بأنصاره ، فكانوا هم المقصرين ، وكانوا قبل الشرع الإسلامي يتحملون عنه تكرما واصطناعا بالمعروف ، فالشرع قرر ذلك - أي : أوجبه وجعله إلزاميا - وتوجد هذه العادة بين الناس ، فإن لحقه خسران من سرقة أو حرق يجمعون له مالا لهذا المعنى . انتهى كلام ابن عابدين .
أقول : إن هذا الكلام صريح في أن نظام العواقل في الإسلام أصله عادة حسنة تعاونية كانت قائمة قبل الإسلام في توزيع المصيبة المالية الناشئة من القتل أو من الحرق أو السرقة ونحوها بغية تخفيف ضررها عن كاهل من لحقته ؛ جبرا لمصابه ، وإحياء لحقوق الضحايا في الجنايات ، وقد أقر الشرع الفكرة لما فيها من مصلحة مزدوجة وجعلها إلزامية في جناية القتل ؛ لأن فيها مسئولية متعدية بسبب التناصر ، وذلك بعد إخراج حالة العمد منها كما يقتضيه التنظيم القانوني ، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام : « لا تعقل العواقل عمدا » (1) ، لكي لا يكون في معاونة العامة تشجيع على الجريمة ، وهذا هو المنطق القانوني نفسه في عدم جواز التأمين من المسئولية قانونا عن فعل الغش وجناية العمد . وتركها اختيارة للمروءات ؛ وفقا للتوجيه الشرعي العام في التعاون المندوب إليه شرعا في الكوارث المالية الأخرى .
__________
(1) روى هذا الحديث ابن عباس موقوفا عليه من رواية محمد بن الحسن . وروي مرفوعا وهو غريب . انظر [ نصب الراية ] للزيلعي ( 4 \ 399 ) ، كتاب المعاقل ، الحديث الخامس .

فما المانع من أن يفتح باب لتنظيم هذا التعاون على ترميم الكوارث يجعله ملزما بطريق التعاقد والإرادة الحرة كما جعله الشرع إلزاميا دون تعاقد في نظام العواقل ؟ وهل المصلحة التي يراها الشرع الإسلامي بالغة من القوة درجة توجب جعلها إلزامية بحكم الشرع تصبح مفسدة إذا حققها الناس على نطاق واسع بطريق التعاقد والمعاوضة التي يدفع فيها القليل؛ لصيانة الكثير وترميم الضرر الكبير من مختلف الكوارث ؟ وذلك لكي يصبح هذا الباب قابلا لأن يستفيد منه كل راغب ، مع ملاحظة أن هذا التوسع في النطاق داخل في دائرة التعاون المندوب إليه شرعا بصورة غير إلزامية .
يقول ابن القيم رحمه الله في صدد ما يجوز من المشارطات العقدية شرعا : كل ما يجوز بذله وتركه دون اشتراط فهو لازم بالشرط . انظر [ إعلام الموقعين ] ، طبعة المنيرية ج 3 ص 339 ، 340 (1) ا . هـ .
واعترض عليه : بأن العاقلة أسرة يربطها الدم وتربطها الرحم الموصولة والتي أمر الله تعالى بوصلها ، ويربطها التعاون على البر والتقوى ، ويربطها التعاون في تحمل الغرم والاشتراك في كسب الغنم فهل يشبهها بأي وجه من وجوه الشبه عقد جعلي ينشأ بالإرادة يكون بين شركة مستغلة ، وطرف آخر يقدم إليها مالا كل عام أو كل شهر ؟ إننا نستغرب كل الاستغراب هذا القياس بعد بيان الأستاذ الفاضل ، بل إننا من بعده أشد استغرابا (2) .
وأجيب عن ذلك : بأن تشبيه عقد التأمين بنظام العواقل في الإسلام من
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 412 ) .
(2) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 517 ) .

حيث فكرة التعاون لا يستلزم أن تكون شركة التأمين أسرة أو عشيرة للمؤمن له ، كما أن العاقلة هي أسرة الجاني في القتل الخطأ .
إن من المقرر في علم أصول الفقه أن طريق القياس الذي إليه يرجع الفضل الأعظم في تضخم الفقه الإسلامي هذه الضخامة لا يجب فيه الاتحاد المطلق في الصورة بين المقيس والمقيس عليه وإلا لما كان عندئذ حاجة لإجراء القياس إذ يكون المقيس عندئذ فردا من أفراد المقيس عليه يدخل مباشرة تحت النص الشرعي الذي يقرر الحكم في المقيس عليه ، بل يكفي في القياس التشابه بين المقيس والمقيس عليه في نقطة ارتكاز الحكم ومناطه وهي العلة ، وهذا ما رأيناه في نظام العواقل الإسلامي ، ونظام التأمين الحديث في بعض فروعه ، ففي نظام العواقل تعاون إلزامي شرعا في تحمل المسئولية المالية عن القتل الخطأ ، وفي نظام التأمين تعاون اختياري بطريق التعاقد على توزيع الموجب المالي ( المسئولية المدنية ) في حال التأمين من المسئولية وهو أحد فروع نظام التأمين ، فما أوجبه الشرع إيجابا في بعض الأحوال دون تعاقد ؛ لما فيه من مصلحة يمكن أن يسوغ نظيره تسويغا بطريق التعاقد في صور أخرى لمصالح أخرى تشبه تلك في المصلحة من حيث النفع التجاري والاقتصادي بوجه عام ، وتخفيف نتائج الكوارث والأخطار عمن يصاب بها ، وذلك بطريقة فنية ؛ لتوزيعها وتشتيتها (1) .
ويمكن أن يقال : لا يصح قياس عقد التأمين على نظام العواقل في
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 543 ، 544 ) .

الإسلام ؛ لأنه قياس مع الفارق وتقرير ذلك من وجوه :
الوجه الأولى : أن الهدف من تحمل العاقلة عن الجاني هو النصرة الشرعية بكل ما تدل عليه هذه الكلمة من معنى ، والهدف من إنشاء عقد التأمين ما هو إلا الاستغلال المحض للشركة المتعاقدة مع المستأمن .
الوجه الثاني : نظام العواقل الخطر الذي يتحمل تراه مشتركا ، فكل فرد من أفراد العاقلة عضو يناله حظه من القسط الواجب عليه ، وقد يقع منه شيء وقد لا يقع . وإذا وقع منه شيء يوجب تحمل العاقلة عنه فقد يكون أقل مما دفع أو أكثر أو مساويا ، وليس بين ما يدفعه في حالة حصول الحادث من غيره وبين ما يدفع عنه في حالة وقوعه في الخطأ أي ارتباط لكن بينهما ارتباط في موجب العقل فكان واضحا في باب التعاون وتحمل المسئولية .
الوجه الثالث : أن القدر الذي يحمله الفرد من أفراد العاقلة يختلف باختلاف أوصاف الأفراد من غني وفقير ودرجة متوسطة بينهما ، فالفقير لا يحمل شيئا ، وما يقدر عليه الغني والمتوسط يختلف باختلافهما ، أما في عقد التأمين فالمقدر على الشركة إذا وقع الخطر يؤخذ حتما ، سواء كانت غنية أو فقيرة فإن كانت غنية استلم منها وإن كانت فقيرة بقي في ذمتها ، وسواء أجحف بها أو لم يجحف بها ، فأين هذا من نظام العواقل ؟
الوجه الرابع : ما تتحمله العاقلة مقدر شرعا وهو الدية أما في عقد التأمين فيؤخذ المبلغ الموقع عليه في العقد سواء كان أقل من الدية أو أكثر - هذا في التأمين على الحياة - .

ح -

قياس التأمين على عقد الحراسة
نذكر فيما يلي ما تيسر
من كلام الفقهاء السابقين في حكم عقد الحراسة
. ثم نذكر بعده كلام الفقهاء المعاصرين في الاستدلال بهذا القياس على الجواز :
أما كلام بعض الفقهاء السابقين :
فقال أبو محمد بن غانم بن محمد البغدادي في أثناء الكلام على الأجير الخاص قال : النوع الثاني : ضمان الحارس ، استأجر رجلا ؛ لحفظ الخان فسرق من الخان شيء ، لا ضمان عليه ؛ لأنه يحفظ الأبواب ، أما الأموال فإنها في يد أربابها في البيوت ، وروي عن أحمد بن محمد القضي في حارس يحرس الحوانيت في السوق فنقب حانوتا فسرق منه شيء : أنه ضامن ؛ لأنه في معنى الأجير المشترك ، لأن لكل واحد حانوتا على حدة فصار بمنزلة من يرعى غنما لكل إنسان شاة ونحو ذلك .
وقال الفقيه أبو جعفر الفقيه أبو بكر : الحارس أجير خاص ألا يرى أنه لو أراد أن يشغل نفسه في موضع آخر لم يكن له ذلك فلا يضمن الحارس إذا نقب حانوت ؛ لأن الأموال محفوظة في يد ملاكها وهو الصحيح ، وعليه الفتوى من المشتمل .
وفي الخلاصة : حارس يحرس الحوانيت في السوق فنقب حانوت رجل فسرق منه شيء ، لا يضمن ؛ لأن الأموال في يد أربابها ، وهو حافظ الأبواب كذا قال الفقيه أبو جعفر ، وعليه الفتوى ، قال : وهذا قولهما أما عند أبي حنيفة لا يضمن مطلقا وإن كان في يده ؛ لأنه أجير . ا هـ .
الخاني المستأجر لحفظ الأمتعة ليلا ونهارا ذهب إلى الحمام بعد

طلوع الفجر قبل طلوع الشمس وتركها بلا حافظ مفتوحة فكسر السارق مغلاق الأنبار خانه وسرق ما فيه لا يضمن ليلا كان أو نهارا ولو سرق من الكنار التي في الصحن يضمن من القنية .
وفي الوديعة من الخلاصة خان فيه منازل وبيوت وكل بيت مقفل في الليل فخرج من مقفل وترك باب الخان مفتوحا فجاء سارق ونقب بيتا وسرق منه مالا فإنه لا يضمن فاتح الباب وهو يظهر من باب فتح القفص . ا هـ (1) .
وقال البهوتي : واختار الشيخ صحة ضمان حارس ونحوه (2) .
__________
(1) [ مجموع الضمانات في مذهب أبي حنيفة ] ، ص ( 34 ) ، الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية المنشأة بجمالية مصر المحمية سنة 1308 هـ .
(2) [ الإقناع وشرحه ] ، ( 3 \304 ) .

وأما

كلام الفقهاء المعاصرين في الاستدلال بقياس عقد التأمين على عقد الحراسة
فقد بينه الأستاذ الزرقاء بقوله :
الأجير الحارس هنا - وإن كان مستأجرا على عمل يؤديه هو القيام بالحراسة - نجد أن عمله المستأجر عليه ليس له أي أثر أو نتيجة سوى تحقيق الأمان للمستأجر على الشيء المحروس ، واطمئنانه إلى استمرار سلامته من عدوان شخص أو حيوان يخشى أن يسطو عليه ، فهو ليس كعمل الصانع فيما استؤجر على صنعه وعمل الخادم في الخدمة المستأجر عليها وعمل الناقل في نقل الأشياء التي استؤجر لنقلها فنقلها إلى مكان لم تكن فيه ، فكل هذه أعمال منتجة نتيجة محسوسة يقوم بها الأجير ، أما

الحارس فليس لعمله أية نتيجة سوى هذا الأمان الذي بذل المستأجر جزء ماله للحصول عليه ، فكذا الحال في عقد التأمين يبذل فيه المستأمن جزءا من ماله في سبيل الحصول على الأمان من نتائج الأخطار التي يخشاها (1) .
وأجاب الأستاذ أبو زهرة رحمه الله عن ذلك : بمنع أن يكون محل العقد هو الأمان ، فقال : إننا نفهم أن يكون الأمان باعثا على العقد ولا نفهم أن يكون محل العقد فمن يشتري عقارا محل العقد هو العقار والباعث هو السكنى أو الاستغلال ، ولا يعد الاستغلال محلا ، والأمان أمر معنوي لا يباع ولا يشترى ، وهو أمر نفسي يتصل بالنفس قد يأتي بغير ثمن وقد يدفع فيه الثمن الكثير ولا أمان ، ولا نعرف عقدا من العقود الإسلامية والمدنية محل العقد فيه الأمان حتى نلحق به ذلك العقد الغريب ولكن الأستاذ حفظه الله يفكر ، ثم يأتي لنا بعقد الحراسة ويعتبر محل العقد فيها الأمان ويلحق به عقد التأمين غير الاجتماعي كما تلحق الأشياء بأشباهها .
ونقول له : إن الأمان في عقد الحراسة غاية وليس محلا للعقد ، وطرفا العقد فيه هما : الأجير والمستأجر ، وأحب أن أقول : إن الأجير هنا أجير واحد ، أي : أجير خاص يأخذ الأجرة في نظير القرار في مكان معين يكون فيه قائما بالحراسة ، والأجرة فيه على الزمن لا على مجرد العمل ، ومن المؤكد أنه ليس محل العقد هو الأمان وعدم السرقة ، وإلا ما استحق الأجرة إذا قام بالحراسة على وجهها وسرق المكان المحروس .
وأن الأستاذ يقول في رد هذا الكلام بالنص : ( العقود جميعا إنما شرعت
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 404 ) .

بحسب غايات ونتائجها ، فما هي غاية عقد الحراسة ؟ وما هو ذلك الأثر الذي يحصل من عمل الحارس ؟ الجواب واضح ، وهو أن ذلك الأثر ليس سوى أمان المستأجر واطمئنانه ) .
وأقول للأستاذ الجليل : إني لا أسيغ هذا الكلام ؛ لأن آثار العقود لا تسمى محل العقود ، فإذا اشتريت عقارا لأسكنه أتعد غايتي هذه هي محل العقد ؟ وهل يعد البائع ضامنا إلى هذه السكنى بحيث إذا اشتريته وتبين لي أنه لا يصلح لسكناي أو لا يصلح للسكنى يكون البيع باطلا مع أني عاينت ونظرت ثم اشتريت (1) .
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 522 ) .

ط -

قياس التأمين على الإيداع
وبيانه : أن المودع إذا أخذ أجرة عن الوديعة يضمنها إذا هلكت فكذلك المؤمن يضمن ؛ لأنه يأخذ من المستأمن مبلغا من المال على أن يؤمنه من خطر معين ، ويجاب عن هذا بقول ابن عابدين : والفرق بينه وبين الأجير المشترك أن المعقود عليه في الإجارة هو العمل ، والحفظ واجب عليه تبعا ، أما المودع بأجرة فإن الحفظ واجب عليه مقصودا ببدل ؛ فلذا ضمن ، كما صرح بذلك فخر الدين الزيلعي في باب ضمان الأجير .
وهنا لما أخذ المبدل بمقابلة الحفظ الذي كان واجبا عليه تبعا صار الحفظ واجبا عليه قصدا بالبدل ، فيضمن لكن يبقى النظر في أنه هل يضمن مطلقا أو فيما يمكن الاحتراز عنه ؟ والذي يظهر الثاني ؛ لاتفاقهم في الأجير المشترك على عدم ضمانه فيما لا يمكن الاحتراز عنه ، فالظاهر أن المودع بأجر كذلك ؛

لأن الموت والحريق ونحوهما مما لا يمكن ضمانه والتعهد بدفعه (1) انتهى .
ويمكن أن يقال أيضا : بأن عقد التأمين عقد معاوضة تجارية بخلاف الإيداع فإن القصد به المساعدة بحفظ الوديعة لا الاتجار بها . . .
__________
(1) [ مجموعة رسائل ابن عابدين ] ، الأجوبة المحققة في أسئلة متفرقة ( 2 \ 178 ) .

ي -

قياس التأمين على ما عرف بقضية تجار البز مع الحاكة
وصورتها
: أنه في أواسط القرن الثامن وقعت مسألة بـ ( سلا ) على عهد قاضيها أبي عثمان سعيد العقباني تسمى : قضية تجار البز مع الحاكة .
هي : أن تجار البز رأوا توظيف مغارم مخزنية ثقيلة عليهم فاتفقوا على أن كل من اشترى منهم سلعة دفع درهما عند رجل يثقون به ، وما اجتمع من ذلك استعانوا به على الغرم ، وأراد الحاكة منعهم بدعوى أنه يضر بهم ، وينقص من ربحهم . قال العقباني : فحكمت بإباحة ذلك ، بشرط ألا يجبر واحد من التجار على دفع الدراهم (1) .
ويمكن أن يجاب عن ذلك : بأنه قياس مع الفارق ، فإن قضية تجار البز مع الحاكة من باب التأمين التبادلي ، وهو تعاون محض ، وعقود التأمين التي هي محل البحث عقود معاوضة تجارية يراد من ورائها الربح فلا يصح قياسها على قضية تجار البز مع الحاكة . .
__________
(1) [ الفكر السامي ] ، ص ( 310 ) .

ك - التأمين فيه مصلحة ، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على اعتبار المصالح
نذكر فيما يلي الكلام في المراد بالمصلحة وفي الاحتجاج بها عند

العلماء السابقين ، ثم نذكر ما تيسر من كلام الفقهاء المعاصرين في بيان الاستدلال بهذا الدليل .
أما كلام العلماء السابقين :
فقال الآمدي في بيان المصلحة المرسلة : هي ما لم يشهد الشرع باعتبارها ولا إلغائها . وقد اتفقت الشافعية والحنفية وأكثر الفقهاء على امتناع التمسك بها إلا ما نقل عن مالك مع إنكار أصحابه لذلك عنه ، والحق في ذلك مذهب الجمهور ؛ لأن ما لا يكون معتبرا في الشرع لا يكون دليلا شرعيا ، وما يقال : إنه ما من وصف مصلحي إلا وقد اعتبر ما هو من جنسه - غير صحيح ؛ لأنه إن أريد المشاركة بينه وبين الوصف المعتبر في الجنس القريب منه فهو الملائم ولا نزاع فيه ، وإن أريد به الجنس الغائي فكما قد شارك الوصف المعتبر فيه فقد شارك الأوصاف الملغاة فيه وليس إلحاقه بالمعتبر أولى من الملغى (1) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : الطريق السابع : ( المصالح المرسلة ) وهو : أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة وليس في الشرع ما ينفيه ، فهذه الطريق فيها خلاف مشهور ، فالفقهاء يسمونها : ( المصالح المرسلة ) ، ومنهم من يسميها : الرأي . وبعضهم يقرب إليها الإنسان ، وقريب منها ذوق الصوفية ووجدهم وإلهاماتهم ، فإن حاصلها أنهم يجدون في القول والعمل مصلحة في قلوبهم وأديانهم ويذوقون طعم ثمرته ، وهذه مصلحة لكن بعض الناس يخص المصالح
__________
(1) [ منتهى السؤل في علم الأصول ] ( 4 \ 56 ) .

المرسلة بحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان وليس كذلك ، بل المصالح المرسلة في جلب المنافع وفي دفع المضار ، وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد القسمين .
وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفي الدين ، ففي الدنيا ، كالمعاملات والأعمال التي يقال فيها مصلحة من غير حظر شرعي ، وفي الدين ككثير من المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التي يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعي ، فمن قصر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ؛ ليحفظ الخمسة فقط فقد قصر .
وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به ، فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل ، وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه ، وربما قدم على المصالح المرسلة كلاما بخلاف النصوص وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعا ، بناء على أن الشرع لم يرد بها ففوت واجبات ومستحبات أو وقع في محظورات ومكروهات ، وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه .
وحجة الأول : أن هذه مصلحة والشرع لا يهمل المصالح ، بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على اعتبارها .
وحجة الثاني : أن هذا أمر لم يرد به الشرع نصا ولا قياسا .
والقول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين ما لم يأذن به الله - غالبا - وهي تشبه من بعض الوجوه مسألة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو ذلك ، فإن الاستحسان طلب الحسن والأحسن كالاستخراج ، وهو

رؤية الشيء حسنا - كما أن الاستقباح رؤيته قبيحا ، والحسن هو المصلحة ، فالاستحسان والاستصلاح متقاربان ، والتحسين العقلي قول : بأن العقل يدرك الحسن ، لكن بين هذه فروق ، والقول الجامع : أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط ، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي صلى الله عليه وسلم وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك ، لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له ، إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر أو أنه ليس بمصلحة ، وإن اعتقده مصلحة ؛ لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة ، وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشرع ينفع في الدين والدنيا ، ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة ، كما قال تعالى في الخمر والميسر : { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } (1) (2) .
وقال الشاطبي رحمه الله : المعنى المناسب الذي يربط به الحكم لا يخلو من ثلاثة أقسام :
أحدها : أن يشهد الشرع بقبوله ، فلا إشكال في صحته ، ولا خلاف في إعماله وإلا كان مناقضة للشريعة كشريعة القصاص ؛ حفظا للنفوس والأطراف وغيرها .
والثاني : ما شهد الشرع برده ، فلا سبيل إلى قبوله ، إذ المناسبة لا تقتضي
__________
(1) سورة البقرة الآية 219
(2) [ مجموع الفتاوى ] ( 11 \ 342 ) وما بعدها .

الحكم لنفسها ، وإنما ذلك مذهب أهل التحسين العقلي ، بل إذا ظهر المعاني وفهمنا من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام ، فحينئذ نقبله ، فإن المراد بالمصلحة عندنا ما فهم رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بدركه على حال ، فإذا لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى ، بل يرده ، كان مردودا باتفاق المسلمين .
ومثاله : ما حكى الغزالي عن بعض أكابر العلماء : أنه دخل على بعض السلاطين فسأله عن الوقاع في نهار رمضان ، فقال : عليك صيام شهرين متتابعين ، فلما خرج راجعه بعض الفقهاء ، وقالوا له : القادر على إعتاق الرقبة كيف يعدل به إلى الصوم ، والصوم وظيفة المعسرين ، وهذا الملك يملك عبيدا غير محصورين ؟ فقال لهم : لو قلت له عليك إعتاق رقبة لاستحقر ذلك وأعتق عبيدا مرارا ، فلا يزجره إعتاق الرقبة ويزجره صوم شهرين متتابعين ، . . . . . إلى أن قال :
الثالث : ما سكتت عنه الشواهد الخاصة ، فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه . فهذا على وجهين :
أحدهما : أن يرد نص على وفق ذلك المعنى ؛ كتعليل منع القتل للميراث بالمعاملة بنقيض المقصود ، بتقدير أن لم يرد نص على وفقه ، فإن هذه العلة لا عهد بها في تصرفات الشرع بالفرض ولا بملائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر ، فلا يصح التعليل بها ، ولا بناء الحكم عليها باتفاق ، ومثل هذا تشريع من القائل به فلا يمكن قبوله .
والثاني : أن يلائم تصرفات الشرع ، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين ، وهو الاستدلال المرسل

المسمى بالمصالح المرسلة ، ولا بد من بسطه بالأمثلة حتى يتبين وجهه بحول الله . وذكر عشرة أمثلة لذلك ، ثم قال : فهذه أمثلة عشرة توضح لك الوجه العملي في المصالح المرسلة ، وتبين لك اعتبار أمور :
أحدها : الملاءمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من دلائله .
والثاني : أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها وجرى على دون (1) المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول ، فلا مدخل لها في التعبدات ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية ؛ لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل ؛ كالوضوء والصلاة والصيام في زمان مخصوص دون غيره ، والحج ونحو ذلك .
ثم ذكر مجموعة أمثلة توضح ذلك ثم قال :
والثالث : أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري ، ورفع حرج لازم في الدين وأيضا مرجعها إلى حفظ الضروري ، من باب ( ما لا يتم الواجب إلا به . . . ) فهي إذا من الوسائل لا من المقاصد . ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى باب التخفيف لا إلى التشديد . ا هـ . (2) .
__________
(1) كذا في المطبوع ، ولعله ( على سنن ) .
(2) انظر [ الاعتصام ] ، ( 2 \ 283 ، 284 ، 286 ، 287 ، 307 ، 313 ) .

وأما كلام الفقهاء المعاصرين في بيان وجه الاستدلال بهذا الدليل :
فقال عبد الرحمن عيسى : ومن الإنصاف أن نقرر أن التأمين نشأ وليد الحاجة ، ولم تزل عملياته تتعدد وتتنوع تبعا لما يحققه من مصالح اقتصادية

كبيرة فقلما نجد باخرة تعبر البحار إلا مؤمنا عليها ، وقلما نجد البضائع تشحن من الخارج بحرا أو جوا إلا مؤمنا عليها وكذلك قلما نجد العمارات الشاهقة والمتاجر الكثيرة إلا مؤمنا عليها ضد الحريق ، وكذلك مخازن البنوك ومخازن الشركات للقطن والحبوب وغيرها مؤمن عليها ضد الحريق ، وكذلك مخازن البترول والزيوت ومخازن الأخشاب وكذلك المصانع الكثيرة وعمالها مؤمن عليها ، وكذلك السيارات والطائرات فقد دفعت قواعد الاقتصاد الناس دفعا إلى التأمين لدى شركات التأمين ، ليأمنوا الكوارث المالية الفادحة التي يتعرضون لها نظير ما يدفعون لشركات التأمين من مال لا يذكر بجانب الكوارث والخسارة إذا نزلت بفرد منهم .
وكم سمعنا من قبل التأمين عن بيوت عظيمة للتجار خربت بغرق بضائعهم وسفنهم ، وكم سمعنا عن محال تجارية نشيطة أكلتها النيران وأمسى ذووها يتكففون الناس ، وكم وكم من كوارث حلت بذوي الحظ العاثر فبددت الثروات وجلبت الذل والخسران ، ولكن التأمين وقد انتشر وظهرت آثاره حقق معناه ، فأمن الناس من هذه الكوارث المخربة للديار العامرة وخففت من فداحتها .
فعن رضا تام من طالب التأمين يتعاقد مع شركة التأمين ويدفع أقساط التأمين ، وعن رضا تام من الشركة تتعاقد معه وتدفع قيمة الخسارة إذا نزلت به فإنها تجمع منه ومن غيره مبالغ كثيرة ، وفي الغالب تكون السلامة بحيث يبقى لها بعد سداد الخسائر أرباح كثيرة (1) .
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 473 ، 474 ) .

وقال الأستاذ عبد الرحمن عيسى أيضا :
وقد قرر العلماء أن المصالح العامة إذا كانت تناسب حكما شرعيا فإن ذلك الحكم الذي تناسبه يثبت للعمل الذي يحقق المصلحة العامة ، اعتبارا بهذا الوصف المناسب للحكم ، ولهم في ذلك سلف عظيم ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم فقد جمع أبو بكر رضي الله عنه القرآن في صحف بعد موقعة اليمامة ؛ خوفا من ضياعه بقتل القراء ولم يكن ذلك من قبل أبي بكر .
وقد نسخ عثمان بن عفان من هذه الصحف أربعة مصاحف ووزعها على الأقطار ، وأمر بحرق كل صحيفة تخالف الصحف ؛ منعا لاختلاف الناس في القرآن .
ولعمر بن الخطاب من ذلك الكثير لإثبات الحكم الشرعي للعمل الذي يحقق المصلحة العامة فهو الذي أنشأ الدواوين ، وأنشأ البريد ، بل قد أسقط عمر سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة ، مع أنها صنف من الأصناف الثمانية الذين تصرف لهم الزكاة ؛ وذلك لأن عمر رضي الله عنه رأى أن هذا الصنف كان يأخذ من الزكاة مراعاة لمصلحة المسلمين إذ كان فيهم ضعف ، وكانوا في حاجة إلى تألف هذا الصنف ، ولكن لما قويت شوكة المسلمين ولم يصيروا في حاجة إلى تأليف هؤلاء ، رأى عمر رضي الله عنه - وهو البصير بأمر المسلمين ألا مصلحة في إعطاء هذا الصنف من الزكاة ، بل المصلحة في منعهم لئلا يظن بالمسلمين الضعف . كذلك أسقط عمر أيضا حد السرقة عن السارق عام المجاعة ؛ لأن المجاعة لما اشتدت ربما تكون هي التي دفعت تحت تأثير العوامل الطبيعية إلى السرقة ؛

ليحصل السارق على الطعام الذي لا يكاد يجده ، فتكون حالة الضرورة هي الدافع على السرقة فاقتضى عدم إقامة الحد ؛ مراعاة لهذه العوامل الطبيعية .
فهذه المواقف وأمثالها من الخلفاء الراشدين على مشهد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عدم إنكارهم - دليل على أنهم يرون أن المصالح العامة من الأمور المناسبة للحكم الشرعي ، والتي ينبني عليها ثبوت ذلك الحكم . . . . وقد بينا بوضوح تام أن التأمين يحقق مصالح عامة هامة فيكون حكمه الجواز شرعا ؛ اعتبارا لما يحققه من المصالح العامة (1) .
وقال أيضا : قد يبدو ما قررناه ظاهرا وجليا من أن التأمين يحقق الصالح العام بالنسبة للتأمين ضد أخطار الملكية ؛ كالتأمين ضد الحريق وضد الغرق وضد السرقة .
وقد يبدو محتاجا إلى ظهور وجلاء بالنسبة للتأمين على الحياة وضد سائر الأخطار الشخصية فنجلي عمليات التأمين بالنسبة للأخطار الشخصية بما يأتي :
إن التأمين على الحياة وضد سائر الأخطار ؛ كالتأمين على بعض الحواس كالسمع والبصر ، وغيرهما أو على بعض أجزاء الجسم كاليدين والساقين وغيرهما ، هذا التأمين يحقق الصالح العام في الصناعات والمهن الخطيرة ، فيه تخفيف آلام الكوارث التي تنزل برجال الصناعات ، وتهون الشدائد التي تقع على المخاطرين من رجال الأعمال ؛ لهذا يكون التأمين
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 474 ، 475 ) .

ضد الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة جائزا شرعا (1) .
وقد علق الأستاذ أبو زهرة على كلام الأستاذ عبد الرحمن عيسى في الاستدلال بالمصلحة على جواز التأمين فقال :
لا بد أن أتعرض لبعض أمور جزئية ثارت في أثناء المناقشات أو جاءت في بعض البحوث ، ومن ذلك الكلام على أمر يتعلق بالمصلحة فقد جاء في بحث فضيلة الشيخ عبد الرحمن عيسى : أن عمر بن الخطاب ترك بعض النصوص لأجل المصلحة ، وذكر مسألتين أبلاهما التكرار ، وهما : مسألة المؤلفة قلوبهم ، ومسألة قطع اليد وإهماله عام المجاعة .
ونقول : بالنسبة للأولى إن عمر بن الخطاب ما أسقط سهم المؤلفة قلوبهم وما كان في استطاعته أن يسقط نصا قرآنيا ، ولكن عمر منع إعطاء أناس كانوا يأخذون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصديق رضي الله عنه - كالزبرقان بن بدر وغيره - فهو ما اعتبر إعطاءهم حقهم مكتسبا ، بل اعتبر مثل هذا العطاء موقوفا بحال الشخص وحال المسلمين .
وقد يقول : ولكنه لم يعط غيره ، ونقول : إنه رأى أنه لا موضع لتطبيق النص ؛ لعدم حاجة المسلمين إليه ، ومثل ذلك سهم المدينين فهل يعد إسقاطا للسهم إذا لم يجد مدينا يسد عنه ، وكذلك سهم الرقاب فهل يعد إسقاطا للسهم إذا لم يوجد عبد مسلم يعتق .
ولذلك قرر الفقهاء بالإجماع : أنه إذا وجدت حال يكون فيها إعطاء ناس تأليفا لقلوبهم فيه تقوية للإسلام فإن النص القرآني يجب الأخذ به ،
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 477 ) .

ولذلك لا يصح لأحد أن يقول : إن عمر رضي الله عنه أسقط سهم المؤلفة قلوبهم ، إن ذلك قول الإفرنجة الذين لا يرجون للإسلام وقارا ويريدون توهين نصوصه ، وتبعهم بعض كبار العلماء عن غير بينة ، وكل امرئ يخطئ ويصيب مهما كانت منزلته العلمية .
وأما مسألة عدم قيام الحد عام الرمادة ، وهو السنة التي اشتدت فيها المجاعة على المسلمين ؛ فذلك لأن عمر رضي الله عنه وجد شبهة في إقامته ، ومن المقررات الفقهية : أن الحدود تدرأ بالشبهات ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ادرءوا بالشبهات ما استطعتم » (1) (2) ، والشبهة : أنه رأى السارقين في حال جوع شديد واضطرار ، ويعلم كل فقير أن الضرورات تبيح المحظورات ، وأن من كان في حال جوع يتعرض فيه للتلف إذا لم يأكل يباح له مال غيره بقدر ما يسد رمقه ، وإذا منعه فقاتله فقتل صاحب الطعام لا دية فيه ، والقصة تنبئ عن ذلك ، فإن غلمان حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة ونحروها وأكلوها ، فهم عمر بأن يقيم الحد عليهم ، ولكنه تبين له أن حاطبا يجيع غلمانه ، فلم يقم الحد وغرمه ، أليس في الخبر ما يدل على أنه درأ الحد بشبهة الاضطرار ، وقد اشتكوا إليه وثبتت صحة شكواهم ، والعام عام مجاعة ؛ ولذلك يقرر فقهاء الحنابلة وكثيرون غيرهم أن من شرط إقامة الحد في السرقة ألا يكون السارق قد سرق طعامه في مجاعة ؛ لمكان شبهة الاضطرار في إقامة الحد (3) .
__________
(1) سنن الترمذي الحدود (1424).
(2) خرجه ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم والبيهقي عن عائشة .
(3) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 525 ) .

ل -

التأمين لم يقم دليل على منعه فيكون مباحا بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة
لقد ذكرت اللجنة في بحث الشرط الجزائي كلاما مفصلا عن العلماء السابقين على أن الأصل في الأشياء الإباحة ، فرأت الاكتفاء بذكره هناك عن إعادته هنا .
وأما وجه استدلال العلماء المعاصرين بهذا الدليل ، فقد أوضحه الشيخ عبد الرحمن عيسى بقوله :
قال الله تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } (1) قال المفسرون : أي : هو الذي خلق لأجلكم جميع ما في الأرض ؛ لتنتفعوا به في دنياكم بالذات أو بالواسطة وفي دينكم بالاعتبار والاستدلال .
وقالوا أيضا : استدل كثير من أهل السنة بالآية على أن الأصل في الأشياء الإباحة ، وقال صاحب [ تفسير المنار ] : إن هذه الجملة هي نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء : ( إن الأصل في الأشياء الإباحة ) .
هذا الأصل يتبعه أن تكون معاملات الناس فيما خلقه الله لمنفعتهم مباحة إلا ما ورد فيه دليل بخصوصه يقتضي غير ذلك فبمقتضى هذه القاعدة تكون عمليات التأمين التي بيناها مباحة ؛ لأنها من معاملات الناس فيما خلقه الله لمنفعتهم ، ولم يرد بخصوصها نص يحظرها (2) .
__________
(1) سورة البقرة الآية 29
(2) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ( 478 ) .

وقال أيضا بالنسبة للتأمين على الحياة : ويمكن أن نثبت للتأمين ضد الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة - الجواز أيضا من ناحية الإباحة التامة الثابتة لكل عمل يتصل بما خلقه الله لمنفعتنا ، ولم يرد فيه بخصوصه دليل يقتضي الحظر ؛ لأن كل ذلك ينطبق على هذا التأمين (1) .
وقال الأستاذ مصطفى الزرقاء : رأينا الشخصي في الموضوع في نظري أن نقطة الانطلاق في بحث حكم الشريعة الإسلامية في عقد التأمين يجب أن تبدأ من ناحية هي عندي حجر الأساس وهي : هل أنواع العقود في الشريعة الإسلامية محصورة لا تقبل الزيادة ؟ أي : هل نظام التعاقد في الإسلام يحصر الناس في أنواع معينة من العقود المسماة ، وهي العقود المعروفة في صدر الإسلام من بيع وإجارة وهبة ورهن وشركة وصلح وقسمة وإعارة وإيداع وسائر العقود الأخرى المسماة ، التي ورد لها ذكر وأحكام في مصادر فقه الشريعة من كتاب وسنة وإجماع ولا يبيح للناس إيجاد أنواع من العقود غير داخلة في أحد الأنواع السابقة المذكورة لهم ، أم أن الشريعة تركت الباب مفتوحا للناس في أنواع العقود وموضوعاتها فيمكنهم أن يتعارفوا على أنواع جديدة إذا دعتهم حاجاتهم الزمنية إلى نوع جديد ليس فرعا من أحد الأنواع المعروفة قبلا ، ويصح منهم كل عقد جديد متى توافرت فيه الأركان والشرائط العامة التي تعتبر من النظام التعاقدي العام في الإسلام ؛ كالشرائط المطلوبة شرعا في التراضي والتعبير عن الإرادة وفي محل العقد ، بحيث لا يتضمن العقد ما يخالف قواعد
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 478 ) .

الشريعة التي عبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله : « كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل ، وإن كان مائة شرط » (1) (2) ، فكتاب الله في هذا المقام معناه : القواعد العامة في الشريعة ، وليس معناه القرآن فهو مصدر بمعنى المفعول ، أي : ما كتبه الله على المؤمنين وأوجبه عليهم ، كقوله تعالى : { إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } (3)
والجواب على هذا السؤال : أن الشرع الإسلامي لم يحصر الناس في الأنواع المعروفة قبلا من العقود ، بل للناس أن يبتكروا أنواعا جديدة تدعوهم حاجتهم الزمنية إليها بعد أن تستوفى الشرائط العامة المشار إليها .
وهذا ما نراه هو الحق وهو من مبدأ سلطان الإرادة العقدية في الفقه الإسلامي وقد استوفيت بحثه في كتابي [ المدخل الفقهي العام ] وهو الجزء الأول من سلسلة الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد . . وقد خالف في ذلك الظاهرية ، فاعتبروا أن الأصل في العقود هو التحريم ما لم يرد في الشرع دليل الإباحة (4) .
وقد ذكر الأستاذ الزرقاء بيع الوفاء عند الحنفية شاهدا على أن العقود لا تنحصر فيما كان موجودا في عصر التنزيل أو الصحابة .
فقال : ومن الشواهد الواقعية في المذهب الحنفي على أن الأصل في العقود الجديدة هو الإباحة شرعا عقد ( بيع الوفاء ) الذي نشأ في القرن
__________
(1) صحيح البخاري العتق (2424),صحيح مسلم العتق (1504),سنن النسائي الطلاق (3451),سنن أبو داود العتق (3929),سنن ابن ماجه الأحكام (2521),مسند أحمد بن حنبل (6/213),موطأ مالك العتق والولاء (1519).
(2) خرجه بهذا اللفظ البزار والطبراني عن ابن عباس . وأصله في الصحيحين وأحمد ومالك وأبو داود والنسائي وابن الجارود والطحاوي والدارقطني والبيهقي عن عائشة .
(3) سورة النساء الآية 103
(4) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 387 ، 388 ) .

الخامس الهجري .
ولا أجد في تاريخ الفقه الإسلامي واقعة أشبه بواقعة التأمين من بيع الوفاء في أول ظهوره لا من حيث موضوع العقدين ، بل من حيث الملابسات الخارجية والاختلافات التي أحاطت بكل منهما ، فبيع الوفاء أيضا عقد جديد ذو خصائص وموضوع وغاية يختلف فيها عن كل عقد آخر من العقود المسماة المعروفة قبله لدى فقهاء الشريعة ، وهو ينطوي على غاية يراها الفقهاء محرمة ؛ لأنه يخفي وراءه ألوانا من الربا المستور ، وهو الحصول على منفعة من وراء القرض حيث يدفع فيه الشخص مبلغا من النقود ويسميه ثمنا لعقار يسلمه صاحبه إلى دافع المبلغ الذي يسمى مشتريا للعقار ؛ لينتفع به بالسكنى أو الإيجار بمقتضى الشراء بشرط أن صاحب العقار الذي يسمى في الظاهر بائعا متى وفى المبلغ المأخوذ على سبيل الثمنية استرد العقار ، ونتيجة ذلك أن ما يسمى مشتريا بالوفاء لا يستطيع أن يتصرف بالعقار الذي اشتراه ، بل عليه الاحتفاظ بعينه كالمرهون ؛ لأنه سوف يكلف رده لصاحبه متى أعاد إليه الثمن ولكل منهما الرجوع عن هذا العقد ، أي : فسخه وطلب التراد ولو حددت له المدة .
هذه خلاصة بيع الوفاء الذي تعارفه الناس في بخارى وبلخ في القرن الخامس الهجري وثارت حوله اختلافات عظيمة بين فقهاء العصر إذ ذاك حول جوازه ومنعه وتخريجه ، أي : تكييفه ، أعظم مما هو واقع اليوم في عقد التأمين .
أ - فمن الفقهاء من نظر إلى صورته فاعتبره بيعا ، وطبق عليه شرائط البيع فاعتبره بيعا فاسدا ، لأن الشرط المقترن به مفسد وأفتى فيه بذلك .

ب - ومنهم من اعتبره بيعا صحيحا وألغى فيه شرط الإعارة معتبرا أن هذا الشرط من قبيل الشرط اللغو لا الشرط المفسد وأفتى بذلك ، وهذا مشكل جدا وفيه ضرر للبائع ؛ لأن الثمن فيه عادة أقل من القيمة الحقيقية للعقار كالدين المرهون له فيه .
ج - ومنهم من نظر إلى غايته لا إلى صورته ، فرآه في معنى الرهن الذي اشترط فيه انتفاع المرتهن بالمرهون ، فاعتبره رهنا وألغى فيه شرط الانتفاع ، وأفتى بذلك .
قال العلامة الشيخ بدر الدين محمود بن قاضي سماوه : في الفصل ( 18 ) من كتابه [ جامع الفصولين ] نقلا عن فتاوى الإمام نجم الدين عمر بن محمد النسفي ما نصه :
البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالا للربا وأسموه : بيع الوفاء هو رهن في الحقيقة لا يملكه المشتري ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه ، وهو ضامن لما أكل من ثمر وأتلفه من شجره ويسقط الدين بهلاكه ، لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام ؛ لأن المتعاقدين وإن سمياه بيعا لكن عرفهما الرهن والاستيثاق بالدين ، إذ العاقد ( أي : البائع ) يقول لكل أحد بعد هذا العقد : رهنت ملكي فلانا ، والمشتري يقول : ارتهنت ملك فلان ، والعبرة في التصرفات للمقاصد والمعاني ، فهبة المرأة نفسها مع تسمية المهر وحضرة الشهود نكاح ، وهكذا .
ثم قال : قال السيد الإمام : قلت للإمام الحسن الماتريدي : قد فشا هذا البيع بين الناس ، وفتواك أنه رهن وأنا على ذلك ، فالصواب : أن نجمع الأئمة ونتفق على هذا ونظهره بين الناس . فقال : المعتبر اليوم فتوانا ، وقد

ظهر ذلك بين الناس فمن خالفنا فليبرز نفسه وليقم دليله . انتهى كلام النسفي .
أقول : أبرز المخالفون بعد ذلك أنفسهم ، واستقرت الفتوى في المذهب الحنفي على ما سمي : ( القول الجامع ) وهو أن بيع الوفاء ليس بيعا صحيحا ، ولا بيعا فاسدا ولا رهنا ، وإنما هو عقد جديد ذو موضوع وخصائص مختلفة عما لكل واحد من هذه العقود الثلاثة ، ولكن فيه مشابه من كل عقد من هذه الثلاثة ؛ لذلك قرر فقهاء المذهب بعد ذلك أحكاما مستمدة من هذه العقود الثلاثة جميعا ، ولم يلحقوه بأحدها ويطبقون عليه أحكامه ، والكلام في ذلك مبسوط في مواطنه من مؤلفات المذهب الحنفي .
وبهذا القول الجامع أخذت مجلة [ الأحكام العدلية ] حتى جاء قانوننا المدني سنة 1949م فمنع بيع الوفاء استغناء بأحكام الرهن الحيازي ، والتاريخ اليوم يعيد نفسه فتتجدد لدينا مشكلة نظير مشكلة بيع الوفاء هي مشكلة عقد التأمين ، فبعض العلماء يراه عقد مقامرة وبعض آخر يراه عقد رهان يتحدى فيه قضاء الله وقدره ، وبعض آخر يراه التزام ما لا يلزم ، وآخرون يرونه عقد تعاون مشروع على ترميم المضار وتحمل مصائب الأقدار ، فهو نظام معاوضة تعاونية ، وإن انحرف به ممارسوه وأحاطوه بشوائب ليست من ضرورة نظامه ، وواضح أني لا أعني تشبيه عقد بيع الوفاء بعقد التأمين من حيث الموضوع ، وإنما أعني : أن بيع الوفاء شاهد واقعي في تاريخ الفقه الإسلامي على جواز إنشاء عقود جديدة ، وأنه اعتراه في أول نشأته ما اعترى اليوم عقد التأمين من اختلاف في تخريجه وتكييفه

وإلحاقه ببعض العقود المعروفة قبلا وتطبيق شرائطه عليه أو اعتباره عقدا جديدا مستقلا يقرر له من الأحكام الفقهية ما يتناسب مع خصائصه وموضوعه (1) .
وقد أجاب الأستاذ أبو زهرة عن ذلك فقال : قد قرر أن الأصل في العقود عند الحنابلة وخصوصا ابن تيمية - الإباحة حتى يقوم دليل على المنع ، ونقول : إن موضوع الكلام كان في الشرط لا في أصل العقود .
ولقد أجاب عن ذلك الأستاذ : بأن المشارطات قد تؤدي إلى تغير معنى العقد ، وأن الاختلاف في العقود هو ذات الاختلاف في الشروط ، ونقول : إن المذكور في كتاب العقود لابن تيمية هو في الشرط ، ومجيئه للعقود إنما هو من أن الشروط بطبيعتها تغير مقتضى العقد فهي تتضمن تغييرا في ماهيته من بعض النواحي ، وإذا كان الأمر كذلك فإن عقد التأمين عقد جديد ، فهل يباح بمقتضى هذه القاعدة ؟ وقد نساير الأستاذ الجليل ولا نمنع الإباحة ما دام العقد متفقا مع ما قرره الشارع من أحكام للعقود وليس مجافيا لها ، فالعبرة في هذا العقد من ناحية لا من حيث إنه عقد جديد يجوز ، بل ناحية ما اشتمل عليه ، أيتفق مع أحكام الشريعة أم يخالفها ؟ وبالنسبة لبيع الوفاء قلنا : إن هذا العقد معناه : أن يبيع شخص عينا على الشيخ أن له استردادها إذا رد الثمن في مدة معلومة ، وفي غالب أحوال هذا العقد التعاقد تكون العين ذات غلة ، فتكون غلتها للمشتري ، ويكون مؤدى العقد أن يكون قد اقترض البائع مبلغا فائدته هي غلة العين ، وإذا لم تكن لها غلة فإن
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 387 ) وما بعدها .

الربا ينتفي عنه ، وإن كان يندر ذلك .
وإن هذا العقد قد شاع في بلاد ما وراء النهر ، وصارت القروض لا تكون إلا على أساسه وللناس حاجة فيها فصارت الحاجة تطلبه والحاجات إذا عمت نزلت منزلة الضرورات ، ولذلك نقل ابن نجيم صحته والذين قالوا بصحته اختلفوا : أيخرج على أنه رهن أم يخرج على أنه بيع فيه شرط الخيار للبائع أو المشتري ؟ وعلى الأول لا تباح الغلة ، وعلى الثاني لا تنتقل الملكية إلى المشتري ؛ لأنه إذا كان الخيار للبائع تستمر ملكيته للمبيع بمقتضى أحكام المذهب الحنفي وتنتقل الملكية للمشتري مع حق الفسخ إذا كان الخيار له .
والكثيرون من الفقهاء لا يبيحونه ، ولسنا ندري لماذا يستشهد الأستاذ بعقد تحيط به الشبهات ، على هذا النحو ، وعلى فرض إباحته فقد أدخل في عقد قائم إما الرهن وإما البيع فلا يكون جديدا ، وقد كتب الأستاذ ردا ولم يجئ بالنسبة لبيع الوفاء بجديد غير أنه نقل نصوص الفقهاء فيه ونحن مسلمون بها ابتداء (1) .
وعقب على ذلك الأستاذ مصطفى الزرقاء فقال : قال الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة : ( إن الخلاف بين الظاهرية وغيرهم في مشروعية التعاقد إنما هو في الشروط التي يشرطها العاقد في العقد لا في إنشاء عقود جديدة ، فالظاهرية يتطلبون في إباحة الشرط نصا شرعيا ، وسواهم يطلب دليلا مطلقا من نص أو سواه ، وإن الحنابلة جعلوها مباحا في الزواج ، وابن
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 515 ) .

تيمية أباحه مطلقا . . ) إلخ .
وجوابي على هذه الملاحظة : أن الخلاف في جواز المشارطات العقدية التي لم يرد فيها نص شرعي إذا توافر فيها المعيار الشرعي في الشروط هو نفسه الخلاف في جواز إنشاء عقود جديدة لم يرد فيها نص شرعي وهو مشمول بقاعدة ( الأصل في الأشياء الإباحة ) والخلاف الذي فيها ، وذلك لأن الشرط جزء من العقد الواقع فيه ، فما يقال في الشروط الجديدة التي لم يرد فيها نص شرعي من حيث الجواز وعدمه يقال في العقود الجديدة التي ليس فيها نص ، وأستاذنا المفضال أبو زهرة نفسه يقرر هذا في كتبه وهو أمر مفروغ منه . ا هـ .
وقال الأستاذ الجليل أبو زهرة : بمناسبة ذكرى بيع الوفاء شاهدا من الواقع التاريخي في الفقه الإسلامي على جواز عقود جديدة غير العقود المعروفة قبلا قال رحمه الله : إن بيع الوفاء قد أباحه الحنفية على أساس أنه عقد من العقود المعروفة ، وهو يرى أنه ليس عقدا جديدا ، بل هو بيع ربوي اخترعه أكلة الربا ، ولا يجوز أن يباح للضرورة .
وجوابي على هذه الملاحظة : أن ما بينه الأستاذ أبو زهرة هو صحيح بالنسبة إلى بداية ظهور بيع الوفاء في القرن الخامس الهجري ، حيث إن فقهاء العصر إذ ذاك اختلفوا في تخريجه والحكم فيه على أساس إلحاقه بأحد العقود المعروفة ، فمنهم من ألحقه بالبيع الصحيح واعتبر شرط الوفاء والإعادة فيه لغوا ، ومنهم من ألحقه بالبيع الفاسد ، ومنهم من ألحقه بالرهن وهم الأكثر ، ولكن المتأخرين من الفقهاء بعد ذلك ضربوا بكل هذه التخريجات عرض الحائط ؛ لعدم انطباقها على حقيقة بيع الوفاء وطبيعته

العرفية وقصد المتعاقدين فيه ، وخرجوا فيه برأي جديد سمي : ( القول الجامع ) ورجح بعلامة الفتوى وخلاصته : أنه عقد جديد لا يشبه أي عقد آخر من العقود المعروفة ، وأثبتوا له حكما مركبا من بعض أحكام البيع الصحيح وبعض أحكام البيع الفاسد وبعض أحكام الرهن وصححوه على هذا الأساس إذا استوفى شرائط الانعقاد العامة ، كما أوضحته في المحاضرة ، وهذا مقرر في [ الدر المختار ] ، و [ رد المحتار ] ، و [ تنقيح الفتاوى الحامدية ] ، للعلامة ابن عابدين وغيرها من كتب المتأخرين وأخذت به المجلة في المادة ( 118 ) وبنت عليه أحكام بيع الوفاء في الفصل الذي عقدته له وأوضحه شراحها .
وأما كونه حيلة اخترعها أكلة الربا كما يقول الأستاذ أبو زهرة فهذا أمر آخر ، وإنني لم أبحث فيما ينبغي أن يحكم به على بيع الوفاء في نظري من الجواز وعدمه فقد أكون متفقا مع الأستاذ أبي زهرة في رأيه فيه ولكني أستشهد به شاهدا واقعيا على إقرار فقهائنا السابقين له بصفة أنه عقد جديد وليس صورة من عقد سابق معروف فتكون قضية جواز إنشاء عقود جديدة غير الأنواع المعروفة في العصر الفقهي الأول قد وقعت فعلا ولم تبق في الحيز النظري فقط .
وتكون النتيجة بالنسبة إلى موضوعنا هي : إن كون التأمين عقدا جديدا خارجا عن نطاق العقود القديمة ليس بمانع من جوازه شرعا إذا لم يكن فيه ما يخالف الشرائط الشرعية العامة في نظام التعاقد (1) .
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 539 - 541 ) .

م -

الاستدلال على جوازه بالعرف
نذكر فيما يلي ما تيسر من كلام بعض العلماء السابقين في معنى العرف وأقسامه ، ومستند اعتباره ، ورجوع كثير من المسائل إلى العادة والعرف وشروط اعتباره وحكمه عند معارضته للشرع وكيفية إعماله ، وهل هو دليل مستقل أو لا ؟ ثم نذكر وجه استدلال بعض الفقهاء المعاصرين به على جواز التأمين ومناقشته هذا التوجيه .
1 - قال أحمد بن فارس بن زكريا : ( عرف ) العين والراء والفاء أصلان صحيحان ، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلا بعضه ببعض ، والآخر على السكون والطمأنينة .
فالأول العرف : عرف الفرس ، وسمي بذلك ؛ لتتابع الشعر عليه . ويقال : جاءت القطا عرفا عرفا ، أي : بعضها خلف بعض . . . . والأصل الآخر المعرفة والعرفان . تقول : عرف فلان فلانا عرفانا ومعرفة ، وهذا أمر معروف ، وهذا يدل على ما قلناه من سكونه إليه ؛ لأنه من أنكر شيئا توحش منه ونبا عنه . . . والعرف والمعروف ، وسمي بذلك ، لأن النفوس تسكن إليه . . . . . . . . . . . (1) .
وقال ابن عابدين : قال في الأشباه وذكر الهندي في شرح [ المغني ] : العادة عبارة عما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المعقولة عند الطباع السليمة وهي أنواع ثلاثة : العرفية العامة ؛ كوضع القدم (2) . والعرفية
__________
(1) [ معجم مقاييس اللغة ] ، ( 4 \ 281 ) .
(2) قال في الهامش : ( قوله : كوضع القدم ) أي : إذا قال : والله لا أضع قدمي في دار فلان ، فهو في العرف العام بمعنى الدخول فيحنث سواء دخلها ماشيا أو راكبا ولو وضع قدمه في الدار بلا دخول لم يحنث .

الخاصة ، كاصطلاح كل طائفة مخصوصة ؛ كالرفع للنحاة والفرق والجمع والنقض للنظار ، والعرفية الشرعية ؛ كالصلاة والزكاة والحج تركت معانيها اللغوية بمعانيها الشرعية . انتهى .
وفي [ شرح الأشباه ] للبيري عن [ المستصفى ] : العادة والعرف ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول . ا هـ .
وفي [ شرح التحرير ] : العادة هي الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية . ا هـ .
قلت : بيانه أن العادة مأخوذة من المعاودة فهي بتكررها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية ، فالعادة والعرف بمعنى واحد من حيث المقاصد وإن اختلفا من حيث المفهوم (1) .
2 - وقال ابن عابدين - مبينا أقسام العرف - : ثم العرف عملي وقولي ، فالأول : كتعارف قوم أكل البر ولحم الضأن ، والثاني : كتعارفهم إطلاق لفظ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه غيره ، والثاني مخصص للعام اتفاقا ؛ كالدراهم تطلق ويراد بها النقد الغالب في البلدة ، والأول مخصص أيضا عند الحنفية دون الشافعية ، فإذا قال : اشتر لي طعاما أو لحما ، انصرف إلى البر ولحم الضأن عملا بالعرف العملي كما أفاده التحرير (2) .
3 - وقال ابن عابدين - مستدلا على اعتبار العرف - : واعلم أن بعض
__________
(1) [ مجموعة رسائل ابن عابدين ] ( 2 \ 114 ) .
(2) [ مجموعة رسائل ابن عابدين ] ( 2 \ 114 ، 115 ) .

العلماء استدل على اعتبار العرف بقوله سبحانه وتعالى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } (1) ، وقال في [ الأشباه ] : القاعدة السادسة : العادة محكمة وأصلها قوله صلى الله عليه وسلم : « ما رآه المسلمون فهو عند الله حسن » (2) قال العلائي : لم أجده مرفوعا في شيء من كتب الحديث أصلا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال ، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفا عليه ، أخرجه الإمام أحمد في [ مسنده ] (3) .
4 - وقال ابن عابدين - مبينا رجوع كثير من المسائل إلى العادة والعرف - : واعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في مسائل كثيرة ، حتى جعلوا ذلك أصلا ، فقالوا في الأصول في ( باب ما تترك به الحقيقة ) : تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة ، هكذا ذكر فخر الإسلام ، انتهى كلام [ الأشباه ] ، وفي [ شرح الأشباه ] للبيري قال في [ المشرع ] : الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي ، وفي [ المبسوط ] : الثابت بالعرف كالثابت بالنص (4) .
وقال ابن القيم في إعمال العرف في كثير من المسائل :
وقد أجري العرف مجرى النطق في أكثر من مائة موضع :
منها : نقد البلد في المعاملات ، وتقديم الطعام إلى الضيف ، وجواز تناول اليسير مما يسقط من الناس من مأكول وغيره ، والشرب من خوابي السيل ومصانعه في الطرق ، ودخول الحمام وإن لم يعقد عقد الإجارة مع
__________
(1) سورة الأعراف الآية 199
(2) مسند أحمد بن حنبل (1/379).
(3) [ مجموعة رسائل ابن عابدين ] ( 2 \ 115 ) ، و [ الأشباه والنظائر ] للسيوطي ص80 ، و [ الفروق ] للقرافي ( 3 \ 149 ) .
(4) [ مجموعة رسائل ابن عابدين ] ( 2 \ 115 ) .

الحمامي لفظا ، وضرب الدابة المستأجرة إذا حرنت في السير وإيداعها في الخان إذا قدم بلدة أو ذهب في حاجة ، ودفع الوديعة إلى من جرت العادة بدفعها إليه من امرأة أو خادم أو ولد . وتوكيل الوكيل لما لا يباشره مثله بنفسه ، وجواز التخلي في دار من أذن له بالدخول إلى داره ، والشرب من مائه والاتكاء على الوسادة المنصوبة ، وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي على الطريق ، وإذن المستأجر للدار لمن شاء من أصحابه أو أضيافه في الدخول والمبيت والثوي عنده والانتفاع بالدار وإن لم يتضمنه عقد الإجارة لفظا اعتمادا على الإذن العرفي ، وغسل القميص الذي استأجره للبس مدة يحتاج فيها إلى الغسل ، ولو وكل غائبا أو حاضرا في بيع شيء والعرف قبض ثمنه ملك ذلك ، ولو اجتاز بحرث غيره في الطريق ودعته الحاجة إلى التخلي فيه فله ذلك إن لم يجد موضعا سواه ، إما لضيق الطريق أو لتتابع المارين فيها ، فكيف بالصلاة فيه والتيمم بترابه ؟ ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظا لماليتها عليه كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعا ، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع من ذلك ويقول : هذا تصرف في ملك الغير ، ولم يعلم هذا اليابس أن التصرف في ملك الغير إنما حرمه الله لما فيه من الإضرار به وترك التصرف هاهنا هو الإضرار .
ومنها : لو استأجر غلاما فوقعت الأكلة في طرفه فتيقن أنه إن لم يقطعه سرت إلى نفسه فمات جاز له قطعه ولا ضمان عليه .
ومنها : لو رأى السيل يمر بدار جاره فبادر ونقب حائطه وأخرج متاعه فحفظه عليه جاز ذلك ، ولم يضمن نقب الحائط .
ومنها : لو قصد العدو مال جاره فصالحه ببعضه دفعا عن بقيته جاز له

ولم يضمن ما دفعه . ومنها : لو وقعت النار في دار جاره فهدم جانبا منها على النار لئلا تسري إلى بقيتها لم يضمن .
ومنها : لو باعه صبرة عظيمة أو حطبا أو حجارة ونحو ذلك جاز له أن يدخل ملكه من الدواب والرجال ما ينقلها به ، وإن لم يأذن له في ذلك لفظا .
ومنها : لو جذ ثماره أو حصد زرعه ثم بقي من ذلك ما يرغب عنه عادة جاز لغيره التقاطه وأخذه وإن لم يأذن فيه لفظا .
ومنها : لو وجد هديا مشعرا منحورا ليس عنده أحد جاز له أن يقتطع منه ويأكل منه .
ومنها : لو أتى إلى دار رجل جاز له طرق حلقة الباب عليه ، وإن كان تصرف في بابه لم يأذن له فيه لفظا .
ومنها : الاستناد إلى جواره والاستظلال به .
ومنها : الاستمداد من محبرته ، وقد أنكر الإمام أحمد على من استأذنه في ذلك . وهذا أكثر من أن يحصر ، وعليه يخرج حديث عروة بن الجعد البارقي حيث أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دينارا يشترى له به شاة فاشترى شاتين بدينار فباع إحداهما بدينار ، وجاء بالدينار والشاة الأخرى (1) ، فباع وقبض بغير إذن لفظي اعتمادا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع ، ولا إشكال بحمد الله في هذا الحديث بوجه عام ، وإنما الإشكال في استشكاله ، فإنه جار على محض القواعد كما عرفته (2) .
__________
(1) خرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والدارقطني .
(2) [ إعلام الموقعين ] ( 2 \ 393 ، 394 ) .

5 - لقد اشترط العلماء رحمهم الله شروطا لاعتبار العرف نذكرها فيما يلي :
الشرط الأولى : أن يكون العرف مطردا أو غالبا . قال السيوطي : إنما تعتبر العادة إذا اطردت فإن اضطربت فلا (1) .
الشرط الثاني : أن يكون العرف عاما في جميع بلاد الإسلام ، قال ابن نجيم : هل يعتبر في بناء الأحكام العرف العام أو مطلق العرف ولو كان خاصا ؟ المذهب الأول : قال في البزازية معزيا إلى الإمام البخاري الذي ختم به الفقه : الحكم العام لا يثبت بالعرف الخاص ، وقيل : يثبت . وذكر مجموعة أمثلة (2) .
الشرط الثالث : أن لا يكون العرف مخالفا لأدلة الشرع وقد مضى بيانه عن السيوطي في تعارض العرف والشرع .
الشرط الرابع : أن يكون العرف الذي يحمل عليه التصرف موجودا وقت إنشائه بأن يكون حدوث العرف سابقا وقت التصرف ثم يستمر إلى زمانه فيقارنه سواء أكان التصرف قولا أو فعلا .
قال السيوطي : العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر .
قال الرافعي : العادة الغالبة تؤثر في المعاملات ؛ لكثرة وقوعها ورغبة الناس فيما يروج في النفقة غالبا ، ولا يؤثر في التعليق والإقرار ، بل يبقى
__________
(1) [ الأشباه والنظائر ] للسيوطي ، ص 83 .
(2) [ الأشباه والنظائر ] لابن نجيم ، ص 102 .

اللفظ على عمومه فيها ، أما في التعليق فلقلة وقوعه ، وأما في الإقرار فلأنه إخبار عن وجوب سابق ، وربما تقدم الوجوب على العرف الغالب ، فلو أقر بدراهم وفسرها بغير سكة البلد قبل ، ثم ذكر طائفة من الأمثلة (1) .
الشرط الخامس : وهو أن لا يوجد قول أو عمل يفيد عكس مضمونه ، كما إذا كان العرف في السوق تقسيط الثمن ، واتفق العاقدان صراحة على الحلول ، قال العز بن عبد السلام : كل ما يثبت العرف إذا صرح المتعاقدان بخلافه ، بما يوافق مقصود العقد صح (2) .
6 - وقال السيوطي في حكم العرف عند معارضته للشرع : ( فصل ) في تعارض العرف مع الشرع . هو نوعان :
أحدهما : أن لا يتعلق بالشرع حكم فيقدم عليه عرف الاستعمال ، فلو حلف لا يأكل لحما ، لم يحنث بالسمك وإن سماها الله لحما ، ثم ذكر جملة أمثلة وقال : فيقدم عرف الاستعمال على الشرع في جميع ذلك ؛ لأنها استعملت في الشرع تسمية بلا تعلق حكم وتكليف .
والثاني : أن يتعلق به حكم فيتقدم على عرف الاستعمال فلو حلف : لا يصلي ، لا يحنث إلا بذات الركوع والسجود ، ثم ذكر جملة أمثلة وقال : ولو كان اللفظ يقتضي العموم والشرع يقتضي التخصيص اعتبر خصوصي الشرع في الأصح ، فلو حلف لا يأكل لحما ، لم يحنث بالميتة . . . إلى آخر الأمثلة (3) .
__________
(1) [ الأشباه والنظائر ] للسيوطي ، ص 87 .
(2) [ القواعد الكبرى ] ( 2 \ 178 ) .
(3) [ الأشباه والنظائر ] ، ص ( 83 ، 84 ) .

7 - وقال السيوطي في كيفية إعمال العرف : قال الفقهاء : كل ما ورد به الشرع مطلقا ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف ومثلوه بالحرز في السرة ، وذكر كثيرا من الأمثلة . (1) .
8 - بقي أن يقال : هل العرف دليل شرعي مستقل أو لا ؟
قال عبد الوهاب بن خلاف : وبالنظر الدقيق في العرف وأمثلته وما قال الأصوليون والفقهاء فيه - يتبين أن العرف ليس دليلا مستقلا يشرع الحكم في الواقعة بناء عليه ، وإنما هو دليل يتوصل به إلى فهم المراد من عبارات النصوص ومن ألفاظ المتعاملين ، وعلى تخصيص العام منها وتقييد المطلق ، ويستند إليه في تصديق قول أحد المتداعيين إذا لم توجد لأحدهما بينة ، وفي رفض سماع بعض الدعاوى التي يكذبها العرف وفي اعتبار الشرط الذي جرى به العرف ، وفي الترخيص بمحظور دعت إليه ضرورة الناس وجرى به عرفهم ، وفي أمثال هذا مما يجعل اجتهاد المجتهد أو قضاء القاضي ملائما حال البيئة ومتفقا وإلف الناس ومصالحهم .
قال شهاب الدين القرافي في قواعده : إذا جاءك رجل من غير إقليمك لا تجره على عرف بلدك والمقرر في كتبك ، فهذا هو الحق الواضح ، والجمود على المنقولات - أيا كانت - إضلال في الدين وجهل بمقاصد المسلمين والسلف الماضين . (2) .
وأما كلام الفقهاء المعاصرين فقالوا : كثر التعامل في التأمين وتعارف
__________
(1) [ الأشباه والنظائر ] ، ص ( 88 - 90 ) .
(2) [ مصادر التشريع فيما لا نص فيه ] ، ص ( 126 ) .

عليه الناس والعرف مصدر شرعي فيكون التأمين جائزا بناء على قاعدة العرف .
وقد أجاب أبو زهرة عن الاستدلال بالعرف فقال : أهذا العقد وهو التأمين غير التعاوني قد صار الآن عرفا عاما أو خاصا ؟ إننا لو أحصينا عدد المستأمنين بهذا النوع من التأمين نجد نسبتهم بالنسبة لعموم الشعب الإسلامي نسبة ضئيلة جدا لا تسوغ لنا أن تعتبرهم موجدين لعرف .
إن هذا العرف المدعى يصادم أمورا مستنبطة من النصوص وقد وضحنا هذه الأمور ، وإذا قيل إنها شبهات ، نقول : قد تكاثفت ، وكثرت حتى صرنا نحكم معها بأن هذا النوع من العقد لا يتلاءم مع مقاصد الشارع ولا مع ما قرره الفقهاء ، بل نقول : إنها تصادم نصا وهو نص الربا ، فالربا يحيط بها من كان ناحية . (1) .
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 523 ) .

ن -

الاستدلال على الجواز بتحقق الضرورة إليه
نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في تعريف الضرورة ، ونتبعه ببيان بعض الفقهاء المعاصرين لوجه الاستدلال به .
أما كلام الفقهاء السابقين : فقال الجصاص في معرض كلامه على حكم الأكل من الميتة للمضطر : الضرورة هي خوف الضرر بترك الأكل إما على نفسه أو عضو من أعضائه فمتى أكل بمقدار ما يزول عنه الخوف من الضرر في الحال فقد زالت الضرورة (1) .
__________
(1) [ أحكام القرآن ] ( 1 \ 151 ) .

وقال الزركشي والسيوطي : هي - أي : الضرورة - بلوغه حدا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب ، كالمضطر للأكل واللبس بحيث لو بقي جائعا أو عريانا لمات أو تلف منه عضو . (1) .
وقال ابن قدامة في كلامه على حكم الأكل من الميتة للمضطر : الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل (2) .
وأما كلام الفقهاء المعاصرين في الاستدلال بالضرورة على جواز التأمين : فقد بينه الأستاذ عبد الرحمن عيسى بقوله : دين الإسلام مبني على أساس اليسر ورفع الحرج والعسر ، قال الله تعالى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } (3) وقال تعالى : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } (4)
وقد بنى العلماء على ذلك قواعد منها : ( إذا ضاق الأمر اتسع ) و ( المشقة تجلب التيسير ) و ( الضرورات تبيح المحظورات ) و ( ما حرم لذاته يباح للضرورة ) و ( ما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة ) .
وقد ناط الفقهاء معرفة المشقة التي تجلب التيسير بالعرف فالرجوع إليه فيما شق على الناس وما لا يشق عليهم أمر لا بد منه .
وقد تبين في التأمين أن حاجة الناس إليه قد اشتدت وعظمت ، وأنه يشق عليهم جدا ألا يمارسوا عمليات التأمين ؛ ليدفعوا بها الكوارث الفادحة
__________
(1) قواعد الزركشي [ المنثور في ترتيب القواعد الفقهية ] مخطوط بالمكتبة الظاهرية بدمشق ( 8543 ) .
(2) [ المغني ] ( 8 \ 595 ) .
(3) سورة البقرة الآية 185
(4) سورة الحج الآية 78

التي تقضي على الثروات وتخرب الديار وإن الاقتصاد الصحيح يحتم على ذوي المتاجر أو المصانع الكبيرة ممارسة عمليات التأمين ؛ حفاظا على أموالهم ، ودفاعا لما قد ينزل بهم من خسائر تبدد ثرواتهم وتخرب العامر من بيوتهم ، كل هذا يحققونه بالتأمين لدى شركات التأمين في مقابلة ما يدفعون لهذه الشركات من مال يتضاءل بجانب ما يجنون من ثمرات مع اطمئنان قلوبهم واستقرارها من جهة المحافظة على ثرواتهم ، وقال أيضا : بالنسبة للتأمين ضد الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة . قال : كذلك يمكن أن يثبت لهذا التأمين الجواز من ناحية أن الإسلام مبني على أساس اليسر ورفع الحرج والعسر ؛ لأن التأمين ضد الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة قد اشتدت إليه الحاجة وعظمت ؛ لما يدرأ من الكوارث وما يخففه منها عن رجال الصناعات والأعمال في المصانع الكبيرة ؛ لهذا يشق على الناس في هذه الصناعات والمهن الخطيرة أن تمنعهم من ممارسة هذا النوع من التأمين الذي تطمئن به أفئدتهم وتستقر قلوبهم على أنفسهم كلا وبعضا حتى يؤدوا أعمالهم فيكون جائزا شرعا ؛ دفعا للحرج والعسر . انتهى المقصود (1) .
وقال أيضا : أما التأمين ضد الأخطار الشخصية ، سواء كان تأمينا على الحياة - أو على أي جزء من أجزاء الجسم في غير الصناعات والمهن الخطيرة - فينظر فيه :
فإن كان من نوع التأمين المختلط ، وهو : الذي يجمع بين التأمين
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 476 ) وما بعدها .

والادخار - كان جائزا شرعا ؛ لأن فيه تشجيعا على الادخار ، فهو يحقق الصالح العام من الناحية الاقتصادية ، بشرط أن يتفق طالب التأمين مع الشركة على عدم استغلال أقساط تأمينية في الربا والكسب الحرام ، حتى تبرأ ذمة المؤمن له من هذه الناحية التي قد تستوجب الحرمة بطريق التسبب . . . . .
أما التأمين ضد الأخطار الشخصية في غير الصناعات والمهن الخطيرة إذا كان تأمينا عاديا - فإنه لا يجوز شرعا ؛ لأنه لا يحقق صالحا عاما ولا يترتب على تركه مشقة يقرر العرف : أنها لا تتحمل كما أنه لا تدعو إليه حاجة تتصل بالمصالح العامة (1) .
وقد أجاب عن ذلك الأستاذ الصديق محمد الضرير بقوله : ( والواقع أن الضرورة بالمعنى الذي يقصده الفقهاء لا يتحقق بالنسبة لعقد التأمين ، ولكن مما لا شك فيه أن الناس سيقعون في حرج لو منعنا عقد التأمين بالكلية بعد أن ألفوه وتغلغل في جميع نواحي حياتهم ، فالتأمين وإن لم يكن من ضروريات الناس إلا أنه من حاجياتهم التي يترتب على فقدها الضيق والمشقة وقد أبيحت كثير من المعاملات التي يقتضي القياس منعها ؛ لأن حاجة الناس تدعو إليها . ورغم كل هذا فإني لا أرى إباحة عقد التأمين بوضعه الحالي ؛ لأنه لا يصح أن نلجأ إلى استخدام الضرورة أو الحاجة إلا إذا لم نجد سبيلا غيرهما ) . (2) .
__________
(1) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 487 ) .
(2) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 464 ) .

وقد أجاب الأستاذ أبو زهرة رحمه الله عن ذلك : فقال : ونحن نقر بهذه الوقائع ؛ لأننا لا نحاول إنكار الواقع ولكن لكي نحكم بأن التأمين غير التعاوني أمر ضروري لا بد أن نفرض أنه لا يمكن أن يوجد تأمين سواه ؛ لأن الضرورة لا تكون إلا حيث تستغلق الأمور ويتعين المحرم سبيلا للإنقاذ فهذا الذي يبلغ به الجوع أقصاه ولا يجد إلا الخنزير يأكله فإنه يباح له أكله ، ولكن إن وجد طعاما آخر ، ولكنه دون الخنزير اشتهاء مع أنه طيب حلال لا يعد في حال ضرورة .
والأمر هنا كذلك فإن التأمين الاجتماعي فتح الأبواب وإن لم يكن قائما أقمناه ، وإن كان ضيقا وسعناه ، وإذا كان الأفق محدودا وضعنا بين أيدي المفكرين أوسع الآفاق .
ويعجبني أن قائدي السيارات في الخرطوم عندما فرض عليهم نظام التأمين كونوا من بينهم جماعة تعاونية تكون هي المؤمنة فيكونون جميعا مستأمنين ومؤمنين ، حفظ الله لهم إيمانهم وبارك لهم في رزقهم ، فهلا دعونا العالم الإسلامي إلى إيجاد نظام تعاوني بدل هذا النظام غير التعاوني الذي لا نزال مصرين على أنه بدعة يهودية .
إنه لا يصح لنا دينا أن نترك أمرا بينا نيرا ضاحيا ، ونسير على أمر إن لم يكن حراما فهو مشتبه فيه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » (1) (2) ، ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( دعوا الربا والريبة ) (3) .
__________
(1) سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2518),سنن النسائي الأشربة (5711),مسند أحمد بن حنبل (1/200),سنن الدارمي البيوع (2532).
(2) خرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم عن الحسن بن علي . وأحمد أيضا عن أنس مرفوعا وموقوفا . والطبراني عن ابن عمر . صححه الترمذي وأبو الجوزاء السعدي . وهو قطعة من حديث طويل ذكر فيه قنوت الوتر .
(3) [ أسبوع الفقه الإسلامي ] ، ص ( 524 ) ، وأثر عمر ذكره الحافظ ابن رجب في [ جامع العلوم والحكم ] ص ( 94 ) .

ومن القائلين بجواز التأمين مطلقا : الأستاذ عبد الرزاق السنهوري ، إلا أنه لا يرى الاستدلال على جوازه بما استدل به غيره من قياسه على بعض العقود المعروفة ، وإنما يراه عقدا مستحدثا قائما بذاته ، ونظرا لذلك أوردنا رأيه ، بدليله بعد كلام المانعين وكلام المجيزين ، وفيما يلي ما برر به رأيه : الوقوف عند أحد جانبي عقد التأمين وهو جانب العلاقة ما بين المؤمن والمؤمن له بالذات ، دون مجاوزة ذلك إلى الجانب الآخر وهو جانب العلاقة ما بين المؤمن ومجموع المؤمن لهم حيث لا يكون المؤمن إلا وسيطا بينهم ينظم تعاونهم جميعا على مواجهة الخسارة التي تحيق بالقليل منهم ، هو الذي دفع بكثير ممن تصدوا للإفتاء في مشروعية التأمين في الفقه الإسلامي إلى القول بعدم مشروعيته . وتكون فتواهم في هذه الحالة صحيحة ؛ لأنه إذا نظر إلى عقد التأمين من جهة العلاقة ما بين المؤمن والمؤمن له بالذات ، ومن جهة هذه العلاقة وحدها ، لم يعد عقد التأمين أن يكون عقد مقامرة أو رهان كما قدمنا ، ويكون غير مشروع ، لا فحسب في الفقه الإسلامي ، بل أيضا في القانون المصري وفي جميع القوانين التي تحرم المقامرة والرهان . ولكن الجانب الآخر من عقد التأمين وهو الجانب الذي يجب الوقوف عنده ؛ لأنه هو الذي يؤصل التأمين ويحدد طبيعته ويبرز التأمين في ثوبه الحقيقي ، ويبين أنه ليس إلا تعاونا منظما تنظيما دقيقا بين عدد كبير من الناس معرضين جميعا لخطر واحد ، حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع على مواجهته بتضحية قليلة يبذلها كل منهم يتلافون بها أضرارا جسيمة تحيق بمن نزل الخطر به منهم لولا التعاون . وشركة التأمين ليست في الواقع من الأمر إلا الوسيط الذي ينظم

هذا التعاون على أسس فنية صحيحة ، وهي أسس معقدة في أشد الحاجة إلى جهود شركات ضخمة ، وسنعرض لها فيما يلي : فالتأمين إذن هو تعاون محمود ، تعاون على البر والتقوى : يبر به المتعاونون بعضهم بعضا ، ويتقون به جميعا شر المخاطر التي تهددهم . فكيف يجوز القول بأنه غير مشروع ؟
وقد كثرت الفتاوى الشرعية في التأمين ، بعضها يحلله وبعضها يحرمه ، ومن الفتاوى البارزة في تحليله فتوى الأستاذ الإمام محمد عبده في شأن التأمين على الحياة ، ثم ذكر فتوى الشيخ محمد عبده وأشار إلى أقوال الأستاذ الزرقاء ومناقشة أبي زهرة له ، وقول برهام محمد عطا الله وأحمد السنوسي ، وعيسوي أحمد عيسوي ثم ذكر رأي المانعين أمثال : الشيخ ابن عابدين والشيخ محمد بخيت والشيخ أحمد قراعة والشيخ أبي زهرة والأستاذ أحمد إبراهيم . ثم قال بعد ذلك :
وفيما قدمناه من هذه الآراء المختلفة نقف عند المسائل الآتية :
( أ ) لا تصح التفرقة بين التأمين الاجتماعي والتأمين الفردي ، فكلاهما يقوم على أساس واحد ، ولا يختلفان إلا في أن الدولة في التأمين الاجتماعي هي التي تقوم بدور المؤمن . فمن قال بجواز التأمين الاجتماعي وجب أن يقول بجواز التأمين الفردي .
( ب ) لا يجوز قياس عقد التأمين على عقود أو نظم معروفة في الفقه الإسلامي ، فهو لا يشبه عقد المضاربة في شيء ، ولا هو كفالة ، ولا هو وديعة بأجر ، ولا عقد موالاة ، ولا يدخل في ضمان خطر الطريق ، ولا في الوعد الملزم ، ولا في نظام العواقل إلى آخر ما جاء

في التشبيهات .
( ج ) وإنما التأمين عقد جديد له مقوماته وخصائصه ، وهو ليس بين العقود أو النظم التي عرفها الفقه الإسلامي . ويأخذ عليه المحرمون له أنه مقامرة ، وفيه غرر ، وينطوي على الربا .
( د ) أما أن فيه مقامرة ، فقد بينا أن عقد التأمين بعيد كل البعد عنها . فهو من الناحية الفنية الاقتصادية ليس بمقامرة ، لا بالنسبة إلى المؤمن فهو يأخذ الأقساط من المؤمن له ثم يعيد توزيعها عليهم ولا يعرض نفسه لاحتمال الخسارة أو المكسب بأكثر مما يعرض نفسه أي شخص آخر في تجارة مشروعة ، ولا بالنسبة إلى المؤمن له إذ هو لا يقامر معتمد على الحظ والمصادفة ، بل على العكس من ذلك تماما يقصد أن يتوقى شر الحظ والمصادفة ويتعاون مع غيره من المؤمن له على توزيع أضرار ما يبيته الحظ والمصادفة لهم جميعا ، ولا يجوز أن نسمي التعاون مقامرة .
( هـ ) وأما الغرر ، فقد بينا في كتابنا [ مصادر الحق في الفقه الإسلامي ] أن هناك تطورا ملحوظا في الفقه الإسلامي ، في هذه المسألة ، وأن أكثر المذاهب تطورا فيها هو مذهب مالك . فقد بين ابن رشد في عبارة جلية الأصل عند مالك في ذلك فقال : ( والأصل عنده أن من الغرر يجوز لموضع الضرورة ) [ مصادر الحق في الفقه الإسلامي ] للمؤلف ، جزء 3 ، ص ( 32 ، 33 ) .
( و ) وأما الربا ، فهذه مسألة لا تقتصر على عقد التأمين ، بل تتناول ضروبا كثيرة التعامل ، وقد بحثناها بحثا مفصلا ، وميزنا بين ربا الجاهلية من

جهة وبين ربا النسيئة وربا الفضل من جهة أخرى ، فالأول : غير جائز إلا للضرورة ، والثاني : غير جائز أيضا إلا للحاجة . فإذا قامت الحاجة في نظام اقتصادي معين إلى دفع فوائد معتدلة على رءوس الأموال ، كان هذا جائزا ما دامت الحاجة قائمة ، وإلا عاد الأمر إلى أصله من عدم الجواز ( انظر تفصيل ذلك في [مصادر الحق في الفقه الإسلامي] للمؤلف ج 3 صـ 169 - 227 ) .
( ز ) بقي أن يقال : إن عقد التأمين لا يدخل في العقود المعروفة في الفقه الإسلامي وليس له نظير فيها ، وقد وردت هذه العقود على سبيل الحصر ، فأي عقد جديد لا يستند إليها يكون غير جائز . وقد سبق لنا أيضا أن بحثنا هذه المسألة ، وقلنا في صددها ما يأتي : ( هل العقود في الفقه الإسلامي مذكورة على سبيل الحصر ؟ . يبدو لأول وهلة أنها كذلك . ففي كتب الفقه لا نجد نظرية عامة للعقد ، بل نجد على النقيض من ذلك عقودا مسماة تأتي عقدا بعد عقد على ترتيب غير منطقي ، ويختلف هذا الترتيب في كتاب عنه في كتاب آخر ، حتى ليظن الباحث أن الفقه الإسلامي لا يعرف إلا هذه العقود المسماة ، وأن أي اتفاق لا يدخل تحت عقد من هذه العقود لا يكون مشروعا . ولكن هذه النظرة إلى الفقه الإسلامي نظرة سطحية ، فإن الباحث يلمح من خلال الأحكام التي يقررها الفقهاء في صدد هذه العقود المسماة إنهم يسلمون بإمكان أن يمتزج عقدان أو أكثر من هذه العقود في عقد واحد ، يجمع بين خصائص العقود التي امتزجت فيه ، بل ويلمح أن هناك قاعدة فقهية مسلمة ، هي أن المسلمين عند شروطهم ، وأن كل

اتفاق تتوافر فيه الشروط التي يقررها الفقه الإسلامي يكون عقدا مشروعا . ويكفي أن نشير إلى ما جاء في [البدائع] في هذا الصدد :
( وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : « المسلمون عند شروطهم » (1) . فظاهره يقتضي لزوم الوفاء بكل شرط إلا ما خص بدليل ؛ لأنه يقتضي أن يكون كل مسلم عند شرطه ، وإنما يكون كذلك إذا لزمه الوفاء به . . وهذا لأن الأصل أن تصرف الإنسان يقع على الوجه الذي أوقعه إذا كان أهلا للتصرف ، والمحل قابلا ، وله ولاية عليه ) [البدائع] جزء 5 ، صـ 259 . ومن ثم فما ذكره الفقهاء من العقود المسماة ، إنما هي العقود التي يغلب أن يقع بها التعامل في زمنه فإذا استحدثت الحضارة عقودا أخرى توافرت فيها الشروط المقررة فقها كانت عقودا مشروعة [مصادر الحق في الفقه الإسلامي] للمؤلف الجزء الأول ، صـ ( 80 - 83 ) ويؤخذ من ذلك أن عقد التأمين لا يجوز القول بعدم مشروعيته من ناحية أنه عقد جديد غير معروف في الفقه الإسلامي ، وإنما قد يتوهم أن يتسرب إليه عدم المشروعية من ناحية الربا أو من ناحية الغرر ، وقد سبق أن نفينا عنه كلا من الناحيتين . ا هـ (2) .
__________
(1) خرجه أبو داود وأحمد والدارقطني عن أبي هريرة والحاكم وصححه ؛ والدارقطني والحاكم عن عمرو بن عوف المزني . والحاكم عن أنس ، والطبراني عن رافع بن خديج ، والبزار عن ابن عمر .
(2) حاشية على ج من [ الوسيط] صـ ( 1087-1090 ) .

الرأي الثالث :
رأى بعض العلماء المعاصرين التفصيل بين أنواع التأمين في الحكم ، فحرم التأمين على الحياة أو بعض أعضاء الجسم ؛ كالحنجرة أو الأصابع .
واستدل على ذلك ببعض ما استدل به المانعون للتأمين التجاري مطلقا من كونه قمارا ، ونوعا من بيوع الغرر ، ومتضمنا بيع دراهم بدراهم مثلا نسيئة مع التفاضل ، وأباح التأمين على السيارات من الحوادث التي تصاب بها وما تصيب به غيرها من الأضرار في النفوس والأموال ، واستدل على ذلك ببعض ما استدل به المجيزون للتأمين التجاري مطلقا من كونه من باب التعاون والوفاء بالعقود ، وقد أمر الله بذلك ، وكون الأصل في العقود الإباحة حتى يقوم دليل على المنع ، ولم ينهض دليل على منع عقود التأمين ، وقاسه على ضمان السوق وضمان المجهود ، ومن كونه مصلحة ولشدة حاجة الناس إليه ، وناقش كل أدلة مخالفيه بما ناقش كل من الفريقين السابقين مخالفه فلذا اكتفت اللجنة بما تقدم من استدلال الفريقين ، ومناقشتها خشية الإطالة بما لا جدوى فيه .
وسلك جماعة في التفصيل طريقا أخرى هي الفرق بين ما كان من عقود التأمين خاليا من الربا فيجوز ، وما كان منها مشتملا على الربا إلا إذا دعت الضرورة إليه فيرخص فيه مؤقتا حتى تتاح الفرصة للتخلص مما فيه الربا ، وقد تقدم استدلال المانعين وجه اشتمال عقود التأمين على الربا ، ومناقشة المجيزين لذلك فلا نطيل بذكره خشية التكرار .
وتردد بعض العلماء المعاصرين في الحكم على التأمين التجاري بحل وبحرمة ورأى أن هذه المسألة عامة ولها أهمية كبرى فينبغي أن لا تترك لفرد

يفتي فيها ، بل يجب على علماء العصر أن يوفروا جهودهم ويكدسوها لبحثها ، وأن يتعاونوا على حل مشاكلها ، لينتهوا من بحثهم إلى رأي واضح يذهب ببلبلة الأفكار ويقضي على اختلاف الآراء أو يحد من كثرتها ويخفف من شدتها . ومن نظر في هذا لم يجد فيه حكما موافقا أو مخالفا لما تقدم وإنما هو نصيحة لعلماء العصر ومشورة عليهم بما يجب أن يعملوه وإرشاد إلى الطريق التي يجب أن يسلكوها لحل المشكل والوصول إلى نتيجة مرضية .
ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قاعدة في المعاقد حلالها وحرامها تتعلق بما سبق من الأدلة - رأينا أن نتبعها ما تقدم ؛ لما تشتمل عليه من زيادة البيان .
قال رحمه الله تعالى : فصل : القاعدة الثانية : في المعاقد حلالها وحرامها .
والأصل في ذلك : أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل ، وذم الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ، وذم اليهود على أخذهم الربا وقد نهوا عنه ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل في المعاوضات والتبرعات ، وما يؤخذ بغير رضا المستحق والاستحقاق .
وأكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان ، ذكرهما الله في كتابه هما : الربا ، والميسر ، فذكر تحريم الربا الذي هو ضد الصدقة في آخر سورة البقرة ، وسور : آل عمران ، والروم ، والمدثر ، وذم اليهود عليه في سورة النساء ، وذكر تحريم الميسر في سورة المائدة ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ما

جمعه الله في كتابه ، « فنهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر » ، كما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه .
والغرر : هو المجهول العاقبة ، فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار ، وذلك : أن العبد إذا أبق ، أو الفرس أو البعير إذا شرد ، فإن صاحبه إذا باعه فإنما يبيعه مخاطرة ، فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير ، فإن حصل له قال البائع : قمرتني ، وأخذت مالي بثمن قليل ، وإن لم يحصل قال المشتري : قمرتني وأخذت الثمن مني بلا عوض ، فيفضي إلى مفسدة الميسر التي هي إيقاع العداوة والبغضاء ، مع ما فيه من أكل المال بالباطل ، الذي هو نوع من الظلم ، ففي بيع الغرر ظلم وعداوة وبغضاء ، وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع حبل الحبلة والملاقيح والمضامين ومن بيع السنين وبيع الثمر قبل بدو صلاحه ، وبيع الملامسة والمنابذة ونحو ذلك - كله من نوع الغرر .
وأما الربا : فتحريمه في القرآن أشد ؛ ولهذا قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (1) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } (2) وذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر ، كما خرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وذكر الله أنه حرم على الذين هادوا طيبات أحلت لهم بظلمهم ، وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل وأخبر سبحانه أنه يمحق الربا كما يربي الصدقات ، وكلاهما أمر مجرب عند الناس ، وذلك : أن الربا أصله إنما يتعامل به المحتاج ، وإلا فالموسر لا يأخذ ألفا حالة بألف ومائتين مؤجلة
__________
(1) سورة البقرة الآية 278
(2) سورة البقرة الآية 279

إذا لم يكن له حاجة لتلك الألف ، وإنما يأخذ المال بمثله وزيادة إلى أجل من هو محتاج إليه ، فتقع تلك الزيادة ظلما للمحتاج ، بخلاف الميسر ، فإن المظلوم فيه غير مفتقر ، ولا محتاج إلى العقد ، وقد تخلو بعض صوره عن الظلم إذا وجد في المستقبل المبيع على الصفة التي ظناها ، والربا فيه ظلم محقق لمحتاج ، وبهذا كان ضد الصدقة ، فإن الله لم يدع الأغنياء حتى أوجب عليهم إعطاء الفقراء ، فإن مصلحة الغني والفقير في الدين والدنيا لا تتم إلا بذلك فإذا أربى معه ، فهو بمنزلة من له على رجل دين فمنعه دينه وظلمه زيادة أخرى والغريم محتاج إلى دينه ، فهذا من أشد أنواع الظلم ، ولعظمته : لعن النبي صلى الله عليه وسلم أكله ، وهو الأخذ ، وموكله وهو المحتاج المعطي للزيادة ، وشاهديه وكاتبه ، لإعانتهم عليه .
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم أشياء مما يخفى فيها الفساد لإفضائها إلى الفساد المحقق ، كما حرم قليل الخمر ؛ لأنه يدعو إلى كثيرها مثل ربا الفضل فإن الحكمة فيه قد تخفى إذ العاقل لا يبيع درهما بدرهمين إلا لاختلاف الصفات مثل : كون الدرهم صحيحا ، والدرهمين مكسورين ، أو كون الدرهم مصوغا أو من نقد نافق ونحو ذلك ، ولذلك خفيت حكمة تحريمه على ابن عباس ومعاوية وغيرهما ، فلم يروا به بأسا ، حتى أخبرهم الصحابة الأكابر- كعبادة بن الصامت وأبي سعيد وغيرهما - بتحريم النبي صلى الله عليه وسلم لربا الفضل .
وأما الغرر : فإنه ثلاثة أنواع : إما المعدوم ؛ كحبل الحبلة ، وبيع السنين ، وإما المعجوز عن تسليمه ؛ كالعبد الآبق ، وإما المجهول المطلق ، أو المعين المجهول جنسه أو قدره ؛ كقوله : بعتك عبدا أو بعتك

ما في بيتي ، أو بعتك عبيدي . فأما المعين المعلوم جنسه وقدره المجهول نوعه أو صفته ؛ كقوله : بعتك الثوب الذي في كمي ، أو العبد الذي أملكه ونحو ذلك - ففيه خلاف مشهور ، وتغلب مسألة بيع الأعيان الغائبة ، وعن أحمد فيه ثلاث روايات ، إحداهن : لا يصح بيعه بحال ، كقول الشافعي في الجديد ، والثانية : يصح وإن لم يوصف ، وللمشتري الخيار إذا رآه ، كقول أبي حنيفة ، وقد روي عن أحمد : لا خيار له . والثالثة : - وهي المشهور - أنه يصح بالصفة ، ولا يصح بدون الصفة ، كالمطلق الذي في الذمة ، وهو قول مالك .
ومفسدة الغرر أقل من الربا ، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه ، فإن تحريمه أشد ضررا من ضرر كونه غررا مثل بيع العقار جملة ، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس ، ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع ، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن ، وإن كان قد نهي عن بيع الحمل مفردا ، وكذلك اللبن عند الأكثرين ، وكذلك بيع الثمرة بعد بدو صلاحها ، فإنه يصح ، مستحق الإبقاء ، كما دلت عليه السنة ، وذهب إليه الجمهور ؛ كمالك والشافعي وأحمد ، وإن كانت الأجزاء التي يكمل الصلاح بها لم تخلق بعد .
وجوز النبي صلى الله عليه وسلم إذا باع نخلا قد أبرت : أن يشترط المبتاع ثمرتها فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها ، لكن على وجه البيع للأصل . فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز من غيره .
ولما احتاج الناس إلى العرايا رخص في بيعها بالخرص ، فلم يجوز المفاضلة المتيقنة ، بل سوغ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه

الحاجة ، وهو قدر النصاب خمسة أوسق أو ما دون النصاب ، على اختلاف القولين للشافعي وأحمد ، وإن كان المشهور عن أحمد ما دون النصاب .
إذا تبين ذلك : فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره ، فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال : هو أفقه الناس في البيوع ، كما كان يقال : عطاء أفقه الناس في المناسك ، وإبراهيم أفقههم في الصلاة ، والحسن أجمعهم لذلك كله ؛ ولهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين في أغلب ما فضل فيه لمن استقرأ ذلك من أجوبته ، والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب . فإنهما يحرمان الربا ويشددان فيه حق التشديد ؛ لما تقدم من شدة تحريمه وعظم مفسدته ، ويمنعان الاحتيال عليه بكل طريق ، حتى يمنعا الذريعة المفضية إليه ، وإن لم تكن حيلة ، وإن كان مالك يبالغ في سد الذرائع ما لا يختلف قول أحمد فيه أو لا يقوله ، لكنه يوافقه بلا خلاف عنه على منع الحيل كلها .
وجماع الحيل نوعان : إما أن يضموا إلى أحد العوضين ما ليس بمقصود أو يضموا إلى العقد عقدا ليس بمقصود .
فالأول : مسألة ( مد عجوة ) وضابطها : أن يبيع ربويا بجنسه ، ومعهما أو مع أحدهما ما ليس من جنسه ، مثل أن يكون غرضهما بيع فضة بفضة متفاضلا ونحو ذلك فيضم إلى الفضة القليلة عوضا آخر ، حتى يبيع ألف دينار في منديل بألفي دينار .
فمتى كان المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا حرمت مسألة ( مد عجوة ) بلا خلاف عند مالك وأحمد وغيرهما ، وإنما يسوغ مثل هذا من جوز الحيل من الكوفيين ، وإن كان قدماء الكوفيين يحرمون هذا . وأما إن

كان كلاهما مقصودا كمد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم ، أو مدين أو درهمين ففيه روايتان عن أحمد ، والمنع : قول مالك والشافعي ، والجواز : قول أبي حنيفة ، وهي مسألة اجتهاد .
وأما إن كان المقصود من أحد الطرفين غير الجنس الربوي ، كبيع شاة ذات صوف أو لبن بصوف أو لبن : فأشهر الروايتين عن أحمد الجواز .
والنوع الثاني من الحيل : أن يضما إلى العقد المحرم عقدا غير مقصود ، مثل أن يتواطآ على أن يبيعه الذهب بخرزه ثم يبتاع الخرز منه بأكثر من ذلك الذهب ، أو يواطئا ثالثا على أن يبيع أحدهما عرضا ، ثم يبيعه المبتاع لمعامله المرابي ثم يبيعه المرابي لصاحبه ، وهي الحيلة المثلثة أو يقرن بالقرض محاباة في بيع أو إجارة أو مساقاة ونحو ذلك ، مثل أن يقرضه ألفا ويبيعه سلعة تساوي عشرة بمائتين ، أو يكريه دارا تساوي ثلاثين بخمسة ونحو ذلك .
فهذا ونحوه من الحيل لا تزول به المفسدة التي حرم الله من أجلها الربا ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال : « لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » (1) قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وهو من جنس حيل اليهود ، فإنهم إنما استحلوا الربا بالحيل ، ويسمونه : المشكند ، وقد لعنهم الله على ذلك .
وقد روى ابن بطة بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل » ، وفي الصحيحين عنه أنه قال : « لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها » (2) ، وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من
__________
(1) سنن الترمذي البيوع (1234),سنن النسائي البيوع (4611),سنن أبو داود البيوع (3504),سنن الدارمي البيوع (2560).
(2) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (3273),صحيح مسلم المساقاة (1582),سنن النسائي الفرع والعتيرة (4257),سنن ابن ماجه الأشربة (3383),مسند أحمد بن حنبل (1/25),سنن الدارمي الأشربة (2104).

أدخل فرسا بين فرسين - وهو لا يأمن أن يسبق - فليس قمارا ، ومن أدخل فرسا بين فرسين - وقد أمن أن يسبق - فهو قمار » (1) ، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أهل السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : « البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله » (2) (3) .
ودلائل تحريم الحيل من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كثيرة ، ذكرنا منها نحوا من ثلاثين دليلا فيما كتبناه في ذلك ، وذكرنا ما يحتج به من يجوزها ؛ كيمين أبي أيوب ، وحديث تمر خيبر ، ومعاريض السلف ، وذكرنا جواب ذلك (4) .
ومن ذرائع ذلك : مسألة العينة ، وهو أن يبيعه سلعة إلى أجل ، ثم يبتاعها منه بأقل من ذلك ، فهذا مع التواطؤ يبطل البيعين ؛ لأنها حيلة ، وقد روى أحمد وأبو داود بإسنادين جيدين عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا تبايعتم بالعينة ، واتبعتم أذناب البقر ، وتركتم الجهاد في سبيل الله أرسل الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم » (5) ، وإن لم يتواطآ فإنهما يبطلان البيع الثاني ، سدا للذريعة ، ولو كانت عكس مسألة العينة من غير تواطؤ ففيه روايتان عن أحمد ، وهو أن يبيعه حالا ثم يبتاع منه بأكثر مؤجلا ، وأما مع التواطؤ فربا محتال عليه .
ولو كان مقصود المشتري الدرهم وابتاع السلعة إلى أجل ؛ ليبيعها ويأخذ ثمنها فهذا يسمى : التورق . ففي كراهته عن أحمد روايتان .
__________
(1) سنن أبو داود الجهاد (2579),سنن ابن ماجه الجهاد (2876),مسند أحمد بن حنبل (2/505).
(2) صحيح البخاري البيوع (1973),صحيح مسلم البيوع (1532),سنن الترمذي البيوع (1246),سنن النسائي البيوع (4464),سنن أبو داود البيوع (3459),مسند أحمد بن حنبل (3/402),سنن الدارمي البيوع (2547).
(3) رواه البخاري ومسلم بنحوه من حديث عبد الله بن عمر .
(4) في كتاب [إقامة الدليل على إبطال التحليل] .
(5) سنن أبو داود البيوع (3462),مسند أحمد بن حنبل (2/84).

والكراهة قول عمر بن عبد العزيز و مالك ، فيما أظن ، بخلاف المشتري الذي غرضه التجارة ، أو غرضه الانتفاع أو القنية ، فهذا يجوز شراؤه إلى أجل بالاتفاق .
ففي الجملة : أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعا محكما مراعين لمقصود الشريعة وأصولها ، وقولهم في ذلك هو الذي يؤثر مثله عن الصحابة ، وتدل عليه معاني الكتاب والسنة .
وأما الغرر : فأشد الناس فيه قولا أبو حنيفة والشافعي ، أما الشافعي : فإنه يدخل في هذا الاسم من الأنواع ما لا يدخله غيره من الفقهاء ، مثل الحب والثمر في قشره الذي ليس بصوان ؛ كالباقلاء والجوز واللوز في قشره الأخضر ، وكالحب في سنبله ، فإن القول الجديد عنده : أن ذلك لا يجوز ، مع أنه قد اشترى في مرض موته باقلاء أخضر ، فخرج ذلك له قولا ، واختاره طائفة من أصحابه كأبي سعيد الإصطخري " وروي عنه أنه ذكر له : أن النبي صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع الحب حتى يشتد » (1) فدل على جواز بيعه بعد اشتداده ، وإن كان في سنبله فقال : إن صح هذا أخرجته من العام أو كلاما قريبا من هذا ، وكذلك ذكر أنه رجع عن القول بالمنع .
قال ابن المنذر : جواز ذلك هو قول مالك وأهل المدينة ، وعبيد الله بن الحسن وأهل البصرة وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي . وقال الشافعي مرة : لا يجوز ، ثم بلغه حديث ابن عمر ، فرجع عنه وقال به ، قال ابن المنذر : ولا أعلم أحدا يعدل عن القول به .
وذكر بعض أصحابه له قولين . وأن الجواز هو القديم ، حتى منع من بيع الأعيان الغائبة بصفة وغير صفة ، متأولا إن بيع الغائب غرر وإن وصف ،
__________
(1) سنن الترمذي البيوع (1228),سنن أبو داود البيوع (3371),سنن ابن ماجه التجارات (2217),مسند أحمد بن حنبل (3/250).

حتى اشترط فيما في الذمة - كدين السلم - من الصفات وضبطها ما لم يشترطه غيره ؛ ولهذا يتعذر أو يتعسر على الناس المعاملة في العين والدين بمثل هذا القول ، وقاس على بيع الغرر جميع العقود ، من التبرعات والمعاوضات فاشترط في أجرة الأجير ، وفدية الخلع والكتابة ، وصلح أهل الهدنة ، وجزية أهل الذمة - ما اشترطه في البيع عينا ودينا ، ولم يجوز في ذلك جنسا وقدرا وصفة إلا ما يجوز مثله في البيع ، وإن كانت هذه العقود لا تبطل بفساد أعواضها ، أو يشترط لها شروط أخر .
وأما أبو حنيفة : فإنه يجوز بيع الباقلاء ونحوه في القشرين ، ويجوز إجارة الأجير بطعامه وكسوته ، ويجوز أن تكون جهالة المهر كجهالة مهر المثل ، ويجوز بيع الأعيان الغائبة بلا صفة ، مع الخيار ؛ لأنه يرى وقف العقود ، لكنه يحرم المساقاة والمزارعة ونحوهما من المعاملات مطلقا ، والشافعي يجوز بيع بعض ذلك ، ويحرم أيضا في البيع والإجارة والنكاح وغير ذلك مما يخالف مطلق العقد .
وأبو حنيفة يجوز بعض ذلك ، ويجوز من الوكالات والشركات ما لا يجوزه الشافعي ، حتى جوز شركة المفاوضة والوكالة بالمجهول المطلق .
وقال الشافعي : إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فما أعلم شيئا باطلا .
فبينهما في هذا الباب عموم وخصوص ، لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول أبي حنيفة في ذلك .
وأما مالك : فمذهبه أحسن المذاهب في هذا ، فيجوز بيع هذه الأشياء وجميع ما تدعو إليه الحاجة ، أو يقل غرره ، بحيث يحتمل في العقود ، حتى يجوز بيع المقاتي جملة ، وبيع المغيبات في الأرض ، كالجزر

والفجل ونحو ذلك .
وأحمد قريب منه في ذلك ، فإنه يجوز هذه الأشياء ، ويجوز - على المنصوص عنه - أن يكون المهر عبدا مطلقا ، أو عبدا من عبيده ونحو ذلك مما لا تزيد جهالته على مهر المثل ، وإن كان من أصحابه من يجوز المبهم دون المطلق ، كأبي الخطاب ، ومنهم من يوافق الشافعي ، فلا يجوز في المهر وفدية الخلع ونحوهما إلا ما يجوز في المبيع ، كأبي بكر عبد العزيز ، ويجوز - على المنصوص عنه - في فدية الخلع أكثر من ذلك ، حتى ما يجوز في الوصية وإن لم يجز في المهر ، كقول مالك مع اختلاف في مذهبه ، ليس هذا موضعه ، لكن المنصوص عنه : أنه لا يجوز بيع المغيب في الأرض ، كالجزر ونحوه إلا إذا قلع ، وقال : هذا الغرر شيء ليس يراه ، كيف يشتريه ؟ والمنصوص عنه : أنه لا يجوز بيع القثاء والخيار والباذنجان ونحوه إلا لقطة لقطة ، ولا يباع من المقاتي والمباطخ إلا ما ظهر دون ما بطن ، ولا تباع الرطبة إلا جزة جزة ؛ كقول أبي حنيفة والشافعي ؛ لأن ذلك غرر ، وهو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها .
ثم اختلف أصحابه : فأكثرهم أطلقوا ذلك في كل مغيب ؛ كالجزر والفجل والبصل وما أشبه ذلك ، كقول الشافعي وأبي حنيفة .
وقال الشيخ أبو محمد : إذا كان مما يقصد فروعه وأصوله ؛ كالبصل المبيع أخضر ، والكراث والفجل ، أو كان المقصود فروعه . فالأولى جواز بيعه ؛ لأن المقصود منه ظاهر فأشبه الشجر والحيطان ، ويدخل ما لم يظهر في المبيع تبعا ، وإن كان معظم المقصود منه أصوله لم يجز بيعه في الأرض ؛ لأن الحكم للأغلب ، وإن تساويا لم يجز أيضا ؛ لأن الأصل

اعتبار الشرط ، وإنما سقط في الأقل التابع .
وكلام أحمد يحتمل وجهين ، فإن أبا داود قال : قلت لأحمد : بيع الجزر في الأرض ؟ قال : لا يجوز بيعه إلا ما قلع منه ، هذا الغرر ، شيء ليس يراه ، كيف يشتريه ؟ فعلل بعدم الرؤية .
فقد يقال : إن لم ير كله لم يبع . وقد يقال : رؤية بعض المبيع تكفي إذا دلت على الباقي كرؤية وجه العبد .
وكذلك اختلفوا في المقاتي إذا بيعت بأصولها . كما هو العادة غالبا .
فقال قوم من المتأخرين : يجوز ذلك ؛ لأن بيع أصول الخضروات كبيع الشجر ، وإذا باع الشجرة وعليها الثمر لم يبد صلاحه جاز . فكذلك هذا . وذكر أن هذا مذهب أبي حنيفة والشافعي .
وقال المتقدمون : لا يجوز بحال ، وهو معنى كلامه ومنصوصه . وهو إنما نهى عما يعتاده الناس ، وليست العادة جارية في البطيخ والقثاء والخيار : أن يباع دون عروقه ، والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع عنده . فإن المنصوص عنه في رواية الأثرم ، وإبراهيم بن الحارث في الشجر الذي عليه ثمر لم يبد صلاحه : إنه إن كان الأصل هو مقصوده الأعظم جاز ، وأما إن كان مقصوده الثمرة فاشترى الأصل معها حيلة لم يجز ، وكذلك إذا اشترى أرضا وفيها زرع أو شجر مثمر لم يبد صلاحه ، فإن كانت الأرض هي المقصود جاز دخول الثمر والزرع معها تبعا ، وإن كان المقصود هو الثمر والزرع ، فاشترى الأرض لذلك لم يجز . وإذا كان هذا قوله في ثمرة الشجر ، فمعلوم أن المقصود من المقاتي والمباطخ : إنما هو الخضروات دون الأصول التي ليس لها إلا قيمة يسيرة بالنسبة إلى الخضر .

وقد خرج ابن عقيل وغيره فيها وجهين :
أحدهما : كما في جواز بيع المغيبات بناء على إحدى الروايتين عنه في بيع ما لم يره . ولا شك أنه ظاهر ، فإن المنع إنما يكون على قولنا : لا يصح بيع ما لم يره . فإذا صححنا بيع الغائب فهذا من الغائب .
والثاني : أنه يجوز بيعها مطلقا ، كمذهب مالك ، إلحاقا لها بلب الجوز . وهذا القول هو قياس أصول أحمد وغيره لوجهين :
أحدهما : أن أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه ، والمرجع في كل شيء إلى الصالحين من أهل الخبرة به وهم يقرون بأنهم يعرفون هذه الأشياء كما يعرفون غيرها مما اتفق المسلمون على جواز بيعه وأولى .
الثاني : أن هذا مما تمس حاجة الناس إلى بيعه . فإنه إذا لم يبع حتى يقلع حصل على أصحابه ضرر عظيم . فإنه قد يتعذر عليهم مباشرة القلع والاستنابة فيه . وإن قلعوه جملة فسد بالقلع ، فبقاؤه في الأرض كبقاء الجوز واللوز ونحوهما في قشره الأخضر .
وأحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوزون العرايا مع ما فيها من المزابنة لحاجة المشتري إلى أكل الرطب ، أو البائع إلى أكل التمر ، فحاجة البائع هنا أوكد بكثير وسنقرر ذلك إن شاء الله .
وكدلك قياس أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث : جواز بيع المقاتي باطنها وظاهرها ، وإن اشتمل ذلك على بيع معدوم إذا بدا صلاحها ، كما يجوز بالاتفاق إذا بدا صلاح بعض نخلة أو شجرة : أن يباع جميع ثمرها . وإن كان فيها ما لم يصلح بعد .

وغاية ما اعتذروا به عن خروج هذا من القياس أن قالوا : إنه لا يمكن إفراد البيع لذلك من نخلة واحدة ؛ لأنه لو أفرد البسرة بالعقد اختلطت بغيرها في يوم واحد ؛ لأن البسرة تصفر في يومها ، وهذا بعينه موجود في المقتاة . وقد اعتذر بعض أصحاب الشافعي وأحمد عن بيع المعدوم تبعا بأن ما يحدث من الزيادة في الثمرة بعد العقد ليس بتابع للموجود ، وإنما يكون ذلك للمشتري ؛ لأنه موجود في ملكه .
والجمهور من الطائفتين يعلمون فساد هذا العذر ؛ لأنه يجب على البائع سقي الثمرة ، ويستحق إبقاءها على الشجر بمطلق العقد ، ولو لم يستحق الزيادة بالعقد لما وجب على البائع ما به تؤخذ ، فإن الواجب على البائع بحكم البيع توفية المبيع الذي أوجبه العقد ، لا ما كان من موجبات الملك .
وأيضا : فإن الرواية اختلفت عن أحمد إذا بدا الصلاح في حديقة من الحدائق هل يجوز بيع جميعها أم لا يباع إلا ما صلح منها ؟ على روايتين :
أشهرهما عنه : أنه لا يباع إلا ما بدا صلاحه ، وهي اختيار قدماء أصحابه ؛ كأبي بكر وابن شاقلا .
والرواية الثانية : يكون بدو الصلاح في البعض صلاحا للجميع . وهي اختيار أكثر أصحابه ؛ كابن حامد والقاضي ومن تبعهما .
ثم المنصوص عنه في هذه الرواية أنه قال : إذا كان في بستان بعضه بالغ وبعضه غير بالغ بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ ، فمنهم من فرق بين صلاح القليل والكثير ، كالقاضي أخيرا وأبي حكيم النهرواني ، وأبي البركات وغيرهم ممن قصر الحكم بما إذا غلب الصلاح ، ومنهم من سوى بين الصلاح القليل والكثير ، كأبي الخطاب وجماعات ، وهو قول مالك

والشافعي والليث ، وزاد مالك فقال : يكون صلاحا لما جاوره من الأقرحة . وحكوا ذلك رواية عن أحمد .
واختلف هؤلاء : هل يكون صلاح النوع - كالبرني من الرطب - صلاحا لسائر أنواع الرطب على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد . أحدهما : المنع ، وهو قول القاضي وابن عقيل وأبي محمد . والثاني : الجواز ، وهو قول أبي الخطاب . وزاد الليث على هؤلاء فقال : صلاح الجنس كالتفاح واللوز يكون صلاحا لسائر أجناس الثمار . ومأخذ من جوز شيئا من ذلك : أن الحاجة تدعو إلى ذلك . فإن بيع بعض ذلك دون بعض يفضي إلى سوء المشاركة ، واختلاف الأيدي ، وهذه علة من فرق بين البستان الواحد والبساتين ، ومن سوى بينهما ، فإنه قال : المقصود الأمن من العاهة ، وذلك يحصل بشروع الثمر في الصلاح . ومأخذ من منع ذلك : أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : « حتى يبدو صلاحها » (1) يقتضي بدو صلاح الجميع .
والغرض من هذا المذهب : أن من جوز بيع البستان من الجنس الواحد لبدو الصلاح في بعضه ، فقياس قوله : جواز بيع المقتاة إذا بدا صلاح بعضها . والمعدوم هنا فيها كالمعدوم من أجزاء الثمرة ، فإن الحاجة تدعو إلى ذلك أكثر ، إذ تفريق الأشجار في البيع أيسر من تفريق البطيخات والقثاءات والخيارات ، وتمييز اللقطة عن اللقطة لو لم يشق ، فإنه أمر لا ينضبط . فإن اجتهاد الناس في ذلك متفاوت .
والغرض من هذا : أن أصول أحمد تقتضي موافقة مالك في هذه المسائل ، كما قد روي عنه في بعض الجوابات أو قد خرجه أصحابه على أصوله ، وكما أن العالم من الصحابة والتابعين والأئمة كثيرا ما يكون له في
__________
(1) صحيح البخاري الزكاة (1415),صحيح مسلم البيوع (1534),سنن أبو داود البيوع (3367),سنن ابن ماجه التجارات (2214),مسند أحمد بن حنبل (2/123),موطأ مالك البيوع (1303),سنن الدارمي البيوع (2555).

المسألة الواحدة قولان في وقتين ، فكذلك يكون له في النوع الواحد من المسائل قولان في وقتين ، فيجيب في بعض أفرادها بجواب في وقت ويجيب في بعض الأفراد بجواب آخر في وقت آخر . وإذا كانت الأفراد مستوية وكان له فيها قولان ، فإن لم يكن بينهما فرق يذهب إليه مجتهد فقوله فيها واحد بلا خلاف ، وإن كان مما قد يذهب إليه مجتهد فقالت طائفة منهم أبو الخطاب : لا يخرج ، وقال الجمهور : - كالقاضي أبي يعلى - يخرج الجواب ، إذا لم يكن هو ممن يذهب إلى الفرق كما اقتضته أصوله ، ومن هؤلاء من يخرج الجواب إذا رآهما مستويين ، وإن لم يعلم هل هو ممن يفرق أم لا ، وإن فرق بين بعض الأفراد وبعض مستحضرا لهما ، فإن كان سبب الفرق مأخذا شرعيا : كان الفرق قولا له ، وإن كان سبب الفرق مأخذا عاديا أو حسيا ونحو ذلك مما قد يكون أهل الخبرة به أعلم من الفقهاء الذين لم يباشروا ذلك ، فهذا في الحقيقة لا يفرق بينهما شرعا ، وإنما هو أمر من أمر الدنيا لم يعلمه العالم ، فإن العلماء ورثة الأنبياء ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أنتم أعلم بأمر دنياكم ، فأما ما كان من أمر دينكم فإلي » (1) (2) .
وهذا الاختلاف في عين المسألة أو نوعها من العلم قد يسمى تناقضا أيضا ؛ لأن التناقض اختلاف مقالتين بالنفي والإثبات ، فإذا كان في وقت قد قال : إن هذا حرام . وقال في وقت آخر فيه أو في مثله : إنه ليس بحرام ، أو قال ما يستلزم أنه ليس بحرام - فقد تناقض قولاه . وهو مصيب في كليهما
__________
(1) صحيح مسلم الفضائل (2363),سنن ابن ماجه الأحكام (2471),مسند أحمد بن حنبل (6/123).
(2) خرجه مسلم في صحيحه عن أنس وعائشة رضي الله عنهما .

عند من يقول : كل مجتهد مصيب ، وإنه ليس لله في الباطن حكم على المجتهد غير ما اعتقده .
وأما الجمهور الذين يقولون : إن لله حكما في الباطن ، علمه العالم في إحدى المقالتين ولم يعلمه في المقالة التي تناقضها ، وعدم علمه به مع اجتهاده مغفور له ، مع ما يثاب عليه من قصده للحق واجتهاده في طلبه ؛ ولهذا يشبه بعضهم تعارض الاجتهادات من العلماء بالناسخ والمنسوخ في شرائع الأنبياء ، مع الفرق بينهما بأن كل واحد من الناسخ والمنسوخ ثابت بخطاب حكم الله باطنا وظاهرا ، بخلاف أحد قولي العالم المتناقضين .
هذا فيمن يتقي الله فيما يقوله ، مع علمه بتقواه وسلوكه الطريق الراشد . وأما أهل الأهواء والخصومات ، فهم مذمومون في مناقضاتهم ؛ لأنهم يتكلمون بغير علم ، ولا حسن قصد لما يجب قصده .
وعلى هذا فلازم قول الإنسان نوعان :
أحدهما : لازم قوله الحق . فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه فإن لازم الحق حق ، ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره . وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب .
والثاني : لازم قوله الذي ليس بحق . فهذا لا يجب التزامه ، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين ، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه ، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه ؛ لكونه قد قال ما يلزمه ، وهو لا يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه .
وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب هل هو مذهب أو

ليس بمذهب ؟ هو أجود من إطلاق أحدهما ، فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله . وما لا يرضاه فليس قوله . وإن كان متناقضا وهو الفرق بين اللازم الذي يجب التزامه مع لزوم اللازم الذي يجب ترك الملزوم للزومه . فإذا عرف هذا عرف الفرق بين الواجب من المقالات والواقع منها وهذا متوجه في اللوازم التي لم يصرح هو بعدم لزومها .
فأما إذا نفى هو اللزوم لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال ، وإلا لأضيف إلى كل عالم ما اعتقدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ؛ لكونه ملتزما لرسالته ، فلما لم يضف إليه ما نفاه عن الرسول وإن كان لازما له : ظهر الفرق بين اللازم الذي لم ينفه واللازم الذي نفاه . ولا يلزم من كونه نص على الحكم نفيه للزوم ما يلزمه ؛ لأنه قد يكون عن اجتهادين في وقتين .
وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء - مع وجود الاختلاف في قول كل منهما : أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد ، وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده دليله ، وإن لم يكن مطابقا ، لكن اعتقادا ليس بيقيني ، كما يؤمر الحاكم بتصديق الشاهدين ذوي العدل ، وإن كانا في الباطن قد أخطأ أو كذبا ، وكما يؤمر المفتي بتصديق المخبر العدل الضابط أو باتباع الظاهر ، فيعتقد ما دل عليه ذلك ، وإن لم يكن ذلك الاعتقاد مطابقا . فالاعتقاد المطلوب هو الذي يغلب على الظن مما يؤمر به العباد ، وإن كان قد يكون غير مطابق ، وإن لم يكونوا مأمورين في الباطن باعتقاد غير مطابق قط . فإذا اعتقد العالم اعتقادين متناقضين في قضية أو قضيتين ، مع قصده للحق واتباعه لما أمر باتباعه من الكتاب والحكمة - عذر

بما لم يعلمه وهو الخطأ المرفوع عنا ، بخلاف أصحاب الأهواء ، فإنهم { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ } (1) ويجزمون بما يقولونه بالظن والهوى جزما لا يقبل النقيض ، مع عدم العلم بجزمه . فيعتقدون ما لم يؤمروا باعتقاده ، لا باطنا ولا ظاهرا ، ويقصدون ما لم يؤمروا بقصده ، ويجتهدون اجتهادا لم يؤمروا به . فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه ، فكانوا ظالمين ، شبيها بالمغضوب عليهم أو جاهلين ، شبيها بالضالين .
فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق ، وقد سلك طريقه ، وأما متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحق ويعاند عنه .
وثم قسم آخر - وهم غالب الناس - وهو أن يكون له هوى ، وله في الأمر الذي قصد إليه شبهة ، فتجتمع الشهوة والشبهة ؛ ولهذا جاء في حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات » .
فالمجتهد المحض مغفور له ومأجور ، وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب ، وأما المجتهد الاجتهاد المركب من شبهة وهوى : فهو مسيء . وهم في ذلك على درجات بحسب ما يغلب ، وبحسب الحسنات الماحية .
وأكثر المتأخرين - من المنتسبين إلى فقه أو تصوف - مبتلون بذلك . وهذا القول الذي دلت عليه أصول مالك وأصول أحمد ، وبعض أصول
__________
(1) سورة النجم الآية 23

غيرهما هو أصح الأقوال . وعليه يدل غالب معاملات السلف ولا يستقيم أمر الناس في معاشهم إلا به ، وكل من توسع في تحريم ما يعتقده غررا فإنه لا بد أن يضطر إلى إجازة ما حرمه الله ، فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة ، وإما أن يحتال ، وقد رأينا الناس وبلغتنا أخبارهم ، فما رأينا أحدا التزم مذهبه في تحريم هذه المسائل ، ولا يمكنه ذلك ، ونحن نعلم قطعا أن مفسدة التحريم لا تزول بالحيلة التي يذكرونها . فمن المحال أن يحرم الشارع علينا أمرا نحن محتاجون إليه ، ثم لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها ، وإنما هي من جنس اللعب . ولقد تأملت أغلب ما أوقع الناس في الحيل فوجدته أحد شيئين : إما ذنوب جوزوا عليها بتضييق في أمورهم ، فلم يستطيعوا دفع هذا الضيق إلا بالحيل فلم تزدهم الحيل إلا بلاء ، كما جرى لأصحاب السبت من اليهود ، كما قال تعالى : { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } (1) وهذا الذنب ذنب عملي . وإما مبالغة في التشديد لما اعتقدوا من تحريم الشارع ، فاضطرهم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل وهذا من خطأ الاجتهاد ، وإلا فمن اتقى الله وأخذ ما أحل له ، وأدى ما وجب عليه . فإن الله لا يحوجه إلى الحيل المبتدعة أبدا . فإنه سبحانه لم يجعل علينا في الدين من حرج ، وإنما بعث نبينا صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة ، فالسبب الأول : هو الظلم . والسبب الثاني : هو عدم العلم . والظلم والجهل هما وصف للإنسان المذكور في قوله : { وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } (2)
__________
(1) سورة النساء الآية 160
(2) سورة الأحزاب الآية 72

وأصل هذا : أن الله سبحانه إنما حرم علينا المحرمات من الأعيان ؛ كالدم والميتة ولحم الخنزير أو من التصرفات ؛ كالميسر والربا وما يدخل فيهما بنوع من الغرر وغيره ؛ لما في ذلك من المفاسد التي نبه الله عليها ورسوله بقوله سبحانه : { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } (1) فأخبر سبحانه أن الميسر يوقع العداوة والبغضاء ، سواء كان ميسرا بالمال أو باللعب . فإن المغالبة بلا فائدة وأخذ المال بلاحق يوقع في النفوس ذلك ، وكذلك روى فقيه المدينة من الصحابة زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتاعون الثمار فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم ، قال المبتاع : إنه أصاب الثمر الدمان ، أصابه مراض ، أصابه قشام - عاهات يحتجون بها - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة ، في ذلك : « فإما لا ، فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر » (2) - كالمشورة ، يشير بها لكثرة خصومتهم - . وذكر خارجة بن زيد بن ثابت : أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر . رواه البخاري تعليقا ، وأبو داود إلى قوله : خصومتهم ، وروى أحمد في [المسند ] عنه قال : « قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، ونحن نتبايع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خصومة فقال : ما هذا ؟ فقيل له : هؤلاء ابتاعوا الثمار يقولون : أصابنا الدمان والقشام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تبايعوها حتى يبدو صلاحها » (3) .
__________
(1) سورة المائدة الآية 91
(2) سنن أبو داود البيوع (3372).
(3) سنن أبو داود البيوع (3372),مسند أحمد بن حنبل (5/190).

فقد أخبر أن سبب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك : ما أفضت إليه من الخصام وهكذا بيوع الغرر ، وقد ثبت نهيه عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها في الصحيحين ، من حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وأنس ، وفي مسلم من حديث أبي هريرة ، وفي حديث أنس تعليله ، ففي الصحيحين عن أنس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي ، قيل : وما تزهي ؟ قال : حتى تحمر أو تصفر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ » (1) ، وفي رواية : أن النبي صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع الثمر حتى يزهو ، فقلنا لأنس : ما زهوها ؟ قال : تحمر أو تصفر ، أرأيت إن منع الله الثمرة ، بم تستحل مال أخيك » (2) .
قال أبو مسعود الدمشقي : جعل مالك والدراوردي قول أنس : « أرأيت إن منع الله الثمرة » (3) من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، أدرجاه فيه ، ويرون أنه غلط .
فهذا التعليل - سواء كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو من كلام أنس - فيه بيان أن في ذلك أكل المال بالباطل ، حيث أخذه في عقد معاوضة بلا عوض مضمون .
وإذا كانت مفسدة بيع الغرر هي كونه مظنة العداوة والبغضاء وأكل الأموال بالباطل فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت عليها ، كما أن السباق بالخيل والسهام والإبل ، لما كان فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض ، وإن لم يجز غيره بعوض ، وكما أن اللهو الذي يلهو به الرجل إذا لم يكن فيه منفعة ، فهو باطل ، وإن كان فيه منفعة - وهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : « كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل ، إلا رميه بقوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته امرأته فإنهن من الحق » (4) صار هذا اللهو حقا .
__________
(1) صحيح البخاري البيوع (2087),صحيح مسلم المساقاة (1555),موطأ مالك البيوع (1304).
(2) صحيح البخاري البيوع (2094),صحيح مسلم المساقاة (1555),سنن النسائي البيوع (4526),موطأ مالك البيوع (1304).
(3) صحيح البخاري البيوع (2094),صحيح مسلم المساقاة (1555),سنن النسائي البيوع (4526),موطأ مالك البيوع (1304).
(4) سنن الترمذي فضائل الجهاد (1637),سنن ابن ماجه الجهاد (2811).

ومعلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم مما قد يتخوف فيها من تباغض ، أو أكل مال بالباطل ؛ لأن الغرر فيها يسير كما تقدم ، والحاجة إليها ماسة ، والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر ، والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم ، فكيف إذا كانت المفسدة منتفية ؟ ولهذا لما كانت الحاجة داعية إلى بقاء الثمر بعد البيع على الشجر إلى كمال الصلاح ، أباح الشرع ذلك ، قاله جمهور العلماء ، كما سنقرر قاعدته إن شاء الله تعالى ؛ ولهذا كان مذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث : أنها إذا تلفت بعد البيع بجائحة كانت من ضمان البائع ، كما رواه مسلم في صحيحه عن جابر ابن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا ، بم تأخذ مال أخيك بغير حق ؟ » (1) ، وفي رواية لمسلم عنه : « أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح » (2) ، والشافعي رضي الله عنه لما لم يبلغه هذا الحديث - وإنما بلغه حديث لسفيان بن عيينة فيه اضطراب - أخذ في ذلك بقول الكوفيين : إنها تكون من ضمان المشتري ؛ لأنه مبيع قد تلف بعد القبض ؛ لأن التخلية بين المشتري وبينه قبض ، وهذا على أصل الكوفيين أمشى ؛ لأن المشتري لا يملك إبقاءه على الشجر ، وإنما موجب العقد عندهم : القبض الناجز بكل حال ، وهو طرد لقياس سنذكر أصله وضعفه ، مع أن مصلحة بني آدم لا تقوم على ذلك ، ومع أني لا أعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة صريحة بأن المبيع التالف قبل التمكن من القبض يكون من مال البائع ، ويفسخ العقد بتلفه إلا حديث الجوائح هذا . ولو لم يكن فيه سنة لكان الاعتبار الصحيح يوافقه ، وهو ما نبه عليه
__________
(1) صحيح مسلم المساقاة (1554),سنن النسائي البيوع (4528),سنن أبو داود البيوع (3470),سنن ابن ماجه التجارات (2219),سنن الدارمي البيوع (2556).
(2) صحيح مسلم المساقاة (1554),مسند أحمد بن حنبل (3/309).

النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : « بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق ؟ » (1) فإن المشتري للثمرة إنما يتمكن من جذاذها عند كمالها ونضجها ، لا عند العقد ، كما أن المستأجر إنما يتمكن من استيفاء المنفعة شيئا فشيئا ، فتلف الثمرة قبل التمكن من الجذاذ كتلف العين المؤجرة قبل التمكن من استيفاء المنفعة ، وفي الإجارة يتلف من ضمان المؤجر بالاتفاق . فكذلك في البيع .
وأبو حنيفة يفرق بينهما بأن المستأجر لم يملك المنفعة ، وأن المشتري لم يملك الإبقاء ، وهذا الفرق لا يقول به الشافعي وسنذكر أصله .
فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها . وفي لفظ لمسلم ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة » (2) ، وفي لفظ لمسلم عنه « نهى عن بيع النخل حتى يزهو ، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة ، نهى الباع والمشتري » (3) ، وفي [سنن أبي داود] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يحرز من كل عارض » (4) .
فمعلوم أن العلة ليست كونه كان معدوما ، فإنه بعد بدو صلاحه وأمنه العاهة يزيد أجزاء لم تكن موجودة وقت العقد ، وليس المقصود الأمن من العاهات النادرة . فإن هذا لا سبيل إليه ، إذ قد يصيبها ما ذكره الله عن أهل الجنة الذين قسموا { لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ } (5) { وَلَا يَسْتَثْنُونَ } (6) ومما ذكره في سورة يونس في قوله : { حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ } (7)
__________
(1) صحيح البخاري البيوع (2087),سنن النسائي البيوع (4526),موطأ مالك البيوع (1304).
(2) صحيح مسلم البيوع (1534).
(3) صحيح مسلم البيوع (1535),سنن الترمذي البيوع (1226),سنن النسائي البيوع (4551),سنن أبو داود البيوع (3368).
(4) سنن أبو داود البيوع (3369).
(5) سورة القلم الآية 17
(6) سورة القلم الآية 18
(7) سورة يونس الآية 24

وإنما المقصود : ذهاب العاهة التي يتكرر وجودها ، وهذه إنما تصيب الزرع قبل اشتداد الحب ، وقبل ظهور النضج في الثمر ، إذ العاهة بعد ذلك نادرة بالنسبة إلى ما قبله ، ولأنه لو منع بيعه بعد هذه الغاية لم يكن له وقت يجوز بيعه إلى حين كمال الصلاح . وبيع الثمر على الشجر بعد كمال صلاحه متعذر ؛ لأنه لا يكمل جملة واحدة وإيجاب قطعه على مالكه فيه ضرر مرب على ضرر الغرر .
فتبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مصلحة جواز البيع الذي يحتاج إليه على مفسدة الغرر اليسير ، كما تقتضيه أصول الحكمة التي بعث بها صلى الله عليه وسلم وعلمها أمته .
ومن طرد القياس الذي انعقد في نفسه ، غير ناظر إلى ما يعارض علته من المانع الراجح أفسد كثيرا من أمر الدين ، وضاق عليه عقله ودينه .
وأيضا : ففي [ صحيح مسلم] عن أبي رافع : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا ، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة ، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره ، فرجع إليه أبو رافع فقال : لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا ، فقال : أعطه إياه ، إن خيار الناس أحسنهم قضاء » (1) .
ففي هذا دليل على جواز الاستسلاف فيما سوى المكيل والموزون من الحيوان ونحوه كما عليه فقهاء الحجاز والحديث ، خلافا لمن قال من الكوفيين لا يجوز ذلك ؛ لأن القرض موجبه رد المثل ، والحيوان ليس بمثلي ، وبناء على أن ما سوى المكيل والموزون لا يثبت في الذمة عوضا
__________
(1) صحيح مسلم المساقاة (1600),سنن الترمذي البيوع (1318),سنن النسائي البيوع (4617),سنن أبو داود البيوع (3346),سنن ابن ماجه التجارات (2285),مسند أحمد بن حنبل (6/390),موطأ مالك البيوع (1384),سنن الدارمي البيوع (2565).

عن مال .
وفيه دليل على أنه يثبت مثل الحيوان تقريبا في الذمة ، كما هو المشهور من مذاهبهم ، خلافا للكوفيين ، ووجه في مذهب أحمد : أنه يثبت بالقيمة . وهذا دليل على أن المعتبر في معرفة المعقود عليه : هو التقريب ، وإلا فيعز وجود حيوان مثل ذلك الحيوان ، لا سيما عند القائلين بأن الحيوان ليس بمثلي ، وأنه مضمون في الغصب والإتلاف بالقيمة .
وأيضا : فقد اختلف الفقهاء في تأجيل الديون إلى الحصاد والجذاذ ، وفيه روايتان عن أحمد . إحداهما : يجوز ؛ كقول مالك ، وحديث جابر الذي في الصحيح يدل عليه .
وأيضا : فقد دل الكتاب في قوله تعالى : { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً } (1) والسنة في حديث بروع بنت واشق ، وإجماع العلماء على جواز عقد النكاح بدون فرض الصداق . وتستحق مهر المثل إذا دخل بها بإجماعهم ، وإذا مات عند فقهاء الحديث ، وأهل الكوفة المتبعين لحديث بروع بنت واشق ، وهو أحد قولي الشافعي . وهو معلوم أن مهر المثل متقارب لا محدود ، فلو كان التحديد معتبرا في المهر ما جاز النكاح بدونه ، وكما رواه أحمد في [المسند] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : « أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره ، وعن بيع اللمس والنجش وإلقاء الحجر » (2) فمضت الشريعة بجواز النكاح قبل فرض المهر ، وأن الإجارة لا تجوز إلا مع تبيين الأجر ، فدل
__________
(1) سورة البقرة الآية 236
(2) مسند أحمد بن حنبل (3/59).

على الفرق بينهما .
وسببه أن المعقود عليه في النكاح - وهو منافع البضع - غير محدودة ، بل المرجع فيها إلى العرف ، فكذلك عوضه الآخر ؛ لأن المهر ليس هو المقصود ، وإنما هو نحلة تابعة . فأشبه الثمر التابع للشجر في البيع قبل بدو صلاحه ، وكذلك لما قدم وفد هوازن على النبي صلى الله عليه وسلم وخيرهم بين السبي وبين المال ، فاختاروا السبي . قال لهم : « إني قائم فخاطب الناس ، فقولوا : إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ، ونستشفع بالمسلمين على رسول الله ، وقام فخطب الناس ، فقال : إني قد رددت على هؤلاء سبيهم ، فمن شاء طيب ذلك ، ومن شاء فإنا نعطيه عن كل رأس عشر قلائص من أول ما يفيء الله علينا » (1) فهذا معاوضة عن الإعتاق ، كعوض الكتابة بإبل مطلقة في الذمة ، إلى أجل متقارب غير محدود ، وقد روى البخاري عن ابن عمر في حديث خيبر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم ، وغلبهم على الأرض والزرع والنخل ، فصالحوه على أن يجلوا منها ، ولهم ما حملت ركابهم ، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة - وهي السلاح - ويخرجون منها . واشترط عليهم أن لا يكتموا ، ولا يغيبوا شيئا ، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد .
فهذا مصالحة على مال متميز غير معلوم . وعن ابن عباس قال : « صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران على ألفي حلة : النصف في صفر ، والبقية في رجب ، يؤدونها إلى المسلمين ، وعارية ثلاثين درعا ، وثلاثين فرسا ، وثلاثين بعيرا ، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها ، والمسلمون ، ضامنون لها حتى يردوها عليهم ، إن كان باليمن كيد أو غارة » (2) رواه أبو داود .
__________
(1) صحيح البخاري الوكالة (2184),سنن أبو داود الجهاد (2693),مسند أحمد بن حنبل (4/327).
(2) سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3041).

فهذا مصالحة على ثياب مطلقة معلومة الجنس ، غير موصوفة بصفات السلم ، وكذلك كل عارية خيل وإبل وأنواع من السلاح مطلقة غير موصوفة عند شرط ، قد يكون وقد لا يكون .
فظهر بهذه النصوص أن العوض عما ليس بمال - كالصداق والكتابة والفدية في الخلع والصلح عن القصاص والجزية والصلح مع أهل الحرب - : ليس بواجب أن يعلم ، كما يعلم الثمن والأجرة ، ولا يقاس على بيع الغرر كل عقد على غرر ؛ لأن الأموال إما أنها لا تجب في هذه العقود أو ليست هي المقصود الأعظم منها ، وما ليس هو المقصود إذا وقع فيه غرر لم يفض إلى المفسدة المذكورة في البيع ، بل يكون إيجاب التحديد في ذلك فيه من العسر والحرج المنفي شرعا ما يزيد على ضرر ترك تحديده . ا هـ (1) .
__________
(1) [القواعد النورانية] ، صـ ( 115-137 ) .

خلاصة الأمر الثاني
2 - الأمر الثاني : ذكر خلاف الباحثين في حكمه ، وأدلة كل فريق منهم ، مع المناقشة :
تمهيديتوقف إبداء الحكم في التأمين على أمرين :
الأول : تصويره ؛ ليعرف واقعه ، وقد تقدم ذلك في الأمر الأول .
الثاني : معرفة المصادر الشرعية التي يرجع إليها في الحكم عليه ، من نصوص عامة ، أو مقاصد شرعية ، أو قواعد فقهية عامة ، أو نظائر جزئية من الفقه الإسلامي يقاس عليها ، ومع معرفة الأمرين قد يقع الاختلاف في الحكم عليه بين العلماء ، إما لاختلاف نظرهم في شيء يرجع إلى تفصيل الأمر الأول ، ككون الغرض الأصلي منه التجارة والربح أو التعاون على الخير ، وكونه عقدا احتماليا أو غير احتمالي ، وإما لاختلاف نظرهم في تطبيق النصوص العامة ، أو في إدراجه تحت قاعدة شرعية عامة ، أو في إلحاقه بنظير جزئي بعد تسليم حكم النظير ، ولهذا اختلف الباحثون العصريون في حكمه أو في حكم صور منه .
وفيما يلي بيان ذلك مع الأدلة والمناقشة :
الأول : اختلف الباحثون من المعاصرين ومن سبقهم في حكم التأمين التجاري : فمنهم من قال بتحريمه مطلقا ، ومنهم من قال بجوازه مطلقا ، ومنهم من فصل فحرم بعض صوره ، وأباح منه صورا أخرى ، مع اتفاق من اطلعنا على كلامه من الكاتبين العصريين على جواز ما يسمى بالتأمين

التعاوني أو التبادلي .
وقد يقال : من أن ما يسمى بالتأمين التبادلي حرام ؛ لأنه ربا ، بناء على توسع في تطبيق القاعدة المشهورة : ( كل سلف جر نفعا فهو حرام ) فإن كل مشترك يعتبر مسلفا بالنسبة لمن أصابه الحادث ، وهو ينتظر أن يعود إليه نفع من رصيد الاشتراك إن قدر أن ينزل به حادث ، فالقصد إلى الانتفاع بالرصيد محقق عند دفعه قصد الاشتراك ، ولولا ذلك ما اشترك ، وسواء انتفع في المستقبل بالفعل أم لم ينتفع .
الثاني : أدلة هذه الأقوال مع المناقشة :

1 - أدلة القائلين بمنع التأمين التجاري مطلقا :
أ- استدلوا : بأن عقد التأمين من عقود المعاملات المالية الملزمة ، على ما عرف من نظام التأمين وهي مشتملة على الغرر ، فكانت ممنوعة شرعا ، وبيانه من وجهين :
الأول : أنها عقود يلتزم فيها كل من المتعاقدين بعوض مالي للآخر ، فهي عقود معاوضة مالية ، ويقصد كل منهما الربح ؛ ولذا يقوم المؤمن بالإحصاء ، ويحتاط بالشرط ونحوها ؛ ليربح من وراء جملة المستأمنين غالبا ، وإن خسر بالنسبة لبعض العقود ، والمستأمن يقصد إلى الأمان بضمان المؤمن مبلغ التأمين له ، فهو إذن عقد تجاري يقصد منه الربح ، وإذا كان عقدا تجاريا ملزما لكل من المتعاقدين بما التزم به . من العوض المالي حرم فيه الغرر بخلاف عقود التعاون والتبرعات ، فإنها ليس فيها مغالبة ولا قصد إلى ربح مادي ، فلا مخاطرة فيها أو لا يضر فيها الغرر والمخاطرة .
الثاني : أنه عقد احتمالي كما اعترف به رجال التأمين ، وذكروه في

خصائصه ، وذلك لأن كلا من المتعاقدين لا يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي وما يأخذ ، ولا مدى كسبه أو خسارته ، حيث إنه معلق على أمر غير محقق الحصول ، أو غير معروف وقت حصوله في المستقبل ، فكان من عقود الغرر .
ونوقش أولا : بأن عقود التأمين ليست من عقود المعاوضة التجارية التي يقصد بها الربح حتى يكون ما ادعى فيها من الغرر موجبا للتحريم ، وإنما هي عقود تعاونية ؛ لما فيها من المساعدة على تكوين رءوس الأموال ، وإنماء الثروات ، والنهوض بالمشروعات وتحقيق الأمن للأسر ، والإنقاذ من الشدائد عند نزول الكوارث ، إلى غير هذا مما يعد من مزايا التأمين .
وأجيب : بأنها مجرد دعوى يردها واقع عقود التأمين وما ذكر في خصائصها مما أشير إليه في الاستدلال فهي عقود معاوضة مالية رائدها الكسب ، وباعثها الربح ، وحاميها احتياط شركات التأمين ؛ لأثرتهم بالاحتياط بالنظم والشروط والخداع والتغرير ، وليس للمستأمن عند التعاقد إلا التسليم لما في وثائق التأمين ؛ ولذا سميت عقود إذعان ، وفسرت عند التقاضي لمصلحة المستأمن ، ووقفت الحكومات منها موقف المدافع عن المستأمن ، وما ينشأ عنها من التعاون فهو أمر ثانوي بالنسبة إلى الأصل فيها من أنها عقود تجارية القصد الأول منها الكسب عن طريق طابعه التغرير والخداع .
ونوقش ثانيا : بأنها على تقدير كونها عقودا تجارية يقصد منها الربح لا غرر فيها ؛ لأن كلا المتعاقدين قد دخل على شروط معلومة له وقت العقد ورضي بها ، وكل منهما كاسب ، فالمستأمن كاسب على كل حال ، تحقق

الخطر أم لم يتحقق ، والمؤمن كاسب على كل حال بالنسبة لما يربحه من جملة المستأمنين .
وأجيب : بأن المستأمن قد يدفع الأقساط كلها ولا يعود إليه شيء ، وذلك عند السلامة من الخطر ، وقد يدفع قسطا واحدا ويعود إليه مبلغ التأمين ، ويكون أضعاف القسط الذي دفعه ، كما في التأمين على الحياة ، وأما المؤمن فهو مخاطر مخاطرة فاحشة بالنسبة لكل عقد بانفراده ، فإنه قد يخسر خسارة فادحة بدفعه لجميع مبلغ التأمين عند تحقق خطر الموت مثلا بعد تسديد المستأمن قسطا واحدا ، ولا يبيح له اقتحام المخاطرات في العقود الفردية ربحه الغالب من مجموع عقود التأمين ، فإن كل عقد من عقود التأمين مستقل عن الآخر بالنسبة للحكم عليه بحل أو حرمة .
ونوقش ثالثا : بأن عقود التأمين على تقدير تحقق الغرر فيها فليس كل غرر في العقود المالية محرما ، إنما المحرم منها ما كان فاحشا متجاوزا حدود التسامح ، بحيث يعتمد على مجرد الحظ في خسارة واحد وربح آخر دون مقابل مثلا ، فإذا بلغ هذا المبلغ من المخاطرة لم يكن ما دخل فيه من عقود المعاملات مباحا ، ولا أساسا يعتمد عليه في تصرفات اقتصادية ، يؤيد هذا ما بين به النبي صلى الله عليه وسلم نهيه عن الغرر من بيع المضامين والملاقيح وبيع الحصاة والملامسة والمنابذة ، وما أجمع عليه من تحريم بيع السمك في الماء والطير في الهواء ، وما إلى ذلك .
أما إذا كان الغرر يسيرا فلا يدخل في النهي عن بيع الغرر ، إذ قلما تخلو منه تصرفات الناس ومعاملاتهم في تجارتهم وإجاراتهم وصناعاتهم ؟ ولذا أجازه العلماء وتسامحوا فيه ، وإلا لضاقت دائرة الحلول ووقع الناس في

حرج .
وأجيب : بأن العلماء قسموا الغرر بالنسبة لتأثيره في عقود المعاوضات المالية وعدم تأثيره فيها ثلاثة أقسام : غرر كثير يفسد عقود المعاوضات إجماعا ؛ كبيع الملامسة والمنابذة والحصاة ، وغرر يسير لا يفسدها إجماعا ؛ كبيع الجزر والفجل واللوز والجح دون الوقوف على ما في جوفها بكسر وحفر مثلا ، وغرر متوسط بينهما ؛ كبيع المعين على الوصف دون رؤية ، فهذا متردد بينهما لأخذه بشبه من كل منهما ، ولذا كان مثار خلاف بين العلماء في الحكم بالتسامح فيه ، وفي اعتباره مؤثرا في العقود .
ولا شك أن غرر عقود التأمين من النوع الأول ؛ لأن الخطر ركن من أركانها ، وعنصر من عناصرها ، كما تقدم بيانه في أركان التأمين وعناصره .
ب- واستدلوا : بأن عقد التأمين ضرب من ضروب المقامرة ؛ لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية ومن الغرم بلا جناية أو تسبب فيها ، ومن الغنم بلا مقابل أو مقابل غير مكافئ ، فإن المستأمن قد يدفع قسطا من التأمين ثم يقع الحادث فيغرم المؤمن كل مبلغ التأمين ، وقد لا يقع الخطر ومع ذلك يغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل ، وإذا استحكمت فيه الجهالة بما يعطي وما يؤخذ أو برفعهما من جانب أو من الجانبين كان قمارا ودخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ } (1) الآيتين .
__________
(1) سورة المائدة الآية 90

ونوقش : بمنع كونه قمارا ؛ لأن التأمين جد ، وفيه تبادل المنافع من الجانبين مع وثوق كل من المؤمن والمستأمن من الوصول إلى الكسب والانتفاع ، بخلاف القمار فإنه لعب ولهو ، واقتحام لضروب من المخاطرة وجناية قد تأتي على المال كله .
وقد يجاب : بأن في التأمين أيضا اقتحاما للمخاطر ، وعدم وثوق بقدر ما يصل إلى المستأمن أو المؤمن من الكسب والانتفاع أو زمن وصوله فكان التأمين قمارا أو في معناه فيحكم له بحكمه ، ثم ليس كل ما فيه كسب أو انتفاع مشروعا حتى ترجح منفعته مضرته ويغلب خيره شره .
ج- واستدلوا : بأن الربا أصيل في عقود التأمين ، لا تنفك عنه إلا بالقضاء على عقوده نفسها والتخلص منها إلى بديل يرتفق به دونها ، وإلى جانب ما فيها من ربا أصيل معاملات ربوية أخرى طارئة . وبيان ذلك :
الأول : إن المستأمن يدفع ما عليه من العوض المالي الربوي كله أو أقساطا ، حسب مقتضى العقد ؛ ليأخذ المقابل من المؤمن بعد زمن أو يتحمله عنه إذا وقع الخطر ، وهذا هو ربا النساء المحرم بالنص والإجماع ، ولا يمكن الانفكاك منه إلا بالتخلص من عقود التأمين نفسها ؛ لأنه أساسها الذي لا يكون عقد التأمين إلا به .
الثاني : فيه ربا الفضل صريحا أو حكما للشك في التماثل بين ربويين ، وربا الفضل محرم بالنص والإجماع ، ومن روي عنه من الصحابة جوازه فقد رجع عنه بعد مناظرة الصحابة واطلاعه على نص التحريم .
الثالث : إن شركات التأمين تستغل رصيدها في معاوضات ربوية ، وإن المستأمن يعود إليه مبلغ التأمين مع فائدة ربوية بعد انتهاء مدة التأمين دون

حصول الخطر المؤمن منه .
ونوقش : بأن موضوع البحث نفس عقود التأمين التي أبرمت بين الشركة والمستأمن لا ما تقوم به شركات التأمين في استثمار رصيدها استثمارا ربويا ، فالدليل في غير محل النزاع ، وأما ما يأخذه المستأمن من الفائدة الربوية في بعض صور التأمين فليس من أركان التأمين ، ولا لازما له ، بل من الشروط التي يمكن التخلص منها باشتراط عدم الفائدة أو بترك اشتراطها على الأقل .
وأجيب : بأنه إن أمكن التخلص من الوجه الثالث من وجوه الاستدلال فلا يمكن التخلص من الاستدلال بالوجه الأول والثاني إلا بترك التأمين التجاري نفسه .
د- واستدلوا : بأن التأمين من قبيل الرهان المحرم ؛ لأن كلا منهما فيه جهالة وغرر ومقامرة ، ولم يبح الشرع من الرهان إلا ما فيه نصرة للإسلام وظهور لأعلامه بالحجة والسنان ، ومن هذا « أن النبي صلى الله عليه وسلم راهن على فرس يقال له : سبحة ، فسبق الناس ، فبش لذلك وأعجبه » (1) (2) ، وأقر الصديق رضي الله عنه على ما كان بينه وبين مشركي العرب من المراهنة بشأن حرب كانت بين الروم والفرس (3) ؛ ولهذا حصر النبي صلى الله عليه وسلم رخصة الرهان في ثلاثة بقوله : « لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل » (4) (5) ، فما كان في معنى الثلاثة مما فيه نصرة الإسلام بالسلاح أو العلم والبرهان جاز ، وليس التأمين من
__________
(1) مسند أحمد بن حنبل (3/160),سنن الدارمي الجهاد (2430).
(2) خرجه أحمد في [مسنده] عن أنس رضي الله عنه .
(3) خرجه الترمذي في [جامعه] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما .
(4) سنن الترمذي الجهاد (1700),سنن أبو داود الجهاد (2574).
(5) خرجه أحمد وأهل السنن عن أبي هريرة .

ذلك .
ونوقش ذلك بما تقدم من مناقشة الاستدلال على منع التأمين بأنه قمار .
وأجيب عنه أيضا : بما تقدم من الجواب عن هذه المناقشات هناك ، فلا نطيل بالإعادة خشية كثرة التكرار .
هـ- واستدلوا : بعموم النهي عن أكل الأموال بالباطل في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } (1) قالوا : إن عقود التأمين تتضمن الغرر والقمار والربا وأخذ مال الغير في المعاوضات التجارية بلا مقابل ، فكان من أكل أموال الناس بالباطل ، فدخل في عموم النهي في الآية .
ونوقش : بأنه لا يدخل في عموم النهي حتى يقوم دليل تفصيلي على منعه ؛ لأن أكل الأموال بالباطل كلمة مجملة .
وأجيب : بما تقدم تفصيلا من الأدلة الدالة على اشتماله على الربا والغرر والقمار وغيرها من نصوص المحظورات ، فكان داخلا في عموم النهي في هذه الآية وما في معناها من نصوص الكتاب والسنة .
و- واستدلوا : بأن في عقود التأمين الإلزام بما لا يلزم شرعا ، وبيانه أن المؤمن لم يحدث الخطر المؤمن منه ولم يتسبب في حدوثه ، وإنما كان منه مجرد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه مقابل مبلغ يدفع المستأمن له ، فكان حراما ؛ لما فيه من تضمين من لا يضمن ، وأيضا فيها أن المؤمن يأخذ مال المستأمن في عقود معاوضات مالية تجارية
__________
(1) سورة النساء الآية 29

دون أن يبذل عملا للمستأمن .
ونوقش : بأن المؤمن التزم بالضمان حين العقد برضاه وعن طيب نفس منه ، فألزم بما التزم ولا غضاضة في ذلك ؛ لوجود نظير له وهو الكفالة .
وأجيب : بالفرق فإن المؤمن لم يلتزم بالضمان تبرعا منه ورغبة في فعل المعروف ، وإنما رغب طمعا في الكسب المادي ، وحرصا على تملك ما بذله المستأمن له من العوض ، فليس مثل الكفالة التي هي محض معروف وإعانة على سبب بعث الثقة في نفس المضمون له دون مقابل مادي يعطاه .

2 - أدلة القائلين بجواز التأمين التجاري مطلقا :
أ- استدلوا : بقياس عقود التأمين على عقد ولاء الموالاة ، وفسروه : بأن يقول شخص مجهول النسب لآخر : أنت وليي تعقل عني إذا جنيت ، وترثني إذا أنا مت ، أو أن يتفق شخص من غير العرب قد أسلم مع عربي مسلم على أن يلتزم العربي بالدية إذا جنى مولاه ، ويلتزم غير العربي أن يرثه مولاه العربي إذا لم يكن له وارث سواه .
ووجه الشبه بينه وبين التأمين : أن العربي يتحمل جناية غير العربي بعقد الموالاة مقابل إرثه ، والمؤمن يتحمل جنايات المستأمن نظير ما يدفعه من أقساط التأمين ، فالمؤمن نظير المسلم العربي في تحمل المسئولية ، والمستأمن نظير المولى المسلم من غير العرب فيما يبذل من أقساط أو إرث ، وقد صحح الحنفية عقد ولاء الموالاة ، وأثبتوا به الميراث ، وعقود التأمين وثيقة الصلة وقوية الشبه به فتخرج عليه ويحكم لها بحكمه وهو الجواز .

ونوقش بما يأتي :
الأول : بأن عقد ولاء الموالاة ، وإن كان معمولا به بالنسبة للنصرة ونحوها ، فهو مختلف في نسخه وأحكامه بالنسبة للإرث به والأدلة الصحيحة تشهد لنسخ الإرث به فلا يصح التخريج عليه .
والثاني : بأن من شرط القياس أن يكون المقيس عليه منصوصا أو مجمعا وإلا فللمخالف في الفرع أن يمنع حكم الأصل فلا يكون القياس مفيدا في إلزام المخالف حكم الفرع ، ثم هذا يتوقف على قول الحنفية بتحمل المولى جناية مولاه بعقد الموالاة ، فهل الحنفية يقولون بذلك حتى يتم الشبه والتخريج على مذهبهم ؟ ولم يبين المستدل ذلك .
والثالث : بوجود الفارق ، فإن عقود التأمين هدفها الربح المادي المشوب بالغرر والقمار وفاحش الجهالة بخلاف عقد ولاء الموالاة ، فالقصد الأول فيه إلى التآخي في الإسلام والتناصر والتعاون في الشدة والرخاء وسائر الأحوال ، وما يكون من كسب مادي فالقصد إليه بالتبع ، وشتان ما بين عقد يكون المتعاقد به كفرد من الأسرة وبين عقد لا يحس فيه كل من المتعاقدين بشيء من العاطفة الإنسانية والإخاء الإسلامي نحو الآخر ولا يتحسس كل منهما عن أحوال صاحبه إلا تحسسا تجاريا ليس لخالص مودة أو صدق إخاء ، وإنما هو من خشية الإفلاس أو الغرامة عند العطب ، فطابع هذا العقد التكالب على المال ، والحرص الممقوت على جمعه من طرق شعارها المخاطرة ودثارها المقامرة فكيف يقاس بعقد عماره الإحسان وإسداء المعروف ؟ ! .
والرابع : بأن هذا الاستدلال على تقدير تسليمه لا يدل إلا على جواز

فرع من فروع التأمين وصورة من صوره ، وهي التأمين ضد المسئولية ، والمدعي جواز التأمين مطلقا ، فلا مطابقة بين الدليل والدعوى .
ب- استدلوا : بقياس عقود التأمين على الوعد الملزم عند المالكية ، وبيانه أن يعد إنسان غيره بقرض أو تحمل خسارة أو إعارة كتاب أو دابة ونحو ذلك مما ليس واجبا عليه في الأصل ، ونقلوا عن المالكية في حكم المسألة أربعة أقوال :
الأول : لزوم الوفاء مطلقا فيقضي به .
والثاني : عدم اللزوم مطلقا فلا يقضي به .
الثالث : اللزوم إذا ذكر للعدة سبب ، وإن لم يباشر الموعود ما وعد من أجله .
الرابع : إذا ذكر لها سبب وباشر الموعود ما وعد من أجله ، ونقلوا عنهم أن الراجح هو الرابع . قالوا : فيمكن قياس عقود التأمين على ذلك . فيقال : إن المؤمن قد التزم لكل مستأمن ولو بلا مقابل على سبيل الوعد أن يتحمل أضرار الخطر المؤمن منه كما لو التزم إنسان أن يعوض غيره عن خسارته في شيء قد أمره ببيعه فباعه بخسارة ، فإنه يجب عليه الوفاء بما التزم عند المالكية ؛ لأنه عدة على سبب باشره .
ونوقش بما يأتي :
الأول : أنه قياس على أصل مختلف فيه ، وهو ممنوع لما تقدم بيانه .
الثاني : بأنه قياس مع الفارق ، فإن الوعد بقرض أو إعارة أو تحمل خسارة مثلا من باب المعروف المحض ، فكان الوفاء به واجبا أو من مكارم الأخلاق ، بخلاف عقود التأمين ، فإنها معاوضة تجارية باعثها الربح

المادي فلا يغتفر فيها ما يغتفر في التبرعات من الجهالة أو الغرر فشتان ما بين حقيقة العقدين ، وما يقصد بكل منهما .
الثالث : أنه على القول الراجح مما تقدم إنما وجب الوفاء وقضى به ؛ لأن الوعد هو الذي جرأ الموعود على الدخول في السبب ، ولولا وعده ما باشره ، فإذا لم يف له بوعده كان مغررا به موقعا له في مشاكل ومضار كان في عافية منها ، فالإلزام بالوفاء للتغرير بالموعود ، لا لعوض بذل .
الرابع : إنه على تقدير أن تكون عقود التأمين وعودا فالفارق بين الوعدين أن ما ذكره المالكية وعد بمعروف محض فكان الوفاء به واجبا ، بخلاف الوعود المزعومة في عقود التأمين ، فإنها التزامات منكرة لما تقدم ، فكان التخلص منها واجبا والمضاء فيها حراما .
ج- واستدلوا : بأن عقود التأمين من عقود المضاربة أو في معناها ، وبيانه : أن المتعاقدين في المضاربة يتفقان على أن يدفع أحدهما مالا ؛ ليعمل فيه لآخر ، على أن ما كان من ربح فهو بينهما ، وهذا ينطبق على عقود التأمين فإن المستأمن يدفع الأقساط مثلا ، وشركة التأمين تستغل ما اجتمع لديها من الأقساط ، والربح بينهما حسب التعاقد ، وإذا كانت من عقود المضاربة أو في معناها فهي جائزة .
ونوقش : بمنع أن يكون عقد التأمين من عقود المضاربة أو أن يكون فيه شبه منها ؛ وذلك لوجوه :
الأول : أن رأس المال في المضاربة لم يخرج عن ملك صاحبه ، وما يدفعه المستأمن يخرج بعقد التأمين من ملكه إلى ملك الشركة حسب ما يقضي به نظام التأمين .

الثاني : أن رأس مال المضاربة يستحقه ورثة مالكه عند موته ، وفي التأمين قد يستحق الورثة نظاما مبلغ التأمين ولو لم يدفع مورثهم إلا قسطا واحدا ، وقد لا يستحقون شيئا إذا جعل المستفيد سوى المستأمن وورثته .
الثالث : أن الربح في المضاربة يكون بين الشريكين نسبا مئوية مثلا ، بخلاف التأمين فربح رأس المال وخسارته للشركة وليس للمستأمن إلا مبلغ التأمين أو مبلغ غير محدود .
د- قياس عقود التأمين على ضمان المجهول ، وضمان ما لم يجب . فيصح ضمان المؤمن لما التزم به للمستأمن عند وقوع الخطر ، ويجب عليه الوفاء به كما صح ضمان المجهول ووجب الوفاء به ، وإن كان الملتزم به مجهولا فيهما .
ونوقش : بأنه قياس مع الفارق لوجوه :
الأول : أن الضمان نوع من التبرع يقصد به الإحسان المحض بخلاف التأمين ، فإنه عقد معاوضة تجارية يقصد منها أولا الكسب المادي ، فإن ترتب عليه معروف فهو تابع غير مقصود إليه ، والأحكام يراعى فيها الأصل لا التابع مادام تابعا غير مقصود إليه ؛ ولذا اغتفر في الضمان ما لم يغتفر في المعاوضات المالية كالجهالة .
الثاني : أن الضامن لا يأخذ عوضا عن الضمان ، بل اشتراط ذلك يفسده بخلاف التأمين فإن المؤمن يأخذ أقساط التأمين عوضا عن ضمانه .
الثالث : أن عقد التأمين فقد فيه ركن من أركان الضمان وهو المضمون له ، فلا يجوز قياسه عليه ، اللهم إلا أن يقال : إن المضمون له هو المضمون عنه وهو المستأمن .

الرابع : أن الضمان يكون فيه الضامن فرعا عن المضمون ، وعليه فليس لصاحب الحق الرجوع على الضامن إلا بعد العجز عن أخذ حقه من المضمون ، وعلى أشد الأحوال يكون صاحب الحق مخيرا بين الرجوع على الضامن أو المضمون ، وليس كذلك الحال في التأمين فإن رجوع صاحب الحق على المؤمن دون المستأمن .
الخامس : أن الضامن يرجع على المضمون بما دفع عنه ، وليس كذلك الحال في التأمين بكونه معاوضة لا ضمانا ، وإذا ثبت الفرق بينهما في الحقيقة والآثار لم يصح قياس التأمين على الضمان .
هـ- واستدلوا : بقياس عقود التأمين على ضمان خطر الطريق .
وبيان ذلك : أنه إذا قال شخص لآخر : اسلك هذا الطريق فإنه آمن ، وإن أصابك فيه شيء فأنا ضامن ، فسلكه فأخذ ماله ضمن القائل ، فكذا القول في عقود التأمين ، فإن المؤمن ضمن للمستأمن مبلغا يدفعه له أو عنه أو للمستفيد بشروط تراضيا عليها ، فإذا أجاز ضمان خطر الطريق مع وجود الجهالة ولزم الوفاء به عند حصول الحادث جازت عقود التأمين ولزم الوفاء بها ، حيث لا فرق ، ومن فرق بينهما كابن عابدين لو كان في عصرنا ، وشاهد تزايد أسباب الأخطار ، وعرفوا فكرة التأمين ، ولمسوا الضرورة التي نلمسها لما ترددوا في مشروعية نظام التأمين .
ونوقش : بأن بينهما فروقا :
الأول : أن الضمان نوع من التبرع يقصد به المعروف المحض ، والتأمين عقد معاوضة مالية يقصد منها أولا الربح المادي ، فإن ترتب عليه معروف فهو تابع غير مقصود إليه ، والأحكام يراعى فيها الأصل لا التابع

ما دام تابعا غير مقصود إليه ؛ ولذا اغتفر في الضمان ما لا يغتفر في عقود المعاوضات المالية ، وأفسده اشتراط العوض عن الضمان .
الثاني : أن تضمين خطر الطريق لا يكون إلا إذا كان الضامن مغررا بالمضمون ، بأن كان عالما بخطر الطريق وأمره بسلوكه ، وأخبره بأنه آمن ، وكان السالك جاهلا بالخطر فالتضمين للتغرير لا لمجرد الضمان ، وشركات التأمين تقرر التضمين مطلقا ، ثم هي لا ترضى أن يلصق بها ولا يسرها أن يعرف عنها أنها تغرر بالمستأمنين .
الثالث : أنه على تقدير إلزام الضامن بالغرامة مطلقا فإنما يكون ذلك بعد العجز عن تسليم الحق من المعتدي أو المتسبب أو عند اختيار صاحب الحق أخذها منه ابتداء وشركات التأمين تضمن الغرامة للمستأمن على كل حال دون المعتدي أو المتسبب ما دام الخطر قد تحقق مع توفر الشروط المتفق عليها .
الرابع : أن الضامن يرجع على المضمون بما دفع عنه ، وشركات التأمين إنما ترجع على المعتدي أو المتسبب بقيمه التالف أو مثله .
الخامس : أنه لا يوجد في كثير من صور التأمين ما يمكن أن يعتبر مكفولا ، فلا يصح قياسه على الكفالة لفقده ركنا من أركانها .
أما ما ذكره المستدل من أن ابن عابدين وأضرابه من العلماء لو كانوا معنا اليوم وشاهدوا تزايد أسباب الأخطار وعرفوا التأمين والضرورة إليه لأباحوه فمناقشته تأتي عند مناقشة استدلالهم بالضرورة .
و- استدلوا : بقياس عقود التأمين على نظام التقاعد .
وبيان ذلك : أن نظام التقاعد عقد معاوضة يقوم على اقتطاع جزء ضئيل

من مرتب الموظف شهريا بنسبة محدودة ؛ ليعطي هو أو من يستحق من أسرته مرتبا شهريا يتناسب مع مدة خدمته وآخر مرتب كان يتقاضاه ، ويصرف ابتداء من نهاية عمل الموظف في وظيفته بشروط محددة ، والتأمين عقد معاوضة بين المستأمن والمؤمن يعجل فيه مبلغ إلى المؤمن ليعطي المستأمن عوضا عنه فيما بعد بشروط محددة ، فكلاهما عقد عجل فيه أحد العوضين وأجل الآخر مع وحدة الجنس ووجود نوع من الجهالة أو المخاطرة ، وقد شهدت جميع الدلائل الشرعية الإسلامية وفقهها بجواز التأمين التقاعدي بوجه عام ، ودلت على ذلك دلالة لا تقوم معها شبهة توهم التحريم ، وأقره علماء الشريعة الإسلامية ، بل رأوا العمل به ضروريا في نظام وظائف الدولة ، فإذا جاز تطبيق نظام التقاعد على الموظفين ، لما فيه من المصلحة ، ولأن الحاجة دعت إليه ، واعتبر من باب التعاون فلم يوجب ما فيه من الجهالة والمخاطرة في العوضين أو في زمنهما منعه ، فكذلك الحال في التأمين الذي أبرم بين المستأمن والمؤمن باختيارهما ورضاهما .
ونوقش ذلك بما يأتي :
الأول : قول المستدل قد شهدت جميع دلائل الشريعة الإسلامية وفقهها بجواز نظام التقاعد مجرد دعوى مبالغ فيها لا يساندها دليل صحيح فضلا عن أن يكون لها أدلة لا تقوم أمامها شبهة توهم المنع ، ومثل هذه الدعوى لا يعجز أحد عنها ولا عن مقابلتها بمثلها .
الثاني : دعوى أن علماء الإسلام أقروا ما عرف بنظام التقاعد دون أية شبهة دعوى يردها الواقع ، فإن المسألة نظرية ، ويوجد من العلماء

المعاصرين من يخالف في ذلك .
الثالث : على تقدير اتفاقهم على الجواز هل يعتبر اتفاقهم إجماعا شرعيا تثبت به الأحكام وهم يعترفون على أنفسهم بالتقليد ؟ .
الرابع : إن كان ما يدعي من التقاعد عوضا عما اقتطع من الموظف شهريا فالكلام في حكمه كالكلام في حكم التأمين ، وربما كان التقاعد أشد ؛ لأن ما فيه من الغرر والمخاطرة والمقامرة أشد ، ولأن توزيعه يجري على غير سنن المواريث شرعا ، عطاء مستمرا أو مؤقتا أو حرمانا وإن كان ما يعطى من التقاعد مكافأة التزم بها ولي الأمر باعتباره مسئولا عن رعيته ، وراعى في صرفها ما قام به الموظف من خدمة الأمة ، ووضع لها نظاما راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف ، ونظر إلى مظنة الحاجة فيهم فليس نظام التقاعد من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها ، وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين الذي هو من عقود المعاوضات المالية التجارية التي يقصد بها استغلال الشركات للمستأمنين ، والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة ؛ لأن ما يعطى في حالة التقاعد يعتبر مكافأة من حكومات مسئولة عن رعيتها ، وتصرفها لمن قام بخدمة الأمة كفاء لمعروفه ، وتعاونا معه جزاء تعاونه معها ببدنه وفكره ، وقطع الكثير من فراغه في سبيل النهوض معها بالأمة .
ز- واستدلوا : بقياس نظام التأمين وعقوده على نظام العاقلة ، فإن العاقلة تتحمل شرعا دية قتل الخطأ عن القاتل ، وتخفيفا لأثر المصيبة عن الجاني المخطئ ، وصيانة لدماء ضحايا الخطأ أن تذهب هدرا ؛ لأن القاتل خطأ قد يعجز عن دفع الدية فتضيع ، وشركات التأمين قد وضعت نظاما

للتعاون على ترميم الأخطار ، وتخفيف المصاب ، وتفريج الكرب وجعلته ملزما عن طريق الإرادة الحرة ، كما جعل الشرع نظام المعاقلة إلزاميا دون تعاقد ، وكما ندب الشرع إلى التعاون في الشدائد ، وحث على إغاثة الملهوف وتفريج كربة المكروب فتوسعت الشركة في الإلزام في التعاون عن طريق التعاقد على ترميم سائر المخاطر ، وقد قال ابن القيم : كل ما يجوز بذله وتركه دون اشتراط فهو لازم بالشرط .
ونوقش : بأن قياس عقود التأمين على نظام العاقلة في الإسلام قياس مع الفارق وبيانه من وجوه :
الأول : أن الأصل في تحمل العاقلة لدية الخطأ ما بينها وبين القاتل- خطأ - من الرحم والقرابة التي تدعو إلى النصرة والتواصل والتعاون وإسداء المعروف ولو دون مقابل ، وعقود التأمين تجارية استغلالية تقوم على معاوضات مادية محضة ، لا تمت إلى عاطفة الإحسان وبواعث المعروف بصلة .
الثاني : أن ما يتحمله أفراد العاقلة يختلف باختلاف أحوالهم من غنى وفقر وتوسط بينهما ، أما أعضاء شركة التأمين فيتحملون على السواء في خصوص مال الشركة سواء في هذا ذكورهم وإناثهم غنيهم ومتوسطهم ، ولا ينظر في التحمل إلى ثروتهم الخاصة في تقدير ما يتحمله كل عضو ، وهذا مما يبعدها عن قصد المعروف والإحسان ، ويعين قصد أعضائها إلى التجارة واستغلال المستأمنين ؛ لإعانتهم على ترميم أختارهم .
الثالث : أن صلة النسب والقرابة تقضي بأن يكون أهل النصرة من القبيلة مسئولين عن أفرادها في كثير من مشاكل الحياة ومطالبها ، فعليهم حل

مشاكلهم والأخذ على يد مسيئهم ، وحماية ضعيفهم من غوائل الزمن وأحداثه ، وهذا المعنى مفقود في شركات التأمين ، إذ لا رابطة روحية بينها وبين المستأمنين ، ولا أواصر رحم تدعو إلى الإحسان ودفع الظلم والعدوان أو تجعل لها سلطانا على المستأمنين يخول لها الأخذ على أيديهم وتقويم اعوجاجهم . وإذا كان الشبه بين العاقلة والتأمين في بواعث التحمل وآثاره مفقودا لم يصح أن يقاس أحدهما بالآخر .
ح- واستدلوا : بقياس عقود التأمين على عقود الحراسة ، وبيانه أن عقود الحراسة وإن كان الحارس فيه مستأجرا على عمل الحراسة ، فالغاية المقصودة منه هي الأمان ، ونتيجته معنوية هي الاطمئنان على سلامة الشيء المحروس من العدوان ، وليس كالمستأجر لنقل متاع أو على خياطة ثوب مثلا مما نتيجته حسية ، وعقود التأمين كذلك ، فإن المستأمن كالمؤجر ، كل منهما دفع جزءا من ماله ؛ لكسب الأمان ، والسلامة من الخطر ، والمؤمن كالحارس كل منهما أكسب صاحبه أمانا عوضا عما بذله ماله .
ونوقش أولا : بأن الأمان ليس محلا للعقد في المسألتين ، وإنما محله في التأمين الأقساط ومبلغ التأمين ، وفي الحراسة الأجرة وعمل الحارس ، أما الأمان فغاية ونتيجة وإلا لما استحق الحارس الأجرة عند ضياع المحروس .
وثانيا : أن الحارس بذل عملا يستحق عليه العوض ، والمؤمن لم يبذل عملا للمستأمن ليأخذه عليه عوضا ، وإنما يبذل مالا عند وقوع الخطر ، والربا فيه محقق ، وربما لا يبذل شيئا إذا لم يقع الخطر ، فيكون أخذه

للأقساط أكلا للمال بلا مقابل في معاوضات تجارية ، وهو باطل .
وثالثا : الحارس لا يضمن الشيء المحروس إلا إذا ثبت تفريطه أو اعتداؤه ، والمؤمن ضامن عند وقوع الخطر ، ولو كان بسبب قهري لا يد لأحد فيه ، وعلى هذا لا يصح القياس لوجود فروق في حقيقة كل من العقدين وآثارهما تمنع من الإلحاق .
ط- قياس التأمين على الإيداع :
وبيانه : أنه يجوز الإيداع بأجرة للأمين ، وعليه ضمان الوديعة إذا تلفت فكذا يجوز أن يدفع المستأمن مبلغا لشركة التأمين على أن يؤمنه بعد خطر معين .
ونوقش : بأن الأجرة في الإيداع عوض عن قيام الأمين بحفظ شي في حوزته يحوطه بخلاف التأمين فإن ما يدفعه المستأمن لا يقابله عمل من المؤمن يعود إلى المستأمن بمنفعة ، إنما هو ضمان الأمن والطمأنينة ، وشرط العوض عن الضمان لا يصح ، بل هو مفسد للعقد . وإن جعل مبلغ التأمين في مقابلة الأقساط كان معاوضة تجارية جهل فيها مبلغ التأمين أو زمنه فاختلف عن عقد الإيداع بأجر .
ونوقش أيضا : بأن التضمين في صورة الإيداع قاصر على ما يمكن الاحتراز عنه من الأخطار ، بخلاف التأمين فإن التضمين عام فيما يمكن الاحتراز منه وما لا يمكن .
ي- قياس التأمين على ما عرف بقضية تجار البز مع الحاكة :
وبيانه : أن تجار البز اتفقوا على أن كل من اشترى منهم سلعة دفع درهما عند رجل يثقون به ؛ ليستعينوا بما اجتمع لديهم على ما يصيبهم من غرم ،

وحاول الحاكة منعهم بدعوى : أن ذلك ينقص من ربحهم ، فحكم الشيخ العقباني بإباحة ذلك بشرط ألا يجبر أحد من التجار على دفع الدرهم ، فإذا جاز هذا جاز التأمين ؛ لما في كل منهما من التعاون على الغرم وترميم الأخطار.
ونوقش : بأنه قياس مع الفارق ؛ إذ الأول من التأمين التبادلي وهو تعاون محض وما فيه البحث تأمين تجاري ، وهو معاوضات تجارية ، فلا يصح القياس .
ك- التأمين جرى به العمل ، وتعارفه الناس فيما بينهم ، فكان جائزا ؛ لأن العرف من الأدلة الشرعية . ونوقش : بأن العرف ليس دليلا تثبت به الأحكام ولا مصدرا من مصادر التشريع ، وإنما يبنى عليه في تطبيق الأحكام ، وفهم المراد من ألفاظ النصوص ومن عبارات الناس في أيمانهم وتداعيهم وأخبارهم وسائر ما يحتاج إلى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال فلا تأثير له فيما تبين أمره ، وتعين المقصود منه ، وقد دلت الأدلة دلالة واضحة على منع التأمين ، فلا اعتبار به معها .
ل- اشتدت حاجة الناس إلى التأمين في إقامة المشروعات المتنوعة وفي تحقيق مصالح لا بد لهم منها في حياتهم . وفي مضار وترميم أخطار لا يقوى الفرد على النهوض بها وحده فكان جائزا ؛ دفعا للمشقة والحرج عن الناس ، وتيسيرا لطرق الحصول على ما تقوم به حياتهم وتنظم به أمورهم وعلى ما تدفع به عنهم أحداث الزمان وغوائله .
ونوقش : بأن الطريق المباحة لتحقيق المصالح وإقامة المشروعات

كثيرة ، ولم يضيق الله على عباده فإن ما أباحه لهم من الطيبات وطرق كسبها أكثر أضعافا مضاعفة مما حرمه عليهم ، فليس هناك ضرورة معتبرة شرعا تلجئ إلى ما حرمته الشريعة من التأمين ، وإنما هو إلف الكثير من الناس لما عهدوه وعكفوا عليه زمنا طويلا ، وما عليهم إلا أن يحملوا أنفسهم على البعد عنه ؛ والفطام منه ، وأن يختاروا طرقا أخرى مباحة لتكون بديلة عنه ؛ كالجمعيات التعاونية ، وشركات إنشاء المشروعات التي تقوم على رءوس أموال الأعضاء ، والذي مكن لأعضاء شركات التأمين أن تقوم على قدم وساق بطريقة غير مشروعة يمكن لغيرها من القيام على سنن الشرع ، بل نرى كثيرا من الأفراد قد وفق الله كلا منهم لإقامة مشروعات ، ولا يحتاج إلا لبذل النصح ، والنشاط في الدعاية التي تبعث الطمأنينة إلى الطرق الأخرى المباحة ، والعمل على إيجاد وعي إسلامي يحبب إلى النفوس استثمار الأموال في الوجوه المشروعة دون جبن أو شدة خوف من شبح الخسارة تصد عن السعي والنشاط ؛ ودون طمع كاذب أو زيادة حرص تدفع إلى أكل الأموال بالباطل .
م- استدلوا : بأن الأصل في عقود المعاملات الجواز ما دامت لا تعارض كتابا ولا سنة ولا مقصدا من مقاصد الشريعة ، وأنها لا تنحصر فيما كان من أنواعها موجودا عند نزول الوحي ، ولا فيما كان معهودا عند الناس في صدر الإسلام ، فيجوز للناس أن يحدثوا من عقود المعاملات ما شاءوا مما لا يتنافى مع نص أو مقصد شرعي ، ومن ذلك عقود التأمين ، فكانت جائزة .
ونوقش أولا : بعدم تسليم أن يكون الأصل في عقود المعاملات

الجواز ، بل الأصل فيها المنع حتى يقوم دليل على الجواز .
وثانيا : بأنه على تقدير أن يكون الأصل فيها الجواز فعقود التأمين قامت الأدلة على مناقضتها للكتاب والسنة ، وعلى هذا لا تكون عقود التأمين داخلة في عموم أصل الجواز ، وقد تقدم بيان ذلك في الكلام على أدلة التحريم مع المناقشة .
ن- واستدلوا : بأن التأمين ضرب من ضروب التعاون المفيد في تنمية الثروة ، والصناعات والنهوض في مختلف مجالاته ومشروعاته ، وفي تفتيت الأخطار والتخلص من الأزمات ، إلى غير هذا مما عرف من مزايا التأمين ، وإذا تضمن مصلحة خاصة أو راجحة كان جائزا بل مأمورا به ؛ لقوله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } (1) ؛ ولأن تحقيق المصالح وجلب المنافع ودرء المفاسد من مقاصد الشريعة ، ومن رجع إلى وظائف التأمين ومزاياه تبين له ما فيه من جلب المنافع ودرء المفاسد والأخطار . ونوقش أولا : بمنع رجحان ما في التأمين من المصلحة على ما فيه من مفسدة ، بل مفسدته هي الراجحة ، وعليه لا يكون من التعاون على البر والتقوى ، بل من التعاون على الإثم والعدوان ، فيدخل في عموم قوله تعالى : { وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } (2)
وثانيا : بأن من المصالح ما شهدت له الشريعة بالاعتبار ، وهذه لا شك في أنها حجة ، ومنها ما شهدت الشريعة بإلغائه فليس بحجة ، ومنها ما لم
__________
(1) سورة المائدة الآية 2
(2) سورة المائدة الآية 2

تشهد الشريعة له باعتبار ولا إلغاء ، بل كان من المصالح المرسلة ، فاختلفت في الاحتجاج أنظار المجتهدين ، وعقود التأمين فيها جهالة وغرر وقمار فكانت مما شهدت الشريعة بإلغائه ؛ لطغيان جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة كما ألغت منافع الخمر والميسر ؛ لطغيان ما فيها من خطر وإثم على ما فيها من منافع .

3 - أما القائلون بالتفصيل بين أنواع التأمين :
فمنهم : من فرق بين التأمين على الحياة وما في معناها بقية أنواع التأمين التجاري ، فحرم الأول ومنع من الثاني ، واستدل لما منعه بأدلة المانعين للتأمين مطلقا ، ولما أجازه بأدلة المجيزين له مطلقا ، وقد سبقت أدلة الطرفين مع مناقشتها .
ومنهم : من فرق بين ما فيه من ربا وما خلا من الربا ، فأباح من عقود التأمين ما خلا من الربا ، ومنع ما اشتمل منها على ربا إلا أنه رخص فيما هو قام منها بالفعل مؤقتا للحاجة حتى تتاح الفرصة لوجود البديل ، وأوصى بالسعي الحثيث في إيجاد البديل للاستغناء به عن أنواع التأمين التي لا تخلو من الربا .
واستدل لصور المنع والجواز بما تقدم من أدلة المانعين مطلقا والمجيزين مطلقا ، وقد سبق ذلك مع المناقشة .
ومن توقف لعدم بحثه أو عدم انكشاف وجه الحق له بعد بحثه فتوقفه لا يعتبر حكما فلا يطالب بدليل ، ولا توجه إليه مناقشة ، ويشكر على نصيحته ببذل الجهد لحل المشكل بالوصول إلى نتيجة حاسمة .

ونوقش ما قاله الدكتور السنهوري بما يأتي :
الأول : عقود التأمين عقود متعددة ، وكل عقد منها مستقل عن الآخر فيما اشتمل عليه من إلزام والتزام ، ونظير ذلك من جهة التعدد ما يقع في شركة العنان بين أعضائها مثلا وبين عدد من المشترين منهم أو البائعين عليهم ، فكل عقد بين رجال الشركة وكل طرف آخر باع أو اشترى منهم عقد قائم بنفسه مستقل ، ولذا لا يلزم من فساد عقد منها فساد الآخر ، ولا من صحة عقد صحة الآخر ، ولا من الإقالة في عقد الإقالة في الآخر.. . إلخ ، وإن كان مال الشركة مختلطا يحمل ربحه خسارته أو تقضي خسارته على ربحه مثلا ، ويسدد من مجموعه تبعات من تعامل معهم ، فوحدة رأس مال الشركة ووحدة مسئوليتها أمام كل فرد أو جماعة عاملتها لا يقضي بوحدة العقود التي أبرمتها مع كل من تعاقد معها بيعا أو شراء مثلا ، وشركة التأمين مع كل مستأمن لا يختلف عن ذلك .
وقد اعترف الدكتور بأن عقود التأمين لو نظر إليها هذه النظرة ، أي : من جهة العلاقة ما بين المؤمن ومؤمن له بالذات لم يعد عقد التأمين أن يكون عقد مقامرة ورهان ، ويكون غير مشروع ، لا في الفقه الإسلامي ولا في جميع القوانين التي تحرم القمار والرهان ، إلا أنه حاول أن يلبس التأمين ثوبا جديدا بالنظر إلى العلاقة ما بين المؤمن ومجموع المؤمن لهم حيث لا يكون إلا وسيطا ينظم لهم تعاونهم جميعا على مواجهة الخسارة التي تحيق بالقليل ، والواقع أنه ليس وسيطا حقيقة وإنما هو أصيل في كل عقد بانفراده ، ملك به ما دفعه المستأمن إليه ملك التاجر لما بذل له من عوض يستثمره لمصلحته ، وقد تقدم أن وحدة الشركة ووحدة مسئوليتها أمام

المستأمن لا يستلزم وحدة العقود وصرف النظر عن اعتبار كل منها مستقلا عن الآخر ، وعلى هذا يجب أن يراعى في الحكم على عقود التأمين كل عقد بانفراده .
الثاني : ذكر الدكتور أنه لا يصح التفريق بين التأمين الاجتماعي والتأمين الفردي ... إلخ ويمكن أن يقال : إن هذا دفاع إلزامي لإسكات من يمنع التأمين الفردي أو التجاري لا يثبت بمثله جواز التأمين الفردي وقد يرجع عن التفريق فيسوي بينهما في المنع ، وبهذا يسقط الإلزام .
ويمكن أن يقال أيضا : إن بين الاجتماعي والفردي فرقا ، فالاجتماعي الأول فيه التعاون لا التجارة ، فإن داخله شوائب تبعث الريبة في جوازه أمكن تخليصه منها ، أما التأمين الفردي فالقصد الأول منه التجارة على غير السنن الشرعي ولا ينفك عن الربا والغرر والقمار ؛ لقيام أركانه عليها ، وعلى هذا لا يصح ما ذكر طريقا لإثبات جوازه .
الثالث : ذكر الدكتور أن عقد التأمين عقد جديد له مقوماته وخصائصه ، وليس من بين العقود أو النظم التي عرفها الفقه الإسلامي . ويمكن أن يسلم بأن عقد التأمين جديد باعتباره جزئيا له مقوماته وخصائصه لكن ليس بصحيح أن يقال : ليس من النظم التي عرفها الفقه الإسلامي ، بل هو مندرج تحت القواعد العامة في الفقه الإسلامي ، فيعرف حكمه من تطبيقها عليه ومن مقاصد الشريعة التي بحثها الأصوليون والفقهاء بحثا كليا ، ولا يمنع تمايزه عن العقود المسماة عند الفقهاء التي عرفوها في بيئتهم أو عصرهم اندراجه تحت قاعدة فقهية عامة ، أو تحقيقه لمقصد من مقاصد الشريعة ، أو بقاؤه عليه ليعرف حكمه ، كما عرف حكم العقود المسماة

الخاصة التي وقعت في العصور السابقة ؛ ولذا لم يكن بين العلماء إلا اختلاف النظر فيما يندرج تحته من كليات الشريعة وفقهها الإسلامي أو يلحق به من عقود أخرى مسماة تتمايز عنه من جهة ، وتشبهه من جهة أخرى فيحكم له بما غلب شبهه به . فنرى منهم من يدرجه تحت ما يقتضي تحريمه أو يلحقه بجزئيات يقوى شبهه بها ، ومنهم من يدرجه تحت كليات ومقاصد تقضي بجوازه أو يلحقه بجزئيات تقضي بجوازه ؛ لقوة شبهه بها ومنهم من تردد فتوقف .
الرابع : ما ذكر من مناقشة كونه قمارا أو تضمنه للربا أو الغرر سبق بحثه ومناقشته من المجيزين والمانعين فلا نعيد الكلام خشية كثرة التكرار .
هذا ما تيسر ذكره ، وبالله التوفيق ، وصلى الله على محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

قرار رقم (5\10) وتاريخ 4 \4 \ 1397
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين . أما بعد :
فبناء على ما ورد من جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله بخطابه رقم (22310) وتاريخ 4\11\ 91هـ الموجه إلى سماحة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء بأن ينظر مجلس هيئة كبار العلماء في موضوع التأمين ، وبناء على ذلك تقرر إدراجه في جدول أعمال الدورة الرابعة .
وأعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك يتضمن أمرين :
الأول : تعريفه وبيان أسسه وأنواعه وأركانه وخصائص عقده وأنواع وثائقه وما إلى ذلك مما يتوقف على معرفته الحكم عليه بالإباحة أو المنع .
الثاني : ذكر خلاف الباحثين في حكمه وأدلة كل فريق منهم مع المناقشة ، وفي الدورة السادسة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في الرياض ابتداء من 4\ 2\ 95 هـ استمع المجلس إلى ما يأتي :
1 - صورة قرار صادر من سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية ورئيس القضاة رحمه الله برقم (570 \2 ) في 18\8\1388 هـ بشأن حكم صادر من محكمة جدة في موضوع التأمين بين شركة أمريكان لايف وبين بدوي حسين سالم ومذكرة اعتراضية للشيخ علي الخفيف عضو مجمع البحوث الإسلامية بمصر

على الحكم المشار إليه .
2 - البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .
3 - قرار صادر من المستشارين بمجلس الوزراء هما : الدكتور ظافر الرفاعي ، وإبراهيم السعيد برقم (449) وتاريخ 26\ 11\ 1390 هـ .
4 - البحث المختصر الصادر عن مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة سنة 1392 هـ من إعداد فضيلة الشيخ محمد أحمد فرج السنهوري عضو مجمع البحوث الإسلامية بمصر ، يشتمل هذا البحث على بيان مراحل بحث التأمين بجميع أنواعه ، وبيان آراء جماعة كثيرة من فقهاء العالم الإسلامي والخبراء والاقتصاديين والاجتماعيين .
5 - ما لدى كل من الدكتورين : مصطفى أحمد الزرقاء وعيسى عبده عن هذا الموضوع ، وقد استدعاهما المجلس بناء على المادة العاشرة من لائحة سير العمل في هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة المتفرعة عنها الصادرة بالمرسوم الملكي رقم (1\ 137) وتاريخ 8\ 7\1391 هـ (وبعد استماع المجلس إلى ما سبق استمرت المناقشة لأدلة القائلين بالجواز مطلقا ، وأدلة القائلين بالمنع مطلقا ، ومستند المفصلين الذين يرون جواز بعض أنواع التأمين التجاري ومنع أنواع أخرى ، وبعد المناقشة وتبادل الرأي قرر المجلس بالأكثرية : أن التأمين التجاري محرم ؛ للأدلة الآتية :
الأولى : عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش ؛ لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ فقد يدفع قسطا أو قسطين ثم

تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤمن ، وقد لا تقع الكارثة أصلا فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئا ، وكذلك المؤمن لا يستطيع أن يحدد ما يعطي ويأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده ، وقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن بيع الغرر .
الثاني : عقد التأمين التجاري ضرب من ضروب المقامرة ؛ لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية ومن الغرم بلا جناية أو تسبب فيها ومن الغنم بلا مقابل أو مقابل غير مكافئ فإن المستأمن قد يدفع قسطا من التأمين ثم يقع الحادث فيغرم المؤمن كل مبلغ التأمين ، وقد لا يقع الخطر ومع ذلك يغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل ، وإذا استحكمت فيه الجهالة كان قمارا ودخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (1) والآية بعدها .
الثالث : عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنسأ فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها فهو ربا فضل ، والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة من العقد فيكون ربا نسأ ، وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نسأ فقط ، وكلاهما محرم بالنص والإجماع .
الرابع : عقد التأمين التجاري من الرهان المحرم ؛ لأن كلا منهما فيه جهالة
__________
(1) سورة المائدة الآية 90

وغرر ومقامرة ولم يبح الشرع من الرهان إلا ما فيه نصرة للإسلام وظهور لأعلامه بالحجة والسنان وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم رخصة الرهان بعوض في ثلاثة بقوله صلى الله عليه وسلم : « لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل » (1) ، وليس التأمين من ذلك ولا شبيها به فكان محرما .
الخامس : عقد التأمين التجاري فيه أخذ مال الغير بلا مقابل ، وأخذ بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرم ؛ لدخوله في عموم النهي في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } (2) السادس : في عقد التأمين التجاري الإلزام بما لا يلزم شرعا ، فإن المؤمن لم يحدث الخطر منه ولم يتسبب في حدوثه وإنما كان منه مجرد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه مقابل مبلغ يدفعه المستأمن له ، والمؤمن لم يبذل عملا للمستأمن فكان حراما .
وأما ما استدل به المبيحون للتأمين التجاري مطلقا أو في بعض أنواعه : فالجواب عنه ما يلي :
أ- الاستدلال بالاستصلاح غير صحيح ، فإن المصالح في الشريعة الإسلامية ثلاثة أقسام : قسم شهد الشرع باعتباره فهو حجة ، وقسم سكت عنه الشرع فلم يشهد له بإلغاء ولا اعتبار فهو مصلحة مرسلة،
__________
(1) سنن الترمذي الجهاد (1700),سنن أبو داود الجهاد (2574).
(2) سورة النساء الآية 29

وهذا محل اجتهاد المجتهدين . والقسم الثالث ما شهد الشرع بإلغائه، وعقود التأمين التجاري فيها جهالة وغرر وقمار وربا فكانت مما شهدت الشريعة بإلغائه ؛ لغلبة جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة .
ب- الإباحة الأصلية لا تصلح دليلا هنا ؛ لأن عقود التأمين التجاري قامت الأدلة على مناقضتها لأدلة الكتاب والسنة ، والعمل بالإباحة الأصلية مشروط بعدم الناقل عنها ، وقد وجد فبطل الاستدلال بها .
ج- الضرورات تبيح المحظورات لا يصح الاستدلال به هنا ، فإن ما أباحه الله من طرق كسب الطيبات أكثر أضعافا مضاعفة مما حرمه عليهم فليس هناك ضرورة معتبرة شرعا تلجئ إلى ما حرمته الشريعة من التأمين .
د- لا يصح الاستدلال بالعرف فإن العرف ليس من أدلة تشريع الأحكام وإنما يبنى عليه في تطبيق الأحكام وفهم المراد من ألفاظ النصوص ومن عبارات الناس في أيمانهم وتداعيهم وأخبارهم وسائر ما يحتاج إلى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال فلا تأثير له فيما تبين أمره وتعين المقصود منه ، وقد دلت الأدلة دلالة واضحة على منع التأمين فلا اعتبار به معها .
هـ- الاستدلال بأن عقود التأمين التجاري من عقود المضاربة أو في معناها غير صحيح فإن رأس المال في المضاربة لم يخرج عن ملك صاحبه ، وما يدفعه المستأمن يخرج بعقد التأمين من ملكه إلى ملك الشركة حسبما يقضي به نظام التأمين ، وأن رأس مال المضاربة يستحقه ورثة مالكه عند موته ، وفي التأمين قد يستحق الورثة نظاما

مبلغ التأمين ولو لم يدفع مورثهم ، إلا قسطا واحدا ، وقد لا يستحقون شيئا إذا جعل المستفيد سوى المستأمن وورثته ، وأن الربح في المضاربة يكون بين الشريكين نسبا مئوية مثلا بخلاف التأمين فربح رأس المال وخسارته للشركة ، وليس للمستأمن إلا مبلغ التأمين أو مبلغ غير محدود .
و- قياس عقود التأمين على ولاء الموالاة عند من يقول به- غير صحيح ، فإنه قياس مع الفارق ، ومن الفروق بينهما : أن عقود التأمين هدفها الربح المادي المشوب بالغرر والقمار وفاحش الجهالة بخلاف عقد ولاء الموالاة فالقصد الأول فيه التآخي في الإسلام والتناصر والتعاون في الشدة والرخاء وسائر الأحوال وما يكون من كسب مادي فالقصد إليه بالتبع .
ز- قياس عقد التأمين التجاري على الوعد الملزم عند من يقول به- لا يصح ؛ لأنه قياس مع الفارق ، ومن الفروق : أن الوعد بقرض أو إعارة أو تحمل خسارة مثلا من باب المعروف المحض فكان الوفاء به واجبا أو من مكارم الأخلاق بخلاف عقود التأمين فإنها معاوضة تجارية باعثها الربح المادي فلا يغتفر فيها ما يغتفر في التبرعات من الجهالة والغرر .
ح- قياس عقود التأمين التجاري على ضمان المجهول وضمان ما لم يجب - قياس غير صحيح ؛ لأنه قياس مع الفارق أيضا ، ومن الفروق : أن الضمان نوع من التبرع يقصد به الإحسان المحض بخلاف التأمين فإنه عقد معاوضة تجارية يقصد منها أولا الكسب المادي فإن ترتب عليه معروف فهو تابع غير مقصود إليه والأحكام يراعى فيها الأصل لا

التابع ما دام تابعا غير مقصود إليه .
ط- قياس عقود التأمين التجاري على ضمان خطر الطريق- لا يصح ، فإنه قياس مع الفارق كما سبق في الدليل قبله .
ي- قياس عقود التأمين التجاري على نظام التقاعد - غير صحيح فإنه قياس مع الفارق أيضا ؛ لأن ما يعطى من التقاعد حق التزم به ولي الأمر باعتباره مسئولا عن رعيته وراعى في صرفه ما قام به الموظف من خدمة الأمة ، ووضع له نظاما راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف ، ونظرا إلى مظنة الحاجة فيهم فليس نظام التقاعد من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها ، وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين الذي هو من عقود المعاوضات المالية التجارية التي يقصد بها استغلال الشركات للمستأمنين والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة ؛ لأن ما يعطى في حالة التقاعد يعتبر حقا التزم به من حكومات مسئولة عن رعيتها وتصرفها لمن قام بخدمة الأمة ؛ كفاء لمعروفه وتعاونا معه جزاء تعاونه معها ببدنه وفكره وقطع الكثير من فراغه في سبيل النهوض معها بالأمة .
ك- قياس نظام التأمين التجاري وعقوده على نظام العاقلة - لا يصح ، فإنه قياس مع الفارق ، ومن الفروق : أن الأصل في تحمل العاقلة لدية الخطأ وشبه العمد ما بينهما وبين القاتل- خطأ أو شبه العمد- من الرحم والقرابة التي تدعو إلى النصرة والتواصل والتعاون وإسداء المعروف ولو دون مقابل ، وعقود التأمين تجارية استغلالية تقوم على معاوضات مالية محضة لا تمت إلى عاطفة الإحسان وبواعث

المعروف بصلة .
ل- قياس عقود التأمين التجاري على عقود الحراسة - غير صحيح ؛ لأنه قياس مع الفارق أيضا ، ومن الفروق : أن الأمان ليس محلا للعقد في المسألتين وإنما محله في التأمين الأقساط ومبلغ التأمين ، وفي الحراسة الأجرة وعمل الحارس ، أما الأمان فغاية ونتيجة وإلا لما استحق الحارس الأجرة عند ضياع المحروس .
م- قياس التأمين على الإيداع لا يصح ؛ لأنه قياس مع الفارق أيضا فإن الأجرة في الإيداع عوض عن قيام الأمين بحفظ شيء في حوزته يحوطه بخلاف التأمين فإن ما يدفعه المستأمن لا يقابله عمل من المؤمن يعود إلى المستأمن بمنفعة إنما هو ضمان الأمن والطمأنينة وشرط العوض عن الضمان لا يصح ، بل هو مفسد للعقد وإن جعل مبلغ التأمين في مقابلة الأقساط كان معاوضة تجارية جهل فيها مبلغ التأمين أو زمنه فاختلف عن عقد الإيداع بأجر .
ن- قياس التأمين على ما عرف بقضية تجار البز مع الحاكة - لا يصح ، والفرق بينهما : أن المقيس عليه من التأمين التعاوني وهو تعاون محض ، والمقيس تأمين تجاري وهو معاوضات تجارية ، فلا يصح القياس .
لكن أجل إصدار القرار بأكثرية الأصوات حتى يبحث البديل عن التأمين التجاري ، وفي الدورة العاشرة لمجلس هيئة كبار العلماء اطلع المجلس على ما أعده بعض الخبراء في البديل عن التأمين التجاري ، وقرر المتفقون على تحريم التأمين التجاري إصدار القرار ، كما قرر المجلس- ما عدا فضيلة

الشيخ عبد الله بن منيع - إصدار قرار خاص يتعلق بجواز التأمين التعاوني بديلا عن التأمين التجاري .
وبالله التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وآله وصحبه .
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة العاشرة
عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن باز ... عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد الله خياط
محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين
عبد الله بن قعود ... صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع

(3)
بحث في البيوعهيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية

بسم الله الرحمن الرحيم
بحث في البيوع
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه ، وبعد :
فبناء على ما جاء في الأمر السامي رقم 30891 في 20\ 12 \ 1396 هـ
من الرغبة في دراسة مجلس هيئة كبار العلماء للمعاملات التي يستغلها بعض التجار في المداينات لحصولهم على مكاسب مالية بطرق ملتوية لا تتفق ومبدأ المعاملات الشرعية في البيع والاقتراض والنظر فيما إذا كان بالإمكان إيجاد بديل للحد من جشع أمثال هؤلاء واستغلالهم للمحتاجين من الناس .
وبناء على ما قرره المجلس في دورته العاشرة من إعداد بحث في هذا الموضوع فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في أنواع من البيوع التي يستعملها كثير من الناس ، وهي قد تؤدي إلى الوقوع في الربا المحرم وهي :
1 - بيع العينة والتورق .
2 - بيع دين السلم .

3 - بيع بيعتين في بيعة .
4 - بيع المضطر .
5 - بيع الإنسان ما ليس عنده ، وبيعه ما اشتراه قبل قبضه .
بيان ما يمكن القضاء به على جشع التجار الذين يحتالون بأنواع من البيوع المحرمة على استغلال حاجة المضطرين .
وفيما يلي الكلام على كل منها : والله الموفق . . .
أولا : الأصل في المعاملات : الإباحة حتى يثبت من أدلة الشرع ما يخرجها عن هذا الأصل .
ثانيا : من القواعد الفقهية العامة المتفق عليها : أن الأمور تعتبر بمقاصدها ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيات » (1) . . . الحديث ، وعلى هذا يجب سد ذرائع الشر والفساد ، وإبطال الحيل التي يتوسل بها إلى تحليل المحرمات ، وإباحة المنكرات .
ثالثا : الأصل في المعاوضات المالية التقابض ويجب ذلك فيما إذا كان العوضان ربويين ولو اختلفا صنفا ؛ لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يدا بيد » (2) رواه أحمد ومسلم ، غير أن الدليل من القرآن والسنة القولية والعملية قد دل على جواز تأجيل أحد العوضين في الجملة إذا كان الثمن ذهبا أو فضة وكان الآخر طعاما أو عقارا أو عروضا أخرى أو كان كل من العوضين أو أحدهما غير ربوي ، قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } (3)
__________
(1) صحيح البخاري بدء الوحي (1),صحيح مسلم الإمارة (1907),سنن الترمذي فضائل الجهاد (1647),سنن النسائي الطهارة (75),سنن أبو داود الطلاق (2201),سنن ابن ماجه الزهد (4227),مسند أحمد بن حنبل (1/43).
(2) صحيح مسلم المساقاة (1587),سنن الترمذي البيوع (1240),سنن النسائي البيوع (4561).
(3) سورة البقرة الآية 282

الآيتين, وروى ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين ، فقال : « من أسلف فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم إلى أجل معلوم » (1) رواه الجماعة . وعن أنس رضي الله عنه قال : « رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعا عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله » (2) رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه . وعن عائشة رضي الله عنها : « أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد » (3) وفي لفظ : « توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير » (4) رواهما البخاري ومسلم .
لكن من ضعف في نفسه الوازع الديني ، وأصيب بداء الجشع من التجار ومن في حكمهم قد يتبايعون بيوعا صورية يحاولون بها إحلال ما حرم الله من الربا ، وقد ينتهزون فرص الحاجة أو الضرورة فيبيعون بأسعار باهظة إلى أجل أو يشترون بضاعة مؤجلة بثمن بخس منقود إلى غير ذلك مما فيه تحكم الموسر بالمعسر ، واستغلال ظروف حاجة الضعفاء والمضطرين ، فاقتضى ذلك بحث أنواع من عقود البيع لبيان ما يجوز منها وما يمتنع أو تحوم حوله الريبة ، وتبصير الناس بذلك وبعث الوعي فيهم والنصح لهم ثم إيجاد الحلول الناجحة لكف عبث العابثين والقضاء على حيل المحتالين للتلاعب بالشريعة والإضرار بالناس وأكل أموالهم بالباطل .
ومن البيوع التي قد يدخلها انتهاز الفرص والاستغلال ويتأتى فيها التمويه والاحتيال : بيوع الآجال والعينة والتورق وبيع المسلم فيه وبيع
__________
(1) صحيح البخاري السلم (2124),صحيح مسلم المساقاة (1604),سنن الترمذي البيوع (1311),سنن النسائي البيوع (4616),سنن أبو داود البيوع (3463),سنن ابن ماجه التجارات (2280),مسند أحمد بن حنبل (1/217),سنن الدارمي البيوع (2583).
(2) صحيح البخاري البيوع (1963),سنن الترمذي البيوع (1215),سنن النسائي البيوع (4610).
(3) صحيح البخاري البيوع (1962),صحيح مسلم المساقاة (1603),سنن النسائي البيوع (4650),سنن ابن ماجه الأحكام (2436),مسند أحمد بن حنبل (6/42).
(4) صحيح البخاري الجهاد والسير (2759).

المضطر وبيع بيعتين في بيعة وبيع الإنسان ما ليس عنده وبيع ما اشتراه قبل قبضه, وفيما يلي تحديد معنى كل منها, وذكر آراء الفقهاء في حكمه مع التوجيه والمناقشة, وبيان ما قد يدخله من احتيال يغير حكمه .

1 -

بيع العينة والتورق
تعريف العينة والتورق لغة وشرعا:
العينة : بكسر العين المهملة ، ثم ياء تحتية ساكنة ، ثم نون ، قال الجوهري : العينة بالكسر : السلف, وقال في [القاموس] : وعين أخذ بالعينة بالكسر أي : السلف أو أعطى بها قال : والتاجر باع سلعته بثمن إلى أجل ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن . اهـ.
قال الرافعي : وبيع العينة : هو أن يبيع شيئا من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلى المشتري ، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر. اهـ .
قال ابن رسلان [في شرح السنن] : وسميت هذه المبايعة عينة لحصول النقد لصاحب العينة ؛ لأن العين هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتري بها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه من فوره ليصل بها إلى مقصوده . اهـ . من [نيل الأوطار].
وأما التورق :
فقال [صاحب القاموس] : وتورقت الناقة : أكلت الورق ، ومازلت منك موارقا قريبا مدانيا ، والتجارة مورقة للمال كمجلبة : مكثرة .
ويأتي زيادة بيان لذلك فيما نقل من آراء الفقهاء في الفقرة الثانية إن شاء الله.

آراء الفقهاء في حكم العينة والتورق مع التوجيه والمناقشة
أ - قال صاحب [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع] في الكلام على ما حرم احتياطا لما فيه من شبهة الربا ؛ لحديث: « الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ... » (1) ، وحديث: « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » (2) . قال : وعلى هذا يخرج ما إذا باع رجل شيئا نقدا أو نسيئة وقبضه المشتري ولم ينقد ثمنه أنه لا يجوز لبائعه أن يشتريه من مشتريه بأقل من ثمنه الذي باعه منه عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله يجوز .
وجه قوله : أن هذا بيع استجمع شرائط جوازه وخلا عن الشروط المفسدة إياه فلا معنى للحكم بفساده كما إذا اشتراه بعد نقد الثمن .
ولنا : ما روي أن امرأة جاءت إلى سيدتنا عائشة رضي الله عنه ، وقالت : إني ابتعت خادما من زيد بن أرقم بثمانمائة ثم بعتها منه بستمائة ، فقالت سيدتنا عائشة رضي الله عنها : "بئس ما شريت وبئس ما اشتريت ، أبلغي زيدا أن الله تعالى قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب ".
ووجه الاستدلال به من وجهين :
أحدهما : أنها ألحقت بزيد وعيدا لا يوقف عليه بالرأي وهو بطلان الطاعة بما سوى الردة ، فالظاهر أنها قالته سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يلتحق الوعيد إلا بمباشرة المعصية ، فدل على فساد البيع ؛ لأن البيع الفاسد معصية .
والثاني : أنها رضي الله عنها سمت ذلك بيع سوء وشراء سوء ، والفاسد هو الذي يوصف بذلك لا الصحيح ، ولأن في هذا البيع شبهة الربا ؛لأن الثمن الثاني يصير قصاصا بالثمن الأول فبقي من الثمن الأول زيادة لا
__________
(1) صحيح البخاري الإيمان (52),صحيح مسلم المساقاة (1599),سنن الترمذي البيوع (1205),سنن ابن ماجه الفتن (3984),مسند أحمد بن حنبل (4/269),سنن الدارمي البيوع (2531).
(2) سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2518),سنن النسائي الأشربة (5711),مسند أحمد بن حنبل (1/200),سنن الدارمي البيوع (2532).

يقابلها عوض في عقد المعاوضة . وهو تفسير الربا إلا أن الزيادة ثبتت بمجموع العقدين فكان الثابت بأحدهما شبهة الربا ، والشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقية ، بخلاف ما إذا نقد الثمن ؛ لأن المقاصة لا تتحقق بعد الثمن فلا تتمكن الشبهة بالعقد . ولو نقد الثمن كله إلا شيئا قليلا فهو على الخلاف.
ولو اشترى ما باع بمثل ما باع قبل نقد الثمن جاز بالإجماع لانعدام الشبهة ، وكذا لو اشتراه بأكثر مما باع قبل نقد الثمن ، ولأن فساد العقد معدول به عن القياس وإنما عرفناه بالأثر ، والأثر جاء في الشراء بأقل من الثمن الأول فبقي ما وراءه على أصل القياس.
هذا إذا اشتراه بجنس الثمن الأول فإن اشتراه بخلاف الجنس جاز ؛ لأن الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس إلا في الدراهم والدنانير خاصة استحسانا ، والقياس أن لا يجوز (1) ؛ لأنهما جنسان مختلفان حقيقة فالتحقا بسائر الأجناس المختلفة.
وجه الاستحسان : أنهما في الثمنية كجنس واحد فيتحقق الربا بمجموع العقدين فكان في العقد الثاني شبهة الربا وهي الربا من وجه . ولو تعيب المبيع في يد المشتري فباعه من بائعه بأقل مما باعه جاز ؛ لأن نقصان الثمن يكون بمقابلة نقصان العيب فيلتحق النقصان بالعدم كأنه باعه بمثل ما اشتراه فلا تتحقق شبهة الربا.
__________
(1) هكذا بالأصل . والصواب : والقياس أن يجوز .

قال صاحب [بداية المبتدي ] علي بن أبي بكر :

ومن اشترى جارية بألف درهم حالة أو نسيئة فقبضها ثم باعها من البائع بخمسمائة قبل أن ينقد الثمن الأول لا يجوز البيع الثاني.
وقال الشافعي رحمه الله : يجوز ؛ لأن الملك قد تم فيها القبض فصار البيع من البائع ومن غيره سواء وصار كما لو باعه بمثل الثمن الأول أو بالزيادة أو بالعرض.
ولنا قول عائشة رضي الله عنها لتلك المرأة وقد باعت بستمائة بعدما اشترت بثمانمائة : " بئسما شريت واشتريت ، أبلغي زيد بن أرقم : أن الله تعالى أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب " ، ولأن الثمن لم يدخل في ضمانه ، فإذا وصل إليه المبيع ووقعت المقاصة بقي له فضل خمسمائة وذلك بلا عوض ، بخلاف ما إذا باع بالعرض ؛ لأن الفضل إنما يظهر عند المجانسة.

وقال ابن الهمام في [شرح فتح القدير]:
قوله : ومن باع جارية بألف درهم حالة أو نسيئة فقبضها ثم باعها من البائع قبل نقد الثمن بمثل الثمن أو أكثر جاز ، وإن باعها من البائع بأقل لا يجوز عندنا ، وكذا لو اشترى عبده أو مكاتبه ، ولو اشترى ولده أو والده أو زوجته فكذلك عنده ، وعندهما يجوز لتباين الأملاك وكان كما لو اشتراه آخر وهو يقول : كل منهم بمنزلة الآخر ؛ ولذا لا تقبل شهادة أحدهما للآخر ، ولو اشترى وكيل البائع بأقل من الثمن الأول جاز عنده خلافا لهما ؛ لأن تصرف الوكيل عنده يقع لنفسه ؛ فلذا يجوز للمسلم أن يوكل ذميا بشراء خمر وبيعها عنده ، ولكن ينتقل الملك إلى الموكل حكما ، فكان كما لو اشترى لنفسه فمات فورثه البائع ، وعندهما عقد الوكيل كعقده . ولو اشتراه

وارثه يجوز في ظاهر الرواية عنهم . وعن أبي يوسف لا يجوز . ولو باعه المشتري من رجل أو وهبه ثم اشتراه البائع من ذلك الرجل يجوز لاختلاف الأسباب بلا شبهة ، وبه تختلف المسببات ، وبقولنا قال مالك وأحمد ، وقيد بقوله : قبل نقد الثمن ؛ لأن ما بعده يجوز بالإجماع بأقل من الثمن ، وكذا لو باعه بعرض قيمته أقل من الثمن ، وقال الشافعي رحمه الله : يجوز ، كيفما كان كما لو باعه من غير البائع بأقل من الثمن أو منه بمثل الثمن الأول أو أكثر وبعرض قيمته أقل من الثمن بجامع قيام الملك فيه ؛ لأنه هو المطلق في الأصول التي عينها وتقييده بالعرض دون أن يقول ، كما لو باعه جنسه وقيمته أقل ؛ لأنه لو باعه بذهب قيمته أقل من الدراهم ، فالثمن لا يجوز عندنا استحسانا خلافا لزفر . وقياسه على العرض بجامع أنه خلاف جنسه ، فإن الذهب جنس آخر بالنسبة إلى الدراهم .
وجه الاستحسان : أنهما جنس واحد من حيث كونهما ثمنا ، ومن حيث وجب ضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة فبطل البيع احتياطا ، وألزم أن اعتبارهما جنسا واحدا يوجب التفاضل بينهما احتياطا .
والجواب : أنه مقتضى الوجه ذلك, ولكن في التفاضل عند بيع أحدهما بعين الآخر إجماع (ولنا قول عائشة ) إلى آخر ما نقله المصنف عن عائشة يفيد : أن المرأة هي التي باعت زيدا بعد أن اشترت منه وحصل له الربح ؛ لأن شريت معناه : بعت ، قال تعالى : { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ } (1) أي : باعوه ، وهو رواية أبي حنيفة ، فإنه روى في مسنده عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأة أبي السفر : (أن امرأة قالت لعائشة رضي الله عنها : إن زيد بن أرقم باعني جارية بثمانمائة درهم ثم اشتراها مني بستمائة, فقلت : أبلغيه عني
__________
(1) سورة يوسف الآية 20

أن الله أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب) ففي هذا أن الذي باع زيد ثم استرد وحصل الربح له . ولكن رواية غير أبي حنيفة من أئمة الحديث عكسه .
روى الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا محمد بن جعفر , حدثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم . فقالت أم ولد زيد لعائشة : إني بعت من زيد غلاما بثمانمائة درهم نسيئة واشتريته بستمائة نقدا ، فقالت : أبلغي زيدا أن قد أبطلت جهادك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن تتوب ، بئس ما اشتريت ، وبئس ما شريت ، وهذا فيه أن الذي حصل له الربح هي المرأة ، قال ابن عبد الهادي في [التنقيح] : هذا إسناد جيد ، وإن كان الشافعي قال : لا يثبت مثله عن عائشة ، وقول الدارقطني في العالية : - هي مجهولة لا يحتج بها - فيه نظر ، فقد خالفه غير واحد ، ولولا أن عند أم المؤمنين علما من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد . وقال غيره : هذا مما لا يدرك بالرأي . والمراد بالعالية : امرأة أبي إسحاق السبيعي التي ذكر أنها دخلت مع أم الولد على عائشة .
قال ابن الجوزي : قالوا : إن العالية امرأة مجهولة لا يحتج بنقل خبرها.
قلنا : هي امرأة جليلة القدر ذكرها ابن سعد في [الطبقات] فقال : العالية بنت أنفع بن شرحبيل امرأة أبي إسحاق السبيعي سمعت من عائشة .
وقولها : (بئس ما شريت) أي : بعت ، قال تعالى : { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ } (1) أي : باعوه . وإنما ذمت العقد الأول ؛ لأنه وسيلة ، وذمت الثاني ؛ لأن مقصوده الفساد . وروى هذا الحديث على هذا النحو عبد الرزاق قال:
__________
(1) سورة يوسف الآية 20

أخبرنا معمر والثوري عن أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألتها امرأة فقالت : كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتعتها منه بستمائة فنقدته الستمائة وكتب لي عليه ثمانمائة ، فقالت عائشة : إلى قولها : إلا أن تتوب ، وزاد : فقالت المرأة لعائشة : أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه أفضل ؟ فقالت : { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } (1) لا يقال إن قول عائشة وردها لجهالة الأجل وهو البيع إلى العطاء . فإن عائشة كانت ترى جواز الأجل وهو البيع إلى العطاء ذكره في الأسرار وغيره . والذي عقل من معنى النهي أنه استربح ما ليس في ضمانه. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن؟ وهذا لأن الثمن لا يدخل في ضمانه قبل القبض. فإذا عاد إليه الملك الذي زال عنه بعينه وبقي له بعض الثمن فهو ربح حصل لا على ضمانه من جهة من باعه، وهذا لا يوجد فيما إذا اشتراه بمثل الثمن أو أكثر فبطل إلحاق الشافعي بذلك.
بخلاف ما لو باعه المشتري من غير البائع فاشتراه البائع منه؛ لأن اختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأعيان حكما وكذا لو دخل في البيع عيب فاشتراه البائع بأقل ؛ لأن الملك لم يعد إليه بالصفة التي خرج بها فلا يتحقق ربح ما لم يضمن ، بل يجعل النقصان بمقابلة الجزء الذي احتبس عند المشتري ، سواء كان ذلك النقصان بقدر ذلك العيب أو دونه . حتى لو كان النقصان نقصان سعر فهو غير معتبر في العقود ؛ لأنه فتور في رغبات الناس فيه ليس من فوات جزء من العين ، ولذلك إذا اشتراه بجنس آخر غير الثمن جاز ؛ لأن الربح لا يتحقق عينه مع اختلاف الجنس؛ لأن الفضل إنما يظهر بالتقويم والبيع لا يعقب ذلك بخلافه بجنس الثمن الأول لظهوره بلا
__________
(1) سورة البقرة الآية 275

تقويم ، وقد أورد عليه تجويز كون إنكار عائشة لوقوع البيع الثاني قبل قبض المبيع؛ إذ القبض لم يذكر في الحديث.
قلنا: لا يصح هذا ؛ لأنها ذمته لأجل الربا بقرينة تلاوة آية الربا وليس في بيع المبيع قبل القبض ربا. ولا يخفى ضعف هذا الواجب ؛ لأن تلاوة الآية ظاهرة في كونها لاشتمالها على قبول التوبة جوابا لقول المرأة: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه أفضل. كان هذا مع التوبة فتلت آية ظاهرة في قبول التوبة ، وإن كان سوقها في القرآن في الربا . وأورد عليه طلب الفرق بين النهي عن بيع الولد الكائن مع أمه مفردا لم يوجب الفساد فلم أوجبه هذا النهي ، أجيب : بأن النهي إذا كان لأمر يرجع إلى نفس البيع أوجبه وإن كان لأمر خارج لا . والنهي فيما ذكر للتفريق لا لنفس البيع حتى لو فرق بينهما بغير البيع أثم فيكره البيع في نفسه كالبيع وقت النداء وهنا هو لشبهة الربا وهو مخصوص بالبيع ، ولشبهة الربا حكم حقيقة .

ب- قال صاحب [مواهب الجليل لشرح مختصر خليل الحطاب ] :
( فصل) : (جاز لمطلوب من سلعة أن يشتريها ليبيعها بمال) لما فرغ رحمه الله من الكلام على بيوع الآجال التي لا تخص أحدا عقبها ببيع أهل العينة لاتهام بعض الناس فيها، وهذا الفصل يعرف عند أصحابنا ببيع أهل العينة, والعينة : بكسر العين وهو فعلة من العون؛ لأن البائع يستعين بالمشتري على تحصيل مقاصده، وقيل: من العناء، وهو تجشم المشقة ، وقال عياض في [كتاب الصرف] ؛ سميت بذلك لحصول العين وهو النقد لبائعها وقد باعها لتأخير ، وقال قبله : هو أن يبيع الرجل الرجل السلعة بثمن معلوم إلى أجل ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن، أو يشتريها بحضرته من

أجنبي ليبيعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراها به إلى أجل ثم يبيعها هذا المشتري الأخير من البائع الأول نقدا بأقل مما اشتراها به ، وخفف هذا الوجه بعضهم ورآه أخف من الأول.
وقال ابن عرفة : بيع أهل العينة هو البيع المتحيل به على دفع عين في أكثر منها . ا هـ . وقسم ابن رشد - في رسم حلف أن لا يبيع من سماع ابن القاسم من كتاب السلم والآجال، أو في سماع سحنون من كتاب البضائع والوكالات ، وفي كتاب بيوع الآجال من المقدمات- العينة إلى ثلاثة أقسام: جائز ، ومكروه ، وممنوع ، وجعلها صاحب [التنبيهات] في كتاب الصرف أربعة أقسام ، وزاد وجها رابعا مختلفا فيه . وتبعهم المصنف ، فأشار إلى الجائز بقوله : جاز لمطلوب منه سلعة أن يشتريها ليبيعها بمال وفي بعض النسخ بنماء أي : بزيادة وهو أحسن فإن هذا هو المقصود من العينة . قال في [المقدمات] : الجائز أن يمر الرجل بالرجل من أهل العينة ، وقال في كتاب (السلم والآجال) : من البيان أن يأتي الرجل إلى رجل منهم يعني: من أهل العينة ، فيقول : هل عندك سلعة كذا وكذا وكذا أبتاعها منك ، وفي البيان تبيعها مني بدين فيقول : لا ، فينقلب عنه على غير مراوضة ولا مواعدة فيشتري المسئول تلك السلعة التي سأله عنها ثم يلقاه فيخبره أنه اشترى السلعة التي سأله عنها فيبيعها منه ، قال في [المقدمات] : بما شاء من نقد أو نسيئة، وقال في كتاب (البضائع والوكالات): فيبيع ذلك منه بدين ، وقال في [التنبيهات] : الجائز لمن لم يتواعد على شيء ولا يتراوض مع المشتري كالرجل يقول للرجل: أعندك سلعة كذا؟ فيقول: لا ، فينقلب على غير مواعدة ويشتريها ثم يلقاه صاحبه فيقول: تلك السلعة

عندي، فهذا جائز أن يبيعها منه بما شاء من نقد وكالئ ونحوه قال ابن حبيب : ما لم يكن تعريض أو مواعدة أو عادة ، قال: وكذلك ما اشتراه الرجل لنفسه يعده لمن يشتريه منه بنقد أو كالئ ولا يواعد في ذلك أحدا يشتريه منه ولا يبيعه له ، وكذلك الرجل يشتري السلعة لحاجة له فيبيعها أو يبيع دار سكناه ثم تشق عليه النقلة منها فيشتريها أو الجارية ثم تتبعها نفسه، فهؤلاء إما استقالوا أو زادوا في الثمن فلا بأس به.
وذكر ابن مزين : لو كان مشتري السلعة يريد بيعها ساعتئذ فلا خير فيه ولا ينظر إلى البائع كان من أهل العينة أم لا . قال : فيلحق هذا الوجه بهذه الصورة على قوله بالمكروه . اهـ ، فيكون على ما ذكره عياض هذا الوجه مختلفا فيه ، والمشهور : أنه جائز ، وقول ابن مزين : أنه مكروه ، ولم يحك ابن رشد في جوازه خلافا وأشار المصنف إلى الوجه الرابع المختلف الذي زاده عياض بقوله : ولو بمؤجل بعضه ، قال في [التنبيهات] : والرابع المختلف فيه : ما اشتري ليباع بثمن بعضه مؤجل وبعضه معجل فظاهر مسائل الكتاب والأمهات جوازه ، وفي العتبية كراهته لأهل العينة لكن قال ابن غازي : ظاهر كلام المصنف أن هذا مفرع على مسألة المطلوب منه سلعة ، كما يوهمه لفظ عياض ، ثم ذكره ، ثم قال : فقد يسبق للوهم أن قوله : بثمن يتعلق بقوله : ليباع ، وليس ذلك بمراد ، بل هو متعلق باشتر وفي الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره : ما اشتري بثمن مؤجل وبعضه معجل ليباع فهي إذا مسألة أخرى غير مفرعة على مسألة المطلوب منه وذكر من كلام صاحب [التنبيهات] ما يدل على ذلك ، ثم ذكر عن البيان نحو ذلك ، ثم قال : فإن قلت : لعل المصنف إنما فرعها على مسألة

المطلوب منه سلعة تنبيها على أن المختار عنده من الخلاف الجواز وإن تركبت المسألة من الوصفين فتكون غير المركبة أحرى بالجواز ، قلت : هذا أبعد ما يكون من التأويل ، ولكن يقربه الظن الجميل ، ويتقى العهدة في التزام جواز المركبة . اهـ .
(قلت) : وقد يتلمح الجواز من قول ابن رشد فيبيعها بما شاء من نقد أو نسيئة ونحوه لعياض ، كما تقدم .

ج- قال النووي في [روضة الطالبين]:
ليس من المناهي بيع العينة بكسر العين المهملة وبعد الياء نون وهو أن يبيع غيره شيئا بثمن مؤجل ، ويسلمه إليه ، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بأقل من ذلك الثمن نقدا ، وكذا يجوز أن يبيع بثمن نقدا ويشتري بأكثر منه إلى أجل ، سواء قبض الثمن الأول أم لا ، وسواء صارت العينة عادة له غالبة في البلد ، أم لا ، هذا هو الصحيح المعروف في كتب الأصحاب ، وأفتى الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ، والشيخ أبو محمد : بأنه إذا صار عادة له ، صار البيع الثاني كالمشروط في الأول ، فيبطلان جميعا . اهـ.
قال إسماعيل بن يحيى المزني الشافعي في المختصر المطبوع مع [الأم]:
( باب الرجل يبيع الرجل السلعة إلى أجل ويشتريها بأقل من الثمن ) قال الشافعي : ولا بأس بأن يبيع الرجل السلعة إلى أجل ويشتريها من المشتري بأقل بنقد وعرض وإلى أجل ، قال بعض الناس : إن امرأة أتت عائشة فسألتها عن بيع باعته من زيد بن أرقم بكذا وكذا إلى العطاء ثم اشترته منه بأقل ، فقالت عائشة : بئسما اشتريت وبئسما ابتعت أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب . (قال الشافعي ) : وهو

مجمل ، ولو كان هذا ثابتا فقد تكون عائشة عابت البيع إلى العطاء ؛ لأنه أجل غير معلوم ونحن لا نثبت مثل هذا على عائشة وإذا كانت هذه السلعة كسائر مالي لم لا أبيع ملكي بما شئت وشاء المشتري ؟

د- قال ابن قدامة في [المغني] : (1)
مسألة : قال : ( ومن باع سلعة بنسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها به) وجملة ذلك : أن من باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقدا لم يجز في قول أكثر أهل العلم . روي ذلك عن ابن عباس وعائشة والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي . وبه قال أبو الزناد وربيعة وعبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والأوزاعي و مالك وإسحاق وأصحاب الرأي وأجازه الشافعي ؛ لأنه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها فجاز من بائعها . كما لو باعها بمثل ثمنها . ولنا : ما روى غندر عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية بنت أنفع بن شرحبيل أنها قالت : دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم امرأته على عائشة رضي الله عنها ، فقالت أم ولد زيد بن أرقم : إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء ، ثم اشتريته منه بستمائة درهم فقالت لها : بئس ما شريت وبئس ما اشتريت ، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب ، رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور .
والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه إلا بتوقيف سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجرى مجرى روايتها ذلك عنه ، ولأن ذلك ذريعة إلى الربا
__________
(1) [المغني] (4 \174- 178) .

فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل معلوم ، وكذلك روي عن ابن عباس في مثل هذه المسألة أنه قال : أرى مائة بخمسين بينهما حريرة ، يعني : خرقة حرير جعلاها في بيعهما . والذرائع معتبرة لما قدمناه . فأما بيعها بمثل الثمن أو أكثر فيجوز ؛ لأنه لا يكون ذريعة ، وهذا إذا كانت السلعة لم تنقص عن حالة البيع . فإن نقصت مثل إن هزل العبد أو نسي صناعة أو تخرق الثوب أو بلي- جاز له شراؤها بما شاء ؛ لأن نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا ، وإن نقص سعرها أو زاد لذلك أو لمعنى حدث فيها لم يجز بيعها بأقل من ثمنها كما لو كانت بحالها ، نص أحمد على هذا كله.
(فصل) وإن اشتراها بعرض أو كان بيعها الأول بعرض فاشتراها بنقد- جاز . وبه قال أبو حنيفة ، ولا نعلم فيه خلافا ؛ لأن التحريم إنما كان لشبهة الربا . ولا ربا بين الأثمان والعروض ، فأما إن باعها بنقد ثم اشتراها بنقد آخر مثل أن يبيعها بمائتي درهم ثم اشتراها بعشرة دنانير فقال أصحابنا : يجوز ؛ لأنهما جنسان لا يحرم التفاضل بينهما . فجاز كما لو اشتراها بعرض أو بمثل الثمن . وقال أبو حنيفة : لا يجوز استحسانا ؛ لأنهما كالشيء الواحد في معنى الثمنية ، ولأن ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا . فأشبه ما لو باعها بجنس الثمن الأول وهذا أصح إن شاء الله تعالى.
(فصل) وهذه المسألة تسمى : مسألة العينة . قال الشاعر:
أندان أم نعتان أم ينبري لنا ... فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه ؟
فقوله : نعتان ، أي نشتري عينة مثل ما وصفنا . وقد روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إذا تبايعتم

بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم » (1) . وهذا وعيد يدل على التحريم ، وقد روي عن أحمد أنه قال : العينة : أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة ، فإن باعه بنقد ونسيئة فلا بأس . وقال : أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة لا يبيع بنقد . وقال ابن عقيل : إنما كره النسيئة لمضارعتها الربا ، فإن الغالب أن البائع بنسيئة يقصد الزيادة بالأجل ، ويجوز أن تكون العينة اسما لهذه المسألة وللبيع بنسيئة جميعا . لكن البيع بنسيئة ليس بمحرم اتفاقا ، ولا يكره إلا أن لا يكون له تجارة غيره.
(فصل) وإن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة . فقال أحمد في رواية حرب : لا يجوز ذلك ، إلا أن يغير السلعة ؛ لأن ذلك يتخذه وسيلة إلى الربا . فأشبه مسألة العينة . فإن اشتراها بنقد آخر أو بسلعة أخرى أو بأقل من ثمنها نسيئة جاز . لما ذكرناه في مسألة العينة . ويحتمل أن يجوز له شراؤها بجنس الثمن أو بأكثر منه . إلا أن يكون ذلك عن مواطأة أو حيلة فلا يجوز . وإن وقع ذلك اتفاقا من غير قصد جاز ؛ لأن الأصل حل البيع . وإنما حرم في مسألة العينة بالأثر الوارد فيه ، وليس هذا في معناه ، ولأن التوسل بذلك أكثر . فلا يلتحق به ما دونه . والله أعلم.
(فصل) وفي كل موضع قلنا : لا يجوز له أن يشتري لا يجوز ذلك لوكيله ؛ لأنه قائم مقامه ويجوز لغيره من الناس . سواء كان أباه أو ابنه أو غيرهما ؛ لأنه غير البائع ويشتري لنفسه فأشبه الأجنبي.
__________
(1) سنن أبو داود البيوع (3462),مسند أحمد بن حنبل (2/84).

قال محمد بن مفلح في [الفروع] (1) :
ولو باع شيئا نسيئة أو بثمن لم يقبضه ، في ظاهر كلامه ، وذكره القاضي وأصحابه والأكثر ، ثم اشتراه بأقل مما باعه ، قال أبو الخطاب والشيخ : نقدا ، ولم يقله أحمد والأكثر ، ولو بعد حل أجله ، نقله ابن القاسم وسندي - بطل الثاني (نص عليه وذكره الأكثر ، لم يجز استحسانا ، وكذا في كلام القاضي وأصحابه القياس صحة البيع ، ومرادهم أن القياس خولف لدليل) إلا أن يتغير في نفسه ، أو يقبض ثمنه ، أو بغير جنس ثمنه ، وفي الانتصار وجه : بعرض ، اختاره الشيخ ، أو يشتريه بمثل ثمنه ، أو من غير مشتريه ، لا من وكيله.
وسأله المروذي : إن وجده مع آخر يبيعه بالسوق أيشتريه بأقل ؟
قال : لا ، لعله دفعه ذلك إليه يبيعه ، وتوقف في رواية مهنا فيما إذا نقص في نفسه ، وحمله في الخلاف على أن نقصه أقل من النقص الذي اشتراه به ، فتكون علة المنع باقية ، وهذه مسألة العينة ، وعند أبي الخطاب يجوز قياسا ، وكذا في الترغيب : لم يجز استحسانا ، وكذا في كلام القاضي وأصحابه : القياس صحة البيع ، ومرادهم : أن القياس خولف لدليل راجح ، فلا خلاف إذا في المسألة ، وذكر شيخنا:أنه يصح الأول إذا كان بتاتا ولا مواطأة ، وإلا بطلا ، وأنه قول أحمد (و . م) ويتوجه أن مراد من أطلق هذا ، إلا أنه قال (في الانتصار) : إذا قصدا بالأول الثاني يحرم . وربما قلنا ببطلانه ، وقال أيضا : يحرم . إذا قصدا أن لا يصحا ، وإن سلم فالبيع
__________
(1) [الفروع] (4 \169- 171)

الأول خلا عن ذريعة الربا.
وأجاب عن قول عائشة رضي الله عنها : بئس ما شريت وبئس ما اشتريت : أنه للتأكيد ، قال أحمد رضي الله عنه فيمن فعلها : لا يعجبني أن يكتب عنه الحديث ، وحمله القاضي وغيره على الورع ؛ لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد ، مع أنه ذكر عن قول عائشة رضي الله عنها : أن زيد بن أرقم أبطل جهاده ، أنها أوعدت عليه.
ومسائل الخلاف لا يلحق فيها الوعيد ، وعكس العينة مثلها ، نقله حرب ، ونقل أبو داود : يجوز بلا حيلة ، ونقل المروذي فيمن يبيع الشيء ثم يجده يباع أيشتريه بأقل مما باعه بالنقد ؟ قال : لا ، ولكن بأكثر لا بأس ، ولو احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بمائتين فلا بأس ، نص عليه ، وهي التورق . وعنه : يكره ، وحرمه شيخنا . نقل أبو داود : إن كان لا يريد بيع المتاع الذي يشتريه منك هو أهون ، فإن كان يريد بيعه فهو العينة ، وإن باعه منه لم يجز ، وهي العينة نص عليه.

قال شيخ الإسلام في [مجموع الفتاوى] (1) :
* وسئل عن الرجل يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها من ذلك الرجل بأقل من ذلك الثمن حالا . هل يجوز أم لا؟
فأجاب : أما إذا باع السلعة إلى أجل واشتراها من المشتري بأقل من ذلك حالا فهذه تسمى ( مسألة العينة ) وهي غير جائزة عند أكثر العلماء كأبي حنيفة و مالك و أحمد وغيرهم ، وهو المأثور عن الصحابة ؛ كعائشة وابن
__________
(1) [مجموع الفتاوى] (29 \446- 448)

عباس و أنس بن مالك . فإن ابن عباس سئل عن حريرة بيعت إلى أجل ثم اشتريت بأقل فقال : دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة.
وأبلغ من ذلك أن ابن عباس قال : إذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم ، فبين أنه إذا قوم السلعة بدراهم ثم باعها إلى أجل فيكون مقصوده دراهم بدراهم والأعمال بالنيات وهذه تسمى : ( التورق ).
فإن المشتري تارة يشتري السلعة لينتفع بها ، وتارة يشتريها ليتجر بها ، فهذان جائزان باتفاق المسلمين . وتارة لا يكون مقصوده إلا أخذ دراهم . فينظر كم تساوي نقدا ، فيشتريها إلى أجل ثم يبيعها في السوق بنقد . فمقصوده الورق فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء . كما نقل ذلك عن عمر بن عبد العزيز وهو إحدى الروايتين عن أحمد .
وأما عائشة فإنها قالت لأم ولد زيد بن أرقم لما قالت لها : إني ابتعت من زيد بن أرقم غلاما إلى العطاء بثمانمائة وبعته منه بستمائة . فقالت عائشة : بئس ما بعت ، وبئس ما اشتريت . أخبري زيدا أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطل ، إلا أن يتوب : قالت : يا أم المؤمنين ، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي ، فقالت لها عائشة : { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } (1) (2) وفي السنن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا » (3) ، وهذا إن تواطآ على أن يبيع ثم يبتاع . فما له إلا الأوكس . وهو
__________
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) هكذا في الأصل المطبوع .
(3) سنن أبو داود البيوع (3461).

الثمن الأقل أو الربا.
وأصل هذا الباب : « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » (1) فإن كان قد نوى ما أحله الله فلا بأس ، وإن نوى ما حرم الله وتوصل إليه بحيله فإن له ما نوى ، والشرط بين الناس ما عدوه شرطا كما أن البيع بينهم ما عدوه بيعا . والإجارة بينهم ما عدوه إجارة . وكذلك النكاح بينهم ما عدوه نكاحا ، فإن الله ذكر البيع والنكاح وغيرهما في كتابه ، ولم يرد لذلك حد في الشرع ولا له حد في الفقه.
والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع ؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج ، وتارة باللغة ؛ كالشمس والقمر والبر والبحر ، وتارة بالعرف كالقبض والتفريق ، وكذلك العقود ؛ كالبيع والإجارة والنكاح والهبة وذلك ، فما تواطأ الناس على شرطه وتعاقدوا فهذا شرط عند أهل العرف .
وقال رحمه الله في الاختيارات : وتحرم مسألة التورق.
__________
(1) صحيح البخاري بدء الوحي (1),صحيح مسلم الإمارة (1907),سنن الترمذي فضائل الجهاد (1647),سنن النسائي الطهارة (75),سنن أبو داود الطلاق (2201),سنن ابن ماجه الزهد (4227),مسند أحمد بن حنبل (1/43).

وقال- ابن القيم في [إعلام الموقعين] (1) :
(فصل) ومن الحيل المحرمة الباطلة : التحيل على جواز مسألة العينة , مع أنها حيلة في إبطال حيل لتجويز العينة نفسها على الربا وجمهور الأئمة على تحريمها . وقد ذكر أرباب الحيل لاستباحتها عدة حيل : منها : أن يحدث المشتري في السلعة حدثا ما تنقص به أو تتعيب ، فحينئذ يجوز لبائعها أن يشتريها بأقل مما باعها ، ومنها : أن تكون السلعة قابلة للتجزئة فيمسك ، منها جزءا ما ويبيعه بقيتها ، ومنها : أن يضم البائع إلى السلعة سكينا
__________
(1) [إعلام الموقعين] (3 \335 ، 336)

أو منديلا أو حلقة حديد أو نحو ذلك فيملكه المشتري ويبيعه السلعة بما يتفقان عليه من الثمن ، ومنها : أن يهبها المشتري لولده أو زوجته أو من يثق به فيبيعها الموهوب له من بائعها فإذا قبض الثمن أعطاه للواهب ، ومنها : أن يبيعه إياها نفسه من غير إحداث شيء ولا هبة لغيره لكن يضم إلى ثمنها خاتما من حديد أو منديلا أو سكينا ونحو ذلك.
ولا ريب أن العينة على وجهها أسهل من هذا التكلف وأقل مفسدة وإن كان الشارع قد حرم مسألة العينة لمفسدة فيها فإن المفسدة لا تزول بهذه الحيلة ، بل هي بحالها وانضم إليها مفسدة أخرى أعظم منها ، وهي : مفسدة المكر والخداع واتخاذ أحكام الله هزوا ، وهي أعظم المفسدتين ، وكذلك سائر الحيل لا تزيل المفسدة التي حرم لأجلها وإنما يضم إليها مفسدة الخداع والمكر وإن كانت العينة لا مفسدة فيها فلا حاجة إلى الاحتيال عليها ، ثم إن العينة في نفسها من أدنى الحيل إلى الربا ، فإذا تحيل عليها المحتال صارت حيلا متضاعفة ومفاسد متنوعة والحقيقة والقصد معلومان لله وللملائكة وللمتعاقدين ولمن حضرهما من الناس فليصنع أرباب الحيل ما شاءوا وليسلكوا أية طريق سلكوا فإنهم لا يخرجون بذلك عن بيع مائة بمائة وخمسين إلى سنة فليدخلوا محلل الربا أو يخرجوه فليس هو المقصود . والمقصود معلوم والله لا يخادع ولا تروج عليه الحيل ولا تلتبس عليه الأمور .

قال ابن القيم رحمه الله في [تهذيب السنن] على حديث : « إذا تبايعتم بالعينة » (1) ... وفي الباب حديث أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة رضي الله عنها ، فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم . فقالت : (يا
__________
(1) سنن أبو داود البيوع (3462),مسند أحمد بن حنبل (2/84).

أم المؤمنين ، إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة ، وإني ابتعته منه بستمائة نقدا ، فقالت لها عائشة : بئسما اشتريت ، وبئسما شريت ، أخبري زيدا أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل إلا أن يتوب).
هذا الحديث رواه البيهقي والدارقطني ، وذكره الشافعي ، وأعله بالجهالة بحال امرأة أبي إسحاق ، وقال : لو ثبت فإنما عابت عليها بيعا إلى العطاء ؛ لأنه أجل غير معلوم.
ثم قال : ولا يثبت مثل هذا عن عائشة ، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالا.
قال البيهقي : ورواه يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت أنفع (أنها دخلت على عائشة مع أم أحمد ).
وقال غيره : هذا الحديث حسن ، ويحتج بمثله ؛ لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان : أبو إسحاق زوجها ، ويونس ابنها ، ولم يعلم فيها جرح . والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك.
ثم إن هذا مما ضبطت فيه القصة ، ومن دخل معها على عائشة ، وقد صدقها زوجها وابنها وهما من هما ، فالحديث محفوظ.
وقوله في الحديث المتقدم : « من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا » (1) هو منزل على العينة بعينها . قاله شيخنا ؛ لأنه بيعان في بيع واحد فأوكسهما : الثمن الحال . وإن أخذ بالأكثر وهو المؤجل أخذ بالربا . فالمعينان لا ينفكان من أحد الأمرين : أما الأخذ بأوكس الثمنين أو الربا ، وهذا لا يتنزل إلا على العينة .
__________
(1) سنن أبو داود البيوع (3461).

(فصل) قال المحرمون للعينة : الدليل على تحريمها من وجوه:

أحدها : أن الله تعالى حرم الربا ، والعينة وسيلة إلى الربا ، بل هي من أقرب وسائله ، والوسيلة إلى الحرام حرام . فهنا مقامان:
أحدهما : بيان كونها وسيلة.
والثاني : بيان أن الوسيلة إلى الحرام حرام.
فأما الأول : فيشهد له به النقل والعرف والنية والقصد ، وحال المتعاقدين:
فأما النقل : فبما ثبت عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة ثم اشتراها بخمسين فقال : دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة.
وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين عن ابن عباس : أنه قال : (اتقوا هذه العينة لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة).
وفي كتاب أبي محمد النجشي الحافظ عن ابن عباس « أنه سئل عن العينة ، يعني : بيع الحريرة ، فقال : إن الله لا يخدع ، هذا مما حرم الله ورسوله » .
وفي كتاب الحافظ مطين عن أنس « أنه سئل عن العينة- يعني : بيع الحريرة- فقال : إن الله لا يخدع ، هذا مما حرم الله ورسوله » .
وقول الصحابي (حرم رسول الله كذا أو أمر بكذا وقضى بكذا وأوجب كذا) في حكم المرفوع اتفاقا عند أهل العلم إلا خلافا شاذا لا يعتد به ولا يؤبه له.
وشبهة المخالف : أنه لعله رواه بالمعنى فظن ما ليس بأمر ، ولا تحريم كذلك ، وهذا فاسد جدا . فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص وقد تلقوها

من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يظن بأحد منهم أن يقدم على قوله : (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حرم أو فرض) إلا بعد سماع ذلك ودلالة اللفظ عليه ، واحتمال خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية ، بل دونه ، فإن رد قوله : (أمر) ونحوه بهذا الاحتمال ، وجب رد روايته لاحتمال السهو والغلط وإن قبلت روايته : وجب قبول الآخر.
وأما شهادة العرف بذلك : فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير ، بل قد علم الله وعباده من المتبايعين ذلك : قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدا يقصدان به تملكها ولا غرض لهما فيها بحال . وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول : مائة بمائة وعشرين . وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث ، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه ، بل جيء به لمعنى في غيره . حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن . أو تساوي أقل جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها موردا للعقد ؛ لأنهم لا غرض لهم فيها . وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا.
وأما النية والقصد : فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين ، فضلا عن علم المتعاقدين ونيتهما ؛ ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد ثم يحضران تلك السلعة محللا لما حرم الله ورسوله.
وأما المقام الثاني:- وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام- فبانت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول ، فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردة وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة ، وسمى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون مثل ذلك : مخادعة ، كما تقدم.

وقال أيوب السختياني : (يخادعون الله كما يخادعون الصبيان ، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل ، والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين ، سواء كانت لغوية أو شرعية ، والخداع حرام).
وأيضا فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة وإضمار ما هو من أكبر الكبائر ، فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها في صورة البيع الذي لم يقصد نقل الملك فيه أصلا وإنما قصده حقيقة الربا.
وأيضا : فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلا ؛ لأن إباحتها وتحريم الغاية جمع بين النقيضين فلا يتصور أن يباح شيء ويحرم ما يفضي إليه ، بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما ، والثاني باطل قطعا فيتعين الأول.
وأيضا فإن الشارع إنما حرم الربا ، وجعله من الكبائر ، وتوعد آكله بمحاربة الله ورسوله لما فيه من أعظم الفساد والضرر فكيف يتصور- مع هذا- أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيء يكون من الحيل.
فيا لله العجب ، أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة وقلبتها مصلحة بعد أن كانت مفسدة؟
وأيضا : فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين وكان مقصودهم منع حق الفقراء من الثمر المتساقط وقت الحصاد فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمرة جملة.
ولا يقال : فالعقوبة إنما كانت على رد (1) . الاستثناء وحده لوجهين :
__________
(1) هكذا في الأصل : ولعله : ترك

أحدهما : أن العقوبة من جنس العمل ، وترك الاستثناء عقوبته : أن يعوق وينسى لا إهلاك ماله ، بخلاف عقوبة ذنب الحرمان فإنها حرمان كالذنب .
الثاني : أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا: { أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ } (1) ورتب العقوبة على ذلك ، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة فإن لم يكن هو العلة التامة كان جزءا من العلة .
وعلى التقديرين : يحصل المقصود .
وأيضا : فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الأعمال بالنيات » (2) والمتوسل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم ، ونيته أولى به من ظاهر عمله . وأيضا : فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل » وإسناده مما يصححه الترمذي .
وأيضا : فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها » (3) ، و"جملوها" يعني : أذابوها وخلطوها . وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم ويحدث لها اسم آخر ، وهو الودك وذلك لا يفيد الحل فإن التحريم تابع للحقيقة وهي لم تتبدل بتبدل الاسم .
وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يزل تحريم الشحم بتبديل الاسم بصورة الجمل والإذابة ، وهذا
__________
(1) سورة القلم الآية 24
(2) صحيح البخاري بدء الوحي (1),صحيح مسلم الإمارة (1907),سنن الترمذي فضائل الجهاد (1647),سنن النسائي الطهارة (75),سنن أبو داود الطلاق (2201),سنن ابن ماجه الزهد (4227),مسند أحمد بن حنبل (1/43).
(3) صحيح البخاري البيوع (2110),صحيح مسلم المساقاة (1582),سنن النسائي الفرع والعتيرة (4257),سنن ابن ماجه الأشربة (3383),مسند أحمد بن حنبل (1/25),سنن الدارمي الأشربة (2104).

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21