كتاب : في ظلال القرآن
المؤلف : سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي

ولكن قوم موسى وقوم محمد على السواء سيوفون ما يستحقون ، بعد الأجل ، وفي الموعد المحدود . ولم يؤخر عنهم العذاب لأنهم على الحق . فهم على الباطل الذي كان عليه آباؤهم بكل تأكيد :
{ فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء . ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل . وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص . ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم . وإنهم لفي شك منه مريب . وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم . . إنه بما يعملون خبير } . .
لا يتسرب إلى نفسك شك في فساد عبادة هؤلاء . والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والتحذير لقومه . وهذا الأسلوب أفعل في النفس أحياناً ، لأنه يوحي بأنها قضية موضوعية يبينها الله لرسوله ، وليست جدالاً مع أحد ، ولا خطاباً للمتلبسين بها ، إهمالاً لهم وقلة انشغال بهم وعندئذٍ يكون لتلك الحقيقة الخالصة المجردة أثرها في اهتمامهم أكثر مما لو خوطبوا بها خطاباً مباشراً . .
{ فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء . ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل } . .
ومصيرهم إذن كمصيرهم . . العذاب . . ولكنه يلفه كذلك في التعبير تمشياً مع الأسلوب :
{ وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } . .
ومعروف نصيبهم هذا من نصيب القوم قبلهم . وقد رأينا منه نماذج ومشاهد
وقد لا يصيبهم عذاب الاستئصال في الدنيا كما لم يصب قوم موسى :
{ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } . .
وتفرقت كلمتهم واعتقاداتهم وعباداتهم ، ولكن كلمة سبقت من الله أن يكون حسابهم الكامل يوم القيامة :
{ ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم } . .
ولحكمة ما سبقت هذه الكلمة ، ولم يحل عذاب الاستئصال بهم ، لأن لهم كتاباً ، والذين لهم كتاب من اتباع الرسل كلهم مؤجلون إلى يوم القيامة ، لأن الكتاب دليل هداية باق ، تستطيع الأجيال أن تتدبره كالجيل الذي أنزل فيه . والأمر ليس كذلك في الخوارق المادية التي لا يشهدها إلا جيل ، فإما أن يؤمن بها وإما أن لا يؤمن فيأخذه العذاب . . والتوراة والإنجيل كتابان متكاملان يظلان معروضين للأجيال حتى يجيء الكتاب الأخير ، مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل فيصبح هو الكتاب الأخير للناس جميعاً يدعى إليه الناس جميعاً ، ويحاسب على أساسه الناس جميعاً ، بما فيهم أهل التوراة وأهل الإنجيل . { وإنهم } . . أي قوم موسى . . { لفي شك منه مريب } . . من كتاب موسى ، لأنه لم يكتب إلا بعد أجيال ، وتفرقت فيه الروايات واضطربت ، فلا يقين فيه لمتبعيه .
وإذا كان العذاب قد أجل . . فإن الكل سيوفون أعمالهم خيرها وشرها . سيوفيهم بها العليم الخبير بها ولن تضيع :
{ وإن كلاً لما ليوفينهم ربك أعمالهم . إنه بما يعملون خبير } وفي التعبير توكيدات منوعة حتى لا يشك أحد في الجزاء والوفاء من جراء الإنظار والتأجيل .

وحتى لا يشك أحد في أن ما عليه القوم هو الباطل الذي لا شك في بطلانه ، وأنه الشرك الذي زاوله من قبل كل المشركين . .
ولقد كان لهذه التوكيدات ما يقتضيها من واقع الحركة في تلك الفترة . فقد وقف المشركون وقفتهم العنيدة منها ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقلة المؤمنة معه ، وتجمدت الدعوة على وجه التقريب . بينما عذاب الله الموعود مؤجل لم يقع بعد . والأذى ينزل بالعصبة المؤمنة ويمضي أعداؤها ناجين . . . إنها فترة تهتز فيها بعض القلوب . وحتى القلوب الثابتة تنالها الوحشة ، وتحتاج إلى مثل هذه التسرية وإلى مثل هذا التثبيت .
وتثبيت القلوب المؤمنة لا يكون بشيء كما يكون بتوكيد أن أعداءها هم أعداء الله ، وأنهم على الباطل الذي لا شك فيه كذلك لا يكون تثبيت القلوب المؤمنة بشيء كما يكون بجلاء حكمة الله في إمهال الظالمين ، وإرجاء الطغاة إلى يوم معلوم ، ينالون فيه جزاءهم ولا يفلتون
وهكذا نلمح مقتضيات الحركة بهذه العقيدة في النصوص القرآنية ، ونرى كيف يخوض القرآن المعركة بالجماعة المسلمة ، وكيف يكشف لها معالم الطريق
ذلك البيان مع هذا التوكيد يلقي في النفس أن سنة الله ماضية على استقامتها في خلقه وفي دينه وفي وعده وفي وعيده . وإذن فليستقم المؤمنون بدين الله والداعون له على طريقتهم كما أمروا لا يغلون في الدين ولا يزيدون فيه ، ولا يركنون إلى الظالمين مهما تكن قوتهم ، ولا يدينون لغير الله مهما طال عليهم الطريق . ثم يتزودون بزاد الطريق ، ويصبرون حتى تتحقق سنة الله عندما يريد .
{ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا . إنه بما تعملون بصير . ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون . وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين ، واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } . .
هذا الأمر للرسول صلى الله عليه و سلم ومن تاب معه :
{ فاستقم كما أمرت } . . أحس عليه الصلاة والسلام برهبته وقوته حتى روي عنه أنه قال مشيراً إليه : « شيبتني هود . . . » فالاستقامة : الاعتدال والمضي على النهج دون انحراف . وهو في حاجة إلى اليقظة الدائمة ، والتدبر الدائم ، والتحري الدائم لحدود الطريق ، وضبط الطريق ، وضبط الانفعالات البشرية التي تميل الاتجاه قليلاً أو كثيراً . . ومن ثم فهي شغل دائم في كل حركة من حركات الحياة .
وإنه لمما يستحق الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة ، لم يكن نهياً عن القصور والتقصير ، إنما كان نهياً عن الطغيان والمجاوزة . . وذلك أن الأمر بالاستقامة وما يتبعه في الضمير من يقظة وتحرج قد ينتهي إلى الغلو والمبالغة التي تحول هذا الدين من يسر إلى عسر .

والله يريد دينه كما أنزله ، ويريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط ولا غلو ، فالإفراط والغلو يخرجان هذا الدين عن طبيعته كالتفريط والتقصير . وهي التفاتة ذات قيمة كبيرة ، لإمساك النفوس على الصراط ، بلا انحراف إلى الغلو أو الإهمال على السواء . .
{ إنه بما تعملون بصير } . .
والبصر من البصيرة مناسب في هذا الموضع ، الذي تتحكم فيه البصيرة وحسن الإدراك والتقدير . .
فاستقم أيها الرسول كما أمرت . ومن تاب معك . . .
{ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار }
لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا . إلى الجبارين الطغاة الظالمين ، أصحاب القوة في الأرض ، الذين يقهرون العباد بقوتهم ويعبّدونهم لغير الله من العبيد . . لا تركنوا إليهم فإن ركونكم إليهم يعني إقرارهم على هذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه ، ومشاركتهم إثم ذلك المنكر الكبير .
{ فتمسكم النار } . .
جزاء هذا الانحراف .
{ وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون } . .
والاستقامة على الطريق في مثل هذه الفترة أمر شاق عسير يحتاج إلى زاد يعين . .
والله سبحانه يرشد رسوله صلى الله عليه وسلم ومن معه من القلة المؤمنة إلى زاد الطريق :
{ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل } . .
ولقد علم الله أن هذا هو الزاد الذي يبقى حين يفنى كل زاد ، والذي يقيم البنية الروحية ، ويمسك القلوب على الحق الشاق التكاليف . ذلك أنه يصل هذه القلوب بربها الرحيم الودود ، القريب المجيب ، وينسم عليها نسمة الأنس في وحشتها وعزلتها في تلك الجاهلية النكدة الكنود
والآية هنا تذكر طرفي النهار وهما أوله وآخرة ، وزلفاً من الليل أي قريباً من الليل . وهذه تشمل أوقات الصلاة المفروضة دون تحديد عددها . والعدد محدد بالسنة ومواقيته كذلك .
والنص يعقب على الأمر بإقامة الصلاة أي أدائها كاملة مستوفاه بأن الحسنات يذهبن السيئات . وهو نص عام يشمل كل حسنة ، والصلاة من أعظم الحسنات ، فهي داخلة فيه بالأولوية . لا أن الصلاة هي الحسنة التي تذهب السيئة بهذا التحديد كما ذهب بعض المفسرين
{ ذلك ذكرى للذاكرين } . .
فالصلاة ذكر في أساسها ومن ثم ناسبها هذا التعقيب . .
والاستقامة في حاجة إلى الصبر . كما أن انتظار الأجل لتحقيق سنة الله في المكذبين يحتاج إلى الصبر . . ومن ثم كان التعقيب على الأمر بالاستقامة وعلى ما سبقه في السياق هو :
{ واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } . .
والاستقامة إحسان . وإقامة الصلاة في أوقاتها إحسان . والصبر على كيد التكذيب إحسان . . . والله لا يضيع أجر المحسنين . . .
ثم يعود السياق إلى تكملة التعليق والتعقيب على مصارع القرى والقرون . فيشير من طرف خفي إلى أنه لو كان في هذه القرون أولو بقية يستبقون لأنفسهم الخير عند الله ، فينهون عن الفساد في الأرض ، ويصدون الظالمين عن الظلم ، ما أخذ تلك القرى بعذاب الاستئصال الذي حل بهم ، فإن الله لا يأخذ القرى بالظلم إذا كان أهلها مصلحين ، أي إذا كان للمصلحين من أهلها قدرة يصدون بها الظلم والفساد ، إنما كان في هذه القرى قلة من المؤمنين لا نفوذ لهم ولا قوة ، فأنجاهم الله .

وكان فيها كثرة من المترفين وأتباعهم والخانعين لهم ، فأهلك القرى بأهلها الظالمين :
{ فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم ، واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين . وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } . .
وهذه الإشارة تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم . فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله ، في صورة من صوره ، فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية ، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير . فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون ، ويفسد فيها المفسدون ، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد ، أو يكون فيها من يستنكر ، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد ، فإن سنة الله تحق عليها ، إما بهلاك الاستئصال . وإما بهلاك الانحلال . . والاختلال
فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده ، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره ، هم صمام الأمان للأمم والشعوب . . وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده ، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره . . إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب ، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله ، واستحقاق النكال والضياع . .
والتعقيب الأخير عن اختلاف البشر إلى الهدى وإلى الضلال ، وسنة الله المستقيمة في اتجاهات خلقه إلى هذا أو ذاك :
{ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة . ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم . وتمت كلمة ربك : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } . .
لو شاء الله لخلق الناس كلهم على نسق واحد ، وباستعداد واحد . . نسخاً مكرورة لا تفاوت بينها ولا تنويع فيها . وهذه ليست طبيعة هذه الحياة المقدرة على هذه الأرض . وليست طبيعة هذا المخلوق البشري الذي استخلفه الله في الأرض .
ولقد شاء الله أن تتنوع استعدادات هذا المخلوق واتجاهاته . وأن يوهب القدرة على حرية الاتجاه . وأن يختار هو طريقه ، ويحمل تبعة الاختيار . ويجازى على اختياره للهدى أو للضلال . . هكذا اقتضت سنة الله وجرت مشيئته . فالذي يختار الهدى كالذي يختار الضلال سواء في أنه تصرف حسب سنة الله في خلقه ، ووفق مشيئته في أن يكون لهذا المخلوق أن يختار ، وأن يلقى جزاء منهجه الذي اختار .
شاء الله ألا يكون الناس أمة واحدة . فكان من مقتضى هذا أن يكونوا مختلفين . وأن يبلغ هذا الاختلاف أن يكون في أصول العقيدة إلا الذين أدركتهم رحمة الله الذين اهتدوا إلى الحق والحق لا يتعدد فاتفقوا عليه .

وهذا لا ينفي أنهم مختلفون مع أهل الضلال .
ومن المقابل الذي ذكره النص :
{ وتمت كلمة ربك : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } . .
يفهم أن الذين التقوا على الحق وأدركتهم رحمة الله لهم مصير آخر هو الجنة تمتلئ بهم كما تمتلئ جهنم بالضالين المختلفين مع أهل الحق ، والمختلفين فيما بينهم على صنوف الباطل ومناهجه الكثيرة
والخاتمة الأخيرة . خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم عن حكمة سوق القصص إليه في خاصة نفسه للمؤمنين . فأما الذين لا يؤمنون فليلق إليهم كلمته الأخيرة ، وليفاصلهم مفاصلة حاسمة ، وليخل بينهم وبين ما ينتظرهم في غيب الله . ثم ليعبد الله ويتوكل عليه ، ويدع القوم لما يعملون . .
{ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ، وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين . وقل للذين لا يؤمنون : اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ، وانتظروا إنا منتظرون . ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ، فاعبده وتوكل عليه ، وما ربك بغافل عما تعملون } . .
ويا لله للرسول صلى الله عليه وسلم لقد كان يجد من قومه ، ومن انحرافات النفوس ، ومن أعباء الدعوة ، ما يحتاج معه إلى التسلية والتسرية والتثبيت من ربه وهو الصابر الثابت المطمئن إلى ربه :
{ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } . .
{ وجاءك في هذه الحق } . .
أي في هذه السورة . . الحق من أمر الدعوة ، ومن قصص الرسل ، ومن سنن الله ، ومن تصديق البشرى والوعيد .
{ وموعظة وذكرى للمؤمنين } . .
تعظهم بما سلف في القرون ، وتذكرهم بسنن الله وأوامره ونواهيه .
فأما الذين لا يؤمنون بعد ذلك فلا موعظة لهم ولا ذكرى . وإنما الكلمة الفاصلة ، والمفاصلة الحاسمة :
{ وقل للذين لا يؤمنون : اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون } . .
كما قال أخ لك ممن سبق قصصهم في هذه السورة لقومه ثم تركهم لمصيرهم يلاقونه . . وما ينتظرونه غيب من غيب الله :
{ ولله غيب السماوات والأرض } . .
والأمر إليه . أمرك وأمر المؤمنين ، وأمر الذين لا يؤمنون ، وأمر هذا الخلق كله ما كان في غيبه وما سيكون .
{ فاعبده } . .
فهو الجدير وحده بالعبادة والدينونة .
{ وتوكل عليه } . .
فهو الولي وحده والنصير . وهو العليم بما تعملون من خير وشر . ولن يضيع جزاء أحد :
{ وما ربك بغافل عما تعملون } . .
وهكذا تختم السورة التي بدئت بالتوحيد في العبادة ، والتوبة والإنابة والرجعة إلى الله في النهاية . بمثل ما بدئت به من عبادة الله وحده والتوجه إليه وحده . والرجعة إليه في نهاية المطاف . وذلك بعد طول التطواف في آفاق الكون وأغوار النفس وأطوار القرون . .
وهكذا يلتقي جمال التنسيق الفني في البدء والختام ، والتناسق بين القصص والسياق ، بكمال النظرة والفكرة والاتجاه في هذا القرآن .

ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً . .
وبعد . فإن المتتبع لسياق هذه السورة كلها بل المتتبع للقرآن المكي كله يجد أن هناك خطاً أصيلاً ثابتاً عريضاً عميقاً ، هو الذي ترتكز عليه؛ وهو المحور الذي تدور حوله؛ وإليه ترجع سائر خطوطها ، وإليه تشد جيمع خيوطها كذلك . . إنه خط العقيدة الذي يرتكز إليه هذا الدين كله . . وإنه محور العقيدة الذي يدور عليه هذا المنهج الرباني لحياة البشرية جملة وتفصيلاً . .
وسنحتاج في التعقيب الإجمالي على هذه السورة أن نقف وقفات إجمالية كذلك على ذلك الخط وعلى هذا المحور كما يتجلى في سياق السورة وبعضها مما يكون قد سبق لنا الوقوف عنده شيئاً ما . ولكننا في هذا التعقيب الإجمالي سنحتاج إلى الإلمام به ، ربطاً لأجزاء هذا التعقيب الأخير :
إن الحقيقة الأولى البارزة في سياق السورة كله . . سواء في مقدمتها التي تعرض مضمون الكتاب الذي أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم أو في القصص الذي يعرض خط الحركة بالعقيدة الإسلامية على مدى التاريخ البشري . أو في التعقيب الختامي الذي يوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مواجهة المشركين بالنتائج النهائية المستخلصة من هذا القصص ومن مضمون الكتاب الذي جاءهم به في النهاية . .
إن الحقيقة الأولى البارزة في سياق السورة كله . . هي التركيز على الأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن عبادة غيره . . وتقرير أن هذا هو الدين كله . . وإقامة الوعد والوعيد ، والحساب والجزاء ، والثواب والعقاب ، على هذه القاعدة الواحدة الشاملة العريضة . . كما أسلفنا في تقديم السورة وفي مواضع متعددة من تفسيرها . .
فيبقى هنا أن نجلي أولاً طريقة المنهج القرآني في تقرير هذه الحقيقة ، وقيمة هذه الطريقة :
إن حقيقة توحيد العبادة لله ترد في صيغتين هكذا :
{ يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . } { ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير . . . } وواضح اختلاف الصيغتين بين الأمر والنهي . . فهل مدلولهما واحد؟ . إن مدلول الصيغة الأولى : الأمر بعبادة الله ، وتقرير أن ليس هناك إله يعبد سواه . . ومدلول الصيغة الثانية : النهي عن عبادة غير الله . .
والمدلول الثاني هو مقتضى المدلول الأول ومفهومه . . ولكن الأول « منطوق » والآخر « مفهوم » . . ولقد اقتضت حكمة الله في بيان هذه الحقيقة الكبيرة عدم الاكتفاء بالمفهوم ، في النهي عن عبادة غير الله . وتقرير هذا النهي عن طريق منطوق مستقل . وإن كان مفهوماً ومتضمناً في الأمر الأول
إن هذا يعطينا إيحاء عميقاً بقيمة تلك الحقيقة الكبيرة ، ووزنها في ميزان الله سبحانه ، بحيث تستحق ألاّ توكل إلى المفهوم المتضمن في الأمر بعبادة الله وتقرير أن لا إله يعبد سواه؛ وأن يرد النهي عن عبادة سواه في منطوق مستقل يتضمن النهي بالنص المباشر لا بالمفهوم المتضمن ولا بالمقتضى اللازم
كذلك تعطينا طريقة المنهج القرآني في تقرير تلك الحقيقة بشطريها .

. عبادة الله . وعدم عبادة سواه . . أن النفس البشرية في حاجة إلى النص القاطع على شطري هذه الحقيقة سواء . وعدم الاكتفاء معها بالأمر بعبادة الله وتقرير أن لا إله يعبد سواه . وإضافة النهي الصريح عن عبادة سواه إلى المفهوم الضمني الذي يتضمنه الأمر بعبادته وحده . . ذلك أن الناس يجيء عليهم زمان لا يجحدون الله ، ولا يتركون عبادته ، ولكنهم مع هذا يعبدون معه غيره؛ فيقعون في الشرك وهم يحسبون أنهم مسلمون
ومن ثم جاء التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد بالأمر وبالنهي معاً؛ بحيث يؤكد أحدهما الآخر ، التوكيد الذي لا تبقى معه ثغرة ينفذ منها الشرك في صورة من صوره الكثيرة . .
وقد تكرر مثل هذا في التعبير في مواضع شتى؛ هذه نماذج منها من هذه السورة ومن سواها :
{ ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير : ألا تعبدوا إلا الله ، إنني لكم منه نذير وبشير } [ هود : 1 2 ]
{ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه : إني لكم نذير مبين : ألا تعبدوا إلا الله ، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } [ هود : 25 26 ]
{ وإلى عاد أخاهم هوداً ، قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، إن أنتم إلا مفترون } [ هود : 50 ]
{ وقال الله : لا تتخذوا إلهين اثنين . إنما هو إله واحد . فإياي فارهبون } [ النحل : 51 ]
{ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً . ولكن كان حنيفاً مسلماً . وما كان من المشركين } [ آل عمران : 67 ]
{ إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً . وما أنا من المشركين } [ الأنعام : 67 ]
وهو منهج مطرد في التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد ، له دلالته من غير شك . سواء في تجلية قيمة هذه الحقيقة وضخامتها التي تستدعي ألا توكل في أي جانب من جوانبها إلى المفهومات الضمنية والمقتضيات اللازمة ، وإنما ينص نصاً منطوقاً على كل جانب فيها . أو في دلالة هذه الطريقة على علم الله سبحانه بطبيعة الكائن الإنساني ، وحاجته في تقرير هذه الحقيقة الكبيرة ، وصيانتها في حسه وتصوره من أية شبهة أو غبش ، إلى التعبير الدقيق عنها على ذلك النحو ، الذي يتجلى فيه القصد والعمد . . ولله الحكمة البالغة . . وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير .
ثم نقف أمام مدلول مصطلح « العبادة » الوارد في السورة وفي القرآن كله لندرك ما وراء ذلك التركيز على الأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن عبادة غيره . وما وراء هذه العناية في التعبير عن شطري هذه الحقيقة في نص منطوق ، وعدم الاكتفاء بالدلالة الضمنية المفهومة .

لقد جلينا من قبل في أثناء التعقيب على قصة هود وقومه في هذه السورة ما هو مدلول مصطلح « العبادة » الذي استحق كل هذا التركيز وكل هذه العناية؛ كما استحق كل ذلك الجهد من رهط الرسول الكرام ، وكل تلك العذابات والآلام التي عاناها الدعاة إلى عبادة الله وحده على ممر الأيام . . فالآن نضيف إلى ذلك التعقيب بعض اللمحات :
إن إطلاق مصطلح « العبادات » على الشعائر وعلى ما يكون بين العبد والرب من تعامل ، في مقابل إطلاق مصطلح : « المعاملات » على ما يكون بين الناس بعضهم وبعض من تعامل . . إن هذا جاء متأخراً عن عصر نزول القرآن الكريم؛ ولم يكن هذا التقسيم معروفاً في العهد الأول .
ولقد كتبنا من قبل في كتاب « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » شيئاً عن تاريخ هذه المسألة نقتطف منه هذه الفقرات :
« إن تقسيم النشاط الإنساني إلى » عبادات « و » معاملات « مسألة جاءت متأخرة عن التأليف في مادة » الفقه « . ومع أنه كان المقصود به في أول الأمر مجرد التقسيم » الفني « الذي هو طابع التاليف العلمي ، إلا أنه مع الأسف أنشأ فيما بعد آثاراً سيئة في التصور ، تبعها بعد فترة آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها؛ إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة » العبادة « إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط ، الذي يتناوله » فقه العبادات « . وهو انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه . فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي .
» ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى « العبادة » أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف . والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة ، أولاً وأخيراً . «
» وليس هناك من هدف في المنهج الإسلامي لنظام الحكم ، ونظام الاقتصاد ، والتشريعات الجنائية ، والتشريعات المدنية ، وتشريعات الأسرة . وسائر التشريعات التي يتضمنها هذا المنهج . .
« ليس هناك من هدف إلا تحقيق معنى » العبادة « في حياة الإنسان . . والنشاط الإنساني لا يكون متصفاً بهذا الوصف ، محققاً لهذه الغاية التي يحدد القرآن أنها هي غاية الوجود الإنساني إلا حين يتم هذا النشاط وفق المنهج الرباني؛ فيتم بذلك إفراد الله سبحانه بالألوهية؛ والاعتراف له وحده بالعبودية . . وإلا فهو خروج عن العبادة لأنه خروج عن العبودية . أي خروج عن غاية الوجود الإنساني كما أرادها الله . أي خروج عن دين الله »
« وأنواع النشاط التي أطلق عليها الفقهاء اسم » العبادات « وخصوها بهذه الصفة على غير مفهوم التصور الإسلامي حين تراجع في مواضعها في القرآن ، تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها .

وهي انها لم تجئ مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التي أطلق عليها الفقهاء اسم « المعاملات » . . إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة في السياق القرآني ، ومرتبطة في المنهج التوجيهي . باعتبار هذه كتلك شطراً من منهج « العبادة » التي هي غاية الوجود الإنساني ، وتحقيقاً لمعنى العبودية ، ومعنى إفراد الله سبحانه بالألوهية .
« إن ذلك التقسيم مع مرور الزمن جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا » مسلمين « إذا هم أدوا نشاط » العبادات « وفق أحكام الإسلام بينما يزاولون كل نشاط » المعاملات « وفق منهج آخر . . لا يتلقونه من الله ولكن من إله آخر . . هو الذي يشرع لهم في شؤون الحياة ما لم يأذن به الله »
« وهذا وهم كبير . فالإسلام وحدة لا تنفصم . وكل من يفصمه إلى شطرين على هذا النحو فإنما يخرج من هذه الوحدة ، أو بتعبير آخر : يخرج من هذا الدين .
» وهذه هي الحقيقة الكبيرة التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه؛ ويريد في الوقت ذاته أن يحقق غاية وجوده الإنساني « .
فالآن نضيف إلى هذه الفقرات ما قلناه من قبل هذا الجزء من أن العربي الذي خوطب بهذا القرآن أول مرة لم يكن يحصر مدلول هذا اللفظ وهو يؤمر به في مجرد أداء الشعائر التعبدية . . بل أنه يوم خوطب به أول مرة في مكة لم تكن قد فرضت بعد شعائر تعبدية إنما كان يفهم منه عندما يخاطب به أن المطلوب منه هو » الدينونة « لله وحده في أمره كله ، وخلع الدينونة لغير الله من عنقه في أمره كله . ولقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم » العبادة « نصاً بأنها » الاتباع « وليست هي الشعائر التعبدية ، وهو يقول لعدي ابن حاتم عن اليهود والنصارى ، واتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً : » بلى . إنهم أحلوا لهم الحرام ، وحرموا عليهم الحلال ، فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم « . إنما أطلقت لفظة » العبادة « على » الشعائر التعبدية « باعتبارها صورة من صور الدينونة لله في شأن من الشؤون . صورة لا تستغرق مدلول العبادة ، بل إنها تجيء بالتبعية لا بالإصالة . .
ولقد قلنا من قبل في هذا الجزء » إن الواقع أنه لو كانت حقيقة العبادة هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب الكريم من الرسل والرسالات؛ وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وما استحقت كل هذه العذابات والآلام التي تعرض لها الدعاة والمؤمنون على مدار الزمان إنما الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر جملة من الدينونة للعباد ، وردهم إلى الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن ، وفي منهج حياتهم كله للدنيا وللآخرة سواء .

« إن توحيد الألوهية ، وتوحيد الربوبية ، وتوحيد القوامة ، وتوحيد الحاكمية ، وتوحيد مصدر الشريعة ، وتوحيد منهج الحياة ، وتوحيد الجهة التي يدين لها الناس الدينونة الشاملة . . إن هذا التوحيد هو الذي يستحق أن يرسل من أجله كل هؤلاء الرسل ، وأن تبذل في سبيله كل هذه الجهود ، وأن تحتمل لتحقيقه كل هذه العذابات والآلام على مدار الزمان . . لا لأن الله سبحانه في حاجة إليه . فالله سبحانه غني عن العالمين . ولكن لأن حياة البشر لا تصلح ولا ترتفع ولا تصبح لائقة بالإنسان ، إلا بهذا التوحيد الذي لا حد لتأثيره في الحياة البشرية في كل جوانبها على السواء » . .
وقد وعدنا هناك أن نزيد هذا الأمر بياناً في هذا التعقيب الختامي الأخير .
فالآن نبين إجمالاً قيمة حقيقة التوحيد في الحياة البشرية في كل جوانبها على السواء :
* ننظر ابتداء إلى أثر حقيقة التوحيد على هذا النحو الشامل في كيان الكائن الإنساني نفسه من ناحية وجوده الذاتي ، وحاجته الفطرية ، وتركيبه الإنساني . . أثرها في تصوره . . وأثر هذا التصور في كيانه :
« إن هذا التصور إذ يتناول الأمور على هذا النحو الشامل بكل معاني الشمول يخاطب الكينونة البشرية بكل جوانبها ، وبكل أشواقها ، وبكل حاجاتها ، وبكل اتجاهاتها ، ويردها إلى جهة واحدة تتعامل معها ، جهة تطلب عندها كل شيء ، وتتوجه إليها بكل شيء ، جهة واحدة ترجوها وتخشاها ، وتتقي غضبها وتبتغي رضاها ، جهة واحدة تملك لها كل شيء ، لأنها خالقة كل شيء ، ومالكة كل شيء ، ومدبرة كل شيء .
» كذلك يرد الكينونة الإنسانية إلى مصدر واحد ، تتلقى منه تصوراتها ومفاهيمها ، وقيمها وموازينها ، وتجد عنده إجابة عن كل سؤال يجيش فيها وهي تواجه الكون والحياة والإنسان ، بكل ما يثيره كل منها من علامات الاستفهام .
« عندئذ تتجمع هذه الكينونة . . تتجمع شعوراً وسلوكاً ، وتصوراً واستجابة . في شأن العقيدة والمنهج . وشأن الاستمداد والتلقي . وشأن الحياة والموت . وشأن السعي والحركة . وشأن الصحة والرزق . وشأن الدنيا والآخرة . فلا تتفرق مزقاً؛ ولا تتجه إلى شتى السبل والآفاق؛ ولا تسلك شتى الطرق على غير اتفاق »
« والكينونة الإنسانية حين تتجمع على هذا النحو ، تصبح في خير حالاتها . لأنها تكون حينئذ في حالة » الوحدة « التي هي طابع الحقيقة في كل مجالاتها . . فالوحدة هي حقيقة الخالق سبحانه والوحدة هي حقيقة هذا الكون على تنوع المظاهر والأشكال والأحوال والوحدة هي حقيقة الحياة والأحياء على تنوع الأنواع والأجناس والوحدة هي حقيقة الإنسان على تنوع الأفراد والاستعدادات والوحدة هي غاية الوجود الإنساني وهي العبادة على تنوع مجالات العبادة وهيئاتها وهكذا حيثما بحث الإنسان عن الحقيقة في هذا الوجود .

.
« وحين تكون الكينونة الإنسانية في الوضع الذي يطابق » الحقيقة « في كل مجالاتها ، تكون في أوج قوتها الذاتية؛ وفي أوج تناسقها كذلك مع » حقيقة « هذا الكون الذي تعيش فيه ، وتتعامل معه؛ ومع » حقيقة « كل شيء في هذا الوجود ، مما تتأثر به وتؤثر فيه . . وهذا التناسق هو الذي يتيح لها أن تنشئ أعظم الآثار ، وأن تؤدي أعظم الأدوار .
» وحينما بلغت هذه الحقيقة أوجها في المجموعة المختارة من المسلمين الأوائل ، صنع الله بها في الأرض أدواراً عميقة الآثار في كيان الوجود الإنساني ، وفي كيان التاريخ الإنساني . .
« وحين توجد هذه الحقيقة مرة أخرى وهي لا بد كائنة بإذن الله سيصنع الله بها الكثير ، مهما يكن في طريقها من العراقيل . ذلك أن وجود هذه الحقيقة في ذاته ينشئ قوة لا تقاوم؛ لأنها من صميم قوة هذا الكون؛ وفي اتجاه قوة المبدع لهذا الكون أيضاً .
» . . . إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني . وإن كان هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة يقوم عليها بناء الحياة كله بل إن أهميتها كذلك في حسن تذوق الحياة ، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق . فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة لله؛ وحين يصبح كل نشاط فيها صغر أم كبر جزءاً من هذه العبادة؛ أو كل العبادة ، متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامن فيه . وهو إفراد الله سبحانه بالألوهية والإقرار له وحده بالعبودية . . هذا المقام الذي لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه؛ ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه . وهو المقام الذي بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى مقاماته التي ارتقى إليها . مقام تلقي الوحي من الله . ومقام الإسراء أيضاً :
{ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً } [ الفرقان : 1 ] .
{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله . لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } [ الإسراء : 1 ] .
* وننتقل إلى قيمة أخرى من قيم توحيد العبادة بمعنى الدينونة لله وحده وآثارها في الحياة الإنسانية :
إن الدينونة لله تحرر البشر من الدينونة لغيره؛ وتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . وبذلك تحقق للإنسان كرامته وحريته الحقيقية ، هذه الحرية وتلك اللتان يستحيل ضمانهما في ظل أي نظام آخر غير النظام الإسلامي يدين فيه الناس بعضهم لبعض بالعبودية ، في صورة من صورها الكثيرة .

. . سواء عبودية الاعتقاد ، أو عبودية الشعائر ، أو عبودية الشرائع . . فكلها عبودية؛ وبعضها مثل بعض؛ تخضع الرقاب لغير الله؛ بإخضاعها للتلقي في أي شأن من شؤون الحياة لغير الله .
والناس لا يملكون أن يعيشوا غير مدينين لا بد للناس من دينونة . والذين لا يدينون لله وحده يقعون من فورهم في شر ألوان العبودية لغير الله؛ في كل جانب من جوانب الحياة
إنهم يقعون فرائس لأهوائهم وشهواتهم بلا حد ولا ضابط . ومن ثم يفقدون خاصتهم الآدمية ويندرجون في عالم البهيمة :
{ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ، والنار مثوى لهم } [ محمد : 12 ] .
ولا يخسر الإنسان شيئاً كأن يخسر آدميته ، ويندرج في عالم البهيمة ، وهذا هو الذي يقع حتماً بمجرد التملص من الدينونة لله وحده ، والوقوع في الدينونة للهوى والشهوة .
ثم هم يقعون فرائس لألوان من العبودية للعبيد . . يقعون في شر ألوان العبودية للحكام والرؤساء الذين يصرفونهم وفق شرائع من عند أنفسهم ، لا ضابط لها ولا هدف إلا حماية مصالح المشرعين أنفسهم سواء تمثل هؤلاء المشرعون في فرد حاكم ، أو في طبقة حاكمة ، أو في جنس حاكم فالنظرة على المستوى الإنساني الشامل تكشف عن هذه الظاهرة في كل حكم بشري لا يستمد من الله وحده ، ولا يتقيد بشريعة الله لا يتعداها . .
ولكن العبودية للعبيد لا تقف عند حدود العبودية للحكام والرؤساء والمشرعين . . فهذه هي الصورة الصارخة ، ولكنها ليست هي كل شيء . . إن العبودية للعباد تتمثل في صور أخرى خفية؛ ولكنها قد تكون أقوى وأعمق وأقسى من هذه الصورة ونضرب مثالاً لهذا تلك العبودية لصانعي المودات والأزياء مثلاً أي سلطان لهؤلاء على قطيع كبير جداً من البشر؟ . . كل الذين يسمونهم متحضرين . . إن الزي المفروض من آلهة الأزياء سواء في الملابس أو العربات أو المباني أو المناظر أو الحفلات . . الخ . . ليمثل عبودية صارمة لا سبيل لجاهلي ولا لجاهلية أن يفلت منها؛ أو يفكر في الخروج عنها ولو دان الناس في هذه الجاهلية « الحضارية » لله بعض ما يدينون لصانعي الأزياء لكانوا عباداً متبتلين . . فماذا تكون العبودية إن لم تكن هي هذه؟ وماذا تكون الحاكمية والربوبية إن لم تكن هي حاكمية وربوبية صانعي الأزياء أيضاً؟
وإن الإنسان ليبصر أحياناً بالمرأة المسكينة ، وهي تلبس ما يكشف عن سوآتها ، وهو في الوقت ذاته لا يناسب شكلها ولا تكوينها ، وتضع من الأصباغ ما يتركها شائهة أو مثاراً للسخرية ولكن الألوهية القاهرة لأرباب الأزياء والمودات تقهرها وتذلها لهذه المهانة التي لا تملك لها رداً ، ولا تقوى على رفض الدينونة لها ، لأن المجتمع كله من حولها يدين لها . فكيف تكون الدينونة إن لم تكن هي هذه؟ وكيف تكون الحاكمية والربوبية إن لم تكن هي تلك؟
وليس هذا إلا مثلاً واحداً للعبودية المذلة حين لا يدين الناس لله وحده؛ وحين يدينون لغيره من العبيد .

. وليست حاكمية الرؤساء والحكام وحدها هي الصورة الكريهة المذلة لحاكمية البشر للبشر ، ولعبودية البشر للبشر
وهذا يقودنا إلى قيمة توحيد العبادة والدينونة في صيانة أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم ، التي تصبح كلها ولا عاصم لها عندما يدين العباد للعباد ، في صورة من صور الدينونة . . سواء في صورة حاكمية التشريع ، أو في صورة حاكمية الأعراف والتقاليد ، أو في حاكمية الاعتقاد والتصور . .
إن الدينونة لغير الله في الاعتقاد والتصور معناها الوقوع في براثن الأوهام والأساطير والخرافات التي لا تنتهي؛ والتي تمثل الجاهليات الوثنية المختلفة صوراً منها؛ وتمثل أوهام العوام المختلفة صوراً منها؛ وتقدم فيها النذور والأضاحي من الأموال وأحيانا من الأولاد تحت وطأة العقيدة الفاسدة والتصور المنحرف؛ ويعيش الناس معها في رعب من الأرباب الوهمية المختلفة ، ومن السدنة والكهنة المتصلين بهذه الأرباب ومن السحرة المتصلين بالجن والعفاريت ومن المشايخ والقديسين أصحاب الأسرار ومن . . ومن . . من الأوهام التي ما يزال الناس منها في رعب وفي خوف وفي تقرب وفي رجاء ، حتى تتقطع أعناقهم وتتوزع جهودهم ، وتتبدد طاقاتهم في مثل هذا الهراء
وقد مثلنا لتكاليف الدينونة لغير الله في الأعراف والتقاليد بأرباب الأزياء والمودات فينبغي أن نعلم كم من الأموال والجهود تضيع إلى جانب الأعراض والأخلاق في سبيل هذه الأرباب
إن البيت ذا الدخل المتوسط ينفق على الدهون والعطور والأصباغ؛ وعلى تصفيف الشعر وكيه؛ وعلى الأقمشة التي تصنع منها الأزياء المتقلبة عاماً بعد عام ، وما يتبعها من الأحذية المناسبة والحلي المتناسقة مع الزي والشعر والحذاء . . . إلى آخر ما تقضي به تلك الأرباب النكدة . . إن البيت ذا الدخل المتوسط ينفق نصف دخله ونصف جهده لملاحقة أهواء تلك الأرباب المتقلبة التي لا تثبت على حال . ومن ورائها اليهود أصحاب رؤوس الأموال الموظفة في الصناعات الخاصة بدنيا تلك الأرباب ولا يملك الرجل ولا المرأة وهما في هذا الكد الناصب أن يتوقفا لحظة عن تلبية ما تقتضيه تلك الدينونة النكدة من تضحيات في الجهد والمال والعرض والخلق على السواء
وأخيراً تجيء تكاليف العبودية لحاكمية التشريع البشرية . . وما من أضحية يقدمها عابد الله لله ، إلا ويقدم الذين يدينون لغير الله أضعافاً للأرباب الحاكمة من الأموال والأنفس والأعراض . .
وتقام أصنام من « الوطن » ومن « القوم » ومن « الجنس » ومن « الطبقة » ومن « الإنتاج » . . . ومن غيرها من شتى الأصنام والأرباب . .
وتدق عليها الطبول؛ وتنصب لها الرايات؛ ويدعى عباد الأصنام إلى بذل النفوس والأموال لها بغير تردد . . وإلا فالتردد هو الخيانة ، وهو العار . . وحتى حين يتعارض العِرض .

مع متطلبات هذه الأصنام ، فإن العرض هو الذي يضحى؛ ويكون هذا هو الشرف الذي يراق على جوانبه الدم كما تقول الأبواق المنصوبة حول الأصنام ، ومن ورائها أولئك الأرباب من الحكام
إن كل التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله؛ ليعبد الله وحده في الأرض؛ وليتحرر البشر من عبادة الطواغيت والأصنام ، ولترتفع الحياة الإنسانية إلى الأفق الكريم الذي أراده الله للإنسان . . إن كل هذه التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ليبذل مثلها وأكثر من يدينون لغير الله والذين يخشون العذاب والألم والاستشهاد وخسارة الأنفس والأولاد والأموال إذا هم جاهدوا في سبيل الله ، عليهم أن يتأملوا ماذا تكلفهم الدينونة لغير الله في الأنفس والأموال والأولاد ، وفوقها الأخلاق والأعراض . . إن تكاليف الجهاد في سبيل الله في وجه طواغيت الأرض كلها لن تكلفهم ما تكلفهم الدينونة لغير الله؛ وفوق ذلك كله الذل والدنس والعار
وأخيراً فإن توحيد العبادة والدينونة لله وحده ، ورفض العبادة والدينونة لغيره من خلقه؛ ذو قيمة كبيرة في صيانة الجهد البشري من أن ينفق في تأليه الأرباب الزائفة . كي يوجه بجملته إلى عمارة الأرض ، وترقيتها ، وترقية الحياة فيها .
وهناك ظاهرة واضحة متكررة أشرنا إليها فيما سبق في هذا الجزء . . وهي أنه كلما قام عبد من عبيد الله ، ليقيم من نفسه طاغوتاً يعبّد الناس لشخصه دون الله . . احتاج هذا الطاغوت كي يعبد ( أي يطاع ويتبع ) إلى أن يسخر كل القوى والطاقات؛ أولا : لحماية شخصه . وثانياً : لتأليه ذاته . واحتاج إلى حواشٍ وذيول وأجهزة وأبواق تسبح بحمده ، وترتل ذكره ، وتنفخ في صورته « العبدية » الهزيلة لتتضخم وتشغل مكان « الألوهية » العظيمة وألا تكف لحظة واحدة عن النفخ في تلك الصورة العبدية الهزيلة وإطلاق الترانيم والتراتيل حولها . وحشد الجموع بشتى الوسائل للتسبيح باسمها ، وإقامة طقوس العبادة لها . . .
وهو جهد ناصب لا يفرغ أبداً . لأن الصورة العبدية الهزيلة ما تني تنكمش وتهزل وتتضاءل كلما سكن من حولها النفخ والطبل والزمر والبخور والتسابيح والتراتيل . وما تني تحتاج كرة أخرى إلى ذلك الجهد الناصب من جديد
وفي هذا الجهد الناصب تصرف طاقات وأموال وأرواح أحياناً وأعراض لو أنفق بعضها في عمارة الأرض ، والإنتاج المثمر ، لترقية الحياة البشرية وإغنائها ، لعاد على البشرية بالخير الوفير . . ولكن هذه الطاقات والأموال والأرواح أحياناً والأعراض لا تنفق في هذا السبيل الخير المثمر ما دام الناس لا يدينون لله وحده؛ وإنما يدينون للطواغيت من دونه .
ومن هذه اللحظة يتكشف مدى خسارة البشرية في الطاقات والأموال والعمارة والإنتاج من جراء تنكبها عن الدينونه لله وحده؛ وعبادة غيره من دونه . . وذلك فوق خسارتها في الأرواح والأعراض ، والقيم والأخلاق . وفوق الذل القهر والدنس والعار
وليس هذا في نظام أرضي دون نظام ، وإن اختلفت الأوضاع واختلفت ألوان التضحيات .

ولقد حدث أن الذين فسقوا عن الدينونة لله وحده ، فأتاحوا لنفر منهم أن يحكموهم بغير شريعته ، قد وقعوا في النهاية في شقوة العبودية لغيره . العبودية التي تأكل إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم ، مهما اختلفت أشكال الأنظمة التي تحكمهم ، والتي ظنوا في بعضها أنها تكفل لهم الإنسانية والحرية والكرامة .
لقد هربت أوربا من الله في أثناء هروبها من الكنيسة الطاغية الباغية باسم الدين الزائف وثارت على الله سبحانه في أثناء ثورتها على تلك الكنيسة التي أهدرت كل القيم الإنسانية في عنفوان سطوتها الغاشمة ثم ظن الناس أنهم يجدون إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم ومصالحهم كذلك في ظل الأنظمة الفردية ( الديمقراطية ) وعلقوا كل آمالهم على الحريات والضمانات التي تكفلها لهم الدساتير الوضعية ، والأوضاع النيابية البرلمانية ، والحريات الصحفية ، والضمانات القضائية والتشريعية ، وحكم الأغلبية المنتجة . . . إلى آخر هذه الهالات التي أحيطت بها تلك الأنظمة . . ثم ماذا كانت العاقبة؟ كانت العاقبة هي طغيان « الرأسمالية » ذلك الطغيان الذي أحال كل تلك الضمانات ، وكل تلك التشكيلات ، إلى مجرد لافتات ، أو إلى مجرد خيالات ووقعت الأكثرية الساحقة في عبوديه ذليلة للأقلية الطاغية التي تملك رأس المال ، فتملك معه الأغلبية البرلمانية والدساتير الوضعية والحريات الصحيفة وسائر الضمانات التي ظنها الناس هناك كفيلة بضمان إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم ، في معزل عن الله سبحانه
ثم هرب فريق من الناس هناك من الأنظمة الفردية التي يطغى فيها « رأس المال » و « الطبقة » إلى الأنظمة الجماعية فماذا فعلوا؟ لقد استبدلوا بالدينونة لطبقة « الرأسماليين » الدينونة لطبقة « الصعاليك » أو استبدلوا بالدينونة لأصحاب رؤوس الأموال والشركات الدينونة للدولة التي تملك المال إلى جانب السلطان فتصبح أخطر من طبقة الرأسماليين
وفي كل حالة ، وفي كل وضع ، وفي كل نظام ، دان البشر فيه للبشر ، دفعوا من أموالهم ومن أرواحهم الضريبة الفادحة . دفعوها للأرباب المتنوعة في كل حال .
إنه لا بد من عبودية فإن لا تكن لله وحده تكن لغير الله . . والعبودية لله وحده تطلق الناس أحراراً كراماً شرفاء أعلياء . . والعبودية لغير الله تأكل إنسانية الناس وكرامتهم وحرياتهم وفضائلهم . ثم تأكل أموالهم ومصالحهم المادية في النهاية .
من أجل ذلك كله تنال قضية الألوهية والعبودية كل تلك العناية في رسالات الله سبحانه وفي كتبه . . وهذه السورة نموذج من تلك العناية . . فهي قضية لا تتعلق بعبدة الأصنام والأوثان في الجاهليات الساذجة البعيدة . ولكنها تتعلق بالإنسان كله ، في كل زمان وفي كل مكان؛ وتتعلق بالجاهليات كلها . . جاهليات ما قبل التاريخ ، وجاهلية القرن العشرين . وكل جاهلية تقوم على أساس من عبادة العباد للعباد .
والخلاصة التي ينتهي إليها القول في هذه القضية : أنه يتجلى بوضوح من التقريرات القرآنية بجملتها وهذه السورة نموذج منها أن قضية الدينونة والاتباع والحاكمية التي يعبر عنها في هذه السورة بالعبادة هي قضية عقيدة وإيمان وإسلام؛ وليست قضية فقه أو سياسة أو نظام
إنها قضية عقيدة تقوم أو لا تقوم .

فالقضية إيمان يوجد أو لا يوجد . وقضية إسلام يتحقق أو لا يتحقق . . ثم هي بعد بعد ذلك لا قبله قضية منهج للحياة الواقعية يتمثل في شريعة ونظام وأحكام؛ وفي أوضاع وتجمعات تتحقق فيها الشريعة والنظام . وتنفذ فيها الأحكام .
وكذلك فإن قضية « العبادة » ليست قضية شعائر؛ وإنما هي قضية دينونة واتباع ونظام وشريعة وفقه وأحكام وأوضاع في واقع الحياة . . وأنها من أجل أنها كذلك استحقت كل هذه العناية في المنهج الرباني المتمثل في هذا الدين . . واستحقت كل هذه الرسل والرسالات . واستحقت كل هذه العذابات والآلام والتضحيات .
والآن نجيء إلى تتابع هذا القصص في السورة؛ ودلالته على الخط الحركي للعقيدة الإسلامية في تاريخ البشرية :
لقد بينا من قبل في التعقيب على قصة نوح أن الإسلام كان هو أول عقيدة عرفتها البشرية على يدي آدم عليه السلام أبي البشر الأول ، ثم على يدي نوح عليه السلام أبي البشر الثاني . . ثم بعد ذلك على يدي كل رسول . . وأن الإسلام يعني توحيد الألوهيه من ناحية الاعتقاد والتصور والتوجه بالعبادة والشعائر ، وتوحيد الربوبية من ناحية الدينونة والاتباع والطاعة والخضوع : أي توحيد القوامة والحاكمية والتوجيه والتشريع .
ثم بينا كذلك أن الجاهلية سواء كانت جاهلية الاعتقاد والتصور والعبادة والشعائر أو جاهلية الدينونة والاتباع والطاعة والخضوع أو هما معاً كانت تطرؤ على البشرية بعد معرفة الإسلام على أيدي الرسل عليهم صلوات الله وسلامه وكانت تفسد عقائدهم وتصوراتهم ، كما تفسد حياتهم وأوضاعهم؛ بالدينونة لغير الله سبحانه سواء كانت هذه الدينونة لطوطم أو حجر أو شجر أو نجم أو كوكب ، أو روح أو أرواح شتى؛ أو كانت هذه الدينونة لبشر من البشر : كاهن أم ساحر أم حاكم . . فكلها سواء في دلالتها على الانحراف عن التوحيد إلى الشرك ، والخروج من الإسلام إلى الجاهلية .
ومن هذا التتابع التاريخي الذي يقصه الله سبحانه في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يتبين خطأ المنهج الذي يتبعه علماء الدين المقارن؛ وخطأ النتائج التي يصلون إليها عن طريقه . .
خطأ المنهج لأنه يتبع خط الجاهليات التي عرفتها البشرية ، ويهمل خط التوحيد الذي جاء به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وهم حتى في تتبعهم لخط الجاهليات لا يرجعون إلا لما حفظته آثار العهود الجاهلية التي يحوم عليها التاريخ ذلك المولود الحدث الذي لا يعرف من تاريخ البشرية إلا القليل؛ ولا يعرف هذا القليل إلا عن سبيل الظن والترجيح وحتى حين يصلون إلى أثر من آثار التوحيد الذي جاءت به الرسالات رأساً في إحدى الجاهليات التاريخية في صورة توحيد مشوه كتوحيد أخناتون مثلاً في الديانة المصرية القديمة؛ فإنهم يتعمدون إغفال أثر رسالة التوحيد ولو على سبيل الاحتمال وقد جاء أخناتون في مصر بعد عهد يوسف عليهم السلام وتبشيره بالتوحيد كما جاء في القرآن الكريم حكاية عن قوله لصاحبي السجن في سورة يوسف :

{ إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ، وهم بالآخرة هم كافرون . واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون . يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله ، أمر ألا تعبدوا إلا إياه ، ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [ يوسف : 37 40 ]
وهم إنما يفعلون ذلك ، لأن المنهج كله إنما قام ابتداء على أساس العداء والرفض للمنهج الديني ، بسبب ما ثار بين الكنيسة الأوربية والبحث العلمي في كل صوره في فترة من فترات التاريخ . فبدأ المنهج وفي عزم أصحابه أن يصلوا إلى ما يكذب مزاعم الكنيسة من أساسها ، للوصول إلى تحطيم الكنيسة ذاتها . ومن أجل هذا جاء منهجاً منحرفاً منذ البدء ، لأنه يتعمد الوصول سلفاً إلى نتائج معينة ، قبل البدء في البحث
وحتى حين هدأت حدة العداء للكنيسة بعد تحطيم سيطرتها العلمية والسياسية والاقتصادية الغاشمة فإن المنهج استمر في طريقة . لأنه لم يستطيع أن يتخلص من أساسه الذي قام عليه ، والتقاليد التي تراكمت على هذا الاساس ، حتى صارت من أصول المنهج
أما خطأ النتائج فهو ضرورة حتمية لخطأ المنهج من أساسه . هذا الخطأ الذي طبع نتائج المنهج كلها بهذا الطابع . .
على أنه أياً كان المنهج وأياَ كانت النتائج التي يصل إليها؛ فإن تقريراته مخالفة أساسية للتقريرات الإلهية كما يعرضها القرآن الكريم . . وإذا جاز لغير مسلم أن يأخذ بنتائج تخالف مخالفة صريحة قول الله سبحانه في مسألة من المسائل؛ فإنه لا يجوز لباحث يقدم بحثه للناس على أنه « مسلم » أن يأخذ بتلك النتائج . ذلك أن التقريرات القرآنية في مسألة الإسلام والجاهلية ، وسبق الإسلام للجاهلية في التاريخ البشري ، وسبق التوحيد للتعدد والتثنية . . قاطعة ، وغير قابلة للتأويل . فهي مما يقال عنه : إنه معلوم من الدين بالضرورة . وعلى من يأخذ بنتائج علم الأديان المقارنة في هذا الأمر ، أن يختار بين قول الله سبحانه وقول علماء الأديان .

أو بتعبير آخر : أن يختار بين الإسلام وغير الإسلام لأن قول الله في هذه القضية منطوق وصريح ، وليس ضمنياً ولا مفهوماً
وعلى أية حال فإن هذا ليس موضوعنا الذي نستهدفه في هذا التعقيب الأخير . . إنما نستهدف هنا رؤية الخط الحركي للعقيدة الإسلامية في التاريخ البشري؛ والإسلام والجاهلية يتعاوران البشرية؛ والشيطان يستغل الضعف البشري وطبيعة التكوين لهذا المخلوق المزدوج الطبيعة والاتجاه ، ويجتال الناس عن الإسلام بعد أن يعرفوه ، إلى الجاهلية؛ فإذا بلغت هذه الجاهلية مداها بعث الله للناس رسولاً يردهم إلى الإسلام . ويخرجهم من الجاهلية . وأول ما يخرجهم منه هو الدينونة لغير الله سبحانه من الأرباب المتفرقة . . وأول ما يردهم إليه هو الدينونة لله وحده في أمرهم كله ، لا في الشعائر التعبدية وحدها ، ولا في الاعتقاد القلبي وحده .
إن هذه الرؤية تفيدنا في تقدير موقف البشرية اليوم ، وفي تحديد طبيعة الدعوة الإسلامية كذلك . .
إن البشرية اليوم بجملتها تزاول رجعية شاملة إلى الجاهلية التي أخرجها منها آخر رسول محمد صلى الله عليه وسلم وهي تتمثل في صور شتى :
بعضها يتمثل في إلحاد بالله سبحانه ، وإنكار لوجوده . . فهي جاهلية اعتقاد وتصور ، كجاهلية الشيوعيين .
وبعضها يتمثل في اعتراف مشوه بوجود الله سبحانه ، وانحراف في الشعائر التعبدية وفي الدينونة والاتباع والطاعة ، كجاهلية الوثنين من الهنود وغيرهم . . وكجاهلية اليهود والنصارى كذلك .
وبعضها يتمثل في اعتراف صحيح بوجود الله سبحانه ، وأداء للشعائر التعبدية . مع انحراف خطير في تصور دلالة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . ومع شرك كامل في الدينونة والاتباع والطاعة . وذلك كجاهلية من يسمون أنفسهم « مسلمين » ويظنون أنهم أسلموا واكتسبوا صفة الإسلام وحقوقه بمجرد نطقهم بالشهادتين وأدائهم للشعائر التعبدية؛ مع سوء فهمهم لمعنى الشهادتين؛ ومع استسلامهم ودينونتهم لغير الله من العبيد
وكلها جاهلية . وكلها كفر بالله كالأولين . أو شرك بالله كالآخرين . .
إن رؤية واقع البشرية على هذا النحو الواضح؛ تؤكد لنا أن البشرية اليوم بجملتها قد ارتدت إلى جاهلية شاملة ، وأنها تعاني رجعية نكدة إلى الجاهلية التي أنقذها منها الإسلام مرات متعددة ، كان آخرها الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم . وهذا بدوره يحدد طبيعة الدور الأساسي لطلائع البعث الإسلامي ، والمهمة الأساسية التي عليها أن تقوم بها للبشرية؛ ونقطة البدء الحاسمة في هذه المهمة .
إن على هذه الطلائع أن تبدأ في دعوة البشرية من جديد إلى الدخول في الإسلام كرة أخرة ، والخروج من هذه الجاهلية النكدة التي ارتدت إليها . على أن تحدد للبشرية مدلول الإسلام الأساسي : وهو الاعتقاد بألوهية الله وحده ، وتقديم الشعائر لله وحده والدينونة والاتباع والطاعة والخضوع في أمور الحياة كلها لله وحده . . وأنه بغير هذه المدلولات كلها لا يتم الدخول في الإسلام؛ ولا تحتسب للناس صفة المسلمين؛ ولا تكون لهم تلك الحقوق التي يرتبها الإسلام في أنفسهم وأموالهم كذلك .

وأن تخلف أحد هذه المدلولات كتخلفها جميعاً ، يخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية ، ويصمهم بالكفر أو بالشرك قطعاً . .
إنها دورة جديدة من دورات الجاهلية التي تعقب الإسلام . فيجب أن تواجهها دورة من دورات الإسلام الذي يواجه الجاهلية ، ليرد الناس إلى الله مرة أخرى ، ويخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . .
ولا بد أن يصل الأمر إلى ذلك المستوى من الحسم والوضوح في نفوس العصبة المسلمة التي تعاني مواجهة الجاهلية الشاملة في هذه الفترة النكدة من حياة البشرية . . فإنه بدون هذا الحسم وهذا الوضوح تعجز طلائع البعث الإسلامي عن أداء واجبها في هذه الفترة الحرجة من تاريخ البشرية؛ وتتأرجح أمام المجتمع الجاهلي وهي تحسبه مجتمعاً مسلماً وتفقد تحديد أهدافها الحقيقية ، بفقدانها لتحديد نقطة البدء من حيث تقف البشرية فعلاً ، لا من حيث تزعم والمسافة بعيدة بين الزعم والواقع . . بعيدة جداً . .
ونقف الوقفة الأخيرة في هذا التعقيب الأخير أمام موقف الرسل الموحد من أقوامهم الذين أرسلوا إليهم . واختلاف هذا الموقف عند البدء وعند النهاية؛ كما يعرضه قصص الرسل في هذه السورة :
لقد أرسل كل رسول إلى قومه . وعند بدء الدعوة كان الرسول واحداً من قومه هؤلاء . يدعوهم إلى الإسلام دعوة الأخ لإخوته؛ ويريد لهم ما يريد الأخ لإخوته من الخير الذي هداه الله إليه؛ والذي يجد في نفسه بينة من ربه عليه .
هذا كان موقف كل رسول من قومه عند نقطة البدء . . ولكن هذا لم يكن موقف أي رسول عند نقطة الختام
لقد استجابت للرسول طائفة من قومه فآمنوا بما أرسل به إليهم . . عبدوا الله وحده كما طلب إليهم ، وخلعوا من أعناقهم ربقة الدينونة لأي من خلقه . . وبذلك صاروا مسلمين . . صاروا « أمة مسلمة » . . ولم تستجب للرسول طائفة أخرى من قومه . كفروا بما جاءهم به؛ وظلوا في دينونتهم لغير الله من خلقه؛ وبقوا في جاهليتهم لم يخرجوا منها إلى الإسلام . . ولذلك صاروا « أمة مشركة » . .
لقد انقسم القوم الواحد تجاه دعوة الرسول إلى أمتين اثنتين : أمة مسلمة وأخرى مشركة ولم يعد القوم الواحد أمة واحدة كما كانوا قبل الرسالة . مع أنهم قوم واحد من ناحية الجنس والأرومة . إلا أن آصرة الجنس والأرومة ، وآصرة الأرض والمصالح المشتركة . . لم تعد هي التي تحكم العلاقات بينهم كما كانوا قبل الرسالة . لقد ظهرت مع الرسالة آصرة أخرى تجمع القوم الواحد أو تفرقه . . تلك هي آصرة العقيدة والمنهج والدينونه . . وقد فرقت هذه الآصرة بين القوم الواحد ، فجعلته أمتين مختلفتين لا تلتقيان ، ولا تتعايشان
ذلك أنه بعد بروز هذه المفارقة بين عقيدة كل من الأمتين؛ فاصل الرسولُ والأمة المسلمة التي معه قومهم على أساس العقيدة والمنهج والدينونة .

فاصلوا الأمة المشركة التي كانت قبل الرسالة هي قومهم وهي أمتهم وهي أصلهم . . لقد افترق المنهجان ، فاختلفت الجنسيتان . وأصبحت الأمتان الناشئتان من القوم الواحد لا تلتقيان ولا تتعايشان
وعندما فاصل المسلمون قومهم على العقيدة والمنهج والدينونة فصل الله بينهما؛ فأهلك الأمة المشركة ، ونجى الأمة المسلمة . . واطردت هذه القاعدة على مدار التاريخ كما رأينا في السورة . .
والأمر الذي ينبغي لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان أن تكون على يقين منه : أن الله سبحانه لم يفصل بين المسلمين وأعدائهم من قومهم ، إلا بعد أن فاصل المسلمون أعداءهم؛ وأعلنوا مفارقتهم لما هم عليه من الشرك؛ وعالنوهم بأنهم يدينون لله وحده ، ولا يدينون لأربابهم الزائفة؛ ولا يتبعون الطواغيت المتسلطة؛ ولا يشاركون في الحياة ولا في المجتمع الذي تحكمه هذه الطواغيت بشرائع لم يأذن بها الله . سواء تعلقت بالاعتقاد ، أو بالشعائر ، أو بالشرائع .
إن يد الله سبحانه لم تتدخل لتدمر على الظالمين ، إلا بعد أن فاصلهم المسلمون . . وما دام ، المسلمون لم يفاصلوا قومهم ، ولم يتبرأوا منهم ، ولم يعالنوهم بافتراق دينهم عن دينهم ، ومنهجهم عن منهجهم ، وطريقهم عن طريقهم ، لم تتدخل يد الله سبحانه للفصل بينهم وبينهم ، ولتحقيق وعد الله بنصر المؤمنين والتدمير على الظالمين . .
وهذه القاعدة المطردة هي التي ينبغي لطلائع البعث الإسلامي أن تدركها؛ وأن ترتب حركتها على أساسها :
إن الخطوة الأولى تبدأ دعوة للناس بالدخول في الإسلام؛ والدينونة لله وحده بلا شريك؛ ونبذ الدينونة لأحد من خلقه في صورة من صور الدينونة ثم ينقسم القوم الواحد قسمين ، ويقف المؤمنون الموحدون الذين يدينون لله وحده صفاً - أو أمة - ويقف المشركون الذين يدينون لأحد من خلق الله صفاً آخر . . ثم يفاصل المؤمنون المشركين . . ثم يحق وعد الله بنصر المؤمنين والتدمير على المشركين . . كما وقع باطراد على مدار التاريخ البشري .
ولقد تطول فترة الدعوة قبل المفاصلة العملية . ولكن المفاصلة العقيدية الشعورية يجب أن تتم منذ الحظة الأولى .
ولقد يبطئ الفصل بين الأمتين الناشئتين من القوم الواحد؛ وتكثر التضحيات والعذابات والآلام على جيل من أجيال الدعاة أو أكثر . . ولكن وعد الله بالفصل يجب أن يكون في قلوب العصبة المؤمنة أصدق من الواقع الظاهر في جيل أو أجيال . فهو لا شك آت . ولن يخلف الله وعده الذي جرت به سنته على مدار التاريخ البشري .
ورؤية هذه السنة على هذا النحو من الحسم والوضوح ضرورية كذلك للحركة الإسلامية في مواجهة الجاهلية البشرية الشاملة . فهي سنة جارية غير مقيدة بزمان ولا مكان . . وما دامت طلائع البعث الإسلامي تواجه البشرية اليوم في طور من أطوار الجاهلية المتكررة؛ وتواجهها بذات العقيدة التي كان الرسل عليهم صلوات الله وسلامه يواجهونها بها كلما ارتدت وانتكست إلى مثل هذه الجاهلية .

فإن للعصبة المسلمة أن تمضي في طريقها ، مستوضحة نقطة البدء ونقطة الختام ، وما بينهما من فترة الدعوة كذلك . مستيقنة أن سنة الله جارية مجراها ، وأن العاقبة للتقوى .
وأخيراً ، فإنه من خلال هذه الوقفات أمام القصص القرآني في هذه السورة تتبين لنا طبيعة منهج هذا الدين ، كما يتمثل في القرآن الكريم . . إنها طبيعة حركية تواجه الواقع البشري بهذا القرآن مواجهة واقعية عملية . .
لقد كان هذا القصص يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة . والقلة المؤمنة معه محصورة بين شعابها ، والدعوة الإسلامية مجمدة فيها ، والطريق شاق طويل لا يكاد المسلمون يرون له نهاية فكان هذا القصص يكشف لهم عن نهاية الطريق؛ ويريهم معالمه في مراحله جميعاً؛ ويأخذ بأيديهم وينقل خطاهم في هذا الطريق؛ وقد بات لاحباً موصولاً بموكب الدعوة الكريم على مدار التاريخ البشري؛ وبات بهذا الركب الكريم مأنوساً مألوفاً لا موحشاً ولا مخوفاً . . إنهم زُمرة من موكب موصول في طريق معروف؛ وليسوا مجموعة شاردة في تيه مقطوع وإنهم ليمضون من نقطة البدء إلى نقطة الختام وفق سنة جارية؛ ولا يمضون هكذا جزافاً يتبعون الصدفة العابرة
هكذا كان القرآن يتحرك في الصف المسلم؛ ويحرك هذا الوصف حركة مرسومة مأمونة . .
وهكذا يمكن اليوم وغداً أن يتحرك القرآن في طلائع البعث الإسلامي ، ويحركها كذلك في طريق الدعوة المرسوم . .
إن هذه الطلائع في حاجة إلى هذا القرآن تستلهمه وتستوحيه . تستلهمه في منهج الحركة وخطواتها ومراحلها؛ وتستوحيه في ما يصادف هذه الخطوات والمراحل من استجابات؛ وما ينتظرها من عاقبة في نهاية الطريق .
والقرآن بهذه الصورة لا يعود مجرد كلام يتلى للبركة . ولكنه ينتفض حياً يتنزل اللحظة على الجماعة المسلمة المتحركة ، لتتحرك به ، وتتابع توجيهاته ، وتتوقع موعود الله فيه .
وهذا ما نعنيه بأن هذا القرآن لا يتفتح عن أسراره إلا للعصبة المسلمة التي تتحرك به ، لتحقيق مدلوله في عالم الواقع . لا لمن يقرأونه لمجرد التبرك ولا لمن يقرأونه لمجرد الدراسة الفنية أو العلمية ، ولا لمن يدرسونه لمجرد تتبع الأداء البياني فيه
إن هؤلاء جميعاً لن يدركوا من هذا القرآن شيئاً يذكر . فإن هذا القرآن لم يتنزل ليكون مادة دراسة على هذا النحو؛ إنما تنزل ليكون مادة حركة وتوجيه .
إن الذين يواجهون الطاغية بالإسلام الحنيف؛ والذين يجاهدون البشرية الضالة لردها إلى الإسلام من جديد؛ والذين يكافحون الطاغوت في الأرض ليخرجوا الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده . .
إن هؤلاء وحدهم الذين يفقهون هذا القرآن؛ لأنهم يعيشون في مثل الجو الذي نزل فيه : ويحاولون المحاولة التي كان يحاولها من تنزل عليهم أول مرة؛ و يتذوقون في أثناء الحركة والجهاد ما تعنيه نصوصه لأنهم يجدون هذه المعاني ممثلة في أحداث ووقائع . . وهذا وحده جزاء على كل ما يصيبهم من عذابات وآلام . أأقول : جزاء؟ كلا . والله . إنه لفضل من الله كبير . . { قل : بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } والحمد لله العظيم رب الفضل العظيم . .

الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)

هذا الدرس هو المقدمة ، ثم الحلقة الأولى من القصة ، وتتألف من ستة مشاهد ، وتبدأ من رؤيا يوسف إلى نهاية مؤامرة إخوته عليه ، ووصوله إلى مصر . . وسنواجه النصوص الواردة فيه مباشرة ، بعد ذلك التقديم السابق للسورة ، وفيه غناء :
{ الر . تلك آيات الكتاب المبين . إنا أنزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون . نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } . .
ألف . لام . را . . . { تلك آيات الكتاب المبين } . .
هذه الأحرف وما من جنسها وهي قريبة للناس متداولة بينهم . هي هي بعينها تلك الآيات البعيدة المتسامية على الطاقة البشرية . آيات الكتاب المبين . ولقد نزله الله كتاباً عربياً مؤلفاً من هذه الأحرف العربية المعروفة :
{ لعلكم تعقلون } . .
وتدركون أن الذي يصنع من الكلمات العادية هذا الكتاب المعجز لا يمكن أن يكون بشراً ، فلا بد عقلاً أن يكون القرآن وحيا . والعقل هنا مدعو لتدبر هذه الظاهرة ودلالتها القاهرة .
ولما كان جسم هذه السورة قصة فقد أبرز ذكر القصص من مادة هذا الكتاب ، على وجه التخصيص :
{ نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن } . .
فبإيحائنا هذا القرآن إليك قصصنا عليك هذا القصص وهو أحسن القصص وهو جزء من القرآن الموحى به .
{ وإن كنت من قبله لمن الغافلين } . .
فقد كنت أحد الأميين في قومك ، الذين لا يتجهون إلى هذا النحو من الموضوعات التي جاء بها القرآن ، ومنها هذا القصص الكامل الدقيق .
هذه المقدمة إشارة البدء إلى القصة . .
ثم يرفع الستار عن المشهد الأول في الحلقة الأولى ، لنرى يوسف الصبي يقص رؤياه على أبيه :
{ إذ قال يوسف لأبيه : يا أبت ، إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر . رأيتهم لي ساجدين . قال : يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك ، فيكيدوا لك كيداً . إن الشيطان للإنسان عدو مبين . وكذلك يجتبيك ربك ، ويعلمك من تأويل الأحاديث ، ويتم نعمته عليك ، وعلى آل يعقوب ، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ، إن ربك عليم حكيم } . .
كان يوسف صبياً أو غلاماً؛ وهذه الرؤيا كما وصفها لأبيه ليست من رؤى الصبية ولا الغلمان؛ وأقرب ما يراه غلام حين تكون رؤياه صبيانية أو صدى لما يحلم به أن يرى هذه الكواكب والشمس والقمر في حجره أو بين يديه يطولها . ولكن يوسف رآها ساجدة له ، متمثلة في صورة العقلاء الذين يحنون رؤوسهم بالسجود تعظيماً . والسياق يروي عنه في صيغة الإيضاح المؤكدة :
{ إذ قال يوسف لأبيه : يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر } . .
ثم يعيد لفظ رأى :
{ رأيتهم لي ساجدين } .
لهذا أدرك أبوه يعقوب بحسه وبصيرته أن وراء هذه الرؤيا شأناً عظيماً لهذا الغلام .

لم يفصح هو عنه ، ولم يفصح عنه سياق القصة كذلك . ولا تظهر بوادره إلا بعد حلقتين منها . أما تمامه فلا يظهر إلا في نهاية القصة بعد انكشاف الغيب المحجوب . ولهذا نصحه بألا يقص رؤياه على إخوته ، خشية أن يستشعروا ما وراءها لأخيهم الصغير غير الشقيق فيجد الشيطان من هذا ثغرة في نفوسهم ، فتمتلئ نفوسهم بالحقد ، فيدبروا له أمراً يسوؤه :
{ قال : يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً } . .
ثم عللَّ هذا بقوله :
{ إن الشيطان للإنسان عدو مبين } . .
ومن ثم فهو يوغر صدور الناس بعضهم على بعض ، ويزين لهم الخطيئة والشر .
ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وقد أحس من رؤيا ابنه يوسف أن سيكون له شأن ، يتجه خاطره إلى أن هذا الشأن في وادي الدين والصلاح والمعرفة؛ بحكم جو النبوة الذي يعيش فيه ، وما يعلمه من أن جده إبراهيم مبارك من الله هو وأهل بيته المؤمنون . فتوقع أن يكون يوسف هو الذي يختار من أبنائه من نسل إبراهيم لتحل عليه البركة وتتمثل فيه السلسلة المباركة في بيت إبراهيم . فقال له :
{ وكذلك يجتبيك ربك ، ويعلمك من تأويل الأحاديث ، ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ، إن ربك عليم حكيم } . .
واتجاه فكر يعقوب إلى أن رؤيا يوسف تشير إلى اختيار الله له ، وإتمام نعمته عليك وعلى آل يعقوب ، كما أتمها على أبويه من قبل إبراهيم وإسحاق ( والجد يقال له أب ) . . هذا طبيعي . ولكن الذي يستوقف النظر قوله :
{ ويعلمك من تأويل الأحاديث } . .
والتأويل هو معرفة المآل . فما الأحاديث؟ . أقصد يعقوب أن الله سيختار يوسف ويعلمه ويهبه من صدق الحس ونفاذ البصيرة ما يدرك به من الأحاديث مآلها الذي تنتهي إليه ، منذ أوائلها . وهو إلهام من الله لذوي البصائر المدركة النافذة ، وجاء التعقيب :
{ إن ربك عليم حكيم } . .
مناسباً لهذا في جو الحكمة والتعليم؟ أم قصد بالأحاديث الرؤى والأحلام كما وقع بالفعل في حياة يوسف فيما بعد؟
كلاهما جائز ، وكلاهما يتمشى مع الجو المحيط بيوسف ويعقوب .
وبهذه المناسبة نذكر كلمة عن الرؤى والأحلام وهي موضوع هذه القصة وهذه السورة .
إننا ملزمون بالاعتقاد بأن بعض الرؤى تحمل نبوءات عن المستقبل القريب أو البعيد . ملزمون بهذا أولاً من ناحية ما ورد في هذه السورة من وقوع مصداق رؤيا يوسف ، ورؤيا صاحبيه في السجن ، ورؤيا الملك في مصر . وثانياً من ناحية ما نراه في حياتنا الشخصية من تحقق رؤى تنبؤية في حالات متكررة بشكل يصعب نفي وجوده . . لأنه موجود بالفعل . .
والسبب الأول يكفي . . ولكننا ذكرنا السبب الثاني لأنه حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها إلا بتعنت . .
فما هي طبيعة الرؤيا؟
تقول مدرسة التحليل النفسي : إنها صور من الرغبات المكبوتة تتنفس بها الأحلام في غياب الوعي .

وهذا يمثل جانباً من الأحلام . ولكنه لا يمثلها كلها . ( وفرويد ) ذاته على كل تحكمه غير العلمي وتمحله في نظريته يقرر أن هناك أحلاماً تنبؤية .
فما طبيعة هذه الأحلام التنبؤية؟
وقبل كل شيء نقرر أن معرفة طبيعتها أوعدم معرفته لا علاقة له بإثبات وجودها وصدق بعضها . إنما نحن نحاول فقط أن ندرك بعض خصائص هذا المخلوق البشري العجيب ، وبعض سنن الله في هذا الوجود .
ونحن نتصور طبيعة هذه الرؤى على هذا النحو . . إن حواجز الزمان والمكان هي التي تحول بين هذا المخلوق البشري وبين رؤية ما نسميه الماضي أو المستقبل ، أو الحاضر المحجوب . وأن ما نسميه ماضياً أو مستقبلاً إنما يحجبه عنا عامل الزمان ، كما يحجب الحاضر البعيد عنا عامل المكان . وأن حاسةً ما في الإنسان لا نعرف كنهها تستيقظ أو تقوى في بعض الأحيان ، فتتغلب على حاجز الزمان وترى ما وراءه في صور مبهمة ، ليست علماً ولكنها استشفاف ، كالذي يقع في اليقظة لبعض الناس ، وفي الرؤى لبعضهم ، فيتغلب على حاجز المكان أو حاجز الزمان ، أو هما معاً في بعض الأحيان . وإن كنا في نفس الوقت لا نعلم شيئاً عن حقيقة الزمان . كما أن حقيقة المكان ذاتها وهي ما يسمى بالمادة ليست معلومة لنا على وجه التحقيق : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً }
على أية حال لقد رأى يوسف رؤياه هذه ، وسنرى فيما بعد ما يكون تأويل الرؤيا .
ويسدل السياق الستار على مشهد يوسف ويعقوب هنا ليرفعه على مشهد آخر : مشهد إخوة يوسف يتآمرون ، مع حركة تنيبه لأهمية ما سيكون :
{ لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين . إذ قالوا : ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة . إن أبانا لفي ضلال مبين . اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين . قال قائل منهم : لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين } . .
لقد كان في قصة يوسف وإخوته آيات وأمارات على حقائق كثيرة لمن ينقلب عن الآيات ويسأل ويهتم . وهذا الافتتاح كفيل بتحريك الانتباه والاهتمام . لذلك نشبهه بحركة رفع الستار عما يدور وراءه من أحداث وحركات . فنحن نرى وراءه مباشرة مشهد إخوة يوسف يدبرون ليوسف ما يدبرون .
ترى حدثهم يوسف عن رؤياه كما يقول كتاب « العهد القديم »؟ إن السياق هنا يفيد أن لا . فهم يتحدثون عن إيثار يعقوب ليوسف وأخيه عليهم . أخيه الشقيق . ولو كانوا قد علموا برؤياه لجاء ذكرها على ألسنتهم ، ولكانت أدعى إلى تلهج ألسنتهم بالحقد عليه . فما خافه يعقوب لو قص رؤياه على إخوته قد تم عن طريق آخر ، وهو حقدهم عليه لإيثار أبيهم له .

ولم يكن بد أن يتم لأنه حلقة في سلسلة الرواية الكبرى المرسومة ، لتصل بيوسف إلى النهاية المرسومة ، والتي تمهد لها ظروف حياته ، وواقع أسرته ، ومجيئه لأبيه على كبرة . وأصغر الأبناء هم أحب الأبناء ، وبخاصة حين يكون الوالد في سن الكبر . كما كان الحال مع يوسف وأخيه ، وإخوته من أمهات .
{ إذ قالوا : ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة } . .
أي ونحن مجموعة قوية تدفع وتنفع . .
{ إن أبانا لفي ضلال مبين } . .
إذ يؤثر غلاماً وصبياً صغيرين على مجموعة الرجال النافعين الدافعين
ثم يغلي الحقد ويدخل الشيطان ، فيختل تقديرهم للوقائع ، وتتضخم في حسهم أشياء صغيرة ، وتهون أحداث ضخام . تهون الفعلة الشنعاء المتمثلة في إزهاق روح . روح غلام بريء لا يملك دفعاً عن نفسه ، وهو لهم أخ . وهم أبناء نبي وإن لم يكونوا هم أنبياء يهون هذا . وتضخم في أعينهم حكاية إيثار أبيهم له بالحب . حتى توازي القتل . أكبر جرائم الأرض قاطبة بعد الشرك بالله :
{ اقتلوا يوسف . او اطرحوه ارضاً } . .
وهما قريب من قريب . فطرحه في أرض نائية مقطوعة مفض في الغالب إلى الموت . . ولماذا؟
{ يخل لكم وجه أبيكم } . .
فلا يحجبه يوسف . وهم يريدون قلبه . كأنه حين لا يراه في وجهه يصبح قلبه خالياً من حبه ، ويتوجه بهذا الحب إلى الآخرين والجريمة؟ الجريمة تتوبون عنها وتصلحون ما أفسدتم بارتكابها :
{ وتكونوا من بعده قوماً صالحين } . .
هكذا ينزغ الشيطان ، وهكذا يسول للنفوس عندما تغضب وتفقد زمامها ، وتفقد صحة تقديرها للأشياء والأحداث . وهكذا لما غلا في صدورهم الحقد برز الشيطان ليقول لهم : اقتلوا . . والتوبة بعد ذلك تصلح ما فات وليست التوبة هكذا . إنما تكون التوبة من الخطيئة التي يندفع إليها المرء غافلاً جاهلاً غير ذاكر؛ حتى إذا تذكر ندم ، وجاشت نفسه بالتوبة . أما التوبة الجاهزة التوبة التي تعد سلفاً قبل ارتكاب الجريمة لإزالة معالم الجريمة ، فليست بالتوبة ، إنما هي تبرير لارتكاب الجريمة يزينه الشيطان
ولكن ضميراً واحداً فيهم ، يرتعش لهول ما هم مقدمون عليه . فيقترح حلاً يريحهم من يوسف ، ويخلي لهم وجه أبيهم ، ولكنه لا يقتل يوسف ، ولا يلقيه في أرض مهجورة يغلب فيها الهلاك . إنما يلقيه في الجب على طريق القوافل ، حيث يرجح أن تعثر عليه إحدى القوافل فتنقذه وتذهب به بعيداً :
{ قال قائل منهم : لا تقتلوا يوسف ، وألقوه في غيابة الجب ، يلتقطه بعض السيارة . إن كنتم فاعلين } . .
ونحس من قوله :
{ إن كنتم فاعلين } . .
روح التشكيك والتثبيط . كأنه يشككهم في أنهم مصرون على إيقاع الأذى بيوسف . وهو أسلوب من أساليب التثبيط عن الفعل ، واضح فيه عدم الارتياح للتنفيذ . ولكن هذا كان أقل ما يشفي حقدهم؛ ولم يكونوا على استعداد للتراجع فيما اعتزموه . . نفهم هذا من المشهد التالي في السياق .

.
فها هم أولاء عند أبيهم ، يراودنه في اصطحاب يوسف معهم منذ الغداة . وها هم أولاء يخادعون أباهم ، ويمكرون به وبيوسف . فلنشهد ولنستمع لما يدور :
{ قالوا : يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف؟ وإنا له لناصحون؛ أرسله معنا غدا يرتعْ ويلعبْ ، وإنا له لحافظون . قال : إني ليحزنني أن تذهبوا به ، وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون . قالوا : لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذن لخاسرون } . .
والتعبير يرسم بكلماته وعباراته كل ما بذلوه ليتدسسوا به إلى قلب الوالد المتعلق بولده الصغير الحبيب ، الذي يتوسم فيه أن يكون الوارث لبركات أبيه إبراهيم . .
{ يا أبانا } . .
بهذا اللفظ الموحي المذكر بما بينه وبينهم من آصرة .
{ مالك لا تأمنا على يوسف؟ } . .
سؤال فيه عتب وفيه استنكار خفي ، وفيه استجاشة لنفي مدلوله من أبيهم ، والتسليم لهم بعكسه وهو تسليمهم يوسف . فهو كان يستبقي يوسف معه ولا يرسله مع إخوته إلى المراعي والجهات الخلوية التي يرتادونها لأنه يحبه ويخشى عليه ألا يحتمل الجو والجهد الذي يحتملونه وهم كبار ، لا لأنه لا يأمنهم عليه . فمبادرتهم له بأنه لا يأتمنهم على أخيهم وهو أبوهم ، مقصود بها استجاشته لنفي هذا الخاطر؛ ومن ثم يفقد إصراره على احتجاز يوسف . فهي مبادرة ماكرة منهم خبيثة
{ مالك لا تأمنا على يوسف؟ وإنا له لناصحون } . .
قلوبنا له صافية لا يخالطها سوء وكاد المريب أن يقول خذوني فذكر النصح هنا وهو الصفاء والإخلاص يشي بما كانوا يحاولون إخفاءه من الدغل المريب . .
{ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون } . .
زيادة في التوكيد ، وتصويراً لما ينتظر يوسف من النشاط والمسرة والرياضة ، مما ينشط والده لإرساله معهم كما يريدون .
ورداً على العتاب الاستنكاري الأول جعل يعقوب ينفي بطريق غير مباشر أنه لا يأمنهم عليه ، ويعلل احتجازه معه بقلة صبره على فراقه وخوفه عليه من الذئاب :
{ قال : إني ليحزنني أن تذهبوا به ، وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون } . .
{ إني ليحزنني أن تذهبوا به } . .
إنني لا أطيق فراقه . . ولا بد أن هذه هاجت أحقادهم وضاعفتها . أن يبلغ حبه له درجة الحزن لفراقه ولو لبعض يوم ، وهو ذاهب كما قالوا له للنشاط والمسرة .
{ وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون } . .
ولا بد أنهم وجدوا فيها عذراً كانوا يبحثون عنه ، أو كان الحقد الهائج أعماهم فلم يفكروا ماذا يقولون لأبيهم بعد فعلتهم المنكرة ، حتى لقنهم أبوهم هذا الجواب
واختاروا أسلوباً من الأساليب المؤثرة لنفي هذا الخاطر عنه :
{ قالوا : لئن أكله الذئب ونحن عصبة ، إنا إذن لخاسرون } . .
لئن غلبنا الذئب عليه ونحن جماعة قوية هكذا فلا خير فينا لأنفسنا وإننا لخاسرون كل شيء ، فلا نصلح لشيء أبداً
وهكذا استسلم الوالد الحريص لهذا التوكيد ولذلك الإحراج .

. ليتحقق قدر الله وتتم القصة كا تقتضي مشيئته
والآن لقد ذهبوا به ، وها هم أولاء ينفذون المؤامرة النكراء . والله سبحانه يلقي في روع الغلام أنها محنة وتنتهي ، وأنه سيعيش وسيذكّر إخوته بموقفهم هذا منه وهم لا يشعرون أنه هو :
{ فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب . وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } . .
فقد استقر أمرهم جميعاً على أن يجعلوه في غيابة الجب ، حيث يغيب فيه عنهم . وفي لحظة الضيق والشدة التي كان يواجه فيها هذا الفزع ، والموت منه قريب ، ولا منقذ له ولا مغيث . وهو وحده صغير وهم عشرة أشداء . في هذه اللحظة اليائسة يلقي الله في روعة أنه ناج ، وأنه سيعيش حتى يواجه إخوته بهذا الموقف الشنيع ، وهم لا يشعرون بأن الذي يواجههم هو يوسف الذي تركوه في غيابة الجب وهو صغير .
وندع يوسف في محنته في غيابة الجب ، يؤنسه ولا شك ما ألقى الله في روعه ويطمئنه ، حتى يأذن الله بالفرج . ندعه لنشهد إخوته بعد الجريمة يواجهون الوالد المفجوع :
{ وجاءوا أباهم عشاء يبكون ، قالوا : يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ، وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب . وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين . وجاءوا على قميصه بدم كذب . قال : بل سولت لكم أنفسكم أمراً ، فصبر جميل ، والله المستعان على ما تصفون } . .
لقد ألهاهم الحقد الفائر عن سبك الكذبة ، فلو كانوا أهدأ أعصاباً ما فعلوها منذ المرة الأولى التي يأذن لهم فيها يعقوب باصطحاب يوسف معهم ولكنهم كانوا معجلين لا يصبرون ، يخشون ألا تواتيهم الفرصة مرة أخرى . كذلك كان التقاطهم لحكاية الذئب المكشوفة دليلاً على التسرع ، وقد كان أبوهم يحذرهم منها أمس ، وهم ينفونها ، ويكادون يتهكمون بها . فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا للذئب الذي حذرهم أبوهم منه أمس وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه به في غير إتقان ، فكان ظاهر الكذب حتى ليوصف بأنه كذب . .
فعلوا هذا .
{ وجاءوا أباهم عشاء يبكون قالوا : يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب } . .
ويحسون أنها مكشوفة ، ويكاد المريب أن يقول خذوني ، فيقولون :
{ وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين } . .
أي وما أنت بمطمئن لما نقوله ، ولو كان هو الصدق ، لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقول .
وأدرك يعقوب من دلائل الحال ، ومن نداء قلبه ، أن يوسف لم يأكله الذئب ، وأنهم دبروا له مكيدة ما . وأنهم يلفقون له قصة لم تقع ، ويصفون له حالاً لم تكن . فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمراً منكراً وذللته ويسرت لهم ارتكابه؛ وأنه سيصبر متحملاً متجملاً لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو ، مستعيناً بالله على ما يلفقونه من حيل وأكاذيب :
{ قال : بل سولت لكم أنفسكم أمراً .

فصبر جميل . والله المستعان على ما تصفون } .
ثم لنعد سريعاً إلى يوسف في الجب ، لنرى المشهد الأخير في هذه الحلقة الأولى من حلقات القصة :
{ وجاءت سيارة ، فأرسلوا واردهم ، فأدلى دلوه قال : يا بشرى . هذا غلام . وأسروه بضاعة ، والله عليم بما يعملون . وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ، وكانوا فيه من الزاهدين } . .
لقد كان الجب على طريق القوافل ، التي تبحث عن الماء في مظانه ، في الآبار وفي مثل هذا الجب الذي ينزل فيه ماء المطر ويبقى فترة ، ويكون في بعض الأحيان جافاً كذلك :
{ وجاءت سيارة } . .
أي قافلة سميت سيارة من السير الطويل كالكشافة والجوالة والقناصة . . .
{ فأرسلوا واردهم } . .
أي من يرد لهم الماء ويكون خبيراً بمواقعه . .
{ فأدلى دلوه } . .
لينظر الماء أو ليملأ الدلو ويحذف السياق حركة يوسف في التعلق بالدلو احتفاظاً بالمفاجأة القصصية للقارئ والسامع :
{ قال : يا بشرى هذا غلام } . .
ومرة أخرى يحذف السياق كل ما حدث بعد هذا وما قيل ، وحال يوسف ، وكيف ابتهج للنجاة ، ليتحدث عن مصيره مع القافلة :
{ وأسروه بضاعة } . .
أي اعتبروه بضاعة سرية وعزموا على بيعه رقيقاً . ولما لم يكن رقيقاً فقد أسروه ليخفوه عن الأنظار . ثم باعوه بثمن قليل :
{ وشروه بثمن بخس دراهم معدودة } . . وكانوا يتعاملون في القليل من الدراهم بالعد ، وفي الكثير منها بالوزن . .
{ وكانوا فيه من الزاهدين } . .
لأنهم يريدون التخلص من تهمة استرقاقه وبيعه . .
وكانت هذه نهاية المحنة الأولى في حياة النبي الكريم .

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)

الحلقة الثانية من حلقات القصة ، وقد وصل يوسف إلى مصر ، وبيع بيع الرقيق؛ ولكن الذي اشتراه توسم فيه الخير والخير يتوسم في الوجوه الصباح ، وبخاصة حين تصاحبها السجايا الملاح فإذا هو يوصي به امرأته خيراً ، وهنا يبدأ أول خيط في تحقيق الرؤيا .
ولكن محنة أخرى من نوع آخر كانت تنتظر يوسف حين يبلغ أشده ، وقد أوتي حكماً وعلماً يستقبل بهما هذه المحنة الجارفة التي لا يقف لها إلا من رحم الله . إنها محنة التعرض للغواية في جو القصور ، وفي جو ما يسمونه « الطبقة الراقية » وما يغشاها من استهتار وفجور . . ويخرج يوسف منها سليماً معافى في خلقه وفي دينه ، ولكن بعد أن يخالط المحنة ويصلاها . .
{ وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته : أكرمي مثواه ، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً . وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ، ولنعلمه من تأويل الأحاديث ، والله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . .
إن السياق لا يكشف لنا حتى الآن عمن اشتراه ، وسنعلم بعد شوط في القصة أنه عزيز مصر ( قيل : إنه كبير وزرائها ) ولكنا نعلم منذ اللحظة أن يوسف قد وصل إلى مكان آمن ، وأن المحنة قد انتهت بسلام ، وأنه مقبل بعد هذا على خير :
{ أكرمي مثواه } . .
والمثوى مكان الثويّ والمبيت والإقامة ، والمقصود بإكرام مثواه إكرامه ، ولكن التعبير أعمق ، لأنه يجعل الإكرام لا لشخصه فحسب ، ولكن لمكان إقامته . . وهي مبالغة في الإكرام . في مقابل مثواه في الجب وما حوله من مخاوف وآلام
ويكشف الرجل لامرأته عما يتوسمه في الغلام من خير ، وما يتطلع إليه فيه من أمل :
{ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً } . .
ولعلهما لم يكن لهما أولاد كما تذكر بعض الروايات . ومن ثم تطلع الرجل أن يتخذاه ولداً إذا صدقت فراسته ، وتحققت مخايل نجابته وطيبته مع وسامته .
وهنا يقف السياق لينبه إلى أن هذا التدبير من الله ، وبه وبمثله قدر ليوسف التمكين في الأرض وها قد بدأت بشائره بتمكين يوسف في قلب الرجل وبيته ويشير إلى أنه ماض في الطريق ليعلمه الله من تأويل الأحاديث على الوجهين اللذين ذكرناهما من قبل ويعقب السياق على هذا الابتداء في تمكين يوسف بما يدل عليه من قدرة الله غالبه ، لا تقف في طريقها قوة ، وأنه مالك أمره ومسيطر عليه فلا يخيب ولا يتوقف ولا يضل :
{ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ، ولنعلمه من تأويل الأحاديث . والله غالب على أمره } . .
وها هو ذا يوسف أراد له إخوته أمراً ، وأراد له الله أمراً ، ولما كان الله غالباً على أمره ومسيطراً فقد نفذ أمره ، أما إخوة يوسف فلا يملكون أمرهم فأفلت من أيديهم وخرج على ما أرادوا :
{ ولكن أكثر الناس لا يعلمون } .

.
لا يعلمون أن سنة الله ماضية وأن أمره هو الذي يكون .
ويمضي السياق ليقرر أن ما شاء الله ليوسف ، وقال عنه :
{ ولنعلمه من تأويل الأحاديث } . .
قد تحقق حين بلغ أشده :
{ ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً . وكذلك نجزي المحسنين } . .
فقد أوتي صحة الحكم على الأمور ، وأوتي علماً بمصائر الأحاديث أو بتأويل الرؤيا ، أو بما هو أعم ، من العلم بالحياة وأحوالها ، فاللفظ عام ويشمل الكثير . وكان ذلك جزاء إحسانه . إحسانه في الاعتقاد وإحسانه في السلوك :
{ وكذلك نجزي المحسنين } . .
وعنذئذ تجيئه المحنة الثانية في حياته ، وهي أشد وأعمق من المحنة الأولى . تجيئه وقد أوتي صحة الحكم وأوتي العلم رحمة من الله ليواجهها وينجو منها جزاء إحسانه الذي سجله الله له في قرآنه .
والآن نشهد ذلك المشهد العاصف الخطير المثير كما يرسمه التعبير :
{ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ، وغلقت الأبواب وقالت : هيت لك قال : معاذ الله . إنه ربي أحسن مثواي . إنه لا يفلح الظالمون ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه . كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء . إنه من عبادنا المخلصين واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر ، وألفيا سيدها لدى الباب . قالت : ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً؟ إلا أن يسجن أو عذاب أليم . قال : هي راودتني عن نفسي . وشهد شاهد من أهلها . إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين؛ وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين . فلما رأى قميصه قد من دبر قال : إنه من كيدكن . إن كيدكن عظيم . يوسف أعرض عن هذا ، واستغفري لذنبك ، إنك كنت من الخاطئين } . .
إن السياق لم يذكر كم كانت سنها وكم كانت سنه؛ فلننظر في هذا الأمر من باب التقدير .
لقد كان يوسف غلاماً عندما التقطته السيارة وباعته في مصر . أي إنه كان حوالي الرابعة عشرة تنقص ولا تزيد . فهذه في السن التي يطلق فيها لفظ الغلام ، وبعدها يسمى فتى فشاباً فرجلاً . . وهي السن التي يجوز فيها أن يقول يعقوب : { وأخاف أن يأكله الذئب } . . وفي هذا الوقت كانت هي زوجة ، وكانت وزوجها لم يرزقا أولاداً كما يبدو من قوله : { أو نتخذه ولداً } . . فهذا الخاطر . . خاطر التبني . . لا يرد على النفس عادة إلا حين لا يكون هناك ولد؛ ويكون هناك يأس أو شبه يأس من الولد . فلا بد أن تكون قد مضت على زواجهما فترة ، يعلمان فيها أن لا ولد لهما . وعلى كل حال فالمتوقع عن رئيس وزراء مصر ألا تقل سنه عن أربعين سنة ، وأن تكون سن زوجه حينئذ حوالي الثلاثين .
ونتوقع كذلك أن تكون سنها أربعين سنة عندما يكون يوسف في الخامسة والعشرين أو حواليها .

وهي السن التي نرجح أن الحادثة وقعت فيها . . نرجحه لأن تصرف المرأة في الحادثة وما بعدها يشير إلى أنها كانت مكتملة جريئة ، مالكة لكيدها ، متهالكة كذلك على فتاها . ونرجحه من كلمة النسوة فيما بعد . . { امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه } . . وإن كانت كلمة فتى تقال بمعنى عبد ، ولكنها لا تقال إلا ولها حقيقة من مدلولها من سن يوسف . وهو ما ترجحه شواهد الحال .
نبحث هذا البحث ، لنصل منه إلى نتيجة معينة . لنقول : إن التجربة التي مر بها يوسف أو المحنة لم تكن فقط في مواجهة المراودة في هذا المشهد الذي يصوره السياق . إنما كانت في حياة يوسف فترة مراهقته كلها في جو هذا القصر ، مع هذه المرأة بين سن الثلاثين وسن الأربعين ، مع جو القصور ، وجو البيئة التي يصورها قول الزوج أمام الحالة التي وجد فيها امرأته مع يوسف :
{ يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين } .
وكفى . .
والتي يتحدث فيها النسوة عن امرأة العزيز ، فيكون جوابها عليهن ، مأدبة يخرج عليهن يوسف فيها ، فيفتتن به ، ويصرحن ، فتصرح المرأة :
{ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين } . .
فهذه البيئة التي تسمح بهذا وذلك بيئة خاصة . هي بيئة الطبقة المترفة دائماً . ويوسف كان فيها مولى وتربى فيها في سن الفتنة . . فهذه هي المحنة الطويلة التي مر بها يوسف ، وصمد لها ، ونجا منها ومن تأثيراتها ومغرياتها وميوعتها ووسائلها الخبيثة . ولسنه وسن المرأة التي يعيش معها تحت سقف واحد كل هذه المدة قيمة في تقدير مدى الفتنة وخطورة المحنة والصمود لها هذا الأمد الطويل . أما هذه المرة فلو كانت وحدها وكانت مفاجأة بلا تمهيد من إغراء طويل ، لما كان عسيراً أن يصمد لها يوسف ، وبخاصة أنه هو مطلوب فيها لا طالب . وتهالك المرأة قد يصد من نفس الرجل . وهي كانت متهالكة .
والآن نواجه النصوص :
{ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ، وغلقت الأبواب ، وقالت : هيت لك } . .
وإذن فقد كانت المراودة في هذه المرة مكشوفة ، وكانت الدعوة فيها سافرة إلى الفعل الأخير . . وحركة تغليق الأبواب لا تكون إلا في اللحظة الأخيرة ، وقد وصلت المرأة إلى اللحظة الحاسمة التي تهتاج فيها دفعة الجسد الغليظة ، ونداء الجسد الأخير :
{ وقالت : هيت لك } .
هذه الدعوة السافرة الجاهرة الغليظة لا تكون أول دعوة من المرأة . إنما تكون في الدعوة الأخيرة . وقد لا تكون أبداً إذا لم تضطر إليها المرأة اضطراراً . والفتى يعيش معها وفتوته تتكامل ، وأنوثتها هي كذلك تكمل وتنضج ، فلا بد كانت هناك إغراءات شتى خفيفة لطيفة ، قبل هذه المفاجأة الغليظة العنيفة .
{ قال : معاذ الله . إنه ربي أحسن مثواي . إنه لا يفلح الظالمون } .

.
{ معاذ الله } . .
أعيذ نفسي بالله أن أفعل .
{ إنه ربي أحسن مثواي } . .
وأكرمني بأن نجاني من الجب وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن .
{ إنه لا يفلح الظالمون } . . الذين يتجاوزون حدود الله ، فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه .
والنص هنا صريح وقاطع في أن رد يوسف المباشر على المراودة السافرة كان هو التأبي ، المصحوب بتذكر نعمة الله عليه ، وبتذكر حدوده وجزاء من يتجاوزون هذه الحدود . فلم تكن هناك استجابة في أول الموقف لما دعته إليه دعوة غليظة جاهزة بعد تغليق الأبواب ، وبعد الهتاف باللفظ الصريح الذي يتجمل القرآن في حكايته وروايته :
{ وقالت : هيت لك } .
{ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه }
لقد حصر جميع المفسرين القدامى والمحدثين نظرهم في تلك الواقعة الأخيرة . فأما الذين ساروا وراء الإسرائيليات فقد رووا أساطير كثيرة يصورون فيها يوسف هائج الغريزة مندفعاً شبقاً ، والله يدافعه ببراهين كثيرة فلا يندفع صورت له هيئة أبيه يعقوب في سقف المخدع عاضاً على أصبعه بفمه وصورت له لوحات كتبت عليها آيات من القرآن أي نعم من القرآن تنهى عن مثل هذا المنكر ، وهو لا يرعوي حتى أرسل الله جبريل يقول له : أدرك عبدي ، فجاء فضربه في صدره . . إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي سار وراءها بعض الرواة وهي واضحة التلفيق والاختراع
وأما جمهور المفسرين فسار على أنها همت به هم الفعل ، وهم بها هم النفس ، ثم تجلى له برهان ربه فترك . وأنكر المرحوم الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار على الجمهور هذا الرأي . وقال : إنها إنما همت بضربه نتيجة إبائه وإهانته لها وهي السيدة الآمرة ، وهم هو برد الاعتداء؛ ولكنه آثر الهرب فلحقت به وقدت قميصه من دبر . . وتفسير الهم بأنه هم الضرب ورد الضرب مسألة لا دليل عليها في العبارة ، فهي مجرد رأي لمحاولة البعد بيوسف عن هم الفعل أو هم الميل إليه في تلك الواقعة . وفيه تكلف وإبعاد عن مدلول النص .
أما الذي خطر لي وأنا أراجع النصوص هنا ، وأراجع الظروف التي عاش فيها يوسف ، في داخل القصر مع هذه المرأة الناضجة فترة من الزمن طويلة ، وقبل أن يؤتى الحكم والعلم وبعدما أوتيهما . .
الذي خطر لي أن قوله تعالى :
{ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه } . .
هو نهاية موقف طويل من الإغراء ، بعدما أبى يوسف في أول الأمر واستعصم . . وهو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في المقاومة والضعف؛ ثم الاعتصام بالله في النهاية والنجاة . . ولكن السياق القرآني لم يفصل في تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة؛ لأن المنهج القرآني لا يريد أن يجعل من هذه اللحظة معرضاً يستغرق أكثر من مساحته المناسبة في محيط القصة ، وفي محيط الحياة البشرية المتكاملة كذلك .

فذكر طرفي الموقف بين الاعتصام في أوله والاعتصام في نهايته ، مع الإلمام بلحظة الضعف بينهما ، ليكتمل الصدق والواقعية والجو النظيف جميعاً .
هذا ما خطر لنا ونحن نواجه النصوص ، ونتصور الظروف . وهو أقرب إلى الطبيعة البشرية وإلى العصمة النبوية . وما كان يوسف سوى بشر . نعم إنه بشر مختار . ومن ثم لم يتجاوز همه الميل النفسي في لحظة من اللحظات . فلما أن رأى برهان ربه الذي نبض في ضميره وقلبه ، بعد لحظة الضعف الطارئة ، عاد إلى الاعتصام والتأبي .
{ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ، إنه من عبادنا المخلصين } . .
{ واستبقا الباب } . .
فهو قد آثر التخلص بعد أن استفاق . . وهي عدت خلفه لتمسك به ، وهي ما تزال في هياجها الحيواني .
{ وقدت قميصه من دبر } . .
نتيجة جذبها له لترده عن الباب . .
وتقع المفاجأة :
{ وألفيا سيدها لدى الباب } . .
وهنا تتبدى المرأة المكتملة ، فتجد الجواب حاضراً على السؤال الذي يهتف به المنظر المريب . إنها تتهم الفتى :
{ قالت : ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً؟ } . .
ولكنها امرأة تعشق ، فهي تخشى عليه ، فتشير بالعقاب المأمون .
{ إلا أن يسجن أو عذاب أليم }
ويجهر يوسف بالحقيقة في وجه الاتهام الباطل :
{ قال : هي راودتني عن نفسي }
وهنا يذكر السياق أن أحد أهلها حسم بشهادته في هذا النزاع :
{ وشهد شاهد من أهلها : إن كان قميصه قُدّ من قُبل فصدقت وهو من الكاذبين ، وإن كان قميصه قُدّ من دُبر فكذبت وهو من الصادقين } . .
فأين ومتى أدلى هذا الشاهد بشهادته هذه؟ هل كان مع زوجها ( سيدها بتعبير أهل مصر ) وشهد الواقعة؟ أم أن زوجها استدعاه وعرض عليه الأمر ، كما يقع في مثل هذه الأحوال أن يستدعي الرجل كبيراً من أسرة المرأة ويطلعه على ما رأى ، وبخاصة تلك الطبقة الباردة الدم المائعة القيم
هذا وذلك جائز . وهو لا يغير من الأمر شيئاً . وقد سمي قوله هذا شهادة ، لأنه لما سئل رأيه في الموقف والنزاع المعروض من الجانبين ولكل منها ومن يوسف قول سميت فتواه هذه شهادة ، لأنها تساعد على تحقيق النزاع والوصول إلى الحق فيه . . فإن كان قميصه قد من قبل فذلك إذن من أثر مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها فهي صادقة وهو كاذب . وإن كان قميصه قد من دبر فهو إذن من أثر تملصه منها وتعقبها هي له حتى الباب ، فهي كاذبة وهو صادق . . وقدم الفرض الأول لأنه إن صح يقتضي صدقها وكذبه ، فهي السيدة وهو فتى ، فمن باب اللياقة أن يذكر الفرض الأول والأمر لا يخرج عن أن يكون قرينة .
{ فلما رأى قميصه قدّ من دُبر } . .
تبين له حسب الشهادة المبنية على منطق الواقع أنها هي التي راودت ، وهي التي دبرت الاتهام . . وهنا تبدو لنا صورة من « الطبقة الراقية » في الجاهلية قبل آلاف السنين وكأنها هي هي اليوم شاخصة .

رخاوة في مواجهة الفضائح الجنسية؛ وميل إلى كتمانها عن المجتمع ، وهذا هو المهم كله :
{ قال : إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم . يوسف أعرض عن هذا ، واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين }
هكذا . إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم . . فهي اللباقة في مواجهة الحادث الذي يثير الدم في العروق . والتلطف في مجابهة السيدة بنسبة الأمر إلى الجنس كله ، فيما يشبه الثناء . فإنه لا يسوء المرأة أن يقال لها : إن كيدكن عظيم فهو دلالة في حسها على أنها أنثى كاملة مستوفية لمقدرة الأنثى على الكيد العظيم
والتفاتة إلى يوسف البرئ :
{ يوسف أعرض عن هذا } . .
فأهملْه ولا تُعِرْه اهتماماً ولا تتحدث به . . وهذا هو المهم . . محافظة على الظواهر
وعظة إلى المرأة التي راودت فتاها عن نفسه ، وضبطت متلبسة بمساورته وتمزيق قميصه :
{ واستغفري لذنبك . إنك من الخاطئين } . .
إنها الطبقة الأرستقراطية ، من رجال الحاشية ، في كل جاهلية . قريب من قريب
ويسدل الستار على المشهد وما فيه . . وقد صور السياق تلك اللحظة بكل ملابساتها وانفعالاتها ولكن دون أن ينشئ منها معرضاً للنزوة الحيوانية الجاهرة ، ولا مستنقعاً للوحل الجنسي المقبوح
ولم يحل السيد بين المرأة وفتاها . ومضت الأمور في طريقها . فهكذا تمضي الأمور في القصور ولكن للقصور جدراناً ، وفيها خدم وحشم . وما يجري في القصور لا يمكن أن يظل مستوراً . وبخاصة في الوسط الأرستقراطي ، الذي ليس لنسائه من هم إلا الحديث عما يجري في محيطهن . وإلا تداول هذه الفضائح ولوكها على الألسن في المجالس والسهرات والزيارات :
{ وقال نسوة في المدينة : امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه . قد شغفها حباً . إنا لنراها في ضلال مبين } . .
وهو كلام أشبه بما تقوله النسوة في كل بيئة جاهلية عن مثل هذه الشؤون . ولأول مرة نعرف أن المرأة هي امرأة العزيز ، وأن الرجل الذي اشتراه من مصر هو عزيز مصر أي كبير وزرائها ليعلن هذا مع إعلان الفضيحة العامة بانتشار الخبر في المدينة :
{ امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه } . .
ثم بيان لحالها معه :
{ قد شغفها حباً } . .
فهي مفتونة به ، بلغ حبه شغاف قلبها ومزقه ، وشغاف القلب غشاؤه الرقيق :
{ إنا لنراها في ضلال مبين } . .
وهي السيدة الكبيرة زوجة الكبير ، تفتتن بفتاها العبراني المشترى . أم لعلهن يتحدثن عن اشتهارها بهذه الفتنة وانكشافها وظهور أمرها ، وهو وحده المنتقد في عرف هذه الأوساط لا الفعلة في ذاتها لو ظلت وراء الأستار؟
وهنا كذلك يقع ما لا يمكن وقوعه إلا في مثل هذه الأوساط . ويكشف السياق عن مشهد من صنع تلك المرأة الجريئة ، التي تعرف كيف تواجه نساء طبقتها بمكر كمكرهن وكيد من كيدهن :
{ فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن ، وأعتدت لهن متكأ ، وآتت كل واحدة منهن سكيناً ، وقالت : اخرج عليهن .

فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ، وقلن : حاش لله ما هذا بشراً . إن هذا إلا ملك كريم . قالت : فذلكن الذي لُمْتُنَّني فيه . ولقد راودته عن نفسه فاستعصم . ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكوناً من الصاغرين } . .
لقد أقامت لهن مأدبة في قصرها . وندرك من هذا أنهن كن من نساء الطبقة الراقية . فهن اللواتي يدعين إلى المآدب في القصور . وهن اللواتي يؤخذن بهذه الوسائل الناعمة المظهر . ويبدو أنهن كن يأكلن وهن متكئات على الوسائد والحشايا على عادة الشرق في ذلك الزمان . فأعدت لهن هذا المتكأ . وآتت كل واحدة منهن سكيناً تستعملها في الطعام ويؤخذ من هذا أن الحضارة المادية في مصر كانت قد بلغت شأواً بعيداً ، وأن الترف في القصور كان عظيماً . فإن استعمال السكاكين في الأكل قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته في تصوير الترف والحضارة المادية . وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة ، فاجأتهن بيوسف :
{ وقالت : اخرج عليهن } . .
{ فلما رأينه أكبرنه } . .
بهتن لطلعته ، ودهشن .
{ وقطعن أيديهن } . .
وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة .
{ وقلن حاش لله } . .
وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيراً عن الدهشة بصنع الله . .
{ ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم } . .
وهذه التعبيرات دليل كما قلنا في تقديم السورة على تسرب شيء من ديانات التوحيد في ذلك الزمان .
ورأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها ، وأنهن لقين من طلعة يوسف الدهش والإعجاب والذهول . فقالت قولة المرأة المنتصرة ، التي لا تستحي أمام النساء من بنات جنسها وطبقتها؛ والتي تفخر عليهن بأن هذا في متناول يدها؛ وإن كان قد استعصى قياده مرة فهي تملك هذا القياد مرة أخرى :
{ قالت : فذلكن الذي لمتنني فيه } . .
فانظرن ماذا لقيتن منه من البهر والدهش والإعجاب
{ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } . .
ولقد بهرني مثلكن فراودته عن نفسه فطلب الاعتصام تريد أن تقول : إنه عانى في الاعتصام والتحرز من دعوتها وفتنتها ثم تظهر سيطرتها عليه أمامهن في تبجح المرأة من ذلك الوسط ، لا ترى بأساً من الجهر بنزاوتها الأنثوية جاهرة مكشوفة في معرض النساء :
{ ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكوناً من الصاغرين }
فهو الإصرار والتبجح والتهديد والإغراء الجديد في ظل التهديد .
ويسمع يوسف هذا القول في مجتمع النساء المبهورات ، المبديات لمفاتنهن في مثل هذه المناسبات . ونفهم من السياق أنهن كن نساء مفتونات فاتنات في مواجهته وفي التعليق على هذا القول من ربة الدار؛ فإذا هو يناجي ربه :
{ قال : رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } .
ولم يقل : ما تدعوني إليه . فهن جميعاً كن مشتركات في الدعوة . سواء بالقول أم بالحركات واللفتات . . وإذا هو يستنجد ربه أن يصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن ، خيفة أن يضعف في لحظة أمام الإغراء الدائم ، فيقع فيما يخشاه على نفسه ، ويدعو الله أن ينقذه منه :
{ وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين } .

.
وهي دعوة الإنسان العارف ببشريته . الذي لا يغتر بعصمته؛ فيريد مزيداً من عناية الله وحياطته ، يعاونه على ما يعترضه من فتنة وكيد وإغراء .
{ فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ، إنه هو السميع العليم } . .
وهذا الصرف قد يكون بإدخال اليأس في نفوسهن من استجابته لهن ، بعد هذه التجربة؛ أو بزيادة انصرافه عن الإغراء حتى لا يحس في نفسه أثراً منه . أو بهما جميعاً .
{ إنه هو السميع العليم } الذي يسمع ويعلم ، يسمع الكيد ويسمع الدعاء ، ويعلم ما وراء الكيد وما وراء الدعاء . وهكذا اجتاز يوسف محنته الثانية ، بلطف الله ورعايته . وانتهت بهذه النجاة الحلقة الثانية من قصته المثيرة .

ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)

وهذه هي الحلقة الثالثة والمحنة الثالثة والأخيرة من محن الشدة في حياة يوسف؛ فكل ما بعدها رخاء ، وابتلاء لصبره على الرخاء ، بعد ابتلاء صبره على الشدة . والمحنة في هذه الحلقة هي محنة السجن بعد ظهور البراءة . والسجن للبريء المظلوم أقسى ، وإن كان في طمأنينة القلب بالبراءة تعزية وسلوى .
وفي فترة المحنة هذه تتجلى نعمة الله على يوسف ، بما وهبه من علم لدني بتعبير الرؤيا وبعض الغيب القريب الذي تبدو أوائله فيعرف تأويله . ثم تتجلى نعمة الله عليه أخيراً بإعلان براءته الكاملة إعلاناً رسمياً بحضرة الملك ، وظهور مواهبه التي تؤهله لما هو مكنون له في عالم الغيب من مكانة مرموقة وثقة مطلقة ، وسلطان عظيم .
{ ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } . .
وهكذا جو القصور ، وجو الحكم المطلق ، وجو الأوساط الأرستقراطية ، وجو الجاهلية فبعد أن رأوا الآيات الناطقة ببراءة يوسف . وبعد أن بلغ التبجح بامرأة العزيز أن تقيم للنسوة حفل استقبال تعرض عليهن فتاها الذي شغفها حباً ، ثم تعلن لهم أنها به مفتونة حقاً ، ويفتتن هن به ويغرينه بما يلجأ إلى ربه ليغيثه منه وينقذه ، والمرأة تعلن في مجتمع النساء دون حياء أنه إما أن يفعل ما يؤمر به ، وإما أن يلقى السجن والصغار ، فيختار السجن على ما يؤمر به .
بعد هذا كله ، بدا لهم أن يسجنوه إلى حين
ولعل المرأة كانت قد يئست من محاولاتها بعد التهديد؛ ولعل الأمر كذلك قد زاد انتشاراً في طبقات الشعب الأخرى . . وهنا لا بد أن تحفظ سمعة « البيوتات » وإذا عجز رجال البيوتات عن صيانة بيوتهن ونسائهن ، فإنهم ليسوا بعاجزين عن سجن فتى بريء كل جريمته أنه لم يستجب ، وأن امرأة من « الوسط الراقي » قد فتنت به ، وشهرت بحبه ، ولاكت الألسن حديثها في الأوساط الشعبية
{ ودخل معه السجن فتيان } . .
سنعرف من بعد أنهما من خدم الملك الخواص . .
ويختصر السياق ما كان من أمر يوسف في السجن ، وما ظهر من صلاحه وإحسانه ، فوجه إليه الأنظار ، وجعله موضع ثقة المساجين ، وفيهم الكثيرون ممن ساقهم سوء الطالع مثله للعمل في القصر أو الحاشية ، فغضب عليهم في نزوة عارضة ، فألقي بهم في السجن . . يختصر السياق هذا كله ليعرض مشهد يوسف في السجن وإلى جواره فتيان أنسا إليه ، فهما يقصان عليه رؤيا رأياها . ويطلبان إليه تعبيرها ، لما يتوسمانه فيه من الطيبة والصلاح وإحسان العبادة والذكر والسلوك :
{ قال أحدهما : إني أراني أعصر خمراً؛ وقال الآخر : إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله ، إنا نراك من المحسنين } . .
وينتهز يوسف هذه الفرصة ليبث بين السجناء عقيدته الصحيحة؛ فكونه سجيناً لا يعفيه من تصحيح العقيدة الفاسدة والأوضاع الفاسدة ، القائمة على إعطاء حق الربوبية للحكام الأرضيين ، وجعلهم بالخضوع لهم أرباباً يزاولون خصائص الربوبية ، ويصبحون فراعين
ويبدأ يوسف مع صاحبي السجن من موضوعهما الذي يشغل بالهما ، فيطمئنهما ابتداء إلى أنه سيؤول لهم الرؤى ، لأن ربه علمه علماً لدنياً خاصاً ، جزاء على تجرده لعبادته وحده ، وتخلصه من عبادة الشركاء .

هو وآباؤه من قبله . . وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما ، كما يكسب ثقتهما كذلك لدينه :
{ قال : لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ، ذلكما مما علمني ربي . إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ، وهم بالآخرة هم كافرون . واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء . ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون } . .
ويبدو في طريقة تناول يوسف للحديث لطف مدخله إلى النفوس ، وكياسته وتنقله في الحديث في رفق لطيف . . وهي سمة هذه الشخصية البارزة في القصة بطولها . .
{ قال : لا يأتيكما طعام ترزقانه ، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ، ذلكما مما علمني ربي } . .
بهذا التوكيد الموحي بالثقة بأن الرجل على علم لدني ، يرى به مقبل الرزق وينبئ بما يرى . وهذا فوق دلالته على هبة الله لعبده الصالح يوسف وهي كذلك بطبيعة الفترة وشيوع النبوءات فيها والرؤى وقوله : { ذلكما مما علمني ربي } تجيء في اللحظة المناسبة من الناحية النفسية ليدخل بها إلى قلبيهما بدعوته إلى ربه؛ وليعلل بها هذا العلم اللدني الذي سيؤول لهما رؤياهما عن طريقه .
{ إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ، وهم بالآخرة هم كافرون } . .
مشيراً بهذا إلى القوم الذي ربي فيهم ، وهم بيت العزيز وحاشية الملك والملأ من القوم والشعب الذي يتبعهم . والفتيان على دين القوم ، ولكنه لا يواجههما بشخصيتهما ، إنما يواجه القوم عامة كي لا يحرجهما ولا ينفرهما وهي كياسة وحكمة ولطافة حس وحسن مدخل .
وذكر الآخرة هنا في قول يوسف يقرر كما قلنا من قبل أن الإيمان بالآخرة كان عنصراً من عناصر العقيدة على لسان الرسل جميعاً؛ منذ فجر البشرية الأول؛ ولم يكن الأمر كما يزعم علماء الأديان المقارنة أن تصور الآخرة جاء إلى العقيدة بجملتها متأخراً . . لقد جاء إلى العقائد الوثنية الجاهلية متأخراً فعلاً ، ولكنه كان دائماً عنصراً أصيلاً في الرسالات السماوية الصحيحة . .
ثم يمضي يوسف بعد بيان معالم ملة الكفر ليبين معالم ملة الإيمان التي يتبعها هو وآباؤه :
{ واتبعت ملة آبائي : إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء } . .
فهي ملة التوحيد الخالص الذي لا يشرك بالله شيئاً قط .

. والهداية إلى التوحيد فضل من الله على المهتدين ، وهو فضل في متناول الناس جميعاً لو اتجهوا إليه وأرادوه . ففي فطرتهم أصوله وهواتفه ، وفي الوجود من حولهم موحياته ودلائله ، وفي رسالات الرسل بيانه وتقريره . ولكن الناس هم الذين لا يعرفون هذا الفضل ولا يشكرونه :
{ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون } . .
مدخل لطيف . . وخطوة خطوة في حذر ولين . . ثم يتوغل في قلبيهما أكثر وأكثر ، ويفصح عن عقيدته ودعوته إفصاحاً كاملاً ، ويكشف عن فساد اعتقادهما واعتقاد قومهما ، وفساد ذلك الواقع النكد الذي يعيشون فيه . . بعد ذلك التمهيد الطويل :
{ يا صاحبي السجن ، أأرباب متفرقون خير؟ أم الله الواحد القهار؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان . إن الحكم إلا لله . أمر ألا تعبدوا إلا إياه . ذلك الدين القيم . ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . .
لقد رسم يوسف عليه السلام بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة ، كل معالم هذا الدين ، وكل مقومات هذه العقيدة . كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً عنيفاً . .
{ يا صاحبي السجن ، أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ } . .
إنه يتخذ منهما صاحبين ، ويتحبب إليهما هذه الصفة المؤنسة ، ليدخل من هذا المدخل إلى صلب الدعوة وجسم العقيدة . وهو لا يدعوهما إليها دعوة مباشرة ، إنما يعرضها قضية موضوعية :
{ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ } . .
وهو سؤال يهجم على الفطرة في أعماقها ويهزها هزاً شديداً . . إن الفطرة تعرف لها إلهاً واحداً ففيم إذن تعدد الأرباب؟ . . إن الذي يستحق أن يكون رباً يعبد ويطاع أمره ويتبع شرعه هو الله الواحد القهار . ومتى توحد الإله وتقرر سلطانه القاهر في الوجود فيجب تبعاً لذلك أن يتوحد الرب وسلطانه القاهر في حياة الناس . وما يجوز لحظة واحدة أن يعرف الناس أن الله واحد ، وأنه هو القاهر ، ثم يدينوا لغيره ويخضعوا لأمره ، ويتخذوا بذلك من دون الله ربا . . إن الرب لا بد أن يكون إلهاً يملك أمر هذا الكون ويسيره . ولا ينبغي أن يكون العاجز عن تسيير أمر هذا الكون كله رباً للناس يقهرهم بحكمه ، وهو لا يقهر هذا الكون كله بأمره
والله الواحد القهار خير أن يدين العباد لربوبيته من أن يدينوا للأرباب المتفرقة الأهواء الجاهلة القاصرة العمياء عن رؤية ما وراء المنظور القريب كالشأن في كل الأرباب إلا الله وما شقيت البشرية قط شقاءها بتعدد الأرباب وتفرقهم ، وتوزع العباد بين أهوائهم وتنازعهم . . فهذه الأرباب الأرضية التي تغتصب سلطان الله وربوبيته؛ أو يعطيها الجاهليون هذا السلطان تحت تأثير الوهم والخرافة والأسطورة ، أو تحت تأثير القهر أو الخداع أو الدعاية هذه الأرباب الأرضية لا تملك لحظة أن تتخلص من أهوائها ، ومن حرصها على ذواتها وبقائها ، ومن الرغبة الملحة في استبقاء سلطانها وتقويته ، وفي تدمير كل القوى والطاقات التي تهدد ذلك السلطان من قريب أو من بعيد؛ وفي تسخير تلك القوى والطاقات في تمجيدها والطبل حولها والزمر والنفخ فيها كي لا تذبل ولا تنفثىء نفختها الخادعة
والله الواحد القهار في غنى عن العالمين؛ فهو سبحانه لا يريد منهم إلا التقوى والصلاح والعمل والعمارة وفق منهجه فيعدّ لهم هذا كله عبادة .

وحتى الشعائر التي يفرضها عليهم إنما يريد بها إصلاح قلوبهم ومشاعرهم ، لإصلاح حياتهم وواقعهم . . وإلا فما أغناه سبحانه عن عباده أجمعين { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ، والله هو الغني الحميد } ففرق بين الدينونة لله الواحد القهار والدينونة للأرباب المتفرقة بعيد
ثم يخطو يوسف عليه السلام خطوة أخرى في تفنيد عقائد الجاهلية وأوهامها الواهية :
{ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } . .
إن هذه الأرباب سواء كانت من البشر أم من غير البشر من الأرواح والشياطين والملائكة والقوى الكونية المسخرة بأمر الله ليست من الربوبية في شيء ، وليس لها من حقيقة الربوبية شيء . فالربوبية لا تكون إلا لله الواحد القهار؛ الذي يخلق ويقهر كل العباد . . ولكن البشر في الجاهليات المتعددة الأشكال والأوضاع يسمون من عند أنفسهم أسماء ، ويخلعون عليها صفات ، ويعطونها خصائص؛ وفي أول هذه الخصائص خاصية الحكم والسلطان . . والله لم يجعل لها سطاناً ولم ينزل بها من سلطان . .
وهنا يضرب يوسف عليه السلام ضربته الأخيرة الحاسمة فيبين : لمن ينبغي أن يكون السلطان لمن ينبغي أن يكون الحكم لمن ينبغي أن تكون الطاعة . . أو بمعنى آخر لمن ينبغي أن تكون « العبادة »
{ إن الحكم إلا لله . أمر ألا تعبدوا إلا إياه . ذلك الدين القيم . ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . .
إن الحكم لا يكون إلا لله . فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته . إذ الحاكمية من خصائص الألوهية . من ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته؛ سواء ادعى هذا الحق فرد ، أو طبقة ، أو حزب . أو هيئة ، أو أمة ، أو الناس جميعاً في صورة منظمة عالمية . ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر بالله كفراً بواحاً ، يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة ، حتى بحكم هذا النص وحده
وادعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين القيم ، وتجعله منازعاً لله في أولى خصائص ألوهيته سبحانه فليس من الضروري أن يقول : ما علمت لكم من إله غيري؛ أو يقول : أنا ربكم الأعلى ، كما قالها فرعون جهرة .

ولكنه يدعي هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي شريعة الله عن الحاكمية؛ ويستمد القوانين من مصدر آخر . وبمجرد أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية ، أي التي تكون هي مصدر السلطات ، جهة أخرى غير الله سبحانه . . ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية . والأمة في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله؛ ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته . إنما مصدر الحاكمية هو الله . و كثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة و بين مصدر السلطة . فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه الله وحده . والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه ، أما ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية ، وما أنزل الله به من سلطان . .
ويوسف عليه السلام يعلل القول بأن الحكم لله وحده . فيقول :
{ أمر ألا تعبدوا إلا إياه } .
ولا نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معنى { العبادة } التي يخص بها الله وحده . .
إن معنى عبد في اللغة : دان ، وخضع ، وذل . . ولم يكن معناه في الإصطلاح الإسلامي في أول الأمر أداء الشعائر . . إنما كان هو معناه اللغوي نفسه . . فعندما نزل هذا النص أول مرة لم يكن شيء من الشعائر قد فرض حتى ينطلق اللفظ إليه . إنما كان المقصود هو معناه اللغوي الذي صار هو معناه الاصطلاحي . كان المقصود به هو الدينونة لله وحده ، والخضوع له وحده ، واتباع أمره وحده . سواء تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية ، أو تعلق بتوجيه أخلاقي ، أو تعلق بشريعة قانونية . فالدينونة لله وحده في هذا كله هي مدلول العبادة التي خص الله سبحانه بها نفسه؛ ولم يجعلها لأحد من خلقه . .
وحين نفهم معنى العبادة على هذا النحو نفهم لماذا جعل يوسف عليه السلام اختصاص الله بالعبادة تعليلاً لاختصاصه بالحكم . فالعبادة أي الدينونة لا تقوم إذا كان الحكم لغيره . . وسواء في هذا حكمه القدري القهري في حياة الناس وفي نظام الوجود ، وحكمه الشرعي الإرادي في حياة الناس خاصة . فكله حكم تتحقق به الدينونة .
ومرة أخرى نجد أن منازعة الله الحكم تخرج المنازع من دين الله حكماً معلوماً من الدين بالضرورة لأنها تخرجه من عبادة الله وحده . . وهذا هو الشرك الذي يخرج أصحابه من دين الله قطعاً . وكذلك الذين يقرون المنازع على ادعائه ، ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان الله وخصائصه . . فكلهم سواء في ميزان الله .
ويقرر يوسف عليه السلام أن اختصاص الله سبحانه بالحكم تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة هو وحده الدين القيم :
{ ذلك الدين القيم } . .
وهو تعبير يفيد القصر .

فلا دين قيماً سوى هذا الدين ، الذي يتحقق فيه اختصاص الله بالحكم ، تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة .
{ ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . .
وكونهم { لا يعلمون } لا يجعلهم على دين الله القيم . فالذي لا يعلم شيئاً لا يملك الاعتقاد فيه ولا تحقيقه . . فإذا وجد ناس لا يعلمون حقيقة الدين ، لم يعد من الممكن عقلاً وواقعاً وصفهم بأنهم على هذا الدين ولم يقم جهلهم عذراً لهم يسبغ عليهم صفة الإسلام . ذلك أن الجهل مانع للصفة ابتداء . فاعتقاد شيء فرع عن العلم به . . وهذا منطق العقل والواقع . . بل منطق البداهة الواضح .
لقد رسم يوسف عليه السلام بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين ، وكل مقومات هذه العقيدة؛ كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً . .
إن الطاغوت لا يقوم في الأرض إلا مدعياً أخص خصائص الألوهية ، وهو الربوبية . أي حق تعبيد الناس لأمره وشرعه ، ودينونتهم لفكره وقانونه . وهو إذ يزاول هذا في عالم الواقع يدعيه - ولو لم يقله بلسانه - فالعمل دليل أقوى من القول .
إن الطاغوت لا يقوم إلا في غيبة الدين القيم والعقيدة الخالصة عن قلوب الناس . فما يمكن أن يقوم وقد استقر في اعتقاد الناس فعلاً أن الحكم لله وحده ، لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده ، والخضوع للحكم عبادة . بل هي مدلول العبادة .
وإلى هنا يبلغ يوسف أقصى الغاية من الدرس الذي ألقاه ، مرتبطاً في مطلعه بالأمر الذي يشغل بال صاحبيه في السجن . ومن ثم فهو يؤول لهما الرؤيا في نهاية الدرس ، ليزيدهما ثقة في قوله كله وتعلقاً به :
{ يا صاحبي السجن ، أما أحدكما فيسقي ربه خمراً ، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه } . .
ولم يعين من هو صاحب البشرى ومن هو صاحب المصير السيئ تلطفاً وتحرجاً من المواجهة بالشر والسوء . ولكنه أكد لهما الأمر واثقاً من العلم الذي وهبه الله له :
{ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } . .
وانتهى فهو كائن كما قضاه الله .
وأحب يوسف السجين البريء ، الذي أمر الملك بسجنه دون تحر ودون بحث ، إلا ما نقله إليه بعض حاشية من وشاية لعلهم صوروا له فيها حادث امرأة العزيز وحادث النسوة تصويراً مقلوباً ، كما يقع عادة في مثل هذه الأوساط . . أحب يوسف أن يبلغ أمره إلى الملك ليفحص عن الأمر :
{ وقال للذي ظن أنه ناج منهما : اذكرني عند ربك } . .
اذكر حالي ووضعي وحقيقتي عند سيدك وحاكمك الذي تدين وتخضع لحكمه ، فهو بهذا ربك . فالرب هو السيد والحاكم والقاهر والمشرع . . وفي هذا توكيد لمعنى الربوبية في المصطلح الإسلامي . ومما يلاحظ أن ملوك الرعاة لم يكونوا يدعون الربوبية قولاً كالفراعنة ، ولم يكونوا ينتسبون إلى الإله أو الآلهة كالفراعنة . ولم يكن لهم من مظاهر الربوبية إلا الحاكمية وهي نص في معنى الربوبية .

.
وهنا يسقط السياق أن التأويل قد تحقق ، وأن الأمر قد قضي على ما أوله يوسف . ويترك هنا فجوة ، نعرف منها أن هذا كله قد كان . ولكن الذي ظن يوسف أنه ناج فنجا فعلاً لم ينفذ الوصية ، ذلك أنه نسي الدرس الذي لقنه له يوسف ، ونسي ذكر ربه في زحمة حياة القصر وملهياتها وقد عاد إليها ، فنسي يوسف وأمره كله . .
{ فأنساه الشيطان ذكر ربه } . .
{ فلبث في السجن بضع سنين } . .
والضمير الأخير في لبث عائد على يوسف . وقد شاء ربه أن يعلمه كيف يقطع الأسباب كلها ويستمسك بسببه وحده ، فلم يجعل قضاء حاجته على يد عبد ولا سبب يرتبط بعبد . وكان هذا من اصطفائه وإكرامه .
إن عباد الله المخلصين ينبغي أن يخلصوا له سبحانه ، وأن يدعوا له وحده قيادهم ، ويدعوا له سبحانه تنقيل خطاهم . وحين يعجزون بضعفهم البشري في أول الأمر عن اختيار هذا السلوك ، يتفضل الله سبحانه فيقهرهم عليه حتى يعرفوه ويتذوقوه ويلتزموه بعد ذلك طاعة ورضى وحباً وشوقاً . . فيتم عليهم فضله بهذا كله . .
والآن نحن في مجلس الملك ، وقد رأى رؤيا أهمته ، فهو يطلب تأويلها من رجال الحاشية ومن الكهنة والمتصلين بالغيبيات :
{ وقال الملك : إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات . يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ، إن كنتم للرؤيا تعبرون . قالوا : أضغاث أحلام ، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين } . .
طلب الملك تأويل رؤياه . فعجز الملأ من حاشيته ومن الكهنة عن تأويلها ، أو أحسوا أنها تشير إلى سوء لم يريدوا أن يواجهوا به الملك على طريقة رجال الحاشية في إظهار كل ما يسر الحكام وإخفاء ما يزعجهم . وصرف الحديث عنه فقالوا : إنها { أضغاث أحلام } أي أخلاط أحلام مضطربة وليست رؤيا كاملة تحتمل التأويل . { وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين } . . إذا كانت أضغاثاً مختلطة لا تشير إلى شيء
والآن لقد مرت بنا رؤى ثلاث : رؤيا يوسف ، ورؤيا صاحبي السجن ، ورؤيا الملك . وطلب تأويلها في كل مرة ، والاهتمام بها يعطينا صورة من جو العصر كله في مصر وخارج مصر كما أسلفنا وأن الهبة اللدنية التي وهبها يوسف كانت من روح العصر وجوه ، على ما نعهد في معجزات الأنبياء ، فهل كانت هذه هي معجزة يوسف؟ ولكن هذا بحث ليس مكانه هذه الظلال . فنكمل حديث رؤيا الملك الآن
هنا تذكر أحد صاحبيه في السجن ، الذي نجا منهما وأنساه الشيطان ذكر ربه ، وذكر يوسف في دوامة القصر والحاشية والعصر والخمر والشراب . . هنا تذكر الرجل الذي أوّلَ له رؤياه ورؤيا صاحبه ، فتحقق التأويل :
{ وقال الذي نجا منها وادكّر بعد أمة : أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون }
أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون . . ويسدل الستار هنا ، ليرفع في السجن على يوسف وصاحبه هذا يستفتيه :
{ يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ، لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } .

.
والساقي يلقب يوسف بالصدّيق ، أي الصادق الكثير الصدق . وهذا ما جربه في شأنه من قبل . .
{ أفتنا في سبع بقرات سمان . . . } . .
ونقل الفاظ الملك التي قالها كاملة ، لأنه يطلب تأويلها ، فكان دقيقاً في نقلها ، وأثبتها السياق مرة أخرى ليبين هذه الدقة أولاً ، وليجيء تأويلها ملاصقاً في السياق لذكرها .
ولكن كلام يوسف هنا ليس هو التأويل المباشر المجرد ، إنما هو التأويل والنصح بمواجهة عواقبه . وهذا أكمل :
{ قال : تزرعون سبع سنين دأباً } . .
أي : متوالية متتابعة . وهي السنوات السبع المخصبة المرموز لها بالبقرات السمان .
{ فما حصدتم فذروه في سنبله } . .
أي فاتركوه في سنابله لأن هذا يحفظه من السوس والمؤثرات الجوية .
{ إلا قليلاً مما تأكلون } . .
فجردوه من سنابله ، واحتفظوا بالبقية للسنوات الأخرى المجدبة المرموز لها بالبقرات العجاف .
{ ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد } . .
لا زرع فيهن .
{ يأكلن ما قدمتم لهن } . .
وكأن هذه السنوات هي التي تأكل بذاتها كل ما يقدم لها لشدة نهمها وجوعها
{ إلا قليلاً مما تحصنون } . .
أي إلا قليلاً مما تحفظونه وتصونونه من التهامها
{ ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } . .
أي ثم تنقضي هذه السنوات الشداد العجاف المجدبة ، التي تأتي على ما خزنتم وادخرتم من سنوات الخصب . تنقضي ويعقبها عام رخاء ، يغاث الناس فيه بالزرع والماء ، وتنمو كرومهم فيعصرونها خمراً ، وسمسمهم وخسهم وزيتونهم فيعصرونه زيتاً . .
وهنا نلحظ أن هذا العام الرخاء لا يقابله رمز في رؤيا الملك؛ فهو إذن من العلم اللدني الذي علمه الله يوسف . فبشر به الساقي ليبشر الملك والناس ، بالخلاص من الجدب والجوع بعام رخيّ رغيد .
وهنا كذلك ينتقل السياق إلى المشهد التالي . تاركاً فجوة بين المشهدين يكمل التصور ما تم فيها من حركة . ويرفع الستار مرة أخرى على مجلس الملك . ويحذف السياق ما نقله الساقي من تأويل الرؤيا ، وما تحدث به عن يوسف الذي أولها . وعن سجنه وأسبابه والحال التي هو فيها . . كل أولئك يحذفه السياق من المشهد ، لنسمع نتيجته من رغبة الملك في رؤية يوسف ، وأمره أن يأتوه به :
{ وقال الملك : ائتوني به } . .
ومرة ثالثة في المشهد يحذف السياق جزئيات تفصيلية في تنفيذ الأمر . ولكنا نجد يوسف يرد على رسول الملك الذي لا نعرف : إن كان هو الساقي الذي جاءه أول مرة . أو رسولاً تنفيذياً مكلفاً بمثل هذا الشأن . نجد يوسف السجين الذي طال عليه السجن لا يستعجل الخروج حتى تحقق قضيته ، ويتبين الحق واضحاً في موقفه ، وتعلن براءته على الأشهاد من الوشايات والدسائس والغمز في الظلام .

. لقد رباه ربه وأدبه . ولقد سكبت هذه التربية وهذا الأدب في قلبه السكينة والثقة والطمأنينة . فلم يعد معجلاً ولا عجولاً
إن أثر التربية الربانية شديد الوضوح في الفارق بين الموقفين : الموقف الذي يقول يوسف فيه للفتى : اذكرني عند ربك ، والموقف الذي يقول له فيه : ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، والفارق بين الموقفين بعيد . .
{ قال : ارجع إلى ربك فاسأله : ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم }
لقد رد يوسف أمر الملك باستدعائه حتى يستوثق الملك من أمره ، وحتى يتحقق من شأن النسوة اللاتي قطعن أيديهن . . بهذا القيد . . تذكيراً بالواقعة وملابساتها وكيد بعضهن لبعض فيها وكيدهن له بعدها . . وحتى يكون هذا التحقق في غيبته لتظهر الحقيقة خالصة ، دون أن يتدخل هو في مناقشتها . . كل أولئك لأنه واثق من نفسه ، واثق من براءته ، مطمئن إلى أن الحق لا يخفى طويلاً ، ولا يخذل طويلاً .
ولقد حكى القرآن عن يوسف استعمال كلمة { رب } بمدلوها الكامل ، بالقياس إليه وبالقياس إلى رسول الملك إليه . فالملك رب هذا الرسول لأنه هو حاكمه الذي يدين لسلطانه . والله رب يوسف لأنه هو حاكمه الذي يدين لسلطانه . .
ورجع الرسول فأخبر الملك وأحضر الملك النسوة يستجوبهن والسياق يحذف هذا لنعلمه مما يليه :
{ قال : ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ } . .
والخطب : الأمر الجلل والمصاب . فكأن الملك كان قد استقصى فعلم أمرهن قبل أن يواجههن ، وهو المعتاد في مثل هذه الأحوال ، ليكون الملك على بينة من الأمر وظروفه قبل الخوض فيه . فهو يواجههن مقرراً الاتهام ، ومشيراً إلى أمر لهن جلل أو شأن لهن خطير :
{ ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ } .
ومن هذا نعلم شيئاً مما دار في حفل الاستقبال في بيت الوزير؛ ما قالته النسوة ليوسف وما لَمّحن به وأشرن إليه ، من الإغراء الذي يبلغ درجة المراودة . ومن هذا نتخيل صورة لهذه الأوساط ونسائها حتى في ذلك العهد الموغل في التاريخ . فالجاهلية دائماً هي الجاهلية . إنه حيثما كان الترف ، وكانت القصور والحاشية ، كان التخلل والتميع والفجور الناعم الذي يرتدي ثياب الأرستقراطية
وفي مثل هذه المواجهة بالاتهام في حضرة الملك ، يبدو أنه لم يكن هنالك مجال للإنكار :
{ قلن : حاش لله ما علمنا عليه من سوء }
وهي الحقيقة التي يصعب إنكارها . ولومن مثل هؤلاء النسوة . فقد كان أمر يوسف إذن من النصاعة والوضوح بحيث لا يقوم فيه جدال .
وهنا تتقدم المرأة المحبة ليوسف ، التي يئست منه ، ولكنها لا تستطيع أن تخلص من تعلقها به . . تتقدم لتقول كل شيء في صراحة :
{ قالت امرأة العزيز : الآن حصحص الحق . أنا راودته عن نفسه . وإنه لمن الصادقين } . .
الآن حصحص الحق وظهر ظهوراً واضحاً لا يحتمل الخفاء :
{ أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } .

.
وزادت ما يكشف عن أن قلبها لم يخل من إيثاره ورجاء تقديره والتفاته بعد كل هذا الأمد؛ وما يشي كذلك بأن عقيدة يوسف قد أخذت طريقها إلى قلبها فآمن :
{ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } . .
وهذا الاعتراف وما بعده يصوره السياق هنا بألفاظ موحية ، تشي بما وراءها من انفعالات ومشاعر . كما يشي الستار الرقيق بما وراءه في ترفع وتجمل في التعبير :
{ أنا راودته عن نفسه ، وإنه لمن الصادقين } .
شهادة كاملة بنظافته وبراءته وصدقه . لا تبالي المرأة ما وراءها مما يلم بها هي ويلحق بأردانها . . فهل هو الحق وحده الذي يدفعها لهذا الإقرار الصريح في حضرة الملك والملأ؟
يشي السياق بحافز آخر ، هو حرصها على أن يحترمها الرجل المؤمن الذي لم يعبأ بفتنتها الجسدية . أن يحترمها تقديراً لإيمانها ولصدقها وأمانتها في حقه عند غيبته :
{ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } . .
ثم تمضي في هذه المحاولة والعودة إلى الفضيلة التي يحبها يوسف ويقدرها :
{ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } . .
وتمضي خطوة أخرى في هذه المشاعر الطيبة :
{ وما أبرئ نفسي ، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ، إن ربي غفور رحيم } . .
إنها امرأة أحبت . امرأة تكبر الرجل الذي تعلقت به في جاهليتها وإسلامها ، فهي لا تملك إلا أن تظل معلقة بكلمة منه ، أو خاطرة ارتياح تحس أنها صدرت عنه
وهكذا يتجلى العنصر الإنساني في القصة ، التي لم تسق لمجرد الفن ، إنما سيقت للعبرة والعظة . وسيقت لتعالج قضية العقيدة والدعوة . ويرسم التعبير الفني فيها خفقات المشاعر وانتفاضات الوجدان رسماً رشيقاً رفيقاً شفيفاً . في واقعة كاملة تتناسق فيها جميع المؤثرات وجميع الواقعيات في مثل هذه النفوس ، في ظل بيئتها ومؤثرات هذه البيئة كذلك .
وإلى هنا تنتهي محنة السجن ومحنة الاتهام ، وتسير الحياة بيوسف رخاء ، الاختبار فيه بالنعمة لا بالشدة . وإلى هنا نقف في هذا الجزء من الظلال ، وتتابع القصة سيرها في الجزء التالي إن شاء الله .

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66) وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79)

نمضي في هذا الدرس مع قصة يوسف ، في حلقة جديدة من حلقاتها الحلقة الرابعة وقد وقفنا في نهاية الجزء الثاني عشر عند نهاية الحلقة الثالثة . وقد أخرج من السجن ، واستدعاه الملك ليكون له شأن معه ، هو الذي سنعرفه في هذه الحلقة الجديدة .
هذا الدرس يبدأ بآخر فقرة في المشهد السابق . مشهد الملك يستجوب النسوة اللاتي قطعن أيديهن كما رغب إليه يوسف أن يفعل تمحيصاً لتلك المكايد التي أدخلته السجن ، وإعلاناً لبراءته على الملأ ، قبل أن يبدأ مرحلة جديدة في حياته؛ وهو يبدؤها واثقاً مطمئناً ، في نفسه سكينة وفي قلبه طمأنينة وقد أحس أنها ستكون مرحلة ظهور في حياة الدولة ، وفي حياة الدعوة كذلك . فيحسن أن يبدأها وكل ما حوله واضح ، ولا شيء من غبار الماضي يلاحقه وهو بريء .
ومع أنه قد تجمل فلم يذكر عن امرأة العزيز شيئاً ، ولم يشر إليها على وجه التخصيص ، إنما رغب إلى الملك أن يفحص عن أمر النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، فإن امرأة العزيز تقدمت لتعلن الحقيقة كاملة :
{ الآن حصحص الحق . أنا راودته عن نفسه ، وإنه لمن الصادقين . ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين . وما أبرىء نفسي؛ إن النفس لأمارة بالسوء ، إلا ما رحم ربي ، إن ربي غفور رحيم } . .
وفي هذه الفقرة الأخيرة تبدو المرأة مؤمنة متحرجة ، تبرئ نفسها من خيانة يوسف في غيبته ، ولكنها تتحفظ فلا تدعي البراءة المطلقة ، لأن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ثم تعلن ما يدل على إيمانها بالله ولعل ذلك كان اتباعاً ليوسف { إن ربي غفور رحيم } . .
وبذلك يسدل الستار على ماضي الآلام في حياة يوسف الصديق . وتبدأ مرحلة الرخاء والعز والتمكين . .
{ وقال الملك : ائتوني به أستخلصه لنفسي . . فلما كلمه قال : إنك اليوم لدينا مكين أمين . قال : اجعلني على خزائن الأرض ، إني حفيظ عليم . . وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ، يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين . ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون } . .
لقد تبينت للملك براءة يوسف ، وتبين له معها علمه في تفسير الرؤيا ، وحكمته في طلب تمحيص أمر النسوة ، كذلك تبينت له كرامته وإباؤه ، وهو لا يتهافت على الخروج من السجن ، ولا يتهافت على لقاء الملك . وأي ملك؟ ملك مصر ولكن يقف وقفة الرجل الكريم المتهم في سمعته ، المسجون ظلماً ، يطلب رفع الاتهام عن سمعته قبل أن يطلب رفع السجن عن بدنه؛ ويطلب الكرامة لشخصه ولدينه الذي يمثله قبل أن يطلب الحظوة عند الملك . .
كل أولئك أوقع في نفس الملك احترام هذا الرجل وحبه فقال :
{ ائتوني به أستخلصه لنفسي } .

.
فهو لا يأتي به من السجن ليطلق سراحه؛ ولا ليرى هذا الذي يفسر الرؤى؛ ولا ليسمعه كلمة « الرضاء الملكي السامي » فيطير بها فرحاً . . كلا إنما يطلبه ليستخلصه لنفسه ، ويجعله بمكان المستشار واَلنجيّ والصديق . .
فيا ليت رجالاً يمرغون كرامتهم على أقدام الحكام وهم أبرياء مطلقو السراح فيضعوا النير في أعناقهم بأيديهم؛ ويتهافتوا على نظرة رضى وكلمة ثناء ، وعلى حظوة الأتباع لا مكانة الأصفياء . . يا ليت رجالاً من هؤلاء يقرأون هذا القرآن ، ويقرأون قصة يوسف ، ليعرفوا أن الكرامة والإباء والاعتزاز تدر من الربح - حتى المادي أضعاف ما يدره التمرغ والتزلف والانحناء
{ وقال الملك : ائتوني به أستخلصه لنفسي } . .
ويحذف السياق جزئية تنفيذ الأمر لنجد يوسف مع الملك . .
{ فلما كلمه قال : إنك اليوم لدينا مكين أمين } . .
فلما كلمه تحقق له صدق ما توسمه . فإذا هو يطمئنه على أنه عند الملك ذو مكانة وفي أمان . فليس هو الفتى العبراني الموسوم بالعبودية . إنما هو مكين . وليس هو المتهم المهدد بالسجن . إنما هو أمين . وتلك المكانة وهذا الأمان لدى الملك وفي حماه . فماذا قال يوسف؟
إنه لم يسجد شكراً كما يسجد رجال الحاشية المتملقون للطواغيت . ولم يقل له : عشت يا مولاي وأنا عبدك الخاضع أو خادمك الأمين ، كما يقول المتملقون للطواغيت كلا إنما طالب بما يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من الأعباء في الأزمة القادمة التي أوّل بها رؤيا الملك ، خيراً مما ينهض بها أحد في البلاد؛ وبما يعتقد أنه سيصون به أرواحاً من الموت وبلاداً من الخراب ، ومجتمعاً من الفتنة فتنة الجوع فكان قوياً في إدراكه لحاجة الموقف إلى خبرته وكفايته وأمانته ، قوته في الاحتفاظ بكرامته وإبائه :
{ قال : اجعلني على خزائن الأرض . إني حفيظ عليم } . .
والأزمة القادمة وسنو الرخاء التي تسبقها في حاجة إلى الحفظ والصيانة والقدرة على إدارة الأمور بالدقة وضبط الزراعة والمحاصيل وصيانتها . وفي حاجة إلى الخبرة وحسن التصرف والعلم بكافة فروعه الضروية لتلك المهمة في سنوات الخصب وفي سني الجدب على السواء . ومن ثم ذكر يوسف من صفاته ما تحتاج إليه المهمة التي يرى أنه أقدر عليها ، وأن وراءها خيراً كبيراً لشعب مصر وللشعوب المجاورة :
{ إني حفيظ عليم } . .
ولم يكن يوسف يطلب لشخصه وهو يرى إقبال الملك عليه فيطلب أن يجعله على خزائن الأرض . . إنما كان حصيفاً في اختيار اللحظة التي يستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أوقات الأزمة؛ وليكون مسؤولاً عن إطعام شعب كامل وشعوب كذلك تجاوره طوال سبع سنوات ، لا زرع فيها ولا ضرع . فليس هذا غنماً يطلبه يوسف لنفسه . فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية لا يقول أحد إنه غنيمة .

إنما هي تبعة يهرب منها الرجال ، لأنها قد تكلفهم رؤوسهم ، والجوع كافر ، وقد تمزق الجماهير الجائعة أجسادهم في لحظات الكفر والجنون .
وهنا تعرض شبهة . . أليس في قول يوسف عليه السلام : { اجعلني على خزائن الأرض ، إني حفيظ عليم } . . أمران محظوران في النظام الإسلامي :
أولهما : طلب التولية ، وهو محظور بنص قول الرسول صلى الله عليه وسلم : « إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله ( أو حرص عليه ) » . ( متفق عليه ) .
وثانيهما : تزكية النفس ، وهي محظورة بقوله تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم } ولا نريد أن نجيب بأن هذه القواعد إنما تقررت في النظام الإسلامي الذي تقرر على عهد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها لم تكن مقررة على أيام يوسف عليه السلام والمسائل التنظيمية في هذا الدين ليست موحدة كأصول العقيدة ، الثابتة في كل رسالة وعلى يد كل رسول . .
لا نريد أن نجيب بهذا ، وإن كان له وجه ، لأننا نرى أن الأمر في هذه المسألة أبعد أعماقاً ، وأوسع آفاقاً من أن يرتكن إلى هذا الوجه؛ وأنه إنما يرتكن إلى اعتبارات أخرى لا بد من إدراكها ، لإدراك منهج الاستدلال من الأصول والنصوص ، ولإعطاء أصول الفقه وأحكامه تلك الطبيعة الحركية الأصيلة في كيانها ، والتي خمدت وجمدت في عقول الفقهاء وفي عقلية الفقه كلها في قرون الخمود والركود
إن الفقه الإسلامي لم ينشأ في فراغ ، كما أنه لا يعيش ولا يفهم في فراغ . . لقد نشأ الفقه الإسلامي في مجتمع مسلم ، ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع في مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية . كذلك لم يكن الفقه الإسلامي هو الذي أنشأ المجتمع المسلم؛ إنما كان المجتمع المسلم بحركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الإسلامية هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي . .
وهاتان الحقيقتان التاريخيتان الواقعيتان عظيمتان الدلالة؛ كما أنهما ضروريتان لفهم طبيعة الفقه الإسلامي؛ وإدراك الطبيعة الحركية للأحكام الفقهية الإسلامية .
والذين يأخذون اليوم تلك النصوص والأحكام المدونة ، دون إدراك لهاتين الحقيقتين؛ ودون مراجعة للظروف والملابسات التي نزلت فيها تلك النصوص ونشأت فيها تلك الأحكام ، ودون استحضار لطبيعة الجو والبيئة والحالة التي كانت تلك النصوص تلبيها وتوجهها؛ وكانت تلك الأحكام تصاغ فيها وتحكمها وتعيش فيها . . . الذين يفعلون ذلك؛ ويحاولون تطبيق هذه الأحكام كأنها نشأت في فراغ؛ وكأنها اليوم يمكن أن تعيش في فراغ . . هؤلاء ليسوا « فقهاء » وليس لهم « فقه » بطبيعة الفقه وبطبيعة هذا الدين أصلاً
إن « فقه الحركة » يختلف اختلافاً أساسياً عن « فقه الأوراق » مع استمداده أصلاً وقيامه على النصوص التي يقوم عليها ويستمد منها « فقه الأوراق »
إن فقه الحركة يأخذ في اعتباره « الواقع » الذي نزلت فيه النصوص ، وصيغت فيه الأحكام .

ويرى أن ذلك الواقع يؤلف مع النصوص والأحكام مركباً لا تنفصل عناصره . فإذا انفصلت عناصر هذا المركب فقد طبيعته ، واختل تركيبه
ومن ثم فليس هنالك حكم فقهي واحد مستقل بذاته ، يعيش في فراغ ، لا تتمثل فيه عناصر الموقف والجو والبيئة والملابسات التي نشأ نشأته الأولى فيها . . إنه لم ينشأ في فراغ ومن ثم لا يستطيع أن يعيش في فراغ
ونأخذ مثالاً لهذا التقرير العام هذا الحكم الفقهي الإسلامي بعدم تزكية النفس وعدم ترشيحها للمناصب ، وهو المأخوذ من قوله تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم } ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله » .
لقد نشأ هذا الحكم كما نزلت تلك النصوص في مجتمع مسلم؛ ليطبق في هذا المجتمع؛ وليعيش في هذا الوسط؛ وليلبي حاجة ذلك المجتمع . وفق نشأته التاريخية ، ووفق تركيبه العضوي ، ووفق واقعه الذاتي . فهو من ثم حكم إسلامي جاء ليطبق في مجتمع إسلامي . . وقد نشأ في وسط واقعي ولم ينشأ في فراغ مثالي . وهو من ثم لا يطبق ولا يصلح ولا ينشئ آثاره الصحيحة إلا إذا طبق في مجتمع إسلامي . . إسلامي في نشأته ، وفي تركيبه العضوي ، وفي التزامه بشريعة الإسلام كاملة . . وكل مجتمع لا تتوافر فيه هذه المقوّمات كلها يعتبر « فراغاً » بالقياس إلى ذلك الحكم ، لا يملك أن يعيش فيه ، ولا يصلح له ، ولا يصلحه كذلك
ومثل هذا الحكم كل أحكام النظام الإسلامي . وإن كنا في هذا المقام لا نفصل إلا هذا الحكم بمناسبة ذلك السياق القرآني . .
ونريد أن نفهم لماذا لا يزكي الناس أنفسهم في المجتمع المسلم ، ولا يرشحون أنفسهم للوظائف ، ولا يقومون لأشخاصهم بدعاية ما كي يختاروا لمجلس الشورى أو للإمامة أو للإمارة . . .
إن الناس في المجتمع المسلم لا يحتاجون لشيء من هذا لإبراز أفضليتهم وأحقيتهم . كما أن المناصب والوظائف في هذا المجتمع تكليف ثقيل لا يغري أحداً بالتزاحم عليه اللهم إلا ابتغاء الأجر بالنهوض بالواجب وللخدمة الشاقة ابتغاء رضوان الله تعالى ومن ثم لا يسأل المناصب والوظائف إلا المتهافتون عليها لحاجة في نفوسهم . وهؤلاء يجب أن يُمنعوها
ولكن هذه الحقيقة لا تفهم إلا بمراجعة النشأة الطبيعية للمجتمع المسلم ، وإدراك طبيعة تكوينه العضوي أيضاً . .
إن الحركة هي العنصر المكوّن لذلك المجتمع . فالمجتمع المسلم وليد الحركة بالعقيدة الإسلامية . .
أولاً : تجيء العقيدة من مصدرها الإلهي متمثلة في تبليغ الرسول وعمله على عهد النبوات أو متمثلة في دعوة الداعية بما جاء من عند الله وما بلغه رسوله على مدار الزمان بعد ذلك فيستجيب للدعوة ناس؛ يتعرضون للأذى والفتنة من الجاهلية الحاكمة السائدة في أرض الدعوة .

فمنهم من يفتن ويرتد ، ومنهم من يصدق ما عاهد الله عليه فيقضي نحبه شهيداً ومنهم من ينتظر حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق . .
هؤلاء يفتح الله عليهم ، ويجعل منهم ستاراً لقدره ، ويمكن لهم في الأرض تحقيقاً لوعده بنصر من ينصره ، والتمكين في الأرض له ، ليقيم مملكة الله في الأرض - أي لينفذ حكم الله في الأرض - ليس له من هذا النصر والتمكين شيء؛ إنما هو نصر لدين الله ، وتمكين الله في العباد .
وهؤلاء لا يقفون بهذا الدين عند حدود أرض معينة؛ ولا عند حدود جنس معين؛ ولا عند حدود قوم أو لون أو لغة أو مقوّم واحد من تلك المقومات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة إنما ينطلقون بهذه العقيدة الربانية ليحرروا « الإنسان » . . كل الإنسان : في « الأرض » . . كل الأرض . . من العبودية لغير الله؛ وليرفعوه عن العبودية للطواغيت أياً كانت هذه الطواغيت .
وفي أثناء الحركة بهذا الدين وقد لاحظنا أنها لا تتوقف عند إقامة الدولة المسلمة في بقعة من الأرض ، ولا تقف عند حدود أرض أو جنس أو قوم تتميز أقدار الناس ، وتتحدد مقاماتهم في المجتمع ، ويقوم هذا التحديد وذلك التميز على موازين وقيم إيمانية ، الجميع يتعارفون عليها ، من البلاء في الجهاد ، والتقوى والصلاح والعبادة والأخلاق والقدرة والكفاءة . . وكلها قيم يحكم عليها الواقع ، وتبرزها الحركة ، ويعرفها المجتمع ويعرف المتسمين بها . . ومن ثم لا يحتاج أصحابها أن يزكوا أنفسهم ، ولا أن يطلبوا الإمارة أو مراكز الشورى والتوجيه على أساس هذه التزكية . .
وفي المجتمع المسلم الذي نشأ هذه النشأة ، وقام تركيبه العضوي على أساس التميز في أثناء الحركة بتلك القيم الإيمانية كما حدث في المجتمع المسلم من تميز السابقين من المهاجرين ثم الأنصار ، وأهل بدر ، وأهل بيعة الرضوان ، ومن أنفق من قبل الفتح وقاتل ثم ظل يتميز الناس فيه بحسن البلاء في الإسلام . . في هذا المجتمع لا يبخس الناس بعضهم بعضاً ، ولا ينكر الناس فضائل المتميزين مهما غلب الضعف البشري أصحابه أحياناً فغلبتهم الأطماع وعندئذ تنتفي الحاجة من جانب آخر إلى أن يزكي المتميزون أنفسهم ويطلبوا الإمارة أو مراكز الشورى والتوجيه على أساس هذه التزكية . .
ولقد يخيل للناس الآن أن هذه خاصية متفردة للمجتمع المسلم الأول بسبب نشأته التاريخية ولكنهم ينسون أن أي مجتمع مسلم لن يوجد إلا بمثل هذه النشأة . . لن يوجد اليوم أو غداً ، إلا أن تقوم دعوة لإدخال الناس في هذا الدين من جديد ، وإخراجهم من الجاهلية التي صاروا إليها . . وهذه نقطة البدء . . ثم تعقبها الفتنة والابتلاء كما حدث أول مرة فأما ناس فيفتنون ويرتدون وأما ناس فيصدقون ما عاهدوا الله عليه فيقضون نحبهم ويموتون شهداء .

وأما ناس فيصبرون ويصابرون ويصرون على الإسلام ، ويكرهون أن يعودوا إلى الجاهلية كما يكره أحدهم أن يلقى في النار؛ حتى يحكم الله بينهم وبين قومهم بالحق ، ويمكّن لهم في الأرض كما مكن للمسلمين أول مرة فيقوم في أرض من أرض الله نظام إسلامي . . ويومئذ تكون الحركة من نقطة البدء إلى قيام النظام الإسلامي قد ميزت المجاهدين المتحركين إلى طبقات إيمانية ، وفق الموازين والقيم الإيمانية . . ويومئذ لن يحتاج إلى ترشيح أنفسهم وتزكيتها ، لأن مجتمعهم الذي جاهد كله معهم يعرفهم ويزكيهم ويرشحهم
ولقد يقال بعد هذا : ولكن هذا يكون في المرحلة الأولى . فإذا استقر المجتمع بعد ذلك؟ وهذا سؤال من لا يعرف طبيعة هذا الدين إن هذا الدين يتحرك دائماً ولا يكف عن الحركة . . يتحرك لتحرير « الإنسان » . كل الإنسان . . في « الأرض » . . كل الأرض . . من العبودية لغير الله؛ وليرفعه عن العبودية للطواغيت؛ بلا حدود من الأرض أو الجنس أو القوم أو أي مقوم من المقومات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة
وإذن فستظل الحركة التي هي طبيعة هذا الدين الأصيلة تميز أصحاب البلاء وأصحاب الكفايات والمواهب؛ ولا تقف أبداً ليركد هذا المجتمع ويأسن إلا أن ينحرف عن الإسلام وسيظل الحكم الفقهي الخاص بتحريم تزكية النفس وطلب العمل على أساس هذه التزكية قائماً وعاملاً في محيطه الملائم . . ذات المحيط الذي نشأ أول مرة وعمل فيه .
ثم يقال : ولكن المجتمع حين يتسع لا يعرف الناس بعضهم بعضاً؛ ويصبح الأكفاء الموهوبون في حاجة إلى الإعلان عن أنفسهم وتزكيتها وطلب العمل على أساس هذه التزكية
وهذا القول كذلك وهم ناشئ من التأثر بواقع المجتمعات الجاهلية الحاضرة . . إن المجتمع المسلم يكون أهل كل محلة فيه متعارفين متواصلين متكافلين كما هي طبيعة التربية والتكوين والتوجيه ، والالتزام في المجتمع المسلم ومن ثم يكون أهل كل محلة عارفين بأصحاب الكفايات والمواهب فيهم؛ موزونة هذه الكفايات والمواهب بموازين و قيم إيمانية؛ فلا يعز عليهم أن ينتدبوا هم من بينهم أهل البلاء والتقوى والكفاية . . سواء لمجلس الشورى أو للشؤون المحلية . أما الإمارات العامة فيختار لها الإمام الذي اختارته الأمة بعد ترشيح أهل الحل والعقد أو أهل الشورى له . . يختار لها من بين مجموعة الرجال المختارين الذين ميزتهم الحركة . والحركة دائبة كما قلنا في المجتمع المسلم ، والجهاد ماض إلى يوم القيامة .
إن الذين يفكرون في النظام الإسلامي اليوم وتشكيلاته أو يكتبون يدخلون في متاهة ذلك أنهم يحاولون تطبيق قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية المدونة في فراغ يحاولون تطبيقها في هذا المجتمع الجاهلي القائم ، بتركيبه العضوي الحاضر وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبر بالقياس إلى طبيعة النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغاً لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام ولا أن تطبق فيه هذه الأحكام .

. إن تركيبه العضوي مناقض تماماً للتركيب العضوي للمجتمع المسلم . فالمجتمع المسلم - كما قلنا - يقوم تركيبه العضوي على أساس ترتيب الشخصيات والفئات كما ترتبها الحركة لإقرار هذا النظام في عالم الواقع ، ولمجاهدة الجاهلية لإخراج الناس منها إلى الإسلام . مع تحمل ضغوط الجاهلية وما توجهه من فتنة وإيذاء وحرب على هذه الحركة ، والصبر على الابتلاء وحسن البلاء من نقطة البدء إلى نقطة الفصل في نهاية المطاف . أما المجتمع الجاهلي الحاضر فهو مجتمع راكد ، قائم على قيم لا علاقة لها بالإسلام ، ولا بالقيم الإيمانية . . وهو من ثم يعد بالقياس إلى النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغاً لا يعيش فيه هذا النظام ولا تقوم فيه هذه الأحكام
هؤلاء الكاتبون الباحثون عن حل لتطبيق قواعد النظام وتشكيلاته وأحكامه الفقهية يحيرهم أول ما يحيرهم طريقة اختيار أهل الحل والعقد أو أهل الشورى من غير ترشيح من أنفسهم ولا تزكية كيف يمكن هذا في مثل هذه المجتمعات التي نعيش فيها والناس لا يعرف بعضهم بعضاً ولا يزنون كذلك بموازين الكفاية والنزاهة والأمانة كذلك تحيرهم طريقة اختيار الإمام؟ أيكون الاختيار من عامة الشعب أم يكون من ترشيح أهل الحل والعقد؟ وإذا كان الإمام سيختار أهل الحل والعقد متابعة لعدم تزكيتهم لأنفسهم أو ترشيحها فكيف يعودون هم فيختارون الإمام؟ ألا يؤثر هذا في ميزانهم؟ ثم إذا كانوا هم الذين سيعودون فيرشحون الإمام؟ ألا تكون لهم ولاية عليه وهو الإمام الأعظم؟ ثم ألا يجعله هذا يختار أشخاصاً يضمن ولاءهم له ، ويكون هذا هو العنصر الأول في اعتباره؟ . . .
وأسئلة أخرى كثيرة لا يجدون لها جواباً في هذه المتاهة
أنا أعرف نقطة البدء في هذه المتاهة . . إنها هي افتراض أن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه مجتمع مسلم؛ وأن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية سيجاء بها لتطبق على هذا المجتمع الجاهلي بتركيبه العضوي الحاضر ، وبقيمه وأخلاقه الحاضرة
هذه نقطة البدء في المتاهة . . ومتى بدأ منها الباحث فإنه يبدأ في فراغ ، ويوغل في هذا الفراغ ، حتى يبعد في التيه ، وحتى يأخذه الدوار
إن هذا المجتمع الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم ، ومن ثم لن يطبق فيه النظام الإسلامي ولن تطبق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام . . لن تطبق لاستحالة هذا التطبيق الناشئة من أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ؛ لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ ، ولم تتحرك في فراغ كذلك
إن المجتمع الإسلامي ينشأ بتركيب عضوي آخر غير التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي .

. ينشأ من أشخاص ومجموعات وفئات جاهدت في وجه الجاهلية لإنشائه؛ وتحددت أقدارها وتميزت مقاماتها في ثنايا تلك الحركة .
إنه مجتمع جديد . . ومجتمع وليد . . ومجتمع متحرك دائماً في طريقه لتحرير « الإنسان » . . كل الإنسان . . في « الأرض » . . كل الأرض . . من العبودية لغير الله ، ولرفع هذا الإنسان عن ذلة العبودية للطواغيت . . أياً كانت هذه الطواغيت . .
ومثل قضية التزكية وطلب الإمارة ، واختيار الإمام ، واختيار أهل الشورى . . وما إليها . . . قضايا كثيرة تثار ، ويطرقها الباحثون في الإسلام . . في الفراغ . . في هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه . . بتركيبه العضوي المختلف تماماً عن التركيب العضوي للمجتمع المسلم . . وبقيمه وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته المختلفة تماماً عن قيم المجتمع المسلم وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته . .
أعمال البنوك وأساسها الربوي . . شركات التأمين وقاعدتها الربوية . . تحديد النسل وما أدري ماذا؟ إلى آخر هذه « المشكلات » التي يشغل « الباحثون » بها أنفسهم أو يجيبون فيها عن استفتاءات توجه إليهم . .
إنهم جميعاً مع الأسف يبدأون من نقطة البدء في المتاهة يبدأون من افتراض أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه سيجاء بها لتطبق على هذه المجتمعات الجاهلية الحاضرة بتركيبها العضوي الحاضر؛ فتنتقل هذه المجتمعات إذن متى طبقت عليها أحكام الإسلام إلى الإسلام
و هي تصورات مضحكة لولا أنها محزنة
إن الفقه الإسلامي بكل أحكامه ليس هو الذي أنشأ المجتمع المسلم . إنما المجتمع بحركته في مواجهة الجاهلية ابتداء ثم بحركته في مواجهة حاجة الحياة الحقيقية ثانياً ، هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي مستمداً من أصول الشريعة الكلية . . والعكس لا يمكن أن يكون أصلاً
إن الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ ، ولا يعيش في فراغ كذلك . . لا ينشأ في الأدمغة والأوراق؛ إنما ينشأ في واقع الحياة . وليست أية حياة . إنما هي حياة المجتمع المسلم على وجه التحديد . . ومن ثم لا بد أن يوجد المجتمع المسلم أولاً بتركيبه العضوي الطبيعي؛ فيكون هو الوسط الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي ويطبق . . وعندئذ تختلف الأمور جداً . .
وساعتها قد يحتاج ذلك المجتمع الخاص بعد نشأته في مواجهة الجاهلية وتحركه في مواجهة الحياة إلى البنوك وشركات التأمين وتحديد النسل . . الخ وقد لا يحتاج ذلك أننا لا نملك سلفاً أن نقدر أصل حاجته ، ولا حجمها ، ولا شكلها ، حتى نشرع لها سلفاً كما أن ما لدينا من أحكام هذا الدين لا يطابق حاجات المجتمعات الجاهلية ولا يلبيها . . ذلك أن هذا الدين لا يعترف ابتداء بشرعية وجود هذه المجتمعات الجاهلية ولا يرضى ببقائها . ومن ثم فهو لا يعني نفسه بالاعتراف بحاجاتها الناشئة من جاهليتها ولا بتلبيتها كذلك
إن المحنة الحقيقية لهؤلاء الباحثين أنهم يتصورون أن هذا الواقع الجاهلي هو الأصل ، الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه ولكن الأمر غير ذلك تماماً .

. إن دين الله هو الأصل الذي يجب على البشرية أن تطابق نفسها عليه؛ وأن تحور من واقعها الجاهلي وتغير حتى تتم هذه المطابقة . . ولكن هذا التحور وهذا التغير لا يتمان عادة إلا عن طريق واحد . . هو التحرك في وجه الجاهلية لتحقيق ألوهية الله في الأرض وربوبيته وحده للعباد ، وتحرير الناس من العبودية للطاغوت ، بتحكيم شريعة الله وحدها في حياتهم . . وهذه الحركة لا بد أن تواجه الفتنة والأذى والابتلاء . فيفتن من يفتن ويرتد من يرتد ، ويصدق الله من يصدقه فيقضي نحبه ويستشهد ، ويصبر من يصبر ويمضي في حركته حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق ، وحتى يمكن الله له في الأرض ، وعندئذ فقط يقوم النظام الإسلامي ، وقد انطبع المتحركون لتحقيقه بطابعه ، وتميزوا بقيمه . . . وعندئذ تكون لحياتهم مطالب وحاجات تختلف في طبيعتها وفي طرق تلبيتها عن حاجات المجتمعات الجاهلية ومطالبها وطرق تلبيتها . . وعلى ضوء واقع المجتمع المسلم يومذاك تستنبط الأحكام؛ وينشأ فقه إسلامي حي متحرك لا في فراغ ولكن في وسط واقعي محدد المطالب والحاجات والمشكلات . .
ومن ذا الذي يدرينا اليوم مثلاً أن يكون الناس في مجتمع مسلم تجبى فيه الزكاة وتنفق في مصارفها ، ويقوم فيه التراحم والتكافل بين أهل كل محلة ، ثم بين كل أفراد الأمة ، وتقوم حياة الناس فيه على غير السرف والترف والمخيلة والتكاثر . . إلى آخر مقومات الحياة الإسلامية . . من يدرينا أن مجتمعاً كهذا سيكون في حاجة إلى شركات تأمين أصلاً؟ وعنده كل تلك التأمينات والضمانات مع تلك الملابسات والقيم والتصورات؟ وإذا احتاج إلى نوع من التأمين فمن يدرينا أنه سيكون هو هذا النوع المعروف في المجتمع الجاهلي ، المنبثق من حاجات هذا المجتمع الجاهلي وملابساته وقيمه وتصوراته؟
وكذلك من يدرينا أن المجتمع المسلم المتحرك المجاهد سيكون في حاجة إلى تحديد النسل مثلاً؟ . . وهكذا . .
وإذا كنا لا نملك افتراض أصل حاجات المجتمع حين يكون مسلماً ولا حجم هذه الحاجات أو شكلها ، بسبب اختلاف تركيبه العضوي عن تركيب المجتمع الجاهلي ، واختلاف تصوراته ومشاعره وقيمه وموازينه . . فما هذا الضنى في محاولة تحوير وتطوير وتغيير الأحكام المدونة لكي تطابق حاجات هي في ضمير الغيب ، شأنها شأن وجود المجتمع المسلم ذاته
إن نقطة البدء في المتاهة كما قلنا - هي افتراض أن هذه المجتمعات القائمة هي المجتمعات الإسلامية؛ وانه سيجاء بأحكام الفقه الإسلامي من الأوراق لتطبق عليها ، وهي بهذا التركيب العضوي ذاته ، وبالتصورات والمشاعر والقيم والموازين ذاتها .
كما أن أصل المحنة هو الشعور بأن واقع هذه المجتمعات الجاهلية وتركيبها الحاضر هو الأصل الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه .

وأن يحور ويطور ويغير في أحكامه ليلاحق حاجات هذه المجتمعات ومشكلاتها . . حاجاتها ومشكلاتها المنبثقة أصلاً من مخالفتها للإسلام ومن خروج حياتها جملة من إطاره
ونحسب أنه قد آن للإسلام أن يستعلي في نفوس دعاته ، فلا يجعلوه مجرد خادم للأوضاع الجاهلية ، والمجتمعات الجاهلية ، والحاجات الجاهلية . وأن يقولوا للناس وللذين يستفتونهم بوجه خاص تعالوا أنتم أولاً إلى الإسلام ، وأعلنوا خضوعكم سلفاً لأحكامه . . أو بعبارة أخرى . . تعالوا أنتم أولاً فادخلوا في دين الله ، وأعلنوا عبوديتكم لله وحده ، واشهدوا أن لا إله إلا الله بمدلولها الذي لا يقوم الإيمان والإسلام إلا به . وهو إفراد الله بألوهيته في الأرض كإفراده بالألوهية في السماء؛ وتقرير ربوبيته أي حاكميته وسلطانه وحده في حياة الناس بجملتها . وتنحية ربوبية العباد للعباد ، بتنحية حاكمية العباد للعباد ، وتشريع العباد للعباد .
وحين يستجيب الناس أو الجماعة منهم لهذا القول ، فإن المجتمع المسلم يكون قد بدأ أولى خطواته في الوجود . وهذا المجتمع يكون حينئذ هو الوسط الواقعي الحي الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي الحي وينمو ، لمواجهة حاجات ذلك المجتمع المستسلم لشريعة الله فعلاً . .
فأما قبل قيام هذا المجتمع فالعمل في حقل الفقه والأحكام التنظيمية هو مجرد خداع للنفس ، باستنبات البذور في الهواء ، ولن ينبت الفقه الإسلامي في الفراغ ، كما أنه لن تنبت البذور في الهواء
إن العمل في الحقل « الفكري » للفقه الإسلامي عمل مريح لأنه لا خطر فيه ولكنه ليس عملاً للإسلام؛ ولا هو من منهج هذا الدين ولا من طبيعه وخير للذين ينشدون الراحة والسلامة أن يشتغلوا بالأدب وبالفن أو بالتجارة أما الاشتغال بالفقه الآن على ذلك النحو بوصفه عملاً للإسلام في هذه الفترة فأحسب والله أعلم أنه مضيعة للعمر وللأجر أيضاً
إن دين الله يأبى أن يكون مجرد مطية ذلول ، ومجرد خادم مطيع ، لتلبية هذا المجتمع الجاهلي الآبق منه ، المتنكر له ، الشارد عنه . . الذي يسخر منه الحين بعد الحين باستفتائه في مشكلاته وحاجاته؛ وهو غير خاضع لشريعته وسلطانه . .
إن فقه هذا الدين وأحكامه لا تنشأ في فراغ ، ولا تعمل في فراغ . . وإن المجتمع المسلم الخاضع لسلطان الله ابتداء هو الذي صنع هذا الفقه وليس الفقه هو الذي صنع ذلك المجتمع . . ولن تنعكس الآية أبداً .
إن خطوات النشأة الإسلامية ومراحلها هي دائماً واحدة؛ والانتقال من الجاهلية إلى الإسلام لن يكون يوماً ما سهلاً ولا يسيراً . ولن يبدأ أبداً من صياغة الأحكام الفقهية في الفراغ ، لتكون معدة جاهزة يوم يقوم المجتمع الإسلامي والنظام الإسلامي . ولن يكون وجود هذه الأحكام المفصلة على « الجاهز » والناشئة في الفراغ هي نقطة البدء في التحول من الجاهلية إلى الإسلام .

وليس الذي ينقص هذه المجتمعات الجاهلية لكي تتحول إلى الإسلام هو الأحكام الفقهية « الجاهزة » وليست الصعوبة في ذلك التحول ناشئة عن قصور أحكام الفقه الإسلامي الحاضرة عن ملاحقة حاجات المجتمعات المتطورة . . إلى آخر ما يخادع به بعضهم ، وينخدع به بعضهم الآخر
كلا إن الذي يحول دون تحول هذه المجتمعات الجاهلية إلى النظام الإسلامي هو وجود الطواغيت التي تأبى أن تكون الحاكمية لله؛ فتأبى أن تكون الربوبية في حياة البشر والألوهية في الأرض لله وحده . وتخرج بذلك من الإسلام خروجاً كاملاً . يعد الحكم عليه من المعلوم من الدين بالضرورة . . ثم هو بعد ذلك وجود جماهير من البشر تعبد أولئك الطواغيت من دون الله أي تدين لها وتخضع وتتبع فتجعلها بذلك أرباباً متفرقة معبوده مطاعة . وتخرج هذه الجماهير بهذه العبادة من التوحيد إلى الشرك . . فهذا هو أخص مدلولات الشرك في نظر الإسلام . .
وبهذا وذلك تقوم الجاهلية نظاماً في الأرض؛ وتعتمد على ركائز من ضلال التصور بقدر ما تعتمد على ركائز من القوة المادية .
وصياغة أحكام الفقه لا تواجه هذه الجاهلية إذن بوسائل مكافئة . إنما الذي يواجهها دعوة إلى الدخول في الإسلام مرة أخرى؛ وحركة تواجه الجاهلية بكل ركائزها؛ ثم يكون ما يكون من شأن كل دعوة للإسلام في وجه الجاهلية . ثم يحكم الله بين من يسلمون لله وبين قومهم بالحق . . وعندئذ فقط يجيء دور أحكام الفقه ، التي تنشأ نشأة طبيعية في هذا الوسط الواقعي الحي ، وتواجه حاجات الحياة الواقعية المتجددة في هذا المجتمع الوليد ، وفق حجم هذه الحاجات يومئذ وشكلها وملابساتها ، وهي أمور كلها في ضمير الغيب كما أسلفنا ولا يمكن التكهن بها سلفاً ، ولا يمكن الاشتغال بها من اليوم على سبيل الجد المناسب لطبيعة هذا الدين
إن هذا لا يعني بحال أن الأحكام الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة ليست قائمة الآن فعلاً من الوجهة الشرعية . ولكنه يعني فقط أن المجتمع الذي شرعت هذه الأحكام له ، والذي لا تطبق هذه الأحكام إلا فيه بل الذي لا تعيش إلا به ليس قائماً الآن فعلاً . ومن ثم يصبح وجودها الفعلي معلقاً بقيام ذلك المجتمع . . ويبقى الالتزام بها قائماً في عنق كل من يسلم من ذلك المجتمع الجاهلي ويتحرك في وجه الجاهلية لإقامة النظام الإسلامي؛ ويتعرض لما يتعرض له من يتحرك بهذا الدين في وجه الجاهلية وطواغيتها المتألهة وجماهيرها الخاضعة للطواغيت الراضية بالشرك في الربوبية . .
إن إدراك طبيعة النشأة الإسلامية على هذا النحو الذي لا يتغير ، كلما قامت الجاهلية وقامت في وجهها محاولة إسلامية . . هو نقطة البدء في العمل الحقيقي البناء لإعادة هذا الدين إلى الوجود الفعلي ، بعد أن انقطع هذا الوجود منذ أن حلت شرائع البشر محل شريعة الله في خلال القرنين الأخيرين ، وخلا وجه الأرض من الوجود الحقيقي للإسلام؛ وإن بقيت المآذن والمساجد ، والأدعية والشعائر؛ تخدر مشاعر الباقين على الولاء العاطفي الغامض لهذا الدين؛ وتوهمهم أنه لا يزال بخير؛ وهو يمحى من الوجود محواً
إن المجتمع المسلم وجد قبل أن توجد الشعائر ، وقبل أن توجد المساجد .

. وجد من يوم أن قيل للناس : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، فعبدوه . ولم تكن عبادتهم له ممثلة في الشعائر ، فالشعائر لم تكن بعد قد فرضت . إنما كانت عبادتهم له ممثلة في الدينونة له وحده من ناحية المبدأ فلم تكن بعد قد نزّلت شرائع وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة لله وحده سلطان مادي في الأرض تنزلت الشرائع؛ وحين واجهوا الحاجات الحقيقية لحياتهم هم استنبطت بقية أحكام الفقه ، إلى جانب ما ورد بنصه في الكتاب والسنة . .
وهذا هو الطريق وحده؛ وليس هنالك طريق آخر . .
وليت هنالك طريقاً سهلاً عن طريق تحول الجماهير بجملتها إلى الإسلام منذ أول وهلة في الدعوة باللسان ، وببيان أحكام الإسلام ولكن هذه إنما هي « الأمانيّ » فالجماهير لا تتحول أبداً من الجاهلية وعبادة الطواغيت ، إلى الإسلام وعبادة الله وحده إلا عن ذلك الطريق الطويل البطيء الذي سارت فيه دعوة الإسلام في كل مرة . . والذي يبدؤه فرد ، ثم تتبعه طليعة ، ثم تتحرك هذه الطليعة في وجه الجاهلية لتعاني ما تعاني حتى يحكم الله بينها وبين قومها بالحق ويمكّن لها في الأرض . . ثم . . يدخل الناس في دين الله أفواجاً . . ودين الله هو منهجه وشرعه ونظامه الذي لا يرضى من الناس ديناً غيره { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه } ولعل هذا البيان أن يكشف لنا عن حقيقة الحكم في موقف يوسف عليه السلام .
إنه لم يكن يعيش في مجتمع مسلم تنطبق عليه قاعدة عدم تزكية النفس عند الناس وطلب الإمارة على أساس هذه التزكية . كما أنه كان يرى أن الظروف تمكن له من أن يكون حاكماً مطاعاً لا خادماً في وضع جاهلي . وكان الأمر كما توقع فتمكن بسيطرته من الدعوة لدينه ونشره في مصر في أيام حكمه . وقد توارى العزيز وتوارى الملك تماماً . .
ثم نعود بعد هذا الاستطراد إلى صلب القصة وإلى صلب السياق . إن السياق لا يثبت أن الملك وافق . فكأنما يقول : إن الطلب تضمن الموافقة زيادة في تكريم يوسف ، وإظهار مكانته عند الملك . فيكفي أن يقول ليجاب ، بل ليكون قوله هو الجواب . . ومن ثم يحذف رد الملك ، ويدع القارئ يفهم أنه أصبح في المكان الذي طلبه .
ويؤيد هذا الذي نقوله تعقيب السياق :
{ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء .

ولا نضيع أجر المحسنين . . ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون } . .
فعلى هذا النحو من إظهار براءة يوسف ، ومن إعجاب الملك به ، ومن الاستجابة له فيما طلب . . على هذا النحو مكنا ليوسف في الأرض ، وثبتنا قدميه ، وجعلنا له فيها مكاناً ملحوظاً . والأرض هي مصر . أو هي هذه الأرض كلها باعتبار أن مصر يومذاك أعظم ممالكها .
{ يتبوأ منها حيث يشاء } . .
ينخذ منها المنزل الذي يريد ، والمكان الذي يريد ، والمكانة التي يريد . في مقابل الجب وما فيه من مخاوف ، والسجن وما فيه من قيود .
{ نصيب برحمتنا من نشاء } . .
فنبدله من العسر يسراً ، ومن الضيق فرجاً . ومن الخوف أمناً ، ومن القيد حرية ، ومن الهوان على الناس عزاً ومقاماً علياً .
{ ولا نضيع أجر المحسنين } . .
الذين يحسنون الإيمان بالله ، والتوكل عليه ، والاتجاه إليه ، ويحسنون السلوك والعمل والتصرف مع الناس . . هذا في الدنيا . .
{ ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون } . .
فلا ينقص منه المتاع في الدنيا وإن كان خيراً من متاع الدنيا ، متى آمن الإنسان واتقى . فاطمأن بإيمانه إلى ربه ، وراقبه بتقواه في سره وجهره .
وهكذا عوض الله يوسف عن المحنة ، تلك المكانة في الأرض ، وهذه البشرى في الآخرة جزاء وفاقاً على الإيمان والصبر والإحسان .
ودارت عجلة الزمن . وطوى السياق دوراتها بما كان فيها طوال سنوات الرخاء . فلم يذكر كيف كان الخصب ، وكيف زرع الناس . وكيف أدار يوسف جهاز الدولة . وكيف نظم ودبر وادخر . كأن هذه كلها أمور مقررة بقوله :
{ إني حفيظ عليم } . .
وكذلك لم يذكر مقدم سني الجدب ، وكيف تلقاها الناس ، وكيف ضاعت الأرزاق . . لأن هذا كله ملحوظ في رؤيا الملك وتأويلها :
{ ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون } . .
كذلك لم يبرز السياق الملك ولا أحداً من رجاله بعد ذلك في السورة كلها . كأن الأمر كله قد صار ليوسف . الذي اضطلع بالعبء في الأزمة الخانقة الرهيبة . وأبرز يوسف وحده على مسرح الحوادث ، وسلط عليه كل الأضواء . وهذه حقيقة واقعية استخدمها السياق استخداماً فنياً كاملاً في الأداء .
أما فعل الجدب فقد أبرزه السياق في مشهد إخوة يوسف ، يجيئون من البدو من أرض كنعان البعيدة يبحثون عن الطعام في مصر . ومن ذلك ندرك اتساع دائرة المجاعة ، كما ندرك كيف وقفت مصر بتدبير يوسف منها ، وكيف صارت محط أنظار جيرانها ومخزن الطعام في المنطقة كلها . وفي الوقت ذاته تمضي قصة يوسف في مجراها الأكبر بين يوسف وإخوته وهي سمة فنية تحقق هدفاً دينياً في السياق :
{ وجاء إخوة يوسف ، فدخلوا عليه ، فعرفهم وهم له منكرون . ولما جهزهم بجهازهم قال : ائتوني بأخ لكم من أبيكم .

ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين؟ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون . قالوا : سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون . وقال لفتيانه : اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ، لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون } . .
لقد اجتاح الجدب والمجاعة أرض كنعان وما حولها . فاتجه إخوة يوسف فيمن يتجهون إلى مصر . وقد تسامع الناس بما فيها من فائض الغلة منذ السنوات السمان . وها نحن أولاء نشهدهم يدخلون على يوسف ، وهم لا يعلمون . إنه يعرفهم فهم هم لم يتغيروا كثيراً . أما يوسف فإن خيالهم لا يتصور قط أنه هو ذاك وأين الغلام العبراني الصغير الذي ألقوه في الجب منذ عشرين عاماً أو تزيد من عزيز مصر شبه المتوج في سنه وزيه وحرسه ومهابته وخدمه وحشمه وهيله وهيلمانه؟
ولم يكشف لهم يوسف عن نفسه . فلا بد من دروس يتلقونها :
{ فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون } . .
ولكنا ندرك من السياق أنه أنزلهم منزلاً طيباً ، ثم أخذ في إعداد الدرس الأول :
{ ولما جهزهم بجهازهم قال : ائتوني بأخ لكم من أبيكم } . .
فنفهم من هذا أنه تركهم يأنسون إليه ، واستدرجهم حتى ذكروا له من هم على وجه التفصيل ، وأن لهم أخاً أصغر من أبيهم لم يحضر معهم لأن أباه يحبه ولا يطيق فراقه . فلما جهزهم بحاجات الرحلة قال لهم : إنه يريد أن يرى أخاهم هذا .
{ قال : ائتوني بأخ لكم من أبيكم } . .
وقد رأيتم أنني أوفي الكيل للمشترين . فسأوفيكم نصيبكم حين يجيء معكم؛ ورأيتم أنني أكرم النزلاء فلا خوف عليه بل سيلقى مني الإكرام المعهود :
{ ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين؟ } . .
ولما كانوا يعلمون كيف يضن أبوهم بأخيهم الأصغر وبخاصة بعد ذهاب يوسف فقد أظهروا أن الأمر ليس ميسوراً ، وإنما في طريقه عقبات من ممانعة أبيهم ، وأنهم سيحاولون إقناعه ، مع توكيد عزمهم على الرغم من هذه العقبات على إحضاره معهم حين يعودون :
{ قالوا : سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون } . .
ولفظ { نراود } يصور الجهد الذي يعلمون أنهم باذلوه . .
أما يوسف فقد أمر غلمانه أن يدسوا البضاعة التي حضر بها إخوته ليستبدلوا بها القمح والعلف . وقد تكون خليطاً من نقد ومن غلات صحراوية أخرى من غلات الشجر الصحراوي ، ومن الجلود والشعر وسواها مما كان يستخدم في التبادل في الأسواق . . أمر غلمانه بدسها في رحالهم والرحل متاع المسافر لعلهم يعرفون حين يرجعون أنها بضاعتهم التي جاءوا بها :
{ وقال لفتيانه : اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون } . .
وندع يوسف في مصر . لنشهد يعقوب وبنيه في أرض كنعان . دون كلمة واحدة عن الطريق وما فيه :
{ فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا : يا أبانا منع منا الكيل ، فأرسل معنا أخانا نكتل ، وإنّا له لحافظون .

قال : هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل؟ فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين . ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم ، قالوا : يا أبانا ما نبغي . هذه بضاعتنا ردت إلينا ، ونمير أهلنا ، ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير . ذلك كيل يسير . قال : لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله : لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال : الله على ما نقول وكيل } . .
ويبدو أنهم في دخلتهم على أبيهم ، وقبل أن يفكوا متاعهم ، عاجلوه بأن الكيل قد تقرر منعه عنهم ما لم يأتوا عزيز مصر بأخيهم الصغير معهم . فهم يطلبون إليه أن يرسل معهم أخاهم الصغير ليكتالوا له ولهم . وهم يعدون بحفظه :
{ فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا : يا أبانا منع منا الكيل ، فأرسل معنا أخانا نكتل ، وإنّا له لحافظون } . .
ولا بد أن هذا الوعد قد أثار كوامن يعقوب . فهو ذاته وعدهم له في يوسف فإذا هو يجهر بما أثاره الوعد من شجونه :
{ قال : هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل } . .
فخلوني من وعودكم وخلوني من حفظكم ، فإذا أنا طلبت الحفظ لولدي والرحمة بي . .
{ فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين }
وبعد الاستقرار من المشوار ، والراحة من السفر فتحوا أوعيتهم ليخرجوا ما فيها من غلال فإذا هم يجدون فيها بضاعتهم التي ذهبوا يشترون بها ، ولم يجدوا في رحالهم غلالاً
إن يوسف لم يعطهم قمحاً ، إنما وضع لهم بضاعتهم في رحالهم . فلما عادوا قالوا : يا أبانا منع منا الكيل ، وفتحوا رحالهم فوجدوا بضاعتهم . وكان ذلك ليضطرهم إلى العودة بأخيهم ، وكان هذا بعض الدرس الذي عليهم أن يأخذوه .
على أية حال لقد اتحذوا من رد بضاعتهم إليهم دليلاً على أنهم غير باغين فيما يطلبون من استصحاب أخيهم ولا ظالمين :
{ قالوا : يا أبانا ما نبغي . هذه بضاعتنا ردت إلينا } . .
ثم أخذوا يحرجونه بالتلويح له بمصلحة أهلهم الحيوية في الحصول على الطعام :
{ ونمير أهلنا } . .
والميرة الزاد ، ويؤكدون له عزمهم على حفظ أخيهم . .
{ ونحفظ أخانا } . .
ويرغبونه بزيادة الكيل لأخيهم :
{ ونزداد كيل بعير } . .
وهو ميسور لهم حين يرافقهم :
{ ذلك كيل يسير } . .
ويبدو من قولهم : { نزداد كيل بعير } أن يوسف عليه السلام كان يعطي كل واحد وسق بعير وهو قدر معروف ولم يكن يبيع كل مشتر ما يريد . وكان ذلك من الحكمة في سنوات الجدب ، كي يظل هناك قوت للجميع :
واستسلم الرجل على كره؛ ولكنه جعل لتسليم ابنه الباقي شرطاً :
{ قال : لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله : لتأتنني به إلا أن يحاط بكم } . .
أي لتقسمن لي بالله قسماً يربطكم ، أن تردوا عليّ ولدي ، إلا إذا غلبتم على أمركم غلباً لا حيلة لكم فيه ، ولا تجدي مدافعتكم عنه :
{ إلا أن يحاط بكم } .

.
وهو كناية عن أخذ المسالك كلها عليهم . فأقسموا :
{ فما آتوه موثقهم قال : الله على ما نقول وكيل } . .
زيادة في التوكيد والتذكير .
وبعد هذا الموثق جعل الرجل يوصيهم بما خطر له في رحلتهم القادمة ومعهم الصغير العزيز :
{ وقال : يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة . وما أغني عنكم من الله من شيء . إن الحكم إلا لله ، عليه توكلت ، وعليه فليتوكل المتوكلون } . . .
ونقف هنا أمام قول يعقوب عليه السلام :
{ إن الحكم إلا لله } . .
وواضح من سياق القول أنه يعني هنا حكم الله القدري القهري الذي لا مفر منه ولا فكاك . وقضاءه الإلهي الذي يجري به قدره فلا يملك الناس فيه لأنفسهم شيئاً .
وهذا هو الإيمان بالقدر خيره وشره .
وحكم الله القدري يمضي في الناس على غير إرادة منهم ولا اختيار . . وإلى جانبه حكم الله الذي ينفذه الناس عن رضى منهم واختيار . وهو الحكم الشرعي المتمثل في الأوامر والنواهي . . وهذا كذلك لا يكون إلا لله . شأنه شأن حكمه القدري ، باختلاف واحد : هو أن الناس ينفذونه مختارين أو لا ينفذونه . فيترتب على هذا او ذاك نتائجه وعواقبه في حياتهم في الدنيا وفي جزائهم في الآخرة . ولكن الناس لا يكونون مسلمين حتى يختاروا حكم الله هذا وينفذوه فعلاً راضين . .
وسار الركب ، ونفذوا وصية أبيهم :
{ ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ، ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . .
فيم كانت هذه الوصية؟ لم قال لهم أبوهم : لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة؟
تضرب الروايات والتفاسير في هذا وتبدى وتعيد ، بلا ضرورة ، بل ضد ما يقتضيه السياق القرآني الحكيم . فلو كان السياق يحب أن يكشف عن السبب لقال . ولكنه قال فقط إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها فينبغي أن يقف المفسرون عند ما أراده السياق ، احتفاظاً بالجو الذي أراده . والجو يوحي بأنه كان يخشى شيئاً عليهم ، ويرى في دخولهم من أبواب متفرقة اتقاء لهذا الشيء مع تسليمه بأنه لا يغني عنهم من الله من شيء . فالحكم كله إليه ، والاعتماد كله عليه . إنما هو خاطر شعر به ، وحاجة في نفسه قضاها بالوصية ، وهو على علم بأن إرادة الله نافذة . فقد علمه الله هذا فتعلم .
{ ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . .
ثم ليكن هذا الشيء الذي كان يخشاه هو العين الحاسدة ، أو هي غيرة الملك من كثرتهم وفتوتهم . أو هو تتبع قطاع الطريق لهم . أو كائناً ما كان فهو لا يزيد شيئاً في الموضوع .

سوى أن يجد الرواة والمفسرون باباً للخروج عن الجو القرآني المؤثر إلى قال وقيل ، مما يذهب بالجو القرآني كله في كثرة الأحايين
فلنطو نحن الوصية والرحلة كما طواها السياق ، لنلتقي بإخوة يوسف في المشهد التالي بعد الوصول :
{ ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه . قال : إني أنا أخوك ، فلا تبتئس بما كانوا يعملون } . .
ونجد السياق هنا يعجل بضم يوسف لأخيه في المأوى ، وإطلاعه على أنه أخوه؛ ودعوته لأن يترك من خاطره ذكرى ما فعله إخوته به من قبل ، وهي ذكرى لا بد كان يبتئس لها الصغير كلما علمها من البيت الذي كان يعيش فيه . فما كان يمكن أن تكون مكتومة عنه في وسطه في أرض كنعان .
يعجل السياق بهذا ، بينما الطبيعي والمفهوم أن هذا لم يحدث فور دخولهم على يوسف . ولكن بعد أن اختلى يوسف بأخيه . ولكن هذا ولا شك كان أول خاطر ساور يوسف عند دخولهم عليه ، وعند رؤيته لأخيه ، بعد الفراق الطويل .
ومن ثم جعله السياق أول عمل لأنه كان أول خاطر . وهذه من دقائق التعبير في هذا الكتاب العجيب
ويطوي السياق كذلك فترة الضيافة ، وما دار فيها بين يوسف وإخوته ، ليعرض مشهد الرحيل الأخير . فنطلع على تدبير يوسف ليحتفظ بأخيه ، ريثما يتلقى إخوته درساً أو دروساً ضروريةً لهم ، وضرورية للناس في كل زمان ومكان :
{ فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ، ثم أذن مؤذن : أيتها العير إنكم لسارقون . قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون؟ قالوا : نفقد صواع الملك ، ولمن جاء به حمل بعير ، وأنا به زعيم . قالوا : تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض ، وما كنا سارقين . قالوا : فما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟ قالوا : جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ، كذلك نجزي الظالمين . فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ، إلا أن يشاء الله ، نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم قالوا : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل . فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم . قال : أنتم شر مكاناً . والله أعلم بما تصفون . قالوا : يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا ، فخذ أحدنا مكانه ، إنا نراك من المحسنين . قال : معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده . إنا إذاً لظالمون } . .
وهو مشهد مثير ، حافل بالحركات والانفعالات والمفاجآت ، كأشد ما تكون المشاهد حيوية وحركة وانفعالاً ، غير أن هذا صورة من الواقع يعرضها التعبير القرآني هذا العرض الحي الأخاذ .
فمن وراء الستار يدس يوسف كأس الملك وهي عادة من الذهب وقيل : إنها كانت تستخدم للشراب ، ويستخدم قعرها الداخل المجوف من الناحية الأخرى في كيل القمح ، لندرته وعزته في تلك المجاعة .

يدسها في الرحل المخصص لأخيه ، تنفيذاً لتدبير خاص ألهمه الله له وسنعلمه بعد قليل .
ثم ينادي مناد بصوت مرتفع ، في صيغة إعلان عام ، وهم منصرفون :
{ أيتها العير إنكم لسارقون } . .
ويرتاع إخوة يوسف لهذا النداء الذي يتهمهم بالسرقة وهم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فيعودون أدراجهم يتبينون الأمر المريب :
{ قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون؟ } .
قال الغلمان الذين يتولون تجهيز الرحال ، أو الحراس ومنهم هذا الذي أذاع بالإعلان :
{ قالوا : نفقد صواع الملك } . .
وأعلن المؤذن أن هناك مكافأة لمن يحضره متطوعاً . وهي مكأفاة ثمينة في هذه الظروف :
{ ولمن جاء به حمل بعير } من القمح العزيز { وأنا به زعيم } . . أي كفيل .
ولكن القوم مستيقنون من براءتهم ، فهم لم يسرقوا ، وما جاءوا ليسرقوا وليجترحوا هذا الفساد الذي يخلخل الثقة والعلاقات في المجتمعات ، فهم يقسمون واثقين :
{ قالوا : تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض } . .
فقد علمتم من حالنا ومظهرنا ونسبنا أننا لا نجترح هذا . .
{ وما كنا سارقين } . . أصلاً فما يقع منا مثل هذا الفعل الشنيع .
قال الغلمان أو الحراس :
{ فما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟ } . .
وهنا ينكشف طرف التدبير الذي ألهمه الله يوسف . فقد كان المتبع في دين يعقوب : أن يؤخذ السارق رهينة أو أسيراً أو رقيقاً في مقابل ما يسرق . ولما كان إخوة يوسف موقنين بالبراءة ، فقد ارتضوا تحكيم شريعتهم فيمن يظهر أنه سارق . ذلك ليتم تدبير الله ليوسف وأخيه :
{ قالوا : جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه . كذلك نجزي الظالمين } . .
وهذه هي شريعتنا نحكمها في السارق . والسارق من الظالمين .
كل هذا الحوار كان على منظر ومسمع من يوسف . فأمر بالتفتيش . وأرشدته حصافته إلى أن يبدأ برحالهم قبل رحل أخيه ، كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش :
{ فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه . ثم استخرجها من وعاء أخيه } . .
ويدعنا السياق نتصور الدهشة بالمفاجأة العنيفة لأبناء يعقوب الموقنين ببراءتهم ، الحالفين ، المتحدين . . فلا يذكر شيئاً عن هذا ، بل يتركه يتملاه الخيال على الصورة التي تكمل رسم المشهد بانفعالاته . . بينما يأخذ في التعقيب ببعض مرامي القصة ، ريثما يفيق النظارة وأبناء يعقوب مما هم فيه :
{ كذلك كدنا ليوسف } . .
أي كذلك دبرنا له هذا التدبير الدقيق .
{ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } . .
فلو حكّم شريعة الملك ما تمكن من أخذ أخيه ، إنما كان يعاقب السارق على سرقته ، دون أن يستولي على أخيه كما استولى عليه بتحكيم إخوته لدينهم هم . وهذا هو تدبير الله الذي ألهم يوسف أسبابه . وهو كيد الله له . والكيد يطلق على التدبير في الخفاء للخير أو للشر سواء . وإن كان الشر قد غلب عليه . وظاهر الأمر هنا أنه شر يحل بأخيه وهو شر يحل بإخوته لأحراجهم أمام أبيه .

وهو سوء ولو مؤقتاً لأبيه . فلهذا اختار تسميته كيداً على إجمال اللفظ وبالإلماع إلى ظاهره . وهو من دقائق التعبير .
{ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } . . { إلا أن يشاء الله } . .
فيدبر مثل هذا التدبير الذي رأيناه .
ويتضمن التعقيب الإشارة إلى ما ناله يوسف من رفعة :
{ نرفع درجات من نشاء } . .
وإلى ما ناله من علم ، مع التنبيه إلى أن علم الله هو الأعلى :
{ وفوق كل ذي علم عليم } . .
وهو احتراس لطيف دقيق .
ولا بد أن نقف أمام التعبير القرآني الدقيق العميق :
{ كذلك كدنا ليوسف . . ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك . . } . .
إن هذا النص يحدد مدلول كلمة « الدين » في هذا الموضع تحديداً دقيقاً . . إنه يعني : نظام الملك وشرعة . . فإن نظام الملك وشرعه ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه في جزاء سرقته . إنما هذا كان نظام يعقوب وشريعة دينه . وقد ارتضى إخوة يوسف تحكيم نظامهم هم وشريعتهم؛ فطبقها يوسف عليهم عندما وجد صواع الملك في رحل أخيه . . وعبر القرآن الكريم عن النظام والشريعة بأنها « الدين » . .
هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين عن الناس جميعاً . سواء منهم من يدعون أنفسهم مسلمين وغيرهم من الجاهلين
إنهم يقصرون مدلول « الدين » على الاعتقاد والشعائر . . ويعدون كل من يعتقد في وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ ويؤدي الشعائر المكتوبة . . داخلاً في « دين الله » مهما تكن دينونته بالطاعة والخضوع وإقراره بالحاكمية لغير الله من الأرباب المتفرقة في الأرض . . بينما النص القرآني هنا يحدد مدلول { دين الملك } بأنه نظام الملك وشريعته . وكذلك « دين الله » فهو نظامه وشريعته . .
إن مدلول « دين الله » قد هزل وانكمش حتى صار لا يعني في تصور الجماهير الجاهلية إلا الاعتقاد والشعائر . . ولكنه لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين .
لقد كان يعني دائماً : الدينونة لله وحده؛ بالتزام ما شرعه ، ورفض ما يشرعه غيره . وإفراده سبحانه بالألوهية في الأرض مثل إفراده بالألوهية في السماء؛ وتقرير ربوبيته وحده للناس : أي حاكميته وشرعه وسلطانه وأمره . وكان مفرق الطريق دائماً بين من هم في دين « الله » ومن هم في { دين الملك } أن الأولين يدينون لنظام الله وشرعه وحده ، وأن الآخرين يدينون لنظام الملك وشرعه . أو يشركون فيدينون لله في الاعتقاد والشعائر ، ويدينون لغير الله في النظام والشرائع
وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة ، ومن بديهيات العقيدة الإسلامية تماماً .

وبعض المترفقين بالناس اليوم يتلمسون لهم عذراً في أنهم يجهلون مدلول كلمة « دين الله » وهم من ثم لا يصرون ولا يحاولون تحكيم شريعة الله وحدها بوصفها هي « الدين » . وأن جهلهم هذا بمدلول الدين يعفيهم من أن يكونوا جاهليين مشركين
وأنا لا أتصور كيف أن جهل الناس ابتداء بحقيقة هذا الدين يجعلهم في دائرة هذا الدين
إن الاعتقاد بحقيقة فرع عن معرفتها . فإذا جهل الناس حقيقة عقيدة فكيف يكونون معتنقين لها؟ وكيف يحسبون من أهلها وهم لا يعرفون ابتداء مدلولها؟
إن هذا الجهل قد يعفيهم من حساب الآخرة ، أو يخفف عنهم العذاب فيها؛ ويلقي بتبعاتهم وأوزارهم على كاهل من لا يعلمونهم حقيقة هذا الدين وهم يعرفونها . . ولكن هذه مسألة غيبية متروك أمرها لله ، والجدل في الجزاء الأخروي لأهل الجاهلية عامة ليس وراءه كبير طائل . وليس هو الذي يعنينا نحن البشر الذين ندعو إلى الإسلام في الأرض
إن الذي يعنينا هو تقرير حقيقة الدين الذي فيه الناس اليوم . . أنه ليس دين الله قطعاً . فدين الله هو نظامه وشرعه وفق النصوص القرآنية الصريحة . فمن كان في نظام الله وشرعه فهو في « دين لله » . ومن كان في نظام الملك وشرعه فهو في « دين الملك » . ولا جدال في هذا .
والذين يجهلون مدلول الدين لا يمكن أن يكونوا معتقدين بهذا الدين . لأن الجهل هنا وارد على أصل حقيقة الدين الأساسية . والجاهل بحقيقة هذا الدين الأساسية لا يمكن عقلاً وواقعاً أن يكون معتقداً به . إذ الاعتقاد فرع عن الإدراك والمعرفة . . وهذه بديهية . .
وخير لنا من أن ندافع عن الناس وهم في غير دين الله ونتلمس لهم المعاذير ، ونحاول أن نكون أرحم بهم من الله الذي يقرر مدلول دينه وحدوده . .
خير لنا من هذا كله أن نشرع في تعريف الناس حقيقة مدلول « دين الله » ليدخلوا فيه . . أو يرفضوه . .
هذا خير لنا وللناس أيضاً . . خير لنا لأنه يعفينا من تبعة ضلال هؤلاء الجاهلين بهذا الدين ، الذين ينشأ عن جهلهم به عدم اعتناقه في الحقيقة . . وخير للناس لأن مواجهتهم بحقيقة ما هم عليه وأنهم في دين الملك لا في دين الله قد تهزهم هزة تخرجهم من الجاهلية إلى الإسلام ، ومن دين الملك إلى دين الله
كذلك فعل الرسل عليهم صلوات الله وسلامه وكذلك ينبغي أن يفعل الدعاة إلى الله في مواجهة الجاهلية في كل زمان ومكان . .
ثم نعود إلى إخوة يوسف بعد هذا التعقيب القصير . نعود إليهم وقد حرك الحرج الذي يلاقونه كوامن حقدهم على أخي يوسف ، وعلى يوسف من قبله ، فإذا هم يتنصلون من نقيصة السرقة ، وينفونها عنهم ، ويلقونها على هذا الفرع من أبناء يعقوب :
{ قالوا : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل }
إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل .

. وتنطلق الروايات والتفاسير تبحث عن مصداق قولهم هذا في تعلات وحكايات وأساطير . كأنهم لم يكذبوا قبل ذلك على أبيهم في يوسف؛ وكأنهم لا يمكن أن يكذبوا على عزيز مصر دفعاً للتهمة التي تحرجهم ، وتبرؤاً من يوسف وأخيه السارق ، وإرواء لحقدهم القديم على يوسف وأخيه
لقد قذفوا بها يوسف وأخاه
{ فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم } . .
أسر هذه الفعلة وحفظها في نفسه ، ولم يبد تأثره منها . وهو يعلم براءته وبراءة أخيه . إنما قال لهم :
{ أنتم شر مكاناً } . .
يعني أنكم بهذا القذف شر مكاناً عند الله من المقذوف وهي حقيقة لا شتمة .
{ والله أعلم بما تصفون } . . وبحقيقة ما تقولون . وأراد بذلك قطع الجدل في الاتهام الذي أطلقوه ، ولا دخل له بالموضوع . .
وعندئذ عادوا إلى الموقف المحرج الذي وقعوا فيه . عادوا إلى الموثق الذي أخذه عليهم أبوهم : { لتأتنني به إلا أن يحاط بكم } . . فراحوا يسترحمون يوسف باسم والد الفتى ، الشيخ الكبير ، ويعرضون أن يأخذ بدله واحداً منهم إن لم يكن مطلقه لخاطر أبيه؛ ويستعينون في رجائه بتذكيره بإحسانه وصلاحه وبره لعله يلين :
{ قالوا : يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً ، فخذ أحدنا مكانه ، إنا نراك من المحسنين } :
ولكن يوسف كان يريد أن يلقي عليهم درساً . وكان يريد أن يشوقهم إلى المفاجأة التي يعدها لهم ولوالده وللجميع ليكون وقعها أعمق وأشد أثراً في النفوس :
{ قال : معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده . إنا إذاً لظالمون } . .
ولم يقل معاذ الله أن نأخذ بريئاً بجريرة سارق . لأنه كان يعلم أن أخاه ليس بسارق . فعبر أدق تعبير يحكيه السياق هنا باللغة العربية بدقة :
{ معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } وهي الحقيقة الواقعة دون زيادة في اللفظ تحقق الاتهام أو تنفيه . .
{ إنا إذاً لظالمون } . .
وما نريد أن نكون ظالمين . .
وكانت هي الكلمة الأخيرة في الموقف . وعرفوا أن لا جدوى بعدها من الرجاء ، فانسحبوا يفكرون في موقفهم المحرج ، أمام أبيهم حين يرجعون .

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)

يئس إخوة يوسف من محاولة تخليص أخيهم الصغير ، فانصرفوا من عنده ، وعقدوا مجلساً يتشاورون فيه . وهم هنا في هذا المشهد يتناجون . والسياق لا يذكر أقوالهم جميعاً . إنما يثبت آخرها الذي يكشف عما انتهوا إليه :
{ فلما استيأسوا منه خلصوا نجياً . قال كبيرهم : ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف؟ فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ، أو يحكم الله لي ، وهو خير الحاكمين . ارجعوا إلى أبيكم فقولوا : يا أبانا إن ابنك سرق ، وما شهدنا إلا بما علمنا ، وما كنا للغيب حافظين . واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون } . .
إن كبيرهم ليذكرهم بالموثق المأخوذ عليهم ، كما يذكرهم بتفريطهم في يوسف من قبل . ويقرن هذه إلى تلك ، ثم يرتب عليهما قراره الجازم : ألا يبرح مصر ، وألا يواجه أباه ، إلا أن يأذن له أبوه ، أو يقضي الله له بحكم ، فيخضع له وينصاع .
أما هم فقد طلب إليهم أن يرجعوا إلى أبيهم فيخبروه بأن ابنه سرق ، فأخذ بما سرق . ذلك ما علموه شهدوا به . أما إن كان بريئاً ، وكان هناك أمر وراء هذا الظاهر لا يعلمونه ، فهم غير موكلين بالغيب . كما أنهم لم يكونوا يتوقعون أن يحدث ما حدث ، فذلك كان غيباً بالنسبة إليهم ، وما هم بحافظين للغيب . وإن كان في شك من قولهم فليسأل أهل القرية التي كانوا فيها وهي عاصمة مصر والقرية اسم للمدينة الكبيرة وليسأل القافلة التي كانوا فيها ، فهم لم يكونوا وحدهم ، فالقوافل الكثيرة كانت ترد مصر لتمتار الغلة في السنين العجاف . .
ويطوي السياق الطريق بهم ، حتى يقفهم في مشهد أمام أبيهم المفجوع ، وقد أفضوا إليه بالنبأ الفظيع . فلا نسمع إلا رده قصيراً سريعاً ، شجياً وجيعاً . ولكن وراءه أملاً لم ينقطع في الله أن يرد عليه ولديه ، أو أولاده الثلاثة بما فيهم كبيرهم الذي أقسم ألا يبرح حتى يحكم الله له . وإنه لأمل عجيب في ذلك القلب الوجيع :
{ قال : بل سولت لكم أنفسكم أمراً ، فصبر جميل ، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم الحكيم } . .
{ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل } . . كلمته ذاتها يوم فقد يوسف . ولكنه في هذه المرة يضيف إليها هذا الأمل أن يرد الله عليه يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك . . { إنه هو العليم الحكيم } . . الذي يعلم حاله ، ويعلم ما وراء هذه الأحداث والامتحانات ، ويأتي بكل أمر في وقته المناسب ، عندما تتحقق حكمته في ترتيب الأسباب والنتائج .
هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ؟ إنه الرجاء في الله ، والاتصال الوثيق به ، والشعور بوجوده ورحمته .

ذلك الشعور الذي يتجلى في قلوب الصفوة المختارة ، فيصبح عندها أصدق وأعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار .
{ وتولى عنهم وقال : يا أسفا على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } . .
وهي صورة مؤثرة للوالد المفجوع . يحس أنه منفرد بهمه ، وحيد بمصابه ، لا تشاركه هذه القلوب التي حوله ولا تجاوبه ، فينفرد في معزل ، يندب فجيعته في ولده الحبيب . يوسف . الذي لم ينسه ، ولم تهوّن من مصيبته السنون ، والذي تذكره به نكبته الجديدة في أخيه الأصغر فتغلبه على صبره الجميل :
{ يا أسفا على يوسف } . .
ويكظم الرجل حزنه ويتجلد فيؤثر هذا الكظم في أعصابه حتى تبيض عيناه حزناً وكمداً :
{ وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } . .
ويبلغ الحقد بقلوب بنيه ألا يرحموا ما به ، وأن يلسع قلوبهم حنينه ليوسف وحزنه عليه ذلك الحزن الكامد الكظيم ، فلا يسرون عنه ، ولا يعزونه ، ولا يعللونه بالرجاء ، بل يريدون ليطمسوا في قلبه الشعاع الأخير :
{ قالوا : تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين } . .
وهي كلمة حانقة مستنكرة . تالله تظل تذكر يوسف ، ويهدك الحزن عليه ، حتى تذوب حزناً أو تهلك أسى بلا جدوى . فيوسف ميئوس منه قد ذهب ولن يعود
ويرد عليهم الرجل بأن يتركوه لربه ، فهو لا يشكو لأحد من خلقه وهو على صلة بربه غير صلتهم ، ويعلم من حقيقته ما لا يعلمون :
{ قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، وأعلم من الله ما لا تعلمون } .
وفي هذه الكلمات يتجلى الشعور بحقيقة الألوهية في هذا القلب الموصول؛ كما تتجلى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر ، ولألائها الباهر .
إن هذا الواقع الظاهر الميئس من يوسف ، وهذا المدى الطويل الذي يقطع الرجاء من حياته فضلاً على عودته إلى أبيه ، واستنكار بنيه لهذا التطلع بعد هذا الأمد الطويل في وجه هذا الواقع الثقيل . . إن هذا كله لا يؤثر شيئاً في شعور الرجل الصالح بربه . فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه ما لا يعلم هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة بذلك الواقع الصغير المنظور
وهذه قيمة الإيمان بالله ، ومعرفته سبحانه هذا اللون من المعرفة . معرفة التجلي والشهود وملابسة قدرته وقدره ، وملامسة رحمته ورعايته ، وإدراك شأن الألوهية مع العبيد الصالحين .
إن هذه الكلمات : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن تجلوها . وتعرض مذاقاً يعرفه من ذاق مثله ، فيدرك ماذا تعني هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب . . .
والقلب الذي ذاق هذا المذاق لا تبلغ الشدائد منه مهما بلغت إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق
ولا نملك أن نزيد . ولكننا نحمد الله على فضله في هذا؛ وندع ما بيننا وبينه له يعلمه سبحانه ويراه .

.
ثم يوجههم يعقوب إلى تلمس يوسف وأخيه ، وألا ييأسوا من رحمة الله ، في العثور عليهما ، فإن رحمة الله واسعة وفرجه دائماً منظور :
{ يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ، ولا تيأسوا من روح الله . إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } . .
فيا للقلب الموصول
{ يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } . .
تحسسوا بحواسكم ، في لطف وبصر وصبر على البحث . ودون يأس من الله وفرجه ورحمته . وكلمة { روح } أدق دلالة وأكثر شفافية . ففيها ظل الاسترواح من الكرب الخانق بما ينسم على الأرواح من روْح الله الندي :
{ إنه لا ييأس من روْح الله إلا القوم الكافرون } . .
فأما المؤمنون الموصولة قلوبهم بالله ، الندية أرواحهم بروْحه ، الشاعرون بنفحاته المحيية الرخية ، فإنهم لا ييأسون من روْح الله ولو أحاط بهم الكرب ، واشتد بهم الضيق . وإن المؤمن لفي روح من ظلال إيمانه ، وفي أنس من صلته بربه ، وفي طمأنينة من ثقته بمولاه ، وهو في مضايق ومخانق الكروب . .
ويدخل إخوة يوسف مصر للمرة الثالثة ، وقد أضرت بهم المجاعة ، ونفدت منهم النقود ، وجاءوا ببضاعة رديئة هي الباقية لديهم يشترون بها الزاد . . يدخلون وفي حديثهم انكسار لم يعهد في أحاديثهم من قبل ، وشكوى من المجاعة تدل على ما فعلت بهم الأيام :
{ فلما دخلوا عليه قالوا : يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ، وجئنا ببضاعة مُزجاة ، فأوف لنا الكيل وتصدّق علينا ، إن الله يجزي المتصدقين } . .
وعندما يبلغ الأمر بهم إلى هذا الحد من الاسترحام والضيق والانكسار لا تبقى في نفس يوسف قدرة على المضي في تمثيل دور العزيز ، والتخفي عنهم بحقيقة شخصيته . فقد انتهت الدروس ، وحان وقت المفاجأة الكبرى التي لا تخطر لهم على بال؛ فإذا هو يترفق في الإفضاء بالحقيقة إليهم ، فيعود بهم إلى الماضي البعيد الذي يعرفونه وحدهم ، ولم يطلع عليه أحد إلا الله :
{ قال : هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟ }
ورن في آذانهم صوت لعلهم يذكرون شيئاً من نبراته . ولاحت لهم ملامح وجه لعلهم لم يلتفتوا إليها وهم يرونه في سمت عزيز مصر وأبهته وشياته . والتمع في نفوسهم خاطر من بعيد :
{ قالوا : أَئنك لأنت يوسف؟ } . .
أئنك لأنت؟ فالآن تدرك قلوبهم وجوارحهم وآذانهم ظلال يوسف الصغير في ذلك الرجل الكبير . .
{ قال : أنا يوسف . وهذا أخي . قد من الله علينا . إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } . .
مفاجأة مفاجأة عجيبة . يعلنها لهم يوسف ويذكرهم في إجمال بما فعلوه بيوسف وأخيه في دفعة الجهالة . . ولا يزيد . . سوى أن يذكر منة الله عليه وعلى أخيه ، معللاً هذه المنة بالتقوى والصبر وعدل الله في الجزاء .
أما هم فتتمثل لعيونهم وقلوبهم صورة ما فعلوا بيوسف ، ويجللهم الخزي والخجل وهم يواجهونه محسناً إليهم وقد أساءوا .

حليماً بهم وقد جهلوا . كريماً معهم وقد وقفوا منه موقفاً غير كريم :
{ قالوا : تالله لقد آثرك الله علينا ، وإن كنا لخاطئين } . .
اعتراف بالخطيئة ، وإقرار بالذنب ، وتقرير لما يرونه من إيثار الله له عليهم بالمكانة والحلم والتقوى والإحسان . يقابله يوسف بالصفح والعفو وإنهاء الموقف المخجل . شيمة الرجل الكريم . وينجح يوسف في الابتلاء بالنعمة كما نجح من قبل في الابتلاء بالشدة . إنه كان من المحسنين .
{ قال : لا تثريب عليكم اليوم . يغفر الله لكم ، وهو أرحم الراحمين } . .
لا مؤاخذة لكم ولا تأنيب اليوم . فقد انتهى الأمر من نفسي ولم تعد له جذور . والله يتولاكم بالمغفرة وهو أرحم الراحمين . . ثم يحول الحديث إلى شأن آخر . شأن أبيه الذي ابيضت عيناه من الحزن . فهو معجل إلى تبشيره . معجل إلى لقائه . معجل إلى كشف ما علق بقلبه من حزن ، وما ألم بجسمه من ضنى ، وما أصاب بصره من كلال :
{ اذهبوا بقميصي هذا ، فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ، وأتوني بأهلكم أجمعين } . .
كيف عرف يوسف أن رائحته سترد على أبيه بصره الكليل؟ ذلك مما علمه الله . والمفاجأة تصنع في كثير من الحالات فعل الخارقة . . وما لها لا تكون خارقة ويوسف نبي رسول ويعقوب نبي رسول؟
ومنذ اللحظة نحن أمام مفاجأة في القصة بعد مفاجأة ، حتى تنتهي مشاهدها المثيرة بتأويل رؤيا الصبي الصغير .
{ ولما فصلت العير قال أبوهم : إني لأجد ريح يوسف . لولا أن تفندون } . .
ريح يوسف كل شيء إلا هذا . فما يخطر على بال أحد أن يوسف بعد في الأحياء بعد هذا الأمد الطويل . وأن له ريحاً يشمها هذا الشيخ الكليل
إني لأجد ريح يوسف . لولا أن تقولوا شيخ خرف : { لولا أن تفندون } . . لصدقتم معي ما أجده من ريح الغائب البعيد .
كيف وجد يعقوب ريح يوسف منذ أن فصلت العير . ومن أين فصلت؟ يقول بعض المفسرين : إنها منذ فصلت من مصر ، وأنه شم رائحة القميص من هذا المدى البعيد . ولكن هذا لا دلالة عليه . فربما كان المقصود لما فصلت العير عند مفارق الطرق في أرض كنعان ، واتجهت إلى محلة يعقوب على مدى محدود .
ونحن بهذا لا ننكر أن خارقة من الخوارق يمكن أن تقع لنبي كيعقوب من ناحية نبي كيوسف . كل ما هنالك أننا نحب أن نقف عند حدود مدلول النص القرآني أو رواية ذات سند صحيح . وفي هذا لم ترد رواية ذات سند صحيح . و دلالة النص لا تعطي هذا المدى الذي يريده المفسرون
ولكن المحيطين بيعقوب لم يكن لهم ما له عند ربه ، فلم يجدوا ما وجد من رائحة يوسف :
{ قالوا : تالله . إنك لفي ضلالك القديم } . .
في ضلالك بيوسف ، وضلالك بانتظاره وقد ذهب مذهب الذي لا يعود .

ولكن المفاجأة البعيدة تقع ، وتتبعها مفاجأة أخرى :
{ فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه ، فارتد بصيراً } . .
مفاجأة القميص . وهو دليل على يوسف وقرب لقياه . ومفاجأة ارتداد البصر بعد ما ابيضت عيناه . . وهنا يذكر يعقوب حقيقة ما يعلمه من ربه . تلك التي حدثهم بها من قبل فلم يفهموه :
{ قال : ألم أقل لكم : إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟ } . .
{ قالوا : يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين } . .
ونلمح هنا أن في قلب يعقوب شيئاً من بنيه ، وأنه لم يصف لهم بعد ، وإن كان يعدهم باستغفار الله لهم بعد أن يصفو ويسكن ويستريح :
{ قال : سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم } .
وحكاية عبارته بكلمة { سوف } لا تخلو من إشارة إلى قلب إنساني مكلوم . .
ويمضي السياق في مفاجات القصة . فيطوي الزمان والمكان ، لنلتقي في المشهد النهائي المؤثر المثير :
{ فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه . وقال : ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين . ورفع أبويه على العرش ، وخروا له سجداً ، وقال : يا أبت ، هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً ، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو ، من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي . إن ربي لطيف لما يشاء ، إنه هو العليم الحكيم } . .
ويا له من مشهد بعد كر الأعوام وانقضاء الأيام . وبعد اليأس والقنوط . وبعد الألم والضيق . وبعد الامتحان والابتلاء . وبعد الشوق المضني والحزن الكامد واللهف الظامئ الشديد .
يا له من مشهد ختامي بالانفعال والخفقات والفرح والدموع
ويا له من مشهد ختامي موصول بمطلع القصة : ذلك في ضمير الغيب وهذا في واقع الحياة . ويوسف بين هذا كله يذكر الله ولا ينساه :
{ فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه ، وقال : ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين } . .
ويذكر رؤياه ويرى تأويلها بين يديه في سجود إخوته له وقد رفع أبويه على السرير الذي يجلس عليه كما رأى الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين :
{ ورفع أبويه على العرش ، وخروا له سجداً ، وقال : يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً } . .
ثم يذكر نعمة الله عليه :
{ وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } . .
ويذكر لطف الله في تدبيره لتحقيق مشيئته :
{ إن ربي لطيف لما يشاء } . .
يحقق مشيئته بلطف ودقة خفية لا يحسها الناس ولا يشعرون بها :
{ إنه هو العليم الحكيم } . .
ذات التعبير الذي قاله يعقوب وهو يقص عليه رؤياه في مطلع القصة :
{ إن ربك عليم حكيم } . .
ليتوافق البدء والختام حتى في العبارات .
وقبل أن يسدل الستار على المشهد الأخير المثير ، نشهد يوسف ينزع نفسه من اللقاء والعناق والفرحة والابتهاج والجاه والسلطان ، والرغد والأمان .

. ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر كل دعوته وهو في أبهة السلطان ، وفي فرحة تحقيق الأحلام أن يتوفاه ربه مسلماً وأن يلحقه بالصالحين :
{ رب قد آتيتني من الملك ، وعلمتني من تأويل الأحاديث . فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة . توفني مسلماً وألحقني بالصالحين } . .
{ رب قد آتيتني من الملك } . .
آتيتني منه سلطانه ومكانه وجاهه وماله . فذلك من نعمة الدنيا .
{ وعلمتني من تأويل الأحاديث } . .
بإدراك مآلاتها وتعبير رؤاها . فذلك من نعمة العلم .
نعمتك يا ربي أذكرها وأعددها . .
{ فاطرَ السماوات والأرض } . .
بكلمتك خلقتها وبيدك أمرها ، ولك القدرة عليها وعلى أهلها . .
{ أنت وليي في الدنيا والآخرة } . .
فأنت الناصر والمعين .
رب تلك نعمتك . وهذه قدرتك .
رب إني لا أسألك سلطاناً ولا صحة ولا مالاً . رب إني أسألك ما هو أبقى وأغنى :
{ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين } .
وهكذا يتوارى الجاه والسلطان ، وتتوارى فرحة اللقاء واجتماع الأهل ولمة الإخوان . ويبدو المشهد الأخير مشهد عبد فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه ، وأن يلحقه بالصالحين بين يديه .
إنه النجاح المطلق في الامتحان الأخير . .

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)

انتهت قصة يوسف لتبدأ التعقيبات عليها . تلك التعقيبات التي أشرنا إليها في مقدمة الحديث عن السورة . وتبدأ معها اللفتات المتنوعة واللمسات المتعددة ، والجولات الموحية في صفحة الكون وفي أغوار النفس وفي أثار الغابرين ، وفي الغيب المجهول وراء الحاضر المعلوم . فنأخذ في استعراضها حسب ترتيبها في السياق . وهو ترتيب ذو هدف معلوم .
تلك القصة لم تكن متداولة بين القوم الذين نشأ فيهم محمد صلى الله عليه وسلم ثم بعث إليهم . وفيها أسرار لم يعلمها إلا الذين لامسوها من أشخاص القصة ، وقد غبرت بهم القرون . وقد سبق في مطلع السورة قول الله تعالى لنبيه :
{ نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ، وإن كنت من قبله لمن الغافلين } فها هو ذا يعقب على القصة بعد تمامها ، ويعطف ختامها على مطلعها :
{ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } . .
ذلك القصص الذي مضى في السياق من الغيب الذي لا تعلمه؛ ولكننا نوحيه إليك وآية وحيه أنه كان غيباً بالقياس إليك . وما كنت معهم إذ اجتمعوا واتفق رأيهم ، وهم يمكرون ذلك المكر الذي تحدثت عنه القصة في مواضعه . وهم يمكرون بيوسف ، وهم يمكرون بأبيهم ، وهم يدبرون أمرهم بعد أخذ أخيه وقد خلصوا نجياً وهو من المكر بمعنى التدبير . وكذلك ما كان هناك من مكر بيوسف من ناحية النسوة ومن ناحية رجال الحاشية وهم يودعونه السجن . . كل أولئك مكر ما كنت حاضره لتحكي عنه إنما هو الوحي الذي سيقت السورة لتثبته من بين ما تثبت من قضايا هذه العقيدة وهذا الدين ، وهي متناثرة في مشاهد القصة الكثيرة .
ولقد كان من مقتضى ثبوت الوحي ، وإيحاء القصص ، واللفتات واللمسات التي تحرك القلوب ، أن يؤمن الناس بهذا القرآن ، وهم يشهدون الرسول صلى الله عليه وسلم ويعرفون أحواله ، ثم يسمعون منه ما يسمعون . ولكن أكثر الناس لا يؤمنون . وهم يمرون كذلك على الآيات المبثوثة في صفحة الوجود فلا ينتبهون إليها ، ولا يدركون مدلولها ، كالذي يلوي صفحة وجهه فلا يرى ما يواجهه . فما الذي ينتظرونه؟ وعذاب الله قد يأخذهم بغته وهم لا يشعرون :
{ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين . وما تسألهم عليه من أجر ، إن هو إلا ذكر للعالمين . وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون . وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون . أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون } . .
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصاً على إيمان قومه ، رغبة في إيصال الخير الذي جاء به إليهم ، ورحمة لهم مما ينتظر المشركين من نكد الدنيا وعذاب الآخرة .

ولكن الله العليم بقلوب البشر ، الخبير بطبائعهم وأحوالهم ، ينهي إليه أن حرصه على إيمانهم لن يسوق الكثرة المشركة إلى الإيمان ، لأنهم كما قال في هذه الآيات يمرون على الآيات الكثيرة معرضين . فهذا الإعراض لا يؤهلهم للإيمان ، ولا يجعلهم ينتفعون بدلائله المبثوثة في الآفاق .
وإنك لغني عن إيمانهم فما تطلب منهم أجراً على الهداية؛ وإن شأنهم في الإعراض عنها لعجيب ، وهي تبذل لهم بلا أجر ولا مقابل :
{ وما تسألهم عليه من أجر ، إن هو إلا ذكر للعالمين } . .
تذكرهم بآيات الله ، وتوجه إليها أبصارهم وبصائرهم ، وهي مبذولة للعالمين ، لا احتكار فيها لأمة ولا جنس ولا قبيلة ، ولا ثمن لها يعجز عنه أحد ، فيمتاز الأغنياء على الفقراء ، ولا شرط لها يعجز عنه أحد فيمتاز القادرون على العاجزين . إنما هي ذكرى للعالمين . ومائدة عامة شاملة معروضة لمن يريد . .
{ وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } . .
والآيات الدالة على الله و وحدانيته وقدرته كثيرة مبثوثة في تضاعيف الكون ، معروضة للأبصار والبصائر . في السماوات وفي الأرض . يمرون عليها صباح مساء ، آناء الليل وأطراف النهار . وهي ناطقة تكاد تدعو الناس إليها . بارزة تواجه العيون والمشاعر . موحية تخايل للقلوب والعقول . ولكنهم لا يرونها ولا يسمعون دعاءها ولا يحسون إيقاعها العميق .
وإن لحظة تأمل في مطلع الشمس ومغيبها . لحظة تأمل في الظل الممدود ينقص بلطف أو يزيد . لحظة تأمل في الخضم الزاخر ، والعين الفوارة ، والنبع الروي . لحظة تأمل في النبتة النامية ، والبرعم الناعم ، والزهرة المتفتحة ، والحصيد الهشيم . لحظة تأمل في الطائر السابح في الفضاء ، والسمك السابح في الماء ، والدود السارب والنمل الدائب ، وسائر الحشود والأمم من الحيوان والحشرات والهوام . . لحظة تأمل في صبح أو مساء ، في هدأة الليل أو في زحمة النهار . . لحظة واحدة يتسمع فيها القلب البشري إلى إيقاعات هذا الوجود العجيب . . إن لحظة واحدة لكافية لارتعاش هذا القلب بقشعريرة الإدراك الرهيب ، والتأثر المستجيب . ولكنهم { يمرون عليها وهم عنها معرضون } . . لذلك لا يؤمن الأكثرون
وحتى الذين يؤمنون ، كثير منهم يتدسس الشرك في صورة من صوره إلى قلوبهم . فالإيمان الخالص يحتاج إلى يقظة تنفي عن القلب أولاً بأول كل خالجة شيطانية ، وكل اعتبار من اعتبارات هذه الأرض في كل حركة وكل تصرف ، لتكون كلها لله ، خالصة له دون سواه . والإيمان الخالص يحتاج إلى حسم كامل في قضية السلطان على القلب وعلى التصرف والسلوك فلا تبقى في القلب دينونة إلا لله سبحانه ، ولا تبقى في الحياة عبودية إلا للمولى الواحد الذي لا راد لما يريد :
{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } . .
مشركون قيمة من قيم هذه الأرض في تقريرهم للأحداث والأشياء والأشخاص .

مشركون سبباً من الأسباب مع قدرة الله في النفع أو الضر سواء . مشركون في الدينونة لقوة غير قوة الله من حاكم أو موجه لا يستمد من شرع الله دون سواه . مشركون في رجاء يتعلق بغير الله من عباده على الإطلاق . مشركون في تضحية يشوبها التطلع إلى تقدير الناس . مشركون في جهاد لتحقيق نفع أو دفع ضر ولكن لغير الله . مشركون في عبادة يلحظ فيها وجه مع وجه الله . . لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل » .
وفي الأحاديث نماذج من هذا الشرك الخفي :
روى الترمذي وحسنه من رواية ابن عمر : « من حلف بغير الله فقد أشرك » .
وروى أحمد وأبو داود وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الرقى والتمائم شرك » .
وفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من علق تميمة فقد أشرك » .
وعن أبي هريرة بإسناده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يقول الله : أنا أغني الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه » .
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد ابن أبي فضالة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد : من كان أشرك في عمل عمله لله ، فليطلب ثوابه من عند الله ، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك » .
وروى الإمام أحمد بإسناده عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال : الرياء . يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جاء الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء »
فهذا هو الشرك الخفي الذي يحتاج إلى اليقظة الدائمة للتحرز منه ليخلص الإيمان .
وهناك الشرك الواضح الظاهر ، وهو الدينونة لغير الله في شأن من شؤون الحياة . الدينونة في شرع يتحاكم إليه وهو نص في الشرك لا يجادَل عليه والدينونة في تقليد من التقاليد كاتخاذ أعياد ومواسم يشرعها الناس ولم يشرعها الله . والدينونة في زيّ من الأزياء يخالف ما أمر الله به من الستر ويكشف أو يحدد العورات التي نصت شريعة الله أن تستر . .
والأمر في مثل هذه الشؤون يتجاوز منطقة الإثم والذنب بالمخالفة حين يكون طاعة وخضوعاً ودينونة لعرف اجتماعي سائد من صنع العبيد ، وتركاً للأمر الواضح الصادر من رب العبيد .

. إنه عندئذ لا يكون ذنباً ، ولكنه يكون شركاً . لأنه يدل على الدينونة لغير الله فيما يخالف أمر الله . . وهو من هذه الناحية أمر خطير . .
ومن ثم يقول الله :
{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } . .
فتنطبق على من كان يواجههم رسول الله في الجزيرة ، وتشمل غيرهم على تتابع الزمان وتغير المكان .
وبعد فما الذي ينتظره أولئك المعرضون عن آيات الله المعروضة في صفحات الوجود ، بعد أعراضهم عن آيات القرآن التي لا يسألون عليها أجراً؟
ماذا ينتظرون؟
{ أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله ، أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون } . .
وهي لمسة قوية لمشاعرهم ، لإيقاظهم من غفلتهم ، وليحذروا عاقبة هذه الغفلة . فإن عذاب الله الذي لا يعلم موعده أحد ، قد يغشاهم اللحظة بغاشية تلفهم وتشملهم ، وربما تكون الساعة على الأبواب فيطرقهم اليوم الرهيب المخيف بغتة وهم لا يشعرون . . إن الغيب موصد الأبواب ، لا تمتد إليه عين ولا أذن ، ولا يدري أحد ماذا سيكون اللحظة ، فكيف يأمن الغافلون؟
وإذا كانت آيات هذا القرآن الذي يحمل دليل الرسالة ، وكانت الآيات التي يحفل بها الكون معروضة للأنظار . . إذا كانت هذه وتلك يمرون عليها وهم عنها معرضون ، ويشركون بالله شركاً ظاهراً أو خفياً وهم الأكثرون . فالرسول صلى الله عليه وسلم ماض في طريقه ومن اهتدى بهديه ، لا ينحرفون ولا يتأثرون بالمنحرفين :
{ قل : هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ، وسبحان الله وما أنا من المشركين } . .
{ قل : هذه سبيلي } . .
واحدة مستقيمة ، لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة .
{ ادعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } . .
فنحن على هدى من الله ونور . نعرف طريقنا جيداً ، ونسير فيها على بصر وإدراك ومعرفة ، لا نخبط ولا نتحسس ، ولا نحدس . فهو اليقين البصير المستنير . ننزه الله سبحانه عما لا يليق بألوهيته ، وننفصل وننعزل ونتميز عن الذين أشركوا به :
{ وما أنا من المشركين } . .
لا ظاهر الشرك ولا خافيه . .
هذه طريقي فمن شاء فليتابع ، ومن لم يشأ فأنا سائر في طريقي المستقيم .
وأصحاب الدعوة إلى الله لا بد لهم من هذا التميز ، لا بد لهم أن يعلنوا أنهم أمة وحدهم ، يفترقون عمن لا يعتقد عقيدتهم ، ولا يسلك مسلكهم ، ولا يدين لقيادتهم ، ويتميزون ولا يختلطون ولا يكفي أن يدعوا أصحاب هذا الدين إلى دينهم ، وهم متميعون في المجتمع الجاهلي . فهذه الدعوة لا تؤدي شيئاً ذا قيمة إنه لا بد لهم منذ اليوم الأول أن يعلنوا أنهم شيء آخر غير الجاهلية؛ وأن يتميزوا بتجمع خاص آصرته العقيدة المتميزة ، وعنوانه القيادة الإسلامية .

. لا بد أن يميزوا أنفسهم من المجتمع الجاهلي؛ وأن يميزوا قيادتهم من قيادة المجتمع الجاهلي أيضاً
إن اندغامهم وتميعهم في المجتمع الجاهلي ، وبقاءهم في ظل القيادة الجاهلية ، يذهب بكل السلطان الذي تحمله عقيدتهم ، وبكل الأثر الذي يمكن أن تنشئه دعوتهم ، وبكل الجاذبية التي يمكن أن تكون للدعوة الجديدة .
وهذه الحقيقة لم يكن مجالها فقط هو الدعوة النبوية في أوساط المشركين . . إن مجالها هو مجال هذه الدعوة كلما عادت الجاهلية فغلبت على حياة الناس . . وجاهلية القرن العشرين لا تختلف في مقوماتها الأصلية ، وفي ملامحها المميزة عن كل جاهلية أخرى واجهتها الدعوة الإسلامية على مدار التاريخ
والذين يظنون أنهم يصلون إلى شيء عن طريق التميع في المجتمع الجاهلي والأوضاع الجاهلية ، والتدسس الناعم من خلال تلك المجتمعات ومن خلال هذه الأوضاع بالدعوة إلى الإسلام . . هؤلاء لا يدركون طبيعة هذه العقيدة ولا كيف ينبغي أن تطرق القلوب . . إن أصحاب المذاهب الإلحادية أنفسهم يكشفون عن عنوانهم وواجهتهم ووجهتهم أفلا يعلن أصحاب الدعوة إلى الإسلام عن عنوانهم الخاص؟ وطريقهم الخاص؟ وسبيلهم التي تفترق تماماً عن سبيل الجاهلية؟
ثم لفتة إلى سنة الله في رسالاته ، وإلى بعض آيات الله في الأرض من مصائر السابقين . . إن محمداً ليس بدعاً من الرسل ، ورسالته ليست بدعاً من الرسالات . وهذه عواقب الذين كذبوا من قبل ، آيات معروضة في الأرض .
{ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى . أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ، أفلا تعقلون } . .
إن النظر في آثار الغابرين يهز القلوب . حتى قلوب المتجبرين . ولحظات الاسترجاع الخيالي لحركاتهم وسكناتهم وخلجاتهم؛ وتصورهم أحياء يروحون في هذه الأمكنة ويجيئون ، يخافون ويرجون ، يطمعون ويتطلعون . . ثم إذا هم ساكنون ، لا حس ولا حركة . آثارهم خاوية ، طواهم الفناء وانطوت معهم مشاعرهم وعوالمهم وأفكارهم وحركاتهم وسكناتهم ، ودنياهم الماثلة للعيان والمستكنة في الضمائر والمشاعر . . إن هذه التأملات لتهز القلب البشري هزاً مهما يكن جاسياً غافلاً قاسياً . ومن ثم يأخذ القرآن بيد القوم ليوقفهم على مصارع الغابرين بين الحين والحين :
{ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى } . .
لم يكونوا ملائكة ولا خلقاً آخر . إنما كانوا بشراً مثلك من أهل القرى الحاضرة ، لا من أهل البادية ، ليكونوا أرق حاشية وألين جانباً . . وأصبر على احتمال تكاليف الدعوة والهداية ، فرسالتك ماضية على سنة الله في إرسال رجال من البشر نوحي إليهم . .
{ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } . .
فيدركوا أن مصيرهم كمصيرهم؛ وأن سنة الله الواضحة الآثار في آثار الغابرين ستنالهم؛ وأن عاقبتهم في هذه الأرض إلى ذهاب :
{ ولدار الآخرة خير للذين اتقوا } .

خير من هذه الدار التي ليس فيها قرار .
{ أفلا تعقلون؟ } . .
فتتدبروا سنن الله في الغابرين؟ أفلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير؟
ثم يصور ساعات الحرج القاسية في حياة الرسل ، قبيل اللحظة الحاسمة التي يتحقق فيها وعد الله ، وتمضي فيها سنته التي لا تتخلف ولا تحيد :
{ حتى إذا استيأس الرسل ، وظنوا أنهم قد كذبوا ، جاءهم نصرنا ، فننجي من نشاء ، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } . .
إنها صورة رهيبة ، ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل ، وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود . وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل ، وتكر الأعوام والباطل في قوته ، وكثرة أهله ، والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة .
إنها ساعات حرجة ، والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر . والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض . فتهجس في خواطرهم الهواجس . . تراهم كُذِبوا؟ ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا؟
وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر . وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه : متى نصر الله . . . ؟ } ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ ، ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس ، والكرب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة ، وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات ، وما يحس به من ألم لا يطاق .
في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب ، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل ، ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة . . في هذه اللحظة يجيء النصر كاملاً حاسماً فاصلاً :
{ جاءهم نصرنا ، فنجي من نشاء ، ولا يردُّ بأسنا عن القوم المجرمين } . .
تلك سنة الله في الدعوات . لا بد من الشدائد ، ولا بد من الكروب ، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة . ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس . يجيء النصر من عند الله ، فينجو الذين يستحقون النجاة ، ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين ، وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون . ويحل بأس الله بالمجرمين ، مدمراً ماحقاً لا يقفون له ، ولا يصده عنهم ولي ولا نصير .
ذلك كي لا يكون النصر رخيصاً فتكون الدعوات هزلاً . فلو كان النصر رخيصاً لقام في كل يوم دعيٌّ بدعوة لا تكلفه شيئاً . أو تكلفه القليل . ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثاً ولا لعباً . فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج ، ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء .

والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة ، لذلك يشفقون أن يدَّعوها ، فإذا ادَّعوها عجزوا عن حملها وطرحوها ، وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون؛ الذين لا يتخلون عن دعوة الله ، ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة
إن الدعوة إلى الله ليست تجارة قصيرة الأجل؛ إما أن تربح ربحاً معيناً محدداً في هذه الأرض ، وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحاً وأيسر حصيلة والذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات الجاهلية والمجتمعات الجاهلية هي التي تدين لغير الله بالطاعة والاتباع في أي زمان أو مكان يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة ، ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال ويملكون استخفاف الجماهير حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على أصحاب الدعوة إلى الله ، باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات . . ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف ، وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثيرة التكاليف أيضاً . وأنه من ثم لا تنضم إليها في أول الأمر الجماهير المستضعفة ، إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله ، التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة ، وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا . وأن عدد هذه الصفوة يكون دائماً قليلاً جداً . ولكن الله يفتح بينهم وبين قومهم بالحق ، بعد جهاد يطول أو يقصر . وعندئذ فقط تدخل الجماهير في دين الله أفواجاً .
وفي قصة يوسف ألوان من الشدائد . في الجب وفي بيت العزيز وفي السجن . وألوان من الاستيئاس من نصرة الناس . . ثم كانت العاقبة خيراً للذين اتقوا كما هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب وقصة يوسف نموذج من قصص المرسلين . فيها عبرة لمن يعقل ، وفيها تصديق ما جاءت به الكتب المنزلة من قبل ، على غير صلة بين محمد وهذه الكتب . فما كان يمكن أن يكون ما جاء به حديثاً مفترى . فالأكاذيب لا يصدق بعضها بعضاً ولا تحقق هداية ، ولا يستروح فيها القلب المؤمن الروح والرحمة :
{ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، ما كان حديثاً يفترى ، ولكن تصديق الذي بين يديه ، وتفصيل كل شيء ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } . .
وهكذا يتوافق المطلع والختام في السورة ، كما توافق المطلع والختام في القصة . وتجيء التعقيبات في أول القصة وآخرها ، وبين ثناياها ، متناسقة مع موضوع القصة ، وطريقة أدائها ، وعباراتها كذلك . فتحقق الهدف الديني كاملاً ، وتحقق السمات الفنية كاملة ، مع صدق الرواية ، ومطابقة الواقع في الموضوع .
وقد بدأت القصة وانتهت في سورة واحدة ، لأن طبيعتها تستلزم هذا اللون من الأداء ، فهي رؤيا تتحقق رويداً رويداً ، ويوماً بعد يوم ، ومرحلة بعد مرحلة .

المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)

تبدأ السورة بقضية عامة من قضايا العقيدة : قضية الوحي بهذا الكتاب ، والحق الذي اشتمل عليه . وتلك هي قاعدة بقية القضايا من توحيد لله ، ومن إيمان بالبعث ، ومن عمل صالح في الحياة . فكلها متفرعة عن الإيمان بأن الآمر بهذا هو الله ، وأن هذا القرآن وحي من عنده سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم :
{ المر . تلك آيات الكتاب . والذي أنزل إليك من ربك الحق . ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } . .
ألف . لام . ميم . را . . { تلك آيات الكتاب } . . آيات هذا القرآن . أو تلك آيات على الكتاب تدل على الوحي به من عند الله . إذ كانت صياغته من مادة هذه الأحرف دلالة على أنه من وحي الله ، لا من عمل مخلوق كائناً من كان .
{ والذي أنزل من ربك الحق } . .
الحق وحده . الحق الخالص الذي لا يتلبس بالباطل . والذي لا يحتمل الشك والتردد . وتلك الأحرف آيات على أنه الحق . فهي آيات على أنه من عند الله . ولن يكون ما عند الله إلا حقاً لا ريب فيه .
{ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } . .
لا يؤمنون بأنه موحى به ، ولا بالقضايا المترتبة على الإيمان بهذا الوحي من توحيد لله ودينونة له وحده ومن بعث وعمل صالح في الحياة .
هذا هو الافتتاح الذي يلخص موضوع السورة كله ، ويشير إلى جملة قضاياها . ومن ثم يبدأ في استعراض آيات القدرة ، وعجائب الكون الدالة على قدرة الخالق وحكمته وتدبيره ، الناطقة بأن من مقتضيات هذه الحكمة أن يكون هناك وحي لتبصير الناس؛ وأن يكون هناك بعث لحساب الناس . وأن من مقتضيات تلك القدرة أن تكون مستطيعة بعث الناس ورجعهم إلى الخالق الذي بدأهم وبدأ الكون كله قبلهم . وسخره لهم ليبلوهم فيما آتاهم .
وتبدأ الريشة المعجزة في رسم المشاهد الكونية الضخمة . . لمسة في السماوات ، ولمسة في الأرضين . ولمسات في مشاهد الأرض وكوامن الحياة . .
ثم التعجيب من قوم ينكرون البعث بعد هذه الآيات الضخام ، ويستعجلون عذاب الله ، ويطلبون آية غير هذه الآيات :
{ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ، ثم استوى على العرش ، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ، يدبر الأمر ، يفصل الآيات ، لعلكم بلقاء ربكم توقنون } .
{ وهو الذي مد الأرض ، وجعل فيها رواسيَ وأنهاراً ، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ، يُغشي الليل النهار . إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } .
{ وفي الأرض قطع متجاورات ، وجنات من أعناب ، وزرع ، ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل . إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } .
{ وإن تعجب فعجب قولهم : أئذا كنا تراباً أئنّا لفي خلق جديد؟ أولئك الذين كفروا بربهم .

وأولئك الأغلال في أعناقهم ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ، وإن ربك لشديد العقاب . ويقول الذين كفروا : لولا أنزل عليه آية من ربه ، إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } .
والسماوات أياً كان مدلولها وأياً كان ما يدركه الناس من لفظها في شتى العصور معروضة على الأنظار ، هائلة ولا شك حين يخلو الناس إلى تأملها لحظة . وهي هكذا لا تستند إلى شيء . مرفوعة { بغير عمد } مكشوفة { ترونها } . .
هذه هي اللمسة الأولى في مجالي الكون الهائلة وهي بذاتها اللمسة الأولى للوجدان الإنساني ، وهو يقف أمام هذا المشهد الهائل يتملاه؛ ويدرك أنه ما من أحد يقدر على رفعها بلا عمد أو حتى بعمد إلا الله؛ وقصارى ما يرفعه الناس بعمد أو بغير عمد تلك البنيان الصغيرة الهزيلة القابعة في ركن ضيق من الأرض لا تتعداه . ثم يتحدث الناس عما في تلك البنيان من عظمة ومن قدرة و من إتقان ، غافلين عما يشملهم ويعلوهم من سماوات مرفوعة بغير عمد؛ وعما وراءها من القدرة الحقة والعظمة الحقة ، والإتقان الذي لا يتطاول إليه خيال إنسان
ومن هذا المنظور الهائل الذي يراه الناس ، إلى المغيب الهائل الذي تتقاصر دونه المدارك والأبصار : { ثم استوى على العرش } . .
فإن كان علو فهذا أعلى . وإن كانت عظمة فهذا أعظم . وهو الاستعلاء المطلق ، يرسمه في صورة على طريقة القرآن في تقريب الأمور المطلقة لمدارك البشر المحدودة .
وهي لمسة أخرى هائلة من لمسات الريشة المعجزة . لمسة في العلو المطلق إلى جانب اللمسة الأولى في العلو المنظور ، تتجاوران وتتسقان في السياق . .
ومن الاستعلاء المطلق إلى التسخير . تسخير الشمس والقمر . تسخير العلو المنظور للناس على ما فيه من عظمة أخاذة ، أخذت بألبابهم في اللمسة الأولى ، ثم إذا هي مسخرة بعد ذلك لله الكبير المتعال .
ونقف لحظة أمام التقابلات المتداخلة في المشهد قبل أن نمضي معه إلى غايته ، فإذا نحن أمام ارتفاع في الفضاء المنظور يقابله ارتفاع في الغيب المجهول . وإذا نحن أمام استعلاء يقابله التسخير . وإذا نحن أمام الشمس والقمر يتقابلان في الجنس : نجم وكوكب ، ويتقابلان في الأوان ، بالليل والنهار . .
ثم نمضي مع السياق . . فمع الاستعلاء والتسخير الحكمة والتدبير :
{ كل يجري لأجل مسمى } . .
وإلى حدود مرسومة ، ووفق ناموس مقدر . سواء في جريانهما في فلكيهما دورة سنوية ودورة يومية . أو جريانهما في مداريهما لا يتعديانه ولا ينحرفان عنه . أو جريانهما إلى الأمد المقدر لهما قبل أن يحول هذا الكون المنظور .
{ يدبر الأمر } . .
الأمر كله ، على هذا النحو من التدبير الذي يسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى .

. والذي يمسك بالأفلاك الهائلة والأجرام السابحة في الفضاء فيجريها لأجل لا تتعداه ، لا شك عظيم التدبير جليل التقدير .
ومن تدبيره الأمر أنه { يفصل الآيات } وينظمها وينسقها ، ويعرض كلاً منها في حينه ، ولعلته ، ولغايته { لعلكم بلقاء ربكم توقنون } حين ترون الآيات مفصلة منسقة ، ومن ورائها آيات الكون ، تلك التي أبدعتها يد الخالق أول مرة ، وصورت لكم آيات القرآن ما وراء إبداعها من تدبير وتقدير وإحكام . . ذلك كله يوحي بأن لا بد من عودة إلى الخالق بعد الحياة الدنيا ، لتقدير أعمال البشر ، ومجازاتهم عليها . فذلك من كمال التقدير الذي توحي به حكمه الخلق الأول عن حكمة و تدبير .
وبعد ذلك يهبط الخط التصويري الهائل من السماء إلى الأرض فيرسم لوحتها العريضة الأولى :
{ وهو الذي مد الأرض ، وجعل فيها رواسي وأنهاراً ، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين . يغشي الليل النهار . إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } . .
والخطوط العريضة في لوحة الأرض هي مد الأرض وبسطها أمام النظر وانفساحها على مداه . لا يهم ما يكون شكلها الكلي في حقيقته . إنما هي مع هذا ممدودة مبسوطة فسيحة . هذه هي اللمسة الأولى في اللوحة . ثم يرسم خط الرواسي الثوابت من الجبال ، وخط الأنهار الجارية في الأرض . فتتم الخطوط العريضة الأولى في المشهد الأرضي ، متناسقة متقابلة .
ومما يناسب هذه الخطوط الكلية ما تحتويه الأرض من الكليات ، وما يلابس الحياة فيها من كليات كذلك .
وتتمثل الأولى فيما تنبت الأرض : { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } . وتتمثل الثانية في ظاهرتي الليل والنهار : { يغشي الليل النهار } .
والمشهد الأول يتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم إلا قريباً . هي أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى ، حتى النباتات التي كان مظنوناً أن ليس لها من جنسها ذكور ، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر ، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة ، أو متفرقة في العود . وهي حقيقة تتضامن مع المشهد في إثارة الفكر إلى تدبر أسرار الخلق بعد تملي ظواهره .
والمشهد الثاني مشهد الليل والنهار متعاقبين ، هذا يغشي ذاك ، في انتظام عجيب . هو ذاته مثار تأمل في مشاهد الطبيعة ، فقدوم ليل وإدبار نهار أو إشراق فجر وانقشاع ليل ، حادث تهوّن الألفة من وقعه في الحس ، ولكنه في ذاته عجب من العجب ، لمن ينفض عنه موات الألفة وخمودها ، ويتلقاه بحس الشاعر المتجدد ، الذي لم يجمده التكرار . . والنظام الدقيق الذي لا تتخلف معه دورة الفلك هو بذاته كذلك مثار تأمل في ناموس هذا الكون ، وتفكير في القدرة المبدعة التي تدبره وترعاه : { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } . .
ونقف كذلك هنا وقفة قصيرة أمام التقابلات الفنية في المشهد قبل أن نجاوزه إلى ما وراءه .

. . التقابلات بين الرواسي الثابتة والأنهار الجارية . وبين الزوج والزوج في كل الثمرات . وبين الليل والنهار . ثم بين مشهد الأرض كله ومشهد السماء السابق . وهما متكاملان في المشهد الكوني الكبير الذي يضمهما ويتألف منهما جميعاً .
ثم تمضي الريشة المبدعة في تخطيط وجه الأرض بخطوط جزئية أدق من الخطوط العريضة الأولى :
{ وفي الأرض قطع متجاورات ، وجنات من أعناب ، وزرع ، ونخيل صنوان وغير صنوان ، يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل . إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } . .
وهذه المشاهد الأرضية ، فينا الكثيرون يمرون عليها فلا تثير فيهم حتى رغبة التطلع إليها إلا أن ترجع النفس إلى حيوية الفطرة والاتصال بالكون الذي هي قطعة منه ، انفصلت عنه لتتأمله ثم تندمج فيه . .
{ وفي الأرض قطع متجاورات } . .
متعددة الشيات ، وإلا ما تبين أنها { قطع } فلو كانت متماثلة لكانت قطعة . . منها الطيب الخصب ، ومنها السبخ النكد . ومنها المقفر الجدب ، ومنها الصخر الصلد . وكل واحد من هذه وتلك انواع وألوان ودرجات . ومنها العامر والغامر . ومنها المزروع الحي والمهمل الميت . ومنها الريان والعطشان . ومنها ومنها ومنها . . وهي كلها في الأرض متجاورات .
هذه اللمسة العريضة الأولى في التخطيط التفصيلي . . ثم تتبعها تفصيلات : { وجنات من أعناب } . { وزرع } . { ونخيل } تمثل ثلاثة أنواع من النبات ، الكرم المتسلق . والنخل السامق . والزرع من بقول وأزهار وما أشبه . مما يحقق تلوين المنظر ، وملء فراغ اللوحة الطبيعية ، والتمثيل لمختلف أشكال النبات .
ذلك النخيل . صنوان وغير صنوان . منه ما هو عود واحد . ومنه ما هو عودان أو أكثر في أصل واحد . . وكله { يسقى بماء واحد } والتربة واحدة ، ولكن الثمار مختلفات الطعوم :
{ ونفضل بعضها على بعض في الأكل } .
فمن غير الخالق المدبر المريد يفعل هذا وذاك؟
من منا لم يذق الطعوم مختلفات في نبت البقعة الواحدة . فكم منا التفت هذه اللفتة التي وجه القرآن إليها العقول والقلوب؟ إنه بمثل هذا يبقى القرآن جديداً أبداً ، لأنه يجدد أحاسيس البشر بالمناظر والمشاهد في الكون والنفس؛ وهي لا تنفد ولا يستقصيها إنسان في عمره المحدود ، ولا تستقصيها البشرية في أجلها الموعود .
{ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } . .
ومرة ثالثة نقف أمام التقابلات الفنية في اللوحة بين القطع المتجاورات المختلفات . والنخل صنوان وغير صنوان والطعوم مختلفات . والزرع والنخيل والأعناب . .
تلك الجولة الهائلة في آفاق الكون الفسيحة ، يعود منها السياق ليعجّب من قوم ، هذه الآيات كلها في الآفاق لا توقظ قلوبهم ، ولا تنبه عقولهم ، ولا يلوح لهم من ورائها تدبير المدبر ، وقدرة الخالق ، كأن عقولهم مغلولة ، وكأن قلوبهم مقيدة ، فلا تنطلق للتأمل في تلك الآيات :
{ وإن تعجب فعجب قولهم : أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد؟ أولئك الذين كفروا بربهم ، وأولئك الأغلال في أعناقهم ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .

.
وإنه لعجيب يستحق التعجيب ، أن يسأل قوم بعد هذا العرض الهائل :
{ أإذا كنا ترابا أإناً لفي خلق جديد؟ } . .
والذي خلق هذا الكون الضخم ودبره على هذا النحو ، قادر على إعادة الأناسي في بعث جديد . إنما هو الكفر بربهم الذي خلقهم ودبر أمرهم . وإنما هي أغلال العقل والقلب . فالجزاء هو الأغلال في الأعناق ، تنسيقاً بين غل العقل وغل العنق؛ والجزاء هو النار خالدين فيها . فقد عطلوا كل مقومات الإنسان التي من أجلها يكرمه الله ، وانتكسوا في الدنيا فهم في الآخرة يلاقون عاقبة الانتكاس حياة أدنى من حياتهم الدنيا ، التي عاشوها معطلي الفكر والشعور والإحساس .
هؤلاء القوم الذين يعجبون من أن يبعثهم الله خلقاً جديداً . وعجبهم هذا هو العجب هؤلاء يستعجلونك أن تأتيهم بعذاب الله ، بدلاً من أن يطلبوا هدايته ويرجوا رحمته :
{ ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } . .
وكما أنهم لا ينظرون في آفاق الكون ، وآيات الله المبثوثة في السماء والأرض ، فهم لا ينظرون إلى مصارع الغابرين الذين استعجلوا عذاب الله فأصابهم؛ وتركهم مثلة يعتبر بها من بعدهم :
{ وقد خلت من قبلهم المثلات } . .
فهم في غفلة حتى عن مصائر أسلافهم من بني البشر ، وقد كان فيها مثل لمن يعتبر .
{ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } . .
فهو بعباده رحيم حتى وإن ظلموا فترة ، يفتح لهم باب المغفرة ليدخلوه عن طريق التوبة . ولكن يأخذ بعقابه الشديد من يصرون ويلجون ، ولا يلجون من الباب المفتوح .
{ إن ربك لشديد العقاب } . .
والسياق يقدم هنا مغفرة الله على عقابه ، في مقابل تعجل هؤلاء الغافلين للعذاب قبل الهداية . ليبدو الفارق الضخم الهائل بين الخير الذي يريده الله لهم ، والشر الذي يريدونه لأنفسهم . ومن ورائه يظهر انطماس البصيرة ، وعمى القلب ، والانتكاس الذي يستحق درك النار .
ثم يمضي السياق في التعجيب من أمر القوم ، الذين لا يدركون كل تلك الآيات الكونية ، فيطلبون آية واحدة ينزلها الله على رسوله . آية واحدة والكون حولهم كله آيات :
{ ويقول الذين كفروا : لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ، ولكل قوم هاد } . .
إنهم يطلبون خارقة . والخوارق ليست من عمل الرسول ولا اختصاصه . إنما يبعث بها الله معه ، حين يرى بحكمته أنها لازمة . { إنما انت منذر } محذر ومبصر . شأنك شأن كل رسول قبلك ، فقد بعث الله الرسل للأقوام للهداية { ولكل قوم هاد } فأما الآيات الخارقة فأمرها إلى مدبر الكون والعباد .
وبذلك تنتهي الجولة الأولى في الآفاق ، والتعقيبات عليها . ليبدأ السياق جولة جديدة في واد آخر : في الأنفس والمشاعر والأحياء :
{ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ، وما تغيض الأرحام وما تزداد ، وكل شيء عنده بمقدار . عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال .

سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار . له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله . إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له ، وما لهم من دونه من وال } . .
ويقف الحس مشدوهاً يرتعش تحت وقع هذه اللمسات العميقة في التصوير ، وتحت إيقاع هذه الموسيقى العجيبة في التعبير . يقف مشدوهاً وهو يقفو مسارب علم الله ومواقعه؛ وهو يتبع الحمل المكنون في الأرحام ، والسر المكنون في الصدور ، والحركة الخفية في جنح الليل؛ وكل مستخف وكل سارب وكل هامس وكل جاهر . وكل أولئك مكشوف تحت المجهر الكاشف ، يتتبعه شعاع من علم الله ، وتتعقبه حفظة تحصي خواطره ونواياه . . ألا إنها الرهبة الخاشعة التي لا تملك النفس معها إلا أن تلجأ إلى الله ، تطمئن في حماه . . وإن المؤمن بالله ليعلم أن علم الله يشمل كل شيء . ولكن وقع هذه القضية الكلية في الحس ، لا يقاس إلى وقع مفرداتها كما يعرض السياق بعضها في هذا التصوير العجيب .
وأين أية قضية تجريدية ، وأية حقيقة كلية في هذا المجال من قوله :
{ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد . وكل شيء عنده بمقدار } ؟
حين يذهب الخيال يتتبع كل أنثى في هذا الكون . . المترامي الأطراف . . كل أنثى . . كل أنثى في الوبر والمدر ، في البدو والحضر ، في البيوت والكهوف والمسارب والغابات . ويتصور علم الله مطلاً على كل حمل في أرحام هذه الإناث ، وعلى كل قطرة من دم تغيض أو تزداد في تلك الأرحام
وأين أية قضية تجريدية وأية حقيقة كلية في هذا المجال من قوله :
{ سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار . له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ؟
حين يذهب الخيال يتتبع كل هامس وكل جاهر ، وكل مستخف وكل سارب في هذا الكون الهائل . ويتصور علم الله يتعقب كل فرد من بين يديه ومن خلفه ، ويقيد عليه كل شاردة وكل واردة آناء الليل وأطراف النهار
إن اللمسات الأولى في آفاق الكون الهائل ليست بأضخم ولا أعمق من هذه اللمسات الأخيرة في أغوار النفس والغيب ومجاهيل السرائر . وإن هذه لكفء لتلك في مجال التقابل والتناظر . .
ونستعرض شيئاً من بدائع التعبير والتصوير في تلك الآيات :
{ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد . وكل شيء عنده بمقدار } . . فلما أن صور العلم بالغيض والزيادة في مكنونات الأرحام ، عقب بأن كل شيء عنده بمقدار . والتناسق واضح بين كلمة مقدار وبين النقص والزيادة . والقضية كلها ذات علاقة بإعادة الخلق فيما سبق من ناحية الموضوع .

كما أنها من ناحية الشكل والصورة ذات علاقة بما سيأتي بعدها من الماء الذي تسيل به الأودية { بقدرها } في السيولة والتقدير . . كما أن في الغيض والزيادة تلك المقابلة المعهودة في جو السورة على الإطلاق . .
{ عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال } . .
ولفظة { الكبير } ولفظة { المتعال } كلتاها تلقي ظلها في الحس . ولكن يصعب تصوير ذلك الظل بألفاظ أخرى . إنه ما من خلق حادث إلا وفيه نقص يصغره . وما يقال عن خلق من خلق الله كبير ، أو أمر من الأمور كبير ، أو عمل من الأعمال كبير ، حتى يتضاءل بمجرد أن يذكر الله . . وكذلك { المتعال } . . تراني قلت شيئاً؟ لا . ولا أي مفسر آخر للقرآن وقف أمام { الكبير المتعال }
{ سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار } . . والتقابل واضح في العبارة . إنما تستوقفنا كلمة { سارب } وهي تكاد بظلها تعطي عكس معناها ، فظلها ظل خفاء أو قريب من الخفاء . والسارب : الذاهب . فالحركة فيها هي المقصودة في مقابل الاستخفاء . هذه النعومة في جرس اللفظ وظله مقصودة هنا كي لا تخدش الجو . جو العلم الخفي اللطيف الذاهب وراء الحمل المكنون والسر الخافي والمستخفي بالليل والمعقبات التي لا تراها الأنظار . فاختار اللفظ الذي يؤدي معنى التقابل مع المستخفي ولكن في لين ولطف وشبه خفاء
{ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } . .
والحفظة التي تتعقب كل انسان ، وتحفظ كل شاردة وكل واردة وكل خاطرة وكل خالجة ، والتي هي من أمر الله ، لا يتعرض لها السياق هنا بوصف ولا تعريف . أكثر من أنها . . { من أمر الله } . . فلا نتعرض نحن لها : ما هي؟ وما صفاتها؟ وكيف تتعقب؟ وأين تكون؟ ولا نذهب بجو الخفاء والرهبة والتعقب الذي يسبغه السياق . فذلك هو المقصود هنا؛ وقد جاء التعبير بقدره؛ ولم يجئ هكذا جزافاً؛ وكل من له ذوق بأجواء التعبير يشفق من أن يشوه هذا الجو الغامض بالكشف والتفصيل
{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } . .
فهو يتعقبهم بالحفظة من أمره لمراقبة ما يحدثونه من تغيير بأنفسهم وأحوالهم فيرتب عليه الله تصرفه بهم . فإنه لا يغير نعمة أو بؤسى ، ولا يغير عزاً أو ذلة ، ولا يغير مكانة أو مهانة . . إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم ، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم . وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون . ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم ، ويجيء لاحقاً له في الزمان بالقياس إليهم .
وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة؛ فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنته ، أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر؛ وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم .

والنص صريح في هذا لا يحتمل التأويل . وهو يحمل كذلك إلى جانب التبعة دليل التكريم لهذا المخلوق الذي اقتضت مشيئة الله ، أن يكون هو بعمله أداة التنفيذ لمشيئة الله فيه .
وبعد تقرير المبدأ يبرز السياق حالة تغيير الله ما بقوم إلى السوء؛ لأنهم حسب المفهوم من الآية غيروا ما بأنفسهم إلى أسوء فأراد لهم الله السوء :
{ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال } . .
يبرز السياق هذا الجانب هنا دون الجانب الآخر لأنه في معرض الذين يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة . وقد قدم لهم هناك المغفرة على العذاب ليبرز غفلتهم ، وهو هنا يبرز العاقبة السوأى وحدها لإنذارهم حيث لا يرد عذاب الله عنهم إذا استحقوه بما في أنفسهم ولا يعصمهم منه وال يناصرهم . .
ثم يأخذ السياق في جولة جديدة في واد آخر ، موصول بذلك الوادي الذي كنا فيه . واد تجتمع فيه مناظر الطبيعة ومشاعر النفس ، متداخلة متناسقة في الصورة والظل والإيقاع . وتخيم عليه الرهبة والضراعة والجهد والإشفاق . وتظل النفس فيه في ترقب وحذر ، وفي تأثر وانفعال :
{ هو الذي يريكم البرق . خوفاً وطمعاً . وينشىء السحاب الثقال . ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته . ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ، وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال . له دعوة الحق ، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ، وما هو ببالغه ، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال . ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ، وظلالهم ، بالغدو والآصال . قل : من رب السماوات والأرض؟ قل : الله . قل : أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟ قل : هل يستوي الأعمى والبصير . أم هل تستوي الظلمات والنور؟ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل : الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار } . .
والبرق والرعد والسحاب مشاهد معروفة ، وكذلك الصواعق التي تصاحبها في بعض الأحيان . وهي بذاتها مشاهد ذات أثر في النفس سواء عند الذين يعرفون الكثير عن طبيعتها والذين لا يعرفون عن الله شيئاً والسياق يحشدها هنا؛ ويضيف إليها الملائكة والظلال والتسبيح والسجود والخوف والطمع ، والدعاء الحق والدعاء الذي لا يستجاب . ويضم إليها هيئة أخرى : هيئة ملهوف يتطلب الماء ، باسطاً كفيه ليبلغه ، فاتحاً فاه يتلقف منه قطرة . .
هذه كلها لا تتجمع في النص اتفاقاً أو جزافاً . إنما تتجمع لتلقي كلها ظلالها على المشهد ، وتلفه في جو من الرهبة والترقب ، والخوف والطمع ، والضراعة والارتجاف ، في سياق تصوير سلطان الله المتفرد بالقهر والنفع والضر ، نفياً للشركاء المدعاة ، وإرهاباً من عقبى الشرك بالله .

{ هو الذي يريكم البرق . خوفاً وطمعاً } . .
هو الله الذي يريكم هذه الظاهرة الكونية ، فهي ناشئة من طبيعة الكون التي خلقها هو على هذا النحو الخاص ، وجعل لها خصائصها وظواهرها . ومنها البرق الذي يريكم إياه وفق ناموسه ، فتخافونه لأنه بذاته يهز الأعصاب ، ولأنه قد يتحول إلى صاعقة ، ولأنه قد يكون نذيراً بسيل مدمر كما علمتكم تجاربكم . وتطمعون في الخير من ورائه ، فقد يعقبه المطر المدرار المحيي للموات ، المجري للأنهار .
{ وينشئ السحاب الثقال } . .
وهو كذلك الذي ينشئ السحاب والسحاب اسم جنس واحدته سحابة الثقال بالماء . فوفق ناموسه في خلقة هذا الكون وتركيبه تتكون السحب ، وتهطل الأمطار . ولو لم يجعل خلقة الكون على هذا النحو ما تكونت سحب ولا هطلت أمطار . ومعرفة كيف تتكون السحب ، وكيفية هطول الأمطار لا تفقد هذه الظاهرة الكونية شيئاً من روعتها ، ولا شيئاً من دلالتها . فهي تتكون وفق تركيب كوني خاص لم يصنعه أحد إلا الله . ووفق ناموس معين يحكم هذا التركيب لم يشترك في سنه أحد من عبيد الله كما أن هذا الكون لم يخلق نفسه ، ولا هو الذي ركب في ذاته ناموسه
والرعد . . الظاهرة الثالثة لجو المطر والبرق والرعد . . هذا الصوت المقرقع المدوي . إنه أثر من آثار الناموس الكوني ، الذي صنعه الله - أياً كانت طبيعته وأسبابه - فهو رجع صنع الله في هذا الكون ، فهو حمد وتسبيح بالقدرة التي صاغت هذا النظام . كما أن كل مصنوع جميل متقن يسبح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه بما يحمله من آثار صنعته من جمال وإتقان . . وقد يكون المدلول المباشر للفظ يسبح هو المقصود فعلاً ، ويكون الرعد { يسبح } فعلاً بحمد الله . فهذا الغيب الذي زواه الله عن البشر لا بد أن يتلقاه البشر بالتصديق والتسليم وهم لا يعلمون من أمر هذا الكون ولا من أمر أنفسهم إلا القليل
وقد اختار التعبير أن ينص على تسبيح الرعد بالحمد اتباعاً لمنهج التصوير القرآني في مثل هذا السياق ، وخلع سمات الحياة وحركاتها على مشاهد الكون الصامته لتشارك في المشهد بحركة من جنس المشهد كله كما فصلت هذا في كتاب التصوير الفني في القرآن والمشهد هنا مشهد أحياء في جو طبيعي . وفيه الملائكة تسبح من خيفته ، وفيه دعاء لله ، ودعاء للشركاء . وفيه باسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه . . ففي وسط هذا المشهد الداعي العابد المتحرك اشترك الرعد ككائن حي بصوته في التسبيح والدعاء . .
ثم يكمل جو الرهبة والابتهال والبرق والرعد والسحاب الثقال . . بالصواعق يرسلها فيصيب بها من يشاء . والصواعق ظاهرة طبيعية ناشئة من تركيب الكون على هذا المنوال؛ والله يصيب بها أحياناً من غيروا ما بأنفسهم واقتضت حكمته ألا يمهلهم ، لعلمه أن لا خير في إمهالهم ، فاستحقوا الهلاك .

.
والعجيب أنه في هول البرق والرعد والصواعق ، وفي زحمة تسبيح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وزمجرة العواصف بغضبه . . في هذا الهول ترتفع أصوات بشرية بالجدل في الله صاحب كل هذه القوى وباعث كل هذه الأصوات التي ترتفع على كل جدال وكل محال :
{ وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال }
وهكذا تضيع أصواتهم الضعيفة في غمرة هذا الهول المتجاوب بالدعاء والابتهال والرعد والقرقعة والصواعق ، الناطقة كلها بوجود الله الذي يجادلون فيه وبوحدانيته واتجاه التسبيح والحمد إليه وحده من أضخم مجالي الكون الهائل ، ومن الملائكة الذين يسبحون من خيفته ( وللخوف إيقاعه في هذا المجال ) فأين من هذا كله أصوات الضعاف من البشر وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال؟
وهم يجادلون في الله وينسبون إليه شركاء يدعونهم معه . ودعوة الله هي وحدها الحق؛ وما عداها باطل ذاهب ، لا ينال صاحبه منه إلا العناء :
{ له دعوة الحق ، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء ، إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } . .
والمشهد هنا ناطق متحرك جاهد لاهف . . فدعوة واحدة هي الحق ، وهي التي تحق ، وهي التي تستجاب . إنها دعوة الله والتوجه إليه والاعتماد عليه وطلب عونه ورحمته وهداه . وما عداها باطل وما عداها ضائع وما عداها هباء . . ألا ترون حال الداعين لغيره من الشركاء؟ انظروا هذا واحد منهم . ملهوف ظمآن يمد ذراعيه ويبسط كفيه . وفمه مفتوح يلهث بالدعاء . يطلب الماء ليبلغ فاه فلا يبلغه . وما هو ببالغه . بعد الجهد واللهفة والعناء . وكذلك دعاء الكافرين بالله الواحد حين يدعون الشركاء :
{ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } .
وفي أي جو لا يبلغ هذا الداعي اللاهف قطرة من ماء؟ في جو البرق والرعد والسحاب الثقال ، التي تجري هناك بأمر الله الواحد القهار
وفي الوقت الذي يتخذ هؤلاء الخائبون آلهة من دون الله ، ويتوجهون إليهم بالرجاء والدعاء ، إذا كل من في الكون يعنو لله . وكلهم محكومون بإرادته ، خاضعون لسنته ، مسيرون وفق ناموسه . المؤمن منهم يخضع طاعة وإيماناً ، وغير المؤمن يخضع أخذا وإرغاماً فما يملك أحد أن يخرج على إرادة الله ، ولا أن يعيش خارج ناموسه الذي سنه للحياة :
{ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ، وظلالهم ، بالغدو والآصال } . .
ولأن الجو جو عبادة ودعاء ، فإن السياق يعبر عن الخضوع لمشيئة الله بالسجود وهو اقصى رمز للعبودية ، ثم يضم إلى شخوص من في السماوات والأرض ، ظلالهم كذلك . ظلالهم بالغدو في الصباح ، وبالآصال عند انكسار الأشعة وامتداد الظلال . يضم هذه الظلال إلى الشخوص في السجود والخضوع والامتثال .

وهي في ذاتها حقيقة ، فالظلال تبع للشخوص . ثم تلقي هذه الحقيقة ظلها على المشهد ، فإذا هو عجب . وإذا السجود مزدوج : شخوص وظلال وإذا الكون كله بما فيه من شخوص وظلال جاثية خاضعة عن طريق الإيمان أو غير الإيمان سواء . كلها تسجد لله . . وأولئك الخائبون يدعون آلهة من دون الله
وفي جو هذا المشهد العجيب يتوجه إليهم بالأسئلة التهكمية . فما يجدر بالمشرك بالله في مثل هذا الجو إلا التهكم ، وما يستحق إلا السخرية والاستهزاء :
{ قل : من رب السماوات والأرض؟ قل : الله . قل : أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟ قل : هل يستوي الأعمى والبصير؟ أم هل تستوي الظلمات والنور؟ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل : الله خالق كل شيء ، وهو الواحد القهار } . .
سلهم وكل من في السماوات والأرض مأخوذ بقدرة الله وإرادته رضي أم كره : { من رب السماوات والأرض؟ } . . وهو سؤال لا ليجيبوا عنه ، فقد أجاب السياق من قبل . إنما ليسمعوا الجواب ملفوظاً وقد رأوه مشهوداً : { قل : الله } . . ثم سلهم : { أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟ } . . سلهم للاستنكار فهم بالفعل قد اتخذوا أولئك الأولياء . سلهم والقضية واضحة ، والفرق بين الحق والباطل واضح : وضوح الفارق بين الأعمى والبصير ، وبين الظلمات والنور . وفي ذكر الأعمى والبصير إشارة إليهم وإلى المؤمنين؛ فالعمى وحده هو الذي يصدهم عن رؤية الحق الواضح الجاهر الذي يحس بأثره كل من في السماوات والأرض . وفي ذكر الظلمات والنور إشارة إلى حالهم وحال المؤمنين ، فالظلمات التي تحجب الرؤية هي التي تلفهم وتكفهم عن الإدراك للحق المبين .
أم ترى هؤلاء الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله ، خلقوا مخلوقات كالتي خلقها الله . فتشابهت على القوم هذه المخلوقات وتلك ، فلم يدروا أيها من خلق الله وأيها من خلق الشركاء؟ فهم معذورون إذن إن كان الأمر كذلك ، في اتخاذ الشركاء ، فلهم من صفات الله تلك القدرة على الخلق ، التي بها يستحق المعبود العبادة؛ وبدونها لا تقوم شبهة في عدم استحقاقه
وهو التهكم المر على القوم يرون كل شيء من خلق الله ، ويرون هذه الآلهة المدعاة لم تخلق شيئاً ، وما هي بخالقة شيئاً ، إنما هي مخلوقة . وبعد هذا كله يعبدونها ويدينون لها في غير شبهة . وذلك أسخف وأحط ما تصل العقول إلى دركه من التفكير . .
والتعقيب على هذا التهكم اللاذع ، حيث لا معارضة ولا جدال ، بعد هذا السؤال :
{ قل : الله خالق كل شيء . وهو الواحد القهار } . .
فهي الوحدانية في الخلق ، وهي الوحدانية في القهر أقصى درجات السلطان وهكذا تحاط قضية الشركاء في مطلعها بسجود من في السماوات والأرض وظلالهم طوعاً وكرهاً لله؛ وفي ختامها بالقهر الذي يخضع له كل شيء في الأرض أو في السماء .

. وقد سبقته من قبل بروق ورعود وصواعق وتسبيح وتحميد عن خوف أو طمع . . فأين القلب الذي يصمد لهذا الهول ، إلا أن يكون أعمى مطموساً يعيش في الظلمات ، حتى يأخذه الهلاك؟
وقبل أن نغادر هذا الوادي نشير إلى التقابلات الملحوظة في طريقة الأداء . بين { خوفاً وطمعاً } وبين البرق الخاطف والسحاب الثقال و { الثقال } هنا ، بعد إشارتها إلى الماء ، تشارك في صفة التقابل مع البرق الخفيف الخاطف وبين تسبيح الرعد بحمده وتسبيح الملائكة من خيفته . وبين دعوة الحق ودعوة الجهد الضائع . وبين السماوات والأرض ، وسجود من فيهن طوعاً وكرهاً . وبين الشخوص والظلال . وبين الغدو والآصال . وبين الأعمى والبصير . وبين الظلمات والنور . وبين الخالق القاهر والشركاء الذين لا يخلقون شيئاً ، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً . . . وهكذا يمضي السياق على نهجه في دقة ملحوظة ولألاء باهر وتنسيق عجيب .
ثم نمضي مع السياق . يضرب مثلاً للحق والباطل . للدعوة الباقية والدعوة الذاهبة مع الريح . للخير الهادئ والشر المتنفج . والمثل المضروب هنا مظهر لقوة الله الواحد القهار . ولتدبير الخالق المدبر المقدر للأشياء . وهو من جنس المشاهد الطبيعية التي يمضي في جوها السياق .
{ أنزل من السماء ماء ، فسالت أودية بقدرها ، فاحتمل السيل زبداً رابياً : ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله . كذلك يضرب الله الحق والباطل . فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . كذلك يضرب الله الأمثال } . .
وإنزال الماء من السماء حتى تسيل به الوديان يتناسق مع جو البرق والرعد والسحاب الثقال في المشهد السابق؛ ويؤلف جانباً من المشهد الكوني العام ، الذي تجري في جوه قضايا السورة وموضوعاتها . وهو كذلك يشهد بقدرة الواحد القهار . . وأن تسيل هذه الأودية بقدرها ، كل بحسبه ، وكل بمقدار طاقته ومقدار حاجته يشهد بتدبير الخالق وتقديره لكل شيء . . وهي إحدى القضايا التي تعالجها السورة . . وليس هذا أو ذلك بعد إلا إطاراً للمثل الذي يريد الله ليضربه للناس من مشهود حياتهم الذي يمرون عليه دون انتباه .
إن الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية ، وهو يلم في طريقه غثاء ، فيطفو على وجهه في صورة الزبد حتى ليحجب الزبد الماء في بعض الأحيان . هذا الزبد نافش راب منتفخ . . ولكنه بعد غثاء . والماء من تحته سارب ساكن هادئ . . ولكنه هو الماء الذي يحمل الخير والحياة . . كذلك يقع في المعادن التي تذاب لتصاغ منها حلية كالذهب والفضة ، أو آنية أو آلة نافعة للحياة كالحديد والرصاص ، فإن الخبث يطفو وقد يحجب المعدن الأصيل . ولكنه بعدُ خبثٌ يذهب ويبقى المعدن في نقاء . .
ذلك مثل الحق والباطل في هذه الحياة . فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابياً طافياً ولكنه بعدُ زبد أو خبث ، ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحاً لا حقيقة له ولا تماسك فيه .

والحق يظل هادئاً ساكناً . وربما يحسبه بعضهم قد انزوى أو غار أو ضاع أو مات . ولكنه هو الباقي في الأرض كالماء المحيي والمعدن الصريح ، ينفع الناس ، { كذلك يضرب الله الأمثال } وكذلك يقرر مصائر الدعوات ، ومصائر الاعتقادات . ومصائر الأعمال والأقوال . وهو الله الواحد القهار ، المدبر للكون والحياة ، العليم بالظاهر والباطن ، والحق والباطل والباقي والزائل .
فمن استجاب لله فله الحسنى . والذين لم يستجيبوا له يلاقون من الهول ما يود أحدهم لو ملك ما في الأرض ومثله معه أن يفتدى به . وما هو بمفتد ، إنما هو الحساب الذي يسوء ، وإنما هي جهنم لهم مهاد . ويا لسوء المهاد :
{ للذين استجابوا لربهم الحسنى ، والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به ، أولئك لهم سوء الحساب ، ومأواهم جهنم وبئس المهاد } . . .
ويتقابل الذين يستجيبون مع الذين لا يستجيبون . وتتقابل الحسنى مع سوء العذاب . .
ومع جهنم وبئس المهاد . . على منهج السورة كلها وطريقتها المطردة في الأداء . .

أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)

بعد المشاهد الهائلة في آفاق الكون وفي أعماق الغيب ، وفي أغوار النفس التي استعرضها شطر السورة الأول ، يأخذ الشطر الثاني في لمسات وجدانية وعقلية ، وتصويرية دقيقة رفيقة ، حول قضية الوحي والرسالة ، وقضية التوحيد والشركاء ، ومسألة الآيات واستعجال تأويل الوعيد . . وهي جولة جديدة حول تلك القضايا في السورة .
وتبدأ هذه الجولة بلمسة في طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر ، فالأول علم والثاني عمى . وفي طبيعة المؤمنين وطبيعة الكافرين والصفات المميزة لهؤلاء وهؤلاء . يتلوها مشهد من مشاهد القيامة ، وما فيها من نعيم للأولين ومن عذاب للآخرين . فلمسة في بسط الرزق وتقديره وردهما إلى الله . فجولة مع القلوب المؤمنة المطمئنة بذكر الله . فوصف لهذا القرآن الذي يكاد يسير الجبال وتقطع به الأرض ويكلم به الموتى . فلمسة بما يصيب الكفار من قوارع تنزل بهم أو تحل قريباً من دارهم . فجدل تهكمي حول الآلهة المدعاة . فلمسة من مصارع الغابرين ونقص أطراف الأرض منهم حيناً بعد حين . يختم هذا كله بتهديد الذين يكذبون برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم بتركهم للمصير المعلوم
من ذلك نرى أن الإيقاعات والمطارق المتوالية في شطر السورة الأول ، تحضّر المشاعر وتهيئها لمواجهة القضايا والمسائل في شطرها الثاني ، وهي على استعداد وتفتح لتلقيها؛ وأن شطري السورة متكاملان؛ وكل منهما يوقع على الحس طرقاته وإيحاءاته لهدف واحد وقضية واحدة .
والقضية الأولى هي قضية الوحي . وقد أثيرت في صدر السورة . وهي تثار هنا مرة أخرى على نسق جديد . .
{ أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى؟ إنما يتذكر أولوا الألباب } . .
إن المقابل لمن يعلم أن أنزل إليك من ربك هو الحق ليس هو من لا يعلم هذا ، إنما المقابل هو الأعمى وهو أسلوب عجيب في لمس القلوب وتجسيم الفروق ، وهو الحق في الوقت ذاته لا مبالغة فيه ولا زيادة ولا تحريف . فالعمى وحده هو الذي ينشئ الجهل بهذه الحقيقة الكبرى الواضحة التي لا تخفى إلا على أعمى . والناس إزاء هذه الحقيقة الكبيرة صنفان : مبصرون فهم يعلمون ، وعمي فهم لا يعلمون والعمى عمى البصيرة ، وانطماس المدارك ، واستغلاق القلوب ، وانطفاء قبس المعرفة في الأرواح ، وانفصالها عن مصدر الإشعاع . .
{ إنما يتذكر أولو الألباب } . .
الذين لهم عقول وقلوب مدركة تذكر بالحق فتتذكر ، وتنبه إلى دلائله فتتفكر .
وهذه صفات أولي الألباب هؤلاء :
{ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق } . .
وعهد الله مطلق يشمل كل عهد ، وميثاق الله مطلق يشمل كل ميثاق . والعهد الأكبر الذي تقوم عليه العهود كلها هو عهد الإيمان؛ والميثاق الأكبر الذي تتجمع عليه المواثيق كلها هو ميثاق الوفاء بمقتضيات هذا الإيمان .

وعهد الإيمان قديم وجديد . قديم مع الفطرة البشرية المتصلة بناموس الوجود كله؛ المدركة إدراكاً مباشراً لوحدة الإرادة التي صدر عنها الوجود ، ووحدة الخالق صاحب الإرادة ، وأنه وحده المعبود . وهو الميثاق المأخوذ على الذرية في ظهور بني آدم فيما ارتضيناه لها من تفسير . . ثم هو جديد مع الرسل الذين بعثهم الله لا لينشئوا عهد الإيمان ولكن ليجددوه ويذكروا به ويفصلوه ، ويبينوا مقتضياته من الدينونة لله وحده والانخلاع من الدينونة لسواه ، مع العمل الصالح والسلوك القويم ، والتوجه به إلى الله وحده صاحب الميثاق القديم . .
ثم تترتب على العهد الإلهي والميثاق الرباني كل العهود والمواثيق مع البشر . سواء مع الرسول أو مع الناس . ذوي قرابة أو أجانب . أفراداً أم جماعات . فالذي يرعى العهد الأول يرعى سائر العهود ، لأن رعايتها فريضة؛ والذي ينهض بتكاليف الميثاق الأول يؤدي كل ما هو مطلوب منه للناس ، لأن هذا داخل في تكاليف الميثاق .
فهي القاعدة الضخمة الأولى التي يقوم عليها بنيان الحياة كله . يقررها في كلمات .
{ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ، ويخشون ربهم ، ويخافون سوء الحساب } . .
هكذا في إجمال . فكل ما أمر الله به أن يوصل يصلونه . أي أنها الطاعة الكاملة والاستقامة الواصلة ، والسير على السنة ووفق الناموس بلا انحراف ولا التواء . لهذا ترك الأمر مجملاً ، ولم يفصل مفردات ما أمر الله به أن يوصل ، لأن هذا التفصيل يطول ، وهو غير مقصود ، إنما المقصود هو تصوير الاستقامة المطلقة التي لا تلتوي ، والطاعة المطلقة التي لا تتفلت ، والصلة المطلقة التي لا تنقطع . . ويلمح عجز الآية إلى الشعور المصاحب في نفوسهم لهذه الطاعة الكاملة :
{ ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب } . .
فهي خشية الله ومخافة العقاب الذي يسوء في يوم لقائه الرهيب . وهم أولو الألباب الذين يتدبرون الحساب قبل يوم الحساب .
{ والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم } . .
والصبر ألوان . وللصبر مقتضيات . صبر على تكاليف الميثاق . من عمل وجهاد ودعوة واجتهاد . . الخ وصبر على النعماء والبأساء . وقل من يصبر على النعمة فلا يبطر ولا يكفر . وصبر على حماقات الناس وجهالاتهم وهي تضيق الصدور . . وصبر وصبر وصبر . . كله ابتغاء وجه ربهم ، لا تحرجاً من أن يقول الناس : جذعوا . ولا تجملاً ليقول الناس : صبروا . ولا رجاء في نفع من وراء الصبر . ولا دفعاً لضر يأتي به الجزع . ولا لهدف واحد غير ابتغاء وجه الله ، والصبر على نعمته وبلواه . صبر التسليم لقضائه والاستسلام لمشيئته والرضى والاقتناع . .
{ وأقاموا الصلاة } . .
وهي داخلة في الوفاء بعهد الله وميثاقه ، ولكنه يبرزها لأنها الركن الأول لهذا الوفاء ، ولأنها مظهر التوجه الخالص الكامل لله ، ولأنها الصلة بين العبد والرب ، الخالصة له ليس فيها من حركة ولا كلمة لسواه .
{ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية } .

.
وهي داخلة في وصل ما أمر الله به أن يوصل ، وفي الوفاء بتكاليف الميثاق . ولكنه يبرزها لأنها الصلة بين عباد الله ، التي تجمعهم في الله وهم في نطاق الحياة . والتي تزكي نفس معطيها من البخل ، وتزكي نفس آخذها من الغل؛ وتجعل الحياة في المجتمع المسلم لائقة بالبشر المتعاونين المتضامنين الكرام على الله . والإنفاق سراً وعلانية . السر حيث تصان الكرامة وتطلب المروءة ، وتتحرج النفس من الإعلان . والعلانية حيث تطلب الأسوة ، وتنفذ الشريعة ، ويطاع القانون . ولكل موضعه في الحياة .
{ ويدرأون بالحسنة السيئة } . .
والمقصود أنهم يقابلون السيئة بالحسنة في التعاملات اليومية لا في دين الله . ولكن التعبير يتجاوز المقدمة إلى النتيجة . فمقابلة السيئة بالحسنة تكسر شرة النفوس ، وتوجهها إلى الخير؛ وتطفئ جذوة الشر ، وترد نزغ الشيطان ، ومن ثم تدرأ السيئة وتدفعها في النهاية . فعجل النص بهذه النهاية وصدر بها الآية ترغيباً في مقابلة السيئة بالحسنة وطلباً لنتيجتها المرتقبة . .
ثم هي إشارة خفية إلى مقابلة السيئة بالحسنة عندما يكون في هذا درء السيئة ودفعها لا إطماعها واستعلاؤها فأما حين تحتاج السيئة إلى القمع ، ويحتاج الشر إلى الدفع ، فلا مكان لمقابلتها بالحسنة ، لئلا ينتفش الشر ويتجرأ ويستعلي .
ودرء السيئة بالحسنة يكون غالباً في المعاملة الشخصية بين المتماثلين . فأما في دين الله فلا . . إن المستعلي الغاشم لا يجدي معه إلا الدفع الصارم . والمفسدون في الأرض لا يجدي معهم إلا الأخذ الحاسم . والتوجيهات القرآنية متروكة لتدبر المواقف ، واستشارة الألباب ، والتصرف بما يرجح أنه الخير والصواب .
{ أولئك لهم عقبى الدار : جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم؛ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب . سلام عليكم بما صبرتم ، فنعم عقبى الدار } . .
{ أولئك } في مقامهم العالي لهم عقبى الدار : جنات عدن للإقامة والقرار .
في هذه الجنات يأتلف شملهم مع الصالحين من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم . وهؤلاء يدخلون الجنة بصلاحهم واستحقاقهم . ولكنهم يكرمون بتجمع شتاتهم ، وتلاقي أحبابهم ، وهي لذة أخرى تضاعف لذة الشعور بالجنان .
وفي جو التجمع والتلاقي يشترك الملائكة في التأهيل والتكريم ، في حركة رائحة غادية :
{ يدخلون عليهم من كل باب } . .
ويدعنا السياق نرى المشهد حاضراً وكأنما نشهده ونسمع الملائكة أطوافاً أطوافاًً :
{ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } . .
فهو مهرجان حافل باللقاء والسلام والحركة الدائبة والإكرام .
وعلى الضفة الأخرى أولئك الذين لا ألباب لهم فيتذكروا . ولا بصيرة لهم فيبصروا . وهم على النقيض في كل شيء مع أولي الألباب :
{ والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ، ويفسدون في الأرض . أولئك لهم اللعنة ، ولهم سوء الدار } . .
إنهم ينقضون عهد الله المأخوذ على الفطرة في صورة الناموس الأزلي؛ وينقضون من بعده كل عهد ، فمتى نقض العهد الأول فكل عهد قائم عليه منقوض من الأساس .

الذي لا يرعى الله لا يبقى على عهد ولا ميثاق . ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل على وجه العموم والإطلاق . ويفسدون في الأرض في مقابل صبر أولئك وإقامتهم للصلاة وإنفاقهم سراً وعلانية ودرء السيئة بالحسنة . فالإفساد في الأرض يقابل هذا كله ، وترك شيء من هذا كله إنما هو إفساد أو دافع إلى الإفساد .
{ أولئك } . . المبعدون المطرودون { لهم اللعنة } والطرد في مقابل التكريم هناك { ولهم سوء الدار } ولا حاجة إلى ذكرها ، فقد عرفت بمقابلها هناك
أولئك فرحوا بالحياة الدنيا ومتاعها الزائل فلم يتطلعوا إلى الآخرة ونعيمها المقيم . مع أن الله هو الذي يقدر الرزق فيوسع فيه أو يضيق فالأمر كله إليه في الأولى والآخرة على السواء . ولو ابتغوا الآخرة ما حرمهم الله متاع الأرض ، وهو الذي أعطاهم إياه :
{ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر . وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } . .
ولقد سبقت الإشارة إلى الفارق الضخم بين من يعلم أن ما أنزل إلى الرسول من ربه هو الحق ، ومن هو أعمى . فالآن يحكي السياق شيئاً عن العمي الذين لا يرون آيات الله في الكون ، والذين لا يكفيهم هذا القرآن ، فإذا هم يطلبون آية . وقد حكى السياق شيئاً كهذا في شطر السورة الأول ، وعقب عليه بأن الرسول ليس إلا منذراً والآيات عند الله . وهو الآن يحكيه ويعقب عليه ببيان أسباب الهدى وأسباب الضلال . ويضع إلى جواره صورة القلوب المطمئنة بذكر الله ، لا تقلق ولا تطلب خوارق لتؤمن وهذا القرآن بين أيديها . هذا القرآن العميق التأثير ، حتى لتكاد تسير به الجبال وتقطع به الأرض ، ويكلم به الموتى لما فيه من سلطان وقوة ودفعة وحيوية . وينهي الحديث عن هؤلاء الذين يتطلبون القوارع والخوارق بتيئيس المؤمنين منهم ، وبتوجيههم إلى المثلات من قبلهم ، وإلى ما يحل بالمكذبين من حولهم بين الحين والحين :
{ ويقول الذين كفروا : لولا أنزل عليه آية من ربه قل : إن الله يضل من يشاء ، ويهدي إليه من أناب : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله . ألا بذكر الله تطمئن القلوب . الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب } . .
{ كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك ، وهم يكفرون بالرحمن . قل : هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ، وإليه متاب } . .
{ ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى . بل لله الأمر جميعاً . أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً . ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله . إن الله لا يخلف الميعاد .

ولقد استهزىء برسل من قبلك ، فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم . فكيف كان عقاب؟ } . .
إن الرد على طلبهم آية خارقة ، أن الآيات ليست هي التي تقود الناس إلى الإيمان ، فللإيمان دواعيه الأصيلة في النفوس ، وأسبابه المؤدية إليه من فعل هذه النفوس :
{ قل : إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب } . .
فالله يهدي من ينيبون إليه . فالإنابة إلى الله هي التي جعلتهم أهلاً لهداه . والمفهوم إذن أن الذين لا ينيبون هم الذين يستأهلون الضلال ، فيضلهم الله . فهو استعداد القلب للهدى وسعيه إليه وطلبه ، أما القلوب التي لا تتحرك إليه فهو عنها بعيد . .
ثم يرسم صورة شفيفة للقلوب المؤمنة . في جو من الطمأنينة والأنس والبشاشة والسلام :
{ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله } . .
تطمئن بإحساسها بالصلة بالله ، والأنس بجواره ، والأمن في جانبه وفي حماه . تطمئن من قلق الوحدة ، وحيرة الطريق . بإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ والمصير . وتطمئن بالشعور بالحماية من كل اعتداء ومن كل ضر ومن كل شر إلا بما يشاء ، مع الرضى بالابتلاء والصبر على البلاء . وتطمئن برحمته في الهداية والرزق والستر في الدنيا والآخرة :
{ ألا بذكر الله تطمئن القلوب } . .
ذلك الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم ، فاتصلت بالله . يعرفونها ، ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها ، لأنها لا تنقل بالكلمات ، إنما تسري في القلب فيستروحها ويهش لها ويندى بها ويستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام ، ويحس أنه في هذا الوجود ليس مفرداً بلا أنيس . فكل ما حوله صديق ، إذ كل ما حوله من صنع الله الذي هو في حماه .
وليس أشقى على وجه الأرض ممن يحرمون طمأنينة الأنس إلى الله . ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتوت الصلة بما حوله في الكون ، لأنه انفصم من العروة الوثقى التي تربطه بما حوله في الله خالق الكون . ليس أشقى ممن يعيش لا يدري لم جاء؟ ولم يذهب؟ ولم يعاني ما يعاني في الحياة؟ ليس أشقى ممن يسير في الأرض يوجس من كل شيء خيفة لأنة لا يستشعر الصلة الخفية بينه وبين كل شيء في هذا الوجود . ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه فريداً وحيداً شارداً في فلاة ، عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين .
وإن هناك للحظات في الحياة لا يصمد لها بشر إلا أن يكون مرتكناً إلى الله ، مطمئناً إلى حماه ، مهما اوتي من القوة والثبات والصلابة والاعتداد . . ففي الحياة لحظات تعصف بهذا كله ، فلا يصمد لها إلا المطمئنون بالله :
{ ألا بذكر الله تطمئن القلوب } . .
هؤلاء المنيبون إلى الله ، المطمئنون بذكر الله ، يحسن الله مآبهم عنده ، كما أحسنوا الإنابة إليه وكما أحسنوا العمل في الحياة :
{ الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب } .

.
طوبى ( على وزن كبرى من طاب يطيب ) للتفخيم والتعظيم . وحسن مآب إلى الله الذي أنابوا إليه في الحياة . .
أما أولئك الذين يطلبون آية فلم يستشعروا طمأنينة الإيمان فهم في قلق يطلبون الخوارق والمعجزات . ولست أول رسول جاء لقومه بمثل ما جئت به حتى يكون الأمر عليهم غريباً ، فقد خلت من قبلهم الأمم وخلت من قبلهم الرسل . فإذا كفروا هم فلتمض على نهجك ولتتوكل على الله :
{ كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم ، لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك ، وهم يكفرون بالرحمن . قل : هو ربي لا إله إلا هو ، عليه توكلت وإليه متاب } .
والعجيب أنهم يكفرون بالرحمن ، العظيم الرحمة ، الذي تطمئن القلوب بذكره ، واستشعار رحمته الكبرى . وما عليك إلا أن تتلو عليهم الذي أوحينا إليك ، فلهذا أرسلناك . فإن يكفروا فأعلن لهم أن اعتمادك على الله وحده ، وأنك تائب إليه وراجع ، لا تتجه إلى أحد سواه .
وإنما أرسلناك لتتلو عليهم هذا القرآن . هذا القرآن العجيب ، الذي لو كان من شأن قرآن أن تسير به الجبال أو تقطع به الأرض . أو يكلم به الموتى ، لكان في هذا القرآن من الخصائص والمؤثرات ، ما تتم معه هذه الخوارق والمعجزات . ولكنه جاء لخطاب المكلفين الأحياء . فإذا لم يستجيبوا فقد آن أن ييأس منهم المؤمنون ، وأن يدعوهم حتى يأتي وعد الله للمكذبين :
{ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ، أو قطعت به الأرض ، أو كلم به الموتى . بل لله الأمر جميعاً . أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً . ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله . إن الله لا يخلف الميعاد } . .
ولقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقته وتكيفت به أكثر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى . لقد صنع في هذه النفوس وبهذه النفوس خوارق أضخم وأبعد آثاراً في أقدار الحياة ، بل أبعد أثراً في شكل الأرض ذاته . فكم غير الإسلام والمسلمون من وجه الأرض ، إلى جانب ما غيروا من وجه التاريخ؟
وإن طبيعة هذا القرآن ذاتها . طبيعته في دعوته وفي تعبيره . طبيعته في موضوعه وفي أدائه . طبيعته في حقيقته وفي تأثيره . . إن طبيعة هذا القرآن لتحتوي على قوة خارقة نافذة ، يحسها كل من له ذوق وبصر وإدراك للكلام ، واستعداد لإدراك ما يوجه إليه ويوحي به . والذين تلقوه وتكيفوا به سيروا ما هو أضخم من الجبال ، وهو تاريخ الأمم والأجيال؛ وقطعوا ما هو أصلب من الأرض ، وهو جمود الأفكار وجمود التقاليد . وأحيوا ما هو أخمد من الموتى . وهو الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام . والتحول الذي تم في نفوس العرب وحياتهم فنقلهم تلك النقلة الضخمة دون أسباب ظاهرة إلا فعل هذا الكتاب ومنهجه في النفوس والحياة ، أضخم بكثير من تحول الجبال عن رسوخها ، وتحول الأرض عن جمودها ، وتحول الموتى عن الموات
{ بل لله الأمر جميعاً } .

.
وهو الذي يختار نوع الحركة وأداتها في كل حال .
فإذا كان قوم بعد هذا القرآن لم تتحرك قلوبهم فما أجدر المؤمنين الذي يحاولون تحريكها أن ييأسوا من القوم؛ وأن يدعوا الأمر لله ، فلو شاء لخلق الناس باستعداد واحد للهدى ، فلهدى الناس جميعاً على نحو خلقة الملائكة لو كان يريد . أو لقهرهم على الهدى بأمر قدري منه . . ولكن لم يرد هذا ولا ذاك . لأنه خلق هذا الإنسان لمهمة خاصة يعلم سبحانه أنها تقتضي خلقته على هذا النحو الذي كان .
فليدعوهم إذن لأمر الله . وإذا كان الله قد قدر ألا يهلكهم هلاك استئصال في جيل كبعض الأقوام قبلهم ، فإن قارعة من عنده بعد قارعة تنزل بهم فتصيبهم بالضر والكرب ، وتهلك من كتب عليه منهم الهلاك .
{ أو تحل قريباً من دارهم } . .
فتروعهم وتدعهم في قلق وانتظار لمثلها؛ وقد تلين بعض القلوب وتحركها وتحييها .
{ حتى يأتي وعد الله } . .
الذي أعطاهم إياه ، وأمهلهم إلى انتهاء أجله :
{ إن الله لا يخلف الميعاد } . .
فهو آت لا ريب فيه ، فملاقون فيه ما وعدوه .
والأمثلة حاضرة ، وفي مصارع الغابرين عبرة ، بعد الإنظار والإمهال :
{ ولقد أستهزئ برسل من قبلك ، فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم ، فكيف كان عقاب؟ } .
وهو سؤال لا يحتاج إلى جواب . فلقد كان عقاباً تتحدث به الأجيال
والقضية الثانية هي قضية الشركاء . وقد أثيرت في الشطر الأول من السورة كذلك . وهي تثار هنا في سؤال تهكمي حين تقرن هذه الشركاء إلى الله القائم على كل نفس ، المجازي لها بما كسبت في الحياة . وتنتهي هذه الجولة بتصوير العذاب الذي ينتظر المفترين لهذه الفرية في الدنيا والعذاب الأشق في الآخرة . وفي مقابلة ما ينتظر المتقين من أمن وسلام
{ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ وجعلوا لله شركاء . قل : سموهم . أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض؟ أم بظاهر من القول؟ بل زين للذين كفروا مكرهم ، وصدوا عن السبيل ، ومن يضلل الله فما له من هاد . لهم عذاب في الحياة الدنيا ، ولعذاب الآخرة أشق ، وما لهم من الله من واق } . .
{ مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها . تلك عقبى الذين اتقوا . وعقبى الكافرين النار } . .
والله سبحانه رقيب على كل نفس ، مسيطر عليها في كل حال ، عالم بما كسبت في السر والجهر . ولكن التعبير القرآني المصور يشخص الرقابة والسيطرة والعلم في صورة حسية على طريقة القرآن صورة ترتعد لها الفرائص :
{ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } .

.
فلتتصور كل نفس أن عليها حارساً قائماً عليها مشرفاً مراقباً يحاسبها بما كسبت . ومن؟ إنه الله فأية نفس لا ترتعد لهذه الصورة وهي في ذاتها حق ، إنما يجسمها التعبير للإدراك البشري الذي يتأثر بالحسيات أكثر مما يتأثر بالتجريديات .
أفذلك كذلك؟ ثم يجعلون لله شركاء؟ هنا يبدو تصرفهم مستنكراً مستغرباً في ظل هذا المشهد الشاخص المرهوب .
{ وجعلوا لله شركاء } . .
الله القائم على كل نفس بما كسبت ، لا تفلت منه ولا تروغ .
{ قل : سموهم } فإنهم نكرات مجهولة . وقد تكون لهم أسماء . ولكن التعبير هنا ينزلهم منزلة النكرات التي لا تعرف أسماؤها .
{ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض؟ } . . يا للتهكم أم إنكم أنتم البشر تعلمون ما لا يعلمه الله؟ فتعلمون أن هناك آلهة في الأرض ، وغاب هذا عن علم الله؟ إنها دعوى لا يجرؤون على تصورها . ومع هذا فهم يقولونها بلسان الحال ، حين يقول الله أن ليست هناك آلهة ، فيدعون وجودها وقد نفاه الله
{ أم بظاهر من القول؟ } .
تدعون وجودها بكلام سطحي ليس وراءه مدلول . وهل قضية الألوهية من التفاهة والهزل بحيث يتناولها الناس بظاهر من القول؟
وينتهي هذا التهكم بالتقرير الجاد الفاصل :
{ بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل . ومن يضلل الله فما له من هاد } . .
فالمسألة إذن أن هؤلاء كفروا وستروا أدلة الإيمان عنهم وستروا نفوسهم عن دلائل الهدى ، فحقت عليهم سنة الله ، وصورت لهم نفوسهم أنهم على صواب ، وأن مكرهم وتدبيرهم ضد الدعوة حسن وجميل ، فصدهم هذا عن السبيل الواصل المستقيم . ومن تقتضي سنة الله ضلاله لأنه سار في طريق الضلال فلن يهديه أحد ، لأن سنة الله لا تتوقف إذا حقت بأسبابها على العباد .
والنهاية الطبيعية لهذه القلوب المنتكسة هي العذاب :
{ لهم عذاب في الحياة الدنيا } .
إن أصابتهم قارعة فيها ، وإن حلت قريباً من دارهم فهو الرعب والقلق والتوقع . وإلا فجفاف القلب من بشاشة الإيمان عذاب ، وحيرة القلب بلا طمأنينة الإيمان عذاب . ومواجهة كل حادث بلا إدراك للحكمة الكبرى وراء الأحداث عذاب . .
{ ولعذاب الآخرة أشق } . .
ويتركه هنا بلا تحديد للتصور والتخيل بلا حدود .
{ وما لهم من الله من واق } .
يحميهم من أخذه ، ومن نكاله . فهم معرضون بلا وقاية لما ينزله من عذاب . .
وعلى الضفة الأخرى { المتقون } . . في مقابل { وما لهم من الله من واق } . المتقون الذين وقوا أنفسهم بالإيمان والصلاح فهم في مأمن من العذاب . بل لهم فوق الأمن الجنة التي وعدوها : { ذلك مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها } فهو المتاع والاسترواح ومشهد الظل الدائم والثمر الدائم مشهد تطمئن له النفس وتستريح في مقابل المشقة هناك :
ذلك العذاب وهذه الجنة هما النهاية الطبيعية لهؤلاء وهؤلاء :
{ تلك عقبى الذين اتقوا .

وعقبى الكافرين النار } . .
ويمضي السياق مع قضية الوحي وقضية التوحيد معاً يتحدث عن موقف أهل الكتاب من القرآن ومن الرسول صلى الله عليه وسلم ويبين للرسول أن ما أنزل عليه هو الحكم الفصل فيما جاءت به الكتب قبله ، وهو المرجع الأخير ، أثبت الله فيه ما شاء إثباته من أمور دينه الذي جاء به الرسل كافة؛ ومحا ما شاء محوه مما كان فيها لانقضاء حكمته . فليقف عندما أنزل عليه ، لا يطيع فيه أهواء أهل الكتاب في كبيرة ولا صغيرة . أما الذين يطلبون منه آية ، فالآيات بإذن الله وعلى الرسول البلاغ .
{ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ، ومن الأحزاب من ينكر بعضه . قل : إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ، إليه أدعو ، وإليه مآب . وكذلك أنزلناه حكماً عربياً ، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق . ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك ، وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله . لكل أجل كتاب . يمحو الله ما يشاء . ويثبت ، وعنده أم الكتاب . وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ، فإنما عليك البلاغ ، وعلينا الحساب } . .
إن الفريق الصادق من أهل الكتاب في الاستمساك بدينه ، يجد في هذا القرآن مصداق القواعد الأساسية في عقيدة التوحيد؛ كما يجد الاعتراف بالديانات التي سبقته وكتبها ، ودرسها مع الإكبار والتقدير ، وتصور الآصرة الواحدة التي تربط المؤمنين بالله جميعاً . فمن ثم يفرحون ويؤمنون . والتعبير بالفرح هنا حقيقة نفسية في القلوب الصافية وهو فرح الالتقاء على الحق ، وزيادة اليقين بصحة ما لديهم ومؤازرة الكتاب الجديد له . .
{ ومن الأحزاب من ينكر بعضه } . .
الأحزاب من أهل الكتاب والمشركين . . ولم يذكر السياق هذا البعض الذي ينكرونه ، لأنه الغرض هو ذكر هذا الإنكار للرد عليه :
{ قل : إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به . إليه أدعوا وإليه مآب } . .
فله وحده العبادة ، وإليه وحده الدعوة ، وله وحده المآب .
وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلن منهجه في مواجهة من ينكر بعض الكتاب ، وهو استمساكه الكامل بكامل الكتاب الذي أنزل إليه من ربه ، سواء فرح به أهل الكتاب كله ، أم أنكر فريق منهم بعضه . ذلك أن ما أنزل إليه هو الحكم الأخير ، نزل بلغته العربية وهو مفهوم له تماماً ، وإليه يرجع ما دام هو حكم الله الأخير في العقيدة :
{ وكذلك أنزلناه حكماً عربياً } . .
{ ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من واق } .

.
فالذي جاءك هو العلم اليقين ، وما يقوله الأحزاب أهواء لا تستند إلى علم أو يقين . وهذا التهديد الموجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أبلغ في تقرير هذه الحقيقة ، التي لا تسامح في الانحراف عنها ، حتى ولو كان من الرسول ، وحاشاه عليه الصلاة والسلام .
وإذا كان هناك اعتراض على بشرية الرسول فقد كان الرسل كلهم بشراً :
{ ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك ، وجعلنا لهم أزواجاً وذرية } .
وإذا كان الاعتراض بأنه لم يأت بخارقة مادية ، فذلك ليس من شأنه إنما هو شأن الله :
{ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } . .
وفق ما تقتضيه حكمته وعندما يشاء .
وإذا كان هناك خلاف جزئي بين ما أنزل على الرسول وما عليه أهل الكتاب ، فإن لكل فترة كتاباً ، وهذا هو الكتاب الأخير :
{ لكل أجل كتاب . يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } . .
فما انقضت حكمته يمحوه ، وما هو نافع يثبته . وعنده أصل الكتاب ، المتضمن لكل ما يثبته وما يمحوه . فعنه صدر الكتاب كله ، وهو المتصرف فيه ، حسبما تقتضي حكمته ، ولا راد لمشيئته ولا اعتراض .
وسواء أخذهم الله في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء مما أوعدهم ، أو توفاه إليه قبل ذلك ، فإن هذا لا يغير من الأمر شيئاً ، ولا يبدل من طبيعة الرسالة وطبيعة الألوهية :
{ وإمّا نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } . .
وفي هذا التوجيه الحاسم ما فيه من بيان طبيعة الدعوة وطبيعة الدعاة . . إن الدعاة إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا تكاليف الدعوة في كل مراحلها؛ وليس عليهم أن يبلغوا بها إلا ما يشاؤه الله . كما أنه ليس لهم أن يستعجلوا خطوات الحركة ، ولا أن يشعروا بالفشل والخيبة ، إذا رأوا قدر الله يبطئ بهم عن الغلب الظاهر والتمكين في الأرض ، إنهم دعاة وليسوا إلا دعاة .
وإن يد الله القوية لبادية الآثار فيما حولهم ، فهي تأتي الأمم القوية الغنية حين تبطر وتكفر وتفسد فتنقص من قوتها وتنقص من ثرائها وتنقص من قدرها؛ وتحصرها في رقعة من الأرض ضيقة بعد أن كانت ذات سلطان وذات امتداد ، وإذا حكم الله عليها بالانحسار فلا معقب لحكمه ، ولا بد له من النفاذ :
{ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه ، وهو سريع الحساب } . .
وليسوا هم بأشد مكراً ولا تدبيراً ولا كيداً ممن كان قبلهم . فأخذهم الله وهو أحكم تدبيراً وأعظم كيداً :
{ وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعاً . يعلم ما تكسب كل نفس ، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } . .
ويختم السورة بحكاية إنكار الكفار للرسالة . وقد بدأها بإثبات الرسالة .

فيلتقي البدء والختام . ويشهد الله مكتفياً بشهادته . وهو الذي عنده العلم المطلق بهذا الكتاب وبكل كتاب :
{ ويقول الذين كفروا : لست مرسلاً . قل : كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ، ومن عنده علم الكتاب } .
وتنتهي السورة وقد طوفت بالقلب البشري في أرجاء الكون ، وأرجاء النفس ، ووقعت عليه إيقاعات مطردة مؤثرة عميقة . وتركته بعد ذلك إلى شهادة الله التي جاء بها المطلع وجاء بها الختام ، والتي يحسم بها كل جدل ، وينتهي بعدها كل كلام . .
وبعد . . ففي السورة معالم للعقيدة الإسلامية ، وللمنهج القرآني في عرض هذه العقيدة . . وكان من حق هذه المعالم أن نقف عندها في مواضعها؛ لولا أننا آثرنا ألا نقطع تدفق السياق القرآني في هذه السورة بتلك الوقفات؛ وأن نبقيها إلى النهاية لنقف أمامها متمهلين
وقد أشرنا في أثناء استعراض السورة في سياقها إلى تلك المعالم إشارات سريعة؛ فنرجو أن نقف عندها الأن وقفات أطول بقدر المستطاع .
. . والله المستعان . .
إن افتتاح السورة ، وطبيعة الموضوعات التي تعالجها ، وكثيراً من التوجيهات فيها . . كل أولئك يدل دلالة واضحة على أن السورة مكية وليست مدنية كما جاء في بعض الروايات والمصاحف وأنها نزلت في فترة اشتد فيها الإعراض والتكذيب والتحدي من المشركين؛ كما كثر فيها طلب الخوارق من الرسول صلى الله عليه وسلم واستعجال العذاب الذي ينذرهم به؛ مما اقتضى حملة ضخمة تستهدف تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه على الحق الذي أنزل إليه من ربه ، في وجه المعارضة والإعراض ، والتكذيب والتحدي؛ والاستعلاء بهذا الحق ، والإلتجاء إلى الله وحده؛ وإعلان وحدانيته إلهاً ورباً؛ والثبات على هذه الحقيقة؛ والاعتقاد بأنها هي وحدها الحق ، مهما كذب بها المشركون . كما تستهدف مواجهة المشركين بدلائل هذا الحق في الكون كله ، وفي أنفسهم ، وفي التاريخ البشري وأحداثه كذلك؛ مع حشد جميع هذه المؤثرات ومخاطبة الكينونة البشرية بها خطاباً مؤثراً موحياً عميق الإيقاع قوي الدلالة .
وهذه نماذج من التوكيدات على أن هذا الكتاب هو وحده الحق؛ وأن الإعراض عنه ، والتكذيب به ، والتحدي ، وبطء الاستجابة ، ووعورة الطريق . . كلها لا تغير شيئاً من تلك الحقيقة الكبيرة :
* { تلك آيات الكتاب ، والذي أنزل إليك من ربك الحق ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } . .
* { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات ، وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ، وإن ربك لشديد العقاب . ويقول الذين كفروا : لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ، ولكل قوم هاد } .
* { له دعوة الحق ، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء ، إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } .
* { كذلك يضرب الله الحق والباطل .

فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . كذلك يضرب الله الأمثال } . .
* { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى؟ إنما يتذكر أولوا الألباب } . .
* { ويقول الذين كفروا : لولا أنزل عليه آية من ربه قل : إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب . الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله . ألا بذكر الله تطمئن القلوب } . .
* { كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك . وهم يكفرون بالرحمن . قل : هو ربي ، لا إله إلا هو ، عليه توكلت ، وإليه متاب } . .
* { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ، ومن الأحزاب من ينكر بعضه ، قل : إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ، إليه أدعو ، وإليه مآب . وكذلك أنزلناه حكماً عربياً . ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق } . .
* { وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } . .
* { ويقول الذين كفروا : لست مرسلاً . قل : كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } . .
وهكذا نلمس في هذه الطائفة من الآيات التي أوردناها طبيعة المواجهة التي كان المشركون يتحدون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتحدون بها هذا القرآن؛ ثم دلالة هذا التحدي ودلالة التوجيه الرباني إزاءه على طبيعة الفترة التي نزلت فيها السورة من العهد المكي .
ومن اللمحات البارزة في التوجيه الرباني لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجهر في مواجهة الإعراض والتكذيب والتحدي وبطء الاستجابة ووعورة الطريق بالحق الذي معه كاملاً؛ وهو أنه لا إله إلا الله ، ولا رب إلا الله ، ولا معبود إلا الله ، وأن الله هو الواحد القهار ، وأن الناس مردودون إليه فإما إلى جنة وإما إلى نار . . وهي مجموعة الحقائق التي كان ينكرها المشركون ويتحدونه فيها . . وألا يتبع أهواءهم فيصانعها ويترضاها بكتمان شيء من هذا الحق أو تأجيل إعلانه مع تهديده بما ينتظره من الله لو اتبع أهواءهم في شيء من هذا من بعد ما جاءه من العلم . .
وهذه اللمحة البارزة تكشف لأصحاب الدعوة إلى الله عن طبيعة منهج هذه الدعوة التي لا يجوز لهم الاجتهاد فيها وهي أن عليهم أن يجهروا بالحقائق الأساسية في هذا الدين ، وألا يخفوا منها شيئاً ، وألا يؤجلوا منها شيئاً . . وفي مقدمة هذه الحقائق : أنه لا ألوهية ولا ربوبية إلا لله . ومن ثم فلا دينونة ولا طاعة ولا خضوع ولا اتباع إلا لله . . فهذه الحقيقة الأساسية يجب أن تعلن أياً كانت المعارضة والتحدي؛ وأياً كان الإعراض من المكذبين والتولي؛ وأياً كانت وعورة الطريق وأخطارها كذلك . . وليس من « الحكمة والموعظة الحسنة » إخفاء جانب من هذه الحقيقة أو تأجليه ، لأن الطواغيت في الأرض يكرهونه أو يؤذون الذين يعلنونه أو يعرضون بسببه عن هذا الدين ، أو يكيدون له وللدعاة إليه فهذا كله لا يجوز أن يجعل الدعاة إلى هذا الدين يكتمون شيئاً من حقائقه الأساسية أو يؤجلونه؛ ولا أن يبدأوا مثلاً من الشعائر والأخلاق والسلوك والتهذيب الروحي ، متجنبين غضب طواغيت الأرض لو بدأوا من إعلان وحدانية الألوهية والربوبية ، ومن ثم توحيد الدينونة والطاعة والخضوع والاتباع لله وحده
إن هذا لهو منهج الحركة بهذه العقيدة كما أراده الله سبحانه؛ ومنهج الدعوة إلى الله كما سار بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتوجيه من ربه .

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36