كتاب : معجم الأدباء
المؤلف : ياقوت الحموي

أبو العباس ثعلب الشيباني، مولاهم النحوي اللغوي، إمام الكوفيين في النحو واللغة، والثقة، والديانة. ولد فيما ذكره المرزباني عن مشايخه، سنة مائتين، ومات لثلاث عشرة ليلة بقيت من جماد الأولى، سنة إحدى وتسعين ومائتين، في خلافة المكتفي ابن المعتضد، وقد بلغ تسعين سنة وأشهر وكان رأى أحد عشر خليفة، أولهم المأمون وأخرهم المكتفى وكان قد ثقل سمعه قبل موته، ودفن في مقابر باب الشام، في حجرة اشتريت له، وبنيت بعد ذلك، وقبره هناك معروف، ورد ماله على ابنته، وكان خلف إحدى وعشرين الف درهم، وألفي دينار، ودكاكين بباب الشام، قيمتها ثلاثة آلاف دينار، وضاع له قبل أحمد الصيرفي ألف دينار، وكان يتجر له بها، ذكر ذلك عبد الله ابن الحسين القطر بلى في تاريخه: حدث المرزباني عن أبى العباس، محمد ابن طاهر الطاهري، وكان أبو العباس ثعلب، يؤدب أباه طاهر ابن محمد، بن عبد الله، بن طاهر، قال: كان سبب وفاة أبى العباس ثعلب، أنه كان في يوم جمعة قد انصرف من الجامع بعد صلاة العصر، وكان يتبعه جماعة من اصحابه إلى منزله، أنا أحدهم، فتبعناه في تلك العشية، إلى أن صرنا إلى درب قد أسماه بناحية بابل باب الشام، وأتفق أن ابناً لإبراهيم ابن أحمد المادرائي، يسير من وراءنا على دابة، وخلفه خادم له على دابة، قد قلق واضطرب، وكان في تلك العشية بيده دفتراً ينظر فيه وقد شغله عما سواه،فلما سمعنا صوت حوافر الدواب خلفنا، تآخرنا عن جادة الطريق، ولم يسمع أبو العباس لصممه صوت الحوافر، فصدمته دابة الخادم، فسقط على رأسه في هوة من الطريق، أخذ ترابها، فلم يقدر على القيام، فحملناه إلى منزله، كالمختلط يتأوه من رأسه، وكان سبب وفاته - رحمه الله - . وحدث المرزباني عن أحمد بن محمد العروضي قال: إنما فضل أبو العباس أهل عصره، بالحفظ للعلوم التي يضيق عنها الصدور، وقد كان أبو سعيد السكري كثير الكتب جداً،فكتب بيده مالم يكتبه أحداً، فكان في الطرفان، لأن أبا سعيد، كان غير مفارق للكتاب عند ملاقاة الرجال. وابو العباس لايمس بيده كتابة إتكالاً على حفظه، وثقة بصفاء ذهنه. قال الخطيب: سمع يعني ثعلبة، محمد بن سلام الجمحي، ومحمد بن زياد الأعرابي، وعلي ابن المغيرة الأكثرم، وإبراهيم بن المنذر الحراني، وسلمة بن عاص، وعبيد الله بن العمر القوارري، والزبير بن بكار، وخلق كثيرة. وروى عنه محمد ابن العباس اليزيدي، وعلي ابن سليمان الأخفش، وإبراهيم بن محمد، بن عرفة نفطويه، وأبو بكر بن الأنباري، وأبو عمر الزاهد، وأبو الحسن بن المقسم، وأحمد ابن كامل القاضي وخلق كثر. وكان يقول: سمعت من القواريري مائة الف حديث. قرأت بخط أبي سالم الحسن ابن على: نقلت من خط الحسن بن على المقلة، قال أبو العباس أحمد بن يحيى ابتدأت النظر في العربية، والشعر واللغة، سنة ست عشرة، ومولد سنة مائتين، في السنة الثانية من خلافة المأمون. قال أبو العباس: ورأيت المأمون لما قدم من خرسان في سنة اربع ومائتين وقد خرج من باب الحديد، وهو يريد قصر الرصافة، والناس صفان في المصلى، قال: وكان أبى قد حملني على يده، فلما مر المأمون، رفعني وقال لي: هذا المأمون، وهذه سنة اربع، فحفظت ذلك إلى هذه الغاية وحذقت العربية، وحفظت كتب الفراء كلها، حتى لم يشذ عنى حرف منها، ولي خمس وعشرون سنة، وكنت أعنى بالنحو، أكثر من عناية بغيره، فلما أتقنته، أكببت على الشعر، والمعاني، والغريب، ولزمت أبا عبد الله ابن الاعرابي، بضع عشرة سنة، وأذكر يوماً وقد صار إلى أحمد بن سعيد ابن سليم وأنا عنده وجماعة منهم السدرى، وابو العالية، فأقام وتذاكروا شعر الشماخ، وأخذوا في البحث عن معانيه، والمسألة عنه، فجعلت أجيب ولا أتوقف وابن الأعرابي يسمع، حتى أتينا على معظم شعره، فالتف إلى أحمد ابن سعيد يعجبه مني. قال أبة العباس: قلت لابن ماسويه في علة شكوتها إليه، ماتقول في الحمام: فقال لي: أن تهيأ لانسان بعد اربعين سنة، أن يكون قد قيم حمام فليفل، قال أبو العباس: الذي لاينسب إليهيه، لأنه لايتم إلا بصلة، والعرب لاتنسب إلا إلى اسم تام، والذي وما بعده حكاية، والحكاية لاينسب إليها، لئلا تتغير. قال أبو العباس: وسئل ابن قادم عنها، وأنا غائب بفارس، فقال: اللذوي فلما قدمت وسئلت، فقلت: لاينسب إليه وأتيت بهذه العلة، فبلغته، فلما اجتمعنا تجاذبنا، ثم

رجع الى قولي. وقال أبو العباس: كنت أصير إلى الرياشي لأسمع منه، وكان نقي العلم، فقال لي يوماً وقد قرئ عليه:ع الى قولي. وقال أبو العباس: كنت أصير إلى الرياشي لأسمع منه، وكان نقي العلم، فقال لي يوماً وقد قرئ عليه:
ماتنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي؟ كيف نقول؟ بازل أو بازل؟ فقلت: أتقول لى هذا بالعربية؟ إنما أقصدك لغير هذا يروى بازل وبازل، الرفع على الاسئتناف، والخفض على الإتباع، والصب على الحال، فاستحيى وأمسكا. قال أبو العباس: ودخلت على محمد ابن عبد الله، بن طاهر، فإذا عنده المبرد وجماعة من أصحابه وكتابه، وكان محمد ابن عيسى وصفه له، فلم قعدت، قال لي محمد ابن عبد الله: ماتقول في قول امرئ القيس؟:
لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعديه النمر
قال: قلت أما غريب البيت، فإنه يقال لحم خظا يخظى: إذا كان صلباً مكتنزا، ووصف فرساً، وقوله أكب على ساعديه النمر: أي في صلابة ساعد النمر، إذا اعتمد على يديه والمتن: الطريقة الممتدة من عن يمين الصلب وشماله، ومافيه من العربية أنه خظاتا، فلم تحركت التاء أعاد الألف من أجل الحركة والفتحة، قال: فأقبل بوجهه على محمد بن يزيد فقال له محمد: - أعز الله الأمير - إنما أراد خظاتا بالإضافة، أضاف خظاتا إلى ما قال فقلت: ما قال هذا لأحد. قال محمد بن يزيد: بلى سيبويه يقول، فقلت لمحمد بن عبد الله لا والله ما قال سيبويه وهذا كتابه فليحضر، ثم أقبلت على محمد بن عبد الله، وقلت: ما حاجتنا إلى كتاب سيبويه؟ أيقال مررت بالزيدين طريفي عمرو، فيضاف نعت الشيء إلى غيره؟؟ فقال محمد لصحة طبعه، لا والله مايقال هذا، ونظر إلى محمد بن يزيد فأمسك ولم يقل شيئاً فقمت ونهض المجلس. قال عبد الله الفقير إليه: لا أدري، لما لايجوز هذا؟ وما أظن أحداً أن ينكر قول القائل: رأيت الفرسين مر كوبى زيد، والا الغلامين عبدي عمرو، ولا الثوبين ذراعتي زيد، ومثله مررت بالزيدين طريفي عمر، فيكون مضاف الى عمرو، وهو صفة لزيد، وهذا ظاهر لكل متأمل. قال أبو العباس: لما شاهدني المازني وجاراني النحو، وخرج الى سر من رأى، كان يذكرني ويوجه: الى أخوك يقرئك السلام. قال أبو العباس: قال لي محمد ابن عيسى بحصرة محمد ابن عبد الله: نحن نقدمك لتقدمه الأمير، فقلت له ياشيخ: إني لم أتعلم لتقدمني الأمراء، وإنما تعلمته لتقدمني العلماء. قال أحمد ابن يحيى: كان محمد ابن عبد الله، يكتب الف درهم واحدة، فإذا مر به ألف درهم واحد أصلحه واحدة، وكان كتابه ينكرون ذلك، ويغلظ عليه ويهابونه، فلا يبتدأونه فيه بشيء، فقال يوم: أتدري لما عمل القراء كتاب البهي؟ قلت لا، قال: لعبد الله أبي، بأمر طاهر الجدي، قلت له: إنه كان قدعمل له كتباً، منها: كتاب المذكروالمؤنث قال ومافيه؟ مثل الف درهم واحد، ولايجوز واحدة، ففتح عينيه وتنبه وأقلع. وقال أبو العباس:بعث الي عبدالله ابن اخت أبي الوزير، رقعة فيها خط المبرد: ضربته بلا سيف، قال: أيجوز هذا؟ فوجهت إليه، لا والله ماسمعت بهذا، قال أبو العباس: هذا خطأ البتة لأن لا التبرئة لايقع عليه خافض ولاغيره، لأنها أداة، وماتقع أداة على أداة. قال العجوزى: صرت إلى المبرد مع القاسم والحسن ابنى عبيد الله، بن سليمان، بن وهب، فقال لي القاسم سله عن شيء من الشعر فقلت ما تقول: - أعزك الله - في قول أوس؟:
وغيرها عن وصل الشيب أنه ... شفيع الي بيض الخدور مدرب

فقال بعد تمكث وتمهل وتمطق: يريد النساء أنس به، فصرنا لايسترنا منه، ثم صرنا إلى أبي العباس أحمد ابن يحيى، فلم غص المجلس، سألته عن البيت، فقال: قال لنا ابن الأعرابي: إن الهاء في " أنه للشباب " وإن لم يجر له ذكر لأنه علم، والتفت الى الحسن والقاسم فقلت: أين صاحبنا من صاحبكم؟. وقال حمزة: لما مات المازني، خلفه أبو العباس المبرد، وبقي ذكره ببغداد وسامراء، لايفض احد منه، الى أن ذكره ابن الأنباري في بعض مصنفاته وأراد أن يضع منه، ويرفع من صاحبه أبى العباس، أحمد ابن يحيى ثعلب، جاري على عادته في العصبية للكوفيين على البصريين، فقال: سمعت أبا العباس يعنى ثعلب: عزمت على المضي الى المازني لاناظره، فأنكر ذلك على أصحابنا وقالوا: مثلك لا يصلح أن يمضي إلى بصرى، فيقال غداً إنه تلميذه، فكرهت الخلافة عليه، فأراد ابن الانباري أن يرفع من ثعلب، فوضع منه، ولم يقتصر على ذلك التقصير بالمازني، حتى قصر بالخليل أيضاً، وزعم أن أبا العباس أحمد ابن يحيى، حكى له أن ابا جعفر الرؤاسي، عمل كتاباً في النحو وسماه الفيصل، فبعث الخليل إليه يستعيره، فوجه به إليه، فقال: والدليل على أن الخليل تعلم النحو من كتاب الرؤاسي مايوجد في كتاب سيبويه من ذكره، إذ يقول: قال الكوفي: وهذا متى سمع، علم أنه لايقوله إلا عصبي. قرأت في كتاب ابن أبى الأزهر، بخط عبد السلام البصري قال: كان بأزاءدار أبي العباس ثعلب، رجل قد غلب على عقله، فكان ربما خرج فجلس على باب بيته ينظر إلى الناس، فرأى يوماً غلام أبي العباس، وقد أدخل إلى داره خبز أسود فقال له يا أبا العباس: ألا تشتري لك خبز حواري؟ مامعنى هذا الضيق والشؤم؟ فقالله: هذا أصلح من الحاجة، وبد للوجه الى الناس فضحك فقال: عجبت لك من هذا الكلام، أما لك هذا، إلا من بذل الوجه والحاجة إلى الطلب منه، لاتقبل بر أحد إن كنت صادقاً فالتفت إلى وقال: قد قال قولاً، ثم أنشدني في الزهد:
زماننا صعب وإخواننا ... أيديهم جامدة البذل
وقدمضى الناس ولم يبقى فيه ... عصرك إلا محكم البخل
وما لنا بلغة أقواتنا ... مافيه للأسراف من فضل
غضم كفيك على ملكها ... وأطرش السمع عن العذل
فتعجبت من إنشاد هذا الشعر، بعقب ما خوطب به قال أحمد ابن فارس اللغوي: كان أبو العباس ثعلب، لايتكلف الأعراب في كلامه كان يدخل المجلس فتقوم له فيقول: أقعدوا أقعدوا بفتح الألف قال ابن كامل القاض: أنشدني أبو بكر ابن العلاف لنفسه لما مات المبرد:
ذهب المبرد وانقضت أيامه ... وليلحقنا مع المبرد ثعلب
بيت من الأداب أصبح نصفه ... خرباً وباق بيتها فسيخرب
فابكوا لما سلب الزمان ووطنوا ... للدهر أنفسكم على مايسلب
ذهب المبرد حيث لاترجونه ... أبداً ومن ترجونه فمغيب
فتزودوا من ثعلب فبكاس ما ... شرب المبرد عن قليل يشرب
واستحلبو ألفاظه فكأنكم ... بسريره وعليه جمع ينحب
وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه ... إن كانت الأنفاس مما يكتب
فليلحقن بمن مضى متخلف ... من بعده وليذهبن وتذهب

وقال أبو الطيب عبد الواحد اللغوي في كتابه المسمى مراتب النحويين، قال: كان ثعلب يعتمد على ابن الأعرابي في اللغة وعلى سلمة ابن عاصم في النحو، ويروى عن ابن نجدة كتب أبا زيد، وعن الأثرم كتب أبي عبيدة، وعن أبى نصر كتب الأصمعي، وعن عمرو ابن أبي عمرو كتب ابيه، وكان ثقة متقنة يستغني بشهرته عن نعته وقال: وكان ثعلب حجة، ديناً، ورعاً، مشهوراً باللحفظ والصدق وإكثار الرواية وحسن الدراية، كان ابن الاعرابي إذا شكى في شيء يقول له: ما عندك يا أبا العباس في هذا؟ ثقة بغزارة حفظه. ولد سنة مائتين، وطلب اللغة والعربية في سنة ست عشرة ومائتين، قال: وابتدأت بالنظر في حدود الفراء وسني ثماني عشرة سنة، وبلغت خمس وعشرين سنة، وما بقي على مسألة للقراء، إلا وأنا أحفظها، وأحفظ موضعها من الكتاب، ولم يبق شيء من كتب الفراء في هذا الوقت، إلا وقد حفظته. وحدث المزرباني: قال عبد الله بن حسين، بن سعد القطر بلى في تاريخه: كان أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، بن الحفظ، والعلم، وصدق اللهجة، والمعرفة بالغريب، رواية الشعر القديم، ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين على ما ليس عليه أحد وكان يدرس كتب الفراء، والكسائي، درسا، وكان متبحرا في مذهب البصريين لا مستخرجا للقياس، ولا طالبا له، وكان يقول: قال الفراء: والكسائي: فإذا سأل عن الحجة والحقيقة في ذلك لم يعرف النظر وكان أبو على أحمد ابن جعفر النحوى ختنه، زوج ابنته، يخرج من منزله وهو جالس على باب داره، فيتخطى اصحابه، ويمضى ومعه دفتره ومحبرته، فيقرأ على أبي العباس المبرد كتاب سبيويه، فيعاتبه أحمد ابن يحيى على ذلك ويقو ل له: إذا رأك الناس تمضي الى هذا الرجل تقرأ عليه، يقول ماذا؟ ولم يكن يلتفت الى قومه قال: وكان ختنه هذا أبو علي يعرف بالدينوري، وكان حسن المعرفة، فسمعت إسحاق المصعبي يقول له: كيف صار محمد ابن يزيد، أعلم بكتاب سبيويه من أحمد ابن يحيى؟ قال: لأن محمد ابن يزيد، قرأه على العلماء، وأحمد ابن يحيى، قرأه على نفسه. قال: ولم يزل ثعلب متقدم عند العلماء منذ أيام حداثته، وكان ضيق النفقة مقترا على نفسه. حدثني أخي، وكان صاحبه ووصيه قال: دخلت إليه يوما وقد احتجم، وبين يديه طبق فيه ثلاثة أرغفة، وخمس بيضات، وبقل وخل، وهو يأكل، فقلت له: يا أبا العباس، قد احتجمت، ولو أخذ لك رطل لحم وثمن التوابل، ومثله للعيال كان ما له معنى. قال: وسمعت أحمد ابن إسحاق المعروف بابي المدور يقول: كنت أرى عبد الله بن الأعرابي يشك في الشيء، فيقول لثعلب: ما عندك يا أبا العباس في هذا؟ ثقة بغزارة حفظه، ولم يكن مع ذلك موصوفا بالبلاغة، ولا رأيته إذا كتب كتاباً إلى بعض إخوانه من أصحاب السلطان، خرج عن طبع العامة، فإذا أخذته في الشعر والغريب، ومذهب الفراء والكسائي، رأيت من لا يفي به أحدا، ولايتهيأ له الطعن عليه، وكان هو ومحمد بن يزيد، عالمين، ختم بهما تاريخ الأدب، أو كان كما قال بعض المحدثين:
أيا طالب العلم لاتجهلن ... وعد بالمبرد أو ثعلب
تجد عند هذين علم ورى ... فلا تك كالجمل الأجرب
علوم الخلائق مقرونة ... بهذين في الشرق والمغرب
قال المرزباني: أخبرني الصولي أن عبد الله ابن الحسين بن سعد القطربلي: أنشده هذه الأبيات لنفسه. وحدث محمد ابن أحمد الكاتب قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوي قال: سألني ابن الأعرابي: كم لك من الولد؟ فقلت: ابنة وأنشدته:
لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظلم
تهوى حياتي، وأهوى موتها شفقاً ... والموت أكرم نزالا على الحرم
فأنشدني ابن الأعرابي في المعنى:
أميمة تهوى عمر شيخ يسره ... لها الموت قبل الليل لو أنها تدري
يخاف عليها جوفة الناس بعده ... ولا ختن يرجى أود من القبر

وحدث عن أبي عبد الله الحكيمي، عن يموت بن المزرع قال: وأراد أبو العباس ثعلب أن يرحل الى أبي حاتم السجستانى في البصرة، فبلغه أن أبا حاتم أنتشر ذكره يوما، لم رأى جماعة المرد يكتبون في مجلسه، فرأه غلام منهم فقال له: - أصلحك الله - أي لام هذه؟ قال: لام كي يابني، فلم يخرج أبو العباس إليه. وحدث الصولي قال: كنا عند أبي العباس أحمد ابن يحيى فقال له رجل: المجسد هذا المعروف، فما المصدر؟ قال: مصدره السجود، قال: فعرفنى ما لايجوز منذا؟ فقال: لا يقال مسجد، وضحك، وقال: هذا يطول إن وصفنا ما لايجوز، وإنما يوصف الجائز، ليدل على أن غيره لايجوز. ومثل ذلك أن ماسيويه: وصف لانسان دواء ثم قال له: كل الفروج وشيئا من الفاكهة، وقال: أريد أن تخبرني بالذي لا أكل، فقال: لاتأكلن ولاحماري، ولاغلامي، واجمع كثير من القراطيص وبكر إلي فإن هذا يكثر إن وصفته لك وحدث عن الصولى قال: قال أبو العباس ثعلب: لم أسمع من جماعة كلهم قد رأيته، وتمكنت منه، ولو أردت ذلك، ما فاتني عنه جميع ما أطلب، منهم أبو عبيد القاسم ابن سلام وإسحاق الموصلي، وأبو التوبة والنظر ابن حديد، وإني لا أذكر موت الفراء ذكر جيداً، وأنا في الكتاب. وحدث قال: وقال أبو العباس يوم لاخر: الهرم علة قائمة بنفسها، فاذا كان معه علة، فذاك امر عظيم، وأنشد:
أرى بصرى في كل يوم وليلة ... يكل وخطوى عن مداهن يقصر
ومن يصحب الأيام تسعين حجة ... يغيرنه والدهر لا يتغير
لعمري لأن أصبحت أمشي مقيدا ... لما كنت أمشي مطلق قبل أكثر
وحدث أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي قال: قال ثعلب: أقعدني محمد ابن عبد الله ابن طاهر، مع ابنه طاهر، وأفرد لي دار في داره، وأقام لنا وظيفة فكنت أقعد معه إلى أربع ساعات من النهار ثم أنصرف إذا أراد الغداء، فنما ذلك الى أبيه، فكسى البهو والأروقة وأضعف ما كان يعد من الألوان، فلما حضر وقت الانصراف، انصرفت فنما ذلك اليه، فقال للخادم الموكل بنا، قد نمى الى انصراف أحمد بن يحيى وقت الطعام، فظننت أنه يستقل ما يحضر، ولم يستتطب الموضع فأمرنا بتضعيفه، ثم نمى إلى أنه انصرف، فقل له عن نفسك:أبيتك أبرد من بيتنا؟ أو طعامك أطيب من طعامنا؟ وتقول له عنى: انصرافك الى بيتك وقت الغداء هجنة علينا، فلما عرفني الخادم ذلك، أقمت، فكنت علة هذه الحال، ثلاث عشرة سنة، وكان يقم لي مع ذلك في اليوم، سبعة وظائف من الخبز الخشكار، ووظيفة من الخبز السميد وسبعة ارطال من اللحم، ووعلوفة رأس وأجرى لي في الشهر الف درهم، ولقد جاءت سنة لفتنه، وعظم الأمر بالدقيق واللحم، فكتب اليه كاتبه على المطبخ، يعرفه ما هو فيه من عظم المؤنة، ويسأله احضار الجليدة، فيقتصر على ما لا بد منه،فأنفذها، فكان مشتملة على ثلاثة آلاف وستمائة انسان، فرأيت محمدا قد زاد فيها بخطه قوم اخرين، ووقع عليها: لست اقطع عن أحد ما عودته، ولاسيما من قال لى: أطعمنى الخبز، فاجرى الأمر على ما في الجريدة، واصبر على هذه المؤن فإما عشنا جميعاً وإما متنا جميعا. قال الزبيدي: وخلف كتب جليلة، فاوصى الى على ابن محمد الكوفي، أحد أعيان تلاميذه، وتقدم اليه في دفع كتبه الى أبي بكر أحمد بن إسحاق القطر بلى، فقال الزجاج للقاسم بن عبيد الله: هذه كتب جليلة، فلا تفوتنك، فاحضر خيران الوراقة، فقوم ما كان يساوى عشرة دنانير ثلاثة، فبلغت أقل من ثلاثمائة دينار، فأخذها القاسم بها. وقال أبو الطيب، عبد الواحد بن العلي اللغوي في كتاب مراتب النحويين: وانتهى علم الكوفيين الى ابن السكيت، وثعلب، وكان ثقتين امينين، ويعقوب أسن وأقدم موتا، وأحسن الرجلين تأليفاً، وكان ثعلب أعلهما بالنحو، وكان يعقوب يضعف فيه. قال ثعلب: كنت يوما عند ابن السكيب، فسألني عن شيء فصحته، وكان ثعلب شديد الحدة، قال: فقال لي لاتصح، فوالله ما سألت إلا مستفهماً وحدث أحمد ابن العسكري في كتاب التصحيف قال:وأخبرنا أبو بكربن الأنباري قال: حدثني أبي قال: قرأ القطر بلى على أبي العباس ثعلب بيت الأعشى:
فلو كنت في حب ثمانين قامة ... ورقيت اسباب السماء بسلم

فقال أبو العباس: خرب بيتك، هل رأيت حباً قط ثمانين قامة؟ إنما هو جب وحدث الخطيب قال: قال ثعلب: كنت أحب أن أرى ابن حنبل، فلما دخلت عليه قال لي: فيما تنظر؟ قلت: في النحو والعربية فأنشدني أبو عبد الله وهو لبعض بنى أسد:
إذا ما خلوت الدهر يومافلا تقل ... خلوت، ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ما يرى ... ولا أنما تخفني عليه يغيب
لهونا على الأثام حين تتابعت ... ذنوب على أثارهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ... فيأذن في تواباتنا فنتوب
وحدث الخطيب قال: قال أبو محمد الزهري: كان لثعلب عزاء لبعض أهله فتأخرت عنه، لأن هفا علي، ثم قصدته معتذرا، فقال لى: يا أبا محمد، ما بك حاجة الى تكلف عذراً، فإن الصديق لايحاسب والعدو لايحتسب له وجدت بخط أبي الحسن، علي ابن عبيد الله، السميسمي اللغوي:حدثنا أبو محمد بن الحسن النوبختي، قال: حدثنا أبو الفتح، محمد ابن جعفر المراغي النحوي قال: حدثنا أبو بكر بن الخيار النحوي: كنت عند أبي العباس ثعلب في بعض الأيام، فسأله رجل وقد ساء سمعه، فقال له: يا أبا العباس، أعزك الله، ما الصوص؟ فقال له: الصوح اصل الجبل، فأعاد الرجل سؤاله، لعلمه بأن الشيخ ما فهم، فقال ثعلب: السوح جمع ساحة، فاعاد سؤال ثالثة،، فعلم ثعلب أنه ما فهم عن الرجل، قال: فقال له: أدن مني، فألقم أذني فاك وقل: ففعل ذلك، فلما فهم ثعلب سؤاله، قال: نعم، العرب تقول: رأيت صوصاً على أصوص، أيى رجل نذل على ناقة الكلمة. حدث الزجاجي أبو القاسم، عن علي بن سليمان الأخفش قال: أخبرنا أحمد ابن يحيى ثعلب قال: قدم الرياشي بغداد، سنة ثلاثين ومائتين، فصرت إليه لأخذ عنه، فقال لي: أسألك عن مسألة؟ فقلت: نعم فقال: تجيز نعم الرجل يقوم؟ فقلت: نعم هي جائزة عند الجميع، أم الكسائي فيضمر، والتقدير عنده نعم الرجل رجل يقوم، لأن نعم عنده فعل، والفراء لايضمر، لأن نعم عند اسم، فيرفع الرجل بنعم، ويقوم الصلة للرجل. وأما صاحبك، يعني سبيويه: فإنه لايضمر شيئاً، ونعم عنده ايضا فعل، ولكن يجعل يقوم مترجماً وهو الذي يسمونه البدل، فسكت فقلت له: فأسألك عن مسألة؟ فقال: نعم فقلت: أيجوز يقوم نعم الرجل؟ فقال: جائز، فقلت: هذه خطأ عند الجميع، أما على مذهب الكسائي فانه لايولى الفعل فعل. فأما على مذهب الفراء: فان يقوم عنده صلة للرجل والصلة لاتتقدم على الموصول. وأما على مذهب سبيويه صاحبك: فأنه لايجوز، لأنه ترجمة، والترجمة إيضاح وتبين للجملة التي تتقدمها، ولايجوز تقديمها عليها. فقال: أنا تارك للعربية،فخذ فيما قصدت له، ففاتحته ايام الناس، والأخبار، والأشعار، ففتحت به سيح بحر. وحدث قال: أخبرنا على بن سليمان الأخفش قال: كنت يوما بحضرة ثعلب، فاسرعت القيام قبل انقضاء المجلس، فقال: الى أين؟ ما أراك تصبر عن مجلس الخلدي، يعني المبرد، فقلت له: لي حاجة،فقال لي: ان اراه يقدم البحتري على أبي تمام، فاذا اتيته،فقل له: ما معنى قول أبي تمام:
أألفته النحيب كما افتراق ... أظل فكان داعية اجتماع
قال أبو الحسن: فلما صرت إلى أبي العباس المبرد، سألته عنه، فقال: معنى هذا: أن المتحابين العاشقين قد يتصارمان ويتهاجران إذلالا، لا عزما على القطيعة، فاذا حان الرحيل وأحسا بالفراق، تراجعا إلى الود، وتلاقيا خوف الفراق، وأن يطول العهد بالالتقاء بعده، فيكون الفراق حينئذ سبباً للاجتماع، كما قال الآخر:
متعا باللقاء يوم الفراق ... مستجيرين بالبكا والعناق
كم أسرا هواهما حذر الناس ... وكم كاتما غليل اشتياق
فأظل الفراق فالتقيا فيه ... فراقا أتاهما باتفاق
كيف أدعو على الفراق بحتف ... وغداة الفراق كان التلافي
قال: فلما عدت إلى ثعلب سألني عنه، فأعدت عليه الجواب والأبيات، فقال: ما أشد تمويهه!! ما صنع شيئاً، إنما معنى البيت، أن الانسان قد يفارق محبوبه، رجاء أن يغنم في سفره، فيعود الى محبوبه مستغنيا عن التصرف، فيطول اجتماعه معه، ألا تراه يقول في البيت الثاني:
وليست فرحة الأوبات إلا ... لموقوف على ترح الوداع
وهذا نظير قول الآخر، بل منه أخذ أبو تمام:

وأطلب بعد الدار لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
هذا هو ذاك بعينه. وحكى ان ثعلباً خرج يوماً على أصحابه، وليس فيهم إلا كهل أو شيخ، فأنشد متمثلاً:
ألا ربما سؤت الغيور وبرحت ... بي الأعين النجل المراض الصحائح
فقد سادني أن الغيور يودنى ... وأن نداماي الكهول الجحاجح
قلت أنا: إن هذا والله مليح جداً
وحدث جحظة في أماليه قال:كنت يوماً في مجلس ثعلب، فقال له رجل ياسيدي: ما البعجدة؟ قال: لا أعرفها في كلام العرب، فقال الرجل: فإني وجدتها في شعر عبد الصمد بن المعذل حيث يقول
أعاذلتى أقصري ... أبع جدتى بالمنن
فاغتاظ أبو العباس غيظاً عظيماً وقال: ياقوم، أجيدوا أذنيه عركاً، أو يحلف أنه لايرجع يحضر حلقتي، ففعلنا. قال أبو محمد عبد الرحمن ابن أحمد الزهري: كانت بينى وبين أبي العباس ثعلب مودة وكيدة، وكنت أستشيره في أموري، فجئته يوماً أشاوره في الانتقال من محلة الى محلة، لنأذي بالجيران. فقال: يا أبا محمد، العرب تقول: صبرك على أذى من تعرف، خير من استحداث ما لاتعرف. قال أبو عمر الزاهد: أنشدني أبو العباس ثعلب:
إذا ما شئت أن تبلو صديقاً ... فجرب وده عند الدراهم
فعند طلابها تبدو هنات ... وتعرف ثم أخلاق المكارم
وحدث الخطيب قال: كان بين المبرد وثعلب منافرات كثيرة، والناس مختلفون في تفضيل كل واحد منهما على صاحبه نقطة. قال: وجاء رجلا الى ثعلب فقال له: يا أبا العباس: قد هجاك المبرد، فقال بماذا؟ فأنشده:
أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكي الصبو الى الصب
لولا أخذ النحو عن الرب ... ما زاده إلا عمى القلب
فقال: أنشدنى من أنشده أبو عمرو ابن العلاء:
يشتمنى عبدو بمسمع ... فصنته عنه النفس والعرض
ولم أجبه لاحتقار له ... من ذا يعض الكلب إن عضى؟
وحدث أيضاً قال: قال: أبو العباس محمد بن عبيد الله ابن عبد الله، بن طاهر، قال لي ابي: حضرت مجلس أخي محمد ابن عبد الله، بن طاهر وحضره أبو العباس ثعلب، والمبرد، فقال لي أخي محمد، قد حضر هذان الشيخان فليتناظرا، قال: فتناظرا في شيء من علم النحو مما أعرفه، فكنت أشركهما فيه الى أن دققا، فلم أفهم، ثم عدت اليه، فلم أعرف ما المجلس؟ فسألني فقلت: إنهما تكلما فيما أعرف فشركهما ثم دفقا، فلم أعرف ما قال، ولا والله ياسيدي ما يعرف أعلمهما إلا من هو أعلم منهما، ولست ذلك الرجل، فقال لي يا أخي: أحسنت والله، هذا أحسن، يعني اعترافه بذلك وقال لي أبو عمر الزاهد:سألت أبا بكر بن السراج فقلت: أي الرجلين أعلم؟ ثعلب أم المبرد فقال: ما أقول في رجلين، العالم بينهما؟ وحدث أبو عمر أيضاً قال: كنت في مجلس أبي العباس ثعلب فضجر، فقال له شيخ خضيب من الظاهرية: لو علمت مالك من الأجر في إفادة الناس، لصبرت على أذاهم، فقال لولا ذلك ما تعديت، ثم أنشد بعقب هذا:
يخللن بالقضبان كل مفلج ... به الظلم لايفلل لهن غروب
رضاب كطعم الشهد يجلو متونه ... من الظرو أو غضن الاراك قضيب
اولئك لولا هن ما سقت نضوة ... لحاج ولا استقبلت برد جنوب
وحدث أبو بكر بن مجاهد كنت عند أبي العباس ثعلب، فقال لي يا أبا بكر: اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أهل الفقه بالفقه ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعري ما يكون حالف الآخرة؟فانصرفت من عنده، فرأيت تلك الليلة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي:إقرأ أبا العباس عني السلام وقل له: إنك صاحب العلم المستطيل. قال: الروض باري: أراد أن الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل. وقال مرة أخرى: أراد أن جميع العلوم مفتقرة اليه. وأنشد الخطيب قال: أنشد أبو العباس ثعلب:
بلغت من عمري ثمانين ... وكنت لا أمال خمسين
فالحمد لله وشكرا له ... إذا زاد في عمري ثلاثين
وأسأل الله بلوغا إلى ... مرضاته آمين أمين

ونقلت من كتاب محمد بن عبد الملك التاريخي في أخبار النحويين، فقال: أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد ابن ثعلب، الشيباني النحوي، فاروق النحويين، والمعاير على اللغويين، من الكوفيين والبصريين، أصدقهم لساناً وأعظمهم شأنا، وأبدعهم ذكراً، وأرفعهم قدراً، وأصحهم علماً، وأوسعهم حلماً وأتقنهم حفظاً، وأوفرهم حظاً من الدين والدنيا.
حدثني المفضل بن سلمة بن عاصم قال: رأس أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب النحوي، واختلف الناس إليه في سنة خمس وعشرين ومائتين، قال: وسمعت إبراهيم الحربي يقول: وقدتكلم الناس في الاسم والمسمى وقد كرهت لكم ولنفسي، ما كره أحمد بن يحيى ورضيت لكم ولنفسي، مارضي أحمد بن يحيى. قال: وكان أبو الصقر إسماعيل بن بلبل الشيباني قد ذكر أبا العباس ثعلبا للناصر لدين الله، الموفق بالله، وأخرج له رزقاً سنياً سلطانيا، فحسن موقع ذلك من أهل العلم والأدب وقال قائلهم لأبي الصقر، وأبي العباس في أبيات ذكرها:
فيا جبلي شيبان لا زلتما لها ... حليفي فخار في الورى وتفضل
فهذا اليوم الجود والسيف والقنا ... وأنت لبسط العلم غير مبخل
عليك أبا العباس كل معول ... لأنك بعد الله خير معول
فككت حدود النحو بعد انغلاقه ... وأوضحته شرحا وتبيان مشكل
فكم ساكن في ظل نعمتك التي ... على الدهر أبقى من ثبير ويذبل
فأصبحت للإخوان بالعلم ناعشا ... وأخصبت منه منزلاً بعد منزل
وذكر التاريخي وفاة الثعلب كما تقدم قال: وقال بعض أصحابنا يرثيه:
مات ابن يحيى فماتت دولة الأدب ... ومات أحمد أنحى العجم والعرب
فإن تولى أبو العباس مفتقدا ... فلم يمت ذكره في الناس والكتب
وللتاريخي في ثعلب شعر رثاه به، نذكره في بابه إن شاء الله تعالى قال التاريخي: وحدثني أبو الحصين البجلي قال: تقول أهل الكوفة:لنا ثلاثة فقهاء في نسق، فلم ير الناس مثلهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن ولنا ثلاثة نحويين كذلك، وهم: أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي، وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، آخر مانقلناه من كتاب التاريخي وذكره محمد بن إسحاق النديم في كتاب الفهرست وقال: من الكتب: كتاب المصون في النحو جعله حدودا، كتاب اختلاف النحويين، كتاب معاني القرآن، كتاب مختصر في النحو سماه الموفقي، كتاب القراءات، كتاب معانى الشعر، كتاب التصغير، كتاب ما ينصرف وما لاينصرف، كتاب مايجزى وما لايجزى، كتاب الشواذ، كتاب الوقف والابتداء، كتاب الهجاء، كتاب استخراج الألفاظ من الأخبار، كتاب الأوسط، كتاب غريب القرآن لطيف، كتاب المسائل، كتاب حد النحو، كتاب تفسير كلام ابنة الخس كتاب الفصيح وذكر أن الفصيح تصنيف بن داود الرقي، وادعاه ثعلب وهذا له ترجمة قال: ولأبي العباس مجالسات وأمال أملاها على أصحابه في مجالسه، تحتوى على قطعة من النحو، واللغة، والأخبار، ومعاني القرآن، والشعر، رواها عنه جماعة وعمل أبو العباس قطعة من داووين العرب، وفسر غريبها كالأعشى والنابغتين وغيرهم. وسئل ثعلب عن معنى قولهم، لا أكلملك أصلاً فقال: معناه أقطع ذلك من أصله وأنشد:
بأهلي من لايقطع البخل رغبتي ... إليه وما لايزداد عن زغبتي بخلا
ومن قد لحاني الناس فيه فأكثر ... علي فكل الناس مغتظن ذحلا
وأمنحه صفو الهوى ولو أنه ... على البحر يسقي ما سقيت به سجلا
وما زلت تعتادين ود بالمنى ... وبالبخل حتى قد ذهبت به أصلا
قرأت في أمال أبي بكر ابن محمد، ابن القاسم الأنباري: أنشدنا أبو بكر لأحمد بن يحيى النحوي:
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها ... فلم تلبث النفس التي أن تقوتها؟
ستبقى بقاء الظب في الماء أو كما ... يعيش لدى ديمومة البيد حوتها
قال وزادنا أبو الحسن ابن البراء:
أغرك أن قد تصبرت جاهداً ... وفي النفس مني منك ماسيمتها
فلو كان مابي بالصخور لهدهها ... وبالريح ماهبت وطال خفوتها

فصبرا لعل الله يجمع بينا ... فأشكو هموما منك كنت قد لقيتها
كذا كان في الكتاب، ولا أدري، أهذا الشعر لثعلب أم أنشأه لغيره؟ إلا أنه في هذا الكتاب لأحمد ابن يحيى كما ترى:

أحمد بن يحيى،، لمنجم
بن علي، بن يحيى، بن أبي منصورالمنجم أبو الحسن، قد ذكرنا آباءه في أبوابهم، وكان أبو الحسن هذا، أديبا، شاعرا، فاضلا، عالما، أحد رؤساء زمانه في علم الكلام، وعلوم الدين، والافتنان في الآداب مات في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، عن نيف وسبعين سنة، وله أخبار مع الراضي في منادمته إياه، ذكر ذلك كله المزرباني في المعجم قال ثابت: وفي ذي الحجة كانت وفاته، ومولده في سنة اثنتين وستين ومائتين، وكان يحيى بن علي أبوه، قد صنف كتاباً في أخبار الشعراء المخضرمين، فأتمه ابنه هذا وله من الكتب: كتاب أخبار أهله ونسبهم، كتاب الإجماع في الفقه، على مذهب ابن جرير الطبري، وكان يرى رأيه كتاب المدخل إلى مذهب الطبري ونصرة مذهبه، كتاب الأوقات، وأبو الحسن هذا، هو القائل فيما رواه المزرباني:
ياسيدا قد راح فر ... دا ماله في الفضل توءم
عمرت أطول مدة ... تزداد تمكينا وتسلم
في صفو عيش لاتزا ... ل به العدى تقذي وترغم
مازلت في كل الأمر ... موفقا للخير ملهم
بك إن تذوكرت الأيا ... دي يبتدا فيها ويختم
أحمد بن يحيى،بن الوزير
،
بن سليمان، بن مهاجر مولى قيسبة بن كلثوم السوقي، سمع ابن الكلبي وعبد الله بن وهب، وكان فقيها من جلساء ابن وهب، وكان عالما بالشعر، والأدب، والأخبار، وأيام الناس، والأنساب يقال: كان مولده سنة إحدى وسبعين ومائة، وتوفى في حبس ابن المدبر، صاحب الخراج بمصر، لخراج كان عليه، ودفن يوم الأحد لاثنتين وعشرين ليلة خلت من شوال، سنة خمسين ومائتين، وكان من أهل مصر ذكر ابن يونس ذلك كله في تاريخ مصر.
أحمد ابن يحيى،السدي، الطائي
بن سهل بن السدي، الطائيأبو الحسن المنبجي، الشاهد، المقرئ، النحوي، الأطروش، ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق، وكان وكيلا في الجامع مات سنة خمس عشرة وأربعمائة روى عن أبي عبد الله بن مروان، وأبى العباس أحمد بن فارس، الأديب المنبجي، وأبي الحسن، نظيف بن عبد الله المقرئ، وغيرهم وكان يحفظ من أخبار أبي عبد الله بن خالويه النحوي، وكان ثقة، قال ابن عساكر: أنشدني ابن الأكفاني، عن ابن الأكفاني، عن أحمد بن يحيى، بن سهل المنبجي، أنشدني أبو العباس، أحمد بن فارس الأديب أنشدني ابن طباطبا لنفسه:
حسود مريض القلب يخفى أنينه ... ويضحى كئيب البال مني حزينة
يلوم على أن رحت للعلم طالبا ... أقلب من كل الرواة فنونه
وأختار أبكار الكلام وعونه ... وأحفظ مما أستفيد عيونه
ويزعم أن العلم لايجلب الغنى ... ويحسن بالجهل النميم ظنونه
فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمه كل الناس ما يحسنونه
أحمد بن يزيد، بن محمد المهلبي، أبو جعفر
أديب شاعر، راوية، له قصيدة مدح فيها الموفق، وهنأه بفتح مصر، منها:
قل للأمير هناك النصر والظفر ... وفيهما للإله الحمد والشكر
مافوق فتحك فتح في الزمان كما ... ما فوق فخرك يوم الفخر مفتخر
أحمد بن يعقوب، بن يوسف، أبوجعفر
النحوي، المعروف ببرزويه الأصبهاني، مات فيما ذكره الخطيب، سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، في ايام المطيع، فكان يعرف بغلام نفطويه أخذ عن أبي خليفة الفضل بن الحباب، ومحمد بن العباس اليزيدي، وغيرهما.
أحمد بن يعقوب، بن ناصح الأصبهاني
الأديب، أبو بكر النحوي، ذكره الحاكم فقال: هو نزيل نيسابور، وسمع بأصبهان محمد بن مندة الأصبهاني وأقرانه مات بنيسابور قبل الخمسين، وبعد الأربعين والثلاثمائة، وكتب عنه الحاكم، وأسند إليه في كتابه حديثين.
أحمد بن أبي يعقوب، إسحق بن جعفر

ابن وهب، بن واضح الأخباري العباسي، ذكره أبو عمر، محمد بن يوسف، بن يعقوب المصري الكندي المؤرخ في تاريخ له، ابتداه بسنة ثمانين ومائتين،قال إن أحمد بن إسحق بن واضح مولى بنى هاشم، توفي في سنة أربع وثمانين ومائتين، وله تصانيف كثيرة، منها: كتاب التاريخ كبير، كتاب أسماء البلدان مجلد، وكتاب في أخبار الأمم السالفة صغير، كتاب مشاكلة الناس لزمانهم.

أحمد بن أبي يعقوب،يوسف بن إبراهيم
يعرف بابن الداية، كان أبوه ولد داية ابن المهدى، وأظن أن المعروف بابن الداية، هو يوسف، الراوي أخبار أبي يونس، والله أعلم وكان أبوه يوسف بن إبراهيم، يكنى أبا الحسن، وكان من جلة الكتاب بمصر، ولا أدري كيف كان انتقاله إليها عن بغداد وكان له مروءة تامة، وعصبية مشهورة.
قال أبو القاسم العساكري الحافظ: يوسف بن إبراهيم، أبو الحسن الكاتب، وأظنه بغدادياً: كان في خدمة ابراهيم بن المهدي، قدم دمشق سنة خمس وعشرين ومائتين، وحكى عن عيسى بن حكم الدمشقي، الطبيب النسطوري، وشكلة أم إبراهيم بن المهدي، وإسماعيل ابن أبي سهل، بن نوبخت، وأبي إسحق إبراهيم بن المهدي، وأحمد بن رشيد الكاتب،مولى سلام الأبرش، وجبرائيل بن بختيشوع الطبيب، وأيوب بن الحكم البصري، المعروف بالكسروي، وأحمد بن هارون الشرابي روى عنه ابنه أبو جعفرأحمد، ورضوان بن أحمد، بن جالينوس،وكان من ذوى المروءات، وصنف كتابا فيها أخبار المطببين.
قال الحافظ: وبلغني عن أبي جعفر أحمد، بن يوسف قال: حبس أحمد بن طولون، يوسف بن إبراهيم والدي في بعض داره، وكان اعتقال الرجل في داره يؤيس من خلاصه، فكاد ستره أن ينتهك لخوف شمله عليه، وكان له جماعة من أبناء الستر تتحمل مئونة مقيمة لا تنقطع الى غيره، فاجتمعوا، وكانوا زهاء ثلاثين رجلا، وركبوا الى دار أحمد بن طولون، فوقفوا بباب له، يعرف بباب الخيل، وأستاذنوا عليه، فأذن لهم، فدخلوا إليه وعنده محمد بن عبد الله، بن عبد الحكم، وجماعة من أعلام مستورى مصر، فابتدءوا كلامه بأن قالوا: قد اتفق لنا - أيد الله الأمير - من حضور هذه الجماعة، وأشاروا الى ابن عبد الحكم والحاضرين مجلسه، ما رجونا أن يكون ذريعة الى ما نسأله، ونحن نرغب إلى الأمير في أن يسألهم عنا ليقف على أمرنا ومنازلنا، فسألهم عنهم، فقالوا: قد عرضت العدالة على أكثرهم، فامتنع منها، فأمرهم أحمد بن طولون بالجلوس، وسألهم تعريفه ماقصدوا له، فقالوا: ليس لنا أن نسال الأمير مخالفة ما يراه في يوسف بن إبراهيم، لأنه أهدى إلى الصواب فيه، ونحن نسأله أن يقدمنا إلى ما اعتزم عليه فيه، إن آثر قتله أن يقتلنا، إن آثر غير ذلك أن يبلغه، فهو في سعة وحل منه، فقال لهم: ولم ذلك؟ فقالوا: لنا ثلاثون سنة ما فكرنا في ابتياع شيء مما احتجنا إليه، ولا وقفنا بباب غيره، ونحن والله يا أمير، نرفض البقاء بعده، والسلامة إن شيء مكروه وقع به وعجبوا بالبكاء بين يديه، فقال أحمد بن طولون: - بارك الله عليكم - فقد كأفأتم إحسانه، وجازيتم إنعامه، ثم قال: أحضروا يوسف بن إبراهيم، فأحضر، فقال: خذوا بيد صاحبكم وانصرفوا، فخرجوا معه، وانصرف إلى منزله.
قال أبو جعفر أحمد بن يوسف بن إبراهيم: وبعث أحمد بن طولون في الساعة التي توفى فيها والدي، يوسف بن إبراهيم، بخدم فهجموا الدار، وطالبوا بكتبه، مقدرين أن يجدوا فيها كتابا من أحد ممن ببغداد، فحملوا صندوقين، وقبضوا علي وعلى أخي وصاروا بنا إلى داره، وأدخلنا إليه وهو جالس، وبين يديه رجل من أشراف الطالبين، فأمر بفتح أحد الصندوقين، وأدخل خادم يده، فوقع يده على دفتر جراياته على الأشراف وغيرهم، فأخذ الدفتر بيده وتصفحه، وكان جيد الاستخراج، فوجد اسم الطالبي في الجراية، فقال له وأنا أسمع: كانت عليك جراية ليوسف بن إبراهيم؟ فقال له نعم: يأيها الأمير، دخلت هذه المدينة وأنا مملق فأجري علي في كل سنة مائتي دينار، أسوة بابن الأرقط، والعقيقي، وغيرهما ثم امتلأت يداي بطول الأمير، فاستعفيته منها، فقال لي:نشدتك الله أن لا قطعت سببا لي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدمع الطالبي، فقال أحمد بن طولون: رحم الله يوسف بن إبراهيم، ثم قال: انصرفوا إلى منازلكم، فلا بأس عليكم، فانصرفنا فلحقنا جنازة والدنا، وحضر ذلك العلوى، وقضى حقنا، وقد أحسن مكافأة والدنا في خلفيه.

قال أبو جعفر: أحمد بن أبي يعقوب، يوسف بن إبراهيم، يعرف بابن الداية، من فضلاء أهل مصر ومعروفيهم، وممن له علوم كثيرة في الأدب، والطب والنجامة، والحساب، وغير ذلك وكان أبوه أبو يعقوب، كاتب إبراهيم بن المهدى ورضيعه، ألف كتابا في أخبار الطب، مات أحمد بن يوسف، في سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة، وأظنها سنة أربعين وثلاثمائة وله من التصانيف:سيرة أحمد بن طولون، كتاب سيراته إلى أبي الجيش خمارويه، كتاب سيرة هارون بن أبي الجيش، وأخبار غلمان بني طولون، كتاب المكافأة، كتاب حسن العقبى، كتاب أخبار الأطباء، كتاب مختصر المنطق، ألفه للوزير علي بن عيسى، كتاب ترجمته، كتاب الثمرة، كتاب أخبار المنجمين، كتاب أخبار إبراهيم بن المهدي، كتاب الطبيخ، وذكره ابن زولاق الحسن ابن ابراهيم، فقال: كان أبو جعفر رحمه الله في غاية الافتتان، أحد وجوه الكتاب الفصحاء، والحساب والمنجمين مجسطى أوقليدسي، حسن المجالسة، حسن الشعر، قد خرج من شعره أجزاء دخل يوما على أبي الحسن، على بن المظفر الكرخي، عامل خراج مصر، مسلما عليه، فقال له: كيف حالك يا أبا جعفر؟ فقال على البديهة:
يكفيك من سوء حالي إن سألت به ... أني إلى ثوب طمر في الكوانين

أحمد بن يوسف، بن القاسم، بن صبيح
الكاتب الكوفي أبو جعفر، من أهل الكوفة، كان يتولى ديوان الرسائل للمأمون، وكان أخوه القاسم بن يوسف، يدعي أنه من بني عجل، ولم يدع أحمد ذلك، قال المرزباني: كان مولى لبني عجل، ومنازلهم بسواد الكوفة وزر أحمد للمأمون، بعد أحمد بن أبي خالد مات في قول الصولي في شهر رمضان، سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقال غيره: سنة اربع عشرة ومائتين، وكان أبوه يوسف يكنى أبا القاسم، وكان يكتب لعبد الله بن علي عم المنصور، وله شعر حسن وبلاغة، وكان أحمد وأخوه القاسم، شاعرين، أديبين، وأولادهما جميعا أهل أدب، يطلبون الشعر والبلاغة حكى عن المأمون وعبد الحميد بن يحيى الكاتب، وحكى عنه ابنه محمد بن أحمد، بن يوسف، وعلي بن سليمان الأخفش، وغيرهما قال الصولي: لما مات أحمد بن أبي خالد الأحول، شاور المأمون الحسن ابن سهل، فيمن يكتب له، ويقوم مقامه، فأشار عليه بأحمد بن يوسف، وبأبي عباد ثابت بن يحيى الرازي وقال: هما أعلم الناس بأخلاق أمير المؤمنين، وخدمته، وما يرضيه فقال له: إختر لي أحدهما، فقال الحسن: إن صبر أحمد على الخدمة، وجفا لذاته قليلا، فهو أحبهما إلي، لأنه أعرق في الكتابة، وأحسنهما بلاغة، وأكثر علما، فاستكتبه المأمون، وكان يعرض الكتب ويوقع، ويخلفه أبو عباد إذا غاب عن دار المأمون، مترفعا عن الحال التي كان عليها أيام أحمد بن أبي خالد، وكان ديوان الرسائل، وديوان الخاتم والتوقيع، والأزمة، إلى عمرو بن مسعدة، وكان أمر المأمون يدور على هؤلاء الثلاثة حدث الصولي عن أبي الحارث النوفلي قال: كنت أبغض القاسم بن عبيد الله لمكروه نالني منه، وآلف أحمد بن يوسف الوزير، فلما مات أخوه الحسن، قلت على لسان ابن بسام:
قل لأبي القاسم المرجى ... قابللك الدهر بالعجائب
مات لك ابن وكان زينا ... وعاش ذو الشين والمعايب
حياة هذا كموت هذا ... فليس تخلو من المصائب
وانما أخذه من قول أحمد بن يوسف الكاتب، لبعض إخوانه من الكتاب، وقد مات له ببغا، وكان له أخ يضعف، فكتب إليه:
أنت تبقى ونحن طرا فداكا ... أحسن الله ذو الجلال عزاكا
فلقد جل خطب دهر أتانا ... بمقادير أتلفت ببغاكا
عجبا للمنون كيف أتتها ... وتخطت عبد الحميد أخاكا
كان عبد الحميد أصلح للمو ... ت من الببغا وأولى بذاكا
شملتنا المصيبتان جميعا ... فقدنا هذه ورؤية ذاكا

حدث أبو القاسم عبد الله بن محمد، بن باقيا الكاتب، في كتاب ملح الممالحة، قال: ولما خرج عبد الله بن طاهر من بغداد الى خراسان، قال لابنه محمد: إن عاشرت أحدا بمدينة السلام، فعليك بأحمد ابن يوسف الكاتب، فان له مروءة، فما عرج محمد حين انصرف من توديع أبيه على شيء، حتى هجم على أحمد، ابن يوسف في داره، فاطال عنده،ففطن له أحمد، فقال: يا جارية غدينا، فأحضرت طبقا وارغفة نقية، وقدمت الوانا يسيرة وحلاوة، وأعقب ذلك بأنواع من الأشربة في زجاج فاخر، وآلة حسنة، وقال: يتناول الأمير من أيها شاء، ثم قال له: إن رأى الأمير أن يشرف عبده ويجيئه في غد فانعم بذلك، فنهض وهو متعجب من وصف ابيه له، وأراد فضيحته، فلم يترك قائدا جليلا، ولا رجلا مذكورا من أصحابه، إلا عرفهم انه في دعوة أحمد بن يوسف، وأمرهم بالغدو معه، فلما أصبحوا قصدوا دار أحمد بن يوسف، وقد أخذ أهبته، وأظهر مروءته، فرآى محمد من النضائد والفرش والستور والغلمان والوصائف ما أدهشته، وكان قد نصب ثلاثمائة مائدة، وقد حفت بثلاثمائة وصيفة، ونقل الى كل مائدة ثلاثمائة لون في صحاف الذهب والفضة، ومثارد الصين، فلما رفعت الموائد، قال ابن طاهر: هل أكل من بالباب؟ فنظروا، فاذا جميع من بالباب قد نصبت لهم الموائد، فأكلوا، فقال: شتان بين يوميك يا أبا الحسن - كذا هذه الرواية، كناه بأبي الحسن - فقال أيها الأمير: ذاك قوتي وهذه مروءتي وحدث الصولي قال: كان من اول ما ارتفع به أحمد ابن يوسف، أن المخلوع لما قتل، أمر طاهر الكتاب أن يكتبوا إلى المأمون، فأطالوا، فقال طاهر، أريد أخصر من هذا، فوصف له أحمد بن يوسف، فأحضره لذلك، فكتب أما بعد: فان المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرق حكم الكتاب بينه وبينه في الولاية والحرمة، لمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن اجماع المسلمين، قال الله عز وجل لنوح عليه السلام في ابنه: (يا نوح إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح) ولاصلة لأحد في معصية الله، ولاقطيعة ما كانت في ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين، وقد قتل الله المخلوع، وأحصد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له وعده، فالارض باكنافها أوطأ مهاد لطاعته، واتبع شيء لمشيئته، وقد وجهت الى أمير المؤمنين بالدنيا، وهي رأس المخلوع، وبالاخرة وهي البردة والقضيب،والحمد لله الأخذ لأمير المؤمنين بحقه، والكائد له من خان عهده، ونكث عقده، حتى رد الالفة، وأقام به الشريعة والسلام على أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته، فرضى طاهر ذلك وأنفذه، ووصل أحمد بن يوسف وقدمه. وحدث محمد ابن عبدوس: انه لما حمل رأس المخلوع إليه وهو بمرو، أمر المأمون بانشاء كتاب عن طاهر ابن الحسين، ليقرأ على الناس، فكتبت عدة كتب لم يرضها المأمون، والفضل ابن سهل، فكتب أحمد بن يوسف هذا الكتاب، فلما عرضت النسخة على ذي الرياستين، رجع نظره فيها، ثم قال لأحمد ابن يوسف: ما أنصفناك، ودعا بقهر مانه، وأخذ القلم والقرطاس، وأقبل يكتب بما يفرغ له من المنازل، ويعد له فيها من الفرش والالات، والكسوة والكراع، وغير ذلك، ثم طرح الرقعة إلى أحمد ابن يوسف، وقال له: إذا كان في غد فاقعد في الديوان، وليقعد جميع الكتاب بين يديك، واكتب الى الآفاق. وحدث بما رفعه الى إبراهيم ابن إسماعيل قال: قال: كثر الطلاب للصلاة بباب المأمون، فكتب اليه أحمد بن يوسف: داعي نداك يا أمير المؤمنين، ومنادى جدواك، جمع الوفود ببابك، يرجون نائللك المعهود، فمن من يمت بحرمة، ومنهم من يدلى بخدمة، وقد أجحف بهم المقام، وطالت عليهم الايام، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشه بسيبه، ويحقق حسن ظنهم بطوله، فعل، إن شاء الله تعالى، فوقع المأمون: الخير منبع، وأبواب الملوك مغان لطالب الحاجات، ومواطن لهم، ولذلك قال الشاعر:
يسقط الطير حيث يلتقط الحبب ... وتغشى منازل الكرماء
فاكتب اسماء من ببابنا منهم، وأحك مراتبهم، ليصل الى كل رجل قدر استحقاقه، ولاتكدر معروفنا عندهم بطول الحجاب، وتأخير الثواب، فقد قال الشاعر:
فإنك لن ترى طرد لحر ... كالصاق به طرف الهوان

حدث أحمد ابن أبي طاهر قال: كتب صديق لأحمد ابن يوسف الكاتب في يوم دجن اليه: يومنا ظريف النواحي، رقيق الحواشي، قد رعدت سماءه، وبرقت وحنت وارجحنت، وانت قطب السرور، ونظام الأمور، فلا تفردن منك فنقل، ولا تنفرد عنا فنذل، فان المرء بأخيه كثير، وبمساعدته جدير. قال: فصار أحمد بن يوسف الى الرجل، وحضرهم من أرادوا ثم تغيمت السماء، فقال أحمد بن يوسف:
أرى غيم تؤلفه جنوب ... وأحسب أن سياتينا بهطل
فعين الرأي أن تدعو برطل ... فتشربه وتدعو لي برطل
ونسقيه ندامانا جميعا ... فيغرفون منهم بغير عقل
فيوم الغيم يوم الغم إن لم ... تبادر بالمدامة كل شغل
ولاتكره محرمها عليها ... فإني لا أراه له بأهل
قال فغنى فيه عثعت اللحن المشهور: وأهدى أحمد بن يوسف هدية في يوم نوروز الى المأمون وكتب معها:
على المبدى حق فهو لا بد فاعله ... وإن عظم المولى وجلت فضائله
ألم ترنا نهدي الى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله
ولو كان يهدي للكريم بقدره ... لقصر فضل المال عنه ونائله
ولكننا نهدي الى من نعزه ... وإن لم يكن في وسعنا ما يعادله
وذكر الجهشاري قال:كان يكتب لعبد الله بن علي، يوسف بن صبيح، مولاى بني عجل، من ساكني سواد الكوفة، فذكر القاسم بن يوسف بن صبيح، أن أباه حدثه: أن عبد الله بن علي، لما استتر عند أخيه سليمان بالبصرة، علم أنه لاوزر له من أبي جعفر قال: فلما استتر، وقصدت اصحابنا الكتاب، فصرت في ديوان أبي جعفر، وأجرى لي في كل يوم عشرة دارهم، قال: فبكرت يوما الى الديوان قبل فتح بابه، ولم يحضر أحد من الكتاب، وإني لجالس عليه، إذا أنا بخادم لابي جعفر، قد جاء الى الباب فلم يد غيري، فقال لي: أجب أمير المؤمنين، فاسقط في يدي، وخشيت الموت، فقلت له: إن أمير المؤمنين لم يردني، فقال: وكيف؟ فقلت: لأني لست ممن يكتب بين يديه، فهم بالانصراف عني، ثم بدا له فأخذني وأدخلني، حتى اذا كنت دون الستر وكلا بي، ودخل ولم يلبث ان خرج، فقال لي: إدخل، فدخلت، فلما ضرب باب الايوان، قال لي الربيع:سلم على أمير المؤمنين، فشممت رائحة الحياة، فسلمت، فادناني وامرني بالجلوس، ثم رمى إلي بربع قرطاس وقال لي: اكتب وقارب بين الحروف، وفرج بين السطور، واجمع خطك ولاتسرف في القرطاس، وكانت معي دواة شامية، فتوقفت عن اخراجها، فقال لي يا يوسف: إنت تقول في نفسك، أنا بالأمس في ديوان الكوفة، اكتب لبني أمية، ثم مع عبد الله بن علي، وأخرج الساعة دواة شامية، إنك إنما كنت في الكوفة تحت يدي غيرك، وكنت مع عبد الله ابن علي، لي ومعي، والدوي الشامية أدب جميل، ومن أدوات الكتاب ونحن أحق بها. قال: فأخرجتها، وكتبت وهو يملي، فلما فرغت من الكتاب أمر به فأترب واصلح، وقال: دعه، وكل العناون الي، ثم قال لي: كم رزقك يايوسف في ديواننا؟ فقلت: عشرة دراهم، فقال: قد زادك أمير المؤمنين عشرة دراهم أخرى، رعاية لحرمتك بعبد الله ابن علي، ومثوبة لك على طاعتك، ونقاء ساحتك وأشهد أنك لو اختفيت باختفائه، لاخرجتك ولو كنت في حجرة النمل، ثم زايلت بين اعضائك، فدعوت له، وخرجت مسرورا بالسلامة. كان للمأمون جارية اسمها مؤنسة، وكانت تعني بأحمد ابن يوسف، وكان أحمد ابن يوسف يقوم بحوائجها، فأدلت على المأمون في بعض الأمور، فانكر عليها، وصار الى الشماسية ولم يحملها معه، فاستحضرت نصرة خاد أحمد بن يوسف، وحملته رسالة الى مولاه بخبرها، وسألته التلطف لاصلاح نية المأمون، فلم عرفه الخادم ذلك، دعا بدواته، وقصد الشماسية، فاستأذن على المأمون، فلما وصل اليه قال: أنا رسول، فاذن لي في تأدية الرسالة، فأنشده هذه الابيات:
قد كان عتبك مرة مكتوماً ... فاليوم أصبح ظاهرا معلوما
نال الأعادي سؤلهم، لاهنئوا، ... لما رأونا ظاعنا ومقيما
هبني أسأت فعادة لك أن ترى ... متجاوزا متفضلا مظلوما

قال: قد فهمت الرسالة، فكن الرسول بالرضى، ووجه بياسر الخادم فحملها، وكان موسى بن عبد الملك، في ناحية أحمد بن يوسف وهو خرجه، وقدمه، قال الحسن بن مخلد: حدثني، موسى ابن عبد الملك، وكان يرمي بابنة قال: وهب لي أحمد بن يوسف، وكان يعبث بموسى بن عبد الملك ويتعشقه، الف الف درهم في مرات، وكان عاتبه فيه محمد بن الجهم البرمكي، فكتب اليه أحمد بن يوسف:
لاتعذلني يا أبا جعفر ... لوم الاخلاء من اللوم
إن أسته مشربة حمرة ... كأنها وجنة مكلوم
فتقدم محمد الى البجلى، وكان في ناحيته، فأجابه:
لست بلا حيك على حبه ... ولست في ذاك بمذموم
لأنه في استه سخنة ... كأنها سخنة محموم
ذكر غرس النعمة في كتاب الهفوات: حدثني محمد بن علي، بن طاهر، بن الحسين قال: كان أحمد بن يوسف يسقط السقطة بعد السقطة، فيتلف نفسه في بعض سقطاته، وذلك أنه حكى علي ابن يحيى، ابن أبي منصور: أن المأمون كان إذا تبخر طرح له العود والعنبر، فإذا تبخر أمر باخراج المجمرة، ووضعها تحت الرجل من جلسائه إكراما له وحضر أحمد بن يوسف يوما، وتبخر المأمون على عادته، ثم أمر بوضع المجمرة تحت أحمد بن يوسف، فقال: هاتوا ذا المردود، فقال المأمون: ألنا يقال هذا، ونحن نصل رجلا واحدا من خدمنا بستة آلاف دينار، إنما قصدن إكرامك، وأن أكون أنا وأنت، قد اقتسمنا بخورا واحدا ثم قال: يحضر عنبر، فأحضر منه شيء في الغاية من الجودة، في كل قطعة ثلاثة مثاقيل، وأمر أن تطرح قطعة في المجمر، ويبخر بها أحمد، ويدخل رأسه في زيقه حتى ينفد بخورها، وفعل به ذلك بقطعة ثانية، وثالثة، وهو يستغيث ويصيح، وانصرف الى منزله، وقد احترق دماغه واعتل، ومات سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقيل: أربع عشرة ومائتين وكانت له جارية يقال لها نسيم، لها من قلبه مكان خطير، فقالت ترثيه:
ولو أن ميتا هابه الموت قبله ... لما جاءه المقدار وهو هيوب
ولو أن حيا جازه الردى ... إذا لم يكن للأرض فيه نصيب
وقالت أيضا ترثيه:
نفسي فداؤك لو بالناس كلهم ... مابي عليك تمنوا أنهم ماتوا
وللورى موتة في الدهر واحدة ... ولي من الهم والأحزان موتات
ومن شعر أحمد بن يوسف كتب به إلى صديق له:
تطاول باللقاء العهد منا ... وطول العهد يقدح في القلوب
أراك وإن نأيت بعين قلبي ... كأنك نصب عيني من قريب
فهل لك في الرواح إلى حبيب ... يقر بعينه قرب الحبيب
قال أحمد بن يوسف: وقد شتمه رجل بين يدي المأمون، للمأمون، قدو الله يا أمير المؤمنين، رأيته يستملي من عينيك ما يلقاني به.
وكتب الى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وقد أراده إبراهيم بن المهدي: من حق من أنا عبده، وحجتنا عليك، إعلامنا إياك، والسلام.
عندي من تبهج العيون به ... فإن تخلفت كنت مغبونا
وأهدى الى المأمون في يوم عيد هدية وكتب معها: هذا يوم جرت فيه العادة، بإهداء العبيد إلى السادة، وقد أهديت قليلا من كثير عندي، وقلت:
أهدي إلى سيده العبد ... ماناله الإمكان والوجد
وإنما أهدى له ماله ... يبدأ هذا ولذا رد
ومن شعره اللطيف:
إذا ما التقينا والعيون نواظر ... فألسننا حرب وأبصارنا سلم
وتحت استراق اللحظ منا مودة ... تطلع سرا حيث لايبلغ الوهم
وهو القائل في محمد بن سعيد، بن حماد الكاتب، وكان يميل إليه، وكان صبيا مليحا.
صد عني محمد بن سعيد ... أحسن العالمين ثاني جيد
صد عني لغير جرم إليه ... ليس إلا لحبه في الصدود
قال: وكان محمد بن سعيد يكتب بين يديه، فنظر إلى عارضه قد اختط في خده، فأخذ رقعة وكتب فيها:
لحاك الله من شعر وزادا ... كما ألبست عارضه الحدادا
أغرت على تورد وجنتيه ... فصيرت احمرارهما سوادا
ورمى بها إلى محمد بن سعيد، فكتب مجيبا: عظم الله أجرك فيى ياسيدي، وأحسن لك العوض منى.
ومن شعر أحمد بن يوسف:
كثير هموم النفس ختى كأنما ... عليه كلام العالمين حرام

إذا قيل ما أضناك أسبل دمعه ... يبوح بما يخفي وليس كلام
وعاش القاسم أخوه بعده، فقال يرثيه:
رماك الدهر بالحدث الجليل ... فعز النفس بالصبر الجميل
أترجو سلوة وأخوك ثاو ... ببطن الأرض تحت ثرى مهيل
ولمثل أخيك فلتبك البواكي ... لمعضلة من الخطب الجليل
زير الملك يرعى جانبيه ... بحسن تيقظ وصواب قيل

أخثاء
هولقب ولا أعرف اسمه، ولم أجد له ذكرا، إلا ما ذكره أبو بكر المبرمان، في الباب من كتابه في نكت كتاب سيبويه، في الفرق بين الكلم والكلام، فقال: وقال لي الملقب بأخثا: وكان أحد من رأينا من النحويين، الذين صحت لهم القراءة على أبي عثمان المازني، وكان موصوفا في اول نظره بالبراعة، مسلما له لاستغراقه الكتاب على أبي عثمان، ثم أدركته علة، فقال عن الحال الأولى كلاما أنا حاكيه، ورأيت أبا العباس ثعلبا يروم ذلك، وهو أن كل ما لفظ به ينقسم أقساما ثلاثة: قسم منه يكون للحدث، ولأسماء المدثين، ولأسماء الأمكنة والأزمنة، التي تقع فيها الأحداث، ولا اسم للجنس فيه، وذلك نحو الضرب، والقتل، والأخذ، والكلام، وما أشبه ذلك فإذا سئلت عن شيء من هذا، فقيل لك: ماهو؟ فجوابه أن تذكر الحدث المنقضى مع الزمان، وصنف منه يكون للأجناس، ولا اسم للأحداث فيه، ولا يكون حدثا، وهو كقولك: سفرجلة وسفرجل، فإذا سئلت عن ذلك، فجوابه أن تخبر عن صفة الشيء، فتقول: هو الذي لونه كذا، وجسمه كذا، ومركب من كذا، وصنف آخر يجمع الجنسين، وذلك نحو تمرة وتمر، فهذا من باب سفرجلة وسفرجل، ثم ثقول: أتمر النخل يتمر بإتمارا، فهذا إنما هو عبارة عن الحدث، فاذا سئلت ما التمر؟ فجوابه أن تقول: هو الجسم الذي من صفته كذا، ومن قده كذا، وفي داخله كذا، وإذا سئلت ما الاثمار؟ فجوابه أنه يمر الزمان بحره وبرده، وما فيه على البسر، فيتغير من حال إلى حال كذا، ثم يلين فيصير فيه الدبس وإنما تنبئ عن الأحداث التي تقع، وكذا كلمة وكلم في باب تمرة وتمر، فإذا قيل لك: ما الكلم؟ فالجواب هو الموضوع المتعارف بين الناس فاستعملوه، وهو الذي يسمونه: اسم، وفعل، وحرف، فإن قيل: فما الكلام؟ فجواب ذلك أن تقول: هو إجراء هذا الذي يسمونه كليما، وإخراجه بالصوت من الفم، فهو حدث، فالكلام حدث، والكلم موضوع الكلام الذي يستعمل، كزيد وضرب، وهل، وبل، فقد جمع الكلم أمرين، والكلام ليس كذلك، إنما هو لأمر واحد.
أسامة بن سفيان، السجزي النحوي
من نحاة سجستان وشعرائها، ذكره أبو الحسن البيهق في كتاب الوشاح، وأنشد له:
أبي النأى إلا أن يجدد لي ذكرى ... لمن ودعتني وهي لا تملك العبرا
وقالت: رعاك الله ماخلت أنني ... أراك تسلى أو تطيق لنا هجرا
وكانت ترى فرط العلاقة ساعة ... تغيبها عنا وإن قصرت شهرا
وتجزع من وشك الفراق فما لها ... على فرقة الأحباب أن نظهر الصبرا
ومنها في المديح:
وزير يرى المعروف يجمل ذكره ... فأرسل بين الناس معروفه غمرا
فم أقلعت يوما غمامة جوده ... ولاقطرت رشا ولا أخطأت قطرا
وما اختص يوما حاضرا دون غائب ... برفد ولا ذا فاقة دون من أثرى
وقد أمه الراجون من كل وجهة ... فأربى مرجاهم بواحدة عشرا
وقد كان يعطيهم وهم في ديارهم ... ولكن هوى أن يجمع الرفد والبشرا
رأى ماله مال العدى فأباده ... فلم يبق منه لا ولا منهم أثرا
أسامة بن مرشد، بن مقلد

ابن نصر، بن منقذ، بن محمد، بن منقذ، بن نصر، ابن هاشم، بن سوار، بن زياد، بن رغيب، بن مكحول، بن عمر، بن الحارث، بن عامر، بن مالك،ابن أبي مالك، بن عوف، بن كنانة، بن بكر، بن عذرة، ابن زيد اللات، بن رفيدة، بن ثور، بن كلب، بن وبرة، ابن ثعلب، بن حلوان، بن عمران، بن قضاعة، ابن مالك، بن حمير، بن مرة، بن زيد، بن مالك، بن حميد، بن سينا، بن يشجب، بن يعرب، بن قحطان، هكذا ذكر هو نسبه، وفيه اختلاف يسير، عند ابن الكلبي، ويكنى أبا أسامة، وأبا الظفر، ويلقب مؤيد الدولة، ومجد الدين، وفي بني منقذ جماعة أمراء شعراء، لكن أسامة أشعرهم وأشهرهم، وأنا أذكر لكل واحد من أهله وترجمته ما يليق، ولا أفرقهم.
ذكر عماد الدين أبو عبد الله، محمد بن محمد، بن حامد الأصفهاني في كتاب خريدة القصر، وفريدة العصر، وأثنى عليه كثيرا، فقال: ما زال بنو منقذ هؤلاء مالكي شيزر، وهي حصن قريب من حماة، معتصمين بحصانتها، ممتنعين بمناعتها، حتى جاءت الزلزله في سنة نيف وخمسين، فخربت حصنها، وأذهبت حسنها، وتملكها نور الدين، محمود بن زنكى عليهم، وأعاد بناءها، فتشعبوا شعبا، وتفرقوا أيدى سبا.
قال ابن عساكر: ذكر لي أسامة،أنه ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقدم دمشق، سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة ومات أسامة في الثالث والعشرين من رمضان، سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ودفن بجبل قاسيون قال العماد: وأسامة كاسمه، في قوة نثره ونظمه، يلوح من كلامه أمارة الإمارة، ويؤسس بيت قريضه عمارة العبارة، حلو المجالسة، حالى المساجلة، ندى الندى بماء الفكاهة، عالي النجم في سماء النباهة، معتدل التصاريف، مطبوع التصانيف، اسكنه عشق الغوطة، دمشق المغبوطة، ثم نبت به كما تنبو الدار بالكريم، فانتقل الى مصر، فبقى بها مؤمرا، مشارا إليه بالتعظيم الى أيام ابن رزيك، فعاد الى الشام، وسكن دمشق،مخصوصا بالاحترام، حتى أخذت شيزر من أهله، ورشقهم صرف الزمان بنبله ورماه الحدثان الى حصن كيفا، مقيما بها في ولده، مؤثرا لها على بلده، حتى أعاد الله دمشق الى سلطنة الملك الناصر صلاح الدين، يوسف بن أيوب، سنة سبعين وخمسمائة، ولم يزل مشغوفا بذكره، مشتهرا باشاعة نظمه ونثره، والأمير العضد مرهف، ولد الأمير مؤيد الدولة، جليسة ونديمه وأنيسه.
قال مؤلف هذا الكتاب: وقد رأيت أنا العضد هذا بمصر، عند كونى بها، في سنتي إحدى عشرة واثنتي عشرة وستمائة، وأنشدني شيئا من شعره، وشعر والده قال: فاستدعاه الى دمشق، يعني: مؤيد الدولة، وهو شيخ قد جاوز الثمانين قال: وأنشدني العامرى من شعره بأصبهان، و كنت أتمنى لقياه، وأشيم على العبد حياه، حتى لقيته في صفر،سنة إحدى وسبعين بدمشق، وسألته عن مولده،فقال: ولدت فى السابع و العشرين من جمادى الآخر، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وأنشدنى لنفسه، البيتين اللذين سارا له فى قلع ضرسه:
وصاحب لاأمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعى و يسعى سعى مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظرى افترقنا فرقة الأبد
وأنشدني لنفسه من قديم شعره:
قالوا نهته الأربعون عن الصبا ... وأخو المشيب يجور ثمت يهتدى
كم جار فى ليل الشباب فدله ... صبح المشيب على الطريق الأقصد
وإذا عددت سنى ثم نقصتها ... زمن الهموم فتلك ساعة مولدى
قلت أنا: هذا كلام نفيس، ومعنى لطيف، ولكنه أخذ معنى البيت الثانى، من قول ابن الرومى:
كفى بسراج الشيب فى الرأس هادياً ... إلى من أضلته المنايا لياليا
فكان كرامى الليل يرمى فلا يرى ... فلما أضاء الشيب شخصى رمانيا
وأخذ معنى البيت الأخير، من قول أبى فراس بن حمدان فى مزدوجته:
ما العمر ماطالت به الدهور ... العمر ماتم به السرور
أيام عزى ونفاذ أمرى ... هى التى أحسبها من عمرى
لو شئت مما قد قللن جدا ... عددت أيام السرور عدا
ولكن قول أسامة أبلغ في المعنى، وهذا ظاهر قال: وأنشدنى من قديم شعره:
لم يبق لي في هواكم أرب ... سلوتكم و القلوب تنقلب
أوضحتم لي سبل السلو وقد ... كانت لي الطرق عنه تنشعب

الإم دمعى من هجركم سرب ... قان وقلبى من غدركم يجب
إن كان هذا لأن تعبدني الحب ... فقد أعتقني الريب
أحببتكم فوق ما توهمه الناس ... وخنتم أضعاف ما حسبوا
وقوله أيضاً:
يادهر مالك لايصددك ... عن مساءتى العتاب
أمرضت من أهو ويأبى ... أن أمرضه الحجاب
لو كنت تنصف كانت الأم ... راض لي و له الثواب
أخذ هذا المعنى من قول الشاعر:
يا ليت علته لى غير أن له ... أجر المريض وأنى غير مأجور
قال العماد: وهذا الذى أوردته من شعره، نقلته من تاريخ السمعاني، فلم وردت إلى دمشق، وأجتمعت به، قلت له: هل لك معنى مبتكر فى الشيب؟ فأنشدني:
لو كان صد معاتبا ومغاضبا ... أرضيته وتركت خدي شائبا
لكن رأى تلك النضارة قد ذوت ... لما غدا ماء الشبيبة ناضبا
ورأى النهي بعد الغواية صاحبي ... فثنى العنان يريغ غيرى صاحبا
وأبيه ما ظلم المشيب وإنه ... أملي، فقلت عساه عني راغبا
أنا كالدجى لما تناهى عمره ... نشرت له أيدى الصباح ذوائبا
ومن شعره أيضا في محبوس:
حبسوك: والطير النواطق إنما ... حبست لميزتها على الأنداد
وتهيبوك وأنت مودع سحنهم ... وكذا السيوف تهاب في الأغماد
ما الحبس دار مهانة لذوى العلا ... لكنه كالغيل للآساد
ومنه قوله في الشمعة:
أنظر إلى حسن صبر الشمع يظهر ... للرائين نورا وفيه النار تستعر
كذا الكريم تراه ضاحكا جذلا ... وقلبه بدخيل الغم منفطر
وقوله أيضا:
نافقت دهري فوجهي ضاحك جذل ... طلق وقلبى كئيب مكمد باك
وراحة قلبي في الشكوى ولذتها ... لو أمكنت لا تساوى ذلة الشاكي
وقوله أيضا:
لئن غض دهر من جماحي أو ثنى ... عناني أو زلت بأخمصي النعل
تظاهر قوم بالشمات جهالة ... وكم إجنة في الصدر أبرزها الجهل
وهل أنا إلا السيف فلل حده ... قراع الأعادي ثم أرهفه الصقل
وقوله أيضا:
لا تحسدن على البقاء معمرا ... فالموت أيسر ما يئول إليه
وإذا دعوت بطول عمر لامرئ ... فاعلم بأنك قد دعوت عليه
قال العماد: وتناشدنا بيتا للوزير المغربي في وصف خفقان القلب، وتشبيهه بظل اللواء، الذى تخترقه الرياح وهو:
كان قلبى إذا عن ادكاركم ... ظل اللواء عليه الريح تخترق
فقال لى الأمير مؤيد الدولة أسامة: لقد شبهت القلب الخافق وبالغت في تشبيهه، وأربيت عليه فى قولى من أبيات وهي:
أحبابنا كيف اللقاء ودونكم ... عرض المهامه والفيافي الفيح
أبكيتم عينى دما لفراقكم ... فكأنما إنسانها مجروح
وكأن قلبى حين يخطر ذكركم ... لهب الضرام تعاورنه الريح
فقلت له: صدقت، فإن المغربى قصد تشبيهه خفقان القلب، وأنت شبهت القلب الواجب باللهيب، وخفقانه باضطرابه عند اضطرامه، لتعاور الريح، فقد أربيت عليه وأنشدني أيضا من قوله أيام شبابه، وهو معتقل فى الخيال.
ذكر الوفاء خيالك المنتاب ... فالم وهو بودنا مرتاب
نفسى فداؤك من حبيب زائر ... متعتب عندى له الأعتاب
ودى كعهدك والديار قريبة ... من قبل أن تتقطع الأسباب
ثبت فلا طول الزيارة ناقص ... منه وليس يزيده الإغباب
حظر الوفاء على هجرك طائعا ... وإذا اقتسرت فما علي عتاب
قال: وتذاكرنا قول أبي العلاء المعري:
لو حط رحلي فوق النجم رافعة ... ألفيت ثم خيالا منك منتظري
وأبلغ من هذا قول المعري في بعد المسافة:
وذكرت كم بين العقيق إلى الحمى ... فجزعت من أمد المدى المتطاول
وعذرت طيفك في الجفاء فإنه ... يسري فيصبح دوننا بمراحل
وأنشدني:
وأعجب ما لقيت من الليالي ... وأى فعالها بي لم يسؤنى؟

تقلب قلب من مثواه قلبي ... وجفوة من ضممت عليه جفني
قال: واجتمعنا عن الملك الناصر صلاح الدين، يوسف بن أيوب بدمشق، وكان يلعب بالشطرنج، فقال الأميرأسامة: ألا أنشدك البيتين اللذين قلتهما في الشطرنج؟ فقلت: هات، فأنشدنى لنفسه:
أنظر إلى لاعب الشطرنج يجمعها ... مغالبا ثم يعد الجمع يرميها
كالمرء يكدح للدنيا ويجمعها ... حتى إذا مات خلاها وما فيها
وأنشدني لنفسه في غرض له فى نور الدين محمود - رحمه الله - :
سلطاننا زاهد والناس زهدوا ... له فكل على الخيرات منكمش
أيامه مثل شهر الصوم خالية ... من المعاصي وفيها الجوع والعطش
قال: وأنشدني لنفسه:
أأحبابنا هلا سبقتم بوصلنا ... صروف الليالى قبل أن نتفرقا؟؟
تشاغلتم بالهجر والوصل ممكن ... وليس إلينا للحوادث مرتقى
كأنا أخذنا من صروف زماننا ... أمان ومن جور الحوادث موثقا
وقال ايضا:
قمر إذا عاينته شغفا به ... غرس الحياء بوجنتيه شقيقا
وتلهبت خجلا فلولا ماؤها ... مترقرق فيه لصار حريقا
وازور عنى مطرقا فأضلني ... أن أهتدى نحو السلو طريقا
فليلحنى من شاء فيه فصبوتى ... بهواه سكر لست منه مفيقا
وكتب إليه أبو الفوارس مرهف: من حض كيفا، كتابا على يد مسنمنح، فلم يمكن الوقت من بلوغ الغرض من البر، فكتب أسامة جوابه.
أبا الفوارس ما لاقيت من زمني ... أشد من قبضه كفي عن الجود
رأى سماحي بمنزور تجانف لي ... عنه وجودي به فاجتاح موجودي
فصرت إن هزني جان تعود أن ... يجبنى نداي رآني يابس العود
وقال أيضا:
سقوف الدور في خربرت سود ... كستها النار أثواب الحداد
فلا تعجب إذا ارتفعت علينا ... فللحظ اعتناء بالسواد
بياض العين يكسوها جمالا ... وليس النور إلا في السواد
ونور الشيب مكروه وتهوى ... سواد الشعر أصناف العباد
وطرس الخط ليس يفيد علما ... وكل العلم فى وشى المداد
وله مدح صلاح الدين:
هو من عرفت فلو عصاه نهاره ... لرماه نقع جيوشه بالغيهب
وله في الهزل:
خلع الخليع عذاره في فسقه ... حتى تهتك فى بغا ولواط
يأتي ويؤتى ليس ينكى ذا ولا ... هذا كذلك إبرة الخياط
قال العماد: وكان قد سألني أن أنتجز له مطلوبا عند الملك الناصر، صلاح الدين، فكتب إلى يستحثنى:
عماد الدين مولانا جواد ... مواهبه كمنبل السحاب
يحكم في مكارمه الأمانى ... ولو كلفنه رد الشباب
وعذرك في قضا شغلى قضاء ... يصرفه فما عذر الجواب
ولمؤيد الدولة أسامة بن منقذ، تصانيف حسان، منها: كتاب القضاء، كتاب الشيب والشباب، ألفه لابيه، كتاب ذيل يتيمة الدهر للثعالبي، كتاب تاريخ أيامه، كتاب في أخبار أهله رأيته ومن شعر الأمير الأجل مؤيد الدولة، مجد الدين أسامة بن منقذ:
صديق لنا كالبحر قد أهلك الورى ... ولم تنههم أخطاره عن ركوبه
موداته تحكيه صفوا وخبرها ... كمشربه من حوبه وذنوبه
ومنه أيضا:
كنت بين الرجاء واليأس منه ... أقطع الدهر بين سلم وحرب
ألتقى عتبه بأكرم إعتاب ... ويلقى ذلى بتيه وعجب
فبدا للملول أنى لو رمت ... سلوا لما سلا عنه قلبي
فتجنى لي الذنوب ولا والله ... ما لي ذنب سوى فرط حبي
ومنه أيضا:
أنظر بعينك هل ... ترى أحد يدوم على الموده؟
فترى أخلاء الصفاء ... عدى إذا نابتك شده
ومنه أيضا
تنكرني الإخوان حتى ثقاتهم ... وحذرنى منهم نذير التجارب
كأني إذا أودعت سري عندهم ... رفعت بنار فوق أعلى المراقب
قال العماد: وكتبها إلى دمشق بعد خروجه إلى مصر، في أيام بنى الصوفى يشير إليهم:

ولوا فلما رجونا عدلهم ظلموا ... فليتهم حكموا فينا بما علموا
ما مر يوما بفكرى ما يريبهم ... و لا سعت بي إلى ما ساءهم قدم
ولا أضعت لهم عهدا ولااطلعت ... على ودائعهم فى صدرى التهم
محاسنى منذ ملونى بأعينهم ... قذى، وذكرى فى آذانهم صمم
وبعد لو قيل لي ما تحب وما ... تختار من زينة الدنيا لقلت هم
هم مجال الكرى من مقلتي ومن ... قلبي محل المنى جاروا أو احترموا
تبدلوا بي ولا أبغى بهم بدلا ... حسبى بهم أنصفوا فى الحكم أم ظلموا
ياراكبا تقطع البيداء همته ... والعيس تعجز عما تدرك الهمم
بلغ أميري معين الدين مألكة ... من نازح الدار لكن وده أمم
هل فى القضية يا من فضل دولته ... وعدل سيرته بين الورى علم
تضيع واجب حقى بعد ما شهدت ... به النصيحة والخلاص والخدم
إذا نهضت إلى مجد تؤثله ... تقاعدوا، وإذا شيدته هدموا
وإن عرتك من الأيام نائبة ... فكلهم للذي يبكك يبتسم
وكل من ملت عنه قربوه ومن ... ولاك فهو الذي يقى ويهتضم
أين الحمية والنفس الأبية إذ ... ساموك خطة خسف عارها يصم؟
هلا أنفت حياء أو محافظة ... من فعل ما أنكرته العرب والعجم
أسلمتنا وسيوف الهند مغمدة ... ولم يرو سنان السمهري دم
وكنت أحسب من والاك في حرم ... لايعتريه به شيب ولا هرم
وأن جارك جار للسموءل لا ... يخشى الأعادى ولاتغتاله النقم
هبنا جنينا ذنوبا لا يكفرها ... عذر فماذا جنى الأطفال والحرم
ومنها:
لكن رأيك أدناهم وأبعدني ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم
ولا سخطت بعادي إذ رضيت به ... ولا لجرح إذا أرضاكم ألم
تعلقت بحبال منك يدي ... ثم انثنت وهي صفر ملؤها ندم
لكن فراقك آساني وأسقمني ... ففي الجوانح نار منه تضطرم
فاسلم فما عشت لي فالدهر طوع يدي ... وكل ما نالنى من بؤسه نعم
ومن شعره أيضا:
إلق الخطوب إذا طرقن بقلب محتسب صبور
فسينقضي زمن الهموم ... كما انقضى زمن السرور
فمن المحال دوام حال ... في مدى العمر القصير
وتوفى بعد الثمانين والخمسمائة. ومنهم أخوه أبو الحسن على بن مرشد، بن على بن مقلد، بن منقذ، سيد بنى منقذ، ورد بغداد حاجا بعد العشرين والخمسمائة. وقد ذكره السمعاني في تاريخه، وأنشد له:
ودعت صبري ودمعي يوم فرقتكم ... وما علمت بأن الدمع يدخر
وضل قلبي عن صدري فعدت بلا ... قلب فياويح ما آتى وما أذر
ولو علمت ذخرت الصبر مبتغيا ... إطفاء نار بقلبي منك تستعر
قال الأمير علي بن مرشد: سمعت دربابا يصيح بدرب حبيب فقلت فيه:
ياطائرا لعبت أيدى الفراق به ... مثلى فأصبح ذا هم وذا حزن
داني الأسى، نازح الأوطان مغتربا ... عن الأحبة مصفودا عن الوطن
بلا نديم ولاجار يسر به ... ولاحميم ولا دار ولا سكن
لكن نطقت فزال الهم عنك ولى: ... هم يقلقل أحشائي ويخرسني
وكل من باح بالشكوى استراح ومن ... أخفى الجوى بث عنه شاهد البدن
أرقت عيني بنوح لست أفهمه ... مع مابقلبى من وجد يؤرقني
وما بكيت ولي دمع غواربه ... إذا ارتمت منه لم تنشق بالسفن
قال: وكتب إلى صديق له:
ما فهت مع متحدث متشاغلا ... إلا رأيتك خاطرا فى خاطرى
ولو استطعت لزرت أرضك ماشيا ... بسواد قلبى أو بأسود ناظرى
وكتب إلى أخيه مؤيد الدولة أسامة، وهو بالموصل:

ألا هل لمخزون تذكر إلفه ... فحن وأبدى وجده من يعنيه
وعيشا معنى بالرغم إذ نحن جبرة ... ترف على روض الوصال عصونه
لدي منزل كان السرور قرينكم ... به فتولى إذ تولى قرينه
فلو أعشبت من فيض دمعي محوله ... لما رضيت عن دمع عيني جفونه
قال: وأنشدنى له ابن أخيه، الأمير مرهف بن أسامي:
لأشكرن النوى والعيس إذ قصدت ... بى معدن الجود والإحسان والكرم
فسرت في وطني إذ سرت من وطنى ... فمن رأى صحة جاءت من السقم؟
وقد ندمت على عمر مضى أسفا ... إذ لم أكن لك جارا فيه في القدم
فاسلم ولا زلت محروس العلا أبدا ... ما لاحت الشهب في داج من الظلم
وقال أخوه أسامة بن مرشد: ونقلت من خط أخى عز الدولة، أبي الحسن، علي بن مرشد، من شعره، وكان استشهد رحمه الله على عزة فى شهر رمضان، سنة خمس وأربعين وخمسمائة، فى حرب الفرنج لعنهم الله قبل أن يكمل من شعره، وكان تقطر به فرسه على باب غزة، واستعلى الفرنج على أصحابه، فانكشفوا عنه، وبقى في المعركة فقتل، وأنشد له أشعارا، منها قوله فى مرض طال به:
ظننت، وظن الألمعى مصدق ... بأن سقام المرء سجن حمامه
فإن لم يكن موت صريح فإنه ... عذاب تمل النفس طول مقامه
وكم يلبث المسجون في قبضة الأذى ... يجرب فيه الموت غرب حسامه
وأنشد له قوله عند رحيله عن بغداد إلى الحجاز
ترحلت عن بغداد لا كارها لها ... وفى القلب منها لوعة وحريق
فسقيا لأيام تقضت بربعها ... إذ العيش غض والزمان أنيق
بإخوان صدق ليس فيهم مشاهق ... وكلهم حان على شفيق
وأنشد له أيضا:
ولما أعرتني النوى منك نظرة ... أحب إلي قلبي من البارد العذب
تعقبها البين المشت فليتنا ... بقينا على تأميلنا لذة القرب
وأنشد له:
ليت شعري علام صدك عنا ... بعد ما كنت تدعي الأشواقا؟
لاتجار الزمان سبقا إلى الهجر ... فما زال صرفة سباقا
أنت غر بغدره فلهذا ... قد تعجلت بالصدود الفراق
وأنشد له:
بنى أبى إن عدا دهر ففرقنا ... فهم نفسى بكم ما عشت مجتمع
هل تعلمون الذى فى النفس من أسف ... عليكم وحنين ليس ينقطع
ترحتم أدمعى حتى لقد محلت ... جفون عيني ومات اليأس والطمع
وإن دهرا رمى عن جيده دررا ... أمثالكم لزمان عاطل ضرع
ومنهم جده سديد الملك، أبو الحسن، علي مقلد، بن منقذ، وكان من شرطه أن يقدم على بنيه قال: هو جد الجماعة، موفور الطاعة، أحكم آساس مجده وشادها، وفضل أمراء ديار بكر والشام وسادها.
قال أبو يعلى حمزة بن أسد: في سنة أربع وسبعين وأربعمائة فى رجب، ملك الأمير أبو الحسن، علي بن مقلد، بن منقذ، حصن شيزر، من الأسقف الذى كان فيه بمال بذله له، وأرغبه فيه إلى أن حصل فى يده، وشرع فى عمارته وتحصينه، والمصانعة عنه إلى أن تمكنت حاله فيه، وقويت نفسه فى حمايته، والمدافعة عنه والأمير سديد الملك، هو ممدوح فحول الشعراء، الذي امتدحه ابن حيوس بقصيدته التي أولها - وكتبها إليه من طرابلس وهو بحلب - :
أما الفراق فقد عاصيته فأبى ... وطالت الحرب إلا أنه غلبا
أرانى البين لما حم عن قدر ... وداعنا كل جد بعده لعبا
قال: وسألت ابن ابنه الأمير أسامة بن مرشد، ابن على عن وفاة جده، فقال: مات سنة خمس وسبعين وأربعمائة، قال: وأنشدني مجد العرب العامري بأصبهان قال: أنشدني الأمير أبو سلامة مرشد لأبيه الأمير، أبى الحسن علي بن مقلد فى غلام له ضربه، وقد أبدع في هذا المعنى وأعرب:
أسطو عليه وقلبى لو تمكن من ... كفى غلهما غيظا إلى عنقي
وأستعير إذا عاتبته حنقا ... وأين ذل الهوى من عزة الحنق
قال وأنشدني له أيضا:
ماذا النجيع بوجنتيك وليس من ... شدخ الأنوف على الخدود رعاف

ألحاظنا جرحتك حين تعرضت ... لك أم أديمك جوهر شفاف
وقرأت له في مجموع.
إذا ذكرت أياديك التى سلفت ... مع سوء فعلي وزلاتى ومجترمي
أكاد أفتل نفسى ثم يمنعني ... علمى بأنك مجبول على الكرم
وله أيضا:
من كان يرضى بذل فى ولايته ... من خوف عزل فإنى لست بالراضي
قالوا فنركب أحيانا فقلت لهم ... تحت الصليب ولا فى موضع القاضى
وله أيضا:
لاتعجلوا بالهجر إن النوى ... تحمل عنكم مؤنة الهجر
وظاهرونا بوفاء فقد ... أغناكم البين عن الهجر
وله أيضا:
ألقي المنية فى درعين قد نسجا ... من المنية لا من نسج داود
إن الذى صور الأشياء صورني ... نارا من البأس في بحر من الجود
وهذان البيتان يرويان لعبد المؤمن ملك الغرب، ولسديد الملك، من مجموع أسامة:
كيف السلو وحب من هو قاتلي ... أدنى إلي من الوريد الأقرب
إنى لأعمل فكرتى فى سلوة ... عنه فيظهر فى ذل المذنب
وله أيضا:
بكرت تنظر شيبي ... وثيابي يوم عيد
ثم قالت لى بهزء ... يا خليقا في جديد
لاتغالطني فما تص ... لح إلا للصدود
قال العماد: أنشدت هذه الأبيات والقطع جميعها، الأمير مؤيد الدولة أسامة، فى سنة اثنتين وسبعين، فأنكر أن يكون لجده سوى البيتين اللذين أولهما: لاتعجلوا بالهجر إن النوى وأنشدني لجده، وكان كتب بها إلى القاضي جلال الملك، أبى الحسن علي بن عمارة، صاحب طرابلس:
أحبابنا لو لقيتم فى مقامكم ... من الصبابة ما لاقيت فى ظعنى
لأصبح البحر من أنفاسكم يبسا ... كالبر من أدمعي ينشق بالسفن
ومنهم الأمير أبو سلامة، مرشد بن علي، بن مقلد، ابن نصر، بن منقذ،وولد المقدم ذكره، له البيت القديم، والفضل العميم، من فروع الأملاك، الفارعى الأملاك.
قال السمعاني في تاريخه: رأيت مصحفا بخطه، كتبه بماء الذهب على الطاق الصورى، ما رأيت ولا أظن أن الرائين رأوا مثله، فقد جمع إلى فضائله حسن خطه، وتقدم بحسن تدبيره على رهطه وأسن وعمر، وله أولاد نجباء أمجاد، كرماء أجواد، وكان مولده سنة ستين وأربعمائة، ومات بشيزر، سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فيما حكاه ولده أسامة للسمعاني. وذكره مجد العرب أبو فراس العامري، وقال: كنت مقيماً مدة بشيزر في كنفهم، حاظيا برفدهم، ساميا بشرفهم وأثنى على خلفهم، وترحم على سلفهم، قال: وكان الأمير حينئذ بقلعة شيزر: السلطان أبو العساكر أخوه، وهو ممدوحي الذى حباني الإكرام والإحسان، وكان الأمير مرشد يقربني ويكرمني، وقال فى أبياتا منها
لئن نسى امرؤ عهدا فإني ... لعهد أبي الفوارس غير ناس
وما عاش الأمير أبو فراس ... فما مات الأمير أبو فراس
كنية العامري أبو فراس الآخر، وهو أبو فراس بن حمدان، وكان العامري ينبجح بالبيتين، وذكر السمعاني في تاريخه، أنشدني ولده أبو عبد الله محمد ابن مرشد، بن علي، بن مقلد بن منقذ، من حفظه عند القبة التى فيها قبر أيوب النبى صلى الله عليه وسلم، عند عقبة أفيق، بنواحى الأردن قال، وأنا قائم أكتب، وهو وغلمانه على الخيل قال: أنشدني والداى المرشد بن على لنفسه بشيزر:
ظلوم أبت فى العلم إلا التماديا ... وفى الصد والهجران إلا تناهيا
شكت هجرنا والذنب فى ذاك ذنبها ... فيا عجبا من ظالم جاء شاكيا
وطاوعت الواشين في وطالما ... عصيت عذولا فى هواها وواشيا
ومال بها تيه الجمال إلى العلا ... وهيهات أن أمسى لها الدهر قاليا
ولا ناسيا ما استودعت من عهودها ... وإن هي أبدت جفوة وتناسيا
ومنها فى العتاب:
وقلت: أخى يرعى بني وأسرتي ... ويحفظ فيهم عهدتي وذماميا
ويجزيهم ما لم أكلفه فعله ... لنفسي فعد أعددته من تراثيا
فأصبحت صفر الكف مما رجوته ... أرى اليأس قد غطى سبيل رجائيا
فما لك لما أن حنى الدهر صعدتي ... وثلم مني صارما كان ماضيا

تنكرت حتى صار برك قسوة ... وقربك منهم جفوة وتناسيا
على أننى ماحلت عما عهدته ... ولا غيرت هذي الشؤون وداديا
فلا زعزعتك الحادثات فإنني ... أراك يميني والأنام شماليا
قال: وقرأت فى بعض الكتب كلمة نظمها الخطيب أب الفضل، يحيى بن سلام الحصكفي، فى جواب رسالة وصلته من الأمير على بن مرشد من شيزر، وهى:
حوى مرشد وابناه غر المناقب ... وحلوا من العلياء أعلى المراتب
ذوائب مجد ما علمت بأنهم ... من العلم أيضا فى الذرى و الذوائب
أنت من على روضة جاد روضها ... سحائب فضل لا كجود السحائب
بأبيات شعر أفحمت كل شاعر ... وآيات نثر أعجبت كل خاطب
وغر معان أعجزن كل عالم ... وأسطر خط أرعشت كل كاتب
وربع لورد واقد لمطالع ... ربيع لوفد وارد بمطالب
وخود رمت بالسحر عن قوس حاجب ... لها في العلا فخر على قوس حاجب
فلو قطبت بوما لما قطبت لها ... وجوه ولا غطت على حكم شارب
ومنهم حميد بن مالك، بن مغيث، بن نصر، بن منقذ، بن محمد، بن منقذ، بن نصر، بن هاشم، أبو الغنائم، الملقب بمكين الدولة، ولد بشيزر في تاسع جمادي الآخرة، سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، ونشأ بها، وانتقل إلى دمشق، فسكنها مدة طويلة، وكتب فى العسكر، وكان يحفظ القرآن، وله شعر جيد، وفيه شجاعة وعفاف، ومات فى نصف شعبان، سنة أربع وستين وخمسمائة بحلب، ومن شعره:
ما بعد جلق للمرتاد منزلة ... ولا كسكانها فى الأرض سكان
فكلها لمجال الطرف منتزه ... وكلهم لصروف الدهر أقران
وهم وإن بعدوا عنى بنسبتهم ... إذا بلوتهم بالود إخوان
وقال في أخيه يحيى:
بالشام لي حدث وجدت بفقده ... وجدا يكاد القلب منه يذوب
فيه من البأس المهيب صواعق ... تخشى ومن ماء السماء قليب
فارقت حتى حسن صبرى بعده ... وهجرت حتى النوم وهو حبيب
قال الحافظ علي بن الحسن، بن هبة الله، وأنشدنا لنفسه:
يذكرني يحيى الرماح شوارعا ... وبيض المواضى جردت للوقائع
وأقسم ما رؤياه في العين بهجة ... بأحسن من أوصافه فى المسامع
قال: وأنشد لنفسه:
وسلافة أزرى احمرار شعاعها ... بالورد والوجنات والياقوت
جاءت مع الساقى تنير بكأسها ... فكأنها اللاهوت فى الناسوت
قال: وأنشدنا لنفسه فى صديق له يعاتبه:
أدنو بودى وحظى منك يبعدنى ... هذا: لعمرك عين الغبن والغبن
وإن توخيتني يوما بلائمة ... رجعت باللوم إبقاء على الزمن
وحسن طنى موقوف عليك فهل ... غيرت بالظن بى عن رأيك الحسن
ومنهم الأمير شرف الدين، أبو الفضل، إسماعيل بن أبى العساكر، سلطان بن علي، بن منقذ، كان أبوه عم مؤيد الدولة، أسامة بن مرشد، أمير شيزر، وكان شابا فاضلا، سكن لما أخذت منهم شيزر بدمشق، ومات بها سنة إحدى وستين وخمسمائة، قال العماد: وسمعت من شعره:
ومهفهف كتب الجمال بخده ... سطرا يحير ناظر المتأمل
بالغت في استخراجه فوجدته ... لا رأى إلا رأى أهل الموصل
وذكره ابن عمه الأمير مرهف بن أسامة، وأثنى عليه، وأنشدنى له أشعاراً منها بيتان فى النحل والزنبور وهما:
ومغردين ترنما فى مجلس ... فنفاهما لأذاهما الأقوام
هذا يجود بما يجود بعكسه ... هذا فيحمد ذا وذاك يذام
يعنى العسل من النحل، وعكسه اللسع من الزنبور وأنشدنى أيضا له:
سقيت كأس الهوى علا على نهل ... فلا تزدني كأس اللوم والعذل
نأى الحبيب فبى من نأيه حرق ... لو لابست جبلا هدت قوى الجبل
ولو تطلبت سلوانا لزدت هوى ... وقد يزيد رسوبا نهضة الوحل
عفت رسومي فعج نحوى لتندبني ... فالصب غب زيال الحب كالطلل

صحوت من قهوة تنفى الهموم بها ... لكنني ثمل من طرفة الثمل
أصبر النفس عنه وهى قائلة ... مالى بعادية الأشواق من قبل
كم ميتة وحياة ذقت طعمهما ... مذ ذقت طعم النوى لليأس والأمل
والنفس إن خاطرت فى غمرة وألث ... منها وإن خاطرت فى الوجد لم تئل
لها دروع تقيها من سهام يد ... لهل دروع تقيها أسهم المقل
فانظر إليه تر الأقمار فى قمر ... وانظر إلى تر العشاق فى رجل
بأى أمر سأنجو من هوى رشا ... فى جفنه سحر هاروت وسيف على
إذا رمى طرفه باللحظ قال له ... قلبى أعد لا رماك الله بالشلل
أمن بني الروم ذا الرامي الذى فتكت ... سهامه بالورى أم من بني ثعل؟
إن خفت روعة هجران الحبيب فقد ... أمنت في حبه من روعة العذل
ومنهم الأمير أبو الفتح، يحيى بن سلطان، بن منقذ، لقبه فخر الدولة، ذكره الأمير مرهف بن أسامة، وذكر أنه قتل على بعلبك، فى سنة أربعين وخمسمائة وأنشدنى من شعره، ما كتبه إلى أبيه عز الدين، يطلب منه رمحا:
يا خير قوم لم يزل مجدهم ... فى صفحات الدهر مسطورا
عبدك يبغى أسمرا ذكره ... ما زال بين الناس مذكورا
مسدد والجور من شأنه ... إن نال، وترا صار موتورا
فإن تفضلت به عاد عن ... صدور أعدائك مكسورا
ومنهم الأمير عز الدولة أبو المرهف، نصر بن مقلد، بن نصر، بن منقذ، عم مؤيد الدولة أسامة، قال العماد: كنا حضرنا عند الملك الناصر ليلة بدمشق، سنة إحدى وسبعين، والأمير مؤيد الدولة حاضر، وتناشدنا ملح القصائد، ونشدنا ضالة الفوائد، وجرى حديث اقتضى إنشاد الأمير أسامة بيتين لبعضهم فى المشط الأبيض، وهما لأبى الحسن، أحمد بن محمد، بن الدريدة المغربي، كان فى زمن بنى صالح:
كنت أستعمل السواد من الأمشاط ... والشعر فى سواد الدياجي
أتلقى مثلا بمثل فلما ... صار عاجا سرحته بالعاج
ثم قال الأمير: وقد أخذ هذا المعنى، عمى نصر وعكسه، وقال:
كنت أستعمل البياض من الأمشاط ... عجبا بلمتى وشبابي
فاتخذت السواد فى حالة الشيب ... سلوا عن الصبا بالتصابي
وقال لى الأمير أسامة: كان عمى نصر قد أخرج حجة عن والدته، فرآها فى النوم كأنها تنشده، فأتيته والأبيات على حفظه، وهي:
جزيت من ولد بر بصالحة ... فقد كسبت ثوابا آخر الزمن
وقد حجبت إلى البيت الحرام وقد ... أتيته زائرا يا خير محتضن
فلا تنلك يد الأيام ما طلعت ... شمس وما صدحت ورقاء فى فنن
وكان نصر هذا، صاحب قلعة شيزر بعد والده سديد الملك، وكان كريما ذا أريحية حدثنى الأمير مرهف بن أسامة بحضرة والده، قال: كتب القاضى أبو مسلم وادع المعرى، إلى الأمير نصر فى نكبة نالته:
يانصر يا ابن الأكرمين ومن ... شفع التلاد بطارف الفخر
هذا كتاب من أخى ثقة ... يشكو إليك نوائب الدهر
فأمنن بما عودت من حسن ... هذا أوان النفع والضر
فكتب إليه نصر إنه لم يحضرنى سوى ما هو عندك مودع، وهو ستة آلاف دينار، فاصرفها فى بعض مصالحك واعذر وذكر أن نصرا كان برا بوالده سديد الملك، فقال فيه سديد الملك:
جزى الله نصرا خير ما جزيت به ... رجال قضوا فرض العلاء ونفلوا
هو الولد البر العطوف وإن رمى ... به حادث فهو الحمام المعجل
يفديك يا نصر رجال محلهم ... من المجد والإحسان أن يتقولوا
سألنى بما أوليت بالموقف الذى ... تقر به الأقدام أو تتزلزل
وألقاك يوم الحشر أبيض ناصعا ... وأشكر عند الله ما كنت تفعل

وتوفى نصر بن على، فى جمادى الآخرة، سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، بشيزر ومنهم الأمير عضد الدين أبو الفوارس مرهف بن أسامة، بن مرشد، بن على، ابن مقلد، بن نصر، بن منقذ قال مؤلف الكتاب: فارقته فى جمادى الأولى، سنة اثنتى عشرة وستمائة، بالقاهرة يحيا، ولقيته بها وهو شيخ ظريف، واسع الخلق، شائع الكرم، جماعة للكتب، وحضرت داره، واشترى منى كتبا، وحدثنى أن عنده من الكتب ما لايعلم مقداره، إلا أنه ذكر لى، أنه باع منها أربعة آلاف مجلد فى نكبة لحقته، فلم يؤثر فيها، وسألته عن مولده، فقال: ولدت سنة عشرين وخمسمائة،فيكون عمرع إلى وقتنا هذا، اثنتين وتسعين سنة،وكان قد أقعد لا يقدر على الحركة، إلا أنه صحيح العقل والذهن، والفطنة والبصر، يقرأ الخط الدقيق كقراءة الشبان، إلا أن سمعه فيه ثقل، وكان ذلك يمنعنى من مكاثرته ومذاكرته وكان السلطان صلاح الدين رحمه الله قد أقطعه ضياعا بمصر، فهو يصرفها فى مصالحه، واجراه الملك العادل، أخو صلاح الدين على ذلك، وكان الملك الكامل بن العادل يحترمه، ويعرف له حقه، وأنشدنى شيئا من شعره وشعر أهله، لم يحضرنى فى هذا الوقت ما أورده: وذكر له العماد فى كتاب الخريدة، ما ذكر أنه سمعه منه وهو:
سمحت بروحى فى رضاك ولم يكن ... ليعجزنى لولا رضاك المذاهب
وهانت لجراك العظائم كلها ... على وقد جلت لدى النوائب
فكان ثوابي عن ولائي لحبكم ... رمتني به منك الظنون الكواذب
فمهلا فلي في الأرض عن منزل العلا ... مسار إذا أخرجتنى ومسارب
وإن كنت ترجو طاعتي بإهانتي ... وقسري فإن الرأي عنك لعازب
وأنشدني أيضاً لنفسه، قال وهو حاضر عند والده، وذكر أنه مما كتبه إلى والده:
رحلتم وقلبى بالولاء مشرق ... لديكم وجسمي للعناء مغرب
فهذا سعيد بالدنو منعم ... وهذا شقي بالبعاد معذب
وما أدعي شوقا فسحب مدامعي ... تترجم عن شوقي إليكم وتعرب
ووالله ما اخترت التأخر عنكم ... ولكن قضاء الله ما منه مهرب
ومات الأمير عضد الدين بن مرهف، في الثانى من صفر، سنة ثلاث عشرة وستمائة.

الجزء السادس
إسحاق بن إبراهيم الموصلي
كنيته أبو محمد وكان الرشيد إذا أراد أن يولع به، كناه أبا صفوان، وموضعه من العلم، ومكانه من الأدب والشعر، لو أردنا استيعابه، طال الكتاب وخرجنا عن غرضنا من الاختصار، ومن وقف على الأخبار، وتتبع الآثار، علم موضعه، وأما الغناء فكان أصغر علومه، وأدنى ما يوصف به، وإن كان الغالب عليه، لأنه كان له في سائر علومه نظراء، ولم يكن له فى هذا نظير، لحق فيه من مضى، وسبق من بقى، فهو إمام هذه الصناعة، على أنه كان أكره الناس للغناء والتسمى به، ويقول: وددت أني أضرب، - كلما أراد مني من يندبني أن أغني، وكلما قال قائل: إسحاق الموصلي المغني، - عشر مقارع، ولا أطيق أكثر من هذا، وأعفي من الغناء والنسبة إليه وكان المأمون يقول: لولا ما سبق لإسحاق على ألسنة الناس، وشهر به من الغناء عندهم، لوليته القضاء بحضرتى، فإنه أولى به، وأحق وأعف، وأصدق تدينا وأمانة من هؤلاء القضاة قال: بقيت زمانا من دهرى أغلس إلى هشيم، فأسمع منه الحديث، ثم أصبر إلى الكسائي، فأقرأ عليه جزءا من القرآن، وآتى الفراء، فأقرأ عليه جزءا، ثم آتى منصورا زلزل فيضاربني طريقين أو ثلاثة، ثم آتى عاتكة بنت شهدة، فآخذ منها صوتا أو صوتين، ثم آتى الأصمعى فأناشده، وآتى أبا عبيدة فأذاكره، ثم أسير إلى أبى فأعلمه ما صنعت، ومن لقيت، وما أخذت، وأتغذى معه، وإذا كان العشاء رحت إلى الرشيد وقال الأصمعى: خرجت مع الرشيد، فلقيت إسحاق الموصلى بها، فقلت له: هل حملت شيئا من كتبك؟ فقال: حملت ما خف فقلت: كم مقداره؟ فقال ثمانية عشر صندوقا، فعجبت وقلت: إذا كان هذا ما خف، فكم يكون ما ثقل؟ فقال: أضعاف ذلك وكان الأصمعى يعجب بقول إسحاق:
إذا كان الأحرار أصلى ومنصبي ... ودافع ضيمي خازم وابن خازم
عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثريا فاعدا غير قائم

وقال جعفر بن قدامة: حدثني علي بن يحيى المنجم قال: سأل إسحاق الموصلى المأمون أن يكون دخوله إليه، مع أهل العلم والأدب، والرواة، لامع المغنين، فإذا أراد الغناء غناه، فأجابه إلى ذلك، ثم سأله بعد ذلك بمدة، أن يكون دخوله مع الفقهاء، فأذن له فى ذلك، فكان يدخل ويده فى يد القضاة، حتى يجلس بين يدى المأمون وقال: ولا كل هذا يا إسحاق، وقد اشتريت منك هذه المسألة، بمائة ألف درهم، وأمر له بها. وحدث المزربانى عن محمد بن عطية الشاعر قال: كنت عند يحيى بن أكثم فى مجلس له، يجتمع إليه فيه أهل العلم، وحضره إسحاق، فجعل يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن واحتج، ثم تكلم فى الشعر واللغة، ففاق من حضر، فأقبل على يحيى ابن أكثم وقال: - أعز الله القاضي - أفي شيء مما ناظرت فيه تقصير؟ قال: لا والله، قال: فما بالي أقوم بسائر العوم قيام أهلها، وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه؟ قال العطوى: فالتفت إلى يحيى بن أكثم، وقال: جوابه فى هذا عليك، قال: وكان العطوى من أهل الجدل والكلام، فالتفت إلى إسحاق، وقلت: يا أبا محمد، أخبرنى إذا قيل: من أعلم الناس بالشعر واللغة؟ أيقولون إسحاق، أم الأصمعى وأبو عبيدة؟ فقال: بل الأصمعى وأبو عبيدة، قال فإن قيل من اعلم الناس بالنحو؟ أيقولون إسحاق، أم الخليل وسيبويه؟ قال بل الخليل وسيبويه: قال: فإن قيل: من أعلم الناس بالأنساب؟ أيقولون إسحاق، أم ابن الكلبى؟ قال: بل ابن الكلبى قال: فإن قيل: من أعلم الناس بالكلام؟ أيقولون إسحاق، أم أبو الهذيل والنظام؟ قال: بل أبو الهذيل، والنظام، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالفقه؟ أيقولون إسحاق، أم أبو حنيفة، وأبو يوسف؟ فقال: بل أبو حنيفة وأبو يوسف، قال: فإن قيل: من أعلم الناس بالحديث؟ أيقولون إسحاق، أم على بن المديني، ويحيى بن معين؟ قال: بل على المديني، ويحيى بن معين. قال: فإذا قيل من أعلم الناس بالغناء؟ أيجوز أن يقول قائل: فلان أعلم من إسحاق؟ قال: لا، قلت: فمن ههنا نسبت إلى مانسبت إليه، لأنه لا نظير لك فيه، وأنت فى غيره لك نظراء فضحك وقام وانصرف فقال لى يحيى بن أكثم لقد وفيت الحجة، وفيها ظلم قليل لإسحاق، لأنه ربما ماثل أو زاد على من فضلته عليه، وإنه ليقل فى الزمان نظيره.
وكان إسحاق قد روى الحديث عن جماعة، منهم: أبو معاوية الضرير، وهشيم، وابن عينية، وغيرهم، وكان مع كراهيته للغناء أحذق خلق الله به، ممن تقدم وتأخر، وأشد الناس بخلا به على كل أحد، حتى على جواريه وغلمانه، ومن يأخذ عنه منتسبا إليه، متعصياً له، فضلا عن غيره، وهو الذى صحح أجناس الغناء وطرائقه، وميزها تمييزا لم يقدر عليه أحد قبله، ولا تعلق به أحد بعده، ولم يكن قديما مميزا على هذا الجنس.
وكان إبراهيم بن المهدى يأكل المغنين أكلا، حتى يحضر إسحاق فيداريه إبراهيم، ويطلب مكأفاته ومعارضته، ولا يدع إسحاق يكبته، وكان إسحاق آفته، كما أن لكل شيء آفة، وله معه عدة مشاهد، قال إسحاق: كنت يوما عند الرشيد، وعنده ندماؤه وخاصته، وفيهم إبراهيم بن المهدى، فقال لى الرشيد: يا إسحاق نغن:
شربت مدامة وشقيت أخرى ... وراح المننشون وماانتشب

فغنيته فاقبل على إبراهيم بن المهدى، فقال: ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت، فقلت له: ليس هذا مما تحسنه وتعرفه، وإن شئت فنه، فإن لم أجدك تخطئ فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك، فدمى حلال ثم أقبلت على الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين: هذه صناعتي، وصناعة أبي، وهى إلى قربتنا منك، واستخدمتنا إليك، وأوطأتنا بساطك، فإذا نازعناها أحد بلا علم، لم نجد بدا من الإيضاح والذب، فقال: لا عزو، ولا لوم عليك، وقام الرشيد لببول، فأقبل على إبراهيم وقال: ويلك يا إسحاق، تجترى على وتقول ما قلت يا ابن الزانية، فداخلني ما لم أملك نفسي معه، فقلت له: أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك، وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة، ولولا ذلك لقد كنت أقول لك: يا ابن الزانية، كما قلت لي يا ابن الزانية، ولكن قولي في ذمك، ينصرف إلى خالك لأعلم، ولولاك لذكرت صناعته ومذهبه قال إسحاق: وكان بيطارا، وعلمت أن إبراهيم يشكونى إلى الرشيد، وأن الرشيد سيسأل من حضر عما جرى فيخبره، ثم قلت له: أنت تظن أن الخلافة تصير إليك، فلا تزال تهددني بذلك، وتعاديني كما تعادي سائر أولياء أخيك، حسدا له ولولده على الأمر، وأنت تضعف عنه وعنهم، وتستخف بأوليائهم تشيعا وأرجو ألا يخرجها الله تعالى عن يد الرشيد وولده، وأن يقتلك دونها، وإن صارت إليك والعياذ بالله، فحرام على العيش يومئذ، والموت أطيب من الحياة معك، فاصنع حينئذ مابدا لك.
فلما خرج الرشيد، وثب إبراهيم فجلس بين يديه، وقال يا أمير المؤمنين: شتمنى وذكر أمي، واستخف بي، فغضب الرشيد وقال: ما تقول ويلك؟ قلت: لا أعلم، سل من حضر، فأقبل على مسرور وحسين الخادم فسألهما عن القصة، فجعلا يخبرانه ووجهه يربد إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة، فسرى عنه ورجع لونه، وقال لإبراهيم: ما له ذنب، شتمته فعرفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع إلى موضعك، وأمسك عن هذا، فلما انقضى المجلس وانصرف الناس، أمر ألا أبرح، وخرج كل من حضر، حتى لم يبق غيري، فساء ظني وهمتني نفسي، فأقبل على وقال لي: ويحك يا إسحاق، أتراني لا أعرف وقائعك؟ قد والله زانيته دفعات، ويحك لا تعد، ويحك حدثني عنك لو ضربك أخى إبراهيم، أكنت أقتص لك منه، فأضربه؟ وهو أخي يا جاهل؟ أتراه لو أمر غلمانه أن يقتلونك فقتلوك، أكنت أقتله بك؟ فقلت: قد والله قتلتني يا أمير المؤمنين بهذا الكلام، ولئن بلغه ليقتلني، وما أشك في أنه قد بلغه الآن، فصاح بمسرور الخادم وقال: على بإبراهيم الساعة، وقال لي: قم فانصرف، فقلت لجماعة من الخدم، وكلهم كان لي محبا، وإلى مائلاً، أخبروني يما يجري، فأخبروني من غد: أنه لما دخل عليه وبخه وجهله، وقال له: لم تستخف بخادمي؟ وصنيعتي، ونديمي، وابن خادمي، وصنيعة أبى في مجلسي، وتقدم على وتصنع في مجلسي، وحضرتي، هاه هاه، نقدم على هذا وأمثاله، وأنت مالك والغناء، وما يدريك ماهو؟ ومن أخذ لحنه وطارحك إياه، حتى تظن أنك تبلغ منه مبلغ إسحاق، الذى غذى به، وهو صناعته، ثم تظن أنك تخطئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليك، فلا تثبت لذلك، وتعتصم بشتمه، أليس هذا مما يدل على السقوط، وضعف العقل، وسوء الأدب، من دخولك فيما لا يشبهك، ثم إظهارك إياه ولم تحكمه، أليس تعلم ويحك؟ أن هذا سوء رأى وأدب، وقلة معرفة ومبالاة بالخطأ، والتكذيب والرد القبيح، ثم قال له والله العظيم، وحق رسوله الكريم - وإلا فأنا نفى من أبي - لئن أصابه سوء أو سقط عليه حجر من السماء، أو سقط من دابته، أو سقط عليه سقف، أو مات فجأة، لأقتلنك به - والله والله والله وأنت أعلم - فلا تعرض له، قم الآن فاخرج، فخرج وقد كاد يموت، فلما كان بعد ذلك، دخلت عليه وإبراهيم عنده، فأعرضت عنه، فجعل الرشيد ينظر إلي مرة، وإلى إبراهيم أخرى، ويضحك، ثم قال له: إني لأعلم محبتك لإسحاق وميلك إليه والأخذ عنه وإن هذا لا تقدر عليه كما تريد، إلا أن يرضى، والرضا لا يكون بمكروه، ولكن أحسن إليه وأكرمه، وبره وصله، فإذا فعلت ذلك، ثم خالف ما تهواه، عاقبته بيد منبسطة، ولسان منطلق، ثم قال لي: قم إلى مولاك وابن مولاك، فقبل رأسه، فقمت إليه، وأصلح بيننا وحدث المبرد قال: حدثت عن الأصمعي قال: دخلت أنا وإسحاق بن إبراهيم يوما على الرشيد، فرأيته لقس النفس، فأنشده
وآمره بالبخل قلت لها اقصرى ... فذلك شيء ما إليه سبيل

أرى الناس خلان الكرام ولا أرى ... بخيلا له حتى الممات خليل
وإنى رأيت البخل يزرى بأهله ... فأكرمت نفسى أن يقال بخيل
ومن خير أخلاق الفتى قد علمته ... إذا نال يوما أن يكون ينيل
فعالى: فعال الموسرين تكرما ... ومالى: كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى أمير المؤمنين جميل
قال: فقال الرشيد لأكيفيك إن شاء الله: ثم قال: لله در أبيات تأتينا بها، ما أشد أصولها، وأحسن فصولها، وأقل فضولها!!! وأمر له بخمسين ألف درهم، فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعرى، أحسن منه، فعلام آخذ الجائزة، فضحك الرشيد وقال: أجعلوها لهذا القول مائة الف درهم. قال الأصمعى: فعلمت يومئذ أن إسحاق، أحذق بصيد الدراهم مني. وحدث إسحاق قال: قال لي الرشيد يوما: بأي شيء يتحدث الناس؟ قلت: يتحدثون أنك نقبض على البرامكة، وتولى الفضل بن الربيع الوزارة، فغضب وصاح، وقال: وما أنت وذاك؟ فأمسكت، فلما كان بعد أيام دعا بنا، فكان أول شيء غنيته:
إذا نحن صدقناك ... فضر عندك الصدق
طلبنا النفع بالباطل ... إذ لم ينفع الحق
فلو قدم صبا في ... هواه الصبر والرفق
لقدمت على الناس ... ولكن الهوى رزق
والشعر لأبى العتاهية. قال: فضحك الرشيد، وقال لى يا إسحاق: قد صرت حقوداً وحدثت شهوات جارية إسحاق، التى كان أهداها الواثق: أن محمدا الأمين، لما غنى إسحاق لحنه، الذى صنعه فى شعره:
يأيها القائم الأمير فدت ... نفسك نفسي بالأهل والولد
بسطت للناس إذا وليتهم ... يدا من الجود فوق كل يد
أمر له بألف ألف درهم، فرأيتها قد أدخلت إلى دارنا، يحملها مائة فراش وحدث إسحاق قال: أقام المأمون بعد قدومه عشرين شهرا، لم يسمع حرفا من الأغاني، ثم كان أول من تغنى بحضرته، أبو عيسى بن الرشيد، ثم واظب على السماع، متسترا متشبهاً في أول أمره بالرشيد، فأقام على ذلك أربع حجج ثم ظهر للندماء والمغنين، وكان حين أحب السماع سأل عني، فخرجت بحضرته، وقال الطاعن على: ما يقول أمير المؤمنين في رجل يتيه على الخلافة؟ فقال: ما بقى هذا شيئا من التيه إلا استعمله، فأمسك عن ذكري، وجفاني من كان يصلنى، لسوء رأيه الذى ظهر في، فأضر ذلك بى، حتى جاءني علوية يوما فقال لي: أتاذن لى في ذكرك، فإنا قد دعينا اليوم فقلت: لا، ولكن غنه بهذا الشعر، فإنه سيبعثه على أن يسألك، لمن هذا، فإذا سألك، انفتح لك ما تريد، فكان الجواب، أسهل عليك من الابتداء، وألقيت عليه لحنى فى شعرى:
يا مشرع الماء قد سدت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود؟
لحائم حام حتى لا سبيل له ... محلا عن طريق الماء مطرود
قال: فلما استقر بعلوية المجلس، غناه الشعر الذى أمرنه، فما عدا المأمون أن سمع الغناء، حتى قال: ويحك يا علوية، لمن هذا الشعر؟ قلت: ياسيدى لعبدك الذى جفوله، وأطرحته لغير جرم. فقال: لإسحاق تعنى؟ قلت: نعم. فقال: يحضرنى الساعة، فجاءنى رسوله، فصرت إليه، فلما دخلت عليه، قال: ادن، فدنوت منه، فرفع يديه مددهما إلى، فأكببت عليه فاحتضنى بيديه، وأشار من يرى وإكرامى، ما لو أظهر صديق مؤانس بصديق لسره وقال إسحاق. غنيت المأمون يوما.
لأحسن من قرع المثانى ورجعها ... تواتر صوت الثغر يقرع بالثغر
وسكر الهوى أروى لعظمي ومفصلي ... من الشرب بالكلمات من عانق الخمر
فقال لى المأمون: ألا أخبرك بأطيب من ذلك وأحسن؟ الفراغ، والشباب، والجدة.

وحدث إسحاق قال: ذكر المعتصم وأنا بحضرته يوما بعض أصحابه، وقد غاب عنه، فقال: تعالوا حتى نقول ما يصنع فى هذا الوقت. فقال قوم: كذا، وقال آخرون: كذا، فبلغت الرنة إلى، فقال: قل يا إسحاق قلت: إذا أقول فأصيب. قال: أتعلم الغيب؟ قلت: ولكننى اقسم ما يصنع، وأندر على معرفته. قال: فإن لم تصب، قلت: وأن أصبت، قال: لك حكمك، وإن لم تصب، قلت لك دمى، قال: وجب، قلت: وجب، قال: فقل، قلت يتنفس، قال. وإن كان ميتا، قلت: تحفظ الساعة التى تكلمت فيها، فإن كان مات قبلها أو فيها، فقد قمرتنى، قال: قد أنصفت، قلت: فالحكم، قال: فاحتكم ما شئت، قلت: ما حكمي إلا رضاك يا أمير المؤمنين. قال: فإن رضاي لك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم، أترى مزيدا؟ فقلت: ما أولاك يا أمير المؤمنين بذاك، قال: فإنها مائتا ألف، أترى مزيدا؟ فقلت ما أحوجنى إلى ذاك، قال فإنها ثلاثمائة ألف، أترى مزيدا؟ قلت، ما أولاك يا أمير المؤمنين بذاك، فقال: يا صفيق الوجه ما نزيد على هذا وحدث إسحاق قال: كنت جالسا بين يدى الواثق وهو ولى عهد، إذ خرجت وصيفة من القصر، كأنها خوط بان، أحسن من رأته عينى، يقدمها عدة وصائف بأيديهن المذاب والمناديل، ونحو ذلك، فنظرت إليها نظر دهش وهي ترمقني، فلما تبين إلحاح نظري إليها، قال لي: مالك يا أبا محمد، قد انقطع كلامك، وباتت الحيرة فيك؟ فلجلجت، فقال: رمتك والله هذه الوصيفة، فأصابت قلبك، فقلت: غير ملوم، فضحك وقال: أنشدني شيئا فى هذا المعنى، فأنشدني قول المرار:
ألكني إليها: عمرك الله يافتى ... بآية ما قالت: متى أنت رائح
وآية ما قالت: لهن عشية ... وفى الستر: حرات الوجوه ملائح
تخيرن أرماكن فارمين رمية ... أخا أسد إذ طوحته الطوائح
فأرسلت مسلاس الوشاح كأنها ... مهاة لها طفل برمان راشح
فقال الواثق: أحسنت وحياتي وظرفت، فاصنع فيه لحناً، فإن جاء كما أريد، فالوصيفة لك، فصنعت فيه لحنا وغنيته إياه، فانصرفت بالجارية. وحدث إسحاق قال: غنيت الواثق فى شعر قلته عنده بسر من رأى، وقد طال مقامى، واشتقت إلى أهلى، وهو:
يا حبذا ريح الجنوب إذا بدت ... فى الصبح وهى ضعيفة الأنفاس
قدحملت برد الندى وتحملت ... عبقا من الجنجاث والبسباس
فاستحسنه وقال: يا إسحاق، لو جعلت مكان الجنوب شمالا، ألم يكن أرق وأخاف، وأصح للأجساد، وأقل وخامة، وأطيب للأنفس فقلت: ما ذهب على ما قاله أمير المؤمنين، ولكن التفسير فيما بعد، وهو:
ماذا يهيج للصبابة والهوى ... للصب بعد ذهوله والياس
فقال الواثق: فإنما استطبت ما يجئ به الجنوب، لنسيم بغداد، لا للجنوب وإليهم اشتقت لا إليها، فقلت: أجل يا أمير المؤمنين، وقمت فقبلت يده، فضحك وقال: قد أذنت لك بعد ثلاثة أيام، فامض راشداً، فأمر لى بمائة ألف درهمٍ.
وحدث إسحاق قال: ما وصلنى أحد من الخلفاء، بمثل ما وصلني به الواثق، ولا كان أحد يكرمني إكرامه، ولقد غنيته:
لعلك إن طالت حياتك أن ترى ... بلادا بها مبدى لليلى ومحضر
فاستعاده منى جمعة لا يشرب على غيره، ثم وصلنى بثلاثمائة ألف درهم، ولقد استقدمني إليه، فلما قدمت عليه، قال لى: ويحك يا إسحاق، أما اشتقت إلى؟ فقلت: بلى والله يا سيدى، وقد قلت فى ذلك أبياتا، إن أمرتني أنشدتك إياها، قال: هات، فأنشدته:
أشكو إلى الله بعدى عن خليفته ... وما أعالج من سقم ومن كبر
لا أستتطيع رحيلا إن هممت به ... يوما إليه ولا أقوى على السفر
أنوى الرحيل إليه ثم يمنعنى ... ما أحدث الدهر والأيام فى بصرى
وإنما قال: ما أحدث الدهر والأيام فى بصرى، لأن إسحاق لما كبر ضعف بصره، ثم أضر واستأذنته فى إنشاد قصيدة مدحته بها، فأذن لي فأنشدته:
لما أمرت بإشخاصي إليك هفا ... قلبى حنينا إلى أهلي وأولادى
ثم اعتزمت ولم أحفل ببينهم ... وطابت النفس عن فضل وحماد
فلو شكرت ياديكم وأنعمكم ... لما أحاط بها وصفى وتعدادى

فقال أحمد بن إبراهيم: لعلي بن يحيى، وقد أخبر بهذا الخبر، أخبرني: لو قال الخليفة أحضرني فضلا وحمادا، أليس كان إسحاق يفتضح من دمامة خلقتهما، وتجلف شاهدهما.
قال إسحاق: وانحدرت منه إلى النجف، فقلت له يا أمير المؤمنين: قد قلت فى النجف قصيدة قال هاتها: فأنشدته:
يا ركب العيسى لا تعجل بنا وقف ... نحي داراً ليسعدى ثم ننصرف
حتى انتهيت فيها إلى قولي
لم ينزل الناس فى سهل ولا جبل ... أصفى هواء ولا أغذى من النجف
حفت ببر وبحر فى جوانبها ... فالبر فى طرف و البحر فى طرف
ما يزال نسيم من يمانية ... يأتيك منها بريا روضة أنف
ثم مدحته فقلت:
لا يحسب الجود يفي ماله أبداً ... و لا يرى بال ما يحوى من السرف
ومضيت فيها حتى أتممتها، فطرب وقال: أحسنت و الله يا أبا محمد، وكناني يومئذ، وأمر لى بمائة ألف درهم، وانحدرت معه إلى الصالحية، التى يقول فيها أبو نواس:
فالصالحية من أطراف كلواذى ... فذكرت الصبيان و بغداد، فقلت:
أتبكى على بغداد وهى قريبة ... فكيف إذا ما ازددت منها غدا بعدا
لعمرك ما فارقت بغداد عن قلى ... لو أنا وجدنا من فراق لها بدا
إذا ذكرت بغداد نفسي تقطعت ... من الشوق أو كادت تهيم بها وجدا
كفى حزنا أن رحت لم أستطع لها ... وداعاً ولم أحدث بساحتها عهدا
فقال لى الموصلى: اشتقت إلي بغداد؟ فقلت: لا و الله يا أمير المؤمنين، ولكن من أجل الصبيان، وقد حضرني بيتان فأنشدته:
حننت إلى أصيبية صغار ... وشاقك منهم فرب المزار
وأبراج ما يكون الشوق يوماً ... إذا دنت الديار من الديار
فقال لى إسحاق: سر إلى بغداد، فأقم مع عيالك شهراً، ثم صر إلينا، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم. وحدث حماد بن إسحاق عن إسحاق قال: دخلت يوماً دارا الواثق بالله بغير إذن، إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالساً، فسمعت صوت عود من بيت وترنماً، لم أسمع أحسن منه قط، فأطلع خادم رأسه وصاح، فدخلت، وإذا الواثق، فقال لى أى شئ سمعت؟ فقلت: الطلاق كاملاً لازم لى، وكل مملوك لى حر، لقد سمعت ما لم أسمع مثله قط حسناً، فضحك وقال: ما هو الأفضل؟ أدب وعلم مدحه الأوائل، واشتهاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، و التابعون بعدهم، وكثر فى حرم الله عز وجل،، ومهاجر رسوله صلى الله عليه وسلم، أتحب أن تسمعه؟ قلت: أى: و الذى شرفني بخطاب أمير المؤمنين، وجميل رأيه، وقال يا غلام: هات العود، وأعط إسحاق رطلاً، فدفع الرطل إلى، وضرب و غنى فى شعر لأبي العتاهية، بلحن صنعه فيه:
أضحت قبورهم من بعد عزتهم ... تسعى عليها الصبا و الحرجف الشمل
لا يدفعون هواماً عن وجوههم ... كأنهم خشب بالقاع منجدل
فشربت الرطل، ثم قمت ودعوت له، فأجلسنى و قال: أتشتهى أن تسمع ثانية؟ قلت: إى و الله، فغنانيه ثانية، وثالثة، وصاح ببعض خدمه، و قال: احمل إلى إسحاق الساعة، ثلاثمائة ألف درهم ثم قال يا إسحاق قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة ارطال واخذت ثلاثمائة ألف درهم، فانصرف إلى أهلك مسروراً، وليسروا معك، فانصرفت بالمال. وحدث إسحاق بن إبراهيم قال: جاءني الزبير بن دحمان يوماً مسلماً، فقلت له: إلى أين؟ فقال: إن الفضل بن الربيع أمرني أن أبكر إليه لنصطبح، فقلت له: أنت تعرف أن صبوح الفضل غبوق غيره، فأقم عندى نشرب، قلت له:
أقم يا أبا العوام ويحك نشرب ... ونله مع اللاهين يوماً ونطرب
إذا ما رأيت اليوم قد بان خيره ... فخذه بشكر واترك الفضل يغضب
قال: فأقام عندى وسررنا يوماً، ثم صار إلى الفضل، فسأله عن سبب تأخره عنه، فحدثه الحديث، وأنشده الشعر، فعتب علي، وحول وجه عني، وأمر عوناُ حاجبه ألا يدخلني، ولايستأذن لي عليه، ولا يوصل لي رقعة إليه، فقلت: وكتبت بها إلى الفضل:
يقول أناس شامتون و قد رأوا ... مقامي وإغبابي الرواح إلى الفضل
لقد كان هذا خص بالفضل مرة ... فأصبح منه اليوم منصرم الحبل

ولو كان لي فى ذاك ذنب علمته ... لقطعت نفسى بالملامة والعذل
و توصلت حتى عرضت الأبيات عليه، فلما قرأها قال: أعجب من ذنبه وأشد، أنه لايرى من نفسه ذنباً بذلك الفعل، فقلت فى نفسى: لاأرى أمره يصلحه إلا حاجبه عون، فقلت لعون:
عون يا عون ليس مثلك عون ... أنت لي إذا كان كون
لك عندى والله رضى الفضل ... غلام يرضيك أو برذون
فقال: اكتب رقعة وقل شعراً لأعرضه لك عليه، فقلت:
حرام على الراح مادمت غضباتاً ... وما لم يعد عنى رضاك كما كانا
فأحسن فإنى قد أسأت ولم تزل ... تعودنى عند الإساءة إحسانا
قال: فأنى الفضل بالشعرين جميعاً، فقرأهما وضحك، وقال: ويحك، وإنما عرض بقوله: غلام يرضيك بالسوءة، فقال: قد وعدنى بما سمعت، فإن شئت أن تحرمنيه فأنت أعلم، فأمره أن يرسل إلي، فأتاني رسوله، فصرت إليه، فرضي عني، ووفيت لعون، وحدث إسحاق قال: عتب على جعفر بن يحيى و قال: إنى لا أراك ولا تغشانى، فقلت: إنى أتيتك كثيراً، فيحجبنى خادمك نافذ، فقال: إذا حجبك عني فنكه، فكتبت إليه بعد أيام:
جعلت فداءك من كل سوء ... إلى حسن رأيك أشكو أناسا
يحولون بينى وبين السلام ... فلست أسلم إلا اختلاسا
وأنفذت أمرك فى نافذ ... فما زاده ذاك إلا شماسا
قال: فأحضرنى ودعا نافذاً، وقرأ الأبيات عليه، وقال له: فعلتها ياعدو الله، فغضب نافذ حتى كاد يبكى، وجعفر يضحك ويصفق، ثم لم يعد بعدها إلى التعرض. وحدث على بن الصباح قال: كانت امرأة من بنى كلاب يقال لها زهراء، تحدث إسحاق وتناشده، وكانت تميل إليه. وتكنى عنه فى شعرها، إذا ذكرته بجمل قال: فحدثنى إسحاق أنها كتبت إليه، وقد غابت عنه:
وجدى بجمل على أنى أجمجمه ... وجد السقيم ببرء بعد إدناف
أو وجد ثكلى أصاب الموت واحدها ... أو وجد مغترب من بين ألاف
قال فأجبتها:
إقر السلام على زهراء إذ ظعنت ... وقل لها قد أذقت القلب ما خافا
أما رثيت لمن خلفت مكتئباً ... يذري مدامعه سحاً وتو كافا
فما وجدت على إلف فجمعت به ... وجدى عليك وقد فارقت ألافا
وحدث محمد بن عبد الله الخزاعى قال: أنشدنى إسحاق لنفسه:
سقى الله يوم الماوشان ومجلساً ... به كان أحلى عندنا من جنى النحل
غداة اجتنينا اللهو غضا ولم نبل ... حجاب أبى نصر ولا غضب الفضل
غدونا صحاحاً ثم رحنا كأننا ... أطاف بنا شر شديد من الخبل
فسألته أن يكتبنيها فغفل، فقلت: ما حديث يوم الماوشان؟ فقال: لو لم أكتبك الأبيات، ما سألت عما لا يعينك، ولم يخبرنى. قال: وكان ابن الأعرابى يصف إسحاق ويقرظه، ويثني عليه، ويذكر أدبه وحفظه، وعلمه وصدقه، ويستحسن قوله:
هل إلى أن تنام عينى سبيل ... إن عهدى بالنوم عهد طويل
غاب عني من لا أسمى فعيني ... كل يوم وجداً عليه تسيل
إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير ممن تحب القليل
وكان إسحاق إذا غنى هذه الأبيات، تفيض عيناه ويبكى أحر بكاء، فسئل عن بكائه، فقال: تعشقت جارية فقلت لها هذه الأبيات، ثم ملكتها، وكنت مشغوفاً بها، حتى كبرت و اعتلت عيى، فإذا غنيت هذا الصوت، ذكرت أيامه المتقدمه، وأنا أبكى على دهرى الذى كنت فيه. قال إسحاق وأنشدنى بعض الأعراب لنفسه:
إلا قاتل الله الحمامة غدوة ... على الغصن ماذا هيجت حين غنت
تغنت بصوت أعجمى فهيجت ... من الوجد ما كانت ضلوعى أجنت
فلو قطرت عين امرئ من صبابة ... دماً قطرت عينى دماً وأبلت
فما سكتت حتى أويت لصوتها ... وقلت أرى هذه الحمامة جنت
ولي زفرات لويد من قتلني ... بشوق إلى هاتي التي قد تولت
إذا قلت هذي زفرة اليوم قد مضت ... فمن لى بأخرى فى غد قد أظلت
فيا منشر الموتى أعنى على التى ... بها نهلت نفسى سقاماً وعلت

لقد بخلت حتى لو انى سألتها ... قذى العين من سافى التراب لضنت
فقلت ارحلا يا صاحبي فيلتني ... أرى كل نفس أعطيت ما تمنت !
حلفت لها بالله ما أم واحد ... إذا ذكرته آخر الليل أنت
ولا وجد أعرابية قذفت بها ... صروف النوى من حيث لم تك ظنت
إذا ذكرت ماء العذيب وطيبه ... وبرد حصاه آخر الليل حنت
بأكثر منى لوعة غير أنني ... أطامن أحشائي على ما أجنت
قال: وحدث حماد بن إسحاق، لما خرج أبى إلى البصرة وعاد، أنشدني لنفسه:
ما كنت أعرف ما فى البين من حزن ... حتى تنادوا بأن قد جئ بالسفن
لما افترقنا على كره لفرقتنا ... أيقنت أنى قتيل الهم و الحزن
قامت تودعني و الدموع يغلبها ... فجمجمت بعض ما قالت ولم تبن
مالت على تفدنيي وترشفني ... كما يميل نسيم الريح بالغصن
وأعرضت ثم قالت وهى باكبة ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن
وحدث إسحاق قال: دخلت على الأصمعى، فأنشدنه أبياتاً قلتها ونسبتها إلى بعض الأعراب، وهى: " هل أن تنام عينى سبيل " الأبيات، وهى متقدمة. قال فجعل يعجب بها ويرددها، فقلت له إنها بنات ليلتها. فقال: لاجرم، إن أثر التوليد فيها بين. فقلت: ولاجرم أن أثر الحسد فيك ظاهر وكان إسحاق يقوم على ابن الأعرابى ويبره، فكان ابن الأعرابى يقول: إسحاق والله أحق بقول أبى تمام:
يرمى بأشباحنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه
ممن قد قيل فيه وحدث إسحاق قال: بعث إلى طلحة بن طاهر، وقد انصرف من وقعة الشراة، وقد أصابته ضربة فى وجهه، فقال: غنى، فغنيته فى شعر بعض الأعراب:
إنى لأكنى بأجبال عن اجبلها ... وباسم أودية عن إسم واديها
عمدا ليحسبها الواشون غانية ... أخرى، وتحسب أنى لست أعنيها
ولايغير ودى أن أهاجرها ... ولا فراق نوى فى الدار أنوبها
وللقلوص ولى منها إذا بعدت ... بوارح الشوق تنضينى وأنضيها
فقال: أحسنت والله، أعده، فأعدت عليه وهو يشرب، حتة صلى العتمة وأنا أغنيه إياه، فأقبل على خادم له فقال له: كم عندك؟ فقال: مقدار سبعين الف درهم، فقال: تحمل معه، فلما خرجت من عنده، تبعنى جماعة من الغلمان يسألوننى، فوزعت المال بينهم، فرفع الخبر إليه فأغضبه، ولم يوجه إلى ثلاثاً، فكتبت إليه:
علمنى جودك السماح فما ... أبقيت شيئا لدى من صلتك
لم أبق شيئا مما سمحت به ... كأن لى قدرة كمقدرتك
تتلف فى اليوم بالهبات وفي السا ... عة ماتجتبيه فى سنتك
فلست أدرى من أين تنفق لو ... لا أن ربى يجزي علي هبتك
فلما كان فى اليوم الرابع، بعث إلى فصرت إليه، فدخلت فسلمت، ورفع بصره إلى، ثم قال: اسقوه رطلا فسقيته، فأمر لى بآخر، وآخر، فشربت ثلاثة، ثم قال: غننى " إنى لأكنى بأجبال عن أجبلها " فغنيته إياه، ثم أتبعته الأبيات التى قلتها. فقال لى: أذن فدنوت، فقال لى: أعد الصوت، فأعدته، فلما فهمه وعرف المعنى، قال الخادم له: أحضرني فلانا فأحضره، فقال له: كم قبلك من مال الضياع؟ قال: ثمانمائة ألف درهم، فقال: أحضرها الساعة، فجئ بثمانين بدرة فقال: جئنى بثمانين مملوما، فأحضروا، فقال: احملوا المال، ثم قال: يأبا محمد، خذ المال والمماليك حتى لا تحتاج إلى أحد تعطيه شيئا.
حدث على بن يحيى المنجم: أن إسحاق لما انحدر إلى البصرة، كتب إلى على بن هشام القائد، - جعلت فداك - بعث إلى أبو نصر مولاك بكتاب منك إلي، يرتفع عن قدري، ويقصر عنه شكري، فلولا ما أعرف من معانيه، لظننت أن الرسول غلط بي فيه، فلما لنا ولك يا أبا عبد الله، تدعنا حتى إذا نسينا الدنيا وأبغضناها، ورجونا السلامة من شرها، أفسدت قلوبنا وعلقت أنفسنا، فلا أنت تريدنا، ولا أنت تتركنا فأما ذكرته من شوقك إلى، فلولا أنك حلفت عليه، لقلت:
يا من شكا عبثا إاينا شوقه ... شكوى المحب وليس بالمشتاق

لو كنت مشتاقا إلى تريدنى ... ماطبت نفسا ساعة بفراقي
وحفظني حفظ الخليل خليله ... ووفيت لى بالعهد والميثاق
هيهات قد حدثت أمور بعدنا ... وشغلت باللذات عن إسحاق
قد تركت - جعلت فداك - ما كرهت من العتاب فى الشعر وغيره، وقلت أبياتا لا أزال أخرج بها إلى ظهر المربد وأستقبل الشمال، وأتنسم أرواحكم فيها، ثم يكون ما الله أعلم به، وإن كنت تكرهها، تركتها إن شاء الله:
ألا قد أرى أن الثواء قليل ... وأن ليس يبقى للخليل خليل
وأنى وإن مليت فى العيش حقبة ... كذى سفر قد حان منه رحيل
فهل لى إلى أن تنظر العين مرة ... إلى ابن هشام فى الحياة سبيل؟
فقد خفت أن ألقى المنايا بحسرة ... وفى النفس منه حاجة وغليل
وأما بعد، فإنى أعلم أنك وإن لم تسأل عن حالي، تحب أن تعلمها، وأن تأتيك عني سلامة، فأنا يوم كتبت إليك سالم البدن، مريض القلب، وبعد فأنا - جعلت فداك - فى صنعة كتاب ظريف مليح، فيه تسمية القوم، ونسبهم وبلادهم، وأسبابهم وأزمنتهم، وما اختلفوا فيه من غنائهم، وبعض أحاديثهم، وأحاديث قيان الحجاز والكوفة، وقد بعثت إليك بنموذج، فإن كان كما قال القائل: قبح الله كل دن أوله دردي لم نتجشم إتمامه، وإن كان كما قال العربى: إن الجواد عينه فرارة، أعلمتنا، فأتمناه مسرورين بحسن رأيك فيه.
وكان إسحاق يألف علياً وأحمد بني هشام، وسائر أهلهم إلفاً شديداً، ثم وقعت بينهم نبوة ووحشة فى أمر لم يقع إلينا، فهجاهم هجاء كثيراً.
فحدث أبو أيوب المديني عن مصعب الزبيري قال: قال لي أحمد بن هشام: أما تستحي أنت وصباح بن خافان المنقري، وأنتما شيخان من مشايخ المروءة، والعلم والأدب، أن يذكركما إسحاق فى شعره، فيقول:
قد نهانا مصعب وصباح ... فعصينا مصعبا وصباحا
عذلا ما عذلا ثم ملا ... فاسترحنا منهما واستراحا
فقلت له: إن كان قد فعل، فما قال إلا خيراً، إنما ذكر أننا نهيناه عن خمر شربها، أو امرأة عشقها، وقد أشاد باسمك فى الشعر بأشد من هذا. قال بماذا؟ قلت: بقوله.
وصافية تعشى العيون رقيقة ... رهينة عام فى الدنان وعام
أدرنا بها الكأس الروية موهنا ... من الليل حتى انجاب كل ظلام
فما ذر قرن الشمس حتى كأننا ... من العى نحكى أحمد بن هشام
قال: أوقد فعل العاض بظر أمه؟ قلت: إى والله قد فعل.
ومن شعر إسحاق عند علو سنه:
سلام على سير القلاص مع الركب ... ووصل الغوانى والمدامة والشرب
سلام امرئ لم يبق منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
لعمرى لئن حلئت عن منهل الصبا ... لقد كنت ورادا لمشرعه العذب
ليالى أغدو بين بردى لاهيا ... أميس كغصن البانة الناعم الرطب
وحدث أبو بكر الصولى، عن إبراهيم الشاهينى قال: كان إسحاق يسألى الله ألا يبتليه بالقولنج، لما رأى من صعوبته على أبيه، فأرى فى منامه، كأن قائلا يقول له: قد أجيبت دعوتك، ولست تموت بالقولنج، ولكن تموت بضده، فأصابه ذرب فمات منه فى شهر رمضان، سنة خمس وثلاثين ومائتين، فى خلافة المتوكل على الله، فبلغ المتوكل نعيه، نعمه وحزن عليه. وقال: ذهب صدر عظيم من جمال الملك، وبهائه وزينته، ثم نعى إليه بعده، أحمد بن عيسى، بن زيد، بن علي، بن الحسين، ابن علي الخارج عليه. فقال: تكافأت الحالان. ثم قال: قام الفرح بوفاة أحمد، - وما كنت آمن وثبته علي - ، مقام الفجيعة بإسحاق، والحمد لله على ذلك.
ورثاه أو داؤه وأصدقاؤه بأشعار كثيرة، منها قول إدريس بن أبى حفصة:
سقى الله يا ابن الموصلي بوابل ... من الغيث فبرا أنت فيه مقيم
ذهبت فأوحشت الكرام فما بنى ... بعبرته يبكى عليك كريم
إلى الله أشكو فقد إسحاق إننى ... وإن كنت شيخا بالعراق يتيم
وقال مصعب بن الزبير يرثى إسحاق:
أتدرى لمن تبكى العيون الذوارف ... وينهل منها مسبل ثم واكف
لفقد امرئ لم يبق فى الناس مثله ... مفيد لعلم أو صديق يلاطف

تجهز إسحاق إلى الله رائحا ... فلله ما ضمت عليه اللفائف
وما حمل النعش الولى عشية ... من الناس إلا دامع العين كالف
فلقيت فى يمنى يديك صحيفة ... إذا نشرت يوم الحساب الصحائف
تسرك يوم البعث عند قراتها ... ويفتر ضحكا كل من هو واقف
وحدث الصول قال: كان لإسحاق من الولد: حميد، وحماد، وأحمد، وحامد، وإبراهيم، وفضل، ولم يكن فى ولد إبراهيم من يغنى إلا إسحاق، وطياب أخوه، ومات إسحاق، وله من التصانيف التى تولى هو بنفسه تصنيفها: كتاب أغانيه التى غنى فيها، كتاب أخبار عزة الميلاء، كتاب أغانى معبد، كتاب أخبار حماد عجرد، كتاب أخبار حنين الحيرى، كتاب أخبار ذى الرمة، كتاب أخبار طويس، كتاب أخبار المغنين المكيين، كتاب أخبار سعيد بن مسجح، كتاب أخبار دلال، كتاب أخبار محمد بن عائشة، كتاب أخبار الأبجر، كتاب أخبار ابن صاحب الوضوء، كتاب الاختيار من الأغانى للواثق، كتاب اللحظ والاشارات، كتاب الشراب، يروى فيه عن العباس بن معن، وابن الجصاص، وحماد بن ميسرة، كتاب جواهر الكلام، وكتاب الرقص والزفن، كتاب النغم والإيقاع، كتاب أخبار الهذليين، كتاب الرسالة إلى على بن هشام، كتاب قيان الحجاز، كتاب القيان، كتاب النوادر المتخيرة، كتاب الأخبار والنوادر، كتاب أخبار حسان، كتاب أخبار الأحوص، كتاب أخبار جميل، كتاب أخبار كثير، كتاب أخبار نصيب، كتاب أخبار عقيل بن علفة، كتاب أخبار ابن هرمة وأما كتاب الأغانى الكبير، فقال محمد بن إسحاق النديم: قرأت بخط أبى الحسن على بن محمد، بن عبيد، ابن الزبير الكوفى الأسدى، حدثنى فضل بن محمد اليزيدى قال: كنت عند إسحاق بن إبراهيم الموصلى، فجاءه رجل فقال له يا أبا محمد: أعطنى كتاب الأغانى، فقال: أيما كتاب؟ الكتاب الذى صنفته، أو الكتاب الذى صنف لي، يعني بالذى صنفه كتاب أخبار المعنيين واحدا واحدا، ويعنى بالذى صنف له، كتاب الأغانى الكبير، الذى بأيدى الناس. قال محمد بن إسحاق: وحدثني أبو الفرج الأصبهاني قال: أخبرني أبو بكر محمد بن خلف وكيع قال: سمعت حماد بن إسحاق يقول: ما ألف أبى هذا الكتاب قط، يعنى كتاب الأغانى الكبير، ولا رآه، والدليل على ذلك، أن أكثر أشعاره المنسوبة، إنما جمعت لما ذكر معها من الأخبار، وما غنى فيها إلى وقتنا هذا، وأن أكثر نسبة المغنين خطأ، والذى ألفه أبى من دواوين غنائهم، يدل على بطلان هذا الكتاب، وإنما وضعه وراق كان لأبى بعد وفاته، سوى الرخصة التى هى أول الكتاب، فإن أبى ألفها، إلا أن أخباره كلها من روايتنا. وقال لى أبو الفرج: هذا سمعته من أبى بكر وكيع، واللفظ يزيد وينقص.
قال: وأخبرنى جحظة أنه يعرف الوراق الذى وضعه، وكان يسمى سندى بن على، وحانوته فى طاق الزبل، وكان يورق لإسحاق، فاتفق هو وشريك له على وضعه، وهذا الكتاب يعرف فى القديم بكتاب السراة، وهو أحد عشر جزءا، ولكل جزء أول يعرف به، فالجزء الأول من الكتاب: الرخصة، هو من تأليف إسحاق، لاشك فيه ولاخلف.
قرأت فى كتاب ألف فى أخبار أبى زيد البلخي، أن أبا زيد قال: وذكر كتاب الأغاني لإسحاق، فقال: ما رأيت أعجب من الموصلى، جمع علم العرب والعجم فى كتاب، ثم أنشده بالاسم قال: وكان إسحاق أديبا فاضلا، متقدما فى كل شئ، بلغنى أنه دخل على إسحاق ابن إبراهيم، بن مصعب، يعزيه بعبد الله بن طاهر، فقال:
لم تصب أيها الأمير بعبد ... الله لكن به أصيب الأنام
فسيكفيكم البكاء عليه ... أعين المسلمين والإسلام
إسحاق بن إبراهيم البربري المحرر " ووالده إبراهيم " ويعرف بالنديم، كذا قال عبد الرحمن بن عيسى الوزير. قال محمد بن إسحاق بن النديم: هو إسحاق بن إبراهيم، بن عبد الله، بن الصباح، بن بشر، بن سويد، بن الأسود، التميمي ثم السعدى، وكان إبراهيم أبوه أحول، وكان محررا أيضا. وكان ول من تكلم على رسوم الخط وقوانينه، وجعله أنواعا رجل يعرف بالأحول المحرر، لا أدرى: هل هو إبراهيم أو غيره؟ وكان من صنائع البرامكة، وكان يحرر الكتب النافذة من السلطان إلى ملوك الأطراف فى الطوامير، وكان فى نهاية الحرفة والوسخ، ومع ذلك كان سمحا لا يليق على شئ، فلما رتب الأقلام، جعل أول الأقلام الثقال.

فمنها قلم الطومار وهو أجلها، يكتب فى طومارتام بسعفة، وربما كتب بقلم، وكانت تنفذ الكتب إلى الملوك به، ومن الأقلام: قلم الثلثين، قلم السجلات، قلم العهود، قلم المؤامرات، قلم الأمانات، قلم الديباج، قلم المدمج، قلم المرصع، قلم التشاجي. فلما أنشأ ذو الرياستين الفضل بن سهل، اخترع قلما وهو أحسن الأقلام، ويعرف بالرئاسي، ويتفرع إلى عدة أقلام، فمن ذلك: قلم الرئاسي الكبير، قلم النصف من الرئاسي، قلم الثلث، قلم صغير النصف، قلم خفيف الثلث، قلم المحقق، قلم المنثور، قلم الوشي، قلم الرقاع، قلم المكاتبات، قلم غبار الحلبة، قلم النرجس، قلم البياض.
فأما إسحاق هذا، فإنه كان يعلم المقتدر وأولاده، وهو أستاذ ابن مقلة. ولأبى على إليه رسالة ذكرتها فى أخبار أبى على. ويكنى بأبى الحسين، لم ير فى زمانه أحسن خطا منه، ولا أعرف بالكتابة.
ولإسحاق كتاب القلم، كتاب تحفة الوامق، رسالة فى الخط والكتابة، وأخوه أبو الحسن نظيره، ويسلك طريقته، وابنه أبو القاسم، إسماعيل، بن إبراهيم، وابنه أبو محمد القاسم بن إسماعيل، بن إسحاق، ومن ولده أيضا أبو العباس عبد الله بن إسحاق، وهؤلاء القوم فى نهاية حسن الخط، والمعرفة بالكتابة.

إسحاق بن إبراهيم الفارابي
خال إسماعيل بن حماد الجوهرى، صاحب كتاب الصحاح فى اللغة، وأبو إبراهيم هذا، هو صاحب كتاب ديوان الأدب، المشهور اسمه، الذائع ذكره كتب إلينا القاضى الأشرف يوسف بن إبراهيم، بن عبد الواحد الشيبانى القفطى من بلاد اليمن، وكان قد سافر إلى هناك وأقام، قال: مما أخبركم به، أن أبا إبراهيم إسحاق الفارابى مصنف كتاب ديوان الأدب، ممن ترامى به الاغتراب، وطوح به الزمان المنتاب إلى أرض اليمن، وسكن زبيد، وبها صنف كتابة ديوان الأدب، ومات قبل أن يروى عنه، وكان أهل زبيد، قد عزموا على قراءته عليه، فحالت المنية دون ذلك. قال: وكانت وفاته فيما يقارب سنة خمسين وأربعمائة، والله أعلم. ووضع كتابه على ستة كتب: الأول السالم، الثانى المضاعف، الثالث المثال، وهو ما كان فى أوله واو أو ياء، والرابع ذوات الثلاثة، وهو ما كان فى وسطه حرف من حروف العلة، والخامس كتاب ذوات الأربعة، وهو ما كان آخره حرف علة، والسادس كتاب الهمزة، وكل كتاب من هذه الستة أسماء وأفعال، يورد الأسماء اولا ثم الأفعال بعده. وله كتاب بيان الإعراب، كتاب شرح أدب الكاتب، كتاب ديوان الأدب. قرأت بخط الشيخ أبي نصر، إسماعيل بن حماد الجوهري، الفارابي النسوي النيسابوري قال: قرأته على إبراهيم - رحمه الله - بفاراب، ثم على أبي السري محمد بن إبراهيم الأصبهاني بأصبهان، ثم عرضته على القاضي أبى سعيد السيرافي ببغداد. قال الحاكم: وكنت قرأت بعضه إلى موضع البلاغ، وهو آخر الأسماء على أبي يعقوب يوسف بن محمد، بن إبراهيم الفرعاني الزبرقاني قال: قرأته على أبي علي، الحسن بن علي، بن سعد الزاميني، وقرأه أبو علي على أبي إبراهيم. قال الحاكم: قول الجوهرى عرضته على القاضي أبى سعد السيرافي يريد أنه، فأنكره من كلمات علم عليها بخط الجوهري، وفى آخر الثلث الأخير من نسخة الحاكم: قرأ على أبو سعد عبد الرحمن بن محمد، بن محمد، بن عزيز، هذا الكتاب من أوله إلى أخره، وصححته له، وكتبه إسماعيل بن حماد الجوهري، وعلى النسخة أيضا فى موضع آخر سمعه مني، ولدي علي والحسن، من أوله إلى أخره بقراءتي إياه، إلا أوراقا قرأها الحسن بنفسه علي، وصح سماعهما، والله تعالى يبارك لهما فيه، ويوفقهما الأعمال.
وكتب أبوهما يعقوب بن أحمد، غرة المحرم سنة خمس وخمسين وأربعمائة، ثم قرأه على ولدي الحسن، قراءة بحث واستقصاء، من أوله إلى آخره، بما على حواشيه من الفوائد، وشرح الأبيات فى شهور، سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وعلى النسخة أيضا قبل ذلك ما صورته: سمعه مني بلفظي، وصححه عرضاً بنسختي، صاحبه أبو يوسف، يعقوب بن أحمد، وفرغ منه فى ذى العقدة، سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
وكتب عبد الرحمن بن محمد بن دوست بخطه، قال مؤلف الكتاب: فهذا مه وضوحه، وكون هؤلاء المذكورين مشهورين، معروفين، ومعرفتى بالخطوط الموجودة على النسخة، كمعرفتى بما لا أشك فيه، يبطل ما كتب إلينا القاضي القفطي، من كون هذا الكتاب صنف بزبيد، وأنه لم يسمع على مصنفه.
إسحاق بن أحمد، بن شبيب

بن نصر، بن شبيب ابن الحكم، بن أقلذ، بن عقبة، بن يزيد، بن سلمة، بن رؤبة، بن خفاتة، بن وائل، بن هضيم، بن ذيبان الصفار، أبو نصر الأديب البخارى، من أهل بخارى، كان أحد أفراد الزمان فى علم العربية، والمعرفة بدقائقها الخفية، وكان فقيهاً وورد إلى بغداد، وروى بها، ومات بعد سنة خمس وأربعمائة، فإنه فى هذه السنة حدث ببغداد، ذكره السمعاني أبو سعد فى تاريخ مرو، والحاكم بن البيع، فى تاريخ نيسابور، والخطيب فى تاريخ بغداد. قال تاج الإسلام: ومن خطه نقلت: ورد أبو نصر الصفار خراسان ثم خرج إلى العراق والحجاز، وسكن الطائف، وبها توفى، وقبره بها معروف، وله تصانيف فى اللغة، وكان حسن الشعر وهو جد الزاهد الصفار إبراهيم بن إسماعيل بن، إسحاق بن أحمد، الذى لقيناه بمرو. وسمع نصر بن أحمد بن إسماعيل الكنانى. وروى عنه أبو على الحسن بن على بن محمد، بن المذهب التميمي البغدادي. وقال الحاكم أبو نصر الفقيه، الأديب البخاري الصفار، بعد ما ذكر سنة كما تقدم: قدم علينا حاجا، وما كنت رأيت مثله ببخارى فى سنة، فى حفظ الأدب والفقه، وقد طلب الحديث فى أنواع من العلم، وأنشدني لنفسه من الشعر المتين ما يطول شرحه، ثم قال: أنشدني لنفسه:
ألعين من زهر الخضراء فى شغل ... والقلب من هيبة الرحمن فى وجل
لو لم تكن هيبة الرحمن تردعنى ... شرقت من قبلى فى صحن خد ولى
يا دمية خلقت كالشمس فى المثل ... حورى جسم ولكن صورة الرجل
لو كان صيد الدمى والمرد من عملى ... لكنت من طرب كالشارب الثمل
لكننى من وثاق العقل فى عقل ... وليس لي عن وفاق العقل من حول
الله يرقبني والعقل يحجبني ... فما لمثلى إذا في اللهو والغزل
كلفت نفسى عزا في صيانتها ... دين الورى لهم طرا وديني لي
وقال أبو بكر بن على الخطيب: إسحاق بن أحمد، ابن شبيب أبو نصر البخارى، ويعرف بالصدق، قدم بغداد فى سنة خمس وأربعمائة، وحدث بها عن نصر بن أحمد، بن إسماعيل الكناني، صاحب جبريل السمرقندي، حدثنى عنه الحسن بن على، بن محمد، بن المذهب، واثنى عليه خيراً. قال المؤلف: ورأيت أنا له كتابا فى النحو عجيبا، سماه كتاب المدخل إلى سيبويه، وذكر فيه المبنيات فقط، يكون نحواً من خمسمائة ورقة، ووقفت منع على كلام من تبحر في هذا الشأن، واشتمل على غوامضه إلى أقصى مكان، وله غير ذلك من التصانيف فى الأدب، وكتاب المدخل الصغير فى النحو، وكتاب الرد على حمزة فى حدوث التصحيف.

إسحاق بن بشر، بن محمد، ابن عبد الله

بن سالم أبو حذيفة البخارى، مولى بنى هاشم، ولد ببلخ، واستوطن بخارى، فنسب إليها، وهوة صاحب كتاب المبتدأ وغيره، مات ببخارى سنة ست ومائتين، حدث عن محمد بن إسحاق، بن يسار، وعبد الملك بن جريج، وسعيد بن أبى عروبة، وجوبير بن سعيد، ومقاتل بن سليمان، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وإدريس ابن سنان، وخلق من أئمة أهل العلم أحاديث باطلة، روى عنه جماعة من الخراسانين، و لم يرو عنه من البغداديين فيما أعلم، سوى إسماعيل بن عيسى العطار، فإنه سمع منه مصنافته، ورواها عنه، وروى الحسن بن علويه القطان: أن الرشيد بعث إلى أبي حذيفة، فأقدمه بغداد، و كان يحدث في المسجد المعروف بابن رعيان. و قال أحمد بن سيار، بن أيوب: كان ببخارى شيخ يقال له أبو حذيفة، إسحاق بن بشر القرشى، وكان صنف فى بدء الخلق كتاباً، وفيه أحاديث ليست لها أصول، وكان يتعرض فيروى عن قوم ليسوا ممن أدركهم مثله، فإذا سألوه عن آخرين دونهم يقول: من أين أدركت هؤلاء؟ وهو يروى عمن فوقهم و كانت فيه غفلة، مع أنه كان يزن بحفظ، وسمعت إسحاق بن منصور يقول: قدم علينا ههنا، وكان يحدث عن ابن طاوس، ورجال كبار من التابعين، ممن ماتوا قبل حميد الطويل. قال: فقلت له: كتبت عن حميد الطويل؟ قال: ففزع وقال: جئتم تسخرون بي، حميد عن أنس جدى لم يلق حميداً. قال: فقلنا له أنت تروى عمن مات قبل حميد بكذا كذا سنة، قال: فعلمنا ضعفه، وأنه لا يعلم ما يقول. وقال أبو رجاء قتيبة بن سعيد: بلغنى أن أبا حذيفة البخارى قدم مكة، فجعل يقول: حدثنى ابن طاوس، فقيل لسفيان بن عيينة ذلك، فقال: سلوه عن مولده، فسألوه، فإذا ابن طاوس مات قبل مولده بسنين. فقال: وهو متروك الحديث، ساقط رمى بالكذب. قال المؤلف: كل ما تقدم من كتاب الخطيب. محمد بن إسحاق النديم: وله من الكتب كتاب المبدإ ثم كتاب الفتوح، كتاب الردة، كتاب الجمل، كتاب الألوية، كتاب صفين، كتاب حفر زمزم.

إسحاق بن مسلمة بن إسحاق القينى
أخبارى عالم أندلسى، له كتاب يشتمل على أجزاء كثيرة فى أخبار " رية " ناحية بالأندلس، وحصونها وولاتها، وحروبها، وفقهائها، ذكره أبو محمد بن حزم.
إسحاق بن عمار، يعرف بابن الجصاص
يكنى أبا يعقوب، من موالى اليمن، وكان صاحب عيسى بن موسى فى أول الدولة، ولم يزل معه. فكان الناس يقرءون عليه الشعر فى دار عيسى، قال المرزبانى: قال عيسى بن جعفر: إسحاق بن عمار من موالي اليمن، ويقال: هو عبد الله بن إسحاق، وإسحاق أبوه هو الجصاص، وقد اختلف فى ولائه أيضاً وقال الكسائي: إسحاق بن عمار الجصاص، أحد من أخذنا عنه الشعر، وكان عالما به، ومات فى آخر أيام المنصور. قال: وكان إذا إذا تكلم فى مجلس صمت الناس. وقال عبد الله بن جعفر: ذكر ابن الجصاص الكوفى الرواية، عند أحمد بن سعيد بن سالم، قال: ذكر عند أبى فاختلفوا فى ولائه، فقال أبي: حدثنى من رآه، وقد دخل إلى عيسى بن موسى، بعد أن خلع وسلم العهد إلى المهدى فقال: أيها الأمير، أنت و الله كما قال الأحوص:
فمن يك عنا سائلاً بشماتة ... لما مسنا أو شامتاً غير سائل
فما عجمت منا العواجم ماجداً ... صبوراً على عضات تلك التلاتل
إذا سر لم يبطر وليس لنكبة ... ألمت به بالخاشع المتضائل
وحدث المبرد عن عيد الله بن صالح المقرئ قال: كان ابن الجصاص، وجناد بن واصل قاعدين، فتذاكرا القبور، فقال ابن الجصاص متمثلاً:
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظرى ... إلى دير هند كيف خطت مقابره
فقال جناد:
ترى عجباً مما قضى الله فيهم ... رهائن حتف أوجبته مقادره
فرد عليه أعرابى فقال:
بيوت ترامى أهلها فوق أهلها ... ومستأذن لا يرحل الدهر زائره
وقال ابن الكلبي: ابن الجصاص الراوية، مولى لبشر ابن عبد الملك، بن بشر بن مروان.
إسحاق بن مرار
،
أبو عمرو الشيبانى الكوفى قال الأزهرى: كان يعرف بأبى عمرو الأحوص، ومرار بكسر الميم ورائين مهملتين مخففتين، وهو مولى وليس من بنى شيبان، وإنما كان مؤدبا لأولاد ناس من بنى شيبان، فنسب إليهم، كما نسب اليزيدي إلى يزيد ابن منصور، حين أدب ولده.

وقرأت فى أمالى أبى إسحاق النجيرمي: ذكر أن يوسف الأصبهانى قال: أبو عمرو الشيباني من الدهاقين وإنما قيل له الشيباني، لأنه كان يؤدب ولد هارون الرشيد، الذين كانوا فى حجر يزيد بن مزيد الشيباني، فنسب إليه قال عبد الله بن جعفر: وأبو عمرو راوية أهل بغداد، واسع العلم باللغة والشعر، ثقة فى الحديث، كثير السماع. وله كتب كثيرة فى اللغة جياد، مات فى أيام المأمون، سنة خمس ومائتين، أوست ومائتين، وقدبلغ مائة سنة وعشر سنين.
وقال ابن السكيت: مات أبو عمرو، وله ثمان عشرة ومائة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات، وكان ربما استعار منى الكتب، وأنا إذ ذاك صبى آخذ عنه، وأكتب من كتبه. وقال ابن كامل: مات أبو العتاهية، وأبو عمرو الشيباني، وإبراهيم المغنى، والد إسحاق فى يوم واحد، سنة ثلاث عشرة ومائتين، ببغداد.
قال ابن درستويه: وله بنون وبنو بنين يروون عنه كتبه، وأصحاب علماء ثقات، وكان ممن يلزم مجلسه، ويكتب عنه الحديث: أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - وحدث الحزنبل، عن عمرو بن أبى عمرو الشيباني قال: لما جمع أبى أشعار القبائل، كانت نيفا وثمانين قبيلة، فكان كلها عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس، كتب مصحفا بخطه، وجعله فى مسجد الكوفة، حتى كتب نيفا وثمانين مصحفا. وكان يقول: تعلموا العلم، فإنه يوطئ الفقراء بسط الملوك. وروى عن أبى عمرو الشيباني أنه قال يوما لأصحابه: لايمنين أحد أمنية سوء، فإن البلاء موكل بالمنطق هذا المؤمل قال:
شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر
فذهب بصره. وهذا مجنون بنى عامر قال:
فلو كنت أعمى أخبط الأرض بالعصا ... أصم ونادتني أجبت المناديا
فعمى وصم. وقال أبو شبل يهجو أبا عمرو الشيباني:
قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقةً ... حتى ألمت بنا يوما ملمات
فقلت: والمرء قد تخطيه منيته ... أدنى عطيته إياى ميات
فكان ما جاد لي لا جاد عن سعة ... دراهم زائفات ضربجيات
ما الشعر ويح أبيه من صناعته ... لكن صناعته بخل وحالات
ودن خل ثقيل فوق عاتقه ... فيه رعيثاء مخلوط وصحناة
فلو رأيت أبا عمرو ومشيته ... كأنه جاحظ العينين نهات
نهات: أى نهاق وقال محمد بن إسحاق النديم: وله من الكتب كتاب الختم، كتاب النوادر، كتاب أشعر القبائل، ختمه بابن هرمة، كتاب الخيل، كتاب غريب المصنف، كتاب اللغات، كتاب غريب الحديث، كتاب النوادر الكبير على ثلاث نسخ.
وقال أبو الطيب اللغوى فى كتاب مراتب النحويين: وأما كتاب الختم فلا رواية له، لأن أبا عمرو بخل به على الناس، فلم يقرأه أحد عليه، وذكره أبو بكر الخطيب فقال: هو كوفي نزل بغداد، وحدث بها عن ركين الشامي. روى عنه ابنه عمرو، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وكان ثقة. قال ثعلب: وكان مع أبى عمرو الشيبانى من العلم والسماع، عشرة أضعاف ما كان مع أبى عبيدة، ولم يكن في أهل البصرة مثل أبي عبيدة، في السماع والعلم.
قال المؤلف: ولقد أسرف ثعلب فيما فضل به أبا عمرو، فإننى لا أقول: إن الله خلق رجلا كان أوسع رواية وعلما من أبى عبيدة فى زمانه. وحدث يونس بن حبيب قال: دخلت على أبي عمرو الشيباني، وبين يديه قمطر فيه أمناء من الكتب يسيرة، فقلت له أيها الشيخ: هذا علملك؟فتبسم إلى وقال: إنه من صدق كثير.

وقال الخطيب: كان أبو عمرو نبيلاً، وفاضلاً، عالما بكلام العرب، حافظا للغاتها، عمل كتاب شعراء مضر، وربيعة، ويمن، إلى ابن هرمة، وسمع من الحديث سماعا واسعا، وعمر عمرا طويلا، حتى أناف على التسعين، وهو عند الخاصة من أهل العلم، والرواية مشهور معروف والذي قصر به عند العامة من أهل العلم أنه كان مستهترا بالنبيذ والشرب له. قرأت بخط أبى منصور الأزهري، فى كتاب نظم الجمان للمنذري، حدثني أبو بكر محمد بن أحمد، بن النضر المثنى قال: حدثنى سعيد بن صبيح قال: حدثنى أبوك يعنى النضر، قال: كنت عشية الخميس عند إسماعيل بن حماد، بن أبى حنيفة، وجاء أبو عمرو الشيباني فقال لى: من هذا الشيخ؟ قلت، هذا أبو عمرو الشيباني، صاحب العربية والغريب، وكان قد أتى عليه نحو من خمس عشرة سنة ومائة، فالتفتت إليه أسائله عن أيامه وسنه، ثم قال: ما راح بك؟ الك حاجة؟ قلت: نعم بلغني أنك تقول: إن القرآن مخلوق، قال: نعم، قلت: فمتى خلقه؟ قبل أن يتكلم به أو بعد ما تكلم به، فأطرق طويلا ثم رفع رأسه، وقال: أنت شيخ جدل، هذا قولي، وقول أمير المؤمنين. قال سعيد: فغدوت يوم الجمعة على أبي عمرو، وكان مجلسه وكنت أقرب منه، فقلت يا أبا عمرو " وإيش " كنت تصنع عند إسماعيل بن حماد؟ قال: من أخبرك؟ فقال: أحمد بن أبى غالب، أله عن هذا، فإن هذا بي عارف، يعنى المأمون، دعوا هذا لا تتكلموا به.

إسحاق بن نصير الكاتب البغدادي
،
أبو يعقوب،كاتب الرسائل بديوان مصر، بعد محمد بن عبد الله، ابن عبد كان، قال ابن زولاق: مات سنة سبع وتسعين ومائتين، قال ابن زولاق: وكان أبو جعفر محمد بن عبد الله ابن عبد كان، على المكاتبات والرسائل، منذ أيام أحمد بن طولون، ومكاتباته وأجوبته موجودة، إلى أن قدم عليه أبو يعقوب، إسحاق بن نضير البغدادي من العراق، والتمس التصرف، فقال له ابن عبد كان، فيماذا تتصرف؟ فقال: فى المكاتبات والأجوبة والترسل، وكان بين يدى أبى جعفر كتب قد وردت، فقال له: خذ هذه وأجب عنها، فأخذها ومضى إلى ناحية من الدار، فأجاب عنها، فأجاب عنها، ثم وضع خفه تحت رأسه ونام، وقام أبو جعفر إلى الحجرة التى له، فاجتاز به والكتب بين يديه، فأخذها وقرأها، فلما تأملها جعل بروح إسحاق بن نضير حتى انتبه، فقال له: عمن أخذت الكتبة وأجرى عليه أربعين دينارا فى كل شهر، فلم يزل مع أبى جعفر إلى أن توفى أبو جعفر، وانفرد بالأمر على بن أحمد الماذرائي، فقال لإسحاق: الزم منزلك، فانصرف، فوردت كتب فأجاب عنها على بن أحمد، ودخل على أبى الجيش، خمارويه بن أحمد، بن طولون، فعرضها عليه، فقال له: ما هذه الألفاظ التى كانت تخرج منى وعنى فمضى على بن أحمد، وعاد إليه، فما أراد أبو الجيش الجواب ولا استجاده، فخرج على بن أحمد وقال: هاتوا إسحاق ابن نضير، فجئ به، فقال: أجب عن هذه، فأجاب، ودخل على بن أحمد على أبى الجيش، فقرأ الأجوبة، فقال: نعم هذا الذى أعرف " أيش الخبر " ؟ فقال له: كاتب كان مع أبى جعفر، فاعتزل، وأحضرته الساعة، فقال هاته، فأحضره فقال: كم رزقك؟ فقال: أربعون ديناراً، فقال لعلي بن أحمد: " اجعلها أربعمائة فى السنة " ، إجعلها له أربعمائة فى الشهر.
وقال لإسحاق بن نصير: لا تفارق حضرتى، فبلغ إسحاق حتى صار رزقه ألف دينار فى كل شهر، فكان يجود بذلك، ويفضل به على الناس، ولقد أرسل إلى بغداد إلى ثلاثة أنفس، إلى أبي العباس المبرد، وإلى أبى العباس ثعلب، وإلى وراق كان يجلس عنده دفعة واحدة ثلاثة آلاف دينار، لكل واحد منهم ألف دينار، وجرى ذلك على يدي أحمد بن الوليد التاجر، خال القاضي بمصر.
إسحاق بن يحيى، بن شريح الكاتب
أبو الحسين النصرانى، ذكره محمد بن إسحاق النديم وقال: كان جيد المعرفة يامر الدواوين والخراج، ومناظرة العمال، وله معرفة تامة بالنجوم، ومولده فى شعبان سنة ثلاثمائة، قال وهو يحيا. قال المؤلف: وكان قوله هذا فى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، قال: وله من الكتب: كتاب الخراج الكبير فى ألف ورقة، جزأين، وجعله ستة منازل كتاب الخراج الذى فى أيدى الناس مائتا ورقة، كتاب الخراج صغير نحو مائة ورقة، كتاب عمل المؤامرات بالحضرة، كتاب تحويل سني الوليد نحو مائة ورقة، كتاب جمل التاريخ.
إسحاق بن موهوب

بن أحمد، بن محمد بن الخضر الجواليقي يكنى أبا طاهر، وهو أخو إسماعيل، ومات فى الحادى عشر من رجب، سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ودفن بباب حرب عند أبيه وأخيه. سمع أبا القاسم بن الحصين وأباه وغيرهما، وحدث بالقليل. سمع منه القاضي القرشي قال: وسألته عن مولده فقال: فى ربيع الأول، سنة سبع عشرة وخمسمائة.

أسعد بن عصمة، أبو البيداء الرياحي
أعرابي نزل البصرة، وكان يعلم الصبيان بالأجرة وأقام بها أيام عمره، يؤخذ عنه العلم، زوج أم أبي مالك عمرو بن كركرة، وكان شاعراً، ومن شعره:
قال فيها البليغ ما قال ذو العي ... وكل بوصفها منطيق
وكذاك العدو لم يعد أن قال ... جميلا كما يقول الصديق
أسعد بن علي، بن أحمد الزوزني
المعروف بالبارع، أبو القاسم الأديب الشاعر، الفاضل الكاتب المترسل، مات فيما ذكره عبد الغافر في السياق، يوم عيد الأضحى، سمة اثنتين وتسعين وأربعمائة. قرأت بخط تاج الإسلام: البارع من أهل زوزن، سكن نيسابور، وورد العراق، وأكرم فضلاؤها مورده، وكان شاعر عصره، وأوحد دهره بخراسان والعراق، وقد شاع ذكره فى الآفاق، وكان على كبر سنه، يسمع الحديث، ويكتب إلى آخر عمره، سمع أبا عبد الرحمن ابن محمد الداودى، وأبا جعفر محمد بن إسحاق البحاثي، وروى لنا عنه أبو البركات الفرارى. وأبو منصور الشحامى وغيرهما.
وذكره الباخرزي فى الدمية وقال: الأديب أبو القاسم، أسعد بن على البارع الزوزني، هو البارع حقا، والوافر من البراعة حظا، وقد اكتسب الأدب بجده وكده، وانتهى من الفضل إلى أقصى حده، ولفتني إليه نسبة الآداب، ونظمتني وإياه صحبة الكتاب، وهلم جرا إلى الآن، وقد ارتدينا المشيب، وخلعانا برد الشباب ذاك القشيب، ولا أكاد أنسى وأنا فى الحضر، حظى منع فى السفر، وقد أخذنا بيننا بأطراف الأحاديث، ورضنا المطايا بأجنحة السير الحثيث، حتى سرنا معا إلى العراق، ونزل هو من فضلائه بمنزلة السواد من الأحداق وعنده توقيعاتهم بتبريزه على الأقران، وحيازته قصبات الرهان، وأنا على ذلك من الشاهدين، لا أكتم من شهادتى دقا ولا جلا، بل أعتقد بها صكا وعليها سجلا، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه، وعازب لبه.
قال السمعانى: أنشدنى الشحامى، أنشدنا البارع لنفسه:
قد أقبل المعشوق فاستقبلته ... مستسقياً مستشفيا من ريقه
نشوان والإبريق فى يده ولى ... من ريقه ما ناب عن إبريقه
لو كنت أعلم أنه لى زائر ... لرششت من دمعى تراب طريقه
ولكنت أذكى جمر قلبى فى الدجى ... بطريقه كى يهتدى ببريقه
فزويت وجهى عن مدامة كأسه ... وشربت كأسا من مجاج عقيقه
وله أيضا:
كأن لون الهواء ماء ... أو سندس رق أو عمامه
كأن شكل الهلال قرط ... أو عطفة النون أو قلامه
وله أيضا:
ألا فاشكر لربك كل وقت ... على الآلاء والنعم الجسيمة
إذا كان الزمان زمان سوء ... فيوم صالح منه غنيمة
وله أيضا:
أبو بكر حبا فى الله مالا ... وكان لسانه يجرى بلالا
لقد واسى النبى بكل خير ... وأعطى من ذخائره بلالا
لو أن البحر ناقضه اعتقادا ... لما أعطى الإله له بلالا
ومما أورده الباخرزى فى كتابه البارع:
قمر سبى قلبى بعقرب صدغه ... لما تجلى عنه قلب العقرب
فأجبته ألديك قلبى قال لا ... لكن قلبك عند قلب العقرب
قرأت فى بعض الكتب قال: الفضلاء الملقبون بالبارع فى خراسان ثلاثة: أحدهم البارع الهروى، وهو صاحب كتاب طرائف الطرف، وهو دونهم في الفضل مرتبة، والثاني البارع البوشنجي، وهو أوسطهم، والثالث البارع الزوزني، وهو أفضلهم وأشهرهم، قال: وكان تلميذ القاضى أبى جعفر البحاثي، وهو الذى يقول فيه البحاثي:
عفجت على اليبس البويرع مرة ... فقال: لقد أوجعت سرمى فبله
فقلت: بزاقى لايفى بجميعه ... ومن أين لى أن أبزق الدرب كله
قلت أنا: ينبغي أن يكون قد استعمله بمنارة إسكندرية، إذ عفجه فى شئ كالدرب فأوجعه. وقال البحاثى فيه أيضا:

للبارع ابن العاهرة ... زوجة سوء فاجره
مؤاجر قد زوجوه ... كفؤه مؤاجرة
وقال البارع هذا، يخاطب أبا القاسم على بن أبى توار رئيس زوزون:
كف على عندها التبر ... هان وللمك بخا قدر
كأنها الخال على ظهرها ... عنبرة قد مجها البحر

أسعد بن مسعود، بن علي
،
بن محمد، ابن الحسن العتبي أبو إبراهيم، من ولد عتبة بن غزوان، وهو حفيد أبى النضر العتبى، كذا ذكر السمعاني فى المذيل، وأبو النضر: هو محمد بن عبد الجبار، وليس فى نسب هذا عبد الجبار كما ترى، ولا أدرى ما صوابه، إلا أن يكون ابن بنته. قال السمعاني: قرأت بخط والذي: أسعد بن مسعود العتبي، مولده سنة أربع وأربعمائة، ذكره أبو الحسن البيهقى فى وشاح الدمية، وقال: هو مصنف كتاب درة التاج، وكتاب تاج الرسائل، وكان كاتباً في الدواوين المحمودية، والسلجوقية، وعاش إلى آخر أيام نظام الملك وقال فى الامام على الفنجكردى:
يا أوحد البلغاء والأدباء ... ياسيد الفضلاء والعلماء
يامن كأن عطاردا فى قلبه ... يملى عليه حقائق الأشياء
وذكره أبو سعد، ونقلت من خطه، قال بعد ذكر نسبه: كان من أهل نيسابور، وكان يسكن مدرسة البيهقى، وهو من أولاد المنعمين، شاعر كاتب، تصرف فى الأعمال أيام شبابه، وخرج فى صحبة عميد خراسان إلى أسفار، وصحب الأكابر، وارتفعت به الأيام وانخفضت، حتى تأخر عن العمل، وتاب ولزم البيت، وقنع بالكفاف من العيش، واستراح من الأمور، وعقد له مجلس الإملاء فى الجامع المنيعى، فأملى مدة، وكان يحضر عنده المدثون والأئمة ودخل بغداد، وسمع بها من أبى منصور عبد الله بن سعيد، بن مهدي الكاتب الخوافي وسمع بنيسابور ومرو، وغير ذلك، وسمع جده أبا النضر العتبي، وروى لنا جماعة عنه.
قال: وقرأت بخط أبى جعفر، محمد بن على الحافظ الهمذاني: أسعد بن مسعود العتبي: شيخ عالم، ثقة دين، كان يثنى عليه أبو صالح المؤذن الحافظ، وذكره فى موضع آخر وقال: أسعد العتبى: تزهد وكان من الصالحين. قال السمعانى: أنبأنا أبو البركات الفراوى، عن ابن مسعود، عن عبد القاهر بن طاهر التميمى، حدثنى شيخ فاضل قال: دخلت المسجد الجامع بالبصرة، فرأيت شيخا بهيا قد قطع مسافة العمر، فسلمت عليه، وقلت: أتفرس أنك شاعر؟ فقال: أجل، فقلت: أنشدنى من مقولك، ما يكون لي تذكرة منك، فقال اكتب:
قالوا تغير شعره عن حاله ... والهم يشغلنى عن الأشعار
أما الهجاء فمنه شيء زاخر ... والمدح قل لقلة الأحرار
قال السمعاني: أنشدني أبو الحسين، أحمد بن محمد السمناني المصرى، أنشدنا أبو إبراهيم أسعد العتبى لنفسه:
قد كنت فيما مر من أزمانى ... متوانيا لتقاصر الإحسان
ورأيت خلانى وأهل مودتى ... متوفرين معا على الإخوان
فتغيروا لما رأونى تائبا ... وعن التصرف قد صرفت عنانى
دعهم وعادتهم فلم أر مثلهم ... إلا مجرد صورة الإنسان
واغسل يديك من الزمان وأهله ... بالطين والصابون والأشنان
أسعد بن المهذب، بن أبي المليح

مماتي أحد الرؤساء الأعيان الجلة، والكتاب الكبراء المنزلة، ومن تصرف بالأعمال، وولى رياسة الديوان، وله أدب بارع، وخاطر وقاد مسارع، وقد صنف في الأدب وعرف، ومات بمدينة حلب فى الثامن عشر من جمادى الأولى، سنة ست وستمائة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وأصله من نصارى أسيوط، بليدة بصعيد مصر، قدموا مصر، وخدموا وتقدموا، وولوا الولايات، وهو مع ذلك، من أهل بيت فى الكتابة عريق، وهو كالمستولى على الديار المصرية، ليس على يده يد، والمسمون بالخلافة، محجوبون ليس لهم غير السكة والخطبة، وكان إلي مماتى كثير من الأعمال، فحدثني الصاحب الكبير، الوزير الجليل، جمال الدين الأكرم، أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني القفطي، - حرس الله علاه - بمدينة حلب قال: بلغني أن بعض تجار الهند، قدم إلى مصر، ومعه سمكة مصنوعة من عنبر، قد تنوق فيها وأجيدت، وطيبت ورصعت بالجواهر، فعرضها على بدر الجمالي ليبيعها منه، فسامها من صاحبها، فقال: لا أنقصها عن ألف دينار شيئا، فأعيدت إليه، فخرج بها من دار بدر، فقال له أبو المليح: أرنى هذه السمكة، فاراه إياها، فقال له كم سمت فيها؟ فأخذ بيده، وقبض ألف دينار من ماله، وتركها عنده مدة، فاتفق أن شرب أبو مليح يوما وسكر، وقال لندمائه: قد اشتهيت سمكا، هاتم المقلى والنار، حتى نقليه بحضرتنا، فجاءه بمقلى حديد وفحم، وتركوه على النار، وجار بتلك السمكة العنبر، فتركها فى المقلى، فجعلت تتقلى وتفوح روائحها، حتى لم يبق بمصر دار، إلا ودخلتها تلك الرائحة، وكان بدر الجمالى جالسا، فشم تلك الرائحة وتزايدت، فاستدعى الخزان، وأمرهم بفتح خزائنه وتفتيشها، خوفا من حريق قد يكون وقع فيها، فوجدوا خزائنه سالمة، فقال. ويحكم، انظروا ما هذا، ففتشوا حتى وقعوا على حقيقة الخبر، فاستعظم الأمر وقال: هذا النصراني، الفاعل الصانع، قد أكل أموالي، واستبد بالدنيا دوني، حت أمكنه أن يفعل مثل هذا، وتركه إلى الغداة، فلما دخل إليه وهو مغضب، قال له ويحك: أستعظم أنا وأنا ملك مصر شرى سمكة من العنبر، فأتركها استكثارا لثمنها، فتشتريها أنت!! ثم لا يقنعك حتى نقليها، وتذهب فى ساعة ألف دينار مصرية، ما فعلت هذا، إلا وقد نقلت بيت أموالي إليك، وفعلت، فقال له: والله ما فعلت هذا إلا غيرة عليك، ومحبة لك، فإنك اليوم سلطان نصف الدنيا، وهذه السمكة لا يشتريها إلا ملك، فخفت أن يذهب بها إلى بعض الملوك، ويخبره بأنك استعظمتها ولم تشترها، فأردت أن أعكس الأمر، وأعلمه أنك ما تركتها إلا احتقارا لها، وأنها لم يكن لها عندك مقدار، وأن كاتبا نصرانيا من كتابك اشتراها، وأحرقها، فيشيع بذك ذكرك، ويعظم عند الملوك قدرك، فاستحسن بدر ذلك منه، وأمر له بضعفى ثمنها، وزاد فى رزقه. وكان مماتي مع ذلك كريما ممدحا، قد مدحه الشعراء، فذكر أبو الصلت في كتاب الرسالة المصرية له، أن أبا طاهر إسماعيل بن محمد النشاع، المعروف بابن مكنسة، كان منقطعا إليه فلما مات مماتي، رثاه ابن مكنسة بقصيدة منها:
ماذا أرجى من حياتي ... بعد موت أبي المليح
ما كان بالنكس الدنيى ... من الرجال ولا الشحيح
كفر النصارى بعد ما ... غدروا به دين المسيح
كذا قال، ولعلهم اغتالوه أو قتلوه. ولما ولي الأفضل بن أمير الجيوش، بدر الجمالي بعد أبيه، دخل إليه ابن مكنسة مادحا، فقال له: ذهب رجاؤك بموت أبى المليح، فما الذي جاء بك إلينا، وحرمه ولم يقبل مديحه. وأما المهذب والده، وكان يلقب بالخطير، فإنه كان كاتب ديوان الجيش بمصر، في اواخر أيام المصريين، وأول أيام بني أيوب مدة، فقصده الكتاب، وجعلوا له حديثا عند السلطان، فهم به صلاح الدين يوسف بن أيوب، أو أسد الدين شيركوه، وهو يومئذ المستولي على الديار المصرية، فخاف المهذب، فجمع أولاده ودخل على السلطان، وأسلموا على يده، فقبلهم وأحسن إليهم، وزاد فى ولاياتهم، وجب الإسلام لما قبله.

ووجدت على ظهر كتاب من تصانيف ابن مماتي مكتوبا: كان المهذب أبوه، المعروف بالخطير، مرتبا على ديوان الإقطاعات، وهو على دين النصرانية، فلما علم أسد الدين شيركوه، فى بدء أمره بمصر أنه نصراني، وأنه يتصرف في عمله بلا غبار، نهاه وأمره بغيار النصاري، ورفع الذؤابة وشد الزنار، وصرفه عن الديوان، فبادر هو وأولاده، فأسلموا على يده، فأقره على ديوانه مدة، ثم صرفه عنه، فقال فيه ابن الذروى:
لم يسلم الشيخ الخطير ... لرغبة في دين أحمد
بل ظن أن محاله ... يبقى له الديوان سرمد
والآن قد صرفوه عنه فدينه فالعود أحمد قال: ووجدت بخط ابن مماتى:
صح التمثل فى قديم ... الدهر أن العود أحمد
ولما أمر شيركوه النصارى بلبس الغيار، وأن يعمموا بغير عذبة، قال عمارة اليمني:
يا أسد الدين ومن عدله ... يحفظ فينا سنة المصطفى
كفى غيارا شد أوساطنا ... فما الذى يوجب كشف القفا
وجرى معه حديث النحويين، وأن أحدهم ينفذ عمره فيه، ولا يتجاوز إلى شيء من الأدب - الذي يراد النحو لأجله - من البلاغة، وقول الشعر، ومعرفة الأخبار والآثار، وتصحيح اللغة، وضبط الأحاديث. فقال الأسعد: هؤلاء مثلهم مثل الذي يعمل الموازين، وليس عنده ما يزن فيه، فيأخذها غيرهم، فيزن فيها الدر النفيس، والجوهر الفاخر، والدنانير الحمر، والجواهر البيض، وهذا عندي من حسن التمثيل. أنشدنا سعيد بن أبى الكرم، بن هبة الله المصرى قال: أنشدني الخطير أبو سعيد بن مماتي لنفسه، فى أبى سعيد بن أبي اليمن النحال وزير العادل، وكان نصرانيا واسلم، وكان أملح الناس وجها، أعنى ابن النحال.
وشادن لما أتى مقبلا ... سبحت رب العرش باريه
ومذ رأيت النمل فى خده ... أيقنت أن الشهد في فيه
وأنشدنا سعيد بن أبى الكرم المذكور، قال: أنشدنى الخطير أبو سعيد بن مماتي، في ابن النحال أيضا، وكان يسكن ابن النحال فى أول الدرب، وكان فى آخر الدرب صبى مثله فى الحسن، يعرف بابن زنبور:
حوى درب نور الدين كل شمردل ... مشددة أوساطهم بالزنانير
بأوله للشهد والنحل منزل ... وآخره يا سادتى للزانير
ومن عجيب ما جرى للخطير: أنه كان يوما جالسا فى انه في حجرة موسومة بديوان الجيش، من قصر السلطان بمصر، وكانت حجرة حسنة مرخمة منمقة، فجاءه قوم وقالوا له: قم من ههنا، فقال لهم: ما الخبر؟ فقالوا: قد تقدم الملك العادل أبو بكر بن أيوب، بأخذ رخام هذه الحجرة، وأن يعمر به موضعا آخر، فخرج منكسرا كاسفا، فقيل له في ذلك: فقال: قد استجيبت فينا دعوة، وما أظننى أجلس فى ديوان بعدها، أما سمعتم إذا بالغوا فى الدعاء علينا قالوا. خرب الله ديوانه، وما بعد الخراب إلا اليباب، ثم دخل منزله، أوحم فلم يخرج منه إلا ميتا، فلما مات خلفه ابنه الأسعد هذا، على ديوان الجيش، وتصدر فيه مدة طويلة، ثم أضيف إليه في الأيام الصلاحية والعزيزية ديوان المال، وهو أجل ديوان من دواوين مصر، وتصدر فيه، واختص بصحبة القاضي الفاضل، عبد الرحيم بن علي البيساني، ونفق عليه، وحظى عنده، وكرم لديه، فقام بأمره، وأشاع من ذكره، ونبه على فضله، وصنف له عدة تصانيف باسمه، ولم يزل على ذلك، إلى أن ملك الملك العادل، أبو بكر ابن أيوب الديار المصرية، وكان وزيره، والمدبر لدولته، الصفي عبيد الله بن علي بن شكر، وكان بينه وبين الأسعد ذحل قديم أيام رياسته عليه، ووقعت من الأسعد إهانة في حق ابن شكر، فحقدها عليه، إلى أن تمكن منه، فلما ورد مصر، أحضر الأسعد إليه، وأقبل بكلينه عليه، وفوض إليه جميع الدواوين، التى كانت باسمه قديما، وبقي على ذلك سنة كاملة، ثم عمل له المؤامرات، ووضع عليه المحالات، وأكثر فيه التأويلات، ولم يلتفت إلى أعذاره ولا اعاره طرفا لاعتذاره، فنكبه نكبة قبيحة، ووجه عليه أموالا كثيرة، وطالبه بها، فلم يكن له وجه، لأنه كان عفيفا ذا مروءة، فأحال عليه الأجناد، فقصدوه وطالبوه، وأكثروا عليه، وآذوه، واشتكوه إلى ابن شكر، فحكمهم فيه.

فحدثني المؤيد إبراهيم بن يوسف الشيباني قال: سمعت الأسعد يقول: علقت فى المطالبة على باب دارى بمصر، على ظهر الطريق في يوم واحد، إحدى عشرة مرة، فلما قدم رأوا أننى لا وجه لي، قبل لي تحيل، ونجم هذا المال عليك فى نجوم، فقلت: أما المال فلا وجه له عندي، ولكن إن أطلقت وملكت نفسى، استجديت من الناس، وسألت من يخافني ويرجوني، فلعلي أحصل من هذا الوجه، فأما من وجه حاصل، فليس لى بعد ما أخذتموه مني درهم واحد، فنجم المال على، وأطلقت وبقيت مديدة إلى أن حل بعض نجوم المال على، فاختفيت واستترت، وقصدت القرافة، وأخفيت نفسى فى مقبرة الماذرائيين، وأقمت بها مدة عام كامل، وضاق الأمر على، فهربت قاصدا للشام على اجتهاد من الأستاذ، فلحقنى فى بعض الطريق فارس مجد، فسلم على، وسلم إلى مكتوبا ففضضته، وإذا هو من الصفى بن شكر، يذكر فيه: لاتحسب أن اختفاءك عنى، كان بحيث لا أدرى أين أنت؟ ولا أين مكانك؟ فاعلم أن أخبارك كانت تأتينى يوما يوما، وأنك كنت فى قبور الماذرائيين بالقرافة، منذ يوم كذا، وأننى اجتزت هناك، واطلعت فرأيتك بعينى، وأنك لما خرجت هاربا عرفت خبرك، ولو أردت ردك لفعلت، ولو علمت أنك قد بقى لك مال أو حال لما تركتك، ولم يكن ذنبك عندي مما يبلغ أن أتلف معه نفسك، وإنما كان مقصودي: أن أدعك تعيش خائفا فقيرا، غريا ممججا فى البلاد، فلا تظن أنك هربت مني بمكيدة صحت لك علي، فاذهب إلى غير دعة الله، قال: وتركني القاصد وعاد، فبقيت مبهوتا إلى أن وصلت إلى حلب.
فحدثني الصاحب جمال الدين الأكرم - أدام الله علوه - لما ورد إلى حلب، نزل في داري فأقام عندي مدة، وذلك في سنة أربع وستمائة، وعرف الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، بن أيوب - رحمه الله - خبره فأكرمه، وأجرى عليه فى كل يوم دينارا صوريا، وثلاثة دنانير أخرى أجرة دار، فكان يصل إليه في كل ثلاثة أشهر ثلاثون دينارا، غير بر وألطاف، ما كان يخليه منها، وأقام عنده على قدم العطلة، إلى سنة ست وستمائة، كما ذكرنا، ومات فدفن بظاهر حلب، بمقام بقرب قبر أبي بكر الهروي. وله تصانيف كثيرة يقصد بها قصد التأدب، وفي معرض وقائع تجرى، ويعرضها على الأكابر، لم تكن مفيدة إفادة علمية، إنما كانت شبيهة بتصانيف الثعالبي وأضرابه، فمن ذلك كتاب تلقين التفنن في الفقه، كتاب سر الشعر، كتاب علم النثر، كتاب الشيء بالشيء يذكر، وعرضه على القاضى، فسماه سلاسل الذهب، لأخذ بعضه بشعب بعض، كتاب تهذيب الأفعال لابن ظريف، كتاب قرقرة الدجاج، في ألفاظ ابن الحجاج، كتاب الفاشوش فى أحكام " قراقوش " ، كتاب لطائف الذخيرة لابن بسام كتاب ملاذ الأفكار وملاذ الاعتبار، كتاب سيرة صلاح الدين يوسف بن أيوب، كتاب أخاير الذخائر، كتاب كرم النجار في حفظ الجار، عمله للملك الظاهر لما قدم عليه، كتاب ترجمان الجمان، كتب مذاهب المواهب. كتاب باعث الجلد عند حادث الولد، كتاب الحض على الرضى بالحظ، كتاب زواهر السدف وجواهر الصدف، كتاب قرص العتاب، كتاب درة التاج، كتاب ميسور النقد، كتاب المنتحل، كتاب أعلام النصر، كتاب خصائص المعرفة فى المعميات، وكان علم الدين بن الحجاج، شريكه في ديوان الجيش، وكان بينهما ما يكون بين المتماثلين في العمل، فعمل فيه الكتاب المتقدم ذكره، وهجاه بعدة أشعر، منها:
حكى نهرين ما في الأرض ... من يحيهما أبدا
ففى أفعاله ثورى ... وفي ألفاظه بردى
وكان له نوادر حسنة حادة، منها ما حدثني به الصاحب القاضي الأكرم، قال: ركبنا وخرجنا يوما نسير بظاهر حلب، فكان خروجنا من أحد أبوابها، ودرنا سور البلد جميعه، ثم دخلنا من ذلك الباب، فقال: اليوم تسييرنا تدليك، قلت: كيف؟ قال من برا برا.

وكان السديد بن المنذر، وهو رجل فقيه، اتصل بالسلطان صلاح الدين، يوسف بن أيوب بعض الاتصال، فجعل لنفسه بذلك سوقا، واستجلب بما يمت به من ذلك، وإن كان باطلا رزقا، وكان أعور رديئا، قليل الدين بغيضا، ولما أحدث الملك الظاهر غازي، قناة الماء بحلب، وأجراها في شوارعها ودور الناس، فوض إلى ابن المنذر النظر في مصالحها، ورزق على ذلك رزقا حسنا، نحو ثلاثمائة درهم فى الشهر، فسأل عنه الأمير فارس الدين، ميمون القصري، والأسعد بن مماتي حاضر، فقال له مسرعا: هو اليوم مستخدم على قناة، فأعجب بحسن هذه النادرة الحاضرين.
وقيل للأسعد يوما: أى شيء يشبه ابن المنذر؟ فقال: يشبه الزب، فاستبردوا ذلك، وظنوا أنه إنما ذهب إلى عورة فقط، فقال: مالكم لا تسألوني كيف يشبهه؟ فقالوا: كيف؟ قال: هو أقرع أصلع أعور، يسمع بلا أذن، يدخل المداخل الرديئة بحدة واجتهاد، ويرجع منكسرا، فاستحسن ذلك. وله شعر، من ذلك قوله فى الثلج في رجب، سنة خمس وستمائة:
قد قلت لما رأيت الثلج منبسطا ... على الطريق إلى أن ضل سالكها
ما بيض الله وجه الأرض في حلب ... إلا لأن غياث الدين مالكها
وقال أيضا فيه:
لما رأت عينى الثلج ... ساقطا كالأقاحي
وصار ليل الثرى منه ... أبيضا كالصباح
حسبت ذلك من ذوب ... در عقد الوشاح
أو من حباب الحميا ... أو من ثغور الملاح
فما على داخل النار ... بعد ذا من جناح
وقال أيضا فيه:
بسيف غياث الدين غازي بن يوسف بن ... أيوب دام القتل واتصل الفتح
وشاهدته في الدست والثلج دونه ... فقلت: سليمان بن داود والصرح
وقال أيضا فيه:
مذ رأينا الصبح يزدان ... ويزداد انفراشا
وحسبنا نوره يطرد ... من خلف الفراشا
نثر الثلج علينا ... ياسمينا وفراشا
ورأى أن يرسل الأسهم ... بالبرد فراشا
فغدا الكافور في عنبرة ... الأرض فراشا
وقال أيضا فيه:
لما رأت عينى الثلج ... خلته الياسمينا
وقلت من عجب منه ... أصبح الآس مينا
وخلته من ثغور الملا ... ح للآثمينا
فما أرادوا من الدر ... قط إلا ثمينا
وقال أيضا فيه:
لما رأيت الثلج قد ... أضحت به الأرض سما
وأنسب الصبا الصبا ... وأذكرت جهنما
خفت فما فتحت من ... تعاظم الخوف فما
فإن نما صبرى وهو ... ناقص فإنما
وقال أيضا فيه:
لما رأيت الثلج قد ... غطى الوهاد والقنن
سألت يأهل حلب ... هل نمطر السما اللبن؟
نقل من خطه ومن شعره أيضا:
وحياء ذاك الوجه بل وحياته ... قسم يريك الحسن في قسماته
لأرابطن على الغرام بثغره ... لأفوز بالمرجو من حسناته
وأجاهدن عواذلي في حبه ... بالمرهفات على من لحظاته
قد صيغ من ذهب وقلد جوهرا ... فلذاك ليس يجوز أخذ زكاته
وله أيضا:
يعاهدني ألا يخون وينكث ... ويحلف لي ألا يصد ويحنث
ومن أعجب الأشياء أنك ساكن ... بقلبي وأني عن مكانك أبحث
وللحسن يا لله طرف مذكر ... يتيه به عجبا وطرف مؤنث
ومنه أيضا:
يا سالب الظبية لحظا وجيد ... أجر لمن تهجر أجر الشهيد
متى رأى طرفك قتل امرئ ... بأسهم اللحظ فقيد الفقيد
ولد دوييت:
يا غصن، أراك حاملا عود أراك ... حاشاك إلى السواك يحتاج سواك
قل ي: أنهاك عن محبيك نهاك ... لو تم وفاك بست خديك وفاك
كذا وجدت له في اشعارمجموعة، وأنشدني هذين " الدوييت " بعض أهل الأدب، وذكر أنهما للعماد الأصبهانى الكاتب، وهما به أشبه، لأنهما في غاية الجودة، وابن مماتي، في طبقة شعره انحطاط جدا. ومن شعره أيضا:

قد نهانا عن الغرام نهانا ... إذ هوانا ألا تذوق هوانا
وهجرنا الحبيب خيفة أن يهجر ... بدءا فيستمر عنانا
وتركنا للورى فكأنا ... قد أدرناه بيننا دستكانا
وأنسنا من وحشة بفراق ... فافترقنا كما ترى برضانا
وسمعنا من العذول كلاما ... فأنفنا من ضحكه لبكانا
أى خير يكون في حب من فوق ... سهما من لحظة ورمانا
نحن لو لم نكن هجرناه من قبل ... لأبدى صدوده وجفانا
شيمة في الملاح قد أحسن الدهر ... بإعلامها بنا وأسانا
وصباح المشيب يظهر ما كان ... ظلام الشباب عنه ثنانا
ما مشينا إلى الصبابة إلا ... وخطانا معدودة من خطانا
فأدرها معسجدات كؤوسا ... مطلعات من الحباب جمانا

أسلم بن سهل، بن أسلم
،
بن زياد، ابن حبيب الرزاز، أبو الحسن المعروف بنحشل الواسطى، منسوب إلى محلة الرزازين، المحلة للسفلي بواسط، ومسجده هناك وداره، وهو ثقة، إمام يصلح للتصحيح، وجده لأمه: أبو محمد وهب بن بقية، ويقال: وهبان. جمع نحشل تاريخ واسط، وضبط أسماء أهلها، ورتب طبقاتهم، وكان لا مزيد عليه في الحفظ والإتقان. مات في سنة ثمان وثمانين ومائتين، قبلها أو بعدها بقليل. حدث عنه بتاريخه أبو بكر، محمد بن عثمان، بن سمعان المعدل، وكان يضاهيه فى الحفظ والإتقان، وشركه في أكثر شيوخه، ومات قبل الثلاثين وثلاثمائة. ذكر ذلك كله السلفي الحافظ، في السؤالات التى سألها خميسا الحوزي.
إسماعيل بن أحمد، بن عبد الله
،
الحيري أبو عبد الله الضرير المفسر، المقرئ الواعظ، الفقيه المحدث الزاهد، أحد المسلمين، والحيرة محلة بنيسابور هى الآن خراب، مات فيما ذكره عبد الغافر بن إسماعيل بعد الثلاثين وأربعمائة، ومولده سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. قال: وله التصانيف المشهورة فى علوم القرآن والقراءات، والحديث والوعظ، والتذكير. سمع صحيح البخارى من أبى الهيثم. سمع منه ببغداد، وقد روى عن زاهر السرخسي.
إسماعيل بن إسحق، بن إسماعيل
،
بن حماد، بن زيد، بن درهم،أبو إسحق الأزدى، مولى آل حرير بن حازم، من أهل البصرة. مات فيما ذكره الخطيب: سنة اثنتين وثمانين ومائتين، ومولده سنة مائتين، مات فجاءة. قال التنوخى: حدثنى بو الفرج الأصبهانى، أن القاضى إسماعيل، لبس سواده ليخرج إلى الجامع فيحكم، ولبس أحد خفيه، وأراد أن يلبس الآخر، فمات. وهو قاض على جانبى بغداد جميعا. سمع محمد بن عبد الله الأنصاري، ومسدد بن مسرهد، وعلي بن المديني، وغيرهم. روى عنه موسى بن هارون الحافظ، وكان فاضلا، عالما، متقنا، فقيها، على مذهب مالك ابن أنس، شرح مذهبه ولخصه، واحتج له، وصنف المسند، وكتبا عدة فى علوم القرآن، وجمع كتاب حديث مالك، وكتاب يحيى بن سعيد الأنصارى، وكتاب أيوب السختيانى، واستوطن بغداد قديما، وولى القضاء بها، ولم يزل يتقلده إلى حين وفاته قال الخطيب: قال طلحة بن محمد، بن جعفر الشاهد: إسماعيل بن إسحاق منشؤه البصرة، وأخذ الفقه على مذهب مالك، عن أحمد بن المعدل، وتقدم فى هذا المذهب، حتى صار علما فيه، ونشر من مذهب مالك وفضله، ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، وصنف من الاحتجاج لمذهب مالك والشرح له، ما صار لأهل هذا المذهب مثالا يحتذونه، وطريقا يسلكونه، وانضاف إلى ذلك علمه بالقرآن، فإنه صنف في القرآن كتبا تتجاوز كثيرا من الكتب المصنفة فيه. فمنها كتاب فى أحكام القرآن، وهو كتاب لم يسبقه أحد من أصحابه إلى مثله، وكتاب في القراءات، وهو كتاب جليل القدر، عظيم الخطر، وكتاب في معاني القرآن، وهذان الكتابات يشهدان بفضله فيهما، وأنه واحد زمانه، ومن انتهى إليه العلم في النحو واللغة في أوانه، وهو نظير المبرد.

ورأيت أبا بكر بن مجاهد يصف هذين الكتابين، وسمعته مرات لا أحصيها يقول: القاضي إسماعيل، أعلم مني بالتصريف، وبلغ من العمر ما صار به واحدا فى عصره، في علو الإسناد، فحمل الناس عنه من الحديث الحسن ما لم يحمل أحد عن كثير، وكان الناس يصيرون إليه، فيقتبس منه كل فريق علما لا يشاركه فيه الآخر، فمن قوم يحملون الحديث، ومن قومك يحملون علم القرآن، والقراءات، والفقه، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. فأما سداده في القضاء، وحسن مذهبه فيه. وسهولة الأمر عليه، فيما كان يلتبس على غيره، فشئ شهرته تغنى عن ذكره، وكان في أكثر أوقاته، وبعد فراغه من الخصوم، متشاغلا بالعلم، لأنه اعتمد على مكاتبة أبي عمر، محمد بن يوسف، فكان يحمل عنهأكثر أمره من لقاء السلطان، وينظر فى كل أمره، وأقبل هو على الحديث والعلم.
قال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم: كان إسماعيل ابن إسحاق نيفا وخمسين سنة على القضاء، ما عزل عنها إلا سنتين قال الخطيب: وهذ القول فيه تسامح، وذلك أن ولاية إسماعيل للقضاء، ما بين ابتدائها إلى حين وفاته، لم تبلغ خمسين سنة، وأول ما ولي في خلافة المتوكل، لما مات سوار بن عبد الله، بن سوار، بن عبد الله، وكان قاضى القضاة بسر من رأى: جعفر بن عبد الواحد الهاشمى، فأمره المتوكل، أن يولى إسماعيل، قضاء الجانب الشرقى من بغداد، سنة ست وأربعين ومائتين، لم يعزله أحد من الخلفاء غير المهتدي، فإنه نقم على أخيه حماد بن إسحاق شيئا، فضربه بالسياط، وعزل إسماعيل إلى أن قتل المهدي، وولي المعتمد، فأعاده إلى القضاء، فلم يزل على قضاء بغداد بالجانبين إلى أن مات، ولم يقلد قضاء القضاة، لأن القضاة، كان الحسن بن أبي الشوارب، وكان يكون حينئذ بسامرا وحدث الخطيب قال: قال المبرد لما توفيت والدة القاضي إسماعيل، رأيت من وجهه ما لم يقدر على ستره، وكان كل يعزيه، وقد كان لايسلو، فسلمت عليه ثم أنشدته:
لعمري لئن غال ريب الزمان ... فساء لقد غال نفسا حبيبه
ولكن علمى بما في الثواب ... عند المصيبة ينسي المصيبة
فتفهم كلامي واستحسنه، ودعا بدواة وكتبه، ثم انبسط، وزالت تلك الكآبة والجزع.
قال إبراهيم بن حماد: أنشدني عمي إسماعيل القاضي:
همم الموت عاليات فمن ثم ... تخطى إلى لباب اللباب
ولهذا قيل: الفراق أخو الموت ... لإقدامه على الأحباب
قال: ودخل إلى القاضي إسماعيل بن إسحاق، عبدون، ابن صاعد الوزير، وكان نصرانيا، فقام له ورحب به، فرأى إنكار الشهود ومن حضره، فلما خرج قال لهم: قد علمت إنكاركم، وقال الله تعالى: " لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين، ولم يخرجوكم من دياركم " وهذا الرجل يقضى حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين خليفتنا، وهذا من البر، فسكتت الجماعة.
قرأت بخط أبي سعيد بإسناد له، رفعه إلى أبى العباس ابن الهادي. قال: كنت عند إسماعيل بن إسحاق القاضي في منزله، فخرج يريد صلاة العصر، ويدي في يده، فمر ابن البرى، وكان غلاما جميلا، فنظر إليه: فقال وهو يمشى إلى المسجد:
لولا الحياء وأننى مشهور ... والعيب يعلق بالكبير كبير
لحللت منزلها التى تحتله ... ولكان منزلها هو المهجور
وانتهى إلى مسجد على باب داره فقال، الله أكبر، الله أكبر، ثم مر في أذانه، والشعر لإبراهيم بن المهدى. وحكى أبو حيان هذه الحكاية كما مر، وزاد فيها، فقيل له: افتتحت الأذان بقول الشعر، فقال دعونى، فوالله لو نظر أمير المؤمنين إلى ما نظرت إليه، لشغله عن تدبير ملكه. قيل له: فهل قلت شيئا آخر فيه؟ قال: نعم، أبيات عبثت بي وأنا في المحراب، فما استتممت قراءة " الحمد " حتى فرغت منها، وهي:
ألحاظه ترجمان منطقه ... ووجهه نزهة لعاشقه
هذبه الظرف والكمال فما ... يمر عيب على طرائقه
قد كثرت قالة العباد فما ... تسمع إلا سبحان خالقه

ومن كتاب القضاة لابن سمكة قال: لما مات إسماعيل بن إسحاق، بقيت بغداد ثلاثة أشهر بغير قاض، حتى ضج الناس، ورفع إلى المعتضد، فاختار عبيد الله بن سليمان، ثلاثة قضاة، أبا حازم، وعلي بن أبي الشوارب، ويوسف، وهو ابن عم إسماعيل بن إسحاق، فولي أبا حازم الكرخ، وابن أبي الشوارب مدينة المنصور، ويوسف الجانب الشرقي.
قال: وأخبرنى الثقة أن إسماعيل دخل على الموفق، فقال له: ما تقول في النبيذ؟ فقال أيها الأمير: إذا أصبح الإنسان وفي رأسه شيء منه، يقال له ماذا؟ فقال الموفق: يقال هو مخمور، قال فهو كاسمه.
وحدث المحسن قال: سمعت أبى يحكى عن أبي عمر القاضي قال: عرض القاضي إسماعيل على عبيد الله بن سليمان، وزير تامعتضد رقعة في حوائج الناس، ثم عرض أخرى وقال: إن أمكن الوزير أن يوقع، وقع وعرض أخرى، وقال شيئا من هذا الجنس، فقال عبيد الله: يا أبا إسحاق: كم تقول " إن أمكن، وإن جاز، وإن سهل " ؟ من قال لك: إنه يجلس هذا المجلس أحد، ثم يتعذر عليه شيء على وجه الأرض من الأمور، فقد كذبك، هات رقاعك كلها في موضع واحد، قال: فاخرجها إسماعيل من كمه، وطرحها بين يديه، فوقع فيها، فكانت مع ما وقع فيه قبل الكلام وبعده، نحو الستين رقعة - رحمه الله - فما أصدق ما كانت رغبته إلى الله عز وجل.

اسماعيل بن الحسن، بن على الغازى
البيهقيأبو القاسم، شمس الأئمة، ذكره البيهقي فى كتاب الوشاح، فقال: يعرف بالشمس البيهقي، كان جامعا لفنون الآداب، حائزا لمفاتيح الحكمة وفصل الخطاب، أقام وتوطن بمرو، وطريقه في الفقه مستقيم، واكثر مصنفاته من المناقص سليمات ومن منظومه:
كتاب حضرتنا دامت سلامتهم ... يهيئون من الألقاب أسبابا
وينصبون من الأطماع ألوية ... ويفتحون من الألقاب أبوابا
ويبخلون بما جاد الكريم به ... وينفقون على الأقوام ألقابا
تجشئوا في نواديهم بلا شبع ... كأنهم أكلوا الحلتيت والرابا
أخذه من قول الخوارزمي:
قل الدراهم في كيسى خليفتنا ... فصار ينفق في الأقوام ألقابا
قال: ومن تصانيفه: كتاب نقض الاصطلام، كتاب سمط الثريا، في معانى الغرائب للحديث، كتاب فى اللغة، كتاب فى الخلاف ظريف.
إسماعيل بن الحسين، بن محمد، بن الحسين

ابن أحمد، بن محمد ابن عزيز، بن الحسين، بن أبي جعفر، محمد الأطروش، بن علي، بن الحسين، بن علي، بن محمد الديباج، بن جعفر الصادق، بن محمد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين، بن علي، بن أبى طالب - رضي الله عنهم - ، كنيته أبو طالب بن أبي محمد، بن أبي أحمد، بن أبي علي، بن أبي الحسين، بن أبي جعفر، بن أبي الفضل، بن أبي جعفر الأطروش، بن أبي الحسين بن أبي عبد الله، بن أبي الحسين، بن أبي جعفر، بن أبي عبد الله الصادق، بن أبي جعفر الباقر، بن أبي محمد العابدين، بن أبي عبد الله السبط، بن أبي الحسن أمير المؤمنين، المروزي العلوي، النسابة الحسيني، عزيز الدين حقاً، أول من انتقل من أجداده إلى مرو من قوم، أبو علي أحمد بن محمد، بن عزيز، وكان قد انتقل إلى بغداد من المدينة، علي بن محمد الديباجي، وكان على هذا يعرف بالحارص، وابنه الحسين انتقل إلى قوم، ثم أقاموا بمرو إلى هذا الأوان. وأخبرني - أحسن الله جزاه - أن مولده ليلة الأثنين، الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ورد بغداد في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، صحبة الحجاج، ولم يحج. وقرأ الأدب على الإمام منتخب الدين، أبي فتح محمد ابن سعد، بن محمد، بن أبي الفضل الديباجي، والإمام برهان الدين أبي الفتح، ناصر بن أبى المكارم، عبد السيد بن على المطرزي الخوارزمي، وأخيه الإمام مجد الدين أبى الرضا طاهر، وقرأ الفقه على الإمام فخر الدين محمد ابن محمد، بن محمد، بن الحسين الطيان الماهروة الحنفى، وقاضي القضاة، منتخب الدين أبي الفتح محمد بن سليمان، ابن إسحاق الفقيهى قال: وما علمت أنه ولى القضاء بمرو أحسن سيرة منه - رحمه الله - وقرأ الحديث على الإمام فخر الدين، إسماعيل بن محمد، بن يوسف القاشانى، وأبى بكر بن محمد، بن عمر الصائغي السبخي، والإمام شرف الدين، محمد بن مسعود المسعودي، والإمام فخر الدين، أبي المظفر عبد الرحيم، ابن الإمام تاج الإسلام، عبد الكريم بن محمد، بن منصور السمعاني، وعبد الرشيد بن محمد، بن أبي بكر الزرقى المؤدب، وبنيسابور على القاضي ركن الدين إبراهيم بن على، بن حمد المعيني، والإمام مجد الدين، أبى سعد عبد الله بن عمر الصفار، والإمام نور الدين، فضل الله بن أحمد، بن محمد الجليل التوقاني، وعبد الرحيم بن عبد الرحمن الشعري، وبالري على مجد الدين، يحيى بن الربيع الواسطي، وببغداد عليه، وعلي عبد الوهاب بن علي، بن سكينة، وغيرهم، بشيراز، وهراة، وتستر، ويزد. وله من التصانيف: كتاب حظيرة القدس، نحو ستين مجلدا، ولعله يزيد فيما بعد، وكتاب بستان الشرف، وهو مختصر ذلك، يكون عشرين مجلدا، كتاب غنية الطالب، فى نسب آل أبى طالب مجلد، كتاب الموجز فى النسب، مجلد لطيف، كتاب الفخرى صنفه للفخر الرازي، كتاب زبدة الطالبية، مجلد لطيف، كتاب خلاصة العترة النبوية، في أنساب الموسوية، كتاب المثلث فى النسب، شجر عدة كتب منها: كتاب أبي الغنائم الدمشقي، كتاب من اتصل عقبه بأبى الحسن، محمد بن القاسم التميمى الأصفهاني مشجر، وكتاب المعرف للسيد أبي طالب الزنجاني الموسوي، كتاب الطبقات للفقيه زكريا بن أحمد البزاز النيسابوري، كتاب نسب الشافعي خاصة، كتاب وفق الأعداد في النسب. وهذا السيد - أدام الله فضله - اجتمعت به في مرو، في سنة أربع عشرة وستمائة، فوجدته كما قيل:
قد زرته فوجدت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والفضل فى دار
قد طبع من حسن الأخلاق، وسماحة الأعراق، وحسن البشر، وكرم الطبع، وحياء الوجه، وحب الغرباء على ما نراه، متفرقا في خلق كثير، وهو مع ذلك، أعلم الناس يقينا بالأنساب، والنحو، واللغة، والشعر، والأصول، والنجوم، وقد تفرد بهذا البلد، بالتصدر لإقراء العلوم على اختلافها، فى منزل ينتابه الناس على حسب أغراضهم، فمن قارئ للفقه، ومتعلم فى النحو، ومصحح للغة، وناظر في النجوم، ومباحث في الأصول، وغير ذلك من العلوم، وهو مع سعة علمه متواضع، حسن الأخلاق، لايرد غريب إلا عليه، ولايستفيد مستفيد إلا منه. وأنشدني - أدام علوه - لنفسه:
قولوا لمن لبى في حبه ... قد صار مغلوبا ومسلوبا
وفى صميم القلب مني أرى ... هواه والأيمان مكتوبا
وصحتي في عشقه صيرت ... جسمي معلولا ومعيوبا

ومدمعي منهمرا ماؤه ... منهملا في الخد مسكوبا
وأنشدني - أدام الله علوه - لنفسه:
والعين يحجبها لألاء وجنته ... من التأمل فى ذا المنظر الحسن
بل عبرتى منعت لو نظرتى عبرت ... إليه من مقلتى إلا على السفن
لولا تجسمه بالإبتسام وما ... أمده الله عند النطق باللسن
لما عرفت عقيقا شفه درر ... ولم يبن فوه نطقا وهو لم يبن
حدثنى عزيز الدين، - رحمه الله - ، قال: ورد الفخر الرازي إلى مرو، وكان من جلالة القدر، وعظم الذكر، وضخامة الهيبة، بحيث لا يراجع فى كلامه، ولا يتنفس أحد بين يديه لإعظامه، على ما هو مشهور متعارف، فدخلت إليه، وترددت للقراءة عليه، فقال لي يوما: أحب أن تصنف لي كتابا لطيفا في أنساب الطالبيين لأنظر فيه، فلا أحب أن أكون جاهلا به. فقلت له: أتريده مشجرا أم منثورا؟ فقال: المشجر لاينضبط بالحفظ، وأنا أريد شيئا أحفظه، فقلت: السمع والطاعة، ومضيت وصنفت له الكتاب، الذى سميته بالفخري، وحملته وجئته به، فلما وقف عليه، نزل عن طراحته، فأعظمت ذلك وخدمته، فانتهرني نهرة مزعجة، وزعق علي وقال: اجلس بحيث أقول لك، فتداخلني - علم الله - من هيبته ما لم أتمالك، غلا أن جلست حيث أمرنى، ثم أخذ يقرأ على ذلك الكتاب، وهو جالس بين يدي، ويستفهمني عما يستغلق عليه، إلى أن أنهاه قراءة، فلما فرغ منه قال: اجلس الآن حيث شئت، فإن هذا علم أنت أستاذي فيه، وأناأستفيد منك، وأتتلمذ لك، وليس من الأدب أن يجلس التلميذ إلا بين يدى الأستاذ، فقمت من مقامى، وجلس هو في منصبه، ثم أخذت أقرأ عليه، وأنا جالس بحيث كان أولا، وهذا لعمري من حسن الأدب حسن، ولا سيما من مثل ذلك الرجل العظيم المرتبة.

إسماعيل الضرير النحوى، أبو علي
لا أعرف من أمره إلا ما ذكر: أن رجلا سأل إسماعيل الضرير النحوى، عن أبي القاسم، علي بن أحمد، ابن الفرج، بن الحسين، بن المسلمة، الملقب برئيس الرؤساء، وزير القائم، كيف ترى رئيس الرؤساء في النحو؟ فقال: يتكلم فيه بكلام أهل الصنعة، وسئل رئيس الرؤساء عن إسماعيل فقال: ما أرى مفتوح القلب فى النحو، إلا هذا المغمض العينين!
إسماعيل بن حماد الجوهري
،
أبو نصر الفارابي ابن أخت أبى إسحاق الفارابى، صاحب ديوان الأدب، وكان الجوهرى هذا من أعاجيب الزمان ذكاء وفطنة وعلما، وأصله من بلاد الترك من فاراب، وهو إمام في علم اللغة والأدب، وخطه يضرب به المثل في الجودة، لا يكاد يفرق بينه وبين خط أبي عبد الله بن مقلة، وهو مع ذلك من فرسان الكلام في الأصول، وكان يؤثر السفر على ساق. دخل العراق فقرأ علم العربية على شيخى زمانه، ونور عين أوانه، أبي علي الفارسي، وأبي سعيد السيرافي. وسافر إلى أرض الحجاز، وشافه باللغة العرب العاربة، وقد ذكر هو ذلك في مقدمة كتاب الصحاح من تصنيفه، وطوف بلاد ربيعة ومضر، وأجهد نفسه فى الطلب، ولما قضى وطره من الطواف، عاد راجعا إلى خراسان، وتطرق الدامغان، فأنزله أبو على الحسين بن على، وهو من أعيان الكتاب، وأفراد الفضلاء عنده، وأخذ عنه، وسمع منه، ثم سرحه إلى نيسابور، فلم يزل مقيما بها على التدريس، والتأليف، وتعليم الخط، وكتابة المصاحف، والدفاتر، حتى مضى لسبيله عن آثار جميلة وذكره أبو الحسين الباخرزي فقال: هو صاحب صحاح اللغة، لم يتأخر فيها عن شرط أقرانه، ولا انحدر عن درجة أبناء زمانه، أنشدنى الأديب، يعقوب بن أحمد قال: أنشدنى الشيخ أبو إسحاق صالح الوراق، تلميذ الجوهري - رحمه الله - له:
ياضائع العمر بالأماني ... أما ترى رونق الزمان
فقم بنا يا أخا الملاهي ... نخرج إلى نهر نشنقان
لعلنا نجتني سرورا ... حيث جنى الجنتين دان
كأننا والقصور فيها ... بحافتى كوثر الجنان
والطير فوق الغصون تحكى ... بحسن أصواتها الأغانى
وأرسل الورق عندليب ... كالزير واليم والمثاني
وبركة حولها أناخت ... عشر من الدلب واثنتان
فرصتك اليوم فاغتنمها ... فكل وقت سواه فان

وله من التصانيف: كتاب في العروض جيد بالغ، سماه عروض الورقة، كتاب الصحاح في اللغة، كتاب المقدمة فى النحو، وهذا الكتاب، هو الذى بأيدى الناس اليوم، وعليه اعتمادهم. أحسن تصنيفه، وجود تأليفه، وقرب متناوله، وآثر من ترتيبه على من تقدمه، يدل وضعه على قريحة سالمة، ونفس عالمة، فهو أحسن من الجمهرة، وأوقع من تهذيب اللغة، وأقرب متناولا من محمل اللغة، فيه يقول الشيخ أبو إسماعيل بن محمد، بن عبدوس النيسابوري.
هذا كتاب الصحاح أحسن ما ... صنف قبل الصحاح في الأدب
تشمل أبوابه وتجمع ما ... فرق فى غيره من الكتب
هذا مع تصحيف فيهه في مواضع عدة، أخذها المحققون، وتتبعها العالمون، ومن ما ساء قط، ومن له الحسنى فقط؟؟ فإنه - رحمه الله - غلط وأصاب، وأخطأ المرمى وأصاب، كسائر العلماء، الذين تقدموه وتأخروا عنه، فإني لا أعلم كتابا سلم إلى مؤلفه فيه، ولم يتبعه بالتتبع من يليه.
وذكر أبو الحسن، علي بن فضال المجاشعى في كتابه، الذى سماه شجرة الذهب، في معرفة أئمة الأدب فقال: كان الجوهري قد صنف كتاب الصحاح، للأستاذ أبى منصور عبد الرحيم بن محمد البيشكى، وسمعه منه إلى باب الضاد المعجمة، واعترى الجوهرى وسوسة، فانتقل إلى الجامع القديم بنيسابور، فصعد إلى سطحه وقال: أيها الناس، إني عملت فى الدنيا شيئا لم أسبق إليه، وضم إلى جنبيه مصراعي باب، وتأبطهما بحبل، وصعد مكانا عاليا من الجامع، وزعم أنه يطير، فوقع فمات، وبقى الكتاب، مسودة غير منقحة، ولا مبيضة، فبيضه أبو إسحاق، إبراهيم بن صالح الوراق، تلميذ الجوهري بعد موته، فغلط فيه في عدة مواضع غلطا فاحشا. وكان الجوهرى يجيد قول الشعر، فمن ذلك:
رأيت فتى أشقرا أزرقا ... قليل الدماغ كثير الفضول
يفضل من حمقه دائبا ... يزيد بن هند علي ابن البتول
قال المؤلف: وكنت بحلب في سنة إحدى عشرة وستمائة، في منزل القاضي الأكرم، والصاحب الأعظم، أبي الحسن علي بن يوسف، بن إبراهيم الشيباني، فتجارينا أمر الجوهري، وما وفق له من حسن التصنيف، ثم قلت له: ومن العجب أني بحثت عن مولده ووفاته، بحثا شافيا، ذلك، فقال لي: فقد بحثت قبلك عن ذلك، فلم أر مخبرا عنه. فلما كان من غد ذلك اليوم، جئته فقال لى: ألا أخبرك بطريفة؟ إننى رأيت في بارحتنا فى النوم قائلا يقول لي: مات إسماعيل بن حماد الجوهري، فى سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ولعمري وإن كان المنام مما لايقطع به، ولا يعدل عليه، فهذا بلا شك زمانه، وفيه كان أوانه، لأن شيخيه أبا علي، وأبا سعيد، ماتا قبل هذه المدة بسنين يسرة، ثم وجدت نسخة بديوان الأدب، بخط الجوهري بتبريز، وقد كتبها في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. ثم وقفت على نسخة بالصحاح، بخط الجوهرى بدمشق، عند الملك العظيم بن العادل، بن أيوب صاحب دمشق، وقد كتبها في سنة ست وتسعين وثلاثمائة.
وقد ذكره أبو منصور عبد الملك، بن محمد الثعالبي في كتاب يتيمة الدهر، وأنشد من شعره:
لو كان لي بد من الناس ... قطعت حبل الناس بالياس
العز في العزلة لكنه ... لابد للناس من الناس
وأنشد له:
وها أنا يونس في بطن حوت ... بنيسابور في ظل الغمام
فبيتى والفؤاد ويوم دجن ... ظلام في ظلام فى ظلام
وأنشد له:
زعم المدامة شاربوها أنها ... تنفي الهموم وتذهب الغما
صدقوا سرت بعقولهم فتوهموا ... أن السرور بها لهم تما
سلبتهم أديانهم وعقولهم ... أرأيت عادم ذين مغتنما؟
ومن شعره:
يا صاحب الدعوة لاتجزعن ... فكلنا أزهد من كرز
فالماء كالعنبر في قومس ... من عزه يجعل في الحرز
فسقنا ماء بلا منة ... وأنت فى حل من الخبز

قال مؤلف الكتاب: وذكر محمود بن أبى المعالي الخواري، في كتاب ضالة الأديب من الصحاح والتهذيب، بعد أن ذكر قصة الجوهري، كما ذكرها المجاشعي، سواء من تصنيفه الكتاب للبيشكي، وقراءة الناس عليه، إلى باب الضاد، وشده مصراعي الباب وطيرانه، ثم قال: وسألت الإمام سعيد بن الإمام، أحمد ابن محمد الميدانى، عن الخلل الواقع فى هذا الكتاب، فقال مثل ما ذكرناه: إن هذا الكتاب قرئ عليه إلى باب الضاد فحسب، وبقي أكثر الكتاب على سواده، ولم يقدر له تنقيحه، ولاتهذيبه، فلهذا يقول في باب السين، قيس: أبو قبيلة من مضر، واسمه إلياس بنقطتين تحتها، ثم يقول في فصل النون من هذا الباب: الاناس بالنون اسم قيس عيلان، فالأول سهو والثاني صحيح، ثم قال: ومن زعم أنه سمع عن الجوهرى شيئا من الكتاب، زيادة على أول الكتاب إلى باب الضاد، فهو مكذوب عليه.
قال: ورأيت أنا نسخة السماع، وعليها خطه إلى باب الضاد، وهي الآن موجودة في بلادنا، والله أعلم بحقيقته. قال: والكتاب بخط مؤلفه عند أبى محمد إسماعيل بن محمد، بن عبدوس النيسابورى، وفيه يقول: وذكر البيتين المتقدمين قال: وقال الثعالبى فى أثناء كتابه، يعنى يتيمة الدهر: إن تلك النسخة بيعت بمائة دينار نيسابورية، وحملت إلى جرجان، والعلم عند الله في ذلك.
قال المؤلف: وأما البيشكى الذي صنف له الكتاب، فقد ذكره الغافر الفارسي في السياق، فقال: هو عبد الرحيم بن محمد البيشكي، الأستاذ الإمام أبو منصور، ابن أبي القاسم، الأديب الواعظ الأصولى، من أركان أصحاب أبي عبد الله، يعنى الحاكم بن عبد الله بن البيع. له المدرسة والأصحاب، والأوقاف والأسباب، والتدريس والمناظرة، والنثر والنظم. توفي في جمادى الأولى، سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. ووجدت على ظهر كتاب الصحاح، وكان مجلدة واحدة كاملة، بخط الحسن بن يعقوب بن أحمد النيسابوري، اللغوى الأديب ماصورته: قرأ على هذا الكتاب من أوله إلى آخره، بما عليه من حواشيه من الفوائد، معارضا بنسختى مصححا إياها: صاحبه الفقيه، الفاضل السديد، الحسين بن مسعود الصرام، - بارك الله فيه له - ، وهو إجازة لي عن الأستاذ أبي منصور عبد الرحيم، ابن محمد البيشكي عن المصنف، وكتبه الحسن بن يعقوب ابن أحمد في شهر الله الأصم، سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، فهذا كما تراه مخالف لما تقدم، من أن الجوهري لم يعمل من الكتاب إلا أن باب الضاد. ومن كتابه الموسوم بالصحاح: النخيس: البكرة، يتسع ثقبها الذى يجري فيه المحور، مما يأكله المحور، فيعمدون إلى خشيبة فيثقبون وسطها، ثم يلقمونها ذلك الثقب المتسع، ويقال لتلك الخشيبة النخاس، وسألت أعرابيا بنجد من بني تميم وهو يستقي، وبكرته نحيس، فوضعت أصبعي على النخاس فقلت: ما هذا؟ وأردت أن أتعرف منه الخاء من الحاء، فقال نخاس بحاء معجمة، فقلت: أليس قال الشاعر: وبكرة نحاسها نحاس فقال: ما سمعنا بهذا في آبائنا الآولين. ومن كتابه في باب بقم، وقلت لأبي علي الفارسي أعربي هو؟فقال: معرب، وليس في كلامهم اسم على فعل، إلا خمسة خضم بن عمرو بن تميم، وبا لفعل سمى، وبقم لهذا الصبغ، وشلم موضع با لشام، وهما أعجميان، وبذر اسم ماء من با لفعل، فثبت أن فعل ليس من أن فعل ليس من أصول أسما ئهم، وإنما يختص بالفعل، فإذ سميت به رجلا لم ينصرف فى المعرفة، للتعريف ووزن الفعل، وينصرف في النكرة.

إسماعيل بن خلف
،
أبو طاهر الصقلى المقرئ صاحب على بن إبراهيم بن سعيد الحوفي من حوف مصر، وصنف كتاب إعراب القراءات في تسع مجلدات كبار، وصنف فى القراءات كتاب الإكتفاء، وكتاب العيون، وأرى أنه كان فيما بعد سنة عشرة وخمسمائة
إسماعيل بن عباد، بن العباس
،
ابن عباد الوزير الملقب بالصاحب، كافي الكفاة أبو القاسم، من أهل الطالقان، وهي ولاية بين قزوين وأبهر، وهي عدة قرى يقع عليها هذا الأسم، وبخراسان بلدة تسمى الطالقان غير هذه، خرج منها جماعة من أهل العلم، هكذا نسبه المحدثون، وقد قال الرستمي شاعره، يهنيء بن عباد قال:
يهنى ابن عباد بن عباس بن نجد ... والله تعمى بالكرامة تردف
وقال في السلامي يهجوه:
يا بن عباد بن عباس ... بن عبد الله حرها
تنكر الجبر وأخرجت ... إلى دنياك كرها

قال أبو حيان في أخلاق الوزيرين: كان عباد يلقب الأمين، وكان دينا خيرا، مقدما في صناعة الكتابة. فقال: وكتب الأمين في ركن الدولة، كما كتب العميد لصاحب خراسان، والامين كان ينصر مذهب الأشنانى تدينا، وطلبا للزلفى عند ربه، والعميد كان يعمل لعاجلته، وإن قلت: كان الأمين معلما بقرية من قرى طالقان الديلم، قيل: وكان والده العميد نخالا في سوق الحنطة بقم، والصاحب مع شهرته بالعلوم، وآخذه من كل فن منها بالنصيب الوافر، والحظ الزائد الظاهر، وما أوتيه من الفصاحة، ووفق لحسن السياسة والرجاحة، مستغن عن الوصف، مكتف عن الأخبار عنه والرصف، مولده في ذي القعدة، سنة ست ست وعشرين وثلاثمائة.
ووزر لمؤيد الدولة، أبي منصور بويه، بن ركن الدولة، أبي علي الحسن بن بويه، وأحبه فخر الدولة، ثماني عشرة سنة، وشهرا واحدا، ومات الصاحب فيما ذكره أبو نعيم الحافظ: في الرابع والعشرين من صفر، سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. وكان أبوه عباد يكنى بالحسن، وكان من أهل العلم والفضل ايضا، سمع أبا خليفة الفضل بن الخباب، وغيره من البغدادين، والأصفهانيين، والرازيين، وصنف كتابا في أحكام القرآن، نصر فيه الاعتزال وجود فيه. روى عنه ابنه الوزير أبو القاسم بن عباد، وابن مردويه الأصفهانى، ومات عباد في السنة التي مات فيها لأبنه، سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. وكل ما ذكرناه من خبر عباد أبي الوزير، فهو منقول من كتاب المنتظم في التاريخ، من تصنيف أبي الفرج بن الجوزي. وبين عباد وبين الحسن بن عبد الرحمن، بن حماد القاضي مكاتبات ومراسلات، مذكورة مدونة.
وكان الصاحب في بدء أمره من صغار الكتاب، يخدم أبا الفضل بن العميد عليا خاصة، فترقت به الحال، إلى أن كتب لمؤيد الدولة، بن ركن الدولة، بن بويه، أخي عضد الدولة، بن ركن الدولة الديلمي. ومؤيد الدولة حينئذ أمير، وأحسن فى خدمته، وحصل له عنده بقدم الخدمة قدم، وأنس منه مؤيد الدولة كفاية وشهامة، وولى مؤيد الدولة بلاده بالرى وأصبهان، وتلك النواحى، خلع على أبى الفتح بن العميد وزير أبيه خلع الوزارة، وأجراه على ما كان فى أيام أبيه، إلى أن قتل كما ذكرناه في ترجمته، واستوزر الصاحب، واستولى على أموره، وحكمه في أمواله، ولم يزل على ذلك إلى أن آت مؤيد الدولة، وكان فخر الدولة أخو مؤيد الدولة، قد هرب من أخيه عضد الدولة، والتجأ بخراسان إلى السامانية، وهو وقابوس بن وشمكير، في أخبار يضيق كتابنا عنها، فنفذ الصاحب إليه وأحضره، وملكه البلاد، فأقر الصاحب على أمره، فأراد الصاحب اختباره، هل في نفسه عليه شئ، مما كان في أيام مؤيد الدولة؟ الذي أوجب هرب فخر الدولة، فاستعفاه من الخدمة والوزارة، فقال له فخر الدولة: لك في هذه الدولة من إرث الوزارة، كما لنا من إرث الإمارة، فسبيل كل واحد منا أن يحتفظ بحقه ولم يعفه، ولم يزل على أمره معه، إلى أن مات الصاحب، والأمور تصدر عن أمره، والملك يدبر برأيه، وكان إذا قال فخر الدولة قولا، وقال الصاحب قولا، امتثل قول الصاحب، وترك قول فخر الدولة.

وللصاحب أخبار حسان في مكارم الأخلاق، مع رقاعة كانت فيه، ووصفه الإمتاع فقال: كان الصاحب كثير المحفوظ، حاضر الجواب، فصيح اللسان قد نتف من كل أدب شيئا، وأخذ من كل فن طرفا، والغالب عليه كلام المتكلمين المعتزلة، وكتابته مهجنة بطرائقهم، ومناظرتهم مشوبة بعبارة الكتاب، وهو شديد التعصب على أهل الحكمة، والناظرين في أجزائها، كالهندسة، والطب، والتنجيم، والموسيقى، والمنطق، والعدد، وليس له من الجزء الإلاهى خبر والقوافى، ويقول الشعر، وليس بزال، وبديهته غزارة. وأما رويته فخوارة، وطالعه الجوزاء والشعرى، فقريته منه، ويتشبع بمذهب أبي حنيفة، ومقالة الزيدية، ولايرجع إلى التأله والرقة، والرأفة والرحمة، والناس كلهم يجمعون عنه لجراءته وسلاطته واقتداره وبطشته. شديد العقاب، طفيف الثواب، طويل العتاب، بذيء اللسان، يعطى كثيرا قليلا " يعطى الكثير القليل " مغلوب بحرارة الرأس، سريع الغضب، بعيد الفيئة قريب الطيرة، حسود حقود، وحسده وقف على أهل الفضل، وحقده سار إلى أهل الكفاية، أما الكتاب والمتصرفون فيخافون سطوته، وأما المنتجعون فيخافون جفوته. وقد قتل خلقا، وأهلك ناسا، ونفى أمة نخوة وبغيا، وتجبرا وزهوا ومع هذا يخدعه الصبي، ويخلبه الغبى. لأن المدخل عليه واسع، والمأتى إليه سهل، وذلك بأن يقال: " مولانا يتقدم بأن أعار شيئا من كلامه ورسائله، منظومة ومنثورة، فما جبت الارض إليه من فرغانة، ومصر، وتفليس، إلا لأستفيد كلامه، وأفصح به، وأتعلم به البلاغة: منه: لكأنما رسائل مولانا سور قرآن. وفقره آيات فرقان. واحتجاجه فى أثنائها برهان. فسبحان من جمع العالم في واحد.
وأبرز جميع قدرته في شخص، فيلين عند ذلك ويذوب، ويلهى عن كل مهم له، وينسى كل فريضة عليه، ويتقدم إلى الخازن، بأن يخرج إليه رسائله، مع الورق والورق، ويسهل الإذن عليه، والوصول إليه، والتمكن من مجلسه، فهذا هذا، ثم يعمل في أوقات كالعيد والفضل شعرا، ويدفعه إلى أبى عيسى بن المنجم، ويقول له: قد نحلتك هذه القصيدة، امدحني بها في جملة الشعراء، وكن الثالث من المنشدين، فيفعل ذلك أبو عيسى، وهو بغدادى محكك قد شاخ على الخدائع وتحنك، وينشد فيقول له عند سماعه شعره فى نفسه، ووصفه بلسانه، ومدحه من تجبيره، أعد يا أبا عيسى، فإنك والله مجيد زه يا أبا عيسى، قد صفا ذهنك، وجادت قريحتك وتنقحت قوافيك، ليس هذا من الطراز الاول حين أنشدتنا في العيد الماضي: المجالس تخرج الناس، وتهب لهم الذكاء، ويزيدهم الفطنة، وتحول الكودن عتيقا، والمحمر جوادا، ثم لايصرفه عن مجلسه إلا بجائزة سنية، وعطية هنية، ويغايظ الجماعة من الشعراء وغيرهم، لأنهم يعلمون أن أبا عيسى لايقرض مصراعا، ولايزن بيتا، ولايذوق عروضا.
قال يوما: من في الدار؟ فقيل له: أبو القاسم الكاتب وابن ثابت، فعمل في الحال بيتين، وقال لإنسان بين يديه: إذا أذنت لهذين، فادخل بعدهما بساعة، وقل قد قلت بيتين، فإن رسمت لي إنشادهما أنشدتهما، وازعم أنك بدهت بهما، ولاتجزع من تأففي بك، ولاتفزع من تكبرى عليك، ودفع البيتين إليه، وأمره بالخروج إلى صحن الدار، وأذن للرجلين حتى وصلا، فلما جلسا وأنسا، دخل الآخر على تفيئتهما ووقف للخدمة، وأخذ يتلمظ ير أنه يقرض شعرا، ثم قال يا مولانا: قد حضرنى بيتان، فإن أذنت أنشدت، قال له: أنت إنسان أخرق سخيف، لا تقول شيئا فيه خير، اكفني أمرك وشعرك، قال يا مولانا: هي بديهتي، وإن كسرتني ظلمتني، وعلى كل حال فاسمع، فإن كانا بارعين، وإلا فعاملني بما تحب، قال: أنت لحوح، هات، فأنشد:
يا أيها الصاحب تاج العلا ... لاتجعلني نزهة الشامت
بملحد يكنى أبا قاسم ... ومجبر يعزى إلى ثابت

فقال: قاتلك الله، لقد أحسنت وأنت مسيء قال لي أبو القاسم: وكدت أتفقا غيظا، لأني علمت أنها من فعلاته المعروفة، وكان ذلك الجاهل لا يقرض بيتا، ثم حدثنى الخادم الحديث يقضه والذى غلطه في نفسه، وحمله على الإعجاب بفضله، والاستبداد برأيه، أنه لم يجبه قط بتخطئة، ولا قوبل بتسوئة، لأنه نشأ على أن يقال: أصاب سيدنا، وصدق مولانا، - والله دره - ما رأينا مثله، من ابن عبد كان مضافا إليه؟ ومن ابن ثوابة نقيسه عليه؟ ومن إبراهيم بن العباس الصولى؟ من صريع الغواني؟ من أشجع السلمي؟ إذا سلكا طريقهما، قد استدرك مولانا على الخليل في العروض، وعلي أبى عمرو بن العلاء في اللغة، وعلي أبى يوسف في القضاء، وعلي الإسكافي في الوازنة، وعلي ابن نوبخت في الآراء والديانات، وعلي ابن مجاهد في القراءات، وعلي ابن جرير فى التفسير، وعلي أرسططاليس في المنطق، وعلي الكندى في الجدل، وعلي ابن سيرين في العبارة، وعلي أبى العيناء في البديهة، وعلي ابن أبى خالد في الخط، وعلي الجاحظ في الحيوان، وعلي سهل بن هارون في الفقر، وعلي يوحنا في الطب، وعلي ابن يزيد فى الفردوس، وعلي عيسى بن كعب في الرواية، وعلي الواقدى في الحفظ، وعلي النجار فى البدل، وعلي بنى ثوابة في التقنية، وعلي السري السقطي في الخطرات والوساوس، وعلى مزيد في النوادر، وعلى أبى الحسن العروضي في استخراج المعمي، وعلى بنى برمك في الجود، وعلى ذي الرياستين في التدبير، وعلى سطيح في الكهانة، وعلى أبى المحياة خالد بن سنان في دعواه، هو والله أولى بقول أبي شريح، أوس بن حجر التميمى، في فضالة بن كلدة أبى دليجة:
الألمعى الذى يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا
فتراه عند هذا الهذر وأشباهه، بتلوى ويبتسم، ويطير فرحا به وينقسم، ويقول: ولا كذى ثمرة السبق لهم، وقصدنا أن نلحقهم، أو نقفوا أثرهم، وهو في ذلك يتشاجى ويتحايك، ويلوى شدقه، ويبتلع ريقه، ويرد كالآخذ، ويأخذ كالمتمنع، ويغضب في عرض الرضا، ويرضى في لبوس الغضب، ويتهالك ويتمالك، ويتفاتك ويتمايل، ويحاكي المومسات، ويخرج في أصحاب السماجات، وهو مع هذا، يظن أنه خاف على نقاد الأخلاق، وجهابذة الإخوان. وقد أفسده أيضا ثقة صاحبه به، وتعويله عليه، وقلة سماعه من الناصح فيه، " وهو في الأصل محدود لاجرم بقلة مكان، دلالا ونزقا وعجبا، واندراء على الناس، وازدراء للصغار والكبار، وجبها للصادر والوارد، وفى الجملة: آفاته كثيرة، وذنوبه جمة، ولكن الغنى رب غفور:
ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير
وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير
ويقضيه الندى وتزدريه ... خليلته وينهره الصغير
وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه والذنب جم ... ولكن الغني رب غفور
قال: فكيف يتم له الأمور مع هذه الصفات؟ قلت: والله لو أن عجوزا بلهاء، أو أمة ورهاء، أقيمت مقامه، لكانت الأمور على هذا السياج، لأنه قد أمن أن يقال له: لم فعلت؟ ولم لم تفعل؟ وهذا باب لايتفق لأحد من خدم الملوك، إلا بجد سعيد، ولقد نصح صاحبه الهروي في أموال تاويه، وأمور من النظر جارية رفعت إليه، فقذف بالرقعة إليه، حتى عرف ما فيها، ثم قتل الرافع خنقا، هذا وهو يدين بالوعيد. وقال لي الثقة من أصحابه: ربما شرع في أمر يحكم فيه بالخطاء، فيقلبه جده صوابا، حتى كأنه عن وحي، وأسرار الله فى خلقه عند الارتفاع والانحطاط خفية، ولو جرت الأمور على موضوع الرأي، وقضية العقل، لكان معلما على مصطبة في شارع، أو في دار فإنه يحرج الإنسان بتفيهقه وتشادقه، واستحقاره واستكباره، وإعادته وإبدائه، وهذه أشكال تعجب الصبيان، ولا تنفرهم عن المعلمين، ويكون فرحهم به سببا للملازمة، والحرص على التعلم، والحفظ والرواية والدراسة.

هذا قول صاحب الإمتاع فيه، ومما وجدت في بعض الكتب من مكارم الأخلاق للصاحب: أنه استدعى يوما شرابا من شراب السكر، فجيء بقدم منه، فلما أراد شربه، قال له بعض خواصه: لا تشربه فإنه مسموم، فقال له: وما الشاهد على صحة ذلك؟ قال: بأن تجربه على من أعطاكه، قال: لا أستجيز ذلك ولا أستحله. قال: فجربه على دجاجة. قال: إن التمثيل بالحيوان لا يجوز، وأمر بصب ما في القدح، وقال للغلام: انصرف عنى، ولا تدخل دارى بعدها، وأقر رزقه عليه، وقال: لا تدفع اليقين بالشك. والعقوبة بقطع الرزق نذالة.
قال: ودخل إلى الصاحب رجل لا يعرفه، فقال له الصاحب: أبو من؟ فأنشد الرجل:
وتتفق الأسماء فى اللفظ والكنى ... كثيرا ولكن لا تلاقي الخلائق
فقال له: اجلس يأبا القاسم. وكان يقول لجلسائه: نحن بالنهار سلطان، وبالليل إخوان.
وحدث أبو الحسن النحوي قال: كان مكى المنشد، قديم الصحبة، فأساء إليه غير مرة: والصاحب يتجاوز له، فلما كثر ذلك منه، أمر الصاحب بحبسه، فحبس في دار الضرب، وكانت فى جواره، فاتفق أن الصاحب صعد يوما سطح داره، وأشرف على دار الضرب، فناداه مكى: " فاطلع فرآه فى سواء الجحيم " فضحك الصاحب وقال: " اخسئوا فيها ولاتكلمون " ثم أمر بإطلاقه.
ومن كتاب أخلاق الوزيرين لأبى حيان التوحيدى، قال المؤلف: أما خبر أبي حيان مع ابن عباد: فيذكر فى أخبار أبي حيان، وأما غيره: فإن أبا حيان، كان قصد ابن عباد إلى الري، فلم يرزق منه، فرجع عنه ذاما له، وكان أبو حيان مجبولا على الغرام بثلب الكرام، فاجتهد في الغض من ابن عباد، وكانت فضائل ابن عباد تأبى إلا أن تسوقه إلى المدح، وإيضاح مكارمه، فصار ذمه له مدحا، فمن ذلك أن قال، بعد أن فرغ من الاعتذار من التصدى لثلبه، قال: فأول ما أذكر من ذلك، ما أدل به على سعة كلامه، وفصاحة لسانه، وقوة جأشه، وشدة منته وإن كان فى فحواه ما يدل على رقاعته، وانتكاث مريرته، وضعف حوله، وركاكة عقله، وانحلال عقده، لما رجع من همذان سنة تسع وستين وثلاثمائة، بعد أن فارق حضرة عضد الدولة، استقبله من الري وما يليها، واجتمعوا بساوة، وكان قد أعد لكل واحد منهم كلاما يلقاه به عند رؤيته، فأول من دنا منه، القاضي أبو الحسن الهمذاني، من قرية يقال لها أسداباذ فقال له: أيها القاضى، ما فارقتك شوقا إليك، ولا فارقتني وجدا علي، ولقد مرت لي بعدك مجالس تقتضيك، وتخطيك وترضيك، ولو شهدتني بين أهلها، وقد علوتهم بتبياني ولساني، وجدلي وبرهاني، لأنشدت قول حسان بن ثابت في ابن عباس وهو:
إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه ... رأيت له في كل مجمعة فضلا
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لاترى بينها فصلا
كفى وشفى ما فى النفوس ولم يدع ... لذي إربة في القول جدا ولا هزلا
سموت إلى العلياء من غير خفة ... فنلت ذراها لا دنيا ولا وغلا
ولذكرت أيضا أيها القاضي قول الآخروأنشدته فإنه قال فيمن وقف موقفي، وقرف مقرفي وتصرف تصرفي، وانصرف منصرفي، واغترف مغترفي
إذا قال لم يترك مقالا ولم يقف ... لعي ولم يثن اللسان على هجر
يصرف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصقر
ولقد أودعت صدر عضد الدولة، ما يطيل التفافه إلى، ويكثر حسرته على، ولقد رأى مني ما لم ير قبله مثله، ولايرى بعده شكله، والحمد لله أوفدني عليه على ما يسر الولي، وأصدرني عنه على ما يسوء العدو، أيها القاضى: كيف الحال والنفس؟ وكيف المجلس والدرس؟ وكيف العرض والحرس وكيف الدس والعس؟ وكيف الفرس والمرس، وكاد لا يخرج من هذا الهذيان لتهيجه واحتدامه، وشدة خباله وغلوائه، والهمذانى مثل الفأرة بين يدي السنور، وقد تضاءل وقمؤ لا يصعد له نفس إلا بنزع تذللا وتقللا، هذا على كبره فى نفسه.

ثم نظر إلى الزعفرانى رئيس أصحاب الرأى فقال: أيها الشيخ، سرنى بقاؤك، وساءنى عناؤك، ولقد بلغنى عدواؤك، وما خيله إليك خيلاؤك، وأرجو ألا أعيش حتى يرد عليك غلواؤك، ماكان عندى أنك تقدم على ما أقدمت عليه، وتنتهى في عدوانك لأهل العدل والتوحيد إلى ما انتهت إليه، ولى معك إن شاء الله نهار له ليل، وليل يتبعه ليل، وثبور يتصل به ويل، وقطر يدفع ومعه سيل. " وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار " فقال له الزعفرانى: " حسبنا الله ونعم الوكيل " ، ثم أبصر أبا طاهر الحنفى، فقال: أيها الشيخ، ما أدرى، أشكوك، أم أشكو إليك، أما شكواى منك، فإنك لم تكاتبنى بحرف، كأنما لم نتلاحظ بطرف، ولم نتحافظ على إلف، ولم نتلاق على ظرف، وأما شكواى إليك، فإنى ذممت الناس بعدك، وذكرت لهم عهدك، وعرضت بينهم ودك، وقدحت عليهم زندك، ونشرت عليهم غرائب ما عندك، فاشتاقوا إليك بتشويقي، واستصفوك بترويقي، وأثنوا بتنميقي وتزويقي، وهكذا عمل الأحباب، إذا نأت بهم الركاب، والتوت دونهم الأعناق واظطربت في صدورهم نار الاشتياق، فالحمد لله الذى أعاد الشعب ملتئما، والشمل منتظما، والقلوب وادعة، والأهواء جامعة، حمدا بالمزيد، على عادة السادة مع العبيد، عند كل قريب وبعيد.
ثم التفت إلى ابن القطان القزويني الحنفي، وكان من ظرفاء العلماء، فقال: كذب أيها الشيخ: أحلم بك فى اليقظة، وأشتمل عليك دون الحفظة، لأنك قد ملكت مني غاية المكانة والحظة، والله ما أسغت بعدك ريقا إلا على جرض ولا سلكت دونك طريقا إلا على مضض، ولا وجدت للظرف سوقا إلا بالعرض. سقى الله ربعا أنت أشدته بنزاهتك، وطبعا أنت أطبته ببراعتك، ومغرسا أنت أينعته بنباهتك.
وقال للعيساباذي: أيها القاضي، أيسرك أن أشتاقك وتسلو عني، وأن أسأل عنك وتنسل مني، وأن أكاتبك فتتغافل، وأطالبك بالجواب فتتكاسل، وهذا ما لا أحتمله من صاحب خراسان، ولا يطمع فى مثله مني ملك بني ساسان، متى كنت منديلا ليد، ومتى نزلت على هذا الحد لأحد، إن انكفأت على بالعذر انكفاء، وإلا اندرأت عليك بالعذل انذراء، ثم لا يكون لك فرار بحال، ولا يبقى لك بمكانى استكبار، إلا على وبال وخيال، ثم طلع أبو طالب العلوي فقال: أيها الشريف، جعلت حسناتك عندي سيئات، ثم أضفت إليها هنات، ولم تفكر في ماض ولا آت، أضعت العهد، وأخلفت الوعد، وحققت النحس، وأبطلت السعد، وحلت سرابا للحيران، بعد ما كنت شرابا للحران، وظننت أنك قد شبعت مني واعتضت عني، هيهات وأنى بمثلي، أو من يعثر في ذبلي، أو له نهار كنهاري. أو ليل كليلي:
وهل عائض مني ... وإن جل عائض
أنا واحد هذا العالم، ... وأنت بما تسمع عالم، لا إله إلا الله، سبحان الله.
أيها الشريف، أين الحق الذي وكدناه أيام كادت الشمس تزول، والزمان علينا يصول، وأنا أقول، وأنت تقول والحال بيننا يحول، - سقى الله - ليلة تشبيعك وتوديعك، وأنت متنكر تنكرا يسوء الموالى، وأنا متفكر تفكرا يسوء العدو، ونحن متوجهون إلى ورامين، خوفا من ذلك الجاهل المهين، يعني بالجاهل المهين ذا الكفايتين، حين أخرجه من الري، بعد أن ألب عليه، وكاد أن يأتي على نفسه الخبيثة، وهو حديث له فرش، وما أنا بصدده، يمنع من اقتضائه، ولعله يأتى فيما بعد " .
ثم نظر إلى أبي محمد كاتب الشروط فقال: أيها الشيخ، الحمد لله الذى كفانا شرك، ووقانا عرك وضرك، وأنآنا فيحك وحرك، دببت الضر إلينا، ومشيت الجمر علينا، ونحن نحيس لك الحيس، وأنت في خلال ذلك تقابلنا بالويح والويس، لو لا أنك قرحان، لسقط بك العشاء على سرحان.
وقال لابن أبي خراسان الفقيه الشافعي: أيها الشيخ، ألغيت ذكرنا عن لسانك، واستمررت على الخلوة بإنسانك، جاريا على نسيانك، مشتهرا بفتيانك وافتتانك، غير عاطف على أخدانك وإخوانك، لو لا أنني أرعى قديما قد أضعته، وأعطيك من رعايتي ما قد منعته، لكان لي ولك حديث، إما طيب وإما خبيث، خلفتك محتسبا، فخلفت مكتسبا، وتركتك آمرا بالمعروف، فلحقتك راكبا للمنكر، قد تفيل الرأى، وتخيب الظن، وتكذب الأمل. وقد قال الأول:
ألا رب من تغتشه لك ناصح ... ومؤتمن بالغيب وهو ظنين
ثم نظر إلى الشادباشى فقال: يا أبا على، كيف أنت؟ وكيف كنت؟ فقال يا مولانا:

لاكنت إن كنت أدري كيف كنت ولا ... لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكن
فقال: أعرب يا ساقط، يا هابط، يا من تذهب إلى الحائط بالغائط، ليس هذا من تحت يدك، ولا هو مما نشأ من عندك، هذا لمحمد بن عبد الله بن طاهر، وأوله:
كتبت تسأل عني كيف كنت يوما ... لاقيت بعدك من هم ومن حزن
لا كنت إن كنت أدري كيف كنت ولا ... لا كنت إن كنت أدرى كيف لم أكن
وكان ينشد وهو يلوى رقبته وتجحظ حدمته، وينزى أطراف منكبيه، ويتشفا ويتمايل كأنه لدى يتخبطه الشيطان من المس ثم قال يا أبا علي: لا تعود على أبر فى سراويل، لا ابر إلا ابر تمضي تحت عنقك فإنك إن عولت على ذلك شانك وخانك، وفضح حالك ومانك.
ثم نظر إلى غلام قد بقل وجهه، كان يتهم به على الوجه الأقبح، فالتوى وتقلقل، وقال: ادن منى يا بني، كيف كنت؟ ولم حملت نفسك على هذا العناء، وجهك هذا الحسن لايتبذل للشحوب، ولا يعرض للفحات الشمس بين الطلوع إلى الغروب. أنت تحب أن تكون بدلة بين حجلة وكلة. تزاح بك العلة، وتغلى بك القلة وتشفى منك الغلة هذا آخر حديث الاستقبال.
قال أبو حيان: ودخل يوما دار الإمارة، الفيرزان المجوسي في شيء خاطبه به فقال له: إنما أنت محش مجش مخش، لا تهش ولا تبش ولا تمتش، فقال الفيرزان: أيها الصاحب، برئت من النارإن كنت أدرى ما تقول، فإن العرض لك. والنفس لك فداء، لست من الزنج ولا من البربر، كلمنا على العادة التي عليها العمل، والله ما هذا من لغة آبائك الفرس، ولا من أهل دينك من أهل السواد، وقد خالطنا الناس، وما سمعنا منهم هذا النمط فقام مغضبا.
قال: وكان ابن عباد يقول للإنسان إذا قدم عليه من أهل العلم: يا أخي تكلم واستأنس، واقترح وانبسط، ولاتدع واحسبني في جوف مربعة، ولا بروعك هذا الحشم والخدم، والغاشية وهذه المرتبة والمصطبة، وهذا الطاق والرواق، وهذه المجالس والطنافس، فإن سلطان العلم فوق سلطان الولاية، فليفرج روعك، ولينعم بالك، وقل ما شئت، وأبصر ما أردت، فلست تجد عندنا إلا الإنصاف والإسعاف، والإسعاف، والإتحاف والإطراف، والمواهبة والمقاربة، والمؤانسة والمقابسة، وقد كان يحفظ ما كان يهذي به في هذا وفي غيره، ويجزي في هذا الميدان فيطيل، حتى إذا استوفى ما عند ذلك الإنسان بهذه الزخارف والحيل، وصار الرجل معه في حدوده على مذهب الثقة، فحاجه وضايقه وسابقه، ووضع يده على النكتة الفاصلة، والأمر القاط تنمر له، وتغير عليه، ثم قال يا غلام: خذ بيد هذا الكلب إلى الحبس، وضعه فيه، بعد أن تصب على كاهله وظهره وجنبيه، خمسمائة سوط وعصا، فإنه معاند ضد، يحتاج أن يشد بالقد ساقط هابط، كلب وقاح، أعجبه صبرى، وغره حلمى، ولقد أخلف طنى، وعدت على نفسى باللائمة وبالتوبيخ، وما خلق الله العصا باطلا. فيقام ذلك البائس على هذه الحالة، وليس الخبر كالعيان، من لم يحضر ذلك المجلس، لم ير منظرا رفيعا، ورجلا رقيعا. قال: وكان أبو الفضل بن العميد إذا رآه قال: أحسب أن عينيه ركبتا من زئبق، وعنقه عمل بلولب، وصدق، فإنه كان ظريف التثني والتلوي، شديد التفكك والتفتل، كثير التعوج والتموج، في شكل المرأة المومسة، والفاجرة الماجنة.
قال وحدثني الجراباذى الكاتب أبو بكر، وكان كاتب داره، قال: يبلغ من سخنة عين صاحبنا، أنه لا يسكت عما لا يعرف، ولا يسالم نفسه فيما لا يفي به، وإن احتال وموه، جاز ذلك وخفى واستتر، ولا يعلم أن ذلك الإحتيال، طريق إلى الإغراء بمعرفة الحال، وصدق القائل: " كاد المريب يقول خذوني " . قلت: وما الذي حداك على هذه المقدمة؟ قال: قال لي فى بعض هذه الأيام، أرفع حسابك، فقد أخرته وقصرت فيه، وانتهزت سكوتى وشغلى بأمر الملك، وسياسة الأولياء والجند، والرعايا والمدن، وما على من أعباء الدولة، وحفظ البيضة، ومشارفة الأطراف النائية والدانية، باللسان والعلم، والرأى والتدبير، والبسط والقبض، والتتبع والتقصى وما على قلبى من الفكر في الأموال الظاهرة والغامضة، وهذا باب لعمري مطمع، وإمساكى عنه مغر بالفساد مولع، فبادر - عافاك الله - إلى عمل حساب بتفصيل باب باب، يبين فيه أمر داري، وما دخل عليه أمر دخلي وخرجي. قلت له: هذا كله لسبب قوله: هات حسابك بما نراعيه؟ فقال: إى والله، ولقد كان أكثر من هذا، ولقد اختصرته.

قال أبو بكر: فتفردت أياما، وحررت الحساب على قاعدته وأصله، والرسم الذى هو معروف بين أهله، وحملته إليه، فأخذه من يدي، وأمر عينيه فيه، من غير تثبيت أو فحص، أو مسألة، فحذف به إلى وقال: أهذا حساب؟ أهذا كتاب؟ أهذا تحرير؟ أهذا تقرير؟ أهذا تفصيل؟ أهذا تحصيل؟ والله لولا أنى ربيتك فى دارى، وشغلت بتخريجك ليلى ونهارى، ولك حرمه الصبا، ويلزمنى رعاية الأبا، لأطعمتك هذا الطومار، وأحرقتك بالنفط والقار، وأدبت بك كل كاتب، وحاسب، وجعلتك مثله لكل شاهد وغائب، أمثلى يموه عليه؟ ويطمع فيما لديه؟ وأنا خلقت الحسابة والكتابة، والله ما أنام ليلة، إلا وأحصل فى نفسى ارتفاع العراق، ودخل الآفاق، أغرك منى أنى أجررت رسنك، وأخفيت قبيحك، وأبديت حسنك؟ غير الذى رفعت، واعرف قبل وبعد ما صنعت، واعلم أنك من الآجرة قد رجعت، فزد فى صلانك وصدقتك، ولا تعول على قحتك وصلابة حدقتك، قال: فو الله ما هالنى كلامه، ولا أحاك في هذيانه، لأني كنت أعلم جهله في الحساب، ونقضه في هذا الباب، فذهبت وأفسدت، وأخرت وقدمت، وكابرت وتعمدت، ثم رددته غليه، فنظر فيه، وضحك في وجهي وقال: أحسنت - بارك الله عليك - ، هكذا أردت، وهذا بعينه ما طلبت، لو تغافلت عنك في أول الأمر، لما تيقظت في الثاني، فهذا كما ترى، فاعجب منه كيف شئت.
قال أبو حيان: ومن رقاعته أيضا، سمعته يقول: وقد جرى حديث الأبهري المتكلم، وكان يكنى أبا سعيد، فقال: - لعن الله - ذاك الملعون المأبون المأفون، جاءني بوجه مكلح، وأنف مفلطح، ورأس مسح، وسرم مفتح، ولسان مكبح، فكلمني في مسألة الأصلح، فقلت له: اعزب، عليك لعنة الله لقيت الأبرح، الذي يلزم ولا يبرح.
وشتم يوما رجلا فقال - لعن الله - هذا الأهوج الأعوج الأفلج الأفحج الذى إذا قام تخلج، وإذا مشى تدحرج، وإن عدا تفجفج قال أبو حيان: بالله يا أصحابنا حدثونى، أهذا عقل رئيس، أم بلاغة كاتب أم كلام متماسك، لم تجنون به، وتتهالكون عليه، وتغيظون أهل الفضل به؟؟؟ هل هناك إلا الجد الذى يرفع من هو أنذل منه، ويوقع من هو أرفع منه. ولقد حدثت هذا الحديث أبا السلم الشاعر، فأنشدني لشاعر:
سبحان من أنزل الدنيا منازلها ... وميز الناس مشنوءا وموموقا
فعاقل فطن أعيت مذاهبه ... وجاهل خرق تلقاه مرزوقا
كأنه من خليج البحر مغترف ... ولم يكن بارتزاق القوت محقوقا
هذا الذى ترك الألباب حائرة ... وصير العاقل النحرير زنديقا
قال: وكان كلفه بالسجع في الكلام والقول، عند الجد والهزل، يزيد على كلف كل من رأيناه في هذه البلاد. قلت لابن المسيبى: أين يبلغ ابن عباد في عشقه للسجع؟ قال: يبلغ به ذلك، لو أنه رأى سجعة ينحل بموقعها عروة الملك، ويضطرب بها حبل الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غرام ثقيل، وكلفة صعبة، وتجشم أمور، وركوب أهوال، لما كان يخف عليه أن يفرج عنها ويخليها، بل يأتى بها ويستعملها، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها.
قال: وقلت للخليلي، أما كان ابن العميد يسمع كلامه؟ قال: بلى، وكان يقول: سجعه يدل على الخلاعة والمجانة. وخطه يدل على الشلل والزمانة وصياحه يدل على أنه قد خلب بالقمار فى الحانة، وهو أحمق الطبع إلا أنه طيب قلت للخليلي: فهل عرفت طالعه؟ فقال: حدثني بعض أصحابنا منهم الهروي، أن طالعه الجوزراء والشعري اليمانية " كط " وكان زحل في الحادى عشر في الحمل " كز " والقمر فيه " يط " والشمس فى السنبلة " كد " والمريخ فى العقرب " ن " ومنهم السعادة فى القوس " يد " ومنهم الغيب قى الجدى " يز " والرأس فى الثالث من الأسد " يا " قال: وخفى على عطارد وذكر أنه ولد سنة ست وعشرين وثلاثمائة، من الهجرة لأربع عشرة ليلة من ذى العقدة، " رونسروش " من " ماه شهرير " قلت: وأين ولد؟ قال: كان عندنا أنه ولد بطالقان، وقال لنا يوما باصطخر: وقال غير الخليلى: كان عطارد فى السنبلة " ط ى " .

قال أبو حيان: كنت بالرى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وابن عباد بها مع مؤيد الدولة، قد ورد فى مهمات وحوائج، وعقد لابن عباد مجلس جدل، وكنا نبيت عنده في داره، في باب شير، ومعنا الضرير أبو العباس القاضى، وأبو الجوزاء البرقي، وأبو عبد الله النحوي الزعفراني، وجماعة من الغرباء، فرأى ليلة في مجلسه وجها غريبا صاحب مرقعة، فأحب أن يعرفه ويعرف ما عنده، وكان الشاب من أهل سمرقند، يعرف بأبى واقد الكرابيسي، فقال له: يا أخ انبسط واستأنس، وتكلم فلك منا جانب وطئ وشرب مرئ، ولن ترى إلا البر، بم تعرف فقال: بدقاق، قال: تدق ماذا؟ قال: أدق الخصم إذا زاغ عن سبيل الحق، فلما سمع هذا تنكر وعجب، لأنه فجئ ببذيئة، فقال: دع هذا وتكلم، قال: أتكلم سائلا؟ ما بى والله حاجة إلى مسألة، أم أتكلم مسئولا؟ فو الله إنى لأكسل عن الجواب، أم أتكلم مقررا؟ فو الله إنى لأكره أن أبدد الدر في غير موضعه، وإني لكما قال الأول:
لقد عجمتنى العاجمات فلم تجد ... هلوعا ولا لين المجسة في العجم
وكاشفت أقواما فأبديت وصمهم ... وما للأعادي في قناتى من وصم
قال له يا هذا: ما مذهبك؟ قال: مذهبي ألا أقر على الضيم، ولا أنام على الهون، ولا أعطى صمتى لمن لم يكن ولى نعمتي، ولم تصل عصمته بعصمتي. قال: هذا مذهب حسن، ومن ذا الذى يأتى الضيم طائعا؟ ويركب الهون سامعا؟ ولكن ما نحلتك التى تنصرها؟ قال: أنادى عليها فى سوق، ولا أعرضها على شاك ولا أجادل فيها المؤمن، قال: فما تقول في القرآن؟ قال: ما أقول في كلام رب العالمين، الذى يعجز عنه الخلق، إذا أرادوا الاطلاع على غيبته، وبحثوا عن خافي سره، وعجائب حكمته، فكيف إذا حاولوا مقابلته بمثله!! وليس له مثل مظنون، فضلا عن مثل متيقن، فقال له ابن عباد: صدقت، ولكن أمخلوق أم غير مخلوق؟ فقال: إن كان مخلوقا كما يزعم خصمك، فما يضرك، فقال يا هذا: أبهذا تناظر فى دين الله؟ وتقوم على عبادة الله؟ قال: إن كان كلام الله نفعنى إيماني به، وعملي بمحكمه، وتسليمي لمتشابهه، وإن كان كلام غيره وحاش لله من ذلك، ما ضرني فأمسك عنه ابن عباد وهو مغيظ، ثم قال: أنت لم تخرج من خراسان بعد، فمكث الرجل ساعة ثم نهض، فقال له ابن عباد: إلى أين يا هذا؟ قد تكسر الليل، بت ههنا، فقال: " أنا بعد لم أخرج من خراسان " كيف أبيت بالرى، وخرج فارتاب به ابن عباد، فقفاه بصاحب له، وأوصاه بأن يتبع خطاه، ويبلغ مداه، من حيث لا يفطن له ولا يراه، فما زاغ الرجل عن باب ركن الدولة، حتى وصل ودخل فى ذلك الوقت الفائت إليه، فقيل لابن عباد ذلك، فطار نومه وقال: أى شيطان هبط علينا، وأحصى ما كنا فيه بلسان سليط، وطبع مريد، وكان هذا الكرابيسي عينا لركن الدولة بخراسان، فلذلك كان قريبا، وكان أحد رجالاته.
ومما يدل على ولوع ابن عباد بالسجع، ومجاوزته الحد فيه بالإفراط، قوله يوما: " حدثنى أن ناش. وكان من سادة الناش " جعل السين شينا، ومر في هذا الحديث وقال: هذه لغة، وكذب وكان كذوبا.
وقال ابن عباد لشيخ من خراسان فى شئ جرى: والله لولا شئ لقطعتك تقطيعا، وبضعتك تبضيعا، ووزعتك توزيعا، ومزعتك تمزيعا، وجزعتك تجزيعا، وأدخلتك فى خزائنك، ثم وقف ساعة، ثم قال جميعا، قال: وملح هذه الحكاية ينبتر في الكتابة، وطربها ينقض في الرواية دون مشاهدة الحال، وسماع اللفظ، وملاحة الشكل، والتثني، والترنح والتهادي، ومد اليد، ولي العنق، وهز الرأس والأكتاف، واستعمال الأعضاء والمفاصل.
قال: وحدثنا ابن عباد يوما قال: ما أفظعني إلا شاب ورد علينا إلى أصبهان بغدادي، فقصدني فأذنت له، وكان عليه مرقعة وفي رجليه نعل طاق، فنظرت إلى حاجبى، فقال له وهو يصعد إلي: اخلع نعلك، فقال: ولم؟ ولعلي أحتاج إليها بعد ساعة، فغلبني الضحك، وقلت: أتراه يريد أن يصفعني؟.

قال أبو حيان: وقال لى علي بن الحسن الكاتب: هجرني في بعض الأيام هجرا أضر بي، وكشف مستور حالي وذهب على أمرى، ولم أهتد إلى وجه حيلة فى مصلحتي، وورد المهرجان، فدخلت عليه في غمار الناس، فلما أنشد نوبتين تقدمت فلم يهش لي، ولم ينظر إلى، وكنت ضمنت أبياتي بيتا له من قصيدة على روى قصيدتى، فلما مر به البيت، هب من كسله، ونظر إلى كالمنكر على، فطأطأت رأسى، وقلت بصوت خفيض، لا تلم ولا تزد فى القرحة، فما على محمل، وإنما سرقت هذا من قافيتك، لأزين به قافيتى، وأنت بحمد الله تجود بكل علق ثمين، وتهب كل در مكنون، أتراك تشاحني على هذا القدر، وتفضحني فى هذا المشهد، فرفع رأسه وصوته وقال: يابني أعد هذا البيت، فأعدته، فقال: أحسنت يا هذا، ارجع إلى أول قصيدتك، فقد سهونا عنك، وطار الفكر بنا إلى شأن آخر، والدنيا مشغلة، وصار ذلك ظلما بغير قصد منا ولا تعمد: قال: فأعدتها وأمررتها، وفغرت فمي بقوافيها، فلما بلغت آخرها قال: أحسنت، الزم هذا الفن، فإنه حسن الديباجة، وكأن البحتري استخلفك، وأكثر بحضرتنا، وارتفع بخدمتنا، وابذل نفسك في طاعتنا، نكن من وراء مصالحك، بأداء حقك، والجذب بضبعك، والزيادة في قدرك على أقرانك.
قال: فلم أر بعد ذلك إلا الخير، حتى عراه نوك آخر، فوضعني في الحبس سنة، وجمع كتبي وأحرقها بالنار، وفيها كتب الفراء، والكسائي، ومصاحف القرآن، وأصول كثيرة في الفقه والكلام، فلم يميزها من كتب الأوائل، وأمر بطرح فيها من غير تثبيت، بل لفرط جهله، وشدة نزقه، فهلا طرح النار فى خزانته، وفيها كتب ابن الرواندى، وكلام ابن أبى العرجاء في معارضة القرآن بزعمه، وصالح بن عبد القدوس أبي سعيد الحصيري، وكتب أرسططاليس، وغير ذلك، ولكن من شاء حمق نفسه.
قال أبو حيان: وحدثني محمد بن المرزباني قال: كنا بين يديه ليلة فنعس، وأخذ إنسان يقرأ الصافات، فاتفق أن بعض هؤلاء الأجلاف من أهل ما وراء النهر، نعس أيضا، وضرط ضرطة منكرة، فانتبه وقال: يا أصحابنا، نمنا على والصافات، وانتهينا على والمراسلات، وهذا من نوادره وملحه.
وحدثنى أيضا قال: انفلتت ليلة أخرى ضرطة من بعض الحاضرين وهو في الجدل، فقال على حدته: كانت بيعة أبي بكر، خذوا فيما أنتم فيه، يعنى فلتة، لأنه قيل في بيعة أبي بكر: كانت فلتة.
قال: وقال قوم من أهل أصبهان لابن عباد، لو كان القرآن مخلوقا لجاز أن يموت، ولو مات القرآن فى آخر شعبان، بماذا كنا نصلي التراويح في رمضان؟ قال: لو مات القرآن، كان رمضان يموت أيضا، ويقول: لا حياة لي بعدك، ولانصلي التراويح ونستريح.
قال أبو حيان: واسمع ما هو أعجب من هذا، ناظر بالري اليهودي رأس الجالوت في إعجاز القرآن، فراجعه اليهودي فيه طويلا، وماتنه قليلا، وتنكر عليه حتى احتد، وكاد يتقد، فلما علم أنه قد سجر تنوره، وأسعط أنفه، احتال طلبا لمخادعته، ورفقا به في مخاتلته، فقال أيها الصاحب: فلم تتقد وتستشيط؟ وتلتهب وتختلط؟ كيف يكون القرآن عندى آية، ودلالة ومعجزة، من جهة نظمه وتأليفه؟ فإن كان النظم والتأليف بديعين، وكان البلغاء فيما تدعى عنه عاجزين، وله مذعنين، فهأنا أصدق عن نفسه، وأقول ما عندي: إن رسائلك وكلامك، وفقرك وماتؤلفه، وتباده به نظما ونثرا، هو فوق ذلك، أو مثل ذلك، وقريب منه، وعلى كل حال، فليس يظهر لى أنه دونه، وأن ذلك سيستعلى عليه بوجه من وجوه الكلام، أو بمرتبة من مراتب البلاغة، فلما سمع ابن عباد هذا فتر وخمد، وسكن عن حركته، وانحمص ورمه به، وقال: ولا هكذا ياشيخ: كلامنا حسن وبليغ، وقد أخذ من الجزالة حظا وافرا، ومن البيان نصيبا ظاهرا، ولكن القرآن له المزية التى لا تجهل، والشرف الذى لا يخمل، وأين ما خلقه الله على أثم حسن وبهاء، مما يخلقه العبد بطلب وتكلف، هذا كله يقوله، وقد خبا حميه، وتراجع مزاجه، وصارت ناره رمادا، مع إعجاب شديد قد شاع فى أعطافه، وفرح غالب قد دب فى أسارير وجهه، لأنه رأى كلامه شبيها بالقرآن، لدى اليهود وأهل الملل.
وقال بعض الشعراء فى ابن عباد يذم سجعه، وخطه وعقله:
متقلب كافى الكفاة وإنما ... هو في الحقيقة كافر الكفار
السجع سجع مهوس والخط خطط ... منقرس والعقل عقل حمار

وكان ذو الكفايتين ابن العميد يقول: خرج ابن عباد من عندنا من الرى، متوجها إلى أصفهان، ومنزله ورامين، وهى قرية كالمدينة، فجاوزها إلى قرية غامرة وماء ملح، لا لشيء إلا لكتب إلينا " كتابي هذا من النوبهار، يوم السبت نصف النهار " .
قال أبو حيان: وكان ابن عباد يروى لأبي الفضل بن العميد كلاما في رقعة إليه، حين استكتبه لمؤيد الدولة، وهو: " بسم الله الرحمن الرحيم " مولاي: وإن كان سيدا بهرتنا نفاسته، وابن صاحب تقدمت علينا رياسته. فإنه يعدنى سيدا ووالدا،. كما أعده ولدا واحدا. ومن حق ذلك، أن يعضد رأيى برأيه، ليزداد استحكاما، ونتظاهر عقدا وإبراما.
وحضرت اليوم مجلس مولانا ركن الدين، ففاوضني ما جرى بينه وبين مولاى طويلا، ووصل به كلاما بسيطا، وأطلعنى على أن مولاى، لا يزيد بعد الاستقصاء والاستيفاء، على التقصي والاستعفاء، وألزم عبده أن أكره مولاي إكراها في المسألة، وأجبره إجبارا في الطلبة، علما بأنه إن دافع المجلس المعمور طلبا للتحرز، لم يرد وساطتي أخذا بالتطول، وأقول بعد أن أقدم مقدمة: مولاي غنى عن هذا العمل بتصونه، وتصلفه وعزوفه، وبهمته عن التكثر بالمال وتحصيله، لكن العمل فقير إلى كفايته، محتاج إلى كفالته، وما أقول: إن مرادي ما يعقد من حساب، وينشأ من كتاب، ويستظهر به من جمع، وبذر ومن عطاء ومنع، فكل ذلك وإن كان مقصودا، وفى آلات الوزارة معدودا، ففى كتاب مولاي من يفي به ويستوفيه، ويوفي عليه ما يسر مساعيه، ولكن ولي النعمة يريده لتهذيب ولده، ومن هو ولي عهده من بعده، والمأمول ليومه وغده، - أدام الله أيامه - وبلغه فيه مرامه، ولا بد وإن كان الجوهر كريما، والسنخ قديما. والمجد صميما، ومركب العقل سليما، من ينوب مناب من تعلم ما السياسة؟ وما الرياسة؟ وكيف تدبير العامة والخاصة؟ وبماذا تعقد المهابة؟ ومن أين تجلب الأصالة والإصابة؟ وكيف ترتب المراتب، ويعالج الخطب إذا ضاقت المذاهب؟ وتعصى الشهوة لتحرس الحشمة، وتهجر اللذة لتحفظ الإمرة، ولا بد من محتشم يقوم في وجه صاحبه، فيرده إذا بدر منه الرأى المنقلب. ويراجعه إذا جمع به اللجاج المرتكب. ويعاوده إذا ملكه الغضب الملتهب. فلم يكن السبب في أن أفسدت ممالك جمة، وبلدان عدة، إلا أن خفضت أقدار الوزارة، فانقبضت أطراف الإمارة، وليس يفسد على ما أرى بقية الأرض، إلا إذا استعين بأذناب على هذا الأمر، فلا يبخلن مولاي على ولى نعمته، بفضل معرفته، فمن هذه الدولة، جرى ما فضله، وفضل الشيخ الأمين من قبله، وإن كان مسموعا كلامي، وموثوقا باهتمامي، فلا يقعن انقباض عني، وإعراض عما سبق مني. ومولاي محكم الإجابة إلى العمل فيما يقترحه، وغير مراجع فيما يشترطه، وهذا خطى به، وهو على ولي النعمة، حجة لايبقى معها شبهة، وسأتبع هذه المخاطبة بالمشافهة، إما بحضورى لديه، أو بتجشمه إلى هذا العليل الذى قد ألح النقرس عليه. وكان ابن عباد يحفظ هذه النسخة، ويرويها ويفتخر بها.
قال أبو حيان: وقال لي أصحابنا بالري، منهم أبو غالب الكاتب الأعرج، إن هذه المخاطبة من كلام ابن عباد، افتعلها عن ابن العميد إلى نفسه، تشيعا بها، ونفاقا بذكرها.
قال: وكان ابن عباد ورد الري سنة ثمان وخمسين، مع مؤيد الدولة، وحضر مجلس ابن العميد، وجرى بينه وبين مسكويه كلام، ووقع تجاذب، فقال مسكويه: فدعني حتى أتكلم، ليس هذا نصفة إذا أردت ألا أتكلم، فدع على فمي مخدة فقال الصاحب: بل أدع فمك على المخدة، وطارت النادرة ولصقت، وشاعت بين الناس وبقيت.
قال: ودخل الناس في مذهب ابن عباد، فقالوا بقوله، رغبة فيما لديه، واجتهد بالحسين المتكلم الكلابى، أن ينتقل إلى مذهبه، فقال الحسين: دعني أيها الصاحب أكن مستحدا لك، فما بقي غيري، فإن دخلت في المذهب، لم يبق بين يديك، من ينبو عليك قبيحه، ويبدو للناس عواره، فضحك وقال: قد أعفيناك يا أبا عبد الله. " وبعد " فما نبخل عليك بنارجهنم، أصل بها كيف شئت. قال لنا الحسين بعد ذلك: أترانى أصلى بنار جهنم، وعقيدتى وسريرتى معروفتان، ويتبوأ هو الجنة مع قتل النفس المحرمة، وركوب المحظورات العظيمة، وإن ظنه بنفسه لعجب، - لحي الله الوقاح - وقال يوما صدر قول الشاعر:
والمورد العذب كثير الزحام
فسكتت الجماعة، فقال ابن الداري:
يزدحم الناس على بابه

فأقبل عليه بغيظ وقال: ما عرفتك إلا متعجرفا جاهلا، أما كان لك بالجماعة أسوة.
قلت لأبى السلم نجبة بن علي القحطاني الشاعر: أين ابن عباد من ابن العميد؟ فقال: زرتهما منتجعا وزرتهما جميعا، فكان ابن العميد أعقل، وكان يدعي الكرم، وابن عباد أكرم، ويدعي العقل، وهما في دعواهما كاذبان، وعلى سجيتهما جاريان.
أنشدت يوما على باب ذاك قول الشاعر:
إذا لم يكن للمرء في ظل دولة ... جمال ولا مال تمنى انتقالها
وما ذاك من بغض لها غير أنه ... يؤمل أخرى فهو يرجو زوالها
فرفع إليه إنشادي، فأخذنى وأوعدني، وقال: انج بنفسك، فإنى إن رأيتك بعد هذا، أولغت الكلاب دمك، وكنت قاعدا على باب هذا منذ أيام، فأنشدت البيتين على سهو، فرفع الحديث إليه، فدعاني ووهب لى دريهمات وخريقات، وقال: لا تتمن انتقال دولتنا بعد هذا.
قال أبو السلم: هذا من أعذر الناس في الشعر، يحفظ الطم والرم، وقال الخليلي: الرجل مجنون " يعنى ابن عباد " في طباع المعلمين، سمعته يقول للتميمي الشاعر: كيف تقول الشعر؟ وإن قلت كيف تجيد؟ وإن أجدت فكيف تغرز؟ وإن غزرت فكيف تروم غاية، وأنت لا تعرفما الزهزيق، وما الهبلع، وما العثلط، وما الجلعلع، وما القهقب، وما القهبلس، وما الخلبوس، وما الخزعبلة، وما القذعملة، وما العمروط، وما الجرفاس، وما اللئوس، وما النعشل، وما الطريال، وما الفرق بين العرم، والردم، والحدم، والحذم، والقضم، والخضم، والنضح، والرضح، والفصم، والقصم، والقصع، والفصع، وما العبنقس، وما العلنكس، وما الوكال، والزومل، ومالخيعثور، واليستعور، وما الشنعوف، وما الخذروف، وما الحلزون، وما القفندد، وما الجمعليل: قال الشاعر:
جاءت بخف وحنين ورحل ... جاءت تمشى وهى قدام الإبل
مشى الجمعليلة بالخرق النقل قال: ورأيت بعض الجهال يصحف ويقول: وحنين وزجل، قلت للخليلى من عنى بهذا؟ قال ابن فارس: معلم ابن العميد أبي الفتح، قال الخليلى: فهذا الضرب من الكلام يجب أن يفتخر بمثله، ويترقق به، إنك يا أبا حيان، لو رأيته يمشى وهو يهذي بهذا وشبهه، ويتفيهق ويلوي شدقيه عليه، ويقذف بالبصاق على أهل المجلس، لحمدت الله على العافية مما يلي هذا الرجل به، " وبعد " فما بين الشاعر وهذا الضرب؟ الشاعر يطلب لفظا حرا، ومعنى بديعا، ونظما حلوا، وكلمة رشيقة، ومثلا سهلا، ووزنا مقبولا.
قال أبو حيان: عندما قارب الفراغ من كتابه في أخلاق الوزيرين، ولو لا هذين الرجلين أعنى ابن عباد، وابن العميد، كانا كبيرى زمانهما، وإليهما انتهت الأمور، وعليهما طلعت شمس الفضل، وبهما ازدانت الدنيا، وكانا بحيث ينشر الحسن منهما نشرا، والقبيح يؤثر عنهما أثرا، لكنت لا أتسكع فى حديثهما هذا التسكع، ولا أنحى عليهما بهذا الحد، ولكن النقص ممن يدعي التمام أشنع، والحرمان من السيد المأمول فاقرة، والجهل من العالم منكر، والكبيرة ممن يدعى العصمة جائحة والبخل ممن يتبرأ منه بدعواه عجيب.
ولو أردت مع هذا كله، أن تجد لهما ثالثا في جميع من كتب للجبل والديلم، إلى وقتك هذا المؤرخ فى الكتاب لم تجد.
قال: وقال ابن عباد يوما: كان أبو الفضل " يعنى ابن العميد " سيدا، لم يشق غبارنا، ولا أدرك شوارنا، ولا مسح عذارنا، ولا عرف غرارنا، لا فى علم الدين، ولا فيما يرجع إلى نفع المسلمين. فأما ابنه: فقد عرفتم قدره في هذا وفي غيره، طياش قلاش، ليس عنده إلا قاش وقماش، مثل ابن عياش، والهروى الحواش، وولدت والشعرى في طالعي، ولو لا دقيقة لآدركت النبوة، وقد أدركت النبوة إذ قمت بالذب عنها، والنصرة لها، فمن ذا يجارينا أو يبارينا، ويغارينا، أو يمارينا، ويشارينا.
قال: وسمعته يقول لابن ثابت، جعلك الله ممن إذا خرئ سطر، وإذا بال قطر، وإذا فسا غبر، وإذا ضرط كبر، وإذا أعجف عبر.
قال: وهذا سخف لا يليق بأصحاب الفرصة، والذين اختلفوا إلى الخندق، ودارك ومنوقان، والزبيدية، والرمادة، والخلد.
قال وأنشد أبو دلف الخزرجى:
يا ابن عباد بن عباس ... بن عبد الله حرها
تنكر الجبر وقد أخرجت ... من دنياك كرها

قال علي ابن عطاء: إن عطاء ابن عباد: لا يزيد على مائة درهم، وثوب إلى خمسمائة، وما يبلغ إلى الألف نادر، وما يوفى على الألف بديع، بلى، قد نال بن ناس من عرض جاهه على السنين، ما يزيد قدره على هذا بأضعاف، وعدد هؤلاء قليل جدا، وذلك بابتذال النفس، وهتك الستر.
قال: ولقد بلغ من ركاكته، أنه كان عنده أبو طالب العلوي، فكان إذا سمع منه كلاما يسجع فيه، وخبرا ينمقه ويرويه، يبلق عينيه، وينشر منخريه، ويرى أنه قد لحقه غشى حتى يرش على وجهه ماء الورد، فإذا أفاق قيل: ما أصابك؟ ما عراك؟ ما الذي نالك وتغشاك؟ فيقول: ما زال كلام مولاي يروقني ويؤنقني حتى فارقني لبي، وزايلني عقلي، وتراخت مفاصلي، وتخاذلت عرى قلبي، وذهل ذهني، وحيل بيني وبين رشدى، فيتهلل وجه ابن عباد عند ذلك، وينتفش ويضحك عجبا وجهلا، ثم يأمر له بالحباء والتكرمة، ويقدمه على جميع بنى أبيه وعمه، ومن ينخدع هكذا، فهو بالنساء الرعن أشبه، وبالصبيان الضعاف أمثل. وذكر الوزير أبو سعد، منصور بن الحسين الآبي في تاريخه، من جلالة قدر الصاحب، وعظم قدره في النفوس، وحشمته، مالم يذكر لوزير قبله، ولا بعده مثله، وأنا ذاكر ما ذكر على ما نسقه، قال: توفيت أم كافي الكفاة بأصبهان، وورد عليه الخبر، فجلس للتعزية يوم الخميس للنصف من محرم، سنة أربع وثمانين، وركب إليه سلطانه وولى نعمته، فخر الدولة، بن ركن الدولة معزيا، ونزل وجلس عنده طويلا يعزيه، ويسكن منه، وبسط الكلام معه بالعربية، وكان يفصح بها، فسمعته يقول حين أراد القيام: أيها الصاحب، هذا جرح لا يندمل، فأما سائر الأمراء والقواد، مثل منوجهر بن قابوس، ملك الجبل، وفولاذ بن ما نادر، أحد ملوك الديلم، وأبي العباس الفيروزان بن خالد، فخر الدولة وغيرهم، من الأكابر والأماثل، فإنهم كانوا يحضرون حفاة حسرا، وكان كل واحد منهم إذا وقعت عينه على الصاحب، قبل الأرض، ثم توالى بعد ذلك إلى ان يقرب منه، ويأمره بالجلوس فيجلس، وما كان يتحرك ولا يستوفز لأحد، بل كان جالسا على عادته فى غير أيام التعزية، فلما أراد القيام من المعزى بعد الثالث، كان أول من أمر أن يقدم إليه اللكاء منوجهر بن قابوس، فإنه قال: يحمل إلى أبي منصور ما يلبسه، فقدم إليه، ومنع من الخروج من الدار حافيا، ثم قدم بعد ذلك الحجاب والحاشية اللكاوات إلى الجماعة، فغضب فولاذ بن مانادر، والفولاذ دريدية عليه ذلك، وقالوا: ميز منوجهر من بين الجماعة، فاحتج الصاحب ببيته العظيم، ورياسته القديمة.
قال: وخطب كافي الكفاة ابنة أبى الفضل بن الداعي، لسبطه عباد بن الحسين، ووقع الإملاك فى داره يوم الخميس، لاربع خلون من شهر ربيع الأول، سنة أربع وثمانين، وكان يوما عظيما احتفل فيه كافي الكفاة، ونثر من الدنانير والدراهم شيئا كثيرا، لذلك أنفذ له فخر الدولة على يدى أحد حجابه الكبار، إلى هناك من النثار، ما زاد على مائة طبق عينا وورقا، وحضر الفولاذ دريدية بأسرهم، فإن الابنة المزوجة، كانت ابنة ديكونة بنت الحسن، بن الفيروزان، خالة فخر الدولة، وكان القوم أخوالها، وأضافهم الصاحب، ونصبت مائدة عظيمة في بيت طوله يزيد على خمسين ذراعا، وكانت بطول البيت، وأجلس عليه ستة أنفس، وكان فولاذ بن مانا وكبات بن بلقسم في الصدر، وبجنب فولاذ، أبو جعفر بن الثائر العلوي، وبجنبه الآخر، أبو القاسم بن القاضى العلوي، ودون أحد العلويين كاكي ابن يشكر زاد، ودون الآخر مرداويج الكلاري، ووقف أبو العباس الفيروزان، وعبد الملك بن ما كان للخدمة، ووقف كافي الكفاة أيضا ساعة، ووقف جميع أكابر الكتاب والحجاب، مثل الرئيس أبى العباس، أحمد بن إبراهيم الضبى، وأبى الحسين العارض، وأخيه أبى على، وابنه أبى الفضل، وأبى عمران الحاجب وغيرهم. إلى أن فرغ القوم من الأكل، ثم أكل هؤلاء مع الصاحب على مائدة منفردة، وأما قاضى القضاة، والأشراف والعدول، فإنهم أطعموا على مائدة أخرى فى بيت آخر.

قال: وكان نصر بن الحسين، بن الفيروزان، وهو خال فخر الدولة، مقداما شجاعا، قليل المبالاة، قد استعصى على فخر الدولة، واقتطع من بلاده، وتغلب عليها، واحتال على جماعة من عساكره، فقتلهم بأنواع القتل، ثم كسر له عدة عساكر، إلى أن تكاثرت عساكر فخر الدولة فكسرته، وشتتت جموعه، وهرب نحو خراسان، حتى صار إلى إسفرايين، ثم بدا له أن سلك طريق المفارة فيها، حتى ورد الى ليلة الجمعة، لست بقين من شوال، سنة أربع وثمانين، وقصد في الليل باب كافة الكفاة مستجيرا به، ومستعطفا له، فلم يرق له، ورد إلى دار بعض حجاب فخر الدولة، فحبس فيها.
قال الوزير أبو سعد: وكنت في هذه الليلة بحضرة كافي الكفاة، فأتاه الحاجب، وقد مضى هزيع من الليل، فأخبره بوقوف نصر بن الحسن، بن الفيروزان على الباب، خاشعا متضرعا، فرأيته قد تحبر في الأمر ساعة، ثم راسله بأن السلطان الأعظم - يعني فخر الدولة - ساخط عليك، ولا يجوز لي أن آذن لك في دخول داري، إلا بعد تترضاه، وتستعطف قلبه، فإذا عفا عنك ورجع لك، فالدار بين يديك، وأنا معين لك. فعاد الحاجب إليه بذلك، ورجع فقال: إنه امتنع من العود وقال: إنما جئت إلى الصاحب لائذا به، ومنقطعا إليه، ولا أعرف غيره، وأنا أحتاج أن يدبر أمري، ويجبرني ويحامي على، ويذب عني، فرأيت الصاحب وقد مال رأيه بين إحدى خصلتين: إما أن يستمر على المنع ولا يأذن له، وإما أن يأذن له، ويجعل داره بما فيها من الخزائن له، وينتقل هو إلى دار كانت لحاجبه الراوندي، وكان قد أضافها بعد موت هذا الحاجب إلى داره. ثم تقرر رأيه على صرفه، واستمر نصر على الإلحاح فى الخضوع، والاجتهاد أن يأذن له في الدخول، وانتقل من الباب الكبير إلى باب الخاصة، سأل واجتهد إلى أن جاءه من قبل فخر الدولة، علوسة الحاجب وحبسه، وكان هذا الفعل من الصاحب مستهجنا، يعجب الناس منه، وتحدثوا به واستقبحوه، مع ما اظهره نصر من الاستكانة والاستجارة به. وأظن أنه لم يفعل ذلك، إلا لأنه جبن عن الاجتماع معه في دار واحدة، مع العداوة المتأكدة بينهما، والضغينة الراسخة في قلب كل واحد منهما.
ثم ذكر وفاة الصاحب، في الوقت الذى ذكره غيره، وكما ذكرناه آنفا. ثم قال: وتوفي فخر الدولة عشية يوم الثلاثاء، عاشر شعبان، وكان مبلغ عمره أربعا وأربعين سنة، وستة أشهر وأياما. ثم وصف أخلاقه وجيوشه، وقلاعه وأمواله، التي خلفها، ثم قال: فأما الوزارة في أيامه، فكانت أشهر من أن يحتاج إلى ذكرها، فإن اول وزرائه كان كافي الكفاة. وأسنة الأقلام، وعذبات الألسنة تكل دون أيسر أوصافه، وأدنى فضائله، ولو لا ما آل إليه أمر الوزارة في هذه الأيام، واعتقاد من لم يعلم حالها فى ذلك الزمان، بأن الأمر كان ولم يزل على ما نراه، أو قريبا منه وشبيها به، لأمسكنا عن ذكره، ولكنا نذكر يسيرا من أحواله، فإن هؤلاء الذين ذكرناهم من أبناء الملوك، والأمراء والقواد، وسائر من ساواهم من الزعماء والكبار، مثل أولاد مؤيد الدولة، وابن عز الدولة، ومنوجهر بن قابوس، بن وشمكير، وأبى الحجاج بن ظهير الدولة، وأسفهيد بن أسفار، وحسن بن وشمكير، وفولاذ بن مانادر، ونصر بن الحسن بن الفيروزان، وأبى العباس الفيروزان، ابن الحسن، بن الفيروزان، وكبات بن بلقسم، بن الفيروزان، وحيدر بن وهسوذان، وكيخسرو بن المرزبان، ابن السلار، وجستان بن نوح، بن وهسوذان، وشيرزيل ابن سلار، بن شيرزيل، وكان في يد كل واحد من هؤلاء من الأقطاع، ما يبلغ ارتفاعه خمسين ألف دينار، وما دونها إلى عشرين ألف دينار، ومن اكابر القواد ما يطول تعدادهم، كانوا يحضرون باب داره، فيقفون على دوابهم مطرقين، لايتكلم واحد منهم هيبة وإعظاما لموضعه، إلى أن يخرج أحد خلفاء حجابه، فيأذن لبعض أكابرهم، ويصرفهم جملة، فكان من يؤذن له فى الدخول، يظن أنه قد بلغ الآمال، ونال الفوز بالدنيا والآخرة، فرحا ومسرة، وشرفا وتعظيما، فإذا حصل فى الدار، وأذن له فى الدخول إلى مجلسه، قبل الأرض عند وقوع بصره عليه، ثلاث مرات أو أربعا، إلى أن يقرب منه، فيجلس من كانت رتبته الجلوس، إلى أن يقضى كل واحد منهم وطره من خدمته، ثم ينصرف، بعد أن يقبل الأرض أيضا مرارا. ولم يكن يقوم لأحد من الناس ولا يشير إلى القيام، ولا يطمع منه أحد فى ذلك.

ونزل بالصيمرة عند عوده من الأهواز، فدخل عليه شيخ من زهاد المعتزلة، يعرف بعبد الله بن إسحاق، فقام له: فلما خرج التفت كافى الكفاة وقال: ما قمت لأحد مثل هذا القيام، منذ عشرين سنة، وإنما فعل ذلك به لزهده، فإنه كان أحد أبدال دهره، فأما العلم فقد كان يرى من هو أعلم منه، فلا يحفل به. وأما هيبته في الصدور، ومخافته في القلوب، وحشمته عند الصغير والكبير، والبعيد والقريب، فقد بلغت إلى أن كان صاحبه فخر الدولة، ينقبض عن كثير مما يريده بسببه، ويمسك عما تشره إليه نفسه لمكانه، وقد ظهر ذلك للناس بعد موته، وانبساط فخر الدولة فيما لم يكن من عادته، فعلم أنه كان يزم نفسه لحشمته، ثم كان يحله محل الوالد إكراما وإعظاما، ويخاطبه بالصاحب شفاها وكتابا، فأما أكابر الدولة، فكان الواحد إذا رأى أحد حجابه، بل أحد الأصاغر من حاشيته، فإن فرائضه كانت ترتعد، وجوانحه كانت تصطفق، إلى أن يعلم ما يريده منه، ويخاطبه به.
وتظلمت إليه امرأة من صاحب لفولاذ بن مانادر، وذكرت أنه ينازعها في حق لها، فما زاد على أن التفت إلى فولاذ، وكان في موكبه يسير خلفه، فبهت وتحير، وارتعد ووقف، ولم يبرح إلى أن سار كافى الكفاة، ثم أرسل مع المرآة من أرضاها، وأزال ظلامتها، ومثل هذا كثير يطول الكتاب ببعضه، فكيف يتسع لكله.
وأما أسبابه وحاشيته، وهيبته ورتبته، فإن من أيسرها أنه كان له عدة من الحجاب، منهم من على مربطه ثلاثمائة رأس من الدواب، أو ما يقاربها، وكانت أحوال بلكا الحاجب، تزيد على ذلك زيادة كثيرة، فإنه كان على مربط خليفة له يعرف بيزيدة، كثير من الخيل العتاق الموصوفة، وكان لا يستغني عنها، لأنه كان موقوفا على حفظ الطرق، وطلب الأكراد، وأهل العيث وصيانة السابلة، وكان ما يخرج لكافى الكفاة فى السنة، في وجوه البر والصدقات والمبرات، وصلات الأشراف وأهل العلم، والغرباء الزوار، ومن يجري مجرى ذلك، مما يتكلفه به صيت الدنيا، وأجر الآخرة، يزيد على مائة ألف دينار.
وانتقلت الوزارة عنه إلى أبى العباس، أحمد بن إبراهيم الضبي، وأبي علي الحسن، بن أحمد، بن حمولة، والسياسة التى قد سنها هو باقية، وحشمة الوزارة ثابتة، والأمور على ما عهد في أيامه جارية، وكان لهما من الحشم والحاشية، والتجمل والزينة، مثل ما كان له، بل كان فوقه فى الغنى والثروة، وإن لم يلحقاه في الفضل والمكرمة.
قال غرس النعمة: حدث أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى النصيبي قال: كان أبو الفتح على بن أبى الفضل، بن العميد، قد دبر على الصاحب بن عباد، حتى أزاله عن كتابة الأمير مؤيد الدولة، وأبعده عن حضرته بالري إلى أصفهان، وانفرد هو بتدبير الأمور لمؤيد الدولة، كما كان يدبرها لأبيه ركن الدولة، واستدعى يوما ندماءه، وعبأ لهم مجلسا عظيما، وأظهر من الزينة وآلات الفضة، والذهب والصينى وما شاكله، ما يفوت الحصر، وشرب واستفزه الطرب، وكان قد شرب يومه وليلته، فعمل شعرا غنى به، وهو:
دعوت المنى ودعوت العلا ... فلما أجابا دعوت القدح
وقلت لأيام شرخ الشباب ... ألا إن هذا أوان المرح
إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح
فلما غنى بالشعر استطابه، وشرب عليه إلى أن سكر، وقال لغلمانه: غطوا المجلس، ولاتسقطوا منه شيئا، لأصطبح في غد عليه، وقال لندمائه: باكروني، وقام إلى بيت منامه، وانصرف عنه الندماء، فدعاه مؤيد الدولة في السحر، فلم يشك أنه لمهم، فقبض عليه، وأنفذ إلى داره من استولى على جميع ما فيها وأعاد ابن عباد إلى وزارته، وطاولت بابن العميد النكبة، حتى مات فيها، كما ذكرناه فى ترجمته.
ثم وزر ابن عباد بعد مؤيد الدولة لأخيه فخر الدولة، فبقى فى الوزارة ثمانى عشرة سنة وشهورا، وفتح خمسين قلعة سلمها إلى فخر الدولة، لم يجتمع عشر منها لأبيه ولا أخيه، وسمع الصاحب الحديث وأملى.

فحدث أبو الحسن، على بن محمد الطبري الكيا قال: لما عزم الصاحب بن عباد، على الإملاء وهو وزير، خرج يوما متطلسا متحنكا بزى أهل العلم، فقال: قد علمتم قدمي في العلم، فأقروا له بذلك، فقال: وأنا متلبس بهذا الأمر، وجميع ما أنفقته من صغرى إلى وقتي هذا، من مال أبي وجدي، ومع هذا فلا أخلو من تبعات، أشهد الله وأشهدكم أنى تائب إلى الله، من ذنب أذنبته. واتخذلنفسه بيتا وسماه بيت التوبة، ولبث أسبوعا على ذلك، ثم أخذ خطوط الفقهاء بصحة توبته، ثم خرج فقعد للإملاء، وحضر الخلق الكثير، وكان المستملى الواحد ينضاف إليه ستة، كل يبلغ صاحبه، فكتب الناس حتى القاضي عبد الجبار، وأهدي إليه العميري كتبا، وكتب معها:
العميري عبد كافي الكفاة ... وإن اعتد في وجوه القضاة
خدم المجلس الرفيع بكتب ... مفعمات من حسنها مترعات
فوقع الصاحب تحتها:
قد قبلنا من الجميع كتابا ... ورددنا لوقتها الباقيات
لست أستغنم الكثير فطبعى ... قول خذ، ليس مذهبى قول هات
حدث أبو الرجاء الضرير، الشطرنجي العروضي، الشاعر الأهوازي بالأهواز، قال: قدم علينا الصاحب ابن عباد، في السنة التى جاء فيها فخر الدولة، ولقيه الناس ومدحه الشعراء، فمدحته بقصيدة قلت فيها:
إلى ابن عباد أبى القاسم الصاحب ... إسماعيل كافي الكفاة
فقال: قد كنت والله أشتهي بأن تجتمع كنيتي واسمي، ولقبى واسم أبي في بيت، فما انتهيت إلى قولي فيها: ويشرب الجيش هنيئا بها فقال يا أبا الرجاء: أمسك، فأمسكت، فقال:
ويشرب الجيش هنيئا بها ... من بعد ماء الري ماء الصراة
هكذا هو؟ قلت نعم، قال: أحسنت، قلت يا مولاي: أحسنت أنت، عملت أنا هذا في ليلة، وأنت عملته في لحظة.
قال عبد الله الفقير غليه: وممن ذكر نسب الممدوح كاملا، الحارث الدؤلي، في عاصم بن عمرو، بن عثمان، ابن عفان:
إليك ابن عثمان بن عفان عاصم بن ... عمرو سرت عيس فطال سراها
ومن مستحسن شعر الصاحب:
دعتنى عيناك نحو الصبا ... دعاء تكرر في كل ساعة
فلو لا " وحقك " عذر المشيب ... لقلت لعينيك سمعا وطاعة
وحدث البديع الهمذانى قال: كان بعض الفقهاء ويعرف بابن الحضيري، يحضر مجلس الصاحب بالليالى، فغلبته عينه ليلة فنام، وخرجت منه ريح لها صوت، فخجل وانقطع عن المجلس، فقال الصاحب أبلغوه عني:
يا بن الحضيرى لا تذهب على خجل ... لحادث كان مثل الناى والعود
فإنها الريح لا تسطيع تحبسها ... إذ لست أنت سليمان بن داوود
ولأبى بكر الخوارزمى في ابن عباد:
لاتحمدن ابن عباد وإن هطلت ... كفاه يوما ولاتذممه إن حرما
فإنها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
فلما مات الخوازمي، بلغ الصاحب وفاته فقال:
أقول لركب من خراسان رائح ... أمات خوارزميكم؟ قيل لي نعم:
فقلت: اكتبوا بالجص من فوق قبره ... " ألا لعن الرحمن من كفر النعم "
وحدث أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي، في كتاب مشارب التجارب، وذكر الصاحب فقال: أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن عباس، الوزير ابن الوزير، كما قال الرستمي فيه:
ورث الوزارة كابرا عن كابر ... موصولة الإسناد بالإسناد
يروي عن العباس عباد وزارته ... واسماعيل عن عباد
قال: مولده بكورة فارس، في ذي العقدة، سنة ست وعشرين وثلاثمائة، ومدحه خمسمائة شاعر من أرباب الدواوين، وممن كان ببابه: قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الأسدأباذى، وكان قد فوض إليه قضاء همذان والجبال، واستقبل القاضي عبد الجبار الصاحب يوما، فلم يترجل له، فقال: أيها الصاحب، أريد أن أترجل للخدمة، ولكن العلم يأبى ذلك، وكان يكتب في عنوان كتابه: " إلى الصاحب: داعيه، عبد الجبار بن أحمد " ثم كتب " وليه عبد الجبار بن أحمد " ، ثم كتب " عبد الجبار بن أحمد " فقال الصاحب لندمائه: أظنه يؤول أمره إلى أن يكتب الجبار.
وأنشد الصاحب لنفسه يرثي:
يقولون لي أودى كثير بن حمد ... وذلك رزء ما علمت جليل

فقلت دعوني والعلا نبكه معا ... فمثل كثير في الرجال قليل
وذكر هلال بن المحسن، عن أبي طاهر بن الحمامي، عن الأنباري الكاتب، قال: ورد إلى الصاحب رجل من أهل الشام، فكان فيما استخبره عنه: رسائل من تقرأ عندكم؟ فقال: رسائل بن عبد كان. قال ومن؟ قال: رسائل الصابيء. وغمزه أحد جلسائه ليقول: رسائل الصاحب فلم يفطن، ورآه الصاحب فقال: تغمز حمارا لا يحس وكان صاحب خراسان، الملك نوح بن منصور السامانى، قد أرسل إلى الصاحب في السر يستدعيه إلى حضرته، ويرغبه في خدمته، وبذل البذول السنية، فكان من جملة اعتذاره أن قال: كيف يحسن لي مفارقة قوم بهم ارتفع قدرى، وشاع بين الأنام ذكرى، ثم كيف لي بحمل أموالي مع كثرة أثقالي؟ وعندي من كتب العلم خاصة، ما يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر.
قال أبو الحسن البيهقي: وأنا أقول: بيت الكتب الذى بالرى، دليل على ذلك، بعدما أحرقه السلطان محمود ابن سبكتكين، فإني طالعت هذا البيت، فوجدت فهرست تلك الكتب عشر مجلدات، فإن السلطان محمودا لما ورد إلى الري، قيل له: إن هذه الكتب، كتب الروافض، وأهل البدع، فاستخرج منها كل ما كان فى علم الكلام، وأمر بحرقه. وللصاحب من التصانيف: كتاب المحيط باللغة عشرة مجلدات، كتاب ديوان رسائله عشرة مجلدات، كتاب الكافى رسائل، كتاب الزيدية، كتاب الأعياد وفضائل النوروز، كتاب في تفضيل على بن أبى طالب. وتصحيح إمامة من تقدمه، كتاب الوزراء لطيف، كتاب عنوان المعارف في التاريخ، كتاب الكشف عن مساوئ المتنبى، كتاب مختصر أسماء الله تعالى وصفاته، كتاب العروض الكافى، كتاب جوهرة الجمهرة، كتاب نهج السبيل فى الأصول، كتاب أخبار أبي العيناء، كتاب نقض العروض، كتاب تاريخ الملك واختلاف الدول، كتاب الزيدين، كتاب ديوان شعره.
وقال بعض ولد المنجم بعد وفاة الصاحب، وقد استوزر أبو العباس الضبى، ولقب بالرئيس، وضم إليه أبو علي، ولقب بالجليل:
والله و الله لا أفلحتم أبدا ... بعد الوزير ابن عباد بن عباس
إن جاء منكم جليل فاقطعوا أجلي ... أو جاء منكم رئيس فاقطعوا راسي
ومن شعر الصاحب:
وشادن جماله ... يقصر عنه صفتي
أهوى لتقبيل يدي ... فقلت: لا بل شفتي
وله:
قال لى إن رقيبى ... سيء الخلق فداره
قلت: دعنى وجهك ... الجنة حفت بالكاره
وله أيضا:
أقول وقد رأيت له سحابا ... من الهجران مقبلة إلينا
وقد سحت عزاليها بسكب ... حوالينا الصدود ولا علينا
حدث الوزير أبو العلاء بن حسولي قال: كان دينار المجوسي صدرا في ديوان الري، وكان مدنرا مدرهما ممولا، فكتب رجل إلى الصاحب:
لم لا يفرق في ديوان عسكره ... كافي كفاة الورى دينار دينار
فإن أيسر ما في قطع شأفته ... تطهير ديوانه من عابدي النار
فقبض عليه وصادره، واستوفى منه مالا عظيما، والسبب فى ذلك البيتان.
وحدث ابن بابك قال: سمعت الصاحب يقول: مدحت والعلم عند الله، بمائة ألف قصيدة شعر، عربية وفارسية وقد أنفقت أموالي على الشعراء والأدباء، والزوار والقصاد، ما سررت بشعر، ولا سرني شاعر، كما سرني أبو سعيد الرستمي الأصفهاني بقوله:
ورث الوزارة كابرا عن كابر ... مرفوعة الإسناد بالإسناد
يروى عن العباس عباد وزارته ... وإسماعيل عن عباد
وقال أبو الحسن، علي بن الحسين الحسني، ختن الصاحب يرثيه:
ألا إنها يمنى المكارم شلت ... ونفس المعالي إثر فقدك سلت
حرام على الظلماء إن هي قوضت ... وحجر على شمس الضحى إن تجلت
لتبك على كافي الكفاة مآثر ... تباهي النجوم الزهر في حيث حلت
لقد فدحت فيه الرزايا وأوجعت ... كما عظمت فيه العطايا وجلت
ألا هل أتى الآفاق أية غمة ... أطلت، ونعمى أي دهر تولت
وهل تعلم الغبراء ماذا تضمنت ... وأعواد ذاك النعش ماذا أقلت؟
فلا أبصرت عينى تهلل بارق ... يحاكي ندى كفيك إلا استهلت

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15