كتاب :روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف : أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي

يلي حضانته من أقاربه الأحرار فإن اتفقا على المهايأة أو على استئجار حاضنة أو رضي أحدهما بالآخر فذاك وإن تمانعا استأجر الحاكم حاضنة وأوجب المؤنة على السيد وعلى من يقتضي الحال الإيجاب عليه
الشرط الرابع كونها أمينة فلا حضانة لفاسقة
الشرط الخامس كونها فارغة خلية فلو نكحت أجنبيا سقطت حضانتها لاشتغالها بحقوق الزوج فلو رضي الزوج لم يؤثر كما لا يؤثر رضى السيد بحضانة الأمة فقد يرجعان فيتضرر الولد فلو نكحت عم الطفل فوجهان أصحهما لا تبطل حضانتها لأن العم صاحب حق الحضانة وشفقته تحمله على رعاية الطفل فيتعاونان على كفالته بخلاف الأجنبي وبهذا قطع القفال والغزالي والمتولي ويقال إن صاحب التلخيص خرجه من نص الشافعي رحمه الله أن الجدة إذا نكحت جد الطفل لا يبطل حقها من الحضانة وكذا لو كانت في نكاحه ثبت لها حق الحضانة بخلاف ما لو كانت في نكاح أجنبي والثاني يبطل حق الأم وليس العم كالجد لأن الجد ولي تام الشفقة قائم مقام الأب وهذان الوجهان في نكاح الأم العم يطردان في كل من لها حضانته نكحت قريبا للطفل له حق في الحضانة بأن نكحت أمه ابن عم الطفل أو عم أبيه أو نكحت خالته التي لها حضانة عم الطفل أو نكحت عمته خاله هكذا ذكره الشيخ أبو علي وغيره ثم إنما يبقى الحق إذا نكحت الجدة جد الطفل أو الأم عمه على الأصح إذا رضي الذي نكحته بحضانتها فإن أبى فله المنع وعليها الإمتناع

فرع إذا اجتمعت هذه الشروط فإنما تثبت لها الحضانة إذا كان الأبوان
مقيمين في بلد فإن سافر أحدهما فسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى

وهل يشرط استحقاقها أن ترضع الولد إن كان رضيعا وجهان أحدهما لا بل لها الحضانة وإن لم يكن لها لبن أو امتنعت من الإرضاع وعلى الأب أن يستأجر مرضعة ترضعه عند الإمام وهذا أصح عند البغوي والثاني وهو الصحيح وبه قطع الأكثرون يشترط لعسر استئجار مرضعة تخلي بيتها وتنتقل إلى مسكن الأم وعلى هذا لا تمنع الأم من زيارته

فرع لو أسلمت الكافرة أو أفاقت المجنونة أو عتقت الأمة أو رشدت
الفاسقة أو طلقت التي سقط حقها بالنكاح تثبت لها الحضانة لزوال المانع وسواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا هذا هو نص المذهب وخرج ابن سريج قولا أنه لا حضانة للرجعية حتى تنقضي العدة وبه قال المزني لأن الرجعية زوجة فعلى المذهب إن اعتدت في بيت الزوج فإنما تثبت لها الحضانة إذا رضي الزوج بأن يدخل الولد بيته فإن لم يرض لم يكن لها أن تدخله بيته وكذا في البائن وإذا رضي ثبت حقها بخلاف رضاه في صلب النكاح لأن المنع هناك لاستحقاقه الإستمتاع واستهلاك منافعها فيه وهنا للمسكن فإذا أذن صار معيرا
فرع إذا امتنعت الأم من الحضانة أو غابت فثلاثة أوجه الصحيح أنها
تنتقل إلى الجدة كما لو ماتت أو جنت والثاني تنتقل إلى الأب والثالث إلى السلطان لبقاء أهلية الأم كما لو غاب الولي في النكاح أو عضل يزوج السلطان لا الأبعد فعلى الصحيح متى امتنع الأقرب من الحضانة كانت لمن يليه لا للسلطان لأنها للحفظ والقريب الأبعد أشفق من السلطان


فصل أما المجنون فهو من لا يستقل بمراعاة نفسه ولا يهتدي إلى
لصغر أو جنون أو خبل وقلة تمييز ومتى بلغ الغلام رشيدا ولي أمر نفسه ولا يجبر على كونه عند الأبوين أو أحدهما ولكن الأولى أن لا يفارقهما ليخدمهما ويصلهما بره وإن بلغ عاقلا غير رشيد فقد أطلق جماعة أنه كالصبي لا يفارق الأبوين وتدام حضانته وقال ابن كج إن لم يحسن تدبير نفسه فالحكم كذلك وأما إن كان اختلال الرشيد لعدم الصلاح في الدين فالصحيح أنه يسكن حيث يشاء ولا يجبر أن يكون عند الأبوين أو أحدهما وقيل تدام حضانته إلى ارتفاع الحجر عنه وهذا التفصيل حسن
وأما الأنثى إذا بلغت فإن كانت مزوجة فهي عند زوجها وإلا فإن كانت بكرا فعند أبويها أو أحدهما إن افترقا وتختار من شاءت منهما وهل تجبر على ذلك وجهان أحدهما نعم وليس لها الإستقلال والثاني لا بل لها السكنى حيث شاءت لكن يكره لها مفارقتهما وبهذا قطع العراقيون وصحح ابن كج والإمام والغزالي الأول ثم صرح الغزالي باختصاص هذه الولاية بالأب والجد كولاية الإجبار في النكاح وذكر البغوي في ثبوتها أيضا للأخ والعم وجهين
قلت أرجحهما ثبوتها
والله أعلم
وإن كانت ثيبا فالأولى أن تكون عند الأبوين أو أحدهما ولا تجبر على ذلك باتفاق الأصحاب لأنها صاحبة اختيار وممارسة وبعيدة عن الخديعة وهذا إذا لم تكن تهمة ولم تذكر بريبة فإن كان شىء من ذلك فللأب والجد ومن يلي تزويجها من العصبات منعها من الإنفراد ثم المحرم منهم يضمها إلى نفسه إن رأى ذلك وغير

المحرم يسكنها موضعا يليق بها ويلاحظها دفعا للعار عن النسب كما يمنعونها نكاح غير الكفء وأثبت البغوي للأم ضمها إليها عند الريبة كما أثبتها للعصبة ولو فرضت التهمة في حق البكر فهي أولى بالإحتياط فتمنع من الإنفراد بلا خلاف ونقل في العدة عن الأصحاب أن الأمرد إذا خيف من انفراده فتنة وانقدحت تهمة منع من مفارقة الأبوين
قلت الجد كالأبوين في حق الأمرد وكذا ينبغي أن يكون الأخ والعم ونحوهما لاشتراك الجميع في المعنى
والله أعلم

فرع إذا ادعى الولي ريبة وأنكرت فقد ذكر احتمالان أحدهما لا يقبل
قوله لأن الحكم على الحرة العاقلة بمجرد الدعوى بعيد وأصحهما يقبل ويحتاط بلا بينة لأن إسكانها في موضع البراءة أهون من الفضيحة لو أقام بينة
فصل إنما يحكم بأن الأم أحق بالحضانة من الأب في حق من
له أصلا وهو الصغير في أول أمره والمجنون فأما إذا صار الصغير مميزا فيخير بين الأبوين إذا افترقا ويكون عند من اختار منهما وسواء في التخيير الإبن والبنت وسن التمييز غالبا سبع سنين أو ثمان تقريبا قال الأصحاب وقد يتقدم التمييز عن السبع وقد يتأخر عن الثمان ومدار الحكم على نفس التمييز لا على سنه وإنما يخير بين الأبوين إذا اجتمع فيهما شروط الحضانة بأن يكونا مسلمين حرين عاقلين عدلين مقيمين في وطن واحد على ما سيأتي إن شاء الله تعالى

وأن تكون الأم خلية فإن اختل في أحدهما بعض الشروط فلا تخيير والحضانة للآخر فإن زال الخلل أنشىء التخيير ولو وجدت الشروط فيهما واختص أحدهما بزيادة في الدين أو المال أو محبة الولد فهل يختص به أم يجري التخيير وجهان أصحهما الثاني ويجري التخيير بين الأم والجد عند عدم الأب ويجري أيضا بينها وبين من على حاشية النسب كالأخ والعم على الأصح وقيل تختص به الأم وفي ابن العم مع الأم هذان الوجهان إن كان الولد ذكرا فإن كان أنثى فالأم أحق قطعا ويجري الخلاف أيضا بين الأب والأخت والخالة إذا قدمناها عليه قبل التمييز كما سنذكره إن شاء الله تعالى وإذا اختار أحد الأبوين ثم اختار الآخر حولناه إليه فإن عاد واختار الأول أعدناه إلى الأول فإن أكثر التنقل بحيث يظن أن سببه نقصانه وقلة تمييزه جعل عند الأم كما قبل التمييز وكذا لو بلغ على نقصانه وخبله

فرع إذا اختار الأب وسلم إليه فإن كان ذكرا لم يمنعه الأب
أمه ولا يحوجها إلى الخروج لزيارته وإن زارته لم يمنعها من الدخول عليه وله منع الأنثى من زيارة الأم فإن شاءت الأم خرجت إليها للزيارة لأنها أولى بالخروج لسنها وخبرتها ثم الزيارة تكون في الأيام على العادة لا في كل يوم وإذا دخلت لا تطيل المكث ولو مرض الولد ذكرا كان أو أنثى فالأم أولى بتمريضه فإنها أشفق وأهدى إليه فإن رضي بأن تمرض في بيته فذاك وإلا فينقل الولد إلى بيت الأم ويجب الإحتراز عن الخلوة إذا كانت تمرضه في بيت الأب وكذا إذا زارت الولد فإن لم يكن هناك ثالث خرج حتى تدخل وإذا مات لم تمنع من حضور غسله وتجهيزه إلى أن يدفن وإن مرضت الأم لم

يكن للأب منع الولد من عيادتها ذكرا كان أو أنثى ولا يمرضها قال الروياني إلا إذا أحسنت الأنثى التمريض

فرع إذا اختار الأم فإن كان ابنا أوى إليها ليلا وكان عند
نهارا يؤدبه ويعلمه أمور الدين والمعاش والحرفة وإن كانت بنتا كانت عند الأم ليلا ونهارا ويزورها الأب على العادة ولا يطلب إحضارها عنده وهكذا الحكم إذا كان الولد عند الأم قبل سن التخيير
فرع إذا اختار الأم فليس للأب إهماله بمجرد ذلك بل يلزمه القيام
بتأديبه وتعليمه إما بنفسه وإما بغيره ويتحمل مؤنته وكذا المجنون الذي لا تستقل الأم بضبطه يلزم الأب رعايته وإنما تقدم الأم فيما يتأتى منها وما هو شأنها
قلت تأديبه وتعليمه واجب على وليه أبا كان أو جدا أو وصيا أو قيما وتكون أجرة ذلك في مال الصبي فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته وقيل إن أجرة مالا يلزمه تعلمه بعد البلوغ تكون في مال الولي مع يسار الولد والأول أصح وقد سبق بعض هذا في أول كتاب الصلاة
والله أعلم
فرع لو خيرناه فاختارهما أقرع بينهما وإن لم يختر واحدا منهما فوجهان
أحدهما يقرع وبه قطع البغوي وأصحهما الأم أحق لأنه لم يختر غيرها وكانت الحضانة لها فيستصحب وبه قطع في البسيط


قال الروياني لو ترك أحد الأبوين في وقت التخيير كفالته للآخر كان الآخر أحق به ولا اعتراض للولد فإن عاد وطلب الكفالة عدنا إلى التخيير قال ولو تدافع الأبوان كفالته وامتنعا منها فإن كان بعدهما من يستحق الحضانة كالجد والجدة خير بينهما وإلا فوجهان أحدهما يخير الولد ويجبر من اختاره على كفالته فعلى هذا لو امتنعا من الحضانة قبل سن التمييز يقرع بينهما ويجبر من خرجت قرعته على حضانته والثاني يجبر عليها من تلزمه نفقته
قلت أصحهما الثاني
والله أعلم

فصل ما سبق من أن الأم أولى من الأب قبل التمييز وأنه
بعد تمييزه هو فيما إذا كان الأبوان مقيمين في بلد واحد فأما إذا أراد أحدهما سفرا أو أرادا سفرا يختلف فيه بلدهما فينظر إن كان سفر حاجة كحج وغزو وتجارة لم يسافر بالولد لما في السفر من الخطر والمشقة بل يكون مع المقيم إلى أن يعود المسافر سواء طالت مدة السفر أم قصرت وعن الشيخ أبي محمد وجه أن للأب أن يسافر به إذا طال سفره وإن كان سفر نقلة نظر إن كان ينتقل إلى مسافة القصر فللأب أن ينتزعه من الأم ويستصحبه معه سواء كان المنتقل الأب أو الأم أو أحدهما إلى بلد والآخر إلى آخر احتياطا للنسب فإن النسب يتحفظ بالآباء ولمصلحة التأديب والتعليم وسهولة القيام بنفقته ومؤنته وسواء نكحها في بلدها أو في الغربة فلو رافقته الأم في طريقه دام حقها وكذا في المقصد ولو عاد من سفر النقلة إلى بلدها عاد حقها ولو كان الطريق الذي يسلكه مخوفا أو البلد الذي يقصده

غير مأمون لغارة ونحوها لم يكن له انتزاع الولد وإن كان الإنتقال إلى دون مسافة القصر فوجهان أحدهما لا يؤثر ويكونان كالمقيمين في محلتين من بلد وأصحهما أنه كمسافة القصر ولو اختلفا فقال أريد الإنتقال فقالت بل التجارة فهو المصدق بيمينه وقال القفال يصدق بلا يمين والأول أصح فإن نكل حلفت وأمسكت الولد وسائر العصبات من المحارم كالجد والأخ والعم بمنزلة الأب في انتزاع الولد ونقله إذا أرادوا الإنتقال احتياطا للنسب وكذا غير المحارم كابن العم إن كان الولد ذكرا وإن كان أنثى لم تسلم إليه قال المتولي إلا إذا لم تبلغ حدا يشتهى مثلها وفي الشامل أنه لو كان له بنت ترافقه سلمت إلى بنته وأما المحرم الذي لا عصوبة له كالخال والعم للأم فليس له نقل الولد إذا انتقل لأنه لاحق له في النسب

فرع إنما يثبت حق النقل للأب وغيره إذا استجمع الصفات المعتبرة في
كان له أن ينقل الولد ولم تمنع منه إقامة الجد وكذا حكم الجد عند عدم الأب ولا تمنعه إقامة الأخ أو العم لكن لو لم يكن أب ولا جد وأراد الأخ الإنتقال وهناك ابن أخ أو عم يقيمان فليس للأخ انتزاعه من الأم لنقله بخلاف الأب والجد لكمال عنايتهما وتقارب عناية غيرهما من العصبات
فرع لو كان كل واحد من الأبوين يسافر لحاجة واختلف طريقهما ومقصدهما
فيشبه أن يدام حق الأم ويحتمل أن يكون مع الذي مقصده أقرب أو مدة سفره أقصر


قلت المختار أنه يدام مع الأم وهو مقتضى كلام الأصحاب
والله أعلم
الطرف الثاني في ترتيب المستحقين للحضانة فمتى اجتمع اثنان فصاعدا من مستحقي الحضانة نظر إن تراضوا بواحد فذاك وإن تدافعوا وجبت على من عليه النفقة وقيل يقرع وتجب على من خرجت قرعته والصحيح الأول وإن طلبها كل واحدة ممن فيه شروطها فهم ثلاثة أضرب الضرب الأول محض الإناث فأولاهن الأم ثم أمهاتها المدليات بالإناث تقدم أقربهن وتقدم البعدى منهن على القربى من أمهات الأب ثم بعد أمهات الأم قولان الجديد تقدم أم الأب ثم أمهاتها المدليات بالإناث ثم أم أبي الأب ثم أمهاتها المدليات بالإناث ثم أم أبي الجد ثم أمهاتها كذلك وتقدم الأقرب منهن فالأقرب ويتأخر عنهن الأخوات والخالات ودليل هذا القول أنهن جدات وارثات فقدمن على الأخوات والخالات كأمهات الأم ولأنهن أكثر شفقة وأقوى قرابة ولهذا يعتقن على الولد
والقديم أنه تقدم الأخوات والخالات على هؤلاء الجدات والقولان متفقان على تقديم جنس الأخوات على الخالات وعلى أن الخالات يقدمن على بنات الأخوات وبنات الإخوة والعمات لأنهن يشاركنهن في المحرمية والدرجة وعدم الإرث ويتميزون بالإدلاء بقرابة الأم وعن ابن سريج تقديم الخالة على الأخت للأب وهو شاذ ضعيف ثم الحضانة بعد الخالات لبنات الأخوات وبنات الأخوة يقدمن على العمات هكذا رتب الإمام الغزالي والبغوي وحكى الروياني هذا وجها وادعى أن الأصح تقديم العمات على بنات الإخوة وبنات الأخوات ثم حكى وجهين فيمن يقدم بعد العمات أحدهما

بنات الأخوات والإخوة ثم بنات سائر العصبات بعد الإخوة ثم بنات الخالات ثم بنات العمات ثم خالات الأم ثم خالات الأب ثم عماته
والثاني تقدم بعد العمات خالات الأم ثم خالات الأب ثم عماته ولا حضانة لعمات الأم لإدلائهن بذكر غير وارث ثم خالات الجد ثم عماته وهكذا فإن فقدن جميعا فالحضانة لبنات الأخوات والإخوة وفي أي رتبة وقعن تقدم بنات الأخوات على بنات الإخوة كما تقدم الأخت على الأخ

فرع الأخت من الأبوين تقدم على الأخت من الأب وعلى الأخت من
وأما الأخت من الأب والأخت من الأم فأيهما تقدم على صاحبتها وجهان الصحيح المنصوص في الجديد والقديم تقديم الأخت من الأب وقال المزني وابن سريج تقدم الأخت من الأم وأما الخالة من الأب مع الخالة من الأم والعمة فإن قدمنا الأخت للأم على الأخت للأب فكذا هنا وإن قدمنا الأخت للأب فوجهان أحدهما تقدم الخالة للأم والعمة للأم وأصحهما تقديم التي هي لأب وفي الخالة لأب وجه أنها لا تستحق حضانة أصلا لأنها تدلي بأبي أم
فرع المنصوص أنه لا حضانة لكل جدة تسقط في الميراث وهي من
بذكر بين أنثيين وقيل لهن الحضانة لكن يتأخرن عن جميع المذكورات أولا وقيل يتقدمن على الأخوات والخالات لأنهن أصول ويتأخرن عن الجدات الوارثات وفي معنى الجدة الساقطة كل محرم يدلي بذكر لا يرث كبنت ابن البنت وبنت العم للأم


الأنثى التي ليست بمحرم كبني الخالة والعمة وبنتي الخال والعم لهن الحضانة على الأصح فإن كان الولد ذكرا استمرت حضانتهن حتى يبلغ حدا يشتهى مثله وتقدم بنات الخالات على بنات الأخوات وبنات العمات على بنات الأعمام وتقدم بنات الخؤولة على بنات العمومة

فرع لبنت المجنون حضانته إذا لم يكن له أبوان ذكره ابن كج
ولو كان للمحضون زوجة كبيرة وكان له بها استمتاع أو لها به استمتاع فهي أولى بكفالته من جميع الأقارب وإن لم يكن استمتاع فالأقارب أولى وكذا لو كان للمحضونة زوج كبير وهناك استمتاع فهو أولى وإلا فالأقارب فإن كان لها قرابة أيضا فهل يرجح بالزوجية وجهان
الضرب الثاني محض الذكور وهم أربعة أصناف الأول محرم وارث كالأب والجد والأخ وابن الأخ والعم فلهم الحضانة وحكى البغوي وغيره وجها أنه لا حضانة لغير الأب والجد من الرجال وقيل لا حضانة للأخ من الأم خاصة لعدم العصوبة والولاية والصحيح الأول فيقدم الأب ثم الجد وإن علا يقدم منهم الأقرب فالأقرب ثم الأخ للأبوين ثم الأخ للأب ثم الأخ للأم ثم بنو الإخوة على هذا الترتيب ثم العم للأبوين ثم العم للأب ثم عم الأب ثم عم الجد هذا هو المذهب وفي وجه يقدم الأخ للأم على الأخ للأب وفي وجه يتقدم العم على الأخ للأم لعصوبته وفي وجه يتقدم الأعمام على بني الإخوة من الأم


الصنف الثاني وارث غير محرم كابن العم وابنه وابن عم الأب والجد فلهم الحضانة على الصحيح وفيهم الوجه الذي حكاه البغوي ثم إن كان الولد ذكرا أو أنثى لا تشتهى سلمت إليه وإن بلغت حدا تشتهى لم تسلم إليه لكن له أن يطلب تسليمها إلى امرأة ثقة وتعطى أجرتها فإن كانت له بنت سلمت إليه وفي ثبوت الحضانة للمعتق وجهان أحدهما نعم كالإرث وولاية النكاح وتحمل الدية وأصحهما لا لعدم القرابة التي هي مظنة الشفقة فعلى هذا لو كانت له قرابة وهناك من هو أقرب منه فهل يرجح لانضمام عصوبة القرابة إلى عصوبة الولاء وجهان حكاهما الروياني مثاله عم وعم أب معتق
قلت الأصح لا يرجح
والله أعلم
الصنف الثالث محرم غير وارث كأبي الأم والخال والعم للأم وابن الأخت وابن الأخ للأم فلا حضانة لهم على الأصح لضعف قرابتهم فإن قلنا لهم حضانة تأخروا عن المحارم الوارثين وعن الوارثين الذين لا محرمية لهم
الصنف الرابع من ليس بمحرم ولا وارث من الأقارب كابن الخال والخالة والعمة فلا حضانة لهم على المذهب وقيل وجهان وإذا أثبتنا الحضانة لجميع المذكورين من الأصناف الأربعة تفريعا على المذهب في بعضهم وعلى الضعيف في بعضهم وتركنا التقسيم قلنا يقدم الأب ثم أب الأب وإن علا ثم الإخوة ثم بنوهم ثم الأعمام ثم بنوهم ثم أعمام الأب ثم بنوهم ثم أعمام الجد ثم بنوهم ثم الجد أبو الأم وكل جد يدلي بذكر بين أنثيين يقدم الأقرب منهم فالأقرب ثم الخال ثم العم للأم ثم ابن الخال ثم ابن العم للأم

ثم المعتق ثم عصباته ومنهم من يقتضي كلامه تأخر بني العم عن أعمام الأب والجد لأن لهم محرمية مع الإرث
الضرب الثالث في اجتماع الذكور والإناث فتقدم الأم على جميعهم حتى على الأب ثم أم الأم وإن علت تقدم على الأب وغيره فلو نكحت الأم ورضي أبو الولد وزوجها بكونه عندها سقط حق الجدة على الأصح وإذا اجتمع الأب والجدات من جهته قدم عليهن على الصحيح المنصوص لأنهن يدلين به وقيل يتقدمنه لولادتهن وصلاحيتهن وطرد هذا الخلاف في الأخت للأب مع الأب وإن كانت فرعا له لصلاحيتها وأما الأخت من الأبوين أو من الأم والخالة فإن قلنا بالقديم وقدمناهن على أمهات الأب قدمناهن على الأب وإن قدمنا أمهات الأب على الأخت والخالة يقدم الأب هنا على الأصح المنصوص وقيل يتقدمان عليه لأنوثتهما وإدلائهما بالأم فعلى هذا لو كانت مع الأب أو الأخت للأب والخالة أم الأب فوجهان قال الإصطخري الحضانة للأب لأن الأخت تسقط بأم الأب وهي تسقط بالأب وقال الأكثرون الحضانة للأخت لأنها مقدمة على الأب على الوجه الذي تفرع عليه وتسقط أم الأب بالأب
ولو اجتمع الأب والأخت للأب والأخت للأم وقلنا بالصحيح إن الأخت للأم مقدمة على الأخت للأب فهل الحضانة للأب أم للأخت للأم فيه هذان الوجهان فإذا قلنا بالصحيح في تقديم الأب على أمهاته وبالأصح في تقديمه على الأخت للأم والخالة فالمقدم بعد أمهات الأم الأب ثم أمهاته المدليات بالإناث ثم الجد أبو الأب وفيه مع أمهاته ما في الأب ثم أبو الجد وأمهاته كذلك ويتقدمون جميعا على الأقارب الواقعين على حواشي النسب وأما الجدات الساقطات فقد سبق الكلام في استحقاقهن وفي زينتهن وإذا لم يوجد مستحق للحضانة من الأجداد

والجدات فثلاثة أوجه أحدها نساء القرابة وإن بعدن أولى من الذكور وإن كانوا عصبات لصلاحيتهن فعلى هذا تقدم الأخوات والعمات والخالات وبناتهن على الإخوة والأعمام وبنيهم والثاني العصبات أولى لقوة نسبهم وقيامهم بالتأديب والثالث وهو الأصح لا يرجح واحد من الفريقين على الآخر بل يقدم منهم الأقرب فالأقرب فإن استوى اثنان قدم بالأنوثة فعلى هذا تقدم بعد الآباء والأمهات الإخوة والأخوات وتقدم الأخوات على الإخوة ثم بعد الإخوة بنات الأخوات ثم بنو الإخوة وتقدم بنت الأخ على ابن الأخت اعتبارا من يحضن لا بمن يدلي به فإن فقدوا كلهم فالحضانة للخؤولة ثم العمومة وتقدم الخالات على الأخوال والعمات على الأعمام فإن فقدوا فالحضانة لأولادهم على ما ذكرنا في أصولهم ثم لخؤولة الأبوين ثم لعمومتهما على هذا الترتيب وإذا استوى اثنان كأخوين أو خالتين وتنازعا أقرعنا وإذا لم يوجد أحد من نساء القرابة ولا من العصبات وهناك رجال من ذوي الأرحام فحكمهم ما ذكرنا في الصنف الرابع

فرع الأخت مع الجد كهي مع الأب

فرع لو كان في أهل الحضانة خنثى هل يتقدم على الذكر في
كان أنثى لتقدم لاحتمال الأنوثة أم لا لعدم الحكم بها وجهان
قلت الأصح الثاني
والله أعلم


وإذا أخبر عن ذكورته أو أنوثته عمل بقوله في سقوط الحضانة وهل يعمل بها في استحقاقها أم لا يعمل للتهمة وجهان حكاهما الروياني
قلت أصحهما يعمل وهو الجاري على قواعد المذهب في نظائره
والله أعلم


الباب السادس في نفقة المملوك
تجب على السيد نفقة رقيقه قوتا وأدما وكسوته وسائر مؤوناته قنا كان أو مدبرا أو أم ولد سواء الصغير والكبير والزمن والأعمى والسليم والمرهون والمستأجر وغيرهم فإن كان كسوبا فكسبه لسيده فإن شاء أخذه وأنفق عليه من سائر أمواله وإن شاء أنفق عليه من كسبه فإن لم يف بها فالباقي على السيد وإن زاد فالزيادة للسيد ولو اشترك جماعة في رقيق فالنفقة عليهم بحسب أنصبائهم ولا تجب نفقة المكاتب على سيده
قلت وهل يلزم السيد شراء الماء لطهارة رقيقه وجهان أصحهما نعم كفطرته والثاني لا لأن له بدلا وهو التيمم كما لا يلزمه دم بتمتعه بل يصوم
والله أعلم
فصل لا تتقدر نفقة الرقيق بل تعتبر الكفاية وفيما تعتبر به الكفاية
أوجه أصحها تعتبر كفايته في نفسه وتراعى رغبته وزهادته وإن زاد ذلك على كفاية مثله غالبا والثاني يعتبر ما يكفي مثله في الغالب ولا يعتبر نفسه وعن صاحب الحاوي إن كان يؤثر فقد الزيادة في قوته وبدنه لزمت السيد وإلا فلا وينبغي أن تجيء هذه الأوجه في نفقة القريب


فصل وأما جنس نفقة الرقيق فغالب القوت الذي يطعم منه المماليك في
البلد من الحنطة والشعير وغيرهما وكذا الأدم الغالب والكسوة من القطن والكتان والصوف وغيرها وتراعى حال السيد في اليسار والإعسار فيجب ما يليق بحاله من رفيع الجنس الغالب وخسيسه ولا يجوز الإقتصار في الكسوة على ستر العورة وإن كان لا يتأذى بحر ولا برد ولو تنعم السيد في الطعام والأدم والكسوة استحب أن يدفع إليه مثله ولا يلزمه بل له الإقتصار على الغالب ولو كان السيد يأكل ويلبس دون المعتاد غالبا إما بخلا وإما رياضة لزمه رعاية الغالب للرقيق على الصحيح وقيل له الإقتصار على ما اقتصر عليه لنفسه
فصل إذا كان له عبيد يستحب أن يسوي بينهم في الطعام والكسوة
النفيس على الخسيس والصحيح الأول وفي الجواري وجهان أحدهما يسوي بينهن كالعبيد وأصحهما يفضل ذوات الجمال والفراهة للعادة وهذا هو المنصوص وسواء فيه السرية وغيرها والمراد بالتسوية أنه يكره التفضيل وبالتفضيل أنه مستحب لا واجب
فصل إذا ولي رقيقه معالجة طعامه فجاءه به فينبغي أن يجلسه معه
منه فإن لم يفعل السيد أو امتنع الرقيق توقيرا للسيد فينبغي أن يروغ له السيد لقمة أو لقمتين ثم يناوله والترويغ أن

يرويها دسما وأشار الشافعي رضي الله عنه في ذلك إلى ثلاثة أقوال أحدها أنه يجب الترويغ والمناولة فإن أجلسه معه فهو أفضل والثاني يجب أحدهما لا بعينه وأظهرهما لا يجب واحد منهما والأمر بهما على الإستحباب ندبا إلى التواضع ومكارم الأخلاق ومنهم من قطع بنفي الوجوب وذكر قولين في أن الإجلاس أفضل أم هما متساويان والمذهب الأول وأصل هذا الإستحباب في مناولة الطعام اللذيذ يشمل من عالجه وغيره لكنه فيمن عالجه آكد ورعايته في حق الحاضرين أهم والخلاف في الوجوب مختص بمن عالجه وليكن ما يناوله لقمة كبيرة تسد مسدا لا صغيرة تهيج الشهوة ولا تقضي النهمة

فصل نفقة الرقيق لا تصير دينا بل تسقط بمضي الزمان ولو دفع
طعاما ثم أراد إبداله قال الروياني ليس له ذلك عند الأكل ويجوز قبله وعن الماوردي أنه إن تضمن الإبدال تأخر الأكل لم يجز
فصل إذا ولدت أمته أو أم ولده منه فله أن يجبرها على
لبنها ومنافعها له ولو أراد تسليم الولد إلى غيرها وأرادت هي إرضاعه فوجهان أحدهما له ذلك لأنها ملكه وقد يريد الإستمتاع بها واستخدامها وأصحهما ليس له وبه قطع في الوجيز لأن فيه تفريقا بين الوالدة وولدها لكن له أن يضمه في أوقات الإستمتاع إلى غيرها وليس له أن يكلفها إرضاع غير ولدها معه بأجرة ولا بغيرها

إلا أن يفضل لبنها عن ري ولدها لقلة شربه أو لكثرة اللبن أو لاجتزائه بغير اللبن في أكثر الأوقات ولو مات ولدها أو استغنى عن اللبن فله ذلك وله إجبارها على فطامه قبل الحولين إذا اجتزأ الولد بغير اللبن وعلى الإرضاع بعد الحولين وإن كان يجتزيء بغير اللبن إلا إذا تضررت به وليس لها الإستقلال بالفطام ولا الإرضاع

فرع الحرة صاحبة حق في تربية الولد فليس لواحد من الأبوين الإستقلال
بالفطام قبل تمام الحولين وعلى الأب الأجرة إذا امتنعت الأم من الفطام إما لها وإما لغيرها وذكر فيه احتمال إذا لم يتضرر به الولد وإن اتفقا عليه جاز إذا لم يتضرر الولد وأما بعد الحولين فيجوز لكل واحد منهما الفطام إذا اجتزأ بالطعام ويجوز أن يزاد في الإرضاع على الحولين إذا اتفقا
فرع لو لم يكن ولد الأمة من السيد بل مملوك له من
على السيد وحكم الإرضاع على ما ذكرنا وإن كان الولد حرا فله طلب الأجرة على الإرضاع ولا يلزمه التبرع به كما لا يلزم الحرة التبرع ولو رضي بأن ترضعه مجانا لم يكن لها الإمتناع
فصل تجوز المخارجة وهي ضرب خراج معلوم على الرقيق يؤديه كل يوم
أو أسبوع مما يكتسبه وليس للسيد إجبار العبد عليها ولا للعبد إجبار السيد كالكتابة وحكي قول مخرج أن للسيد إجباره كما

ينقل منافعه قهرا إلى غيره وليس بشىء وإذا تراضينا على خراج فليكن له كسب دائم يفي بذلك الخراج فاضلا عن نفقته وكسوته إن جعلهما في كسبه وإذا وفى وزاد كسبه فالزيادة بر من السيد لعبده وتوسيع للنفقة عليه وإذا ضرب عليه خراجا أكثر مما يليق وألزمه تأديته منعه السلطان ويجبر النقص في بعض الأيام بالزيادة في بعضها والمخارجة غير لازمة

فصل لا يجوز للسيد أن يكلف رقيقه من العمل إلا ما يطيق
فلا يجوز أن يكلفه عملا يقدر عليه يوما ويومين ثم يعجز عنه وإذا استعمله نهارا أراحه ليلا وكذا بالعكس ويريحه في الصيف في وقت القيلولة ويستعمله في الشتاء النهار مع طرفي الليل ويتبع في جميع ذلك العادة الغالبة وعلى العبد بذل المجهود وترك الكسل
فصل إذا امتنع من النفقة على مملوكه باع الحاكم ماله في نفقته
يبيع شيئا فشيئا أم يستدين عليه فإذا اجتمع عليه شىء صالح باع فيه وجهان
قلت الثاني أصح
والله أعلم
فإن لم يجد له مالا أمره بأن يبيعه أو يؤجره أو يعتقه فإن لم يفعل باعه الحاكم أو أجره فإن لم يشتره أحد أنفق عليه من بيت المال فإن لم يكن فيه مال فهو من محاويج المسلمين فعليهم القيام بكفايته


فصل من ملك دابة لزمه علفها وسقيها ويقوم مقام العلف والسقي تخليتها
لترعى وترد الماء إن كانت مما يرعى ويكتفى به لخصب الأرض ونحوه ولم يكن مانع ثلج وغيره فإن أجدبت الأرض ولم يكفها الرعي لزمه أن يضيف إليه من العلف ما يكفيها ويطرد هذا في كل حيوان محترم وإذا امتنع المالك من ذلك أجبره السلطان في المأكولة على بيعها أو صيانتها عن الهلاك بالعلف أو التخلية للرعي أو ذبحها وفي غير المأكولة على البيع أو الصيانة فإن لم يفعل ناب الحاكم عنه في ذلك على ما يراه ويقتضيه الحال وعن ابن القطان أنه لا يخليها لخوف الذئب وغيره فإن لم يكن له مال باع الحاكم الدابة أو جزءا منها أو اكراها فإن لم يرغب فيها لعمى أو زمانة أنفق عليها بيت المال كالرقيق
فرع يجوز غصب العلف للدابة إذا لم يجد غيره ولم يبعه صاحبه
غصب الخيط لجراحتها وفيهما وجه ضعيف
فرع يحرم تكليف الدابة ما لا تطيقه من تثقيل الحمل وإدامة السير
وغيرهما
قلت يحرم تحميلها ما لا تطيق الدوام عليه وإن كانت تطيقه يوما ونحوه كما سبق في الرقيق
والله أعلم
فرع لا يجوز نزف لبن الدابة بحيث يضر ولدها
وإنما يحلب ما فضل

عن ري ولدها قال الروياني ويعني بالري ما يقيمه حتى لا يموت وقد يتوقف في الإكتفاء بهذا قال المتولي ولا يجوز الحلب إذا كان يضر البهيمة لقلة العلف قال ويكره ترك الحلب إذا لم يكن فيه إضرار بها لأنه تضييع للمال قال والمستحب أن لا يستقصي في الحلب ويدع في الضرع شيئا وأن يقص الحالب أظفاره لئلا يؤذيها

فرع يبقى للنحل شيئا من العسل في الكوارة فإن كان أخذه العسل
الشتاء وزمن تعذر خروج النحل كان المتبقي أكثر وإن أقام شيئا مقام العسل لغذائها لم يتعين إبقاء العسل
فرع دود القز يعيش بورق التوت فعلى مالكه تخليته لأكله فإن عز
ولم يعتن المالك به بيع ماله في تحصيل الورق لئلا يهلك من غير فائدة فإذا جاء الوقت جاز تجفيفه بالشمس وإن كان يهلك لتحصل فائدته
فرع ما لا روح فيه كالعقار والقنى والزرع والثمار لا يجب القيام
بعمارتها ولا يكره ترك زراعة الأرض لكن يكره ترك سقي الزرع والأشجار عند الإمكان لما فيه من إضاعة المال قال المتولي ويكره أيضا ترك عمارة الدار إلى أن تخرب ولا يكره عمارات الدور وسائر العقار للحاجة والأولى ترك الزيادة وربما قيل تكره الزيادة وبالله التوفيق


كتاب الجنايات
وهي القتل والقطع والجرح الذي لا يزهق ولا يبين وقتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر
قلت قال البغوي هو أكبر الكبائر بعد الكفر وكذا نص عليه الشافعي في كتاب الشهادات من المختصر وتقبل التوبة منه
ولو قتل مسلم ثم مات قبل التوبة لا يتحتم دخوله النار بل هو في خطر المشيئة كسائر أصحاب الكبائر فإن دخلها لم يخلد فيها خلافا للمعتزلة والخوارج
والله أعلم
ويتعلق بالقتل الذي هو ليس مباحا سوى عذاب الآخرة مؤاخذات في الدنيا القصاص والدية والكفارة لكن لا يجتمع القصاص والدية لا وجوبا ولا استيفاء وأما الكفارة فأعم منهما فتجب مع كل واحد منهما وقد تنفرد عنهما
قلت ويتعلق به أيضا التعزير في صور منها إذا قتل من نساء أهل الحرب أو صبيانهم
والله أعلم
ثم القصاص لا يختص بالنفس بل يجري في غير النفس من الأطراف وغيرها والكلام فيه قسمان أحدهما في موجب القصاص والثاني في حكمه استيفاء وعفوا والأول نوعان قصاص نفس وقصاص طرف وجراحات فنذكر موجب القصاص وواجبه في النفس ثم في الطرف أما موجب القصاص في النفس فله ثلاثة أركان القتل والقتيل والقاتل
الركن الأول القتل وهو كل فعل عمد محض مزهق

للروح عدوان من حيث كونه مزهقا فهذا هو القتل الذي يتعلق به القصاص وقولنا كل فعل ليشمل الجرح وغيره وقولنا عدوان احتراز من القتل الجائز وقولنا من حيث كونه مزهقا احتراز عما إذا استحق حز رقبته قصاصا فقده نصفين فإنه لا يتعلق به قصاص وإن كان عدوانا لأنه ليس بعدوان من حيث كونه مزهقا وإنما هو عدوان من حيث إنه عدل عن الطريق المستحق فيحتاج إلى بيان العمدية والمزهق وتعلق القصاص بالمباشرة والسبب وحكم اجتماع السبب والمباشرة وبيان حكم اجتماع المباشرتين وبيان اجتماع السببين فأما اجتماع السببين فمؤخر إلى كتاب الديات وأما الأربعة الباقية فنعقد فيها أطرافا الطرف الأول في بيان العمدية وتمييز العمد من الخطأ وشبه العمد فإذا صدر منه فعل قتل غيره نظر إن لم يقصد أصل الفعل بأن زلق فسقط على غيره فمات به أو تولد الهلاك من اضطراب يد المرتعش أو لم يقصد الشخص وإن قصد الفعل بأن رمى صيدا فأصاب رجلا أو قصد رجلا فأصاب غيره فهذا خطأ محض لا يتعلق به قصاص وإن قصد الفعل والشخص معا فهذا قد يكون عمدا محضا وقد يكون شبه عمد وفي التمييز بينهما عبارات للأصحاب يجمعها أربعة أوجه أحدها أنه إذا وجد القصدان وعلمنا حصول الموت بفعله فهو عمد محض سواء قصد الإهلاك أم لا وسواء كان الفعل مهلكا غالبا أم نادرا كقطع الأنملة وإن شككنا في حصول الموت به فهو شبه عمد والثاني إن ضربه بجارح فالحكم على ما ذكرنا وإن ضربه بمثقل اعتبر مع ذلك في كونه عمدا أن يكون مهلكا غالبا فإن لم يكن مهلكا غالبا فهو شبه عمد واعترض الغزالي على الأول بأنه لو

ضرب كوعه بعصا فتورم الموضع ودام الألم حتى مات فقد علمنا حصول الموت به ولا قصاص فيه بل تجب الدية وعلى الثاني بأن العمدية أمر حسي لا يختلف بالجارح والمثقل وكما يؤثر الجارح في الظاهر بالشق يؤثر المثقل في الباطن بالترضيض وفي كلام الإمام نحو هذا والوجه الثالث واختاره الغزالي أن لإفضاء الفعل إلى الهلاك ثلاث مراتب غالب وكثير ونادر والكثير هو المتوسط بين الغالب والنادر ومثاله الصحة والمرض والجذام فالصحة هي الغالبة في الناس والمرض كثير ليس بغالب والجذام نادر فإن ضربه بما يقتل غالبا جارحا كان أو مثقلا فعمد وإن كان يقتل كثيرا فهو عمد إن كان جارحا كالسكين الصغير وإن كان مثقلا كالسوط والعصا فشبه عمد وإن كان يقتل نادرا فلا قصاص مثقلا كان أو جارحا كغرز إبرة لا يعقبه ألم ولا ورم والفرق بين الجارح والمثقل على هذا الوجه أن الجراحة لها أثر في الباطن قد يخفى ولأن الجرح وهو طريق الإهلاك غالبا بخلاف المثقل والوجه الرابع وهو الذي اقتصر عليه الجمهور أنه إن ضربه بما يقتل غالبا فعمد محض وإن لم يقتل غالبا فشبه عمد فهذه عبارات الأصحاب في التمييز والقصاص مختص بالعمد المحض دون الخطأ وشبه العمد

فرع جرحه بمحدد من حديد أو خشب أو حجر أو قصب أو
غيرها فمات في الحال أو بعد مدة بسراية تلك الجراحة وجب القصاص
والطعن بالسنان وغرز المسلة كالضرب بالسيف وهذا في الجراحات التي لها تأثير فأما إبانة فلقة من اللحم خفيفة فهو كغرز الإبرة كذا ذكره الإمام وإذا غرز إبرة فمات نظر إن غرزها

في مقتل كالدماغ والعين وأصل الأذن والحلق وثغرة النحر والأخدع وهو عرق العنق والخاصرة والإحليل والأنثيين والمثانة والعجان وهو ما بين الخصية والدبر وجب القصاص وإن غرزها في غير مقتل نظر إن ظهر أثر الغرز بأن تورم الموضع للإمعان في الغرز والتوغل في اللحم وبقي متألما إلى أن مات وجب القصاص على المذهب وحكى ابن كج وابن الصباغ فيه وجهين وإن لم يظهر أثر ومات في الحال فثلاثة أوجه أصحها لا يجب القصاص ولكنه شبه عمد فيجب الدية والثاني يجب القصاص والثالث لا يجب قصاص ولا دية وفي الرقم للعبادي أن الغرز في بدن الصغير والشيخ الهم ونضو الخلق يوجب القصاص بكل حال ولو غرز إبرة في جلدة العقب ونحوها ولم يتألم به فمات فلا قصاص ولا دية لعلمنا بأنه لم يمت به والموت عقبه موافقة قدر فهو كما لو ضربه بقلم أو ألقى عليه خرقة فمات في الحال

فرع لو ضربه بمثقل كبير يقتل غالبا كحجر أو دبوس كبيرين أو
أو صلبه أو هدم عليه حائطا أو سقفا أو أوطأه دابة أو دفنه حيا أو عصر خصيته عصرا شديدا فمات وجب القصاص وإن ضربه بسوط أو عصا خفيفة أو رماه بحجر صغير نظر إن والى به الضرب حتى مات أو اشتد الألم وبقي متألما حتى مات وجب القصاص وإن لم يوال واقتصر على سوط أو سوطين فإن كان في مقتل أو في شدة الحر أو البرد المعينين على الهلاك أو كان المضروب صغيرا أو ضعيفا بأصل الخلقة أو بعارض وجب القصاص لأنه مهلك غالبا وإن لم يكن شىء من ذلك فهو شبه عمد وإن خنقه أو وضع على فمه يده أو مخدة ونحوها حتى مات بانقطاع

النفس وجب القصاص وإن خلاه وهو حي وجب القصاص أيضا إن انتهى إلى حركة المذبوح أو ضعف وبقي متألما حتى مات وإن زال الضعف والألم ثم مات فقد انقطع أثر ذلك الفعل فإن كانت مدة الإمساك على الفم قصيرة لا يموت مثله في مثلها غالبا فهو شبه عمد

فرع لو ضربه اليوم ضربة وغدا ضربة وهكذا فرق الضربات حتى مات
حكاهما ابن كج لأن الغالب السلامة عند تفريق الضربات وقال المسعودي لو ضربه ضربة وقصد أن لا يزيد فشتمه فضربه ثانية ثم شتمه فضربه ثالثة حتى قتله فلا قصاص لعدم الموالاة وينبغي أن لا ينظر إلى صورة الموالاة ولا تقدر مدة التفريق بل يعتبر أثر الضربة السابقة والآلام الحاصلة بها فإن بقيت ثم ضربه أخرى فهو كما لو والى
فرع الضرب بجمع الكف كالضرب بالعصا الخفيفة

فرع لو سقاه دواء أو سما لا يقتل غالبا لكنه يقتل كثيرا
الإبرة في غير مقتل لأن في الباطن أغشية رقيقة تنقطع به وفي إلحاقه بالمثقل احتمال
فرع حبسه في بيت فمات جوعا أو عطشا نظر إن كان عنده
فلم يتناوله خوفا أو حزنا أو أمكنه طلبه ولو بالسؤال فلم يفعل لم يجب على حابسه قصاص ولا ضمان لأن المحبوس قتل نفسه وإن منعه الطعام والشراب ومنعه الطلب حتى مات نظر إن

مضت مدة يموت مثله فيها غالبا بالجوع أو العطش وجب القصاص وتختلف المدة باختلاف حال المحبوس قوة وضعفا والزمان حرا وبردا وإن لم تمض هذه المدة ومات فإن لم يكن به جوع أو عطش سابق فهو شبه عمد وإن كان به بعض جوع أو عطش ففي وجوب القصاص ثلاثة أقوال أظهرها أنه إن علم الحابس جوعه السابق لزمه القصاص وإلا فلا والثاني يجب القصاص في الحالين والثالث عكسه وشبهوا الجاهل بمن دفع رجلا دفعا خفيفا فسقط على سكين وراءه والدافع جاهل بها لا قصاص عليه فإن أوجبنا القصاص وجبت دية عمد بكمالها إن كان عالما ودية شبه عمد إن كان جاهلا وإن لم نوجب القصاص فقولان أحدهما تجب الدية بكمالها وإنما سقط القصاص للشبهة وأظهرهما وبه قطع الأكثرون تجب نصف دية العمد أو شبه العمد
ولو منعه الشراب دون الطعام فلم يأكل المحبوس خوفا من العطش فمات فلا قصاص قطعا ولا ضمان أيضا على الأصح وبه قطع البغوي لأنه المهلك نفسه وقال القفال يجب ولو حبسه وراعاه بالطعام والشراب فمات في الحبس فإن كان عبدا ضمنه باليد وإن كان حرا فلا ضمان أصلا سواء مات حتف أنفه أو بانهدام سقف أو جدار عليه أو بلسع حية ونحوها
ولو حبسه وعراه حتى مات بالبرد فهو كما لو حبسه ومنعه الطعام والشراب ذكره القاضي حسين
ولو أخذ طعامه أو شرابه أو ثيابه في مفازة فمات جوعا أو عطشا أو بردا فلا ضمان لأنه لم يحدث فيه صنعا

فرع لو سحر رجلا فمات سألناه فإن قال قتلته بسحري وسحري يقتل
لزمه القصاص وإن قال قد يقتل والغالب أنه لا يقتل فهو

إقرار بشبهة العمد وإن قال قصدت غيره فتأثر به لموافقة الإسم الإسم فهو إقرار بالخطإ وفي الحالين دية شبه العمد والخطأ يكون في ماله ولا يلزم العاقلة إلا أن يصدقوه وسيعود ذكر السحر إن شاء الله تعالى في كتاب الديات ثم في كتاب دعوى الدم ولنا وجه ضعيف مذكور هناك أن السحر لا حقيقة له فلا قصاص فيه
الطرف الثاني في بيان المزهق
فالفعل الذي له مدخل في الزهوق إما أن لا يؤثر في حصول الزهوق ولا في حصول ما يؤثر في الزهوق وإما أن يؤثر في الزهوق ويحصله وإما أن يؤثر في حصول ما يؤثر في الزهوق فأما الأول فكحفر البئر مع التردي أو التردية وكالإمساك مع القتل وأما الثاني فكالقد وحز الرقبة والجراحات السارية وأما الثالث فكالإكراه المؤثر في القد فالأول شرط والثاني علة والثالث سبب ولا يتعلق القصاص بالشرط ويتعلق بالعلة وكذا بالسبب على تفصيل وخلاف سنراه إن شاء الله تعالى
ثم السبب ثلاثة أضرب الأول ما يولد المباشرة توليدا حسيا وهو الإكراه فإذا أكرهه على قتل بغير حق وجب القصاص على الآمر على الصحيح المنصوص وبه قطع الجمهور وعن ابن سريج أنه لا قصاص لأنه متسبب والمأمور مباشر آثم بفعله والمباشرة مقدمة وقد سبق بيان حقيقة الإكراه في كتاب الطلاق والذي مال إليه المعتبرون هنا ورجحوه أن الإكراه على القتل لا يحصل إلا بالتخويف بالقتل أو ما يخاف منه التلف كالقطع والجرح والضرب الشديد بخلاف الطلاق وحكم الإكراه الصادر من الإمام أو نائبه أو المتغلب سواء فيما ذكرناه
الضرب الثاني ما يولدها شرعا وهو الشهادة فإذا شهدوا على

رجل بما يوجب قتله قصاصا أو بردة أو زنى وهو محصن فحكم القاضي بشهادتهم وقتله بمقتضاها ثم رجعوا وقالوا تعمدنا وعلمنا أنه يقتل بشهادتنا لزمهم القصاص ولو شهدوا بما يوجب القطع قصاصا أو في سرقة فقطع ثم رجعوا وقالوا تعمدنا لزمهم القطع وإن سرى فعليهم القصاص في النفس وإن رجع الشهود وقالوا لم نعلم أنه يقتل بقولنا أو رجع المزكي أو القاضي أو الوالي وحده أو مع الشهود فسيأتي بيان كل ذلك في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى
وإنما يجب القصاص على الشهود بالرجوع واعترافهم بالتعمد لا بكذبهم حتى لو تيقنا كذبهم بأن شاهدنا المشهود بقتله حيا فلا قصاص عليهم لاحتمال أنهم لم يتعمدوا ولا يلزمهم القصاص بالرجوع إلا إذا أخرجت شهادتهم مباشرة الولي عن كونها عدوانا أما إذا اعترف الولي بكونه عالما بكذبهم فلا قصاص عليهم وعلى الولي القصاص رجعوا أم لم يرجعوا
الضرب الثالث ما يولدها توليدا عرفيا كتقديم الطعام المسموم فإذا أوجروه سما صرفا أو مخلوطا وهو مما يقتل غالبا سواء كان موحيا أو غير موح فمات لزمه القصاص وإن كان لا يقتل غالبا وقد يقتل فهو شبه عمد فلا قصاص على المشهور وحكى ابن كج قولا إنه يجب القصاص لأن للسم نكاية في الباطن كالجرح فعلى المشهور لو كان السم لا يقتل غالبا لكن أوجره ضعيفا بمرض أو غيره ومثله يقتل مثله غالبا وجب القصاص ولو قال الموجر كان مما لا يقتل غالبا ونازعه الولي فالقول قول الموجر بيمينه فإن ساعدته بينة فلا يمين عليه وإن أقام الولي بينة على ما يقوله وجب القصاص ولو اتفقا على أنه كان من هذا السم الحاضر وشهد عدلان أنه يقتل غالبا وجب القصاص ولو قال لم أعلم أنه سم أو لم أعلم أنه يقتل غالبا ونازعه الولي فهل يصدق الموجر قولان قال الروياني

فيما إذا قال لم أعلم كونه قاتلا أظهرهما لا يصدق فيجب القصاص ولو لم يوجره السم القاتل لكن أكرهه على شربه فشربه قال الداركي وغيره في وجوب القصاص قولان أظهرهما الوجوب والوجه أن يكون هذا كإكراهه على قتل نفسه وسيأتي إن شاء الله تعالى

فرع لو ناوله الطعام المسموم وقال كله أو قدمه إليه وضيفه به
ومات به فإن كان صبيا أو مجنونا لزمه القصاص سواء قال لهما هو مسموم أم لا وذكروا مثله في الأعجمي الذي يعتقد أنه لا بد من الطاعة في كل ما يشار عليه به ولم يفرقوا بين الصبي المميز وغيره ولا نظروا إلى أن عمد الصبي عمد أم خطأ وللنظرين محال وإن كان بالغا عاقلا فإن علم حال الطعام فلا شىء على المناول والمقدم بل الآكل هو المهلك نفسه وإلا ففي القصاص قولان وهما جاريان فيما لو غطى رأس بئر في دهليزه ودعا إلى داره ضيفا وكان الغالب أنه يمر على ذلك الموضع إذا أتاه فأتاه وهلك بها أظهرهما لا قصاص وطرد البغوي القولين فيما لو قال كل وفيه شىء من السم لكنه لا يضرك وفيما إذا جعل السم في جرة ماء على الطريق فشرب منه ومات ولتكن الصورة فيما إذا كان على طريق شخص معين إما مطلقا وإما في ذلك الوقت وإلا فلا تتحقق العمدية فإذا قلنا لا قصاص وجبت الدية على الأظهر فإن هذا أقوى من حفر البئر وفي قول لا تجب تغليبا للمباشرة ولو دس السم في طعام رجل فأكله صاحبه جاهلا بالحال ومات فطريقان أصحهما أنه

على القولين إذا كان الغالب أنه يأكل منه والثاني القطع بالمنع لأنه لم يوجد منه تغرير ولا حمل على الأكل وإنما وجد منه إتلاف طعامه فعليه ضمانه ولو دسه في طعام نفسه فدخل شخص داره بغير إذنه وأكله فلا ضمان فإن كان الرجل ممن يدخل داره ويأكل انبساطا فهل يجري القولان في القصاص أم يقطع بنفيه طريقان

فصل فيما إذا جرى سبب وقدر المقصود على دفعه وفيه مسائل إحداها
جرحه جراحة مهلكة فلم يعالجها المجروح حتى مات وجب القصاص على الجارح لأن مجرد الجراحة مهلك بخلاف ما لو حبسه والطعام عنده فلم يأكل حتى مات لأن الحبس بمجرده ليس مهلكا
الثانية غرقه في ماء فإن أمسكه فيه حتى مات أو تركه وفيه حياة ولكن تألم به وبقي متألما حتى مات فعليه القصاص وإن ألقاه في الماء فمات به نظر إن كان الماء بحيث لا يتوقع الخلاص منه كلجة البحر التي لا تنفع فيها السباحة وجب القصاص سواء كان الملقى يحسن السباحة أم لا وإن كان يتوقع الخلاص منه فإن كان قليلا لا يعد مثله مغرقا بأن كان راكدا في موضع منبسط فمكث الملقى فيه مضطجعا أو مستلقيا حتى هلك فلا قصاص ولا دية فإنه المهلك نفسه ومثله لو فصده فلم يعصب نفسه حتى مات لأن الدفع موثوق به لكن لو كتفه وألقاه على هيئة لا يمكنه الخلاص فعليه القصاص وإن كان يعد مغرقا كالأنهار الكبار التي لا يخلص منها إلا بالسباحة فإن كان الملقى مكتوفا أو صبيا أو

زمنا أو ضعيفا أو قويا لا يحسن السباحة وجب القصاص وإن كان يحسنها فمنعه منها عارض موج أو ريح فلا قصاص ولكنه شبه عمد وإن ترك السباحة بلا عذر حزنا أو لجاجا ففي وجوب الدية وجهان أو قولان أصحهما لا تجب وقيل لا تجب قطعا وقيل عكسه ولا قصاص على المذهب وبه قطع الجمهور وقيل يجب إن أوجبنا الدية
المسألة الثالثة لو ألقاه في نار لا يمكنه الخلاص منها لعظمها أو كونها في وهدة أو كونه مكتوفا أو زمنا أو صغيرا فمات فيها أو خرج منها متأثرا متألما وبقي متألما إلى أن مات فعليه القصاص وإن أمكنه التخلص فلم يفعل حتى هلك فلا تجب الدية على الأظهر ولا قصاص على الصحيح ولكن يجب ضمان ما تأثر بالنار بأول الملاقاة قبل تقصيره في الخروج سواء كان أرش عضو أو حكومة قطعا

فرع قال الملقي كان يمكنه الخروج مما ألقيته فيه من ماء أو
فقصر وقال الولي لم يمكنه فأيهما يصدق بيمينه وجهان ويقال قولان لتعارض براءة الذمة مع أن الظاهر أنه لو تمكن لخرج
قلت الراجح تصديق الولي
والله أعلم
فرع كتفه وطرحه على الساحل فزاد الماء وهلك به إن كان في
زيادة الماء فيه كالمد بالبصرة وجب القصاص وإن كان قد

يزيد وقد لا يزيد فهو شبه عمد وإن كان بحيث لا يتوقع زيادته فاتفق سيل نادر فخطأ محض
الطرف الثالث في اجتماع السبب والمباشرة أو الشرط
أما الشرط والمباشرة إذا اجتمعا فالقصاص والدية يتعلقان بالمباشرة فقط فلو حفر بئرا في محل عدوان أو غيره فردى رجل فيها شخصا فالضمان على المردي دون الحافر ولو أمسك رجلا فقتله آخر فالضمان على القاتل ولا شىء على الممسك إلا أنه يأثم إذا أمسكه للقتل ويعزر
هذا في الحر أما لو كان المقتول عبدا فيطالب الممسك بالضمان باليد والقرار على القاتل ولو أمسك محرم صيدا فقتله محرم آخر فقرار الضمان على القاتل وتتوجه المطالبة على الممسك هذا هو المذهب وفيه خلاف سبق في الحج
ولو قدم صبيا إلى هدف فأصابه سهم كان أرسله الرامي قبل تقديم الصبي فقتله فالرامي كالحافر والمقدم كالمردي فعليه القصاص أما إذا اجتمع السبب والمباشرة فهو ثلاثة أضرب أحدها أن يغلب السبب المباشرة بأن أخرجها عن كونها عدوانا مع توليده لها مثل أن شهدوا عليه بما يوجب الحد فقتله القاضي أو جلاده أو بما يوجب القصاص فقتله الولي أو وكيله فالقصاص على الشهود دون القاضي والولي ونائبهما
الضرب الثاني أن يصير السبب مغلوبا بأن رماه من شاهق فتلقاه رجل بسيف فقده نصفين أو ضرب رقبته قبل وصوله الأرض فالقصاص على القاد ولا شىء على الملقي سواء عرف الحال أم لا وفي وجه يجب عليه الضمان بالمال لا بالقصاص والصحيح الأول
ولو ألقاه في ماء مغرق كلجة بحر فالتقمه حوت فعلى الملقي القصاص

على الصحيح المنصوص وخرج الربيع قولا إنه لا قصاص لكن تجب دية مغلظة وقيل إن التقمه الحوت قبل الوصول إلى الماء فلا قصاص كمسألة القاد وإلا فيجب والصحيح أنه لا فرق وفي كلام الشيخ أبي حامد وغيره من العراقيين ما يشعر بأن القولين في الإلتقام قبل وصوله الماء والقطع بوجوب القصاص إذا كان بعده وفرق الإمام بين مسألة القد والإلتقام بأن القد قتل صدر من فاعل مختار بفعل وروية فيقطع أثر السبب الأول والحوت يلتقم بطبعه كالسبع الضاري فلم يقطع أثر السبب الأول ولذلك قلنا لو أمسكه فقتله آخر فالقصاص على القاتل دون الممسك ولو أمسكه وهدفه لوثبة سبع ضار فافترسه فالقصاص على الممسك لأن الحيوان الضاري يفعل بطبعه عند التمكن وكأنه آلة لصاحب السبب الأول نازل منزلة ما لو ألقاه في بئر وكان في سفلها نصل منصوب فمات به فالقصاص على الملقي بخلاف ما إذا كان الطارىء فعل صاحب رأي فإنه يبعد تنزيله منزلة الآلة وبني على هذا أنه لو كان في سفل البئر حية عادية بطبعها أو نمر ضار فقتله وجب القصاص على المردي ولو كان هناك مجنون ضار على طبع السباع فكذلك وإن لم يكن ضاريا كان كالعاقل في إسقاط الضمان عن المردي فلم يجعل الهلاك الحاصل بالسبع الضاري كالتلقي بالسيف وأطلق البغوي نفي الضمان إذا افترسه السبع قبل أن يصل إلى الأرض ولا فرق في مسألة القد بين أن يكون القاد ممن يضمن أو ممن لا يضمن كالحربي ولو رفع الحوت رأسه فألقمه فاه لزمه القصاص بلا خلاف ولو ألقاه في ماء غير مغرق فالتقمه حوت فلا قصاص قطعا لأنه لم يقصد إهلاكه ولم يشعر بسبب الهلاك فأشبه ما لو دفع رجلا دفعا خفيفا فألقاه فجرحه بسكين كان هناك لم يعلم به الدافع

فلا قصاص ولكن تجب في الصورتين دية شبه العمد كذا ذكره ابن الصباغ والبغوي وغيرهما وحكاه ابن كج عن الأصحاب ثم قال ينبغي أن لا تتعلق به دية كما لا يتعلق به قصاص
الضرب الثالث أن يعتدل السبب والمباشرة كالإكراه فإذا أكره على القتل وجب القصاص على الآمر كما سبق وفي المأمور قولان أظهرهما وجوب القصاص أيضا لأنه آثم بالإتفاق بخلاف قتل الصائل وسواء في جريان القولين كان المكره سلطانا أو متغلبا وقيل هما في السلطان فإن كان متغلبا وجب القصاص قطعا فإن أوجبنا القصاص فآل الأمر إلى الدية فهي عليهما كالشريكين وللولي أن يقتص من أحدهما ويأخذ نصف الدية من الآخر وإن لم نوجب القصاص على المأمور ففي وجوب نصف الدية وجهان أحدهما لا يجب تنزيلا له منزلة الآلة وأصحهما يجب وهو المنصوص وبه قطع الأكثرون فإن أوجبناه وجبت الكفارة وحرم الميراث وهل تكون نصف الدية في ماله أم على عاقلته فيه تردد للإمام
قلت الأرجح أنه في ماله
والله أعلم
وإن قلنا لا دية وجبت الكفارة على الأصح لأنه آثم فإن أوجبنا الكفارة حرم الإرث وإلا فوجهان أصحهما الحرمان

فرع إذا أوجبنا القصاص على المكره والمكره جميعا وكان أحدهما مكافئا للمقتول
فإذا أكره عبد حرا

على قتل عبد أو ذمي مسلما على قتل ذمي وجب القصاص على الآمر دون المأمور ولو أكره حر عبدا على قتل عبد أو مسلم ذميا على قتل ذمي فالقصاص على المأمور ولو أكره الأب أجنبيا على قتل الولد أو الأجنبي الأب فالقصاص على الأجنبي

فرع إذا أكره بالغ صبيا مراهقا على قتل فلا قصاص على الصبي
المكره فيبنى على أن عمد الصبي عمد أم خطأ فإن قلنا عمد وهو الأظهر فعليه القصاص وإن قلنا خطأ فلا لأنه شريك مخطىء قال الإمام هذا إذا قلنا يجب القصاص على المكره والمكره وجعلناهما كالشريكين فأما إن قلنا لا قصاص على المكره ففي وجوب القصاص على المكره مع قولنا عمد الصبي خطأ وجهان وأما الدية فجميعها على المكره إن لم نوجب على المكره شيئا وإن أوجبنا عليه نصفها فنصفها على المكره ونصفها في مال الصبي إن قلنا عمده عمد وإن قلنا خطأ فعلى عاقلته ولو أكره مراهق بالغا فلا قصاص على المراهق وفي البالغ القولان إن قلنا عمد الصبي عمد وإن قلنا خطأ فلا قصاص قطعا لأنه شريك مخطىء
فرع أكره رجل رجلا على أن يرمي إلى طلل علم الآمر أنه
المأمور حجرا أو صيدا أو على أن يرمي سترة وراءها إنسان وعلمه الآمر دون المأمور فلا قصاص على المأمور ويجب على الآمر على الصحيح فإنه آلة له ووجه المنع أنه شريك مخطىء فإن آل الأمر إلى الدية فوجهان أحدهما تجب كلها على الآمر واختاره البغوي والثاني عليه نصفها وعلى عاقلة المأمور نصفها ولو أكرهه على أن يرمي إلى صيد فرمى وأصاب رجلا فقتله فلا قصاص على

واحد منهما لأنهما لم يتعمدا وأما الدية فجميعها على عاقلة الآمر إن لم نضمن المكره وإلا فعلى عاقلة كل واحد منهما نصفها ولو أكرهه على صعود شجرة أو نزول بئر ففعل فزلق وهلك فالصحيح أنه شبه عمد فلا قصاص لأنه لا يقصد به القتل غالبا وهذا هو الذي ذكره الفوراني والبغوي والروياني وقال الغزالي يجب القصاص

فرع لو قال اقتل نفسك وإلا قتلتك فقتل نفسه ففي وجوب القصاص
أظهرهما لا يجب فإن أوجبناه فعفي عنه على مال وجب جميع الدية وإن لم نوجبه فعليه نصف الدية إن أوجبنا الضمان على المكره وجميعها إن لم نوجبه ويجري القولان فيما لو أكرهه على شرب سم فشربه وهو عالم به وإن كان جاهلا فعلى المكره القصاص قطعا ولو قال اقطع يدك وإلا قتلتك فهو إكراه قطعا ذكره أبو الحسن العبادي
فرع قال اقتلني وإلا قتلتك فهذا إذن منه في القتل وإكراه ولو
الإذن فقتله المأذون له ففي وجوب الدية قولان مبنيان على أن الدية تجب للورثة ابتداء عقب هلاك المقتول أم تجب للمقتول في آخر جزء من حياته ثم تنتقل إليهم إن قلنا بالأول وجبت ولم يؤثر إذنه وإلا فلا وهذا الثاني أظهر كذا ذكره البغوي والغزالي وغيرهما لأنه ينفذ منها ديونه ووصاياه ولو كانت للورثة لم يكن كذلك وأما القصاص فلا يجب على المذهب وبه قطع الجمهور وعن سهل

الصعلوكي طرد الخلاف فيه ولو قال اقطع يدي فقطعها فلا قصاص ولا دية قطعا لأنه إتلاف مأذون فيه فصار كإتلاف ماله بإذنه ولو أذن عبد في القتل أو القطع لم يسقط الضمان وفي وجوب القصاص إذا كان المأذون له عبدا وجهان أما إذا انضم الإكراه إلى الإذن فسقوط القصاص أقوى وأما الدية فإن لم نوجبها عند تجرد الإذن فمع الإكراه أولى وإن أوجبناها بني على أن المكره هل عليه نصف الدية إن قلنا نعم فعليه نصفها وإلا فلا
واعلم أن الأئمة نقلوا أن المكره على قتله يجوز له دفع الآمر والمأمور جميعا وأنه لا شىء عليه إذا قتلهما وأن للمأمور دفع الآمر ولا شىء عليه إذا أتى الدفع على نفسه فعلى هذا إذا قتله دفعا ينبغي أن يحكم بأنه لا قصاص ولا دية بلا تفصيل ولا خلاف وقد أشار إلى هذا أبو الحسن العبادي فقال إذا قال اقتلني وإلا قتلتك فإن لم يقتله فهو استسلام وإن قتله فهو دفع ويمكن أن يقال موضع التفصيل والخلاف ما إذا أمكنه الدفع بغير القتل وإنما لا يلزمه شىء إذا لم يمكنه الدفع بغيره ولو قال اقذفني وإلا قتلتك فقذفه فقيل لا حد كما لو قال اقطعني قال البغوي والصحيح وجوبه لأنه قد يستعين بالغير في قتل نفسه وقطعه ولا يستعان به في القذف فجعل القاذف مبتدئا
قلت هذا الذي قاله البغوي عجب والصواب أنه لا حد
والله أعلم

فرع لو قال اقتل زيدا أو عمرا وإلا قتلتك فهذا ليس بإكراه
فمن قتله منهما كان مختارا لقتله وإنما المكره من حمل على

قتل معين لا يجد عنه محيصا وفي الرقم وجه أنه إكراه ونقله المتولي عن اختيار القاضي حسين وليجىء مثله في الطلاق والصحيح الأول فعلى هذا من قتله منهما لزمه القصاص ولا شىء على الآمر غير الإثم

فرع لو أكره رجلا على أن يكره ثالثا على قتل رابع ففعلا
على الآمر وفي الثاني والثالث القولان لأنهما مكرهان
فصل إذا أمره السلطان بقتل رجل ظلما فقتله المأمور نظر إن ظن
أنه يقتله بحق فلا شىء على المأمور لأن الظاهر أنه لا يأمر إلا بحق ولأن طاعة السلطان واجبة فيما لا يعلم أنه معصية واستحب الشافعي رحمه الله أن يكفر لمباشرته القتل وأما الآمر فعليه القصاص أو الدية والكفارة وإن علم المأمور أنه يقتله ظلما فهل ينزل أمره منزلة الإكراه وجهان ويقال قولان أحدهما لا وإنما الإكراه بالتهديد صريحا كما في غير السلطان فعلى هذا لا شىء على الآمر سوى الإثم ويلزم المأمور القصاص أو الدية والكفارة والثاني ينزل منزلة الإكراه لعلتين إحداهما أن الغالب من حالة السطوة عند المخالفة والثاني أن طاعته واجبة في الجملة فينتهض ذلك شبهة فإذا نزلناه منزلة الإكراه فعلى الآمر القصاص وفي المأمور القولان في المكره ولو أمره صاحب الشوكة من البغاة كان كأمر إمام العدل لأن أحكامه نافذة ولو أمره غير السلطان بالقتل بغير الحق كالزعيم والمتغلب فقيل نظر إن لم يخف من مخالفته المحذور فعلى المأمور القصاص أو الدية والكفارة وليس على الآمر إلا الإثم ولا

فرق بين أن يعتقده حقا أو يعرف كونه ظلما لأنه ليس بواجب الطاعة وإن كان يخاف من مخالفته المحذور بأن اعتيد منه ذلك ففيه الخلاف المذكور في الإمام أن المعلوم هل يجعل كالملفوظ به والقياس جعله كالملفوظ وإلى ترجيحه مال الغزالي وغيره وفي أمر السلطان مقتضى ما ذكره الجمهور تصريحا ودلالة لا ينزل منزلة الإكراه فحصل من هذا أن أمر السلطان من حيث هو سلطان لا أثر له وإنما النظر إلى خوف المحذور

فرع لو أمر السيد عبده بقتل رجل ظلما فقتله فإن كان العبد
لا يرى طاعة السيد واجبة في كل ما يأمره به فالقصاص على العبد ولا شىء على السيد سوى الإثم فإن عفا أو كان مراهقا تعلق الضمان برقبته وكذا لو أمره بإتلاف مال فأتلفه وإن كان صغيرا لا يميز أو مجنونا ضاريا أو أعجميا يرى طاعة السيد واجبة في كل شىء فهو كالآلة والقصاص أو الدية على السيد
وفي تعلق المال برقبة مثل هذا العبد وجهان أحدهما نعم لأنه متلف وأصحهما لا لأنه كالآلة فأشبه ما لو أغرى بهيمته على إنسان فقتلته لا يتعلق بها ضمان ولو أمر عبد غيره فكذلك الحكم إن كان العبد بحيث لا يفرق بين أمر سيده وغيره ويسارع إلى ما يؤمر به فإن قلنا يتعلق الضمان برقبته فبيع فيه فعلى الآمر قيمته للسيد وإذا لم تف قيمته بالواجب فعلى الآمر الباقي وكذا لو كان الآمر السيد وليس هذا التعلق كتعلق الأرش برقبة سائر العبيد ولو أمر أجنبي هذا العبد بقتل نفسه ففعل فعلى الآمر الضمان إن كان صغيرا أو مجنونا ولا يجب إن كان أعجميا لأنه لا يعتقد وجوب الطاعة في قتل

نفسه بحال لكن لو أمره ببط جراحة أو فتح عرق على مقتل وجب الضمان لأنه لا يظنه قاتلا فيجوز أن يعتقد وجوب الطاعة هكذا حكي عن النص فإن كان الأجنبي الآمر عبدا فليكن القصاص على هذا التفصيل كما سيأتي نظيره إن شاء الله تعالى

فرع لو أمر رجل صبيا أو مجنونا حرا بقتل شخص فقتله قال
كان لهما تمييز فلا شىء على الآمر سوى الإثم وتجب الدية في مال المأمور مغلظة إن قلنا عمده عمد وإن قلنا خطأ فعلى عاقلته مخففة وإن لم يكن لهما تمييز وكانا يسارعان إلى ما أغريا به أو كان المجنون ضاريا فالقصاص أو كمال الدية على الآمر وليا كان أو أجنبيا ولو أمر أحدهما بقتل نفسه ففعل فعلى الآمر القصاص ولو أن مثل هذا الصبي أو المجنون قتل أو أتلف مالا من غير أمر أحد ففي تعلق الضمان بهما الخلاف السابق في التعلق برقبة العبد لأنه يشبه إتلاف البهيمة العادية ذكره الشيخ أبو محمد
قلت قال أصحابنا لو أمر صبيا لا يميز بصعود شجرة أو نزول بئر ففعل فسقط فهلك فعلى عاقلة الآمر الدية
والله أعلم
فرع لو أكره رجل عبدا صغيرا مميزا على قتل فقتل فهل تتعلق
برقبته قال الإمام يبنى على أن المكره الحر هل تلزمه الدية إن قلنا نعم فنعم وإلا ففي التعلق برقبته الخلاف السابق في التعليق برقبة العبد الأعجمي لنزوله منزلة الآلة
فرع لو أمره الإمام بصعود شجرة أو نزول بئر فامتثل فهلك به

فإن قلنا : أمره ليس بإكراه فلا ضمان كما لو أمره أحد الرعية وإن قلنا إكراه فإن كان يتعلق بمصلحة المسلمين فالضمان على عاقلة الإمام أو في بيت المال فيه القولان المعروفان في نظائره وإن تعلق به خاصة فالضمان على عاقلته

فصل فيما يباح بالإكراه الإكراه على القتل المحرم لا يبيحه بل يأثم
بالإتفاق إذا قتل وكذا لا يباح الزنى بالإكراه ويباح بالإكراه شرب الخمر والإفطار في رمضان والخروج من صلاة الفرض وإتلاف مال الغير ويباح أيضا كلمة الكفر وفي وجوب التلفظ بهما وجهان أحدهما نعم حفظا لنفسه كما يجب أكل الميتة للضرورة والثاني وهو الصحيح لا يجب للأحاديث الصحيحة في الحث على الصبر على الدين واقتداء بالسلف فعلى هذا الأفضل أن يثبت ولا يتلفظ وإن قتل وقيل إن كان ممن يتوقع منه النكاية في العدو أو القيام بأحكام الشرع فالأفضل أن يتلفظ وإلا فالأفضل الإمتناع ولا يجب شرب الخمر عند الإكراه على الصحيح ويمكن أن يجيء مثله في الإفطار في رمضان ولا يكاد يجيء في الإكراه على إتلاف المال ثم إذا أتلف مال غيره بالإكراه فللمالك مطالبة المكره الآمر بالضمان وفي مطالبة المأمور وجهان أحدهما لا يطالب لأنه إتلاف مباح له بالإكراه وأصحهما يطالب لكنه يرجع بالمغروم على الآمر هذا هو المذهب وقيل إن الضمان على المأمور ولا رجوع له وقيل يتقرر الضمان عليهما بالسوية كالشريكين والقول في جزاء الصيد إذا قتله المحرم مكرها كالقول في ضمان المال


فرع ذكره الرافعي في مسائل منثورة قبل كتاب الديات

يجوز للمكره على إتلاف مال ولصاحب المال دفع المكره بما أمكنهما وليس لصاحب المال دفع المكره بل يلزمه أن يقي روحه بماله كما يناول المضطر طعامه
فصل إذا أنهشه حية أو ألدغه عقربا يقتل غالبا فقتلته وجب القصاص
وإن لم يقتل غالبا فهل هو عمد أم شبه عمد قولان أظهرهما الثاني وإن لم ينهشها ولكن ألقى الحية عليه أو ألقاه عليها أو قيده وطرحه في موضع فيه حيات وعقارب فقتلته فلا قصاص ولا ضمان سواء كان الموضع واسعا أو ضيقا لأنه لم يلجئها إلى قتله بل هي قتلته باختيارها فهو كالممسك مع القاتل
ولو عرضه لافتراس سبع يقتل غالبا كالأسد والنمر والذئب وهدفه له حتى صار السبع كالمضطر إلى قتله لزمه القصاص نص عليه فإن كان السبع مما لا يقتل غالبا فهو كالحية التي لا تقتل غالبا وإن أرسل عليه السبع أو أغرى به كلبا عقورا في موضع واسع كالصحراء فقتله أو طرحه في مسبعة أو بين يدي سبع في الصحراء مكتوفا أو غير مكتوف فقتله فلا قصاص ولا ضمان سواء كان المطروح صغيرا أو كبيرا لأنه لم يلجئه إلى قتله والذي وجد منه ليس بمهلك وهو كالممسك مع القاتل وفي الصبي وجه أنه يجب الضمان ولو أغراه به في موضع ضيق أو حبسه معه في بئر أو بيت فقتله وجب القصاص مكتوفا كان أو غير مكتوف لأنه إلجاء السبع إلى قتله وليس السبع كالحية

حيث لم يفرق فيها بين الموضع الواسع والضيق لأن الحية تنفر من الآدمي والسبع يقصده في المضيق ويتوثب وفي الموضع الواسع لا يقصده قصده في المضيق إنما يقصده دفعه ويمكن التحرز منه والفرار فهذا هو المنصوص والمذهب وبه قطع الجمهور وعن القاضي حسين أن الحية إن كانت تقصد ولا تنفر فهي كالسبع وأنها أنواع مختلفة الطباع وأن السبع إذا كان ضاريا شديد العدو ولا يتأتى الهرب منه في الصحراء وجب القصاص وجعل الإمام هذا بيانا لما أطلقه الأصحاب واستدراكا وأما البغوي وغيره فجعلوا المسألة مختلفا فيها وحكى ابن كج قولا أنه لو جمع بينه وبين حية في بيت وجب القصاص كالسبع وقولا أنه لا يجب في السبع وهما غريبان وحيث أوجبنا القصاص في الحية والسبع فذلك إذا قتل في الحال أو جرح جراحة تقتل غالبا أما إذا جرحه جرحا لا يقتل مثله غالبا فهو شبه عمد وكأن تلك الجراحة صدرت من المغري وإذا أمكن المغرى عليه الفرار فلم يفر قال الإمام هو كترك السباحة والمجنون الضاري في ذلك كالسبع ولو ربط في داره كلبا عقورا ودعا إليها رجلا فافترسه الكلب فلا قصاص ولا ضمان ولم يجعل على الخلاف السابق في حفر البئر في الدهليز وتغطية رأسها لأن الكلب يفترس باختياره ولأنه ظاهر يمكن دفعه بعصا وسلاح
الطرف الرابع في اجتماع مباشرتين فإذا صدر فعلان مزهقان من شخصين نظر إن وجدا معا فهما قاتلان سواء كانا مذففين بأن حز أحدهما رقبته وقده الآخر

نصفين أو لم يكونا بأن أجاف كل منهما أو قطعا عضوين ومات منهما وإن كان أحدهما مذففا دون الآخر فقياس ما سنذكره إن شاء الله تعالى أن يكون المذفف هو القاتل وإن طرأ فعل أحدهما على الآخر فله حالان
أحدهما أن يوجد فعل الثاني بعد انتهاء المجني عليه إلى حركة المذبوح إما عقب الفعل الأول لكونه مذففا وإما لسرايته وتأثيره فالقاتل هو الأول ولا شىء على الثاني سوى التعزير لأنه هتك حرمة ميت فعزر كما لو قطع عضو ميت والمراد بحركة المذبوح الحالة التي لا يبقى معها الإبصار والإدراك والنطق والحركة الإختياريان وقد يقد الشخص وتترك أحشاؤه في النصف الأعلى فيتحرك ويتكلم بكلمات لكنها لا تنتظم وإن انتظمت فليست صادرة عن روية واختيار والحالة المذكورة وهي التي تسمى حالة اليأس لا يصح فيها الإسلام ولا شىء من التصرفات ويصير فيها المال للورثة ولو مات قريب لمن انتهى إليها لم يورث منه ولو أسلم كافر أو عتق رقيق فيها لم يزاحم سائر الورثة وكما لا يصح فيها الإسلام لا تصح فيها الردة هذا هو الصحيح وبه قطع الأصحاب وفي كتاب ابن كج أنها تصح لأن الكافر يوقن حينئذ فإعراض المسلم قبيح وهذا ليس بشىء ومن قطع حلقومه ومريه أو أبينت حشوته من جوفه فقد انتهى إلى حركة المذبوح ولو أصاب الحشوة حرق أو قطع وتيقن موته بعد يوم أو يومين وجب القصاص على قاتله في ذلك الحال


الحال الثاني أن يوجد فعل الثاني قبل انتهائه إلى حركة المذبوح فينظر إن كان الثاني مذففا بأن جرحه الأول وحز الثاني رقبته أو قده فالقاتل هو الثاني وأما الأول فليس عليه إلا القصاص في العضو المقطوع أو المال على ما يقتضيه الحال ولا فرق بين أن يتوقع البرء من الجرح السابق لو لم يطرأ الحز وبين أن يستيقن الهلاك بعد يومين أو نحو ذلك لأن حياته في الحال مستقرة وتصرفاته نافذة وإن لم يكن الثاني مذففا أيضا ومات بسرايتهما بأن أجافاه أو قطع الأول يده من الكوع والثاني من المرفق فمات فهما قاتلان لأن القطع الأول قد انتشرت سرايته وألمه ولو شك في الإنتهاء إلى حركة المذبوحين عمل فيه بقول أهل الخبرة

فرع المريض المشرف على الموت يجب القصاص على قاتله قال القاضي وغيره
سواء انتهى إلى حالة النزع أم لا ولفظ الإمام أن المريض لو انتهى إلى سكرات الموت وبدت اماراته وتعثرت الأنفاس في الشراسيف لا يحكم له بالموت بل يلزم قاتله القصاص وإن كان يظن أنه في مثل حال المقدود وفرقوا بينهما بأن إنهاء المريض إلى تلك الحالة غير مقطوع به وقد يظن به ذلك ثم يشفى بخلاف المقدود ولأن المريض لم يسبق فعل بحال القتل وأحكامه عليه حتى يهدر الفعل الثاني والقد ونحوه بخلافه
فصل فيما إذا قتل إنسانا يظنه على حال وكان بخلافه وفيه مسائل
قتل من ظنه كافرا بأن كان عليه زي الكفار أو رآه يعظم آلهتهم فبان مسلما نظر إن كان ذلك في دار الحرب فلا

قصاص قطعا ولا دية على الأظهر وتجب الكفارة قطعا وإن كان في دار الإسلام وجبت الدية والكفارة قطعا وكذا القصاص على الأظهر فإن لم نوجبه فهل الدية مغلظة أم مخففة على العاقلة قولان
الثانية قتل من ظنه مرتدا أو حربيا فلم يكن فعليه القصاص فإن عهده مرتدا أو ظن أنه لم يسلم وكان أسلم فالنص وجوب القصاص ونص فيما لو عهده ذميا أو عبدا فقتله ظانا أنه لم يسلم ولم يعتق فبان خلافه أنه لا قصاص فقيل في الجميع قولان وقيل بظاهر النصين لأن المرتد يحبس فلا يخلى فقاتله مقصر بخلاف الذمي والعبد وقيل يجب القصاص في الجميع لأنه ظن لا يبيح القتل والمذهب وجوب القصاص في الجميع وإن أثبتنا الخلاف كما لو علم تحريم القتل وجهل وجوب القصاص ولو عهده حربيا فظن أنه لم يسلم فقيل كالمرتد وقيل لا قصاص قطعا لأن المرتد لا يخلى والحربي يخلى بالمهادنة ويخالف العبد والذمي فإنه ظن لا يفيد الحل والاهدار بخلاف الحربي ولو ظنه قاتل أبيه فقتله فبان غيره وجب القصاص على الأظهر لأنه يلزمه التثبت ولم يعهده قاتلا حتى يستصحبه ولو قال تبينت أن أبي كان حيا حين قتلته وجب القصاص قطعا وحيث قلنا لا قصاص في هذه الصور فقال ظننته كافرا أو رقيقا فقال الولي بل علمته مسلما حرا فالقول قول القاتل لأنه أعرف ونقل الغزالي في موضع القولين فيما إذا قال ظننته قاتل أبي طريقين أحدهما موضعهما إذا تنازعا أما إذا صدقه الولي فلا قصاص قطعا والثاني طرد القولين في الحالين لأنه ظن من غير مستند شرعي


الثالثة ضرب مريضا ضربا يقتل المريض دون الصحيح فمات منه فإن علم مرضه فعليه القصاص قطعا وكذا إن جهله على الصحيح لأن جهله لا يبيح الضرب
الركن الثاني القتيل
وشرط وجوب القصاص كونه معصوم الدم بالإسلام أو الجزية أو الأمان فالحربي مهدر والمرتد مهدر في حق المسلم وأما في حق ذمي ومرتد آخر ففيه خلاف يأتي قريبا إن شاء الله تعالى ومن عليه قصاص إذا قتله غير مستحقه لزمه القصاص والزاني المحصن إن قتله ذمي فعليه القصاص وإن قتله مسلم فلا على الأصح المنصوص
قلت قال القاضي أبو الطيب في تعليقه الخلاف إذا قتل قبل أن يأمر الإمام بقتله فإن قتل بعد أمر الإمام بقتله فلا قصاص قطعا
والله أعلم

فرع في فتاوى القفال أن من ترك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها
يؤمر بفعلها فلا يفعلها فقتله إنسان فلا قصاص وليكن هذا جوابا على الأصح المنصوص في الزاني المحصن قال فلو جن قبل فعلها لم يقتل في حال الجنون فلو قتله حينئذ رجل لزمه القصاص وكذا لو سكر ولو جن المرتد أو سكر فقتله رجل فلا قصاص لقيام الكفر


الركن الثالث القاتل
وشرطه أن يكون ملتزما للأحكام فلا قصاص على صبي ولا مجنون كما لا قصاص على النائم إذا انقلب على شخص لأنه ليس لهما أهلية الإلتزام ومن يقطع جنونه له حكم المجنون في حال جنونه وحكم العاقل في حال عقله ومن لزمه قصاص بإقرار أو بينة ثم جن استوفي منه حال جنونه لأنه لا يقبل الرجوع بخلاف ما لو أقر بحد ثم جن لا يستوفى منه والمذهب وجوب القصاص على السكران ومن تعدى بشرب دواء مزيل للعقل وفيه خلاف سبق في الطلاق

فرع لو قال القاتل كنت يوم القتل صغيرا وقال الولي بل بالغا
القاتل بيمينه لأن الأصل الصغر وهذا بشرط الإمكان ولو قال أنا الآن صغير صدق ولا قصاص ولا يمين عليه لأن اليمين لإثبات المحلوف عليه ولو ثبت صباه لبطلت يمينه ولو قال كنت مجنونا عند القتل وكان عهد له جنون صدق وإلا فلا لأن الأصل السلامة ولو اتفقا على أنه كان زائل العقل وقال القاتل كنت مجنونا وقال الوارث بل سكران صدق القاتل ولو أقام القاتل بينة أنه كان يوم القتل مجنونا وأقام الوارث بينة أنه كان حينئذ عاقلا تعارضتا
فرع يجب القصاص على المرتد والمعصوم لالتزامه الأحكام ولا يجب على الحربي
كما لا يضمن المال لعدم التزامه هذا هو الصحيح

وبه قطع الجمهور وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني يلزم الحربي ضمان النفس والمال لأنه مخاطب بفروع الشرع قال أبو الحسن العبادي ويعزى هذا إلى المزني في المنثور

باب مايشترط مساواة القتيل القاتل فيه
لوجوب القصاص وما لا يؤثر اختلافهما فيه الخصال التي يفضل القاتل القتيل بها كثيرة ولا يؤثر منها في منع القصاص إلا ثلاث وهي الإسلام والحرية والولادة فإن استوى القاتل والمقتول في عدم الثلاثة أو وجود ما يمكن وجوده جرى القصاص بينهما وإلا قتل المفضول بالفاضل ولا عكس
الخصلة الأولى الإسلام فلا يقتل مسلم بكافر حربيا كان أو ذميا أو معاهدا ويقتل الذمي والمعاهد بالمسلم ويقتل الذمي بالذمي وإن اختلفت ملتهما كيهودي ونصراني ولو قتل ذمي ذميا ثم أسلم القاتل اقتص منه ولو جرح ذمي ذميا أو معاهدا وأسلم الجارح ثم مات المجروح بالسراية وجب القصاص على الأصح عند الجمهور وقطع به جماعة وهذا الخلاف في قصاص النفس فإن جرح جرحا يوجب قصاصا كقطع طرف ثم أسلم القاطع ثم سرى وجب القصاص في الطرف قطعا ثم إذا طرأ إسلام القاتل بعد القتل أو بعد قطع الطرف استوفى الإمام القصاص بطلب الوارث ولا يفوضه إليه حذارا من تسليط الكافر على المسلم إلا أن يسلم فيفوضه إليه ولو قتل مسلم ذميا ثم ارتد أو جرحه ثم ارتد ثم مات المجروح فلا قصاص لعدم المكافأة حالة الجناية ولو قتل ذمي مسلما ثم أسلم لم يسقط عنه القصاص ولو قتل عبد مسلم عبدا مسلما لكافر فهل يثبت القصاص وجهان أحدهما وجوب

القصاص وبه قال الشيخ أبو حامد والماوردي وأصحهما عند المتأخرين وهو اختيار القاضي أبي الطيب والقفال لا قصاص لأنه لا يقتل بجزء الحرية جزء الحرية وبجزء الرق جزء الرق بل يقتل جميعه بجميعه ولهذا لو كان القتل خطأ أو آل الأمر إلى المال وأوجبنا نصف الدية ونصف القيمة مثلا لا نقول نصف الدية في مال القاتل ونصف القيمة في رقبته بل يجب ربع الدية وربع القيمة في ماله وربع الدية وربع القيمة في رقبته وهذا متفق عليه ولو وقع الإستيفاء شائعا لزم قتل البعض الحر بالبعض الحر والرقيق معا

فرع قتل عبد مسلم حرا ذميا أو حر ذمي عبدا مسلما أو
المسلم أو الإبن المسلم أباه الكافر لا قصاص لأن الحر والمسلم والأب لا يقتل بمفضوله
فرع قتل المكاتب أباه وهو يملكه فلا قصاص على الأصح ولو قتل
له غير أبيه فلا قصاص على المذهب وقيل وجهان لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم
قلت إذا أوجبنا القصاص استوفاه سيد المكاتب لأنهما عبدان للسيد قتل أحدهما الآخر فهو كما لو قتله أجنبي
والله أعلم
الخصلة الثالثة الولادة فلا قصاص على والد يقتل ولده والأم كالأب وكذلك الأجداد والجدات وإن علوا من قبل الأب والأم جميعا وحكى ابن القاص وابن سلمة قولا في الأجداد والجدات

وهو شاذ منكر قال الإمام هذا لايقبله الأصحاب منصوصا ولا مخرجا ولو حكم قاض بقتل الوالد بولده قال ابن كج ينقض حكمه وليكن هذا فيما يوافقنا فيه مالك رحمه الله فإنه روي عنه أنه إن أضجعه وذبحه فعليه القصاص وإن حذفه بالسيف فلا لاحتمال قصده التأديب وعندنا لا فرق

فرع يقتل الولد بالوالد وكذا سائر المحارم بعضهم ببعض

فرع قتل الأب الرقيق عبد ابنه فلا قصاص لأن قصاصه لإبنه ولو
الإبن الرقيق عبد أبيه فللأب القصاص
فرع لو قتل من يرثه ولد القاتل لم يجب القصاص مثاله قتل
أو زوجته وله منها ولد أو قتلت أم الولد سيدها وله منها ولد ولو ثبت عليه قصاص فورث ولده القصاص أو بعضه بأن قتل أبا زوجته ثم ماتت الزوجة ولها منه ولد أو قتل ابن عتيق ولده ثم مات العتيق وورثه الولد فلا قصاص وكذا لو ورث القاتل القصاص بأن قتل أحد الإبنين أباه ثم مات الإبن الآخر فورثه القاتل
فرع تداعى رجلان مولودا مجهولا ثم قتله أحدهما أو قتلاه فلا قصاص
في الحال فإن ألحقه القائف بأحدهما وكانا مشتركين في

القتل فلا قصاص على الذي ألحق به ويقتص من الآخر وحكى ابن كج وجها شاذا أنه لا يقتص من الآخر لأن إلحاق القائف مبني على الأشباه وهو ضعيف فلا يرتب عليه القصاص الذي يسقط بالشبهات وإن كان القاتل أحدهما فألحقه بالآخر اقتص منه وكذا لو ألحقه بغيرهما ويعود فيه وجه ابن كج وإن رجعا عن الدعوة لم يقبل رجوعهما لأنه صار ابنا لأحدهما وفي رجوعه إبطال حق الولد وإن رجع أحدهما وأصر الآخر فهو ابن الآخر فيقتص من الراجع إن اشتركا في قتله أو إن انفرد هو بقتله هذا إذا لحق المولود أحدهما بالدعوة أما إذا لحق بالفراش بأن نكحت معتدة وأتت بولد يمكن كونه من الأول ومن الثاني أو فرض وطء شبهة فإنما يتعين أحدهما بإلحاق القائف أو بانتساب المولود بعد بلوغه فلو نفاه أحدهما فهل يتعين للثاني أم يبقى الإبهام حتى يعرض على القائف أو ينتسب قولان أظهرهما ثانيهما فإذا ألحقه القائف بأحدهما اقتص من الآخر إن انفرد بقتله أو شارك فيه وإن ألحقه بأحدهما أو انتسب بعد البلوغ فقتله الذي لحقه لم يقتص منه فإن أقام الآخر بينة بنسبه لحقه واقتص من الأول

فرع أخوان لأب وأم قتل أحدهما الأب والآخر الأم فلهما حالان أحدهما
أن يقتلاهما معا والثاني على التعاقب والإعتبار في المعية والتعاقب بزهوق الروح لا بالجرح
الحال الأول أن يقتلاهما معا فكل واحد يستحق القصاص على الآخر فإن عفا أحدهما فللمعفو عنه أن يقتص من العافي وإن لم

يعف قدم للقصاص من خرجت قرعته وإذا استوفى أحدهما بقرعة أو بالمبادرة بلا قرعة فإن قلنا القاتل بحق لا يحرم الميراث ولم يكن المقتص محجوبا سقط القصاص عنه لأنه ورث القصاص المستحق على نفسه أو بعضه وإن قلنا يحرم الميراث وهو المذهب أو كان هناك من يحجبه فلوارث المقتص منه أن يقتص من المبادر
الحال الثاني أن يتعاقب القتلان فإن كانت الزوجية باقية بين الأب والأم فلا قصاص على القاتل أولا ويجب على القاتل الثاني فإذا اقتص القاتل الأول من الثاني وقلنا القاتل بحق يحرم الميراث أو كان المقتص محجوبا فلورثة المقتص منه نصيبه من دية القتيل الأول يطالبون به القاتل الأول وإن لم تكن الزوجية باقية بين الأب والأم فلكل واحد منهما حق القصاص على الآخر وهل يقدم بالقرعة أم يقتص من المبتدىء بالقتل وجهان ميل القاضي حسين والإمام إلى الأول وبالثاني أجاب الروياني وغيره
قلت لم يعبر عن ترجيح الوجهين بما ينبغي فقد قطع بالإقراع الشيخ أبو حامد والمحاملي وابن الصباغ وغيرهم وقطع بالثاني القاضي أبو الطيب والبغوي وغيرهما ونقله الإمام عن الأصحاب مع أنه رجح الإقراع والأرجح ما نقله عن الأصحاب
والله أعلم
ولو بادر من أردنا الإقتصاص منه بالقرعة أو لابتدائه بالقتل عاد النظر في أن القاتل هل يحرم الميراث وأنه هل خلف المقتول من يحجبه كما سبق وحكى الروياني عن الأصحاب فيما إذا وقع القتلان معا وأقرعنا للإبتداء فخرجت القرعة لأحدهما أنه لو وكل من خرجت قرعته وكيلا جاز لأنه يقتص له في حياته ولو وكل الآخر لم يجز لأنه يقتص له بعد قتله ولا تبقى الوكالة حينئذ قال

وعندي أن توكيله صحيح أيضا ولهذا لو بادر وكيله فقتل لم يلزمه شىء لكن إذا قتل موكله بطلت الوكالة
قلت ولو وكل كل واحد من الأخوين وكيلا قبل الإقراع صح ثم يقرع بين الوكيلين فإذا اقتص أحدهما انعزل الآخر
والله أعلم
ع فرع أربعة إخوة قتل الثاني أكبرهم ثم الثالث أصغرهم ولم يخلف القتيلان غير القاتلين فللثاني أن يقتص من الثالث ويسقط عن الثاني القصاص لأنه ورث ما كان الصغير يستحقه عليه

فرع قتل زيد ابنا لعمرو وعمرو ابنا لزيد وكل واحد من الأبوين
بالإرث فلكل واحد منهما القصاص على الآخر وحكى ابن كج عن ابن أبي هريرة وابن القطان أنه لا قصاص بينهما بل يقع التقاص والصحيح الأول ولا بد من مجيء هذا الوجه في الأخوين
قلت قد صرح صاحب البيان بنقل الوجه في الأخوين عن ابن اللبان
والله أعلم
فرع لو شهد الإبن على أبيه بما يوجب القتل قبلت شهادته على
ونقل ابن كج عن ابن أبي هريرة أنها لا تقبل
فرع يكره للجلاد قتل والده حدا وقصاصا


فصل فيما لا يؤثر اختلاف القاتل والمقتول فيه وفيه مسائل إحداها يقتل
للإمام ولو أسر الإمام حربيا بالغا فقتله ذمي قبل أن يرى الإمام إرقاقه أو غيره فلا قصاص لأنه على حكمه الذي كان حتى يرقه الإمام
الثانية يقتل الرجل بالمرأة وبالخنثى وبالعكس كما يقتل العالم بالجاهل والشريف بالخسيس والشيخ بالصبي والشاب وبالعكس
فرع فيما لو قطع ذكر خنثى مشكل وأنثياه وشفراه

وهو مبني على أصلين أحدهما أنه هل يجب القصاص في شفري المرأة فيه خلاف والثاني أن العضو الأصلي لا يقطع بزائد ويقطع الزائد بالزائد إذا اتحد المحل وسنذكر الأصلين إن شاء الله تعالى فإذا قطع رجل ذكر خنثى مشكل وأنثييه وشفريه فلا قصاص في الحال لاحتمال أنه إمرأة ثم إن صبر المقطوع إلى التبين فذاك فإن بان ذكرا اقتص في الذكر والأنثيين وأخذ حكومة الشفرين وإن بان أنثى فلا قصاص وله دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين وإن لم يصبر نظر إن قال عفوت عن القصاص وطلب حقه من المال أعطي المستيقن وهو دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين ثم إن بان أنثى فمعه حقه وإن بان ذكرا فله مائتان من الإبل عن الذكر والأنثيين وله حكومة الشفرين فيحسب ما كان معه ويعطى الباقي وحكى الإمام وجها أنه

إنما يعطى في الإبتداء حكومة كل عضو لأنه المتيقن في ذلك العضو فلا نوجب دية الشفرين قال وهذا ضعيف لأن استحقاق القدر المذكور متيقن وإن لم تتحقق جهته وإنما يصح ذلك إذا تعدد الجاني فقطع قاطع ذكره وأنثييه وآخر شفريه وعفا عن القصاص فلا نوجب على كل واحد إلا حكومة ما قطعه وأما إذا لم يعف عن القصاص وطلب ما يجب له من المال مع القصاص فوجهان أحدهما لا نعطي شيئا قاله ابن أبي هريرة والقفال لأنا لا ندري ما الواجب وأصحها يعطى المستيقن مع القصاص وفي قدره ثلاثة أوجه أحدها أقل الحكومتين من حكومة الشفرين على تقدير الذكورة وحكومة الذكر والأنثيين على تقدير الأنوثة والثاني حكومة العضو المقطوع آخرا لأنه قطعه والدم سائل من الأول فحكومته أقل وأصحهما يعطى أقل الأمرين من حكومة الشفرين بتقدير الذكورة وحكومة الذكر والأنثيين مع دية الشفرين أما إذا قطعت إمرأة ذكر الخنثى وأنثييه وشفريه فإن صبر إلى التبين توقفنا كما في الرجل فإن بان ذكرا فله ديتان للذكر والأنثيين وحكومة الشفرين وإن بان أنثى فلها حكومة الذكر والأنثيين والقصاص في الشفرين إن أجرينا فيهما القصاص وإلا فلها ديتهما أيضا وإن لم يصبر بني على أن القصاص هل يجري في الشفرين إن قلنا نعم قيست الصورة بما ذكرنا في الرجل فإن عفا عن القصاص سلم إليه دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين وإن لم يعف ففي وجه لا يعطى شيئا وفي وجه يعطى أقل الحكومتين وفي وجه حكومة المقطوع آخرا وفي وجه حكومة الذكر والأنثيين ليوقع القصاص في الشفرين وإن قلنا لا يجري القصاص فيهما فالحكم كما لو أجريناه فعفا ولو قطع رجل ذكره وأنثييه وإمرأة شفريه ولم يعف لم يطالب واحد منهما

بمال لتوقع القصاص في حق كل واحد بناء على جريان القصاص في الشفرين فإن منع فلا يوقع فيهما فتجب حكومتهما على المرأة وإن قطع رجل شفريه وإمرأة ذكره وأنثييه فلا مجال للقصاص فيطالب كل واحد بحكومة ما قطع ولو قطع مشكل جميع ذلك من مشكل فلا قصاص في الحال فإن بانا ذكرين أو أنثيين قطع الأصلي بالأصلي والزائد بالزائد إن تساوى الزائدان وإلا ففي الزائد الحكومة وإن بان أحدهما ذكرا والآخر أنثى فقد سبق حكمه ولو عفا المقطوع قبل التبين دفع إليه المتيقن وهو دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين وإن لم يعف فقد نقل الإمام وأبو الحسن العبادي أنه يدفع إليه أقل الحكومتين والصحيح أنه لا يدفع إليه شىء في الحال لأن القصاص متوقع في الجميع وبيان حال الخنثى قد يكون بشىء من العلامات الحسية كالبول والمني ونحوهما فحكمه كما ذكرنا وقد يكون بالرجوع إلى قوله وإخباره عن ميله إلى الرجال أو النساء فإن أخبر عن حاله ثم جني عليه اعتمدنا قوله فإذا قال أنا رجل ثم قطعه رجل أوجبنا القصاص وإن جني عليه ثم قال أنا رجل فهل يقبل قوله لإيجاب القصاص ولإيجاب دية الذكر والأنثيين فيه وجهان أحدهما نعم كما قبل الجناية وأصحهما على ما ذكره القفال والإمام المنع لأنه متهم وشبهوا بما إذا شهد برؤية هلال شوال فردت شهادته ثم أكل لا يعزر ولو أكل ثم شهد عزر للتهمة وبما لو ثبت بشهادة رجل وامرأتين أنه غصب ثم قال إن كنت غصبت فامرأتي طالق يقع الطلاق ولو قال أولا إن غصبت فهي طالق فشهد رجل وامرأتان بغصبه لا تطلق على الأصح ولو اختلف الجاني والمقطوع فقال الجاني أقررت بأنك إمرأة فلا قصاص لك وقال بل قلت إني رجل فقولان وأظهرهما القول قول الجاني لأن

الأصل براءته من القصاص وهذا نصه في مواضع والثاني قول المقطوع لأنه أعرف بحاله

فرع لو قطع الخنثى المشكل ذكر رجل وأنثييه وقف فإن بان ذكرا
منه وإن بان أنثى فعليه ديتان ولا قصاص فإن طلب منه مالا قبل التبين ولم يعف لم يعط لأن القصاص متوقع
فرع لو قطعت يد الخنثى وجب القصاص سواء قطعها رجل أو إمرأة
آل الأمر إلى المال لم يؤخذ إلا اليقين وهو نصف دية المرأة وكذا لو قتل لا تؤخذ إلا دية إمرأة
المسألة الثالثة إذا قتلت الجماعة واحدا قتلوا به سواء قتلوه بمحدد أو مثقل أو ألقوه من شاهق أو في بحر أو جرحوه جراحات مجتمعة أو متفرقة وأثبت ابن الوكيل قولا أن الجماعة لا يقتلون بالواحد ونقل الماسرجسي عن القفال قولا قديما أن الولي يقتل واحدا من الجماعة أيهم شاء ويأخذ حصة الآخرين من الدية ولا يقتل الجميع ويكفي للزجر كون كل واحد منهم خائفا من القتل وهذان القولان شاذان واهيان والمشهور قتل الجماعة بالواحد ثم للولي أن يقتل جميعهم وله أن يقتل بعضهم ويأخذ حصة الباقين من الدية وله أن يقتصر على الدية فتكون على جميعهم دية واحدة موزعة على عددهم سواء كانت جراحة بعضهم أفحش أو عدد جراحات بعضهم أكثر أم لم يكن شىء من ذلك وسواء كان لجراحة بعضهم أرش مقدر أم لم يكن ثم إذا كانت الجماعة عشرة مثلا فالولي يستحق دم كل واحد بكماله وعن الحليمي أنه إنما يستحق عشر دم كل

واحد لكنه يجوز قتله لأنه لا يمكن استيفاؤه إلا باستيفاء الباقي والصواب الأول وبه قطع الجمهور قال الإمام قول الحليمي بعيد وكيف يريق تسعة أعشار دم غير مستحقة لتحصيل عشر
المسألة الرابعة إذا قتل واحد جماعة يقتل بأحدهم ووجبت دية الباقين في ماله وسيأتي القول فيمن يقتل به في بابه إن شاء الله تعالى ولو قطع أيدي جماعة قطع بواحد وللباقين الدية وحكى الروياني وجها أنه إذا وقعت الجنايات معا قتل أو قطع بهم جميعا ويرجع كل واحد من المستحقين إلى حصته من الدية وهذا شاذ ضعيف هذا إذا كان القاتل حرا وقتل الجماعة في غير المحاربة فإن كان عبدا أو قتل في المحاربة فسيأتي إن شاء الله تعالى

فصل في اجتماع سببين مختلفين في اقتضاء القصاص الجنايات الصادرة من
لو انفردت كل واحدة وجب القصاص على الشركاء كما سبق وإلا فإما أن لا يجب القصاص بواحدة منها لتقاعد الفعل عن إيجاب القصاص بأن قتلوه خطأ أو لعدم الكفاءة بأن قتل حران عبدا فلا قصاص وإما أن يجب القصاص ببعضها دون بعض ولعدم الوجوب في حق البعض أسباب أحدها أن تكون جناية بعضهم ضعيفة لا تؤثر في الزهوق كالخدشة الخفيفة فلا اعتبار بها وكأنه لم توجد سوى الجنايات الباقية
الثاني أن يغلب بعضها بقوته بحيث يقطع نسبة الزهوق إلى سائر الجنايات بأن جرحه جماعة ثم حز رقبته آخر فقصاص النفس على الحاز وأما الأولون فجارحون يتعلق بفعلهم مقتضاه من قصاص أو دية مغلظة أو مخففة وقد سبق بيانه في الطرف

الرابع من الركن الأول وعد من نظائره أن يصعد به على كرسي ويربط في عنقه حبلا ويشده إلى فوق فيجيء آخر فينحي ما تحت قدميه فالقاتل هو المنحي
الثالث أن تندمل بعض الجراحات ثم يوجد الباقي فعلى من اندملت جراحته ما تقتضيه جراحته ولا يلزمه قصاص النفس لأن القتل هو الجراحة السارية وإذا جرحه اثنان متعاقبان وادعى الأول الإندمال وأنكر الولي فلا قصاص على الأول وإذا عفا عن الثاني لم يأخذ منه إلا نصف الدية وإنما يأخذ منه كمال الدية إذا قامت بينة بالإندمال الرابع أن يكون فعل أحدهما خطأ بأن جرحه أحدهما عمدا والآخر خطأ فلا قصاص على واحد منهما وعلى عاقلة المخطىء نصف دية الخطأ وفي مال العامد نصف دية العمد إن كانت جناية لا توجب قصاصا أو آل الأمر إلى الدية فإن قطع طرفا فعليه قصاصه وكذا لو جرح أحدهما عمدا والآخر شبه عمد لا قصاص على واحد منهما وتجب نصف دية شبه العمد على عاقلة صاحبه وحكى الروياني في جمع الجوامع أنه قيل إن للشافعي رحمه الله قولا أنه يجب القصاص على شريك المخطىء ذكره المزني في العقارب وتمنى الإمام أن يكون هذا قولا في المذهب والمشهور المنصوص في كتب الشافعي وقطع به الأصحاب أنه لا قصاص
الخامس أن يمتنع القصاص من بعضهم لمعنى فيه فله حالان أحدهما أن يكون فعل من لا قصاص عليه مضمونا بأن شارك الأب أجنبيا في قتل الولد فعلى الأجنبي القصاص وعلى الأب نصف الدية المغلظة ومثله لو شارك حر عبدا في قتل عبد أو مسلم ذميا في قتل ذمي لا قصاص على الحر والمسلم ويجب على العبد والذمي ولو جرح ذمي ذميا ثم أسلم المجروح فجرحه مسلم أو

جرح عبد عبدا ثم عتق المجروح فجرحه حر ومات منهما فعليهما القصاص لأن كل واحد لو انفرد بجنايته لزمه القصاص
الحال الثاني أن لا يكون مضمونا بأن جرح حربي ومسلم مسلما ومات منهما أو قطعت يد إنسان في سرقة أو قصاص ثم جرحه رجل عدوانا أو جرح مسلم مرتدا أو حربيا ثم أسلم فجرحه غيره أو جرح ذمي حربيا ثم عقدت الذمة للمجروح فجرحه ذمي آخر أو جرح صائلا ثم جرحه غيره ففي وجوب القصاص في الصور قولان أظهرهما الوجوب كشريك الأب والثاني لا بل عليه نصف الدية ولو جرحه سبع أو لدغته عقرب أو حية وجرحه مع ذلك رجل فطريقان أشهرهما طرد القولين والثاني القطع بأن لا قصاص وهذا أصح عند القاضي حسين والإمام والغزالي وموضع الطريقين فيما يقتضيه كلام الإمام أن يقصد السبع الجراحة فأما إذا وقع السبع عليه بلا قصد فلا قصاص قطعا وقال البغوي لا فرق بين أن يقصده السبع بالجرح أم لا ففيه الطريقان ثم الخلاف فيما إذا كان جرح السبع بحيث يحصل منه الموت غالبا وإلا فشريكه شريك الجارح شبه عمد ولو جرح رجل عبده وجرحه عبد أو عتق فجرحه عبد أو حر ثم مات منهما ففي وجوب القصاص على شريك السيد طريقان أشهرهما طرد القولين والثاني القطع بالوجوب لأن فعل السيد مضمون بالكفارة فشريكه شريك عامد ضامن كشريك الأب ولو جرح نفسه وجرحه غيره بني على أن قاتل نفسه هل عليه كفارة إن قلنا نعم فكشريك السيد وإلا فكشريك الحربي وكيف كان فالمذهب الوجوب ولو رمى اثنان سهمين إلى مسلم في صف الكفار وقد علم أحدهما أنه مسلم ولم يعلم

الآخر أن هناك مسلما فوجوب القصاص على العالم مبني على الخلاف في شريك السيد لأن فعل الجاهل مضمون بالكفارة

فرع وجوب القصاص على شريك الصبي والمجنون العامدين يبنى على أن عمدها
مطلقون وعن القفال وغيره أن الخلاف في صبي يعقل عقل مثله وفي مجنون له نوع تمييز فأما من لا تمييز له بحال فعمده خطأ وشريكه شريك مخطىء قطعا وعلى هذا جرى الأئمة منهم البغوي
فرع إذا جرح شخص شخصا جراحتين إحداهما عمد والأخرى خطأ فمات بهما
فلا قصاص في النفس لأن الزهوق لم يحصل بعمد محض وتجب نصف الدية المغلظة في ماله ونصف المخففة على عاقلته وقد يتعلق القصاص بجراحة العمد بأن تكون قطع طرف وكذا لو جرح حربيا أو مرتدا فأسلم فجرحه ثانيا أو قطع يد إنسان قصاصا أو بسرقة ثم جرحه أو قطع يده الأخرى ظلما أو قطع الصائل دفعا فلما ولى جرحه أو قطع يده الأخرى فلا قصاص في النفس ويثبت موجب الجراحة الواقعة في حال العصمة من قصاص أو دية مغلظة وكذا لو جرح العادل الباغي في القتال ثم جرحه بعده أو السيد عبده ثم جرحه بعد عتق أو جرح حربي مسلما ثم أسلم الجارح وجرحه ثانيا ولو قطع مسلم يد ذمي فأسلم فقطع يده الأخرى أو حر يد عبد فعتق فقطع يده الأخرى ومات بالسراية فلا قصاص في النفس

ويجب قصاص الطرف المقطوع بعد الإسلام والحرية فإن اقتص في الطرف أخذ نصف الدية وإن عفا أخذ دية حر مسلم ولو قطع ذمي يد ذمي فأسلم القاطع ثم قطع يده الأخرى ومات بالسراية فلا قصاص في النفس ويجب قصاص الطرف المقطوع أولا فإن عفا المستحق أخذ دية ذمي

فرع إذا داوى المجروح نفسه بسم قاتل بأن شربه أو وضعه على
فإن كان السم مذففا فالمجروح قاتل نفسه وليس على الجارح قصاص في النفس وإنما عليه أرش جراحته أو القصاص إن تعلق بها قصاص طرف وإن كان السم مما لا يقتل غالبا فالجارح شريك لصاحب شبه عمد فلا قصاص عليه في النفس بل عليه نصف الدية المغلظة أو القصاص في الطرف إن اقتضته وإن كان السم قاتلا غالبا فإن لم يعلم المجروح ذلك فهو كالحالة الثانية وإن علمه ففي وجوب القصاص على الجارح طريقان أصحهما أنه كشريك جارح نفسه والثاني لا يجب قطعا لأنه شريك مخطىء لكونه قصد التداوي لا الإهلاك
فرع لو خاط جرحه في لحم ميت لم يؤثر لأنه لا يؤلم
أو كمال الدية وإن خاطه تداويا في لحم حي وكان ذلك مما يقتل غالبا ففي وجوب القصاص على الجارح الطريقان في التداوي بالسم القاتل غالبا وفي الصورتين لا فرق بين أن يفعل المجروح ذلك بنفسه أو يأمر به ولا شىء على المأمور ولو استقل به غيره فهو والأول جارحان متعديان ولو تولاه الإمام في مجروح فإن كان بالغا رشيدا فكذلك لأنه لا ولاية له عليه وإن كان صغيرا أو مجنونا

فداواه لمصلحته فمات ففي وجوب القصاص على الإمام قولان كما لو قطع سلعة من صغير أو مجنون فمات منه فإن قلنا لا قصاص وجب نصف دية مغلظة وهل هي على عاقلة الإمام أم في بيت المال فيه القولان المعروفان وحكم الجارح يبنى على الخلاف فيما إذا تولاه المجروح بنفسه فإن جعلنا وجوب القصاص عليه على الخلاف في مشاركة العامد الذي لا يضمن لم يجب هنا القصاص لأنه شارك من فعله مضمون بالقصاص أو الدية وإن نزلنا المجروح منزلة المخطىء لقصده التداوي ولم نوجب القصاص على شريكه فكذا هنا ولو قصد الخياطة في لحم ميت فغلط وخاط في حي فالجارح شريك مخطىء قطعا قال القفال وكذا لو قصد الخياطة في الجلد فغلط وأصابت الإبرة اللحم وأما الكي فكالخياطة فينظر أكوى لحما ميتا أو حيا يؤلم وله سراية ولا اعتبار بالمداواة بما لا يضر ولا يخشى منه هلاك ولا بما على المجروح من قروح ولا بما به من مرض وضنى

فرع قطع أصبع رجل فتآكل موضع القطع فقطع المقطوع كفه خوفا من
نظر إن لم يتآكل إلا موضع القطع فليس على الجاني إلا القصاص في الأصبع أو أرشها إن لم يسر إلى النفس فإن سرى ففي وجوب القصاص على الجاني في النفس الخلاف المذكور في الخياطة وإن سرت الجناية إلى الكف ثم قطعها نظر أقطع في لحم ميت أم في حي ويكون الحكم كما ذكرنا في الخياطة ولو جرح عضوا فداواه المجروح فتآكل العضو فسقط فإن كان ما داواه به لا يورث التآكل فعلى الجارح ضمان العضو وإن كان يورث التآكل فليس عليه إلا أرش الجراحة فلو قال الجاني داويت بما يحدث منه التآكل وأنكر المجني عليه صدق المجني عليه بيمينه لأن الجناية معلومة وغيرها

من الأسباب غير معلوم قال البغوي ويحتمل أن يقال المصدق الجاني بيمينه لأن الأصل براءته ولو قطع يد إنسان ومات المقطوع فقال الوارث مات بالسراية وقال الجاني بل قتل نفسه فأيهما المصدق بيمينه وجهان أصحهما الوارث وهو نصه في الأم

فرع ضرب جماعة رجلا بسياط أو عصى خفيفة حتى قتلوه نظر إن
كل واحد منهم قاتلة لو انفردت فعليهم القصاص وإن آل الأمر إلى الدية فهل توزع عليهم على عدد الضربات أم على عدد الرؤوس قولان أرجحهما الأول لأن الضربات تلاقي ظاهر البدن فلا يعظم فيها التفاوت بخلاف الجراحات وإن لم يكن ضرب كل واحد قاتلا بأن ضربه كل واحد من العدد الكثير ضربة فمات فثلاثة أوجه أحدها لا قصاص على واحد والثاني يجب على الجميع القصاص لئلا يصير ذريعة إلى القتل وأصحها أنهم إن تواطؤوا على أن يضربوه تلك الضربات فعليهم القصاص وإن وقعت اتفاقا فلا وإذا لم نوجب القصاص وجبت الدية قطعا كذا قاله الإمام وذكر البغوي أنه لو ضربه واحد سوطين أو ثلاثة وآخر خمسين سوطا أو مائة قبل زوال ألم الأول ولا تواطؤ فلا قصاص على واحد منهما لأن ضرب الأول شبه عمد والثاني شريك له ويجب بضرب الأول نصف دية شبه العمد وبضرب الثاني نصف دية العمد وأنه لو ضربه واحد خمسين ثم ضربه الآخر سوطين قبل زوال ألم الأول فإن كان الثاني عالما بضرب الأول فعليهما القصاص لظهور قصد الإهلاك فيهما وإن كان جاهلا فلا قصاص على واحد منهما لأنه لم يظهر قصد الإهلاك من الثاني والأول شريكه ويجب بضرب الأول نصف

دية العمد وبضرب الثاني نصف دية شبه العمد وفرق بينه وبين ما إذا ضرب مريضا سوطين جاهلا مرضه حيث يجب القصاص بأن هناك لم يجد من يحيل عليه القتل سوى الضارب وليكن الحكم بتنصيف الدية في الصورتين تفريعا على أن التوزيع على الرؤوس دون الضربات

فرع جرحه رجل ونهشته حية ومات منهما فالجارح شريك الحية وقد سبق
بيان القصاص وإذا آل الأمر إلى المال فعليه نصف الدية ولو جرحه مع ذلك سبع فوجهان أصحهما عليه ثلث الدية والثاني نصفها ويجعل غير الآدمي جنسا
باب تغير حال المجروح
بين الجرح والموت للتغير أحوال أحدها أن يطرأ المضمن وفيه مسائل إحداها إذا جرح مرتدا أو حربيا بقطع يد أو غيره ثم أسلم أو عقدت للحربي ذمة ثم مات من تلك الجراحة فلا قصاص قطعا ولا دية على الصحيح المنصوص وقيل لا دية قطعا لأنه قطع غير مضمون فلم تضمن سرايته كسراية القصاص والسرقة
الثانية جرح حربي مسلما ثم أسلم أو عقدت له ذمة ثم مات المجروح قطع البغوي بأنه لا ضمان ونقل بعضهم لزوم الضمان لأنه مضمون في الحالين
قلت الصحيح لا ضمان
والله أعلم
الثالثة جرح عبد نفسه ثم أعتقه فمات بالسراية فلا ضمان على السيد على المذهب والمنصوص وقيل قولان ثانيهما وجوب الدية
الرابعة رمى مرتدا أو حربيا فأسلم ثم أصابه السهم فلا

قصاص لعدم الكفاءة في أول أجزاء الجناية وتجب الدية على المذهب وهو المنصوص وقيل لا تجب وقيل تجب في المرتد دون الحربي لأن المرتد لا يجوز لغير الإمام قتله ولأن المرتد يقتل بالسيف ولا يرشق بالنشاب فرشقه ممنوع ويجري الخلاف فيما إذا رمى إلى قاتل أبيه ثم عفا عنه قبل الإصابة وهو أولى بالوجوب من المرتد وفيما إذا رمى إلى عبد نفسه ثم أعتقه قبل الإصابة وهو أولى بالوجوب لأن العبد معصوم مضمون بالكفارة
الخامسة حفر بئرا في محل عدوان فتردى فيها مسلم كان مرتدا وقت الحفر أو حر كان عبدا وجبت الدية بلا خلاف لأن الحفر ليس سببا ظاهرا للإهلاك ولا يتوجه نحو معين فلا يؤثر وجوده في زمن الإهدار بخلاف الرمي

فرع لو تغير حال الرامي بأن رمى حربي إلى مسلم ثم أسلم
ففي وجوب الضمان وجهان
فرع إذا قلنا بوجوب الضمان فيما إذا جرح حربيا فأسلم ثم مات
إذا جرح عبد نفسه ثم أعتقه فمات فالواجب دية حر مسلم وكذلك في مثلهما من صور الرمي
ثم الذي رأى الإمام القطع به وتابعه عليه الغزالي أن الدية في طريان الإسلام والعتق بعد الجرح تكون مخففة وعلى العاقلة كما لو رمى إلى صيد فأصاب آدميا وأما في طريانهما بعد الرمي ففي الدية الواجبة خلاف مذكور في الديات
الحال الثاني أن يطرأ المهدر فإذا جرح مسلما ثم ارتد ثم مات بالسراية أو ذميا فنقض العهد ثم مات فلا يجب قصاص النفس ولا ديتها ولا الكفارة لأنها تلفت وهي مهدرة وأما ما يتعلق بالجراحة ففيه صورتان إحداهما أن تكون الجراحة مما يوجب القصاص

كالموضحة وقطع اليد ففي وجوب القصاص في الموضحة والطرف قولان أظهرهما الوجوب فعلى هذا قال الشافعي رحمه الله في المختصر لوليه المسلم أن يقتص فقيل أراد بالولي السلطان لأنه وارث للمرتد وقال الجمهور يستوفيه قريبه الذي كان يرثه لولا الردة لأن القصاص للتشفي وذلك يتعلق بالقريب دون السلطان فعلى هذا لو كان القريب صغيرا أو مجنونا انتظر بلوغه وإفاقته ليستوفي
الصورة الثانية أن تكون الجراحة موجبة للمال دون القصاص كالجائفة والهاشمة أو من جنس ما يوجب القصاص وقلنا لا قصاص أو عفي عنه فهل يجب المال وجهان ويقال قولان أصحهما الوجوب فعلى هذا فيما يجب وجهان أصحهما ويحكى عن النص أنه يجب أقل الأمرين من الأرش الذي تقتضيه الجراحة ودية النفس والثاني وبه قال الإصطخري يجب أرش الجراحات بالغا ما بلغ فيجب فيما إذا قطع يديه ورجليه ديتان وعلى كل حال فالواجب فيء لا يأخذ القريب منه شيئا هذا إذا طرأت الردة بعد الجرح فلو طرأت بعد الرمي وقبل الإصابة فلا ضمان باتفاقهم

فرع قطع يده ثم ارتد المقطوع واندمل جرحه فله قصاص اليد فإن
قبل أن يقتص اقتص وليه ومن الولي فيه الخلاف السابق فإن كانت الجناية توجب المال قال البغوي إن قلنا ملكه باق أخذه وإن قلنا زائل وقف فإن عاد إلى الإسلام أخذه وإلا أخذه الإمام
الحال الثالث أن يتخلل المهدر بين الجرح والموت فإذا جرح مسلم مسلما ثم ارتد المجروح ثم أسلم ومات بالسراية وجبت الكفارة قطعا وأما القصاص فنص أنه لا يجب ونص فيما إذا جرح ذمي ذميا

أو مستأمنا فنقض العهد والتحق بدار الحرب ثم جدد العهد ومات بالسراية أن في وجوب القصاص قولين وللأصحاب طريقان أصحهما في المسألتين قولان أحدهما وجوب القصاص لأنه مضمون بالقصاص في حالتي الجرح والموت والثاني لا لتخلل حالة الإهدار والطريق الثاني تنزيل النصين على حالين فحيث قال لا قصاص أراد إذا طالت مدة الإهدار بحيث يظهر أثر السراية وحيث قال يجب فذلك إذا قصرت المدة بحيث لا يظهر للسراية أثر وإذا قلنا بطريقة القولين ففي موضعهما طريقان أحدهما تخصيصهما بما إذا قصرت المدة فإن طالت لم يجب القصاص قطعا والثاني طردهما في الحالين قاله ابن سريج وابن سلمة وابن الوكيل والأصح عند الجمهور تخصيص القولين بقصر المدة والأظهر منها عند الجمهور أنه لا قصاص وأما الدية ففيها أقوال أظهرها عند الجمهور يجب كمال الدية والثاني نصفها والثالث ثلثاها والرابع أقل الأمرين من كل الدية وأرش الجراحة وهذان الأخيران مخرجان ثم قال الجمهور تختص الأقوال بما إذا طالت مدة الإهدار فإن قصرت وجب كل الدية قطعا وقيل بطردها في الحالين قال الإمام وإذا أوجبنا القصاص فآل الأمر إلى المال ففيه هذا الخلاف وقال البغوي إذا أوجبنا القصاص فعفي وجب كمال الدية بلا خلاف وإنما الخلاف إذا لم نوجب قصاصا وهذا أرجح

فرع رمى إلى مسلم فارتد وعاد إلى الإسلام ثم أصابه السهم فلا
على المذهب وبه قطع الجمهور قال الإمام ويجيء فيه قول
الحال الرابع أن يطرأ ما يغير قدر الدية فيجب ما يقتضيه يوم الموت لأن الضمان بدل التالف فيعتبر وقت التلف وقد يكون التغير

من الأكثر إلى الأقل وقد ينعكس مثال الأول جنى على نصراني فتمجس ثم مات فإن قلنا يقر النصراني إذا تمجس على التمجس فعلى الجاني دية مجوسي وإن قلنا لا يقر فهو كما لو ارتد المجروح ومات فعلى الأصح يجب الأقل من أرش الجناية على نصراني ودية نفسه وعلى قول الإصطخري يجب الأرش بالغا ما بلغ ولو جرح نصرانيا فنقض المجروح العهد والتحق بالحرب ثم سبي واسترق ومات بالسراية فلا قصاص في النفس ويجب قصاص الطرف إن كانت الجناية بقطع طرف وإن أراد المستحق المال ففيما يجب قولان أحدهما أقل الأمرين من أرش جنايته حرا وكمال قيمته عبدا وعلى هذا هو لورثته النصارى سواء كانوا عندنا أم في دار الحرب كذا حكاه ابن كج والروياني وفي قول غريب يكون لبيت المال
قلت قد جزم البغوي على هذا القول بأنه لسيده لأنه بدل روحه وكانت ملكه
والله أعلم
وأظهرهما أن الواجب قيمته بالغة ما بلغت وعلى هذا إن كانت القيمة والأرش سواء أو كانت القيمة أقل فالواجب للوارث وإن كان القيمة أكثر فقدر الأرش للوارث والباقي للسيد ولو أن الذي ملكه أعتقه فمات حرا فقولان في أن الواجب أقل الأمرين من الأرش ودية حر ذمي وعلى القولين فالواجب لورثته ولو أسلم وعتق ومات ففي القصاص قولان وفي المال الواجب قولان هل هو دية حر مسلم أم أقل الأمرين من الأرش ودية حر مسلم وعلى القولين فهو لورثته المسلمين
مثال العكس جرح ذميا فأسلم أو عبدا لغيره فعتق ثم مات نظر إن مات بعد الاندمال وجب أرش الجناية ويكون الواجب في العبد لسيده فلو قطع يديه أو فقأ عينيه لزمه كمال قيمته سواء كان العتق قبل الاندمال أم بعده وقيل إن كان الاندمال

بعد العتق فعليه دية حر والصحيح الأول وإن مات بالسراية لم يجب قصاص النفس إذا كان جارح الذمي مسلما وجارح العبد حرا وتجب فيه دية حر مسلم لأنه كان مضمونا أولا وهو في الانتهاء حر مسلم ولا فرق بين أن تكون القيمة أقل من الدية أو أكثر حتى لو فقأ عيني عبد قيمته تساوي مائتين من الإبل أو قطع يديه لم يجب إلا مائة ثم إن كانت الدية مثل القيمة أو أقل فالجميع للسيد وإن كانت أكثر فالزيادة على القيمة للورثة لأنها وجبت بالحرية وقال المزني إذا كانت القيمة أكثر وجبت بكمالها للسيد ولو قطع إحدى يدي عبد فعتق ومات بالسراية أوجبنا كمال الدية وفيما للسيد منها قولان أحدهما أقل الأمرين من كل الدية وكل القيمة وأظهرهما أقل الأمرين من كل الدية ونصف القيمة وهو أرش الطرف المقطوع في ملكه

فصل قطع يد عبد فعتق ثم جاء آخر فقطع يده الأخرى أو
اندملت الجراحتان فلا قصاص على الأول إن كان حرا وعليه نصف القيمة للسيد وعلى الثاني القصاص أو نصف الدية وإن مات منهما فلا قصاص على الأول في النفس ولا في الطرف إن كان حرا وأما الثاني فللوارث أن يقتص منه في الطرف وكذا في النفس على المذهب وبه قطع الجمهور وقيل لا قصاص وقيل قولان كشريك المبيع وإذا أوجبنا القصاص فعفا المستحق فعليهما كل الدية للسيد أقل من نصف الدية ونصف القيمة ويكون حقه فيما يجب على الأول دون الثاني وإن اقتص الوارث من الثاني بقي على الأول نصف الدية فإن كان قدر نصف القيمة أو أقل أخذه السيد وإن كان أكثر

فالزيادة للوارث ولو قطع حر يد عبد فعتق ثم قطع يده الأخرى فمات منهما فللوارث القصاص في الطرف الثاني ولا يجب قصاص النفس على الصحيح فلو عفا المستحق عن قصاص الطرف ففيهما الدية وإن استوفاه بقي نصف الدية وحكم ما للسيد في الحالين على ما ذكرنا فيما إذا كان القاطع غيره ولو قطع إصبع عبد فعتق ثم قطع آخر يده ومات منهما فعليهما الدية وللسيد على أحد القولين الأقل من نصف الدية ونصف القيمة وعلى الأظهر الأقل من نصف الدية وعشر القيمة

فرع قطع إحدى يدي عبد فعتق ثم جرحه رجلان بأن قطع أحدهما
والآخر رجله ومات فلا قصاص على الأول لا في النفس ولا في الطرف إن كان حرا وعلى الآخرين القصاص في الطرف ويجب أيضا في النفس على المذهب وأما الدية فتجب على الثلاثة أثلاثا ولا حق للسيد فيما يجب على الآخرين وإنما يتعلق حقه بما على الأول وفيما يستحقه القولان فعلى القول الأول أقل الأمرين من ثلث الدية وثلث القيمة وعلى الثاني الأقل من ثلث الدية وأرش الجناية في ملكه وهو نصف القيمة فلو كانت الصورة بحالها فعاد الأول وجرح بعد العتق جراحة أخرى ومات بسراية الجميع فالدية عليهم أثلاثا لما سبق أنا ننظر إلى عدد الجارحين لا إلى الجراحات ثم الثلث الواجب على الجاني الأول واجب عن جنايتيه فتقابل الجناية الواقعة في الرق سدس الدية فللسيد على القول الأول الأقل من سدس الدية الواجب بالجناية في ملكه أو سدس القيمة وعلى الثاني الأقل من سدس الدية أو نصف القيمة وهو أرش الجناية

في ملكه
ولو قطع يد عبد فعتق فجرحه آخر جراحة فعاد الأول فجرحه أخرى فعليهما الدية نصفين والنصف الواجب على الأول وجب بجنايتي الرق والحرية فحصة الجناية الأولى ربع الدية فللسيد في القول الأول الأقل من ربع الدية وربع القيمة وعلى الثاني الأقل من ربع الدية ونصف القيمة وبه أجاب ابن الحداد في هذه الصورة وذكر القاضي أبو الطيب أنه الأظهر ولو جنى اثنان على عبد معتق ثم جنى عليه ثالث ومات بالسراية فعليهم الدية أثلاثا وللسيد في القول الأول الأقل من ثلثي الدية وثلثي القيمة وفي الثاني الأقل من ثلثي الدية وأرش جنايتي الرق ولو جنى عليه ثلاثة في الرق فعتق ثم جنى رابع ومات فعليهم الدية أرباعا للسيد في القول الأول الأقل من ثلاثة أرباع الدية وثلاثة أرباع القيمة وفي الثاني الأقل من ثلاثة أرباع الدية وأرش جنايات الرق ولو جنى اثنان في الرق وثلاثة بعد ما عتق فالدية عليهم أخماسا للسيد في القول الأول الأقل من خمسي الدية وخمسي القيمة وفي الثاني الأقل من خمسي الدية وأرش جنايتي الرق ولو أوضح عبدا فعتق فقطع آخر يده ومات منهما فعليهما الدية وللسيد على القول الأول أقل الأمرين من نصف الدية ونصف القيمة وعلى الثاني الأقل من نصف الدية ونصف عشر القيمة وهو أرش الموضحة ولو أوضحه فعتق فجاء تسعة فجرحوه ومات فعليهم الدية أعشارا وللسيد على القول الأول الأقل من عشر الدية وعشر القيمة وعلى الثاني الأقل من عشر الدية ونصف عشر القيمة وهو أرش الموضحة ولو جرحه الأول جرحا آخر مع

التسعة فالدية عليهم كذلك للسيد الأقل من نصف عشر الدية ونصف عشر القيمة على القولين لأنه لم يجب بالجناية واقفة وسارية إلا نصف عشر الضمان وهكذا يتفق القولان إذا اتفق قدر الضمان على التقديرين كما إذا جنى خمسة في الرق وأرش جناياتهم نصف القيمة وخمسة بعد العتق فللسيد على القولين الأقل من نصف الدية ونصف القيمة

فرع قطع حر يد عبد فعتق فحز آخر رقبته فقد أبطل الحز
الأول نصف القيمة للسيد وعلى الثاني القصاص أو كمال الدية للوارث ولو قطع حر يد عبد فعتق ثم قطع آخر يده الأخرى ثم حزت رقبته فإن حزه ثالث فقد بطلت سراية القطعين فعلى الأول نصف القيمة للسيد وعلى الثاني القصاص في الطرف أو نصف الدية للوارث وعلى الثالث القصاص في النفس أو كمال الدية وإن حزه الأول نظر إن حزه بعد اندمال قطعه فعليه نصف القيمة للسيد والقصاص في النفس أو كمال الدية للوارث وعلى الثاني نصف الدية وإن حزه قبل الاندمال فعليه القصاص في النفس ثم إن قلنا بالصحيح إن بدل الطرف يدخل في النفس فإن اقتص الوارث سقط حق السيد وإن عفا وجب كمال الدية للسيد منه الأقل من نصف الدية ونصف القيمة على أحد القولين كما سبق هذا هو الصحيح وقال القاضي أبو الطيب عندي يسقط حق السيد وإن عفا الوارث لأنه إذا سقط حكم الطرف صار الحكم للنفس وكان المأخوذ بدل النفس المفوتة بعد زوال ملك السيد وعلى قول ابن سريج والإصطخري أن بدل الطرف لا يدخل في النفس يكون

للسيد عليه نصف القيمة وللوارث القصاص في النفس أو كمال الدية وإن حز الثاني بطلت سراية الأول فعلى الأول نصف القيمة للسيد والثاني قطع طرف حز ثم قتله فإن قتله بعد الاندمال فللوارث أن يقتص منه في الطرف والنفس وله أن يأخذ نصف الدية لليد ودية كاملة للنفس فإن شاء اقتص فيهما وإن شاء أخذ بدلهما وإن شاء بدل أحدهما وقصاص الآخر وإن قتله قبل الاندمال فللوارث القصاص في النفس بقطع اليد وله أخذ دية النفس فقط

فرع قد عرفت أن الواجب فيما إذا جنى على عبد فعتق وسرت
إلى نفسه إنما هو الدية والدية الإبل قال الأصحاب تؤخذ الدية وتصرف إلى السيد حصته على التفصيل السابق من الإبل وليس للوارث أن يقول أستوفي الإبل وأدفع إليه ما يستحقه من الدراهم أو الدنانير زاعما أنه إنما يستحق القيمة والقيمة دراهم أو دنانير لأن ما يستحقه يستحقه من عين الدية التي هي الواجبة وليست مرهونة بحقه بخلاف الدين مع التركة وليس للسيد أن يكلف الجاني تسليم الدراهم ولو أتى الجاني بالدراهم ففي إجبار السيد على قبولها وجهان أرجحهما عند الإمام والغزالي نعم وحاصله تخيير الجاني بين تسليم الدية والدراهم ولو أبرأ السيد الجاني عما يستحقه من الدية بريء وليس للورثة المطالبة به
فرع رمى إلى ذمي فأسلم أو عبد فعتق قبل الإصابة وجب دية
ولا قصاص إذا كان الرامي حرا مسلما وكذا لو رمى ذمي

إلى ذمي أو إلى عبد ثم أسلم الرامي أو عتق قبل الإصابة لا قصاص لأنه لا كفارة عند الإصابة

فرع قد يعبر عن مسائل الباب في تغير الحال بين الجرح والموت
الرمي والإصابة فيقال كل جرح أوله غير مضمون لا ينقلب مضمونا بتغير الحال في الانتهاء وإن كان مضمونا في الحالين اعتبر في قدر الضمان الانتهاء وفي القصاص تعتبر الكفاءة في الطرفين والوسط وكذا إذا تبدل الحال بين الرمي والإصابة اعتبر في القصاص الكفاءة في الطرفين والوسط وكذا يعتبر الطرفان والوسط في تحمل العاقلة وبالله التوفيق


باب القصاص في الأطراف
فيه فصول أربعة الأول في أركانه وهي ثلاثة القطع والقاطع والمقطوع وكما يعتبر في القتل أن يكون عمدا محضا عدوانا يعتبر ذلك في الطرف فلا يجب القصاص بالجراحات وإبانة الأطراف إذا كانت خطأ أو شبه عمد ومن صور شبه العمد أن يضرب رأسه بلطمة أو حجر لا يشج غالبا لصغره فيتورم الموضع ويتضح العظم وقد يكون الضرب بالعصا الخفيفة والحجر المحدد عمدا في الشجاج لأنه يوضح غالبا ويكون شبه عمد في النفس لأنه لا يقتل غالبا ولو أوضحه بما يوضح غالبا ولا يقتل غالبا فمات من تلك الموضحة فعن الشيخ أبي حامد أنه يجب القصاص في الموضحة ولا يجب في النفس واستبعده ابن الصباغ وغيره لأنه إذا كانت هذه الآلة توضح في الغالب كانت كالحديدة وفقء العين بالأصبع عمد لأنها في العين تعمل عمل السلاح ويعتبر في القاطع كونه مكلفا ملتزما للأحكام وفي المقطوع كونه معصوما كما ذكرنا في النفس ومن قتل به الشخص قطع به ومن لا فلا
ولا يشترط في قصاص الطرف التساوي في البدل فيقطع العبد بالعبد والمرأة بالرجل وبالعكس والذمي بالمسلم والعبد بالحر ولا عكس فيهما وتقطع الجماعة بالواحد إذا اشتركوا بأن وضعوا السكين على اليد وتحاملوا عليها دفعة واحدة حتى أبانوها أو ضربوه ضربة اجتمعوا عليها ولو تميز فعل الشركاء بأن قطع هذا من جانب وهذا من جانب حتى التقت الحديدتان أو قطع أحدهما بعض اليد وأبانها الآخر فلا قصاص على واحد منهما ويلزم كل

واحد منهما حكومة تليق بجنايته وينبغي أن يبلغ مجموع الحكومتين دية اليد وعن صاحب التقريب حكاية قول إنه يقطع من كل واحد منهما بقدر ما قطع إن أمكن ضبطه والمشهور الأول ولو جزا حديدة جز المنشار فقال الجمهور هما فعلان متميزان وقال ابن كج هو اشتراك موجب للقصاص قال الإمام هذا يصور صورتين إحداهما إن يتعاونا في كل جذبة وإرساله فتكون من صور الاشتراك والثانية أن يجذب كل واحد إلى جهة نفسه ويفتر عن الإرسال في جهة صاحبه فيكون البعض مقطوع هذا والبعض مقطوع ذاك ويكون الحكم ما قاله الجمهور
الفصل الثاني فيما يوجب قصاص الطرف الجنايات فيما دون النفس ثلاثة أنواع جرح يشق وقطع يبين وإزالة منفعة بلا شق ولا إبانة
النوع الأول الجرح ويتعلق به القصاص في الجملة قال الله تعالى { والجروح قصاص } ثم تنقسم إلى واقعة على الرأس والوجه وإلى غيرها
الضرب الأول الواقعة على الرأس والوجه وتسمى الشجاج وهي عشر إحداها الحارصة وهي التي تشق الجلد قليلا نحو الخدش وتسمى الحرصة أيضا الثانية الدامية وهي التي تدمي موضعها من الشق والخدش ولا يقطر منها دم هكذا نص عليه الشافعي وأهل اللغة قال أهل اللغة فإن سال منها دم فهي الدامعة بالعين المهملة وذكر الإمام والغزالي في تفسيرها سيلان الدم وهو خلاف الصواب

الثالثة الباضعة وهي التي تبضع اللحم بعد الجلد أي تقطعه الرابعة المتلاحمة وهي التي تغوص في اللحم ولا تبلغ الجلدة بين اللحم والعظم وتسمى اللاحمة أيضا الخامسة السمحاق وهي التي تبلغ تلك الجلدة وتسمى تلك الجلدة السمحاق وقد تسمى هذه الشجة الملطى والملطاة واللاطئة السادسة الموضحة وهي التي تخرق السمحاق وتوضح العظم السابعة الهاشمة وهي التي تهشم العظم أي تكسره الثامنة المنقلة وهي التي تنقل العظم من موضع إلى موضع ويقال هي التي تكسر وتنقل ويقال هي التي تكسر العظم حتى يخرج منها فراش العظام والفراشة كل عظم رقيق وفراش الرأس عظام رقاق تلي القحف التاسعة المأمومة وهي التي تبلغ أم الرأس وهي خريطة الدماغ المحيطة به ويقال لها الآمة أيضا العاشرة الدامغة وهي التي تخرق الخريطة وتصل الدماغ وهي مذففة
فهذه العشرة هي المشهورة وذكر فيها ألفاظ أخر تؤول إلى هذه وجميع هذه الشجاج تتصور في الجبهة كما تتصور في الرأس وكذلك تتصور ما عدا المأمومة والدامغة في الخد وفي قصبة الأنف واللحي الأسفل إذا عرفت هذا فالقصاص واجب في الموضحة لتيسر ضبطها واستيفاء مثلها ولا قصاص فيما بعدها من الهاشمة

والمنقلة وغيرهما وأما ما قبلها فلا قصاص في الحارصة قطعا ولا في الباضعة والمتلاحقة والسمحاق على المذهب والدامية كالحارصة وقيل كالباضعة فإن أوجبنا القصاص في المتلاحمة والباضعة فإن كان على رأس كل واحد من الشاج والمشجوج موضحة تيسرت معرفة النسبة بهما وإن لم تكن راجعنا أهل الخبرة لينظروا في المقطوع والباقي ويحكموا بأنه نصف أو ثلث بالاجتهاد بعد غمر رأس الشاج والمشجوج ويحكمون أيضا عند القصاص ويعمل باجتهادهم فإن شكوا في أن المقطوع نصف أو ثلث أخذ باليقين
الضرب الثاني الجراحات في سائر البدن فما لا قصاص فيه إذا كان على الرأس والوجه لا قصاص فيه إذا كان على غيرهما وأما الموضحة التي توضح عظم الصدر أو العنق أو الساعد أو الأصابع ففي وجوب القصاص فيها وجهان أحدهما لا كما لا يجب فيها أرش مقدر وأصحهما نعم وهو ظاهر النص لتيسر استيفاء المثل وإذا اختصرت وأجبت في الجراحات في جميع البدن بالمختار قلت يجب القصاص في الجراحة على أي موضع كانت بشرط أن تنتهي إلى عظم ولا تكسره
النوع الثاني قطع الطرف فيجب القصاص بقطع الطرف بشرط إمكان المماثلة وأمن استيفاء الزيادة ويحصل ذلك بطريقين أحدهما أن يكون للعضو مفصل توضع عليه الحديدة وتبان والمفصل موضع اتصال عضو بعضو على منقطع عظمين وقد يكون ذلك بمجاورة محضة وقد يكون مع دخول عضو في عضو كالمرفق والركبة فمن المفاصل الأنامل والكوع والمرفق ومفصل القدم والركبة فإذا وقع

القطع على بعضها اقتص من الجاني قال الإمام وفي بعض التعاليق عن شيخي حكاية وجه بعيد في المرفق والركبة قال وأظنه غلطا من المعلق ومن المفاصل أصل الفخذ والمنكب فإن أمكن القصاص بلا إجافة اقتص وإلا فلا سواء كان الجاني أجاف أم لا لأن الجوائف لا تنضبط وحكى الإمام وجها شاذا أنه يجري القصاص إذا كان الجاني أجاف وقال أهل البصر يمكن أن يقطع ويجاف مثل تلك الجائفة
الطريق الثاني أن يكون للعضو حد مضبوط ينقاد لآلة الإبانة فيجب القصاص في فقء العين وفي الأذن والجفن والمارن والذكر والأنثيين قطعا وفي الشفة واللسان على الصحيح وفي الشفرين والأليتين على الأصح عند الأكثرين ولا قصاص في إطار الشفة بكسر الهمزة وتخفيف الطاء المهملة وهو المحيط بها لأنه ليس له حد مقدر والكلام في قدر الشفتين والشفرين والأليتين يأتي في الديات إن شاء الله تعالى

فرع لو قطع بعض الأذن أو بعض المارن من غير إبانة وجب
الأظهر لإحاطة الهواء بهما وإمكان الاطلاع عليهما من

الجانبين ويقدر المقطوع بالجزئية كالثلث والربع لا بالمساحة ولو قطع بعض الكوع أو مفصل الساق والقدم ولم يبن فلا قصاص على الأظهر لأنها تجمع العروق والأعصاب وهي مختلفة الوضع تسفلا وتصعدا فلا يوثق بالمماثلة فيها بخلاف المارن ولو قطع فلقة من الأذن أو المارن أو اللسان أو الحشفة أو الشفة وأبانها وجب القصاص على الصحيح وتضبط بالجزئية ولو أبان قطعة من الفخذ فلا قصاص كذا جزم به الغزالي ويشبه أن يجيء فيه خلاف كالباضعة

فرع قطع يدا أو عضوا وبقي المقطوع متعلقا بجلده وجب القصاص أو
الدية لأنه أبطل فائدة العضو ثم إذا انتهى العضو في الاقتصاص إلى تلك الجلدة فقد فصل القصاص ويراجع الجاني أهل الخبرة في تلك الجلدة ويفعل مصلحته من القطع والترك
فرع لا قصاص في كسر العظام لعدم الوثوق بالمماثلة لكن للمجني عليه
أن يقطع أقرب مفصل إلى موضع الكسر ويأخذ الحكومة للباقي وله أن يعفو ويعدل إلى المال ولو أوضح رأسه مع الهشم فللمجني عليه أن يقتص في الموضحة ويأخذ الهشم ما بين أرش الهاشمة والموضحة وهو خمس من الإبل ولو أوضح ونقل فللمجني عليه أن يقتص في الموضحة ويأخذ ما بين الموضحة والمنقلة وهو عشر من الإبل ولو أوضح وأم فله أن يوضح ويأخذ ما بين الموضحة والمأمومة وهو ثمانية وعشرون بعيرا وثلث بعير لأن في المأمومة ثلث الدية


فرع قطعه من الكوع فأراد المجني عليه أن يلقط أصابعه فليس له
فلو بادر وفعله عزر ولا غرم عليه لأنه يستحق إتلاف الجملة فلا يلزمه بإتلاف البعض غرم كما أن مستحق قتل النفس لو قطع طرف الجاني لا غرم عليه قال البغوي وهل له أن يعود ويقطع الكف وجهان أصحهما نعم كما أن مستحق النفس لو قطع يد الجاني له أن يعود ويحز رقبته ولو طلب حكومتها لم يجب لأن حكومة الكف تدخل في دية الأصابع وقد استوفى الأصابع المقابلة بالدية ولو قطع يده من المرفق فأراد أن يقطع من الكوع أو يقطع أصبعا ويرضى بها قصاصا ومالا لم يكن له ذلك لأنه عدول عن محل الجناية مع القدرة عليه وقيل إن رضي بذلك بلا مال جاز والصحيح الأول فلو خالفنا فقطع من الكوع عزر ولا غرم لما سبق ولو أراد بعد ذلك أن يقطع من المرفق قال الإمام لا يمكنه وجعله البغوي على وجهين ولو طلب حكومة الساعد لم نثبتها له كذا نقله الإمام عن الأصحاب ونقله البغوي أيضا ثم قال وعندي أنها تثبت
فرع لو كسر عظم العضد وأبان اليد منه فللمجني عليه أن يقطع
ويأخذ الحكومة لما بقي وإن عفا فله دية الكف وحكومة للساعد وحكومة للمقطوع من العضد فلو أراد أن يترك المرفق ويقطع من الكوع فهل له ذلك وجهان أرجحهما عند البغوي يجوز لعجزه عن محل الجناية ومسامحته وأرجحهما عند الروياني وغيره لا لأنه عدول عما هو أقرب إلى محل الجناية ولو أراد التقاط الأصابع لم يمكن قطعا ولو أراد أخذ أصبع واحدة فالقياس أنه على الوجهين في قطع الكوع فإذا قلنا ليس له القطع من الكوع

فقطع ثم أراد القطع من المرفق لم يكن وليس له حكومة الساعد وإن قلنا له القطع من الكوع فقطع فله حكومة الساعد على الأصح وتجب له حكومة المقطوع من العضد هكذا جزم به الأصحاب وحكى الغزالي فيه وجهين والصواب الأول لأن استيفاء تلك البقية متعذر شرعا ولم يوجد من المجني عليه فيها تقصير وعدول ولم أجد هذين الوجهين لغير الغزالي

فرع لو قطعه من نصف الساعد قطع من الكوع وأخذت حكومة نصف
فلو عفا فله دية الكف وحكومة لنصف الساعد ولو أراد أن يلتقط أصابعه لم يكن فلو فعل لم يمكن من القطع من الكوع قال البغوي وليس له حكومة الكف وله حكومة نصف الساعد ويجيء في حكومة نصف الساعد الخلاف
فرع لو قطع يده من نصف الكف لم يقتص في الكف وله

وإن تعددت الجراحة لأنه لا سبيل إلى إهماله وليس بعد موضع الجراحة إلا مفاصل متعددة وهل تجب مع قطعها حكومة نصف الكف أم تدخل الحكومة في قطعها كدخولها في استيفاء الدية وجهان أصحهما الوجوب
فرع من الأم لو شق كفه حتى انتهى إلى مفصل ثم قطع
من

المفصل أو لم يقطع اقتص منه إن قال أهل الخبرة يمكن أن يفعل به مثله
النوع الثالث إبطال المنافع وهي لا تباشر بالتفويت وإنما تفوت تبعا لمحلها وقد ترد الجناية على غير محلها وتفوت هي بالسراية لارتباط بينها وبين محل الجناية فلو أوضح رأسه فذهب ضوء عينيه فالنص أنه يجب القصاص في الضوء كما يجب في الموضحة ونص فيما إذا قطع أصبعه فسرى إلى الكف أو إلى أصبع أخرى بتآكل أو شلل أنه لا يجب القصاص في محل السراية فقيل فيهما قولان والمذهب تقرير النصين والفرق أن الضوء ونحوه من اللطائف لا تباشر بالجناية وإنما تقصد بالجناية على محلها أو محل آخره وإذا أوجبنا القصاص في الضوء بالسراية فالذي صححه الإمام نقلا ومعنى أن السمع كالبصر وحكى فيما إذا أبطل بطش عضو بالسراية تردد الأصحاب منهم من ألحقه بالضوء وبه قال صاحب التقريب ومنهم من رأى البطش عسر الإزالة كالأجسام وإليه ميل الشيخ أبي محمد وفي العقل أيضا تردد لبعده عن التناول بالسراية قال ولا يبعد إلحاق الكلام بالبصر ورتبها فجعل البصر والسمع في درجة ويليهما الكلام ويليه البطش ويليه العقل وذكر صاحب المهذب أنه لو جنى على رأسه فذهب عقله أو على أنفه فذهب شمه أو على أذنه فذهب سمعه فلا قصاص في العقل والشم والسمع والأقرب منع القصاص في العقل ووجوبه في الشم والبطش والذوق لأن لها محال مضبوطة ولأهل الخبرة طرق في إبطالها وإذا ذهب الضوء بالموضحة واقتصصنا في الموضحة فلم يذهب ضوء الجاني أذهب بأخف ما يمكن كتقريب حديدة محماة من عينيه أو طرح كافور فيها ونحوهما وإن ذهب ضوء الجاني حصل القصاص

وفيه شىء يأتي إن شاء الله تعالى
ولو هشم رأسه فذهب ضوؤه عولج بما يزيل الضوء ولا يقابل الهشم بالهشم ولو لطمه فذهب ضوؤه واللطمة بحيث تذهب الضوء غالبا فالمنقول عن نصه في الأم أنه يلطم مثل لطمته فإن ذهب الضوء فعلى ما ذكرنا في الموضحة وإلا أزيل بالمعالجة وإن ابيضت الحدقة أو شخصت فعل به ما يفضي إليه إن أمكن ونسب صاحب المهذب هذا المنقول عن النص إلى بعض الأصحاب ثم قال ويحتمل أن لا يقتص في اللطمة كما لا يقتص بالهاشمة لأنه لا قصاص في اللطمة لو انفردت وهذا حسن وجعله صاحب التهذيب وجها وقال هو الأصح

فرع إذا قلنا لا يجب القصاص في الأجسام بالسراية فقطع أصبعه فسرى
القطع إلى الكف وسقطت فلا يجب القصاص إلا في تلك الاصبع وإذا اقتص في الأصبع فسرى إلى الكف فالنص أن السراية لا تقع قصاصا بل يجب على الجاني دية باقي اليد ونص فيما إذا أوضحه فذهب ضوؤه وشعر رأسه فاقتص في الموضحة فذهب ضوء الجاني وشعر رأسه أيضا أنه يكون مستوفيا حقه ولو لم يذهب ضوء الجاني ونبت شعره فعليه دية البصر وحكومة الشعر
وفي هذا النص إيقاع الشعر مقابلا للشعر وهو من الأجسام فاقتضى وقوع السراية في الأجسام قصاصا فقيل قولان في أن السراية في الضوء والكف هل تقع قصاصا وقيل في الكف قولان ويقع الضوء قطعا والمذهب أن السراية لا تقع قصاصا في الكف ولا في الشعر ولو عفا المجني عليه عن قصاص الأصبع فله دية اليد وإن اقتص فلم يسر القطع إلى غير تلك الأصبع أو سرى وقلنا لا يقع قصاصا فله أربعة أخماس دية الكف للأصابع الأربع ولا تجب لمنابتها من الكف حكومة بل

تدخل في ديتها وفي دخول حكومة خمس الكف في قصاص الأصبع وجهان سيعودان إن شاء الله تعالى وما يجب من الدية يجب مغلظا في مال الجاني لأنه وجب بجناية عمد موجبة للقود وقيل على العاقلة والصحيح الأول وله المطالبة به عقب قطع الأصبع وفي صورة الموضحة المذهبة للبصر لو أوضحه فلم يذهب ضوؤه في الحال لا يطالب بالدية بل ينتظر فلعله يسري إلى البصر فيحصل الاقتصاص وكذا في النفس لو قطع أصبعه فسرى إلى نفسه فقطع الولي أصبع الجاني ينتظر السراية ولا يطالب بالدية في الحال

فرع له تعلق بالسراية

لو قتل مستحق القصاص الجاني خطأ أو ضربه بسوط خفيف فهل يصير مستوفيا فيه خلاف ومثله لو وثب الصبي أو المجنون على قاتل مورثه فقتله هل يصير مستوفيا وجهان أصحهما لا فعلى هذا ينتقل حقه إلى الدية وتجب الدية بقتل الجاني وهل تكون عليه أم على عاقلته يبنى على الخلاف في أن عمدهما عمد أم خطأ ويجري فيما إذا ثبت قصاص لصبي أو مجنون فوثب على القاطع فقطع طرفه هل يكون مستوفيا لحقه ثم موضع الخلاف إذا لم يكن من الجاني تمكين فأما إذا أخرج يده إلى الصبي أو المجنون فقطعه فلا يكون مستوفيا لحقه بلا خلاف ويكون قطعه هدرا
الفصل الثالث في المماثلة وهي معتبرة في وجوب القصاص في الطرف كالكفاءة في النفس فلا يقابل طرف بغير جنسه كاليد بالرجل وإذا اتحد الجنس لم

يؤثر التفاوت في الصغر والكبر والطول والقصر والقوة والضعف والضخامة والنحافة كما لا تعتبر مماثلة النفسين في هذه الأمور وكذلك تقطع يد الصانع بيد الأخرق كما يقتل العالم بالجاهل وإنما يؤثر التفاوت في أمور أحدها تفاوت المحل والقدر أما المحل فلا تقطع اليد اليمنى باليسرى ولا اليسرى باليمنى وكذا الرجل والعين والأذن ولا يقطع من الجنس الأعلى بالأسفل وكذا العكس وكذا في الشفة ولا أصبع ولا أنملة بغيرها ولا أصبع زائدة بزائدة أخرى إذا اختلف محلهما بأن كانت زائدة بجنب الخنصر وزائدة الجاني بجنب الإبهام
وأما القدر فالتفاوت في الحجم صغرا وكبرا وطولا وقصرا لا يؤثر في الأعضاء الأصلية قطعا وكذا في الزائدة على الأصح فإن قلنا تؤثر وكانت زائدة الجاني أكبر لم يقتص منه وإن كانت زائدة المجني عليه أكبر اقتص وأخذ حكومة قدر النقصان ثم الخلاف فيما رأى الإمام فيما إذا لم يؤثر تفاوت الحجم في الحكومة فإن أثر فلا قصاص قال والاختلاف في الكون وسائر الصفات لا يؤثر بعد التساوي في الحكومة وتقطع الزائدة بالأصلية إذا اتفق محلهما ولا شىء له لنقصان الزائدة كما لو رضي بالشلاء عن السليمة

فرع نقلوا عن النص أنه لو كانت زائدة الجاني أتم بأن كان
الزائدة ثلاث مفاصل ولزائدة المجني عليه مفصلان لم تقطع بها لأن هذا أعظم من تفاوت المحل


فرع الكلام في قصاص الموضحة يتعلق بالمساحة والمحل أما المساحة فمعتبرة
فتذرع موضحة المشجوج بخشبة أو خيط ويحلق ذلك الموضع من رأس الشاج إن كان عليه شعر ويخط عليه بسواد أو حمرة ويضبط الشاج حتى لا يضطرب ويوضح بحديدة حادة كالموسى ولا يوضح بالسيف وإن كان أوصح به لأنه لا تؤمن الزيادة وكذا لو أوضح بحجر أو خشب يقتص منه بالحديدة كذا ذكره القفال وغيره وتردد فيه الروياني ثم يفعل ما هو أسهل عليه من الشق دفعه واحدة أو شيئا فشيئا ويرفق في موضع العلامة ولا عبرة بتفاوت الشاج والمشجوج في غلظ الجلد واللحم وأما المحل فإن أوضح جميع رأسه ورأساهما متساويان في المساحة أوضح جميع رأسه وإن كان رأس الشاج أصغر استوعبناه إيضاحا ولا يكفي به ولا ينزل لإتمام المساحة إلى الوجه ولا إلى القفا بل يؤخذ قسط ما بقي من الأرش إذا وزع على جميع الموضحة وإن كان رأس الشاج أكبر لم يوضح جميعه بل بقدره بالمساحة والاختيار في موضعه إلى الجاني وقيل إلى المجني عليه وقيل يبتدىء من حيث بدأ الجاني ويذهب به في الجهة التي ذهب إليها إلى أن يتم القدر والصحيح الأول وبه قطع الأكثرون فإن كان في رأس الجاني موضحة والباقي بقدر ما فيه القصاص تعين وصار كأنه كل الرأس ولو أراد أن يستوفي بعض حقه من مقدم الرأس وبعضه من مؤخره لم يكن له ذلك على الصحيح لأنه يأخذ موضحتين بدل موضحة ولو أراد أن يستوفي البعض ويأخذ للباقي قسطه من الأرش مع تمكنه من استيفاء الباقي لم يكن له ذلك على الأصح بخلاف ما لو أوضح في موضعين فإن

له أن يقتص في أحدهما ويأخذ أرش الآخر لأنهما جنايتان ولو أوضح الجاني بعض الرأس كالقذال والناصية أوضحنا ذلك القدر وتممناه من الرأس إن بقي من حقه شىء وقيل لا يجوز مجاوزة ذلك الموضع والأول هو الصحيح المنصوص ولو أوضح جبهته وجبهة الجاني أصغر لم يرتق إلى الرأس وليجيء في مجاوزة موضع من الوجه إلى موضع يلاصقه الوجهان وإذا أوجبنا القصاص في موضحة سائر البدن فأوضح ساعده وساعد الجاني أصغر لم يجاوزه إلى العضد ولا إلى الكتف كما في الوجه والرأس

فرع لو زاد المقتص في الموضحة على قدر حقه نظر إن زاد
فلا غرم وإن زاد عمدا اقتص منه في الزيادة ولكن بعد اندمال الموضحة التي في رأسه وإن آل الأمر إلى المال أو أخطأ باضطراب يده وجب الضمان وفي قدره وجهان أحدهما يوزع الأرش عليهما فيجب قسط الزيادة وأصحهما يجب أرش كامل ولو قال المقتص أخطأت بالزيادة فقال المقتص منه بل تعمدتها صدق المقتص بيمينه ولو قال تولدت الزيادة باضطرابك وأنكر فأيهما يصدق وجهان لأن الأصل براءة الذمة وعدم الاضطراب
فرع اشترك جماعة في موضحة بأن تحاملوا على الآلة وحزوها معا ففيه
احتمالان للإمام أحدهما يوزع عليهم ويوضح من كل واحد قدر حصته لإمكان التجزئة بخلاف القتل والثاني يوضح من كل واحد مثل تلك الموضحة كالشركاء في القطع وبهذا قطع البغوي

ويجري الاحتمالان فيما لو آل الأمر إلى المال هل يجب على كل واحد أرش كامل أم يوزع عليهم قال الإمام وهذا الثاني أقرب وبالأول قطع البغوي

فرع ما ذكرنا أنه يحلق شعر رأس الشاج عند الاقتصاص مفروض فيما
كان لكل منهما شعر فإن لم يكن للشاج شعر فلا حلق وإن لم يكن على رأس المشجوج شعر وكان على رأس الشاج شعر لم يمكن من القصاص لما فيه من إتلاف شعر لم يتلفه نص عليه في الأم ولا يضر التفاوت في خفة الشعر وكثافته
فرع لو شك هل أوضح بالشجة أم لا لم يقتص مع الشك
بمسمار حتى يعرف ويشهد به شاهدان أو يعترف به الجاني لأن حكم الإيضاح يتعلق بالانتهاء إلى العظم حتى لو غرز إبرة فانتهت إلى العظم كان ذلك موضحة وإن كان لا يظهر العظم للناظر
التفاوت الثاني في الصفات التي يؤثر التفاوت فيها وفيه مسائل إحداها مطلق التفاوت لا يؤثر بل تقطع اليد البيضاء بالسوداء والسليمة بالبرصاء ويد الصانع بيد الأخرق
الثانية لا تقطع يد أو رجل صحيحة بشلاء وإن رضي به الجاني وإنما الواجب في الطرف الأشل الحكومة كما لا يقتل الحر بالعبد والمسلم بالذمي وإن رضي الجاني فلو خالف المجني عليه وقطع الصحيحة لم تقع قصاصا بل عليه نصف الدية ولو سرى فعليه

القصاص في النفس فإن كان قطع بإذن الجاني فلا قصاص عند السراية لأنه بإذنه ثم ينظر إن قال الجاني اقطع يدي وأطلق جعل المجني عليه مستوفيا لحقه ولم يلزمه شىء وإن قال اقطعها عوضا عن يدك أو قصاصا فوجهان أحدهما وبه قطع البغوي أن على المجني عليه نصف الدية وعلى الجاني الحكومة لأنه لم يبذلها مجانا والثاني لا شىء على المجني عليه وكأن الجاني أدى الجيد عن الرديء وقبضه المستحق
الثالثة اليد الشلاء والرجل الشلاء هل تقطعان بالصحيحتين وجهان أحدهما لا لأن الشرع لم يرد بالقصاص فيها والثاني وهو الصحيح الذي عليه الأصحاب أنه يراجع أهل البصر فإن قالوا لو قطعت لم ينسد العروق بالحسم ولم ينقطع الدم لم تقطع بها وتجب دية يده وإن قالوا تنقطع فله قطعها وتقع قصاصا كقتل الذمي بالمسلم وليس له أن يطلب بسبب الشلل أرشا
الرابعة هل تقطع الشلاء بالشلاء وجهان أحدهما لا لأن الشلل علة والعلل يختلف تأثيرها في البدن والثاني وهو الصحيح الذي قطع به الجمهور أنهما إن استويا في الشلل أو كان شلل يد القاطع أكثر قطعت بها والشرط أن لا يخاف نزف الدم كما ذكرنا وإن كان الشلل في يد المقطوع أكثر لم يقطع بها

فرع قال الشيخ أبو محمد المراد بالشلل في اليد والرجل زوال الحس
والحركة وقال الإمام لا يشترط زوال الحس بالكلية وإنما الشلل بطلان العمل
الخامسة لا أثر لتفاوت البطش بل تقطع يد القوي بيد الشيخ

الذي ضعف بطشه لكن لو كان النقص بجناية بأن ضرب رجل يده فنقص بطشها وألزمناه الحكومة ثم قطع تلك اليد كاملة البطش فقد حكى الإمام أنه لا قصاص وأنه لا تجب دية كاملة على الأصح وهذا كما سبق أن من صار إلى حالة المحتضر بلا جناية لو حز إنسان رقبته لزمه القصاص ولو انتهى إلى تلك الحالة بجناية فلا قصاص على حازه
السادسة تقطع يد السليم ورجله بيد الأعسم ورجل الأعرج لأنه لا خلل في اليد والرجل والعسم تشنج في المرفق أو قصر في الساعد أو العضد
السابعة لا اعتبار بإخضرار الأظفار واسودادها وزوال نضارتها فإنها علة ومرض في الأظفار والطرف السليم يستوفى بالعليل وأما التي لا أظفار لها فالصحيح الذي ذكره العراقيون وغيرهم أنه لا تقطع بها سليمة الأظفار وأنها تقطع بالسليمة وكذا حكاه الإمام عنهم ونسبه إلى النص لكن عن الشيخ أبي حامد وغيره أنه تكمل فيها الدية وللإمام احتمال في جريان القصاص وإن عدمت الأظفار لأنها زوائد ولو لم يجر القصاص لما تمت دية اليد والأصبع الساقط ظفرها وقال البغوي ينقص من الدية شىء
الثامنة لا تقطع يد صحيحة بيد فيها أصبع شلاء ولا تقطع من الكوع يد مسبحتها شلاء بيد وسطاها شلاء فإن استويا في الشلل فهما كالشلاوين
التاسعة إذا قطع سليم اليد يدا شلاء ثم شلت يده فعن القفال أنه خرج في الاقتصاص منه قولين ثم رجع وقطع بالمنع وهو الذي رآه الإمام مذهبا والمذكور في التهذيب أنه يقتص منه وكذا لو قطع يدا ناقصة أصبعا ثم سقطت تلك الأصبع من القاطع بخلاف

ما لو قطع حر ذمي يد عبد ثم نقض العهد وسبي واسترق لا يقطع ولو قتله لا يقتل وفرق بأن القصاص هناك سقط لعدم الكفاءة والكفاءة تراعى حال الجناية والامتناع هنا لزيادة حسية في يد القاطع والاعتبار فيها بحال الاستيفاء فإذا زالت قطع ولهذا لو قطع الأشل يدا شلاء ثم صحت يد القاطع لا يقتص منه لوجود الزيادة عند الاستيفاء قال وكذا اليد ذات الأظفار لا تقطع بما لا أظفار لها فلو سقطت أظفار القاطع قطعت بها والتي لا أظفار لها تقطع بمثلها فلو نبتت أظفار القاطع لم تقطع لحدوث الزيادة
العاشرة يجب في قطع الذكر وفي قطع الأنثيين وإشلالها القصاص سواء قطع الذكر والأنثيين معا أو قدم الذكر أو الأنثيين ولو دق خصييه ففي التهذيب أنه يقتص بمثله إن أمكن وإلا وجبت الدية ويشبه أن يكون الدق ككسر العظام ولو قطع أو أشل إحدى الأنثيين وقال أهل البصر يمكن القصاص من غير إتلاف الأخرى اقتص وذكر الروياني أن الماسرجسي قال إنه ممكن وإنه وقع في عهده لرجل من أهل فراوة
والقول في قطع الذكر الصحيح بالأشل وبالعكس والأشل بالأشل على ما ذكرنا في اليد والرجل وشلل الذكر أن يكون منقبضا لا ينبسط أو منبسطا لا ينقبض هذه عبارة الجمهور وقيل هو الذي لا يتقلص في البرد ولا يسترسل في الحر وهو بمعنى العبارة الأولى ولا اعتبار بالانتشار وعدمه ولا بالتفاوت في القوة والضعف بل يقطع ذكر الفحل الشاب بذكر الخصي والشيخ والصبي والعنين لأنه لا خلل في نفس العضو وإنما تعذر الانتشار لضعف في القلب أو الدماغ وسواء الأقلف والمختون
الحادية عشرة تقطع أذن السميع بأذن الأصم وبالعكس وهل

تقطع الأذن الصحيحة بالمستحشفة قولان أظهرهما نعم لبقاء الجمال والمنفعة من جمع الصوت ورد الهوام بخلاف اليد الشلاء وبيان الاستحشاف يأتي في الديات إن شاء الله تعالى وسواء المثقوبة وغيرها إذا كان الثقب للزينة ولم يورث شينا ونقصا فإن أورث نقصا فلتكن المثقوبة كالمخرومة ولا تقطع صحيحة بمخرومة وهي التي قطع بعضها ولكن يقطع منها بقدر ما كان بقي من المخرومة وهذا إذا قلنا يجب القصاص في بعض الأذن كما سبق فإن شقت ولم يبن منها شىء فنقل الإمام عن العراقيين أنه لا تقطع الصحيحة بها أيضا لفوات الجمال قال ولست أرى الأمر كذلك لبقاء الجرم بصفة الصحة
قلت هذا الذي قاله الإمام ضعيف
والله أعلم
وتقطع المخرومة بالصحيحة ويؤخذ من الدية بقدر ما ذهب من المخرومة وسواء في المثقوبة والمخرومة المرأة والرجل
الثانية عشرة يقطع أنف الصحيح بأنف الأخشم لأن الشم ليس في جرم الأنف وهل يقطع الأنف السليم بالمجذوم قال البغوي إن كان في حال الاحمرار قطع به وإن اسود فلا قصاص لأنه دخل في حد البلى وإنما تجب فيه الحكومة ولم يفرق الجمهور بين الاحمرار والاسوداد وقالوا يجب القصاص ما لم يسقط منه شىء فإن سقط لم يقطع به الصحيح لكن يقطع منه ما كان بقي من المجني عليه إن أمكن وإن كان بأنف الجاني نقص كنقص المجذوم جرى القصاص وفيه وجه قال الإمام هو غلط


الثالثة عشرة لا تؤخذ العين السليمة بالحدقة العمياء والصورة القائمة من الحدقة كاليد الشلاء وتؤخذ القائمة بالصحيحة إذا رضي المجني عليه ويقطع جفن البصير بجفن الأعمى لتساوي الجرمين وفقد البصر ليس في الجفن
الرابعة عشرة لا يقطع لسان ناطق بأخرس ويجوز العكس برضى المجني عليه ويقطع لسان المتكلم بلسان الرضيع إن ظهر فيه أثر النطق بالتحريك عند البكاء وغيره وإلا فلا فإن بلغ أوان التكلم ولم يتكلم لم يقطع به المتكلم

فرع قطع أذن شخص فألصقها المجني عليه في حرارة الدم فالتصقت لم
يسقط القصاص ولا الدية عن الجاني لأن الحكم يتعلق بالإبانة وقد وجدت ثم ذكر الشافعي والأصحاب رحمهم الله أنه لا بد من قطع الملصق لتصح صلاته وسببه نجاسة الأذن إن قلنا ما يبان من الآدمي نجس وإلا فسببه الدم الذي ظهر في محل القطع فقد ثبت له حكم النجاسة فلا تزول بالاستبطان ويجيىء فيه ما سبق في كتاب الصلاة في الوصل بعظم نجس والتفصيل بين أن ينبت اللحم على موضع النجاسة أو لا ينبت وبين أن يخاف التلف من القطع أو لا يخاف ولو قطعها قاطع فلا قصاص عليه لأنها مستحقة الإزالة وإن لم يوجب إزالتها لخوف التلف مثلا فلو سرى قطع القاطع إلى النفس حكى الإمام عن المحققين أن عليه القصاص قال ولا يبعد خلافه ثم هي وإن كانت مستحقة الإزالة فليس للجاني أن يقول أزيلوها ثم اقطعوا أذني لأن إزالتها من باب الأمر بالمعروف لا اختصاص له به والنظر في مثله إلى الإمام ولو اقتص المجني عليه فألصق الجاني أذنه

فالقصاص حاصل بالإبانة وأما قطع ما ألصق فلا يختص به المجني عليه ولو قطع بعض أذنه ولم يبنه ففي القصاص في ذلك القدر خلاف سبق وذلك إذا بقي غير ملتصق فأما إذا ألصقه المجني عليه فالتصق فيسقط القصاص والدية عن الجاني ويرجع المجني عليه إلى الحكومة كالإفضاء إذا اندمل يسقط الدية ولذلك نقول لو جاء رجل وقطع الأذن بعد الالتصاق لزمه القصاص أو الدية الكاملة هذا هو الصحيح المنصوص وقيل لا يسقط القصاص في القدر المقطوع كما لا يسقط قصاص الموضحة بالاندمال ولا يجب قطع الملصق قبل تمام الإبانة وهكذا أطلقوه وفيه نظر إن عللنا بظهور الدم ولو استأصل أذنه وبقيت معلقة بجلدة وجب القصاص بلا خلاف فلو ألصقها المجني عليه لم يجب قطعها وفي سقوط القصاص عن الجاني هذا الخلاف ولو أبان أذنه فقطع المجني عليه بعض أذنه مقتصا فألصقه الجاني فللمجني عليه أن يعود ويقطعه لاستحقاقه الإبانة

فرع ربط السن المقلوعة في مكانها وثبوتها كإلصاق الأذن المقطوعة

فصل في السن القصاص وإنما يجب إذا قلعها فلو كسرها فلا قصاص
ذكره البغوي وغيره وحكى ابن كج عن نصه في الأم أنه إذا كسر بعض سنه يراجع أهل الخبرة فإن قالوا يمكن استيفاؤه بلا زيادة ولا صدع في الباقي اقتص منه وبهذا قطع صاحب المهذب ولا تؤخذ السن الصحيحة بالمكسورة وتؤخذ المكسورة بالصحيحة مع قسط الذاهب من الأرش وتؤخذ الزائدة

بالزائدة بالشرط السابق ولو قلع سن رجل وليس للجاني تلك السن فلا قصاص وتؤخذ الدية فلو نبت بعد ذلك فلا قصاص أيضا لأنها لم تكن موجودة حال الجناية

فرع إذا قلع مثغور وهو الذي سقطت رواضعه سن صبي لم يثغر
في الحال ولا دية لأنها تعود غالبا فإن نبتت فلا قصاص ولا دية ولكن عليه الحكومة إن نبتت سوداء أو معوجة أو خارجة عن سمت الأسنان أو بقي شين بعد النبات وإن نبتت أطول مما كانت أو نبت معها سن شاغية فكذلك على الأصح وإن نبتت أقصر مما كانت وجب بقدر النقص من الأرش وإن جاء وقت نباتها بأن سقط سائر الأسنان وعادت ولم تنبت المقلوعة أريناه أهل الخبرة فإن قالوا يتوقع نباتها إلى وقت كذا توقفنا تلك المدة فإن مضت ولم تنبت أو قالوا فسد المنبت ولا يتوقع النبات وجب القصاص على المذهب وبه قطع الأصحاب وحكى الغزالي فيه قولين لأن سن الصغير ناقصة ولم يذكر الخلاف غير الغزالي ثم إذا أوجبنا القصاص فالاستيفاء إنما يكون بعد البلوغ فإن مات الصبي قبل بلوغه اقتص وارثه في الحال أو أخذ الأرش وإن مات قبل حصول اليأس وقبل تبين الحال فلا قصاص وفي الأرش وجهان يأتيان في الديات إن شاء الله تعالى
فرع قلع مثغور سن مثغور وجب القصاص فلو نبت سن المجني عليه
سقوط القصاص قولان أحدهما يسقط لأن العائد قائم مقام الأول كما في غير المثغور وأظهرهما لا يسقط لأن هذا هبة جديدة من الله تعالى وعلى القولين لا ننتظر العود بل للمجني عليه أن يقتص أو يأخذ الدية في الحال وقيل يراجع أهل الخبرة فإن قالوا قد يعود

إلى مدة كذا انتظر تلك المدة ويكون الحكم كما ذكرنا في غير المثغور ولو التأمت الموضحة والتحمت لم تسقط الدية ولا القصاص لأن العادة فيها الالتحام وكذا حكم الجائفة وعن صاحب التقريب وجه أنها إذا التحمت زال حكمها ورأى الإمام تخصيص هذا الوجه على ضعفه بما إذا نفذت الحديدة إلى الجوف وحصل خرق من غير زوال لحم دون ما إذا زال شىء ونبت لحم جديد ورأى طرده في مثلها في الموضحة ولو قطع لسانا فنبت ففي سقوط القصاص طريقان أحدهما قولان كالسن والمذهب القطع بالمنع لأن عوده بعيد جدا فهو هبة محضة وجنس السن معتاد العود التفريع على القولين في عود السن فإذا اقتص المجني عليه أو أخذ الأرش ثم نبتت سنه فليس للجاني قلعها وهل يسترد الأرش إن كان المجني عليه أخذه وجهان أو قولان إن قلنا العائد كالأول استرد وإن قلنا هبة فلا وإن كان المجني عليه اقتص فهل يطالبه الجاني بأرش السن يبنى على الخلاف وقال ابن سلمة لا يطالب هنا قطعا لتعذر استرداد القصاص وهذا ضعيف ولو تعدى الجاني فقلع العائد وقد اقتص منه فإن قلنا العائد كالأول لزمه الأرش بهذا القلع لتعذر القصاص وقد وجب له على المجني عليه الأرش بالعود ففيه الكلام في التقاص وإن جعلناه هبة لزمه الأرش بالقلع الثاني وعلى

هذا القول لو لم يقتص منه أولا وأخذ الأرش فللمجني عليه أن يقتص للقلع الثاني فلو لم يكن اقتص للأول ولا أخذ الأرش لزمه قصاص وأرش أو أرشان بلا قصاص أما إذا اقتصصنا من الجاني فعاد سنه دون المجني عليه فإن قلنا العائد كالأول فهل للمجني عليه القلع ثانيا وجهان أحدهما لا لأنه قابل قلعا بقلع فلا تثنى عليه العقوبة لكن له الأرش لخروج القلع الأول عن كونه قصاصا وكأنه تعذر القصاص بسبب والثاني نعم لأن الجاني أفسد منبته فيكرر عليه حتى يفسد منبته وإن قلنا هبة فلا شىء للمجني عليه وقد استوفى حقه بما سبق وهذا هو الأظهر ولو اقتص فعاد سن الجاني والمجني عليه معا فلا شىء لواحد منهما على الآخر باتفاق القولين

فرع قلع غير مثغور سن مثغور قال ابن كج للمجني عليه أن
إن شاء ويقتص إن شاء وليس له مع القصاص شىء آخر كما في أخذ الشلاء بالصحيحة هذا إذا كان غير المثغور بالغا وإلا فلا قصاص وفي أمالي أبي الفرج أنه يقال له إن قلعت سنه الآن فالظاهر منها العود فاصبر إلى أن يصير مثغورا فإن استعجل أجيب وشرط عليه أن لا حق له فيما يعود
فرع قلع غير مثغور سن غير مثغور فلا قصاص في الحال فإن
قصاص ولا دية وإن لم تنبت وقد دخل وقته فالمجني عليه يأخذ الأرش أو يقتص فإن اقتص ولم يعد سن الجاني فذاك وإن عادت فهل يقلع ثانيا وجهان أصحهما نعم قاله الإمام


التفاوت الثالث في العدد وفيه مسائل إحداها قطع يدا كاملة الأصابع ويد الجاني ناقصة أصبعا فللمجني عليه أن يأخذ دية اليد وله أن يقطع اليد الناقصة ويأخذ الأرش للأصبع ولو كانت ناقصة أصبعين فله قطع يده وأرش أصبعين ولو قطع أصبعين وله أصبع واحدة فللمجني عليه قطع الموجودة وأرش المفقودة ولو قطع أصبعا صحيحة وتلك الأصبع منه شلاء فأراد المجني عليه قطع الشلاء وأخذ شىء للشلل لم يكن له
الثانية إذا كان النقص في يد المجني عليه بأن قطع السليم ناقصة بأصبع فليس للمجني عليه قطع اليد الكاملة لكن له أن يلتقط الأصابع الأربع وله أخذ ديتها فإن التقطها فقد ترك كف الجاني مع قطعه كفه فله حكومة خمس الكف وهو ما يقابل منبت أصبعه الباقية وهل له حكومة أربعة أخماسها وجهان أحدهما لا بل تدخل تحت قصاص الأصابع كما تدخل تحت ديتها وأصحهما نعم لأن القصاص ليس من جنسها ويجري الوجهان فيما إذا كانت يد الجاني زائدة بأصبع ويد المجني عليه معتدلة فلقط الخمس لتعذر القطع من الكوع بسبب الزائدة وهل تدخل حكومة الكف تحت قصاص الخمس ولو أخذ دية الأصابع الأربع في الصورة الأولى دخلت حكومة منابتها فيها على الصحيح وقيل لا تدخل بل تختص قوة الاستتباع بالكل وأما حكومة الخمس الباقي من الكف فتجب على الصحيح وحكي وجه أن كل أصبع تستتبع الكف كما تستتبعها كل الأصابع


الثالثة إذا قطع كفا لا أصابع لها فلا قصاص إلا أن تكون كف القاطع مثلها ولو قطع صاحب هذه الكف يد سليم فله قطع كفه ودية الأصابع حكاه ابن كج عن النص
الرابعة إذا كان على يد الجاني أصبعان شلاوان ويد المجني عليه سليمة فإن شاء قطع يده وقنع بها وإن شاء لقط الثلاث السليمة وأخذ دية أصبعين وفي استتباع الثلاث حكومة منابتها واستتباع دية الأصبعين حكومة منبتهما الخلافان السابقان ولو كانت يد الجاني سليمة ويد المعني عليه فيها أصبعان شلاوان لم يجب القصاص من الكوع ولكن للمجني عليه قطع الثلاث السليمة وحكومة الشلاوين ويعود الخلاف في استتباع القصاص في الثلاث حكومة منابتها وفي استتباع حكومة الشلاوين حكومة منبتهما وجهان أصحهما عند الإمام والغزالي والبغوي المنع وهو ظاهر نصه في المختصر والثاني أنه يستتبع وبه قطع العراقيون
الخامسة قطع كفا لها أصبع فقط خطأ وجبت دية تلك الأصبع والصحيح أنه تدخل حكومة منبتها فيها وأنه يجب حكومة باقي الكف وعلى الوجه المحكي في آخر المسألة الثانية لا حكومة أصلا

فرع في التهذيب أنه لو كانت أصابع إحدى يديه وكفها أقصر من
فلا قصاص في القصيرة لأنها ناقصة وفيها دية ناقصة بحكومة
السادسة سبق أن الزائد من الأعضاء يقطع بالزائد إذا اتحد المحل وذكرنا خلافا في اشتراط التساوي في الحجم فلو فرض شخصان لكل منهما أصبع زائدة قطع أحدهما زائدة الآخر اقتص

منه إذا حصل شرطه وكذا لو قطع أحدهما يد الآخر ولو قطع المعتدل يدا لها أصبع زائدة قطع وأخذ منه حكومة للزائدة سواء كانت معلومة بعينها أم لا وإن شاء المجني عليه أخذ دية اليد وحكومة الزائدة ولو قطع صاحب الأصابع الست يد معتدل لم تقطع يده من الكوع إلا أن تكون الزائدة نابتة في الأصابع وللمجني عليه لقط الخمس الأصليات ويعود الوجهان في استتباع قصاصها حكومة الكف فإن كانت الزائدة بجنب أصلية بحيث لو قطعت الأصلية سقطت الزائدة لم تقطع بل يقتصر على قطع الأربع ويأخذ دية الخامسة ولو كانت نابتة على أصبع وأمكن قطع بعضها مع الأربع بأن كانت نابتة على الأنملة الوسطى من أنمله قطعت الأنملة العليا مع الأربع وأخذ ثلثا دية أصبع هذا إذا كانت في الست زائدة معلومة بعينها أما إذا كانت الست كلها أصلية بأن انقسمت القوة في الست على ستة أجزاء متساوية في القوة والعمل بدلا عن القسمة على خمسة أجزاء فللمجني عليه أن يلتقط منها خمسا على الولاء من أي جانب شاء هكذا أطلق ولك أن تقول إن لم تكن الست على تقطيع الخمس المعهودة فهذا قريب وإن كانت على تقطيعها فمعلوم أن صورة الابهام من الخمس تباين صورة باقيها فإن كانت التي تشبه الإبهام على طرف فينبغي أن يلقط الخمس من ذلك الجانب وإن وقعت ثانية وكانت التي تليها على الطرف كالملحقة بها فينبغي أن يلقط الخمس من الجانب الآخر قال الإمام ويختلج في النفس أن يقال ليس له لقط الخمس لوقوع الست على نظم يخالف نظم الخمسة المعتدلة ثم إنه لا يستكمل حقه بقطع الخمس لأنها خمسة أسداس اليد فله مع ذلك سدس الدية لكن يحط من السدس شىء لأن الخمس الملقوطة وإن كانت خمسة أسداس فهي في الصورة كالخمس المعتدلة وتقدير المحطوط إلى

رأي المجتهد ولو بادر المقطوع فقطع الست قال البغوي يعزر ولا شىء عليه ولو قيل يلزمه شىء لزيادة الصورة لم يبعد ولو قطع صاحب الست أصبعا لمعتدل قطعت أصبعه وأخذ ما بين خمس دية اليد وسدسها وهو بعير وثلثا بعير لأن خمسها عشرة وسدسها ثمانية وثلث وقياس ما سبق أن يقال يحط من قدر التفاوت شىء ولو قطع معتدل اليد اليد الموصوفة قطعت يده وأخذ منه شىء للزيادة المشاهدة كذا حكاه الإمام وغيره ولو قطع أصبعا لم يقتص لما فيه من استيفاء خمس سدس ولكن يأخذ منه سدس دية اليد ولو قطع أصبعين قطع منه أصبع وأخذ ما بين ثلث دية اليد وخمسها وهو ستة أبعرة وثلثان ولو قطع ثلاثا قطع منه أصبعان وأخذ ما بين نصف دية لايد وخمسيها وهو خمسة أبعرة ولو بادر المجني عليه وقطع بأصبعه المقطوعة أصبعا منها قال الإمام هو كمن قطع يدا شلاء فابتدر المجني عليه وقطع بها الصحيحة
المسألة السابعة إذا قطع صاحب الست يد معتدل وقال أهل البصر نعلم أن واحدة من الست زائدة وهي ملتبسة فليس للمجني عليه قطع الخمس لأن الزائدة لا تقطع بالأصلية عند اختلاف المحل ولا يؤمن أن تكون الزائدة هي إحدى المستوفيات ولو بادر وقطع خمسا عزر ولا شىء له ولا شىء عليه لاحتمال أن المقطوعات أصليات وإن بادر وقطع الكل فعليه حكومة للزائدة وإن قال أهل البصر لا ندري أهي كلها أصليات أم خمس منها أصلية وواحدة زائدة فلا قصاص أيضا فلو قطع جميعها أو خمسا منها عزر ولا شىء له ولا عليه لأنه إن قطع الكل احتمل أنهن أصليات وإن قطع خمسا احتمل أن الباقية زائدة
الثامنة في الزائدة من الأنامل قد أجرى الله سبحانه وتعالى العادة

أن كل أصبع سوى الإبهام منقسمة ثلاثة أقسام وهي الأنامل الثلاث فلو انقسمت على خلاف العادة أصبع بأربع أنامل فلها حالان أحدهما أن تكون الأربع أصلية عند أهل البصر وقد يستدل عليه بأن تكون غير مفرطة الطول وتناسب باقي الأصابع فإذا قطع صاحبها أنملة لمعتدل قطعت منه أنملة لكن لا يتم بها حق المجني عليه لأن أنملته ثلث الأصبع وهذه ربعها فيطالب بما بين الربع والثلث من دية أصبع وهو خمس أسداس بعير وإن قطع أنملتين قطعنا منه أنملتين وطالبناه بما بين نصف دية الأصبع وثلثها وهو بعير وثلثا بعير وإن قطع أصبع معتدل بتمامها فهل يقطع أصبعه بها وجهان أحدهما نعم وبه قطع الغزالي والروياني وصححه الإمام وأصحهما عند البغوي المنع فعلى هذا يقطع ثلاث أنامل هي ثلاثة أرباع حصته ويطالب بالتفاوت بين جميع الدية وثلاثة أرباعها وهو بعيران ونصف ولو بادر المجني عليه وقطع أصبعه عزر ولا شىء عليه ولو قطع معتدل أنملة من له هذه الأصبع لم تقطع أنملته لكن يؤخذ منه ربع دية أصبع ولو قطع أنملتين فللمجني عليه أن يقطع منه أنملة ويأخذ بعيرا وثلثين ولو قطع ثلاث أنامل فله أن يقطع أنملتين ويأخذ خمسة أسداس بعير ولو قطع الأصبع بتمامها قطعت أصبعه ولم يلزمه شىء آخر هكذا ذكره الإمام والروياني
الحال الثاني أن تكون الأنملة العليا زائدة خارجة عن أصل الخلقة فإن قطع صاحبها أصبع معتدل لم يقطع أصبعه لما فيها من الزيادة وتؤخذ منه الدية ولو قطعها معتدل قطعت أصبعه وأخذت منه حكومة للزائدة وتختلف الحكومة بكون الزائدة عاملة أم لا ولو قطع المعتدل أنملة منها فلا قصاص وعليه الحكومة ولو قطع

أنملتين قطع منه أنملة وأخذت الحكومة للزائدة ولو قطع ثلاثا قطعت منه أنملتان وأخذت الحكومة

فرع لو كان لأنملة طرفان أحدهما أصلي عامل والآخر زائد غير عامل
ففي الأصل القصاص والأرش الكامل وفي الآخر الحكومة ولو قطع صاحبها أنملة معتدل قطع منه الأصلي إن أمكن إفراده وإن كانا عاملين مشتدين قال الإمام القول فيهما قريب من القول في الأصابع الست الأصليات وإن قطع المعتدل أحد الطرفين لم تقطع أنملته وإن قطعهما معا قطعت أنملته ولزمه لزيادة الخلقة شىء وإن قطع صاحبها أنملة معتدل لم يقطع طرفا أنملته بل يختار المقطوع أحدهما فيقطعه ويأخذ معه نصف الأرش ويحط منه شىء هذا كله إذا نبت طرفا تلك الأنملة على رأس الأنملة الوسطى فلو لقي رأسها عظم ثم انشعب الطرفان من ذلك العظم فإن لم يكن مفصل بين العظم وبينها فليس ذلك موضع القصاص وإن كان لكل طرف مفصل هناك فالعظم الحائل بين الشعبتين والأنملة الوسطى أنملة أخرى وهي أصبع لها أربع أنامل والعليا منها ذات طرفين ولو كان على الساعد كفان أو على الساق قدمان فحكمه كالأنملتين على رأس أصبع
المسألة التاسعة لو كانت أصبع ليس لها إلا أنملتان وهي تناسب سائر الأصابع في الطول فللإمام فيه احتمالان أحدهما ليست أصبعا تامة وإنما هي أنملتان وأصحهما انها أصبع تامة لكنها ذات قسمين كما لو كان لها أربع أنامل كانت أصبعا ذات أربع أقسام ولو وجدت أصبع لا مفصل لها قال الإمام الأرجح

عندي نقصان شىء من الدية لأن الانثناء إذا زال سقط معظم منافع الأصبع وقد ينجر هذا إلى أن لا تقطع أصبع السليم بها
العاشرة سليم اليد قطع الأنملة الوسطى من فاقد العليا فلا سبيل إلى الاقتصاص مع بقاء العليا فإن سقطت بآفة أو جناية اقتص من الوسطى وللقفال احتمال أنه لا يقتص ومثله لو قطع السليم كفا لا أصابع لها فحكمه ما ذكرنا فلو بادر المجني عليه فقطع الوسطى مع العليا فقد تعدى وعليه أرش العليا ولو أراد طلب أرش الوسطى في الحال للحيلولة فليس له ذلك على الصحيح إلا أن يعفو ولو كانت العليا مستحقة القطع قصاصا فليس له أيضا طلب أرش الوسطى من غير عفو على الأصح وقيل له لأن استيفاء القصاص مرتقب ومن صور استحقاق العليا بالقصاص ما نص عليه في المختصر وهو أن تقطع الأنملة العليا من رجل والوسطى من آخر فاقد للعليا فلصاحب العليا القصاص فيها أولا وإن كان قطعه متأخرا فإن طلب القصاص اقتص ويمكن مستحق الوسطى من استيفائها قال أبو بكر الطوسي ولو اتفقا على وضع الحديدة على مفصل الوسطى واستوفيا الأنملتين بقطعة واحدة جاز وقد هونا الأمر عليه وإن لم يطلب صاحب العليا القصاص صبر صاحب الوسطى أو عفا

فرع قطع الأنملة العليا لرجل والعليا والوسطى لغيره نظر إن سبق قطع
ويأخذ دية العليا وبين أن يعفو ويأخذ ديتهما ولو بادر صاحب الأنملتين فقطعهما كان مستوفيا لحقه ويأخذ الآخر دية العليا من الجاني


الفصل الرابع في وقت الاقتصاص في الجروح المستحب في قصاص الجروح والأطراف التأخير إلى الاندمال فلو طلب المستحق الاقتصاص في الحال مكن منه على المذهب والمنصوص ولو طلب الأرش لم يمكن منه على المذهب والمنصوص لأن القصاص في تلك الجراحة ثابت وإن سرت إلى النفس أو شاركه غيره في الجرح وأما المال فلا يتقدر فقد تعود الديتان في اليدين والرجلين إلى واحدة بالسراية إلى النفس وقد يشاركه جماعة فيقل واجبه وقيل في التعجيل في المال والقصاص قولان فإن قلنا يعجل المال ففي قدر المعجل وجهان أحدهما تعجل أروش الجراحات وديات الأطراف وإن كثرت فإن حصلت سراية استرد والثاني لا يعجل إلا دية نفس لاحتمال السراية
قلت الثاني الأصح
والله أعلم

باب اختلاف الجاني ومستحق الدم
فيه مسائل إحداها قد ملفوفا في ثوب نصفين وقال كان ميتا وقال الولي كان حيا فأيهما يصدق قولان أظهرهما الولي وقيل يفرق بين أن يكون ملفوفا على هيئة التكفين أو في ثياب الأحياء قال الإمام وهذا لا أصل له ويجري القولان فيما لو هدم عليه بيتا وادعى أنه كان ميتا وأنكر الولي وسواء قلنا المصدق الولي أو الجاني فللولي أن يقيم بينة بحياته ويعمل بها وللشهود أن يشهدوا بالحياة إذا كانوا رأوه يتلفف في الثوب ويدخل البيت وإن لم يتيقنوا حياته حالة القد والانهدام استصحابا لما كان ولكن لا يجوز أن يقتصروا على أنهم رأوه يدخل البيت ويتلفف في الثوب ذكره البغوي وغيره


قلت وإذا صدقنا الولي بلا بينة فالواجب الدية دون القصاص ذكره المحاملي والبغوي وقال المتولي هو على الخلاف في استحقاق القود بالقسامة
والله أعلم
الثانية قتل شخصا وادعى رقه وقال قريبه كان حرا فالنص أن القول قول القريب ونص أنه لو ادعى رق المقذوف فالقول قول القاذف فقيل بظاهر النصين والأصح أن فيهما قولين أظهرهما تصديق القريب لأن الغالب والظاهر الحرية ولهذا حكمنا بحرية اللقيط المجهول
الثالثة قطع طرفه وادعى نقصه بشلل في اليد أو الرجل أو الذكر أو فقد أصبع أو بخرس أو عمى وأنكره المجني عليه ففيه نصوص وطرق مختصرها أربعة أقوال أحدها يصدق المجني عليه والثاني الجاني والثالث يصدق المجني عليه إن ادعى السلامة من الأصل وإن ادعى زوال النقص بعد وجوده صدق الجاني والرابع وهو المذهب يصدق المجني عليه إلا في العضو الظاهر عند إنكار أصل السلامة لأنه يمكن إقامة البينة والمراد بالعضو الباطن ما يعتاد ستره مروءة وقيل ما يجب وهو العورة وبالظاهر ما سواه وإذا صدقنا الجاني احتاج المجني عليه إلى بينة بالسلامة ثم الأصح أنه يكفي قول الشهود كان صحيحا ولا يشترط تعرضهم لوقت الجناية وقيل إن شهدوا بالسلامة عند الجناية كفى ولا يحتاج معها إلى يمين وإن شهدوا أنه كان سليما احتاج معها إلى اليمين لجواز حدوث النقص ثم تجوز الشهادة بسلامة العين إذا رأوه يتبع بصره الشىء زمنا طويلا ويتوقى المهالك ولا يجوز بأن يروه يتبعه بصره زمنا يسيرا لأنه قد يوجد من الأعمى وكذلك تجوز الشهادة بسلامة اليد والذكر برؤية الانقباض والانبساط


فرع إذا اختلفا في أصل العضو فقيل بإطلاق الخلاف في أن المصدق
وأنكر الإمام هذا وقال من أنكر أصل العضو أنكر الجناية عليه فيقطع بتصديقه وإنما الخلاف إذا اختلفا في صحته ومنه ما إذا قطع كفه واختلفا في نقص أصبع وليس منه ما إذا ادعى المقطوع قطع الذكر والأنثيين وقال الجاني لم أقطع إلا أحدهما
الرابعة قطع يديه ورجليه ومات فقال الجاني مات بالسراية فعلي دية وقال الولي بل مات بعد الاندمال فعليك ديتان نظر إن لم يمكن الاندمال في تلك المدة لقصرها كيوم ويومين فالقول قول الجاني بلا يمين وقيل بيمين قاله الشيخ أبو حامد لاحتمال الموت بعارض كحية وسم مذفف والصحيح الأول لأن الاختلاف في الاندمال فقط فلا ينظر إلى غيره وإن أمكن الاندمال في تلك المدة ففيه أوجه أصحها أن القول قول الولي بيمينه وبهذا قطع الأكثرون والثاني إن مضت مدة طويلة لا يمكن أن تبقى الجراحة فيها غير مندملة صدق الولي بلا يمين وإلا فيمين قطع به ابن الصباغ والروياني والثالث إن كان احتمال الاندمال مع إمكانه بعيدا صدق الجاني بيمينه وإلا فالولي وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه وليس كما ادعى ولو اختلفا في مضي زمن الاندمال صدق الجاني لأن الأصل أنه لم يمض
ولو قال الجاني مات بالسراية أو قتلته أنا قبل الاندمال وقال الولي بل مات بسبب آخر بأن قال قتل نفسه أو قتله آخر أو شرب سما موحيا فأيهما يصدق وجهان أصحهما الولي لأن الأصل بقاء الديتين بالجنايتين والأصل عدم السبب الآخر ولو اقتصر الولي على أنه مات بسبب آخر ولم يعينه قال الصيدلاني لا يلتفت إلى قوله إن قصر الزمان

ولم يمكن فيه الاندمال فإن أمكن فإن صدقناه بيمينه ولم نحوجه إلى بينة قبل قوله وحلف أنه مات بسبب آخر وإن لم نصدقه وأحوجناه إلى البينة فلا بد من التعيين لتصور إقامة البينة قال الإمام ولا يبعد طرد الوجهين وإن لم يمكن الاندمال ولو اتفقا على أن الجاني قتله لكن قال قتلته قبل الاندمال فعلى دية وقال الولي بل بعده فعليك ثلاث ديات والزمان محتمل للإندمال صدق الولي في بقاء الديتين والجاني في نفي الثالثة ويجيء وجه أنه يصدق الجاني مطلقا

فرع لو قطع إحدى يديه ومات فقال الجاني مات بسبب آخر فعلي
وقال الولي مات بالسراية فعليك دية فأيهما يصدق وجهان أصحهما الولي ولو قال الجاني مات بعد الاندمال فعلي نصف دية وقال الولي مات بالسراية والزمن محتمل للاندمال فالمصدق الجاني على الأصح ولو اختلفا في مضي زمن الإمكان فالمصدق الولي لأن الأصل عدم المضي ولو قتله الجاني بعد القطع وقال قتلته قبل الاندمال فعلي دية وقال الولي بعده فعليك دية ونصف فالمصدق الجاني
فرع جرحه بقطع يد أو غيره فمات فقال الجاني حز آخر رقبته
قصاص النفس وقال الولي بل مات بسراية جرحك فأيهما يصدق وجهان أصحهما الولي وبه قطع الداركي
ولو قال الولي مات بالسراية وقال الجاني مات بعد الاندمال قال الإمام إن طالت المدة وكان الظاهر الاندمال صدق الجاني بيمينه وإن قصرت المدة وبعد احتمال الاندمال فالمصدق الولي وقيل في المصدق قولان مطلقا متى كانت المدة محتملة وإن لم تحتمل المدة

الاندمال صدق الولي بلا يمين وإن لم تحتمل بقاء الجرح صدق الجاني بلا يمين

فرع حيث صدقنا مدعي الاندمال فأقام الآخر بينة بأن المجروح لم يزل
متألما من الجراحة حتى مات رجعنا إلى تصديقه
الخامسة أوضحه موضحتين ثم رفع الحاجز بينهما وقال رفعته قبل الاندمال فليس علي إلا أرش واحد وقال المجني عليه بل بعده فعليك أرش ثلاث موضحات قال الأصحاب إن قصر الزمان صدق الجاني بيمينه وإن طال صدق المجني عليه وإذا حلف المجني عليه ثبت الأرشان ولا يثبت الثالث على الأصح ولو وجدنا الحاجز مرتفعا وقال الجاني رفعته أنا أو ارتفع بالسراية وقال المجني عليه بل رفعه آخر أو رفعته أنا فالظاهر تصديق المجني عليه ولو كان الموجود موضحة واحدة فقال الجاني هكذا أوضحت وقال المجني عليه بل أوضحت موضحتين وأنا رفعت الحاجز بينهما صدق الجاني
قلت باب الاختلاف واسع وإنما أشار هنا إلى مسائل منه وباقيها مفرق في مواضعه ومنها لو قطع أصبعه فداوى جرحه وسقطت الكف فقال الجاني تآكل بالدواء وقال المجني عليه بل تآكل بسبب القطع قال المتولي نسأل أهل الخبرة فإن قالوا هذا الدواء يأكل اللحم الحي والميت صدق الجاني وإن قالوا لا يأكل الحي صدق المجني عليه وإن اشتبه الحال صدق المجني عليه لأنه أعرف به ولا يتداوى في العادة بما يأكل
والله أعلم


باب استيفاء القصاص
فيه أطراف الأول فيمن له ولاية الاستيفاء أما القصاص فيستحقه جميع الورثة على فرائض الله تعالى وفي وجه تستحقه العصبة خاصة وفي وجه يستحقه الوارثون بالنسب دون السبب حكاهما ابن الصباغ وهما شاذان والصحيح الأول وبه قطع الجمهور ولو قيل من ليس له وارث خاص فهل للسلطان أن يقتص من قاتله أم يتعين أخذ الدية فيه قولان سبقا في كتاب اللقيط وإن خلف بنتا أو جدة أو أخا لأم فإن قلنا للسلطان الاستيفاء إذا لم يكن وارث استوفاه مع صاحب الفرض وإلا فالرجوع إلى الدية
فرع لو كان في الورثة غائب أو صبي أو مجنون انتظر حضور
إذنه وبلوغ الصبي وإفاقة المجنون وليس للآخرين الانفراد بالاستيفاء
فرع إذا انفرد صبي أو مجنون باستحقاق القصاص لم يستوفه وليه سواء
فيه قصاص النفس والطرف وأما أخذ الولي له الدية وجواز رد المستحق لها إذا كمل واقتصاصه فقد ذكرناه في كتابي الحجر واللقيط ويحبس القاتل إلى أن يبلغ الصبي ويفيق المجنون ولا يخلى بالكفيل فقد يهرب ويفوت الحق وكذلك يحبس إلى أن يقدم الغائب كما لو وجد الحاكم مال ميت مغصوبا والوارث غائب فإنه يأخذه حفظا لحق الميت وذكر ابن الصباغ أنه لا يحبس في قصاص الطرف إلى قدوم الغائب لأن الحاكم لا ولاية له على الغائب

المكلف كما لا يأخذ ماله المغصوب وفي كلام الإمام وغيره ما ينازع فيه ويشعر بأنه يأخذ مال الغائب ويحفظه له وأنه يحبس لقصاص الطرف وفي أمالي السرخسي أن الشيخ أبا علي قال لا يحبس القاتل لأنه عقوبة زائدة وحمل الحبس في كلام الشافعي رحمه الله على التوقف للانتظار والصحيح الأول وبه قطع الجماهير قال الأصحاب وحبسه أهون عليه من تعجيل القتل ولا طريق إلى حفظ الحق سواه

فصل إذا كان القصاص لجماعة حضور كاملين فليس لهم أن يجتمعوا على
مباشرة قتله لأن فيه تعذيبا ولكن يتفقون على واحد يستوفيه أو يوكلون أجنبيا فإن طلب كل واحد أن يستوفيه بنفسه أقرع فمن خرجت قرعته تولاه بإذن الباقين فلو أخروا لم يكن له الاستيفاء بخلاف ما إذا تنازعوا في التزويج فخرجت قرعة واحد فإنه يزوج ولا يحتاج إلى إذن الباقين لأن القصاص مبني على الإسقاط ولجميعهم ولبعضهم تأخيره كإسقاطه والنكاح لا يجوز تأخيره هذا هو الصحيح وعن القفال تفريعا أنه لا يفرع بينهم إلا بإذنهم بخلاف القرعة في القسمة وبين الأولياء وحكى الإمام وغيره وجها أنه لا حاجة بعد خروج القرعة إلى إذن الباقين لتظهر فائدة القرعة وإلا فاتفاقهم على واحد مغن عن القرعة ولا شك أنه لو منع بعضهم من خرجت له القرعة من الاستيفاء لم يكن له الاستيفاء وهل يدخل في القرعة العاجز عن الاستيفاء كالشيخ والمرأة وجهان وقيل قولان أصحهما عند الأكثرين لا لأنه ليس أهلا للاستيفاء والقرعة إنما تكون بين المستوين في الأهلية والثاني نعم فإن خرجت القرعة له وكل فإن قلنا لا يدخل فخرجت القرعة لقادر فعجز أعيدت بين الباقين وإن قلنا يدخل لا تعاد لكن يستنيب هذا كله إذا كان

المستحق القصاص في النفس لحز الرقبة فأما قصاص الطرف وقصاص النفس المستحق بقطع الطرف ونحوه فسيأتي إن شاء الله تعالى

فصل من عليه قصاص إذا قتله أجنبي لزمه القصاص كما سبق ويكون
القصاص لورثته لا لمن كان يستحق القصاص عليه قال البغوي فلو عفا ورثته عن القصاص على الدية فالدية للورثة على الصحيح وقيل لمن له القصاص كما إذا قتل المرهون تكون قيمته مرهونة وهو ضعيف وأما إذا بادر أحد ابني المقتول الحائزين فقتل الجاني بغير إذن الآخر فينظر أوقع ذلك قبل عفو أخيه أم بعده الحالة الأولى إذا قتله قبل العفو ففي وجوب القصاص عليه قولان أظهرهما لا يجب لأن له حقا في قتله فصار شبهة والقولان فيما إذا قتله عالما بالتحريم فإن جهل فلا قصاص بلا خلاف الحالة الثانية أن يقتله بعد العفو فإن علم العفو وحكم الحاكم بسقوط القصاص عن الجاني لزمه القصاص قطعا وإن لم يحكم به لزمه أيضا على المذهب وقيل لا لشبهة اختلاف العلماء وإن جهله فإن قلنا لا قصاص إذا علمه فهنا أولى وإلا فوجهان ولو قتله العافي أو عفوا ثم قتله أحدهما لزمه القصاص قطعا
التفريع على الحالة الأولى فإذا أوجبنا القصاص على الابن المبادر وجبت دية الأب في تركة الجاني كما لو قتله أجنبي فإن اقتص وارث الجاني من المبادر أخذ وارث المبادر والابن الآخر الدية من تركة الجاني وكانت بينهما نصفين وإن عفا مجانا أو أطلق العفو وقلنا العفو المطلق لا يوجب الدية أخذها الأخوان وإن عفا على الدية أو أطلق وجعلنا المطلق موجبا للدية فللأخ الذي لم يقتل نصف الدية في تركة الجاني وللمبادر النصف وعليه دية الجاني بتمامها ويقع الكلام في التقاص وقد يصير النصف بالنصف قصاصا ويأخذ وارث الجاني النصف الآخر

وقد يختلف القدر بأن يكون المقتول أولا رجلا والجاني امرأة وإذا قلنا بالأظهر ولم نوجب القصاص على المبادر فلأخيه نصف الدية وممن يأخذها قولان أحدهما من أخيه المبادر وأظهرهما من تركة الجاني فإذا قلنا يأخذ من أخيه فأبرأ أخاه برىء وإن أبرأ وارث الجاني لم يصح لأنه لا حق له عليه ولو أبرأ وارث الجاني المبادر عن الدية لم يسقط النصف الثابت عليه لأخيه وأما النصف الثابت للوارث فيبنى على التقاص في الدينين هل يحصل بنفس الوجوب إن قلنا نعم فالعفو لغو وبمجرد وجوبهما سقطا وإن قلنا لا يحصل حتى يتراضيا صح الإبراء وسقط ما ثبت للوارث على المبادر ويبقى للمبادر النصف في تركة الجاني وإن قلنا حق الذي لم يقتل في تركة الجاني لا على أخيه فلوارث الجاني على المبادر دية تامة وللمبادر نصف الدية في تركة الجاني فيقع النصف تقاصا ويأخذ وارث الجاني منه النصف الآخر فلو أبرأ الذي لم يقتل أخاه فإبراؤه لغو إذ لا شىء له عليه ولو أبرأ وارث الجاني صح ولو أسقط وارث الجاني الدية عن المبادر فإن قلنا يقع التقاص بنفس الوجوب فقد سقط النصف بالنصف ويؤثر الإسقاط في النصف الآخر فلا يبقى لأحدهما على الآخر شىء وإن قلنا لا يقع التقاص إلا بالتراضي سقط حق الوارث بإسقاطه وبقي للمبادر نصف الدية في تركة الجاني وإذا كان المبادر جاهلا بالتحريم وجبت الدية بقتله وهل يكون في ماله لقصده القتل أم على عاقلته لأن الجهل كالخطإ قولان فإن قلنا في ماله فالابن الذي لم يقتل يأخذ نصف الدية من أخيه أو من تركة الجاني فيه القولان وإن قلنا على العاقلة أخذ الابنان الدية من تركة الجاني في الحال ووارث الجاني يأخذ ديته من عاقلة المبادر كما تؤخذ الدية من العواقل هذا تفريع الحالة الأولى أما إذا قتله بعد عفو أخيه فإن أوجبنا القصاص واقتص وارث

الجاني فلورثة المقتص منه نصف الدية في تركة الجاني وأما العافي فلا شىء له إن عفا مجانا وإن عفا على نصف الدية عاد الخلاف في أنه ممن يأخذه وإن لم يقتص منه الوارث بل عفا نظر في حال العفوين وما يقتضيانه من وجوب المال وعدمه وإن لم نوجب القصاص فإن كان الآخر عفا على الدية أو مطلقا وقلنا المطلق يقتضي الدية فللابنين دية أبيهما وعلى المبادر دية الجاني فيقع ما له وما عليه في التقاص ويأخذ الآخر النصف من أخيه أو من تركة الجاني على الخلاف وإن عفا مجانا أو مطلقا وقلنا لا يوجب المال فلا شىء للعافي وللمبادر نصف دية أبيه وعليه جميع دية الجاني وما ذكرناه في المسألة من صور مجيء الخلاف في التقاص كذا أطلقه الأصحاب وفيه نظر لأن شرط التقاص استواء الديتين في الجنس والصفة حتى لا يجري إذا كان أحدهما مؤجلا والآخر حالا واختلف أجلهما وهنا أحد الديتين في ذمة الابن المبادر لورثة الجاني والآخر يتعلق بتركة الجاني ولا يثبت في ذمة أحد وهذا الاختلاف أشد من اختلاف قدر الأجل

فصل الواحد إذا قتل جماعة قتل بأحدهم وللباقين الديات وكذا لو قطع
أطراف جماعة كما سبق وفي البيان وجه أنه يقتل بالجميع وليس بشىء فلو رضي الأولياء بأن يقتل بهم جميعا ويرجع كل واحد إلى ما يبقى له من الدية عند توزيع القصاص عليهم لم يجابوا إليه بلا خلاف قاله الإمام ثم ينظر إن قتلهم مرتبا قتل بالأول فإن عفا ولي الأول قتل بالثاني وهكذا يراعى الترتيب وإن لم يعف ولي الأول ولا اقتص فلا اعتراض عليه وليس لولي الثاني المبادرة بقتله فلو فعل عزر ولا غرم بل يقع قتله عن القصاص المستحق له وينتقل الأول إلى الدية وفي وجه يغرم للأول دية قتله ويأخذ من تركة الجاني دية قتيل نفسه وليس بشىء ولو كان ولي القتيل الأول غائبا

أو صبيا أو مجنونا حبس القاتل حتى يحضر الولي أو تكمل حاله وحكى الفوراني قولا عن رواية حرملة أن للثاني الاقتصاص ويصير الحضور والكمال مرجحا والمشهور الأول وأما إذا قتلهم معا بأن هدم عليهم جدارا أو جرحهم وماتوا معا فيقرع بينهم فمن خرجت قرعته قتل به فإن خرجت لواحد فعفا وليه اعيدت القرعة بين الباقين وكذا لو عفا بأن خرجت قرعته وهذا الإقراع واجب على مقتضى كلام الجمهور وحكى أبو الفياض وغيره أنه مستحب وللإمام أن يقتله بمن شاء منهم قال الروياني وهو الأصح وعليه جرى ابن كج وغيره وحكوا عن نص الشافعي رحمه الله أنه قال أحببت أن يقرع بينهم ولو رضوا بتقديم واحد بلا قرعة جاز فإن بدا لهم ردوا إلى القرعة ذكره الإمام ولو كان ولي بعض القتلى غائبا أو صبيا أو مجنونا فالمذهب الانتظار إذا أوجبنا الإقراع وفي الوسيط عن رواية حرملة أن للحاضر والكامل الاقتصاص وإذا أشكل الحال فلم يدر أقتلهم دفعة أو مرتبا أقرع بينهم فإن أقر بسبق قتل بعضهم اقتص منه وليه ولولي غيره تحليفه إن كذبه

فرع إذا قتل مرتبا فجاء ولي الثاني يطلب القصاص ولم يجىء الأول
فعن نص الشافعي رضي الله عنه قال أحببت أن يبعث الإمام إلى ولي الأول ليعرف أهو طالب أو عاف فإن لم يبعث وقتله بالثاني كرهته ولا شىء عليه لأن لكلهم عليه حق القود ويشبه أن تكون الكراهة كراهة تحريم ويؤيده أنه قال في الأم فقد أساء
فرع قتل جماعة جماعة فالقاتلون كشخص فإن قتلوهم مرتبا قتلوا بالأول وإلا


فرع إذا قتل عبد جماعة أحرارا أو عبيدا فوجهان أحدهما يقتل بجميعهم
لأن في تخصيص بعضهم تضييع حق الآخرين ولأن العبد لو قتلهم خطأ تضاربوا في رقبته فكذا في قصاصه بخلاف الحر وأصحهما عند الأكثرين لا يقتل بجميعهم بل يكون كالحر المعسر يقتل بواحد وللباقين الديات في ذمته يلقى الله تعالى بها فعلى هذا إن قتلهم مرتبا قتل بالأول وإن قتلهم معا أقرع وقتل بمن خرجت قرعته ولو عفا ولي الأول أو ولي من خرجت قرعته على مال تعلق المال برقبته وللثاني قتله وإن بطل حق الأول لأن تعلق المال لا يمنع القصاص كجناية المرهون وإن عفا الثاني أيضا على مال تعلق المالان برقبته ولا يرجح بالتقدم كما لو أتلف أموالا لجماعة في أزمنة
فرع إذا تمالأ على الجاني أولياء القتيل فقتلوه جميعا فثلاثة أوجه أصحها
ديته والثاني يقرع ويجعل القتل واقعا عمن خرجت قرعته وللباقين الديات والثالث قاله الحليمي يكتفى به عن جميعهم ولا رجوع إلى شىء من الدية
فرع قتل رجلا وقطع طرف آخر وحضر المستحقان يقطع طرفه ثم يقتل
تقدم قتله أم قطعه ليجمع بين الحقين وإن قطع يمين زيد ثم أصبعا من يمين عمرو وحضرا قطعت يمينه لزيد ويأخذ عمرو دية الأصبع فإن عفا زيد قطعت أصبعه لعمرو وإن كان قطع الأصبع

أولا قطعت أصبعه للأول ويأخذ الثاني دية اليد وإن شاء قطع ما بقي من يد الجاني وأخذ دية الأصبع وإن وقع القطعان معا أقرع فمن خرجت قرعته مكانه يقدم قطعه

فصل ليس لمستحق القصاص استيفاؤه إلا بإذن الإمام أو نائبه وعن أبي
إسحاق ومنصور التميمي أن المستحق يستقل بالاستيفاء كالأخذ بالشفعة وسائر الحقوق والصحيح المنصوص الأول وسواء فيه قصاص النفس والطرف وإذا استقل به عزر لكنه لا غرم عليه ويقع عن القصاص ولو استقل المقذوف باستيفاء حد القذف بإذن القاذف أو بغير إذنه ففي الاعتداد به وجهان فإن قلنا لا يعتد به ترك حتى يبرأ ثم يحد ولو مات منه وجب القصاص إن جلده بغير إذنه وإن كان بإذنه فلا قصاص وفي الدية خلاف كما لو قتله بإذنه ثم إذا طلب المستحق أن يستوفي القصاص بنفسه فإن لم يره أهلا له كالشيخ والزمن والمرأة لم يجبه وأمره أن يستنيب وإن رآه أهلا له فإن كان المطلوب قصاص النفس والطالب الولي فوضه إليه بخلاف الجلد في القذف لا يفوض إلى المقذوف لأن تفويت النفس مضبوط والجلدات يختلف موقعها والتعزير كحد القذف وإن كان المطلوب قصاص الطرف والطالب المجني عليه فوجهان أحدهما يفوضه إليه كالنفس لأن إبانة الطرف مضبوطة وأصحهما المنع لأنه لا يؤمن أن يردد الحديدة ويزيد في الإيلام
فرع يستحب للإمام أن يحضر الاقتصاص عدلين متيقظين ليشهدا إن أنكر المقتص ولا


فرع يتفقد الإمام السيف ويقتص بصارم لا كال فلو كان الجاني قتل
بكال فهل يقتص بكال أم يتعين الصارم وجهان أصحهما الأول وإذا لم نجوز بالكال فبان بعد الاستيفاء كلاله عزر المستوفي
فرع يضبط الجاني في قصاص الطرف لئلا يضطرب فيؤدي إلى استيفاء زيادة

فرع إذا أذن للولي في ضرب الرقبة فأصاب غيرها واعترف بأنه تعمد
عزر وكذا لو ادعى الخطأ فيما لا يقع الخطأ بمثله بأن ضرب رجله أو وسطه لكن لا يمنع من الاستيفاء ولا يعزل لأنه أهل له وإن تعدى بفعله كما لو جرحه قبل الارتفاع إلى الحاكم لا يمنع من الاستيفاء وفيه وجه أو قول ضعيف أنه يعزل ويؤمر بالاستنابة لأنه لا يؤمن أن يتعدى ثانيا ولو ادعى الخطأ فيما يمكن فيه الخطأ بأن ضرب كتفه أو رأسه مما يلي الرقبة حلف ولا يعزر إذا حلف لكن يعزل لأن حاله يشعر بعجزه وخرقه وحكي قول أو وجه إنه يعذر بالخطأ ولا يعزل قال الإمام وهذا الوجه ينبغي أن يكون مخصوصا بما إذا لم يتكرر الخطأ منه ولم يظهر خرقه فإن ظهر فليمنع بلا خلاف قال وعزله على الصحيح ينبغي أن يكون مخصوصا بمن لم تعرف مهارته في ضرب الرقاب فأما الماهر فينبغي أن لا يعزل بخطأ اتفق له بلا خلاف
فرع هل يمنع من الاستيفاء بالسيف المسموم وجهان الصحيح المنع هكذا أطلقهما
مطلقون وخصهما الإمام بما إذا كان تأثير السم

في التقطع واكتفيت بتأخر عن الدفن فإن كان يؤثر قبل الدفن منع بلا خلاف لما فيه من هتك الحرمة وعسر الغسل والدفن وحيث يمنع فلو بان بعد القطع أنه كان مسموما عزر وأما في قصاص الطرف فيمنع من المسموم بلا خلاف فلو استوفاه بمسموم فمات المقتص منه فلا قصاص لأنه مات من مستحق وغيره وتجب نصف الدية وهل تكون على المستوفي أم على عاقلته وجهان أصحهما الأول وحكى ابن كج وجها غريبا أنه يجب القصاص قال ولو كان السم موحيا وجب القصاص بلا خلاف

فرع لينصب الإمام من يقيم الحدود ويستوفي القصاص بإذن المستحقين له
عنده من سهم المصالح شىء أو كان واحتاج إليه لأهم منه فأجرة الاقتصاص على المقتص منه لأنها مؤنة حق لزمه أداؤه وقيل على المقتص والصحيح المنصوص الأول وبه قطع الجمهور وفي أجرة الجلاء في الحدود والقاطع في السرقة وجهان أصحهما على المجلود والسارق لأنها تتمة الحد الواجب عليه والثاني في بيت المال ومنهم من خص الإيجاب في بيت المال بما إذا لم يكن للجاني مال وأجرة الجلاد في القذف كأجرة الاقتصاص وإذا قلنا تجب في بيت المال فلم يكن فيه ما يمكن صرفه إليه اقترض الإمام على بيت المال إلى أن يجد سعة قال الروياني أو يستأجر بأجرة مؤجلة أو يسخر من يقوم به على ما يراه والاستئجار قريب والتسخير بعيد وبتقدير جوازه يجوز أن يأخذ الأجرة ممن يراه من الأغنياء ويستأجر بها ولو قال الجاني أنا أقتص من نفسي ولا أؤدي الأجرة فهل يقبل منه وجهان قال الداركي نعم وأصحهما لا فعلى هذا

لو قتل نفسه أو قطع طرفه بإذن المستحق ففي الاعتداد به عن القصاص وجهان أحدهما لا كما لو جلد نفسه في الزنى بإذن الإمام وفي القذف بإذن المقذوف لا يسقط الحد عنه وكما لو قبض المبيع من نفسه بإذن المشتري لا يعتد به والثاني نعم لحصول الزهوق وإزالة الطرف بخلاف الجلد فإنه قد لا يؤلم نفسه ويوهم الإيلام فلا يتحقق حصول المقصود وفي البيع المقصود إزالة يد البائع ولم تزل قال البغوي ولو قطع السارق يد نفسه بإذن الإمام اعتد به عن الحد وهل يمكنه إذا قال أقطع بنفسي وجهان أقربهما نعم لأن الغرض التنكيل ويحصل بذلك
الطرف الثاني في وقت الاقتصاص لمستحق القصاص استيفاؤه على الفور إذا أمكن فلو التجأ الجاني إلى الحرم جاز استيفاؤه منه في الحرم سواء فيه قصاص النفس والطرف ولو التجأ إلى المسجد الحرام قال الإمام أو غيره من المساجد أخرج منه وقتل لأن هذا تأخير يسير وفيه صيانة للمسجد وفيه وجه ضعيف أنه تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد تعجيلا لتوفية الحق وإقامة الهيبة
قلت ولو ألتجأ إلى الكعبة أو إلى ملك إنسان أخرج قطعا
والله أعلم

فصل لو قطع طرفه فمات بالسراية فسيأتي إن شاء الله تعالى أن
يستوفى بمثله فإذا قطع طرف الجاني فله أن يحز رقبته في الحال وله أن يؤخر فإن مات بالسراية فذاك وإلا حز رقبته لأنه استحق إزهاق روحه فإن شاء عجل وإن شاء أخر


فصل لا يؤخر قصاص الطرف لشدة الحر والبرد ولا بسبب المرض وإن
مخطرا وكذا لا يؤخر الجلد في القذف بخلاف قطع السرقة والجلد في حدود الله تعالى لأن حقوق الله تعالى مبنية على التخفيف هكذا قطع به الغزالي والبغوي وغيرهما وفي جمع الجوامع للروياني أنه نص في الأم على أنه يؤخر قصاص الطرف بهذه الأسباب ولو قطع أطراف رجل فللمجني عليه أن يقتص في الجميع متواليا سواء قطعها الجاني متوالية أم متفرقة وقيل يفرق مطلقا وقيل يفرق إن فرق ويوالي إن والى والصحيح الأول لأنها حقوق واجبة في الحال
فصل المرأة الحامل لا يقتص منها في نفس ولا طرف ولا تحد
في حدود الله تعالى قبل الوضع سواء الحامل من زنى أو غيره وسواء وجبت العقوبة قبل الحمل أم بعده حتى إن المرتدة لو حبلت من زنى بعد الردة لا تقتل حتى تضع وإذا وضعت لا تستوفى العقوبة حتى تسقي الولد اللبأ ومال القاضي أبو الطيب إلى أنها لا تمهل لإرضاعه اللبأ لأنه قد يعيش دونه والصحيح الأول وبه قطع الجمهور لأن الغالب أنه لا يعيش بدونه مع أنه تأخير يسير ثم إذا أرضعته اللبأ فإن لم يكن هناك من يرضعه ولا ما يعيش به الولد من لبن بهيمة وغيره فوجهان قال ابن خيران يقتص منها ولا يبالى بالطفل والصحيح الذي عليه الجمهور أنه يجب التأخير إلى أن توجد مرضعة أو ما يعيش به أو ترضعه هي حولين وتفطمه لأنه إذا وجب تأخير العقوبة احتياطا للحمل فوجوبه بعد وجود الولد وتيقن

حياته أولى فلو بادر مستحق القصاص والحالة هذه فقتلها فمات الطفل فالصحيح أنه قاتل للطفل عمدا فيلزمه قوده كما لو حبس رجلا في بيت ومنعه الطعام وبهذا قطع الشيخ أبو حامد ونقله ابن كج عن النص وعن الماسرجسي قال سمعت ابن أبي هريرة يقول عليه دية الولد فقلت له أليس لو غصب طعام رجل في البادية أو كسوته فمات جوعا أو بردا لا ضمان عليه فتوقف فلما عاد إلى الدرس قال لا ضمان فيهما أما إذا أمكن تربية الولد بمراضع يتناوبن عليه أو بلبن شاة ونحوه ولم توجد مرضعة راتبة فيستحب للمستحق أن يصبر لترضعه هي لئلا يفسد خلقه ونشوؤه بالألبان المختلفة ولبن البهيمة فإن لم يصبر وطلب القصاص أجيب إليه ولو وجدت مرضعة راتبة فله الاقتصاص في الحال ولو وجد مراضع وامتنعن أجبر الحاكم من يرى منهن بالأجرة
والجلد في القذف كالقصاص وأما الرجم وسائر حدود الله تعالى فلا تستوفى وإن وجدت مرضعة بل ترضعه هي وإذا انقضى الإرضاع لم يستوف أيضا حتى يوجد للطفل كافل والفرق بين الحدود والقصاص أنها على المساهلة كما سبق

فرع تحبس الحامل في القصاص إلى أن يمكن الاستيفاء كما ذكرنا فيما
إذا كان في المستحقين صبي ولو كان عليها رجم أو غيره من حدود الله تعالى لم تحبس على الصحيح لأنه على التخفيف وقيل تحبس كالقصاص قال الإمام وإطلاق هذا الوجه بعيد والأقرب أنه مخصوص بما إذا ثبت بالبينة فإن ثبت بالإقرار فلا معنى للحبس مع أنه بعرض السقوط بالرجوع


فرع جميع ما ذكرناه إذا ثبت الحمل بإقرار المستحق أو شهادة النسوة
فلو ادعت الجانية الحمل هل يمتنع عنها بمجرد دعواها وجهان قال الإصطخري لا وقال الجمهور نعم وهو الصحيح قال الإمام ولا أدري أيقول هؤلاء بالصبر إلى انقضاء مدة الحمل أم إلى ظهور المخايل والأرجح الثاني فإن التأخير أربع سنين من غير ثبت بعيد قال الغزالي فعلى قول الإصطخري لا يمكن الاقتصاص من منكوحة يخالطها زوجها وهذا إن أراد به إذا ادعت الحمل فهو كذلك وإن أراد الامتناع بمجرد المخالطة والوطء بغير دعواها فليس كذلك لأن الأصل عدم الحمل
فرع إذا قتلت الحامل على خلاف ما أمرنا به نظر إن بادر
مستقلا أثم ووجبت غرة الجنين إن انفصل ميتا وتكون على عاقلة الولي وإن انفصل حيا متألما فمات وجبت الدية وإن أذن له الإمام في قتلها فقتلها فنتكلم في ثلاثة أشياء أحدها الإثم وهو تبع للعلم فإن علم الولي والإمام بالحمل أثما وإن جهلا فلا وإن علم أحدهما اختص بالإثم
الثاني الضمان فإن لم ينفصل الجنين فلا ضمان وإن انفصل ميتا ففيه الغرة والكفارة وإن انفصل حيا متألما فمات به ففيه دية وكفارة وإن انفصل سليما ثم مات لم يجب فيه شىء
الثالث فيمن عليه الضمان فإن كان الإمام والولي عالمين أو جاهلين فالصحيح المنصوص أن الضمان على الإمام لأن البحث عليه وهو الأمر به وقيل على الولي لأنه المباشر وقيل

عليهما بالسوية وإن كان الإمام عالما والولي جاهلا فإن أوجبنا الضمان إذا علما على الإمام فهنا أولى وإلا فوجهان وإن كان الولي عالما والإمام جاهلا فالصحيح أن الضمان على الولي وقيل على الإمام لتقصيره وحيث ضمنا الولي فالغرة على عاقلته والكفارة في ماله وحيث ضمنا الإمام فإن كان عالما ففي ماله وإن كان جاهلا فعلى القولين في أن ما يجب بخطأ الإمام في الاجتهاد هل هو على عاقلته أم في بيت المال أظهرهما وهو المنصوص هنا أنه على عاقلته وبه قطع ابن سلمة وأبو علي الطبري وإذا قلنا الدية والغرة في بيت المال ففي الكفارة وجهان لقربها من القربات وبعدها من التحمل ولو باشر القتل نائب الإمام أو جلاده دون الولي فإن كان جاهلا فلا ضمان عليه بحال لأنه سيف الإمام وإن كان عالما فخلاف مرتب على ما إذا أذن الإمام للولي وعلم الولي وأولى بأن لا ضمان لأنه آلة الإمام ولهذا لا كفارة عليه إذا جرى على يده قتل بغير حق وهل يؤثر علم الولي مع الجلاد وجهان أصحهما نعم حتى إذا كانوا عالمين ضمنوا أثلاثا هذا كله في ضمان الجنين أما الأم فلا يجب ضمانها لأنها تلفت في حد أو عقوبة عليها قال البغوي هذا إذا ماتت بألم الضرب فإن ماتت بألم الولادة وجبت ديتها وإن ماتت منهما وجب نصف ديتها والمراد إذا ضربها في الحد فأفضى إلى الإجهاض وماتت

فرع إذا لم يعلم الإمام الحمل فأذن للولي في القتل ثم علم
عن الإذن ولم يعلم الولي رجوعه فقتل فعلى من الضمان يبنى ذلك على ما إذا عفا الموكل عن القصاص ولم يعلم الوكيل وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى


فرع ليس المراد مما أطلقناه من العلم بالحمل وعدمه حقيقة العلم بل المراد ظن مؤكد بمخايله

الطرف الثالث في كيفية المماثلة وهي مشترطة في استيفاء القصاص فإذا قتله قتلا موحيا بمحدد كسيف وغيره أو بمثقل أو خنقه أو غرقه في ماء أو ألقاه في نار أو جوعه حتى مات أو رماه من شاهق فللولي أن يقتله بمثل ما قتل به ويستثنى عن هذه القاعدة ثلاث صور إحداها إذا قتله بسحر اقتص منه بالسيف لأن عمل السحر حرام ولا ينضبط الثانية إذا قتله باللواط وهو مما يقتل غالبا بأن لاط بصغير فالصحيح أنه يقتل بالسيف كمسألة السحر والثاني تدس في دبره خشبة قريبة من آلته ويقتل بها قاله أبو إسحق والإصطخري قال المتولي هذا إن توقع موته بالخشبة وإلا فالسيف والثالث لا يجب به القصاص لأنه لا يقصد به الإهلاك فيكون القتل به خطأ أو شبه عمد وهو غريب ضعيف الثالثة إذا أوجره خمرا حتى مات فثلاثة أوجه الصحيح أنه يقتل بالسيف والثاني يوجر مائعا كخل أو ماء أو شىء مر والثالث لا قصاص لأنه لا يقصد به القتل وهو غريب ضعيف ولو سقاه بولا فكالخمر وقيل يسقى بولا لأنه يباح عند الضرورة بخلاف الخمر ولو أوجره ماء نجسا أو جر ماء طاهرا
فرع كما ترعى المماثلة في طريق القتل ترعى في الكيفية والمقدار ففي
والنار يلقى في ماء ونار مثلهما ويترك تلك المدة وتشد قوائمه عند الإلقاء

في الماء إن كان يحسن السباحة وفي التخنيق يخنق بمثل ما خنق مثل تلك المدة وفي الإلقاء من الشاهق يلقى من مثله وتراعى صلابة الموضع وفي الضرب بالمثقل يراعى الحجم وعدد الضربات وإذا تعذر الوقوف على قدر الحجر أو قدر النار أو عدد الضربات فعن القفال أنه يقتل بالسيف وعن بعضهم يؤخذ باليقين
قلت هذا الثاني أصح
والله أعلم

فرع متى عدل المستحق من غير السيف إلى السيف مكن منه لأنه
وأسهل قال البغوي وهو الأولى وأشار الإمام إلى وجه أنه لا يعدل من الخنق إلى السيف والمذهب الأول
فرع إذا جوع الجاني مدة تجويعه أو ألقي في النار مثل مدته
بالسوط والحجر كضربه فلم يمت فقولان أحدهما يزاد في ذلك الجنس حتى يموت والثاني يقتل بالسيف وفرق جماعة فقالوا يفعل الأهون منهما وهذا أقرب والأول أظهر عند البغوي وقيل يعدل في السوط والحجر إلى السيف قال الإمام ولو قتل نحيفا بضربات تقتل مثله غالبا وعلمنا أو ظننا طنا مؤكدا أن الجاني لا يموت بتلك الضربات لقوة جثته فالوجه القطع بأنه لا يضرب ثم قال وفيه احتمال


فرع هذا الذي ذكرناه في الاقتصاص بالقتل الموحي فأما غير الموحي من
أن تكون الجراحة بحيث يقتص فيها لو وقفت كالموضحة وقطع الكف فللمستحق أن يحز رقبته وله أن يوضحه أو يقطع كفه ثم إن شاء حز رقبته في الحال وليس للجاني أن يقول أمهلوني مدة بقاء المجني عليه بعد جنايتي لأن القصاص ثابت في الحال وعن ابن القطان أن له ذلك والصحيح الأول وإن شاء أمهله إلى السراية كما سبق وليس للجاني أن يقول أريحوني بالقتل أو العفو بل الخيرة للمستحق وإذا اقتص في موضحة الجناية أو قطع العضو المقطوع مثله لم يكن له أن يوضح موضعا آخر ولا أن يقطع عضوا آخر بلا خلاف بل ليس له إلا حز الرقبة
الحال الثاني أن تكون الجراحة بحيث لا يقتص فيها لو وقفت كالجائفة وقطع اليد من نصف الساعد فهل يجوز استيفاء القصاص بهذا الطريق تحقيقا للمماثلة أم يجب العدول إلى حز الرقبة قولان أظهرهما عند الأكثرين الأول فعلى هذا لو أجافه كجائفته فلم يمت فهل يزاد في الجوائف وجهان أصحهما لا قال البغوي وإذا قلنا يجوز الاقتصاص بطريق الجائفة فقال أجيفه ثم أعفو عنه إن لم يمت لم يمكن منه إنما يمكن إذا قال أجيفه ثم أحز رقبته وكذا لو قال أرميه من الشاهق ثم أعفو قال ولو أجافه ثم عفا عنه عزر على ما فعل ولم يجبر على قتله فإن مات بان بطلان العفو والقولان في أنه هل يستوفى القصاص بالجائفة ونحوها يجريان فيما قطع يدا شلاء ويد القاطع صحيحة أو ساعدا ممن لا كف له والقاطع سليم هل يستوفى القصاص بقطع اليد والساعد


فرع المماثلة مرعية في قصاص الطرف كما هي مرعية في قصاص النفس بشرط إمكان رعايتها فلو أبان طرفا من أطرافه بمثقل لم يقتص إلا بالسيف ولو أوضح رأسه بالسيف لم يوضح بالسيف بل يوضح بحديدة خفيفة فإن كان الطريق موثوقا به مضبوطا قوبل بمثله كفقء العين بالأصبع

فرع قطعه رجل من الكوع ثم قطع آخر ساعده من المرفق قبل
الأول فمات بالسراية فالقصاص عليهما وطريق استيفائه من الأول أن تقطع يده من الكوع فإن لم يمت حزت رقبته وأما الثاني فإن كان له ساعد بلا كف اقتص منه بقطع مرفقه ثم يقتل وإن كانت يده سليمة فهل تقطع من المرفق ثم تحز رقبته أم يقتصر على الحز قولان ويقال وجهان أظهرهما الأول وهو نصه في المختصر لترد الحديدة على موردها في الجناية ولا عبرة بزيادة الكف الهالكة بهلاك النفس ولو أراد الولي العفو عن الأول بعد أن أقطعه من الكوع قال الأصحاب لا يجوز أن يعفو على مال لأن الواجب عليه نصف الدية فإنه أحد القاتلين وقد استوفى النصف باليد التي قطعها وإن أراد أن يعفو عن الثاني على مال فله نصف الدية إلا قدر أرش الساعد فإنه لم يستوف منه إلا الساعد
فرع إذا اقتص من قاطع اليد ثم مات المجني عليه بالسراية فللولي
أن يحز رقبته وله أن يعفو ويأخذ نصف الدية واليد المستوفاة مقابلة

بالنصف فإن مات الجاني أو قتل ظلما أو في قصاص آخر تعين أخذ نصف الدية من تركته ولو قطع يدي رجل فقطعت يداه قصاصا ثم مات المجني عليه بالسراية فللولي حز رقبة الجاني فلو عفا فلا مال له لأنه استوفى ما يقابل الدية وهذه صورة يستحق فيها القصاص ولا تستحق الدية بالعفو عليها ولو اقتص من قاطع اليد فمات بالسراية فلا شىء على المقتص ولو ماتا جميعا بالسراية بعد الاقتصاص في اليد نظر إن مات المجني عليه أولا أو ماتا معا فوجهان الصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا شىء على الجاني والثاني أن في تركته نصف الدية نقله ابن كج عن عامة الأصحاب وإن مات الجاني أولا فهل يجب في تركته نصف الدية أم لا شىء وجهان أصحهما الأول فلو كان ذلك في الموضحة وجب تسعة أعشار الدية ونصف عشرها وقد أخذ بقصاص الموضحة نصف العشر

فرع قطعه فحز المقطوع رقبة الجاني فإن مات المقطوع بالسراية صار قصاصا
هكذا ذكره البغوي
فرع قطع يد رجل وقتل آخر ثم مات المقطوع بالسراية فقد قتل
نقل صاحب الشامل عن الأصحاب أنه يقتل بالمقتول دون المقطوع لأن قصاص المقطوع وجب بالسراية وهي متأخرة عن وجوبه للمقتول لكن لولي المقطوع أن يقطع يده فإذا قتله الآخر أخذ نصف الدية من تركته وتوقف في تخصيص الاقتصاص في النفس

بالمقتول ولو أنه بعد ما قطع واحدا وقتل آخر قطعت يده قصاصا ومات بالسراية فلولي المقتول الدية في تركته وإن قطع قصاصا ثم قتل قصاصا ثم مات المقطوع الأول فلوليه نصف الدية في تركة الجاني

فصل سبق أنه لا تقطع يمين بيسار ولا عكسه ولو وجب القصاص
واتفقا على قطع يسار بدلها لم يكن بدلا كما لو قتل غير القاتل برضاه بدلا لا يقع بدلا ولكن لا قصاص في اليسار لشبهة البذل وتجب ديتها ومن علم منهما فساد هذه المصالحة أثم بقطع اليسار وهل يسقط قصاص اليمين بما جرى وجهان أصحهما نعم ولو قال مستحق قصاص اليمين للجاني أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها المستحق فللمخرج أحوال أحدهما أن يعلم أن اليسار لا تجزىء عن اليمين وأنه يخرج اليسار ويقصد بإخراجها الإباحة للمقتص فلا قصاص في اليسار ولا دية نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب وقالوا قد بذلها صاحبها مجانا وإن لم يتلفظ بإباحة قالوا والفعل بعد السؤال كالإذن في المسؤول حتى لو قال لأجنبي أخرج يدك لأقطعها أو قال ملكني قطعها فأخرجها كان ذلك إباحة ولو قال ناولني متاعك لألقيه في البحر فناوله كان كما لو نطق بالإذن فيه فلا يجب ضمانه إذا ألقاه في البحر ولو قدم طعاما إلى من استدعاه كان كما لو قال له كل وحكى ابن القطان وجها أنه يجب ضمان اليسار إذا لم يتلفظ المخرج بالإذن في القطع وحمل نص الشافعي على ما إذا أذن لفظا والصحيح الأول وبه قطع الأصحاب وسواء علم القاطع أنها اليسار وأنها لا تجزىء أم لا لكن إذا علم عزر وعن ابن سلمة احتمال في وجوب القصاص إذا كان عالما ولو

قصد شخص قطع يد رجل ظلما فلم يدفعه المقصود وسكت حتى قطع فهل يكون سكوته إهدارا وجهان الصحيح لا لأنه لم يوجد منه لفظ ولا فعل فصار كسكوته عن إتلاف ماله والثاني نعم لأنه سكوت محرم فدل على الرضى ولو سرى قطع اليسار إلى نفس المخرج ففي وجوب الدية الخلاف السابق فيما إذا قال اقتلني فقتله وبني وجوب الكفارة على المقطوع يساره على الخلاف في أن قاتل نفسه هل تلزمه الكفارة هذا حكم قطع اليسار في هذه الحالة وأما قصاص اليمين فيبقى كما كان لكن إذا سرى قطع اليسار إلى النفس فات القصاص فيعدل إلى دية اليد فلو قال القاطع قطعت اليسار على ظن أنها تجزىء عن اليمين فوجهان أحدهما لا يسقط قصاصه في اليمين لأنه لم يسقطه ولا اعتاض عنه وأصحهما وبه قطع البغوي واختاره الشيخ أبو حامد والقاضي حسين يسقط لأنه رضي بسقوطه اكتفاء باليسار فعلى هذا يعدل إلى دية اليمين لأن اليسار وقعت هدرا وطرد الوجهان فيما لو جاء الجاني بالدية وطلب من مستحق القطع متضرعا إليه أن يأخذها ويترك القصاص فأخذها فهل يجعل الأخذ عفوا ولو قال القاطع علمت أن اليسار لا تجزىء عن اليمين شرعا لكن جعلتها عوضا عنها اطرد الخلاف وجعل الإمام هذه الصورة أولى بالسقوط الحال الثاني أن يقول قصدت بإخراج اليسار إيقاعها عن اليمين لظني أنها تقوم مقامها فنسأل المقتص لم قطع وله في جوابه ألفاظ أحدها أن يقول ظننت أنه أباحها بالإخراج فلا قصاص عليه في اليسار وفيه احتمال للإمام ويبقى قصاص اليمين كما كان قطعا الثاني أن يقول علمت أنها اليسار وأنها لا تجزىء ولا تجعل بدلا ففي وجوب القصاص وجهان أصحهما لا يجب لكن تجب الدية وعلى الوجهين يبقى قصاص اليمين الثالث أن يقول

قطعتها عوضا عن اليمين وظننتها تجزىء كما ظنه المخرج فالصحيح أنه لا قصاص في اليسار وأنه يسقط قصاص اليمين ولكل واحد منهما دية ما قطعه الآخر الرابع أن يقول ظننت المخرجة اليمين فلا قصاص في اليسار على المذهب وفي التهذيب فيه وجهان كما لو قتل رجلا وقال ظننته قاتل أبي فلم يكن فإن لم نوجب القصاص وجبت الدية علي الأصح لأنه لم يبذلها مجانا ويبقى قصاص اليمين على المذهب ويجيء فيه الخلاف السابق
الحال الثالث أن يقول المخرج دهشت فأخرجت اليسار وظني أني أخرج اليمين فيسأل المقتص عن قصده في قطعه اليسار وله في جوابه صيغ إحداها أن يقول ظننت أن المخرج قصد الإباحة فقياس مثله في الحال الثاني أن لا يجب القصاص في اليسار والذي ذكره البغوي أنه يجب القصاص كمن قتل رجلا وقال ظننت أنه أذن لي في القتل وهذا يوافق الاحتمال المذكور هناك وهو المتوجه في الموضعين
الثانية أن يقول علمت أنها اليسار وأنها لا تجزىء فيجب القصاص على الأصح لأنه لم يوجد من المخرج بذل
الثالثة أن يقول ظننت اليسار تجزىء قال الأصحاب لا قصاص فيه وفيه احتمال للإمام
الرابعة أن يقول ظننتها اليمين فلا قصاص على المذهب وفي جميع هذه الصيغ يبقى قصاص اليمين إلا إذا قال ظننت أن اليسار تجزىء فإن الأصح سقوطه وإذا سقط القصاص من الطرفين فلكل واحد منهما الدية على الآخر ولو قال القاطع دهشت فلم أدر ما قطعت قال الإمام لا يقبل منه ويلزمه القصاص في اليسار لأن الدهشة لا تليق بحال القاطع وفي كتب الأصحاب لا سيما العراقيين أن المخرج لو قال لم أسمع من المقتص أخرج يمينك وإنما وقع في سمعي أخرج يسارك فأخرجتها فالحكم فيه كقوله دهشت فأخرجت وأنا أظنها اليمين

لكن مقتضى ما سبق أن الفعل المطابق للسؤال كالإذن لفظا أن يلحق ذلك بصورة الإباحة

فرع جميع ما ذكرناه في القصاص فأما إذا وجب قطع يمينه في
فقال الجلاد للسارق أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها فقولان أحدهما ويقال إنه قديم ويقال مخرج إن الحكم كما ذكرنا في القصاص والثاني وهو المشهور أنه يقع قطع اليسار عن الحد فيسقط قطع اليمين لأن المقصود التنكيل وقد حصل ولأن الحد مبني على التخفيف واستدرك القاضي حسين فحمل ما أطلقه الأصحاب على الحالين الأخيرين من الأحوال الثلاثة وقال في الحال الأول وهو الإخراج بقصد الإباحة ينبغي أن لا يسقط قطع اليمين كما لو قطع السارق يسار نفسه أو قطعها غيره بعد وجوب قطع اليمين
فرع لو كان المقتص منه مجنونا فهو كما لو أخرج اليسار مدهوشا
يتحقق منه البدل ولو كان المقتص منه عاقلا والمستحق مجنونا فقطع يمين المقتص منه مكرها له فهل يكون مستوفيا لحقه فيه خلاف سبق فإن قلنا لا يصير مستوفيا وهو الصحيح انتقل حقه إلى الدية ويجب للجاني دية يده فإن جعلنا عمده عمدا فالدية في ماله والصورة من صور التقاص وإن جعلناه خطأ فدية اليسار على عاقلته ولا تقاص ولو قال لمن عليه القصاص أخرج يمينك فأخرجها فقطعها المجنون قال الأصحاب لا يصح استيفاؤه وينتقل حقه إلى الدية ولا ضمان عليه لأنه أتلفها ببذله وتسليطه وإن أخرج يساره فقطعها فهي مهدرة ويبقى حقه في قصاص اليمين


فرع حيث أوجبنا دية اليسار في الصور السابقة فهي في ماله لأنه
متعمدا وعن نصه في الأم أنها تجب على العاقلة
فرع حيث قلنا يبقى القصاص في اليمين لا يستوفى حتى يندمل قطع
لما في توالي القطعين من خطر الهلاك نص عليه ولو قطع طرفي رجل معا اقتص فيهما معا ولا يلزمه التفريق نص عليه فقيل فيهما قولان والمذهب تقرير النصين والفرق أن خطر الموالاة في الصورة الأولى يحصل من قطع مستحق وغير مستحق
فرع قال المخرج قصدت بالإخراج إيقاعها عن اليمين وقال القاطع أخرجتها بقصد الإباحة فالمصدق المخرج لأنه

فرع ثبت له القصاص في أنملة فقطع من الجاني أنملتين سئل فإن
بالتعمد قطعت منه الأنملة الثانية وإن قال أخطأت وتوهمت أني أقطع أنملة واحدة صدق بيمينه ووجب أرش الأنملة الزائدة وهل هي في ماله أم على عاقلته قولان أو وجهان أصحهما في ماله


باب العفو عن القصاص
هو مستحب فإن عفا بعض المستحقين سقط القصاص وإن كره الباقون ولو عفا عن عضو من الجاني سقط القصاص كله ولو أقت العفو تأبد ويشتمل الباب على طرفين أحدهما في حكم العفو وهو مبني على أن موجب العمد في النفس والطرف ماذا وفيه قولان أظهرهما عند الأكثرين أنه القود المحض وإنما الدية بدل منه عند سقوطه والثاني أنه القصاص أو الدية أحدهما لا بعينه وعلى القولين للولي أن يعفو على الدية بغير رضى الجاني ولو مات أو سقط الطرف المستحق وجبت الدية وحكي قول قديم أنه لا يعدل إلى المال إلا برضى الجاني وأنه لو مات الجاني سقطت الدية وليس بشىء فإذا قلنا الواجب أحدهما لا بعينه فعفا عن القصاص والدية جميعا فلا مطالبة بواحد منهما ولو قال عفوت عما وجب لي بهذه الجناية أو عن حقي الثابت عليك وما أشبهه فلا مطالبة أيضا بشىء نقله ابن كج عن النص ولو قال عفوت على أن لا مال لي فوجهان أحدهما أنه كعفوه عنهما والثاني لا تسقط المطالبة بالمال لأنه لم يسقطه وإنما شرط انتفاءه وإلى هذا مال الصيدلاني ولو عفا عن القصاص تعينت الدية ولو عفا عن الدية فله أن يقتص فلو مات الجاني بعد ذلك فله الدية لفوات القصاص بغير اختياره ونقل ابن كج قولا أنه لا مال له والمشهور الأول وهل له أن يعفو بعد هذا عن القصاص ويرجع إلى الدية فيه ثلاثة أوجه أصحهما وهو محكي عن النص لا فعلى هذا لو عفا مطلقا لم يجب شىء والثاني نعم وحاصل هذا الوجه أن

العفو عن الدية لغو والولي على خيرته كما كان والثالث إن عفا على الدية وجبت وإن عفا مطلقا فلا فإن قلنا لا رجوع إلى الدية استقلالا فلو تراضيا بمال من جنس الدية أو غيره بقدرها أو أقل أو أكثر فوجهان أحدهما لا يجوز كما لا تجوز المصالحة عن حد القذف على عوض والصحيح الجواز لأن الدم متقوم شرعا كالبضع بخلاف العرض ولو جرى الصلح مع أجنبي جاز أيضا على الأصح كاختلاع الأجنبي وأولى لأن حقن الدم مرغب فيه ولو عفا أو صالح عن القصاص على مال قبل أن يعفو عن الدية فإن كان المصالح عليه من غير جنس الدية جاز سواء كانت قيمته بقدر الدية أم أقل أو أكثر وإن كان من جنسه فسيأتي إن شاء الله تعالى ويجري الخلاف فيما لو ثبت القصاص بلا دية وصورته ما إذا قطع يديه فسرى إلى النفس فقطعت يد الجاني قصاصا أو قطعت يداه قصاصا ثم سرت الجناية إلى نفس المجني عليه فإنه يجوز حز رقبته ولا يجوز العفو على الدية كما سبق ولو قال عفوت عنك ولم يذكر القصاص ولا الدية أو قال عفوت عن أحدهما ولم يعين فوجهان أحدهما يحمل على القصاص ويحكم بسقوطه وأصحهما يرجع إليه فإذا بين ما نواه ترتب عليه حكمه فعلى هذا لو قال لم تكن لي نية فوجهان أحدهما يحمل على القصاص وأصحهما يقال له اصرف الآن إلى ما شئت منهما ولو قال اخترت الدية سقط القصاص ووجبت الدية ويكون كقوله عفوت عن القصاص هذا هو الصحيح وبه قطع الجمهور وعن القفال أن اختياره أحدهما لا يسقط حقه من الثاني بل يبقى خياره كما كان ولو قال اخترت القصاص فقياس القفال ظاهر وأما على الصحيح فهل له الرجوع إلى الدية لأنها أخف أم لا كعكسه وجهان أصحهما الثاني قاله البغوي

هذا كله تفريع على قولنا الواجب أحدهما أما إذا قلنا الواجب القصاص بعينه فلو عفا عنه على الدية وجبت وإن عفا عنه على مال آخر فإن كان من جنس الدية فسيأتي إن شاء الله تعالى وإن عفا أو صالح على غير جنسها وقبل الجاني ثبت المال وسقط القود وإن لم يقبل الجاني لم يثبت المال قطعا ولم يسقط القصاص على الأصح فإن قلنا يسقط القصاص فهل تثبت الدية قال البغوي هو كما لو عفا مطلقا ولو عفا عن القود على نصف الدية قال القاضي حسين هذه معضلة أسهرت الجلة قال غيره هو كعفوه عن القود ونصف الدية فيسقط القود ونصف الدية ولو عفا عن القود مطلقا ولم يتعرض للدية لم تجب دية على المذهب لأن القتل لم يوجبها على هذا القول والعفو إسقاط ثابت لا إثبات معدوم فإن قلنا لا تثبت الدية بنفس العفو فاختارها بعد العفو قال ابن كج تثبت الدية ويكون اختيارها بعد العفو كالعفو عليها وحكي عن النص أن هذا الاختيار يكون عقب العفو وعن بعض الأصحاب أنه يجوز فيه التراخي ولو عفا عن الدية فهو لغو على هذا القول فله بعد ذلك العفو عن القود على الدية فلو عفا مطلقا عاد الخلاف في وجوب الدية

فصل لو كان مستحق القصاص محجورا عليه نظر إن كان مسلوب العبارة
كالصبي والمجنون فعفوه لغو وإلا فإن كان الحجر عليه لحق غيره كالحجر بالفلس فله أن يقتص ولو عفا عن القصاص سقط وأما الدية فإن قلنا موجب القتل أحد الأمرين فليس له العفو عن المال وإذا تعين المال بالعفو عن القصاص دفع إلى غرمائه ولا يكلفه تعجيل القصاص أو العفو ليصرف المال إليهم وإن قلنا

موجب القتل القصاص فعفا على مال ثبت المال وإن عفا مطلقا ثبتت الدية إن قلنا المطلق يوجب الدية وإن قلنا لا يوجبها لم تثبت وإن قال عفوت على أن لا مال فإن لم يوجب مطلق عفوه المال فالمعتد بالنفي أولى وإلا فوجهان أصحهما لا يوجبه لئلا يكلف المفلس الاكتساب وعفو المريض مرض الموت وعفو الورثة عن القصاص مع نفي المال إذا كان على التركة دين أو وصية كعفو المفلس وأما الحجور عليه لسفه فيصح منه إسقاط القصاص واستيفاؤه وفيما يرجع إلى الدية حكمه حكم المفلس على الأصح وبه قطع الجمهور وقيل لا يصح عفوه عن المال بحال كالصبي وعفو المكاتب عن الدية تبرع فلا يصح بغير إذن سيده وبإذنه قولان

فصل لو صالح من القصاص على أكثر من الدية من جنسها بأن
مائتين من الإبل فإن قلنا الواجب أحد الأمرين لم يصح كالصلح من ألف على ألفين وإن قلنا الواجب القود بعينه صح على الأصح وثبت المال المصالح عليه
فصل إذا سقط القصاص بعفو بعض المستحقين فللباقين الدية بالحصة وأما العافي
أطلق فإن قلنا موجب القتل أحد الأمرين ثبتت وإلا فعلى الخلاف في أن مطلق العفو هل يوجب الدية الطرف الثاني في العفو الصحيح والفاسد وألفاظه وفيه مسائل إحداها إذا قال لغيره اقطع يدي والقاتل مالك لأمره فقطع المأذون له يده فلا قصاص ولا دية كما لو أذن في إتلاف ماله فلا ضمان بإتلافه فلو سرى القطع أو قال اقتلني فقتله فقد

سبق في فصل الإكراه أنه لا قصاص على المذهب ولا دية على الأظهر فإن قلنا لا دية وجبت الكفارة على الأصح ولا تؤثر فيها الاباحة وقيل تسقط تبعا
الثانية قطع عضو زيد كيده أو أصبعه فعفا عن موجب الجناية قودا أو أرشا فللجناية أحوال أحدها أن تندمل فلا قصاص ولا أرش وقال المزني يجب أرشه وسواء اقتصر على قوله عفوت عن موجبها أو قال وعما يحدث منها لأنه لم يحدث شىء ولو قال عفوت عن هذه الجناية ولم يزد نص في الأم أنه عفو عن القصاص وعن الأصحاب أنه تفريع على قولنا موجب العمد القود فإن قلنا أحد الأمرين ففي بقاء الدية احتمالان للروياني الثاني أن يسري القطع إلى النفس فلا قصاص في النفس كما لا قصاص في الطرف وعن ابن سريج وابن سلمة وجوب قصاص النفس لأنه لم يدخل في العفو فعلى هذا إن عفا عن القصاص فله نصف الدية فقط لسقوط نصفها بالعفو عن اليد والصحيح الأول وأما المال فهو قسمان أرش اليد والزيادة عليه إلى تمام الدية فأما أرش اليد فينظر إن جرى لفظ الوصية بأن قال أوصيت له بأرش هذه الجناية فهي وصية للقاتل وفيها القولان فإن أبطلناها لزمه أرش اليد وإن صححناها سقط الأرش إن خرج من الثلث وإلا سقط منه قدر الثلث وإن جرى لفظ العفو أو الإبراء أو الإسقاط بأن قال عفوت عن أرش هذه الجناية أو أبرأته أو أسقطته فقيل هو كالوصية للاتفاق على أنه يعتبر من الثلث فيكون على القولين والمذهب أنه يسقط قطعا لأنه إسقاط ناجز والوصية ما تعلق بالموت وأما الزيادة فهي واجبة إن اقتصر على العفو عن موجب الجناية ولم يقل وما يحدث منها فإن قال وما يحدث نظر إن قاله بلفظ الوصية كقوله أوصيت له بأرش هذه الجناية وأرش ما يحدث منها أو يتولد

أو يسري إليه بني على القولين في الوصية للقاتل ويجيء في جميع الدية ما ذكرناه في أرش اليد وإن قال عفوت عنه أو أبرأته من ضمان ما يحدث أو أسقطته لم يؤثر فيما يحدث على الأظهر فيلزمه ضمانه لأنه إسقاط قبل الثبوت والثاني يؤثر فلا يلزمه شىء هذا كله إذا كان الأرش دون الدية فأما إذا قطع يديه فعفا عن أرش الجناية وما يحدث منها فإن لم نصحح الوصية وجبت الدية بكمالها وإن صححناها سقطت بكمالها إن وفى بها الثلث سواء صححنا الإبراء عما لم يجب أم لم نصححه
الثالث أن يسري إلى عضو آخر بأن قطع أصبعه فتآكل باقي الكف بها ثم اندمل فلا قصاص ويمكن أن يجيء فيه خلاف وأما الدية فتسقط دية العضو المقطوع بالعفو ولا يسقط ضمان السراية على الأصح فإن قال عفوت عن هذه الجناية وما يحدث منها فإن لم نوجب الضمان إذا أطلق فهنا أولى وإلا فعلى الخلاف في الإبراء عما لم يجب وجرى سبب وجوبه
المسألة الثالثة جنى عبد جناية توجب المال وعفا المجني عليه عن أرشها ثم مات بالسراية أو اندمل الجرح وعفا في مرض الموت فإما أن يطلق العفو وإما أن يضيفه إلى السيد أو إلى العبد فإن أطلقه انبنت صحته على أن أرش جناية العبد يتعلق برقبته فقط أم بها وبالذمة حتى يطالب بما فضل بعد العتق وفيه قولان مذكوران في الديات فإن قلنا يتعلق بالرقبة فقط صح العفو لأنه تبرع على غير القاتل وهو السيد وإن قلنا يتعلق بالذمة أيضا ففائدة العفو تعود إلى العبد فيبنى على الوصية للقاتل إن صححناها صح العفو وإلا فلا وحكى الإمام وجهين إذا قلنا بالتعلق بالذمة في أن المجني عليه هل يملك فك الرقبة عن التعلق وجعل الحق في الذمة خاصة كما يملك فك المرهون قال وعلى الوجهين يبقى تعلق الأرش بالرقبة إذا أبطلنا

العفو وأما إذا أضاف العفو إلى السيد فقال عفوت عنك فيصح إن علقنا الأرش بالرقبة فقط وإلا فلا وإن أضافه إلى العبد فإن قلنا يتعلق بالرقبة فقط لم يصح وإلا فعلى القولين في الوصية للقاتل أما إذا كانت الجناية موجبة للقصاص فالعفو عن العبد صحيح فإنه عليه بكل حال
المسألة الرابعة جرح حر رجلا خطأ فعفا عنه ثم سرت الجناية إلى النفس بني على أن الدية في قتل الخطأ تجب على العاقلة ابتداء أم على القاتل ثم تتحملها العاقلة وفيه خلاف مذكور في بابه فإن قال عفوت عن العاقلة أو أسقطت الدية عنهم أو قال عفوت عن الدية فهذا تبرع على غير القاتل فينفذ إذا وفى الثلث به ويبرؤون سواء جعلناهم متأصلين أم متحملين وإن قال للجاني عفوت عنك لم يصح وقيل إن قلنا يلاقيه الوجوب ثم يحمل عنه صح والمذهب الأول لأنه بمجرد الوجوب ينتقل عنه فيصادفه العفو ولا شىء عليه هذا إذا ثبتت الجناية بالبينة أو باعتراف العاقلة فأما إذا أقر القاتل وأنكرت العاقلة فالدية على القاتل ويكون العفو تبرعا على القاتل ففيه الخلاف ولو عفا الوارث بعد موت المجني عليه عن العاقلة أو مطلقا صح ولو عفا عن الجاني لم يصح لأنه لا شىء عليه فإن ثبت بإقراره صح

فرع لو كان الجاني ذميا وعاقلته مسلمين أو حربيين فالدية في ماله
فإن عفا عنها فهي وصية للقاتل وفيها القولان
الخامسة جنى عليه جناية توجب القصاص لو اندملت كقطع يد فعفا على الدية ثم سرت إلى النفس لم يجب القصاص في النفس

وفيه الوجه المنسوب إلى ابن سريج وابن سلمة ولو جنى بما لا قصاص فيه كالجائفة وكسر الذراع فأخذ المجني عليه الأرش ثم سرت إلى النفس وجب القصاص وفيه احتمال للإمام ولو كان المجني عليه قد قال والحالة هذه عفوت عن القصاص فهو لغو لأن هذه الجناية لا قصاص فيها ولو عفا المجني عليه عن قطع اليد ونحوها على الدية ثم عاد الجاني فحز رقبته نظر إن حز بعد الاندمال فعليه القصاص في النفس ودية اليد وإن حز قبل الاندمال فوجهان أحدهما لا قصاص لأنه عفا عن بعض النفس لكن له الباقي من الدية وأصحهما يجب القصاص فعلى هذا لو عفا عن القصاص فهل له دية كاملة أم الباقي من الدية وجهان أصحهما الثاني
السادسة عفا الوارث بعد موت المجني عليه صح ولو وجب على الجاني قصاص طرف إنسان ونفسه نظر إن كان مستحق هذا غير مستحق ذاك فلا شك أن عفو أحدهما لا يسقط حق الآخر ومن صوره أن يقطع عبد يد عبد فيعتق المجني عليه ثم يسري إلى نفسه فالقصاص في اليد للسيد وفي النفس لورثة العتيق وإن استحقهما واحد فعفا عن النفس وأراد القصاص في الطرف فله ذلك على المذهب وانفرد الغزالي بحكاية وجه فيه وإن عفا عن الطرف لم يسقط قصاص النفس على الأصح ولو استحق قصاص النفس بقطع الطرف بأن كان الجاني قد قطع المجني عليه ومات بالسراية ثم عفا الولي عن قصاص النفس فليس له قطع الطرف لأن المستحق هو القتل والقطع طريقه وقد عفا عن المستحق وإن عفا عن القطع فله حز رقبته على الأصح ولو قطع يد رجل ثم حز رقبته قبل الاندمال

فعفو الولي عن القطع لا يسقط حز الرقبة وكذا عفوه عن النفس لا يسقط القطع
السابعة إذا قتل رجلا بالقطع الساري فقطعه الولي ثم عفا عن النفس مجانا فإن سرى القطع بان بطلان العفو وإن وقف صح العفو ولم يلزمه لقطع اليد شىء وكذا لو كان قتله بغير القطع وقطع الولي يده متعديا ثم عفا عنه لا ضمان عليه ولو رمى الولي إلى الجاني ثم عفا عنه قبل الإصابة ففي نفوذه وجهان أحدهما لا ينفذ لخروج الأمر عن اختياره وأصحهما أنه كقطع اليد فإن لم يصب السهم فالعفو صحيح مفيد وإن أصابه وقتله تبينا بطلان العفو وفي وجوب الدية على العافي وجهان سبقا في باب تغير الحال بين الجرح والموت أصحهما الوجوب لأنه محقون الدم عند الإصابة
الثامنة قطع ذمي يد مسلم فاقتص منه أو يد ذمي فاقتص منه ثم أسلم المقطوع ثم مات بالسراية فللولي القصاص في النفس فإن عفا على مال فهل له نصف الدية أم خمسة أسداس دية مسلم وجهان أصحهما الثاني لأنه يستحق دية مسلم سقط منها ما استوفاه وهو يد ذمي بسدس دية مسلم ولو قطع ذمي يد مسلم فاقتص منه ومات المسلم بالسراية فعفا الولي فعلى الوجه الأول لا شىء له وعلى الأصح له ثلثا دية المسلم لأنه استوفى ما يقابل ثلث دية المسلم ولو قطعت امرأة يد رجل فاقتص منها ثم مات الرجل بالسراية وعفا الولي فعلى الوجه الأول له نصف الدية وعلى الأصح ثلاثة أرباعها ولو قطعت المرأة يدي رجل فاقتص منها ثم مات المجني عليه بالسراية وعفا الولي فلا شىء له على الوجه الأول وعلى الأصح له نصف الدية

ولو قطع يد حر فاقتص منه ثم عتق العبد ومات المجني عليه بالسراية ففي وجه يسقط نصف الدية وعلى السيد أقل الأمرين من نصف دية الحر وكمال قيمة العبد لأنه صار مختارا للفداء وفي وجه يسقط من دية الحر بقدر نصف قيمة العبد وعلى السيد الأقل من باقي الدية وكمال قيمة العبد
التاسعة سبق في كتاب الوكالة أن التوكيل في استيفاء القصاص جائز في حضرة الموكل وكذا في غيبته على المذهب وحد القذف كالقصاص وسواء جوزناه أم لا فإذا استوفاه الوكيل صار حق الموكل مستوفى كما لو وكله في بيع سلعة توكيلا فاسدا فباع الوكيل صح البيع
إذا عرفت هذا فإذا وكل وغاب أو تنحى الوكيل بالجاني ليقتص منه فعفا الموكل نظر إن لم يعلم أكان العفو قبل القتل أم بعده فلا شىء على الوكيل وإن عفا بعد قتله فهو لغو وإن عفا ثم قتل الوكيل فإن كان عالما بالعفو فعلى الوكيل القصاص وإن كان جاهلا به فلا قصاص على المذهب والمنصوص وبه قطع الأصحاب وحكى الشيخ أبو محمد في السلسلة قولا مخرجا أنه يجب القصاص وليس بشىء فإن ادعى على الوكيل العلم بالعفو فأنكر صدق بيمينه فإن نكل حلف الوارث واستحق القصاص وفي وجوب الدية إذا قتله جاهلا قولان أظهرهما تجب لأنه بان أنه قتله بغير حق ولو عزله فقتله الوكيل جاهلا العزل ففي وجوب الدية القولان فإن لم نوجب الدية وجبت الكفارة على الأصح وإذا أوجبنا الدية فهي مغلظة على المشهور وفي قول مخففة فإن قلنا مخففة فهي على العاقلة وإن قلنا مغلظة فهي على الوكيل على الأصح لأنه متعمد

وإنما سقط القصاص للشبهة وقيل على العاقلة لأنه جاهل بالحال فأشبه المخطىء فإن قلنا على الوكيل فهل هي حالة أم مؤجلة وجهان حكاهما الإمام
قلت أصحهما حالة
والله أعلم
ثم الدية هنا تكون لورثة الجاني لا تعلق للموكل بها بخلاف ما إذا ثبت القصاص لإبنين وبادر أحدهما وقتل الجاني يجب عليه نصف الدية للآخر على أحد القولين والفرق أن القاتل هناك أتلف حق أخيه فتعلق الأخ ببدله والوكيل هنا قتل بعد سقوط حق الموكل ونقل ابن كج عن بعضهم جعله على الخلاف ثم إذا غرم الوكيل أو عاقلته الدية فهل يرجع الغارم على العافي فيه أوجه أصحها لا لأن العافي محسن بالعفو غير مغرر بخلاف الغاصب إذا قدم الطعام المغصوب إلى الضيف والثاني نعم والثالث يرجع على الوكيل دون العاقلة فإذا قلنا بالرجوع فهل لولي الجاني أن يأخذ الدية ابتداء من العافي وجهان وأما الكفارة فلا يرجع بها على الأصح كما لا تضرب على العاقلة وهل للموكل العافي دية قتيله ينظر إن عفا مجانا أو مطلقا وقلنا المطلق لا يوجب الدية فلا شىء له وإن عفا على مال أو مطلقا وقلنا يوجب المال فله الدية في تركة الجاني مغلظة إن أوجبنا بقتل الوكيل الدية وإن لم نوجبها به فلا دية للموكل لخروج العفو على هذا التقدير عن الفائدة
وبالله التوفيق

باب في مسائل منثورة
إذا جنى عبد على حر جناية تعلق الأرش برقبته فاشتراه بالأرش فإن جهل أحد المتبايعين عدد الإبل الواجبة أو سنها لم يصح البيع

وإن علما ذلك ولم يبق إلا الجهل بأوصافها ففي صحة البيع الوجهان أو القولان في صحة الصلح من إبل الدية على مال وقد سبق في كتاب الصلح وإن كانت الجناية موجبة للقصاص فاشتراه بالأرش فهو اختيار للمال وإسقاط للقصاص وحيث صححنا البيع فوجد المشتري بالعبد عيبا فله الرد فإذا رد بقي الأرش متعلقا بالرقبة ولا يكون السيد ملتزما للفداء بل له الخيار بين الفداء وتسليمه للبيع ولو اشتراه المجني عليه بمال غير الأرش صح ولم يسقط القصاص فلو صالح عن القود على مال جاز وإن كانت الدية مجهولة فإن تلفت عين المال المصالح عليه أو استحقت أو ردها بعيب فلا رجوع إلى القصاص فهل يرجع بقيمة العين أم بضمان الجناية قولان بناء على أن بدل الصلح عن الدم مضمون ضمان العقد أم ضمان اليد وقد ذكرناه في كتاب البيع فإن قلنا يرجع بضمان الجناية فهو على السيد لاختياره الفداء ببذل المال وهل عليه أرش الجناية بالغا ما بلغ أم الأقل من الأرش وقيمة العبد قولان يذكران في موضعهما إن شاء الله تعالى ولو كانت الجناية موجبة للمال وصالح من الإبل على مال ففي صحته الخلاف فإن صححناه فهلك المصالح عليه قبل القبض أو خرج مستحقا أو رده بعيب فالرجوع إلى الأرش بلا خلاف لأن الصلح هنا عن المال ويكون السيد مختارا للفداء وهل يلزمه الأرش أم الأقل فيه القولان

فرع جنى حر على حر جناية توجب القصاص فصالحه على عين كعبد
جاز وإن لم تكن الدية معلومة لهما فإن تلفت العين قبل القبض أو خرجت مستحقة أو ردها بعيب فلا رجوع إلى القصاص فهل يرجع

بقيمة العين أم بأرش الجناية يبنى على أن بدل الصلح عن الدم مضمون ضمان العقد أم ضمان اليد وإن كانت الجناية موجبة للدية فصالح عنها على عين أو اشترى بها عينا إما من العاقلة في الخطأ وإما من الجاني في العمد نظر أعلما عدد الإبل وأسنانها أم لا وحكمه ما بينا وإذا صح فتلف المصالح عليه أو رده بعيب رجع إلى الأرش بلا خلاف لأنه يمكن الرجوع إلى المصالح عنه لأنه مال بخلاف القصاص

فرع جنت حرة على رجل فتزوجها على القصاص أو تزوجها وارثه على
جاز وسقط القصاص وإن طلقها قبل الدخول فهل يرجع بنصف أرش الجناية أم بنصف مهر المثل قولان أظهرهما الأول وإن كانت الجناية موجبة للدية فنكحها عليها صح النكاح وفي صحة الصداق ما سبق في الاعتياض عن إبل الدية
فرع إذا أوجبت الجناية مالا معلوم القدر والوصف بأن أتلف مالا أو
قتل عبدا ووجبت قيمته فصالحه المستحق على عين وهما يعلمان صح الصلح بلا خلاف فإن تلفت قبل القبض أو ردت بعيب فالرجوع بالأرش بلا خلاف وإن كان الجاني والحالة هذه عبدا كان السيد مختارا للفداء فإن صالح على رقبته ثم رده بعيب لم يكن مختارا بل الأرش في رقبته كما كان حتى لو مات سقط حق المجني عليه
فصل قطع يدي رجل ورجليه فمات فقطع الولي يدي الجاني وعفا عن
على الدية لم تكن له الدية لأنه استوفى ما يقابلها ولو

عفا على غير جنسها فوجهان أحدهما لا يجب كالدية والثاني يجب ويكون عوضا عن القصاص الذي تركه ولو قطع إحدى يديه وعفا عن الباقي على الدية فله نصف الدية فقط

فصل قتل مسلم ذميا فقتل ولي الذمي القاتل بغير حكم حاكم فعليه
نقله الروياني عن والده
فصل أكره رجلا على أن يرمي صيدا فرماه فأصاب آدميا فقتله فهما
خطأ فعلى كل منهما كفارة وعلى عاقلة كل واحد نصف الدية وهل لعاقلة المكره الرجوع بما يغرمون على المكره نقل الروياني عن والده أنه يحتمل أن لا يرجعوا وإن كان متعديا كما لا يرجعون في شبه العمد على القاتل قال ويحتمل أن لا يجب شىء على المكره وعاقلته لأنه لم يتلف ما أكرهه عليه
فصل قطع يديه عمدا فمات بالسراية فقطع الوارث إحدى يدي الجاني فمات
قبل قطعه الأخرى فلا شىء للوارث في تركة الجاني لأنه إذا سرت الجراحة إلى النفس سقط حكم الأطراف وصارت النفس بالنفس وقد قتله فصار كحز الرقبة ولو قطع يدي رجل فاندملتا فقطع إحدى يدي الجاني فمات فله دية اليد الأخرى من تركته لأنه استحق قصاصها وقد فات بما لا ضمان عليه فأشبه سقوطها بآفة ولو قطع إحدى يدي الجاني وعفا عن الأخرى على ديتها وقبضها

ثم انتقضت جراحة المجني عليه ومات بها فلا قصاص لورثته لأنه مات من جراحتين إحداهما معفو عنها ولا شىء لهم من الدية لأنه استوفى نصف الدية واليد المقابلة بالنصف

فصل في فتاوى البغوي أنه لو قتل أحد عبدي الرجل الآخر فللسيد
ولا يثبت له مال على عبده فلو أعتقه لم يسقط القصاص ولو عفا بعد العتق مطلقا لم يثبت المال لأن القتل لم يقتضه وإن عفا بعد العتق على مال ثبت المال وأنه لو قطع يدي رجل إحداهما عمدا والأخرى خطأ فمات منهما فلا قصاص في النفس وتجب الدية نصفها في مال الجاني ونصفها على عاقلته فإن استوفى الولي قصاص اليد المقطوعة عمدا فمات الجاني منه كان مستوفيا لحقه ولا يبقى له شىء على العاقلة كما لو قتل من له عليه القصاص خطأ فإنه يكون مستوفيا حقه وأنه إذا وجب القصاص على مرتد فقتله الولي عن جهة الردة نظر إن كان ولي القصاص هو الإمام فله الدية في تركة المرتد لأن للإمام قتله عن الجهتين وإن كان غير الإمام وقع قتله عن القصاص ولا دية له لأن غير الإمام لا يملك قتله عن الردة قال وكذا لو اشترى عبدا مرتدا وقتله المشتري قبل القبض عن جهة الردة ينفسخ العقد إن كان المشتري هو الإمام وإن كان غيره صار قابضا كما لو قتله ظلما محضا وأنه لو ضرب زوجته بالسوط عشر ضربات فصاعدا متوالية فماتت فإن قصد في الابتداء العدد المهلك وجب القصاص وإن قصد تأديبها بسوطين أو ثلاثة ثم بدا له فجاوز لم يجب القصاص لأنه اختلط العمد بشبه العمد وأن الوكيل باستيفاء القصاص إذا قال قتلته بشهوة نفسي لا عن جهة الموكل لزمه القصاص وينتقل حق الموكل إلى

التركة وأنه لو ضرب سنه فزلزلها ثم سقطت بعد ذلك وجب القصاص وكذا لو ضرب يده فاضطربت أو تورمت ثم سقطت بعد أيام وأنه لو أشكلت الحادثة على القاضي فتوقف فروى شخص خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها وقتل القاضي بها رجلا ثم رجع الراوي وقال كذبت وتعمدت ينبغي أن يجب القصاص كالشاهد إذا رجع والذي ذكره القفال في الفتاوى والإمام أنه لا قصاص بخلاف الشهادة فإنها تتعلق بالحادثة والخبر لا يختص بها

فصل في فتاوى الغزالي لو افتصد فمنعه رجل من أن يعصب العرق
مات أو عصبه فحله رجل ومنعه من إعادة العصابة حتى مات وجب القصاص
فصل في التتمة أنه لو قتله بالدخان بأن حبسه في بيت وسد
فاجتمع فيه الدخان وضاق نفسه فمات وجب القصاص وأنه لو رمى إلى شخصين أو جماعة وقصد إصابة أي واحد منهم كان فأصاب واحدا ففي القصاص وجهان لأنه لم يقصد عينه
قلت الأرجح وجوبه
والله أعلم
وأن حلمة الرجل تقطع بحلمة الرجل وحلمة المرأة تقطع بحلمة المرأة والثدي بالثدي وفيما إذا لم يتدل وجه ضعيف لأنه لا يتميز عن لحم الصدر وفي قطع حلمة المرأة بحلمة الرجل وجهان بناء على وجوب الدية في حلمة الرجل وتقطع حلمة الرجل بحلمة المرأة بلا خلاف وبالله التوفيق


كتاب الديات
فيه ستة أبواب الأول في دية النفس فيجب بقتل الحر المسلم مائة من الإبل فإن كان القتل خطأ وجبت مخمسة عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وأبدل ابن المنذر بني اللبون ببني مخاض
ثم قد يعرض ما تغلظ به الدية وما تنقص به أما المغلظات فأربعة أسباب
أحدها أن يقع القتل في حرم مكة فتغلظ به دية الخطأ سواء كان القاتل والمقتول في الحرم أو كان فيه أحدهما كجزاء الصيد ولا تغلظ بحرم المدينة ولا بالقتل في الإحرام على الأصح فيهما
الثاني أن يقتل في الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ولا يلحق بها رمضان قطعا
الثالث أن يقتل قريبا له محرما فإن كان قريبا غير محرم فلا تغليظ على الصحيح وبه قال الأكثرون ولا أثر لمحرمية الرضاع والمصاهرة قطعا
الرابع أن يكون القتل عمدا أو شبه عمد
فرع إذا قتل في دار الحرب مسلما وجده على زي الكفار فظنه

فقد سبق أن الأظهر أنه لا دية فيه فإن أوجبناها فهل هي دية عمد أم شبه عمد أم خطأ فيه أوجه ولو رمى إلى مرتد أو حربي فأسلم ثم أصابه السهم ومات فقد سبق أن الأصح وجوب الدية وفي كيفيتها هذه الأوجه وهذا أولى بأن تكون دية خطأ وهو الأرجح ورجح ابن كج كون الدية في ماله ولو رمى إلى شىء يظنه شجرة أو صيدا فكان إنسانا فالصحيح أنه خطأ محض كما لو رمى إلى صيد فعرض في الطريق رجل أو مرق منه السهم فأصاب رجلا قال الغزالي وتجري هذه الأوجه في كل قتل عمد محض صدر عن ظن في حال القتيل

فصل الدية تتغلظ في قتل العمد من ثلاثة أوجه فتجب على الجاني
تحملها العاقلة وتجب حالة ومثلثة ثلثهن حقة وثلثهن جذعة وأربعون خلفة والخلفة الحامل ويسمى هذا الثالث تغليظا بالسن وسواء كان العمد موجبا للقصاص فعفي على الدية أو لم يوجبه كقتل الوالد ولده وتتخفف دية الخطأ من ثلاثة أوجه فتجب على العاقلة مخمسة مؤجلة في ثلاث سنين ودية شبه العمد تتخفف من وجهين فتجب على العاقلة مؤجلة وتتغلظ من وجه فتجب مثلثة وحكي وجه وقول مخرج أن شبه العمد لا تحمله العاقلة وليس بشىء وقتل الخطأ في الحرم أو الأشهر الحرم أو المصادف لذي الرحم المحرم ديته كدية شبه العمد فتجب على العاقلة مؤجلة مثلثة والدية المخمسة إنما تتفاوت أقسامها بالسن إلا في بنات اللبون وبني اللبون فإن تفاوتهما في الذكورة ثم التخميس حاصل في هذه الدية بأقسام متعادلة والتثليث في الدية المثلثة غير حاصل على التعديل بل نسبتها المخففة بالأعشار ثلاثة أعشار حقاق وثلاثة أعشار جذاع وأربعة أعشار خلفات ثم هذه النسبة في

المخففة والمغلظة تعتبر في دية المرأة والأطراف والجروح ودية اليهودي والنصراني والمجوسي وأطرافهم وجروحهم فتجب في قتل المرأة خطأ عشر بنات مخاض وعشر بنات لبون وهكذا إلى آخر الأقسام وفي قتلها عمدا وشبه عمد خمس عشرة حقة وخمس عشرة جذعة وعشرون خلفة وكذا حكم دية اليد وفي الموضحة إذا كانت خطأ بنت مخاض وبنت لبون وابن لبون وحقة وجذعة إذا كانت عمدا أو شبه عمد حقة ونصف وجذعة ونصف وخلفتان وفي قطع الأصبع خطأ بنتا مخاض وبنتا لبون وابنا لبون وحقتان وجذعتان وإذا كانت عمدا أو شبه عمد ثلاث حقاق وثلاث جذاع وأربع خلفات وعلى هذا القياس

فرع بدل العبد الدراهم والدنانير فلا مدخل للتغليط فيه كسائر الأموال
فصل وأما المنقصات فأربعة أحدها الأنوثة فدية المرأة نصف دية الرجل ودية
الرجل وفي القديم قول إنها تساوي الرجل في الأطراف إلى ثلث الدية فإذا زاد الواجب على الثلث صارت على النصف فعلى هذا في أصبعها عشر من الإبل وفي أصبعين عشرون وفي ثلاث ثلاثون وفي أربع عشرون وهو نصف ما في أصابع الرجل الأربع والمشهور الأول وهو نصه في الجديد
الثاني الاجتنان ففي الجنين غرة وسيأتي إيضاحه في بابه إن شاء الله تعالى


الثالث الرق ففي قتل العبد قيمته سواء زادت على الدية أم نقصت سواء قتله عمدا أم خطأ وأما جروح العبد وأطرافه فسيأتي بيانها في بابها إن شاء الله تعالى
الرابع الكفر والكفار أصناف أحدها اليهودي والنصراني فديته ثلث دية المسلم وأما السامرة من اليهود والصابئون من النصارى فإن كانوا ملاحدة في دينهم كفرة عندهم فحكمهم حكم من لا كتاب له من الكفار وإن كانوا لا يكفرونهم فهم كسائر فرقهم وقد سبق في مناكحتهم طريق ضعيف بإطلاق قولين ولا بد من مجيئه هنا الثاني المجوسي وديته ثلثا عشر دية المسلم ودية المجوسية نصف دية المجوسي وقيل كديته وطرد هذا الوجه في سائر الكفار الذين تجب فيهم دية مجوسي والصحيح الأول ويراعى في ديات هؤلاء التغليظ والتخفيف فإن قتل يهودي عمدا أو شبه عمد وجب فيه عشر حقاق وعشر جذاع وثلاث عشرة خلفة وثلث وإذا لم يوجد مغلظ وجب ست بنات مخاض وثلثا السابعة وكذا من بنات اللبون وسائر الأخماس وفي المجوسي عند التغليظ حقتان وجذعتان وخلفتان وثلثا خلفة وعند التخفيف بنت مخاض وثلث وبنت لبون وثلث وكذا من الباقي ولا يخفى أن الدية إنما تجب في الصنفين إذا كان لهم عصمة بذمة أو عهد أو أمان
الصنف الثالث كافر لا كتاب له ولا شبهة كتاب كعابد الوثن والشمس والقمر والزنديق والمرتد فهؤلاء لا يتصور لهم عقد ذمة لكن قد يكون لهم أمان بأن دخل بعضهم رسولا فقتل ففيه دية مجوسي إلا المرتد فلا شىء فيه فإنه مقتول بكل حال وليس من أهل الأمان قال الإمام ولو تحزبت طائفة من المرتدين ومست الحاجة إلى سماع رسالتهم فجاء رسولهم فقد قيل لا يتعرض لهم لكن لو قتل فلا ضمان وتردد الشيخ أبو محمد في إلحاق

الزنديق بالمرتد والصحيح إلحاقه بالوثني وأما من لاعهد له ولا أمان من الكفار فلا ضمان في قتله على أي دين كان
قلت قد سبق خلاف في الذمي والمرتد إذا قتلا مرتدا هل تجب الدية فإن أوجبناها فهي دية مجوسي ذكره البغوي
والله أعلم
وجميع ما ذكرناه في كافر بلغته دعوتنا وخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أما من لم تبلغه دعوتنا فلا يجوز قتله قبل الإعلام والدعاء إلى الإسلام فلو قتل كان مضمونا قطعا وكيف يضمن
أما الكفارة فتجب بلا تفصيل ثم له ثلاثة أحوال أحدها أن لا تكون بلغته دعوة نبي أصلا فلا قصاص على الصحيح وأوجبه القفال وأما الدية فهل تجب دية مجوسي أم مسلم وجهان أو قولان أصحهما الأول وبه قطع جماعة الثاني أن يكون متمسكا بدين ولم يبدل ولم يبلغه ما يخالفه فلا قصاص على الأصح فعلى هذا هل تجب دية مسلم أم دية أهل ذلك الدين وجهان أصحهما الثاني الثالث أن يكون متمسكا بدين لحقه التبديل لكن لم يبلغه ما يخالفه فلا قصاص قطعا وهل تجب دية مجوسي أم دية أهل دينه أم لا يجب شىء فيه أوجه أصحها الأول

فرع من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر مع التمكن أو دون
مسلم تعلق بقتله القصاص والدية لأن العصمة بالإسلام
فصل لا يجزىء في الدية مريض ولا معيب بعيب يثبت الرد في
برضى المستحق سواء كانت إبل من عليه سليمة أم معيبة


فرع الغالب أن الناقة لا تحمل حتى يكون لها خمس سنين وهي
فلو حملت قبل ذلك فهل يلزمه قبولها في الخلفات قولان أظهرهما نعم وإذا تنازعا في كونها خلفات عمل بقول عدلين من أهل الخبرة وإذا أخذت بقول العدلين أو بتصديق المستحق فماتت عند المستحق وتنازعا في الحمل شق جوفها لتعرف فإن بان أنها لم تكن حاملا غرمها المستحق وأخذ بدلها خلفة وفي وجه يأخذ أرش النقص فقط والصحيح الأول ولو صادفنا الناقة المأخوذة حائلا فقال المستحق لم يكن بها حمل وقال الدافع أسقطت عندك فإن لم يحتمل الزمان الإسقاط ردت وطولب بخلفة وإن احتمل نظر إن أخذت بقول الجاني فقط صدق المستحق بيمينه وإن أخذت بقول أهل الخبرة فأيهما يصدق وجهان أصحهما الدافع
فرع من لزمته الدية من الجاني أو العاقلة له حالان الأولى أن
يملك إبلا فيلزمه تحصيل الواجب من غالب إبل البلدة أو القبيلة إن كانوا أهل بادية ينتقلون فإن تفرقت العاقلة في البلدان أو في القبائل أخذت حصة كل واحد من غالب إبل بلده أو قبيلته فإن لم يكن في البلد أو القبيلة إبل أو كانت بعيدة عن البلد اعتبر إبل أقرب البلاد ويلزمه النقل إن قربت المسافة فإن بعدت وعظمت المؤنة والمشقة لم يلزمه وسقطت المطالبة بالإبل وأشار بعضهم إلى ضبط البعيد بمسافة القصر وقال الإمام لو زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع العزة لم يلزمه تحصيلها وإلا فيلزم
الحالة الثانية أن يملك إبلا فإن كانت من غالب إبل البلدة أو القبيلة فذاك وإن كانت من صنف آخر أخذت

أيضا من أي صنف كانت هذا هو الصحيح وبه قطع الأكثرون من العراقيين وغيرهم وهو ظاهر نصه في المختصر وفي وجه حكاه الإمام عن محققي المراوزة واختاره أنه يجب غالب إبل البلد ومتى تعين نوع فلا عدول إلى ما فوقه أو دونه إلا بالتراضي وإذا كان الاعتبار بإبل البلد أو القبيلة فكانت نوعين فأكثر ولا غالب فيها فالخيرة إلى الدافع وإذا اعتبرنا إبل من عليه فتنوعت فوجهان أحدهما تؤخذ من الأكثر فإن استويا دفع ما شاء والثاني تؤخذ من كل بقسطه إلا أن يتبرع فيعطي الجميع من الأشرف ولو دفع نوعا غير ما في بيده أجبر المستحق على قبوله إذا كان من غالب إبل البلد والقبيلة كذلك وإذا كانت الإبل تباع بأكثر من ثمن المثل فهي كالمعدومة فلا يلزم تحصيلها

فرع إذا كانت الإبل موجودة وعدل من عليه الدية ومستحقها إلى القيمة
أو غيرها بالتراضي جاز كما لو أتلف مثليا وتراضيا على أخذ القيمة مع وجود المثل جاز قال صاحب البيان هكذا أطلقوه وليكن ذلك مبنيا على جواز الصلح عن إبل الدية ولو أراد أحدهما العدول عن الإبل لم يجبر الآخر عليه وحكي وجه عن ابن سلمة وغيره أن الجاني يتخير بين الإبل والدراهم والدنانير المقدرة على القول القديم تفريعا على القديم والمذهب الأول فإن لم توجد الإبل في الموضع الذي يجب تحصيلها منه أو وجدت بأكثر من ثمن المثل فقولان الجديد الأظهر أن الواجب قيمة الإبل بالغة ما بلغت والقديم يجب ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وفي وجه مخرج على القديم عشرة آلاف درهم والاعتبار بالدراهم والدنانير المضروبة الخالصة وذكر الإمام أن الدافع

يتخير بين الدراهم والدنانير وقال الجمهور على أهل الذهب ذهب وعلى أهل الورق ورق فإن كان الواجب دية مغلظة فهل يزاد للتغليظ شىء وجهان أصحهما لا والثاني يزاد ثلث المقدر فعلى هذا لو تعدد سبب التغليظ بأن قتل محرما في الحرم فهل يتكرر التغليظ وجهان أصحهما لا فلا يزاد على الثلث كما لو قتل المحرم صيدا حرميا يلزمه جزاء فقط والثاني يزاد لكل سبب ثلث دية فعلى هذا لو قتل ذا رحم محرما في الحرم والأشهر الحرم عمدا وجب ثمانية وعشرون ألف درهم وأما إذا قلنا بالجديد فتقوم الإبل بغالب نقد البلد وتراعى صفتها في التغليظ إن كانت مغلظة قال الإمام فإن غلب نقدان في البلد يخير الجاني منهما وتقوم الإبل التي لو كانت موجودة وجب تسليمها فإن لم يكن هناك إبل قومت من صنف أقرب البلاد إليهم وهل تعتبر قيمة موضع الوجود أم موضع الاعواز لو كانت فيه إبل وجهان أصحهما الثاني وتعتبر قيمتها يوم وجوب التسليم هذا هو المفهوم من كلام الأصحاب وقال الروياني إن وجبت الدية والإبل مفقودة اعتبرت قيمتها يوم الوجوب وإن وجبت وهي موجودة فلم تؤد حتى أعوزت وجبت قيمتها يوم الإعواز وإن وجد بعض الإبل الواجبة أخذ الموجود وقيمة الباقي

فرع قال الإمام لو قال المستحق عند إعواز الإبل لا أطالب الآن
وأصبر إلى أن يوجد فالظاهر أن الأمر إليه لأن الأصل هو الإبل ويحتمل أن يقال لمن عليه أن يكلفه قبض ما عليه لتبرأ ذمته قال ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أنه لو أخذ الدراهم ثم وجدت الإبل يرد الدراهم ويرجع إلى الإبل بخلاف ما إذا غرم قيمة المثلي لإعواز المثل ثم وجد ففي الرجوع إلى المثل خلاف
وبالله التوفيق


الباب الثاني في دية ما دون النفس
هي ثلاثة أقسام جرح وإبانة طرف وإزالة منفعة
القسم الأول الجروح وهي نوعان جائفة وغيرها الأول غير الجائفة وهي ضربان جراحات الرأس والوجه وجراحات سائر البدن
الضرب الأول جراحات الرأس والوجه ففي الموضحة خمس من الإبل سواء كانت على الهامة والناصية أو القذال وهو جماع مؤخر الرأس أو الخشاء وهي العظم الذي خلف الأذن أو منحدر القمحدوة إلى الرقبة وهي ما خلف الرأس وذكر في العظم الواصل بين عمود الرقبة وكرة الرأس وجه أنه ليس محلا للموضحة كالرقبة ويشبه أن تكون هي المنحدر المذكور أو تكون منه
وأما الوجه فالجبهة منه والجبينان والخدان وقصبة الأنف واللحيان كلها محل الإيضاح سواء المقبل من اللحيين الذي تقع به المواجهة وما تحت المقبل خارجا عن حد المغسول في الوضوء لأن اسم الموضحة يشمل جميعها وإنما يجب في الموضحة خمس من الإبل في حق من تجب الدية الكاملة بقتله وهو الحر المسلم الذكر وهذا المبلغ نصف عشر ديته فتراعى هذه النسبة في حق غيره فتجب في موضحة اليهودي نصف عشر ديته وهو بعير وثلثان وفي موضحة المرأة بعيران ونصف وفي موضحة المجوسي ثلثا بعير وعن الإصطخري وأبي محمد الفارسي أن في موضحة الوجه أكثر الأمرين من خمس من الإبل والحكومة وهذا شاذ مردود ولا تفريع عليه


فرع إذا هشم العظم مع الإيضاح وجب عشر من الإبل وإن نقل
وجب خمسة عشر بعيرا وحكى السرخسي قولا قديما أن في الهاشمة خمسا من الإبل وحكومة وليس بشىء
فرع في المأمومة ثلث الدية وفي الدامغة أيضا ثلث الدية على الصحيح
المنصوص وقال الماوردي ثلث الدية وحكومة وحكى الفوراني وجماعة أن فيها الدية بكمالها لأنها تذفف وبهذا قال الإمام وكأن الأولين يمنعون تذفيفها
فرع هشم العظم ولم يوضح وجب خمس من الإبل على الأصح المنصوص
ابن أبي هريرة تجب حكومة ككسر سائر العظام ولو نقل العظم من غير إيضاح فهل يجب عشر من الإبل م حكومة فيه هذان الوجهان وفي الرقم وغيره أن موضع الوجهين ما إذا لم يحوج الهشم إلى بط وشق لإخراج العظم أو تقويمه فإن أحوج إليه فالذي أتى به هاشمة تجب فيها عشر من الإبل
فرع أوضح واحد وهشم آخر ونقل ثالث وأم رابع فعلى الأول القصاص
خمس من الإبل وعلى الثاني خمس وعلى الثالث خمس وعلى الرابع ما بين المنقلة والمأمومة وهو ثمانية عشر بعيرا وثلث بعير وقيل يجب على الجميع ثلث الدية أرباعا والصحيح الأول فلو خرق

خامس خريطة الدماغ ففي التهذيب أن عليه تمام دية النفس كمن حز رقبة إنسان بعدما قطعت أطرافه وهذا على طريقة من قال الدامغة مذففة

فرع ما قبل الموضحة من الشجاج كالدامية والحارصة والباضعة والمتلاحمة ليس
أرش موضحة والثاني وبه قال الأكثرون إن لم يمكن معرفة قدرها من الموضحة فكذلك وإن أمكن بأن كان على رأسه موضحة إذا قيس بها الباضعة مثلا عرف أن المقطوع ثلث أو نصف في عمق اللحم وجب قسطه من أرش الموضحة فإن شككنا في قدرها من الموضحة أوجبنا التعين قال الأصحاب وتعتبر مع ذلك الحكومة فيجب أكثر الأمرين من الحكومة وما يقتضيه التقسيط لأنه وجد سبب كل واحد منهما
الضرب الثاني جراحات سائر البدن فليس في إيضاح عظامه ولا هشمها ولا تنقيلها أرش مقدر النوع
النوع الثاني الجائفة وفيها ثلث الدية وهي الجراحة الواصلة إلى الجوف الأعظم من البطن أو الصدر أو ثغرة النحر أو الجنبين أو الخاصرة أو الورك أو العجان إلى الشرج وقد سبق أن العجان ما بين الفقحة والخصية وكذا الجراحة النافذة إلى الحلق من القفا أو الجانب المقبل من الرقبة والنافذة من العانة إلى المثانة وفي النافذة من الذكر إلى ممر البول وجهان أصحهما ليست بجائفة ولو نفذت إلى داخل الفم بهشم الخد أو اللحي أو بخرق الشفة أو الشدق أو إلى داخل الأنف بهشم القصبة أو بخرق المارن فليست بجائفة على الأظهر

ويقال الأصح لأنهما ليسا من الأجواف الباطنة ولهذا لا ينظر بالواصل إليهما ولأنه لا يعظم فيهما الخطر بخلاف ما يصل إلى جوف الرأس والبطن فعلى هذا يجب في صورة الهشم أرش هاشمة أو منقلة وتجب معه حكومة للنفوذ إلى الفم والأنف لأنها جناية أخرى ولو نفذت الجراحة من الجفن إلى بيضة العين فهل هي جائفة أم لا تجب إلا حكومة وجهان أصحهما الثاني ولو وضع السكين على الكتف أو الفخذ وجرها حتى بلغ البطن فأجاف لزمه أرش الجائفة وحكومة لجراحة الكتف والفخذ لأنها في غير محل الجائفة بخلاف ما لو وضعها على صدره وجرها حتى أجاف في البطن أو في ثغرة النحر فإنه يجب أرش الجائفة بلا حكومة لأن جميعه محل الجائفة

فرع لا فرق بين أن يجيف بحديدة أو خشبة محددة ولا بين
واسعة أو ضيقة حتى لو غرز فيه إبرة فوصلت إلى الجوف فهي جائفة وقيل إنما تكون جائفة إذا قال أهل الخبرة إنه يخاف منه الهلاك وليس بشىء
فصل لا فرق في الموضحة بين الصغيرة والكبيرة والبارزة والمستورة بالشعر
إلا خمس من الإبل فإن تعددت الموضحة تعدد الأرش وتعددها يكون بأسباب
الأول اختلاف الصورة بأن أوضحه في موضعين من رأسه وبقي اللحم والجلد بينهما فيجب أرشان سواء رفع الحديدة عن موضحة

ثم وضعها على موضع آخر فأوضحه أو جرها على الرأس من موضع الإيضاح إلى أن تحامل عليها في موضع آخر فأوضحه وبقي اللحم والجلد بينهما سليمين وحكى الإمام في الصورة الثانية وجها ضعيفا أن الحاصل موضحة واحدة لاتحاد الفعل ولو كثرت الموضحات تعدد الأرش بحسبها ولا ضبط وقيل إذا كثرت وصارت بحيث لو أوجبنا لكل موضحة خمسا من الإبل لزاد المبلغ على دية نفس لم يوجب أكثر من دية نفس والصحيح الأول ولو لم يبق الحاجز بين موضعي الإيضاح بكماله بل بقي جلد دون اللحم أو عكسه فأربعة أوجه أصحها أن الحاصل موضحة والثاني موضحتان والثالث إن بقي الجلد فموضحة وإن بقي اللحم فموضحتان والرابع عكسه فعلى الأول لو أوضح في موضعين ثم أوغل الحديدة ونفذها من إحداهما إلى الأخرى في الداخل ثم سلها فهل يتحدان وجهان ولو عاد الجاني فرفع الحاجز بين موضحتيه قبل الاندمال فالصحيح أنه لا يلزمه إلا أرش واحد وقيل أرشان وقيل ثلاثة ولو تآكل الحاجز بينهما كان كما لو رفعه الجاني لأن الحاصل بسراية فعله منسوب إليه ولو رفع الجلد أو اللحم أو تآكل أحدهما دون الآخر ففيه الأوجه الأربعة ولو رفع الحاجز غير الجاني فعليه أرش موضحة وعلى الأول أرشان ولو رفعه المجني عليه ففعله هدر ولا يسقط به شىء مما وجب على الجاني ولو أوضحه رجلان فتآكل الحاجز بين موضحتيهما عادتا إلى واحدة فعلى كل واحد نصف الأرش ولو اشتركا في موضحتين ثم رفع أحدهما الحاجز بينهما فعلى الرافع نصف أرش وعلى الآخر أرش كامل

فرع شجه شجة بعضها موضحة وبعضها متلاحمة أو سمحاق

فالواجب في

أرش موضحة ويدخل فيها حكومة المتلاحمة والسمحاق لأنها لو كانت كلها موضحة لم يجب إلا أرش فهنا أولى فلو اقتص فيما فيها من الموضحة فهل له الحكومة لما حولها من المتلاحمة والسمحاق قال البغوي يحتمل أن يكون فيه وجهان كما لو قطع يده من نصف الكف فاقتص من الأصابع
هل له حكومة نصف الكف وجهان
السبب الثاني اختلاف المحل فلو نزل في الإيضاح من الرأس إلى الجبهة إما لشمول الإيضاح وإما بأن أوضح شيئا من الرأس وشيئا من الوجه وجرح بينهما جراحة دون الموضحة فوجهان أحدهما الحاصل موضحة لأن الجبهة والرأس محل الإيضاح وأصحهما موضحتان لاختلاف المحل ولو شملت الموضحة الجبهة والوجنة قال الإمام في التعدد تردد والمذهب الاتحاد تنزيلا لأجزاء الوجه منزلة أجزاء الرأس ولو جر السكين من موضحة الرأس إلى القفا وجرح القفا مع إيضاحه أو بغير إيضاحه لزمه مع أرش الموضحة حكومة لجرح القفا لأنه ليس محل الإيضاح فلم تدخل حكومته في الأرش ولو جر السكين من موضحة الرأس إلى الجبهة وجرحها جراحة متلاحمة فإن قلنا لو أوضح في الجبهة أيضا كان الحاصل موضحة دخلت حكومة جراحة الجبهة في أرش الموضحة وإن قلنا الحاصل موضحتان وجب مع الأرش حكومة
السبب الثالث تعدد الفاعل بأن أوضح رجلا فوسع آخر تلك الموضحة أو أوضح قطعة متصلة بموضحة الأول فعلى كل واحد منهما أرش كامل ولو وسع الأول موضحته لزمه أرش واحد على الصحيح وقيل أرشان


السبب الرابع اختلاف الحكم بأن أوضحه موضحة واحدة هو في بعضها مخطىء وفي بعضها متعمد أو في بعضها مقتص وفي بعضها متعد فهل الحاصل موضحة لاتحاد الصورة والجاني والمحل أم موضحتان لاختلافهما وجهان أصحهما موضحتان فإن قلنا موضحة وزع الأرش على البعضين وإن قلنا موضحتان وجب أرش كامل لما تعدى به ولو أوضح موضحتين عمدا ورفع الحاجز بينهما خطأ وقلنا بالصحيح أنه لو رفعه عمدا تداخل الأرشان فهل يلزمه أرش ثالث أم لا يلزمه إلا أرش واحد وجهان
قلت أرجحهما أرش فقط
والله أعلم

فرع يتعدد أرش الجائفة بتعددها فلو أجاف جائفتين ثم رفع الحاجز بينهما
الموضحة
وتتعدد الجائفة بتعدد الصورة بأن يجرحه جراحتين نافذتين إلى الجوف فإن بقي بينهما الجلدة الظاهرة أو انخرق ما تحتها أو بالعكس فيشبه أن يكون حكمه كما ذكرنا في الموضحة وتتعدد بتعدد المحل بأن ينفذ جراحتين إلى جوفين ويتعدد الفاعل بأن يوسع جائفة غيره وفصله الأصحاب فقالوا إن أدخل السكين في جائفة غيره ولم يقطع شيئا فلا ضمان عليه ويعزر وإن قطع شيئا من الظاهر دون الباطن أو بالعكس فعليه حكومة وإن قطع شيئا من الظاهر ومن جانب بعض الباطن قال المتولي ينظر في ثخانة اللحم والجلد ويسقط أرش الجائفة على المقطوع من الجائفتين وقد يقتضي التقسيط تمام الأرش بأن يقطع نصف الظاهر من جانب ونصف الباطن من جانب ولو لم يقطع من أطراف الجائفة شيئا ولكن زاد في غورها أو كان قد ظهر عضو

باطن كالكبد فغرز السكين فيه فعليه الحكومة ولو عاد الجاني فوسع الجائفة أو زاد في غورها لم يزد الواجب وكان كما لو أجاف ابتداء كذلك
ويمكن أن يعود فيه الوجه السابق في توسيع الموضحة ويجيء في اختلاف حكم الجائفة وانفسامها إلى عمد وخطأ ما سبق في الموضحة ولو ضربه بسنان أو مشقص له رأسان فنفذ إلى جوفه والحاجز بينهما سليم فهما جائفتان ولو طعنه بسنان في بطنه فأنفذه من ظهره أو من أحد الجنبين إلى الآخر فهل هما جائفتان أم جائفة وجهان ويقال قولان أصحهما جائفتان فإن قلنا جائفة وجب معها حكومة على الأصح وقيل لا حكومة

فصل إذا أوضحه فاندملت أطراف الجراحة وبقي شىء من العظم بارزا لم
يسقط شىء من الأرش قطعا وإن التحم الموضع ولم يبق شىء من العظم بارزا فكذلك على الصحيح وقيل إن لم يبق شين سقط الأرش ولا حكومة وإن بقي سقط الأرش ووجبت حكومة وليس بشىء وإذا اندملت الجائفة لم يسقط شىء من الأرش على المذهب وقيل يعود إلى الحكومة وقيل في سقوطه قولان كعود السن
فرع إذا التحمت الجائفة أو الموضحة فجاء جان إما الأول وإما غيره
فأوضح في ذلك الموضع أو أجاف فعليه أرش آخر إن كان الالتحام قد تم سواء نبت عليه الشعر أم لا وسواء كان متغير اللون مشينا أم لا وإن لم يتم الالتحام ففتقه فعليه الحكومة فقط ولو نزع الخيط الذي خيطت الجائفة به قبل أن يلتحم فعليه التعزير وأجرة مثل الخياط وضمان الخيط إن تلف ولا أرش ولا حكومة وإن التحمت ظاهرا

وباطنا فانفتحت فهي جائفة جديدة وكذا لو انفتح جانب منها بعد تمام التحامه فإن التحم ظاهرها دون باطنها أو بالعكس فعليه الحكومة دون الأرش ولا يجب مع الأرش أو الحكومة أجرة الخياط لكن يجب ضمان الخيط إن تلف

فرع في مسائل منثورة تتعلق بما سبق إحداهما غرز إبرة في رأس
حتى انتهت إلى العظم وسلها فهي موضحة على المذهب وبه قطع الجمهور وخرجه الإمام على وجهين
الثانية موضحة هشم في بعضها فقط ليس فيها إلا أرش هاشمة
الثالثة أوضح وهشم في موضعين واتصل الهشم بينهما في الباطن فالصحيح أنهما هاشمتان وقيل هاشمة
الرابعة أوضح في مواضع متفرقة وهشم في كل واحد منها فهي هاشمتان على الصحيح وقيل موضحتان وهاشمة واحدة
الخامسة أدخل في دبره شيئا خرق به حاجزا في الباطن هل عليه أرش جائفة وجهان
السادسة شجه متلاحمة فأوضحه آخر في ذلك الموضع بقطع اللحم الباقي فعلى كل منهما حكومة
السابعة أجافة ونكأ في بعض الأعضاء الباطنة كالأمعاء فعليه مع أرش الجائفة حكومة
القسم الثاني إبانة الأطراف
والمقدر بدله من الأعضاء ستة عشر عضوا العضو الأول الأذنان

وفي استئصالهما قطعا أو قلعا كمال الدية وحكي قول أو وجه مخرج أن فيهما الحكومة والمذهب الأول وفي إحداهما نصف الدية وفي بعضها بقسطه وتقدر بالمساحة وسواء أذن السميع والأصم لأن السمع ليس في نفس الأذن ولو ضرب أذنه فاستحشفت أي يبست كشلل اليد فقولان أظهرهما تجب ديتها كما لو ضرب يده فشلت والثاني لا تجب إلا الحكومة لأن منفعتها لا تبطل بالاستحشاف بخلاف الشلل
ولو قطع أذنا مستحشفة بني على هذا الخلاف إن قلنا هناك تجب الدية وجب هنا حكومة كمن قطع يدا شلاء وإن قلنا تجب الحكومة وجب هنا الدية وعن الشيخ أبي حامد هذه الحكومة مع الحكومة الواجبة بالجناية التي حصل بها الاستحشاف عن كمال الدية وجهان

فرع لو لم يقتصر على استئصال الشاخص بل أوضح معه العظم وجب
الأذن وأرش الموضحة ولا تتبعها لأنه لا يتبع مقدر مقدرا
العضو الثاني العينان ففي فقئهما كمال الدية وفي إحداهما نصفها وعين الأعور السليمة لا يجب فيها إلا نصف الدية عندنا كما أن يد الأقطع ليس فيها إلا نصف الدية ولو فقأ الأعور مثل عينه المبصرة اقتص منه وتكمل الدية في عين الأحول والأعمش والعمش ضعف الرؤية مع سيلان الدمع في أكثر الأوقات ويقال إن خلل الأعمش في الأجفان وفي عين الأعشى وهو الذي لا يبصر ليلا ويبصر نهارا والأخفش وهو صغير العين ضعيف البصر وقيل هو من يبصر بالليل دون النهار لأن المنفعة باقية في أعين هؤلاء ومقدار المنفعة لا ينظر إليه ولو كان في العين بياض لا ينقص الضوء لم يمنع القصاص ولا كمال

الدية سواء كان على بياض الحدقة أو سوادها وكذا لو كان على الناظر إلا أنه رقيق لا يمنع الإبصار ولا ينقص الضوء وإن كان ينقص الضوء نظر إن أمكن ضبط النقص بالاعتبار بالصحيحة التي لا بياض فيها سقط من الدية قسط ما نقص وإلا فالواجب الحكومة
العضو الثالث الأجفان الأربعة وفيها كمال الدية وفي كل جفن ربعها وفي بعض الجفن قسطه من الربع وسواء الجفن الأعلى والأسفل وجفن الأعمى والأعمش وغيرهما ولا دية في الجفن المستحشف وإنما فيه الحكومة ولو ضرب الجفن فاستحشف لزمه الدية قطعا ولو قلع الأجفان والعينان لزمه ديتان

فرع إزالة الأهداب وسائر الشعور كشعر الرأس واللحية بالحلق وغيره من
الحكومة فإذا لم يكن على الأجفان أهداب فالواجب بقطعها الدية فإن قطعت وعليها أهداب فهل تجب مع الدية حكومة الأهداب أم تدخل في الدية وجهان أصحهما الدخول وتدخل حكومة الشعر على محل الموضحة في أرش الموضحة على المذهب وقيل فيه وجهان
العضو الرابع الأنف ففي قطع المارن وهو مالان من الأنف وخلا من العظم كمال الدية والمارن ثلاث طبقات الطرفان والوترة الحاجزة بينهما وفي كيفية توزيع الدية وجهان أحدهما وبه قال أبو علي الطبري ورجحه القاضيان الطبري والروياني توزع على الثلاث فعلى هذا إن رفع الحاجز وحده وجب ثلث الدية ولو قطع أحد الطرفين فكذلك ولو قطعهما دون الحاجز أو أحدهما مع الحاجز وجب ثلثا الدية ولو قطع أحدهما ونصف الحاجز وجب

نصف الدية والوجه الثاني وهو المنصوص ويحكى عن ابن سريج وأبي إسحاق وصححه البغوي أن الدية تتعلق بالطرفين وليس في الحاجز إلا الحكومة فعلى هذا في الحاجز وحده الحكومة وفي أحد الطرفين نصف الدية وفي قطعهما دون الحاجز كمال الدية وفي أحدهما مع الحاجز أو بعضه نصف الدية وحكومة ولو سقط بعض أنف المجذوم فقطع رجل الباقي وجب قسطه من الدية وأنف الأخشم كأنف الأشم ولو ضرب أنفه فاستحشف أو قطع أنفا مستحشفا فعلى الخلاف المذكور في الأذن ولو شق مارنه فذهب بعضه ولم يلتئم فعليه من الدية قسط الذاهب وإن لم يذهب منه شىء فعليه الحكومة سواء التأم أم لا ولو انجبرت القصبة بعد الكسر فعليه الحكومة فإن بقي معوجا كانت الحكومة أكثر
العضو الخامس الشفتان ففي استيعابهما كمال الدية سواء كانتا غليظتين أم دقيقتين كبيرتين أم صغيرتين وفي إحداهما نصفها سواء التأم أم لا ولو انجبرت القصبة بعد الكسر فعليه الحكومة إلى الشدقين وفي ضبطه في الطول أربعة أوجه أصحها وهو المنصوص وبه قطع الأكثرون أن الشفة من جوف الفم إلى الموضع الذي يستر اللثة والثاني أنها المتجافي إلى محل الارتتاق والثالث الذي ينتأ عند إطباق الفم والرابع الذي لو قطع لم تنطبق الشفة الأخرى على الباقي ولو ضرب شفته فأشلها فصارت منقبضة لا تسترسل أو مسترسلة لا تنقبض فعليه كمال الدية وفي الشفة الشلاء الحكومة ولو شق شفتيه ولم يبق منهما شىء لزمه حكومة ولو قطع شفة مشقوقة فعليه دية ناقصة بقدر حكومة الشق ولو قطع بعض الشفة وتقلص الباقي حتى بقيت كالمقطوع جميعها فهل يجب كمال الدية

أو تتوزع على المقطوع والباقي وجهان وهل تتبع حكومة الشارب دية الشفة وجهان
العضو السادس اللسان ففيه دية ولسان الألكن والمبرسم الذي ثقل كلامه والألثغ كغيره وفي لسان الأخرس حكومة سواء كان خرسه أصليا أم عارضا وفي وجوب الدية فيه احتمال لابن سلمة والمذهب الأول وهذا إذا لم يذهب الذوق بقطع الأخرس أو كان قد ذهب ذوقه قبله فأما إذا قطع لسانه فذهب ذوقه ففيه الدية ولو تعذر النطق لا لخلل في اللسان ولكنه ولد أصم فلم يحسن الكلام لأنه لم يسمع شيئا فهل تجب فيه الدية أم الحكومة وجهان يجيء ذكرهما إن شاء الله تعالى ولو قطع لسان طفل نظر إن نطق ب بابا ودادا ونحوهما أو كان يحركه عند البكاء والضحك والامتصاص تحريكا صحيحا وجبت الدية لظهور آثار الكلام فيه وإن لم يوجد نطق وتحريك فإن كان بلغ وقت النطق والتحريك فالواجب حكومة وإلا فالمذهب وجوب الدية أخذا بظاهر السلامة كما تجب الدية في رجله ويده وإن لم يكن في الحال بطش وبهذا قطع جماهير الأصحاب في طرقهم ونقل الإمام عن الأصحاب أن الواجب الحكومة ونقل ابن القطان فيه قولين وإذا قطع بعض لسانه طفل واقتضى الحال إيجاب الحكومة فأخذناها ثم نطق ببعض الحروف وعرفنا سلامة لسانه أوجبنا تمام القدر الذي يقتضيه القطع من الدية ولوكان للسانه طرفان نظر إن استويا في الخلقة فهو لسان مشقوق فيجب بقطعهما الدية وبقطع أحدهما قسطه من الدية وإن كان أحدهما تام الخلقة أصليا والآخر ناقص الخلقة زائدا ففي قطعهما دية وحكومة وفي الأصلي دية وفي الزائد حكومة ولا يبلغ بحكومته دية قدره من اللسان من ثلث وربع ونحوهما وفي قطع اللهاة الحكومة


السابع الأسنان فيجب في كل سن من الذكر الحر المسلم خمس من الإبل سواء قلعها أو قطعها أو كسرها ولو اقتلعها فبقيت معلقة بعروق ثم عادت إلى ما كانت فليس عليه إلا حكومة ذكره الروياني وتستوي الأسنان في الدية وإن اختلفت منافعها وتكمل دية السن بقلع كل سن أصلية تامة مثغورة غير متقلقلة فهذه أربعة قيود الأول كونها أصلية ففي الشاغية الحكومة لا الدية ولو سقطت سنه فاتخذ سنا من ذهب أو حديد أو عظم طاهر فلا دية في قلعها وأما الحكومة فإن قلعت قبل الالتحام لم تجب لكن يعزر القالع وإن قلعت بعد تشبث اللحم بها واستعدادها للمضغ والقطع فلا حكومة أيضا على الأظهر
الثاني كونها تامة وتكمل دية السن بكسر ما ظهر من السن وإن بقي السنخ بحاله ولو قلع السن من السنخ وجب أرش السن فقط على المذهب وقيل في وجوب الحكومة معه وجهان ولو كسر الظاهر رجل وقلع السنخ آخر فعلى الأول دية سن وعلى الثاني حكومة قطعا ولو عاد ا لأول وقلعه بعد الاندمال فعليه حكومة مع الدية وإن قلعه قبل الاندمال فكذلك على الأصح وقيل لا حكومة وطرد مثل هذا في قطع الكف بعد قطع الأصابع من القاطع أو غيره ولو قطع بعض الظاهر فعليه قسطه من الأرش وينسب المقطوع إلى الباقي من الظاهر ولا يعتبر السنخ على المذهب وبه قطع الجمهور وقيل وجهان ثانيهما يوزع عليه وعلى السنخ وفي معنى هذا صور منها أن الدية تكمل في قطع الحشفة فلو استؤصل الذكر فهل يفرد بقية الذكر بحكومة أم تدخل حكومتها في دية الحشفة فيه طريقان أحدهما نعم والثاني على وجهين


ومنها حلمة الثدي فيها كمال الدية فلو استؤصل الثدي ففيه الطريقان والمذهب فيهما الاندراج
ومنها في المارن الدية فلو قطعه مع القصبة فهل تندرج حكومة القصبة في دية المارن وجهان الصحيح الاندراج
واعلم أنا قدمنا أن قصبة الأنف محل الموضحة في الوجه وكذا هي محل الهاشمة والمنقلة وإبانة القصبة أعظم من المنقلة فيجب أن تجب فيها مع دية المارن أرش المنقلة وإبانة القصبة أعظم من المنقلة فيجب أن يجب فيها مع دية المارن أرش المنقلة وقد حكى ابن كج هذا عن النص لكن لم أجد لغيره تعرضا له
وإذا قلنا بالاندراج في هذه الصور فقطع بعض الحشفة أو الحلمة أو المارن فهل ينسب المقطوع إلى الحشفة أم جميع الذكر وإلى الحلمة أم جميع الثدي وإلى المارن أم إليه مع القصبة فيه الطريقان اللذان في بعض ظاهر السن والمذهب التوزيع على الحشفة والحلمة والمارن فقط فإذا اختلفا في قدر المكسور من ظاهر السن فالمصدق الجاني لأن الأصل براءته

فرع كسر واحد بعض ظاهر السن ثم كسر غيره الباقي من الظاهر
كل منهما قسط ما كسره من الأرش ولو قلع الثاني الباقي مع السنخ فطريقان أحدهما على وجهين أحدهما عليه أرش الباقي وحكومة السنخ والثاني عليه الأرش فقط والطريق الثاني وهو الأصح وبه قطع الأكثرون ينظر في جناية الأول فإن كسر بعض السن في العرض وبقي الأسفل بحاله فليس على الثاني حكومة السنخ بل يدخل في أرش الباقي وإن كسر بعضها في الطول فحكومة السنخ بقدر

ما يجب الباقي من السن يدخل في أرشه وما لا شىء فوقه تلزمه حكومته

فرع لو ظهر بعض السنخ بخلل أصاب اللثة لم يلحق ذلك بالظاهر
الدية فيما كان ظاهرا في الأصل
فرع لو تناثر بعض السن أو تآكل ففي قلعها قسط ما بقي
اختلفا في قدر المتناثر والمتآكل صدق المجني عليه بيمينه
فرع لو كانت أسنانه من الأعلى طويلة ومن الأسفل قصيرة أو بالعكس
لم يؤثر ذلك ووجب لكل واحدة كمال الأرش والغالب أن الثنايا من الأسنان تكون أطول من الرباعيات بقليل فلو كانت ثناياه كرباعياته أو أقصر منها فوجهان أحدهما حكاه الإمام عن الأكثرين لا يجب فيها تمام الأرش بل ينقص منه بحسب نقصانها وبهذا قطع الروياني والثاني يجب كمال الأرش وبه قطع البغوي ولو كانت إحدى الثنيتين من الأعلى أو الأسفل أقصر من أختها فقلعت الصغيرة نقص من ديتها بقدر نقصانها لأن الغالب أنهما لا تختلفان فإذا اختلفتا كانت القصيرة ناقصة ولو أنهى صغر السن إلى أن بطلت منفعته ولم يصلح للمضغ ففي قلعها الحكومة دون الدية كاليد الشلاء
القيد الثالث كونها مثغورة فلو قلع سن صغير لم يثغر فقد سبق في كتاب الجنايات أنه لا يستوفى في الحال قصاص ولا دية لأن الغالب عودها فهي كالشعر يحلق لكن ينتظر عودها فإن عادت فلا

قصاص ولا دية وتجب الحكومة إن بقي شين وإلا فهل يعتبر حال الجناية وقيام الألم أم لا يجب شىء فيه خلاف يأتي في باب الحكومات إن شاء الله تعالى وإن مضت المدة التي يتوقع فيها العود ولم تعد وفسد المنبت استوفي القصاص أو الدية فإن مات الصبي قبل بيان الحال ففي وجوب الأرش وجهان وقيل قولان أحدهما يجب لتحقق الجناية والأصل عدم العود وأصحهما لا لأن الأصل البراءة والظاهر العود لو عاش فعلى هذا تجب الحكومة قال المتولي هذا على طريقة من يعتبر حال الجناية والألم ولو قلع رجل سن الصغير وجنى آخر على منبته جناية أبطلت النبات قال الإمام لا وجه لإيجاب الأرش على الثاني ولا عليهما أما الأول فيجوز أن يقال بوجوبه عليه ويجوز أن يقتصر على الحكومة ولو سقطت سنة بنفسها ثم جنى جان وأفسد المنبت فيجوز أن يقال بوجوب الأرش على الثاني لأنه أفسد المنبت ولم تسبقه جناية بحال عليها

فرع لو قلع سن مثغور فأخذ منه الأرش فعادت السن على الندور
الأرش على الأظهر ولو التحمت الموضحة أو الجائفة بعد أخذ أرشها لم يسترد على الصحيح ولو جنى على يده فذهب بطشها أو على عينه فذهب بصرها فأخذنا ديتهما لظن زوال البطش والبصر ثم قويت اليد والعين فصار يبطش ويبصر استردت الدية قطعا لأن الشلل والعمى المحققين لا يزولان وكذا الحكم في السمع وسائر المعاني
فرع قلع سن صغير فطلع بعضها ومات الصغير قبل أن يتم نباتها
من الدية قسط ما لم ينبت إن قلنا بوجوب الدية فيما إذا مات قبل

النبات والحكومة إن قلنا لا تجب هناك الدية نص عليه الشافعي رحمه الله ولو قلعها قبل تمام الطلوع آخر فعن النص انتظار نباتها فإن لم تنبت فعليه الدية وإن نبتت لزمه حكومة هي أكثر من حكومة المرة الأولى
القيد الرابع كونها ثابتة غير متقلقلة فإن كانت متحركة حركة يسيرة لا تنقص المنافع لم يؤثر تحركها في قصاص ولا دية وإن كان بها اضطراب شديد بهرم أو مرض ونحوهما نظر إن بطلت منفعتها ففيها الحكومة وإن نقصت فهل يجب الأرش أم الحكومة قولان أظهرهما الأرش وقال الإمام إن كان الغالب على الظن نباتها وجب الأرش قطعا وإن كان الغالب على الظن سقوطها فهو موضع القولين ولو ضرب سن رجل فتزلزلت وتحركت نظر إن سقطت بعد ذلك لزمه الأرش وإن عادت كما كانت فلا أرش وفي وجوب الحكومة وجهان كما إذا لم يبق في الجراحة نقص ولا شين وإن بقيت كذلك ناقصة المنفعة فهل يجب الأرش أم الحكومة فيه القولان فإن قلعها آخر فعليه الأرش إن أوجبنا على الأول الحكومة والحكومة إن أوجبنا على الأول الأرش قال الشيخ أبو حامد إن قلنا تجب الحكومة فهي دون حكومة السن المتحركة بهرم ومرض لأن النقص الذي فيها قد غرمه الجاني الأول بخلاف الهرم وقطع المتولي بأنه ليس على الثاني إلا حكومة بخلاف ما لو كان الاضطراب بهرم ومرض لأن خلل الجناية يخالفهما ولهذا لو قتل مشرفا على الموت في آخر رمق بالمرض وجب القصاص ولو كان في هذا الحال بجناية فلا قصاص ولو جنى على سن فاضطربت ونقصت منفعتها وقلنا الواجب عليه الحكومة فعاد وقلعها قبل أن يضمن الحكومة فعليه الأرش بكماله


فرع قلع سنا سوداء كاملة المنفعة نظر إن كانت سوداء قبل أن
وبعده لزمه كمال الأرش وإن كانت في الأصل بيضاء فلما ثغر نبتت سوداء أو نبتت بيضاء ثم اسودت فعن نص الشافعي رحمه الله أنه يراجع أهل الخبرة فإن قالوا لا يكون ذلك إلا لعلة حادثة ففي قلعها الحكومة وإن قالوا لم يحدث ذلك لعلة أو قالوا مثل هذا قد يكون لعلة ومرض وقد يكون لغيره وجب كمال الأرش والرد إلى الحكومة للمرض مع كمال المنفعة خلاف القياس وإن ضرب سنا فاسودت فهل يجب الأرش أم الحكومة نقل المزني اختلاف نص فيه فقيل قولان والمذهب وما قطع به الجمهور تنزيل النصين على حالين إن فاتت المنفعة مع الاسوداد وجب الأرش وإلا فالحكومة ولو اخضرت السن بجناية أو اصفرت وجبت الحكومة وحكومة الاخضرار أقل من الاسوداد وحكومة الاصفرار أقل من الاخضرار
فصل الأسنان في غالب الفطرة اثنتان وثلاثون منها أربع ثنايا وهي الواقعة
من أعلى وأسفل يقال لها الرباعيات بفتح الراء وتخفيف الباء ثم أربع ضواحك ثم أربعة أنياب وأربعة نواجذ واثنا عشر ضرسا ويقال لها الطواحن ففي كل سن منها خمس من الإبل كما سبق ما لم يجاوز عشرين سنا فإن جاوزها فقولان أحدهما لا يجب إلا مائة من الإبل وأظهرهما وقطع به جماعة يجب لكل سن خمس فلو كانت ثنتين وثلاثين فقلعها وجب مائة وستون بعيرا وهذا الخلاف إذا اتحد الجاني والجناية فإن تعدد الجاني بأن قلع عشرين سنا وقلع غيره الباقي فعلى الأول مائة بعير وعلى الثاني ستون قطعا وإن اتحد

الجاني وتعددت الجناية نظر إن تخلل الاندمال بأن قلع سنا وتركه حتى برأت اللثة وزال الألم ثم قلع أخرى وهكذا إلى استيعاب الأسنان لزمه لكل سن خمس قطعا وإن لم يتخلل الاندمال فعلى القولين وقيل يتعدد قطعا وصورة الجناية الواحدة أن يسقطها كلها بضربة أو يسقيه دواء يسقطها

فرع قد تزيد الأسنان على ثنتين وثلاثين فإن زادت فهل يجب لكل
خمس أم لا يجب في الزائد على ذلك إلا الحكومة كالأصبع الزائد وجهان
العضو الثامن اللحيان وهما العظمان اللذان عليهما منبت الأسنان السفلى وملتقاهما الذقن وفيهما كمال الدية وفي أحدهما إن ثبت الآخر نصفها فلو كان على اللحيين أسنان كما هو الغالب فوجهان أحدهما لا يجب إلا دية اللحيين ويدخل فيها أروش الأسنان وأصحهما تجب دية اللحيين وأروش الأسنان
التاسع اليدان وفيهما كمال الدية وفي إحداهما نصفها وتكمل الدية بلقط الأصابع ولو قطع من الكوع فالواجب ما يجب في الأصابع وتدخل حكومة الكف في ديتها ولو قطع من بعض الساعد أو المرفق أو المنكب وجبت حكومتها مع الدية بخلاف الكف لأن الكف مع الأصابع كالعضو الواحد وقال ابن حربويه من أصحابنا نهاية اليد التي يجب فيها الدية الإبط والمنكب ويجب فيما دون ذلك قسطه من الدية والصحيح الأول وبه قطع الجمهور وفي كل أصبع عشر من الإبل تستوي فيه جميع الأصابع وفي كل أنملة من الإبهام خمس من الإبل وفي كل أنملة من غيرها ثلاثة أبعرة وثلث ولو انقسمت أصبع بأربع أنامل متساوية ففي كل واحدة بعيران ونصف


فرع ما ذكرناه من اندراج حكومة الكف تحت دية الأصابع هو فيما
قطع من الكوع وأبان الكف والأصابع بجناية واحدة فأما إذا قطع واحد الأصابع وآخر الكف أو قطع واحد الأصابع ثم الكف قبل الاندمال أو بعده فعلى ما ذكرناه في الأسنان
فرع إذا كان على معصم إنسان كفان مع الأصابع أو على العضد
وكفان أو على المنكب عضدان وذراعان وكفان مع الأصابع نظر إن لم يبطش بواحد منهما فليس فيهما قصاص ولا دية وإنما يجب فيهما الحكومة كاليد الشلاء وإن كان فيهما بطش نظر إن كانت إحداهما أصلية والأخرى زائدة ففي الأصلية القصاص والدية وفي الزائدة الحكومة وطريق معرفة الزائدة أن ينظر فإن اختصت إحداهما ببطش أو قوة بطش فهي الأصلية وسواء كانت الباطشة أو التي هي أقوى بطشا على استواء الذراع أو منحرفة عنه فإن كانت إحداهما مستوية والأخرى منحرفة فالمستوية هي الأصلية وإن كانت إحداهما معتدلة الأصابع والأخرى زائدة فوجهان قال القاضي حسين المعتدلة هي الأصلية لأن الزيادة على الكمال نقصان وقال الأكثرون لا يؤثر ذلك في التمييز لأن اليد الأصلية كثيرا ما تشتمل على الأصبع الزائدة ولو كانت إحداهما ناقصة بأصبع ولكنها مستوية والأخرى كاملة الاصابع منحرفة فأيتهما الأصلية فيه احتمال للإمام وأما إذا لم تتميز الأصلية عن الزائدة بشىء فهما كيد واحدة فيجب في قطعهما القصاص أو كمال الدية ويجب مع القصاص أو الدية حكومة لزيادة الصورة وعن المزني أنه لا قصاص

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28