كتاب : العناية شرح الهداية
المؤلف : محمد بن محمد البابرتي  

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَبَاعَهُ بِرِبْحٍ ) الْكَلَامُ فِي وَضْعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَصُورَتِهَا ظَاهِرٌ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي دَلِيلِهَا ( قَالَا : الْعَقْدُ الثَّانِي عَقْدٌ مُتَجَدِّدٌ مُنْقَطِعُ الْأَحْكَامِ عَنْ الْأَوَّلِ ) وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْمُرَابَحَةِ عَلَيْهِ كَمَا إذَا تَخَلَّلَ ثَالِثٌ بِأَنْ اشْتَرَى مِنْ مُشْتَرِي مُشْتَرِيهِ ( وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ شُبْهَةُ حُصُولِ الرِّبْحِ ) الْحَاصِلِ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ثَابِتَةٌ ( بِالْعَقْدِ الثَّانِي لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرْطِ السُّقُوطِ ) بِأَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ ، فَإِذَا اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُشْتَرِي تَأَكَّدَ مَا كَانَ عَلَى شَرْطِ السُّقُوطِ ، وَلِلتَّأْكِيدِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ حُكْمُ الْإِيجَابِ كَمَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ رَجَعُوا ضَمِنُوا نِصْفَ الْمَهْرِ لِتَأَكُّدِ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ ، وَإِذَا كَانَتْ شُبْهَةُ الْحُصُولِ ثَابِتَةً صَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَى بِالْعَقْدِ الثَّانِي ثَوْبًا وَخَمْسَةَ دَرَاهِمَ بِعَشَرَةٍ ، فَالْخَمْسَةُ بِإِزَاءِ الْخَمْسَةِ وَالثَّوْبُ بِخَمْسَةٍ فَيَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى خَمْسَةٍ احْتِرَازًا عَنْ شُبْهَةِ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا كَحَقِيقَتِهَا احْتِيَاطًا فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى ثَوْبٍ لَا يَبِيعُ الثَّوْبَ مُرَابَحَةً عَلَى الْعَشَرَةِ لِأَنَّ الصُّلْحَ مَبْنَاهُ عَلَى التَّجَوُّزِ وَالْحَطِيطَةِ ، وَلَوْ وُجِدَ الْحَطُّ حَقِيقَةً مَا جَازَ الْبَيْعُ مُرَابَحَةً ، فَكَذَا إذَا تَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ .
وَعُورِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا جَازَ الشِّرَاءُ بِعَشَرَةٍ فِيمَا إذَا بَاعَهُ بِعِشْرِينَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي الشِّرَاءِ الثَّانِي كَأَنَّهُ اشْتَرَى ثَوْبًا وَعَشَرَةً بِعَشَرَةٍ فَكَانَ فِيهِ شُبْهَةُ الرِّبَا وَهُوَ حُصُولُ الثَّوْبِ بِلَا عِوَضٍ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَهُ شُبْهَةُ الْإِيجَابِ فِي حَقِّ الْعِبَادِ احْتِرَازًا عَنْ الْخِيَانَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَا فِي حَقِّ الشَّرْعِ ، وَشَرْعِيَّتُهُ جَوَازُ

الْمُرَابَحَةِ لِمَعْنًى رَاجِعٍ إلَى الْعِبَادِ فَيُؤَثِّرُ التَّأْكِيدُ فِي الْمُرَابَحَةِ .
وَأَمَّا جَوَازُ الْبَيْعِ وَعَدَمُهُ فِي شُبْهَةِ الرِّبَا فَحَقُّ الشَّرْعِ فَلَا يَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ فِيهِ شُبْهَةُ الْإِيجَابِ ، كَذَا نُقِلَ مِنْ فَوَائِدِ الْعَلَّامَةِ حُمَيْدِ الدِّينِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَخَلَّلَ ثَالِثٌ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ حَصَلَ بِغَيْرِهِ وَلَمْ يُسْتَفَدْ رِبْحُ الْأَوَّلِ بِالشِّرَاءِ الثَّانِي فَانْتَفَتْ الشُّبْهَةُ .

قَالَ ( وَإِذَا اشْتَرَى الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِرَقَبَتِهِ فَبَاعَهُ مِنْ الْمَوْلَى بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى عَشَرَةٍ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَوْلَى اشْتَرَاهُ فَبَاعَهُ مِنْ الْعَبْدِ ) لِأَنَّ فِي هَذَا الْعَقْدِ شُبْهَةَ الْعَدَمِ بِجَوَازِهِ مَعَ الْمُنَافِي فَاعْتُبِرَ عَدَمًا فِي حُكْمِ الْمُرَابَحَةِ وَبَقِيَ الِاعْتِبَارُ لِلْأَوَّلِ فَيَصِيرُ كَأَنَّ الْعَبْدَ اشْتَرَاهُ لِلْمَوْلَى بِعَشَرَةٍ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ، وَكَأَنَّهُ يَبِيعُهُ لِلْمَوْلَى فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَيُعْتَبَرُ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ .

قَالَ ( وَإِذَا اشْتَرَى الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ ) وَإِذَا اشْتَرَى الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ ( لَهُ فِي التِّجَارَةِ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ ) وَالْحَالُ أَنَّهُ مَدْيُونٌ بِدَيْنٍ يُحِيطُ بِرَقَبَتِهِ فَبَاعَهُ مِنْ الْمَوْلَى بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنَّ الْمَوْلَى يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى عَشَرَةٍ ( وَكَذَا إنْ كَانَ الْمَوْلَى اشْتَرَاهُ وَبَاعَهُ مِنْ الْعَبْدِ لِأَنَّ فِي هَذَا الْعَقْدِ ) أَيْ بَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ الْمَوْلَى وَعَكْسِهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ لِجَوَازِهِ مَعَ الْمُنَافِي وَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْمَوْلَى بِمَالِ الْعَبْدِ ، وَقَبْلَ كَوْنِ الْعَبْدِ مِلْكًا لِلْمَوْلَى وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ وَيَتَفَرَّدَ بِكَسْبِ عَبْدِهِ فَصَارَ كَالْبَائِعِ مِنْ نَفْسِهِ فَاعْتُبِرَ عَدَمًا فِي حُكْمِ الْمُرَابَحَةِ لِوُجُوبِ الِاحْتِرَازِ فِيهَا عَنْ شُبْهَةِ الْحَيَاةِ ، وَإِذَا عُدِمَ الْبَيْعُ الثَّانِي لَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى الثَّمَنِ الْمَذْكُورِ فِيهِ وَإِنَّمَا يَبِيعُهُ عَلَى الثَّمَنِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالدَّيْنِ الْمُحِيطِ بِرَقَبَتِهِ ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَبَاعَ مِنْ مَوْلَاهُ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ لِلْمَوْلَى شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ لَا مِلْكَ الرَّقَبَةِ وَلَا مِلْكَ التَّصَرُّفِ ، هَكَذَا قَيَّدَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأَصْلِ ، وَكَذَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَقَاضِي خَانْ ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْعَتَّابِيُّ ، وَالْحَقُّ قَيَّدَهُ لِمَا ذَكَرْنَا .

قَالَ ( وَإِذَا كَانَ مَعَ الْمُضَارِبِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِالنِّصْفِ فَاشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ وَبَاعَهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ ) لِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ وَإِنْ قُضِيَ بِجَوَازِهِ عِنْدَنَا عِنْدَ عَدَمِ الرِّبْحِ خِلَافًا لِزُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ أَنَّهُ اشْتَرَى مَالَهُ بِمَالِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِفَادَةِ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ وَهُوَ مَقْصُودٌ وَالِانْعِقَادُ يَتْبَعُ الْفَائِدَةَ فَفِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهٍ فَاعْتُبِرَ الْبَيْعُ الثَّانِي عَدَمًا فِي حَقِّ نِصْفِ الرِّبْحِ .

قَالَ ( وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُضَارِبِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِالنِّصْفِ ) إذَا كَانَ مَعَ الْمُضَارِبِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِالنِّصْفِ ( فَاشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ وَبَاعَهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ ) لِأَنَّ مَبْنَى هَذَا الْبَيْعِ عَلَى الِاحْتِرَازِ عَنْ الْخِيَانَةِ وَشَبَهِهَا وَفِي بَيْعِهِ مُرَابَحَةً عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ شُبْهَةُ خِيَانَةٍ ( لِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ ) أَيْ بَيْعَ الثَّوْبِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ وَإِنْ حُكِمَ بِجَوَازِهِ عِنْدَنَا عِنْدَ عَدَمِ الرِّبْحِ خِلَافًا لِزُفَرَ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ .
وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ الْبَيْعَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ ، وَهُوَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِمَالِ غَيْرِهِ لَا بِمَالِ نَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ الْبَيْعُ مَوْجُودًا وَوَجْهُ الْجَوَازِ عِنْدَنَا اشْتِمَالُهُ عَلَى الْفَائِدَةِ فَإِنَّ فِيهِ اسْتِفَادَةَ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ لِأَنَّ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُضَارِبِ انْقَطَعَتْ وِلَايَةُ رَبِّ الْمَالِ عَنْ مَالِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ ، فَبِالشِّرَاءِ مِنْ الْمُضَارِبِ يَحْصُلُ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ وَهُوَ مَقْصُودٌ ، وَإِذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى الْفَائِدَةِ يَنْعَقِدُ لِأَنَّ الِانْعِقَادَ يَتْبَعُ الْفَائِدَةَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ فَاشْتَرَاهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً جَازَ الْبَيْعُ فِيهِمَا وَدَخَلَ عَبْدُهُ فِي عَقْدِهِ لِفَائِدَةِ انْقِسَامِ الثَّمَنِ ، وَأَمَّا أَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الْعَدَمِ فَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعْلِيلِ زُفَرَ ، وَقَدْ اسْتَوْضَحَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ : أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَعْنِي الْمُضَارِبَ وَكِيلٌ عَنْ رَبِّ الْمَالِ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهٍ ، وَعَلَى هَذَا وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَوَكِيلِهِ فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ كَانَ الْبَيْعُ الثَّانِي كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّ نِصْفِ الرِّبْحِ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّ رَبِّ الْمَالِ فَيُحَطُّ عَنْ الثَّمَنِ احْتِرَازًا عَنْ شُبْهَةِ الْخِيَانَةِ وَلَا شُبْهَةَ فِي أَصْلِ

الثَّمَنِ وَهُوَ عَشَرَةٌ وَلَا فِي نَصِيبِ الْمُضَارِبِ فَيَبِيعُ مُرَابَحَةً عَلَى ذَلِكَ .

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَاعْوَرَّتْ أَوْ وَطِئَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ يَبِيعُهَا مُرَابَحَةً وَلَا يُبَيِّنُ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَبِسْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُقَابِلُهُ الثَّمَنُ ؛ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ تَابِعَةٌ لَا يُقَابِلُهَا الثَّمَنُ ، وَلِهَذَا لَوْ فَاتَتْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، وَكَذَا مَنَافِعُ الْبُضْعِ لَا يُقَابِلُهَا الثَّمَنُ ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيمَا إذَا لَمْ يُنْقِصْهَا الْوَطْءُ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَبِيعُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ ، كَمَا إذَا احْتَبَسَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ( فَأَمَّا إذَا فَقَأَ عَيْنَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ فَقَأَهَا أَجْنَبِيٌّ فَأَخَذَ أَرْشَهَا لَمْ يَبِعْهَا مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْإِتْلَافِ فَيُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، وَكَذَا إذَا وَطِئَهَا وَهِيَ بِكْرٌ لِأَنَّ الْعُذْرَةَ جُزْءٌ مِنْ الْعَيْنِ يُقَابِلُهَا الثَّمَنُ وَقَدْ حَبَسَهَا .

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً سَلِيمَةً فَاعْوَرَّتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ) بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِ الْجَارِيَةِ نَفْسِهَا ( أَوْ وَطِئَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ ) وَلَمْ يَنْقُصْهَا الْوَطْءُ ( جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ ) لِعَدَمِ احْتِبَاسِ مَا يُقَابِلُهُ الثَّمَنُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَوْصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ( قَوْلُهُ وَلِهَذَا ) تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَبِسْ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُقَابِلُهُ الثَّمَنُ ، وَلِهَذَا لَوْ فَاتَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، وَكَذَلِكَ مَنَافِعُ الْبُضْعِ إذَا لَمْ يَنْقُصْهَا الْوَطْءُ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ .
وَعُورِضَ بِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا وَطِئَهَا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الرَّدِّ وَإِنْ كَانَ ثَيِّبًا ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُسْتَوْفَى مِنْ الْوَطْءِ بِمَنْزِلَةِ احْتِبَاسِ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الرَّدِّ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ إنْ رَدَّهَا .
فَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهَا ، مَعَ الْعُقْرِ أَوْ بِدُونِهِ ، لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْفَسْخَ يَرِدُ عَلَى مَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَالْعَقْدُ لَمْ يَرِدْ عَلَى الزِّيَادَةِ فَالْفَسْخُ لَا يَرِدُ عَلَيْهَا ، وَلَا إلَى الثَّانِي لِأَنَّهَا تَعُودُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْبَائِعِ وَيُسَلَّمُ الْوَطْءُ لِلْمُشْتَرِي مَجَّانًا وَالْوَطْءُ يَسْتَلْزِمُ الْعُقْرَ عِنْدَ سُقُوطِ الْعُقْرِ لَا بِاعْتِبَارِ احْتِبَاسِ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ ( وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَبِيعُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ) أَيْ فِي صُورَةِ الِاعْوِرَارِ ( مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ ) كَمَا إذَا اُحْتُبِسَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ لِلْأَوْصَافِ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مَا كَانَ التَّعَيُّبُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِصُنْعِ الْعِبَادِ ( وَأَمَّا إذَا فَقَأَ عَيْنَهَا ) رَاجِعٌ إلَى أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ .

وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قُلْنَا : فَيَكُونُ جَوَابًا لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ : يَعْنِي إذَا فَقَأَ الْمُشْتَرِي عَيْنَهَا ( بِنَفْسِهِ أَوْ فَقَأَهَا أَجْنَبِيٌّ ) سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِغَيْرِهِ وَجَبَ الْبَيَانُ عِنْدَ الْبَيْعِ مُرَابَحَةً لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْإِتْلَافِ ، أَمَّا إذَا كَانَ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي فَلِأَنَّهُ كَفِعْلِ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِهِ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلِأَنَّهُ جِنَايَةٌ تُوجِبُ ضَمَانَ النُّقْصَانِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي حَابِسًا بَدَلَ جُزْءٍ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَمْنَعُ الْمُرَابَحَةَ بِدُونِ الْبَيَانِ .
وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَدُلُّ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى أَخْذِ أَرْشِهَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي لَفْظِ مُحَمَّدٍ فِي أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ .
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : كَأَنَّ ذِكْرَ الْأَرْشِ وَقَعَ اتِّفَاقًا ، لِأَنَّهُ لَمَّا فَقَأَ الْأَجْنَبِيُّ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْأَرْشِ وَوُجُوبُ ضَمَانِ الْأَرْشِ سَبَبٌ لِأَخْذِ الْأَرْشِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا إطْلَاقُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِأَخْذِ الْأَرْشِ ، وَذَكَرَ نَقْلَ الْمَبْسُوطِ كَذَلِكَ ( وَكَذَا إنْ وَطِئَهَا وَهِيَ بِكْرٌ ) لَا يَبِيعُهَا مُرَابَحَةً إلَّا بِالْبَيَانِ ( لِأَنَّ الْعُذْرَةَ جُزْءٌ مِنْ الْعَيْنِ يُقَابِلُهَا الثَّمَنُ وَقَدْ حَبَسَهَا ) فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ .

( وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَأَصَابَهُ قَرْضُ فَأْرٍ أَوْ حَرْقُ نَارٍ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ ، وَلَوْ تَكَسَّرَ بِنَشْرِهِ وَطَيِّهِ لَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ ) وَالْمَعْنَى مَا بَيَّنَّاهُ .( وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَأَصَابَهُ قَرْضُ فَأْرٍ ) بِالْقَافِ مِنْ قَرَضَ الثَّوْبَ بِالْمِقْرَاضِ : إذَا قَطَعَهُ ، وَنَصَّ أَبُو الْيُسْرِ عَلَى أَنَّهُ بِالْفَاءِ ( أَوْ حَرْقُ نَارٍ ) جَازَ أَنْ ( يَبِيعَهُ مُرَابَحَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ ) لِأَنَّ الْأَوْصَافَ تَابِعَةٌ لَا يُقَابِلُهَا الثَّمَنُ ( وَلَوْ تَكَسَّرَ ) الثَّوْبُ ( بِنَشْرِهِ وَطَيِّهِ لَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً ) بِلَا بَيَانٍ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْإِتْلَافِ .
وَقَوْلُهُ ( وَالْمَعْنَى مَا بَيَّنَّاهُ ) إشَارَةٌ إلَى هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ .

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى غُلَامًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ نَسِيئَةً فَبَاعَهُ بِرِبْحِ مِائَةٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَعَلِمَ الْمُشْتَرِي ، فَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ ، وَإِنْ شَاءَ قَبِلَ ) ؛ لِأَنَّ لِلْأَجَلِ شَبَهًا بِالْمَبِيعِ ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ يُزَادُ فِي الثَّمَنِ لِأَجْلِ الْأَجَلِ ، وَالشُّبْهَةُ فِي هَذَا مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ وَبَاعَ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً بِثَمَنِهِمَا ، وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْمُرَابَحَةِ يُوجِبُ السَّلَامَةَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْخِيَانَةِ ، فَإِذَا ظَهَرَتْ يُخَيَّرُ كَمَا فِي الْعَيْبِ ( وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَهُ بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ ) ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، قَالَ : ( فَإِنْ كَانَ وَلَّاهُ إيَّاهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ رَدَّهُ إنْ ) شَاءَ ؛ لِأَنَّ الْخِيَانَةَ فِي التَّوْلِيَةِ مِثْلُهَا فِي الْمُرَابَحَةِ ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءً عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ( وَإِنْ كَانَ اسْتَهْلَكَهُ ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَهُ بِأَلْفٍ حَالَّةٍ ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَرُدُّ الْقِيمَةَ وَيَسْتَرِدُّ كُلَّ الثَّمَنِ ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا إذَا اسْتَوْفَى الزُّيُوفَ مَكَانَ الْجِيَادِ وَعَلِمَ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ ، وَسَيَأْتِيك مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقِيلَ يُقَوَّمُ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَبِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَيَرْجِعُ بِفَضْلِ مَا بَيْنَهُمَا ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَجَلُ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ وَلَكِنَّهُ مُنَجَّمٌ مُعْتَادٌ قِيلَ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ ، وَقِيلَ يَبِيعُهُ وَلَا يُبَيِّنُهُ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ حَالٌّ .

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى غُلَامًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ نَسِيئَةً فَبَاعَهُ بِرِبْحِ مِائَةٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ ) ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي ( فَعَلِمَ الْمُشْتَرِي ، فَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ ، وَإِنْ شَاءَ قَبِلَ لِأَنَّ لِلْأَجَلِ شَبَهًا بِالْمَبِيعِ ) فَإِنَّهُ يُزَادُ فِي الثَّمَنِ لِأَجْلِ الْأَجَلِ ، وَالشُّبْهَةُ فِي هَذَا الْبَابِ مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ وَبَاعَ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً بِثَمَنِهِمَا .
وَالْمُرَابَحَةُ تُوجِبُ الِاحْتِرَازَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْخِيَانَةِ .
وَنُوقِضَ بِأَنَّ الْغُلَامَ السَّلِيمَ الْأَعْضَاءِ يُزَادُ فِي ثَمَنِهِ لِأَجْلِ سَلَامَةِ الْأَعْضَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ السَّلِيمِ ، وَإِذَا فَاتَتْ سَلَامَةُ الْأَعْضَاءِ لَمْ يَجِبْ الْبَيَانُ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ اعْوِرَارِ الْعَيْنِ .
وَأُجِيبَ أَنَّ الزِّيَادَةَ هُنَاكَ لَيْسَتْ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ السَّلَامَةِ ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ هُوَ أَنْ يَقُولَ إنْ أَجَّلْتنِي مُدَّةَ كَذَا فَثَمَنُهُ يَكُونُ كَذَا بِزِيَادَةِ مِقْدَارٍ فَتَثْبُتُ زِيَادَةُ الثَّمَنِ فِي الْأَجَلِ بِالشَّرْطِ ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي سَلَامَةِ الْأَعْضَاءِ ، وَسَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَجَلُ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ ، وَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَهُ بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ ، لِأَنَّ الْأَجَلَ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ : يَعْنِي فِي الْحَقِيقَةِ ، وَلَكِنْ فِيهِ شُبْهَةُ الْمُقَابَلَةِ ، فَبِاعْتِبَارِ شُبْهَةِ الْخِيَانَةِ كَانَ لَهُ الْفَسْخُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا ، فَإِمَّا أَنْ يَسْقُطَ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَ الْهَلَاكِ فَلَا ، وَإِلَّا لَكَانَ مَا فَرَضْنَاهُ شُبْهَةً حَقِيقَةً وَذَلِكَ خُلْفٌ بَاطِلٌ .
قَالَ ( وَإِنْ كَانَ وَلَّاهُ إيَّاهُ ) يَعْنِي أَنَّ التَّوْلِيَةَ كَالْمُرَابَحَةِ فِيمَا إذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ كَانَ اشْتَرَاهُ بِأَجَلٍ وَبَاعَهُ إيَّاهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فَكَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ ، لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ فِي وُجُوبِ الِاحْتِرَازِ عَنْ شُبْهَةِ الْخِيَانَةِ كَالْمُرَابَحَةِ

لِكَوْنِهِ بِنَاءً عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ ( وَإِنْ ) كَانَ ( اسْتَهْلَكَهُ ثُمَّ عَلِمَ ) بِالْخِيَانَةِ ( لَزِمَهُ بِأَلْفٍ حَالَّةٍ لِمَا ذَكَرْنَا ) أَنَّ الْأَجَلَ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ حَقِيقَةً ( وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرُدُّ الْقِيمَةَ وَيَسْتَرِدُّ كُلَّ الثَّمَنِ ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا إذَا اسْتَوْفَى الزُّيُوفَ مَكَانَ الْجِيَادِ وَعَلِمَ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ وَسَيَأْتِيك مِنْ بَعْدُ فِي مَسَائِلَ ) مَنْثُورَةٍ قُبَيْلَ كِتَابِ الصَّرْفِ .
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ : رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ قِيمَتَهُ وَيَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ لِأَنَّ الْقِيمَةَ قَامَتْ مَقَامَهُ ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي التَّحَالُفِ مُسْتَقِيمٌ ، فَإِنَّهُ أَقَامَ الْقِيمَةَ مَقَامَهُ ، وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَلْخِيّ ( يُقَوَّمُ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَبِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ، فَيَرْجِعُ بِفَضْلِ مَا بَيْنَهُمَا ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَجَلُ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ لَكِنَّهُ مُنَجَّمٌ ) مُعْتَادٌ كَعَادَةِ بَعْضِ الْبِلَادِ يَشْتَرُونَ بِنَقْدٍ وَيُسَلِّمُونَ الثَّمَنَ بَعْدَ شَهْرٍ إمَّا جُمْلَةً أَوْ مُنَجَّمًا ، قِيلَ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ ، وَقِيلَ لَا يَجِبُ بَيَانُهُ لِأَنَّ الثَّمَنَ حَالٌّ .

قَالَ ( وَمَنْ وَلَّى رَجُلًا شَيْئًا بِمَا قَامَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِكَمْ قَامَ عَلَيْهِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ) لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ ( فَإِنْ أَعْلَمَهُ الْبَائِعُ ، يَعْنِي فِي الْمَجْلِسِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ ) لِأَنَّ الْفَسَادَ لَمْ يَتَقَرَّرْ ، فَإِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ فِي الْمَجْلِسِ جُعِلَ كَابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَصَارَ كَتَأْخِيرِ الْقَبُولِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ وَبَعْدَ الِافْتِرَاقِ قَدْ تَقَرَّرَ فَلَا يُقْبَلُ الْإِصْلَاحُ ، وَنَظِيرُهُ بَيْعُ الشَّيْءِ بِرَقْمِهِ إذَا عَلِمَ فِي الْمَجْلِسِ ، وَإِنَّمَا يَتَخَيَّرُ ؛ لِأَنَّ الرِّضَا لَمْ يَتِمَّ قَبْلَهُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ فَيَتَخَيَّرُ كَمَا فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِقَالَ ( وَمَنْ وَلَّى رَجُلًا شَيْئًا بِمَا قَامَ عَلَيْهِ إلَخْ ) إذَا قَالَ وَلَّيْتُك هَذَا بِمَا قَامَ عَلَيَّ يُرِيدُ بِهِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ مَعَ مَا لَحِقَهُ مِنْ الْمُؤَنِ كَالصَّبْغِ وَالْفَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِكَمْ قَامَ عَلَيْهِ ( فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ ، فَإِنْ أَعْلَمَهُ الْبَائِعُ فِي الْمَجْلِسِ ) صَحَّ الْبَيْعُ وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي ( إنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ ) أَمَّا الصِّحَّةُ فَلِأَنَّ الْفَسَادَ لَمْ يَتَقَرَّرْ بَعْدُ فَكَانَ فَسَادًا يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ ، فَإِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ فِي الْمَجْلِسِ جُعِلَ كَابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لِأَنَّ سَاعَاتِ الْمَجْلِسِ كَسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَصَارَ كَتَأْخِيرِ الْقَبُولِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ وَبَعْدَ الِافْتِرَاقِ تَقَرَّرَ .
وَالْفَسَادُ الْمُتَقَرِّرُ لَا يَقْبَلُ الْإِصْلَاحَ ، وَنَظِيرُهُ الْبَيْعُ بِالرَّقْمِ فِي صِحَّتِهِ بِالْبَيَانِ فِي الْمَجْلِسِ وَتَقَرَّرَ فَسَادُهُ بِعَدَمِهِ فِيهِ .
وَأَمَّا خِيَارُ الْمُشْتَرِي فَلِلْخَلَلِ فِي الرِّضَا لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الثَّمَنِ كَمَا لَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ لِلْجَهْلِ بِالصِّفَاتِ فَكَانَ فِي مَعْنَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَأُلْحِقَ بِهِ

( فَصْلٌ ) : وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِمَّا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ عَلَى اعْتِبَارِ الْهَلَاكِ .

فَصْلٌ ) وَجْهُ إيرَادِ الْفَصْلِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَسَائِلَ الْمَذْكُورَةَ فِيهِ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْمُرَابَحَةِ .
وَوَجْهُ ذِكْرِهَا فِي بَابِ الْمُرَابَحَةِ الِاسْتِطْرَادُ بِاعْتِبَارِ تَقَيُّدِهَا بِقَيْدٍ زَائِدٍ عَلَى الْبَيْعِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْأَوْصَافِ كَالْمُرَابَحَةِ وَالتَّوْلِيَةِ .
قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِمَّا يُنْقَلُ ) نَقْلًا حِسِّيًّا ( وَ ) هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ( يُحَوَّلُ ) فَسَّرَهُ بِذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُدَبَّرِ ( لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ } ) وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالطَّعَامِ وَلَا تَمَسُّكَ لَهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنْ اشْتَرَى أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ } وَفِي رِوَايَةٍ { حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ } فَإِنَّ تَخْصِيصَ الطَّعَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : وَأَحْسُبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَ الطَّعَامِ .
وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ لَمْ يَكُنْ مُرَادًا وَكَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ .
حَدَّثَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ مُسْنَدًا إلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ : ابْتَعْت زَيْتًا فِي السُّوقِ ، فَلَمَّا اسْتَوْفَيْته لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا ، فَأَرَدْت أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ : لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْته حَتَّى تَحُوزَهُ إلَى رَحْلِك ، فَإِنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ابْتِيَاعِ السِّلَعِ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى تَحُوزَهَا التُّجَّارُ إلَى رِحَالِهِمْ } وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْبَيْعِ وَلَمْ يَقُلْ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّصَرُّفُ لِيَقَعَ عَلَى الِاتِّفَاقِ ، فَإِنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ جَائِزَةٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ، وَإِنْ كَانَ

قَبْلَ الْقَبْضِ قَالَ كُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ إذَا سَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ فَقَبَضَهُ ، لِأَنَّ تَمَامَ هَذَا الْعَقْدِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالْمَانِعُ زَائِلٌ عِنْدَ ذَلِكَ .
بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بِنَفْسِهِ .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْبَيْعَ أَسْرَعُ نَفَاذًا مِنْ الْهِبَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الشُّيُوعَ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ يَمْنَعُ تَمَامَ الْهِبَةِ دُونَ الْبَيْعِ ، ثُمَّ الْبَيْعُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ مَا مَلَكَهُ فِي حَالِ قِيَامِ الْغَرَرِ فِي مِلْكِهِ فَالْهِبَةُ أَوْلَى ( قَوْلُهُ وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ ) اسْتِدْلَالٌ بِالْمَعْقُولِ ، وَتَقْرِيرُهُ : فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ غَرَرُ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ عَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، وَالْغَرَرُ غَيْرُ جَائِزٍ { لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ } .
وَالْغَرَرُ : مَا طُوِيَ عَنْك عِلْمُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ غَرَرَ الِانْفِسَاخِ بَعْدَ الْقَبْضِ أَيْضًا مُتَوَهَّمٌ عَلَى تَقْدِيرِ ظُهُورِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَيْسَ بِمَانِعٍ .
وَلَا يُدْفَعُ بِأَنَّ عَدَمَ ظُهُورِ الِاسْتِحْقَاقِ أَصْلٌ لِأَنَّ عَدَمَ الْهَلَاكِ كَذَلِكَ فَاسْتَوَيَا .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لِلتَّصَرُّفِ الْمُطْلَقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } وَلَيْسَ مَا بَعْدَ الْقَبْضِ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ الِانْفِسَاخِ بِالْهَلَاكِ وَالِاسْتِحْقَاقِ ، وَفِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ غَرَرُهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ خَاصَّةً فَلَمْ يُلْحَقْ بِهِ .

( وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يَجُوزُ ) رُجُوعًا إلَى إطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَاعْتِبَارًا بِالْمَنْقُولِ وَصَارَ كَالْإِجَارَةِ ، وَلَهُمَا أَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ ، وَلَا غَرَرَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ فِي الْعَقَارِ نَادِرٌ ، بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ ، وَالْغَرَرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ غَرَرُ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ ، وَالْحَدِيثُ مَعْلُولٌ بِهِ عَمَلًا بِدَلَائِل الْجَوَازِ وَالْإِجَارَةِ ، قِيلَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ ؛ وَلَوْ سَلَّمَ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ الْمَنَافِعُ وَهَلَاكُهَا غَيْرُ نَادِرٍ .

وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَجُوزُ رُجُوعًا إلَى إطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَاعْتِبَارًا بِالْمَنْقُولِ بِجَامِعِ عَدَمِ الْقَبْضِ فِيهِمَا وَصَارَ كَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهَا فِي الْعَقَارِ لَا تَجُوزُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْجَامِعُ اشْتِمَالُهُمَا عَلَى رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْبَيْعِ الرِّبْحُ وَرِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ فَيَكُونُ الْبَيْعُ فَاسِدًا قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ وَلَهُمَا أَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ ) لِكَوْنِهِ بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ ( فِي مَحَلِّهِ ) لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مَمْلُوكٌ لَهُ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْجَوَازَ ، وَالْمَانِعُ وَهُوَ الْغَرَرُ مَعْدُومٌ فِيهِ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْهَلَاكِ وَهُوَ فِي الْعَقَارِ نَادِرٌ فِيهِ فَصَحَّ الْعَقْدُ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ ، بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ فَإِنَّ الْمَانِعَ فِيهِ مَوْجُودٌ ، وَمَنْعُ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ فِي الْعَقَارِ فَإِنَّهُ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ ، وَقَدْ يُوجَدُ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الْبَيْعُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ صَارَ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي ، وَحِينَئِذٍ لَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ الرَّدَّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي عَادَ لَهُ الرَّدُّ .
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : كَلَامُنَا فِي غَرَرِ الِانْفِسَاخِ وَمَا ذَكَرْتُمْ غَرَرُ الْفَسْخِ ، وَإِذَا كَانَ الْهَلَاكُ فِي الْعَقَارِ نَادِرًا كَانَ غَرَرُ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُنْتَفِيًا .
وَالْحَدِيثُ مَعْلُولٌ بِهِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْعَقَارُ فَجَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ عَمَلًا بِدَلِيلِ الْجَوَازِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ وَهُوَ مَا رُوِيَ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ } وَهُوَ عَامٌّ .
وَالتَّعْلِيلُ فِي

مَوْضِعِ النَّصِّ غَيْرُ مَقْبُولٍ .
وَأُجِيبَ أَنَّهُ عَامٌّ دَخَلَهُ الْخُصُوصُ لِإِجْمَاعِنَا عَلَى جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الثَّمَنِ وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَمِثْلُ هَذَا الْعَامِّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ فَنَحْمِلُهُ عَلَى الْمَنْقُولِ ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ ، وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ مَبِيعٍ لَمْ يُقْبَضْ بِدَلِيلِ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ { إذَا ابْتَعْت شَيْئًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَ } سَلَّمْنَا أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ مِنْ مِلْكِهِ الَّذِي ثَبَتَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَصْلُحُ تَخْصِيصًا ، سَلَّمْنَا صَلَاحِيَّتَهُ لِذَلِكَ ، لَكِنَّ التَّخْصِيصَ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَامِّ بَعْدَ احْتِمَالِهِ تَنَاوُلَهُ ، وَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَعْلُولًا بِغَرَرِ الِانْفِسَاخِ لَا يَحْتَمِلُ تَنَاوُلَ مَا لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ ، إذْ الشَّيْءُ لَا يَحْتَمِلُ تَنَاوُلَ مَا يُنَافِيهِ تَنَاوُلًا فَرْدِيًّا وَاعْلَمْ أَنِّي أَذْكُرُ لَك مَا سَنَحَ لِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ يَنْدَفِعُ بِهِ جَمِيعُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الْمَنْقُولِ وَغَيْرِ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } لَكِنَّهُ خَصَّ مِنْهُ الرِّبَا بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ مُقَارِنٍ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى { وَحَرَّمَ الرِّبَا } وَالْعَامُّ الْمَخْصُوصُ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ { أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ } ، ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا بِغَرَرِ الِانْفِسَاخِ أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَ فَقَدْ ثَبَتَ الْمَطْلُوبُ حَيْثُ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَقَارَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رُوِيَ فِي السُّنَنِ مُسْنَدًا إلَى الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ } وَبَيَّنَهُ وَبَيَّنَ أَدِلَّةَ الْجَوَازِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّرْكَ ، وَجَعْلُهُ مَعْلُولًا بِذَلِكَ

إعْمَالٌ لِثُبُوتِ التَّوْفِيقِ حِينَئِذٍ ، وَالْإِعْمَالُ مُتَعَيَّنٌ لَا مَحَالَةَ .
وَكَمَا لَمْ يَتَنَاوَلْ الْعَقَارَ لَمْ يَتَنَاوَلْ الصَّدَاقَ وَبَدَلَ الْخُلْعِ ، وَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِ الْمُعَوَّضِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ( قَوْلُهُ وَالْإِجَارَةُ ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ مُحَمَّدٍ صُورَةَ النِّزَاعِ عَلَى الْإِجَارَةِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ مَقِيسًا عَلَيْهَا لِأَنَّهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ .
قَالَ فِي الْإِيضَاحِ : مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ ، لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِجَارَةِ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ ، فَإِذَا مَلَكَ التَّصَرُّفَ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الرَّقَبَةُ مَلَكَ فِي التَّابِعِ وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْقُولِ ، وَالْإِجَارَةُ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ فَيَمْتَنِعُ جَوَازُهَا كَبَيْعِ الْمَنْقُولِ .

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى مَكِيلًا مُكَايَلَةً أَوْ مَوْزُونًا مُوَازَنَةً فَاكْتَالَهُ أَوْ اتَّزَنَهُ ثُمَّ بَاعَهُ مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً لَمْ يَجُزْ لِلْمُشْتَرَى مِنْهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَلَا أَنْ يَأْكُلَهُ حَتَّى يُعِيدَ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ ) { لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ صَاعَانِ : صَاعُ الْبَائِعِ ، وَصَاعُ الْمُشْتَرِي } ؛ وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَذَلِكَ لِلْبَائِعِ وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْغَيْرِ حَرَامٌ فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ مُجَازَفَةً ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهُ ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الثَّوْبَ مُذَارَعَةً ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهُ إذْ الذَّرْعُ وَصْفٌ فِي الثَّوْبِ ، بِخِلَافِ الْقَدْرِ ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِكَيْلِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ صَاعَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَهُوَ الشَّرْطُ ، وَلَا بِكَيْلِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ بِغَيْبَةِ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ مِنْ بَابِ التَّسْلِيمِ ؛ لِأَنَّ بِهِ يَصِيرُ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا وَلَا تَسْلِيمَ إلَّا بِحَضْرَتِهِ ، وَلَوْ كَالَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ الْبَيْعِ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي فَقَدْ قِيلَ لَا يُكْتَفَى بِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ اُعْتُبِرَ صَاعَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ صَارَ مَعْلُومًا بِكَيْلٍ وَاحِدٍ وَتَحَقَّقَ مَعْنَى التَّسْلِيمِ ، وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ اجْتِمَاعُ الصَّفْقَتَيْنِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي بَابِ السَّلَمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَوْ اشْتَرَى الْمَعْدُودَ عَدًّا فَهُوَ كَالْمَذْرُوعِ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِ الرِّبَا ، وَكَالْمَوْزُونِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَشْرُوطِ .

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى مَكِيلًا مُكَايَلَةً أَوْ مَوْزُونًا مُوَازَنَةً إلَخْ ) إذَا اشْتَرَى الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالسَّمْنِ وَالْحَدِيدِ وَأَرَادَ التَّصَرُّفَ فَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : اشْتَرَى مُكَايَلَةً وَبَاعَ مُكَايَلَةً ، أَوْ اشْتَرَى مُجَازَفَةً وَبَاعَ كَذَلِكَ ، أَوْ اشْتَرَى مُكَايَلَةً وَبَاعَ مُجَازَفَةً ، أَوْ بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ .
فَفِي الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يُعِيدَ الْكَيْلَ لِنَفْسِهِ كَمَا كَانَ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ كَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ بِهِ صَاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ ، وَصَاعُ الْمُشْتَرِي } وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَذَلِكَ لِلْبَائِعِ .
وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْغَيْرِ حَرَامٌ فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَهُوَ بِتَرْكِ التَّصَرُّفِ ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَوْزُونِ فَكَانَ مِثْلَهُ .
وَفِي الثَّانِي لَا يَحْتَاجُ إلَى الْكَيْلِ لِعَدَمِ الِافْتِقَارِ إلَى تَعْيِينِ الْمِقْدَارِ .
وَفِي الثَّالِثِ لَا يَحْتَاجُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي إلَى كَيْلٍ لِأَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَاهُ مُجَازَفَةً مَلَكَ جَمِيعَ مَا كَانَ مُشَارًا إلَيْهِ فَكَانَ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ( لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهُ ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُتَصَوَّرُ فِي الْمُجَازَفَةِ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ اشْتَرَى مَكِيلًا مُكَايَلَةً فَاكْتَالَهُ عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ مَثَلًا ثُمَّ بَاعَهُ مُجَازَفَةً فَإِذَا هُوَ اثْنَا عَشَرَ فِي الْوَاقِعِ فَيَكُونُ زِيَادَةً عَلَى الْمَكِيلِ الَّذِي اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ وَفِيهِ مِنْ التَّمَحُّلِ مَا تَرَى .
وَقِيلَ الْمُرَادُ الزِّيَادَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي ذِهْنِ الْبَائِعِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ بَاعَ مُجَازَفَةً وَفِي ذِهْنِهِ أَنَّهُ مِائَةُ قَفِيزٍ فَإِذَا هُوَ زَائِدٌ عَلَى مَا ظَنَّهُ فَالزَّائِدُ لِلْمُشْتَرِي .
وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ بَابِ الْغَرَضِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ

الْمَانِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ هُوَ احْتِمَالُ الزِّيَادَةِ ، وَلَوْ فُرِضَ فِي الْمُجَازَفَةِ زِيَادَةٌ كَانَتْ لِلْمُشْتَرِي حَيْثُ لَمْ يَقَعْ الْعَقْدُ مُكَايَلَةً فَهَذَا الْمَانِعُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ لَمْ يَمْنَعْ التَّصَرُّفَ عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ أَوْلَى ، وَيَجُوزُ فَرْضُ الْمُحَالِ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ غَرَضٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { إنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } وَفِي الرَّابِعِ يَحْتَاجُ إلَى كَيْلٍ وَاحِدٍ ، إمَّا كَيْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ كَيْلِ الْبَائِعِ بِحَضْرَتِهِ لِأَنَّ الْكَيْلَ شَرْطٌ لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيمَا بِيعَ مُكَايَلَةً لِمَكَانِ الْحَاجَةِ إلَى تَعْيِينِ الْمِقْدَارِ الْوَاقِعِ مَبِيعًا ، وَأَمَّا الْمُجَازَفَةُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا .
فَإِنْ قِيلَ : النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ إلَى الْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ يَتَنَاوَلُ الْأَقْسَامَ الْأَرْبَعَةَ فَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِهِ بِمَا فِي الْكِتَابِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَعْلُولٌ بِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَذَلِكَ بِمَا يُتَصَوَّرُ إذَا بِيعَ مُكَايَلَةً فَلَمْ يَتَنَاوَلْ مَا عَدَاهُ .
وَرُدَّ بِأَنَّهُ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّقَصِّيَ عَنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ : قَوْله تَعَالَى { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } يَقْتَضِي جَوَازَهُ مُطْلَقًا وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِآيَةِ الرِّبَا فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَفِيهِ ذِكْرُ جَرَيَانِ الصَّاعَيْنِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِتَعْيِينِ الْمِقْدَارِ وَتَعْيِينُ الْمِقْدَارِ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ تَوَهُّمِ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَكَانَ فِي النَّصِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَعْلُولٌ بِذَلِكَ وَهُوَ فِي الْمُجَازَفَةِ مَعْدُومٌ فَكَانَ جَائِزًا بِلَا كَيْلٍ ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ اشْتَرَى مَكِيلًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْكَيْلِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ ، وَكَذَا لَوْ وَقَعَ ثَمَنًا كَمَا سَيَأْتِي وَحُكْمُ بَيْعِ الثَّوْبِ مُذَارَعَةً حُكْمُ الْمُجَازَفَةِ فِي الْمَكِيلِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهُ ، إذْ الذَّرْعُ

وَصْفٌ فِي الثَّوْبِ فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ احْتِمَالُ الزِّيَادَةِ فَلَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ لِتَلْحَقَ بِهِ ، بِخِلَافِ الْقَدْرِ فَإِنَّهُ مَبِيعٌ لَا وَصْفٌ ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِكَيْلِ الْبَائِعِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي لِأَنَّ الشَّرْطَ صَاعُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا بِكَيْلِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ بِغَيْبَةِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْكَيْلَ مِنْ بَابِ التَّسْلِيمِ إذْ الْمَبِيعُ يَصِيرُ بِهِ مَعْلُومًا وَلَا تَسْلِيمَ إلَّا بِحَضْرَتِهِ .
وَلَوْ كَالَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ الْبَيْعِ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي فَقَدْ قِيلَ لَا يُكْتَفَى بِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ صَاعَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِهِ لِأَنَّ الْمَبِيعَ صَارَ مَعْلُومًا بِكَيْلٍ وَاحِدٍ وَتَحَقَّقَ مَعْنَى التَّسْلِيمِ وَانْتَفَى احْتِمَالُ الزِّيَادَةِ ، وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ اجْتِمَاعُ الصَّفْقَتَيْنِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ السَّلَمِ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ فِي كُرٍّ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ كُرًّا أَوْ أَمَرَ رَبُّ الْمَالِ بِقَبْضِهِ لَمْ يَكُنْ قَبْضًا ، وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ ثُمَّ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ فَاكْتَالَهُ لَهُ ثُمَّ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ جَازَ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَتْ الصَّفْقَتَانِ بِشَرْطِ الْكَيْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْكَيْلِ مَرَّتَيْنِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ إيهَامَ التَّنَاقُضِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ أَوَّلًا فِيمَا إذَا كَانَ الْعَقْدَانِ بِشَرْطِ الْكَيْلِ .
وَاسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ جَرَيَانِ الصَّاعَيْنِ بِالْحَدِيثِ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنْ يُكْتَفَى بِالْكَيْلِ الْوَاحِدِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا يَكُونُ عَقْدًا وَاحِدًا بِشَرْطِ الْكَيْلِ ، لِمَا أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْكَيْلِ الْوَاحِدِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ بِشَرْطِ الْكَيْلِ .
وَأَمَّا إذَا وُجِدَ الْعَقْدُ بِشَرْطِ الْكَيْلِ فَالِاكْتِفَاءُ

بِالْكَيْلِ الْوَاحِدِ فِيهِمَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنْ الرِّوَايَةِ ، بَلْ الْجَوَابُ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ وُجُوبُ الْكَيْلَيْنِ .
وَدَفَعَهُ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبَائِعِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ كَالَهُ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ الْأَوَّلَ وَبِالْمُشْتَرِي هُوَ الثَّانِي وَبِالْبَيْعِ هُوَ الْبَيْعُ الثَّانِي ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا بَاعَ مُكَايَلَةً وَكَالَهُ بِحَضْرَةِ مُشْتَرِيهِ يُكْتَفَى بِذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ اجْتِمَاعُ الصَّفْقَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اجْتِمَاعَ الصَّفْقَتَيْنِ غَيْرُ مَنْظُورٍ إلَيْهِ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّاعَيْنِ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَتْ الصَّفْقَتَانِ كَمَا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ السَّلَمِ .
وَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا .
هَذَا وَإِذَا نَظَرْنَا إلَى التَّعْلِيلِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَذَلِكَ لِلْبَائِعِ يَقْتَضِي أَنْ يُكْتَفَى بِالْكَيْلِ الْوَاحِدِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَا .
وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ وُجُوبَ الْكَيْلَيْنِ عَزِيمَةٌ وَالِاكْتِفَاءَ بِالْكَيْلِ الْوَاحِدِ رُخْصَةٌ أَوْ قِيَاسٌ أَوْ اسْتِحْسَانٌ لَكَانَ ذَلِكَ مَدْفَعًا جَارِيًا عَلَى الْقَوَانِينِ لَكِنْ لَمْ أَظْفَرْ بِذَلِكَ .
وَلَوْ اشْتَرَى الْمَعْدُودَ عَدًّا فَهُوَ كَالْمَذْرُوعِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ .
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِ الرِّبَا ، وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُ الْوَاحِدِ بِالِاثْنَيْنِ فَكَانَ كَالْمَذْرُوعِ .
وَحُكْمُهُ قَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الذَّرْعِ إذَا بَاعَ مُزَارَعَةً .
وَكَالْمَوْزُونِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ لِأَنَّهُ لَا تَحِلُّ الزِّيَادَةُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى جَوْزًا عَلَى أَنَّهَا أَلْفٌ فَوَجَدَهَا أَكْثَرَ لَمْ تَسْلَمْ لَهُ الزِّيَادَةُ ، وَلَوْ وَجَدَهَا أَقَلَّ يَسْتَرِدُّ حِصَّةَ النُّقْصَانِ كَالْمَوْزُونِ فَلَا بُدَّ

لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ مِنْ الْعَدِّ كَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ .

قَالَ ( وَالتَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزٌ ) لِقِيَامِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَلَيْسَ فِيهِ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ بِالْهَلَاكِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا بِالتَّعْيِينِ ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ ، قَالَ ( وَيَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَزِيدَ لِلْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ وَيَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَزِيدَ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحُطَّ مِنْ الثَّمَنِ وَيَتَعَلَّقُ الِاسْتِحْقَاقُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ ) فَالزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ يَلْتَحِقَانِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَصِحَّانِ عَلَى اعْتِبَارِ الِالْتِحَاقِ ، بَلْ عَلَى اعْتِبَارِ ابْتِدَاءِ الصِّلَةِ ، لَهُمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الزِّيَادَةِ ثَمَنًا ؛ لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ مِلْكَهُ عِوَضَ مِلْكِهِ فَلَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ ، وَكَذَا الْحَطُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ الثَّمَنِ صَارَ مُقَابَلًا بِكُلِّ الْمَبِيعِ فَلَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ فَصَارَ بِرًّا مُبْتَدَأً ، وَلَنَا أَنَّهُمَا بِالْحَطِّ وَالزِّيَادَةِ يُغَيِّرَانِ الْعَقْدَ مِنْ وَصْفٍ مَشْرُوعٍ إلَى وَصْفٍ مَشْرُوعٍ وَهُوَ كَوْنُهُ رَابِحًا أَوْ خَاسِرًا أَوْ عَدْلًا ، وَلَهُمَا وِلَايَةُ الرَّفْعِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُمَا وِلَايَةُ التَّغَيُّرِ ، وَصَارَ كَمَا إذَا أَسْقَطَا الْخِيَارَ أَوْ شَرَطَاهُ بَعْدَ الْعَقْدِ ، ثُمَّ إذَا صَحَّ يَلْتَحِق بِأَصْلِ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الشَّيْءِ يَقُومُ بِهِ لَا بِنَفْسِهِ ، بِخِلَافِ حَطِّ الْكُلِّ ؛ لِأَنَّهُ تَبْدِيلٌ لِأَصْلِهِ لَا تَغْيِيرٌ لِوَصْفِهِ فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الِالْتِحَاقِ لَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ عِوَضًا عَنْ مِلْكِهِ ، وَيَظْهَرُ حُكْمُ الِالْتِحَاقِ فِي التَّوْلِيَةِ وَالْمُرَابَحَةِ حَتَّى يَجُوزَ عَلَى الْكُلِّ فِي الزِّيَادَةِ وَيُبَاشِرَ عَلَى الْبَاقِي فِي الْحَطِّ وَفِي الشُّفْعَةِ حَتَّى يَأْخُذَ بِمَا بَقِيَ فِي الْحَطِّ ، وَإِنَّمَا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ لِمَا فِي الزِّيَادَةِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّهِ الثَّابِتِ فَلَا يَمْلِكَانِهِ ، ثُمَّ الزِّيَادَةُ لَا تَصِحُّ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ؛

لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَبْقَ عَلَى حَالَةٍ يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ وَالشَّيْءُ يَثْبُتُ ثُمَّ يُسْتَنَدُ ، بِخِلَافِ الْحَطِّ لِأَنَّهُ بِحَالٍ يُمْكِنُ إخْرَاجُ الْبَدَلِ عَمَّا يُقَابِلُهُ فَيُلْتَحَقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ اسْتِنَادًا .

قَالَ ( وَالتَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزٌ ) سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ كَالنُّقُودِ أَوْ مِمَّا يَتَعَيَّنُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، حَتَّى لَوْ بَاعَ إبِلًا بِدَرَاهِمَ أَوْ بِكُرٍّ مِنْ الْحِنْطَةِ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ بَدَلَهُ شَيْئًا آخَرَ .
قَالَ { ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : كُنَّا نَبِيعُ الْإِبِلَ فِي الْبَقِيعِ فَنَأْخُذُ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ الدَّنَانِيرَ وَمَكَانَ الدَّنَانِيرِ الدَّرَاهِمَ ، وَكَانَ يُجَوِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَلِأَنَّ الْمُطْلِقَ لِلتَّصَرُّفِ وَهُوَ الْمِلْكُ قَائِمٌ وَالْمَانِعَ وَهُوَ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ بِالْهَلَاكِ مُنْتَفٍ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا بِالتَّعْيِينِ أَيْ فِي النُّقُودِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ .
قَالَ ( وَيَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَزِيدَ الْبَائِعَ فِي الثَّمَنِ ) إذَا اشْتَرَى عَيْنًا بِمِائَةٍ ثُمَّ زَادَ عَشَرَةً مَثَلًا أَوْ بَاعَ عَيْنًا بِمِائَةٍ ثُمَّ زَادَ عَلَى الْمَبِيعِ شَيْئًا أَوْ حَطَّ بَعْضَ الثَّمَنِ جَازَ ، وَالِاسْتِحْقَاقُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ ذَلِكَ فَيَمْلِكُ الْبَائِعُ حَبْسَ الْمَبِيعِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأَصْلَ وَالزِّيَادَةَ ، وَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي مُطَالَبَةَ الْمَبِيعِ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَدْفَعَهُمَا إلَيْهِ .
وَيَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي مُطَالَبَةَ الْمَبِيعِ كُلِّهِ بِتَسْلِيمِ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْحَطِّ وَيَتَعَلَّقُ الِاسْتِحْقَاقُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ يَعْنِي الْأَصْلَ وَالزِّيَادَةَ .
فَإِذَا اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِهِمَا ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَالزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ يَلْتَحِقَانِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ عِنْدَنَا .
وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ لَا يَصِحَّانِ عَلَى اعْتِبَارِ الِالْتِحَاقِ ، بَلْ عَلَى اعْتِبَارِ ابْتِدَاءِ الصِّلَةِ أَيْ الْهِبَةِ ابْتِدَاءً لَا تَتِمُّ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ .
لَهُمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الزِّيَادَةِ ثَمَنًا لِأَنَّ هَذَا التَّصْحِيحَ يُصَيِّرُ مِلْكَهُ عِوَضَ مِلْكِهِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَ الْمَبِيعَ بِالْعَقْدِ الْمُسَمَّى ثَمَنًا .
فَالزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ تَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِ نَفْسِهِ

وَهُوَ الْمَبِيعُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَفِي الْحَطِّ الثَّمَنُ كُلُّهُ مُقَابَلٌ بِكُلِّ الْمَبِيعِ فَلَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ عَنْ ذَلِكَ فَصَارَ بُرًّا مُبْتَدَأً .
وَلَنَا أَنَّ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ بِالْحَطِّ وَالزِّيَادَةِ غَيْرُ الْعَقْدِ بِتَرَاضِيهِمَا مِنْ وَصْفٍ مَشْرُوعٍ إلَى وَصْفٍ مَشْرُوعٍ ، لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمَشْرُوعَ خَاسِرٌ وَرَابِحٌ وَعَدْلٌ ، وَالزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ تَجْعَلُ الْخَاسِرَ عَدْلًا وَالْعَدْلَ رَابِحًا ، وَالْحَطُّ يَجْعَلُ الرَّابِحَ عَدْلًا وَالْعَدْلَ خَاسِرًا وَذَلِكَ الزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ ، وَلَهُمَا وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ بِرَفْعِ أَصْلِ الْعَقْدِ بِالْإِقَالَةِ ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُمَا وِلَايَةُ التَّغْيِيرِ مِنْ وَصْفٍ إلَى وَصْفٍ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي صِفَةِ الشَّيْءِ أَهْوَنُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي أَصْلِهِ وَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ لَهُمَا خِيَارُ الشَّرْطِ فَأَسْقَطَا أَوْ شَرَطَاهُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَصَحَّ إلْحَاقُ الزِّيَادَةِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ ، وَإِذَا صَحَّ يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الثَّمَنِ كَالْوَصْفِ لَهُ ، وَوَصْفُ الشَّيْءِ يَقُومُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ لَا بِنَفْسِهِ ، فَالزِّيَادَةُ تَقُومُ بِالثَّمَنِ لَا بِنَفْسِهَا .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ حَطُّ الْبَعْضِ صَحِيحًا لَكَانَ حَطُّ الْكُلِّ كَذَلِكَ اعْتِبَارًا لِلْكُلِّ بِالْبَعْضِ .
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَرْقِ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ حَطِّ الْكُلِّ لِأَنَّهُ تَبْدِيلٌ بِأَصْلِهِ لَا تَغْيِيرٌ بِوَصْفِهِ ، لِأَنَّ عَمَلَ الْحَطِّ فِي إخْرَاجِ الْقَدْرِ الْمَحْطُوطِ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فَالشَّرْطُ فِيهِ قِيَامُ الثَّمَنِ وَذَلِكَ فِي حَطِّ الْبَعْضِ لِوُجُودِ مَا يَصْلُحُ ثَمَنًا .
وَأَمَّا حَطُّ الْجَمِيعِ فَتَبْدِيلٌ لِلْعَقْدِ ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَبْقَى بَيْعًا بَاطِلًا لِعَدَمِ الثَّمَنِ حِينَئِذٍ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُمَا لَمْ يَقْصِدَا ذَلِكَ أَوْ يَصِيرَ هِبَةً وَقَدْ كَانَ قَصْدُهُمَا التِّجَارَةَ فِي الْمَبِيعِ دُونَ الْهِبَةِ فَلَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ لِوُجُودِ الْمَانِعِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الِالْتِحَاقِ لِمَانِعٍ عَدَمُهُ

لَا لِمَانِعٍ فَيَلْتَحِقُ حَطُّ الْبَعْضِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الِالْتِحَاقِ لَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ عِوَضًا عَنْ مِلْكِهِ .
وَيَظْهَرُ حُكْمُ الِالْتِحَاقِ فِي التَّوْلِيَةِ وَالْمُرَابَحَةِ حَتَّى تَجُوزَ عَلَى الْكُلِّ فِي الزِّيَادَةِ ، وَعَلَى الْبَاقِي فِي الْحَطِّ فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا حَطَّ بَعْضَ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي وَالْمُشْتَرِي قَالَ لِآخَرَ وَلَّيْتُك هَذَا الشَّيْءَ وَقَعَ عَقْدُ التَّوْلِيَةِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَ الْحَطِّ فَكَانَ الْحَطُّ بَعْدَ الْعَقْدِ مُلْتَحِقًا بِأَصْلِ الْعَقْدِ كَانَ الثَّمَنُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ هُوَ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ وَكَذَلِكَ فِي الزِّيَادَةِ ، وَيَظْهَرُ حُكْمُهُ أَيْضًا فِي الشُّفْعَةِ حَتَّى يَأْخُذَ الشَّفِيعُ بِمَا بَقِيَ فِي الْحَطِّ ( قَوْلُهُ وَإِنَّمَا كَانَ لِلشَّفِيعِ ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ لَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُلْتَحِقَةً بِأَصْلِ الْعَقْدِ لَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِالزِّيَادَةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ .
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ : إنَّمَا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، وَفِي الزِّيَادَةِ إبْطَالٌ لَهُ ، وَلَيْسَ لَهُمَا وِلَايَةٌ عَلَى إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ بِتَرَاضِيهِمَا وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا .
وَأَمَّا بَعْدَ هَلَاكِهِ فَلَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَبْقَ عَلَى حَالَةٍ يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ .
إذْ الِاعْتِيَاضُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَوْجُودٍ وَالشَّيْءُ يَثْبُتُ ثُمَّ يَسْتَنِدُ وَلَمْ تَثْبُتْ الزِّيَادَةُ لِعَدَمِ مَا يُقَابِلُهُ فَلَا تَسْتَنِدُ ، بِخِلَافِ الْحَطِّ لِأَنَّهُ بِحَالٍ يُمْكِنُ إخْرَاجُ الْبَدَلِ عَمَّا يُقَابِلُهُ لِكَوْنِهِ إسْقَاطًا وَالْإِسْقَاطُ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ مَا يُقَابِلُهُ فَيَثْبُتُ الْحَطُّ فِي الْحَالِ وَيَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ اسْتِنَادًا .
رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تَصِحُّ زِيَادَةُ الثَّمَنِ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ .
وَوَجْهُهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ

قَائِمًا تَقْدِيرًا وَتُجْعَلَ الزِّيَادَةُ تَغْيِيرًا كَمَا جُعِلَ قَائِمًا إذَا اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ كَانَ قَبْلَ الْهَلَاكِ حَيْثُ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ ، وَهَذَا لِأَنَّ قِيَامَ الْعَقْدِ بِالْعَاقِدَيْنِ لَا بِالْمَحَلِّ ، وَاشْتِرَاطُ الْمَحَلِّ لِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ أَوْ إبْقَائِهِ بِطَرِيقِ التَّجَدُّدِ فَلَمْ يَكُنْ لِإِيفَاءِ الْعَقْدِ فِي حَقِّهِ فَائِدَةٌ ، فَأَمَّا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَفِيهِ فَائِدَةٌ فَتَبْقَى وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ جَائِزَةٌ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ وَهُوَ قَائِمٌ وَيَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ ، حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ سَقَطَ بِحِصَّتِهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ .

قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ بِثَمَنٍ حَالٍّ ثُمَّ أَجَّلَهُ أَجَلًا مَعْلُومًا صَارَ مُؤَجَّلًا ) ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ تَيْسِيرًا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ إبْرَاءَهُ مُطْلَقًا فَكَذَا مُؤَقَّتًا ، وَلَوْ أَجَّلَهُ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ إنْ كَانَتْ الْجَهَالَةُ مُتَفَاحِشَةً كَهُبُوبِ الرِّيحِ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةً كَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ .
قَالَ ( وَكُلُّ دَيْنٍ حَالٍّ إذَا أَجَّلَهُ صَاحِبُهُ صَارَ مُؤَجَّلًا ) ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ( إلَّا الْقَرْضَ ) فَإِنَّ تَأْجِيلَهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ إعَارَةٌ وَصِلَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ حَتَّى يَصِحَّ بِلَفْظَةِ الْإِعَارَةِ ، وَلَا يَمْلِكُهُ مِنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ كَالْوَصِيِّ وَالصَّبِيِّ وَمُعَاوَضَةٌ فِي الِانْتِهَاءِ ، فَعَلَى اعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ لَا يَلْزَمُ التَّأْجِيلُ فِيهِ كَمَا فِي الْإِعَارَةِ ، إذْ لَا جَبْرَ فِي التَّبَرُّعِ ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الِانْتِهَاءِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعَ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ نَسِيئَةً وَهُوَ رِبًا ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى أَنْ يُقْرِضَ مِنْ مَالِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فُلَانًا إلَى سَنَةٍ حَيْثُ يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ مِنْ ثُلُثِهِ أَنْ يُقْرِضُوهُ وَلَا يُطَالِبُوهُ قَبْلَ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِالتَّبَرُّعِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِالْخِدْمَةِ وَالسُّكْنَى فَيَلْزَمُ حَقًّا لِلْمُوصِي ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ بِثَمَنٍ حَالٍّ ) ثُمَّ أَجَّلَهُ أَجَلٌ مَعْلُومٌ إذَا بَاعَ شَيْئًا بِثَمَنٍ حَالٍّ ثُمَّ أَجَّلَهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ صَحَّ وَصَارَ مُؤَجَّلًا .
وَقَالَ زُفَرُ : لَا يَلْحَقُ الْأَجَلُ بِالْعَقْدِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ دَيْنٌ فَلَا يَتَأَجَّلُ كَالْقَرْضِ .
وَلَنَا أَنَّ الثَّمَنَ حَقُّهُ فَجَازَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالتَّأْجِيلِ رِفْقًا بِمَنْ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ التَّأْجِيلَ إثْبَاتُ بَرَاءَةٍ مُؤَقَّتَةٍ إلَى حُلُولِ الْأَجَلِ ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْبَرَاءَةَ الْمُطْلَقَةَ بِالْإِبْرَاءِ عَنْ الثَّمَنِ فَلَأَنْ يَمْلِكَ الْبَرَاءَةَ الْمُؤَقَّتَةَ أَوْلَى ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ الْجَهَالَةُ فَاحِشَةً أَوْ يَسِيرَةً ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَمَا إذَا أَجَّلَهُ إلَى هُبُوبِ الرِّيحِ وَنُزُولِ الْمَطَرِ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ جَازَ كَالْكَفَالَةِ ، لِأَنَّ الْأَجَلَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ فَصَحَّ مَعَ الْجَهَالَةِ الْيَسِيرَةِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ( وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ ) يَعْنِي فِي أَوَاخِرِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ قَالَ ( وَكُلُّ دَيْنٍ حَالٍّ إذَا أَجَّلَهُ صَاحِبُهُ صَارَ مُؤَجَّلًا ) كُلُّ دَيْنٍ حَالٍّ بِتَأْجِيلِ صَاحِبِهِ يَصِيرُ مُؤَجَّلًا ( لِمَا ذَكَرْنَا ) أَنَّهُ حَقُّهُ ، لَكِنَّ الْقَرْضَ لَا يَصِحُّ تَأْجِيلُهُ .
وَهَذَا لِأَنَّ الْقَرْضَ فِي الِابْتِدَاءِ صِلَةٌ وَإِعَارَةٌ فَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِعَارَةِ ( وَلَا يَمْلِكُهُ مَنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ كَالْوَصِيِّ وَالصَّبِيِّ ، وَمُعَاوَضَةٌ فِي الِانْتِهَاءِ ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالْقَرْضِ رَدُّ الْمِثْلِ لَا رَدُّ الْعَيْنِ ( فَعَلَى اعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ لَا يَصِحُّ ) أَيْ لَا يَلْزَمُ التَّأْجِيلُ فِيهِ ( كَمَا فِي الْإِعَارَةِ إذْ لَا جَبْرَ وَعَلَى اعْتِبَارِ الِانْتِهَاءِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعَ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ نَسِيئَةً وَهُوَ رِبًا ) وَهَذَا يَقْتَضِي فَسَادَ الْقَرْضِ لَكِنْ

نَدَبَ الشَّرْعُ إلَيْهِ ، وَأَجْمَعَ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِهِ فَاعْتَمَدْنَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَقُلْنَا بِجَوَازِهِ بِلَا لُزُومٍ ( وَنُوقِضَ بِمَا إذَا أَوْصَى أَنْ يُقْرِضَ مِنْ مَالِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فُلَانًا إلَى سَنَةٍ ) فَإِنَّهُ قَرْضٌ مُؤَجَّلٌ وَأَجَلُهُ لَازِمٌ ( حَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ ثُلُثِهِ أَنْ يُقْرِضُوهُ وَلَا يُطَالِبُوهُ ) إلَى سَنَةٍ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْوَصِيَّةِ بِالتَّبَرُّعِ كَالْوَصِيَّةِ بِالْخِدْمَةِ وَالسُّكْنَى فِي كَوْنِهِمَا وَصِيَّةً بِالتَّبَرُّعِ بِالْمَنَافِعِ وَيَلْزَمُ فِي الْوَصِيَّةِ مَا لَا يَلْزَمُ فِي غَيْرِهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ لِفُلَانٍ صَحَّ وَلَزِمَ وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً وَقْتَ الْوَصِيَّةِ فَكَذَلِكَ يَلْزَمُ التَّأْجِيلُ فِي الْقَرْضِ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِلْوَرَثَةِ مُطَالَبَةُ الْمُوصَى لَهُ بِالِاسْتِرْدَادِ قَبْلَ السَّنَةِ حَقًّا لِلْمُوصِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

{ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ } ( حَدِيثٌ شَرِيفٌ ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( بَابُ الرِّبَا ) .
قَالَ الرِّبَا مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ إذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا فَالْعِلَّةُ عِنْدَنَا الْكَيْلُ مَعَ الْجِنْسِ وَالْوَزْنُ مَعَ الْجِنْسِ .
قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَيُقَالُ الْقَدْرُ مَعَ الْجِنْسِ وَهُوَ أَشْمَلُ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَالْفَضْلُ رِبًا } وَعَدَّ الْأَشْيَاءَ السِّتَّةَ : الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَالتَّمْرَ وَالْمِلْحَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ .
وَيُرْوَى بِرِوَايَتَيْنِ بِالرَّفْعِ مِثْلٌ وَبِالنَّصْبِ مِثْلًا .
وَمَعْنَى الْأَوَّلِ بَيْعُ التَّمْرِ ، وَمَعْنَى الثَّانِي بِيعُوا التَّمْرَ ، وَالْحُكْمُ مَعْلُومٌ بِإِجْمَاعِ الْقَائِسِينَ لَكِنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الطَّعْمُ فِي الْمَطْعُومَاتِ وَالثَّمَنِيَّةُ فِي الْأَثْمَانِ ، وَالْجِنْسِيَّةُ شَرْطٌ ، وَالْمُسَاوَاةُ مُخَلِّصٌ .
وَالْأَصْلُ هُوَ الْحُرْمَةُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى شَرْطَيْنِ التَّقَابُضِ وَالْمُمَاثَلَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِالْعِزَّةِ وَالْخَطَرِ كَاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ ، فَيُعَلَّلُ بِعِلَّةٍ تُنَاسِبُ إظْهَارَ الْخَطَرِ وَالْعِزَّةِ وَهُوَ الطَّعْمُ لِبَقَاءِ الْإِنْسَانِ بِهِ وَالثَّمَنِيَّةُ لِبَقَاءِ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْمَصَالِحِ بِهَا ، وَلَا أَثَرَ لِلْجِنْسِيَّةِ فِي ذَلِكَ فَجَعَلْنَاهُ شَرْطًا وَالْحُكْمُ قَدْ يَدُورُ مَعَ الشَّرْطِ .
وَلَنَا أَنَّهُ أَوْجَبَ الْمُمَاثَلَةَ شَرْطًا فِي الْبَيْعِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِسَوْقِهِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْبَيْعِ ، إذْ هُوَ يُنْبِئُ عَنْ التَّقَابُلِ وَذَلِكَ بِالتَّمَاثُلِ ، أَوْ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ عَنْ التَّوَى ، أَوْ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ بِاتِّصَالِ التَّسْلِيمِ بِهِ ، ثُمَّ يَلْزَمُ عِنْدَ فَوْتِهِ حُرْمَةُ الرِّبَا وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِاعْتِبَارِ

الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى ، وَالْمِعْيَارُ يَسْوَى الذَّاتَ ، وَالْجِنْسِيَّةُ تَسْوَى الْمَعْنَى فَيَظْهَرُ الْفَضْلُ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَحَقَّقُ الرِّبَا ، لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الْفَضْلُ الْمُسْتَحَقُّ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَةِ الْخَالِي عَنْ عِوَضِ شَرْطٍ فِيهِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْوَصْفُ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ تَفَاوُتًا عُرْفًا ، أَوْ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ سَدَّ بَابِ الْبِيَاعَاتِ ، أَوْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ } وَالطَّعْمُ وَالثَّمَنِيَّةُ مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ ، وَالسَّبِيلُ فِي مِثْلِهَا الْإِطْلَاقُ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا دُونَ التَّضْيِيقِ فِيهِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِمَا ذَكَرَهُ .

بَابُ الرِّبَا ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ أَبْوَابِ الْبُيُوعِ الَّتِي أَمَرَ الشَّارِعُ بِمُبَاشَرَتِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } شَرَعَ فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ بُيُوعٍ نَهَى الشَّارِعُ عَنْ مُبَاشَرَتِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } فَإِنَّ النَّهْيَ يَعْقُبُ الْأَمْرَ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ بَيَانُ الْحَلَالِ الَّذِي هُوَ بَيْعٌ شَرْعًا وَالْحَرَامُ الَّذِي هُوَ الرِّبَا ، وَلِهَذَا لَمَّا قِيلَ لِمُحَمَّدٍ أَلَا تُصَنِّفُ شَيْئًا فِي الزُّهْدِ ؟ قَالَ قَدْ صَنَّفْت كِتَابَ الْبُيُوعِ ، وَمُرَادُهُ بَيَّنْت فِيهِ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ ، وَلَيْسَ الزُّهْدُ إلَّا الِاجْتِنَابَ مِنْ الْحَرَامِ وَالرَّغْبَةَ فِي الْحَلَالِ .
وَالرِّبَا فِي اللُّغَةِ هُوَ الزِّيَادَةُ ، مِنْ رَبَا الْمَالُ : أَيْ زَادَ ، وَيُنْسَبُ فَيُقَالُ رِبَوِيٌّ بِكَسْرِ الرَّاءِ ، وَمِنْهُ الْأَشْيَاءُ الرِّبَوِيَّةُ ، وَفَتْحُ الرَّاءِ خَطَأٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ .
وَفِي الِاصْطِلَاحِ : هُوَ الْفَضْلُ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ الْمَشْرُوطِ فِي الْبَيْعِ .
قَالَ ( الرِّبَا مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ ) أَيْ حُكْمُ الرِّبَا وَهُوَ حُرْمَةُ الْفَضْلِ وَالنَّسِيئَةِ جَارٍ فِي كُلِّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ إذَا بِيعَ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ مِنْ جِنْسِهِ ( فَالْعِلَّةُ ) أَيْ لِوُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ هُوَ ( الْكَيْلُ مَعَ الْجِنْسِ أَوْ الْوَزْنُ مَعَ الْجِنْسِ ) قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَيُقَالُ الْقَدْرُ مَعَ الْجِنْسِ وَهُوَ أَشْمَلُ ) لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُمَا وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ يَتَنَاوَلُ الْآخَرَ .
( وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ ) الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ ( وَهُوَ قَوْلُهُ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَالْفَضْلُ رِبًا } وَعَدَّ الْأَشْيَاءَ السِّتَّةَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَالتَّمْرَ وَالْمِلْحَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ ) وَمَدَارُهُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُبَادَةَ بْنِ

الصَّامِتِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَرُوِيَ بِرِوَايَتَيْنِ بِالرَّفْعِ " مِثْلٌ بِمِثْلٍ " وَبِالنَّصْبِ " مِثْلًا بِمِثْلٍ " وَمَعْنَى الْأَوَّلِ بَيْعُ الْحِنْطَةِ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَأُعْرِبَ بِإِعْرَابِهِ وَمِثْلٌ خَبَرُهُ ، وَمَعْنَى الثَّانِي بِيعُوا التَّمْرَ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالْمُرَادُ بِالْمُمَاثَلَةِ الْمُمَاثَلَةُ مِنْ حَيْثُ الْكَيْلُ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ " كَيْلًا بِكَيْلٍ " وَكَذَلِكَ فِي الْمَوْزُونِ " وَزْنًا بِوَزْنٍ " فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ لَا مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحِنْطَةِ ، فَإِنَّ بَيْعَ حَبَّةٍ مِنْ حِنْطَةٍ بِحَبَّةٍ مِنْهَا لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ التَّقَوُّمِ مَعَ صِدْقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمُمَاثَلَةُ مِنْ حَيْثُ الْجَوْدَةُ وَالرَّدَاءَةُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ { جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ } ، وَكَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا .
فَإِنْ قِيلَ : تَقْدِيرُ بِيعُوا يُوجِبُ الْبَيْعَ وَهُوَ مُبَاحٌ .
أُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ مَصْرُوفٌ إلَى الصِّفَةِ كَقَوْلِك مُتْ وَأَنْتَ شَهِيدٌ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْأَمْرَ بِالْمَوْتِ وَلَكِنْ بِالْكَوْنِ عَلَى صِفَةِ الشُّهَدَاءِ إذَا مَاتَ ، وَكَذَلِكَ الْمُرَادُ الْأَمْرُ بِكَوْنِ الْبَيْعِ عَلَى صِفَةِ الْمُمَاثَلَةِ ( قَوْلُهُ : يَدٌ بِيَدٍ ) الْمُرَادُ بِهِ عِنْدَنَا عَيْنٌ بِعَيْنٍ .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَبْضٌ بِقَبْضٍ ( قَوْلُهُ : وَالْفَضْلُ رِبًا ) الْفَضْلُ مِنْ حَيْثُ الْكَيْلُ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ فَضْلُ ذَاتِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ حَرَامٌ ( وَالْحُكْمُ مَعْلُولٌ بِإِجْمَاعِ الْقَائِسِينَ ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ دَاوُد مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ إنَّ الْحُكْمَ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ ، وَالنَّصُّ غَيْرُ مَعْلُولٍ ( لَكِنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَا ) مِنْ الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ ( وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطَّعْمُ فِي الْمَطْعُومَاتِ

وَالثَّمَنِيَّةُ فِي الْأَثْمَانِ وَالْجِنْسِيَّةُ شَرْطٌ ) لِعَمَلِ الْعِلَّةِ عَمَلَهَا حَتَّى لَا تَعْمَلَ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ عِنْدَهُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْجِنْسِيَّةِ ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لَهَا أَثَرٌ فِي تَحْرِيمِ النَّسَاءِ ، فَلَوْ أَسْلَمَ هَرَوِيًّا فِي هَرَوِيٍّ جَازَ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا لَمْ يَجُزْ لِوُجُودِ أَحَدِ وَصْفَيْ الْعِلَّةِ ، وَسَيَأْتِي ( وَالْمُسَاوَاةُ مُخَلِّصٌ ) يُتَخَلَّصُ بِهَا عَنْ الْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ : أَيْ الشَّارِعَ نَصَّ عَلَى شَرْطَيْنِ التَّقَابُضِ وَالْمُمَاثَلَةِ لِأَنَّهُ قَالَ { يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ } مَنْصُوبَانِ عَلَى الْحَالِ وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ ، هَذَا فِي رِوَايَةِ النَّصْبِ ، وَفِي رِوَايَةِ الرَّفْعِ يُقَالُ مَعْنَاهُ عَلَى النَّصْبِ إلَّا أَنَّهُ عَدَلَ إلَى الرَّفْعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الثُّبُوتِ .
( وَكُلُّ ذَلِكَ ) أَيْ كُلٌّ مِنْ الشَّرْطَيْنِ ( يُشْعِرُ بِالْعِزَّةِ وَالْخَطَرِ كَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ ) فَإِذَا كَانَ عَزِيزًا خَطِيرًا ( يُعَلَّلُ بِعِلَّةٍ تُنَاسِبُ إظْهَارَ الْخَطَرِ وَالْعِزَّةِ وَهُوَ الطَّعْمُ ) فِي الْمَطْعُومَاتِ ( لِبَقَاءِ الْإِنْسَانِ بِهِ ، وَالثَّمَنِيَّةُ فِي الْأَثْمَانِ لِبَقَاءِ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْمَصَالِحِ بِهَا وَلَا أَثَرَ لِلْجِنْسِيَّةِ فِي ذَلِكَ ) أَيْ فِي إظْهَارِ الْخَطَرِ وَالْعِزَّةِ ( فَجَعَلْنَاهُ شَرْطًا ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِلَّةَ إنَّمَا تُعْرَفُ بِالتَّأْثِيرِ ، وَلِلطَّعْمِ وَالثَّمَنِيَّةِ أَثَرٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَيْسَ لِلْجِنْسِيَّةِ أَثَرٌ ، لَكِنَّ الْعِلَّةَ لَا تَكْمُلُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْجِنْسِ فَكَانَ شَرْطًا لِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ الشَّرْطِ وُجُودًا عِنْدَهُ وَلَا وُجُوبًا بِهِ ( وَلَنَا أَنَّ الْحَدِيثَ أَوْجَبَ الْمُمَاثَلَةَ شَرْطًا فِي الْبَيْعِ ) بِقَوْلِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ حَالٌ بِمَعْنَى مُمَاثِلًا ، وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ ( وَ ) وُجُوبُ الْمُمَاثَلَةِ ( هُوَ الْمَقْصُودُ بِسَوْقِ الْحَدِيثِ ) لِأَحَدِ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ ( لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ التَّقَابُلِ ) وَهُوَ ظَاهِرٌ لِكَوْنِهِ مُبَادَلَةً وَالتَّقَابُلُ يَحْصُلُ

بِالتَّمَاثُلِ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَنْقَصَ مِنْ الْآخَرِ لَمْ يَحْصُلْ التَّقَابُلُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ( أَوْ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ عَنْ التَّوَى ) لِأَنَّ أَحَدَ الْبَدَلَيْنِ إذَا كَانَ أَنْقَصَ مِنْ الْآخَرِ كَانَ التَّبَادُلُ مُضَيِّعًا لِفَضْلِ مَا فِيهِ الْفَضْلُ ( أَوْ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ بِاتِّصَالِ التَّسْلِيمِ بِهِ ) أَيْ بِالْمُمَاثِلِ : يَعْنِي أَنَّ فِي النَّقْدَيْنِ لِكَوْنِهِمَا لَا يَتَعَيَّنَانِ بِالتَّعْيِينِ شُرِطَتْ الْمُمَاثَلَةُ قَبْضًا بَعْدَ مُمَاثَلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ لِتَتْمِيمِ فَائِدَةِ الْعَقْدِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْمَقْصُودِ ، إذْ الْمَقْصُودُ بَيَانُ وُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الْعِوَضَيْنِ قَدْرًا لَا بَيَانُ الْمُمَاثَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْقَبْضُ .
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : لَوْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مُمَاثِلًا لِلْآخَرِ لَمْ تَتِمَّ الْفَائِدَةُ بِالْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَنْقَصَ يَكُونُ نَفْعًا فِي حَقِّ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَضَرَرًا فِي حَقِّ الْآخَرِ ، وَإِذَا كَانَ مِثْلًا لِلْآخَرِ يَكُونُ نَفْعًا فِي حَقِّهِمَا فَتَكُونُ الْفَائِدَةُ أَتَمَّ بَعْدَ الْقَبْضِ لِكَوْنِهِ نَفْعًا فِي حَقِّهِمَا جَمِيعًا .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : هَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ لِاشْتِرَاطِ التَّمَاثُلِ مِمَّا يَجِبُ تَحَقُّقُهُ فِي سَائِرِ الْبِيَاعَاتِ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْ التَّقَابُلِ وَصِيَانَةٍ لِأَمْوَالِ النَّاسِ عَنْ التَّوَى وَتَتْمِيمُ الْفَائِدَةِ مِمَّا يَجِبُ فَيَجِبُ التَّمَاثُلُ فِي الْجَمِيعِ لِئَلَّا تَتَخَلَّفَ الْعِلَّةُ عَنْ الْمَعْلُولِ .
وَالْجَوَابُ أَنَّ مُوجِبَهَا فِي الرِّبَا هُوَ النَّصُّ ، وَالْوُجُوهُ الْمَذْكُورَةُ حِكْمَتُهُ لَا عِلَّتُهُ لِيُتَصَوَّرَ التَّخَلُّفُ ، وَإِذَا ثَبَتَ اشْتِرَاطُ الْمُمَاثَلَةِ لَزِمَ عِنْدَ فَوَاتِهِ حُرْمَةُ الرِّبَا لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَاءِ شَرْطِهِ .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إنَّمَا تَلْزَمُ حُرْمَةُ الرِّبَا عِنْدَ فَوَاتِ شَرْطِ الْحِلِّ إنْ لَمْ تُوجَدْ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ ،

وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُرْمَةِ مَا هُوَ حَرَامٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْكَرَاهَةِ ، فَعِنْدَ انْتِفَاءِ الْحِلِّ يَثْبُتُ الْحَرَامُ لِغَيْرِهِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ عَلَى وَجْهٍ أَتَمَّ فَلْيُطْلَبْ ثَمَّةَ ( قَوْلُهُ : وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ) بَيَانُ عِلِّيَّةِ الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ لِوُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ( بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى ) وَهُوَ وَاضِحٌ ( وَالْمِعْيَارِ يَسْوَى الذَّاتَ ) أَيْ الصُّورَةَ ( وَالْجِنْسِيَّةُ تَسْوَى الْمَعْنَى ) فَإِنَّ كَيْلًا مِنْ بُرٍّ يُسَاوِي كَيْلًا مِنْ دُرٍّ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرُ وَالصُّورَةُ لَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، وَكَذَلِكَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ بِقَفِيزِ شَعِيرٍ يَتَسَاوَيَانِ صُورَةً لَا مَعْنَى .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْبَيْعِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ ، وَعَلَّلْتُمُوهَا بِالْقَدْرِ وَالْجِنْسِ فَكَانَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِإِثْبَاتِ الشَّرْطِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ .
وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّعْلِيلَ لِلشَّرْطِ لَا يَجُوزُ لِإِثْبَاتِهِ ابْتِدَاءً ، وَأَمَّا بِطَرِيقِ التَّعَدِّيَةِ مِنْ أَصْلٍ فَيَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبِ الْمِيزَانِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ أَوْجَبَ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ شَرْطًا فَأَثْبَتْنَاهُ فِي غَيْرِهَا تَعَدِّيَةً فَكَانَ جَائِزًا ، فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْمُمَاثَلَةِ شَرْطًا وَهِيَ بِالْكَيْلِ وَالْجِنْسِ ( يَظْهَرُ الْفَضْلُ عَلَى ذَلِكَ ، فَيَتَحَقَّقُ الرِّبَا لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الْفَضْلُ الْمُسْتَحَقُّ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَةِ الْخَالِي عَنْ عِوَضٍ شُرِطَ فِيهِ ) أَيْ فِي الْعَقْدِ قَالَ ( وَلَا يُعْتَبَرُ الْوَصْفُ ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ كَمَا تَكُونُ بِالْقَدْرِ وَالْجِنْسِ تَكُونُ بِالْوَصْفِ .
وَتَقْرِيرُ

الْجَوَابِ : وَلَا يُعْتَبَرُ الْوَصْفُ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ تَفَاوُتًا عُرْفًا ، فَإِنْ اسْتَوَتْ الذَّاتَانِ صُورَةً وَمَعْنًى تَسَاوَيَا فِي الْمَالِيَّةِ ، وَالْفَضْلُ مِنْ حَيْثُ الْجَوْدَةُ سَاقِطُ الْعِبْرَةِ فِي الْمَكِيلَاتِ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَعُدُّونَ ذَلِكَ إلَّا مِنْ بَابِ الْيَسِيرِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَفَاضَلَا فِي الْقِيمَةِ فِي الْعُرْفِ ( أَوْ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ سَدَّ بَابِ الْبِيَاعَاتِ ) لِأَنَّ الْحِنْطَةَ لَا تَكُونُ مِثْلًا لِلْحِنْطَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَالْمُرَادُ الْبِيَاعَاتُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ لَا مُطْلَقُ الْبِيَاعَاتِ ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْجَوْدَةِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ لَيْسَ سَدَّ بَابِ مُطْلَقِ الْبِيَاعَاتِ أَوْ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ } قَالَ ( وَالطَّعْمُ وَالثَّمَنِيَّةُ ) جَوَابٌ عَنْ جَعْلِهِ الطَّعْمَ وَالثَّمَنِيَّةَ عِلَّةً لِلْحُرْمَةِ ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ ذَلِكَ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُمَا يَقْتَضِيَانِ خِلَافَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ كَانَ السَّبِيلُ فِيهِ الْإِطْلَاقَ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ دُونَ التَّضْيِيقِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَاجَةَ إذَا اشْتَدَّتْ أَثَّرَتْ فِي إبَاحَةِ الْحَرَامِ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ فَكَيْفَ تُؤَثِّرُ حُرْمَةُ الْمُبَاحِ ، بَلْ سُنَّةُ اللَّهِ جَرَتْ فِي التَّوْسِيعِ فِيمَا كَثُرَ إلَيْهِ الِاحْتِيَاجُ كَالْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَعَلَفِ الدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا فَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ جَوَازُ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْمُسَاوَاةِ وَالْفَسَادِ لِوُجُودِ الْمُفْسِدِ ، فَلَا تَكُونُ الْمُسَاوَاةُ مُخَلِّصًا عَنْ الْحُرْمَةِ .

إذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ إذًا : بَيْعُ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ بِجِنْسِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ جَازَ الْبَيْعُ فِيهِ لِوُجُوبِ شَرْطِ الْجَوَازِ ، وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمِعْيَارِ ؛ أَلَا تَرَى إلَى مَا يُرْوَى مَكَانَ قَوْلِهِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ كَيْلًا بِكَيْلٍ ، وَفِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ( وَإِنْ تَفَاضَلَا لَمْ يَجُزْ ) لِتَحَقُّقِ الرِّبَا وَلَا يَجُوزُ ( بَيْعُ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ مِمَّا فِيهِ الرِّبَا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ) لِإِهْدَارِ التَّفَاوُتِ فِي الْوَصْفِ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ وَالتُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ ) لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ بِالْمِعْيَارِ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْفَضْلُ ، وَلِهَذَا كَانَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْعِلَّةُ هِيَ الطَّعْمُ وَلَا مُخَلِّصَ وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فَيَحْرُمُ ، وَمَا دُونَ نِصْفِ الصَّاعِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْحَفْنَةِ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي الشَّرْعِ بِمَا دُونَهُ ، وَلَوْ تَبَايَعَا مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا غَيْرَ مَطْعُومٍ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا كَالْجِصِّ وَالْحَدِيدِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِوُجُودِ الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ .
وَعِنْدَهُ يَجُوزُ لِعَدَمِ الطَّعْمِ وَالثَّمَنِيَّةِ .

( وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقْرِيرِ الْأَصْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ نَقُولُ : إذَا بِيعَ الْمَكِيلُ أَوْ الْمَوْزُونُ بِجِنْسِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ) أَيْ كَيْلًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنًا بِوَزْنٍ ( جَازَ الْبَيْعُ ) لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ الْمُبَادَلَةُ الْمَعْهُودَةُ فِي الْعُقُودِ مَعَ وُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمِعْيَارِ كَمَا وَرَدَ فِي الْمَرْوِيِّ ، وَإِنْ تَفَاضَلَا لَمْ يَجُزْ لِتَحَقُّقِ الرِّبَا بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ ، وَالْجَوْدَةُ سَاقِطَةٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ إلَّا مُتَمَاثِلًا .
قَالَ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ ) أَيْ أَيْ وَمِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ جَوَازُ بَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ وَالتُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ ؛ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ بِتَحَقُّقِ الْفَضْلِ وَتَحَقُّقُ الْفَضْلِ يَظْهَرُ بِعَدَمِ وُجُودِ الْمُسَاوَاةِ وَالْمُسَاوَاةُ بِالْكَيْلِ ، وَلَا كَيْلَ فِي الْحَفْنَةِ وَالْحَفْنَتَيْنِ فَتَنْتَفِي الْمُمَاثَلَةُ فَيَنْتَفِي تَحَقُّقُ الْفَضْلِ ، وَاسْتَوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ( وَلِهَذَا ) أَيْ وَلِأَنَّ الْحَفْنَةَ وَالْحَفْنَتَيْنِ لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ وَلِهَذَا ( كَانَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ ) لَا مِثْلِهَا ، فَلَوْ بَقِيَتْ مَكِيلَةً أَوْ مَوْزُونَةً لَوَجَبَ مِثْلُهَا فَإِنَّ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ كُلَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ دُونَ الْقِيَمِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْحُرْمَةِ وَهُوَ الطَّعْمُ وَقَدْ وُجِدَتْ وَالْمُخَلِّصُ الْمُسَاوَاةُ وَلَمْ تُوجَدْ ، وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ حَفْنَةٍ بِحَفْنَةٍ وَتُفَّاحَةٍ بِتُفَّاحَةٍ لِوُجُودِ الطَّعْمِ وَعَدَمِ الْمُسَوِّي ، وَمَا دُونَ نِصْفِ صَاعٍ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْحَفْنَةِ ؛ فَلَوْ بَاعَ خَمْسَ حَفَنَاتٍ مِنْ الْحِنْطَةِ بِسِتِّ حَفَنَاتٍ مِنْهَا وَهُمَا لَمْ يَبْلُغَا حَدَّ نِصْفِ الصَّاعِ جَازَ الْبَيْعُ عِنْدَنَا ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي الشَّرْعِ بِمَا دُونَهُ .
وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ بَلَغَ حَدَّ نِصْفِ

الصَّاعِ وَالْآخَرُ لَمْ يَبْلُغْهُ فَلَا يَجُوزُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا ( إذَا تَبَايَعَا مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا غَيْرَ مَطْعُومٍ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا كَالْجِصِّ وَالْحَدِيدِ ) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِوُجُودِ الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ ، وَعِنْدَهُ يَجُوزُ لِعَدَمِ الطَّعْمِ وَالثَّمَنِيَّةِ .

قَالَ ( وَإِذَا عُدِمَ الْوَصْفَانِ الْجِنْسُ وَالْمَعْنَى الْمَضْمُومُ إلَيْهِ حَلَّ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ ) لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُحَرِّمَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْإِبَاحَةُ .
وَإِذَا وُجِدَا .
حَرُمَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ .
وَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا وَعُدِمَ الْآخَرُ حَلَّ التَّفَاضُلُ وَحَرُمَ النَّسَاءُ مِثْلَ أَنْ يُسَلِّمَ هَرَوِيًّا فِي هَرَوِيٍّ أَوْ حِنْطَةً فِي شَعِيرٍ ، فَحُرْمَةُ رِبَا الْفَضْلِ بِالْوَصْفَيْنِ وَحُرْمَةُ النَّسَاءِ بِأَحَدِهِمَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْجِنْسُ بِانْفِرَادِهِ لَا يُحَرِّمُ النَّسَاءَ لِأَنَّ بِالنَّقْدِيَّةِ وَعَدَمِهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا شُبْهَةُ الْفَضْلِ ، وَحَقِيقَةُ الْفَضْلِ غَيْرُ مَانِعٍ فِيهِ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُ الْوَاحِدِ بِالِاثْنَيْنِ فَالشُّبْهَةُ أَوْلَى .
وَلَنَا أَنَّهُ مَالُ الرِّبَا مِنْ وَجْهٍ نَظَرًا إلَى الْقَدْرِ أَوْ الْجِنْسِ وَالنَّقْدِيَّةُ أَوْجَبَتْ فَضْلًا فِي الْمَالِيَّةِ فَتَتَحَقَّقَ شُبْهَةُ الرِّبَا وَهِيَ مَانِعَةٌ كَالْحَقِيقَةِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ النُّقُودَ فِي الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ يَجُوزُ ، وَإِنْ جَمَعَهُمَا الْوَزْنُ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَّفِقَانِ فِي صِفَةِ الْوَزْن ، فَإِنَّ الزَّعْفَرَانَ يُوزَنُ بِالْأَمْنَاءِ وَهُوَ مُثَمَّنٌ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ ، وَالنُّقُودُ تُوزَنُ بِالسَّنَجَاتِ وَهُوَ ثَمَنٌ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ .
وَلَوْ بَاعَ بِالنُّقُودِ مُوَازَنَةً وَقَبَضَهَا صَحَّ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ الْوَزْنِ ، وَفِي الزَّعْفَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ لَا يَجُوزُ ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فِيهِ صُورَةً وَمَعْنًى وَحُكْمًا لَمْ يَجْمَعْهُمَا الْقَدْرُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَتَنْزِلُ الشُّبْهَةُ فِيهِ إلَى شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ .

قَالَ : ( فَإِذَا عَدِمَ الْوَصْفَانِ ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ عِلَّةَ الْحُرْمَةِ شَيْئَانِ ، فَإِمَّا أَنْ يُوجَدَا أَوْ يَعْدَمَا أَوْ يُوجَدَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَالْأَوَّلُ مَا تَقَدَّمَ ، وَالثَّانِي يَظْهَرُ عِنْدَهُ حِلُّ التَّفَاضُلِ وَالنَّسَاءِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُحَرِّمَةِ ، وَتَحْقِيقُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ( وَالْأَصْلُ فِيهِ الْإِبَاحَةُ ) يَعْنِي إذَا كَانَتْ أَصْلًا وَقَدْ تُرِكَتْ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الْقَدْرُ ، وَالْجِنْسُ يَظْهَرُ عِنْدَ عَدَمِهِمَا لَا أَنَّ الْعَدَمَ يُثْبِتُ شَيْئًا ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا وَعَدِمَ الْآخَرُ حَلَّ التَّفَاضُلُ وَحَرُمَ النَّسَاءُ ( مِثْلَ أَنْ يُسْلِمَ هَرَوِيًّا فِي هَرَوِيٍّ أَوْ حِنْطَةً فِي شَعِيرٍ ، فَحُرْمَةُ الْفَضْلِ بِالْوَصْفَيْنِ وَحُرْمَةُ النَّسَاءِ بِأَحَدِهِمَا ) حَتَّى لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِعَبْدٍ إلَى أَجَلٍ لَا يَجُوزُ لِوُجُودِ الْجِنْسِيَّةِ وَعِنْدَهُ يَجُوزُ ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْجِنْسُ بِانْفِرَادِهِ لَا يُحَرِّمُ النَّسَاءَ ؛ لِأَنَّ بِالنَّقْدِيَّةِ وَعَدَمِهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا شُبْهَةُ الْفَضْلِ ) بِالِاتِّفَاقِ ( وَحَقِيقَةُ الْفَضْلِ غَيْرُ مَانِعٍ ) مِنْ الْجَوَازِ فِي الْجِنْسِ حَتَّى جَازَ بَيْعُ الْهَرَوِيِّ بِالْهَرَوِيَّيْنِ وَالْعَبْدِ بِالْعَبْدَيْنِ ( فَالشُّبْهَةُ أَوْلَى ) قِيلَ لَيْسَ فِي تَخْصِيصِ الْجِنْسِ بِالذِّكْرِ فِي عَدَمِ تَحْرِيمِ النَّسَاءِ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ ، فَإِنَّ الْقَدْرَ عِنْدَهُ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ إسْلَامُ الْمَوْزُونَاتِ فِي الْمَوْزُونَاتِ كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ حُرْمَةُ النَّسَاءِ إنَّمَا لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ فِي صُورَةِ الْجِنْسِ ، وَأَمَّا فِي صُورَةِ الْقَدْرِ فَقَدْ يُوجَدُ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ نَسِيئَةً وَكَذَا بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ ، وَإِنْ كَانَ عِلَّةُ ذَلِكَ عِنْدَهُ غَيْرَ الْقَدْرِ وَهُوَ أَنَّ التَّقَابُضَ شَرْطٌ فِي الصَّرْفِ وَبَيْعِ الطَّعَامِ عِنْدَهُ .
وَلَنَا مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَنَّهُ مَالُ الرِّبَا

مِنْ وَجْهٍ وَتَحْقِيقُهُ مَا ثَبَتَ أَنَّ فِي بَابِ الرِّبَا حَقِيقَةً وَشُبْهَةً لَا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ ، وَالشُّبْهَةُ إذَا انْفَرَدَتْ عَنْ الْحَقِيقَةِ تَحْتَاجُ إلَى مَحَلٍّ وَعِلَّةٍ كَالْحَقِيقَةِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهَا وَعِلَّتُهَا مَحَلَّ الْحَقِيقَةِ وَعِلَّتِهَا ، وَإِلَّا لَكَانَتْ حَقِيقَةً أَوْ مُقَارِنَةً لَهَا وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ فَلَا بُدَّ مِنْ شُبْهَةِ مَحَلٍّ وَشُبْهَةِ عِلَّةٍ ، وَمَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا النَّسِيئَةُ مَالُ الرِّبَا مِنْ وَجْهٍ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْقَدْرَ يَجْمَعُهُمَا كَمَا فِي الْحِنْطَةِ مَعَ الشَّعِيرِ أَوْ الْجِنْسِ كَالْهَرَوِيِّ مَعَ الْهَرَوِيِّ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا نَقْدًا وَالْآخَرُ نَسِيئَةً وَكُلُّ عِلَّةٍ ذَاتُ وَصْفَيْنِ مُؤَثِّرَيْنِ لَا يَتِمُّ نِصَابُ الْعِلَّةِ إلَّا بِهِمَا فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا شُبْهَةُ الْعِلِّيَّةِ وَشُبْهَةُ الْعِلَّةِ تَثْبُتُ بِهَا شُبْهَةُ الْحُكْمِ وَالنَّقْدِيَّةُ أَوْجَبَتْ فَضْلًا فِي الْمَالِيَّةِ ، فَتَتَحَقَّقُ شُبْهَةُ الرِّبَا فِي مَحَلٍّ صَالِحٍ بِعِلَّةٍ صَالِحَةٍ لَهَا وَشُبْهَةُ الرِّبَا مَانِعَةٌ كَالْحَقِيقَةِ ، وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا مَا قِيلَ إنَّ كَوْنَهُ مِنْ مَالِ الرِّبَا مِنْ وَجْهٍ شُبْهَةٌ وَكَوْنُ النَّقْدِيَّةِ أَوْجَبَتْ فَضْلًا شُبْهَةٌ فَصَارَ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ ، وَالشُّبْهَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ النَّازِلِ عَنْهَا .
وَالثَّانِي أَنَّ كَوْنَ شُبْهَةِ الرِّبَا كَالْحَقِيقَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا أَوْ فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ ، وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ ، لَكِنَّهَا كَانَتْ جَائِزَةً فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الشُّبْهَةُ كَذَلِكَ .
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأُولَى أَنَّ الشُّبْهَةَ الْأُولَى فِي الْمَحَلِّ وَالثَّانِيَةَ فِي الْحُكْمِ .
وَثَمَّةَ شُبْهَةٌ أُخْرَى وَهِيَ الَّتِي فِي الْعِلَّةِ وَشُبْهَةُ الْعِلَّةِ وَالْمَحَلِّ تَثْبُتُ بِهَا شُبْهَةُ الْحُكْمِ لَا شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ .
وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْقِسْمَةَ غَيْرُ حَاصِرَةٍ بَلْ الشُّبْهَةُ مَانِعَةٌ فِي مَحَلِّ الشُّبْهَةِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا ، كَمَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَانِعَةٌ فِي مَحَلِّهَا إذَا

وُجِدَتْ الْعِلَّةُ بِكَمَالِهَا .
فَإِنْ قِيلَ : مَا بَالُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَسْتَدِلَّ لِلْجَانِبَيْنِ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، كَمَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ الشَّارِحِينَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهَّزَ جَيْشًا فَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ إلَى أَجَلٍ } لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَبِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً } لَنَا .
فَالْجَوَابُ أَنَّ جَهَالَةَ التَّارِيخِ وَتَطَرُّقَ الِاحْتِمَالَاتِ لِلتَّأْوِيلِ مَنَعَاهُ عَنْ ذَلِكَ .
فَإِنْ قِيلَ : إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى حُرْمَةِ النَّسَاءِ فَكَانَ الِاسْتِدْلَال بِهِ أَوْلَى مِنْ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْخَصْمَ إنْ سَلَّمَ الْإِجْمَاعَ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ إنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى النَّسَاءِ فِي كَمَالِ الْعِلَّةِ لَا فِي شُبْهَتِهَا .
وَقَوْلُهُ : ( إلَّا أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا وَعَدِمَ الْآخَرُ حَلَّ التَّفَاضُلُ وَحَرُمَ النَّسَاءُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ إسْلَامِ النُّقُودِ فِي الزَّعْفَرَانِ لِوُجُودِ الْوَزْنِ كَإِسْلَامِ الْحَدِيدِ فِي الصُّفْرِ فَاسْتُثْنِيَ الزَّعْفَرَانُ وَنَحْوُهُ كَالْقُطْنِ وَالْحَدِيدِ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ جَمَعَهُمَا الْوَزْنُ لَكِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي صِفَةِ الْوَزْنِ وَمَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ .
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الزَّعْفَرَانَ يُوزَنُ بِالْأَمْنَاءِ وَالنُّقُودُ بِالصَّنَجَاتِ وَهِيَ مُعَرَّبَةُ سنك تَرَزُونِ .
وَنُقِلَ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّ السِّينَ أَفْصَحُ ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ السِّكِّيتِ الصَّنَجَاتُ وَلَا يُقَالُ بِالسِّينِ .
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الزَّعْفَرَانَ مُثَمَّنٌ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَالنُّقُودَ ثَمَنٌ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ .
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ بِالنُّقُودِ مُوَازَنَةً بِأَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْت هَذَا الزَّعْفَرَانَ بِهَذَا النَّقْدِ

الْمُشَارِ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مَثَلًا فَقَبَضَهُ الْبَائِعُ صَحَّ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْوَزْنِ .
وَلَوْ بَاعَ الزَّعْفَرَانَ بِشَرْطِ أَنَّهُ مَنَوَانِ مَثَلًا وَقَبِلَهُ الْمُشْتَرِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ حَتَّى يُعِيدَ الْوَزْنَ ( وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْوَزْنِ صُورَةً وَمَعْنًى وَحُكْمًا لَمْ يَجْمَعْهُمَا الْقَدْرُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَتَنْزِلُ الشُّبْهَةُ فِيهِ إلَى شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ ) فَإِنَّ الْمَوْزُونَيْنِ إذَا اتَّفَقَا فَالْمَنْعُ لِلشُّبْهَةِ ، فَإِذَا لَمْ يَتَّفِقَا كَانَ ذَلِكَ لِشُبْهَةِ الْوَزْنِ وَالْوَزْنُ وَحْدَهُ شُبْهَةٌ فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ ( وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ ) لَا يُقَالُ : لَمْ يَخْرُجَا بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِمَا مَوْزُونَيْنِ فَقَدْ جَمَعَهُمَا الْوَزْنُ ؛ لِأَنَّ انْطِلَاقَ الْوَزْنِ عَلَيْهِمَا حِينَئِذٍ لِلِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ لَيْسَ إلَّا ، وَهُوَ لَا يُفِيدُ الِاتِّحَادَ بَيْنَهُمَا فَصَارَ كَأَنَّ الْوَزْنَ لَمْ يَجْمَعْهُمَا حَقِيقَةً .
وَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَسَامُحٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ : فَإِذَا اخْتَلَفَا صُورَةً وَلَمْ يَخْتَلِفَا صُورَةً ، وَلِهَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ : بَلْ نَقُولُ اتِّفَاقُهُمَا فِي الْوَزْنِ صُورَةً لَا مَعْنًى وَحُكْمًا ، إلَّا إذَا حُمِلَ قَوْلُهُ : صُورَةً عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ صِفَةً كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ التَّعْلِيلِ فِي صِفَةِ الْوَزْنِ فَذَاكَ اعْتِبَارٌ زَائِدٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ .
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ فِي وَجْهِ ذَلِكَ : إنَّمَا جَازَ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ رَخَّصَ فِي السَّلَمِ وَالْأَصْلُ فِي رَأْسِ الْمَالِ هُوَ النُّقُودُ ، فَلَوْ لَمْ يُجَوَّزْ لِوُجُودِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ لَا نَسُدُّ بَابَ السَّلَمِ فِي الْمَوْزُونَاتِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ ، فَأَثَّرَ شَرْعُ الرُّخْصَةِ فِي التَّجْوِيزِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ الْفَرْقِ .
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَلَكِنَّ هَذَا كَلَامُ مَنْ يُجَوِّزُ تَخْصِيصَ الْعِلَلِ وَلَسْنَا نَقُولُ بِهِ .

قَالَ ( وَكُلُّ شَيْءٍ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِ كَيْلًا فَهُوَ مَكِيلٌ أَبَدًا ، وَإِنَّ تَرَكَ النَّاسُ الْكَيْلَ فِيهِ مِثْلَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ وَكُلُّ مَا نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِ وَزْنًا فَهُوَ مَوْزُونٌ أَبَدًا ، وَإِنْ تَرَكَ النَّاسُ الْوَزْنَ فِيهِ مِثْلُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) لِأَنَّ النَّصَّ أَقْوَى مِنْ الْعُرْفِ وَالْأَقْوَى لَا يُتْرَكُ بِالْأَدْنَى ( وَمَا لَمْ يَنُصُّ عَلَيْهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَادَاتِ النَّاسِ ) لِأَنَّهَا دَلَالَةٌ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ عَلَى خِلَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى ذَلِكَ لِمَكَانِ الْعَادَةِ فَكَانَتْ هِيَ الْمَنْظُورُ إلَيْهَا وَقَدْ تَبَدَّلَتْ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ الْحِنْطَةَ بِجِنْسِهَا مُتَسَاوِيًا وَزْنًا ، أَوْ الذَّهَبَ بِجِنْسِهِ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا ، وَإِنْ تَعَارَفُوا ذَلِكَ لِتَوَهُّمِ الْفَضْلِ عَلَى مَا هُوَ الْمِعْيَارُ فِيهِ ، كَمَا إذَا بَاعَ مُجَازَفَةً إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِسْلَامُ فِي الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا وَزْنًا لِوُجُودِ الْإِسْلَامِ فِي مَعْلُومٍ .
قَالَ ( وَكُلُّ مَا يُنْسَبُ إلَى الرَّطْلِ فَهُوَ وَزْنِيٌّ ) مَعْنَاهُ مَا يُبَاعُ بِالْأَوَاقِيِ لِأَنَّهَا قُدِّرَتْ بِطَرِيقِ الْوَزْنِ حَتَّى يُحْتَسَبَ مَا يُبَاعُ بِهَا وَزْنًا ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَكَايِيلِ ، وَإِذَا كَانَ مَوْزُونًا فَلَوْ بِيعَ بِمِكْيَالٍ لَا يُعْرَفُ وَزْنُهُ بِمِكْيَالٍ مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ لِتَوَهُّمِ الْفَضْلِ فِي الْوَزْنِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَازَفَةِ .

( قَالَ وَكُلُّ شَيْءٍ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِ كَيْلًا ) كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ فَهُوَ مَكِيلٌ أَبَدًا وَإِنْ تَرَكَ النَّاسُ الْكَيْلَ فِيهِ وَكُلُّ مَا نَصَّ عَلَى التَّحْرِيمِ فِيهِ وَزْنًا ) كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ( فَهُوَ مَوْزُونٌ أَبَدًا ) ؛ لِأَنَّ النَّصَّ أَقْوَى مِنْ الْعُرْفِ لِكَوْنِهِ حُجَّةً عَلَى مَنْ تَعَارَفَ وَعَلَى مَنْ لَمْ يَتَعَارَفْ ، وَالْعُرْفُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إلَّا عَلَى مَنْ تَعَارَفَ بِهِ ، وَالْأَقْوَى لَا يُتْرَكُ بِالْأَدْنَى ( وَمَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَادَاتِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهَا ) أَيْ عَادَاتِ النَّاسِ ( دَلَالَةٌ ) عَلَى جَوَازِ الْحُكْمِ فِيمَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ } ( وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ عَلَى خِلَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى ذَلِكَ ) أَيْ عَلَى الْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إنَّمَا كَانَ لِلْعَادَةِ فِيهِ ، فَكَانَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ هُوَ الْعَادَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَدْ تَبَدَّلَتْ فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ عَلَى وِفَاقِ ذَلِكَ ( وَعَلَى ذَلِكَ لَوْ بَاعَ حِنْطَةً بِجِنْسِهَا مُتَسَاوِيًا وَزْنًا أَوْ ذَهَبًا بِجِنْسِهِ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا ) جَازَ عِنْدَهُ إذَا تَعَارَفُوا ذَلِكَ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَإِنْ تَعَارَفُوهُ لِتَوَهُّمِ الْفَضْلِ عَلَى مَا هُوَ الْمِعْيَارُ فِيهِ كَمَا إذَا بَاعَ مُجَازَفَةً ، لَكِنْ يَجُوزُ الْإِسْلَامُ فِي الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا وَزْنًا عَلَى مَا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ لِوُجُودِ الْإِسْلَامِ فِي مَعْلُومٍ ، فَإِنَّ الْمُمَاثَلَةَ لَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ فِيهِ ، إنَّمَا الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْإِعْلَامُ عَلَى وَجْهٍ يَنْفِي الْمُنَازَعَةَ فِي التَّسْلِيمِ ، وَذَلِكَ كَمَا يَحْصُلُ بِالْكَيْلِ يَحْصُلُ بِذِكْرِ الْوَزْنِ ، وَذَكَرَ فِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ

أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَكَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى ذَلِكَ لِمَكَانِ الْعَادَةِ وَكَانَتْ هِيَ الْمَنْظُورَ إلَيْهَا وَقَدْ تَبَدَّلَتْ ) أَقُولُ : اسْتِقْرَاضُ الدَّرَاهِمِ عَدَدًا وَبَيْعُ الدَّقِيقِ وَزْنًا عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي زَمَانِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ .
قَالَ ( وَكُلُّ مَا يُنْسَبُ إلَى الرِّطْلِ فَهُوَ وَزْنِيٌّ ) الرِّطْلُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ نِصْفٌ مَنٍّ ، وَالْأَوَاقِي جَمْعُ أُوقِيَّةٍ كَأُثْفِيَّةٍ وَإِثَافٍ .
قِيلَ هِيَ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ : وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ، وَكُلُّ مَا يُبَاعُ بِالْأَوَاقِيِ فَهُوَ وَزْنِيٌّ ؛ لِأَنَّهَا قُدِّرَتْ بِطَرِيقِ الْوَزْنِ ، إذْ تَعْدِيلُهَا إنَّمَا يَكُونُ بِالْوَزْنِ وَلِهَذَا يُحْتَسَبُ مَا يُبَاعُ بِالْأَوَاقِيِ وَزْنًا ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَكَايِيلِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهَا قُدِّرَتْ : يَعْنِي أَنَّ سَائِرَ الْمَكَايِيلِ لَوْ تُقَدَّرُ بِالْوَزْنِ فَلَا يَكُونُ لِلْوَزْنِ فِيهِ اعْتِبَارٌ ، وَعَلَى هَذَا إذَا بِيعَ الْمَوْزُونُ بِمِكْيَالٍ لَا يُعْرَفُ وَزْنُهُ بِمِكْيَالٍ مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ لِتَوَهُّمِ الْفَضْلِ فِي الْوَزْنِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَازَفَةِ ، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مَكِيلًا جَازَ .
وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِمِكْيَالٍ لَا يُعْرَفُ وَزْنُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا عُرِفَ وَزْنُهُ جَازَ .
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ : وَكُلُّ شَيْءٍ وَقَعَ عَلَيْهِ كَيْلُ الرِّطْلِ فَهُوَ مَوْزُونٌ ، ثُمَّ قَالَ : يُرِيدُ بِهِ الْأَدْهَانَ وَنَحْوَهَا ؛ لِأَنَّ الرِّطْلَ إنَّمَا يُعْدَلُ بِالْوَزْنِ إلَّا أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَزْنُ الدُّهْنِ بِالْأَمْنَاءِ وَالسَّنَجَاتِ فِي كُلِّ وَقْتٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمْسِكُ إلَّا فِي وِعَاءٍ وَفِي وَزْنِ كُلِّ وِعَاءٍ حَرَجٌ ، فَاُتُّخِذَ الرِّطْلُ فِي ذَلِكَ تَيْسِيرًا ، فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلَّ الرِّطْلِ بَيْعٌ مَوْزُونٌ فَجَازَ بَيْعُ

الْمَوْزُونِ بِهِ ، وَالْإِسْلَامُ فِيهِ بِذِكْرِ الْوَزْنِ .

قَالَ ( وَعَقْدُ الصَّرْفِ مَا وَقَعَ عَلَى جِنْسِ الْأَثْمَانِ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَبْضُ عِوَضَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ هَاءَ وَهَاءَ } " مَعْنَاهُ يَدًا بِيَدٍ ، وَسَنُبَيِّنُ الْفِقْهَ فِي الصَّرْفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ ( وَمَا سِوَاهُ مِمَّا فِيهِ الرِّبَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّعْيِينُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّقَابُضُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ ) .
لَهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ { يَدًا بِيَدٍ } وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَضْ فِي الْمَجْلِسِ فَيَتَعَاقَبُ الْقَبْضُ وَلِلنَّقْدِ مَزِيَّةٌ فَتَثْبُتُ شُبْهَةُ الرِّبَا .
وَلَنَا أَنَّهُ مَبِيعٌ مُتَعَيَّنٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ كَالثَّوْبِ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْفَائِدَةَ الْمَطْلُوبَةَ إنَّمَا هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَيَتَرَتَّبُ ذَلِكَ عَلَى التَّعْيِينِ ، بِخِلَافِ الصَّرْفِ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ لِيَتَعَيَّنَ بِهِ ؛ وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { يَدًا بِيَدٍ } " عَيْنًا بِعَيْنٍ ، وَكَذَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَعَاقُبُ الْقَبْضِ لَا يُعْتَبَرُ تَفَاوُتًا فِي الْمَالِ عُرْفًا ، بِخِلَافِ النَّقْدِ وَالْمُؤَجَّلِ .

قَالَ ( وَعَقْدُ الصَّرْفِ مَا وَقَعَ عَلَى جِنْسِ الْأَثْمَانِ إلَخْ ) عَقْدُ الصَّرْفِ مَا وَقَعَ عَلَى جِنْسِ الْأَثْمَانِ وَهِيَ النُّقُودُ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَبْضُ عِوَضَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ .
قَوْلُهُ : ( يُعْتَبَرُ فِيهِ ) خَبَرٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ عَقْدُ الصَّرْفِ ؛ وَمَعْنَى يُعْتَبَرُ يَجِبُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ هَاءَ وَهَاءَ } مَعْنَاهُ يَدًا بِيَدٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْوُجُوبِ .
وَهَاءَ مَمْدُودٌ عَلَى وَزْنِ هَاعَ وَمَعْنَاهُ خُذْ : أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ هَاءَ فَيَتَقَابَضَانِ ، وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ يَدًا بِيَدٍ جَرًّا إلَى إفَادَةِ مَعْنَى التَّعْيِينِ كَمَا نُبَيِّنُ ( وَمَا سِوَى جِنْسِ الْأَثْمَانِ ) مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ ( يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّعْيِينُ دُونَ الْقَبْضِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ ) أَيْ فِي كُلِّ مَطْعُومٍ سَوَاءٌ بِيعَ بِجِنْسِهِ كَبَيْعِ كَرِّ حِنْطَةٍ بِكَرِّ حِنْطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَكَرِّ حِنْطَةٍ بِشَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ ، فَإِنَّهُ إذَا افْتَرَقَا لَا عَنْ قَبْضٍ فَسَدَ الْعَقْدُ عِنْدَهُ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ { يَدًا بِيَدٍ } وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَبْضُ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ يَسْتَلْزِمُهَا لِكَوْنِهَا آلَةً لَهُ فَهِيَ كِنَايَةٌ ، وَبِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَضْ فِي الْمَجْلِسِ يَتَعَاقَبُ الْقَبْضُ وَلِلنَّقْدِ مَزِيَّةٌ .
فَتَثْبُتُ شُبْهَةُ الرِّبَا كَالْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ ( وَلَنَا أَنَّهُ مَبِيعٌ مُتَعَيِّنٌ ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ ، وَكُلُّ مَا هُوَ مُتَعَيِّنٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا ، وَهَذَا أَيْ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِيمَا يَتَعَيَّنُ ؛ لِأَنَّ الْفَائِدَةَ الْمَطْلُوبَةَ بِالْعَقْدِ إنَّمَا هِيَ التَّمَكُّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّعْيِينِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبْضِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ الْقَبْضُ فِي الصَّرْفِ .
أَجَابَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الصَّرْفِ ، فَإِنَّ الْقَبْضَ

فِيهِ يَتَعَيَّنُ بِهِ فَإِنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ .
قَوْلُهُ : ( وَمَعْنَى قَوْلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ) جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْخَصْمِ بِالْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مَعْنَاهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ لَمْ يَبْقَ دَلِيلًا لَهُ عَلَى الْقَبْضِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { عَيْنًا بِعَيْنٍ } .
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ اشْتِرَاطَ التَّعْيِينِ وَالْقَبْضِ جَمِيعًا الْمَدْلُولَ عَلَيْهِمَا بِالرِّوَايَتَيْنِ مُنْتَفٍ بِالْإِجْمَاعِ الْمُرَكَّبِ ، أَمَّا عِنْدَنَا فَلِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ التَّعْيِينُ دُونَ الْقَبْضِ وَأَمَّا عِنْدَهُ فَبِالْعَكْسِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ .
وَقَوْلُهُ : ( يَدًا بِيَدٍ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَبْضُ ؛ لِأَنَّهُ آلَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَنْ يَكُونَ التَّعْيِينَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْإِشَارَةِ بِالْيَدِ ( وَقَوْلُهُ : عَيْنًا بِعَيْنٍ ) مُحْكَمٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ فَيُحْمَلُ الْمُحْتَمَلُ عَلَى الْمُحْكَمِ ، وَلَا يُقَالُ لَزِمَكُمْ الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ أَوْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ؛ لِأَنَّكُمْ جَعَلْتُمْ يَدًا بِيَدٍ بِمَعْنَى الْقَبْضِ فِي الصَّرْفِ وَبِمَعْنَى الْعَيْنِ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ جَعَلْنَاهُ فِي الصَّرْفِ بِمَعْنَى الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِيهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَبْضِ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْعَيْنِ فِي الْمَحَالِّ كُلِّهَا ، لَكِنَّ تَعْيِينَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ .
وَنُوقِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِمَعْنَى التَّعْيِينِ لَمَا شُرِطَ الْقَبْضُ فِي إنَاءِ ذَهَبٍ بِيعَ بِإِنَاءٍ مِثْلِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَعْيِينُ الْمُعَيَّنِ ، فَإِنَّ الْإِنَاءَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ عِنْدَكُمْ لَكِنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ تَعَيَّنَ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ ثَمَنًا خِلْقَةً كَانَ فِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ التَّعْيِينِ ، وَالشُّبْهَةُ فِي الرِّبَا كَالْحَقِيقَةِ فَاشْتُرِطَ الْقَبْضُ دَفْعًا لَهَا .
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ إنَّمَا هُوَ عَلَى طَرِيقَتِكُمْ فِي أَنَّ

الْأَثْمَانَ لَا تَتَعَيَّنُ ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَيْسَ بِقَائِلٍ بِهِ فَلَا يَكُونُ مُلْزِمًا .
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ الْمُبَادِي هَاهُنَا لِثُبُوتِهِ بِالدَّلَائِلِ الْمُلْزِمَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ ( قَوْلُهُ : وَتَعَاقُبُ الْقَبْضِ ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَضْ فِي الْمَجْلِسِ .
وَوَجَّهَهُ الْمَانِعُ تَعَاقُبٌ يُعَدُّ تَفَاوُتًا فِي الْمَالِيَّةِ عُرْفًا كَمَا فِي النَّقْدِ وَالْمُؤَجَّلِ ، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ التُّجَّارَ لَا يَفْصِلُونَ فِي الْمَالِيَّةِ بَيْنَ الْمَقْبُوضِ فِي الْمَجْلِسِ وَغَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا مُعَيَّنًا .

قَالَ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَيْضَةِ بِالْبَيْضَتَيْنِ وَالتَّمْرَةِ بِالتَّمْرَتَيْنِ وَالْجَوْزَةِ بِالْجَوْزَتَيْنِ ) لِانْعِدَامِ الْمِعْيَارِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا .
وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيهِ لِوُجُودِ الطَّعْمِ عَلَى مَا مَرَّ .
قَالَ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ الْفَلْسِ بِالْفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ تَثْبُتُ بِاصْطِلَاحِ الْكُلِّ فَلَا تَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا ، وَإِذَا بَقِيَتْ أَثْمَانًا لَا تَتَعَيَّنُ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا وَكَبَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ .
وَلَهُمَا أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي حَقِّهِمَا تَثْبُتُ بِاصْطِلَاحِهِمَا إذْ لَا وِلَايَةَ لِلْغَيْرِ عَلَيْهِمَا فَتَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا وَإِذَا بَطَلَتْ الثَّمَنِيَّةُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَلَا يَعُودُ وَزْنِيًّا لِبَقَاءِ الِاصْطِلَاحِ عَلَى الْعَدِّ إذْ فِي نَقْضِهِ فِي حَقِّ الْعَدِّ فَسَادُ الْعَقْدِ فَصَارَ كَالْجَوْزَةِ بِالْجَوْزَتَيْنِ بِخِلَافِ النُّقُودِ لِأَنَّهَا لِلثَّمَنِيَّةِ خِلْقَةٌ ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا لِأَنَّهُ كَالِئٌ بِالْكَالِئِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ لِأَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ .

قَالَ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَيْضَةِ بِالْبَيْضَتَيْنِ إلَخْ ) بَيْعُ الْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا جَائِزٌ إنْ كَانَا مَوْجُودَيْنِ لِانْعِدَامِ الْمِعْيَارِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا نَسِيئَةً لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ .
فَإِنْ قِيلَ : الْجَوْزُ وَالْبَيْضُ وَالتَّمْرُ جُعِلَتْ أَمْثَالًا فِي ضَمَانِ الْمُسْتَهْلَكَاتِ فَكَيْفَ يَجُوزُ بَيْعُ الْوَاحِدِ بِالِاثْنَيْنِ ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ التَّمَاثُلَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَى إهْدَارِ التَّفَاوُتِ فَيُعْمَلُ بِذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ وَهُوَ ضَمَانُ الْعُدْوَانِ .
وَأَمَّا الرِّبَا فَهُوَ حَقُّ الشَّارِعِ فَلَا يُعْمَلُ فِيهِ بِاصْطِلَاحِهِمْ فَتُعْتَبَرُ الْحَقِيقَةُ وَهِيَ فِيهَا مُتَفَاوِتَةٌ صِغَرًا وَكِبَرًا .
وَخَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ فِيهِ لِوُجُودِ الطَّعْمِ عَلَى مَا مَرَّ .
قَالَ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ الْفَلْسِ بِالْفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا إلَخْ ) بَيْعُ الْفَلْسِ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا عَلَى أَوْجُهٍ أَرْبَعَةٍ : بَيْعُ فَلْسٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا .
وَبَيْعُ فَلْسٍ بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا .
وَبَيْعُ فَلْسٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا .
وَبَيْعُ فَلْسٍ بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا .
وَالْكُلُّ فَاسِدٌ سِوَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ .
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ أَمْثَالٌ مُتَسَاوِيَةٌ قَطْعًا لِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَى إهْدَارِ قِيمَةِ الْجَوْدَةِ مِنْهَا فَيَكُونُ أَحَدُ الْفَلْسَيْنِ فَضْلًا خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ وَهُوَ الرِّبَا .
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَمْسَكَ الْبَائِعُ الْفَلْسَ الْمُعَيَّنَ وَطَلَبَ الْآخَرَ وَهُوَ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ .
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ قَبْضُ الْبَائِعِ لِلْفَلْسَيْنِ وَرَدَّ إلَيْهِ أَحَدُهُمَا مَكَانَ مَا اسْتَوْجَبَهُ فِي ذِمَّتِهِ فَيَبْقَى الْآخَرُ لَهُ بِلَا عِوَضٍ .
وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ فَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ :

لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي الْفَلْسِ تَثْبُتُ بِاصْطِلَاحِ الْكُلِّ ، وَمَا يَثْبُتُ بِاصْطِلَاحِ الْكُلِّ لَا يَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا لِعَدَمِ وِلَايَتِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا فَبَقِيَتْ أَثْمَانًا وَهِيَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالِاتِّفَاقِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا وَصَارَ كَبَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ .
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ مَا دَامَتْ رَائِجَةً لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ حَتَّى لَوْ قُوبِلَتْ بِخِلَافِ جِنْسِهَا كَمَا إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا بِفُلُوسٍ مُعَيَّنَةٍ فَهَلَكَتْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ( وَلَهُمَا أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي حَقِّهِمَا تَثْبُتُ بِاصْطِلَاحِهِمَا إذْ لَا وِلَايَةَ لِغَيْرِهِمَا عَلَيْهِمَا ) وَمَا ثَبَتَ بِاصْطِلَاحِهِمَا فِي حَقِّهِمَا يَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا كَذَلِكَ .
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهَا إذَا كَسَدَتْ بِاتِّفَاقِ الْكُلِّ لَا تَكُونُ ثَمَنًا بِاصْطِلَاحِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَيَجِبُ أَنْ لَا تَكُونَ عُرُوضًا أَيْضًا بِاصْطِلَاحِهِمَا إذَا كَانَ الْكُلُّ مُتَّفِقًا عَلَى ثَمَنِيَّتِهَا سِوَاهُمَا .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْفُلُوسِ أَنْ تَكُونَ عُرُوضًا ، فَاصْطِلَاحُهُمَا عَلَى الثَّمَنِيَّةِ بَعْدَ الْكَسَادِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ثَمَنًا بِاصْطِلَاحِهِمَا لِوُقُوعِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ .
وَأَمَّا إذَا اصْطَلَحَا عَلَى كَوْنِهِمَا عُرُوضًا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وِفَاقِ الْأَصْلِ فَكَانَ جَائِزًا وَإِنْ كَانَ مَنْ سِوَاهُمَا مُتَّفِقِينَ عَلَى الثَّمَنِيَّةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي قَوْلَهُ إنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي حَقِّهِمَا تَثْبُتُ بِاصْطِلَاحِهِمَا إذْ لَا وِلَايَةَ لِلْغَيْرِ عَلَيْهِمَا .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ قَبْلَ الْكَسَادِ تَثْبُتُ بِاصْطِلَاحِهِمَا ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَنْ سِوَاهُمَا مُتَّفِقِينَ عَلَى الثَّمَنِيَّةِ ، وَإِذَا بَطَلَتْ الثَّمَنِيَّةُ فَلِعَوْدِهَا عُرُوضًا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا عَادَتْ عَرْضًا عَادَتْ وَزْنِيَّةً فَكَانَ

بَيْعَ فَلْسٍ بِفَلْسَيْنِ وَمِنْ بَيْعِ قِطْعَةِ صُفْرٍ بِقِطْعَتَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ .
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ وَلَا يَعُودُ وَزْنِيًّا ؛ لِأَنَّهُمَا بِالْإِقْدَامِ عَلَى هَذَا الْعَقْدِ وَمُقَابَلَةِ الْوَاحِدِ بِالِاثْنَيْنِ أَعْرَضَا عَنْ اعْتِبَارِ الثَّمَنِيَّةِ دُونَ الْعَدِّ حَيْثُ لَمْ يَرْجِعَا إلَى الْوَزْنِ وَلَمْ يَكُنْ الْعَدُّ مَلْزُومَ الثَّمَنِيَّةِ حَتَّى يَنْتَفِيَ بِانْتِفَائِهَا فَبَقِيَ مَعْدُودًا ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ الِاصْطِلَاحِ فِي حَقِّ الْعَدِّ بِقَوْلِهِ إذْ فِي نَقْضِهِ : يَعْنِي الِاصْطِلَاحَ فِي حَقِّ الْعَدِّ فَسَادَ الْعَقْدِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعَى الْخَصْمِ وَلَوْ ضُمَّ إلَى ذَلِكَ وَالْأَصْلُ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ الْأَصْلُ حَمْلُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا مُطْلَقًا أَوْ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ ، وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي لَا يُفِيدُ ( قَوْلُهُ : فَصَارَ كَالْجَوْزَةِ بِالْجَوْزَتَيْنِ ) بَيَانٌ لِانْفِكَاكِ الْعَدَدِيَّةِ عَنْ الثَّمَنِيَّةِ .
وَقَوْلُهُ : ( بِخِلَافِ النُّقُودِ ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَبَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا لِلثَّمَنِيَّةِ خِلْقَةً لَا اصْطِلَاحًا فَلَا تَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَبِخِلَافِ ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَمَا إذْ كَانَ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِكَوْنِهِ كَالِئًا بِكَالِئٍ : أَيْ نَسِيئَةً بِنَسِيئَةٍ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ( قَوْلُهُ : وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ ) جَوَابٌ عَنْ الْقِسْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ ثَمَّةَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ .

قَالَ ( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ وَلَا بِالسَّوِيقِ ) لِأَنَّ الْمُجَانَسَةَ بَاقِيَةٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ وَالْمِعْيَارُ فِيهِمَا الْكَيْلُ ، لَكِنَّ الْكَيْلَ غَيْرُ مُسَوٍّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحِنْطَةِ لِاكْتِنَازِهِمَا فِيهِ وَتَخَلْخُلِ حَبَّاتِ الْحِنْطَةِ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ كَيْلًا بِكَيْلٍ

قَالَ ( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ ) بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ أَوْ بِالسَّوِيقِ لَا يَجُوزُ مُتَسَاوِيًا وَلَا مُتَفَاضِلًا لِشُبْهَةِ الرِّبَا ؛ لِأَنَّهَا مَكِيلَةٌ ، وَالْمُجَانَسَةُ بَاقِيَةٌ مِنْ وَجْهٍ ؛ لِأَنَّهُمَا أَيْ الدَّقِيقَ وَالسَّوِيقَ مِنْ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ ؛ لِأَنَّ الطَّحْنَ لَمْ يُؤَثِّرْ إلَّا فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ ، وَالْمُجْتَمِعُ لَا يَصِير بِالتَّفْرِيقِ شَيْئًا آخَرَ زَائِلَةٌ مِنْ وَجْهٍ ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ بِاخْتِلَافِ الِاسْمِ وَالصُّورَةِ وَالْمَعَانِي كَمَا بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَقَدْ زَالَ الِاسْمُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَتَبَدَّلَتْ الصُّورَةُ وَاخْتَلَفَتْ الْمَعَانِي ، فَإِنَّ مَا يَبْتَغِي مِنْ الْحِنْطَةِ لَا يَبْتَغِي مِنْ الدَّقِيقِ ، فَإِنَّهَا تَصْلُحُ لِاِتِّخَاذِ الْكِشْكِ وَالْهَرِيسَةِ وَغَيْرِهِمَا دُونَ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ .
وَرِبَا الْفَضْلِ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالْحِنْطَةِ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الطَّحْنِ وَبِصَيْرُورَتِهِ دَقِيقًا زَالَتْ الْمُجَانَسَةُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ ، فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِهِ وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ .
فَإِنْ قِيلَ : لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّقِيقُ حِنْطَةً أَوْ لَا ، وَالثَّانِي يُوجِبُ الْجَوَازَ مُتَسَاوِيًا وَمُتَفَاضِلًا لَا مَحَالَةَ ، وَالْأَوَّلُ يُوجِبُ الْجَوَازَ إذَا كَانَ مُتَسَاوِيًا كَذَلِكَ .
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ إنَّمَا تَكُونُ بِالْكَيْلِ وَالْكَيْلُ غَيْرُ مُسَوٍّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحِنْطَةِ لِاكْتِنَازِهِمَا فِيهِ وَتَخَلْخُلِ حَبَّاتِ الْحِنْطَةِ فَصَارَ كَالْمُجَازَفَةِ فِي احْتِمَالِ الزِّيَادَةِ ( فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ كَيْلًا بِكَيْلٍ ) قَبْلَ حُرْمَةِ الرِّبَا حُرْمَةٌ تَتَنَاهَى بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْأَصْلِ ، وَعَلَى مَا ذَكَرْتُمْ فِي هَذَا الْفَرْعِ تَثْبُتُ حُرْمَةٌ لَا تَتَنَاهَى فَصَارَ مِثْلَ ظِهَارِ الذِّمِّيِّ عَلَى مَا عُرِفَ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ حُرْمَةَ الرِّبَا تَتَنَاهَى بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْحِنْطَةِ أَوْ فِي الشُّبْهَةِ ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ فَإِنَّ حُرْمَةَ النَّسَاءِ لَا تَتَنَاهَى بِالْمُسَاوَاةِ ، وَالْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ مَا نَحْنُ

فِيهِ مِنْ الثَّانِي .
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : الْحُرْمَةُ تَتَنَاهَى بِالْمُسَاوَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهَا ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا تَتَحَقَّقُ .

( وَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ مُتَسَاوِيًا كَيْلًا ) لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِوَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ مُتَسَاوِيًا كَيْلًا بِكَيْلٍ لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ وَهُوَ وُجُودُ الْمُسَوِّي وَمُتَسَاوِيًا وَكَيْلًا بِكَيْلٍ ، قِيلَ حَالَانِ مُتَدَاخِلَانِ ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْأَوَّلِ بَيْعُ وَفِي الثَّانِي مُتَسَاوِيًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مُتَرَادِفَيْنِ .
وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الثَّانِيَةِ نَفْيُ تَوَهُّمِ جَوَازِ الْمُسَاوَاةِ وَزْنًا حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ إذَا تَسَاوَيَا كَيْلًا إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَا مَكْبُوسَيْنِ .

( وَبَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُتَفَاضِلًا ، وَلَا مُتَسَاوِيًا ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالْمَقْلِيَّةِ وَلَا بَيْعُ السَّوِيقِ بِالْحِنْطَةِ ، فَكَذَا بَيْعُ أَجْزَائِهِمَا لِقِيَامِ الْمُجَانَسَةِ مِنْ وَجْهٍ .
وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ .
قُلْنَا : مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ وَهُوَ التَّغَذِّي يَشْمَلُهُمَا فَلَا يُبَالَى بِفَوَاتِ الْبَعْضِ كَالْمَقْلِيَّةِ مَعَ غَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ وَالْعِلْكَةِ بِالْمُسَوِّسَةِ .وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُتَسَاوِيًا وَلَا مُتَفَاضِلًا ؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ أَجْزَاءُ حِنْطَةٍ غَيْرُ مَقْلِيَّةٍ وَالسَّوِيقُ أَجْزَاؤُهَا مَقْلِيَّةٌ فَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَجْزَاءِ بَعْضٍ بِالْآخَرِ لِقِيَامِ الْمُجَانَسَةِ مِنْ وَجْهٍ فَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَجْزَاءِ بَعْضٍ بِأَجْزَاءِ بَعْضٍ آخَرَ .
وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ إذْ هُوَ بِالدَّقِيقِ اتِّخَاذُ الْخُبْزِ وَالْعَصَائِدِ وَلَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالسَّوِيقِ بَلْ الْمَقْصُودُ بِهِ أَنْ يُلَتَّ بِالسَّمْنِ أَوْ الْعَسَلِ أَوْ يُشْرَبَ بِالْمَاءِ ، وَكَذَلِكَ الِاسْمُ { وَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ } .
وَالْجَوَابُ أَنَّ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ وَهُوَ التَّغَذِّي يَشْمَلُهُمَا وَفَوَاتُ الْبَعْضِ لَا يَضُرُّ كَالْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ ( وَالْعِلْكَةُ بِالْمُسَوِّسَةِ ) الَّتِي أَكَلَهَا السُّوسُ وَالْمَقْلِيَّةُ هِيَ الْمَشْوِيَّةُ مِنْ قَلَى يَقْلِي إذَا شَوَى ، وَيَجُوزُ مَقْلُوَّةٌ مِنْ قَلَا يَقْلُو ، وَالْعِلْكَةُ هِيَ الْجَيِّدَةُ الَّتِي تَكُونُ كَالْعِلْكِ مِنْ صَلَابَتِهَا تَمْتَدُّ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ ، وَالسُّوسَةُ الْعُثَّةُ ، وَهِيَ دُودَةٌ تَقَعُ فِي الصُّوفِ وَالثِّيَابِ وَالطَّعَامِ ، وَمِنْهُ حِنْطَةٌ مُسَوِّسَةٌ بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ .

قَالَ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : إذَا بَاعَهُ بِلَحْمٍ مِنْ جِنْسِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ اللَّحْمُ الْمُفْرَزُ أَكْثَرَ لِيَكُونَ اللَّحْمُ بِمُقَابَلَةِ مَا فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ وَالْبَاقِي بِمُقَابَلَةِ السَّقْطِ ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ السَّقْطِ أَوْ مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ اللَّحْمِ فَصَارَ كَالْخَلِّ بِالسِّمْسِمِ .
وَلَهُمَا أَنَّهُ بَاعَ الْمَوْزُونَ بِمَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ ، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُوزَنُ عَادَةً وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ثِقَلِهِ بِالْوَزْنِ لِأَنَّهُ يُخَفِّفُ نَفْسَهُ مَرَّةً بِصَلَابَتِهِ وَيَثْقُلُ أُخْرَى ، بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِي الْحَالِ يُعَرِّفُ قَدْرَ الدُّهْنِ إذَا مِيزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّجِيرِ ، وَيُوزَنُ الثَّجِيرُ .

قَالَ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ ) بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ عَلَى وُجُوهٍ : مِنْهَا مَا إذَا بَاعَهُ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَمَا إذَا بَاعَ لَحْمَ الْبَقَرِ بِالشَّاةِ مَثَلًا وَهُوَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ كَمَا فِي اللُّحْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ .
وَمِنْهَا مَا إذَا بَاعَهُ الْحَيَوَانَ مِنْ جِنْسِهِ كَمَا إذَا بَاعَ لَحْمَ الشَّاةِ بِالشَّاةِ لَكِنَّهَا مَذْبُوحَةٌ مَفْصُولَةٌ عَنْ السَّقَطِ ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ إنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْوَزْنِ وَإِلَّا فَلَا .
وَمِنْهَا مَا إذَا بَاعَهُ بِجِنْسِهِ مَذْبُوحًا غَيْرَ مَفْصُولٍ عَنْ السَّقَطِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّحْمُ الْمَفْصُولُ أَكْثَرَ وَهُوَ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ .
وَمِنْهَا مَا إذَا بَاعَهُ بِجِنْسِهِ حَيًّا وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ( إلَّا إذَا كَانَ اللَّحْمُ الْمُفْرَزُ أَكْثَرَ لِيَكُونَ اللَّحْمُ بِمُقَابَلَةِ مَا فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ وَالْبَاقِي بِمُقَابَلَةِ السَّقَطِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَتَحَقَّقَ الرِّبَا ) إمَّا ( مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ السَّقَطِ أَوْ مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ اللَّحْمِ ) وَالْقِيَاسُ مَعَهُ لِوُجُودِ الْجِنْسِيَّةِ بِاعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ ( فَصَارَ كَالْحَلِّ ) أَيْ الشَّيْرَجِ ( بِالسِّمْسِمِ .
وَلَهُمَا أَنَّهُ بَاعَ الْمَوْزُونَ بِمَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ ) ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ مَوْزُونٌ لَا مَحَالَةَ ، وَالْحَيَوَانُ لَا يُوزَنُ عَادَةً وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ثِقَلِهِ وَخِفَّتِهِ بِالْوَزْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُخَفِّفُ نَفْسَهُ مَرَّةً وَيُثْقِلُ أُخْرَى يَضْرِبُ قُوَّةً فِيهِ فَلَا يُدْرَى أَنَّ الشَّاةَ خَفَّفَتْ نَفْسَهَا أَوْ ثَقَّلَتْ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْحَلِّ بِالسِّمْسِمِ ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِي الْحَلِّ يُعْرَفُ قَدْرُ الدُّهْنِ إذَا مُيِّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّجِيرِ يُوزَنُ الثَّجِيرُ وَهُوَ ثِقَلُهُ ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ السِّمْسِمَ لَا يُوزَنُ عَادَةً كَالْحَيَوَانِ فَقَالَ لَكِنْ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالْوَزْنِ وَلَا كَذَلِكَ الْحَيَوَانُ

.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَزْنَ يَشْمَلُ الْحَلَّ وَالسِّمْسِمَ عِنْدَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الدُّهْنِ وَالثَّجِيرِ وَلَا يَشْمَلُ اللَّحْمَ وَالْحَيَوَانَ بِحَالٍ ، وَهَذَا ؛ لِأَنَّ الْحَلَّ وَالسِّمْسِمَ يُوزَنَانِ ثُمَّ يُمَيَّزُ الثَّجِيرُ وَيُوزَنُ فَيُعْرَفُ قَدْرُ الْحَلِّ مِنْ السِّمْسِمِ ، وَالْحَيَوَانُ لَا يُوزَنُ فِي الِابْتِدَاءِ حَتَّى إذَا ذُبِحَ وَوُزِنَ السَّقَطُ وَهُوَ مَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّحْمِ كَالْجِلْدِ وَالْكَرِشِ وَالْأَمْعَاءِ وَغَيْرِهَا يُعْرَفُ بِهِ قَدْرُ اللَّحْمِ ، فَكَانَ بَيْعُ اللَّحْمِ بِهِ بَيْعَ مَوْزُونٍ بِمَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ .
وَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافُ الْجِنْسَيْنِ أَيْضًا ، فَإِنَّ اللَّحْمَ غَيْرُ حَسَّاسٍ وَالْحَيَوَانُ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ وَالْبَيْعُ فِيهِ جَائِزٌ مُتَفَاضِلًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ وَلَمْ يَشْمَلْهُمَا الْوَزْنُ جَازَ الْبَيْعُ نَسِيئَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ .
أُجِيبَ بِأَنَّ النَّسِيئَةَ إنْ كَانَتْ فِي الشَّاةِ الْحَيَّةِ فَهُوَ سَلَمٌ فِي الْحَيَوَانِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَدَلِ الْآخَرِ فَهُوَ سَلَمٌ فِي اللَّحْمِ وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ .

قَالَ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ) وَقَالَا : لَا يَجُوزُ { لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ أَوْ يَنْقُصُ إذَا جَفَّ ؟ فَقِيلَ نَعَمْ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَا إذًا } " وَلَهُ أَنَّ الرُّطَبَ تَمْرٌ { لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ أُهْدَى إلَيْهِ رُطَبٌ أَوَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا } " سَمَّاهُ تَمْرًا .
وَبَيْعُ التَّمْرِ بِمِثْلِهِ جَائِزٌ لِمَا رَوَيْنَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَمْرًا جَازَ الْبَيْعُ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ تَمْرٍ فَبِآخِرِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ وَمَدَارُ مَا رَوَيَاهُ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّقَلَةِ .

( قَالَ وَيَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ) بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَمِثْلًا بِمِثْلٍ جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ خَاصَّةً ( وَقَالَا : لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حِينَ { سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَقَالَ أَيَنْقُصُ إذَا جَفَّ ؟ فَقِيلَ نِعْمَ ، قَالَ : لَا إذَا } أَيْ لَا يَجُوزُ عَلَى تَقْدِيرِ النُّقْصَانِ بِالْجَفَافِ .
وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْجَفَافِ وَبِالْكَيْلِ فِي الْحَالِ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ ( قَوْلُهُ : فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ) هُوَ الدَّلِيلُ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْمَنْقُولُ وَالْمَعْقُولُ .
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى الرُّطَبَ تَمْرًا حِينَ أُهْدِيَ رُطَبًا فَقَالَ : أَوَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ وَبَيْعُ التَّمْرِ بِمِثْلِهِ جَائِزٌ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ ، وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا دَخَلَ بَغْدَادَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَانُوا أَشِدَّاءَ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْخَبَرَ فَاحْتَجَّ بِأَنَّ الرُّطَبَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ تَمْرًا أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَ تَمْرًا جَازَ الْعَقْدُ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ : يَعْنِي قَوْلَهُ { التَّمْرُ بِالتَّمْرِ } وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَازَ بِقَوْلِهِ { إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ } فَأُورِدَ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَعْدٍ فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيثُ دَارَ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي النَّقْلَةِ .
وَاسْتَحْسَنَ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْهُ هَذَا الطَّعْنَ .
سَلَّمْنَا قُوَّتَهُ فِي الْحَدِيثِ لَكِنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ لَا يُعَارَضُ بِهِ الْمَشْهُورُ .
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّرْدِيدَ الْمَذْكُورَ يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْلِيَّةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ حِنْطَةً فَتَجُوزُ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ أَوْ لَا فَتَجُوزُ بِآخِرِهِ .
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

كَلَامٌ حَسَنٌ فِي الْمُنَاظَرَةِ لِدَفْعِ شَغَبِ الْخَصْمِ ، وَالْحُجَّةُ لَا تَتِمُّ بِهِ بَلْ بِمَا بَيَّنَّا مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ التَّمْرِ عَلَيْهِ ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ التَّمْرَ اسْمٌ لِثَمَرَةٍ خَارِجَةٍ مِنْ النَّخْلِ مِنْ حَيْثُ تَنْعَقِدُ صُورَتُهَا إلَى أَنْ تُدْرِكَ ، وَالرُّطَبُ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنْهُ كَالْبَرْنِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ حِنْطَةٌ ( قَوْلُهُ : فَيَجُوزُ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ ) قُلْنَا : إنَّمَا جَازَ أَنْ لَوْ ثَبَتَتْ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا كَيْلًا ، وَلَا تَثْبُتُ لِمَا قِيلَ إنَّ الْقَلْيَ صَنْعَةٌ يُغْرَمُ عَلَيْهَا الْأَعْوَاضُ ، فَصَارَ كَمَنْ بَاعَ قَفِيزًا بِقَفِيزٍ وَدِرْهَمٍ .
لَا يُقَالُ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى التَّفَاوُتِ فِي الصِّفَةِ وَهُوَ سَاقِطٌ كَالْجَوْدَةِ ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ الرَّاجِعَ إلَى صُنْعِ اللَّهِ سَاقِطٌ بِالْحَدِيثِ .
وَأَمَّا الرَّاجِعُ إلَى صُنْعِ الْعِبَادِ فَمُعْتَبَرٌ بِدَلِيلِ اعْتِبَارِهِ بَيْنَ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ ، فَكُلُّ تَفَاوُتٍ يَنْبَنِي عَلَى صُنْعِ الْعِبَادِ فَهُوَ مُفْسِدٌ كَمَا فِي الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِهَا وَالْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ ، وَكُلُّ تَفَاوُتٍ خِلْقِيٍّ فَهُوَ سَاقِطُ الْعِبْرَةِ كَمَا فِي الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ وَالْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ .

قَالَ ( وَكَذَا الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ ) يَعْنِي عَلَى الْخِلَافِ وَالْوَجْهُ مَا بَيَّنَّاهُ .
وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ اعْتِبَارًا بِالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ ، وَالرُّطَبُ بِالرُّطَبِ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا عِنْدَنَا لِأَنَّهُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَكَذَا بَيْعُ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ أَوْ الْمَبْلُولَةِ بِمِثْلِهَا أَوْ بِالْيَابِسَةِ ، أَوْ التَّمْرُ أَوْ الزَّبِيبُ الْمُنْقَعُ بِالْمُنْقَعِ مِنْهُمَا مُتَمَاثِلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ جَمِيعُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ الْمَالُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْتَبِرُهُ فِي الْحَالِ ، وَكَذَا أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْأَصْلَ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِمَا رَوَيْنَاهُ لَهُمَا .
وَوَجْهُ الْفَرْقِ لِمُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ هَذِهِ الْفُصُولِ وَبَيْنَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ أَنَّ التَّفَاوُتَ فِيمَا يَظْهَرُ مَعَ بَقَاءِ الْبَدَلَيْنِ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي عُقِدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، وَفِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مَعَ بَقَاءِ أَحَدِهِمَا عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونَ تَفَاوُتًا فِي عَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَفِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ التَّفَاوُتُ بَعْدَ زَوَالِ ذَلِكَ الِاسْمِ فَلَمْ يَكُنْ تَفَاوُتًا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا يُعْتَبَرُ .

وَالْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ ، وَلَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالْخِلَافِ دُونَ الِاخْتِلَافِ إشَارَةً إلَى قُوَّةِ دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ اعْتِبَارًا بِالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِهَا ) وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ الْحُجَّةُ إنَّمَا تَتِمُّ بِإِطْلَاقِ اسْمِ التَّمْرِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ النَّصَّ لَمَّا وَرَدَ بِإِطْلَاقِ اسْمِ التَّمْرِ عَلَى الرُّطَبِ جُعِلَا نَوْعًا وَاحِدًا فَجَازَ الْبَيْعُ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَمْ يَرِدْ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْعِنَبِ عَلَى الزَّبِيبِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ التَّفَاوُتُ الصَّنْعِيُّ الْمُفْسِدُ كَمَا فِي الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِهَا ، وَالرُّطَبُ بِالرُّطَبِ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا : أَيْ مِنْ حَيْثُ الْكَيْلُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ رِبَوِيٌّ يَتَفَاوَتُ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ : أَعْنِي عِنْدَ الْجَفَافِ فَلَا يَجُوزُ كَالْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ .
وَلَنَا أَنَّهُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ مُتَسَاوِيًا فَكَانَ جَائِزًا وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ أَوْ الْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ بِالْمَبْلُولَةِ أَوْ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْمَبْلُولَةِ أَوْ الْيَابِسَةِ أَوْ التَّمْرِ الْمُنْقَعِ بِالْمُنْقَعِ أَوْ الزَّبِيبِ الْمُنْقَعِ بِالْمُنْقَعِ ، مِنْ أُنْقِعَ إذَا أُلْقِيَ فِي الْخَابِيَةِ لِيَبْتَلَّ وَتُخْرَجَ مِنْهُ الْحَلَاوَةُ جَائِزٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَجُوزُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ، هُوَ يَعْتَبِرُ الْمُسَاوَاةَ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ حَالُ الْجَفَافِ ، وَمُفَرَّعُهُ حَدِيثُ سَعْدٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُهَا فِي الْحَالِ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْمَشْهُورِ ، وَكَذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْأَصْلَ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِحَدِيثِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاحْتَاجَ مُحَمَّدٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْفُصُولِ : يَعْنِي بَيْعَ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ وَالْمَبْلُولَةِ إلَى آخِرِهَا ، وَبَيْنَ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ حَيْثُ

اعْتَبَرَ الْمُسَاوَاةَ فِيهَا فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَفِيهِ فِي الْحَالِ ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّفَاوُتَ إذَا ظَهَرَ مَعَ بَقَاءِ الْبَدَلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَلَى الِاسْمِ الَّذِي عُقِدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَهُوَ مُفْسِدٌ لِكَوْنِهِ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَإِذَا ظَهَرَ بَعْدَ زَوَالِ الِاسْمِ الَّذِي عُقِدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ عَنْ الْبَدَلَيْنِ فَلَيْسَ بِمُفْسِدٍ إذَا لَمْ يَكُنْ تَفَاوُتًا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا كَانَ الْعَقْدُ وَارِدًا عَلَى الْبَدَلَيْنِ بِالتَّسْمِيَةِ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِالْإِشَارَةِ إلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الذَّاتُ الْمُشَارُ إلَيْهَا وَهِيَ لَا تَتَبَدَّلُ .

وَلَوْ بَاعَ الْبُسْرَ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْبُسْرَ تَمْرٌ ، بِخِلَافِ الْكُفُرَّى حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا شَاءَ مِنْ التَّمْرِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْرٍ ، فَإِنَّ هَذَا الِاسْمَ لَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا تَنْعَقِدُ صُورَتُهُ لَا قَبْلَهُ ، وَالْكُفَرَّى عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ ، حَتَّى لَوْ بَاعَ التَّمْرَ بِهِ نَسِيئَةً لَا يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ .قَالَ ( وَلَوْ بَاعَ الْبُسْرَ بِالتَّمْرِ إلَخْ ) بَيْعُ الْبُسْرِ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ تَمْرٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّمْرَ اسْمٌ لِثَمَرَةِ النَّخْلِ مِنْ أَوَّلِ مَا تَنْعَقِدُ صُورَتُهُ وَبَيْعُهُ بِهِ مُتَسَاوِيًا مِنْ حَيْثُ الْكَيْلُ يَدًا بِيَدٍ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَبَيْعُ الْكُفُرَّى بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهُوَ كُمُّ النَّخْلِ سُمِّيَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ مَا فِي جَوْفِهِ بِالثَّمَرِ جَائِزٌ مُتَسَاوِيًا وَمُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ ؛ لِأَنَّ الْكُفُرَّى لَيْسَ بِتَمْرٍ لِكَوْنِهِ قَبْلَ انْعِقَادِ الصُّورَةِ ( قَوْلُهُ : وَالْكُفُرَّى عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ ) قِيلَ : هُوَ جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْرِيرُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَمْرًا لَجَازَ إسْلَامُ التَّمْرِ فِي الْكُفُرَّى لَكِنَّهُ لَمْ يَجُزْ .
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّهُ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ، وَتَتَفَاوَتُ آحَادُهُ فِي الْمَالِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ الْإِسْلَامُ فِيهِ لِلْجَهَالَةِ .

قَالَ ( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ وَالسِّمْسِمُ بِالشَّيْرَجِ حَتَّى يَكُونَ الزَّيْتُ وَالشَّيْرَجُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ فَيَكُونَ الدُّهْنُ بِمِثْلِهِ وَالزِّيَادَةُ بِالثَّجِيرِ ) لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَعْرَى عَنْ الرِّبَا إذْ مَا فِيهِ مِنْ الدُّهْنِ مَوْزُونٌ ، وَهَذَا لِأَنَّ مَا فِيهِ لَوْ كَانَ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ ، فَالثَّجِيرُ وَبَعْضُ الدُّهْنِ أَوْ الثَّجِيرُ وَحْدَهُ فَضْلٌ ، وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ مَا فِيهِ لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا ، وَالشُّبْهَةُ فِيهِ كَالْحَقِيقَةِ ، وَالْجَوْزُ بِدُهْنِهِ وَاللَّبَنُ بِسَمْنِهِ وَالْعِنَبُ بِعَصِيرِهِ وَالتَّمْرُ بِدِبْسِهِ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقُطْنِ بِغَزْلِهِ ، وَالْكِرْبَاسُ بِالْقُطْنِ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ بِالْإِجْمَاعِ

قَالَ ( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ إلَخْ ) الزَّيْتُونُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الزَّيْتُ وَالشَّيْرَجُ الدُّهْنُ الْأَبْيَضُ ، وَيُقَالُ لِلْعَصِيرِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ شَيْرَجٌ وَهُوَ تَعْرِيبُ شَيْرَهْ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا مَا يُتَّخَذُ مِنْ السِّمْسِمِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُجَانَسَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ تَكُونُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ وَأُخْرَى بِاعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ .
وَلَا يُعْتَبَرُ الثَّانِي مَعَ وُجُودِ الْأَوَّلِ ، وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُ قَفِيزِ حِنْطَةٍ عِلْكَةٍ بِقَفِيزِ مُسَوِّسَةٍ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الْأَوَّلُ يُعْتَبَرُ الثَّانِي ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ وَالزَّيْتِ مَعَ الزَّيْتُونِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ .
فَإِذَا بِيعَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تُعْلَمَ كَمِّيَّةُ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ الزَّيْتُونِ أَوْ لَا ، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِتَوَهُّمِ الْفَضْلِ الَّذِي هُوَ كَالْمُحَقَّقِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُنْفَصِلُ أَكْثَرَ أَوْ لَا .
وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِتَحَقُّقِ الْفَضْلِ وَهُوَ بَعْضُ الزَّيْتِ وَالثَّجِيرِ إنْ نَقَصَ الْمُنْفَصِلُ عَنْ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الزَّيْتِ وَالثَّجِيرِ وَحْدَهُ : أَيْ سَاوَاهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الثَّجِيرُ ذَا قِيمَةٍ ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَمَا فِي الزُّبْدِ بَعْدَ إخْرَاجِ السَّمْنِ إذَا كَانَ السَّمْنُ الْخَالِصُ مِثْلَ مَا فِي الزُّبْدِ مِنْ السَّمْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْأَوَّلُ جَائِزٌ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَالشَّيْرَجُ بِالسِّمْسِمِ وَالْجَوْزُ بِدُهْنِهِ وَاللَّبَنُ بِسَمْنِهِ وَالْعِنَبُ بِعَصِيرِهِ وَالتَّمْرُ بِدِبْسِهِ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا : السِّمْسِمُ يَشْتَمِلُ عَلَى الشَّيْرَجِ وَالثَّجِيرِ ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ مَنْظُورًا إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ جَوَازُ بَيْعِ الشَّيْرَجِ بِالسِّمْسِمِ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ الشَّيْرَجَ وَزْنِيٌّ وَالسِّمْسِمَ كَيْلِيٌّ ، أَوْ مِنْ

حَيْثُ الْإِفْرَازُ فَيَجُوزُ بَيْعُ السِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ مُتَفَاضِلًا صَرْفًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الدُّهْنِ وَالثَّجِيرِ إلَى خِلَافِ جِنْسِهِ كَمَا إذَا بَاعَ كُرَّ حِنْطَةٍ وَكُرَّ شَعِيرٍ بِثَلَاثَةِ أَكْرَارٍ حِنْطَةٍ وَكُرِّ شَعِيرٍ أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا إمَّا الدُّهْنُ أَوْ الثَّجِيرُ مَنْظُورًا إلَيْهِ فَقَطْ ، وَالثَّانِي مُنْتَفٍ عَادَةً ، وَالْأَوَّلُ يُوجِبُ أَنْ لَا يُقَابَلَ الثَّجِيرُ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّهْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ هُوَ الْمَجْمُوعُ مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَادُ ، وَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ بَيْعِ السِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ مُتَفَاضِلًا .
قَوْلُهُ : صَرْفًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الدُّهْنِ وَالثَّجِيرِ إلَى خِلَافِ جِنْسِهِ .
قُلْنَا : ذَاكَ إذَا كَانَا مُنْفَصِلَيْنِ خِلْقَةً كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ لِظُهُورِ كَمَالِ الْجِنْسِيَّةِ حِينَئِذٍ وَالدُّهْنُ وَالثَّجِيرُ لَيْسَا كَذَلِكَ .
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ بَيْعِ الْقُطْنِ بِغَزْلِهِ مُتَسَاوِيًا فَقِيلَ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْقُطْنَ يَنْقُصُ بِالْغَزْلِ فَهُوَ نَظِيرُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ ، وَقِيلَ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا وَاحِدٌ فَكِلَاهُمَا مَوْزُونٌ ، وَإِنْ خَرَجَا عَنْ الْوَزْنِ أَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْوَزْنِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ وَاحِدٍ بِاثْنَيْنِ ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ .
وَبَيْعُ الْغَزْلِ بِالثَّوْبِ جَائِزٌ وَالْكِرْبَاسِ بِالْقُطْنِ جَائِزٌ كَيْفَمَا كَانَ بِالْإِجْمَاعِ ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ بَيْعَ الْقُطْنِ بِالثَّوْبِ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا .

قَالَ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا ) وَمُرَادُهُ لَحْمُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ؛ فَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْجَوَامِيسُ جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَكَذَا الْمَعْزُ مَعَ الضَّأْنِ وَكَذَا الْعِرَابُ مَعَ الْبَخَاتِيِّ .
قَالَ ( وَكَذَلِكَ أَلْبَانُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ) وَعَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ .
وَلَنَا أَنَّ الْأُصُولَ مُخْتَلِفَةٌ حَتَّى لَا يَكْمُلَ نِصَابُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ ، فَكَذَا أَجْزَاؤُهَا إذَا لَمْ تَتَبَدَّلْ بِالصَّنْعَةِ .
قَالَ ( وَكَذَا خَلُّ الدَّقَلِ بِخَلِّ الْعِنَبِ ) لِلِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَصْلَيْهِمَا ، فَكَذَا بَيْنَ مَاءَيْهِمَا وَلِهَذَا كَانَ عَصِيرَاهُمَا جِنْسَيْنِ .
وَشَعْرُ الْمَعْزِ وَصُوفُ الْغَنَمِ جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ .

( قَالَ : وَيَجُوزُ بَيْعُ اللُّحْمَانِ إلَخْ ) كُلُّ مَا يَكْمُلُ بِهِ نِصَابُ الْآخَرِ مِنْ الْحَيَوَانِ فِي الزَّكَاةِ لَا يُوصَفُ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ كَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ مُتَفَاضِلًا .
وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَالْعِرَابُ وَالْبَخَاتِيُّ وَالْمَعْزُ وَالضَّأْنُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا ، وَكُلُّ مَا لَا يَكْمُلُ بِهِ نِصَابُ الْآخَرِ فَهُوَ يُوصَفُ بِالِاخْتِلَافِ كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَيَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا وَكَذَلِكَ الْأَلْبَانُ .
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ اللَّحْمِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ التَّغَذِّي وَالتَّقَوِّي فَكَانَ الْجِنْسُ مُتَّحِدًا .
وَلَنَا أَنَّهَا فُرُوعُ أُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَاخْتِلَافُ الْأَصْلِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْفَرْعِ ضَرُورَةً كَالْأَدْهَانِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الِاتِّحَادِ فِي التَّغَذِّي فَذَلِكَ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى الْعَامِّ كَالطَّعْمِ فِي الْمَطْعُومَاتِ وَالتَّفَكُّهِ فِي الْفَوَاكِهِ ، وَالْمُعْتَبَرُ الِاتِّحَادُ فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ ، وَلَا يُشْكِلُ بِالطُّيُورِ فَإِنَّ بَيْعَ لَحْمِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا يَجُوزُ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ ؛ لِأَنَّ ذَاكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يُوزَنُ عَادَةً فَلَيْسَ بِوَزْنِيٍّ وَلَا كَيْلِيٍّ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْقَدْرُ الشَّرْعِيُّ ، وَفِي مِثْلِهِ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا ( قَوْلُهُ : إذَا لَمْ تَتَبَدَّلْ بِالصَّنْعَةِ ) قِيلَ مُرَادُهُ أَنَّ اتِّحَادَ الْأُصُولِ يُوجِبُ اتِّحَادَ الْفُرُوعِ وَالْأَجْزَاءِ إذَا لَمْ تَتَبَدَّلْ بِالصَّنْعَةِ ، فَإِذَا تَبَدَّلَتْ الْأَجْزَاءُ بِالصَّنْعَةِ تَكُونُ مُخْتَلِفَةً ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ مُتَّحِدًا كَالْهَرَوِيِّ وَالْمَرْوِيِّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي اخْتِلَافِ الْأُصُولِ لَا فِي اتِّحَادِهَا ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : اخْتِلَافُ الْأُصُولِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْأَجْزَاءِ إذَا لَمْ تَتَبَدَّلْ بِالصَّنْعَةِ ، وَأَمَّا إذَا تَبَدَّلَتْ فَلَا تُوجِبُهُ ، وَإِنَّمَا تُوجِبُ الِاتِّحَادَ ، فَإِنَّ الصَّنْعَةَ كَمَا تُؤَثِّرُ فِي تَغَيُّرِ

الْأَجْنَاسِ مَعَ اتِّحَادِ الْأَصْلِ كَالْهَرَوِيِّ مَعَ الْمَرْوِيِّ مَعَ اتِّحَادِهِمَا فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْقُطْنُ كَذَلِكَ تُؤَثِّرُ فِي اتِّحَادِهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْأَصْلِ كَالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْغِشِّ مِثْلِ الْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ إذَا كَانَتْ الْفِضَّةُ غَالِبَةً فَإِنَّهَا مُتَّحِدَةٌ فِي الْحُكْمِ بِالصَّنْعَةِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأُصُولِ .
قَالَ ( وَكَذَا خَلُّ الدَّقَلِ بِخَلِّ الْعِنَبِ إلَخْ ) الدَّقَلُ هُوَ أَرْدَأُ التَّمْرِ ، وَبَيْعُ خَلِّهِ بِخَلِّ الْعِنَبِ مُتَفَاضِلًا جَائِزٌ يَدًا بِيَدٍ وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ التُّمُورِ .
وَلَمَّا كَانُوا يَجْعَلُونَ الْخَلَّ مِنْ الدَّقَلِ غَالِبًا أَخْرَجَ الْكَلَامَ عَلَى مَجْرَى الْعَادَةِ ، وَإِنَّمَا جَازَ التَّفَاضُلُ لِلِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَصْلَيْهِمَا وَلِهَذَا كَانَ عَصِيرَاهُمَا : يَعْنِي الدَّقَلَ وَالْعِنَبَ جِنْسَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ ( وَشَعْرُ الْمَعْزِ وَصُوفُ الْغَنَمِ جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ ) فَجَازَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَقْصُودِ كَالتَّبَدُّلِ بِالصَّنْعَةِ فِي تَغْيِيرِ الْأَجْزَاءِ مَعَ اتِّحَادِ الْأَصْلِ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْمَقْصُودُ فَاخْتِلَافُهُ يُوجِبُ التَّغْيِيرَ وَاخْتِلَافُ الْمَقْصُودِ فِيهِمَا ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ الشَّعْرَ يُتَّخَذُ مِنْهُ الْحِبَالُ الصُّلْبَةُ وَالْمُسُوحُ ، وَالصُّوفُ يُتَّخَذُ مِنْهُ اللُّبُودُ وَاللِّفَافَةُ .
لَا يُقَالُ : لَوْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ بِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ لَمَا جَازَ بَيْعُ لَبَنِ الْبَقَرِ بِلَبَنِ الْغَنَمِ مُتَفَاضِلًا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا مُتَّحِدٌ فَكَانَ الْجِنْسُ مُتَّحِدًا ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ لَبَنَ الْبَقَرِ قَدْ يَضُرُّ حِينَ لَا يَضُرُّ لَبَنُ الْغَنَمِ فَلَا يَتَّحِدُ الْقَصْدُ إلَيْهِمَا .
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : قُلْنَا إنَّ اخْتِلَافَ الْمَقْصُودِ قَدْ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْأُصُولِ ، وَلَمْ نَقُلْ اتِّحَادُ الْمَقْصُودِ يُوجِبُ الِاتِّحَادَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْأُصُولِ ، فَالْأَصْلُ أَنْ يُوجِبَ اخْتِلَافُ الْأُصُولِ اخْتِلَافَ الْأَجْزَاءِ

وَالْفُرُوعِ إلَّا عِنْدَ التَّبَدُّلِ بِالصَّنْعَةِ ، وَأَنْ يُوجِبَ اتِّحَادُ الْأُصُولِ اتِّحَادَ الْفُرُوعِ إلَّا عِنْدَ التَّبَدُّلِ بِالصَّنْعَةِ أَوْ اخْتِلَافُ الْمَقْصُودِ بِالْفُرُوعِ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ نَقْضٌ ، وَمِنْ هَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ مَانِعٌ رَاجِحٌ فَلَا يُعَارِضُهُ اتِّحَادُ الْأَصْلِ ، وَيَسْقُطُ مَا قِيلَ شَعْرُ الْمَعْزِ وَصُوفُ الْغَنَمِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَصْلِ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَبِالنَّظَرِ إلَى الْمَقْصُودِ جِنْسَانِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْحُرْمَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَاجِحٌ

قَالَ ( وَكَذَا شَحْمُ الْبَطْنِ بِالْأَلْيَةِ أَوْ بِاللَّحْمِ ) لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ وَالْمَعَانِي وَالْمَنَافِعِ اخْتِلَافًا فَاحِشًا .قَالَ ( وَكَذَا شَحْمُ الْبَطْنِ بِالْأَلْيَةِ أَوْ بِاللَّحْمِ ) جَائِزٌ ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ وَالْمَعَانِي وَالْمَنَافِعِ اخْتِلَافًا فَاحِشًا ، أَمَّا اخْتِلَافُ الصُّوَرِ فَلِأَنَّ الصُّورَةَ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ فِي الذِّهْنِ عِنْدَ تَصَوُّرِهِ ، وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ عِنْدَ تَصَوُّرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ .
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْمَعَانِي فَلِأَنَّهُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ لَا مَحَالَةَ .
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْمَنَافِعِ فَكَافِلَةُ الطِّبِّ .

قَالَ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ مُتَفَاضِلًا ) لِأَنَّ الْخُبْزَ صَارَ عَدَدِيًّا أَوْ مَوْزُونًا فَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكِيلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْحِنْطَةُ مَكِيلَةٌ .
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ ، وَهَذَا إذَا كَانَا نَقْدَيْنِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ نَسِيئَةً جَازَ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ الْخُبْزُ نَسِيئَةً يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ، وَكَذَا السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ جَائِزٌ فِي الصَّحِيحِ ، وَلَا خَيْرَ فِي اسْتِقْرَاضِهِ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِالْخُبْزِ وَالْخَبَّازِ وَالتَّنُّورِ وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ .
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجُوزُ بِهِمَا لِلتَّعَامُلِ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجُوزُ وَزْنًا وَلَا يَجُوزُ عَدَدًا لِلتَّفَاوُتِ فِي آحَادِهِ .

قَالَ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْحِنْطَةِ ) بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَالَ كَوْنِهِمَا نَقْدَيْنِ أَوْ حَالَ كَوْنِ أَحَدِهِمَا نَقْدًا وَالْآخَرِ نَسِيئَةً ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَدَدِيًّا أَوْ مَوْزُونًا فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَكِيلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْحِنْطَةُ مَكِيلَةٌ فَاخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ وَجَازَ التَّفَاضُلُ ( وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ) وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ : أَيْ لَا يَجُوزُ ، وَالتَّرْكِيبُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي النَّهْيِ ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ نَفْيَ جَمِيعِ جِهَاتِ الْخَيْرِ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ الْحِنْطَةُ وَالدَّقِيقُ نَسِيئَةً أَوْ الْخُبْزُ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ مَوْزُونًا فِي مَكِيلٍ يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَتِهِ وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِهِ .
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ فِي مَوْزُونٍ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا لِمَا نَذْكُرُ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ) وَهَذَا يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ وَكَذَا السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ جَائِزٌ فِي الصَّحِيحِ : يَعْنِي قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْفَتْوَى عَلَى ذَلِكَ لِحَاجَةِ النَّاسِ ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يُحْتَاطَ وَقْتُ الْقَبْضِ حَتَّى يَقْبِضَ مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي سَمَّى لِئَلَّا يَصِيرَ اسْتِبْدَالًا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَلَا خَيْرَ فِي اسْتِقْرَاضِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِالْخُبْزِ مِنْ حَيْثُ الطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالْغِلَظُ وَالرِّقَّةُ ، وَبِالْخَبَّازِ بِاعْتِبَارِ حِذْقِهِ وَعَدَمِهِ ، وَبِالتَّنُّورِ فِي كَوْنِهِ جَدِيدًا فَيَجِيءُ خُبْزُهُ جَيِّدًا أَوْ عَتِيقًا فَيَكُونُ بِخِلَافِهِ ، وَبِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ فَإِنَّهُ فِي أَوَّلِ التَّنُّورِ لَا يَجِيءُ مِثْلَ مَا فِي آخِرِهِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَانِعُ عَنْ جَوَازِ السَّلَمِ عِنْدَهُمَا .
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ عَدَدًا وَوَزْنًا ، تُرِكَ قِيَاسُ السَّلَمِ

فِيهِ لِلتَّعَامُلِ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ وَزْنًا وَلَا يَجُوزُ عَدَدًا لِلتَّفَاوُتِ فِي آحَادِهِ .

قَالَ ( وَلَا رِبَا بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ ) لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لِمَوْلَاهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا ، وَهَذَا إذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ لَيْسَ مِلْكَ الْمَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعِنْدَهُمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ فَصَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ فَيَتَحَقَّقَ الرِّبَا كَمَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُكَاتَبِهِ .قَالَ ( وَلَا رِبَا بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ ) لَا رِبَا بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ مُحِيطٌ بِرَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لِمَوْلَاهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْبَيْعُ وَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا ، فَعَدَمُ تَحَقُّقِ الرِّبَا بَعْدَ وُجُودِ الْبَيْعِ بِحَقِيقَتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مُشْتَمِلًا عَلَى شَرَائِطِ الرِّبَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ ( فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ لَيْسَ مِلْكًا لِمَوْلَاهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعِنْدَهُمَا ) وَإِنْ كَانَ مِلْكَهُ ، لَكِنْ لَمَّا ( تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ ) صَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ فَيَتَحَقَّقُ الرِّبَا كَمَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَمَوْلَاهُ .

قَالَ ( وَلَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ) خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ .
لَهُمَا الِاعْتِبَارُ بِالْمُسْتَأْمَنِ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا .
وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ } " وَلِأَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ فِي دَارِهِمْ فَبِأَيِّ طَرِيقٍ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُ أَخَذَ مَالًا مُبَاحًا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَدْرٌ ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمِنِ مِنْهُمْ لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَحْظُورًا بِعَقْدِ الْأَمَانِ .قَالَ ( وَلَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ) لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ .
لَهُمَا الِاعْتِبَارُ بِالْمُسْتَأْمَنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِنَا ، فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَبَاعَ دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فَكَذَا إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ وَفَعَلَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِجَامِعِ تَحَقُّقِ الْفَضْلِ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ الْبَيْعِ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ مَا رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ } ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ؛ وَلِأَنَّ مَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِهِمْ مُبَاحٌ بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَالْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْ أَخْذِهِ لِعَقْدِ الْأَمَانِ حَتَّى لَا يَلْزَمَ الْغَدْرُ ، فَإِذَا بَذَلَ الْحَرْبِيُّ مَالَهُ بِرِضَاهُ زَالَ الْمَعْنَى الَّذِي حُظِرَ لِأَجْلِهِ ( قَوْلُهُ : بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسٍ .
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَخْذُ مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَحْظُورًا بِعَقْدِ الْأَمَانِ وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ .

( بَابُ الْحُقُوقِ ) ( وَمَنْ اشْتَرَى مَنْزِلًا فَوْقَهُ مَنْزِلٌ فَلَيْسَ لَهُ الْأَعْلَى إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ أَوْ بِمَرَافِقِهِ أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهِ أَوْ مِنْهُ .
وَمَنْ اشْتَرَى بَيْتًا فَوْقَهُ بَيْتٌ بِكُلِّ حَقٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَعْلَى ، وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا بِحُدُودِهَا فَلَهُ الْعُلُوُّ وَالْكَنِيفُ ) جَمَعَ بَيْنَ الْمَنْزِلِ وَالْبَيْتِ وَالدَّارِ ، فَاسْمُ الدَّارِ يَنْتَظِمُ الْعُلُوَّ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا أُدِيرَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ ، وَالْعُلُوُّ مِنْ تَوَابِعِ الْأَصْلِ وَأَجْزَائِهِ فَيَدْخُلَ فِيهِ .
وَالْبَيْتُ اسْمٌ لِمَا يُبَاتُ فِيهِ ، وَالْعُلُوُّ مِثْلُهُ ، وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِمِثْلِهِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ ، وَالْمَنْزِلُ بَيْنَ الدَّارِ وَالْبَيْتِ لِأَنَّهُ يَتَأَتَّى فِيهِ مَرَافِقُ السُّكْنَى مَعَ ضَرْبِ قُصُورٍ إذْ لَا يَكُونُ فِيهِ مَنْزِلُ الدَّوَابِّ ، فَلِشَبَهِهِ بِالدَّارِ يَدْخُلُ الْعُلُوُّ فِيهِ تَبَعًا عِنْدَ ذِكْرِ التَّوَابِعِ ، وَلِشَبَهِهِ بِالْبَيْتِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ بِدُونِهِ .
وَقِيلَ فِي عُرْفِنَا يَدْخُلُ الْعُلُوُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَسْكَنٍ يُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ خَانَهُ وَلَا يَخْلُو عَنْ عُلُوٍّ ، وَكَمَا يَدْخُلُ الْعُلُوُّ فِي اسْمِ الدَّارِ يَدْخُلُ الْكَنِيفُ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ ، وَلَا تَدْخُلُ الظُّلَّةُ إلَّا بِذِكْرِ مَا ذَكَرْنَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى هَوَاءِ الطَّرِيقِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ .
وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ مِفْتَحُهُ فِي الدَّارِ يَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ فَشَابَهَ الْكَنِيفَ .

بَابُ الْحُقُوقِ ) قِيلَ : كَانَ مِنْ حَقِّ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ أَنْ تُذْكَرَ فِي الْفَصْلِ الْمُتَّصِلِ بِأَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ ، إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ الْتَزَمَ تَرْتِيبَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْمُرَتَّبِ بِمَا هُوَ مِنْ مَسَائِلِهِ وَهُنَاكَ هَكَذَا وَقَعَ ، وَكَذَا هَاهُنَا ، وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ تَوَابِعُ فَيَلِيقُ ذِكْرُهَا بَعْدَ ذِكْرِ مَسَائِلِ الْمَتْبُوعِ .
قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى مَنْزِلًا فَوْقَهُ مَنْزِلٌ ) ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَسْمَاءٍ : الْمَنْزِلُ وَالْبَيْتُ وَالدَّارُ ، فَسَّرَهُ لِيُبَيِّنَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كُلِّ اسْمٍ مِنْهَا مِنْ الِاحْتِيَاجِ إلَى تَصْرِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَرَافِقِ لِدُخُولِهَا وَعَدَمِهِ .
قَالَ : الدَّارُ اسْمٌ لِمَا أُدِيرَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ ، وَالْبَيْتُ اسْمٌ لِمَا يُبَاتُ فِيهِ ، وَالْمَنْزِلُ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالدَّارِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ مَرَافِقُ السُّكْنَى مَعَ ضَرْبِ قُصُورٍ لِعَدَمِ اشْتِمَالِهِ عَلَى مَنْزِلِ الدَّوَابِّ .
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَمَنْ اشْتَرَى مَنْزِلًا فَوْقَهُ مَنْزِلٌ لَا يَدْخُلُ الْأَعْلَى فِي الْعَقْدِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ ، وَيُصَرِّحَ بِذِكْرِ إحْدَى هَذِهِ الْعِبَارَاتِ الثَّلَاثِ بِأَنْ يَقُولَ : بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ أَوْ بِمَرَافِقِهِ ، أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهِ أَوْ مِنْهُ ( وَمَنْ اشْتَرَى بَيْتًا فَوْقَهُ بَيْتٌ ) وَذَكَرَ إحْدَى الْعِبَارَاتِ الثَّلَاثِ ( لَمْ يَدْخُلُ الْأَعْلَى .
وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا بِحُدُودِهَا ) وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ( دَخَلَ فِيهِ الْعُلُوُّ وَالْكَنِيفُ ) وَهَذَا ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَمَّا كَانَ اسْمًا لِمَا أُدِيرَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ وَالْعُلُوُّ لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْهَا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْأَصْلِ وَأَجْزَائِهِ دَخَلَ فِيهِ ، وَالْبَيْتُ اسْمٌ لِمَا يُبَاتُ فِيهِ ، وَالْعُلُوُّ مِثْلُهُ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ بِذِكْرِهِ ، وَإِلَّا لَكَانَ الشَّيْءُ تَابِعًا لِمِثْلِهِ ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ .
وَلَا يُشْكِلُ بِالْمُسْتَعِيرِ ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعَبِّرَ فِيمَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِ وَالْمَكَاتِبِ ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ ؛

لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّبَعِيَّةِ هَاهُنَا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِشَيْءٍ يَتْبَعُهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ الدَّلَالَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظٍ عَامٍّ يَتَنَاوَلُ الْأَفْرَادَ ، إذْ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي مَعْلُومٍ ، وَلَا مِنْ لَوَازِمِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْإِعَارَةِ وَالْكِتَابَةِ ذَلِكَ فَإِنَّ لَفْظَ الْمُعِيرِ أَعَرْتُك لَمْ يَتَنَاوَلْ عَارِيَّةَ الْمُسْتَعِيرِ أَصْلًا لَا تَبَعًا وَلَا أَصَالَةً ، وَإِنَّمَا مَلَكَ الْإِعَارَةَ ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ .
وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا جَازَ أَنْ يُمَلِّكَهُ لِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا لَا يُمْلَكُ فِيمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِ حَذَرًا مِنْ وُقُوعِ التَّغَيُّرِ بِهِ ، وَالْمُكَاتَبُ لَمَّا اُخْتُصَّ بِمَكَاسِبِهِ كَانَ أَحَقَّ بِتَصَرُّفِ مَا يُوصِلُهُ إلَى مَقْصُودِهِ وَفِي كِتَابَةِ عَبْدِهِ تَسَبُّبٌ إلَى مَا يُوصِلُهُ إلَى ذَلِكَ فَكَانَتْ جَائِزَةً .
وَأَمَّا الْمَنْزِلُ فَلَمَّا كَانَ شَبِيهًا بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَخَذَ حَظًّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلِشَبَهِهِ بِالدَّارِ يَدْخُلُ الْعُلُوُّ فِيهِ تَبَعًا عِنْدَ ذِكْرِ التَّوَابِعِ ، وَلِشَبَهِهِ بِالْبَيْتِ لَا يَدْخُلُ بِدُونِهِ .
( وَقِيلَ فِي عُرْفِنَا يَدْخُلُ الْعُلُوُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ) أَيْ الدَّارِ وَالْبَيْتِ وَالْمَنْزِلِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يُسَمَّى خَانَهُ وَلَا يَخْلُو عَنْ عُلُوٍّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْخُلُوَّ وَعَدَمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الدَّلِيلِ ، وَيُقَالُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْبَيْتَ فِي عُرْفِنَا لَا يَخْلُو عَنْ عُلُوٍّ ، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُرْفِنَا فَكَانَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ مَتْرُوكًا بِالْعُرْفِ وَكَمَا يَدْخُلُ الْعُلُوُّ فِي اسْمِ الدَّارِ يَدْخُلُ الْكَنِيفُ وَهُوَ الْمُسْتَرَاحُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ ، وَلَا تَدْخُلُ الظُّلَّةُ وَهُوَ السَّابَاطُ الَّذِي يَكُونُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى الدَّارِ الْمَبِيعَةِ وَالطَّرَفُ الْآخَرُ عَلَى دَارٍ أُخْرَى أَوْ عَلَى الْأُسْطُوَانَاتِ فِي السِّكَّةِ وَمِفْتَحُهُ فِي الدَّارِ ، كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ وَفِي الْمُغْرِبِ .
وَقَوْلُ

الْفُقَهَاءِ ظُلَّةُ الدَّارِ يُرِيدُونَ السُّدَّةَ الَّتِي فَوْقَ الْبَابِ إلَّا بِذِكْرِ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ قَوْلُهُ : بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى هَوَاءِ الطَّرِيقِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ .
وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ مِفْتَحُهُ فِي الدَّارِ يَدْخُلْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا : يَعْنِي مِنْ الْعِبَارَاتِ الْمَذْكُورَةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ فَشَابَهَ الْكَنِيفَ .
وَقَوْلُهُ : إنْ كَانَ مِفْتَحُهُ فِي الدَّارِ يُضْعِفُ قَوْلَ قَاضِي خَانْ فِي تَعْرِيفِ الظُّلَّةِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمِفْتَحَ فِي الدَّارِ .

قَالَ : وَمَنْ اشْتَرَى بَيْتًا فِي دَارٍ أَوْ مَنْزِلًا أَوْ مَسْكَنًا لَمْ يَكُنْ لَهُ الطَّرِيقُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ أَوْ بِمَرَافِقِهِ أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ ، ( وَكَذَا الشُّرْبُ وَالْمَسِيلُ ) لِأَنَّهُ خَارِجُ الْحُدُودِ إلَّا أَنَّهُ مِنْ التَّوَابِعِ فَيَدْخُلَ بِذِكْرِ التَّوَابِعِ ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلِانْتِفَاعِ فَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهِ ، إذْ الْمُسْتَأْجِرُ لَا يَشْتَرِي الطَّرِيقَ عَادَةً وَلَا يَسْتَأْجِرُهُ فَيَدْخُلَ تَحْصِيلًا لِلْفَائِدَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ ، أَمَّا الِانْتِفَاعُ بِالْمَبِيعِ مُمْكِنٌ بِدُونِهِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ عَادَةً يَشْتَرِيهِ ، وَقَدْ يَتَّجِرُ فِيهِ فَيَبِيعُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَحَصَلَتْ الْفَائِدَةُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى بَيْتًا فِي دَارٍ أَوْ مَنْزِلًا أَوْ مَسْكَنًا لَمْ يَكُنْ لَهُ الطَّرِيقُ ) إلَّا أَنْ يَذْكُرَ إحْدَى الْعِبَارَاتِ الثَّلَاثِ ( وَكَذَا الشُّرْبُ وَالْمَسِيلُ ) ؛ لِأَنَّهُ خَارِجَ الْحُدُودِ لَكِنَّهُ مِنْ التَّوَابِعِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ نَظَرًا إلَى الْأَوَّلِ ، وَدَخَلَ بِذِكْرِ التَّوَابِعِ : أَيْ بِقَوْلِهِ كُلُّ حَقٍّ نَظَرًا إلَى الثَّانِي ( بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ ) فَإِنَّ الطَّرِيقَ تُدْخِلُ اسْتِئْجَارَ الدُّورِ وَالْمَسِيلِ وَالشِّرْبِ فِي اسْتِئْجَارِ الْأَرَاضِي وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ الْحُقُوقُ وَالْمَرَافِقُ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْعَقِدُ لِتَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ ، وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ فِيمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْحَالِ كَالْأَرْضِ السَّبِخَةِ وَالْمُهْرِ الصَّغِيرِ ، وَبِالِانْتِفَاعِ بِالدَّارِ بِدُونِ الطَّرِيقِ وَبِالْأَرْضِ بِدُونِ الشِّرْبِ وَالْمَسِيلِ لَا يَتَحَقَّقُ إذْ الْمُسْتَأْجِرُ لَا يَشْتَرِي الطَّرِيقَ عَادَةً وَلَا يَسْتَأْجِرُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الدُّخُولِ تَحْصِيلًا لِلْفَائِدَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ .
وَأَمَّا الْبَيْعُ فَلِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ لَا الْمَنْفَعَةِ ، وَلِهَذَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْحَالِ كَالْأَرْضِ السَّبِخَةِ وَالْمُهْرِ ، وَالِانْتِفَاعُ بِالْمَبِيعِ مُمْكِنٌ بِدُونِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَشْتَرِي الطَّرِيقَ وَالشِّرْبَ وَالْمَسِيلَ عَادَةً ، وَوَحَّدَ الضَّمِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَوْ بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ يَسْتَأْجِرُهَا أَيْضًا ، وَقَدْ تَكُونُ مَقْصُودَةَ التِّجَارَةِ فَبَيْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَحَصَلَتْ الْفَائِدَةُ الْمَطْلُوبَةُ .

( بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ ) ( وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا وَوَلَدَهَا ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِرَجُلٍ لَمْ يَتْبَعْهَا وَلَدُهَا ) وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ فَإِنَّهَا كَاسْمِهَا مُبَيَّنَةٌ فَيَظْهَرُ بِهَا مِلْكُهُ مِنْ الْأَصْلِ وَالْوَلَدُ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا فَيَكُونُ لَهُ ، أَمَّا الْإِقْرَارُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ يُثْبِتُ الْمِلْكَ فِي الْمُخْبَرِ بِهِ ضَرُورَةُ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ ، وَقَدْ انْدَفَعَتْ بِإِثْبَاتِهِ بَعْدَ الِانْفِصَالِ فَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ لَهُ .
ثُمَّ قِيلَ : يَدْخُلُ الْوَلَدُ فِي الْقَضَاءِ بِالْأُمِّ تَبَعًا ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ بِالْوَلَدِ وَإِلَيْهِ تُشِيرُ الْمَسَائِلُ ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالزَّوَائِدِ .
قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا تَدْخُلُ الزَّوَائِدُ فِي الْحُكْمِ ، فَكَذَا الْوَلَدُ إذَا كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ بِالْأُمِّ تَبَعًا .

( بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ ) : ذَكَرَ هَذَا الْبَابَ عَقِيبَ بَابِ الْحُقُوقِ لِلْمُنَاسَبَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا لَفْظًا وَمَعْنًى .
قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ ) لَا بِاسْتِيلَادِهِ ( فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا وَوَلَدَهَا ) وَإِنْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِهَا لِرَجُلٍ لَمْ يَتْبَعْهَا وَلَدُهَا .
وَوَجْهُ الْفَرْقِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً ، وَلِهَذَا إذَا أَقَامَهَا وَلَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ وَتَرُدُّ جَمِيعُ الْبَاعَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَيَظْهَرُ بِهَا مِلْكُهُ مِنْ الْأَصْلِ وَالْوَلَدُ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا وَيَتَفَرَّعُ عَنْهَا وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ فَيَكُونُ لَهُ .
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَحُجَّةٌ قَاصِرَةٌ لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْغَيْرِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْمُخْبَرِ بِهِ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ وَالْإِخْبَارَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُخْبِرٍ بِهِ ، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَهِيَ تَنْدَفِعُ بِإِثْبَاتِهِ بَعْدَ الِانْفِصَالِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى الْحَالِ فَلَا يَظْهَرُ مِلْكُ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ الْأَصْلِ ، وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ وَلَا الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ لَهُ : يَعْنِي إذَا لَمْ يَدَّعِ الْمُقَرُّ لَهُ الْوَلَدَ ، أَمَّا إذَا ادَّعَى الْوَلَدَ كَانَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَهُ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ .
ثُمَّ إذَا قُضِيَ بِالْأُمِّ لِلْمُسْتَحِقِّ بِالْبَيِّنَةِ هَلْ يَدْخُلُ الْوَلَدُ فِي الْقَضَاءِ بِالْأُمِّ تَبَعًا أَمْ لَا ؟ قِيلَ يَدْخُلُ لِتَبَعِيَّتِهِ لَهَا ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ بِالْوَلَدِ عَلَى حِدَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ الْقَضَاءِ مُنْفَصِلٌ عَنْ الْأُمِّ فَكَانَ مُسْتَبِدًّا فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ ، قِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْمَسَائِلَ تُشِيرُ إلَى ذَلِكَ .
قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : إذَا قَضَى الْقَاضِي بِالْأَصْلِ وَلَمْ يَعْرِفْ الزَّوَائِدَ

لَمْ تَدْخُلْ الزَّوَائِدُ تَحْتَ الْحُكْمِ وَكَذَا الْوَلَدُ إذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ غَائِبٍ فَالْقَضَاءُ بِالْأُمِّ لَا يَكُونُ قَضَاءً بِالْوَلَدِ .

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَإِذَا هُوَ حُرٌّ وَقَدْ قَالَ الْعَبْدُ لِلْمُشْتَرِي اشْتَرِنِي فَإِنِّي عَبْدٌ لَهُ ) ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً مَعْرُوفَةً لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ لَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَبْدِ وَرَجَعَ هُوَ عَلَى الْبَائِعِقَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَإِذَا هُوَ حُرٌّ إلَخْ ) رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ اشْتَرِنِي فَإِنِّي عَبْدٌ فَاشْتَرَاهُ فَإِذَا هُوَ حُرٌّ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً مَعْرُوفَةً ( وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً لَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ ) فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَبْدِ وَالْعَبْدُ عَلَى الْبَائِعِ ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إنِّي عَبْدٌ لَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ فِي قَوْلِهِمْ .

وَإِنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا مُقِرًّا بِالْعُبُودِيَّةِ فَوَجَدَهُ حُرًّا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهِمَا لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِالْمُعَاوَضَةِ أَوْ بِالْكَفَالَةِ وَالْمَوْجُودُ لَيْسَ إلَّا الْإِخْبَارُ كَاذِبًا فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ الْأَجْنَبِيُّ ذَلِكَ أَوْ قَالَ الْعَبْدُ ارْتَهِنِّي فَإِنِّي عَبْدٌ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ .
وَلَهُمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ شَرَعَ فِي الشِّرَاءِ مُعْتَمِدًا عَلَى مَا أَمَرَهُ وَإِقْرَارِهِ أَنِّي عَبْدٌ ، إذْ الْقَوْلُ لَهُ فِي الْحُرِّيَّةِ فَيُجْعَلُ الْعَبْدُ بِالْأَمْرِ بِالشِّرَاءِ ضَامِنًا لِلثَّمَنِ لَهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ رُجُوعِهِ عَلَى الْبَائِعِ دَفْعًا لِلْغُرُورِ وَالضَّرَرِ ، وَلَا تَعَذُّرَ إلَّا فِيمَا لَا يُعْرَفُ مَكَانُهُ ، وَالْبَيْعُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَأَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ الْآمِرُ بِهِ ضَامِنًا لِلسَّلَامَةِ كَمَا هُوَ مُوجِبُهُ ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ بَلْ هُوَ وَثِيقَةٌ لِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ حَقِّهِ حَتَّى يَجُوزَ الرَّهْنُ بِبَدَلِ الصَّرْفِ وَالْمُسَلَّمِ فِيهِ مَعَ حُرْمَةِ الِاسْتِبْدَالِ فَلَا يُجْعَلُ الْأَمْرُ بِهِ ضَمَانًا لِلسَّلَامَةِ ، وَبِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّهُ لَا يُعْبَأُ بِقَوْلِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْغُرُورُ .
وَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا قَوْلُ الْمَوْلَى بَايِعُوا عَبْدِي هَذَا فَإِنِّي قَدْ أَذِنْت لَهُ ثُمَّ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فَإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ ، ثُمَّ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ ضَرْبُ إشْكَالٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّ الدَّعْوَى شَرْطٌ فِي حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ عِنْدَهُ ، وَالتَّنَاقُضُ يُفْسِدُ الدَّعْوَى .
وَقِيلَ إذَا كَانَ الْوَضْعُ فِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ فَالدَّعْوَى فِيهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُ لِتَضَمُّنِهِ تَحْرِيمَ فَرْجِ الْأُمِّ .
وَقِيلَ هُوَ شَرْطٌ لَكِنَّ التَّنَاقُضَ غَيْرُ مَانِعٍ لِخَفَاءِ الْعَلُوقِ وَإِنْ كَانَ الْوَضْعُ فِي الْإِعْتَاقِ فَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ لِاسْتِبْدَادِ الْمَوْلَى بِهِ فَصَارَ كَالْمُخْتَلِعَةِ تُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ قَبْلَ

الْخُلْعِ وَالْمُكَاتَبِ يُقِيمُهَا عَلَى الْإِعْتَاقِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ .

وَإِنْ قَالَ ارْتَهِنِّي فَإِنَى عَبْدٌ فَوَجَدَهُ حُرًّا لَمْ يَرْجِعْ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعَبْدِ بِحَالٍ : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الرَّاهِنُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا أَيَّةَ غَيْبَةٍ كَانَتْ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي هَذَا الْعَقْدِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْمُعَاوَضَةِ أَوْ بِالْكَفَالَةِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِمَوْجُودٍ ، وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ هُوَ الْإِخْبَارُ كَاذِبًا فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ الْأَجْنَبِيُّ ذَلِكَ أَوْ قَالَ ارْتَهِنِّي فَإِنِّي عَبْدٌ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ .
وَلَهُمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اعْتَمَدَ فِي شِرَائِهِ عَلَى أَمْرِهِ بِقَوْلِهِ اشْتَرِنِي وَإِقْرَارِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ بِقَوْلِهِ فَإِنِّي عَبْدٌ إذْ الْقَوْلُ قَوْلُهُ : فِي الْحُرِّيَّةِ ، فَحِينَ أَقَرَّ بِالْعُبُودِيَّةِ غَلَبَ ظَنُّ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ وَالْمُعْتَمَدُ عَلَى الشَّيْءِ بِأَمْرِ الْغَيْرِ وَإِقْرَارِهِ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ وَالْغُرُورُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي سَلَامَةَ الْعِوَضِ يُجْعَلُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ دَفْعًا لِلْغُرُورِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ كَمَا فِي الْمَوْلَى إذَا قَالَ لِأَهْلِ السُّوقِ هَذَا عَبْدِي وَقَدْ أَذِنْت لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَبَايَعُوهُ فَبَايَعُوهُ وَلَحِقَتْهُ دُيُونٌ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ حُرٌّ فَإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَلَى الْمَوْلَى بِدُيُونِهِمْ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ بِحُكْمِ الْغُرُورِ ، وَهَذَا غُرُورٌ وَقَعَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ ، وَالْعَبْدُ بِظُهُورِ حُرِّيَّتِهِ أَهْلٌ لِلضَّمَانِ فَيُجْعَلُ ضَامِنًا لِلثَّمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رُجُوعِهِ عَلَى الْبَائِعِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَلَا تَعَذُّرَ إلَّا فِيمَا لَا يُعْرَفُ مَكَانُهُ ( قَوْلُهُ : وَالْبَيْعُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ) إنَّمَا صَرَّحَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنْ قَوْلِهِ إنَّ الْمُشْتَرِيَ شَرَعَ فِي الشِّرَاءِ تَمْهِيدًا لِلْجَوَابِ عَنْ الرَّهْنِ وَاهْتِمَامًا بِبَيَانِ اخْتِصَاصِ مُوجِبِيَّةِ الْغُرُورِ لِلضَّمَانِ بِالْمُعَاوَضَاتِ وَلِهَذَا قَالُوا : إنَّ الرَّجُلَ إذَا سَأَلَ غَيْرَهُ عَنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ فَقَالَ اُسْلُكْ هَذَا الطَّرِيقَ

فَإِنَّهُ آمَنُ فَسَلَكَهُ فَإِذَا فِيهِ لُصُوصٌ سَلَبُوا أَمْوَالَهُ لَمْ يَضْمَنْ الْمُخْبِرُ شَيْئًا لِمَا أَنَّهُ غُرُورٌ فِيمَا لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : كُلْ هَذَا الطَّعَامَ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَسْمُومٍ فَأَكَلَ فَمَاتَ فَظَهَرَ بِخِلَافِهِ لِكَوْنِهِ تَغْرِيرًا فِي غَيْرِ الْمُعَاوَضَةِ ، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ بَلْ هُوَ وَثِيقَةٌ لِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ حَقِّهِ وَلِهَذَا جَازَ الرَّهْنُ بِبَدَلَيْ الصَّرْفِ وَالْمُسْلَمِ فِيهِ .
وَإِذَا هَلَكَ يَقَعُ فِيهِ الِاسْتِيفَاءُ ، وَلَوْ كَانَ مُعَاوَضَةً لَكَانَ اسْتِبْدَالًا بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ أَوْ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ وَهُوَ حَرَامٌ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُعَاوَضَةً لَمْ يُجْعَلْ الْأَمْرُ بِهِ ضَمَانًا لِلسَّلَامَةِ ، وَبِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِقَوْلِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْغُرُورُ ، ثُمَّ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ ضَرْبُ إشْكَالٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ أَنَّ الدَّعْوَى شَرْطٌ فِي حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ عِنْدَهُ وَالتَّنَاقُضُ يُفْسِدُ الدَّعْوَى ، وَالْعَبْدُ بَعْدَمَا قَالَ اشْتَرِنِي فَإِنِّي عَبْدٌ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْحُرِّيَّةَ أَوْ لَا ، وَالْأَوَّلُ تَنَاقُضٌ وَالثَّانِي يَنْتَفِي بِهِ شَرْطُ الْحُرِّيَّةِ .
وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فَإِذَا الْعَبْدُ حُرٌّ يَحْتَمِلُ حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ وَالْحُرِّيَّةُ بِعَتَاقٍ عَارِضٍ ، فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَلَهُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا مَا قَالَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ إنَّ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهَا عِنْدَهُ لِتَضَمُّنِهِ تَحْرِيمَ فَرْجِ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ فِي شَهَادَتِهِمْ مُحْتَاجُونَ إلَى تَعْيِينِ الْأُمِّ وَفِي ذَلِكَ تَحْرِيمُهَا وَتَحْرِيمُ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِهَا ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ كَانَ فَرْجُ الْأُمِّ عَلَى مَوْلَاهُ حَرَامًا وَحُرْمَةُ الْفَرْجِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالدَّعْوَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ كَمَا فِي عِتْقِ الْأَمَةِ ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَى شَرْطًا لَمْ يَكُنْ التَّنَاقُضُ مَانِعًا .
وَالثَّانِي مَا قَالَهُ بَعْضُ

الْمَشَايِخِ : إنَّ الدَّعْوَى وَإِنْ كَانَتْ شَرْطًا فِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ أَيْضًا عِنْدَهُ لَكِنْ يُعْذَرُ فِي التَّنَاقُضِ لِخَفَاءِ حَالِ الْعُلُوقِ ، وَكُلُّ مَا كَانَ مَبْنَاهُ عَلَى الْخَفَاءِ فَالتَّنَاقُضُ فِيهِ مَعْفُوٌّ كَمَا نَذْكُرُ ، وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِيَ فَلَهُ الْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يُقَالَ التَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى فِي الْعِتْقِ لِبِنَائِهِ عَلَى الْخَفَاءِ إذْ الْمَوْلَى يَسْتَنِدُ بِهِ ، فَرُبَّمَا لَا يَعْلَمُ الْعَبْدُ إعْتَاقَهُ ثُمَّ يَعْلَمُ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْمُخْتَلِعَةِ تُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ قَبْلَ الْخُلْعِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَنْفَرِدُ بِالطَّلَاقِ فَرُبَّمَا لَمْ تَكُنْ عَالِمَةً عِنْدَ الْخُلْعِ ثُمَّ عَلِمَتْ .
وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا دُونَهُ أَمْكَنَ أَنْ يُقِيمَ الزَّوْجُ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ الَّذِي أَثْبَتَتْهُ الْمَرْأَةُ بِبَيِّنَتِهَا قَبْلَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، وَأَمَّا فِي الثَّلَاثِ فَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ يُقِيمُهَا عَلَى الْإِعْتَاقِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ .
ثُمَّ الْمَرْأَةُ وَالْمُكَاتَبُ يَسْتَرِدَّانِ بَدَلَ الْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَيَاهُ .

قَالَ ( وَمَنْ ادَّعَى حَقًّا فِي دَارٍ ) مَعْنَاهُ حَقًّا مَجْهُولًا ( فَصَالَحَهُ الَّذِي فِي يَدِهِ عَلَى مِائَة دِرْهَمٍ فَاسْتُحِقَّتْ الدَّارُ إلَّا ذِرَاعًا مِنْهَا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ) لِأَنَّ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ دَعْوَايَ فِي هَذَا الْبَاقِي .
قَالَ ( وَإِنْ ادَّعَاهَا كُلَّهَا فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَاسْتُحِقَّ مِنْهَا شَيْءٌ رَجَعَ بِحِسَابِهِ ) لِأَنَّ التَّوْفِيقَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ عِنْدَ فَوَاتِ سَلَامَةِ الْمُبْدَلِ ، وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْمَجْهُولِ عَلَى مَعْلُومٍ جَائِزٌ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيمَا يَسْقُطُ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .قَالَ ( وَمَنْ ادَّعَى حَقًّا فِي دَارٍ ) مَنْ ادَّعَى حَقًّا مَجْهُولًا فِي دَارٍ بِيَدِ رَجُلٍ فَصَالَحَهُ الَّذِي فِي يَدِهِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَاسْتَحَقَّ الدَّارَ إلَّا ذِرَاعًا مِنْهَا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ دَعْوَايَ فِي هَذَا الْبَاقِي ، وَإِنْ ادَّعَى كُلَّهَا فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةٍ فَاسْتُحِقَّ مِنْهَا شَيْءٌ رَجَعَ بِحِسَابِهِ ، إذْ التَّوْفِيقُ غَيْرُ مُمْكِنٍ ، وَالْمِائَةُ كَانَتْ بَدَلًا عَنْ كُلِّ الدَّارِ وَلَمْ تُسَلَّمْ فَتُقْسَمُ الْمِائَةُ ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يُقْسَمُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمُبْدَلِ ( وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْمَجْهُولِ عَلَى الْمَعْلُومِ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيمَا يَسْقُطُ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ ) قَالُوا : وَدَلَّتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ صِحَّةَ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصُّلْحِ ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْحَقِّ فِي الدَّارِ لَا تَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ ، وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا إذَا ادَّعَى إقْرَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ تَصِحُّ وَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ

( فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ ) قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ ؛ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ لِأَنَّهَا بِالْمِلْكِ أَوْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَقَدْ فُقِدَا ، وَلَا انْعِقَادَ إلَّا بِالْقُدْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ .
وَلَنَا أَنَّهُ تَصَرُّفُ تَمْلِيكٍ وَقَدْ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِانْعِقَادِهِ ، إذْ لَا ضَرَرَ فِيهِ لِلْمَالِكِ مَعَ تَخْيِيرِهِ ، بَلْ فِيهِ نَفْعُهُ حَيْثُ يَكْفِي مُؤْنَةُ طَلَبِ الْمُشْتَرِي وَقَرَارُ الثَّمَنِ وَغَيْرِهِ ، وَفِيهِ نَفْعُ الْعَاقِدِ لِصَوْنِ كَلَامِهِ عَنْ الْإِلْغَاءِ ، وَفِيهِ نَفْعُ الْمُشْتَرِي فَثَبَتَ لِلْقُدْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْوُجُوهِ ، كَيْفَ وَإِنَّ الْإِذْنَ ثَابِتٌ دَلَالَةً لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَأْذَنُ فِي التَّصَرُّفِ النَّافِعِ ، قَالَ ( وَلَهُ الْإِجَازَةُ إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بَاقِيًا وَالْمُتَعَاقِدَانِ بِحَالِهِمَا ) لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَصَرُّفٌ فِي الْعَقْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِهِ وَذَلِكَ بِقِيَامِ الْعَاقِدَيْنِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ .

مُنَاسَبَةُ هَذَا الْفَصْلِ لِبَابِ الِاسْتِحْقَاقِ ظَاهِرَةٌ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِحْقَاقِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ وَيَقُولُ عِنْدَ الدَّعْوَى هَذَا مِلْكِي وَمَنْ بَاعَك فَإِنَّمَا بَاعَك بِغَيْرِ إذْنِي فَهُوَ عَيْنُ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ .
وَالْفُضُولِيُّ بِضَمِّ الْفَاءِ لَا غَيْرُ ، وَالْفَضْلُ الزِّيَادَةُ ، وَقَدْ غَلَبَ جَمْعُهُ عَلَى مَا لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَقِيلَ لِمَنْ يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يَعْنِيه فُضُولِيٌّ ، وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَيْسَ بِوَكِيلٍ ، وَفَتْحُ الْفَاءِ خَطَأٌ .
قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إلَخْ ) وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ : لَمْ يَنْعَقِدْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ ؛ لِأَنَّهَا بِالْمِلْكِ أَوْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَقَدْ فُقِدَا ، وَمَا لَمْ يَصْدُرْ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَا يَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّ الِانْعِقَادَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ .
وَلَنَا أَنَّهُ تَصَرُّفُ تَمْلِيكٍ ، وَقَدْ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ وَوَقَعَ فِي مَحَلِّهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِانْعِقَادِهِ ، أَمَّا أَنَّهُ تَصَرُّفُ تَمْلِيكٍ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ كَعِلْمِ الْفِقْهِ فَلَا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا قَالَ تَصَرُّفُ تَمْلِيكٍ وَلَمْ يَقُلْ تَمْلِيكٌ ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ لَا يُتَصَوَّرُ .
فَإِنْ قِيلَ : تَصَرُّفُ التَّمْلِيكِ شُرِعَ لِأَجْلِ التَّمْلِيكِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ أَحْكَامُهَا ، فَإِذَا لَمْ يُفِدْ التَّصَرُّفُ التَّمْلِيكَ كَانَ لَغْوًا .
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ ، وَهَذَا التَّصَرُّفُ لَمَّا كَانَ مَوْقُوفًا لِمَا نَذْكُرُ أَفَادَ حُكْمًا مَوْقُوفًا كَمَا أَنَّ السَّبَبَ الْبَاتَّ أَفَادَ حُكْمًا بَاتًّا أَوْ أَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا يَكُونُ لَغْوًا إذَا

خَلَا عَنْ الْحُكْمِ ، فَأَمَّا إذَا تَأَخَّرَ فَلَا كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، وَأَمَّا صُدُورُهُ مِنْ الْأَهْلِ فَلِأَنَّ أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ ، وَأَمَّا الْمَحَلُّ فَإِنَّ مَحَلَّ الْبَيْعِ هُوَ الْمَالُ الْمُتَقَوِّمُ ، وَبِانْعِدَامِ الْمِلْكِ لِلْعَاقِدِ فِي الْمَحَلِّ لَا تَنْعَدِمُ الْمَالِيَّةُ وَالتَّقَوُّمُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ جَازَ ، وَالْإِذْنُ لَا يَجْعَلُ غَيْرَ الْمَحَلِّ مَحَلًّا .
وَأَمَّا وُجُوبُ الْقَوْلِ بِانْعِقَادِهِ فَلِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْمُقْتَضِي لَا يَمْتَنِعُ إلَّا لِمَانِعٍ وَالْمَانِعُ مُنْتَفٍ ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الضَّرَرُ وَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمَالِكِ وَالْعَاقِدَيْنِ ، أَمَّا الْمَالِكُ فَلِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالْفَسْخِ ، وَلَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ حَيْثُ يَكْفِي مُؤْنَةُ طَلَبِ الْمُشْتَرِي وَقَرَارِ الثَّمَنِ ، وَأَمَّا الْفُضُولِيُّ فَلِأَنَّ فِيهِ صَوْنَ كَلَامِهِ عَنْ الْإِلْغَاءِ ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَظَاهِرٌ فَثَبَتَتْ الْقُدْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْمَنَافِعِ .
فَإِنْ قِيلَ : الْقُدْرَةُ بِالْمِلْكِ أَوْ بِالْإِذْنِ وَلَمْ يُوجَدَا .
أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ مُنْكِرًا بِقَوْلِهِ كَيْفَ وَأَنَّ الْإِذْنَ ثَابِتٌ دَلَالَةً ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَأْذَنُ فِي التَّصَرُّفِ النَّافِعِ .
فَإِنْ قِيلَ : سَلَّمْنَا وُجُودَ الْمُقْتَضِي لَكِنَّ الْمَانِعَ لَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِي الضَّرَرِ بَلْ عَدَمُ الْمِلْكِ مَانِعٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ " { لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك } " وَكَذَلِكَ الْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَ الْآبِقِ وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ لَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِ الْمِلْكِ فِيهِمَا ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ لَا تَبِعْ نَهْيٌ عَنْ الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ ، وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ ، وَالْكَامِلُ هُوَ الْبَيْعُ الْبَاتُّ فَلَا اتِّصَالَ لَهُ بِمَوْضِعِ النِّزَاعِ ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ بَعْدَ الْإِجَازَةِ ثَابِتَةٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى

الْكَرْخِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الْخَيَّاطُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ .
قَالَ : أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ { عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ أُضْحِيَّةً ، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْعِهِ بِالْبَرَكَةِ فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا رَبِحَ فِيهِ } " لَا يُقَالُ : عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ كَانَ وَكِيلًا مُطْلَقًا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ إذْ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِغَيْرِ نَقْلٍ ، وَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً ، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ عَلَى سَبِيلِ الْمَدْحِ لَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : هَلْ يَجُوزُ شِرَاءُ الْفُضُولِيِّ كَبَيْعِهِ أَوْ لَا ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا ، وَهُوَ أَنَّ الْفُضُولِيَّ إنْ قَالَ بِعْ هَذَا الْعَيْنَ لِفُلَانٍ فَقَالَ الْمَالِكُ بِعْت فَقَالَ الْفُضُولِيُّ اشْتَرَيْت لِأَجْلِهِ أَوْ قَالَ الْمَالِكُ ابْتِدَاءً بِعْت هَذَا الْعَيْنَ لِفُلَانٍ وَقَالَ الْفُضُولِيُّ قَبِلْت لِأَجْلِهِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ .
وَإِنْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الْعَيْنَ لِأَجْلِ فُلَانٍ فَقَالَ الْمَالِكُ بِعْت أَوْ قَالَ الْمَالِكُ بِعْت مِنْك هَذَا الْعَيْنَ لِأَجْلِ فُلَانٍ فَقَالَ اشْتَرَيْت لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ فُلَانٍ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ نَفَاذًا عَلَى الْمُشْتَرِي حَيْثُ أُضِيفَ إلَيْهِ ظَاهِرًا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِيقَافِ عَلَى رِضَا الْغَيْرِ .
وَقَوْلُهُ : لِأَجْلِ فُلَانٍ يَحْتَمِلُ لِأَجْلِ رِضَاهُ وَشَفَاعَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا عَلَى غَيْرِ الْمَالِكِ وَلَمْ يَنْفُذْ عَلَى الْمَالِكِ فَاحْتِيجَ إلَى الْإِيقَافِ عَلَى رِضَا الْغَيْرِ ، وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ وَالشِّرَاءُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ ( قَوْلُهُ : وَلَهُ ) أَيْ

لِلْمَالِكِ ( الْإِجَازَةُ ) .
اعْلَمْ أَنَّ الْفُضُولِيَّ إمَّا أَنْ يَبِيعَ الْعَيْنَ بِثَمَنِ دَيْنٍ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْفُلُوسِ وَالْكَيْلِيُّ وَالْوَزْنِيُّ الْمَوْصُوفُ بِغَيْرِ عَيْنِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنِ عَيْنٍ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلِلْمَالِكِ الْإِجَازَةُ إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بَاقِيًا وَالْمُتَعَاقِدَانِ بِحَالِهِمَا ، فَإِنْ أَجَازَ حَالَ قِيَامِ الْأَرْبَعَةِ جَازَ الْبَيْعُ لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْإِجَازَةَ تُصْرَفُ فِي الْعَقْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِهِ وَذَلِكَ بِقِيَامِ الْعَاقِدَيْنِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَكَانَتْ الْإِجَازَةُ اللَّاحِقَةُ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ فَيَكُونُ الْبَائِعُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ وَالثَّمَنُ مَمْلُوكٌ لِلْمَالِكِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْفُضُولِيِّ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَيُحْتَاجُ إلَى قِيَامِ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ : مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ ، وَقِيَامُ ذَلِكَ الْعَرَضِ أَيْضًا ، وَالْإِجَازَةُ اللَّاحِقَةُ إجَازَةُ نَقْدٍ بِأَنْ يَنْقُدَ الْبَائِعُ مَا بَاعَ ثَمَنًا لِمَا مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ لَا إجَازَةَ عَقْدٍ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ عَلَى الْفُضُولِيِّ وَالْعَرْضُ الثَّمَنُ مَمْلُوكٌ لَهُ ، وَعَلَيْهِ مِثْلُ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا ، وَقِيمَتُهُ إنْ كَانَ قِيَمِيًّا ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ إذَا كَانَ عَرَضًا صَارَ الْبَائِعُ مِنْ وَجْهٍ مُشْتَرِيًا ، وَالشِّرَاءُ إذَا وَجَدَ نَفَاذًا عَلَى الْعَاقِدِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ ؛ وَكَمَا أَنَّ لِلْمَالِكِ الْفَسْخَ فَكَذَا لِكُلٍّ مِنْ الْفُضُولِيِّ وَالْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إلَى الْفُضُولِيِّ فَلَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ الْتِزَامِ الْعُهْدَةِ ، بِخِلَافِ الْفُضُولِيِّ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّ فَسْخَهُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِ وَهُوَ فِيهِ مُعَبِّرٌ ، فَإِذَا عَبَّرَ فَقَدْ انْتَهَى فَصَارَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ .
وَلَوْ فَسَخَتْ الْمَرْأَةُ نِكَاحَهَا قَبْلَ الْإِجَازَةِ انْفَسَخَ .

وَإِذَا أَجَازَ الْمَالِكُ كَانَ الثَّمَنُ مَمْلُوكًا لَهُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ ، لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ ، وَلِلْفُضُولِيِّ أَنْ يَفْسَخَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ دَفْعًا لِلْحُقُوقِ عَنْ نَفْسِهِ ، بِخِلَافِ الْفُضُولِيِّ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّهُ مُعَبِّرٌ مَحْضٌ ، هَذَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا ، فَإِنْ كَانَ عَرْضًا مُعَيَّنًا إنَّمَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ إذَا كَانَ الْعَرْضُ بَاقِيًا أَيْضًا .
ثُمَّ الْإِجَازَةُ إجَازَةُ نَقْدٍ لَا إجَازَةُ عَقْدٍ حَتَّى يَكُونَ الْعَرْضُ الثَّمَنُ مَمْلُوكًا لِلْفُضُولِيِّ ، وَعَلَيْهِ مِثْلُ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا ، لِأَنَّهُ شِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ وَالشِّرَاءُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ .

( وَلَوْ هَلَكَ الْمَالِكُ ) لَا يَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ فِي الْفَصْلَيْنِ لِأَنَّهُ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَرِّثِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ بِإِجَازَةِ غَيْرِهِ .
وَلَوْ أَجَازَ الْمَالِكُ فِي حَيَاتِهِ وَلَا يَعْلَمُ حَالَ الْمَبِيعِ جَازَ الْبَيْعُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوَّلًا ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَ : لَا يَصِحُّ حَتَّى يَعْلَمَ قِيَامَهُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ لِأَنَّ الشَّكَّ وَقَعَ فِي شَرْطِ الْإِجَازَةِ فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ .

وَلَوْ هَلَكَ الْمَالِكُ لَا يَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ فِي الْفَصْلَيْنِ : أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا أَوْ عَرَضًا ؛ ؛ لِأَنَّهُ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَرِّثِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ لِإِجَازَةِ غَيْرِهِ .
وَاسْتُشْكِلَ بِمَا إذَا تَزَوَّجَتْ أَمَةٌ بِرَجُلٍ قَدْ وَطِئَهَا مَوْلَاهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَمَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ الْإِجَازَةِ وَوَرِثَهَا ابْنُهُ فَإِنَّ النِّكَاحَ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الِابْنِ ، فَإِنْ أَجَازَ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا ، فَهَذِهِ فُضُولِيَّةٌ وَتَوَقَّفَ عَمَلُهَا عَلَى إجَازَةِ الْوَارِثِ .
أُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ التَّوَقُّفِ لِطَرَيَانِ الْحِلِّ الْبَاتِّ عَلَى الْحِلِّ الْمَوْقُوفِ ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُهُ ، وَهَاهُنَا لَمْ يَطْرَأْ لِلْوَارِثِ حِلٌّ بَاتٌّ لِكَوْنِهَا مَوْطُوءَةَ الْأَبِ فَيَتَوَقَّفُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْوَارِثِ إذْ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةَ الْأَبِ بَطَلَ نِكَاحُهَا ( وَلَوْ أَجَازَ الْمَالِكُ فِي حَيَاتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ الْمَبِيعِ ) مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ وَالْعَدَمُ ( جَازَ الْبَيْعُ ) فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ : لَا يَصِحُّ حَتَّى يَعْلَمَ قِيَامَهُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ وَقَعَ فِي شَرْطِ الْإِجَازَةِ ، وَهُوَ قِيَامُ الْمَبِيعِ فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ .
فَإِنْ قِيلَ : الشَّكُّ هُوَ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ وَهَاهُنَا طَرَفُ الْبَقَاءِ رَاجِحٌ إذْ أَصْلُ الْبَقَاءِ مَا لَمْ يُتَيَقَّنْ بِالْمُزِيلِ وَهَاهُنَا لَمْ يُتَيَقَّنْ .
أُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ حُجَّةٌ دَافِعَةٌ لَا مُثْبِتَةٌ ، وَنَحْنُ هَاهُنَا نَحْتَاجُ إلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لِمَنْ وَقَعَ لَهُ الشِّرَاءُ فَلَا يَصْلُحُ فِيهِ حُجَّةٌ .

قَالَ ( وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى الْبَيْعَ فَالْعِتْقُ جَائِزٌ ) اسْتِحْسَانًا ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ : لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا عِتْقَ بِدُونِ الْمِلْكِ ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ } وَالْمَوْقُوفُ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ ، وَلَوْ ثَبَتَ فِي الْآخِرَةِ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ ، وَالْمُصَحِّحُ لِلْإِعْتَاقِ الْمِلْكُ الْكَامِلُ لِمَا رَوَيْنَا ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتِقَ الْغَاصِبُ ثُمَّ يُؤَدِّيَ الضَّمَانَ ، وَلَا أَنْ يُعْتِقَ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ يُجِيزُ الْبَائِعُ ذَلِكَ ، وَكَذَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ أَسْرَعُ نَفَاذًا حَتَّى نَفَذَ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا أَدَّى الضَّمَانَ ، وَكَذَا لَا يَصِحُّ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ إذَا أَدَّى الْغَاصِبُ الضَّمَانَ .
وَلَهُمَا أَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ مَوْقُوفًا بِتَصَرُّفٍ مُطْلَقٍ مَوْضُوعٍ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ فَتَوَقَّفَ الْإِعْتَاقُ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ وَيَنْفُذُ بِنَفَاذِهِ فَصَارَ كَإِعْتَاقِ الْمُشْتَرِي مِنْ الرَّاهِنِ وَكَإِعْتَاقِ الْوَارِثِ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ وَهِيَ مُسْتَغْرِقَةٌ بِالدُّيُونِ يَصِحُّ ، وَيَنْفُذُ إذَا قَضَى الدُّيُونَ بَعْدَ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ إعْتَاقِ الْغَاصِبِ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْغَصْبَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْبَيْعِ خِيَارُ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ ، وَقِرَانُ الشَّرْطِ بِهِ يَمْنَعُ انْعِقَادَهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ أَصْلًا ، وَبِخِلَافِ بَيْعِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ إذَا بَاعَ لِأَنَّ بِالْإِجَازَةِ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ مِلْكٌ بَاتٌّ ، فَإِذَا طَرَأَ عَلَى مِلْكٍ مَوْقُوفٍ لِغَيْرِهِ أَبْطَلَهُ ، وَأَمَّا إذَا أَدَّى الْغَاصِبُ الضَّمَانَ يَنْفُذُ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ كَذَا ذَكَرَهُ هِلَالٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ .

قَالَ ( وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ) .
قِيلَ جَرَتْ هَذِهِ الْمُحَاوَرَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ حِين عَرَضَ عَلَيْهِ هَذَا الْكِتَابَ .
قَالَ أَبُو يُوسُفَ : مَا رَوَيْت لَك عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعِتْقَ جَائِزٌ ، وَإِنَّمَا رَوَيْت أَنَّ الْعِتْقَ بَاطِلٌ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : بَلْ رَوَيْت أَنَّ الْعِتْقَ جَائِزٌ .
وَصُورَتُهَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ( وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى الْبَيْعَ وَالْعِتْقَ جَازَ اسْتِحْسَانًا ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَا عِتْقَ بِدُونِ الْمِلْكِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ } " ) لَا مِلْكَ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ ( الْمَوْقُوفَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ ) فِي الْحَالِ وَمَا يَثْبُتُ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ مُسْتَنِدٌ ، وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ وَذَلِكَ غَيْرُ مُصَحِّحٍ لِلْإِعْتَاقِ ( إذْ الْمُصَحِّحُ لَهُ هُوَ الْمِلْكُ الْكَامِلُ ) الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا ، وَلَا يُشْكِلُ بِالْمُكَاتَبِ فَإِنَّ إعْتَاقَهُ جَائِزٌ ، وَلَيْسَ الْمِلْكُ فِيهِ كَامِلًا ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْعِتْقِ هُوَ الرَّقَبَةُ وَالْمِلْكُ فِيهَا كَامِلٌ فِيهِ ، وَاسْتَوْضَحَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِفُرُوعٍ تُؤْنِسُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ : ( وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتِقَ الْغَاصِبُ ثُمَّ يُؤَدِّيَ الضَّمَانَ ) وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا عِتْقَ بِدُونِ الْمِلْكِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا أَنْ يُعْتِقَ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ يُجِيزَ الْبَائِعُ ) وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَالْمَوْقُوفُ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَكَذَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ ) يَعْنِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا بَاعَ مِنْ الْغَيْرِ ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ لَا يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ الثَّانِي ، فَكَذَا إذَا أُعْتِقَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْبَيْعَ أَسْرَعُ

نَفَاذًا مِنْ الْعِتْقِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا بَاعَ ثُمَّ ضَمِنَ نَفَذَ بَيْعُهُ ؛ وَلَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ ضَمِنَ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ ، وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ مَا هُوَ أَسْرَعُ نُفُوذًا فَلَأَنْ لَا يَنْفُذَ غَيْرُهُ أَوْلَى ( قَوْلُهُ : وَكَذَا لَا يَصِحُّ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ إذَا أَدَّى الْغَاصِبُ الضَّمَانَ .
وَلَهُمَا أَنَّ الْمِلْكَ ) فِيهِ ( ثَبَتَ مَوْقُوفًا ) وَالْإِعْتَاقُ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ مَوْقُوفًا عَلَى الْمِلْكِ الْمَوْقُوفِ وَيَنْفُذُ بِنَفَاذِهِ ، أَمَّا أَنَّهُ ثَبَتَ فَلِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ التَّصَرُّفُ الْمُطْلَقُ الْمَوْضُوعُ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ وَلِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَهُوَ الضَّرَرُ ، وَأَمَّا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَلِمَا تَقَدَّمَ ، وَأَمَّا أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى ذَلِكَ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي مِنْ الرَّاهِنِ بِجَامِعِ كَوْنِهِ إعْتَاقًا فِي بَيْعٍ مَوْقُوفٍ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى إعْتَاقِ الْوَارِثِ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ وَهِيَ مُسْتَغْرَقَةٌ بِالدُّيُونِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَنْفُذُ إذَا قَضَى الدُّيُونَ بَعْدَ ذَلِكَ بِجَامِعِ كَوْنِهِ إعْتَاقًا مَوْقُوفًا فِي مِلْكٍ مَوْقُوفٍ ، وَهَذَا أَبْعَدُ مِنْ الْأَوَّلِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلِاسْتِظْهَارِ بِهِ ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ الْمُطْلَقُ عَنْ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، وَبِقَوْلِهِ مَوْضُوعٌ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ عَنْ الْغَصْبِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ جَوَابُ مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ ، فَإِنَّ إعْتَاقَ الْغَاصِبِ إنَّمَا لَمْ يَنْفُذْ بَعْدَ ضَمَانِ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ .
قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَبِهَذَا التَّعْلِيلِ لَا يَتِمُّ مَا ادَّعَاهُ فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ : لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَوْضُوعٍ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ وَجَبَ أَنْ لَا يَنْفُذَ بَيْعُهُ أَيْضًا عِنْدَ إجَازَةِ الْمَالِكِ كَمَا لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ عِنْدَ إجَازَةِ الْمَالِكِ لِمَا أَنَّ كُلًّا مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ وَجَوَازِ الْعِتْقِ مُحْتَاجٌ إلَى الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ

هُنَا بِالْإِجَازَةِ ، وَلَكِنَّ وَجْهَ تَمَامِ التَّعْلِيلِ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَقَالَ : وَهَذَا بِخِلَافِ الْغَاصِبِ إذَا أُعْتِقَ ثُمَّ ضَمِنَ الْقِيمَةَ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَنِدَ بِهِ حُكْمُ الْمِلْكِ لَا حَقِيقَةُ الْمِلْكِ ، وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ الزَّوَائِدَ الْمُنْفَصِلَةَ وَحُكْمُ الْمِلْكِ يَكْفِي لِنُفُوذِ الْبَيْعِ دُونَ الْعِتْقِ كَحُكْمِ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ فِي كَسْبِهِ وَهَاهُنَا الثَّابِتُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ وَلِهَذَا اسْتَحَقَّ الزَّوَائِدَ الْمُتَّصِلَةَ وَالْمُنْفَصِلَةَ ، وَلَوْ قُدِّرَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُضَافٌ : أَيْ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِإِفَادَةِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ لَتَسَاوَى الْكَلَامَانِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِدٍ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَحْتَاجُ إلَى مِلْكٍ بَلْ يَكْفِي فِيهِ حُكْمُ الْمِلْكِ وَالْغَصْبُ يُفِيدُهُ .
( قَوْلُهُ : بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْبَيْعِ خِيَارُ الْبَائِعِ ) جَوَابٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ الْبَيْعَ بِالْخِيَارِ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ فَالسَّبَبُ فِيهِ غَيْرُ تَامٍّ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ مَقْرُونٌ بِالْعَقْدِ نَصًّا ، وَقِرَانُ الشَّرْطِ بِالْعَقْدِ يَمْنَعُ كَوْنَهُ سَبَبًا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَيَنْعَقِدُ بِهِ أَصْلُ الْعَقْدِ وَلَكِنْ يَكُونُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ كَالْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ ، وَالْمُعَلَّقُ بِهِ مَعْدُومٌ قَبْلَهُ ( قَوْلُهُ : وَبِخِلَافِ بَيْعِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ ) جَوَابٌ عَنْ الثَّالِثَةِ .
وَوَجْهُهُ مَا قَالَ ؛ لِأَنَّ بِالْإِجَازَةِ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ مِلْكٌ بَاتٌّ فَإِذَا طَرَأَ عَلَى مِلْكٍ مَوْقُوفٍ لِغَيْرِهِ أَبْطَلَهُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ اجْتِمَاعِ الْمِلْكِ الْبَاتِّ وَالْمَوْقُوفُ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ .
وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا بَاعَ ثُمَّ أَدَّى الضَّمَانَ يَنْقَلِبُ بَيْعُ الْغَاصِبِ جَائِزًا وَإِنْ طَرَأَ الْمِلْكُ الَّذِي ثَبَتَ لِلْغَاصِبِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ وَهُوَ مَوْقُوفٌ .
الثَّانِي أَنَّ طُرُوءَ الْمِلْكِ الْبَاتِّ عَلَى الْمَوْقُوفِ لَوْ كَانَ مُبْطِلًا لَهُ

لَكَانَ مَانِعًا عَنْ الْمَوْقُوفِ ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ بِدَلِيلِ انْعِقَادِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ فَإِنَّ مِلْكَ الْمَالِكِ بَاتٌّ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُمْنَعَ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ .
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لِلْغَاصِبِ ضَرُورَةُ الضَّمَانِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُشْتَرِي وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي حَقِّ الْمَالِكِ بَلْ يُوجَدُ مِنْ الْفُضُولِيِّ ، وَالْمَنْعُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْوُجُودِ ، أَمَّا الْمَالِكُ إذَا أَجَازَ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ فَقَدْ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي مِلْكٌ بَاتٌّ فَأَبْطَلَ الْمَوْقُوفَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمِلْكَ الْبَاتَّ وَالْمَوْقُوفَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ بَعْدَ الْوُجُودِ رَفْعٌ لَا مَنْعٌ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مُغَالَطَةٌ فَإِنَّ كَلَامَنَا فِي أَنَّ طُرُوءَ الْمِلْكِ الْبَاتِّ يُبْطِلُ الْمَوْقُوفَ وَلَيْسَ مِلْكُ الْمَالِكِ طَارِئًا حَتَّى يَتَوَجَّهَ السُّؤَالُ .
وَقَوْلُهُ : ( أَمَّا إذَا أَدَّى الْغَاصِبُ الضَّمَانَ ) جَوَابٌ عَنْ الرَّابِعَةِ .
وَتَقْرِيرُهُ : أَمَّا إذَا أَدَّى الْغَاصِبُ الضَّمَانَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ إعْتَاقَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ لَا يَنْفُذُ بَلْ يَنْفُذُ ، كَذَا ذَكَرَهُ هِلَالٌ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ فَقَالَ : يَنْفُذُ وَقْفُهُ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ فَالْعِتْقُ أَوْلَى .
قَالَ الْمُصَنِّفُ : وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَلَئِنْ سُلِّمَ فَنَقُولُ : هُنَاكَ الْمُشْتَرِي يَمْلِكُهُ مِنْ جِهَةِ الْغَاصِبِ وَحَقِيقَةُ الْمِلْكِ لَا تَسْتَنِدُ لِلْغَاصِبِ كَمَا تَقَدَّمَ فَكَيْفَ تَسْتَنِدُ لِمَنْ يَتَمَلَّكُهُ مِنْ جِهَتِهِ فَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ ، وَهَاهُنَا إنَّمَا يَسْتَنِدُ الْمِلْكُ لَهُ إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ مِنْ جِهَةِ الْمُجِيزِ ، وَالْمُجِيزُ كَانَ مَالِكًا لَهُ حَقِيقَةً فَيُمْكِنُ إثْبَاتُ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ

قَالَ ( فَإِنْ قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ فَأَخَذَ أَرْشَهَا ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى الْبَيْعَ فَالْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي ) لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَمَّ لَهُ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَطْعَ حَصَلَ عَلَى مِلْكِهِ وَهَذِهِ حُجَّةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَالْعُذْرُ لَهُ أَنَّ الْمِلْكَ مِنْ وَجْهٍ يَكْفِي لِاسْتِحْقَاقِ الْأَرْشِ كَالْمُكَاتَبِ إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ وَأَخَذَ الْأَرْشَ ثُمَّ رُدَّ فِي الرِّقِّ يَكُونُ الْأَرْشُ لِلْمَوْلَى ، فَكَذَا إذَا قُطِعَتْ يَدُ الْمُشْتَرَى فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ أُجِيزَ الْبَيْعُ فَالْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي ، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ عَلَى مَا مَرَّ .
( وَيَتَصَدَّقُ بِمَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ أَوْ فِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ الْمِلْكِ .
قَالَ : فَإِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى الْبَيْعَ الْأَوَّلَ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ الثَّانِي لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ الِانْفِسَاخِ عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ الْإِجَازَةِ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ وَالْبَيْعُ يَفْسُدُ بِهِ ، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْغَرَرُ .

قَالَ ( فَإِنْ قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ إلَخْ ) إذَا قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي أَرْشَهَا ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ فَالْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِجَازَةِ قَدْ تَمَّ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ هُوَ الْعَقْدُ وَكَانَ تَامًّا فِي نَفْسِهِ ، وَلَكِنْ امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لَهُ الْمَانِعُ وَهُوَ حَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَإِذَا ارْتَفَعَ بِالْإِجَازَةِ ثَبَتَ الْمِلْكُ مِنْ وَقْتِ السَّبَبِ لِكَوْنِ الْإِجَازَةِ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَطْعَ حَصَلَ عَلَى مِلْكِهِ فَيَكُونُ الْأَرْشُ لَهُ ، وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا حَدَثَ لِلْجَارِيَةِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مِنْ وَلَدٍ وَكَسْبٍ فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ الْمَالِكُ الْمَبِيعَ أَخَذَ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَهَا ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ بَقِيَ مُتَقَرِّرًا فِيهَا ، وَالْكَسْبُ وَالْأَرْشُ وَالْوَلَدُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِمِلْكِ الْأَصْلِ .
وَاعْتُرِضَ بِمَا إذَا غَصَبَ عَبْدًا فَقُطِعَتْ يَدُهُ وَضَمِنَهُ الْغَاصِبُ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْأَرْشَ وَإِنْ مَلَكَ الْمَضْمُونَ .
وَبِالْفُضُولِيِّ إذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ أَمْرُك بِيَدِك فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ بَلَغَ الْخَبَرُ الزَّوْجَ فَأَجَازَ صَحَّ التَّفْوِيضُ دُونَ التَّطْلِيقِ وَإِنْ ثَبَتَتْ الْمَالِكِيَّةُ لَهَا مِنْ حِينِ التَّفْوِيضِ حُكْمًا لِلْإِجَازَةِ .
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَغْصُوبِ ثَبَتَ ضَرُورَةً عَلَى مَا عُرِفَ وَهِيَ تَنْدَفِعُ بِثُبُوتِهِ مِنْ وَقْتِ الْأَدَاءِ فَلَا يَمْلِكُ الْأَرْشَ لِعَدَمِ حُصُولِهِ فِي مِلْكِهِ .
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ تَوَقَّفَ حُكْمُهُ عَلَى شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ لَا سَبَبًا مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ لِئَلَّا يَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْ السَّبَبِ إلَّا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ سَبَبًا مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ مُتَأَخِّرًا حُكْمُهُ إلَى وَقْتِ الْإِجَازَةِ .
فَعِنْدَهُمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ

وَالتَّفْوِيضِ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ فَجُعِلَ الْمَوْجُودُ مِنْ الْفُضُولِيِّ مُعَلَّقًا بِالْإِجَازَةِ فَعِنْدَهَا يَصِيرُ كَأَنَّهُ وُجِدَ الْآنَ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلَّا مِنْ وَقْتِ الْإِجَازَةِ ، وَهَذِهِ أَيْ كَوْنُ الْأَرْشِ لِلْمُشْتَرِي حُجَّةً عَلَى مُحَمَّدٍ فِي عَدَمِ تَجْوِيزِ الْإِعْتَاقِ فِي الْمِلْكِ الْمَوْقُوفِ لِمَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي شَيْءٌ مِنْ الْمِلْكِ لَمَا كَانَ لَهُ الْأَرْشُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ كَمَا فِي الْغَصْبِ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ وَالْعُذْرُ : أَيْ الْجَوَابُ لَهُ عَنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ أَنَّ الْمِلْكَ مِنْ وَجْهٍ كَافٍ لِاسْتِحْقَاقِ الْأَرْشِ كَالْمُكَاتَبِ إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ وَأَخَذَ الْأَرْشَ ثُمَّ رُدَّ رَقِيقًا فَإِنَّ الْأَرْشَ لِلْمَوْلَى ، وَكَمَا إذَا قُطِعَتْ يَدُ الْمُشْتَرِي فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ فَإِنَّ الْأَرْشَ لِلْمُشْتَرِي لِثُبُوتِ الْمِلْكِ مِنْ وَجْهٍ ، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ : يَعْنِي لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي فِيمَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ عَلَى مَا مَرَّ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْبَيْعِ خِيَارٌ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ وَقِرَانُ الشَّرْطِ بِهِ يَمْنَعُ انْعِقَادَهُ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ .
وَقِيلَ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ إنَّ الْمِلْكَ مِنْ وَجْهٍ يَكْفِي لِاسْتِحْقَاقِ الْأَرْشِ : يَعْنِي أَنَّ إعْتَاقَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ بَعْدَ الْإِجَازَةِ لَا يَنْفُذُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لِلْإِعْتَاقِ هُوَ الْمِلْكُ الْكَامِلُ لَا الْمِلْكُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ ، وَقَوْلُهُ : ( عَلَى مَا مَرَّ ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَالْمُصَحِّحُ لِلْإِعْتَاقِ هُوَ الْمِلْكُ الْكَامِلُ وَهَذَا أَقْرَبُ ، وَيَتَصَدَّقُ بِمَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ فِي الْحُرِّ نِصْفُ الدِّيَةِ .
وَفِي الْعَبْدِ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، وَاَلَّذِي دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ هُوَ مَا كَانَ بِمُقَابَلَةِ الثَّمَنِ ، فَمَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ يَكُونُ

رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنْ أَوْ فِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ الْمِلْكِ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكِ يَثْبُتُ يَوْمَ قَطْعِ الْيَدِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْبَيْعِ ، وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَا يَطِيبُ الرِّبْحُ الْحَاصِلُ بِهِ .
وَفِي الْكَافِي : إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَبِيعُ مَقْبُوضًا وَأَخْذُ الْأَرْشِ يَكُونُ الزَّائِدُ عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنْ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ ، وَلَوْ كَانَ أَخْذُ الْأَرْشِ بَعْدَ الْقَبْضِ فَفِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ الْمِلْكِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ حَقِيقَةً وَقْتَ الْقَطْعِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِيهِ الْمِلْكُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ فَكَانَ ثَابِتًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ ، وَهَذَا كَمَا تَرَى تَوْزِيعُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكِتَابِ عَلَى الِاعْتِبَارَيْنِ .
قَالَ ( فَإِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ إلَخْ ) يَعْنِي إنْ بَاعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى الْبَيْعَ الْأَوَّلَ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ الثَّانِي لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ بِالْإِجَازَةِ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ مِلْكٌ بَاتٌّ ، وَالْمِلْكُ الْبَاتُّ ، إذَا طَرَأَ عَلَى مِلْكٍ مَوْقُوفٍ لِغَيْرِهِ أَبْطَلَهُ ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ الِانْفِسَاخِ عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ الْإِجَازَةِ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ وَالْبَيْعُ يَفْسُدُ بِهِ .
قِيلَ هَذَا التَّعْلِيلُ شَامِلٌ لِبَيْعِ الْغَاصِبِ مِنْ مُشْتَرِيهِ وَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُجِيزَ الْمَالِكُ بَيْعَهُمَا وَأَنْ لَا يُجِيزَ ، وَمَعَ ذَلِكَ انْعَقَدَ بَيْعُ الْغَاصِبِ وَالْفُضُولِيِّ مَوْقُوفًا .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ غَرَرَ الِانْفِسَاخِ فِي بَيْعِهِمَا عَارَضَهُ النَّفْعُ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْمَالِكِ الْمَذْكُورِ فِيمَا تَقَدَّمَ ؛ فَبِالنَّظَرِ إلَى الْغَرَرِ يَفْسُدُ ، وَبِالنَّظَرِ إلَى النَّفْعِ وَعَدَمِ الضَّرَرِ يَجُوزُ فَقُلْنَا بِالْجَوَازِ الْمَوْقُوفِ عَمَلًا بِهِمَا .
لَا يُقَالُ : الْغَرَرُ مُحَرَّمٌ فَتَرَجَّحَ ؛ لِأَنَّ الصِّحَّةَ فِي الْعُقُودِ أَصْلٌ فَعَارَضَتْهُ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ الْغَرَرِ مُطْلَقًا يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَ التُّرُوكِ إجْمَاعًا ، وَهُوَ أَنْ لَا

يَصِحَّ بَيْعٌ أَصْلًا لَا سِيَّمَا فِي الْمَنْقُولَاتِ لِاحْتِمَالِ الْفَسْخِ بَعْدَ الِانْعِقَادِ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَأَمَّا غَرَرُ الِانْفِسَاخِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَسَالِمٌ عَمَّا يُعَارِضُهُ إذْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ لَمْ يَمْلِكْ حَتَّى يَطْلُبَ مُشْتَرِيًا آخَرَ فَتَجَرَّدَ الْبَيْعُ الثَّانِي عُرْضَةً لِغَرَرِ الِانْفِسَاخِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْغَرَرُ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَنْقُولَاتِ لَا يَصِحُّ لِغَرَرِ الِانْفِسَاخِ ، وَالْإِعْتَاقُ قَبْلَ الْقَبْضِ يَصِحُّ

قَالَ ( فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ الْمُشْتَرِي فَمَاتَ فِي يَدِهِ أَوْ قُتِلَ ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِجَازَةَ مِنْ شُرُوطِهَا قِيَامُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَاتَ بِالْمَوْتِ وَكَذَا بِالْقَتْلِ ، إذْ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْبَدَلِ لِلْمُشْتَرِي بِالْقَتْلِ حَتَّى يُعَدَّ بَاقِيًا بِبَقَاءِ الْبَدَلِ لِأَنَّهُ لَا مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَ الْقَتْلِ مِلْكًا يُقَابَلُ بِالْبَدَلِ فَتَحَقَّقَ الْفَوَاتُ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي ثَابِتٌ فَأَمْكَنَ إيجَابُ الْبَدَلِ لَهُ فَيَكُونُ الْمَبِيعُ قَائِمًا بِقِيَامِ خَلَفِهِ .قَالَ ( فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ الْمُشْتَرِي فَمَاتَ فِي يَدِهِ أَوْ قُتِلَ ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ فَمَاتَ فِي يَدِهِ أَوْ قُتِلَ ( ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ ) أَيْ بَيْعَ الْغَاصِبِ ( لَمْ يَجُزْ ) بِالِاتِّفَاقِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِجَازَةَ مِنْ شَرْطِهَا قِيَامُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَاتَ بِالْمَوْتِ وَالْقَتْلِ لِامْتِنَاعِ إيجَابِ الْبَدَلِ لِلْمُشْتَرِي بِالْقَتْلِ ، فَلَا يُعَدُّ بَاقِيًا بِبَقَاءِ الْبَدَلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَ الْقَتْلِ مِلْكًا يُقَابَلُ بِالْبَدَلِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ مِلْكٌ مَوْقُوفٌ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَابَلًا بِالْبَدَلِ ( بِخِلَافِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ ) فَإِنَّهُ إذَا قُتِلَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَنْفَسِخُ ( ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي ثَابِتٌ بَاتٌّ فَأَمْكَنَ إيجَابُ الْبَدَلِ فَيَكُونُ الْمَبِيعُ قَائِمًا بِقِيَامِ خَلَفِهِ ) وَهُوَ الْقِيمَةُ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ ، فَإِنْ اخْتَارَ الْبَدَلَ كَانَ الْبَدَلُ لِلْمُشْتَرِي .

قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ عَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَوْ رَبِّ الْعَبْدِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْبَيْعِ وَأَرَادَ رَدَّ الْمَبِيعِ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ ) لِلتَّنَاقُضِ فِي الدَّعْوَى ، إذْ الْإِقْدَامُ عَلَى الشِّرَاءِ إقْرَارٌ مِنْهُ بِصِحَّتِهِ ، وَالْبَيِّنَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَى ( وَإِنْ أَقَرَّ الْبَائِعُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي ) بَطَلَ الْبَيْعُ إنْ طَلَبَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ التَّنَاقُضَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُسَاعِدَهُ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَحَقَّقُ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمَا ، فَلِهَذَا شَرَطَ طَلَبَ الْمُشْتَرِي .
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا صَدَّقَ مُدَّعِيَهُ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَنَّهُ لِلْمُسْتَحِقِّ تُقْبَلُ .
وَفَرَّقُوا أَنَّ الْعَبْدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي .
وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فِي يَدِ غَيْرِهِ وَهُوَ الْمُسْتَحَقُّ ، وَشَرْطُ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ أَنْ لَا يَكُونُ الْعَيْنُ سَالِمًا لِلْمُشْتَرِي .

قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ عَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ) رَجُلٌ بَاعَ عَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي أَرُدُّ الْبَيْعَ ؛ لِأَنَّك بِعْتَنِي بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ وَجَحَدَ الْبَائِعُ ذَلِكَ ( فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ ) أَنَّ رَبَّ الْعَبْدِ أَوْ الْبَائِعُ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ الْبَائِعَ بِبَيْعِهِ ( لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ ) ؛ لِأَنَّهَا تَبْتَنِي عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَى فَإِنْ صَحَّتْ الدَّعْوَى صَحَّتْ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا فَلَا وَهَاهُنَا بَطَلَتْ الدَّعْوَى ( لِلتَّنَاقُضِ ) ؛ لِأَنَّ إقْدَامَ الْمُشْتَرِي دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الشِّرَاءِ وَأَنَّ الْبَائِعَ يَمْلِكُ الْبَيْعَ ثُمَّ دَعْوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ بَاعَ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الشِّرَاءِ وَأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَمْلِكْ الْبَيْعَ فَحَصَلَ التَّنَاقُضُ الْمُبْطِلُ لِلدَّعْوَى الْمُسْتَلْزِمَةِ صِحَّتُهَا لِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ .
( وَإِنْ أَقَرَّ الْبَائِعُ بِذَلِكَ ) أَيْ بِأَنَّهُ بَاعَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ( بَطَلَ الْبَيْعُ ) إنْ طَلَبَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ ( أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ ) صَحَّ إقْرَارُهُ ، إلَّا أَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ لَا يَنْفُذُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ ، فَإِذَا سَاعَدَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ تَحَقَّقَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمَا فَجَازَ أَنْ يُنْقَضَ .
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَسْأَلَةَ الزِّيَادَاتِ نَقْضًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ .
وَتَصْوِيرُهَا مَا قِيلَ : رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَنَّ ذَلِكَ الْعَبْدَ لَهُ وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّ الْمَبِيعَ لِهَذَا الْمُسْتَحَقِّ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ وَإِنْ تَنَاقَضَ فِي دَعْوَاهُ .
قَالَ ( وَفَرَّقُوا ) أَيْ الْمَشَايِخُ بَيْنَ رِوَايَتَيْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالزِّيَادَاتِ ( بِأَنَّ الْعَبْدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ( فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ) فَيَكُونُ الْمَبِيعُ سَالِمًا لَهُ فَلَا

يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ مَعَ سَلَامَةِ الْمَبِيعِ لَهُ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ عَدَمُ سَلَامَةِ الْمَبِيعِ ( وَفِي تِلْكَ ) أَيْ مَسْأَلَةِ الزِّيَادَاتِ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُسْتَحِقِّ فَلَا يَكُونُ الْمَبِيعُ سَالِمًا لِلْمُشْتَرِي فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ لِوُجْدَانِ شَرْطِهِ .
قِيلَ فِي هَذَا الْفَرْقِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِي الزِّيَادَاتِ أَيْضًا فِي أَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُسْتَحِقِّ فَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ الْبَيِّنَةِ لِبَقَاءِ التَّنَاقُضِ الْمُبْطِلِ لِلدَّعْوَى ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْمُشْتَرِيَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَلَمْ تَقْبَلْ التَّنَاقُضَ .
وَفِي مَسْأَلَةِ الزِّيَادَاتِ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ فَقُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ .
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : وَلَمْ يَتَّضِحْ لِي فِيهِ شَيْءٌ سِوَى هَذَا بَعْدَ أَنْ تَأَمَّلْت فِيهِ بُرْهَةً مِنْ الدَّهْرِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ فِي وَضْعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُمْكِنٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي أَقْدَمَ عَلَى الشِّرَاءِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ بِعَدَمِ الْأَمْرِ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ عُدُولٌ : سَمِعْنَاهُ قَبْلَ الْبَيْعِ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَيَشْهَدُونَ بِهِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَانِعٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالْوَاضِحُ فِي الْفَرْقِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ .
وَمَا قِيلَ إنَّ التَّنَاقُضَ الْمُبْطِلَ لِلدَّعْوَى بَاقٍ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَيْرُ مُتَنَاقِضٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْكِرُ الْعَقْدَ أَصْلًا وَلَا مِلْكَ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ ، فَإِنَّ بَيْعَ مَالِ الْغَيْرِ مُنْعَقِدٌ وَبَدَلُ الْمُسْتَحَقِّ مَمْلُوكٌ ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُ وَصْفَ الْعَقْدِ وَهُوَ الصِّحَّةُ وَاللُّزُومُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَكَانَ مُتَنَاقِضًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَجَعَلْنَاهُ مُتَنَاقِضًا فِي

مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةَ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ لِسَلَامَةِ الْمَبِيعِ لَهُ إذْ هُوَ فِي يَدِهِ وَلَمْ نَجْعَلْهُ مُتَنَاقِضًا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ فَائِدَةَ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ لِعَدَمِ سَلَامَتِهِ لِكَوْنِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ وَكَانَ ذَلِكَ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فَصِرْنَا إلَيْهِ .

قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ دَارًا لِرَجُلٍ وَأَدْخَلَهَا الْمُشْتَرِي فِي بِنَائِهِ لَمْ يَضْمَنْ الْبَائِعُ ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ آخِرًا ، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا : يَضْمَنُ الْبَائِعُ ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ غَصْبِ الْعَقَارِ وَسَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ دَارًا لِرَجُلٍ ) قِيلَ مَعْنَاهُ : بَاعَ عَرْصَةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ( وَأَدْخَلَهَا الْمُشْتَرِي فِي بِنَائِهِ ) قِيلَ يَعْنِي قَبَضَهَا وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْإِدْخَالِ فِي الْبِنَاءِ اتِّفَاقًا ( لَمْ يَضْمَنْ الْبَائِعُ ) أَيْ قِيمَةَ الدَّارِ ( عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ آخِرًا ، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا يَضْمَنُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ غَصْبِ الْعَقَارِ ) عَلَى مَا سَيَأْتِي

( بَابُ السَّلَمِ ) السَّلَمُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَهُوَ آيَةُ الْمُدَايَنَةِ ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ وَأَنْزَلَ فِيهَا أَطْوَلَ آيَةٍ فِي كِتَابِهِ ، وَتَلَا قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدِينٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } الْآيَةُ .
وَبِالسُّنَّةِ وَهُوَ مَا رُوِيَ " { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ } وَالْقِيَاسُ وَإِنْ كَانَ يَأْبَاهُ وَلَكِنَّا تَرَكْنَاهُ بِمَا رَوَيْنَاهُ .
وَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ بَيْعُ الْمَعْدُومِ إذْ الْمَبِيعُ هُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ .

بَابُ السَّلَمِ : لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا قَبْضُ الْعِوَضَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ ، وَقَدَّمَ السَّلَمَ عَلَى الصَّرْفِ لِكَوْنِ الشَّرْطِ فِيهِ قَبْضَ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُفْرَدِ مِنْ الْمُرَكَّبِ .
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ نَوْعِ بَيْعٍ مُعَجَّلٍ فِيهِ الثَّمَنُ .
وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ أَخْذُ عَاجِلٍ بِآجِلٍ .
قِيلَ فَهُوَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ إلَّا أَنَّ فِي الشَّرْعِ اقْتَرَنَتْ بِهِ زِيَادَةُ شَرَائِطَ .
وَرُدَّ بِأَنَّ السِّلْعَةَ إذَا بِيعَتْ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وُجِدَ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى وَلَيْسَ بِسَلَمٍ ، وَلَوْ قِيلَ بَيْعُ آجِلٍ بِعَاجِلٍ لَا نَدْفَعُ ذَلِكَ .
وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ، بِأَنْ يَقُولَ رَبُّ السَّلَمِ لِآخَرَ أَسْلَمْت إلَيْك عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ أَوْ أَسْلَفْت فَيَقُولُ الْآخَرُ قَبِلْت ، وَيُسَمَّى هَذَا رَبَّ السَّلَمِ وَالْآخَرُ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ وَالْحِنْطَةُ الْمُسْلَمُ فِيهِ .
وَلَوْ صَدَرَ الْإِيجَابُ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَالْقَبُولُ مِنْ رَبِّ السَّلَمِ صَحَّ .
وَشَرْطُ جَوَازِهِ سَيُذْكَرُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ ( السَّلَمُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ إلَخْ ) السَّلَمُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ : تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } مَعْنَاهُ إذَا تَعَامَلْتُمْ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَاكْتُبُوهُ ، وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ مُسَمًّى الْإِعْلَامُ بِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْأَجَلِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا .
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ ( مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ وَأَنْزَلَ فِيهَا ) أَيْ فِي السَّلَفِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمُدَايَنَةِ ( أَطْوَلَ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَتَلَا قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ } ) فَإِنْ قِيلَ : هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَلَا

مُعْتَبَرَ بِهِ .
قُلْنَا : عُمُومُ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُهُ فَكَانَ الِاسْتِدْلَال بِهِ ( قَوْلُهُ : الْمَضْمُونُ ) صِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلسَّلَفِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } وَمَعْنَاهُ الْوَاجِبُ فِي الذِّمَّةِ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ( فَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ } وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَهُ ) ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الْمَعْدُومِ ، إذْ الْمَبِيعُ هُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ لَكِنَّا تَرَكْنَاهُ بِالنَّصِّ .

قَالَ ( وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } وَالْمُرَادُ بِالْمَوْزُونَاتِ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِأَنَّهُمَا أَثْمَانٌ ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُثَمَّنًا فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِمَا ثُمَّ قِيلَ يَكُونُ بَاطِلًا ، وَقِيلَ يَنْعَقِدُ بَيْعًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الْمُتَعَاقِدِينَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ التَّصْحِيحَ إنَّمَا يَجِبُ فِي مَحِلٍّ أَوْجَبَا الْعَقْدَ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ .
قَالَ ( وَكَذَا فِي الْمَذْرُوعَاتِ ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ ضَبْطُهَا بِذِكْرِ الذَّرْعِ وَالصِّفَةِ وَالصَّنْعَةِ ، وَلَا بُدَّ مِنْهَا لِتَرْتَفِعَ الْجَهَالَةُ فَيَتَحَقَّقُ شَرْطُ صِحَّةِ السَّلَمِ ، وَكَذَا فِي الْمَعْدُودَاتِ الَّتِي لَا تَتَفَاوَتُ كَالْجَوْزِ وَالْبِيضِ ، لِأَنَّ الْعَدَدِيَّ الْمُتَقَارِبِ مَعْلُومُ الْقَدْرِ مَضْبُوطُ الْوَصْفِ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ فَيَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فِيهِ سَوَاءٌ لِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَى إهْدَارِ التَّفَاوُتِ ، بِخِلَافِ الْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانُ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا ، وَبِتَفَاوُتِ الْآحَادِ فِي الْمَالِيَّةِ يُعْرَفُ الْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ .
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي بِيضِ النَّعَامَةِ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ فِي الْمَالِيَّةِ ، ثُمَّ كَمَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا عَدَدًا يَجُوزُ كَيْلًا .
وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يَجُوزُ كَيْلًا لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ وَلَيْسَ بِمَكِيلٍ .
وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَدَدًا أَيْضًا لِلتَّفَاوُتِ .
وَلَنَا أَنَّ الْمِقْدَارَ مَرَّةُ يُعْرَفُ بِالْعَدَدِ وَتَارَةٌ بِالْكَيْلِ ، وَإِنَّمَا صَارَ مَعْدُودًا بِالِاصْطِلَاحِ فَيَصِيرُ مَكِيلًا بِاصْطِلَاحِهِمَا وَكَذَا فِي الْفُلُوسِ عَدَدًا .
وَقِيلَ هَذَا عِنْد أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ

رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا أَثْمَانٌ .
وَلَهُمَا أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي حَقِّهِمَا بِاصْطِلَاحِهِمَا فَتَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا وَلَا تَعُودُ وَزْنِيًّا وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ

قَالَ ( وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ ) السَّلَمُ جَائِزٌ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ ( لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فَلْيُسْلَمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } وَالْوُجُوبُ يَنْصَرِفُ إلَى كَوْنِهِ مَعْلُومًا وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الْجَوَازَ لَا مَحَالَةَ .
فَإِنْ قِيلَ : مَنْ أَسْلَمَ شَرْطِيَّةٌ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي الْجَوَازَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { قُلْ إنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } فَالْجَوَابُ أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلَى وُجُودِ السَّلَمِ فِي الشَّرْعِ ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جَوَازِهِ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ ( وَالْمُرَادُ بِالْمَوْزُونَاتِ غَيْرُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَثْمَانٌ ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ لَا يَكُونُ ثَمَنًا بَلْ يَكُونُ مُثَمَّنًا فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِمَا .
ثُمَّ قِيلَ : يَكُونُ بَاطِلًا ، وَقِيلَ يَنْعَقِدُ بَيْعًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي ) وَالْأَوَّلُ قَوْلُ عِيسَى بْنِ أَبَانَ ، وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ .
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ حِنْطَةً أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الْعُرُوضِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِيُمْكِنَ أَنْ يَجْعَلَ بَيْعَ حِنْطَةٍ بِدَرَاهِمَ مُؤَجَّلَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا قَصَدَا مُبَادَلَةَ الْحِنْطَةِ بِالدَّرَاهِمِ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ كِلَاهُمَا مِنْ الْأَثْمَانِ بِأَنْ أَسْلَمَ عَشَرَةٌ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ فِي دَنَانِيرَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَمَا ذَكَرَهُ عِيسَى أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ التَّصْحِيحَ إنَّمَا يَجِبُ فِي مَحَلٍّ أَوْجَبَا الْعَقْدَ فِيهِ وَهُمَا أَوْجَبَاهُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَهُوَ إذَا كَانَ مِنْ الْأَثْمَانِ لَا يَصِحُّ تَصْحِيحُهُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ مُثَمَّنًا ، وَتَصْحِيحُهُ فِي الْحِنْطَةِ تَصْحِيحٌ فِي غَيْرِ مَا أَوْجَبَاهُ فِيهِ فَلَا يَكُونُ صَحِيحًا .
قَالَ ( وَكَذَا فِي الْمَذْرُوعَاتِ ؛ لِأَنَّهُ

يُمْكِنُ ضَبْطُهَا ) أَيْ وَكَجِوَازِ السَّلَمِ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ جَوَازُهُ فِي الْمَذْرُوعَاتِ لِكَوْنِهَا كَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ وَهُوَ إمْكَانُ ضَبْطِ الصِّفَةِ وَمَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ لِارْتِفَاعِ الْجَهَالَةِ فَجَازَ إلْحَاقُهَا بِهِمَا .
وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ سَقَطَ مَا قِيلَ الشَّيْءُ إنَّمَا يُلْحَقُ بِغَيْرِهِ دَلَالَةً إذَا تَسَاوَيَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ ، وَلَيْسَ الْمَذْرُوعُ مَعَ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ كَذَلِكَ لِتَفَاوُتِهِمَا فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ وُجُوهِ التَّفَاوُتِ وَهُوَ كَوْنُ الْمَذْرُوعِ قِيَمِيًّا ، وَهُمَا مِثْلِيَّانِ ؛ لِأَنَّ الْمَنَاطَ هُوَ مَا ذَكَرْنَا ، إذْ الْجَهَالَةُ الْمُفْضِيَةُ إلَى النِّزَاعِ تَرْتَفِعُ بِذَلِكَ دُونَ كَوْنِهِ قِيَمِيًّا أَوْ مِثْلِيًّا .
فَإِنْ قِيلَ : الدَّلَالَةُ لَا تَعْمَلُ إذَا عَارَضَهَا عِبَارَةٌ وَقَدْ عَارَضَهَا قَوْلُهُ : { لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك } فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ اُخْتُصَّتْ مِنْهُ الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ بِقَوْلِهِ { مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ } الْحَدِيثَ ، فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُمَا تَحْتَ قَوْلِهِ لَا تَبِعْ .
فَالْجَوَابُ إنَّا لَا نُسَلِّمُ صَلَاحِيَّةَ مَا ذَكَرْت لِلتَّخْصِيصِ ؛ لِأَنَّ الْقِرَانَ شَرْطٌ لَهُ وَهُوَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ ، سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَهُوَ دُونَ الْقِيَاسِ فَلَا يَكُونُ مُعَارِضًا لِلدَّلَالَةِ ( وَكَذَا فِي الْمَعْدُودَاتِ الْمُتَقَارِبَةِ ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَتَفَاوَتُ ) آحَادُهَا ( كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ ؛ لِأَنَّ الْعَدَدِيَّ الْمُتَقَارِبَ مَعْلُومٌ مَضْبُوطُ الْوَصْفِ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ ) فَكَانَ مَنَاطُ الْحُكْمِ مَوْجُودًا كَمَا فِي الْمَذْرُوعَاتِ ( فَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ إلْحَاقًا بِالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، وَالْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ سَوَاءٌ لِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَى إهْدَارِ التَّفَاوُتِ ) فَإِنَّهُ قَلَّمَا يُبَاعُ جَوْزٌ بِفَلْسٍ وَآخَرُ بِفَلْسَيْنِ ، وَكَذَا الْبَيْضُ ( بِخِلَافِ الْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا ) فَصَارَ الضَّابِطُ فِي مَعْرِفَةِ الْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ عَنْ الْمُتَفَاوِتِ

تَفَاوُتَ الْآحَادِ فِي الْمَالِيَّةِ دُونَ الْأَنْوَاعِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ السَّلَمَ لَا يَجُوزُ فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ فِي الْمَالِيَّةِ .
ثُمَّ كَمَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا : أَيْ فِي الْمَعْدُودَاتِ الْمُتَقَارِبَةِ عَدَدًا يَجُوزُ كَيْلًا .
وَقَالَ زُفَرُ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ لَا كَيْلِيٌّ .
وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَدَدٌ أَيْضًا لِوُجُودِ التَّفَاوُتِ فِي الْآحَادِ .
وَلَنَا أَنَّ الْمِقْدَارَ مَرَّةً يُعْرَفُ بِالْعَدَدِ وَأُخْرَى بِالْكَيْلِ فَأَمْكَنَ الضَّبْطُ بِهِمَا فَيَكُونُ جَائِزًا وَكَوْنُهُ مَعْدُودًا بِاصْطِلَاحِهِمَا فَجَازَ إهْدَارُهُ ، وَالِاصْطِلَاحُ عَلَى كَوْنِهِ كَيْلِيًّا ( قَوْلُهُ : وَكَذَا فِي الْفُلُوسِ عَدَدًا ) ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ لِأَحَدٍ .
وَقِيلَ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ : وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلَا يَجُوزُ : أَيْ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْفُلُوسِ ؛ لِأَنَّهَا أَثْمَانٌ ، وَالسَّلَمُ فِي الْأَثْمَانِ لَا يَجُوزُ .
وَلَهُمَا أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ثَابِتَةٌ بِاصْطِلَاحِهِمَا لِعَدَمِ وِلَايَةِ الْغَيْرِ عَلَيْهِمَا فَلَهُمَا إبْطَالُهُمَا بِاصْطِلَاحِهِمَا ، فَإِذَا بَطَلَتْ الثَّمَنِيَّةُ صَارَتْ مُثَمَّنًا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَجَازَ السَّلَمُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الرِّبَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْفَلْسِ بِالْفَلْسَيْنِ .
وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ : جَوَازُ السَّلَمِ فِي الْفُلُوسِ قَوْلُ الْكُلِّ ، وَهَذَا الْقَائِلُ يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ لِمُحَمَّدٍ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ ، وَهُوَ أَنَّ كَوْنَ الْمُسْلَمِ فِيهِ مُثَمَّنًا مِنْ ضَرُورَةِ جَوَازِ السَّلَمِ ، فَإِقْدَامُهُمَا عَلَى السَّلَمِ تَضَمَّنَ إبْطَالَ الِاصْطِلَاحِ فِي حَقِّهِمَا فَعَادَ مُثَمَّنًا ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ جَوَازِ الْبَيْعِ كَوْنُ الْمَبِيعِ مُثَمَّنًا فَإِنَّ بَيْعَ الْأَثْمَانِ بَعْضِهِمَا بِبَعْضٍ جَائِزٌ ، فَالْإِقْدَامُ عَلَى الْبَيْعِ لَا

يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ الِاصْطِلَاحِ فِي حَقِّهِمَا فَبَقِيَ ثَمَنًا كَمَا كَانَ ، وَفَسَدَ بَيْعُ الْوَاحِدِ بِالِاثْنَيْنِ .

( وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوز لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِبَيَانِ الْجِنْسِ وَالسِّنِّ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ ، وَالتَّفَاوُتُ بَعْدَ ذَلِكَ يَسِيرٌ فَأَشْبَهَ الثِّيَابَ .
وَلَنَا أَنَّهُ بَعْدَ ذِكْرِ مَا ذَكَرَ يَبْقَى فِيهِ تَفَاوُتٌ فَاحِشٌ فِي الْمَالِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ فَيُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ ، بِخِلَافِ الثِّيَابِ لِأَنَّهُ مَصْنُوعُ الْعِبَادِ فَقَلَّمَا يَتَفَاوَتُ الثَّوْبَانِ إذَا نُسِجَا عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ .
وَقَدْ صَحَّ " { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ } وَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَجْنَاسِهِ حَتَّى الْعَصَافِيرُ .
قَالَ ( وَلَا فِي أَطْرَافِهِ كَالرُّءُوسِ وَالْأَكَارِعِ ) لِلتَّفَاوُتِ فِيهَا إذْ هُوَ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ لَا مُقَدَّرٌ لَهَا .
قَالَ ( وَلَا فِي الْجُلُودِ عَدَدًا وَلَا فِي الْحَطَبِ حُزَمًا وَلَا فِي الرَّطْبَةِ جُرُزًا ) لِلتَّفَاوُتِ فِيهَا ، إلَّا إذَا عُرِفَ ذَلِكَ بِأَنْ بَيَّنَ لَهُ طُولَ مَا يَشُدُّ بِهِ الْحُزْمَةَ أَنَّهُ شِبْرٌ أَوْ ذِرَاعٌ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَفَاوَتُ .

( قَوْلُهُ : وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ ) وَهُوَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا أَوْ مَوْصُوفًا ، وَالْأَوَّلُ لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ ، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ .
هُوَ يَقُولُ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِبَيَانِ الْجِنْسِ كَالْإِبِلِ ، وَالسِّنِّ كَالْجَذَعِ وَالثَّنِيِّ ، وَالنَّوْعِ كَالْبُخْتِ وَالْعِرَابِ ، وَالصِّفَةِ كَالسِّمَنِ وَالْهُزَالِ ، وَالتَّفَاوُتُ بَعْدَ ذَلِكَ سَاقِطٌ لِقِلَّتِهِ فَأَشْبَهَ الثِّيَابَ ، وَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَنْ يَشْتَرِيَ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ فِي تَجْهِيزِ الْجَيْشِ إلَى أَجَلٍ .
وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اسْتَقْرَضَ بَكْرًا وَقَضَاهُ رُبَاعِيًّا } وَالسَّلَمُ أَقْرَبُ إلَى الْجَوَازِ مِنْ الِاسْتِقْرَاضِ .
وَلَنَا أَنَّ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَوْصَافِ الَّتِي اشْتَرَطَهُ الْخَصْمُ يَبْقَى تَفَاوُتٌ فَاحِشٌ فِي الْمَالِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ ، فَقَدْ يَكُونُ فَرَسَانِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ وَيَزِيدُ ثَمَنُ إحْدَاهُمَا زِيَادَةً فَاحِشَةً لِلْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ فَيُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ الْمُنَافِيَةِ لِوَضْعِ الْأَسْبَابِ ، بِخِلَافِ الثِّيَابِ ؛ لِأَنَّهُ مَصْنُوعُ الْعِبَادِ ، فَقَلَّمَا يَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا بَعْدَ ذِكْرِ الْأَوْصَافِ ، وَشِرَاءُ الْبَعِيرِ بِبَعِيرَيْنِ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الرِّبَا أَوْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا رِبَا بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُسْلِمِ فِيهَا ، وَتَجْهِيزُ الْجَيْشِ وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَنَقْلُ الْآلَاتِ كَانَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لِعِزَّتِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَوْمَئِذٍ ، وَلَمْ يَكُنْ الْقَرْضُ ثَابِتًا فِي ذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ ، وَالصَّدَقَةُ حَرَامٌ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ .
( قَوْلُهُ : وَقَدْ صَحَّ ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى جَوَابِ مَا يُقَالُ : التَّفَاوُتُ الْفَاحِشُ فِي الْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ لَا يُوجَدُ فِي

الْعَصَافِيرِ وَالْحَمَامَاتِ الَّتِي تُؤْكَلُ ، وَأَنَّ السَّلَمَ فِيهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكُمْ .
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَضْبُوطٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الدِّيبَاجِ دُونَ الْعَصَافِيرِ ، وَلَعَلَّ ضَبْطَ الْعَصَافِيرِ بِالْوَصْفِ أَهْوَنُ مِنْ ضَبْطِ الدِّيبَاجِ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ .
لَا يُقَالُ : النَّهْيُ عَنْ الْحَيَوَانِ الْمُطْلَقِ عَنْ الْوَصْفِ وَالْمُتَنَازَعُ فِيهِ هُوَ الْمَوْصُوفُ مِنْهُ فَلَا يَتَّصِلُ بِمَحَلِّ النِّزَاعِ ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ ذَكَرَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْمُضَارَبَةِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَفَعَ مَالًا مُضَارَبَةً إلَى زَيْدِ بْنِ خَلْدَةَ فَأَسْلَمَهَا زَيْدٌ إلَى عِتْرِيسِ بْنِ عُرْقُوبٍ فِي قَلَائِصَ مَعْلُومَةٍ ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : اُرْدُدْ مَا لَنَا لَا تُسْلِمُ أَمْوَالَنَا .
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ الْقَلَائِصَ كَانَتْ مَعْلُومَةً فَكَانَ لِكَوْنِهِ حَيَوَانًا .
لَا يُقَالُ : فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ بِقَوْلِهِ وَلَنَا مَنْقُوضٌ بِالْعَصَافِيرِ ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِدْلَال عَلَى الْمَطْلُوبِ بَلْ مِنْ حَيْثُ جَوَابُ الْخَصْمِ ، وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ السُّنَّةُ .
قَالَ ( وَلَا فِي أَطْرَافِهِ كَالرُّءُوسِ وَالْأَكَارِعِ ) وَالْكُرَاعُ مَا دُونَ الرُّكْبَةِ مِنْ الدَّوَابِّ ، وَالْأَكَارِعُ جَمْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ لَا مُقَدَّرَ لَهُ وَلَا فِي جُلُودِهِ ؛ لِأَنَّهَا تُبَاعُ عَدَدًا وَهِيَ عَدَدِيَّةٌ فِيهَا الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فَيُفْضِي السَّلَمُ فِيهَا إلَى الْمُنَازَعَةِ ، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَزْنًا لِقَيْدِهِ عَدَدًا ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَدَدِيٌّ ، فَحَيْثُ لَمْ يَجُزْ عَدَدًا لَمْ يَجُزْ وَزْنًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوزَنُ عَادَةً .
وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ إنْ بَيَّنَ لِلْجُلُودِ ضَرْبًا مَعْلُومًا يَجُوزُ وَذَلِكَ لِانْتِفَاءِ الْمُنَازَعَةِ حِينَئِذٍ ( وَلَا فِي الْحَطَبِ

حُزَمًا ) لِكَوْنِهِ مَجْهُولًا مِنْ حَيْثُ طُولُهُ وَعَرْضُهُ وَغِلَظُهُ ، فَإِنْ عُرِفَ ذَلِكَ جَازَ ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ ، وَلَا فِي الرَّطْبَةِ جُرَزًا بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ مَفْتُوحَةٌ وَزَايٌ : وَهِيَ الْقَبْضَةُ مِنْ الْقَتِّ وَنَحْوِهِ لِلتَّفَاوُتِ ، إلَّا إذَا عُرِفَ ذَلِكَ بِبَيَانِ طُولِ مَا تُشَدُّ بِهِ الْحُزْمَةُ أَنَّهُ شِبْرٌ أَوْ ذِرَاعٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَفَاوَتُ .

قَالَ ( وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ حَتَّى يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الْمَحِلِّ ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُنْقَطِعًا عِنْدَ الْعَقْدِ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَحِلِّ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ أَوْ مُنْقَطِعًا فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْمَحِلِّ لِوُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ حَالَ وُجُوبِهِ .
وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { لَا تُسَلِّفُوا فِي الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا } وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ بِالتَّحْصِيلِ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِمْرَارِ الْوُجُودِ فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّحْصِيلِ .

قَالَ ( وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ حَتَّى يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا ) وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إلَى حُلُولِ الْأَجَلِ شَرْطُ جَوَازِ السَّلَمِ عِنْدَنَا ، وَهَذَا يَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ : قِسْمَةٌ عَقْلِيَّةٌ حَاصِرَةٌ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إلَى الْمَحَلِّ أَوْ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ أَصْلًا ، أَوْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ دُونَ الْمَحَلِّ أَوْ بِالْعَكْسِ ، أَوْ مَوْجُودًا فِيمَا بَيْنَهُمَا ، أَوْ مَعْدُومًا فِيمَا بَيْنَهُمَا .
وَالْأَوَّلُ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ ، وَالثَّانِي فَاسِدٌ بِالِاتِّفَاقِ ، وَالثَّالِثُ كَذَلِكَ ، وَالرَّابِعُ فَاسِدٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَالْخَامِسُ فَاسِدٌ بِالِاتِّفَاقِ ، وَالسَّادِسُ فَاسِدٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ .
لَهُ عَلَى الرَّابِعِ وَهُوَ دَلِيلُهُمَا عَلَى السَّادِسِ وُجُودُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ حَالَ وُجُوبِهِ .
وَلَنَا قَوْلُهُ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تُسْلِفُوا فِي الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا } وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَرَطَ لِصِحَّةِ وُجُودِ الْمُسْلَمِ فِيهِ حَالَ الْعَقْدِ ؛ وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ إنَّمَا تَكُونُ بِالتَّحْصِيلِ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِمْرَارِ الْوُجُودِ فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّحْصِيلِ ، وَالْمُنْقَطِعُ وَهُوَ مَا لَا يُوجَدُ فِي سُوقِهِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ وَإِنْ وُجِدَ فِي الْبُيُوتِ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ بِالِاكْتِسَابِ ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمَا .
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ مَوْجُودًا كَفَى مُؤْنَةَ الْحَدِيثِ ، وَإِذَا وُجِدَ عِنْدَ الْمَحَلِّ كَانَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ فَلَا مَانِعَ عَنْ الْجَوَازِ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقُدْرَةَ إنَّمَا تَكُونُ مَوْجُودَةً إذَا كَانَ الْعَاقِدُ بَاقِيًا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ ، حَتَّى لَوْ مَاتَ كَانَ وَقْتُ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ عَقِيبَهُ ، وَفِي ذَلِكَ شَكٌّ .
وَرُدَّ بِأَنَّ الْحَيَاةَ ثَابِتَةٌ فَتَبْقَى .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ

ثَابِتٌ فَيَبْقَى .
فَإِنْ قِيلَ : بَقَاءُ الْكَمَالِ فِي النِّصَابِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ فَلْيَكُنْ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَذَلِكَ .
أُجِيبَ بِأَنَّ وُجُودَهُ كَالنِّصَابِ وُجُودُهُ لَا كَكَمَالِهِ ، وَوُجُودُهُ شَرْطٌ فَوُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَذَلِكَ .

( وَلَوْ انْقَطَعَ بَعْدَ الْمَحِلِّ فَرَبُّ السَّلَمِ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ فَسَخَ السَّلَمَ ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ وُجُودَهُ ) لِأَنَّ السَّلَمَ قَدْ صَحَّ وَالْعَجْزُ الطَّارِئُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ فَصَارَ كَإِبَاقِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ .( قَوْلُهُ : وَلَوْ انْقَطَعَ بَعْدَ الْمَحَلِّ ) يَعْنِي أَسْلَمَ فِي مَوْجُودٍ حَالَ الْعَقْدِ وَالْمَحَلِّ ثُمَّ انْقَطَعَ فَالسَّلَمُ صَحِيحٌ عَلَى حَالِهِ ، وَرَبُّ السَّلَمِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْعَقْدَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ وُجُودَهُ ( لِأَنَّ السَّلَمَ قَدْ صَحَّ وَالْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ طَارِئٌ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ فَصَارَ كَإِبَاقِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ ) فِي بَقَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ ، فَإِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي السَّلَمِ هُوَ الدَّيْنُ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ بَاقٍ بِبَقَائِهَا كَالْعَبْدِ الْآبِقِ .
وَفِي قَوْلِهِ وَالْعَجْزُ الطَّارِئُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ زُفَرَ عَنْ قِيَاسِهِ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ عَلَى هَلَاكِ الْمَبِيعِ فِي الْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ وَفِي ذَلِكَ يَبْطُلُ الْبَيْعُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا .
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَجْزَ عَنْ التَّسْلِيمِ إذَا كَانَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ لَا يَكُونُ كَالْعَجْزِ بِالْهَلَاكِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنِ الزَّوَالِ عَادَةً فَكَانَ الْقِيَاسُ فَاسِدًا .

قَالَ ( وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي السَّمَكِ الْمَالِحِ وَزْنًا مَعْلُومًا وَضَرْبًا مَعْلُومًا ) لِأَنَّهُ مَعْلُومُ الْقَدْرِ مَضْبُوطُ الْوَصْفِ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ إذْ هُوَ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ ( وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ عَدَدًا ) لِلتَّفَاوُتِ .
قَالَ ( وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي السَّمَكِ الطَّرِيِّ إلَّا فِي حِينِهِ وَزْنًا مَعْلُومًا وَضَرْبًا مَعْلُومًا ) لِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ فِي زَمَانِ الشِّتَاءِ ، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا يَنْقَطِعُ يَجُوزُ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ وَزْنًا لَا عَدَدًا لِمَا ذَكَرْنَا .
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي لَحْمِ الْكِبَارِ مِنْهَا وَهِيَ الَّتِي تُقَطَّعُ اعْتِبَارًا بِالسَّلَمِ فِي اللَّحْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .قَالَ ( وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي السَّمَكِ الْمَالِحِ إلَخْ ) السَّلَمُ فِي السَّمَكِ لَا يَجُوزُ عَدَدًا طَرِيًّا كَانَ أَوْ مَالِحًا لِلتَّفَاوُتِ ، وَوَزْنًا إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَالِحِ أَوْ الطَّرِيِّ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِحِ جَازَ فِي ضَرْبٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ لِكَوْنِهِ مَضْبُوطَ الْقَدْرِ وَالْوَصْفِ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ لِعَدَمِ انْقِطَاعِهِ .
وَإِنْ كَانَ فِي الطَّرِيِّ إنْ كَانَ فِي حِينِهِ جَازَ كَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ حِينِهِ لَمْ يَجُزْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا يَنْقَطِعُ جَازَ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي لَحْمِ الْكِبَارِ الَّتِي تُقْطَعُ اعْتِبَارًا بِالسَّلَمِ فِي اللَّحْمِ فِي الِاخْتِلَافِ بِالسِّمَنِ وَالْهُزَالِ .
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ السِّمَنَ وَالْهُزَالَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِيهِ فَصَارَ كَالصِّغَارِ .
قِيلَ يُقَالُ سَمَكٌ مَلِيحٌ وَمَمْلُوحٌ وَلَا يُقَالُ مَالِحٌ إلَّا فِي لُغَةٍ رَدِيئَةٍ وَهُوَ الْمُقَدَّدُ الَّذِي فِيهِ مِلْحٌ وَلَا مُعْتَبَرَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ : بَصْرِيَّةٌ تَزَوَّجَتْ بَصْرِيًّا يُطْعِمُهَا الْمَالِحَ وَالطَّرِيَّا ؛ لِأَنَّهُ مُوَلَّدٌ لَا يُؤْخَذُ بِلُغَتِهِ .
قَالَ الْإِمَامُ الزَّرْنُوجِيُّ : كَفَى بِذَلِكَ حُجَّةً لِلْفُقَهَاءِ .

قَالَ ( وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي اللَّحْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَالَا : إذَا وَصَفَ مِنْ اللَّحْمِ مَوْضِعًا مَعْلُومًا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ جَازَ ) لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ مَضْبُوطُ الْوَصْفِ وَلِهَذَا يَضْمَنُ بِالْمِثْلِ .
وَيَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ وَزْنًا وَيَجْرِي فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ ، بِخِلَافِ لَحْمِ الطُّيُورِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَصْفُ مَوْضِعٍ مِنْهُ .
وَلَهُ أَنَّهُ مَجْهُولٌ لِلتَّفَاوُتِ فِي قِلَّةِ الْعَظْمِ وَكَثْرَتِهِ أَوْ فِي سِمَنِهِ وَهُزَالِهِ عَلَى اخْتِلَافِ فُصُولِ السَّنَةِ ، وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ مُفْضِيَةٌ إلَى الْمُنَازَعَةِ .
وَفِي مَخْلُوعِ الْعَظْمِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَالتَّضْمِينُ بِالْمِثْلِ مَمْنُوعٌ .
وَكَذَا الِاسْتِقْرَاضُ ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ فَالْمِثْلُ أَعْدَلُ مِنْ الْقِيمَةِ ، وَلِأَنَّ الْقَبْضَ يُعَايَنُ فَيُعْرَفُ مِثْلَ الْمَقْبُوضِ بِهِ فِي وَقْتِهِ ، أَمَّا الْوَصْفُ فَلَا يُكْتَفَى بِهِ .

قَالَ ( وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي اللَّحْمِ ) خَيْرٌ نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتُفِيدُ نَفْيَ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ بِعُمُومِهِ ، وَمَعْنَاهُ لَا يَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ .
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي اللَّحْمِ ، وَقَالَا : إذَا وَصَفَ مِنْهُ مَوْضِعًا مَعْلُومًا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ جَازَ لِكَوْنِهِ مَوْزُونًا مَعْلُومًا كَسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ وَلِهَذَا يَجُوزُ ضَمَانُهُ بِالْمِثْلِ وَاسْتِقْرَاضُهُ وَزْنًا وَيَجْرِي فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَحْمُ الطُّيُورِ مَوْزُونٌ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ السَّلَمُ .
أَجَابَ بِقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَصْفُ مَوْضِعٍ مِنْهُ ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ فِيهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَفِي تَعْلِيلِهِ تَأَمُّلٌ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ وَصْفُ مَوْضِعٍ مِنْهُ فَوَصْفُهُ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُسْلَمَ فِي لَحْمِ الدَّجَاجِ مَثَلًا بِبَيَانِ سِمَنِهِ وَهُزَالِهِ وَسِنِّهِ وَمِقْدَارِهِ .
وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ حَمَلَ الْمَذْكُورَ مِنْ لَحْمِ الطُّيُورِ عَلَى طُيُورٍ لَا تُقْتَنَى وَلَا تُحْبَسُ لِلتَّوَالُدِ فَيَكُونُ الْبُطْلَانُ بِسَبَبِ أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي الْمُنْقَطِعِ ، وَالسَّلَمُ فِي مِثْلِهِ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ اتِّفَاقًا وَإِنْ ذَكَرَ الْوَزْنَ ، فَأَمَّا فِيمَا يُقْتَنَى وَيُحْبَسُ لِلتَّوَالُدِ فَيَجُوزُ عِنْدَ الْكُلِّ ؛ لِأَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ التَّفَاوُتِ فِي اللَّحْمِ بِسَبَبِ الْعَظْمِ فِي الطُّيُورِ تَفَاوُتٌ لَا يَعْتَبِرُهُ النَّاسُ كَعَظْمِ السَّمَكِ وَإِلَيْهِ مَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ، وَهَذَا يُقَوِّي وَجْهَ التَّأَمُّلِ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّحْمَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَا هُوَ مَقْصُودٌ وَعَلَى مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَهُوَ الْعَظْمُ ، فَيَتَفَاوَتُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِتَفَاوُتِ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَجْرِي الْمُمَاكَسَةُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ بِالتَّدْلِيسِ وَالنِّزَاعِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ مَجْهُولًا جَهَالَةً تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَلَا تَرْتَفِعُ بِبَيَانِ الْمَوْضِعِ وَالْوَزْنِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ فِي

مَنْزُوعِ الْعَظْمِ وَهُوَ مُخْتَارُ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ .
وَالثَّانِي أَنَّ اللَّحْمَ يَشْتَمِلُ عَلَى السِّمَنِ وَالْهُزَالِ ، وَمَقَاصِدُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ .
وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ فُصُولِ السَّنَةِ وَبِقِلَّةِ الْكَلَإِ وَكَثْرَتِهِ وَالسَّلَمُ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَجَّلًا ، وَلَا يُدْرَى أَنَّهُ عِنْدَ الْمَحَلِّ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ يَكُونُ .
وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ مُفْضِيَةٌ إلَى النِّزَاعِ وَلَا تَرْتَفِعُ بِالْوَصْفِ .
وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِهِ فِي مَخْلُوعِ الْعَظْمِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ ( قَوْلُهُ : وَالتَّضْمِينُ بِالْمِثْلِ ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلِهَذَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ بِالْمَنْعِ ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ فَالْمِثْلُ أَعْدَلُ مِنْ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى ، وَالْقَبْضُ يُعَايِنُ : يَعْنِي أَنَّ الِاسْتِقْرَاضَ حَالٌ فَيُعْرَفُ حَالُ مِثْلِ الْمَقْبُوضِ ، وَلَا تُفْضِي الْجَهَالَةُ بِهِ إلَى الْمُنَازَعَةِ ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ يُعْرَفُ بِالْوَصْفِ وَلَا تَرْتَفِعُ لِجَهَالَةٍ فَلَا يُكْتَفَى بِهِ .

قَالَ ( وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ إلَّا مُؤَجَّلًا ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ حَالًّا لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ .
وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } فِيمَا رَوَيْنَا ، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ رُخْصَةً دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْأَجَلِ لِيَقْدِرَ عَلَى التَّحْصِيلِ فِيهِ فَيُسَلِّمُ ، وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّسْلِيمِ لَمْ يُوجَدْ الْمُرَخِّصُ فَبَقِيَ عَلَى النَّافِي .

قَالَ ( وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ إلَّا مُؤَجَّلًا ) السَّلَمُ الْحَالُّ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
اسْتَدَلَّ بِإِطْلَاقِ رُخَصٍ فِي السَّلَمِ .
لَا يُقَالُ : مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَهُوَ قَوْلُهُ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } لِمَا نَذْكُرُهُ .
وَلَنَا قَوْلُهُ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } شَرَطَ لِجَوَازِ السَّلَمِ إعْلَامَ الْأَجَلِ كَمَا شَرَطَ إعْلَامَ الْقَدْرِ .
فَإِنْ قِيلَ : مَعْنَاهُ مَنْ أَرَادَ سَلَمًا مُؤَجَّلًا فَلْيُسْلِمْ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَبِهِ نَقُولُ ، وَالْحَصْرُ مَمْنُوعٌ وَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ مُقَيَّدًا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : { فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ } فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَكَانَ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إنْ كَانَ كَيْلِيًّا وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إنْ كَانَ وَزْنِيًّا ، فَيُقَدَّرُ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ إنْ كَانَ مُؤَجَّلًا .
فَالْجَوَابُ أَنَّ قَضِيَّةَ الْعَقْلِ كَفَتْ مُؤْنَةَ التَّمْيِيزِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْدِيرِ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ .
سَلَّمْنَاهُ ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَمُّلِ الْمَحْذُورِ لِضَرُورَةٍ تَحَمُّلُهُ لَا لِضَرُورَةٍ ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي التَّقْدِيرِ فِي الْأَجَلِ .
لَا يُقَالُ : الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِينَ ضَرُورَةٌ فَيُتَحَمَّلُ التَّقْدِيرُ لِأَجَلِهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ رَخَّصَ فِي السَّلَمِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ لِضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ فِي السَّلَمِ الْحَالِّ .
عَلَى أَنَّ سَوْقَ الْكَلَامِ لِبَيَانِ شُرُوطِ السَّلَمِ لَا لِبَيَانِ الْأَجَلِ فَلْيُتَأَمَّلْ ؛ وَلِأَنَّ السَّلَمَ شُرِعَ رُخْصَةً لِدَفْعِ حَاجَةِ الْمَفَالِيسِ .
إذْ الْقِيَاسُ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ ، وَمَا شُرِعَ لِذَلِكَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَثْبُتَ عَلَى وَجْهٍ يَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَةُ الْمَفَالِيسِ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا لِمَا

شُرِعَ لَهُ ، وَالسَّلَمُ الْحَالُّ لَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْحَاجَةِ يَعْتَمِدُ الْحَاجَةَ وَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِيهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّسْلِيمِ فِي الْحَالِ أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا حَاجَةَ فَلَا دَفْعَ فَلَا مُرَخِّصَ فَبَقِيَ عَلَى النَّافِي ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا بُدَّ مِنْ الْأَجَلِ لِيَحْصُلَ فَيُسْلَمُ وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى النِّزَاعِ الْمُخْرِجِ لِلْمُفْلِسِ وَعَادَ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ شَرْعِيَّةُ السَّلَمِ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَمَا جَازَ مِمَّنْ عِنْدَهُ أَكْرَارُ حِنْطَةٍ .
أُجِيبَ بِأَنَّ السَّلَمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَدْنَى الثَّمَنَيْنِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْعَدَمِ ، وَحَقِيقَتُهُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ الدَّالُّ عَلَيْهِ مَقَامَهُ وَبُنِيَ عَلَيْهِ هَذِهِ الرُّخْصَةُ كَمَا فِي رُخْصَةِ الْمُسَافِرِ .

قَالَ ( وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ ) لِمَا رَوَيْنَا ، وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ مُفْضِيَةٌ إلَى الْمُنَازَعَةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ ، وَالْأَجَلُ أَدْنَاهُ شَهْرٌ وَقِيلَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّقَالَ ( وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ ) إذَا ثَبَتَ اشْتِرَاطُ الْأَجَلِ فِي السَّلَمِ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مَعْلُومًا بِمَا رَوَيْنَا ؛ وَبِالْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّ الْجَهَالَةَ مُفْضِيَةٌ إلَى الْمُنَازَعَةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ ، فَهَذَا يُطَالِبُهُ بِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ وَذَلِكَ يُؤَدِّيهِ فِي بِعِيدِهَا .
وَاخْتُلِفَ فِي أَدْنَى الْأَجَلِ فَقِيلَ أَدْنَاهُ شَهْرٌ اسْتِدْلَالًا بِمَسْأَلَةِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ .
حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ عَاجِلًا فَقَضَاهُ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ ، فَإِذَا كَانَ مَا دُونَ الشَّهْرِ فِي حُكْمِ الْعَاجِلِ كَانَ الشَّهْرُ وَمَا فَوْقَهُ فِي حُكْمِ الْآجِلِ ، وَقِيلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ الْبَغْدَادِيُّ أُسْتَاذُ الطَّحَاوِيِّ عَنْ أَصْحَابِنَا اعْتِبَارًا بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ ثَمَّ بَيَانُ أَقْصَى الْمُدَّةِ ، فَأَمَّا أَدْنَاهُ فَغَيْرُ مُقَدَّرٍ ، وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ ؛ لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ مَا كَانَ مَقْبُوضًا فِي الْمَجْلِسِ وَالْمُؤَجَّلُ مَا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ عَنْ الْمَجْلِسِ وَلَا يَبْقَى الْمَجْلِسُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِكَوْنِهِ مُدَّةً يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِيهَا وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ .

( وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ بِمِكْيَالِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَلَا بِذِرَاعِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ) مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ مِقْدَارُهُ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَ فِيهِ التَّسْلِيمُ فَرُبَّمَا يَضِيعُ فَيُؤَدِّي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمِكْيَالُ مِمَّا لَا يَنْقَبِضُ وَلَا يَنْبَسِطُ كَالْقِصَاعِ مَثَلًا ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْكَبِسُ بِالْكَبْسِ كَالزِّنْبِيلِ وَالْجِرَابِ لَا يَجُوزُ لِلْمُنَازَعَةِ إلَّا فِي قُرْبِ الْمَاءِ لِلتَّعَامُلِ فِيهِ ، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ .
قَالَ ( وَلَا فِي طَعَامِ قَرْيَةٍ بِعَيْنِهَا ) أَوْ ثَمَرَةِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا لِأَنَّهُ قَدْ يَعْتَرِيهِ آفَةٌ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ قَالَ " { أَرَأَيْتَ لَوْ أَذْهَبَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّمَرَ بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ } وَلَوْ كَانَتْ النِّسْبَةُ إلَى قَرْيَةٍ لِبَيَانِ الصِّفَةِ لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى مَا قَالُوا كالخشمراني بِبُخَارَى وَالْبَسَاخِيِّ بِفَرْغَانَةَ .

قَالَ ( وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ بِمِكْيَالِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ) لَا يَصِحُّ السَّلَمُ بِمِكْيَالِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَلَا بِذِرَاعِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُهُ ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِي السَّلَمِ مُتَأَخِّرٌ فَرُبَّمَا يَضِيعُ الْمِكْيَالُ أَوْ الذِّرَاعُ فَيُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ ، وَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمِكْيَالَ إذَا كَانَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ وَالذِّرَاعَ كَذَلِكَ أَوْ بَاعَ بِذَلِكَ الْإِنَاءَ الْمَجْهُولَ الْقَدْرِ يَدًا بِيَدٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِحُصُولِ الْأَمْنِ مِنْ الْمُنَازَعَةِ ، وَقَدْ مَرَّ : يَعْنِي فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ أَنَّ الْبَيْعَ يَدًا بِيَدٍ بِمِكْيَالٍ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ يُتَعَجَّلُ فِيهِ فَيَنْدُرُ الْهَلَاكُ ، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمِكْيَالُ مِمَّا لَا يَنْقَبِضُ وَلَا يَنْبَسِطُ كَمَا إذَا كَانَ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَزَفٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ نَحْوِهَا ، أَمَّا إذَا كَانَ مِمَّا يَنْكَبِسُ بِالْكَبْسِ كَالزِّنْبِيلِ بِكَسْرِ الزَّايِ ؛ لِأَنَّ فُعَيْلًا بِفَتْحِ الْفَاءِ لَيْسَ مِنْ أَبْنِيَتِهِمْ وَالْجَوَابُ وَالْغِرَارَةُ وَالْجُوَالِقُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْمُنَازَعَةِ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ اسْتَحْسَنَ فِي قِرَبِ الْمَاءِ وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ سِقَاءٍ كَذَا كَذَا قِرْبَةً بِهَذِهِ الْقِرْبَةِ مِنْ مَاءٍ لِلتَّعَامُلِ .
قَالَ ( وَلَا فِي طَعَامِ قَرْيَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ ثَمَرَةِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا ) ؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَهُ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ بِعُرُوضِ آفَةٍ مَوْهُومٌ ( فَتَنْتَفِي الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ ) أَشَارَ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { حِينَ سُئِلَ عَنْ السَّلَمِ فِي ثَمَرِ فُلَانٍ أَمَّا مِنْ ثَمَرِ حَائِطِ فُلَانٍ فَلَا ، أَرَأَيْت لَوْ أَذْهَبَ اللَّهُ التَّمْرَ بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ } " وَلَا خَفَاءَ فِي كَوْنِهِ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيَانًا بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي ثَمَرَةِ قَرْيَةٍ بِعَيْنِهَا .
وَقَوْلُهُ : مَالَ أَخِيهِ أَرَادَ بِهِ رَأْسَ الْمَالِ : أَيْ لَوْ لَمْ تَحْصُلْ الثَّمَرَةُ

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47