كتاب : العناية شرح الهداية
المؤلف : محمد بن محمد البابرتي  

جَارِيَةً فَمَاتَ ثُمَّ اسْتَوْلَدَهَا الْوَارِثُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الْجَارِيَةُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِ الْمَيِّتِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً لَمَا رَجَعَ ، كَمَا لَوْ بَاعَهَا الْمُورَثُ مِنْ آخَرَ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ دُونَ بَائِعِ بَائِعِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَلِيفَةٍ عَنْ بَائِعِهِ حَتَّى يَكُونَ غُرُورُهُ كَغُرُورِهِ ( وَقَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَضْمَنُ ) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ غَيْرَ صَحِيحَةٍ كَانَ تَصَرُّفُهُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ وَهَلَكَ الْمَالُ بَعْدَ ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَيَجِبُ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ تَعَدَّى عَلَى الْمَالِ وَاسْتَهْلَكَهُ ، وَوَجْهُ الْجَوَابِ مَا قَالَ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ ، وَلَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ فِي التَّرِكَةِ فَصَارَ كَمَا إذَا هَلَكَ بَعْضُ التَّرِكَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إلَخْ ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَا أَفْرَزَهُ لِلْوَرَثَةِ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي ذَلِكَ .
أَمَّا لَوْ سَلَّمَهُ إلَيْهِمْ فَالْمُوصَى لَهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْقَابِضَ بِالْقَبْضِ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الدَّافِعَ بِالدَّفْعِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ .
فَإِنْ قَاسَمَ الْوَرَثَةَ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهِ ، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ لَفْظَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ( وَقَوْلُهُ لِمَا بَيَّنَّا ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ ؛ ( لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَمْ تَنْفُذْ عَلَيْهِ ) .

قَالَ ( وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِحَجَّةٍ فَقَاسَمَ فِي الْوَرَثَةِ فَهَلَكَ مَا فِي يَدِهِ حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ ، وَكَذَلِكَ إنْ دَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَنْهُ فَضَاعَ فِي يَدِهِ ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا لِلثُّلُثِ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، وَإِلَّا يَرْجِعُ بِتَمَامِ الثُّلُثِ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ حَقُّ الْمُوصِي ، وَلَوْ أَفْرَزَ الْمُوصِي بِنَفْسِهِ مَالًا لِيَحُجَّ عَنْهُ فَهَلَكَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ، فَكَذَا إذَا أَفْرَزَهُ وَصِيُّهُ الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ .
وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَحَلَّ الْوَصِيَّةِ الثُّلُثُ فَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا مَا بَقِيَ مَحَلُّهَا ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ بَطَلَتْ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تُرَادُ لِذَاتِهَا بَلْ لِمَقْصُودِهَا وَهُوَ تَأْدِيَةُ الْحَجِّ فَلَمْ تُعْتَبَرْ دُونَهُ وَصَارَ كَمَا إذَا هَلَكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَيَحُجُّ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ ، وَلِأَنَّ تَمَامَهَا بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْجِهَةِ الْمُسَمَّاةِ ، إذْ لَا قَابِضَ لَهَا ، فَإِذَا لَمْ يُصْرَفْ إلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لَمْ يَتِمَّ فَصَارَ كَهَلَاكِهِ قَبْلَهَا .
.( قَالَ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِحَجَّةٍ إلَخْ ) رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ وَكَانَ مِقْدَارُ الْحَجِّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَخَذَ الْوَصِيُّ أَلْفًا وَدَفَعَهَا إلَى الَّذِي يَحُجُّ عَنْهُ فَسُرِقَتْ فِي الطَّرِيقِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُؤْخَذُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، فَإِنْ سُرِقَتْ ثَانِيًا يُؤْخَذُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ مَرَّةً أُخْرَى هَكَذَا .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُؤْخَذُ مَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِ جَمِيعِ الْمَالِ وَذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ ، فَإِنْ سُرِقَتْ ثَانِيًا لَا يُؤْخَذُ مَرَّةً أُخْرَى .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : إذَا سُرِقَتْ الْأَلْفُ الْأُولَى بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى .
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ .

قَالَ ( وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا الْوَرَثَةُ إلَى الْقَاضِي فَقَسَمَهَا وَالْمُوصَى لَهُ غَائِبٌ فَقِسْمَتُهُ جَائِزَةٌ ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ ، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ تَصِيرُ الْوَصِيَّةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْقَاضِي نَصَّبَ نَاظِرًا لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ الْمَوْتَى وَالْغُيَّبِ ، وَمِنْ النَّظَرِ إفْرَازُ نَصِيبِ الْغَائِبِ وَقَبْضِهِ فَنَفَذَ ذَلِكَ وَصَحَّ ، حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَقَدْ هَلَكَ الْمَقْبُوضُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ سَبِيلٌ .وَقَوْلُهُ ( وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ) وَاضِحٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ فِيمَا إذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهِ تَمْيِيزٌ لَا مُبَادَلَةٌ حَتَّى يَنْفَرِدَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا ، وَيَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ مُرَابَحَةً عَلَى مَا قَامَ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ ، فَأَمَّا فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَلَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهِ مُبَادَلَةٌ كَالْبَيْعِ ، وَبَيْعُ مَالِ الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ فَكَذَا قِسْمَتُهُ .
قُلْت : وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِي الدَّرَاهِمِ لَعَلَّهُ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّهَا مِمَّا يُوزَنُ .

قَالَ ( وَإِذَا بَاعَ الْوَصِيُّ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ فَهُوَ جَائِزٌ ) لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مُقَامَ الْمُوصِي ، وَلَوْ تَوَلَّى حَيًّا بِنَفْسِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَإِنْ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَكَذَا إذَا تَوَلَّاهُ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِيَّةِ لَا بِالصُّورَةِ وَالْبَيْعُ لَا يُبْطِلُ الْمَالِيَّةَ لِفَوَاتِهَا إلَى خَلَفٍ وَهُوَ الثَّمَنُ .
بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَدْيُونِ لِأَنَّ لِلْغُرَمَاءِ حَقَّ الِاسْتِسْعَاءِ وَأَمَّا هَاهُنَا فَبِخِلَافِهِ .وَقَوْلُهُ ( وَإِذَا بَاعَ الْوَصِيُّ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ ) ذَكَرَهُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا إذَا بَاعَ الْمَوْلَى أَوْ وَصِيُّهُ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ الْمَدْيُونَ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ غُرَمَاءِ الْعَبْدِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ لِغَرِيمِ الْعَبْدِ هُنَاكَ حَقًّا فِي اسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ وَبَعْدَ الْبَيْعِ لَا يَبْقَى ، فَكَانَ فِي الْبَيْعِ إبْطَالُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ فَلَا يَنْفُذُ بِغَيْرِ إجَازَتِهِمْ .
وَأَمَّا هَاهُنَا فَلَيْسَ لِغَرِيمِ الْمَوْلَى حَقٌّ فِي اسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ ، إنَّمَا حَقُّهُ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ الثَّمَنِ فَلَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ مُبْطِلًا حَقَّ الْغَرِيمِ بَلْ يَكُونُ مُحَقِّقًا لَهُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ لَا فِي عَيْنِ الْعَبْدِ وَبِالْبَيْعِ يَحْصُلُ .
وَقَوْلُهُ ( وَلَوْ تَوَلَّى حَيًّا بِنَفْسِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ ) يَعْنِي إذَا بَاعَ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ .

قَالَ ( وَمَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ عَبْدُهُ وَيَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَبَاعَهُ الْوَصِيُّ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَضَاعَ فِي يَدِهِ فَاسْتَحَقَّ الْعَبْدُ ضَمِنَ الْوَصِيُّ ) لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ فَتَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ ، وَهَذِهِ عُهْدَةٌ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْهُ مَا رَضِيَ بِبَذْلِ الثَّمَنِ إلَّا لِيُسَلِّمَ لَهُ الْمَبِيعَ وَلَمْ يُسَلِّمْ فَقَدْ أَخَذَ الْوَصِيُّ الْبَائِعُ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ .
قَالَ ( وَيَرْجِعُ فِيمَا تَرَكَ الْمَيِّتُ ) لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ كَالْوَكِيلِ .
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلًا : لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ ضَمِنَ بِقَبْضِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَا ذَكَرْنَا وَيَرْجِعُ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ .
وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الثُّلُثِ لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَأَخَذَ حُكْمَهَا ، وَمَحَلُّ الْوَصِيَّةِ الثُّلُثُ .
وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْغُرُورِ وَذَلِكَ دَيْنٌ عَلَيْهِ وَالدَّيْنُ يُقْضَى مِنْ جَمِيعِ التَّرِكَةِ ، بِخِلَافِ الْقَاضِي أَوْ أَمِينِهِ إذَا تَوَلَّى الْبَيْعَ حَيْثُ لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ فِي إلْزَامِهَا الْقَاضِيَ تَعْطِيلُ الْقَضَاءِ ، إذْ يَتَحَامَى عَنْ تَقَلُّدِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ حَذَرًا عَنْ لُزُومِ الْغَرَامَةِ فَتَتَعَطَّلُ مَصْلَحَةُ الْعَامَّةِ وَأَمِينُهُ سَفِيرٌ عَنْهُ كَالرَّسُولِ ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَصِيُّ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ ، فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ قَدْ هَلَكَتْ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِهَا وَفَاءٌ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ كَمَا إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ آخَرُ .

وَقَوْلُهُ ( وَمَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ عَبْدُهُ وَيُتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ ) ظَاهِرٌ .
وَقَوْلُهُ ( لِأَنَّهُ ضَمِنَهُ بِقَبْضِهِ ) أَيْ لَا بِعَمَلٍ آخَرَ يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ بِاسْتِحْقَاقِ الْعَبْدِ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ فَلَمْ يَكُنْ عَامِلًا لِلْمُوصِي وَلَا لِوَرَثَتِهِ .
وَقَوْلُهُ ( ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ لِتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوَصِيَّةِ ، وَالْوَصِيَّةُ تَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ .
وَقَوْلُهُ ( أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْغُرُورِ ) أَيْ : بِحُكْمِ أَنَّ الْمَيِّتَ غَرَّهُ بِقَوْلِهِ هَذَا مِلْكِي فَإِنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ ، وَالتَّصَدُّقِ بِثَمَنِهِ كَانَ قَائِلًا هَذَا الْعَبْدُ مِلْكِي فَكَانَ الْوَصِيُّ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ فَكَانَ ذَلِكَ الضَّمَانُ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ ، وَالدَّيْنُ يُقْضَى مِنْ جَمِيعِ التَّرِكَةِ .
وَقَوْلُهُ ( وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ ) يَعْنِي فِي آخِرِ فَصْلِ الْقَضَاءِ بِالْمَوَارِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَإِذَا بَاعَ الْقَاضِي أَوْ أَمِينُهُ عَبْدًا لِلْغُرَمَاءِ إلَخْ .
وَقَوْلُهُ ( فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ قَدْ هَلَكَتْ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِهَا وَفَاءٌ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ) أَيْ : لَا عَلَى الْوَرَثَةِ وَلَا عَلَى الْمَسَاكِينِ إنْ كَانَ تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَقَعْ إلَّا لِلْمَيِّتِ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ آخَرُ ، وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ مُحَالًا إلَى الْمُنْتَقَى أَنَّ الْوَصِيَّ يَرْجِعُ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، وَالْقِيَاسُ هَكَذَا ؛ لِأَنَّ غُنْمَ تَصَرُّفِ الْوَصِيِّ عَادَ إلَيْهِمْ فَالْغُرْمُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَالِفُ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ .
وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَصْلٌ فِي غُنْمِ هَذَا التَّصَرُّفِ وَهُوَ الثَّوَابُ وَالْفَقِيرُ تَبَعٌ لَهُ .

قَالَ ( وَإِنْ قَسَمَ الْوَصِيُّ الْمِيرَاثَ فَأَصَابَ صَغِيرًا مِنْ الْوَرَثَةِ عَبْدٌ فَبَاعَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَهَلَكَ وَاسْتَحَقَّ الْعَبْدَ رَجَعَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ ) لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ ، وَيَرْجِعُ الصَّغِيرُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِحِصَّتِهِ لِانْتِقَاضِ الْقِسْمَةِ بِاسْتِحْقَاقِ مَا أَصَابَهُ .( وَقَوْلُهُ فَإِنْ قَسَمَ الْوَصِيُّ الْمِيرَاثَ إلَخْ ) ظَاهِرٌ

قَالَ ( وَإِذَا احْتَالَ الْوَصِيُّ بِمَالِ الْيَتِيمِ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ جَازَ ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَمْلَأَ ، إذْ الْوِلَايَةُ نَظَرِيَّةٌ ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَمْلَأَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيعَ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ .وَكَذَا قَوْلُهُ ( وَإِذَا احْتَالَ الْوَصِيُّ بِمَالِ الْيَتِيمِ ) وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا كَانَ الْمُحِيلُ ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ سَوَاءً فِي الْمُلَاءَةِ .
وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ ، وَمَنْ لَا يُجَوِّزُهُ يَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ مَالَ الْيَتِيمِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَإِنَّهُ جَائِزٌ عَلَى مَا يَجِيءُ .
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْوَصِيُّ يَمْلِكُهَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَبَنٌ فَاحِشٌ .
فَأَمَّا الْحَوَالَةُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ لِجَوَازِهَا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ وَبِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ ، وَلَوْ كَانَتْ مُعَاوَضَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَ اسْتِبْدَالًا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ وَبِرَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُبَادَلَةً كَانَتْ كَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ ، وَالْوَصِيُّ لَا يَمْلِكُهَا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ .

قَالَ ( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَصِيِّ وَلَا شِرَاؤُهُ إلَّا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ ) لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ ، بِخِلَافِ الْيَسِيرِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ ، فَفِي اعْتِبَارِهِ انْسِدَادِ بَابِهِ .
وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ وَشِرَاؤُهُمْ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ بِحُكْمِ الْمَالِكِيَّةِ ، وَالْإِذْنُ فَكُّ الْحَجْرِ ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ الشَّرْعِيَّةِ نَظَرًا فَيَتَقَيَّدُ بِمَوْضِعِ النَّظَرِ .
وَعِنْدَهُمَا لَا يَمْلِكُونَهُ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ بِالْفَاحِشِ مِنْهُ تَبَرُّعٌ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ ( وَإِذَا كَتَبَ كِتَابَ الشِّرَاءِ عَلَى وَصِيٍّ كَتَبَ كِتَابَ الْوَصِيَّةِ عَلَى حِدَةٍ وَكِتَابَ الشِّرَاءِ عَلَى حِدَةٍ ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ ، وَلَوْ كَتَبَ جُمْلَةً عَسَى أَنْ يَكْتُبَ الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ فِي آخِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَيَصِيرُ ذَلِكَ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْكَذِبِ .
ثُمَّ قِيلَ : يَكْتُبُ اشْتَرَى مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَلَا يَكْتُبُ مِنْ فُلَانٍ وَصِيِّ فُلَانٍ لِمَا بَيَّنَّا .
وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْوِصَايَةَ تُعْلَمُ ظَاهِرًا .

وَقَوْلُهُ ( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَصِيِّ ) وَاضِحٌ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا اشْتَرَى الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ أَوْ بَاعَ مِنْ الْيَتِيمِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ هَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا .
إنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَتَفْسِيرُ الْمَنْفَعَةِ الظَّاهِرَةِ أَنْ يَبِيعَ مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ بِعَشَرَةٍ مِنْ الصَّغِيرِ وَيَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَصَاعِدًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ( وَقَوْلُهُ وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ لَهُ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ ، وَالْمُكَاتَبُ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ وَشِرَاؤُهُمْ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ بِحُكْمِ الْمَالِكِيَّةِ ) أَيْ : يَتَصَرَّفُونَ بِأَهْلِيَّتِهِمْ لَا بِأَمْرِ الْمَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فَكُّ الْحَجْرِ فَلَمْ يَكُنْ تَصَرُّفُهُمْ فِيهِ نِيَابَةٌ عَنْ أَحَدٍ ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } قَالَ ( وَإِذَا كَتَبَ كِتَابَ الشِّرَاءِ عَلَى وَصِيٍّ ) هَذَا تَعْلِيمٌ لِكِتَابِ الْحُقُوقِ ، وَالشُّهُودِ لِنَفْيِ تُهْمَةِ شَهَادَةِ الزُّورِ وَهُوَ وَاضِحٌ .
وَقَوْلُهُ ( لِمَا بَيَّنَّا ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ .

قَالَ ( وَبَيْعُ الْوَصِيِّ عَلَى الْكَبِيرِ الْغَائِبِ جَائِزٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْعَقَارِ ) لِأَنَّ الْأَبَ يَلِي مَا سِوَاهُ وَلَا يَلِيهِ ، فَكَذَا وَصِيُّهُ فِيهِ .
وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْوَصِيُّ غَيْرَ الْعَقَارِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ عَلَى الْكَبِيرِ ، إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَاهُ لِمَا أَنَّهُ حُفِظَ لِتَسَارُعِ الْفَسَادِ إلَيْهِ ، وَحِفْظُ الثَّمَنِ أَيْسَرُ وَهُوَ يَمْلِكُ الْحِفْظَ ، أَمَّا الْعَقَارُ فَمُحْصَنٌ بِنَفْسِهِ .
قَالَ ( وَلَا يَتْجُرُ فِي الْمَالِ ) لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إلَيْهِ الْحِفْظُ دُونَ التِّجَارَةِ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : وَصِيُّ الْأَخِ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ الْغَائِبِ بِمَنْزِلَةِ وَصِيِّ الْأَبِ فِي الْكَبِيرِ الْغَائِبِ ، وَكَذَا وَصِيُّ الْأُمِّ وَوَصِيُّ الْعَمِّ .
وَهَذَا الْجَوَابُ فِي تَرِكَةِ هَؤُلَاءِ لِأَنَّ وَصِيَّهُمْ قَائِمٌ مُقَامَهُمْ وَهُمْ يَمْلِكُونَ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ فَكَذَا وَصِيُّهُمْ .

وَقَوْلُهُ ( وَبَيْعُ الْوَصِيِّ عَلَى الْكَبِيرِ الْغَائِبِ ) قَيَّدَ بِالْكَبِيرِ ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ إذَا كَانُوا صِغَارًا جَازَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَبِيعَ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ الْعُرُوضَ وَالْعَقَارَ عَلَى جَوَابِ السَّلَفِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ سَوَاءٌ كَانُوا حَاضِرِينَ أَوْ غُيَّبًا وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ : إنَّمَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ عَقَارِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ إلَّا مِنْ ثَمَنِ الْعَقَارِ ، أَوْ يَكُونُ لِلصَّغِيرِ حَاجَةٌ لِثَمَنِ الْعَقَارِ ، أَوْ يَرْغَبُ الْمُشْتَرِي فِي شِرَائِهِ بِضِعْفِ الْقِيمَةِ .
وَقَيَّدَ بِالْغَيْبَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا حَضَرُوا لَيْسَ لِلْوَصِيِّ التَّصَرُّفُ فِي التَّرِكَةِ أَصْلًا ، لَكِنْ يَتَقَاضَى دُيُونَ الْمَيِّتِ وَيَقْبِضُ حُقُوقَهُ وَيَدْفَعُ إلَى الْوَرَثَةِ ، إلَّا إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ ، وَلَمْ يَقْبِضْ الْوَرَثَةُ الدُّيُونَ وَلَمْ يُنَفِّذُوا الْوَصِيَّةَ مِنْ مَالِهِمْ فَإِنَّهُ يَبِيعُ التَّرِكَةَ كُلَّهَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُحِيطًا أَوْ بِمِقْدَارِ الدَّيْنِ إنْ لَمْ يُحِطْ ، وَلَهُ بَيْعُ مَا زَادَ عَلَى الدَّيْنِ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا وَتُنَفَّذُ الْوَصِيَّةُ بِمِقْدَارِ الثُّلُثِ ، وَلَوْ بَاعَ لِتَنْفِيذِهَا شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ جَازَ بِمِقْدَارِهَا بِالْإِجْمَاعِ وَفِي الزِّيَادَةِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الدَّيْنِ .
وَقَوْلُهُ ( لِأَنَّ الْأَبَ يَلِي مَا سِوَاهُ ) دَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ وَلَكِنَّ هَذَا الْمَذْكُورَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّرِكَةِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَإِنْ كَانَ وَهُوَ مُسْتَغْرِقٌ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ الْجَمِيعَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قَضَاءُ الدُّيُونِ إلَّا بِالْبَيْعِ فَكَانَ مَأْمُورًا بِالْبَيْعِ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ يَبِيعُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ مِنْ الْمَنْقُولِ وَالْعَقَارِ وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَنْقُولِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَمِنْ الْعَقَارِ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا ، قَالَا فِي مَنْعِ بَيْعِ الزِّيَادَةِ : إنَّ جَوَازَهُ

لِلْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ إلَى بَيْعِ الزَّائِدِ فَلَا يَجُوزُ .
وَاسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ : الْوِلَايَةُ هَاهُنَا بِسَبَبِ الْوِصَايَةِ وَهِيَ لَا تَتَجَزَّأُ ، فَمَتَى تَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ فِي بَيْعِ الْبَعْضِ تَثْبُتُ فِي الْبَاقِي ؛ وَلِأَنَّ فِي بَيْعِ الْبَعْضِ إضْرَارًا لِتَعَيُّبِ الْبَاقِي فَكَانَ فِي بَيْعِ الْكُلِّ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِمْ ، وَلِلْوَصِيِّ وِلَايَةُ ذَلِكَ فِي نَصِيبِ الْكَبِيرِ ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ الْحِفْظَ وَبَيْعَ الْمَنْقُولَاتِ حَالَ غَيْبَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ .
فَإِنْ قُلْت : قَدْ عُلِمَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ كِبَارًا بِعِبَارَةِ الْكِتَابِ وَإِذَا كَانُوا صِغَارًا بِمَفْهُومِهِ ، فَمَا حُكْمُهَا إذَا كَانُوا صِغَارًا وَكِبَارًا .
قُلْت : حُكْمُهَا أَنَّ الْكِبَارَ إذَا كَانُوا غُيَّبًا وَخَلَتْ التَّرِكَةُ عَنْ دَيْنٍ ، وَوَصِيَّةٍ فَلِلْوَصِيِّ بَيْعُ الْمَنْقُولِ بِالْإِجْمَاعِ وَبَيْعُ حِصَّةِ الصِّغَارِ مِنْ الْعَقَارِ ، وَأَمَّا بَيْعُ حِصَّةِ الْكِبَارِ مِنْهُ فَعَلَى الْخِلَافِ الَّذِي مَرَّ ، وَإِنْ اُشْتُغِلَتْ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ يَبِيعُ الْمَنْقُولَ وَالْعَقَارَ جَمِيعًا ، وَبِغَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ يَبِيعُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ مِنْ الْمَنْقُولِ وَالْعَقَارِ جَمِيعًا ، وَفِي الزِّيَادَةِ الْخِلَافُ وَإِنْ كَانُوا حُضُورًا وَكَانَتْ التَّرِكَةُ خَالِيَةً عَنْ الدَّيْنِ يَبِيعُ حِصَّةَ الصِّغَارِ مِنْ الْعَقَارِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَفِي بَيْعِ حِصَّةِ الْكِبَارِ الْخِلَافُ ، وَإِنْ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ يَبِيعُ الْكُلَّ وَبِغَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ بِقَدْرِهِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْخِلَافِ .
وَقَوْلُهُ ( وَلَا يَتَّجِرُ فِي الْمَالِ ) ظَاهِرٌ .
وَقَوْلُهُ ( وَهَذَا الْجَوَابُ فِي تَرِكَةِ هَؤُلَاءِ ) يَعْنِي : الْأَخَ وَالْأُمَّ وَالْعَمَّ ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِتَرِكَةِ هَؤُلَاءِ ؛ لِأَنَّ وَصِيَّ هَؤُلَاءِ فِيمَا تَرَكَ الْأَبُ لَيْسَ كَوَصِيِّ الْأَبِ فِي الْكَبِيرِ الْغَائِبِ ؛ فَإِنَّ وَصِيَّ الْأُمِّ لَا يَمْلِكُ عَلَى الصَّغِيرِ بَيْعَ مَا وَرِثَهُ الصَّغِيرُ عَنْ أَبِيهِ ، الْعَقَارُ ، وَالْمَنْقُولُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ؛

لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأُمِّ وَالْأُمُّ حَالَ حَيَاتِهَا لَا تَمْلِكُ بَيْعَ مَا وَرِثَهُ الصَّغِيرُ الْمَنْقُولُ وَالْعَقَارُ الْمَشْغُولُ بِالدَّيْنِ وَالْخَالِي عَنْهُ فَكَذَلِكَ وَصِيُّهَا ، وَأَمَّا مَا وَرِثَهُ الصَّغِيرُ مِنْ الْأُمِّ فَلِوَصِيِّهَا فِيهِ بَيْعُ الْمَنْقُولِ دُونَ الْعَقَارِ ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْحِفْظِ ، وَبَيْعُ الْمَنْقُولِ مِنْ الْحِفْظِ دُونَ الْعَقَارِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّرِكَةِ دَيْنٌ أَوْ وَصِيَّةٌ ، أَمَّا إذَا كَانَ دَيْنٌ فَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا فَلَهُ بَيْعُ الْكُلِّ وَدَخَلَ بَيْعُ الْعَقَارِ تَحْتَ وِلَايَتِهِ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْعَقَارِ طَرِيقُ قَضَاءِ الدَّيْنِ ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ دَخَلَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا يَبِيعُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ ، وَأَمَّا بَيْعُ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ فَعَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَارِّ ، وَهَذَا الْجَوَابُ بِعَيْنِهِ هُوَ الْجَوَابُ عَنْ وَصِيِّ الْأَخِ وَالْعَمِّ ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَا وِلَايَةَ لِلْأُمِّ عَلَى الصَّغِيرِ فِي الْمَالِ فَكَذَا لَا وِلَايَةَ لِلْأَخِ وَالْعَمِّ عَلَيْهِ .

قَالَ ( وَالْوَصِيُّ أَحَقُّ بِمَالِ الصَّغِيرِ مِنْ الْجَدِّ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْجَدُّ أَحَقُّ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَهُ مُقَامَ الْأَبِ حَالَ عَدَمِهِ حَتَّى أَحْرَزَ الْمِيرَاثَ فَيُقَدَّمُ عَلَى وَصِيِّهِ .
وَلَنَا أَنَّ بِالْإِيصَاءِ تَنْتَقِلُ وِلَايَةُ الْأَبِ إلَيْهِ فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ قَائِمَةً مَعْنًى فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ كَالْأَبِ نَفْسِهِ ، وَهَذَا لِأَنَّ اخْتِيَارَهُ الْوَصِيَّ مَعَ عِلْمِهِ بِقِيَامِ الْجَدِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَهُ أَنْظَرُ لِبَنِيهِ مِنْ تَصَرُّفِ أَبِيهِ ( فَإِنْ لَمْ يُوصِ الْأَبُ فَالْجَدُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ وَأَشْفَقُهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمْلِكَ الْإِنْكَاحَ دُونَ وَصِيٍّ ، غَيْرَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ وَصِيُّ الْأَبِ فِي التَّصَرُّفِ لِمَا بَيَّنَّاهُ .وَقَوْلُهُ ( وَالْوَصِيُّ أَحَقُّ بِمَالِ الصَّغِيرِ مِنْ الْجَدِّ إلَخْ ) ظَاهِرٌ .
وَقَوْلُهُ ( لِمَا بَيَّنَّا ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَلَنَا أَنَّ بِالْإِيصَاءِ تَنْتَقِلُ وِلَايَةُ الْأَبِ إلَيْهِ إلَخْ .

( فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ ) قَالَ ( وَإِذَا شَهِدَ الْوَصِيَّانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَى فُلَانٍ مَعَهُمَا فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ ) لِأَنَّهُمَا مُتَّهَمَانِ فِيهَا لِإِثْبَاتِهِمَا مُعَيَّنًا لِأَنْفُسِهِمَا .
قَالَ ( إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهَا الْمَشْهُودُ لَهُ ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ ، وَهُوَ فِي الْقِيَاسِ كَالْأَوَّلِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ التُّهْمَةِ .
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ نَصْبِ الْوَصِيِّ ابْتِدَاءً أَوْ ضَمَّ آخَرَ إلَيْهِمَا بِرِضَاهُ بِدُونِ شَهَادَتِهِمَا فَيَسْقُطُ بِشَهَادَتِهِمَا مُؤْنَةُ التَّعْيِينِ عَنْهُ ، أَمَّا الْوِصَايَةُ تَثْبُتُ بِنَصْبِ الْقَاضِي .
قَالَ ( وَكَذَلِكَ الِابْنَانِ ) مَعْنَاهُ إذَا شَهِدَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُنْكِرُ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا بِنَصْبِ حَافِظٍ لِلتَّرِكَةِ .( فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : لَمَّا لَمْ تَكُنْ الشَّهَادَةُ فِي الْوَصِيَّةِ أَمْرًا مُخْتَصًّا بِالْوَصِيَّةِ أَخَّرَ ذِكْرَهَا لِعَدَمِ عَرَاقَتِهَا فِيهَا .
وَقَوْلُهُ ( وَإِذَا شَهِدَ الْوَصِيَّانِ ) ظَاهِرٌ .
وَقَوْلُهُ ( وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ إلَخْ ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَصِيَّانِ فَالْقَاضِي لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُنَصِّبَ عَنْ الْمَيِّتِ وَصِيًّا آخَرَ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ إذَا تَمَكَّنَتْ فِيهِ الشُّبْهَةُ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَاضِيَ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نَصْبِ الْوَصِيِّ لَكِنَّ الْمُوصَى إلَيْهِمَا مَتَى شَهِدَا بِذَلِكَ كَانَ مِنْ زَعْمِهِمَا أَنَّهُ لَا تَدْبِيرَ لَنَا فِي هَذَا الْمَالِ إلَّا بِالثَّالِثِ ، فَأَشْبَهَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ وَصِيٌّ وَهُنَاكَ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ، وَمَعْنَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ إسْقَاطُ مُؤْنَةِ التَّعْيِينِ ، وَالْوِصَايَةُ تَثْبُتُ بِنَصْبِ الْقَاضِي .
وَقَوْلُهُ ( وَكَذَلِكَ الِابْنَانِ ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ .

( وَلَوْ شَهِدَا ) يَعْنِي الْوَصِيَّيْنِ ( لِوَارِثٍ صَغِيرٍ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ أَوْ غَيْرِهِ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ ) لِأَنَّهُمَا يُظْهِرَانِ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ لِأَنْفُسِهِمَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ .وَقَوْلُهُ ( وَكَذَا لَوْ شَهِدَا يَعْنِي الْوَصِيِّينَ إلَخْ ) وَاضِحٌ .

قَالَ ( وَإِنْ شَهِدَ لِوَارِثٍ كَبِيرٍ فِي مَالِ الْمَيِّتِ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَالِ الْمَيِّتِ جَازَ ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَا : إنْ شَهِدَا لِوَارِثٍ كَبِيرٍ تَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتَ لَهُمَا وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي التَّرِكَةِ إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ كِبَارًا فَعَرِيَتْ عَنْ التُّهْمَةِ .
وَلَهُ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُمَا وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَوِلَايَةُ بَيْعِ الْمَنْقُولِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْوَارِثِ فَتَحَقَّقَتْ التُّهْمَةُ بِخِلَافِ شَهَادَتِهَا فِي غَيْرِ التَّرِكَةِ لِانْقِطَاعِ وِلَايَةِ وَصِيِّ الْأَبِ عَنْهُ ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ أَقَامَهُ مُقَامَ نَفْسِهِ فِي تَرِكَتِهِ لَا فِي غَيْرِهَا .

قَالَ ( وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ لِرَجُلَيْنِ عَلَى مَيِّتٍ بِدَيْنِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ الْآخَرَانِ لِلْأَوَّلَيْنِ بِمِثْلِ ذَلِكَ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا ، فَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةُ كُلِّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ بِوَصِيَّةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ لَمْ تَجُزْ ) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا تُقْبَلُ فِي الدَّيْنِ أَيْضًا .
وَأَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ مَعَ أَبِي يُوسُفَ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ .
وَجْهُ الْقَبُولِ أَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَهِيَ قَابِلَةٌ لِحُقُوقٍ شَتَّى فَلَا شَرِكَةَ ، وَلِهَذَا لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِقَضَاءِ دَيْنِ أَحَدِهِمَا لَيْسَ لِلْآخَرِ حَقُّ الْمُشَارَكَةِ .
وَجْهُ الرَّدِّ أَنَّ الدَّيْنَ بِالْمَوْتِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ إذْ الذِّمَّةُ خَرِبَتْ بِالْمَوْتِ ، وَلِهَذَا لَوْ اسْتَوْفَى أَحَدُهُمَا حَقَّهُ مِنْ التَّرِكَةِ يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ مُثْبِتَةً حَقَّ الشَّرِكَةِ فَتَحَقَّقَتْ التُّهْمَةُ ، بِخِلَافِ حَالِ حَيَاةِ الْمَدْيُونِ لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ لِبَقَائِهَا لَا فِي الْمَالِ فَلَا تَتَحَقَّقُ الشَّرِكَةُ .

وَقَوْلُهُ ( وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ لِرَجُلَيْنِ ) جِنْسُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِالدَّيْنِ .
وَالثَّانِي : مَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِالْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ التَّرِكَةِ كَالشَّهَادَةِ بِأَلْفٍ مُرْسَلَةٍ أَوْ بِثُلُثِ الْمَالِ .
وَالثَّالِثُ : مَا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَا لِرَجُلَيْنِ بِجَارِيَةٍ وَيَشْهَدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِوَصِيَّةِ عَبْدٍ .
وَالرَّابِعُ : وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ آخِرًا هُوَ أَنْ يَشْهَدَا لِرَجُلَيْنِ بِعَيْنٍ وَيَشْهَدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ مُرْسَلَةٍ أَوْ بِثُلُثِ الْمَالِ ، وَمَبْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى تُهْمَةِ الشَّرِكَةِ ، فَمَا تَثْبُتُ فِيهِ التُّهْمَةُ لَا تُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ وَهُوَ الثَّانِي وَالرَّابِعُ ، وَمَا لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ التُّهْمَةُ قُبِلَتْ كَالثَّالِثِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ .
وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا ، فَوَجْهُ الْقَبُولِ وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ وَلَمْ يَطَّرِدْ أَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَهِيَ قَابِلَةٌ لِحُقُوقٍ شَتَّى فَلَا شَرِكَةَ ؛ وَلِهَذَا لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِقَضَاءِ دَيْنِ أَحَدِهِمَا لَيْسَ لِلْآخَرِ حَقُّ الْمُشَارَكَةِ .
وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّ الدَّيْنَ بِالْمَوْتِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ لِخَرَابِ الذِّمَّةِ بِهِ ؛ وَلِهَذَا لَوْ اسْتَوْفَى أَحَدُهُمَا حَقَّهُ مِنْ التَّرِكَةِ شَارَكَهُ الْآخَرُ فِيهِ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ مُثْبِتَةً حَقَّ الشَّرِكَةِ فَتَحَقَّقَتْ التُّهْمَةُ ، بِخِلَافِ حَالِ حَيَاةِ الْمَدْيُونِ ؛ لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ لِبَقَائِهَا لَا فِي الْمَالِ فَلَا تَتَحَقَّقُ الشَّرِكَةُ .

قَالَ ( وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَوْصَى لِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِجَارِيَتِهِ وَشَهِدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِلشَّاهِدَيْنِ بِعَبْدِهِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ بِالِاتِّفَاقِ ) لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ فَلَا تُهْمَةَ .

( وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَوْصَى لِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِثُلُثِ مَالِهِ وَشَهِدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا أَنَّهُ أَوْصَى لِلشَّاهِدَيْنِ بِثُلُثِ مَالِهِ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ ، وَكَذَا إذَا شَهِدَ الْأَوَّلَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِعَبْدٍ وَشَهِدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا أَنَّهُ أَوْصَى لِلْأَوَّلَيْنِ بِثُلُثِ مَالِهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُثْبِتَةٌ لِلشَّرِكَةِ .
.

.
( كِتَابُ الْخُنْثَى ) ( فَصْلٌ فِي بَيَانِهِ ) قَالَ ( وَإِذَا كَانَ لِلْمَوْلُودِ فَرْجٌ وَذَكَرٌ فَهُوَ خُنْثَى ، فَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْ الذَّكَرِ فَهُوَ غُلَامٌ ، وَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْ الْفَرْجِ فَهُوَ أُنْثَى ) { لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُئِلَ عَنْهُ كَيْفَ يُورَثُ ؟ فَقَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ } وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلُهُ .
وَلِأَنَّ الْبَوْلَ مِنْ أَيِّ عُضْوٍ كَانَ فَهُوَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْعُضْوُ الْأَصْلِيُّ الصَّحِيحُ وَالْآخَرُ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ ( وَإِنْ بَال مِنْهُمَا فَالْحُكْمِ لِلْأَسْبَقِ ) لِأَنَّ ذَلِكَ دَلَالَةً أُخْرَى عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْعُضْوُ الْأَصْلِيُّ ( وَإِنْ كَانَا فِي السَّبْقِ عَلَى السَّوَاءِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِالْكَثْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَا : يُنْسَبُ إلَى أَكْثَرِهِمَا بَوْلًا ) لِأَنَّهُ عَلَامَةُ قُوَّةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ وَكَوْنُهُ عُضْوًا أَصْلِيًّا ، وَلِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ فَيَتَرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ .
وَلَهُ أَنَّ كَثْرَةَ الْخُرُوجِ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى الْقُوَّةِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِاتِّسَاعٍ فِي أَحَدِهِمَا وَضِيقٍ فِي الْآخَرِ ، وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُمَا عَلَى السَّوَاءِ فَهُوَ مُشْكِلٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ .
قَالَ ( وَإِذَا بَلَغَ الْخُنْثَى وَخَرَجَتْ لَهُ اللِّحْيَةُ أَوْ وَصَلَ إلَى النِّسَاءِ فَهُوَ رَجُلٌ ) وَكَذَا إذَا احْتَلَمَ كَمَا يَحْتَلِمُ الرَّجُلُ أَوْ كَانَ لَهُ ثَدْيٌ مُسْتَوٍ ، لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ عَلَامَاتِ الذُّكْرَانِ ( وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ثَدْيٌ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ نَزَلَ لَهُ لَبَنٌ فِي ثَدْيِهِ أَوْ حَاضَ أَوْ حَبِلَ أَوْ أَمْكَنَ الْوُصُولُ إلَيْهِ مِنْ الْفَرْجِ فَهُوَ امْرَأَةٌ ) لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ عَلَامَاتِ النِّسَاءِ ( وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ إحْدَى هَذِهِ الْعَلَامَاتِ فَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ ) وَكَذَا إذَا تَعَارَضَتْ هَذِهِ الْمَعَالِمُ .

( كِتَابُ الْخُنْثَى ) ( فَصْلٌ فِي بَيَانِهِ ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ مَنْ غَلَبَ وُجُودُهُ ذَكَرَ أَحْكَامَ مَنْ هُوَ نَادِرُ الْوُجُودِ .
وَذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ تَرْكِيبَ الْخَنْثِ يَدُلُّ عَلَى لِينٍ وَتَكَسُّرٍ وَمِنْهُ الْمُخَنَّثُ وَتَخَنَّثَ فِي كَلَامِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : الْفَصْلُ إنَّمَا يُذْكَرُ لِقَطْعِ شَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ بِاعْتِبَارِ نَوْعِ مُغَايَرَةٍ بَيْنَهُمَا وَهَاهُنَا لَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ الْفَصْلِ ؟ قُلْت : كَلَامُهُ فِي قُوَّةِ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْكِتَابُ فِيهِ فَصْلَانِ : فَصْلٌ : فِي بَيَانِ الْخُنْثَى ، وَفَصْلٌ : فِي أَحْكَامِهِ ، وَمَا ذَكَرْت فَإِنَّمَا هُوَ فِي وُقُوعِهِ فِي التَّفْصِيلِ لَا فِي الْإِجْمَالِ ( قَالَ وَإِذَا كَانَ إلَخْ ) أَيْ قَالَ الْقُدُورِيُّ : إذَا كَانَ لِلْمَوْلُودِ فَرْجٌ وَذَكَرٌ فَهُوَ خُنْثَى ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ الْوَاقِعَةَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ لِلِاسْتِئْنَافِ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ .
وَقَوْلُهُ ( فَهُوَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْعُضْوُ الْأَصْلِيُّ الصَّحِيحُ ) وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِي الْحَيَوَانِ كُلَّ عُضْوٍ لِمَنْفَعَةٍ ، وَمَنْفَعَةُ هَاتَيْنِ الْآلَتَيْنِ عِنْدَ الِانْفِصَالِ مِنْ الْأُمِّ لَيْسَتْ إلَّا خُرُوجُ الْبَوْلِ مِنْهُمَا ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْأَصْلِيَّةَ لِلْآلَةِ كَوْنُهَا مَبَالًا ؛ فَإِذَا بَالَ مِنْ أَحَدِهِمَا عُرِفَ أَنَّ الْآلَةَ الَّتِي هِيَ لِلْفَصْلِ فِي حَقِّهِ هَذِهِ وَالْآخَرُ زِيَادَةُ خَرْقٍ فِي الْبَدَنِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ .
وَحَاصِلُهُ إنْ ظَهَرَتْ عَلَامَةُ الرِّجَالِ فَهُوَ رَجُلٌ ، وَإِنْ ظَهَرَتْ عَلَامَةُ النِّسَاءِ فَهُوَ امْرَأَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ أَوْ تَعَارَضَتْ الْعَلَامَاتُ فَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ ، وَهَذَا يَرْفَعُ مَا يُقَالُ : لَا إشْكَالَ بَعْدَ الْبُلُوغِ إلَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ الْغَالِبُ .

( فَصْلٌ فِي أَحْكَامِهِ ) قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْأَصْلُ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ بِالْأَحْوَطِ وَالْأَوْثَقِ فِي أُمُورِ الدِّينِ ، وَأَنْ لَا يَحْكُمَ بِثُبُوتِ حُكْمٍ وَقَعَ الشَّكُّ فِي ثُبُوتِهِ .
قَالَ ( وَإِذَا وَقَفَ خَلْفَ الْإِمَامِ قَامَ بَيْنَ صَفِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ فَلَا يَتَخَلَّلُ الرِّجَالَ كَيْ لَا يُفْسِدَ صَلَاتَهُمْ وَلَا النِّسَاءَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ .( فَصْلٌ فِي أَحْكَامِهِ ) لَمَّا كَانَ الْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ الْخُنْثَى مَعْرِفَةَ أَحْكَامِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُشْكِلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً وَحُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْلُومٌ ، ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَحْكَامَهُ فَقَالَ ( الْأَصْلُ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ ) وَلَمْ يَقُلْ الْمُشْكِلَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعْلَمْ تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ وَالْأَصْلُ هُوَ الذَّكَرُ ؛ لِأَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ اعْتَبَرَهُ

( فَإِنْ قَامَ فِي صَفِّ النِّسَاءِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ صَلَاتَهُ ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ ( وَإِنْ قَامَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَيُعِيدُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَاَلَّذِي خَلْفَهُ بِحِذَائِهِ صَلَاتَهُمْ احْتِيَاطًا ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ .فَإِنْ قَامَ فِي صَفِّ النِّسَاءِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ صَلَاتَهُ ( لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ ) قِيلَ : وَإِنَّمَا قَالَ بِاسْتِحْبَابِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقُلْ بِالْوُجُوبِ وَالْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْمُسْقِطَ وَهُوَ الْأَدَاءُ مَعْلُومٌ ، وَالْمُفْسِدَ وَهُوَ مُحَاذَاةُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ مَوْهُومٌ ، فَلِلْوَهْمِ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ .
فَإِنْ قِيلَ : الْخُنْثَى إذَا كَانَ مُرَاهِقًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَفْسَدَهَا ؛ فَإِنْ كَانَ بَالِغًا فَالْإِعَادَةُ وَاجِبَةٌ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا وَجَبَ الْإِعَادَةُ ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى لَا يَلْزَمُهُ فَنَجِبُ احْتِيَاطًا ، فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ .
أُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ إذَا كَانَ مُرَاهِقًا فَالْإِعَادَةُ مُسْتَحَبَّةٌ تَخَلُّقًا وَاعْتِيَادًا ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَالِغًا فَالْإِعَادَةُ وَاجِبَةٌ ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ ، فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَكُونُ إعَادَةُ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَخَلْفَهُ وَبِحِذَائِهِ إذَا قَامَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ وَاجِبَةٌ ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِعَادَةِ هُوَ الْإِعَادَةُ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مُحَاذَاةَ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ فِي حَقِّهِمْ مَوْهُومٌ .

قَالَ ( وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُصَلِّيَ بِقِنَاعٍ ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ امْرَأَةٌ ( وَيَجْلِسَ فِي صَلَاتِهِ جُلُوسَ الْمَرْأَةِ ) لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ تَرَكَ سُنَّةً وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَقَدْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا لِأَنَّ السِّتْرَ عَلَى النِّسَاءِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ ( وَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ قِنَاعٍ أَمَرْته أَنْ يُعِيدَ ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ وَهُوَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ ( وَتَبْتَاعُ لَهُ أَمَةٌ تَخْتِنُهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ) لِأَنَّهُ يُبَاحُ لِمَمْلُوكَتِهِ النَّظَرُ إلَيْهِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً .
وَيُكْرَهُ أَنْ يَخْتِنَهُ رَجُلٌ لِأَنَّهُ عَسَاهُ أُنْثَى أَوْ تَخْتِنُهُ امْرَأَةٌ لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ رَجُلٌ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِيمَا قُلْنَا ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ابْتَاعَ لَهُ الْإِمَامُ أَمَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ) لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِنَوَائِب الْمُسْلِمِينَ ( فَإِذَا خَتَنَتْهُ بَاعَهَا وَرَدَّ ثَمَنَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ ) لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا .

وَقَوْلُهُ ( وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُصَلِّيَ بِقِنَاعٍ ) يَعْنِي إذَا كَانَ مُرَاهِقًا ، وَأَمَّا إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ فَذَاكَ وَاجِبٌ .
وَقَوْلُهُ ( وَهُوَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ) يَعْنِي إذَا كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ ، وَأَمَّا إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عَلَامَاتِ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ فَالْإِعَادَةُ وَاجِبَةٌ .
وَقَوْلُهُ ( ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لِمَمْلُوكَتِهِ النَّظَرُ إلَيْهِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً ) قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي حَقِّ الرَّجُلِ لَكِنَّهُ فَاسِدٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَا يُبَاحُ لَهَا النَّظَرُ إلَى مَوَاضِعِ الْعَوْرَةِ مِنْ سَيِّدَتِهَا ، بَلْ لَهَا أَنْ تَنْظُرَ مِنْ مَوْلَاتِهَا إلَى مَا لَهَا أَنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّاتِ .
وَالصَّوَابُ فِي التَّعْلِيلِ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَإِنَّهُ نَظَرُ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ وَهُوَ أَحَقُّ مِنْهُ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ ؛ فَلَيْسَ لِلْمِلْكِ تَأْثِيرٌ فِي إبَاحَةِ نَظَرِ الْمَمْلُوكَةِ إلَى سَيِّدَتِهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ زَوَّجَهُ الْمَوْلَى امْرَأَةً بِمَهْرٍ يَسِيرٍ أَغْنَتْهُ عَنْ شِرَاءِ الْجَارِيَةِ بِثَمَنٍ كَثِيرٍ لِحُصُولِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ .
أُجِيبَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَمْرُهُ ، وَمَعَ هَذَا لَوْ فَعَلَ كَانَ صَحِيحًا ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى إنْ كَانَ امْرَأَةً فَهَذَا نَظَرُ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ وَالنِّكَاحُ لَغْوٌ ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَهُوَ نَظَرُ الْمَنْكُوحَةِ إلَى زَوْجِهَا .

( وَيُكْرَهُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ لُبْسُ الْحُلِيِّ وَالْحَرِيرِ ، وَأَنْ يَتَكَشَّفَ قُدَّامَ الرِّجَالِ أَوْ قُدَّامَ النِّسَاءِ .
وَأَنْ يَخْلُوَ بِهِ غَيْرُ مَحْرَمٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ ، وَأَنْ يُسَافِرَ مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ مِنْ الرِّجَالِ ) تَوَقِّيًا عَنْ احْتِمَالِ الْمَحْرَمِ ( وَإِنْ أَحْرَمَ وَقَدْ رَاهَقَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا عِلْمَ لِي فِي لِبَاسِهِ ) لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا يُكْرَهُ لَهُ لُبْسُ الْمِخْيَطِ ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُهُ ( وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَلْبَسُ لِبَاسَ الْمَرْأَةِ ) لِأَنَّ تَرْكَ لُبْسِ الْمِخْيَطِ وَهُوَ امْرَأَةٌ أَفْحَشُ مِنْ لُبْسِهِ وَهُوَ رَجُلٌ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ .

( وَقَوْلُهُ وَيُكْرَهُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ لُبْسُ الْحَرِيرِ ) قِيلَ : لَا فَائِدَةَ لِقَوْلِهِ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ لَا لُبْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَإِنَّمَا هُوَ إلْبَاسٌ فَكَانَ مَعْنَاهُ مَفْهُومًا مِنْ قَوْلِهِ لَبِسَ ، وَهُوَ مُنَاقَشَةٌ سَهْلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يُذْكَرُ فِي التَّرَاكِيبِ يَكُونُ قَيْدًا لِلْإِخْرَاجِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا بَيَانًا لِلْوَاقِعِ ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لُبْسَ الْحَرِيرِ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَحَالُهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ بَعْدُ فَيُؤْخَذُ بِالِاحْتِيَاطِ ؛ فَإِنَّ الِاجْتِنَابَ عَنْ الْحَرَامِ فَرْضٌ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْمُبَاحِ مُبَاحٌ فَيُكْرَهُ اللُّبْسُ حَذَرًا عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ .
وَقَوْلُهُ ( وَأَنْ يَتَكَشَّفَ قُدَّامَ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ ) يَعْنِي إذَا كَانَ مُرَاهِقًا ، وَالْمُرَادُ بِالِانْكِشَافِ هُوَ أَنْ يَكُونَ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ لَا إبْدَاءَ مَوْضِعِ الْعَوْرَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِغَيْرِ الْأُنْثَى أَيْضًا ) .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إلَى الْمَرْأَةِ كَنَظَرِ الرَّجُلِ إلَى ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ لَا كَنَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَنَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ لَجَازَ لَهُ التَّكَشُّفُ لِلنِّسَاءِ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ .
وَقَوْلُهُ ( وَأَنْ يَخْلُوَ بِهِ ) أَيْ يُكْرَهَ أَنْ يَخْلُوَ بِهِ ( غَيْرُ مَحْرَمٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا بِسَبِيلٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ } وَأَمْرُهُ فِي ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ نَظَرًا إلَى حَالَيْهِ .
وَقَوْلُهُ ( لَا عِلْمَ لِي فِي لِبَاسِهِ ) يَعْنِي لِاشْتِبَاهِ حَالِهِ وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ ظَاهِرٌ .

( وَمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَوَلَدَتْ خُنْثَى لَمْ يَقَعْ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُ الْخُنْثَى ) لِأَنَّ الْخَنَثَ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ ( وَلَوْ قَالَ كُلُّ عَبْدٍ لِي حُرٌّ أَوْ قَالَ كُلُّ أَمَةٍ لِي حُرَّةٌ وَلَهُ مَمْلُوكٌ خُنْثَى لَمْ يُعْتَقْ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ ) لِمَا قُلْنَا ( وَإِنْ قَالَ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا عَتَقَ ) لِلتَّيَقُّنِ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُهْمَلٍ ( وَإِنْ قَالَ الْخُنْثَى أَنَا رَجُلٌ أَوْ أَنَا امْرَأَةٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إذَا كَانَ مُشْكِلًا ) لِأَنَّهُ دَعْوَى يُخَالِفُ قَضِيَّةَ الدَّلِيلِ ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْكِلًا يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ ) لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ ( وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ لَمْ يُغَسِّلْهُ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ ) لِأَنَّ حَلَّ الْغُسْلِ غَيْرُ ثَابِتٍ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ( فَيَتَوَقَّى لِاحْتِمَالِ الْحُرْمَةِ وَيُيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ ) لِتَعَذُّرِ الْغُسْلِ ( وَلَا يَحْضُرُ إنْ كَانَ مُرَاهِقًا غُسْلَ رَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٍ ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى ( وَإِنْ سَجَّى قَبْرَهُ فَهُوَ أَحَبُّ ) لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أُنْثَى يُقِيمُ وَاجِبًا ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَالتَّسْجِيَةُ لَا تَضُرُّهُ .
( وَإِذَا مَاتَ فَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَعَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وُضِعَ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالْخُنْثَى خَلْفَهُ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَ الْخُنْثَى فَيُؤَخَّرُ عَنْ الرَّجُلِ ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ ( وَيُقَدَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ .

وَقَوْلُهُ ( لِمَا قُلْنَا ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ .
وَقَوْلُهُ ( وَإِنْ قَالَ بِالْقَوْلَيْنِ ) يَعْنِي : أَنْ يَقُولَ كُلُّ عَبْدٍ لِي وَكُلُّ أَمَةٍ لِي فَهُوَ حُرٌّ وَقَوْلُهُ ( لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُهْمَلٍ ) يَعْنِي أَنَّهُ فِي الْوَاقِعِ لَيْسَ بِخَالٍ عَنْ أَحَدِ الْحَالَيْنِ .
وَقَوْلُهُ ( ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى يُخَالِفُ قَضِيَّةَ الدَّلِيلِ ) ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي بَقَاءَ الْإِشْكَالِ وَهُوَ لَا يُعْلَمُ فِي ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ خِلَافٌ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ غَيْرُهُ .
وَقَوْلُهُ ( يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ ) إنَّمَا قَالَ بِلَفْظِ يَنْبَغِي ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَلَمْ يَتَيَقَّنْ بِهِ ( وَقَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ حِلَّ الْغُسْلِ غَيْرُ ثَابِتٍ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ) أَيْ غُسْلُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةِ ، وَعَكْسُهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الشَّرْعِ ؛ فَإِنَّ النَّظَرَ إلَى الْعَوْرَةِ حَرَامٌ وَالْحُرْمَةُ لَمْ تَنْكَشِفْ بِالْمَوْتِ ، إلَّا إنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ فَلِأَجْلِ الضَّرُورَةِ أُبِيحَ نَظَرُ الْجِنْسِ عِنْدَ الْغُسْلِ ، وَالْمُرَاهِقُ كَالْبَالِغِ فِي وُجُوبِ سَتْرِ عَوْرَتِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ جِنْسٌ فَتَعَذَّرَ غُسْلُهُ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ ؛ لِعَدَمِ مَا يُغْسَلُ بِهِ فَيُيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ ، وَهُوَ نَظِيرُ امْرَأَةٍ مَاتَتْ بَيْنَ رِجَالٍ أَوْ عَكْسِهِ فَإِنَّهُ يُيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ مَعَ الْخِرْقَةِ إنْ يَمَّمَ الْأَجْنَبِيُّ ، وَبِغَيْرِهَا إنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَيِّتِ ، وَيَنْظُرُ الْمُيَمِّمُ إلَى وَجْهِهِ وَيُعْرِضُ وَجْهَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً ، وَلَا يَشْتَرِي جَارِيَةً لِلْغُسْلِ كَمَا كَانَ يُفْعَلُ لِلْخِتَانِ ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَقْبَلُ الْمَالِكِيَّةَ فَالشِّرَاءُ غَيْرُ مُفِيدٍ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ لِلْخِتَانِ فَإِنَّهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَلَهُ أَهْلِيَّةُ الْمَالِكِيَّةِ فِيهَا .
وَقَوْلُهُ ( وَضْعُ الرَّجُلِ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالْخُنْثَى خَلْفَهُ ) يَعْنِي اعْتِبَارًا بِحَالِ الْحَيَاةِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ صَفِّ الرِّجَالِ

وَالنِّسَاءِ ، فَكَانَ فِي الْقُرْبِ مِنْ الْإِمَامِ بَعْدَ دَرَجَةٍ ، فَكَذَلِكَ فِي حَالِ الْمَمَاتِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى }

( وَلَوْ دُفِنَ مَعَ رَجُلٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ عُذْرٍ جُعِلَ الْخُنْثَى خَلْفَ الرَّجُلِ ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ ( وَيُجْعَلُ بَيْنهمَا حَاجِزٌ مِنْ صَعِيدٍ ، وَإِنْ كَانَ مَعَ امْرَأَةٍ قُدِّمَ الْخُنْثَى ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ ( وَإِنْ جُعِلَ عَلَى السَّرِيرِ نَعْشُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ عَوْرَةٌ ، ( وَيُكَفَّنُ كَمَا تُكَفَّنُ الْجَارِيَةُ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ ) يَعْنِي يُكَفَّنُ فِي خَمْسِ أَثْوَابٍ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ أُنْثَى فَقَدْ أُقِيمَتْ سُنَّةٌ ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ زَادُوا عَلَى الثَّلَاثِ وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ .( وَلَوْ دُفِنَ مَعَ رَجُلٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ عُذْرٍ جُعِلَ الْخُنْثَى خَلْفَ الرَّجُلِ ) يَعْنِي يُقَدَّمُ الرَّجُلُ إلَى جَانِبِ الْقِبْلَةِ ؛ لِأَنَّ جِهَتَهَا أَشْرَفُ ، فَالرَّجُلُ لِلتَّقْرِيبِ إلَيْهِ أَوْلَى ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ " أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِتَقْدِيمِ أَكْثَرِهِمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ جَانِبَ الْقِبْلَةِ " ( وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ صَعِيدٍ ) لِيَصِيرَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ قَبْرَيْنِ .
وَقَوْلُهُ ( وَإِنْ جُعِلَ عَلَى السَّرِيرِ نَعْشُ الْمَرْأَةِ ) النَّعْشُ شِبْهُ الْمِحَفَّةِ مُشْتَبِكٌ يُطْبَقُ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا وُضِعَتْ عَلَى الْجِنَازَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ .
وَقَوْلُهُ ( وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ زَادُوا عَلَى الثَّلَاثِ ) فَلَا بِذَلِكَ بَأْسَ ؛ لِأَنَّ عَدَدَ الْكَفَنِ مُعْتَبَرٌ بِعَدَدِ الثِّيَابِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فِي الْكَفَنِ لِلرَّجُلِ غَيْرُ ضَائِرَةٍ كَمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ ؛ فَإِنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْبَسَ حَالَ حَيَاتِهِ أَزْيَدَ عَلَى الثَّلَاثَةِ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ أُنْثَى كَانَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثَةِ تَرْكُ السُّنَّةِ ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ فِي كَفَنِهَا خَمْسَةُ أَثْوَابٍ .

( وَلَوْ مَاتَ أَبُوهُ وَخَلَفَ ابْنًا فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَثْلَاثًا لِلِابْنِ سَهْمَانِ ، وَلِلْخُنْثَى سَهْمٌ وَهُوَ أُنْثَى عِنْدَهُ فِي الْمِيرَاثِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ غَيْرَ ذَلِكَ ) وَقَالَا : لِلْخُنْثَى نِصْفُ مِيرَاثِ ذَكَرٍ وَنِصْفُ مِيرَاثِ أُنْثَى وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ .
وَاخْتَلَفَا فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ : الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا لِلِابْنِ سَبْعَةٌ وَلِلْخُنْثَى خَمْسَةٌ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ لِلِابْنِ أَرْبَعَةٌ وَلِلْخُنْثَى ثَلَاثَةٌ ، لِأَنَّ الِابْنَ يَسْتَحِقُّ كُلَّ الْمِيرَاثِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَالْخُنْثَى ثَلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ ، فَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا هَذَا يَضْرِبُ بِثَلَاثَةٍ وَذَلِكَ يَضْرِبُ بِأَرْبَعَةٍ فَيَكُونُ سَبْعَةً .
وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْخُنْثَى لَوْ كَانَ ذَكَرًا يَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى يَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا احْتَجْنَا إلَى حِسَابٍ لَهُ نِصْفٌ وَثُلُثٌ ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ سِتَّةٌ ، فَفِي حَالٍ يَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ ، وَفِي حَالٍ يَكُونُ أَثْلَاثًا لِلْخُنْثَى سَهْمَانِ وَلِلِابْنِ أَرْبَعَةٌ ، فَسَهْمَانِ لِلْخُنْثَى ثَابِتَانِ بِيَقِينٍ .
وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي السَّهْمِ الزَّائِدِ فَيَتَنَصَّفُ فَيَكُونُ لَهُ سَهْمَانِ وَنِصْفٌ فَانْكَسَرَ فَيُضَعَّفُ لِيَزُولَ الْكَسْرُ فَصَارَ الْحِسَابُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ لِلْخُنْثَى خَمْسَةٌ وَلِلِابْنِ سَبْعَةٌ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَاجَةَ هَاهُنَا إلَى إثْبَاتِ الْمَالِ ابْتِدَاءً ، وَالْأَقَلُّ وَهُوَ مِيرَاثُ الْأُنْثَى مُتَيَقَّنٌ بِهِ ، وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِ شَكٌّ ، فَأَثْبَتْنَا الْمُتَيَقَّنَ قَصْرًا عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَجِبُ بِالشَّكِّ وَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ الشَّكُّ فِي وُجُوبِ الْمَالِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِالْمُتَيَقَّنِ ، كَذَا هَذَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ الْأَقَلَّ لَوْ قَدَّرْنَاهُ ذَكَرًا فَحِينَئِذٍ يُعْطَى نَصِيبَ الِابْنِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ

لِكَوْنِهِ مُتَيَقَّنًا بِهِ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْوَرَثَةُ زَوْجًا ، وَأُمًّا وَأُخْتًا لِأَبٍ وَأُمٍّ هِيَ خُنْثَى أَوْ امْرَأَةً وَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ وَأُخْتًا لِأَبٍ وَأُمٍّ هِيَ خُنْثَى .
فَعِنْدَنَا فِي الْأُولَى لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَالْبَاقِي لِلْخُنْثَى ، وَفِي الثَّانِيَةِ لِلْمَرْأَةِ الرُّبْعُ وَلِلْأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ الثُّلُثُ وَالْبَاقِي لِلْخُنْثَى لِأَنَّهُ أَقَلُّ النَّصِيبَيْنِ فِيهِمَا .

( قَالَ وَلَوْ مَاتَ أَبُوهُ وَخَلَّفَ ابْنًا ) اعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ الْقُدُورِيَّ ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي يُوسُفَ ، وَكَذَلِكَ أَثْبَتَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكِتَابِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ .
وَفِي عَامَّةِ الْكُتُبِ ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَكِنْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ اخْتَلَفَا فِي تَخْرِيجِ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ ، فَمُحَمَّدٌ فَسَّرَهُ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ .
وَأَبُو يُوسُفَ فَسَّرَهُ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ ، وَهُوَ أَنْ تُجْعَلَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى سَبْعَةٍ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَفَسَّرَهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ تَفْسِيرُ مُحَمَّدٍ بِأَنْ تُجْعَلَ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَأَخَذَ بِهِ ، وَكَانَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَنَقُولُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ إذَا مَاتَ أَبُو الْخُنْثَى وَتَرَكَ ابْنًا فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلِابْنِ سَهْمَانِ وَلِلْخُنْثَى سَهْمٌ وَهُوَ أُنْثَى عِنْدَهُ فِي الْمِيرَاثِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ غَيْرُ ذَلِكَ أَيْ : غَيْرُ كَوْنِهِ أُنْثَى لِظُهُورِ إحْدَى عَلَامَاتِ الذُّكُورِ بِلَا مُعَارِضٍ فَحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ ذَكَرًا .
وَقَالَا : لِلْخُنْثَى نِصْفُ مِيرَاثِ ذَكَرٍ ، وَنِصْفُ مِيرَاثِ أُنْثَى ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَاخْتَلَفَا فِي قِيَاسِ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ قَالَ مُحَمَّدٌ : الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا لِلِابْنِ سَبْعَةٌ وَلِلْخُنْثَى خَمْسَةٌ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ لِلِابْنِ أَرْبَعَةٌ وَلِلْخُنْثَى ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّ الِابْنَ يَسْتَحِقُّ كُلَّ الْمِيرَاثِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ ، وَالْخُنْثَى يَسْتَحِقُّ ثَلَاثَةَ الْأَرْبَاعِ ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى فِي حَالٍ ابْنٌ ، وَفِي حَالٍ بِنْتٌ ، وَلِلْبِنْتِ فِي الْمِيرَاثِ نِصْفُ الِابْنِ فَيُجْعَلُ لَهُ نِصْفُ كُلِّ حَالٍ فَيَكُونُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ نَصِيبِ ابْنٍ فَيُضْرَبُ مُخْرَجُ الرُّبُعِ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ فِي سَهْمٍ ، وَثَلَاثَةُ

أَرْبَاعِ سَهْمٍ يَحْصُلُ سَبْعَةٌ فَلِلْخُنْثَى ثَلَاثَةٌ وَلِلِابْنِ أَرْبَعَةٌ .
وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْخُنْثَى لَوْ كَانَ ذَكَرًا كَانَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى أَثْلَاثًا فَاحْتَجْنَا إلَى حِسَابٍ لَهُ نِصْفٌ وَثُلُثٌ صَحِيحٌ وَأَقَلُّ ذَلِكَ سِتَّةٌ ، فَفِي حَالِ الْمَالِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ، وَفِي حَالٍ أَثْلَاثًا سَهْمَانِ لِلْخُنْثَى وَأَرْبَعَةٌ لِلِابْنِ ، فَسَهْمَانِ لِلْخُنْثَى ثَابِتَانِ بِيَقِينٍ ، وَالسَّهْمُ الزَّائِدُ وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ فَيَتَنَصَّفُ فَيَكُونُ لَهُ سَهْمَانِ وَنِصْفُ سَهْمٍ ، وَلَزِمَ الْكَسْرُ النِّصْفِيُّ فَيُضَعَّفُ لِيَزُولَ الْكَسْرُ فَصَارَ الْحِسَابُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ لِلْخُنْثَى خَمْسَةٌ وَلِلِابْنِ سَبْعَةٌ .
وَفِي تَأْخِيرِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إشَارَةٌ مِنْ الْمُصَنِّفِ إلَى اخْتِيَارِهِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَقْلِيلِ نَصِيبِهِ ، وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ أَقَلُّ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ بِسَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ سَهْمًا .
وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ أَنْ تُضْرَبَ السَّبْعَةُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ حَيْثُ لَا مُوَافَقَةَ بَيْنَهُمَا يَبْلُغُ الْمَجْمُوعُ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ ، ثُمَّ اضْرِبْ حِصَّةَ مَنْ كَانَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ السَّبْعَةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ وَحِصَّةُ الْخُنْثَى مِنْهُ ثَلَاثَةٌ فَاضْرِبْهُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ يَبْلُغُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ ، وَاضْرِبْ حِصَّةَ مَنْ كَانَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ فِي السَّبْعَةِ ، وَلِلْخُنْثَى مِنْهُ خَمْسَةٌ فَاضْرِبْهُ فِي سَبْعَةٍ يَكُونُ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ ، فَظَهَرَ أَنَّ التَّفَاوُتَ بِسَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ ، كَذَا أَفَادَهُ الْإِمَامُ حُمَيْدُ الدِّينِ .
( وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَاجَةَ هَاهُنَا إلَى إثْبَاتِ الْمَالِ ابْتِدَاءً ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ بِالذُّكُورَةِ أَوْ الْأُنُوثَةِ ، وَلَا شَيْءَ مِنْهُمَا بِمَعْلُومٍ ، وَإِثْبَاتُ الْمَالِ ابْتِدَاءً بِدُونِ سَبَبٍ مُحَقَّقٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ ( وَالْأَقَلُّ وَهُوَ مِيرَاثُ الْأُنْثَى

مُتَيَقَّنٌ بِهِ ) فَأَوْجَبْنَاهُ كَمَا إذَا كَانَ إثْبَاتُهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْمُتَيَقَّنِ بِهِ دُونَ الْمَشْكُوكِ إلَى أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الزَّائِدِ ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ يُحْكَمُ لَهُ بِالثَّلَاثَةِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الزَّائِدِ ؛ لِكَوْنِ الْأَوَّلِ مُتَيَقَّنًا بِهِ دُونَ الزِّيَادَةِ .
لَا يُقَالُ : سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ هُوَ الْقَرَابَةُ وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ فِي الْخُنْثَى ، وَالْجَهَالَةُ وَقَعَتْ فِي الْقِسْمَةِ بَقَاءً فَلَا يَمْتَنِعُ الْوُجُوبُ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : لَيْسَ الْكَلَامُ فِي اسْتِحْقَاقِ أَصْلِ الْمِيرَاثِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِقْدَارِ ، وَسَبَبُهُ الذُّكُورَةُ أَوْ الْأُنُوثَةُ ، وَلَا شَيْءَ مِنْهُمَا بِمُتَيَقَّنٍ بِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ .
وَقَوْلُهُ ( إلَّا أَنْ يُصِيبَهُ الْأَقَلُّ لَوْ قَدَّرْنَاهُ ذَكَرًا ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ مِيرَاثُ الْأُنْثَى مُتَيَقَّنٌ بِهِ : يَعْنِي أَوْجَبْنَا لِلْخُنْثَى مِيرَاثَ الْأُنْثَى الْمُتَيَقَّنِ ، وَمَا تَجَاوَزْنَا عَنْهُ إلَى نَصِيبِ الذَّكَرِ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ ابْتِدَاءً لَا يَجِبُ بِالشَّكِّ إلَّا أَنْ يُصِيبَ الْخُنْثَى أَقَلَّ مِنْ نَصِيبِ الْأُنْثَى إنْ قَدَّرْنَاهُ ذَكَرًا فَحِينَئِذٍ يُعْطَى نَصِيبَ الِابْنِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ لِكَوْنِهِ مُتَيَقَّنًا بِهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ زَوْجًا وَأُمًّا وَأُخْتًا لِأَبٍ وَأُمٍّ هِيَ خُنْثَى ؛ فَإِنْ قَدَّرْنَا الْخُنْثَى أُنْثَى كَانَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَلِلْخُنْثَى النِّصْفُ وَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ وَتَعُولُ إلَى ثَمَانِيَةٍ ، وَإِنْ قَدَّرْنَاهُ ذَكَرًا كَانَ لَهُ الْبَاقِيَ بَعْدَ نَصِيبِ الزَّوْجِ وَثُلُثُ الْأُمِّ وَهُوَ السُّدُسُ وَهُوَ أَقَلُّ فَقَدَّرْنَاهُ ذَكَرًا ، وَإِذَا تَرَكَ امْرَأَةً وَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ وَأُخْتًا لِأَبٍ وَأُمٍّ هِيَ خُنْثَى ، لِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ وَلِبَنِي الْأَخْيَافِ الثُّلُثُ ، فَإِنْ قَدَّرْنَا الْخُنْثَى أُنْثَى تَرِثُ النِّصْفَ تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَتَعُولُ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ لَهَا سِتَّةٌ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، وَإِنْ

قَدَّرْنَاهُ ذَكَرًا كَانَ لَهُ خَمْسَةٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَهُوَ أَقَلُّ فَقَدَّرْنَاهُ ذَكَرًا ، وَلَوْ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجًا وَأُخْتًا لِأَبٍ وَأُمٍّ وَخُنْثَى لِأَبٍ كَانَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ النِّصْفُ وَلَا شَيْءَ لِلْخُنْثَى ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ أَقَلُّ لِنَصِيبَيْنِ أَسْوَأُ الْحَالَيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا كَانَ الْخُنْثَى مِمَّنْ يُتَوَهَّمُ اسْتِبَانَةُ أَمْرِهِ فِي الْمَآلِ كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ فِي الْمِيرَاثِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكِتَابِ .
قُلْت : كَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ أُنْثَى عِنْدَهُ فِي الْمِيرَاثِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ غَيْرُ ذَلِكَ ، يُشِيرُ إلَى أَنَّ الثُّلُثَيْنِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ تُدْفَعُ إلَى الِابْنِ وَالثُّلُثُ إلَى الْخُنْثَى ، وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُهُمْ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الِابْنِ لِجَمِيعِ الْمَالِ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْبُنُوَّةُ ، وَإِنَّمَا يُنْتَقَصُ مِنْ ذَلِكَ لِمُزَاحَمَةِ حَقِّ الْغَيْرِ ، وَحَيْثُ جَعَلْنَا الْخُنْثَى أُنْثَى مَا زَحَمَهُ إلَّا فِي الثُّلُثِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مُسْتَحَقًّا لَهُ ، وَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْكَفِيلُ ؟ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا : هُوَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا دَفَعَ الْمَالَ إلَى الْوَارِثِ الْمَعْرُوفِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ كَفِيلًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَعِنْدَهُمَا يُحْتَاطُ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ مِنْهُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُحْتَاطُ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ مِنْهُ هَاهُنَا عِنْدَهُمْ جَمِيعًا ، وَإِنَّمَا لَمْ يُجَوِّزْ أَبُو حَنِيفَةَ هُنَاكَ لِلْمَجْهُولِ ، وَهُنَا إنَّمَا يَأْخُذُ الْكَفِيلُ لِلْمَعْلُومِ وَهُوَ طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ يَصُونُ بِهِ الْقَاضِي قَضَاءَهُ وَيَنْظُرُ لِمَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ الْخُنْثَى فَيَأْخُذُ مِنْ الِابْنِ كَفِيلًا لِذَلِكَ ؛ فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْخُنْثَى ذَكَرٌ اسْتَرَدَّ ذَلِكَ مِنْ أَخِيهِ ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أُنْثَى فَالْمَقْبُوضُ سَالِمٌ لِلِابْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَدْفَعُ

الثُّلُثَ إلَى الْخُنْثَى وَالنِّصْفَ إلَى الِابْنِ وَيُوقَفُ السُّدُسُ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِهَذَا السُّدُسِ مِنْهُمَا مَجْهُولٌ فَيُوقَفُ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْمُسْتَحِقُّ كَمَا فِي الْحَمْلِ وَالْمَفْقُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( مَسَائِلُ شَتَّى ) قَالَ ( وَإِذَا قُرِئَ عَلَى الْأَخْرَسِ كِتَابُ وَصِيَّتِهِ فَقِيلَ لَهُ أَنَشْهَدُ عَلَيْك بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ : أَيْ نَعَمْ أَوْ كَتَبَ ، فَإِذَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ إقْرَارٌ فَهُوَ جَائِزٌ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الَّذِي يُعْتَقَلُ لِسَانُهُ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْمُجَوِّزَ إنَّمَا هُوَ الْعَجْزُ وَقَدْ شَمِلَ الْفَصْلَيْنِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِيِّ وَالْعَارِضِيِّ كَالْوَحْشِيِّ وَالْمُتَوَحِّشِ مِنْ الْأَهْلِيِّ فِي حَقِّ الذَّكَاةِ ، وَالْفَرْقُ لِأَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ إذَا صَارَتْ مَعْهُودَةً مَعْلُومَةً وَذَلِكَ فِي الْأَخْرَسِ دُونَ الْمُعْتَقَلِ لِسَانُهُ .
حَتَّى لَوْ امْتَدَّ ذَلِكَ وَصَارَتْ لَهُ إشَارَاتٌ مَعْلُومَةٌ قَالُوا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَخْرَسِ ، وَلِأَنَّ التَّفْرِيطَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ حَيْثُ أَخَّرَ الْوَصِيَّةَ إلَى هَذَا الْوَقْتِ ، أَمَّا الْأَخْرَسُ فَلَا تَفْرِيطَ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ الْعَارِضِيَّ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ دُونَ الْأَصْلِيِّ فَلَا يَنْقَاسَانِ ، وَفِي الْآبِدَةِ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ .
قَالَ ( وَإِذَا كَانَ الْأَخْرَسُ يَكْتُبُ كِتَابًا أَوْ يُومِئُ إيمَاءً يُعْرَفُ بِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَعَتَاقُهُ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَيُقْتَصُّ لَهُ وَمِنْهُ ، وَلَا يُحَدُّ وَلَا يُحَدُّ لَهُ ) أَمَّا الْكِتَابَةُ فَلِأَنَّهَا مِمَّنْ نَأَى بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ مِمَّنْ دَنَا ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَدَّى وَاجِبَ التَّبْلِيغِ مَرَّةً بِالْعِبَارَةِ وَتَارَةً بِالْكِتَابَةِ إلَى الْغُيَّبِ ، وَالْمُجَوِّزُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ الْعَجْزُ وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ أَظْهَرُ وَأَلْزَمُ .
ثُمَّ الْكِتَابُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ : مُسْتَبِينٌ مَرْسُومٌ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النُّطْقِ فِي الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ عَلَى مَا قَالُوا .
وَمُسْتَبِينٌ غَيْرُ مَرْسُومٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْجِدَارِ وَأَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ ، وَيَنْوِي فِيهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ صَرِيحِ الْكِتَابَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ

النِّيَّةِ .
وَغَيْرُ مُسْتَبِينٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَلَامٍ غَيْرِ مَسْمُوعٍ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ .
وَأَمَّا الْإِشَارَةُ فَجُعِلَتْ حُجَّةً فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَلَا تَخْتَصُّ بِلَفْظٍ دُونَ لَفْظٍ ، وَقَدْ تَثْبُتُ بِدُونِ اللَّفْظِ .
وَالْقِصَاصُ حَقُّ الْعَبْدِ أَيْضًا ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْحُدُودَ لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلِأَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ مُصَدِّقًا لِلْقَاذِفِ فَلَا يُحَدُّ لِلشُّبْهَةِ ، وَلَا يُحَدُّ أَيْضًا بِالْإِشَارَةِ فِي الْقَذْفِ لِانْعِدَامِ الْقَذْفِ صَرِيحًا وَهُوَ الشَّرْطُ .
ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ بِبَيَانٍ فِيهِ شُبْهَةٌ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ أَوْ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ ، وَلَوْ شَهِدُوا بِالْقَتْلِ الْمُطْلَقِ أَوْ أَقَرَّ بِمُطْلَقِ الْقَتْلِ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَفْظُ التَّعَمُّدِ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِيهِ مَعْنَى الْعِوَضِيَّةِ لِأَنَّهُ شُرِعَ جَابِرًا فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ مَعَ الشُّبْهَةِ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْعَبْدِ .
أَمَّا الْحُدُودُ الْخَالِصَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فَشُرِعَتْ زَوَاجِرَ وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْعِوَضِيَّةِ فَلَا تَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ .
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّ الْكِتَابَ مِنْ الْغَائِبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي قِصَاصٍ يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ هُنَا كَذَلِكَ فَيَكُونُ فِيهِمَا رِوَايَتَانِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُفَارِقًا لِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى نُطْقِ الْغَائِبِ فِي الْجُمْلَةِ لِقِيَامِ أَهْلِيَّةِ النُّطْقِ ، وَلَا كَذَلِكَ الْأَخْرَسُ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَى النُّطْقِ لِلْآفَةِ الْمَانِعَةِ ، وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ ، بِخِلَافِ مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ

اللَّهُ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْإِشَارَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكِتَابَةِ .
لِأَنَّهُ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ ، وَلَا ضَرُورَةَ لِأَنَّهُ جَمَعَ هَاهُنَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ : أَشَارَ أَوْ كَتَبَ ، وَإِنَّمَا اسْتَوَيَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ ، وَفِي الْكِتَابَةِ زِيَادَةُ بَيَانٍ لَمْ يُوجَدْ فِي الْإِشَارَةِ ، وَفِي الْإِشَارَةِ زِيَادَةُ أَثَرٍ لَمْ يُوجَدْ فِي الْكِتَابِ لَمَّا أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى النُّطْقِ مِنْ آثَارِ الْأَقْلَامِ فَاسْتَوَيَا ( وَكَذَلِكَ الَّذِي صَمَتَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ لِعَارِضٍ ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْمُعْتَقَلِ لِسَانُهُ أَنَّ آلَةَ النُّطْقِ قَائِمَةٌ ، وَقِيلَ هَذَا تَفْسِيرٌ لِمُعْتَقَلِ اللِّسَانِ .

مَسَائِلُ شَتَّى ) قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا أَنَّ ذِكْرَ مَسَائِلَ شَتَّى أَوْ مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ أَوْ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ دَأْبِ الْمُصَنِّفِينَ لِتَدَارُكِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيمَا كَانَ يَحِقُّ ذِكْرُهُ فِيهِ .
قَوْلُهُ ( فَإِذَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ إقْرَارٌ ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ مَا يَجِيءُ مِنْ الْأَخْرَسِ وَمُعْتَقَلِ اللِّسَانِ عَلَى نَوْعَيْنِ : أَحَدِهِمَا : مَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ دَلَالَةَ الْإِنْكَارِ مِثْلَ أَنْ يُحَرِّكَ رَأْسَهُ عَرْضًا .
وَالثَّانِي : مَا يَكُونُ مِنْهُ دَلَالَةُ الْإِقْرَارِ بِأَنْ يُحَرِّكَ رَأْسَهُ طُولًا إذَا كَانَ مِنْهُ مَعْهُودًا فِي نَعَمْ .
وَقَوْلُهُ ( وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الَّذِي يُعْتَقَلُ لِسَانُهُ ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ يُقَالُ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ بِضَمِّ التَّاءِ : إذَا حُبِسَ عَنْ الْكَلَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ ( حَتَّى لَوْ امْتَدَّ ) أَرَادَ بِهِ سَنَةً كَذَا ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ : إنْ دَامَتْ الْعُقْلَةُ إلَى وَقْتِ مَوْتِهِ يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالْإِشَارَةِ ، وَيَجُوزُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ النُّطْقِ بِمَعْنَى لَا يُرْجَى زَوَالُهُ فَكَانَ كَالْأَخْرَسِ .
قَالُوا : وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى .
وَقَوْلُهُ ( وَفِي الْآبِدَةِ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ ) وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ { أَنَّ بَعِيرًا مِنْ إبِلِ الصَّدَقَاتِ نَدَّ فَرَمَاهُ رَجُلٌ وَسَمَّى فَقَتَلَهُ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ ، فَإِذَا فَعَلَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْعَلُوا بِهَا كَمَا فَعَلْتُمْ بِهَذَا ثُمَّ كُلُوهُ } وَقَوْلُهُ ( وَلَا يُحَدُّ ) أَيْ الْأَخْرَسُ إذَا قَذَفَ بِالْإِشَارَةِ أَوْ الْكِتَابَةِ ( وَلَا يُحَدُّ لَهُ ) إذَا كَانَ مَقْذُوفًا .
وَقَوْلُهُ ( وَهُوَ ) أَيْ الْعَجْزُ ( فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْغَائِبِ الْحُضُورُ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْأَخْرَسِ عَدَمُ زَوَالِ خَرَسِهِ .
فَلَمَّا قُبِلَ الْكِتَابُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ فِي ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ مَعَ

رَجَاءِ الْحُضُورِ ، فَلَأَنْ يُقْبَلَ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ مَعَ الْيَأْسِ عَنْ زَوَالِ الْخَرَسِ أَوْلَى .
وَقَوْلُهُ ( ثُمَّ الْكِتَابُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ : مُسْتَبِينٌ ) احْتِرَازٌ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَبِينِ وَهُوَ الْكِتَابُ عَلَى الْهَوَاءِ ، وَإِمَّا مَرْسُومٌ : أَيْ مُعَنْوَنٌ : أَيْ مُصَدَّرٌ بِالْعُنْوَانِ وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِي صَدْرِهِ مِنْ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ ، وَبِمَا ذَكَرْنَا عُلِمَ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ وَالْحُكْمُ فِي كُلٍّ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ .
وَقَوْلُهُ ( وَيُنْوَى فِيهِ ) أَيْ يُطْلَبُ مِنْهُ النِّيَّةُ فِيهِ .
وَقَوْلُهُ ( لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ صَرِيحِ الْكِتَابَةِ ) أَيْ : الْكِتَابَةِ الْقَوْلِيَّةِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ وَأَمْثَالِهِ .
وَقَوْلُهُ ( وَلَا تَخْتَصُّ بِلَفْظٍ دُونَ لَفْظٍ ) فَإِنَّهُ كَمَا يَثْبُتُ بِالْعَرَبِيِّ يَثْبُتُ بِغَيْرِهِ ( وَقَدْ تَثْبُتُ بِغَيْرِ لَفْظٍ ) أَيْ : بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ كَالتَّعَاطِي .
وَقَوْلُهُ ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ هُنَا كَذَلِكَ ) أَيْ : لَا يَكُونُ حُجَّةً ( فَيَكُونُ فِيهِمَا ) أَيْ : فِي الْأَخْرَسِ وَالْغَائِبِ الْغَيْرِ الْأَخْرَسِ رِوَايَتَانِ .
وَقَوْلُهُ ( لِأَنَّهُ ) أَيْ : الْإِشَارَةَ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ .
وَقَوْلُهُ ( لِأَنَّهُ ) أَيْ مُحَمَّدًا ( جَمَعَ هُنَا ) أَيْ : فِي الْكِتَابِ ( بَيْنَهُمَا ) بِقَوْلِهِ يَكْتُبُ كِتَابًا أَوْ يُومِئُ إيمَاءً .
وَقَوْلُهُ ( وَفِي الْكِتَابَةِ زِيَادَةُ بَيَانٍ لَمْ تُوجَدْ فِي الْإِشَارَةِ ) ؛ لِأَنَّ فَضْلَ الْبَيَانِ فِي الْكِتَابَةِ مَعْلُومٌ حِسًّا وَعِيَانًا حَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ بِلَا شُبْهَةٍ ، بِخِلَافِ الْإِشَارَةِ فَإِنَّ فِيهَا نَوْعَ إبْهَامٍ .
( وَفِي الْإِشَارَةِ زِيَادَةُ أَثَرٍ لَمْ تُوجَدْ فِي الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ ) أَيْ : الْإِشَارَةَ ( أَقْرَبُ إلَى النُّطْقِ مِنْ آثَارِ الْأَقْلَامِ ) ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِآثَارِ الْأَقْلَامِ وَهِيَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ آثَارِ الْمُتَكَلِّمِ .
وَأَمَّا الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالْإِشَارَةِ فَحَاصِلٌ بِمَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ إشَارَتُهُ بِيَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ ،

وَالْمُتَّصِلُ بِالْمُتَكَلِّمِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ فَكَانَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ .
وَقَوْلُهُ ( وَكَذَا الَّذِي صَمَتَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الَّذِي يُعْتَقَلُ لِسَانُهُ : أَيْ : لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِأَنْ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَيْ : نَعَمْ أَوْ كَتَبَ .

قَالَ ( وَإِذَا كَانَتْ الْغَنَمُ مَذْبُوحَةً وَفِيهَا مَيْتَةٌ فَإِنْ كَانَتْ الْمَذْبُوحَةُ أَكْثَرَ تَحَرَّى فِيهَا وَأَكَلَ ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَيْتَةُ أَكْثَرَ أَوْ كَانَا نِصْفَيْنِ لَمْ يَأْكُلْ ) وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْحَالَةُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ .
أَمَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ يَحِلُّ لَهُ التَّنَاوُلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ .
لِأَنَّ الْمَيْتَةَ الْمُتَيَقَّنَةَ تَحِلُّ لَهُ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ ، فَاَلَّتِي تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ذَكِيَّةً أَوْلَى ، غَيْرَ أَنَّهُ يَتَحَرَّى لِأَنَّهُ طَرِيقٌ يُوَصِّلُهُ إلَى الذَّكِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَتْرُكُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَذْبُوحَةُ أَكْثَرَ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ دَلِيلٌ ضَرُورِيٌّ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، وَلَا ضَرُورَةَ لِأَنَّ الْحَالَةَ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ .
وَلَنَا أَنَّ الْغَلَبَةَ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ فِي إفَادَةِ الْإِبَاحَةِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ أَسْوَاقَ الْمُسْلِمِينَ لَا تَخْلُو عَنْ الْمُحَرَّمِ الْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ وَمَعَ ذَلِكَ يُبَاحُ التَّنَاوُلُ اعْتِمَادًا عَلَى الْغَالِبِ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَلَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ كَقَلِيلِ النَّجَاسَةِ وَقَلِيلِ الِانْكِشَافِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا نِصْفَيْنِ أَوْ كَانَتْ الْمَيْتَةُ أَغْلَبَ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ .

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47