كتاب : صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المؤلف : أحمد بن علي القلقشندي

الجبال وتحتبس فيها ولا تزال تتكامل ويتحصل منها مياه عظيمة فتنبعث لكثرتها وهو على ثلاثة أنماط
النمط الأول ماء الأنهار وهي ما بين صغار وكبار وقريبة المدى وبعيدته وقد وردت الأخبار بأن أفضلها خمسة أنهار وهي سيحون وجيحون والدجلة والفرات ونيل مصر والنيل أفضل الخمسة وأعذبها وأخفها ماء على ما سيأتي ذكره في المقالة الثانية إن شاء الله تعالى
وفي الأنهار الكبار تسير السفن
النمط الثاني العيون وهي مياه تنبع من الأرض وتعلو إلى سطح الأرض ثم تسرح في قني قد حفرت لها وهي منبثة في كثير من الأقطار
النمط الثالث البئار وهي حفائر تحفر حتى ينبع الماء من أسفلها ويرتفع فيها ارتفاعا لا يبلغ أعلاها
وقد اختلف في الماء الذي نبع من الأرض هل هو الذي نزل من السماء أو غيره فذهب ذاهبون إلى أنه هو الذي نزل من السماء محتجين لذلك بقوله تعالى ( وأنزلنا من السماء ماء بقدر ) الآية
وذهب آخرون إلى أن الذي نبع من الأرض غير الذي نزل من السماء محتجين بقوله تعالى ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا ) ويوصف الماء للاستحسان بالعذوبة والصفاء والرقة والخفة وشدة البرد وفي معناه الشبم ويشبه في شدة البرد بالزلال وهو ما يتربى داخل الثلج في تجاويف توجد فيه فيكون من أشد الماء بردا

الصنف الثالث النبات وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول في أصل النبات
قد ذكر المسعودي في مروج الذهب أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض خرج من الجنة ومعه ثلاثون قصيبا مودعة أصناف الثمر منها عشرة لها قشر وهي الجوز واللوز والجلوز والفستق والبلوط والشاه بلوط والصنوبر والنارنج والرمان والخشخاش ومنها عشرة لثمرها نوى وهي الزيتون والرطب والمشمش والخوخ والإجاص والغبيراء والنبق والعناب والمخيطى والزعرور ومنها عشرة ليس لها قشر ولا نوى وهي التفاح والسفرجل والكمثري والعنب والتين والأترج والخرنوب والتوت والقثاء والبطيخ
المقصد الثاني فيما تختص به أرض دون أرض من أنواع النبات
إعلم أن النبات منه ما يوجد في كثير من الآفاق ومنه ما يختص ببعض الأماكن دون بعض وقد حكى أبو بكر بن وحشية في كتاب الفلاحة النبطية أن

ببلاد سجلماسة من جنوبي بلاد المغرب الأقصى شجرة ترتفع نصف قامة أو أرجح ورقها كورق الغار إذا عمل منها إكليل ولبسه الرجل على رأسه ومشى أو عدا أو عمل عملا لم ينم ما دام ذلك الإكليل على رأسه ولا يناله من ضرر السهر وضعف القوة ما ينال من سهر وعمل
وفي بلاد إفرنجة شجرة إذا قعد الإنسان تحتها نصف ساعة مات وإن مسها ماس أو قطع منها غصنا أو ورقة أو هزها مات
قلت ومما يختص بأرض دون أرض البلسان وهو شجرة لطيفة على نحو ذراع تتفرع فروعا لا تنبت في سائر الدنيا إلا في الديار المصرية بموضع مخصوص من بلدة يقال لها المطرية على القرب من مدينة عين شمس وتسقى من بئر هناك ويقال إنه اغتسل فيها المسيح عليه السلام ولذلك النصارى يعظمون البلسان ويتبركون به

المقصد الثالث في ذكر اصناف النبات التي أولع الكتاب والشعراء بوصفها
وتشبيهها وهي على أضرب
الضرب الأول ما له ساق
وهو الشجر وأكثر ما أولع أهل النظم والنثر بثمارها أو نورها في الوصف والتشبيه نثرا ونظما كاللوز والفستق والجلوز وهو البندق والشاة بلوط وهو القصطل والصنوبر والرمان والجلنار والإجاص والقراصيا والزعرور

والخوخ والمشمش والعناب والنبق والعنب والتين والتوت والتفاح والسفرجل والكمثري واللفاح والخروب والأترج والنارنج والليمون والطلع والبلح والبسر والتمر والرانج وهو جوز الهند والتجار يسمونه النارجيل
وربما وقع الوصف والتشبيه لبعض أصول الشجر كالنخل والكرم وغيرها

الضرب الثاني ما ليس له ساق
وقد أولعوا بالوصف والتشبيه منه فمن ذلك الزرع من البر والشعير ونحوهما ويتبع ذلك نور الباقلاء وكذلك الخشخاش والكتان والبطيخ الهندي وهو الأخضر والخراساني وهو العبدلي نسبة إلى عبد الله بن طاهر فإنه أول من نقله من خراسان إلى مصر والبطيخ الصيني وهو الأصفر والرسنيتو وهو المعروف باللفاح والقثاء والخيار والباذنجان والسلجم وهو اللفت والجزر والثوم والبصل والكراث والريباس والهليون والنعناع وغير ذلك
الضرب الثالث الفواكه المشمومة
والذي أولع بوصفه وتشبيهه منه الورد على اختلاف ألوانه من أحمر وأبيض وأصفر وأزرق وأسود والنسرين والبان والخلاف والنيلوفر

والبنفسج والنرجس والياسمين والآس والزعفران والريحان

الضرب الرابع الأزهار
والذي وقع الولوع بوصفه وتشبيهه من ذلك الخيري وهو المنثور من أصفر أو أزرق والسوسن والآذريون وهو ورد أصفر له ريح والخزم وهو الخزامى والشقيق ويسمى الشقاق ويقال له شقائق النعمان لأن النعمان بن المنذر حمى ظهر الكوفة وبه هذا النبات فعرف به والبهار وهو نور أحمر والأقحوان وغير ذلك
الضرب الخامس الرياض
وهي الأماكن المشتملة على الأشجار والأزهار والمياه الجارية ونحو ذلك
وقد اتفق جوابو الأرض على أن منتزهات الأرض أربعة مواضع وهي سغد سمرقند وشعب بوان ونهر الأبلة وغوطة دمشق
وقد أكثر الشعراء في وصف الرياض وولع الكتاب بمثل ذلك

الطرف الثالث من الباب الأول من المقالة الأولى في صنعة الكلام ومعرفة
كيفية إنشائه ونظمه وتأليفه وفيه مقصدان
المقصد الأول في الأصول التي يبنى الكلام عليها وهي سبعة أصول
الأصل الأول المعرفة بالمعاني والنظر فيه من وجهين
الوجه الأول في شرف المعاني وفضلها
إعلم أن المعاني من الألفاظ بمنزلة الأبدان من الثياب فالألفاظ تابعة والمعاني متبوعة وطلب تحسين الألفاظ إنما هو لتحسين المعاني بل المعاني أرواح الألفاظ وغايتها التي لأجلها وضعت وعليها بنيت فاحتياج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى أشد من احتياجه إلى تحسين اللفظ لأنه إذا كان المعنى صوابا واللفظ منحطا ساقطا عن أسلوب الفصاحة كان الكلام كالإنسان المشوه الصورة مع وجود الروح فيه وإذا كان المعنى خطأ كان الكلام بمنزلة الإنسان الميت الذي لا روح فيه ولو كان على أحسن الصور وأجملها
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير في المثل السائر ومما رأيته من المدعين لهذا الفن الذين حصلوا منه على القشور وقصروا معرفتهم على الألفاظ المسجوعة الغثة التي لا حاصل وراءها أنهم إذا أنكرت هذه الحالة عليهم وقيل لهم إن الكلام المسجوع ليس عبارة عن تواطؤ الفقر على حرف واحد فقط إذ لو كان عبارة عن هذا وحده لأمكن أكثر الناس أن يأتوا به من غير كلفة وإنما هو أمر وراء هذا وله شروط متعددة فإذا سمعوا ذلك أنكروه لخلوهم عن معرفته

وإذا أنكر عليهم الاقتصار على الألفاظ المسجوعة وهدوا إلى طريق المعاني يقولون لنا أسوة بالعرب الذين هم أرباب الفصاحة فإنهم إنما اعتنوا بالألفاظ ولم يعتنوا بالمعاني إعتناءهم بالألفاظ
فلم يكفهم جهلهم فيما أرتكبوه حتى ادعوا الأسوة بالعرب فيه فصارت جهالتهم جهالتين
قال ولم يعلموا أن العرب وإن كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها وتهذبها فإن المعاني أقوى عندها وأكرم عليها وأشرف قدرا في نفوسها
ولما كانت الألفاظ عنوان المعاني وطريقها إلى إظهار أغراضها أصلحوها وزينوها وبالغوا في تحسينها ليكون ذلك أوقع لها في النفس وأذهب بها في الدلالة على القصد
ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعا لذ لسامعه فحفظه وإذا لم يكن مسجوعا لم يأنس به أنسه في حالة السجع فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها ورققوا حواشيها وصقلوا أطرافها فلا تظن أن العناية أذ ذاك إنما هي بالألفاظ فقط بل هي خدمة منهم للمعاني فصار ذلك كإبراز صورة الحسناء في الحلل الموشاة والأثواب المحبرة فإنا قد نجد من المعاني الفاخرة ما شوه من حسنه بذاذة لفظه وسوء العبارة عنه
قال أبو هلال العسكري رحمه الله ومن عرف ترتيب المعاني واستعمل الألفاظ على وجوهها بلغة من اللغات ثم انتقل إلى لغة أخرى تهيأ له فيها من صنعة الكلام ما تهيأ له في في الأولى
ألا ترى ان عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها لمن بعده من اللسان الفارسي وحولها إلى اللسان العربي
فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من تكمل لإصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجوه الاستعمال
قال في المثل الثائر واعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها وأول من تكلم في ذلك حكماء اليونان غير أن الحصر كلي لا جزئي ومحال أن تحصر جزئيات المعاني وما يتفرع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم ولا يفتقر إليه فإن البدوي

البادي راعي الإبل ما كان يمر شيء من ذلك بفهمه ولا يخطر بباله ومع هذا فإنه كان يأتي بالسحر الحلال إن قال شعرا أو تكلم نثرا
قال ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا وانساق الكلام إلى شيء ذكره لأبي علي بن سينا في الخطابة والشعر وذكر ضربا من ضروب الشعر اليوناني يقال له اللوغاذيا وقام فأحضر كتاب الشفاء لأبي علي ووقفني على ما ذكره فلما وقفت عليه استجهلته فإنه طول فيه وعرض كأنه يخاطب بعض اليونان وكل هذا الذي ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئا ثم مع هذا جميعه فإن معول القوم فيما يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد على مقدمتين ونتيجة وهذا مما لم يخطر لأبي علي بن سينا ببال فيما صاغه من شعر أو كلام مسجوع عمله وعند إفاضته في صوغ مصاغه لم تخطر المقدمتان والنتيجة له ببال ولو أنه فكر أولا في المقدمتين والنتيجة ثم أتى بنظم أو نثر بعد ذلك لما أتى بشيء ينتفع به ولطال الخطب عليه
قال بل إن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم لم ينظموه في وقت نظمه وعندهم فكرة في مقدمتين ولا نتيجة وإنما هذه أوضاع توضع وتطول بها مصنفات كتبهم في الخطابة والشعر وهي كما يقال
( قعاقع ليس لها طائل ... كأنها شعر الأبيوردي )

الوجه الثاني في تحقيق المعاني ومعرفة صوابها من خطئها وحسنها من قبحها
وقد قسم صاحب الصناعتين المعاني على خمسة أصناف
الصنف الأول ما كان من المعاني مستقيما حسنا كقولك رأيت زيدا وهو أعلى
الأنواع الخمسة وأشرفها
قال في الصناعتين والمعنى الصحيح الثابت ينادي على نفسه بالصحة ولا يحوج إلى التكلف لصحته حتى يوجد المعنى فيه خطيبا
فأما المعنى المستقيم الجزل من النظم فمن الوعظ قول النمر بن تولب يذم طول الحياة
( يود الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة يفعل )
( يكاد الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل )
وقول أبي العتاهية في الوعظ بزوال العز والنعمة بالموت
( وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا ) وفي وصف الأيام قول أبي تمام
( على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب )
ومن المدح قول أمية بن أبي الصلت
( عطاؤك زين لأمريء إن حبوته ... بسيب وما كل العطاء يزين )

( وليس بشين لأمريء بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين )
وقول أبي تمام
( يستعذبون مناياهم كأنهم ... لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا )
وقول الآخر
( هم الألى وهبوا للمجد أنفسهم ... فما يبالون ما نالوا إذا حمدوا )
ومن الفخر قول معن بن أوس
( لعمرك ما أهديت كفي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي )
( ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي )
( وأعلم أني لم تصبني مصيبة ... من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي )
( ولست بماش ما حييت لمنكر ... من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي )
( ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة ... وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي )
وقول الآخر
( ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر )
وقول الشنفري
( أطيل مطال الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه القلب صفحا فيذهل )
( ولولا اجتناب العار لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدي ومأكل )

ومن الغزل قول جرير
( إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا )
( يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا )
وقول النظام
( توهمه طرفي فآلم خده ... فصار مكان الوهم من نظري أثر )
( وصافحه قلبي فآلم كفه ... فمن صفح قلبي في أنامله حفر )
( ومر بفكري خاطرا فجرحته ... ولم أر خلقا قط يجرحه الفكر )
ومن التشبيب قول القائل
( ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل عنهم من أرى وهم معي )
( وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي )
وقول الآخر
( إن لم أزر ربعكم سعيا على حدقي ... فإن ودي منسوب إلى ملق )
( تبت يدي إن ثنتني عن زيارتكم ... بيض الصفاح ولو سدت بها طرقي )
ومن الحكمة قول المتنبي
( والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم )
وقول الآخر
( إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه )

وقول الآخر
( ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب )
ومن الهجو قول الطرماح في تميم
( تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت )
وقول الآخر
( لو اطلع الغراب على تميم ... وما فيها من السوءات شابا )
إلى غير ذلك من معاني الشعر الحسنة البهيجة الرائقة
ومما ينخرط في هذا السلك من النثر ما يحكى أن أعرابيا وقف على عبد الملك بن مروان برملة اللوى فقال رحم الله امرأ لم تمج أذناه كلامي وقدم معاذه من سوء مقامي فإن البلاد مجدبة والحال مسغبة والحياء زاجر يمنع من كلامكم والفقر عاذر يدعو إلى إخباركم والدعاء إحدى الصدقتين فرحم الله امرأ أمر بمير أو دعا بخير
ومعاني القاضي الفاضل هي التي ترقص لها القلوب وتطرب لها الألباب ويهجم قبولها على النفوس من غير حاجب ولا بواب فمن ذلك قوله
يا بني أيوب لو ملكتم الدهر لامتطيتم لياليه أداهم وقلدتم أيامه صوارم وأفنيتم شموسه وأقماره في الهبات دنانير ودراهم وأيامكم أعراس وما ثم

فيها على الأموال مآتم والجود في أيديكم خاتم ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم
فهذا هو السحر الحلال والمعاني التي تخضع لها شم الجبال ولا يقال فيه قيل ولا قال

الصنف الثاني ما كان مستقيما قبيحا كقولك قد زيدا رأيت
قال في الصناعتين وإنما قبح لأنك أفسدت نظام اللفظ بالتقديم والتأخير
وهذا النوع يسميه علماء المعاني التعقيد
وسماه ابن الأثير في المثل السائر المعاظلة المعنوية وهو تقديم ما الأولى به التأخير كتقديم الصفة أو ما يتعلق بها على الموصوف وتقديم الصلة على الموصول ونحو ذلك وهو من المذموم المرفوض عند أهل الصنعة لأن المعنى يختل به ويضطرب
قال في المثل السائر وهو ضد الفصاحة لأن الفصاحة هي الظهور والبيان وهذا عار عن هذا الوصف فمن ذلك قول بعضهم
( فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفرا رسومها قلما )
يريد فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأن قلما خط رسومها فقدم خبر كأن وهو خط عليها فجاء مختلا مضطربا وأقبح منه وأكثر اختلالا قول الفرزدق
( إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره )
يريد إلى ملك أبوه ما أمه من محارب والمعنى ما أم أبيه من محارب يمدحه بذلك ذما لمحارب
وكذلك قوله يمدح خال هشام بن عبد الملك

( وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه )
يريد وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه وهو خاله فلما استعمل فيه التقديم والتأخير في غير موضعه جاء مشوها رثا كما تراه
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير وقد استعمل الفرزدق من التعاظل كثيرا كأنه يقصد ذلك ويتعمده لأن مثله لا يجيء إلا متكلفا مقصودا وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيتها وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد ألا ترى أن المقصود من الكلام معدوم في هذا النوع إذ المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به
ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما

الصنف الثالث ما كان مستقيما ولكنه كذب كقولك حملت الجبل وشربت ماء البحر
وما أشبه ذلك
واعلم أن المعاني المستعملة في الشعر والكتابة أكثرها جار على هذا الأسلوب خصوصا المعاني الشعرية فإنه مقدمات تخييلية توجب في النفس انقباضا وانبساطا على ما هو مقرر في علم المنطق
وقد قال في الصناعتين إن أكثر الشعر مبني على الكذب والاستحالة من الصفات الممتنعة والنعوت الخارجة عن العادة والألفاظ الكاذبة من قذف المحصنات وشهادة الزور وقول البهتان ولا سيما الشعر الجاهلي الذي هو أقوى الشعر وأفحله
قال وليس يراد منه إلا حسن اللفظ وجودة المعنى فهذا الذي سوغ استعمال الكذب وغيره مما جرى ذكره فيه
وقيل لبعض الفلاسفة فلان يكذب في شعره فقال يراد من الشاعر حسن الكلام والصدق يراد من الأنبياء عليهم السلام
قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع رحمه الله في كتابه تحرير

التحبير وأنا أقول قد اختلف في المبالغة فقوم يرون إن أجود الشعر أكذبه وخير الكلام ما بولغ فيه ويحتجون بما جرى للنابغة الذبياني مع حسان بن ثابت رضي الله عنه في استدراك النابغة عليه تلك المواقع الحجية في قوله
( لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما )
فإن النابغة إنما عاب على حسان ترك المبالغة والقصة مشهورة
قال والصواب مع حسان وإن روي عنه انقطاعه في يد النابغة وقوم يرون المبالغة من عيوب الكلام ولا يرون محاسنه إلا ما خرج مخرج الصدق وجاء على منهج الحق ويزعمون أن المبالغة من ضعف المتكلم وعجزه عن أن يخترع معنى أو يفرع معنى من معنى أو يحلي كلامه شيئا من البديع أو ينتخب ألفاظا موصوفة بصفات الحسن ويجيد تركيبها فإذا عجز عن ذلك كله عدل إلى المبالغة يسد بها خلله ويتم نقصه لما فيها من التهويل على السامع ويدعون أنها ربما أحالت المعاني فأخرجتها عن حد الإمكان إلى حد الامتناع
قال وعندي أن هذين المذهبين مردودان أما الأول فلقول صاحبه إن خير الكلام ما بولغ فيه وهذا قول من لا نظر له لأنا نرى كثيرا من الكلام والأشعار جاريا على الصدق المحض خارجا مخرج البحث وهو في غاية الجودة ونهاية الحسن وتمام القوة وكيف لا والمبالغة ضرب واحد من المحاسن والمحاسن لا تحصر ضروبها فكيف يقال إن هذا الضرب على انفراده يفضل سائر ضروب المحاسن على كثرتها وهذا شعر زهير والحطيئة وحسان ومن كان مذهبه توخي الصدق في شعره غالبا ليس فوق أشعارهم غاية لمترق ألا ترى إلى قول زهير
( ومهما يكن عند امرىء من خليقة ... وإن حالها تخفى على الناس تعلم )

وإلى قول طرفة
( لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه في اليد )
وإلى قوله
( ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود )
وإلى قول الحطيئة
( من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس )
فإنك تجد هذه الأشعار في الطبقة العليا من البلاغة وإن خلت من المبالغة والذي يدل على أن مذهب أكثر الفحول ترجيح الصدق في أشعارهم على الكذب ما روي عن الحرورية امرأة عمران بن حطان قاضي الصفرية من الخوارج أنها قالت له يوما أنت أعطيت الله تعالى عهدا ألا تكذب في شعرك فكيف قلت
( فهناك مجزأة بن ثور ... كان أشجع من أسامه )
فقال يا هذه إن هذا الرجل فتح مدينة وحده وما سمعت بأسد فتح مدينة قط وهذا حسان يقول
( وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا )
( وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا )
على أن هؤلاء الفحول وإن رجحوا هذا المذهب لا يكرهون ضده ولا يجحدون فضله وقلما تخلو بعض أشعارهم منه إلا أن توخي الصدق كان الغالب

عليهم وكانوا يكثرون منه ومن أكثر من شيء عرف به كما أن النابغة ومن تابعه على مذهبه لا يكرهون ضد المبالغة وإلا فكل احتجاج جاء به على النعمان في الاعتذار جار مجرى الحقيقة كقوله
( حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب )
فعائب الكلام الحسن بترك المبالغة فقط مخطيء وعائب المبالغة على الإطلاق غير مصيب وخير الأمور أوساطها
والتحقيق أن المبالغة إذا لم تخرج عن حد الإمكان ولم تجر مجرى الكذب المحض فإنها لا تذم بحال كقول قيس بن الخطيم
( طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها )
( ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها من وراءها )
فإن ذلك من جيد المبالغة إذ لم يكن خارجا مخرج الاستحالة مع كونه قد بلغ النهاية في وصف الطعنة وكذلك قول أبي تمام
( تكاد تنتقل الأرواح لو تركت ... من الجسوم إليها حين تنتقل )
فإنه لم يقنع بصحيح المبالغة وقربها من الوقوع فضلا عن الجواز بتقديم كاد حتى قال لو تركت قال وهذا أصح بيت سمعته في المبالغة وأحسنه وعلى حده ورد قول شاعر الحماسة وقد بالغ في مدح ممدوحه فقال
( رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد )
( ولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكن ما لا يستطاع شديد )

فإن هذا الشاعر ألقى بيده وأظهر عجزه واعترف بقصوره عن شكر بر هذا الممدوح وفطن أنه لو اقتصر على ذلك لاحتمل أن يقال له عجزك عن شكره لا يدل على كثرةأن يكون لضعف مادتك عن الشكر إذ لا يلزم من عجز الإنسان عن شيء تعظيم ذلك الشيء ولا بد لاحتمال أن يكون العجز لضعف الإنسان فاحترز عن ذلك بقوله
( وما فوق شكري للشكور مزيد ... )
ثم تمم المعنى بأن قال للشكور للمبالغة في الشكر فإن شكورا معدول عن شاكر للمبالغة كما تقدم ثم أظهر عذره في عجزه بأن قال في البيت الذي يليه
( ولو كان مما يستطاع استطعته ... )
ثم ذيل هذا المعنى بإخراج بقية البيت مخرج المثل السائر ليكثر دورانه على الألسنة فيحصل تجديد مدح الممدوح كل حين والتنويه بذكره في كل زمان حيث قال
( ولكن ما لا يستطاع شديد ... )
أما إذا خرجت المبالغة عن حد الإمكان وجرت مجرى الكذب المحض فإنها مذمومة في الشرع وإن كان الشعراء يستبيحون مثل ذلك ولا يتحاشون الوقوع فيه
وقد أخبر تعالى عنهم بالكذب بقوله ( ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون ) وفي قوله أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد
( ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... ) إشارة لذلك أيضا

فمن المبالغة في الشعر المنتهية إلى حد الكذب قول البحتري
( ولو قست يوما حجلها بحقابها ... لكانا سواء لا بل الحجل أوسع )
وصفها برقة الخصر وغلظ الساق حتى جعل حجلها الذي يدور على ساقها أوسع من حقابها الذي يدور على خصرها وأبلغ منه قول الآخر
( من الهيف لو أن الخلاخيل صيرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل )
فجعل الخلخال يجول في بدنها ولكنه ليس من المدح في شيء لأن الخلخال لو صار وشاحا للمرأة لكانت في غاية الدمامة حتى تصير في خلقة الجرو والهر
وأبلغ منه قول الآخر
( ورحب صدر لو ان الأرض واسعة ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد )
فجعل صدره في السعة والرحب أوسع من الأرض ونحوه قول الآخر
( ويوم كطول الدهر في عرض مثله ... ووجدي من هذا وهاذاك أطول )
إلا أنه استعمل العرض في غير موضعه إذ الدهر يوصف بالطول لا بالعرض وهو قد جعل له طولا وعرضا ويقرب منه قول أبي الطيب
( كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم أبن )

فجعل كلامه هو الذي يدل عليه من شدة النحول
قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع ومما يجري به التمثيل في باب المبالغة قول بعض العرب يذم إنسانا بقوله فلان تكون له الحاجة فيغضب قبل أن يطلبها وتكون إليه فيردها قبل أن يفهمها
وقول بعض بلغاء الكتاب إن من النعمة على المثني عليك ألا يخلو من مساعد ولا يخشى من معاند ولا تلحقه نقيصة المكذب ولا يكرهه عوز الأوصاف بالتطلب ولا ينتهي من القول إلى منتهى إلا وجد بعده مقتضى ووراءه منحى
وسيأتي من المبالغة في أوصاف الخيل والسلاح وغيرها في قسم الأوصاف من ذلك ما فيه مقنع إن شاء الله تعالى

الصنف الرابع ما كان محالا وهو ما لا يمكن كونه البتة كقولك آتيك أمس
وأتيتك غدا وما أشبه ذلك
قال في الصناعتين فإن اتصل الكذب بمحال صار كذبا محالا كقولك رأيت قاعدا قائما ومررت بيقظان نائم فإنه عذب للإخبار بخلاف الواقع ومحال لعدم إمكان الجمع بين النقيضين وقد تقدم في النوع الثالث أن أكثر الشعر مبني على الكذب والاستحالة من الصفات الممتنعة والنعوت الخارجة عن العادة وذلك في الكذب مما لا نزاع في كثرته في الشعر كما تقدم
أما المحال فإنه قليل الوقوع نادر في النظم والنثر معدود من المعايب محكوم عليه بالرد
فمن ذلك قول عبد الرحمن بن عبد القس
( وإني إذا ما الموت حل بنفسها ... يزال بنفسي قبل ذاك فأقبر )
قال العسكري هذا من المحال الذي لا وجه له قال وهو شبيه بقول

القائل إذا دخل زيد الدار دخل عمر وقبله ثم قال وهذا عين المحال الممتنع الذي لا يجوز يريد أنه قد توقف كل من الأمرين على الآخر لأنه لا يوجد إلا به فيلزم الدور وهو محال فيحكم فيه بالبطلان وقطع الدور
ومما يلتحق بالمحال وينخرط في سلكه تناقض المعاني واضطرابها
فمن ذلك قول المسيب بن علس في وصف ناقة
( فتسل حاجتها إذا هي أعرضت ... بخميصة سرح اليدين وساع )
( فكأن قنطرة بموضع كورها ... ملساء بين غوامض الأنساع )
( وإذا أطفت بها أطفت بكلكل ... بيض الفرائص مجفر الأضلاع )
قال في الصناعتين وهذا من المتناقض لأنه قال بخميصة ثم قال موضع كورها قنطرة وهي مجفرة الأضلاع فكيف تكون خميصة وهذه صفتها
وقريب منه قول الحطيئة
( حرج يلاوذ بالكناس كأنه ... متطوف حتى الصباح يدور )
( حتى إذا ما الصبح شق عموده ... وعلاه أسطع من سناه منير )
( وحصى الكثيب بصفحتيه كأنه ... خبث الحديد أطارهن الكير )

زعم أنه لم يزل يطوف حتى أصبح على الكثيب فمن أين صار الحصى بصفحتيه وقول المرقش الأصغر
( صحا قلبه عنها على أن ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما )
وكيف صحا عنها من إذا ذكرت دارت به الأرض

الصنف الخامس ما كان غلطا وهو أن تريد الكلام بشيء فيسبق لسانك إلى خلافه
كقولك ضربني زيد وأنت تريد ضربت زيدا
قال في الصناعتين فإن تعمدت ذلك صار كذبا وهذا النوع أكثر وقوعا من الذي قبله قال وقد وقع فيه الفحول من الشعراء
وأصناف الغلط في المعاني كثيرة فمن ذلك الغلط في الأوصاف وهي على وجوه منها وصف الشيء بخلاف ما هو عليه وذكره بما ينافيه
فمن غريب هذا النوع قول الراعي في وصف المسك
( يكسو المفارق واللبات ذا أرج ... من قصب معتلف الكافور دراج )

فجعل المسك من قصب الظبي وهو معاه وجعل الظبي يعتلف الكافور فيتولد منه المسك وهذا من طرائف الغلط
وقريب منه قول زهير يصف الضفادع
( يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع تخاف الغم والغرقا )
ظن أن الضفادع يخرجن من الماء مخافة الغرق ونشوؤها فيه
وقريب منه قول ذي الرمة
( إذا انجابت الظلماء أضحت رؤوسها ... عليهن من جهد الكرى وهي ضلع )
فوصف الرؤس بالضلع قال ابن أبي فروة ما أغفلت هذا ولقد قلت لذي الرمة ما علمت أحدا أضلع الرؤوس غيرك قال أجل
قال في الصناعتين ومما لم يسمع مثله قط قول عدي بن زيد في الخمر
( والمشرف الهيدب يسعى بها ... أخضر مطموثا بماء الحريص )

فوصف الخمر بالخضرة والحريص السحابة تحرص وجه الأرض أي تقشرها ومنه سميت إحدى الشجاج في الرأس الحارصة لأنها تشق الجلد
ومنها وصف الشيء على خلاف المعهود والعادة المعروفة
فمن ذلك قول المرار
( وخال علىخديك يبدو كأنه ... سنا البدر في دعجاء باد دجونها )
والمعروف أن الخيلان سود أو سمر والخدود الحسان إنما هي البيض فأتى هذا الشاعر بقلب المعنى ومثله قول الآخر
( كأنما الخيلان في وجهه ... كواكب أحدقن بالبدر )
قال أبو هلال العسكري ويمكن أن يحتج لهذا الشاعر بأن يقال تشبيه الخيلان بالكواكب من جهة الاستدارة لا من جهة اللون
ومن ذلك قول امريء القيس في وصف الفرس أيضا
( وللسوط ألهوب وللساق درة ... وللزجر منه وقع أخرج مهذب )
قال أبو هلال العسكري فلو وصف أخس حمار وأضعفه ما زاد على ذلك وقول القائل

( صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل )
فجعل ضربها بالسوط من باب الظلم لأنها لا تحوجه إلى ذلك ومن ذلك قول امريء القيس
( وأركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر )
شبه ناصية الفرس بسعف النخلة لطولها وإذا غطى الشعر عين الفرس لم يكن كريما
ومثله قول طرفة يصف ذنب البعير
( كأن جناحي مضرحي تكنفا ... حفافيه شكا في العيب بمسرد )
فجعل ذنبه كثيفا طويلا عريضا وإنما توصف النجائب بخفة الذنب ورقة الشعر
ومنها أن يجري في مقاصد المعاني على خلاف المألوف المعروف وذلك قول جنادة
( من حبها أتمنى أن يلاقيني ... من نحو بلدتها ناع فينعاها )
( لكي يكون فراق لا لقاء له ... وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها )
فإذا تمنى المحب للحبيب الموت فماذا عسى أن يتمنى البغيض لبغيضه وقول الآخر
( ولقد هممت بقتلها من حبها ... كيما تكون خصيمتي في المحشر )
فذكر أن شدة الحب حملته على قتل محبوبته حتى تخاصمه في الحشر لطلب حقها وشدة الحب لا تحمل إلا على الإكرام والبر على أنها قد تكون

تكرهه فتترك حقها له حتى لا يطول وقوفها معه للخصام وقول نصيب
( فإن تصلي أصلك وإن تعودي ... بهجر بعد ذاك فلا أبالي )
والعاشق يلاطف قلب محبوبه ولا يحاجه ويلاينه ولا يلاجه

الأصل الثاني من صناعة إنشاء الكلام النظر في الألفاظ والنظر فيها من
وجهين
الوجه الأول في فضل الألفاظ وشرفها
قد تقدم في الكلام على المعاني أن الألفاظ من المعاني بمنزلة الثياب من الأبدان فالوجه الصبيح يزداد حسنا بالحلل الفاخرة والملابس البهية والقبيح يزول عنه بعض القبح كما أن الحسن ينقص حسنه برثاثة ثيابه وعدم بهجة ملبوسه والقبيح يزداد قبحا إلى قبحه
فالألفاظ ظواهر المعاني تحسن بحسنها وتقبح بقبحها وقد قال أبو هلال العسكري في كتابه الصناعتين ليس الشأن في إيراد المعاني لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه ونزاهته ونقائه وكثرة طلاوته ومائه مع صحة السبك والتركيب والخلو من أود النظم والتأليف
قال وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما تقدم من نعوته ثم قال ومن الدليل على أن مدار البلاغة

تحسين اللفظ أن الخطب الرائعة والأشعار الرائقة ما عملت لإفهام المعاني فقط لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيد منها في الإفهام وإنما يدل حسن الكلام وإحكام صنعته ورونق ألفاظه وجودة مقاطعه وبديع مباديه وغريب مبانيه على فضل قائله وفهم منشئه وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعاني وتوخي صواب المعاني أحسن من توخي هذه الأمور في الألفاظ فلهذا يتأنق الكاتب في الرسالة والخطيب في الخطبة والشاعر في القصيدة ويبالغون في تجويدها ويغلون في ترتيبها ليدلوا على براعتهم وحذقهم بصناعتهم ولو كان الأمر في المعاني لطرحوا أكثر ذلك فربحوا كدا كثيرا وأسقطوا عن أنفسهم تعبا طويلا وأيضا فإن الكلام إذا كان لفظه حلوا عذبا وسلسا سهلا ومعناه وسطا دخل في جملة الجيد وجرى مع الرائع النادر كقول الشاعر
( ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح )
( وشدت على حدب المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح )
( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح )
وليس تحت هذه الألفاظ كثير معنى وهي رائقة معجبة وإنما هي ولما قضينا الحج ومسحنا بالأركان وشدت رحالنا على مهازيل الإبل ولم ينتظر بعضنا بعضا جعلنا نتحدث وتسير بنا الإبل في بطون الأودية وإذا كان المعنى صوابا واللفظ باردا فاترا كان مستهجنا ملفوظا ومذموما مردودا كقول أبي العتاهية في أبي عثمان سعيد بن وهب
( مات والله سعيد بن وهب ... رحم الله سعيد بن وهب )
( يا أبا عثمان أبكيت عيني ... يا أبا عثمان أوجعت قلبي )

الوجه الثاني الألفاظ المفردة وبيان ما ينبغي استعماله منها وما يجب تركه
إعلم أن الذي ينبغي أن يستعمل في النظم والنثر من الألفاظ هو الرائق البهج الذي تقبله النفس ويميل إليه الطبع وهو الفصيح من الألفاظ دون غيره
والفصيح في أصل اللغة هو الظاهر البين يقال أفصح الصبح إذا ظهر وبان ضوؤه وأفصح اللبن إذا تجلت عنه رغوته وطهر وأفصح الأعجمي وفصح إذا أبان بعد أن لم يكن يبين وأفصح الرجل عما في نفسه إذا أظهره
قال في المثل السائر وأهل البيان يقفون عند هذا التفسير ولا يكشفون عن السر فيه
قال وبهذا القول لا نتبين حقيقة الفصاحة لأنه يلزم أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بينا لم يكن فصيحا جيدا ثم إذا ظهر وتبين صار فصيحا على أنه قد يكون اللفظ ظاهرا لزيد ولا يكون ظاهرا لعمرو فيكون فصيحا عند واحد دون آخر وليس كذلك بل الفصيح ما لم يختلف في فصاحته لأنه إذا تحقق حد الفصاحة وعرف ما هي لم يبق في اللفظ المختص بها خلاف وأيضا فإنه لو جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع وهو مع ذلك ظاهر بين فينبغي أن يكون فصيحا وليس كذلك لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ لا وصف قبحه
قال وتحقيق القول في ذلك أن يقال الكلام الفصيح هو الظاهر البين والظاهر البين أن تكون ألفاظه مفهومة لا يحتاج في فهمها إلى استخراج من كتب لغة وإنما كانت بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة الاستعمال بين أرباب النظم والنثر دائرة في كلامهم وإنما كانت مألوفة الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها وذلك أن أرباب النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها وسبروا وقسموا فاختاروا الحسن من الألفاظ فاستعملوه ونفوا القبيح منها فلم يستعملوه فحسن الألفاظ سبب استعمالها دون غيرها واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها وبيانها فالفصيح إذا من الألفاظ هو الحسن
ثم قال والمرجع في تحسين الألفاظ وقبحها إلى حاسة السمع فما يستلذه السمع منها

ويميل إليه هو الحسن وما يكرهه وينفر عنه هو القبيح بدليل أن السمع يستلذ صوت البلبل من الطير وصوت الشحرور ويميل إليهما ويكره صوت الغراب وينفر عنه وكذلك يكره نهيق الحمار ولا يجد ذلك في صهيل الفرس والألفاظ جارية هذا المجرى فإنه لا خلاف في أن لفظة المزنة والديمة يستلذهما السممع ولفظة البعاق قبيحة يكرهها السمع والألفاظ الثلاثة من صفة المطر ومعناها واحد وأنت ترى لفظتي المزنة والديمة وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال وترى لفظ البعاق وما جرى مجراه متروكا لا يستعمل وإن استعمل فإنما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة أو من ذوقه غير سليم لا جرم أنه ذم وقدح فيه ولم يلتفت إليه وإن كان عربيا محضا من الجاهلية الأقدمين فإن حقيقة الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها ولم يعرج على ما خرج عنها
إذا علمت ذلك فلا يوصف اللفظ المفرد بالحسن حتى يتصف بأربع صفات

الصفة الأولى
ألا يكون غريبا وهو ما ليس مأنوس الاستعمال ولا ظاهر المعنى
ويسمى الوحشي أيضا نسبة إلى الوحش لنفاره وعدم تأنسه وتألفه وربما قلب فقيل الحوشي نسبة إلى الحوش وهو النفار
قال الجوهري وزعم قوم أن الحوش بلاد الجن وراء رمل يبرين لا يسكنها أحد من الناس فالغريب والوحشي والحوشي كله بمعنى

ثم الغريب على ضربين
الضرب الأول ما يعاب استعماله مطلقا وهو ما يحتاج في فهمه إلى بحث وتنقيب وكشف من كتب اللغة كقول ابن جحدر
( حلفت بما أرقلت حوله ... همرجلة خلقها شيظم )
( وما شبرقت من تنوفية ... بها من وحى الجن زيز يزم )
فالإرقال ضرب من السير وهو نوع من الخبب يقال منه أرقلت الناقة ترقل إرقالا والهمرجلة الناقة السريعة وقال أبو زيد الهمرجلة الناقة النجيبة الراحلة
والشيظم الشديد الطويل وهو من صفات الإبل والخيل والأنثى شيظمة
والشبرقة القطع يقال شبرقت الثوب أشبرقه شبرقة إذا قطعته وشبرقت الطريق إذا قطعتها
والتنوفة المفازة ويقال فيها تنوفية أيضا
والوحى هنا
الصوت الخفي يقال سمعت وحاة الرعد وهو صوته الممتد الخفي
وقوله زيز يزم حكاية لأصوات الجن إذا قالت زي زي وحاصله أنه يقول حلفت هذه الحلفة بما سارت هذه الناقة الشديدة السير العظيمة الخلق وما قطعت من مفازة لا يسمع فيها إلا أصوات الجن وهذا مما لا يوقف على معناه إلا بكد وتعب في كشفه وتتبعه من كتب اللغة
الضرب الثاني ما يحتاج إلى تدقيق النظر في التصريف وتخريج اللفظ على وجه بعد كلفظ مسرج من قول العجاج
( ومقلة وحاجبا مزججا ... وفاحما ومرسنا مسرجا )
فالمقلة شحمة العين
والحاجب معروف
والمزجج المقوس مع طول ودقة في طرفه
والفاحم الشعر الأسود الذي لونه كلون الفحم
والمرسن

الأنف وصفه بكونه مسرجا إما أنه كالسيف السريجي في الدقة والاستواء والسريجي نسبة إلى قين يسمى سريجا تنسب إليه السيوف وإما أنه كالسراج في البريق واللمعان أو من قولهم سرج الله وجهه إذا بهجه وحسنه
فهذا ومثله مما لا يقف على معناه إلا من عرف التصريف وأتقنه
إذا تقرر ذلك فاعلم أن اللفظ يختلف في الغرابة وعدمها باختلاف النسب والإضافات فقد يكون اللفظ مألوفا متداول الاستعمال عند كل قوم في كل زمن وقد يكون غريبا متوحشا في زمن دون زمن وقد يكون غريبا متوحشا عند قوم مستعملا مألوفا عند آخرين
وهو أربعة أصناف

الصنف الأول المألوف المتداول الاستعمال عند كل قوم في كل زمن
وهو ما تداول استعماله الأول والآخر من الزمان القديم وإلى زماننا كالسماء والأرض والليل والنهار والحر والبرد وما أشبه ذلك وهو أحسن الألفاظ وأعذبها وأعلاها درجة وأغلاها قيمة إذ أحسن اللفظ ما كان مألوفا متداولا كما تقدم وهذا لا يقع عليه اسم الوحشي بحال
قال في المثل السائر وأنت إذا نظرت إلى كتاب الله العزيز الذي هو أفصح الكلام وجدته سهلا سلسا وما تضمنه من الكلمات الغريبة يسيرا جدا
هذا وقد أنزل في زمن العرب العرباء وألفاظه كلها من أسهل الألفاظ وأقربها استعمالا وكفى بالقرآن الكريم قدوة
وقد قال النبي ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني يريد فاتحة الكتاب
وإذا نظرت إلى ما اشتملت عليه من الألفاظ وجدتها سهلة قريبة يفهمها كل أحد حتى صبيان المكاتب وعوام السوقة وإن لم يفهموا ما تحتها من أسرار الفصاحة والبلاغة فإن أحسن الكلام ما عرف الخاصة فضله وفهم العامة معناه وهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة في سهولة فهمها وقرب متناولها والمقتدي بألفاظ

القرآن يكتفي بها عن غيرها من جميع الألفاظ المنثورة والمنظومة وقد كانت العرب الأول في الزمن القديم تتحاشى اللفظ الغريب في نظمها ونثرها وتميل إلى السهل وتستعذبه ويكفي من ذلك كلام قبيصة بن نعيم لما قدم على امريء القيس في أشياخ بني أسد يسألونه العفو عن دم أبيه فقال له إنك في المحل والقدر من المعرفة بتصرف الدهر وما تحدثه أيامه وتنتقل به أحواله بحيث لا تحتاج إلا تذكير من واعظ ولا تبصير من مجرب ولك من سودد منصبك وشرف أعراقك وكرم أصلك في العرب محتد يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة ورجوع عن الهفوة ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عمت رزيته نزارا واليمن ولم تخصص بذلك كندة دوننا للشرف البارع الذي كان لحجر ولو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه ولا يلحق أقصاه أدناه فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتا وأعلاها في بناء المكرمات صوتا فقدناه إليك بنسعة تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته فنقول رجل امتحن بهالك عزيز فلم يستل سخيمته إلا تمكينه من الانتقام أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة فكان ذلك فداء رجعت به القضب إلى أجفانها لم يرددها تسليط الإحن على البرآء وإما أن وادعتنا إلى أن تضع الحوامل فتسدل الأزر وتعقد الخمر فوق الرايات
فبكى امرؤ القيس ساعة ثم رفع رأسه فقال

لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم وأني لن أعتاض به جملا ولا ناقة فأكتسب به سبة الأبد وفت العضد وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها ولن أكون لعطبها سببا وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقا وفوق الأسنة علقا
( إذا جالت الحرب في مأزق ... تصافح فيه المنايا النفوسا )
أتقيمون أم تنصرفون قالوا بل ننصرف بأسوإ الاختيار وأبلى الاجترار بمكروه وأذية وحرب وبلية
ثم نهضوا عنه وقبيصة يتمثل
( لعلك أن تستوخم الورد إن غدت ... كتائبنا في مأزق الحرب تمطر )
فقال امرؤ القيس لا والله ولكن استعذبه فرويدا ينفرج لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير ولقد كان ذكر غير هذا بي أولى إذ كنت نازلا بربعي ولكنك قلت فأوجبت
قال قبيصة ما يتوقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب فقال امرؤ القيس هو ذاك
قال في المثل السائر فلينظر إلى هذا الكلام من الرجلين قبيصة وامرىء القيس حتى يدع المتعمقون تعمقهم في استعمال الوحشي من الألفاظ فإن هذا الكلام قد كان في الزمن القديم قبل الإسلام بما شاء الله وكذلك هو كلام كل فصيح من العرب مشهور وما عداه فليس بشيء
قال وهذا المشار إليه هاهنا هو من جزل كلامهم وهو على ما تراه من السلاسة والعذوبة وإذا تصفحت أشعارهم أيضا وجدت الوحشي من الألفاظ قليلا بالنسبة إلى المسلسل في الفم

والسمع وعلى هذا المنهج في الجزالة والسهولة يجري من النظم قول امرىء القيس
( فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال )
( ولكنما أسعى لمجد موثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي )
فانظر إلى هذين البيتين ليس فيهما لفظة غريبة ولا كره مع ما فيهما من الجزالة وكذلك أبيات السموال المشهورة وهي
( إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل )
( وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل )
( تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل )
( وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل )
( يقرب حب الموت آجالا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول )
( وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حيث كان قتيل )
( وأسيافنا في كل غرب ومشرق ... بها من قراع الدارعين فلول )
( معودة ألا تسل نصالها ... فتغمد حتى يستباح قبيل )
فإذا نظرت ما تضمنته هذه الأبيات من الجزالة خلتها زبرا من الحديد مع ما هي عليه من السهولة والعذوبة وأنها غير فظة ولا غليظة
وقد ورد للعرب في جانب الرقة من الأشعار ما يكاد تذوب لرقته القلوب كقول عروة بن أذينة
( إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها )
( بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها )
( حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها )
( وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤااد فسلها )

وقول يزيد بن الطثرية في محبوبته من بني جرم
( بنفسي من لو مر برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله )
وإذا كان هذا قول ساكن الفلاة لا يرى إلا شيحة أو قيصومة ولا يأكل إلا ضبا أو يربوعا فما بال قوم سكنوا الحضر ووجدوا رقة العيش يتعاطون وحشي الألفاظ وشظف العبارات ولا يخلد إلى ذلك إلا جاهل بأسرار الفصاحة أو عاجز عن سلوك طريقها فإن كل أحد ممن حصل على نبذة من علم الأدب يمكنه أن يأتي بالوحشي من الكلام إما بأن يلتقطه من كتب اللغة أو يتلقفه من أربابها
وأما الفصيح المتصف بصفة الملاحة فإنه لا يقدر عليه ولو قدر عليه لما علم أين يضع يده في تأليفه وسبكه
قال وإن مارى في ذلك ممار فلينظر إلى أشعار علماء الأدب ممن كان يشار إليه حتى يعلم صحة ذلك فإن ابن دريد قد قيل إنه أشعر علماء الأدب وإذا نظرت إلى شعره وجدته بالنسبة إلى شعر الشعراء المجيدين منحطا مع أن أولئك الشعراء لم يعرفوا من علم الأدب عشر معشار ما علمه وأين شعره من شعر العباس ابن الأحنف وهو من أوائل الشعراء المحدثين وشعره كمر نسيم على عذبات أغصان أو كلؤلؤات طل على طرر ريحان وليس فيه لفظة واحدة غريبة يحتاج إلى استخراجها من كتاب من كتب اللغة كقوله
( وإني ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كنت لا أرضى لكم بقليل )
( بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الود إلا عدتمو بجميل )
وقوله في محبوبته فوز

( يا فوز يا منية عباس ... قلبي يفدي قلبك القاسي )
( أسأت إذ أحسنت ظني بكم ... والحزم سوء الظن بالناس )
( يقلقني شوقي فآتيكم ... والقلب مملوء من الياس )
وهل أعذب من هذه الأبيات وأعلق بالخاطر وأسرى في السمع ولمثلها تسهر راقدات الأجفان وعن مثلها تتأخر السوابق عند الرهان ومن الذي يستطيع أن يسلك هذه الطريق التي هي سهلة وعرة قريبة بعيدة
وقد كان أبو العتاهية أيضا في غرة الدولة العباسية وشعر العرب إذ ذاك موجود كثيرا وإذا تأملت شعره وجدته كالماء الجاري رقة ألفاظ ولطافة سبك وليس بركيك ولا واه وانظر إلى قصيدته التي يمدح بها المهدي ويشبب بجاريته عتب وهي
( ألا ما لسيدتي مالها ... تدل فأحمل إدلالها )
( ألا إن جارية للإمام ... قد أسكن الحسن سربالها )
( لقد أتعب الله قلبي بها ... وأتعب في اللوم عذالها )
( كأن بعيني في حيث ما ... سلكت من الأرض تمثالها )
فلما وصل إلى المديح قال من جملته
( أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها )
( فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها )
( ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الرض زلزالها )
( ولو لم تطعه نيات القلوب ... لما قبل الله أعمالها )
فهذه الأبيات من أرق الشعر غزلا ومديحا وقد أذعن لمديحها الشعراء من أهل العصر وهي على ما ترى من السلاسة واللطافة على أقصى الغايات حتى قال بشار عند سماع المهدي لها من أبي العتاهية انظروا إلى أمير المؤمنين هل طار عن أعواده يريد هل زال عن سريره طربا بهذا المديح
وعلى هذا الأسلوب كان أبو نواس في السهولة والسلاسة والرقة ولذلك قدم على شعراء عصره مع ما فيه من فحول الشعراء ومفلقيهم كمسلم بن الوليد وغيره وذلك لرقة شعره

وسهولته كقوله في محبوبته جنان
( ألم تر أنني أفنيت عمري ... بمطلبها ومطلبها عسير )
( فلما لم أجد سببا إليها ... يقربني وأعيتني الأمور )
( حجت وقلت قد حججت جنان ... فيجمعني وإياها المسير )
فانظر إلى هذه الأبيات ليس فيها لفظه منغلقة وكذلك سائر شعره وكان هو وأبو العتاهية كأنما ينفقان من كيس واحد
ومن لطيف ما يحكى في توافق طريقتهما واتحاد مأخذهما أن أبا نواس جلس يوما إلى بعض التجار ببغداد هو وجماعة من الشعراء فاستسقى أبو نواس ماء فلما شرب قال
( عذب الماء وطابا ... )
ثم قال أجيزوه فأخذ أولئك الشعراء يترددون في إجازته وإذا هم بأبى العتاهية مجتازا فقال ما شأنكم مجتمعين فقالوا كيت وكيت وقد قال أبو نواس
( عذب الماء وطابا ... )
فقال أبو العتاهية مجيزا له
( حبذا الماء شرابا ... )
فعجبوا لقوله على الفور من غير تلبث فهذا هو الكلام السهل الممتنع تراه يطمعك أن تأتي مثله فإذا حاولت مماثلته راغ عنك كما يروغ الثعلب وهكذا ينبغي أن يكون من خاض في كتابة أو شعر فإن خير الكلام ما دخل الأذن بغير إذن
ومن النثر قول سعيد بن حميد وأنا من لا يحاجك عن نفسه ولا يغالطك عن جرمه ولا يستدعي برك إلا من طريقته ولا يستعطفك إلا بالإقرار

بالذنب ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالجرم نبت بي عنك غرة الحداثة وردتني إليك الحنكة وباعدتني منك الثقة بالأيام وقادتني إليك الضرورة فإن رأيت أن تستقبل الصنيعة بقبول العذر وتجدد النعمة باطراح الحقد فإن قديم الحرمة وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة وإن أيام القدرة وإن طالت قصيرة والمتعة بها وإن كثرت قليلة فعلت إن شاء الله تعالى
فانظر إلى قوة هذا الكلام في سهولته وقرب مأخذه مع بعد تناوله والإتيان بمشاكله
وأجزل منه مع السهولة قول الشعبي للحجاج وأراد قتله لخروجه عليه مع ابن الأشعث أجدب بنا الجناب وأحزن بنا المنزل فاستحلسنا الحذر واكتحلنا السهر وأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء فعفا عنه
قال صاحب الصناعتين وقد غلب الجهل على قوم فصاروا بستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكد ويستفصحونه إذا وجدوا ألفاظه كزة غليظة وجاسية مريبة ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا وسهلا حلوا

ولم يعلموا أن السهل أمنع جانبا وأعز مطلبا وهو أحسن موقعا وأعذب مستمعا ولهذا قيل أجود الكلام السهل الممتنع وكان المفضل يختار من الشعر ما يقل تداول الرواه له ويكثر الغريب فيه
قال العسكري وهذا خطأ في الاختيار لأن الغريب لم يكثر في كلام إلا أفسده وفيه دلالة على الاستكراه والتكلف
ووصف الفضل بن سهل عمرو بن مسعدة فقال هو أبلغ الناس ومن بلاغته أن كل أحد يظن أنه يكتب مثل كتبه فإذا رامها تعذرت عليه
وقال العباس بن ميمون قلت للسيد ألا تستعمل الغريب في شعرك فقال ذلك عي في زماني وتكلف مني لو قلته وقد رزقت طبعا واتساعا في الكلام فأنا أقول ما يعرفه الصغير والكبير ولا يحتاج إلى تفسير ثم أنشدني
( أيا رب إني لم أرد بالذي به ... مدحت عليا غير وجهك فارحم )
قال في الصناعتين فهذا كلام عاقل يضع الكلام موضعه ويستعمله في إبانه
ومن كلام بعض الأوائل تلخيص المعاني رفق والتشادق في غير أهل نقص والنظر في وجوه الناس عي ومس اللحية هلك والاستعانة بالغريب عجز والخروج عما بني عليه الكلام إسهاب فأجود الكلام ما كان جزلا سهلا لا ينغلق معناه ولا يستبهم مغزاه ولا يكون مكدودا مستكرها ومتوعرا متقعرا ويكون بريئا من الغثاثة عاريا من الرثاثة فالكلام إذا كان لفظه غثا ومعرضه

رثا كان مردودا ولو احتوى على أجل معنى وأنبله وأرفعه وأفضله
قال في المثل السائر أما البدارة والعنجهية فتلك أمة قد خلت ومع أنها قد خلت وكانت في زمن العرب العاربة فإنها قد عيبت على مستعملها في ذلك الوقت فكيف الآن وقد غلب على الناس رقة الحضر

الصنف الثاني الغريب المتوحش عند كل قوم في كل زمن
وهو ما لم يكن متداول الاستعمال في الزمن الأول ولا ما بعده بل كان مرفوضا عند العرب كما هو مرفوض عند غيرهم ويسمى الوحشي الغليظ والعكر والمتوعر وهو على ثلاثة أضرب
الضرب الأول ما يعاب استعماله في النظم والنثر جميعا
قال في المثل السائر والناس في قبح استعماله سواء لا يختلف فيه عربي باد ولا قروي متحضر
قال وليس وراءه في القبح درجة أخرى ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله شيء من معرفة هذا الفن أصلا وهو ما مجه سمعك ونبا عنه لسانك وثقل عليك النطق به على أنه قد وقع منه ألفاظ لبعض الشعراء المفلقين من العرب والمحدثين
فمن ذلك لفظ الجحيش في قول تأبط شرا من أبيات الحماسة
( يظل بموماة ويمسى بغيرها ... جيحشا ويعروري ظهور المسالك )
فإن لفظه جحيش من الألفاظ المنكرة القبيحة

قال في المثل السائر ويالله العجب أليس أنها بمعنى فريد وفريد لفظه حسنة رائقة لو وضعت في هذا البيت موضع حجيش لما اختل شيء من وزنه فتأبط شرا ملوم من وجهين أحدهما استعماله القبيح والثاني أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنها وأقبح من ذلك لفظ اطلخم في قول أبي تمام
( قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... عشواء تالية عنبسا دهاريسا )
فإن لفظه اطلخم من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين من أنها غريبة وأنها غليظة في السمع كريهة على الذوق وكذلك لفظه دهاريس في آخر البيت المذكور
وعلى حد ذلك ورد لفظ جيدر في قوله من أبيات في وصف فرس
( نعم متاع الدنيا حباك به ... أروع لاجيدر ولا جبس )
فلفظه جيدر وحشية غليظة وأغلظ منها لفظة جفخت في قول أبي الطيب المتنبي
( جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل )
فإن لفظه جفخ مرة الطعم وإذا مرت على السمع اقشعر منها وكان له مندوحة عن استعمالها فإن جفخت بمعنى فخرت وهما في وزن واحد فلو أتى بلفظ فخرت ويفخرون مكان جفخت ويجفخون لاستقام وزن البيت وحظي في استعماله بالأحسن فهو في ذلك كتأبط شرا في لفظة جحيش في توجه الملامة عليه من وجهين

قال في المثل السائر وما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على هؤلاء الفحول من الشعراء
هذا ما أورده ابن الأثير من هذا النوع ويشبه أن يكون منه لفظ الحقلد في قول زهير
( تقي نقي لم يكثر غنيمة ... بنهكة ذي قربى ولا بحقلد )
والحقلد السيء الخلق
قال في الصناعتين وقد أخذ الرواة على زهير في لفظة الحقلد فاسبشعوها وقالوا ليس في لفظ زهير أنكر منها وكذلك لفظ الجرشي في قول أبي الطيب في مدح سيف الدولة بن حمدان واسمه علي
( مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم الجرشى شريف النسب )
فلفظ الجرشى مما يكرهه السمع وينبو عنه اللسان والجرشى بمعنى النفس فجعل اسمه مباركا ولقبه أغر ونفسه كريمة ونسبه شريفا وذلك أنه كان يسمى عليا وهو اسم مبارك لموافقة اسم أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ويلقب سيف الدولة وهو لقب أعرابي مشهور وأغر أخذا من غرة الفرس لأنها أشهر ما فيها ووصفه بكرم النفس إما باعتبار الحسب والعراقة وإما باعتبار بذل المال وكثرة العطاء وأشار إلى شرف نسبه باعتبار عراقته في بيت الملك وعراقة حسبه

الضرب الثاني ما يعاب استعماله في النثر دون النظم
وهذا الضرب مما ذكر صاحب المثل السائر أنه استخرجه بفكرة ولم يجد فيه قولا لغيره
وهذا ينكره من يسمعه حتى ينتهي إلى ما أوردته من الأمثلة

ولربما أنكره بعد ذلك إما عنادا وإما جهلا لعدم الذوق السليم عنده ثم ذكر منه أمثلة منها لفظ شرنبثة من قول الفرزدق
( ولولا حياء زدت رأسك شجة ... إذا سبرت ظلت جوانبها تغلى )
( شرنبثة شمطاء من ير ما بها ... يشبه ولو بين الخماسي والطفل )
قال فلفظة شرنبثة من الألفاظ الغريبة التي يسوغ استعمالها في الشعر وهي ها هنا غير مستكرهة إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة لعيبت على مستعملها
ومنها لفظه مشمخر الواردة في أبيات بشر في وصفه لقاءه الأسد حيث قال
( وأطلقت المهند عن يميني ... فقد له من الأضلاع عشرا )
( فخر مضرجا بدم كأني ... هدمت به بناء مشمخرا )
وكذلك في قول البحتري في قصيدته التي يصف فيها إيوان كسرى
( مشمخر تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوى وقدس )
فإن لفظه مشمخر لا يحسن استعمالها في الخطب والمكاتبات ولا بأس بها في الشعر وقد وردت في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة كقوله في خطبة يذكر فيها أهوال يوم القيامة اقمطر وبالها واشمخر نكالها فما طابت ولا ساغت
ومنها لفظة الكنهور من أوصاف السحاب كقول أبي الطيب

( يا ليت باكية شجاني دمعها ... نظرت إليك كما نظرت فتعذرا )
( وترى الفضيلة لا ترد فضيلة ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا )
فلفظة الكنهور لا تعاب نظما وتعاب نثرا
ومنها لفظه العرمس وهو اسم الناقة الشديدة فإن هذه اللفظة يسوغ استعمالها في الشعر ولا يعاب مستعملها كقول المتنبي
( ومهمه جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل )
فإنه جمع هذه اللفظة ولا بأس بها ولو استعملت في الكلام المنثور من الخطب لما طابت ولا ساغت وقد جاءت موحدة في شعر أبي تمام في قوله
( هي العرمس الوجناء وابن ملمة ... وجاش على ما يحدث الدهر خافض )
ومنها لفظه الشدنية في قول أبي تمام أيضا
( يا موضع الشدنية الوجناء ... )
وهي ضرب من النوق فإن الشدنية لا تعاب شعرا وتعاب لو وردت في كتابة أو خطبة
هذا ما أورده في المثل السائر لهذا الضرب من الأمثلة
ثم قال وهكذا يجري الحكم في أمثال هذه الألفاظ وعلى هذا فاعلم أن كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنثور يسوغ استعماله في الكلام المنظوم وليس كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنظوم يسوغ استعماله في الكلام المنثور
قال وذلك شيء استنبطته واطلعت عليه لكثرة ممارستي هذا الفن ولأن الذوق الذي عندي دلني عليه فمن شاء أن يقلدني فيه وإلا فليدمن النظر حتى يطلع على ما اطلعت عليه والأذهان في مثل هذا المقام تتفاوت
على أن الشيخ سعد الدين التفتازاني رحمه الله قد تابعه على ذلك في شرح التلخيص فلا

أعلم أقلده في ذلك أم ذوقه أداه إليه

الضرب الثالث ما يعاب استعماله بصيغة دون صيغة
قال في المثل السائر وهذا الضرب من هذه الصناعة بمنزلة علية ومكانة شريفة وجل الأسرار اللفظية منوط به
قال وقد لقيت جماعة من مدعي فن الفصاحة وفاوضتهم وفاوضوني وسألتهم وسألوني فما وجدت أحدا منهم يتقن معرفة هذا الموضع كما ينبغي وقد استخرجت فيه أشياء لم أسبق إليها فإن اللفظة الواحدة قد تنتقل من هيئة إلى هيئة أو من صفة إلى صفة فتنتقل من القبح إلى الحسن وبالعكس فيصير القبيح حسنا والحسن قبيحا والمرجع في ذلك إلى الذوق الصحيح والطبع السليم وقد نبه منه على تسعة أنماط
النمط الأول ما يترجح فيه الاسم في الاستعمال على الفعل وذلك في مثل لفظ خود فإنها عبارة عن المرأة الناعمة فإذا نقلت إلى صيغة الفعل قيل خود على وزن فعل بتشديد العين ومعناها أسرع
يقال خود البعير إذا أسرع في مشيه فهي على صيغة الاسم حسنة رائقة قد وردت في النظم والنثر كثيرا وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن حسنة كقول أبي تمام
( وإلى بني عبد الكريم تواهقت ... رتك النعام رأى الطريق فخودا )
إلا أن لفظة خود قد استعملت على غير هذا الوجه في بعض المواضع فزال عنها بعض القبح وإن لم تلحق بدرجة الرائق الحسن كقول بعض شعراء الحماسة

( أقول لنفسي حين خود رألها ... رويدك لما تشفقي حين مشفق )
( رويدك حتى تنظري عما تنجلي ... عماية هذا العارض المتألق )
والرأل النعام والمراد أن نفسه فرت وفزعت شبه بإسراع النعام في فراره وفزعه فلما أورد ذلك على سبيل المجاز زال بعض القبح
قال وهذا يدركه الذوق الصحيح فهي في بيت أبي تمام قبيحة سمجة وهاهنا بين بين ويقاس على ذلك أشباهه ونظائره
النمط الثاني ما يترجح فيه فعل الأمر والمستقبل في الاستعمال على الفعل الماضي وذلك في مثل لفظة ودع وهي فعل ماض ثلاثي لا ثقل بها على اللسان ومع ذلك فإنها لا تستعمل على صيغتها الماضية إلا جاءت غير مستحسنة فإذا استعملت على صيغة الأمر أو الاستقبال جاءت حسنة بهجة رائقة أما على صيغة الأمر فكما في قوله تعالى ( فذرهم يخوضوا ويلعبوا ) ولم ترد في القرآن الكريم إلا على هذه الصيغة وأما على صيغة الاستقبال فكقول النبي وقد واصل في شهر رمضان فواصل معه قوم فقال لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع له المتعمقون تعمقهم
وقد استعملها أبو الطيب على هذا الوجه في قوله
( تشقكم بقناها كل سلهمة ... والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع )
فجاءت في كلامه بهجة رائقة وأما الماضي من هذه اللفظة فلم يستعمل إلا شاذا ولا حسن له كقول أبي العتاهية
( أثروا فلم يدخلوا قبورهم ... شيئا من الثروة التي جمعوا )
( وكان ما قدموا لأنفسهم ... أعظم نفعا من الذي ودعوا )

فلم تقع في كلامه من الحسن موقعا ولا أصابت من الطلاوة غرضا وهذه لفظة واحدة لم يتغير شيء من أحولها سوى أنها نقلت من صيغة إلى صيغة وكذلك لفظه وذر فإنها لا تستعمل ماضية وتستعمل على صيغة الأمر كقوله تعالى ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ) وتستعمل مستقبلة أيضا كقوله تعالى ( سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر ) ولم ترد في القرآن الكريم إلا على هاتين الصيغتين وكذلك في غير القرآن الكريم من فصيح الكلام أما في حالة المضي فإنها أقبح من لفظة ودع وقد استعملت ماضية مع شذوذ وهذه لم تستعمل أصلا
النمط الثالث ما يترجح فيه الإفراد في الاستعمال على التثنية وذلك في مثل لفظ الأخدع فإنها يحسن استعمالها في حالة الإفراد دون التثنية فمما وردت فيه مفردة فجاءت حسنة رائقة قول الصمة بن عبد الله من شعراء الحماسة
( ... ) تلفت نحو الحي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
ومما ورد فيه لفظ التثنية فجاء ثقيلا مستكرها قول أبي تمام
( يا دهر قوم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك )
هكذا ذكره في المثل السائر ثم قال وليس لذلك سبب إلا أنها جاءت موحدة في أحدهما فحسنت وجاءت مثناة في الآخر فقبحت
النمط الرابع ما يترجح فيه الإفراد في الاستعمال على الجمع وذلك

كلفظة الأرض فإنها لم ترد في القرآن الكريم إلا مفردة سواء أفردت بالذكر عن السماء كما في قوله تعالى ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ) أو قرنت بالسماء مفردة كما في قوله تعالى ( ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ) أو مجموعة كما في قوله تعالى ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) ولو كان استعمالها بلفظ الجمع مستحسنا لكان هذا الموضع وشبهه به أليق لمقابلة الجمع في السموات ولما أراد أن يأتي بها مجموعة قال ( الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ) وكذلك لفظة البقعة وكذلك لفظة طيف في ذكر طيف الخيال فإنها تجمع على طيوف وهي في حالة الإفراد من أرق الألفاظ وألطفها فإذا جمعت زالت عنها تلك الطلاوة وفارقتها تلك البهجة ولذلك وردت في القرآن الكريم بلفظ الإفراد قال تعالى ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )
ولم تزل الشعراء في القديم والحديث يستعملونه بلفظ الإفراد فيقع أحسن موقع ولم يلموا باستعماله مجموعا
قال في المثل السائر ويالله العجب من هذه اللفظة ومن أختها عدة ووزنا وهي صيف فإنها تستعمل مفردة ومجموعة وكلاهما في الاستعمال حسن رائق قال وهذا مما لا يعلم السر فيه والذوق السليم هو الحاكم في الفرق بين هاتين اللفظتين وما يجري مجراهما
وكذلك يجري الحكم في جميع المصادر فإنها في حالة الإفراد أحسن منها في حالة الجمع وقد جاء منها بعض ألفاظ مجموعة فجاءت غثة مستكرهة كما في قول عنترة

( فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحق له الفقود )
فالفقود جمع مصدر من قولنا فقد يفقد فقدا وليس له من الرونق والطلاوة ما لمفرده وهو لفظ فقد وإن كان جائزا من جهة العربية
النمط الخامس ما يترجح فيه الجمع في الاستعمال على الإفراد كلفظة اللب الذي هو العقل فإن استعمالها بصيغة الجمع في غاية الحسن والبهجة والطلاوة وقد ورد بهذه الصيغة في غير موضع من القرآن الكريم كقوله تعالى ( وليتذكر أولو الألباب ) وقوله ( وما يذكر إلا أولو الألباب ) إلى غير ذلك من الآيات الوارد فيها ذلك بصيغة الجمع أما في حالة الإفراد فإنها قليلة الاستعمال مع أنها لفظة ثلاثية خفيفة على النطق بعيدة المخارج ليست بمستثقلة ولا مكروهة
قال في المثل السائر وإذا تأملت القرآن الكريم ودققت النظر في رموزه وأسراره وجدت هذه اللفظة قد روعي فيها الجمع دون الإفراد فإن أضيفت أو أضيف إليها حسن استعمالها وساغ في طريق الفصاحة إيرادها
أما إضافتها فكقول النبي في ذكر النساء ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للب الحازم من إحداكن يا معشر النساء وأما الإضافة إليها فكقول جرير
( إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا )
( يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا )
قال في المثل السائر فإن عريت هذه اللفظة عن الجمع والإضافة لم تأت حسنة
قال ولا تجد دليلا على ذلك إلا مجرد الذوق السليم وكذلك لفظة كوب فإنها لم ترد في القرآن الكريم إلا مجموعة وهي وإن لم تكن مستقبحة في حالة الإفراد فإن الجمع فيها أحسن
وانظر إلى ما عليها من الطلاوة والمائية في

قوله تعالى ( يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين ) وعلى هذا النحو لفظ رجا بالقصر ومعناه الجانب فإنها قد وردت في القرآن بلفظ الجمع في قوله تعالى ( والملك على أرجائها ) أي جوانبها ولم تستعمل مفردة لأن الجمع يكسبها من الحسن ما لم يوجد لها حالة الإفراد فإن أضيفت حالة الإفراد كرجا البئر ونحوه حسنت كما في حالة الجمع
قال في المثل السائر وليس كذلك لفظ الصوف والأصواف وإن كان لم يرد في القرآن الكريم إلا مجموعا حيث قال تعالى ( وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ) لأن لفظ الصوف مستحسن في حالة الأفراد كما في حالة الجمع
قال وإنما قبح ذكره في قول أبي تمام
( كانوا برود زمانهم فتصدعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا )
لأنها جاءت مجازية في نسبتها إلى الزمان
قال وعلى هذا النهج وردت لفظة حبر وأحبار فإنها مجموعة أحسن منها مفردة ولم ترد في القرءان الكريم إلا مجموعة
النمط السادس ما يترجح فيه بعض الجموع في الاستعمال على بعض كما في جمع صائب من قولك سهم صائب فإنه يقال في الجمع سهام صوائب وصائبات وصيب بالتشديد وهذه الجموع كلها حسنة رائقة معجبة دائرة على ألسنة أرباب النثر والنظم ويقال في جمعه أيضا صيب على وزن كتب وهو جمع قبيح مرفوض الاستعمال ثقيل على النطق جاف عن السمع وقد استعمله أبو نواس في شعره حيث قال

( ما أحل الله ما صنعت ... عينه تلك العشية بي )
( قتلت إنسانها كبدي ... بسهام للردى صيب )
فجاءت غثة كريهة نابية عن السمع نافرة عن اللسان وكذلك الجمع في قيد فإنه يجمع على قيود وهو جمع سائغ القبول شائع الاستعمال ويقال في جمعه أيضا أقياد وهو من الجموع المستكرهة الخارجة عن الاستعمال وقد ورد في قول عويف القوافي من أبيات الحماسة
( ذهب الرقاد فما يحس رقاد ... مما شجاك ونامت العواد )
( لما أتاني من عيينة أنه ... أمست عليه تظاهر الأقياد )
فلم يحسن ولم يرق وكذلك القول في جمع قبة فإنه يجمع على قباب وهو جمع حسن دائر على ألسنة الفصحاء من أهل النظم والنثر ويجمع أيضا على قبب وليس بمستحسن وإن كان هو في الكراهة دون أقياد في جمع قيد وقد استعمله ابن محكان التميمي في قوله
( ماذا ترين أندنيهم لأرحلنا ... في جانب البيت أم نبني لهم قببا )
فلم يحسن كحسن قباب بل جاءت كريهة مستشنعة وأعجب ما في هذا الباب أن الجمع قد يكون متفقا في لفظه واحدة إلا أنها مختلفة المعنى فيختلف الاستعمال في الجمع باختلاف المعاني حتى لو جيء بجمع في مكان جمع لم يحسن استعماله وإن كان جائزا من جهة العربية كلفظ العين فإنها تطلق من جملة مدلولاتها على العين الباصرة والعين من الناس وهو النبيه منهم والعين الباصرة تجمع على عيون والعين من الناس تجمع على أعيان وقد شذ هذا

الموضع على المتنبي في قوله
( والقوم في أعيانهم خزر ... والخيل في أعيانها قبل )
فجمع العين الباصرة على أعيان في الموضعين
قال في المثل السائر وكأن الذوق يأبى ذلك ولا يجد له على اللسان حلاوة وإن كان جائزا وأعجب من ذلك كله أنك ترى وزنا واحدا من الألفاظ فتارة تجد مفرده حسنا وتارة تجد جمعه حسنا وتارة تجدهما جميعا حسنين
فما مفرده أحسن من جمعه حبرور وهو فرخ الحبارى فإنه يجمع على حبارير ومفرده أحسن من جمعه وكذلك طنبور وطنابير وعرقوب وعراقيب وما أشبه ذلك
ومما جمعه أحسن من مفرده بهلول وبهاليل ولهموم ولهاميم وهذا ضد الأول
ومما مفرده حسن وجمعه حسن جمهور وجماهير وعرجون وعراجين وما أشبه ذلك
النمط السابع ما يترجح فيه أحد صور الوزن الواحد باختلافه بالحركة والسكون كلفظ الثلث والربع إلى العشر فإنها في حالة سكون الوسط كلها حسنة سائغة الاستعمال فإذا تحركت أوساطها فقلت ثلث وربع وخمس وكذلك إلى عشر فإن الحسن من ذلك جميعه ثلاثة وهي الثلث والخمس والسدس أما الربع والسبع والثمن والتسع والعشر فليس كذلك في حسنه
قلت إنما يظهر ذلك في السبع والتسع والعشر خاصة فإن الثقل ظاهر فيها أما الربع والثمن فإنهما في الحسن مع تحريك الوسط كالثلث والخمس والسدس وقد

ورد القرآن بتحريك الوسط فيهما في سورة النساء حيث قال تعالى ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن ) وقوله ( ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان ولد لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم ) وأي حسن وفصاحة بعد وروده في القرآن الكريم
النمط الثامن ما تترجح فيه أبنية بعض أسماء الفاعلين في الاستعمال على بعض كاسم الفاعل المبني من فعل بفتح الفاء وكسر العين فإنه يبنى على فاعل وفعل بكسر العين وفعلان نحو حمد فهو حامد وحمد وحمدان وفرح فهو فرح وفارح وفرحان وغضب فهو غضبان وغاضب فالأفعال الثلاثة على وزن واحد وصيغ أسماء الفاعلين المبنية منها مختلفة في الأحسن الغالب استعماله فحامد من حمد أحسن من حمد وحمدان وفرح من فرح أحسن من فارح وفرحان وغضبان من غضب أحسن من غاضب وإن كان جائزا وقد جاء بناء اسم الفاعل من فرح على فارح في قول بعض شعراء الحماسة
( فما أنا من حزن وإن جل جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح )
فلم يحسن كحسن فرح أما ما جاء منه على وزن فعلة نحو همزة ولمزة وجثمة ونومة ولكنة ولحنة وما أشبه ذلك فقد قال في المثل السائر الغالب على هذه اللفظة أن تكون حسنة
النمط التاسع ما يترجح من أوزان الأفعال بعضها على بعض كلفظة فعل وافتعل فإن لفظة فعل لها موضع تستعمل فيه ولفظة افتعل لها موضع تستعمل فيه تقول قعدت إلى فلان إذا جلست إليه واقتعدت غارب الجمل إذا ركبت عليه ولا يحسن أن تقول اقتعدت إلى فلان وقعدت على غارب الجمل وإن كان ذلك جائزا وكذلك أفعل وافعوعل فإنك تقول أعشب المكان فإذا كثر عشبه قلت اعشوشب فلقطه افعوعل للتكثير وهي على ما فيها من تكرار الحروف طيبة

عذبة وكذلك سائر ما في وزنها نحو اخشوشن المكان واغرورقت العين واحلولى الطعم وما أشبه ذلك
قال في المثل السائر وهذا كله مما أخذته بالاستقراء وفي اللغة مواضع كثيرة من ذلك لا يمكن استقصاؤها
فانظر إلى ما يفعله اختلاف الصيغة بالألفاظ وعليك بتفقد أمثال هذه الكلمات لتعلم كيف تضع يدك في استعمالها فكثيرا ما يقع فحول الخطباء والشعراء في مثلها ومؤلف الكلام من كاتب وشاعر إذا مرت به الألفاظ عرضها على ذوقه الصحيح فما يجده الحس منها موحدا وحده وما يجده الحس منها مجموعا جمعه وكذلك يجري الحكم فيما سوى ذلك من الألفاظ

الصنف الثالث المتوحش في زمن دون زمن
وهو ما كان متداول الاستعمال في زمن العرب ثم رفض وترك بعد ذلك وبهذا لا يعاب استعماله على العرب لأنه لم يكن عندهم وحشيا ولا لديهم غريبا كما سيأتي التنبيه عليه وإنما يعاب استعماله على غيرهم ممن قصر فهمهم عنه وقلت معرفتهم به وقد كان كلام العرب مشحونا به في نظمهم ونثرهم دائرا على ألسنتهم في مخاطباتهم ومحاوراتهم غير معيب ولا ملوم عليه وانظر إلى ما تضمنته خطبهم وأشعارهم من الغريب ترى ذلك غير معاب فمن ذلك قول أبي المثلم الهذلي
( آبي الهضيمة ناب بالعظيمة متلاف ... الكريمة جلد غير ثنيان )
( حامي الحقيقة نسال الوديقة معتاق ... الوسيقة لا نكس ولا وان )

( رباء مرقبة مناع مغلبة ... وهاب سلهبة قطاع أقران )
( هباط أودية حمال ألوية ... شهاد أندية سرحان فتيان )
وقول أعرابي في وصف إبل كوم بهازر مكد خناجر عظام الحناجر سباط المشافر أجوافها رغاب وأعطانها رحاب تمنع من البهم وتبرك للجمم
يريد بالكوم جمع كوماء وهي الناقة العظيمة السنام والبهازر جمع بهزرة وهي الناقة العظيمة والمكد جمع مكود وهي الناقة الغزيرة اللبن والخناجر جمع خنجور وهي بمعنى المكود أيضا والعظام الحناجر غلاظ الأعناق وسباط المشافر أي مرسلات المشافر والمشفر من الناقة كالجحفلة من الفرس ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى وينخرط في هذا السلك هذا ومثله لا يعاب استعماله على العرب لأنه لم يكن عندهم غريبا ولا لديهم وحشيا بل شائعا بينهم دائرا على ألسنتهم في نظمهم ونثرهم وأعظم شاهد لاستحسان استعماله عندهم ووضوح منهجه لديهم أن القرآن الكريم الذي هو أفصح كلام وأبهج لفظ قد اشتمل على ألفاظ من ذلك كقوله تعالى ( ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب ) وقوله ( إن الإنسان لربه لكنود ) وما أشبه ذلك وهذه الألفاظ كانت مفهومة عند العرب معلومة المعاني عند المخاطبين لأن الله تعالى قد خاطبهم به وأمرهم فيه ونهاهم والخطاب بما لا يفهم بعيد وقد قال تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم )
وكذلك ورد في الأخبار النبوية

جملة مستكثرة من ذلك وهي المعبر عنها بغريب الحديث كقوله من قعد مقعدا لم يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله تعالى ترة أي نقص وقيل تبعة وقيل حسرة
وقوله ليسترجع أحدكم حتى في شسع نعله فإنها من المصائب والشسع أحد سيور النعل وقوله ألظوا بياذا الجلال والإكرام أي الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها وقوله في الدعاء واغسل حوبتي واسلل سخيمة قلبي وأشباه ذلك
وحديث أم زرع صريح في شيوع ذلك فيهم وعمومه في مخاطباتهم ومكالماتهم وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا
قالت الأولى زوجي لحم جمل غث على رأس جبل لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى وفي رواية فينتقل
قالت الثانية زوجي لا أبث خبره إني أخاف ألا أذره إن أذكره أذكر عجره وبحره
قالت الثالثة زوجي العشنق إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق

قالت الرابعة زوجي كليل تهامة لا حر ولا قر ولا خوف ولا سامة
قالت الخامسة زوجي إن دخل فهد وإن خرج أسد ولا يسأل عما عهد
قالت السادسة زوجي إن أكل لف وإن شرب اشتف وإن اضطجع التف ولا يولج الكف ليعلم البث
قالت السابعة زوجي غياياء طباقاء كل داء له داء شجك أو فلك أو جمع كلالك
قالت الثامنة زوجي الريح ريح زرنب والمس مس أرنب
قالت التاسعة زوجي رفيع العماد طويل النجاد عظيم الرماد قريب

البيت من الناد
قالت العاشرة زوجي مالك وما مالك مالك خير من ذلك له إبل قليلات المسارح كثيرات المبارك وإذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك
قالت الحادية عشرة زوجي أبو زرع وما أبو زرع أناس من حلي أذني وملأ من شحم عضدي وبجحني فبجحت إلي نفسي ووجدني في أهل غنيمة بشق فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق فعنده أقول فلا أقبح وأرقد فأتصبح وأشرب فأتقنح وفي رواية فأتقمح أم أبي زرع فما أم أبي زرع عكومها رداح وبيتها فساح ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع مضجعه كمسل شطبة وتشبعه ذراع

الجفرة بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع طوع أبيها وطوع أمها وملء كسائها وغيظ جارتها جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع لا تنث حديثنا تنثيثا وفي رواية لا تبث حديثنا تبثيثا ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ولا تملأ بيتنا تعشيشا قالت خرج أبو زرع والأوطاب تمخض فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين فطلقني ونكحها فنكحت بعده رجلا سريا ركب شريا وأخذ خطيا وأراح علي نعما ثريا وأعطاني من كل رائحة زوجا وفي رواية فأعطاني من كل ذابحة زوجا وقال كلي أم زرع وميري أهلك فلو جمعت كل شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع
قالت عائشة قال لي رسول الله كنت لك كأبي زرع لأم زرع وفي رواية غير أني لا أطلقك

فإذا كان هذا الكلام نسائهم الدائر فيما بينهن من محادثاتهن مع بعضهن في خلواتهن فما ظنك بفرسان الكلام في نظمهم ونثرهم فأنى يعاب عليهم ذلك وينكر عليهم الإتيان بمثله
وقد اختصم رجل وامرأة إلى يحيى بن يعمر وهو من أكابر التابعين وجلتهم فقال للرجل أأن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها أما غير العرب ممن تكلف ذلك وأتى به في كلامه المعتاد في مخاطباته أو نثره ونظمه فإنه يعاب عليه ذلك وينحط به عن درجة الفصاحة ويخرج به عن قانونها إذ المقصود من الكلام إنما هو الإفهام لا غير فيخاطب كل أحد بما يفهمه ولا يكلف بما لا يعلمه وخير الكلام ما جاد وأفاد
قال بشر بن المعتمر إياك والتوعر فإنه يسلمك إلى التعقيد والتقييد وهو الذي يستهلك معانيك ويمنعك مراميك
قال أبو هلال العسكري وربما غلب سوء الرأي وقلة العقل على بعض علماء العربية فيخاطبون السوقي والمملوك والأعجمي بألفاظ أهل نجد ومعاني أهل السراة وحكاياتهم في ذلك كثيرة
قال أبو نصر الجوهري سقط عيسى بن عمر عن حمار له فاجتمع عليه الناس فقال مالكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني
أي ما لكم اجتمعتم علي اجتماعكم على ذي جنة تفرقوا عني
وذكر الجاحظ هذه الحكاية عن أبي علقمة النحوي بزيادة فقال مر أبو علقمة ببعض طرق البصرة

فهاجت به مرة فوثب عليه قوم يعضون إبهامه ويؤذنون في أذنه فأفلت من أيديهم وقال ما لكم تكأكأتم علي كما تكأكؤون على ذي جنة افرنقعوا عني
فقال بعضهم دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية
وقال أبو علقمة يوما لحاجمه اشدد قصب اللهازم وأرهف ظبات المشارط وأمر المسح واستنجل الرشح وخفف الوطء وعجل النزع ولا تكرهن أبيا ولا تردن أتيا فقال له الحجام ليس لي علم بالحروف
ونظر إليه رجل وتحته بغل مصري حسن المنظر فقال إن كان مخبر هذا البغل كمنظره فقد كمل فقال أبو علقمة والله لقد خرجت عليه من مصر فتنكبت الطريق مخافة السراق وجور السلطان فبينا أنا أسير في ليلة ظلماء قتماء طحياء مدلهمة حندس داجية في صحصح أملس إذ أحس بنبأة من صوت نغر أو طيران ضوع أو نغض سبد فحاص عن الطريق متنكبا لعزة نفسه وفضل قوته فبعثته باللجام فعسل وحركته بالركاب فنسل وانتعل

الطريق يغتاله معتزما والتحف الليل لا يهابه مظلما فوالله ما شبهته إلا بظبية نافرة تحفزها فتخاء شاغية فقال الرجل فادع الله وسله أن يحشر معك هذا البغل يوم القيامة قال ولم قال ليجيزك الصراط بطفرة
وكانت امرأة تأكل الطين فحصل لها بسببه إسهال مرضت منه وكان لها ولد يتكلم بالغريب فكتب رقاعا وطرحها في المسجد الجامع بمدينة السلام فيها صين امرؤ ورعي دعا لامرأة إنقحلة مقسئنة قد منيت بأكل الطرموق فأصابها من أجله الاستمصال أن يمن الله عليها بالاطرغشاش
فكل من قرأ رقعته دعا عليه ولعنه ولعن أمه
وحكى محمد بن أبي المغازي الضبي عن أبيه قال كان لنا جار بالكوفة لا يتكلم إلا بالغريب فخرج إلى ضيعة له على حجر معها مهر فأفلتت فذهبت ومعها مهرها فخرج يسأل عنها فمر بخياط فقال يا ذا النصاح وذات السم الطاعن بها في غير وغى لغير عدى هل رأيت الخيفانة القباء يتبعها الحاسن المسرهف كأن غرته القمر الأزهر ينير في حضره كالخلب الأجرد فقال

الخياط أطلبها في ترللج فقال ويحك ما تقول قبحك الله فإني ما أعرف رطانتك قال لعن الله أبغضنا لفظا وأخطأنا منطقا
وضرب عمر بن هبيرة عيسى بن عمر النحوي ضربا كثيرا من أجل وديعة فكان يقول وهو يضرب ما هي إلا أثياب في أسيفاط أخذها عشاروك وسأله رجل عن مسالة
فقال ليست مسألتك يتنا
أي ليست مستوية وأصل اليتن خروج رجل الولد قبل رأسه
وسأله آخر عن كتابته فقال كتبت حتى انقطع سوائي أي ظهري على أن أبا جعفر النحاس قد عد عيسى بن عمر من المطبوعين في ذلك
قال الجاحظ رأيتهم يديرون في كتبهم هذا الكلام فإن كانوا إنما رووه لأنه يدل على فصاحة وبلاغة فقد باعده الله من صفة الفصاحة والبلاغة وإن كانوا فعلوا ذلك لأنه غريب فأبيات من شعر العجاج وشعر الطرماح وأشعار هذيل تأتي لهم مع الرصف الحسن على أكثر من ذلك
فلو خاطب أحد الأصمعي بمثل هذا الكلام لظننت أنه يستجهل نفسه وهذا خارج عن عادة البلغاء

الصنف الرابع الغريب المتوحش عند قوم دون قوم
وذلك ككلام أهل البادية من العرب بالنسبة إلى أهل الحضر منهم فإن أهل الحضر يألفون السهل من الكلام ويستعملون الألفاظ الرقيقة ولا يستعملون

الغريب إلا في النادر وأهل البادية يألفون اللفظ الجزل ويميلون إلى استعمال الغريب وإذا نظرت إلى أهل مكة وكلام قريش الذين نزل القرآن بلغتهم وبعث رسول الله من أرومتهم وكلام أهل حضرموت وما جاورها من اليمن ومخاليف الحجاز علمت فرق ما بين الكلامين وتباين ما بين الطرفين حتى كأن البادي يرطن بالنسبة إلى الحاضر ويتكلم بلغة غير العربية وكانت لغة رسول الله التي يتكلم بها على الدوام ويخاطب بها الخاص والعام لغة قريش وحاضرة الحجاز إلا أنه أوتي جوامع الكلم وجمع إلى سهولة الحاضرة جزالة البادية فكان يخاطب أهل نجد وتهامة وقبائل اليمن بلغتهم ويخاطبهم في الكلام الجزل على قدر طبقتهم
فمن ذلك كلامه لطهفة النهدي وكتابه إلى بني نهد وذلك أنه لما قدم وفود العرب على النبي قدم عليه طهفة بن أبي زهير النهدي فقال أتيناك يا رسول الله من غور تهامة على أكوار الميس ترتمي بنا العيس نستحلب الصبير ونستجلب الخبير ونستعضد البرير ونستخيل الرهام ونستخيل الجهام من أرض غائلة النطاء غليظة الوطاء قد جف المدهن ويبس الجعثن وسقط الأملوج ومات العسلوج وهلك

الهدي وفاد الودي برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعثن وما يحدث الزمن لنا دعوة السلام وشريعة الإسلام ما طما البحر وقام تعار ولنا نعم همل أغفال ما تبض ببلال ووقير كثير الرسل قليل الرسل أصابتها سنية حمراء مؤزلة ليس لها علل ولا نهل فقال رسول الله اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها وفرقها وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر وافجر لهم الثمد وبارك لهم في المال والولد من أقام الصلاة كان مسلما ومن آتى الزكاة كان محسنا ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا
لكم يا بني نهد ودائع الشرك ووضائع الملك لا تلطط في الزكاة ولا تلحد في الحياة ولا تتثاقل عن الصلاة
وكتب معه كتابا إلى بني نهد فيه بسم الله الرحمن الرحيم السلام على

من آمن بالله ورسوله لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة ولكم العارض والفريش وذو العنان الركوب والفلو الضبيس لا يمنع سرحكم ولا يعضد طلحكم ولا يمنع دركم ما لم تضمروا الإماق وتأكلوا الرباق من أقر فله الوفاء بالعهد والذمة ومن أبى فعليه الربوة
ومن ذلك كتابه إلى قبيلة همدان وذلك أنه لما قدم عليه وفود العرب قدم وفد همدان على رسول الله منهم مالك بن نمط أبو ثور وهو ذو المشعار ومالك بن أيفع وضمام بن مالك السلماني وعميرة بن مالك الخارقي فلقوا رسول الله مرجعهم من تبوك وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية برحال الميس على المهرية والأرحبية ومالك بن نمط ورجل آخر يرتجزان بالقوم يقول أحدهما
( همدان خير سوقة وأقيال ... ليس لها في العالمين أمثال )
( محلها الهضب ومنها الأبطال ... لها إطابات بها وآكال )
ويقول الآخر

( إليك جاوزن سواد الريف ... في هبوات الصيف والخريف )
( مخطمات بحبال الليف ... )
فقام مالك بن نمط بين يديه ثم قال يا رسول الله نصية من همدان من كل حاضر وباد أتوك على قلص نواج متصلة بحبال الإسلام لا تأخذهم في الله لومة لائم من مخلاف خارف ويام وشاكر أهل السواد والقرى أجابوا دعوة الرسول وفارقوا آلهة الأنصاب عهدهم لا ينقض ما أقام لعلع وما جرى اليعفور بضلع
فكتب لهم رسول الله كتابا فيه بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف الرمل مع وافدها ذي المشعار مالك بين نمط ولمن أسلم من قومه على أن لهم فراعها ووهاطها ما اقاموا الصلاة وآتوا الزكاة يأكلون علافها ويرعون عافيها لهم بذلك عهد الله وذمام رسوله وشاهدهم المهاجرون والأنصار
فقال في ذلك مالك بن نمط
( ذكرت رسول الله في فحمة الدجى ... ونحن بأعلى رحرحان وصلدد )

( وهن بنا خوص طلائح تعتلي ... بركبانها في لاحب متمدد )
( على كل فتلاء الذراعين جسرة ... تمر بنا مر الهجف الخفيدد )
( حلفت برب الراقصات إلى منى ... صوادر بالركبان من هضب قردد )
( بأن رسول الله فينا مصدق ... رسول أتى من عند ذي العرش مهتد )
( فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد )
( وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه ... وأمضى بحد المشرفي المهند )
وفي رواية أن في كتابه إليهم إن لكم فراعها ووهاطها وعزازها تأكلون علافها وترعون عفاءها لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل والفارض والداجن والكبش الحوري وعليهم فيها الصالغ والقارح

ومن ذلك كتابه لأكيدر دومة
قال أبو عبيدة أنا قرأته فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها إن لنا الضاحية من الضحل والبور والمعامي وأغفال الأرض والحلقة والسلاح والحافر والحصن ولكم الضامنة من النخل والمعين من المعمور لا تعدل سارحتكم ولا تعد فاردتكم ولا يخطر عليكم النبات تقيمون الصلاة لوقتها وتؤتون الزكاة بحقها عليكم بذلك عهد الله والميثاق ولكم بذلك الصدق والوفاء شهد الله ومن حضر من المسلمين
ومن ذلك كتابه إلى وائل بن حجر وأهل حضرموت وهو بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة من أهل حضرموت بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على التيعة الشاة والتيمة لصاحبها وفي

السيوب الخمس لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار ومن أجبى فقد أربى وكل مسكر حرام
وفي رواية أنه كتب إليهم إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب وفي التيعة شاة لا مقورة الألياط ولا ضناك وأنطوا الثبجة وفي السيوب الخمس ومن زنى من امبكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عاما ومن زنى من امثيب

فضرجوه بالأضاميم ولا توصيم في الدين ولا غمة في فرائض الله تعالى وكل مسكر حرام ووائل بن حجر يترفل على الأقيال
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير رحمه الله في المثل السائر وفصاحة رسول الله لا تقتضي استعمال هذه الألفاظ ولا تكاد توجد في كلامه إلا جوابا لمن يخاطبه بمثلها كحديث طهفة وما جرى مجراه على أنه قد كان في زمنه أولا متداولا بين العرب ولكنه لم يستعمله إلا يسيرا لأنه أعلم بالفصيح والأفصح

الصفة الثانية اللفظ الفصيح ألا يكون مبتذلا عاميا ولا ساقطا سوقيا
واللفظ المبتذل على قسمين
القسم الأول
مالم تغيره العامة عن موضعه اللغوي إلا أنها اختصت باستعماله دون الخاصة فابتذل لأجل ذلك وسخف لفظه وانحطت رتبته لاختصاص العامة بتداوله وصار من استعمله من الخاصة ملوما على الإتيان به لمشاركة العامة فيه وقد وقع ذلك لجماعة من فحول الشعراء فعيب عليهم

فمن ذلك قول الفرزدق من قصيدة
( وأصبح مبيض الضريب كأنه ... على سروات النبت قطن مندف )
فقوله مندف من الألفاظ العامية المبتذلة وإن كان له أصل في اللغة يقال ندف القطن إذا ضربه بالمندف ولذلك قيل للقطن المندوف نديف
ومن ذلك قول أبي نواس
( وملحة بالعذل تحسب أنني ... بالجهل أترك صحبة الشطار )
فالشطار جمع شاطر وهو في أصل اللغة اسم لمن أعيا أهله خبثا يقال منه شطر وشطر بالفتح والضم شطارة بالفتح فيهما ثم استعمل في الشجاع الذي أعيا الناس شجاعة وغلب دورانه على لسان العامة فامتهن وابتذل فاستعمال أبي نواس له غير لائق وكذلك قوله أيضا
( يا من جفاني وملا ... نسيت أهلا وسهلا )
( وما تمرحبت لما ... رأيت ما لي قلا )
( إني أظنك فيما ... فعلت تحكي القرلى )
فلفظ القرلى من أشد ألفاظ العامة ابتذالا وهو اسم لطائر صغير من طيور الماء يخطف صغار السمك من الماء برجليه ومنقاره فإذا سقط على الماء ولم يحصل على صيد ارتفع بسرعة فتضرب به العامة المثل تقول فلان كأنه قرلى إن وجد خيرا تدلى وإن وجد شرا تعلى
وقوله أيضا
( وأنمر الجلدة صيرته ... في الناس زاغا وشقراقا )
( ما زلت أجري كلكلي فوقه ... حتى دعا من تحته قاقا )
فقوله قاقا حكاية لصوت يضرب به المثل لصياح المغلوب يقال فعلت بفلان كذا وكذا حتى قال قاق وأقبح من ذلك كله في الابتذال بين العامة والسخافة قول المتنبي

( ومن الناس من يجوز عليهم ... شعراء كأنها الخاز باز )
قال في المثل السائر وهذا البيت من مضحكات الأشعار وهو من جملة البرسام الذي ذكره في قوله
( إن بعضا من القريض هذاء ... ليس شيئا وبعضه أحكام )
( فيه ما يجلب البراعة والفهم ... وفيه ما يجلب البرسام )
وعد منه في المثل السائر قول البحتري
( وجوه حسادك مسودة ... أم صبغت بعدي بالزاج )
قال فلفظة الزاج من أشد ألفاظ العامة ابتذالا وكذلك عد منه قول النابغة الذبياني
( أو دمية في مرمر مرفوعة ... بنيت بآجر يشاد بقرمد )
قال فلفظة آجر مبتذلة جدا
وإذا شئت أن تعلم شيئا من سر الفصاحة التي تضمنها القرآن الكريم فانظر إلى هذا الموضع فإنه لما جيء فيه بذكر الآجر لم يذكر بلفظه ولا بلفظ القرمد أيضا ولا بلفظ الطوب الذي هو لغة أهل مصر فإن هذه الأسماء مبتذلة لكن ذكر في القرآن على وجه آخر وهو قوله تعالى ( وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا ) فعبر عن الآجر بالوقود على الطين نعم من الألفاظ المبتذلة السخيفة لفظة الكنس وما اشتق منه ولذلك عابها القاضي الفاضل رحمه الله تعالى على ابن سناء الملك في بعض أشعاره حيث قال من أبيات
( يزخرف منها وجهها فهو جنة ... ويخضر منها نضرة فهو سندس )

( صليني وهذا الحسن باق فربما ... يعزل بيت الحسن منه ويكنس )
فلما وقف القاضي الفاضل رحمه الله على هذا القصيدة كتب إلى ابن سناء الملك من جملة فصل وما قلت هذه الغاية إلا وتعلمني أنها البداية ولا قلت هذا البيت آية القصيدة إلا تلا ما بعده وما نريهم من آية
أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون
ولا عيب في هذه المحاسن إلا قصور الأفهام وتقصير الأنام وإلا فقد لهج الناس بما تحتها ودونوا ما دونها وشغلوا التصانيف والخواطر والأقلام بما لا يقاربها وسارت الأشعار وطالت بما لا يبلغ مدها ولا نصيفه والقصيدة فائقة في حسنها بديعة في فنها وقد ذلت السين فيها وانقادت فلو أنها الراء لما رادت وبيت يعزل ويكنس أردت أن أكنسه من القصيدة فإن لفظة الكنس غير لائقة في مكانها
فأجابه ابن سناء الملك قائلا وعلم المملوك ما نبه عليه مولانا من البيت الذي أراد أن يكنسه من القصيدة وقد كان المملوك مشغوفا بهذا البيت مستحليا له متعجبا منه معتقدا أنه قد ملح فيه وأن قافية بيته أميرة ذلك الشعر وسيدة قوافيه وما أوقعه في الكنس إلا ابن المعتز في قوله
( وقوامي مثل القناة من الخط وخدي من لحيتي مكنوس ... )
والمولى يعلم أن المملوك لم يزل يجري خلف هذا الرجل ويتعثر ويطلب مطالبه فتتعسر عليه وتتعذر ولا آنس ناره إلا لما وجد عليها هدى ولا مال المملوك إلا إلى طريق من ميله إليه طبعه ولا سار قلبه إلا إلى من دله عليه سمعه ورأى المملوك أبا عبادة قد قال
( ويا عاذلي في عبرة قد سفحتها ... لبين وأخرى قبلها للتجنب )
( تحاول مني شيمة غير شيمتي ... وتطلب مني مذهبا غير مذهبي )

وقال
( وما زارني إلا ولهت صبابة ... إليه وإلا قلت أهلا ومرحبا )
فعلم المملوك أن هذه طريقة لا تسلك وعقيلة لا تملك وغاية لا تدرك ووجد أبا تمام قد قال
( سلم على الربع من سلمى بذي سلم ... )
وقال
( خشنت عليه أخت بني خشين ... )
فاشمأز من هذا النمط طبعه واقشعر منه فهمه ونبا عنه ذوقه وكاد سمعه يتجرعه ولا يكاد يسيغه ووجد هذا السيد عبد الله بن المعتز قد قال
( وقفت في الروض أبكي فقد مشبهه ... حتى بكت بدموعي أعين الزهر )
( لو لم أعرها دموع العين تسفحها ... لرحمتي لاستعارتها من المطر )
وقال
( قدك غصن لا شك فيه كما ... وجهك شمس نهاره جسدك )
فوجد المملوك طبعه إلى هذا النمط مائلا وخاطره في بعض الأحيان عليه سائلا فنسج على هذا الأسلوب وغلب عليه خاطره مع علمه أنه المغلوب وحبك الشيء يعمي ويصم فقد أعماه حبه وأصمه إلى أن نظم تلك اللفظة في تلك الأبيات تقليدا لابن المعتز حيث قالها وحمل أثقالها وهي تغفر لذاك في جنب إحسانه فأما المملوك فهي عورة ظهرت من لسانه
فأجابه القاضي الفاضل رحمه الله بقوله ولا حجة فيما احتج به عن الكنس في بيت ابن المعتز فإنه غير معصوم من الغلط ولا يقلد إلا في الصواب فقط وقد علم ما ذكره ابن رشيق في عمدته من تهافت طبعه وتباين وضعه فذكر من محاسنه ما لا يعلق معه كتاب ومن بارده وغثه ما لا تلبس عليه الثياب
وقد تعصب القاضي السعيد على أبي تمام فنقصه من حظه وللبحتري

فأعطاه أكثر من حقه وما أنصفهما
( ولو كان هذا موضع العتب لاشتفى ... فؤادي ولكن للعتاب مواضع )
قال المولى صلاح الدين الصفدي رحمه الله تعالى في شرح لامية العجم وقد استعمل ابن سناء الملك رحمه الله تعالى هذه اللفظة في غير هذا الموضع ولم يتعظ بنهي الفاضل ولا ارعوى ولا ازدجر عما قبحه لأنه غلب عليه الهوى فقال
( توسوس شعري به مدة ... وما برح الحلي والوسوسه )
( وخلصني من يدي عشقه ... ظلام على خده حندسه )
( كنست فؤادي من عشقه ... ولحيته كانت المكنسه )
قال وأما القاضي الفاضل فما أظنه خلا في هذا الإيراد من ضعف انتقاد وأحاشي ذاك الذهن الوقاد من هذا الاعتقال في ورطة هذا الاعتقاد وما أراه إلا أنه تعمد أن يعكس مراده ويوهي ما شده ويوهن ما شاده ويرميه ببلاء البلادة إما على سبيل النكال أو النكادة لأن الفاضل رحمه الله ممن يتوخى هذه الألفاظ ويقصدها وينشيها وينشدها ويوري زنادها ويوردها
فمن كلام القاضي الفاضل في بعض رسائله وما استطاعت أيديهم أن تقبض جمره ولا ألبابهم أن تسيغ خمره ولا سيوفهم أن تكنس قميمه
قال في المثل السائر ومثل هذه الألفاظ إذا وردت في الكلام وضعت من قدره ولو كان معناه شريفا
قال وهذا القسم من الألفاظ المبتذلة لا يكاد يخلو منه شعر شاعر لكن منهم المقل ومنهم المكثر

القسم الثاني ما كان من الألفاظ دالا على معنى وضع له في أصل اللغة
فغيرته العامة وجعلته دالا على معنى آخر وهو على ضربين
الضرب الأول ما ليس بمستقبح في الذكر ولا مستكره في السمع
وذلك كتسميتهم الإنسان إذا كان دمث الأخلاق حسن الصورة أو اللباس أو ما هذا سبيله ظريفا والظرف في أصل اللغة مختص بنطق اللسان فقط كما أن الصباحة مختصة بالوجه والوضاءة مختصة بالبشرة والجمال مختص بالأنف والحلاوة مختصة بالعينين والملاحة مختصة بالفم والرشاقة مختصة بالقد واللباقة مختصة بالشمائل فالظرف إنما يتعلق بالنطق فغيرته العامة عن بابه ونقلته إلى أعم من موضوعه كما تقدم وممن وقع له الذهول عن ذلك فغلط فيه أبو نواس في قوله
( اختصم الجود والجمال ... فيك فصارا إلى جدال )
( فقال هذا يمينه لي ... للعرف والبذل والنوال )
( وقال هذاك وجهه لي ... للظرف والحسن والكمال )
( فافترقا فيك عن تراض ... كلاهما صادق المقال )
فوصف الوجه بالظرف وهو من صفات النطق كما تقدم وكذلك أبو تمام في قوله
( لك هضبة الحلم التي لو وازنت ... أجأ إذا ثقلت وكان خفيفا )
( وحلاوة الشيم التي لو مازجت ... خلق الزمان الفدم عاد ظريفا )
فوصف الشيم بالحلاوة وهي مختصة بالعينين ووصف الخلق بالظرف وهو

مختص بالنطق كما تقدم بيانه
الضرب الثاني ما يستقبح ذكره كما في لفظ الصرم بالصاد المضمومة والسرم بالسين فإن الصرم بالصاد في أصل اللغة عبارة عن القطع يقال صرمه يصرمه صرما وصرما بالفتح والضم إذا قطعه وبالسين عبارة عن المحل المخصوص وقد كانت العرب تستعمله بالصاد المضمومة في أشعارها بهذا المعنى فلا يعاب عليها قال أبو صخر الهذلي
( قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم )
فاستعمله بمعنى القطع ولم يعب عليه لأن الألفاظ في زمن العرب لم تتغير بل كانت باقية على أوضاعها الأصلية فقلبت العامة السين من المحل المخصوص صادا واستعملت لفظ الصرم الذي هو القطع في المحل المخصوص فصار لفظه مستقبحا وسماعه مستكرها وعيب على أبي الطيب استعماله في قوله
( أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعف فجازاهن عني بالصرم )
على أنه إنما يكره استعماله بصيغة الاسم لما تقدم أما إذا استعمل بصيغة الفعل مثل صرم ويصرم ما شاكل ذلك فإنه لا حجر في استعماله وقد استعمله ابن الرومي بالسين على بابه فجاء أقبح وأشنع فقال يهجو الورد
( كأنه سرم بغل حين يخرجه ... عند البراز وباقي الروث في وسطه )
قال الصلاح الصفدي وأين هذا التشبيه القبيح من قول الآخر في الورد أيضا
( كأنه وجنة الحبيب وقد ... نقطها عاشق بدينار )

قال فانظر إلى هذا وجنة وحبيب ودينار وإلى ذلك سرم وبغل وروث
وشتان ما بينهما

الصفة الثالثة من صفات اللفظ المفرد الفصيح ألا يكون متنافر الحروف فإن
كانت حروفه متنافرة بحيث يثقل على اللسان ويعسر النطق به فليس بفصيح
وذلك نحو لفظ الهعخع في قول بعض العرب عن ناقة تركتها ترعى الهعخع بالخاء المعجمة والعين المهملة وهو نبت أسود وكذلك لفظ مستشزرات من قول امرىء القس في قصيدته اللامية التي من جملة القصائد السبع الطوال
( غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المداري في مثنى ومرسل )
فلفظ مستشزرات من المتنافر الذي يثقل على اللسان ويعسر النطق به
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير رحمه الله في المثل السائر ولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امريء القيس هذا اللفظ فأكبر ذلك لوقوفه مع شبهة التقليد في أن امرأ القيس أشعر الشعراء فعجبت من ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة وقلت له لا يمنع إحسان آمريء القيس من استقباح ماله من القبيح بل مثال ذلك كمثال غزال المسك فإنه يخرج منه المسك والبعر ولا يمنع طيب ما يخرج من مسكه من خبث ما يخرج من بعره ولا تكون لذاذة ذلك الطيب حامية للخبيث من الاستكراه فأسكت الرجل عند ذلك
إذا علمت ذلك فإن معظم اللغة العربية دائرة على ذلك لأن الواضع قسمها في وضعه إلى ثلاثة أقسام ثلاثيا ورباعيا وخماسيا فالثلاثي من الألفاظ هو الأكثر ولا يوجد فيه ما يكره استعماله إلا النادر والخماسي هو الأقل ولا يوجد فيه ما يستعمل إلا الشاذ النادر والرباعي وسط بين الثلاثي والخماسي في الكثرة عددا واستعمالا فيكون أكثر اللغة مستعملا غير مكروه
قال ولا تقتضي حكمة هذه اللغة التي هي سيدة اللغات إلا ذلك ولذلك أسقط الواضع منها

حروفا كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقالا واستكراها فلم يؤلف بين حروف الحلق كالحاء والعين وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف ولا بين اللام والراء ولا بين الزاي والسين وذلك دليل على عنايته بتأليف المتباعد المخارج دون المتقارب وكيف كان الواضع يخل بمثل هذا الأصل الكلي في تحسين اللغة وقد اعتنى بأمور جزئية دون ذلك كمماثلته بين حركات الفعل في الوجود وبين حركات المصدر في النطق كالغليان والضربان والنقزان والنزوان وغير ذلك مما يجري هذا المجرى فإن جميع حروفه متحركات ليس فيها حرف ساكن وهي مماثلة لحركات الفعل في والوجود
ومن نظر في حكمة وضع هذه اللغة إلى هذه الدقائق التي هي كالأطراف والحواشي فكيف كان يخل بالأصل المعول عليه في تأليف الحروف بعضها إلى بعض
على أنه لو أراد الناظم أو الناثر أن يعتبر مخارج الحروف عند استعمال الألفاظ أهي متباعدة أو متقاربة لطال الخطب في ذلك وعسر ولما كان الشاعر ينظم قصيدا ولا الكاتب ينشيء كتابا إلا في مدة طويلة والأمر بخلاف ذلك فإن حاسة السمع هي الحاكمة في هذا المقام في تحسين لفظ وتقبيح آخر على أنه قد يجيء من المتقارب المخارج ما هو حسن رائق ألا ترى أن الحروف الشجرية وهي الجيم والشين والياء متقاربة المخارج لأنها تخرج من وسط اللسان بينه وبين الحنك وإذا ترتب منها لفظ جاء حسنا رائقا فإن لفظة جيش قد اجتمع فيها الحروف الشجرية الثلاثة وهي مع تقارب مخارجها حسنة رائقة وكذلك الحروف الشفهية وهي الباء والميم والفاء متقاربة المخارج فإن مخرج جميعها من الشفة وإذا ترتب منها لفظ جاء سلسا غير متنافر كقولك أكلت بفمي وهو في غاية الحسن والحروف الثلاثة الشفهية مع تقارب مخارجها مجتمعة فيها وقد يجيء من المتباعد المخارج ما هو قبيح متنافر كقولك ملع بمعنى عدا فإن الميم من الشفة والعين من حروف الحلق واللام من وسط اللسان فهذه الحروف كلها متباعدة من بعضها ومع ذلك فإنها كريهة الاستعمال ينبو عنها الذوق السليم ولو كان التباعد سببا للحسن لما كان سببا للقبح على أنه لو عكست

حروف هذه اللفظة صارت علم وعاد القبح منها حسنا مع أنه لم يتغير شيء من مخارجها على أن اللام لم تزل فيها وسطا والميم والعين يكتنفانها من جانبيها ولو كانت مخارج الحروف معتبرة في الحسن والقبح لما تغيرت هذه اللفظة بتقديم بعض الحروف وتأخير بعض وليس ذلك لأن إدخال الحروف من الشفة إلى الحلق في ملع أعسر من إخراجها من الحلق إلى الشفة في علم فإن لفظة بلع فيها الباء وهي من حروف الشفة واللام وهي من وسط اللسان والعين وهي من حروف الحلق وهي غير مكروهة
قال في ( المثل السائر ) ولربما اعترض بعض الجهال بأن الاستثقال في لفظ مستشزرات إنما هو لطولها وليس كذلك فإنا لو حذفنا منها الألف والتاء وقلنا مستشزر لكان ثقيلا أيضا لأن الشين قبلها تاء وبعدها زاي فثقل النطق بها نعم لو أبدلنا من الزاي راء ومن فاء الراء فقلنا مستشرف لزال ذلك ومن ثم ظهر لك أن اعتبار ابن سنان تركيب الكلمة من أقل الأوزان تركيبا غير معتبر وقد ورد في القرآن العظيم ألفاظ طوال لا شك في حسنها وفصاحتها كقوله تعالى ( فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) وقوله تعالى ( ليستخلفنهم في الأرض ) فإن لفظ فسيكفيكهم مركب من تسعة أحرف ولفظ ليستخلفنهم مركب من عشرة أحرف ولفظ مستشزرات مركب من ثمانية أحرف قال والأصل في هذا الباب أن الأصول لا تحسن إلا من الثلاثي وفي بعض الرباعي كقولك عذب وعسجد فالأولى ثلاثية والثانية رباعية أما الخماسي من الأصول فإنه

قبيح كقولك صهصلق وجحمرش وما جرى مجراهما ولهذا لا يوجد في القرآن الكريم من الخماسي الأصول شيء إلا ما كان من اسم نبي عرب اسمه ولم يكن في الأصل عربيا كإبراهيم وإسماعيل ونحوهما

الصفة الرابعة من صفات اللفظ المفرد الفصيح ألا يكون على خلاف القانون
المستنبط من تتبع مفردات ألفاظ اللغة العربية وما هو في حكمها
كوجوب الإعلال في نحو قام والإدغام في نحو مد وغير ذلك مما يشتمل عليه علم التصريف فإنه لو فك الإدغام في مد فقال مدد لم يكن فصيحا وعلى حد ذلك جاء قول بعض العرب
( الحمد لله العلي الأجلل ... )
فإن قياس بابه الإدغام فيقال الأجل
قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح التلخيص وأما نحو أبى يأبى وعور واستحوذ وقطط شعره وما أشبه ذلك من الشواذ الثابتة فليست من المخالفة في شيء لأنها كذلك ثبتت عن الواضع فهي في حكم المستثناة
فهذه الصفات الأربع هي عمود الفصاحة في اللفظ المفرد وقطب دائرة حسنه فمتى اتصف بها وسلم من أضدادها كان بالفصاحة متسما وبالحسن والرونق مشتملا وللطبع ملائما وللسمع موافقا ومتى عري عن ذلك خرج عن طرائق الفصاحة وحاد عن سبيل الحسن ومال إلى الهجنة فمجه السمع وقلاه الطبع ورفضته النفوس ونفرت منه القلوب فلزم العيب قائله وتوجه العتب على مستعمله

قال ابن الأثير رحمه الله وقد رأيت جماعة من الجهال إذا قيل لأحدهم إن هذه اللفظة حسنة وهذه قبيحة أنكر ذلك وقال بل كل الألفاظ حسن والواضع لم يضع إلا حسنا قال ومن يبلغ جهله إلى غاية لا يفرق بين لفظة الغصن ولفظة العسلوج وبين لفظ المدامة ولفظ الإسفنط وبين لفظ السيف ولفظة الخنشليل وبين لفظة الأسد ولفظة الفدوكس فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب ولا يجاب بجواب بل يترك وشأنه كما قيل ( أتركوا الجاهل بجهله ولو ألقى الجعر في رحله )
وما مثاله في ذلك إلا كمن يسوي بين صورة زنجية سوداء مظلمة السواد شوهاء الخلق ذات عين محمرة وشفة غليظة وشعر قطط وبين صورة رومية بيضاء مشربة بحمرة ذات خد أسيل وطرف كحيل ومبسم كأنما نظم من أقاح وطرة كأنها ليل على صباح
فإذا كان بإنسان من سقم النظر أن يسوي بين هذه الصورة وهذه فلا يبعد أن يكون به من سقم الفكر أن يسوي بين هذه الألفاظ وهذه ولا فرق بين السمع والنظر في ذلك فإن هذه حاسة وهذه حاسة وقياس حاسة على حاسة غير ممتنع ولا عبرة بمن يستحسن الألفاظ القبيحة ويميل إلى الصورة الشنيعة فإن الحكم على الكثير الغالب دون الشاذ النادر الخارج عن الاعتدال فإنا لو رأينا من يحب أكل الفحم والجص والتراب ويختار ذلك على ملاذ الأطعمة فإنا لا نستجيد هذه الشهوة بل نحكم عليه بالمرض وفساد المعدة وأنه يحتاج إلى العلاج والمداواة ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن

نعمة لذيذة كنغمة الأوتار وصوتا منكرا كصوت الحمار وأن لها في الفم حلاوة كحلاوة العسل ومرارة كمرارة الحنظل
ولا حجة لاستعمال العرب لهذه الألفاظ فإن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب لأنه ليس للتقليد فيه مجال وإنما له خصائص وهيئات وعلامات إذا وجدت علم حسنه من قبحه والله أعلم

الأصل الثالث من صناعة إنشاء الكلام تركيب الكلام وترتيب الألفاظ والنظر
فيه من وجوه
الوجه الأول في بيان فضل المعرفة بذلك ومسيس حاجة الكاتب إلى معرفته
والإشارة إلى خفي سره وتوعر مسلكه
قال أبو هلال العسكري وأجناس الكلام المنظوم ثلاثة الرسائل والخطب والشعر جميعها يحتاج إلى حسن التأليف وجودة التركيب وحسن التأليف يزيد المعنى وضوحا وشرحا ومع سوء التأليف ورداءة الرصف والتركيب شعبة من التعمية فإذا كان المعنى سيئا ورصف الكلام رديئا لم يوجد له قبول ولم تظهر عليه طلاوة
فإذا كان المعنى وسطا ورصف الكلام جيدا كان أحسن موقعا وأطيب مستمعا فهو بمنزلة العقد إذا جعل كل خرزة منه إلى ما يليق بها كان رائقا في المرأى وإن لم يكن مرتفعا نبيلا وإن اختل نظمه فضمت الحبة منه إلى ما لا يليق بها اقتحمته العين وإن كان فائقا ثمينا وحسن الرصف أن توضع الألفاظ في مواضعها وتمكن من أماكنها ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير والحذف والزيادة إلا حذفا لا يفسد الكلام ولا يعمي المعنى وتضم كل لفظة

منها إلى شكلها وتضاف إلى وفقها وسوء الرصف تقديم ما ينبغي تأخيره منها وصرفها عن وجوهها وتغيير صيغتها ومخالفة الاستعمال في نظمها
وقد قال العتابي الألفاظ أجساد والمعاني أرواح وإنما تراها بعيون القلوب فإذا قدمت منها مؤخرا وأخرت منها مقدما أفسدت الصورة وغيرت المعنى كما أنه لو حول رأس إلى موضع يد أو يد إلى موضع رأس أو رجل لتحولت الخلقة وتغيرت الحلية
قال في ( الصناعتين ) وقد أحسن في هذا التمثيل
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير رحمه الله في ( المثل السائر ) وهذا الموضع يضل في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم والنثر فكيف الجهال الذين لم تنفحهم منه رائحة ومن الذي يؤتيه الله فطرة ناصعة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ فيضعها في مواضعها وذلك أن تفاوت التفاضل لم يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها إذ التركيب أعسر وأشق ألا ترى أن ألفاظ القرآن الكريم من حيث انفرادها قد استعملتها العرب ومن بعدهم وهي مع ذلك تفوق جميع كلامهم وتعلو عليه وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب
وانظر إلى قوله تعالى ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ) وما اشتملت عليه هذه الآية من الحسن والطلاوة والرونق والمائية التي لا يقدر البشر على الإتيان بمثلها ولا يستطيع أفصح الناس وأبلغ العالم مضاهاتها على أن ألفاظها المفردة كثيرة

الاستعمال دائرة على الألسنة فقوة التركيب وحسن السبك هو الذي ظهر فيه الإعجاز وأفحمت فيه البلاغة من حيث لاقت اللفظة الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة وكذلك سائر الألفاظ إلى آخر الآية
ويشهد لذلك أنك لو أخذت لفظة منها من مكانها وأفردتها عن أخواتها لم تكن لابسة من الحسن والرونق ما لبسته في موضعها من الآية ولكل كلمة مع صاحبتها مقام
قال ابن الأثير ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد كلتاهما في الاستعمال على وزن واحد وعدة واحدة إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه بل يفرق بينهما في مواضع السبك وهذا مما لا يدركه إلا من دق فهمه وجل نظره
وإذا نظرت إلى قوله تعالى ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) وقوله تعالى ( رب إني نذرت لك ما في بطني محررا ) رأيت ذلك عيانا فإن الجوف والبطن بمعنى واحد وقد استعمل الجوف في الآية الأولى والبطن في الآية الثانية ولم يستعمل أحدهما مكان الآخر وكذلك قوله تعالى ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) وقوله ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) فالقلب والفؤاد سواء في الدلالة وإن كانا مختلفين في الوزن ولم يستعمل أحدهما موضع الآخر
ومما يجري هذا المجرى قول الأعرج من أبيات الحماسة
( نحن بنو الموت إذا الموت نزل ... لا عار بالموت إذا حم الأجل )
( الموت أحلى عندنا من العسل ... )

وقول أبي الطيب المتنبي
( إذا شئت حفت بي على كل سابح ... رجال كأن الموت في فمها شهد )
فلفظة الشهد ولفظة العسل كلاهما حسن مستعمل وقد جاءت لفظة الشهد في بيت أبي الطيب أحسن من لفظة العسل في بيت الأعرج على أن لفظة العسل قد وردت في القرآن دون لفظة الشهد فجاءت أحلى من الشهد في موضعها وكثيرا ما تجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وبلغاء الكتاب ومصاقع الخطباء وتحتها دقائق ورموز إذا علمت وقيس عليها كان صاحب الكلام قد انتهى في النظم والنثر إلى الغاية القصوى في وضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها
قال وأعجب من ذلك أنك ترى اللفظة الواحدة تروقك في كلام ثم تراها في كلام آخر فتكرهها وقد جاءت لفظة في آي القرآن الكريم بهجة رائقة ثم جاءت تلك اللفظة بعينها في كلام آخر فجاءت ركيكة نابية عن الذوق بعيدة من الاستحسان فمن ذلك لفظة يؤذي فإنها وردت في قوله تعالى ( إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحي من الحق ) فجاءت في غاية الحسن ونهاية الطلاوة ووردت في قول أبي الطيب
( تلذ له المروءة وهي تؤذى ... ومن يعشق يلذ له الغرام )
فجاءن رثة مستهجنة وإن كان البيت من أبيات المعاني الشريفة وذلك لقوة تركيبها في الآية وضعف تركيبها في بيت الشعر والسبب في ذلك أن لفظة تؤذي إنما تحسن في الكلام إذا كانت مندرجة مع ما يأتي بعدها متعلقة به كما في الآية الكريمة حيث قال ( إن ذلكم كان يؤذى النبي ) وفي بيت المتنبي جاءت منقطعة ليس بعدها شيء تتعلق به حيث قال

( تلذ له المروءة وهي تؤذى ... )
ثم استأنف كلاما آخر فقال
( ومن يعشق يلذ له الغرام ... )
وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي مضافة إلى كاف خطاب فأخذت من المحاسن بزمامها وأحاطت من الطلاوة بأطرافها وذلك أنه لما اشتكى النبي جاءه جبريل فرقاه فقال ( بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك ) فصارت إلى الحسن بزيادة حرف واحد وهذا من السر الخفي الذي يدق فهمه
وعلى نهج لفظة يؤذي يرد لفظة لي فإنها لا تحسن إلا أن تكون متعلقة بما بعدها ولذلك لحقها هاء السكت في قوله تعالى ( ما أغنى عنى ماليه هلك عنى سلطانية ) لما لم يكن بعدها ما تتعلق به بخلاف قوله ( إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ) فإنه لم تلحقها هاء السكت اكتفاء بما هي متعلقة به
ومما يجري مثل هذا المجرى لفظة القمل فإنها قد وردت في قوله تعالى ( فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ) فجاءت في غاية الحسن ووردت في قول الفرزدق
( من عزه اجتحرت كليب عنده ... زربا كأنهم لديه القمل )
فجاءت منحطة نازلة وذلك لأنها قد جاءت في الآية مندرجة في ضمن كلام لم ينقطع الكلام عندها وجاءت في البيت قافية انقطع الكلام عندها
هذا ملخص ما ذكره ابن الأثير وقال إنه لم يسبق إليه وجعل الحاكم

فيه الذوق السليم دون غيره
وعلى الجملة فلا نزاع في أن تركيب الألفاظ يعطي الكلام من القوة والضعف ما تزيد به قيمة الألفاظ الفصيحة ويرتفع به قدرها أو يحط مقدارها عن درجة الفصاحة والحسن إلى رتبة القبح والاستهجان

الوجه الثاني في بيان ما يبنى عليه تركيب الكلام وترتيبه وله ركنان
الركن الأول أن يسلك في تركيبه سبيل الفصاحة والخروج عن اللكنة والهجنة
والفصاحة في المركب بأن يتصف بعد فصاحة مفرداته بصفات
الصفة الأولى أن يكون سليما من ضعف التأليف
بأن يكون تأليف أجزاء الكلام على القانون النحوي المشتهر فيما بين معظم أصحابه حتى لا يمتنع عد الجمهور وذلك كالإضمار قبل الذكر لفظا أو معنى نحو ضرب غلامه زيدا فإنه غير فصيح وإن كان ما اتصل بالفاعل فيه ضمير المفعول به مما أجازه الأخفش وتبعه ابن جني لشدة اقتضاء الفعل المفعول به كالفاعل واستشهد بقوله
( لما عصى أصحابه مصعبا ... أدى إليه الكيل صاعا بصاع )
وقوله
( جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار )

وقوله
( ألا ليت شعري هل يلومن قومه ... زهيرا على ما ( جر من كل جانب )

الصفة الثانية أن يكون سليما من التعقيد
وهو ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى الذي يراد منه وهو على ضربين
الضرب الأول وهو الذي يسميه ابن الأثير المعاظلة المعنوية ألا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني بسبب تقديم أو تأخير أو حذف أو إضمار أو غير ذلك مما يوجب صعوبة فهم المراد وإن كان ثابتا في الكلام جاريا على القوانين كقول الفرزدق في مدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك
( وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه )
أي وما مثل هذا الممدوح في الناس حي يقاربه ويشبهه في الفضائل إلا مملكا أبو أم ذلك المملك أبوالممدوح فيكون الممدوح خال المملك والمعنى أنه لا يماثل أحد هذا الممدوح الذي هو إبراهيم بن هشام إلا ابن أخته هشام أفسده وعقد معناه وأخرجه عن حد الفصاحة إلى حد اللكنة وكذلك قوله في الوليد بن عبد الملك
( إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره )

يريد إلى ملك ما أم أبيه من محارب وقوله
( تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من ياذئب يصطحبان يريد نكن يا ذئب مثل من يصطحبان وقوله ... وليست خراسات التي كان خالد بها أسد إذ كان سيفا أميرها )
يريد نكن يا ذئب مثل من يصطحبان وقوله
( وليست خراسان التي كان خالد ... بها أسد إذ كان سيفا أميرها )
يريد أن خالد بن عبد الله كان قد ولي خراسان ووليها أسد بعده فمدح خالدا بأنه كان سيفا بعد أن كان أسد أميرها فكأنه يقول وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها
قال ابن الأثير وعلى هذا التقدير ففي كان الثانية ضمير الشأن والحديث والجملة بعدها خبر عنها وقد قدم بعض ما إذ مضافة إليه وهو أسد عليها وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح مالا خفاء به
قال وأيضا فإن أسدا أحد جزأي الجملة المفسرة للضمير والضمير لا يكون تفسيره إلا من بعده ولو تقدم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير ولما سماه الكوفيون الضمير المجهول وعلى نحو ذلك ورد قول الآخر
( فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفرا رسومها قلما )
يريد فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأن قلما خط رسومها فقدم خبر كأن وهو خط عليها فجاء مختلا مضطربا
قال في المثل السائر وهذا البيت من أقبح هذا النوع لأن معانيه قد تداخلت وركب بعضها بعضا على أن ذلك قد وقع لجمع من فحول شعراء العرب كقول امرىء القيس

( هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوما نبوة فدعاهما )
يريد أخوا من لا أخوي له في الحرب وقول النابغة
( يثرن الثرى حتى يباشرن برده ... إذا الشمس مجت ريقها بالكلاكل )
قال أبو هلال العسكري وهذا البيت مستهجن جدا لأن المعنى تعمى فيه يريد يثرن الثرى حتى يباشرن برده بالكلاكل إذا الشمس مجت ريقها وقول أبي حية النميري
( كما خط الكتاب بكف يوما ... يهودي يقارب أو يزيل )
يريد كما خط الكتاب بكف يهودي يوما يقارب أو يزيل وقول ذي الرمة
( نضا البرد عنه وهو من ذو جنونه ... أجاري صهال وصوت مبرسم )
يريد وهو من جنونه ذو أجاري قال في الصناعتين كأنه تخليط كلام مجنون أو هجر مبرسم وقول الشماخ
( تخامص عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافي الخيل في الأمعز الوجي )
يريد تخامص حافي الخيل في الوجي الأمعز

قال أبو هلال العسكري وليس للمحدث أن يجعل هذه الأبيات حجة ويبنى عليها فإنه لا يعذر في شيء منها لإجماع الناس اليوم على مجانبة أمثالها واستجادة ما يضح من الكلام ويستبين واسترذال ما يشكل منه ويستبهم وقد كان عمر رضي الله عنه يمدح زهيرا بأنه لم يكن يعاظل بين الكلام
قال في المثل السائر والفرزدق أكبر الشعراء تعاظلا وتعقيدا في شعره كأنه كان يقصد ذلك ويتعمده لأن مثله لا يجيء إلا متكلفا مقصودا وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيتها وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد بدليل أن المقصود من الكلام معدوم في هذا النوع إذ المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما
الضرب الثاني من التعقيد ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد بخلل في انتقال الذهن من المعنى الأول المفهوم بحسب اللغة إلى الثاني المقصود لإيراد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة مع خفاء القرائن الدالة على المقصود كقول العباس بن الأحنف
( سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا )
يريد إني أطلب بعد الدار عنكم لتقربوا مني وتسكب عيناي الدموع لتجمد وتكف الدمع بحصول التلاقي والمعنى أني طبت نفسا بالبعد والفراق ووطنت نفسي على مقاساة الأحزان والأشواق وأتجرع الغصص وأحتمل لأجلها حزنا يفيض الدموع من عيني لأتسبب بذلك إلى وصل يدوم ومسرة لا تزول فتجمد عيني ويرقأ دمعي فإن الصبر مفتاح الفرج فكنى بسكب الدموع عن الكآبة والحزن وهو ظاهر المعنى لأنه كثيرا ما يجعل دليلا عليه يقال أبكاني الدهر وأضحكني بمعنى ساءني وسرني وكنى بجمود العين عما يوجبه دوام التلاقي من الفرح والسرور فإن المتبادر إلى الذهن من جمود العين بخلها بالدمع عند إرادة

البكاء حال الحزن بخلاف ما قصده الشاعر من التعبير به عن الفرح والسرور وإن كانت حالة جمود الدمع مشتركة بين بخل العين بالدمع عند إرادة البكاء وبين زمن السرور الذي لم يطلب فيه بكاء وكذلك يجري القول في كل لفظ مشترك ينتقل الذهن فيه من أحد المعنيين إلى الآخر إذا لم يكن هناك قرينة تصرفه إلى أحدهما كما صرح به الرماني وغيره خصوصا إذا كان أحد المعنيين الذي يدل عليه اللفظ المشترك مستقبحا كما نبه عليه ابن الأثير في الكلام على فصاحة اللفظ المفرد ألا ترى أن لفظة التعزير مشتركة بين التعظيم والإكرام وبين الإهانة بسبب الخيانة التي لا توجب الحد من الضرب وغيره والمعنيان ضدان فحيث وردت معها قرينة صرفتها إلى معنى التعظيم جاءت حسنة رائقة وكانت في أعلى درجات الفصاحة وعلى نحو ذلك ورد قوله تعالى ( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ) وقوله ( فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ) الآية فإنه لما ورد معها قرينة التوقير في الآية الأولى وقرينة الإيمان والنصر في الآية الثانية زال اللبس وحسن الموقع ولو وردت مهملة بغير قرينة بإرادة المعنى الحسن لسبق الفهم إلى المعنى القبيح كما لو قلت عزر القاضي فلانا وأنت تريد أنه عظمه فإنه لا يتبادر من ذلك إلى الفهم إلا أنه أهانه وعلى هذا النهج يجري الحكم في الحسن والقبح مع القرينة وعدمها
قال ابن الأثير رحمه الله فما ورد مع القرينة فجاء حسنا قول تأبط شرا
( أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الجحر معور )
فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه لأن الجحر يطلق على

كل ثقب كجحر الحية واليربوع ونحوهما وعلى المحل المخصوص من الحيوان فإذا ورد مهملا بغير قرينة تخصصه سبق إلى الفهم المعنى القبيح لاشتهاره دون غيره
ومما ورد مهملا بغير قرينة فجاء قبيحا قول أبي تمام
( أعطيتني دية القتيل وليس لي ... عقل ولا حق عليك قديم )
فإن المتبادر إلى الأفهام من قوله وليس لي عقل أنه من العقل الذي هو ضد الجنون ولو قال وليس لي عليك عقل لزال اللبس
قال فيجب إذا على صاحب هذه الصناعة أن يراعي في كلامه مثل هذا الموضع

الصفة الثالثة أن يكون الكلام سليما من تنافر الكلمات وإن كانت مفرداته
فصيحة
وقد اختلف في معنى هذا التنافر على ثلاثة مذاهب
المذهب الأول أن المراد بتنافر الكلمات أن يكون في الكلام ثقل على اللسان ويعسر النطق به على المتكلم وإليه ذهب السكاكي وغيره
من علماء البيان
وهو على ضربين
الضرب الأول أن يكون فيه بعض ثقل كقول أبي تمام
( كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي وإذا مالمته لمته وحدي )
فقوله أمدحه أمدحه فيه بعض الثقل على اللسان في النطق وذلك أن الحاء والهاء متقاربان في المخرج وقد اجتمعا في قوله أمدحه ثم تكررت الكلمة في البيت مع تقارب مخرج الحرفين فثقلت بعض الثقل

وأول من نبه على ذلك الأستاذ ابن العميد رحمه الله
ومما يحكى في ذلك أن الصاحب بن عباد أنشد هذا البيت بحضرة ابن العميد فقال له ابن العميد هل تعرف في هذا البيت شيئا من الهجنة فقال نعم مقابلة المدح باللوم وإنما يقابل المدح بالذم والهجاء فقال له ابن العميد غير هذا أريد قال لا أرى غير ذلك
فقال ابن العميد هذا التكرير في أمدحه أمدحه مع الجمع بين الحاء والهاء وهما من حروف الحلق خارج عن حد الاعتدال نافر كل التنافر فاستحسن الصاحب بن عباد ذلك
قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح تلخيص المفتاح ولا يجوز أن يراد أن الثقل في لفظه أمدحه دون تكرار فإن مثل ذلك واقع في التنزيل نحو قوله تعالى ( فسبحه ) والقول باشتمال القرآن على كلام غير فصيح مما لا يجتريء عليه المؤمن
الضرب الثاني ما كان شديد الثقل بحيث يضطرب لسان المتكلم عند إرادة النطق به كقوله
( وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر )
قال في عجائب المخلوقات إن من الجن نوعا يقال له الهاتف فصاح واحد منهم على حرب بن أمية فمات فقال ذلك الجني هذا البيت
قال المسعودي في مروج الذهب والدليل على أنه من شعر الجن أمران أحدهما الرواية والثاني أنه لا يقوله أحد ثلاث مرات متواليات إلا تعتع فيه
قال ضياء الدين بن الأثير والسبب في ثقل البيت تكرير حرفي الباء والراء

فيه فهذه الباءات والراءات فيه كأنها سلسلة ولا خفاء بما في ذلك من الثقل
قال وكذلك يجري الحكم في كل ما تكرر فيه حرف أو حرفان إلا أنه لم يطلق على ذلك اسم التنافر وجعل التنافر قسما مستقلا برأسه كما سيأتي وعد هذا من أنواع المعاظلة اللفظية ثم ذكر من أمثلته قول الحريري في مقاماته
( وازور من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه )
وقول كشاجم
( والزهر والقطر في رباها ... ما بين نظم وبين نثر )
( حدائق كف كل ريح ... حل بها خيط كل قطر )
وقول الآخر
( مللت مطال مولود مفدى ... مليح مانع مني مرادي )
وقول المتنبي
( كيف ترثي التي ترى كل جفن ... زاءها غير جفنها غير راقي )
وعاب بيت الحريري لتكرر العين فيه في قوله
( وعاف عافي العرف عرفانه ... )
وعاب البيت الثاني من بيت كشاجم لتكرر الكاف فيه في كف وكل الأولى وكل الثانية وقال هذا البيت يحتاج الناطق به إلى بركار يضعه في شدقه حتى يديره له وعاب البيت الذي يليه لتكرر الميم فيه في أوائل الكلمات وقال هذه الميمات كأنها عقد متصلة بعضها ببعض وعاب بيت المتنبي لتكرر الجيم والراء في أكثر كلماته وقال هذا وأمثاله إنما يعرض لقائله في نوبة الصرع التي تنوبه في بعض الأيام
قال وكان بعض أهل الأدب من أهل عصرنا يستعمل هذا

القسم من المعاظلة كثيرا في كلامه نثرا ونظما وذلك لعدم معرفته لسلوك الطريق كقوله في وصف رجل سخي أنت المريح كبد الريح والمليح إن تجهم المليح بالتكليح عند سائل يلوح بل تفوق إذ تروق مرأى يوح يا مغبوق كاس الحمد يا مصبوح ضاق عن نداك اللوح وببابك المفتوح يستريح ويريح ذو التبريح ويرفه الطليح
فانظر إلى حرفي الراء والحاء كيف لزمهما في كل لفظة من هذه الألفاظ فجاء على ما تراه من الثقل والغثاثة
ثم قال واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف في كثير من كلامهم وذاك أنه إذا تكرر الحرف عنهم أدغموه استحسانا فقالوا في جعل لك جعلك وفي تضربونني تضربوني وكذلك قالوا استعد فلان للأمر إذا تأهب له والأصل فيه استعدد واستتب الأمر إذا تهيأ والأصل فيه استتبب وأشباه هذا كثير في كلامهم حتى إنهم لشدة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا الحرفين المكررين حرفا آخر غيره فقالوا أمليت الكتاب والأصل فيه أمللت فأبدلوا اللام ياء طلبا للحفة وفرارا من الثقل وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في اللفظة الواحدة فما ظنك بالألفاظ الكثيرة التي يتبع بعضها بعضا
قلت ليس تكرار الحروف مما يوجب التنافر مطلقا كما يقتضيه كلامه بل بحسب التركيب فقد تتكرر الحروف وتترادف في الكلمات المتتابعة مع القطع بفصاحتها وخفتها على اللسان وسهولة النطق بها ألا ترى إلى قوله تعالى ( قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ) كيف اجتمع فيه ست عشرة ميما في آية واحدة قد

تلاصق منها أربع ميمات في موضع وميمان في موضع مع ما اشتملت عليه من الطلاوة والرونق الذي ليس في قدرة البشر الإتيان بمثله والله أعلم
المذهب الثاني أن المراد بتنافر الكلمات أن تكون أجزاء الكلام غير متلائمة ومعانيه غير متوافقة بأن يكون عجز البيت أو القرينة غير ملائم لصدره أو البيت الثاني غير مشاكل للبيت الأول وعليه جرى العسكري في الصناعتين فمما اختلفت فيه أجزاء البيت الواحد قول السموأل
( فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل )
فليس بين قوله ما في نصابنا كهام وقوله فنحن كماء المزن مناسبة لأن المراد بالكهام الذي لا غناء به ولا فائدة فيه يقال قوم كهام أي لا غناء عندهم ورجل كهام أي مسن كذلك سيف كهام أي كليل ولسان كهام أي عيي وفرس كهام أي بطيء فهو يصف قومه بالنجدة والبأس وأنه ليس فيهم من لا يغني وماء المزن إنما يحسن في وصف الجود والكرم
قال في الصناعتين ولو قال ونحن ليوث الحرب وأولو الصرامة والنجدة ما في نصابنا كهام لكان الكلام مستويا أو فنحن كماء المزن صفاء أخلاق وبذل أكف لكان جيدا
ومن ذلك قول طرفة
( ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد )
فالمصراع الثاني من البيت غير مشاكل لصورة المصراع الأول وإن كان المعنى صحيحا لأنه أراد ولست بحلال التلاع مخافة السؤال ولكنني أنزل الأمكنة المرتفعة لينتابوني وأرفدهم وهذا وجه الكلام فلم يعبر عنه تعبيرا صحيحا ولكنه خلطه وحذف منه حذفا كثيرا فصار كالمتنافر وأدواء الكلام كثيرة

ومنه قول الأعشى
( وإن امرأ أسرى إليك ودونه ... سهوب وموماة وبيداء سملق )
( لمحقوقة أن تسجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعان موفق )
فقوله وأن تعلمي أن المعان موفق غير مشاكل لما قبله وعلى نحو ذلك ورد قول عنترة
( حرق الجناح كأن لحيي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع )
( إن الذين نعبت لي بفراقهم ... هم أسلموا ليل التمام وأوجعوا )
فليس قوله ( بالأخبار هش مولع ) من صفة جناحيه ولحييه وقريب منه قول أبي تمام
( محمد إن الحاسدين شهود ... وإن مصاب المزن حيث تريد )
فليس النصف الثاني من الصنف الأول في شيء وكذلك قول الطالبي
( قوم هدى الله العباد بجدهم ... والمؤثرون الضيف بالأزواد )
فلا مناسبة بين صدر البيت وعجزه بوجه
وعد بعض الأدباء من هذا النوع قول امرئ القيس
( كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال )
( ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال )

وقال لو وضع مصراع كل بيت من هذين البيتين في موضع الآخر لكان أحسن وأدخل في استواء النسج فكان يقال
( كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال )
( ولم أسبإ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال )
لأن ركوب الجواد مع ذكر كرور الخيل أجود وذكر الخمر مع ذكر الكواكب أحسن
قال في الصناعتين قال أبو أحمد والذي جاء به امرؤ القيس هو الصحيح لأن العرب تضع الشيء مع خلافه فيقولون الشدة والرخاء والبؤس والنعيم ونحو ذلك
وكذلك كل ما يجري هذا المجرى
قال أبو هلال العسكري أخبرني أبو أحمد قال كنت أنا وجماعة من أحداث بغداد ممن يتعاطى الأدب نختلف إلى مدرك نتعلم منه الشعر فقال لنا يوما إذا وضعتم الكلمة مع لفقها كنتم شعراء ثم قال أجيزوا هذا البيت
( ألا إنما الدنيا متاع غرور ... )
فأجازه كل واحد منا بشيء فلم يرضه فقلت أنا
( وإن عظمت في أنفس وصدور ... )
فقال هذا هو الجيد المختار
قال وأخبرني أبو أحمد الشطني قال حدثنا أبو العباس بن عربي قال حدثنا حماد بن يزيد بن جبلة قال دفن مسلمة رجلا من أهله ثم قال
( نروح ونغدو كل يوم وليلة ... )

ثم قال لبعضهم أجز فقال
( فحتى متى هذا الرواح مع الغدو ... )
فقال مسلمة لم تصنع شيئا ثم قال لآخر أجز فقال
( فيا لك مغدى مرة ومراحا ... )
فقال لم تصنع شيئا ثم قال لآخر أجز فقال
( وعما قليل لا نروح ولا نغدو ... )
فقال الآن تم البيت وأشباه ذلك ونظائره كثيرة
ومما اختلف فيه البيت الأول والثاني قول ابن هرمة
( وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا )
( كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا )
وقول الفرزدق
( فإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سجوف العمائم )
( كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم )
كان ينبغي أن يكون بيت ابن هرمة الأول مع بيت الفرزدق الثاني وبيت الفرزدق الأول مع بيت ابن هرمة الثاني فيقال في الأول

( وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا )
( كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم )
مع تغيير إحدى القافيتين ويقال في الثاني
( وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سجوف العمائم )
( كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا )
مع تغيير إحدى القافيتين حتى يصح التشبيه للشاعرين جميعا
المذهب الثالث أن المراد بتنافر الكلمات أن تذكر لفظة أو ألفاظا يكون غيرها مما في معناها أولى بالذكر فتجيء الكلمة غير لائقة بمكانها وهو ما اصطلح عليه ابن الأثير في ( المثل السائر )
وهو على ضربين
الضرب الأول ما يوجد منه في اللفظة الواحدة فيمكن تبديله بغيره مما هو في معناه سواء كان ذلك الكلام نظما أو نثرا وهو على أنواع شتى
منها فك الإدغام في غير موضع فكه كقول ابن أم صاحب
( مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا )
ففك الإدغام في ضننوا وكان الأحسن أن يقال وإن ضنوا أي بخلوا
وعلى حد ذلك ورد قول المتنبي
( فلا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم )
فلو أدغم لجاءت اللفظة في مكانها غير قلقة ولا نافرة وكذلك كل ما جاء على هذا النهج فلا يحسن أن يقال بل الثوب فهو بالل ولا سل السيف فهو سالل ولا هم بالأمر فهو هامم ولا خط الكتاب فهو خاطط ولا حن إلى كذا فهو حانن وهذا لو عرض على من لا ذوق له أدركه فكيف من له ذوق صحيح كأبي

الطيب لكن لا بد لكل جواد من كبوة
ومنها زيادة حرف في غير موضعه كقول دعبل
( شفيعك فاشكر في الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق )
فالفاء في قوله فاشكر زائدة في غير محلها نافرة عن مكانها
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير أنشدني بعض الأدباء هذا البيت فقلت له عجز هذا البيت حسن وأما صدره فقبيح لأن سبكه قلق نافر والفاء في قوله فاشكر كأنها ركبة البعير وهي في زيادتها كزيادة الكرش فقال لهذه الفاء في كتاب الله تعالى أشباه كقوله تعالى ( يأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر ) فقلت له بين هذه الفاء وتلك فرق ظاهر يدرك بالعلم أولا وبالذوق ثانيا أما العلم فإن الفاء في قوله تعالى ( وربك فكبر وثيابك فطهر ) فهي الفاء العاطفة إذ وردت بعد قوله ( قم فأنذر ) وهي مثل قولك امش فأسرع وقل فأبلغ وليست الفاء التي في قول دعبل شفيعك فاشكر من هذا القبيل بل هي زائدة ولا موضع لها وإنما نسبتها أن يقال ربك أو ثيابك فطهر من غير تقدم معطوف عليه وحاشا فصاحة القرآن من ذلك
فأذعن بالتسليم ورجع إلى الحق
قال ومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظما كان أو نثرا لا يتفطن لها إلا الراسخ في علم الفصاحة
ومنها وصل همزة القطع في الشعر وإن كان ذلك جائزا فيه بخلاف النثر كقول أبي تمام
( قراني اللها والود حتى كأنما ... أفاد الغني من نائلي وفؤادي )
( فأصبح يلقاني الزمان من اجله ... بإعظام مولود ورأفة والد )

فقوله من اجله بوصل همزة القطع من الكلام النافر وعلى حده ورد قول أبي الطيب
( يوسطه المفاوز كل يوم ... طلاب الطالبين لا الانتظار )
فقوله لا الانتظار بوصل همزة الانتظار كلام نافر
ومنها قطع همزة الوصل في الشعر أيضا وإن كان جائزا فيه كقول جميل
( ألا لا أرى إثنين أجمل شيمة ... على حدثان الدهر مني ومن جمل )
وقوله أيضا
( إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... بنشر وتكثير الوشاة قمين )
فقطع ألف الوصل في لفظ الاثنين في البيت الأول والثاني
ومنها أن يفرق بين الموصوف والصفة بضمير من تقدم ذكره كقول البحتري
( حلفت لها بالله يوم التفرق ... وبالوجد من قلبي بها المتعلق )
تقديره من قلبي المتعلق بها فلما فصل بين الموصوف الذي هو قلبي والصفة التي هي المتعلق بالضمير الذي هو بها قبح ذلك ولو قال من قلب بها متعلق لزال ذلك القبح وذهبت تلك الهجنة
ونحو ذلك

الأصل الرابع المعرفة بالسجع الذي هو قوام الكلام المنثور وعلو رتبته
ويتعلق به ستة أغراض
الغرض الأول في معرفة معناه في اللغة والاصطلاح وبيان حكمه في حالتي الدرج والوقف

أما في اللغة فقال في مواد البيان إنه مشتق من الساجع وهو المستقيم لاستقامته في الكلام واستواء أوزانه وقيل من سجع الحمامة وهو ترجيعها الصوت على حد واحد يقال منه سجعت الحمامة تسجع سجعا فهي ساجعة سمي السجع في الكلام بذلك لأن مقاطع الفصول تأتي على ألفاظ متوازنة متعادلة وكلمات متوازية متماثلة فأشبه ذلك الترجيع
وأما في الاصطلاح فقال في مواد البيان هو تقفية مقاطع الكلام من غير وزن وذكر نحوه في المثل السائر فقال هو تواطؤ الفواصل من الكلام المنثور على حرف واحد ويقال للجزء الواحد منه سجعة وتجمع على سجعات وفقرة بكسر الفاء أخذا من فقرة الظهر وهي إحدى عظام الصلب وتجمع على فقر وفقرات بكسر الفاء وسكون القاف وفتحها وربما فتحت الفاء والقاف جميعا ويقال لها أيضا قرينة لمقارنة أختها وتجمع على قرائن ويقال للحرف الأخير منها حرف الروي والفاصلة
وأما بيان حكمه في الوقف والدرج فاعلم أن موضوع حكم السجع أن تكون كلمات الأسجاع ساكنة الأعجاز موقوفا عليها بالسكون في حالتي الوقف والدرج لأن الغرض منها المناسبة بين القرائن أو المزاوجة بين الفقر وذلك لا يتم إلا بالوقف ألا ترى أن قولهم ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت لو ذهبت تصل فيه لم يكن بد من إعطاء أواخر القرائن ما يعطيه حكم الإعراب فتختلف أواخر القرائن ويفوت الساجع غرضه

الغرض الثاني في بيان حسن موقعه من الكلام
قال في الصناعتين لا يحسن منثور الكلام ولا يحلو حتى يكون

مزدوجا ولا تجد لبليغ كلاما محلولا من الازدواج وناهيك أن القرآن الكريم الذي هو عنصر البلاغة ومناط الإعجاز مشحون به لا تخلو منه سورة من سوره وإن قصرت بل ربما وقع السجع في فواصل جميع السورة كما في سورة النجم واقتربت والرحمن وغيرها من السور
بل ربما وقع في أوساط الآيات كقوله تعالى ( الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ) وقوله ( لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم ) وقوله ( ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) وما أشبه ذلك
وكذلك وقع في الكثير من كلام رسول الله كقوله عليه السلام عند قدومه المدينة الشريفة أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلو الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام
بل ربما صرف الكلمة عن موضعها في تصريف اللغة طلبا للمزاوجة كقوله في تعويذه لابن ابنته أعيذه من الهامة والسامة والعين اللامة وأصلها في اللغة الملمة لأنها من ألم فعبر عنها باللامة لموافقة الهامة والسامة وكذلك قوله للنساء انصرفن مأزورات غير مأجورات والأصل في اللغة أن يقال موزورات أخذا من الوزر فعبر بمأزورات لموافقة مأجورات وعلى ذلك كان يجري كلام العرب في مهم كلامهم من الدعاء وغيره كقول بعض الأعراب وقد ذهب السيل بابنه اللهم إن كنت قد أبليت فطالما عافيت
وقول الآخر اللهم هب لنا حبك وأرض عنا خلقك ونحو ذلك
وأما ما ورد من أنه حين قضى على رجل في الجنين بغرة عبد أو أمة فقال الرجل أأدى من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل ومثل ذلك يطل فقال النبي أسجعا كسجع الكهان فليس فيه دلالة على كراهة

السجع في الكلام وأن تمسك به بعض من نبا عن السجع طبعه ونفرت منه قريحته إذ يحتمل أنه إنما كره السجع من ذلك الرجل لمشابهة سجعه حينئذ سجع الكهان لما في سجعهم من التكلف والتعسف كما وجهه أبو هلال العسكري وإما لجريانه على عادتهم في الجواب في الأحكام وغيرها بالكلام المسجوع كما في وجهه غيره أو أنه انما كره حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع بإنكار إيجاب الدية لأنفس السجع المأتي به كما اختاره صاحب المثل السائر ولو كره السجع نفسه لاقتصر على قوله أسجعا ولم يقيده بسجع الكهان

الغرض الثالث في بيان أقسام السجع وهي راجعة إلى صنفين
الصنف الأول أن تكون القرينتان متفقتين في حرف الروي ويسميه الرماني السجع الحاني وعليه عمل أكثر الكتاب من زمن القاضي الفاضل وهلم جرا إلى زماننا وفيه ثلاث مراتب
المرتبة الأولى أن تكون ألفاظ القرينتين مستوية الأوزان متعادلة الأجزاء ويسمى التصريع وهو أحسن أنواع السجع وأعلاها
ومنه في النثر قوله تعالى ( إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ) وقوله ( إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم )
وقول النبي في دعائه اللهم اقبل توبتي واغسل حوبتي
وقوله للأنصار إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع وقول بعض الأعراب في وصف سنة جدبة سنة جردت وحال جهدت وأيد جمدت ونحو ذلك
ومثاله في النظم قول الخنساء

( حامي الحقيقة محمود الخليقة ... مهدي الطريقة نفاع وضرار )
( جواب قاصية جزاز ناصية ... عداد ألوية للخيل جرار )
المرتبة الثانية أن يختص التوازن بالكلمتين الأخيرتين من الفقرتين فقط دون ما عداهما من سائر الألفاظ كقوله تعالى ( فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ) ثم قال ( ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة )
وكقول الحريري في مقاماته ألجأني حكم دهر قاسط إلى أن انتجع أرض واسط
وقوله وأودى الناطق والصامت ورثى لنا الحاسد والشامت وما أشبه ذلك
المرتبة الثالثة أن يقع الاتفاق في حرف الروي مع قطع النظر عن التوازن في شيء من أجزاء الفقرة في آخر ولا غيره ويسمى المطرف كقوله تعالى ( مالكم لا ترجون لله قارا وقد خلقكم أطوارا ) وقولهم جنابه محط الرحال ومخيم الآمال
وما يجري هذا المجرى
الصنف الثاني أن يختلف حرف الروي في آخر الفقرتين وهو الذي يعبرون عنه بالازدواج والرماني يسميه السجع العاطل وعليه كان عمل السلف من الصحابة ومن قارب زمانهم وهو على ضربين

الضرب الأول أن يقع ذلك في النثر وفيه مرتبتان
المرتبة الأولى أن يراعي الوزن في جميع كلمات القرينتين أو في أكثرها

مع مقابلة الكلمة بما يعادلها وزنا ويسمى التوازن وهو أحسنها وأعلاها كقوله تعالى ( وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم ) وكقول الحريري اسود يومي الأبيض وابيض فودي الأسود
المرتبة الثانية ألا يراعى التوازن إلا في الكلمتين الأخيرتين من القرينتين فقط ويسمى التوازن أيضا ومنه قوله تعالى ( ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة ) وقولهم اصبر على حر القتال ومضض النزال وشدة النصاع ومداومة البراز وما أشبه ذلك

الضرب الثاني السجع الواقع في الشعر
ويسمى التصريع في البيت الأول ومحل الكلام عليه علم البديع وقد ذكره في المثل السائر في أعقاب الكلام على السجع في الكلام المنثور وجعله على سبع مراتب
المرتبة الأولى وهي أعلاها درجة أن يكون كل مصراع من البيت مستقلا بنفسه غير محتاج إلى ما يليه ويسمى التصريع الكامل كقول امريء القيس
( أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي )
فإن كل مصراع من البيت مفهوم المعنى بنفسه غير محتاج إلى ما يليه في الفهم وليس له به ارتباط يتوقف عليه

المرتبة الثانية أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه غير محتاج إلى الذي يليه إلا أنه مرتبط به كقول امريء القيس أيضا
( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل )
فإن المصراع الأول منه غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه ولكنه لما جاء الثاني صار مرتبطا به
المرتبة الثالثة أن يكون الشاعر مخيرا في وضع كل مصراع موضع الآخر ويسمى التصريع الموجه كقول ابن حجاج
( من شروط الصبوح في المهرجان ... خفة الشرب مع خلو المكان )
فإنه لو جعل المصراع الثاني أولا والآخر ثانيا لساغ له ذلك
المرتبة الرابعة أن يكون المصراع الأول غير مستقل بنفسه ولا يفهم معناه إلا بالثاني ويسمى التصريع الناقص وليس بمستحسن كقول المتنبي
( مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان )
فإن المصراع الأول لا يستقل بنفسه في فهم معناه دون المصراع الثاني
المرتبة الخامسة أن يكون التصريع في البيت بلفظة واحدة في الوسط والقافية ويسمى التصريع المكرر ثم اللفظة التي يقع بها التصريع قد تكون حقيقة لا مجاز فيها كقول عبيد بن الأبرص
( وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب )
وقد تكون اللفظة التي يقع بها التصريع مجازية كقول أبي تمام الطائي

( فتى كان شربا للعفاة ومرتعا ... فأصبح للهندية البيض مرتعا )
المرتبة السادسة أن يكون المصراع الأول معلقا على صفة يأتي ذكرها في أول المصراع الثاني ويسمى التصريع المعلق
كقول امريء القيس
( ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل )
فإن المصراع الأول معلق على قوله بصبح وهو مستقبح في الصنعة
المرتبة السابعة أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته ويسمى التصريع المشطور وهو أنزل درجات التصريع وأقبحها
كقول أبي نواس
( أقلني قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عذت من الجحود )
فإنه قد صرع في وسط البيت بالباء ثم في آخره بالدال
قلت وإنما أوردت هذا الصنف مع السجع وإن كان من خصوصيات الشعر لأنه قد يقع مثله في النثر إذ الفقرة من النثر كالبيت من الشعر فالفقرتان كالبيتين وأيضا فإن الشعر من وظيفة الكاتب

الغرض الرابع في معرفة مقادير السجعات في الطول والقصر وهي على ضربين
الضرب الأول السجعات القصار
وهي ما صيغ من عشرة ألفاظ فما دونها قال في حسن التوسل وهي تدل على قوة التمكن وإحكام الصنعة لا سيما القصير منها للغاية وأقل ما يكون من لفظتين كقوله تعالى ( يأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر )

وقوله ( والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا ) وما أشبه ذلك وأمثاله في القرآن الكريم كثير إلا أن الزائد على ذلك أكثر
كقوله تعالى ( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى )
وقوله ( اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر )
وقوله ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ) ونحو ذلك

الضرب الثاني السجعات الطوال
قال في حسن التوسل وهي ألذ في السمع يتشوق السامع إلى ما يرد متزايدا على سمعه وأقل ما تتركب من إحدى عشرة كلمة فما فوقها وغالب ما تكون من خمس عشرة لفظة فما حولها كقوله تعالى ( وإذا أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ) فالأولى من إحدى عشرة لفظة والثانية من ثلاث عشرة لفظة قوله ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) فالأولى من أربع عشرة لفظة والثانية من خمس عشرة لفظة وقوله ( إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور )

فالأولى عشرون لفظة والثانية تسع عشرة وهذا غاية ما انتهى إليه الطول في القرآن الكريم
وينبغي أن يكون ذلك نهاية الطول في السجع وقوفا مع ما ورد به القرآن الكريم الذي هو أفصح كلام وأقوم نظام وإن كان الوزير ضياء الدين بن الأثير والشيخ شهاب الدين محمود الحلبي وغيرهما قد صرحوا بأنه لا ضابط لأكثره
واعلم أنه قد جرت عادة كتاب الزمان ومصطلحهم أن تكون السجعة الأولى من افتتاح الولاية من تقليد أو توقيع أو غير ذلك قصيرة بحيث لا يتعدى آخرها السطر الثاني في الكتابة ليقع العلم بها بمجرد وقوع النظر على أول المكتوب
وعلى هذا فيختلف القصر فيها باختلاف ضيق الورق وسعته في العرض

الغرض الخامس في ترتيب السجعات بعضها على بعض في التقديم والتأخير
باعتبار الطول والقصر وله حالتان
الحالة الأولى ألا يزيد السجع على سجعتين وله ثلاث مراتب
المرتبة الأولى أن تكون القرينتان متساويتين لا تزيد إحداهما على الأخرى كقوله تعالى ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ) وقوله ( والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا ) وأمثال ذلك
المرتبة الثانية أن تكون القرينة الثانية أطول من الأولى بقدر يسير كقوله تعالى ( بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا )

فالأولى ثمان كلمات والثانية تسع ونحو ذلك أما إذا طالت الثانية عن الأولى طولا يخرج عن الاعتدال فإنه يستقبح حينئذ ووجهه في حسن التوسل بأنه يبعد دخول القافية على السامع فيقل الالتذاذ بسماعها
والمرجع في قدر الزيادة والقصر إلى الذوق
المرتبة الثانية أن تكون القرينة الثانية أقصر من الأولى
قال في المثل السائر وهو عندي عيب فاحش لأن السمع يكون قد استوفى أمده من الفصل الأول بحكم طوله ثم يجيء الفصل الثاني قصيرا فيكون كالشيء المبتور فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها وفيما قاله نظر فقد تقدم في قوله تعالى ( إذ يريكهم الله في منامك قليلا ) الآيتين أن الأولى عشرون كلمة والثانية تسع عشرة بل قد اختار تحسين ذلك أبو هلال العسكري في الصناعتين محتجا له بكثرة وروده في كلام النبوة كقوله للأنصار إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع وقوله المؤمنون تتكافؤ دماؤهم وهم يد على من سواهم وقوله رحم الله من قال خيرا فغنم أو سكت فسلم

الحالة الثانية أن يزيد السجع على سجعتين ولها أربع مراتب
المرتبة الأولى أن يقع على حد واحد في التساوي وهو مستحسن وقد ورد في القرآن الكريم بعض ذلك كقوله تعالى ( وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود ) فهذه السجعات الثلاث مركبة من لفظتين لفظتين

المرتبة الثانية أن تكون الأولى أقصر والثانية والثالثة متساويتين كقوله تعالى ( بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ) فالأولى من ثمان كلمات والثانية والثالثة من تسع تسع
المرتبة الثالثة أن تكون الأولى والثانية متساويتين والثالثة زائدة عليهما وقد أشار إلى هذه المرتبة في حسن التوسل حيث قال فإن زادت القرائن على اثنتين فلا يضر تساوي القرينتين الأوليين وزيادة الثالثة ولم يمثل لها
المرتبة الرابعة أن تكون الثانية زائدة على الأولى والثالثة زائدة على الثانية قال في المثل السائر وينبغي أن تكون في هذا الحالة زيادة الثالثة متميزة في الطول على الأولى والثانية أكثر من تميز الثانية على الأولى
ثم قال فإذا كانت الأولى والثانية أربع لفظات تكون الثالثة عشر لفظات أو إحدى عشرة لفظة ومثل له في حسن التوسل بقوله تعالى ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) فالأولى من ثمان كلمات والثانية من تسع والثالثة من عشر ومثل له في المثل السائر بقوله في وصف صديق فقلت الصديق من لم يعتض عنك بخالف ولم يعاملك معاملة الحالف وإذا بلغته أذنه وشاية أقام عليها حد السارق أو القاذف فالأولى وهي لم يعتض عنك بخالف والثانية بعدها أربع كلمات والثالثة عشر كلمات
ثم قال وينبغي أن يكون ما يستعمل من هذا القبيل فإن زادت الأولى والثانية على هذه العدة زادت الثالثة بالحساب وإن نقصت الأولى والثانية فكذلك
لكن قد ضبط في حسن التوسل الزيادة في الثالثة بألا تجاوز المثل والأمر فيما بين

الضابطين قريب ولا يخفى حكم الرابعة في الزيادة مع الثالثة
قال في حسن التوسل ولا بد من الزيادة في آخر القرائن

الغرض السادس فيما يكون فيه حسن السجع وقبحه
أما حسنه فيعتبر فيه بعد ما يقع فيكون به تحسين الكلام من أصناف البديع ونحوها بأمور أخرى
منها أن يكون السجع بريئا من التكلف خاليا من التعسف محمولا على ما يأتي به الطبع وتبديه الغريزة ويكون اللفظ فيه تابعا للمعنى بأن يقتصر من اللفظ على ما يحتاج إليه في المعنى دون الإتيان بزيادة أو نقص تدعو إليه ضرورة السجع حتى لو حصلت زيادة أو نقص بسبب السجع دون المعنى خرج السجع عن حيز المدح إلى حيز الذم
ومنها أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة لاغثة ولا باردة مونقة المعنى حسنة التركيب غير قاصرة على صورة السجع الذي هو تواطؤ الفقر فيكون كمن نقش أثوابا من الكرسف أو نظم عقدا من الخرز الملون
قال في المثل السائر وهذا مقام نزل عنه الأقدام ولا يستطيعه إلا الواحد من أرباب هذا الفن بعد الواحد
قال ومن أجل ذلك كان أربابه قليلا ولولا ذلك كان كل أديب سجاعا إذ ما منهم من أحد إلا وقد يتيسر عليه تأليف ألفاظ مسجوعة في الجملة
ومنها أن تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه أختها لأن اشتمال السجعتين على معنى واحد يمكن أن يكون في إحداهما بمفردها هو عين التطويل المذموم في الكلام وهو الدلالة على

المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها على ما هو مقرر في علم البيان
قال في المثل السائر فلا يكون مثل قول الصابي في وصف مدبر يسافر رأيه وهو دان لم ينزح ويسير تدبيره وهو ثاو لم يبرح ولو قال يسافر رأيه وهو دان لم ينزح ويثخن الجراح في عدوه وسيفه في الغمد لم يجرح لسلم من هجنة التكرار فإنه تصير كل سجعة محتوية على معنى بحياله
ومنها أن يقع التحسين في نفس الفواصل كقولهم إذا قلت الأنصار كلت الأبصار وقولهم ما وراء الخلق الدميم إلا الخلق الذميم ونحو ذلك
ومنها أن يقع في خلال السجعة الطويلة قرائن قصار فتكون سجعا في سجع كقوله تعالى ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) وقوله ( ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد ) فإن قوله ( على أموالهم )
وقوله ( على قلوبهم ) سجعتان داخلتان في السجعة التي آخرها ( حتى يروا العذاب الأليم )
وقوله ( بآخذيه ) وقوله ( يغمضوا فيه ) سجعتان داخلتان في السجعة التي آخرها ( غني حميد ) وعد العسكري منه قولهم عاد تعريضك تصريحا وتمريضك تصحيحا
وأما قبحه فيعتبر بأمور
منها التجميع وهو أن تكون فاصلة الجزء الأول بعيدة المشاكلة لفاصلة الجزء الثاني كما حكى قدامة أن كاتبا كتب في جواب كتاب وصل كتابك

فوصل به ما يستعبد الحر وإن كان قديم العبودية ويستغرق الشكر وإن كان سالف فضلك لم يبق شيئا منه فإن العبودية بعيدة عن مشاكلة منه
ومنها التطويل فيما ذكر قدامة وغيره وهو أن يجيء الجزء الأول طويلا فيحتاج إلى إطالة الثاني بالضرورة كما حكى قدامة أن كاتبا كتب في تعزية إذا كان للمحزون في لقاء مثله كبير الراحة في العاجل وكان طويل الحزن راتبا إذا رجع إلى الحقائق وغير زائل
قال في الصناعتين وذلك أنه لما أطال الجزء الأول وعلم أن الجزء الثاني ينبغي أن يكون مثله أو أطول احتاج إلى تطويل الثاني فأتي باستكراه وتكلف
قال في مواد البيان والإطالة بقوله وغير زائل

الأصل الخامس حسن الاتباع والقدرة على الاختراع
واعلم أن لكاتب الإنشاء مسلكين
المسلك الأول طريقة الاتباع
وهي نظر الكاتب في كلام من تقدمه من الكتاب وسلوك منهجهم واقتفاء سبيلهم وسماها ابن الأثير التقليد وهي على صنفين
الصنف الأول الاتباع في الألفاظ
وهو اعتماد الكاتب على ما رتبه غيره من الكتاب وأنشأه سواه من أهل صناعة النثر بأن يعمد إلى ما أنشأه أفاضل الكتاب ورتبه علماء الصناعة من نثر أو نظم فيأخذه برمته ويأتي عليه بصيغته وغايته أن يكون ناسخا ناقلا لكلام غيره

حاكيا له
ولمثل ذلك توضع الدساتر وتدون الدواوين على أنه ربما غير وبدل وحرف وصحف وأزال اللفظ عن وضعه وأحال المعنى عن حكمه وبعضهم ربما حملته الأنفة والخوف من أن يقال أخذ كلام فلان برمته فعدل إلى كلام غيره فالتقط من كل مكان سجعتين أو سجعات ورتب بعضها على بعض حتى تقوم بمقصوده وينتهي إلى مراده
فإن كان لطيف الذوق حسن الاختيار رائق الترتيب فاختار من خلال السجع لطيفه وأحسن رصفه وتأليفه جاء بهجا رائقا لأنه أتى من كلام بأحسنه إلا أن فيه إخراج الكلام عن وضعه الذي قصده الناثر وتفريق ما دون من كلام الأفاضل وتبديد شمله وخروج الكلام عن أن يعرف قائله ويعلم منشئه فيقع من القلوب بمكان صاحبه ويهتدي بهديه وينسج على منواله
وإن لم يكن لطيف الذوق ولا حسن الاختيار جاء مالفقه من كلام غيره رثا ركيكا نابيا عن الذوق بعيدا عن الصنعة يعاد من النسخ إلى المسخ وأخرج الكلام عن موضوعه وأفسده في وضعه وتركيبه فإن صحبه التصحيف والتحريف فتلك الطامة الكبرى والمصيبة العظمى ثم لا يكتفي بذلك حتى يتبجح به ويعتقد أن ذلك عين الإنشاء وحقيقته محتجا في ذلك بقول الحريري إن صناعة الحساب موضوعة على التحقيق وصناعة الإنشاء مبنية على التلفيق ظانا أن التفليق هو ضم سجعات منتظمة وفقرات مؤلفة بعضها إلى بعض ولم يعلم أن المراد بالتلفيق ضم لفظة إلى أختها وإضافة كلمة إلى مشاكلتها وشتان ما بين التلفيقين وبعدا لما بين الطريقين
( وللزنبور والبازي جميعا ... لدى الطيران أجنحة وخفق )
( ولكن بين ما يصطاد باز ... وما يصطاده الزنبور فرق )
وقد عابوا أخذ المعنى إذا كان ظاهرا مكشوفا فما ظنك بمن يأخذ الكلام برمته واللفظ بصورته فيصير ناسخا لكلام غيره وناقلا له فأي فضيلة في ذلك

وقد قيل من أخذ معنى بلفظه كان سارقا ومن أخذ بعض لفظه كان سالخا ومن أخذه فكساه لفظا من عنده كان أولى به ممن تقدمه وأين من هو أولى بالشيء ممن سبقه إليه ممن يعد سارقا وسالخا ويقال إن أبا عذرة الكلام من سبك لفظه على معناه ومن أخذ معنى بلفظه فليس له فيه نصيب
هذا فيمن أخذ سجعة أو سجعتين في خطبة أو رسالة أو بيتا أو بيتين في قصيدة وما قارب ذلك أما من أخذ القصيدة بكمالها أو الخطبة أو الرسالة برمتها أو لفقها من خطب أو رسائل فذاك إنما يعد ناسخا إن أحسن النقل أو ماسخا إن أفسده
واعلم أن الناثر الماهر والشاعر المفلق قد يأتي بكلام سبقه إليه غيره فيأتي بالبيت من الشعر أو القرينة من النثر أو أكثر من ذلك بلفظ الأول من غير زيادة ولا نقصان أو بتغيير لفظ يسير وهذا هو الذي يسميه أهل هذه الصناعة وقوع الحافر على الحافر
وقد سئل أبو عمرو بن العلاء عن الشاعرين يتفقان على لفظ واحد ومعنى فقال عقول رجال توافت على ألسنتها
والواقع من ذلك في كلامهم على قسمين

القسم الأول ما وقع الاتفاق فيه في المعنى واللفظ جميعا
كقول الفرزدق
( وغر قد وسقت مشمرات ... طوالع لا تطيق لها جوابا )

( بكل ثنية وبكل ثغر ... غرائبهن تنتسب انتسابا )
( بلغن الشمس حين تكون شرقا ... ومسقط رأسها من حيث غابا )
ووافقه جرير فقال مثل ذلك من غير زيادة ولا نقص
ويروى أن عمر بن أبي ربيعة انشد ابن عباس رضي الله عنه
( تشط غدا دار جيراننا ... )
فقال ابن عباس رضي الله عنه
( وللدار بعد غد أبعد ... )
فقال عمر والله ما قلت إلا كذلك
قال أبو هلال العسكري في كتابه الصناعتين
وأنشدت الصاحب إسماعيل بن عباد رحمه الله
( كانت سراة الناس تحت أظله ... )
فسبقني وقال
( فغدت سراة الناس فوق سراته ... )
وكذلك كنت قلت قال الوزير ضياء الدين بن الأثير رحمه الله في كتابه المثل السائر ويحكى أن امرأة من عقيل يقال لها ليلى كان يتحدث إليها الشباب فدخل الفرزدق إليها وجعل يحادثها وأقبل فتى من قومها كانت تألفه فدخل إليها فأقبلت عليه وتركت الفرزدق فغاظه ذلك فقال للفتى أتصارعني فقال ذاك إليك فقام إليه فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه وجلس على صدره فضرط فوثب الفتى عنه وقال يا أبا فراس هذا مقام العائذ بك والله ما أردت ما جرى قال ويحك والله ما بي أنك صرعتني ولكن كأني بابن الأتان يعني جريرا وقد بلغه خبري فقال يهجوني
( جلست إلى ليلى لتحظى بقربها ... فخانك دبر لا يزال يخون )

( فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه ... كما شد جربان الدلاص قيون )
فما مضى إلا أيام حتى بلغ جريرا الخبر فقال فيه هذين البيتين
قال وهذا من أغرب ما يكون في هذا الموضع وأعجبه قال في الصناعتين وإذا كان القوم في قبيلة واحدة في أرض واحدة فإن خواطرهم تقع متقاربة كما أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متضارعة
قال في المثل السائر ويقال إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد
قال وهذا عندي مستبعد فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة المتداولة فكيف تتفق الألسنة أيضا في صوغ الألفاظ وكلام العسكري في الصناعتين يوافقه بالعتب على المتأخر وإن ادعى أنه لم يسمع كلام الأول في مثل ذلك

القسم الثاني ما وقع الاتفاق فيه في المعنى وبعض اللفظ وهو على ضربين
الضرب الأول ما اتفق فيه المعنى وأكثر اللفظ
كقول امرىء القيس
( وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل )
وقول طرفة
( وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد )

فالتخالف بينهما في كلمة القافية فقط
وقول البعيث
( أترجو كليب أن يجيء حديثها ... بخير وقد أعيا كليبا قديمها )
وقول الفرزدق
( أترجو ربيع أن تجيء صغارها ... بخير وقد أعيا ربيعا كبارها )
فالتخالف بينهما في موضعين من البيت كلمة القافية واسم القبيلة
وقول بعض المتقدمين يمدح معبدا صاحب الغناء
( أجاد طويس والسريجي بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد )
وقول الفرزدق بعده
( محاسن أصناف المغنين جملة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد )
فاتفقا في النصف الثاني واختلفا في النصف الأول إلى غير ذلك من الأشعار التي وقعت خواطر الشعراء عليها وتوافقت عقولهم عندها

الضرب الثاني ما اتفق فيه المعنى مع يسير اللفظ
فمن ذلك قول البحتري في وصف غلام
( فوق ضعف الصغير إن وكل الأمر ... إليه ودون كيد الكبار )
أخذه من قول أبي نواس
( لم يجف من كبر عما يراد به ... من الأمور ولا أزرى به الصغر )
وقول أبي تمام
( لم أمدحك تفخيما بشعري ... ولكني مدحت بك المديحا )
أخذه من قول حسان بن ثابت يمدح النبي
( ما إن مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد )
وقول أبي الطيب
( أين أزمعت أيها ذا الهمام ... نحن نبت الربا وأنت الغمام )
أخذه من قول بشار
( كأن الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار )
الصنف الثاني التقليد في المعاني
وهذا مما لا يستغني عنه ناظم ولا ناثر
قال أبو هلال العسكري رحمه الله في

كتابه الصناعتين ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدمهم والصب على قوالب من سبقهم ولكن عليهم إذا أخذوها أن يكسوها ألفاظا من عندهم ويبرزوها في معارض من تأليفهم ويوردوها في غير حليتها الأولى ويزيدوا عليها في حسن تأليفها وجودة تركيبها وكمال حليتها ومعرضها فإذا فعلوا ذلك فهم أولى بها ممن سبق إليها
قال ولولا أن القائل يؤدي ما سمع لما كان في طاقته أن يقول وإنما ينطق الطفل بعد استماعه من البالغين وقد قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه لولا أن الكلام يعاد لنفد
ومن كلام بعضهم كل شيء إذا ثنيته قصر إلا الكلام فإنك إذا ثنيته طال والمعاني مشتركة بين العقلاء فربما وقع المعنى الجيد للسوقي والنبطي والزنجي
وإنما يتفاضل الناس في الألفاظ ورصفها وتأليفها ونظمها وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على تداول المعاني بينهم فليس على أحد فيه عيب إلا إذا أخذه بكل لفظه أو أفسده في الأخذ وقصر فيه عمن تقدمه
قال في الصناعتين وما يعرف للمتقدم معنى شريف إلا نازعه فيه المتأخر وطلب الشركة فيه معه إلا بيت عنترة
( وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم )
( هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم )
فإنه ما نوزع فيه على جودته
قال وقد رامه بعض المحدثين فاتضح مع العلم بأن ابتكار المعنى والسبق إليه ليس فيه فضيلة ترجع إلى المعنى وإنما ترجع الفضيلة فيه إلى الذي ابتكره وسبق إليه فالمعنى الجيد جيد وإن كان مسبوقا إليه

والوسط وسط والرديء رديء وإن لم يكن مسبوقا إليهما
على أن بعض علماء الأدب قد ذهب إلى أنه ليس لأحد من المتأخرين معنى مبتدع محتجا لذلك بأن قول الشعر قديم مذ نطق باللغة العربية وأنه لم يبق معنى من المعاني إلا وقد طرق مرارا
قال في المثل السائر والصحيح أن باب الابتداع مفتوح إلى يوم القيامة ومن الذي يحجر على الخواطر وهي قاذفة بما لا نهاية له إلا أن من المعاني ما يتساوى فيه الشعراء ولا يطلق عليه اسم الابتداع لأول قبل آخر لأن الخواطر تأتي به من غير حاجة إلى اتباع الآخر الأول كقولهم في الغزل
( عفت الديار وما عفت ... آثارهن من القلوب )
وقولهم في المديح إن عطاءه كالبحر أو كالسحاب وإنه لا يمنع عطاء اليوم عطاء غد وإنه يجود بماله من غير مسألة وأشباه ذلك
وقولهم في المراثي إن هذه الرزء أول حادث وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة وإن بعد هذا الذاهب لا يعد للمنية ذنب وما أشبه ذلك
وكذلك سائر المعاني الظاهرة التي تتوارد عليها الخواطر من غير كلفة ويستوي في إيرادها كل بارع
قال ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم السرقة من الأول وإنما يطلق اسم السرقة في معنى مخصوص كقول أبي تمام
( لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس )
( فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس )
فإن هذا معنى ابتداعه مخصوص بأبي تمام وذلك أنه لما أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السنيية التي مطلعها
( ما في وقوفك ساعة من باس ... )
انتهى إلى قوله منها

( إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس )
فقال الحكيم الكندي وأي فخر في تشبيه ابن أمير المؤمنين بأجلاف العرب فأطرق أبو تمام ثم أنشد هذين البيتين معتذرا عن تشبيهه إياه بعمرو وحاتم وإياس
فالحال يشهد بابتداعه هذا المعنى فمن أتى بعده بهذا المعنى أو بجزء منه كان سارقا له وكذلك كل ما جرى هذا المجرى
ولم يزل الشعراء والخطباء يقتبسون من معاني من قبلهم ويبنون على بناء من تقدمهم
فما وقع للشعراء من ذلك قول أبي تمام
( خلقتنا رجالا للتجلد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم )
أخذه من قول عبد الله بن الزبير لما قتل مصعب بن الزبير وإنما التسليم والسلو لحزماء الرجال وإن الجزع والهلع لربات الحجال وقوله أيضا
( تعجب أن رأت جسمي نحيفا ... كأن المجد يدرك بالصراع )
أخذه من قول زياد ابن أبيه لأبي الأسود الدؤلي لولا أنك ضعيف لاستعملتك وقول أبي الأسود له في جواب ذلك إن كنت تريدني للصراع فإني لا أصلح له وإلا فغير شديد أن آمر وأنهى وقوله من قصيدة البيت المتقدم
( أطال يدي على الأيام حتى ... جزيت صروفها صاعا بصاع )
أخذه من قول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه

( فإن تقتلا أو يمكن الله منكما ... نكل لكما صاعا بصاع المكايل )
وقول أبي الطيب المتنبي
( وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام )
أخذه من قول أرسطوطاليس إذا كانت الشهرة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة
وقول الخاسر
( من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور )
أخذه من قول بشار
( من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج )
فلما سمع بشار بيت الخاسر قال ذهب ابن الفاعلة ببيتي
ومثل هذا وأشباهه مما لا ينحصر كثرة ولا يكاد أن يخلو عنه بيت إلا نادرا
ومما وقع للكتاب من ذلك ما كتب به إبراهيم بن العباس من قوله في فصل من كتاب إذا كان للمحسن من الثواب ما يقنعه وللمسيء من العقاب ما يقمعه ازداد المحسن في الإحسان رغبة وانقاد المسيء للحق رهبة
أخذه من قول علي كرم الله وجهه يجب على الوالي أن يتعهد أموره ويتفقد أعوانه حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء ثم لا يترك واحدا منهما بغير جزاء فإن ترك ذلك تهاون المحسن واجترأ المسيء وفسد الأمر وضاع العمل
وما كتب به بعض الكتاب في فصل وهو لو سكت لساني عن شكرك لنطق

أثرك علي
وفي فصل آخر ولو جحدتك إحسانك لأكذبتني آثارك ونمت علي شواهدها أخذه من قول نصيب
( ولو سكتوا اثنت عليك الحقائب ... )
وما كتب به أحمد بن يوسف من فصل وهو أحق من أثبت لك العذر في حال شغلك من لم يخل ساعة من برك في وقت فراغك
أخذه من قول علي رضي الله عنه لا تكونن كمن يعجز عن شكر ما أولي ويلتمس الزيادة فيما بقي
والاقتباس من الأحاديث والآثار كثير وقد تقدم الكلام عليه قبل ذلك
قال في الصناعتين ومن أخفى أسباب السرقة أن يأخذ معنى من نظم فيورده في نثر أو أو من نثر فيورده في نظم ينقل المعنى المستعمل في صفة خمر فيجعله في مديح أو في مديح فينقله إلى وصف إلا أنه لا يصل لهذا إلا المبرز الكامل المقدم
وقال في المثل السائر أشكل سرقات المعاني وأدقها وأغربها وأبعدها مذهبا أن يؤخذ المعنى مجردا من اللفظ
قال وذلك مما يصعب جدا ولا يكاد يأتي إلا قليلا ولا يتفطن له ويستخرجه من الأشعار إلا بعض الخواطر دون بعض
فمن ذلك قول أبي تمام في المدح
( فتى مات بين الضرب والطعن ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر )
أخذه من قول عروة بن الورد من شعراء الحماسة
( ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح )

( ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح )
فعروة جعل اجتهاده في طلب الرزق عذرا يقوم مقام النجاح وأبو تمام جعل الموت في الحرب الذي هو غاية اجتهاد المجتهد في لقاء العدو قائما مقام الانتصار قال في المثل السائر وكلا المعنيين واحد غير أن اللفظ مختلف
وأظهر من ذلك أخذا قول القائل
( وقد عزى ربيعة أن يوما ... عليها مثل يومك لا يعود )
أخذه من قول ابن المقفع في باب المراثي من الحماسة
( وقد جر نفعا فقدنا لك أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع )
على أنه ربما وقع للمتأخر معنى سبقه إليه من تقدمه من غير أن يلم به المتأخر ولم يسمعه ولا استبعاد في ذلك كما يستبعد اتفاق اللفظ والمعنى جميعا
قال أبو هلال العسكري وهذا أمر قد عرفته من نفسي فلا أمتري فيه وذلك أني كنت عملت شيئا في صفة النساء فقلت
( سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... )
وظننت أني لم أسبق إلى جميع هذين التشبيهين حتى وجدت ذلك بعينه لبعض البغداديين فكثر تعجبي وعزمت على ألا أحكم على المتأخر بالسرقة من المتقدم حكما حتما
إذا تقرر ذلك فسرقة المعنى المجرد عن اللفظ لا تخرج عن اثني عشر ضربا

الضرب الأول
أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه ولا يكون هو إياه
قال في المثل

السائر وهذا من أدق السرقات مذهبا وأحسنها صورة ولا يأتي إلا قليلا
فمن ذلك قول المتنبي
( وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل )
وهذا المعنى استخرجه المتنبي من قول بعض شعراء الحماسة وإن لم يكن صريحا فيه حيث يقول
( لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امريء غير طائل )
قال في المثل السائر والمعرفة بأن هذا المعنى من ذلك المعنى عسر غامض غير متبين إلا لمن أعرق في ممارسة الشعر وغاص على استخراج المعاني
قال وبيان ذلك أن الأول يقول إن بغض الذي هو غير طائل إياي قد زاد نفسي حبا إلي أي قد جملها في عيني وحسنها عندي كون الذي هو غير طائل منقصي والمتنبي يقول إن ذم الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك عنده
وأظهر من ذلك أخذا من هذا الضرب قول البحتري في قصيدة يفخر فيها بقومه
( شيخان قد ثقل السلاح عليهما ... وعداهما رأي السميع المبصر )

( ركبا القنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكر )
أخذه من قول أبي تمام في وصف جمل
( رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء الروض ينهل ساكبه )
فأبو تمام ذكر أن الجمل رعى الأرض ثم سار فيها فرعته أي أهزلته فكأنها فعلت به مثل ما فعل بها والبحتري نقله إلى وصف الرجل بعلو السن والهرم فقال إنه كان يحمل الرمح في القتال ثم صار يركب الرمح أي يتوكأ منه على عصا كما يفعل الشيخ الكبير
وأوضح من ذلك وأكثر بيانا في الأخذ قول البحتري أيضا
( أعاتك ما كان الشباب مقربي ... إليك فألحى الشيب إذ هو مبعدي )
أخذه من قول أبي تمام
( لا أظلم النأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا )

الضرب الثاني
أن يؤخذ المعنى فيعكس قال في المثل السائر وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن حد السرقة

فمن ذلك قول أبي نواس
( قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطي إلي ما لم يركب )
( كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... نظمت وحبة لؤلؤ لم تثقب )
وقول ابن الوليد في عكسه
( إن المطية لا يلذ ركوبها ... حتى تذلل بالزمام وتركبا )
( والدر ليس بنافع أربابه ... حتى يزين بالنظام ويثقبا )
ومنه قول ابن جعفر
( ولما بدا لي أنها لا تريدني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي )
( تمنيت أن تهوى سواي لعلها ... تذوق صبابات الهوى فترق لي )
وقول غيره في عكسه
( ولقد سرني صدودك عني ... في طلابيك وامتناعك مني )
( حذرا أن أكون مفتاح غيري ... وإذا ما خلوت كنت التمني ) أما ابن جعفر فإنه ألقى عن منكبيه رداء الغيرة وأما الآخر فإنه جاء بالضد من ذلك وبالغ غاية المبالغة
ومنه قول أبي الشيص
( أجد الملامة في هواك لذيذة ... شغفا بذكرك فليلمني اللوم )
وقول أبي الطيب في عكسه
( أأحبه وأحب فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه )

ومنه قول أبي تمام
( ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بغاة العلا من أين تؤتى المكارم )
وقول الوزير ضياء الدين بن الأثير في عكسه
( لولا الكرام وما سنوه من كرم ... لم يدر قائل شعر كيف يمتدح )

الضرب الثالث أن يؤخذ بعض المعنى دون بعض
فمن ذلك قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان
( عطاؤك زين لامريء إن حبوته ... ببذل وما كل العطاء يزين )
وقول أبي تمام بعده
( تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا )
( ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا ... حتى رأيت سؤالا يجتنى شرفا )
فأمية بن أبي الصلت أتى بمعنيين أحدهما أن عطاءك زين والآخر أن عطاء غيرك ليس بزين وأبو تمام أتى بالمعنى الأول فقط
ومنه قول علي بن جبلة

( واثل ما لم يحوه متقدم ... وإن نال منه آخر فهو تابع )
وقول أبي الطيب بعده
( ترفع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلا عذاريا )
فابن جبلة أتى بمعنيين أحدهما أنه فعل ما لم يفعله أحد ممن تقدمه وإن نال الآخر شيئا فهو مقتد به وتابع له وأبو الطيب أتى بالمعنى الأول فقط وهو أنه فعل ما لم يفعله غيره مشيرا إلى ذلك بقوله
( فما يفعل الفعلات إلا عذاريا ... )
أي يستبكرها ويزيل عذرتها
ومنه قول الآخر
( أنتج الفضل أو تخل عن الدنيا ... فهاتان غاية الهمم )
وقول البحتري بعده
( ادفع بأمثال أبي غالب ... عادية العدم أو استعفف )
فالبحتري اقتصر على بعض المعنى ولم يستوفه

الضرب الرابع
أن يؤخذ المعنى فيزاد عليه معنى آخر قال في المثل السائر وهذا النوع من السرقات قليل الوقوع بالنسبة إلى غيره
فمن ذلك قول الأخنس بن شهاب

( إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدئنا فنضارب )
وقول مسلم بن الوليد بعده
( إن قصر الرمح لم نمش الخطا عددا ... أو عرد السيف لم نهمم بتعريد )
أخذ مسلم المعنى الذي أورده الأخنس وهو وصل السلاح إذا قصر بالخطا إلى العدو وزاد عليه عدم تعريدهم أي فرارهم إذا عرد السيف
ومنه قول جرير في وصف أبيات من شعره
( غرائب آلاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما )
وقول أبي تمام بعده
( غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب )
فزاد أبو تمام على جرير قران ذلك بالممدوح ومدحه ومدحه مع الأبيات
ومنه قول المعذل بن غيلان
( ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر )
وقول أبي تمام بعده
( يصد عن الدنيا إذا عن سودد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد )

فزاد عليه قوله
( ولو برزت في زي عذراء ناهد ... )
ومما اتفق لي نظمه في هذا الباب أنه لما عمرت مدرسة الظاهر برقوق بين القصرين بالقاهرة المحروسة وكان القائم بعمارتها الأمير جركس الخليلي أميراخور الظاهري وكان قد اعتمد بناءها بالصخور العظيمة التي لا تقلها الجمال حملا ولا تحمل إلا على العجل الخشب فأولع الشعراء بالنظم في هذا المعنى فنظم بعض الشعراء أبياتا عرض فيها بذكر الخليلي وقيامه في عمارتها ثم قال في آخرها
( وبعض خدامه طوعا لخدمته ... يدعو الصخور فتأتيه على عجل )
وألزمني بعض الإخوان بنظم شيء في المعنى فوقع لي أبيات من جملتها
( وبالخليلي قد راجت عمارتها ... في سرعة بنيت من غير ما مهل )
( كم أظهرت عجبا أسواط حكمته ... وقد غدت مثلا ناهيك من مثل )
( وكم صخور تخال الجن تنقلها ... فإنها بالوحا تأتي وبالعجل )
فزدت عليه ذكر الوحا الذي معناه السرعة أيضا وصار مطابقا لما يأتي به المعزمون في عزائمهم من قولهم الوحا الوحا العجل العجل مع ما تقدم له من التوطئة بقولي تخال الجن تنقلها
على أني لست من فرسان هذا الميدان ولا من رجال هذا الوغى

الضرب الخامس
أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة الأولى قال في المثل

السائر وهذا هو المحمود الذي يخرج به حسنه عن باب السرقة فمن ذلك قول أبي تمام
( إن الكرام كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا )
أخذه البحتري فقال
( قل الكرام فصار يكثر فذهم ... ولقد يقل الشيء حتى يكثرا )
ومنه قول أبي نواس
( يدل على ما في الضمير من الفتى ... تقلب عينيه إلى شخص من يهوى )
وقول أبي الطيب بعده
( وإذا خامر الهوى قلب صب ... فعليه لكل عين دليل )
ومنه قول أبي العلاء بن سليمان في مرثية
( وما كلفة البدر المنير قديمة ... ولكنها في وجهه أثر اللطم )
وقول القيسراني بعده
( وأهوى الذي يهوي له البدر ساجدا ... ألست ترى في وجهه أثر الترب )
ومنه قول ابن الرومي
( إذا شنأت عين امريء شيب نفسه ... فعين سواه بالشناءة أجدر )
وقول من بعده

( إذا كان شيبي بغيضا إلي ... فكيف يكون إليها حبيبا )

الضرب السادس
أن يؤخذ المعنى ويسبك سبكا موجزا قال في المثل السائر وهو من أحسن السرقات لما فيه من الدلالة على بسطة الناظم في القول وسعة باعه في البلاغة فمن ذلك قول أبي تمام
( برزت في طلب المعالي واحدا ... فيها تسير مغورا أو منجدا )
( عجبا بأنك سالم من وحشة ... في غاية ما زلت فيها مفردا )
وقول ابن الرومي بعده
( غربته الخلائق الزهر في الناس ... وما أوحشته بالتغريب )
فأخذ معنى البيتين في بيت واحد ومنه قول أبي العتاهية
( وإني لمعذور على فرط حبها ... لأن لها وجها يدل على عذري )
أخذه أبو تمام فقال
( له وجه إذا أبصرته ... ناجاك عن عذري )
فأوجز في هذا المعنى غاية الإيجاز ومنه قول أبي تمام يمدح أحمد بن سعيد
( كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر )
( حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري )
أخذه أبو الطيب فأوجز في أخذه فقال
( وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر )

ومن قول بعض الشعراء
( أمن خوف فقر تعجلته ... وأخرت إنفاق ما تجمع )
( فصرت الفقير وأنت الغني ... وما كنت تعدو الذي تصنع )
أخذه أبو الطيب فقال
( ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر )

الضرب السابع
زيادة البيان مع المساواة في المعنى بأن يؤخذ المعنى فيضرب له مثال يوضحه فمن ذلك قول أبي تمام
( هو الصنع إن يعجل فنفع وإن يرث ... فللريث في بعض المواطن أنفع )
أخذه أبو الطيب فقال
( ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام )
فزاده وضوحا بضرب المثال له بالجهام وهو السحاب الذي لا مطر فيه
ومنه قول أبي تمام أيضا
( قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدة التعبيس مبتسما )
أخذه أبو الطيب فقال
( وجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم )

( إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث مبتسم )
فضرب له مثالا بظهور أنياب الليث فزاده وضوحا
ومنه قول أبي تمام أيضا
( وكذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتى يجاورها الزمان بحال )
أخذه البحتري فقال
( وقد زادها إفراط حسن جوارها ... لأخلاق أصفار من المجد خيب )
( وحسن دراري الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب )
فضرب له مثالا بالكواكب في ظلام الليل فأوضحه وزاده حسنا

الضرب الثامن
اتحاد الطريق واختلاف المقصود مثل أن يسلك الشاعران طريقا واحدة فتخرج بهما إلى موردين وهناك يتبين فضل أحدهما على الآخر
فمن ذلك قول النابغة
( إذا ما غزا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير يهتدي بعصائب )
( جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب )
وهذا المعنى قد توارده الشعراء قديما وحديثا وأوردوه بضروب من العبارات فقال أبو نواس
( يتوخى الطير غزوته ... ثقة باللحم من جزره )
وقال مسلم بن الوليد
( قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل )

وقال أبو تمام
( وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل )
( أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لا تقاتل )
وكل هؤلاء قد أتوا بمعنى واحد لا تفاضل بينهم فيه إلا من جهة حسن السبك أو من جهة الإيجاز
قال ولم أر أحدا أغرب في هذا المعنى فسلك هذا الطريق مع اختلاف مقصده إلا مسلم بن الوليد فقال
( أشربت أرواح العدا وقلوبها ... خوفا فأنفسها إليك تطير )
( لو حاكمتك فطالبتك بذحلها ... شهدت عليك ثعالب ونسور ) فهذا قد فضل به مسلم غيره في هذا المعنى ولما انتهى الأمر إلى أبي الطيب سلك هذه الطريق التي سلكها من تقدمه إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه فأغرب وأبدع وحاز الإحسان بجملته وصار كأنه مبتدع لهذا المعنى دوت غيره فقال
( سحاب من العقبان يزحف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه )
فحوى طرفي الإغراب والإعجاب

الضرب التاسع
بياض بالأصل

الضرب العاشر
أن يكون المعنى عاما فيجعل خاصا أو خاصا فيجعل عاما وهو من السرقات التي يسامح صاحبها فأما جعل العام خاصا فمن ذلك قول الأخطل
( لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم )
أخذه أبو تمام فقال
( أألوم من بخلت يداه وأغتدي ... للبخل تربا ساء ذاك صنيعا )
فالأخطل نهى عن الإتيان بما ينهى عنه مطلقا فجاء بالخلق منكرا فجعله شائعا في بابه وأبو تمام خصص ذلك بالبخل وهو خلق واحد من جملة الأخلاق
وأما جعل الخاص عاما فمن ذلك قول أبي تمام
( ولو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن منعن الدر والضرع حافل )
أخذه أبو الطيب فجعله عاما فقال
( وما يؤلم الحرمان من كف حارم ... كما يؤلم الحرمان من كف رازق )
الضرب الحادي عشر
قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة
قال في المثل السائر وهذا لا

يسمى سرقة بل إصلاحا وتهذيبا فمن ذلك قول أبي نواس في أرجوزة يصف فيها اللعب بالكرة والصولجان فقال من جملتها
( جن على جن وإن كانوا بشر ... كأنما خيطوا عليها بالإبر )
أخذه المتنبي فقال
( فكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم خلقوا على صهواتها )
فهذا في غاية العلو والارتقاء بالنسبة إلى قول أبي نواس ومنه قول أبي الطيب
( لو كان ما تعطيهمو من قبل أن ... تعطيهمو لم يعرفوا التأميلا )
وقول ابن نباتة السعدي
( لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل )
فكلام ابن نباتة أحسن في الصورة من كلام المتنبي هنا وإن كان مأخوذا منه

الضرب الثاني عشر
قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة وهو الذي يعبر عنه أهل هذه الصناعة بالمسخ وهو من أرذل السرقات وأقبحها فمن ذلك قول أبي تمام

( فتى لا يرى أن الفريصة مقتل ... ولكن يرى أن العيوب مقاتل )
أخذه أبو الطيب فمسخه فقال
( يرى أن ما بان منك لضارب ... بأقتل مما بان منك لعائب )
ومنه قول عبد السلام بن رغبان
( نحن نعزيك ومنك الهدى ... مستخرج والصبر مستقبل )
أخذه أبو الطيب فمسخه فقال من أبيات
( وبألفاظك أهتدي فإذا عزاك ... قال الذي له قلت قبلا )

المسلك الثاني طريقة الاختراع
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير في المثل السائر فهي ألا يتصفح كتابة المتقدمين ولا يطلع على شيء منها بل يصرف همته إلى حفظ القرآن الكريم وكثير من الأخبار النبوية وعدة من دواوين فحول الشعراء ممن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ ثم يأخذ في الاقتباس من القرآن والأخبار النبوية والأشعار فيقوم ويقع ويخطىء ويصيب ويضل ويهتدي حتى يستقيم إلى طريق يفتتحها لنفسه وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدمين فيها قال وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد وصاحبها يعد إماما في الكتابة كما يعد الشافعي وأبو حنيفة ومالك وغيرهم من المجتهدين في علم الفقه إلا أنها مستوعرة جدا لا يستطيعها إلا من رزقه الله تعالى لسانا هجاما وخاطرا

رقاما
قال ولا أريد بهذا الطريق أن يكون الكاتب مرتبطا في كتابته بما يستخرجه من القرآن الكريم والأخبار النبوية والأشعار بحيث أنه لا ينشيء كتابا إلا في ذلك بل أريد أنه إذا حفظ القرآن الكريم وأكثر من حفظ الأخبار النبوية والأشعار ثم نقب عن ذلك تنقيب مطلع على معانيه مفتش على دفائنه وقلبه ظهرا لبطن عرف حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه واستعان بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية
على أنه لا بد للكاتب المرتقي إلى درجة الاجتهاد في الكتابة مع حفظ القرآن الكريم والاستكثار من حفظ الأخبار النبوية والأشعار المختارة من العلم بأدوات الكتابة وآلات البيان من علم اللغة والتصريف والنحو والمعاني والبيان والبديع ليتمكن من التصرف في اقتباس المعاني واستخراجها فيرقى إلى درجة الاجتهاد في الكتابة كما أن المجتهد من الفقهاء إذا عرف أدوات الاجتهاد من آيات الأحكام وأحاديثها ونعتها وعرف النحو والناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة والحساب والفرائض وإجماع الصحابة وغير ذلك من آلات الاجتهاد وأدواته استخرج بفكره حينئذ ما يؤديه إليه اجتهاده فالمجتهد في الكتابة يستخرج المعاني من مظانها من القرآن الكريم والأخبار النبوية والأشعار والأمثال وغير ذلك بواسطة آلة الاجتهاد كما أن المجتهد في الفقهيات يستخرج الأحكام من نصوص الكتاب والسنة بواسطة آلة الاجتهاد
فإذا أراد الكاتب المتصف بصفة الاجتهاد في الكتابة إنشاء خطبة أو رسالة أو غيرهما مما يتعلق بفن الانشاء
بياض بالأصل

الأصل السادس وجود الطبع السليم وخلو الفكر عن المشوش
أما وجود الطبع فقال في مواد البيان أول معاون هذه الصناعة الجليلة

القريحة الفاضلة والغريزة الكاملة التي هي مبدأ الكمال ومنشأ التمام والأساس الذي يبنى عليه والركن الذي يستند إليه فإن المرء قد يجتهد في تحصيل الآداب ويتوفر على اقتناء العلوم واكتسابها وهو مع ذلك غير مطبوع على تأليف الكلام فلا يفيده ما اكتسبه بخلاف المطبوع على ذلك فإنه وإن قصر في اقتباس العلوم واكتساب المواد فقد يلحق بأوساط أهل الصناعة وذلك أن الطبع يخص الله تعالى به المطبوع دون المتطبع والمناسب بغزيرته للصناعة دون المتصنع ولا سبيل إلى اكتساب سهولة الطبع ولا كزارنه بل هو موهبة تخص ولا تعم وتوجد في الواحد وتفقد في الآخر
قال ابن أبي الأصبع في تحرير التحبير ومن الناس من يكون في البديهة أبدع منه في الروية ومن هو مجيد في الروية وليست له بديهة وقلما يتساويان
ومنهم من إذا خاطب أبدع وإذا كاتب قصر ومن هو بضد ذلك ومن قوي نثره ضعف نظمه ومن قوي نظمه ضعف نثره وقلما يتساويان
وقد يبرز الشاعر في معنى من مقاصد الشعر دون غيره من المقاصد ولهذا قيل أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب وزهير إذا رغب والنابغة إذا رهب وعنترة إذا كلب والأعشى إذا طرب
قال في المثل السائر بل ربما نفذ في بعض أنواع الشعر دون بعض فيرى مجيدا في المدح دون الهجو أو بالعكس أو ماهرا في المقامات ونحوها دون الرسائل أو في بعض الرسائل دون بعض
قال ابن أبي الأصبع ولربما واتاه العمل في وقت دون وقت ولذلك قال الفرزدق إني ليمر علي الوقت ولقلع ضرس من أضراسي أيسر علي من قول الشعر ولذلك عز تأليف الكلام ونظمه على كثير من العلماء باللغة والمهرة في معرفة حقائق الألفاظ من حيث نبو طباعهم عن تركيب بسائط الكلام الذي قامت صور معانيه في نفوسهم

وصعب الأمر عليهم في تأليفه ونظمه فقد حكي أن الخليل بن أحمد مع تقدمه في اللغة ومهارته في العربية واختراعه علم العروض الذي هو ميزان شعر العرب لم يكن يتهيأ له تأليف الألفاظ السهلة لديه الحاصلة المعاني في نفسه على صورة النظم إلا بصعوبة ومشقة وكان إذا سئل عن سبب إعراضه عن نظم الشعر يقول يأباني جيده وآبى رديئه مشيرا بذلك إلى أن طبعه غير مساعد له على التأليف المرضي الذي تحسن نسبته إلى مثله
وقيل للمفضل الضبي ألا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به فقال علمي به يمنعني من قوله وأنشد
( أبى الشعر إلا أن يفيء رديئه ... علي ويأبى منه ما كان محكما )
( فيا ليتني إن لم أجد حوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما )
وأنشد أبو عبيدة خلفا الأحمر شعرا له فقال اخبأ هذا كما تخبأ السنورة حاجتها مع ما كان عليه أبو عبيدة من العلم باللغة وشعر العرب وأمثالها وأيام حروبها وما يجري مجرى ذلك من مواد تأليف الكلام ونظمه
ويحكى عن أبي العباس المبرد أنه قال لا أحتاج إلى وصف نفسي لأن الناس يعلمون أنه ليس أحد بين الخافقين تختلج في نفسه مسألة مشكلة إلا لقيني بها وأعدني لها فأنا عالم ومعلم وحافظ ودارس ولا يخفى علي مشتبه من الشعر والنحو والكلام المنثور والخطب والرسائل ولربما احتجت إلى اعتذار من فلتة أو التماس حاجة فأجعل المعنى الذي أقصد نصب عيني ثم لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد

ولا لسان ولقد بلغني أن عبيد الله بن سليمان ذكرني بجميل فحاولت أن أكتب إليه رقعة أشكره فيها وأعرض ببعض أموري فأتعبت نفسي يوما في ذلك فلم أقدر على ما أرتضيه منها وكنت أحاول الإفصاح عما في ضميري فينحرف لساني إلى غيره ولذلك قيل زيادة المنطق على الأدب خدعة وزيادة الأدب على المنطق هجنة
فقد تبين لك أن العبرة وبالطبع وأنه الأصل المرجوع إليه في ذلك على أن الطبع بمفرده لا ينهض بالمقصود من ذلك نهوضه مع اشتماله على المواد المساعدة له على ذلك من الأنواع السابقة فيما تقدم في أول هذه المقالة من العلم باللغة والنحو والتصريف والمعاني والبيان والبديع وحفظ كتاب الله تعالى والإكثار من حفظ الأحاديث النبوية والأمثال والشعر والخطب ورسائل المتقدمين وأيام العرب وما يجري مجرى ذلك مما يكون مساعدا للطبع ومسهلا طريق التأليف والنظم بل يتفاوت في العلو والهبوط بحسب التفاوت في ضعف المساعد من ذلك وقوته إذ معرفته هذه الأمور قائمة من الإنشاء مقام المادة والطبع قائم منه مقام الآلة فلا يتم الفعل وإن قامت الصورة في نفس الصانع ما لم توجد المادة والآلة جميعا ولو كان حصول المادة كافيا في التوصل إلى حسن التأليف الذي هو نظم الألفاظ المتناسبة وتطبيقها على المعاني المساوية لكانت صناعة الكلام المؤلف من الرسائل والخطب والأشعار سهلة والمشاهد بخلاف ذلك لقصور الأفاضل عن بلوغ هذه الدرجة
وأما خلو الفكر عن المشوش فإنه يرجع إلى أمرين

الأمر الأول صفاء الزمان
فقد قال أبو تمام الطائي في وصيته لأبي عبادة البحتري مرشدا له للوقت

المناسب لذلك تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو حفظه أن يختار وقت السحر فإن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم وخف عنها ثقل الغذاء وصفا الدماغ من أكثر الأبخرة والأدخنة وسكنت الغماغم ورقت النسائم وتغنت الحمائم
وخالف ابن أبي الأصبع في اختيار وقت السحر وجنح إلى اختيار وسط الليل أخذا من قول أبي تمام في قصيدته البائية
( خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب )
مفسرا للدجى بوسط الليل محتجا لذلك بأنه حينئذ تكون النفس قد أخذت حظها من الراحة ونالت قسطها من النوم وخف عنها ثقل الغذاء فيكون الذهن حينئذ صحيحا والصدر منشرحا والبدن نشيطا والقلب ساكنا بخلاف وقت السحر فإنه وإن كان فيه يرق النسيم وينهضم الغذاء إلا أنه يكون قد انتبه فيه أكثر الحيوانات الناطق وغيره ويرتفع معظم الأصوات ويجري الكثير من الحركات وينقشع بعض الظلماء بطلائع أوائل الضوء وربنا انهضم عن بعض الناس الغذاء فتحركت الشهوة لإخلاف ما انهضم منه وخرج من فضلاته فكان ذلك داعيا إلى شغل الخاطر وباعثا على انصراف الهم إلى تدبير الحدث الحاضر فيتقسم الفكر ويتذبذب القلب ويتفرق جميع الهم بخلاف وسط الليل فإنه خال من جميع ذلك

الأمر الثاني صفاء المكان
وذلك بأن يكون المكان الذي هو فيه خاليا من الأصوات عاريا عن

المخوفات والمهولات والطوارق وأن يكون مع ذلك مكانا رائقا معجبا رقيق الحواشي فسيح الأرجاء بسيط الرحاب غير غم ولا كدر فإن انضم إلى ذلك ما فيه بسط للخاطر من ماء وخضرة وأشجار وأزهار وطيب رائحة كان أبسط للفكر وأنجح للخاطر
وقد ذهب بعضهم إلى أنه ينبغي خلو المكان من النقوش الغريبة والمرائي المعجبة فإنها وإن كانت مما ينشط الخاطر فإن فيها شغلا فيتبعه القلب فيتشتت
المقصد الثاني من الطرف الثالث في بيان طرق البلاغة ووجوه تحسين الكلام وكيفية إنشائه وتأليفه وتهذيبه وتأديبة وبيان ما يستحسن من الكلام المصنوع وما يعاب به
أما إنشاؤه وتأليفه فقد قال ابن أبي الأصبع في تحرير التحبير يجب على كل من كان له ميل إلى عمل الشعر وإنشاء النثر أن يتعهد أولا نفسه ويمتحنها بالنظر في المعاني وتدقيق الفكر في استنباط المخترعات فإذا وجد لها فطرة سليمة وجبلة موزونة وذكاء وقادا وخاطرا سمحا وفكرا ثاقبا وفهما سريعا وبصيرة مبصرة وألمعية مهذبة وقوة حافظة وقدرة حاكية وهمة عالية ولهجة فصيحة وفطنة صحيحة أخذ حينئذ في العمل وإن كان بعض ذلك غير لازم لرب الإنشاء ولا يضطر إليه أكثر الشعراء ولكن إذا كملت هذه الصفات في الكاتب والشاعر كان موصوفا في هذه الصناعة بكمال الأوصاف النفيسة
قال أبو هلال العسكري في الصناعتين إذا أردت أن تصنع كلاما فأخطر معانيه ببالك ونق له كرائم اللفظ فاجعلها على ذكر منك ليقرب عليك تناولها ولا يتبعك تطلبها واعمله مادمت في شباب نشاطك فإذا غشيك الفتور وتخونك الملال فأمسك فإن الكثير مع الملال قليل والنفيس مع الضجر خسيس والخواطر كالينابيع يسقى منها شيء بعد شيء فتجد حاجتك من

الري وتنال أربك من المنفعة فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها فقل عنك غناؤها
وينبغي أن تخرج مع الكلام معارضه فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته أو معنى بديع تعلقت بذيله
وتحرز أن يسبقك فإنه إن سبقك تعبت في تطلبه ولعلك لا تلحقه على طول الطلب ومواصلة الدأب وهذا الشاعر يقول
( إذا ضيعت أول كل شيء ... أبت أعجازه إلا التواء )
وقد قالوا ينبغي لصانع الكلام ألا يتقدم الكلام تقدما ولا يتتبع ذناباه تتبعا ولا يحمله على لسانه حملا فإنه إن تقدم الكلام لم يتبعه خفيفه وهزيله وأعجفه والشارد منه وإن تتبعه فاتته سوابقه ولواحقه وتباعدت عنه جياده وغرره وإن حمله على لسانه ثقلت عليه أوساقه وأعباؤه ودخلت مساويه في محاسنه ولكنه يجري معه فلا تند عنه نادة تعجبه سمنا إلا كبحها ولا تتخلف عنه مثقلة هزيلة إلا أرهقها وطورا يفرقه ليختار أحسنه وطورا يجمعه ليقرب عليه خطوة الفكر ويتناوله من تحت لسانه ولا يسلط الملل على قلبه ولا الإكثار على فكره فيأخذ عفوه ويستغزر دره ولا يكره آبيا ولا يدفع آتيا
وإياك والتعقيد والتوعر فإن التوعر هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف ومن حقهما أن يصونهما عما يدنسهما ويفسدهما ويهجنهما فتصير بهما إلى حد تكون فيه أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس البلاغة وترتهن نفسك في ملابستها وليكن لفظك شريفا عذبا فخما سهلا ومعناه ظاهرا مكشوفا وقريبا معروفا فإن وجدت اللفظة لم تقع موقعها ولم تصل إلى مركزها ولم تتصل بشكلها وكانت قلقة في موضعها نافرة عن مكانها فلا تكرهها على اغتصاب أماكنها والنزول في غير أوطانها وإن بليت بتكلف القول وتعاطي الصناعة ولم تسمح

لك الطبيعة في أول وهلة وعصت عليك بعد إجالة الفكر فلا تعجل ودعه سحابة يومك ولا تضجر وأمهله سواد ليلتك وعاوده عند نشاطك فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن كانت هناك طبيعة أو جريت من الصناعة على عرف وينبغي أن تعرف أقدار المعاني فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين وأقدار الحالات فتجعل لكل طبقة كلاما ولكل حال مقاما حتى تقسم أقدار المستعمين على أقدار الحالات فإن المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال
قال في مواد البيان ويكون استعمال كل من جزل الألفاظ وسهلها وفصيحها وبهجها في موضعه وأن يسلك في تأليف الكلام الطريق الذي يخرجه عن حكم الكلام المنثور العاطل الذي تستعمله العامة في المخاطبات والمكاتبات إلى حكم المؤلف الحالي بحلي البلاغة والبديع كالاستعارات والتشبيهات والأسجاع والمقابلات وغيرها من أنواع البديع
قال في الصناعتين وإن عملت رسالة أو خطبة فتخط ألفاظ المتكلمين كالجسم والجوهر والعرض واللون والتأليف واللاهوت والناسوت فإن ذلك هجنة
قال في مواد البيان وذلك بأن يقصد الكاتب إلى ألفاظ الصناعة فيخرج منها إلى ألفاظ غريبة عن الصناعة غير مجانسة لها قال وإنما يؤتي الكاتب في هذا الباب من جهة أن يكون له شركة في صناعة غير الكتابة كصناعة الفقه والكلام وغيرهما مثل صناعة أصحاب الإعراب ونحوها فلكل طبقة من هذه الطبقات ألفاظ خاصة بها يستعملونها فيما بينهم عند المحاورة والخوض في الصناعة

ومن عادة الإنسان إذا تعاطى بابا من هذه الأبواب أن يسبق خاطره إلى الألفاظ المتعلقة به فيوقعها في الكتب التي ينشئها لغلبة عادة استعماله إياها فيهجنها بإدخاله فيها ما ليس من أنواعها
قال في الصناعتين وتخير الألفاظ وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته فإن أمكن مع ذلك انتظامه من حروف سهلة المخارج كان أحسن له وأدعى للقلوب إليه وإن اتفق له أن يكون موقعه في الإطناب أو الإيجاز أليق بموقعه وأحق بالمقام والحال كان جامعا للحسن بارعا في الفضل فإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره وأوله يكشف قناع آخره كان قد جمع نهاية الحسن وبلغ أعلى مراتب التمام
قال في مواد البيان وإذا سلكت طريقا فمر فيها ولا تتنازل عنها إن كانت رفيعة ولا ترتفع عنها إن كانت وضيعة
وخالف ابن أبي الأصبع فقال ولا تجعل كل الكلام شريفا عاليا ولا وضيعا نازلا بل فصله تفصيل العقود فإن العقد إذا كان كله نفيسا لا يظهر حسن فرائده ولا يبين جمال واسطته فإن الكلام إذا كان متنوعا في البلاغة أفتنت الأسماع فيه ولا يلحق النفوس ملل من ألفاظه ومعانيه ولا يخرج عن عرض إلى غيره حتى يكمل كل ما ينتظم فيه كما إذا كان ينشيء كتابا في العذل والتوبيخ فيشوب ألفاظه بألفاظ أخرى تخرج عن الخشونة إلى اللين فإن اختلاف رقعة الكلام من أشد عيوبه
قال في الصناعتين ولا تجعل لفظك حوشيا بدويا ولا مبتذلا سوقيا ورتب الألفاظ ترتيبا صحيحا فتقدم منها ما يحسن تقديمه وتؤخر منها ما يحسن تأخيره ولا تقدم منها ما يكون التأخير به أحسن ولا تؤخر ما كان التقديم به أليق ولا تكرر الكلمة الواحدة في كلام قصير كما كتب سعيد بن حميد ومثل خادمك بين يديه ما يملك فلم يجد شيئا يفي بحقك ورأى أن تقريظك بما يبلغه اللسان وإن كان مقصرا عن حقك أبلغ في أداء ما يجب لك
فكرر ذكر الحق مرتين في مقدار يسير
على أن أبا جعفر النحاس قد ذكر في صناعة الكتاب أن

ذلك ليس بعيب عند كثير من أهل العربية وهو الحق فقد وقع مثل ذلك من التكرير في القرآن الذي هو أفصح كلام وآنق نظام في قوله تعالى ( والسماء رفعها ووضع الميزان أن لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ) فكرر ذكر الميزان ثلاث مرات في مقدار يسير من الكلام وأمثاله في القرآن الكريم كثير
قال في الصناعتين فإن احتاج إلى إعادة المعاني أعادها بغير اللفظ الذي ابتدأ به كما قال معاوية من لم يكن من بني عبد المطلب جوادا فهو دخيل ومن لم يكن من بني الزبير شجاعا فهو لزيق ومن لم يكن من بني المغيرة تياها فهو سنيد
فقال دخيل ثم قال لزيق ثم قال سنيد والمعنى واحد والكلام على ما ترى حسن ولو قال لزيق ثم أعاد لسمج
على أن الوزير ضياء الدين بن الأثير في المثل السائر قد ذكر ما ينافي ذلك وتعقب أبا إسحاق الصابي في قوله في تحميدة كتاب الحمد لله الذي لا تدركه الأعين بألحاظها ولا تحده الألسن بألفاظها ولا تخلقه العصور بمرورها ولا تهرمه الدهور بكرورها وقوله بعد ذلك في الصلاة على النبي لم ير للكفر أثرا إلا طمسه ومحاه ولا رسما إلا أزاله وعفاه فقال لا فرق بين مرور العصور وكرور الدهور وكذلك لا فرق بين محو الأثر وإعفاء الرسم ويحتمل أن يقال إنما كره صاحب المثل السائر ذلك لتوافق القرينتين في جميع المعنى بخلاف كلام معاوية فإنه متوافق في اللفظة الأخيرة فقط
قال في الصناعتين وتجنب كل ما يكسب الكلام تعمية كما كتب سعيد ابن حميد يذكر مظلمة إنسان في كتابه لفلان وله بي حرمة مظلمة يريد لفلان مظلمة وله بي حرمة بمعنى أنه راعى حرمته
قال واعلم أن الذي يلزمك في تأليف الرسائل والخطب هو أن تجعلها مزدوجة فقط ولا يلزمك فيها

السجع فإن جعلتها مسجوعة كان أحسن ما لم يكن في سجعك استكراه وتنافر وتعقيد وكثيرا ما يقع ذلك في السجع وقلما يسلم إذا طال من استكراه وتنافر
قال ابن أبي الأصبع ولا تجعل كلامك كله مبنيا على السجع فتظهر عليه الكلفة ويتبين فيه أثر المشقة وتتكلف لأجل السجع ارتكاب المعنى الساقط واللفظ النازل وربما استدعيت كلمة للقطع رغبة في السجع فجاءت نافرة من أخواتها قلقة في مكانها
بل اصرف كل النظر إلى تجويد الألفاظ وصحة المعاني واجهد في تقويم المباني فإن جاءه الكلام مسجوعا عفوا من غير قصد وتشابهت مقاطعه من غير كسب كان وإن عز ذلك فاتركه وإن اختلفت أسجاعه وتباينت في التقفية مقاطعه فقد كان المتقدمون لا يحتفلون بالسجع جملة ولا يقصدونه إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام واتفق من غير قصد ولا اكتساب وإنما كانت كلماتهم متوازية وألفاظهم متساوية ومعانيهم ناصعة وعبارتهم رائعة وفصولهم متقابلة وجمل كلامهم متماثلة وتلك طريقة الإمام علي رضي الله عنه ومن اقتفى أثره من فرسان الكلام كابن المقفع ويزيد بن هارون وإبراهيم بن العباس والحسن بن سهل وعمرو بن مسعدة وأبي عثمان الجاحظ وغيرهم من الفصحاء البلغاء
قال في مواد البيان وأقل ما يكون من الازدواج قرينتان
قال في الصناعتين وينبغي أن يجتنب إعادة حروف الصلات والرباطات في موضع واحد إذا كتب في مثل قول القائل له منه عليه أو عليه منه

أو به له منه وحقه له عليه
قال وسبيله أن يداويه حتى يزيله بأن يفصل ما بين الحرفين مثل أن يقول أقمت به شهداء عليه كقول المتنبي
( وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد )
قال ابن أبي الأصبع وليراع الإيجاز في موضعه والإطناب في موضعه بحسب ما يقتضيه المقام ويتجنب الإسهاب والتطويل غير المفيد
قال العسكري وينبغي أن يأتي في تأليفه الكلام بآيات من الكتاب العزيز في الأمور الجليلة للترصيع والتحلية والاستشهاد للمعاني على ما يقع في موقعه ويليق بالمكان الذي يوقع فيه ولكنه لا يستكثر منه حتى يكون هو الغالب على كلامه تنزيها لكلام الله تعالى عن الابتذال فإنه إنما يستعمله على جهة التبرك والزينة لا ليجعل حشوا في الكلام وإذا استعير منه شيء أتي به على صورته ولا ينقله عن صيغته ليسلم من تحريفه ومخالفة اختيار الله تعالى فيه
قال وكما لا يجوز الإكثار منه لا يجوز أن يخلي كلامه من شيء منه تحلية له فإن خلو الكلام من القرآن يطمس محاسنه وينقص بهجته ولذلك كانوا يسمون الخطبة الخالية من القرآن بتراء
وينبغي ألا يستعمل في كتابته ما جاء به القرآن العظيم من الحذف ومخاطبة الخاص بالعام والعام بالخاص والجماعة بلفظ الواحد والواحد بلفظ الجماعة وما يجري هذا المجرى لأن القرآن قد نزل بلغة العرب وخوطب به فصحاؤهم بخلاف الرسائل
قال في الصناعتين لا يجوز أن يستعمل فيها ما يختص بالشعر من صرف ما لا ينصرف وحذف ما لا يحذف وقصر الممدود ومد المقصور والإخفاء في موضع الإظهار وتصغير الاسم في موضع تكبيره إلا أن يريد تصغير

التعظيم كقول القائل أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب
ومما يستحسن من وصية أبي تمام لأبي عبادة البحتري في الشعر مما لا يستغني الناثر عن المعرفة به والنسج على منواله لأنه يجب أن يناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام ويكون كخياط يقدر الثياب على قدر الأجسام وأن يجعل شهوته لتأليف الكلام هي الذريعة إلى حسن نظمه فإن الشهوة نعم المعين ويعتبر كلامه بما سلف من كلام الماضين فما استحسنه العلماء فليقصده وما استقبحوه فليجتنبه وينبغي أن يعمل السجعات مفرقة بحسب ما يجود به الخاطر ثم يرتبها في الآخر ويحترز عند جمعها من سوء الترتيب ويتوخى حسن النسق عنه التهذيب ليكون كلامه بعضه آخذا بأعناق بعض فإنه أكمل لحسنه وأمثل لرصفه وأن يجيد المبدأ والمخلص والمقطع ويميز في فكره محط الرسالة قبل العمل فإنه أسهل للقصد ويجتهد في تجويد هذه المواضع وتحسينها ويوضح معانيه ما استطاع
قلت وقد سبق في أول هذه المقالة في بيان ما يحتاج إليه الكاتب من الأدوات وذكر أنواعها بيان كيفية الاقتباس من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية والاستشهاد بها وكيفية حل الشعر إلى النثر وتضمينه في خلال الكلام المنثور وما يجري هذا المجرى فأغنى عن إعادته هنا
وأما بيان ما يستحسن من الكلام المصنوع فقد قال في الصناعتين أن الكلام يحسن بسلاسته وسهولته ونصاعته وتخير لفظه وإصابة معناه وجودة مطالعه ولين معاطفه واستواء تقاسيمه وتعادل أطرافه وتشبه أعجازه بهواديه

وموافقة أواخره لمباديه مع قلة ضروراته بل عدمها أصلا حتى لا يكون لها في الألفاظ أثر فتجد المنظوم مثل المنثور في سهولة مطلعه وجودة مقطعه وحسن رصفه وتأليفه وكمال صوغه وتركيبه فإذا كان الكلام قد جمع العذوبة والجزالة والسهولة والرصانة مع السلاسة والنصاعة واشتمل على الرونق والطلاوة وسلم من ضعف التأليف وبعد من سماجة التركيب صار بالقبول حقيقا وبالتحفظ خليقا فإذا ورد على السمع المصيب استوعبه ولم يمجه والنفس تقبل اللطيف وتنبو عن الغليظ وتقلق عن الجاسي البشع وجميع جوارح البدن وحواسه تسكن إلى ما يوافقه وتنفر عما يضاده ويخالفه والعين تألف الحسن وتقذى بالقبيح والأنف يرتاح للطيب ويعاف المنتن والفم يلتذ بالحلو ويمج المر والسمع يتشوق للصوت الرائع وينزوي عن الجهير الهائل واليد تنعم باللين وتتأذى بالخشن والفهم يأنس من الكلام بالمعروف ويسكن إلى المألوف ويصغى إلى الصواب ويهرب من المحال وينقبض عن الوخم ويتأخر عن الجافي الغليظ ولا يقبل الكلام المضطرب إلا الفهم المضطرب والروية الفاسدة
قال وليس الشأن في إيراد المعاني لأن المعاني يعرفها العربي والأعجمي والقروي والبدوي وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه ونزاهته ونقائه وكثرة طلاوته ومائه وصحة السبك والتركيب والخلو من أود النظم والتأليف وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصف من نعوته التي تقدمت
ألا ترى أن الخطب الرائعة والأشعار الرائقة لم تعمل لإفهام المعاني فقط لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيد منها في الإفهام وإنما يدل حسن الكلام وإحكام صنعته ورونق ألفاظه وجودة مقاطعه وبديع مباديه وغريب مبانيه على فضل قائله ومنشيه
وأيضا فإن

الكلام إذا كان لفظا حلوا عذبا وسطا دخل في جملة الجيد وجرى مع الرائع النادر
وأحسن الكلام ما تلاءم نسجه ولم يسخف وحسن نظمه ولم يهجن ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام فيكون خلقا بغيضا ولا السوقي من الألفاظ فيكون مهلهلا دونا ولا خير في المعاني إذا استكرهت قهرا والألفاظ إذا أجبرت قسرا ولا خير فيما أجيد لفظه إلا مع وضوح المغزى وظهور المقصد
قال وقد غلب على قوم الجهل فصاروا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكد ويستفصحونه إذا وجدوا ألفاظه كزة غليظة وجاسية غريبة ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا وسهلا حلوا ولم يعلموا أن السهل أمنع جانبا وأعز مطلبا وهو أحسن موقعا وأعذب مستمعا ولهذا قيل أجود الكلام السهل الممتنع
وقد وصف الفضل بن سهل عمرو بن مسعدة فقال هو أبلغ الناس ومن بلاغته أن كل أحد يظن أنه يكتب مثل كتبه فإذا رامها تعذرت عليه وأنشد إبراهيم بن العباس لخاله العباس بن الأحنف
( إن قال لم يفعل وإن سيل لم ... يبذل وإن عوتب لم يعتب )
( صب بعصياني ولو قال لي ... لا تشرب البارد لم أشرب )
ثم قال هذا والله الشعر الحسن المعنى السهل اللفظ العذب المستمع القليل النظير العزيز الشبيه المطمع الممتنع البعيد مع قربه الصعب مع سهولته قال فجعلنا نقول هذا الكلام والله أحسن من شعره
وقيل لبعضهم ألا تستعمل الغريب في شعرك فقال ذلك عي في زماني وتكلف مني لو قلته وقد رزقت طبعا واتساعا في الكلام فأنا أقول ما يعرفه الصغير والكبير ولا يحتاج إلى تفسير

وقال أبو داود رأس الخطابة الطبع وعمودها الدربة وجناحاها رواية الكلام وحليها الإعراب وبهاؤها تخير الألفاظ والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه وما كان من الكلام لفظه سهلا ومعناه مكشوفا بينا فهو من جملة الرديء المردود لا سيما إذا ارتكبت فيه الضرورات فأما الجزل المختار من الكلام فهو الذي تعرفه العامة إذا سمعته ولا تستعمله في محاوراتها وأجود الكلام ما كان سهلا جزلا لا ينغلق معناه ولا يستبهم مغزاه ولا يكون مكدودا مستكرها ومتوعرا متقعرا ويكون بريئا من الغثاثة عاريا من الرثاثة
فمن الجزل الجيد من النثر قول سعيد بن حميد وأنا من لا يحاجك عن نفسه ولا يغالطك عن جرمه ولا يلتمس رضاك إلا من جهته ولا يستدعي برك إلا من طريقته ولا يستعطفك إلا بالإقرار بالذنب ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالجرم نبت بي عنك غرة الحداثة وردتني إليك الحنكة وباعدتني منك الثقة بالأيام وقادتني إليك الضرورة فإن رأيت أن تستقبل الصنيعة بقبول العذر وتجدد النعمة باطراح الحقد فإن قديم الحرمة وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة وإن أيام القدرة وإن طالت قصيرة والمتعة بها وإن كثرت قليلة فعلت إن شاء الله تعالى
وأجزل منه قول الشعبي للحجاج وقد أراد قتله لخروجه عليه مع ابن الأشعث أجدب بنا الجناب وأحزن بنا المنزل فاستحلسنا الحذر واكتحلنا السهر وأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء
فعفا عنه
ومن النظم قول المرار
( لا تسألي القوم عن مالي وكثرته ... قد يقتر المرء يوما وهو محمود )

( أمضي على سنة من والدي سلفت ... وفي أرومته ما ينبت العود )
فهذا وإن لم يكن من كلام العامة فإنهم يعرفون الغرض منه ويقفون على أكثر معانيه لحسن ترتيبه وجودة نسجه
قال في الصناعتين أما إذا كان لفظ الكلام غثا ومعرضه رثا فإنه يكون مردودا ولو احتوى على أجل معنى وأنبله وأرفعه وأفضله كقول القائل
( أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدون )
( فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما ... استغنى الملوك بدنياهم عن الدين )
قال فهو لا يدخل في جملة المختار ومعناه كما ترى جميل فاضل جليل وأما الجزل الرديء الفج الذي ينبغي ترك استعماله فقد مر في الكلام على الغريب الحوشي

المقصد الثالث في بيان مقادير الكلام ومقتضيات إطالته وقصره
اعلم أن الكلام المصنوع من الخطب والمكاتبات والولايات وغيرها على ثلاثة ضروب
الضرب الأول الإيجاز
وهو جمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة وعليه ورد أكثر آي القرآن الكريم فمن ذلك قوله تعالى في مفتتح سورة الفاتحة ( الحمد لله رب العالمين )
انتظم فيه خلق السموات والأرض وسائر المخلوقات لم يشذ عنه شيء في أوجز لفظ وأقربه وأسهله ومنه قوله تعالى ( ألا له الخلق والأمر )

استوعب جميع الأشياء على الاستقصاء في كلمتين لم يخرج عنهما شيء وقوله ( أولئك لهم الأمن ) فدخل تحت الأمن جميع المحبوبات لأنه نفى به أن يخافوا شيئا من الفقر والموت وزوال النعمة والجور وغير ذلك وقوله ( ليشهدوا منافع لهم ) جمع منافع الدنيا والآخرة وقوله في صفة خمر أهل الجنة ( لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ) انتظم بقوله ( ولا هم عنها ينزفون ) عدم ذهاب العقل وذهاب المال ونفاد الشراب فلم يكن فيها شيء من ذلك وقوله ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) فجمع فيها مكارم الأخلاق بأسرها لأن في العفو صلة القاطعين وإعطاء المانعين وفي الأمر بالمعروف تقوى الله تعالى وصلة الرحم وصون اللسان عن الكذب وغض الطرف عن المحرمات والتبري من كل قبيح إذ لا يأمر بالمعروف من هو ملابس شيئا من المنكر إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى كثرة
ومن كلام النبوة قوله نية المرء خير من عمله وقوله عليه السلام حبك الشيء يعمي ويصم إلى غير ذلك من جوامع الكلم

الضرب الثاني الإطناب
وهو الإشباع في القول وترديد الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد
وقد وقع منه الكثير في الكتاب العزيز مثل قوله تعالى ( كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ) وقوله جل وعز ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا )

كرر اللفظ في الموضعين تأكيدا للأمر وإعلاما أنه كذلك لا محالة
وقوله ( ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين ) فكرر ( إني لكم منه نذير مبين ) من حيث إن الكفر وإن تعددت أقسامه لا يخرج عن تعطيل أو شرك ففي قوله ( ففروا إلى الله ) نفي التعطيل بإثبات الإله وفي قوله ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) حيث عدد فيها نعمه وأذكر عباده آلاءه ونبههم على قدرها وقدرته عليها ولطفه فيها وجعلها فاصلة بين كل نعمة ونعمة تنبيها على موضع ما أسداه إليهم فيها وكذلك كرر في سورة المرسلات ( ويل يومئذ للمكذبين ) تأكيدا لأمر القيامة المذكورة فيها
وقد وقع التكرار للتأكيد في كلام العرب كثيرا كما في قول الشاعر
( أتاك أتاك اللاحقون أتاكا ... )
وقول الآخر
( كم نعمة كانت لكم كم كم وكم ... )
إلى غير ذلك ما وقع في كلامهم مما لا تأخذه الإحاطة

الضرب الثالث المساواة
بأن تكون الألفاظ بإزاء المعاني في القلة والكثرة لا يزيد بعضها على بعض
وقد مثل له العسكري في الصناعتين بقوله تعالى ( حور مقصورات في الخيام ) وقوله ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) وقول النبي لا تزال أمتي بخير ما لم تر الأمانة مغنما والزكاة مغرما وقوله إياك والمشارة فإنها تميت

الغرة وتحيي العرة وقول بعض الكتاب سألت عن خبري وأنا في عافية لا عيب فيها إلا فقدك ونعمة لا مزيد فيها إلا بك
وقول آخر وقد علمتني نبوتك سلوتك وأسلمني يأسي منك إلى الصبر عنك
وقول آخر فتولى الله النعمة عليك وفيك وتولى إصلاحك والإصلاح بك وأجزل من الخير حظك والحظ منك ومن عليك وعلينا بك
وقول الشاعر
( أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها )
( وما هجرتك النفس أنك عندها ... قليل ولا أن قل منك نصيبها )
إذا علمت ذلك فقد اختلف البلغاء في أي الثلاثة أبلغ وأولى بالكلام فذهب قوم إلى ترجيح الإيجاز محتجين له بأنه صورة البلاغة وأن ما تجاوز مقدار الحاجة من الكلام فضلة داخلة في حيز اللغو والهذر وهما من أعظم أدواء الكلام وفيهما دلالة على بلادة صاحب الصناعة وغباوته وقد قال الأمين محمد بن الرشيد عليكم بالإيجاز فإن له إفهاما وللإطالة استبهاما
وقال جعفر ابن يحيى لكتابه إن قدرتم على أن تجعلوا كتبكم توقيعات فافعلوا
وقال بعضهم البلاغة بالإيجاز أنجع من البيان بالإطناب وقيل لبعضهم ما البلاغة قال الإيجاز وقيل لابن حازم لم لا تطيل القصائد فأنشد
( أبى لي أن أطيل الشعر قصدي ... إلى المعنى وعلمي بالصواب )
( وإيجازي بمختصر قريب ... حذفت به الفضول من الجواب )
وذهبت طائفة إلى أن الإطناب أرجح واحتجوا لذلك بأن المنطق إنما هو بيان والبيان لا يحصل إلا بإيضاح العبارة وإيضاح العبارة لا يتهيأ إلا بمرادفة الألفاظ على المعنى حتى تحيط به إحاطة يؤمن معها من اللبس والإبهام وإن

الكلام الوجيز لا يؤمن وقوع الإشكال فيه ومن ثم لم يحصل على معانيه إلا خواص أهل اللغة العارفين بدلالات الألفاظ بخلاف الكلام المشبع الشافي فإنه سالم من الالتباس لتساوي الخاص والعام في جهته ويؤيد ذلك ما حكي أنه قيل لقيس بن خارجة ما عندك في جمالات ذات حسن قال عندي قرى كل نازل ورضا كل ساخط وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب آمر فيها بالتواصل وأنهى عن التقاطع فقيل لأبي يعقوب الجرمي هلا اكتفى بقوله آمر فيها بالتواصل عن قوله وأنهى عن التقاطع فقال أو ما علمت أن الكتابة والتعريض لا تعمل عمل الإطناب والتكشف ألا ترى أن الله تعالى إذا خاطب العرب والأحزاب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطا وقلما تجد قصة لبني إسرائيل في القرآن إلا مطولة مشروحة ومكررة في مواضع معادة لبعد فهمهم وتأخر معرفتهم بخلاف الكلام المشبع الشافي فإنه سالم من الالتباس لتساوي الخاص والعام في فهمه
وذهبت فرقة إلى ترجيح مساواة اللفظ المعنى واحتجوا لذلك بأن منزع الفضيلة من الوسط دون الأطراف وأن الحسن إنما يوجد في الشيء المعتدل
قال في مواد البيان والذي يوجبه النظر الصحيح أن الإيجاز والإطناب والمساواة صفات موجودة في الكلام ولكل منها موضع لا يخلفه فيه رديفه إذا وضع فيه انتظم في سلك البلاغة ودل على فضل الواضع وإذا وضع غيره دل على نقص الواضع وجهله برسوم الصناعة
فأما الكلام الموجز فإنه يصلح لمخاطبة الملوك وذوي الأخطار العالية

والهمم المستقيمة والشؤون السنية ومن لا يجوز أن يشغل زمانه بما همته مصروفة إلى مطالعة غيره
وأما الإطناب فإنه يصلح للمكاتبات الصادرة في الفتوحات ونحوها مما يقرأ في المحافل والعهود السلطانية ومخاطبة من لا يصل المعنى إلى فهمه بأدنى إشارة
وعلى ذلك يحمل ما كتبه المهلب بن أبي صفرة إلى الحجاج في فتح الأزارقة من الخوارج والظهور عليهم على ارتفاع خطر هذا الفتح وطول زمانه وبعد صيته فإنه كتب فيه الحمد لله الذي كفى بالإسلام قصد ما سواه وجعل الحمد متصلا بنعماه وقضى ألا ينقطع المزيد وحيله حتى ينقطع الشكر من خلفه ثم إنا كنا وعدونا على حالتين مختلفتين نرى منهم ما يسرنا أكثر مما يسرهم ويرون منا ما يسوءهم أكثر مما بسرهم فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم ينصرنا الله ويخذلهم ويمحصنا ويمحقهم حتى بلغ الكتاب بناديهم أجله ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين )
فإن الذي حمله على الاختصار في هذا الكتاب إنما هو كونه إلى السلطان الذي من شأنه اختصار المكاتبات التي تكتب إليه بخلاف ما لو كتب به عن السلطان إلى غيره فإنه يتعين فيه بسط القول وإطالته على ما سيأتي ذكره في أول المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى
وأما مساواة اللفظ للمعنى فإنه يصلح لمخاطبة الأكفاء والنظراء والطبقة الوسطى من الرؤساء
فكما أن هذه المرتبة متوسطة بين طرفي الإيجاز والإطناب كذلك يجب أن تخص بها الطبقة الوسطى من الناس
قال أما لو استعمل كاتب ترديد الألفاظ ومرادفتها على المعنى في المكاتبة إلى ملك مصروف الهمة إلى أمور كثيرة متى انصرف منها إلى غيرها دخلها الخلل لرتب كلامه في غير رتبه ودل على جهله بالصناعة
وكذا لو بنى على الإيجاز كتابا يكتبه في فتح جليل الخطر حسن الأثر يقرأ في المحافل والمساجد الجامعة على رؤوس الأشهاد من العامة

ومن يراد منه تفخيم شأن السلطان في نفسه لأوقع كلامه في غير موقعه ونزله في غير منزلته لأنه لا أقبح ولا أسمج من أن يستنفر الناس لسماع كتاب قد ورد من السلطان في بعض عظائم أمور المملكة أو الدين فإذا حضر الناس كان الذي يمر على أسماعهم من الألفاظ واردا مورد الإيجاز والاختصار لم يحسن موقعه وخرج من وضع البلاغة لوضعه في غير موضعه
قلت وما ذكرته من الأصول والقواعد التي تبنى عليها صنعة الكلام هو القدر اللازم الذي لا يسع الكاتب الجهل بشيء منه ولا يسمح بإخلاء كتاب مصنف في هذا الفن منه
أما المتممات التي يكمل بها الكاتب من المعرفة بعلوم البلاغة ووجوه تحسين الكلام من المعاني والبيان والبديع فإن فيها كتبا مفردة تكاد تخرج عن الحصر والإحصاء فاقتضى الحال من المتقدمين للتصنيف في هذا الفن أن قد قصروا تصانيفهم على علوم البلاغة وتوابعها كالوزير ضياء الدين بن الأثير في المثل السائر وأبي هلال العسكري في الصناعتين والشيخ شهاب الدين محمود الحلبي في حسن التوسل كما تقدمت الإشارة إليه في مقدمة الكتاب فليطلب ذلك من مظانه من هذه الكتب وغيرها إذ هذا الكتاب إنما يذكر فيه ما يشق طلبه من كتب متفرقة وتصانيف متعددة أو يكون في المصنف الواحد منه النبذة غير الكافية ولا يجتمع منه المطلوب إلا من كشف الكثير من المصنفات المتفرقة في الفنون المختلفة

الفصل الثالث من الباب الأول من المقالة الأولى في معرفة الأزمنة والأوقات من الأيام والشهور والسنين على اختلاف الأمم فيها وتفاصيل أجزائها والطرق الموصلة إليها ومعرفة أعياد الأمم وفيه أربعة أطراف

الطرف الأول في الأيام وفيه ست جمل
الجملة الأولى في مدلول اليوم ومعناه وبيان ابتداء الليل والنهار
وقد اختلف الناس في مدلول اليوم على مذهبين
المذهب الأول وهو مذهب أهل الهيئة أن اليوم عبارة عن زمان جامع لليل والنهار مدته ما بين مفارقة الشمس نصف دائرة عظيمة ثابتة الموضع بالحركة الأولى إلى عودها إلى ذلك النصف بعينه وأظهر هذه الدوائر الأفق وفلك نصف النهار
والحذاق من المنجمين يؤثرون فلك نصف النهار على الأفق بسهولة تحصل بذلك في بعض أعمالهم لأن اختلاف دوائره في سائر الأوقات اختلاف واحد وبعضهم يؤثر استعمال الأفق لأن الطلوع منه والغروب فيه أظهر للعيان وهو الموافق لما نحن فيه
ثم منهم من يقدم الليل فيفتتح اليوم بغروب الشمس ويختم بغروبها من اليوم القابل وعلى ذلك عمل المسلمين وأهل الكتاب وهو مذهب العرب لأن شهورهم مبنية على مسير القمر وأوائلها مقدرة برؤية الهلال
ومنهم من يقدم النهار على الليل فيفتتح اليوم بطلوع الشمس ويختم بطلوعها من اليوم القابل وهو مذهب الروم والفرس
ويحكى أن الاسكندر سأل بعض الحكماء عن الليل والنهار أيهما قبل

صاحبه فقال هما في دائرة واحدة والدائرة لا يعلم لها أول ولا آخر ولا أعلى ولا أسفل
المذهب الثاني وهو مذهب الفقهاء أن اليوم عبارة عن النهار دون الليل حتى لو قال لزوجته أنت طالق يوم يقدم فلان فقدم ليلا لم يقع الطلاق على الصحيح
ثم القائلون بذلك نظروا إلى الليل والنهار باعتبارين طبيعي وشرعي
أما الطبيعي فالليل من لدن غروب الشمس واستتارها بحدبة الأرض إلى طلوعها وظهورها من الأفق والنهار من طلوع نصف قرص الشمس من المشرق إلى غيبوبة نصفها في الأفق في المغرب وسائر الأمم يستعملونه كذلك
وأما الشرعي فالليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني وهو المراد بالخيط الأبيض من قوله تعالى ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) والنهار من الفجر الثاني إلى غروب الشمس وبذلك تتعلق الأحكام الشرعية من الصوم والصلاة وغيرهما
واعلم أن الشمس في الليل تكون غائبة تحت الأرض فإذا قربت منا في حال غيبتها أحسسنا بضيائها المحيط بظل الأرض الذي هو الليل وهذا الضياء طليعة أمامها يطلع في السحر بياض مستطيل مستدق الأعلى وهو الفجر الكاذب إذ لا حكم له في الشريعة ويشبه بذنب السرحان لانتصابه واستطالته ودقته ويبقى مدة ثم يزداد هذا الضوء إلى أن يأخذ طولا وعرضا وينبسط في عرض الأفق وهو الفجر الثاني ويسمى الصادق وعليه تترتب جميع الأحكام الشرعية المتعلقة بالفجر وبعده يحمر الأفق لاقتراب الشمس وسطوع ضيائها على المدورات الغربية من الأرض ويتبعه الطلوع وعند غروبها ينعكس الحكم في

الترتيب المتقدم فيبقى الأفق محمرا من جهة المغرب بعد الغروب ثم تزول الحمرة ويبقى البياض الذي هو نظير الفجر الصادق وبالحمرة حكم صلاة العشاء عند الشافعية وبالبياض حكمها عند الحنفية ثم يزداد البياض ضعفا شيئا فشيئا إلى أن يغيب ثم يتبعه البياض المستطيل المنتصب نظير الفجر الكاذب مدة من الليل ثم يذهب وهذا لا حكم له في الشرعيات
والهند لا يعدون الفجر ولا الشفق من الليل ولا من النهار ويجعلونهما قسما مستقلا وهذا في غاية البعد لأن الله تعالى قسم الزمان إلى ليل ونهار ولم يذكر معهما سواهما

الجملة الثانية في اختلاف الليل والنهار بالزيادة والنقصان والاستواء
باختلاف الأمكنة واعلم أن البلاد والنواحي على قسمين
القسم الأول ما يستوي فيه الليل والنهار أبدا لا يختلفان بزيادة ولا
نقصان
وذلك في البلاد التي لا عرض لها وهي ما مر عليه خط الاستواء والعلة في التساوي هي أن أصحاب الهيئة لما توهموا أن بين قطبي فلك البروج دائرة عظمى تقسم سطح السماء نصفين على السواء وسموها دائرة معدل النهار وتوهموا أيضا في موازاتها دائرة أخرى تقسم سطح الأرض نصفين وسموها دائرة الاستواء وخط الاستواء وكل بلد يمر عليه هذا الخط لا عرض له وذلك لانقسام الكرة فيه وطلوع الشمس أبدا على رؤوس ساكنيه وميلها في ناحيتي الشمال والجنوب بقدر واحد ودوائر الأوقات تقطع جميع الدوائر الموازية لدائرة معدل النهار بنصفين نصفين فيكون قوس النهار وهو الزمان الذي من طلوع الشمس إلى غروبها مساويا لقوس الليل وهو الزمان الذي من غروب الشمس إلى طلوعها فيكون الليل والنهار متساويين أبدا في هذه المواضع في جميع السنة

القسم الثاني ما يختلف فيه الليل والنهار في السنة بالاستواء والزيادة
والنقصان وهي البلاد ذوات العروض
والعلة في الزيادة والنقصان أن المواضع التي تميل عن خط الاستواء إلى الشمال تميل في كل موضع منها دائرة معدل النهار إلى الجنوب وتنحط الشمس ويرتفع القطب الشمالي من الأفق ويصير للبلد عرض بحسب ذلك الارتفاع وبقدر بعده عن الخط
وإذا مالت الدائرة قطعت الآفاق كل دائرة من الدوائر الموازية لها بقطعتين مختلفتين فيكون ما فوق الأرض من قسميها أعظم من الذي تحتها لأن القطب لما ارتفع ارتفعت الدوائر الشمالية فظهر من كل واحدة أكثر من نصفها وانحط مدار الشمس عن سمت الرأس إلى جهة الجنوب فبعد مشرق الصيف عن مشرق الشتاء فطال النهار وقصر الليل وكلما زاد ارتفاع القطب في الأقاليم زاد الاختلاف الذي هو بين هذه القطع إلى أن تكون نهاية الأطوال حيث يكون ارتفاع القطب اثنتي عشرة درجة ونصفا وربعا وهو أول المعمور اثنتي عشرة ساعة ونصفا وربعا وحيث يكون ارتفاعه تسعا وعشرون درجة وهو آخر الاقليم الثاني ثلاث عشرة ساعة ونصفا وربعا وحيث يكون ارتفاعه ثلاثا وثلاثين درجة ونصفا وهو آخر الإقليم الثالث أربع عشرة ساعة وربعا وحيث يكون ارتفاعه تسعا وثلاثين درجة وهو آخر الإقليم الرابع أربع عشرة ساعة ونصفا وربعا وحيث يكون ارتفاعه ثلاثا وأربعين درجة ونصفا وهو آخر الإقليم الخامس خمس عشرة ساعة وربعا وحيث يكون ارتفاعه سبعا وأربعين درجة وهو آخر الإقليم السادس خمس عشرة ساعة ونصفا وربعا وحيث يكون ارتفاعه خمسين درجة وهو آخر الإقليم السابع ست عشرة ساعة وربعا
ولا يزال اختلاف مطالع البروج يزداد بالإمعان في الشمال ويتسع شرقا المنقلبين ويتقاربان مع مغربيهما إلى أن يلتقيا في العرض المساوي لتمام الميل الأعظم وهو حيث يكون ارتفاع القطب ستا وستين درجة وفي هذا الموضع

يكون قطب فلك البروج في دوره يمر على سمت الرؤوس ويكون أول السرطان فقط ظاهرا فوق الأرض أبدا ومدار أول الجدي فقط غائبا أبدا فيكون مقدار النهار الأطول أربعا وعشرين ساعة لا ليل فيه
ويعرض في هذه المواضع عند موازاة قطب فلك البروج سمت الرؤوس أن دائرة فلك البروج تنطبق حينئذ على دائرة الأفق فيكون أول الحمل في المشرق وأول الميزان في المغرب وأول السرطان في الأفق الشمالي وأول الجدي في الأفق الجنوبي
فإذا صار قطب فلك البروج والأفق نصفين وارتفع النصف الشرقي من فلك البروج وانخفض النصف الغربي فيطلع حينئذ ستة بروج دفعة واحدة وهي من أول الجدي إلى آخر الجوزاء وكذلك تغرب الستة الباقية دفعة واحدة
وحيث يكون ارتفاع القطب سبعا وستين درجة وربعا فهناك يكون مدار ما بين النصف من الجوزاء إلى النصف من السرطان ظاهرا فوق الأرض أبدا وما بين النصف من النصف من القوس إلى النصف من الجدي غائبا أبدا فيكون مقدار شهر من شهور الصيف نهارا كله لا ليل فيه وشهر من الشتاء ليلا كله لا نهار فيه والعشرة الأشهر الباقية من السنة كل يوم وليلة أربعا وعشرين ساعة
وحيث يكون ارتفاع القطب تسعا وستين درجة ونصفا وربعا فهناك يكون مدار برجي الجوزاء والسرطان ظاهرا فوق الأرض ومدار برجي القوس والجدي غائبا تحت الأرض أبدا ولذلك يكون مقدار شهرين من الصيف نهارا كله وشهرين من الشتاء ليلا كله
وحيث يكون ارتفاع القطب ثلاثا وسبعين درجة يكون ما بين النصف من الثور إلى النصف من الأسد ظاهرا أبدا والأجزاء النظيرة لها غائبة أبدا فيكون مقدار ثلاثة أشهر من الصيف نهارا كله وثلاثة أشهر من الشتاء ليلا كله
وحيث يكون ارتفاع القطب ثماني وسبعين درجة ونصفا فهناك يكون مدار الثور والجوزاء والسرطان ظاهر أبدا والبروج النظيرة لها غائبة أبدا فيكون أربعة أشهر من الصيف نهارا كله وأربعة اشهر من الشتاء ليلا كله
وحيث

يكون ارتفاع القطب أربعا وثمانين درجة فهناك يكون مدار ما بين النصف من الحمل إلى النصف من السنبلة ظاهرا أبدا والبروج النظيرة لها غائبة أبدا فيكون خمسة أشهر من الصيف نهارا كله وخمسة أشهر من الشتاء ليلا كله
ومما يعرض في هذه المواضع التي تقدم ذكرها أنه إذا كان قطب فلك البروج في دائرة نصف النهار مما يلي الجنوب كان أول الحمل في المشرق وأول الميزان في المغرب وتكون البروج الشمالية ظاهرة أبدا فوق الأرض والجنوبية غائبة تحتها وهناك يطلع ما له طلوع من آخر الفلك فيما بين الجدي والسرطان منكوسا فيطلع الثور قبل الحمل والحمل قبل الحوت والحوت قبل الدلو وكذلك تغرب نظائرها منكوسة
وحيث يكون ارتفاع القطب تسعين درجة فيصير على سمت الرأس فهناك تكون دائرة معدل النهار منطبقة على الأفق أبدا ويكون دور الفلك رحويا موازيا للأفق ويكون نصف السماء الشمالي عن معدل النهار ظاهرا أبدا فوق الأرض والنصف الجنوبي غائبا تحتها فلذلك إذا كانت الشمس في البروج الشمالية كانت طالعة تدور حول الأفق ويكون أكثر ارتفاعها عنه بمقدار ميلها عن معدل النهار وإذا كانت في البروج الجنوبية كانت غائبة أبدا فتكون السنة هناك يوما واحدا ستة أشهر ليلا وستة أشهر نهارا ولا يكون لها طلوع ولا غروب
فظهر من هذا أن حركة الفلك بالنسبة للآفاق إما دولابية وهي في خط الاستواء وإما حمائلية وهي في الآفاق المائلة عنه وإما رحوية وهي في المواضع التي ينطبق فيها قطب العالم على سمت الرأس فسبحان من أتقن ما صنع

الجملة الثالثة في معرفة زيادة الليل والنهار ونقصانهما بتنقل الشمس في
البروج
اعلم أن للشمس حركتين سريعة وبطيئة

أما السريعة فحركة فلك الكل بها في اليوم والليلة من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق وتسمى الحركة اليومية
وأما الحركة البطيئة فقطعها فلك البروج في سنة شمسية من الجنوب إلى الشمال ومن الشمال إلى الجنوب ولتعلم أن جهة المشرق وجهة المغرب لا تتغيران في أنفسهما بل جهة المشرق واحدة وكذلك جهة المغرب وإن اختلفت مطالعهما
قال تعالى ( رب المشرق والمغرب ) أي جهة الشروق وجهة الغروب في الجملة إلا أن الشمس لها غاية ترتفع إليها في الشمال ولتلك الغاية مشرق ومغرب وهو مشرق الصيف ومغربه ومطلعها حينئذ بالقرب من مطلع السماك الرامح ولها غاية تنحط إليها في الجنوب ولتلك الغاية أيضا مشرق ومغرب وهو مشرق الشتاء ومغربه ومطلعها حينئذ القرب من مطلع بطن العقرب وهذان المشرقان والمغربان هما المراد بقوله تعالى ( رب المشرقين ورب المغربين ) وبين هاتين الغايتين مائة وثمانون مشرقا ويقابلها مائة وثمانون مغربا ففي كل يوم تطلع من المشرق غير الذي تطلع فيه بالأمس وتغرب في مغرب غير الذي تغرب فيه بالأمس
وذلك قوله تعالى ( رب المشارق والمغارب ) ونقطة الوسط بين هاتين الغايتين وهي التي يعتدل فيها الليل والنهار يسمى مطلع الشمس فيها مشرق الاستواء ومغرب الاستواء ومطلعها حينئذ بالقرب من مطلع السماك الأعزل
وقد قسم علماء الهيئة ما بين غاية الارتفاع وغاية الهبوط اثني عشر قسما

قالوا والمعنى في ذلك أن الشمس في المبدإ الأول لما سارت مسيرها الذي جعله الله خاصا بها قطعت دور الفلك التاسع في ثلثمائة وستين يوما وسميت جملة هذه الأيام سنة شمسية ورسمت بحركتها هذه في هذا الفلك دائرة عظمى على ما توهمه أصحاب الهيئة وقسمت هذه الدائرة إلى ثلثمائة وستين جزءا وسموا كل جزء درجة ثم قسمت هذه الدرج إلى اثني عشر قسما على عدد شهور السنة وسموا كل قسم منها برجا وجعلوا ابتداء الأقسام من نقطة الاعتدال الربيعي لاعتدال الليل والنهار عند مرور الشمس بهذه النقطة ووجدوا في كل من قسم هذه الأقسام نجوما تتشكل منها صورة من الصور فسموا كل قسم باسم الصورة التي وجدوها عليه وكان القسم الأول الذي ابتدأوا به نجوما إذا جمع متفرقها تشكلت صورة حمل فسموها بالحمل وكذلك البواقي
قال صاحب مناهج الفكر وذلك في أول ما رصدوا وقد انتقلت الصور عن أمكنتها على ما زعموا فصار مكان الحمل الثور وهي تنتقل على رأي بطليموس في ثلاثة آلاف سنة وعلى رأي المتأخرين في ألفي سنة
إذا علمت ذلك فاعلم أن الدورة الفلكية في العروض الشمالية تنقسم إلى ثلثمائة وستين درجة كما تقدمت الإشارة إليه والسنة ثلثمائة وستون يوما منقسمة على الاثني عشر برجا المتقدم ذكرها لكل برج منها ثلاثون يوما وتوزع عليها الخمسة أيام والربع يوم والليل والنهار يتعاقبان بالزيادة والنقصان بحسب سير الشمس في تلك البروج فما نقص من أحدهما زيد في الآخر وذلك أنها إذا حلت في رأس الحمل وهي آخذة في الارتفاع إلى جهة الشمال وذلك في السابع عشر من برمهات من شهور القبط ويوافقه الحادي والعشرون من آذار من شهور السريان وهو مارس من شهور الروم والرابع والعشرون من حردادماه من شهور الفرس اعتدال الليل والنهار فكان كل واحد منهما مائة وثمانين درجة وهو أحد الاعتدالين في السنة ويسمى الاعتدال الربيعي لوقوعه أول زمن الربيع فيزيد

النهار فيه في كل يوم نصف درجة وينقص الليل كذلك فتكون زيادة النهار فيه لمدة ثلاثين يوما خمس عشرة درجة ونقص الليل كذلك ويصير النهار بآخره على مائة وخمس وتسعين درجة والليل على مائة وخمس وستين درجة
ثم تنقل إلى الثور فيزيد النهار فيه كل يوم ثلث درجة وينقص الليل كذلك فتكون زيادة النهار فيه لمدة ثلاثين يوما عشر درجات ونقص الليل كذلك ويصير النهار بآخره على مائتين وخمس درجات والليل على مائة وخمس وخمسين درجة
ثم تنقل إلى الجوزاء فيزيد النهار فيها كل يوم سدس درجة وينقص الليل كذلك فتكون زيادة النهار فيها لمدة ثلاثين يوما خمس درجات ونقص الليل كذلك ويصير النهار آخرها على مائتين وعشر درجات والليل على مائة وخمسين درجة وذلك غاية ارتفاعها في جهة الشمال
وهذا أطول يوم في السنة وأقصر ليلة في السنة
ويسمى سير الشمس في هذه البروج الثلاثة شماليا صاعدا لصعودها في جهة الشمال
ثم تنقل الشمس إلى السرطان وتكر راجعة إلى جهة الجنوب ويسمى ذلك المنقلب الصيفي وذلك في العشرين من بؤنة من شهور القبط ويبقى من حزيران من شهور السريان ويونيه من شهور الروم خمسة ايام وحينئذ يأخذ الليل في الزيادة والنهار في النقصان فينقص النهار فيه في كل يوم سدس درجة ويزيد الليل كذلك فيكون نقص النهار فيه لمدة ثلاثين يوما خمس درجات وزيادة الليل كذلك ويصير النهار بآخره على مائتين وخمس درجات والليل على مائة وخمس وخمسين درجة
ثم تنقل إلى الأسد فينقص النهار فيه كل يوم ثلث درجة فيكون نقص النهار فيه لمدة ثلاثين يوما عشر درجات وزيادة الليل كذلك ويصير النهار بآخره على مائة وخمس وتسعين درجة والليل على مائة وخمس وستين درجة

ثم تنقل إلى السنبلة فينقص النهار فيها كل يوم نصف درجة ويزيد الليل كذلك فيكون نقص النهار فيها لمدة ثلاثين يوما خمس عشرة درجة وزيادة الليل كذلك ويصير النهار بآخرها على مائة وثمانين درجة والليل كذلك فيستوي الليل والنهار ويسمى الاعتدال الخريفي لوقوعه في أول الخريف ويسمى سير الشمس في هذه البروج الثلاثة شماليا هابطا لهبوطها في الجهة الشمالية
ثم تنقل إلى الميزان في الثامن عشر من توت من شهور القبط وهي آخذة في الهبوط والنهار في النقص والليل في الزيادة فينقص النهار فيه كل يوم نصف درجة ويزيد الليل كذلك فيكون نقص النهار فيه لمدة ثلاثين يوما خمس عشرة درجة وزيادة الليل كذلك ويصير النهار بآخره على مائة وخمس وستين درجة والليل على مائة وخمس وتسعين درجة
ثم تنقل إلى العقرب فينقص النهار في كل يوم ثلث درجة ويزيد الليل كذلك فيكون نقص النهار فيه لمدة ثلاثين يوما عشر درجات وزيادة الليل كذلك ويصير النهار بآخره على مائة وخمس وخمسين درجة والليل على مائتين وخمس درجات
ثم تنقل إلى القوس فينقص النهار فيه كل يوم سدس درجة ويزيد الليل كذلك فيكون نقص النهار فيه لمدة ثلاثين يوما خمس درجات وزيادة الليل كذلك ويصير النهار بآخره على مائة وخمسين درجة والليل على مائتين وعشر درجات وهو أقصر يوم في السنة وأطول ليلة في السنة وذلك غاية هبوطها في الجهة الجنوبية
ويسمى سير الشمس في هذه البروج جنوبيا هابطا لهبوطها في الجهة الجنوبية
ثم تنقل إلىالجدي في السابع عشر من كيهك وتكر راجعة فتأخذ في الارتفاع ويأخذ النهار في الزيادة والليل في النقصان فيزيد النهار فيه كل يوم سدس درجة وينقص الليل كذلك فتكون زيادة النهار فيه لمدة ثلاثين يوما خمس درجات ونقص الليل كذلك ويصير النهار بآخره على مائة وخمس

وخمسين درجة والليل على مائتين وخمس درجات
ثم تنقل إلى الدلو فيزيد النهار فيه كل يوم ثلث درجة وينقص الليل كذلك فتكون زيادة النهار فيه لمدة ثلاثين يوما عشر درجات ونقص الليل كذلك ويصير النهار بآخره على مائة وخمس وستين درجة والليل على مائة وخمس وتسعين درجة
ثم تنقل إلى الحوت فيزيد النهار فيه كل يوم نصف درجة وينقص الليل كذلك فتكون زيادة النهار فيه لمدة ثلاثين يوما خمس عشرة درجة ونقص الليل كذلك ويصير النهار بآخره على مائة وثمانين درجة والليل كذلك فيستوي الليل والنهار وهو رأس الحمل وقد تقدم
ويسمى سير الشمس في هذه البروج الثلاثة جنوبيا صاعدا لصعودها في الجهة الجنوبية وهذا شأنها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
وهذا العمل إنما هو في مصر وأعمالها فإذا اختلفت العروض كان الأمر في الزيادة والنقصان بخلاف ذلك والله أعلم
تنبيه إذا أردت أن تعرف الشمس في أي برج من البروج وكم قطعت منه في أي وقت شئت فأقرب الطرق في ذلك أن تعرف الشهر الذي أنت فيه من شهور القبط وتعرف أمسه

الجملة الرابعة في بيان ما يعرف به ابتداء الليل والنهار
وقد تقدم أن النهار الطبيعي أوله طلوع الشمس وآخره غروبها والنهار الشرعي أوله طلوع الفجر الثاني وآخره غروب الشمس فيخالفه في الابتداء

ويوافقه في الانتهاء وطلوع الشمس وغروبها ظاهر يعرفه الخاص والعام أما الفجر فإن أمره خفي لا يعرفه كل أحد وقد تقدم انقسامه إلى كاذب وهو الأول وصادق وهو الثاني وعليه التعويل في الشرعيات فيحتاج إلى موضح يوضحه ويظهره للعيان وقد جعل المنجمون وعلماء الميقات له نجوما تدل عليه بالطلوع والغروب والتوسط وهي منازل القمر وعدتها ثمان وعشرون منزلة وهي الشرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والخرتان والصرفة والعواء والسماك والغفر والزبانان والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ المقدم والفرغ المؤخر وبطن الحوت
والمعنى في ذلك أن الشمس إذا قربت من كوكب من الكواكب الثابتة أو المتحركة سترته وأخفته عن العيون فصار يظهر نهارا ويختفي ليلا ويكون خفاؤه غيبة له ولا يزال كذلك خافيا إلى أن تبعد عنه الشمس بعدا يمكن أن يظهر معه للأبصار وهو عند أول طلوع الفجر فإن ضوء الشمس يكون ضعيفا حينئذ فلا يغلب نور الكوكب فيرى الكوكب في الأفق الشرقي ظاهرا وحصة كل منزلة من هذه المنازل من السنة ثلاثة عشر يوما وربع سبع يوم ونصف ثمن سبع يوم على التقريب كما سيأتي على المنازل الثمانية والعشرين خص كل منزلة ما ذكر من العدد والكسور ولما كان الأمر كذلك جعل لكل منزلة ثلاثة عشر يوما وهي ثلاث عشرة درجة من درج الفلك وجمع ما فضل من الكسور على كل ثلاثة عشر يوما بعد انقضاء أيام المنازل الثمانية والعشرين فكان يوما وربعا فجعل يوما في المنزلة التي توافق آخر السنة وهي الجبهة فكان حصتها أربعة عشر يوما وبقي ربع

يوم ونسيء أربع سنين حتى صار يوما فزيد على الجبهة أيضا فكانت كواكب المنازل المذكورة تطلع مع الفجر منها أربعة عشر يوما ثلاث سنين وفي السنة الرابعة تطلع بالفجر خمسة عشر يوما
فأما الشرطان وهما المنزلة الأولى فأول طلوعهما بالفجر في الثالث والعشرين من برمودة من شهور القبط وهو الثامن عشر من نيسان من شهور السريان
وأما البطين وهو المنزلة الثانية فأول طلوعه بالفجر في السادس من بشنس من شهور القبط وهو أول يوم من أيار من شهور السريان
وأما الثريا وهي المنزلة الثالثة فأول طلوعها بالفجر في التاسع عشر من بشنس من شهور القبط وهو الرابع عشر من أيار من شهور السريان
وأما الدبران وهو المنزلة الرابعة فطلوعها بالفجر في الثاني من بؤنة من شهور القبط وهو السادس والعشرون من أيار من شهور السريان
وأما الهقعة وهي المنزلة الخامسة فأول طلوعها بالفجر في الخامس عشر من بؤنة من شهور القبط وهو التاسع من حزيران من شهور السريان
وأما الهنعة وهي المنزلة السادسة فأول طلوعها بالفجر في الثامن والعشرين من بؤنة من شهور القبط وهو الثاني والعشرون من حزيران من شهور السريان
وأما الذراع وهو المنزلة السابعة فأول طلوعه بالفجر في الحادي عشر من أبيب من شهور القبط وهو الثامن عشر من تموز من شهور السريان
وأما النثرة وهي المنزلة الثامنة فأول طلوعها بالفجر في الرابع والعشرين من أبيب من شهور القبط وهو الثامن عشر من تموز من شهر السريان
وأما الطرف وهو المنزلة التاسعة فأول طلوعه بالفجر في السابع من مسرى من شهور القبط وهو اليوم الآخر من تموز من شهور السريان

وأما الجبهة وهي المنزلة العاشرة فأول طلوعها بالفجر في العشرين من مسرى من شهور القبط وهو الثالث عشر من آب من شهور السريان
وأما الخرتان وهو المنزلة الحادية عشرة فأول طلوعه بالفجر في الرابع من أيام النسيء القبطي وفي السنة الكبيسة في الخامس منه وهو السابع والعشرون من آب من شهور السريان
وأما الصرفة وهي المنزلة الثانية عشرة فأول طلوعها بالفجر في الثاني عشر من توت من شهور القبط وهو التاسع من أيلول من شهور السريان
وأما العواء وهي المنزلة الثالثة عشرة فأول طلوعها بالفجر في الخامس والعشرين من توت من شهور القبط وفي الثاني والعشرين من أيلول من شهور السريان
وأما السماك وهي المنزلة الرابعة عشرة فأول طلوعها بالفجر في الثامن من بابه من شهور القبط وهو الخامس من تشرين الأول من شهور السريان
وأما الغفر وهي المنزلة الخامسة عشرة فأول طلوعها بالفجر في الحادي والعشرين من بابه من شهور القبط وهو الثامن عشر من تشرين الأول من شهور السريان
وأما الزبانان وهما المنزلة السادسة عشرة فأول طلوعهما بالفجر في الرابع من هاتور من شهور القبط وهو آخر يوم من تشرين الأول من شهور السريان
وأما الإكليل وهو المنزلة السابعة عشرة فأول طلوعه بالفجر في السابع عشر من هاتور من شهور القبط وهو الثالث عشر من تشرين الثاني من شهور السريان
وأما القلب وهو المنزلة الثامنة عشرة فأول طلوعه بالفجر في آخر يوم من هاتور من شهور القبط وهو السادس والعشرون من تشرين الثاني من شهور السريان

وأما الشولة وهي المنزلة التاسعة عشرة فأول طلوعها بالفجر في الثالث عشر من كيهك من شهور القبط وهو التاسع من كانون الأول من شهور السريان
وأما النعائم وهي المنزلة العشرون فأول طلوعها بالفجر في السادس والعشرين من كيهك من شهور القبط وهو الثاني والعشرون من كانون الأول من شهور السريان
وأما البلدة وهي المنزلة الحادية والعشرون فأول طلوعها بالفجر في التاسع من طوبه من شهور القبط وهو الرابع من كانون الثاني من شهور السريان
وأما سعد الذابح وهو المنزلة الثانية والعشرون فأول طلوعها بالفجر في الثاني والعشرين من طوبه من شهور القبط وهو السابع عشر من كانون الثاني من شهور السريان
وأما سعد بلع وهو المنزلة الثالثة والعشرون فأول طلوعها بالفجر في الخامس من أمشير من شهور القبط وهو الثلاثون من كانون الآخر من شهور السريان
وأما سعد السعود وهو المنزلة الرابعة والعشرون فأول طلوعها بالفجر في الثامن عشر من أمشير من شهور القبط وهو الثاني عشر من شباط من شهور السريان
وأما سعد الأخبية وهو المنزلة الخامسة والعشرون فأول طلوعها بالفجر أول يوم من برمهات من شهور القبط وهو الخامس والعشرون من شباط من شهور السريان
وأما الفرغ المقدم وهو المنزلة السادسة والعشرون فأول طلوعها بالفجر في الرابع عشر من برمهات من شهور القبط وهو السابع من آذار من شهور السريان
وأما الفرغ المؤخر وهو المنزلة السابعة والعشرون فأول طلوعها بالفجر في السابع والعشرين من برمهات من شهور القبط وهو الثاني والعشرون من آذار

من شهور السريان
وأما بطن الحوت وهو المنزلة الثامنة والعشرون فأول طلوعها بالفجر في العاشر من برموده من شهور القبط وهو الخامس من نيسان من شهور السريان
وقد نظم الشيخ كمال الدين حفيد الشيخ أبي عبد الله محمد القرطبي أبياتا يعلم منها مطالع هذه المنازل بالفجر بحروف رمزها للشهور والأعداد والكواكب وربما غلط بعض الناس فنسبها إلى الشيخ عبد العزيز الديريني رحمه الله وهي هذه
( تبيص تهكع بحس بكأغ هذر ... هيزاء هلق كيجش ككون برز )
( ططب طكبذ أهب أيحس بأخ ... بيدم بكزم بيت بكجش رمز )
( وليس فيها من الحشوات قط سوى ... أواخر النظم فافهم شرحها لتعز )
وبيان كل ذلك أن الحرف الأول من كل كلمة اسم للشهر الذي تطلع فيه تلك المنزلة والحرف الآخر منها اسم المنزلة وما بين الآخر والأول عدد ما مضى من الشهر بحساب الجمل مثال ذلك التاء من تبيص كناية عن توت والصاد منها كناية عن الصرفة والياء والباء اللذان بينهما عددهما بالجمل اثنا عشر إذ الياء بعشرة والباء باثنتين فكأنه قال في الثاني عشر من توت تطلع الصرفة بالفجر وكذلك البواقي إلا أنه لا عبرة بأواخر البيتين وهي برز في البيت الأول ورمز في البيت الثاني
ونظم الإمام محب الدين جار الله الطبري أبياتا كذلك على شهور السريان وهي هذه

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39