كتاب : تفسير اللباب في علوم الكتاب
المؤلف : أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

ثُمَّ اعترض على الزمخشري في تَجْوِيزِه أن تكون معطوفةً على « خَلَقَ » [ لأنَّ « خَلَقَ » ] صِلَةٌ ، فالمعطوف عليها يُعطى حكمها ، ولكن ليس ثم رابطٌ يعودٌ [ منها ] على الموصول .
ثُمَّ قال : « إلاَّ أنْ يكون على رَأي من يَرَى الرَّبْطَ بالظَّاهِرِ كقولهم : » أبو سعيدٍ الذي رَوَيْتُ عن الخدري « وهو قليلٌ جداً لا ينبغي أنْ يُحْمَلَ عليه كتابُ اللِّهِ » .
قال شهابُ الدين : إنَّ الزمخشري إنَّما يريدٌ العَطْفَ ب « ثم » لتراخي ما بين الرتبتين ، ولا يريدُ التَّرَاخي في الزَّمَانِ كما قد صَرَّحَ به هو ، فكيف يلزمه ما ذكر من الخُلُوِّ عن الرابط؟ .
وكيفَ يتخيل كونها لِلمُهْلَة في الزمان كما أبو حيان .
قوله : « بربِّهمْ » يجوز أن يتعلَّق ب « كَفَرُوا » ، فيكون « يَعْدلُون » وقدِّم للفَوَاصِلِ ، وفي « الباء » حينئذٍ احتمالان :
أحدهما : أن تكون بمعنى « عن » و « يَعْدلون » مِنَ العدول أي : يعدلون عن ربهم إلى غيره .
والثاني : أنها للتعدية ويعدلون من العَدْلِ وهو التسوية بين الشَّيْئَيْنِ ، أي : ثُمَّ الذين كفروا يُسَوونَ بربَّهم غَيْرَه من المَخْلُوقِينَ ، فيكون المَفْعُولُ محذوفاً .
وقيل معنى الآية كقول الفائل « أنْعَمْتُ عليكم بكذا ، وتَفَصَّلْتُ عليكم بكذا ، ثُم تكفرون نعمتي » .

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)

أعلم أنَّ هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه ذكر دليل آخر من دلائل إثبات الصانع سبحانه وتعالى ، ويحتمل أن يكون الماد منه ذكرُ الدليل على صحة المعاد وصحة الحَشْرِ .
أمَّا الأول فتقريره : أنَّهُ - تعالى - لمَّا اسْتَدَلَّ بِخَلْقِهِ السَّمواتِ وتَعَاقُبِ الظُّلماتِ والنُّور على وجود الصَّانع الحكيم أتْبَعَهُ الاسْتِدلالِ بخلقه الإنسان على إثبات هذا المَطْلُوب ، فقال : « هُو الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ » ، والمراد منه خلق آدم [ الأن آدَمَ خلق ] من طِين ، وهو أبو البَشَرِ ، ويُحتملُ أنَّ [ يكون ] المراد كَوْنَ الإنسان مَخْلُوقاً من المَنيَّ ، ومن دَمِ الطَّمْثِ ، وهما يَتَولدَان من الدَّم ، والدَّمُ وإنَّما يَتَولَّدث من الأغْذِية [ والأغذية ] إمَّا حيوانية أو نَبَاتيَّة ، فإن كانت حَيوانِيَّةَ كان الحالُ في [ كيفية ] تولُّد ذلك [ الحيوان كالحال في كيفية تَوَلُّدِ الإنسان مخلوفاً من الأغدية النباتية ، ولا شك أنها متولدة من الطين ، فثبت أن كل إنسان متولد من الطين .
إذا عرفت هذا فتقول : هذا الطِّينُ قد تَوَلدُّت النُّطفة منه بهذا الطريق المذكور .
ثم تولّد من النُّطفَة أنواع الأعضاء المختلفة في الصِّفة ، والصورة ، واللون ، والشكل ] مثل القلب والدِّماغ والكبد ، وأنواع الأعضاء البسيطةِ كالعظام والغَضاريفِ والرِّبَاطَاتِ والأوتار تولد الصفات المختلفة في المادة المُتَشَابِهَةِ ، وذلك لا يمكنُ إلاَّ بتقْدير مُقدِّرِ حكيم .
وإن قلنا : المقصود من هذا الكلام تقرير أمر المعاد ، فلأن خَلْقَ بَدَنِ الإنسان وترتيبه على هذه الصفات المختلفة إنَّما حَصَل بقُدْرَةِ فاعل حكيم ، وتلك الحكمة والقدرة باقيةٌ بعد موت الحَيَوانِ ، فيكون قادراً على إعَادتِهَاّ وإعَادَةِ الحياة فيها؛ لأنَّ القادِرَ على إيجادها من العَدَم قادرٌ على إعَادَتِهَا بطريق الأوْلَى .
قوله : « مِنْ طينٍ » فيه وَجْهَان :
أظهرهما : أنه متعلّق ب « خَلَقَكُمْ » ، و « مِنْ » لابتداء الغَايَةِ .
أظهرهما : أنه متعلّقٌ بمحذوف على أنه حَالٌ ، وهل يحتَاج في هذا الكلام إلى حذف مضاف أم لا؟ فيه خلاف .
ذهب [ جماعة ] كالمهدويِّ ومكي ، إلى أنه لا حَدْفَ ، وأنَّ الإنسان مَخْلُوقٌ من الطين .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَا مِنْ مَولُودٍ يُولَدٌ إلاَّ ويُذّرُّ على النُّطْفَةِ مِنْ تُرَابِ حٌفْرَتِهِ » .
وقيل : إنَّ النُّطْفَةَ أصْلُهَا الطِّينٌ كما تقدَّم .
وقال أكْثرٌ المُفَسِّرينَ : ثَمَّ محذوفٌ ، أي : خَلَقَ أصْلكم أو أباكم من طينٍ ، يعنون آدم وقَصَّتُهُ مشهورة .
وقال امرؤ القيس : [ الوافر ]
2102-إلَي عِرْقِ الُّثرَى رَسَخَتْ عُرُوقِي ... وهَذَا المَوْتُ يَسْلُبُنِي شَبَابِي
قالوا : أراد بعِرْقِ الثَّرى آدم عليه الصلاة والسلام لأنَّه أصلُه .
فصل في بيان معنى « خلقكم من طين »
قوله : { خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ } [ يعني أباكم ] آدم خاطبهم به ، إذ كانوا من ولدِهِ .
قال السُّديُّ : بَعَثَ اللهُ جِبْرِيلَ إلى الأرض لِيأتِيَهُ بطَائفةٍ منها ، فقالت الأرْضُ : إنِّي أعُوذُ باللُّهِ منك أنْ اتنقضي مني ، فرجع جبريل ، ولم يأخذن قال يَا رَبَّ : إنَّها عَاذَتْ بِكَ ، فبعث مِيكَائيل فاسْتَعَاذَتْ ، فرجع ، فبعث ملك الموت ، فَعَاذَتْ منه باللِّهِ ، فقال : وأنا أعوذُ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ، ثُمَّ عَجَنَهَا بالماء العَذْبِ والمِلْح والمُرّ ، فلذلك اختلفت أخلاقهم ، فقال اللَّهُ لِمَلكِ الموت :

« رحم جبريل وميكائيلُ الأرْضَ ، ولم ترحمهما لا جَرَمَ أجعل أرواح من خُلِقَ من هذا الطِّين بَيَدِكَ » .
وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه- : « خَلَقَ اللِّهُ آدَمَ من أرضِ يقالُ لها دَجْناء » .
قال الحسن : « وخَلقَ حُؤجُؤهُ من ضَرِيَّة »
قال الجوهري : « ضَرِيَّة » قرية لبني كِلاب على طريق « البصرة » ، وهي إلى « مَكَّةَ » أقربُ .
وعن ابن مسعود قال : إنَّ الله بعث إبليس ، فأخَذَ من أديم الأرْضِ عَذْبِها وملحها ، فخلقَ منه آدم عليه الصلاة والسلام فكلُّ شيء خلقه من عَذْبها ، فهو صائرٌ إلى الجَنَّةِ ، وإن كان ابن كافر ، وكُلُّ شيء خَلَقَهُ من ملحها فهو صائرٌ إلى النَّارِ وإنْ كان ابن تِقيِ؛ فَمنْ ثمَّ قال إبليسُ : { أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً } [ الإسراء : 61 ] ؛ لأنَّه جاء بالطينة؛ فسمي آدم ، خُلِقَ من أديم الأرض .
وعن عبد الله بن سلام قال : خلق الله آدم في آخر يوم الجمعة .
وعن عبد الله بن عباس قال : « لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَم كان رأسُه يَمَسْ السماءِ - قال - فوطده إلى الأرض حتَّى صار ستِّينَ ذِرَاعاً في سَبْعَةِ أذْرُعٍ عَرْضاً » .
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما- في حديث فيه طول : وحَجَّ آدمُ - عليه السلام - من « الهِنْد » أربعين حجَّةُ على رِجْلَيْهِ ، وكان آدمُ حين أُهبط تمسح رأسه السَّمَاء فمن ثَمَّ صَلَعَ ، وأوْرثَ ولَدُهُ الصَّلعَ ، ونفَرَت من طوله دواب الأرض ، فصارت وحشاً من يومئذٍ ، ولَمْ يَمُتْ حتىَّ بلغ ولده وولدُ ولدِه أربعين ألفاً وتوفي على ثور الجَبَلَ الذي أنزل؛ فقال شيث لجبريل : « صَلَّ عَلَى آدَمَ » فقال له جبريلُ : تقدَّم أنْتَ فصلِّ على أبيك كبر عليه ثلاثين تكبيرة ، فأما خمس فهي الصلاة ، وخمس وعشرون تفضيلاً لآدم .
وقيل : وكبِّرْ عليه أربعاً ، فجعل أبو شيث آدم في مَغَارةٍ ، وجَعَلوا عليها حافظاً لا يَقْربُهُ أحدٌ من بين قابيل ، وكان الذين يأتونه ويَسْتَغْفِرُون له « بنو شيث » وكان عُمْرُ آدم تسعمائة سنة وستاً وثلاثين سنة .
قوله : « ثُمَّ قَضَى » إذا كان « قَضَى » بمعنى أظهر ف « ثُمَّ » للترتيبِ الزماني على أصلها؛ لأنَّ ذلك متأخِرٌ عن خَلْقِنا ، وهي صفة فعل ، وإن كان بمعنى « كَتَب » و « قَدَّر » فهي للترتيب في الذِّكرِ؛ لأنَّها صِفَةُ ذاتٍ ، وذلك مُقدَّمّ على خَلْقِنا .

قوله : { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } مبتدأ وخبر ، وسوِّغَ الابتداء هنا شيئان :
أحدهماك وَصْفُهُ ، كقوله : { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِن } [ البقرة : 221 ] .
والثاني : عَطْفُهُ ب « ثمَّ » والعطفُ من المُسَوِّغَاتِ .
قال الشاعر : [ البسط ]
2103-عِنْدِي اصْطِبَارٌ وشَكْوَى عِنْدَ قَاتِلْتِي ... فَهَلْ بأعْجَبَ مِنْ هَذَا امْرُؤّ سَمِعَا؟
والتنكير في الأجلين لإبهام ، وهنا مُسَوَّغُ آخر ، وهو التفصيل كقوله : [ الطويل ]
2104 إذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَه ... ُ بِشِقِّ وَشِقٌ عِنْدّنَا لَمْ يُحَوَّل
ولم يَجِبْ هُنا تقديمُ إن كان المبتدأ نكرةً ، والخبرُ ظرفاً ، قال الزمخشري :
« لأنَّه تخصَّصَ بالصفة فقاربَ المعرفة » .
قال أبو حيَّان : « وهذا الذي ذَكَر من كَوْنِهِ مُسَوِّغاً للابتداء بالنكرة لكونها وُصِفَتْ لا تتعيَّنُ ، لجواز أنْ يكونَ المُسَوِّغُ التفصيلَ » ثُمَّ أنشد البيت :
- 2105 إذَا مَا بَكَى . .
قال شهابُ الدين : والمزخشري م يَقُلْ : إنَّهُ تعيَّن ذلك حتَّى يُلْزِمَهُ به ، وإنَما ذكر أشْهَرَ المسَّوغات فإنَّ العطف والتفصيل قَلَّ مَنْ يذكرُهما في المسوِّغات .
قال الزمخشري : « فإنْ قٌلت : الكلامُ السَّائِرُ أن يُقال : » عندي ثَوْبٌ جيَّدٌ ، ولي عبدٌ كَيِّسٌ « فما أوجب التقديم؟ .
قلت : أوجبه أنَّ المعنى : وأيُّ أجَلٍ مسمى عنده ، تعظيماً لشأن الساعة ، فلمَّا جرى فيها هذا المعنى أوجب التقديم » .
قال أبو حيان : وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا كان التقدير : وأيُّ أجلٍ مسمى عنده كانت « أي » صفة لموصوف محذوف تقديره : وأجل مسمى عنه ولا يجوز حذفُ الصفةِ إذا كانت « أيّا » ولا حَذْفٌ موصوفها وإبقاؤها .
لو قلت : « مررتُ بأيِّ رجل » تريدُ برجلٍ أيِّ رجل م يَجُزْ .
قال شهاب الدين : ولم أدْرِ كيف يؤاخَدُ من فَسَّر معنّى بلفظٍ لم يَدِّع أن ذلك اللًّفْظَ هُوَ أصْلُ كلام المفسر ، بل قال : معناه كيت وكيت؟ فكيف يلزمه أنْ يكَون ذلك الكلام الذي فَسَّر به هو أصْل ذلك المُفَسِّر؟ على أنَّه قَدْ وَرَدَ حَذْفُ موضوف « أيّ » وإبقاؤها كقوله : [ المتقارب ]
2106-إذا حَارَبَ الحَجَّاجُ أيَّ مُنَافِقِ ... عَلاَهُ بِسَيفٍ كُلمَّاً هَزَّ يَقْطَعُ
قوله : « ثُمَّ » أنْتُم تَمْتَرُونَ « قد تقدَّم الكلامُ على » ثُمَّط هذه . و « تمترون » تَفْتَعُون من المِرْيَةِ ، وتقدَّم معنها في « البقرة » عند قوله : { مِنَ الممترين } [ البقرة : 147 ] .
وجعل أبو حيَّان هذا من باب الاتْتِفَاتِ ، أعني قوله : « خَلَقكُمْ ثُمَّ أنْتُم تَمْتَرُون » ، يعني أنَّ قوله : « ثُمَّ الذين كفروا » غائبٌ ، فالْتَفَتَ عنه إلى قوله : « خَلَقكُمْ ثُمَّ أنْتُم » ثُمَّ كأنَّه اعترض على نفسه بأنَّ خَلْقَكم وقضاءَ الأجلِ لا يَخْتَصُّ به الكُفَّار ، بل المؤمنون مِثْلُهم في ذلك .
وأجاب بأنِّه إنَّما قَصَدَ الكُفَّار تَنْبِيهاً لهم على خَلْقِهِ لهم وقُدرَتِهِ وقضائه لآجالهم .
قال : « وإنِّما جَعَلْتُه من الالِتفَاتِ؛ لأن هذا الخطابَ ، وهو » ثُمَّ أنْتُم تَمْتَرُون « لا يُمِكن أنْ يَنْدَرجَ فيه مَن اصْطَفاَهُ الله تعالى بالنبوَّة والإيمان » وأجَلٌ مسمَّى « مُسَمَّو؛ لأنه من مادة الاسم ، وقد تقدَّم ذلك ، فقُلبت الواوُ ياءً ، ثم الياء ألفاً » .

وتمرتون أصله « تَمْتَرِيُون » فَأعِلَّ كنَظَائِرِه .
فصل في معنى « قضى »
والقضاء قد يَرِدُ بمعنى الحكم ، والأمر قال تعالى : { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ } [ الإسراء : 23 ] وبمعنى صفة الفعل إذا تَمَّ ، قال تعالى : { وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب } [ الإسراء : 4 ] وبمعنى صفة الفعل إذا تَمَّ ، قال تعال : { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات } [ فصلت : 12 ] ومنه قولهم : « قضى فلان حاجةَ فلانٍ » .
وأمَّا الأجَلُ فهو في اللُّغَةِ عبارةٌ عن الوَقْتِ المضروب لإنقضاء المُدَّةِ ، وأجَلُ الإنسان هو المؤقت المضروب؛ لانقضاء عُمْرِهِ . وأجَلُ الدَّيْنِ : مَحلُّهُ لانْقِضَاءِ التأخير فيه ، وأصْلُهُ من التَّأخيرِ يُقال : أجلَ الشَّيء يَأجَلُ أجُولاً وهو آجلٌ إذا تأخَّرَ ، والآجلُ نقيض العَاجِلِ ، وإذا عُرِفَ هذا فقوله ، « ثُمَّ قَضَى أجَلاً » معناه : أنَّهُ - تعالى - خَصَّصَ موت كُلَّ واحَد بوقتٍ مُعَيَّنٍ ، « وأجلٌ مُسَمَّى عِنْدهُ » قال الحَسَنُ : وقتادة ، والضحَّاكُ : الأجَلُ الأوّل من الولادَةِ إلى الموت . والأجَلُ الثاني : مِنَ الموتِ إلى البَعْثِ ، وهو البَرْزَخُ وروي عن ابن عبَّاس ، وقال : لِكُلِّ أحَدٍ أجلان أجل من الولادة إلى الموت أدنى البعث في أجل العُمر ، فإن كان بالعكس قاطِعاً للرحَّمِ نُقِصَ من أجَل العُمر وزيد في أجَلِ البَعْثِ مخافة .
[ وقال مجاهد ] وسعيد بن جُبَيْرٍ : الأجَلُ الأوَّلُ أجَلُ الدنيا ، والثَّاني أجَلُ الآخرة .
وقال عطيةُ عن ابن عبَّاس : الأجَلُ الأوَّل : النَّوم ، والثاني : الموتُ . وقال أبو مُسلِم : المرادُ بالأجَلِ الأوَّلٍ : آجال الماضين من الخَلْقِ وقوله : « وأجَلٌ مُسَمَّى عِنْدَهُ » :
المرادُ منه آجَالُ الباقين ، فخضَّ هذا الأجل الثاني ، بكونه مُسَمَّ عِندهُ؛ لأن الماضين لما ماتوا صارت آجالهُمْ معلومة ، فلهذا المعنى قال : « وأجل مسمى عنده » وقيل : الأجَلُ الأوَّلُ : الموت ، والأجَلُ المُسَمَّى عِنْدَ الله تعالى هو أجَلُ القيامة لأن مُدَّة حياتهم في الآخرة ، لا آخِرَ لها ولا انْقِضَاءَ ، ولا يَعْلَمُ أحد كيفية الحالِ في هذا الأجَلِ إلاَّ الله تعالى .
وقيل : الأجَلُ مقدار ما يُقضى من عمر كُلّ واحدٍ ، والثاني : مقدارُ ما بَقِيَ من عمر كُلِّ أحدٍ .
وقيل : هما وَاحِدٌ - يعني « جعل لأعمارهم مُدَّة تنتهون إليها » .
وقوله : « وأجَلٌ مُسَمَّى عنده » يعني : وهو أجلٌ مُسَمَّى عنده لا يعلمهم غيره . قال حكماءُ الإسلام : إنَّ لكل إنسان أجَلَيْنِ :
أحدهما : الطبيعي .
والثاني : الآجالُ الاخْتِرامِيَّةُ ، فالطَّبيعيُّ هو الذي لو بَقِيَ ذلك المِزَاجُ مَصُوناً من العوَارض الخارجية ، لانْتَهَتْ مدّةُ بَقَائِه إلى الأوْقَات الفلانية ، وأمَّا الآجال الاخترامية فهي التي تحصلُ بسبب من الأسباب الخارجية كالغَرَقِ ، والحَرْقِ ، ولَدْغِ الحشرات وغيرها من الأمور المُعْضِلَةِ .
وقوله : « ثُمَّ أنْتُم تَمْتَرُونَ » أي : تشكُّون في البَعْثِ .
وقيل : تمترون في صحة التوحيد .

وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)

أعلم أنَّا إذا قلنا : المراد من الآية المُتقدِّمة إقَامَةُ الدليل على وجود الصَّانع القادر المُخْتَارِ ، فالمُرادُ من هذه الآيَةِ إقامَةُ الدليل على كونه عَالِماً بجميع المَعْلُومَاتِ؛ لأنها تَدُلُّ على كمالِ العلم .
وإن قلنا : المراد من الآية المُتقدِّمةِ إقامَةُ الدليل على صِحِّة المَعَادِ ، فالمقصود من هذه الآية تكميل ذلك البيان؛ لأنَّ مُنكِري المعاد إنَّما يُنْكِرُونَهُ لأمرين :
أحدهما : أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ المؤثّر في حدوث بَدَن الإنسان هو امْتِزَاجُ الطَّبائِعِ ، وإنْ سلَّموا كون المؤثّر فيه قَادِراً مختاراً ، فإنَّهم يَقُولُونَ : إنِّهُ [ غير ] عالم بالجزئيات ، فلا يمكنه تَمْييزث المُطيعِ من العَاصِيِ ، ولا تمييز أجزاء بَدَنِ زيد عن أجْزاءِ بَدَن عن أجزاء بَدَنِ عمرو .
قوله : « وهُوَ اللِّهُ في السَّمواتِ » في هذه الآية أقْوالٌ كثيرة ، وقد لُخِصَّتْ في اثْنَيْ عشر وَجْهاً؛ وذلك أن « هو » فيه قولان :
أحدهما : هو ضمير اسم الله - تعالى - يعودُ على ما عَادَتْ عليه الضَّمائِرُ قبله .
الثاني : أنَّهُ ضميرُ القِصَّةِ ، قال أبو عليَّ .
قال أبو حيَّان : وإنَّما فرَّ إلى هذا؛ لأنه لو أعاد على اللِّهِ لَصَارَ التقديرُ : اللَّهُ اللَّهُ ، فتركَّب الكلام من اسمين مُتَّحِدَيْنِ لفظاً ومعنى لا نِسْبَةَ بينهما إسنادية .
قال شهاب الدين : الضَّميرُ إنما هو عَائِدٌ على ما تقدَّمَ من المَوْصُوفِ بتلك الصِّفات الجلية ، وهي خَلْقُ السَّموات والأرض ، وجعل الظُّلُماتِ والنُّور ، وخَلْق النَّاس من طين إلى آخرها ، فصَارَ في الإخبار بذلك فَائِدَةٌ من غير شَكِّ ، فعلى قولِ الجُمْهُورِ يكون « هو » مبتدأ ، و « اللَّهُ » خبره ، و « في السَّمَوَات » متعلقٌ بنفس الجلالة لمَّا تَضمَّنّتْهُ من معنى العِبَادةِ ، كأنَّهُ قيل : وهو المَعْبُود في السَّموات ، وهذا قول الزَّجَّاج ، وابن عطيَّة ، والزمخشري .
قال الزَّمخشري : « في السَّمَوَات متعلِّقٌ بمعنى اسم اللَّهِ ، كأنَّهُ قيل : هو المَعْبُود فيها ، ومنه : { وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله } [ لزخرف : 84 ] أو هو المعروف بالإلهية والمتوحد بالإلهيّة فيها ، أو الذي يُقَالُ له » اللَّه « [ لا يشركه في هذا الاسم غيره ] .
وقال شهابُ الدين : إنما قال : أو هو المَعْرُوفُ ، أو هو الذي يُقال له : اللَّهُ؛ ] لأنَّ الاسم الشَّريف تقدَّم فيه خلافٌ ، هل هو مُشْتَقٌ أوْ لا؟ فإن كان مُشْتقاً ظَهَرَ تلُّق الجَارِّ بِهِ ، وإنْ كان لَيْسَ بمشتقِّ ، فإمَّا أن يكون يتأوّل ذلك على كل قول من هذه الأقوال الثلاثة .
فقوله : » المَعْبُود « راجعٌ للاشتقاقِ ، وقوله : » المَعْرُوف « راجع لكونه عَلماً مَنْقُولاً ، وقوله : » الَّذي يُقَال له : اللَّهُ « راجع إلى كونه مُرْتجلاً ، وكأنه - رحمه الله - اسْتَشْعَرَ بالاعتراض المذكور .
والاعْتِراضُ مَنْقُولٌ عن الفَارسيَّ .
قال : » وإذا جَعَلْتَ الظَّرْفَ متعلّقاً بام اللِّهِ جَازَ عندي على قياس مَنْ يقول : إنَّ الله أصْلُه « الإله » ومن ذَهَبَ بهذا الاسم مذهب الأعلام وجب ألاَّ يتعلٌّق به « عنده » إلاَّ أنْ تُقدِّر فيه ضَرْباً من معنى الفِعْلِ « ، نقل عن أبي عليّ أنه لا يتعلَّقُ » في « باسم اللَّهِ؛ لأنَّه صار بدخول الألف واللام ، والتغيير الذي دخله كالعلم ، ولهذا قال تعالى :

{ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا } [ مريم : 65 ] فظاهرُ هذا النقل أنه بمنعُ التعلُّق به وإنْ كاني في الأصْل مُشْتَقاً .
وقال الزَّجَّاج : « وهو مُتَعَلِّقٌ بما تَضَمَّنَهث اسْمُ من المَعاَاني ، كقولك : أميرٌ المؤمنين الخَلِيفَة في المَشْرِق والمغْرِبِ » .
قال ابن عطيّة : « هذا عندي أفْضَلُ الأقوالِ ، وأكثرها إحْرَازاً لفَصَاحَةِ اللَّفْظِ ، وجَزَالَةِ المعنى .
وإيضاحُهُ أنَّهُ أراد أنْ يَدُلَّ على خَلْقِهِ وآثَارِ قُدْرتِهِ وإحاطتِهِ واستيلائه ، ونحو الصفات ، فجمع هذه كُلَّها في قوله : » وَهُوَ اللَّهُ « ؛ أي : الذي له هذه كُلُّها في السَّموات ، وفي الأرضِ كأنه قال : وهو الخالق ، والرازق ، والمحيي ، والمحيط في السموات وفي الأرض كما تقول : زيد السُّلطانُ في » الشام « و » العراق « فلو قصدت ذات زَيْدٍ لكان مُحَالاً ، فإذا كان مَقْصِدُ قولك [ : زيد ] الآمر النّاهي الذي يُوَلِّي ويَعْزلُ كان فَصِيحاً صَحِيحاً ، فأقمت السَّلطَنَةَ مَقَامَ هذه الصِّفَاتِ ، كذلك في الآية الكريمة أقَمْتَ » الله « مقام تلك الصِّفات » .
قال أبو حيَّان : ما ذكره الزَّجَّاجُ ، وأوضحه ابن عطيَّةَ صحيحٌ من حيث المعنى ، لكنَّ صَنَاعَةَ النحو لا تُسَاعِدُ عليه؛ لأنهما زَعَمَا أن « في السموات » متعلِّقٌ باسم الله؛ لما تَضَمَّنَهُ من تلك المعاني ، ولو صَرَحَّ بتلك المعاني لم تَعْمَلْ فيه جَمِيعُهَا ، بل العَمَلُ من حيث اللفظُ لواحد منها ، وإن كان « في السموات » متعلّقاً بجميعها من حيث المعنى ، بل الأولى أن يتعلَّق بلفظ « اللّه » لما تَضَمَّنَهُ من معنى الألُوهِيَّة ، وإن كان عَلَماً؛ لأن العَلَمَ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ لما يتضمنه من المعنى كقوله : [ الزجر ]
2107- ... أنَا أبُو المِنْهَالِ بَعْضَ الأحْيَانْ
لأنَّ « بَعْضَ » نُصَبَ بالعَلَمِ؛ لأنَّه في معنى أنا المشهور .
عَمَلُهَا على سبيل التَّنَازُع ، مع أنه لو سَكَتَ عن الجواب واضحاً . ولما ذكر أبو حيَّان ما قاله الزَّمخْشَريُّ قال : « فانظر كيف قدّرَ العامِلَ فيها واحِداً لا جميعها » .
يعني : أنَّهُ اسْتنْصَرَ به فيما ردَّ على الزَّجَّاج ، وابن عطية .
الوجه الثاني : أن « في السَّمَوَات » متعّلق بمحذوفِ هو صِفَةٌ لله تعالى حُذِفت لفهم المَعْنَة ، فقدَّرها بعضهم : وهو الله المعبود ، وبعضهم : وهو اللَّهُ المُدَبِّرُ ، وحذفُ الصِّفة قليلٌ جداً لم يَرِدْ منه إلاَّ مواضع يسيره على نَظَرٍ فيها ، فمنها { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ } [ الأنعام : 66 ] أي : المعاندون ، { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } [ هود : 46 ] أي : النَّاجين ، فلا ينبغي أن يُحْمَلَ هذا عليه .
الوجه الثالث : قال النَّحَّاس - وهو أحْسَنُ ما قيل فيه - : إنَّ الكلام تَمَّ عند قوله : « وَهُوَ اللِّهُ » والمَجْرُور متعلِّقٌ بمفعول « يَعْلَمُ » ، وهو « سِرَّكم وجَهْرَكُم » أي : يَعْلَمُ سِرَّكُم ، وجَهْرَكُم فيهما .

وهذا ضعيفٌ جداً لما فيه من تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المصجر عليه ، وقد عرف ما فيه .
الوجه الرابع : أنَّ الكلامَ تَمَّ أيضاً عند الجلالةِ ، وتعلِّق الظرفُ بنفس « يَعْلَمُ » وهذا ظاهِرٌ ، و « يَعْلَمُ » على هذين الوَجْهَيْنِ مُسْتَأنَفٌ .
الوجه الخامس : أنَّ الكلامَ تَمَّ عند قوله : « في السموات » فيتعلَّق « في السموات » باسم الله على ما تقدَّمَ ، ويتعلَّقُ « في الأرض » ب « يعلم » وهو قول الطَّبري .
وقال أبو البقاء : « وهو ضعيفٌ؛ لأنِّ اللَّهَ - تعالى - مَعْبودٌ في السَّمَوات وفي الأرض ، ويَعْلمُ ما في السَّموات ، وما في الأرض ، فلا تتخصَّصُ إحْدى الصِّفَتَيْنِ بأحَدِ الظرفين » . وهخو رَدٌ جميلٌ .
الوجه السادس : أنَّ « في السموات » متعلِّقٌ محذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من « سِرَّكم » ، ثُمَّ قُدِّمَتِ الحالُ على صَاحبهَا ، وعلى عاملها .
السابع : أنه متعلّق ب « يَكْسِبُونَ » ، وهذا فَاسِدٌ من جهة أنه يَلْزَمُ منه تقديم مَعْمُولِ الصِّلةِ على الموصول؛ لأن « ما » مَوْصُولةٌ اسمية ، أو حرفيةٌ ، وأيضاً فالمُخَاطبُونَ كيف يكيبون في السموات؟ ولو ذهب هذا القائلُ إلى أنَّ الكلام تَمَّ عند قوله : « في السموات » وعلّق « في الأرض » ب « يَكْسِبونَ » لسَهُل الأمْرُ من حيث المعنى لا من حَيْثٌ الصناعيةُ .
الوجه الثامن : أنَّ « الله » خَبَرٌ أوَّلُ ، و « في السموات » خبر ثانٍ .
قال الزمخشري : « على معنى : أنَّه الله ، وأنَّهُ في السموات وفي الأرض ، وعلى معنى : أنَّهُ عالمٌ بما فيهما لا يَخْفَى عليه شيءٌ ، كأنَّ ذَاتَهُ فيهما » .
قال أبو حيَّان : « وهذا ضعيفٌ؛ لأن المجرور ب » في « لا يّدُلُّ على كونٍ مُقَيَّدٍ ، إنما يَدُلُّ على كونس مُطْلَقٍ ، وتقدَّم جوابه مراراً » .
الوجه التاسع : أنْ يكون « هو » مبتدأ ، و « اللَّهُ » بَدَلٌ منه ، و « يَعْلَمُ » خبره و « في السموات » على ما تقدَّم .
الوجه العاشر : أنْ يكون « اللًّهُ » بَدَلاً أيضاً ، و « في السموات » الخبرُ بالعنى الذي قاله الزمخشري .
الحادي عشر : أنَّ « هو » ضمير الشَّأنِ في مَحَلِّ رفع بالابتداء ، والجلالةً مبتدأ ثانٍ ، وخبرها « في السموات » بالمعنى المتقدَّمِ ، أو « يَعْلَمُ » ، والجملة خبر الأول مفسرة له وهو الثاني عشر .
وأمَّا « يَعْلَمُ » فقد عرفت من تَفَاصِيلٍ ما تقدَّمَ أنَّه يَجُوزُ أن يكون مُسْتَأنَفاً ، فلا مَحَلَّ له ، أو في مَحَلِّ رفع خبراً ، أو في مَحَلِّ نَصْبِ على الحال ، و « سِرَّكم وجَهْرَكم » :
يجوز أن يَكُونَا على بابهما من المَصْدَرِيّة ، ويكونان مضافين إلى الفاعل .

وأجاز أبو البَقَاء أن يكونا وَاقِعَيْنِ المفعول به ، أي : مُسَرَّكم ومجهوركم ، واسْتَدَلَّ بقوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } [ البقرة : 77 ] ولا دَلَيلَ فيه ، لأنه يجوز « ما » مصدرية وهو الألْيَقُ لمُنَاسَبَةِ المصدرين قبلها ، وأن تكون بمعنى « الذي » .
فصل في معنى الآية
« وهو الله في السموات والأرض » كقوله : { وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله } [ الزخرف : 84 ] .
وقيل : هو المعبود في السَّمواتِ والأرض .
وقال محمد بن جرير : معنيان : وهو اللَّهُ يعلمُ سرّكم وجهركم في السموات والأرض ، يعلمُ ما تَكْسِبُونَ من الخيرِ والشَّر .
فصل في شبكة إنكار الفوقية
استدلَّ القائلون بأنَّ الله في السموات بهذه الآية .
قالوا : ولا [ يلزمنا ] أن يقال : فيلزم أن يكون في الأرض لقوله : « في الأرض » وذلك يقتضي حُصُولهُ في مكانين مَعاً ، وهو مُحَالٌ؛ لأنَّا نقول : أجمعنا على أنه لَيْسَ مَوْجُوداً في الأرْضِ ، ولا يَلْزمُ من ترك العَمَل بأحد الظَّاهرين ترك العمل بالظَّاهر الآخر من غير دليلٍ ، فوجبَ أن يبقى قوله : { وَهُوَ الله فِي السماوات } على ظاهره ولأن من القراء من وقف عند قوله : { وَهُوَ الله فِي السماوات } ، ثم يبتدئ فيقول : « وفي السموات والأرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وجَهْرَكُمْ » ، والمعنى أنه تعالى يعلمُ سَرَائِرَكُمْ الموجودة في الأرْضِ ، فيكون قوله : « وَفي الأرْضِ » صِلَةٌ لقوله : « سِرَّكُمْ » .
قال بان الخطيب : والجوابُ : أنَّا نُقِيمُ الِّدلالة أوّلاً على أنه لا يُمْكِنُ حَمْلُ هذا الكلام على ظَاهِرِهِ ، وذلك من وجوه .
أحدهما : أنَّهُ قال في هذه السورة : { قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض قُل للَّهِ } [ الأنعام : 12 ] فَبَيَّن أنَّ كُلَّ ما في السموات والأرض ، فهو مِلْكٌ لله تعالى ومملوك له فلو كان اله أحد الأشياء الموجودة في السموات لزم كونه ملك نفسه ، وذلك مُحَالٌ وكذا قوله : في « طه » { لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } [ طه : 6 ] . فإن قالوا : كلمة [ « ما » ] مختصَّةٌ [ بمن لا يعقل ] فلا يدخل فيها ذاتُ اللَّهِ .
قلنا : لا نُسَلِّمُ بدليل قوله : { والسمآء وَمَا بَنَاهَا والأرض وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } [ الشمس : 5-7 ] .
وقوله : { وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُد } [ الكافرون : 3 ] والمراد بكلمة « ما » ها هنا « هو اللَّهُ تعالى » .
وثانيها : أنَّ قوله : « وهُوَ الله في السمواتِ » إمَّا أنْ يكون المُرَادُ منه أنَّهُ مَوْجُودٌ في جميع السمواتِ ، أو المراد أنَّهُ مَوْجُودٌ في سماء واحدة .
والثاني ترك للظِّاهِر ، والأوَّلُ على قسمين ، لأنَّهُ إما أن يكون الحاصل منه - تعالى - في أحد السَّمواتِ عين ما حصل منه في سائ السَّمواتِ أو غيره ، والأوَّل يقتضي حُصُكول المتحيّز الواحد [ في مَكَانَيْنِ ، وهو باطلٌ ببديهَةِ العَقْلِ ] .

والثاني يقتضي كونه - تعالى مُرَكَّباً من الأجْزَاءِ والأبْعَاضِ ، وهو مُحَالٌ .
وثالثها : أنَّهُ لو كان مَوْجُوداً في السَّموات لكان مَحْدُوداً متناهياً وكُلُّ ما كان كذلك كان قَبُولُهُ للزيادة والنُّقْصَانِ مُمْكناً ، وكُلُّ ما كان كذلك فهو مُحْدَثٌ .
ورابعها : أنَّهُ لو كان في السَّمواتِ ، فهل يَقْدرُ على خَلْقِ عالم آخر فوق هذه السموات أو لا يَقْدِر؟ وذلك من وجهين :
والثاني يوجبُ وهو مُحَالٌ والأول يقتضي أنَّهُ - تعالى - لو فعل ذلك لحَصلَ تَحْتَ ذلك العالم ، والقوم منكرون كونه تحت العالم .
وخامسها : أنه تعالى قال : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } [ الحديد : 84 ] وقال { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد } [ ق : 16 ] .
وقال : { وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض } [ الزخرف : 84 ] وقال : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله } [ البقرة : 115 ] وكُلُّ ذلك يُبْدِلُ القولَ بالمَكَانِ والجهة ، وإذا ثبت بهذه الدَّلائلِ أنَّهُ لا يمكنُ حَمْلُ هذا الكلام على ظاهره ، وجَبَ التَّأويلُ ، وهو من وجوه :
الأول : أنَّ قوله : { وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض } ، أي : في تدبير السمواتِ والأرض ، كما يقال : « فلانٌ في أمْرِ كذا » أي : في تدبيره ، وإصْلاحِ مُهِمَّاتِهِ ، كقوله : { وَهُوَ الذي فِي السمآء إله } 84 ] .
الثاني : أنَّ قوله : [ تَمَ ] عند قوله : « وهُوَ اللَّهُ » ثُمَّ ابتدأ ، فقال : « في السَّمواتِ وفِي الأرْض يَعْلمُ سِرَّكم وجهْرَكُم » ، أي : يَعْلمُ ما في السَّمواتِ الملائكة ، وفي الأرض يعلمُ سَرائِرَ البَشَرِ الإنْس والجن .
الثالث : أنْ يكون الكلامُ على التقديم والتأخير ، وهو « اللَّهُ يَعْلَمُ ما في السموات ، وما في الأرض سِرَّكُم وجهركم » .
فصل في بيان معنى « ما تكسبون »
قوله : « ويَعْلمُ ما تكسبون » فيه سؤال ، وهو أنَّ الأفعال إمَّا أفعال القُلُوبِ ، وهو المُسَمَّى بالسِّرِّ ، وإمِّا أعمال الجَوَارحِ ، وهي المُسَمَّاةُ بالجَهْرِ ، فالأفعالُ لا تخرجُ عن السِّرِّ والجهر .
فكان قوله : { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون } يقتضي عَطْفَ الشيء على نفسه ، وإنَّهُ فاسدٌ .
والجوابُ يجبُ حَمْلُ قوله : « مَا تَكْسِبُونَ » على ما يتسحقُّهُ الإنسانُ على فِعْلِه من ثوابٍ وعقابٍ .
والحاصلُ أنَّهُ مَحْمُلٌ على ا لمُكْتَسَبِ كما يُقَالُ : « هذا كَسْبُ فلان » ، أي : مُكْتَسَبُهُ ، ولا يجوز حَمْلُهُ على نفس الكَسْبِ؛ لأنَّهُ يلزم منه عَطْفُ الشيء على نفسه والآية تدل على كون الإنسان مكتسباً للفعل ، والكَسْبُ هو الفعلُ المُفْضِي إلى اجْتِلاَبِ نَفْع ، أو دَفْع ضَرَرٍ ، ولا يوصف فعلُ اللِّهِ بأنه كَسْبٌ لكونه - تعالى - مُنَزَّهٌ عن جَلْبِ النَّفْعِ ، ودَفْعِ الضرر .

وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)

« فاعل زيدت فيه » مِنْ « لوُجُودِ الشرطين ، فلا تَعَلُّقَ لها .
و » من آيات « صفة ل » آية « ، فهي في مَحَلِّ جرٍ على اللَّفْظِ ، أو رفعٍ على الموضع .
وقال الوَاحِدِيِّ : » مِنْ « في قوله : » مِنْ آية « صفةٌ ل » آية « أي : آية لاستغراق الجنْسِ الذي يقع في النَّفيِ ، كقولك : ما أتاني من أحدٍ » .
والثانية : في قوله : « من آياتِ رَبِّهِم » للتبعيض .
والمعنى : وما يظهر لهم دَلِيلٌ قط من الدَّلائِل التي جيب فيها النَّظَرُ والاعتبار ، إلاَّ كانوا عنها مُعْرِضينَ ، والمُرادُ بهم أهل « مكة » ، والمرادُ بالآيات : إنْشِقاقُ القمر وغيره .
وقال عطاء : يريد : من آيات القرآن .
قوله : « إلاَّ كَانُوا » هذه الجملة الكَوْنِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال ، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما أنَّهُ الضميرُ في « تأتيهم » .
و « تأتيهم » يحتمل أن يكون ماضي المعنى لقوله : « كَانُوا » ، ويحتمل أنْ يكون مُسْتّقْبَلَ المعنى؛ لقوله « تَأتيهِمْ » .
واعلم أنَّ الفعْلَ الماضي لا يَقَعُ بَعْدَ « إلاَّ » بأحد شَرْطَيْنِ : إمَّا وقوعه بَعْدَ فِعْلٍ كهذه الآية ، أو يقترن ب « قد » نحو : « ما زيدٌ إلاَّ قد قام » وهنا الْتِفَاتٌ من خطاه بقوله « خلقكم » إلى آخره إلى الغيبةِ بقوله : « وَمَا تَأتِيهم » .

فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)

« الفاء » هنا للتَعْقِيب ، يعني : أنَّ الإعْرَاض عن الآيات أعْقَبَهُ التَّكْذِيبُ .
وقال الزمخشري : « فَقَدْ كَذَّبوا » مردودٌ على كلام محذوف ، كأنه قيل : إن كانوا معرضين عن الآيات ، فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها .
وقال أبو حيان : ولا ضرورة تدعو إلى في انتظام الكلام وقوله : « بالحق » من إقامة الظاهر مقام المُضْمَرِ ، إذ الأصل : فقد كذبوا بها أي : بالآية .
فصل في بيان المراد « بالحق »
والمُرَادُ بالحقِّ ها هنا القرآن .
وقيل : [ محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : ] جميع الآيات .
فصل
واعلم أنَّهُ - تعالى - رتّبَ أمورَ هؤلاء الكُفَّارِ على ثلاث مراتب :
أولها : كونهم معرضين عن التأمُّلِ والتَّفَكُّرِ في الدَّلائل [ والبَيِّنَات ] .
والمرتبة الثانية : كونهم مكذّبين بها ، وهذه أزْيّدُ مما قَبْلَهَا؛ لأنَّ المُعْرِضَ عن الشِّيء قد لا يكون مكذباً به ، بل قد يكون غَفِلَ عنه؛ صَارَ مُكَذِّباً به ، فقد زاد على الإعْرَاضِ .
والمرتبة الثالثة : كونهم مُسْتَهْزِئينَ بها؛ [ لأن المكذب ] بالشيء قد لا يبلغ تكذيبه به إلى حدِّ الاسْتِهْزَاءِ ، فإذا بلغ إلى هذا الحَدَّ ، فقدْ بَلَغَ الغَايَة القُصْوَى في الإنكار ، [ ثُم ] بَيَّن - تعالى أنَّ أولئك الكُفَّار وصلوا في هذه المراتب الثلاثة على هذا الترتيب .
قوله تعال : { فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } .
« الأنبياء جمع » نبأ « وهو ما يعظم وقعه من الأخبار ، وفي الكلام حَذْفٌ ، أي : يأتيهم مَضْمونُ الأنباء ، و » به « متعلّق بخبر » كانوا « .
و » لمّا « حرف وجوب أو ظرف زمان ، والعامل فيه » كذبوا «
و » ما « يجوز أن تكون موصولةٌ اسميةً ، والضميرُ في » به « عائد عليها ، ويجوز أن تكون مصدرية .
قال بان عطيّة : أي : أنباء كونهم مستهزئين ، وعلى هذا فالضميرُ لا يعودُ عليها؛ لأنها حرفية؛ بل تعود على الحقِّ ، وعند الأخفش يعود عليها؛ لأنها اسم عنده .
ومعنى الآية : وسوف يأتيهم أخبارُ اسْتِهْزَائهِمْ وجَزَاؤهُ ، أي : سيعلمون عاقبة اسْتهْزَائِهِمْ إذا عُذِّبُوا ، فقيل : يوم » بدر « وقيل : يوم القيامة .

أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)

قوله تعالى : { َلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا } لمَّا منعهم من الإعراض والتَّكْذيب ، والاسْتِهْزاءِ بالتهديد والوعيد ، أتْبَعَهُ بما يجري المَوْعِظةِ ، فوعظهم بالاعْتِبَار بالقُرُونِ الماضية .
و « كم » يجوز أن تكون اسْتِفْهاميَّةً وخبَريَّةً ، وفي كِلاَ التقديرين فهي معلقة للرؤية عن العَمَلِ ، لأنَّ الخَبَريَّةَ تجري مجرى اسْتِفْهاميَّةِ في ذلك ، ولذلك أعطيت أحكامها من وجوب التَّصْديرِ وغيره ، والرُّؤيَةُ هنا عِلْميَّةٌ ، ويضعف كونها بصرية ، وعلى ككلا التقديرين فهي معلّقة عن العمل؛ لأنَّ البصرية تجر مجراها ، فإن كانت عِلْمِيَّةً ف « كم » وما في حيَّزها سادَّة مسدَّ مفعولين ، وإن كانت بَصَريَّةً فمسدّ واحد .
و « كم » يجوز أن تكون عبارة عن الأشخاص ، فتكون مفعولاً بها ، نَاصِبُهَا « أهْلَكْنا » أي : إهلاكاً ، و « من قرنٍ » على هذا صِفَةٌ لمفعول « أهَلكْنَا » أي : أهلكنا قوماً ، أو فوجاً من القُرُونِ؛ لأنَّ قرناً يُرَادُ به الجَمْعُ ، و « مِنْ » تبعيضية ، والأولى لابتداء الغاية .
وقال الحُوفي : « من » الثانية بَدَلٌ من « مِنْ » الأولى ، وهذا لا يُعْقَلُ فهو وَهْمٌ بَيَّنٌ ، ويحوز أن تكون « كم » عبارة عن الزَّمَانِ ، فتنتصبُ على الظرف .
قال أبو حيان : تقديره : كم أزمنةٍ أهلكنا فيها .
وجعل أبو البقاء على هذا الوجه « مِنْ قَرْن » هو المفعول به ، و « منْ » مَزيدَةٌ فيه ، وجاز ذلك؛ لأن الكلام غير موجب ، والمجرور نكرة ، إلاَّ أنَّ أبا حيَّان مَنَعَ ذلك بأنَّهُ لا يقع إذ ذاك المفرد موقع الجمع لو قلت : « كم أزماناً ضَرَبْت رجلاً » أو كم مرة ضربت رجلاً لم يكن مدلولُ رجلٍ رجلاً ، لأنَّ السؤال إنما يَقَعُ عن عدد الأزمنة أو المَرَّاتٍ التي ضربت فيها ، وبأن هذا ليس مَوْضَعَ زيادة « مِنْ » لأنَّها لا تُزَادُ في الاستفهام ، إلاَّ وهو استفهامٌ مَحْضٌ أو يكون بمعنى النَّفي ، والاستفهام هنا لَيْسَ مَحْضاً ولا مُرَاداً به النفي انتهى .
قال شهابُ الدِّين : وجوابه لا يسلم .
و « قَرْن » الجماعة من النَّاسِ وجمعه « قرون » .
وقيل : القَرْنُ مُدَّة من الزمان ، يقال : ثمانون سنةً ، [ ويقال : ستُّون سَنَةً ] ويُقال : أربعون سَنَةً ، ويقال : ثلاثون سَنَةً ، ويقال : مائة سنة؛ لما روي أنَّه - عليه السلامُ- قال لعبد الله بن بشر المازني : « تَعِيْشُ قَرْناً » فعاش مائة سَنَةٍ ، فيكون معنى الآية على هذه الأقَاوِيلِ من أهل قرنٍ؛ لأنَّ القَرْنَ الزمان ، ولا حَاجَةَ إلى ذلك إلاَّ على [ اعتقاد ] أنه حقيقة فيه مَجَازٌ في النَّاسِ ، وسيأتي بَقِيَّةُ الكلام عليه في الصَّفْحَةِ الثانية .
قوله : « مَكَّنَّاهُمْ في الأرْضِ » في موضع جرِّ صفة ل « قرن » ، وعاد الضميرُ عليه جمعاً باعتبارِ معناه .

قاله أبُو البقاء - رضي الله عنه- ، والحوفي رحمه الله . وضعَّفه أبو حيان بأن « من قرن » تمييز ل « كم » ، ف « كم » هي المُحَدَّثُ عنا بالإهلاكِ ، فهي المُحَدَّثُ عنها بالتَّمْكينِ لا ما بَعْدَهَا؛ إذ « من قرن » يجري مجرى التَّبْينِ ، ولم يُحَدَّث عنه .
وجوَّز أبو حيَّان - رحمه اللَّهُ تعالى- أنْ تكون هذه الجُمْلَةُ اسْتِئْنَافاً جواباً لسؤال مُقَدَّرِ ، قال : كأنَّه قيل : ما كان من حَالِهِمْ؟ فقيل : مَكَّنَّاهم ، وجعله هو الظَّاهر ، وفيه نظرٌ ، فإنَّ النكرة مُفْتِقِرةٌ للصِّفَةِ فَجَعْلُهَا صفة ألْيَقُ ، والفَرْقُ بين قوله تبارك وتعالى : { مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض } وقوله : { مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ } [ أن « مكنة في كذا ] أثبته فيها ، ومنه { وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ } [ الأحقاف : 26 ] وأما مكنَّا جعل له مكاناً ، ومنه : { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض } [ الكهف : 84 ] { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ } [ القصص : 57 ] .
ومثله » أرضٌ له « أي : جعل له أرضاً ، هذا قول الزمخشري- رحمه الله تعالى- وأما أبو حيَّان - رضي الله عنه - فإنَّهُ يَظْهَرُ من كلامه التَّسْوِيّةُ بيهما ، فإنَّهُ قال : وتعدِّي » مَكَّن « هنا للذَّوَات بنفسه وبحرف الجَرِّ ، والأكْثَرُ تَعْدِيَتُهُ باللام [ نحو ] { مَكَّنَّا لِيُوسُفَ } [ يوسف : 21 ] { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ } [ الكهف : 84 ] ، { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ } [ القصص : 57 ] .
وقال أبُو عُبَيْدَة : » مكَّنَّاهُمْ ومكَّنَّا لهم : لغتانِ فصيحتان ، نحو : نَصَحْتُه ، ونَصَحْتُ له « وبهذا قال أبو علي والجرحانيُّ .
قوله : » ما لم نُمكِّنْ لكم « في » ما « هذه همسة أوجه :
أحدهما : أنْ تكون مَوْصُولةَ بمعنى » الذِّي « ، وهي حينئذٍ صفةٌ لموصوف محذوف ، [ والتقديرُ : التميكن الذين لم نُمَكِّنْ لكم ، مَحْذُوفٍ تقديره : تمكيناً ما لم نُمَكِّنْهُ لَكُمْ .
الثاني : أنها نكرةٌ صفةٌ لمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تقديره : ما لم نُمَكِّنْهُ لكم ، ذكرهما الحُوفِيُّ رحمه الله تعالى .
وردَّ أبو حيَّان - رحمه الله تعالى - الأوَّلَ بأنَّ » ما « بمعنى » الذي « لا تكون صِفَةً لمعرفةٍ ، وإن كان » الذي « يقع صِفَة لها ، لو قلت : » ضَرَبْتُ الضَّرْبَ ما ضَرَبَ زيدٌ « تريد الضربَ الذي ضربه زَيْدٌ ، لم يَجُرْ ، فإن قلت : » الضَّرْبَ الذي ضربه زيد « جاز .
وَرَدَّ الثاني بأن » ما « النكرة التي تَقعُ صِفَةً لا يجوزُ حَذْفُ موضوفها ، لو قلت : » قُمْتُ ما وضَربْتُ مَا « وأنت تعني : قُمْتُ قياماً ما وضربت ضرباً ما لم يَجُزْ .
الثالث : أن تكون مَفْعُولاً بها ل » مَكَّنَ « على المعنى ، لأنَّ معنى مكَّنَّاهُمْ : أعطيناهم ما لم نُعْطِكُمْ ، ذكره أبُو البقاءِ - رحمه الله- .
قال أبُو حيَّان - رحمه الله- : » هذا تَضْمِينٌ ، لا يَنْقَاسُ « .
الرابع : أن تكون » ما « مَصْدريَّةً ، والزَّمَان محذوف ، أي : مُدَّة ما لم نمكِّن لكم ، والمعنى : مُدَّةَ انْتِفَاءِ التمكين لكم .
الخامس : أن تكون نكرةً موصُوفَةً بالجملة المنفيَّة بعدها ، والعائد محذوف ، أي : شيئاً لم نمكِّنه لكم ، ذكرهما أيضاً أبو البقاء قال أبو حيان - رحمه الله تعالى - في الأخير : » وهذا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ « .

قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى- : ولو قدَّره أبو البقاءِ بخاصِّ لكان أحْسَنَ من تقديرِه بلفظ « شيء » ، فكان يقول : مَكَّنَّاهُمْ تمكيناً لم نمكّنه لكم .
والضمير في « يروا » قيل : عائدٌ على المُسْتَهْزِئين ، والخطابُ في « الكم » راجعٌ إليهم أيضاً ، فيكون على هذا التِفَاتاً فائدتُهُ التَّعْريض بقلَّةِ تمكُّنِ هؤلاء ، ونَقْصِ أحوالهم عن حَالِ أولئك ، ومع تمكينهم وكثرتهم فقد حَلَّ بهم الهَلاَكُ ، فكيف وأنتم أقَلُّ منهم تمكيناً وعدداً؟ .
وقال ابن عطيَّة - رحمه الله تعالى - : « والمُخَاطَبَةُ في » الكم « هي للمؤمنين ولجميع المُعَاصرين لهم ولسائِرِ النَّاس كافَّةً ، كأنه قيل : لم نُمَكِّن يا أهل هذا العَصْرِ لكم ، ويحتمل أن يُقدَّر معنى القول لهؤلاء الكَفَرَةِ ، كأنه قال : يا مُحَمَّدُ قُل لهم : » ألَمْ يَرَوا كَمْ أهْلَكْنَا « الآية ، فإذا أخبرت أنك قُلْتَ - أو أمَرْتَ أن يُقال - فلك في فَصيح كلام العرب أن تحكي الألْفَاظَ المَقُولَةَ بعينها ، فتجيءَ بلفظ المُخَاطبة ، ولك أن تجيء بالمعنى في الألفاظ بالغَيْبَةِ دون الخطاب » انتهى .
ومثاله : « قُلْتُ لزيد : ما أكرمك ، أو ما أكرمه » .
و « القَرْنُ » يقع على مَعَانٍ كثيرةن فالقرن : الأمَّةُ من النَّاس ، سُمُّوا بذلك لاقُتِرَانهِمْ في مُدَّةٍ من الزَّمانِ ، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام- : « خَيِْرُ القُرونِ قَرْنِي »
وقال الشاعر [ في ذلك المعنى : ] [ الطويل ]
- ... 2108أخَبِّرُ أخْبَارَ القُرُونِ التي مَضَتْ
أدِبُّ كَأنِّي كُلَّمَا قُمْتُ رَاكِعُ ... وقال قَسُّ بنُ سَاعِدَةَ : [ مجزوء الكامل ]
2109- ... فِي الذَّاهبينَ الأوَّلِي
نَ مِنَ القُرُونِ لَنَا بَصَائِر ... وقيل : أصله الاتفاعُ ، ومنه قَرْنُ الثَّوْرِ وغيره ، فَسُمُّوا بذلك لارتفاع السِّنِّ .
وقيل : لأنَّ بعضهم يُقْرَنُ ببعض ، ويُجْعَلُ مجتمعاُ معه ، ومنه القرنُ للحَبْلِ يُجْمَعُ به بين البَعيريْنَ ، ويُطلَقُ على المُدَّة من الزَّمان أيضاً .
وهل إطلاقُهُ على النَّاسِ والزَّمان بطريق الاشْتَرَاكِ ، أو الحقيقة والمجاز؟ يُرَجَّعُ الثَّاني؛ لأنَّ المجَازَ خيرٌ من الاشْتِرَاكِ .
وإذا قُلنا بالراجح ، فإنها الحقيقة ، الظاهر أنه القَوْمُ؛ لأنَّ غالب ما يُطْلَقُ عليهم ، والغَلَبَةُ مُؤذِنّةٌ الأصَالَةِ غالباً . وقال ابنُ عطيَّة - رحمه الله تعالى : - القَرْنُ أنْ يكون وفاةُ الأشيخ وولادَةُ الأطفال ، ويَظْهَرُ ذلك من قوله تعالى : { وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِين } [ الأنعام : 6 ] فجعله مَعْنّى ، وليس بواضح وقيل : القَرْنُ : النَّاسُ المجتمعون كما تقدَّم ، قلّت السِّنُون أو كثُرتْ ، واستدلُّوا بقوله عليه الصلاة والسلام : « خَيْرُ القُرونِ قَرْنِي » وبقوله : [ مجزوء الكامل ]
2110- فِي الذَّاهبين الأوَّلي ... نَ مِنَ القُرُونِ لَنَا بَصَائِر
وبقول القائل في ذلك : [ الطويل ]
211- إذَا ذَهَبَ القَوْمُ الَّذِي كُنْتَ فِيهِمُ ... وَخُلِّفْتَ فِي قَرْنِ فَأنْتَ غَرِيبُ
فأطلقوه على النَّاسِ ليفيد الاجتماع .

ثم اختلفت النَّاسِ في كميةِ القَرْنِ حالة إطلاقه على الزَّمان ، فالجمهور على أنَّهُ مائة سنة ، واستدلُّوا له بقوله عليه السلام : « تَعيشُ قَرْناً » فعاش مائة سَنَةٍ ، وقيل : مائة وعشرون سنة ، قاله إيَاسُ مُعَاويَةَ ، وزارة بن أبي أوفى .
وقيل : ثمانون نقله أبو صالح عن ابن عبَّاسٍ .
وقيل : سبعون؛ قاله الفرّاء .
وقيل : ستُّون لقوله عليه السلام : « مُعْتَرَكُ المنَايَا ما بَيْنَ السِّتِّنَ إلى السِّبعينَ »
وقيل : أربعُون ، حكاه محمد بن سيرين ، يرفعه إلى النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلامُ ، وكذلك الزَّهراوي أيضاً يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : ثلاثون حكاهُ النَّفَّاش عن أبي عُبَيْدة ، كانوا يرون أن ما بين القرنين ثلاثون سنة .
وقيل : عشرون سنةً ، وهو رأي الحَسَنِ البصري .
وقيل : ثمانية عشر عاماً .
وقيل : المقدار الوَسَطُ مثل أعمار أهل ذلك الزمان ، واسْتُحْسِنَ هذا بأنَّ أهل الزَّمَنِ القديم كانوا يعيشون أربعمائة سَنَةً ، وثلاثمائة سنة ، وألفاً وأكثر وأقلَّ .
ومعنى الآية : أعطيناهم ما لم نُعْطِكُمْ .
وقال ابن عبَّاسٍ : أمهلناهم في العمر مثل قوم نوح وعادٍ وثمود .
قوله : { وَأَرْسَلْنَا السمآء عَلَيْهِم مَّدْرَاراً } يعني المَطَرَ « مِنفْعَال » من الدَّرِّ و « مِدْرَاراً » حالٌ من « المساء » إنْ أُريد بها السحاب ، فإن السحاب يوصف بكثرةِ التَّتَابُع أيضاً .
قال ابنُ عبَّاسٍ : مِدْرَاراً مُتَتَبابِعاً في أوْقاتِ الحَاجَاتِ ، وإن أُريَد بها الماء فكذلك ، ويَدُلُّ على أنه يُرَادُ به المَاءُ قوله في الحديث : « في أثر سماءٍ كَانَتْ من اللَّيلِ » ويقولون : ما زلنا نَطَأُ السماء حتى أتيناكم ، ومنه : [ الوفر ]
2112- إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأرْضِِ قَوْم ... رَعَيْنَاهُ وإنْ كَانُوا غِضَابا
أي : رَعَيْنَا ما نيشأ عنه ، وإن أُريدَ بها هذه المِظَلَّةُ ، فلا بُدّ من حذف مُضافٍ حينئذٍ ، أي : مَطَر السماء ، ويكون « مِدْرّاراً » حالاً منه .
و « مِدْرَاراً » مِفعال للمُبالغةِ كامرأة مِذْكارِ ومئناث .
قالوا : وأصله من « دَرَّ اللَّبَن » وهو كَثْرةُ ورودِه على الحالِبِ .
ومنه : « لا دَرَّ دَرُّهُ » في الدُّعَادءِ عليه بقلَّةِ الخير .
وفي المَثَلِ « سَبَقَتْ درَّتُه غِزَارَهُ » وهي مثلُ قولهم : « سَبَقَ سَيْلُهُ مَطَرَه » و « استدَّرت المِعْزَى » كناية عن طلبها الفَحْلَ .
قالوا : لأنَّها إذا طَلَبَتْهُ حَمَلَتْ فَوَلَدَتْ فَدَرَّتْ .
قوله : { وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ } إن جعلنا « جَعَلَ » تَصْييريةً كان « تجري » مفعولاً ثانياً ، وإن جعلناها إيجادِيَّةً كان حالاً .
و « من تحتهم » يجوز فيه أوجه :
أن يكون متعلّقاً ب « تجري » ، وهو أظهرها ، وأن كون حالاً ، إمَّا من فاعل « تجري » ، أو من « الأنهار » ، وأنْ يكون مفعولاً ثانياً « جَعَلْنَا » و « تجري » على هذا حالٌ من الضمير في الجَازَّ ، وفيه ضَعْفٌ لتقدُّمِهَا على العامل المَعْنَوِيّ ، ويجوز أن يكون « من تحتهم » حالاً من « الأنْهَار » كما تقدَّم ، و « تجري حالٌ من الضمير المُسْتَكِنِّ فيه ، الضَّعْفُ المتقدّمُ .

فصل
المُرَادُ من قوله : { وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ } كَثْرَةُ البَسَاتيِن ، والمعنى أنهم وَجَدُوا من مَنَافع الدُّنيا أكثر مما وَجَدَهُ أهلُ « مكَّة » المشرفة ، ثُمَّ مع هذه الزيادة في العِزِّ ، وكثرة العدد والبَسْطَةِ في المال والجِسْمِ لمَّا فجرى عليهم ما سمعتم من إهلاكهم ، وهذا يوجب الاعتبار .
فإن قيل : ليس في هذا الكلام إلاَّ أن الإهلاك غي مختصّ بهم ، بل الأنبياء والمؤمنون كلهم أيضاً قد لهكوا فكيف يحسنُ إيرادُ هذا الكلام في مَعْرضِ الزَّجْرِ عن الكُفْرِ مع أ ، ه يشترك فيه الكَافِرُ والمؤمنُ؟ .
فالجوابُ : ليس المقصود منه الزَّجْر بمجرد المَوْتِ ، والهلاك ، بل المُرَاد منه أنهم بَاعُوا الدَّينَ بالدنيا؛ فعوقبوا بسبب الامْتِنَاعِ عن الإيمان ، وهذا المعنى مُشْتَرَكٍ بين الكافر والمؤمن .
فإن قيل : كيف قال : « أوْ لَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنَا » مع أنَّ القَوْمَ ماتوا مُقِرِّين بِصِدْقِ محمد صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به عنه ، وأيضاً فهم لم يُشَاهدوا وقَائِعَ الأمم السَّالفة؟
فالجواب : أنَّ [ أقَاصِيصَ المتقدمين مشهورة بين الخلق فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا أخبارهم ، ومجرد سماعها يكفي في الاعتبار .
فإن قيل : أي فائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم؟
فالجواب : أن ] فائدته التَّنْبِيهُ أنَّه لا يَتَعَاظَمُهُ إهْلاكُهُمْ وإخْلاَءُ بلادهم منهم ، فإنه قَادِرٌ على إنشاء آخرين مَكَانَهُمْ يُعِّمرُ بهم بلاده ، كقوله : { وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا } [ الشمس : 15 ] .
و « من بعدهم » متعلِّق ب « أنشأنا » .
قال أبو البقاء : ولا يجوز أن يكون حَالاً من « قرن » ؛ لأنه ظَرفُ زمان يعني : أنه منه؛ لكنه منعن ذلك كونُهُ ظرف زمان والزَّمَانُ لا يُخْبَرُ به عن الحَدَثَ ولا يُوصَفُ ، وقد تقدَّمَ أنه يصحُّ ذلك بتأويل في « البقرة » عند قوله تعالى : { والذين مِن قَبْلِكُمْ } [ البقرة : 21 ] و « آخرين » صِفَةٌ ل « قَرْن » ؛ لأنه اسم جَمْع ك « قوم » و « رهط » ، فذلك اعْتُبِر معنها ، ومن قال : إنَّهُ قدَّرَ مُضَافَاً ، أي : أهل قرن آخرين ، وقد تقدَّمَ أنَّهُ مرْجُوحٌ ، واللَّهُ أعلم .

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)

قال الكلبي ومقاتل : تزلت هذه الآية في النَّضْرِ بن الحَرْثِ ، وعبد الله بن أبي أميَّةَ ، ونوفل بن خُوَيْلدٍ قالوا : يا محمد لَنْ نُؤمِنَ لَكَ حَتَّى تأتينا بكتاب من عندِ اللَّهِ ، ومعه أربعةٌ من الملائكة يَشْهدُونَ معه أنَّهُ من عند الله ، وأنَّك رسوله ، فأنزل الله تعالى : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ } مكتوباً من عنده « فَلَمَسُوه بأيديهم » أي : عَايَنُوهُ ومَسُّوهُ بأيديهم ، وذكر اللَّمْسَ ولم يذكر المُعَايَنَةَ ، لأن اللَّمْسَ أبْلَغُ في إيقاع العِلْمِ من الرؤية ، ولأنّ السِّحْر يجري على المرئي ، ولا يجري على الملموس .
قوله : « فِي قِرْطَاسٍ » يجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنه صِفَةٌ ل « كتاب » ، سواء أريد ب « كتاب » المصدرُ ، أم الشيْ المكتوب ، ومن مجيء الكتاب بمعنى مكتوب قوله : [ الطويل ]
2113 . . صَحِيفَة ... ً أتَتْكَ مِنَ الحَجَّاجِ يُتْلَى كِتَابُهَا
ومن النَّاس من جعل « كتاباً » في الآية الكريمة مَصْدَراً؛ لأن نَفْسَ الكُتُبِ لا تُوصَفُ والقِرْطاس : الصَّحِيفة يُكتبُ فيها تكُون من رقِّ وكَاغِدٍ ، بكسر القاف وضمها ، والفصيح الكسر ، وقرئ بالضّم شاذّاً نَقَلَهُ أبو البقاء - رحمه الله تعالى- والقِرْطَاسُ : اسم أعْجِمِيُّ مُعَرَّبٌ ، ولا يقال : قِرْطَاس إلاَّ إذا كان مكتوباً ، وإلاَّ فهو طِرْسٌ وكَاغِدٌ ، وقال زهير : [ البسيط ]
2114 ... - لَهَا أخَادِيدُ مِنْ آثَارِ سَاكِنِها
كَمَا تَردَّدِ فِي قِرْطَاسِهِ القَلَم ... قوله : « فَلَمَسُوهُ » الضمير المنصوب يجوز أن يَعُودَ على « القِرْطاس » ، وأن يعود على « كتاب » بمعنى مَكْتُوب .
و « بأيديهم » متعلِّق ب « لَمَسَ » .
و « الباء » للاستعانة كعملت بالقَدُّوم . و « لَقَال » جواب « لو » جاء على الأفصح من اقتران جوابها المُثْبَتِ باللام .
قوله : « إنْ هذا » [ و ] و « إنْ » نافية ، و « هذا » و « إلاَّ سحرٌ » خبره ، فهو استثناء مُفَرَّغٌ ، والجُمْلَة المَنْفِيَّةُ في مَحَلِّ نصب بالقولِ ، وأوقع الظَّاهرَ مَوْقَعَ المضمر في قوله : « لَقَالَ الذين كَفَرُوا » شَهادَةً عليهم بالكُفْرِ ، والجملة الامتنَاعِيَّةُ لا مَحَلَّ لها من الإعراب لاستئنافها .
ومعنى الآية الكريمة : أنَّهُ لا يَنْفَعُ معهم شيءٌ لما سبق فيهم من علمي ، واللَّهُ أعلم .

وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)

وهذه شبهٌ ثالثةٌ من شُبَهِ النُّبوة ، فإنهم يقولون : لو بَعَثَ اللَّهُ إلى الخَلْق رسولاً لوجب أن يكون ذلك الرَّسُولُ إذا أراد تحصيل مُهِّم ، فإنما يَسْتعَعِينُ في تحصيله بمَنء هو أقْدّرُ على تحصيله ، وإذا كان وقوع الشُّبُهَاتِ في نُبُوَّةِ الملائكة أقَلَّ وَجَبَ تعنُّتِهم وتَصَلُّبِهِم في كُفْرهم .
قيل : ويجوز أن تكون مَعْطُوفة على جواب « لو » ، أي : لو نزَّلْنَا عليك كتاباً لَقَالُوا كذا وكذا ، ولقالوا : لو أُنزِ عليه مَلَكٌ .
وجيء بالجواب على أحد الجائزين ، أعني حذف « اللام » من المثبت ، وفيه بُعْد؛ لأن قولهم « لولا نُزِّلَ » ليس مُتَرَتِّباً على قوله : « لولا نَزَّلْنَا » و « لولا » هنا تخضيضِيَّةٌ ، والضميرُ في « عَلَيْه » الظَّاهرُ عَوْدُهُ على النبي صلى الله عليه وسلم .
وقيل : يجوز أن يَعُودَ على الكتاب أو القِرْطَاسِ .
والمعنى : لولا أنْزِلَ مع الكتاب مَلَكٌ يشهدُ بِصحَّتِهِ ، كما يُرْوَى في القِصَّةِ أنه قيل له : لن نؤمن لك حتى تَعْرُج فتأتي بكتاب ، ومعه أربعة ملائكة يشهدون ، فهذا يَظْهَرُ على رأي من يقولك إنَّ الجملة من قوله : « وقالوا : لولا أنْزِلَ » معطوفةٌ على جواب « لواء » ، فإنَّهُ تعلّق به من حيث المعنى حينئذٍ .
فصل في دحض شبهة منكري النبوة
واعلم أنَّ الله - تبارك وتعالى - أجاب عن هذه الشُّبْهَةِ بوجهين :
أحدهما : قوله : { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر } ومعنى القضاء : الإتمام والإلزام ، والمعنى : ولو أنزلنا ملكاً لم يؤمنوا ، وإذا لم يؤمنوا اسْتُؤصِلُوا بالعذاب ، وهذه سُنَّةُ اللَّهِ تعالى في الكُفَّار .
والوجه الثاني : أنَّهم إذا شاهدوا الملك زَهَقَتْ أرْوَاحُهُمْ من هَوْل ما يشاهدون؛ لأنَّ الآدمي إذا رأى الملك ، فإمَّا أنْ يراه على صورتِهِ الأصْلِيَّةِ ، أو على صورة البَشَرِ ، فإن رآه على صورته الأصليَّةِ غُشِيَ عليه ، وإنْ رآه على صورة البَشَرِ ، فحينئذ يكونُ المَرْئيُّ شخصاً على صورة البشر عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم وأضياف لوط ، وخصَّهم دَاوُد وجبريل حيثُ تَخَيَّل لمريم بَشَراً سَوِياً .
واعلم أنَّ عدم إرسال الملك فيه مصالح :
أحدهما : إن رؤية إنزال الملكِ على البشرِ آية قاهرةٌ فبتقدير نزوله على الكُفَّارِ ، فرُبَّما لم يؤمنوا ، كا قال الله تبارك وتعالى { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملاائكة } [ الأنعام : 111 ] إلى قوله : { مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله } [ الأنعام : 111 ] ، وإذا يؤمنوا وجب إهلاكهُمْ بعذاب الاسْتئِصَالِ .
وثانيها : ما ذكرناه من عَدَمِ قُدْرِتِهِمْ على رية الملائكة .
وثالثها : إنَّ إنزال الملك معجزةٌ قاهِرةٌ جاريةٌ مجرى الإلْجْاءِ ، وإزالة الاختيار ، وذلك يخلُّ بمصلحة التكليف .
ورابعها : أنَّ إنزال المَلكِ وإن كان يّدْفَعُ الشُّبُهَاتِ من الوجوه المذكورة ، لكنَّهُ يُقوِّي الشُّبْهَةَ من هذه الموجوه .
والمراد من قوله تعالى : { ثُمَّ لاَ يُنظَرُون } فالفائدة في « ثم » التنبيه على أنَّ عَدَمَ الإنظار أشدُّ مُضِيَّ الأمر؛ لأن المُفَاجَئَةَ أشَدُّ من نفس الشدة .

قال قتادة : { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً } ثمَّ لم يؤمنوا لعُجِّلَ لهم العذاب ولم يُؤخَّرْ طَرْفَةَ عَيْنِ .
وقال مجاهد : « لقضي الأمر » ، أي : لقامت القيامة .
وقال الضحَّاك : لو أتاهم ملكٌ في صورته لماتوا .
قوله : { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً } يعني : لو أرسلناه إليهم مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً يعني في صورة رجلٍ آدمي؛ لأنهم لا يستطيعون النَّظَرَ إلى الملائكةِ ، كان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دِحْية الكلبي وجاء الملكان إلى دَاوُد عليه السلام في صورةِ رَجُلّيْنِ ، ولأن الجنس إلى الجنس أميلُ وأيضاً فإنَّ طَاعَة الملائكة قَوِيَّةٌ ، فَيَسْتحْقِرُونَ طَاعَاتِ البَشَرِ ، ورُبَّما لا يعذرونهم بالإقدام على المعاصي .
قوله تعالى : { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُون } في « ما » قولان :
أحدهما : أنها مَوْصولةٌ بمعنى « الذي » ، أي : ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم ، أو على غيرهم ، قاله أبو البقاء - رحمه الله تعالى - وتكون « ما » حينئذٍ مفعولاً بها .
الثاني : أنَّها مَصْدَريَّةٌ ، أي : ولَلَبْسنا عليهم مَثْلَ ما يلبسون على غيرهم ويسلكونهم ، والمعنى شَبَّهوا على ضعفائهم فشُبِّهَ عليهم .
قال ابن عباس : هُمْ أهْلُ الكتاب ، فَرَّقُوا دينهم وحَرَّفُوا الكَلِمَ عن مَوَاضَعِه ، فَلَيَسَ اللَّهُ عليهم ما يلبسون .
وقرأ ابن مُخَيْصِن : « وَلَبَسْنا » بلام واحدة هي فاء الفَعْلِ ، ولم يأت بلامٍ في الجواب اكْتِفَاءَ بها في المَعْطُوف عليه .
وقرأ الزهري : « ولَلَبَّسْنا » بلامين وتشديد الفعل على التَّكْثيرِ .
قال الواحدي : يقال لَبَّسْتُ الأمْرَ على القَوْمِ ألبَّسُهُ إذا شَبَّهْته عليهم ، وجعلته مُشْكلاً ، وأصله من التَّستُّرِ بالثوب ، ومنه لُبْسُ الثوبِ ، لأنه يُفيد سَتْرَ النفسِ ، والمعنى : إذا جَعَلْنَا الملكَ في صيورة البَشَرِ ، فهم يظنون أن ذلك المَلَكَ بَشَراً ، فيعود سؤالهم أنَّا لا نرضى برسالة هذا الشَّخْصِ ، واللَّهُ أعلم .

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)

قرأ حمزة ، وعاصمٌ ، وأبو عمرو بكشر الدَّال على أصل الْتِقَاءِ السَّكِنَيْنِ ، والباقون بالضمن على الإتباع ، ولم يبالِ بالساكن؛ لأنه حَاجِزٌ غير حصين وقد تَقَرَّرَتُ هذه القاعدة بدلائلها في سورة « البقرة » عند قوله تعالى : { فَمَنِ اضطر } [ الآية : 173 ] و « برسلٍ » متعلّق ب « استهزئ » و « منْ قبلك » صفة ل « رسل » ، وتأويلُه ما تقدَّم في وقوع « من قبل » صلة .
والمرادُ من الآية : التَّسْلية لِقَلْبِ الرسول صلى الله عليه وسلم أي : أن هذه الأنواع الكثيرة التي يعاملونك بها كنت موجودة في سائِر القرون .
قوله : « فحاق بالذين سخِروا » ن فاعل « حاق » : « ما كانوا » ، و « ما » يجوز أن تكون موصُولةٌ اسميةً ، والعائد « الهاء » في « به » و « به » يتعلَّق ب « يستهزئون » ، و « يستهزئون » خبر ل « كان » ، و « منهم » متعلّق ب « سخروا » على أنَّ الضمير يعود على الرُّسل ، قال تبارك وتعالى : { إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ } [ هود : 38 ] .
ويجوز أن يتعدَّى بالباء نحو : سَخِرْت به ، ويجوز أن يتعلّق « منهم » بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من فاعل « سَخِروا » والضمير في « منهم » يعود على الساخرين .
وقال أبو البقاء : « على المستهزئين » .
وقال : الحوفي : « على أمَمِ الرسل » .
وقد رَدَّ أبو حيَّان على الحوفي بأنه يَلْزَمُ إعادته على غير مذكور .
وجوابُهُ في قوة المذكور ، وردَّ على أبي البقاء بأنه يصير المعنى : فحاق بالذين سَخِرُوا كائنين من المستهزئين ، فلا حَاجَة إلى هذه الحال؛ لأنها مفهومةٌ من قوله : « سخروا » وجوَّزوا أن تكون « ما » مصدريَّةً ، ذكره أبو حيَّانَ ولم يتعرض للضمير في « به » .
والذي يظهر أنه يعود على الرسول الذي يَتَضَمَّنُهُ الجَمْعُ ، فكأنه قيل : فَحَاقَ بهم عَاقِبَةُ استهزائهم بالرسول المُنْدَرجِ في جملة الرُّسُلِ ، وأمَّا على رأى الأخْفَشِ ، وابن السراج فتعود على « ما » المصدريّة؛ لأنها اسم عندهما .
و « حاق » ألفه مُنْقَلِبَةٌ عن « ياء » بدليل « يَحِيق » ن ك « باع » « يبيع » ، والمصدر حَيْق وحُيُوق وحَيَقان كالغَلَيان والنَّزَوان .
وزعم بعضهم أنه من « الحَوْق » ، والمستدير بالشيء ، وبعضهم أنه من « الحقّ » ، فأبدلت إحدى القافين ياءً كَتَظَنَّنتُ ، وهذان لَيْسَا بشيء .
أمَّا الأول فلاختلاف المَادَّةِ ، إلاَّ أن يريدوا الاشتقاق الأكبر .
وأما الثاني : فلأنها دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ من غير دليلٍ ، ومعنى « حاق » أحاط .
وقيل : عاد عليه وبَالُ مَكْرهِ ، قاله الفراء .

وقيل : دَارَ .
وقال الربيع بن أنس : نَزَلَ .
وقال عطاء : حَلَّ ، والمعنى يدور على الإحاطة والشمول ، ولا تستعمل إلا في الشر .
قال الشاعر : [ الطويل ]
2115 ... - فأوْطَأ جُرْدَ الخَيْلْ عُقْرَ دِيَارِهِمْ
وَحَاقَ بِهِمْ مِنْ بأسِ ضَبَّةَ حَائِقُ ... وقال الراغب : « قيل : وأصله : حَقَّ ، فقلب نحو » زَلَّ وزَال « وقد قرئ » فأزلهما وأزلَهُمَا « وعلى هذا ذَمَّهُ وذّامه » .
وقال الأزهري : « جعل أبو إسحاق » حاق « بمعنى » أحاط « ، كأنَّ مَأخَذَهُ من » الحَوْق « وهو ما اسْتَدَارَ بالكَمَرَة » .
قال : « وجائز أن يكون الحَوْق فِعْلاً من » حاق يحيق « ، كأنه في الأصل : حُيْق ، فقلبت الياء واواً لانْضِمَامِ ما قلبها » .
وهل يحتاج إلى تقدير مضاف قبل « ما كانوا » ؟
نقل الوَاحِدِيُّ عن أكثر المفسرين ذلك ، أي : عقوبة ما كانوا ، أو جَزَاء ما كانوا ، ثم قال : « وهذا إذا جعلت » ما « عبارة عن القرآن والشريعة وما جاء به النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وإن جعلْتَ » ما « عبارة عن العذاب الذي كان صلى الله عليه وسلم يُوعدهم به إن لم يؤمنوا استَغْنَيْتَ عن تقدير المضاف ، والمعنى : فَحَاقَ بهم العذابُ الذي يستهزئون به ، وينكرونه » .
والسُّخْرِيَةُ : الاسْتِهْزَاءُ والتهَكُّمُ؛ يقال : سِخِرَ منه وبه ، ولا يُقَالُ إلاَّ اسْتَهْزَاءً به فلا يَتَعَدَّى ب « مِنْ » .
وقال الراغب : « سَخَرْتُهُ إذا سِخَّرْتَهُ للهُزْءِ منه ، يقال : رجل سُخَرَةٍ بفتح الخاء إذا كان يَسْخَرُ من غيره ، وسُخْرَة بِسُكُونها إذا كان يُسْخَر منه ومثله : » ضُحَكة وضُحْكة « ، ولا ينقاس » .
وقوله : { فاتخذتموهم سِخْرِيّاً } [ المؤمنون : 110 ] يحتمل أن يكون من التسخير ، وأن يكون من السُّخْرية .
وقد قرئ سُخْرياً وسِخْرياُ بضم السين وكسرها .
وسيأتي له مزيدُ بيان في موضعه إن شاء اللَّهُ تعالى .

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)

قوله تعالى : { قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض } كما صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية الأولى ، حَذَّرَ القوم في الآية ، وقال لرسوله : قل لهم : لا تغتروا بما وَصَلْتُمْ إليه من الدنيا ولذَّاتها ، بل سيروا في الأرض لترعرفُوا صحة ما أخبركم الرسولُ عنه من نزول العذاب بمن كذب الرسل من الأمم السَّالفة قبلكم . يحذر كفار « مكّة » ، ويحتمل هذا السير أنْ يكون بالعقول والفِكَرِ ، ويحتمل السَّيْرَ في الأرضِ .
قوله : « ثُمَّ » انْظُرُوا « : عطف على » سِيرُوا « ولم يجئ في القرآن العطف في مثل هذا الموضوع إلاَّ بالفاء ، وهنا جاء ب » ثم « فيحتاج إلى فَرْقٍ .
فذكر الزمخشري الفرق وهو : أنْ جَعَل النَّظَرَ مُسَبَّباً عن السَّيْرِ في قوله : » فانْظُرُوا « كأنه قيل : سِيُروا لأجْلِ النظرِ ، ولا تسيروا سَيْرَ الغافلين .
وهنا معناه إبَاحَةُ السَيَّرِ في الأرض للتجارة وغيرها من المَنَافِع ، وإيجاب النظر في آثار الهالكين ، ونبَّه عل ذلك ب » ثمَّ « لِتَبَعُدِ ما بين الواجب والمباح .
قال أبو حيَّان - رضي الله عنه - : وما ذكر أوَّلاً مُتَنَاقض؛ لأنه جعل النظر مُتَسَبِّباً عن السَّيْرِ ، فكان السَّيْرُ سبباً للنَّظَرِ ، ثم قال : فكأنه قيل : سيروا لأجْلِ النَّظَرِ ، فجعل السَّيْرَ مَعْلُولاً بالنَّظَرِ ، والنَّظَرِ ، سَبَبٌ له فَتَنَاقَضَا ، ودعوى أن » الفاء « سببيةٌ دعوى لا دَلِيلَ عليها وإنَّما مَعْنَاها التَّعْقِبُ فقط ، وأمَّا » زَنَى ماعِز فَرُجم « فَفَهْمُ السببية من قَرِينَةٍ غيرها .
قال : » وعلى تقدير [ تَسْلِيم ] إفادتها السَّبَبَن فَلِمَ كان السيرُ هنا سَيْرَ إباحةٍ ، وفي غيره سَيْرَ إيجاب؟ « .
وهذا اعترض صحيح إلاَّ قوله : » إنَّ « الفاء » لا تفيد السَّبِبِيَّةَ « فإنه غيرُ مُرْضٍ ، [ ودليله في غير هذا الموضع ] ومثُل هذا المكان في كون الزَّمَخْشَرِيّ جعل شيئاً عِلَّةً ، ثم جعله مَعْلولاً ، كما سيأتي إن شاء الله - تعالى - في أوَّلِ » الفتح « ويأتي هناك جوابه .
قوله : » كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ « كَيْفَ » خبرٌ مقدَّمٌ ، و « عاقبة » اسمها ، ولم يُؤنَّثْ ، فعلْها؛ لأنَّ تأنيثها غير حقييقي؛ ولأنها بتأويل المآلِ والمُنْتَهَى ، فإنَّ العاقبة مَصْدَرٌ على وزن « فاعلة » وهو محفوظ في ألْفَاظ تقدَّمَ ذِكْرُها وهي منتهى الشيء وما يَصيرُ إليه .
والعاقبةُ إذا أطْلِقَتْ اختصت بالثواب قال تعالى : { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } [ الأعراف : 128 ] وبالإضافة قد تستعمل في العُقُوبةِ كقوله تبارك وتعالى : { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الذين أَسَاءُواْ السواءى } [ الروم : 10 ] ، { فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي النار خَالِدِينَ فِيهَا } [ الحشر : 17 ] فَصَحَّ أن تكون اسْتِعَارةً من ضدَّهِ كقوله تعالى : { فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 21 ] .
و « كَيْفَ » مُعَلِّقة للنظر ، فهي في مَحَلِّ نصبٍ على إسْقَاط الخافضح لأنَّ معناه هنا التَّفَكُّرُ والتدبُّرُ . والله أعلم .

قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)

« لِمَنْ » خَبَرٌ مقدَّمٌ واجبُ التقديم ، لاشْتِمَالهِ على مَا لهُ صَدْرُ الكلام ، فإنَّ « مَنْ » استفهامية [ والمبتدأ « ما » وهي بمعنى « الذي » ] ، والمعنى : لمن اسْتَقَرَّ الذي في السموات .
وقوله : « قُلْ للَّهِ » قيل : إنَّمَا أمَرَه أن يجيب ، وإن كان المقصود أن يُجِيبَ غيره؛ ليكون أوَّل من بَادرَ بالاعتراف بذلك .
وقيل : لمَّا سِألَهُمْ كأنَّهم قالوا : لمن هو؟ فقال اللَّهُ : قُلْ للَّهِ ، ذكره الجُرْجَانِيُّ فعلى هذا قوله : « قُلْ للِّه » جوابٌ للسؤال المُضْمَرِ الصَّادِرِ من جهة الكُفَّارِ ، وهذا بَعِيدث؛ لأنهم لم يكونوا يَشكُّون في أنَّهُ للَّهِ ، وإنما هذا سؤالُ تَبْكِيتٍ وتَوبِيخٍ ، ولو أجابو الم يَسَمْهُمْ أن يُجيبوا إلاَّ بذلك .
وقال ابن الخَطيبِ : إنَّ اللَّهَ - تبارك وتعالى - أمَرَهُ بالسُّؤالِ أوَّلاً ، ثمَّ بالجواب ثانياً ، وهذا إنَّما يَحْسُنُ في المَوْضِعِ الذي يكونُ جوابُهُ قد بَلَغَ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره مُنْكِرٌ ، ولمَّا كانت آثار الحدوث والإمْكان ظاهرة في ذَوَاتِ جميع الأجْسَامِ ، وفي جميع صفاتها ، ولا جَرَمَ كان الاعْتِرَافُ بأنها بأسرها للَّه تعالى ، ومِلْكٌ له ، ومَحَلُّ تَصَرُّفِهِ وقُدرَتِهِ ، لا جَرَمَ أمره بالسُّؤالِ أوّلاً ، ثم بالجواب ثانياً لِيَدُلَّ ذلك على الإقْرَارَ بهذا المعنى ممَّا لا سبيل إلى دفعه ألْبَتَّةَ ، كما قال تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] وقوله : « اللَّه » خبر مبتدأ محذوف أي : هو اللَّهُ .
فصل في المراد بالآية
والمقصودُ من هذه الآية الكريمة تَقْرِيرُ إثْبَاتِ الصَّانع ، وتقرير المعاد ، وتقرير النُّبُوَّةِ ، أما تقدير إثبات الصَّانِع ، فلأن أحوال العالم العُلْوِيّ والسُّفْلي تدلُّ على أنَّ جميع هذه الأجْسَام موضوفةٌ بصفات كان يجوز عليها اتَّصَافُها بأضْدَادِهَا ، وإذا كان كذلك كان اخْتِصَاصُ كُلِّ جُزْسِ منها بصفة مُعَيَّنَةٍ لابُدَّ وأن يكون لأجل أنَّ الصانعَ الحكيم القَادِرَ المُخْتَارَ خَصَّهُ بتلك الصِّفَةِ المعنية ، وهذا يَدُلُّ على أن العَالَم مع كل ما فيه مَمْلُوكٌ للَّهِ تعالى ، وإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ قَادٍراً على الإعَادَةِ والحَشْر والنَّشْرِ؛ لأن التركيب الأوَّل إنما حَصَلَ لكونه - تبارك تعالى - مَلِكٌ مُطَاع ، والمَلِكُ المُطاع مَنْ لَهُ الأمْرُ والنهي على عَبِيدهِ ، لا بُدَّ من مُبَلِّغ ، وذلك يَدُلُّ على أن بعْثَةَ الأنبياء والرُّسُلِ عليهم الصّلاة والسَّلام من اللَّهِ إلى الخَلْقَ غير ممتنع ، فدَلَّت هذه الآية الكريمة على هذه المطالب الثلاثة ، ولما سَبَقَ ذِكْرُ هذه المَسَائِلِ الثلاثةً ذكر اللَّهُ - تبارك وتعالى- بعدها هذه الآية لتكون مَقْرُنةً بمجموع تِلْكِ المَطَالِبِ .
قوله : « كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ » أي : قَضَى وأوْجَبَ إيجَابَ تَفَضُّلٍ ، لا تضمَّن من معنى القَسَمِ ، وعلى هذا فلا توقُّف على قوله : « الرَّحْمَة » .
وقال الزجاج : إن الجملة في قوله : ليجمعنَّكم « في محل نصب على أنها بَدَلٌ من الرحمةِ؛ لأنه فسَّرَ قوله تعالى : » ليجمعنَّكم « بأنه أمْهَلَكم وأمَدَّ لكم في العُمْرِ والرِّزْقِ مع كُفْركم ، فهو تفسيرٌ للرحمة .

وقد ذكر الفَرَّاء هذين الوجهين : أعني أن الجملة تَمَّتْ عن قوله تعالى : « الرَّحْمَة » ، أو أنَّ « ليجمعنَّكُمْ » بَدَلٌ منها ، فقال : إن شئت جعلت الرَّحْمَةَ غَايَة الكلام ، ثم اسْتَأنَفْتَ بعدها « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » وإن شئت جَعَلْتَهَا في موضع نصبٍ كما قال : { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ } [ الأنعام : 54 ] قال شهابُ الدين - رحمه الله - : واسْتِشْهَادَهُ بهذه الآية الكريمة حَسَنٌ جداً .
ورَدَّ ابن عطيَّة هذا بأنه يَلْزَمُ دخول نون التوكيد [ في الإيجاب قال : وإنما تدخل على الأمْر والنهي ، وجواب القَسَمِ ، ورد أبو حيان حصر ابن عطيَّة ورود نون التوكيد ] فيما ذكر صحيحٌ ، وردَّ كون « ليجمعنَّكم » بدلاً من الرحمة بِوَجْهٍ آخر ، وهو أنَّ « ليجعنكم » جوابُ قَسَم ، وجملةُ الجوابِ وَحْدَهَا لا موضوع لها من الإعراب ، إنما يُحْكمُ على مَوْضع جملتي القَّسِمِ والجواب بمحلِّ الإعراب .
قال شهابُ الدين : وقد خلط مَكِّي المَذْهَبَيْنِ ، وجعلهما مذهباً واحداً ، فقال : « لَيَجْمَعنَّكُمْ » في موضع نصبٍ على البَدَلِ من « الرحمة » واللام لام القَسَمِ ، فهي جواب « كَتَبَ » ؛ أنه بمعنى : أوْجَبَ ذلك على نَفْسِهِ ، ففيه معنى القَسَم ، وقد يظهر جوابٌ عما أوْرَدَهُ أبُو حيَّانَ على غير مكي ، وذلك أنهم جَعَلُوا « لَيَجْمَعَنَّكُم » بَدَلاً من الرَّحْمَةِ - يعني هي وقَسِيمها المحذوف ، واستغنوا عن ذك القَسَمِ ، لا سيما وهو غير مذكور .
وأمَّا مكِّي فلا يظهر هذا جواباً له ، لأنَّه نَصَّ على أنَّهُ جواب ل « كتب » ، فمن حَيْثُ جَعَله جَوَاباً ل « كَتَبَ » لا مَحَلَّ له ، ومن حَيْثُ جعله بَدَلاً كان مَحَلُّه النَّصْبَ ، فَتَنَافَيَا ، والذي ينبغي في هذه الآيةِ الكريمةِ أنْ يكون الوَقْفُ عند قوله : « الرحمة » .
وقوله : « ليجمعنَّكم » جوابُ قَسَم محذوف أي : « واللَّهِ ليجعنَّكُم » ، والجملة القَسِمِيَّةُ لا مَحَلَّ لها بما قبلها من حَيْثُ الإعْرَاب ، وإنْ تعلَّقت به من حَيْثُ المعنى .
و « إلى » على بابها ، أي : ليجمعنَّكم منتهين إلى يوم القيامة .
وقيل : هي بمعنى « اللاَّمط كقوله تعالى : { إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ } [ آل عمران : 9 ] وقيل : بمعنى » في « أي : لَيَجمعنَّكُمْ في يوم القيامة .
وقيل : هي زائدة ، أي : ليجمعنكم يوم القيمامة ، وقد يشهد له قراءة من قرأ { تهوي إِلَيْهِمْ } [ إبراهيم : 37 ] بفتح » الواو « إلاَّ أنه لا ضرورةَ هنا إلى ذلك .
وتقدَّمَ الكلامُ في { لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى } في أول » البقرة « [ البقرة : 2 ] والجملة حالٌ من » يوم « والضمير في » فيه « يَعُودُ على » اليوم « .

وقيل : يَعُودُ على الجَمْعِ المدلول عليه بالفَعْلِ؛ لأنه رَدٌّ على منكري القيامة .
فصل في الكلام على الآية
قال بعضهم : هذا كلامُ لا تَعَلُّق له بما قبله ، فيه تصريح بكمال إلهيته سبحانه تعالى بقوله : { قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض قُل للَّهِ } ثم بَيَّن - تبارك وتعالى- أنه يرحمهم بالإمْهَالِ ، ورفع عذاب الاستئصالن وبيَّنَ أنَّهُ يجمعهم إلى يوم القَيَامَةِ .
فقوله : { كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة } ، أي : يمهلمهم .
وقوله : { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } أنَّهُ لا يمهلهم بل يحشرهم ويُحَاسِبُهم بِكُلِّ ما فعلوا .
وقال آخرون : إنه متعلّق [ بما قبله ] ، والتقدير : { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحَمْةَ ليجمعنَّكم إلى يوم القيامة } .
وقيل : إنه لمَّا قال : كتب ربكم على نفسه الرحمة ، فكأنه قيل : وما تلك الرحمة؟ فقيل : إنَّهُ تبارك وتعالى « ليجمعنكم » [ إلى يوم القيامة « وذلك لأنَّهُ خَوْفُ العذاب لحصل الهَرَجُ والمَرَجُ فصار يوم القيامة من أعظم أسْبَابِ الرحمة ، فكان قوله : { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } . كالتفسير لقوله : { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } [ الأنعام : 54 ] .
فصل في المراد بهذه الآية
اختلفوا في المُرادِ بهذه الرَّحْمَةِ ، فقيل : إنَّهُ - [ تبارك وتعالى ] - يُمْهِلهُمْ مُدَّةَ عُمْرِهِمْ ، ويدفعُ عنهم عَذَابَ الاسْتِئْصَالِ ، ولا يعاجلهم بالعُقُوبَةِ [ في الدنيا ] .
وقيل : المُرَادُ » كَتَبَ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَةَ « لمن ترك التَّكْذِيِبَ بالرُّسُلِ ، وقبل شريعتهم وتاب .
فصل في الإخبار عن سعة رحمه الله
ورى أبو هرير - رضي الله عنه - قال : قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : » لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ كَتَاباً فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي « .
وروى أبو الزّنَادِ ، عن الأعْرَجِ ، عن أبي هريرة : » إنَّ سِبَقِتْ غَضَبي « .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : » إنَّ للِّهِ مِائَة رَحْمةٍ وَاحِدةٌ منها بَيْنَ الجِنِّ والإنْس والبَهَائِم والطير والهَوَامِّ فِيْهَا يتعاطفون وبها يَتَراحَمُونَ ، وبِهَا تَعْطِفُ الوُحُوشُ عَلَى أوْلادِهَا وأخَّر تِسْعاً وتسعين رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهاَ عِبَادةُ يَوْمَ القِيَامَةِ « .
وعن عمر بن الخَطَّابِ - رضي الله عنه - قال : » قَدِمَ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسملم صَبِيُّ ، فإن امرأةٌ من السَّبْي قَدْ تَحْلِبُ ثَدْيَهَا لِسَقْي إذ وَجَدَتْ صبياً في السَّبْي ، فأخَذَتُهُ فألصَقَتْهُ بِبطْنِهَا وَأرْضَعتْهُ فَقَال لَنَا رَسُولُ اللِّهِ - صلى الله عليه وسلم : أتَرَونَ هَذِهِ طَارحَةً وَلَدهَا في النَّارِ . قُلْنَا : لا وهِي تَقْدِرُ عَلَى أنْ تَطْرَحَهُ ، فقالَ : لَلَّهُ أرْحَمُ بِعِباَدِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلدهَا « .
قوله : » الَّذِينَ خَسِرُوا « فيه ستَّة أوجه :
أحدهما : أنه مَنْصُوبٌ بإضمار » أذُمُّ « ن وقَدَّره الزَّمخشري ب » أريد « ، وليس بِظَاهرٍ .
الثاني : أنه مبتدأ أخْبِرَ عنه بقوله : » فهم لا يُؤمِنُون « ، وزيدت الفاءُ في خبره لِمَا تَضَمَّنَ من معنى الشَّرْطِ ، قاله الزجاج ، كأنه قيل : مَنْ يَخْسَرْ نَفْسَهُ فهو لا يومن .

الثالث : أنه مجرور على أنه نَعْتٌ للمكذِّبين .
الرابع : أنه بَدَلٌ منهم ، وهذان الوَجْهَانِ بعيدان .
الخامس : أنه مَنْصُوبٌ على البَدَلِ من ضمير المُخَاطب ، [ وهذا ] قد عرفت ما فيه غير مَرَّةٍ ، وهو أنه يُبْدَل من ضمير الحَاضِر بَدَل كُلِّ من كل في غير إحاطة ولا شمول أم لا؟
ومذهبُ الأخفشِ جوازه ، وقد تقدَّم دَلِيلُ الفَريقَيْنِ ، وردَّ المبردُ عليه مَذْهَبَهُ ، بأنَّ البَدَلَ من ضمير الخطابِ لا يجوز ، كما لا يجوز : « مررتُ بَكَ زيد » وهذا عجيب؛ أنه اسْتِشْهَادٌ بمحلِّ النزاع ، وهو « مَرَتُ بك زيدٍ » ، وردَّ ابن عطيَّة - رحمه الله تعالى - ردَّه فقال : « ما في الآية مُخَالِفُ للمثال؛ لأنَّ الفائدة في البدل مُتَرتِّبَةٌ من الثاني ، فأمَّا في » مررتُ بك زيدٍ « فلا فائدة في الثاني .
وقوله : » لِيَجمَعَنَّكُمْ « يَصْلُحُ لِمُخَاطَبةِ النَّاس كافَّةً ، فيفيدنُا إبدال » الَّذينَ « من الضمير أنهم هم المختصُّون بالخِطَابِ ، وخُصُّوا على جهة الوَعيدِ ، ويجيءُ هذا إبْدال البعضِ من الكُلِّ » .
قال أبو حيَّان : « هذا الرَّدُ ليس بِجَيِّدٍ؛ لأنه إذا جعلنا » لِيَجْمَعَنَّكُم « صالحاً لخِطَابِ جميع النَّاس كان » الَّذين « بَدَلَ بعض ، ويحتاج إذا ذالك إلى ضميرٍ ، تقديره : خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ فِيْهُمْ وقوله : » فيفيدنا إبْدَال الذين من الضمير أنهم هم المُخْتَصُّون بالخَطَابِ ، وخُصُّوا على جِهَةِ الوعيدِ « وهذا يقتضي أن يكون بدل كلّ ، فتناقَضَ أوَّل كلامه مع آخره؛ لأنه من حَيْثُ الصَّلاحِيّةُ بدل بعض ، ومن حيث اخْتِصاص الخِطَابِ بهم يكون بدلَ كُلّ ، فَتَنَاقَضَا » .
قال شهابُ الدِّينِ : ما أبْعَدَهُ عن التَّنَاقُضِ ، لأن بدل البعض من الكُلِّ من حملةِ الخصِّصَات ، كالتخصيص بالصِّفةِ والغاية والشرط ، نصَّ العلماء- رضي الله عنهم - على ذلك فإذا تقرَّرَ هذا ، فالمُبْدَلُ منه بالنسبة إلى اللَّفظِ في الظاهرِ عامُّ ، وفي المعنى ليس المُرَادُ به إلاَّ ما أرَادَهُ المتكلِّم ، فإذا وردَ : « واقتلوا المُشركين بين فلان » مثلاً ، فالمشركون صالحٌ لكُلِّ مُشْرِكٍ من حيثُ اللَّفظِ ، ولكنَّ المُرادَ به بَنُو فلان ، فالعموم في اللفظ والخُصُوص في المعنى ، فكذا قَوْلُ أبي مُحَمَّدٍ لمُخَاطَبةِ الناس ، معناه أنه يَعُمُّهُمْ لَفْظاً .
وقوله « فيفيدنا إبدال الضمير إلى آخره » هذا هو المُخَصِّص فلا يجيء تناقُقَ ألْبَتَّة ، وهذا مقرر في « أصول الفقه » .
السادس : أنه مَرْفُوعٌ على الذَّمِّ ، قاله الزَّمخشري ، وعبارته فيه وفي الوجه الأول : « نَصْبٌ على الذم أو رَفْعٌ ، أي : أريد الذين خَسِرُوا أنفسهم ، أو أنتم الذين خَسِرُوا أنفسهم » انتهى .
قال شهابُ الدين- رحمه الله تعالى- : « إنما قَدَّر المبتد » أنتم « ليرتبط مع قوله : » ليجمعنَّكم « ، وقوله : » خسروا أنفسهم « من مُراعاةِ الموصول ، ولو قال : » أنتم الَّذين خسروا أنفسكم « مُراعَاةً للخطابٍ لجَازَ ، تقول : أنت الذي قَعَدَ وإن شئت : قَعَدْت » .
فإن قيل : ظَاهِرُ اللَّفظِ يَدُلُّ على أنّ خُسْرَانهم سبب لعدم إيمانهم ، والأمر على العكس؟
فالجواب : أنَّ هذا يَدُلُّ على أن سَبْقَ القضاء بالخُسْرَانِ والخِذْلانِ هو الذي حملهم على الامْتَنَاعِ من الإيمان ، وهو مذهب أهْلِ السُّنَّة .

وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)

قوله : « ولَهُ مَا سَكَن » : جملة من مُبْتَدَأ وخبر ، وفيها قولان :
أظهرهما : أنها اسْتَئْنَافُ إخبار بذلك .
والثاني : أنها في مَحَلّ نَصْبٍ نَسَقاً على قوله : « الله » ، أي : على الجملة المَحْكيَّةِ ب « قل » أي : قل : هو الله ، وقل : له ما سَكَنَ .
و « ما » موصولة بمعنى « الذي » ، ولا يجوز غَيْرُ ذلك .
و « سَكَنَ » قيل : معناه ثَبَتَ واسْتَقَرَّ ، ولم يذكر الزمخشري غيره .
كقولهم : فلان يسكنُ بَلْدَة كذا ، ومنه قوله تبارك وتعالى { وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُم } [ إبراهيم : 45 ] .
وقيل : هو مِنْ « سَكَنَ » مقابل « تَحَرَّك » ، فعلى الأوَّل لا حذف في الآية الكريمة .
قال الزمخشري : وتعدِّية ب « في » كما في قوله : { وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُم } [ إبراهيم : 45 ] ، ورجَّع هذا التفسير ابن عطية .
وعلى الثَّاني اخْتَلَفُوان فمنهم من قال : لا بُدَّ من محذوفٍ لِفَهْمِ المعنى ، وقدَّر ذلك المحذوف معْطُوفاً ، فقال : تقديره : لوه ما سَكَنَ وما تحرك ، كقوله في موضع آخر : { تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 81 ] أي : والبَرْد وحذف المعطوف فاشٍ في كلامهم ، وأنشد القائل في ذلك :
2116- كَأنَّ الحَصَى مِنْ خَلْفِهَا وَأمَامِهَا ... وإذَا نَجَلَتْهُ رِجْلُهَا خَذْفُ أعْسَرَا
وقال الآخر : [ الطويل ]
2117- فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جَاءَ سَالِماً ... أبُو حُجُرِ إلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ
يريد : رِجْلَهَا ويدها ، وبين الخير وبيني .
ومنهم من قال : لا حَذْفَ؛ لأنَّ كُلَّ متحرك قد يسكن .
وقيل : لأنَّ المُتَحرِّكَ أقَلُّ ، والساكن أكثرُ ، فلذلك أوثِرَ بالذِّكْرِ .
وقيل : إنما خصَّ السُّكون بالذِّكْرِ ، لأن النعمة فيه أكثر .
فصل في نظم الآية
قال أبو مسلم : وجه نَظْمَ الآية الكريمة أنه- تبارك وتعالى- ذَكَرَ في الآية الأولى : السَّمَوَات والأرضِ؛ إذ لا مكانَ سِوَاهُمَا ، وفي هذه الآية الكريمة ذكر الليل والنَّهار ، إذ لا زمان سواهما ، فالزَّمَان والمكان ظرفان للمحدثات ، فأخبر - تبارك وتعالى- أنه مَالِكٌ للمكان والمَكَانِيَّاتٍ ، ومالك للزَّمانِ والزَّمانِيَّاتِ .
قال محمد بن جرير : كُلُّ ما طلعت عليه الشَّمْسُ وغَرَبَتْ ، فهو من مَسَاكن اللَّيل والنَّهَار ، والمراد جميع ما في الأرض .
وقيل : مَعْنَاه له ما يمرُّ عليه اللَّيْلُ والنَّهَارُ ، وهو السميعُ لأصواتهم ، العَلِيمُ بأسْرَارِهِمْ .

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)

أغَيْرَ اللَّهِ « مفعول أوّل ل » أتَّخِذُ « و » لياً « مفعولٌ ثانٍ ، وإنما قدَّم المفعول الأوَّل على فعله لمعنى ، وهو إنكار أن يُتَّخَذَ غَيْرَ اللَّهِ وليّاً لا اتّخَاذ الوليّ ، ونحوه قولك لمن يُهِينُ زيداً وهو مستحقٌّ للإكرام : » أزيداً أهّنْتَ « ؟! أنْكَرْتَ أن يكون مَثْلَهُ مُهَاناً .
وقد تقدَّم هذا موضحاً في قوله : { أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ } [ المائدة : 116 ] ، ومثله : { أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً } [ الأنعام : 164 ] ، { أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ } [ الزمر : 64 ] { ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } [ يونس : 59 ] { ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ } [ الأنعام : 143 ] وهو كثيرٌ ، ويجوز أن يكُونَ » أتخذ « متعدّياً لواحدٍ ، فيكون » غير « مَنْصُوباً على الحال من » ولياً « ؛ لأنه في الأصل صِفَةٌ له ، ولا يجوز أن يكُونُ استثناءً ألْبَتَّةَ ، كذا منعه أبو البقاء ، ولم يُبَيَّنْ وجهه .
والذي يظهر أنَّ المَانِعَ تقدُّمه على المستثنى منه في المعنى ، وهو » وَلياً « .
وأمَّا المعنى فلا يَأبى الاستثناء؛ لأن الاستفهام لا يُرَادُ به حقيقته ، بل يُراد به الإنْكَار ، فكأنه قيل : لا أتَّخذُ وليَّا غير اللَّه ، ولو قيل كذا لكان صحيحاً ، فظهر أنَّ المانع عنده إنما هو التَّقْديِمُ على المستثنى منه ، لكن ذلك جائز وإن كان قليلاً ، ومنه : [ الطويل ]
2118- ومَا لِي إلاَّ آل أحْمَدَ شِيعَةٌ ... وَمَا لِيَ إلاَّ مَشْعَبَ الحَقَّ مشْعَبُ
وقرأ الجمهور » فَاطرِ « بالجر ، وفيها تخريجان :
أحدهما- وبه قال الزخشريّ والحوفيّ وابن عطيّة- : صفة للجلالة المجرورة ب » غير « ، ولا يَضُرُّ الفَضْلُ بين الصِّفَةِ ، والموصوف بهذه الجملة الفعلية ومفعولها؛ لأنها ليست بأجنبيةٍ ، إذ هي عاملةٌ في عامل الموصوف .
الثاني- وإليه نَحَا أبو البقاء- : أنه بَدَلٌ من اسم اللَّهِ ، وكأنه فَرَّ من الفَصْلِ بين الصٍّفةِ وموصوفها .
فإن قيل : هذا لازمٌ له في البد ، فإنه فَصَل بين التاَّبع ومتبوعه أيضاً ، فيقال : إنَّ الفَصْلَ بين البدلِ والمبدل فيه أسهلح لأن البَدَلَ على نِيَّةِ تَكْرَارِ العمال ، فهو أقربُ إلى الفَصْلِ ، وقد يُرجَح تخريجه بوَجْهِ آخر ، وهو أنَّ » فاطر « اسم فاعل ، والمعنى ليس على المُضِيِّ حتى تكون إضافته غير مَحْضَةٍ ، فيلزم وَصْفُ المعرفة بالنَّكرة؛ لأنه في نيَّةِ الانفصال من الإضافة ، ولا يقال : اللَّهُ فَاطِرُ السموات والأرض فيما مضى ، فلا يُرَادُ حالٌ ولا استقبالٌ؛ لأن كلام اللِّهِ - تبارك وتعالى- قديمٌ متقدّمٌ على خَلْقِ السموات ، فيكون المراتد به الاسْتِقْبَال قطعاً ، ويَدُلُّ على جواز كونه في نيَّة التَّنْوين ما يأتي ذكره عن أبي البَقَاءِ قريباً .
وقرأ ابن عَبْلَةَ برفعه ، وتخريجه سَهْلٌ ، وهو انه خبر مبتدأ محذوف .
وخرَّجه ابن عطية على أنه مبتدأ ، فيحتاج إلى تقدير خَبَرِ ، والدلالَةُ عليه خفيَّةٌ بخلاف تقدير المبتدأ ، فإنه ضمير الأول ، أي : » هو فاطر « . وقرئ شاذاً بنصبه ، وخرَّجه أبو البقاء على وجهين :
أحدهما : أنه بَدَلٌ من » ولياً « قال : » والمعنى على هذا أجْعَلُ فاطر السموات والأرض غير اللِّهِ « ، كذا قدَّرَهُ ، وفيه نظر ، ؛ لأنه جعل المفعول الأول ، وهو » غير الله « مفعولاً ثانياً ، وجعل البدل من المفعول الثاني معفولاً أوَّل ، فالتدقير عَكْسُ التركيب الأصلي .

والثاني : أنه صِفَةٌ ل « ولياً » قال : ويجوز أن يكون صَفَةٌ ل « وَليّاً » والتنوين مُرَادٌ .
قال شهاب الدين : يعني بقوله : « التنوين مُرَاد » أنَّ اسم الفاعل عاملٌ تقديراً ، فهو في نِيَّةِ الانْفَصَالِ ، ولذلك وقع وَصْفاً للنكرة كقوله : { هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } [ الأحقاف : 24 ] .
وهذا الوجه لا يَكَادُ يَصِحُّ ، إذ يصير المعنى : أأتَّخِدُ غير اللَّهِ وليّاً فاطر السموات الحال من الجلالةِ ، كما كان « فاطر » صفتها في قراءة الجمهور .
ويجوز على رأي أبي البقاءِ أن تكون صَفَةٌ ل « وليَّاً » ، ولا يجوز أن تكون صَفَةً للجلالة؛ لأن الجملة نكرةٌ .
والفَطْرُ : الشَّقُّ مُطْلقاً ، وقيَّدَهُ الرَّاغب بالشَّقِّ طولاً ، وقيَّدّهُ الواحدي بشقِّ الشيء عند إبتدائه .
والفطرُ : إبداع وإيجاد شيء على غير مثال ، ومنه { فَاطِرِ السماوات والأرض } ، أي : أوجدها على غير مثال يُجْتدى .
وعن ابن عبَّاس : ما كنتُ أدْرِي ما معنى فَطَر وفَاطِر ، حتَّى اختصم إليَّ أعْرَابيَّان في بِئرِ ، فقال أحدهما : « إنا فَطَرتُهَا » ، أي : أنْشَأتُهَا وابتدأتها .
ويقال : فَطَرْتُ كذا فَطْراً وفَطَر هو فُطوراً ، وانْفَطَرَ إنْفَطَاراً وفَطَرْتُ الشَّاة : حَلَبْتُهَا بأصْبُعَيْنِ ، وفَطرْتُ العَجينَ : خبرْته في وَقْتِهِ .
وقوله تبارك وتعالى : { فِطْرتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا } [ الروم : 30 ] إشارة منه إلى ما فَطَرَ ، أي : أبدع وركز الناس من معرفته [ ما ركز ] ، ففطرة اللِّهِ ما رُكِّز من القُوِّةِ المُدْرِكة لمعرفته ، وهو المُشَارُ إليه بقوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله } [ الزخرف : 87 ] .
وعليه : « كُلُّ مولودٍ يُوْلَدُ على الفِطْرَةِ » الحديث .
وهذه الآية الكريمة نزلت حين دعا إلى الله آباءه فقال تعالى : يا محمد { قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً } رباً معبوداً وناصراً ومعيناً .
قوله : { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } القراءة المَشْهُرة ببناء الأوَّل للفاعل ، والثَّاني للمعفول ، والضمير للِّهِ تعالى ، والمعنى : وهو يَرْزَق ، وهو موافق لقوله تعالى : { مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } [ الذاريات : 57 ] .
وقرأ سعيد بن جبير ، ومجاهد بن حبر ، والأعمش ، وأبو حيوة ، وعمرو بن عبيد ، وأبو عمرو العلاء في رواية عنه : وَلاَ يَطْعَمُ « بفتح الياء والعين ، والضميرُ في ولا يُطْعِم للولِيّ .
وقرأ يعقوب في رواية أبي المأمون : » وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِم « ببناء الأوَّل للمفعول ، والثَّاني للفاعل ، على عَكْسِ القراءة المشهورة ، والضمائر الثلاثة أعني هو والمستترين في الفعلين للولي فقط أي : وذلك الولي يُطعمه غيره ، ولا يُطْعِمُ هو أحداً لعَجْزِه .
وقرأ الأشْهَبُ : » وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِم « ببنائهما للفاعل .

وذكر الزمخشري فيهما تخريجين ثانيهما لنفسه ، فإنه قال بعد أن حَكَى القراءة : وفُسِّر بأنَّ معناه وهو يُطْعِم ولا يِسْتطْعمِ .
وحكى الأزهري : أطعمت بمعنى اسْتَطْعِمْتُ ، ونحوه : أفّدْت ، ويجوز أن يكون المعنى : هو يُعطْعِمُ ، تارةٌ ، ولا يُطْعم أخرى على حسب المَصَالِحِ ، كقولك : هو يعطي ويمنع ، ويَقْدر ويبسط ويغني ويُفْقر .
قال شهابُ الدين : هكذا ذكر أبو حيَّان هذه القراءات .
وقراءةُ الأشهب هي كقراءة ابن أبي عَبْلَةَ والعماني سواء لا تَخَالُفَ بينهما ، فكان ينبغي أن يذكر هذه القراءة لهؤلاء كُلِّهم ، وإلاَّ يوهم هذا أنهما قِرَاءتانِ مُتغَايرَتَانِ ، وليس كذلك .
وقُرئَ شاذّاً : « يَطْعَمُ » يفتح الياء والعين ، « ولايُطعم » بضم الياء وكسر العين ، أي : وهو يأكل ، ولا يطعم غيره ، ذكره هذه القراءة أبو البقاء قال : « والضميرُ راجع على الوَليّ الذي غَيْرُ اللِّهِ » .
فهذه ست قراءات ، وفي بعضها- وهو تَخَالُفُ الفعلين- من صناعة البَديع تَجنيسُ التشكيل ، وهو أن يكون الشَّكْلُ فارقاً بين الكلمتين ، وسمَّاهُ أسَامةُ بن منقذ تجنيس التَّحْريفِ ، وهو تَسْمِيَةٌ فَظِيعَةٌ ، فتسميتهُ بتجنيس التَّشْكيل أوْلَى .
قوله : { قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } يعني من هذه الأمَّةِ ، والإسلامُ بمعنى الاسْتِسْلام لأمرِ اللِّهِ تعالى .
وقيل : أسْلمَ أخْلَصَ ، و « مَنْ » يجوز أن تكون نكرة موصوفةً واقعةً موقع اسم جمع أي : أوَّل فريق أسلم ، وأن تكون موصولةً أي : أوَّل الفريق الذي أسْلَم ، وأفرد الضمير في « أسلم » إمَّا باعتبار « فريق » المُقَدَّر وإمَّا باعتبار لَفْظِ « مَنْ » ، وقد تقدَّم الكلام على « أول » وكيف يُضَاف إلى مفرد بالتأويل المذكور في سورة البقرة .
قوله : « ولا تَكُونَنَّ » فيه تأويلان :
أحدهما : على إضمار القول ، أي : وقيل لي : لا تكونن .
قال أبو البقاء : « ولو كان مَعْطُوفاً على ما قبله لَفظاً لقال : وأنْ لا أكون » وإليه نَحَا الزمخشري فإنه قال : « ولا تَكُونَنَّ : وقيل لي لا تكونَنَّ ، ومعناه : وأُمرت بالإسْلامِ ، ونُهيت عن الشِّرْكِ » .
والثاني : أنه مَعْطُوفٌ على معلوم « قُلْ » حَمْلاً على المعنى ، والمعنى : قل إني قيل لي : كُنْ مَنْ أسلمٍ ، ولا تكوننَّ من المشركين ، فهما جميعاً محمولان على القَوْلِ ، لكن أتى الأوَّل بغير لفظ القول ، وفيه معنهاه ، فَحُمِلَ الثاني على المعنى .
وقيل : هو عَطْفٌ على « قل » أُمِرَ بأن يقول كذا ، ونهي عن كذا .

قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)

قوله : { قُلْ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي } فعبدت غيره « عذاب يوم عطيم » أي عذاب يوم القيامة ، و « إنْ عصيت » شرط حُذف جوابه لدلالة ما قبله عليه ، ولذلك جيء بفعل الشرط ماضياً ، وهذه الجملة الشرطية فيها وجهان :
أحدهما : أنه معترضٌ بين الفِعْلِ ، وهو « أخاف » وبين مفعوله وهو « عذاب » .
والثاني : أنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال .
قال أبو حيَّان : كأنه قيل : « إني أخافُ عَاصٍياً ربِّي » ن وفيه نظر؛ إذ المعنى يَأبَاهُ . و « أخَافُ » وما في حَيِّزِه خبر ل « إنَّ » ، وإنَّ وما في حيِّزِهَا في مَحَلّ نصب ب « قل » وقرأ ابن كثيرِ ، ونافع « إنِّيَ » بفتح الياء ، وقرأ أبو عمرو ، والباقون بالإرسال .

مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)

« مَنْ » شرطيةٌ ، ومَحَلُّها يحتمل الرَّفْع والنصب ، كما سيأتي بيانه .
وقرأ الأخوان ، وأبو بكر عن عاصم : « يَصْرف » بفتح الياء وكسر الراء على تسمية الفاعل .
والباقون بضمِّ الياء وفتح الراء على ما لم يُسَمَّ فاعله .
فأمَّا في القراءة الأولى ، ف « مَنْ » فيها تَحْتَمِلُ الرفع والنصب ، فالرفعُ من وجهِ واحدٍ ، وهو الابتداء ، وخبرها فعل الشَّرطِ أو الجواب أو همان على حَسَبِ الخلاف ، وفي مفعول « يَصْرِفط حينئذ احتمالان :
أحدهما : أنه مَذْكُورٌ وهو » يومئذ « ، ولا بُدَّ من حَذْفِ مَضَافٍ ، أي : من يَصْرِفِ اللَّ عنه هَوْلَ يومئذ أو عذابَ يومئذ - فقد رحمه - فالضمير في » يَصْرِف « ن يعود على اللَّهِ تعالى ، ويدلُّ عليه قراءة أبَيِّ بن كعبٍ » مَنْ يَصْرِف اللَّهُ « بالتصريح به .
والضميران في » عنه « و » رحمه « ل » مَنْ « .
والثاني : أنه محذوف لدلالِة ما ذكر عليه قَبْلَ ذلك ، أي : مَنْ يَصْرف اللَّهُ عنه العذاب » يومئذ « منصوب على الظرِف .
وقال مكيٌ : » ولا يَحْسُنُ أن تٌقَدَّر هاء؛ لأنها إنما تُحْذَفُ من الصِّلاتِ « .
قتل شهابُ الدين : يعني أنه لا يُقَدَّر المَفْعُولُ ضميراً عائداً على عذاب يوم؛ لأن الجملة الشرطية عنده صِفَةٌ ل » عَذَاب « ، والعائِدُ منها محذوف ، لكنَّ الحَذْفَ إنما يكون الجملة الشرطية عنده صَفَةٌ ل » عَذَاب « ، والعائِدُ منها محذوف ، لكنَّ الحَذْفَ إنما يكون من الصِّلَةِ لا من الصِّفَةِ ، وهذا معنى قول الواحديّ أيضاً ، إلاَّ أنَّ قَوْلَ مَكي » إنما يُحْذّفُ من الصِّلاتِ « يريدُ في الأحسن ، وإلاَّ فيحذف من الصِّفاتِ والأخبار والأحوال ، ولكنَّه دون الصِّلة .
والنصبُ من وجهين :
أحدهما : أنَّه مفعول مُقَدَّمٌ ل » يَصْرِف « والضمير في » عنه ‘لى هذا يتعيَّنُ عودهُ على العذابِ المتقدمّ ، والتقدير : أيَّ شخصٍ يصرفِ اللَّهُ عن العذاب .
والثاني : أنه مَنْصُوبٌ على الاشْتِغَالِ بفعل مُضْمَرٍ لا يبرز ، يفسره هذا الظَّاهِرُ من معناه لا من لَفْظِهِ ، والتقدير : مَنْ نُكْرِمْ أو مَنْ نُنَجِّ يَصْرَف اللَّه .
والضمير في « عنه » للشرطية .
وأمَّا مفعول « يَصْرِفْ » على هذا فَيَحْتَمِلُ الوجهين المُتقدَّمينِ ، أعني كونه مذكوراً ، وهو « يومئذٍ » على حَذْفِ مُضافٍ ، أو محذوفاً اختصاراً .
وأمَّا القراءة الثَّانية ف « مِنْ » تحتمل وجهين :
أحدهما : أنها في مَحَلّ رفع بالابتداء ، وخبره ما بعده على ما تقدَّم والفاعل المَحْذُوفُ هو اللَّهُ - تعالى يَدُلُّ عليه قراءةُ أبّي المُتقدِّمةُ وفي القائم مقامه أربعة أوجه :
أحدهما : أنه ضمير العذاب ، والضمير في « عنهط يعود على » مَنْ « فقط ، والظرف فيه حينئذ ثلاثة أوجه :
أحدهما : أنه منصوب ب » يصرف « .

والثاني : أنه منصوب بالعذاب ، أي : الذي قام ضميره مقام الفاعل ، قاله أبو البقاء - رضي الله عنه- : ويلزم منه إعْمَالُ المصدر مضمراً ، وقدر يقال : يُغْتَفَرُ ذلك في الظروف .
الثالث : قال أبو البقاء : « إنه حالة من الضمير » - يعني الضمير الذي قامَ مقامَ الفاعل ، وجازَ وقوع الحال ظَرْفَ زمان؛ معنّى لا عن جُثّة .
الثاني من الأوجه الأربعة : أن القَائِمَ مقام الفاعل ضميره « مَنْ » والضمير في « عنه » يعُود على العذاب ، والظَّرف منصوب ، إمَّا ب « يُصْرف » وإمَّا على الحالِ من هاء « عنه » .
الثالث : أنَّ القائم مقام الفاعل « يومئذ » إمَّا على حذف مضاف أي : من يُصْرَف عنه فَزَعُ أو هَوْلُ يومئذ ، وإمَّا على قيام الظروف دون مضاف ، كقولك : « سير يوم الجمعة » ، وإنما بُنِيَ « يومئذٍ » على الفَتْح لإضافته إلى غير مُتَمَكِّنِ ، ولو قُرِئَ بالرفع لكان جِائَزاً في الكلام ، وقد قرئ : { وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ } [ هود : 66 ] فتحاً وجراً بالاعتبارين ، وهما اعتبارانِ مُتَغَايِرَان .
فإن قيل : يلزمُ على عدم تقدير حَذْفِ المضاف إقامةُ الظِّرْفِ غير التام مقام الفاعل ، وقد نصُّوا على أنَّ الظَّرْفِ المقطُوعَ عن الإضافة لا يُخبَرُ به ، ولا يقوم مقام فاعل ، ولو قلت : « ضُرب قبلُ » لم يَجُزْ ، والزرف هنا في حكم المقطوع عن الإضافة فلا يجوز هنا قيامه مقام الفاعل ، إلاَّ على حَذْفِ مضاف ، فالجواب أن هذا في قُوَّة الظَّرْفِ المضاف؛ إذ التنوين عِوَضٌ عنه ، وهذا ينتهضُ على رَأي الجمهور أما الأخفش فلا ، لأنَّ التنوين عنده تَنْوِنيُ صَرْفِ والكَسْرُ كَسْرُ إعراب .
والرابع : أنَّ القائم مقامَهُ « عنه » ، والضميرُ في « عنه » يعودُ على « مَنْ » ، و « يومئذٍ » منصوب على الظَّرْفِ ، والعامل فيه « يُصْرَفْ » ، ولا يجوز الوجهان الأخيران ، أعني نَصْبَهُ على الحالِ ، لأن الضمير لجُثَّة والزَّمَان لا يقع حالاً عنهما ، كما لا يَقَعُ خبراً ، وأعني كونه مَعْمُولاً للعذاب ، إذ ليس هو قائماً مقام الفاعلِ .
والثاني من وَجْهي « مِنْ » في مَحَلِّ نصب بفعل مُضْمَرٍ يفسّره الظاهرُ بعده ، وهذا إذا جعلنا « عنه » في مِحَلِّ نصب بأنْ يُجْعَلَ القائم مقامَ الفاعل : إمَّا ضميرَ العذاب ، وإمَّا « يومئذ » .
والتقدير : مَنْ يكرم اللَّهُ ، أو من يُنَجِّ يُصْرَفْ عنه العذابُ أو هولُ يومئذ ، ونظيره : « زيدٌ به مُرُور حسن » ، أقمت المصدر فبقي « عنه » منصوب المَحَلّ .
والتقدير : جاوزت زيداً مُرَّ به مُرُور حسن ، وأمَّا جُعل « عنه » قائماً مقام الفاعل تعيَّنَ رفعهُ بالابتداء .
وأعلم أنه متى قلت : مَنْصُوبٌ على الاشتغال ، فإنما يُقدَّر الفعل بعد « مِنْ » ؛ لأن لها صدر الكلام ، ولذلك لم أظْهِره إلاَّ مؤخّراً ، ولهذه العِلَّةِ منع بعضهم الاشتغال فيما له صَدْرُ الكلام كالاسْتِفهَامِ والشرط .

والتنوين في « يومئذٍ يكون الجزاء ، وإنَّما قلنا ذلك؛ لأنه لم يتقدَّم في الكلام جملةٌ مُصَرَّحٌ بها يكون التنوين عَوَضاً منهان وقد تقدَّم خلافُ الأخفش .
وهذه الجملة الشَّرطيَّةُ يجوز فيها وجهان : الاستئناف ، والوصف ل » عذاب يوم « ، فحيثُ جعلنا فيها ضميراً يعود على عذاب يوم ، إمَّا مِنْ » يُصَرف « ، وإمَّأ مِنْ » عنه « جاز أن تكون صفةٌ وهو الظَّاهر ، وأن تكون مُسْتأنفةً ، وحَيْثُ لم نجعلُ فيها ضميراً يعود عليه- وقد عرفت كيفية ذلك - تعيَّنَ أن تكون مُسْتَأنَفَةً ، ولا يجوز أن تكون صِفَةً لخلوِّها من الضمير .
وَرجَّع بعضهم إحْدى القراءَتَيْنِ على الأخرى ، وذلك على عَادتِهِمْ ، فقال أبو عَلِيِّ الفارسي : قراءة » يَصْرِف « يعني المبنيَّ للفاعل أحْسَنُ لمناسبة قوله : » رحمه « ، يعني : أنَّ كُلاَّ منهما مَبْنيُّ للفاعل ، ولم يقل : » فقد رُحِمَ « واختارها أبو حَاتِم ، وأبو عُبَيْد ، ورجَّعَ بعضهم قراءة المبنى للمفعول بإجماعهم على قراءة قوله : { لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ } [ هود : 8 ] يعني في كونه أتى بصيفة اسم المَفْعُول المُسْنَدِ إلى ضمير العذابِ المذكور أوَّلاً .
ورجَّحَهَا محمد بن جرير بأنها أقَلُّ إضماراً ، ومكي - رحمه الله - تَلَعْثَم في كلامه في ترجيحه لقراءة الأخوين ، وأتى بأمثلةٍ فَاسِدَةٍ في كتاب » الهداية « له .
قال ابن عطية : » وقد تقدَّمَ أوَّلَ الكتاب عن ثَعْلبٍ وغيره من العلماء أنَّ ترجيح إحدى القراءاتِ المتواترة على الأخرى بحيث تُضِعَّفُ الأخرى لا يجوز « .
والجملة من قوله : » فقد رحمه « في محلّ جَزْمٍ على جواب الشرط والفاء واجبة .
قوله : » وذلِكَ الفَوزُ « مبتدأ وخبر جيء بهذه الجُمْلَةِ مقرِّرةً لما تقدَّم من مضمون الجملة قبلهان والإشارَةُ ب » ذلك « إلى المَصْدَرِ المفهوم من قوله : » يُصْرف « ، أي : ذلك الصرف .
و » المبين « يحتمل أن يكون مُتَعَدِّياً ، فيكون المفعول مَحْذُوفاً ، أي : المبين غيرَه ، وأن يكون قاصراً بمعنى يبين ، وقد تقدَّمَ أنَّ » أبان « ، يكون قاصراً بمعنى » ظَهَرَ « ، ومتعدّياً بمعنى » أظهر « .

وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)

هذا دليل آخر في بَيَانِ أنه لا يجوز للعاقلِ أنْ يتّخذ ولياً غير الله .
و « الباء » في قوله : « بِضُرِّ » للتعدية ، وكذلك في « بخير » ، والمعنى : وإن يمسك اللَّهُ الضُّرَ ، أي : يجعلك ماسَّاً له ، وإذا مست الضر فقد مَسَّك ، إلاَّ أن التَّعديَةَ بالباء في الفعل المُتَعَدِّي قليلةٌ جداً ، ومنه قولهم : « صَكَكْتُ أحَدَ الحجرين بالآخر » .
وقال أبو حيان : ومنها قولهك تعالى { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } [ البقرة : 251 ] .
وقال الواحدُّ : -رحمه الله- : « إن قيل : إن المَسَّ من صِفَةِ الأجَسْامِ فكيف قال : وإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ؟
فالجواب » الباء « لتعدية ، والباء والألف يتعاقَبَانِ في التَّعديَةَ ، والمعنى : إن أمَسَّك اللَّهُ ضُرّاً ، أي : جعله مَاسَّك ، فالفعلُ للضُّرِّ ، وإن كان في الظاهر قد أسند إلى اسمِ اللَّهِ تعالى ، كقولك : » ذهبَ زيدٌ بعمرو « ، وكان الذَّهابُ فِعْلاً لعمرو ، غير أن زيداً هو المُسَبِّبُ له والحاملُ عليه ، كذلك هنا الميسُّ للضُرِّ ، والله - تعالى - جعله مَاسّاً » .
قوله : « فلا كاشف له » : « له » « : خبر » لا « ، وثمَّ مَحْذُوفٌ تقديره : فلا كاشف له عنك ، وهذا المحذوف لي متعلِّقاً ب » كاشف « ، إذ كان يلزمُ تنوينه وإعرابه ، بل يتعلَّق بمحذوف ، أي : أغني عنه . و » إلاَّ هو « فيه وجهان :
أحدهما : أنه بدلٌ من مَحَلّ » كاشف « فإن مَحَلَّه الرفع على الابتداء .
والثاني : أنه بَدَلٌ من الضمير المُسْتَكِنِّ في الخبر ، ولا يجوز أن يرتفع باسم الفاعل ، وهو » كاشف « ؛ لأنه مطوَّلاً [ ومتى كان مطوَّلاً ] أعْرِبَ نَصْباً ، وكذلك لا يجوز أن يكون بَدَلاً من الضمير المُسْتَكِنّ في » الكاشف « للعلَّةِ المتقدّمة؛ إذ يحلُّ مَحَلُّ مَحَلَّ المبدل فإن قيل : المقابل للخير هو الشَّر ، فكيف عدل عن لَفْظِ الشَّرِّ؟ والجواب أنه أراد تَغْلِيبَ الرحمة على ضِدِّهَا ، فأتى في جانب الشَّرِّ بأخَصَّ منه وهو الضُّرُّ ، وفي جانب الرَّحْمَةِ بالعام الذي هو الخَيْرُ تعليباً لهذا الجانب .
قال ابن عطية : نابَ الضُّرُ مَنَابَ الشِّرِّ ، وإن كان الشِّرُّ أعَمَّ منه ، فقابل الخير .
وهذا من الفصاحةِ عُدُولٌ عن قانون التكليف والصيغة ، فإن باب التكليف وترصيع الكلام أن يكون الشيء مُتءترناً [ بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص موافقة أو مُضاهاة فمن ذلك ] { إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى } [ طه : 118-119 ] فجاءؤ بالجوع مع العُرْي ، وبابه أن يكون مع الظَّمَأ .
ومنه قوله امرئ القيس : [ الطويل ]
2119- كَأنِّيَ أرْكَبْ جَواداً لِلَذَّةِ ... وَلَمْ أتَبَطَّنْ كَاعِباً ذَاتَ خَلْخَال
وَلَمْ أسْبإ الزِّقَّ الرَّوِيَّ وَلَمْ أقُلْ ... لِخَيْلِيَ كُرِّي كرَّةً بَعْدَ إجْفَالِ

ولم يوضّح ابن عطيَّة ذلكن وإيضاحه في آية « طه » اشْتَرَاكُ الجوع والعُرْي في شيء خاص وهو الخلُوُّ ، فالجوع خُلُوُّ وفراغٌ من الباطن ، والعُرْيُ خُلُوِّ وفراغٌ من الظَّاهرِ واشتراك الظَّمَأ والضِّحَي في الاحتراق ، فالظَّمَأُ احترافي في الباطن ، ولذلك تقول : « بَرَّدَّ الماءُ حَرارةَ كبدي وأوام عطشي » .
والضَّحَى : احْتِرَاقُ الظَّاهر .
وأمَّا البيتان ، فالجامعُ بين الرُّكوب لِلذَّةِ وهو الصيد وتبطُّن الكَاعِب اشتراكهما في لَذَّةِ الاسْتِعْلاءِ ، والقهر والاقْتِنَاصِ والظّفر بمثل هذا المركوب ، ألا ترى إلى تسميتهم هَنَ المرأة « رَكَباً » ، بفتح الراء والكاف ، وهو فَعَل بمعنى مَفْعُول كقوله : [ الرجز ]
2120- إنَّ لَهَا لَرَكَباً إرْزَبَّا ... كَأنَّهُ جِبْهَةُ ذَرَّي حَبَّا
وأمَّا البيت الثاني فالجامعُ بين سَبَأ الخمر ، والرُّجوع بعد الهزيمة اشتراكهما في البذْل ، فشراءُ الخَمْرِ بَذْلُ المال ، والرجوع بعد الانهزام بَذْلُ الروح .
وقدَّم تبارك وتعالى مَسَّ الضُّرِّ الخير لمناسبة اتِّصالِ مسِّ الضُّر بما قبله من التَّرْهيبِ المدلول عليه بقوله تعالى : « إنِّي أخَافُ » ، وجاء جواب الشَّرْط الأوَّل بالحَصْر إشارةً إلى اسْتِقلالِهِ بكشف الضُّرُ دون غيره ، وجاء الثاني بقوله تعالى { فَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدُير } إشارةً قدرته الباهرة ، فيندرج فيها المَسُّ بخير وغيره ، على أنَّه لو قيل : إنَّ جواب الثاني مَحْذُوفٌ لكان وَجْهاً أي : وإن يمسك بخيرٍ فلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ، للتصريح بمثله في موضع آخر .
فصل
روى ابن عبَّاسٍ - رضي اله عنهما- قال : « أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَغْلَةٌ أهْدَاهَا لَهُ كِسْرَى ، فَرَكِبَهَا بِحَبْلِ مِنْ شَعْرِ ، ثُمَّ أرْدَفَنِي خَلْفَهُن ثُمَّ صَارَ بي مَلِيَّاً ، ثُمَّ الْتَفَتَ إليَّ وقال : يا غُلامُ فَقُلتُك لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله فقال احْفَظِ اللَّهَ يَحْفظْكَ ، احَفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أمَامَكَ ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ، وإذا سَألْتَ فَأسْألِ اللَّهَ ، وإن اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهُ سبحانه لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ، ولوْ جَهدُوا أنْ يَضُرُّوكَ عَمَّا لَمْ يَكْتُب اللَّهُ عَلَيْكَ ما قَدَرُوا عَلَيْهِن فإن اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ بالصَّبْرِ مَعَ اليَقيْنِ فافْعَلْ ، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ ، فإنَّ في الصَّبْرِ على ما تَكْرَهُ خَيْرَاً كَثِيراً ، واعْلَمْ أنَّ النَّصْر مَعَ الصَّبْرِ ، وأنَّ مَعَ الكَرْبِ الفَرَجِ ، وأنَّ مَعَ العُسْر يسْراً » .

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)

والمرادُ بالقاهر الغالب ، وفي « القاهِرِ » زيادَةُ معنى على القدرةِ وهو منع غيره من بلوغ المُرَادِ .
وقيل : المنفرد بالتَّدْبير الذي يجبرُ الخَلْق على مُرَادِه .
قوله : « فوق » فيه أوجه :
أظهرها : أنه مَنْصُوبٌ باسم الفاعل قَبْلَهُ ، والفوقيَّةُ هنا عبارةٌ عن الاسْتِعْلاءِ والغَلَبَة .
أحدهما : أنه قاهرٌ .
والثاني : أنه فوق عباده بالغَلَبَةِ .
والثالث : أنه بَدَلٌ من الخبر .
والرابع : أنه منصوبٌ على الحال من الضمير في « القاهرة » كأنهُ قيل : وهو القاهرُ مُسْتَعْلِياً أو غالباً ، ذكره المهدوي وأبو البقاء .
الخامس : أنها زائدةٌ ، والتقديرُ : وهو القَاهِرُ عِبَادَةُ .
ومثله : { فاضربوا فَوْقَ الأعناق } [ الأنفال : 12 ] وهذا مردود؛ لأن الأسماء لا تزاد .
ثم قال « وهو الحكيم » أي في أمره ، « الخبيرُ » بأعمال عباده .

قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)

قال الكَلْبِيُّ : أتى أهْلُ « مكة » رسوله الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أرِنَا من يشهد بأنك رسول اللَّهِ ، فإنَّا لا نَرَى أحَداً يُصَدِّقك ، ولقد سالنا عنك اليهود والنصارى ، فزعموا أنه ليس لك عِنْدَهُمْ ذكرٌ ، فأنزل الله تعالى : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادة } أي : أعظم شهادة ، فإن أجَابُوكَ ، وإلاَّ فقل : { الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُم } على ما أقول لأني أوحي إليَّ هذا القُرْآن مُعَجزاً لأنكم أنتم البُلَغَاءُ والفصحاء ، وقد عجزتم عن مُعَارضته ، فكان مُعْجِزاً ، وإذا كان مُعْجِزاً كان إظهار الله - تعالى- له على وَفْقِ دَعْواي شهادة من اللَّهِ على كوني صادقاً في دَعْوَاي .
قوله تعالى : { أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ } مبتدأ وخبرٌ ، وقد تقدَّمَ أن « أيَّا » بعض ما تضاف إليه ، فإذا كانت استفهامية اقتضى الظَّاهِرُ أن يكون مُسَمَّى باسم ما أضيف إليه .
قال أبو البقاء -رحمه الله- : « وهذا يُوجِبُ أن يُسَمّى اللَّهُ تعالى » شيئاً « ، فعلى هذا تكون الجلالةُ خبرَ مبتدأ محذوف [ والتقدير : الله أكبر شَهَادَةً ، و » شهيد « على هذين القولين خَبَرُ مبتدأ محذوف ] أي : ذلك الشيء هو الله تعالى ، ويجوز أن تكون الجلالة مبتدأ خبره محذوف أي : هو شهيدٌ بيني وبينكم ، والجملةُ من قوله : » قل اللَّه « على الوَجْهَيْنِ المتقدمين جواب ل » أي « من حَيْثُ اللفظ والمعنى ، ويجوز أن تكون الجلالةُ مبتدأ ، و » شهيد « خبرها ، والجملة على هذا جواب ل » أيّ « من حيث المعنى ، أي : إنها دالّةٌ على الجواب ، وليست به .
قوله : » شَهَادَةً « نَصْبٌ على التمييز ، وهذا هو الذي لا يَعْرَفُ النحاةُ غيره .
وقال ابن عطية - رضي الله عنه - : ويَصِحُّ على المفعول بأن يُحْمَلَ » أكثر « على التشبيه بالصفة المشبهة باسم الفاعل وهذا ساقط جدّاً؛ إذ نصَّ النحويون على أان معنى شبهها باسم الفاعل في كونها تؤنّث وتُثَنَّى ، وتُجْمَعُ ، وأفعلُ مِنْ لا تُؤنَّثُ ولا تُثَنَّى ولا تُجْمَعُ ، فلم يُشبه اسم الفاعل ، حتَّى إنَّ أبا حيَّان نَسَبَ هذا الخِبَاطَ إلى النَّاسخِ دون أبي محمد .
قوله : » بيني وبينكم « متعلِّقٌ ب » شهيد « ، وكان الأصل : قل اللَّهُ شهيدٌ بيننا ، فكُرِّرت » بين « توكيداً ، وهو نظير قوله : [ الوافر ]
2121- فَأيِّي ما وأيُّكَ كَانَ شَرًّا ... فَسيقَ إلى المَقَامَةِ لا يَرَاهَا
وقوله : [ الرجز ]
2122- يَا ربَّ مُوسَى أظْلَمِيَ وأْظْلَمِيَ وأظْلَمُه ... ْ أرسل عليه مَلِكاً لا يَرْحَمُهْ
وقوله : [ الكامل ]
2133- فَلَئِنْ لَقيتُكَ خَالِيَتْنِ لَتَعْلَمَنْ ... أيِّي وَأيُّك فَارِسُ الأحْزَابِ
والجامع بينهما : أنَّهُ لمَّا أضاف إلى » الياء « وَحْدَها احتاج إلى تكرير ذلك المضاف .
ويجوزُ أبو البقاء أن يكون » بيني « متعلّقاً بمحذوف على أنَّهُ صفة ل » شهيد « ، فيكون في مَحَلّ رفع ، والظاهر خلافُهُ .

قوله : « وأوْحِيَ » الجمهور على بِنَائِهِ للمفعول ، وحُذِف الفاعل للعمل به ، وهو الله تبارك وتعالى .
و « القرآن » رفع به .
وقرأ أبو نهيك ، والجحدري ، وعكرمة ، وابن السَّمَيْفَع : « وأوْحَىط ببنائه للفاعل ، » القرآن « نَصْباً على المفعول به .
و » لأنْذِرَكُمْ « متعلِّقٌ ب » أوحي « .
قيل : وثمَّ مَعْطُوف حُذِفَ لدلالة الكلام عليه ، أي : لأنذركم به وأبَشِّركم به ، كقوله تعالى : { تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 81 ] ن وتقدم فيه نظائرُن وقيل : لا حاجة إليه ، لأن المقام مَقَمامُ تخويف .
فصل في بيان معنى الآية
والمعنى : اللَّهُ شهيدٌ بيني وبينكم أنِّي قد أبلغكم وصدّقْتُ فيما قلته وادَّعْتُهُ من الرسالة ، والقرآن أيضاً شَاهِدق بنبوتِّي لأنذركم به يا أهل » مكة « ن ومن بلغه القرآن العظيم .
قوله تعالى : » ومَنْ بَلَغَ « فيه ثلاثةُ أقوال :
أحدهما : أنه في مَحَلِّ نَصْبِ عطفاً على المنصوب في » لأنْذِرَكُمْ « ، وتكون » مَنْ « موصولةٌ ، والعائِدُ عليها من صِلَتِهَا مَحْذُوفٌ .
أعني : ولأنذر الذي بلغه القرآن الكريم من العَرَبِ والعَجَمِ .
وقيل : من الثَّقَلَيْنِ .
وقيل : من بَلَغَهُ [ من القرآن الكريم ] إلى يوم القيامةِ .
وعن سعيد بن جبير : » من بلغه من القرآن ، فكأنما رأى مُحَمَّداً عليه الصَّلاة والسَّلامُ « .
الثاني : أنَّ في » بَلَغَ « ضميراً مرفوعاً يَعُودُ على » مَنْ « ، ويكون المفعول محذوفاً ، وهو منصوب المَحَلّ أيضاً نَسَقاً على مَفْعُول » لأنذركم « والتقدير : ولأنذر الذي بَلَغَ الحُلُمَ ، فالعَائِدُ هنا مُسْتَتِرٌ في الفعل .
الثالث : أنّ » مَنْ « مرفوعةُ المحلِّ نَسَقاً على الضَّميرِ المرفوع في » لأنذركم « ، وجاز ذلك؛ لأنَّ الفصل بالمفعول والجارِّ والمجرور أغْنَى عن تأكيده ، والتقديرُ : لأنذركمن به ، ولينذركم الذي بَلَغَهُ القرآن .
قوله : » أإنًّكُمْ « الجمهور على القراءة بهمزتين : أولاهما للاستفهام ، وهو استفهامُ تَفْريعٍ وتوبيخ .
قال الفراء - رحمه الله تعالى- : ولم يَقُل آخر لأن الآلهة جمع ، والجمع يقع عليه التأنيث ، كقوله : { وَللَّهِ الأسمآء الحسنى } [ الأعراف : 180 ] وقوله : { فَمَا بَالُ القرون الأولى } [ طه : 51 ] [ ولم يقل الأوّل ، ولا الأولينن وكل ذلك صوابٌ ] وقد تقدَّم الكلامُ في قراءاتٍ مثل هذا .
قال أبو حيَّان : » وبِتَسْهيلِ الثانية ، وبإدخال ألف بين الهمزة الأولى والهمزة المُسَهَّلَة ، روى هذه الأخيرة الأصمعي عن أبي عمرو ، ونافع « انتهى .
وهذا الكلام يؤذن بأنها قراءةٌ مُسْتَغْرَبَةٌ ، وليس كذلك ، بل المَرْوِيُّ عن أبي عمرو- رضي الله عنه - المَدُّ بين الهَمْزَتَيْنِ ، ولم يُخْتَلَفْ عن قالون في ذلك .
وقرئ بهمزة واحدة وهي محتملةٌ للاستفهام ، وإنَّما حُذِفَتْ لفهم المعنى ، ودلالة القراءة الشهيرة عليها ، وتحتمل الخبر المَحْضَ .
ثم هذه الجملة الاستفهامية ، يحتمل أن تكون مَنْصُوبَةَ المَحَلّ لكونها في حَيَّزِ القول ، وهو الظَّاهرن كأنه أُمِرَ أن يقول : أيُّ شيء أكْبَرُ شَهَادً’ وأن يقول أإنكم لتشهدون .

ويحتمل أن تكون داخلَةً في حيَّزه فلا مَحَلّ لها حينئذٍ ، و « أخرى » صفةٌ ل « آلهة » ؛ لأن ما لا يَعْقِل يُعَامَلُ جَمْعُهُ مُعاملةَ الوحداةِ المؤنّثة ، كقوله : { مَآرِبُ أخرى } [ طه : 18 ] ، و { وَللَّهِ الأسمآء الحسنى } [ الأعراف : 180 ] كما تقدَّم .
قوله : « إنَّمَا هُوَ إلَهٌ واحِدٌ » [ يجوز ] في « ما » هذه وجهان :
أظهرهما : أنها كافَّةٌ ل « إنَّ » عن عملها ، و « هو » مبتدأ ، و « إله » خبر ، و « واحد » صفته .
والثاني : أنها مَوْصُولَةٌ بمعنى « الذي » ، وهو مبتدأ ، و « إله » خبره ، وهذه الجملةُ صَلَةٌ وعائد ، والموصول في مَحَلِّ نصب اسماً ل « إن » و « واحد » خبرها .
والتقدير : إنَّ الذي هو إله واحد ، ذكره أبو البقاء ، وهو ضعيف ، ويَدُلُّ على صِحَّةِ الوجه الأوَّلِ تعيُّنُه في قوله تبارك وتعالى : { إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ } [ النساء : 171 ] ، إذ لا يجوز فيه أن تكون مَوْصُولَةً لخلوِّ الجملة عن ضمير الموصول .
وقال أبو البقاء في هذا الوَجْهِ : وهو ألْيَقُ مما قبله .
قال شهابُ الدِّين : - رضي الله عنه- : ولا أدري ما وجه ذلك؟
فصل فيما تفيده الآية
أعملم أنَّ هذا الكلام دَلَّ على إيجاب التَّوحيدِ ، والبراءةِ من الشِّرْكِ من ثلاثة أوجه : أولها : قوله : « قُلْ لا أشْهَدُ » بما تذكرونه من إثبات الشّثرَكَاءِ .
وثانيها : قوله : « قُلْ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ » ، وكلمة « إنَّمَا » تفيد الحَصْرَ ، ولفظ الواحد صريحٌ في التوحيد ، ونفي الشركاء .
وثالثها : قوله تبارك وتعالى : { وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } ، وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشُّرَكَاءِ .
قال العلماء : يُسْتَحَبُّ لمن أسلم ابتداءً أن يأتي بالشهادتين ، ويبرأ من كل دينٍ سوى دين الإسلام .
ونصَّ الشَّافعي - رحمه اله تعالى- على استحباب ضَمَّ التَّبَرِّي إلى الشهادة ، كقوله تبارك وتعالى : { وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } عقيب التّصريح بالتوحيد .

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20)

اعلم أنَّ الكُفَّار لمَّا سألوا اليهود والنَّصَارى عن صَفَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، فأنكروا دلالة التَّوْرَاةِ والإنجيل على نُبُوًّتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ - تعالى - في الآية الأولى أنَّ شهادةَ اللَّه على صِحًّةِ نُبُوَّتِهِ كافيةٌ في ثبوتها ، ثُمَّ بَيّن في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم : لا نعرف محمداً ، لأنهم يعرفونه بالنُّبُوًّةِ والرسالة ، كما يعرفون أبناءهم .
روي أنه لما قدم رسوله الله صلى الله عليه وسلم « المدينة » قال عمر لعبد الله بن سلام : أنزل اللَّهُ على نبيِّه هذه الآية ، فكيف هذه المعرفة؟ فقال : يا عمرُ لقد عرفته فيكم حين رَأيْتُهُ ، كما أعرف ابني ، ولأنا أشَدُّ معرفةٌ بمحمد منِّي بابني؛ لأني لا أدري ما صنعَ النساء وأشهدُ أنه حَقّ من الله تعالى .
قوله : { الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب } الموصول مبتدأن و « يَعْرِفُونه » خبره ، والضميرُ المَنْصُوبُ يجوز عَوْدُهُ على الرسول صلى اله عليه الصَّلاة والسَّلام ، وعلى القرآن لتقدُّمهِ قوله : « وأوحِيَ إليَّ هذا القُرآنُ لأنذركُمْ بِهِ » أو على التوحيد لدلالة قوله : { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } [ الأنعام : 19 ] أو على كتابهم ، أو على جميع ذلك ، وأفرد الضمير باعتبار المَعْنَى ، كأنَّهُ قيل : يعرفون ما ذكرنا وقَصَصْنَا .
وقد تقدَّم إعْرَابُ هذه الجملة في « البقرة » .
قوله : « الَّذينَ خَسِرُوا » في مَحَلّه أربعة أوجه :
أظهرها : أنه مبتدأ ، وخبره الجملة من قوله : { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ، ودخلت « الفاء » لما تقدَّم من شهب الموْصُولِ بالشرط .
الثاني : أنه نَعْت للذين آتياناهم الكتاب . قاله الزَّجَّاج .
الثالث : أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم الذين خسروا .
الرابع : أنه منصوبٌ على الذَّمِّ ، وهذان الوجهان فَرْعَانِ على النعت؛ لأنهما مقطوعان عنه ، وعلى الأقوال الثلاثة الأخيرة يكون { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } من باب عطف جملة اسمية على مَثْلَهَا ، ويجوز أن يكون عَطْفاً على « خَسِرُواط وفيه نَظَرٌ من حيث إنه يؤدِّي إلى ترتُّب عدم الإيمان على خسرانهم ، والظاهر أنَّ الخُسْرَانَ هو المترتب على عدم الإيمان وعلى الوجه الأول يكون » الذين خسروا « أعمُّ من أهل الكتاب الجاحدين والمشركين ، وعلى غيره يكون خَاصّاً بأهل الكتاب ، والتقدير : الذين خسروا أنفسهم منهم ، أي : من أهْلِ الكتاب .
واسْتُشْكِلَ على كونه نَعْتاً الاستشهادُ بهم على كُفَّار قريش وغيرهم من العرب ، يعني كيف يُسْتَشْهَدُ بهم ، ويُذَمُّون في آيةٍ واحدة؟
فقيل : إنَّ هذا سيق للذَّم لا للاستشهاد .
وقيل : بل سِيقَ للاستشهاد ، وإن كان في بعض الكلام ذَمٌّ لهم ، لأنَّ ذلك بوجهين واعتبارين .
قال ابن عطية : فصَحَّ ذلك لاختلاف ما استشهد بهم فيه ، وما ذُمُوا فيه ، وأنَّ الذَّمَّ والاستشهاد ليسا من جِهِةٍ واحدةٍ .
فصل في بيان المراد من ظاهر الآية
ظَاهِرُ هذه الآية الكريمة يقتضي أن يكون علمهم بنُبُوَّةِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم علمهم بأبنائهم ، وهنا سُؤالٌ- وهو أن يُقَالَ : المكتوب في التَّوْرَاةِ والإنجيل مُجَرَّدُ أنه سيخرج نَبِيٌّ في آخر الزمان يدعو الخَلْقَ إلى الحَقِّ ، أو المكتوب فيه ذه االمعنى مع تعيين الزَّمَانِ والمكان والنَّسَبِ والصِّفَةٍ والحِلْيَةِ والشَّكْلِ ، فإن كان الأول ، فذلك القدر لا يَدُلُّ على أنَّ ذلك الشَّخْصَ هو مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم فكيف يَصِحُّ أن يقال : علمهم بنوبته مثل علمهم ببنوَّةِ أبنائهم وإن كان الثاني وجب أن يكون [ جميع ] اليَهُودِ والنَّصَارَى عالمين بالضرورة بأنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم نَبِيُّ من عِنْدِ الله ، والكَذِبٌ على الجَمْعِ العظيم لا يجوز ، ولأنَّا نَعْلَمُ بالضرورة أن ا لتوراة والإنجيل ما كانا مُشْتَمِلَيْنِ على هذه التفاصيل التَّامَّةِ الكاملة؛ لأن هذا التفصيل إمَّا أن يُقَالَ : إنه كان بَاقِياً في التَّوْرَاةِ والإنجيل ، أو كان مَعْدُماً في وَقْتِ طهوره ، لأجل أن التَّحْريف قد تَطَرَّقَ إليهما قبل ذلك ، والأول باطلٌ؛ لأنَّ إخْفاءَ مِثْلِ هذه التفاصيل التامة في كتاب وصل إلى أهل الشرق والغرب مُمْتَنِعٌ .

والثاني : أيضاً باطل؛ لأن على هذا التقدير لم يكن يَهُودُ أهل ذلك الزمان ، ونصارى ذلك الزَّمان عالمين بنبُوِّة مُحَمِّد صلى الله عليه وسلم علهمهم بنبوِّةِ أنبيائهم ، وحينئدٍ يَسْقُطُ هذا الكلام .
والجوابُ ان يقالك المراد ب « الذين آتيناهم الكتاب » اليهود والنَّصارىن وهم كانوا أهْلاً للنَّظَرِ والاستدلال ، وكانوا قد شاهدوا ظهور المعجزات على الرسول عليه الصَّلاةُ والسِّلامُ ، فعرفوا بوساطة تلك المعجزات كونه رسولاً من عند اللَّهِ تعالى ، والمقصود بمعرفتهم هي المعرفةُ من طريق النَّظرِ ، والاستدلال من طري النَّقْلِ .
فصل في المراد بالخسران
قال المفسرون : معنى هذا الخُسْران أنَّ الله - تبارك وتعالى - جعل لكلِّ آدمي مَنْزِلاً في الجنِّةِ ومَنْزِلاً في النَّار ، فإذا كان يوم القيامة جعل اللَّه تبارك وتعالى للمؤمنين مَنَازِلَ أهل النار في الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنَّة في النَّار وذلك هو الخسران .

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)

لمَّا بَيَّنَ خُسْرَانَ المنكرين في الآية الأولى بَيَّنَ في هذه الآية الكريمة سَبَبَ ذلك الخسران وهو أمران .
أحدهما : الافتراء على اللَّه كذباً ، وهذا الافتراءُ يحتمل وجوهاً :
أحدهما : أن كُفَّار « مكة » المشرفة كانوا يقولون : هذه الأصنام شركاء الله ، اللَّهُ أمرهم بعبادتها ، وكانوا يقولون : الملائكة بَنَاتُ اللَّهِ .
وثانيها : أنَّ اليهود والنَّصارى كانوا يقولونك حصل في التَّوْراة والإنجيل أن هاتيْنِ الشريعيتين لا يَتَطَرَّقُ إليهما النَّسْخُ والتغييرُ .
وثالثها : ما حكاه تعالى عنهم بقوله : { وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا } [ الأعراف : 28 ] .
ورابعها : قوله اليهود : { نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُه } [ المائدة : 18 ] وقولهم : { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } [ البقرة : 80 ] وقول جُهَّالِهِمْ : { إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآء } [ آل عمران : 181 ] ونحوه .
الأمرُ الثاني من أسباب خسارتهم؛ تكذيبهم بآيات الله تعالى : وقدحُهُمْ في معجزات محمد - عليه الصلاة والسلام- وإنكارهم كون القرآن العظيم معجزةً قاهرةً منه ، ثم إنَّه لمَّا حكى عنهم سبب هذين الأمرين قال : { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } ، أي : الكافرون - أي لا يَظْفَرُونَ بِمطَالِبهمْ في الدنيا ولا في الآخرة .

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)

قوله تعالى : { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ }
فيه خمسة أوجه :
أحدهما : أنه منصوبٌ بفعل مُضْمَرٍ بعده ، وهو على ظرفيَّتِهِ ، أي : يوم نحشرهم كان كيت وكيت ، وحُذِف ليكون أبْلَغَ في التَّخْويفِ .
والثاني : أنه معطوفق على ظرفٍ محذُوفٍ ، ذلك الظرف معمول لقوله : { لاَ يُفْلِحُ الظالمون } [ الأنعام : 21 ] والتقدير : أنه لا يفلح الظَّالمونَ اليوم في الدنيا ، ويوم نحشرهم ، قاله محمد ابن جَريرٍ .
الثالث : أنه منصوبٌ بقوله : { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ } [ الأنعام : 24 ] وفيه بُعْدٌ لِبُعْدِهِ من عامله بكثرة الفواصِلِ .
الرابع : أنه مفعولٌ به ب « اذكر » مقدَّراً .
الخامس : أنه مفعولٌ به أيضاً ، ونَاصِبُهُ : احذروا أو اتَّقُوا يوم نحشرهم ، كقوله : { واخشوا يَوْماً } [ لقمان : 33 ] وهو كالذي قبله فلا يُعَدُّ خامساً .
وقرأ الجمهور « نَحْشرهم » بنون العظمة ، وكذا « ثم نقول » ، وقرآ حميد ، ويعقوب بياء الغَيْبَةِ فيهما ، وهو أنه تبارك وتعالى .
والجمهورعلى ضم الشين من « نَحْشُرهم » ، وأبو هريرة بكسرها ، وهما لغتان في المُضَارع .
والضمير المنصوب في « نحشرهم » يعود على المفترين الكَذِبَ .
وقيل : على النَّاس كلهم ، فيندرج هؤلاء فيهم ، والتَّوْبيخُ مختصُّ بهم .
وقيل : يعود على المشركين وأصنَامِهِمْ ، ويدلُّ عليه قوله : { احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ } [ الصافات : 22 ] .
و « جَمِيعاً » حالٌ نم مفعول « نحشُرهم » ن ويجوز أن يكون توكيداً عند من أثْبَتَهُ من النحويين ك « أجمعين » .
وعطف هنا ب « ثُمَّ » للتراخي الحاصل بين الحَشْر والقَوْلِ .
ومفعولا « تزعمون » محذوفان للعلم بهما ، أي : تزعمونهم شركاء ، أو تزعمون أنهما شُفَعَاؤكم .
وقوله : « ثُمَّ نَقُولُ للَّذينَ » إن جعلنا الضمير في « نَحْشُرهم » عائداً على المفترين الكذبَ ، كان ذلك من باب إقامةِ الظَّاهرِ مقامَ المُضْمَرَ ، إذ الأصل : ثم نقول لهم ، وإنما أظْهِرَ تنبيهاً على قُبْحِ الشرك .
وقوله : { أيْنَ شُرَكاؤكُمْ } ؟ سؤالُ تَقْريع وتوبيخ وتَبْكيتٍ .
قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما- : « كُلُّ زَعْمِ في كتاب الله فالمُرادُ به الكذبُ » .

ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)

قرأ حمزة والكسائي : « يَكُنْ » بالياء من تحت ، « فتنتهم » نَصْباً .
وابن كثير ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : « تَكُنْ » بالتاء من فوق ، « فَتْنَتُهُمْ » رفعاً .
والباقون بالتاء من فوق أيضاً ، « فِتنتَهم » نصباً .
فأمَّا قراءة الأخويْنِ فهي أفْصَحُ هذه القراءات لإجرائِهَا على القواعد من غير تأويل ، وَوَجْهُهَا أنَّ « فتنتهم » خبر مقدَّمٌ ، وإن قالوا بتاويل اسم مؤخر .
والتقدير : « ثم لم تكن فِتْنَتهُمْ إلاَّ قولُهم » . وإنما كانت أفصحٍ؛ لأنه إذا اجتمع اسْمَانِ : أحدهما أعرفُ ، فالأحْسْنُ جعله اسماً مُحَدَّثاً عنه ، والآخر خَبَراً حديثاً عنه .
و « أن قالوا » يشبه المضمر ، والمضمر أعرف المعارف ، وهذه القراءة جُعِلَ الأعرفُ فيها اسْماً ل « كان » وغير الأعرافِ خبرها ، ولم يؤنّث الفعل لإسناده إلى مذكر .
قال الواحدي : والاختبارُ قراءة من جعل « أن قالواط الاسم ذوي الخبر؛ لأنه إذا وصلت بالفعل لم تُوصَفْ ، فأشبهت بامتناع وَصْفِهَا المُضْمَرِ ، فكما أنَّ المُضْمَرَ ، والمظهر إذا اجتمعا كان جَعْلُ المضمر اسماً أوْلَى من جعله خبراً ، تقول : كنت القائم .
وأما قراءة ابن كثير ومن معه ف » فتنتهم « اسْمُهَا ، ولذلك أنِّثَ الفِعلُ لإسناده إلى مؤنُّ ، و » إلاَّ أنْ قالوا « خَبَرُهَا ، وفيه أنك جعلت غير الأعرف اسماًن والأعرف خبراً ، فليست في قُوَّةِ الأولَى .
وأمَّا قراءةُ الباقين ف » فتنتهم « خبر مقدمٌن و » إلاَّ أن قالوا « اسم مؤخَّرٌ ، وهذه القراءةُ وإن كان فيها جَعْلُ الأعْرَفِ اسْماً -كالقراءة الأولى ، إلا أنَّ فيها لِحَاقُ علامَةِ تأنيث في الفعل مع تذكير الفاعل ، ولكنه بتأويل .
فقيل : لأنه قوله : » إلاَّ أنْ قالوا « في قوة مقالتهم .
وقيل : لأنه هو الفِتْنَةُ في المعنى ، وإذا أخبر عن الشَّيءِ بمؤنَّثٍ اكتسب تأنيثاً ، فعومل مُعامَلتهُ .
وجعل أبو علي منه { فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } [ الأنعام : 160 ] لمَّا كانت الأمْثَالُ هي الحَسَنَاتُ في المعنى عُومِلَ مُعَامَلَة المُؤنَّثِ ، فسقطت » التاء « من عَدَدِهِ ، ومثلُ الآية قوله : [ الطويل ]
2124- ألَمْ يَكُ غَدْراً مَا فَعَلْتُمْ بسَمْعَلٍ ... وَقَدْ خَابَ مَنْ كَانَتْ سِرِيرتَه الغَدْرُ
ف » كانت « مُسْند إلى » الغَدْرِ « وهو مذكَّر ، لكن لما أخبر عنه بمؤنث أنَّث فِعلَه .
ومثله قول لَبيدٍ : [ الكامل ]
2125- فَمَضَ وَقَدَّمِهَا وَكَانَتْ عَادَةً ... مِنْهُ إذَا هِيَ عَرَّدَتْ إقْدَامُهَا
قال أبو عَلِيّ : فأنَّث الإقدام لما كان كالعادة في المعنى قال : وقد جاء في الكلام : » ما جاءَتْ حَاجَتُكَ « فأنّث ضمير » ما « حيث كانت كالحاجة في المَعْنَى ، ولذلك نصب » حاجتك « .
وقال الزمخشري : » وإنما أنَّث « [ أن ] قالوا » لوُقُوعِ الخبر مؤنّثاً كقولهم : من كانت أمَّك « .
قال أبو حيَّان : وكلام الزَّمخشري ملفقٌ من كلام أبي عَلِيّ ، وأمَّا » من كانت أمك « فإنه حَمَلَ اسمَ » كان « على معنى » مَنْ « ن فإنَّ لها لَفْظاً مُفرداً مذكّراً ، ولها معنى بحسب ما تريد من إفراد وتَثنيٍة وجَمْعِ وتذكير وتأنيثٍ ، وليس الحَمْلُ على المعنى لِمْرعَاةِ الخَبَرِ ، ألا ترى أنه يجيء حيث لا خبر ، كقوله :

{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } [ يونس : 42 ] .
وقوله : [ الطويل ]
2126 ... - . .
تكُنْ مَثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ ... قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى- : ليت شِعْري ، ولأي معنى خصَّ الزمخشري بهذا الاعتراض ، فإنه وَارِدٌ على أبي عَلِيِّ أيضاً؟ إذ لقائل أن يقول : التأنيثُ في « جَاءَتْ » لحمل على معنى « ما » وإنْ لها هي أيضاً لفظاً ومعنى مَثْل « مَنْ » ن على أنه يقال : للتأنيث عِلَّتانِ ، فذكر [ إحداهما ، ورجَّح ] أبو عُبيدة قراءة الأخويْ ن بقراءة أبَيّ ، وابن مسعود : « وما كان فتنتهم إلاَّ أن قالوا » فلم يُلْحِق الفعل علامة تأنيثٍ ، ورجَّحها غيره بإجماعهم على نَصْبِ « حُجَّتهم » من قوله تبارك وتعالى : { كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [ الجاثية : 25 ] .
وقرئ شاذاً « ثم لم يكن فتنتهم إلا أنه قالوا » بتذكير « يكنْ » ، ورفع « فتنتهم » .
ووجه شُذُوذِهَا سقوط علامةِ التأنيث ، والفاعل مؤنّث لَفْظاً ، وإن كان غير حَقيقيِّ ، وجَعْلُ غير الأعْرَفِ اسماً ، والأعرف خبراً ، فهي خبراً ، فهي عَكْسُ القراءة الأولى ، من الطَّرَفَيْنِ ، و « أن قالوا » مما يجب تأخيره لِحصْرِهِ سواء أجُعِلَ اسماً أم خبراً .
فصل في معنى الفتنة في الآية
معنى قوله : « فتنتهم » ، أي : قولهم وجوابهم .
وقال ابن عبَّاس ، وقتادة : معذرتهم ، والفِتْنَةُ التِّجْرِبةٌ ، فلمَّا كان سؤالهم تَجْرِبَةً لإظهار ما في قلوبهم قيل : فَتْنَة .
فصل في بيان لطيفة في الآية
قال الزَّجَّاج - رحمه الله- « لم تَكُنْ فتنتهم » معنى لَطِيفٌ ، وذلك لأنَّ الله - تبارك وتعالى - بيَّن أنَّ المشركين مَفْتُونُونَ بِشِرْكِهِمْ متهالكين على حبّه ، فأعلم في هذه الآية الكريمة أنه لم يَكُنْ افتتانهم بشركهم ، وإقامتهم عليه إلاَّ أن تَبَرَّأوا عنه وتباعَدُوا ، فَحَلفُوا أنهم ما كانوا مشركين ، ومثاله أن ترى إنساناً ما يُحِبُّ طريقةً مذمومة ، فإذا وقع في فِتْنَةٍ بسببه تَبَرَّأ منه ، فيقال له : « ما كانت محبتك لفلان إلاَّ أن فَرَرْتَ منه » ، فالمُرَادُ بالفتنة هنا افْتَتَانُهُمْ بالأوْثَانِ ، ويتأكد بما روى عَطَاءٌ عن ابن عباس أنه قال : « لم تكن فتنتهم » معناه : شركهم في الدنيا ، وهذا القولُ راجعٌ إلى حذف المضاف؛ لأن المعنى ثُمَّ لم تكن عَاقِبَةُ أمرهم فتنتهم إلاَّ البَرَاءة .
قوله : « واللَّهِ رَبَّنَا » قرأ الأخوان : « ربَّنا » نَصْباً ، والباقون جراً .
ونصبه : إمَّا على النِّداء ، وإمَّا على النِّداء ، وإمَّا على المَدْح ، قاله ابن عطيَّة - رحمه الله - وإمَّا على إضْمَار « أعني » ، قاله أبو البقاء ، والتقدير : يا ربنا .

وعلى كُلِّ تقدير فالجملة مُعْتَرضَةٌ بين القسم وجوابه ، وهو قوله { مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وخفضه من ثلاثة أوجه : النعت ، والبدل ، وعطف البَيان .
وقرأ عكرمة ، وسلام بن مسكين : « واللَّهُ رَبُّنا » برفعهما على المبتدأ والخبر .
قال ابن عطية : « وهذا على تَقدِيمٍ وتأخيرٍ ، كأنهم قالوا : واللَّهِ ما كُنَّا مشركين واللَّهُ ربُّنَا » يعني : أن ثَمَّ قَسَماً مُضْمَراً .
فصل في الكلام على الآية
ظاهرُ الآية الكريمة يقتضي أنهم حَلَفُوا في القيامة أنهم كانوا مشركين ، وهذا يقتضي إقْدَامَهُمْ على الكذب يوم القيامة ، وللناس فيه قولان :
الأول : وهو قول أبي عباس على الجبائي والقاضي- : أنه أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب واحتج عليه بوجوه :
الأول : أن أهل القيامة يعرفون الله بالاضطرار وأنهم لو عرفوه بالاستدلال لصار موقف القيامة دَاَرَ تكُليفٍ ، وذلك باطلٌ ، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار وجب أنْ مُلْجئين على ألاَّ يفعلوا القبيح ، وذلك يقتضي ألاَّ يقدم أحَدٌ من أهل القيامة على الكذبِ ، فإن قيل : لم لا يجوز أن يُقالَ : إنهم أقدموا على فعل القَبيح؛ لأنهم لمَّا عَايَنُوا أهْوَال يوم القيامة اضطربت عُقُولُهُمْ ، فقالوا هذا الكذب عند اخْتِلاَلِ عقولهم ، أو يقال : إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا؟
فالجواب عن الأوَّل : أنه لا يجوزأن يحشرهم ويوبخهم بقوله : { أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُون } [ الأنعام : 22 ] ثم يحكي اعتذارهم مع أنهم غي عُقلاء ، هذا لا يليقُ بحمة اللِّه تعالى .
وأيضاً فلا بُدَّ وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة ليعلموا أنهم فيما يعاملهم اللَّهُ به غير مظلومين . والجوابُ على الثاني : أنَّ نِسْيَانَهُمْ لما كانوا عليه طُول عمرهم في دار الدنيا مع كمال العقل [ بعيدٌ ] ، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور .
الوجه الثاني : أنَّ هؤلاء الذين أقْدَمُوا على الكذب إمَّا أن يُقال : إنهم عُقَلاءُ أو غيرعقلاء ، فالثاني باطلٌ ، لأنه لا يليق بحكمةه الله تعالى أن يحكي كلام المجَانين في معرض تميهيد العُذْرِ وإن كانوا عقلاء يعلمون أنَّ كانوا عقلاء يعلمون أنَّ اللَّهَ عالمٌ أحْوَالَهُمْ مُطَّلِعٌ على افعالهم ، ويعلمون أنَّ تجويز الكذب على اللَّهَ -تعالى- مُحَالٌ ، وأنهم لا يستفيدون بذلك الكذب إلاَّ زيادة المَقْتِ والغَضَبِ ، وإذا كان كذلك امتنع إقدامهم في مثل هذه الحالة على الكذب .
الوجه الثالث : أنهم لو كذبوا في مَوْقِفِ القيامة ، ثُمَّ حَلَفُوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقْدَمُوا على نوعين من القَبيح ، فإن قلنا : إنهم يستحُّون بذلك العقابَ ، صارت الدار الآخرة دَارَ تكليف ، وأجمعوا على أنَّ الأمْرَ ليس كذلك .
وإن قلنا : إنَّهم لا يستحقُّون على ذلك الكذب ، ولا على ذلك الحلف الكاذب عَقَاباً ، فهذا يقتضي حُصُول الإذن من اللَّهِ - تعالى - في ارتكاب القَبَائِِحِ ، وذلك باطلٌ فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدَامُ أهل القيامة على القبيح والكذبِ ، وإذا ثبت هذا فَيُحْمَلُ قولهم : « واللَّهِ ربَّنَا ما كنا مشركين » في اعتقادنا وظُنُوننا؛ لأن القوم يعتقدون ذلك .

فإن قيل : فعلى هذا التقدير يكنون صادقين في قولهم ، فماذا قال تبارك وتعالى { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ } فالجواب أنه ليس يجب من قوله : { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ } انهم كذبوا فيها تقدَّم ذِكْرُهُ من قولهم : { والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين } ، بل يجوز أن يكون المراد { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ } في دار الدُّنْيَا في أمور يخبرون عنها بأنَّ ما هم عليه لَيْسَ بشرْكٍ ، وأنهم على صواب ونحوه ، فالمقصود من قوله تعالى : { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ } اخْتِلافُ الحالتين ، وأنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون ، وأنهم في الآخرة يتحرَّزُون عن الكذب ، ولكن حيث لا ينفعهم الصِّدْقُ ، فلتعلّق أحد الأمرين بالآخر ، أظهر الله - تعالى - للرسول ذلك .
القول الثاني : قول جمهور المفسرين- : أن الكفار يكذبون في القيامة واسْتَدلُّوا بوجوه :
أحدهما : ما حكى اللَّهُ - تعالى - عنهم أنهم يقولون : { رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُون } [ المؤمنون : 107 ] مع أنه - تعالى أخر عنهم بقول : { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [ الأنعام : 28 ] .
وثانيها : قوله تبارك وتعالى : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون } [ المجادلة : 18 ] بعد قوله تعالى : { وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب } [ المجادلة : 14 ] فَشَبَّهَ كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدينا .
وثالثها : ما حَكَاهُ - تعالى - عنهم : { قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } [ الكهف : 19 ] .
والجوابُ عما قاله الجُبَّائي بان يُحْمَلَ قولهم ما كانوا مشركين في ظُنُونهم ، هذا مُخَالفٌ للظَّاهرِ ، ثّمَّ قوله بعد ذلك : { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ } بأنه مَحْمُولٌ على كذبهم في الدنيا يوجبُ تفكيك نَظْمِ الآية ، وصَرْفََ أول الآية إلى أحوال القيامة ، وصَرْفَ آخرها إلى أحوال الدنيا ، وهو في غاية البُعْدِ .
وقولهم : كذبوا في حال كَمَالِ العَقْلِ ، وحال نُقْصَانِهِ ، فنقول : لا يبعد أنهم حَالَ ما عَايَنُوا أهوال القيامة ، وشاهدوا مُوجِبَاتِ الخوف الشديد أخْتَلَّتْ عقولهم ، فذكروا هذا الكلام .
قولهم : كيف يَلِيقُ بحكمة اللَّهِ - تعالى - أن يحكي عنهم ما ذكروه في حال اضْطَرَابِ العقول؟
فالجوابُ : هذا يوجب الخوف الشديد وذلك في دار الدنيا وأمَّا قولهم : إنَّ المكلفين لا بُدَّ وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقو : اخْتلالُ عقولهم سَاعةً واحدة حالة ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمالِ عقولهم في سِائرِ الأوقات .
قوله : { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ } « كيف » مَنْصُوبٌ على حدِّ نصبها في قوله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } [ البقرة : 28 ] وقد تقدَّم .
و « كيف » وما بعدها في محل نصب ب « انظر » ؛ لأنها معلقةٌ لها عن العملِ ، و « كّذَبُوا » وإن كان معناه مُسْتَقْبلاً ، لأنه في يوم القيامة ، فهو لَتحَقُّقِهِ أبرزه في صورة الماضي .

وقوله : « وضَلَّ » يجوز أن يكون نَسَقاً على « كذبوا » ، فيكون داخلاً في حيَّز النَّظَرِ ، ويجوز أن يكون اسْتِئنْافَ إخبارٍ ، فلا يندرج في حيَّز المنظور إليه .
قوله : ما كانُوا « يجوز في » ما « أن تكون مصدريةً ، أي : وضَلَّ عنهم افتراؤهم ، وهو قول ابن عطية ويجوز أن تكون موصولة اسمية أي : وضل عنهم الذي كانوا يفترونه ، فعلى الأول يحتاج إلى ضمير عائدٍ على » ما « عند الجمهور ، وعلى الثاني لا بُدَّ من ضمير عند الجميع .
ومعنى الآية : انظر كيف كذبُوا على أنفسهم باعْتِذَارهم بالباطل وتَبرِّيهمْ عن الشرك .
و » ضلَّ عنهم « : زَالَ وذهب ما كانوا يفترون من الأصنام ، وذلك أنهم كانوا يَرْجُونَ شَفَاعَتَهَا نُصْرَتَهَا ، فبطل ذلك كله .

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)

قوله تعالى : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْك }
راعى لفظ « مَنْ » فأفرد ، ولو رَاعَى المعنى لجمع ، كقوله في موضع آخر : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ } [ يونس : 42 ] .
وقوله : { على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ } إلى آخره ، حمل على معناها قوله : « وَجَعلْنَا » « جعل » هنا يحتمل أن يكون للتَّصْييرِ ، فيتعدّى لاثنين ، أوَّلُهُمَا : « أكنَّه » والثاني : الجار قبله ، فيتعلّق بمحذوف ، أي : صيَّرنا الأكِنَّة مستقرّة على قلوبهم ، ويحتمل أن يكون بمعنى « خلق » ، فيتعدى لواحد ، ويكنون الجار قبله حالاً فيتعلق بمحذوف؛ لأنه لو تأخر لوقع صفة ل « أكِنَّة » .
ويحتمل أن يكون بمعنى « ألقى » فتتعلّق « على » بهان كقولك : « ألقيتُ على زيد كذا » { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي } [ طه : 39 ] .
وهذه الجملة تحتمل وجهين :
أظهرهما : أنها مُسْتأنَفَةٌ سيقت للإخبار بما تضَّمنَتْهُ من الخَتْمِ على قلوبهم وسمعهم . حال كونه مَجْعُولاً على قلبه كنانٌ ، وفي أذنه وقرٌ ، فعلى الأول يكون قد عطف جملة فعلية على اسمية ، وعلى الثاني : تكون الواو للحال ، و « قد » مضمرة بعدها عند مَنْ يُقَدِّرَها قبل الماضي الواقع حالاً .
والأكِنَّةُ : جمع « كِنَان » ، وهو الوعَاءُ الجامع .
قال الشاعر :
2127- إذَا ما انْتَضَوْهَا فِي الوَغَى مِن أكِنَّةٍ ... حَسِبْتَ بُرُوقَ الغَيْثِ تَأتِي غُيُومُهَا
وقال بعضهم : « الكِنُّ » - بالكَسْرِ - ما يُحْفَظُ فيه الشَّيء ، وبالفتح المصدر . يقال : كَننْتهُ كِنّاً ، أي : جعلته في كِنِّ ، وجُمِعَ على « أكنان » قال تبارك وتعالى : { مِّنَ الجبال أَكْنَاناً } [ النحل : 81 ] .
والكِنَانُ : الغِطَاءُ السَّاتِرُ ، والفعل من هذه المادة يُسْتعمل ثلاثياً ورُبَاعيَّاً ، يقال : كَنَنْتُ الشَّيء ، وأكنَنْتُه كنَّا وإكناناً ، إلاَّ أن الراغب فَرَّق بين « فَعَلَ » و « أفْعل » ، فقال : « وخُصَّ كننت بما يستُر من بيت ، أو ثوب ، أو غير ذلك من الأجسام » ، قال تعالى : { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُون } [ الصفات : 49 ] وأكننت بما يستر في النفس ، قال تعالى : { أَوْ أَكْنَنتُمْ في أَنْفُسِكُمْ } [ البقرة : 235 ] .
ويشهد لما قال قوله : { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ } [ الواقعة : 77-78 ] وقوله تعالى : { مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ } [ القصص : 69 ] . و « كِنَان » يُجمع على « أكِنَّة » في القِلٌّةِ والكَثْرَةِ لتضعيفه ، وذلك أن فَعالاً وفِعالاً بفتح الفاء وكسرها يُجْمَعُ في القِلَّةِ على « أفْعِلة » ك « أحمرة » و « أقْذِلَة » ، وفي الكَثْرَةِ على فُعُل ك « حُمُر » ، و « قُذُل » ، إلاَّ أن يكون مُضاعفاً ك « بَتَات » وكِنَان « ، أو معتل اللام ك » خباء و « قباء » ، فيلتزم جمعه على « أفْعِلَة » ، ولا يجوز على « فُعل » إلاَّ في قليلٍ من الكلام كقولهم : « غُنُن » ، و « حُجُج » في جمع « عِنان » و « حجاج » .

قال القرطبي : والأكِنَّةُ : الأغْطِية مثل : الأسنَّة والسَّنَان ، والأعنَّة والعِنَان ، كَنَنْتُ الشيء في كِنَّةٍ إذا صُنْتهُ فيه ، وأكْنَنْت الشَّيء أخْفَيْتُهُ ، والكِنَانَةُ معروفة ، والكَنَّة - بفتح الكاف والنون- امرأة أبيك ، ويقال : امرأة الابن أو الأخ لأنها في كنة .
قوله : « أنْ يَفْقَهُوهُ » في مَحَلِّ نَصْبٍ على المفعول من أجْلِهِ ، وفيه تأويلان سَبَقَا .
أحدهما : كَرَاهَةَ أن يفقهوه ، وهو رأيُ البصريين .
والثاني : حَذْفُ « لا » ، أي : أن لا يَفْقَهُوهُ ، وهو رأيُ الكوفيين .
قوله : « وَقْراً » عطفٌ على « أكِنَّة » فَيَنْتَسِبُ انْتَصَابَهُ ، أي : وجعلنا في آذانهم وقرأ و « في آذانهم » كقوله : « عَلَى قُلُوبِهِمْ » .
وقد تقدَّمَ أنَّ « جَعَل » يحتمل معاني ثلاثة ، فيكون هذا الجار مبنيَّاً عليها من كونه مفعولاً ثانياً قُدِّمَ ، أو متعلّقاً بها نفسها أو حالاً .
والجمهور على فتح الواو من « وَقراً » .
وقرأ طَلحةُ بن مُصَرفٍ بكسرها ، والفرق بين « الوَقْر » و « الوِقْر » أنَّ المفتوح هو الثِّقَلُ في الأذُنِ ، يُقال منه : وَقَرتْ أذنه يفتح القاف وكسرها ، والمُضارع تَقِرُ وتَوْقَر ، بحسب الفعلين ك « تعد » و « تَوْجَل » .
وحكى أبو زيد : أذُنٌ مَوْقُورة ، وهو جَارٍ على القياس ، ويكون فيه دليلٌ على أنَّ « وَقَرَ » الثلاثي يكون متعدياً ، وسُمِع « أذنٌ مَوْقُورةٌط والفعل على هذا » أوْقَرْتُ « رباعياً ك » أكرم « .
و » الوِقْر « - بالكسر - الحِمْلُ للحمار والبَغْلِ ونحوهما ، كالوَسْق للبعير .
قال تعالى : { فالحاملات وِقْراً } [ الذاريات : 2 ] فعلى هذا قراءة الجموهور واضحةٌ ، أي : وجعلنا في آذانهم ، ثِقَلاً ، أي : صَمَاً .
وأمَّا قراءة طَلْحَةَ ، فكأنه جعل آذانهم وقَرَتْ من الصمم كما تُوقَرُ الدَّابَّةُ بالحِمْلِ ، والحاصلُ أنَّ المادة تَدُلُّ على الثَّقَلِ والرَّرانة ، ومنه الوَقَارُ للتُّؤدَةِ ، والسَّكينة ، وقوله تعالى : { وفي آذَانِهِمْ وَقْراً } فيه الفَصْلُ بين حَرْفِ العَطْفِ وما عطفه بالجار مع كون العاطف [ على حرف واحد ] وهي مسألة خلاف تقدَّم تَحْقِيقُهَا في قوله : { أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا } [ النساء : 58 ] .
والظاهِرُ : أن هذه الآية ونظرئرها مثل قوله تعالى : { رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً } [ البقرة : 201 ] ليس مما فُصِلَ فيه بين العاطف ومعطوفه كما تقدَّم .
فصل في بيان سبب نزول الآية
قال الكَلْبِيُّ عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما- : اجتمع أبو سفيان بن حَرْبٍ ، وأبو جهل بن هِشَام ، والوليدُ بن المُغيرَةِ ، والنضر بن الحارث ، وعُتْبَةُ وشَيْبةَ ابنا رَبِيعة ، وأميَّة وأبَىُّ ابنا خلفّ والحرث بن عامرٍ يستمعون القرآن العظيم ، فقالوا للنضر : يا أبا قتيلة : ما يقول محمد؟ قال ما أدري ما يقول إلاَّ أنه يُحَرِّكُ لِسَانُه وشَفَتَيْهِ وَيَتَكَلَّمُ بأسَاطِير الأوَّلين مثل ما كنت أحَدِّيَكُم عن القرون الماضية ، وكان النَّضر كَثِرَ الحديث عن القُرونِ وأخبارها ، فقال أبو سفيان : أبي لأرى بَعْضَ ما يقول حقاً .

فقال أبو جَهْلِ : كَلاّ ، لا تقرّ من هذا ، وفي رواية : للموتُ أهونُ علينا من هذا ، فأنزل الله تعالى : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } أي : إلى كلامك ، « وجَعَلْنَا علَى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً » أغْطِيَةً جمع « كِنَان » ، كالأعِنَّة جمع « عِنَان » « أنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانْهِمْ وَقْراً » أي : صَمَاً وثقلاً .
فصل بيان الدلالة من الآية
احتج أهْلُ السُّنةِ بهذه الآية الكريمة على أنه - تعالى- يَصْرِفُ عن الإيمان ، ويَمْنَعُ منه؛ لأنه - تعالى- جعل القَلْبَ في الكِنَانِ الذي يمنعه عن الإيمان .
قالت المعتزلة : لا يمكن إجْراءُ هذه الآية على ظَاهرِهَا لوجوهٍ .
أحدهما : أنه -تبارك وتعالى- وإنَّما أنزل القرآن العظيم حُجَّةً للرُّسُلِ على الكُفَّارِ ، لا ليكون حُجَّةً للكُفِّارِ على الرسول صلى الله عليه وسلم ولو كان المرادُ من هذه الآية الكريمة أنه - تعالى- منع الكُفَّارَ عن الإيمان ، لكان لهم أن يقولوا لرسول عليه الصَّلاة والسَّلامُ لما حكم بأنه منعنا من الإيمان فلم يَذِمَّنَا على ترك الإيمان ولم يدعونا إلى فعل الإيمان .
وثانيها : أنه تبارك وتعالى لو مَنَعَهُمْ من الإيمان ، ثم دَعَاهُمْ إليه لكان ذلك تكليفاً لِلْعَاجِزِ ، وهو مَنْفِيِّ بصريح العَقْلِ ، وبقوله تبارك وتعالى : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] .
وثالثها : أنه - تعالى - حكى ذلك الكلام عن الكُفَّارِ في معرض الذَّم ، فقال تعالى : { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ } [ فصلت : 5 ] وقال في آية أخرى : { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُون } [ البقرة : 88 ] .
وإذا كان قد حَكَى عنهم هذا المَذهَبَ في معرض الذَّم لهم امتنع أن يكون ذكره هنا في معرض التقريع والتوبيخ ، وإلاَّ لَزِمَ التَّنَاقُضُ .
ورابعها : أنه لا نَزَاعَ في أنَّ القَوْمَ كانوا يَفْقَهُوَن ، ويَسْمَعُونَ ، ويعقلون .
وخامسها : أنَّ هذه الآية وَرَدَتْ في معرض الذَّمِّ على ترك الإيمان ، وإذا كان هذا الصَّدُّ ، والمَنْعُ من قِبَلِ الله - تعالى - لما كانوا مَذْمُمينَ ، بل كانوا معْذُورينَ .
وسادسها : أن قوله : { حتى إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ } يَدُلُّ على أنهم كانوا يفقهون ، ويُمَيِّزُونَ الحَقَّ من الباطل ، وعند هذا فلا بُدَّ من التأويل وهو من وُجُوه :
الأول : قال الجُبَّائِيُّ : إنَّ القوْمَ كانوا يَسْتَمِعُونَ قِراءةَ الرسول عليه الصلاة والسلام ، لِيَتَوَصَّلُوا بسمامع قراءته إلى مَعْرِفةِ مكانه باليل ، فيقصدوا قَتْلَهُ وإيذَاءهُ ، فكان اللَّهُ - تبارك وتعالى- يلقي في قلوبهم النوم وهو المراد من الأكنَّةِ ويثقل أسْماعَهُمْ عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النَّوْمِ ، وهو المراد من قوله : { وفي آذَانِهِمْ وَقْراً } .
الثاني : أن الإنسان الذي عَلِمَ الله - تعالى - منه أنه لا يؤمن ، وأنه يموت على الكُفْرِ ، فإنه - تبارك وتعالى- يَسِمُ قَلبهُ بعلامة مَخْصُوصَةٍ يستدلُ الملائكة برؤيتها على أنهم لا يُؤمِنُونَ ، فلا يَبْعُدُ تلك العلامةِ بالكَنَانِ والغَطاءِ المانع ، وتلك العلامَةُ في نفسها ليست مَانِعَةً عن الإيمان .

الثالث : أنَّهم لمَّا أصًرُّوا على الكُفْرِ ، وصَمَّمُوا عليه صار عدولهم عن الإيمان ، والحالة هذه كالكِنَانِ المانِعِ عن الإيمان ، فذكر الله تبارك وتعالى الكَنَانَ كِنَايَةٌ عن هذا المعنى .
الرابع : إنه تعالى لما منعهم الألطاف التي يفعل بمَنْ اهتدى ، فأخْلاهُمْ منها ، وفوَّضَ أمورهم إلى أنفسهم لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ ، لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه بقوله : { وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } .
الخامس : أن يكون الكلامُ وَرَدَ حِكَاية لما كانوا يذكرونه من قولهم : « قلوبنا غُلْفٌ » ، وقالوا : { قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ } [ فصلت : 5 ] .
فالجواب : أن العَبْدَ الذي أتى بالكُفْرِ إن لم يقدِرْ على الإتيان بالإيمان فقد صَحَّ قولنا : بأنه تبارك وتعالى- هو الذي حمله على الكُفْرِ [ وصَدَّهُ عن الإيمان ، وإن كان القادر على الكُفْر قَادراً على الإيمان فيمتنع صيرورة تلك القدجرة مَصْدراً للكُفْرِ ] دون الإيمان إلاَّ عند انْضْمَام تلك الدَّاعية ، وقد تقدَّم أنَّ مجموع القُدْرَةِ مع الدَّاعي يوجب الفِعْل ، فيكون الكُفْرُ علَى هذا التقدير من اللَّهِ تعالى ، وتكون الدَّاعية الجارة إلى الكُفر كِنَاناً للقلب عن الإيمان ، ووقراً للسَّمع عن اسْتِمَاع دَلائِلَ الإيمان ، فإذا ثبت في الدَّليلِ العَقْليِّ صِحَّةُ ما دَلَّ عليه ظَاهِرُ الآية الكريمة وجب حَمْلُهَا عليه عَمَلاً بالبرهان ، وظاهر القرآن .
قوله : { وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَة } أي من المُعْجِزَاتِ والدَّلالاتِ { لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا } وهذا يَدُلُّ على فَسَادِ تأويل الجُبَّائي؛ لأنه لو كان المراد بالأكِنَّةِ إلْقاء النوم على قلوب الكُفَّار لئلا يمكنهم التَّوصُّل بسمامع صوْتِهِ إلى وجدان مكانه ، لما كان قوله : { وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَة لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا } لائقاً بذلك الكلام ، ولوجب أن يُقالَ : وجعلنا على قلوبهم أكنَّةً أنْ يسمعوه؛ لأن المقصود الذي ذكره الجُبَّائي إنما يَحْصُلُ بالمَنْعِ من سماع الصَّوتِ ، أمَّا المَنْعُ من الفِقْهِ لكلامه فلا تعلُقَ له بما ذكره الجبائي .
قوله : « حَتَّى إذَا جَاءُوكَ » قد تقدَّم الكلامُ في « حتَّى » الداخلة على « إذا » في أول « النساء » .
وقال : أبو البقاء - رحمه الله تعالى- : هنا « إذا » في موضع نَصْبٍ بجوابها ، وهو « يقول » وليس ل « حتَّى » غايةٌ و « يجادلونك » حال ، و « يقول » جواب « إذا » ، وهو العامل في « إذا » .
وقال الزمخشري : [ وهي ] « حتى » التي تقع بعدها الجُمَلُ ، والجملة قوله : « إذا جَاءُكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ » ، و « يُجَادِلُونَكَ » في موضع الحَالِ ، ويجوزُ أن تكون الجارةَ ، فيكون « إذا جاءوك » في مَحَلِّ الجر ، بمعنى « حتَّى » وقت مجيئهم ، و « يجادلونك » حالٌ ، .

وقوله : { يَقُولُ الذين كَفَرُوا } تفسيرٌ له ، والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويُنَاكِرُونَكَ .
وفسَّرَ مُجَادَلَتَهُمْ بأنهم يقولون : { إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين } قال أبو حيَّان : « وقد وُفَّقَ الحوفي ، وأبو البقاء ، وغيرهما للصواب في ذلك » ثمَّ ذكر عِبَارَةَ أبي البقاء والحوفي ، وقال أيضاً : و « حتى » إذا وقع بعدهما « إذا » ، يُحْتمل أن تكون بمعنى « الفاء » ، ويحتمل أن تكون بمعنى « إلى أن » ، فيكون التقديرُ : فإذا جَاءُوك يُجَادِلُونَكَ يقول ، أو يكون التقدير : وجعلنا على قلوبهم أكنَّة ، وكذا إلى أن قالوا : إن هذا إلاَّ أساطير الأوَّلين ، وقد تقدَّم أن « يُجَادِلُونك » حالٌ من فاعل « جَاءُوكَ » ، و « يقول » : إمَّا جواب : « إذا » وإمَّا مفسَّرةٌ للمجيء ، كما تقدَّم تقريره .
و « أساطير » فيه أقوال :
أحدهما : أنه جمع لواحد مُقَدَّرٍ ، واخْتُلِفَ في ذلك المُقَدَّرٍ ، فقيل : أسْطُورة ، وقيل : أسْطَارة ، وقيل أسْطُور ، وقيل : أسْطَار ، وقيل إسْطِيرة وقال بعضهم : بل لُفِظَ بهذه المفردات .
والثاني : أنه جَمْعٍ ف « أساطير » جمع « أسْطار » ، و « أسطار » جمع « سَطَر » بفتح الطاء ، وأمَّا « سَطْر » بسكونها فَجَمْعُهُ في القِلَّةِ على « أسْطُر » ، وفي الكثرة على « سطور » ك « فَلْس » و « أفْلُس » و « فُلُوس » .
والثالث : أنه جَمْعُ الجَمْعِ ف « أساطير » جمع « أسْطَار » ، و « أسطار » جمع « أسْطُر » ، و « سَطْر » جمع « سَطر » وهذا مرويُّ عن الزَّجَّاج ، وليس بشيء فإنَّ « أسْطَار » ليس جمع « أسْطر » ، بل هما مِثَالاً جَمْع قلَّة .
الرابع : أنه اسم جمع .
قال : ابن عطية : « هو اسمُ جمع لا واحد له من لفظه » وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ النحويين قد نَصُّوا على أنه كان على صيغةٍ تَخُصُّ الجُمُوع لم يُسمُّوه اسم جمع ، بل يقولون : هو جمع ك « عَبَاديد » و « شَمَاطِيط » ، فظاهر كلام الرَّاغب - رحمه الله تعالى- : أن « أساطير » جمع « سَطَر » بفتح الطاء ، فإنه قال : وجمع « سَطَر » - يعين بالفتح- « أسطار » و « أساطير » .
وقال المُبَرَّد - رحمه الله تعالى- : هي جمع « أسْطُورة » نحو : « أرْجُوحَة » و « أراجيح » و « أحْدُوثَة » و « أحاديث » .
ومعنى « الأساطير » : الأحاديث الباطلة والُّرَّهَات ممَّا لا حَقيقَةَ له .
وقال الواحدي - رحمه الله تعالى : - أصلُ « الأسَاطير » من « السَّطْر » وهو أن يجعل شيئاً ممتداً مُؤلَّفاً ، ومنه سَطْرُ الكتاب ، وسطر من شجر مفروش .
قال ابن السكيت : يقال سَطْرٌ وسِطْرٌ ، فمن قال : « سَطْر » فجمعه في القليل « أسْطُر » ، والتكثير « سْطُور » ، ومن قال : « سِطْر » فجمعه « أسْطَار » ، و « الأساطير » جمع الجمع .
وقال الجبائي - رحمه الله تعالى- : واحدُ الأساطير « أسْطُور » و « أسطورة » و « إسطيرة » .
قال جمهور المفسرين : أساطير الأولين ما سَطَّرَهُ الأوَّلون .
وقال ابن عباس : معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها ، أي : يَكْتُبُونَهَا .

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)

قوله : { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } في الضميرين- أعني « هم » وهاء « عنه » - أوجه :
أحدهما : أن المرفوع يعود لعى الكُفَّارِ ، والمجرور يعود على القرآن الكريم ، وهو أيضاً الذي عَادَ عليه الضَّميرُ المَنْصُوب من « يَفْقَهُوه » ، والمُشَارُ إليه بقولهم : « إنْ هَذَا » .
والثاني : أنَّ « هم » يعود على من تَقدَّمَ ذكرهم من الكُفَّار ، وفي « عنه » يعود على الرسول ، وعلى هذا ففيه الْتَفَاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبَةِ ، فإن قوله : { جَاءُوَكَ يُجَادلونك } خطابٌ للرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلام ، فخرج من هذا الخطاب إلى الغَيْبَةَ .
وقيل : يعود المرفوع على أبي طالب وأتْبَاعِهِ .
وفي قوله : « يَنْهَوْنَ » و « يَنْأوْنَ » تَجْنِيسُ التصريف ، وهو عِبَارةٌ عن انفراد كل كلمة عن الأخرى بحرف ف « ينهون » انفردت بالهاء ، و « يَنْأوْن » بالهمزة ، ومثله قوله تعالى : { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ } [ الكهف : 104 ] { بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُون } [ غافر : 75 ] .
وقوله عليه الصلاة والسلام : « الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيْهَا الخَيْرُ » ، وبعضهم يسميه « تجنيس التَّحْريف » وهو الفرق بين كلمتين بحرف وأنشدوا في ذلك قول القائل : [ الكامل ]
2128- إنْ لَمْ أشُنَّ عَلَى ابْنِ حَرْبٍ غَارَةً ... لَمْ تَخْلُ يَوْماً مِنْ نِهابِ نُفُسِ
وذكر غيره أن « تجنيس التحريف » هو أن يكون الشَّكْلُ ، فرقاً بين كلمتين ، وجعل منه « اللُّهِى تفتح اللَّهى » وقد تقدَّم تحقيقه .
وقرأ الحسن و « يَنَوْن » بإلقاء حركة الهمزة على النونه وحذفها ، وهو تخفيف قياسي .
و « النَّأيُ » : البُعْدُ ، قال : [ الطويل ]
2129- إذَا غَيَّرَ النَّأيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَزَل ... ْ رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةً يبْرَحُ
وقال الآخر في ذلك ، فأجَادَ ، [ الطويل ]
2130- ألاَ حَبَّذا هِنْد وأرْضٌ بِهَا هِنْدُ ... وهِنْدٌ أتَى مِنْ دُونِهَا النَّايُ والبُعْدُ
عطف الشيء على نفسه للمُغَايَرَةَ اللَّفْظيَّة يقال : نَأي زيد يَنْأى نَأياً ، ويتعدَّى بالهمزة ، فيقال : أنْأيْتُهُ ، ولا يُعَدِّى بالتضعيف ، وكذا كل ما كان عينه همزةً .
ونقل الواحدي أنه يقال : نَأيْنُهُ بمعنى نَأيْتُ عنهُ .
وأنشد المُبَرِّدُ : [ الطويل ]
2131- أعَاذِلُ إنْ يُصْبِحْ صَدَاي بِقَفْرَةٍ ... بَعيداً نآنِي صَاحِبِي وَقَريبِى
أي : نَأى عَنَّي .
وحكى اللَّيْثُ : « نَأيْثُ الشيء » ، أي : أبْعَدْتُهُ ، وأنشد : [ الطويل ]
2132- إذَا مَا الْتَقَينا سَالض مِنْ عَبَرَاتِنَا ... شَآبيبُ يُنْأى سِيْلُهَا بالأصَابِع
فَبَنَاهُ للمفعول ، أي : يُنَحِّى ويُبْعَدُ .
والحاصلُ أنَّ هذه المادة تَدُلُّ على البُعْدِ ، ومنه أتَنَأى أي : أفْعَلُ النَّأيَ . والمَنْأى : الموضع البعيدُ .
قال النابغة : [ الطويل ]
2133- فَإنَّكَ كالمَوْتِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي ... وَإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأى عَنْكَ وَاسِعُ
و « تَنَاءَى » أي : تباعد ، ومنه النُّؤيُ للحُفَيْرَةِ التي حول الخِبَاءِ لتبعد عنه الماء .
وقُرِئ : { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } [ فصلت : 51 ] وهو مَقْلُوبٌ من « نأى » ، ويَدُلُّ على ذلك أنَّ الأصل هو المَصْدَرُ وهو « النَّأيُ » بتقديم الهمزة على حرق العِلِّة .

فصل في المراد بالآية وسبب نزولها
معنى الآية الكريمة أنهم يَنْهَوْنَ النَّاسَ عن اتِّبَع مُحَمَّدِ صلى الله عليه وسلم ويَنْأوْنَ عنه ، أي : يبتاعدون عنه بأنفسهم نزلت هذه الآية في كُفَّار « مكة » المشرفة ، قال محمد بن الحَنَفِيَّةِ والسُّدي والضَّحاك ، وقال قتادةُ : يَنْهَوْنَ عن القرآن ، وعن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عنه .
واعلم أنَّ النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم مُحَلٌ فلا بد أن يكون النهي عن فعل يتعلَّقُ به ، فذكروا فيه قولين :
الأول : ينهون عن تَدَبُّرِ القُرْآنِ واستمامعه ، وعن التَّصديقِ بنبوة مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم والإقرار برسالته .
الثاني : قال ابن عبَّاسِ - رضي الله عنه - ومقاتل : نزلت في أبي طالب كان ينهى النَّاس عن أذَى النبي صلى الله عليه وسلم ويمعنهم ويَنْأى عن الإيمان به أي : يَبْعَدُ ، حتى روي أنه اجتمع إليه رؤوس المشركين ، وقالوا : تَخَيَّرْ من أصْبَحِنَا وَجْهاً وادْفَعْ إلينا محمداً ، فقال أبو طالب : ما أنْصَفْتُمُونِي أدْفَعُ إليكم ولدي لِتَقْتُلُوهُ وأرَبِّي وَلَدَكُمْ .
وروي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دَعَاهُ إلى الإيمان فقال : لولا أن تُعِيِّرُني قُرَيْشٌ لأقرت بها عَينكَ ، ولكن أذُبُّ عنك ما حييتُ ، وقال فيه أبياتاً : [ الكامل ]
2134- واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بجَمْعِهِم ... ْ حَتّى أوَسَّدَ فِي التُّرابِ دَفِينَا
فَاصْدَعْ بأمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ... وابْشِرْ وَقَرَّ بِذاكَ مِنْكَ عُيُونَا
وَدَعَوْتَنِي وَعَرفْتُ أنَّكَ نَاصِحي ... وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أمِينَا
وَعرَضْتَ دِنيا قَدْ عَلِمْتُ بأنَّهُ ... مِنْ خَيْرِ أدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلاَ الملامَةُ أو حذارُ مَسَبَّة ... ٍ لَوَجَدْتَنِي سَمْحاً بِذَاكَ مُبِينَا
واعلم أنَّ القول الأوَّلَ أشبه لوجهين : د
أحدهما : أنَّ جميع الآيات المتقدمة في ذَمِّ طريقتهم ، فلذلك كان يبغي أن يكون قولهم : « وهم ينهون عنه » مَحْمُولاً على أمْرٍ مذموم ، وإذا حملناه على أنَّ أبا طالبٍ كان ينهى عن إيذائه لما حصل هذا النَّظْمُ .
وثانيهما : قوله تبارك وتعالى بعد ذلك : { وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم } يعني به ما تقدم ذكره ، ولا يَليقُ ذلك النهي عن أذِنَّيِهِن لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك .
فإن قيل : إنَّ { وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم } يرجع إلى قوله : { يَنْأوْنَ عَنْهُ } لا قوله : « ينهون عنه » ؛ لأن المراد بذلك أنهم يبعدون عنه بمُفَارَقَةِ دينه وترك موافقته وذلك ذَمٌّ .
فالجوابُ أن ظاهر قوله : { وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم } يرجعُ إلى كل ما تقدَّمَ ذِكْرُهُ ، كما يقال : « فلان يبعد عن الشيء الفلاني وينفر عنه ، ولا يَضُرُّ بذلك إلاَّ نفسه » ، فلا يكون هذا الضرر متعلّقاً بأحد الأمرين دون الآخر .
قوله : « وإن يهلكون » « إنْ » نافية كالتي في قوله : { إِنْ هاذآ } [ الأنعام : 25 ] و « أنفسهم » مفعولٌ ، وهو استثناءُ مُفَرَّغٌ ، ومفعول « يَشْعرون » محذوف : إمَّا اقتصاراً ، وإمّا اختصاراً ، أي : وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم بتماديهم في الكُفْرِ وغُلُوِّهِمْ فيه ، قاله ابن عباس .

وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)

لمَّا بيَّن أنهم يهلكون أنْفُسَهُمْ شَرَحَ كَيْفِيَّة ذلك الهلاك فقال : { وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار } ، وبجواب « لو » محذوف لفهم المعنى ، والتقدير : « لرأيت شيئاً عظيماً وَهَوْلاً مُفْظَعْاً » .
وحذف الجواب كثر في التَّنْزِيلِ ، وفي النظم كقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً } [ الرعد : 31 ] .
وقول الآخر [ في ذلك : ] [ الطويل ]
2135- وَجَدِّكَ لَوْ شَيءٌ أتَانَا رَسُولُهُ ... سِوَاكَ ولَكِنْ لَمْ نَجَدْ لَكَ مَدْفَعاَ
وقوله : [ الطويل ]
2136 ... - فَلَوْ أنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَة
َ ولَكنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أنْفُسَا ... وقله الآخر فأجاد : [ الكامل ]
2137- كَذَبَ العَوَاذِلُ لَوْ رَأيْنَ مُنَاخَا ... بِحَرْيزِ رَامَهض والمَطِيُّ سَوَامِي
وحذفُ الجواب أبْلِغُ [ قالوا : ] لأن السَّامِعَ تذهب نَفْسُهُ كل مذهب ، ولو صرَّح له بالجواب وطَّنَ نفسه عليه فلم يحسن منه كثيراً ، ولذلك قال كثير في ذلك : [ الطويل ]
2138-فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ ... إذَا وطِّنَتْ يَوْماً لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ
وقوله : « ترى » يجوز أن تكون بصريسةً ، ومفعولها محذوف ، أي : ولو ترى حالهم ، ويجوز أن تكون القَلْبِيَّةَ ، [ والمعنى : ] ولو صرفتع فكرك الصحيح لأنْ تَتَدَبَّرَ حَالَهُمْ لازْدَدْتَ يقيناً .
وفي « لو » [ هذه ] وجهان :
أظهرهما : أنها الامتناعية ، فينصرف المُضَارعُ بعدها للمُضِيَّ ، ف « إذا » باقيةٌ على أصلها من دلالتها على الزَّمِنِ الماضي ، وهذا وإن كان لم يقع بعدُ؛ لأنه سيأتي يوم القيامة ، إلاَّ أنه أبرز في صورة الماضي لتحقُّقِ الوَعْدِ .
والثاني : أنها بمعنى « أنْ » الشَّرطيَّة ، و « إنْ » هنا تكون بمعنى « إذا » ، والذي حمل [ هذا ] القائل على ذلك كَوْنُهُ لم يقع بعد وقد تقدَّمَ تأويله .
وقرأ الجمهور- رضي الله عنهم : - « وُقِفُوا » مبنيَّا للمفعول من « وقف » ثلاثياً [ و « على » يحتمل أن تكون على بابها وهو الظاهر أي : حبسوا عليها ، أو عرضوا عليها ، وقيل : يجوز ] أن تكون بمعنى « في » ، أي في النَّار ، كقوله : « » عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ « ، اي : في ملك سليمان .
وقرأ ابن السَّمَيْفَعِ ، وزيد بن علي : » وَقَفُوا « مبيناً للفاعل .
و » وَقَفَ « يتعدَّى ولا يتعدَّىن وفرَّقَتِ العَرَبُ بينهما بالمَصْدَرِ ، فمصدر اللازم على » فُعُول « ، ومصدر المُتعدِّي على » فَعْل « ولا يقال : أوْقَفْتُ .
قال أبو عمرو بن العلاء : » لم أسْمَعْ شيئاً في كلام العرب : « أوقفت فُلاناً » ، إلاَّ أنِّي لو رأيت رَجُلاً وافقاً فقلت له : « ما أوقفك هاهنا » لكان عندي حَسَناً « وإنما قال كذلك؛ لأنَّ تعدِّي الفِعْل بالهمزة مقيسٌ نحو : ضحك زيدٌ وأضحكته أنا ، ولكن سَمِعَ غيره في » وقف « المتعدي أوقفته .
قال الراغب : » ومنه - يعني من لفظِ وقفتُ القوم- اسْتُعِيرَ وقفت الدَّابَّة إذا سَبلْتَهَا « فجعل الوقف حقيقةٌ في مَنْع المشي ، وفي التَسْبِيلِ مَحَازاً على سبيل الاسْتِعَارَةِ ، وذلك أن الشَّيْءَ المُسْبَلَ كأنه ممنوعٌ من الحركةن والوقف لفظٌ مشترك بين ما تقدَّمَ وبين سوارٍ من عاجٍ ، ومنه : حمار مُوقَّفٌ بأرْسَاغِهِ مِثْلُ الوقْفِ من البَيَاضِ .

فصل في معنى الوقوف على النار
وقال الزجاج- رحمه الله تعالى- : ومعنى وقفوا على النَّار يحتمل ثلاثة أوجه :
الأول : يجوز أن يكون قد وفقوا عندها وهم يُعَاينُوها فهم موقوفون على أن يدخلوا النار .
الثاني : يجوز أن يكون وقفوا عليها وهي تحتهم بمعنى أنهم وقفوا فوق النَّار على الصِّراطِ ، جِسْرٌ فوق جَهَنَّمَ « على النَّار » .
[ الثالث : ] معناه : أنهم عرفوا حقيقتها تعريفاً من قولك : « وقَّفْتُ فلاناً على كلام فلان » أي : عَلَّمتُهُ معناه وعرَّفته ، وفيه الوجه المتقدِّم ، وهو أن يكون « على » بمعنى « » في « ، والمعنى أنهم يكونون غَائِصينَ في النَّارِ ، وإنَّما صحَّ على هذا التقدير أن يقول : وقفوا على النَّار ، لأن النَّار دَرَكَاتٌ وطَبَقَاتٌ بعضها فوق بعض ، فيصح هناك معنى الاسْتِعْلاَء .
قوله : » يا لَيْتنا « قد تقدَّم الكلام في » يا « المُبَاشرة للحرف والفعل .
وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وابن كثير ، والكسائي » ولا نثكَذِّبُ « و » نكون « برفعهما وبنَصْبهمَا حمزة ، وحفصُ عن عاصم ، وبرفع الأول ونصب الثاني ابن عامر ، وأبو بكر .
ونقل أبو حيَّان عن ابن عامرٍ أنَّهُ نصب الفعلين ، ثم قال بعد كلام طويل : عن ابن عامر : » ولا نكذِّب « بالرفع ، و » نكون « بالنصب ، فأمَّا قراءة الرفع فيهما ، ففيها ثلاثةُ أوجه :
أحدهما : أن الرفع فيهما على العَطْفِ على الفِعْلِ قبلهما ، وهو » نُرَدُّ « ، ويكونون قد تَمَنَّوا ثلاثة أشياء : الرَّدّ إلى دار الدنيا ، وعدم تكذيبهم بآيات ربهم ، وكونهم من المؤمنين .
والثاني : أن » الواو « واو الحال ، والمضارع خبر مبتدأ مُضْمَرٍ ، والجُمْلَةُ الاسمية في مَحَلِّ نصب على الحال من مرفوع » نُرَدُّ « .
والتقدير : يا ليتنا نُرَدُّ غيرَ مكذَّبين وكائنين [ من المؤمنين فيكون تمني الرد مقيداً بهاتين الحالين ، فيكون الفعلان ] أيضاً داخلين في التمنّي .
وقد اسْتَشْكَلَ الناسُ هذهين الوجهين ، بأن التَّمَنِّي إنشاءن والإنْشَاءُ لا يدخله الصِّدْقُ ولا الكذب ، وإنما يدخلان في الأخبار ، وهذا قد دَخَلَهُ الكَذِبُ لقوله تعالى : { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [ الأنعام : 28 ] وقد أجابوا عن ذلك بثلاثة أوجه :
أحدهما : ذكره الزمخشري- قال : هذا تَمَنِّ تضمَّنَ معنى العِدَة ، فجاز أن يدخله التَّكْذِيبُ كما يقول الرَّجُلُ : » ليت اللَّه يرزقني مالاً فأحْسِن إليك ، وأكَافِئَكَ على صَنيعِكَ « فهذا مُتَمَنِّ في معنى الواعد ، فلو رُزِقَ مالاً ولم يُحْسِنَ إلى صاحبه ، ولم يكافئه كذب ، وصَحَّ أن يقال له كاذب ، كأنه قال : إن رزقني اللَّهُ مالاً أحسنتُ إليك .

والثاني : أن قوله تبارك وتعالى : { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون } [ الأنعام : 28 ] ليس متعلّقاً بالمتمني ، بل هو مَحْضُ إخبار من الله تبارك وتعالى ، بأنهم دَيْدَنهم الكَذِبُ وهجيراهم ذلك ، فلم يَدْخُلِ الكذبُ في التمنِّي ، وهذان الجوابان واضحان ، وثانيهما أوضح .
والثالث : أنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّ التمنِّي لا يدخله الصِّدْقُ ولا الكذب ، بل يدخلانه ، وعُزِيَ ذلك إلى عيسى بن عُمَرَ ، واحتج على ذلك بقول الشاعر [ حيث قال ] : [ الطويل ]
2139- مُنَى إنْ تَكُنْ حَقَّا تَكُنْ أحْسنَ المُنَى ... وإلاَّ فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَنا رَغْدَا
قال : « وإذا جاز أن تُوصَفَ المُنَى بكونها حَقّاً جاز أن تُوصَفَ بكونها باطلاً وكذباً » .
وهذا الجواب سَاقِطٌ جداً ، فإن الذي وُصِفَ بالحَقِّ إنما هو المُنَى ، و « المنى » : جمع « مُنْيَة » و « المُنْيَةُ » تُوصَفُ بالصِّدقِ والكذب مجازاً ، لأنها كأنها تَعِدُ النَّفْسَ بوقوعها ، فيقال لما وقع منها : صَادِق ، ولِمَا يَقَعْ منها : كاذب ، فالصِّدْق والكذب إنما دَخَلا في المُنْيَةِ لا في التمني .
والثالث من الأوجه المتقدمة : أن قوله : « ولا نُكَذِّبُ » خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة اسْتئنَافِيَّةٌ لا تعلُّقَ لها بما قبلها ، وإنما عطفت هاتان الجملتان الفعليتان على الجلمة المُشْتملة على أدَاةِ التمني وما في حيِّزهَا ، فليستْ داخلةً في التَّمَنِّي أصلاً ، وإنما أخبرَ الله - تبارك وتعالى- عنهم أنهم أخْبَرُوا عن أنفسهم بأنهم لا يكذبون بآيات ربِّهم ، وأنَّهُمْ يكونون من المُؤمنينَ ، فتكون هذه الجملة وما عُطِفَ عليها في مَحَلِّ نصبٍ بالقول ، كأنَّ التقدير : فقالوا : يَا لَيْتَناَ نُرَدُّ وقالُوا : نحن لا نُكَذِّب ونكُون من المؤمنين .
واخترا سيبويه هذا الوجه وشبَّهَهُ بقولهم : « دَعْنِي ولا أعُودُ » ، أي : وأنا لا أعود تَرَكْتَنِي أو لم تتركني ، أي : لا أعود على كُلِّ حالٍ ، كذلك معنى الآية : أخْبروا أنهم لا يُكَذِّبُون بآيات ربهم ، وأنهم يَكُونُون من المؤمنين على كل حالٍ ، رُدُّوا أوة لم يُرَدُّوا .
وهذا الوجهُ وإن كان النَّاسُ قد ذكروه ورجَّحثوه ، وأختار سيبويه - رحمه الله - كما مَرَّ ، فإن بعضهم اسْتَشْكَلَ عليه إشْكَالاً ، وهو : أنَّ الكَذِبِ لا يَقَعُ في الآخرة ، فكيف وُصِفُوا بأنهم كاذبون في الآخرة في قولهم « ولانُكَذِّب ونكون » ؟
وقد أجيب عنه بوجهين :
أحدهما : أن قوله { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون } [ الأنعام : 28 ] اسْتيثَاقٌ لذَمِّهِمْ بالكذب ، وأن ذلك شأنهم كما تقدَّمَ ذلك آنفاً .
والثاني : أنهم صَمَّوا في تلك الحَالِ على أنهم لو رُدُّوا لما عادوا إلى الكُفْرِ لما شَاهَدُوا من الأهْوالِ والعقوبات ، فأخبر اللَّهُ - تعالى - أنَّ قولهم في تلك الحَالِ : « ولا نكذِّبُ » وإن كان عن اعتقاد وتصميم يتغير على تقدير الرَّدِّ ، ووقوع العَوْدِ ، فيصير قولهم : « ولا نكذّب » كذباً ، كما يقول اللِّصُّ عند ألم العقوبة : « لا أعود » ويعتقد ذلك ويصمم عليه ، فإذا خُلِّصَ وعاد كاذباً .
وقد أجاب مَكّي أيضاً بجوابين :
أحدهما [ قريب ] مما تقدَّم ، والثاني لغيره ، فقال - أي لكاذبون في الدُّنْيَا في تكذيبهم الرُّسُلَ ، فإنكارهم البَعْثَ للحال [ التي ] كانوا عليها في الدُّنْيَا ، وقد أجاز أبو عمرو وغيره وُقُوعَ التكذيب في الآخرة ، لأنهم ادَّعَوْا أنهم لو رُدُّوا لم يُكَذَّبوا بآيات الله ، فعلم الله ما لا يكون لو كان كيف يكون ، وأنهم لو رُدُّوا لم يؤمنوا ولكدَّبوا بآيات اللِّهِ ، فأكذبهم اللَّهُ في دَعْوَاهُمْ .

وأمَّا نَصْبُهُمَا فبإضمار « أنْ » بعد الواو التي بمعنى « مع » ، كقولك : « ليت لي مالاً وأنْفِقَ منه » فالفعل منصوب بإضمار « أن » ، و « أنْ » مصدرية ينسبِكُ منها ومن الفعل بعدها مَصْدرٌ ، و « الواو » حرف عَطْفٍ ، فيستدعي معطوفاً عليه ، وليس قبلها في الآية إلاَّ فعل ، فكيف يُعْطَفُ اسْمٌ على فعل؟ فلا جَرَمَ أنْ نقدِّر مصدراً متوهّماً يُعْطَفُ هذا المصدر المُنْسَبكُ من « أنْ » وما بعدها عليه ، والتقديرُ : يا ليتنا لنا رَدُّ ، وانتفاء تكذيب بآيات ربنا وكَوْنُ من المؤمنين أي : ليتنا لنا ردٌّ مع هذين الشيئين ، فيكون عدم التكذيب والكَوْنُ من المؤمنين مُتَمَنَّيْيْنَ أيضاً ، فهذه ثلاثة أشياء أعني الرَّدَّ وعدم التكذيب ، والكون من المؤمنين مُتَمَنَّاةٌ بقيد الاجماع ، لا أنَّ كُلَّ واحدٍ مُتَمَنَّي وَحْدَهُ؛ لما تقدَّم من أنَّ هذه « الواو » شرط إضمار « أنْ » بعدها : أن تصلح « مع » في مكانها ، فالنصبُ يُعِّنُ أحد مُحْتَمَلاتِهَا في قولك : « لا تأكل السَّمَكَ وتشرب اللبن » وشبهه ، والإشكال المتقدِّم وهو إدخال التكذيب على التمين ورادٌ هنا ، وقد تقدم جوابه إلاَّ أن بَعْضَهُ يُتَعذَّر هنا ، وهو كون « لا نكذِّبُ ، ونكونُ » مُسْتَانَفَيْنِ سِيْقا لمجرد الإخبار ، فبقي : إمَّا لكون المتني دَخَلَهُ معنى الوَعْدِ ، وإمَّا أن قوله تبارك وتعالى : { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون } [ الأنعام : 28 ] ليس رَاجِعاً إلى تَمَنِّيهِمْ ، وإمَّا لأنَّ التمِّني يدخله التكذيب ، وقد تقدَّم فسادُهُ .
وقال ابن الأنباري - رحمه الله - : « أكْذَبَهم في معننى التَّمَنِّي ، لأن تَمَنِّيهم راجعٌ إلى معنى : » نحنث لا نكذِّب إذا رُدِدْنا « فَغَلَّب عزَّ وجلَّ الكلام فَأكذَبَهُمْ ، ولم يستعمل لفز التَّمنِّي » . وهذا الذي قاله ابن الأنباري- رحمه الله تعالى - تقدَّم معناه بأوضح من هذا .
قال أبو حيَّان : وكثيراً ما يوجد في كتب النحو أن هذه « الواو » المنصوب بعدها هو على جواب التَّمَنِّي ، كما قال الزمخشري : وقرئ : « ولا نكذِّبَ ، ونكون » بالنصب بإضمار « أنْ » على جواب التمين ، ومعناه إنْ رُدِدْنا لم نُكَذِّبْ ، ونكن من المؤمنين .
قال : وليس كما ذَكَرَ ، فإن نَصْبَ الفعل بعد « الوارو » ليس على جهة الجواب؛ لأن « الواو » لا تقعُ جواب الشَّرْط ، فلا يَنْعَقِدُ ممَّا قبلها ، ولا ممَّا بعدها شَرْطٌ وجواب ، وإنما هي واو « مع » يُعْطَفُ ما بعدها على المَصْدَر المُتَوَهِّم قبلها ، وهي واو العطف يتعيَّنُ مع النَّصْبِ أحدُ مَحَامِلِهَا الثلاثة : وهي المعيَّةُ ويميِّزها من « الفاء » تقديرُ « مع » موضعها ، كما أنَّ فاء الجواب إذا كان بعدها فِعْلٌ منصوبٌ ميَّزَهَا تقديرٌ شرْط قبلها أو حَالٌ مكانها وشُبْهَةُ من قال : إنها جواب أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها « الفاء » ، فتوهَّم أنها جواب .

وقال سيبويه - رحمه الله تعالى- : والواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انْتَصَبَ ما بعد « الفاء » ، والواو والفاء معناهما مختلفان ، ألا ترى قوله : [ الكامل ]
2140- لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَاتِيَ مِثْلَهُ .. . . .
لو دخلت « الفاء » هنا لأفسدت المعنى ، وإنما أراد : لا تجمع النَّهْيَ والإتيان وتقول : « لا تأكل السِّمَكَ وتشرب اللبن » لو أدخلت الفاء هنا لفسد المعنى .
قال أبو حيَّان : ويوضِّح لك أنها ليست بجواب أنْفِرَادُ « الفاء » دونها ، فإنها إذا حذفت انْجَرمَ الفعل بعدها بما قبلها لما تَضَمَّنَهُ من معنى الشَّرْطِ إلاَّ في النفي ، فإن ذلك لا يجوز .
قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى- : قد سبق الزمخشري إلى هذه العبارة أبو إسحاق الزَّجَّاج ، قال أبو إسحاق : نصب على الجواب بالواو في التَّمَنِّي كما تقول : « ليتك تَصِيرُ إليْنَا ونُكْرِمَكَ » .
المعنى : ليت مصيرك يقع وإكرامنا ، ويكون المعنى : « ليت رَدَّنا وقع وأن لا نكذِّب » .
وأمَّا كون « الواو » ليست بمعنى « الفاء » فَصَحِيحٌ ، على ذلك جُمْهُورُ النحاة ، إلاَّ أنِّي رأيتُ أبا بكر بن الأنْبَارِيّ خَرَّجَ النَّصْبَ على وجهين :
أحدهما : أنَّ « الواو » بمعنى « الفاء » ، والتقدير : يا يلتنا نُردُّ فلا نكذِّبَ ونكونَ ، فتكون « الواو » هنا يمنزلة « الفاء » في قوله : { أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المحسنين } [ الزمر : 58 ] . يؤكد هذا قراءةُ ابن مسعود ، وابن أبي اسحاق « يا ليتنا نُرَدُّ فلا نكذبَ » بالفاء [ منصوباً ] .
والوجه الآخر : النَّصْبُ على الصرف ، ومعناه الحال ، أي : يا ليتنا نُردُّ غي مكذِّبين .
أمَّا قراءة ابن عامر - برفع الأوَّل ونصب الثاني - فظاهرةٌ بما تقدَّم؛ لأن الأول يرتفع على حَدِّ ما تقدم من التأويلات ، وكذلك نصب الثاني يتخرج على ما تقدم ويكون قد أدخل عدم التكذيب في التَّمَنِّي أو إسْتَأنَفَهُ ، إلاَّ أنَّ المنصوبَ يحتمل أن يكون من تَمَام قوله : « نُرَدُّ » أي : تَمنَّوا الرَّدَّ مع كونهم من المؤمنين ، وهذا ظَاهِرٌ إذا جعلنا : « ولا نكذب » مَعْطُوفاً على « نُرَدّ » أو حالاً منه .
وأمَّا إذا جعلنا « ولا نكِّب » مستأنفاً ، فيجوز ذلك أيضاً ، ولكن على سبيل الاعتراضِ ، ويحتمل أن يكون من تمامِ « ولا نكذٍّب » أي : لا يكونُ منّا تكذيب مع كوننا من المؤمنين في التمني ، أو أستأنفه ويكون قوله : « ولا نكذب » حينئذٍ على حَالِهِ ، أعني من احتماله العَطْفَ على « نُرَدُّ » أو الحاليّة ، أو الاستئناف ، ولا يخفى حينئذٍ دخول كونهم مع المؤمنين في التَّمَنِّي وخروجه منه بما تقدَّم تقريره .

وقُرئ شاذّاً عكس قراءة ابن عامرٍ ، بِنَصْبِ « نكذبَ » ، ورفع « نكون » ، وتخريجها على ما تقدَّمَ إلاّ أنها يضعف فيها جَعْلُ « ونكونُ من المؤمنين » حالاً لكونه مُضَارعاً مثبتاً إلا بتأويل بَعيِيدٍ ، كقوله : [ المتقارب ]
2141- . . ... نَجَوْتُ وَأرْهَنُهُمْ مَالِكَا
أي : وأنا أرْهَنُهُمْ ، وقولهم : « قمت وأصكُّ عَيْنَهُ » ، ويدلُّ على حذف هذا المبتدأ قراءةُ أبيِّ : « ونحن نكونُ من المؤمنين » .
فصل في تحرير معنى الرد
معنى الآية الكريمة : أنهم تَمَنَّوا الرَّدَّ إلى حالة التكليف ، لأن لَفْظَ « الرَّدَّ » إذا استعمل في المُسْتَقْبَلِ في حالٍ إلى حالٍ ، فالمعهود منه الرَّدُّ إلى الحالة الأولى ، فإن الظَّاهِرَ مَنْ صدر عنه تَقْصِيرٌن ثمَّ عاين الشَّدائد والأهْوَال من ذلك التقصير أنه يتمنى الرَّدَّ إلى الحالة الأولى؛ ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصِيرَاتِ ، وذلك التدارك لا يحصل بالعَوْدِ إلى الدنيا فقط ولا بترك التكذيب فقط ، ولا بعمل الإيمان ، بل إنَّما يَحْصُلُ التدارُكُ بمجموع هذه الأمور الثلاثة ، فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني .
فإن قيل : كيف يحسنُ تمني الرد مع أنهم يعلمون أنَّ الرَّدَّ لا يحصل ألْبَتَّةَ؟
والجوابُ من وجهين :
أحدهما : لعلهم [ لم ] يعلموا أن الردَّ لا يحصل [ ألبتة ] ؟
والثاني : أنهم وإن علموا أن ذّلِكَ لا يَحْصُلُ إلاَّ أن هذا العلم لا يمنع من حصول إراة الرَّدِّ ، كقوله تبارك وتعالى : { يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا } [ المائدة : 37 ] وقوله تعالى : { أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } [ الأعراف : 50 ] فلمّا صَحَّ أن يريدوا هذه الأشياء مع العِلْمِ بأنها لا تحصل ، فبأن يتمنونه أقْرَبُن لأن باب التمني أوْسَعُ .

بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)

« بل » هنا للانْتِقَال من قِصَّةٍ إلى أخرى ، وليست للإبطال ، وعبارةُ بعضهم تُوهمُ أنَّ فيها إبْطالاً لكلام الكَفَرةِ ، فإنه قال : « بل » رَدٌّ لِما تمنَّوْهُ أي : ليس الأمْرُ على ما قالوه؛ لأنهم لم يقولوا ذلك رَغْبَةً منهم في الإيمان ، بل قالوه إشْفَاقاً من العذابِ وطَمَعاً في الرَّحْمَةِ .
قال أبو حيَّان : « ولا أدْرِي ما هذا الكلام » .
قال شهاب الدِّين : ولا أدري ما وَجْهُ عدم الدِّرَايَةِ منه؟ وهو كلامٌ صحيح ف نفسهن فإنهم لمَّا قالوا : ياليتنا كأنهم قالوا تَمَنَّيْنَا ، ولكن هذا التمني ليس بصحيحٍ ، لأنهم إنما قالوه تَقِيَّةً ، فق يتمنى الإنسانُ شَيْئاً بلسانه ، وقَلْبُهُ فَارغٌ منه .
وقال الزجاج - رحمه الله تعالى - : « بل » هنا استداركٌ وإيجابُ نَفْيِ ، كقولهم : « ما قام زيد بل قام عمرو » .
وقال أبُو حيَّان : « ولا أدري ما النَّفْيُ الذي سَبَقَ حتى توجبه بل » ؟ قال شهابُ الدين - رحمه الله تعالى - : الظَّاهِرُ أن النفي الذي أراده الزَّجَّاج هو الذي في قوله : « ولا نكذِّبُ بآيات ربنا » إذا جعلناه مُسْتَأنفاً على تقدير : ونحنُ لا نُكَذِّبُ ، والمعنى : بل إنهم مُكَدِّبُون .
وفاعلُ « بَدَا » قوله : « ما كانوا » ، و « ما » يجوز أ ، تكون مَوْصُلةً اسميةً وهو الظَّاهرُ ، أي : ظهر لهم الذي كانوا يُخْفُونَهُن والعائدُ محذوف ، ويجوز أن تكون مصْدريَّةً ، أي : ظهر لهم إخْفَاؤهُمْ ، أي : عاقبته ، أو أطْلِق المَصْدَرُ على اسم المفعول ، وهو بَعِيدٌ ، والظَّاهرُ أن الضميرين : أعني المجرور والمرفوع في قوله : { بَدَا لَهُمْ ما كَانُوا يُخْفُونَ } عائدان على شيء واحدٍن وهم الكُفَّار أو اليهود والنصارى خاصة .
وقيل : المجرور للأتْبَاعِ والمرفوعُ للرُّؤسَاءِ ، أي : بل بدا للأتْبَاعِ ما كان الوُجَهَاءُ المتبوعون يُخْفُونَهُ .
فتشهد عليهم بالكُفْرِ ، فذلك حين بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل .
قال الواحديّ : وعلى هذا القول أهل التفسير .
وقال المُبَرِّدُ : بَدَا لَهُمْ وبَالُ عقائدهم وأعمالهم وسُوءُ عاقبتها .
وقال الزجاج : بَدَا للأتْبَاعِ ما أخْفَاهُ الرؤساء عنهم من أمْرِ البعث والنشور ، قال : ويدلُّ [ على ذلك ] أنه - تبارك وتعالى0 ذكر عَقِيبَهُ : وقالوا { إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } [ المؤمنون : 37 ] وهذا قول الحَسَنِ .
وقال بعضهم : هذا في المُنَافِقِينَ كانوا يُسِرُّون الكُفْرَ ، ويظهرون الإسلام ، وبدا لهم يوم القيامة ، وهو ما كانوا يخفون من قبل .
وقيل : بَدَا لَهُمْ ما كان علماؤهم يخفون من جَحْد نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام ونعته والبِشَارِةِ به ، وما كانوا يُحَرِّفُونَ من التوراة .
قوله : « ولو رُدُّوا » قرأ الجمهور بضم الراء خالصاً .
وقرأ الأعمش ، ويحيى بن وثاب ، وإبراهيم : « رِدُّوا » بكسرها خالصاً .

وقد مَرَّ أن الفَعْلَ المُضَاعَفَ العين واللام يحوز في فائه إذا بُنِيَ للمفعول ثلاثة الأوجه المذكورة في « فاء » الثلاثي المُعْتَلِّ العين إذا بُنِيَ للمفعول ، نحو : قِيلَ وبيعَ ، وقد تقدَّم [ ذلك ] .
وقال الشاعرُ : [ الطويل ]
2142-وَمَا حِلَّ جَهْلٍ حُبَا حُلَمَائِنَا ... وَلاَ قَائِلُ المَعْرُوفِ فِينَا يُعَنَّفُ
بكسر الحاء .
قوله : « وإنهم لكاذبون » تقدمَّ الكلامُ على هذه الجملة : هل هي مُسْتَأنَفَةٌ أو راجعة إلى قوله : « يا ليتنا نُرَدُّ » ؟ .
فصل
والمعنى أنه - تبارك وتعالى- لو رَدَّهُمْ لم يحصل منهم تَرْكُ التكذيب وفَعْلُ الإيمان ، بل كانوا يَسْتَمِرُّون على طريقتهم الأولى .
فإن قيل : إن أهْل القيامة قد عرفوا الله بالضرورة [ وشاهدو أنواع ] العقاب ، فمع هذا الأهوال كيف [ يمكن ] أن يقال : إنهم يَعُودُونَ إلى الكُفْرش والمعصية .
فالجواب : قال القاضي : تقديره : ولو رُدُّوا إلى حَالةِ التكليف ، وإنَّما يَحْصُلُ الردُّ [ إلى ] هذه الحالة ، إذا لم يحصل في القيامةِ مَعْرِفَةُ االلِّهِ بالضرورة ، ولم يحصل هناك مُشَاهَدَةُ الأهوال وعذابُ جَهَنَّم ، فهذا الشرط يكون مضمراً لا مَحَالَة .
وهذا الجوابُ ضعيفٌ ، لأن المقصود من الآية الكريمة بَيَانُ غُلُوهِمْ في الإصرار على الكُفْرِ ، وعدم رغبتهم في الإيمان ، فلو قَدَّرْنَا عدمَ معرفة الله في القيامة وعدمَ مشاهدة الأهوال لم يكون إصْرَارُهُمْ على كفرهم الأول مزيد تَعجُّبٍ ، وإذاً لم يكن اعتبار هذا الشَّرطِ الذي ذكره القاضي .
وقال الواحدي - رحمه الله تعالى- : هذه الآية الكريمة من أظْهَرِ الدلائل على فساد قول المُعتزلةِ؛ لأن الله تبارك وتعالى- بيَّن أنهم لو شاهدوا النَّار والعذابَ ، ثم سألوا الرَّجْعَةَ ورُدُّوا إلى الدنيا لَعَادُوا إلى الشرك ، وذلك للقضاء السَّابق فيهم ، وإلاَّ فالعَاقِلُ لا يَرْتَابُ فيما شاهد .
قال القرطبي : وقد عَايَنَ إبليس ما عاينَ من آيات الله تبارك وتعالى ثم عَانَدَ .

وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)

قوله : { وقالوا } هل هذه الجملة مَعْطُوفة على جواب « لو » والتقدير ولو رُدُّوا لعادوا [ ولقالوا ] ، أو هي مُسْتأنَفَةٌ ليس دَاخِلَةٌ في خبر ، أو هي معطوفة على قوله : { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون } [ الأنعام : 28 ] ثلاثة أوجه :
ذكر الزمخشري الوجهين الأوَّل والأخير ، فإنه قال : « وقالوا » عطف على « لعادوا » ، أي لو رُدُّوا لكفروا ، ولقالوا : إن هي إلاَّ حياتنا الدنيا ، كما كانوا يقولون قبل مُعايَنةِ القيامة ، ويجوز أن يُعْطَفَ على قوله : « وإنهم لكاذبون » [ على معنى : وإنهم لَقَوْمٌ كاذبون ] في كل شيء .
والوجه الأول منقول عن ابن زيد ، إلاَّ أن ابن عَطِيَّة ردَّهُ فقال : وتوقِيفُ الله - تعالى- لهم في الآية بَعدها فيه دلالةٌ على البَعْثِ والإشارة إليه بقوله : « أليس هذا بالحقِّ » يردُّ على هذا التأويل ، وقد يُجَابُ عن هذا باختلاف حالين : فإنَّ إقرارهم بالبعث حقيقة ، إنما هو في الآخرة ، وإنكارهم ذلك إنما هو في الدنيا بتقدير عَوْدهمْ إلى الدنيا ، فاعرافهم به في الدار الأخرة غَيْرُ مُنَافٍ لإنكارهم إيَّاهُ في الدينا .
قوله : { إنْ هيَ إلا حَيَاتُنَا } « إن » نافية ، و « هي » مبتدأ و « حَيَاتُنَا » خبرها ، ولم يكتفوا بمجرد الإخبار بذلك حتى أبرزوها محصورةً في نفي وإثباتٍ ، و « هي » ضمير مُبْهَمٌ يفسِّره خبره ، أي : ولا نعلم ما يُرَادُ به إلاَّ بذكر خبره ، وهو من الضمائر التي يفسِّرها ما بعدها لفظاً ورتبة وقد تقدم ذلك عند قوله : { فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ } [ البقرة : 29 ] وكون هذا مما يفسره ما بعده لفظاً ورتبةً فيه نظر ، إذ لقائل أن يقول : « هي » تعود على شيء دلَّ على سياقِ الكلام ، كأنهم قالوا : إنَّ العادة المستمرة ، أو إن حَالَتَنَا وما عَهِدْنَا إلاِّ حياتنا الدنيا ، واستند هذا القائل إلى قول الزَّمخشري : « هذا ضميرٌ لا يُعْلمَمُ ما يُرَادُ به إلاَّ بذكر ما بعده » .
ومثَّل الزمخشري بقول العرب « هِيَ النَّفْسُ تَتَحَمَّلُ ما حُمَّلَتْ » و « هي العرب تقول ما شاءت » . وليس فيما قاله الزمخشري دَلِيلٌ على أن الخبر مُفَسِّرٌ للضمير .
ويجوز أن يكون المعنى : إن الحَيَاة إلا حياتنا الدُّنْيَا ، فقوله « إلا حياتنا الدنيا » دالٌّ على ما يُفَسِّرُ الضمير ، وهو الحَيَاةُ مُطْلقاً ، فصدق عليه أنه لا يعلم ما يُرَادُ ما يعود عليه الضمير إلاَّ بذكر ما بعده من هذه الحَيْثِيَة لا من حيثيَّة التفسير ، ويَدُلُّ على ما قلنا قول أبي البقاء - رحمه الله تعالى - : هي كِنَايَةٌ عن الحياة ، ويجوز أن يكون ضمير القِصَّة .
قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى - : أمَّا أوَّل كلامه فصحيح ، وأمَّا آخره وهو قوله : « إن هي ضمير القصّة » فليس بشيء؛ لأن ضمير القصِّة لا يفسَّرُ إلاَّ بجملةٍ مُصَرَّحٍِ بجزْأيْهَا .

فإن قيل : الكوفي يجوزُ تفسيره بالمفرد ، فيكون نَحَا نَحْوهُمْ؟
فالجواب أنَّ الكوفيَّ إنما يُجَوِّزهُ بمفرد عامل عمل الفعل ، نحو : « إنه قائم زيد » و « ظَنَنْتُهُ قائماً زيدٌ » لأنه في صورة الجملة إذ في الكلام مُسْنَدٌ ومُسْنَدٌ إليه .
أما نحو « هو زيد » فلا يجيزه أحدٌ ، على أن يكون « هو » ضمير شأن لا قصّة ، والدنيا صفة الحياة ، وليست صِفَةً مزيلةً اشتراكاً عارضاً ، يعني : أن ثَمَّ حياةً غير دنيا يُقرُّون بها؛ لأنها لا يعرفون إلاَّ هذه ، فيه صَفَةٌ لمجرد التوكيد ، كذا قيل ، ويعنون بذلك أنها لا مَفْهُومَ لها ، وإلاَّ قحقيقةُ التوكيد غَيْرُ ظاهرةٍ بخلاف { نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ } [ الحاقة : 13 ] .
و « الباء » في قوله : « بمبعوثين » زائدةٌ لتأكيد الخبر المفني ، ويحتمل مجرورها أن يكون مَنْصُوبَ المَحَلِّ على أنَّ « ما » هاهنا حجازيةٌ ، أو مرفوعةٌ على أنها تميمية .

وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30)

قوله تعالى : { وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ } الآية الكريمة [ الأية : 30 ] تَمَسَّكَ بعضُ المُشَبِّهَةِ بهذه الآية ، فقال ظاهرها يَدُلُّ على أن أهل القيامة يَقِقُون عند الله - تبارك وتعالى - بالقُرْبِ منه ، وذلك يَدُلُّ على أنَّهُ تبارك وتعالى [ بحيث يحضر في مكان تارة ، ويغيب عنه أخرى ، وهذا خطاب؛ لأن ظاهر الآية يدل على أن الله تعالى ] يوقفُ عليه ، كما يقف أحدنا على الأرْضِ ، وذلك كونه مُسْتَعْلياً على ذات الله تعالى ، وأنه بَاطِلٌ بالاتِّفاق ، فوجب تأويله ، وهو من وجهين :
الأول : أنه من باب الحَذْفِ ، تقديره : على سؤال رَبَّهِمْ أو ملك ربهم ، أو جزاء ربهم ، أو على ما أخبرهم به من أمر الآخرة .
الثاني : أنه من باب المَجَازِ؛ لأنه كنايةٌ عن الحَبْسِ للتوبيخ ، كما يوقفُ العَبْدُ بين يَدَيْ سَيَّدِهِ ليُعَاتِبَهُ ، ذكر ذلك الزمخشري ، أو يكون المراد بالوقوف المَعْرِفَةَ ، كما يقول الرجل لغيره : « وَقَفْتُ على كلامك » أي : عرفته ، ورجَّح الزمخشري المَجَازَ على الحَذْفِ؛لأنه بدأ بالمجاز ، ثم قال : وقيل وقفوا على على حزاء ربهم وللناس خلافٌ في ترجيح أحدهما على الآخر وفيه ثلاثة مذاهب :
أشهرها : ترجيح المجاز على الإضمار .
والثاني : عكسه .
والثالث : هاهنا سواء .
قوله : « قال : ألَيْسَ » في هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أنها اسْتِفْهَاميةٌ أي : جواب سؤال مُقّدَّر ، قال الزمخشري : « قال » مَرْدُودٌ على قولِ قائلٍ .
قال : ماذا قال لهم ربُّهُمْ إذْ أوقفُوا عليه؟ فقيل : قال لهم : أليس هذا بالحقِّ .
والثاني : أن تكون الجملة حَالِيَّةً ، وصاحب الحال « ربُّهم » كأنه قيل : وُقِفوا عليه قَائِلاً : أليس هذا بالحقٌ؟ والمُشَارُ إليه قيل : هو ما كانوا يكذبون به من البَعْثِ .
وقيل : هو العَذَابُ يَدُلُّ عليه « فذوقوا العذاب » .
وقوله : « بما كنتم » يجوز أن تكون « ما » مَوْصُولةً أسميةً ، والتقدير : تَكْفُرُونَهُ ، والأصل : تكفرون به ، فاتَّصَلَ الضمير بالفعل بعد حذف الواسطة ، ولا جائز أن يُحذف ، وهو مجرورٌ بحاله ، وإن كان مجرواً بحرف جُرَّ بمثله الموصول لاختلافِ المتعلِّق ، وقد تقدَّم إيضاحه .
والأوْلى أن تُجْعَلَ « ما » مصدريَّة ، ويكون متعلَّق الكُفْرِ محذوفاً ، والتقدير : بما كنتم تكفرون بالبَعْثِ ، أو بالعذاب ، أي : بكفرهم بذلك .
فإن قيل : قد قال تبارك وتعالى : { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ } [ آل عمران : 77 ] ، وها هنا قد قال [ لهم ] : « أليس هذا بالحقِّ » ؟ فما وَجْهُ الجمع؟ .
فالجواب : لا يكلمهم بالكلام الطيب النافع .
قال ابن عباس : هذا في موقف ، وقولهم : « واللَّه ربنا ما كنا مشركين » في موقف آخر ، والقيامةُ مواقف ، في موقف يُقِرُّونَ ، وفي موقف ينكرون .
قوله : { فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } خَصَّ لفظ الذَّوْقِ ، لأنهم في كل حال يجدونه وجدانَ الذَّائقِ .

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)

قوله تعالى : { قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله } [ الأية : 31 ] وصف أحوال منكري البَعْثِ بأمرين :
احدهما : حصول الخُسْرَانِ ، أي : خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى اللَّهِ - تبارك وتعالى - وحُصُول العقاب .
قوله : { حتى إِذَا جَآءَتْهُمُ الساعة بَغْتَة } في نصب « بَغْتَةً » أربعة أوجه :
أحدهما : أنها مصدرٌ في موضع الحال من فاعل « جاءَتهم » بَغَتَتْهُمْ بغتة ، فهو كقولهم : « أتيته رَكْضاً » .
الثالث : أنَّها منصوبةٌ بفعل محذوف من لفظها ، أي : تبغتهم بَغْتَة .
الرابع : بفعل [ من غير لفظها ، أي : أتتهم بغتة ، والبغت والبغتة مفاجأة الشيء بسرعة من ] غير اعتدادٍبه ، ولا جَعْلِ بالٍ منه حتَّى لو استشعر الإنسانُ به ، ثم جاء بسرعة من غير اعتدادٍ به لا يُقَالُ فيه : بَغْتَة ، وكذلك قول الشاعر في ذلك : [ الطويل ]
2144- إذَا بَغَتَتْ أشْيَاءُ قَدْ كَانَ قَبْلَهَا ... قَدِيماً فَلاَ تَعْتَدَّهَا بَغَتَاتِ
والألف واللام في « السَّاعة » للغَلَبِة كالنَّجْم والثُّرَيَّا؛ لأنها غلبت على يوم القيامة ، وسِّمَيتِ القيامَةُ سَاعةً لسرعة الحِسَابِ فيها على الباري تبارك وتعالى .
وقيل : لأنَّ السَّاعة من الوَقْتِ الذي تقوم فيه القيامة؛ لأنها تَفْجأ الناس في ساعة لا يعلمها [ أحدٌ ] إلاَّ اللَّهُ تعالى . وقوله : « قالوا » هو جواب « إذا » .
قوله : « يَا حَسْرَتَنَا » هذا مجازٌ؛ لأن الحَسْرَةَ لا يتأتى منها الإقْبَالُ ، وإنَّما المعنى على المُبَالغَةِ في شِدَّةِ التَّحَسُّرِ ، وكأنهم نادوت التحسُّر ، وقالوا : إن كان لك وَقْتٌ ، فهذا أوانُ حضورك .
ومثله : « يا ويلتا » والمقصودُ التنبيهُ على خطأ المنادي ، حيث ترك ما أحْوَجَهُ تركه إلى نداء هذه الأشياء .
قال سيبويه - رحمه الله- : فيكون المنادي هو نفس الحَسْرَةِ ، والمُراَدُ بالحَسْرَةِ النَّدَامَةُ .
قال الزَّجَّاج - رحمه الله تعالى - : هذا النِّدَاءُ ينبِّهُ الناس على ما سيحصل لهم من الحَسْرَةِ ، والعربُ تعبر عن تعظيم أمثال هذه الأمور باللَّفظَةِ كقوله تبارك وتعالى : { ياحسرة عَلَى العباد } [ يس : 30 ] { ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله } [ الزمر : 56 ] { ياويلتا أَأَلِدُ } [ هود : 72 ] و { ياأسفا } [ يوسف : 84 ] والمعنى : يا أيها النَّاس تَنَبَّهُوا على ما وَقَعَ من الأسَفِ ، فوقع النداءُ على غير المنادى في الحقيقة .
قوله : « عَلَىَ مَا فَرَّطْنَا » متعلّق بالحسرة و « ما » مَصْدريَّةٌ ، أي : على تفريطنا ، والضمير في « فيها » يجوز أن يعود على السَّاعِةِ ، ولا بد من مضاف ، أي في شأنها والإيمان بها ، وأن يعود على الصِّفَقَةِ المتضمِّنة في قوله : { قّدْ خَسِرَ الَّذين } ، قاله الحسن ، أو يعود على الحياة الدينا ، وإن لم يَجْرِ لها ذِكُرٌ لكونها مَعْلُومَةَ ، قاله الزمخشري - رحمه الله تعالى- .
وقيل : يعود على مَنَازِلِهْم في الجنَّةِ إذا رأوها ، وهو بَعِيدٌ .
والتفريطُ : التقصير في الشيء مع القُدْرَةِ على فعله .

وقال أبو عُبَيْدِ هو التَّضْييعُ .
وقال ابن بَحْرِ : وهو السَّبْقُ ومنه الفارط ، أي : السَّبق للقوم ، فمعنى فَرَّط بالتشديد خَلَّى السَّبْقَ لغيره ، فالتضعيف فيه للسَّلْبِ ، ك « جلَّدت البعير » ومنه { فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } [ الإسراء : 79 ] .
فصل في تحرير معنى الخسران
اعلم أن [ كلمة « حتى » ] غاية [ لقوله : « كذبوا » ] لا لقوله : « قد خَسِرَ » ، لأن خسرانهم لا غَايَةَ له ، ومعنى « حتى » ها هنا أنَّ مُنْتَهَى تكذيبهم الحَسْرةُ يوم القيامة والمعنى : أنهم كذبوا بالبَعْثِ إلى أن ظهرت السَّاعةُ بَغْيَةً ، فإن قيل : إنما يَتَحَسَّرُونَ عن موتهم .
فالجواب : بما كان المَوْتُ وُقُوعاً في [ أحوال الآخرة ] ومقدماتها جُعِلَ من جنس السَّاعة ، وسُمِّيَ باسمها ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام : « مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ » والمراد بالساعة : القيامة .
قوله : « وَهُمْ يَحْمِلُونَ » « الواو » للحال ، وصَاحِبُ الحال « الواو » في « قالوا » أي : قالوا : يا حَسْرَتَنَا في حالةِ حَمْلِهِمْ أوْزَارَهُمْ .
وصُدِّرت هذه الجملة بصمير مبتدأ؛ ليكون ذِكْرُهُ مَرَّتين فهو أبْلَغُ .
والحَمْلُ هنا قيل : مجازٌ عن مُقََاساتِهِمُ العذابَ الذي سَبَبُهُ الأوْزَارُ .
[ قال الزَّجَّاجُ : كما يُقَال : « ثقل عليّ كلام فلان » ] والمعنى : كرهته .
وقيل : هو حقيقة وفي الحديث : « إنَّهُ يُمَثَّلُ لَهُ عَمَلُهُ بِصُورَةٍ قَبِيْحَةٍ مُنْتِنَةِ الرِّيح فَيَحمِلُها » وهو قول قتادَةَ ، والسُّدي ، وخُصَّ الظَّهْرُ ، لأنه يُطيق [ من الحَمْل ] ما لا يُطِيقُهُ غيره من الأعْضَاءِ كالرأس والكَاهِل ، وهذا كما تقدم في قوله : { فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } [ الأنعام : 7 ] ، { فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ } [ آل عمران : 187 ] لأن اليد أقوى في الإدراك اللَّمْسِيِّ من غيرها .
والأوزَارُ : جمع « وِزْر » ك « حِمْل » وعِدْل وأعْدَال .
والوِزْر في الأصل الثقل ، ومنه ، : وَزَرْتُهُ ، أي : حَمَّلته شَيْئاً قليلاًن ووزير الملك من هذا؛ لأنه يَتَحَمَّلُ أعْبَاء ما قَلَّدّهُ المَلِكُ من مئونة رعيَّته وحَشَمَتِه ومنه أوْزَارُ الحرب لسلاحها وآلاتها ، قال [ القائل في ذلك ] : [ المتقارب ]
2145- وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزَارَهَا ... رِمَاحاً طِوَالاً وخِيْلاً ذُكُورَا
وقيل : الأصل في ذلك الوَزَرُ بفتح الواو والزاي ، وهو المَلْجأ الذي يُلْتَجَأُ إليه من الجَبَلَ ، قال تعالى : { كَلاَّ لاَ وَزَر } [ القيامة : 11 ] ثمَّ قيل للثقل : وَزْرٌ تَشْبيهاً بالجَبَلِ ، ثم اسْتُعِيرَ الوِزْرُ إلى الذَّنْبِ تشْبيهاً به في مُلاقَاةِ المَشَقَّةِ ، والحاصلُ أنَّ هذه المادة تَدُلُّ على الرَّزَانَةِ والعَظَمَةِ .
قوله : { ألا سَاءَ ما يزِرُونَ } « ساء » هنا تحتمل أوجهاً ثلاثة :
أحدهما : أنها « ساء » المُتَصَرِّفَةُ المتعدِّيَةُ ، ووزنها حينئذٍ « فَعَل » بفتح العين ، ومفعولها حينئذٍ محذوفٌ ، وفاعلها « ما » .
و « ما » تحتمل ثلاثة أوجه :
أن تكون موصولةً اسميةً ، أو حرفية ، أو نكرة موصوفة ، وهو بعيد ، [ وعلى جعلها اسمية أو نكرة موصوفة تقدّر ] لها عائداً ، والحرفية غير محتاجة إليه عند الجمهور .
والتقدير : ألا سَاءهُمُ الذي يَزِرُونَهُ ، أو شيء يزرونه ، أو وزْرُهُمْ [ وبدأ ابن عطية بهذا الوجه؛ قال : كما تقول : ساءني هذا الأمر ، والكلام خبر مجرد كقوله : [ البسيط ]

2146 - رَضيتَ خِطَّةَ خَسْفٍ غَيْرَ طَائِلَةٍ ... فَسَاءَ هَذَا رِضّى يا قَيْسَ عَبْلانَا
قال أبو حيان : ولا يتعين أن تكون « ما » في البيت خبراً مجرداً ، بل تحتمل الأوجه الثلاثة ] وهو ظاهر .
الثاني : أن يكون للتعجُّب ، فتنتقل من « فَعَل » بفتح العين [ إلى ] « فعُل » بضمها ، فتعطى حكم فعل التَّعَجُّب من عدم التصرف ، والخروج من الخبر المَحْضِ إلى الإنشاء إن قلنا : إن التعجُّب إنشاء ، وهو الصحيح ، والمعنى : ما أسْوَأ ، أي : أقبح الذي يزرونه ، أو شيئاً يزرونه ، أو وِزْرُهم .
الثالث : أنها بمعنى « بئس » فتكون للمُبَالَغَةِ في الذَّمِّ فتعطى أحكامها أيضاً ، ويجري الخِلافُ في « ما » الواقعِة بعدها حَسْبَما ذكر في { بِئْسَمَا اشتروا بِهِ } [ البقرة : 90 ] وقد ظهر الفَرقُ بين الأوجه الثلاثة ، فإنها في الأوَّل متعدّية متصرّفة ، والكلام معها خَبَرٌ مَحْضٌ ، وفي الأخيرين قَاصِرَةٌ جامدة إنشائية .
والفرق بين الوجهين الأخيرين أنَّ التعجبيَّة لا يُشْتَرَطُ في فاعلها ما يشترط في فاعل « بئس » .
وقال أبو حيَّان : والفَرْقُ بين هذا الوجه يعني كونها بمعنى « بئس » ، والوجه الذي قبله - يعني كونها تعجبيَّةً- أنه لا يُشْتَرَطُ فيه ما يشترط في فاعل « بئس » من الأحكام ، ولا هو جملةٌ منعدةٌ من مبتدأ وخبر ، [ إنما هو منعقد من فعل أو فاعل انتهى ، وظاهره لا يظهر إلاَّ بتأويل ، وهو أن الذم لا بد فيه مَن مَخْصوص بالذَّمِّ ، وهو مبتدأ ، والجملة الفعلية قبله خبره فانعقده من هذه الجملة مبتدأ وخبر ] .
إلا أنَّ لقائلٍ أن يقول : إنما يَتَأتَّى هذا على أحَدِ الأعَارِيبِ في [ المخصوص ] وعلى تقدير التَّسْليم ، فلا مَدْخَلَ للمخصوص بالذَّمِّ في جملة الذَّمِّ بالنسبة إلى كونها فَعْلِيَّة ، فحينئذٍ لا يظهر فَرْقٌ بينها وبين التَّعجبية في أنَّ كُلاَّ منهما منعقدةٌ من فَعلٍ وفاعل .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما- : بئْسَ الحمْلُ حَمَلُوا « .

وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)

قوله عز وجل : { وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ لَعِب } يجوز أن يكون من المُبَالَغَةِ جَعْلُ الحَيَاةِ نَفْسَ اللَّعِبِ واللَّهوِ كقول [ القائل ] : [ البسيط ]
2147- ... فَإنَّمَا هِيَ إقْبَالٌ وإدْبَارُ
وهذا أحسن ، ويجوز أن يكون في الكلام حَذْفٌ ، أي : وما أعمال { وما أهْلُ الحياة الدنيا إلاَّ أهل لَعِب } فقدَّر شيئين محذوفين .
واللَّهْوُ : صَرْفُ النَّفْسِ عن الجِدِّ إلى الهَزَلِ ، ومنه لَهَا يَلْهُو .
وأمَّا لَهِيَ عن كذا فمعناه صَرَفَ نَفْسَهُ ، والمَادَّةُ واحد انقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها ، نحو : شَقِيَ ورَضِيَ .
وقال المهدوي : « الذي معناه الصَّرْفُ لامُه ياء ، بدليل قولهم : » لَهْيَان « ، ولام الأول واو » .
قال أبو حيَّان : « وليس بشيء؛ لأن » الواو « في التثنية انْقَلَبَتْ ياءً ، فيس أصلها الياء ألا ترى تثنية » شَجِ « : » شجيان « وهو من الشَّجْوِ » انتهى .
يعني : أنهم يقولون في اسم فاعله : « لهٍ » ك « شَجٍ » والتثنيةُ مَبْنيَّةٌ على المفرد ، وقد انقلبت في المُفْرَدِ فلتنقلب في المثنى .
قال شهابُ الدين : فلنا فيه بحث حَسَنٌ أوْدَعْنَاهُ « التفسير الكبير » ولله الحمد [ قال : وبهذا ] يظهر فَسَادُ ردِّ المهدوي على الرُّمَّاني ، فإنَّ الرُّمَّاني قال : « اللَّعِبُ عَمَلٌ يُشْغِلُ النفس عما تنفعُ به ، واللَّهْوُ صَرْقُ النفس من الجدِّ إلى الهَزَل ، يقال : لَهَيْتُ عنه ، أي صَرَفْتُ نفسي عنه » .
قال المهدوي - رحمه الله- : « وفيه ضَعْفٌ وبُعْدٌ ، لأنَّ الذي فيه معنى الصَرِفِ لامه ياء ، بدليل قولهم في التَّثْنية لَهْيَان » انتهى .
وقد تقدَّم فَسَادُ هذا الرَّدِّ .
وقال الراغب : « اللَّهْوُ ما يَشْغَلُ الإنسانَ عما يَعْنيهِ ويَهُمُّهُ ، يقال : لَهَوْتُ بكذا أوْ لَهَيْتُ عن كذا : استغلْتُ عنه بِلَهْوٍ » . وهذا الذي ذكره الراغب هو الذي حمل المهدوي على التَّفْرِقَةِ بين المَادَّتَيْنِ .
فصل في ذم الحياة الدنيا
اعلم أن منكري البعث تعْظُمُ رغبتهم في الدُّنيا ، فَنَبَّه اللَّهُ - تعالى - في هذه الآية تصح إلا فيها ، فلهذا السبب حصل في تفسير الآية قولان :
الأول : قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : يريد حَيَاةَ أهل الشرك والنفاق؛ لأن حياة المؤمن يحصل فيها أعْمَالٌ ] صالحة .
والثاني : أنه عَامٌ في حياة المؤمن والكافر وإنما سماها باللعب واللَّهْوِ؛ لأن الإنسان حال اشتغاله باللَّعِبِ واللهو ، فإنه يَلْتَذُّ به ، وعند انْقَضَائها إلاَّ النَّدامَةُ ] ، وفي تسمية هذه الحياة باللعب واللَّهْوِ وجوه :
أحدهما : أن مُدَّة اللَّعِبِ واللَّهْوِ قليلةٌ سريعةُ الانقضاء ، وكذلك هذه الحياة الدنيا .
وثانيها : أنَّ اللعب واللهو إنما يَحْصُلُ عند الاغتِرَارِ بَظَوَاهِرِ الأمور ، وأمَّا عند التَّأمُّلِ التَّامِّ لا يبقى اللعب واللهو أصْلاً ، وكذلك فإن اللعب واللهو إنما يَحْصُلُ للصِّبْيَان والجُهَّال والمُغَفَّلِينَ .

وأمَّا العقلاءُ والحُصفَاء فَقلّما يحصلُ لهم خوضٌ في اللعب واللهو وكذلك الالتذَادُ بطيبات الدنيا لا يحصل إلا للمغفّلين الجُهَّال بحَقَائق الأمور .
وأما المحققون فإنهم أن كل هذه الخيرات غُرُورٌ وليس لها في نفس الأمر حقيقة معتبرةٌ .
قوله : « وللدَّارُ الآخرةُ » قرأ الجمهور بلامين ، الأولى لام الابتداء ، والثانية للتعريف ، وقرأوا « الآخرةُ » رفعاً على أنها صَفَةٌ ل « الدار » و « خَيْرٌ » خبرها .
وقرأ ابن عامر : « ولَدَارُ » بلامٍ واحدة هي لام الابتداء ، و « الآخرةِ » جرُّ بالإضافة ، وفي هذا القراءة تأويلان :
أحدهما : قول البصريين ، وهو [ أنه ] من باب حَذْفِ الموصوف ، وإقامة الصفة مُقَامَهُ ، والتقدير : ولَدَارُ السَّاعةِ الآخرة ، أو لَدَارُ الحياة الآخرة ، يِدُلُّ عليه { وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا } ومثله قولهم : جَبَّةُ البَقْلَةِ الحَمْقَاءِ ، ومَسْجِدُ المَكَانِ الجَامِعِ ، وصلاةُ السَّاعَةِ الأولَى ، ومكانُ الجَانِبِ الغَرْبِيّ ] .
وحَسَّن ذلك ايضاً في الآية الكريمة كونُ هذه الصفة جَرَتْ مجرى الجوامد في إيلائها العوامل كثيراً ، وكذلك كلُّ ما جاء مما تُوُهِّمَ فيه إضَافَةُ الموصوف إلى صفته ، وإنما احتاجوا إلى ذلك [ كثيرا لئلا يلزم ] إضافة الشيء إلى نفسه وهو ممتنعٌ؛ لأن الإضافة إمَّا للتعريف ، أو للتخصيص ، والشيء [ لا يعرف نفسه ] ولا يُخَصِّصُهَا ، وهذا مَبْنِيُّ على أنَّ الصِّفَةَ نفس الموصوف ، وهو مشكلن لأنه لا يعقل تصور المصوصوف وصَفَتُهُ جازت إضافته إليها ، وأوردوا ما قدَّمْتُهُ من الأمثلة .
قال الفرَّاء : هي إضافة الشيء إلى نفسه ، كقولك : « بَارِحَةُ الأولى » و « يوم الخميس » و « حَقُّ اليقين » ، وإنما يجوز عند اختلاف اللَّفظَيْنِ وقراءة ابن عامر موافقة لمُصْحَفِهِ ، فإنها رسمت في مصاحق الشَّاميين بلامٍ واحدة .
واختراها بضعهم لموافقتها لما أُجْمَعَ عليه في « يوسف » { وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ } [ يوسف : 109 ] ، وفي مَصَاحِفِ غيرهم بلامين . و « خَيْرٌ » يجوز أن يكون للتفضيل ، وحُذِفَ المُفَضَّلُ عليه لِلْعِلْم به ، أي : خَيْرٌ من الحياة الدنيا ، ويجوز أن يكون لِمُجَرَّدِ الوَصْفِ بالخيرية كقوله تعالى : { أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } [ الفرقان : 24 ] و « للذين يتَّقون » متعلّق بمحذوف؛ لأنه صَفَةٌ ل « خير » والذي ينبغي - [ أو يتعيَّن ] - أن تكون « اللام » للبيان ، أي : أعني للذين ، وكذا كُلُّ ما جاء من نَحْوِهِ ، نحو : { خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى } [ الضحى : 4 ] .
فصل في معنى الخيرية
ذكروا في وَجْهِ هذه الخَيْريَّةِ وجوهاً :
أحدهما : أنَّ خيرات الدينا [ خسيسة وخيرات الآخرة شريفة وبيان ذلك في وُجُوه :
الأوَّل : أن خيرات الدنيا ] ليس إلاَّ قَضَاءَ الشَّهْوَتَيْنِ ، وهي في نهاية الخَسَاسَةٍ؛ لأن الحيانات الخَسِيسَة تشارك الإنسان فيها ، بل ربما [ كان ] أمرُ تلك الحيوانات فيها أكْمَلَ من أمْرِ الإنسان ، فالجَمَلُ أكثر أكْلاً ، والدِّيكُ والعصفور أكثر وقاعاً ، والذِّئْبُ أقوى على الفَسَادِ ة والتَّمْزِيقِ ، والعَقْرَبُ أقوى لعى الإيذَاءِ ، ومما يَدُلُّ على خَسَاسَتِهَا أنها لو كانت شَرِيفةً لكان الإكثار منها يوجبُ زيادة الشرف فكان يجب أن يكون الإنسان الذي أذهب عمره في الوِقَاعِ والأكْلِ أشْرَفَ الناس وأعْلاهُمْ دَرَجَةً ، ومعلوم بالبديهة أنه ليس الأمْرُ كذلك ، بل مثلُ هذا الإنسان يكون [ ممقوتاً ] مُسْتَحْقَراً ، يوصفُ بأنه بَهِيمَةٌ أو كَلْبٌ ، أو أخَسُّ ، وذلك لأن الناس لا يفتخرون بهذه الأحوال ، بل يُخْفُونَهَا ، ولذلك عادة العُقَلاءِ عند الاشتغل بالوقَاع يختفون عن النَّاسِ ، وأيضاً فإن الناس إذا شَتَمَ بعضم بعضاً لا يذكرون فيه إلاَّ الألقَاظ الدَّالة على الوقَاع ، وأيضاً فإن هذه [ اللَّذات ] سَرِيعَةُ الانْقِضَاءِ والاسْتِحَالَةِ ، فثبت بهذه الوجود خَسَاسَةُ هذه المَلَذَّاتِ .

وأما السَّعادات الرُّوحانية ، فإنها سعادات عالية شريفةٌ ، باقيةٌ مُقَدَّسَةٌ ، ولذلك فإن جميع الخَلْقِ إذا تَخَيَّلُوا في إنسان كثرة العِلْمِ والدِّين وشدِّة الانقباض عن اللِّذاتِ الجسمانية ، فإنهم بالطَّبْعِ يجيبونه ويخدمومنه ، ويعدونه [ أنفسهم ] عِبيداً لذلك الإنسان ، وأشقياء بالنسبة إليه ، وذلك يَدُلُّ عليه خَسَاسَةِ اللَّذاتِ الجسمانية ، وكمال مرتبة اللذات الروحانية .
الأمر الثاني : في [ بيان ] أنَّ خَيْرَاتِ الآخرة أفْضَلُ من خيرات الدُّنْيَا ، وهو أن يقال : هَبْ أنَّ هذين النوعين تَشَارَكَا في الفَضْلِ إلاَّ أن الوُصُولَ إلى الخيرات الموعودة في [ غد القيامة معلوم قطعاً ، وأمَّا الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد ] الدنيا فغيرُ مَعْلوم ، بل ولا مظنونٍ ، فكم من سُلْطَانِ قاهر في بُكْرَةَ اليوم صار تحت التُّرَابِ في آخر ذلك [ اليوم ] .
الأمر الثالث : هَبْ أنه وجد الإنسان بعد هذا اليوم يوماً آخر في الدنيا إلاَّ أنه لا يَدْرِي هل يمكنه الانْتَفَاعُ بما جمعه من الأموال والطيبات واللَّذاتِ أم لا؟ . أمَّا كل ما جمعه من السَّعادات ، فإنه قَطْعاً أنه ينتفعُ به في الآخرة .
الأمر الرابع : هَبْ أنه ينتفع بتلك بها إلا أن انْتِفَاعَهُ بخيرات الدنيا لا يَخْلُو عن شَوَائِبِ المكروهات [ والانتفاع بخيرات ] الآخرة خالٍ [ عن ] شوائب المكروهات .
الأمر الخامس : هَبْ أنه ينتفع بتلك الأمْوَالِ والطيبات من غير شائبه إلا أن ذلك الانتفاع [ مُنْقَرِضٌ ] ذاهبٌ والمنافِعُ المُنَقَرِصَةُ تحزن الإنسان لمفارقتها ، وكلما كانت تلك المَنَافِعُ أكمل وألَذّ ، كانت [ تلك ] الأحزانُ الحاصلة عن انقراضها وانقطعها أقْوَى وأكمل .
فصل في المراد بقوله : « وللآخرة خير »
قال ابن عباس : المراد بالآخرة الجنَّة ، وأنها خير لمن اتَّقَى الكُفْرِ والمعاصي .
وقال الحَسَنُ : المراد نفس دار الآخرة خَيْرٌ .
وقال الأصم : التمسُّكُ بِعَمَلِ الآخرة خير .
وقال آخرون : نعيم الآخرة خيْرٌ من نعيم الدنيا للذين يتَّقُون المعاصي والكبائر ، فأمَّا الكَافِرُ والفَاسِق فلا [ ؛ لأن الدنيا ] بالنسبة إليه خير من الآخرة لقوله عليه السلام : « الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ » .
قوله : { أَفَلاَ تَعْقِلُون } قد تقدَّم الكلامُ في مِثْلِ هذه الهمزة الداخلة على « الفاء » وأختها « الواو » و « ثم » .
وقرأ ابن عامر - رضي الله عنه - ونافع وحفص عن عاصم : « تَعْقِلُون » خطاباً لمن كان بحضرته - عليه السَّلام - وفي زمانه .
والبقاقون بياء الغَيْبَةِ ردَّاً على ما تقدَّمَ من الأسماء الغائبة ، وحُذِفَ مفعول « تعقلون » للْعِلمِ به ، أي : فلا تعقلون أنَّ الأمر كما ذكر فَتَزهَدُوا في الدنيا ، أو أنها خَيْرٌ من الدنيا .

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)

قوله تعالى : { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ } « قد » هنا حرف تَحْقِيقٍ .
وقال الزمخشري والتبريزي : « قد نعلم » بمعنى رُبَّمَا التي تجيء لزيادة الفِعْلِ وكثرته ، نحو قوله : [ الطويل ]
2148- . . ... [ وَلَكِنَّهُ ] قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نَائِلهُهْ
قال أبو حيَّان : وهذا القول غَيْرُ مَشْهورٍ للنحاة ، وإن قال به بعضهم مُسْتَدِلاً بقول [ القائل ] : [ البسيط ]
2149- قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنَامِلُهُ ... كَأنَّ أثْوَابَهُ مُجَّتُ بِفِرْصَادٍ
وقال الآخر في ذلك : [ الطويل ]
2150- أخِي ثِقَةٍ لا تُتْلِفُ الخَمْرُ مَالَهُ ... ولَكنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نَائِلُهْ
والذي يظهر أن التكثير لا يفهم من « قد » ، وإنما فهم من سياق الكلام؛ إذ التمدُّح بقتل قرن واحد غيرُ طائل ، وعلى تقدير ذلك فو متعذّر في الآية؛ لآن علمه - تبارك وتعالى - لا يَقْبَلُ التكثير .
قال شهابُ الدين : قَدْ يُحَابُ عنه بأن التكثير في متعلِّقات العِلْمِ لا في العِلْمِ ، [ ثم قال ] : وقوله بمعنى « رُبَّمَا » التي تجيء لزيادة الفعل وكثرته المشهور أنَّ « رُبَّ » للتقليل لا للتَّكْثير ، وزيادةُ « ما » عليها لا يخرجها عن ذلك بل هي مُهيِّئةٌ لدخولها على الفعِل ، و « ما » المهيِّئةُ لا تزيل الكَلِمَة عن معناها الأصلي ، كما لا تزيل « لَعَلَّ » ، عن الترجي ، ولا « كأنَّ » عن التشبيه ، ولا « ليت » عن التمني .
وقال ابن مالك : « قد » ك « رُبَّمَا » في التقليل والصَّرفِ إلى معنى المضيّ ، وتكون في حينئذٍ للتَّحقيق والتوكيد ، نحو { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ } [ الأنعام : 33 ] { وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ الله } [ الصف : 5 ] .
وقوله : [ الطويل ]
2151- وَقَدْ تُدْرَكُ الإنْسَانَ رَحْمَةُ رَبِّهِ ... وَلَوْ كَاننَ تَحْتَ الأرْضِ سِبْعينَ وَادِيَا
وقد تخلو من التَّقليل ، وهي صَارِفَةٌ لمعنى المُضِيَّ ، نحو قوله : { قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ } [ البقرة : 144 ] .
وقال مكي : و « قد » هنا وشبهه تأتي لتأكيد الشيء ، وإيجابه ، وتصديقه ، و « نَعْلَمُ » بمعنى عَلِمْنَا .
وقد تقدم الكملام في هذه الحروف وأنها مُتَردِّدَةٌ بين الحَرْفيَّةِ والاسميَّةِ .
وقال أبو حيَّان : هُنَا « قَدْ » حرف تَوَقُّع إذا دخلت على مُسْتَقْبَلِ الزمان كان التوقُّعُ من المتكلّم؛ كقولك : قد ينزل المَطَرُ شَهْر كذا ، وإذا كان مَاضِياً و فَعْلَ حَالٍ بَمَعْنَى المضيّ كان التوقع عند السَّامِعِ .
وأمَّا المتكلِّم فهو مُوجب ما أخبر به ، وعبَّر هنا بالمُضَارع إذ المُرادُ الاتِّصَافُ بالعِلْمِ واسْتِمْرَرُهُ ، ولم يُلْحَظْ فيه الزمانُ كقولهم : « هو يُعْطِي ويَمْنَعُ » .
« ليحزنك » سَادٌ مَسَدّ المفعولين ، فإنها معلَّقَةٌ عن العمَل ، وكُسِرَتْ لدخول « اللام » في حَيِّزهَا ، وتقدَّم الكلامُ في « ليحزنك » ، وأنه قُرِئَ بفتح الياءِ وضَمِّهَا من « حَزَنَهُ » و « أحْزَنَهُ » في آل عمران .

و « الَّذي يَقُولُون » فاعِلٌ ، وعائدُهُ محذوفٌ ، أي : الذي يَقُولونَهُ من نِسْبَتِهمْ له إلى ما لا يَليقُ به ، والضَّميرُ في « إنه » ضمير الشَّأن والحديث والجُمْلَةُ بعدهُ خَبَرُهُ مُفَسِّرةٌ له ، ولا يجوزُ في هذا المُضَارع أن يقدر باسم فاعلٍ لفاعلٍ كما يُقَدَّر في قولك : « إن زيداً يقوم أبوه » لئلاَّ يلزمُ تفسيرُ ضمير الشأن بمفردٍ .
وقد تقدَّمَ أنه مَمْنوعٌ عند البصرييّنَ .
فصل في سبب نزول الآية
قال السُّدِّيِّ : التقى الأخْنَسُ بن شريق ، وأبو جَهَل بن هشامٍ ، فسأله الأخنس أبَا جَهْلِ فقال : يا أبا الحكم ، أخبرني عن مُحَمَّدٍ أصادق هو أم كاذب ، فإنه ليس ها هنا أحَدٌ يسمعُ كلامك غيري؟ .
فقال أبو جَهْلِ : والله إن محمَّداً لَصَادِقٌ ، وما كذَب قَطّ ، ولكن إذا ذَهّبَتْ بَنُو قُصَيَّ باللّوَاء والسٍّقاية والحِجَابَةِ والندْوةِ ، والنُّبُوَّة ، فماذا يكون لِسَائِرِ قريشٍ ، فأنزر اللَّهُ هذه الآية .
وقال ناحيةُ بن كَعْبَ : قال أبو جَهْلِ للنبي صلى الله عليه وسلم : ما نَتَّهِمُكَ ولا نُكذِّبُكَ ، ولكنَّا نُكَذِّبُ الذي جئت به ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .
وقيل : إنَّ الحارث بن عامر من قريشٍ قال : يا مُحَمَّدُ ، والله إن اتَّبَعْنَالكَ نُتَخَطَّفُ من أرْضِنَا ، فنحنُ لا نُؤمِنُ بك لهذا السَّببِ . واعلم أن فِرَقِ الكفار كانوا كثيرين ، فمنهم من ينكر نُبُوَّتَهُ؛ لأنه ينكر أن يكون الرسولُ من البَشَرِ ، وقد تقدَّمَ شُبْهَتُهُمْ ، وأجابَ اللَّهُ عنها .
ومنهم من ينكر البَعْثَ ، ويقول : إن محمَّداً يخبر بالحَشْرِ والنَّشْرِ بعد الموت ، وذلك مُحَالٌ ، فيطعن في رسالة محمَّدٍ من هذا الوَجْهِ ، وقد ذكر الله شبههُمْ في هذه السُّورَةِ ، وأجاب عَنْهَا .
ومنهم من كان يُشَافِهُهُ بالسَّفَاهَةِ وهُوَ المذكورُ في هذه الآية .
واختلفوا في ذلك المُخْزِنِ .
فقيل : كانوا يَقُولوُنَ : ساحرٌ ، وشاعرٌ ، كاهن ، ومجنون وهو قول الحسن .
وقيل : كانوا يُصَرِّحُونَ بأنهم لا يؤمنون به .
وقيل : كانوا ينسبونه إلى الكذبِ .
قوله : « فإنهم لا يكذبُونَكَ » .
قرأ نافع ، والكسائي « لا يكذبونك » مُخَفَّفاً من « أكْذّب » .
والباقون مثقَّلاً من « كذَّبَ » وهي قراءة عَلِيَّ ، وابن عبَّاسٍ .
واختلق الناسُ في ذلك ، فقيل : هُمَا بمعنَى واحدٍ ، مثل : أكثر وكَثَّرَ وأنْزَلَ ونزَّلَ ، وقيل : بينهما فَرْقٌ .
قال الكسائي : العَرَبُ تقول : كَذّبت الرجل بالتَّشْديدي إذا نُسِبَ الكذب إليه ، وأكذبته إذا نِسَبْتَ الكذب إلى ما جَاءَ دُونَ أن تَنْسِبَهُ إليه ، ويقولون أيضاً : أكذبت الرَّجُلَ إذا وجدته كَاذِباً ، ك « أحْمَدْتُهُ » إذا وجدته محمُوداً ، فَمَعْنِى لا يُكذبونك مُخَفَّفاً : لا يَنْسِبُون الكَذِبَ إلَيْكَ ولا يجدونك كاذباً وهو واضحٌ .
وأمَّا التَّشديد فيكون خبراً مَحْضاً عن عدم تكذيبهم ضَرْورَةً .
فالجوابُ من وُجُوه :
الأول : أنَّ وإن كان مَنْسُوباً إلى جميعهم أعْنِي عدم التكذيب ، فهو إنما يُرَادُ بعضهم مجازاً ، كقولك : { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ } [ الشعراء : 105 ] { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ } [ الشعراء : 160 ] وإن كان فيهم من لم يكذبه ، فهو عامُّ يرادُ به الخَاصُّ .

والثاني : أنه نفي للتكذيب لانْتَِفَاءِ ما يَتَرَتَّبُ عليه من المَضَارِّ ، فكأنه قيل : فإنهم لا يكذبونك تكذيباً يُبَالَى به ويضرك؛ لأنك لِسْتَ بكاذبٍ ، فتكذيبُهُمْ كلا تَكْذِيبٍ ، فهو من نَفْيِ السَّبَبِ لانتفاء مسببه .
وقال الزمخشري : والمعنى أن تكذيبك أمْرٌ راجع إلى اللَّه تعالى؛ لأنك رسُولُهُ المصدَّق ، فهم لا يكذبونك في الحقيقةِ ، إنَّما يكذِّبون اللَّهَ بجحود آياته ، فانْتَهِ عن حُزْنِكَ ، كقول السَّيَّدِ لُغلامِهِ وقد أهَانَهُ بعض الناسِ لم يُهينوك وإنما أهَلانُونِي ، فهو نظير قوله : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح : 10 ] .
الثالث : أن القوم ما كانوا يُكذِّبُون به في السِّرِّ كما تقدَّمَ في سبب النزول ، فيكون تقدير الآية : فإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بقلوبهم ، بل بظاهر قولهم .
ونظيره : قوله تعالى : { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ } [ النمل : 14 ] في قصة موسى عليه الصلاة وا لسلام .
الرابع : أنهم لا يقولون : أنْتَ كَذَّابٌ؛ لأنهم جَرَّبُوكَ الدَّهْرَ الطويل وما وَجدُوا منك كذباً ألْبَتَّهَ ، وسَمَوْك بالأمين ، وإنما جَحَدُوا صِحِّةَ نُبُوَّتك؛ لأنهم اعْتَقَدُوا أنَّ محمَّداً عرض له نوع خَبَلٍ ونُقْصَانٍ ، فلأجله تَخَيَّلَ في نفسه كونه رَسُولاً من عند الله وبهذا التقدير لا ينسبونه إلأى الكذبِ ، بل هو أمينٌ في كُلِّ الأمورِ إلاَّ في هذا الوجهِ الواحد .
الخامس : قال ابن الخطيب : المرادُ أنَّهُمْ لا يخصُّونك بالتكذييب ، بل ينكرُون دلالةَ المعجزة الظَّاهرة على الصدق مطلقاً لقوله : « ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون » .
والمُرَادُ أنهم يقولون في كُلِّ معجزةِ : إنها سِحْرٌ ، فالتقدير : أنهم لا يكذٍّبونك على التِّعيين ، بل القَوْمُ يُكذِّبون جَمِيعَ الأنبياء والرُّسُلِ .
قوله : « بآيات اللَّهِ » يجوز في هذا الجَارِّ وجهان :
أحدهما : أنه مُتَعَلِّقٌ ب « يجحدونَ » وهو الظِّاهر ، وجوَّز أبُو البقاء أن يتعلق ب « الظَّالمين » قال : كقوله تعالى : { وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا } [ الإسراء : 59 ] وهذا الذي قال لي يجيِّدٍ لأن « الباء » هناك سَبَبِيَّةٌ ، أي : ظلموا بسببها ، و « الباء » هنا معناها التعدية ، وهنا شيء يتعلَّق به تعلُّقاً واضحاً ، فلا ضَرُورَةَ تَدْعُوا إلى الخروج عَنْهُ ، وفي هذه الآية إقامةُ الظاهر مُقَامَ المضمر ، إذا الأصل : « ولكنهم يَجْدُونَ بآياتِ الله » ، ولكنَّهُ نَبَّهَ على أن الظلم هو الحامل لهم على الجُحُودِ .
والجحود والجَحْدُ نفي ما في القَلْبِ ثَبَاُهُ ، وأو إثْبَاتُ ما في القلبِ نَفْيُهُ .
وقيل : الجَحْدُ إنْكَارُ المعرفةِ ، فليس مُرَادفاً للنفي من كُلِّ وجهٍ .

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)

لما أزال الحُزْنَ عن قَلْبِ رسوله - عليه الصلاة والسلام- في الآية الأولى بأن بَيَّنَ أن تكذيبهم يَجْريِ مجرى تكذيب الله - تعالى ذكر في هذه الآية طريقاً آخر في إزالةِ الحُزْنِ عن قلبه وذلك بأنْ بَيَّنَ أن سائر الأمم عاملوا أنبياءهم بمثلِ هذه المعاملة ، وأن أولئك صَبَرُوا على تكذيبهم وإيذائهم حتى آتاهم الله النَّصْرَ والفَتْحَ والظَّفر ، فوجب أن يقتدي بهم في هذه الطريقة .
قوله : « من قبلك » متعلّق ب « كَذَّبت » .
ومنع أبو البقاء يكون صفة ل « رسل » ؛ لأنه زَمَانٌ ، والزَّمَانُ لا تُوصَفُ به الجُثَثُ ، وقد تقدَّم البَحْثُ في ذلك في « البقرة » ، وهنا عند قوله : { وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً } [ الأنعام : 6 ] .
قوله : « وأوذُوا » يجوز فيه أربعة أوجه :
أظهرها : أنه عَطْفٌ على قوله : « كُذِّبَتْ » أي : كُذِّبت الرُّسُولُ ، فصربروا على ذلك .
والثاني : أنه مَعْطُوفٌ على « صَبَرُوا » أي : فَصَبَرُوا وأوذوا .
والثالث ، وهو بَعِيدٌ : أن يكون مَعْطُوفاً على « كُذِّبوا » ، فيكون دَاخِلاً في صلة الحرف المَصْدَرِيّ ، والتَّقْدِير فيه : فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم .
والرابع : أن يكون مُسْتَأنفاً .
قال أبو البقاء : « ويجوز أن كون الوَقْفُ ثَمَّ على قوله : » كُذِّبوا « ، ثم استأنف فقال : وأوذُوا » .
وقرأ الجُمْهُور : « وأوذُوا » بواو بعد الهمزة؛ [ من « آذى » « يؤذي » رباعياً .
وقرأ ابن عامر في رواية شاذّةِ : « وأذُوا » من غير واو بعد الهمزة ] وهو من « أذَيْتُ » الرجل ثلاثياً لا من « آذيت » رباعياً .
قوله : { حتى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا } الظَّاهر أن هذه الغايةَ متعلقةٌ بقوله : « فصبروا » ، أي : كان غَايَةُ صَبْرِهمْ نَصْرَ الله إياهم ، وإن جَعَلْنَا « وأوذُوا » عَطْفاً عليه غَايَةٌ لهما؛ وهو أوضح وإن جعلناه مُسْتَأنَفاً كانت غَايَةً له فقط ، وإن جعلناه معطوفاً على « كَذَّبت » فتكون الغايةُ للثلاثة ، و « النصر » مُضَافاً لفاعله ومفعوله مَحْذُوفٌ ، أي : نَصْرُنَا أتَاهم ، وفيه التِفَاتٌ من ضمير الغَيْبَةِ إلى ضمير المتكلِّم ، إذ قَبْله « بآيات الله » ، فلو جاء على ذلك لقيل « نصره » .
وفائدة الالتِفَاتِ إسْنَادُ النصر إلى ضمير المتكلّم المشعر بالعظمة .
قوله : « ولا مُبَدِّل لِكلمَاتِ اللَّهِ » يعني أن وَعْدَ الله إيَّاك بالنصر حَقٌ وصدقٌ لا يمكن تَطَرُّقٌ الخُلْفِ والتبديل إليه ، كقوله تعالى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون } [ الصافات : 171 ، 172 ] وقوله : { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنّ } [ المجادبة : 21 ] وهذه الآية تَدُلُّ على قول أهل السُّنَةِ في خَلْقِ الأفعال؛ لأن كل كا أخبر الله عن وُقُوعِهِ ، فذلك الخبرُ مُمْتَنِعُ التغيير ، وإذا امتنع تَطَرُّقُ التغيير إلى ذلك الخبر امتنع [ تطرق التغيير إلى المخبر عنه ] فإذا أخبر الله عن بعضهم بأنه يَمُوتُ على الكُفْرِ كان ترك الكفر منه مُحَالاً ، فكان تَكْلِيفُهُ بالإيمان تَكْلِيفاً بما لا يُطَاقُ ، واللَّهُ أعلمُ .

قوله : { وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين } أي : خبرهم في القرآن كيف أنجيناهم ودمَّرنا قومهم .
وفي فاعل « جاء » وجهان :
أحدهما : هو مُضْمرٌ ، واختلفوا فيما يَعُودُ عليه هذا الضمير ، فقال ابن عطية الصَّوابُ عندي أن يقدر « جلاء » أو بيان « .
وقال الرُّمَّاني : تقديره : » نبأ « .
وقال أبو حيَّان : » الذي يظهر لي أنَّهُ يعود على ما دلَّ عليه المعنى من الجملة السَّابقة ، أي : ولقد جاءك هذا الخَبَرُ من تكذيب أتْبَاع الرُّسُلِ للرُّسُلِ ، والصَّبْر والإيذاء إلى أن نُصِرُوا « .
وعلى هذه الأقوال يكون » من نبأ المرسلين « في مَحَلِّ نصب على الحال وعاملها هو » جاء « ؛ لأنه عامل في صاحبها .
والثاني : أنَّ » من نبأ « هو الفاعل . ذكر الفارسي ، وهذا إنما يَتَمشَّى له على أري الأخفش؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئاً ، وهذا - كما رأيت - كلامٌ مُوجبٌ ، والمجرور ب » مِنْ « معرفةٌ .
وضُعفَ أيضاً من جهة المعنى بأنه لم يَجئه كُلُّ نبأ للمرسلين؛ لقوله : { مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } [ غافر : 78 ] ، وزيادة » مِنْ « تؤدِّي إلى أنه جاءه جميع الأنبياء؛ لأنه اسم جنس مُضَاف ، والأمْرُ بخلافه . ولم يتعرّض الزمخشري للفاعل إلاَّ أنه قال : » ولقد جاءك من نبأ المرسلين بعضُ أنبائهم وقصصهمْ « وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ إذ » مِنْ « لا تكون فاعله ، ولا يجوز أن يكون » من نبأ « صِفَةً لمخذوف هو الفاعل ، أي : ولقد جاءكَ نبأ من نبأ المرسلين؛ لأن الفاعل لا يُحْذّفُ بحالٍ إلاَّ في مواضعَ ذُكِرَت ، كذا قالوا .
قال أبو البقاء : » ولا يجوز عند الجميع أن تكون « من » صفة لمحذوف ، لأن الفاعل لا يُحْذَفُ ، وحرف الجر إذا لم يكون زائداً لم يصحَّ أن يكون فاعلاً؛ لأن حرف الجر يُعَدّي كل فعل يعمل في الفاعل من غير تعدِّ « .
يعني بقوله : » لم يصح أن يكون فاعلاً « لم يصح أن يكون المجرور بذلك الحرف ، وإلاَّ فالحرفُ لا يكونُ فاعلاً ألْبَتَّةَ .

وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)

قوله : { وَإِن كَانَ كَبُرَ } : هذا شَرْطٌ ، جوابه « الفاء » الجاخلة على الشرط الثَّاني ، وجواب الثَّاني محذوف ، تقديره : فن استطعت أن تبتغي فافعل ، ثم جُعِلَ الشَّرْطُ الثاني وجوابه جَواباَ للشَّرْط الأوَّل ، وقد تقدَّم مِثْلُ ذلك في قوله : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ } [ البقرة : 38 ] إلاَّ أن جوابَ الثاني هناك مُظْهَرٌ .
و « كان » في اسمها وجهان :
أحدهما : أنه « إعراضهم » ، و « كَبُرَ » جملةٌ فعلية في محل نصب خبراً مقدَّماً على الاسم ، وهي مسألة خلاف : هل يجوزُ تقديمُ خبر « كان » على اسمها إذا كان فِعْلاً رافعاً لضمير مستتر أم لا؟
وأمَّا إذا كان خبراً للمبتدأ ، فلا يجوز ألْبَتَّةَ لئلاَّ يَلْتَبِسَ بباب الفاعل ، والَّبْسُ هنا مَأمُونٌ .
ووَجْهُ المنع اسْتصْحَابُ الأصل ، و « كَبُرَ » إذا قيل : إنه خبر « كان » ، فهل يحتاج إلى إضمار « قَدْ » أم لا؟
والظاهر أنه لا يَحْتَاجُ؛ لأنه كَثُرَ وُقُوعُ الماضي خبراً لها من غير « قد » نَظْماً ونَثْراً ، وبعضهم يخص ذلك ب « كان » ويمنعه في غيرها من أخوتها إلا ب « قد » ظَاهِرَةً أو مُضْمَرَةً ، ومن مجيء ذلك في خبر أخواتها قَوْلُ النابغة : [ البسيط ]
2125- أمْسَتْ خَلاءً وأمْسَى أهْلُهَا احْتَمَلُوا ... أخْنَى عَلَيْهَا الَّذِي أخْنَى عَلَى لُبَدِ
والثاني : أن يكون اسمها ضمير الأمر والشأن ، والجملة الفعلية مُفَسِّرٌ له في مَحَلِّ نصب على الخبر ، فإعراضُهُمْ مرفوعٌ ب « كَبُر » ، وفي الوجه الأول ب « كان » ، ولا ضمير في « كَبُرَ » على الثاني ، وفيه ضميرعلى الأول ، ومثل ذلك في جواز هذين الوجهين قوله تعالى : { وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } [ الأعراف : 137 ] { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا } [ الجن : 4 ] ، ف « فرعون » يحتمل أن يكون اسْماً ، وأن يكون فاعلاً ، وكذلك « سَفِيهُنَا » ، ومثله أيضاً قولُ امرئ القيس : [ الطويل ]
2153- وإنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ
ف « خليقة » يحتمل الأمرين ، وإظهار « قد » هنا يُرَجِّحُ قول من يشترطها ، وهل يجوز في مثل هذا التركيب التَّنَازعُ ، وذلك أن كُلاًّ من « كان » وما بعدهام من الأفعال المذكورة في هذه الأمثلة يطلب المَرْفُوعَ من جهة المعنى ، وشروط الإعمال موجودة .
قال شهاب الدين : وكنت قديماً سألت الشيخ - يعني أبا حيَّان - عن ذلك ، فأجاب بالمَنْعِ مُحْتَجّاً بأن شَرْطَ الإعمال ألاَّ يكون أحَدُ المُتنازِعَينِ مُفْتَقِراً إلى الآخر ، وألاَّ يكون من تمام معناه و « كان » مُفْتَقِرةٌ إلى خبرها ، وهو من تمام معناها ، وهذا الذي ذكره من المَنْعِ ، وترجيحه ظَاهِرٌ ، إلاَّ أن النحويين لم يذكروه في شروطِ الإعمال .

وقوله : « وإن كان كَبُرَ » مُؤوَّلٌ بالاسْتِقْبَالِ ، وهو التَّبَيُّنُ والظهور فهو كقوله : { إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ } [ يوسف : 26 ] أي : إن تَبَيَّنَ وَظَهَر ، وإلاَّ فهذه الأفعالُ قَدْ وَقَعَتْ وانقضت فكيف تَقَعُ شرطاً؟
وقد تقدَّم أنَّ المُبَرِّدَ يُبْقي « كان » خَاصَّةً على مُضِيِّهَا في المعنى مع أدوات الشِّرْطِ ، وليس بشيء .
وأمَّا : « فإن استطعت » فهو مستقبل معنى؛ لأنه لم يَقَعْ ، بخلاف كونه « كَبُرَ عليه إعراضهم » ، وقدِّ القَمِيص ، و « أن تبتغي » مفعول الاسْتِطَاعَةِ .
و « نفقاً » مفعول الابْتِغَاءِ .
والنَّقَقُ : السَّرَبُ النَّافِدُ في الأرض ، وأصله من جحرة اليَرْبُوع ، ومنه : النَّافِقَاءُ ، والقَاصِعَاءُ ، وذلك أن اليربوع يَحْفُرُ في الأرض سَرَباً ويجعل له بَابَيْنِ ، وقيل : ثلاثة : النَّافِقَاءُ ، والقَاصِعَاءُ والدَّبِقَاءُ ، ثم يَرِقُّ بالحفر ما تقارب وجه الأرض ، فإذا نَابَهُ أمْرٌ دفع تلك القِشْرَةٌ الرقيقة وخرج ، وقد تقدَّم اسْتِيفَاءُ هذه المادَّةِ عند قوله : { يُنْفِقُونَ } [ البقرة : 3 ] ، و { المنافقين } [ النساء : 61 ] .
وقوله « في الأرض » ظاهرة أنه متعلقٌ بالفعل قَبْلَهُ ، ويجوز أن يكون صِفَةً ل « نَفَقاً » فيتعلق بمحذوفٍ وهُوَ صِفَةٌ لمجرَّد التوكيد ، إذ النَّفَق لا يكون إلاَّ في الأرض .
وجوَّز أبو البقاء مع هذين الوجهين أن يكون حالاً من فاعل « تبتغي » ، أي : وأنت في الأرض . قال وكذلك في السماء . ويعني من جواز الأوجه الثلاثة ، وهذا الوَجْهُ الثالث ينبغي ألاَّ يجوز لِخُلُوِّهِ عن الفائدة .
والسُّلَّمُ : قيل المِصْعَدُ ، وقيل : الدَّرَجُ ، وقيل : السَّبَبُ تقول العرب : أتَّخِدْني سُلَّماً لحاجتك ، أي : سبباً .
قال كعب بن زهير : [ الطويل ]
2154- وَلاَ لَكُمَا مَنْجًى مِن الأرْضِ فَابْغِيَا ... بِهَا نَفَقاً أوْ السَّمواتِ سُلَّما
وهو مُشْتَقٌ من السَّلامة ، قالوا : لأنه يسلم به إلى المصعد والسُّلَّم مُذَكَّرٍ ، وحكى الفرَّاء تأنيثه .
قال بعضهم : ليس ذلك بالوَضْعِ ، بل لأنه بمعنى المَرْقَاة ، كما أنَّث بعضهم الصوت في قوله : [ البسيط ]
2155- . . ... سَائِلْ بَنِي أسَدٍ مَا هَذِهِ الصًّوْتُ
لمَّا كان في معنى الصَّرْخة .
فصل في نزول الآية
روى ابن عباس أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مَنَافٍ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مَحْضَرٍ من قريش ، فقالوا : يا محمد أئْتَنَا بآية من عند الله ، كما كانت الآنبياء تفعل فإنا نصدق بك ، فأبى أن يأتيهم بآية من عند الله ، كما كانت الأنبياء تفعل فإنا نصدق بك ، فأبى الله أن يأتيهم بآية ، فأعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فَشَقَّ ذلك عليه ، فنزلت هذه الآ ية .
والمعنى : وإن عَظُمَ عليك إعْرَاضُهُمْ عن الإيمان وشَقَّ ذلك عليك . وكان - عليه الصَّلاة والسَّلام - يَحْرصُ على إيمان قومه أشَدَّ الحرص وكانوا إذا سألوا ىيَةً أحَبَّ أن يريهم اللَّهُ ذلك طَمَعاً في إيمانهم ، فقال الله عزَّ وجلَّ : « فإن استطعت أن تبتغي » أي : تطلب وتتَّخِذَ نَفَقاً - سَرَباً - في الأرض فتذهب فيه ، أو سُلَّماً دَرَجاً ومِصْعَداً في السماء فَتَصْعَدَ فيه فتأتيهم بآية فافعل ، ولو شاء الله لَجَمَعَهُمْ على الهُدَى فآمنوا كلهم ، وهذا يَدُلُّ على أنه - تعالى - لا يريد الإيمان من الكافر ، بل يريد إبقاءه على الكُفْرِ ، وتقريره : أن قُدْرَةَ الكافر على الكُفْرِ إمَّا أن تكون صَالِحَةً للإيمان ، أو غير صاحلة له ، فإن لم تكن صَالِحَةً له ، فإن لم تكن صَالِحَةً له فالقُدْرةُ على الكُفْرِ مُسْتَلْزِمةٌ للكفر وغير صالحة للإيمان ، وخالق هذه القُدْرَةِ يكون قد أرادَ الكُفْرِ منه لا مَحَالَة ، وأما إن كانت هذه القُدْرةُ كما أنها صاحلةٌ للكُفْرِ ، فهي أيضاً صالحة للإيمان ، فيكون نسبة القُدْرة إلى الطَّرفين مستويةً ، فيمتنع رُجْحَانُ أحد الطَّرَفَيْنِ على الآخر إلاّ لِدَاعِيةٍ مرجّحة ، وحصول تلك الدَّاعية ليس من العبد ، وإلاّ لزم التَّسَلْسُلُ ، فثبت أن خالق تلك الدَّاعيةِ هو الله تعالى ، وثبت أن مَجْمُوعَ القدرة مع الداية الخالصة ويجب الفِعْلَ ، فثبت أن خالقَ مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية المستلزمة لذلك الكفر مريد لذلك الكفر وغير مُريدٍ لذلك الإيمان .

قوله : { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين }
نهي له عن هذه الحالة وهو قوله : { وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى } فإنَّ من يكفر لسابق علم الله فيه ، وهذا النَّهْيُ لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة كقوله : { وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين } [ الأحزاب : 1 ] لا يَدُلُّ على أنه - عليه الصلاة والسلام - أطاعهم وقَبِلَ دِينَهُمْ ، والمقصود أنه لا ينبغي أن يشتد تَحَسُّرُكَ على تكذيبتهم ، ولا تَجْزَع من إعراضهم عنك ، إنَّك لو فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل ، والمقصُودُ تبعيده عن مثل هذه الحالة .

إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)

أعلم أنَّه بَيَّنَ السَّبَبَ في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان ، ولا يتركون الكفر فقال : « إنما يستجيب الذين يسمعون » ، يعني : أن الذين تحرص على أن يُصَدِّقُوكَ بمنزلة المَوْتَى الذين لا يسمعون ، وإنّما يستجيب من يَسْمَعُ كقوله : { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى } [ النمل : 80 ] .
وقال عَلِيُّ بن عيسى : الفَرْقُ بين « يستجيب » و « يجيب » أن « يستجيب » فيه قَبُولٌ لما دُعِيَ إليه ، وليس كذلك « يجيب » ؛ لأنه قد يجيب بالمخالفة كقول القائل : أتُوَافِقُ في هذا المذهب أم تخالف؟ فيقول المجيب : أخالف .
قوله : { والموتى يَبْعَثُهُمُ الله } فيه ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنها جملة من مبتدأ وخبر سِيقَتْ للإخبار بقُدْرتِهِ ، وأنَّ من قدرَ على بَغْثِ الموتى يقدر على إحياء قلوب الكَفَرةِ بالإيمان ، فلا تَتَأسَّفْ على من كفر .
والثاني : أن المَوْتى مَنْصُوبٌ بفعلٍ مُضْمَر يُفَسِّرُهُ الظَّاهر بعده ، ورجح هذا الوحه على الرَّفع بالابتداء لطعف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها ، فهو نظير : { والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } [ الإنسان : 31 ] بعد قوله : { يُدْخِلُ } [ الإنسان : 31 ] .
والثالث : أنَّهُ مرفوع على الموصول قبله ، والمراد ب « الموتى » الكفَّار أي : إما يستجيب المؤمنون السَّامِعُون من أوَّل وَهْلَةٍ ، والكافرون الذين يجيبهم الله - تعالى - بالإيمان ويوفقهم له ، فالكافرون يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ، وحينئذٍ يسمعون ، وأمّا قبل ذلك فلا يسمعون ألْبَتَّةَ ، وعلى هذا فتكون الجملة من قوله : { يَبْعَثُهُمُ الله } في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال ، إلاّ أنْ هذا القول يبعده قوله تعالى : { ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } ، إلا أن يكون من ترشيح المجاز ، وقد تقدَّم له نظائرُ .
وقرئ « يَرْجِعُونَ » من « رجع » الاَّزم .
اعلم أن الجَسَدَ الخالي [ عن ] الرُّوح يظهر منه النَّتنُ والصَّديدُ ، وأصْلحُ أحْوَالِهِ أن يُدْفَنَ تحت التُّرَاب ، والرُّوحُ الخاليَةُ عن العَقْلِ يكون صاحبها مَجْنُوناً يستوجب القَيْدَ والحَبْسَ ، والعَقْلُ بالنسبة إلى الرُّوح كالرُّوحِ بالنسبة إلى الجَسَدِ ، والعَقْلُ بدُونِ معرفة الله وطَاعَتِهِ كالضَّائِعِ الباطل ، فِنِسْبَةُ التوحيد والمَعْرِفَةِ إلى العَقْلِ كنسبة العَقْلِ إلى الرُّوح ، ونسبة الروح إلى الجِسَدِ؛ فمعرفة الله وَمَحَبَّتُهُ هي رُوحُ الرُّوح ، فالنَّفْسُ الخالِيَةُ عن هذه المعرفة تكون كَصِفةِ الأموات ، فلهذا السَّبَب وُصِفَ الكُفَّارُ بأنهم مَوْتَى .

وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)

وهذا من شُبُهَاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ محمَّد صلى الله عليه وسلم لأنهم قالوا : لو كان رَسُولاً من عند الله فَهَلاَّ أنْزِلَ عليه آيَةٌ قَاهِرةٌ .
روي أنَّ بعض المُلْحِدَةِ طعن فقال : لو كان مُحَمَّدٌ قد أُوتِيَ بآية مُعْجِزَةِ لما صَحَّ أن يقول أولئك الكُفَّار : لولا نُزِّل عليه آيَةٌ ، ولما قال : « قُلْ إنَّ الله قادر على أن ينزل آية »
والجواب أن القرآن مُعْجِزَةٌ قاهرة وبَيِّنَةٌ باهرة؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام- تَحَدَّاهُمْ به فَعَجَزُوا عن مُعَارضَتِهِ ، فَدَّلَ على كونه مُعْجزاً .
فإن قيل : فإذا كان الأمر كذلك ، فكيف قالوا : « لولا أُنْزِلَ عليه آية من ربّه » .
فالجواب من وجوه :
الأول : لَعَلَّ القوم طَعَنُوا في كَوْنِ القرآن مُعْجِزَةً على سبيل اللِّجَاجِ والعِنَادِ ، وقالوا : إنه من جِنْسِ الكتب ، والكتاب لا يكون من جِنْسِ المُعْجِزَاتِ كالتَّوْرَاةِ والإنجيل والزَّبُورِ ، فلأحل هذه الشُّبْهَةِ طلبوا المُعْجِزَةَ .
الثاني : أنهم طلبوا مُعْجِزَاتٍ [ قاهرة ] من جِنْسِ مُعْجِزَاتِ سَائِرِ الأنبياء مثل « فلق البحر » و « إظْلال الجَبَل » و « إحْيَاء الموتى » .
الثالث : أنهم طلبوا مَزيد الآياتِ على سبيل التَّعَنُّتِ واللِّجَاجِ مثل إنْزَالِ الملائكة ، وإسْقاطِ المساء كِسَفاً .
الرابع : أن يكون المراد ما حَكَاهُ الله عن بعضهم في قوله : { وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ] .
ثم إنّه - تعالى - أجابهم بقوله : { قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ آيَة } ، أي : أنّه قادرٌ على إيجاد ما طَلَبْتُمُوهُ ، وتحصيل ما اقْتَرَحْتُمُوهُ ، ولكن أكثرهم لا يعلمون .
قوله : « من رَبِّه » فيها وجهان :
أحدهما : أنها متعلِّقة ب « نُزِّل » .
والثاني : أنها متعلِّقٌ بمحذوف؛ لأنها صِفَةٌ ل « آية » ، أي : آية [ كائنة ] من ربِّه .
وتقدَّم الكلامُ على « لَوْلاَ » وأنّها تَحْضِيضيَّةٌ .
فصل في المراد بالآية
معنى قوله تعالى : { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ، أي : ما عليهم في إنزالها ، واختلفوا في تفسيرها على وُجُوه :
أحدها : أن يكون المُرَادُ أنه - تعالى- لما أنزل آية باهرة ومعجزة قاهرة ، وهي القرآن كان طلب الزيادة جارٍ التحكُّم والتَّعَنُّتِ الباطل ، وهو أنه سبحانه له الحُكْمُ والأمر ، فإن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل؛ لأن فَاعليَّتَهُ لا تكون إلا بحسب محض المَشِيئةِ على قول أهل السُّنَّة ، أو على وفقِ المصْلَحَةِ على قوله المعتزلة ، وعلى التقديرين فإنها لا تكون على وفْقِ اقْتِرَاحاتِ الناس ومُطالبَاتِهِمْ ، فإن شاء أجابهم إليها ، وإن شاء لم يُجِبْهُمْ .
الثاني : أنه لمَّا طهرت المعجزة القاهرةُ ، والدلالة الكافية لم يَبْقَ لم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ ، فبعد ذلك لو أجَابَهُمُ الله - تعالى - إلى اقتراحهم فَلَعَلَّهُمْ يقترحون اقْتِرَاحاً ثانياًُ وثالثاً ورابعاً إلى ما لا نهاية له ، وذلك يفضي إلى ألاَّ يَسْتَقِرَّ الدليل ولا تَتِم الحجة ، فوجب سَدُّ هذا الباب في أوَّلِ الأمر والاكتفاء بما سَبَقَ من المعجزة القاهرة .

الثالث : أنّه - تعالى - لو أعطاهم ما طَلَبُوا من المُعْجِزَاتِ القاهرة فلو لم يؤمنوا عند ظُهُورهَا لا سْتَحَقُّوا عذاب الاسْتِئْصَالِ ، فاقتضت رَحْمَتُهُ صَوْنَهُمْ عن هذا البلاءِ ، فما أعطاهم هذا المطلوب رَحْمَةً منه - تعالى - لهم ، وإن كانوا لا يعلمون كَيْفِيَّةَ هذه الرحمة .
الرابع : أنَّه - تعالى علم منهم أن طَلَبَهُمْ هذه المعجزات لآجْل العنادِ لا لطلب فائدةٍ ، وعلم أنه - تعالى - لو أعْطَاهُمْ مَطْلُوبَهُمْ لم يؤمنوا ، فلهذا السبب ما أعطاهم؛ لأنه لا فائجة في ذلك .

وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)

قوله : { وَمَا مِن دَآبَّةٍ } : « من » زائدة لوجود الشرطين ، وهي مبتدأ ، و « إلاَّ أمم » خَبَرُهَا مع ما عطف عليها .
وقوله : « في الأرض » صفة ل « دابة » ، فيجوز لك أن تجعلها في مَحَلِّ جرِّ باعتبار اللفظ ، وأ ، تجعلها في محل رفع باعتبار الموضع .
قوله : « ولا طائر » الجمهور على جرِّه نَسَقاً على لفظ « دابةٍ » .
وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ برفعها نَسَقاً على موضعها .
وقرأ ابن عبَّاس « ولا طيرٍ » من غير ألف ، وقد تقدَّم الكلام فيه ، هل هو جَمْعٌ أو اسم جمع؟
وقوله : « يطير » في قراءة الجمهور يَحْتَمِلُ أن يكون في مَحَلِّ جرّ باعتبار لَفْظِهِ ، ويحتمل أن يكون في مَحَلِّ رفع باعتبار موضعه .
وأمّا على قراءة ابن أبي عَبْلَةَ ، ففي مَحَلِّ رفع ليس إلاّ .
وفي قوله : « وَلاَ طَائر » ذكر خاصّ بعد عامِّ؛ لأن الدَّابَّةَ تشتمل على كُلِّ ما دَبَّ من طائرٍ وغيره ، فهو كقوله : { وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ } [ البقرة : 98 ] وفيه نظرح إذ المُقَابَلَةُ هنا تنفي أن تكون الدَّابة تشمل الطائر .
قوله : « بِجِنَاحَيْهِ » فيه قولان :
أحدهما : أن « الباء » متعلّقة ب « يطير » ، وتكون « الباء » للاسْتِعَانَةِ .
والثاني : أن تتعلَّق بمحذوف على أنها حالٌ ، وهي حالٌ مؤكّدة كما يقال : « نظرت عيني » ، وفيها رفع مجازٍ يُتَوَهَّمُ؛ لأن الطَّيرانَ يُسْتَعَارُ في السرعة قال : [ البسيط ]
2156-قَوْمٌ إذَا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْةِ لَهُمْ ... طَارُوا إلَيْهِ زَرَافَاتٍ ووُحْدَانَا
ويطلق الطَّيْرُ على العمل ، قال تعالى : { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ } [ الإسراء : 13 ] .
وقوله : « إلاّ أمم » خَبَرُ المبتدأ ، وجُمِعَ وإن لم يتقدَّمهُ إلاَّ شيئان؛ لأن المراد بهما الجِنْسُ .
و « أمثالكم » صفة ل « أمم » ، يعني في الأرزاقِ والآجالِ ، والموت والحياة ، والحشر والنشر والاقتصاص لمظلومها من طالمها .
وقيل : في معرفة الله وعبادته .
وقال مُجاهد : أصْنَافٌ مصنّفةٌ تُعْرَفُ بأسمائها ، يريد أن كلّ جنسٍ من الحيوان أمَّةٌ : فالطير أمَّة ، والدَّواوبُّ والسِّبَاع أمة تعرف بأسمائها مثل بَنِي آدَمَ يُعْرَفُون بأسمائهم ، يقال : الإنس والناس ، قال عليه الصلاة والسلام : « لَوْلاَ أنَّ الكِلابَ أمَّةٌ من الأمَم لأمَرْتُ بِقَتْلِهَا فاقْتُلُوا مِنْهَا أسْوَدَ بهيمٍ » .
وقيل : أمثالكم يَفْقَهُ بعضهم عن بعض .
فصل في وجه النظم
وجه النظم أنه - تعالى - بَيَّنَ في الآية أنَّه لو كان إنْزَالُ سائر المعجزات مَصْلَحَةً لهم لفعلها إلاَّ أنه لمَّا لم يَكُنْ إظهارها مَصْلَحَةً للمكلَّفين لم يظهرها ، وهذا الجوابُ إنما يَتِمُّ إذا ثبت أنه تعالى يُرَاعي مصالحض المكلَّفين ، ويَتفضَّلُ عليهم بذلك ، فبيَّن ذلك وقرَّره بأن قال : « وما مِنْ دَابَّةٍ في الأرض ، ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم » في وصول فَضْلِ الله - تعالى وعنايتِهِ واصِلَةً إلى جميع الحيواناتِ ، فلو كان إظهار هذه المُعْجِزَاتِ مَصْلَحةً للمكلفين لفعلها ولم يَبْخَلْ بها؛ لأنه لم يَبْخَلْ على شيءٍ من الحيوانات بمَصَالِحهَا ومَنَافعِهَا؛ يَدُلُّ ذلك على أنَّه - تعالى - لم يظهر تلك المعجزات؛ لأن إظهار يُخِلُّ بمصالح المكلّفين .

وقال القاضي : إنّه - تعالى - لمّا قَدَّمَ ذكر الكُفَّار وبيَّن أنهم يرجعون إلى الله ، ويحشرون - بيَّن أيضاً بعدهُ - بقوله : « وما من دابَّة في الأرض ، ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم » - في أنهم يحشرون ، والمقصود بيان أن الحَشْرَ والبَعْثَ كما هو حَاصِلٌ في حقكم ، كذلك هو حاصل في حق البَهَائِمِ .
فصل في أسئلة على الآية والإجابة عنها
حصر الحيوان في هاتين الصفتين ، وهما : إمَّا أن يَدبّ ، وإمّا أن يطير .
وفي الآيات سُؤالاتٌ :
الأول : من الحيوانات ما لا يَدْخُلُ في هذيْنِ القِسْمَيْنِ مثل حيتانِ البَحْرِ ، وسائر ما يَسْبَحُ في الماءِ ، ويعيش فيه .
والجواب لا بعد أنْ يُوضَفَ بأنها دَابَّةٌ ، من حيث إنها تَدبُّ في الماء؛ لأن سَبْحَهَا في الماء كَسَبْحِ الطير في الهواءِ ، إلا أن وَصْفَهَا بالدَّبِّ أقرب إلى اللُّغَةِ من وصفها بالطيران .
السؤال الثاني : ما الفَائِدَةُ في تقييد الدَّابَّةِ بكونها في الأرض؟
والجواب من وجهين :
أحدهما : أنَّه خَصَّ ما في الأرض بالذِّكْرِ دون ما في السماء احْتِجَاجاً بالأظْهَرِ؛ لأن ما في السماء وإن كان مَخْلُوقاً مثلنا فغير ظَاهِرٍ .
والثاني : أن المقصود من ذِكْرِ هذا الكلام أن عناية الله لمَّا كانت حَاصِلَةً في هذه الحيوانات ، فلو كان إظهارُ المعجزات القاهِرَةِ مَصْلَحَةً لما منع الله من إظهارها ، وهذا المقْصُودُ إنما يَتِمُّ بذِكُرِ من كان أدْوَنَ مرتبة من الإنسان ، لا بِذِكْرِ من كان أعْلَى حالاً منه ، فلهذا المعنى قَيَّد الدَّابَّة بكونها في الأرض .
السؤال الثالث : ما الفائدة ف قوله : « يطير بجَنَاحَيْهِ » مع أن كل طائر فإنما يطير بجناحيه؟
والجواب : ما تقدَّم من ذِكْرِ التوكيد أو رفع تَوَهُّمِ المجازِ .
وقيل : إنه - تعالى [ قال ] في صفة الملائكة { رُسُلاً أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَآءُ } [ فاطر : 1 ] ، فذكر [ هاهنا ] قوله : « بِجَنَاحَيْهِ » ليخرج عنه الملائكة ، لِمَا بينَّا أن المقصود من هذا لاكلامِ إنما يَتمُّ بذكر من كان أدْوَنَ حالاً من الإنسان لا بِذِكًرِ من كان أعْلَى منه .
السؤال الرابع : كيف قال : « إلاَّ أممٌ » مع إفراد الدَّابَّةِ والطائر؟
والجواب : ما تقدَّم من إرادةِ الجِنْسِ .
قوله : { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْء } : في المراد ب « الكتاب » قولان :
الأول : المُرَاد به اللَّوْحُ المَحْفُوظُ ، قال عليه الصلاة والسلام : « جَفَّ القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ »

وعلى هذا فالعموم ظاهرٌ ، لأن الله - تعالى - أثْبَتَ ما كان وما يكون فيه .
والثاني : المراد به القرآن؛ لأنَّ الألف واللام إذا دخلا على الاسم المُفْرَدِ انْصَرَفَ إلى المفهوم السَّابق ، وهو في هذه الآية القرآن .
وعلى هذا فهل العُمُومُ بَاقٍ؟ منهم من قال : نعم إن جميع الأشياء مُثْبَتَةٌ في القرآن إمَّا بالصريح ، وإمَّا بالإيمَاءِ .
فإن قيل : كيف قال الله تعالى : « ما فرّطنا في الكتاب من شيء » مع أنه ليس فيه تَفَاصيل علم الطب وعلم الحِسَاب ، ولا تَفَاصِيلُ كثيرٍ من المباحثِ والعلوم ، ولا تفاصيل مذاهبِ النَّاسِ ، ودلائلهم في علم الأصولِ والفروع؟
والجواب أن قوله « ما فرطنا في الكتاب من شيء » يجب أن يكون مَخْصُوصاً ببيانِ الأشياءِ التي يجب مَعْرَفَتُهَا والإحَاطَةُ بها ، واعلم أن علم الأصُول مَوْجُودٌ بتمامه في القرآن على أبْلَغِ الوجوه ، وأما تفاصِلُ الأقاويل والمذاهب ، فلا حاجة إليها .
وأمّا تفاصيل الفروع فالعُلَمَاءُ قالوا : إن القرآن دَلَّ على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حُجَّةٌ في الشريعة ، وإذا كان كذلك فَكُلُّ ما دَلَّ عليه أحد هذه الأصول الثلاثة كان ذلك في الحقيقة موجوداً في القرآن قال تعالى : { وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا } [ الحشر : 7 ] .
وقال عليه الصلاة والسلام : « عِلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشدينَ مِنْ بَعْدِي » .
وروي أن ابن مِسْعُودٍ كان يقول : « مَا لِي لاَ ألْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ » يعني : الوَاشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ ، والوَاصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ ، وري أنَّ امرأة قرأت جميع القرآن ثم أتَتْهُ فقالت : يا ابن أمّ عَبْدٍ ، تَلَوْتُ البارحة ما بين الدَّفَّتيْنِ ، فلم أحد فيه لَعْنَ الواشمة ، والمستوشمة ، فقال : لو تَلَوْتيه لوجدْتيهِ ، قال تعالى : { وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا } [ الحشر : 7 ] ، وإن مما أتانا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال : « لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ » .
وقال ابن الخطيب : يمكن وجدانُ هذا المعنى في كتاب الله في قوله تعالى في سورة « النساء » حين عَدَّدَ قبائح الشيطان قال : { وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله } [ النساء : 119 ] فَظَاهِرُ هذه الآية يقتضي أن تغيير الخَلْقِ يوجب اللَّعْنَ .
وذكر الواحدي أن الشَّافعي جلس ف يالمسجد الحرام فقال : لا تسألوني عن شَيْءٍ إلاّ أجبتكم فيه من كتاب الله ، فقال رجل : ما تقول في المُحْرِمِ إذا قتل الزَّنْبُورَ؟ ، فقال : لا شَيْءَ عليه ، فقال : أين هذا في كتاب الله؟ ، فقال : قال الله تعالى : { وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ } [ الحشر : 7 ] ، ثم ذكر سَنَداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشدينَ مِنْ بَعْدِي » ثم ذكر إسْنَاداً إلى عُمَرَ أنه قال : « لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الزَّنْبُورِ » .
قال الواحديُّ : فأجابه من كتاب الله مُسْتنبطاً بثلاث درجات ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث العسيفِ :

« والَّذي نَفْسِي بِيدِهِ لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ » ثم قضى بالجَلْدِ والتَّغْرِيبِ على العسيفِ ، وبالرجم على المَرْأةِ إذا اعترافت .
قال الواحدي : وليس لِلْجَلْدِ والتَّغْريبِ ذكرٌ في نَصِّ الكتاب ، وهذا يَدُلُّ على أن ما جاءكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عَيْنُ كتاب الله . قال تعالى : { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [ النحل : 44 ] ، وعند هذا يَصِحُّ قوله تعالى : { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْء } والله أعلم .
وقال بعضهم : إن هذا عامُّ أُرِيدَ به الخُصوصُ ، والمعنى ما فرَّطنا في الكتاب من شيءٍ يحتاج إليه المُكَلَّفُونَ .
قوله : « من شيءٍ » فيه ثلاثةُ أوجه :
أحدهما : أن « مِنْ » زائدة في المفعول به ، والتقدير : ما فرَّطْنا شَيْئاً ، وتضمن « فرطنا » معنى تركنا وأغفَلْنَا ، والمعنى ما أغفلنا ، ولا تركنا شيئاً .
والثاني : أن « مِنْ » تَبْعيضيَّةٌ ، أي : ما تركنا ولا أغْفَلْنَا في الكتاب بعض شيء يحتاج إليه المُكَلِّفُ .
الثالث : أن « من شيء » في مَحَلِّ نصب على المصدرِ ، و « من » زائدة فيه أيضاً .
ولم يُجزْ أبو البقاء غيره ، فإنه قال : « من » زائدة ، و « شيء » هنا واقع موقع المصدرِ ، أي تفريطاً .
وعلى هذا التَّأويل لا يبقى في الآيو حُجَّةٌ لمن ظنَّ أن الكتاب يحتوي على ذِكْرِ كل شيء صَريحاً ، ونظير ذلك : { لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } [ آل عمران : 120 ] .
ولا يجوز أن يكون ب « في » ، فلا يتعدَّى بحرف آخر ، ولا يَصِحُّ أن يكون المعنى : ما تركنا في الكتاب من شيء؛ لأن المَعْنَى على خلافه ، فبان أن التأويل ما ذكرنا . انتهى .
قوله : « يحتوي على ذِكْرِ كل شيء صريحاً » لم يقل به أحدٌ؛ لأنه مُكَابرةٌ في الضروريات .
وقرأ الأعرج وعلقمة : « فَرَطْنَا » مُخَفَّفاً ، فقيل : هما بِمَعْنَى وعن النقاش : فَرَطنا : أخَّرْنا ، كما قالوا : « فرط الله عنك المرض » أي : أزاله .
قوله : { ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون } : قال ابن عبَّاسٍ ، والضحاك : حشرها موتها .
وقال أبو هريرة : يحشر الله الخَلْقَ كلهم يوم القيامةِ الإنس والجن والبهائم والدَّوَابَّ والطير وكُلَّ شيء ، فيأخذ للجمَّاءِ من القَرْنَاءِ ، ثم يقول كوني تُراباً ، فحينئذٍ يَتَمَنَّى الكافر ويقول : { ياليتني كُنتُ تُرَابا } [ النبأ : 40 ] ، ويتأكد هذا بقوله : { وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ } [ التكوير : 5 ] .

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)

قوله : { والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا } مبتدأ ، وما بعده الخبر .
ويجوز أن يكون « صمُّ » خبر مبتدأ محذوف ، والجملة خَبَرُ الأوَّل ، والتقدير : والذين كذَّبوا بعضهم صُمٌّ ، وبعضهم بُكْمٌ .
وقال أبو البقاء : « صُمٌّ وبُكْمٌ » الخبر مثل : « حُلْوٌ حَامِضٌ » ، والواو لا تمنع من ذلك « .
وهذا الذي قاله لا يجوز من وجهين :
أحدهما : أن ذلك إنما يكون إذا كان الخبرانِ في معنى خبر واحد ، لأنهما في معنى : » مُزّ « ، وهو » أعْسَرُ يَسَرٌ « بمعنى » أضْبَط « ، وأمَّا هذان الخبرانِ فكل منهما مستقلٌّ بالفائدة .
والثاني : أن » الواو « لا تجوز في مثل هذا غلا عند أبي عَلِيَّ الفارسي وهو وجه ضعيف .
والمراد بالآيات ، قيل : جميع الدَّلائل والحججِ .
وقيل : القرآن ومحمد عليه السلام .
قوله : » في الظلمات « فيه أوجهك
أحدهما : أن يكون خبراً ثانياً لقوله : » والذين كَذَّبُوا « ويكون ذلك عبارة عن العَمَى ويصير نظير الآية الأخرى : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } [ البقرة : 18 ] فَعَبَّر عن العَمَى بلازمه ، والمراد بذلك عَمَى البَصِيَرَةِ .
الثاني : أنه متعلِّق بمحذوف على أنه حالٌ من الضمير المُسْتَكِنّ في الخبر ، تقديره : ضالون حَالَ كونهم مُسْتقرِّين في الظلمات .
الثالث : أنه صَفَةٌ ل » بكم « ، فيتعلَّق أيضاً بمحذوف ، أي : بكم كائنون في الظلمات .
الرابع : أن يكون ظَرْفاً على حقيقته ، وهو ظَرْفٌ ل » صم « ، أو ل » بكم « .
قال أبو البقاء : أو لما ينوب عنهما من الفَعءلِ ، أي : لأن الصفتين في قوة التصريح بالفعل .
فصل في بيان نظم الآية
في وجه النَّظْم قولان :
الأول : أنه - تعالى - لما بيَّن من حال الكُفَّار أنهم بلغوا في الكُفْرِ إلى حيث كانت قلوبهم قد صارت مَيِّتَةً عن قَبُولِ الإمان بقوله : » إنما يَسْتجِيبُ الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله « فذكر هذه الآية تقريراً ذلك المعنى .
الثاني : أنه - تعالى - لمَّا ذكر في قوله : { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ } [ الأنعام : 38 ] في كونها دالَّة على كونها تحت تدبير مُدَبِّرٍ قديمٍن وتحت تقدير مٌقدِّرٍ حكميم ، وفي أنّ عناية الله مُحيطة بهمن ورحمته واصِلَةٌ إليهم- قال بعده : والمُكَذِّبُونَ بهذه الدَّلائل والمنكرون لهذه العجائبِ صُمُّ لا يسمعون كلاماً ، بُكْمٌ لا ينطقون بالحق ، خَائِضونَ في ظلمات الكُفْرِ ، غفلون عن تَأمُّلِ هذه الدلائل .
قوله : { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ } في مَنْ » وجهان :
أحدهما : أنها مبتدأ ، وخبرها ما بعدها ، وقد عُرِفَ غير مَرَّةٍ .
ومفعول « يشأ » محذوف ، أي : من يشأ الله إضلاله .
والثاني : أنه مَنْصُوبٌ بفعل مُضْمَرٍ يفسِّرُهُ ما بعده من حيث المعنى ، ويقدِّر ذلك الفعل متأخّراً عن امس الشَّرْطِ لئلا يلزم خروجه عن الصَّدرِ .

وقد تقدَّمَ التَّنْبِيهُ على ذلك ، وأن فيه خلافاً ، والتقدير : من يُشْقِ اللَّهُ يَشَأ إضلاله ، ومن يُسْعِدْ يَشَأ هدايتَهُ .
فإن قيل : هل يجوز أن تكون « من » مفعولاً مُقدِّماً ل « يشاء » ؟
فالجواب : أن الأخْفَشَ حكى عن العربِ أنَّ اسم الشَّرْطِ غير الظرف ، والمضاف إلى اسم الشرط لا بد أن يكون في الجَزَاءِ ضَمِيرٌ يعود عليه ، أو على أضيف إليهن فالضَّمير في « يضلله » و « يجعله » : إمّا أن يعود على المُضافِ المحذوف ، ويكون كقوله : { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ } [ النور : 40 ] .
فالهاء في « يغشاه » تعود على المُضاف ، أي : كَذي ظلمات يَغْشَاهُ .
وإمَّا أن يعود على اسم الشرط [ والأول ممتنع؛ إذ يصير التقدير : إضلالُ من يشأ الله يضلله ، أي : يضلّ الإضلال ، وهو فاسد .
والثاني أيضاً مُمْتَنَعٌ لخلو الجواب من ضَمِيرٍ يعود على المضاف إلى اسم الشرط ] .
فإن قيل : يجوز أن يكون المعنى : من يشأ الله بالإضلالِ ، وتكون « من » مفعولاً مقدّماً؛ لأن « شاء » بمعنى « أراد » ، و « أراد » يتعدَّى بالباء .
قال الشاعر : [ الطويل ]
2157- أرَادَتْ عَرَارًا بالهَوَانِ ومَنْ يُرِدْ ... عَرَاراً لَعَمْرِي بالهَوَانِ فَقَدْ ظَلَمْ
قيل : لا يلزم من كَوْنِ « شاء » بمعنى « أراد » أن يتعدَّى تعديته ، ولذلك نَجِدُ اللفظ الوحدَ تختلف تعديتُهُ باختلاف متعلّقة ، تقول : دخلت الدَّارَ ، ودخلت في الأمْرِ ، ولا تقول : دخلت الأمر ، فإذا كان في اللَّفظِ الواحد فَمَا بَالُكَ بلفظين؟ ولم يُحْفَظْ عن العَربِ تعديَةُ « شاء » بالباء ، وإن كانت في معنى أراد .
فصل في أنّ الهداية والضلال من الله تعالى
احتج أهْلُ السُّنَّةِ بهذه الآية على أن الهُدَى والضلال ليسا إلاَّ من الله - تعالى - لتصريح الآية بذلك .
وأجاب المعتزلة عن ذلك بوجوه :
الأول : قال الجُبَّائي : معناه أنّه - تعالى يحعلهم صُمَّاً وبُكماً وعُمْياً يوم القيامة عند الحَشْرِ ، ويكنون كذلك في الحقيقة بأن يجعلهم في الآخرة صُمَّا وبُكماً في الظلمات ويضلهم بذلك عن الجَنَّةِ ، وعن طريقها ، ويصيرهم إلى النار ، وأكَّد القاضي هذا بأنه - تعالى - بيَّن في باقي الآيات أنه يحشرهم على وجوهم عُمْياً وبُكْماً وصُمّاً مَأوَاهُمْ جَهَنَّمُ .
الثاني : قال الجُبائي أيضاً : ويحتمل أنهم يكونون كذلك في الدنيا ، فيكون توسّعاً من حيث أنهم جعلوا بتكذيبهم بآيات الله في الظلمات لا يهتدون إلى منافعِ الدينا فَشَبَّهَهُمْ من هذا الوجه بهم وأجرى بهم وأجرى عليهم مثل صَفَاتِهِمْ على سبيل التَّشْبِيهِ .
الثالث : قال الكَعْبِيُّ : قوله « صُمُّ وبُكْمٌ » قائم على الشَّتْمِ والإهانة ، لا على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة .
أمَّا قوله : { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ } فقال الكعبي : ليس هذا على سبيل المجاز لأنه - تعالى - وإن أجْمَلَ القول فيه هَا هُنَا فَقَدْ فَسَّرَهُ في سائر الآيات ، وهو قوله :

{ وَيُضِلُّ الله الظالمين } [ إبراهيم : 27 ] وقوله : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } [ البقرة : 26 ] .
وقوله : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } [ محمد : 17 ] ، وقوله تعالى : { يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ } [ المائدة : 16 ] .
وقوله : { يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت } [ إبراهيم : 27 ] وقوله : { والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [ العنكبوت : 69 ] .
فثبت بهذه الآيات أن مشيئة الهدى والضلال ، وإن كانت مُجْمَلَةً في هذه الآية ، إلاَّ أنها [ مخصصة ] مفصلة في سائر الآيات ، فيحمل هذا المُجْمَلُ على تلك المُفصَّلاتِ . ثم إن المعتزلة ذكروا في تأويل هذه الآية وُجثوهاً :
أحدهما : قوله : { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ } [ الآية : 39 ] مَحْمَوُلٌ على مَنْعِ الألْطَافِ ، فصاروا عندها كالصُّمِّ والبُكم .
وثانيها : يضلله يوم القيامة عن طريق الجنة ، وعن وجدانِ الثوابِ؛ لأنه ثبت بالدليل أنه - تعالى - لا يشاء هذا الإضلال إلاَّ لمن يستحقه عقوبة ، كما لم يشأ الهُدَى إلاَّ للمؤمنين .
واعلم أن هذه الوجوه التي تكَلَّفَهَا المعتزلة إنما تَحْسُنُ لَوْ ثَبَتَ في العقل أنه لا يمكن إجْرَاءُ هذا الكلام على ظاهرة ، وقد دللنا على أنَّ هذا الفعل لا يحصل إلاَّ عند حُصُول الداعي ، وبيَّنَّا أنِّ خالق ذلك الداعي هو الله تعالى ، وبيَّنَّا أن عند حصوله يجبُ الفعلُ في هذه المقدِّمَاتِ الثلاث ، فوجب القَطْعُ بأن الكفر والإيمان من الله تعالى ، وبتخليقه وتقديره وتكوينه ، وقد تقدَّم إبطالُ هذه الوجوه عند قوله : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ } [ البقرة : 7 ] وغيرها من الآيات ، فلا حاجةَ إلى الإعادةِ .

قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)

يجوز نقل همزة حركة الاستفهام إلى لام « قُلْ » ، وتُحْذَفُ الهمزةُ تخفيفاُ وهي قراءة وَرْشٍ ، وهو تسهيل مُطَّرٍدٌ ، و « أرأيتكم » هذه بمعنى « أخبرني » ، ولها أحكامٌ تَخْتَصُّ بها ، اضْطَرَبَتْ أقولا الناس فيها ، وانتشر خلافُهُمْ ، ولا بُدَّ من التَّعَرُّضِ لذلك ، فنقول : أرأيت إن كان البصرية ، أو العلمية الباقية على معناها ، أو التي إصابة الرئة كقولهم : « رأيْتُ الطَّائِرَ » ، أي : أصَبْتُ رئَتَهُ لم يَجُزْ فيها تخفيق الهمزة التي هي عَيْنُهَا ، بل تُحَقَّقُ ليس إلاَّ ، أو تُسَهَّلُ بَيْنَ من غير إبدالٍ ولا حذفٍ ، ولا يجوز أن تلحقها كافٌ على أنها حرف خطاب ، بل إن لحقها كاف كانت ضميراً مفعولاً أوَّل ، ويكون مُطَابقاً لما يُرَادُ به تَذْكِيرٍ وتأنيثٍ ، وإفراد وتثنية وجمع ، وإذا اتَّصلَتْ بها تاء الخطاب لزِمَ مُطَابَقتُهَا لما يُرَادُ بها مِمَّا ذُكِرَ ، ويكون ضميراً فاعلاً ، نحو : أرأيتم ، أرأيتما ، أرأيتما أرأيتُنَّ ، ويدخلها التَّعْلِيقُ والإلْغَاءُ ، وإن كانت العمليَّة التي ضُمِّنَتْ معنى « أخبرني » أختصَّتْ بأحكامٍ أخَرَ .
منها : أنه يجوز تَسْهِيلُ همزتها بإبدالها ألفاً ، وهي مَرْويَّةٌ عن نافع من طريق ورشٍ ، والنُّحاة يَسْتَضْعِفْون إبدال هذه الهمزة ألفاً ، بل المشهور عندهم تَسْهِيلُهَا بَيْنَ بَيْنَ ، وهي الرواية المشهورة عن نافع ، لكنَّهُ قد نَقَلَ الإبدال المَحْض قُطْربٌ وغيرهُ من الللغويين قال بعضهم « هذا غَلَطٌ غُلِّط عليه » ، أي : على نافعٍ ، وسبب ذلك أنه يُؤدِّي إلى الجَمْعِ بين ساكنين ، فإن « الياء » بعدها ساكنة .
ونقل أبو عبيد القاسم بن سلام عن أبي جعفر ونافعٍ ، وغيرهما من أهل « المدينة » أنهم يُسْقِطُونَ الهمزة ، ويَدَّعُونَ أن الألف خلفٌ منها .
قال شهاب الدين : وهذه العبارةُ تُشْعِرُ بأنَّ هذه الألف ليست بدلاً من الهمزة ، بل جيءَ بها عِوَضاً عن الهمزة السَّاقِطَةِ .
وقال مَكِّيُّ بْنُ أبي طالب : « وقد روي عن وَرْشٍ إبدالُ الهَمْزَةِ ألفاً؛ لأن الرِّواية عنه أنه يَمُدَّ الثانية ، والمَدُّ لا يتمكن إلاَّ مع البدلِ ، وحسَّنَ جوازَ البدلِ في الهمزة وبعدها سَاكِنٌ أنَّ الأوِّل حَرْفُ مدِّ ولينٍ ، فإن هذا الذي يحدث مع السكون يقوم مقامَ حركةٍ يُتَوصَّلُ بها إلى النُّطْقِ بالساكن » .
وقد تقدَّم شَيءٌ من هذا عند قوله : { أَأَنذَرْتَهُمْ } [ البقرة : 6 ] .
ومنها : أن تُنحْذَفَ الهمزة التي هي عَيْنُ الكلمة ، وبها قرأ الكسائي ، وهي فاشية نَظْماً ونَثْراً فمن النظم قوله : [ الرجز ]
2158- أرَيْتَ مَا جَاءَتْ بِهِ أمْلُودا ... مُرَجَّلاً وَيَلبسُ البُرُودَا
أقَائِلُنَّ أحْضِرُوا الشُّهودَا ... وقال الآخر : [ الطويل ]
2159- أرَيْتَكَ إذْ هُنَّا عَلَيْكَ ألَمْ تَخَف ... ْ رَقِيباً وَحَوْلِي مِنْ عَدُوِّكَ حُضَّرُ
وأنشد الكسائي لأبي الأسود : [ المتقارب ]
2160- أرَيْتَ امْرَأ كُنْتُ لَمْ أبْلُهُ ... أتَانِي فَقَالَ : اتَّخذنِي خَلِيلاً
وزعم الفرَّاءُ أن هذه اللُّغَةَ لُغّةُ أكثر العربِ .

قال : « في أرَأيْتَ لغتان ومعنيان :
أحدهما : أن يسأل الرجل : أرأيت زَيْداً ، أي : أعَلِمْتَ ، فهذه مهموزة .
وثانيهما : أن تقول : أرأيت بمعنى » أخْبِرْني « ، فهاهنا تترك الهمزة إن شِئْتَ ، وهو أكثر كلام العرب بُؤمئ إلى تَرْكِ الهَمْزَةِ للفرق بين المَعْنَيَين » . انتهى .
وفي كيفية حذف هذه الهمزة ثلاثة أوجه :
أحدها : - وهو الظَّاهر- أنه اسْتُثْقِلَ الجَمَعُ بين همزتين في فعلٍ اتَّصَلَ به ضَمِيرٌ ، فَخَفَّفَهُ بإسقاط إحدى الهمزتَيْنِ ، وكانت الثانية أولى ، لأنها حصل بها الثِّقَل؛ ولأنَّ حذفها ثابِتٌ في مضارع هذا الفعل ، نحو : أرى ، ويرى ، ونرى ، وترى ، ولأنَّ حذف الأولى يُخِلُّ بالتَّفَاهُمِ ، إذ هي للاستفهام .
والثاني : أنه أبْدَلَ الهمزة ألِفاً ، كما فعل نَافِعٌ في رواية ورش ، فالتقى ساكنان ، فحذف أولهما وهو الألف .
والثالث : أنه أبْدَلَها ياءً ، ثم سِكَّنَهَا ، ثم حذفهها لالتقاء الساكنين ، قاله أبو البقاء ، وفيه بُعْدٌ ، ثم قال : « وقَرَّب ذلك فيها حَذْفُها في مُسْتَقْبَلِ هذا الفعل » يعني في يرى وبابه ، ورجَّحَ بعضهم مذهبَ الكسائي بأن الهَمْزَةَ قد اجترىءَ عليها بالحذف ، وأنشد : [ الرجز ]
2161- إنْ لَمْ أقَاتِلْ فَالْبِسُونِي يُرْقُعَا ... وأنشد لأبي الأسود : [ الكامل ]
2162- يَا بَا المُغيرةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ... فَرَّجْتُهُ بِالمَكْرِ مِنَّي وَالدَّهَا
[ وقولهم : « وَيْلُمِّهِ » ] .
وقوله : [ البسيط ]
2163- وَيْلُمِّهَا خُلَّةً قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا ... فَجْعٌ وَوَلْعٌ وإخلافٌ وتَبْدِيلُ
وأنشد أيضاً : [ الوافر ]
2164- وَمَنْ رَا مِثْلَ مَعْدَانَ بْنِ سَعْدٍ ... إذَا مَا النِّسْعُ طَالَ عَلَى المَطِيِّه
أي : ومَنْ رأى .
ومنها : أنه لا يَدْخُلُهَا تَعْلِيقٌ ، ولا إلغَاءٌ؛ لأنها [ بمعنى ] « أخبرني » لا يُعَلَّقُ عند الجمهور .
قال سيبويه : « وتقولُ : أرأيتك زَيْداً أبو مَنْ هو؟ لا يَحْسُنُ فيه إلاَّ النَّصْبُ في » زيد « ، الا ترى لو قلت : » أرأيت أبو مَنْ أنت؟ « لم يَحْسُنْ؛ لأن فيه معنى أخبرني عن زيد ، وصار الاستفهامُ في موضع المفعول الثاني » وقد خالف سيبويه غَيْرُهُ من النحويين ، وقالوا : كثيراً ما تُعَلَّق « أرأيت » وفي القرآن من ذلك كثيرٌ ، واْتَدَلُّوا بهذه الآية التي نَحْنُ فيها ، وبقوله : { أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ } [ العلق : 13 ، 14 ] ، وبقوله :
2165- أرَيْتَ مَا جَاءْتُ بِهِ أمْلُودَا ... وهذا لا يرد على سيبويه ، وسيأتي تأويل ذلك قريباً .
ومنها : أنها تَلْحَقُهَا « التاء » فَيُلْتَزَمُ إفْرَادُهَا وتذكيرها ، ويُسْتَغْنَى عن لحاقِ علامة الفُرُوعٍ بها بِلحاقِهَا بالكافِ ، بخلاف التي لم تُضَمَّنْ معنى « أخبرني » فإنها تُطَابِقُ فيها ، كما تقدَّم ما يُرادُ بها .
ومنها : أنه يلحقها « كاف » هي حرف خطابٍ تُطابقُ ما يُرَادُ بها من إفرادٍ وتذكير وضِدَّيهما ، وهل هذه « التَّاء » فاعل ، و « الكاف » حرف خطاب [ تبيَّن أحوال التاء ، كما تبينه إذا كانت ضميراً ، أو التاء حرف خطاب ] و « الكاف » ضمير في موضع المفعول الأول؟
ثلاثةُ مذاهب مشهورة ، الأوَّل : قول البصريين ، والثاني : قول الفراء ، والثالث : قول الكسائي ، ولنَقْتَصِرْ على بعض أدلَّةِ كُلِّ فريق .

قال أبو علي : « قولهم : » أرَأيْتَكَ زَيْداً ما فعل « بفتح » التاء « في جميع الأحوال ، فالكافُ لا يخلو أن يكون للخطاب مُجَرَّداً ، ومعنى الاسمية مَخْلُوعٌ منه ، أو يكون دالاً على الاسم مع دلالتهِ على الخطابٍ ، ولو كان اسْماً لوجب أن يكُون الاسْمُ الذي بعده هو هو؛ لأن هذه الأفعال مفعولها الثَّاني هو الأوَّل في المعنى ، لكنه ليس به ، فتعيَّن أن يكون مَخْلُوعاً منه الاسميَّةُ ، وإذا ثبت ا ، ه للخطَابِ مُعَرى من الاسمية ثَبَت أن » التاء « لا تكون لِمُجرَّدِ الخطابِ ، ألا ترى أنه لا ينبغي أن يَلْحَقَ الكَلِمَةُ علامتَا خطاب ، كما لا يحلقها علامتا تأنيث ولا علامتَا استفهامٍ ، فلمَّا لم يَجُزْ ذلك أفرِدَت » التاءُ « في جميع الأحْوَالِ لمَّا كان الفِعْلُ لا بُدَّ من فاعلٍ ، وجُعِلَ على لَفْظٍ واحد اسْتِغْنَاءً بما يَلْحَقُ » الكاف « ، ولو لحق » التاء « علامةُ الفروع علامتَانِ للخطاب مما كان يَلْحَقُ » التاء « ، وممَّا كان يلحق » الكاف « ، فلما كان ذلك يُؤدِّي إلى ما لا نَظِيرَ له رُفِضَ ، وأجْرِي على ما عليه سِائِرُ كلامهم » .
وقال الزَّجَّاج بعد حكايته مَذْهَبَ الفراء : « وهذا القَوْلُ لم يَقْبَلُهُ النحويون القُدَمَاءُ وهو خَطَأٌح لأنَّ قولك : » أرأيت زَيْداً ما شأنه « لو تعدَّتِ الرؤية إلى » الكاف « وإلى زيد لصار المعنى : أرَأتْ نَفْسُكَ زيداً ما شأنُهُ وهذا مُحَالٌ » ثم ذكر مذهب البصريين .
وقال مكِّي بن أبي طالبٍ بعد حكايته مَذْهَبَ الفرَّاءِ : « وهذا مُحَالٌ ، لأنَّ » التاء « هي » الكاف « في » أرأيتكم « ، فكان يجب أن تُظْهَرَ علامةُ جمع » التاء « وكان يجب أن يكون فاعلان لفعلٍ واحدٍ وهما لِشَيءٍ واحد ، ويجب أن يكون معنى قولك : » أرأيتك زَيْداً ما صَنَعَ « : أرأيْتَ نَفْسَكَ زَيْداً ما صنع؛ لأن » الكاف « هو المُخَاطَبُ ، وهذا مُحَالٌ في المعنى ، ومُتَنَاقِضٌ في الإعراب والمعنى؛ لأنك تَسْتَفْهِمُ عن نفسه في صَدْرِ السُّؤال ، ثم ترد السؤال إلى غيره في آخره وتخاطبه أولاً ، ثم تأتي بغائبٍ آخر ، أو لأنه يَصِيرُ ثلاثة مفعولين ل » رأيت « ، وهذا كله لا يَجُوزُ . ولو قلت : » أرأيتك عالماً بزيد « لكان كلاماً صحيحاً ، وقد تعدَّى » رأى « إلى مفعولين » .
وقال أبو البقاء بعدما حكا مذهب البصريين : « والدَّليلُ على ذلك أنها - أي » الكاف « - لو كانت اسْماً لكانت : إمَّا مَجْرُورةً - وهو باطلٌ إذ لا جارَّ هنا - وإمَّا مَرْفثوعَةٌ ، وهو باطِلٌ أيضاً لأمرين :
أحدهما : أن » الكاف « ليست من ضمائر الرفع .

والثاني : أنها لا رَافِع لها؛ إذا ليست فاعلاً؛ لأن « التاء » فاعل ، ولا يكون لفعل واحدٍ فاعلان ، وإمَّا أن تكون مَنْصُوبةً ، وذلك باطلٌ لثلاثة أوجه :
أحدها : أن هذا الفِعْلَ يتعدَّى إلى مَفْعُولينِ كقولك : « أرأيت زيداً ما فعلَ » فلو جعلت « الكاف » مفعولاً كان ثالثاً .
والثاني : أنه لو كان مَفْعُولاً لكان هو الفاعل في المَعْنَى ، وليس المعنى على ذلك ، إذ ليس الغَرَضُ أرأيت نفسك ، بل أرأيت غيرك ، ولذلك قلت : أرأيتك زيداً وزيد غير المُخَاطَبِ ، ولا هو بدل منه .
والثالث : أنه لو كان مَنْصُوباً على أنه مَفْعُولٌ لظَهَرتْ علامةُ التثنية والجمع والتَّأنيث في « التاء » فكنت تقول : أرأيتماكما ، أرأيتموكم ، أرأيتكنَّ « . ثم ذكر مَذْهَبَ الفرَّاءِ ثم قال : » وفيما ذكرنا إبطالٌ لمذهبه « .
وقد انْتَصَرَ أبو بكر بن الأنْبَاريّ لمذهب القرَّاء بأن قال : » لو كانت « الكافُ » توكيداً لوقَعت التَّثْنِيَةُ والجمع بالتاء ، كما يَقَعَانَ بها عند عدم « الكاف » ، فلمَّا فُتِحت « التاءُ » في خِطَابِ الجَمْعِ ووقع مِيْسَمُ الجمع لغيرها كان ذلك دَلِيلاً على أن « الكاف » غيرُ توكيد .
ألا ترى أن « الكاف » لو سَقَطَتْ لم يَصلُحْ أن يُقالَ لجماعة : أرأيت ، فوضحَ بهذا انْصِرافُ الفِعْلِ إلى « الكاف » ، وأنها واجبةٌ لازَمَةٌ مُفْتَقَرٌ إليها « .
وهذا الذي قاله أبُو بَكْرٍ بَاطِلٌ بالكاف اللاحِقَةِ لاسم الإشارة ، فإنها يَقَعُ عليها مِيْسَمُ الجَمْعِ ، ومع ذلك هي حرفٌ .
وقال الفراء : » موضعُ « الكاف » نصب ، وتأويلها رَفْعٌ؛ لأن الفعل يِتَحَوَّلُ عن « التاء » إليها ، وهي بِمَنْزِلِةِ « الكاف » في « دونك » إذا أغْريَ بها ، كما تقول : « دُونَكَ زيداً » فتجد « الكاف » في اللَّفْظِ خَفْضاً ، وفي المعنى رفعاً؛ لأنها مَأمُورةٌ ، فكذلك هذه « الكافُ » موضعُها نصبٌ ، وتأويلها رفع « .
قال شهابُ الدين : » وهذه الشُّبْهَةُ بَاطِلةٌ لما تقدَّم ، والخلافُ في « دونك » و « إليك » وبابهما مَشْهُورٌ تقدَّم التَّنْبِيهُ عليه مراراً « .
وقال الفرَّاءُ أيضاً كلاماً حَسَناً [ رأيت أن أذكره فإنه مُبِينٌ نَافِعٌ ] قال : للعرب في » أرأيت « لغتان ومعنيان :
أحدهما : رؤية العَيْنِ ، فإذا رأيت هذا عَدَّيْتَ الرؤية بالضمير إلى المُخَاطَبِ ، ويتصرَّفُ سِائِرِ الأفعال ، تقول للرجل : » أرأيتك على غير هذه الحالِ « ، تريدُ : هل رأيت نفسك ، ثم تُثَنِّي وتَجْمَعُ فتقول : » أرَأيْتُمَاكُمَا ، أرَأيْتُمُوكُمْ ، أرَأيْتُكُنَّ « .
والمعنى الآخر : أن تقول : » أرأيتك « وأنت تريد معنى » أخبرني « ، كقولك : أرأيتك إنْ فَعَلْتُ كذا ماذا تَفْعَلُ ، أي : أخبرني ، وتترك » التاء « إذا أردت هذا المعنى مُوَحَّدةً؛ لأنهم كل حالٍ تقول : » أرأيتكما ، أرأيتكم ، أرأيتكنَّ « ، وإنما تركتِ العربُ » التاء « واحدةً؛ لأنهم لم يريدوا أن يكون الفِعْلُ واقعاً من المُخَاطَبِ على نفسه ، فاكْتَفَوْا من علامةِ المُخاطبِ بذكره في المكان ، وتركوا » التاء « على التذكير والتوحيد إذا لم يكون الفَعْلُ واقعاً ، والرُّؤيَةُ من الأفعال الناقصة التي يُعَدِّيها المُخَاطبُ إلى نفسه بالمكنى مثل : ظنتني ورأيتني ، ولا يقولولن ذلك في الأفْعَالِ التَّامةِ ، لا يقولون خارجاً؟ وذلك أنَّهم أرَادُوا الفَصْلَ بين الفعلِ الذي قد يُلْغَى ، وبين الفعل الذي لا يَجُوزُ إلْغَاؤهُ ، ألا ترى أنك تقول : » أنا أضُنُّ خَارجٌ « فتلغي » أظن « وقال الله تعالى

{ أَن رَّآهُ استغنى } [ العلق : 7 ] ولم يَقُل : رأى نَفْسَهُ .
وقد جاء في ضرورة الشعر إجْرَاءُ الأفعال التامة مُجْرَى النواقص؛ قال جِرَانُ العَوْدِ : [ الطويل ]
2166- لَقَدْ كَانَ لِي عَنْ ضَرَّتَيْنِ عَدِمْتُنِي ... وَعَمَّا ألاَقِي مِنْهُمَا مُتَزَحْزحُ
والعربُ تقول : « عَدِمءتني ووَجَدْتُني » وليس بوجه الكلام . انتهى .
واعلم أنَّ النَّاس اختلفوا في الجلمة اللاستِفْهَامِيَّةِ الواقِعَةِ بعد المنصوب ب « أرأيتك » [ نحو : أرأيتك ] زَيْداً ما صنع؟
فالجموهور على أنَّ « زيداً » مفعول أوَّل ، والجملة بعده في مَحَلِّ نصبٍ سادَّةً مَسَدَّ المفعول الثاني .
وقد تقدَّم أنه لا يجُوزُ التَّعْلِيقُ في هذه ، وإن جاز في غيرها من أخَوَاتِهَا نحو : علمت زيداً أبو مَنْ هو .
وقال ابن كَيْسَان : « إن هذه الجملة الا ستفهاميَّة في أرأيت زيداً ما صنع بَدَلٌ من أرأيتك » .
وقال الأخْفَشُ : « إنه لا بُدَّ بعد » أرأيت « التي بمعنى » أخبرني « من الا سم المُسْتَخْبَرِ عنه ، ويَلْزَمُ الجُمْلَةَ التي بعده الاستفهام؛ لأن » أخبرني « موافق لمعنى الاستفهام » .
وزعم أيضاً أنها تخرج عن بابها ، فتكون بمعنى « أما » أو « تنبَّه » ، وحينيذٍ لا يكونُ لها مَفْعُولانِ ، ولا مَفْعُولٌ واحدٌ ، وجعل من ذلك : { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة فَإِنِّي نَسِيتُ الحوت } [ الكهف : 63 ] .
وهذا يبغي ألاَّ يجوز؛ لأنه إخْرَاجٌ لِلَّفْظةِ عن موضوعها من غير دَاعٍ إلى ذلك .
إذا تقرَّرَ هذا فَيْلُرْجَعْ إلى الآية الكريمة فَنَقُولُ ، وبالله التوفيق : اختلف النَّاسُ في هذه الآية على ثلاثة أقوال :
أحدها : أن المفعول الأول ، والجملة الاستفهامية التي سدَّت مسدَّ الثاني مَحْذُوفانِ لفهم المعنى ، والتقديرُ : أرأيتكم عبادتكم الأصْنَامَ هل تنفعُكمُ؟ أو اتِّخَاذكُمْ غَيْرَ الله إلهاً هَلْ يِكشِفُ ضُركم؟ ونحو ذلك ، ف « عِبَادَتَكُمْ » أو « اتِّخاذكم » مفعول أوّل ، والجملة الاستفهامية سادَّةٌ مسدَّ الثَّاني ، و « التاء » هي الفاعل ، و « الكاف » حرف خطاب .
الثاني : أن الشَّرْطَ وجوابَهُ - وسيأتي بَيَانُهُ - قد سدَّا مَسَدَّ المفعولين؛ لأنهما قد حَصَّلا المعنى المقصود ، فلم يَحْتَجْ هذا الفعل إلى مَفْعُولٍ ، وليس بشيء؛ لأن الشَّرْطَ وجوابه لم يُعْهَدْ فيهما أن يَسُدَّا مَسَدَّ مفعولي « ظَنَّ » ، وكونُ الفاعلِ غيرَ مُحْتاجٍ لمفعول إخْرَاجٌ له عن وضعه ، فإن عنى بقوله : « سَدَّا مَسدَّهُ » أنَّهُمَا دَالاَّنِ عليه فهو المُدَّعَى .

والثالث : أن المفعول الأوَّل محذوفٌ ، والمسألةُ من باب التَّنازُعِ بين « أرأيتكم وأتاكم » ، والمُتنازعُ فيه لَفْظُ « العذاب » وهذا اختيرا أبي حيَّان ، ولنُورِدْ كلامه ليظهر فإنه كلامٌ حسنٌ قال : « فنقول : الذي نَخْتَارُهُ أنها بَقِيَةٌ على حكمها في التعدِّي إلى اثنين ، فالأوَّل منصوب ، والثاني لم نَجِدْهُ بالاسْتِقْرَاءِ إلاَّ حملة استفهاميةً أو قَسِمِيَّةً .
فإذا تقرَّرَ هذا فنقول : المفعول الأول في هذه الآية مَحْذُوفٌ ، والمسألة من باب التَّنازُعِ ، تنازع » أرأيتكم « والشرط على » عذاب الله « فأعمل الثَّاني ، وهُو » أتاكم « ، فارتفع » عذاب « به ، ولو أعمل الأوَّل لكان التَّرْكيب : » عذاب « بالنَّصْبِ ، ونظير ذلك » اضرب إنْ جاءك زيد « على إعْمَالِ » جاءك « ، ولو نصب لجاز ، وكان من إعمال الأوَّل .
وأمَّا المفعول الثَّاني ، فهو الجملة من الاستفهام » أغَيْرَ الله تَدْعُونَ « والرَّابِطُ لهذه الجملة بالمعفول الأوَّل المحذوف مَحْذُوفٌ تقديره : أغَيْرَ الله تدعون لِكَشْفِهِ ، والمعنى : قل : أرأيتكم عذابَ الله إن أتاكم - أو السَّاعة إن أتتكم - أغَيْرَ الله تَدْعُونَ لكشفه ، أو لكشف نَوازِلها » . انتهى .
والتقدير الإعْرَابيُّ الذي ذكره يَحْتَاجُ إلى بضع إيْضَاحٍ ، وتقديره : قل : أرأيتكموه أو أريتكم إيَّاهُ إن أتاكم عَذابُ الله ، فذلك الضمير هو ضَمِيرُ العذابِ لمَّا عَمِلض الثَّاني في ظاهره أعْطِيَ المُلْغَى ضَمِيرَهُ ، وإذا أضْمِرَ في الأوَّل حُذِفَ ما لم كن مَرْفُوعاً ، أو خبراً في الأصْلِ ، وهذا الضمير ليس مَرْفُوعاً ، ولا خبراً في الأصل ، فلأجل ذلك حُذِفَ ولا يَثْبُتُ إلاَّ ضَرُورَةً .
وأمَّا جوابُ الشَّرْط ففيه خَمسةُ أوجهٍ :
أحدهما : أنه مَحْذُوفٌ ، فقدَّرهُ الزمخشري : « إن أتاكم عذابُ الله مَنْ تدعون » .
قال أبو حيَّان : « وإصْلاحُهُ أن تقول : » فَمَنْ تَدْعُون « بالفاء؛ لأن جواب الشَّرْطِ إذا وقع جُمْلَةً اسْتفهامِيَّةً فلا بُدَّ فيه من الفاء » .
الثاني : أنه « أرأيتكم » ، قاله الحُوفي ، وهو فَاسِدٌ لوجهين :
أحدهما : أنّ جواب الشرط لا يتقدَّمُ عند جمهور البصريين ، إنما جوَّزه الكوفيون ، وأبو زيدٍ ، والمُبَرِّدُ .
والثاني : أن الجملة المُصدِّرة بالهمزة لا تقعُ جواباً للشَّرْطِ ألْبَتَّةً ، إنما يقع من الاسْتِفْهَامِ ما كان ب « هل » أو اسْم من أسْمَاءِ الاستفهام ، وإنما لم تَقعِ الجُمْلَةُ المصدَّرةُ بالهمزة جواباً؛ لأنه لا يخْلُو : أن تأتي معها بالفاء ، أو لا تأتي بها ، لا جَائِز ألاَّ تأتي بهاح لأن كُلَّ ما لا يَصْلُحُ شرطاً يجب اقْتِرَانُهُ بالفاء إذا وقع جواباً .
ولا جَائِزَ أن تأتي بها؛ لأنك : إمَّا أن تأتي بها قَبْلَ الهمزة ، نحو : « ن قمت فأزيد مُنْطَلِقٌ » ، أو بعدها نحو : « أفَزَيدٌ مُنْطَلِقٌ » ، وكلاهما مُمْتَنِعٌ ، أمَّا الأوَّل فلتَصَدُّرِ « الفاء » على الهمزة .

وأما الثَّاني ، فإنه يُؤدِّي إلى عدم الجواب بالفاء في موضع كان يجبُ فيه الإتْيَانُ بها وهذا بخلاف هل ، فإنك تأتي بالفاءِ قبلها ، فنقول : « إن قمت فهل زيد قَائِم » ؛ لأنه ليس لها تمامُ التصدير الذي تَسْتَحِقُهُ الهمزة ، ولذلك تَصَدَّرتْ على بعض حروف العطفِ ، وقد تقدَّم [ مشروحاً ] مراراً .
الثالث : أنه « أغير الله » وهو ظَاهِرُ عِبَارَةِ الزمخشري ، فإنه قال : « ويجوز أن يتعلَّق الشَّرْطُ بقوله : » أغير اللَّهِ تدعون « ، كأنه قيل : أغير الله تَدْعُون إن أتاكُمْ عَذابُ الله » .
قال أبو حيَّان : ولا يجوز أن يتعلِّق الشرطُ بقوله : « أغير الله » ؛ لأنه لو تعلَّقَ به لكانَ جواباً له ، لكنه لا يقع جواباً ، لأن جواب الشَّرْط إذا كان اسْتِفْهاماً بالحرف لا يَقَعُ إلا ب « هل » وذكر ما قدَّمْتُه إلى آخره ، وعزاه الأخفَشُ عن العرب ، ثم قال : « ولا يجوز أيضاً من وجْهْ آخر؛ لأنَّا قد قرَّرْنَا أنَّ » أرأيتك « مُتعدِّيةٌ إلى اثنين؛ أحدهما في هذه الآية محذوفٌ ، وأنه من باب التَّنازُعِ ، والآخر وقعت الجُملةُ الاستفهَامِيَّةُ موقعه ، فلو جَعَلْتَهَا جواب الشَّرْطِ لبقيت » أرأيتكم « مُتعدِّيَةً إلى واحدٍ ، وذلك لا يجوز » .
قال شهابُ الدين : وهذا لا يَلْزَمُ الزمخشري ، فإنه لا يرتضي ما قاله من الإعراب المُشَارِ إليه .
قوله : « يلزم تعدِّيهَا لِوَاحِدٍ » .
قلنا : لا نُسَلَّمُ ، بل يتعدَّى لاثْنَيْنِ محذوفين ثانيهما جملة الاستفهام ، كما قدَّره غَيْرُهُ : ب « أرأيتكم عبادتكم هل تنفعكم » ثم قال : « وأيضاً التزامُ العرب في الشَّرْط الجائي بعد » أرأيت « مُضِيَّ الفعل دليلٌ على أنَّ جوابَ الشرط محْذُوفٌ ، لأنه لا يُحْذَفُ جوابُ الشرط إلاَّ عند مُضِيَّ فِعْلِهِ ، قال تعالى : { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله } [ الأنعام : 47 ] { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله } [ الأنعام : 46 ] { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله } [ القصص : 71 ] { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ } [ يونس : 50 ] { أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ } [ الشعراء : 205 ] { أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى } [ العلق : 31 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقال الشاعر : [ الرجز ]
2167- أرَيْتَ إنْ جَاءَتُ بِهِ أمْلُودَا ... وأيضاً مَجيءُ الجملة الاستفهاميَّةِ مصدَّرةً بمزة الاستفْهَامِ دليلٌ على أنها ليست جوابَ الشَّرْط ، إذ لا يَصِحُّ وُقُوعُهَا جواباً للشرط » انتهى .
ولمَّا جوَّز الزمخشري أن الشَّرْطَ مُتعلِّقٌ بقوله : « أغَيْرَ الله » سأل سؤالاً ، وأجاب عنه ، قال : « فإن قلت : إن علّقت الشِّرْط به ، فما تصْنَعُ بقوله : { فَيَكْشِفُ ما تَدْعُون إليه } مع قوله : { أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة } ، وقوارعُ السَّاعةَ لا تُكْشَفُ عن المشركين؟
قلت : قد اشترط في الكَشْفِ المَشِيئِةَ وهو قوله : » إنْ شَاءَ « إيذَاناً بأنه إنْ فَعَلَ كان له وَجْهٌ من الحكمة ، إلا أنه لا يَفْعَلُ لِوَجْهٍ آخرَ من الحكمة أرجح منه » .

قال أبو حيَّان : « وهذا مَبْنِيُّ على أن الشَّرطَ متعلقٌ ب » أغير الله « وقد اسْتَدْلَلْنَا على أنه لا يَجُوزُ » .
قال شهابُ الدين : ترك الشَّيخُ التَّنْبِيهَ على ما هو أهَمُّ من ذلكن وهو قوله : « إلاَّا أنه لا يقعل لوجهٍ آخر من الحِكْمَةِ أرْجَحَ منه » وهذا أصْلٌ فاسدٌ من أصُولِ المعتزلة يزعمون أن أفعاله - تعالى تابعةٌ لمصالحَ وحكم ، يترَّجحُ مع بعضها الفعلُ ، ومع بعضها التركُ ، ومع بضعها يَجبُ الفعلُ أو الترك ، تعالى الله عن ذلك ، بل أفْعِالُهُ لا تُعَلَّلُ بغرضٍ من الأغراض ، { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَل } [ الأنبياء : 23 ] ، كما تقرر في علم الأصول .
الرابع : أن جوابَ الشَّرْطِ محذوف تقديره : إن أتاكم عذابُ الله ، أو أتتكم السَّاعَةُ [ دَعَوْتُمْ ] ودَلَّ عليه قوله : « أغير الله تدعون » .
الخامس : أنه مَحْذُوفٌ أيضاً ، ولكنه مُقدَّرٌ من جِنْسِ ما تقدَّم في المعنى ، تقديره : إن أتاكم عذابُ الله ، أو أتتكم السَّاعةُ فأخبروني عنه أتَدْعُونَ غير الله لِكَشْفِهِ ، كما تقول : « أخبرني عن زيدٍ إن جاءك ما تصنعُ به » ، أي إن جاءك فأخْبِرْنِي عنه ، فحذف الجوابُ لدلالة « أخبرني » عليه ، ونظيرُهُ : أنت ظَالِمٌ إن فعلت ، أي : فأنت ظَالِمٌ ، فحذف « فأنت ضَالِمٌ » لدلالة ما تقدَّم عليه .
وهذا ما اختارَهُ أبو حيَّان .
قال : « وهو جارٍ على قواعدِ العربية » وادَّعى أنه لم يَرهُ لغيره .
قوله : { أَغَيْرَ الله تَدْعُون } .
« غَيْرَ » مفعول مُقدَّمٌ ل « تَدْعون » ، وتقديمُه : إمَّا للاخْتِصَاصِ كما قال الزمخشري : بَكَّتَهُمْ بقوله : أغير الله تَدْعُون ، بمعنى : أتَخُصُّونَ آلهتكم بالدَّعْوةِ فميا هو عَادَتُكُمْ إذا أصَابَكُمْ ضُرُّ ، أم تدعون الله دونها ، وإمَّا للإنْكَارِ عليهم في دُعَائِهِمْ للأصْنَامِ ، لأن المُنْكَرِ إنما هو دُعَاءُ الأصْنَام لا نَفْسُ الدُّعاء ، ألا ترى أنك إذا قلت : « أزَيْداً تضربُ » إنما تُنْكِرُ كَوْنَ « زيد » محلاَّ للضَّرْب ، [ ولا تُنْكِرُ نَفْسَ الضرب ، ] وهذا من قَاعِدَةِ بَيَانِيَّةٍ قدمت التنبيه عليها عند قوله تعالى : { أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني } [ المائدة : 116 ] .
قوله : { إنْ كُنْتُمْ صادقِينَ } جوابه مَحْذُوفٌ لدلالة الكلام عليه ، وكذلك مَعْمُولُ « صَادِقِنَ » ، إن كنتم صَادِقينَ في دعْوَاكُمْ أنَّ غير الله إلهٌ ، فهل تَدْعونه لِكَشْفِ ما يَحُلُّ بكم من العذابِ؟
فصل في المراد من الآية
معنى الآية : قال ابن عبَّاسِ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : أرأيتكم إن أتاكُمْ عذابُ الله قبل الموتِ ، أرأيتكم السَّاعة يعني العذاب يوم القيامة ، أترجعون إلى غير الله في دَفْعِ البلاء والضُّرِّ ، أو ترجعون إلى الله في دَفْعِ البلاء والمِحْنَةِ لا إلى الأصنام والأوثانَ ، وأراد الكُفَّارَ يدعون الله في أحْوالِ الاضْطِرَارِ كما أخبر اللَّهُ عنهم

{ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ لقمان : 32 ] لا جرم قال : « بَلْ إيَّاهُ تدعُونَ » « بل » حرفُ إضْرَابٍ وانتقال ، لا إبطال لما عُرِفَ غير مَرَّةٍ من أنها في كلام اللَّهِ كذلك ، و « إيَّاه » مفعول مُقدَّمٌ للاخْتِصَاصِ عند الزمخشري ، ولذلك قال : بل تَخُصُّونه بالدُّعاءِ ، وعند غيره للاعْتِنَاء ، وإن كان ثَمَّ حَصْرٌ واختصاصٌ فمن قَرينةٍ أخرى ، و « إياه » ضمير منصوبٌ مُنْفِصلٌ تقدَّم الكلامُ عليه في « الفاتحة » .
وقال ابن عطية : « هنا » إيَّا « اسم مُضْمَرٌ أجري مجرى المظهرات في أنه مضاف أبَداً » .
قال أبو حيان : وهذا خِلافُ مذهب سيبويه أن ما بعد « إيَّا » حرف يُبَيَّن أحْوالَ الضمير ، وليس مُضَافاً لما بعده لئلا يَلْزَمُ تَعْرِيفُ الإضافة ، وذلك يِسْتَدْعِي تنكيره ، والضَّمَائِرُ لا تَقْبَلُ التنكير فلا تَقْبَلُ الإضافة .
قوله : « ما تَدْعُونَ » يجوز في « ما » أربعةُ أوجهٍ :
أظهرها : أنها موصولةٌ بمعنى « الذي » ، أي : فيكشف الذي تَدْعُونَ ، والعائدُ محذوف لاسْتِكَمَالِ الشروط ، أي : تَدْعُونَهُ .
الثاني : أنها ظَرْفِيَّةٌ ، قاله ابن عطية ، وعلى هذا فيكون مَفْعُول « يكشفُ » مَحْذُوفاً تقدير : فيكشف العذابَ مُدَّة دعائكم ، أي : ما دُمْتُمْ داعينه وقال أبو حيَّان : وهذا ما لا حاجةَ إليه مع أنَّ فيه وصْلها بمضارعٍ ، وهو قليلٌ جداً تقول : « لا أكَلِّمُكَ ما طلعت الشمسُ » ، ويضعف : « ما تَطْلَعُ الشمس » .
قال شهاب الدين : قوله : « بمُضارع » كان يبغي أن يقُول : « مثبت » ؛ لأنه متى كان مَنْفِيَّا ب « لم » كَثُرَ وصْلُهَا به ، نحو قوله : [ الطويل ]
2168- وَلَن يَلْبَثَ الْجُهَّالُ أنْ [ يَتَهَضَّمُوا ] ... أخَا الحِلْمِ مَا لِمْ يِسْتَعِنْ بِجَهُولِ
ومِنْ وَصْلِهَا بمضارعٍ مثبتِ قوله : [ الوافر ]
2169- أطوِّفُ مَا أطَوِّفُ ثُمَّ آوِى ... إلَى أمَّى وَيَرْوينِي النَّقِيعُ
وقول الآخر : [ الوافر ]
2170- أطَوِّفُ ما أطَوِّفُ ثُمَّ آوِي ... إلَى بِيتٍ قَعِيدَتُهُ لكَاعٍ
ف « أطَوِّفُ » صِلَةٌ ل « ما » الظرفقية .
الثالث : أنها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ ذكره أبو البقاء ، والعِائِدٌ أيضاً مَحْذُوفُ أي : فيكشفُ شَيْئاً تَدْعُونه ، أي : تَدْعُونَ كشْفَهُ والحَذْفُ من الصِّفَةِ أقَلُّ منه من الصلة .
الرابع : أنها مَصْدَرِيةٌ ، قال ابن عطيَّة : « ويَصِحَّ أن تكون مَصْدَرِيَّةً على حذفٍ في الكلام » .
قال الزجَّاج : وهو مثْل « { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ] .
قال شهاب الدين : فيكشف سبب دعائكم وموجبه .
قال أبو حيَّان : وهذه دَعْوَى محذوف غير مُعَيّن ، وهو خلافُ الظاهر .
وقال أبو البقاء : » وليست مَصْدَرَيَّةً إلاَّ أن تَجْعَلَهَا مصدراً بمعنى المفعول « يعني يصير تقديره : فيكشف مَدْعُوَّكُمْ ، أي : الذي تَدْعُون لأجله ، وهو الضُّرُّ ونحوه .
قوله : » إليه « فيما يتلَّق به وجهان :
أحدهما : أن تيعلَّق ب » تَدْعون « ، والضَّمير حينئذٍ يعود على » ماط الموصولة ، أي : الذي تَدْعُون إلى كَشْفِهِ ، و « دعا » بالنسبة إلى متعلّق الدعاء يتعدَّى ب « إلى » أو « اللام » .

قال تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله } [ فصلت : 33 ] { وَإِذَا دعوا إِلَى الله } [ النور : 48 ] .
وقال : [ الطويل ]
2171- وإنْ أُدْعَ لِلْجُلَّى أكُنْ مِنْ حُمَاتِهَا ..
وقال : [ البسيط ]
2172- وَإنْ [ دَعَوْت ] إلى جُلَّى ومَكْرُمَةٍ ... يَوْماً سَرَاةِ كِرَامِ النَّاسِ فَادْعِينَا
وقال : [ المتقارب ]
2173- دَعَوْتُ لِمَا نَابِنِي مِسْوَراً ... فَلَبَّى فَلَبَّىْ يَدَيء مِسْوَرِ
والثاني : أن يتعلَّق ب « يكشفُ » .
قال أبو البقاء : « أي : يرفعه إليه » انتهى .
والضميرُ على هذا عائدٌ على الله تعالى ، وذكر أبو البقاء وَجْهَيِ التعلق ولم يَتَعَرَّضْ للضمير ، [ وقدْ عَرَفْتَهُ ] .
وقال ابن عطية : والضمير في « إليه » يَحْتَمِلُ أن يعُود إلى الله ، بتقدير : فيكشف ما تدعون فيه إليه .
قال أبو حيَّان : وهذا ليس بِجَيدٍ؛ لأنَّ « دعا » يتعدَّى لمفعول به دون حَرْفِ جرِّ : { ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] ، { إِذَا دَعَانِ } [ البقرة : 186 ] ومن كلام العرب : « دَعَوْتُ الله سِمَعاً » .
قلت : ومِثْلُهُ : { قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيّاً مَّا تَدْعُوا } [ الإسراء : 110 ] { ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعا } [ الأعراف : 55 ] قال : « ولا تقولُ بهذا المعنى : » دعوت إلى اللهط بمعنى : دعوت الله ، إلاَّ أنه يمكن أن يُصَحَّحَ كلامُهُ بمعنى التَّضْمِينِ ، ضَمَّنَ « تدعون » معنى « تلجؤون فيه إلى الله » إلاَّ أنَّ التضمين ليس بقيسا ، لا يُصَارُ إليه إلاَّ عند الضَّرُورَةِ ، ولا ضرورةَ تدعو إليه هنا « .
قال شهاب الدين : ليس التضمين مَقْصُوراً على الضرورة ، وهو في القرآن أكثر من أن يُحْصَرَ ، وقد تقدَّم منه جملة صَالِحَةٌ ، وسيأتِي إن شاء الله - تعالى - مثلُهَا على أن قد يُقَال : تجويزُ أبي مُحَمَّدٍ عَوْدَ الضمير إلى الله - تعالى - مَحْمُولٌ على أن » إليه « مُتَعَلِّقٌ ب » يكشف « ، كما تقدَّم نَقْلُهُ عن أبي البقاءِ ، وأن معنلااه يرفعه إليه ، فلا يلزم المحذور المذكور ، لولا أنه يُعَكِّرُ عليه تقديرُهُ بقوله : » تدعون فيه إليه « ، فتقديره : » فيه « ظاهرة أنه يَزْعُمُ تعَلُّقَهُ ب » تَدْعُون « .
قوله : » إنْ شَاءَ « جوابه مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المعنى ، ودلالة ما قبله عليه ، أي : إنْ شَاءِ أن يَكْشِفَ كَشَفَ ، وادِّعاءُ تقديم جوابِ الشرط هنا واضِحٌ لاقترانه ب » الفاء « فهو أحْسَنُ من قولهم : » أنت ظالم إن فعلتط لكن يمنع من كونها جواباً هنا أنها سِبَبِيَّةٌ مرتبة ، أي : أنها أفادت تَرتُّبَ الكَشْفِ عن الدعاء ، وأن الدُّعَاءَ سَبَبٌ فيه ، على أن لنا خِلاَفاً في « فاء » الجزاء : هل تفيد السَّبَبِيَّةَ أو لا؟
قوله : { وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُون } الظاهر في « ما » أن تكون مَوْصُولَةَ اسمية ، والمُرَادُ بها ما عُبِدَ مِنْ دون اللَّهِ مُطْلَقاً : العُقَلاَء وغيرهم ، إلاّ أنه غَلَّبَ غيرا لعقلاء عليهم كقوله :

{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات } [ النحل : 49 ] والعائد محذوف ، أي : ما تُشْرِكُونَهُ مع الله في العِبَادَةِ .
وقال الفارسيُّ : « الأصْلُ : وتَنْسَوءنَ دُعاءَ ما تشركون ، فحذف المضاف » .
ويجوز أن تكون مَصْدرِيَّةً ، وحينئذٍ لا تَحْتَاجُ إلى عائد عن الجمهور .
ثم هل هذا المصدر باقٍ على حقيقته؟ أي : تَنْسَوْنَ الإشراك نَفْسَهُ لما يَلْحَقُكُمْ من الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ ، أو هو واقع موقع المعفول به ، أي : وتنسون المُشْرَكَ به ، وهي الأصنام وغيرها ، وعلى هذه فمعناه كالأوَّلِ ، وحينئذ يحتمل أن يكون السياق على بابه من « الغَفْلَة » وأن يكون بمعنى التَّرْكِ ، وإن كانوا [ ذاكرين ] لها أي : للأصنام وغيرها .
فصل في المراد من الآية
معنى الآية فيكشف الضُّرَّ الذي من أجْلِهِ دَعَوْتُمْ إن شاء ، وهذه الآية تَدُلُّ على أنه - تعالى - قد يجيب الدُّعَاءَ إن شاء ، وقد لا يجيبه .
فإن قيل : قوله : { ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] يفيد الجَزْمَ بالإجابة ، وهاهنا عَلَّقَ الإجابة على المشية ، فيكيف يجمع بين الآيتين؟
فالجوابُ أن يقال : تَارَةً يَجْزِمُ سُبْحَانَهُ بالإجابة ، وتارةً لا يجيب إمَّا بحسب المشيئة كما يقول أهل السُّنَّةِ ، أو بحسب رعايَةِ المصلحة كما يقول المعتزلة ، ولمَّا كان كلا الأمرين حَاصِلاً لا جَرَمَ وردت الآيتين على هذهين الوجهين .
فصل في أن أصل الدين هو الحجة
وهذه الآية من أقْوَى الدَّلائِلِ على أن أصل الدين هو الحُجَّةُ والدليل ، لا يخصُّ التقليد؛ لأنه- تعالى - كان يقول لِعبدةِ الأوْثَانِ إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله لا إلى الأصنام والأوثان ، فَلِمَ تقدمون على الأصنام التي لا تَنْتَفِعُونَ بعبادتها ألْبَتَّةَ ، وهذا الكلامُ إنما يُفيدُ لو كان ذكرُ الدَّلِيلِ والحُجَّةِ مقبولاً ، أمَّا لو كان مَرْدُوداً وكان الواجب التقليد كان هذا الكلام سَاقِطاً .

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)

في الكلام : حَذْفُ تقديره : « أرْسلْنَا رُسُلاً إلى أممٍ فكذبوا فأخذناهم » وهذا الحذفُ ظاهر جداً .
و « من قَبْلِكَ » متعلِّقٌ ب « أرْسلنا » ، وفي جعله صِفَةً ل « أمم » كلام تقدِّم مِرَاراً ، وتقدَّم تفسيرُ { البأسآء والضراء } [ البقرة : 177 ] ولم يُلْفَظُ لهما بِمُذَكِرٍ على « أفْعَل » .
قوله : { ولاا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا } .
« إذ » منصوب ب « تضرَّعوا » فَصَلَ به بين حرف التحضيض وما دخل عليه ، وهو جائز في المفعول به ، تقول : « لولا زيداً ضَرَبْتَ » ، وتقدَّم أن حرفَ التَّخْضِيض مع الماضي يكون معناه التَّوءبِيخَ ، والتَّضَرُّع : « تَفَعُّل » من الضَّراعَة؛ وهي الذِّلَّة والهَيْبَة المسببة عن الانْقِيَادِ إلى الطاعة ، يقال : « ضَرَعَ يَضْرَعُ ضراعة فهو ضارعٌ وضَرعٌ » .
قال الشاعر : [ الطويل ]
2174- ليُبْكَ يَرْيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
وللسهولة والتَّذَلُّلِ المفهومة من هذه المادة اشْتَقُّوا منها لِلثَّدْي اسماً فقالو له : « ضَرْعاً » .
قوله : { ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُم } « لكنْ » هنا وَاقِعَةٌ بين صدَّيْنِ ، وهما اللِّينُ والقَسْوَةُ؛ وذلك أن قوله : « تضرَّعوا » مُشْعِرٌ باللِّينِ والسُّهُولةِ ، وكذلك إذا جعلءتَ الضَّراعَةَ عبارة عن الإيمان ، والقَسْوَةَ عبارة عن الكُفْرِ ، وعبَّرت عن السبب بالمُسَبَّبِ ، وعن المُسَبَّبِ بالسبب ، ألا ترى أانه تقول : « آمنَ قلبه فتضرَّعُ ، وقسا قلبه فكفر » وهذا أحسن من قول أبي البقاء : « ولكن » استدراك على المعنى ، أي ما تَضَرَّعُوا ولكن يعني أن التَّخْضِيضَ في معنى النَّفْي ، وقد يَتَرَجَّعُ هذا بما قالهُ الزمخشري فإنه قال : مَعْنَاهُ نَفْيُ التضرُّع كأنه قيل : لم يَتَضرَّعوا إذ جاءهم بأسُنَا ، ولكنه جاء ب « لولا » ليفيد أنه لم يكن لهم عُذْرٌ في تَرْك التَّضَرُّعِ ، إلاَّ قَسْوَة قلوبهم ، وإعجابهم بأعمالهم التي زَيَّنَهَا الشَّيْطَانُ لهم .
قوله : « وزيَّنَ لَهُم » هذه الجملة تَحْتَمِلُ وجهين :
أحدهما : أن تكون اسْتِئْنَافِيَّةً أخبر تعالى عنهم بذلك .
والثاني : وهو الظاهر- : أنها داخلة في حيَّز الاستدراك فهو نسقٌ على قول : « قَسَتْ قُلُوبهم » وهذا رأي الزمخشري فإن قال : « لم يكن عُذْرٌ في ترك التَّضرُّع إلاَّ قَسْوَةُ قلوبهم وإعابُهُم بأعمالهم » كما تقدَّم و « ما » في قوله : « ما كانوا » يحتمل [ أن تكون موصولة اسمية أي : الذي كانوا يعملونه ] وأن تكون مصدرية ، أي : زيَّنَ لهم عَمْلَهُم ، كقوله : { زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ } [ النمل : 4 ] ويَبْعُدُ جَعْلُها نكرةً موصوفة .
فصل دلت هذه الآية مع الآية التي قبلها على مذهب أهل السُّنةِ ، لأنه بيَّن في الآية الأولى أن الكُفار يرجعون إلى الله - تعالى - عند نزول الشَّدائد ثم بيَّن في هذه الآية أنهم لا يَرْجعُونَ إلى الله - تعالى - عند كل ما كان من جِنْسِ الشَّدَائِدِ ، بل قد يبقون مُصِرِّينَ على الكُفْرِ غير راجعين إلى الله تعالى ، وذلك يَدُلُّ على أنَّ من لم يَهْدِهِ الله لم يَهْتَدِ سواء شَاهَدَ الآيات أوْ لم يُشَاهد .

فإن قيل : ألَيْسَ قوله : { بل إيَّاهُ تَدْعُونَ } يَدُلُّ على أنهم تَضَرَّعُوا ، وها هنا يقول : « قَسَتْ قُلوبهم ولم يتضرَّعوا » .
فالجوابُ : أولئك أقْوَامٌ وهؤلاء أقوامٌ آخَرُون ، أو نقول : أولئك تَضَرَّعُوا لطلب إزالة البَلِيَّة ولم يَتَضرَّعُوا على سبيل الإخلاصِ لله تعالى ، فلهذا القَرْق حَسُنَ الإثْبَاتُ والنفي .
فصل احتج الجُبَّائي بقوله : { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُون } على أنه - تعالى - إنما أرْسَل الرسل إليهم ، وإنما سَلَّطَ البَأسَاءَ والضَّرَّاء عليهم إرادةِ أن يتضرعوا أو يؤمنوا ، وذلك يَدُلُّ على أنه - تعالى- أراد الإيمان والطاعة من الكُلِّ .
والجوابُ أن كلمة « لَعلَّ » للتَّرَجِّي والتَّمَنِّين وهو في حق الله - تعالى - مُحَالٌ ، وأنتم حملتموه على إرادة هذا المَطْلُوب ، ونحن نحمله على أنه - تعالى - عاملهم مُعاملة لو صدرت عن غير الله لكان المَقْصُود منه هذا المعنى ، فأمَّا تعليل حكم الله - تعالى - ومشيئته ، فذلك مُحَالٌ على ما ثبت بالدَّليل ، ثم نقول : إن دَلَّتْ هذه الآية على قولكم من هذا الوَجْهِ ، فإنها تَدُلُّ على ضِدِّ قولكم من وجهٍ آخر ، وذلك لأنها تَدُلُّ على أنهم إنما لم يَتضَرَّعُوا لِقَسْوَةِ قلوبهم ، ولأجلِ أنَّ الشَّيْطَانَ زَيَّنَ لهم أعْمَالَهُمْن فنقول : تلك القَسْوَةُ إن [ حصلت بفعلهم احتجاوا في إيجادها إلى سبب آخر ولزم التسلسل وإن ] حصلت بفعل الله - تعالى - فالقول قولنا .
وأيضاً : هَبْ أن الكُفَّارَ إنما أقدموا على هذا الفعل القبيح [ بسبب تزيين الشيطان ، إلاَّ أنا نقول : ولم بقي الشيطان مصراً على هذا الفعل القبيح ] ، فإن كان ذلك لأجل شَيْطان آخر تَسَلْسَلَ إلى غير نهاية ، وإذا بطلت هذه التَّقَادِيرُ وانتهت إلى أنَّ كُلَّ أحد إنما يُقدِمُ تارةً على الخير وأخْرَى على الشَّرِّ؛ لأجل الدَّوَاعي التي تحصل في قَلْبِهِ ثم ثبت أن تلك الدَّوَاعي لا تحصل إلاَّ بإيجاد الله ، فحينئذٍ يَصحُّ قولنا ، ويفسدُ قولهم بالكلية ، والله أعلم .

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)

وهذا من تمام القصة الأولى بيَّن تعالى أنه أخذهم بالبَأسَاءِ والضرَّاءِ لعَلَّهُمْ يَتَضرَّعُوا ثُمَّ بيَّن في هذه الآية أنهم لما نَسُوا ما ذُكِّروا به من البَأسَاءِ والضَّرَّاءِ فَتَحْنَا عليهم أبواب كُلِّ شيء ، ونَقَلْنَاهُمْ من البَأسَاءِ والضَّرَّاء إلى الرَّاحةِ والرَّخاءِ ، وأنواع الآلاَءِ والنعماءِ والمقصودُ أنه - تعالى - عَامَلَهُمْ بِتَسْلِيطِ المَكَارِهِ والشَّدَائِدِ تَارَةً ، فلم ينتفعوا به ، فَنَقَلَهُمْ من تلك الحَالَةِ إلى ضِدِّهَا ، وهو فتح أبواب الخيرات عليهم ، فلم ينتفعوا به أيضاً ، وهذا كما يَفْعَلُهُ الأبُ المُشْفِق بولَدِهِ يُخَاشِنُهُ تَارَةً ويُلاطِفُهُ أخرى طَلَباً لصَلاحِهِ .
قوله : « فَتَحْنَا » : قرأ الجمهور « فَتَحْنَا » مخفَّفاً ، وابن عامر « فَتَّحْنَا » مثقلاً ، والتقيلُ مُؤذِن بالتكثير؛ لأن بَعْدَهُ « أبواب » فناسب التكثير والتخفيف هو الأصل .
وقرا ابن عامر أيضاً في « الأعراف » { لَفَتَحْنَا } [ الأعراف : 96 ] وفي « القمر » { فَفَتَحْنَآ } [ القمر : 11 ] بالتَّشديد أيضاً ، وشدَّدَ أيضاً { فُتِحَتْ يَأْجُوجُ } [ الأنبياء : 96 ] والخلافُ أيضاً في { فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } في « الزمر » في الموضعين [ آية 71 ، 73 ] ، { وَفُتِحَتِ السمآء } في النبأ [ آية 19 ] فإن الجماعة وافقوا ابن عامر على تشديدها ، ولم يَقْرَأها بالتخفيق إلاَّ الكوفيون ، فقد جَرَى ابن عامر على نَمَطٍ واحدٍ في هذا الفِعْلِ ، والباقون شَدَّدُوا في المواضع الثلاثة المُشَارِ إليها ، وخَفَّفُوا في الباقي جَمْعاً بين اللغتين .
قوله : « فَإذَا مُبْلِسُونَ » « إذا » هي الفُجَائِيَّةُ ، وفيها ثلاثة مذاهب :
مذهب سيبويه أنها ظرف مكان ، ومذهبُ جماعة منهم الرّياشي أنها ظرف زمان ، ومذهب الكُوفيين أنها حرف ، فعلى تقدير كونها ظَرْفاً زماناً أو مكاناً النَّصابُ لها خبر المبتدأ ، أي : أبْلِسُوا في مكان إقامَتِهِمْ أو في زمانها .
والإبْلاسُ : الإطْرَاقُ .
وقيل : هو الحزن المعترض من شدة البَأسِ ، ومنه أشْتُقَّ « إبْلِيسُ » وقد تقدَّم في موضعه ، وأنَّهُ هل هو أعجمي أم لا؟
قال القرطبي : المُبْلسُ الباهت الحزين الآيسُ من الخير الذي لا يحيرُ جواباً لشدَّةِ ما نزل به من سُوءِ الحالِ .
قال العجَّاج : [ الرجز ]
2175- يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَسَا ... قال : نَعَمْ أعْرِفُه وأبْلَسَا
أي : تحيّر لهَوْل ما رَأى ، ومن ذلك اشْتُقَّ اسم إبْلِيس ، وأبْلَسَ الرَّجُلُ سَكَتَ ، وأبْلَسَت النَّاقَةُ وهي مبلاسٌ إذا لم تَرْعَ من شِدَّةِ الضّبَعة يقال : ضَبِعَت النَّاقة تَضْبَع ضَبَعَةً وضَبْعاً إذا أرادت الفَحْلَ .
فصل في معنى الآية
المعنى : فتحنا عليهم أبْوابَ كُلِّ شيء كان مُغْلَقاً عنهم من الخير ، أي : لمَّا قَسَتْ قلوبهم ولم يَتَفَطَّنُوا ونَسُوا ما ذكروا به من الوَعْظِ فَتَحْنَا عليهم أبْوَابَ الخير مكان البلاء والشِّدَّة حتى إذا فَرِحُوا بما أوتوا ، وهذا فَرَحُ بَطَرٍ مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا .
قال الحسنُ : في هذه الآية مَكْرٌ بالقوم وربِّ الكعبة .
وقال صلى الله عليه وسلم : « إذَا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العَاصِي ، فإنَّ ذَلكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنَ اللَّهِ »

ثم قرأ هذه الآية . ثم قال « أخَذْنَاهُم بَغْتَةً » : فُجَاءةً أين ما كانوا .
قال أهْلُ المعاني : وإنما أخذوا في حَالِ الرَّاحةِ والرَّخَاءِ ليكون أشَدَّ لِتحَسُّرِهِمْ على ما فَاتَهُمْ من حال السلامة والعَافِيَةِ ، « فإذا هم مُبْلسون » آيِسُونَ من كُلِّ خيرٍ .
قال الفرَّاء : المُبْلسُ الذي انقطع رَجَاؤهُن ولذلك قيل للذي سكت عند انقطاع حُجَّتِهِ : قد أبْلِسَ .
وقال الزَّجَّاجُ : المُبْلسُ الشديد الحَسْرَةِ الحزين .
قوله : « فَقُطَعَ دَابِرُ » الجمهور على « فَقُطِعَ » مِبْنِيَّا للمفعولِ « دابرُ » مرفوعٌ به .
وقرأ عِكْرِمَةُ : « قطع » مبنياً للفاعل ، وهو الله تعالى ، « دَابِرَ » مفعول به ، وفيه التَفَاتٌ ، إذ هو خورج من تكلم في قوله : « أخَذْنَاهُمْ » إلى غَيْبَةٍ .
و « الدَّابِرُ » التَّابعُ من خَلْفٍ ، يقال : دَبَرَ الوَلَدُ والِدَه ، ودَبَرَ فلان القَوْمَ يَدْبُرُهُمْ دُبُوراً ودَبْراً .
وقيل : الدَّابرُ الأصْلُ ، يقال : قَطَع اللَّهُ دَابِرَهُ ، أي : أصله قاله الأصْمَعِيُّ ، وقال أبُو عُبَيْدٍ « » دَابِرُ القوم آخِرُهُمْ « ، وأنشدوا لأميَّة بن أبي الصَّلْتِ : [ البسيط ]
2176- فاستُؤصِلُوا بِعَذَابٍ حَصَّ دَابِرَهُمْ ... فَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفاً وَلاَ انْتَصَرُوا
ومنه دَبَرَ السَّهْمُ الهَدَفَ ، أي : سقط خَلْفَهُ .
وفي الحديث عن عبد الله بن مَسْعُودٍ » مِنَ النَّاسِ مَنْ لا يَأتِي الصَّلاةَ إلاَّ دُبريًّا «
أي : في آخر الوقت .
فصل في المراد بالآية
والمعنى أنَّ الله - تعالى - اسْتَأصَلَهُمْ العذاب ، فلم يُبْقِ بَاقِيَةً .
و » الحمد لله رب العالمين « .
قيل : على هَلاّكِهِمْ .
وقيل : تعليمٌ للمؤمنين كيف يَحْمَدُونَهُ ، حَمَدَ اللَّهُ نَفْسَهُ على أنْ قَطَعَ دَابِرَهُم؛ لأنه نِعْمَةٌ على الرُّسُلِ ، فَذَكرَ الحمْدَ تَعْلِماً لهم ، ولمن آمن بهم أن يَحْمَدُوا الله على كِفَايَتِهِ شَرَّ الظالمين ، وليحمد محمد وأصحابه رَبَّهُمْ إذا أهلكنا المكذّبين .
وتضَمَّنَتْ هذه الآية الحُجَّة على وحوب ترك الظلم لما تعقَّب من قَطْعِ الدَّابرِ إلى العذابِ الدئام مع اسْتَحْقَاقِ القاطعِ للحمد من كل حَامِدٍ .

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)

{ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله } المفعول الأوَّل محذوف ، تقديره : أرأيتم سَمْعَكُمْ وأبصاركم إن أخذنا اللَّهُ ، والجملة الاسْتِفْهَامِيَّةُ في موضع الثاني ، وقد تقدَّم أن أبا حيَّان يجعله من التَّنازُعِ ، وجوابُ الشرط مَحْذُوفٌ على نحو ما مَرَّ .
وقال الحوفي : وحَرْفُ الشَّرْطِ وما اتَّصَلَ به في موضع نَصْبٍ على الحالِ ، والعاملُ في الحالِ « أرأيتم » كقولك : « اضْرِبْهُ إن خرج » أي : خارجاً ، وجواب الشَّرْطِ ما تقدَّم مما دَخَلَتْ عليه هَمْزَةُ الاستفهام وهذا إعرابٌ لا يَظْهَرُ .
ولم يُؤتَ هنا ب « كاف » الخطاب ، وأتِيَ به هناك؛ لأن التَّهْديدَ هناك أعْظَمُ فَنَاسَبَ التأكيد بالإتيان ب « كاف » الخطاب ولمَّا لم يُءتَ بالكافِ وجَبَ بروز علامةِ الجَمْعِ في التاء لئلا يَلْتَبِسَ ، ولو جيء معها بالكافِ لاسْتُغْنِيَ بها كما تقدَّمَ ، وتوْحِيدُ السَّمْعِ ، وجَمْعُ الأبصارِ مفهومق مما تقدَّم في « البقرة » .
قوله : « مَنْ إلهٌ » مبتدأ وخبر ، و « مَنْ » استِفْهَامِيَّةٌ ، و « غيرُ الله » صِفَةٌ ل « إله » و « يأتيكم » صِفَةٌ ثانية ، و « الهاء » في « به » تعود على « سمعكم » .
وقيل : تعود على الجميع ، ووُحِّد ذهَاباً به مذهب اسم الإشارةِ .
وقيل : تعود على الهدى المدلول عليه بالمعنى .
وقيل : يَعُودُ على المَأخُوذِ والمختُومِ المدلول عليهما والخَتْمِ ، والاستفهامُ هنا للإنكارِ .
والجمهور : « بِهِ انظر » بكسر الهاء على الأصل ، وروى المُسَيَّبي عن نافع « بهُ انظر » بضم الهاء [ وهي لغةُ من يقرأ « فخسفنا بهو وبدارهُو الأرض » فحذف « الواو » لالتقاء الساكنين ، فصارَ « به انظر » والباقون بكسرها .
وقرأ حمزة ، والكسائي « يَصْدِفُونَ » بإشْمَامِ الزَّاين والباقون بالصاد .
فصل في معنى الآية
قال ابنُ عبَّاسٍ : المعنى : أيُّها المشركونُ إنْ أخَذَ الله ، أي : أذهب وانْتَزَعَ سَمْعَكُمْ وأبْصَارَكُمْ ، وختم على قلوبكم ، أي : طبع على قلوبكم فلم تَعْقِلِ الهُدَى .
وقيل : معناه : أزال عقولكم حتى تصيروا كالمَجَانين .
وقيل : المُرَادُ من هذا الخَتْمِ الأمانةن .
فصل في إثبات الصانع
المرادُ من هذا الكلام الدِّلالةُ على وُجُودِ الصانع الحكيم المُخْتَار؛ لأ ، أشْرَفَ أعضَاءِ الإنْسَانِ هو السَّمْعُ والبصر والقَلْبُ ، والأذن محل القوة الساَّامعة ، والعَيْنُ مَحَلُّ القوة البَاصِرَةِ ، والقَلْبُ مَحَلُّ الحياة والعِلْمِ والعَقْلِ ، فلوْ زالَتْ هذهِ الصِّفَات عن هذه الأعضاء اخْتَلَّ أمْرُ الإنسان ، وبَطَلَتْ مَصَالِحُهُ في الدنيا والدِّين .
ومن المعلوم بالضرورة أن القَادِرَ على تحصيل هذه القُوَى فيها ، وصونها عن الآفَاتِ ليس إلا الله تعالى ، وإذا كان الأمْرُ كذلك كان المُنَعِمُ بهذه النعم العظيمة هو الله سُبْحَانَهُ وتعالى .
قوله : { انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات } .
« كيف » مَعْمُول ل « نُصرِّفُ » ونَصبُها : إمَّا على التَّشْبيه بالحالِ ، او التشبيه بالظَّرْفِ ، وهي مُعْلِّقةٌ ل « انظر » فهي في مَحَلِّ نصب بإسْقَاطِ حرفِ الجرِّ ، وهذا ظاهرٌ مما تقدَّم .

و « نُصَرِّف » : نُبَيِّنُ ، و « يَصْدِفُون » معناه : يُعْرِضُونَ ، يقال : صَدَق عن الشيء صَدفاً وصدوفاً وصدافيةً ، وصادَفْتُهُ مُصادفَةً أي : لقِيتُهُ عن إعْراضٍ من جهتِهِ .
قال عِدِيُّ بْنُ الرقَاعِ : [ البسيط ]
2177- إذَا ذَكَرْنَ حَدِيثاً قُلْنَ أحْسَنَه ... ُ وهُنَّ كُلِّ سُوءِ يُتَّقَى صُدُفُ
« صُدُف » جمع « صَدُوف » ك « صُبُر » في جمع « صَبُور » .
وقيل : معنى « صَدَف » : « مال » ، مأخوذة من الصَّدَفِ في البعيرِ ، وهو ان يميل خُفُّهُ من اليد إلى الرِّجْلِ من الجانب الوَحْشِيّ .
و « الصَّدَفُ » جمع « صَدَفَة » ، وهي المحَارَةُ التي تكون فيها الدُّرَّة .
قال : [ البسيط ]
2178- وَزَادَهَا عَجَباً أنْ رُحْتُ فِي سُبُلٍ ... وَمَا دَرَتْ دَوَرَانَ الدُّرِّ في الصَّدَفِ
و « الصَّدَفُ » و « الصُّدُف » بفتح الصاد والداله ناحية الجَبَلِ المُرْتفعِ ، وسأتي لهذا مزيدُ بيان .
فصل في دفع شبهة للمعتزلة
قال الكعبي : دلَّت هذه الآية على أن اللَّه - تعالى - مَكَّنَهُمْ من الفَهْمِ ، ولم يخلق فيهم الإعْرَاضَ والصَّدَّ ، ولو كان تعالى هو الخَالِق للفكر فيهم لم يكن لهذا الكلامِ مَعْنَى .
واحْتَجَّ أهل السُّنَّةِ بعين هذه الآيَةِ قالوا : إنه - تعالى - بيَّن أنه بالغ في إظهار هذه الدلالة وفي تقريرها ، وإزالة الشبهات عنها ، ثم إنهم مع هذه المُبَالَغةِ القَاطِعَةِ للعُذْرِ ما زادوا إلاَّ تَمَادِياً في الكُفْرِ والعنادِ ، وذلكَ يَدُلُّ على أن الهُدَى والإضْلالَ لا يحصلان إلاَّ بهذاية الله - تعالى - وإضْلالِهِ ، فَدَلالَةُ الآية على قولنا أقوى من دَلالتهَا على قولهم .

قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)

اعلم أن الدلائلَ المتقدّمة كانت مختصة بأخذ السَّمْع والبَصَرِ والقلب ، وهذا عامٌ في جميع أنواع العذابِ ، والمعنى أنه لا دَافِعَ لنوع من أنواع العذابِ ، ولا مُحَصِّلَ لخير من الخَيْرَاتِ إلاَّ اللَّهُ تعالى ، فوجب أن يكون هو المَعْبُودَ دون غيره .
والمراد ب « البَغْتَة » العذاب الذي يأتيهم فُجَاءةً من غير سَبْقِ علامةٍ ، والمرادُ ب « الجَهْرَة » العذاب الذي يأتيهم مع سَبْقِ علامة تَدُلُّ عليه .
وقال الحَسَنُ : « بَغْتَةً » أو « جَهْرَةً » : معناه : لَيْلاً أو نهاراً .
قال القاضي : والأوَّل أوْلَى؛ لأنه لو جاءهم ذلك العذابُ ليْلاً وقد عاينوا قُدُمَهُ لم يكن بَغْتَةً ، ولو جاءهم نَهَاراً وهم لا يَشْعُرون بقدومه لم يكن جَهْرَةً .
قوله : « هل يهلك » هذا اسْتِفْهَامٌ بمعنى النَّفْيِ؛ ولذلك دخلت « إلاَّ » وهو استثناء مُفَرَّغٌ ، والتقديرُ : ما يُهْلَكُ إلاَّ القَوْمُ الظالمون ، وهذه الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني ل « أرأيتكم » والأوَّلُ مَحْذُوفٌ ، وهو من التَّنَازع على رأي أبي حيَّان كما تقدَّم تَقْرِيرُهُ .
وقال أبو البقاء : الاسْتِفْهَامُ هنا بمعنى التَّقْرير ، فلذلك نَابَ عن جواب الشَّرْط ، أي : إن أتاكم هلكتم ، والظَّاهِرُ ما تقدَّمن ويجيء هنا قول الحُوفِيّ المتقدَّم في الآية قبلها من كون الشرط حالاً .
وقرأ ابن محيصن : « هل يَهْلَكُ » مَبْنيَّا للفاعل .
فإن قيل : إن العذابَ إذا نزل لم يَحْصُلْ فيه التَّمْييزُ بَيْنَ المُطيعِ والعاصي . فالجوابُ أن العذاب وإن عَمَّ الأبْرَارَ والأشْرَار في الظاهرة ، إلاَّ أن الهلاك في الحقيقة مُخْتَصٌّ بالظالمين؛ لأن الأخْيَارَ يستوجبون [ بسبب نزول تلك ] المضارِّ بهم أنْوَاعاً عظيمة من الثواب والدَّرَجَاتِ الرفيعة عن الله .

وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)

والمقصود من هذه الآية أن الأنبياء إنما بُعِثُوا مُبَشِّرين بالثواب على الطَّاعاتِ ، ومُنْذِرينَ بالعِقَابِ على المَعَاصي ، ولا قُدْرَةَ لهم على إظْهَارِ الآيات والمُعْجِزَاتِ ، بل ذلك مُفَوَّضٌ إلى مَشِيئَةِ الله وحكمته .
قوله : { إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ } حالٌ من « المرسلين » ، وفي هذه الحال معنى الغَلَبة ، أي : لم نرسلهم لأن نقترح عليهم الآيات ، بل لأن يبشروا وينذروا .
وقرأ إبراهيم ، ويحيى : « مُبْشِرين » بالتخفيف ، وقَدْ تقدَّم أن « أبْشَرَ » لغة في « بَشَّر » .
قوله : « فَمَنْ آمَنَ » يجوز في « مَنْ » أن تكون شَرْطِيَّةً ، وأن تكون مَوْصُولةً ، وعلى كلا التقديرين فَمَحَلُّهَا رفع بالابتداء .
والخبر « فلا خَوْفَ » فإن كانت شَرْطِيَّة ، فالفاء جواب الشَرْط ، وإن كانت مَوْصُولةً فالفاء زائدة لشبه الموصول بالشرط ، وعلى الأول يكون مَحَلُّ الجملتين الجَزْمَ ، ولعى الثاني لا مَحَلِّ للأولى وممحل الثانية الرفع ، وحمل على اللفظ فأفرد في « آمن » و « أصْلَحَ » ، وعلى المعنى فجمع في { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون } ، ويُقَوِّي كونها موصولة مقابلتها بالموصول بعدها في قوله : { والذين كَذَّبُواْ } .
وقرأ علقمةك « نُمسُّهم » : بنون مضمومة من « أمَسَّه كذا » « العذابَ » نَصْباً ، والمَسُّ في اللغة التِقَاءُ الشيئين من غير فصل .
وقرأ الأعْمَش ، ويحيى بن وثاب « يَفْسِقُون » بكسر السّين ، وقد تقدَّم أنها لُغَةٌ ، و « ما » مصدريَّةٌ على الأظهر ، أي بِفِسْقِهِمْ .
فصل في رد شبه للقاضي
قال القاضي : إنه - تعالى - عَلَّلَ عذابَ الكفَّار؛ لأنهم فَاسِقينَ ، فاقتضى أن يكون كل فاسق كذلك ، فيقال له : هذا معارض بما أنه خص الذين كفروا وكذَّبوا بآيات الله وهذا يدل على أنه من لم يكن مكذّباً بآيات الله ألاَّ يلحقه هذا الوعيد أصلاً ، وأيضاً فإن كان هذا الوعيدُ معلّلاً بِفِسْقِهِمْ فلم قلتمك إن فِسْقَ من عرف الله ، وأقَرَّ بالتوحيد والنبوة والمعاد مُسَاوٍ لِفِسْقِ من أنكر هذه الأشياء؟

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75