كتاب : تفسير اللباب في علوم الكتاب
المؤلف : أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)

قوله تعالى : { قَالَتِ الأعراب آمَنَّا } الآية . لما قالت تعالى : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ } [ الحجرات : 13 ] والاتّقاء لا يكون إلا بعد حصُول التقوى وأصله الإيمان والاتِّقاء من الشِّرك قالت الأعراب يكون لنا النسب الشريف يكون لنا الشرف قال الله تعالى : ليس الإميان بالقول إنما بالقلب ، فما آمنتم فإن الله خبير بعلم ما في « الصدور » ولكن قولوا أسلمنا أي أنْقَدْنَا وأَسْلَمْنَا . قيل : نزلت في نَفَرٍ من بني أسد بن خزيمة ، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَنةٍ مُجَدِبَةٍ ، فأظهروا الإِسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر طالبين الصدقة فأفسدوا طرق المدينة بالقاذورات وكانوا يغتدون وَيُرحُون إلى رسو لالله صلى الله عليه وسلم ويقولون : أَتَتْكَ العرب بأنفسها على ظهور رَوَاحِلهَا ، وجئناك بالأثقال والعِيَال والذَّرارِي ولم نُقاتِلكَ كما قاتَلَكَ بنُو فلان يَمُنُّون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويريدون الصدقة ، ويقولون أَعْطِنَا ، فانزل الله تعالى فيهم هذه الآية . وقال السدي : نزلت في الأعراب الذين الله تعالى في سورة الفتح وهم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأَسْلَمُ ، وأشْجَعُ وغِفَار وكانوا يقولون : آمنًّا ليأمَنُوا على أنفسهم وأموالهم فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا فأنزل الله تعالى : { قَالَتِ الأعراب آمَنَّا } صدقنا { قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا } أنقَذْنا واسْتَسْلَمْنَا مخالفَة القتل والسَّبْي .
قال ابن الخطيب : وقد بينا أن ذلك كالتاريخ للنزول لا للاختصاص بهم ، فكل من أظهر فعل التقوى أراد أن يصير له ما للمتقي من الإكرام ولا يحصل له ذلك لأن التقوى من عمل القلب .
قوله : « وَلَمَّا يَدْخُلْ » هذه الجملة مستأنفة ، أخبر تعالى بذلك . وجعلها الزمخشري حالاً مستقرّة في : « قَولُوا » وقد تقدم الكلام في « لما » وما تدل عليه ، والفرق بينها وبين « لم » في البقرة عند قوله تعالى : { وَلَمَّا يَأْتِكُم } [ البقرة : 214 ] .
وقال الزمخشري : فإن قلت : هو بعد قوله : « لَمْ تُؤمِنُوا : يشبه التكرير من غير استقلال بفائدة متجدِّدة! .
قلت : ليس كذلك ، فإن فائدة قوله : لم تُؤْمِنُوا هو تكذيب دعواهم . وقوله : » وَلَمَّا يَدْخُل « توقيت لِمَا أمروا به أن يقولوه . ثم قال : » ولما في « لمّا » من معنى التوقيع د
لي لعى أن هؤلاء قد آمنوا فيم بعده « ، قال أبو حيان : فلا أدري من أي وجه يكون النفي بِلَمَّا يقع بعد؟! . قال شهاب الدين : لأنَّها لنفي قَدْ فَعل ، وقَدْ للتَّوَقع .
فصل
قال ابن الخطيب : لَمْ ولَمَّا حَرْفَا نفي ، ومَا ، وإنْ ولاَ كذلك من حرفو النفي ولَمْ ولَمَّا يجزمان وغيرهما من حروف النفي لا يجزم فما الفرق بينهما؟ .
فالجواب : أن لم ولما يفعلان بالفعل ما لا يفعل به غيرهما ، فإنهما يَصْرِفَان معناه من الاستقبال إِلى النفي تقول : لَمْ يُؤْمِنْ أَمْسِ ، وآمَنَ اليَوْمَ ، ولا تقول : لاَ يُؤْمِنُ أَمْسِ ، فلما فعلا بالفعل ما لم يفعل به غيرهما جزم بهما .

فإن قيل : مع هذا : لم جزم بهما؟ غاية ما في الباب أن الفرق حصل ولكن ما الدليل على وجوب الجزم بهما؟ نقول : لأن الجزمَ والقَطْع يَحْصل في الأفعال الماضية؛ لأنَّ من قال فقد حصل القطع بقيامه ولا يجوز أن يكون ما قام ، والأفعال المستقبلة إما متوقعة الحصول وإما ممكنة من غير تَوَقُّع ، فلا يمكن الجزم والقطع فيه ، فإذا كان « لَمَّا ولَمْ » يَقْلِبَان اللَّفظَ من الاستقبالِ إلى المُضِيِّ أفاد الجزم والقطع في المعنى فجعل له مناسباً والقطع في المعنى فجعل له مناسباً لمعناه وهو الجزم لفظاً ، وعلى هذا نقول : إذا كان السببُ في الجزم ما ذكرنا فلهذا قيل : الأمر يجزم ، لأن الآمرّ كأنه جزم على المأمور أن يفعله ولا يتركه ، فأتى بلفظ مجزوم تنبيهاً على أنّ الفعل لا بد من إيقاعه و « إنْ » في الشرط ك « لَمْ » لأن « إنْ » تغير معنى الفعل من المُضِيِّ إلى الاستقبال كما أن « لَمْ » تغيِّره من الاستقبال إلى المُضِي تقول : إِنْ أكْرَمْتَنِي أُكْرِمْكَ ، فلما كان « إنْ » مثلُ « لَمْ » في كونه حرفاً ، وفي لزوم الدخول على الأفعال وتغييرها صار جازماً للشبه اللَّفْظيِّ وأما الجزاء فجزم لِمَا ذَكَرْنا مِن المعنى ، فإن الجزاء يجزم لوقوعه عند وجود الشرط فجَزْمُهُ إِذَنْ إمَّا للْمعْنَى ، أو للشبه اللفظي .
فصل
أخبر الله تعالى أنَّ حقيقة الإيمان هو التصديق بالقلب ، وأن الإقرار باللِّسان وإظهار شرائعه بالإيمان لا يكون إيماناً دون التصديق بالقلب والإخلاص و الإسلامُ هو الدخول في السِّلم ، وهو الانقياد والطاعة يقال : أسْلَمَ الرَّجُلُ إذا دخل في الإسلام والسِّلْم ، كما يقال أَشْتَى إذَا دَخَلَ في الشِّتَاء ، وأَصَافَ إذَا دخَلَ في الصَّيْفِ ، وأرْبَعَ إذا دخل في الرَّبِيع ، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان والجنان كقوله عز وجلّ لإبراهيم : { أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين } [ البقرة : 131 ] ومنها : ما هو انقياد باللِّسان دون القلب وذلك قوله : { ولكن قولوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ } .
قال ابن الخطيب : المؤمن والمسلم واحد عن أهل السنة فيكون الفرق بين العام والخاص أن الإيمان لا يحصل إلا بالقلب والانقياد قد يحصل بالقلب وقد يحصل باللسان والإسلام أعم لكن العام في صورة الخاص متَّحد مع الخاص ولا يكون أمراً آخر غيره .
مثلاه : الحَيَوَان أَعَمُّ من الإنسان ، لكن الحيوان في صورة الإنسان ( ليس ) أمراً ينفكُّ عن الإنسان ويجوز أن يكون ذلك الحيوانُ حيواناً ولا يكون إنساناً ، فالعام والخاص مختلفان في العموم متحدان في الوجود وكذلك المؤمن والمسلم .

وسيأتي بقية الكلام عن ذلك في الذَّاريات عند قوله : { فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المؤمنين فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المسلمين } [ الذاريات : 35 و36 ] إن شاء الله تعالى .
قال ابن الخطيب : وفي الآية إشارة إلى بيان حال المؤلَّفة إذا أسلموا ويكون إيمانهم ( ( بعد ) ضعيفاً ) قال لهم : لَمْ تؤمنوا لأن الإيمان أيقانٌ وذلك بعد لم يدخل في قلوبكم وسيدخل باطّلاعكم على محاسن الإسلام .
قوله : { وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } أي ظاهراً وباطناً سراً وعلانية . قال ابن عباس : تُخْلِصُوا الإيمان .
قوله : « لاَ يَلتكُمْ » قرأ أبو عمرو : « لا يألتكم » بالهمز من أَلَتَهُ يَأْلِتُهُ بالفتح في الماض والكسر والضم في المضارع لقوله : { وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ } [ الطور : 21 ] والسُّوسِيّ يبدل الهمزة ألفاً على أصله .
والباقون : : يُلِتْكُمْ « من لاَتَهُ يليتُه كَباعَهُ يَبِيعُهُ . وهما لغتان معناهما لا يَنْقُصُكُمْ ، فالأولى لغة غَطَفَان وأسدٍ والثانية لغة الحِجَاز ، يقال : أَلتَ يأْلُتُ أَلْتاً ، ولاَتَ يِليتُ لَيْتاً ، وقيل : هي من وَلَتَهُ يَلِتُهُ كوَعَدَهُ يَعِدُهُ ، فالمحذوف على القول الأولى عينٌ الكلمة ووزنها : يَفِلْكُمْ وعلى الثاني فاؤها ، ووزنها يَعِلْكُمْ ويقال أيضاً ألاَتَهُ ليتُه كأَبَاعَهُ يُبِيعُهُ وآلَتَهُ يُؤْلِتُهُ كآمن يُؤْمِنُ . وكلّها لغات في معنى نَقَصَهُ حَقَّهُ ، قال الحطيئة :
4504 أَبْلِغْ سَرَاة بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً ... جَهْدَ الرِّسَالَةِ لاَ أَلْتاً ولاَ كَذِبَا
وقال رؤبة :
4505 ولَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيْتُ ... وَلَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ
أي لم يمنعني ويَحْبِسْنِي .
فصل
قال ابن الخطيب : معنى قوله : ( » لاَ يَلِتْكُمْ « ) لا يَنْقُصُكُم ، المراد منه أنكم إذا أتيتم بما يليق بضعِّفكُم من الحسنة فهو يؤتيتكم به من الجزاء؛ لأن من حمل إلى ملك فاكهة طيبةً يكون ثمنها في السوق درهماً فأعطاه الملك درهماً انتسب الملك إلى البخل ، وإما معناه ألاّ يُعْطِي مثل ذلك من غير نقص أي يعطي ما تتوقعون بأعمالكم من غير نقص .
ثم قال : { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي يغفر لكم ما قدم سلق ويرحمكم بما أتيتم به .

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)

قوله تعالى : { إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } هذاإرشاد للذين قالوا آمنّا؛ بين لهم حقيقة الإيمان فقال : إنْ كُنتمْ تريدون الإيمان فالمؤمن من آمن بالله ورسوله { ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ } أي لم يشكوا في دينهم وأيقنوا بأن الإيمان إيقانٌ . و « ثُمَّ » للتراخي في الحكاية كأنه يقول : آمنوا ثم أقول شيئاً آخر لم يرتابوا .
ويحتمل أن تكون للتراخي في الفعل ، أي آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم من الحشر والنَّشْر { وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله } أي ايقنوا أن بعده هذه الدار دارٌ أخرى فجاهدوا طالبين العُقْبَى { أولئك هُمُ الصادقون } في إيمانهم .
فإن قيلأ : كيف يجوز أن يكذبوا في الإسلام ، والإسلام هو الانقياد وقد وجد منهم قولاً وفعلاً ، وإن لم يوجد اعتقاداً أو علماً ، وذلك القدر كاف في صدقهم في قولهم : إِنَّا أَسْلَمْنَا؟! .
فالجواب : إن التكذيبَ يقع الى وجهين :
أحدهما : إن لا يوجد نفس المخبر عنه .
والثاني : إن لا يوجد كما أخبر في نفسك ، فقد يقول له : ما جئتنا بلْ جئتَ للحاجة ، فالله تعالى كذبهم في قولهخم : آمنّا على الوجه الأوَّل أي ما آمنتم أصلاً ، ولم يصدقهم في الإسلام على الوجه الثاني فإنهنم انقادوا للحاجة وأخذ الصدقة .
فصل
لما نزلت هاتان الآيتان أتت الأعراب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَحْلِفُون بالله أنهم مؤمنون صادقون وعرف الله غير ذلك منهم فنزل الله : { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ الله بِدِينِكُمْ } ، والتعليم ههنا بمعنى الإعْلام فلذلك قال : بِدِينكم ، أدخل الباء فيه؛ لأنه منقول بالتضعيف من علمت به بمعنى شعرت به فلذلك تعدت لواحد بنفسها ، ولآخر بالباء .
والمعنى لا تعرفوا الله بدينكم فإنه عالم به لا يخفى عليه شيء ، لأنه يعلم ما في السموات وما في الأرض ، { والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } لا يحتاج إلى إخباركم .
قوله ( تعالى ) : { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ } يجوزم في قوله : أَنْ أَسْلَمُوا وجهان :
أحدهما : أنه مفعول به لأنّه ضمن يمنون معنى يُعِيدُونَ كأنه قيل : يعيدون عليك إسلامهم مانِّين به عليك ولهذا صرح بالمفعول به في قوله : { قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ } أي لا تُعيدوا عليَّ إسلامكم . كذا استدل أبو حَيَّان .
وفيه نظر ، إذ لقائل أن يقول : لا نسلم انتصاب « إِسْلاَمَكُمْ » على المفعول به ، بل يجوز فيه المفعول من أجله كما يجوز في محل « أَنْ أَسْلَمُوا » وهو الوجه الثاني فيه أي يمنون عليك لأجل أن أَسْلَمُوا فكذلك في قوله : { لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ } ، وشروط النصب موجودة والمفعول له متى كان مضافاً اسْتَوَى جرّه بالحرف ونصبه .
قوله : { بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ } يعني لا مِنَّةَ لَكُمْ عَلَيْنَا أَصْلاً ، بل المنة عليكم حيث بينْتُ لكم الطرق المستقيم .

قوله : { أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ } أعرابه كقوله : « أن أَسْلَمُوا » . وقرأ زيد بن علي : إِذْ هَدَاكُمْ بِإِذْ مَكَانَ « أنْ » وهي في مصحف عبد الله كذلك . وهي تفيد التعليل ، وجواب الشرط مقدر أي فَهُوَ المَانُّ عليكم لا أَنتم عَلَيْه وعَلَيَّ .
فإن قيل : كيف مَنَّ عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه تبين أنهم لم يؤمنوا؟ .
فالجواب من ثلاث أوجه :
أحدها : أنه تعالى لم يقل : بل الله يمن عليكم أن رزقكم الإيمانَ بلْ قال : أنْ هَدَاكُمْ للإِيمان .
وثانيها : أنَّ إرسال الرسول بالآيات البينات هدايةٌ .
ثالثها : أنه تعالى يمنُّ عليهم بما زعموا فكأنه قال : أنتم قلتم آمنا فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار فقال : هداكم في زعمكم ، و لهذا قال تعالى : { إِنُ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .
ثم قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ . . . } الآية؛ وهذا تقرير لأول السورة حيث قال : « إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَليمٌ » ، فأخبر ههنا عن علمه وبصره .
قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض والله بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } قرأ ابن كثير بالغيبة ، نظراً لوقله : يَمُنُّونَ وما بعده ، والباقون بالخطاب ، نظراً إلى قوله : لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلاَمَكُمْ إلى آخره ، وفي هذه الآية إشارة أنه يُبْصرُ أعمال جوارحكم الظاهرة والباطنة ، لا يخفى عليه شيءٌ .
قال عليه الصلاة والسلام : « مَنْ قَرَأَ سُورَة الحُجُرَاتِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْر عَشْرَ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ أَطَاعَ اللهَ وَعَصَاهُ » ( انتهى ) .

ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5)

قوله تعالى : { ق } قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - هو قَسَمٌ . وقيل : اسم السورة . وقيل اسم من أسماء القرآن . وقال القرطبي : هو مفتاح اسمه قدير ، وقادر ، وقاهر وقريب وقابض . وقال عكرمة والضحاك : هو جبل محيط بالأرض من زُمُرَّدَةٍ خَضْراءَ ومنه : خُضْرَةُ السماء . والسماء مَقْبِيَّةٌ عليه ، وعليه كتفاها ويقال : هو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنةٍ . وقيل : معناه قضِي الأمر وقضي ما هو كائن ، كما قالوا في حم ( حم الأمر ) ، وفي ص : صدق الله ، وقيل هو اسم فاعل من قَفَا يَقْفُوهُ .
فصل
قال ابن الخطيب ، لما حكى القول بأن « ق » اسم جبل محيط بالأرض عليه أطواق السماء قال : وهذا ضعيف لوجوه :
أحدها : أن أكثر القراء يقف عليها ، ولو كان اسم جبل لما جاز الوقف في الإدراج لأنَّ من قال ذلك قال بأن الله تعالى أقسم به .
وثانيها : لو كان كذلك لذكر بحرف القسم كقوله تعالى : { والطور } [ الطور : 1 ] ، ونحوه؛ لأن حرف القسم يحذف حيث يكون المقسم به مستحقاً لأنْ يُقْسَمَ بِهِ ، كقولنا : « اللَّه لأَفْعَلَنَّ كَذَا » فاستحقاقه له يغني عن الدلالة عليه باللفظ ولا يحسن أن يقال : زَيْد لأَفْعَلَنَّ كَذَا .
ثالثها : أنه لو كان كما ذكر لكان يكتب قاف مع الألف والفاء كما يكتب : { عَيْنٌ جَارِيَةٌ } [ الغاشية : 12 ] ، ويكتب { أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ } [ الزمر : 36 ] وفي جميع المصاحف يكتب حرف « ق » .
رابعها : أن الظاهر كون الأمر فيه كالأمر في « ص » و « ن » و « حم » وهي حروف لا كلمات فكذلك في « ق » .
فإن قيل : هو منقول عن ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - .
نقول : المنقول عنه : أن قاف اسم جبل ، وأما أن المراد ههنا ذلك فَلاَ .
فصل
قال ابن الخطيب : هذه السورة وسورة ص يشتركان في افتتاح أولهما بالحرف المعجم والقسم بالقرآن بعده وقوله بعد القسم : بل والتعجب . ويشتركان أيضاً في أن أول السورتين وآخرهما متناسبات لأنّه تعالى قال في أول السورة : { ص والقرآن ذِي الذكر } [ ص : 1 ] وفي آخرها : { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } [ ص : 87 ] وقال في أولِ ق : « وَالقُرْآنِ المَجِيدِ » ، وقال في آخرها : { فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ } [ ق : 45 ] ، فافتتح بما اختتم به . وأيضاً في أول ص صرف العناية إلى تقرير الأصل الأول وهو التوحيد لقوله تعالى : { أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً } [ ص : 5 ] وفي هذه السورة صرف العناية إلى تقرير الأصل الآخر وهو الحشر فقال تعالى : { أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } ، فلما كان افتتاح سورة « ص » في تقرير المبدأ قال في آخرها : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ }

[ ص : 71 ] . وختمه بحكاية بَدْء آدمَ ، لأنَّه دليل الوحدانية ، ولما كان افتتاح « ق » لبيان الحشر قال في آخرها : { ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } [ ق : 44 ] .
فصل
قال ابن الخطيب : قد ذكرنا أن الحروف تنبيهات قدمت على القرآن ليكون السامع بسببها يقبل على استماع ما يرد على الأسماع ، فلا يفوته شيء من الكلام الرائق والمعنى الفائق ، وذكر أيضاً أن العبادة منها قلبية ومنها لسانية ، ومنها خارجية ظاهرة ووجد في الخارجية ما عقل معناه ووجد فيها ما لم يعْقَلْ معناه كأعمال الحج من الرمي والسعي وغيرهما ، ووجد في القلبية ما عقل بالدليل وعلم كالتوحيد وإمكان الحشر ، وصفات الله تعالى ، وصدق الرسل ، ووجد فيها مَا لَمْ يُعْقَلْ ولا يمكن التصديق به لولا السمعُ كالصِّراط الممدود الأَحَدّ حَدًّا من السيف ، الأرقّ من الشعر ، والميزان الذي توزن به الأعمال ، فكذلك ينبغي أن يكون الأذْكار التي هي العبادة اللسانية فيها ما يعْقَلُ معناه ، كجميع القرآن إلاّ قليلاً منه ، وفيها ما لا يعقل ولا يفهم كحروف التهجي ليكون التلفظ به لمحض الانقياد والأمر ، لا لما يكون في الكلام من طيب الحكاية والقصد إلى غرض كقولنا : « رَبَّنا اغفرْ لنا وارحمنا » بل يكون النطق به تعبداً محضاً . ويؤيد هذا وجه آخر ، وهو أن هذه الحروف مقسم بها لأن الله تعالى لما أقسم بالتِّين والزَّيْتُون تشريفاً لهما ، فإذا أقسم بالحروف التي هي أصل الكلام الشريف الذي هو دليل المعرفة وآلة التعريف كان أولى .
وإذا عرف هذا نقول : القسم من الله تعالى وقع بأمر واحد كما في قوله تعالى : { والعصر } [ العصر : 1 ] وقوله : { والنجم } [ النجم : 1 ] وبحرف واحد كما في { ص } [ ص : 1 ] و { ق } [ ق : 1 ] ووقع بأمرين كما في قوله تعالى : { والضحى والليل } [ الضحى : 1 و 2 ] وفي قوله : { والسمآء والطارق } [ الطارق : 1 ] وبحرفين كما في قوله : { طه } [ طه : 1 ] و { طس } [ النمل : 1 ] و { حم} [ غافر : 1 ] ، ووقع بثلاثة أمور كما في قوله تعالى : { والصافات صَفَّا فالزاجرات زَجْراً فالتاليات ذِكْراً } [ الصافات : 1 - 3 ] . وقوله : { والسمآء ذَاتِ البروج واليوم الموعود وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } [ البروج : 1 - 3 ] وبثلاثة أحرف كما في قوله : { الم } [ البقرة : 1 ] ، و { طسم } [ الشعراء والقصص : 1 ] و { الر } [ هود : 11 ] ووقع بأربعة أمور ، كما في قوله تعالى : { والذاريات ذَرْواً فالحاملات وِقْراً فالجاريات يُسْراً فالمقسمات أَمْراً } [ الذاريات : 1 - 4 ] وفي قوله : { والتين والزيتون وَطُورِ سِينِينَ وهذا البلد الأمين } [ التين : 1 - 3 ] ، وبأربعة أحرف كما في قوله : { المص } [ الأعراف : 1 ] و { المر } [ الرعد : 1 ] ووقع بخمسة أمور كما في قوله تعالى : { والطور وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور } [ الطور : 1 - 6 ] وفي قوله : { والمرسلات عُرْفاً فالعاصفات عَصْفاً والناشرات نَشْراً فالفارقات فَرْقاً فالملقيات ذِكْراً } [ المرسلات : 1 - 5 ] وفي النَّازِعاتِ وفي الفَجْر ، وبخمسة أحرف كما في : { كهيعص } [ مريم : 1 ] و { حمعاساقا } [ الشورى : 1 و 2 ] ، ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي الشَّمس : { والشمس وَضُحَاهَا والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا والسمآء وَمَا بَنَاهَا والأرض وَمَا طَحَاهَا }

[ الشمس : 1 - 6 ] . ولما أقسم بالأشياء المعهودة ذكر حرف القسم وهو الواو فقال : « والطُّورِ » « والنَّجْمِ » « والشَّمْسِ » وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم فلم يقل : وق وحم؛ لأن القسم لما كان بنفس الحروف كان الحرف مقسماً فلم يورده في موضع كونه آلة القسم تسوية بين الحروف ولم يدخل القسم بالحروف في أثناء السورة لأنه يخلُّ بالنظم .
فصل
أقسم الله بالأشياء المركبة العناصر كالتِّينِ والطُّورِ ، ولم يقسم بأصولها وهي الجواهر المفردة كالماء والتراب ، وأقسم بالحروف من غير تركيب ، لأن الأشياء عند تركيبها تكون على أحسن حالها ، وأما الحروف إن ركبت لمعنى يقع الحَلِفُ بمعناه لا باللفظ ، كقولنا والسماء والأرض وإن ركبت لا لمعنى فكأن المفرد أشرف فأقسم بمفردات الحرف .
فصل
هذه السورة تقرأ في صلاة العيد ، لقوله تعالى فيها : { ذَلِكَ يَوْمُ الخروج } [ ق : 42 ] وقوله : { كَذَلِكَ الخروج } [ ق : 11 ] وقوله : { ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } [ ق : 44 ] ، فإن العيد يوم الزينة فينبغي أن لا ينسى الإنسان خروجَه إلى عَرْصَاتِ الحِسَابِ . ولا يكون في ذلك اليوم فرحاً فخوراً ولا يرتكب فسقاً ولا فجوراً . والعامة على سكون الفاء من قاف . وقد تقدم . وفتحها عيسى ، وكسرها الحسن ، وابن أبي إسحاق ، وضمها هارون وابن السميقع وقد مضى توجيه ذلك ، وهو أن الفتح يحتمل البناء على الفتح للتخفيف ، أو يكون منصوباً بفعل مقدر ومنع الصرف أو مجروراً بحرف قسم مقدر وإنَّما مُنعَ الصرف أيضاً . والضم على أنه مبتدأ وخبره منع الصرف أيضاً .
قال ابن الخطيب : فأما القراءة فيها فإن قلنا : هي مبنية على ما بينا فحقّها الوقف؛ إذ لا عامل فيها ويجوز الكسر حذراً من التقاء الساكنين ، ويجوز الفتح اختياراً للأخَفِّ .
فإن قيل : كيف جاز اختيار الفتح هَهُنَا ولم يَجُزْ عند التقاء الساكنين إذا كان أحدهما آخر كلمة والآخر أول كلمة أخرى ، كقوله : { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ } [ البينة : 1 ] { وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ } [ الأنعام : 52 ] ؟! .
نقول : لأن هناك إنما وجب التحريك لأن الكسرة في الفعل تشبه حركة الإعراب ، لأن الفعل إنما كان محلاً للرفع والنصب ولا يوجد فيه الجر اختير الكسرة التي لا يخفى على أحد أنها ليست بجر؛ لأن الفعل لا يجوز فيه الجر ، ولو فتح لاشتبه بالنصب ، وأما في أواخر الأسماء الاشتباه لازم ، لأن الاسم محِلّ يرد عليه الحركات الثلاث فلم يمكن الاحتراز فاختاروا الأخَفَّ .
وإن قلنا : إنها حرف مقسم به فحقها الجر ، ويجوز النصب على أنه مفعول به ب « أُقْسِمُ » على وجه الاتصال وتقدير الباء كأن لم يوجد .
وإن قلنا : هي اسم السورة ، فإن قلنا : مقسم بها مع ذلك فحقها الفتح لأنها لا تنصرف حينئذ فتفتح في موضع الجر كما تقول : « وإِبْرَاهِيمَ وأَحْمَدَ » ، إذا أقسمت بهما وإن قلنا : ( إنه ) ليس مقسماً بها فإن قلنا : هي اسم السورة فحقها الرفع إذا جعلناها خبراً تقديره : « هَذِهِ ق » وإن قلنا : هو من قَفَا يَقْفُو فحقه التنوين كقولنا : هَذَا دَاعٍ ورَاعٍ .

وإن قلنا : اسم جبل فالجر والتنوين وإِن كان قسماً .
قوله : « وَالقُرْآنِ المَجِيدِ » قسم ، وفي جوابه أوجه :
أحدها : أنه قوله : { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض } .
الثاني : { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ } [ ق : 29 ] .
الثالث : { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ } [ ق : 18 ] .
الرابع : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى } [ ق : 37 ] .
الخامس : « بَلْ عَجِبُوا » . وهو قول كوفي ، قالوا : لأنه بمعنى قَدْ عجبُوا .
السادس : أنه محذوف ، فقدّره الزجاج والأخفش والمبرد : لَتُبْعَثُنَّ ، وغيرهم : لَقَدْ جِئْتَهُمْ مُنْذِراً .
واعلم أن جوابات القسم سبعة ، إنَّ المشددة كقوله : { والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ } [ العصر : 1 و 2 ] ، و « مَا » النافية كقوله : { والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى } [ الضحى : 1 - 3 ] واللام المفتوحة كقوله : { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ } [ الحجر : 92 ] وإنْ الخفيفة كقوله : { تالله إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [ الشعراء : 97 ] ولا النافية كقوله : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } [ النحل : 38 ] ، و « قَدْ » كقوله : { والشمس وَضُحَاهَا والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا والسمآء وَمَا بَنَاهَا والأرض وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا } [ الشمس : 1 - 9 ] ، وبَلْ كقوله : { والقرآن المجيد بَلْ عجبوا } . والمجيدُ : العظيم . وقيل : المجيدُ : الكثير الكرم .
فإن قلنا : المجيد العظيم ، فلأن القرآن عظيم الفائدة ولأنه ذكر الله العظيم ، وذكر العظيم عظيم ولأنه لم يقدر عليه أحدٌ من الخلق ، وقال تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني والقرآن العظيم } [ الحجر : 87 ] . ولا يبدل ولا يغير ولا يأتيهِ الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وإن قلنا : المجيد هو الكثير الكفر فالقرآن كريم كل من طلب منه مقصوداً وَجَدَهُ ، ويغني كل من لاَذَ به وإِغناء المحتاج غاية الكرم .
فإن قيل : القرآن مقسم به فما المقسم عليه؟ .
فالجواب : أن المقسم عليه إما أن يفهم بقرينة حالية أو قرينة مَقَالِيَّة ، والمقالية إما أن تكون متقدمة على المقسم به أو متأخرة ، فإن فهم من قرينة مقالية متقدمة ، فلا يتقدم هنا لفظاً إلا « ق » فيكون التقدير : هذَا ق والقرآنِ ، أو ق أنزلها الله تعالى والقرآنِ ، كقولك : هذَا حَاتِمٌ واللَّهِ؛ أي هو المشهور بالسخاء ، وتقول : الهلالُ واللَّهِ أيْ رأيته واللَّهِ . وإن فهم من قرينة مقالية متأخرة فذلك أمران :
أحدهما : أن التقدير : والقرآن المجيد إنك المنذر ، أو والقرآن المجيد إن الرجع لكائن ، لأن كلام الأمرين ورد طاهراً ، أما الأوّل فقوله تعالى : { يس والقرآن الحكيم } [ يس : 1 - 2 ] إلى أن قال : { لِتُنذِرَ قَوْماً } [ يس : 6 ] .
وأما الثاني : فقوله تعالى : { والطور وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ }

[ الطور : 1 - 7 ] .
قال ابن الخطيب : وهذا الوجه يظهر غاية الظهور على قال من قال : « ق » اسم جبل فإن القسم يكون بالجبل والقرآن ، وهناك أقسم بالطور والكتاب المسطور وهو الجبل والقرآن وإن فهم بقرينة حالية فهو كون محمد - صلى الله عليه وسلم - على الحق فإِن الكفار كانوا ينكرون ذلك .
قوله : « بَلْ عَجِبُوا » يقتضي أن يكون هناك أمرٌ مضروبٌ عنه فما ذلك؟ أجاب الواحدي ووافقه الزمخشريّ أنه تقرير كأنه قال : ما الأمر كما تقولون . قال ابن الخطيب : والتقدير والقرآن المجيد إنك لمنذر ، وكأنه قال بعده : إنهم شكوا فيه . ثم أضرب عنه وقال : بَلْ عَجبُوا أي فلم يكتفوا بالشك ولا بالردِّ حتى عَجِبُوا بل جَزَمُوا بالخلاف حتى جعلوا ذلك من الأمُور العجيبَة .
فإن قيل : فما الحكمة في هذا الاختصار العظيم في موضع واحد حذف المقسم عليه والمُضْرَب عنه ، وأتى بأمر لا يفهم إلا بعد الفكر العظيم ولا يفهم مع الفكر إلا بالتوثيق العزيز؟! .
قال ابن الخطيب : أما حذف المقسم عليه فلأن الترك في بعض المواضع يفهم منه ظهور لا يفهم من الذكر ، لأن من ذكر المَلِكَ العظيم في مجلس ، وأثنى عليه يكون قد عَظَّمَهُ ، فإذا قال له غيره : هو لا يذكر في هذا المجلس يكون بالإرشاد إلى ترك الذكر دالاًّ على عظمة فوق ما استفيد بذكره فالله ( تعالى ) ذكر المقسم عليه لبيان هو أظهر من أن يذكر . وأما حذف المُضْرب عنه ، فلأن المُضْرَب عنه إذا ذكر وأضرب عنه بأمرٍ آخر ، وكان بين المذكورين تفاوتٌ ما ، فإذا عظم التفاوت لا يحسن ذكرهما مع الإضراب ، مثاله يحسن أن يقال : الوَزيرُ يعظم ، فلا يماثل الملك بعظمه ، ولا يحسن أن يقال : البوابُ يُعَظَّم فلا يماثل الملك بعظمه لكون البوْن بينهما بعيداً ، إذ الإِضراب للتدريج ، فإِذا ترك المتكلم المُضْرَبَ عنه صريحاً وأتى بحرف الإضراب اسْتُفِيدَ منه أمران :
أحدهما : الإشارة إلى أمر آخر قبله مضربٌ عنه .
والثاني : عِظَم التفاوت بينهما : وههنا كذلك لأن الشك بعد قيام البُرهان بعيد لكن القطع بخلافه في غاية ما يكون من البعد فالعجب منه أبعد .
قوله : « أَنْ جَاءَهُمْ » فيه سؤال ، وهو : أنْ مع الفعل بتقدير المصدر . . . تقول : « أُمِرْتُ بأَنْ أَقُومَ وأمرت بالقيام » ، وإذا كان كذلك فلم ترك الإتيان بما هو في معنى المصدر ما يجب ذكره عند الإتيان بالمصدر حيث جاز ( أن تقول ) : أمرت أَنْ أقومَ من غير باء ، ولا يجوز أن تقول : أُمِرْتُ القِيَامَ بل لا بد من الباء ولذلك قال : عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ ، ولا يجوز أن يقال : عَجبُوا مَجيئَهُ بل لا بد من قولك : عَجِبُوا مِنْ مَجِيئه! .
والجواب : أن قوله : أَنْ جَاءَهُمْ وإن كان في المعنى قائماً مَقَام المَصْدَر ، لكنه في الصورة تقدير ، وحروف التقدير كلها حروف جارَّة ، والجارُّ لا يَدْخُل على الفعل فكان الواجب أن لا يدخل فلا أقلّ من أن يجوز الدخول فجاز أن يقال : عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ ، ولا يجوز : عجبوا مَجِيئَهُمْ؛ لعدم جواز إِدْخَال الحَرْف عَلَيْهِ .

قوله : « مِنْهُمْ » أي يعرفون نَسَبَهُ وصدقه وأَمَانَتَهُ ، وهذا يصلح أن يكون مذكوراً لتقرير تَعَجُّبهمْ ويصلح أن يكون مذكوراً لإبطال تَعَجبهم ، أما وجه تقرير تعجبهم فلأنهم كانوا يقولون : { أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ } [ القمر : 24 ] و { قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا } [ يس : 15 ] وذلك إشارة إلى أنه كيف يجوز اختصاصه بهذه المنزلة الرفيعة مع اشتراكنا في الحقيقة واللوازم؟ وأما تقدير الإبطال فلأنه إذا كان واحداً منهم ويرى بين أظهرهم وظهر منه ما عجزوا عنه كلهم ومن بعدهم فكان يجب عليهم أن يقولوا : هذا ليس من عنده ولا من عند أحد من جِنْسنَا فهو من عند الله بخلاف ما لو جاءهم واحدٌ من خلاف جنْسهم ، وأتى بما يعجزون عنه فإنهم كانوا يقولون : نحن لا نقدر على ذلك ، لأن لكل نوع خاصيةً كما أن النّعامة تبلع النَّار ، وابن آدم لا يقدر على ذلك .
قوله : { فَقَالَ الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ } قال الزمخشري : هذا تعجّبٌ آخرُ من أمر آخرَ ، وهو الحشر الذي أشار إليه بقوله : { أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } فتعجبوا من كونه منذراً ومن وقوع الحَشْر ، ويدل عليه قوله في أول « ص » : { وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ } [ ص : 4 ] وقال : { أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص : 5 ] فذكر تعجبهم من أمرين . قال ابن الخطيب : والظاهر أن قولَهم هذا إشارة إلى مجيء المنذر لا إلى الحشر ، لأن هناك ذكر : إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ بعد الاستفهام الإنكاري فقال : { أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص : 5 ] وقال ههنا : إنَّ { هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ } ، ولم يكن هناك ما تقع الإشارة إليه إلا مجيء المنذر ، ثم قالوا : « أَئِذَا متْنَا » ، وأيضاً أن ههنا وُجد بعد الاستبعاد بالاستفهام أَمرٌ يؤدي معنى التعجب ، وهو قولهم : { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } ؛ فإنه استبعاد وهو كالتعجب فلو كان التعجب أيضاً عائداً إليه لكان كالتكرار .
فإن قيل : التكرار الصريح يلزم من قولك : { هذا شيء عجيب } يعود إلى مجيء المنذر فإن تعجبهم منه علم من قوله : { وعجبوا أن جاءهم } فقوله : { هذا شيء عجيب } ليس تكراراً! .
نقول : ذلك ليس بتكرار ، بل هو تقرير؛ لأنه لما قال : بل عجبوا بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجباً كقوله ( تعالى ) : { أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله } [ هود : 73 ] ويقال في العرف : لا وجه لِتَعَجُّبِكَ مما ليس بعجب ، فكأنهم لما عجبوا قيل لهم : لا معنى لتَعَجُّبِكُمْ ، فقالوا : هذا شيء عجيب فكيف لا نعجب منه؟! ويدل على ذلك قوله تعالى ههنا : { فَقَالَ الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ } بحرف الفاء وقال في « ص » : { وقال الكافرون هذا ساحر } بحرف الواو فكان نعتاً غير مرتب على ما تقدم ، وهذا شيء عجيب أمر مرتب على ما تقدم ، أي لما عجبوا أنكروا عليهم ذلك فقالوا : هذا شيء عجيب كيف لا نعجب منه؟ ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } بلفظ الإشارة إلى البعيد .

قوله : « هذا ساحر » إشارة إلى الحاضر القريب فيَنْبَغي أن يكون المشار إليه بذلك غير المشار إليه بهَذَا ، وهذا لا يصحُّ إلا على قولنا .
قوله : « أَئِذَا مِتْنَا » قرأ العامَّة بالاستفهام؛ وابن عامر - في رواية - وأبو جعفر والأعْمش والأعْرج بهمزة واحدة فيحتمل الاستفهام كالجمهور . وإنما حذف الأداة للدلالة ، ويحتمل الإخبار بذلك ، والناصب للظرف في قراءة الجمهور مقدر أي أنُبْعَثُ أو أنَرْجِعُ إِذا مِتْنَا . وجواب « إذا » على قراءة الخبر محذوف أي رَجَعْنَا . وقيل قوله : « ذَلِكَ رَجْعٌ » على حذف الفاء ، وهذا رأي بعضهم . والجمهور لا يجوز ذلك إلاَّ في شعر ( وقال الزمخشري ) : ويجوز أن يكون الرَّجْعُ بمعنى المرجوع وهو الجواب ، ويكون من كلام الله تعالى استبعاداً لإنكارهم ما أنذروا به من البعث والوقف على « ما » على هذا التفسير حَسَنٌ .
فإن قيل : فما ناصب الظرف إذا كان الرَّجْعُ بمعنى المرجوع؟ .
فالجواب : ما دلّ عليه المُنْذِر من المُنْذَرِ به وهو البَعْثُ .
فصل
قال ابن الخطيب : « ذلك » إشارة إلى ما قاله وهو الإنذار ، وقوله : هذا شيء عجيب إشارة إلى المجيء فلما اختلفت الصفتان نقول : المجيء والجائي كل واحد حاضراً وأما الإنذار وإن كان حاضراً لكن المنذر به كان جازماً على الحاضر ، فقالوا فيه ذلك . والرجوع مصدر رَجَعَ إذا كان متعدياً والرجوعُ مصدر إذا كان لازماً وكذلك الرُّجعى مصدر عند لُزُومه . والرجوع أيضاً يصحّ مصدراً للاَّزم فيحتمل أن يكون المراد بقوله : { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } أي رجوعٌ بعيد ، ويحتمل أن يكون المراد : الرّجْعَى المتعدِّي ، ويدل على الأول قوله تعالى : { إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى } [ العلق : 8 ] وعلى الثاني قوله تعالى : { أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة } [ النازعات : 10 ] أي مرجوعون؛ فإنه من الرجوع المتعدي .
فإن قلنا : هو من المتعدي فقد أنكروا كونه مقدوراً في نفسه .
فصل
قال المفسرون : تقديره : أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً نُبْعَثُ ، ترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه : « ذَلِكَ رَجْعٌ » أي رد إلى الحياة « بَعِيدٌ » غير كائن أي يَبْعُدُ أنْ نُبْعَثَ بعد الموت .
قوله تعالى : { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ } أي تأكل من لحومِهِم ودمائِهِم وعِظَامهم ، لا يعزب عن علمه شيء . وقال السدي : هو الموت يَقُول : قد علمنا من يموتُ منهم ، ومن يبقى .
وهذه الآية تدل على جواز البعث وقدرته تعالى عليه ، لأن الله سبحانه وتعالى عالم بأجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء واحد بجزء الآخر ، وقادر على الجمع والتأليف فليس الرجعُ منه ببعيدٍ ، وهذا كقوله تعالى :

{ وَهُوَ الخلاق العليم } [ يس : 81 ] . حيث جعل العلم مدخلاً في الإعادة وهذا جواب لِمَا كانوا يقولون : { أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض } [ السجدة : 10 ] أي أنه تعالى كما يعلم أجزاءهم يعلم أعمالهم فيرجعهم ويعذبهم بما كانوا يقولون وبما كانوا يعملون .
قوله تعالى : { وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ } أي محفوظ من الشياطين ومن أن يَدْرِس أو يتغيَّر . وهو اللوح المحفوظ . وقيل : معناه حافظ لعدتهم وأسمائهم وأعمالهم : قال ابن الخطيب : وهذا هو الأصحّ؛ لأن الحفيظ بمعنى الحافظ وارد في القرآن قال تعالى : { وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } [ هود 86 ] وقال : { الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ } [ الشورى : 6 ] ولأن الكتاب للتمثيل ومعناه : العلم عندي كما يكون في الكتاب ، فهو يحفظ الأشياء وهو مستغن عن أن يحفظ .
قوله تعالى : { بَلْ كَذَّبُواْ } هذا إضراب ثانٍ ، قال الزمخشري : إضراب أتبع للإضراب الأول للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أفظع من تعجبهم وهو التكذيب بالحق . وقال أبو حيان : وكان هذا الإضراب الثاني بدلاً من الأوّل . قال شهاب الدين : وإطلاق مثل هذا في كتاب الله لا يجوز ألبتة . وقيل : قبل هذه الآية جملة مضرب عنها تقديرها : ما أجازُوا النظر بَلْ كَذَّبوا . وما قاله الزمخشري أحسَنُ .
فصل
في المضروب عنه وجهان :
أحدهما : أنه الشكّ تقديره : والقرآن المجيد إنَّك لَمُنْذرٌ ، وإنهم شكوا فيك بل عجبوا بل كذبوا .
والثاني : تقديره : لم يكذب المنذر بل كذبوا هم .
وفي المراد بالحق وجوه :
الأول : البرهان القائم على صدق الرسول - ( عليه الصلاة والسلام - ) .
الثاني : الفرقان المنزلُ وهو قريب من الأول؛ لأنه برهانٌ .
الثالث : السورة الثابتة بالمعجوة القاهرة فإِنَّها حَقٌّ .
الرابع : الحشر الذي لا بد من وقوعه فهو حق .
فإن قيل : ما معنى الباء في قوله تعالى : ( بالحَقِّ ) ؟ وأيةُ حاجة إليها؟ يعني أن التكذيبَ متعدٍّ بنفسه فهلْ هي التعدية إلى مفعول ثانٍ أو هي زائدة كما هي قوله تعالى : { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ المفتون } [ القلم : 5 و 6 ] .
فالجواب : أنها في هذا الموضع لإظهار التعدية؛ لأن التكذيب ( هو النسبة إلى الكذب ) لكن النسبة توجد تارة في القائلِ وأخرى في القول ، تقول : كَذَّبَنِي فلانٌ وكنت صادقاً ويقول : كَذَّبَ فلانٌ قَوْلِي ، ويقال : كَذَّبَه أي جعله كاذباً وتقول : قلتُ لفلان : زيدٌ يجيء غداً ، فتأخر عمداً حتى كَذَّبَنِي أو كذب قولي . والتكذيب في القائل يستعمل بالباء وبدونها قال تعالى : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين } [ الشعراء : 141 ] وقال { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر } [ القمر : 23 ] وفي القول كذلك غيرَ أن الاستعمال في القائل بدون الباء أكثر قال تعالى : { فَكَذَّبُوهُ } [ الأعراف : 64 ] وقال : { وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ } [ فاطر : 4 ] . وفي القول الاستعمال بالباء أكثر قال تعالى : { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا } [ القمر : 42 ] وقال : { كَذَّبُواْ بالحق } [ ق : 5 ] . وقال : { وَكَذَّبَ بالصدق } [ الزمر : 32 ] .
والتحقيق فيه أن الفعل المطلق هو المصدر ، لأنه هو الذي يصدر من الفاعل ، فإن من ضَرَبَ لم يصدر منه غير الضَّرب ، غير أن له محلاً يقع فيه يسمى مضروباً .

ثم إن كان ظاهراً لكونه محلاً للفعل يستغني بظهوره عن الحرف فيعدى من غير حرف يقال : ضَرَبْتُ عمراً وشَرِبْتُ مَاءً للعلم بأن الضرب لا بدَّ له من محِل يقوم به وكذلك الشرب لا يستغني عن مشروب يتحقق فيه؛ فإذا قلت : مَرَرْتُ يحتاج إلى الحرف ليظهر معنى التعدية ، لعدم ظهوره في نفسه؛ لأن قولك : مَرَّ السَّحَاب يفهم منه مُرُور ، ( و ) لا يفهم مَنْ مَرَّ به .
ثم إن الفعل قد يكون في الظهور دون الضَّرْبِ والشُّرب وفي الخفاء فوق المرور ، فيجوز الإتيان فيه بدون الحرف للظهور الذي فوق ظهور المرور ، ومع الحرف لكون الظهور دون ظهور الضرب ، ولهذا لا يجوز أن تقول : ضَرَبْتُ بعَمْروٍ إلا إذا جعلته آلة الضرب ، أما إذا ضربته بسوطٍ أو غيره فَلاَ يجوز فيه زيادة الباء ، ولا يجوز : مَرَرْتُهُ إلا مع الاشتراك وتقول : مَسَحْتُهُ ومسحتُ به ، وشَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ لأن المسحَ إمرار اليد بالشيء فصار كالمُرور والشكر فعل جميل غير أنه يقع لمحسن فالأصل في الشكر الفعل الجميل وكونه واقعاً لغيره كالتَّبَع بخلاف الضرب فإنه إمساسُ جسمٍ بجسم بعنف ، فالمضروب داخل في مفهوم الضَّرْب أولاً ، والمشكور داخل في مفهوم الشكر ثانياً ، وإذا عرف هذا فالتكذيب في القائل طاهر ، لأنه هو الذي يصدق أو يكذب وفي القول غير ظاهر ، فكان الاستعمال فيه بالباء أكثر والباء فيه لظهور معنى التعدية ، وقوله : « لما جاءهم » هو المكذب تقديره : وكَذَّبوا بالحق لما جاءهم الحَقُّ أي لم يؤخروه إلى التفَكر والتدبر .
قوله : لَمَّا جَاءَهُمْ العامة على تشديد « لما » ، وهي إما حرف وجوب لوجوب أو ظرف بمعنى حين كما تقدم . وقرأ الجَحْدريّ لِمَا - بكسر اللام وتخفيف الميم - على أنها لام الجر دخلت على ما المصدرية وهي نظير قولهم : كَتَبْتُهُ لخمسٍ خَلَوْنَ أي عندها .
قوله : فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ، أي مختلط ، قال أبو واقد :
4506- ومَرِجَ الدِّينُ فَأعْدَدْتُ لَهُ ... مُشْرِفَ الأَقْطَارِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ
وقال آخر :
4507- فَجَالَتْ والتَمَسْتُ به حَشَاهَا ... فَخَرَّ كَأَنَّهُ خُوطٌ مَرِيجُ
وأصله من الحركة والاضطراب ، ومنه : مرج الخاتم في إصبعه وقال سعيد بن جبير ومجاهد : ملتبس .
فصل
قال قتادة : معناه من ترك الحق مرج إليه أمره وألبس عليه دينه . وقال الحسن : ما ترك قومٌ الحقّ إلا مَرج أمرُهُمْ . وقال الزجاج : معنى اختلاط أمرهم أنهم يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - مرة شاعرٌ ، ومرة ساحرٌ ، ومرة معلّمٌ ، ومرة كاهنٌ ، ومرة معترّ ومرة ينسبونه إلى الجنون فكان أمرهم مُخْتَلِطاً ملتبساً عليهم .

أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)

ثم ذكر الدليل الذي يدفع قولهم : { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } [ ق : 3 ] فقال : { أَفَلَمْ ينظروا إِلَى السمآء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا } بالكواكب ، وهو نظير قوله تعالى : { أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } [ يس : 81 ] وقوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى } [ الأحقاف : 33 ] .
قوله : « أَفَلَمْ » الهمزة للاستفهام . واعْلَم أن همزة الاستفهام تارةً تدخل على الكلام بغير واو وتارة تدخل ومعها واو والفرق بينهما أن قولك : أَزَيدٌ فِي الدّارِ؟ بعد : وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ ( يذكره للإنكار .
فإن قلت : أَوَ زَيْدٌ في الدار بعد : وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمس ) يشير بالواو إلى أن قبح فعله صار بمنزلة فعلين قبيحين ، لأن الواو تُنْبِئُ عن سبق أمر مغايرٍ لما بعدها وإن لم يكن هناك سابقٌ لكن تأتي بالواو زيادة في الإنكار .
فإن قيل : كيف أتى هنا بالفاء فقال : « أَفَلَمْ » وفي موضع آخر بالواو؟! .
فالجواب : هنا سبق منهم إنكار الرجع فقال بحرف التعقيب لمخالفة ما قيلَ .
فإن قيل : ففي « يس » سبق ذلك بقوله : { قَالَ مَن يُحيِي العظام } [ يس : 78 ] ؟ .
فالجواب : بأن هناك الاستدلال بالسموات لم يعقب الإنكار بل استدل بدليلٍ آخرَ وهو قوله : { قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ يس : 79 ] ثم ذكر الدليل الآخر وههنا الدليل كان عقيب إنكارهم ، فذكر بالفاء .
فإن قيل : كيف قال ههنا بلفظ النظر وفي الأحقاف بلفظ الرؤية؟! .
فالجواب : أنهُمْ ههنا لما استبعدوا أمر الرجع بقولهم : { ذلك رجع بعيد } استبعد استبعادهم وقال : أفلم ينظروا؛ لأن النظر دون الرؤية فقال النظر كاف في حصول العلم بإمكان الرجع ، ولا حاجة إلى الرؤية ، ليقع الاستبعاد في مقابلة الاستبعاد وهناك لم يوجد منهم إنكار فأرشدهم إليه بالرؤية التي هي أتمُّ من النظر .
قوله : { إِلَى السمآء فَوْقَهُمْ } فقوله : « فَوْقَهُمْ » حال من السماء وهي مؤكدة وكَيْفَ منصوبة بما بعدها وهي معلِّقةٌ للنظر قبلها .
فإن قيل : كيف قال : إلى السماء ولم يقل : فِي السَّماء؟! .
فالجواب : لأنَّ النظر في الشيء ينبئ عن التأمّل والمبالغة والنظر إلى الشيء لا ينبئ عنه؛ لأن « إِلى » غايةٌ منتهى النظر عنده وفي الدخول في معنى الظرف فإذا انتهى النظر إليه ينبغي أن ينفذ فيه حتى يصح معنى النظر فيه .
قوله : { وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } أي شُقوقٍ وفتوقٍ وصُدُوعٍ ، واحدها فَرْج .
« وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا » بسطناها على وجه الماء { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } جبالاً ثوابتَ { وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } حَسَنٍ كريمٍ يبهج به أي يستر .
قوله : « تَبْصِرَةً » العامة على نصيبها على المفعول من أجله أي تبصير أمثالهم وتذكير أمثالهم . وقيل : منصوبان بفعل من لفظهما مقدر أي بَصِّرْهُم تبصرةً وذكِّرهم تذكرةً .

وقيل : حالان أي مُبَصَّرين مُذَكَّرِينَ ، وقيل : حال من المفعول أي ذات تبصير وتذكير لمن يراها . وزيد بن علي بالرفع . وقرأ : وذِكْرٌ أي هي : تبصرةٌ وذكرٌ و « لِكُلِّ » إما صفة وإما متعلق بنفس المصدر . وقال البغوي : تَبَصُّراً وتَذْكِيراً .
فصل
قال ابن الخطيب : يحتمل أن يكون الأمْران عائدين إلى السماء والأرض أي خَلَقَ السماء تبصرةً وخلق الأرض ذكْرى . ويدل على ذلك أن السماء زينتها مستمرة غير مستجدّة في كل عام ، فهي كالشيء المرئي على مرور الزمان . وأما الأرض فهي كل سنة تأخذ زخرفها فتُذَكِّر ، فالسماء تبصرة والأرْض تذكرة ، ويحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين موجوداً في كلّ واحد من الأمرين فالسماء تبصرة وتذكرة والأرض كذلك والفرق بين التبصرة والتذكرة هو أن فيها آيات مستمرة منصوبة في مقابلة البصائر وآيات متجددة متذكرة عند التَّنَاسِي .
قوله : { لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } أي لتُبصِّرَ وتُذَكِّر كل عبد منيب : أي راجع التفكر والتذكّر والنظر في الدلائل .
قوله : { وَنَزَّلْنَا مِنَ السمآء مَآءً مُّبَارَكاً } كثير الخير ، وفيه حياة كل شيء وهو المطر { فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحصيد } ، يعني البُرّ والشّعير وسائر الحبوب التي تحصد ، فقوله : « وحَبَّ الحَصِيدِ » يجوز أن يكون من باب حذف الموصوف للعلم به ، تقديره وحب الزرع الحصيد ، نحو : مَسْجَدُ الجَامِعِ وبابه وهذا مذهب البصريين؛ لئلا يلزم إِضافة الشيء إلى نفسه . ويجوز أن يكون من إِضافة الموصوف إلى صفته؛ لأن الأصل والحَبُّ الحصيدُ أي المَحْصُودُ .
فصل
هذا دليل آخر وهو ما بين السماء والأرض فيكون الاستدلال بالسماء والأرض وما بينهما وهو إِنزال الماء من فوق وإخراج النبات من تحت .
فإن قيل هذا الاستدلال قد تقدم في قوله تعالى : { وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } فما الفائدة من إعادة قوله : { فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحصيد } ؟ .
فالجواب : أن قوله : وأنبتنا إشارة إلى جعلها محلاً للنبات ، اللحم والشعر وغيرهما ، وقوله : « وَأَنْبَتْنَا » استدلال بنفس النبات أي الأشجار تنمو وتزيد فكذلك بدن الإنسانِ بعد الموت ينمُو ويزيدُ أي يُرجِعُ الله إليه قوة النماء كما يعيدها إلى الأشجار بواسطة ماء السماء .
قوله تعالى : { والنخل بَاسِقَاتٍ } والنخل منصوب عطفاً على مفعول أنبتنا أي وأنبتنا النخل و « باسقات » حال ، وهي حال مقدّرة؛ لأنها وقت الإنبات لم تكن طُوالاً . والبُسُوقُ الطّول يقال : بَسَقَ فُلانٌ على أصحابه أي طال عليهم في الفضل ، ومنه قول ابْنِ نَوْفلِ في ابن هُبَيْرَةَ :
4508- يَا ابْنَ الَّذِينَ بِمَجْدِهِمْ ... بَسَقَتْ ( عَلَى ) قَيْسٍ فَزَارَهْ
وهو استعارة والأصل استعماله في بسقت النخلة تبسُق بُسُوقاً أي طالت ، قال الشاعر :
4509- لَنَا خَمْرٌ وَلَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ... وَلَكِنْ مِنْ نِتَاجِ البَاسِقَاتِ
كِرَامٌ فِي السَّمَاءِ ذَهَبْنَ طُولاً ... وَفَات ثِمَارُها أَيْدِي الجُنَاةِ
وبَسَقَت الشَاةُ ولدت ، وأبْسَقَتِ الناقةُ وَقَعَ في ضَرْعِهَا اللبأ قبل النتاج ، ونُوقٌ مَبَاسِقٌ من ذلك .

قال مجاهد وقتادة وعكرمة يعني باسقاتٍ طوالاً . وقال سعيد بن جبير : مستويات والعامة على السين في باسقات ، وقرأ قُطْبَةُ بنُ مالك - ويرويها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - باصِقَات . وهي لغة لبنِي العنبر يُبْدلونَ السِّين صاداً قبل القاف والغين والعين والخاء والطاء إذا وليتها أو فصلت منها بحرف أو حرفين .
قوله : « لَهَا طَلْعٌ » يجوز أن تكون الجملة حالاً من النخل أو من الضمير في « بَاسِقَاتٍ » ويجوز أن يكون الحال وحده « لَهَا » وطلع فاعل به . ونَضِيدٌ بمعنى مَنضُود بعضها فوق بعض في كمامها كما في سنبلة الزرع ، وهو عجيب ، فإن الأشجار الطوال ثمارها بعضها على بعض ، لكل واحد منها أصل يخرج منه كالجَوْزِ واللَّوز وغيرهما ، والطَّلْعُ كالسُّنْبُلَة الواحدة يكون على أصل واحدٍ .
قوله : « رزْقاً » يجوز أن يكون حالاً أي مرزوقاً للعباد أي ذا رزق ، وإن يكون مصدراً من معنى أنْبَتْنَا؛ لأن إنبات هذه رزق فكأنه قال : أنبتناها إنباتاً للعباد ويجوز أن تكون مفعولاً له للعباد ، إمّا صفة ، وإما متعلق بالمصدر ، وإِما مفعولاً للمصدر ، واللام زائدة ، أي رِزْقاً العبادَ .
فصل
قال ابن الخطيب : ما الحكمة في قوله عند خلق السماء والأرض : « تَبْصِرَةً وذِكْرَى » وفي الثمار قال : « رِزْقاً » والثمار أيضاً فيها تبصرة وفي السماء والأرض أيضاً منفعة غير التبصرة والتذكرة؟
نقول : فيه وجوه :
أحدها : أن الاستدلال وقع لوجود أمرين : أحدهما الإعادة ، والثاني : البقاء بعد الإعادة ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخبرهم بحشر وجمع يكون بعده الثواب الدائم ، والعقاب الدائم ، وأنكروا ذلك ، فقال أما الأوّل فالله القادر على خلق السموات والأرض قادر على خلق الخلق بعد الفناء ، وأما الثاني فلأن البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على إخراج الأرزاق من النّخل والشجر قادر على أن يرزق بعد الحشر فكان الأوَّل تبصرةً وتذكرةً بالخلق ، والثاني تذكرة بالبقاء بالرزق ، ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله تعالى : { تبصرة وذكرى } حيث ذكر ذلك بعد الآيتين ، ثم بدأ بذكر الماء وإنزاله وإنبات النبات .
ثانيها : منفعة الثمار الظاهرة وهي الرزق فذكرها ، ومنفعة السماء الظاهرة ليست أمراً عائداً إلى انتفاع العباد لبعدها عن ذهنهم حتى أنهم لو توهموا عدم الزرع والثمر لظنوا أن يهلكوا ولو توهموا عدم السماء فوقهم لقالوا : لا يضرنا ذلك مع أن الأمر بالعكس أولى لأنّ السماء سبب الأرْزاق بقدرة الله تعالى ، وفيها منافع غير ذلك والثمار وإن لم تكن كان العيش كما أنزل الله على قوم المنَّ والسلوى ، وعلى قوم المائدة من السماء فذكر الأظهر للناس في هذا المواضع .
ثالثها : قوله : رزْقاً إشارة إلى كونه منعماً ليكون تكذيبهم في غاية القبح فإنه يكون إشارة بالمنعم وهو أقبح ما يكون .

فصل
قال : { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } فقيّد العبد بكونه منيباً ، لأنّ العبودية حصلت لكل أحد غير أن المنيب يأكل ذاكراً شاكراً للإنعام وغيره يأكل كما تأكل الأنْعام ، فلم يخصص بقيدٍ .
قوله : « فَأَحْيَيْنَا بِهِ » أي بالماء و « مَيْتاً » صفة ل « بَلْدَةً » ولم يؤنث حملاً على معنى المكان . والعامة على التخفيف . وأبو جعفر وخالد بالتَّثْقِيلِ .
فإن قيل : ما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله : { وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة } [ يس : 33 ] حيث أثبت ( الهاء ) هناك؟
فالجواب : أن الأصل في الأرض الوصف فقال الميتة ، لأن معنى الفاعلية ظاهرٌ هناك والبلدة الأصل فيها الحياة لأن الأرض إذا صارت حية صارت آهلة وأقام بها القوم وعَمَرُوهَا فصارت بلدة فأسقط الهاء لأن معنى الفاعلية ظاهر فيثبت فيه الهاء ، وإذا كان بمعنى الفاعل لم يظهر لا يثبت فيه الهاء ، ويحقق هذا قوله : { بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ } [ سبأ : 15 ] حيث أثبت الهاء حيث ظهر معنى الفاعلية ولم يثبت حيث لم يظهر .
قوله : « كَذَلِكَ الْخُرُوجُ » أي من القبور أي كالإحياء الخروج .
فإن قيل : الإحياء يشبه به الإخراج لا الخروج؟
فالجواب : تقديره أحيينا به بلدةً ميْتاً فتشققت وخرج منها النبات كذلك تَتَشققُ ويخرج منها الأموات .
قال ابن الخطيب : وهذا يؤكد قولنا : إن الرَّجْعَ بمعنى الرجوع في قوله : { ذلك رجع بعيد } ؛ لأنه تعالى بين لهم ما استبعدوه فلو استبعدوا الرجع الذي هو من المتعدي لناسبهُ أن يقول : كذلك الإخراج فلما قال : كذلك الخروج فهم أنهم أنكروا الرجوع فقال : كذلك الرجوع والخروج .

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14)

قوله تعالى : { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ . . . } الآية ذكر المكذبين تذكيراً لهم بحالهم وأنذرهم بإهلاكهم ، وفيه تسلية للرسول ، وتنبيه بأن حالَهُ كحال من تقدمه من الرسل كُذبوا وصَبَرُوا فأهلك الله مكذّبيهم ونصرهم . والمراد بأصحاب الرَّسِّ قيل : هم قوم شعيب ، وقيل : الذين جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى وهم من قوم عيسى - عليه الصلاة والسلام - وقيل : هم أصحاب الأخْدود والرس إمَّا موضع نسبوا إليه ، أو فَعْل وهو حَفْرُ البئر ، يقال رسَّ إذا حفر بئراً . وقد تقدم في الفرقان . وقال ههنا : « قوم نوح » ، وقال : « إخوان لوط » ؛ لأن لوطاً كان مرسلاً إلى طائفة من قوم إبراهيم هم معارف لوط ، ونوح كان مرسلاً إلى خلْق عظيمٍ ، وقال : « فرعون » ولم يقل : « قوم فرعون » ، وقال : « قوم تبع » ؛ لأن فرعون كان هو المعتبر ، المستبدّ بأمره ، وتبَّع كان معتضداً بقومه فجعل الاعتبار لفرعون وخصه بالذكر . وتبع هو تبع الحِمْيرِيّ ، واسمه سعد أبو كرب . قال قتادة : ذم الله قوم تبع ولم يذمه وتقدم ذكره في سورة الدخان .
قوله : « الأَيْكَة » تقدم الكلام عليها في الشعراء . وقرأ ههنا لَيْكَةَ - بزنة ليلة - أبو جعفر وشيبةُ ، وقال أبو حيان : وقرأ أبو جعفر وشيبة وطلحة ونافع الأيكة - بلام التعريف - والجمور لَيْكَة . وهذا الذين نقله غفلة منه بل الخلاف المشهور إنما هو في سورة الشعراء و « ص » كما تقدم تحقيقه وأما هنا فالجمهور على لام التَّعرِيْف .
قوله : « كُلٌّ » التنوين عوض عن المضاف إليه . وكان بعض النحاة يُجيزُ ( حَذْفَ ) تنوينها وبناءَها على الضم كالغاية نحو : قَبْلُ وبَعْدُ . واللام في الرسل قيل لتعريف الجنس وهو أن كل واحد كذب جميع الرسل وذلك على وجهين :
أحدهما : أن المكذب للرسول مكذب لكل الرّسل .
وثانيهما : أن المذكورين كانوا منكرين للرسالة والحشر بالكلية .
قوله : « فَحَقَّ وَعِيدِ » أي وجب لهم عذابي أي ما أوعد الله تعالى من نُصرة الرسل عليهم وإهلاكهم .

أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)

قوله : « أَفَعَيِينَا » العامة على ياء مكسورة بعدها ياء ساكنة . وقرأ ابنُ عَبْلَةَ أفعُيِّنا بتشديد الياء من غير إشباع ، وهذه القراءة على إشكالها قرأ بها الوليدُ بن مسلم وأبو جعفر وشيبةُ ونافعٌ في رواية . وروى ابن خالويه عن ابن عبلة أَفَعُيِّينَا كذلك ، لكنه أتى بعد الياء المشددة بأخرى ساكنة وخرجها أبو حيان على لغة من يقول في عَيِيَ عَيَّ وفي حَيِيَ حَيَّ بالإدغام . ثم لما أسند هذا الفعل وهو مدغم اعتبر لغة بكرِ بْنِ وائل وهو أنهم لا يفكون الإدغامَ في مثل هذا إذا أسندوا ذلك الفعل المدغم لتاء المتكلم ولا إحدى أخواتها التي تسكن لها لام الفعل فيقولون في رَدّ ردّت وردّنا ، قال : وعلى هذه اللغة تكون التاء مفتوحة . ولم يذكر توجيه القراءة الأخرى . وتوجيهها أنها من عَيَّا يُعَيِّي كَحلَّى يُحَلِّي .
فصل
ومعنى أفعيينا بالخلق الأول أي أَعَجَزْنَا حين خلقناهم أولاً فتعبنا بالإعادة . وهذا تقريع لهم لأنهم اعترفوا بالخلق الأول وأنكروا البعث ، ويقال لكل من عجز عن شيء عَيِي بِهِ .
{ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ } أي شك { مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } وهو البعث . والمراد بالخلق الأول قبل خلقهم ابتداء لقوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله } [ الزخرف : 87 ] . وقيل : هو خلق السموات لأنه هو الخلق الأول فكأنه تعالى قال : { أَفَلَمْ ينظروا إِلَى السمآء } [ ق : 6 ] ثم قال : « أَفَعَيِينَا » بهذا ، ويؤيدهُ قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ } [ الأحقاف : 33 ] وقال بعد هذه الآية : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } وعطفه بحرف الواو على ما تقدم من الخلق ، وهو بناء السموات ، ومدّ الأرض ، وتنزيل الماء وإنبات الحبِّ .
فصل
عطف دلائل الآفاق بعضها على بعض بحرف الواو فقال : « وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا ونَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً » ، ثم في الدليل النفسيّ ذكر حرف الاستفهام ، والفاء بعده إشارة إلى أن تلك الدلائل من جنس ، وهذا من جنس ، فلم يجعل هذا تبعاً لذلك ، ومثل هذا مراعى في سورة « يس » حيث قال : { أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ } [ يس : 77 ] .
فإن قيل : لِمَ لَمْ يعطف الدليل الآفاقيّ ههنا كما عطفه في سورة يس؟
فالجواب - والله أعلم - أن ههنا وُجِدَ منهم استبعاد بقولهم : { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } [ ق : 3 ] فاستدل بالأكبر وهو خلق السموات ، ثم نزل كأنه قال : لا حاجة إلى ذلك الاستدلال بل في أنفسهم دليل جواز إرْشادِهِمْ لا ليدفع استبعادهم فبدأ بالأَدْنَى وارتقى إلى الأعْلى .
فصل
في تعريف « الخلق الأول » وتنكير « خلق جديد » وجهان :
الأول : أن الأول عرفه كل أحد و « الخلق الجديد » لم يعرفه كل أحد ولم يعلم كيفيته ولأنَّ الكلام عنهم وهم لم يكونوا عالمين بالخلق الجديد .

الثاني : أن ذلك لبيان إنكارهم للخلق الثاني من كل وجه كأنهم قالوا : أيكون لنا خلق على وجه إنكار الإله بالكلية .
قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } .
قوله : « وَنَعْلَمُ » خبر مبتدأ مضمر تقديره : ونَحْنُ نَعْلَمُ ، والجملة الاسمية حينئذٍ حالٌ . ولا يجوز أن يكون هو حالاً بنفسه ، لأنه مضارع مثبت باشرته الواو ، وكذلك قوله : « ونحن أقرب » .
فصل
إذا قلنا : بأن الخلق الأول هو خلق السموات فهذا ابتداء استدلال بخلق الإنسان ، وإذا قلنا : بأن الخلق الأول هو خلق الإنسان فهذا تتميم للاستدلال بأن خلق الإنسان أول مرة ، وقوله { وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } أي يحدث به قلبه ، ولا يخفى علينا سرائره وضمائره { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد } لأن أبعاضه تحجب بعضها بعضاً ولا يحجب علمَ الله شيءٌ ، وهذا بيان لكمال علمِهِ .
قوله : { مِنْ حَبْلِ الوريد } كقولهم : مَسْجِدُ الْجَامِعِ ، أي حبل العِرْقِ الوَرِيدِ . أو لأنَّ الحبل أعم فأضيف للبيان نحو : بعيرُ سَانِيَةٍ أو يراد : حبل العاتق فأضيف إلى الوريد كما يضاف إلى العاتق لأنهما في عضو واحد . قال البغوي : حبل الوريد عرق العُنُق وهو عرق بين الحُلْقُوم والعِلْبَاوَيْنِ تتفرق في البدن ، والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين . والوريد إما بمعنى الوارد وإما بمعنى الوُرُود . والوريدُ عرق كبير في العنق . فقال : إنهما وَرِيدان . قال الزمخشري : عرقان مُكْتَنِفَان بصفحتي العُنُق في مقدّمهما يتصلان بالوتين يردان من الرأس إليه يسمى وريداً لأنَّ الروح ترد إليه وأنشد :
4510- كَأَنَّ ورِيدَيْهِ رشَاءَا خُلَّبِ ... وقال أبْرَمُ : هو نهر الجسد وفي القلب الوتين ، وفي الظهر الأبهر ، وفي الذراع والفخذ الأكحل واللسان وفي الخنصر الأسلم .
قوله : « إذْ يَتَلَقَّى » ظرف ل « أَقْرَب » ويجوز أن يكون منصوباً باذْكُرْ . والمعنى إذ يتلقى ويأخذ الملكان الموكلان بالإنسان عمله ومنطقه يحفظانه ويكتبانه .
قوله : { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال } أي أحدهما عن يَمِينه والآخر عن شماله فالذي عن اليمين يكتب الحسنات ، والذي عن الشمال يكتب السيئات . وقوله : « قَعِيدٌ » أي قاعد ، فيجوز أن يكون مفرداً على بابه ، فيكون بمعنى مُقَاعِد كخَلِيطٍ بمعنى مخالط . وفيه لطيفة ، وهي أن الله تعالى قال : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد المخالط لأجزائه الداخل في أعضائه والملك متنحٍ عنه فيكون علمنا به أكمل من علم الكاتب ، أو يكون عدل من فاعل إلى فعيل مبالغة كعليم . وجوز الكوفيون أن يكون فعيلٌ واقعاً موقع الاثنين أراد قعوداً كالرسوب يجعل للاثنين والجمع كما قال تعالى في الاثنين : { فقولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين } [ الشعراء : 16 ] . وقال المبرد : الأصل : عن اليمين قعيد وعن الشمال ، فأخر عن موضعه ، وهذا لا يُنَحِّي من وقوع المفرد موقع المثنى ، والأجود أن يدعى حذف إما من الأول أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد ، وإما من الثاني فيكون قعيد الملفوظ به للأول .

ومثله قوله :
4511- رَمَانِي بأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيئاً وَمِنْ أَجْل الطَّوِيِّ رَمَانِي
قال المفسرون : أراد بالقعيد اللازم الذي لا يبرح لا القائم الذي هو عند القائم . وقال مجاهد : القَعِيدُ : الرصيد .
قوله : { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ } أي ما يتكلم من كلام فيلقيه أي يرميه من فيه { إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } حافظ حاضر . وقرأ العامة « يَلْفِظُ » بكسر الفاء . ومحمد بن ( أبي ) مَعْدَان بفتحها . وَ « رَقِيبٌ عَتِيدٌ » قيل : هو بمعنى رقيبان عتيدان أينما كان . قال الحسن ( رضي الله عنه ) إن الملائكة يجتنبون الإنسان على حالتين عند غَائِطِهِ ، وعند جَمَاعِهِ . وقال مجاهد : يكتبان عليه حتى أنينه في مرضه ، وقال عكرمة : لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه ويُوزَرُ فيه . وقال الضحاك : مَجْلِسُهُمَا تحت الشعر على الحَنَك ومثله عن الحسن يعجبهُ أن ينظف عَنْفَقَتَه . وروى أبو أُمامة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « كاتب الحسنات على يمين الرَّجل وكاتِبُ السَّيئات على يسار الرَّجُلِ وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ أَمِينٌ عَلَى كَاتِبِ السَّيِّئاتِ ، فَإذَا عَمِلَ حَسَنةً كَتَبَهَا صَاحِبُ الْيَمِينِ عَشْراً ، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ لِصَاحِبِ الشِّمَالِ : دَعْهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أَوْ يَسْتَغْفِرُ » .

وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)

قوله : { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ } أي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتجلب على عقله .
قوله : « بالْحَقِّ » يجوز أن تكون الباء للحال أي مُلْتَبسةً بالحقّ والمعنى بحقيقة الموت ، ويجوز أن تكون للتعدية والمراد منه الموت فإنه حق كأن شدة الموت تحضر الموت ، يقال : جاء فلان بكذا أي أحضره ، وقيل : بالحق من أمر الآخرة حتى يتبينه الإنسان ويراه بالعَيَان . وقيل : بما يَؤُول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة .
وقرأ عبد الله : سَكَرَاتُ .
ويقال لمن جاءته سكرة الموت : ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تحيد أي تميل ، من حَادَ عن الشيء يَحِيدُ حُيُوداً وحُيُودَةً وحَيْداً . وقال الحسن : تهرب ، وقال ابن عباس - ( رضي الله عنهما - ) تكره وأصل الحَيْدِ : الميلُ ، يقال : حُدْتُ عن الشيء أَحِيدُ حَيْداً ومَحِيداً إذا مِلْت عنه ، و « ذلك » يحتمل أن يكون إشارة إلى الموت وأن يكون إشارة إلى الحق . والخطاب قيل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال ابن الخطيب : وهو مُنْكَر ، وقيل : مع الكافر . وهو أقرب . والأقْوى أن يقال : هو خطاب عامٌّ مع السامع .
قوله : { وَنُفِخَ فِي الصور } عطف على قوله : { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ } يعني نفخة البعث { ذَلِكَ يَوْمُ الوعيد } الذي وعد الكفار أن يعذبهم فيه . قال الزمخشري : « ذلك » إشارة إلى المصدر الذي هو قوله : « وَنُفِخَ » أي وقت ذلك النفخ يوم الوعيد . قال ابن الخطيب : وهذا ضعيفٌ؛ لأن « يوم » لو كان منصوباً لكان ما ذكره ظاهراً ، وأما رفع « يوم » فيفيد أن ذلك نفس اليوم ، والمصدر لا يكون نفس الزمان وإنما يكون في الزمان .
فالأولى أن يقال : « ذلك » إشارة إلى الزمان المفهوم من قوله : « ونفخ » لأن الفعل كما يدل على المصدر يدل على الزمان فكأنه قال تعالى : ذلك الزمان يوم الوعيد ، والوعيد هو الذي أَوْعَدَ به من الحَشر ، والمجازاة .
قوله : { وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ } قيل : السائق هو الذي يسوقه إلى الموقف ومنْه إلى مقعده ، والشهيدُ هو الكاتب . والسائق لازم للبرِّ والفَاجِرِ ، أما البَرُّ فيساق إلى الجنة وأما الفاجر فإلى النار ، قال تعالى : { وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ . . . وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة } [ الزمر : 71 - 73 ] ، والشهيد يشهد عليها بما عملت . قال الضحاك : السائق من الملائكة والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل ، وهي رواية العَوْفي عن ابن عباس . وقيل : هما جميعاً من الملائكة .
قوله : « مَعَهَا سَائِقٌ » جملة في موضع جر صفة « لِنَفسٍ » أو في موضع رفع صفة « لكُلّ » أو في موضع نصب حالاً من « كُلّ » . والعامة على عدم الإدغام في « معها » وطلحة على الإدغام « مَحَّا » بحاءٍ مشددة ، وذلك أنه أدغم العين في الهاء ، ولا يمكن ذلك فقلبت الهاء حاء ثم أدغم فيها العين فقلبها حاءً .

وسمع : ذَهَبَ مَحُّمْ أي معهم . وقال الزمخشري : ومحل « مَعَهَا سَائقٌ » النصب على الحال من « كُلّ » ؛ لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة . وأنْحى عليه أبو حيان وقال : لا يقولُ هذا مبتدئٌ في النحو ، لأنه لو نعت « كُلُّ نَفْسٍ » مَا نعت إلا بالنكرة . قال شهاب الدين : وهذا منه غير مرض إذ يعلم أنه لم يرد حقيقة ما قاله .
قوله : « لَقَدْ كُنْتَ » أي يقال له : لَقَدْ كُنْتَ ، والقول إما صفة أو حال . والعامة على فتح التاء في « كُنْتَ » والكاف في « غِطَاءَكَ » و « بَصُرَكَ » حملاً على لفظ « كل » من التذكير . والجَحْدَريّ : كُنْتِ بالكسر مخاطبة للنفس . وهو وطلحة بن مصرف : { عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ } بالكسر مراعاة للنفس أيضاً . ولم ينقل صاحب اللوَّامح الكسر في الكاف عن الجَحْدَري ، وعلى كل فيكون قد راعى اللفظ مرةً والمعنى أُخْرَى .
فصل
والمعنى { لقد كنت في غفلة من هذا } اليوم فكشفنا عنك الذي كان في الدنيا وعلى قلبك وسمعك وبصرك { فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ } نفاذ تبصر ما كنت تنكر في الدنيا . وقال مجاهد : يعني نظرك على لسان ميزانك حيث توزن حسناتكَ وسيِّئَاتُكَ . والمعنى أزلنا غَفْلَتَك عنك فبصرك اليوم حديد وكان من قبل كليلاً .

وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26)

قوله تعالى : { وَقَالَ قَرِينُهُ هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } قيل : المراد بالقرين : الملك الموكل به وهو القعيد والشهيد الذي سبق ذكره { هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } يريد كتاب أعماله معدٌّ محضَرٌ . وقيل : المراد بالقرين الشيطان الذي زين له الكفر والعصيان بدليل قوله : { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } [ فصلت : 25 ] وقال : { نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [ الزخرف : 36 ] وقال تعالى : { فَبِئْسَ القرين } [ الزخرف : 38 ] فالإشارة بهذا السَّوْق إلى المرتكب للفجور والفسوق . والقعيد معناه المعتد الناد ومعناه أن الشيطان يقول : هذا العاصي شيء هو عندي معتد لجهنم أعتدته لها بالإغواء والإضلال .
قوله : { هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } يجوز أن تكون « ما » نكرة موصوفة و « عتيد » صفتها و « لَدَيَّ » متعلق بعَتِيدٍ أي هذا شيء عتيدٌ لدي أي حاضر عندي ويجوز على هذا أن يكون « لَدَيَّ » وصفاً ل « ما » و « عتيد » صفة ثانية ، أو خبر مبتدأ محذوف أي هو عتيدٌ ، ويجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي و « لَدَيّ » صلتها ولَدَيَّ خبر الموصول والموصول وصلته خبر الإشارة ويجوز أن تكون « ما » بدلاً من هذا موصولة كانت أو موصوفة ب « لَدَيَّ » و « عتيد » خبر « هذا » . وجوز الزمخشري في « عتيد » أن يكون بدلاً أو خبراً بعد خبر أو خبَر مبتدأ محذوف . والعامة على رفعه ، وعبد الله نصبه حالاً . والأجود حينئذ أن تكون « ما » موصولة؛ لأنها معرفة والمعرفة يكثر مجيء الحال منها . قال أبو البقاء : « ولو جاز ذلك في غير القرآن لجاز نصبُهُ على الحال » كأنَّه لم يطلعْ عليها قراءةً .
قوله : { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ } اختلفوا هل المأمور واحد أو اثنان؟ فقيل : واحد . وإنما أتى بضمير الاثنين دلالةً على تكرير الفعل كأنه قيل : أَلْقِ أَلْقِ . وقيل : أراد أَلْقَيَنْ بالنون الخفيفة ، فأبدلها ألفاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف ، ويؤيده قراءة الحسن ( - رضي الله عنه - ) أَلْقِيَنْ بالنون . وقيل : العرب تخاطب الواحد مخاطبةَ الاثنين تأكيداً كقوله :
4512- فَإنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفَّانَ أزْدَجِرْ ... وَإنْ تَدَعَانِي أَحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعَا
وقال آخر :
4513- فَقُلْتُ لِصَاحِبي : لاَ تَحبسانا ... بِنَزْعِ أُصُولِهِ واجْدَزَّ شِيحَا
وتقول العرب : ويحك ارْجِلاَهَا وازْجُرَاهَا وخُذاها للواحد . قال الفراء : وأصل ذلك أن أدنى أعوانِ الرجل في إبله وغنمه وسفره اثنان فجرى كلام الواحد على صاحبه ، ومنه قولهم في الشعر : خليليَّ . وقال الزجاج : هذا أمر السائق والشهيد . وقيل : للمتلقين .
قوله : { كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } الكفار يحتمل أن يكون من الكُفْر فيكون بمعنى شديد الكفر لأن الشديد في اللفظ بدل على شدة في المعنى ، ويحتمل أن يكون الكُفْران فهو المنكر نعم الله مع كثرتها .

و « العنيدُ » فعيل بمعنى فاعل من عَنِدَ عُنُوداً ، ومنه العِنَادُ . والمعنى عاصٍ معرض عن الحق . قال عكرمة ومجاهد : مجانبٍ للحق ومعاندٍ لله .
قوله : « مَنَّاع للخير » أي كثير المنع للمال والواجب من الزَّكاة وكُلّ حق واجب في ماله هذا إذا قلنا إن الكفار هو المنكر نعم الله تعالى . وإن قلنا : هو من الكفر فهو الذي أنكر دلائل وحدانية الله تعالى مع قوّتها وظهورها ، فكان شديد الكفر عنيداً حيث أنكر الحق الواضح فهو مناع شديد المنع من الإيمان فهو مناع للخير وهو الإيمان الذي هو خَيْرٌ محض ، كأنه يقول : كفر بالله ولم يقتنع بكفره ، حتى مَنَعَ الخير من الغَيْر .
قوله : « مُعتَدٍ » فإن فسرنا المَنَّاع بمنَّاع الزكاة فمعناه لمن يؤدِّ الواجب وتعدى ذلك حتى أخذ الحرام أيضاً بالرِّبا كما كان عادة المشركين ، وإن كان المنّاع بمعنى منع الإيمان فكأنه يقول : مَنَعَ الإيمان ولم يقنع به حتى تعداه ، وأهان مَنْ آمَن ، وآذاهُ ، وأعان من كفر فَآوَاهُ . قال المفسرون : هو الظالم الذي لا يُقرُّ بتوحيد الله تعالى .
وقوله : « مُرِيبٍ » أي شاكّ في التوحيد . ومعناه دخل في الرَّيْب ، وقيل : موقع للغير في الريب بإلقاء الشُّبَه . وإن قيل : بأن المنَّاع مَنَّاعُ الزكاة فمعناه لا يعطي الزكاة لأنه في رَيْبٍ من الآخرة والثواب . قال ابن الخطيب : وفيه ترتيب آخر وهو أن يُقَالَ : هذا بيان أحوال الكافر بالنسبة إلى الله تعالى وإلى الرَّسُول وإلى اليوم الآخر . فقوله : « كَفَّار عَنيد » إشارة إلى حَالِهِ مَعَ اللَّهِ يكفر به ويعاند آياته . وقوله : { مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ } ، إشارة إلى حَالِهِ مع الرسول يمنع الناس اتّبَاعَهُ ومن الإنفاق على مَنْ عنده وبتعدَّى بالإيذاء وقوله : « مريب » إشارة إلى حاله بالنسبة إلى اليوم الآخر يَرْتَاب فيه ولا يظن أن الساعة قائمةٌ .
فإن قيل : قوله تعالى : { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ } إلى غير ذلك يوجب أن يكون الإلقاءُ خاصاً بمن اجتمع فيه هذه الصفات بأسرها والكفر وحده كاف في إثبات الإلقاء في جهنم؟
فالجواب : أن قوله : { كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } ليس المراد منه الوصف المميز كما يقال : أعطِ العالم الزاهدَ بل المراد الوصف المبين لكون الموصوف موصوفاً به إما على سبيل المدح أو على سبيل الذم كقولك : هَذَا حَاتِمٌ السخيُّ . فقوله : { كل كفار عنيد } معناه أن الكافر عنيد ومناع للخير؛ لأن آياتِ الوحدانية ظاهرةٌ ونِعَمَ الله على عباده وافرة وهو مع ذلك عنيد ومناع للخير ، لأنه يمدح دينه ويذم دين الحق فهو يَمْنَعُ ، ومُرِيب لأنه يرتاب في الحَشْر ، وكل كافر فهو موصوف بهذه الصفات .
قوله : « الَّذِي جَعَلَ » يجوز أن يكون منصوباً على الذَّمِّ ، أو على البدل من « كُلَّ » وأن يكون مجروراً بدلاً من « كَفَّارٍ » ، أو مرفوعاً بالابتداء والخبر « فَأَلْقِيَاهُ » . قيل : ودخلت الفاء لشبهِهِ بالشرط ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر ، أي هو الذي جعل ، ويكون « فَأَلْقِيَاهُ » تأكيداً .
وجوز ابن عَطِيَّة أن يكون صفة « لِكَفَّارٍ » ؛ قال : من حيث يختص « كفار » بالأوصاف المذكورة فجاز وصفه لهذه المعرفة . وهذا مردودٌ . وقرئ بفتح التَّنوين في « مُرِيب » فراراً من تَوَالي أَرْبع متجانساتٍ .

قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29)

قوله : « قَالَ قَرِينُهُ » جاءت هذه بلا واو؛ لأنها قصد بها الاستئناف كأن الكافر قال : ربِّ هُو أطغاني فقال قرينه : مَا أَطْغَيْتُهُ بخلاف التي قبلها فإنها عطفت على ما قبلها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول أعني مجيء كل نفس مع المَلَكَيْن وقول قرينه ما قال . قال ابن الخطيب : جاءت هذه بلا واو وفي الأولى بالواو العاطفة لأن في الأولى إشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين ، فإن كل نفس في ذلك الوقت يجيء معها سائقٌ وشهيد فيقول الشهيد ذلك القول ، وفي الثاني لم يوجد هناك معنيان مجتمعان حتى يذكر بالواو ، فإن الفاء في قوله : { فَأَلْقِيَاهُ فِي العذاب } [ ق : 26 ] لا يناسب قوله : « قَالَ رَبَّنَا مَا أطْغَيْتُهُ » فليس هناك مناسبة مقتضية للعطف بالواو .
فصل
هذا جواب لكلام مقدر ، كأن الكافر حين يلقى في النار يقول : ربنا أطغاني شَيْطَانِي ، فيقول الشيطان : ربنا ما أطغيته بدليل قوله تعالى : { لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ } ؛ لأنَّ المخاصمة تستدعي كلاماً من الجانبين ونظيره قوله تعالى في سورة « ص » : { قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } [ ص : 60 ] إلى قوله : { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار } [ ص : 64 ] . قال الزمخشري : وهذا يدل على أن المراد بالقرين في الآية المتقدمة هو الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيدٌ ، وعلى هذا فيكون قوله : { رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ } ، مناقضاً لقوله : أعتدته .
قال ابن الخطيب : وللزمخشري أن يُجِيبَ بوجهين :
أحدهما : أن يقول ( إن قول ) الشيطان : أعتدته بمعنى زَيَّنْتُ له .
والثاني : أن تكون الإشارة إلى حالين ، ففي الحالة الأولى أنا فعلت به ذلك إظهاراً للانتقام مِنْ بني آدم وتصحيحاً لقوله : { فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ ص : 82 ] ثم إذا رأى العذاب وهو معه مشترك يقول : رَبَّنَا ما أَطْغَيْتُه فيرجع عن مقاله عند ظهور العذاب . قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل : المُرادُ بالقرينِ هنا : الملك أي يقول الكافر : ربِّ إن الملك زاد عليّ في الكتابة فيقول الملك : رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتهُ يعني ما زدت عليه وما كتبت إلا ما قال وعمل { ولكن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ } أي طويل لا يرجع عنه إلى الحق .
فإن قيل : القائل هنا واحد وقال : رَبَّنَا ما أطغيته ولم يقل : ربِّ وفي كثير من المواضع القائل واحد وقال : ربّ ، كقوله : { رَبِّ أَرِنِي } [ البقرة : 260 ] وقال نوح : { رَّبِّ اغفر لِي } [ نوح : 28 ] { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض } [ نوح : 26 ] { رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ } [ يوسف : 33 ] { رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً } [ التحريم : 11 ] « رَبِّ فَأَنْظِرْنِي » .
فالجواب : أن في جميع تلك المواضع القائل طالب ، ولا يحسن أن يقول الطالب يا رب أعطني وإنما يحسن أن يقول : أعطِنا لأن كونه : « رَبًّا » لا يناسب تخصيصَ الغَالِبِ . وأما هنا فالموضع موضع هبة وعظَمة وعرض حال فقال : ربنا ما أطغيته .

فإن قيل : ما الوجه في اتِّصاف الضَّلالِ بالبُعْدِ؟
فالجواب : أن الضلال يكون أكثر ضلالاً من الطريق فإذا تَمَادى في الضلال وبقي فيه مدة يبعد عن المقصِد كثيراً ، وإذا عدم الضلال قَصُرَت الطريق عن قريب فلا يبعد عن المقصد كثيراً فقوله : « ضلال بعيد » وصف للمصدر بما يوصف به الفاعل ، كما يقال : كلامٌ صَادقٌ ، وعيشةٌ راضيةٌ أي ( و ) ضلال ذو بعد والضلال إذا بعد مَدَاه وامتد الضلال فيه فيصير بَيِّناً ويظهر الضلال لأن من حَادَ عن الطريق ( وبَعُد عنه يبعد عليه الصواب ولا يرى للمقصد أثراً فبيَّن له أنه ضلّ عن الطريق ) وربما يقع في أَوْدِيَةٍ ومَفاوزَ تظهر له أماراتُ الضلال بخلاف من حَادَ قليلاً ، فالضلال وصفه الله بالوصفين في كثيرٍ من المواضع ، فتارةً قال : { في ضلال مبين } ، وأخرى : { في ضلال بعيد } .
فإن قيل : كيف قال : ما أطغيته مع أنه قال : « لأغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ » ؟
فالجواب من ثلاثة أوجه تقدم منها وجهان في الاعتذار عما قاله الزمخشري .
والثالث : أن المراد من قوله : « لأغوينهم » أي لأُديمنّهم على الغِوَاية كما أنّ الضالّ إذا قال له شخص : أنت على الجَادَّة فلا تترُكها ، يقال : إنه يضله . كذا ههنا ، فقوله : « ما أطغيته » أي ما كان ابتداء الإطغاء مِنِّي .
قوله : « لاَ تَخْتَصِمُوا » استئناف أيضاً كأن قائلاً قال : فماذا قال الله له؟ فأجيب : يقال لا تختصموا وقوله : « لَدَيَّ » يفيد مفهومه أنَّ الاختصام كان ينبغي أن يكون قبلَ الحضورِ ، والوقوفِ بين يَدَيَّ .
قوله : « وَقَدْ قَدَّمْتُ » جملة حالية ، ولا بدّ من تأويلها ، وذلك أن النهي في الآخرة وتقدمه الوعد في الدنيا ، فاختلف الزمنان فكيف يصح جعلها حالية؟ وتأويلها هو أن المعنى وقد صح أني قَدَّمْتُ وزمان الصحة وزمان النهي واحدٌ . و « قَدَّمْتُ » يجوز أن يكون « قدمت » على حاله متعدياً والباء مزيدة في المفعول أي قدمت إليكم الوعيد ، كقوله تعالى : { تَنبُتُ بالدهن } [ المؤمنون : 20 ] على قول من قال بزيادتها هناك . وقيل : الباء هنا للمصاحبة ، كقولك : اشْتَرْيتُ الفَرَسَ بِلِجامِهِ وسَرْجِهِ أي معه فكأنه قال : قدمت إليكم ما يجب مع الوعيد عليَّ تركه والإنذار .
قوله : { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ } أي لا تبديل لقولي ، وهو قوله : { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ } [ السجدة : 13 ] . وقيل المعنى ما يبدل القول لديَّ أي ما يكذب عندي ولا يغير القول عن وجهه لأني أعلمُ الغيب . وهذا قول الكلبي ، ومقاتل ، واختيار الفراء؛ لأنه قال : { ما يبدَّل القول لدي } ولم يقل : « ما يبدل قولي » . وقيل : معناه ما يبدل القول السابقُ أنّ هذا شقي وهذا سعيد حين خلقت العباد ، فذلك القول عندي لا تبديل له بسَعي ساعٍ .

وهذا ردّ على المُرْجِئَةِ حيث قالوا : ما ورد في القرآن من الوَعيد فَهُو تخويفٌ ولا يحقق اللَّهُ منه شيئاً ، وقالوا : الكريم إذا وعد بخير وَفَى ، وإذا أوعد أخْلَف وَعَفَا . وقيل : المعنى ما يُبَدَّلُ الكفر بالإيمان لَدَيَّ ، فإن القيام عند القيام بين يدي الله في القيامة غير مقبول فقوله : { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ } إشارة إلى نفي الحال ، كأنه قال : ما يبدل اليومَ لدي القول؛ لأن « ما » إذا دخلت على الفعل المضارع ينفى بها الحال ، تقول : مَاذَا يَفْعَلُ زَيْدٌ فِي بَيْتِهِ؟ فيقال : مَا يَفْعَلُ شيئاً أي في الحال فإذا قلت : ماذا يَفْعَلُ غداً؟ قيلَ : لا يفعل شيئاً إذا أريد زيادة بيان النفي .
قوله : { وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } أي فأعاقبهم بغير جُرْم . واعلم أن الظلاَّم مبالغةٌ في الظالم ويلزم من إثباته إثبات أصل الظلم فإذا قال القائل : هو كذاب يلزم أن يكون كثيرَ الكَذِب ، فلا يلزم من نفيه نفي أصلِ الكذب لجواز أن يقال : ليس بكذاب كثير الكذب لكنه يكذب أحياناً . فقوله : { مَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ } يفهم منه نَفي أصلِ الظلم وأن الله ليس بظالم . والوجه في ذلك من وجوه :
الأول : أن الظلام بمعنى الظالم كالتمار بمعنى التامر ، فيكون اللام في قوله : « للعبيد » لتحقيق النِّسبةِ لأن الفَعَّال حينئذ بمعنى ذي ظلم .
الثاني : قال الزمخشري : إن ذَلِكَ أمرٌ تقديريّ كأنه تعالى يقول : لو ظلمتُ عبدي الضعيفَ الذي هو محلّ الرحمة لكان ذلك غايةَ الظلم وما أنا بذلك ، فيلزم من نفي كونه ظلاماً نفي كونه ظالماً ، ويحقق هذا الوجه إظهار لفظ العبيد حيث قال : { وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } أي في ذلك اليوم الذي أملأ فيه جهنم مع وُسْعِها حتى تَصِيحَ وتقول : لم يبق لي طاقةٌ بهم ، ولم يبق فيَّ موضع لهم ، « فَهَلْ مِنْ مَزيدٍ » استفهام إنكار .
الثاث : أنه لمقابلة الجمع بالجمع ، والمعنى أن ذلك اليوم مع أني أُلْقِي في جهنم عدداً لا حصر له لا أكون بسبب كثرة التعذيب كثيرَ الظلم لأنه قال : « وما أنا بظلام للعبيد ، يَوْمَ نَقُولُ » ولم يقل : مَا أَنَا بِظَلاَّمٍ في جميع الأزمان . وخصص بالعبيد حيث قال : { ما أنا بظلام للعبيد } ، ولم يطلق فكذلك خصص النفي بنوع من أنواع الظلم ولم يطلق ، ولم يلزم منه أن يكون ظالماً في غير ذلك الوقت .
وبقية الأوجه مذكورة في آل عِمْرَانَ عند قوله : « بظلام للعبيد » { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } [ آل عمران : 11 ] .
فصل
هذه الآية تدل على أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه؛ لأنه نفى كونه ظلاماً ولم يلزم منه كونهُ ظالماً ولم يلزم منه كونه ظلاَّماً لِغَيْرهم .
فصل
يحتمل أن يكون المراد الكفار كقوله تعالى : { ياحسرة عَلَى العباد مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ } [ يس : 30 ] ، المعنى أعذبهم وما أنا بظلام لهم ، ويحتمل أن يكون المراد المؤمنين . والمعنى أن الله تعالى يقول : لو بدلت قولي ورحمت الكافر لكنت في تكليف العباد ظالماً لعبادي المؤمنين لأني منعتهم من الشهواب لأجل هذا اليوم فلو كان ينال من لم يأتِ بما أتى به المؤمن لكان إتيان المؤمن بما أتى به من الإيمان والعبادة غير مفيد ، وهذا معنى قوله تعالى : { لاَ يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة } [ الحشر : 20 ] وقوله : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 9 ] ويحتمل أن يكون المراد التعميمَ .

يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)

قوله تعالى : { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ } يوم منصوب إما « بظَلاَّمٍ » ولا مفهوم لهذا؛ لأنه إذا لم يظلم في هذا اليوم فنفي الظلم عنه في غيره أحرى . أو بقوله : { وَنُفِخَ فِي الصور } [ ق : 20 ] . والإشارة بذلك إلى : يَوْمَ نَقُولُ . قاله الزمَخْشَريّ . واستبعده أبُو حَيَّان؛ لكثرة الفواصل أو باذْكُرْ مقدراً أو بأنْذِرْ . وهو على هذين الأخيرين مفعول به لا ظرف . وقرأ نافعٌ وأبو بكْرٍ : يَقُولُ لِجَهَنَّم بياء الغيبة ، والفاعل : الله تعالى ، لتقدم ذكره في قوله : { لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ } [ ق : 28 ] والأعمش : يُقالُ مبنياً للمفعول . وقوله : « هَل امْتَلأتِ » وذلك لما سبق من وعده إياها أنه يملأها من الجنَّةِ والنَّاسِ وهذا السؤال من الله - عزّ وجلّ - لتصديق خبره وتحقيق وَعْدِهِ .
قوله : { هَلْ مِن مَّزِيدٍ } سؤال تقرير وتوقيف . وقيل : معناه النفي . وقيل : السؤال لخزنتها والجواب مبهم ، فلا بدّ من حذف مضاف أي نقولُ لخزنة جهنم ويقولون ثم حذف . و « المزيد » يجوز أن يكون مصدراً أي مِنْ زيادةٍ وأن يكون اسمَ مفعول أي من شيءٍ تَزيدُونَه أَحْرِقُهُ .
فصل
قال المفسرون : معنى قوله : هل من مزيد أي قد امتلأتُ ولم يبق فِيَّ موضعٌ لم يمتلئ ، فهو استفهام إنكار بمعنى الاستزادة ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ( رضي الله عنهم ) وعلى هذا يكون السؤال وهو قوله : هل امتَلأتِ قبل دخول جميع أهلها فيها . روي عن ابن عباس : أن الله تعالى سبقت كلمته : لأمْلأَن جهنم من الجنة والناس أجمعين ، فلما سبق أعداء الله تعالى إليها لا يلقى فيها فوجٌ إلا ذهب فيها ولا يمَلأُها فتقول : ألستَ قد أقسمتَ لتَمَلأَنِّي فيضع قدمه عليها ثم يقول : هل امْتَلأتِ؟ فتقول : قَطْ قَطْ قد امتلأت وليس فِيَّ مزيد .
قوله تعالى : { وَأُزْلِفَتِ الجنة } قربت وأدنيت وقوله : « غَيْرَ بَعِيدٍ » يجوز أن يكون حالاً من « الجنة » ولم يؤنث؛ لأنها بمعنى البُسْتَان ، أو لأن « فَعِيلاً » لا يؤنث؛ لأنه بزنة المصادر ، قاله الزمخشري ومنعه أبو حيان ، وقد تقدم في قوله : { إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ } [ الأعراف : 56 ] ويجوز أن يكون منصوباً على الظرف المكاني ، أي مكاناً غير بعيد ، ويجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد ، وهو ظاهر عبارة الزمخشري ، فإنه قال : أو شيئاً غير بعيد .
فإن قيل : ما وجه التقريب مع أن الجنة مكانٌ ، والأمكنة يقرب منها وهي لا تقرب؟ فالجواب من وجوه :
الأول : أن الجنة لا تزال ولا يؤمر المؤمن في ذلك اليوم بالانْتِقَال إليها مع بعدها لكن الله تعالى يطوي المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو التقريب .
فإن قيل : فعلى هذا ليس إزْلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزْلاَفِ المؤمنِ من الجنة فما فائدة قوله : « أزلفت الجنة » ؟
فالجواب : أن ذلك إكرام للمؤمن وبيان لشرفه ، وأنه مِمَّنْ يمشى إليه .

الثاني : قربت من الحصول في الدخول لا بمعنى القرب المكاني .
الثالث : أن الله تعالى قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض فيقربها للمؤمن ويحتمل أنها أُزْلِفَتْ بمعنى جَمَعَت محاسنها ، لأنها مخلوقة ، وإما بمعنى قرب الحصول لها لأنها تنال بكلمة وحسنة وخص المتقين بذلك لأنهم أحقّ بها .
قوله : { هذا مَا تُوعَدُونَ } هذه الجملة يجوز فيها وجهان :
أحدهما : أن تكون معترضة بين البَدَلِ والمُبْدَلِ منه ، وذلك أن « لِكُلِّ أَوَّاب » بدل من « المتقين » بإعادة العامل .
والثاني : أن تكون منصوبة بقول مُضْمَرٍ ، ذلك القول منصوب على الحال أي مقولاً لهم . وقد تقدم في ( سُورَة ) « ص » أنه قرئ : يُوعَدُونَ بالياء والتاء .
ونسب أبو حيان قراءة الياء من تحت هنا لابن كثير ، وأبي عمرو ، وإنما هي عن ابن كثيرٍ وَحْدَهُ .
فصل
والأواب الرَّجَّاعُ ، قيل : هو الذي يَرْجِعُ عن الذنوب إلى الاستغفار والطاعة ، قال سعيد بن المُسَيِّب : هو الذي يُذْنبُ ثم يتوب ، ثم يُذْنِبُ ثم يتوبُ . وقال الشَّعْبِيُّ ومجاهدٌ : هو الذي يذكر ذنوبهُ في الخَلاَءِ فيستغفر منها . وقال عطاء ، وابن عباس : هو المسبِّح من قوله : { ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ } [ سبأ : 10 ] وقال قتادة : هو المصلِّي . والْحَفِيظُ : هو الذي يحفظ تَوبته من النّقص . وقال ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - هو الذي يحفظ ذُنُوبَهُ حتَّى يرجع عنها ويستغفر منها . وقال ابن عباس أيضاً : الحفيظ لأمر الله ، وقال قتادة الحفيظ لما استودعه الله من حقِّه . والأوَّابُ والحفيظ كلاهما من باب المبالغة أي يكون كثيرَ الأَوْبِ شديدَ الحِفْظِ .
قوله : « مَنْ خَشِيَ » يجوز أن يكون مجرور المَحَلّ بدلاً ، أو بياناً ل « كُلّ » . وقال الزمخشري : يجوز أن يكون بدلاً بعد بدل تابعاً لكل . انتهى . يعني أنه بدل من كل بعد أن أبدلت « لكلّ » من « لِلْمُتَّقِينَ » . ولم يجعلْه بدلاً آخر من نفس « لِلْمُتَّقِينَ » لأنه لا يتكرر البدل والمبدل منه واحد . ويجوز أن يكون بدلاً من موصوف « أَوَّابٍ وحَفِيظٍ » قاله الزمخشري . يعني أن الأصل لكلّ شخص أوابٍ ، فيكون « مَنْ خَشِيَ » بدلاً من « شَخْص » المقدر . قال : ولا يجوز أن يكون في حكم « أواب وحفيظ » ؛ لأن « مَنْ » لا يوصف بها ، لا يقال : الرجلُ مَنْ جاءني جالسٌ ، كما يقال : الرجل الذي جَاءَني جالسٌ . والفرق بينهما يأتي في الفصل بعده . ولا يوصف من بين الموصولات إلاَّ بالَّذي يعني بقوله : « في حكم أواب » أن يجعل من صفة . وهذا كما قال لا يجوز ، إلا أنَّ أبا حَيَّانَ استدرك عليه الحَصْرَ وقال : بل يوصف بغير الذي من الموصولات كوصفهم بما فيه أل الموصوفة ، نحو : الضَّارِبُ والمَضْرُوب ، وكوصفهم بذُو وذاتِ الطَّائِيَّتَين نحو قولهم : « بالْفَضْلِ ذُو فَضَّلَكُم اللَّهُ بِهِ ، والْكَرَامَةِ ذات أَكْرَمَكُمْ بِهِ » .

وقد جوز ابن عطية في : « مَنْ خَشِيَ » أن يكون نعتاً لما تقدم . وهو مردود بما تقدم . ويجوز أن يرتفع : مَنْ خَشِيَ على أنه خبر ابتداءٍ مضمر أو ينصب بفعل مضمر ، وكلاهما على القطعِ المُشْعِر بالمَدْحِ ، وأن يكون مبتدأ خبره قولٌ مضمر ناصبٌ لقوله : ادْخُلُوها وحُمِلَ أولاً على اللفظ وفي الثَّاني على المَعْنَى .
وقيل : مَنْ خَشِيَ منادى حذف منه حرف النداء أي يَا مَنْ خَشِيَ ادْخُلُوهَا باعتبار الجملتين المتقدمتين وحَذْفُ حرف النداء سائغٌ . وأن تكون شرطية وجوابها محذوف هو ذلك القول ، ولكن ردّ معه فاء أي فيقال لهم . و « بالْغَيْبِ » حال أي غائباً عنه ، فيحتمل أن يكون حالاً من الفاعل أو المفعول أو منهما ، وقيل : الباء المسببة أي خشيةً بسبب الغَيْب الذي أوعد به من عذابه . ويجوز أن يكون صفة لمصدر خشي أي خَشِيهُ خشْيَةً مُلتَبِسَةً بالْغَيْبِ .
فصل
قال ابن الخطيب : إذا كان « مَنْ والَّذي » يشتركان في كونهما من الموصولات فلماذا لا يشتركان في جواز الوصف بهما؟
فنقول : « ما » اسم مبهم يقع على كل شيء فمفهومه هو شيء ، لكن الشيء هو أعم الأشْياء فإن الجَوْهَرَ شيء ، والعَرَضَ شيء ، والواجب شيء ، والممكن شيء ، والأعَمُّ قبل الأخص في الفهم لأنك إذا رأيت شيئاً من البعد تقول أولاً : إنَّه شيء ، ثم إذا ظهر لك منه ما يختص بالناس تقول : إنسان ، فإذا بان لك أنه ذكر قلت : إنه رجل ، فإذا وجدته ذا قوة تقول : شجاعٌ إلى غير ذلك فالأعَمّ أعرف ، وهو قبل الأخَص في الفهم ، فلا يجوز أن يكون صفة ، لأنَّ الصفة بعد الموصوف . هذا من حيث المعقول ، وأما من حيث النَّحْو ، فلأن الحقائق لا يوصف بها ، فلا يقال : جِسْمُ رَجُلٍ جَاءَنِي ، كما يقال : جِسْمُ نَاطِقٍ جَاءَنِي؛ لأنَّ الوصف يقوم بالموصوف والحقيقة تقوم بنفسها لا بغيرها . فقولنا : عالم أي شيء له علم .
فصل
والخَشْيَةُ والخَوْفُ معناهما واحد عند أهل اللغة ، لكن بينهما فَرْقٌ ، وهو أن الخشيةَ خوفٌ من عَظَمَةِ المَخْشِيِّ ، لأن تركيب حروف « شَ يَ خَ » في تقاليبها يلزمه معنى الهيبة ، يقال : شَيْخٌ لِلسَّيِّدِ وللرجل الكبير السِّنِّ ، وهما جميعاً مَهِيبَان والخوف خشيةٌ من ضعف الخاشي ، لأنَّ تركيب « خَ وَ ف » في تقاليبها يدل على الضعف ، ويدل على ذلك أنه حيث كان الخوف من عظمة المخشيّ قال تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } [ فاطر : 28 ] ، وقال : { هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ } [ المؤمنون : 57 ] مع أن الملائكة والجبل أقوياء وحيث كان الخوفُ من ضعف الخاشِي سماه خوفاً قال تعالى :

{ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } [ فصلت : 30 ] أي بسبب مكروه يلحقكم في الآخرة . وقال تعالى : { خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ } [ القصص : 18 ] وقال : « إنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ » لوحدته وضعفه هذا في أكثر الاستعمال وربما يتخلف ( المُدَّعَى عنه لكن الكثرة كافية ) .
فصل
معنى الآية من خاف الرحمن فأطاعه بالغيب ، ولم يره . وقال الضّحاك والسّدي : يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد . قال الحسن : إذا أرخى الستر وأغلق الباب .
{ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ } هذه صفة مدح ، لأن شأن الخائف أن يَهْرب ، فأما المتقي فجاء ربه لعلمه أنه لا ينجي الفِرار منه .
وقوله : « مُنِيبٍ » أي مخلص مقبل على طاعة الله تعالى . والباء في « بِقَلْبٍ » إما للتعدية ، وإما للمُصَاحَبة ، وإما للسببية .
والقلب المنيب كالقلب السليم في قوله تعالى : { إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الصافات : 84 ] أي سليم من الشرك .
قوله : « ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ » الجار والمجرور حال من فاعل « ادْخُلُوهَا » أي سالمين من الآفات فهي حال مقارنة ، أو مسلّماً عليكم فهي حال مقدرة كقوله : { فادخلوها خَالِدِينَ } [ الزمر : 73 ] . كذا قيل وفيه نظر ، إذ لا مانع من مقارنة وتسليم الملائكة عليهم حال الدخول بخلاف فَادْخُلُوهَا خالدينَ فإنه لا يعقل الخلود إلا بعد الدخول ، والضمير في « ادْخُلُوهَا » عائد إلى الجنة ، أي ادخلوا الجنة بسلامةٍ من العذاب والهموم وقيل : بسلام من الله وملائكته عليهم .
قوله : { ذَلِكَ يَوْمُ الخلود } قال أبو البقاء : أي ومن ذلكَ يَوْمُ الخلود كأنّه جعل « ذَلِكَ » إشارة إلى ما تقدم من إنعام الله عليهم بما ذكره ، وقيل « ذَلِك » مشارٌ به لما بعده من الزَّمان ، كقولك : هَذَا زَيْدٌ . قال الزمخشري : في قوله : { ذَلِكَ يَوْمُ الخلود } إضمار تقديره : ذَلِكَ يَوْم تَقْرِير الخُلُود . ويحتمل أن يقال : اليوم يُذْكَرُ ويراد به الزمان المطلق سواء كان يوماً أو ليلاً ، تقول : يَوْمَ يُولَدُ لِفُلاَن يكون السرورُ العظيمُ ، ولو ولد له بالليل لكان السرور حاصلاً فالمراد به الزّمان فكأنه تعالى قال : ذَلك زَمَانُ الإقامة الدَّائِمَةِ .
فإن قيل : المؤمن قد علم أنه إذا دخل الجنة خلد فيها فما فائدة القول؟
فالجواب من وجهين :
الأول : أن قوله : { ذَلِكَ يَوْمُ الخلود } قول قاله الله في الدنيا ، إعلاماً وإخباراً ، وليس ذلك قولاً يقولُه عند قوله : « ادخلوها » ، فكأنه تعالى أخبر في يومنا أنَّ ذلك اليوم يومُ الخلود .
الثاني : أن اطمئنان القلب بالقول أكثر .
قوله : { لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا } يجوز أن يتعلق « فيهَا » ب « يشاؤون » ويجوز أن يكون حالاً من الموصول ، أو من عائِدِهِ والأول أولى .
فصل
ما الحكمة في أنه تعالى قال : ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ على المخاطبة ، ثم قال : « لَهُمْ » ولم يقل : لَكُم؟
فالجواب من وجوه :
الأول : أن قوله تعالى : « ادْخُلُوهَا » فيه مقدر ، أي فيُقَال لَهُمُ ادْخُلُوها .

فلا يكون التفاتاً .
الثاني : أنه التفات ، والحكمة الجمع بين الطرفين ، كأنه تعالى يقول : غير محلّ بهم في غيبتهم وحضورهم .
ففي حضورهم الحبور ، وفي غيبتهم الحورُ والقُصُور .
الثالث : أنه يجوز أن يكون قوله تعالى : « لَهُمْ » كلاماً مع الملائكة ، يقول للملائكة توكلوا بخدمتهم ، وَاعْلَمُوا أَنّ لهم ما يشاؤون فيها فأَحْضِروا بين أيديهم ما يشاؤون ، وأما أنا فعندي ما لا يخطر ببالهم ولا تَقْدِرُون أنتم عليه .
و « المزيد » يحتمل أن يكون معناه الزيادة ، كقوله تعالى : { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ } [ يونس : 26 ] ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول ، أي عندنا ما نَزيدهُ على ما يَرْجُون ويَأمَلُونَ .
قال أنس وجابر : هو النظر إلى وجه الله الكريم .

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)

قوله تعالى : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا } نصب بما بعده . وقدم إما لأنه استفهام ، وإما لأن « كم » الخبرية تَجْرِي مَجْرَى الاستفهامية في التصدير . و « مِنْ قَرْنٍ » تمييز و « هُمْ أَشَدُّ » صفة إما « لكَمْ » وإما لِقَرنْ .
قوله : « فَنَقَّبُوا » الفاء عاطفة على المعنى كأنه قيل : اشتدَّ بطشهم فَنَقَّبُوا والضمير في ( نَقَّبُوا ) إما للقرون المتقدمة وهو الظاهر وإما لقُرَيْشٍ ، ويؤيده قراءة ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - وابن يَعْمُرَ ، وأَبِي العَالِيَة ، ونَصْرِ بن يَسَار ، وأبي حيوة ، والأصمعي - عن أبي عمرو - ( رضي الله عنهم ) فَنَقِّبُوا - بكسر القاف - أمراً لهم بذلك .
والتَّنْقِيبُ التَّنْقِيرُ والتّفتيش ، ومعناه التَّطْوَافُ في البلاد ، قال الحارُ بنُ حِلِّزَةَ :
4514- نَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ مِنْ حَذَرِ الْمَو ... تِ وَجَالُوا فِي الأَرْضِ كُلَّ مَجَالِ
وقال امرؤ القيس :
4515- وَقَدْ نَقَّبْتُ فِي الآفَاقِ حَتَّى ... رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالإيَابِ
وقرأ ابنُ عَباسٍ وأبو عمرو أيضاً في رواية : نَقَبُوا بفتح القاف خفيفة . ومعناها كما تقدم . وقرئ : نَقِبُوا بكسرها خفيفة أي نَقِبَتْ أقدامُهُمْ وَأَقْدَام إبلهم ودَمِيَتْ فحذف المضاف ، وذلك لكثرة تَطْوَافِهِمْ .
قوله : { هَلْ مِن مَّحِيصٍ } مبتدأ أو خبر مضمر تقديره : هل لمن سلك طريقهم . أو هل لهم من محيص . وهذه الجملة يحتمل أن تكون على إضمار قولٍ وأن لا تكون .
فصل
المعنى فَنَقَّبُوا أي فضربوا وسافروا وتقلبوا ، وأصله من النَّقب وهو الطريق كأنهم سلكوا كُلَّ طريق ، فلم يجدوا محيصاً من أمر ا لله . وعلى هذا فالمراد بهم أهل مكة ، أي ساروا في الأسفار ورأوا ما فيها من الآثار ولم يجدوا ملجأ ومهرباً .
وقيل : المعنى صاروا نُقَبَاء في الأرض أراد ما أفادهم بَطْشُهُم وقُوَّتُهُم؛ لأن الفاء تدل على ترتيب الأمر على مقتضاه تقول : كانَ زَيْدٌ أَقوى من عَمْرٍو فَغَلَبَهُ . والمعنى كانوا أشدَّ منهم بطشاً فصاروا نقباءَ في الأَرْضِ ، وهم قوم ثمود الذين جابوا الصخر بالواد ، ومن قوتهم خَرَقُوا الطُّرق ونَقَّبُوها وقَطَعُوا الصُّخُورَ .
وقيل : { هَلْ مِن مَّحِيصٍ } مفر من الموت ، فلم يجدوا . وهذا جمع بين الإنْذارِ بالعذاب العاجل والعقاب الآجل؛ لأنه أنذرهم بما يعجل لهم من العذاب المُهْلِك ، والإهلاك المُدْرك . وهذا إنذار لأهل مكة لأنهم على مثل سَبِيلهم .
فإن قيل : إذا كان ( ذلك للجمع ) بين الإنذار بالعذاب العاجل والعقاب الآجل فَلِمَ توسَّطَهُمَا قوله تعالى : { وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ } [ ق : 31 ] ؟
فالجواب : ليكون ذلك رَدْعاً بالخوف والطمع ، فذكر حال الكفور ( المعاند ) ، وحال الشكور ترهيباً وترغيباً .
فإن قيل : لِمَ لَمْ يجمع بين التَّرْهيب والترغيب في العاجلة كما جمع بينهما في الآجلة ولم يذكر حال من أسْلَمَ من قبل وأنعم عليه كما ذكر حال من أشرك به وأهلكه؟
فالجواب : أن النعمة كانت قد وصلت إليهم ، وكانوا مُتَقَلِّبين في النِّعم فلم يُذَكِّرْهم به ، وإنما كانوا غافلين عن الهلاك فأنذرهم به وأما في الآخرة فكانوا غافلين عن الأمْرين جميعاً فأخبرهم بها .

وقوله : { هَلْ مِن مَّحِيصٍ } استفهام بمعنى الإنكار أي لم يكن لهم محيصٌ . وقيل : هو كلام مستأنف كأنه تعالى يقول لقوم محمد - عليه الصلاة والسلام - هم أهلكوا مع قوة بطشهم فهل من محيص لكم تَعْتَمِدُونَ عَلَيْه؟
ومن قرأ بالتشديد فهو مفعول أي بحثوا عن المَحِيص { هَلْ مِن مَّحِيصٍ؟ } .
والمَحِيصُ كالمَحِيدِ غير أن المحيص مَعْدَل ومهرب عن الشدة بدليل قولهم : « وَقَعَوا فِي حَيْصَ بَيْصَ » أي في شدةٍ وضيق ، والمَحِيدُ مَعْدَلٌ وإن كان بالاختيار ، فيقال : حَادَ عن الطَّريق بَطراً . ولا يقال : حَاصَ عن الأَمر بَطَراً .
قوله تعالى : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى } ذلك إشارة إلى الإهلاك ، أو إلى إزلاف الجنة . و « الذّكرى » مصدر أي تَذْكِرةٌ وعظةٌ { لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } .
قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - : أي عَقْل . قال الفراء : هذا جائز في العربية تقول : مَا لَكَ قَلْبٌ وَلاَ قَلْبُكَ مَعَكَ ، أي عَقْلُك مَعَكَ .
وقيل : له قلب حاضر مع الله . وقيل : قلبٌ واع؛ وذلك لأن من لا يتذكر كأنَّه لا قلب له ، ومنه قوله تعالى : { أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ } [ الأعراف : 179 ] أي هم كالجماد ، وقوله تعالى : { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } [ المنافقون : 4 ] أي لهم صُوَر ، وليس لهم قلب ، ولا لسانٌ للشُّكْر .
قوله : { أَوْ أَلْقَى السمع } العامة على « أَلْقَى » مبنياً للفاعل ، وطَلْحَةُ والسُّلَمِيُّ والسُّدِّيُّ وأبو البرهسم : أُلْقِيَ مبنياً للمفعول « السَّمْعُ » رفع به . وذكرت هذه القراءة لِعَاصِمٍ عن السّدّيّ فمقته وقال : أليس يقول : يُلْقُونَ السَّمْعَ وإلقاء السمع كناية عن الاستماع ، لأن الذي لا يسمع كأنه حفظ سمعه فأمسكه والمعنى اسْتَمَع الْقُرْآنَ واستمع ما يقال له ، لا يحدث نفسه بغيره ، تقول العرب : أَلْقِ إلَيَّ سَمْعَكَ ، أي استمعْ ، أو يكون معناه : لمن كان له قلبٌ فقصد الاستماع ، أو أَلْقَى السمع بأن أرْسَلَه وإن لم يقصد السماع .
« وَهُو شَهِيدٌ » حاضر الذِّهن .
ويحتمل أن يقال : الإشارة بذلك إلى القرآن في أول السورة أي في القرآن الذي سبق ذكره ذكرى لمِن كَان لَهُ قلب ، أو لمن استمع ويكون معنى « وهو شهيد » أي المنذر الذي تَعَجَّبْتُم منه وهو شهيد عليكم كقوله : { إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً } [ الأحزاب : 45 ] .

وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42)

قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أعاد الدليل مرة أخرى وقد مرّ تفسيره في الم السجدة ، فقيل : إن هذا ردّ على اليهود في قولهم : إن الله - سبحانه وتعالى - استراح يوم السَّبْتِ . والظاهر أنها ردّ على المشركين ، أي لم يَعْيَ عن الخلق الأول فكيف يعجز عن الإعادة؟
قال ابن الخطيب : وأشار بقوله : فِي ستَّة أيام إلى ستة أطْوَارٍ لأَنَّ المراد من الأيام لا يمكن أن يكون هو المفهوم من وضع اللغة ، لأن اليوم في اللغة عبارة عن زمان مُكْثِ الشَّمْس فوق الأرض من الطُّلوع إلى الغُرُوب . وقيل : خلق السموات لم يكن شمسٌ ولا قمرٌ لكن اليوم يطلق ويراد به الوقت ، يقال : يَوْمَ يُولَدُ لِلْمَلِكِ ابْنٌ يَكُونُ سُرُورٌ عَظيمٌ ويَوْمَ يَمُوت فُلاَنٌ يَكُون حُزْنٌ شَدِيدٌ ، وإن اتفقت الوِلادة أو الموت لئلا لا يتعين ذلك . وقد يدخل في مراد القائل ، لأنه أراد باليوم مُجَرّد الوقتِ .
قوله : { وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } يجوز أن يكون حالاً ، وأن يكون مستأنفاً . والعامة على ضَمِّ لام اللُّغُوب . وعليٌّ وطلحةُ والسُّلَمِيّ ويَعْقُوبُ بفتحها . وهما مصدران ( بمعنًى ) . وينبغي أن يضم هذا إلى ما حكاه سِيبويه من المصادر الجائية على هذا الوزن وهي خمسة وإلى ما زاده الكسائي وهو الْوَزُوعُ فتصير سبعةً ، وقد تقدم هذا في البقرة عند قوله تعالى : { وَقُودُهَا الناس والحجارة } [ البقرة : 24 ] واللّغوب العناءُ والتّعَبُ .
قوله تعالى : { فاصبر على مَا يَقُولُونَ } من كَذِبِهِمْ ، وقولهم بِالاسْتِرَاحَةِ ، أو على قولهم : إن هذا لشيء عَجِيبٌ . وهذا قبل الأمر بقتالهم .
{ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } قيل : هذا أَمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة كقوله تعالى : { وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل } [ هود : 114 ] وقوله { قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب } إشارة إلى طرفي النهار ، وقوله : { وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ } إشارة إلى { زُلَفاً مِّنَ الليل } [ هود : 114 ] .
وتقريره أنه - عليه الصلاة والسلام - كان مشتغلاً بأمرين :
أحدهما : عبادة الله .
والثاني : هداية الخلق ، فإذا لم يهتدوا قيل له : أقبل على شغلك الآخر وهو العبادة .
وقيل : معنى سَبِّحْ بحمد ربك ، أي نَزِّههُ عما يقولون ولا تَسْأَمْ من تذكيرهم بعَظَمَةِ الله ، بل نَزِّهه عن الشرك والعجز عن الممكن وهو الحشر قبل الطلوع وقبل الغروب؛ فإنهما وقت اجتماعهم ويكون المراد بقوله : { وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ } أوله ، لأنه أيضاً وقت اجتماعهم .
وقيل : المعنى : قُلْ سُبْحَان الله ، لأن ألفاظاً جاءت بمعنى التلفظ بكلامهم كقولهم : كَبَّر لمن قال : اللَّهُ أَكْبَرُ وسلَّم لمن قال : السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ، وحمَّد لمن قال : الْحَمْدُ لله . وهلَّك لمن قال : لاَ آله إلاَّ الله ، وسبَّح لمن قال : سُبْحَان الله ، وذلك أن هذه أمورٌ تَتَكَرَّر من الإنسان في الكلام ، [ فدعت ] الحاجة إلى استعمال لفظة واحدة مفيدة للكلام وقالوا : هلل بخلاف قَوْلِهِمْ : زَيْدٌ فِي السُّوقِ ، فإنَّ من قال : زيد في السوق وأراد أن يخبر عنه بذلك لا يجد لفظاً واحداً مفيداً لذلك لعدم تكرره .

ومناسبة هذا الوجه : هو أن تكذيبهم وإنكارهم يقتضي مقابلتهم باللَّعْنِ ، فقيل له : اصْبِرْ عَلَيْهِمْ ، واجعل بدل الدعاء عليهم التسبيح لله ، والحمد لله ، { وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت } [ القلم : 48 ] أو كنوحٍ - عليهما الصلاة والسلام - حيث قال : { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } [ نوح : 26 ]
فصل
وقد استعمل التسبيح مع الباء ومع اللام وبدونهما . فإن قلنا : المراد بالتسبيح الصلاة فيحتمل أن يكون المراد بحمد ربك : الأمر بقراءة الفاتحة ، كقولك : صَلَّى فلانٌ بسورة كذا . وهذا بعيدٌ .
وإن قلنا المراد : قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ ، فالباء للمصاحبة . وكذلك إن قلنا : معناه التَّنْزِيهُ أي نَزِّهْهُ واحمَدْهُ وَفَّقَكَ لتسبيحه فيكون المفعول محذوفاً ، للعلم به ، أي نزه الله بحمد ربك ، أي ملتبساً أو مقترناً بحمد ربك .
وأما اللام فإمّا أن يكون من باب شَكَرَ ونَصَحَ ، وإما أن يكون معناها خالصاً لله .
وأما تعدّيه بنفسه فهو الأصل . وأعاد الأمر للتسبيح ، إما تأكيداً وإما أن يكون الأول بمعنى الصلاة ، والثاني بمعنى التَّسْبِيح والذكر . ودخلت الفاء؛ لأن المعنى : وأمَّا من الليل فسبحه .
ولما ذكر أوقات الصلوات ذكر أدْبَار السُّجود؛ ليَعُمَّ الأوقات فيكون كقوله : { فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب } [ الشرح : 7 ] و « من » إما لابتداء الغاية ، أو مِنْ أوَّل الليل ، وإمَّا للتبعيضِ .
فصل
قال المفسرون : قبل طلوع الشمس يعني صلاة الصبح ، وقبل الغروب يعني العصر ، وروي عن ابن عباس : قبل الغروب الظهر والعصر { وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ } يعني صلاة المغرب ، والعِشَاءِ . وقال مجاهد : ومِنَ الليل يَعْنِي صلاة الليل ، أيّ وقت صلى .
قوله : « وأدبار السجود » قرأ نافع وابن كثير ، وحمزة : إدبار بكسر الهمزة ، على أنه مصدر قَامَ مَقَام ظَرْف الزمَان كقولهم : آتِيكَ خُفُوقَ النّجم وخِلاَفَة الحجّاج . ومعنى وقت إدبار الصلاة أي انتصابها وتمامها . والباقون بالفتح جمع ( دُبُر ) وهو آخر الصلاة وعقبها . ومنه قول أوس :
4516- عَلَى دُبُر الشَّهْرِ الْحَرَام فَأَرْضُنَا ... وَمَا حَوْلَهَا جَدْبٌ سِنُونَ تَلَمَّعُ
ولم يختلفوا في : { وَإِدْبَارَ النجوم } [ الطور : 49 ] .
وقوله : « وأدبار » معطوف إمّا على « قَبْلَ الْغُرُوبِ » وإمّا على « وَمِنَ اللَّيْلِ » .
فصل
قال عمرُ بن الخطاب ، وعليُّ بن أبي طالب ، والحسنُ ، والشعبيُّ ، والنخعيُّ والأوزاعي : أدبار السجود الركعتان قبل صلاة الفجر ، وهي رواية العَوْفي عن ابن عباس . وروي عنه مرفوعاً . وهذا قول أكثر المفسرين . وقال مجاهد : أدبار السجود هو التسبيح باللِّسان في أدبار الصلوات المكتوبات ، قال - عليه الصلاة والسلام - : « مَنْ سَبَّحَ فِي دُبُر كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثاً وثلاثين وَكَبَّرَ ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ وَحَمَّدَ ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ » فَذَلك تِسْعَةٌ وتسعُونَ ثم قال : « تَمَام المِائَةِ لا إله إلا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ له الْمُلْكُ وَلهُ الْحَمْدُ يُحيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ » .

قوله تعالى : { واستمع يَوْمَ يُنَادِ } هو استماع على بابه . وقيل : بمعنى الانتظار . وهو بعيد . فعلى الأول يجوز أن يكون المفعول محذوفاً ، أي استمع نِدَاءَ المنادي ، أو نداء الكافر بالوَيْل والثبور ، فعلى هذا يكون « يَوْمَ يُنَادِي » ظرفاً ل « اسْتَمِعْ » أي استمع ذلك فِي يَوْم . وقيل : استمع ما أقول لك فعلى هذا يكون « يَوْمَ يُنَادِي » مفعولاً به أي انتظر ذَلِكَ الْيَوْمَ .
وَوَقَفَ ابن كثير على « يُنَادِي » بالياء . والباقون دون ياء . ووجه إثباتها أنه لا مقتضي لحذفها . ووجه حذفها وقفاً اتباع الرسم وكأن الوقْفَ محلّ تخفيفٍ .
وأما « المنادي » فأثبت ابن كثير أيضاً ياءَه وصلاً ووقفاً . ونافع وأبو عمرو بإثباتها وصلاً وحذفها وقفاً ، وباقي السبعة بحذفهما وصلاً ووقفاً . فمن أثبت ، فلأنه الأصل ، ومن حذف فلاتباع الرسم . ومن خص الوقف بالحذف فلأنه محلّ راحة ومحلّ تغيير .
فصل
في « واستمعْ » وجوه :
الأول : أن يكون مفعوله محذوفاً رأساً ، والمقصود : كُنْ مستمعاً ولا تكن مثلَ هؤلاء المُعْرِضين الغافلين ، يقال : هو رجل سَمِيعٌ مطيعٌ ، ولا يراد : مسموع بعينه .
الثاني : استمع ما يوحى إليك .
الثالث : استمع نداء المنادي .
فإن قيل : « استمع » عطف على « فَاصْبِرْ » وَ « سَبِّحْ » وهو في الدنيا ، فالاستماع يكون في الدنيا وما يوحى ( يكون ) « يوم ينادي » لا يسمع في الدنيا .
فالجواب : أنه لا يلزم ذلك ، لجواز أن يقال : صَلِّ وادْخُلِ الْجَنَّةَ أي صل في الدنيا وادخل الجنة في العُقْبَى فكذا ههنا .
ويحتمل أن يكون استمع بمعنى انْتَظِرْ . ويحتمل أن يكون المراد : تَأَهَّبْ لهذه الصيحة لئلا يَفْجَأكَ فيُزْعجكَ . والمراد بالمنادي : إما الله تعالى بقوله : { احشروا الذين ظَلَمُواْ } [ الصافات : 22 ] وبقوله : { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ } [ ق : 24 ] أو بقوله : { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } [ النحل : 27 ] ويحتمل أن يكون المراد بالمنادي : إسرافيل قال مقاتل : ينادي إسرافيل بالحشر يا أيتها الْعِظَامُ البالية ، والأوْصال المتقطعة ، واللحوم المتمزقة ، والشُّعور المتفرقة ، إن الله يأمركم أن تجْتَمِعُوا لفَصْل القضاء . أو يكون النداء للنفس فقال : { ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى رَبِّكِ } [ الفجر : 27 - 28 ] إذْ ينادي المنادي هؤلاء للجنة ، وهؤلاء للنار ، ويحتمل أن يكون المنادي : هو المكلف لقوله : { وَنَادَوْاْ يامالك } [ الزخرف : 77 ] . والظاهر الأول؛ لأن اللام للعهد والتعريف . والمعهود السابق قوله : { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ } [ ق : 24 ] .
وقوله : { مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } أي لا يخفى على أحد . وقيل : منْ صَخْرَة بَيْتِ المَقْدِس وهي وسط الأرض . قال الكلبي : هي أَقرب الأَرض إلى السماء بثمانيةَ عَشَرَ ميلاً .
قوله : « يَوْمَ يَسْمَعُونَ » بدل من « يَوْمَ يُنَادِي » و « بِالْحَقِّ » حال من « الصَّيْحَة » أي ملتبسة بالحق أو من الفاعل أي يسمعون مُلْتَبِسِينَ بسماع الحق .

قوله { ذَلِكَ يَوْمُ الخروج } يجوز أن يكون التقدير : ذلك الوقت - أي وقت النداء والسماع - يوم الخروج . ويجوز أن يكون « ذلك » إشارة إلى النداء ، ويكون قد اتسع في الظرف فأخبر به عن المصدر ، أو فقدر مضاف ، أي ذَلِكَ النداء والاستماع نداءُ يوم الخروج ، واستماعه . واللام في « الصَّيحة » للتعريف ، لقوله : { إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } [ يس : 29 ] . والمراد بالحق : الحشر أو اليقين ، يقال : صَاحَ فلانٌ بِيَقِين لا بظنٍّ وتخمين أي وجد منه الصياح يقيناً لا كالصَّدى وغيره ، أو يكون المراد المقترنة بالحق ، يقال : اذْهَبْ بالسَّلاَمة وارْجِع بالسَّعَادَة أي مقروناً ومصحوباً .
وقيل : « بالْحَقِّ » قسم ، أي يسمعون الصيحة بالله ( وَ ) الْحَقِّ . وهو ضعيف وقوله : { ذَلِكَ يَوْمُ الخروج } أي من القبور .

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)

قوله : { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ } قد تقدم الكلام على قوله : « إنَّا نَحْنُ » في سورة يس . وأما قوله « نُحْيِِي ونُمِيْتُ » فالمراد من الإحياء الإحياء أولاً ، وقوله : « وَنُمِيتُ » إشارة إلى الموتة الأولى و « إلَيْنَا المَصِيرُ » بيان للحشر . وهذا إشارة إلى قدرته على الحشر .
قوله : « يَوْمَ تَشَقَّق » يجوز أن يكون بدلاً من « يَوْم » قبله . وقال أبو البقاء : إنه بدل من « يَوْم » الأَوَّل . وفيه نظر من حيث تعدد البدل والمبدل منه واحدٌ . وقد تقدم أنَّ الزَّمخشريَّ مَنَعَهُ .
ويجوز أن يكون « الْيَوْمَ » ظرفاً للمَصِيرِ أي يصيرون إلينا يوم تَشَقَّقُ الأَرْض . وقيل ظرف للخروج . وقيل منصوب ب « يَخْرجُونَ » مقدراً .
وتقدم في الخلاف في « تَشَقَّقُ » في الفُرْقَان .
وقرأ زيد بن علي : « تتشقّق » بفك الإدْغَام .
قوله : « سِرَاعاً » حال من الضمير في « عَنْهُمْ » والعامل فيها « تَشَقَّقُ » .
وقيل : عاملها هو العاقل في « يَوْمَ تَشَقَّقُ » المقدّر أي يَخْرُجُون سراعاً يو تشقق؛ لأن قوله تعالى : { عَنْهُمْ } يفيد كونهم مفعولين بالتشقق ، فكأن التشقق عُدِّي بحرف الجر ، كما يقال : « كَشَفْتُ عَنْهُ فَهُوَ مَكْشُوفٌ » ، فيصير « سراعاً » هيئة المفعول كأنه قال : مُسْرِعِينَ .
والسراع جمع سريع ، كالكِرَام جمع كَرِيم . وقوله : « ذَلِكَ » يحتمل أن يكون إشارة إلى التَّشقُّق عَنْهُمْ وإشارة إلى الإخراج المدلول عليه بقوله : « سِرَاعاً » ، ويحتمل أن يكون معناه ذلك الحشر حشر يسير . والحَشْر الجمع .
قوله : « عَلَيْنَا » متعلق ب « يَسِيرٌ » ففصل بمعمول الصّفة بينها وبين موصوفها . ولا يضرّ ذلك . ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال منه؛ لأنه في الأصل يجوز أن يكون نعتاً .
وقال الزمخشري : التقديم للاختصاص ، أي لا يَتيَسَّر ذلك إلا على الله وحده أي هو علينا هيِّن لا على غيرنا وهو إعادة جواب لهم .
قوله تعالى : { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } يعني كفار مكة في تكذيبك ، وهذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أن يكون تهديداً وتخويفاً لأن قوله : « وَإلَيْنَا الْمَصِيرُ » ظاهر في التهديد ، وبالعلم يكمل . ونظيره قوله تعالى : { ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } [ الزمر : 7 ] .
ويحتمل أن يكون تقريراً لأمر الحشر بالعلم؛ لأنه لما بين أن الحشر يسير لكمال قدرته ونفوذ إرادته ، ولكن تمام ذلك بالعلم الشامل حتى يتبين جزء زيد وجزء بدن عمرو ، فقال : { ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } لكمال قدرتنا ، ولا يخفى عَليْنا الأجْزاء لكمال علمنا .
وقوله : « أَعْلَمُ » إما ليست للمشاركة في أصل الفعل كقوله :

{ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] أو معناه نَحْن أَعْلَمُ به من كل عالم بما يعلمه .
قوله : { وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } أي بمسلِّط تجبر على الإسلام ، وهذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - أي أنك لست حفيظاً عليهم ، ومكلفاً بأن يؤمنوا ، إنما أنت منذر ، وقد فعلت ما أُمِرْتَ بِهِ .
قال المفسرون : هي منسوخة بآية القتال .
قوله : { فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ } الخلاف في ياء { وَعِيدِ } [ ق : 14 ] إثباتاً وحذفاً . والمعنى دُم على الإنذار ولا تترك الهداية بالكلية ، بل ذكِّر المؤمنين فإن الذكرى تنفَعُ المؤمنين .
وقوله : « بِالْقُرْآنِ » أي اتل عليهم القرآن ليحصل لهم المنفعة بسبب ما فيه أو فَذكِّر بالقُرْآنَ بين به أنك رسول الله لكونه معجزاً ، أو يكون المراد فذكر بمقتضى ما في القرآن من الأوامر الواردة بالتبليغ والتذكير . وفي قوله : فذكر إشارة إلى أنه مُرْسَل مأمور بالتذكير بالقرآن المنزل عليه ، وقوله « وَعِيدِ » إشارة إلى اليوم الآخر وقوله : ( وَعيدِ ) إشارة إلى الوحدانية ، إذ لو قال : وعيد الله لذهب الوَهْمُ إلى كل صَوْب . وضمير المتكلم أعرفُ المعارف ، وأبعد عن الاشتراك . وقد تقدم أن أول السورة وآخرها مشتركان في المعنى حيث قال في الأول : { ق والقرآن المجيد } [ ق : 1 ] ، وقال في آخرها : « فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ » .
روى أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « مَنْ قَرَأَ سُورَة ق هَوَّنَ الله عَلَيْهِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ » .

وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)

قوله تعالى : { والذاريات ذَرْواً } أول هذه السورة مناسب لآخرها قبلها ، لأنه تعالى لما بين الحشر بدلائله ، وقال : { ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } [ ق : 44 ] وقال : { وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } [ ق : 45 ] تُجْبِرهم على الإيمان ، إشارة إلى إصرارهم على الكفر بعد إقامة البرهان ، وتلاوة القرآن عليهم ، لم يبق إلا اليمين فقال : { والذاريات . . إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ } وقال في آخرها { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الذي يُوعَدُونَ } [ الذاريات : 60 ] .
فصل
وفي الحكمة في القسم ههنا وجوه :
أحدها : أن الكفار كانوا يَنْسبون النبي - صلى الله عليه وسلم - للجدال ، ومعرفة طرقه ، وأنه عالم بفساد قولهم ، وأنه يغلبهم بمعرفته بالجدال ، وحينئذ لا يمكن أن يقابلهم بالأدلة ، كما أن من أقام خَصْمُه عليه الدليل ولم يبق له حجة ، يقول : إنه غلبني ، لعلمه بالجدل وعجزي عن ذلك ، وهو يعلم في نفسه أن الحق تبعي ولا يبقى للمتكلم المبرهن غير اليمين ، ليقول : والله إن الأمر كما أقول ولا أجادلك بالباطل لأنه لو استدل بطريق آخر يقول خصمه فيه كقوله الأول ، فلا يبقى إلا السكوت ، أو التمسك بالأيمان ، وترك إقامة البرهان .
الثاني : أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة ، وتعتقد أنها تخرب المنازل ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر الإقسام ، دلالة على أنه صادق ولذلك كان أمره يتزايد ويعلموا أنه لا يحلف بها كاذباً .
الثالث : أن الأيمان التي أقسم بها كلها دلائل أخرجت في صورة الأيمان لينبّه بها على كمال القدرة ، كقول القائل للمنعم : وحقِّ نِعْمَتِك الكثيرة إنّي لا زال أَشْكُركَ . فذكر النعم التي هي سبب مفيد لدوام الشكر ، وإنما أخرجها مُخْرج الإيمان ، إيذاناً بأنه يريد أن يتكلم بكلام عظيم فيصغي إليه السامع أكثر ما يصغي إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر فبدأ بالحلف .
فصل
أورد القسم على أمور منها الوحدانية ، ولظهور أمرها واعترافهم بها حيث يقولون : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى } [ الزمر : 3 ] وقولهم : { مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] لم يقسم عليها إلا في سورة الصافات ومنها الرسالة وهو في سورتين « وَالنَّجْمِ » « وَالضُّحَى » ، وبالحروف في « يس » ومنها الحشر ، والجزاء وما يتعلق به ، فلكثرة إنكارهم له كرر القسم عليه .
فصل
أقسم الله بجمع السلامة المؤنث في سور خمس ، ولم يقسم بجمع السلامة المذكر في سورةٍ أصلاً ، فلم يقل : والصَّالِحِينَ من عبادي ، ولا المقربين إلى غير ذلك مع أن المذكر أشرف؛ لأن جموع السلامة بالواو والنون في الغالب لمن يعقل .
فصل
روي عن علي - ( رضي الله عنه ) - في قوله تعالى : { والذاريات } قال هي الرياح التي تَذْرُو التُّراب يقال : ذَرَتِ الرِّيحُ التُّرَابَ وأَذْرَتْ « الحَامِلاَت وقْراً » يعني السحاب تحمل ثِقْلاً من الماء « فَالجَارِيَاتِ يُسْراً » هي السفن تجري في الماء جرياً سهلاً « فَالمُقَسِّماتِ أَمْراً » هي الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به ، أقسم بهذه الأشياء ، لما فيها من الدلالة على صنعته وقدرته .

قال ابن الخطيب : والأقرب أن هذه صفات للرياح ، فالذاريات هي التي تُنشئ السحاب أولاً ، والحاملات هي التي تحمل السحب التي هي بحار المياه التي إذا سحّتْ جرت السيول العظيمة ، وهي أوقارٌ أثقل من جبال . والجاريات هي التي تجري السحب عِنْدَ حَمْلِها ، وَالمُقَسِّمَات هي الرياح التي تقسم الأمطار وتفرقها على الأقطار ، ويحتمل أن يقال : هذه أمور أربعة ذكرت لأمور أربعة بها تتم الإعادة ، لأن الأجزاء المتفرقة بعضها في تُخُوم الأرض ، وبعضها في قَعْر البِحَار ، وبعضها في جَوِّ الهواء ، وفي الأجزاء البخارية اللطيفة المنفصلة عن الأبدان فالذاريات هي التي تجمع الذرات من الأرض ، وتَذْرُو التُّراب من وجه الأرض والحاملات هي التي تجمع الأجزاء من الجو وتحمله حملاً ، فإن التراب لا ترفعه الرياح حملاً مستقلاًّ بل تنقله من موضع إلى موضع ، بخلاف السحاب فإنه يحمله في الجو حملاً لا يقع منه شيء ، والجاريات هي الجامعة من الماء ، فإن من يُجْرِي السفنَ الثقيلة في تيّار البحار قادرٌ على نقل الأجزاء من البحر إلى البرّ ، فإذن تبين أن الجمع من الأرض وجو الهواء ووسط البحار ممكن ، وإذا اجتمع ذلك كله بَقِيَ نفخُ الروح ، وهي من أمر الله ، فقال : « فالمُقسِّمَاتِ أَمْراً » يعني الملائكة التي تنفخ الروح في الجسد بأَمْر الله .
قوله : « ذَرواً » منصوب على المصدر المؤكد العامل فيه فرعه وهو اسم الفاعل ، والمفعول محذوف اختصاراً إذ لا نظير لما تذروه هنا .
وأدغم أبو عمرو وحمزة تاء « الذاريات » في ذال « ذَرْواً » وأما « وِقْراً » فهو مفعول به بالحاملات ، كما يقال : حَمَل فلانٌ عدْلاً ثَقِيلاً .
قال ابن الخطيب : ويحتمل أن يكون اسماً أقِيمَ مُقَام المصدر ، كقوله : ضَرَبَهُ سَوْطاً . ويؤيده قراءة من قرأ بفتح الواو .
والوِقْرُ - بالكسر - اسم ما يوقِر أي يَحُلُّ . وقرئ بالفتح ، وذلك على تسمية المفعول بالمصدر . ويجوز أن يكون مصدراً على حاله والعامل فيه معنى الفعل قبله ، لأن الحَمْل والوَقْر بمعنى واحد ، وإن كان بينهما عموم وخصوص .
قوله : « يُسْراً » يجوز أن يكون مصدراً من معنى ما قبله أي جَرْياً يُسْراً وأن يكون حالاً ، أي ذات يُسْرٍ أو مَيْسَرة أو جعلت نفس اليُسْر مبالغةً .
قوله : « أَمْراً » يجوز أن يكون مفعولاً به ، وهو الظاهر ، كقولك : فُلاَنٌ قَسَّمَ الرِّزْقَ أَوِ المَالَ ، وأن تكون حالاً أي مأمورة . وعلى هذا فيحتاج إلى حذف مفعول « المُقَسِّمَات » . وقد يقال : لا حاجة لتقديره كما في الذاريات .

وهل هذه أشياء مختلفة فتكون الفاء على بابها من عطف المتغايرات ، والفاء للترتيب في القسم لا في المقسم به؟
قال الزمخشري : ويجوز أن يراد الرياح وحدها ، لأنها تُنْشِئ السحاب وتُقِلُّه ، وتَصْرِفُهُ ، وتجري في الجو جرياً سَهْلاً وعلى هذا يكون من عطف الصفات ، والمراد واحد ، كقوله ( - رحمه الله - ) :
4517- يا لَهْفَ زَيَّابَةِ لِلْحَارِثِ ... الصّابحِ فَالغَانِمِ فَالآيبِ
وقوله :
4518- إِلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثِ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَمْ
فتكون الفاء على هذا الترتيب الأمور في الوجود .
فإن قيل : إن كان « وقراً » مَفْعولاً لَمْ يُجمع وما قيل : أوقاراً؟ .
فالجواب : لأن جماعةً مِنَ الرياح قد تحمل وقرا واحداً ، وكذا القول في المقسّمات أمراً إذا قيل : إنه مفعول به ، لأنه قد تجمع جماعة من الملائكة على أمر واحد .
قوله : « إنَّمَا تُوعَدونَ » هذا جواب القسم ، و « ما » يجوز أن تكون اسمية ، وعائدها محذوف ، أي تُوعَدُونَهُ وأن تكون مصدرية فلا عائدَ على المشهور ، وحينئذ يحتمل أن يكون توعدون مَبْنِيًّا من الوعْد ، وأن يكون مبنياً من الوَعِيد ، لأنه يصلح أن يقال : أوْعَدْتُهُ فهو يُوعَدُ ، وَوَعَدْتُهُ فهو يُوعَد لا يختلف ، فالتقدير : إن وعدكم أو إن وعيدكم . ولا حاجة إلى قول من قال : إنه قوله : « لصادق » وقع فيه اسم الفاعل موقع المصدر أي لصدق لأن لفظ اسم الفاعل أبلغ إذا جعل الوعد أو الوعيد صادقاً مبالغة وإن كان الوصف إنما يقوم بمن يَعِدُ أو يُوعِدُ .
قال ابن الخطيب : وبناؤه من « أوعد » هو الحق؛ لأن اليمين مع المنكر بِوَعِيدٍ لا بوَعْد ، و « الصادق » معناه ذو صدق « كعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » ، ووصف به الفاعل كوصف الفاعل بالمصدر في إفادة المبالغة .
قوله : { وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ } أي الحشر والجزاء كائن .

وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9)

ثم ابتدأ قسماً آخر وهو قوله : { والسمآء ذَاتِ الحبك } العامة على الحُبُك - بضمتين - قال ابن عباس وقتادة وعكرمة : ذاتِ الخلق الحسن المستوي ، يقال للنساج إذا نَسَجَ الثَوْبَ فَأَجَاد : ما أحْسَنَ حَبْكهُ . وقال سعيد بن جبير : ذاتِ الزّينة أي المزينة بزينة الكواكب . قال الحسن : حُبِكَتْ بالنُّجوم . وقال مجاهد : هي المتقنة المبنيّات . وقال مقاتل والكلبي والضحاك : ذات الطرائق كحَبْك الماء إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيح ، وحَبْكِ الرَّمل والشّعر الجَعْد وهو آثار تَثَنِّيه وَتَكسُّرِهِ ، قال زهير :
4519- مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ ... ريحٌ خَريقٌ لضَاحي مَائهِ حُبُك
والحبك جمع يحتمل أن يكون مفرده حَبِيكَة ، كطَرِيقةٍ وطُرُق أَو حِباك نحو : حِمَار وحُمُر قال :
4520- كَأَنَّمَا جَلَّلَها الحُوَّاكُ ... طِنْفسَةٌ فِي وَشْيِهَا حِبَاكُ
وأصل الحَبْك إحكام الشيء وإتقانه ، ومنه يقال للدروع : مَحْبُوكة . وقيل : الحَبْكُ الشدّ والتَّوَثُّق ، قال امرؤ القيس :
4521- قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي فِي أَنْفِهِ ... لاَحِقُ الإطْلَيْنِ مَحبُوكٌ مُمَرّ
وفي هذه اللفظة قراءات كثيرة ، فعن الحسن - ( رضي الله عنه ) - ست قراءات ، الحبك - بالضم - كالعُنُق ، وبضم الحاء وسكون الباء وتروى عن ابن عباس ، وأبي عمرو ، وبكسر الحاء والباء ، وبكسر الحاء وسكون الباء ، وهو تخفيف المكسور ، وكسر الحاء وفتح الباء ، وكسر الحاء وضم الباء ، وهذه أقلها لأن هذه الزنة مهملة في أبنية العرب .
قال ابن عطية وغيره : هو من التداخل ، يعني أن فيها لغتين الكسر في الحاء والباء والضم فيهما فأخذ هذا القارئ الكسرَ من لغةٍ ، والضمّ من أُخْرَى . واستبعدها الناس؛ لأن التداخل إنما يكون في كلمتين . وخرجها أبو حيان على أن الحاء أتبعت لحركة التاء في ذات ، قال : ولم يعتد باللام فاصلةً لأنها ساكنة فهي حاجز بَيِّنٌ حصين .
وقد وافق الحسن على هذه القراءة أبو مالك الغِفَارّي .
وقرأ عكرمة بالضم والفتح جمع حُبْكَة نحو : غُرْفَة وغُرَف ، وابن عباس وأبو مالك الحَبَك بفتحتين ، جمع حَبْكَة كعَقْبَة وعَقَب .
وقوله : { إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } جواب القسم .
فصل
المعنى : إنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف في حق محمد - صلى الله عليه وسلم - تارة تقولون : إنه أمين ، وأخرى إنه كاذب ، وتارة تنسبونه إلى الجنون ، وتارة كاهن ، وشاعر ، وساحر ، وهذا القول ضعيف؛ إذ لا حاجة إلى اليمين على هذا ، لأنهم كانوا يقولون ذلك من غير إنكار حتى يؤيد باليمين . وقيل : يقولون : إنه مجنون ثم يقولون : غلبنا بقُوَّةِ جداله . وقيل : لفي قول مختلف في القرآن ، يقولون فيه إنه سِحْرٌ وكَهَانَةٌ وأساطير الأولين .
وقيل : قَوْلٌ مختلف أي مصدّق ومكذب . وقيل : غير ثابتين على أمر .
وقيل : متناقض ، تارة يقولون : لا حَشْرَ ولا حَيَاةَ بعد الموت ، ثم يقولون : إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا على أُمَّةٍ .
قوله : « يُؤفك عنه » صفة لقول ، والضمير في « عنه » للقرآن ، أو الرسول ، أو للدين ، أو لما توعدون ، أي يصرف عنه .

وقيل : عن السبب . والمأفوك عنه محذوف ، والضمير في « عنه » على هذا القول مختلف ، أي يؤفك بسبب القول من أراد الإسلام بأن يقول : هو سحرٌ وكَهَانَةٌ .
والعامة على بناء الفعلين للمفعول . وقتادة وابن جبير : يُؤْفَكُ عنه من أَفِكَ ، الأول للمفعول ، والثاني للفاعل ، أي يُصْرَفُ عنه من صَرَفَ الناسَ عَنْهُ . وزيد بن علي : يَأْفِكُ مبنياً للفاعل من أفِكَ مبنياً للمفعول عكس ما قبله ، أي يَصْرِف الناسَ عَنْه مَنْ هو مَأْفُوكٌ في نَفْسِهِ .
وعنه أيضاً : يُؤفّكُ عنه من أفَّكَ بالتشديد ، أي من هو أَفَّاك في نفسه .
وقرئ : يُؤْفَن عنه من أُفِن بالنون فيهما أي يُحْرَمُهُ من حُرِمَهُ من أَفَنَ الضَّرْعَ إذا نَهَكَهُ حَلْباً .
فصل
قيل في تفسير قوله : { يؤفك عنه من أفك } وجوه :
أحدها : مدح المؤمنين ، ومعناه يصرف عن القول المختلف من صرف عن ذلك القول ، ويرشد إلى القول المستوي . وقيل : إنه ذم ومعناه يؤفك عن الإيمان به من صرف حتى يكذبه ، يعني من حرمه الله الإيمان بمحمد وبالقرآن . وقيل « عن » بمعنى « مِنْ أجل » ، أي يصرف من أجل هذا القول المختلف ، أو بسببه عن الإيمان من صرف ، وذلك أنهم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإيمان ، فيقولون : إنه ساحر ، وكاهن ، ومجنون ، فيصرفونه عن الإيمان ، قاله مجاهد .

قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14)

قوله : « قُتِلَ الخَراصونَ » لُعِنَ الكَذَّابُونَ . وقرئ : قَتَلَ مبنياً للفاعل ، وهو الله تعالى : { الخرّاصين } مفعوله ، والمعنى لُعِنَ الخراصون وهم الذين لا يجزمون بأمر ولا يثبتون عليه ، بل هم شاكون متحيرون . وهذا دعاء عليهم ، ثم يصفهم بأنهم في غمرة ساهون ، فقوله : « سَاهُونَ » يحتمل أن يكون خبراً بعد خبر والمبتدأ قوله « هم » ، والتقدير : هم كائنون في غَمْرَة ساهون ، كقولك : زَيدٌ جَاهلٌ جَائرٌ ، لا تقصد به وصف الجاهل بالجائر . ويحتمل أن يقال : « ساهون » خبر ، و « في غمرة » ظرف له ، كقولك : زَيْدٌ فِي بَيْتِهِ قَاعِدٌ فالخبر هو « قاعد » لا غير ، و « في بيته » بيان لطرف القعود ، فكذا قوله : « في غمرة » ظرف للسَّهْوَةِ .
واعلم إن وصف الخارص بالسهو دليل على أن الخراص صفة ذم يقال : تَخَرَّصَ عليه الباطل . قال المفسرون : هم الذين اقتسموا عِقَاب مكة ، فاقتسموا القول في النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصرفوا الناس عن دين الإسلام . وقال مجاهد : الكهنة الذين هم في غَمْرَة أي غَفْلة وعَمًى وجَهَالَةً « سَاهُونَ » غافلون عن أمر الآخرة . والسهو الغفلة عن الشيء وهو ذَهَابُ القلب عنه .
قوله تعالى : { يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدين } فقوله : { أَيَّانَ يَوْمُ الدين } مبتدأ أو خبر قيل : وهما ظرفان فكيف يقع أحد الظرفين في الآخر؟ .
وأجيب : بأنه على حذف حَدَثٍ أي أَيَّانَ وُقوع يَوْمِ الدِّين « فَأَيَّانَ » ظرف الوقوع ، كما تقول : مَتَى يَكُونُ يَوْمُ الجُمُعَةِ ، وتقدم قراءة إيّانِ - بالكسر - في الأَعراف .
قيل : وأيان من المركبات ، ركب من « أيٍّ » التي للاستفهام ، و « آن » التي بمعنى متى ، أو مِنْ « أَيٍّ » ( و ) أَوَان؛ فكأنه قال : أَيّ أَوَان ، فلما ركبت بُنِيَ . وهذا جواب قوله : { وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ } [ الذاريات : 6 ] فكأنه قال : أَيَّانَ يَقَعُ؟ استهزاءً .
وترك السؤال دلالة على أن الغرض ليس الجواب ، وإنما يسألون استهزاءً ، والمعنى يسألون أيان يوم الدين يقولون : يا محمد متى يكون يوم الجزاء؟ يعني يوم القيامة تكذيباً واستهزاء قال الله - عز وجل - : { يَوْمَ هُمْ } أي يكون هذا الجزاء في يومِ هُمْ على النار يُفْتَنُونَ أي يعذبون ويحرقون بها ، كما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنَّارِ . وعلى هذا فالأولى أن يكون معنى يفتنون يُعْرَضُون عرض المجرِّب للذّهب على النار ، لأن كلمة « على » تناسب ذلك ولو كان المراد يحرقون لقيل : بالنَّار ، أي فِي النار .
قوله : « يَوْمَ هُمْ » يجوز أن يكون منصوباً بمضمر أي الجزاءُ كائنٌ يَوْمَ هُمْ ويجوز أن يكون بدلاً من « يَوْم الدين » ، والفتحة للبناء على رأي من يُجيز بناء الظرف ، وإن أُضِيفَ إلى جملة اسمية وعلى هذا فيكون حكاية لمعنى كلامهم ، قالوه على سَبيل الاستهزاء ، ولو جاء على حكاية لفظهم المتقدم لقيل : يوم نَحْنُ عَلَى النَّار نُفْتَنُ .

و « يوم » منصوب بالدين ، وقيل : بمضمر ، أي يُجَازَوْنَ .
وقيل : هو مفعول بأعني مقدَّراً وعُدّي يُفْتَنُونَ بعَلَى لأنه بمعنى يُخْتَبَرُون . وقيل : على بمعنى في . وقيل : على بمعنى الباء . وقيل : « يَوْمَ هُمْ » خبر مبتدأ مضمر ، أي هُوَ يَوْمَ هُمْ والفتح لما تقدم . ويؤيد ذلك قراءة ابن أبي عبلة والزّعفرانيّ يَوْمُ هُمْ بالرفع ، وكذلك يؤيد القول بالبدل . وتقدم الكلام في مثل هذا في غَافِرٍ .
فصل
قوله : { يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ } قال ابن الخطيب : يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون جواباً عن قولهم أيَّانَ يَقَعُ فكما أنهم لم يسألوا سؤال مستفهم طالب لعِلم ، كذلك لم يجبهم جواب معلم مبين بل قال : يوم هم على النار يفتنون فجهلهم بالثاني أقوى من جهلم بالأول ، ولا يجوز أن يكون الجواب بالأخفى ، فلو قال قائل : مَتَى يَقْدمُ زَيْدٌ؟ فلو أجيب بقوله : يَوْم يقدم رفِيقُهُ ولا يعلم يوم قُدُوم الرفيق لم يصح هذا الجواب إلا إذا كان الكلام في صورة ولا يكون جواباً كقول القَائل لمن يعد عِدَاتاً ويخلفها : إلى متى هذا الإخلاف؟ فيغضب ويقول : إلى أَشْأَمِ يَوْمٍ عليك ، فالكلامان في صورة سؤال وجواب ، ولا يريد بالأول السؤال ، ولا الثاني يريد به الجواب ، فكذلك ههنا قال : { يوم هم على النار يفتنون } مقابلة لاستهزائهم بالإيعَادِ لا على وجه الإِتيان بالبَيَان .
الثاني : أن يكون « ذلك » ابتداء كلام تمامه ( في قوله : « ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ » ) .
فإن قيل : هذا يفضي إلى الإضمار! .
فالجواب : أن الإضمار لا بد منه؛ لأن قوله : ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ غيرُ متصل بما قبله إلا بإِضمار يقال .
قوله : « ذُوقُوا » يقال لهم ذُوقُوا و { هذا الذي كُنتُمْ } مبتدأ وخبر « هذا » هو الظاهر . وجوَّز الزمخشري أن يكون « هذا » بدلاً من « فِتْنَتَكُمْ » ؛ لأنها بمعنى العذاب ، ومعنى فتنتكم عذابكم { هذا الذي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } في الدنيا تكذيباً به ، وهو قولهم : { رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا } [ ص : 16 ] وقولهم : { فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ } [ هود : 32 ] ونظائره ، وقوله : { يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدين } فإنه نوع استعجالٍ بالقول . ويحتمل أن يكون المراد الاستعجال بالفعل وهو إصرارهم على العناد ، وإظهار الفساد ، فإنه يعجل العقوبة .

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)

قوله تعالى : { إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } لما بين حال المجرمين بين بعده حال المتقين ، والمتقي له مقامات ، أدناها أن يتقي الشرك ، وأدناها أن يتقي ما سِوَى الله ، وأدنى دَرَجَات المُتقِي الجنة فما من أحد اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة .
قوله : « آخِذِينَ » حال من الضمير في قوله : « جَنَّاتٍ » و « مَا آتَاهُمْ » يعني مما في الجنة فيكون حالاً حقيقية ، وقيل : مَا آتاهُمُ من أوامره ونواهيه فيكون في الدنيا فتكون حالاً محكيةً ، لاختلاف الزمانين .
وجعل الجار خبراً ، والصفة فضلة ، وعكس هذا في قوله تعالى : { إِنَّ المجرمين فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } [ الزخرف : 74 ] ، قيل : لأن الخبر مقصور الجملة ، والغَرَضُ هناك الإخبار عن تخليدهم ، لأن المؤمن قد يدخل النار ، ولكن لا بد من خروجه ، وأما آية المتقين ، فجعل الظرف فيها خبراً لأمنهم الخروج منها ، فجعل ذلك محط الفائدة ليحصل لهم الطمأنينة فانتصبت الصفة حالاً .
فصل
اعلم أنه تعالى وحد الجنة تارة ، قال تعالى : { مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون } [ الرعد : 35 ] و [ محمد : 15 ] وأخرى جمعها كقوله ههنا : { إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ } وتارة ثَنَّاها ، قال تعالى : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن : 46 ] ، والحكمة فيه أن الجنة في توحيدها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة واحدة ، وأما جمعها فلأنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إليها جنّات لا يحصرها عدد ، وأما تثنيتها فسيأتي في سورة الرحمن .
قال ابن الخطيب : غيرَ أنَّا نقول ههنا : إن الله تعالى عند الوعد وحَّد الجنة وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة بخلاف ما لو وعد بجَنَّات ثم يقول إنه في جنة ، لأنه دون الموعود ، وقوله : « وَعُيُونٍ » يقتضي أن يكون المُتَّقِي فيها ولا لذة في كون الإنسان في ماءٍ؛ فالمعنى في خلال العيون ، أي بين الأنهار كقوله : « في جَنَّاتٍ » معناه بين الجنات وفي خلالها؛ لأن الجنة هي الأحجار ، ونكرها مع كونها معرفة للتعظيم كقولك : فُلاَنٌ رَجُلٌ أي عظيم في الرجولة .
ومعنى : « آخذين » أي قابضين ما آتاهم شيئاً فشيئاً ولا يستوفونه بكماله ، لامتناع استيفاء ما لا نهاية له . وقيل : معنى آخذين أي قابلين قبول راضٍ كقوله تعالى : { وَيَأْخُذُ الصدقات } [ التوبة : 104 ] أي يقبلها ، قاله الزمخشري . وقال ابن الخطيب : وفيه وجه ثالث ، وهو أن قوله : فِي جَنَّاتٍ يدلّ على السُّكْنَى حيث قال : آخِذينَ بلادَ كذا ، أو قَلْعَة كذا ، أي دخلها متملّكاً لها ، وكذا يقال لمن اشترى داراً أو بستاناً أخذه بثمن قليلٍ أي تملكه ، وإن لم يكن هناك قبص حسًّا ولا قبول برِضًى .
وحيئذ فائدته بيان أن دخولهم فيها ليس دخول مستعيرٍ أو من يسترد منه ذلك بل هو ملكُه الذي اشتراه بماله ونفسه من الله .

وقوله : « آتاهُمْ » لبيان ( أن ) أخذهم ذلك لم يكن عَنْوَةً ، وإنما نال ذلك بإعطاء الله تعالى . وعلى هذا الوجه « ما » راجعة إلى الجَنَّاتِ والعُيُون .
وقوله : { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } إشارة إلى أنهم أخذوها بثَمنها وملكوها بالإحسان في الدنيا ، والإشارة بذلك إما لدخول الجنة ، وإما لإيتاء الله ، وإما ليوم الدين ، والإحسان هو قول لا إله إلا الله؛ ولهذا قيل في معنى كلمة التقوى : إنها لا إله إلا الله ، وفي قوله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله } [ فصلت : 33 ] وقوله : { هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان } [ الرحمن : 60 ] هو الإتيان بكلمة لا إله إلا الله .
قوله : { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ } وهذا كالتفسير لكونهم مُحْسِنِينَ ، وفيه أوجه :
أحدها : أن الكلام تَمَّ على « قَلِيلاً » ولهذا وقف بعضهم على قليلاً ليؤاخي بها قوله تعالى : { وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } [ ص : 24 ] { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور } [ سبأ : 13 ] ويبتدئ : { مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ } أي ما يهجعون من الليل . والمعنى كانوا من الناس قليلاً ، ثم ابتدأ فقال : ما يَهْجَعُون وجعله جَحْداً أي لا ينامون بالليل ألبتة يقومون للصلاة والعبادة . وهو قول الضحاك ومقاتل . وهذا لا يظهر من حيث المعنى ، ولا من حيث الصناعة ، أما الأول فلا بد أن يهجعوا ، ولا يتصور نفي هجوعهم ، وأما الصناعة فلأن « ما » في حيز النفي لا يتقدم عليه عند البصريين . هذا إن جعلتها نافية ، وإِن جعلتها مصدرية صار التقدير من الليل هُجُوعُهُمْ . ولا فائدة فيه ، لأن غيره من سائر الناس بهذه المثابة .
الثاني : أن تجعل « ما » مصدرية في محلِّ رفع « بِقَلِيلاً » ، والتقدير : كَانُوا قليلاً هُجُوعُهُمْ .
الثالث : أن تجعل ما المصدرية بدلاً من اسم كان بدل اشتمال أي كان هُجُوعُهُمْ قليلاً . و « مِنَ اللَّيْلِ » على هذين لا يتعلق ب « يهجعون » لأن ما في حَيِّز المصدر لا يتقدم عليه على المشهور . وبعض المانعين اغتفروا في الظرف فيجوزُ هذا عنده والمانع يقدر فعلاً يدل عليه : « يَهْجَعُونَ مِنَ اللَّيْل » .
الرابع : أن « ما » مزيدة و « يَهْجَعُون » خبر كان ، والتقدير : كَانُوا يهجعون من الليل هُجُوعاً قَلِيلاً ، أو زمناً قليلاً ، ف « قَليلاً » ، نعت لمصدر أو ظرف .
الخامس : أنها بمعنى الذي ، وعائدها محذوف تقديره : كَانُوا قليلاً من الليل الوقت الذي يهجعونه . وهذا فيه تَكَلُّفٌ .
فصل
قال ابن الخطيب : « قليلاً » منصوب على الظرف تقديره يهجَعونَ قليلاً يقال : قام بَعْضَ الليل ، فنصب « بعض » على الظرف ، وخبر كان هو قوله : « يَهْجَعُونَ » و « ما » زائدة هذا منقول عن الضَّحَّاك ومقاتل .
وأنكر الزمخشري كون « ما » نافية ، وقال : لا يجوز أن تكون نافية؛ لأن ما بعدها لا يعمل فيها قبلها لا تقول : زَيْداً ما ضَرَبْتُ ويجوز أن يعمل ما بعد « لم » فيما قبلها ، تقول : زَيْداً لَمْ أَضْرِبْ وذلك أن الفعل المتعدي إنما يعمل في النفي حملاً له على الإثبات لأنك إذا قلت : ضَرَبَ زيدٌ عمراً ثبت تعلق فعله بعمرو .

فإذا قلت : مَا ضَرَبَهُ لم يوجد منه فعل حتى يتعلق به ويتعدى إليه ، لكن النفي محمول على الإثبات ، فإذا ثبت هذا فالنفي بالنسبة إلى الإثبات كاسم الفاعل بالنسبة إلى الفعل فإنه يعمل عَمَل الفعل لكن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل فلا تقول : زَيْداً ضاربٌ عَمْراً أمس ، وتقول : زَيْدٌ ضَاربٌ عَمْراً غداً واليَوْمَ والآنَ؛ لأن الماضي لم يبقَ موجوداً ولا مُتوقَّع الوجود ، فلا يتعلق بالمفعول حقيقة ، لكن الفعل لقوته واسم الفاعل لضعفه لم يَعْمَلْ .
إذا عرف هذا فقوله : مَا ضَرَبْتُ للنفي في الماضي ، فاجتمع فيه النفي والمضيّ فَضَعُفَ . وأما : لَمْ أَضْرِبْ فإِن كان يقلب المستقبل فوجد فيه ما وجد في قول القائل : زَيْدٌ ضَارِبٌ عَمْراً غَداً فأُعْمِلَ .
قال ابن الخطيب : غير أن القائل بذلك القول يقول : قليلاً ليس منصوباً بقوله : يَهْجَعُونَ ، وإِنما ذلك خبر ( كانوا؛ أي ) كانوا قَلِيلِينَ .
فصل
تقديم قليلاً في الذكر ليس لمجرد السَّجع حتى يقع يهجعون ويستغفرون في آخر الآيات ، بل لأن الهجوع راحة لهم والمقصود بيان اجتهادهم وتحملهم السهر لله تعالى ، فلا يناسبه تقديم ( راحتهم ) ، وقد يَغْفَلُ السامع عما بعد الكلام فيعتقد كونهم محسنين بسبب هجوعهم ، فقدم قوله : « قَلِيلاً » ليسبق إلى الفهم أولاً قلَةُ الهجوع وقوله : « مِنَ اللَّيْل » إشارة إلى أنه الزمن الذي يهجع الناس فيه ولا يسهر في الطاعة إلا متعبد .
فإن قيل : الهجوع لا يكون إلا بالليل والنوم نهاراً لا يقالُ له : هُجُوع! .
فالجواب : أن ذِكرَ العام وإِردافه بالتخصيص حَسَنٌ ، تقول : رأيتُ حَيَوَاناً نَاطِقاً فَصِيحاً . وأما ذكر الخاص وإردافه بالعام فلا يَحْسُن إلا في بعض المواضع ، فلا تقول : رأيتُ ناطقاً فصيحاً حيواناً .
وإذا عرف هذا فقوله تعالى : كَانُوا قليلاً من الليل ذكر أمراً هو كالعام يحتمل أن يكون بعده : كَانُوا من الليل يسبحون أو يستغفرون أو يسهرون ، أو غير ذلك ، فلما قال : يَهْجَعُون فكأنه خصّص ذلك بالأمر العام المحتمل له ولغيره فأَزَال الاحْتِمَال .
قوله : « وَبِالأَسْحَارِ » متعلق ب « يَسْتَغْفِرُونَ » ، والباء بمعنى « فِي » . وقدم متعلق الخبر على المبتدأ لجواز تقديم العامل .
فصل
معنى قوله : { قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ } أي يصلون أكثر الليل . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس : يعني كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئاً إما من أولها وإما من أوسطها . وقال أنس بن مالك : كانوا يصلون العَتَمَةَ .

وقال مُطرفُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بنِ الشَّخِير : قَلَّ ليلة أتت عليهم يهجعونها كلها . وقال مجاهد : كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله ، وربما نَشِطُوا فَمَدُّوا إلى السَّحَر ، ثم أخذوا بالأسحار في الاستغفار . وقال الكلبي ومجاهد ومقاتل : وبالأسحار يصَلّونَ؛ وذلك لأن صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة .
روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاء كُلَّ لَيْلَةٍ حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْل فَيَقُولُ : أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ ، مَنِ الَّذي يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنِ الَّذِي يسَأَلُنِي فَاعْطِيَهُ؟ مِنَ الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ » .
فصل في قوله : { وبالأسحار هُمْ يستغفرون } إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك وأخلص منه ، فهم يستغفرون من التقصير . وهذه سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويَسْتَقِلُّه ويعتذر من التقصير واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويَمُنُّ به .
وفي الآية لطائف :
الأولى : أنه تعالى لما ذكر قلة هجوعهم ، والهجوع مُقْتَضى الطبع قال : يَسْتَغْفِرُونَ أي من ذلك القدر من النوم القليل .
الثانية : أنه تعالى مدحهم بقلة الهجوع ولم يمدحْهم بكَثْرة السَّهر فلم يقل : كَانُوا قليلاً من الليل ما يسهرون مع أن السَّهَر هو الكَلَفَةُ والاجتهاد لا الهجوع ، وهذا إشارة إلى أن نَوْمَهم عبادةٌ حيث مدحهم الله بكونهم هاجعين قليلاً ، وذلك الهجوع أورثهم الاشتغال بعبادة أخرى ، والاستغفار بالأسحار ، ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم .
فصل
الباء في قوله : « بالأسحار » استعملت للظرف هنا ، وهي ليست للظرف . قال بعض النحاة : إن حروف الجر ينوب بعضُها عن بعض يقال في ظرف الزمان : خَرَجْتُ لِعَشْرٍ بَقِينَ ، وبالليل ، وفي شهر رمضان . فتستعمل اللام والباء ، وفي ، وكذلك في ظرف المكان تقول : قُمْتُ بِمدينة كذا ، وفيها ، ورأيته ببَلْدَةِ كذا ، وفيها . قال ابن الخطيب : والتحقيقُ فيه أن نقول : الحروف لها معانٍ مختلفة كما أن الأسماء والأفعال كذلك غير أن الحروف مستقلة بإفادة المعنى والاسم والفعل مُسْتَقِلاَّنِ ، لكن بين بعض الحروف وبعضها تنافرٌ ( و ) تباعد كما في الأسماء والأفعال ، فإن البيتَ والسَّكَن متخالفان ومتقاربان ، وكذلك مَكَثَ ، وسَكَنَ ( وَأَلَمَّ ) ، وكذلك كل اسمين أو كل فعلين يوجد كان بينهما تقارب وتباعد ، لأن الباء للإِلصاق ، واللام للاختصاص ، و « في » للظرف ، والظرف مع المظروف ملتصق ومختص به . إذا عرف هذا فنقول : بين « الباء » و « اللام » و « في » مشاركة ، أما الباء فلأنها للإِلصاق ، والمتمكن في مكان ملتصق به متصل ، وكذلك الفعل بالنسبة إلى الزمان فإِذا قال : سَارَ بالنَّهَارِ معناه ذهب ذَهَاباً مُتَّصِلاً بالنهار .
فقوله : { وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } أي متصلاً بالأسحار ، أخبر عن الاقتراب ، وذلك أدل على وجود الفعل مع أول جزء من أجزاء الوقت من قوله : « فِي اللَّيْلِ » ؛ لأنه يستدعي احتواء الزمان بالفعل وكذلك قول القائل : أقمتُ ببَلْدَة كذا ، لا يفيد أنه كان مخالطاً بالبلد .

وقوله : أقمتُ فيها يدل على إحاطتها به ، فإذن قول القائل : أَقَمْتُ بالبَلَدِ ، ودَعَوْتُ بالأَسْحَارِ أعمُّ مِنْ قوله : أقمتُ فِيهِ؛ لأن القائم فيه قائمٌ به والقائم به ليس قائماً فيه .
وإِذا علم هذا فقوله : { وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } إشارة إلى أنهم لا يُخْلُونَ وقتاً عن العبادة وأنهم بالليل لا يهجعون ، ومع أول جزء من السحر يتسغفرون فيكون فيه بيان كونهم مستغفرين من غير أن يسبق منهم ذنب ، لأنهم وقت الانتباه لم يُخْلوا الوقت للذنب . ولا يطرد استعمال الباء بمعنى « في » ، فلا تقول : خَرَجْتُ بِيَوْم الجُمُعَةِ لأن يوم الجمعة مع أنه زمان فيه خُصُوصيَّات وتقييدات زائدة على الزمان ، لأنك إذا قلت : خَرَجْتُ بِنَهَارِنَا وبلَيْلَةِ الجُمُعَةِ ، لم يحسن . ولو قلت : خَرَجْتُ بِيَوْم سَعْدٍ وخَرَجَ ( بِيَوْمِ ) نَحْسٍ حَسُن فالنهارُ والليل لمّا لم يكن فيهما خُصُوصٌ وتقييد جازَ استعمالُ الباء فيهما ، فإِذا قيدتهما وخصصتهما زال الجوازُ ، و « يَوْمُ الجمعة » لمَّا كان فيه خصوص لم يجز وقلت : خَرَجْتُ بِيَوْم سَعْدٍ جاز . وأما « فِي » فيصح مطلقاً؛ لأن ما حصل في العام حصل في الخاص ، لأن العام جزءٌ داخل في الخاص ، فتقول : فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ وفِي هذِهِ السَّاعة . وأما اللام فتقدم الكلام عليها عند قوله : { والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا } [ يس : 38 ] .
فصل
وفائدة قَوْلِهِ : « هم » ؛ قال الزمخشري : فائدتها انْحِصَارُ المستغفرين أي هم الكاملون فيه لا غيرهم كقولك : زَيْدٌ العَالِمُ ، لكماله في العلم كأنه تفرد به ، وأيضاً : فلو عطف بدون هم لأوهم أنهم يستغفرون قليلاً . والاستغفار إما طلب المغفرة ، كقولهم : رَبَّنا اغْفِرْ لَنَا ، وإما إتيانهم بعبارات يتقربون بها طلباً للمغفرة ، وإما أن يكون من باب قولهم : اسْتَحْصَد الزَّرْع أي ذلك أوان المغفرة .
قوله : { وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم } لمّا تقدم التعظيم لأم الله ثَنَّى بالشفقة على خلق الله ، وأضاف الأموال إليهم ، لأنه مدح لهم ، وقال في موضع آخر { وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } [ الحديد : 7 ] ؛ لأن ذلك تحريض وحث على النفقة وذلك يناسبه .
فإن قيل : كون الحق في المال لا يوجب مدحاً؛ لأن كون المسلم في ماله حقّ وهو الزكاة ليس صفة مدح ، لأن كل مسلم كذلك بل الكافر إذا قلنا : إنه مخاطب بفروع الإسلام في ماله حق معلوم ، غير أنه إذا أَسْلَمَ سقط عنه ، وإن مات عُوقِبَ على ما تركه الأداء . وإن أَدَّى من غير إسلام لا يقع الموقع فكيف يفهم كونه مدحاً؟
فالجواب : أنا نفسر السائل بمن يطلب جزءاً من المَال وهو الزكاة والمَحْرُومُ من لا يطلب جزءاً معيّناً وهو طالب صدقة التطوع كأنه قال : في ماله زكاةٌ وصَدَقَةٌ .
أو يقالُ : بأن « في » للظرفية ، والمعنى أَنّهم لاَ يجمعون المال ولا يجعلونه ظرفاً للحُقُوق ، والمطلوب من الظرف والمظروف إنما هو المظروف وهذا مدح عظيم .

فإن قيل : لَو قيل : مالهم للسائل كان أبلغ!
فالجواب : لا نسلم ، فإن صرف جميع المال حتى يبقى فقيراً محتاجاً منهيٌّ عنه ، وكذلك الصلاة والصوم الاقتصاد فيهما أبلغ لقوله : - عليه الصلاة والسلام - : « إنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ ، فَادْخُلُوا فِيهِ بِرفقٍ؛ فَإنَّ المُنْبَتَّ لاَ أَرْضاً قَطَعَ وَلاَ ظَهْراً أَبْقَى » .
فصل
في السائل والمحروم وجوه :
أحدها : أن السائل هو الآدمي ، والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوانات المحترمة ، قال - عليه الصلاة والسلام - : « فِي كُلّ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ » وهذا ترتيب حسن؛ لأن الآدمي يُقدَّمُ على البهائم .
الثاني : أن السائل هو الذي يَسْأَل ، والمَحْرُوم هو المتعفّف يظن أنه غنيٌّ فيُحْرَمُ . وقدَّمَ السائلَ؛ لأن حاله يعرف بسؤاله ، أو يكون إشارة إلى كثرة العَطَاء فيعطي السؤّال ، فإذا لم يجدهم يسأل عن المحتاجين فيكون سائلاً ومسؤولاً .
الثالث : قدم السائل؛ لتجانس رُؤُوس الآي .
فصل
قال ابنُ عباس وسعيدُ بن المُسيّب : السّائل الذي يسأل الناس ، والمحروم الذي ليس له في الغنائم سهمٌ ولا يُجْرَى عليه من الفَيء شَيءٌ . وقال قتادة والزُّهْري : المحروم المتعفّف الذي لا يسأل . وقال زيد بن أسلم : هو المصاب ثمره أو زرعه أو تشَلُّ ماشيتُه ، وهو قول مُحَمّد بن كَعْب القُرَظيِّ . قال : المحروم صاحب الحاجة ، ثم قرأ : { إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } [ الواقعة : 66 - 67 ] .

وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)

قوله تعالى : { وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ } إذا ساروا فيها من الجبال والبحار والثمار وأنواع النبات تدلهم على أن الحَشْرَ كائن كقوله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً } [ فصلت : 39 ] ، ويحتمل أن يكون المعنى : وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ تَدُلُّ على مُدَبِّرٍ قادرٍ قاهرٍ يجب أن يُعْبَدَ ويُحْذَرَ .
فإن قيل : كيف خصص الآيات بالمُوقنينَ ، ولم يُخَصِّصْ في قوله : { وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا } [ يس : 33 ] ؟
فالجواب : أن القَسَمَ إنما يكون مع المعَانِدِ في البرهان ، فهو لا ينتفع بالآيات وإنما ينتفع بها المُوقِنُونَ فلذلك أقسم ههنا فقال : { فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ } وفي سورة يس لم يؤكد ذلك بالقسم الدال على المعاند . أو يقال : أطلقت هناك باعتبار حصولها وخصصت هنا باعتبار المنفعة بها . وجمعت « الآيات » هنا ، لأن المُوقن يتنبه لأمور كثيرة ، وكذلك قوله : وَفِي أَنْفُسِكُمْ آيات دالة على ذلك إذ كانت نطفةً ثم علقةً ، ثم مضغةً ، ثم عظاماً ، إلى أن ينفخ فيها الرُّوح .
وقال عطاء عن ابن عباس - ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ) : يريد اختلاف الأَلْسنة والصور والألوان والطبائع .
وقال ابن الزُّبَيْر : يريد سبيل البول والغائط يَأكُلُ ويَشْرَبُ من مَدْخَلٍ واحد ويَخْرج من سِبِيلَيْنِ .
وقوله : أفلا تبصرون « قال مقاتل : أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث؟
قوله : » وفي أنفسكم « نَسَقٌ على ( مَا ) » في الأرض « فهو خبر عن » آيات « أيضاً ، والتقدير : وفي الأرض وفي أنفسكم آيات .
وقال أبو البقاء : وَمَنْ رَفَعَ بالظرف جعل ضمير » الآيات « في الظرف . يعني من يرفع الفاعل بالظرف مطلقاً أي وإن لم يعتمد يرفع بهذا الجار فاعلاً هو ضمير » آيات « .
وجوز بعضُهم أن يتعلق ب » يُبْصِرُونَ « . وهو فاسدٌ؛ لأن الاستفهام والفاء يمنعان جَوَازَهُ .
وقرأ قتادة : » آية « بالإفراد ، وقوله : » فِي أنْفُسِكُمْ « يُحْتَمَلُ أن يكون المراد فِيكُمْ ، يقال : الحجارة في نفسها صُلْبَة ، ولا يراد بها النفس التي هي مَنْبعُ الحياة والحِسّ والحَرَكَات . ويحتمل أن يكون المراد وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات وقوله : » أَفَلاَ تُبْصِرُونَ « بالاستفهام إشارة إلى ظهورها .
قوله : { وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ } أي سبب رزقكم . وقرأ حُمَيْدٌ وابنُ مُحَيْصن : رازِقُكُمْ اسم فاعل ، والله تعالى متعالٍ عَنِ الجِهّةِ . قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل : يعني بالرزق : المطر؛ لأنه سبب الأَرزاق . وقيل : في السماء رزقكم مكتوب ، وقيل : تقدير الأرزاق كلها من السماء ، ولولاه لما حصل في الأرض حبَّة قُوتٍ .
قوله : » وَمَا تُوعَدُونَ « قال عطاء : من الثَّوَاب والعِقَاب ، وقال مجاهد : من الخَيْر والشَّرِّ . وقال الضحاك : وما توعدون من الجَنَّة والنار فيكون المعنى على هذا : وما توعدون لحقّ ، كقوله :

{ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ } [ الذاريات : 5 ] فإن قلنا : المراد بقوله : « وما توعدون » الجنة فهو من الوعد ، وإن قيل : المراد العذاب فيكون الخطاب مع الكفار .
قوله : { فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ } الضمير إما للقرآن ، وإما « للدِّين » ، وإما « الْيَوْم » في قوله : { وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ } [ الذاريات : 6 ] و « يَوْمَ هُمْ » و « يَوْم الدِّينِ » ، وإما للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ودخلت الفاء بمعنى إنَّ ما توعدون لحق بالبرهان المبين ثم بالقسم واليمين أو للعطف على قوله : « والذَّاريات » مع إعادة المقسم عليه لوقوع الفَصْل .
وأقسم أولاً بالمخلوقات وههنا بربها تَرَقِّياً من الأدنى إلى الأعلى .
قوله : « مِثْلَ مَا » قرأ الأخوانِ وأبو بكر مِثْلُ بالرفع ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه خبر ثانٍ مستقلٌّ كالأَول .
الثاني : أنه مع ما قبله خبرٌ واحد ، كقولك : هَذَا حُلْوٌ حَامِضٌ نقلهما أبو البقاء .
والثالث : أنه نعت لحَقٍّ و « ما » مزيدة على الأوجه الثلاثة و « أَنَّكُمْ » مضاف إليه ، أي لَحَقٌّ مِثْلُ نُطْقِكُم ، ولا يضر تقدير إضافتها لمعرفة ، لأنها لا تتعرف بذلك لإبْهَامِهَا .
والباقون بالنصب ، وفيه أوجه :
أشهرها : أنه نعت « لحَقّ » أيضاً كما في القراءة الأولى ، وإنما بني الاسم لإضافته إلى غير متمكن ، كما بناه الآخر في قوله :
4522- فَتَدَاعَى مِنْخَرَاهُ بِدَمٍ ... مِثْلَ مَا أثْمَرَ حُمَّاضُ الجَبَلْ
بفتح « مثل » مع أنها نعت لِ « دَمٍ » وكما بنيت « غَيْرُ » في قوله - ( رحمةُ الله عليه ) - :
4523- لَمْ يَمْنَع الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ ... حَمَامَةٌ فِي غُصُونٍ ذَاتِ أَوْقَالِ
« غير » فاعل يمنع ، فبناها على الفتح لإضافتها إلى « أَنْ نَطَقَتْ » وقد تقدم في قراءة : { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } [ الأنعام : 94 ] بالفتح ما يُغْنِي عن تقرير مِثْلِ هذا .
الثاني : أن « مِثْلَ » ركّب مع « ما » حتى صارا شيئاً واحداً ، قال المازني : ومثله : وَيْحَمَا ، وهَيَّمَا وَأيْنَمَا ، وأنشد لحُمَيْد بن ثَوْر - ( رحمة اللَّهِ عليه رَحْمةً واسعةً - ) :
4524- أَلاَ هَيَّمَا مِمَّا لَقِيتُ وَهَيَّمَا ... وَوَيْحاً لِمَنْ لَمْ يَدْرِ مَا هُنَّ وَيْحَمَا
قال : فلولا البناء لكان منوناً .
وأنشد أيضاً :
4525- ... فَأَكْرِمْ بِنَا أباً وَأَكْرِمْ بِنَا ابْنَمَا
وهو الذي ذهب إليه بعض النحويين وأنشد :
4526- أَثَوْرَ مَا أَصِيدُكُمْ أَمْ ثَوْرَيْنْ ... أَمْ هَذِه الْجَمَّاءُ ذَاتُ القَرنَيْنْ
وأما ما أنشده من قوله : « وَأَكْرِمْ بِنَا ابْنَمَا » فليس من هذا الباب ، لأن هذا « ابنٌ » زيدت عليه الميم وإذا زدتَ عليه الميم جعلت النون تابعةً للميم في الحركات على الفصيح ، فتقول : هذا ابْنُمٌ ، ورأيت ابْنَماً ومررت بابْنِمٍ ، فتجري حركات الإعراب على الميم ويتبعها النون .
وابنما في البيت منصوب على التمييز فالفتح لأجل النصب لا البناء ، وليس هذه « ما » الزائدة ، بل الميم وحدها زائدة ، والألف بدل من التنوين .

الثالث : أنه منصوب على الظَّرْف ، وهو قول الكوفيين .
ويجيزون : زَيْدٌ مِثْلَكَ بالفتح ، ونقله أبو البقاء عن أبي الحسن ولكن بعبارة مُشْكِلَةٍ فقال : ويقرأ بالفتح ، وفيه وجهان :
أحدهما : هو معرب ، ثم في نصبه أوجه ، ثم قال : أو على أنه مرفوع الموضع ، ولكنه فتح كما فتح الظرف في قوله : { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } [ الأنعام : 94 ] على قول الأخفش ، ثم قال : والوجه الثاني : هو مبنيّ .
وقال أبو عُبَيْد : بعض العرب يجعل « مِثْلَ » نصباً أبداً ، فيقولون : هَذَا رَجُلٌ مِثْلَكَ .
الرابع : أنه منصوب على إسقاط الجارِّ وهو كافُ التشبيه .
وقال الفراء : العرب تنصبها إذا رفع بها الاسم يعني المبتدأ فيقولون : مِثْلَ مَنْ عَبْد الله؟ وعَبْد الله مثْلَكَ وأنْتَ مِثْلَه لأن الكاف قد تكون داخلة عليها فتُنْصَب إذا ألقيت الكاف .
قال شهاب الدين : وفي هذا نظر ، أيّ حاجة إلى تقدير دخول الكاف و « مِثْلُ » تفيد فائدتها؟ وكأنه لما رأى أن الكاف قد دخلت عليها في قوله : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشورى : 11 ] قال ذلك .
الخامس : أنه نعت لمصدر محذوف ، أي لحَقّ حَقًّا مِثْلَ نُطْقِكُمْ .
السادس : أنه حال من الضمير في « لَحَقٌّ » ؛ لأنه قد كثر الوصف بهذا المصدر حتى جرى مَجْرى الأوصاف المشتقة ، والعامل فيها « حَقٌّ » .
السابع : أنه حال من نفس « حَقّ » وإن كان نكرة . وقد نصَّ سيبويه في مواضع من كتابه على جوازه ، وتابعه أبو عمرو على ذلك .
و « ما » هذه في مثل هذا التركيب نحو قولهم : « هَذَا حَقٌّ » ، كما أنك ههنا لا تجوّز حذفها ، فلا يقال : هذا حق كأنك ههنا . نص على ذلك الخليلُ - رحمه الله - .
فإذا جعلت « مِثْلَ » معربة كانت « ما » مزيدة و « أَنَّكُمْ » في محل خفض بالإضافة كما تقدم . وإذا جعلتها مبنية إما للتركيب ، وإما لإضافتها إلى غير متمكن جاز في « ما » هذه وجهان : الزيادة وأن تكون نكرة موصوفة ، ( كذا ) قال أبو البَقَاءِ .
وفيه نظر ، لعدم الوصف هنا ، فإن قال : هو محذوف فالأصل عَدمهُ ، وأيضاً فنصوا على أن هذه الصفة لا تحذف ، لإبهام مَوْصُوفِها . وأما « أَنَّكُمْ تَنْطَقُونَ » فيجوز أن يكون مجروراً بالإضافة إن كانت ( « ما » ) مزيدة ، وإن كانت نكرة كان في موضع نصب بإضمار أَعْنِي ، أو رفع بإضمار مبتدأ .
فصل
المعنى : { فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ } أي ما ذكرت من أمر الرزق لَحق كَمِثْلِ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ فتقولون : لا إله إلاَّ الله .
وقيل : شَبَّه تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق نُطْق الآدمي كقولك : إنَّه لَحَقٌّ كما أنت ههنا وإنه لحق كما أنك تتكلم والمعنى أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة . قال بعض الحكماء : كما أنَّ كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره فكذلك كل إنسان يأكل رزق نَفْسه الذي قُسِمَ له ، ولا يقدر أن يأكل رزق غيره .
وقيل : معناه إن القرآن لحق تكلم به الملك النازل من السماء مثل ما تتكلمون .

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)

قوله تعالى : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين } هذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتيسير له بالفرج ، وسَمَّاهُمْ ضَيْفاً ، لأنه حسبهم كذَلك ، ويقع على الواحد والجمع ، لأنه مصدر وسمَّاهم مُكْرَمين أي عند الله أو لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أكرمهم بأن عَجَّل قِرَاهُم ، وأجلسهم في أكرم المواضع واختار إبراهيم لكونه شيخ المرسلين ، وكون النبي - عليه الصلاة والسلام - مأموراً بأن يتبع ملته ، كما قال تعالى : { ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً } [ النحل : 123 ] . وقيل : سماهم مكرمين لأنهم كانوا ضيف إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ( وكان إبراهيم أَكرمَ الخليقة ، وضيف الكرام مكرمون . وقال ابن أبي نُجَيْح - عن مجاهد - : لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - خدمهم بنفسه ) وعن ابن عباس : سماهم مكرمين لأنهم جاءوا غير مَدْعُوِّينَ ، وقال عليه الصلاة والسلام : « مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ » .
فإن قيل : إذا كان المراد من الآية التسلية والإنذار ، فأي فائدة في حكاية الضيافة؟
فالجواب : ليكون ذلك إشارة إلى أنَّ الفرجَ في حق الأنبياء ، والبلاء على الجهلة يأتي من حيث لم يحتسبوا ، كقوله تعالى : { فَأَتَاهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } [ الزمر : 25 ] ، فلم يكن عند إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - خبرٌ من إنزال العذاب مع ارتفاع منزلته وقد تقدم عددهم في سورة هود .
قوله تعالى : { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ } العامل في « إذْ » أَوْجُهٌ :
أحدها : أنه « حديث » أي هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه .
الثاني : أنه منصوب بما في « ضَيْف » من معنى الفعل ، لأنه في الأصل مصدر ، ولذلك استوى فيه الواحد المذكور وغيره ، كأنه قيل : الَّذِينَ أَضَافَهُمْ في وقت دخولهم عليه .
الثالث : أنه منصوب بالمكرمين إن أريد بإكرامهم أنَّ إبراهيم أكرمهم بخدمته لهم كأنه تعالى يقول : أُكْرِمُوا إذ دَخَلُوا .
الرابع : أنه منصوب بإضمار « اذْكُرْ » ولا يجوز نصبه ب « أَتَاكَ » لاختلاف الزَّمَانَيْنِ .
وقرأ العامة المُكْرَمِينَ - بتخفيف الراء - من أَكْرَمَ ، وعكرمة : بالتشديد .
فإن قيل : أرسلوا بالعذاب بدليل قولهم : { إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } [ الذاريات : 32 ] فما الحكمة في مجيئهم إلى إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -؟
فالجواب من وجهين :
الأول : أن إبراهيمَ - عليه الصلاة والسلام - شيخ المرسلين ، ولوط من قومه ، ومن عادة الملك إذا أرسل رسولاً لملك وفي طريقه من هو أكبر منه يقول له : اعبر على فلان الملك ، وأخبره برسالتك وخذ فيها رأيه .
الثاني : أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان شديد الشفقة حليماً فكان يشق عليه إهلاك أمة عظيمة وكان ذلك مما يُحْزن إبراهيمَ - عليه الصلاة والسلام - شفقةً منه على العباد فقال ( لهم ) بَشّروه بغلامٍ يخرج من صلبه أضعاف من يَهْلَكُ ، ويكون من صلبه خروج الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - .

قوله : { فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ } العامة على نصب « سلاماً » الأول ، ورفع الثاني . فأما نصب الأول فالمشهور أن السلام التحية أي نُسَلِّم سلاماً . ويحتمل أن « سلاماً » معناه حَسَناً أي قالوا كلاماً حسناً؛ لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يَلْغُو أو يأثم فكأنهم قالوا قولاً حسناً سَلِموا به من الإثم فيكون مفعولاً به لأنه في معنى القول ، كما قيل في قوله تعالى : { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } [ الفرقان : 63 ] ، أو هو مفعول بفعل محذوف ، أي نُبَلِّغُكَ سَلاَماً .
ولم يقولوا من الله شفقة على قلب إبراهيم فأتوا به مجملاً ، ثم فسروه بعْدَ ذلك .
وأما رفع الثاني فالمشهور أنه التحية ، فهو مبتدأ ، وخبره محذوف أي عَلَيْكُمْ ، ويحتمل أنه السلامة ، أي أَمْرِي سَلاَمٌ لأني لا أعرفكم ، أو قولُكُم سَلاَمٌ ، أي ينبئ عن السلامة وأنتم قوم منكرون فَما خَطْبُكُمْ؟
وأما الفرق بين النصب والرفع ، فإن حملنا السلام على التّحية ، فإنه مُبتدأ مع أنه نكرة تنبيهاً على أصله ، لأنه النصب ، لأن المعنى أسَلِّمُ سلاماً و « عَلَيْكُمْ » لبيان المسلَّم عليه ، لا حظَّ له في الإعراب .
وأصل الكلام أسلم سلاماً ، فالنصب أصل ، فقدم على الرفع الذي هو فرع ، وأيضاً فرد ( إبراهيم ) أبلع لأنه أتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبات بخلاف الفعلية ، فإنها تدل على التَّجدّد والحُدُوث ، ولهذا يستقيم قولنا : الله موجود الآن ، ولا يستقيم قولنا : اللَّهُ وجدَ الآن .
وأما إن قلنا : معناه حَسَناً ، أو ذا سلامة ، فمعناه قلتم حسناً وأنتم مُنْكرون فالتبس الأمر عليَّ .
وأما إن قلنا معناه المتاركة فمعناه سلَّمتم عليَّ ، وأنا أمري متاركة لأني لا أعلم حالكم ، ومنه : { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } [ الفرقان : 63 ] وقال تعالى : { فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ } [ الزخرف : 89 ] لأن سلامتهم عن الجاهلين لا يمنع التعرض لهم ، بخلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - فمعناه سلم أمري متاركة إلى أن يأتي أمر الله . وتقدم تحرير نظير هذه الآية في سورة هُود .
وتقدم أيضاً خلاف القراء في سَلام بالنسبة إلى فتح سِينه وكسرِها ، وإلى سكون لامه وفتحها .
وقُرِئَا مرفُوعَيْن . وقرئ سلاماً قَالوا سِلْماً بكسر السين الثاني ونصبه ، ولا يخفى توجيه ذلك بما تقدم في هود ودخلت الفاء ههنا إشارة إلى أنهم لم يخلوا بأدب الدخول ، بل جعلوا السلام عَقِيبَ الدخول .
قوله : « قَوْمٌ مُنْكَرُون » خبر مبتدأ مضمر ، فَقدَّروه أنتم قَوْمٌ ، ولم يَسْتَحْسِنْهُ بعضُهم؛ لأن فيه عدم أنس فمثله لا يقع من إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ، فالأولى أن يقدر هَؤلاءِ قومٌ ، أو هُمْ قَوْمٌ ، وتكون مقالته هذه مع أهل بيته وخاصته ، لا لنفس الملائكة لأن ذلك يوحشهم .

وقال المفسرون : قوم منكرون أي غُرَبَاء ولا نعرفكم .
قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما - ) قال في نفسه : هؤلاء قوم لا نَعرفهم . وقيل : إنما أنكر أمرهم ، لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان . وقال أبو العالية : أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض .
فإن قيل : قال في سورة هود : { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ } [ هود : 70 ] فدل على أن إنكاره حصل بعد تقريب العِجْل إليهم وههنا قال : { فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } ، ثم قال : { فَرَاغَ إلى أَهْلِهِ } بفاء التعقيب ، وذلك يدل على تقريب الطعام منهم بعد حصول إنْكَارِهِ فما وجهه؟
فالجواب : أن يقال : لعلهم كانوا مخالفين لِصفة الناس في الشكل والهيئة ، ولذلك قال : « قوم منكرون » ، ( أي ) عند كل أحد ( منا ) ، ثم لمّا امتنعوا عن الطعام تأكد الإنكار ، لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - تَفَرَّد بمشاهدة إمساكهم فنَكِرَهُمْ فوق الإنكار الأول .
وحكاية الحال في سورة « هود » أبْسَطُ مما ذكره ههنا ، فإن هَهنا لم يبين المُبَشَّر به ، وهناك ذكره باسمه وهو إسحاق وههنا لم يقل إن القوم قوم مَنْ ، وهناك قال : قَوْم لوطٍ .
فصل
ذكر ههنا من آداب الضيافة تسليمَ المُضِيفِ على الضَّيف ، ولقاءَه بالوجه الحسن ، والمبالغةَ في الإكرام بقوله : « سلام » ، وهو آكد ، وسلامهم بالمصدر ، وفي قوله : سلام بالرفع زيادة على ذلك ولم يقل سلامٌ عليكم؛ لأن الامتناع من الطعام يدل على أن العداوة لا تليق بالأنبياء فقال : سلام أي أمري مُسَالمة ، ثم فيها من أدب الضيف تعجيل الضيافة ، فإن الفاء في قوله : « فَرَاغ » يدل على التعقيب وإخفائها لأن الرَّوَغَانَ يقتضي الإخفاء وغيبة المُضِيفِ عن الضَّيْف ليستريح ، ويأتي بما يمنعه الحياء منه ، ويخدم الضيف بنفسه ويختار الأجود لقوله : « سَمِينٍ » ويُقَدِّم الطعام للضيف في مكانه لا ينقل الضيف للطعام لقوله : « فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ » ويَعْرض الأكل عليه لا يأمره لقوله : « أَلاَ تَأْكُلُونَ » ولم يقل : كُلُوا . وسروره بأكله كما يوجد في بعض البخلاء الذين يحضرون طعاماً كثيراً ، ويجعل نظره ونظر أهل بيته إلى الطعام حتى يمسك الضيف يده عنه ، لقوله : { فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } بعدم أكلهم .
ومن آداب الضيف إذا حضره الطعام ولم يكن يصلح له لكونه مضراً به ، أو يكون ضَعِيفَ القوة عن هضم ذلك الطعام فلا يقول : هذا طعام غليظ لا يصلح لي بلْ يأتي بعبارة حسنة ، ويقول : بي مانع من أكل الطعام ، لأنهم أجابوه بقولهم : لا تخف ، ولم يذكروا في الطعام شيئاً ، ولا أنه يضّر بهم بل بشروه بالولد إشعاراً بأنهم ملائكة ، وبشروه بالأشرف وهو الذكر حيث فهموه أنهم ليسوا ممن يأكلون .
ثم وصفوه بالعلم دون المال والجمال ، لأن العلم أشرف الصفات ثم أدب آخر في البشارة وهو أن لا يخبر الإنسان بما يسرّهُ دَفْعةً واحدة ، لأنه يورث رِضَاهُم ، لأنهم جلسوا ، واستأنس بهم إبراهيم ، ثم قالوا : نُبَشِّركُ .

وتقدم الكلام على فائدة تقديم البشارة .
قوله : « فَرَاغَ » أي عدل ومال « إلى أَهْلِهِ » ، وقوله : « فَجَاءَ » عطف على « فَرَاغَ » وتسببه عنه واضح « بِعِجْلٍ سَمِينٍ » أي مشويّ كقوله في مكان آخر : { بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } [ هود : 69 ] . « فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ » ليأكلوا ، فلم يأكلوا قَالَ أَلاَ تَأْكُلُون والهمزة في « أَلاَ تَأْكُلُونَ » للإنكار عليهم في عدم أكلهم ، أو للعرض ، أو للتحضيض .
{ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ } .
قوله تعالى : { فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ } قيل : لم يكن ذلك إقبالاً من مكان إلى مكان ، وإنما هو كقول القائل : أقبل يَشْتُمُنِي بمعنى أخذ في شَتْمِي ، أي أخذت تُوَلْوِلُ ، لقوله : { قَالَتْ ياويلتى } [ هود : 72 ] ، وذلك أنها كانت مع زوجها في خدمتهم ، فلما تكلموا مع زوجها بولادتها استحت وأعرضت عنهم ، فذكر الله تعالى ذلك بلفظ الإقبال على الأهل ، ولم يقل بلفظ الإدبار عن الملائكة .
قوله : « فِي صَرَّةٍ » يجوز أن يكون حالاً من الفاعل أي كائنةً في صَرَّة . والصَّرة قيل : الصيحة ، قال امرؤ القيس :
4527- فَأَلْحَقْنَا بِالْهَادِيَاتِ وَدُونَهُ ... جَوَاحِرُهَا فِي صَرَّةٍ لَمْ تَزَيَّلِ
قال الزمخشري : من صَرَّ الجُنْدُبُ والبابُ والقلمُ ، أي فصاحت كما جرت عادة النساء إذا سمعن شيئاً من أحوالهن يَصِحْنَ صيحةً معتادة لهن عند الاستحياء أو التعجب .
ويحتمل أن يقال : تلك الصيحة كانت بقولها : يَا وَيْلَتَا ، ومحلّها النصب على الحال أي فجاءت صارةً .
ويجوز أن يتعلق ب « أَقْبَلَتْ » أي أقبلت في جماعة نسوةٍ كُنَّ معها ، والصَّرة الجماعة من النساء .
قوله : « فَصَكَّتْ وَجْهَهَا » قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - : فلطمت وَجْهَهَا . واختلف في صفته فقيل : هو الضرب باليد مبسوطةً . وقيل : بل ضرب الوجه بأطرافِ الأصابع فعل المتعجِّب ، وهو عادة النساء إذا أنكرنَ شيئاً . وأصل الصكّ ضرب الشيء بالشيء العَريض .
قوله : « عَجُوزٌ » خبر مبتدأ مضمر أي أنا عجوزٌ عقيمٌ فكيف ألد؟ وتفسرها الآية الأخرى ، فاستبعدت ذلك ظنًّا منها أن ذلك منهم على سبيل الدعاء ، فكأنها قالت : يا ليتكم دعوتم دعاء قريباً من الإجابة ، فأجابوها بأن ذلك من الله تعالى ، وأن هذا ليس بدعاء ، وإنما هو قول الله { كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ } ثم دفعوا استبعادها بقولهم : { إِنَّهُ هُوَ الحكيم العليم } .
قوله : « كَذَلِك » منصوب على المصدر ب « قَالَ » الثانية أي مثلُ ذلك القول الذي أخبرناكِ به قال ربُّك ، أي إنه من جهة الله فلا تعجبي منه .
قال ابن الخطيب : وقال ههنا : الحكيم العليم وفي سورة ( هود ) : إنَّهُ حَميدٌ مجيدٌ؛ لأن الحكاية في هود أبسطُ فذكروا ما يدفع استبعادها بقولهم :

{ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله } [ هود : 73 ] ، ثم أرشدوها إلى القيام بشكر نعم الله بقولهم : « حَمِيدٌ » فإن الحميد هو الذي يفعل الأفعال الحسنة ، والمجيد إشارة إلى أنه لا يحمد لفعله وإنما يحمد لذاته .
وههنا لما لم يقولوا : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله أَشَارُوا إلى ما يدفع تعجبها بقولهم : « حكيم عليم » . فالحميد يتعلق بالفعل ، والمجيد يتعلق بالذات ، وكذلك الحكيم هو الذي فعله قاصداً إليه ، فإن من يتقلب في النوم على حية فماتت لا يعد حكيماً ، وأما إذا قصد قتلها بحيث يسلم من نهشها ، يقال : إنه حكيم والعليم صفة راجعة إلى الذات ، فقدم وصف الفعل وارتقى درجة إلى وصف الذات إشارة إلى أنه يستحق الحمد وإن لم يفعل فعلاً .
قوله تعالى : { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون } هذا أيضاً من آداب المُضِيف ، إذا بادر الضيف إلى الخروج قال له : ما هذه العَجَلَةُ؟ وما شَأنُك؟ لأن في سُكُوته ما يوهم باسْتِثْقَالهم ثم إنّهم أتوا بما هو من أدب الصديق الذي لا يسر عن الصديق شيئاً ، وكان ذلك بإذن الله لهم في إطلاع إبراهيم على إهلاكهم وجبر قلبه بتقديم البشارة بأبي الأنبياء إسحاق - عليه الصلاة والسلام - .
فإن قيل : فما الذي اقتضى ذكره بالفاء ولِمَ لا قال : مَا هَذَا الاستعجال؟ ومَا خَطْبكُم المعجل لكم؟
فالجواب : أنه لما أوجسَ منهم خيفةً أو خرجوا من غير بشارة وإيناس ما كان يقول شيئاً فلما أَنِسُوه قال : ما خَطْبُكُم أي بعد هذا الأُنس العظيم ما هذا الإيحاش الأليم!
فصل
والخَطْب يُسْتَعْمل في الأمر العظيم ، ولذلك قال : فَمَا خَطْبُكُم أي لعظمتكم لا ترسلون إلاَّ في أمر عظيم ، ولو قال بلفظ مركب بأن يقول : ما شُغْلكم الخَطِيرُ وأمركم العظيم للزم التطويل فالخَطْبُ أفاد التعظيم مع الإيجاز وعرف أنهم مرسلون بقولهم : « إِنَّا أُرْسِلْنَا » أو بقولهم لامرأته : { كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ } لحكايتهم قول الله تعالى .
وقالوا في سورة هود : { إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } [ هود : 70 ] وقالوا هنا : { إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } ، لأن الحكاية عن معنى قولهم .
ويحتمل أنهم قالوا الأمرين ولما حكى لفظهم في السلام أتى في الموضعين بصفة واحدة .
والمُجْرم قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما - ) : هو المشرك ، لأن الشرك أسرف الذنوب وأعظمها .
قال ابن الخطيب : المُجْرم هو الآتي بالذنب العظيم ، لأن المجرم فيه دلالة على العظيم ومنه جُرْم الشيء لِعظَمِهِ ومقْدَاره .
قوله : { لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ } فيه دليل على رَجْم اللائط . والفائدة في إرسال جماعة من الملائكة لهذا الأمر وإن كان يكفي فيه الواحد منهم ، أنَّ الملك العظيم قد يهلك بالأمر الحقير كما هلك النُّمْرُود بالبَعُوض ، وكما أُهْلِكَ بالقُمَّل والجَرَاد بل بالرِّيح التي بها الحياة إظهاراً للقدرة ، وقد تكثر الأسباب كما في يوم بدر أُمِرَ خمسة آلاف من الملائكة بإهلاك أهل بدر مع قلتهم إظهاراً لعظيم قدرته .

وقوله : « مِنْ طِينٍ » أي ليست من البَرَدِ والفاعلُ لذلك هُو اللَّهُ تعالى لا كما يقول الحكماء فإنهم يقولون : إن البَرَد يسمى حجارة فقوله : « مِنْ طِينٍ » يدفع ذلك التَّوَهُّمَ .
قال ابن الخطيب : إن بعض من يَدَّعي العَقل ( يقول ) : لا ينزل من السماء إلا حجارة من طين مدوَّرات على هيئة البَرد وهيئة البَنَادِق التي يتخذها الرماة ، قالوا : وسبب ذلك أن الإعصار يصعد الغُبَار من الفلَوَاتِ العظيمة التي لا عِمَارَةَ فيها والرياح تسوقها إلى بعض البلاد ويتفق ( وصول ) ذلك إلى هواء نَدِيّ فيصير طيناً رَطْباً ، والرطب إذا نزل وتفرق استدار بدليل أنك إذا رميت الماء إلى فوق ثم نظرت إليه رأيته ينزل كراتٍ مُدَوَّرَاتٍ كاللآلئِ الكِبَار ثم في النزول إذا اتفق أن تضربه النيران التي في الجو جعلته حجارة كالآجُرّ المطبوخ فينزل فيصيب من قدر الله هلاكه وقد ينزل كثيراً في المواضع التي لا عِمارة بها ، فلا يُرى ولا يُدْرَى به فلهذا قال : « مِنْ طينٍ » لأ ( نَّ ) ما لا يكون من طين كالحجر الذي في الصواعق لا يكون كثيراً بحيث يمطر ، وهذا تعسُّف ، لأن ذلك الإعصار لما وقع فإن وقع بحادث آخر لزم التسلسل ، ولا بدّ من الانتهاء إلى محدِث ليس بحادث فذلك المحدث لا بدّ وأن يكون فاعلاً مختاراً ، والمختار له أن يفعل وله أن يَخْلُق الحِجَارة من طين على وجه آخر من غير نارٍ ولا غبارٍ ، لكن العَقل لا طريق له إلى الجزم بطريق إحداثه وما لا يصل العقل إليه فلا يؤخذ إلا بالنقل والنص ومن المعلوم أن نُزُول حجارة من الطين من السماء أغرب وأعجب من غيرها .
قوله : « مُسَوَّمَةً » فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه منصوب على النَّعت لِحَجَارةٍ .
الثاني : أنه حال من الضمير المستكنِّ في الجارِّ قبله .
الثالث : أنه حال من « حجارة » ، وحسَّنَ ذلك كونُ النكرة وُصِفَتْ بالجارِّ بعدها .
ومعنى مسومة قيل : على كل حجر منها اسم صاحبه . وقيل : خلقت وأعدت لتعذيبهم . وقيل : مُرْسَلَة للمجرمين؛ لأن الإرسال يقال في التسويم ، يقال أرسلها لِتَرْعَى ، كما قيل في الخيل المُسَوَّمَةِ أي مستغنى عنها .
قوله : « عِنْد رَبِّكَ » ظرف « لمُسومَةٍ » أي معلَّمة عنده « والمُسْرِفُ » المتمادي ولو في الصغائر فهم مجرمُون مُسْرفُونَ .
وهنا لطيفة وهي أن الحجارة سُومِّتْ للمسرف المُصِرّ الذي لا يترك الذنب في المستقبل وذلك إنما يعلمه الله تعالى ، فلذلك قال : { عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ } ولما كان الإجرام ظاهراً قالوا : { إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } واللام في « المسرفين » لتعريف العهد ، أي لِهؤلاء المسرفين؛ إذ ليس لكل مسرف حجارة مسوَّمة .
وإسرافهم بأنهم أتوا بما لم يَسْبِقْهم به أحدٌ من العَالَمِين .

قوله : { فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المؤمنين } هذه الآية تدل على بيان القدرة والاختيار ، لأنه تعالى لما ميز المجرمَ عن المحسن يدل على الاختيار وأيضاً فيها بيان أن بِبَركَة المحسن ينجو المسيء ، فإن القرية ما دام فيها المؤمنون لم تَهْلَكْ . والضمير في « فِيهَا » عائد على القرية وهي معلومة وإن لم تكن مذكورة .
والمعنى : فأَخَرجْنا من كان في قُرَى قومِ لوط من المؤمنين ، وذلك قوله : { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل } [ الحجر : 65 ] .
وقوله : { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المسلمين } يعني لوطاً وابنتيه وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعاً ، لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم ، وفيه إشارة إلى أن الكفر إذا غلب ، والفِسْقَ إذا فَشَا لا ينفع معه عبادة المؤمنين ، بخلاف ما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة ، وفيهم شِرْذِمَةٌ يسيرة يسرقون ويزنون ، ومثاله أن العالم كالبَدَن ، ووجود الصالحين كالأغذية الباردة والحارة والسموم الواردة عليه الضارة ثم إن البدن إن خلا عن المنافع وفيه الضارّ هلك وإن خلا عن الضار وفيه النافع طاب ونما ، وإن وُجِدَا فيه فالحكم للغالب .
وإذا علم أن إطلاق العَامّ على الخَاصِّ لا مانع منه ، لأن المسلم أعمّ من المؤمن فإذا سمي المؤمن مسلماً ، لا يدل على اتحاد مفهوميهما فكأنه تعالى قال : أخرجنا المؤمنين ، فما وجدنا الأعمَّ منهم إلا بَيْتاً من المسلمين ، ويلزم من هذا أن لا يكون هناك غيرهم من المؤمنين .
قوله : { وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً } يجوز أن يعود الضمير على القَرْية ، أي تركنا في القرية علامةً أي عِبرة كالحجارة أو الماء المنتن ويجوز أن يعود على الإهلاكة المفهومة من السِّياق .
وقوله : « لِلَّذِينَ يَخَافُونَ » أي ما ينتفع بها إلا الخائف ، كقوله تعالى في سورة العنكبوت : { لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [ العنكبوت : 35 ] ومعنى الآية : أن « الآية » تدلهم على أن الله تعالى أهلكهم فيخافون مثل عذابهم .

وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)

قوله تعالى : { وَفِي موسى } فِيهِ أوجه :
أظهرها : أنه عطف على قوله : « فِيهَا » بإعادة الجار؛ لأنَّ المعطُوفَ عَلَيْهِ ضميرٌ مجرورٌ فيتعلق ب « تَرَكْنَا » من حيث المعنى ويكون التقدير : وتَرَكْنَا في قصةِ موسى آية . وهذا واضح .
والثاني : أنه معطوف على قوله : { فِي الأرض آيَاتٌ } [ الذاريات : 20 ] أي وفي الأرض وفي موسى آياتٌ للموقنين . قاله الزمخشري وابنُ عطية .
قال أبو حيان : وهذا بعيد جدًّا يُنَزَّه القرآن عن مثله .
قال شهاب الدين : وجه استبعاده له بعد ما بينهما ، وقد فعل أهل العلم هذا في أكثر من ذلكَ .
والثالث : أنه متعلق ب « جَعَلْنَا » مقدرة ، لدلالة : « وَتَرَكْنَا » عليه .
قال الزمخشري : أو على قوله - يعني أو يعطف على قوله - : { وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً } [ الذاريات : 37 ] على معنى وجعلنا في موسى آية كقوله :
4528- عَلَفْتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً .. . .
قال أبو حيان : ولا حاجة إلى إضمار : « وَجَعَلْنَا » لأنه قد أمكن أن يكون العامل في المجرور « وتركنا » .
قال شهاب الدين : والزمخشري إنما أراد الوجه الأول بدليل قوله : « وَفِي مُوسَى » معطوف على « وَفِي الأَرْضِ » ، أو على قوله : « وَتَرَكْنَا فِيهَا » وإنما قال : على جهة تفسير المعنى لا الإعراب . وإنما أظهر الفعل تنبيهاً على مغايرة الفعلين يعني أن هذا الترك غير ذاك الترك ، ولذلك أبرزه بمادة الجَعْل دون مادة الترك ليظهر المخالفة .
الرابع : أن يعطف على { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } [ الذاريات : 24 ] تقديره : وفي حديث موسى إذْ أَرْسَلْنَاهُ : وَهُوَ مناسب ، لأن الله تعالى جمع كثيراً بين ذكر إبراهيم وموسى - عليهما الصلاة والسلام - ( كقوله تعالى ) : { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ موسى وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى } [ النجم : 36 - 37 ] ، وقال : { صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى } [ الأعلى : 19 ] قاله ابن الخطيب .
فصل
المعنى : لك في إبراهيم تسلية وفي موسى ، أو لقومك في لوط وقومه عبرة ، وفي موسى وفرعون ، أو تَفَكَّرُوا في إبراهيم ولوط وقومهما وفي موسى وفرعون . هذا إن عطفناه على ( معْلُوم ، وإن عطفناه ) على مذكور فقد تقدم آنفاً . و « السلطان المبين » الحجة الظاهرة .
قوله : « إذْ أَرْسَلْنَاهُ » يجوز في هذا الظرف ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون منصوباً ب « آيَة » على الوجه الأول؛ أي تركنا في قِصة موسى علامةً في وقتِ إرسالنا إيَّاهُ .
الثاني : أنه يتعلق بمحذوف لأنه نعت لآيةٍ ، أي آية كائنة في وقت إرسالنا .
الثالث : أنه منصوب ب « تَرَكْنَا » .
قوله : « بِسُلْطَانٍ » يجوز أن يتعلق بنفس الإرسال ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال إما من موسى وإما من ضميره أي ملتبساً بسُلطان وهو الحُجَّة . و « المبين » الفارق بين سِحْر السَّاحِرِين وأمْر المُرْسَلِينَ .

ويحتمل أن يكون المراد بالمبين أي البراهين القاطعة التي حَاجَّ بِهَا فِرْعَوْنَ .
قوله : « فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ » الجار والمجرور حال من فاعل « تَوَلَّى » ومعنى « تَوَلَّى » أَدْبَرَ عن الإيمان . والباء للمصاحبة . والمراد بالركن أي بجمعِهِ وجنوده الذين كان يَتَقَوَّى بهم كالرُّكْن الذي يَتَقَوَّى به البُنْيَان ، كقوله تعالى : { أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } [ هود : 80 ] .
وقيل : الباء للتعدية فتكون بمعنى تقوى بجنده . ويحتمل أن يكون المراد تَوَلَّى أمْر موسى بقُوَّتِهِ ، كأنه قال : أقتل موسى لئَلاَّ يُبَدّلَ دينكم ، فتولى أمره بنفسه ، فيكون المفعول غير مذكور وركنه هو نفسه القوية . ويحتمل أن يكون المراد بركنه هامان فإنه كان وزيره .
قوله : { سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } « أو » هنا على بابها من الإبهام على السامع أو للشكّ نَزَّل نفسه مع أنه يعرفه بَيِّناً حقاً منزلة الشاكّ في أمره تمويهاً على قومه . وقال أبو عبيدة : « أو » بمعنى الواو ، قال : لأنه قد قالهما ، قال تعالى : { إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ } [ الأعراف : 109 ] ، وقال تعالى في موضع آخر : { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [ الشعراء : 27 ] ، وتجيء « أو » بمعنى الواو ، كقوله :
4529- أَثَعْلبَةَ الفَوَارِسِ أَوْ رِيَاحاً ... عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشَابَا
ورد الناس عليه هذا وقالوا : لا ضرورة تدعو إلى ذلك . وأما الآيتان فلا يدلاَّن على أنه قالهما معاً ، وإنما يفيد أنه قالهما أعم من أن يكونا معاً أو هذه في وقت وهذه في آخَرَ .
قوله : « وَجَنودَهُ » يجوز أن يكون معطوفاً على مفعول « أَخَذْنَاهُ » وهو الظاهر ، وأن يكون مفعولاً معه . { فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم } أغرقناهم في البَحْرِ .
قوله : « وَهُو مُلِيمٌ » جملة حالية ، فإِن كانت حالاً من مفعول « نَبَذْنَاهُمْ » فالواو لازمةٌ؛ إذ ليس فيها ذكر يعود على صاحب الحال ، وإن كانت حالاً من مفعول « أَخَذْنَاهُ » فالواو ليست واجبة؛ إِذ في الجملة ذكرٌ يعودُ عليه . وقد يقال : إنَّ الضمير في « نَبَذْنَاهُمْ » يعود على « فِرْعَوْنَ » وعلى « جُنُودِه » فصار في الحال ذكر يعود على بعض ما شَمِلَه الضمير الأول . وفيه نظر ، إذ يصير نظير قولك : جَاءَ السُّلْطَانُ وَجُنُودُهُ فأكرمتهم راكباً فَرَسَهُ ، فتجعل « راكباً » حَالاً من بعض ما اشتمل عليه ضمير « أكرمتهم » .
فصل
ومعنى « مليم » أي أَتَى بما يُلاَم عليه من دعوى الربوبيّة وتكذيب الرسول .

وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)

قوله تعالى : { وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا } الكلام عليه قد تقدم عَلَى نظيره .
واعلم أن المراد بهذه الحكايات تسلية قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتذكيره بحال الأنبياء .
فإن قيل : لِمَ لَم يذكر في « عَادٍ » و « ثمُودَ » أنبياءهم كما ذكر إبراهيم وموسى ولوطاً - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسلام -؟! .
فالجواب : أنه ذكر ست حكايات ، حكاية إبراهيم وبشارته وحكاية قوم لوط ونجاة مَنْ كان فيها من المؤمنين وحكاية موسى ، ففي هذه الحكايات الثلاثة ذكر الرسل والمؤمنين لأن الناجين منهم كانوا كثيرين ، فأما في حق إبراهيم وموسى فظاهر وأما في حق لوطٍ فلأن الناجين وإن كَانُوا أهْلَ بَيْتٍ واحد لكن المهلكين أيضاً كانوا أهل بُقْعَةٍ واحدة . وأما عاد وثمود وقوم نوح فكان عدد المهلكين بالنسبة إِلى الناجين أضعافَ المهلكين من قوم لوط عليهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَم؛ فذكر الحكايات الثلاث الأول للتسلية بإهلاك العدو والكل مذكور للتسلية بدليل قوله تعالى في آخر هذه الآيات : { كَذَلِكَ مَآ أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } [ الذاريات : 52 ] إلى أن قال : { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ } [ الذاريات : 54 ] وقال في سورة هود بعد الحكايات : { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ القرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ } [ هود : 100 ] إلى أن قال : { وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [ هود : 102 ] .
قوله : { إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم } وهي التي لا خير فيها ولا بركة ، ولا تلقح شَجَراً ، ولا تَحْمل مطراً لأنها تكسر وتقلع فكيف تلقح؟! .
واعلم أن الفَعِيلَ لا يلحق به تاء التأنيث ( إِن كان بمعنى مفعول وكذلك ) إِذا كان بمعنى فَاعِل في بعض الصُّور . وقد تقدم ذكر سببه ، وهو أن فَعِيلاً لما جاء للمفعول والفاعل جميعاً ولم يتميز المفعول عن الفاعل فأولى أن لا يتميز المؤنث عن المذكر فيه لأنه ( لو تميز ) لَتَميَّزَ الفاعل عن المفعول قبل تمييز المؤنث والمذكر ، لأن الفاعلَ جزءٌ من الكلام محتاجٌ إليه ، والمفعول فيه فائدة أكيدةٌ وإن لم يكن جزءاً من الكلام محتاجاً إليه ، فأول ما يحصل في الفعل الفاعل ثم التذكير والتأنيث يصير كالصفة للفاعل ( والمفعول ) تقول : فَاعِلٌ وفَاعِلَةٌ ، ومَفْعُولٌ ومفَعُولَةٌ ، ويدل على ذلك أيضاً أن التمييز بين الفاعل والمفعول جعل بحرف ممازج للكلمة فقيل : فَاعل بألف فاصلة بين الفاء والعين التي هي من أصل الكلمة ، وقيل : مفعُول بواو فاصلة بين العين واللام والتأنيث كان بحرف في آخر الكلمة ، فالمميز فيهما غيَّر نظم الكلمة لشدّة الحاجةِ ( وفي التأنيث ) لم يؤثر ، ولأن التمييز في الفاعل والمفعول كان بأمرين يختص كُلّ واحد منهما بأحدهما فالألف بعد الفاء يختص بالفاعل ، والميم والواو يختص بالمفعول والتمييز في التذكير والتأنيث بحرف ( واحد عند ) وجوده يميز المؤنث وعدمه يبقي اللفظ على أصل التذكير فإذا لم يكن « فَعِيلٌ » يمتاز فيه الفاعل عن المفعول إلا بأمر منفصل كذلك ( المؤنث والمذكر لا يمتاز أحدهما عن الآخر إِلا بحرف غير متصل به .

قوله : { مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ } فيه وجهان ) :
أحدهما : أنه نصب على أنه صفة للريح بعد صفة « العَقِيم » . قاله الواحدي .
فإن قيل : كيف يكون وصفاً والمعرف لا يوصف بالجُمَلِ؟ و « مَا تَذَرُ » جملة فلا يوصف بها النكرات؟! .
فالجواب من وجهين :
الأول : أن يكون بإِعادة الريح تقديراً ، كأنه يقول : وَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ ريحاً مَا تَذَرُ .
الثاني : أنها لما لم تكن معهودة صارت منكَّرة كأنه يقول : لم تكن من الرياحِ التي تقع ولا وقع مثلُها ، فهي لشدتها منكرة ، ولهذا أكثر ما ذكرت في القرآن منكَّرة ، ووصفت بالجملة كقوله تعالى : { بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ الأحقاف : 24 ] ، وقوله : { وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ } [ الحاقة : 6 و 7 ] إلى غير ذلك .
الوجه الثاني : أنه نصب على الحال ، تقول : جَاءَنِي ما يَفْهَمُ شَيْئاً فَعَلَّمْتُهُ وفَهَّمْتُهُ أي حاله كذا .
فإن قيل : لم يكن حال الإرسال ما تذر والحال ينبغي أن يكون موجوداً مع ذِي الحال وقت الفعل فلا يجوز أن يقال : جاءني زيد أمس راكباً غداً ، والريح بعد ما أرسلت بزمان صارت ما تذرُ شيئاً!
فالجواب : أن المراد بيان الصلاحية أي التي أرسلناها على قوةٍ وصلاحيّةٍ لا تذر ، وتقول لمن جاء وأقام عندك أياماً ثم سألك شيئاً : جئْتَني سَائلاً أيْ وقت السؤال بالصلاحية والإِمكان .
هذا إن قيل : بأنه نصب على المشهور .
ويحتمل أنه رفع على خبر مبتدأ محذوف تقديره هِيَ مَا تَذَرُ .
فَإن قِيلَ : « ما تذر » لنفي حال المتكلم؛ يقال : مَا خَرَجَ زَيْدٌ إلَى الآن ، وَإِذا أَرَدْتَ المستقبل تقول : لا يخرجُ أو لن يَخْرُجَ . وتقول للماضي : مَا خَرَجَ ولم يَخْرُجْ ، والريح حالة الكلام مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت ما تركت من شيء إلا جعلته كالرميم فكيف قال بلفظ الحال : ما تذر؟!
فالجواب : أنّ الحكايات مقدرة على أنها محكية حال الوقوع ، كقوله تعالى : { وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد } [ الكهف : 18 ] مع أن اسم الفاعل بمعنى الماضي لا يعمل ، وإنما يعمل ما كان منْه بمعنى الحال والاستقبال .
فإن قيل : هل في قوله تعالى : { مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ } تخصيص كما في قوله تعالى : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا } [ الأحقاف : 25 ] .
فالجواب : أن المراد به المبالغة ، لأن قوله : « أَتَتْ عَلَيْهِ » وصف لقوله : « شَيْء » كأنه قال : كُلّ شيءٍ أَتَتْ عَلَيْه ، أو كل شيء تأتي عليه ، ولا يدخل فيه السموات ، لأنها ما أتت عليه ، وإنما يدخل فيه الأجسام التي تَهُبُّ عليها الرِّياحُ .

فإِن قيل : فالجبال والصخور أتت عليه وما جعلته كالرَّميم! .
فالجواب : أن المراد أتت عليه قاصدةً له وهو عادٌ وأبنيتُهم وعروشُهم لأنها كانت مأمورة بأمر من عند الله فكأنها كانت قاصدة لهم ، فما تركت شيئاً من تلك الأشياء إلا جعلته كالرميم .
قوله : { إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم } هذه الجملة في موضع المفعول الثاني ل « تَذَرُ » كأنه قيل : مَا تَتْركُ مِنْ شيء إلا مجعولاً نحو : مَا تَرَكْتُ زَيْداً إلاَّ عَالِماً . وأعربها أبو حيان : حالاً . وليس بظاهر .
فصل
المعنى « مَا تَذَرُ » ما تترك { مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ } من أنفسهم وأموالهم وأنعامهم { إلاَّ جعلته كالرميم } أي كالشيء الهالك البالي ، وهو نبات الأرض إذا يَبِسَ ودِيسَ . قال مجاهد : كالتِّبْن اليابسِ .
وقال أبو العالية : كالتراب المدقُوق . وقيل : أصله من العظم البَالي .

وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45)

قوله تعالى : { وَفِي ثَمُودَ } الكلام فيه كما تقدم في قوله : « وفي موسى » ، وقوله : { إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حتى حِينٍ } . قال بعض المفسرين : المراد منه هو ما أَمْهَلَهُم الله بعد عقرهم الناقة وهو ثلاثة أيام ( كما ) في قوله تعالى : { فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ } [ هود : 65 ] وكان في تلك الأيام تغيير ألوانهم فتصفرُّ وتحمرُّ وتسودُّ . قال ابن الخطيب : وهذا ضعيف؛ لأن قوله تعالى : { فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ } بحرف الفاء دليل على أن العُتُوَّ كان بعد قوله : « تمتعوا » ، فإذن الظاهر أن المراد هو ما قدر الله للناس من الآجال فما من أحد إِلا وهو مُمْهَلٌ مدَّة الأجل .
قوله : { فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ } « عَتَا » يتعدى تارة « بعَلَى » ، كقوله تعالى : { أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً } [ مريم : 69 ] ، وههنا استعمل بعَنْ؛ لأن فيه معنى الاستكبار كقوله : { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [ الأنبياء : 19 ] وحيث استعمل بعلى ، فهو كقولك : فُلاَنٌ يتكبَّر عَلَيْنَا .
قوله : { فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة } وهذه قراءة العامة . وقرأ الكسائي الصّعْقَةُ . والحسن الصَّاقِعَة . وتقدم ذكره في البقرة . وقوله : « وَهُمْ يَنْظُرُونَ » جملة حالية من المفعول . و « يَنْظُرُونَ » قيل : من النَّظَرِ . وقيل : من الانتظار أي ينتظرون ما وُعدوهُ من العذاب .
قوله ( تعالى ) : { فَمَا استطاعوا مِن قِيَامٍ } أي فما قاموا بعد نزول العذاب ولا قدروا على دفعه .
قال قتادة : لم ينهضوا من تلك الصرعة .
وقوله : « من قيام » بدل قوله : منْ هَرَب؛ لأن العاجز عن القيام أحرى أن يعجز عن الهَرَب . ويحتمل أن يكون المراد منه من القيام بالأمر أي ما استطاعوا من قيامٍ به . { وما كانوا منتصرين } أي منتقمين منا . قال قتادة : كان عندهم قوة من الله .

وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)

قوله تعالى : { وَقَوْمَ نُوحٍ } قرأ الأخوان وأبو عمرو بجر الميم ، والباقون بنصبها . وأبو السَّمَّال وابن مِقْسم وأبو عمرو في رواية الأصمعيّ : وقَوْمُ نُوحٍ بالرفع .
فأما الخفض ففيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه معطوف على « وَفِي الأرض » .
( الثاني : أنه معطوف على « وَفِي مُوسَى » .
الثالث : أنه معطوف على : « وَفِي عَادٍ » ) .
الرابع : أنه معطوف على « وَفِي ثَمُودَ » . وهو الظاهر؛ لقُرْبه ، وبُعْدِ غيره ، ولم يذكر الزمخشري غَيْرَهُ ، فإنه قال : قُرئ بالجرِّ على معنى وقوم نوح وتقوِّيه قراءةُ عبد الله : وفِي قَوْمِ نوحٍ؛ أي لكم عبرة . ولم يَذْكُرْ أبو البقاء غير الوجه الأخير لظهوره .
وأما النصب ففيه ستة أوجُهٍ :
أحدها : أنه منصوب بفعل مضمر أي وأهْلَكْنَا قَوْمَ نوحٍ؛ لأن ما قبله يدل عليه .
الثاني : أنه منصوب ب « اذْكُرْ » مقدراً ، ولم يذكر الزمخشَريُّ غيره .
الثالث : أنه منصوب عطفاً على مفعول « فَأَخَذْنَاهُ » .
الرابع : أنه معطوف على مفعول فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليمِّ أي أَغْرَقْنَاهم ، وناسب ذلك أن قوم نوح مغرقون من قبل لكن يشكل أنهم لم يغرقوا في اليمِّ . وأصل العطف أن يقتضي التشريك في المتعلقات .
الخامس : أنه معطوف على مفعول « فَأَخَذَتْهُمُُ الصَّاعِقَةُ » . وفيه إشكال لأنه لم تأخذهم الصاعقة وإنما أهلكوا إلا أن يراد بالصَّاعقة الداهية والنازلة العظيمة من أي نوعٍ كانت فيقرب ذلك .
السادس : أنه معطوف على محل : « وفي موسى » . نقله أبو البقاء . وهو ضعيف . وأما الرفع فعلى الابتداء والخبر مقدر أي أهْلَكْنَاهُمْ . وقال أبو البقاء : والخبر ما بعده يعني من قوله : { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ } ولا يجوز أن يكون مراده قولَه « مِنْ قَبْلُ » إِذِ الظرفُ ناقصٌ فلا يُخْبَرُ بِهِ .

وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)

قوله : { والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ } العامة على النصب على الاشتغال ، وكذلك قوله : { والأرض فَرَشْنَاهَا } والتقدير : وَبَنَيْنَا السَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا . وقال أبو البقاء : أي وَرَفَعْنَا السَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا فقدر الناصب من غير لفظ الظاهر . وهذا إنما يصار إليه عند تعذر التقدير الموافق لفظاً نحو : زَيْدٌ مرَرْتُ بِهِ ، وزيد ضَرَبْتُ غُلاَمَهُ وأما في نحو : زَيْداً ضَرَبْتُهُ ، فلا يقدر إلا ضَرَبْتُ زَيْداً .
وقرأ أبو السَّمَّال وابن مِقسم برفعهما؛ على الابتداء ، والخبر ما بعدهما . والنصب أرجح لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها .
قوله : « بأَيْدٍ » يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال وفيها وجهان :
أحدهما : أنها حال من فاعل « بَنَيْنَاهَا » أي ملتبسينَ بأيدٍ أي بقوة؛ قال تعالى : { واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيد } [ ص : 17 ] .
الثاني : أنه حال من مفعوله أي ملتبسةً بقوة . ويجوز أن تكون الباء للسبب أي بسبب قُدْرَتِنَا . ويجوز أن تكون البَاء معدّية مجازاً على أن تجعل الأيدي كالآلة المبنيِّ بها ، كقولك : بَنَيْتُ بَيْتَكَ بالآجُرّ .
قوله : « وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ » يجوز أن تكون الجملة حالاً من فاعل « بَنَيْنَاهَا » . ويجوز أن تكون حالاً من مفعوله ومفعول « موسِعُون » محذوف أي مُوسِعُونَ بِنَاءَهَا . ويجوز أن لا يقدر له مفعولٌ؛ لأن معناه : لَقَادِرُونَ كقولك : ما في وُسْعِي كذا أي ما في طاقتي وقُوَّتِي؛ كقوله تعالى : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] قاله ابن عَبَّاسٍ وعنه أيضاً : لموسعون الرزق على خَلْقِنَا .
وقيل : ذُو سَعَةٍ . وقال الضحاك : أغنياء ، دليله قوله تعالى : { عَلَى الموسع قَدَرُهُ } [ البقرة : 236 ] .
قال ابن الخطيب : ويجوز أن يكون من السَّعَة أي أوْسَعْنَاهَا بحيث صارت الأرض وما يحيط بها من الماءِ والهواء بالنسبة إلى سعتها داخل فيها والبناء الواسع الفضاء عجيب ، فإِنَّ القُبَّة الواسعة لا يقدر عليها البَنَّاؤُونَ ، لأنهم محتاجون إِلى إقامة آلة يصح بها استدارتها ، ويثبت بها تَمَاسُك أجزائها إلى أن يتصل بعضها ببعض . فقوله : « وإنا لموسعون » بيان للإعراب ( في الفعل ) .
فصل
والحكمة في كَثْرة ذكر البناء في السموات كقوله تعالى : { والسمآء وَمَا بَنَاهَا } [ الشمس : 5 ] ، وقوله : { أَمِ السمآء بَنَاهَا } [ النازعات : 27 ] أن بناء السماءِ باقٍ إلى قيام الساعة ، لم يسقط منها شيء ، ولم يُعْدَم منها جزءٌ . وأما الأرض فَهي في التبدل والتغير كالفراش الذي يُبْسَط ويُطْوَى ويُنْقَلُ ، والسماء كالبناء المبنيّ الثابت كما أشار إليه بقوله : { سَبْعاً شِدَاداً } [ النبأ : 12 ] وأما الأرض فكَمْ صارت بحراً ، وعادت أرضاً من وقت حدوثها ، وأيضاً فالسماء ترى كالقُبَّةِ المبنية فوق الرؤوس ، والأرض مبسوطة مَدْحُوَّة ، وذكر البناء بالمرفوع أليق كقوله تعالى : { رَفَعَ سَمْكَهَا } [ النازعات : 28 ] .
وقال بعض الحكماء : السماء مسكَن الأَرْوَاحِ ، والأرض موضع الأعمال والمسكن أليق بكونه بناءً . والله أعلم .
فإن قيل : ما الحكمة في تقديم المفعول على الفعل ولو قال : وبَنَيْنَا السَّمَاءَ بأيدٍ كان أَوْجَز؟! .

فالجواب : قال ابن الخطيب : لأن الصُّنْعَ قبل الصانع عند الناظر في المعرفة ، فلما كان المقصود إثبات العلم بالصانع قدم الدليل وقال : والسَّمَاء المبنية التي لا تشُكُّون في بُنْيَانِها ، فاعْرفونا بها إِن كنتم لا تَعْرِفُونَنَا .
فإن قيل : إذا كان إثبات التوحيد فكيف قال : بَنَيْنَاها ، ولم يقل : بَنَيْتُها؟ ولا بناها الله؟!
فالجواب : أن قوله : بنيناها أدل على عدم الشريك ، لأن الشّركة ضعيفة؛ فإن الشريكَ يمنع شَريكه عن التصرف والاستبداد ، وقوله : « بَنَيْنَاهَا » يدل على العَظَمَة ، وبين العظمة والضعف تنافرٌ فبين قوله : « بَنَيْنَاهَا » وبين أن يكون شريك منافاة . وتقريره أن قوله تعالى : { بَنَيْنَاهَا } لا يورث إيهاماً بأن الآلهة التي كانوا يعبدونها هي التي يرجع إليها الضمير ، لأن تلك إما أصنام منحوتة وإما كواكب جعلوا الأصنام على صُوَرِها وطَبائِعِهَا ، فأما الأصنام المنحوتة فلا يَشكون أنها ما بنت من السماء شيئاً ، وأما الكواكب فهي في السماء محتاجة إليها فلا تكون هي بانيتها؛ وإنما يقال : بُنيتْ لها وجعلت أماكنها ، فلمّا لم يتوهم ما قالوا قال : بَنَيْنَا نَحْنُ ونحن غير ما يقولون ويدعونه فلا يصلحون لنا شُرَكَاءَ . ثم لما بين أن قولهم لا يُوهم شريكاً أصلاً ، لأن كل ما هو غير السماء فهو محتاج إلى السماء دون السماء في المرتبة فلا يكون خالقاً للسماء ولا بانيها ، فعلم أن المراد جمعُ التعظيم ، فأفاد النص عظمة ، والعظمة أنفى للشريك ، فعلم أن قوله : « بَنَيْنَاهَا » أدلّ على نفي الشَّريك من « بَنَيْتُهَا » و « بِنَاء اللَّهِ » .
فإن قيل : لِمَ لَمْ يقل : بَنَيْنَاهَا بأيدينا كما قال : { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ } [ يس : 71 ] .
فالجواب : أن ذلك لفائدة جليلة ، وهي أنَّ السماء لا يخطر ببال أحد أنها مخلوقة غير الله والأنعام ليست كذلك .
فقال هناك : عملت أيدينا تصريحاً بأن الحيوان مخلوق لله تعالى من غير واسطة . وكذلك : { خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ ص : 75 ] وفي السماء قال : بأيد من غير إضافة للاستغناء عنها .
وفيه لطيفة ( أخرى ) وهي : أن هناك لما أثبت الإضافة لم يعد الضمير العائد إلى المفعول فلم يقل خلقته ولا عملته ، وأما السماء : فبعض الجهال يزعم أنها غير مجعولة ، فقال : بَنَيْنَاهَا بعَوْدِ الضمير تصريحاً بأنها مخلوقة .
قوله : « وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا » أي بسطناها ومَهَّدْنَاها ، وفيه دليل على أن خلق الأرض بعد خلق السماء لأن بناء البيت يكون في العادة قبل الفرش .
قوله : « فَنِعْم المَاهِدُونَ » المخصوص بالمدح محذوف لفهم المعنى ، أي نَحْنُ ، كقوله : { نِعْمَ العبد } [ ص : 30 ] ، قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما - ) : معناه الباسطون أي نعم ما وطأت لعبادي .
قوله تعالى : { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ } يجوز أن يتعلق « بخَلَقْنَا » أي خلقنا من كل شيء زَوْجَيْن ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من : « زَوْجَيْنِ » لأنه في الأصل صفة له ، إذْ التقدير خَلَقْنَا زَوْجَيْنَ كَائِنَيْن مِنْ كلِّ شيء .

والأول أقوى في المعنى .
فصل
المعنى « خلقنا زوجين » صِنْفَيْن ونوعين مختلفين ، كالسَّمَاءِ والأرض ، والشَّمس والقمر ، والليل والنهار ، والبَرّ والبحر ، والسَّهْل والجبل ، والشتاء والصَّيْف ، والجنّ والإنس ، والذَّكَر والأنثى ، والنور والظُّلْمَة ، والإيمان والكفر ، والسعادة ( والشقاوة ) والحق والباطل ، والحُلْو والمُرّ « لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » فتعلمون أنّ خالق الأزواج واحد لا شريك له ، لا يعجز عن حشر الأجْساد وجَمْع الأرواح .
قوله : { ففروا إِلَى الله } أي فاهربُوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة . قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما - ) : فروا منه إليه واعملوا بطاعته . وقال سهل بن عبد الله : فروا ممَّا سوى الله إلى الله { إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } وهذا إشارة إلى الرسالة .
قوله : { وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ الله إلها آخَرَ } إتماماً للتوحيد ، لأن التوحيد يباين التعطيل والتشريك ، لأن المُعَطِّل يقول : لا إله أصلاً والمشرك يقول بوجود إله آخر ، والموحِّد يقول : قول الاثنين باطل ، لأن نفي الواحد باطل والقول بالاثنين باطل ، فلما قال تعالى : { ففروا إِلَى الله } أثبت وجود الله ، فلما قال : { وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ الله إلها آخَرَ } نفى الأكثر من واحد فصح القول بالتوحيد بالآيتين .
ولهذا قال مرتين : { إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي في المقامين والموضِعَيْنِ .
قوله : « كَذَلِكَ » فيه وجهان :
أظهرهما : أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمرُ مِثْلُ ذلك ، ( قال الزمخشري ) : والإشارة بذلك إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ساحراً ومجنوناً . ثم فسَّر ما أجمل بقوله : « مَا أَتى » .
والثاني : أن الكاف في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف . قاله مكي . ولم يبين تَقْدِيرَهُ . ولا يصح أن ينتصب بما بعده لأجل ما النافية . وأما المعنى فلا يمتنع ، ولذلك قال الزمخشري : ولا يصح أن يكون الكاف منصوبة ب « أَتَى » لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلَها؛ ولو قيل : لم يأت لكان صحيحاً ، يعني لو أتى في موضع « مَا » ب « لم » لجاز أن ينتصب الكاف ب « أَتَى » لأن المعنى يسوغ عليه ، والتقدير : كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ تكذيباً مِثْلَ تَكْذِيبِ الأُمَم السَّابِقَة رُسُلَهُمْ . ويدل عليه قوله : { مَآ أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ } الآية .
قوله : { إِلاَّ قَالُواْ } الجملة القولية في محل نصب على الحال من : { الذين مِن قَبْلِهِمْ } و « مِنْ رَسُولٍ » فاعل : « أتى » كأنه قيل : ما أتى الأولينَ رسولٌ إلاَّ في حال قولهم : هُوَ سَاحِرٌ .
فإن قيل : إن من الأنبياء من قرر دين النبي الذي كان قبله وبقي القوم على ما كانوا عليه كأنبياء بني إسرائيل وكيف وآدم لما أرسل لَمْ يُكَذّبْ؟! .
فالجواب : أنا لا نسلم أن المقرر رسول ، بل هو نبي على دين رسولٍ ومن كَذَّب رَسُولَه فهو يكذبه أيضاً ضرورةً .

فإن قيل : قوله : { ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا } يدل على أنهم كلّهم قالوا : ساحر والأمر ليس كذلك لأن ما مِنْ رسول إلا وآمن به قومٌ وهم ما قالوا ذلك! .
فالجواب : أن ذلك ليس بعَامٍّ ، فإنه لم يقل : إلا قال كلهم وإنما قال : « إلاَّ قَالوا » ولما كان كثير منهم قابلينَ ذلك قال الله تعالى : إِلاَّ قَالُوا .
فإن قيل : لِمَ لمْ يذكر المصدّقين كما ذكر المُكَذّبين ، وقال : إِلاَّ بَعْضُهُمْ صدقتَ وبعضهم كذبتَ؟ .
فالجواب : لأن المقصود التسلية وهي على التكذيب ، فكأنه تعالى قال : لا تأسَ على تكذيب قومِكَ ، فإن أقواماً قبلك كَذّبوا ورسلاً كُذّبُوا .
قوله : « أَتَواصَوا بِه » الاستفهام للتعجب والتوبيخ والضمير في « بِهِ » يعود على القول المدلول عليه بقَالُوا ، أي أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول المتضمن كساحر أو مجنون؟ . والمعنى : كيف اتفقوا على قول واحد كأنهم تواطؤوا عليه ، وقال بعضهم لبعض : لا تقولوا إلا هذا وأوصى أولهم آخرَهم بالتكذيب . ثم قال : لم يكن ذلك لتواطُؤ قولٍ وإنما كان لمعنى جامع وهو أن الكُلّ أترفوا فاستغنوا فنَسُوا الله وطغوا فكذبوا رُسُلَهُ ، قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما - ) حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم على تكذيبك .

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)

قوله « فَتَوَلَّ عَنْهُمْ » فأعرض عنهم ، { فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ } لا لوم عليك ، قد أديت الرسالة ، وما قصرت فيما أمرت به . وهذه تسليةٌ أُخْرَى .
قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية حَزِنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاشتدّ ذلك على أصحابه وظنوا أن الوحي قد انقطع ، وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتولَّى عنهم فأنزل الله : { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين } فطابت أنفسهم . والمعنى : ليس التولي مطلقاً ، بل تَوَلَّ وأَقْبِلْ وأَعرض وادعُ فلا التولي يضرك إذا كان علهيم ، ولا التذكير يضيع إذا كان مع المؤمنين .
قال مقاتل : معناه عِظ بالقرآن كفار مكة ، فإن الذكرى تنفع من علم الله أنه يؤمن منهم . وقال الكلبي : عظ بالقرآن من آمن من قومك ، فإن الذكرى تنفعهم .

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)

قوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } . هذا الجار متعلق « بخَلَقْتُ » .
واختلف في الجن والإنس ، قيل : المراد بهم العموم والمعنى إلا لآمرهم بالعبادة وليقروا بها ، وهذا منقول عن علي بن أبي طالب ، ويؤيده : { وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِداً } [ التوبة : 31 ] أو يكون المعنى : ليطيعوني وينقادوا لقضائي ، فالمؤمن يفعل ذلك طوعاً والكافر كرهاً ، فكل مخلوق من الجِنّ والإنس خاضع لقضاء الله متذلّل لمشيئته ، لا يملك أحد لنفسه خروجاً عما خلق عليه . أو يكون المعنى : إلا معدين للعبادة ، ثم منهم من يتأتى منه ذلك ، ومنهم من لا ، كقولك : هَذَا القَلَمُ بَرَيْتُهُ لِلْكِتَابَةِ ، ثم قد يكتب به ، وقد لا يُكْتَب وقيل : المراد به الخصوص ، أي ما خلقت السعداءَ من الجنِّ والإنس إلا لعبادتي ، والأشقياء منهم إلا لمعصيتي . قاله زيد بن أسلم . قال : هو ما جُبلوا عليه من السعادة والشقاوة ، ويؤيده قوله : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس } [ الأعراف : 179 ] .
وقال مجاهدٌ : معناه إِلاَّ ليعْرفُون . قال البغوي : وهذا أحسن؛ لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده ، بدليل قوله : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله } [ الزخرف : 87 ] ، وقيل : إلا ليعبدون أي إلا ليوحدون ، فأما المؤمن فيُوَحِّده في الشدة والرخاء ، وأما الكافر فيوحده في الشّدة والبلاء دون النعمة والرخاء قال تعالى : { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ العنكبوت : 65 ] وقيل : المراد وما خلقت الجِنَّ والإِنْسَ المؤمنين . وقيل : الطائعين . قال شهاب الدين : والأول أحسنُ .
فصل
في تعلق الآية بما قبلها أن بعثة الأنبياء منحصرة في أمرين عبادة الله وهداية الخلق ، فلما قال تعالى : { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ } [ الذاريات : 54 ] بين أن الهداية قد سقطت عند اليأس ، وأمّا العبادة فهي لازمة للخلق المطلق وليس الخلق المطلق للهداية ، وقيل : إنه لما بين حال من قبله فِي التكذيب ذكر هذه ليتبين سُوءَ صنيعهم ، حيث تركوا عبادة الله الذي خلقهم للعبادة .
فإِنْ قِيلَ : ما الحكمة في أنه لم يذكر الملائكة مع أنهم من أصناف المكلفين وعبادتهم أكثر من عبادة غيرهم من المكلَّفين ، قال تعالى : { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } [ الأنبياء : 26 ] وقال : { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [ الأعراف : 206 ] .
فالجواب من وجوه :
أحدها : أنه تقدم أن الآية سيقت لبيان قُبْح ما يفعله الكَفَرَةُ ، من ترك ما خُلِقُوا له . وهذا مختص بالجِنِّ والإنس؛ لأن الكفر موجودٌ في الجنِّ والإنس بخلافِ الملائكة .
الثاني : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مبعوثاً إلى الجنِّ والإنس ، فلما قال : « وَذَكِّرْ » بين ما يذكر به وهو كون الخلق للعبادة ، وخصص أمته بالذكر أي ذكر الإنس والجن .
الثالث : أن عباد الأصنام كانوا يقولون : إن الله تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين ، فهُم يعبدون الله وخلقهم لعبادته ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة الله فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله كما قالوا :

{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى } [ الزمر : 3 ] فقال تعالى : { مَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلماً من القوم ، فذكر المتنازع فيه .
الرابع : فعل الجن يتناول الملائكة ، لأن أصل الجن من الاستتار ، وهم مُسْتَتِرُون عن الخلق فذكر الجن لدخول الملائكة فيهم .
قوله : { مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ } أي يرزقوا أحداً من خَلْقِي ، ولا أن يرزقوا أنفسهم { وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } أي يطعموا أحداً من خلقي . وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق عِيالُ الله ومن أطعم عيالَ أحدٍ فقد أطعمَهُ ، قال عليه الصلاة والسلام : « اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي » ، أي لم تطعم عبدي .
فصل
استدل المعتزلة بقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } على أن أفعال الله تعالى معلّلة بالأغراض وأجيبوا بوجوه تقدمت منها : أن اللام قد تثبت لغير الغرض كقوله تعالى : { أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس } [ الإسراء : 78 ] وقوله : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } [ الطلاق : 1 ] ومعناه المقارنة فمعناه : قرنت الخلق بالعبادة أي خلقتهم ، وفرضت عليهم العبادة .
ومنها : قوله تعالى : { الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [ الزمر : 62 ] و [ الرعد : 16 ] .
ومنها : ما يدل على أن الإضلال بفعل الله كقوله تعالى : { يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } [ النحل : 93 ] وأمثاله .
ومنها : قوله تعالى : { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } [ الأنبياء : 23 ] وقوله : { وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآءُ } [ إبراهيم : 27 ] و { يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } [ المائدة : 1 ] .
وقوله تعالى : { مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } معناه : أن النفع يعود إليهم لا لي .
فإن قيل : ما الفائدة في تكرير الإرادتين مع أن من لا يريد من أحدٍ رزقاً لا يريد أن يُطْعِمَهُ؟! .
فالجواب : أن السيِّدَ قد يطلب من العبد المتكسّب له ، فيطلب منه الرزق ، وقد يكون للسَّيدِ مالٌ وافر يستغني به عن التكسب لكنه يطلب من العبد قضاءَ حوائجه وإحضار الطعام بين يديه ، فقال : لا أريد ذلك ولا هذا . وقد طلب الرزق على طلب الإطعام من باب الارتقاء من الأدنَى إِلى الأعلى .
فإن قيل : ما فائدة تخصيص الإطعام بالذكر مع أن المراد عدم طلب فعل منهم غير التعظيم؟! .
فالجواب : أنه لما عمم النفي في الطلب الأول بقوله : « من رزق » وذلك إشارة إلى التعميم بذكر الإِطعام ونفي الأدنى يستتبعه نفي الأعلى بطريق الأولى ، فكأنه قال : ما أريد منهم من غِنًى ولا عَمَلٍ .
فإن قيل : المطالب لا تنحصر فيما ذكره فإن السيِّد قد يشتري العبد لا لطلب عمل منه ، ولا لطلب رزق ولا للتعظيم ، بل يشتريه للتجارة!
فالجواب : أن عموم قوله : { مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ } يتناول ذلك .
قوله : « أَنْ يُطْعِمُونِ » قيل : فيه حذف مضاف أي يطعموا خَلْقِي كما تقدم في التفسير . وقيل : المعنى أن يَنْفَعُون فعبر ببعض وجوه الانتفاعات لأن عادة السادة أن ينتفعوا بعبيدهم ، والله مُسْتَغْنٍ عن ذلك .

قوله تعالى : { إِنَّ الله هُوَ الرزاق } يعني لجميع خلقه ، وهذا تقرير لعدم طلب الرزق ، وقوله : « ذو القُوَّةِ » تقرير لعدم طلب العمل لأن من يطلب رزقاً يكون فقيراً محتاجاً ، ومن يطلب عملاً يكون عاجزاً لا قوة له فكأنه يقول : ما أريدُ منهم من رزق فإني أنا الرزّاق ، ولا العمل فإِني قَوِيّ .
وروي أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قرأ : إِنِّي أنا الرزَّاق ، وقرأ ابن مُحَيْصِن : الرَّازق ، كما تقدم في قراءته : { وَفي السَّمَاء رازِقُكمْ } .
قوله : « المَتِينُ » العامة على رفعه ، وفيه أوجه :
إما النعت للرزَّاق ، وإما النعت لِذُو ، وإما النعت لاسم « إِنَّ » على الموضع . وهو مذهب الجَرْمِيِّ والفراء ، وغيرهما . وإما خبر بعد خبر ، وإما خبر مبتدأ مضمر . وعلى كل تقدير فهو تأكيد ، لأن « ذو القوة » يفيد فائدتَهُ .
وقرأ يَحْيَى بْنُ وَثَّاب والأعمشُ المَتِينِ - بالجر - فقيل : صفة « القوة » ، وإنما ذكر وصفها لكوْن تأنيثِها غيرَ حَقِيقيٍّ . وقيل : لأنها في معنى الأيْدِ .
وقال ابن جنِّي : هو خفض على الجوار كقولهم : « هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ » يعني أنه صفة للمرفوع ، وإنما جر لما جاور مجروراً . وهذا مرجوحٌ لإمكان غيره ، والجوار لا يصار إليه إلا عند الحاجة .
فصل
قال تعالى : « ما أريد » ولم يقل : إني رازق بل قال على الحكاية عن الغائب إن الله هو الرزّاق فما الحكمة فيه؟ .
قال ابن الخطيب : نقول : قد رُوِيَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ : إنِّي أنا الرَّزَّاق . وأما على القراءة المشهورة فالمعنى : قُلْ يا محمد إن الله هو الرزَّاق ، أو يكون من باب الالتفات من التكلم إلى الغيبة ، أو يكون قل مضمراً عند قوله : « مَا أُرِيدُ » أي قل يا محمد : ما أريد منهم من رزق فيكون بمعنى قوله : { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } [ ص : 86 ] ويكون على هذا قوله تعالى : { إِنَّ الله هُوَ الرزاق } ، ولم يقل : القوي ، بل قال : ذُو القوة ، لأن المقصود تقرير ما تقدم من عدم إرادة الرزق ، وعدم الاستعانة بالغير لكن في عدم طلب الرزق لا يكفي كون المستغني بحيث يرزق واحداً ، فإن كثيراً من الناس يرزق ولده وعبده ويسترزق والملك يرزق الجند ، ويسترزق ، فإذا كثر منه الرزق قل منه الطلب لأن المسترزِقَ منه يكثر الرزق ، لا يسترزق من رزقه فلم يكن ذلك المقصود يحصل إلا بالمبالغة في وصف الرازق ، فقال : الرزَّاق ، وأما ما يُغني عن الاستعانة بالغير ، فهو دون ذلك لأن القوي إذا كان في غاية القوة يعين الغير ، فإذا كان دون ذلك لا يعين غيره ولا يستعين به استعانة قوية بل استعانة ما وتتفاوت بعد ذلك ، ولما قال : { وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } كفاه بيان نفس القوة فقال : « ذُو القوة » ، لأن قولنا : ذُو القوة في إفادة معنى القوي دون إفادة القَوِيّ ، لأن ذلك لا يقال في الوصف اللازم البين ، يقال في الآدمي : ذُو مَال ومتمول ، وذو جَمال ، وجميل ، وذو خلق حسن إلى غير ذلك مما ( لا ) يلزم لزوماً بيناً .

ولا يقال في الثلاثة : ذات فردية ، ولا في الأربعة : ذات زوجية ، وهذا لم يرد في الأوصاف الحقيقية فلم يسمع ذو الوجود ولا ذو الحياة ولا ذو العِلم ، ويقال في الإنسان : ذو علم ، وذو حياة لأنها فيه عرض لا لازم بين .
وفي صفات الفعل يقال : الله تعالى ذُو الفضل كثيراً ( وذو الخلق قليلاً ) ؛ لأن « ذا كذا » بمعنى صاحب والصحبة لا يفهم منها اللزوم فضلاً عن اللزوم البين . ويؤيد هذا قوله تعالى : { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } [ يوسف : 76 ] فجعل غيره ذا علم ووصف نفسه بالفعل فبين ذي العِلم والعليم فرق وكذلك بين ذي القوة والقويّ ، ويؤيده أيضاً قوله تعالى : { فَأَخَذَهُمُ الله إِنَّهُ قَوِيٌّ } [ غافر : 22 ] وقوله : { الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ القوي } [ الشورى : 19 ] وقال : { لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [ المجادلة : 21 ] لأن هذه الصور كان المراد بها بيان القيام بالأفعال العظيمة وههنا المراد عدم الاحتياج ومن لا يحتاج إلى الغير يكفيه من القوة قدر ( ما ) . ومن يقوم مستبداً بالفعل لا بد له من قوة عظيمة ، لأن عدم الحاجة قد يكون بترك الفعل والاستغناء عَنْه .
فصل
قوله : « المَتِينُ » ، لأن ذا القوة كما تقدم لا يدل إلا على أن له قوةً ما ، فزاد في الوصف المتانة وهو الذي له ثبات لا يتزلزل وهو مع المتين من باب واحد لفظاً ومعنى ، فإن معنى مَتْن الشيء هو أصله الذي عليه ثباته والمتن هو الظهر الذي عليه أساس البدن والمتانة مع القوة كالعزّة مع القوي حيث قرن العزة مع القوة في قوله : « قَوِيٌّ عَزِيزٌ » وقوله : « القَوِيّ العَزِيزُ » .
قوله تعالى : { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } قد تقدم الكلام على الفاء في وجه التعلق . والمراد بالذين ظلموا : كفار مكة . ومعنى ذنوباً أي نصيباً من العذاب { مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ } أي مثل نصيب أصحابهم الذين هلكوا من قوم نوح وعادٍ ، وثمود . والذنوب : في الأصل الدلو العظيمة المملوءة ماء ، وفي الحديث الشريف : « فَأُتي بذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ » فإن لم تكن مَلأَى فهو الدَّلْو ، ثم عبر به عن النَّصيب ، قال علقمة :
4530- وَفِي كُلّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتُ بِنِعْمَةٍ ... فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنوبُ
ويجمع في القلة على أَذْنِبَةٍ ، وفي الكثرة على ذَنَائِبَ . وقال المَلكُ لما أنشد هذا البيت نَعَمْ وأَذْنِبَة .
وقال الزمخشري : الذَّنُوب الدلو العظيمة ، وهذا تمثيل أصله في السّقاة يقتسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب قال الشاعر :

4531- لَنَا ذَنُوبٌ ولَكُم ذنُوبُ ... فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَنَا القَلِيبُ
وقال الراغب : الذنوب الدلو الذي له ذنب انتهى . فراعى الاشتقاق . والذنوب أيضاً الفَرَسُ الطّويل الذّنب وهو صفة على فَعُول . والذَّنوب لحم أسفل المَتْن . ويقال : يَوْم ذَنُوب أي طويل الشّر استعارة من ذلك .
قوله : { فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ } أي بالعذاب . ووجه مناسبة الذنوب أن العذاب منصبّ عليهم كما يُصَبُّ الذَّنُوبُ ، قال تعالى : { يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم } [ الحج : 19 ] وقال تعالى : { ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحميم } [ الدخان : 48 ] والذّنوب كذلك فكأنه قال : نصبّ فوق رؤوسهم ذَنُوباً من العذاب كذنوب صُبّ فوق رؤوس أولئك . ووجه آخر وهو أن العرب يستقون من الآبار على النَّوْبَة ذنوباً فذنوباً وذلك وقت عيْشِهم الطيب ، فكأنه تعالى قال : { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } من الدنيا وطيباتها « ذَنُوباً » إذا ملأوه ولا يكون لهم في الآخرة من نصيب كما كان عليه حال أصحابهم استقوا ذنوباً وتركوها ، وعلى هذا فالذنوب ليس بعذاب ولا هلاك وإنما هو رَغَدُ العيش .
قال ابن الخطيب : وهو أليق بالعربية .
قوله تعالى : { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الذي يُوعَدُونَ } يعني يوم القيامة . وقيل : يوم بدر ، وحذف العائد لاستكمال شُرُوطه ، أي يُوعدونه .
روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « مَنْ قَرَأَ سُورَة » وَالذَّارِيَاتِ « أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلّ رِيحٍ هَبَّتْ وَجَرَتْ فِي الدُّنْيَا » ( والله سبحانه وتعالى أعلم وأشفق وأرحم ) .

وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8)

قوله تعالى : { والطور } وما بعده أقسام جوابها { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ } والواوات التي بعد الأولى عواطف لا حروف قسم كما تقدم في أول هذا الكتاب عن الخليل .
ونكر الكتابَ تفخيماً وتعظيماً .
فصل
مناسبة هذه السورة لما قبلها من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما ، وأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ، لأن في آخرها قوله تعالى : { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الذي يُوعَدُونَ } [ الذاريات : 60 ] وفي أول هذه السورة { فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } [ الطور : 11 ] وفي آخر تلك السورة قوله : { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً } [ الذاريات : 59 ] ؛ وذلك إشارة إلى العذاب ، وقال هَهُنَا : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ .
فصل
قيل : المراد بالطور الجبل الذي كلم الله عليه موسى - عليه الصلاة والسلام - بالأرض المقدسة ، أقسم الله به . وقيل : هو الجبل الذي قال الله تعالى : { وَطُورِ سِينِينَ } [ التين : 2 ] . وقيل : هو اسم جنس ، والمراد بالكتاب المسطور كتاب موسى عليه الصلاة والسلام ، وهو التوراة . وقيل : الكتاب الذي في السماء ، وقيل : صحائف أعمال الخلق ، وقال تعالى : { وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً } [ الإسراء : 13 ] . وقيل : الفرقان . والمراد بالمسطور المكتوب .
قوله : فِي رَقِّ يجوز أن يتعلق « بمَسْطُورٍ » ؛ أي مكتوب في رَقٍّ . وجوَّز أبو البقاء أن يكون نعتاً آخر لكتاب وفيه نظر؛ لأنه يشبه تَهْيئَةَ العَامِلِ للعَمَلِ وقطْعِهِ منْهُ .
والرَّقُّ - بالفتح - الجلد الرقيق يكتب فيه . وقال الرَّاغِب : الرق ما يكتبُ فيه شبه كاغد . انتهى فهو أعم من كونه جلداً أو غيرَهُ . ويقال فيه : رِقٌّ بالكسر . فأما مِلْكُ العبيد فلا يقال إلا رِقٌّ بالكسر . وقال الزَّمخشري : والرَّقُّ الصحيفة . وقيل : الجلد الذي يكتب فيه . انتهى . وقد غلط بعضهم من يقول : كَتَبْتُ في الرِّقّ بالكسر؛ وليس بغلط لثبوته به لُغَةً .
وقد قرأ أبو السَّمَّال : في رِقٍّ ، بالكسر .
فإِن قيل : ما الفائدة في قوله تعالى : { فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ } وعظمة الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطِّه ورقه؟! .
فالجواب : أن هذا إِشارة إلى الوضع لأن الكتاب المطويَّ لا يعلم ما فيه فقال : في رق منشور أي ليس كالكتب المطويّة أي منشورٌ لكم لا يمنعكم أحدٌ من مُطَالَعتِهِ .
( قوله : « والبيت المعمور » قيل : هو بيت في السماء العليا تحت العرش بِحيَالِ الكَعْبَةِ يقال له : الصّراح حُرْمَتُهُ في السماء كحُرْمَةِ الكعبة في الأرض يدخله كُلَّ يوم سبعونَ ألفاً من الملائكة يطُوفُونَ به ويُصَلُّون فيه ، ثم لا يعودون إليه أبداً .
ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة . وقيل : هو بيت الله الحرام وهو معمورٌ بالحُجَّاج الطائفين به .
وقيل : اللام في « البيت المعمور » لتعريف جنس كأنه يُقْسِمُ بالبيوتِ المَعْمُورة والعمائر المشهورة ) .
قوله : « والسَّقْفِ المَرْفُوعِ » يعني السماء . ونظيرِه : { وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً }

[ الأنبياء : 32 ] .
قوله : « والبَحْر المَسْجُور » قيل : هو من الأضداد ، يقال : بَحْرٌ مَسْجُورٌ أي مملوء ، وبَحْرٌ مَسْجُورٌ أي فارغٌ . وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - أنه قال : خرجت أُمةٌ لتَسْتَقي فَقَالَتْ : إِن الحَوْضَ مَسْجُورٌ؛ أي فارغ . ويؤيد هذا أن البحار يذهب ماؤها يومَ القيامة .
وقيل : المسجور الممسوك ، ومنه ساجُور الكلب لأنه يمسكه ويحبسه . وقال محمد بن كعب القرظيّ والضَّحَّاكُ : يعني الموقَد المحمّى بمنزلة التَّنُّور المُحَمَّى ، وهو قول ابن عباس ( - رضي الله عنهما - ) ؛ لما روى أن الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة ناراً فيزاد بها في نار جهنم كما قال تعالى : { وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ } [ التكوير : 6 ] .
وروى عَبْدُ اللَّهِ بْن عُمَرَ - ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « لاَ يَرْكَبَنَّ رَجُلٌ بَحْراً إلاَّ غَازِياً أَوْ مُعْتَمِراً أَوْ حَاجًّا ، فَإِنَّ تَحْتَ البَحْرِ نَاراً وتَحْتَ النَّارِ بَحْراً » وقال الربيع بن أنس : المسجور المختلط العذب بالمالح . وروى الضحاك عن النّزّال بن سَبْرَةَ عن علي أنه قال : البحر المسجور : هو بحر تحت العرش ، كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين فيه ماء غليظٌ ، يقال له : بحرُ الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحاً فينبتون في قبورهم . وهذا قول مقاتل .
فصل
قيل : الحكمة في القسم بهذه الثلاثة أشياء أن هذه الأماكن الثلاثة وهي : الطور ، والبيت المعمور ، والبحر المسجور كانت لثلاثة أنبياء للخلوة بربهم والخلاص من الخلق وخطابهم مع الله . أما الطور فانتقل إليه موسى - عليه الصلاة والسلام - وخاطب الله تعالى هناك وأما البيت المعمور فانتقل إليه محمد - عليه الصلاة والسلام - وقال لربه : « سَلاَمٌ عَلَيْنَا وعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحينَ ، لاَ أُحصي ثناءَ عليك أنت كما أثنيتَ على نَفسك » . وأما البحر المسجور فانتقل إليه يونسُ - عليه الصلاة والسلام - ، ونادى في الظلمات : { أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } فصارت هذه الأماكن شريفة بهذه الأسباب فأقسم الله تعالى بها .
وأما ذكر الكتاب فلأن الأنبياء كان لهم في هذه ( الأماكن ) مع الله تعالى كلام والكلام في الكتاب ( واقترانه بالطور أدل على ذلك؛ لأن موسى - عليه السلام - كان له مكتوبٌ ينزل عليه وهو بالطُّور ) .
فصل
أقسم في بعض السور بجموع كقوله : { والذاريات } [ الذاريات : 1 ] { والمرسلات } [ المرسلات : 1 ] { والنازعات } [ النازعات : 1 ] وفي بعضها بأفراد كقوله : « والطُّورِ » ولم يقل : والأَطوار والبِحار .
قال ابن الخطيب : والحكمة فيه : أن في أكثر الجموع أقسم عليها بالمتحركات والريح الواحدة ليست بثابتة بل هي متبدِّلة بأفرادها مستمرة بأنواعها ، والمقصود مِنْهَا لا يحصل إلا بالبَدَل والتَّغَيُّر ، فقال : « والذاريات » إشارة إلى النوع المستمر ، لا الفرد المعين المستقر ، وأما الجبل فهو ثابت غير متغير عادة فالواحد من الجبال دائمٌ زماناً ودهراً ، فأقسم في ذلك بالواحد ، وكذلك في قوله :

{ والنجم } [ النجم : 1 ] ، ولو قال : « والريح » لما علم المقسَمُ به ، وفي الطور عُلِمَ .
قوله : { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ } نازل وكائن . وقوله : « مِنْ دَافِعٍ » يجوز أن تكون الجملة خبراً ثانياً ، وأن تكون صفة لواقع أي واقع غير مدفوع . قال أبو البقاء . و « مِنْ دَافِعٍ » يجوز أن يكون فاعلاً ، وأن يكون مبتدأ و « مِنْ » مزيدة على الوجهين .
فصل
قال جُبَيْرُ بْنُ مُطْعمٍ : قدمت المدينة لأكلمَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في أُسَارَى بدر فدفعت إليه وهي يصلي بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ « والطور » إلى قوله : { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ } فكأنما صُدِّع قلبي حين سمعت ( ه ) ولم أَكُنْ أُسْلِمُ يومئذ قال : فأسلمتُ خوفاً من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقومَ من مكاني حتى يقع بي العذاب .

يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16)

قوله : { يَوْمَ تَمُورُ السمآء } يجوز أن يكون العامل فيه : « واقع » أي يقع في ذلك اليوم . وعلى هذا فتكون الجملة المنفية معترضة بين العامل ومعموله . ويجوز أن يكون العامل فيه « دافع » . قاله الحَوْفِيُّ ، وأبو البقاء . ومنعه مَكِّيٌّ .
قال أبو حيان : ولم يذكر دليل المنع . قال شهاب الدين : وقد ذكر دليل المنع في الكشف إلا أنه ربما يكون غلطاً عليه فإنه وَهَمٌ ، وعبارته قال : العامل فيه واقعٌ أي إن عذاب ربك لَوَاقِعٌ في يوم تَمُورُ السَّماء ، ولا يعمل فيه « دافع » ؛ لأن المنفي لا يعمل فيما قبل النّافي ، لا يقول : طَعَامَكَ ما زَيْدٌ آكلاً ، رفعت آكلاً أو نصبته أو أدخلت عليه الباء . فإن رفعت الطعام بالابتداء وأوقعت « آكلاً » على « هاء » جاز وما بعد الطعام خبراً . انتهى .
وهذا كلام صحيح في نفسه ، إلا أنه ليس في الآية شيءٌ من ذلك؛ لأن العامل - وهو دافع - والمعمول - وهو يوم - كلاهما بعد النافي وفي حَيِّزِهِ . وقوله : وأوْقَعْتَ آكلاً على هاء أي على ضمير يعود على الطعام فتقول : طَعَامَكَ مَا زيْدٌ آكِلُه .
وقد يقال : إن وجه المنع من ذلك خوف الوَهَم أنه يفهم أن أحداً يدفع العذاب في غير ذلك اليوم . والغرض أن عذاب الله لا يدفع في كل وقت وهذا أمرٌ مناسب قد ذكر مثلهُ كثيرٌ ، ولذلك منع بعضهم أن ينتصب { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ } [ آل عمران : 30 ] بقوله : { والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ آل عمران : 29 ] لئلا يفهم منه ما لا يليق . وهذا أبعد من هذا في الوَهَم كثير .
وقال أبو البقاء : وقيل : يجوز أن يكون ظرفاً لما دل عليه « فَوَيْلٌ » انتهى .
وقال ابن الخطيب : والذي أظنه أن العامل هو الفعل المدلول عليه بقوله : { مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ } [ الطور : 8 ] ؛ لأن العذاب الواقع على هذا ينبغي أن يقع في ذلك اليوم ، لأن العذاب الذي به التخويف هو الذي بعد الحَشْر ومَوْر السَّماء لأنه في معنى قوله : { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [ غافر : 85 ] .
فصل
والمَوْرُ الاضطراب والحركة . يقال : مَارَ الشيْءُ أي ذهب وجاء . وقال الأخفش وأبو عبيدةَ تَكْفَأُ وأنشد للأعشى :
4532- كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا ... مَوْرُ السَّحَابَةِ لاَ رَيْثٌ وَلاَ عَجَلُ
وقال الزمخشري : وقيل : هو تحرك في تموج . وهو الشيء يتردد في عرض كالداغصة وهي الجلدة التي فوق قُفْل الركبة . وقال الراغب : المَوْر : الجريان السريع ومَار الدَّمُ على وجهه والمُور - أي بالضم - التراب المتردد به الريح .
وأكد بالمصدرية دفعاً للمجاز أي هذان الجرمان العظيمان مع كثافتهما يقع ذلك منهما حقيقة .
وقال ابن الخطيب : فيه فائدة جليلة ، وهي أن قوله : « وتَسِيرُ الجِبَالُ » يحتمل أن يكون بياناً لكيفية مور السماء؛ لأن الجبال إذا سارت وسيرت معها سكانها يظهر السماء كالسائرة إلى خلاف تلك الجهة ، كما يشاهده راكب السفينة ، فإنه يرى الجبلَ الساكن متحركاً فكان لقائل أن يقول : السماء تمُور في رأي العين بسبب سير الجبال كما يَرَى القمرَ سائراً راكبُ السفينة ، والسماء إذا كانت كذلك فلا يبقى مَهْرَب ولا مَفْزَع لا في الأرض ولا في السماء .

فصل
لما ذكر أن العذاب واقع بين أنه متى يقع العذاب ، فقال : يوم تمور السماء موراً ، قال المفسرون : أي تَدُورُ كما يدور الرَّحَا وتَتَكفأ بأهلها تَكَفُّؤَ السَّفِينَةِ .
قال عطاء الخُراسَانيّ : يختلف أجزاؤها بعضها في بعض .
وقيل : تضطرب . { وَتَسِيرُ الجبال سَيْراً } فتزول عن أماكنها ، وتصير هباءً منثوراً ، وهذا إيذان وإعلام بأن لا عود إلى السماء لأن الأرضَ والجبالَ والسماءَ والنجومَ كلها لعمارة الدنيا والانتفاع لبني آدم فإذا لم يبقَ فيها نفع فلذلك أعدمها الله تعالى .
قوله : { فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } يومئذ منصوب « بوَيلٍ » والخبر « للمكذبين » . والفاء في قوله « فَوَيْلٌ » قال مكي : جواب الجملة المتقدمة وحسن ذلك ، لأن في الكلام معنى الشرط ، لأن المعنى إذا كان ما ذُكِرَ فَويْلٌ .
قال ابن الخطيب : أي إذا علم أن عذاب الله واقع ، وأنه ليس له دافع فويل إذَنْ للمكذبين؛ فالفاء لاتصال المعنى ، ولمعنى آخر وهو الإيذان بأمان أهل الإيمان ، لأنه لما قال : إن عذاب ربك لواقع وأنه ليس له دافع لم يبين موقعه بِمَنْ ، فلما قال : { فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } علم المخصوص ( به ) وهو المكذب .
فإن قيل : إذا قلت بأن قوله : { فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } بيان لمن يقع به العذاب فمن لا يكذب لا يعذب فأهل الكبائر لا يعذبون لأنهم لا يُكَذِّبون .
فالجواب : أن ذلك العذاب لا يقع إلا على أهل الكبائر ، وإنما هذا كقوله : { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا } [ الملك : 8 و 9 ] فالمؤمن لا يُلْقَى فيها إلقاء بهوان ، وإنما يُدْخَلُ فيها للتطهير إدْخَالاً مع نوع إكرامٍ ، والويل إنما هو للمكَذِّبِينَ .
والويل ينبئ عن الشدة ، لأن تركيب حروف الواو والياء واللام لا ينفك عن وُقُوع شدةٍ ، ومنه لَوَى إذا دافع ولَوَاه يلويه إِذا فَتَلَهُ فَتْلاً قوياً .
والوَلِيُّ فيه القوة على المُولَى عَلَيْهِ . وقد تقدم وجه جواز التنكير في قوله : « وَيْلٌ » مع كونه مبتدأ؛ لأنه في تقدير المنصوب لأنه دعاء في تفسير قوله تعالى : { قَالَ سَلاَمٌ } [ الذاريات : 25 ] .
قوله : { الذين هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ } الخَوْضُ : هو الاندفاع في الأباطيل ، قال تعالى : { وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا } [ التوبة : 69 ] وقال تعالى : { وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين } [ المدثر : 45 ] .
وتنكير الخوض يحتمل وجهين :
الأول : أن يكون للتكثير أي في خوضٍ عظيم .

الثاني : أن يكون التنوين عوضاً عن المضاف إليه ، كقوله تعالى : { وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } [ هود : 111 ] والأصل في خوضهم المعْرُوف منهم . وقوله : يعلبون أي غافلون لاهون .
واعلم أن قوله تعالى : { الذين هُمْ فِي خَوْضٍ } ليس وصفاً للمكذبين بما يميزهم ، وإنما هو للذم كقولك : « الشيطانُ الرجيمُ » ولا تُرِيدُ فَصْله عن الشيطان الذي ليس برجيم بخلاف قولك : أَكْرِمِ الرَّجُلَ العَالِمَ فالوصف بالرجيم للذم له لا للتعريف .
وتقول في المدح : الله الذي خلق ، والله العظيم للمدح لا للتمييز ، ولا للتعريف عن إله لم يخلق أو إله ليس بعظيم ، فإن الله واحد لا غير .
قوله : { يَوْمَ يُدَعُّونَ } يجوز أن يكون ظرفاً « ليُقَالُ » المقدرة مع قوله : { هذه النار } [ الطور : 14 ] يوم يدعون المكذبين؛ لأن معناه يوم يقع العذابُ ذلك اليوم وهو يوم يُدَعُّون فيه إِلى النار .
والعامة على فتح الدال وتشديد العين من دَعَّهُ يَدُعُّهُ أي دفعه في صدره بعُنْفٍ وشِدَّةٍ . قال الراغب : وأصله أن يقال للعاثر : دع كما يقال له لَعاً .
وهذا بعيد من معنى هذه اللفظة .
وقرأ علي - رضي الله عنه - والسّلمي وأبو رجاء وزيد بن علي بسكون الدال وتخفيف العين مفتوحة من الدُّعَاءِ أي يُدْعَوْنَ إليها فيقال لهم : هَلُمُّوا فادخلوها .
قوله : دَعًّا مصدر معناه تدفعهم الملائكة دفعاً على وجوههم بعُنْفٍ أي يُدْفَعُونَ إِلى النار ، فإِذا دَنَوْا منها قال لهم خزنتها : هَذِهِ النَّار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا .
فإن قيل : قوله تعالى : { يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ } يدل على أن خزنتها يقذفونهم في النار وهم بعيداً عنها وقوله تعالى : { يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ } [ القمر : 48 ] يدلّ على أنهم فيها .
فالجواب من وجوه :
الأول : أن الملائكة يَسْحَبُونَهُمْ في النار ، ثم إذا قربوا من نار مخصوصة وهي نار جهنم يقذفونهم فيها من بعيد فيكون السحب في نار ، والدفع في نار أشد وأقوى ، بدليل قوله : { يُسْحَبُونَ فِي الحميم ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ } [ غافر : 71 و 72 ] . أي يسحبون في حَمْوَةِ النار ، ثم بعد ذلك يكون لهم إِدخالٌ .
الثاني : يجوز أن يكون في كل زمان يتولى أمرهم ملائكة فإلى النار يدفعهم ملك وفي النار يَسْحَبُهُم آخر .
الثالث : أن يكون السحبُ بسَلاَسِلَ أي يسحبون في النار ، والساحب خارج النار .
الرابع : أن يكون الملائكة يدفعونهم إِلى النار إهانةً لهم ، واستخفافاً بهم ويدخلون معهم النار ويسحبونهم .
قوله : « أَفَسِحْرٌ » خبر مقدم و « هذا » مبتدأ مؤخر .
ودخلت الفاء قال الزمخشري : بمعنى كنتم تقولون للوحي : هذَا سِحرٌ فسحر هذا يريد هذا المِصْداق أيضاً سحر؛ ودخلت الفاء لهذا المعنى ، وهذا تحقيقٌ للأمر؛ لأن من يرى شيئاً ولا يكون الأمر على ما يراه فذلك الخطأ يكون لأجل أحد أمرين : إما لأمر عائدٍ إلى المرئيّ ، وإمَّا لأمرٍ عائد إلى الرائي ، فقوله : « أَفَسحرٌ هَذَا » أي هل في الموت شكٌّ أمْ هل في بصركم خَلَل؟! فهو استفهام إنكار أي لا أمر مِنْهُمَا ثابتٌ فالذي تَرَوْنَهُ حق وقد كنتم تقولون : إنه ليس بحق ، وذلك أنهم كانوا ينسبون محمداً - صلى الله عليه وسلم - إِلى السحر ، وأنه يغطي الأبصار بالسِّحر ، وانشقاق القمر وأمثاله سحر ، فوبخوا به ، وقيل لهم : أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون .

قوله : اصْلَوْ ( هَا ) أي إذْ لم يمكنكم إنكارها ، وتحقق أنه ليس بسحر ولا خَلَل في أبصاركم فاصْلَوْهَا؛ أي قاسوا شدتها . { فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ } أي الصبر وعدمه سواءٌ ، وهذا بيان لعدم الخَلاص .
قوله : « سَوَاءٌ » فيه وجهان :
أحدهما : أنه خبر مبتدأ محذوف أي صبركم وتركه سواء . قاله أبو البقاء .
والثاني : أنه مبتدأ والخبر محذوف أي سواء الصبرُ والجزعُ ، قاله أبو حيان .
قال شَهابُ الدِّين : والأول أحسن ، لأن جعل النكرة خبراً أولى من جعلها مبتدأ وجعلِ المَعْرِفَةِ خبراً .
ونحا الزمخشري مَنْحَى الوجه الثاني فقال : « سواء » خبره محذوف أي سواء عليكم الصَّبْرَانه الصبرُ وَعَدَمُهُ .
قوله : { إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فيه لطيفة ، وهي أن المؤمن بإِيمانه اسْتَفَادَ أن الخير الذي يَنْويهِ يُثَابُ عَلَيْه ، والشَّرَّ الذي يقصِدُهُ ولا يقع منه لا يعاقَبُ عليه ولا ظلم ، فإن الله تعالى أخبره به وهو اختار ذلك ودخل ( فيه ) باختياره ، فإن الله تعالى قال بأن من كفر ومات كافراً عذبته أبداً فاحذَرُوا ، ومن آمن أَثَبْتُهُ دائماً فمن ارتكب الكفر ودام عليه بعدما سمع ذلك فإذا عوقب دائماً فهو تحقيق لما أَوْعَدَ به فلا يكون ظلماً .

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24)

قوله تعالى : { إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ } يجوز أن يكون مستأنفاً ، أخبر الله تعالى بذلك بشارة ، ويجوز أن يكون من جملة المقول للكفار زيادة في غَمِّهِمْ وتَحَسُّرِهِم . والجنة هي موضع السرور لكن الناطُور قد يكون في البستان الذي هو في غاية الطيبة ، فلما قال : « وَنَعِيمٍ » أفاد أنهم فيها متنعمون كما يكون المتفرج لا كما يكون الناطُور والعمال .
وقوله : « فَاكِهِينَ » يريد في ذلك ، لأن المتنعم قد يكون آثار النعيم عليه ظاهرة وقلبه مشغول ، فلما قال : « فَاكِهينَ » دل على غاية الطيبة .
قوله : « فَاكِهِينَ » هذه قراءة العامة نصب على الحال ، والخبر الظرف ، وصاحب الحال الضمير المستتر في الظرف .
وقرأ خَالِدٌ : « فاكِهُونَ » بالرفع ، فيجوز أن يكون الظرف لغواً ، متعلقاً بالخبر ويجوز أن يكون خبراً آخر من عند من يجيز تعداد الخبر .
وقرئ فَكِهينَ مقصوراً ، وسيأتي أنه قرأ به في المُطَفِّفِينَ في المتواتر حفصٌ عن عَاصِمٍ .
قوله : « بِمَا آتَاهُمْ » يجوز أن تكون الباء على أصلها وتكون : « ما » حينئذ واقعةً على « الفواكه » التي هي في الجنة أي متلذذين بفاكهةِ الجنة ، ويجوز أن تكون بمعنى في أي فيما آتاهم من الثمار وغير ذلك . ويجوز أن تكون « ما » مصدريةً أيضاً .
قوله : « وَوَقَاهُمْ » يجوز فيه أوجه :
أظهرها : أنه معطوف على الصلة أي فَكِهينَ بإيتائِهِم رَبَّهُمْ وبِوقايَتِهِ لهم عذابَ الجَحِيم .
والثاني : أن الجملة حال فتكون « قد » مقدرة عند من يشترط اقترانها بالماضي الواقع حالاً .
الثالث : أن يكون معطوفاً على : « فِي جَنَّاتٍ » . قاله الزمخشري يعني فيكون مخبراً به عن المتقين أيضاً فيكون المراد أنهم فاكهون بأمرين : أَحدِهِمَا : بما آتاهم ، والثاني : بأنه وَقَاهُمْ .
والعامة على تخفيف القاف من الوقاية . وأبو حيوة بتَشْدِيدِهَا .
قوله : « كلوا واشربوا » أي يقال لهم كُلُوا واشربوا هنيئاً . وقد تقدم الكلام في : « هَنِيئاً » فِي النِّسَاء .
قال الزمخشري : هنا يقال لهم كلوا واشربوا أكلاً وشُرْباً هنيئاً أو طعاماً وشرباً هنيئاً . وهو الذي لاَ تَنْغَيصَ فِيهِ .
ويجوز أن يكون مثله في قوله :
4533- هَنِيئاً مَرِيئاً غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ ... لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ
أعني صفةً استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل ، مرتفعاً به « ما اسْتَحَلَّت » كما يرتفع بالفعل كأنه قيل هَنّأ عَزَّةَ المُسْتَحَلُّ منْ أعْرَاضِنَا ، فكذلك معنى « هنيئاً » هُنَا هنّأَكُمُ الأَكْلُ والشُّرْبُ ، أو هَنَّأَكُمْ مَا كُنْتُم تَعْملونَ والباء مزيدة كما في « كَفَى بِاللَّهِ » والباء متعلقة بكُلُوا واشْرَبُوا إذا جعلت الفاعل الأكل والشرب . وهذا من محاسن كلامه .
قال أبو حيان : أما تجويزه زيادة الباب فليست بمَقِيسةٍ في الفاعل إلا في فاعل « كَفَى » على خلافٍ فيها فتجويزها هنا لا يسوغ .

وأما قوله : إنَّها تتعلق ب « كُلُوا واشْرَبُوا » فلا يصح إلا على الإعمال فهي تتعلق بأحدهما . انتهى . وهذا قريب .
قوله : « مُتَّكِئِينَ » فيه أوجه :
أحدها : أنه حال من فاعل : « كُلُوا » .
الثاني : أنه حال من فاعل : « أَتَاهُمْ » .
الثالث : أنه حال من فاعل : « وَقَاهُمْ » .
الرابع : أنه حال من الضمير المُسْتَكِنِّ في الظرف .
الخامس : أنه حال من الضمير في : « فَاكِهِينَ » .
وأحسنها أن يكون حالاً من ضمير الظرف لكونه عُمْدَةً .
وقوله : « عَلَى سُرُرٍ » متعلق ب « متَّكِئينَ » .
وقراءة العامة بضم الراء الأولى . وأبو السَّمَّال بفتحها . وقد تقدم أنها لغة لكَلْبٍ في المضعف يَفرونَ من تَوَالِي ضمتين في المضعف .
قوله : { وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ } قرأ عكرمةُ بحُورٍ عينٍ بإضافة الموصوف إلى صفته على التأويل المشهور .
فصل
اعلم أنه تعالى بين أسباب التنعيم على الترتيب ، فأول ما يكون المَسْكَن وهو الجَنّات ثم الأكل والشرب ، ثم الفرش والبسط ثم الأزواج ، فهذه أمور أربعة ذكرها الله على الترتيب ، وذكر في كل واحد منها ما يدل على كماله ، فقوله : « جَنّات » إشارة إلى المسكن وقال : « فاكهين » إشارة إلى عدم التَّنغُّص وعلو المرتبة بكونه مما آتاهم الله ، وقال : { كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً } أي مأمون العاقبة من التَّخَم والسَّقَم ، وترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنوعهما وكثرتهما ، وقوله : { بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } إشارة إلى أنه تعالى يقول : إني مع كوني ربكم وخالقَكم وأدْخَلْتُكُم الجنة بفضلي فلا مِنَّة لي عليكم اليوم وإنما مِنَّتي عليكم كان في الدنيا هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة كما قال : { بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ } [ الحجرات : 17 ] وأما اليوم فلا مِنَّةَ عليكم لأن هذا إِنجازُ الوَعْدِ .
فإن قيل : قال في حقّ الكفار : { إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الطور : 16 ] وقال في حق المؤمنين : { بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فما الفرق بينهما؟ .
فالجواب من وجوه :
الأول : أن كلمة « إنَّما » للحصر ، أي لا يجزون إلا ذلك ، ولم يذكر هذا في حق المؤمن ، لأنه يجزيه أضعاف ما عَمِلَ ، ويَزِيدُهُ من فضله .
الثاني : قال هنا : « بِمَا كُنْتُمْ » وقال هناك : { مَا كُنتُمْ } [ النمل : 90 ] أي تجزون عن أعمالكم . وهذا إشارة إلى المبالغة في المماثلة ، كأنه يقول : هذا عينُ ما عملت . وقوله في حق المؤمن : بِمَا كُنْتُم كأنَّ ذلك أمر ثابتٌ مستمرٌّ يفيدكم هذا .
الثالث : أنه ذكر الجزاء هناك ، وقال هنا : { بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } لأَنَّ الجزاء يُنْبِئ عن الانقطاع ، فإِن من أحسن إلى أحد فأتى بجزائه لا يتوقع المحسنُ منه شيئاً آخر .
فإن قيل : فاللَّه تعالى قال في موضع آخر :

{ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ المرسلات : 43 ] في الثواب .
فالجواب : أنه في تلك المواضعِ لَمَّا لم يخاطب المجزيَّ ولم يقل : بما كنت تفعل أتى بما يفيد العلم بالدوام وعدم الانْقِطَاع . وأما في السرر فذكر أموراً :
أحدها : الاتّكاء فإنه هيئة مختصّة بالمنعم والفارغ الذي لا كُلْفَة عليه . وجمع السرر لأَمْرَيْنِ :
أظهرهما : أن يكون لكل واحد سُرَرٌ؛ لأنه قوله : « مَصْفُوفة » يدل على أنه لواحدٍ ، لأن سرر الكل لا تكون في موضع واحد مصطفَّة ، ولفظ السَّرِير فيه حروف السُّرُور ، بخلاف التَّخْتِ وغيره ، وقوله : « مَصْفُوفَة » أي منتظمة بعضُها إلى جَنْبِ بعض فإِنها لو كانت متفرقة لقيل في كل موضع واحد يتكئ عليه صاحبه إذا حضر هذا الموضع . وقول تعالى : { وَزَوَّجْنَاهُم } إِشارة إلى النِّعمة الرابعة ، وفيها ما يدل على كمال الحال من وجوه :
الأول : أنه هو المزوج وهو الولي الذي يلي الطرفين يُزوج عباده بإِمائه ومن يكون كذلك لا يفعل إلا ما فيه راحة العباد والإماء .
الثاني : قال : « وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور » ولم يقل : وَزَوَّجْنَاهُمْ حوراً مع أن لفظ التزويج يتعدى فعله إلى مفعولين بغير حرف ، تقول زَوَّجْتُكَهَا ، قال الله تعالى : { فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا } [ الأحزاب : 37 ] وذلك إشارة إلى أن المنفعة في التزويج لهم ، وإنما زوجوا للذتهم بالحور لا لِلَذَّة الحور بهم .
الثالث : عدم الاقتصار على الزوجات بل وصفهن بالحُسْن واختار الأحسن من الأحسن ، فإِنَّ أحْسَنَ ما في صورة الآدميِّ وَجْهُهُ ، وأحسنَ ما في الوجه العَيْنُ .
قوله : { والذين آمَنُواْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مبتدأ ، والخبر الجملة من قوله : { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } ، والذُّرِّيَّات هنا يصدق على الآباء ، وعلى الأبناء ، أي أن المؤمن إذا كان عمله أكثر أُلْحِقَ به مَنْ دُونَهُ في العمل ابناً كان أو أباً . وهو منقول عن ابنِ عَبَّاسٍ وغيره .
الثاني : أنه منصوب بفعل مقدر ، قال أبو البقاء على تقدير : وَأَكْرَمْنَا الَّذِينَ آمَنُوا . قال شهاب الدين : فيجوز أن يريد أنه من باب الاشتغال ، وأن قوله : { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } مفسرٌ لذلك الفعل من حيثُ المعنى وأن يريد أنه مضمرٌ لدلالة السِّياق عليه ، فلا تكون المسألة من الاشتغال في شَيْء .
الثالث : قال ابن الخطيب : إنه معطوف على : { إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ } ثم قال : فإذا كان كذلك فَلِمَ أعَادَ لفظ « الَذين آمنوا » وكان المقصود يحصل بقوله تعالى : { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } بعد قوله { وَزَوَّجْنَاهُم } كان يصير التقديرُ : وزوَّجْنَاهم وألحقنا بهم؟ نقول : فيه فائدة وهي أن المتقين هم الذين اتقوا الشرك والمعصية وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فقال ههنا : الذين آمنوا بمجرد الإيمان يصير ولده من أهل الجنة ، ثم إِن ارتكب الأب كبيرةً أو صغيرة لا يعاقب به ولده بل الوالد ، وربما يدخل الجنةَ الابنُ قبل الأب ، وقد ورد في الخبر أن الوَلَد الصغيرَ يشفع لأبيه ، وذلك إشارة إلى الجزاء .

وذكر الزمخشري أنه مجرورٌ عطفاً على « حُورٍ عينٍ » قال الزمخشري : « وَالَّذِينَ آمَنُوا » معطوف على « حُورٍ عينٍ » أي قَرَنَّاهُمْ بالحور وبالذين آمنوا أي بالرفقاء والجلساء منهم كقوله : { إِخْوَاناً على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [ الحجر : 47 ] فيتمتعون تارة بمُلاَعَبَةِ الحور ، وتارةً بمُؤَانَسَةِ الإِخْوَان .
ثم قال الزمخشري : ثم قال : « بإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ » أي بسبب إيمان عظيمٍ رفيعِ المحل وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجتهم ذُرِّيَّتَهُم وإن كانوا لا يستأهلونها تفضلاً عليهم .
قال أبو حيان : ولا يتخيل أحد أن « وَالَّذِينَ آمَنُوا » معطوف على « بحُورٍ عِينٍ » غير هذا الرجل . وهو تخيُّلٌ أعجميّ ، مخالف لفهم العربي القُحِّ ابن عباس وغيره .
قال شهاب الدين : أما ما ذكره أبو القاسم من المعنى فلا شك في حُسْنِهِ ونضارته ، وليس في كلام العربي القُحِّ ما يدفعه بل لو عرض على ابن عباس وغيره لأعجبهم ، وأيُّ مانع مَعْنَويٍّ أو صناعيٍّ يمنعه؟! .
قوله : « وَأَتْبَعْنَاهُمْ » يجوز أن يكون عطفاً على الصلة ، ويكون « والذين آمنوا » مبتدأ ويتعلق « بإيمان » بالاتِّباع ، بمعنى أن الله تعالى يلحق الأولاد الصّغار وإن لم يبلغوا الإيمان بأحكام الآباء المؤمنين . وهذا المعنى منقول عن ابن عباس والضَّحَّاك . ويجوز أن يكون معترضاً بين المبتدأ والخبر . قال الزمخشري ويجوز أن يتعلق « بإِيمَانٍ » ب « أَلْحَقْنَا » كما تقدم .
فإن قيل : قوله : أتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ يفيد قوله : « ألْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ » .
فالجواب : أن قوله : « أَلْحَقْنا بِهِمْ » أي في الدرجات والاتّباع إنما هو في حكم الإِيمان وإن لم يبلغوه كما تقدم .
وقرأ أو عمرو : « وأتْبَعْنَاهُمْ » بإِسناد الفعل إلى المتكلم نفسه . والباقون واتَّبَعَتْهُمْ بإسناد الفعل إلى الذرية وإِلحاق تاء التأنيث . وقد تقدم الخلاف في إِفراد ذرياتهم وجَمْعِهِ في سورة الأَعْرَافِ .
فصل
اختلفوا في معنى الآية ، فقيل معناها : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان يعني أولادهم الصغار والكبار فالكبار بإيمانهم بأنفسهم ، والصغار بإيمان آبائهم ، فإن الولد الصغير يُحْكَمُ بإسلامه تبعاً لأحد الأبوين .
وقوله : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ ، أي المؤمنين في الجنة بدرجاتهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم تَكْرمَةً لآبائهم ، لِتَقَرَّ بذلك أعينهم . وهي روايةُ سعيدِ بن جبير عن ابنِ عباس . وقيل : معناه { والَّذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم } البالغون { بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } الصِّغار الذين لم يبلغوا الإِيمان بإيمان آبائهم . وهو قول الضَّحَّاك في رواية العوفيّ عن ابن عباس . أخبر الله عز وجل أنه يَجْمَعُ لعبده ذُرّيته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أيديهم من غير أن يَنْقُصَ الآباء من أعمالهم شيئاً فذلك قوله : { وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ } .
روي عن عليٍّ - رضي الله عنه - قال :

« سألت خديجة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ولدين لها ماتا في الجاهلية فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هما في النار ، فلما رأى الكراهية في وجهها قال : لَوْ رأيتِ مكانَهما لأَبْغَضْتِهِمَا . قالت يا رسول الله : فولدي منك قال : في الجنة . ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : » إِنَّ المُؤْمِنِينَ وَأَوْلاَدَهُمْ فِي الجَنَّةِ وإِنَّ المُشْرِكِينَ وَأَوْلاَدَهُمْ فِي النَّارِ « ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : » وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بإيمَانٍ ألْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ « .
قوله : » وَمَا أَلَتْنَاهُمْ « قرأ ابن كثير ألِتْنَاهُمْ بِكَسْرِ اللام . والباقون بفتحها .
فأما الأُولى فمن أَلِتَ يَأْلَتُ بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارغ كَعِلمَ يَعْلَمُ . وأما الثانية : فيحتمل أن تكون من أَلَتَ يَأْلِتُ كَضَرب يَضْرِبُ ، وأن يكون من أَلاَتَ يُلِيتُ كَأَمَاتَ يُمِيتُ فألَتْنَاهُمْ كأَمَتْنَاهُمْ .
وقرأ ابْنُ هُرْمُزَ آلَتْنَاهُمْ - بألف بعد الهمزة - على وزن أفْعَلْنَاهُمْ ، يقال : آلَتَ يُؤْلِتُ كآمَنَ يُؤْمِنُ . وعبد الله وأُبيّ والأعْمش وطلحةُ - وتُرْوى عن ابن كثيرٍ - لِتْنَاهُمْ بكسر اللام .
قال سهل : لا يجوز فتح اللام من غير ألف بحال ، ولذلك أنكر آلَتْنَاهُمْ بالمد وقال : لا يدل عليها لغةٌ ولا تفسيرٌ .
وليس كما زَعَمَ ، بل نقلَ أهلُ اللغةِ آلَتَ يُؤْلِتُ .
وقرئ : - ولَتْنَاهُمْ - بالواو - كَوعَدْنَاهُمْ نقلها هارُون . قال ابن خَالَوَيْهِ : فيكون هذا الحرف من لاَتَ يَلِيتُ ووَلَتَ يَلِيت وأَلِتَ يأْلَتُ وأَلَت يأْلِتُ وأَلاَتَ يُلِيتُ ، وكلها بِمَعْنَى نَقَصَ .
ويقال : ألت بمعنى غلَّظَ وقام رجل إلى ( أمير المؤمنين ) عُمَرَ يَعِظُهُ فقال له رجل : لاَ تَأْلِتْ أَمِيرَ المؤمنين ، أي لا تُغَلِّظْ عليه .
قال شهابُ الدِّين : ويجوز أن يكون هذا الأثر على حاله والمعنى لا تَنْقُصْ أمير المؤمنين حقه؛ لأنه إذا أغلظ القول نقصه حقه .
وفي الضمير في » أَلَتْنَاهُمْ « وَجْهَانِ :
أظهرهما : أنه عائد على » المؤمنين « .
الثاني : أنه عائد على » أَلَتْنَاهُمْ « . قيل : ويقويه قوله تعالى : { كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } .
قوله : { مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ } من شيء مفعول ثان ل » ألتْنَاهُمْ « و » مِنْ « مزيدة؛ والأولى في محل نصب على الحال مِنْ ( شَيْءٍ ) ؛ لأنها في الأصل صفةٌ له ، فلما قدمت نصبت حالاً . وجوز أبو البقاء أن يتعلق بِأَلَتْنَاهُمْ .
فصل
في قوله : » وَمَا أَلَتْنَاهُمْ « تطييب لقلبهم ، وإزالة وَهَم المتَوهِّم أن ثواب عمل الأب يوزع على الوَالِدِ والوَلَدِ بل للوالد أجْر عَمَلِهِ ، ولأولاده مثل ذلك فضلاً من الله ورحمة . وقال : مِنْ عملهم » ولم يقل : من أجرهم لأن قوله : وما ألتناهم من عملهم دليل على بقاء عملهم كما كان ، والأجر على العمل مع الزيادة فيكون فيه إشارة إلى بقاء العمل الذي له الأجر الكبير الزائد عليه العظيم العائد إِليه ، ولو قال : وَمَا أَلَتْنَاهُمْ من أجرهم لكان ذلك حاصلاً بأدنى شيء ، لأن كل ما يعطي الله عبده على عمله فهو أجر كامل ، ولأنه لو قال : مَا أَلَتْنَاهُمْ من أجرهم كان مع ذلك يحتمل أن يقال : إن الله تعالى يفضل عليه بالأجر الكامل على العمل الناقص ، وأعطاه الأجر الجزيل مع أن عمله كان له ولولده جميعاً .

فإِن قيل : ما الفائدة في تنكير الإيمان في قوله : « وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بإِيمانٍ ألحقنا » ؟ .
فالجواب : ( هو ) إما للتحقير أو للتكثير كأنه يقول أتبعناهم ذرياتهم بإِيمان مخلصٍ كاملٍ . أو نقول : أتبعناهم بإيمان ما أي شيء منه ، فإِن الإِيمانَ كاملاً لا يوجد في الولد ، بدليل أنَّ من آمنَ له ولدٌ صغيرٌ حكم بإِيمانه ، فإِذا بلغ وصرح بالكفر وأنكر التَّبَعِيَّة قيل : بأنه لا يكون مرتداً وتبيين بقوله أنه لم يُتْبَعْ . وقيل : بأنه يكون مرتداً؛ لأنه كفر بعدما حكم بإِيمانه كولد المسلم الأصلي . فإِذن تبين بهذا الخلاف أنَّ إيمانَه ليس بقويٍّ . ذكر هذين الوجهين الزمخشري .
ويحتمل أن يكون المراد أن يكون التنوينُ للتعويض عن المضاف إِليه كقوله تعالى : { بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ } [ الإسراء : 88 ] و [ الزخرف : 67 ] { وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى } [ الحديد : 10 ] لأن التقدير : أتبعناهم ذرياتهم بإيمان أي بسبب إيمانهم لأن الإِتباع ليس بإيمانٍ كَيْفَ كان وممَّنْ كَانَ وإِنما هو إِيمان الآباء ، لكن الإِضافة تُنْبِئُ عن تَقْييد ، وعدم كون الإِيمان إيماناً على الإِطلاق ، فإن قول القائل : ماءُ الشجر وماءُ الرمان فيصحّ ، وإطلاق اسم « ماء » من غير إضافة لا يصح ، فقوله : « بإيمانهم » يوهم أنه إيمان مضافٌ إليهم كقوله تعالى : { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [ غافر : 85 ] حيث أثبت الإِيمان المضاف فلم يكن إيماناً فقطع الإِضافة مع ردتها ليعلم أنه إيمان صحيحٌ وعوض التنوين ليعلم أنه مضاف لا يوجب الإيمان في الدنيا إلا إيمان الآباء . قال ابن الخطيب : وهَذا وجهٌ حَسَنٌ .
قوله : { كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } قال مقاتل : كل امرئ كافر بما عمل من الشرك فهو مرتهن في النار والمؤمن لا يكون مرتهناً لقوله تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين } [ المدثر : 38 - 39 ] . قال الواحدي : هذا يعود إلى ذكر أهل النار . وهُو قولُ مُجَاهِدٍ أيْضاً .
وقال الزمخشري : هذا عام في كل واحد أنه يكون مرهوناً عند الله بالكسب فإن كَسَبَ خيراً فك رقبته وإلا أغلق الرهن .
قال ابن الخطيب : وفيه وجه آخر وهو أن يكون الرهينُ فَعِيلاً بمعنى الفاعل فيكون المعنى : كل امرئ بما كسب راهن أي دائم إن أحسن ففي الجنة مؤبداً ، وإن أساء ففي النار مخلداً؛ لأن في الدنيا دوام الأعمال بدوام الأعيان فإن العَرَض لا يبقى إلا في جوهر فلا يوجد إلا فيه ، وفي الآخرة دوام الأعيان بدوام الأعمال فإن الله يبقي أعمالهم لكونها عند الله تعالى من الباقيات الصالحات ، وما عند الله باقٍ والباقي يبقى مع عمله .

قوله تعالى : { وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ } ، زيادة على ما كان لهم { وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ } من أنواع اللّحْمَانِ . والمعنى زدناهم مأكولاً ومشروباً فالمأكول الفاكهةُ واللحم ، والمشروب الكأس . وفي هذا لطيفةٌ وهي أنه لما قال : مَا أَلَتْنَاهُمْ ونفي النقصان يصدق بحصول المساوئ ، فقال : ليس عدم النقصان باقتصار على المساوئ؛ بل بالزيادة والإمداد .
قوله : « يَتَنَازَعُونَ » في موضع نصب على الحال من مفعول : « أمْدَدْنَاهُمْ » ويجوز أن يكون مستأنفاً .
وتقدم الخلاف في قوله : { لاَّ لَغْوٌ فِيهَا } في البقرة . والجملة في موضع نصب صفة لكأسٍ . وقوله : فِيهَا أي في شَرَابِهَا . وقيل : في الجَنَّة . ومعنى يتنازعون أي يَتَعَاطَوْن . ويحتمل أن يقال : التنازع التجاذب ويكون تجاذبهم تجاذب مُلاَعَبةٍ لا تَجاذُبَ مُنَازَعَة . وفيه نوع لذَّةٍ ، قال الشاعر :
4534- نَازَعْتُهُ طَيِّبَ الرَّاحِ الشَّمُولِ وَقَدْ ... صَاحَ الدَّجَاجُ وَحَانَتْ وَقْعَةُ السَّارِي
وقوله : { لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } قال قتادة : اللَّغْو : الباطل . وقال مقاتل بن حيّان : لا فضولَ فيها . وقال سعيد بن المسيب : لاَ رَفَث فيها . وقال ابن زَيْد : لا سبابَ ولا تخاصُمَ فيها .
وقال القُتَيْبِيُّ : لا يذهب عقولهم فيَلْغُوا أو يَرْفُثُوا « وَلاَ تَأْثيمٌ » أي لا يكون منهم ما يُؤْثِمُهُمْ . قال ابن الخطيب : ويحتمل أن يكون المراد من التأثيم السُّكْر . وقال الزجاج : لا يجري منهم ما يُلْغَى ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشَرَبَةِ الخَمْر .
وقيل : لا يأثمون في شُرْبِهَا .
قوله تعالى : { وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ } أي يطوف عليهم بالخِدمة غلمانٌ لهم « كَأَنَّهُمْ » في الحسن والبياض والصَّفاء .
قوله : { كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ } صفة ثانية « لِغِلْمَانٍ » . والمعنى يطوف عليهم بالكُؤُوس غلمانٌ لهم . وهم الوِلْدَان المُخَلَّدُون { كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ } أي مخزون مَصُونٌ لم تَمَسَّهُ الأَيْدِي .
قال سعيدُ بن جُبَيْر : يعني في الصِّدق ، وقال عبد الله بن عمر : ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألفُ غلام وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه . « وروي عن الحسن أنه لما تلا هذه الآية قال : قَالُوا يا رسول الله : الخادم كاللؤلؤ المكنون فكيف المخْدُوم؟ قال : فَضْلُ المَخْدُومِ عَلَى الْخَادِمِ كَفَضْلِ لَيْلَةَ البدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَواكِبِ » .

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)

قوله تعالى : { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ } يسأَلُ بعضُهم بعضاً في الجنة . قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - : يتذاكرُون ما كانوا فيه من التَّعَب والخوف في الدنيا؛ فقوله : « يَتَسَاءَلُونَ » جملة حالية من « بَعْضُهُمْ » .
قوله : { قالوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ في أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ } أي خائفين . والمعنى أنهم يسألون عن سبب ما وصلوا إليه فيقولون : خَشْيَة اللَّهِ أي كنا نخاف الله « فَمَنَّ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ » . قال الكلبي : عذاب النار . وقال الحسن : ( - رضي الله عنه - ) : السموم اسمٌ من أسماء جهنم . والسَّمُوم في الأصل الرِّيحُ الحَارَّة التي تَتَخَلَّل المَسَامَّ ، والجمع سَمَائِمُ . وسُمَّ يَوْمُنَا أي اشتدَ حَرُّهُ . وقال ثعلب : السموم شدة الحر أو شدة البرد في النَّهَار وقال أبو عبيدة : السموم بالنهار وقد يكون بالليل والحَرُور بالليل وقد يكون بالنهار وقد يستعمل السموم في لَفْحِ البَرد وهو في لفح الحر والشمس أكثر . وقد تقدم شيء من ذلك في سُورة « فاطر » .
وقرأ العامة : وَوَقَانَا بالتخفيف ، وأبو حَيْوَة بالتَّشديد وقد تقدم . قوله : « إنَّا كُنَّا قَبْلُ » أي في الدنيا « نَدْعُوهُ » نُخْلِصُ له العبادة .
وقوله : { إِنَّهُ هُوَ البر } قرأ نافعٌ والكسائيُّ بفتح الهمزة على التعليل أي لأنَّه والباقون بالكسر على الاستئناف الذي فيه معنى العلة فيتحد معنى القراءتين .
وقوله : « هُوَ البَرُّ » . قال ابن عباس : اللطيف . وقال الضحاك : الصادق فيما وعد الرحيم بعباده ، ( اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا ) .

فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44)

قوله تعالى : { فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } لما بين تعالى أن في الوجود قوماً يخافون الله ، ويشفقون في أهلهم والنبي - عبليه الصلاة والسلام - مأمور بتذكير من يخاف الله تعالى لقوله تعالى : { فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ } [ ق : 45 ] فوجب التذكير فلذلك ذَكَرَهُ بالفاء .
قوله : « بِنِعْمَةِ رَبِّكَ » فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مقسم به متوسط بين اسم « ما » وخبرها . ويكون الجواب حينئذ محذوفاً لدلالة هذا المذكور عليه والتقدير : « وَنِعْمَةَ رَبّكَ مَا أَنْتَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ » .
الثاني : أن الباء في موضع نصب على الحال ، والعامل فيها : « بِكَاهِنٍ أوْ مَجْنُون » والتقدير : ما أنت كاهناً ولا مجنوناً ملتبساً بنعمة ربك . قاله أبو البقاء . وعلى هذا فهي حالٌ لازمة؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يفارق هَذِهِ الحَالَ .
الثالث : أن الباء متعلقة بما دل عليه الكلام وهو اعتراض بين اسم « ما » وخبرها والتقدير : ما أنت في حال أذْكَارِك بنعمةِ ربك بكاهنٍ ولا مجنون . قاله الحوفيّ . قال شهاب الدين : ويظهر وجه رابع وهو أن تكون الباء سببية وتتعلق حينئذ بمضمون الجملة المنفية . وهذا هو مقصود الآية الكريمة . والمعنى انتفى عنك الكَهَانَةُ والجنونُ بسبب نعمةِ الله عليك كما تقول : مَا أَنْتَ بمُعْسرٍ بحمْدِ اللَّهِ وَغِنائِهِ .
فصل
المعنى « فَذَكِّرْ » يا محمد أهل مكة بالْقُرْآنِ { فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } أي برحمته وعصمته « بِكَاهِنٍ » مبتدع القول ومخبر بما في غد من غير وحي « وَلاَ مَجْنُونٍ » نزلت في الذين اقتسموا عِقَابَ مكة يرمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكَهانةِ والسِّحر والجُنُون والشِّعر .
قوله : « أَمْ يَقُولُونَ » قال الثعلبي : قال الخليل : كل ما في سورة الطور من « أم » فاسْتِفْهَامٌ وليس بِعَطْفٍ .
وقال أبو البقاء : « أم » في هذه الآيات منقطعة . وتقدم الخلاف في المنقطعة هل تقدر بِبَلْ وحدَها أو بِبَلْ والهمزة أو بالهمزة وحدها . والصحيحُ الثاني .
وقال مجاهد في قوله : « إنْ تَأمُرهُمْ » تقديره بَلْ تَأمُرُهُمْ . وقرأ : { بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } يدل : أم هُمْ قَوْمٌ .
قوله : « نَتَرَبَّصُ » في موضع رفع صفة ل « شَاعِرٌ » والعامة على « نَتَرَبَّص » بإسناد الفعل لجماعة المتكلمين « رَيْبَ » بالنصب .
وزيد بن علي : يُتَرَبَّصُ - بالياء من تحت - على البناء للمفعول « رَيْبُ » بالرفع .
و « رَيْبُ المَنُونِ » : حَوَادِثُ الدَّهْر ، وتَقَلُّبَات الزَّمان؛ لأنها لا تدوم على حال كالريب وهو الشك فإنه لا يبقى بل هو متزلزل . قال الشاعر :
4535- تَرَبَّصْ بِهَا رَيْبَ الْمَنُونِ لَعَلَّهَا ... تُطَلَّقُ يَوْماً أَوْ يَمُوتُ خَلِيلُهَا

وقال أبو ذُؤَيْب :
4536- أَمِنَ الْمَنُونَ وَرَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ ... وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
والمنون في الأصل الدهر . وقال الراغب : المَنُونُ : المنيّة؛ لأنها تَنْقُصُ العَدَدَ ، وتَقْطَعُ الْمَدَدَ . وجَعَلَ من ذلك قوله : { أجر غير ممنون } أي غير منقطع . وقال الزمخشري : وهو في الأصل : فعول من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ، ولذلك سميت شعوب . و « رَيْبَ » وريبة مفعول به أي ننتظر به حوادث الدهر أو المنية .
فصل
المعنى : بل يقولون يعني هؤلاء المقتسمين الخَرَّاصين شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ به رَيْبَ المنون حوادث الدهر وصروفه وذلك أن العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء ، فإن الشعر كان عندهم يحفظ ويدون فقالوا : لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شِعْره وإنما نصبر وَنَتَربَّصُ موتَهُ ويَهْلِك كما هلك من قبله من الشعراء ويتفرق أصحابه وإنّ أباه مات شاباً ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه . والمنون يكون بمعنى الدهر فيكون بمعنى الموت سُمِّيَا بذلك لأنَّهما يقطعان الأجل . أو يقال : إنه - عليه الصلاة والسلام - كان يقول : إن الحَقَّ دين الله ، وإنَّ الشرع الذي أتيت به يبقى أبد الدهر ، وكتابي يُمْلَى إلى قيام الساعة فقالوا : ليس كذلك إنما هو شاعر والذي يذكره شعر ولا ناصر له وسيصيبه من بعض آلهتنا الهَلاَك فنتربص به ذلك . وَرَيْبُ المَنُون : هو اسم للموت فَعُولٌ من المَنِّ ، وهو القطع .
ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يكون المراد انه إذا كان شاعراً فصروف الزمان ربما تضعف ذِهْنَهُ وتُورثُ وَهَنَهُ فيتبين لكل أحد فساد أمره وكساد شعره .
قوله : « قُلْ تَرَبَّصُوا » أي انتظروا بي الموت .
فإن قيل : هذا أمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولفظ الأمر يوجب المأمور به أو يُبِيحُه ويجوزه وتربصتم كان حراماً .
فالجواب : ليس ذلك بأمر وإنما هو تهديد أي تربصوا فإني متربصٌ الهلاك بكم كقول الغَضْبَانِ لعبده : افْعَلْ مَا شِئْتَ فإني لَسْتُ عَنْكَ بغافلٍ .
فإن قيل : لو كان كذلك لقال : تَرَبَّصوا أو لا تَتَرَبَّصُوا كما قال : { اصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ } [ الطور : 16 ] .
فالجواب : ليس كذلك ، لأن ذلك يفيد عدم الخوف أكثر .
قوله : { فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المتربصين } أي أتربصُ هَلاَكَكُمْ ، وقد أهلكوا يوم بدر وغيره من الأيَّام . قال ابن الخطيب : ويحتمل أن يكون معناه إذا قلنا : ( إن ) ريب المنون صروفُ الدهر فمعناه إنكار كَوْن صروف الدهر مؤثرة فكأنه يقول : أَنَا مِنَ المتربِّصين حتى أُبْصِرَ ماذا يأتي به الذي تجعلونه مهلكاً وماذا يُصِيْبُني منه .
قوله : { أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ } عقولهم { بهاذآ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } والإشارة بقوله : « بِهَذَا » إلى ما ظهر منهم عقلاً ونقلاً . وهو عبادة الأوثان وقولهم الهَذَيَان . وقيل : إشارة إلى قولهم : كَاهنٌ وشاعرٌ ومجنونٌ . وقيل إشارة إلى التربص وذلك أن الأشياء إما أن تَثْبُتَ بعقلٍ أو نقلٍ فقال : هل ورد أمرٌ سَمْعِيّ أم عقولهم تأمرهم بما كانوا يقولون أم هم قوم طاغون مُفْتَرُونَ ويَقُولُونَ ما لا دليل عليه سمعاً ولا مقتضى له عقلاً؟ والطُّغْيَان مُجَاوَزَةُ الحَدِّ في العِصْيَانِ وكذلك كل شيء مكروهٌ ظاهرٌ ، قال تعالى :

{ لَمَّا طَغَا المآء } [ الحاقة : 11 ] .
واعلم أن قوله : « أَمْ تَأمُرُهُمْ » متصل تقديره : أنزل عليهم ذكر أم تأمرهم أحلامهم بهذا . وفي هذه الآية إشارة إلى أن كل ما لا يكون على وَفْق العقل لا ينبغي أن يقال؛ وإنما ينبغي أن يقال ما يجب قولهُ عقلاً .
والأحلام جمع حِلم وهو العقل فهما من باب واحد من حيث المعنى لأن العقل يضبط المرء فيكون كالبعير المَعْقُول لا يتحرك عن مكانه والحِلْم من الاحتلام ، وهو أيضاً سبب وقار المرء وثباته لأن الحُلم في أصل اللغة هو ما يراه النائم فينزل ويلزمه الغسل الذي هو سبب البلوغ وعنده يصير الإنسان مكلّفاً ، فالله تعالى من لطيفِ حِكمته قَرَن الشهوة بالعقل وعند ظهور الشهوة يكمل العقل ويكلف صاحبه فأشار تعالى إلى العقل بالإشارة إلى ما يقارنه وهو الحِلْم ليعلم أنه يريد به كمال العقل .
قوله : { أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ } أي يخلق القرآن من تِلْقَاءِ نَفْسِهِ ، والتَّقَوُّلُ تكلّف القول ولا يستعمل إلا في الكذب وهذا أيضاً متصل بقوله تعالى : { أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ } تقديره : كاهن أم يقولون تقوله بالمعنى ليس الأمر كما زَعَمُوا بل لا يؤمنون بالقرآن استكباراً .
ثم ألزمهم الحُجَّة وأبطل جميع الأقسام فقال : { فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ } أي القُرْآنِ ونظمه { إِن كَانُواْ صَادِقِينَ } أنَّ محمداً تقوَّلهُ من قِبَلِ نفسه ، ولما امتنع ذلك كَذَّبوا في الكُلّ .
قوله : « فَلْيأتُوا » الفاء للتعقيب أي إذا كان كذلك فيجب عليهم أن يأتوا بمثل ما أتى بهِ لِيَصحَّ كلامُهُم ويبطل كلامه . قال بعض العلماء : وهذا أمر تعجيزٍ قال ابن الخطيب : والظاهر أن الأَمر ههنا على حقيقته لأنه لم يقل : إيتوا مطلقاً بل قال : إيتوا إن كنتم صادقين فهو أمر معلق على شرط إذا وجد ذلك الشرط يَجِبُ الإتيان به وأمر التعجيز كقوله تعالى : { فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ } [ البقرة : 258 ] وليس هذا بحثاً يورث خللاً في كلامهم .
قوله : « بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ » العامة على تنوين « حَدِيثٍ » وَوَصْفِهِ ب « مِثْلِهِ » . والجَحْدَرِيُّ وأبو السَّمَّال « بحَدِيثِ مِثْلِهِ » بإضافة حديث إلى « المِثْل » على حذف موصوف أي بحديثِ رجلٍ مِثْلِهِ من جِنْسِهِ .
فصل
قالت المعتزلة : الحديث محْدَث ، والقرآن سماه حديثاً فيكون مُحْدَثاً .
وأجيبوا : بأن الحديث اسمٌ مشترك يقال للمُحْدَث والمنقول وهذا يصح أن يقال : هذا حديث قديم أي متقادم العَهْد ، لا بمعنى سبب الأزلية وذلك لاَ نِزَاع فِيهِ .
فإن قيل : الصّفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير والموصوف هنا : « حَدِيث » وهو مُنَكَّر ، و « مِثْلِهِ » مضاف إلى « القرآن » والمضاف إلى القرآن مُعَرَّف فكيف هذا؟
فالجواب : أن « مِثْلاً » و « غَيْراً » لا يتعرَّفان بالإضافة ، وكذلك كل ما هو مثله كشِبْهٍ ، وذلك أن « غَيْراً ومِثْلاً » وأمثالهما في غاية التنكير؛ لأنك إذا قلت : « مِثْلُ زَيْدٍ » يتناول كل شيء ، فإن كل شيء مثل زيد في شيء فالحِمار مثله في الجسم والحجم والإمكان والنباتُ مثله في النُّشُوء والنَّمَاء والذّبُول والفَنَاء ، والحَيَوَان مثله في الحركة والإدراك وغيرها من الأوصاف .

وأما « غَيْرُ » فهو عند الإضافة ينكَّر وعند قطع الإضافة ربَّما يَتَعرَّف؛ فإنك إذا قلت : غَيْر زيدٍ صار في غاية الإبهام ، فإنه يتناول أموراً لا حصر لها ، وأما إذا قطعتَ « غير » عن الإضافة فربَّما يكون الغَيْرُ والمُغَايَرَةُ من بابٍ واحد وكذلك التَّغيُّر فتجعل الغير كأسماء الجنس وتَجْعَلُهُ مبتدأ أو تريد به معنى معيَّناً .
قوله : « أَمْ خُلِقُوا » لا خلاف أن « أم » هنا ليست بمعنى بل لكن أكثر المفسرين على أن المراد ما وقع في صدر الكلام من الاستفهام بالهمزة كأنه يقول : « أَخُلِقُوا مِنْ غير شيء » .
قال ابن الخطيب : ويحتمل أن يقال : هو على أصل الوضع للاستفهام الذي يقع في أثناء الكلام وتقديره : أَم خُلِقُوا من غير شيء أم هم الخالقون؟
قوله : { مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ } يجوز أن تكون « من » لابْتِدَاء الغاية على معنى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شيء حَيٍّ كالجَمَادِ فهم لا يُؤْمَرُون ولا يُنْهَوْنَ كما الجَمَادَات ، وقيل : هي للسَّبَبِيَّة على معنى من غير عِلَّةٍ ، ولاَ لِغَايَةِ ثوابٍ ولا عقابٍ .
فصل
وجه تعلق الآية بما قبلها أنهم لما كذبوا النبي - عليه الصلاة والسلام - ونسبوه إلى الكَهَانَةِ والشِّعْر والجُنُونِ وبرأه الله من ذلك ذكر الدليل على صِدْقِهِ إبطالاً لتكذيبهم وبدأ بأنفسهم فكأنه يقول : كيف تكذبونَهُ وفي أنفسكم دليل صدقه ، لأن قوله كانَ في ثلاثة أشياء ، في التوحيدِ ، والحَشْرِ ، والرسالة ففي أنفسهم ما يعلم صدقه وهو أنهم خلقوا وذلك دليل التوحيد لما تقدم أنَّ :
فِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ؟
وأما الحشر فلأن الخلق الأول دليل على جواز الخلق الثاني .
فصل
قال المفسرون : معنى الآية : أم خلقوا من غير شَيْءٍ فوُجِدُوا بلا خالق وذلك مما لا يجوز أن يكون { أَمْ هُمُ الخالقون } لأنفسهم وذلك في البُطْلاَن أشدُّ؛ لأن ما لا وجودَ له كيف يخلق فإذا بَطَلَ الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقاً فليؤمنوا به . قال هذا المعنى أبو سليمان الخَطَّابِيُّ . وقال الزجاج : معناه أَخُلِقُوا باطلاً لا يُحَاسَبُون ولا يُؤْمِنُون وقال ابْنُ كَيْسَانَ : أخلقوا عبثاً وتركوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنهَوْن كقول القائل فعلت كذا وكذا ( وقوله ) : { مِنْ غير شيء } لغير شيء { أَمْ هُمُ الخالقون } لأنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر .

وقيل : معناه أخلقوا من غير أبٍ وأُمٍّ .
قال ابن الخطيب : ويحتمل أن يقال : أم خلقوا من غير شيء أي أَلَمْ يُخْلَقُوا من ترابٍ أو من ماء لقوله تعالى : { أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } [ المرسلات : 20 ] ويحتمل أن يقال : الإستفهام ليس بنفي بل هو بمعنى الإثبات كقوله تعالى : { أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون } [ الواقعة : 59 ] و { أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون } [ الواقعة : 64 ] و { أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ المنشئون } [ الواقعة : 72 ] كل ذلك في الأول منفي وفي الثاني مثبت كذلك ههنا قال تعالى : { أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ } أي إنَّ الصادقَ هو الثاني وهذا حينئذ كقوله تعالى : { هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } [ الإنسان : 1 ] .
فإن قيل : كيف يكون ذلك الإثبات والآدمي خلق من تراب؟
نقول : والتراب خلق من غير شيء ، فالإنسان إذا نظرت إلى خلقه ونظرت إلى ابتداء أمره تجده مخلوقاً من غير شيء .
أو نقول : المراد أم خلقوا من غير شيء مذكوراً أو متغيراً وهو الماء المَهِينُ؟
قوله : { أَمْ خَلَقُواْ السماوات والأرض بَل لاَّ يُوقِنُونَ } قال الزمخشري : « لا يوقنون بأنهم خُلِقُوا » وهو في معنى قوله : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] أي هم معترفون بأنه خلق الله وليس خلق أنفسهم .
وقيل : بل لا يوقنون بأن الله خالقٌ واحدٌ أي ليس الأمر كذلك وما خلقوا وإنما لا يوقنون بوَحْدَةِ الله . وقيل المعنى لا يوقنون أصلاً من غير ذكر مفعول كَقْولِكَ : فُلانٌ لَيْسَ بمُؤْمِنٍ وفُلاَنٌ كَافِرٌ لبيان مذهبه وإن لم يَنْوِ مفعولاً . والمعنى أنهم ما خلقوا السموات والأرض ولا يوقنون بهذه الدلائل ، بل لا يوقنون أصلاً وإن جئتهم بكل آية بدليل قوله تعالى بعد ذلك : { وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ السمآء سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ } . وهذه الآية دليل الآفاق وقوله من قَبْلُ دَليلُ الأنفس .
قوله : { أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ } قال عكرمة : يعني النبوة ، وقال مقاتل : أَبِأَيْديهم مفاتيحُ ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ وقال الكلبي : خَزَائِنُ المَطَر والرِّزق . وقيل : خزائن الرحمة .
قوله : { أَمْ هُمُ المسيطرون } وهذه تَتِمَّةُ الردِّ عليهم؛ لأنه لما ( قَا ) ل : { أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ } أشار على أنهم ليسوا بخزنة الله فعلموا خزائن الله لكن بمجرد انتفاء كونهم خزنة ( لا ) ينتفي العلم لجواز أن يكون مشرفاً على الخَزَنَةِ ، فإن العلم بالخَزَائنِ عند الخازن والكاتب بالخِزَانَة فقال : لستم بخَزَنَةٍ ولا بِكَتَبَة الخزانة المسلطين عليها .
قال ابن الخطيب : ولا يبعد تفسير : « المُسَيْطِرِين » بكَتَبَةِ الخزائن؛ لأن التركيب يدل على السَّطْر وهو يستعمل في الكِتَابة .
قال أهل اللغة : المُسَيْطِرُ الغالب القاهر من سَيْطَرَ عليه إذا راقبه وَحَفظَهُ أو قَهَرَهُ .

قال المفسرون : المسيطرون المسلطون الجَبَّارُون . وقال عطاء : أربابٌ قاهرونَ ، فلا يكونوا تحت أمرٍ أو نهي يفعلون ما شَاؤُوا . ويجوز بالسين والصاد جميعاً .
وقرأ العامة : المُصَيْطِرُون بصاد خالصة من غير إشْمَامِها زاياً لأجل الطاء كما تقدم في : « صراط » [ الفاتحة : 7 ] .
وقرأ هشامٌ وقُنْبُلٌ من غير خلاف عنهما بالسين الخالصة التي هي الأصل وحفصٌ بخلافٍ عنه .
وقرأ خلاَّدٌ بصاد مشمَّةٍ زاياً من غير خلاف عنه . وقرأ خلادٌ بالوجهين أعني كخَلَفٍ والعامَّةِ . وتوجيه هذه القراءات واضحٌ مما تقدم في أول الفاتحة ، ولم يأتِ على « مُفَيْعِلٍ » إلا خمسة ألفاظ ، أربعةٌ صفةٌ اسمُ فاعل نحن مُهَيْمِن ومُبَيْقِر ، ومُسَيْطرِ ومُبَيْطر وواحد اسم جبل - وقيل : اسم أرضٍ لبني فِزارة - وهو المُجَيْمِر قال امرؤ القيس :
4537- كَأَنَّ ذُرَى رَأسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً ... مِنَ السَّيْلِ والغُثَّاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
قوله : { أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ } أي مِرْقَاةٌ ومِصْعَد إلى السماء « يَسْتَمِعُونَ فِيهِ » . وهذا أيضاً تتميم الدليل ، فإن مَنْ لا يكون خازناً ولا كاتباً قد يطلع على الأمر بالسماع من الخازن أو الكاتب فقال : أنتم لستم بخزنة ولا كَتَبَةٍ ولا اجتمعتم بهم ، لأنهم ملائكة ولا صعود لكم .
قوله : « يَسْتَمِعُونَ فِيهِ » صفة « لسُلَّمٍ » و « فِيهِ » على بابه من الظرفية . وقيل : هي بمعنى « عَلَى » . قاله الواحدي ، كقوله تعالى : { وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل } [ طه : 71 ] . ولا حاجة إلَيْهِ .
وقدَّره الزمخشري متعلقاً بحال محذوفة تقديرها : صَاعِدِينَ فيه . ومفعول « يَسْتَمِعُونَ » محذوف فقدره الزمخشري يستمعون ما يوحى إلى الملائكة من عِلْم الغيب . وقدره غيره يستمعون الخبر بصحة ما يدعون من أنه شاعر ، وأنَّ لِلَّهِ شركاءَ .
والظاهر أنه لا يقدر له مفعول بل المعنى يوقعون الاستماع أي هل لهم قوة الاستماع من السماء حتى يعلموا أنه ليس برسول .
قوله : « فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ » إن ادَّعَوْا ذلك « بسلطان مبين » أي حجة وبينة .
فإن قيل كيف قال : « فَلْيَأتِ مُسْتَمِعُهُمْ » ولم يقل : فَلْيَأتُوا كما قال تعالى : { فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ } [ الطور : 34 ] ؟
فالجواب : أنه طلب منهم الأهون على تقدير صدقهم ليكون امتناعُه عليهم أدلَّ على بُطْلان قولهم ، وقال هناك : فَلْيَأتوا أي اجتمعوا عليه وتعاونوا وأتوا بمثله ، فإن ذلك عند الاجتماع أهون وأما الارْتِقَاءُ في السلم بالاجتماع فمتعذِّر ، لأنه يرتقي واحدٌ بعد واحد فلا يحصل في الدرجة العليا إلا واحد فقال : فَلْيَأتِ ذَلك الواحد بما سَمِعَهُ . وفيه لطيفة وهي أنه لو طلب منهم ما سمعوه لكان الواحد أن يفتري ويقول : سَمِعْتُ كذا فقال : لاَ بل الواجب أن يأتي بدليل يَدُلُّ عليه .
قوله : { أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ البنون } وهذا إنكار عليهم حين جعلوا لله ما يكرهون كقوله تعالى : { فاستفتهم أَلِرَبِّكَ البنات وَلَهُمُ البنون } [ الصافات : 149 ] .
{ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً } جعلاً على ما جئتهم به ودعوتهم إليه { فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } أي أثقلهم ذلك المَغْرَم الذي يسألهم ، فيمنعهم ذلك عن الإسلام .

فإن قيل : ما الفائدة في سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال : أَمْ تَسْأَلَهُمْ ولم يقل : أَمْ تُسْأَلُونَ أجراً كما قال تعالى : { أَمْ يَقُولُونَ } { أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً } إلى غير ذلك؟
فالجواب : أنَّ فيه فائدتين :
إحداهما : تسلية قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهم امتنعوا عن الاستماع صَعُبَ على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له ربه : أَنْتَ أتيتَ بما عليك فلا يَضيقُ صدرُك حيث لم يُؤْمنوا ، فأنت غير مُلْزَم ، وإنما كنت تُلاَمُ إن كنت طلبت منهم أجراً فهل طلبت ذلك فأَثْقَلْتَهُمْ فلا حَرَجَ عليك إذَنْ .
الثانية : لو قال : أَمْ تُسْأَلُونَ ففي طلب الأجر مطلقاً وليس كذلك لأنهم كانوا مشركين مطالبين بالأجر من رؤسائهم وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أنتَ لا تسألهم أجراً فهم لا يَتَّبِعُونَك وغيرهُم يسألهم وهم يسألون ويتَّبِعون السائلين هذا غاية الضَّلاَل .
قوله : { أَمْ عِندَهُمُ الغيب } أي علم ما غاب عنهم حتى علموا أن ما يخبرهم من أمر القيامة والبعث باطل . قال قتادة : هذا جواب لقوله : { نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون } يقول : أعندهم الغيب حتى علموا أن محمداً يموت قبلهم فهم يكتبون .
قال ابن الخطيب : وهذا ضعيف لبعد ذكره ، أو لأن قوله تعالى : { قُلْ تَرَبَّصُواْ } متصل به وذلك يمنع اتصال هذا بذاك .
قال القُتَيْبِيّ : أي يحكمون والكِتَاب الْحُكم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجلين اللذين تخاصما إليه : أقضي بينكما بكِتَاب الله أي بحُكْمِ الله .
وقال ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - معناه : أم عِنْدهُمُ اللَّوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويُخْبِرُون الناس به .
والألف واللام في { الغيب } لا للْعَهْد ولا لتعريف الجنس بل المراد نوع الغيب ، كما تقول : اشْتَرِ اللَّحْمَ تريد بيان الحقيقة لا كلّ لحم ولا لحماً معيناً .
قوله { أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً } أي مكراً بك { فالذين كَفَرُواْ هُمُ المكيدون } أي المَخْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ ، أي إن ضَرَرَ ذلك يعود عليهم ويحيق مكرهم بهم لأنهم مكروا به في دَار الندوة فقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ .
فصل
وجه التعلق إذا قيل بأن قوله : { أَمْ عِندَهُمُ الغيب } متصل بقوله تعالى : { نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون } فالمعنى أنهم لما قالوا : نتربص به ريب المنون قيل لهم : أتعلمون الغيب فتعلمون أنه يموت قبلكم أَمْ تُرِيدُون كيداً فتقولون نقتله فيموت فقيل لهم : إن كنتم تدعون الغيب فأنتم كاذبون وإن كنتم تظنُّون أنّكم تقدرون عليه فأنتم غالِطُون فإن الله يَصُونُه ويَنْصُره عليكم .
وإن قيل بأن المراد أنه عليه الصلاة والسلام لا يسألكم عن الهداية مالاً وأنتم لا تعلمون ما جاء به لكونه من الغُيُوبِ ففي المراد بقوله : { أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً } وجهان :
الأول : أن المعنى أم يريدون أي من الشيطان فكأنه تعالى قال : أنتَ لا تَسْألهم أجراً وهم لا يعلمون الغيب فهم محتاجون إليك وأعرضوا فقد اختاروا كَيْدَ الشيطان ، وارتَضَوْا بإزاغَتِهِ .

والإرادة بمعنى الاختيار كقوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة } [ الشورى : 20 ] وقوله : { أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ } [ الصافات : 86 ] وقوله : { إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ } [ المائدة : 29 ] .
الثاني : أن المراد أم يريدون كيداً ، فهو واصل إليهم وهم عن قريب مكيدونَ والمعنى أنه لم يبق لهم حجةٌ في الإعراض فهم يريدون نُزُول العذاب والله أرسل إليهم رسولاً لا يسألهم أجراً ويَهْدِيهم إلى ما لاَ عِلْمِ لَهم به ولا كتابَ عندهم وهم معرضون فهم يريدون إذَنْ أن يهلكهم ويكيدهم ، لأن الاستدراجَ كيدٌ ، والإملاء لازدياد الإثْم كذلك ولا يقال : هذا فاسد ، لأن الكيد والإساءة لا تطلق على فعل الله تعالى إلا بطريق المقابلة وكذلك المكر فلا يقال : أسَاءَ اللَّهُ إلى الكافر ولا اعتدى الله إلا إذا ذكر أولاً منهم شيء من ذلك ، ثم يقال بعده مثله لفظاً في حق الله تعالى ، كقوله تعالى : { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] ، { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 194 ] { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله } [ آل عمران : 54 ] { يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً } [ الطارق : 15 - 16 ] ؛ لأنا نقول : الكيد ( ما ) يسُوءُ مَنْ نَزَلَ به ، وإن حسن ممن وجد منه كقول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - { لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } [ الأنبياء : 57 ] من غير مقابلة . ونكر الكيد ، إشارةً إلى وقوع العذاب من حيث لا يشعرُون ، فكأنه قال : يأتيهم بَغْتة ولا يكون لهم علم بِعظمِهِ .
قوله : « فَالَّذِينَ كَفَرُوا » هذا من وقوع الظاهر موقع المضمر تنبيهاً على اتِّصافهم بهذه الصفة القبيحة ، والأصل أَم يُريدُونَ كَيْداً فَهُم المكيدون ، أو حكم على جنس هم نوع منه فيندرجون اندراجاً أوَّلِيًّا لتوغلهم في هذه الصفة .
قوله : { أَمْ لَهُمْ إله غَيْرُ الله } يرزقهم وينصرهم { سُبْحَانَ الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
قال الخليل : ما في هذه السورة من ذكر « أَمْ » كلمةُ استفهام وليس بعطف .
فصل
قَالَ أَهْلُ اللُّغَة : « سُبْحَانَ اللَّهِ » اسم علم على التسبيح ، و « مَا » في قوله « عَمَّا يُشْرِكُونَ » يحتمل أن تكون مصدرية أي عن إشراكهم ، ويحتمل أن تكون خبريةً أي عن الذين يشركون . وعلى هذا يحتمل أن يكون عن الولد لأنهم كانوا يقولون : لَهُ البَنَاتُ فقال : « سُبْحَانَ اللَّهِ عن البنات والبنين » . ويحتمل أن يكون عن مثل الآلهة أي سبحانه الله عن مِثْل ما يعبدونه .
قوله تعالى : { وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ السمآء سَاقِطاً } « إنْ » هذه شرطية على بابها . وقيل : هي بمعنى « لو » . وليس بِشَيءٍ .
وقوله : « سَحَابٌ » خبر مبتدأ مضمر أي هذا سَحَابٌ ، والجملة نَصْبٌ بالقول .
فصل
لما بين فَسَاد أقوالهم وسقوطها أشار إلى أنه لم يبق لهم عُذْرٌ ، فإن الآيات والحُجَج قد ظهرت ولم يؤمنوا فبعد ذلك { وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً } أي قطعةً { مِّنَ السمآء سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ } أي ينكرون كونه آية .

ومعنى الآية لو عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم يَنْتَهُوا عن كفرهم ويقولوا لمعاندتهم : هَذَا سَحَابٌ مَرْكُومٌ أي بعضه على بعض .
قوله : « سَاقِطاً » يحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً كقولك : رَأَيْتُ زيداً عَالِمَاً ، وأن يكون حالاً كقولك : ضربته قائماً .
والثاني أولى؛ لأن الرؤية عند التعدي إلى مفعولين في أكثر الأمر تكونُ بمعنى العلم ، تقول : رَأَيْتُ هَذَا المَذْهَبَ صَحِيحاً وهذا الوجه ظاهراً وعند التعدي إلى واحد تكون بمعنى « رأي العين » في الأكثر ، تقول : رأيت زيداً؛ قال تعالى : { فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [ غافر : 84 ] وقال : { فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً } [ مريم : 26 ] .
والمراد من الآية رؤية العين .
فصل
قولهم : « سَحَابٌ مَرْكومٌ » إشارة إلى أنهم حين يعجزون عن التكذيب ولا يمكنهم أن يعقلوا وقوع شيء على الأرض يَرْجِعون إلى التأويل والتَّخْييل ، وقالوا : سَحَابٌ ولم يقولوا : هذا سحاب إشارة إلى وضوح الأمر وظهور العِنَاد فأتوا بما لا شك فيه . وقالوا : « سحاب مركوم » وحذفوا المبتدأ ليبقى للقائل فيه مجال فيقولون عند تكذيب الخلق إيّاهم : قُلْنَا سَحَابٌ مَرْكُومٌ شبهة أو مثلة . وإن مشى الأمر على عوامِّهم استمروا . وهذه طريق من يخاف من كلام لا يعلم هل يقبل منه أم لا فيجعل كلامه ذَا وَجْهَيْنِ . فإن رأى القبول صرح بمرادهِ ، وإن أنكر عليه أحدهما فَسَّره بالآخَر .

فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)

قوله : { فَذَرْهُمْ حتى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ } « يومهم » مفعول به لا ظرف . وقرأ أبو حيوة : يَلْقُوا مضارع لَقِيَ ويُضْعِفُ أن يكون المفعول محذوفاً و « يَوْمَهم » ظرف أي يلاقوا أو يلقوا جزاء أعمالهم في يَوْمِهِمْ .
فصل
قوله : « فذرهم » كقوله : { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } [ الأنعام : 68 ] ، { وَتَوَلَّ عَنْهُمْ } [ الصافات : 178 ] إلى غير ذلك . فقيل : كلها منسوخة بآيات القتال . وهو ضعيف . وإنما المراد التهديد كقول السيد لعبده الجاني لمن ينصحه : دَعْهُ فإنه سَيَنَالُ جِنَايَتَهُ .
قوله : { الذي فِيهِ يُصْعَقُونَ } قرأ ابنُ عامر وعاصم بضم ياء يصعقون مبنياً للمجهول . وباقي السبعة بفتحها مبنياً للفاعل . وقرأ أبو عبد الرَّحْمَنِ : بضم الياء وكسر العين .
فأما الأولى : فيحتمل أن تكون من صُعِقَ فهو مَصْعُوق مبنياً للمفعول . وهو ثلاثي حكاه الأخفش ، فيكون مثل سُعِدُوا وأن يكون من أَصْعَقَ رُبَاعِيًّا ، يقال : أُصْعِقَ فهو مُصْعَقٌ . قاله الفارسي . والمعنى أن غيرَهم أَصْعَقَهُمْ .
وقراءة السلمي تؤذن أن أفْعَلَ بمعنى فَعِلَ . ومعنى يصعقون أي يموتون أي حتى يعاينوا الموت .
وقوله : { يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ } يوم بدل من « يَوْمَهُمْ » .
وقيل : ظرف « يُلاَقُوا » .
فإن قيل : يلزم منه أن يكون اليومُ في يوم فيكون اليومُ ظرفَ الْيَوْمِ؟
فالجواب : هو على حدّ قولك : يأتي يَوْمُ قتل فلان يَوْمَ تَبين جَرائِمُهُ . قاله ابن الخطيب . وقوله { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } أي لا ينفعهم كيدهم يوم الموت ولا يمنعهم من العذاب مانعٌ .
قوله : { وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } يجوز أن يكون من إتباع الظاهر موقع المضمر وأن لا يكون كما تقدم . والمعنى وإن للذين ظلموا أي كفروا { عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ } أي عذاباً في الدنيا قبل عذاب الآخرة . قال ابن عباس - ( رَضِيَ الله عنهما ) - يعني القتل يوم بدر .
وقال الضحاك : هو الجوع والقحط سَبْعَ سنين . وقال البراءُ بن عازب : عذاب القبر .
{ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن العذاب نازل بهم .
والمراد بالظلم هنا هو كيدهم نَبِيَّهم - عليه الصلاة والسلام - وهم أهل مكة . وقيل : ظلموا بعبادة غير الله فيكون عاماً في كل ظالم . والإشارة بقوله : « ذَلِكَ » إلى اليوم الذي فيه يُصْعَقُونَ .
ومقعول « يعلمون » يجوز أن يكون ما تقدم ، ويجوز أن يكونَ لا مفعولَ له أي أكثرهم غافِلونَ جَاهِلُون .
قوله تعالى { واصبر لِحُكْمِ } . أي إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمت عليهم « فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا » قراءة العامة بالفك ، وأبو السَّمَّال بإدغام النون فيما بعدها . وناسب جمع الضمير هنا جمع العين ألا تراه أفرد حَيْثُ أفردها في قوله : { وَلِتُصْنَعَ على عيني } [ طه : 39 ] . قاله الزمخشري . والمعنى : فَإنك بِمرأًى مِنَّا .
قال ابن عباس : نَرَى ما يُعْمَلُ بك . وقال الزجاج : إنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مَكْرُوهِكَ .

قال ابن الخطيب : اللام في قوله « لِحُكْمِ رَبِّكَ » تحتمل وجوهاً :
أحدها : هي بمعنى « إلى » أي اصبر إلى أن يحكم الله .
الثاني : أن الصبر فيه معنى الثبات أي تَثَبَّت لحكم ربك واحْتَمِلْهُ .
الثالث : هي اللام التي للسبب ، يقال : لِم خرجت؟ فتقول : لحكم فلان عليَّ بالخروج ، فقال : فَاصْبِرْ واجعل سبب الصبر امتثال الأمر ، أي فاصبر لهذا الحكم عليك لا لشيءٍ آخر .
قوله : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } تقدم الكلام على نظيره وقوله : « حِينَ تَقُومُ » قال سعيد بن جبير وعطاء : أي قل حين تقوم من مجلسك : سُبْحَانك اللهم وبحمدك ، فإن كان المجلس خيراً ازددتَ إحساناً وإن كان غير ذلك كان كفارةً له .
وروى أبو هريرة قال : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : « مَنْ جَلَسَ مَجْلِساً وكَثُر فيه لَغَطُهُ فقال قبل أن يقوم : سُبْحَانَكَ اللَّهُ وَبِحَمْدِك أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ إلاَّ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا » وقال ابن عباس ( - رضي الله عنهما - ) : معناه : صَلِّ لله حين تقوم من مقامك . وقال الضحاك والربيع : إذا قمت إلى الصلاة فقل : سبحانَك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك ولا إله غيرك . وقال الكلبي : هو ذكر الله باللسان « حِينَ تَقُومُ » من الفراش إلى أن تدخل في الصلاة ، لِمَا رَوَى عاصمُ بنُ حُمَيْدٍ قال : « سألتُ عائشةَ بأيِّ شيءٍ كان يَفْتَتِحُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قيامَ الليل؟ فقالت : كان إذا قَامَ كَبَّر عَشْراً ، وحَمِدَ الله عشراً وهَلَّلَ عَشْراً واسْتَغْفَر عَشْراً وقال : اللهم اغْفِرْ لي واهْدِنِي وارْزُقْنِي وعَافِنِي ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة » وقيل : حين تقوم لأمر ما ولا سيما إذا كنت تَنْتَصِبُ لمُجَاهَدةِ قومك ومُعَادَاتِهِم والدعاء عليهم « فسبح بحمد ربك » وبدل قيامك بالمناداة ، وانتصابك للانتقام بقيامك بذكر الله وتسبيحه .
قوله : { وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ } أي صَلِّ له ، قال مقاتل : حتَّى صلاة المغربِ والعشاءِ « وإدْبَارَ النُّجُومِ » يعني الركعتين قبل صلاة الفجر وذلك حين تُدْبِرُ النجوم أي تغيب بضوء الصبح .
هذا قول أكثر المفسرين . وقال الضحاك : هي فريضة صلاة الصبح .
قوله : « وإدْبَارَ النّجُومِ » العامة على كسر الهمزة مصدراً ، بخلاف التي في آخر « ق » كما تقدم ، فإنَّ الفتح هناك لائق لأنه يراد به الجمع لدَبْر السجود أي أعْقَابِهِ .
على أنه قرأ سالم الجَعديُّ ويعقوب ، والمِنْهَالُ بن عمرو بفتحها هنا؛ أي أعقاب النجوم وآثارها إذا غَرُبَتْ .
فصل
هذه الآية نظير قوله : { فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [ الروم : 17 ] وقد تقدم الكلام عليها .
قال ابن الخطيب : قال ههنا : « وإدبار النجوم » وقال في « ق » وأَدْبَار السُّجُّودِ « فيحتمل أن يكون المعنى واحداً ، والمراد من السجود جمع ساجد ، والنُّجُوم سجود قال تعالى :

{ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ } [ الرحمن : 6 ] .
وقيل : المراد من النجوم نجوم السماء . وقيل : النجم : ما لا ساق له من النبات قال تعالى : { وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض } [ الرعد : 15 ] . والمراد من النجوم الوظائف وكل وظيفة نَجْمٌ في اللغة إذا فرغت من وظائف الصلاة فقل : سبحان الله كما تقدم .
روى أبيّ بن كعب - ( رضي الله عنه وأَرْضَاهُ ) - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « مَنْ قَرَأَ سُورَة » والطُّورِ « كان حَقًّا على اللَّه - عزَّ وَجَلَّ - أن يُؤمِّنَهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْر وَأَنْ يُدْخِلَهُ بِنِعْمَتِهِ فِي جَنَّتِهِ » .
( والله - سبحانه وتعالى - ) أعْلَمُ .

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12)

قوله تعالى : { والنجم إِذَا هوى } قال ابن عباس ( رضي الله عنهما ) في رواية الوالبيِّ العَوْفِيِّ يعني الثُّرَيَّا إذَا سقطت وغابت . وهُوِيُّهُ مَغِيبُهُ . والعرب تسمي « الثُّرَيَّا » نَجْماً قال قائلهم :
4538- إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ عِشَاءَا ... ابْتَغَى الرَّاعِي كِسَاءَا
وجاء في الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً : مَا طَلَعَ النَّجْمُ قَطّ وَفِي الأَرْضِ مِنَ العَاهَةِ شَيْءٌ إِلاَّ رُفِعَ .
وأراد بالنجم الثريا . قال شهاب الدين : وهذا هو الصحيح لأن هذا صار علماً بالغلبة ومنه قول العرب :
4539- طَلَعَ النَّجْم غُدَيَّهْ ... فَابْتَغَى الرَّاعِي كُسَيَّهْ
وقال عمر بن أبي ربيعة :
4540- أحْسَنُ النَّجْم فِي السَّمَاءِ الثُّرَيَّا ... وَالثُّرَيَّا فِي الأَرْضِ زَيْنُ النِّسَاءِ
يقال : إنها سبعة أنجم ستةٌ منها ظاهرة وواحدٌ خفي يمتحن الناس به أبصارهم . وروى القاضي عِياضٌ في « الشِّفا » أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرى الثريا أحد عشر نجماً . وقال مجاهد : هي نجوم السماء كلها حين تغرب . لفظه واحد ومعناه الجمع . سمي الكوكب نجماً لطلوعه ، وكل طالع نجم ، يقال : نَجَم السِّنُّ والقَرْن والنَّبْتُ إذا طَلَعَ . وروى عكرمة عن ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - أنها ما يرمى به الشياطين عند استراقهم السمع . وقال أبو حمزة الثُّماليُّ : هي النجوم إِذا اسْتَتَرَتْ يوم القيامة . وقيل المراد بالنجم هنا الجِنْس .
قال الشاعر - ( رحمة الله عليه- ) :
4541- فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْم فِي مُسْتَحِيرَةٍ ... سِرِيع بِأَيْدِي الآكِلينَ جُمُودُهَا
أي تَعُدُّ النجوم . وهذا هو معنى قول مجاهد المتقدم . وقيل : المراد بالنجم الشِّعْرَى؛ لقوله : { وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى } [ النجم : 49 ] . وقيل : الزهرة؛ لأنها كانت تُعْبَدُ . وقيل : أراد بالنجم القرآن ، لأنه نزل نجوماً متفرقاً في عشرين سنة . وسمي التفريق تنجيماً والمفرق منجماً . قاله الكلبي ورواه عطاء عن ابن عباس . والهويُّ النزول من أعلى إلى أسفل . وقال الأخفش : النجم هو النبت الذي لا ساق له ومنه قوله - عَزَّ وجَلَ - { والنجم والشجر يَسْجُدَانِ } [ الرحمن : 6 ] . وهُوِيُّهُ سقوطه على الأرض . وقال جعفر الصادق : يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم - إِذ نزل من السماء ليلة المعراج . والهويُّ النزول ، يقال هَوَى يَهْوِي هُوِيًّا . والكلام في قوله : « والنجم » كالكلام في قوله : « والطُّورِ » حيث لم يقل : وَالنُّجُوم ولا الأَطْوَار وقال : { والذاريات } [ الذاريات : 1 ] { والمرسلات } [ المرسلات : 1 ] كما تقدم .
فصل
السور التي تقدمت وافتتاحها بالقسم بالأشياء دون الحروف هي « الصَّافَّات » ، و « الذَّارِيَات » و « الطُّور » وهذه السورة بعدها فالأولى أن يقسم لإثبات الوحدانية كما قال : { إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ } [ الصافات : 4 ] وفي الثانية أقسم لوقوع الحشر والجزاء كما قال تعالى : { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ } [ الذاريات : 5 و 6 ] وفي الثالثة لدوام العذاب بعد وقوعه كما قال تعالى : { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ }

[ الطور : 7 و 8 ] وفي هذه أقسم لإثبات النبوة لتكمل الأصول الثلاثة الوحدانية ، والحشر ، والنبوة .
واعلم أنه تعالى لم يقسم على الوحدانية ولا على النبوة كثيراً ، لأنه أقسم على الوحدانية في سورة واحدة وهي « وَالصَّافَّاتِ » ، وأما النبوة فأقسم عليها بأمر واحد في هذه السورة وبأمرين في سورة ( وَالضُّحَى ) وأكثر من القسم على الحشر وما يتعلق به فقال : { والليل إِذَا يغشى } [ الليل : 1 ] { والشمس وَضُحَاهَا } [ الشمس : 1 ] { والسمآء ذَاتِ البروج } [ البروج : 1 ] إلى غير ذلك وكلها في الحشر أو ما يتعلق به ، وذلك لأن دلائل الوحدانية كثيرة كلها عقلية كما قيل :
4542- وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أنَّهُ الوَاحِدُ
ودلائل النبوة أيضاً كثيرة وهي المعجزات المشهورة وأما الحشر ووقوعه فلا يمكن إثباته إلاَّ بالسمع فأكثر فيه القسم ليقطع بها المكلف ويعتقده اعتقاداً جازماً .
فصل
قال ابن الخطيب : والفائدة في تقييد القسم به بوقت هويه إذا كان في وسط السماء بعيداً عن الأرض لا يهتدي إليه السَّارِي لأنه لا يعلم به المَشْرِق من المَغْرِب ولا الجنوب من الشّمال . فإِذا زال عن وسط السماء تبين بزواله جانب المغرب من المشرق والجنوب عن الشمال . وخص الهويَّ دون الطلوع لعموم الاهتداء به في الدين والدنيا كما قال الخليل - عليه الصلاة والسلام - { لا أُحِبُّ الآفلين } [ الأنعام : 76 ] . وفيه لطيفة وهي أن القسم بالنجم يقتضي تعظيمه وقد كان منهم من يعبده فنبه بهُوِيِّه على عدم صلاحيته للإِلهيَّة بأُفُولِهِ .
فصل
أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها لفظاً ومعنى ، أما لفظاً فقوله : « وَإِدْبَارَ النُّجُومِ » وافتتح هذه بالنجم مع واو القسم ، وأما معنًى فلأنه تعالى لما قال لنبيه : { وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النجوم } [ الطور : 49 ] بين له أنه ( جزأه في أجزاء مكابدة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنجم ) وبعده ( عما لا يجوز له ) فقال : { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غوى } .
قوله : « إذَا هَوَى » في العامل في هذا الظرف أوجه وعلى كل منها إِشْكَال .
أحدها : أنه منصوب بفعل القسم المحذوف تقديره : أُقْسِمُ بالنجم وقْتَ هُويه . قاله أبو البقاء . وهو مشكِل؛ فإن فعل القسم إنشاء والإنشاء حال و « إذا » لما يستقبل من الزمان فكيف يتلاقيان؟! .
الثاني : أن العامل فيه مقدر على أنه حال من ( النَّجْمِ ) أقْسَمَ به حال كونه مستقراً في زمان هُوِيِّهِ . وهو مشكلٌ من وجهين :
أحدهما : أن النجم جثّة والزمان لا يكون حالاً كما لا يكون خبراً .
والثاني : أن ( إِذَا ) للمستقبل فيكف يكون حالاً؟! .
وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالنَّجم القطعة من القرآن والقرآن قد نزل منجماً في عشرين سنة . وهذا تفسير عن ابن عباس وعن غيره .
وعن الثاني بأنها حال مقدرة .
الثالث : أن العامل فيه نفس النجم إذا أريد به القرآن . قاله أبو البقاء .

وفيه نَظَرٌ؛ لأن القرآن لا يعمل في الظرف إذا أريد أنه اسم لهذا الكتاب المخصوص . وقد يقال : إِنَّ النجم بمعنى المنجَّمِ كأنه قيل والقرآن المُنَجَّم في هَذَا الوَقْتِ .
وهذا البحث وارد في مواضع منها : { والشمس وَضُحَاهَا } وما بعده [ الشمس : 1 - 5 ] وقوله : { والليل إِذَا يغشى } [ الليل : 1 ] { والضحى والليل إِذَا سجى } [ الضحى : 1 و 2 ] وسيأتي في الشمس بحث أخص من هذا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . والهوِيُّ قال الراغب : سقوطٌ من عُلوٍّ ثم قال : « والهَوِيُّ ذهاب في انحدار والهُوِيّ ذهاب في ارْتفاع » ، وأنشد :
4543- . ... يَهْوِي مَخَارِمُهَا هُوِيَّ الأَجْدَلِ
وقيل : هَوَى في اللغة خرق الهواء ، ومقصده السّفْل أو مصيره إليه وإن لم يقْصِدْه قال - ( رحمةُ اللَّهِ عليه - ) :
4544- . ... هُوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَهَا الرِّشَاءُ
وقال أهل اللغة : هَوَى يَهْوِي هُويًّا أي سقط من علُوٍّ ، وهَوِيَ يَهْوَى هَوًى أي صَبَا . وقد تقدم الكلام في هذا مُشبعاً .
قوله : { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ } هذا جواب القسم ، والمعنى : ما ضل صاحبكم يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم - ما ضل عن طريق الهدى « وَمَا غَوَى » ذهب أكثر المفسرين إلى أن الضلال والغي بمعنى واحد . وفرق بعضهم بينهما قال : الضلال في مقابلة الهدى والغي في مقابلة الرشد ، قال تعالى : { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغي يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } [ الأعراف : 146 ] وقال تعالى : { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } [ البقرة : 256 ] .
قال ابن الخطيب : وتحقيق القول فيه أن الضلال أعمّ استعمالاً في الوضع ، تقول : ضَلَّ بَعِيرِي ورَحْلِي ولا تقول غيَّ؛ فالمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً ، والغواية أن لا يكون له طريق إِلَى القصد مسقيم ، ومما يدل على هذا قولك للمؤمن الذي ليس على طريق السداد : إنَّه سَفِيهٌ غير رشيدٍ ولا تقول : إنه ضال فالضال كالكافر والغَاوي كالفاسق كأنه تعالى قال : ما ضَلَّ أي ما كفر ولا أقلّ من ذلك فما فسق أو يقال : الضلال كالعدم والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة .
قال : ويحتمل أن يكون المراد معنى قوله « مَا ضلَّ » أي ما جُنَّ فإنَّ المجنون ضالٌّ وعلى هذا فهو كقوله : { والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } [ القلم : 1 و 2 ] . ومعنى صاحبكم إما سيدكم أو وصاحبكم ( مَا غَوَى ) أي ما تكلم بالباطل . وقيل : ما خاب والغَيّ الخيبة .
قوله : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى } أي ما يصدر عن الهوى نُطْقُهُ ( فعن ) على بابها . وقيل : بمعنى الباء ، أي ما ينطق بالهوى يريد لا يتكلم بالباطل ، وذلك أنهم قالوا : إنَّ محمداً يقول القرآن من تِلْقَاءِ نَفْسِهِ .
وفي فاعل ( يَنْطِقُ ) وجهان :
أحدهما : هو ضمير النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الظاهر .
والثاني : أنه ضمير القرآن كقوله تعالى : { هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق }

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75