كتاب : تفسير اللباب في علوم الكتاب
المؤلف : أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79)

قوله تعالى : { ياأيها العزيز إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً } الآية .
اعلم : أنهم لمَّا قالوا : { إن سرق فقد سرق أخ له من قبل } ، أحبُّوا موافقته ، والعدول إلى طريق الشَّفاعة ، وأنهم ، وإن كانوا قد اعترفوا بأن حكم الله في السارق أن يستعبد ، إلاَّ أنَّ العفو وأخذ الفداء كان أيضاً جائزاً؛ فقالوا : { ياأيها العزيز إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً } ، في السنِّ ، ويجوز أن يكون في القدر ، والدِّين؛ لأن قولهم : « شَيْخاً » يعلم منه كبر سنه ، وإنَّما ذكروا ذلك؛ لأنَّ كونه ابناً لرجلٍ كبير القدرِ يوجب العفو [ والصفح ] .
قوله : مَكانَهُ « فيه وجهان :
أظهرهما : أنَّ » مَكَانهُ « : نصب [ على الظرف ] ، والعامل فيه : » خُذْ « .
والثاني : أنه ضمَّن » خُذْ « معنى : » اجْعَلْ « ، فيكونُ : » مَكَانهُ « في محلٌ المفعول الثاني .
واقل الزمخشريُّ : » فخُذْ بدله على جهةِ الاسترهانِ؛ حتَّى نردّ الفداء إليك ، أو الاستعباد « .
ثم قالوا : { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } ، لو فعلت ذلك .
وقيل : من المحسنين إلينا في توفية الكيل ، وحسن الضِّيافة ، وردِّ البضاعة .
وقيل : من المحسنين في أفعالك ، وقيل : لما اشتدّ القحطُ على القوم ، ولم يجدوا ما يشترون به من الطَّعام ، وكانوا يبيعون أنفسهم ، فصار ذلك سبباً لصيرورة أكثر أهل مصر عبيداً له ، ثم أعتق الكُلّ قالوا : { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } إلى عامة النَّاس بالإعتاق ، فكن محسناً أيضاً إلى هذا الإنسان بالإعتاق من هذه المحنة .
فقال يوسف : { مَعَاذَ الله } أي أعوذ بالله معاذاً { أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ } أي أعوذُ باللهِ أن نأخذ بريئاً بمذنب .
قال الزجاج : » موضع « إنْ » نصب ، والمعنى : أعوذُ باللهِ من أخذِ أحدٍ بيغره ، فلمَّا سقطت كلمة : « مَنْ » تعدَّى الفعل « .
وقوله : { إِنَّآ إِذاً } حرف جواب وجزاء ، تقدَّم الكلام [ النساء : 67 البقرة : 14 ] على أحكامها .
والعنى : لقد تعدّيت ، وظلمت ، إن إخذت بريئاً بجُرمٍ صدر من غيره ، فقال : { مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ } ولم يقل : » مَنْ سَرَقَ « تحرُّزاً من الكذب .
فإن قيل : هذه الواقعةُ من أوَّلها إلى آخرها ، تزوير وكذب ، فكيف يجوز ليوسف مع رسالته الإقدام على التَّزوير ، وإيذاء النَّاس من غير ذنب لا سيَّما ويعلم أنَّهُ إذا حبس أخاه عنده بهذه التُّهمةِ فإنه يعظمُ حزنُ إبيه ، ويشتدُّ غمُّه ، فكيف يليقُ بالرسول المعصوم المباغلة في التَّزويرِ إلى هذا الحدّ؟! .
فالجواب : لعلَّه تعالى أمره بذلك تشديداً للمحنة على يعقوب ، ونهاه عن العفوِ والصَّفح ، وأخذ البدل ، كما أمر تعالى صاحب موسى عليه الصلاة والسلام بقتل من لو بَقِي لَطَغَى وكفَر .

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)

قوله : { فَلَمَّا استيأسوا } « اسْتَفْعَلَ » هنا بمعنى « فَعِلَ » المجرَّد يقال : يَئِسَ ، واسْتَيْأس [ بمعنى ] نحو « عَجِبَ واسْتَعْجَبَ ، وسَخِرَ ، واسْتَخَرَ .
وقال الزمخشري : وزيادة التَّاء والسِّين في المبالغة نحو ما مرَّ في : » اسْتَعْصَمَ « وقرأ البزيُّ عن ابن كثير بخلاف عنه : » اسْتَأيَسُوا « بألف بعد التاء ثم ياء وكذلك في هذه السورة : { وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله } [ يوسف : 87 ] إنَّه لا يَيْأسُ { حتى إِذَا استيأس الرسل } [ يوسف : 110 ] ، وفي الرعد : { أَفَلَمْ يَيْأَسِ } [ الرعد : 31 ] الخلاف واحد .
فأمَّا قرأءة العامة : فهي الأصل ، إذ يقال : يَئِسَ ، فالفاء ياء ، والعين همزة وفيه [ لغة ] أخرى ، وهي القلبُ [ الرعد : 31 ] بتقديم العين على الفاءِ ، فيقال : أيِسَ ، ويدلُّ على ذلك شيئان :
أحدهما : المصدر الذي هو اليأسُ .
والثاني : أنَّه لو لم يكن مقلوباً للزم قلبُ الياءِ ألفاً ، لتحركها ، وانفتاح ماقبلها ، ولكن منع من ذلك كون الياءِ في موضع لا تعلُّ فيه ما وقعت موقعه ، وقراءة ابن كثير من هذا ، ولما قلب الكلمة أبدل من الهمزة ألفاً لسكونها بعد فتحة ، إذ صارت كهمزة رأس ، وكأس ، وإن لم يكن من أصله قلب الهمزة السَّاكنة حتىعلَّةِ وهذا كما تقدَّم أنه يقرأ » القرآن « بالألف ، وأنَّه يحتملُ أن يكون نقل حركة الهمزة ، وإن لم يكن من أصله النقل .
قال أبو شامة بعد أن ذكر هذه الكلمات الخمسِ الَّتي وقع فيها الخلافُ » وكذلك رسمت في المصحف ، يعني كما قرأها البزيُّ يعنى بالألف مكان الياءِ ، وبياء مكان الهمزة « .
وقال أبو عبدالله : واختلفت هذه الكلمات في الرَّسم ، فرسم : » يَأيَس « ، » ولا تَأيسُوا « بألف ، ورسم الباقي بغير ألف .
قال شهابُ الدين : » وهذا هو الصَّوابُ ، وكأنَّه غفلة من أبي شامة « .
ومعنى الآية : » فلمَّا أيسُوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوا « .
وقال أبو عبيدة : » اسْتَيْأسُوا « : استيقنوا أنَّ الأخ لا يرد إليهم .
قوله : { خَلَصُواْ نَجِيّاً } قال الواحديُّ : يقال : خلص الشَّيء يخلصُ خلوصاً إذا انفصل من غيره ، ثم فيه وجهان :
أحدهما : قال الزجاج ، خلصوا : أي : انفردوا ، وليس معهم أخوهم .
وقال الباقون : تميزوا عن الأجانب ، وهذا هو الأظهر ، أي : خلا بعضهم ببعضٍ يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم .
وأمَّا قوله : » نَجِيًّا « حال من فاعل : » خَلصُوا « أي : اعتزلوا في هذه الحالِ وإنَّما أفردت الحال ، وصاحبها جمع ، إمَّا لأن النَّجيَّ فعيلٌ بمعنى مفاعل كالعشير والخليط بمعنى المُخالِط والمُعاشِر ، كقوله { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } [ مريم : 52 ] أي : مناجياً وهذا في الاستعمال يفرد مطلقاً ، يقال : هُم خَليطُكَ وعَشِيرتُك ، أي : مخالطوك ومعاشروك وإما لأنَّه صفة على فعيل بمنزلة صَدِيق ، وبابه يوحد ، لأنه يزنة المصارد كالصَّهيل ، والوجيب والذَّميل ، وإمَّا لأنه مصدرٌ بمعنى التَّناجي كما قيل : النَّجْوى بمعناه ، قال تعالى :

{ وَإِذْ هُمْ نجوى } [ الإسراء : 47 ] ، وحينئذ يكون فيه التأويلات المذكورات في : « رجُلٌ عدلٌ » وبابه ، ويحمع على « أنْجِيَة » ، وكان من حقِّه إذا جعل وصفاً أن يجمع على « أفْعِلاء » ، ك « غَنِيّ » ، وأغْنِيَاء « و » شَقِيّ ، وأشْقِيَاء « ؛ ومن مجيئه على » أنجِيَة « قول الشاعر : [ الرجز ]
3131 إنِّي إذَا ما القَوْمُ كَانُوا أنْجِيَهْ ... واضْطَرَبَ القَوْمُ اضطِرابَ الأرْشِيَهْ
هناك أوصيني ولا تُوصِي بِيَهْ ... وقول لبيد : [ الكامل ]
3132 وشَهِدْتُ أنْجِيةً الأفَاقةِ عَالِياً ... كَعبي وَأرْدَافُ المُلوكِ شُهُودُ
وجمعه كذلك يقوي كونه جامداً ، إذ يصيرُ كرغيب ، وأرغِفَة .
وقال البغويُّ : النَّجِي يصلحُ للجماعة ، كما قال ههنا ، وللواحد كما قال : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } [ مريم : 52 ] وإنما جاز للواحد والجمع؛ لأنه مصدر جعل نعتاً كالعدل ، ومثله النَّجوى يكونُ اسماً ، ومصدراً ، قال تعالى { وَإِذْ هُمْ نجوى } [ الإسراء : 47 ] أي : مُتنَاجِين ، وقال حل ذكره { مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ } [ المجادلة : 7 ] وقال في المصدر { إِنَّمَا النجوى مِنَ الشيطان } [ المجادلة : 10 ] .
قال ابن الخطيب : » وأحسنُ الوجوه أن يقال : إنَّهم تمحَّضُوا تناجياً؛ وأنَّ من كمل حصول أمرٍ من الأمُورِ فيه وصف بأنَّه صار غير ذلك الشَّيء فلما أخذوا في التَّناجي على غاية الجدِّ؛ صاروا كأنهم في أنفسهم صاروا نفس التَّناجِي في الحقيقة « .
» قالَ كَبيرُهمْ « في العقل ، والعلم لا في السنِّ ، وهو » يَهُوذَا « ، قاله ابن عباسٍ ، والكلبي .
وقال مجاهدٌ : شمعون ، وكانت له الرِّئاسةُ على إخوته .
وقال قتادة ، والسديُّ ، والضحاك : وهو روبيلُ ، كان أكبرهم في السنِّ ، وهو الذي نهاهم عن قتل يوسف عليه السلام .
{ أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً } : عهداً : { مِّنَ الله } ، وأيضاً : نحنُ متَّهمُونَ بواقعة يوسف .
قوله { وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ } في هذه الآية وجوه ستة :
أظهرها : أنَّ » مَا « مزيدة فيتعلَّق الظَّرف بالعفل بعدها ، والتقدير : ومن قبل هذا فرَّطتم ، أي : قصَّرتم في حقِّ يوسف ، وشأنه ، وزيادة » مَا « كثيرة ، وبه بدأ الزمخشري وغيره .
الثاني : أن تكون » مَا « مصدرية في محلِّ رفع بالابتداء ، والخبر الظَّرف المتقدم قال الزمخشريُّ : على أنَّ محل المصدر الرَّفع بالابتداء ، والخبر الظرف وهو » مِنْ قَبْلُ « ، والمعنى : وقع من قبل تفريطكم في يوسف عليه الصلاة والسلام وإلى هذا نحا ابنُ عطيَّة أيضاً فإنَّه قال : ولا يجوز أن يكون قوله : » مِنْ قَبْلُ « متعلقاً ب : » مَا فَرَّطْتُمْ « ، وأنَّ » مَا « تكون على هذا مصدرية ، والتقدير : ومن قَبْلِ تفريطكم في يوسف واقعٌ ، أو مستقرٌ وبهذا المقدر يتعلق قوله : » مِنْ قَبْلُ « .
قال أبو حيَّان : هذا وقول الزمخشريُّ راجعان إلى معنى واحد ، وهو أن » مَا فرَّطتُمْ « يقدَّرُ بمصدرٍ مرفوع بالابتداء ، و : » مِنْ قَبْلُ « في موضع الخبر وذهلا عن قاعدة عربيَّة ، وحقَّ لهما أن يذهلا وهي أنَّ هذه الظروف التي هي غايات إذا بُنيت لا تقع أخباراً للمبتدأ جرَّت ، أو لم تجرَّ ، تقول : يومُ السَّبت مُباركٌ والسَّفر بعدهُ ، ولا تقول : والسَّفر بَعد و » عَمْرٌو وزيْدٌ خَلفهُ « ولا يجوز : عمرٌو وزيدٌ خلف ، وعلى ما ذكراه يكون : » تَفْريطُكُم « مبتدأ ، و » مِنْ قَبْلُ « خبر وهو مبنيُّ وذلك لا يجوز ، وهو مقررٌ في علم العربيِّة » .

قال شهابُ الدِّين : « قوله : » وحُقًّ لهُمَا أنْ يَذْهَلا « تحامل على هذين الرجلين ، وموضعهما من العلم معروفٌ ، وأمَّا قوله : » إنَّ الظرف المقطوع لا يقعُ خبراً « ، فمسلَّم ، قالوا : لأنَّه لا يفيد ، وما لا يفيد ، لا يقع خبراً ، ولذا لا يقع صفة ، ولا صلة ، ولا حالاً والآية الكريمةُ من هذا القبيل لو قلت : » جاء الذي قبل « أو » مررت برجل قبل « لم يجز لما ذكرت .
ولقائلٍ أن يقول : إنَّما امتنع ذلك؛ لعدم الفائدة ، وعدم الفائدة لعدم العلم بالمضافِ إليه المحذوف ، فينبغي إذا كان المضاف إليه معلوماً مدلولاً عليه أن يقع ذلك الظَّرف المضاف إلى ذلك المحذوف خبراً ، وصفة ، وصلة ، وحالاً والآية الكريمة من هذا القبيل ، أعني ممَّا علم فيه المضاف إليه كما مرَّ تقريره » .
ثمَّ هذا الرَّد الذي ردّ به أبو حيَّان سبقه إليه أبو البقاءِ ، فقال : « وهذا ضعيف؛ لأن » قَبْل « إذا وقعت خبراً أو صلة لا تقطع عن الإضافة لئلا تبقى ناقصة » .
الثالث : أنها مصدرية أيضاً ، في محل رفع بالابتداء ، والخبر هو قوله « فِي يُوسفَ » أي : وتفريطكم كائن ، أو مستقر في يوسف ، وإلى هذا ذهب الفارسي كأنه استشعر أن الظرف المقطوع لا يقعُ خبراً؛ فعدل إلى هذا ، وفيه نظر؛ لأنَّ السِّياق ، والمعنى يجريان إلى تعلق : « فِي يُوسفَ » ب « فَرَّطْتُمْ » ، فالقولُ بما قاله الفارسي يؤدِّي إلى تهيئة العامل [ للعمل ] ، وقطعه عنه .
الرابع : أنَّها مصدرية أيضاً ، ولكن محلها النَّصب على أنَّها منسوقة على « إنَّ أباكُمْ قد أخَذَ » أي : ألم تعلموا أخذ أبيكم الميثاق ، وتفريطكم في يوسف .
قال الزمخشري : « كأنه قيل : ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً ، وتفريطكم من قبل في يوسف » وإلى هذا ذهب ابن عطية أيضاً .
قال أبو حيَّان : « وهذا الذي ذهبا إليه ليس بجيِّد؛ لأنَّ فيه الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف الذي هو حرفٍ واحدٍ ، وبين المعطوف؛ فصار نظير : ضَربْتُ زيداً ، وبِسَيفٍ عمراً ، وقد زعم الفارسيُّ أنه لا يجوز ذلك إلاَّ في ضرورة الشِّعر » .

قال شهابُ الدِّين : هذا الرَّدُّ سبقه إليه أبُو البقاءِ ، ولم يرتضه وقال : « وقيل : هو ضعيفٌ؛ لأنَّ فيه الفصل بين حرفِ العطفِ ، والمعطوفِ ، وقد بينا في سورة النِّساء أن هذا ليس بشيء » .
قال شهاب الدين : « يعني أنَّ منع الفصل بين حرفِ العطفِ ، والمعطوفِ ليس بشيءِ ، وقد تقدَّم إيضاحُ هذا ، وتقريره في سورة النساء ، كما أشار إليه أبو البقاء » .
ثمَّ قال أبو حيَّان : « وأمَّا تقديرُ الزمخشري : وتفريطكم من قبل في يوسف؛ فلا يجوز؛ لأن فيه تقديم معمول المصدر المنحل لحرف مصدري ، والفعل عليه ، وهو لا يجوز » .
وقال شهابُ الدِّين : « ليس في تقدير الزمخشريِّ شيء من ذلك؛ لأنَّه لمَّا صرح بالمقدر أخَّر الجارين ، والمجرورين عن لفظ المصدر المقدَّر كما ترى ، وكذا هو في سائر النسخ ، وكذا ما نقله عنه الشيخ بخطهِ ، فأين تقديمُ المعمولِ على المصدر ولو رد عليه ، وعلى ابن عطيَّة بأنه يلزمُ من ذلك تقديمُ معمولِ الصِّلةِ على الموصول لكان ردًّا واضحاً ، فإنَّ : » مِنْ قَبْلُ « متعلق » فَرَّطْتُمْ « ، وقد تقدَّم الكلامُ على ما المصدرية ، وفيه خلافٌ مشهورٌ » .
الخامس : أن تكون مصدرية أيضاً ، ومحلها النصب عطفاً على اسم : « أنَّ » أي : ألم تعلموا أنَّ أباكم ، وأن تفريطكم من قبل في يوسف ، وحينئذٍ يكون في خبر « أنَّ هذه المقدرة وجهان :
أحدهما : هو : » مِنْ قَبْلُ « .
والثاني : هو » فِي يُوسَفُ « واختاره أبو البقاء ، وقد تقدَّم ما في كلِّ منهما ، ويردُّ على هذا الوجه الخامس ما ردَّ به على ما قبله من الفصل بين حرف العطف ، والمعطوف ، وقد عرف ما فيه .
السادس : أن تكون موصولة اسمية ، ومحلُّها الرفع ، والنَّصب علكى ما تقدَّم في المصدريَّة .
قال الزمخشريُّ : يعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه ، أي : قدَّمتموهُ في حقِّ يوسف من الجنايةِ ، ومحلُّها الرَّفع ، أو النَّصب على الوجهين .
يعنى بالوجهين رفعها بالابتداء ، وخبرها » مِنْ قبل « ، ونصبها على مفعولِ » ألمْ تَعْلمُوا « ، فإنَّهُ لم يذكر في المصدرية غيرهما ، وقد تقدَّم ما اعترض به عليهما ، وما قيل في جوابه .
فتحصل في » مَا « ثلاثة أوجه :
الزيادة ، وكونها مصدرية ، أو بمعنى الذي ، وأن في محلها وجهين : الرفع ، أو النصب .
قوله تعالى : { فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض } برح هنا تامة ، ضمنت معنى أفارقُ ف : » الأرْضَ « معفول به ، ولا يجوز أن تكون تامَّة من غير تضمين؛ لأنها إذا كانت كذلك؛ كان معناها : ظهر أو ذهب ، ومنه : بَرحَ الخفاءُ ، أي : ظهر ، أو ذهب ، ومعنى الظهور لا يليق ، والذهابُ لا يصلُ إلى الظَّرف المخصوص إلاَّ بواسطةِ » في « : تقول : » ذَهَبْتُ في الأرضِ « ولا يجوز ذهبتُ الأرْضَ ، وقد جاء شيءٌ لا يقاس عليه .

وقال ابو البقاء : « ويجوز أن يكون ظرفاً » .
قال شهابُ الدِّين : « يحتمل أن يكون سقط من النُّسخِ لفظ » لاَ « ، كان : » ولا يجوز أن يكون ظرفاً « .
واعلم أنه لا يجوز في » أبْرَحَ « هنا أن تكون ناقصة؛ لأنَّه لا ينتظم من الضمير الذي فيها ، وما » من الأرض « مبتدأ أو خبرٌ ، ألا ترى أنَّك لو قلت : أنَا الأرض لم يجز من غير » فِي « بخلاف » أنَا في الأرْضِ وزيدٌ في الأرْضِ « .
قوله : { أَوْ يَحْكُمَ الله } في نصبه وجهان :
أظهرهما : عطفه على : » يَأذَنَ « .
والثاني : أنه منصوبٌ بإضمار » أنْ « في جواب النَّفي ، وهو قوله : { فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض } أي : لنْ أبْرحَ الأرْضَ إلاَّ أن يحكم ، كقولهم : لالزَمنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حقِّي ، أي : إلا أن تَقْضِيَنِي .
قال أبو حيَّان : » ومَعْنَاهُ ومعنى الغية مُتقَارِبَان « .
قال شهابُ الدِّين : » وليْسَ المعنى على الثَّاني ، بل سِياقُ المعنى على عطفه على « بَأذَنَ » فإنه غيًّا الأمر بغايتين : أحداهما خاصة ، وهي إذْنُ أبيه والثانية عامة؛ لأنَّ إذن أبيه له في الانصراف هو من حكم الله عزَّ وجلَّ « .
فصل
اعلم أنَّهم لما أيسوا من تخليصه ، وتناجوا فميا بينهم ، قال كبيرهم : { أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً } أي : عهداً { مِّنَ الله وَمِن قَبْلُ } هذا فرَّطتم في شأن يوسف ، ولم تحفظوا عهد أبيكم ، { فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض } التي أنا بها ، وهي أرض مصر ، فلن أفارق أرض مصر { حتى يَأْذَنَ لي أبيا } في الانصراف إليه والخروج مهنا { أَوْ يَحْكُمَ الله لِي } بالخروج منها بردّ أخي إليّ ، أو خروجي ، وترك أخي ، أو بالانتصاف ممَّن أخذ أخي .
وقيل : أو يحكم الله لي بالسَّيفن وأقاتلهم واسترد أخي { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } ؛ لأنه لا يحكم إلا بالعدل ، والحق ، فحينئذ تفكَّروا في الأصوب ماهو؟ فظهر لهم أنَّ الأصوب هو الرُّجوع ، وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة ، فقال الأخ المحتبس بمصر لإخوته : { ارجعوا إلى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ ياأبانا إِنَّ ابنك } بنيامين » سَرَقَ « .
قرأ العامة : » سَرَقَ « مبنيًّا للفاعل مخففاً ، وابن عباس ، وأبو رزين ، والضحاك ، والكسائي في رواية » سُرِّقَ « بضمِّ السِّين ، كسر الرَّاء مشدداً مبنيًّا للمفعول يعني : نسب إلى السَّرقة ، كما يقال : خَوَّنته ، أي : نسبته إلى الخِيانةِ ، قال الزجاج : » سُرِّقَ « يحتمل معنيين :
أحدهما : علم منه السرقة ، والآخر : اتهم بالسَّرقة .
قال الجوهريُّ : » والسَّرِق والسَّرِقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق ، والمصدر : سَرَق ، يَسْرِق ، َرَقاً بفالتح « .
وقرأ الضحاك : » سَارِق « جعله اسم فاعل .

{ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } فإنَّا رأينا أخراج صاع من متاعه . وقيل : معناه { وَمَا شَهِدْنَآ } أي : ما كانت منَّا شهادة في عمرنا على الشَّيء إلاَّ بما علمنا ، وليست هذه الشَّهادة منَّا ، إنَّما هو خبرٌ عن صنيعِ ابنكَ بزعمهم .
فإن قيل : كيف حكموا عليه بأنَّه سرق من غير بينة ، لا سيَّما وقد أجابهم بالنَّفي فقال : الذي جعل الصَّواع في رحلي ، وهو الذي جعل البضاعة في رحالكم؟ فالجواب من وجوهٍ :
أحدها : أنهم شاهدوا أنَّ الصواع كان موضوعاً في [ محلٍّ ] لم يدخله غيرهم ، فلمَّا شاهدوا إخراج الصواع من رحله؛ غالب على ظنهم أنَّه هو الذي أخذ الصواع .
وأما قوله : « وضَعَ الصُّواعَ في رحْلِي الذي وضع البِضاعَة في رحالكم » فالفرق ظاهرٌ؛ لأنهم لمَّا رجعوا بالبضاعة إليهم اعتروفا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم ، وأمَّا الصُّواع ، فلم يعترف أحدٌ بأنه هو الذي وضع الصُّواعَ؛ فلهذا غلب على ظنونهم أنه سرق؛ فشهدوا بناء على غلبة الظَّنِّ ، ثمَّ بينوا أنهم غيرُ قاطعين بهذا الأمر بقوله : { وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ } .
وثانيها : تقدير الكلام : { إِنَّ ابنك سَرَقَ } في قول الملك ، وأصحابه ، ومثله كثيرٌ في القرآن ، قال تعالى : { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } [ الدخان : 49 ] أي : عند نفسك وأمَّا عندنا فلا فكذا هاهنا .
وثالثها : أنَّ ابنك ظهر عليه ما يشبه السَّرقة ، ومثل هذال المعنى قد يسمَّى سرقة ، فإن إطلاق أحد الشَّيئين على الشبيه الآخر جائزٌ ، مثله في القرآن { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] .
ورابعها : أنهم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت ، فلا يبعد أن يقال : إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة ، لا سيَّما ، و قد شاهد سائرهم ذلك .
وخامسها : قراءة ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه المتقدمة « سُرِّقَ » أي : نسب إلى السَّرقة ، فهذه لا تحتاجُ إلى تأويلٍ ، إلاَّ أنه تقدَّم أنَّ أمثال هذه القراءة لا تدفعُ السَّؤال؛ لأنَّ الإشكال إنَّما يندفعُ إذا كانت القراءة الأولى باطلة ، وهذه القراءة حقّ أمَّا إذا كانت الأولى حقّ ، كان الإشكال باقياً صحَّت القراءة ، أو لم تصحّ ، فلا بدّ من الرجوعِ إلى أحدِ الوجوه المذكورة .
فصل
دلَّ قولهم : { وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } على أنَّ الشَّهادة غير العلم؛ لأن هذا الكلام يقتضي كون الشَّهادةِ مغايرة للعلم ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : « إذَا عَلمْتَ مثلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ » . . . وليست الشَّهادةٌ عبارةً عن قوله « اشْهَد » ؛ لأنه إخبار عن الشَّهادة ، والأخبار عن الشَّهادة غير الشهادة .
وإذا ثبت هذا؛ فنقول : الشَّهادةُ عبارةٌ عن الحكم الذِّهنيِّ وهو الذي يسميه المتكلمون ب « الكلام » النفسي « .
فصل
قال القرطبيُّ : تضمنت هذه الآية جواز الإشهاد بأيّ [ وجه ] حصل العلمُ بها فإنَّ الشَّهادة مرتبطةٌ بالعلم عقلاً وشرعاً ، فلا تسمعُ إلاَّ ممَّن علم ، ولا تقبلُ إلاَّ منهم ، وهذا هو الأصل في الشَّهادات .

ولهذا قال أصحابنا : شهادة الأعمى جائزة ، وشهادة المستمع جائزةٌ ، وشهادة الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة ، وكذلك الشَّهادة على الخطّ أي : إذا تبيَّن أنه خطُّه ، أو خطُّ فلان صحيحةٌ ، فكلُّ من حصل كله العلم بشيء؛ جاز أن يشهد به ، وإن لم يشهدهُ المشهودُ عليه . قال الله تعالى : { إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ الزخرف : 86 ] وقال عليه الصلاة والسلام : « ألاَ أخْبِرُكمْ بِخيْرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتِي بشهادة قَبْل أنْ يُسْألَها » .
قوله تعلى : { وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ } قال مجاهدٌ وقتادة : وما كنا نعلم أنَّ ابنك يسرق ، ويصيِّر أمرنا إلى هذا ، ولو علمنا بلك ما ذهبنا به معنا ، وإنَّما قلنا : ونحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه من سبيل .
وقال عكرمة : لعلَّ الصُّواع دفن في اللَّيلِ ، فإنَّ الغيب هو اسم لليل على بعض اللغات .
وقيل : رأيناهم أخرجوا الصواع من رحله ، أمَّا حقيقة الحالِ ، فغير معلومة لنا ، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى .
وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما ما كنا لليله ، ونهاره ، ومجيئه ، وذهابه حافظين .
وقيل : إنَّ يعقوب عليه الصلاة والسلام قال لهم : فهبْ أنه سرق ، ولكن كيف علم الملكُ أن شرع بني إسرائيل أنَّه من سرقَ يُسترقُّ بل أنتم ذكرتموه له لغرض لكم ، فقالوا عند ذلك : إنَّا ذكرنا له هذا الحكم قبل أن نعلم أنّ هذه الواقعة نقع فيها ، فوله : { وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ } أي : ما كنا نعلم أن الواقعة تصبينا .
فإن قيل : فهل يجوز من يعقوب أن يخفي حكم الله؟ .
فالجواب : لعلَّ ذلك الحكم كان مخصوصاً بما إذا كان المسروق منه مسلماً ، فلهذا أنكر ذلك الحكم عند الملك الذي ظنَّه كافراً .
قوله تعالى : { واسأل القرية } يحتمل ثلاثة أوجهٍ :
أشهرها : أنه على حذف مضافٍ ، أي : واسألْ أهل القرية ، وأهل العِير ، وهو مجازٌ شائعٌ ، قاله ابن عطيِّة وغيره .
وقال أبو عليِّ الفارسي : ودافع جواز هذا في اللغةِ كدافعِ الضَّرورات ، وجاحد المحسوسات ، وهذا على خلافٍ في المسألةِ ، هل الإضمار من باب المجازِ ، أو غيره؟ المشهور أنه قسم منه ، وعليه اكثر النَّاسِ .
قال أبو المعالي : قال بعض المتكلمين : « هذا من الحذف ، وليس من المجاز إنَّما المجازُ لفظة استعيرت لغير ما هي له ، قال : وحذف المضاف هو عينُ المجاز وعظمه ، هذا مذهب سيبويه وغيره ، وحكي أنَّه قول الجمهور » .
وقال ابن الخطيب : إن الإضمار ، والمجاز [ قسمان لا قسيمان ] ، فهما متباينان .
الثاني : أنَّه مجاز ، ولكنه من باب إطلاق اسم المحل على الحال للمجاورة كالرواية .
الثالث : أنَّه حقيقة لا مجاز فيه ، ولذلك قال أبو بكر الأنباري :
المعنى : واسْألِ القرية والعير؛ فإنَّها تجيبك ، وتذكر لك صحَّة ما ذكرنا؛ لأنك من أكابر الأنبياء ، فيجوز أن ينطق الله لك الجماد ، والبهائم .

وقيل : إنَّ الشيء إذا ظهر ظهوراً تامًّا كاملاً فقد يقال فيه : سل السماءَ والأرض وجميع الأشياء عنه ، والمراد أنه بلغ في الظُّهور إلى الغاية حتَّى لم يبق للشكِّ فيه مجالٌ ، والمراد من القرية : مصر ، وقيل : قرية على باب مصر قال ابن عباس رضي الله عنه : هي قرية من قرى مصر ، كانوا ارتحلوا منها .
وأما قوله : { والعير التي أَقْبَلْنَا فِيهَا } أي القافلة التي كُنَّا فيها .
قال المفسِّرون : كان صحبهم قوم من الكنعانيين من جيران يعقوب .
قال ابنُ إسحاق : عرف الأخ المحتبس بمصر أنَّ إخوته أهل تهمة عند أبيهم لمَا كانوا صنعوا في أمر يوسف عليه السلام ، فأمرهم أن يقولوا هذا لأبيهم .
ثم إنَّهم لما بالغوا في التَّأكيد ، والتقرير قالوا : { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } يعنى سواء نسبتنا إلى التُّهمة ، أم لم تنسب؛ فنحن صادقون ، وليس غرضهم أن يثبتوا صدق أنفسهم؛ لأنَّ هذا يجري جرى إثبات الشيء بنفسه ، بل الإنسان ، إذا قدم ذكر الدَّليل القاطع على صحَّة الشيء ، فقد يقول بعده : وأنَّا صادق في ذلك ، يعني فتأمل فيما ذكرته من الدَّلائل ، والبينات .
فصل
قال القرطبي : « دلَّت هذه الآية على أنَّ كل من كان على حقٍّ ، وعلم أنه قد يظن به أنَّه على [ خلاف ] ما هو عليه ، أو يتوهم أن يرفع التُّهمة ، وكلَّ ريبةٍ عن نفسه ويصرِّح بالحق الذي هو عليه ، حتَّى لا يبقى متكلِّم ، وقد فعل هذا نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله للرجلين اللَّذين مرًّا ، وهو قد خرج مع صفيَّة بن حييّ من المسجد : » على رسلكما ، إنّما هي صفيّة بن حييّ « ؛ فقالا : سبحان الله! وكبر علهيما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إنَّ الشَّيطَان يَجْرِي مِنَ آدم مُجْرَى الدَّم ، وإِنِّي خَشِيتُ أن يَقْذِفَ في قُلوبِكُمَا شرًّا ، أو قال : شَيْئاً « متفرقٌ عليه .
فإن قيل : كيف استجاز يوسف أن يعمل هذا بأبيه ، ولم يخبره بمكانه ، ويحبس أخاه مع علمه بشدّة وجد أبيه عليه ، ففيه معنى العقوق ، وقطيعة الرَّجمِ ، وقلَّة الشَّفقةِ؟ .
فالجواب : أنَّه فعل ذلك بأمر الله عزَّ وجلَّ أمره به ليزيد في بلاءِ يعقوب ، فيضاعف له الأجر ، ويلحقه في الدَّرجةِ بآبائه الماضين .
وقيل : إنَّه لم يظهر نفسه لإخوته؛ لأنَّه لم يأمن أن يدبِّروا في أمره تدبيراً ، فيكتموه عن أبيه ، والأول أصح .

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)

قوله : { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً } هذا الإضراب لا بدَّ له من كلامٍ قبله متقدم عليه يضرب هذا عنه ، والتقدير : فرجعوا إلى إبيهم ، وذكروا له ما قال كبيرهم ، وفقال يعقوب : ليس الأمر كما ذكرتم حقيقة ، { بل سولت } : زيَّنَتْ { لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً } أي حمل أخيكم إلى مصر ، وليس المراد منه الكذب كواقعة يوسف .
وقيل : { سولت لكم أنفسكم } أنَّه سرق ، ما سرق .
{ فصبر جميل } وتقدَّم الكلام على نظيره ، وقال هناك : { والله المستعان على ما تصفون } وقال ههنا { عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً } .
قال بعضهم : يعنى يوسف ، وبنيامين ، وأخاهم المقيم بمصر .
وإنَّما حكم بهذا الحكم؛ لأنَّه لما طال حزنه وبلاؤه علم أنَّ الله سيجعل له فرجاً ومخرجاً عن قريب ، فقال ذلك على سبيل حسن الظنِّ برحمة الله تعالى .
وقيل : لعلَّه كان قد أخبر من بعد محنته بيوسف أنه حي ، أو ظهرت له علامات على ذلك .
ثم قال : { إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم } العليم بحقائقِِ الأمْرِ ، الحكيم فيها على الوجه المطابق للفضل ، والإحسان .
وقيل : العليم بحزني ، ووجدي على فقدهم ، الحكيم في تدبير خلقه .
قوله تعالى : { وتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياأسفا عَلَى يُوسُفَ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن فَهُوَ كَظِيمٌ } الآية .
لما سعم يعقوب كلام بنيه ، ضاق قلبه ، وهاج حزنهُ على يوسف ، فأعرض عنهم : { وقال يا أسفى على يوسف } يا حزنا على يوسف .
والأسفُ : أشدُّ الحُزْنِ ، وإنما عظم حزنهُ على مُفارقةِ يوسف عند هذه الواقعة لوجوه :
الأول : أنَّ الحزن القديم الكامل إذا وقع عليه حزن آخر كان أوجع ، قال متمّم بن نويرة : [ الطويل ]
3133 فَقَالَ أتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رأيتَهُ ... لِمَيْتٍ ثَوَى بَيْنَ اللِّوى والدَّكَادِكَ
فقُلْتُ لَهُ : إنَّ الأسَى يَبْعَيُ الأسَى ... فدَعْنِي فَهذَا كُلُّهُ قَبْرُ مَالِكِ
وذلك؛ لأنه كلما رأى قبراً تجدَّ عليه حزنه على أخيه مالك ، فلاموهُ؛ فأجاب : إنَّ الأسى يبعث الأسى .
الثاني : أنَّ ينيامين ، ويسوف كانا من أمٍّ واحدة ، وكانت المشابهة بينهما في الصِّفة متقاربة ، فكان يعقوب عليه الصلاة والسلام يتسلّى برؤيته عن رؤية يوسف عليه السلام ، فلما وقع ما وقع ، زال ما يوجبُ السَّلوة ، فعظم الألم .
الثالث : أنَّ المصيبة بيوسف كانت أصل مصائبه الَّتي عليها ترتب سائر المصائب ، فكان الأسفُ عليه أسفاً على الكُلِّ .
الرابع : أنَّ هذه المصائب كانت أسبابها جارية مجرى الأمور المعلومةِ ، فلم يبحث عنها يوسف صلوات الله وسلامه عليه فهو عليه السلام كان يعلمُ كذبهم في السَّببِ الذي ذكروه ، وأما السَّببُ الحقيقي ، فلم يعلمه .
وأيضاً : أنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم حياة هؤلاء ، وأمَّا يوسف فما كان يعلم أنَّه حي ، أو ميت ، فلهذه الأسباب عظم حزنه على مفارقته .
قوله : { ياأسفا } الألف منقلبة عن ياء المتكلم ، وإنَّما قلبت ألفاً؛ لأنَّ الصَّوت معها أتم ، ونداؤه على سبيل المجازِ ، كأنَّه قال : هذا أوانُك فاحضر ، نحو : « يَا حَسْرَتَا » .

وقيل هذه ألف الندبة ، وحذفت هاء السَّكت وصلاً .
قال الزمخشريُّ : والتَّجانس بين لفظتي الأسف ، ويوسف ممَّا يقعُ مطبوعاً غير متعمل فيملح ، ويبدع ، ونحوه : { اثاقلتم إِلَى الأرض أَرَضِيتُمْ } [ التوبة : 38 ] { يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } [ الأنعام : 26 ] { يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ } [ الكهف : 10 ] { مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ } [ النمل : 22 ] .
قال شهابُ الدِّين : ويسمَّى هذا النَّوع تجنيس التَّصريف ، وهو أن تشترك الكلمتان في لفظ ، ويفرق بينهما بحرف ليس في الأخرى ، وقد تقدَّم [ الأنعام : 26 ] .
وقرأ ابن عباسٍ ، مجاهدٌ « مِنَ الحَزَن » بفتحتين ، وقتادة بضمتين والعامة بضمة فسكون .
فالحُزْن ، والحَزَن ، كالعُدْمِ ، والعَدَم ، والبُخْل والبَخَل ، وأمَّا الضمتان فالثانية إتباعٌ . وقال الواحديُّ : اختلفوا في الحُزْنِ ، الحَزَن ، فقال قومٌ : الحُزْن : البُكاء والحَزَن ضد الفرحِ ، وقال قومٌ : هما لغتان ، يقال : أصَابهُ حُزْنٌ شديدٌ وحَزنٌ شديدٌ ، إذا كان في مواضع النَّصب ، فتحوا الحاء ، والزَّاي كقوله : { تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً } [ التوبة : 92 ] ، وإذا كان في موضع الرفع ، والخفض فبضم الحاءِ ، كقوله : { مِنَ الحزن } وقوله : { إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله } قال : هما في موضع رفع بالابتداء .
و « كَضِيمٌ » يجوز أن يكون مبالغة بمعنى فاعل ، وأن يكون بمعنى مفعول ، كقوله : { وَهُوَ مَكْظُومٌ } [ القلم : 48 ] وبه فسَّرهُ الزمخشريُّ ، فإن كان بمعنى الكَاظِم فهو الممسكل على حزنه فلا يظهره ، وإن كان بمعنى المكظُومِ ، فقال ابنُ قتيبةك « معناه المملوء من الهمّ ، والحزن مع سدّ طريق نفسه المصدور ، من كَظَمَ السِّقاء ، إذا اشتدّ على ملئه ، ويجوز أن يكون بمعنى مَمْلُوء من الغيظِ على أولاده » .
فصل
تقدَّم الكلام على الأسفِ ، وأمَّا قوله : { وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن } فقيل : إنَّه لما قال : { ياأسفا عَلَى يُوسُفَ } غلبه البُكَاءُ ، وعند غلبةِ البُكاءِ يكثرُ الماء في العين ، فتصير العينُ كأنها ابيضَّت من بياض ذلك الماءِ ، فقوله : { وابيضت عَيْنَاهُ } كناية عن غلبة البكاءِ . رواه الواحدي عن ابن عبَّاسٍ . وقال مقاتلٌ : كناية عن العمى ، فلم يبصر بهما شيئاً حتى كشفهُ اللهُ تعالى بقميص يوسف عليه الصلاة والسلام بقوله : { فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً } [ يوسف : 93 ] ، وقال : { فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ فارتد بَصِيراً } [ يوسف : 96 ] : ولأنَّ الحزن الدَّائم ، يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمىح لأنَّه يوجب كُدُورة على سوادِ العين .
وقيل : ما عمي ، ولكنَّه صار بحيثُ يدرك إدراكاً ضعيفاً؛ كما قال : [ الطويل ]
3134 خَلِيليَّ إنِّي قَدْ غَشِيتُ مِنَ البُكَا ... فهَلْ عِنْدَ غَيْرِي مُقلَةٌ اسْتَعِيرُهَا
قيل : ما صحَّت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ، وتلك المدة ثمانون سنةن وما كان على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب عليه الصلاة والسلام .
قولهك « تَفْتَؤ » هذا جواب القسم في قوله : « تَاللهِ » وهو على حذف لا أي : لا تفتؤ كقول الشَّاعر : [ البسيط ]

3135 تَاللهِ على الأيَّامِ ذُو حَيَدٍ ... بمُشْمَخرِّ بِهِ الظَّيَّانُ والآسُ
أي : لا تبقى ، ويدلُّ على حذفها : أنَّهُ لو كان مثبتاً؛ لاقترن بلام الابتداء ونون التَّوكيد معاً عند البصريين ، أو إحداهما عن الكوفيين ، وتقول : واللهِ أحبُّك : تريد لأحبك ، وهو من التَّوريةِ ، فإن كثيراً من النَّاس يتبادر ذهنه إلى إثباتِ المحبَّة ، و « تَفْتَأ » هنا ناقصة بمعنى لا تزال .
قال ابنُ السِّكيت : « ما زِلتُ أفعله ، ما فَتِئت أفعلهُ ، ما بَرحْتُ أفْعَلُه ، ولا يتكلم بهنَّ إلاَّ في الجحد » .
قال ابن قتيبة : « يقال : مَا فترت ومَا فَتِئت ، لغتان ، ومعناه : ما نسيته ، وما انقطعتْ عنه » ، وإذا كانت ناقصة؛ فهي ترفع الاسم ، وهو الضمير ، وتنصب الخبر ، وهو الجملة من قوله : « تَذْكرُ » أي : لا تزالُ ذاكراً له ، يقال : ما فَتِىء زيدٌ ذاهباً؛ قال أوس بن حجرٍ : [ الطويل ]
3136 فَمَا فَتِئَتْ حَتَّى كَأنَّ غُبَارهَا ... سُرَادِقُ يَوْمٍ ذِي ريَاحٍ تُرَفَّعُ
وقال أيضاً : [ الطويل ]
3137 فَمَا فَتِئَتْ خَيلٌ تَثوبُ وتدَّعِي ... ويَلحَقُ منهَا لاحِقٌ وتُقطَّعُ
وعن مجاهدٍ : لا تفتر؛ قال الزمخشريُّ : كأنه جعل الفُتُوء ، والفُتُورَ أخوين ، كما تقدَّم عن ابنِ قتيبة ، وفيهما لغتان : « فَتَأ » على وزن « ضَرَبَ » ، و « أفْتَأ » على وزن « أكْرَمَ » ، ويتكون تامَّة بمعنى : « سَكَنَ وأطْفَأ » كذا قاله ابنُ مالكٍ .
وزعم أبُو حيَّان : أنه تصحيفٌ منه ، وإنَّما هي فَثَأ بالثَّاءِ المثلثة ، ورسمت هذه اللَّفظة « تَفْتَؤ » بالواو ، والقياس « تَفْتَأ » بالألفن وكذلك يوقف لحمزة بالوجهين اعتباراً بالخطِّ ، والقياس .
قوله : « حَرَضاً » : الحَرَضُ : الإشفاءُ على الموت ، يقال منه : حَرَضَ الرَّجلُ يحرُض حرضاً بفتح الرَّاء ، فهو حرض بكسرهَا ، فالحرض مصدر من هذه المادَّة فيجيء في الآية الأوجه التي في « رجُلُ عدلٌ » كما تقدم .
ويطلق المصدر من هذه المادَّة على : « الحُثث » إطلاقاً شائعاً؛ ولذلك يستوي فيه المفرد ، والمثنى ، والمجموع ، والمذكر ، والمؤنث ، تقول : هو حرضٌ ، وهما حرضٌ وهُم حَرَضٌ ، وهي حَرَضٌ ، وهُنَّ حَرَضٌ؛ ويقال : رجلٌ حُرُضٌ بضمتين ، نحو : جُنُب ، وشُلْل . ويقال : أحْرَضهُ كذا ، أي أهلكهُ؛ قال : [ البسيط ]
3138 إنِّي أمرؤُ لجَّ بِي حُبِّ فأحْرَضنِي ... حتَّى بَلِيتُ وحتَّى شَفَّنِي السَّقمُ
فهو مخرض . . قال الشَّاعر : [ الطويل ]
3139 أرَى المَرْءَ كالأذْوَادِ يُصْبحُ مُحْرَضاً ... كإحْرَاضِ بكرٍ في الدِّيارِ مَريضِ
وقرأ بعضهم « حَرِضاً » بكسر الرَّاء .
وقال الزمخشريُّ : « وجاءت القراءة بهما جميعاً » يعنى بفتح الراء ، وكسرها .
وقرأ الحسن : « حُرُضاً » بضمتين ، وقد تقدَّم أنه ك : « جُنُبٍ ، وشُلُلٍ » ، وزاد الزمخشريُّ : وغُرُب « .
وقال الراغب : الحَرَض : ما لا يعتدُّّ به ، ولا خيرَ فِيهِ ، ولذلك يقال لمن أشرف على الهلاك : حَرَض ، قال تعالى : { حتى تَكُونَ حَرَضاً } [ يوسف : 85 ] ، وقد أحرصهُ كذا قال الشَّاعر : [ البسيط ]

3140 إنِّي امْرُؤٌ لجَّ بِي همٌّ فأحْرَضْنِي ... والحُرْضَة : من لا يأكل إلاَّ لحم الميسر لنذالتهِ ، والتَّحريضُ : الحثُّ على الشَّيء بكثرة التَّزيينِ ، وتسهيل الخطب فيه ، كأنَّه إزالة الحرض نحو : قَذَّيتُه ، أي : أزلتُ عنه القَذَى ، وأحرضتهُ : أفسدتهُ ، نحو : أقذيتهُ : إذا جعلت فيه القَذَى « انتهى » .
والحُرُضُ : الأشنانُ ، لإزالته الفساد ، والمِحْرضَة : وعاؤه ، وشذوذها كشذوذ : مُنْخُل ، ومُسْعُط ، ومُكْحُلة .
وحكى الواحديُّ عن أهل المعاني : أنَّ أصل الحَرَض : فساد الجسم ، والعقل للحزن ، والحبِّ ، وقولهم : حرَّضتُ فلاناً على فلانٍ ، تأويله : أفسدته وأحميته عليه ، قال الله تعالى : { حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال } [ الأنفال : 65 ] .
وإذا عرفت هذا فوصف الرَّجُل بأنه حرض إمَّا أن يكون المراد منه : ذو حرض فحذف المضاف ، أو المراد منه : أنَّه لما تناهى في الفسادِ ، والضعفح فكأنَّه صار عين الحرض ، ونفس الفسادِ ، وأمَّا الحَرِض بكسر الراء فهو الصِّفة كما قرىء بها وللمفسِّرين فه عباراتُ :
أحدها : الحَرَض ، والحَارِضُ ، وهو الفساد في جسمه ، وعقله .
وثانيها : قال نافع بن الأزرق : سئل ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما فقال : الفاسد الرَّأي .
وثالثها : أنه هو الذي يكون لا كالأحياء ، ولا كالأموات .
وذكر أبو روق أنَّ أنس بن مالك قرأ : { حتى تَكُونَ حَرَضاً } بضمِّ الحاء وسكن الرَّاء .
ثم قال تعالى : { أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين } من الأموات ، والمعنى : لا تزال تذكر يوسف بالحزن ، والبكاء عليه حتى تصير بحث لا تنتفع بنفسك ، أو تموت من الغمّ ،
وأرادوا بذلك منعه من كثرةِ البُكاءِ ، والأسف .
فإن قيل : لم حلفوا على ذلك مع أنَّهم لم يعلموا ذلك قطعاً؟ .
فاالجواب : أنَّهم بنوا الأمر على الظَّاهر .
قال المفسِّرون : القائل هذا الكلام ، وهوقوله : { تالله تفتؤ تذكر يوسف } هم إخوة يوسف ، وقال بعضهم : ليسوا الإخوة ، بل الجماعة الذين كانوا في الدَّار من أولاده وخدمه ، فقال يعقوب عليه الصلاة والسلام : { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله } والبَثُّ : أشدُّ الحزن ، كأنَّه لقوته لا يطاق حمله ، فيبثه الإنسان ، أي : يفرِّقه ، ويذيعه وقد تقدَّم [ آل عمران : 186 ] أنَّ أصل هذه المادَّة الدلالة على الانتشار ، وجوَّز فيه الرَّاغب هنا وجهين :
أحدهما : أنه مصدر في معنى المعفولِ ، قال : « أي : غمّي الذي يبثه عن كتمانٍ ، فهو مصدر في تقدير مفعول ، أو يعني غمِّي الذي بثَّ فكري ، فيكون في معنى الفاعل » .
وقرأ الحسن وعيسى « وحَزَنِي » بفتحتين ، و قتادة بضمتين ، وقد تقدم .
فصل
المعنى : أن يعقوب عليه السلام لما رأى غلظتهم ، قال : إنَّما أشكو شدَّة حزني إلى الله ، وسمَّى شدَّة الحزن بثًّا؛ لأنَّ صابحه لا يبصر عليه حتى يبثه ، أي : [ يظهره ] .
وقال الحسن : بَثِّي ، اي : حاجتي ، والمعنى : أنَّ هذا الذي أذكره لا أذكره معكم ، وإنَّما أذكره في حضرةِ الله تعالى والإنسان إذا ذكر شكواه إلى الله تعالى كان ف يزمرة المحققين .

وروي أنَّهُ قيل له : يا يعقوبك ما الذي أذهب بصرك ، وقوَّص ظهرك؟ قال : أذهب بصري بكائي على يوسف ، وقوس ظهري حزني على أخيه؛ فأوحى الله إليه : أتشكوني وعزتي لا أكشف ما بك حتى تدعوني ، فعند ذلك قال : { إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله } ثم قال : { وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي : أعلمُ من رحمته وأحسانه ما لا تعلمون ، وهو أنَّه تعالى يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسبه ، وهو إشارة إلى أنه كان يتوقَّع رجوع يوسف إليه ، وذكروا لسبب هذا التوقع وجوهاً :
أحدها : أنَّ مالك الموت أتاهُ فقال له : يا مالك الموت! هل قبضت روح ابني يوسف قال : لا يا نبيَّ الله ، ثمَّ أشار إلى جانب مصر ، وقال : اطلبهُ هاهنا .
وثانيها : أنه علم من رؤيا يوسف عليه السلام أنَّها صادقةٌ ، وأنا وأنتم سنسجد له .
وثالثها : لعلَّه تعالى أوحى إليه أنَّه سيوصله إليه ، ولكنَّه تعالى ما عيَّن الوقت؛ فلهذا بقي في القلب .
ورابعها : قال السديُّ : لما أخبره بنوه بسيرة الملك ، وحاله في أقواله ، وأفعاله؛ طمع أن يكون هو يوسف ، وقال : لا يبعدُ أن يملك الكفَّار مثلُ هذا .
وخامسها : علم قطعاً أن بنيامين لا يسرقُ ، وسمع أنَّ الملك ما آذاه ، ولا ضربه؛ فغلب على [ ظنه ] أنَّ ذلك الملك هو يوسف عليه السلام ، فعند ذلك قال : { يا بني اذهبوا تحسّسوا من يوسف وأخيه } أي : استقصوا خبره بحواسِّكم ، والتَّحَسُّسُك لطب الشَّيء بالحاسَّة .
قال ابنُ الأنباريِّ « يقالُ : تَحَسَّسْتُ عن فلانٍ ، ولا يقال : من فلان ، وقيل : ههنا من يوسفح لأنه أقيم : » مِنْ « مقام : » عَنْ « قال : ولا يجوز أن يقال : » مِنْ « للتعبيض ، والمعنى : تحَسَّسُوا خبراً من أخبار يوسف ، واستعملوا بعض أخبار يوسف فذكرت كلمة » مِنْ « لما فيها من الدلالة على التبعيض » .
والتحسُّسُ : يكون في الخيرِ والشَّر ، وقيل : بالحاء في الخير ، وبالجيم في الشَّر ، ولذلك قال هاهنا : « فتَحَسَّسُوا » ، وفي الحجرات : { وَلاَ تَجَسَّسُواْ } [ الحجرات : 12 ] .
وليس كذلك فإنه قد قرىء بالجميم هنا .
ثم قال : { وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله } وتقدَّم الخلاف في قوله : { وَلاَ تَيْأَسُواْ } .
وقرأ الأعرج : « ولا تَيْسُوا » وقرأ العامة : « رَوْحِ اللهِ » بالفتح ، وهو رحمته وتنفيسه .
قال الأصمعيُّ رحمه الله « الرَّوحُ ما يجدهُ الإنسان من نسيم الهوى ، فيسكن إليه ، وتركيب الرَّاء ، والواو ، والحاء يفيد الحركة ، وهو الاهتزازُ ، فكلُّ ما يهتزُّ له الإنسان ، ويلتذُّ بوجوده فهو روح » .
قال ابن رضي الله عنهما : { لا تيأسو من روح الله } أي من رحمته وعن قتادة من فضل الله ، وقيل : مِن فَرِجِِ اللهِ .

وقرأ الحسن ، وعمر بن عبدالعزيز ، وقتادة رضي الله عنهم بضمِّ الراء .
قال الزمخشريُّ : « لا تَيْأسوا ، أي : من رحمته التي يحيى بها العباد » .
وقال ابن عطية : وكأن معنى هذه القراءة لا تيأسوا من حي معه روح الله الذي وهبه فإن من بقي روحه يرجى؛ ومن هذا قول الشاعر : [ الطويل ]
3141 . ... وفِي غَيْرِ من قَدْ وَارتِ الأرضًُ فاطْمَعِ
ومن هذا قول عبيد بن الأبرص : [ مخلع البسيط ]
3142 وكُلُّ ذِي غيبَةٍ يَئُوبُ ... وغَائِبُ المَوتِ لا يَئُوبُ
وقرأ أبي : مِنْ رحْمةِ اللهِ ، و « عِنْدَ اللهِ » : « مِنْ فضلِ الله » تفسير لاتلاوة .
وقال أبو البقاء : « والجمهور على فتح الرَّاء ، وهو مصدر في معنى الرَّحمة إلا أنَّ استعمال الفعل منه قليل ، وإنِّما يستعمل بالزِّيادة ، مثل أراح ، ويقرأ بضمِّ الرَّاء ، وهي لغةٌ فيه ، وقيل : هو اسم للمصدر ، مثل الشُّربِ والشَّرب » .
ثم قال : { إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون } قال ابن عبَّاس : إن المؤمن من من الله على خير يرجوه في البلاءِ ، ويحمده في الرَّخاء . واعلم أنَّ اليأس من رحمة الله لا يحصلُ إلاَّ إذا اعتقد الإنسان أنَّ إله العالم غير قادر على الكمالِ ، أو غير عالم بجميع المعلوماتِ ، أو ليس بكريمٍ ، بل هو بخيلٌ ، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر ، والمعنى : أنَّ اليأس لا يحصل إلاَّ لمن كان كافراً ، والله أعلم .
فصل
روي عن عبدالله بن يزيد بن أبي فروة : أنَّ يعقوب كتب كتاباً إلى يوسف عليه الصلاة والسلام حين حبس بنيامين :
« من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله صلوات الله وسلامه عليه إلى ملك مصر ، أما بعد :
فإنا أهلُ بيتٍ ، وكل بناء البَلاءُ ، أما جدّي إبراهيم عليه الصلاة والسلام فشُدَّتْ يداه ، ورجلاه ، وألقي في النَّار؛ فجلعها الله عليه برداً وسلاماً ، وأمَّا أبي فشدَّت يداه ورجلاه ، ووض السِّيكن على قفاه؛ ففداه الله ، وأمَّا أنا فكان لي ابنٌ ، وكان أحبَّ أولادي إليّ ، فذهب به إخوته إلى البرِّيةِ ، ثم أتوني بقيمصه ملطّخاً بالدَّم ، فقال : أكله الذِّئب؛ فذهبت عيناي ، ثمَّ كان لي ابن ، وكان أخاه من أمه ، وكنت أتسلى به ، وأنِّك حبسته ، وزعمتَ أنَّه سرق ، وأنَّا أهل بيتٍ لا نسرقُ ، ولا نَلِدُ سَارقاً ، فإن ردَدْتَهُ عليّن وإلاَّ دَعوتُ علَيْكَ دعْوة تُدرِكُ السَّابعَ من وَلدِك » .
فلما قرأ يوسف لم يتمالك البُكاء ، [ وعيل ] صبره ، وأظهر نفسه على ما يأتي إن شاء الله تعالى .
قال ابن الخطيب : في الآية سؤالات :
الأول : أنَّ بلوغ يعقوب في محبة يوسف إلى هذا الحدِّ العظيم لا يليقُ إلا لمنْ كان غافلاً عن الله تعالى ؛ لأنَّ من عرف اللهِ؛ أحبه ، من أحبَّ اللهَ لم يتفرغْ قلبه بحب شيءٍ سوى اللهِ تعالى وأيضاً : القلبُ الواحدُ لا يسع الحب المستغرب لشيئين ، فلمَّا كان قلبه مستغرقاً ف يحبّ ولده؛ امتنع أن يقال : إنَّه كان مستغرقاً في حبّ الله تعالى ؟ .

السؤال الثاني : أنّضه عند استيلا ء الحزن الشَّديد عليه؛ كان من الواجب عليه أن يشتغل بذكر اللهِ تعالى والتفويض ، والتَّسليم لقضائه .
وأما قوله : { يا أسفا على يوسف } ، فذلك لا يليقُ بأهل الدِّين والعلم فضلاً عن أكابرِ الأنبياء صلواتا لله وسلامه عليهم أجمعين؟ .
السؤال الثالث : لا شكّ أن يعقوب عليه الصلاة والسلام ت كان من أكابر الأنبياء وكان أبوه ، وجده ، وعمه كلهم من أكابر الأنبياء المشهورين في جميع الأنبياء ومن كان كذلك ، ثم وقعت له و اقعةٌ هائلة في أعزِّ أولاده ، لم تبق تلك الواقعة خفيَّة ، بل لا بدَّ ، وأن تبلغ في الشُّهرة إلى حيث يعرفها كل أحدٍ ، لا سيما ، وقد انقضت المدَّة الطويلة فيها ، وبقي يعقوب على حزنه الشديد ، وأسفه العظيم ، وكان يوسف في مصر ، وكان يعقوب في بعض [ بوادي ] الشَّام قريباً من مصر ، فمع قرب المسافة يمتنع بقاء هذه الواقعة خفية .
السؤال الرابع : لِمَ لَمْ يبعث يوسف إلى يعقوب ويعلمه أنَّه من الحياة صلاة الله عليهما وفي السِّلامة ولا يقال : إنه كان يخاف إخوته؛ لأنه بعد أن صار ملكاً قاهراً يمكنه إرسال الرسول إليه ، وإخوته ما كانوا يقدرون على دفع رسوله؟ .
السؤال الخامس : كيف جاز ليوسف عليه الصلاة والسلام أن يضع الصَّواعَ في وعاءٍ أخيه ، ثم يستخرجه ويلصقُ به تهمة السرقة مع أنَّه كان بريئاً عها .
السؤال السادس : كيف رغب في إلصاق هذه التُّهمة له ، وحبسه عند نفسه مع أنَّهُ كان يعلم أنه يزداد حزن أبيه ويقوى؟ .
والجواب عن الأول : أنَّ مع مثل هذه المحبة الشَّديدة يكون كثير الرُّجوع إلى الله تعالى كثير الاشتغال بالدُّعاء ، والتضرُّع ، وذلك يكون سبباً لكما الاستغراق وعن الثاني : أنَّ الداعية الإنسانية لا تزول في الحياة العاجلة ، فتارة كان يقول { يا أسفى على يوسف } وتارة كان يقول : { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } وأما بقية الأسئلة ، فالقاضي أجاب عنها فقال : هذه الوقائعُ الَّتي نقلت إلينا إمَّا أن يمكن تخريجها على الأحوال المعتادة أو لايمكن ، فإن كان الأوَّل ، فلا إشكالَ وإن كان الثاني فنقول : كان الزَّمان زمان الأنبياء ، وخرق العادة في ذلك الزمان غير مستبعدٍ ، فلم يمتنع أن يقال : إنَّ بلدة يعقوب مع أنها كانت قريبة من بلدة يوسف عليه الصلاة والسلام ولكن لم يصل خبر أحدهما إلى الآخر على سبيل يقتضي العلم .

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)

قوله تعالى : { فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ ياأيها العزيز } الآية اتفق المفسِّرون على أنَّ هنا محذوفاً ، وتقديره : فخرجوا راجعين إلى مصر ، ودخلوا على يوسف ، فقالوا : يا أيُّها العزيزُ .
فإن قيل : إذا كان يقعوب أمرهم أن يتحسسوا من يوسف وأخيه ، فلم عادوا إلى الشكوى؟ .
فالجواب : أنَّ المتحسِّسَ يصل إلى مطلوبه بجميع الطُّرقِ ، والاعترافِ باِلعجز ، وضموا رقَّة الحال ، وقلَّة المال ، وشدَّة الحاجة ، وذلك ممَّا يرقِّقٌ القلب ، فقالوا : نُجرِّبهُ في هذه الأمورِ ، فإن قلبه لنا ذكرنا له المقصود ، وإلا سكتنا ، فلهذا قدَّموا ذكر فقالوا : « أيُّها العزيزُ » والعزيزُ : الملكُ القادرُ الممتنع : « مسَّنَا وأهْلنَا الضُرُّ » وهو الفقر ، والحاجة ، وكثرة العيال وقلَّة الطَّعام ، وعنوا بأهلهم من خلفهم .
قوله : « مُزجَاةٍ » أي مدفوعة يدفعها كلُّ أحدٍ عنه لزهادته فيها ، ومنه : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً } [ النور : 43 ] أي : يسوقها بالريح؛ وقال حاتم [ الطويل ]
3143 لِيًَبْكِ على مِلحَان ضَيْفٌ مُدفَعٌ ... وأرْمَلةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلاَ
ويقال : أزْجيتُ رَدِيء الدرهم فزُجِي ، ومنه استعير زَجَا الجِرَاح تزْجُوا زجاً وجراح زَاج . وقول الشاعر : [ البسيط ]
3144 وحَاجَةٍ غَيْرِ مُزْجاةٍ مِن الحَاجِ ... أي : غير يسيرة يمكنُ دفعها ، وصرفها لقلَّة الاعتداد بها ، فألف « مُزجَاةٍ » منقلبة عن واو .
فصل
وإنَّما وصفوا تلك البضاعة بأنها مزجاة إمَّا لنقصها ، أو لدناءتها أو لهما جميعاً ، قال بعضهم : المُزْجَاةُ القليلة . وقيلك كانت رَدِيئةً .
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن الطَّعام وقيل : أمتعة رديئة . وقيل : متاع الأعراب الصُّوفُ والسَّمْن . وقيل : الحبة الخضراء ، وقيل : الأقط ، وقيل : النعال والأدم ، وقيل : سويق المقل .
وقيل : إنَّ الدَّراهم كانت منوقشة عليها صورة يوسف ، والدَّراهم الَّتي جاؤا بها ، ما كان فيها صورة يوسف .
وإنَّما سيمت البضاعة القليلة الرَّديئة مزجاة ، قال الزجاج : من قولهم : فلانٌ يزْجِي العَيْشَ ، أي : يدفع الزَّمان بالقليلِ ، أي : إنَّا جئنا ببضاعة مزجاة ندافع بها الزَّمان ، وليست مما ينتفعُ بها ، وعلى هذا فالتقديرُ ببضاعة مزجاةٍ ندافع بها الأيام .
قال أبو عبيد : إنَّما قيل للدَّراهم الرّّديئةِ مزجاة؛ لأنَّها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممَّن ينفقها ، قال : وهي من الإزجاء ، والإزجاء عند العرب : الدَّفعُ .
وقيل : مزجاة ، أي : مؤخرة مدفوعة عن الإنفاقِ لا يقبل مثلها إلاَّ من اضطر ، واحتاج إليها لفقد غيرها ممَّا هو أجود مها .
وقال الكلبيُّ : « مزجاة لغة العجم ، وقيل : هي من لفظ القِبْطِ » .
قال ابن الأنباريي : لا ينبغي أن يجعل لفظ عربي معروف الاشتقاق منسوباً إلى القبط .
وقرأ حمزة والكسائي : « مُزْجَاةٍ » بالإمالة؛ لأن اصله الياء ، والباقون بالفتح والتفخيم .
ثمَّ لما وصفوا شدَّة حالهم ، ووصفوا بضاعتهم بأنها مزجاة قالوا له : « فأوْفِ لنَا الكيْلَ : يجوز أن يراد به حقيقة من الآلة ، وأن يراد به الكيل ، فيكون مصدراً ، والمعنى إنَّا نريدٌ أن نقيم النَّاقص مقام الزَّائد أو نقيم الرَّديء مقام الجيِّد .

{ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ } : أي تفضل علينا بما بين الثمنين الجيّد ، والرَّديء ، وسامحنا ولا تنقصنا .
وقال ابن جريج ، والضحاك ، أي : تصدَّق علينا بردِّّ أخينا لنا : { إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين } يثيب المتصدقين .
قال الضحاك : لم يقولوا : إنَّ الله يجزيك؛ لأنَّهم لم يعلموا أنَّه مؤمنٌ .
وسُئل سفيان بن عيينة : هل حرمت الصدقة على نبيّ من الأنبياء سوى نبيِّنا صلوات الله وسلامه عليه ؟ .
قال سفيان : ألم تسمع قوله : { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين } .
يريد : أنَّ الصَّدقة كانت حلالاً لهم ، وأنكر الباقون ذلك ، وقالوا : حالُ الأنبياء وحالُ أولادِ الأنبياء في طلب الصَّدقة سواء؛ لأنَّهم يأنفون من الخضوع إلى المخلوقين ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله ، والاستغناء به عمَّنْ سواه .
وروي عن الحسنِ ومجاهدٍ : أنَّهما كرها أن يقول الرَّجل في دعائه : اللَّهُمَّ تصدَّق علينا ، قالوا : لأنَّ الله لا يتصدَّق ، وإنَّما التَّصدُّق بمعنى الثَّواب ، وإنما يقول اللَّهُمَّ أعطني وتفضَّل علينا .
فصل
قال القرطبيُّ : « استدلًَّ العلماء بهذه الآية على أنَّ أجرة الكيال على البائع ، لقولهم ليسوف عليه الصلاة والسلام » فأوْفِ لَنَا الكَيْلَ « فكان يوسفُ هو الذي يكيل ، وكذلك الوزَّانُ ، العدَّادُ وغيرهم؛ لأنَّ الرَّجُلَ إذا باع عدّة من طعامه معلومة ، وأوجب العقد عليه؛ وجب عليه أن يبرزها ، ويُمَيِّز حقَّ المشتري من حقِّه إلا إن كان المبيعُ فيه معيناً صبره ، أو ما ليس فيه حق موفيه ، فيخلي ما بينه وبينه ، وما جرى على المبيع فهو ضمان المبتاع ، وليس كذلك ما يتعلَّق به حقُّ موفيه من كيل أو وزنٍ ، ألا ترى : أنَّه لا يستحقُّ البائع الثمن إلاَّ بعد التَّوفية ، كذلك أجرة النقد على البائع أيضاً؛ لأنَّ المتباع الدَّافع لدراهمه يقول : إنَّها طيبة فأنت الذي تدّعي الرَّداءة ، فانظر لنفسك ، فيقع له فكان الأجرُ عليه ، وكذلك لا يجبُ أجرة القاطع على من يجب عليه القصاص لأنه لا يجب عليه أن يقطع نفسه ، ولا أن يمكن من ذلك طائعاً؛ ألا ترى أنَّ فرضاَ عليه أن يفدي يده ، ويصالح عليه ، إذا طلب المقتص ذلك .
وقال الشَّافعيُّ : إن الأجرة على المقتص منه كالبائع؛ لأنَّه يجب عليه تسليم يده .
فصل
روي : أنهم لما قالوا : { مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر } وتضرَّعُوا إليه ، أدركته الرِّقَّة ، فارفضَّ دمعه ، فباح الذي كان يكتمُ ، فقال : { هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ } وقيل : دفعوا إليه كتاب يعقوب ، فلما قرأ الكتاب ارتعدت مفاصله واقشعرَّ جلدهُ ، ولانَ قلبه ، وكثر بكاؤه؛ فصرح بأنه يوسف .
قوله : { هَلْ عَلِمْتُمْ } يجوز أن تكون استفهامية للتَّوبيخ ، وهو الأظهر وقيل : هو خبر و » هَلْ « بمعنى » قَدْ « .

وقال الكلبيُّ : « إنما قال : { هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ } حين حكى لإخوته أنَّ مالك بن دعر قال : إنِّي وجدت غلاماً في بئر من حلاعه كَيْتَ وكيْتَ فأبتعته بكذا وكذا درهماً ، فقالوا أيُّها الملك : نحن بِعْنَا ذلك الغلام منه؛ فغاظ يوسف عليه السلام ذلك ، وأمر بقتلهم ، فذهبوا بهم ليقتلوهم ، فولى يَهُوذا وهو يقول : كان يعقوب قد حزن لِفقْدِ واحدة منَّا حتَّى كفَّ بصره ، فكيف إذا أتاهُ قتل بنيه كلِّهم ، ثم قالوا له : إن فعلت ذلك ، فابعثْ بأمتعتنا إلى أبينا ، فإنَّه بمكان كذا وكذا ، فذلك حين رحمهم وبكى ، وقال ذلك القول » .
وفي هذه الآية تصديق قوله تعالى : { وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [ يوسف : 15 ] ، وأمَّا قوله : « وَأخِيهِ » فالمراد ما فعلتم من تعريضه للغمِّ بسبب إفراده عن أخيه لأبيه وامِّه ، وأيضاًك كانوا يؤذونه ، ومن جملة الإيذاء ، قالوا في حقه : { إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } [ يوسف : 77 ] وأما قوله : { إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ } فهو يجرى مجرى الغدرِ لهم كأنه قال : أنتم أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال كونكم من حالة الصِّبا ، وفي جهالة الغرور ، يعني : والآن لستُم كذلكن ونظيره قوله تعالى : { مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم } [ الانفطار : 6 ] وقيل : إنما ذكر تعالى ذلك الوصف ليكون ذلك جارياً مجرى الجواب ، فيقول العبدُ : يا ربِّ غرَّنِي كرَمُكَ ، فكذا ههنا إنَّما قال لهم يوسف ذلك الكلام إزالة للخجل عنهم ، وتخفيفاً للأمر عليهم .
وقيل : المعنى : إذ أنتم جاهلون بما يئول إليه أمر يوسف صلوات الله وسلامه عليه . فإن قيل : كيف قال : { مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ } ، ولم يكن منهم إلى أخيه شيء ، ولم يسعوا في حبسه؟ .
قيل : هو قولهم حين أخرجوا الصواع من رحله ، ما رأينا منكم يا بني راحيل إلاَّ البلاء .
وقيل : تفريقهم بينه ، وبين أخيه يوسف ، وكانوا يؤذونه بعد فقد يوسف .
قوله : « أئِنَّكَ » قرأ ابن كثير ، وأبو جعفر : « إنَّكَ » بهمزة واحدة على الخبر والباقون بهمزتين استفهاماً ، وقد تقدَّم قراءتهم في هاتين الهمزتين تخفيفاً ، وتسهيلاً وغير ذلك ، فأمَّا قراءة ابن كثير ، فيحتمل أن تكون خبراً محضاً واستبعد هذا من حيث تخالف القراءتين مع أنَّ القائل واحد .
وقد أجيب عن ذلك بأنَّ بعضهم قاله استفهاماً ، وبعضهم قاله خبراً ، ويحتمل أن يكون استفهاماً حذف منه الأداة لدلالة السِّياق ، والقراءة الأخرى عليه ، وقد تقدَّم نحو هذا في الإعراب .
وقرأ أبيّ ( أَوَأَنْتَ يوسف ) فمن قرأ بالاستفهما قالوا : إنَّ يوسف لما قال لهم : { هل علمتم ما فعلتم } تبيَّنوا يوسف ، فأبصروا ثناياه كاللّؤلؤ المنظُوم .
وروى الضحاكُ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما لما قال هذا القول تبسَّم فرأوْا ثناياه كاللّؤلؤن فشبهوه بيوسف ، ولم يعرفوه ، فقالوا استفهاماً : { أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ } ويدلُّ على أنه استفهام قوله : « أنَا يُوسفُ » ، وإنَّما أجابهم عما اسْتَفْهَمُوا عنه ، ومن قرأ على الخبر فحجته ما روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال : إنَّ أخوة يوسف لم يعرفوه حتّى وضع التَّاج عن رأسه ، كان في قرنه شامة وكان لإسحاق ، ويعقوب مثلها تشبه التَّاج عرفوه بتلك العلامة .

وقال ابن إسحاقك « كان يتكلَّم من وراء ستر ، فلما قال : { هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ } رفع الحجاب فعرفوه » وقيل : قالوه على التَّوُّهمِ .
« واللام في : » لأنْتَ « لام الابتداء ، و » أنْتَ « مبتدأ ، و » يُوسفُ « خبره والجملة خبر » إنَّ « ويجوز أن تكون » أنْتَ « فصلاً ، ولا يجوز أن يكن تأكيداً لاسم » إنَّ « لأنَّ هذه اللام لا تدخل على التوكيد » .
وقرأ أبي : ( أئنك أو أنت يوسف ) وفيها وجهان :
أحدهما : قال أبُوا الفتح : إنَّ الأصل : أئنك لغير يوسف ، أو أنت يوسف فحذف خبر « إن » لدلالة المعنى عليه .
والثاني : ما قاله الزمخشريُّ : المعنى : أئنَّك يوسف ، أو أنت يوسف فحذف الأول لدلالته ، وهذا كلام متعجب مستغرب لما يسمع ، فهو يكرِّر الاستثبات فقال : { أَنَاْ يُوسُفُ وهذا أَخِي } وإنَّما صرَّح بالاسم تعظيماً لما نزل به من ظلم إخوته ، وما عوضه الله من الظَّفر والنَّصر ، فكأنه قال : أنا الذي ظلمتموني على أعظم الوجوه ، والله أوصلني إلى أعظم المناصب ، أنا ذلك العاجزُ الذي قصدتم قتله ، وإلقاءه في الجبِّ ، ثمَّ صرتُ كما ترون ، ولهذا قال : « وهَذا أخِي » مع أنَّهم كانوا يعرفونه؛ لأن مقصوده أن يقول : وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت ، ثم إنه صار منعماً عليه من قبل الله كما ترون . { قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَآ } قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنه بكلِّ عزِّ في الدنيا والآخرة . . وقيل : بالجمع بيننا بعد الفرقة .
قوله : { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ } قرأ قنبل « يتقي » بإثبات الياء وصلاً ووقفاً ، والباقون بحذفها فيهما .
فأمَّا قراءة الجماعة فواضحة؛ لأنَّه مجزومٌ ، وأمَّا قراءة قنبلٍ ، فاختلف فيها النَّاس على قولين :
أحدهما : أنَّ إثبات حرف العلَّة في الجزم لغة لبعض العرب؛ وأنشدوا : [ الوافر ]
3145 أَلَمْ يَأتِيكَ والأنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لاقَتْ لبُونُ بَنِي زِيَادِ
وقول الآخر : [ البسيط ]
3146 هَجَوْتَ زبَّات ثُمذَ جِئتَ مُعْتَذِراً ... مِنْ هَجْوِ زبَّان لَمْ تَهْجُوا ولَمْ تَدعِ
وقول الآخر : [ الرجز ]
3147 إذَا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطلِّقِ ... ولا تَرضَّاهَا ولا تَملَّقِ
وقول الآخر : [ الرجز ]
3148 إنِّي إذَا مَا ما القَوْمُ كَانُوا أنْجِيَهْ ... واضْطَربَ القَوْمَ اضطرابَ الأرْشِيَهْ
هُنَاكَ أوْصِينِي ولا تُوصِي بِيَهْ
ومذهب سيبويه : أنَّ الجازم بحذف الحركة المقدرة ، وأنَّما تبعها حرف العلَّة في الحذف تفرقة بين المرفوع ، والمجزوم .
واعترض عليه : بأنَّ الجازم يبين أنَّه مجزوم ، وعدمه يُبيِّنُ أنه غيرُ مجوزم .

وأجيب : بأنه ف بعض الصُّورِ يلتبس فاطرد الحذف ، بيانه : أنَّك إذا قلت « زُرْنِي أعْطِتكَ » بثبوت الياءِ ، احتمل أن يكون « أعْطِيكَ » جزاء الزيارة ، وأن يكون خبراً مستأنفاً ، فإذا قلت : « أعْطِكَ » بحذفها تعين أن يكون جزاء له؛ فقد وقع اللَّبس بثبوت حرف العلِّة ، وفقد بحذفه ، فيقالُ : حرف العلَّة يحذف عند الجازمِ لا به .
ومذهب ابنِ السَّراجك أنَّ الجازم أثَّر في نفس الحرف فحذفه ، وفيه البحثُ المتقدم .
والثاني : أنَّه مرفوعٌ غير مجزومٍ و « مَنْ » موصولةٌ ، والفعل صلتها؛ فلذلك لم يحذف لامه .
واعترض على هذا بأنَّهُ قد عطف عليه مجزوم وهو قوله : « ويَصْبِرْ » فإنَّ قُنْبُلاً لم يقرأ إلا بإسكان الرَّاء .
وأجيب عن ذلك : بأنَّ التَّسكين لتوالي الحركات ، وإن كان من كلمتين كقراءة أبي عمرو { يَنصُرْكُمُ } [ آل عمران : 160 ] ، و { يَأْمُرَكُمْ } [ آل عمران : 80 ] ، وأجيب أيضاً : بأنه جزم علكى التوهم يعني لما كانت « مَنْ » الموصولة تشبه « مَنْ » الشرطية ، وهذه العبارة فيها غلظ على القرآن ، فينبغي أن يقال فيها مراعاة للشَّبهة اللَّفظي ، ولا يقال للتَّوهُّم .
وأجيب أيضاً : بأنه سكن للوقف ثم أجرى الوصل مُجْرَى الوقف .
وأجيب أيضاً : بأنه إنما جزم حملاً ل « مَنْ » الموصولة على « مَنْ » الشَّرطيَّة؛ لأنَّها مثلها ف يالمعنى ، ولذلك دخلت [ الفاء ] في خبرها .
قال شهابُ الدِّين : وقد يقالُ على هذا : يجوز أن تكون « مَنْ » شرطيَّة ، وإنَّما ثبتت الياء ، ولم تجزم « من » لشبهها ب « مَنْ » الموصولة ثمَّ لم يعتبر هذا الشبه في قوله : « ويَصْبِرْ » ، فلذلك جزمه ، إلاَّ أنه يبعد من جهة أنَّ العامل لم يؤثر فيما بعده ، ويليه ، ويؤثر فيما هو بعيد منه ، وقد تقدَّم الكلام على مثل هذه المسألة أوَّل السُّورة في قوله : { يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } [ يوسف : 12 ] .
وقوله : { فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ } الرَّابطُ بين جملة الشَّرط ، وبين جوابها : إمَّا العموم في « المُحْسِنيِنَ » ، وإمَّا الضمير المحذوف ، أي : المحسنين منهم ، وإمَّا لقيام : « ألْ » مقامه ، والأصل : محسنيهم ، فقامت « ألْ » مقام ذلك الضَّمير .
فصل
معنى الآية : من يتَّق معاصي الله ، ويصبر على أذى النَّاسِ .
وقيل : من يتَّق بأداء الفرائض ، واجتناب المعاصي ويصبر على ما حرم الله عليه .
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنه : يتّقي في الزِّنا ، ويصبر على العُزوبةِ ، وقال مجاهدٌ : يتقي المعصية ، ويصبر على السجن .
{ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } قال ابن الخطيب : « واعلم أنَّ يوسف عليه السلام وصف نفسه في هذا المقام الشَّريف بكونه متقِياً ، و لو أنه أقدم على المعصية كما قالوه في حق زليخا ، لكان هذا القول كذباً منه ، وذكر الكذب في مثل هذا المقام الذي يؤمن فيه الكافر ، ويتوب فيه العاصي لا يليق بالعقلاء » .

قوله : { تالله لَقَدْ آثَرَكَ الله عَلَيْنَا } أي تفضَّل عليك ، والإيثارُ : التفضيل بأنواع جميع العطايا ، آثرهُ يُؤثِرهُ إيثَاراً ، وأصله من الأثر ، وهو تتبع الشيء ، فكأنه يَسْتقْصٍي جميع أنواع المَكارمِ ، وفي الحديث : « سَتكُون بعدي أثرةٌ » أي : يستأثر بعضكم على بعض ، ويقال : اسْتأثَر بكذا ، أي : اختص به ، واستأثر اللهُ بفلان ، كناية عن اصطفائه له .
وقال الشاعر : [ الرجز ]
3149 واللهُ اسْماكَ سُماً مُبَاركَا ... آثَركَ الله بِهِ إيثَاركَا
قال الأصمعيُّ : يقالُ : آثَرَكَ الله إيثاراً ، أي : فضَّلك ، والمعنى : لقد فضلك الله علينا بالعلمِ ، والعملِِ ، والحسنِ ، والملكِ .
فصل
احتجَّ بعضهم بهذه الآية على أنَّ إخوة يوسف ما كانوا أنبياء؛ لأنَّ جميع المناصب المغايرة لمنصب النبوة كالعدم بالنِّسبة لمنصب النُّبوة لما قالوا : { تالله لَقَدْ آثَرَكَ الله عَلَيْنَا } ، وعلى هذا يذهب سؤال من يقول : آثره عليهم بالملك ، وإن شاركوه في النبوة؛ لأنَّا بيَّنا أنَّ سائر المناصب لا تعتبر في جنب منصب النُّبوًَّة .
ثم قالوا : { وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ } والخَاطِىءُ : هو الذي أتى بالخطيئة عمداً وهذا هو الفرقُ بين الخَاطىءِ ، ولهذا يقالُ للمُجْتهدِ الذي لمْ يُصِبْ أنَّهُ مخطىءٌ ، ولا يقال : إنه خاطىءٌ .
فصل
أكثر المفسرين على أن الذي اعتذروا منه هو إقدامهم على إلقائه في الجُبِّ وبيعه وتبعيده عن أبيه .
وقال أبو عليّ الجبائيٌّ : لم يعتذروا من ذلك؛ لأنَّ ذلك كان منهم قبل البلوغ ، فلا يكون ذنباً ، فلا يعتذر منه ، وإنَّما اعتذروا من حيثُ إنهم أخطئوا بعد ذلك بأن لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنَّه حي ، وأنَّ الذِّئب لم يأكله .
وأجاب ابنُ الخطيب عن ذلك : « بأنَّه لا يجوز أن يقال : إنهم أقدموا على ذلك الفعل في زمن الصِّبا؛ لأنه من البعيد في [ مثل ] يعقوب جمعاً غير بالغين من غير أن يبعث معهم رجلاً عاقلاً يمنعهم عمَّا لا ينبغي ، ويحملهم على ما ينبغي » .
قوله : { لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ } عليكم يجوز أن يكون خبر « لاَ » و « اليَوْمَ » يحتمل أن يتعلق بما تعلَّق به هذا الخبر أي : لا تثريب مستقرٌ عليكم ويجوز أن يكون « اليَوْمَ » خبر « لاَ » ، و « عَليْكُمْ » متعلق بما تعلق به هذا الظرف ويجوز أن يكون : « عليكم » صفة لاسم : « لا » ، و « اليَوْمَ » خبرها أيضاً ولا يجوز أن يتعلق كل من الظرف ، والجار ب : « تَثْرِيب » ؛ لأنه يصيرُ مطولاً شبيهاً بالمضاف ومتى كان كذكل أعرب ونُوِّن ، نحو : « لا خَيْراً من زَيْدٍ عندكَ » ويزيدُ عليه الظرف بأنه يلزم الفصل بين المصدر المؤول بالموصول ، ومعموله بأجنبي وهو : « عَليْكُمْ » لأنه إما خبر وإما صفة .

وقد جوَّز الزمخشريُّ : أن يكون الظَّرف متعلقاً ب : تَثْرِيبَ « فقال : فإن قلنا : بم يتعلق » اليوم « ؟ قلت : بالتثريب ، أو بالمقدر في » عَليْكُم « من معنى الاستقرار أو ب : يَغْفِرُ » ، فجعله أنه متعلق ب « تَثْرِيب » وفيه ما تقدَّم .
وقد أجرى بعضهم الاسم العامل مجرى المضاف لشبهه به ، فنزع ما فيه من تنوين أو نون؛ وجعل الفارسيُّ من ذلك قول الشاعر : [ الطويل ]
3150 أرَانِي ولا كُفْرانَ للهِ أيَّةً ... لِنفْسِي لقَدْ طَالبْتُ غَيْرَ مُنِيلِ
قال : فإية منصوب ب : « كُفْرانَ » أي : أكفر الله أية لنفسي ، ولا يجوز أن تنصب « أيَّةً » ب : « أوَيْتُ » مضمراً ، لئلا يلزم الفصل بين مفعولي : « أرَى » بجملتين أي : ب « لاَ » ، وما في خبرها ، وب « أوَيْتُ » المقدرة ، ومعنى « أوَيْتُ » رققت وجعل منه بانُ مالكٍ ما جاء في الحديث : « لا صُمْتَ يومٌ إلى اللَّيلِ » برفع « يَوْمٌ » على أنه مرفوعٌ بالمصدر المنحل لحرف مصدريّ ، وفعل مبني للمعفول وفي بعض ما تقدَّم خلافٌ ، وأمَّا تعليقه بالاستقرار المقدَّر فواضح ، ولذلك وقف أكثرُ القراء عليه ، وابتدأ ب : « يَغفِرُ اللهُ لكُمْ » وأما تعليقه ب : « يَغْفِرُ » فواضحٌ أيضاً ولذلك وقف بعض القراء على : « عَليْكُمْ » ، وابتدأ : « اليَوْم يغفرُ اللهُ لكُمْ » وجوَّزوا أن يكون خبر : « لا » محذوفاً ، و « عَلَيْكُمْ » ، و « اليَوْمَ » كلاهما متعلقان بمحذوف آخر يدلُّ عليه : « تَثْريبَ » ، والتقدير : لا تثريبَ يتثرب علكيم اليوم كما قدروا في : { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله } [ هود : 43 ] لا عاصم يعصمُ اليوم .
قال أبو حيَّان : « لو قيل به لكان قويًّا » ، وقد يفرَّق بينهما : بأنّ هنا يلزم كثرة المجاز ، وذلك أنَّك تحذف الخبر ، وتحذف هذا الذي تعلق به الظرف وحرف الجر ، وتنيب الفعل إليه ، لأنَّ التثريب لا يثرب إلا مجازاً ، كقولهم : « شِعرٌ شاعرٌ » بخلاف : « لا عَاصِمَ يَعْصِم » فإن نسبة الفعل إلى العاصم حقيقة ، فهناك حذف شيءٍ واحد من غير مجاز ، وهنا حذف شيئين مع مجاز .
والتَّثْرِيبُ : العَتبُ ، والتَّأنيب ، وعبَّر بعضهم عنه بالتَّعيير من عيَّرته بكذا إذا عتَبْته وفي الحديث : « إذَا زَنَتْ أمَةٌ أحدكُم ، فليَجْلدْهَا ، ولا يُثرِّبْ » أي : لا يعيِّر ، وأصله من الثَّرب ، وهو ما تغشى الكرش من الشَّحم ، ومعناه : إزالةٌ الثَّرب ، كما أنَّ التَّجليد إزالةٌ الجلدِ ، فإذا قلت : ثرَّبتُ فلاناً ، فكأنَّنك لشدَّة عتبك له أزلت ثربه ، فضرب مثلاً في تزيق الأعراض .
وقال الرَّاغب : « ولا يُعْرَفُ من لفظه إلاَّ قولهم : الثَّرْبُ ، وهو شحمةٌ رقيقةٌ وقوله تعالى : { ياأهل يَثْرِبَ } [ الأحزاب : 13 ] يصحُّ أن يكون أصله من ذها الباب ، والياء فيه مزيدية » .

فصل
قال المفسريون : التَّثْريبُ : التَّوبيخُ ، قال عطاءٌ الخراسانيُّ : طلب الحوائج إلى الشَّباب أسهل منها إلى الشيُّوخ ألا ترى إلى قول يوسف عليه الصلاة والسلام « لا تَثْريب عَليْكُمْ » ، وقول يعقوب عليه الصلاة والسلام { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي } [ يوسف : 98 ] .
واعلم أنَّا إذا جعلنا : « اليَوْمَ » متعلِّقاً ب : « لا تَثْريبَ » أي : لا أثرِّبُكمُ اليوم وهو اليوم الذي مظنته التَّثريب ، فما ظنُّكم بسائر الأيَّام ، ويحتمل أنِّي حكمت في هذا اليوم ألاّ تثريب مطلقاً؛ لأنَّ قوله : « لا تَثْرِيبَ » نفي للماهيَّة ، ونفي الماهيَّة يقتضي نفي أفراد جميع الماهية ، فكان ذلك مفيداً للنَّفي المتناول لكلِّ الأوقات والأحوال .
ثمَّ إنَّه أزال عنهم ملامة الدُّنيا طلب من اللهِ أن يزيل عنهم عقاب الآخرةِ ، فدعا لهم بقوله : { يَغْفِرُ الله لَكُمْ } .
وإن قلنا : « اليَوْمَ » متعلق بقوله : { يَغْفِرُ الله لَكُمْ } كأنه لما نفى الذَّنب عنهم مطلقاً بشَّرهم بأنَّ الله يغفر ذنبهم في ذلك اليوم ، وذلك أنَّهم لما خجلوان واعترفوا وتابوا ، فالله تعالى قَبِلَ توتبهم ، وغفر ذنوبهم؛ فلذلك قال : { اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ } .
« روي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعِضَادتي الكعبة يوم الفتحِ وقال لقريش : ما تَرونَ؟
قالوا : خيراً أخٌ كريمٌ ، وابنُ أخٍ كريمٍ ، وقد قدرتَ ، قال : أقُولُ ما قَالَ أخي يوسف : » لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ « » .
وروي أنَّ أبا سفيان لما جاء ليًسلم ، قال لهُ العبَّاس رضي الله عنه : « إذا أتيت رسُول الله صلى الله عليه وسلم فاتْلُ عليه : { قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ } ففعل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غفر الله لَكَ ولمن علَّمك » .
وروي : أنَّ أخوة يوسف لما عرفوه أرسلوا إليه : إنَّا نستحي منك لما صدر منَّا من الإساءة إليك ، فقال يوسف : إنَّ أهل مصر لو ملكت فيهم ، فإنهم ينظرون إليَّ بالعين الإولى ، ويقولون : سبحان الذي بلغ عبداً بِيعَ بِعشرينَ درهماً ما بلغ ، ولقد شَرُفتُ بإتيانكم ، وعظُمتُ في العيون لما جئتم ، علم النَّاس أنكم إخوتي ، وأنِّي من حفدةِ إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم سألهم عن أبيه ، فقال : ما فعل أبي من بعدي قالوا : ذهبت عيناه؛ فأعطاهم قميصه وقال : { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً } أي يعيده مبصراً ، وقيل : يأتيني بصيراً .
قال الحسنُ رضي الله عنه : لم يعلم أنه يعود بصيراً إلا بالوحي؛ لأنَّ العقل لا يدلُّ عليه وقال الضحاك : كان ذلك القميص من نسيج الجنَّة .
وعن مجاهدٍ : أمره جبريل صلوات الله عليه أن يرسل قميصه ، وكان ذلك القميص قميص إبراهيم عليه الصلام وذلك أنه جُرِّد من يثابه ، وألقي في النَّار عرياناً ، فآتاه جبريل بمقيص من حرير الجنَّة ، فألبسه إياه ، فكان ذلك عند إبراهيم فلما مات إبراهيم عليه السلام ورِثهُ إسحاق ، فلما مات إسحاق ورثهُ يعقوب ، فلمَّا شبَّ يوسف عليه السلام جعل ذلك يعقوب في قصبةٍ من فضة وسد رأسها ، وعلقها في عنقه لما كان يخافُ عليه من العين كانت لا تفارقه ، فلمَّا ألقى في الجُبِّ عُرياناً جاءهُ جبريلُ عليه السلام وعلى يوسف ذلك التَّعويذُ؛ فأخرج القميص منه ، وألبسه ، ففي ذلك الوقت جاءهُ جبريل ، وقال : أرسل ذلك القميص فإنَّ فيه ريحَ الجنَّة لا يقع على مبتلى ، ولا سقيم إلا عُوفِي ، فدفع يوسف ذلك القميص إلى إخوته ، وقال : { فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً } أي : مبصرا وإنَّما أفرد بالذِّكر تعظيماً له ، وقال في الباقين : { وائتوني بأهلكم أجمعين } .

قال ابن الخطيب : « ويمكن أن يقال : لعلَّ يوسف علم أنَّ أباهُ ما صدر أعمى إلاَّ من كثرة البكاءِ ، وضيق القلبت ، وذلك يضعفُ البصر ، وإذا ألقي عليه قميصه ، فلا بد وأن ينشرح صدره ، وأن يحصل في قلبه الفرحُ الشديد ، وذلك يقوِّي الرُّوحَ ، ويزيلُ الضَّعف عن القوى فحينئذ يقوى بصره ، ويزول عنه ذلك ، فهذا القدرُ ممَّا يُمِكنُ معرفته بالقلبِ فإنَّ القوانين الطبيَّة تدلُّ على صحَّة هذا المعنى » .
قوله : « بِقَمِيصِي » يجوز أن يتعلَّق بما قبله على أنَّ الباء معدِّية كهي في « ذَهَبتُ بهِ » وأن تكون للحال فتتعلق بمحذوف ، أي : اذهبوا معكم بقميصي ، و « هَذَا » نعتٌ له ، أو بدلٌ ، أو بيانٌ ، و « بَصِيراً » حالٌ ، و « أجْمَعِينَ » توكيد له ، وقد أكد بِهَا دُون كل ، ويجوز أن تكون حالاً .

وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)

قوله : { وَلَمَّا فَصَلَتِ العير } يقال : فَصَل فلانٌ عن فلانٍ فُصُولاً إذا خرج من عنده ، و « فَصَلَ » كذا إذا أنفذ ، و « فَصَلَ » يكون لازماً ، ومتعديًّا ، فإن كان لازماً فمصدره فصولاً ، وإن كان متعدياً فمصدره فصلاً .
قال المفسرونك لما توجَّه العير من مصر إلى كنعان ، قال يعقوب لمن كان عنده من ولد ولده : { إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } قال مجاهدٌ : أصاب يعقوب ريحُ القميص من مسيرة ثلاثة أيامٍ .
وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه من مسيرة ثماني ليال .
وقال الحسنُ : كان بنيهما ثمانون فرسخاً ، وقال مجاهد : هبَّ ريح يوسف فصفق القميص؛ ففاحت روائح الجنَّة في الدُّنيا ، واتَّصلت بيعقوب عليه الصلاة والسلام فعلم أنَّه ليس في الدنيا من ريح الجنَّة إلاَّ ما كان من ذلك القميص فمن ثمَّ قال : { إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } وروي أنَّ ريح الصِّبا استأذنت ربَّها أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشيرُ .
واعلم أنَّ وصول تلك الرائحة إلى يعقوب من هذه المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة فكان ذلك معجزة ، ولكن لمن منهما؟ والأقرب أنَّها ليعقوب حيثُ أخبروه عنه ، ونسبوه إلى ما لا ينبغي؛ فظهر الأمر كما قال؛ فكانت معجزة لهُ .
قال أهل المعاني : إنَّ الله تعالى أوصل ريح يوسف عند انقضاء مدَّة المحنة ومجيء وقت الروح والفرج من المكانِ البعيدِ ، ومنع من وصولِ خبره إليه مع قرب إحدى البلدين من الأخرى في مدَّة ثمانين سنة ، وذلك يدلُّ على أنَّ كلَّ سهلٍ فهو في زمنِ المحنةِ صعبٌ ، وكلَّ صعبٍ في زمنِ الإقبال سهلٌ ، ومعنى : { إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } : أشم ، وعبَّر عنه بالوجود؛ لأنه وجدان له بحاسة الشَّمِّ .
قوله : { لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ } التَّفنيدُ : الإفسادُ ، يقال : فنَّدت فلاناً ، أي : أفدستُ رأيه ورددته . قال الشاعر : [ البسيط ]
3150ب يَا صَاحبيَّ دَعَا لَوْمِي وتَفْنِيدِي ... فَليْسَ مَا فَاتَ مِنْ بِمَرْدُودِ
ومنه : أفْنَدَ الدَّهرُ فلاناً؛ قال الشاعر : [ الطويل ]
3151 دَِ الدَّهْرُ يَفْعَلُ ما أرَاد فإنَّهُ ... إذَا كُلِّفَ الإفْنادَ بالنَّاسِ أفْنَدا
والفَنَدُ : الفسادُ؛ قال النابغة : [ البسيط ]
3152 إلاَّ سُليْمان إذْ قَالَ الإلهُ لَهُ ... قُمْ فِي البَريِّيةِ فاحْدُدْهَا عنِ الفَندِ
والفِنْدُ : شمراخ : « يقالُ : شَيْخٌ مفنَّدٌ ، ولا يقال : عجُوزٌ مُفنَّدة؛ لأنَّها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فتفنَّد في كبرها وهو غريبٌ » .
وجواب « لَوْلاَ » الامتناعية محذوفٌ ، تقديره : لصَدَّقْتُمونِي ويجوز أن يكون تقديره : لأخبرتكم .
قال ابنُ الأنباريّ : « أفْنَدَ الرَّجلُ : إذا انْحَرفَ ، وتغيَّر عَقْلهُ ، وفند إذا جهل ونسب ذلك إليه » .
وعن الأصمعيِّ قال : إذا كثر كلامٌ الرَّجلِ من خرفٍ فهو الفَنَد والتَّفنيد .
فصل
قال المفسرون : « لَوْلاَ أن تُفنِّدُون » تسفهون ، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنه : تَجْهلُون ، وقال الضحاك : تَهْرَمُون ، تقولون : شَيْخٌ كبيرٌ قد خرفَ ، وذهب عقلهُ .

« قَالُوا » : يعني أولاد أولاده { إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم } أي في ذهاب عن طريق الصَّواب .
وقال ابن عبَّاس ، وابن زيدٍ ، لفي خطئك الماضي من حُبِّ يوسف لا تنساه .
وقال مقتالٌ الضَّلالُ هنا الشَّقاءُ ، يعني : شقاء الدُّنيا ، أي : إنَّك في شقائك القديم بما تُكَابدُ من الأحزان على يوسف .
وقال قتادة : لفي حُبِّك القديم لا تنساه ، ولا تذهل عنه ، قال قتادة : لقد قالوا كلمة [ غليظة ] لم يجز قولها لنبي الله عليه الصلاة والسلام .
وقال الحسن : إنَّما خاطبوه بذلك ، لاعتقادهم أنَّ يوسف قد مَاتَ . { فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير } وهو المبِّر ، في موضع : « أنْ » قولان :
أحدهما : لا محلَّ لها من الإعراب ، فقد تذكَّر تارة كما هنا ، وقد تحذف كقوله : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الروع } [ هود : 74 ] .
والثاني : قال البصريُّون : هي في موضع رفعٍ بفعلٍ تقديره : فلمَّا ظهر أن جاء البشر أي : ظهر على البشير؛ فأضمر الرَّافع .
وقال جمهورُ المفسِّيرين البشيرُ هو يهوذا قال : أنا ذهبتُ بالقميص مُلطَّخاً بالدَّم ، وقلت : إنَّ يوسف أكلهُ الذِّئبُ ، فأذهب اليوم بقميصه ، وأخبره أنه حي فأفرحهُ كما أحزنته ، وقيل : البشيرُ مالكُ بنُ دُعْرٍ .
قوله : « ألقاهُ » الظَّاهرُ أنَّ الفاعل هو ضمير البشير ، وقيل : هو ضمير يعقوب وفي « بَصِيراً » وجهان :
أحدهما : حال ، أي : يرجع في هذا الحال .
والثاني : أنَّه خبرها؛ لأنَّها بمعنى صار عند بعضهم ، و « بَصِيراً » من بصُر بالشيء ك « ظَرِيف » من « ظَرُفَ » .
وقيل : هو مثالُ مبالغةٍ ، ك « عَلِيم » وفيه دلالة على أنَّه لم يذهب بصره بالكلِّية ومعنى الارتداد : انقلابُ الشَّيء إلى حالٍ كان عليها .
وقوله : { فارتد بَصِيراً } أي صيَّرهُ اللهُ بصيراً ، كما يقال : طالت النَّخلة والله أطالها .
قال بعضهم : إنه كان قد عمي بالكلية ، فجعله اللهُ بصيراً في هذا الوقت .
وقال آخرونك بل كان ضعف بصره من كثرة البكاءِ والحزن ، فلمَّا ألقوا القميص على وجهه ، وبشَّره بحياةِ يوسف عليه الصلاة والسلام عظم فرحه وانشرح صدرهُ وزالت أحزانه فعند ذلك قَوي بصره ، وعادت قُوَّته بعد الضَّعف ، وقال : { أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من حياة يوسف من جهة رُؤيَاه ، وهو أنَّ الله يجمع بيننا ، وهو إشارةٌ إلى قوله : { قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ يوسف : 86 ] .
روي أنَّه قال للبشير : كيف حاله؟ قال : إنَّه ملكُ مصر ، قال : ما أصنعُ بالملك ، على أي دين تركته؟ قال : على دين الإسلام ، قال : الآن تمَّت النِّعمة . ثمَّ إن أولاد يعقوب أخذوا يعتذرون ، و { قَالُواْ ياأبانا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي } فوعدهم بأنه يستغفر لهم .

قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما : أخَّر الاستغفار لهم إلى وقتِ السَّحر ، وهو الوقت الذي يقول الله فيه : { هل من داع فأستجيب له } .
وروي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما رواية أخرى : أنَّه أخَّر الاستغفار إلى ليلة الجمعة؛ لأنَّها أوفق الأوقات لرجاءِ الإجابة .
وقيل : أخَّر الاستغفار ليعلم هل تابوا حقيقة أم لا؟ وهل أخلصوا في التَّوبة أم لا؟ .
وقيل : استغفر لهم في الحالِ ، ومعنى : { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ } أي أداوم على الاستغفار في المستقبل .
وروي : أنه كان يستغفر لهم في كلِّ ليلةِ جمعةٍ في نيّق وعشرين سنة .
روي أنَّ يوسف بعث مع البشير إلى يعقوب مائتي راحلة ، وجهازاً كثراً ، لياتوا بيعقوب وأهله وولده ، فخرجوا وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة ، فلمَّا دنا من مصر كلَّم يوسف الملك الذي فوقه ، فخرج يوسف ، والملك في أربعة آلاف من الجُندِ ، وركب أهل مصر معهما فتلقوا يقعوب ، وهو يتوكأ على يهوذا ماشياً؛ فنظر إلى الجبل ، وإلى الناس فقالوا : يا يهوذا : هذا فرعون مصر؟ قال : لا هذا ابنُك يوسفُ ، فلمَّا تدانيا ذهب يوسف يبدأ بالسَّلام ، فقال جبريل عليه السلام : لا حتّى يبدأ يعقوب بالسلام ، فقال يعقوب : السَّلام عليك .
قال الثوريُّ : لما التقَى يعقوب ويوسف صلوات الله وسلامه عليهما عانق لك واحد منهما صاحبه وبكيا ، فقال يوسف : يا أبتِ! بكيت عليَّ حتى ذهب بصرك ، ألم علم أنَّ القيامة تجمعنا؟ قال : بلى يا بُنَيّ ، ولكن خشيت أن تسلب دينك ، فيحال بيني وبينك .
قيل : دخل يعقوب وولده مصر ، وهم اثنان وسبعون ما بين رجل ، وامرأة ، وخرجوا منها مع موسى ، والمقاتلون ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلاً يوى الصبيان والشيوخ .

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)

قوله : { فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } الآية قال أكثر المفسرين المراد : أبوه خالته « ليَّا » وكانت أمه قد ماتت في نفاسها بنيامين وقال الحسنُ : أبوه وأمه ، وكانت حية .
وروي : أنَّ الله تعالى أحيَا أمّه حتَّى جاءت مع يعقوب إلى مصر حتَّى سجدت له تحقيقاً لرؤيا يوسف .
وقيل : إن الخالة أم كما أنَّ العم أبٌ ، قال تعالى : { إلهك وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } [ البقرة : 133 ] ، ومعنى { آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } ضمهما إليه ، واعتنقهما .
فإن قيل : ما معنى دخولهما عليه قبل دخولهم مصر؟ .
فالجواب : أنَّهُ حين استقبلهم أنزلهم في خيمة ، أو بيت هناك ، فدخلوا عليه وضم إليه أبويه وقال : { ادخلوا مِصْرَ إِن شَآءَ الله آمِنِينَ } ، أي : أقيموا بها آمنين ، سمَّى الإقامة دخولاً؛ لاقتران أحدهما بالآخر .
قال السديُّ في هذا الاستثناء قولان :
الأول : أنه عائدٌ إلى الأمن إلى الدخول ، والمعنى : ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله ، كقوله تعالى : { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ } [ الفتح : 27 ] .
وقيل : إنَّه عائدٌ إلى الدُّخول كما تقدَّم .
وقيل : « إنْ » هنا بمعنى : « إذْ » يريدُ : إ ن شاء الله ، كقوله : { وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 139 ] أي : إذ كنتم مؤمنين .
ومعنى قوله : « آمِنينَ » أي على أنفسكم ، وأموالكم ، وأهليكم لا تخافون أحداً ، وكان فيما سلف يخافون ملك مصر ، وقيل : آمنين من القحطِ والشّدة وقيل آمنين من أن يضرهم يوسف بالجرم السالف .
{ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ } من باب التَّغليب ، يريد : أباه وأمه أو خالته { عَلَى العرش } قال أهل اللغة : العرشُ : السَّريرُ الرَّفيعُ ، قال تعالى : { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } [ النمل : 23 ] .
والرفع : هو النقل إلى العلو ، و « سُجَّداً » حال .
قال أبو البقاء : « حال مقدرةٌ؛ لأنَّ السجود يكن بعد الخُرُورِ » .
فإن قيل : إن يعقوب عليه السلام ، كان أبا يوسف فحقُّه عظيم ، قال تعالى : { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً } [ الإسراء : 23 ] فقرون حق الوالدين بحق نفسه ، وأيضاً : فإنَّه كان شيخاً كبيراً [ والشاب ] يجبُ عليه تعظيم الشيخ وأيضاً : كان من أكابر الأنبياء ، ويوسف ، وإن كان نبياً إلا أن يعقوب كان أعلى حالاً منه .
وأيضاً : فإن جدّ يعقوب ، واجتهاده في تكثير الطّاعات أكثر من جد يوسف ، واجتماع هذه الجهات الكثيرةِ يوجب المبالغة في خدمة يعقوب ، فكيف استجاز يوسف أن يسجد له يعقوب؟ .
فالجواب من و جوه :
الأول : روى عطاءٌ عن ابن عبَّاسٍ : أنَّ المراد بهذه الآية أنهم خرُّوا سجداً لأجل وجدانه ، فكيون سجود شكر لله تعالى لأجل وجدانه يوسف ، ويدلُّ عليه قوله تعالى : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً } .
وذلك يشعر بأهم صعدوا على السرير ، ثمَّ سجدوا لله ، ولو أنهم سجدوا ليوسف لسجدوا له قل الصُّعود على السَّرير؛ لأنَّ ذلك أدخل في التَّواضع .

فإن قيل : هذا التَّأويلُ لا يطابق قوله : { ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ } [ يوسف : 100 ] .
والمراد منه قوله : { إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [ يوسف : 4 ] قيل : معناه لأجلي ، لطلب مصلحتي ، وللسعي في إعلاء منصبي ، وإذا احتمل هذا سقط السؤال .
الثاني : أن يقال : إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً لنعمته .
وهذا تأويلٌ حسنٌ ، فإنه يقال : صليت للكعبة كما يقال : صليتُ إلى الكعبة؛ قال حسَّانُ رحمه الله : [ البسيط ]
3153 ألَيْسَ أوَّل من صَلَّى لِقبْلتِكُمْ ... وأعْرَفَ النَّاس بالآثَارِ والسُّنَنِ
فدلَّ على أنَّه يجوز أن يقال : فلانٌ صلَّى للقلبةِ ، فكذلك يجوز أن يقال : سجد لِلْقِبْلةِ .
وقوله : { وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً } أي جعلوه كالقبلة ثمَّ سجدوا لله شكراً لنعمة وجدانه .
الثالث : التَّواضع يسمى سجوداًح كقوله : [ الطويل ]
3154 . ... تَرَى الأكْمَ فِيهَا سُجَّداً للحَوَافِرِ
فالمراد هنا التَّواضعُ ، وهذا يشكلُ بقوله تعالى : { وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً } والخرور مشعر بالإتيان بالسُّجود على أكمل الوجوه .
وأجيب : بأنَّ الخرور يعني به المرور فقط ، قال تعالى : { لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً } [ الفرقان : 73 ] يعنى : لم يمروا .
الرابع : أن يقال الضمير في قوله : { وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً } عائد إلى إخوته وإلى سائر من كان يدخل عليه لأجل التَّهنئةِ ، والتقدير : ورفع أبويه على العرش مبالغة في تعظيمها ، وأمَّا الإخوةُ وسائر الدَّاخلين ، فخروا له ساجدين .
فإن قيل : هذا لا يلائم قوله : { ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ } .
فالجواب : أن يعتبر الرُّيؤيا لا يجب أن يكون مطابقاً للرُّؤيا بحسب الصُّورةِ ، والصِّفة من كُلِّ الوجوه ، فسجودُ الكواكب والشَّمس والقمر معبر بتعظيم الأكابر من النَّاس ولا شك أنَّ ذهاب يعقوب من كنعان مع أولاده إلى مصر نهاية التعظيم له ، فكفى هذا القدر من صَّحة الرُّؤيا ، فأمَّا كون التَّعبير مساوياً في الصُّورةِ والصِّفة ، فلم يوجبه أحد من العقلاءِ .
الخامس : لعلَّ الفعل الدَّال على التَّحية في ذلك الوقت ، كان هو السُّجودُ وكان مقصودهم من السجود تعظيمه ، ثمَّ نسخ ذلك في شرعنا .
وهذا بعيد؛ لأنَّ المبالغة في التَّعظيم كانت أليق بيوسف منها بيعقوب ، فلو كان الأمر كما قلتم ، لكان من الجواب أن يسجد يوسف ليعقوب عليه الصلاة والسلام .
السادس : لعلَّ إخوته حملتهم الأنفة ، والاستعلاءُ على ألاّ يسجدو له على سبيل التَّواضع ، وعلم يعقوب أنهم إن لم يفعلوا ذلك لصار ذلك سبباً لثوران النَّفس ، وظهور الأحقاد القديمة بعد كُمونِها ، فيعقوب عليه الصلاة والسلام مع جلالته وعظم قدره بسبب الأوبة والشَّيخوخة ، والتَّقدُّم في الدِّين ، والعلم ، والنبوة فعل ذلك السُّجود حتَّى تصير مشاهدتهم لذلك سبباً لزوال تلك الأنفة ، والنفرة عن قلوبهم .
السابع : لعلَّ الله تعالى أمر يعقوب بتلك السَّجدة لحكمة خفية لا يعلمها إلا هو [ كما أمر الملائكة بالسجود لآدم صلوات الله وسلامه عليه لحكمة لا يعلمها إلا هو ] ، ويوسف ما كان راضياً بذلك في قلبه إلا أنَّه لما علم أنَّ الله أمره بذلك سكت .

ثم إنَّ يوسف عليه الصلاة والسلام لما رأى هذه الحالة : { وَقَالَ ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً } ، وهي قوله : { إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً } [ يوسف : 4 ] وهاذ يقوّي الجواب السَّابع .
والمعنى : أنَّه لا يليق بمثلك على حالتك ، في العلم ، والدين ، والنبوة أن تسجد لولدك إلا أنَّ هذا أمر أمرت به ، وأن رؤيا الأنبياء حقٌّ ، كما أنَّ رؤيا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ولده كان سبباً لوجوب ذلك الذبح عليه في اليقظةِ ، لذلك صارت هذه الرُّؤيا التي رآها يوسف سبباً لوجوب السُّجودِ على يعقوب .
قوله : { مِن قَبْلُ } يجوز أن يتعلق ب « رُؤيَايَ » أي تأويل رؤياي في ذلك الوقت ويجوز أن يكون العامل فيه : « تأوِيلُ » ؛ لأن التَّأويل كان من حين وقوعها هكذا والآن ظهر له ، ويجوز أن يكون حالاً من : « رُؤيَايَ » قاله أبو البقاء .
وقد تقدَّم أنَّ المقطوع عن الإضافة لا يقع حالاً .
قوله : { قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً } حال من : « رُؤيَايَ » ، ويجوز أن تكون مستأنفة وفي « حَقًّا » وجوه :
أحدها : أنه حال .
والثاني : أنه مفعول ثانٍ .
والثالث : أنه مصدر مؤكد لفعل من حيث المعنى ، أي : حقَّقها ربي حقاً بجعله .
قوله : « أحْسنَ بِي » « أحْسنَ » أصله أن يتعدَّى بإلى ، قال تعالى : { وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } [ القصص : 77 ] فقيل : ضمن معنى : « لَطفَ » متعدّياً بالباءِ ، كقوله تعالى : { وبالوالدين إِحْسَاناً } وقول كثير عزَّة : [ الطويل ]
3155 أسِيئِي بِنَا ، أو أحْسِنِي لا مَلُومةً ... لَديْنَا ولا مَقْليَّةً إنْ تَقلَّتِ
وقيل : بل يتعدى بها أيضاً ، وقيل : هي بمعنى « إلى » وقيل : المفعول محذوف . تقديره : أحسن صنعه بِى ، ف : « بي » متعلقة بذلك المحذوف ، وهو تقدير أبي البقاءِ .
وفيه نظرٌ؛ من حيث حذف المصدر ، وإبقاء معموله ، وهو ممنوع عند البصريين .
و « إذْ » منصوب ب « أحْسَنَ » ، أو المصدر المحذوف ، قاله أبو البقاء وفيه النظر المتقدِّمُ .
والبَدْوُ : ضد الحضارة ، وهو من الظُّهورِ ، بَدَا يَبْدُوا : إذ سكن البادية .
يروى عن عمر رضي الله عنه : « إذَا بَدوْنَا جَفوْنَا » أي : تخلقنا بأخلاق البدويين .
قال الواحديُّ : البدو بسيطٌ من الأرض يظهرُ فيه الشخص من بعيدٍ ، أصله من بَدَا يَبْدُوا بَدْواً ، ثم سمي المكان باسم المصدر ، ويقال : : بَدْوٌ وحَضَرن وكان يعقوب وولده بأرض كعنان أهل مواشٍ وبريَّةٍ .
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنه : [ كان يعقوب قد تحوَّل إلى بدا وسكنها ] ومنها قدم على يوسف ، وبها مسجد تحت جبلها .

قال ابن الأنباري « بدا » اسم موضع معروف ، ياقل : بين شعيب عليه السلام وبدا ، وهما موضعان ذكرهما جميعاً كثيرٌ : [ الطويل ]
3156 وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ شَعْباً إلى بَدَا ... إليَّ وأوْطَانِي بِلادٌ سِواهُمَا
والبدو على هذا القول معناه : قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا ، يقال : بَدَا القَوْمُ بدواً إذا أتوا بَدَا ، كما يقال : غَارَ القوم غَوْراً ، إذا أتوا الغُوْر ، وكان معنى الآية : وجاء بكم من قصد بدا ، وعلى هذا القول كان يعقوب ، وولده حضريِّين ، لأن البدو لم يرد به البادية لكن عني به قصد بدا .
فصل
اعلم أن قوله { ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً } وهو قوله : { إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً } [ يوسف : 4 ] ، { وَقَدْ أَحْسَنَ بي } أنعم عليَّ { إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن } ولم يقل من الجُبّ مع كونه أشدّ من السجن استعمالاً للكرم كيلا تخجل إخوته بعدما قال : { لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ اليوم } [ يوسف : 92 ] ولو ذكر الجبّ كان تثريباً لهم؛ ولأن نعمة الله عليه في أخراجه من السجن أعظم؛ لأنَّه بعد الخروج من الجُبّ صار إلى العبودية والرق وبعد الخروج من السجن صار الملك ولأنه لما خرج من الجُب وقع في المضار بسبب تهمة المراة ، ولما خرج من السِّجن ، وصل إلى أبيه وإخوته وزالت عنه التُّهمة .
وقال الواحديُّ : « النِّعمة في إخراجه من السجن أعظم؛ لأنَّ دخوله في السجن كان بسبب ذنب هَمَّ به ، وهيا ينبغي أن يحمل على ميل الطبع ، ورغبة النَّفس ، وهذا وإن كان في محل العفو في حقّ غيره إلا أنه كان سبباً للمؤاخذة في حقه؛ لأنَّ حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقربين » .
فصل دلَّت هذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق الله تعالى ؛ لأنَّه أضاف إخراجه من السجن إلى [ الله تعالى ] ومجيئهم من البدو إليه ، وهذا صريحٌ في أن فعل العبد فعل الله تعالى فإن حملوه على أن المراد أن ذلك إنَّما حصل بإقدار الله ، وتدبيره ، فذلك عدولٌ عن الظَّاهر .
ثم قال : { مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان } أفسد وأغوى ، وأصله من نَزَغَ الرَّاكض الدَّابة حملها على الجَرْي إذا نخسها .
احتجَّ الجبائيُّ ، الكعبيُّ ، والقاضي أبو إسحاق بهذه الآية : على بُطلانِ الجبر قالوا لأنه تعالى ، أخبر عن يوسف ت عليه الصلاة والسلام أنه أضاف الإحسان إلى الله تعالى وأضاف النَّزْغَ إلى الشِّيطان ، ولو كان ذلك أيضاً من الرحن ، لوجب أن لا ينسب إلا إليه كما في النعمة .
الجواب : أنَّ إضافة هذا القول إلى الشيطان مجاز؛ لأنَّ عندكم الشِّيطان لا يتمكنَّن من الكلام الخفيّ ، كما أخبر الله عنه ، فقال : { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي }

[ إبراهيم : 22 ] فظاهر القرآن يقتضي إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مع أنه ليس كذلك ، وأيضاً : فإن كان إقدام المرءِ على المعصية بسبب الشِّيطان ، فإقدام الشيطان على المعصية إن كان بسبب شيطان آخر؛ لزم التسلسل وهو محالٌ ، وإن لم يكن بسبب شيطان آخر ، فليقل مثله في حق الإنسان ، فثبت أن إقدام المرء على الجهل والفسق بسب الشيطان وليس بسبب نفسه لأن أحداً لا يميل طبعه إلى اختيار الجهل الفسق الذي يوجب وقوعه في الذَّم في الدُّنيا ، وعذاب الآخرة ولما كان وقوعه في الكفر ، والفسق لا بد له من موقع ، وقد بطل القسمان لم يبق إلا أن يقال : ذلك من الله تعالى ويؤيد ذلك قوله : { أَخْرَجَنِي مِنَ السجن وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ البدو } وهذا صريحٌ في أنَّ الكل من الله تعالى .
ثم قال : { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ } « لطيف » أصله أن يتعدَّى بالباء ، وإنَّما يتعدى بللاَّم لتضمنه معنى مدبر ، أي : أنت بلطفك لما تشاءُ .
والمعنى : أنه ذو لطف لما يشاء ، وقيل : بمن يشاء ، وحقيقته أللُّطفِ : الذي يوصل الإحسان إلى غيره بالرفق .
والمعنى : أن اجتماع يوسف ، وإخوته مع الأُلْفِ ، والمحبَّة ، وطيب العيشِ ، وفراغ البال كان في غاية البُعدِ عن العقول ، إلا أنه تعالى لطيفٌ ، فإذا أراد حصول شيءٍ سهل أسبابه ، فحصل ، وإن كان في غايةِ البعدِ عن الحصولِ .
{ إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم } يعني أنَّ كونه لطيفاً في أفعاله إنَّما كان لأنه عليم بجميع الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية لها ، فيكون عالماً بالوجه الذي يسهل تحصيل ذلك الصعب .
فصل
اختلفوا في مقدار الوقت ما بين الرُّؤيا واجتماعهم . فقيل : ثمانون سنة ، وقيل : سبعون ، وقال الأكثرون : أربعون ، ولذلك يقولون : إنَّ تأويل الرُّؤيا إنَّما صحَّت بعد أربعين سنة . وقيل : ثماني عشرة سنة وبقي في العبودية ، والملك ، والسجن ثمانين سنة ، ثمَّ وصل إليه أقاربه ، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة . وقال : أقام يعقوبُ بمصر عند يوسف أربعاً وعشرين سنة ، ثم مات بمصر ، فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفن عد أبيه إسحاق ، ففعل يوسف ومضى به حتَّى دفنه بالشَّام ، ثم رجع إلى مصر .
قال سعيد بن جبيرٍ : نُقل يعقوب في تابوت من ساج إلى بيت المقدس فوافق ذلك يوم مات عيصُو ، فدفنا في قبرٍ واحدٍ ، وكانا ولدا في بطنٍ واحدٍ ، وكان عمرهما مائة وسبعة وأربعين سنة ، وعاش يوسف بعد ذلك عشرين سنة ، وقيل : ستين سنة ومات وهو ابن مائة عشرين سنة ، وفي التوراة مائة وعشرين ، وولد له إفرائيم ، وميشا وولد لإفرائيم نو ، ولاوي ، ويوشع فتى موسى عليه الصلاة والسلام ورحمة امرأة أيوب عليه الصلاة والسلام وأنه تمنى الموت . وقيل : ما تمنَّاه نبيُّ قبله ، ولا بعده فتوفَّاه الله طيباً طاهراً ، فتخاصم أهل مصر في دفنه كل أحد يحبُّ أن يدفنه في محلتهم ، فرأوا أن الأصلح أن يعمل له صندوقاً من مرمر ، ويجعلوه فيه ، ويدفنوه في النِّيل ليمر الماء عليه ، ويصل إلى مصر ، وبقي هناك إلى أن بعث موسى عليه الصلاة والسلام ، فأخرج عظمه من مصر ، ودفنه عند أبيه .

قوله تعالى : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك } الآية قرأ عبد الله : ( آتيتن وعملتن ) بغير ياء فيهما . وحركة ابنُ عطية أن أبا ذر قرأك « أتَيْتَنِي » بغير ألف بعد الهمزة ، و « مِن » في « مِنَ المُلْكِ » ، وفي : « مِنْ تَأويلِ » للتبعيض والمفعول محذوف أي : عظيماً من الملك ، فهي صفة لذلك المحذوف . وقيل : زائدة . وقيل : لبيان الجنس ، وهذان بعيدان . و « فَاطِرَ » يجوز أن يكون نعتاً ل « ربِّ » ويجوز أن يكون بدلاً أو بياناً ، أو منصوباً بإضمار أعني أو نداء ثانياً .
فصل
لما جمع الله شمل يوسف عليه الصلاة والسلام عَلِمَ أنَّ نعيم الدُّنيا لا يدوم فسأل الله حسن العاقبة ، فقال : { رب قد ءاتيتني من الملك } يعني ملك مصر ، والملك اتساع المقدور لمن له السياسة ، والتدبير . { وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث } يعني تعبير الرؤيا .
قوله : { فَاطِرَ السماوات والأرض } يعني : يا فاطر السموات والأرض ، أي : خالقهما قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما : ما كنت أدري ما معنى الفاطر حتى احتكم إليَّ اعرابيان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فَطرتَهَا وأنا ابْتدأت حَفْرهَا .
وقل أهلُ اللغة : أصلُ الفَطْر : الشَّقُّ ، يقال : فطرت نابُ البعير ، إذا بدا ، وفطرتُ الشَيء ، فانفطر ، إذا شَقَقْتهُ ، فانشقَّ ، وتفطَّرتِ الأرض بالنَّبات والشَّجر بالورق ، إذا تصدَّعتْ .
هذا أصله في اللغة ، ثمَّ صارت عبارة عن الإيجاد؛ لأنَّ ذلك الشيء في حال عدمه كأنَّه في ظلمة وخفاءٍ ، فلمَّا دخل في الوجود ، صار كأنَّه انشقَّ ، وخرج ذلك الشيء منه .
{ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين } أي : اقبضني إليك مسلماً ، وألحقين بالصالحين يريد بآبائي النبيين .
قال قتادة : لم يسأل نبيٌّ من الأنبياء الموت إلا يوسف ، وبه قال جماعة من المفسرين .
وقال ابن عباس رضي الله عنه في رواية عطاء : يريد : إذا توَفَّيْتني ، فتوفَّني على الإسلام .
فصل
دل قوله { تَوَفَّنِي مُسْلِماً } على أنَّ الإيمان من الله؛ لأنَّه لو كان من العبد ، لكان تقديره : كأنَّه يقول : افعل يا مَنْ لا يَفْعَل .
قالت المعتزلة : إذا كان الفعل من الله ، فكيف يجوزُ أن يقال للعبد : افعل مع أنَّك لست فاعلاً؟ فيقال لهم : إذا كان تحصيل الإيمان ، وابقاؤه من العبد لا من الله ، فكيف يطلب ذلك من الله تعالى .
قال الجبائي والكعبي : معناه : أطلب اللُّطف في الإقامة على الإسلام إلى أن أموت عليه ، وهذا الجواب ضعيفٌ ، لأن السؤال وقع عن الإسلام ، فحمله على اللطف عدول عن الظاهر ، وأيضاً : فكُلّ ما كان في مقدور الله من الإلطاف ، فقد فعله ، كان طلبه من الله محالاً .

فإن قيل : الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يعلمون أنَّهم يموتون لا محالة على الإسلام ، فكان هذا الدُّعاء طلباً لتحصيل الحاصل ، وأنَّه لا يجوز .
فالجواب : أن كمال حال المسلم : أن يستسلم لحكم الله على وجه يستقرُّ قلبه على ذلك الإسلام ، ويرضى بقضاء الله ، وتطمئن النفس ، وينشرح الصدر في هذا الباب ، وهذه حالةٌ زائدة عن الإسلام الذي هو ضدُّ الكفر ، والمطلوب هاهنا هو الإسلام بهذا المعنى .
فإن قيل : إن يوسف عليه الصلاة والسلام كان من أكابر الأنبياء ، والصَّلاح أول درجات المؤمنين؛ فالواصل إلى الغية كيف يليق به أن يطلب البداية؟ .
قال ابن عبَّاس رضي الله عنه وغيره : يعني ب « آبَائهِ » : إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
والمعنى : ألحقني بهم في ثوابهم ، ودرجاتهم ، ومراتبهم .
« روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، عن جبريل عليه السلام عن ربِّ العزَّة قال : » مَنْ شغلهُ ذِكرِي عَن مَسْألتِي أعْطَيتهُ أفضلَ ما أعْطِي السَّائلين « .
فلهذا من أراد الدعاء ، لا بُدَّ وأن يقدِّم عليه الثَّناء على الله تعالى فههنا يوسف عليه الصلاة والسلام لمَّا أراد الدعاء قدَّم عليه الثناء ، فقال { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث فَاطِرَ السماوات والأرض أَنتَ وَلِيِّي فِي الدنيا والآخرة } ثم دعا عقبه ، فقال : { تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين } وكذلك فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال : { الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } [ الشعراء : 78 ] إلى قوله : { يَوْمَ الدين } [ الشعرا : 82 ] فهذا ثناءٌ ثمَّ قال : { رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً } [ الشعراء : 83 ] إلى آخر كلامه .

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)

قوله تعالى : { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب } الآية « ذَلِكَ » : مبتدأ و { مِنْ أَنْبَآءِ الغيب } : خبره ، و « نُوحِيهِ » : حالٌ ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً ، أو حالاً من الضمير في الخبر ، وجوز الزمخشري : أن يكون موصولاً بمعنى : الذي ، وتقدَّم نظيهر ، والمعنى : ذلك الذي ذكرت من أنباء الغيب نوحيه إليك ، وما كنت يا محمَّد عند أولاد يعقوب ، { إِذْ أجمعوا أَمْرَهُمْ } أي عزموا على إلقاء يوسف في الجبِّ ، وما كنت هناك ، ذكره على وجه التَّهكُّم ، وتقدَّم الكلام على هذا اللفظ عند قوله : { فأجمعوا أَمْرَكُمْ } [ يونس : 71 ] وقوله : { وَهُمْ يَمْكُرُونَ } أي : بيوسف والمقصود من هذا إخبار عن الغيبن فكيون معجزاً؛ لأنَّ محمداً صلوات الله وسلامه عليه لم يطالع الكتب ، ولم يتلمذْ لأحد ، ما كانت بلدته بلدة العلماء؛ فإتيانه بهذه القصَّة الطويلة ، على وجه لم يقع فيها تحريف ، ولا غلطٌ من غير مطالعةٍ ، و لاتعلم ، كيف لا يكون معجزاً؟ .
روي أن اليهود وقريشاً سألوا رسو الله صلى الله عليه وسلم عن قصَّة يوسف؛ فلما أخبرهم على موافقة التَّوراة لم يسلموا ، فحزن النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقيل : إنهم لا يؤمنون ، ولو حرصت على إيمانهم .
قوله { وَهُمْ يَمْكُرُونَ } : حال ، { وَلَوْ حَرَصْتَ } معترض بين « مََا » وخبرها ، وجواب مقدَّماً عليها ، فلا يجوز أن يقال : « قُمْتُ لو قمُتَ » .
وقال الفراء في « المصادر » : حَرَصَ يَحْرِصً حِرْصاً ، وفي لغة أخرى : حَرِصَ يَحْرَصُ حَرْصاً ، ومعنى الحَرْص : طلب الشيء بأقصى ما يكون من الاجتهاد ، { إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } : حالٌ .
قوله { وَمَا تَسْأَلُهُمْ } على تبليغ الرِّسالة ، والدُّعاء إلى الله عزَّ وجلَّ « مِنْ أجْرٍ » جعلوا خبر « إن » هو « مَا » أي : القرآن ، « إلاَّ ذِكْرٌ » : عظة وتذكير « للْعَالمِينَ » .
ثم قال : « وَكَأيِّنْ » : وكم ، « من آيةٍ » : عبرة ودلالة ، { فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } : لا يتفكرون فيها ولا يتعبرون .
واعلم : أن دلائل التَّوحيد ، والعلم ، والقدرة ، والحكمة والرحمة لا بد وأن تكون من أمور محسوسة ، وهي : إما الأجرام الفلكيَّة ، وإما الأجرام العنصرية .
أما الأجرام الفلكيَّة فهي قسمان : إما الأفلاك ، وإما الكواكب .
فأما الأفلاك فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصَّانع ، وقد يستدل بكون بعضها فوق بعضه أو تحته ، وقد يستدلُّ بحركتها ، إمَّا بسرعة حركتها ، وإمَّا باختلاف جهة تلك الحركات .
وأمَّا الأجرام الكوكبيَّة ، فتارة تدلُّ على وجود الصَّانع بمقاديرها ، وأجرامها ، وحركاتها في سرعتها وبطئها ، وتارة بألوانها وأضوائها ، وتارة بتأثيراتها في حصول الأضواء والظلال .
وأما دلائل الأجرام العنصرية : فإمَّا أن تكون مأخوذة من بسائطها ، وهو البر والبحر ، وإما مأخوذ من [ المواليد ] ، وهي أقسام :
أحدها : العلويِّة كالرعد ، والبرق ، والسَّحاب ، والمطر ، والثلج ، والهواء ، وقوس قُزَح .

وثانيها : المعادن على اختلاف طابعئها وصفاتها ، وكيفياتها .
وثالثها : النَّبات وخاصيَّة الخشب والورق بخصوصه .
ورابعها : اختلاف حال الحيوانت في أشكالها ، وطبائعها ، وأصواتها ، وخلقها .
وخامسها : تشريح أبدان الناس ، وتشريح القوى الإنسانية ، وبيان المنافع الحاصلة منها ، ومن هذا الباب أيضاً قصص الأولين والملوك الذين استولوا على الأرض ، وقهروا العباد ، وخربوا البلاد . ماتوا ولم يبق لهم في الدنيا خبر ، ثم بقي الوزرُ والعقاب عليهم ، قال ابن الخطيب : فلهذا ضبط أنواع هذه الدَّلائل .
فصل
الجمهور على جر الأرض عطفاً على السموات ، والضمير في « عَلَيْهَا » للآية ، فيكون « يمُرُّون » صفة للآية ، وحالاً لتخصُّصها بالوصف بالجر .
وقيل : يعود الضمير في « عَليْهَا » للأرض فيكون « يمُرُّون عليها » حالاً منها .
وقال أبو البقاء : وقيل : منها ومن السَّموات ، أي : يكون الحال من الشيئين جميعاً ، وهذا لا يجوز؛ إذا كان يجب أن يقال : عليهما ، وأيضاً : فإنهم لا يمرُّون في السَّماوات إلا أن يراد : يمرّون على آياتها ، فيعود المعنى على عود الضمير للآية ، وقد يجاب عن الأول بأنه من باب الحذف؛ كقوله تعالى : { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [ التوبة : 62 ] .
وقرأ السديُّ : « والأرْضَ » بالنَّصب ، ووجهه أنه من باب الاشتغال ، ويفسَّر الفعل بما يوافقه معنى ، أي : يطوفون الأرض ، أو يسلكون الأرض .
« يمُرُّون علَيْهَا » كقولك : زَيْداً مررتُ بِهِ ، وقرأ عكرمة ، وعهمرو بن فايد : « والأرْضُ » على الابتداء ، وخبره الجملة بعده ، والضمير في هاتين القراءتين يعود على الأرض فقط .
قوله { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } والمعنى : أنَّهم كانوا مقرِّين بوجود الإله ، قال تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ الزمر : 38 ] إلا أنَّهم كانوا [ يُثْبِتُون ] له شريكاً في العبودية .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت في تلبية المشريكن من العرب ، كانوا يقولون : « لَبِّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيْكَ ، لبَّيْكَ لا شريكَ لَكَ إلاَّ شرِيكاً هو لَكَ تمْلِكهُ ومَا مَلَك » .
وعن عطاء رضي الله عنه هذا في الدعاء ، قال تعالى : { وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ يونس : 22 ] { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [ العنكبوت : 65 ] .
وعن ابن عبَّاس : إن أهل مكة قالوا : الله ربَّنا لا شريك له ، والملائكة بناتُه ، فلم يوحِّدوا بل أشركوا ، وقالت اليهود : ربُّنا الله وحده ، وعزيزٌ ابن الله ، وقالت النصارى : الله وحده ، والمسيح ابن الله .
واحتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان : عبارة عن الإقرار باللسان فقط؛ لأنه تعالى حكم بكونهم مؤمنين مع أنَّهم مشركون ، وذلك يدلُّ على أن الإيمان عبارةٌ عن مجرَّد الإقرار ، وجوابه معلُوم .
قوله تعالى : { أفأمنوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ الله } : عقوبة تغشاهم ، وتنبسط عليهم ، وتغمرهم .
{ أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً } .
قرأ أبو حفص ، ومبشر بن عبدالله : { أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً } بالياء من تحت؛ لأنه مؤنَّث مجازي؛ وللفصل أيضاً ، و « بَغْتَةً » : نصب على الحال ، يقال : بغَتهُمُ الأمْرُ بغتاً وبَغْتَةً ، إذا فاجأهم من حيث لم يتوقَّعوا .
وقوله : { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } الناصب لقوله : « بغْتَةً » .

قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)

قوله : { قُلْ هذه سبيلي } الآية .
قل يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها ، والطريقة التي أنا عليها ومثله : { ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ } [ النحل : 135 ] والسَّبيل في أصل اللغة : الطريق ، ثم شبهوا بها التعبُّدات؛ لأن الإنسان يمر عليها إلى الجنَّة .
قوله : { أَدْعُو إلى الله } يجوز أن يكون مستأنفاً ، وهو الظاهر ، وأن يكون حالاً من الياءِ ، و { على بَصِيرَةٍ } حال من فاعل « أدْعُوا » أي : أدعوا كائناً على بصيرةٍ .
وقيل : تمَّ الكلام عند قوله : { أَدْعُو إلى الله } ثم استأنف { على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني } .
قوله { وَمَنِ اتبعني } عطفٌ عليه ، أي : على فاعل « أدْعوا » ولذلك أكد بالضمير المنفصل ، ويجوز أني كون متبدأ ، والخبر محذوف ، أي : ومن اتَّبعني يدعو أيضاً ، ويجوز أن يكون « عَلَى بَصِيرةٍ » : خبراً مقدماً ، و « أنَا » : مبتدأ مؤخر ، و « مَنِ اتَّبعَنِي » عطف عليه أيضاً ، ومفعول « أدْعُوا » يجوز أن لا يراد ، أي : أنا من أهل الدُّعاء إلى الله ، ويجوز أن يقدَّر : أن أدعواالناس . وقرأ عبدالله : « هذَا سَبِيلِي » بالتَّذكيرن وقد تقدَّم [ الأنعام : 55 ] أنه يذكَّر ويؤنَّث .
فصل
والمعنى : أدْعُوا إلى شالله على بصيرةٍ على يقين ، والبصيرةُ : هي المعرفة التي يميز بها بين الحقِّ والباطل ، وهي الحجَّة والبرهان ، « أنَا ومَنِ اتَّبعَنِي » : آمَنَ بي ، وسار في طريقي ، وسيرهُ : اتِّباع الدَّعوة إلى الله عزَّ وجلَّ .
قال الكلبيُّ ، وابنُ زيد : حقٌّ على من اتَّبعه أن يدعو إلى ما دعى إليه ويذكِّر بالقرآن .
قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه : يعني : أصحاب رسُول الله صلى الله عليه وسلم كانوا على أحسن طريقةٍ ، وأقدص هداية معدن العلم ، وكنز الإيمان وجند الرَّحمن .
قال عليه الصلاة والسلام : « العُلمَاءُ أمَناءُ الرُّسلِ على عِبَادهِ ، حيثُ يَحْفَظُونَ ما يدْعُونَ إليْهِ » .
ثم قال { وَسُبْحَانَ الله } أي : وقل : سبحان الله تنزيهاً عمَّا يشركون .
{ وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين } الذين اتَّخذوا من الله ضدًّا وندًّا . وهذه الآية تدلُّ على أنَّ علم الأصول حرفة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، وأن الله تعالى ما بعثهم إلى الخلقِ إلا لأجلها .

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)

قوله تعالى : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } الآية : وهذا يدلُّ على أنَّه ما بعث رسولاً إلى الخلق من النِّسوان ، ولا من أهل البادية ، وقال عليه الصلاة والسلام : « مَنْ بَدَا جَفَا » .
قول : « نُوحِي » العامة معلى « يُوحَى » بالياء من تحت مبنيًّا للمفعول .
وقرأ حفص : « نُوحِي » بالنون ، وكسر الحاء مبنيًّا للفاعل ، اعتبارا بقوله : { وَمَآ أَرْسَلْنَا } [ النحل : 43 ] وكذكل قرا ما في النحل ، وأوَّل الأنبياء ، ووافقه الاخوان على قوله : { نوحي إِلَيْهِمْ } في الأنبياء على ما سيأتي إن شاء الله تعالى والجملة صفة ل « رِجَالاً » و { مِّنْ أَهْلِ القرى } صفة ثانيةٌ ، وكان تقديم هذه الصِّفة على ما قبلها أكثر استعمالاً ، لأنَّها أقرب إلى المفرد ، وقد تقدَّم تحريره في المائدة .
فصل
قوله : { مِّنْ أَهْلِ القرى } أي من أهل الأمصار دون أهل البوادي؛ لأن أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم .
قال الحسن : لم يبعث الله نبيًّا من أهل البادية ولا من الجن ولا من الملائكة وقيل إنما لم يبعث من أهل البادية لغلظهم وجفاهم كا تقدَّم .
{ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض } يعني : [ هؤلاء ] المشركين المكذبين ، { كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ } : آخر أمر ، { الذين مِن قَبْلِهِمْ } يعنى : الأمم المكذِّبين فيعتبروا ، { وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا } يقول سبحانه وتعالى : هذا فعلنا بأهل ولا يتنا وطاعتنا أن نُنجِّهم عند نزول العذاب ، وما في الدرار الآخرة لهم خير ، فترك ذلك اكتفاء به لدلالة الكلام عليه ، والمعنى : ولدار الحالِ الآخرة .
وقيل : هو إضافة الشيء إلى نفسه؛ كقوله : { إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين } [ الواقعة : 95 ] ، وكقولهم : يومُ الخَميِسِ ، وربيعُ الآخر ، { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فتؤمنون ، قرأ نافع ، وابن عامرٍ ، ورواية عن عاصم : « تَعْقِلُون » بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة .
قوله تعالى : { حتى إِذَا استيأس الرسل } الآية .
ليس في الكلام شيء يكون ، « حتَى » غاية له؛ فلذلك اختلفوا في تقدير شيءٍ يصحُّ حلعه مغيًّا ب « حتَّى » .
فقدره الزمخشري : ما أرسلنا من قبلكَ رجالاً ، فتراخى نصرهم حتَّى .
وقدره القرطبيُّ : ما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً ، ثم لم نعاقب أممهم بالعقاب حتَّى إذا .
وقدره ابن الجوزي : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ، فدعوا قومهم فكذَّبوهم ، فطال دعاؤهم ، وتكذيب قومهم حتَّى إذا ، وأحسنها المقدم .
وذكر ابن عطيَّة شيئاً من معنى قوله : { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ } فقال : ويتضمن قوله « أفَلمْ يَسِيرُوا » إلى من قبلهم ، أنَّ الرُّسل الذين بعثهم الله تعالى من أهل القرى دعوهم ، فلم يؤمنوا حتى نزلت به المُثُلاث ، فصبروا في حيِّز من يعتبر بعاقبته؛ فلهذا المضمَّن حسن أن تدخل « حتَّى » في قوله : « حتَّى إذَا » .

قال أبو حيان : ولم يتلخًّص لنا من كلامه شيء يكون ما بعد « حتَّى » غاية لهُ؛ لأنَّه علَّق الغاية بما ادَّعى أنَّه فهم ذلك من قوله : « أفَلمْ يَسِيرُوا » ، قال شهاب الدِّين : قوله : « دَعوهُمْ فَلم يُؤمِنُوا » هو المُغَيَّا .
قوله { وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } قرأ الكوفيُّون : « كُذِبُوا » بالتخفيف ، والباقون بالتثقيل .
فأما قراءة التَّثقيل ، فاضطربت فيه الأقوال : فرُوِي إنكارها عن عائشة رضي الله عنها قالت : « مَعاذَ اللهِ؛ لمْ تَكُنِ الرسُل لتظُنَّ ذلِكَ بِربِّهَا » وينبغي ألاَّ يصحَّ لك عنها؛ لتواتر هذه القراءة ، وقد وجَّهت بأربعة [ أوجه ] :
أحدها : أن الضمير في « وظَنُّوا » عائدٌ على المرسل إليهم؛ لتقدُّمهم في قوله : { كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ } ولأنَّ الرسل تستدعي مرسلاً إليهم ، والضمير في « أنَّهُمْ » و « كُُذِبُوا » عائد على الرسل والمعنى : وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا ، أي : كذَّبهم من أرسلوا غليه بالوحي ، وينصرهم عليهم .
الثاني : أن الضمائر الثلاثة عائدة على الرسل .
قال الزمخشري في تقديره هذا الوجه : « حتَّى إذا اسْتَيئَسُوا من النَّصر ، وظنوا أنهم قد كذبوا ، أي كذَّبتهم أنفسهم حين حدَّثتهم أنهم ينصرون ، أو رجاؤهم؛ لقولهم : رَجاءٌ صادقٌ ، ورجاءٌ كاذبٌ ، والمعنى : أن مدَّة التَّكذيب والعداوة من الكفَّار ، وانتظار ، وتوهَّموا أن لا نصر لهم في الدنيا؛ فجاءهم نصرنا » انتهى .
فقد جعل الفاعل المقدر : إما « أنْفُسُهم » ، وإما « رَجَاؤهم » ، وجعل الظَّنَّ بمعنى : التَّوهُّم ، فأخرجه عن معناه الأصليِّ ، وهو يرجِّحُ أحد الطرشفين ، وعن مجازه ، وهو استعماله في المتيقين .
الثالث : أن الضمائر كلَّها عائدة على الرسل ، والظنُّ على بابه من التَّرجيح ، وإلى هذا نحا ابنُ عبَّاسٍ ، وابن مسعود ، وابن جبير ، وقالوا : والرُّسُل بشر؛ فضعفوا ، وساء ظنُّهُم .
وهذا لا ينبغي أن يصحَّ عن هؤلاء : فإنها عبارة غليظة على الأنبياء ، وحاشا الأنبياء من ذلك ، ولذلك ردَّت عائشة ، وجماعة كثيرة هذا التأويل ، وأعظموا أن ينسبوا الأنبياء إلى شيء من ذلك .
قال الزمخشريُّ : « إن صحَّ هذه عن ابن عبَّاس ، فقد أراد بالظَّنِّ؛ ما يخطر بالبالِ ، ويهجُس في القلب من شبه الوسوسة ، وحديث النَّفس على ما عليه البشريِّة ، وأما الظَّنُ الذي هو ترجيح أحد الجائزين عل الآخر؛ فغير جائزٍ على رجلٍ من المسلمين ، فما بالُ رُسل الله الذين هم أعرف بربِّهم » .
قال شهاب الدِّين : « ولا يجوز أيضاً أن يقال : خطر ببالهم شبه الوسوسة ، فإن الوسوسة من الشيطان ، وهم معصومون منه » .
وقال الفارسي أيضاً : « إن ذهب ذاهبٌ إلى أن المعنى : ظن الرُّسل الذين وعد الله أممهم على لسانهم قد كذبوا؛ فقد أتى عظيماً لا يجوز أن ينسب مثله إلى الأنبياء ، ولا إلى صالح عباد الله ، وكذلك من زعمك أنَّ ابن عبَّاس ذهب إلى أن الرسل قد ضعفوا ، [ فظنوا ] أنهم قد أخلفوا؛ لأن الله لا يخلف الميعاد ، ولا مبدِّل لكلماته » .

وقد روي عن ابن عباس أيضاً ، أنه قال : معناه : وظنوا حين ضعفوا وغلبوا؛ أنهم قد أخفلوا ما وعدهم الله به من النصر ، وقال : وكانوا بشراًح وتلا قوله تعالى : { وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول } [ البقرة : 214 ] .
الرابع : أن الضمائر كلَّها ترجع إلى المرسل إليهم أي : وظنَّ المرسل إليهم أنَّ الرسل قد كذبوهم فيما ادَّعوه من النبوة ، وفيما يوعدون به من لم يؤمن بهم من العقاب قبل ، وهذا هو المشهور من تأويل ابن عباس ، وابن مسعود ، وابن جبير ، ومجاهد ، قالوا : « و لايجوز عود الضمائر على الرسل؛ لأنَّهم معصومون » .
ويحكى : أنَّ ابن جبير حين سئل عنها ، فقال : نعم ، حتَّى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدِّقوهم ، وظنَّ المرسل إليهم أن الرُّسل قد كذبوهم؛ فقال الضحاك بن مزاحم وكان حاضراً : « لَوْ رحَلْتُ فِي هَذه إلى اليَمنِ كَانَ قَلِيلاً » .
وأمَّا قراءة التشديد فواضحة ، وهو أن تعود الضمائر كلها على الرسل ، أي : وظنَّ الرُّسل أنهم قد كذبهم أممهم فيما جاءوا به؛ لطول البلاءِ عليهم .
وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت : « إنَّهُم أتْبَاعُ الأنْبيَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا بِربهم وصدَّقُوا ، طَالَ عَليهِمُ البَلاءُ واسْتأخَرَ عَنْهُم النَّصْر ، حتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسلُ ممَّن كذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ ، وظنَّتِ الرُّسلُ أنَّهُمْ قَد كذَّبُوهُم ، جَاءَهُمْ نَصْرُ اللهِ عِندَ ذلِكَ » .
وبهذا يتَّحد معنى القراءتين ، والظَّن هنا يجوز أن يكون على بابه ، وأن يكن بمعنى : اليقين ، وأن يكن بمعنى : التوهُّم كما تقدَّم .
وقرأ ابن عبَّاس ، ومجاهد ، والضحاك رضي الله عنهم : « كَذبُوا » بالتخفيف مبنيًّا للفاعل ، والضمير على هذه القراءة في « وظنُّوا » عائدٌ على الأمم ، في أنَّهُم قد كذبوا ، عائد على الرسل ، أي : ظنَّ المرسلُ إليهم أنَّ الرسل قد كذبوهم فيما وعدوهم به من النَّصر ، أو من العقاب .
ويجوز أن يعود الضمير في « ظَنُّوا » على الرسل ، وفي « أنَّهُمْ قَدْ كذِبُوا » على المرسل إليهم ، أي : وظنَّ الرسل إنَّ الأمم كذبتهم فميا وعدهم به من أنَّهم لا يؤمنون به ، والظنُّ هنا بمعنى : اليقين واضح .
ونقل أبو البقاء : « أنه قرىء مشدّداً مبنياً للفاعل ، وأوله : بأن الرسل ظنّوا أن الأمم قد كذبوهم » .
وقال الزمخشري بعد ما حكى قراءة المبني للفاعل : « ولو قرىء بها مشددة لكان معناه : وظن الرسل أن قومهم قد كذَّبُوهم فيما وعدوهم » فلم يحفظها قراة ، وهي غريبة ، وكان قد جوَّز في القراءة المتقدمة : أن الضَّمائر كلَّها تعود على الرُّسل ، وأن يعود الأول على المرسل إليهم وما بعده على الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدَّثوا به قومهم من النُّصرة : إمَّا على تأويل ابن عبَّاس ، وإمَّا على أنَّ قومهم إذا لم يروا لموعدهم أثراً ، قالوا لهم : قد كذبتمونا ، فيكونون كاذبين عند قومهم ، أي : وظنَّ المرسل إليهم أنَّ الرسل قد كذبوا « .

وقوله « جَاءَهُمْ » : جواب الشِّرط ، وتقدَّم الكلام في « حتَّى » هذه ما هِي؟ . أي : لمَّا بلغ الحال إلى الحدِّ المذكور؛ جاءهم نصرنا .
فإن قيل : لم يجر ذكر المرسل إليهم فيما سبق ، فكيف يحسن عود الضَّمير إليهم؟ .
فالجواب : ذكر الرسل يدلُّ على ذكر المرسل إليهم ، أو يقول : إن ذكرهم جرى في قولهم : { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ } ويكون الضمير عائداً عل الذين من قبلهم ، من مكذِّبي الرسل .
قوله : { فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ } قرأ عاصمٌ ، وابن عامر بنون واحدة ، وجيم مشددة ، وياء مفتوحة؛ على أنَّه فعلٌ ماضي مبنيٌّ للمفعول ، و « مَنْ » : قائمة مقام الفاعل ، والباقون بنونين ثانيتهما ساكنة والجيم خفيفة ، والياء الساكنة على أنه مضارع أنْجَى ، و « مَنْ » مفعوله ، الفاعل ضمير المتكلم المعظم نفسه على الاستقبال ، على معنى : فنفعل بهم ذلك ، وهه حكاية حالٍ ، ألا ترى أنَّ القصَّة فيما مضى ، وإنَّما حكى الحالح كقوله تعالى { هذا مِن شِيعَتِهِ وهذا مِنْ عَدُوِّهِ } [ القصص : 15 ] إشارة إلى الحاضر ، والقصَّة ماضية .
وقرأ الحسن ، والجحدريُّ ، ومجاهد في آخرين كقراءة عاصم ، إلا أنَّهم سكَّنوا الياء ، والأجود في تخريجها ما تقدَّم ، وسكِّنت الياء تخفيفاً ، كقراءة : { تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } [ المائدة : 89 ] وقد سكِّن الماضي الصَّحيح ، فكيف بالمعتلِّ؟
كقوله : [ مجزوء الرمل ]
3157 ... قَدْ خُلِطْ بِجُلْجُلانْ
وتقدم من أمثاله .
وقيل : الأصل « نُنْجِي » بنونين؛ فأدغم النون في الجيم ، وليس بشيء؛ إذا النون لا تدغم في الجيم على أنَّه قد قيل بذلك في قوله : { نُنجِي المؤمنين } [ الأنبياء : 88 ] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
وقرأ جماعة كقراءة الباقين إلا أنَّهم فتحوا الياء ، قال ابن عطيَّة : « رواها ابن عبيرة ، عن حفص ، عن عاصم ، وهي غلط من ابن هبيرة » .
قال شهابُ الدِّين : « توهَّم ابن عطيِّة أنه مضارع باقٍ على رفعة ، فأنكر فتح لامه وغلَّط راويها ، وليس بغلط؛ وذلك أنه إذا وقع بعد الشرط والجزاء معاً مضارع مقرون بالفاء ، جاز فيه أوجه :
أحدهما : نصبه بإضمار » أن « بعد الفاء ، وقد تقدَّم عند قوله : { وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ } [ البقرة : 284 ] إلى أن قال : » فَيَغْفِر « قرىء بنصبه ، وقد تقدم توجيهه ، ولا فرق بين أن تكون أداة الشرط جازمة كآية البقرة ، أو غير جازمة كهذه الآية .
وقرأ الحسن أيضاً » فنُنَجِّي « بنونين ، والجيم مشددة ، والياء ساكنة مضارع » نَجَّى « مشددة للتكثير ، وقرأ هو أيضاً ونصر بن عاصم ، وأبو حيوة : » َفَنَجَا « فِعْلا ماضياً مخففاً ، و » مَنْ « فاعله .

ونقل الدَّاني : أنه قرأ لابن محيصن كذلك ، إلا أنه شدِّد الجيم ، والفاعل ضمير النَّصر ، و « مَنْ : مفعوله ، ورجح بعضهم قراءة عاصم؛ بأن المصاحف اتفقت على كتبها » فَنُجِّيَ « بنون واحدة ، نقله الداني ، ونقل مكي : أن أكثر المصاحب عليها ، فأشعر هذا بوقوع الخلاف في الرَّسم ، ورجَّح أيضاً : بأنَّ فيها مناسبة لما قبلها من الأفعال الماضية ، وهي جارية على طريقة كلام الملوك والعظماء ، منحيث بناء الفعل [ للمعفول ] .
وقرأ أبو حيوة : » يَشَاءُ « بالياء ، وتقدَّم أنه قرأ » فَنَجَا « ، أي : فنجا من يشاء الله نجاته ، وهم المؤمنون المطيعون .
قوله : { وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا } : عذابنا ، وقرأ الحسن » بَأسهُ « والضمير لله ، وفيها مخالفة للشواذُ ، » عَنِ القومِ المُجْرمينَ « أي : المشركين .

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)

قوله : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ } أي : في خبر يوسف وإخوته ، « عِبْرَةٌ » : موعظة « لأولِي الألبابِ » .
قرأ أبو عمرو في رواية عبد الوارث ، والكسائيُّ في رواية الأنطاكي : « قِصَصِهِمْ » بكسر القاف هو جمع قصَّة ، وبهذه القراءة رجَّح الزمخشري عود الضمر في « قَصصِهمْ » في القراءة المشهورة على الرسل وحدهم .
وحكى غيره : أنه يجوز أن يعود على الرسل ، وعلى يوسف وإخوته جميعاً كما تقدم .
قال أبو حيان : « ولا ينصره يعني هذه القراءة ؛ إذ قصص يوسف ، وأبيه ، إخوته تشتمل على قصص كثيرة ، وأنباء مخلفة » .
فصل
الاعتبار : عبارة عن العبور من الطريق المعلومة إلى الطريق المجهولة ، و المراد منه : التأمُّل والتَّفكر ، ووجه الاعتبار بقصصهم أمور :
أحدها : أنَّ الذي قدر على إعزاز يوسف عليه الصلاة والسلام ، بعد إلقائه في الجبِّ وإعلائه بعد سجنه ، وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون أنه عبد لهم وجمعه مع أبيه وإخوته على ما أحبَّ بعد المدة الطويلة؛ لقادرٌ على إعزاز محمد صلى عليه وسلم ، وإعلاء كلمته .
وثاينها : أن الأخبار عنه إخبارٌ عن الغيب ، وفكان معجزة دالَّة على صدق محمد صلوات الله وسلامه عليه .
وثالثها : أنه قال في أوَّل السورة : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص } [ يوسف : 3 ] ثم قال هنا : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب } وذلك تنبيه على أن حسن هذه القصَّة ، إنَّما هو لأجل حصول العبرة منها ، ومعرفة الحكمة والقدرة .
فإن قيل : لم قال : { عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب } مع أن قوم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ذوي عقول وأحلام ، وقد كان الكثير منهم لم يعتبرْ؟ .
فالجواب : أنَّ جميعهم كانوا متمكِّنين من الاعتبار ، والمراد من وصف هذه القصَّة بكونها عبرة كونها بحيث يتعبرها العاقل .
قوله { مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى } في « كَانَ » ضمير عائدٌ على القرآن ، أي : ما كان القرآن المتضمن لهذه القصَّة الغريبة حديثاُ مختلقاً .
وقيل : بل هو عائدٌ على القصص ، أي : ما كان القصص المذكور في قوله : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ } .
وقال الزمخشري : « فإن قلت : فإلام يرجع الضمير في : { مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى } فيم قرأ بالكسر؟ قلت : إلى القرآن أي : ما كان القرآن حديثاً .
قال شهاب الدين : » لأنه لو عاد على « قِصَصِيهم » بكسر القاف؛ لوجب أن يكون « كَانَتْ » بالتاء « لإسناد الفعل حينئذ إلى ضمير مؤمث ، وإن كان مجازيًّا .
قوله : { ولكن تَصْدِيقَ } العامة عل نصب » تصيدقَ « والثلاثة بعده ، على أنَّها منسوقة على خبر » كان « أي : ولكن كان تصديق .
وقرأ حمدان بن أعين ، وعيسى الكوفي ، وعيسى القفي : برفع » تَصْديقَ « وما بعده ، على أنَّها أخبار لمبتدأ مضمر ، أي : ولكن هو تصديق ، أي : الحديث ذو تصديق ، وقد سمع من العرب مثل هذا بالنصب والرفع؛ قال ذو الرمَّة : [ الطويل ]

3158 ومَاك كَانَ مالِي من ثُراثٍ وَرِثتهُ ... ولا دِيةً كَانتْ ولا كَسْبَ مَأثَم
ولكِنْ عَطاءُ اللهِ من كُلِّ رحْلَةٍ ... إلى كُلِّ مَحْجُوبِ السُّرادقِ خِضْرمِ
وقال لوطُ بن عبيدالله : [ الطويل ]
3159 وإنِّي بَحمْدِ الله لا مَالَ مُسلمٍ ... أخَذْتُ ولا مُعطِي اليَمينِ مُخالفِ
ولكنْ عَطاء اللهِ منْ كُلِّ فَاجرٌ ... قَصِيِّ المحَلِّ مُعْورٍ للمَقَارِفِ
يروى : « عَطاءَ الله » في البيتين منصوباً على : « ولكن كان عطاء الله » ومرفوعاً على : « ولكن هُو عطاءُ الله » .
قال الفراء والزجاج : « ونصي » تَصْديقَ « على تقدير : ولكن كان تصديق الذي بين يديه ، كقوله تعالى : { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله } [ الأحزاب : 40 ] ثم قالا : ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى : ولكن هو تصديق الذي بين يديه؛ فكأنَّهما لم يطَّلعا على أنهما قراءة .
فصل
معنى الآية : أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يصحُّ منه أن يفترى هذه القصَّة ، بحيث تكون مطابقة لها من غير تفاوت .
وقيل : إن القرآن ليس بكذب في نفسه؛ لأنَّه لا يصحُّ أن يفترى ، ثم أكَّد كونه غير مفترى بقوله : { ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ } وهو إشارة إلى أنَّ هذه القصَّة وردت موافقة لما في التوراة ، وسائر الكتب الإلهيَّة ، ثم وصفه بأن فيه : { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ } .
قيل : كل شيء في واقعة يوسف مع أبيه ، وإخوته .
وقيل : يعود على كلِّ القرآن؛ كقوله تعالى : { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ } [ الأنعام : 38 ] .
والأولى : أن يجعل هذا الوصف وصفاً لكلِّ القرآن ، ويكون المراد ما تضمَّنه من الحلال ، والحرام ، وسائر ما يتَّصل بالدِّين .
قال الواحدي : » وعلى هذين التفسرين جميعاً؛ فهو من العام الذي أريد به الخاصُّ؛ كقوله تعالى : { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } [ الأعراف : 156 ] يريد : وسعت كل شيء أن يدخل فيها ، { وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ } [ النمل : 23 ] .
ثمَّ وصفه بكونه هدّى في الدنيا ، وسبباً لحصول الرحمة في القيامة ، { لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } خصَّهم الله بالذِّكرح لأنَّهم الذين انتفعوا به ، كقوله تعالى { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] .
وروى أبيُّ بن كعب رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرَّف كرَّم وبجَّل وعظَّم : « عَلِّموا أرقَّاءكُمْ سُورَةَ يُوسُفَ عليه الصلاة والسلام ، فإنَّهُ أيُّما مسلم تلاها ، وعلَّمَها أهْلهُ ومَا مَلكَتْ يَمِينهُ ، هَوَّنَ اللهُ عَليْهِ سَكرَاتِ المَوْتِ ، وأعْطَاهُ القُوَّة أن لا يَحْسُدَ مُسْلِمَا » .

المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)

قوله تعالى : { لامار تِلْكَ آيَاتُ الكتاب } قال ابن عبَّاس : معناه أنا الله أعلمُ .
وقال أيضاً في رواية عطاءٍ : أنَا اللهُ الملكُ الرَّحمنُ . وأمالها أبو عمرو والكسائي وفخمها عاصم ، وجماعةٌ .
قوله { تِلْكَ آيَاتُ } يجوز في « تِلْكَ » أن تكون مبتدأ ، والخبر « آيَاتُ » ، والمشار إليه آيات السُّورةِ ، والمراد ب « الكِتَابِ » : السُّورةُ .
وقيل : إشارة إلى ما قصَّ عليه من أنباء الرسل ، وهذا الجملة لا محلَّ لها إن قيل : إن « المر » كلامٌ مستقلٌّ ، أو قصد به مجرَّد التنبيه ، وفي محل رفع على الخبر إن قيل : « المر » مبتدأ ، ويجوز أن يكون « تِلْكَ » خبراً ل « المر » و { آيَاتُ الكتاب } بدل ، أو بيان ، وتقدم تقريرُ هذا أوَّل الكتابِ .
قوله : { والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ } يجوز في أوجه :
أحدها : أن يكون مبتدأ ، و « الحَقُّ » خبره .
الثاني : أن يكون مبتدأ و « مِنْ ربِّكَ » خبره ، وعلى هذا ف « الحَقُّ » خبر مبتدأ مضمر ، أي هو الحق .
الثالث : أن « الحَقَّ » خبر بعد خبرٍ .
الرابع : أن يكون « مِن ربِّك الحقُّ » كلاهما خبر واحد ، قاله أبو البقاءِ ، والحوفيُّ وفيه بعد ، إذ ليس هو مثل : « حُلْوٌ حَامضٌ .
الخامس : أن يكون » الَّذي « صفة للكتاب .
قال أبو البقاءِ : » وادخلت الواو في لفظه ، كما أدخلت في « النَّازِلينَ والطيبين » يعني أنَّ الواو تدخل على الوصف ، والزمخشري يجيزهن ويجعل الواو في ذلك تأكيداً ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الحجر في قوله { إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ } [ الحجر : 4 ] .
وقوله : ( في النزالين والطيبين ) يشير إلى بيت الخرنقِ بنت هفّان في مدحها لقومها : [ الكامل ]
3160 لا يَبْعدَنْ قَوْمِي الَّذينَ هُمُ ... سُمُّ العُداةِ وَآفةُ الجُزْرِ
النَّازِلينَ بِكُلِّ مُعتَركٍ ... والطَّيبينَ مَعَاقِدَ الأُزْرِ
فعطف « الطَّيبين » على « النَّازلينَ » وهما صفتان لقومٍ معينين ، إلاَّ أن القوم بين الآية ، والبيت واضحٌ ، من حيث إنَّ البيت فيه عطف صفةٍ على مثلها ، والآية ليست كذلك .
وقال أبو حيَّان : أن تكون الآية مما عطف [ فيه ] وصف على مثله ، فقال : وأجاز الحوفي أيضاً أن يكون « والَّذِي » في موضع رفع عطفاً على « آيَاتُ » ، وأجاز هو ، وابن عطيَّة : أن يكون « والَّذي » في مضع خفضٍ ، وعلى هذين الإعرابين ، يكون « الحقُّ » خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو الحق ، ويكون « والَّذي » ممَّا عطف فيه الوصفُ على الوصفِ ، وهما لشيءٍ واحدٍ ، كما تقول : جاءني الظريف العاقلُ ، وأنت تريدُ شخصاً واحداً ، من ذلك قول الشاعر : [ المتقارب ]
3161 إلى المَلكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَامِ ... ولَيْثِ الكَتِيبةِ في المُزْدَحَمْ

قال شهابُ الِّدين : وأين الوصف المعطوف عليه؛ حتى نجعله مثل ابيت الذي أنشده .
السادس : أن يكون « الَّذي » مرفوعاً نسقاً على « آيَاتُ : كما تقدَّمت حكايته عن الحوفي . وجوَّز الحوفي أيضاً : أن يكون » الحقُّ « نعتاً ل » الَّذي « حال عطفه على » آيَاتُ الكِتَابِ « .
فتلخَّص في » الحق « خمسة أوجه .
أنَّهُ خبرٌ أوَّل ، أو ثان ، أو هو ما قبله ، أو خبراً لمبتدأ مضمر ، أو صفة ل » الَّذي « إذا جعلناه معطوفاً على » آيَاتُ « .
فصل
قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه : أراد ب : الكِتابِ » القرآن ومعناه : هذه آيات الكتاب ، يعني : القرآن ، ثمَّ ابتدأ ، وهذا القرآن { والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } وهذا زجرٌ وتهديدٌ .
وقال مقاتلُ : نزلت في مشركي مكَّة حين قالوا : إنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم يقوله من تلقاء نفسه فردَّ قولهم .
فصل
تمسَّك نفاةُ القياس بهذه الآية وقالوا : الحكمُ المستنبطُ بالقياس غير ما نزل من عند الله تعالى وإلاَّ لكان من لم يحكم به كافر ، لقوله تعالى { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون } [ المائدة : 44 ] ، وبالإجماع لا يكفرُ ، فثبت أنَّ الحكم المثبت بالقياس غير نازلٍ من عند الله تعالى ، وإذا كان كذلك ، وجب ألاَّ يكون حقًّا ، وإذا لم يكن حقًّا ، وجب أن يكون باطلاً ، لقوله تعالى : { فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال } } [ يونس : 32 ] وأجيبك بأن الحكم المثبت بالقياس نازل أيضاً؛ لأنَّه تعالى أمر العملِ بالقياسِ ، فكان الحكمُ الَّذي دلَّ عليه القياس نازلاً من عند الله تعالى .
قوله تعالى { الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } [ الآية : 2 ] لما ذكر انَّ أكثر النَّاس لا يؤمنون ، ذكر عقبهُ ما ديلُّ على صحَّة التَّوحيد ، والمعاد ، وهو هذه الآية .
قوله : « اللهُ » قال الزَّمخشريُّ : « اللهُ » مبتدأ ، و { الذي رَفَعَ السماوات } خبره بدليل قوله تعالى : { وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض } ويجوز أن يكون { الذي رَفَعَ السماوات } صفة ، وقوله : { يُدَبِّرُ الأمر يُفَصِّلُ الآيات } خبراً « .
وقوله : » بِغَيْرِ عمدٍ « هذا الجار في محلِّ نصب على الحال من » السَّمواتِ « أي : رفعها خالية من عمدٍ ، ثمَّ في هذا الكلام وجهان :
أحدهما : انتفاء العمدِ ، والرؤية جميعاً ، أي : لا عمد؛ فلا رؤية ، يعني : لا عمد لها؛ فلا ترى ، وإليه ذهب الجمهور .
والثاني : أنَّ لهما عمداً ، ولكنها غير مرئيَّة .
وعن ابن عبَّاسٍ : ما يدريك أنّضها بعمدٍ لا ترى ، وإليه ذهب مجاهد وهذا قريب من قولهم : » مَا رأيتُ رجُلاً صالحاً « ، ونحو : { لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً } [ البقرة : 273 ] [ الطويل ]
3162 على لا حِبٍ لا يُهْتَدَى بِمنَارِهِ ..

وقد تقدَّم هذا ، إذا قلنا : إنَّ « تَروْنَهَا » صفة أمَّا إذا قلنا : إنَّها مستأنفةٌ كما سيأتي؛ فيتعيّن أن لا عمد لها .
والعامة على فتح العين ، والميم ، وهو اسم جمع ، وعبارة بعضهم : أنه جمع نظراً إلى المعنى دون الصناعة ، وفي مفرده احتمالان :
أحدهما : أنَّه عماد مثل « إهَاب وأهُب » .
والثاني : أنه عمودٌ ، كأدِيم وأدُم ، وقَضِيتم وقُضُم ، كذا قاله أبو حيَّان : وقال أبو البقاءِ : « جمع عماد ، أو عمود مثل : إدِيم وأدُم ، وأفِيق وأفُق ، وإهَاب وأهُب ، ولا خامس لها » ، فجعلوا فعلاً كفعيل في ذلك .
وفيه نظر؛ لأنَّ الأوزان لها خصوصية ، فلا يلزمُ من جمع « فعيل » وعلى كذا أن يجمع عليه « فعول » ، فكان ينبغي أن ينظروه بأن : « فَعُلاً » جمع على « فَعَل » ، ثم قول أبي البقاءِ « ولا خامس لها » يعني أنه لم يجمع على : « فُعُل » إلاَّ هذه الخمسة « عِمادٌ وعَمُودٌ وأدِيمٌ وأفِيقٌ وإهَابٌ » .
وهذا الحصرُ ممنوعٌ لما تقدَّم من نحو : قَضِيمٌ وقُضُمٌ ، ويجمعان في القلَّة على أعمدة . وقرأ أبو حيوة ، ويحيى بن وثاب : « عُمُد » بضمتين ، ومفرده يحتمل أن يكون عِمَاداً ، كشِهَاب ، وشُهُب ، وكِتَاب ، وكُتُب ، وأ ، يكون عَمُوداً ، كرسُولٍ ، ورُسُل وقد قرىء في السبع : { فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ } [ الهمز : 9 ] بالوجهين .
وقال ابن عطية في « عَمَد : اسم جمع عمود ، والباب في جمعه » عُمُد « بضم الحروف الثلاثة ، كرسول ورُسُلٌ .
قال أبو حيان : » وهذا وهمٌ ، وصوابه : بضمِّ الحرفين؛ لأنَّ الثالث هو حرف الإعراب ، فلا يعتبر ضمه في كيفية الجمعِ « .
والعِمَادُ والعَمود : ما يعمدُ به ، أي : يسند ، ويقال : عمدت الحائطَ أعمدهُ عَمْداً ، أي : أدْعمتهُ ، فاعْتمدَ الحائطُ على العِمَادِ ، والعَمَدُ : الأساطينُ قال النابغة : [ البسيط ]
3163 وخَيِّسِ الجِنَّ إنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهُمْ ... يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ والعَمدِ
والعَمْدُ : قصد الشيء ، والاستناد إليهن فهو ضدُّ السَّهو ، وعمودُ الصُّبْحِ : ابتداءُ ضوئهِ تشبيهاً بعمُودِ الحديدِ في الهَيئةِ ، والعُمْدَة : ما يُعْتمدُ عليه من مالِ وغيرهِ والعَمِيدُ : السَّيِّد الذي يعمدهُ النَّاسُ ، أي : يَقْصدُونَهُ .
قوله » تَرَوْنَها « في الضَّمير المنصُوب وجهان :
أحدهما : أنَّهُ عائدٌ على : » عَمَدٍ « ، وهو أقرب مذكورٍ ، وحينئذ تكون الجملة في محل جر صفة ل » عَمَدٍ « ، ويجيء فيه الاحتمالانِ المتقدِّمانِ من كون العمد موجودة لكنَّها لا ترى ، أو غير موجودة ألبتََّة .
والثاني : أنَّ الضَّمير عائد على » السَّمواتِ « ، ثمَّ في هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أنَّها مستأنفة لا محلَّ لها ، أي : استشهد برؤيتهم لها لذلك ، ولم يذكر الزمخشري غيره .
والثاني : أنها في محل نصب على الحال من هاء : » تَرَوْنهَا « وتكون حالاً مقدرة؛ لأنها حين رفعها لم نكن مخلوقين ، والتقدير : رفعها مرئية لكم .

وقرأ أبي : « تَرَوْنهُ » بالتَّذكير مراعة للفظ « عَمَدٍ » إذ هو اسمُ جمع ، وهذه القراءة رجح بها الزمخشري كون الجملة صفة ل « عَمَدٍ » ، وزعم بعضهم أن « تَرَوْنَهَا » خبر لفظاً ، ومعناه الأمر ، أي روها ، وانظروا إليها لتعتبروا بها ، وهو بعيد؛ ويتعين على هذا أن يكون مستأنفاً ، لأن الطَّلب لا يقع صفة ، ولا حالاً .
و « ثُمَّ » في « ثُمَّ اسْتَوَى » لمجرَّدِ العطف لا للترتيبح لأنَّ الاستواء على العرشِ غير مرتب على رفع السموات .
قوله : { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } علا عليه : { وَسَخَّرَ الشمس والقمر } لمنافع خلقه ، فهما مقهوران يجريان على ما يريد الله عزَّ وجلَّ .
قال ابن عبَّاسٍ : للشَّمس مائة وثمانون منزلاً كُلَّ يوم لها منزلٌ ، وذلك يتمُّ في ستَّة أشهرٍ ، ثم تعود مرة أخرى إلى واحدٍ منها في ستَّة أشهر أخرى ، وكذلك للقمر ثمانية وعشرون منزلاً ، فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى : { كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى } .
وتحقيقه : أن الله قدَّر لكلِّ واحدٍ من هذه الكواكب سيراً خاصًّا إلى جهة خاصَّة بمقدارٍ خاص من السُّرعةِ ، والبُطءِ ، وإذا كان كذلك؛ لزم أن يكون لها بحسب كلِّ لحظة لمحة حالة أخرى لم تكن حاصلة قبل ذلك .
وقيل : المراد بقوله : { كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى } كونها متحركين إلى يوم القيامة فتنقطع هذه الحركات كما وصف تعالى في قوله : { إِذَا الشمس كُوِّرَتْ } [ التكوير : 1 ] { إِذَا السمآء انشقت } [ الانشقاق : 1 ] و { إِذَا السمآء انفطرت } [ الإنفطار : 1 ] { وَجُمِعَ الشمس والقمر } [ القيامة : 9 ] كقوله تعالى : { ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } [ الأنعام : 2 ] .
قوله : { يُدَبِّرُ الأمر يُفَصِّلُ الآيات } قرأ العامة هذين الحرفين بالياء من تحت جرياً على ضمير اسم الله تعالى وفيهما وجهان :
أظهرهما : أنهما مستأنفان للإخبار بذلك .
والثاني : أنَّ الاولى حالٌ من فاعل « سخَّر » ، والثاني حالٌ من فاعل : « يُدبِّرُ » .
وقرأ النخعي ، وأبان بن تغلب : ( ندبر الأمر نفصل ) بالنون فيهما ، والحسن والأعمش : « نُفَصِّلُ » بالنون « يُدبِّرُ » بالياء .
قال المهدويُّ : لم يختلف في : « يُدبِّرُ » يعني أنَّه بالياء ، وليس كما ذكر لما تقدَّم عن النخعي ، وأبان بن تغلب .
فصل
قوله : { يُدَبِّرُ الأمر } يقضيه وحده ، وحمل كل واحد من المفسرين التَّدبير على نوع آخر من أحوال العالم ، والأولى حمله على الكل ، فهو يدبِّرهم بالإيجاد ، والإعدامِ والإحياءِ ، والإماتةِ ، والاعِدتمادِ ، والانقيادِ ، ويدخل فيه إنزال الوحي ، وبعث الرسلَ وتكليف العبادِ ، وفيه دليلٌ عجيبٌ على كمال القدرةِ والرحمة؛ لأنًَّ هذا العالم من أعلى العرش إلى أطباق الثَّرى يحتوي على أجناسٍ ، وأنواع لا يحيطُ بها إلا الله تعالى .
والدليل المذكور على تدبير كلِّ واحدٍ بوصفه في موضعه وطبيعته ، ومن المعلوم أنَّ من اشتغل بتدبير شيءٍ ، فإنَّهُ لا يمكنه تدبير شيء آخر ، فإنه لا يشغله شأنٌ عن شأن ، وإذا تأمَّل العاقل في هذه الآية علم أنَّهُ تعالى يدبِّر عالم الأجسام ويدبر عالم الأرواح ، ويدبر الكبير كما يدبر الصغير ، ولا يشغله شأن عن شأن ، ولا يمنعه تدبيرٌ عن تدبير ، وذلك يدل على أنه في ذاته ، وصفاته ، وعلمه ، وقدرته غير مشابه للمخلوقات ، والممكنات .

قوله { يُفَصِّلُ الآيات } يبين الدلالات الدَّالة على إلا هيته ، وعلمه ، وحكمه .
واعلم أنَّ الدَّلائل الدالَّة على وجود الصَّانع قسمان :
أحدهما : الموجودات الباقية الدائمةُ كالأفلاكِ ، والشمس ، والقمر ، والكواكب وهذا القسم تقدَّم ذكره .
والثاني : الموجودات الحادثة المتغيرة ، وهي الموتُ بعد الحياة ، والفقرُ بد الغنى ، والهرم بعد الصحَّة ، وكون الأحمق في أهنأ العيش ، والعاقل في أشد الأحوال ، فهذا النَّوعُ من الموجودات ، والأحوال دلالتها على وجود الصَّانع الحكيم ظاهرةٌ .
فقوله : { يُفَصِّلُ الآيات } إشارة إلى أنَّه يحدث بعضها عقيب بعض على سبيل التمييز ، والتفصيل .
ثم قال : { لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } لكي توقنوا بوعده ، وتصدِّقوا .
واعلم أنَّ الدلائل الدالة على وجود الصَّانع الحكيم تدلُّ ايضاً على صحَّة القول بالحشرِ والنشر؛ لأنَّ من قدر على خلق هذه الأشياء ، وتدبيرها على عظمها ، وكثرتها فبأن يقدر على الحشر ، والنشر أولى .
وروي أنَّ رجلاً قال لعليِّ بن أبي طالبٍ كرَّم الله وجهه : كيف يحاسب الله الخلق دفعة واحدة؟ قال : كما يرزقهم الآن دفعة واحدة ، وكما يسمعُ نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة .
واعلم أنَّهُ تعالى كما قدر على بقاء الأجرام الفلكيِّة ، والنيرات الكوكبية في الجو العالي ، وكما يمكنه تدبير ما فوق العرش إلى ما تحت الثَّرى لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ ، كذلك يحاسبُ الخلق بحيث لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ .
واعلم أنَّ لفظ « اللِّقاءِ » يدل على رؤية اللهِ تعال وقد تقدَّم تقريره .
{ وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض } [ الآية : 3 ] لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال : { وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض } بسطها ، قال الأصم : المد : البسط إلى ما لا يدرك منتهاه فقوله : { مَدَّ الأرض } ليشعر بأنَّه تعالى جعل حجم الأرض حجماً عظيماً ، لا يقع البصر على منتهاه ، وقال قومٌ كانت الأرض مكورة فمدَّها ، ودحاها من مكَّة من تحت البيت ، فذهبت كذا وكذا وقال آخرون : كانت مجتمعة عند بيت المقدس ، فقال لها : اذهبي كذا ، وكذا .
قال ابن الخطيب : وهذا القول إنَّما يتمٌّ إذا قلنا : الأرض مسطحةٌ لا كرةٌ وأصحاب هذا القول ، احتجوا عليه بقوله تعالى : { والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } [ النازعات : 30 ] وهو مشكل من وجهين :
الأول : أنَّه ثبت بالدليل أنَّ الأرض كرةٌ ، فإن قالوا : قوله تعالى : مد الأرض ينافي كونها كرة .
قلنا : لا نسلم؛ لأنَّ الأرض جسم عظيم ، والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان لكم قطعة منها تشاهدُ كالسَّطح ، والتَّفاوت الحاصل بينه ، وبين السَّطح ، لايصحلُ إلاَّ في علم الله تبارك وتعالى إلا في قوله تعالى

{ والجبال أَوْتَاداً } [ النبأ : 7 ] مع أن العالم من النَّاس يستقرُّون عليه ، فكذلك هنا .
والثاني : أنَّ هذه الآية إنَّما ذكرت ليستدلّ على وجود الصَّانع؛ والشروط فيه أن يكون ذلك أمراً مشاهداً معلوماً ، حتى يصح الاستدلال به على وجود الصانع لأنَّ الشيء إذا رأيت حجمه ، ومقداره ، صار ذلك الحجم ، وذلك المقدار عبرة؛ فثبت أنَّ قوله : { مَدَّ الأرض } إشارة إلى أنه تعالى هو الذي جعل الأرض مختصة بمقدار معيَّن لا يزيدُ ولا ينقص ، والدليل عليه أن كون الأرض أزيد مقداراً ممَّا هو الآن ، وأنقص منه أمر جائز ممكن في نفسه ، فاختصاصه بذلك المقدار المعيَّن لا بدَّ وأن يكون بتخصيص مخصَّصِ ، وتقدير مقدِّرٍ .
قوله : { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ } وهي الجبالُ الثَّوابت ، وقاعدة هذا الوصف لا تطَّرد إلا الإناث إلا أن المكسر مما لا يعقل يجري مجرى جمع الإناث ، وأيضاً كثرة استعماله الجوامد ، فجمع حائط حوائطن وكاهل كواهل . وقيل : هو جمع راسية ، والهاء للمبالغة ، والرسوُّ : الثبوت ، قال الشاعر : [ الطويل ]
3164 بِهِ خَالدَاتٌ مَا يرِمْنَ وهَامِدٌ ... وأشْعَثُ أرْسَتْهُ الوَلِيدةُ بالفِهْرِ
فصل
قال بان عباس رضي الله عنه : كان أبو قبيسٍ أوَّل جبلٍ وضع على وجه الأرض .
واعلم أنَّ الاستدلال بوجود الجبال على وجود الصَّانع القادر الحكيم من وجوه :
أولها : أنَّ طبيعة الارض واحدة ، فحصول الجبل في بعض جوابنها دون البعضِ لا بدّ وأن يكون بتخليق القادر العليم .
قالت الفلاسفة : الجبال إنّضما تولّدت من البخارات؛ لأنَّ البخارات كانت في هذا الجانب من العالمِ ، كان تتولدُ في البحر طيناً لزجاً ، ثم يقوى فيه تأثير الشمس؛ فينقلب حجراً كما نشاهده ، ثمَّ إنَّ الماء كان يفور ويقلّ؛ فلهذا السببت تولّدت هذه الجبالُ وإنما حصلت هذه الجبالُ في هذا الجانب من العالمك لأن في الدّهر الأقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال ، والشمس متى كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الأرض ، فكانل التسخين أقوى ، وشدّة والسُّخونة توجب انجذاب الطوبات ، فحين كان الحضيض في جانب الشمالِ ، كان البخارُ في جانب الشمال ، ولما انتقل الأوج إلى جانب الشمال ، والحضيض إلى جانب الجنوب انتقلت البحار إلى جانب الجنوب فبقيت هذه الجبالُ في جانب الشمال ، وهذا ضعيفٌ من وجوه :
الأول : أنَّ حصول الطِّين في البحر أمر عام ، ووقوع الشَّمس عليها أيضاً أمر عامٌّ ، فلم حصل هذا الجبل في بعض الجوانب دون العبضِ؟ .
الثاني : أنَّا نشاهدُ بعض الجبال كأنَّ تلك الأحجار موضوعة أقساماً كأن البنَّاءَ بناه من لبِنَاتٍ كثيرة موضوع بعضها فوق بعضٍ ، ويبعدُ حصول مثل هذا التركيب من السَّبب الذي ذكروه .
الثالث : أنَّ أوج الشَّمس الآن قريب من أوَّل السَّرطان ، فعلى هذا من أوَّل الوقت الذي انتقل أوجُ الشمس إلى الجانب الشَّمالي مضى قريباً من تعسة آلاف سنة ، وبهذا التقدير : أنَّ الجبال في هذه المدَّة الطويلة كانت في التفتت ، فوجب أن لايبقى من الأحجار شيءٌ ، لكن ليس الأمرُ كذلك؛ فعلمنا أنَّ السب بالذي ذكروه ضعيف .

الوجه الثاني من الاستدلال بأحوال الجبالِ على وجود الصَّانع : ما يحصلُ فيها من المعادن ، ومواضع الجواهر النفيسة ، وما يحصل فيها من معادن الدخان ومعادن النفط ، والكبريت ، فتكون طبيعة الأرض واحدة ، وكون الجبل واحداً في الطَّبع وكون تأثير الشمس واحداً في الكل يدلُّ ظاهراً على أنَّ بتدقير قادر قاهر متعال عن مشابهة المحدثات .
الوجه الثالث من الاستدلال بأحوال الجبال : وذلك أنَّ بسببها تتولدُ الأنهار على وجه الأرض؛ لأنَّ الحجر جسمٌ صلبٌ ، فإذا تصادعت الأبخرة من قعْرِ الأرض ، ووصلت إلى الجبال انحبست هناك ، فلا تزال تتكامل ، فيحصل بسبب الجبل مياه عظيمة ثمَّ إنَّها لكثرتها ، وقوتها تثقب ، وتخرج ، وتسيل على وجه الأرض ، فمنفعة الجبال في تولدِ الأنهارِ هو من هذا الوجه ، ولهذا السَّبب ما ذكره الله الجبال إلاَّ وذكر بعدها الأنهار في أكثر الأمر كهذه الآية ، وقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً } [ المرسلات : 27 ] .
فصل
قال القرطبي : في هذه الآية ردٌّ على من زعم أنَّ الأرض كالكرةِ لقوله : { مَدَّ الأرض } ، ورد على من زعم أن الأرض تهوي أبداً بما عليها ، وزعم ابنُ الرَّوانديُّ : أنَّ تحت الأرض جسماً صاعداً كالرِّيحِ الصعادة ، وهي منحدرة فاعتدل الهاوي ، والصعَّاعدي في الجرم والقوة فتوافقا .
وزعم آخرون : أن الأرض مركبة من جسمين .
أحدهما : منحدرٌ ، والآخر : مصدع فاعتدلا ، فلذلك وقفت ، والذي عليه المسلمون ، وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض ، وسكونها ، ومدِّها ، وأنَّ حركتها إنَّما تكونُ في العادةِ بزلزلةٍ تصيبها والله أعلم .
قوله : { وَمِن كُلِّ الثمرات } يجوز فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يتعلق ب « جَعَلَ » [ بعده ] ، أي : وجعل فيها زوجين اثنين من كلِّ صنفٍ من أصناف الثمرات ، وهو ظاهرٌ .
والثاني : أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حالٌ من : « اثْنَيْنِ » ؛ لأنَّه في الأصل صفة لهُ .
الثالث : أن يتمَّ الكلام على قوله : { وَمِن كُلِّ الثمرات } فيتعلق ب « جَعَلَ » الأولى على أنه من باب عطف المفردات ، يعني عطف على معمول « جعل » الأولى تقديره : أنه جعل في الأرض كذا ، وكذا ومن كل الثمرات .
قال أبو البقاء : ويكون « جَعل » الثاني مستأنفاً ، و « يُغْشِي اللَّيْلَ » تقدَّم الكلام فيه ، وهو إمَّا مستأنفٌ ، وإمَّا حال من فاعل الأفعال .
فصل
المعنى : ومن كلِّ الثمرات جعل فيها زوجين ، أي : صنفين اثنين : أصفر ، وأحمر ، وحلواً ، وحامضاً .
وهذا النوعُ الثالث في الاستدلال بعجائب خلقة النبات .
واعلم أن الحبَّة إذا وقعت في الأرض ربت وكبرت؛ فبسبب ذلك ينشقُّ أعلاها وأسفلها ، فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصَّاعدة ، ويخرج من الشق الأسفل العروق الغائصة في الأرض ، وهذا من العجائب؛ لأنَّ طبيعة تلك الحبَّة واحدة وتأثير الطبائع ، والأفلاك ، والكواكب فيها واحد ، ثم إنه يخرد من الجانب الأعلى من تلك الحبَّة جرمٌ صاعدٌ إلى الهواء ، ومن الجانب الأسفل جرمٌ غائصٌ في الأرض ، ومن المحال أن يتولَّد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان ، فعلمنا أنَّ ذلك إنَّما كان بتدبير المدبِّر العليم الحكيمِ لا بسبب الطَّبع ، والخاصة ، ثم إنَّ الشجرة النَّامية في تلك الجهة بعضها يكون خشباً ، وبعضها يكون نوراً ، وبعضها يكون ثمرة ، ثم إن تلك الثمرة أيضاً يحصل فيها أجسامٌ مختلفة الطَّبائع مثل الجوز ففيه أربعة أنواع من القشور ، فالقشرة الأعلى ، وتحته القشرة الخشبية ، وتحته القشرة المحيطة باللبَّ ، وتحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرَّقة تمتازُ عمَّا فوقها حال كون الجوز واللوز رطباً وأيضاً : فقد يحصل في الثمرة الواحدة الطبائع المختلفة فالأترجد قشرهُ جارّ يابس ولحمه وماؤه حارّان رطبان؛ فثبت أنَّ هذه الطَّبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع ، وتأثيرات الأنجم ، والأفلاك على زعم من يدعيه لا بد وأن يكون بتدبير العليمِ القدير .

فإن قيل : الزَّوجان لا بدَّ وأن يكونا اثنين ، فما الفائدة في قوله : « زَوْجيْنِ اثْنَيْنِ » ؟ .
فالجواب : أنه تعالى أوَّل ما خلق العالم ، وخلق فيه الأشجار ، خلق من كل نوع من الأنواع اثنين فقط ، فلو قال : « زَوْجَيْنِ » لم يعلم أنَّ المراد النوع ، أو الشخص فلما قال : « اثْنَيْنِ » علمنا أنه تعالى أوَّل ما خلق من كل زوجين اثنين [ لا أقل ولا أزيد ، والحاصل أن الناس فيهم الآن كثرة ، إلا أنهم ابتدءوا من زوجين اثنين ] بالشَّخص وهما : آدم وحواء عليهما السلام وكذلك القول في جميع الأشجار ، والزروع ، والله أعلم .
النوع الرابع : الاستدلال بأحوال الليل ، والنهار ، وإليه الإشارة بقوله : { يُغْشِي الليل النهار } وقد سبق الكلام فيه فأغنى عن الإعادة .
ثم قال تعالى : { إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيستدلون ، والتَّفكر : تصرف القلب في طلب المعاني .
قوله : { وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ } العامة على رفع : « قِطَعٌ » « وجَنَّاتٌ » إمَّا على الابتداء ، وإما على الفاعلية بالجار قبله .
وقرىء « قِطَعاً متَجَاورَاتٍ » بالنصب ، وكذلك هي في بعض المصاحف على إضمار جعل . وقرأ الحسن : « وجَنَّاتِ » بكسر التَّاءِ وفيها أوجهٌ :
أحدها : أنه جر عطفاً على « كُلِّ الثَّمراتِ » .
الثاني : أنه نصب نسقاً على : « زَوحَيْنِ اثْنَينِ » قاله الزمخشري .
الثالث : أنه نصبه نسقاً على : « رَواسِيَ » .
الرابع : أنه نصبه بإضمار جعلن وهو أولى لكثرة الفواصل في الأوجه قبله .
قال أبو البقاء : ولم يقرأ أحد منهم « وزَرْعاً » بالنصب « .

قوله : { وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ } قرأ ابن كثيرٍن وأبو عمرو ، وحفص : بالرفع في الأربعة ، والباقون بالخفض ، فالرفع في « زَرْعٌ ونَخِيلٌ » للنسق على « قِطَعٌ » وفي « صِنْوانٌ » لكونه تابعاً ل « نَخِيلٌ » ، و « غَيْرُ » لعطفه عليه .
وعاب أبو حيَّان على ابن عطيَّة قوله : « عطفاً على : قِطَعٌ » . قال : وليست عبارة محررة؛ لأنَّ فيها ما ليس بعطفٍ ، وهو « صِنوانٌ » « .
قال شهابُ الدين : » ومثل هذا [ غير معيب ] ؛ لأنَّه عطف محقق غاية ما فيه أنَّ بعض ذلك تابع ، فلا يقدحُ في هذه العبارة ، والخفض مراعاة ل « أعنابٍ » « .
وقال ابن عطيَّة : » عطفاً على « أعْنابٍ » ، وعابها أبو حيان بما تقدَّم وجوابه ما تقدَّم .
وقد طعن قومٌ على هذه القراءة ، وقالوا : ليس الزَّرعُ من الجنَّات ، وروي لك عن أبي عمر .
وقد أجيب عن ذلك : بأنَّ الجنَّة احتوت على النَّخيل ، والأعناب ، لقوله تعالى { جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً } [ الكهف : 32 ] .
وقال أبو البقاءِ : « وقيل : المعنى ، ونبات زرع فعطفه على المعنى » .
قال شهاب الدين : « ولا أدري ما هذا الجوابُ؛ لأنَّ الذي يمنعُ أن يكون الجنة من الزَّرعِ بمعنى أن يكون من نبات الزَّرعِ ، وأي فرق » . والصنوان : جمع صنوٍ كقنوان جمع قنو ، وقد تقدَّم تحقيق هذا التّنبيه في الأنعام .
و « الصِّنْوُ » : الفرع يجمعه وفرعاً آخر أصل واحد ، وأصله المثل ، وفي الحديث : « عمَّ الرَّشجل صِنْوُ أبيه » ، أي : مثله؛ أو لأنهما يجمعهما أصل واحدٌ والعامة على كسر الصاد .
وقرأ السلميُّ ، وابن مصرف ، وزيد بن عليٍّ : بضمها ، وهي لغة قيسٍ ، وتميم كذئب ، وذُؤبان .
وقرأ الحسنُ ، وقتادة : بفتحها ، وهو اسم جمعٍ لا جمع تكسير؛ لأنه لس من أبنية « فعلان » ، ونظير « صنْوان » بالفتح « السَّعْدَان » هذا جمعه في الكثرةِ ، وأمَّا القلَّة ، فيجمع على « أصْنَاء » ك « جَمَل ، وأجْمَال » .
قوله : { يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ } قرأ ابنُ عامرٍ ، وعاصمٌ « يُسْقَى » بالياء من تحت أي يسقى بما ذكرنا ، والباقون بالتاء من فوق مراعاة للفظ ما تقدَّم ، وللتأنيث في قوله « وجَنَّاتٍ » ، ولقوله : « بَعْضَهَا » .
قوله « ونُفَصِّلُ » قرأة بالياء من تحت مبنيًّا للفاعل : الأخوان ، والباقون بنون العظمة ، ويحيى بن يعمر ، وأبو حيوة : « يُفَضَّلُ » بالياء منبيًّا للمفعول و « بَعضُهَا » رفعاً .
وقال أبو حاتم : وجدته كذلك في مصحف يحيى بن يعمر ، وهو أوَّل من نقط المصاحف ، وتقدَّم [ الخلاف ] في الأكل في البقرةِ .
وفي « الأكلٍ » وجهان :
أظهرهما : أنَّه ظرفٌ [ ل « نُفَضِّلُ » ] .

والثاني : أنه حال من « بَعْضِهَا » ، أي : نُفَضِّلُ بعضها مأكولاً ، أي : وفيه الأكل ، قاله أبو البقاءِ .
وفيه بعد جهة المعنى ، والصناعة .
فصل
قوله : { وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ } قال الأصمُّ : أرضٌ قريبةٌ من أرض أخرى واحدة طيبة ، وأخرى سبخة ، وأخرى رملة ، وأخرى حصباء وحصى ، وأخرى تكون حمراء ، وأخرى تكونُ سوداء .
وبالجملة : فاختلافُ بقاع الأرضِ في الارتفاع ، والانخفاضِ ، والطبعِ ، والخاصيةِ أمر معلوم .
« وجَنَّاتٍ » بساتين : { مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ } تقدَّم الكلام على الصنو ، والصنوان ، وهي النخلات يجمعهن أصلٌ واحد ، « وغيْرُ صِنْوانٍ » هي النَّخلةُ المنفردةُ بأصلها .
قال المفسريون : الصنوان : المجتمع ، وغير الصنوان متفرق ، ولا فرق في الصنوانِ ، والقنوان بين التثنية والجمع إلاَّ في الإعرابِ ، وذلك أنَّ النُّونَ في التثنية مكسورةٌ غير منونة وفي الجمع منونة .
{ يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ } والماء : جسم رقيق مائع به حياة كلِّ نامٍ .
{ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل } في الثَّمر ، والطَّعم ، جاء في الحديث : « ونُفصِّلُ بعضهَا على بَعْضٍ في الأكلِ » قال : « الفارسي والدقلُ الحلوُ والحَامضُ » .
قال مجاهد : كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد .
وحكى الواحديُّ عن الزجاج : أنَّ الأكل : الثَّمر الذي يؤكل ، وحكى عن غيره أنَّ الأكل : المهيّأ للأكل .
قال ابنُ الخطيب : « وهاذ أولى؛ لقوله تعالى في صفة الجنة : { أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا } [ الرعد : 35 ] : وهو عامٌّ في جميع المطعومات » .
قال الحسن : هذا مثلٌ ضرب لقلوب بني آدم ، كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن ، فسطحها؛ فصارت قطعاً متجاورات ، فينزل عليها الماءُ من السَّماءِ فتخرج هذه زهرتها ، وشجرتها ، ونباتها ، وثمرها ، وتخرجُ هذه سبخها وملحها وخبيثها ، وكلٌّ يصقى بماء واحد ، كذلك النًّاسُ خلقوا من آدم عليه الصلاة والسلام فتنزل عليهم من السَّماءِ تذكرة ، فترق قلوب قوم ، فتخشع ، وتقْسُو قلوب قوم فتلهو .
قال الحسنُ : والله ما جالس القرآن أحدٌ ، إلاَّ قام من عنده بزيادة ، أو نقصان ، قال الله تعالى : { وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً } [ الإسراء : 82 ] { إِنَّ فِي ذلك } الذي ذكر : { لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .
فصل
قال ابنُ الخطيب : المقصُودُ من هذه الآية : إقامة الدَّلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث في هذا العالم لأجل الاتصالات الفلكية الحركات الكوكبية من وجهين :
الأول : أنه جعل الأرض قطعاً مختلفة في الماهيَّة والطبيعة ، وهي مع ذلك متجاورةٌ ، فبعضها سبخةٌ ، وبضعها طيِّبةٌ ، وبعضها صلبة وبعضها حجريةٌ ، وبعضها رمليةٌ ، وتأثير الشمس ، وتأثير الكواكب في تلك القطع على السَّويَّة؛ فدلَّ ذلك على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم القدير .
الثاني : أنَّ القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماءٍ واحدٍ ، ويكون تأثير الشمس فيها [ متساوياً ] ، ثمَّ إنَّ تلك الثمار تجيءُ مختلفة في اللَّون ، والطَّعم ، والطَّبيعة ، والخاصية؛ حتى أنَّك قد تأخذ عنقوداً واحداً من العنب ، فتكون جميع حبَّاته ناضحة حلوة إلاَّ حبة واحدة منه ، فإنها تبقى حامضة يابسة ، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطبائع والأفلاك إلى الكل على السوية ، بل نقول ههنا ما هو أعجب منه ، وهو أنَّه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون في أحد وجهيه في غاية الحمرة ، والوجه الثاني في غاية السَّواد ، مع أنَّ ذلك الورد يكون في غاية الرقة والنُّعومة ، ويستحيل أن يقال : وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني ، وهذا يدلُّ دلالة [ قطعية ] على أنَّ الكل بتقدير الفاعل المختار لا بسبب الأتصالات الفلكيَّة ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : { يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل } ، ولهذا قال : { إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .

فصل
قال القرطبي : وهذا الآية تدلُّ على بطلان القول بالطبع ، إذا لو كان ذلك بالماء ، والتراب ، والفاعل له الطبيعة؛ لما وقع الاختلاف .
وذهب الكفرةُ لعنهم الله إلى أنَّ كلَّ حادث يحدث من نفسه لا من صانع وادعوا ذلك في الثِّمار الخارجة من الأشجار ، وأقرُّوا بحدوثها ، وأنكروا الأعراض ، وقالت فرقةُ بحصول الثِّمار لا من صانع ، وأثبتوا للأعراض فاعلاً .
والدَّليل على أنَّ الحادث لا بد له من محدثٍ : أنَّه يحدثُ في وقت ، ويحدث ما هو من جنسه في وقت آخر ، فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه به؛ لوجب أن يحدث في وقته كل ما هو من جنسه ، وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أنَّ اختصاصه لأجل مخصص خصصه به ، لولا تخصيصه إيَّاه لم يكن حدوثه في وقته أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده .

وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)

قوله : { وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } الآية لما ذكر الدَّليل على معرفة المبدأ ذكر بعده ما يدلُّ على المعادِ .
قال ابن عبَّاس رضي الله عهما : « إنْ تعجب من تكذيبهم إيَّاك بعد ما حكموا عتليك بأنَّك من الصَّادقين ، فهذا عجبٌ » .
وقيل : إن تعجب يا محمَّدُ من عبادتهم ما لا يملك لهم ضرًّا ، ولا نفعاً بعد ما عرفوا الدلائل الدِّالة على التوحيد ، فهذا عجبٌ .
وقيل : تقدير الكلام : وإن تعجب يا محمد صلوات الله عليه فقد تعجبت في موضع العجب ، لأنهم لما اعترفوا بأنه تعالى مدبِّر السموات ، والأرضيين ، وخالق الخلق أجمعين ، وأنَّه هو الذي رفع السموات بغير عمدٍ ترونها ، وأنَّه الذي سخر الشَّمس ، والقمر على وفق مصالح العباد ، وهو الذي أظهر في العالم أنواع العجائب ، والغرائب ، فمن كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة ، كيف لا تكون وافية بأعادة الإنسان بعد موته؛ لأنَّ القادر على الأقوى يكون قادراً على الأضعفِ بطريق الأولى ، وهذا تقرير موضع التَّعجُّب .
قوله : { فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } يجوز فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه خبر مقدم ، و « قَوْلُهمْ » مبتدأ مؤخَّرٌن ولا بد من حذف [ صفة ] لتتمْ الفائدة ، أي : فعجب أي عجب ، أو غريب ، ونحوه .
الثاني : أنه مبتدأ ، وسوَّغ الابتداء ما ذكر من الوصف المقدر ، ولا يضر حنيئذٍ كون خبره معرفة ، هذا كما أعرب سيبويه : كم مالك وخير من أقصد رجلاً خير منه أبوه مبتدأين لمسوغ الابتداء بهما ، وخبرهما معرفةٌ ، قاله أبو حيَّان .
وللنزاع فيه مجال؛ على أنَّ هناك علّة لا تتأتى هنا ، وهي : أنَّ الذي حمل سيبويه على ذلك من المسألتين أن أكثر ما تقع موقع « كَمْ » ، وخبر « مَا » هو مبتدأ؛ فلذلك حكم عليهما بحكم الغالب بخلاف ما نحنُ فيه .
الثالث : أنَّ « عَجَبٌ » مبتدأ بمعنى معجب ، و « قَوْلُهمْ » فاعل به ، قاله أبو البقاء .
ورد عليه أبو حيَّان : بأنهم نصُّوا على أنَّ « فعلاً وفعَلة وفُعْلاً » ينوبُ عن « مَفْعُول » في المعنى ، ولا يعمل عمله ، فلا تقول : « مَرَرْتُ بِرجُل [ ذبح ] كَبْشَهُ ولا غَرَفَ مَاءهُ ولا قَبضَ مالهُ ، وأيضاً فإنَّ الصفات لا تعمل إلاَّ إذا اعتمدت على أشياء مخصوصة وليس منها هنا شيء .
والعَجَبُ : تغير النَّشفس برؤية المستبعد في العادة .
وقال القرطبيُّ : العَجَبُ تغير النفس بما يخفى أسبابه .
قوله تعالى : { أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } يجوز في هذه الجملة الاستفهامية وجهان :
أظهرهما : أنَّها منصوبة المحل لحكايتها بالقول .
والثاني : أنَّها ، وما في حيزها في محل رفع بدلاً من : » قَوْلهِمْ « وبه بدأ الزمخشريُّ وعلى هذا فقولهم بمعنى مقولهم ويكونُ بدل كُلِّ؛ لأنَّ هذا هو نفس » قَوْلُهُم « ، و » إذَا « هنا ظرفٌ محضٌ ، وليس فيها معنى الشَّرط ، والعاملُ فيها مقدر يفسره { لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } تقديره : أئذا كُنَّا تراباً نبعث ، أو نحشر ، ولا يعمل فيها : { خَلْقٍ جَدِيدٍ } ؛ لا ، ما بعد » إذَا « لا يعملُ فيما قبلها ، ولا يعمل فيها » كُنَّا « لأضافتها إليها .

واختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافاً منتشراً ، وهو في أحد عشر موضعاً في تسع سور من القرآن ولا بد من تعيينها ، [ وبيان ] مراتب القرَّاء فيها ، فإن ضبطها عسر ليسهل ذلك بعون الله تعالى .
فأولها : ما في هذه السورة .
والثاني ، والثالث : الإسراء وهما : { أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } [ الإسراء : 49 ] موضعان .
الرابع في المؤمنون : { أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } [ المؤمنون : 82 ] .
الخامس في النمل : { أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ } [ النمل : 67 ] .
السادس في العنكبوت : { لَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال } [ العنكبوت : 28 ، 29 ] .
السابع في « الم » السجدة : { أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } [ السجدة : 10 ] .
الثامن ، والتاسع في الصافات موضعان [ الصافات : 16 ] .
العاشر : في الواقعة : { أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } [ الواقعة : 47 ] .
الحادي عشر في النازعات : { أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً } [ النازعات : 10 ، 11 ] .
فهذه هي المواضع الختلف فيها ، وأمَّا ضبط الخلاف فيها بالنِّسبة إلى القراء فيه طريقان :
أحدهما : بالنِّسبةإلى ذكر القرَّاءِ .
والثاني : بالنسبة إلى ذكر السُّور .
فاعلم أنَّ هذه المواضعِ تنقسم قسمين : قسم منها سبعة مواضع لها حكم واحد ، وقسم منها أربعة مواضع ، لكلِّ منها حكم على حدته .
أمَّا القسمُ الأوَّل فمنه في هذه السورة ، والثاني ، والثالث في : « سُبْحَانَ » والرابع : في « المؤمنون » ، والخامس : في « الم » السجدة ، والسادس ، والسابع : في الصافات وحكمها : « أنَّ نافعاً ، والكسائي يستفهمان في الأول ، ويخبران في الثاني ، وأن ابن عامر يخبر في الأول ، ويستفهم في الثاني ، والباقين يستفهمون في الأول والثاني .
وأما القسم الثاني ، فأوله ما في سورة النمل ، وحكمه : أن نافعاً يخبر عن الأول ، ويستفهم في الثاني ، وأن ابن عامر والكسائي بعكسه ، وأن الباقين يستفهمون فيهما .
الثاني : ما في العنكبوت ، وحكمه : أن نافعاً ، وابن كثير ، وابن عامر ، وحفصاً يخبرون في الأول ، ويستفهمون في الثاني ، والباقون ، يستفهمون فيهما .
الثالث : ما في سورة الواقعة ، وحكمه : أن نافعاً ، والكسائي يستهفمان في الأول ، ويخبران في الثاني ، والباقون يستفهمون فيهما .
الرابع : ما في سورة النازعات ، وحكمه : أن نافعاً وابن عامر والكسائي يستفهمون في الأول ، وخبرون في الثاني ، والبقاين يستفهمون فيهما .
وأما الطريق الآخر بالنسبةإلى القراء؛ فإنهم فيها على أربع مراتب :
الأول : أن نافعاً قرأ بالاستفهام في الأول ، وبالخبر في الثاني ، إلا في النمل والعنكبوت فإنه العكس .

المرتبة الثانية : أنَّ ابن كثير ، وحفصاًم قرآ بالاستفهام في الأول والثاني إلا الأول من العنكبوت فقرآه بالخبر .
المرتبة الثالثة : أنَّ ابن عامرٍ قرأ بالخبر في الأوَّل ، والاستفهام في الثَّاني إلا في النمل ، والواقعة ، والنازعات ، فقرأ في النمل ، والنازعات بالاستفهام في الأول ، وبالخبر في الثاني ، وفي الواقعة بالاستفهام فيهما .
المرتبة الرابعة : الباقون وهم : أبو عمرو ، وحمزة ، وأبو بكر رضيه الله عنهم أجمعين قرءوا بالاستفهام في الأول ، والثاني ، ولم يخالف أحدٌ منهم أصله .
قال شهاب الدين : « وإنما ذكرت هذين الطريقين لعسرهما ، وصعوبة استخراجهما من كتب القراءات .
فأمَّا وجه قراءة من استفهم في الأوَّل ، والثاني؛ فقصد المبالغة في الإنكار ، فأتى به في الجملة الأولى ، وأعاده في الثانية تأكيداً له ، ووجه من أتى به مرة واحدة : حصول المقصود به؛ لأنَّ كل جملة مرتبطة بالأخرى ، فإذا أنكر في إحداها حصل الإنكارُ في الأخرى ، وأمَّا من خالف أصله في شيءٍ من ذلك ، فلاتباع الأثر » .
فصل
هذا الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه : أنَّك تعجبُ من إنكارهم النَّشأة الأخرى مع إقرارهم باتبداءِ الخلق ، فعجب أمرهم ، وكان المشركون ينكرون البعث مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله عزَّ وجلَّ وحقد تقرَّر في القلوب أنَّ الإعادة أهون من الابتداء ، فهذا موضع العجب .
ثم قال : { أولئك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ } وهذا يدلُّ على أنَّ من أنكر البعث والقيامة فهو كافرٌ ، وإنما لزم من إنكار البعثِ الكفر بالله تعالى؛ لأنَّ إنكار البعث لا يتمُّ إلا بإنكار القدرة ، والعلم ، والصدق ، وأما إنكار القدرة فكقوله : الله غير قادر على الإعادة ، وأما إنكار العلم فكقوله : الله غير عالم بالجزيئات ، فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي ، وأمَّا إنكار الصِّدق فكقولهم : إنَّه أخبر عنه ، ولكنه لا يفعل؛ لأنَّ الكذب جائز عليه ، وكل ذلك كفرٌ بالله تعالى .
ثم قال : { وَأُوْلَئِكَ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ } قال الأصمُّ : المراد بالأغلالِ : كفرهم وذلهم ، وانقيادهم للأصنام ، ونظيره قوله تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً } [ يس : 80 ] ؛ وقال الشاعر : [ البسيط ]
3165 . . ... لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أغْلالٌ وأقْيَادُ
ويقال للرَّجلُ : هذا غلٌّ في عنقك للعمل الرَّديء ، معناه : أنَّه [ ملازم ] لك ، وأنت مُجازًى عليه بالعذابِ .
قال القاضي : هذا وإن كان محتملاً؛ لكن حمل اللفظ على الحقيقة أولى .
قال ابن الخطيب : « أقول على نصرة الأصم ، بأن ظاهر الآية يقتضي حصول الأغلال في أعناقهم في الحالِ ، وذلك غير حاصل ، فإنهم يحملون هذا اللفظ على أنًَّه سيحصل هذا المعنى ، ونحنُ نحمله على أنه حاصلٌ من الحالِ ، والمراد بالأغلال ما ذكره فكلُّ واحدٍ منا تارك للحقيقة من بعض الوجوه ، فلمَ كَانَ قولكم أقوى؟ » .
وقيل : المعنى : أنَّهُ تعالى يجعل الأغلال في أعناقهم يوم القيامة ، ويدلُّ عليه قوله تعالى :

{ إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ } [ غافر : 71 ] إلى قوله : { ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ } [ غافر : 72 ] .
ثم قال : { وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدونَ } والمراد منه التَّهديد بالعذاب المخلد المؤبّد ، وذلك يدلُّ على أنَّ العذاب المؤبَّد ليس إلا للكفَّار؛ لأن قولهم : { هُمْ فِيهَا خَالِدونَ } يدلُّ على أنَّهم هم الموصوفون بالخُلودِ لا غيرهم فدل على أنَّ أهل الكبائر لا يخلدون في النَّارِ .
فإن قيل : العجبُ هو الذي لا يعرف بسبب ، وذلك في حق الله تعالى محالٌ ، فكيف قال : « فعجَبٌ قَولُهُمْ » ؟ .
فالجواب : المعنى : فعجب عنك .
فإن قيل : قرأ بعضهم : « بَل عَجِبْتُ » بإضافة العجب إلى نفسه .
فالجواب : أنَّا قد بيَّنا أنَّ مثل هذه الألفاظ يجبُ تنزيهها عن مبادىْ الأعراض ويجب حملها على نهايات الأعراض ونهاية التعجب أن الإنسان إذا تعجّب من الشيء أنكره ، فكان التعجب في حقِّ الله تعالى محمولاً على الإنكار .
قوله تعالى : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة } وعلم أ ، النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يهددهم تارة بعذاب القايمة ، وتارة بعذاب الدنيا ، والقوم كلَّما هددهم بعذاب القيامة ، أنكروا القيامة ، والبعث ، والنشر كما تقدَّم في الآية الأولى ، وكلما هددهم بعذاب الدنيا استعجلوه ، وذلك أنَّ مشركي مكَّة كانوا يطلبون العقوبة بدلاً من العافية استهزاء منهم يوقلون : { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ] .
قوله « قَبْلَ الحَسَنةِ » فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلقٌ بالاستعجالِ ظرفاً لهُ .
والثاني : أنه متعلق بمحذوفٍ على أنَّه حال مقدرة من السيئة ، قاله أبو البقاء . قوله : « وقَدْ خَلتْ » يجوز أن تكون حالاً وهو الظاهر ، ويجوز أن تكون مستأنفة .
والعامة على فتح الميم ، وضم المثلثة الواحدة مثله ، ك « سَمُرَة » وسَمْرَات « و » صَدُقَة وصَدُقَات « وهي العقوبة الفاضحة .
قال ابن عباس : » العقوبات المتأصلاتُ كمثلات قطع الأذن ، والأنف ، ونحوهما « .
سُمَّيت بذلك لما بين العقاب ، والمعاقب عليه من المماثلة ، كقوله تعالى : { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] ، ولأخذها من المثال بمعنى القصاصِ .
يقال : أمثلتُ الرَّجل من صاحبه ، وأقصصته بمعنى واحدٍ ، أو لأخذها من ضربِ المثل لعظم شأنها .
وقرأ ابن مصرف » المَثْلات « بفتح الميم ، وسكون الثاء ، وقيل : وهي لغة الحجاز في مثله .
وقرأ ابن وثاب : بضم الميم ، وسكون الثاء ، وهي لغة تميم .
وقرأ الأعمش ، ومجاهد بفتحهما ، وعيسى بن عمرو ، وأبو بكر في رواية بضمهما .
فأما الضم ، والإسكان : فيجوز أن يكون أصلاً بنفسه لغة ، وأن يكون مخففاً في من قراءة الضم ، والإسكان نحو » العُشْر في العَشَر « وقد عرف ما فيه .
قال ابنُ الأنباري : » المَثُلَة : العقوبة المبينة في المعاقب شيئاً ، وهو تغيير تبقى الصورة معه قبيحة ، وهو من قولهم : مثل فلانٌ بفلانٍ : إذا قبح صورته إمَّا بقطع أنفه ، أو أذنه ، أو سمل عينيه ، أو بقر بطنه؛ فهذا هو الأصل ، ثم يقال للعار الباقي والخزي الدائم اللازم مُثْلَه « .

وقال الواحدي : « وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه ، ولما كان الأصل أن يكون العقاب مشابهاً للمعاقب عليه ، ومماثلاً له سمي بهذا الاسم » .
والمعنى : يستعجلونك بالعذابِ الذي لم نعاجلهم به ، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية ، أفلا يعتبرون بها .
ثم قال { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } وهذا يدلُّ على أنه سبحانه وتعالى قد يعفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبةن لأن قوله : { لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } ، أي : حال اشتغالهم بالظم كما يقال : رأيت الأمير على أكله ، أي حال اشتغاله بالأكل ، وهذا يقتضي كونه تعالى غافراً للناس حال اشتغالهم بالظلم ، ومعلوم أنَّ حال اشتغال الإنسان بالظلم لا يكون تائباً؛ فدلَّ هذا على أنه تعالى قد يغفر الذُّنوب قبل الاشتغالِ بالتوبة ، وترك العمل بهذا الدليل في حق الكفر؛ فوجب أن يبقى معمولاً به في حق غير الكفرة ، وهو المطلوبُ .
ويقال : إنَّهُ تعالى لم يقتصر على قوله : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } بل عطف عليه قوله : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب } ؛ فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر ، ويحتمل الثاني على الكفَّار .
قال المفسريون : « لَذُو مَغْفرةٍ » لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وعن المذنبيين إذا تابوا .
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما : أرجى آية في القرآن هذه الآية : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب } إذا أصرُّوا على الكفر .
وروى حمّضاد بن سلمة عن عليِّ بن زيد عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال : لما نزلت : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لَوْلاَ عَفْوُ اللهِ ورَحْمتهُ وتَجاوُزهُ لمَا هَنأ أحَدا عَيْشٌ ولوْلاَ عِقابهُ ووَعِيدهُ وعَذابَهُ لاتَّكلَ كُلُّ أحدٍ » .
فإن قيل : لِمَ لا يجوز أن يكون المراد : لذو مغفرة لأهل الصَّغائر لأجل أنَّ عقوبتهم مكفرة ، ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد إنَّ ربك لذو مغفرة إذا تابوا ، وأنه تعالى إنَّما لا يعجل العقاب إمهالاً لهم في الإتيان بالتَّوبة ، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم ، ويكون المراد من هذه المغفرة [ تأخير العقاب ] إلى الآخرة ، بل نقول : يجب حمل اللفظ عليه؛ لأنَّ القوم طلبوا تعجيل العذاب ، فجيب أن تحمل المغفرة على تأخير العذاب حتى ينطبق الجواب على السُّؤال .
ثم يقال : لِمَ لا يجوز أن يكون المراد بقوله : { لَذُو مَغْفِرَةٍ } إمهالهم بالتَّوبة ، ولا يعجل بالعقوبة ، فإن تابوا ، فهو ذو مغفرة ، وإن لم يتوبوا؛ فهو شديد العقاب؟ .

فالجواب عن الأوَّل : أن تأخير العذاب لا يمسى مغفرة ، وإلاَّ لوجب أن يقال : إن الكفار كلهم مغفور لهم؛ لأنَّ الله تعالى أخَّر عقابهم إلى الآخرة .
وعن الثاني : أنَّ الله تمدَّح بهذا ، التَّمدُّح إنما يصحل بالتفضيل ، أما أداء الواجب ، فلا تمدح فيه ، وعندكم يجب غفران الصغائر .
وعن الثالث : أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة؛ فسقطت الأسئلةُ .
قوله : { على ظُلْمِهِمْ } حال من « النَّاسِ » والعامل فيها ، قال أبو البقاءِ « مَغْفرةٍ » يعني : أنه هو العامل في صاحبها .
قوله تعالى : { وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ } الآية شلما بين تعالى أنَّهم طعنوا في النبوة بسبب طعنهم في الحشر والنشر ثم طعنوا في النبوَّة أيضاً بسبب طعنهم في صحَّة ما ينذرهم به من نزول العذابِ ، بين أيضاً أنهم طعنوا في نبوَّته ، وطلبوا منه المعجزة .
والسَّببُ في كونهم أنكروا كون القرآن معجزة : أنهم قالوا هذا كتابٌ مثلُ سائر الكتب ، وإتيان الإنسان بتصنيف معين لا يكون معجزاً ، وإنَّما يكون المعجز مثل معجزات موسى .
واعلم أنَّ من الناس من زعم أنَّهُ لم يظهر معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم سوى القرآن ، قالوا : لأن هذا الكلام إنَّما يصحُّ إذا طعنوا في كونِ القرآنِ معجزاً ولم يظهر معجزاً غيره؛ لأنه لو ظهر معجزة مغيره لم يحسن أن يقال : { لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ } وهذا يدلُّ على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان له معجزة سوى القرآنِ .
والجواب : عنه من وجهين :
الأول : لعلََّ المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوها من حينين الجزع ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وإشباع الخلق الكثير الطعام القليل؛ فطلبوا منه معجزاتن قاهرة غير هذه ، مثل : فلقِ البَحْرِ لموسى ، وقلب العصا ثُعْبَاناً .
فإن قيل : فما السبب في أنَّ ا لله منعهم ، وما أعطاهم؟ .
فالجواب : أن الله تعالى لما أظهر المعجزة الواحدة ، فقد تَمَّ الغرض ، فيكون طلب الثاني تحكماً ، وظهور القرآن معجزةم ، فما كان من ذلك حاجة إلى معجزات آخر .
وأيضاً : فلعلَّه تعالى علم أنَّهم يصرُّون على العناد بعد ظهور المعجزة الملتمسة وكونهم يصيرون حينئذٍ يستوجبون عذاب الاستئصال ، فلهذا السبب ما أعطاهم ملطوبهنم ، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله : { وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } [ الأنفال : 23 ] فبيَّن أنَّه لم يعطهم مطلوبهم ، لعلمه أنَّهم لا ينتفعون به .
وأيضاً : ففتح هذا الباب يفضي إلى ما لا نهاية له ، وهو أنَّه كلَّما أتى بمعجزة جاء آخر ، وطلب معجزة أخرى ، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو باطلٌ .
والوجه الثاني : لعلَّ الكفار قالا ذلك قبل مشاهدة سائر المعجزات .

ثم قال : « إنَّما أنْتَ منذرٌ » مخوف .
قوله : { وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنَّ هذا الكلام مستأنف مستقبل من مبتدأ ، وخبر .
والثاني : أنَّ « لكُلِّ قَوْمٍ » متعلقٌ « هَادٍ » ، و « هاد » نسق على « مُنْذِرٌ » ، أي : إنَّما أنت منذرٌ وهادٍ لكل قوم ، وفي هذا الوجه الفصل بين حرف العطف ، والمعطوف بالجار وفيه خلاف تقدم .
ولما ذكر أبو حيان هذا الوجه ، لم يذكر هذا الإشكال ، ومن عادته ذكره ردًّا به على الزمخشري .
الثالث : أنَّ « هادٍ » خبر مبتدأ محذوفٍ ، تقديره : إنَّما أنت منذرٌ ، وهو لكلِّ قوم هادٍ ، ف « لكُلِّ » متعلقٌ به أيضاً .
ووقف ابن كثير على « هَادٍ » [ الرعد : 33 ] [ الزمر : 23 ، 36 ] و « واقٍ » حيث وقعا ، وعلى « والٍ » ن و « باقٍ » [ النحل : 96 ] [ الرعد : 34 ، 37 ] في النحل بإثبات الياء ، وحذفها الباقون .
ونقل ابن مجاهد عنه : أنه يقف بالياء في جميع الياءات . ونقل عن ورش : أنَّه خير في الوقف بين الياء ، وحذفها .
والباب : هو كل منقوصٍ منونٍ غير منصرف ، واتفق القراء على التوحيد في « هَادٍ » .
فصل
إذا جعلنا « ولكُلِّ قوم هادٍ » كلاماً مستأنفاً ، فالمعنى : أنَّ الله تعالى خصَّ كلَّ قوم بنبيٍّ ، ومعجزة تلائمهم ، فَلمَّا كان الغالب في زمن موسى عليه السلام السحر؛ جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم ، ولما كان الغلب في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام الطب ، جعل معجزته ما كان من تلك الطريقة ، وهي إحياء الموتى ، وإبراء الأكمة ، والأبرص ، ولما كان الغالبُ في زمان محمد صلى الله عليه وسلم الفصاحة ، والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقاً بذلك الزمان ، وهو فصاحة القرآن ، فلمَّا لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع أنَّها أليق بطبائهم ، فبأن لا يؤمنون بباقي المعجزات أولى ، هذا تقرير القاضي ، وبه ينتظم الكلام .
وقيل : المعنى أنهنم إذا جحدوا كون القرآن معجزة لا تضيق قلبك بسببه ، و « إنَّما أنْتَ مُنذِرٌ » ، أي ما عليك إلاَّ الإنذار ، وأمَّا الهداية فليست عغليك ، فإنَّ : { وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } قادر على هدايتهم .
والمعنى : إنَّ الهداية من الله .
فصل
قيل : المنذر ، والهادي شيءٌ واحدٌ ، والتقدير : إنَّما أنتَ مُنذِرٌ { وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } منذر على حدةٍ ، ومعجزة كل واحد غير معجزة الآخر .
وقيل : المنذر محمد صلى الله عليه وسلم والهادي : هو الله تعالى قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والضحاك .
وقال عكرمة : الهادي محمد صلى الله عليه وسلم يقول : أنت منذر ، وأنت هاد لكل قوم ، أي : داع .

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)

قوله تعالى : { الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى } الآية في النَّظم وجوهٌ :
أحدها : أنَّ الكفار لما طلبوا آيات أخر غير ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام بين أنَّه تعالى عالم بجميع المعلومات ، فلو علم من حالهم أنهم إنما طلبوا الآية الآخرى للاسترشاد ، وطلب البيان أظهرها ، وما منعها ، لكنه تعالى عالم أنهم لم يقولوا ذلك إلا لمحض العناد؛ فلذلك منعهم ، ونظيره قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ } [ يونس : 20 ] ، وقوله : { إِنَّمَا الآيات عِندَ الله } [ العنكبوت : 50 ] .
وثانيها : أنه تعالى لما قال : { وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } [ الرعد : 5 ] في إنكار البعث بسبب أنَّ أجزاء أبدان الحيوانات تتفرَّق ، وتختلط بعضها ببعض ، ولا يتميَّز ، فبين الله تعالى أنه إنما لم يتميز في حق من لا يكون عالماً بجميع المعلومات فأمّضا من : { يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } كيف لا يميزها؟ .
وثالثها : أنَّه متصلٌ بقوله : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة } [ الرعد : 6 ] .
والمعنى : أنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، فهو إنَّما ينزل العذاب بحسب ما يعلم كونه مصلحة فيه .
قوله : { الله يَعْلَمُ } يجوز في الجلالة وجهان :
أحدهما : أنَّها خبر مبتدأ مضمر ، أي : هو الله ، وهذا على قول من فسَّر « هادٍ » بأنه هو الله [ تعالى ، فكان هذه الجملة تفسير له ، وهذا [ ما ] عنى الزمخشري بقوله : وأن يكون المعنى : هو الله ] تفسيراً ل « هادٍ » على الوجه الأخير ، ثم ابتدأ فقال : « يَعْلمُ » .
والثاني : أنَّ الجلالة مبتدأ « ويَعْلمُ » خبرها ، وهو كلامٌ مستأنفٌ مستقلٌّ .
قال أبو حيَّان ، « و » يَعْلمُ « هاهنا متعدية إلى واحدٍ؛ لأنَّه لا يراد هنا النسبة إنَّما المراد تعلق العلم بالمفردات » .
قال شهاب الدين رحمه الله : « وإذا كانت كذلك ، كانت غير فائتة » وقد تقدَّم أنه لا ينبغي أنه يجوز نسبة هذا إلى الله عزَّ وجلَّ وتقدم تحقيقه في الأنفال فالتفت إليه .
قوله : « مَا تَحْمِلُ » « مَا » تحتمل ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أن تكون موصولة أسمية ، والعائد محذوف ، أي : ما تحمله .
والثاني : أن تكون مصدرية ، فلا عائد .
والثالث : أن تكون استفهامية ، وفي محلها وجهان :
أحدهما : أنها في محلِّ رفع بالابتداء ، و « تَحْمِلُ » خبره ، والجملة معلقة للعلم .
والثاني : أنها في محلِّ نصب ب « تَحْمِلُ » قاله أبو البقاء .
وهو أولى؛ لأنَّه لا يحتاج إلى حذف عائد لا سيَّما عند البصريين؛ فإنهم لا يجيزون زيداً ضَرَبتُ .
ولم يذكر أبو حيان غير هذا ، ولم يتعرض لهذا الاعتراض .

و « مَا » في قوله : { وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ } محتملة للأوجه المتقدِّمة و « غاض ، وزاد » سمع تعدِّيهما ، ولزومهما ، ولك أن تدَّعي حذف العائد على القول بتعديهما ، وأن تجعلهما مصدريّة عل القول بمصدريتها .
فصل
إذا كانت « مَا » موصولة فالمعنى : أنه تعالى يعلم ما تحمل كل أنثى من الولد أهو ذكرٌ ، أم أثنى ، أم ناقصٌ ، وحسنٌ ، أم قبيحٌ ، وطويلٌ ، أم قصيرٌ أو غير ذلك من الأحوال .
وقوله سبحانه : { وَمَا تَغِيضُ الأرحام } الغيضُ : النقصان سواء كان لازماً ، أو متعدياً فيقال : غاض الماء وغضته أنا ، ومنه قوله تعالى : { وَغِيضَ المآء } [ هود : 44 ] والمعنى : ما تغضيه الأرحام إلاَّ أنه حذف الرَّافع .
و « مَا تَزْدادُ » ، أي تأخذه زيادة ، تقول : أخذت منه حقي ، وازددت منه كذا ، ومنه قوله تعالى : { وازدادوا تِسْعاً } [ الكهف : 25 ] .
ثم اختلفوا فيما تفيضه الرحم ، وما تزداده على وجوهٍ :
الأول : عدد الولد فإنَّ الرَّحم قد يشتمل على واحدٍ ، وعلى اثنين ، وثلاثة ، وأربعة .
يروى أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه .
الثاني : عند الولادة قد تكون زائدة ، وقد تكون ناقصة .
الثالث : [ مدة الولادة ] قد تكون تسعة أشهر [ فأزيد ] إلى سنتين عند أبي حنيفة رحمه الله وإلى أربع عند الشافعي رضي الله عنه ، وإلى خمس عند مالكٍ رضي الله .
قيل : إنَّ الضحاك ولد لسنتين ، وهرم بن حيان بقي في بطن أمِّه أربع سنين ، ولذلك سميي هرماً .
الرابع : الدم؛ فإنه تارة يقلُّ ، وتارة يكثرُ .
الخامس : ما ينقصُ بالسَّقط من غير أن يتم ، وما يزداد بالتَّمامِ .
السادس : ما ينقصُ بظهور دم الحيض؛ لأنَّه إذا سال الدَّم في وقت الحمل ضعف الولد ، ونقص بمقدار ذلك النقصان ، وتزداد أيام الحمل ، لتصير هذه الزيادة جابرة لذلك النُّقصان .
قال ابن عبَّاس رضي الله عنه : « كلَّما سال الحيضُ في وقت الحمل يوماً ، زاد في مدَّة الحمل يوماً ، ليحصل الجبرُ ، ويعتدلُ الأمر » .
وهذا يدلُّ على أنَّ الحامل تحيضُ ، وهو مذهب مالكٍ ، وأحد قولي الشَّافعي لقول ابن عباس في تأويل هذه الآية : إنَّه حيض الحبالى ، وهو قول عائشة رضي الله عنها وأنها كانت تفتي النِّساء الحوامل إذا حضن أن يتركن الصَّلاة .
وقال المخالف : لو كانت الحاملُ تحيض مكان ما تراه المرأة من الدَّم حيضاً ، لما صحَّ استراءُ الأمة بحيضة ، وهذا بالإجماع .
السابع : أن دم الحيض فضلة تجتمع في [ بطن ] المرأة ، فإذا امتلأت عروقها من تلك الفضلات؛ فاضت ، وخرجت ، وسالت من دواخل تلك العروض ، ثم إذا سالت تلك المواد ، امتلأت تلك العروض مرَّة أخرى .
هذا كلُّه إذا قلنا : إن « ما : موصولة .
فإذا قلنا : إنَّها مصدرية : فالمعنى أنَّه تعالى يعلمُ حمل كلَّ شيءٍ ، ويعلم غيض الأرحام ، وازديادها لا يخفى عليه شيء من ذلك ، ولا أوقاته ، وأحوالهن .

ثم قال : { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } يحتمل أن يكون المراد بالعنديَّة : العلم ومعناه : أنَّه تعالى يعلم كمية كل شيء ، وكيفيته على الوجه المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات ، ويحتمل أن يكون المراد من العنديَّة أنه تعالى خصَّص كل حادث بوقت معين ، وحال معينة بمشيئة الأزليَّة وإرادته السرمدية .
وعند حكماء الإسلام : أنه تعالى وضع أشياء كلّيّة ، وأودع فيها قوى ، وخواصَّ ، وحركها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزيئة متعينة ومناسبات مخصوصة [ مقدرة ] ، ويدخل في هذه الآية أفعالُ العبادِ ، وأحوالهم ، وخواطرهم ، وهي من أدلِّ الدَّلائلِ على بطلان قول المعتزلةِ .
قوله : « عِنْدَهُ » يجوز أن يكون مجرور المحل صفة ل « شَيْءٍ » ، أو مرفوعة صفة ل « كُلُّ » ، أو منصوبة ظرفاً لقوله : « بِمقْدارٍ » ، أو ظرفاً للاستقرار الذي تعلق به الجار لوقوعه خبراً .
قوله : { عَالِمُ الغيب } يجوز أن يكون مبتدأ ، وخبره : « الكَبيرُ المتعَالِ » ، وأن يكون خبراً لمبتدأ محذوفٍ ، أي : هو عالمٌ .
وقرأ زيد بن عليى « عَالِمَ » نصمباً على المدحِ .
ووقف ابنُ كثير ، وأبو عمرو في رواية على ياءِ « المُتعَالِ » وصلاً ووقفاً ، وهذا هو الأشهر في لسانهم ، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً لحذفها في الرَّسم .
واستسهل سيبويه حذفها الفواصل ، والقوافي ، ولأنَّ « ألْ » تعاقب التنوين ، فحذفت معها إجراء لها مجراها .
فصل
قال ابن عباس رضي اكلله عنه : يريد علم ما غاب عن خلقه وما شاهدوه .
قال الواحديُّ : « فعلى هذا » الغَيْب « مصدر يرادُ به الغائب ، والشهادة أراد بها الشَّاهد » .
واختلفوا في المراد بالغائب ، والشَّاهد؛ فقيل : المراد بالغائب : [ المعدوم ] ، وبالشَّاهد : الموجود . وقيل : الغائب مالا يعرفه الخلق .
واعلم أنَّ المعلومات قسمان : المعدمات ، والموجودات .
والمعدومات منهنا معدوماتٌ يمتنع وجودها ، ومعدومات لا يمتنع وجودها .
والموجودات قسمان : موجودات يمتنع عدمها ، وموجودات لا يمتنع عدمها ، وكل واحدٍ من هذه الأقسام الأربعة له أحكام ، وخواص ، والكل معلوم لله تعالى .
قال إمامُ الحرمين : الله تعالى معلوماتٌ لا نهاية لها وله في كل واحد من تلك المعلومات معلومات أخرى لا نهاية لها؛ لأن الجوهر الفرد يعلم الله تعالى من حاله أنه يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل ، وموصوف بأوصاف لا نهاية لها على البدل ، وهو تعالى عالمٌ بكلِّ الأحوال على التفصيل وكل هذه الأقسام داخلة تحت قوله : { عَالِمُ الغيب والشهادة } .
ثم قال : « الكَبِيرُ المُتعَالِ » وهو تعالى يمتنع أن يكون كبيراً بحسب الجثَّة والمقدار؛ فوجب أن يكون كبيراً بحسب القدرة الإلهيَّة ، و « المُتعَالِ » المتنزه عن كلِّ ما لا يجوز عليه في ذاته ، وصفاته .

قوله تعالى : { سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ } .
في « سَواءٌ » وجهان :
أحدهما : أنه خبرٌ مقدمٌ ، و : « مَنْ اسرَّ » ، و « مَنْ جَهرَ » هو المبتدأ ، وإنما لم يثن الخبر؛ لأنَّه في الأصل مصدر ، وهو ههنا بمعنى متسوٍ ، و « مِنكُمْ » على هذا حالٌش من الضمير المستتر في « سَواءٌ » ؛ لأنه بمعنى مستوٍ .
قال أبو البقاء : « ويضعف أن يكون حالاً من الضمير في » أسرَّ « ، و » جَهَرَ « لوجهين :
أحدهما : تقديم ما في الصلة على الموصول ، أو الصِّفة على الموصوف .
والثاني : تقديم الخبر على » مِنْكُم « وحقُّه أن يقع بعده » .
قال شهابُ الدِّين رحمه الله : « وحقُّه أ ، يقع بعده يعني : بعدهُ ، وبعد المبتدأ ، ولا يصير كلامه لا معنى له » .
والثاني : أنه مبتدأ وجاز الابتداء به لوصفه بقوله : « مِنْكُم » .
وأعرب سيبويه : « سواءٌ » عليه الجهر والسِّر كذلك ، وقول بن عطيَّة : إنَّ سيبويه ضعَّف ذلك بأنه ابتداء بنكرة غلط عليه .
قال ابنُ الخطيب : لفظ « سواء » يطلب اثنين ، تقول : « سواء زيد ، وعمرو » ، ثم فيه وجهان :
الأول : أنَّ « سواءٌ » مصدر ، والمعنى : ذو سواء ، كما تقول : عدل زيد وعمرو ، أي : ذو عدلٍ .
الثاني : أن يكون « سواءٌ » بمعنى مستوٍ ، وعلى هذا التقدير ، فلا حاجة إلى الإضمار ، إلا أنَّ سيبويه يستقبحُ أن يقال : مستو زيد وعمرو؛ لأنَّ اسماء الفاعل إذا كانت نكرة لا يبتدأ بها .
ولقائلٍ أن يقول : بل هذا الوجه أول؛ لأنَّ حمل الكلام عليه يغني عن التزامِ الإضمار الذي هو خلاف الأصل .
قوله : { وَسَارِبٌ بالنهار } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون معطوفاً على « مُسْتَخْفٍ » ، ويراد ب « مَنْ » حينئذ اثنان ، وحمل المبتدأ الذي هو لفظ « هُوَ » على لفظها ، فأفرده ، والخبر على معناها فثناه .
والوجه الثاني : أن يكون عطفاً على « من هُوَ » في « ومَنْ هُو مُسْتخْفٍ » لا على : مُستَخفٍ « وحده .
ويوضح هذين الوجيهن ما قاله الزمخشريُّ قال : » فإن قلت : كان حق العبارةِ أن يقال : ومن هو مستخف باللَّيل ، ومن هو ساربٌ بالنَّهار حتَّى يتنول معنى الاستواء المستخفي ، والسارب ، وإلا فقد تناول واحد هو مستخف وسارب .
قلت : فيه وجهان :
أحدهما : أن قوله : « سَارِبٌ » عطف على : « مَنْ هُو مُسْتَخْفٍ » [ لا على : : مُسْتَخْفٍ « .
والثاني : أنَّه عطف على : » مُسْتَخْفٍ « إلا أنَّ : » مَنْ « في معنى الاثنين؛ كقوله : [ الطويل ]

3166 ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطحِبَانِ
كأنه قيل : سواء منكم اثنان مستخف بالليل ، وسارب بالنَّهار « .
قال شهابُ الدِّين : وفي عبارته بقوله : كان حق العبارة كذا سوء أدب ، وقوله كقوله : » نَكُنْ مِثلَ مَنْ يا ذئب « يشير إلى البيت المشهور في قصة بعضهم مع ذئبٍ يخاطبه : [ الطويل ]
3167 تَعَشَّ فإنْ عَاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئبُ يَصْطحِبَانِ
وليس في البيت حملٌ على اللفظ والمعنى ، وإنَّما فيه حملٌ على المعنى فقط ، وهو مقصوده .
وقوله : » وإلا فقد تناتول واحدٌ هو مستخق وسارب « لو قال بهذا قائل لأصاب الصَّواب وهو مذهب ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد ذهبا إلى أن المستخفي والسَّاب شخص واحد يستخفي بالليل ، ويسرب بالنَّهار ، ليري تصرفه في النَّاس .
الثالث : أن يكون على حذف » مَنْ « الموصولة ، أي : ومن هو سارب ، وهذا إنَّما يتمشى عند الكوفيين ، فإنهم يجيزون حذف الموصول ، وقد استدلالهم على ذلك .
والسَّاربُ : اسم فاعل من » سَرَبَ ، يَسْرُبُ « ، أي : تصرف كيف يشاء؛ قال : [ الكامل ]
3168 أنَّى سَربْتِ وكُنْتِ غَيرَ سَرُوبِ ... وتُقرَّبُ الأحلامُ غَيْرَ قَريبِ
وقال آخر : [ الطويل ]
3169 وكُلُّ أنَاسٍ قَاربُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ... ونَحْنُ خَلعْنَا قَيْدُهُ فهو سَارِبُ
أي : متصرف كيف توجَّه ، ولا يدفعه أحدٌ عن مرعى قومه بالمنعة ، والقوة .
فصل
معنى الكلام : أي : يستوي في علم الله المسر في القول ، والجاهر به . وفي المستخفي ، والسَّارب وجهان :
الأول : يقال : أخفيت الشيء أخفيه فخفي ، واستخفى فلان من فلان ، أي : توارى واستتر منه .
والسَّارب : قال الفراء والزجاج : أي : ظاهر بالنهار في سربه ، أي : طريقه يقال : خلا له سربه ، أي : طريقه ، والسَّرب بفتح السِّين ، وسكون الراء الطريق .
وقال الأزهري : » تقول العرب : سَربتِ الإبلُ تسرب سَرَباً ، أي : مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت « .
فمعنى الآية : سواء كان الإنسان مستخفياً في الظُّلماتِ ، وكان ظاهراً في الطرقاتِ فعلم الله تعالى محيطٌ بالكلِّ .
قال ابن عباس : » سواء ما أضمرته القلوب ، أو أظهرته الألسنة « .
وقال مجاهد : سواء من أقدم على القبائح في ظلمات الليل ، ومن أتى بها في النهار الظاهر على سبيل التَّوالي .
وقال ابن عباس أيضاً : » هو صاحب ريبة مستخسف بالليل ، وإذا خرج النهار أرى النَّاس أنه بريء من الإثم « .
والقول الثاني : نقل الواحدي عن الأخفش ، وقطرب قال : المستخفي : الظاهر والسارب : المتواري ، ومنه يقال : خفيت الشيء ، أي : أظهرته ، وأخفيت الشيء أي : استخرجته ، ويسمى النَّبَّاش : المستخفي ، والسَّارب : المتواري ، أي : الداخل سرباً ، وانسرب الوحش : إذا دخل في السِّرب ، أي : في كناسه .
قال الواحديُّ : » وهذا الوجه صحيح في اللغة إلا أنَّ الأول هو المختارُ لإطباق أكثر المفسرين عليه ، وأيضاً : فالليل يدلُّ على الاستتار ، والنهار على الظهور « .

قوله : { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ } الضمير فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه عائد على « مِنْ » المكررة ، أي : لمن أسرّ القول ، ولمن جهر به ولمن استخفى : « مُعَقباتٌ » ، أي : جماعة من الملائكة يعقب بعضهم بعضاً .
الثاني : أنه يعود على « مِنْ » الأخيرة ، وهو قول ابن عبَّاسٍ .
قال ابن عطية : والمعقبات على هذا : حرسُ الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه ، قالوا : والآية على هذا في الرؤساء الكفار ، واختاره الطبريُّ وآخرون إلاَّ أنَّ المارودي ذكر على هذا التأويل : أنَّ الكلام نفي ، والتقدير : لا يحفظونه ، وهذا ينبغي ألاّ يمسع ألبتة ، كيف يبرز كلام موجب ، ويراد به نفي ، وحذف « لا » إنما يجوز إذا كان المنفي مضارعاً في جواب قسم ، نحو { تَالله تَفْتَأُ } [ يوسف : 85 ] وقد تقدَّم تحريره وإنّضما معنى الكلام كما قال المهدويُّ : يحفظونه من أمر الله في ظنه ، وزعمه .
الثالث : أن الضمير في « لهُ » يعود على الله تعالى وفي « يَحْفظُونَهُ » للبعد أي : للهِ ملائكة يحفظون العبد من الآفات ، ويحفظون عليه أعماله قاله الحسن رضي الله عنه .
الرابع : عود الضميرين على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر قريب ، ولتقدُّم ما يشعر به في قوله : « لوْلاَ أنْزِلَ عليْهِ » .
و « مُعقِّباتٌ » جمع معقب بزنة مفعل ، من عقب الرجل إذا جاء على عقب الآخر؛ لأن بعضهم يعقبُ بعضاً ، أو لأنَّهم يعقبون ما يتكلَّم به .
وقال الزمخشري : « والأصل : معتقبات ، فأدغمت التاء في القاف ، كقوله : { وَجَآءَ المعذرون } [ التوبة : 90 ] فلا يتعيَّن أن يكون أصله » المُتعذِّرُون « وقد تقدَّم توجيهه ، وأنه لا يتعيَّن ذلك فيه .
وأما قوله : ويجوز » مُعِّبات « بكسر العين ، فهذا لا يجوز؛ لأنه بناه على أن أصله : معتقبات ، فأدغمت التاء في القاف ، وقد بيَّنا أن ذلك وهم فاحشٌ وفي » مُعَقِّباتٌ « احتمالان :
أحدهما : أن يكون معقبة بمعنى معقب ، والتَّاء للمبالغة ، كعلاَّمة ، ونسَّابة . أي : ملك معقب ، ثم جمع هذا كعلامات ، ونسَّابات .
والثاني : أن يكون معقبة صفة لجماعة ، ثم جمع هذا الوصف ، وذكر ابنُ جريرٍ : أن معقبة جمع معقب ، وشبه ذلك ب » رَجُلٍ ، ورجالٍ ، ورِجَالاتٍ « . قال أبو حيَّان : وليس كما ذكر ، إنما ذلك ك » جَمَلٍ ، وجِمَالٍ ، وجمالاتٍ « ومعقب ، ومعقبات إنَّما هو كضارب ، وضاربات .
ويمكن أن يجاب عنه : بأنه يمكن أن يريد بذلك أنَّه أطلق من حيث الاستعمال على جمع معقب ، وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث » معقب « ، فصار مثل : » الواردة « للجماعة الذين يريدون ، وإن كان أصله للمؤنثة من جهة أنَّ جموع التَّكسير في العقلاء تعامل معاملة المؤنثة في الإخبار ، وعود الضَّمير ، ومنه قولهم : الرِّجحالُ وأعضادها ، والعلماء ذاهبةٌ إلى كذا ، وتشبيهنه ذلك برجل ، ورجالات من حيث المعنى لا الصناعة » .

وقرأ أبي ، وإبراهيم ، وعبيد الله بن زيادٍ : له معاقيب .
قال الزمخشريُّ : « جمع معقب ، أو معقبة ، والياء عوضٌ من حذف إحدى القافين في التكسير » .
ويوضح هذا ما قاله ابنُ جنِّي؛ فإنه قال : « مَعَاقِيب » تكسير مَعْقِب بسكون العين ، وكسر القاف ، ك « مُطْعِم ، مطاعم » و « مَقْدِم ، ومَقَادِيم » ، فكأن « مُعْقباً » جمع على معاقبة ، ثم جعلت الياء في « معاقيب » عوضاً من الهاء المحذوفة في « مُعَاقبةٍ » .
فصل
قال : المعقب من كلِّ شيء ما خلف يعقب ما قبله ، ويجوز أن يكون عقبه ، إذا جاء على عقب ، والمعنى في كلا الوجهين واحد .
والتَّعقيب : العود بعد البدءِ ، وإنَّما ذكر بلفظ التَّأنيث؛ لأن واحدها معقب وجمعه معقبة ، ثم جمع المعقبة معقبات ، كقولك : رجالات مكسر ، وقد تقدَّم .
وفي المراد ب « المعقبات » قولان :
أشهرهما : أن المراد الحفظة ، وإنَّمام وصفوا بالمعقبات ، إما لأجل أن ملائكة اللَّيل تعقب ملائكة النَّهار ، وبالعكس ، وإما لأجل أنهم يعقبون أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ ، والكتابة ، وكل من عمل عملاً ثم معاد إليه؛ فقد عقَّبهُ .
فعلى هذا المراد من المعقبات : ملائكة الليل ، والنَّهار ، قال تعالى جلًَّ ذكره { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ } [ الانفطار : 10 ، 11 ، 12 ، 13 ] .
قوله : { مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ } يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه صفة ل « مُعقِّباتٌ » ويجوز أن يتعلق ب : مُعقِّباتٌ « ، و » مِنْ « لابتداء الغاية ، ويجوز أن تكون حالاً من الضمير الذي هو الظرف الواقع خبراً والكلامم على هذه الأوجه تام عند قوله : { وَمِنْ خَلْفِهِ } .
وقد عبَّر ِأبو البقاء ، رحمه الله عن هذه الأوجه بعبارة مشكلة ، وهي قوله : { مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ } يجحوز أن يكون صفة ل » مُعقِّباتٌ « ، وأن يكون ظرفاً ، وأن يكون حالاً من الضمير الذي فيه ، فعلى هذا يتمُّ الكلام عنده » انتهى « .
ويجوز أن يتعلق ب » يَحْفَظُونَه « أي : يحفظونه من بين يديه ، ومن خلفه .
فإن قيل : كيف يتعلَّق حرفان متحدان لفظاً ومعنى بعاملٍ واحدٍ ، وهما » مِنْ « الداخلة على » بَيْنِ « و » مِنْ « الداخلة على : » أمْرِ اللهِ « ؟ .
فالجواب : أنَّ » مِنْ « الثانية مغايرة للأولى في المعنى كما ستعرفه .
قوله : » يَحْفَظُونهُ « يجوز أن يكون صفة ل » مُعقِّباتٌ « ، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجار الواقع [ خبراً ] ، و » مِنْ أمْرِ اللهِ « متعلق به ، و » مِنْ « إمَّا للسَّببِ أي : بسبب أمر الله .

ويدل له على قراءة عليِّ بن أبي طالبٍ ، وابن عبَّاسٍ ، وزيد بن عليّ ، وعكرمة رضي الله عنهم : بأمر الله .
وقيل : المعنى على هذا يحفظون عمله بإذن الله ، فحذف المضاف .
قال ابن الأنباري : كلمة « مِنْ » معناها الباء ، وتقديره : يحفظونه بأمر الله وإعانته ، والدَّليل عليه : أنه لا بد من المصير إليه؛ لأنَّه لا قدرة للملائكة ، ولا لأحد من الخلقِ على أن يحفظوا أحداً من أمر الله ، ممَّا قضاه الله عليه؛ وإمَّا أن تكون على بابها .
قال أبُو البقاء : « مِنْ أمْرِ اللهِ » من الجنِّ ، والإنس ، فتكون « مِنْ » على بابها .
« يعني : أن يراد بأمر الله : نفس ما يحفظ منه كمردة الإنس ، والجن ، فتكون » مِنْ « لابتداء الغاية » .
ويجوز أن تكون بمعنى « عَنْ » ، وليس عليه معنى يليق بالآية الكريمة ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه صفة ل : « مُعقِّباتٍ » أيضاً فيجيء الوصف بثلاثة أشياء في بعض الأوجه المتقدمة بكونها { مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } وبكونها « يَحفظه » ، وبكونها « مِنْ أمْرِ اللهِ » ولكن يتقدَّم الصوف بالجملة على الوصف بالجار ، وهو جائزٌ فصيحٌ ، وقد ذكر الفراء فيه وجهين :
الأول : أنه على التَّقديم ، والتأخير ، والتقدير : له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه .
قال شهاب الدِّين رحمه الله : « والأصل عدم ذلك مع الاستغناء عنه » .
والثاني : أن فيه إضماراً ، أي : ذلك الحفظ من أمر الله ، أي : ممَّا أمر الله به ، فحذف الاسم ، وأبقى خبره ، كما يكتب على الكيس : ألفان ، والمراد الذي فيه ألفان .
فصل
ذكر المفسرون : أن للهِ ملائكة يتعاقبون بالليل ، والنهار؛ فإذا صعدت ملائكمة الليل جاء في عقبها ملائكة النهار ، وإذا صعدت ملائكة النَّهار ، جاء في عقبها ملائكة الليل .
لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال « يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ باللِّيلِ ومَلائكِةٌ بالنَّهارِ يَجْتمِعُونَ عِنْدَ صلاةِ الفَجْرِ وصلاةِ العَصْرِ ، ثُمَّ يَعْرجُ الَّذينَ باتُواة فيكُم؛ فيَسْألهُم وعو أعملُ بِهِم : كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادي؟ فَيقُولُون : تَركْنَاهُم ، وهُمْ يُصَلُّونَ ، وأتَيْنَاهُمْ ، وهُمْ يُصَلُّون » .
وقوله : { مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } يعنى من قدام ، هذا استخفى باللَّيل والسَّارب بالنَّهار ، ومن وراء ظهره يحفظونه من أمر الله يعني بإذنِ الله ما لم يجىء القدر ، فإذا جاء القدر خلوا عنه .
وقيل : يحفظونه ممَّا أمر الله به من الحفظ عنه .
قال مجاهدٌ : ما من عبدٍ إلا وله ملك وكلٌ به يحفظه في نومه ويقظته من الجنِّ والإنس ، والهوام .
وقيل : المراد بالآية الملكين القاعدين على اليمين ، وعلى الشمال يكتبان الحسنات والسيئات « يحفظونه » أي يحفظون عليه ، « من أمر الله » يعني الحسنات والسيئات قال الله تعالى :

{ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق . 18 ] .
وقال عبدالرحمن بن زيد : نزلت هذه الآية في عامر بن الطُّفيل وأربد بن ربيعة ، وكانت قصَّتهما على ماروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : « أقبل عامر بن الطُّفيل ، وأربد بن ربيعة ، وهما عامريان يريدان رسُول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو جالس في المسجد في نفرٍ من أصحابه ، فدخلا المسجد ، فاسْتشْرَفَ الناسُ لجمالِ عامرٍ ، وكان أعورَ ، وكان من أجمل النَّاس ، فقال رجل : يا رسول الله هذا عامر بن الطُّفيل قد أقبل نحوك فقال : دعه؛ فإن يرد الله به خيراً يهده ، مفأقبل حتى قام عليه ، فقال : يا محمد ما لي إن أسلمت؛ فقال صلى الله عليه وسلم : لك ما للمسلمين ، وعليك ما على المسلمين ، قال : تجعلي لي الأمر بن بعدك؛ قال : ليس ذلك إليَّ ، إنما ذلك إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاءُ ، فقال : تجعلني على الوبر والمدرِ ، قال : لا ، قال : فما تجعلي لي؟ قال أجعل لك أعنَّة الخيل تغزُو عليها قال : أوليس ذلك لي اليوم ، قم معي أكلمك ، فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عامر أوصى إلى أربد بن ربيعة : إذا رأيتني أكلمه فدُرْ من خلفه ، فاضربه بالسيف ، فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه ، فدار أربدُ من خلف النبي ليضربه ، فاخترط من سيفه شبراً ، ثمذَ حبسه الله عزَّ وجلَّ عنده ، فلم يقدر على سلّه ، وجعل عامرُ يومىء إليه ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع بسيفه ، فقال : » اللَّهُمَّ أكْفِنِيهما بِمَا شِئْتَ « فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم مصحوٍ صائفٍ ، فأحرقته ، وولّى عامر بنُ الطفيل هارباً ، وقال : يا محمد! دعوت ربك فقتل أربد ، والله لأملأنَّها عليك خيلاً جرداً ، وفتياناً مرداً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » يَمْنَعُكَ اللهُ مِنْ هذا ، وأبْناءُ قيْلة « يريد الأوس ، والخزرج؛ فنزل عامرٌ بيت امرأة سلوليّة فلما أصبح ، ضم عليه سلاحه ، وقد تغير لونه ، فخرج يركض في الصحراء ويقول : ابرز يا ملك الموت ، ويقول الشِّعر ، ويقول : واللات لئن أصبح لي محمداً وصاحبه يعني ملك المت لأنفذتهما برمحي؛ فأرسل الله تبارك وتعالى ملكاً فلطمه بجناحه ، فأذراه في التراب ، وخرجت على ركبته في الوقت غدة عظيمة ، فعاد إلى بيت السلولية ، وهو يقول : » غُدَّةٌ كغُدةِ البَعيرِ ، ومَوْتٌ في بَيْتِ سَلُوليَّة « ، ثم دعا بفرسه ، فركبه ، ثمَّ أجراه حتَّى مات على ظهره ، فأجاب الله دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتلَ عامرٌ بالطعن ، وأربد بالصَّاعقة » ، وأنزل الله في هذه القصَّة : { سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بالليل وَسَارِبٌ بالنهار لَهُ مُعَقِّبَاتٌ } يعنى للرسول صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من أمر الله ، يعنىم : تلك المعقبات من أمر الله ، وفيه تقديرم وتأخير .

ونقل عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما واختاره أبو مسلم الأصفهاني رحمه الله أن المراد يستوي في علم الله السرُّ ، والجهر ، والمستخفي في ظلمة اللَّيل والسارب بالنهار المستظهر بالمعاونين ، والأنصار ، وهم الملوك ، والأمراء فمن لجأ إلى الله فلن يفوِّت الله سبحانه وتعالى أمره ، ومن سار نهاراً بالمعقبات ، وهم الأحراس والأعوان الذين يحفظونه لم ينجه حراسه من الله تعالى والمعقب هو العون؛ لأنه إذا نصر هذا وذاك؛ فلا بد وأن ينصر ذاك هذا؛ فنصر كل واحد منهما معاقبة لنصرة الآخر؛ فهذه المعقبات لا تخلص من قضاء الله ، وقدره ، وهم وإن ظنُّوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر الله ، ومن قضائه؛ فإنهم لا يقدرون على ذلك ألبتَّة .
والمقصود من الكلام : بعث السلاطين ، والأمراء ، والكبراء على أن يطلبوا الخلاص من المكاره من الله ، ويعلولوا على حفظه وعصمته ولا يعولوا في دعفها على الأعوان والأنصار؛ ولذلك قال تعالى جل ذكره بعده : { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } .
قال القرطبي : « قيل : إن في الكلام نفياً محذوفاً تقديره : لا يحفظونه من أمر الله تعالى ذكره الماورديُّ .
قال المهدوي : ومن ج عل المعقٍِّبات : الحرس ، فالمعنى : م يحفظونه من أمر الله على ظنه ، وزعمه .
وقيل : سواء من أسر القول ، ومن جهر ، فله حراس ، وأعوان يتعاقبون عليه ، فيحملونه على المعاصي ، و » يَحْفظُونَهُ « من أن ينجع فيه وعظٌ .
قال القشيريُّ : وهذا لا يمنع الرب من الإمهال إلى أن يحق العذابل ، وهو إذا غير هذا العاصي ما بنفسه بطول الإصرار ، فيصير ذلك سبباً للعقوبة ، فكأنه الذي يحل العقوبة » .
وقال عبدالرحمن بن زيد : « المعقِّبات : ما تعاقب من أمر الله تعالى وقضائه في عباده » .
قال الماورديُّ : « ومن قال بهذا القول ، ففي تأويل قوله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله } وجهان :
أحدهما : يحفظونه من الموت ما لم يأت أجله ، قاله الضحاك .
الثاني : يحفظونه من الجنِّ ، والهوام المؤذية ، ما لم يأت قدرٌ ، قاله أبو أمامة ، وكعب الأحبار رضي الله عنهما فإذا جاء القدر خلوا عنه؟ .
قوله : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ } : من العافية والنعمة { حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } من [ الحالة الجميلة ] فيعصون ربَّهم .
قال الجبائي ، والقاضي : هذه الآية تدلُّ على مسألتين :
الأولى : أنَّه سبحانه لا يعاقبُ أطفال المشركين بذنوب آبائهم؛ لأنَّهم لم يغيِّروا ما بأنفسهم من نعمه ، فيغير الهلن حالهم من النِّعمة إلى العذاب .

الثانية : قالوا : الآية تدلُّ على بطلان قول المجبرة : إنَّه تعالى ابتدأ العبد بالضَّلال ، والخذلان أوَّل ما يبلغ؛ لأنَّ ذلك أبلغ في العقاب ، مع أنَّه ما كان منه تغيير .
قال ابن الخطيب : « والجواب أن ظاهر الآية يدل على أن فعل الله تعالى في التغيير يترتب على فعل العبد ، وقوله { وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله } [ التكوير : 29 ] يدلُّ على أن فعله مقدم على فعل العبد ، فوقع التَّعارض .
وقوله تعالى : { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } يدلُّ على أنَّ العبد غير مستقل بالفعل ، فلو كان العبد مستقلاً بتحصيل الإيمان ، ولكان قادراً على ردّ ما أراد الله تعالى من كفر ، وحينئذٍ بطل قوله : { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } ؛ فثبت أنَّ الآية السابقة ، وإن أشعرب بمذهبهم إلا أن هذا من أقوى الدلائل على مذهبنا .
روى الضحاك عن ابن عبَّاس رضي الله عنه : لم تغن المعقبات شيئاً وقال عطاء عنه : لا رادّ لعذابي ، و لاناقض لحكمي : { وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } ، أي : ليس لهم من دون الله من يتولاهم ، ويمنع قضاء الله عنهم ، أي : مال هم والٍ يتولَّى أمرهم ، ويمنع العذاب عهم .
قوله : { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ } » العامل في « إذَا » محذوف لدلالة جوابها عليه تقديره : لم يرد أو وقع ، أو نحوهما ، ولا يعمل فيها جوابها؛ لأنَّ ما بعد الفاء لا يعملُ فيما قبلها .

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15)

قوله تعالى : { هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق } الآية لما خوَّف العباد بإنزال ما لا مرد له ، أتبعه بذكر هذه الآية المشتملة على قدرة الله تعالى وحكمته ، وهي تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه ، وتشبه العذاب ، والقهر من بعض الوجوه .
قوله : « خوفاً وطمعاً » يجوز أن يكونا مصدرين ناصبهما محذوف ، أي : يخافون خوفاً ، ويطمعون طمعاً ، ويجوز أن يكونا مصدرين في موضع نصب على الحالِ ، وفي صاحب الحال حينئذ وجهان :
أحدهما : أنه مفعول : « يُرِيكُمْ » الأول ، أي : خائفين طامعين ، أي : تخافون صواعقه وتطمعون في مطره ، كما قال المتنبي : [ الطويل ]
3170 فَتًى كالسَّحابِ الجُونِ يُخْشَى ويُرْتَجَى ... يُرجَّى الحَيَا مِنهَا وتُخْشَى الصَّوعِقُ
والثاني : أنَّه البرق ، أي : يريكموه حالَ كيف ذا خوفٍ وطمعٍ ، إذ هو ف ينفسه خوف وطمع على المبالغة ، ولمعنى كما تقدَّم .
ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله ، ذكره أبو البقاء ، ومنعه الزمخشريُّ لعدم اتِّحادِ الفاعل ، يعني أنَّ « الإرادة » وهو الله تعالى غير فاعل الخوف ، والطمع ، وهو ضمير المخاطبين ، فاخلتف فاعل الفعل المعلل ، وفاعل العلة وهذا يمكن أن يجاب عنه : بأنَّ المفعول في قوَّة الفاعل ، فإن معنى « يُرِيكُم » يجعلكم رائين ، فتخافون ، وتطمعون .
ومثله ف يالمعنى قوله النابغة الذبياني : [ الطويل ]
3171 وحَلَّتْ بُيوتِي في يَشفاعٍ مُمنَّعٍ ... تَخالُ بهِ رَاعِي الحَمُولةِ طَائِرَا
حِذَاراً على الاَّتَنالَ مَقادَتِي ... ولا نِسْوتِي حتَّى يَمُتْنَ حَرائِرَا
ف « حذارا » مفعول من أجله ، فاعله هو المتكلم ، والفعل المعلل الذي هو : « حَلَّت » فالعه « بُيُوتِي » فقد اختلف الفاعل ، قالوا : لكن لما كان التقدير : وأحللت بيوتي حذاراً صحَّ ذلك . وقد جوَّز الزمخشريُّ ذلك أيضاً على حذف مضاف فقال : « إلاَّ على تقدير حذف مضاف ، أي : إرادة خوفٍ ، وطمع ، وجوَّزه ، أيضاً على أن بعض المصادر ناب عن بعض . يعني أن الأصل : يريكم البرق إخافة ، وإطماعاً » .
فإنَّ المرئي ، المخيف ، والمطمع هو الله تعالى فناب خوف عن أخافة ، وطمع عن إطماع ، نحو : { أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً } [ نوح : 17 ] على أنه قد ذهب ابن خروف ، وجماعة على أنَّ اتحاد الفعل ليس بشرط .
فصل
في كون البرق خوفاً وطمعاً وجوه :
قيل : يخاف منه نزول الصَّواعق ، وطمع في نزول الغيثِ . وقيل : يخافُ المطر من يتضرر به كالمسافر ، ومن في جرابه التمر والزبيب ، والحب ، ويطمع فيه من له فيه نفعٌ .
وقيل : يخاف منه في غير مكانه ، وأمانه ، يطمع فيه إذا كان في مكانه وأمانه ، ومن البلدان إذا مطروا ، قحطوا ، وإذا لم يمطروا خصبوا .
قال ابن الخطيب : « البرقُ جسمٌ مركبٌ من أجزاء رطبة مائية ، ومن أجزاء هوائية ولا شك أنَّ الغالب عليه الأجزاء المائية ، والماء جسمٌ باردٌ رطبٌ ، والنَّار جسم حار يابس فظُورُ الضدِّ من الضد التام على خلافِ العقل ، فلا بد من صانع مختاار يظهر الضدّ من الضدّ » .

ثم قال : « ويُنْشِىءُ السَّحاب الثِّقَال » بالمطر ، ويقال : أنشأ الله السحابة ، فنشأت ، أي : أبدأها فبدأت .
قال الزمخشري : « السَّحابُ : اسم جنس الواحدة سحابة ، والثقال : جمع ثقيلة؛ لأنَّك تقول : سحابةٌ ثقيلةٌ وسحابٌ ثِقَال ، كما تقول : امرأةٌ كريمة ، ونساءٌ كِرام » .
وقال البغوي : « السَّحاب جمع ، واحدتها : سحابة ، ويقال في الجمع : سُحُبٌ وسَحَائِبُ أيضاً ، قال عليٌّ : السحاب غربال الماءِ » .
فصل
قال ابن الخطيب : « وهذا من دلائل القدرة والحكمة ، وذلك لأنَّ هذه الأجزاء المائية إمَّا أن يقال : حدثيت في جو جو الهواءِ أو تصاعدت من وجه الأرض ، فإن كان الأوَّل وجب أن يكون [ حدوثها ] بأحداث محدث حكيم قادر ، وهو المطلوب ، وإن كان الثاني هو أن يقال : تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض ، فلمَّا وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت ، فثقلت ، فرجعت إلى الأرض .
فنقول : هذا باطلٌ؛ لأن الأمطار مختلفة ، فتارة تكمون القطرات كبيرة ، وتارة تكون صغيرة ، وتارة تكون متقاربة ، وأخرى تكون متباعدة ، وتارة تطول مدة نزول المطر ، وتارة تقصر واختلاف الأمطار في هذه الصفِّات مع أنَّ طبيعة الأرض واحدة ، وطبيعة الشمس واحدة فلا بد وأن يكون تخصيص الفاعل المختار ، وأيضاً فالتَّجربة دلَّت على أنَّ للدعاءن والتَّضرع في نزول الغيث أثراً عظيماً كما في الاستسقاء ومشروعيته ، فعلمنا أنَّ المثؤر فيه [ قدرة ] الفاعل لا الطبيعة ، والخاصية » .
قوله : { وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ } قال أكثر المفسرين : الرَّعدُ اسم ملكٍ يسوقُ السَّحاب ، والصوت المسموع تسبيحه .
قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه : « مَنْ سَمِعَ صوتَ الرَّعدِ فقال : سُبْحانَ الَّذي يُسبِّحُ الرَّعْدُ بحَمْدهِ والمَلائِكةُ مِنْ خِيفتهِ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قدير ، فإنْ أصَابهُ صَاعِقةٌ فَعَلى دِينه » .
وعن ابن عبَّاس : أنَّ اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرَّعدِ ما هو؟ . فقال صلى لله عليه وسلم « ملكٌ من الملائكةِ وُكِلَ بالسَّحابِ معهُ مخَارِيق من نَارِ يسُوقُ بِهَا السَّحابَ حيثُ شَاء اللهُ ، قالوا : فَمَا الصَّوتُ الذي نَسْمَع؟ قال : زَجْرةُ السَّحابِ » .
وعن الحسن : أنَّه خلق من خلق اكلله ليس بملكٍ .
قال ابن الخطيب : « فعلى هذا القولِ : الرَّعدُ هو الملكُ الموكل بالساحب ، وذلك الصَّوت يسمّى بالرَّعدِ ، ويؤكد هذا ما روي عن النبيِّ صلى الله عليه سلم أنه قال : » إنَّ اللهَ يُنشِىءُ السَّحاب ، فتَنْطِقُ أحسنَ النُّطقِ وتَضحَكُ أحسن الضِّحكِ فنُطقه الرَّعدُ وضِحْكهُ برق « .
وهذا القول غير مستبعد؛ لأن عند أهل السنة البينة ليست شرطاً لحصولِ الحياة ، فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة ، والعلم ، والقدرة ، والنُّطق في أجزاء السَّحاب ، فيكون هذا الصوت المسموع فعلاً له ، وكيف يستبعد ذلك ، ونحن نرى أنَّ السمندل يتولد في النَّار ، والضفادع تتولّد في الماءِ ، والدُّوجة العظيمة ربما تولدت في الثلوج القديمة ، وأيضاً : فإذا لم يبعد تسبيحُ الحِبالِ في زمن داود صلوات الله وسلامه عليه ولا تسبيح الحصى في زمن محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يبعدُ تسبيحُ السَّحاب؟ .

وعلى هذا القول ففي هذا المسموع قولان :
أحدهما : أنه ليس بملك؛ لأنَّه عطف عليه الملائكة فقال : { والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ } المعطوف عليه مغايرٌ للمعطوف .
والثاني : لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة ، وإنَّما أفرده بالذِّكر تشريفاً كقوله تعالى : { وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } [ البقرة : 98 ] وقوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } [ الأحزاب : 7 ] .
وقيل : الرعدُ اسم لهذا الصوت المخصوص ، ومع ذلك فإنَّه يسبحُ ، قال تعالى { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ } [ الإسراء : 44 ] .
وقيل : المراد من كون الرَّعد مسبحاً ، أن من يسمع الرَّعد فإنَّه يسبح الله تعالى فلهذا المعنى أضيف التسبيح إليه .
قوله : { والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ } ، أي : الملائكة يسبحون من خيفة الله ، وخشيته ، وقيل : أراد بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد جعل الله تعالى له أعواناً ، فهم خائفون خاضعون طائعون .
قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : « خائفون من الله لا كخوف بني آدم ، فإنَّ أحدهم لا يعرف من على يمينه ، ومن على يساره لا يشغله عن عبادة الله طعامٌ ، ولا شراب ولا شيء » .
قال ابن الخطيب : « والمحققون من الحكماء يقولون : إنَّ هذه الآثار العلوية إنَّما هي تتمُّ بقوى روحانية فكليَّة ، فللسّضحاب روح معيَّن في الأرواح الفلكيَّة يدبره ، وكذا الرِّياح ، وسائر الآثار العلوية ، وهذا عين ما قلنا : إنَّ الرعد اسمٌ لملك من الملائكة يسبِّح الله تعالى .
فالذي قاله المفسِّرون بهذه العبارة ، هو عين ما ذكره المحققون من الحكماء ، فيكيف يليق بالعاقل الإنكار؟ » .
قوله : { وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ } كما أصاب أربد بن ربيعة .
« الصَّواعِقَ » جمع صاعقة ، وهي العذاب المهلك ينزل من البرقِ ، فتحرق من تصيبه وتقدَّم الكلام عليه في أوَّل البقرةِ .
قال المفسرون : نزلت هذه الآية في عامر الطُّفيل ، وأربد بن ربيعة أخي أسد بن ربيعة كما قدمنا .
واعلم أنَّ أمر الصاعقة عجيبٌ جدًّا؛ لأنَّها نارٌ تتولَّد في السَّحاب ، وإذا نزلت من السَّحاب فربما غاصت في البحرِ ، وأحرقت الحيتان .
قال محمدُ بن عليّ الباقر : « الصَّاعقة تصيبُ المسلم ، وغير المسلمِ ، ولا تصيب الَّذاكر » .
قوله : { وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله } يجوز أن تكون الجملة مستأنفة أخبر عنهم بذلك ويجوز أن تكون حالاً .
وظاهر كالام الزمخشري أنَّها حال من مفعول « تَصِيبُ » فإنَّه قال : « وقيل : الواو للحال ، أي : يصيب بها من يشاء في حال جدالهم » وجعلها غيره : حالاً من مفعول « يَشَاء » .

فصل
معنى الكلام : أنه تعالى بيَّن دلائل العلم بقوله : { يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى } [ الرعد : 8 ] ، ودلائل كمال القدرة في هذه الآية ، ثم قال تعالى : { وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله } يعنى أنَّ الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله .
قيل : المراد بها الرَّد على الكافر يعني أربد بن ربيعة الذي قال : أخبرنا عن ربِّنا ، أهو من نحاسٍ ، أم من حديد ، أم من درٍّ ، أم من ياقوت ، أم من ذهب؟ فنزلت الصاعقة من السماء؛ فأحرقته .
وقيل : المراد جدالهم في إنكار البعث ، وقيل المراد الرد على جدالهم في طلب سائر المعجزات .
وقيل : المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال .
وسئل الحسن عن قوله : { وَيُرْسِلُ الصواعق } الآية قال : كان رجلٌ من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم يقرّ بدعوته إلى الله ورسوله ، فقال لهم : أخبروني عن رب محمدٍ ، هذا الذي تدعُوني إليه ، مِمَّ هو « من ذهبٍ ، أو فضةٍ ، أو حديدٍ أو نحاس؟
فاستعظم القوم مقالته ، فانصرفوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله : ما رأينا رجُلاً أ : فر قلبا ، ولا أعتى على الله منه ، فقال : صلى الله عليه وسلم : » ارجعوا إليه « فرجعوا إليه؛ فجعل لايزيدهم على مثل مقالته الأولى ، وقال : أجيب محمداً إلى رب لا أراه ، ولا أعرفه! وانصرفوا ، وقالوا : يا رسول الله : ما زادنا على مقالته الأولى ، وأخبث . فقال صلى الله عليه وسلم : » ارجعوا إليه « ، فرجعوا إليه ، فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه ، وهو يقول هذه المقالة ، إذا ارتفعت سحابة ، فكانت فوق رءوسهم ، فرعدت ، وبرقت ورمت بصاعقة؛ فأحرقت الكافر ، وهم جلوسٌ ، فجاءوا يسعون؛ ليخبروا رسول الله صلى الله عليه سلم؛ فاستقبلهم قومٌ من أصحاب رسول الله صلى لله عليه وسلم فقالوا : » احْترَقَ صَاحبُكُم « فقالوا : من أين علمتم؟ فقالوا : أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم { وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله وَهُوَ شَدِيدُ المحال } .
قوله : { وَهُوَ شَدِيدُ المحال } هذه الجملة حال من الجلالة الكريمة ، ويضعف استنأفها .
وقأ العام : بكسر الميم وهو القوَّة والإهلاكُ .
قال عبدالمطلب : [ الكامل ]
3172 لا يَغْلبَنَّ صَلِبُهُمْ ... ومِحَالُهُمْ عَدواً مِحَالَك
وقل الأعشى : [ الخفيف ]
3173 فَرْغُ نَبْغٍ يَهتزٌ في غُصُنِ المَجْدِ ... عَظيمُ النَّدى شديدُ المحالِ
والمحال أيضاً : أشدُّ المكايدة ، والممكارة ، يقال : ما حله ، ومنه تمحَّل فلان بكذا أي : تكلَّف له استعمال الحيلة .
وقال أبو زيدٍ : هو النِّقمةُ . وقال ابن عرفة : هو الجدالُ ، وفيه على هذا مقابلة معنوية كأنه قيل : وهم يجادلون في الله ، وهو شديد المحالِ .
وقال عليٌّ رضي الله عنه : شديد الأخذ .

وقال ابن عباسٍ رضي الله عنه شديد المحال . وقال الحسن : نشديد الحقدِ .
قالوا : وهذا لايصح للحقد؛ لأن الحقد لا يمكن في حق الله تعالى إلاَّ أنَّه تقدم أنَّ أمثال هذه الكلمات إذا وردت في حقِّ الله تعالى فإنَّها تحمل على نهايات الأغراض لا شعلى مبادي الأعراض ، فيكون المراد بالحقد ههنا : هو أنه تعالى يريد إيصال الشَّر إليه ، مع أنه أخفى عنه تلك الإرادة .
وقال مجاهدٌ : شديد القوَّة . وقال أبو عبيدة : نشديد العقوبة .
وقيل : شديد المكرِ ، والمحال ، والمماحلة ، والمماكرة ، والمغالبة .
واختلفوا في ميمه : فالجمهور على أنَّها أصلية من المحل ، وهو المكر ، والكيد ، وزنها فعال : كمِهَاد .
وقال القتبيُّ : إنَّه من الحيلةِ ، وميمه مزيدة ، ك « مكان » من الكون ، ثم يقال : تمكنت ، وقد غلَّطه الأزهريُّ ، وقال : لو كان : « مِفْعَلاً » من الحيلة لظهرت الواو ، مثل : مرودةٍ ، ومحولٍ ، ومحودٍ . وقرأ الأعرج والضحاك بفتحها والظاهر أنه لغة في المكسورة ، وهو مذهب ابن عباس رضي الله عنه فإنه فسره بالحول كما تقدم ، وفسره غيره : بالحيلة .
وقال الزمخشري : « وقرأ الأعرج بفتشح الميم على أنه مفعل من : من حال يحول محالاً إذا احتال ، ومنه : » أحْوَل مِنْ ذئْبٍ « أي : أشد حيلة ، ويجوز أن يكون المعنى شديد الفقار ، ويكون مثلاً في القوة ، والقدرة كما جاء : فساعد الله أشد ، وموساه أحد؛ لأن الحيوان إذا اشتد محاله كان منعوتاً بشدة القوَّة ، والإضطلاع بما يعجز عنه غيره ألا ترى إلى قولهم : فقَرَتْهُ الفَواقِر ، وذلك أنَّ الفقار عمود الظَّهر ، وقوامه » .
قوله : { لَهُ دَعْوَةُ الحق } من باب إضافة الموصوف إلى صفة ، والأصل له الدعوة الحق ، كقوله { وَلَدَارُ الآخرة } [ يوسف : 109 ] على أحد الوجيهن .
وقال الزمخشري فيه وجهان :
أحدهما : أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيضُ الباطل ، كما يضاف الكلمة إليه في قوله : « كَلمةُ الحَقُّ » .
الثاني : أن تضاف إلى « الحقِّ » الذي هو « لله » على معنى : دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب .
قال أبو حيَّان : « وهذا الوجه الثاني لا يظهر؛ لأنه مآله إلى تقدير : لله دعوة الله ، كما تقول : » لزيد دعوة زيد « ، وهذا التركيب لا يصحُّ » .
قال شهاب الدين : « وأين هذا ممَّا قاله الزمخشريُّ حتى يرد عليه به » ؟ .
فصل
معنى قوله : « دَعْوةُ الحقِّ » ، أي لله دعوة الصدق .
قال عليُّ : دَعْوةُ الحقِّ : التَّوحيد . وقال ابن عباس رضي الله عنه شهادة أن لا إله إلا الله . وقيل : الدُّعاء بالإخلاص عند الخوف ، فإنَّه لا يدعى فيه إلا أياه « ، كما قال : { ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ } [ الإسراء : 67 ] .
قال الماورديُّ : وهو أشبه لسياق الآية؛ لأنه قال : { والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } يعنى الأصنام : { لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } ، أي لا يجيبون لهم دعاء ، ولا يسمعون لهم نداء .

{ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المآء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } . ضرب الله عزَّ وجلَّ الماء مثلاً لما يأتيهم من الإجابة لدعائهم .
قوله : { والذين يَدْعُونَ } يجوز أن يراد ب « الَّذينَ » المشركون ، فالواو في : « يَدعُونَ » عائدة ، ومفعوله محذوف ، وهو الأصنام ، والواو في « لا يستجيبون » عائدة على مفعول « تَدْعَونَ » المحذوف ، وعاد عليه الضمير كالعقلاء لمعاملتهم إيّاه معاملتهم ، والتقدير : والمشركون الذي يدعون الأصنام لا تستجيب لهم الأصنام وإلا استجابة كاستجابة باسط كفيه أي : كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه ، والماء جماد ، ولا يشعر ببسط كفيه ، ولا بعطشه ، ولا يقدر أن يجيبه ، ويبلغ فاه ، قال معناه الزمخشريُّ .
وما ذكره أبو البقاء قريب من هذا ، وقدر التقدير المذكور ، قال : « والمصدر في هذا التقدير مضاف إلى المفعول ، كقوله : { لاَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير } [ فصلت : 49 ] وفاعل هذا المصدر مضمر ، وهو ضمير الماءِ أي : لا يجيبونهم إلا كما يجيب الماء باسط كفيه إليه ، والإجابة هنا كناية عن الانقياد » .
وقيل : ينزلون في قلَّة فائدة دعائهم لآلهتهم منزلة من أراد أن يغرق الماء بيده؛ ليشرب ، فيبسطها ناشراً أصابعه ، ولم تصل كفاه إلى ذلك الماء ، ولم يبلغ مطلوبه من شربه .
قال الفراء : المراد بالماء هاهنا : البئر؛ لأنَّها معدن الماءِ ، ويجوز أن يراد ب « الَّذينَ » الأصنام أي : والآلهة ، والذين يدعونهم من دون الله لا يستجيبون لهم بشيءٍ إلا استجابة ، والتقدير : كما تقدَّم في الوجه قبله .
وإنَّما جمعهم جمع القعلاء؛ إمَّا للاختلاط ، لأنَّ آلهتهم عقلاء وجماد ، وإمَّا لمعاملتهم إيَّاها معاملة العقلاء في زعمهم ، قالوا : الواو في « يَدعُونَ » للمشركين والعائد المحذوف للأصنام ، وكذا واو : « يَسْتَجِيبون » .
وقرأ اليزيديُّ عن أبي عمرو : « تَدْعُونَ » بالخطاب : « كبَاسِطٍ كَفَّيْهِ » بالتنوين وهي مقوية للوجه الثانين ، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره .
قوله : « ليَبْلُغَ » في : « بَاسط » ، وفاعل : « يَبلُغَ » ضمي الماء؟
قوله : { وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } في « هُوَ » ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه ضمير الماءِ ، والهاء في : « بِبَالغِه » للفم ، أي : وما الماء ببالغ فيه .
الثاني : أنه ضمير الفم ، والهاء في « بِبالغِهِ » للماء ، أي : وما الفم ببالغ الماء إذ كل واحد منهما لا يبلغ الآخر على هذه الحالِ ، فنسبةُ الفعلِ إلى كل واحد وعدمه صحيحان .
الثالث : أن يكون ضمير الباسط ، والهاء في : « بِبالغِهِ » للماء ، أي : وما باسط كفيه إلى الماء ببالغ الماء .
ولا يجوز أن يكون « هُوَ » ضمير « البَاسط » ، وفاعل « بِبَالغهِ » مضمراً والهاء في « بِبَالغهِ » للماء؛ لأنَّه حينئذٍ يكون من باب جريان الصِّفة على غير من هي له ، ومتى كان كذلك لزم إبراز الفاعل ، فكان التركيب هكذا : وما هو ببالغ الماء ، فإن جعلنا الضمير في « ببَالغهِ » للماء؛ جاز أن يكون : « هُوَ » ضمير الباسط كما تقدَّم تقريره .

والكاف في « كباسط » إما نعت لمصدر محذوف ، وإما حال من ذلك المصدر ، كما تقدم تقريره .
وقال أبو البقاء : « والكاف في » كَباسطِ « إن جعلتها حرفاً كان فيها ضمير يعودُ على الموصوف المحذوف ، وإن جعلتها اسماً لم يكن فيها ضمير » .
قال شهابُ الدِّين : « وكون الكاف اسماً في الكلام ، لم يقل به الجمهور ، بل الأخفش . ويعني بالموصوف ذلك المصدر ، والذي قدره فيما تقدَّم » .
ثم قال : { وَمَا دُعَآءُ الكافرين } أصنامهم : { إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } يضلّ عنهم إذا احتاجوا إليه ، كقوله تعالى : { وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ } [ فصلت : 48 ] .
وعن ابن عباس رضي الله عنه : { وَمَا دُعَآءُ الكافرين } ربهم : { إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } ؛ لأن أصواتهم محجوبة عن الله عزََّ وجلَّ .
وقيل : { إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } ؛ في ضياع لا منفعة فيه؛ لأنَّ الله لم يجبهم ، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم .
قوله : { وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض } الآية في المراد بهذا السجود قولان :
أحدهما : السجود بوضع الجبهة على الأرض ، وعلى هذا القول ، ففيه وجهان : د
أحدهما : أنَّ اللفظ ، وإن كان عامًّا إلا أنَّ المراد المؤمنون ، فبعضهم يسجدُ لله طوعاً بنشاط ، وبضعهم يسجد لله كرهاً لصعوبة ذلك عليه ، ويتحمل مشقَّة العبادة .
وقيل : المراد بقوله : « طَوعاً » الملائكة ، والمؤمنون ، و « كَرْهاً » المنافقون ، والكافرون الذين أكرهوا على السجود بالسَّيف .
والثاني : أنَّ اللفظ عام .
فإن قيل : ليس المراد : { مَن فِي السماوات والأرض } يسجد لله؛ لأن الكفَّار لا يسجدون .
فالجواب من وجهين :
الأول : أن المعنى أنه يجب على كلٍّ من في السموات ، والأرض أن يعترف بعبودية الله ، كما قال : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ الزمر : 38 ] .
والقول الثاني : أنَّ السُّجود عبارة عن الانقياد ، والخضوع ، وترك الامتناع ، كلُّ من في السموات ، والأرض ساجد لله بهذا المعنى؛ لأنَّ قدرته ، ومشيئته نافذة في الكُل .
قوله : { طَوْعاً وَكَرْهاً } إمَّا معفول من أجله ، وإمَّا حال ، أي : طائعين ، كارهين وإمَّا منصوب على المصدر المؤكد بفعل مضمر .
قوله : { وَظِلالُهُم بالغدو والآصال } قرأ أبو مجلز : والإيصال ، بالياء قبل الصَّاد وخرَّجها ابن جني على أنه مصدر « آصل » ، كضارب ، أي : دخل في الأصيل ، كأصبح أي : دخل في الصَّباح ، و « ظِلالُهمْ » عطف على « من » ، و « بِالغُدوِّ » متعلق ب « يَسْجدُ » والباء بمعنى « فِي » ، أي : في هذين الوقتين .

قال المفسرون : كل شخص سواء كان مؤمناً ، أو كافراً فإنَّ ظله يسجد لله .
قال مجاهد : ظل المؤمن يسجد لله طوعاً ، وهو طائع ، وظل الكافر يسجد لله كرهاً وهو كاره .
وقال الزجاج : « جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغيرِ الله ، وظله يسجد لله » .
وعند هذا قال ابن الأنباري : لا يبعد أن يخلق تعالى للظلال عقولاً ، وأفهاماً تسجد بها ، وتخشع كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيح الله وظهر اسم التجلي فيها ، كما قال تعالى : { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً } [ الأعراف : 143 ] .
قال القشيري رحمه الله : « وفي نظر؛ لأن الجبل عين ، فيمكنُ أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة ، وأمَّا الظلال ، فآثار وأعراض ، ولا يتصور تقدير الحياة لها » .
وقيل : المراد من سجود الظلال [ ميلانها ] من جانب إلى جانب ، وطولها بسبب انحطاطِ الشمس ، وقصرها بسبب ارتفاع الشمس ، وهي منقادة [ مستسلمة ] في طولها ، وقصرها وميلها من جانب إلى جانب ، وإنَّما خص الغدو ، والآصال بالذِّكر؛ لأنَّ الظلال إنما تعظم ، وتكثر في هذين الوقتين « .
و » الآصَال « جمع الأُصُل ، والأُصل : جمع الأصيل ، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس .
وقيل : » ظِلالُهمْ « ، أي : أشخاصهم بالغدو ، والآصال بالبكر والعشايا .

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)

قوله تعالى : { قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والأرض } الآية لما بيَّن أنَّ كل من في السَّموات ، والأرض ساجد لله بمعنى كونه خاضعاً له؟ ، عدل إلى الرَّد على عبدة الأصنام فقال : { قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والأرض قُلِ الله } ولمَّا كان هذا الجواب يقرّ به المسئولُ ويعترف به ، ولا ينكره ، أمره عليه الصلاة والسلام أن يكون هو الذاكر لهذا الجواب تنبيهاً على أنهم لا ينكرونه ألبتَّة .
قال القشيري : « ولا يبعد أن تكون الآية واردة فيمن لا يعترف بالصانع ، أي : سلهم عن خالق السموات والأرض؛ فإنه يسهل تقرير الحجة عليهم ويقربُ الأمر من الضرورة ، فإن عجز الجماد ، وعجز كل مخلوق عن خالق السموات ، والأرض معلوم » ؟
ولما بين الله أنَّه هو الرب لكلِّ الكائنات [ قاله له ] : قل لهم على طريق الإلزام للحجة فلم اتخذتم من دونه أولياء ، وهي جمادات ، وهي لا تملكُ لأنفسها نفعاً ، ولا ضرًّا ، ولما كانت عاجزة عن تحصيل المنفعة [ لأنفسها ، ودفع المضرة عن نفسها ، فلأن تكون عاجزة عن تحصيل المنفعة ] لغيرها ، ودفع المضرة عن غيرها بطريق الأولى ، وإذا كانت عاجزة عن ذلك كانت عبادتها محض العبث ، والسَّفه ، ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أنَّ الجاهل بمثل هذه الحجة لا يساوي العالم بها .
فقال : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظلمات والنور } قرأ الأخوان ، وأبو بكر عن عاصم : « يَسْتَوِي » بالياء من تحت ، والباقون بالتاء من فوق ، والوجهان واضحان باعتبار أن الفاعل مجازي التَّأنيث ، فيجوز في فعله التذكير ، والتأنيث ، كنظائر له مرت . وهذه مثل ضربه اللهُ سبحانه وتعالى للكفَّار؟
قوله : « أمْ هَلْ » هذه أم المنقطعة ، فتقدر ب « بل » ، والهمزة عند الجمهور ، وب « بل » وحدها عند بعضهم ، وقد تقدَّم تحريره ، وهذه الآية قد يتقوى بها من يرى تقديرها ب « بَلْ » فقط بوقوع : « هَلْ » بعدها ، فلو قدَّرناها ب « بَلْ » والهمزة لزم اجتماع حرفي معنى؛ فتقدرها ب « بل » وحدها ، « ولا » تقويةٌ له ، فإن الهمزة قد جامعت : « هَلْ : في اللفظ ، كقوله الشاعر : [ البسيط ]
3173 ... أهَلْ رَأوْنَا بِوادِي القُفِّ ذي الأكَمِ
فأولى أن يجامعها تقديراً .
ولقائل أن يقول : لا نسلم إنَّ : » هَلْ « هذه استفهاميَّة ، بل بمعنى : » قَدْ « ، وإليه ذبله جماعةٌ ، وإن لم تجامعها همزة ، كقوله تعالى : { هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر } [ الإنسان : 1 ] أي : قد أتى ، فههنا أولى ، والسماع قد ورد بوقوع : » هَلْ « بعد : » أم « وبعدمه . فمن الاول هذه الآية ، ومن الثاني : ما بعدها من قوله : » أمْ جَعلُوا « .

وقد جمع الشاعر بين الاستعمالين في قوله : [ البيسط ]
3175 هَلْ مَا عَلمْتَ ومَا اسْتُودعْتَ مكْتومُ ... أمْ حَبْلُهَا إذ نَأتْكَ اليَوْمَ مَصرُومُ
أمْ هَلْ كثيرٌ بَكَى لمْ يَقْضِ عَبرتَهُ ... إثْرَ الأحِبَّة يَوْمَ البَيْنِ مَشْكُومُ
فصل
قوله : { هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير } كذلك لايستوي المؤمن ، والكافر : { أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظلمات والنور } اي كما لا تستوي الظلمات والنور ، لايستوي الكفر ، والإيمان .
قوله : { أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } الجملة من قوله : « خَلقُوا » صفة ل : « شُرَكاءَ » ، { فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ } ، أي : اشتبه ماخلقوه بما خلقه الله عزَّ وجلَّ فلا يدرون ما خلق الله ، وما خلق آلهتهمخ .
والمعنى : أنَّ هذه الأشياء الَّتي زعموا أنها شركاء لله ليس لها خلق يشبه خلق الله حتَّى يقولوا : إنها تشارك الله في الخالقيَّة؛ فوجب أن تشاركه في الإلهيَّة بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة أنَّ هذه الأصنام لم يمصدر عنها فعلٌ ، ولا خلق ، ولا أثر ألبتة ، وإذا كان كذلك كان حكمهم بكونها شركاء لله في الإلهيَّة محض السَّفه ، و الجهل .
فصل
قال ابن الخطيب : « زعمت المعتزلة أنَّ العبد يخلق حركات ، وسكنات مثل الحركات ، والسكنات التي يخلقها الله ، وعلى هذا التقدير : فقد { جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } والله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الذَّم ، والإنكارِ؛ فدلت على أنَّ العبد لا يخلق أفعال نفسه » .
قال القاضي : « نحن وإن قلنا : » إنَّ العبد يخلق إلاَّ أنَّا لا نطلق القول بأنه يخلق كخلق الله؛ لأن أحداً ما يفعل كقدرة الله ، وإنما يفعل لجلب منفعة ، ودفع مضرة ، والله تعالى منزه عن ذلك؛ فثبت أنَّ بتقدير كون العبدِ خالقاً إلا أنَّه لا يكون خلقه كخلق الله ، وأيضاً : فهذا الإلزامُ للمجبرة أيضاً؛ لأنَّهم يقولون عين ما هو خلق الله تعالى فهو كسبٌ للعبد ، وفعلٌ له ، وهذا عين الشرك؛ لأنَّ الإله ، والعبد في ذلك الكسب كالشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا وللآخر فيه أيضاً نصيبٌ ، وهو أنه ، تعالى إنَّما ذكر هذا الكلام عيباً للكفَّار أن يقولوا : إنَّ الله تعالى خلق هذا الكفر فينا؛ فلم يذمنا ، ولم ينسبنا للجهل ، والتقصير ، مع أنه حصل فينا بغير فعلنا ، ولا باختيارنا « .
والجواب عن الأول : هو أنَّ لفظ الخلق عبارة عن الإخراج من العدم إلى الوجود ، أو عبارة عن التقديرين ، وعلى الوجهين : فبتقدير أن يكون العبد محدثاُ ، فإنه لا بد أن يكون حادثاً ، أما قوله : والعبد وإن كان خالقاً إلاَّ أنه ليس خلقه كخلق الله تعالى .
قلنا : الخلق عبارةٌ عن الإيجاج التكوين والإخراج من العدم إلى الوجود ، ومعلومٌ أنَّ الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلاً للحركة الواقعة بقدرة الله تعالى كان أحد المخلوقين مثلاً للمخلوق الثاني ، وحينئذ يصحُّ أن يقال : إنَّ هذا الذي هو مخلوقٌ للعبد مثل لما هو مخلوق لله تعالى ، ولا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات ، إلاَّ أنَّ حصول المخالفة في سائر الوجوه لا يقدح في المماثلة من هذا الوجه ، وهذا القدر يكفي في الاستدلال .

وأما قوله : « هذا لازم على المجبرة حيث قالوا : إنَّ فعل العبد مخولق لله تعالى » .
فنقول : هذا غير لازم؛ لأنَّ هذه الآية [ دالة ] على أنَّه لا يجوز ِأن يكون العبد مثلاً كخلق الله تعالى ونحن لا نثبت للعبد خلقاً ألبتَّة ، فكيف يلزمنا ذلك؟ .
وأما قوله : « لو كان فعل العبد خلقاً لله لما حسن ذمُّ الكفَّار على هذا المذهب » .
قلنا : حاصلة يرجع إلى أنَّه لما حصل الوجود ، وجب أن يكون العبد مستقلاً بالفعل وهنو منقوض؛ لأنَّه تعالى ذمَّ أبا لهب على كفره مع أنَّه علم منه أنَّه يموت على الكفر ، وخلاف المعلوم محال الوقوع .
قوله : { قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الواحد القهار } وهذا يدلُّ على أنَّ فعل العبد مخولق لله تعالى ؛ لأنَّ فعل العبد شيء ، فوجب أن يكون خالقه هو الله تعالى وأيضاً : فقوله : { وَهُوَ الواحد القهار } لا يقال فيه : إنه تعالى واحد في أي المعاني ، بل الواحد في الخالقية؛ لأن المذكور السابق هو الخالقية ، فوجب أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية ، القهار لكل ما سواه .
فصل
زعم جهم أن الله تعالى لا يقع عليه اسم الشيء .
قال الخطيب : « وهذا الخلاف ليس إلا في اللفظ ، وهو أن اسم الشيء هل يقع عليه أم لا؟ فزعم قوم أنهن لا يقع ، وجوّزه قومٌ » .
واحتج المانعون : بأنه لو كان شيئاً لوجب أن يكون خالقاً لنفسه ، لقوله تعالى : { خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [ الزمر : 62 ] وذلك محالٌ؛ فثبت أنه لا يقع عليه اسم الشيء ، ولا يقال : إنَّ هذا عام دخله التخصيص؛ لأنَّ العام المخصوص إنَّما يحسن إذا كان المخصوص أقل من الباقي ، وأحسن منه ، كما يقال : هذه الرُّمَّانة مع أنَّه سقطت حبات ما أكلها ، وههنا ذات الله أعلى الموجودات ، وأشرفها ، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصاً في حقِّه .
واستدلُُّوا أيضاً بقوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشورى : 11 ] ٍ والمعنى : ليس مثل مثله شيء ، ومعلوم أن كل حقيقة [ فإنها ] مثل مثل نفسها ، فالباري تعالى مثل مثل نفسه مع أنه تعالى نصَّ على أنَّ مثل مثله ليس بشيء ، فهذا تنصيصٌ على أنه تعالى غير مسمى باسم الشيءِ .
واستدلُّوا أ يضاً بقوله تعالى :

{ وَللَّهِ الأسمآء الحسنى فادعوه بِهَا } [ الأعراف : 180 ] قالوا : دلَّت على أنه لا يجوز أن يدعى الله إلا بالأسماء الحسنى ، ولفظ الشيء يتناول أحد الموجودات ، فلا يكون هذا اللفظ مشعراً بمعنى حسن؛ فوجب ألاَّ يجو دعاء الله بهذا اللفظ .
وتمسك من جوَّز إطلاق هذه التسمية عليه بقوله تعالى : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } [ الأنعام : 19 ] .
وأجاب الألولون : بأنَّ هذا سؤال متروك الجواب ، وقوله : { قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } [ الأنعام : 19 ] مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله .
فصل
تمسَّك المعتزلة بهذه الآية في أنَّه تعالى عالم لذاته لا بالعلم وقادر لذاته لا بالقدرة ، وقالوا : لأنه لو حصل لله تعالى علم ، وقدرة وحياة لكانت هذه الصفات إمَّا أن تحصل يخلق الله تعالى أو لا تحصل بخلق الله والأول باطل ، وإلا لزم التسلسل ، والثاني باطلٌ؛ لأنََّ قول الله تعالى : { خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [ الزمر : 62 ] يتناول الذات ، والصفات حكمنا بدخول التخصيص في ذات الله تعالى ؛ فوجب أن يبقى على عمومه في سائر الأشياء ، والقرآن ليس هو الله؛ فوجب أن يكون مخلوقاً لدخوله في هذا العموم .
والجواب أن يقال : أقصى ما في الباب أنَّ الصِّيغة عامة؛ لأن تخصيصها في حق صفات الله تعالى بالدلائل العقليَّة .
قوله تعالى : { أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً } الآية لما شبَّه المؤمن والكافر ، والإيمان ، والكفر بالأعمى ، والبصير ، والظلمات ، والنور ، ضرب للإيمان ، والكفر مثلاً آخر فقال : { أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً } « أنْزلَ » يعني الله : { مِنَ السمآء مَآءً } يعني المطر « فَسَالتْ » من ذلك الماء : { أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } أي : في الصغر ، والكبر { فاحتمل السيل } الذي حدث من ذلك الماء : { زَبَداً رَّابِياً } الزّبد : الخبث الذي يظهر على وجه الماء وكذلك على وجه القدر « رَابِياً » أي : عالياً مرتفعاً فوق الماءِ ، فالماءُ الصًّافي الباقي هو الحق ، والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار ، وجوانب الأودية هو الباطل .
وقيل : هذا مثل القرآن : { أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً } وهو القرآن ، والأودية : قلوب العباد ، يريد : ينزل القرآن ، فيحتمل منه القلوب على قدر اليقينِ ، والعقل والشك وكما أنَّ الماء يعلوهُ زيدٌ ، والأجساد يخالطها خبثٌ ، ثمَّ إنَّ ذلك الزبد ، والخبث يذهب ، ويضيع ، ويبقى جوهر الماء ، وجوهر الأجساد السبعة ، كذلك ههنا بيانات القرآن يختلط بها شكوك وشهبات ، ثمَّ إنها تزول بالآخرة وتضيع ويبقى العلم والدين والحكمة في العاقبة كذلك ههنا؟
قوله : « أوْديَةٌ » جمع وادٍ ، وجمع فال على أفعلة ، قال أبو البقاءِ : « شاذٌّ ، ولم نسمعه في غير هذا الحرف . ووجهه : أنَّ فاعلاً قد جاء بمعنى فعيل ، وكما جاء فعيل وأفعلة كَجرِيب وأجْرِبَة كذلك فاعل » .
قال شهابُ الدين : « قد سمع فَاعِلَة ، وأفْعِلَة في حرفين آخرين :
أحدهما : قولهم جَائِر وِأجْوِرَة .
والثاني : نَادجٍ وأنْجِيَة » .

وقال الفارسي : « أودية : جع واد ولا نعلم فاعلاً جمع على أفْعِلَة ، قال : » ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل ، وفعيل على الشيء الواحد ، كعَالِم وعَلِيم ، وشَاهِد وشَهِيد ، ونَاصِر ونَصِير ، ووزن فاعل يجمع على أفعالٍ كصاحب وأصحابٍ ، وطائرْ وأطيارٍ ، [ ووزن ] فعيلٍ يجمع على أفْعِلَة كجَرِيبٍ ، وأجْرِبَة ، ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل ، وفعيل لا جرم يجمع الفاعل جمع العفيل ، فيقال : وادٍ وأودية ، ويجمع الفعيل على جمع الفاعل فيقال : يَتِيمٌ وأيْتامٌ ، وشَرِيفٌ وأشْرافٌ « .
وقال غيره : ن ظير وادٍ ، وأوْدِيَة : نادٍ ، وأنْديَة للمجالس وسمي وادِياً : لخروجه وسيلانه ، والوادي على هذا اسم للماء السَّائل .
وقال أبو علي : » سَالتْ أوْديةٌ « فيه توسع ، أي : يسالُ ماؤها فحذف ، ومعنى » بِقدَرِهَا « أي : بقدر مياهها؛ لأنَّ الأودية ما سالت بقدرِ نفسها » .
قوله : « بِقَدِرهَا » فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلقٌ ب : سَالَتْ « .
والثاني : أنَّه متعلق بمحذوف؛ لأنه صفةٌ للأودية .
وقرأ العامة بفتح الدال ، وزيد بن عليّ ، والأشهب العقيلي ، وأبو عمرو في رواية بسكونها ، وقد تقدَّم في البقرة .
قال الواحدي رحمه الله : القَدْرُ والقَدَر : مبلغ الشَّيء ، يقال : كم قَدْر هذه الدَّراهم وقَدَرُهَا ومِقْدَارُها؟ أي : كم بلغ في القدر وما يكون مساوياً لها في الوزن فهو قَدرُوهَا » .
والمَعنى : بدقرها ، من الماء فإن صغر الوادي قل الماء ، وإن اتَّسع الوادي كثر الماء .
و « احْتَمَلَ » بمعنى حَمَلَ فافتعل بمعنى المجرَّرد ، وإنَّما نكَّر الأودية ، وعرف السيل؛ لأنَّ المطر ينزلُ في البقاع على المناوبة ، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض ، وعرف السي؛ لأنه قد فهم من الفعل قبله ، وهو قوله : « فَسَالَتْ » ، وهو لو نُكِّر لكان نكرة ، فلمَّا أعيد أعيد بلفظ التَّعريف نحو « رَأْتَ رجُلاً فأكْرَمْتُ الرَّجُلَ » .
والزَّبدُ : وضرُ الغليان وخبثه؛ قال النابغة : [ البسيط ]
3176 فَمَا الفُرَاتُ إذا هَبَّ الرِّياحُ لَهُ ... تَرْمِي غَوارِبهُ العِبْرَيْنِ بالزَّبدِ
وقيل : هو ما يحمله السِّيل من غثاءٍ ونحوه ، وما يرمى به ضَفَّتاه من الحباب ، وقيل : هو ما يطرحه الوادي إذا [ سال ] ماؤه ، وارتفعت أمواجه ، وهي عباراتٌ متقاربةٌ .
والزَّبدُ : المستخرج من اللَّبن . قيل : هو مشتقٌّ من هذه لمشابهته إيَّاه في اللون ، ويقال : زبدته زبداً ، أي : أعطيته مالاً كالزَّبدِ يضرب به المثل في الكثرةِ ، وفي الحديث : « غُفِرتْ ذُنوبهُ ، ولوْ كَانتْ مِثْلَ زَبدِ البَحْرِ » .
وقوله تعالى : « رَابِياً » قال الزجاج : طافياً عالياً فوق الماءِ « .
وقال غيره : زائداً بسب انتفاخه ، يقال : رَبَا يربُوا إذا زاد .
قوله { وَمِمَّا يُوقِدُونَ } هذا الجار خير مقدم ، و » زَبدٌ « مبتدأ ، و » مثْلُهُ « صفة المبتدأ ، والتقدير : ومن الجواهر التي هي كالنُّحاسِ ، والذهب ، والفضة زبد ، أي : خبثن مثله ، أي : » مِثْل زبدِ الماءِ « .

و « مِنْ » في قوله : { وَمِمَّا يُوقِدُونَ } تحتمل وجهين :
[ أحدهما ] : أن تكون لابتداء الغاية ، أي : ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماءِ .
والثاني : أنَّها للتبعيض بمعنى : وبعض زبد ، هذا مثل آخر .
فالأول : ضرب المثل بالزَّبد الحاصل من المثال ، ووجه المماثلة : أنَّ كلاَّ منهما ناشىء من الأكدار .
وقرأ الأخوان ، وحفص : « يُوقدُون » بالياء من تحت ، أي : النَّاس ، والباقون بالتاء من فوق على الخطاب ، و « عَليْهِ » متعلق ب : « تُوقِدُونَ » .
وأمَّا « فِي النَّار » ففيه وجهان :
أحدهما : أنَّه متعلق ب « تُوقِدُونَ » وهو قول الفارسي ، والحوفي ، وأبي البقاء .
والثاني : أنه متعلقٌ بمحذوف ، أي : كائناً ، أو ثابتاً ، قاله مكيٌّ ، وغيره ومنعوا تعلُّقه ب « يُوقِدُونَ » ؛ لأنهم زعموا أنَّه لا يوقد على الشَّيء إلا وهو في النَّار ، وتعليق حرف الجر ب « تُقِدُونَ » يقتضي تخصيص حال من حال أخرى ، وهذ غيرُ لازمٍ .
قال أبو علي رحمه الله تعالى : وقد يُوقَدُ على الشَّيء ، وِإن لم يكن في النَّار ، كقوله تعالى : { فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين } [ القصص : 28 ] فالطينُ لم يكن [ فيها ] ، وإنَّما يصيبه لهبها ، وأيضاً : فقد يكون ذلك على سبيل التَّوكيد ، كقوله تعالى : { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] . والمراد بالحيلةِ : الذهب ، والفضة ، والمتاع : كل ما يتمتع به .
قوله : « ابْتِغاءَ حِليَةةٍ » فيه وجهان :
أظهرهما : أنه مفعول من أجله .
والثاني : أنه مصدر في موضع الحالِ ، أي : مبتغين حلية ، و « حِليَةٍ » مفعولٌ [ في ] المعنى ، « أوْ مَتاعٍ » نسق على « حِيلْيةٍ » .
فالحِليَةُ : ما تتزين به . والمتَاعُ : ما يقضون به حوائجهم كالمساحي من الحديد ونحوها .
قوله : « جُفَاءً » حالٌ ، والجفاء : قال ابن الأنباري : المتفرق ، يقال : جفأتِ الرِّح السَّحاب ، أي : قطعته وفرقته ، وقال الفراء : الجفاءُ : الرَّمي ، والاطراحُ .
يقال : جَفَا الوادي ، أي : غُثَاءه يجفوهُ : جفاءً ، إذا رماه ، والجفاء اسم للمجتمع منه [ المنضمّ ] بعضه إلى بعض ، ويقال : جفَأتِ القِدرُ بزُبْدِهَا تَجْفَأ ، وحفاءُ السَّيل : زبده ، وأجْفَأ وأجْفَلَ وباللام قرأ رؤبة بن العجاج .
قال أبو حاتم : لا يقرأ بقراءة رؤبة؛ لأنَّه كان يأكل الفأر ، يعني أنه أعرابي جاف وقد تقدم ثناء الزمخشري عليه أوَّل البقرة ، وذكروا فصاحته ، وقد وجَّهوا قراءته بأنها من أجفأت الرِّح الغيم ، أي : فرقته قطعاً ، فهي في المعنى كقراءة العامة بالهمزة .
وفي همزة « جَفَأ » وجهان :
أظهرهما : أنها أصل لثبوتها في تصاريف هذه المادة .
والثاني : أنه بدل من واو ، وكأنه مختار أبي البقاء .
وفيه نظر؛ لأن مادة « جَفَا يَجْفُو » لا يليقُ معناها ، والأصل : عدم الاشتراك .
فصل
المعنى : أنَّ الباقي الصَّافي من هذه الجواهر مثل الحق ، والزَّبد الذي لا ينتفعُ به مثل الباطل ، فأمَّا الزَّبد الذي علا السيل والفلز ، فيذهب جفاء ، أي : ضائعاً باطلاً ، والجفاء ، ما رمى به الوادي من الزَّبد ، والقدر إلى جنباته .

والمعنى : أنَّ الباطل ، وإن علا في وقت فإنه يضمحلُّ ، ويبقى الحق ظاهراً لا يشوبه شيء من الشُّبهات .
قوله : { كذلك يَضْرِبُ الله } الكاف في محل نصب ، أي : مثل ذلك الضَّرب يضربُ .
قيل : إنَّما تمَّ الكلام عند قوله : { كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال } ثم استأنف الكلام بقوله تعالى : { لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى } وملحه الرفع بالابتداء ، و « للذين » خبره ، وتقديره : لهم الخصلة الحسنى ، أو الحالة الحسنى .
وقيل : متصل بما قبله ، والتقدير : كأنه الذي يبقى ، وهو مثل المستجيب ، والذي يذهب جفاء مثل الذي لا يستجيب ، ثمَّ بين الوجه في كونه مثلاً ، أي : لمن يستجيب « الحُسْنَى » وهي الجنَّة ، ولمن لا يستجيب الحسرة والعقوبة .
وفيه وجه آخر : وهو أنَّ التقدير : كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الحسنى ، أي : الاستجابة الحسنى .
واعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أحوال السعداء ، وأحوال الأشقياء ، أما أحوال السعداء ، فهي قوله جل ذكره : { لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى } ، أي : أنَّ الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد ، والتزام الشرائع ، فلهم الحسنى .
قال ابن عبَّاس : « الحُسْنَى » الجنَّة .
وأمَّا أحوال الأشقياء ، فهي قوله عزَّ وجلَّ : { والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } ، أي لبذلوا ذلك يوم القيامة افتداءً من النار .
قوله : { لِلَّذِينَ استجابوا } فيه وجهان :
أحدهما : أنَّه متعلقٌ ب « يَضْرِبُ » ، وبه بدأ الزمخشري قال : « أي : كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا؛ وللكافرين الذين لم يستجيبوا ، و » الحُسْنَى « صفة لمصدر » اسْتَجَابُوا « ، أي : استجابوا الاستجابة الحسنى ، وقوله { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض } كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين » .
قال أ بو حيان : « والتفسير الأول أولى » يعني به أن « لِلَّذينَ » خبرٌ مقدمٌ و « الحُسْنَى » متبدأ مؤخَّر كما سيأتي .
إيضاحه قال : « لأن فيه ضرب الأمثال غير مقيد بمثل هذين ، والله تعالى قد ضرب أمثالاً كثيرة في هذهي وفي غيرهما؛ ولأنَّ فيه ذكر ثواب المتسجيبين بخلاف قول الزمخشري ، فكما ذكر ما لغير المستجيبين من العقاب ذكر للمستجيبين من الثواب؛ ولأن تقديره : الاستجابة الحسنى مشعرٌ بتقييد الاستجابةِ وما قبلها ليس نفي الاستجابة مطلقاً ، إنما مقابلها نفي الاستجابة الحسنى ، والله سبحانه وتعالى قد
نفى الاستجابة مطلقاً ، ولأنه على قوله يكون قوله : { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً } كلاماً مفلتا ممَّا قبله ، أو كالمفلتِ ، إذ يصير المعنى : كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين ، والكافرين لو أنَّ لهم ما في الأرض ، فلو كان التركيب بحذفِ رابط » لو « بما قبلها زال التفلت ، وأيضاً : فتوهم الاشتراك في الضمير ، وإن كان تخصيص ذلك بالكافرين معلوماً » .

قال شهاب الدين : « قوله : » لأن فيه ضرب الأمثال غير مقيَّد « ليس ف يقول الزمخشري ما يقتضي التّقييد ، وقوله : لأن فيه ذكر ثواب المستجيبين إلى آخر ما ذكره الزمخشري أيضاً . على أن يؤخذ من فحواه ثوابهم ، وقوله : » والله تعالى نفي الاستجابة مطلقاً « ممنوع ، بل نفى تلك الاستجابة الأولى لا يقال : فثبتت لنا استجابة غير حسنى؛ لأنَّ هذه الصفة لا مفهوم لها ، إذ الواقع أنَّ الاستجابة لله لا تكون إلا حسنى .
وقوله : » يصيرُ مُفْلتاً « كيف يكون مع قولِ الزمخشريِّ مبتدأ في ذكر ما أعدَّ لهم ، وقوله » وأيضاً فيتوهَّم الاشتراك « كيف يتوهّم هذا بوجه من الوجوه؟ وكيف يقول ذلك مع قوله : وإن كان تخصيصُ ذلك بالكافرين معلوماً؟ فإذا علم كيف يتوهَّم؟ » .
والوجه الثاني : : أن يكون « لِلَّذينَ » خبراً مقدماً ، والمبتدأ « الحُسْنَى » ، و { والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ } مبتدأ ، و خبره الجملة الامتناعيَّة بعده .
وإنَّما خصَّ بضرب الأمثال الذين استجابوا لانتفاعهم دون غيرهم ومفعول « افتَدَوا » محذوف ، تقديره : لا فتدوا به أنفسهم ، أي : جعلوه فداء أنفسهم من العذاب ، والهاء في « بِهِ » عائد إلى : « مَا » في قوله : « مَافي الأرضِ » .
ثم قال : { أولئك لَهُمْ سواء الحساب } .
[ قال الزجاج : وذلك لأن كفرهم أحبط أعمالهم .
وقال إبراهيم النخعي رضي الله عنه : سوء الحساب ] أن يحاسب الرجل بذنبه كله ، ولا يغفر له منه شيء « ومَأوَاهُمٍ » في الآخرة : { جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المهاد } والفراشُ ، أي : بئس ما مهد لهم .

أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)

قوله تعالى : { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق } الآية قد تقدَّم تقرير القولين في « أفَلمْ » وهو نظيرُ « أفَمَنْ » ، ومذهب الزمخشريِّ فه بعد هنا .
والمعنى : أنَّ العالم بالشَّيء كالبصير ، والجاهل به كالأعمى ، وليس أحدهما كالآخر ، لأن الأعمى إذا مشى من غير قائدٍ ، فرُبَّما وقع في المهالك ، أو أفسد ما كان في طريقهن من الأمتعة النافعة ، وأمَّا البصير ، فإنه يكون آمناً [ الهلاك ] ، والإهلاك .
قيل : نزلت في حمزة ، وأبي جهلٍ ، وقيل : في أبي عمَّار ، وأبي جهلٍ ، فالأوَّل حمزة ، أو عمَّار ، والثاني : أبو جهل ، وهو الأعمى ، أي : لا يستوي من من يبصر الحق ويتبعه ، ومن لا يبصره ، ولا يتبعه . { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ } يتعظ { أُوْلُواْ الألباب } ذوو العقول .
{ الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله } بما أمرهم به ، وفرضه عليهم ، ولا يخالفونه . ويجوز أن يكون قوله : { الذين يُوفُونَ } صفة ل « أولي الألباب » ، ويجوز أن يكون صفة لقوله عز وجل : { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق } .
وقيل : { الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله } مبتدأ : و { أولئك لَهُمْ عقبى الدار } خبره لقوله تعالى : { والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله } [ الرعد : 25 ] أولئك لهم اللعنة . وهذه الآية من أوَّلها إلى آخرها جملة واحدة شرطيَّة ، وشرطها مشتملٌ على قيودٍ .
القيد الأول قوله : { الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله } قال ابن عباسٍ رضي الله عنه : يريد الذين عاهدهم حين كانوا في صلب آدم صلوات الله وسلامه عليه : { وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى } [ الأعراف : 32 ] وقيل : المراد ب « عَهْدِ اللهِ » كل أمرٍ قام الدليل على صحَّته .
والقيد الثاني : قوله سبحانه : { وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق } ، وهذا قريبٌ من الوفاء بالعهد؛ فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق؛ فهما متلازمان .
وقيل : الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه من الطاعات كالنذر ، والوفاء بالعهد ما كلف العبد به ابتداء .
وقيل : الوفاءُ بالعهدِ : عهد الربوبيَّة ، والعبودية ، والمراد بالميثاق : المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية على وجوب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره .
وقيل : المراد من الوفاء بالعهد : أن لا يغدر فيه ، قال عليه أفضل الصلاة والسلام : « مَنْ عَاهدَ اللهَ فَغَدرَ كَانَ فِيهِ خَصْلةٌ مِنَ النِّفاقِ » .
القيد الثالث : قوله تعالى : { والذين يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } .
قيل : أراد به الإيمان بجميع الكتب والرسل ، و : { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ } [ البقرة : 285 ] .
وقال الأكثرون : المراد صلة الرَّحم .
فِإن قيل : الوفاء بالعهد ، وترك نقض الميثاقِ اشتمل على وجوب الإتيان بجميع المأمورات ، والاحتراز عن كل المنهيات . فما الفائدة في ذكر هذه القيود بعدهما؟
فالجواب من وجهين :
[ الأول ] : ذكر ذلك لئلا يظنَّ طانٌّ أنَّ ذلك ، فيمابينهن ، وبين ربه ، فلا جرم أفرد ما بينه ، وبين العباد ، بالذكر .

والثاني : أنه تأكيدٌ ، وفي [ تفسير ] هذه الصِّلة وجوه :
أحدهما : صلة الرَّحم ، قال صلوات الله وسلامه عليه حاكياً عن ربِّه عز وجل أنا الرَّحمنُ ، وهِيَ الرَّحمُ شققتُ لها اسماً من اسْمِي فمنْ وصلها وصلتهُ ومن قَطهَا [ قَطَعْتُهُ ] قال تعالى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ } [ محمد : 22 ] .
وقال صلى الله عليه وسلم : « ثَلاثَةٌ يَأتِينَ يَوْمَ القِيامة لها ذَلَق : تأتي الرَّحِمُ تقول : أيْ ربِّ قُطِعْتُ ، والأمَانَةُ تقول : أي ربِّ تُركت ، والنِّعمة تقول : أي ربِّ كُفِرْتُ » .
وثانيها : المراد صلة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ومؤازرته ونصرته في الجهادِ .
وثالثاً : رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد ، فيدخل فيه صلة الرَّحم ، وأخوة الإيمان قال تعالى : { إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ويدخل في هذه الصلة أيضاً إمدادهم بالخيرات ، ودفع الآفات بقدر الإمكان ، وعيادة المرضى ، وشهود الجنائز ، وإفشاء السلام والتبسم في وجوههم ، وكف الأذى عنهم ، ويدخل فيه كل حيوان حتى الهرة ، والدجاجة .
القيد الرابع : قوله : « وَخْشَوْنَ ربَّهُمْ » معناه : أنَّ العبد ، وإن قام بكُلِّ ما جَاءَ عليه من تعظيم الله ، والشفقة على خلق الله إلا أنه لا بد من وأن تكون الخشية من الله عز وجل والخوف منه مستويان .
والفرق بين الخشية ، والخوف : أنَّ الخشية أن تخشى وقوع خلل إمَّا بزيادةٍ ، أو نقصٍ فيما يأتي به ، والخوفُ : هو مخافة الهيبة والجلال .
القيد الخامس : قوله عز وجل : { وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ } .
وهذا القيد هو المخافة من سوءِ الحسابِ ، وهو خوف الجلال ، والعظمة ، والمهابة ، وإلا لزم التكرار .
القيد السادس : قوله تعالى : { وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ } .
قال ابن عبَّاسِ رضي الله عنهما : « عَلى أمْرِ اللهِ » . وقال عطاء : « على المصائب » . وقيل : على الشَّهوات .
واعلم أنَّ العبد قد يصبر لوجوه :
إما أن يصبر ليقال : ما أصبره ، وما أشد قوته على تحمل النَّوائب .
وإما أن يصبر لئلا يعاب على الجزع .
وإما أن يصبر لئلا تحصل شماتة الأعداء ، وإما أن يصبر لعلمه أنَّ الجزع لا فائدة فيه .
فإذا كان أتى بالصَّبر لأحد هذه الوجوه ، لم يكن داخلاً في كمالِ النفس ، أمَّا إذا صبر على البلاء لعلمه أن البلاء قسمة القاسم الحكيم العلام المنزه عن العبث ، الباطل ، والسَّفه وأنَّ تلك القسمة مشتملةٌ على حكمةٍ بالغةٍ ، ومصلحةٍ راجحةٍ ، ورضي بذلك؛ لأنَّه لا اعتراض على المالك في تصرُّفه في ملكه ، فهذا هو الذي يصدق عليه أنه صبر ابتغاء وجه ربه؛ لأنه صبر لمجرَّد طلب رضوان الله .
القيد السابع : قوله تعالى : { وَأَقَامُواْ الصلاة } واعلم أنَّ الصَّلاة ، والزَّكاة ، وإن كانتا داخلتين في الجملة الأولى ، إلاَّ أنه تعالى أفردهما بالذِّكر تنبيهاً على كونهما أشرف سائر العبادات ، ولا يتمنع دخول النَّوافل فيه أيضاً .

القيد الثامن : قوله تعالى : { وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } قال الحسنُ رضي اكلله عنه : المراد الزكاة المفروضة فِإن لم يتَّهم بتركها أدَّاهَا سرًّا ، وإن اتهم بتركها فالأولى أداؤها في العلانية . وقيل : السرُّ : ما يؤديه بنفسه ، والعلانية : ما يؤديه إلى الإمام .
وقيل : العلانية : الزكاة ، والسر : صدقة التَّطوع .
القيد التاسع : قوله تعالى : { وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة } قيل : إذا أتوا المعصية ، درءوها ، أو دفعوها بالحسنة .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : « يدفعون بالصَّالح من العمل السيّىء من العمل ، وهو معنى قوله تعالى : { إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات } [ هود : 14 ] .
وقال صلوات الله وسلامه عليه لمعاذ بن جبلٍ رضي الله عنه : » إذا عَملْتَ سَيِّئةً فاعْمَلْ بِجَنْبهَا حَسَنةً تَمْحُهَا ، السِّرُّ بالسِّرِّ ، والعَلانيةُ بالعَلانِيَة « .
وقيل : لا تقابلوا الشَّر بالشَّر ، بل قابلوا الشَّر بالخير ، كما قال تعالى : { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً } [ الفرقان : 72 ] { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } [ الفرقان : 63 ] قال الحسن : إذا حرموا أعطوا ، وإذا ظلموا عفوا ، وإذا قطعوا وصلوا .
قال عبدالله بن المبارك رضي الله عنه : » فهذه ثماني خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنَّة « .
واعلم أنَّ هذه القيود هي القيودُ المذكورة في الشَّرط ، وأمَّا القيودُ المذكورة في الجزاء ، فهي قوله تعالى : { أولئك لَهُمْ عقبى الدار } ، أي عاقبة الدار ، وهي الجنَّة .
قال الواحديُّ : » العُقْبَى كالعاقبة ، ويجوز أن يكون مصدراً كالشُّورى والقُربى والرُّجعى ، وقد يجيء مثل هذا أيضاً على « فَعْلَى » كالنَّجْوى والدَّعوى وعلى « فِعْلَى » كالذِّكرى والضِّيزى ، ويجوز أن يكون اسماً وهو هاهنا مصدر مضاف إلى الفاعل ، والمعنى : أولئك لهم أن تعاقب أحوالهم الدار التي هي الجنة « .
قوله : » أؤْلئِكَ « مبتدأ ، و » عُقْبَى الدَّارِ « يجوز أن يكون مبتدأ خبره الجار قبله والجملة خبر » أوْلئِكَ « ، يجوز أن يكون » لهم « خبر » أولئك « و » عقبى « فاعل بالاستقرار . قوله : » جنات عدن « يجوز أن يكون بدلاً من » عُقْبَى « وأن يكون بياناً ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر ، وأن يكون متبدأ خبره » يَدْخُلونهَا « .
وقرأ النخعي : » جَنَّة « بالإفراد ، وتقدم الخلاف في { يَدْخُلُونَهَا } [ الرعد : 13 ] والجملة من » يَدْخُلونَهَا « تحتمل الاستئناف أو الحالية المقدرة .
قوله : » ومَنْ صَلَحَ « يجوز أن يكون مرفوعاً عطفاً على الواو ، وأغنى الفصل بالمفعول عن التأكيد بالضمير المنفصل ، وأن يكون منصوباً على المفعول معه ، وهو مرجوح .
وقرأ ابن أبي عبلة » صَلُحَ « بضم اللام ، وهي لغة مرجوحة .
قوله : { مِنْ آبَائِهِمْ } في محل الحال من » مَنْ صَلَحَ « و » مِنْ « لبيان الجنس .

وقرأ عيسى الثقفي : « ذُرِّيتَهُم » بالتوحيد؟
فصل
قوله تعالى : { جَنَّاتُ عَدْنٍ } هو القيد الثاني ، وقد تقدم الكلام في { جَنَّاتُ عَدْنٍ } عند قوله { وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ } [ التوبة : 72 ] .
والقيد الثالث : هو قوله « ومَنْ صَلَحَ » قال ابن عباس : يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعلم مثل أعمالهم .
وقال الزجاج : « بين تعالى أن الأنتساب لا تنفع إذا لم يحصل معه أعمال صالحة » ، بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصاحلة .
قال الواحدي : « والصحيح ما قاله ابن عباس؛ لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله في الجنة ، وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع ، الآتي بالأعمال الصالحة ، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ، فلا فائدة في الوعد به ، إذ كل من كان صالحاً في عمله فهو يدخل الجنة » .
قال ابن الخطيب : « وهذه الحجة ضعيفة؛ لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سروراً وبهجة ، فإذا بشر الله المكلف أنه إذا دخل الجنة يجد أباه وأولاده ، فلا شك يعظم سروره بذلك وهذا الذي قاله وإن كان فيه مزيد سرور ، لكنه إذا علم أنهم إنما دخلوا الجنة إكراماً له كان سروره أعظم وبهجته أتم » .
قوله : « وأزْوَاجُهُمْ » ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة ، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه ، قاله ابن الخطيب .
وفيه نظر؛ لأنه لو مات عنها فتزوجت بعده غيره لم تكن من أزواجه ، بل الأولى أن يقال : إن من ماتت في عصمته فقط .
والقيد الرابع : { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ } [ قيل : من أبواب الجنة ، وقيل : من أبواب القصور ، وقال الأصم : من كل باب ] من أبواب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ، يقولون : نعم ما أعقبكم الله بهذه الدار .
فصل
تمسّك بعضهم بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر فقال : ِإنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والإكرام والتعظيم والسلام ، فكانوا أجل مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم موجباً علو درجتهم وشرف مراتبهم ، ألا ترى أن من عاد من سفره أو مرضه فعاده الأمير والوزير والقاضي والمفتي فتعظم درجته عند سائر الناس فكذا هاهنا .
قوله : { سَلاَمٌ عَلَيْكُم } الآية قال الزجاج : « ههنا محذوف تقديره والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ويقولون : سلام عليكم ، فأضمر القول ههنا؛ لأن في الكلام دليلاً عليه والجملة محكية بقول مضمر والقول المضمر حال من فاعل » يَدخُلون « أي يدخلون قائلين . قوله » بِمَا صَبرْتُمْ « متعلق بما تعلق به » عَلَيْكُمْ « .

قال ابن الخطيب : متعلق بمحذوف ، أي : أن هذه الكرامات التي ترونها إنما حصلت بصبركم و « ما » مصدرية ، أي : سبب صبركم ، ولا يتعلق ب « سَلامٌ » ، لأنه لا يفصل بين المصدر ومعموله بالخبر قاله أبو البقاء .
وقال الزمخشري : « ويجوز أن يتعلق ب » سَلامٌ « أي : نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم » .
ولما نقله عنه أبو حيان لم يعترض عليه بشيء . والظاهر أنه لا يعترض عليه بما تقدم لأن ذلك في المصدر المؤول بحرف مصدري وفعل هذا المصدر ليس من ذلك ، والباء إما سببية كما تقدم ، وإما بمعنى بدل أي : بدل صبركم ، أي : بما احتملتم مشاق الصبر؟
وقيل : « بمَا صَبَرتُم » خبر مبتدأ مضمر ، أي : هذا [ الثواب ] الجزيل بما صبرتم .
وقرأ الجمهور : « فَنِعْمَ » بكسر النون وسكون العين ، وابن يعمر بالفتح والكسر وقد تقدم أنها الأصل؛ كقوله : [ الرمل ]
3177 .. نَعِمَ السَّاعُون في الأمْرِ الشُّطُرْ
وابن وثاب بالفتح والسكون ، وهي تخفيف الأصل ، ولغة تميم تسكين عين فعل مطلقاً والمخصوص بالمدح محذوف ، أي : الجنة .

وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29)

قوله : { والذين يَنقُضُونَ } مبتدأ ، والجملة من قوله { أولئك لَهُمُ اللعنة } خبره ، والكلام في « اللعنة » تقدم في « عُقْبَى الدَّارِ .
ولما ذكر صفة السعداء وما يترتب عليها من الأحوال الشريفة ، ذكر صفة الأشقياء وما يترتب عليها من الأحوال المخزية ، وابتع الوعد بالوعيد فقال عز وجل { والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ } وقد تقدم أن عهد الله ما ألزم عباده مما يجب الوفاء به وهذا في الكفار ، والمراد من نقض العهد : ألا ينظر في الأدلة وحينئذ لا يكون العمل بموجبها أو ينظر ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعمله أو ينظر في الشبهة فيعتقد خلاف الحق ، والمراد من قوله : » مِن بَعْدِ ميثاقهِ « أن وثق الله تلك الأدلة وأحكامها .
فإن قيل : العهد لا يكون إلا مع الميثاق ، فما فائدة اشتراطه بقوله : { مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ } ؟ .
فالجواب : لا يمتنع أن يكون المراد بالعهد هو ما كلف العبد به والمراد بالميثاق الأدلة؛ لأنه تعالى قد يؤكد [ العهد ] بدلائل أخر سواء كانت تلك المؤكدات دلائل عقلية أو سمعية .
ثم قال { وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } فيدخل فيه قطع كل ما أوجب الله وصله مثل : أن يؤمنوا ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض ، ويقطعون وصل الرسول بالموالاة والمعاونة ، ووصل المؤمنين ووصل الأرحام وسائر ما تقدم .
ثم قال : { وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض } إما بالدعاء إلى غير دين اكلله وإما بالظلم كما في النفوس والأموال وتخريب البلاد ثم قال : { أولئك لَهُمُ اللعنة } وهي الإبعاد من خيري الدنيا والآخرة { وَلَهُمْ سواء الدار } وهي جنهم .
قوله { الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ } الآية لما حكى عن ناقضي العهد في التوحيد والنبوة بأنهم ملعونين ومعذبون في الآخرة فكأنه قيل : لو كان أعداء الله لما أنعم عليهم في الدنيا؟ فأجاب الله تعالى عنه بهذه الآية وهو أنه تعالى يبسط الرزق على البعض ، وبسط الرزق لا تعلق له بالكفر والإيمان ، فقد يوجد الكافر موسعاً عليه دون المؤمن ، والدنيا دار امتحان .
قال الواجي : » ومعنى القدر في اللغة : قطع الشيء على مساوة غيره من غير زيادة ولا نقصان « .
وقال المفسرون في معنى » يَقْدرُ « ههنا : يضيق ، لقوله { وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } [ الطلاق : 7 ] ومعناه : أنه يعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شيء .
وقرأ زيد بن علي : » ويَقْدُر « بضم العين .
قوله : » وفَرِحُوا « هذا استئناف إخبار . وقيل : بل هو عطف على صلة » الذين « قبل .
وفيه نظر؛ من حيث الفصل بين أبعاض الصلة بالخبر ، وأيضاً : فإن هذا ماض وما قبله مستقبل ولا يدعي التوافق في الزمان إلا أن يقال : المقصود استمرارهم بذلك أو أن الماضي متى وقع صلة صلح [ للماضي ] والاستقبال .

قوله « فِي الآخِرَةِ » ، أي في جنب الآخرة .
« إلاَّ مَتاعٌ » وهذا الجار في موضع الحال تقديره : وما الحياة القريبة الكائنة في جنب الآخرة إلا متاع ولا يجوز تعلقه بالحياة ولا بالدنيا لأنهما لا يقعان إلا في الآخرة .
ومعنى الآية : أن [ مشركي ] مكة أشروا وبطروا ، والفرح : لذة في القلب بنيل المشتهى وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام محال { وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ مَتَاعٌ } أي قليل ذاهب .
قوله : { وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ } ألآية اعلم أن كفار مكمة قالوا : يا محمد فأجابهم الله بقوله { إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } .
وبيان كيفية هذا الجواب من وجوه :
أحدها : كأنه يقول : إن الله أنزل عليه آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة ، لكن [ الإضلال ] والهداية من الله فأضلهم عن تلك الآيات وهدى إليها آخرين ، فلا فائدة في تكثير الآيات والمعجزات .
وثانيها : أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم ، وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي ظهرت على رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام كانت أكثر من أن تصير مشتبه على العاقل فلما طلبوا بعدها آيات أخر كان في موضع التعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم { إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ } من كان على صنيعكم من التصميم على الكفر فلا سبيل إلى هدايتكم وإن نزلت كل آية : « ويَهْدِي » من كان على خلاف صنيعكم .
وثالثها : لما طلبوا سائر الآيات والمعجمزات فكأنه قال لهم : لا فائدة في ظهور الآيات والمعجزات ، فإن الإضلال والهداية من الله تعالى فلو حصلت الآيات الكثيرة ولم تحصل الهداية من الله فإنه لم يحصل الانتفاع بها .
ورابعها : قال الجبائي : المعنى : أنه يضل من يشاء عن رحمته وثوابه عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم الإضلال عن الثواب { ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } ، أي : يهدي إلى جنته من [ تاب ] وآمن . قال : وهذا يبين أن الهدى هو الثواب من حيث إنه عقبه بقوله : « من أناب » ، أي : من تاب .
والهدى الذي يفعله بالمؤمن هو الثواب؛ لأنه يستحقه على إيمانه وذلك يدل على أنه تعالى إنما يضل عن الثواب بالعقاب لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا هذا تمام كلام الجبائي .
والضمير في « إليه » عائد على الله ، أي : إلى دينه وشرعه . وقيل على الرسول صلوات الله وسلامه عليه . وقيل : على القرآن .
قوله : { الذين آمَنُواْ } يجوز فيه خمسة أوجه :
أحدها : أن يكون مبتدأ خبره الموصول الثاني وما بينهما اعتراض .

الثاني : أنه بدل من « مَنْ أنَابَ » .
والثالث : أنه عطف بيان له .
الرابع : أنه خبر مبتدأ مضمر .
الخامس : أنه منصوب بإظمار فعل .
فصل
قال ابن عباس رضي الله عنهما : إذا سمعوةا القرآن خشتع قلوبهم واطمأنت .
فإن قيل : أليس قال في سورة الأنفال : { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [ الأنفال : 2 ] والوجل ضد الاطمئنان ، فكيف وصفهم هنا بالاطمئنان؟ .
فالجواب من وجوه :
أحدها : أ ، هم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا أن [ يقربوا ] المعاصي فهناك الوجل وإذا ذكروا ما وعد الله به من الثواب والرحمة سكنت قلوبهم ، فإن أحد الأمرين لا ينافي الآخر؛ لأن الوجل هو بذكر العقاب والطمأنينة بذكر الثواب .
وثانيها : أن المراد أن يكون القرآن معجزاً يوجب حصو الطمأنينة لهم في كون محمد صلى الله عليه وسلم نبياً حقاً من عند الله ، ولما شكوا في أنهم أتوا بالطاعات كاملة فيوجب حصول الوجل في قلوبهم .
وثالثها : أنه حصل في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعات الموجبة للثواب أم لا؟ وهل احترزوا عن المصعية الموجبة للعقاب أم لا؟ .
وقيل : الوجل عند ذكر الله : الوعيد والعقاب ، الطمأنينة عند ذكر الله عزّ وجل : الوعد والثواب ، فالعقاب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه ، وتطمئن إذا ذكرت فضل الله وكرمه { أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } تسكن قلوب المؤمنين ويستقر فيه اليقين .
قال ابن عباس رحمه الله : « هذا في الحلف ، يقول : إذا حلف السملم بالله على شيء تسكن قولب المؤمنين إليه » .
قوله { بِذِكْرِ الله } يجوز أن يتعلق ب « تَطْمئِنُّ » فتكون الياء سببية ، أي : بسبب ذكر الله .
وقال أبو البقاء : ويجوز أن مفعولاً به ، أي : الطمأنينة تحصل لهم بذكر الله .
الثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من « قلوبهم » ، أي : تطمئن وفيها ذكر الله .
قوله : { الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } فيه أوجه :
أن يكون بدلاً من « القُلوب » على حذف مضاف أي : قلوب الذين أمنوا وأن يكمون بدلاً من « مَنْ أنَابَ » ، وهذا على قول من لم يجعل الموصول الأول بدلاً من « مَنْ أنَابَ » وإلا كان يتوالى بدلان ، وأن يكون مبتدأ ، و « طُوبَى » جملة خبرية ، وأن تكون خبر مبتدأ مضمر ، وأن يكون منصوباً بإضمار فعل ، والجملة من « طُوبى لَهُمْ » على هذين الوجهين حال مقدرة ، والعامل فيها ءامَنُوا « و » عَمِلُوا : .
قوله « طُوبى لَهُم » وتاو « طُوبَى » منقلبة عن ياء ، لأنها من الطيب وإنما قلبت لأجل الضمة قبلها ، كموسر وموقن من اليسر واليقين واختلفوا فيها ، فقيل : هي اسم مفرد مصدري ، كبُشْرَى ورُجْعَى من طَابَ يطِيبُ .
وقيل : بل هي جميع طيبة ، كما قالوا : كوسى في جمع كيسة ، وضُوقَى في جمع ضِيقَة .

ويجوز أن يقال : طِيبى ، بكسر الباء ، وكذلك الكِيسَى والضِّيقَى . وهل هي اسم شجرة بعينها أو اسم للجنة بلغة الهند أو الحبشة؟ .
وجاز الابتداء ب « طُوبَى » إما لأنها علم لشيء بعينه ، وإما لأنها نكرة في معنى الدعاء ، كسلام عليك ، وويل لك ، كذا قال سيبويه .
وقال ابن مالك رحمه الله : « إنه يلتزم رفعها بالابتداء ، ولا يدخل عليها نواسخه » وهذا يرد عليه : أن بعضهم جعلها في هذا الآية منصوبة بإضمار فعل ، اي : وجعل لهم طوبى ، وقد تأيد ذلك بقراءة عيسى الثقفي « وحُسْنَ مآبٍ » بنصب النون ، قال : إنه معطوف على « طُوبَى » وأنها في موضع نصب .
قال ثعلب : و « طُوبَى » على هذا مصدر ، كما قال : « سقيا » .
وخرج هذه القراءة صاحب اللوامح على النداء ، كيا أسَفَى على الفوت ، يعنى أن « طُوبَى » مضاف للضمير معه واللام مقحمة؛ كقوله : [ البسيط ]
3178 . . ... يَا بُؤسَ لِلجَهْلِ ضَرَّاراً الأقْوامِ
وقوله : [ مجزوء الكامل ]
3178 يَا بُؤسَ لِلحَرْبِ الَّتِي ... وضَعْتْ أرَاهِطَ قاستراحُوا
ولذلك سقط التنوين من « بُؤسَ : كأنه قيل : يا طيبا ، أي : ما أطيبهم وأحسن مآبهم .
قال الزمخشري : » ومعنى « طُوبَى لَكَ » : أصحبت خيراً ، و « طيبا » ومحلها النصب أو الرفع ، كقولك : طيبا لك وطيبٌ لك ، وسلاماً لك وسلام لك والقراءة ف يقوله « وحُسن مَآبٍ » بالنصب والرفع يدل على محلها ، واللام مفي « لَهُمْ » للبيان مثلها في « سقيا لك » فهذا يدل على أنها تتصربف ، ولا يلزم الرمفع بالابتداء .
وقرأ مكوزوة الأعرابي : « طِيبَى » بكسر الطاء لتسليم الياء ، نحو : بيض ومعيشة .
وقرىء : « وحُسْنَ مَآبٌ » بفتح النون ورفع « مآبٌ » على أنه فعل ماض ، أصله حَسُنَ فنقلت ضمة العين إلى الفاء قصداً للمدح ، كقوله : حسن ذا أدب ، و « مَآبُ » فاعله .
فصل
قال ابن عباس رضي الله عنهما : طوبى ، فرح لهم وقرة عين .
وقال عكرمة : نعم ما لهم . وقال قتادة : حسنى لهم .
وقال معمر عن قتادة : هذه كلمة عربية ، يقول الرجل : طوبى لك ، أي : أصبت خيراً .
وقال إبراهيم رحمه الله : خير لهم وكرامة . وقال الفراء : وفيه لغتان : تقول العرب : طوباك ، وطوبى لك ، أي لهم الطيب « وحُسْنَ مَآبٍ » أي : حسن المنقلب .
وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : « طُوبَى : اسم الجنة بالحبشية .
وقال الربيع : البستان بلغة الهند . وقال الزجاج : العيش الطيب لهم وروي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرجاء قالوا : طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان كلها وقيل فيها غير ذلك .

كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30)

قوله : { كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ } الكاف في محل نصب كانظائرها .
قال الزمخشري : « مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعن : إرسالا ً له شأن » .
وقيل : الكاف متعلقة بالمعنى الذي قبله في قوله : { إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } [ الرعد : 27 ] ، أي كما أنفذ الله هذا كذلك أرسلناك .
وقال ابن عطية : « الذي يظهر لي أن المعنى كما أجرينا العادة بأن الله يضل ويهدي لا بالآيات المقترحة فكذلك فعلنا أيضاً في هذه الأمة أرسلناك إليها بوحي لا بأيآت مقترحة » .
وقال أبو البقاء : وكذلك : « الأمر كذلك » فجعلها في موضع رفع .
وقال الحوفي : الكاف للتشبيه في موضع نصب ، أي : كفعلنا الهداية والإضلال والإشارة بذلك إلى ما وصف به نفسه من أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وتكون الكاف للتشبيه .
قال ابن عباس والحسن رضي الله عنهم أي : أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك .
وقيل : كما أرسلنا إلى أمم وأعطيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك [ أعطيناك ] هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم .
قوله : « قَد خَلتْ » جملة في محل جر صفة ل « أمَّة » ، و « لِتَتْلُ » متعهلق ب « أرْسلْنَاك » والمعنى : أنه فسر كيف أرسله فقال : { في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ } أي : أرسلناك في أمة قد تقدمها أمم وهم آخر الأمم وأنت آخر الأنبياء « لتتلو » لتقرأ عليهم الذي أوحينا إليك وهو الكتاب العظيم .
قوله : { وَهُمْ يَكْفُرُونَ } يجوز أن تكون هذه الجملة استئنافية ، وأن تكون حالية والضمير في « وهم يكفُرون » عائد على « أمَّة » من حيث المعنى ، ولو عاد على لفظها لكان التركيب : وهي تكفر .
وقيل : الضمير عائد على « أمَّة » وعلى « أممٍ » . وقيل : عائد على الذين قالوا : « لوْلاَ أنْزِلَ » .
فصل
قال قتادة ومقاتل وابن جريح : الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية وذلك أن سهل بن عمرو لما جاءوا واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح ، فقال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه لعلي كرم الله وجهه : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم . قالوا لا نعرف إلى الرحمن إلا صاحب اليمامة يعنون : مسليمة الكذاب ، اكتب كما كممنت تكتب : باسمك اللهم فهذا معنى قوله : { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن } والمعروف أن الآية مكية ، وسبب نزولها : أن أبا جهل سمع النبي س صلى الله عليه وسلم وهو في الحجر يدعو الله يا رحمن فرجع إلى المشركين ، وقال : إن محمداً يدعو إلهين : يدعو الله ويدعو الرحمن إلهاً آخر يسمى الرحمن ، ولا نعرف الرحمن إلاّ رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية ، ونزل قوله تعالى :

{ قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسمآء الحسنى } [ الإسراء : 110 ]
وروى الضحاك عن ابن عباس : أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم : « اسجدوا للرحمن » ، قالوا : وما الرحمن؟ قال الله تعالى : « قل لهم يا محمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت » اعتمدت « وإليه متاب » أي : توبتي ومرجعي .
فصل
اعلم أن قوله { يَكْفُرُونَ بالرحمن } أنا إن حملناه على هذه الروايات كان معناه : يكفرون بإطلاق هذا الاسم على الله تعالى لا أنهم كفروا بالله تعالى وقال آخرون : بل كفروا بالله إما جحداً له ، وإما لإثباتهم الشركاء معه . قال القاضي : وهذا القول أليق بالظاهر؛ لأن قوله تعالى { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن } يقتضي أنهم كفروا بالله وهو المفهوم به فكان المفهوم هو دون اسمه تعالى .
قوله : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال } [ الرعد : 31 ] نزلت في نفر من مشركي مكة منهم : أبو جهل بن هشام وعبدالله بن أمية المخزومي جلسوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليهم الإسلام ، فقال عبدالله بن أمية المخزومي : إن سرك أن نتبعك فسيِّر لنا جبال مكة بالقرآن فأذهبها حتى تنفسح علنيا فإنها أرض ضيقة لمزارعنا ، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً لنغرس الأشجار ونزرع ، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال تسبح معه ، أو [ سخر لنا الريح ، فنركبها إلى الشام والبلاد لميرتنا وحوائجنا ، ونرجع في يومنا؛ فقد ] سخر ا لريح لسليمان صلوات الله وسلامه عليه كما زعمت فلست على ربك بأهون من سليمان ، أو أحْي لنا جدك قصي ، أو من شئت من موتانا نسأله عن أمرك ، أحق ما تقول أوة باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى ، ولست بأهون على الله منه ، فأنزل الله عز وجل { وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض } [ الرعد : 31 ] أي : شققت فجلعت أنهاراً وعيوناً { أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى } [ الرعد : 31 ] .

وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)

قوله : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ } جوابها محذوف ، أي : لكان هذا القرآن ، لأنه في غاية ما يكون من الصحة ، واكتفى بمعرفة السامعين من مراده؛ كقوله الشاعر : [ الطويل ]
3180 فأقْسِمُ لو شَيءٌ أتَاناَ ... سِواكَ ولكِنْ لَمْ نَجْدْ عنْكَ مَدْفَعَا
أراد : لرددناهن ، وهذا معنى قول قتادة : قالوا : لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم .
وقيل : تقديره لما آمنوا .
ونقل عن الفراء : جواب « لو » هي الجملة من قوله { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن } [ الرعد : 30 ] وفي الكلام تقديم وتأخير وما بينهما اعتراض ، وتقدير الكلام : وهم يكفرون بالرحمن لو أن قرآناً سيرت به الجبال كأنه قيل : لو سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم الموتى به لكفروا بالرحمن ولم يؤمنوا لما سبق من علمنا فيهم ، كقوله : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملاائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا } [ الأنعام : 111 ] وهذا في الحقيقة دال على الجواب .
وإنما حذفت التاء شفي قوله { أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى } وثبتت في الفعلين قبله؛ لأنه من باب التغليب ، لأن الموتى تشمل المذكر والمؤنث .
قوله { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا } أصل اليأتس : قطع الطمع عن الشيء والقنوط منه ، واختلف الناس فه ههنا ، فقال بعضهم هو هنا على بابه ، والمعنى أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان الكفار من قريش ، وذلك أنهم لما سألوا هذه الآيات طمعوا في إيمانهم وطلبوا نزول هله الآيات ليؤمن الكفار ، وعلم الله أنهم لا يؤمنون فقال : أفلم ييأس الذين آمنوا من آيات الكفار ، أي : ييأس من إيمانهم قال الكسائي .
وقال الفراء : « أوقع الله للمؤنين أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً فقال : أفلم ييأسوا علماً » يقول : يؤيسهم العلم ، فكان فيهم العلم مضمراً كما تقول في الكلام : « يئست منك إن لا تفلح » كأنه قال : علمه علماً ، قال : فيئست بمعنى علمت ، وإن لم يكن سمع فإنه يتوجه لذلك بالتأويل « .
وقال ابن عطية : ويحتمل أن يكون اليأس في هذه الآية على بابه وذلك لأنه لما أبعد إيمانهم في قوله عز وجل { وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ } على [ التأويلين ] في المحذوف المقدر ، قال في هذه الآية » أفلمْ يَيْأسٍ « المؤمنون من إيمان هؤلاء علماً منهم { أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً } .
وقال الزمخشري : » ويجوز أن يتعلق { أَن لَّوْ يَشَآءُ الله } ب « آمَنَوا » على أو لو يقنط عن إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولهداهم « .
وهذا قد سبقه إليه أبو العباس رضي الله عنه .
وقال أبو حيان : ويحتمل عندي وجه آخر غير الذي ذكروه ، وهو : أن الكلام تام عند قوله تعالى { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا } إذ هو تقرير ، أي : قد يئس المؤمنون من إيمان هؤلاء المعنادين ، و { أَن لَّوْ يَشَآءُ الله } جواب قسم محذوف ، أي : وأقسم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ، ويدل على هذا القسم [ وجود ] » أنْ « مع » لَوْ « في قول الشاعر : [ الوافر ]

3181 أمَا واللهِ أن لوْ كُنَْ حُرًّا ... وما الحُرِّ أنْتَ ولا العَتِيقِ
وقول الآخر : [ الطويل ]
3182 فأقْسِمُ أن لَوِ التَقيْنَا وأنتمُ ... لكَانَ لكُم يَوْمٌ مِنَ الشَّر مُظْلِم
وقد ذكر سيبويه أن « أن » تأتي بعد القسم ، وجعلها ابن عصفور رابطة للقسم بالجملة المقسم عليها ، وقال بعضهم بل هو ههنا بمعنى « عَلِمَ » و « تَبيَّن » .
قال القاسم بن مَعنٍن وهو من ثقاب الكوفيين : هي من لغة هوازن .
وقال الكلبي : هي لغة حي من النَّخع ، ومنه قول رباح بن عدي : [ الطويل ]
3183 ألَمْ يَيأسِ الأقْوامُ أنِّي أنَا ابنهُ ... وإن كُنْتُ عن أرْضِ العَشِيرةِ نَائِيا
وقول سحيم بن وثيل الرياحي : [ الطويل ]
4184 أقُولُ لهُمْ بالشِّعْبِ إذ يَأسِرُونَنِي ... ألمْ تَيأسُوا أنِّي ابنُ فارسِ زَهْدمِ
وقول الآخر : [ الكامل ]
3185 حتَّى إذَا يَئسَ الرُّماةُ فأرْسَلُوا ... غُضْفاً دَواجِنَ قافِلاً أعْصامُهَا
ورد الفراء هذا وقال : « لم أسمع » يَئِسْتُ « بمعنى عَلْمتُ » .
وردَّ عليه بأن من حفظ حجة على من لكم يحفظ ، ويدل على ذلك : قراءة علي وابن عباس وعكرمة وابن أبي مليكة والجحدري وعلي بن الحسين وابنه زيد وجعفر بن محمد وابن يزيد المدني وعبدالله بن يزيد ، وعلي بن بذيمة : ( أفلم يتبين ) من : « تبينت كذا » إذا عرفته ، وقد افترى من قال : إنما كتبه الكاتب وهو ناعس ، كان أصله : « أفلم يتبين » فسوى هذه الحروف [ فتوهَّم ] أنها سين .
قال الزمخششري : « وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وكيف يخفى هذا حتى يبقى بين دفتي الإمام ، وكان متقلباً في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين عليه ، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه خصوصاً عن القانون الذي إليه المرجع ، والقاعدة التي عليها المبنى ، هذه والله فرية ما فيها مرية » .
وقال الزمخشري أيضاً : « وقيل : إنما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأن الآيس عن الشيء عالم بأنه لا يكون ، كما استعمل الرجاء في معنى الخوف ، والنيسان في معنى الترك لتضمنه ذلك » .
وتحصل في « أنْ » قولان :
أحدهما : أنها « أن » المخففة من الثقيلة ، فأسمها ضمير الشأن ، والجملة الامتناعية بعدها خبرها ، وقد وقع الفصل ب « لو » و « أن » وما في حيزها إن علقنا ب « ءامنوا » يكون في محل نصب ، أو جر على الخلاف بين الخليل وسيبويه ، إذا أصلها الجر بالحرف ، أي : آمنوا بأن لو يشاء الله ، وإن علقناها ب : يَيْأس « على أنه بمعنى علم كانت في محل نصب لسدها سمد المفعولين .

والثاني : رابطة بين القسم والمقسم عليه ، كما تقدم .
فصل
قال المفسرون : إن أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه لما سعموا كلام المشركين طمعوا في أن يفعل الله تعالى ما سألوا فيؤمنوا ، فنزل { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا } يعني الصحابة من إيمان هؤلاء ، يعني : الم ييأسوا وكل من علم شيئاً ييِأس عن خلافه .
يقول : ألم يؤيسهم العلم { أَن لَّوْ يَشَآءُ الله } .
فصل
احتج أهل السنة بقوله : { أَن لَّوْ يَشَآءُ الله } وكلمة « لَوْ » تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، والمعنى : أنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء ، وتارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الهداية إلى طريق الجنة ، ومنهم من يجري الكلام على الظاهر ، ويقول : إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين فلا يكون مبايناً لهداية جميع الناس ، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مراراً .
قوله تعالى : { وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ } ألآية قيل : أراد جميع الكفار؛ لأن الوقائع الشديدة [ التي وعقت لبعض الكفار من القتل والسبي ، أوجب حصول الغم ] في قلوب الكل .
وقيل : أراد بعض الكفار وهم جماعة معينون ، فتكون الألف واللام للعهد ، والمعنى لا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم القبيحة « قارِعَةٌ » أي : نازلة وداهيةٌ تقرعهم من أنواع البلاء أحياناً بالجدب وأحياناً بالسلب وأحياناً بالقلب .
يقال : قرعه أمر إذا أصابه ، والجمع قوارع ، والأصل في القرع : الضرب أي : لا يزال الكافرون تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة كما أصاب أربد ، أو من قتل أو أسر أو جدب أو غير ذلك من العذاب والبلاء كما نزل يخاطب المستهزئين من رؤساء المشركين .
وقال ابن عباس رضي الله عنه : أراد كفار قريش يصيبهم بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب بأن لايزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب من مواشيهم « .
قوله » أوْ تَحُلُّ « يجوز أن يكون فاعله ضمير الخطاب ، أي : تحل أنت يا محمد وأن يكون ضمير القارعة ، وهذا أبين ، أي : تصيبهم قارعة أو تحل القارعة ، وموضعها نصب عطف علىخبر » يَزالُ « .
وقرأ ابن جبير ومجاهد : » أوْ يَحُلُّ « بالياء من تحت ، والفاعل على ما تقدم إما ضمير القارعة وإنما ذكر العفل؛ لأنها بمعنى العذاب ولأن التاء للمبالغة ، والمراد : قارع وإما ضمير الرسول صلوات الله وسلامه عليه أتى به غائباً ، وقرأ أيضاً : » مِن دِيَارهِمْ « جمعاً ، وهي واضحة .

المعنى : أو تحل القارعة أو أنت يا محمد صلوات الله وسلامه عليك بجيشك قريباً من دراهم كما حل بالحديبية { حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله } وهو فتح مكة ، وكان قد وعده ذلك . وقيل : يوم القيامة .
{ إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } والغرض منه : [ تقوية ] قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإزالة الحزن عنه وتسليته .
فصل
قال القاضي : قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده ، وهذه الآية وإن كانت واردة في حق الكفار إلا أن العبرة بمعموم اللفظ لا بخصوص السبب وعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق [ الفساق ] من العناد .
والجواب : أن الخلق غير ، وتخصيص العموم غير ، ونحن لا نقول بالخلف ، ولكننا تخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو .

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34)

قوله تعالى : { وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ } الآية لما طلبوا المعجزات من الرسول صلوات الله وسلامه عليه على سبيل الاستهزاء ، وكان يتأذى من تلك الكلمات ، فأِنزل الله تعالى هذه الآية تسلية له وتصبيراً على سفاهتهم فقال : إن أقوام سائر الأنبياء عليه الصلاة والسلام استهزؤوا بهم كما أن قومك يستهزئون بك { فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أمهلتهم وأطلت لهم المدة بتأخير [ العقوبة ] { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } عاقبتهم في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة بالنار { فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } لهم؟ .
والإملاء : الإمهال وإن تركوا مدة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها ف يالمرعى ، ومنه الملوان وهو الليل والنهار؟
قوله : { أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ } « مَنْ » موصولة ، وصلتها « هُو قَائِمٌ » والموصول مرفوع بالابتداء ، وخبره محذوف تقديره : كمن ليس كذلك من شركائهم التي لا تضر ولا تنفع ، ودل على هذا المحذوف ، قوله { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ } ونحوهن قوله { أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } [ الزمر : 22 ] تقديره : كمن قسا قبله .
يدل عليه أيضاً { فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله } [ الزمر : 22 ] وإنما حسن حذفه كون الخبر مقابلاً للمبتدأ ، وقد جاء مبيناً ، كقوله { أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } [ النحل : 17 ] { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى } [ الرعد : 19 ] .
والمعنى : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ، أي : حافظها ورازقها وعالم بها ومجازيها بما علمت ، وجوابه محذونف ، تقديره : كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه .
قوله { وَجَعَلُواْ للَّهِ } يجوز أن يكون استئنافاً ، وهو الظاهر ، جيء به للدلالة على الخبر المحذوف كما تقدم تقريره .
وقال الزمخشري : « يجوز أن تقدر ما يقع خبر للمبتدأ ويعطف عليه : » وجَعَلُوا « وتمثيله : أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه » جعلوا لهُ « وهو الله تعالى أي : وهو الذي يستحق العبادة » .
قال أبو حيان : « وفي هذا التوجيه إقامة الظاهر مقام المضمر في قوله تعالى { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ } أي : له ، وفيه حذف الخبر غير المقابل ، وأكثر ما جاء الخبر مقابلاً » .
وقيل : الواو للحال ، والتقدير : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت موجودة والحال أنهم جعلوا له شركاء ، فأقيم الظاهر وهو « اللهُ » مقام المضمر تقريراً للإلهية وتصريحاً بها ، قاله صاحب العقد .
وقال ابن عطية : « ويظهر أن القول مرتبط بقوله { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ } كان التقدير : أفمن له القدرة والوحدانية ، ويجعل له شريك أهل ينتقم ويعاقب أم لا؟ » .
وقيل : « وَجَعلُوا » عطف على « استُهْزِىءَ » بمعنى : وقد استهزؤوا وجعلوا .
وقال أبو البقاء : « هو معطوف على » كَسبَتْ « أي : ويجعلهم لله شركاء » ولما قر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال : « قُلْ سمُّوهُمْ » وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى ألا يذكر ، ولا يوضع له اسم فعند ذلك يقال : سمه إن شئت ، يعني أنه [ أخس ] من أن يسمى ويذكر ، ولكن إن شئت أن تضع له أسماً فافعل ، وقيل : « سموهم » : أي : صفوهم ، ثم انظروا : هل هي أهلٌ أن تعبد؟ على سبيل التهديد ، والمعنى : سواء سيمتموهم باسم الآلهة أو لم تسموهم فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها ، ثم زاد في الحجاج .

قوله { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ } « أمْ » هذه منقطعة مقدرة ب « بل » والهمزة والاستفهام للتوبيخ بل أتنبؤنه شركاء لا يعلمهم في الأرض و نحوه { قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض } [ يونس : 18 ] فجعل الفاعل ضميراً عائداً على الله ، والعائد على « ما » محذوف تقديره : بما لا يعلمه الله ، وقد تقدم في تلك الآية : أن الفاعل ضمير يعود على « ما » وهو جائز هنا أيضاً .
قوله « أمْ بِظاهِرِ » أنها منقعطة . والظاهر هنا ، قيل : الباطن؛ وأنشدوا : [ الطويل ]
3186 اعَيَّرْتنَا ألْبانهَا ولحُومَهَا ... وذلِكَ عَارٌ يَا ابْنَ رَيْطة ظَاهِرُ
أي : باطن .
وفسره مجاهد : بكذب ، وهو موافق لهذا .
وقيل : « أمْ » متصلة ، أي : تنبئونه بظاهر لا حقيقة له .
والمعنى : أم يخبرون الله بأمر يعلمونه وهو لايعمله ، فإنه لا يعلم لنفسه شريكاً وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريك التبة؛ لا ، هم ادعوا أن له شريكاً في الأرض لا في غيرها أم تموهو بظاهر من القول لا حقيقة له وهو كقوله { ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ } [ التوبة : 30 ] .
ثم إنه تعالى بعد هذا الحجاج بيّن طريقتهم ، فقال على وجه التحقير لما هم عليه { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ } .
قال الواحدي : « معنى » بَلْ « ههنا كأنه يقول : دع ذلك زين له مكرهم لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد قولهم فكأنه يقول : دع ذلك الدليل فإنه لا فائدة فيه ، لأن زين لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل » .
فصل
قالت المعتزلة : لا شبهة في أنه إنما ذكر ذلك لأجحل أن يذمَّهم به وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله تعالى ، فلا بد إما أن يكون شياطين الإنس وما شياطين الجن .
قال ابن الخطيب رحمه الله : وهذا التأويل ضعيف من وجوه :
الأول : أنه إن كان المزين هو أحد شياطين الإنس أو الجن فالمزين لذلك الشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم التسلسل ، وإن كان هو الله فقد زال السؤال .
والثاني : أن أفعال القلوب لا يقدر عليها إلا الله عز وجل .

والثالث : أنا دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من الله عز وجل وعند حصوله يجب الفعل .
قوله { وَصُدُّواْ عَنِ السبيل } قرأ الكوفيون ويعقوب « وصُدَّوا » مبنياً للمفعول ، وفي غافر { وَصُدَّ عَنِ السبيل } [ غافر : 37 ] كذلك ، وابقي السبعة مبنيّين للفاعل ، و « صد : جاء لازماً ومتعدياً ، فقراءة الكوفية من التعدي فقط ، وقراءة الباقين : يحتمل أن تكون من المتعدي ومفعوله محذوف ، أي : صدوا غيرهم أو أنفسهم ، وأن يكون من اللازم ، أي : أعرضوا وتولوا .
وقرأ ابن وثاب : » وصِدُّوا عَن السَّبيال « بكسر الصاد ، وهو مبني للمفعول أجراه مجرى » قِيلَ « و » بِيعَ « فهو كقراءة : { رُدَّتْ إِلَيْنَا } [ يوسف : 65 ] . قوله : [ الطويل ]
3187 ومَا حِلَّ مِنْ جَهْلِ حُبَا حُلمَائِنَا .. .
وقد تقدم . فأما قراءة المبني للمعفول ، فعند أهل السنة : أن الله صدهم . المعتزلة وجهان :
قيل : الشيطان وبعضهم لبعض ، هو قول أبي مسلم رحمه الله . ومن فتح الصاد : يعني الكفار أعرضوا إن كان لازماً ، وصدوا غيرهم إن كان متعدياً . وحجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء الفعل للمفعول ، وحجة القراءة الثانية قوله جل ذكره { الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ } [ محمد : 11 ] ثم مقال : { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } .
وتمسك أهل السنة بهذه الآية من وجوه : أحدها : قوله { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ } وقد تقدم بالدليل أن المزين هو الله تعالى . وثانيها : قوله { وَصُدُّواْ عَنِ السبيل } بضم الصاد ، وبينا ِأيضاً أن ذلك الصاد هو الله تعالى .
وثالثها : قوله سبحانه وتعالى : { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } ، وهو صريح في المقصود ، ثم قال تعالى : { لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياة الدنيا } بالقتل والأسر { وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَقُّ } أي : أشد { وَمَا لَهُم مِّنَ الله مِن وَاقٍ } مانع يمنعهم من العذاب . وقال الواحي : أكثر القراء وقفوا على القاف من غير إثبات ياء ، مثل قوله عز وجل { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ غافر : 33 ] وكذلك { مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ } [ الرعد : 37 ] وهو الوجه؛ لأنه يقال في الوصل : » هادٍ ووالٍ وواقٍ « محذوف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين ، فإذا وقفت انحذف التنوين في الوقف في الرفع والجر ، والياء [ كانت ] انحذفت ف يالوصل فيصادف الوقف الحركة التي كسرت فتحذف كما يحذف سائر الحركات التي يوقف عليها ، فيقال : » هَاد « و » وَال « و » وَاق « .
وابن كثير يقف بالياء ، ووجهه ما حكى سيبوبه : أن بعض من يوثق به من العرب يقفون بالياء ، وقد تقدم .

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75