كتاب : التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور
المؤلف : محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي

بمثل تلك العاقبة.
و {كَيْفَ} يجوز أن يكون مجردا عن معنى الاستفهام منصوبا على المفعولية ويجوز أن يكون استفهاما معلقا فعل النظر عن العمل، والاستفهام حينئذ للتعجيب.
[15] {وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} .
كما كان في قصة موسى وإرساله إلى فرعون آيات عبرة ومثل للذين جحدوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كذلك في قصة سليمان وملكة سبأ وما رأته من آياته وإيمانها به مثل لعلم النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار لفضيلة ملكة سبأ إذ لم يصدها ملكها عن الاعتراف بآيات سليمان فآمنت به، وفي ذلك مثل للذين اهتدوا من المؤمنين.
وتقديم ذكر داود ليبني عليه ذكر سليمان إذ كان ملكه ورثه من أبيه داود. ولأن في ذكر داود مثل لإفاضة الحكمة على من لم يكن متصديا لها. وما كان من أهل العلم بالكتاب أيام كان فيهم أحبار وعلماء؛ فقد كان داود راعيا غنم وأبيه "يسي" في بيت لحم فأمر الله شمويل النبي أن يجعل داود نبيا في مدة ملك طالوت "شاول". فما كان عجب في نبوة محمد الأمي بين الأميين ليعلم المشركون أن الله أعطى الحكمة والنبوءة محمدا صلى الله عليه وسلم ولم يكن يعلم ذلك من قبل ولكن في قومه من يعلم ذلك كما قال تعالى {مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} ، فهذه القصة تتصل بقوله تعالى {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل: 6].
فيصح أن تكون جملة {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ} معطوفا على {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ} إذ جعلنا {إِذْ} مفعولا لفعل {اذْكُرْ} محذوف.
ويصح أن تكون الواو للاستئناف فالجملة مستأنفة. ومناسبة الذكر ظاهرة. وبعد ففي كل قصة من قصص القرآن علم وعبرة وأسوة.
وافتتاح الجملة بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين به منزلة من يتردد في ذلك لأنهم جحدوا نبوءة مثل داود وسليمان إذ قالوا {لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} .
وتنكير {عِلْماً} للتعظيم لأنه علم بنبوءة وحكمة كقوله في صاحب موسى {وَعَلَّمْنَاهُ

مِنْ لَدُنَّا عِلْماً} [الكهف: 65].
وفي فعل {آتَيْنَاهُ} ما يؤذن بأنه علم مفاض من عند الله لأن الإيتاء أخص من {وَعَلَّمْنَاهُ} فلذلك استغني هنا عن كلمة {مِنْ لَدُنَّا} .
وحكاية قولهما {الحمد لله الذي فضلنا} كناية عن تفضيلهما بفضائل غير العلم. ألا ترى إلى قوله {عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} ومنهم أهل العلم وغيرهم، وتنويه بأنهما شاكران نعمته.
ولأجل ذلك عطف قولهما هذا بالواو دون الفاء لأنه ليس حمدا لمجرد الشكر على إيتاء العلم.
والظاهر أن حكاية قوليهما وقعت بالمعنى، بأن قال كل واحد منهما: الحمد لله الذي فضلني، فلما حكي القولان جمع ضمير المتكلم. ويجوز أن يكون كل واحد شكر لله على منحه ومنح قريبه، على أنه يكثر استعمال ضمير المتكلم المشارك لا لقصد التعظيم بل لإخفاء المتكلم نفسه بقدر الإمكان تواضعا كما قال سليمان عقب هذا {عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} . وجعلا تفضيلهما على كثير من المؤمنين دون جميع المؤمنين؛ أما لأنهما أرادا بالعباد المؤمنين كل من ثبت له هذا الوصف من الماضين وفيهم موسى وهارون، وكثير من الأفضل والمساوي، وإما لأنهما اقتصدا في العبارة إذ لم يحيطا بمن ناله التفضيل، وأما لأنهما أرادا بالعباد أهل عصرهما فعبرا بـ {كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ} تواضعا لله. ثم إن كان قولهما هذا جهرا وهو الظاهر كان حجة على أنه يجوز للعالم أن يذكر مرتبته في العلم لفوائد شرعية ترجع إلى أن يحذر الناس من الاغترار بمن ليست له أهلية من أهل الدعوى الكاذبة والجعجعة الجالبة، وهذا حكم يستنبط من الآية لأن شرع من قبلنا شرع لنا، وإن قالاه في سرهما لم يكن في هذه الحجة.
[16] {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}
{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} .
طوى خبر ملك داود وبعض أحواله إلى وفاته لأن المقصود هو قصة سليمان كما قدمناه آنفا. وقد كان داود ملكا على بني إسرائيل ودام ملكه أربعين سنة وتوفي وهو ابن

سبعين سنة.
فخلفه سليمان فهو وارث ملكه القائم في مقامه في سياسة الأمة وظهور الحكمة ونبوءة بني إسرائيل والسمعة العظيمة بينهم. فالإرث هنا مستعمل في معناه المجازي وهو تشبيه الأحوال الجليلة بالمال وتشبيه الخلفة بانتقال ملك الأموال لظهور أن ليس غرض الآية إفادة من انتقلت إليه أموال داود بعد قوله {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا} [النمل: 15]فتعين أن إرث المال غير مقصود فإنه غرض تافه.
وقد كان لداود أحد عشر ولدا فلا يختص إرث ماله بسليمان وليس هو أكبرهم، وكان داود قد أقام سليمان ملكا على إسرائيل. وبهذا يظهر أن ليس في الآية ما يحتج به أن يورث مال النبي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا نورث ما تركناه صدقة" ، وظاهره أنه أراد من الضمير جماعة الأنبياء وشاع على ألسنة العلماء: إنا أو نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ولا يعرف بهذا اللفظ ووقع في كلام عمر بن الخطاب مع العباس وعلي في شأن صدقة النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر أنشدكما الله هل تعلمان أن رسول الله قال: لا نورث ما تركنا صدقة، يريد رسول الله نفسه وكذلك قالت عائشة، فإذا أخذنا بظاهر الآية كان هذا حكما في شرع من قبلنا فينسخ بالإسلام، وإذا أخذنا بالتأويل فظاهر. وقد أجمع الخلفاء الراشدون وغيرهم على ذلك، خلافا للعباس وعلي ثم رجعا حين حاجهما عمر. والعلة هي سد ذريعة خطور تمني موت النبي في نفس بعض ورثته.
{وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} .
قال سليمان هذه المقالة في مجمع عظيم لأن لهجة هذا الكلام لهجة خطبته في مجمع من الناس الحاضرين مجلسه من الخاصة والسامعين من العامة. فهذه الجملة متضمنة شكر الله تعالى ما منحه من علم وملك، وليقدر الناس قدره ويعلموا واجب طاعته إذ كان الله قد اصطفاه لذلك، وأطلعه على نوايا أنفر الحيوان وأبعده عن إلف الإنسان وهو الطير، فما ظنك بمعرفة نوايا الناس من رعيته وجنده فإن تخطيط رسوم الملك وواجباته من المقاصد لصلاح المملكة بالتفاف الناس حول ملكهم وصفاء النيات نحوه، وبمقدار ما يحصل ذلك من جانبهم يكون التعاون على الخير وتنزل السكينة الربانية، فلما حصل من جانب سليمان الاعتراف بهذا الفضل لله تعالى فقد أدى واجبه نحو أمته فلم يبق

إلا أن تؤدي الأمة واجبها نحو ملكها، كما كان تعليم فضائل النبوة من مقاصد الشرع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" أي أقوله لقصد الإعلام بواجب التقادير لا لقصد الفخر على الناس، ويعلموا واجب طاعته.
وعلم منطق الطير أوتيه سليمان من طريق الوحي بأن أطلعه الله على ما في تقاطيع وتخاليف صفير الطيور أو نعيقها من دلالة على ما في إدراكها وغرادتها. وفائدة هذا العلم أن الله جعله سبيلا له يهتدي به إلى تعرف أحوال عالمية يسبق الطير إلى إدراكها بما أودع فيه من القوى الكثيرة، وللطير دلالة في تخاطب أجناسها واستدعاء أصنافها والإنباء بما حولها ما فيه عون على تدبير ملكه وسياسة أمته، مثل استخدام نوع الهدهد في إبلاغ الأخبار وردها ونحو ذلك.
ووراء ذلك كله انشراح الصدر بالحكمة والمعرفة للكثير من طبائع الموجودات وخصائصها. ودلالة أصوات الطير على ما في ضمائرها: بعضها مشهور كدلالة بعض أصواته على نداء الذكور لإناثها، ودلالة بعضها على اضطراب الخوف حين يمسكه ممسك أو يهاجمه كاسر، ووراء ذلك دلالات فيها تفصيل، فكل كيفية من تلك الدلالات الإجمالية تنطوي على تقاطيع خفية من كيفيات صوتية يخالف بعضها بعضا فيها دلالات على أحوال فيها تفضيل لما أجملته الأحوال المجملة، فتلك التقاطيع لا يهتدي إليها الناس ولا يطلع عليها إلا خالقها، وهذا قريب من دلالة مخارج الحروف وصفاتها في لغة من اللغات وفكها وإدغامها واختلاف حركاتها على معان لا يهتدي إليها من يعرف تلك اللغة معرفة ضعيفة ولم يتقن دقائقها، مثل أن يسمع ضللت وظللت، فالله تعالى اطلع سليمان بوحي على مختلف التقاطيع الصوتية التي في صفير الطير وأعلمه بأحوال نفوس الطير عندما تصفر بتلك التقاطيع وقد كان الناس في حيرة من ذلك كما قال المعري:
أبكت تلكم الحمامة أم غنـ
...
ـت على غصن دوحها المياد
وقال صاحبنا الشاعر البليغ الشيخ عبد العزيز المسعودي من أبيات في هذا المعنى:
فمن كان مسرورا يراه تغنيا
...
ومن كان محزونا يقول ينوح
والاقتصار على منطق الطير إيجاز لأنه إذا علم منطق الطير وهي أبعد الحيوان عن الركون إلى الإنسان وأسرعها نفورا منه، علم أن منطق ما هو أكثر اختلاطا بالإنسان حاصل له بالأحرى كما يدل عليه قوله تعالى فيما يأتي قريبا {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا} [النمل: 19]، فتدل هذه الآية على أنه علم منطق كل صنف من أصناف الحيوان. وهذا العلم

سماه العرب علم الحكل بضم الحاء المهملة وسكون الكاف قال الحجاج وقيل أبنه رؤبة:
لو أنني أوتيت علم الحكل
...
علم سليمان كلام النمل
أو أنني عمرت عمر الحسل
...
أو عمر نوح زمن الفطحل
كنت رهين هرم أو قتل
وعبر عن أصوات الطير بلفظ {مَنْطِقَ} تشبيها له بنطق الإنسان من حيث هو ذو دلالة لسليمان على ما في ضمائر الطير، فحقيقة المنطق الصوت المشتمل على حروف تدل على معان.
وضمير {عُلِّمْنَا - و أُوتِينَا} مراد به نفسه، جاء به على صيغة المتكلم المشارك؛ إما لقصد التواضع كأن جماعة علموا وأوتوا وليس هو وحده كما تقدم في بعض احتمالات قوله تعالى آنفا {وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا} ، وإما لأنه المناسب لإظهار عظمة الملك، وفي ذلك تهويل لأمر السلطان عند الرعية، وقد يكون ذلك من مقتضى السياسة في بعض الأحوال كما أجاب معاوية عمر رضي الله عنهما حين لقيه في جند "وأبهة" ببلاد الشام فقال عمر أمعاوية "أكسروية يا معاوية" ? فقال معاوية: إنا في بلاد من ثغور العدو فلا يرهبون إلا مثل هذا. فقال عمر: خدعة أريب أو اجتهاد مصيب لا آمرك ولا أنهاك فترك الأمر لعهدة معاوية وما يتوسمه من أساليب سياسة الأقوام.
والمراد بـ {كُلِّ شَيْءٍ} كل شيء من الأشياء المهمة ففي {كُلِّ شَيْءٍ} عمومان عموم {كُلِّ} وعموم النكرة وكلاهما هنا عموم عرفي، فـ {كُلِّ} مستعملة في الكثرة و {شَيْءٍ} مستعمل في الأشياء المهمة مما له علاقة بمقام سليمان، وهو كقوله تعالى فيما حكى عن أخبار الهدهد {وأوتيت من كل شيء} ، أي كثير من النفائس والأموال. وفي كل مقام يحمل على ما يناسب المتحدث عنه.
والتأكيد في {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} بحرف التوكيد ولامه الذي هو في الأصل لام قسم وبضمير الفصل مقصود به تعظيم النعمة أداء للشكر عليها بالمستطاع من العبارة.
و {الْفَضْلُ} : الزيادة من الخير والنفع. و {الْمُبِينُ} : الظاهر الواضح.
[17] {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} .

وهب الله سليمان قوة من قوى النبوءة يدرك بها من أحوال الأرواح والمجردات كما يدرك منطق الطير ودلالة النمل ونحوها. ويزع تلك الموجودات بها فيوزعون تسخيرا كما سخر بعض العناصر لبعض في الكيمياء والكهربائية. وقد وهب الله هذه القوة محمد صلى الله عليه وسلم فصرف إليه نفرا من الجن يستمعون القرآن، ويخاطبونه. وإنما أمسك رسول الله عن أن يتصرف فيها ويزعها كرامة لأخيه سليمان إذ سأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فلم يتصرف فيها النبي صلى الله عليه وسلم مع المكنة من ذلك لأن الله محضه لما هو أهم وأعلى فنال بذلك فضلا مثل فضل سليمان، ورجح بإعراضه عن التصرف تبريرا لدعوة أخيه في النبوة لأن جانب النبوة في رسول الله أقوى من جانب الملك، كما قال للرجل الذي رعد حين مثل بين يديه "أني لست بملك ولا جبار". وقد ورد في الحديث: أنه خير بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا فاختار ان يكون نبيا عبدا ، فرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم رتبة التشريع وهي أعظم من رتبة الملك وسليمان لم يكن مشرعا لأنه ليس برسول، فوهبه الله ملكا يتصرف به في السياسة، وهذه المراتب يندرج بعضها فيما هو أعلى منه فهو ليس بملك، وهو يتصرف في الأمة تصرف الملوك تصرفا بريئا مما يقتضيه الملك من الزخرف والأبهة كما بيناه في كتاب "النقد" على كتاب الشيخ علي عبد الرازق المصري الذي سماه "الإسلام وأصول الحكم"1.
والحشر: الجمع. والمعنى: أن جنوده كانت محضرة في حضرته مسخرة لأمره حين هو.
والجنود: جمع جند، وهو الطائفة التي لها عمل متحد تسخر له. وغلب إطلاق الجند على طائفة من الناس يعدها الملك لقتال العدو ولحراسة البلاد.
وقوله {مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ} بيان للجنود فهي ثلاثة أصناف: صنف الجن وهو لتوجيه القوى الخفية، والتأثير في الأمور الروحية. وصنف الإنس وهو جنود تنفيذ أوامره ومحاربة العدو وحراسة المملكة، وصنف الطير وهو من تمام الجند لتوجيه الإخبار وتلقيها وتوجيه الرسائل إلى قواده وأمرائه. واقتصر على الجن والطير لغرابة كونهما من الجنود فلذلك لم يذكر الخيل وهي من الجيش.
والوزع: الكف عما لا يراد، فشمل الأمر والنهي، أي فهم يؤمرون فيأتمرون وينهون
ـــــــ
1 انظر صفحة 76 من كتاب "الإسلام وأصول الحكم" طبع مطبعة مصر سنة 1343هـ، وصفحة 13، 14 من كتاب "النقد العلمي" طبع المطبعة السلفية بالقاهرة سنة 1344هـ.

فينتهون فقد سخر الله له الرعية كلها.
والفاء للتفريع على معنى حشر لأن الحشر إنما يراد لذلك.
وفي الآية إشارة إلى أن جمع الجنود وتدريبها من واجبات الملوك ليكون الجنود متعهدين لأحوالهم وحاجاتهم ليشعروا بما ينقصهم ويتذكروا ما قد ينسونه عند تشوش الأذهان عند القتال وعند النفير.
[18، 19] {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} .
{حَتَّى} ابتدائية ومعنى الغاية لا يفارقها ولكنها مع الابتدائية غاية غير نهاية.
و {إِذَا} ظرف زمان بمعنى حين، وهو يقتضي فعلين بعده يشبهان فعلي الشرط وجوابه لأن {إِذَا} مضمنه معنى الشرط، و {إِذَا} معمول لفعل جوابه وأما فعل شرطه فهو جملة مضاف إليها {إِذَا} . والتقدير: حتى قالت نملة حين أتوا على واد النمل. وواد النمل يجوز أن يكون مرادا به الجنس لأن للنمل شقوقا ومسالك هي بالنسبة إليها كالأودية للساكنين من الناس، ويجوز أن يراد به مكان مشتهر بالنمل غلب عليه هذا المضاف كما سمي وادي السباع موضع معلوم بين البصرة ومكة. قيل: وادي النمل في جهة الطائف وقيل غير ذلك، وكله غير ظاهر من سياق الآية.
و {النَّمْلِ} : اسم جنس لحشرات صغيرة ذات ستة أرجل تسكن في شقوق من الأرض. وهي أصناف متفاوتة في الحجم، والواحد منه نملة بتاء الوحدة، فكلمة نملة لا تدل إلا على فرد واحد من هذا النوع دون دلالة على تذكير ولا تأنيث فقوله: {نَمْلَةٌ} مفاده: قال واحد من هذا النوع.
واقتران فعله بتاء التأنيث جرى على مراعاة صورة لفظه لشبه هائه بهاء التأنيث وإنما هي علامة الوحدة والعرب لا يقولون: مشى شاة، إذا كان الماشي فحلا من الغنم وإنما يقولون: مشت شاة، وطارت حمامة، فلو كان ذلك الفرد ذكرا وكان مما يفرق بين ذكره وأنثاه في أغراض الناس وأرادوا بيان كونه ذكرا قالوا: طارت حمامة ذكر

ولا يقولون طار حمامة، لأن ذلك لا يفيد التفرقة. ألا ترى أنه لا يصلح أن يكون علامة على كون الفاعل أنثى، ألا ترى إلى قول النابغة:
ما ارزئنا من حية ذكر
...
نضناضة بالرزايا صل أصلال
فجاء باسم "حية" وهو اسم للجنس مقترن بهاء التأنيث ثم وصفه بوصف ذكر ثم أجرى عليه التأنيث في قوله: نضناضة، لأنه صفة لـ"حية".
وفي حديث ابن عباس عن صلاة العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم "أقبلت راكبا على حمار أتان" فوصف "حمار" الذي هو اسم جنس باسم خاص بأنثاه. ولذلك فاقترن فعل {قَالَتِ} هنا بعلامة التأنيث لمراعاة اللفظ فقط، على أنه لا يتعلق غرض بالتمييز بين أنثى النمل وذكره بله أن يتعلق به غرض القرآن لأن القصد وقوع هذا الحادث وبيان علم سليمان لا فيما دون ذلك من السفاسف.
وذكر في الكشاف: أن قتادة دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة حاضرا وهو غلام حدث فقال لهم أبو حنيفة: سلوه عن نملة سليمان: أكانت ذكرا أم أنثى ? فسألوه، فأفحم. فقال أبو حنيفة: كانت أنثى. فقيل له: من أين عرفت ? قال: من كتاب الله وهو قوله تعالى {قَالَتْ نَمْلَةٌ} ولو كان ذكرا لقال: قال نملة. قال في "الكشاف": وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم: حمامة ذكر وحمامة أنثى، وقولهم: وهو وهي. اه.
ولعل مراد صاحب "الكشاف" إن كان قصد تأييد قولة أبي حنيفة أن يقاس على الوصف بالتذكير مما يقوم مقامه في الدلالة على التفرقة بين الذكر والأنثى فتقاس حالة الفعل على حالة الوصف إلا أن الزمخشري جاء بكلام غير صريح لا يدري أهو تأييد لأبي حنيفة أم خروج من المضيق. فلم يتقدم على التصريح بأن الفعل يقترن بتاء التأنيث إذا أريد التفرقة في حالة فاعله. وقد رد عليه ابن المنير في "الانتصاف" وابن الحاجب في إيضاح المفصل والقزويني في "الكشف على الكشاف". ورأوا أن أبا حنيفة ذهل فيما قاله بأنه لا يساعد قول أحد من أئمة اللغة ولا يشهد به استعمال ولا سيما نحاة الكوفة بلده فإنهم زادوا فجوزوا تأنيث الفعل إذا كان فعله علما مؤنث اللفظ مثل: طلحة وحمزة. واعلم أن إمامة أبي حنيفة في الدين والشريعة لا تنافي أن تكون مقالته في العربية غير ضليعة. وأعجب من ذهول أبي حنيفة انفحام قتادة من مثل ذلك الكلام. وغالب ظني أن

القصة مختلقة اختلاقا غير متقن.
ويجوز أن يخلق الله لها دلالة وللنمل الذي معها فهما لها وأن يخلق فيها إلهاما بأن الجيش جيش سليمان على سبيل المعجزة له.
والحطم: حقيقته الكسر لشيء صلب. واستعير هنا للرفس بجامع الإهلاك.
و {لا يَحْطِمَنَّكُمْ} إن جعلت {لا} فيه ناهية كانت الجملة مستأنفة تكريرا للتحذير ودلالة على الفزع لأن المحذر من شيء مفزع يأتي بجمل متعددة للتحذير من فرط المخافة والنهي عن حطم سليمان إياهن كناية عن نهيهن عن التسبب فيه وإهمال الحذر منه كما يقال: لا أعرفنك تفعل كذا، أي لا تفعله فأعرفك بفعله، والنون توكيد للنهي؛ وإن جعلت {لا} نافية كانت الجملة واقعة في جواب الأمر فكان لها حكم جواب شرط مقدر. فالتقدير: إن تدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان، أي ينتف حطم سليمان إياكن، وإلا حطمكم. وهذا مما جوزه في الكشاف. وفي هذا الوجه كون الفعل مؤكدا بالنون وهو منفي بـ {لا} وذلك جائز على رأي المحققين إلا أنه قليل. وأما من منعه من النحاة فيمنع أن تجعل {لا} نافية هنا. وصاحب "الكشاف" جعله من اقتران جواب الشرط بنون التوكيد لأن جواب الأمر في الحكم جواب الشرط وهو عنده أخف من دخولها في الفعل المنفي بناء على أن النفي يضاد التوكيد.
وتسمية سليمان في حكاية كلام النملة يجوز أن تكون حكاية بالمعنى وإنما دلت دلالة النملة على الحذر من حطم ذلك المحاذي لواديها فلما حكيت دلالتها حكيت بالمعنى لا باللفظ، ويجوز أن يكون قد خلق الله علما في النملة علمت به أن المار بها يدعى سليمان على سبيل المعجزة وخرق العادة.
وتبسم سليمان من قولها تبسم تعجب. والتبسم أضعف حالات الضحك فقوله {ضَاحِكاً} حال مؤكدة لـ {تَبَسَّمَ} وضحك الأنبياء التبسم كما ورد في صفة ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما يقرب من التبسم مثل بدو النواجذ كما ورد في بعض صفات ضحكه. وأما القهقهة فلا تكون للأنبياء وفي الحديث "كثرة الضحك تميت القلب" . وإنما تعجب من أنها عرفت اسمه وأنها قالت {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} فوسمته وجنده بالصلاح والرأفة وأنهم لا يقتلون ما فيه روح لغير مصلحة، وهذا تنويه برأفته وعدله الشامل بكل مخلوق لا فساد منه أجراه الله على نملة ليعلم شرف العدل ولا يحتقر مواضعه وأن ولي الأمر إذ عدل سرى عدله في سائر الأشياء وظهرت آثاره فيها حتى كأنه معلوم عند ما لا إدراك له،

فتيسير أمور جميع الأمة على عدل. ويضرب الله الأمثال للناس، فضرب هذا المثل لنبيه سليمان بالوحي من دلالة نملة، وذلك سر بينه وبين ربه جعله تنبيها له وداعية لشكر ربه فقال {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} .
وأوزع: مزيد "وزع" الذي هو بمعنى كف كما تقدم آنفا، والهمزة للإزالة، أي أزال الوزع، أي الكف. والمراد أنه لم يترك غيره كافا عن عمل وأرادوا بذلك الكناية عن ضد معناه، أي كناية عن الحث على العمل. وشاع هذا الإطلاق فصار معنى أوزع أغرى بالعمل. فالمعنى: وفقني للشكر. ولذلك كان حقه أن يتعدى بالباء.
فمعنى قوله {أَوْزِعْنِي} ألهمني وأغرني. و {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} منصوب بنزع الخافض وهو الباء. والمعنى: اجعلني ملازما شكر نعمتك. وإنما سأل الله الدوام على شكر النعمة لما في الشكر من الثواب ومن ازدياد النعم فقد ورد: النعمة وحشية قيدوها بالشكر فإنها إذا شكرت قرت. وإذا كفرت فرت1. ومن كلام الشيخ ابن عطاء الله: من لم يشكر النعمة فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها. وفي الكشاف عند قوله {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [لقمان: 12] وفي كلام بعض المتقدمين "أن كفران النعم بوار، وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنها بكرم الجوار، واعلم أن سبوغ ستر الله متقلص عما قريب إذا أنت لم ترج لله وقارا"2.
وأدرج سليمان ذكر والديه عند ذكر إنعام الله تعالى عليه لأن صلاح الولد نعمة على الوالدين بما يدخل عليهما من مسرة في الدنيا وما ينالهما من دعائه وصدقاته عنهما من الثواب.
ووالداه هما أبوه داود بن يسي وأمه "بثشبع" بنت "اليعام" وهي التي كانت زوجة "أوريا" الحثي فاصطفاه داود لنفسه3، وهي التي جاءت فيها قصة نبأ الخصم المذكور في سورة ص.
ـــــــ
1 ذكره الطيبي في حاشية "الكشاف" ولم أقف عليه.
2 لم يذكر شراح "الكشاف" اسم هذا المتقدم المعزو إليه الكلام وأقشعت: تفرقت. والراهن: الدائم. ورجعت في نصابها أي في أصلها وقرارها. والوفار الحلم، أي مالكم لا تظنون أن تأثير العذاب حلم من الله عليكم يوشك أن يزول.
3 الإصحاح 11 والإصحاح 12، من سفر صمويل الثاني، والإصحاح 2 من سفر الملوك الأول.

{وَأَنْ أَعْمَلَ} عطف على {أَنْ أَشْكُرَ} . والإدخال في العباد الصالحين مستعار لجعله واحدا منهم، فشبه لإلحاقه بهم في الصلاح بإدخاله عليهم في زمرتهم وسؤاله ذلك مراد به الاستمرار والزيادة من رفع الدرجات لأن لعباد الله الصالحين مراتب كثيرة.
[20، 21] {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} .
صيغة التفعل تدل على التكلف، والتكلف: الطلب. واشتقاق {تَفَقَّد} من الفقد يقتضي أن {تَفَقَّد} بمعنى طلب الفقد. ولكنهم توسعوا فيه فأطلقوه على طلب معرفة سبب الفقد، أي معرفة ما أحدثه الفقد في شيء، فالتفقد: البحث عن الفقد ليعرف بذلك أن الشيء لم ينقص وكان الطير من جملة الجند لأن كثيرا من الطير صالح للانتفاع به في أمور الجند فمنه الحمام الزاجل، ومنه الهدهد أيضا لمعرفة الماء، ومنه البزاة والصقور لصيد الملك وجنده ولجلب الطعام للجند من الصيد إذا حل الجند في القفار أو نفذ الزاد. وللطير جنود يقومون بشؤونها. وتفقد الجند من شعار الملك والأمراء وهو من مقاصد حشر الجنود وتسييرها. والمعنى: تفقد الطير في جملة ما تفقده فقال لمن يلون أمر الطير: ما لي لا أرى الهدهد.
ومن واجبات ولاة الأمور تفقد أحوال الرعية وتفقد العمال ونحوهم بنفسه كما فعل عمر في خروجه إلى الشام سنة سبع عشرة هجرية، أو بمن يكل إليه ذلك فقد جعل عمر محمد بن مسلمة الأنصاري يتفقد العمال.
والهدهد: نوع من الطير وهو ما يقرقر وفي رائحته نتن وفوق رأسه قزعة سوداء، وهو أسود البراثن، أصفر الأجفان، يقتات الحبوب والدود، يرى الماء من بعد ويحس به في باطن الأرض فإذا رفرف على موضع علم أن به ماء، وهذا سبب اتخاذه في جند سليمان. قال الجاحظ: يزعمون أنه هو الذي كان يدل سليمان على مواضع الماء في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها.
وقوله {مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ} استفهام عن شيء حصل له في حال عدم رؤيته الهدهد، ف {مَا} استفهام. واللام من قوله {لِيَ} للاختصاص. والمجرور باللام خبر عن {مَا} الاستفهامية. والتقدير: ما الأمر الذي كان لي.
وجملة {لا أَرَى الْهُدْهُدَ} في موضع الحال من ياء المتكلم المجرور باللام،

فالاستفهام عما حصل له في هذه الحال، أي عن المانع لرؤية الهدهد. والكلام موجه إلى خفرائه. يعني: أكان انتفاء رؤيتي الهدهد من عدم إحاطة نظري أم من اختفاء الهدهد ? فالاستفهام حقيقي وهو كناية عن عدم ظهور الهدهد.
و {أَمْ} منقطعة لأنها تقع بعد همزة الاستفهام التي يطلب بها تعيين أحد الشيئين. و {أَمْ} لا يفارقها تقدير معنى الاستفهام بعدها فأفادت هنا إضراب الانتقال من استفهام إلى استفهام آخر. والتقدير: بل أكان من الغائبين? وليست {أَمْ} المنقطعة خاصة بالوقوع بعد الخبر بل كما تقع بعد الخبر تقع بعد الاستفهام.
وصاحب المفتاح مثل بهذه الآية لاستعمال الاستفهام في التعجب والمثال يكفي فيه الفرض. ولما كان قول سليمان هذا صادرا بعد تقصيه أحوال الطير ورجح ذلك عنده أنه غاب فقال: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ} لأن تغيبه من دون إذن عصيان يقتضي عقابه وذلك موكول لاجتهاد سليمان في المقدار الذي يراه استصلاحا له إن كان يرجى صلاحه أو إعداما له لئلا يلقن بالفساد غيره فيدخل الفساد في الجند ويكون عقابه نكالا لغيره. فصمم سليمان على أنه يفعل به عقوبة جزاء على عدم حضوره في الجنود. ويؤخذ من هذا جواز عقاب الجندي إذا خالف ما عين له من عمل أو تغيب عنه.
وأما عقوبة الحيوان فإنما تكون عند تجاوزه المعتاد في أحواله. قال القرافي في "تنقيح الفصول" في آخر فصوله: سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن قتل الهر الموذي هل يجوز? فكتب وأنا حاضر: إذا خرجت أذيته عن عادة القطط وتكرر ذلك منه قتل اه. قال القرافي: فاحترز بالقيد الأول عما هو في طبع الهر من أكل اللحم إذا ترك فإذا أكله لم يقتل لأنه طبعه، واحترز بالقيد الثاني عن أن يكون ذلك منه على وجه القلة فإن ذلك لا يوجب قتله. قال القرافي: وقال أبو حنيفة إذا آذت الهرة وقصد قتلها لا تعذب ولا تخنق بل تذبح بموسى حادة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" اهـ. وقال الشيخ ابن أبي زيد في الرسالة: ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها. فقول سليمان {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} شريعة منسوخة.
أما العقاب الخفيف للحيوان لتربيته وتأديبه كضرب الخيل لتعليم السير ونحو ذلك فهو مأذون فيه لمصلحة السير، وكذلك السبق بين الخيل مع ما فيه من إتعابها لمصلحة السير عليها في الجيوش.

و {أَوْ} تفيد أحد الأشياء فقوله {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} جعله ثالث الأمور التي جعلها جزاء لغيبته وهو أن يأتي بما يدفع به العقاب عن نفسه من عذر في التخلف مقبول.
والسلطان: الحجة. والمبين: المظهر للحق المحتج بها. وهذه الزيادة من النبي سليمان استقصاء للهدهد في حقه لأن الغائب حجته معه.
وأكد عزمه على عقابه بتأكيد الجملتين {لَأُعَذِّبَنَّهُ} {لَأَذْبَحَنَّهُ} باللام المؤكدة التي تسمى لام القسم وبنون التوكيد ليعلم الجند ذلك حتى إذا فقد الهدهد ولم يرجع يكون ذلك التأكيد زاجرا لباقي الجند عن أن يأتوا بمثل فعلته فينالهم العقاب.
وأما تأكيد جملة {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} فلإفادة تحقيق أنه لا منجى له من العقاب إلا أن يأتي بحجة تبرر تغيبه لأن سياق تلك الجملة يفيد أن مضمونها عديل العقوبة. فلما كان العقاب مؤكدا محققا فقد اقتضى تأكيد المخرج منه لئلا يبرئه منه إلا تحقق الإتيان بحجة ظاهرة لئلا تتوهم هوادة في الإدلاء بالحجة فكان تأكيد العديل كتأكيد معادله. وبهذا يظهر أن {أَوْ} الأولى للتخيير و {أَوْ} الثانية للتقسيم. وقيل جيء بتوكيد جملة {لَيَأْتِيَنِّي} مشاكلة للجملتين اللتين قبلها وتغليبا. واختاره بعض المحققين وليس من التحقيق.
وكتب في المصاحف {لَأَذْبَحَنَّهُ} بلام ألف بعدها ألف حتى يخال أنه نفي الذبح وليس بنفي لأن وقوع نون التوكيد بعده يؤذن بأنه إثبات إذ لا يؤكد المنفي بنون التأكيد إلا نادرا في كلامهم، ولأن سياق الكلام والمعنى حارس من تطرق احتمال النفي، ولن اعتماد المسلمين في ألفاظ القرآن على الحفظ لا على الكتابة فإن المصاحف ما كتبت حتى قرئ القرآن نيفا وعشرين سنة. وقد تقع في رسم المصحف أشياء مخالفة لما اصطلح عليه الراسمون من بعد لأن الرسم لم يكن على تمام الضبط في صدر الإسلام وكان اعتماد العرب على حوافظهم.
وقرأ ابن كثير {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي} بنونين الأولى مشددة وهي نون التوكيد والثانية نون الوقاية. وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة بحذف نون الوقاية لتلاقي النونات.
[22 - 26] {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا

يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}
{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}
الفاء لتفريع الحكاية عطفت جملة على جملة وضمير {مَكَثَ} للهدهد.
والمكث: البقاء في المكان وملازمته زمنا ما وفعله من باب كرم ونصر. وقرأه الجمهور بالأول. وقرأه عاصم وروح عن يعقوب بالثاني.
وأطلق المكث هنا على البطء لأن الهدهد لم يكن ماكثا بمكان ولكنه كان يطير وينتقل، فإطلاق المكث على البطء مجاز مرسل لأن المكث يستلزم زمنا.
و {غَيْرَ بَعِيدٍ} صفة لاسم زمن أو اسم مكان محذوف منصوب على الظرفية، أي مكث زمنا غير بعيد، أو في مكان غير بعيد. وكلا المعنيين يقتضي أنه رجع إلى سليمان بعد زمن قليل.
و {غير بعيد} قريب قربا يوصف بضد البعد، أي يوشك أن يكون بعيدا. وهذا وجه إيثار التعبير بـ {غَيْرَ بَعِيدٍ} لأن {غَيْرَ} تفيد دفع توهم أن يكون بعيدا وإنما يتوهم ذلك إذا كان القرب يشبه البعد.
والبعد والقرب حقيقتهما من أوصاف المكان ويستعاران لقلة الحصة بتشبيه الزمن القصير بالمكان القريب وشاع ذلك حتى ساوى الحقيقة قال تعالى {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ}.
والفاء في {فَقَالَ} عاطفة على "مكُث". وجعل القول عقيب المكث لأنه لما حضر صدر القول من جهته فالتعقيب حقيقي.
والقول المسند إلى الهدهد إن حمل على حقيقة القول وهو الكلام الذي من شأنه أن ينطق به الناس فقول الهدهد هذا ليس من دلالة منطق الطير الذي علمه سليمان لأن ذلك هو المنطق الدال على ما في نفوس الطير من المدركات وهي محدودة كما قدمنا بيانه عند قوله تعالى {عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} [النمل: 16]. وليس للهدهد قبل بإدراك ما اشتمل عليه

القول المنسوب إليه ولا باستفادة الأحوال من مشاهدة الأقوام والبلدان حتى تخطر في نفسه وحتى يعبر عنها بمنطقه الذي علم سليمان دلالته كما قدمناه. فهذا وحي لسليمان أجراه الله على لسان الهدهد.
وأما قول سليمان {سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النمل: 27] فيجوز أن يكون سليمان خشي أن يكون ذلك الكلام الذي سمعه من تلقاء الهدهد كلاما ألقاه الشيطان من جانب الهدهد ليضلل سليمان ويفتنه بالبحث عن مملكة موهومة ليسخر به كما يسخر المتثائب، فعزم سليمان على استثبات الخبر بالبحث الذي لا يترك ريبة في صحته خزيا للشيطان.
ولنشتغل الآن بما اشتمل عليه هذا الكلام فابتداؤه بـ {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} تنبيه لسليمان بأن في مخلوقات الله ممالك وملوكا تداني ملكه أو تفوقه في بعض أحوال الملك جعله الله مثلا له، كما جعل علم الخضر مثلا لموسى عليه السلام لئلا يغتر بانتهاء الأمر إلى ما بلغه هو. وفيه استدعاء لإقباله على ما سيلقى إليه بشراشره لأهمية هذا المطلع في الكلام، فإن معرفة أحوال الممالك والأمم من أهم ما يعنى به ملوك الصلاح ليكونوا على استعداد بما يفاجئهم من تلقائها، ولتكون من دواعي الازدياد من العمل النافع للمملكة بالاقتداء بالنافع من أحوال غيرها والانقباض عما في أحوال المملكة من الخلل بمشاهدة آثار مثله في غيرها.
ومن فقرات الوزير ابن الخطيب الأندلسي: فأخبار الأقطار مما تنفق فيه الملوك أسمارها، وترقم ببديع هالاته أقمارها، وتستفيد منه حسن السير، والأمن من الغير، فتستعين على الدهر بالتجارب. وتستدل بالشاهد على الغائب اه.
والإحاطة: الاشتمال على الشيء وجعله في حوزة المحيط، وهي هنا مستعارة لاستيعاب العلم بالمعلومات كقوله تعالى {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} [الكهف: 68] فما صدق {مَا لَمْ تُحِطْ} معلومات لم يحط بها علم سليمان.
و {سَبَأٍ} : بهمزة في آخره وقد يخفف اسم رجل هو عبشمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. لقب بسبأ. قالوا: لأنه أول من سبى في غزوه. وكان الهمز فيه لتغييره العلمية عن المصدر. وهو جد جذم عظيم من أجذام العرب. وذريته كانوا باليمن ثم

تفرقوا كما سيأتي في سورة سبإ. وأطلق هذا الاسم هنا على ديارهم لأن {مِنْ} ابتدائية وهي لابتداء الأمكنة غالبا.
فاسم {سَبَأٍ} غلب على القبيلة المتناسلة من سبأ المذكور وهم من الجذم القحطاني المعروف بالعرب المستعربة أي الذين لم ينشأوا في بلاد العرب ولكنهم نزحوا من العراق إلى بلاد العرب، وأول نازح منهم هو يعرب بفتح التحتية وضم الراء بن قحطان وبالعبرانية يقطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد وبالعبرانية أرفكشاد بن سام بن نوح. وهذا النسب يتفق مع ما في سفر التكوين من سام إلى عابر فمن عابر يفترق نسب القحطانيين من نسب العبرانيين، فأما أهل أنساب العرب فيجعلون لعابر ابنين أحدهما اسمه قحطان والآخر اسمه فالغ. وأما سفر التكوين فيجعل أن أحدهما اسمه يقطن ولا شك أنه المسمى عند العرب قحطان، والآخر اسمه فالج بفاء في أوله وجيم في آخره فوقع تغيير في بعض حروف الاسمين لاختلاف اللغتين.
ولما انتقل يعرب سكن جنوب البلاد العربية "اليمن" فاستقر بموضع بنى فيه مدينة ظفار "بفتح الظاء المشالة المعجمة وكسر الراء" فهي أول مدينة في بلاد اليمن وانتشر أبناؤه في بلاد الجنوب الذي على البحر وهو بلاد "حضرموت" ثم بنى ابنه يشجب "بفتح التحتية وضم الجيم" مدينة صنعاء وسمى البلاد باليمن، ثم خلفه ابنه عبشمس "بتشديد الموحدة ومعناه ضوء الشمس" وساد قومه ولقب سبأ "بفتحتين وهمزة في آخره" واستقل بأهله فبنى مدينة مأرب حاضرة سبأ قال النابغة الجعدي:
من سبا الحاضرين مأرب إذ
...
يبنون من دون سيله العرما
وبين مأرب وصنعاء مسيرة ثلاث مراحل خفيفة.
ثم جاء بعد سبأ ابنه حمير ويلقب العرنجح "أي العتيق"، ويظهر أنه جعل بلاده ظفار بعد أن انتقل أبناء يشجب منها إلى صنعاء. وفي المثل: من ظفر حمر، أي من دخل ظفار فليتكلم بالحميرية، ولهذا المثل قصة.
فكانت البلاد اليمنية أو القحطانية منقسمة إلى ثلاث قبائل: اليمنية، والسبئية، والحميرية. وكان على كل قبيلة ملك منها، واستقلت أفخاذهم بمواقع أطلقوا على الواحد منها اسم مخلاف "بكسر الميم" وكان لكل مخلاف رئيس يلقب بالقيل ويقال له: ذو كذا، بالإضافة إلى اسم مخلافه، مثل ذو رعين. والملك الذي تتبعه الأقيال كلها ويحكم اليمن

كلها يلقب تبع لأنه متبوع بأمراء كثيرين.
وقد انفردت سبأ بالملك في حدود القرن السابع عشر قبل الهجرة وكان أشهر ملوكهم أو أولهم الهدهاد بن شرحبيل ويلقب اليشرح "بفتح التحتية وفتح الشين المعجمة وفتح الراء مشددة وبحاء مهملة في آخره". ثم وليت بعده بلقيس ابنة شرحبيل أيضا أو شراحيل ولم تكن ذات زوج فيما يظهر من سياق القرآن. وقيل كانت متزوجة شدد بن زرعة فإن صح ذلك فلعله لم تطل مدته فمات. وكان أهل سبأ صابئة يعبدون الشمس. وبقية ذكر حضارتهم تأتي في تفسير سورة سبأ.
و {أَحَطْتُ} يقرأ بطاء مشددة لأنه التقاء طاء الكلمة وتاء المتكلم فقلبت هذه التاء طاء وأدغمتا.
والباء في قوله {بِنَبَأٍ} للمصاحبة لأن النبأ كان مصاحبا للهدهد حين مجيئه والنبأ: الخبر المهم.
وبين بـ {سَبَأٍ} و {بِنَبَأٍ} الجناس المزدوج. وفيه أيضا جناس الخط وهو أن تكون صورة الكلمتين واحدة في الخط وإنما تختلفان في النطق. ومنه قوله تعالى {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 79 - 80].
ووصفه بـ {يَقِينٍ} تحقيق لكون ما سيلقى إليه شيء محفف لا شبهة فيه فوصف بالمصدر للمبالغة.
وجملة {إني وجدت امرأة} بيان لـ {نَبَأَ} فلذلك لم تعطف. وإدخال {إِنَّ} في صدر هذه الجملة لأهمية الخبر إذ لم يكن معهودا في بني إسرائيل أن تكون المرأة ملكا.
وفعل {تَمْلِكُهُمْ} هنا مشتق من الملك بضم الميم وفعله كفعل ملك الأشياء. وروي حديث هرقل "هل كان في آبائه من ملك" بفتح اللام، أي كان ملكا، ويفرق بين الفعلين بالمصدر فمصدر هذا ملك بضم الميم، والآخرة بكسرها، وضمير الجمع راجع إلى سبأ.
وهذه المرأة أريد بها بلقيس "بكسر الموحدة وسكون اللام وكسر القاف" ابنة شراحيل وفي ترتيبها مع ملوك سبأ وتعيين اسمها اسم أبيها اضطراب للمؤرخين. والموثوق به أنها كانت معاصرة سليمان في أوائل القرن السابع عشر قبل الهجرة وكانت امرأة عاقلة. ويقال: هي التي بنت سد مأرب. وكانت حاضرة ملكها مأرب مدينة عظيمة باليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة مراحل وسيأتي ذكرها في سورة سبأ.

وتنكير {امْرَأَةً} وهو مفعول أول لـ {وَجَدْتُ} له حكم المبتدأ فهو كالابتداء بالنكرة إذ أريد بالنكرة التعجب من جنسها كقولهم: بقرة تكلمت لأن المراد حكاية أمر عجيب عندهم أن تكون امرأة ملكة على قوم. ولذلك لم يقل: وجدتهم تملكهم امرأة.
والإيتاء: الإعطاء، وهو مشعر بأن المعطى مرغوب فيه وهو مستعمل في لازمه وهو النول.
ومعنى {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} نالت من كل شيء حسن من شؤون الملك. فعموم كل شيء عموم عرفي من جهتين يفسره المقام كما فسر قول سليمان {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} ، أي أوتيت من خصال الملوك ومن ذخائرهم وعددهم وجيوشهم وثراء مملكتهم وزخرفها ونحو ذلك من المحامد والمحاسن.
وبناء فعل {أُوتِيَتْ} إلى المجهول إذ لا يتعلق الغرض بتعيين أسباب ما نالته بل المقصود ما نالته على أن الوسائل والأسباب شتى فمنه ما كان إرثا من الملوك الذي سلفوها، ومنه ما كان كسبا من كسبها واقتنائها، ومنه ما وهبها الله من عقل وحكمة، وما منح بلادها من خصب ووفرة مياه. وقد كان اليونان يلقبون مملكة اليمن بالعربية السعيدة أخذا من معنى اليمن في العربية وقال تعالى {لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15]. وأما رجاحة العقول ففي الحديث "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة، اظفيمان يمان، والحكمة يمانية" فليس المراد خصوص ما آتاها الله في أصل خلقتها وخلقة أمتها وبلادها، ولذا فلم يتعين الفاعل عرفا. وكل من عند الله.
وخص من نفائس الأشياء عرشها إذ كان عرشا بديعا ولم يكن لسليمان عرش مثله. وقد جاء في الإصحاح العاشر من سفر الملوك الأول ما يقتضي أن سليمان صنع كرسية البديع بعد أن زارته ملكة سبأ. وسنشير إليه عند قوله تعالى {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} [النمل: 38].
والعظيم: مستعمل في عظمة القدر والنفاسة في ضخامة الهيكل والذات. وأعقب التنويه بشأنها بالحط من حال اعتقادهم إذ هم يسجدون، أي يعبدون الشمس. ولأجل الاهتمام بهذا الخبر أعيد فعل وجدتها إنكارا لكونهم يسجدون للشمس. فذلك من انحطاط العقلية الاعتقادية فكان انحطاطهم في الجانب الغيبي من التفكير وهو ما يظهر فيه تفاوت عوض العقول على الحقائق لأنه جانب متحمض لعمل الفكر لا يستعان فيه بالأدلة

المحسوسة، فلا جرم أن تضل فيه عقول كثير من أهل العقول الصحيحة في الشؤون الخاضعة للحواس. قال تعالى في المشركين {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} وكان عرب اليمن أيامئذ من عبدة الشمس ثم دخلت فيهم الديانة اليهودية في زمن تبع أسعد من ملوك حمير، ولكونهم عبدة شمس كانوا يسمون عبد شمس كما تقدم في اسم سبأ.
وقد جمع هذا القول الذي ألقي إلى سليمان أصول الجغرافية السياسية من المكان والأديان وصبغة الدولة وثروتها، ووقع الاهتمام بأخبار مملكة سبأ لأن ذلك أهم لملك سليمان إذ كانت مجاورة لمملكته يفصل بينهما البحر الأحمر، فأمور هذه المملكة أجدى بعمله.
وقرأ الجمهور {مِنْ سَبَأٍ} بالصرف. وقرأه أبو عمرو عمرو والبزي عن ابن كثير بفتحة غير مصروف على تأويل البلاد أو القبيلة. وقرأه قنبل عن ابن كثير بسكون الهمزة على اعتبار الوقف إجراء للوصل مجرى الوقف.
{وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} .
يجوز أن يكون هذا من جملة الكلام الذي ألقي على لسان الهدهد، فالواو للعطف. والأظهر أنه كلام آخر من القرآن ذيل به الكلام الملقى إلى سليمان، فالواو للاعتراض بين الكلام الملقى لسليمان وبين جواب سليمان، والمقصود التعريض بالمشركين.
وقوله {أَلَّا يَسْجُدُوا} قرأه الجمهور بتشديد اللام على أنه مركب في الخط من "أن" و"لا" النافية كتبتا كلمة واحدة اعتبارا بحالة النطق بها على كل المعاني المرادة منها. و {يَسْجُدُوا} فعل مضارع منصوب. ويقدر لام جر يتعلق بـ {صَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} أي صدهم لأجل أن لا يسجدوا لله، أي فسجدوا للشمس.
ويجوز أن يكون المصدر المسبوك من {أَلَّا يَسْجُدُوا} بدل بعض من {أَعْمَالَهُمْ} وما بينهما اعتراض.

وجوز أن يكون {أَلَّا} كلمة واحدة بمعنى "هلا" فإن هاءها تبدل همزة. وجعل {يَسْجُدُوا} مركبا من ياء النداء المستعملة تأكيدا للتنبيه وفعل أمر من السجود كقول ذي الرمة:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى
وهو لا يلائم رسم المصحف إلا أن يقال إنه رسم كذلك على خلاف القياس. وقرأ الكسائي بتخفيف اللام على أنها {أَلَّا} حرف الاستفتاح ويتعين أن يكون {يَسْجُدُوا} مركبا من ياء النداء وفعل الأمر، كما تقدم وفيه ما تقدم. والوقف في هذه على {أَلَّا} .
وتزيين الأعمال تقدم في أول السورة عند قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} . وإسناده هنا للشيطان حقيقي. و {السَّبِيلِ} مستعار للدين الذي باتباعه تكون النجاة من العذاب وبلوغ دار الثواب.
والخبء: مصدر خبأ الشيء إذا أخفاه. أطلق هنا على اسم المفعول، أي المخبوء على طريقة المبالغة في الخفاء كما هو شأن الوصف بالمصدر. ومناسبة وقوع الصفة بالموصول في قوله {الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ} لحالة خبر الهدهد ظاهرة لأن فيها اطلاعا على أمر خفي. وإخراج الخبء: إبرازه للناس، أي إعطاؤه، أي إعطاء ما هو غير معلوم لهم من المطر وإخراج النبات وإعطاء الأرزاق، وهذا مؤذن بصفة القدرة. وقوله {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} مؤذن بعموم صفة العلم.
وقرأ الجمهور {يخفون .. ويعلنون} بياء الغيبة. وقرأه الكسائي وحفص عن عاصم بتاء الخطاب فهو التفات.
ومجيء جملة {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} عقب ذلك استئناف هو بمنزلة النتيجة للصفات التي أجريت على اسم الجلالة وهو المقصود من هذا التذييل، أي ليس لغير الله شبهة إلهية.
وقوله {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} أي مالك الفلك الأعظم المحيط بالعوالم العليا وقد تقدم. وفي هذا تعريض بأن عظمة ملك بلقيس وعظم عرشها ما كان حقيقا بأن يغرها بالإعراض عن عبادة الله تعالى لأن الله هو رب الملك الأعظم، فتعريف {الْعَرْشِ} للدلالة على معنى الكمال. ووصفه بـ {الْعَظِيمِ} للدلالة على كمال العظم في تجسم النفاسة.
وفي منتهى هذه الآية موضع سجود تلاوة تحقيقا للعمل بمقتضى قوله {أَلَّا يَسْجُدُوا

لِلَّهِ} . وسواء قرىء بتشديد اللام من قوله {أَلَّا يَسْجُدُوا} أم بتخفيفها لأن مآل المعنى على القراءتين واحد وهو إنكار سجودهم لغير الله لأن الله هو الحقيق بالسجود.
[27] {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} .
تقدم عند قوله {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} بيان وجه تطلب سليمان تحقيق صدق خبر الهدهد. والنظر هنا نظر العقل وهو التأمل، ولا سيما وإقحام {كُنْتَ} أدخل في نسبته إلى الكذب من صيغة {أَصَدَقْتَ} لأن فعل {كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} يفيد الرسوخ في الوصف بأنه كائن عليه. وجملة {مِنَ الْكَاذِبِينَ} أشد في النسبة إلى الكذب بالانخراط في سلك الكاذبين بأن يكون الكذب عاده له. وفي ذلك إيذان بتوضيح تهمته بالكذب ليتخلص من العقاب، وإيذان بالتوبيخ والتهديد وإدخال الروع عليه بأن كذبه أرجح عند الملك ليكون الهدهد مغلبا الخوف على الرجاء، وذلك أدخل في التأديب على مثل فعلته وفي حرصه على تصديق نفسه بأن يبلغ الكتاب الذي يرسله معه.
[28] {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} .
الجملة مبينة لجملة {سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين} لأن فيما سينكشف بعد توجيه كتابه إلى ملكة سبأ ما يصدق خبر الهدهد إن جاء من الملكة جواب عن كتابه، أو يكذب خبر الهدهد إن لم يجيء منها جواب. ألهم الله سليمان بحكمته أن يجعل لاتصاله ببلاد اليمن طريق المراسلة لإدخال المملكة في حيز نفوذه والانتفاع باجتلاب خيراتها وجعلها طريق تجارة مع شرق مملكته فكتب إلى ملكة سبا كتابا لتأتي إليه وتدخل تحت طاعته وتصلح ديانة قومها، وليعلم أن الله ألقى في نفوس الملوك المعاصرين له رهبة من ملكه وجلبا لمرضاته لأن الله أيده وأن كانت مملكته أصغر من ممالك جيرانه مثل مملكة اليمن ومملكة مصر. وكانت مملكة سليمان يومئذ محدودة بالأردن وتخوم مصر وبحر الروم1. ولم يزل تبادل الرسائل بين الملوك من سنة الدول ومن سنة الدعاة إلى الخير. وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر. وقد عظم شأن الكتابة في دول الإسلام قال الحريري في "المقامة الثانية والعشرين "والمنشئ جهنية الأخبار، وحقيبة الأسرار، وقلمه لسان الدول، وفارس الجولة..." الخ.
ـــــــ
1 انظر الإصحاح 4 من سفر الملوك الأولى.

واتخذ للمراسلة وسيلة الطير الزاجل من حمام ونحوه، فالهدهد من فصيلة الحمام وهو قابل للتدجين، فقوله {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا} يقتضي كلاما محذوفا وهو أن سليمان فكر في الاتصال بين مملكته وبين مملكة سبأ فأحضر كتابا وحمله الهدهد.
وتقدم القول على {مَاذَا} عند قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ} في [سورة النحل: 24]. وفعل {انْظُرْ} معلق عن العمل بالاستفهام.
والإلقاء: الرمي إلى الأرض. وتقدم في قوله تعالى {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} في [سورة يوسف: 10] وهو هنا مستعمل إما في حقيقته إن كان شأن الهدهد أن يصل إلى المكان فيرمي الكتاب من منقاره، وإما في مجازه إن كان يدخل المكان المرسل إليه فيتناول أصحابه الرسالة من رجله التي تربط فيها الرسالة فيكون الإلقاء مثل قوله {فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} في [سورة النحل: 86].
والمراد بالرجع: رجع الجواب عن الكتاب، أي من قبول أو رفض. وهذا كقوله الآتي {فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} .
[29 - 31] {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} .
طويت أخبار كثير دل عليها ما بين الخبرين المذكورين من اقتضاء عدة أحداث، إذ التقدير: فذهب الهدهد إلى سبا فرمى بالكتاب فأبلغ الكتاب إلى الملكة وهي في مجلس ملكها فقرأته قالت يا أيها الملأ الخ.
وجملة {قَالَتِ} مستأنفة استئنافا بيانيا لأن غرابة قصة إلقاء الكتاب إليها يثير سؤالا عن شأنها حين بلغها الكتاب.
و {الْمَلأِ} الجماعة من أشراف القوم وهم أهل مجلسها. وظاهر قولها {أُلْقِيَ إِلَيَّ} أن الكتاب سلم إليها دون حضور أهل مجلسها. وتقدم غير مرة وذلك أن يكون نظام بلاطها أن تسلم الرسائل إليها رأسا. والإلقاء تقدم آنفا.
ووصف الكتاب بالكريم ينصرف إلى نفاسته في جنسه كما تقدم عند قوله تعالى {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} في [سورة الأنفال: 74]؛ بأن كل نفيس الصحيفة نفيس التخطيط

بهيج الشكل مستوفيا كل ما جرت عادة أمثالهم بالتأنق فيه. ومن ذلك أن يكون مختوما، وقد قيل كرم الكتاب ختمه ليكون ما في ضمنه خاصا باطلاع من أرسل إليه وهو يطلع عليه من يشاء ويكتمه عمن يشاء. قال ابن العربي "الوصف بالكرم في الكتاب غاية الوصف؛ ألا ترى إلى قوله تعالى {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 77] وأهل الزمان يصفون الكتاب بالخطير، والأثير، والمبرور، فإن كان لملك قالوا: العزيز، وأسقطوا الكريم غفلة وهو أفضلها خصلة".
وأما ما يشتمل عليه الكتاب من المعاني فلم يكن محمودا عندها لأنها قالت {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} [النمل: 34].
ثم قصت عليهم الكتاب حين قالت {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ} إلى آخره. فيحتمل أن يكون قد ترجم لها قبل أن تخرج إلى مجلس مشورتها، ويحتمل أن تكون عارفة بالعبرانية، ويحتمل أن يكون الكتاب مكتوبا بالعربية القحطانية فإن عظمة ملك سليمان لا تخلو من كتاب عارفين بلغات الأمم المجاورة لمملكته، وكونه بلغته أظهر وأنسب بشعار الملوك، وقد كتب النبيء صلى الله عليه وسلم للملوك باللغة العربية.
أما الكلام المذكور في هذه الآية فهو ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية الفصحى بتضمين دقائقه وخصوصيات اللغة التي أنشىء بها.
وقوله {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} هو من كلام الملكة ابتدأت به مخاطبة أهل مشورتها لإيقاظ أفهاهم إلى التدبر في مغزاه لأن اللائق بسليمان أن لا يقدم في كتابه شيئا قبل اسم الله تعالى، وأن معرفة اسم سليمان تؤخذ من ختمه وهو خارج الكتاب فلذلك ابتدأت به أيضا.
والتأكيد بـ {إِنَّ} في الموضعين يترجم عما في كلامهما باللغة السبائية من عبارات دالة على اهتمامها بمرسل الكتاب وبما تضمنه الكتاب اهتماما يؤدي مثله في العربية الفصحى بحرف التأكيد الذي يدل على الاهتمام في مقام لا شك فيه.
وتكرير حرف {إِنَّ} بعد واو العطف إيماء إلى اختلاف المعطوف والمعطوف عليه بأن المراد بالمعطوف عليه ذات الكتابة والمراد بالمعطوف معناه وما اشتمل عليه، كما تقول: إن فلانا لحسن الطلعة وإنه لزكي. وهذا من خصوصيات إعادة العامل بعد حرف العطف مع إغناء حرف العطف عن ذكر العامل، ونظيره قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ، أعيد {أَطِيعُوا} لاختلاف معنى الطاعتين لأن طاعة الله تنصرف إلى الأعمال الدينية وطاعة الرسول مراد بها طاعته في التصرفات الدنيوية ولذلك عطف على الرسول أولو الأمر من الأمة.
وقوله {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} حكاية لمقالها، وعرفت هي ذلك من عنوان الكتاب بأعلاه أو بظاهره على حسب طريقة الرسائل السلطانية في ذلك العهد في بني إسرائيل، مثل افتتاح كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك بجملة "من محمد رسول الله".
وافتتاح الكتاب بجملة البسملة يدل على أن مرادفها كان خاصا بكتب النبي سليمان أن يتبع اسم الجلالة بوصفي: الرحمان الرحيم، فصار ذلك سنة لافتتاح الأمور ذوات البال في الإسلام ادخره الله للمسلمين من بقايا سنة الأنبياء بعد أن تنوسي ذلك فإنه لم يعرف أن بني إسرائيل افتتحوا كتبهم باسم الله الرحمن الرحيم.
روى أبو داود في كتاب "المراسيل": أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب "باسمك اللهم" كما كانت قريش تكتب، فلما نزلت هذه الآية صار يكتب "بسم الله الرحمن الرحيم" ، أي صار يكتب البسملة في أول كتبه. وأما جعلها فصلا بين السور أو أية من كل سورة فمسألة أخرى.
وكان كتاب سليمان وجيزا لأن ذلك أنسب بمخاطبة من لا يحسن لغة المخاطب فيقتصر له على المقصود لإمكان ترجمته وحصول فهمه فأحاط كتابه بالمقصود، وهو تحذير ملكة سبأ من أن تحاول الترفع على الخضوع إلى سليمان والطاعة له كما كان شأن الملوك المجاورين له بمصر وصور والعراق.
فالإتيان المأمور به في قوله {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} هو إتيان مجازي مثل ما يقال: اتبع سبيلي.
و {مُسْلِمِينَ} مشتق من أسلم إذا تقلد الإسلام. وإطلاق اسم الإسلام على الدين يدل على أن سليمان إنما دعا ملكة سبا وقومها إلى نبذ الشرك والاعتراف لله بالإلهية والوحدانية ولم يدعهم إلى اتباع شريعة التوراة لأنهم غير مخاطبين بها وأما دعوتهم إلى إفراد الله بالعبادة والاعتراف له بالوحدانية في الإلهية فذلك مما خاطب الله به البشر كلهم وشاع ذلك فيهم من عهد آدم ونوح وإبراهيم. وقد بينا ذلك عند قوله تعالى {فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} في[سورة البقرة: 132]، قال تعالى {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ

لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} . جمع سليمان بين دعوتها إلى مسالمته وطاعته وذلك تصرف بصفة الملك، وبين دعوة قومها إلى اتباع دين التوحيد وذلك تصرف بالنبوءة لأن النبي يلقي الإرشاد إلى الهدى حيثما تمكن منه كما قال شعيب {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: 88] وهذا نظير قول يوسف لصاحبي السجن {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39] الآية. وإن كان لم يرسل إليهم، فالأنبيائ مأمورون أمرا عاما بالإرشاد إلى الحق وكذلك دعاء سليمان هنا، وقال النبيء صلى الله عليه وسلم "لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم" فهذه سنة الشرائع لأن الغاية المهمة عندها هو إصلاح النفوس دون التشفي وحب الغلبة.
وحرف {أَنَّ} من قوله {أن لا تعلوا عليّ} في موقعه غموض لأن الظاهر أنه مما شمله كتاب سليمان لوقوعه بعد البسملة التي هي مبدأ الكتاب. وهذا الحرف لا يخلو من كونه {أَنَّ} المصدرية الناصبة للمضارع، أو المخففة من الثقيلة، أو التفسيرية.
فأما معنى {أَنَّ} المصدرية الناصبة للمضارع فلا يتضح لأنها تستدعي عاملا يكون مصدرها المنسبك بها معملا له وليس في الكلام ما يصلح لذلك لفظا مطلقا ولا معنى إلا بتعسف وقد جوزه ابن هشام في مغني اللبيب في بحث "ألا" الذي هو حرف تخضيض وهو وجهة شيخنا محمد النجار رحمه الله بأن يجعل {أن لا تعلوا} الخ خبرا عن ضمير {كِتَابٌ} في قوله {وَإِنَّهُ} فحيث كان مضمون الكتاب النهي عن العلو جعل {أن لا تعلوا} نفس الكتاب كا يقع الإخبار بالمصدر. وهذا تكلف لأنه يقتضي الفصل بين أجزاء الكتاب بقوله {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
وأما معنى المخففة من الثقيلة فكذلك لوجوب سد مصدر مسدها وكونها معمولة لعامل، وليس في الكلام ما يصلح لذلك أيضا. وقد ذكر وجها ثالثا في الآية في بعض نسخ مغني اللبيب في بحث "ألا" أيضا ولم يوجد في النسخ الصحيحة من المغني ولا من شروحه ولعله من زيادات بعض الطلبة. وقد اقتصر في الكشاف على وجه التفسيرية لعلمه بأن غير ذلك لا ينبغي أن يفرض. وأعقبه بما روي من نسخة كتاب سليمان ليظهر أن ليس في كتاب سليمان ما يقابل حرف "أن" فلذلك تتعين "أن" لمعنى التفسيرية لضمير {وَإِنَّهُ} العائد إلى حرف {كِتَابٌ} كما علمته آنفا لأنه لما كان عائد إلى "كتاب" كان بمعنى معاده فكان مما فيه معنى القول دون حروفه فصح وقع "أن" بعده فيكون "أن" من كلام ملكة سبا فسرت بها وبما بعدها مضمون {كِتَابٌ} في قولها {أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} .

و {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ} يكون هو أول كتاب سليمان، وإنها حكاية لكلام بلقيس. قال في الكشف يتبين أن قوله {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} بيان لعنوان الكتاب وأن قوله {وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الخ بيان لمضمون الكتاب فلا يرد سؤال كيف قدم قوله {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} على {وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . ولم تزل نفسي غير منثلجة لهذه الوجوه في هذه الآية ويخطر ببالي أن أن موقع "أن" هذه استعمال خاص في افتتاح الكلام يعتمد عليه المتكلم في أول كلامه. وأنها المخففة من الثقيلة. وقد رأيت في بعض خطب النبي صلى الله عليه وسلم الافتتاح بـ"أن" في ثاني خطبة خطبها بالمدينة في سيرة ابن إسحاق. وذكر السهيلي: أن الحمد، مضبوط بضمة على تقدير ضمير الأمر والشأن. ولكن كلامه جرى على أن حرف "إن" مكسور الهمزة مشدد النون. ويظهر لي أن الهمزة مفتوحة وأنه استعمال لـ"إن" المخففة من الثقيلة في افتتاح الأمور المهمة وأن منه قوله تعالى {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
و {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ} نهي مستعمل في التهديد ولذلك أتبعته ملكة سبا بقولها {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي}
[32] {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ} .
سألتهم إبداء آرائهم ماذا تعمل تجاه دعوة سليمان. والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا مثل التي قبلها.
والإفتاء: الإخبار بالفتوى وهي إزالة مشكل يعرض. وقد تقدمت عند قوله تعالى { قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} في [سورة يوسف: 41].
والأمر: الحال المهم، وإضافته إلى ضميرها لأنها المخاطبة بكتاب سليمان ولأنها المضطلعة بما يجب إجراؤه من شؤون المملكة وعليها تبعة الخطأ في المنهج الذي تسلكه من السياسة، ولذلك يقال للخليفة وللملك وللأمير ولعالم الدين: ولي الأمر. وبهذه الثلاثة فسر قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]. وقال الراعي يخاطب عبد الملك بن مروان:
أولي أمر الله إنا معشر
...
حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
فهذا معنى قولهم لها {وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ} .

وقد أفادت إضافة {أَمْرِي} تعريفا، أي في الحادثة المعينة.
ومعنى {قَاطِعَةً أَمْراً} عاملة عملا لا تردد فيه بالعزم على ما تجيب به سليمان.
وصيغة {كُنْتُ قَاطِعَةً} تؤذن بأن ذلك دأبها وعادتها معهم، فكانت عاقلة حكيمة مستشيرة لا تخاطر بالاستبداد بمصالح قومها ولا تعرض ملكها لمهاوي أخطاء المستبدين.
والأمر في {مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً} هو أيضا الحال المهم، أي أنها لا تفضي في المهمات إلا عن استشارتهم.
و {تَشْهَدُونِ} مضارع شهد المستعمل بمعنى حضر كقوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} ، أي حتى تحضرون، وشهد هذا يتعدى بنفسه إلى كل ما يحضر فاعل الفعل عنده من مكان وزمان واسم ذات، وذلك تعد على التوسع لكثرته، وحق الفعل أن يعدى بحرف الجر أو يعلق به ظرف. يقال: شهد عند فلان وشهد مجلس فلان. ويقال: شهد الجمعة. وفعل {تَشْهَدُونِ} هنا مستعمل كناية عن المشاورة لأنها يلزمها الحضور غالبا إذ لا تقع مشاورة مع غائب.
والنون في {تَشْهَدُونِ} نون الوقاية وحذفت ياء المتكلم تخفيفا وألقيت كسرة النون المجتلبة لوقاية الحرف الأخير من الفعل عن أن يكون مكسورا ونون الوقاية دالة على المحذوف.
وقرأه الجمهور بحذف الياء وصلا ووقفا. وقرأ يعقوب بإثبات الياء وصلا ووقفا.
وفي قولها {حَتَّى تَشْهَدُونِ} كناية من معنى: توافقوني فيما أقطعه، أي يصدر منها في مقاطع الحقوق والسياسة: إما بالقول كما جرى في هذه الحادثة، وإما بالسكوت وعدم الإنكار لأن حضور المعدود للشورى في مكان الاستشارة مغن عن استشارته إذ سكوته موافقة. ولذلك قال فقهاؤنا: إن على القاضي إذا جلس للقضاء أن يقضي بمحضر أهل العلم أو مشاورتهم. وكان عثمان يقضي بمحضر أهل العلم وكان عمر يستشيرهم وإن لم يحضروا. وقال الفقهاء إن سكوتهم مع حضورهم تقرير لحكمه.
وليس في هذه الآية دليل على مشروعية الشورى لأنها لم تحك شرعا إلهيا ولا سيق مساق المدح، ولكنه حكاية ما جرى عند أمة غير متدينة بوحي إلهي؛ غير أن شأن القرآن فيما يذكره من القصص أن يذكر المهم منها للموعظة أو للإسوة كما قدمنه في المقدمة السابعة. فلذلك يستروح من سياق هذه الآية حسن الشورى. وتقدم ذكر الشورى في سورة

آل عمران.
[33] {قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا ؤ} .
جواب بأسلوب المحاورة فلذلك فصل ولم يعطف كما هي طريقة المحاورات. أرادوا من قولهم: نحن جماعة الملكة الذين هم من أهل الحرب. فهو من إخبار عرفاء القوم عن حال جماعتهم ومن يفوض أمرهم إليهم. والقوة: حقيقتها ومجازها تقدم عند قوله تعالى {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} في [سورة الأعراف: 145]. وأطلقت على وسائل القوة كما تقدم في قوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} في سورة الأنفال، أي وسائل القدرة على القتال والغلبة، ومن القوة كثرة القادرين على القتال والعارفين بأساليبه.
والبأس: الشدة على العدو، قال تعالى {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} [البقرة: 177] أي في مواقع القتال، وقال {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} [الحشر: 14]. وهذا الجواب تصريح بأنهم مستعدون للحرب للدفاع عن ملكهم وتعريض بأنهم يميلون إلى الدفع بالقوة إن أراد أن يكرههم على الدخول تحت طاعته لأنهم حملوا ما تضمنه كتابه على ما قد يفضي إلى هذا.
ومع إظهار هذا الرأي فوضوا الأمر إلى الملكة لثقتهم بأصالة رأيها لتنظر ما تأمرهم فيمتثلونه، فحذف مفعول {تَأْمُرِينَ} ومتعلقه لظهورهما من المقام، والتقدير: ما تأمريننا به، أي إن كان رأيك غير الحرب فمري به نطعك.
وفعل {انْظُرِي} معلق عن العمل بما بعده من الاستفهام وهو {مَاذَا تَأْمُرِينَ} .
وتقدم الكلام على {مَاذَا} في قوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} في [سورة النحل: 24].
[34، 35] {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} .
{قَالَتْ} جواب محاورة فلذلك فصل.
أبدت لهم رأيها مفضلة جانب السلم على جانب الحرب وحاذرة من الدخول تحت سلطة سليمان اختيارا لأن نهاية الحرب فيها احتمال أن ينتصر سليمان فتصير مملكة سبا إليه، وفي الدخول تحت سلطة سليمان إلقاء للمملكة في تصرفه، وفي كلا الحالين يحصل

تصرف ملك جديد في مدينتها فعلمت بقياس شواهد التاريخ وبخبرة طبائع الملوك إذا تصرفوا في مملكة غيرهم أن يقلبوا نظامها إلى ما يساير مصالحهم واطمئنان نفوسهم من انقلاب الأمة المغلوبة عليهم في فرص الضعف أو لوائح الاشتغال بحوادث مهمة، فأول ما يفعلونه إقصاء الذين كانوا في الحكم لأن الخطر يتوقع من جانبهم حيث زال سلطانهم بالسلطان الجديد، ثم يبدلون القوانين والنظم التي كانت تسير عليها الدولة، فأما إذا أخذوها عنوة فلا يخلو الأخذ من تخريب وسبي ومغانم، وذلك أشد فسادا. وقد اندرج الحالان في قولها {إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} .
وافتتاح جملة {إِنَّ الْمُلُوكَ} بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر وتحقيقه، فقولها {إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} استدلال بشواهد التاريخ الماضي ولهذا تكون {إِذَا} ظرفا للماضي بقرينة المقام كقوله تعالى {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] وقوله {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا} [التوبة: 92].
وجملة {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} استدلال على المستقبل بحكم الماضي على طريقة الاستصحاب وهو كالنتيجة للدليل الذي في قوله {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} . والإشارة إلى المذكور من الإفساد وجعل الأعزة أذلة، أي فكيف نلقي بأيدينا إلى من لا يألو إفسادا في حالنا.
فدبرت أن تتفادى من الحرب ومن الإلقاء باليد، بطريقة المصانعة والتزلف إلى سليمان بإرسال هدية إليه، وقد عزمت على ذلك ولم تستطلع رأي أهل مشورتها لأنهم فوضوا الرأي إليها، ولأن سكوتهم على ما تخبرهم به يعد موافقة ورضى.
وهذا الكلام مقدمة لما ستلقيه إليهم من عزمها، ويتضمن تعليلا لما عزمت عليه.
والباء في {بِهَدِيَّةٍ} باء المصاحبة. ومفعول {مُرْسِلَةٌ} محذوف دل عليه وصف {مُرْسِلَةٌ} وكون التشاور فيما تضمنه كتاب سليمان. فالتقدير: مرسلة إليهم كتابا ووفدا مصحوبا بهدية إذ لا بد أن يكون الوفد مصحوبا بكتاب تجيب به كتاب سليمان فإن الجواب عن الكتاب عادة قديمة، وهو من سنن المسلمين، وعد من حق المسلم على المسلم قال القرطبي: إذا ورد على إنسان في كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يرد الجواب لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبا كرد السلام اه. ولم أقف على حكم فيه من مذاهب الفقهاء. والظاهر أن الجواب إن كان عن كتاب مشتمل على صيغة السلام أن يكون رد الجواب واجبا وأن

يشتمل على رد السلام لأن الرد بالكتابة يقاس على الرد بالكلام مع إلغاء فارق ما في المكالمة من المواجهة التي يكون ترك الرد معها أقرب لإلقاء العداوة. ولم أر في كتب النبي صلى الله عليه وسلم جوابا عن كتاب إلا جوابه عن كتاب مسيلمة والسلام على من أتبع الهدى.
والهدية: فعيلة من أهدى: فالهدية ما يعطى لقصد التقرب والتحبب، والجمع هدايا على اللغة الفصحى، وهي لغة سفلى معد. وأصل هدايا: هدائي بهمزة بعد ألف الجمع ثم ياء لأن فعيلة يجمع على فعائل بإبدال ياء فعيلة همزة لأنها حرف وقع في الجمع بعد حرف مد فلما وجدوا الضمة في حالة ارفع ثقيلة على الياء سكنوا الياء طردا للباب ثم قلبوا الياء الساكنة ألفا للخفة فوقعت الهمزة بين ألفين فثقلت فقلبوها ياء لأنها مفتوحة وهي أخف، وأما لغة سفلى معد فيقولون: هداوى بقلب الهمزة التي بين الألفين واوا لأنها أخت الياء وكلتاهما أخت الهمزة.
و {نَاظِرَةٌ} اسم فاعل من نظر بمعنى انتظر، أي مترقبة، فتكون جملة {بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} مبينة لجملة {فَنَاظِرَةٌ} ، أو مستأنفة. وأصل النظم: فناظرة ما يرجع المرسلون به، فغير النظم لما أريد أنها مترددة فيما يرجع به المرسلون. فالباء في قوله {بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} متعلقة بفعل {يَرْجِعُ} قدمت على متعلقها لاقترانها بحرف {ما} الاستفهامية لأن الاستفهام له صدر الكلام.
ويجوز أن يكون {نَاظِرَةٌ} من النظر العقلي، أي عالمة، وتعلق الباء بفعل {يَرْجِعُ} ، وعلى كلا الوجهين {فَنَاظِرَةٌ} معلق عن العمل في مفعوله أو مفعوليه لوجود الاستفهام، ولا يجوز تعلق الباء بـ {نَاظِرَةٌ} لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده فمن ثم غلطوا الحوفي في تفسيره لتعليقه الباء بـ {نَاظِرَةٌ} كما في الجهة السادسة من الباب الخامس من مغنى اللبيب.
[36، 37] {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
أي فلما جاء الرسول الذي دل عليه قوله {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} ، فالإرسال يقتضي رسولا، والرسول لفظه مفرد ويصدق بالواحد والجماعة، كما تقدم في قصة موسى في سورة الشعراء. وأيضا فإن هدايا الملوك يحملها ركب، فيجوز أن يكون

فاعل {جَاءَ} الركب المعهود في إرسال هدايا أمثال الملوك.
وقد أبى سليمان قبول الهدية لأن الملكة أرسلتها بعد بلوغ كتابه ولعلها سكتت عن الجواب عما تضمنه كتابه من قوله {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} فتبين له قصدها من الهدية أن تصرفه عن محاولة ما تضمنه الكتاب، فكانت الهدية رشوة لتصرفه عن بث سلطانه على مملكة سبأ.
والخطاب في {أَتُمِدُّونَنِ} لوفد الهدية لقصد تبليغه إلى الملكة لأن خطاب الرسل إنما يقصد به من أرسلهم فيما يرجع إلى الغرض المرسل فيه.
والاستفهام إنكاري لأن حال إرسال الهدية والسكوت عن الجواب يقتضي محاولة صرف سليمان عن طلب ما طلبه بما بذل له من المال، فيقتضي أنهم يحسوبنه محتاجا إلى مثل ذلك المال فيقتنع بما وجه إليه.
ويظهر أن الهدية كان ذهبا ومالا.
وقرأ الجمهور {أتمدونني} بنونين. وقرأه حمزة وخلف بنون واحدة مشددة بالإدغام. والفاء لتفريع الكلام الذي بعدها على الإنكار السابق، أي أنكرت عليكم ظنكم فرحي بما وجهتم لي لأن ما أعطاني الله خير مما أعطاكم، أي فهو أفضل منه في صفات الأموال من نفاسة ووفرة.
وسوق التعليل يشعر بأنه علم أن الملكة لا تعلم أن لدى سليمان من الأموال ما هو خير مما لديها لأنه لو كان يظن أنها تعلم ذلك لما احتاج إلى التفريع.
وهذا من أسرار الفرق في الكلام البليغ بين الواو والفاء في هذه الجملة فلو قال: وما آتاني الله خير مما آتاكم، لكان مشعرا بأنها تعلم ذلك لأن الواو تكون واو الحال.
و {بَلْ} للإضراب الانتقالي وهو انتقال من إنكاره عليهم إمداده بمال إلى رد ذلك المال وإرجاعه إليهم.
وإضافة {هديتكم} تشبيه، تحتمل أن تكون من إضافة الشيء إلى ما هو في معنى المفعول، أي مما تهدونه. ويجوز أن يكون شبيهة بالإضافة إلى ما هو في معنى المفعول، أي بما يهدى إليكم. والخبر استعمل كناية عن رد الهدية للمهدي.
ومعنى {تَفْرَحُونَ} يجوز أن يكون تسرون، ويجوز أن يكون تفتخرون، أي أنتم

تعظم عندكم تلك الهدية لا أنا لأن الله أعطاني خيرا منها.
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في "أنتم...تفرحون" لإفادة القصر، أي أنتم. وهو الكناية عن رد الهدية.
وتوعدهم وهددهم بأنه مرسل إليهم جيشا لا قبل لهم بحربه. وضمائر جمع الذكور الغائب في قوله {فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ} {وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ} عائدة إلى القوم، أي لنخرجن من نخرج من الأسرى.
وقوله {فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ} يحتمل أنه أراد غزو بلدها بنفسه، فتكون الباء للمصاحبة. ويحتمل أنه أراد إرسال جنود لغزوها فتكون الباء للتعدية كالتي في قوله تعالى {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} أي أذهبة؛ فيكون المعنى: فلنؤتينهم جنودا، أي نجعلها آتية إياهم.
والقبل: الطاقة. وأصله المقابلة فأطلق على الطاقة لأن الذي يطيق شيئا يثبت للقائه ويقابله. فإذا لم يطقه تقهقر عن لقائه. ولعل أصل هذا الاستعمال ناظر إلى المقابلة في القتال.
والباء في {بِهَا} للسببية، أي انتفى قبلهم بسببها، أو تكون الباء للمصاحبة، أي انتفى قبلهم المصاحب لها، أي للقدرة عل لقائها.
وضمير {بِهَا} للجنود وضمير {مِنْهَا} للمدينة، وهي مأرب، أي يخرجهم أسرى ويأتي بهم إلى مدينته.
والصاغر: الذليل اسم فاعل من صغر بضم الغين المستعمل بمعنى ذل ومصدره الصغار. والمراد: ذل الهزيمة والأسر.
[38 - 40] {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} .
استئناف ابتدائي لذكر بعض أجزاء القصة طوي خبر رجوع الرسل والهداية، وعلم سليمان أن ملكة سبأ لا يسعها إلا طاعته ومجيئها إليه، أو ورد له منها أنها عزمت على

الحضور عند عملا بقوله {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} .
ثم يحتمل أن يكون سليمان قال ذلك بعد أن حطت رحال الملكة في مدينة أورشليم وقبل أن تتهيأ للدخول على الملك، أو حين جاءه الخبر بأنها شارفت المدينة فأراد أن يحضر لها عرشها قبل أن تدخل عليه ليريها مقدرة أهل دولته.
وقد يكون عرشها محمولا معها في رحالها جاءت به معها لتجلس عليه خشية أن لا يهئ لها سلميان عرشا، فإن للملوك تقادير وظنونا يحترزون منها خشية الغضاضة.
وقوله {آتِيكَ} يجوز ان يكون فعلا مضارعا من أتى، وأن يكون اسم فاعل منه، والباء على الاحتمالين للتعدية. ولما علم سليمان بأنها ستحضر عنده أراد أن يبهتها بإحضار عرشها الذي تفتخر به وتعده نادرة الدنيا فخاطب ملأه ليظهر منهم منتهى علمهم وقوتهم، فالباء في {بِعَرْشِهَا} كالباء في قوله {فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ} تحتمل الوجهين.
وجملة {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ} مستأنفة ابتداء لجزء من قصة. وجملة {قَالَ عِفْرِيتٌ} واقعة موقع جواب المحاورة ففصلت على أسلوب المحاورات كما تقدم غير مرة. وجملة {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} أيضا جواب محاورة.
ومعنى {عِفْرِيتٌ} حسبما يستخلص من مختلف كلمات أهل اللغة أنه اسم للشديد الذي لا يصاب ولا ينال، فهو يتقى لشره. وأصله اسم لعتاة الجن، ويوصف به الناس على معنى التشبيه.
و {الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} رجل من أهل الحكمة من حاشية سليمان.
و {مِنَ} في قوله {مِنَ الْكِتَابِ} ابتدائية، أي عنده علم مكتسب من الكتب، أي من الحكمة، وليس المراد بالكتاب التوراة. وقد عد في سفر الملوك الأول في الإصحاح الرابع أحد عشر رجلا أهل خاصة سليمان بأسمائهم وذكر أهل التفسير والقصص أن {الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} هو "آصف بن برخيا" وأنه كان وزير سليمان.
وارتداد الطرف حقيقته: رجوع تحديق العين من جهة منظورة تحول عنها لحظة. وعبر عنه بالارتداد لأنهم يعبرون عن النظر بإرسال الطرف وإرسال النظر فكان الارتداد استعارة مبنية على ذلك.

وهذه المناظرة بين العفريت من الجن والذي عنده علم من الكتاب ترمز إلى أنه يتأتى بالحكمة والعلم ما لا يتأتى بالقوة، وأن الحكمة مكتسبة لقوله {عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} ، وأن قوة العناصر طبيعة فيها، وأن الاكتساب بالعلم طريق لاستخدام القوى التي لا تستطيع استخدام بعضها بعضا. فذكر في هذه القصة مثلا لتغلب العلم على القوة. ولما كان هذان الرجلان مسخرين لسليمان كان ما اختصا به من المعرفة مزية لهما ترجع إلى فضل سليمان وكرامته أن سخر الله له مثل هذه القوى. ومقام نبوته يترفع عن أن يباشر بنفسه الاتيان بعرش بلقيس.
والظاهر أن قوله {قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} وقوله {قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} مثلان في السرعة والأسرعية، والضمير البارز في {رَآهُ} يعود إلى العرش.
والاستقرار: التمكن في الأرض وهو مبالغة في القرار. وهذا استقرار خاص هو غير الاستقرار العام المرادف للكون، وهو الاستقرار الذي يقدر في الإخبار عن المبتدأ بالظرف والمجرور ليكون متعلقا بهما إذا وقعا خبرا أو وقعا حالا إذ يقدر "كائن" أو "مستقر" فإن ذلك الاستقرار ليس شأنه أن يصرح به. وابن عطية جعله في الآية من إظهار المقدر وهو بعيد.
ولما ذكر الفضل إضافة إلى الله بعنوان كونه ربه لإظهار أن فضله عليه عظيم إذ هو عبد ربه. فليس إحسان الله إليه إلا فضلا محضا ولم يشتغل سليمان حين أحضر له العرش بأن يبتهج بسلطانه ولا بمقدرة رجاله ولكنه انصرف إلى شكر الله تعالى على ما منحه من فضل وأعطاه من جند مسخرين بالعلم والقوة، فمزايا جميعهم وفضلهم راجع إلى تفضيله.
وضرب حكمة خلقية دينية وهي {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} ؛ فكل متقرب إلى الله بعمل صالح يجب أن يستحضر أن علمه إنما هو لنفسه يرجو به ثواب الله ورضاه في الآخرة ويرجو دوام التفضل من الله عليه في الدنيا، فالنفع حاصل له في الدارين ولا ينتفع الله بشيء من ذلك.
فالكلام في قوله {يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لام الأجل وليست اللام التي يعدى بها فعل الشكر في نحو {وَاشْكُرُوا لِي} [البقرة: 152]. والمراد بـ {مَنْ كَفَرَ} من كفر فضل الله عليه بأن عبد غير الله فإن الله غني عن شكره وهو كريم في إمهاله ورزقه في هذه الدنيا. وقد تقدم عند قوله فيما تقدم {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ}
والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} دون أن يقول:

فإنه غني كريم، تأكيد للاعتراف بتمحض الفضل المستفاد من قوله {فَضْلِ رَبِّي} .
[41] {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ} .
هذا من جملة المحاورة التي جريت بين سليمان عليه السلام وبين ملئه ولذلك لم يعطف لأنه جرى على طريقة المقاولة والمحاورة.
والتنكير: التغيير للحالة. قال جميل:
وقالوا نزاها يا جميل تنكرت
...
وغيرها الواشي فقلت: لعلها
أراد: تنكرت حالة معاشرتها بسبب تغيير الواشين، بأن يغير بعض أوصافه، قالوا: أراد مفاجأتها واختبار مظنتها.
والمأمور بالتنكير أهل المقدرة على ذلك من ملئه.
و {مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ} أبلغ في انتفاء الاهتداء من: لا تهتدي، كما تقدم في نظائره غير مرة.
[42، 43] {فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ} .
{فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} .
دل قوله {لَمَّا جَاءَتْ} أن الملكة لما بلغها ما أجاب به سليمان رسلها أزمعت الحضور بنفسها لدى سليمان داخلة تحت نفوذ مملكته وأنها تجهزت للسفر إلى أورشليم بما يليق بمثلها.
وقد طوي خبر ارتحالها إذ لا غرض مهما يتعلق به في موضع العبرة. والمقصود أنها خضعت لأمر سليمان وجاءته راغبة في الانتساب إليه.
وبني فعل {قِيلَ} للمجهول إذ لا يتعلق غرض بالقائل. والظاهر أن الذي قال ذلك هو سليمان.
{وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} .

يجوز أن يكون عطفاً على قوله: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي} [النمل: 40] الآية وما بينهما اعتراضاً، أي هذا من قول سليمان.
يجوز أن يكون عطفا على قوله {نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي} الآية وما بينهما اعتراضا كذلك، ويجوز أن يكون عطفا على {أَهَكَذَا عَرْشُكِ} وما بينهما اعتراضا به جوابها، أي وقيل أوتينا العلم من قبلها، أي قال القائل أهكذا عرشك، أي قال سليمان ذلك في ملئه عقب اختيار رأيها شكرا لله على ما لديه من العلم، أو قال بعض ملأ سليمان لبعض هذه المقالة. ولعلهم تخافتوا به أو رطنوه بلغتهم العبرية بحيث لا تفهمهم. وقالوا ذلك بهجين بأن فيهم من له من العلم ما ليس لملأ ملكة سبأ، أي لا ننسى بما نشاهده من بهرجات هذه الملكة إننا في حالة عقلية أفضل. وأرادوا بالعلم علم الحكمة الذي علمه الله سليمان ورجال مملكته وتشاركهم بعض أهل سبأ في بعضه فقد كانوا أهل معرفة أنشاوا بها حضارة مبهتة.
فمعنى {مِنْ قَبْلِهَا} إن حمل على ظاهره أن قومهم بني إسرائيل كانوا أسبق في معرفة الحكمة وحضارة الملك من أهل سبا لأن الحكمة ظهرت في بني إسرائيل من عهد موسى، فقد سن لهم الشريعة، وأقام لهم نظام الجماعة، وعلمهم أسلوب الحضارة بتخطيط رسوم مساكنهم وملابسهم ونظام الجيش والحرب والمواسم والمحافل. ثم أخذ ذلك يرتقي إلى أن بلغ غاية بعيدة في مدة سليمان، فبهذا الاعتبار كان بنو إسرائيل أسبق إلى علم الحكمة قبل أهل سبأ. وإن أريد بـ {مِنْ قَبْلِهَا} القبلية الاعتبارية وهي الفضل والتفوق في المزايا وهو الأليق بالمعنى كان المعنى: إنا أوسع وأقوى منها علما، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "نحن الأولون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا" أي نحن الأولون في غايات الهدى، وجعل مثلا لذلك اهتداء أهل الاسلام ليوم الجمعة فقال "وهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه". فكان الأرجح أن يكون معنى {مِنْ قَبْلِهَا} أنا فائتونها في العلم وبالغون ما لم تبلغه. وازادوا في إظهار فضلهم عليها بذكر الناحية الدينية، أي وكنا مسلمين دونها. وفي ذكر فعل الكون دلالة على تمكنهم من الإسلام منذ القدم.
وصدها هي عن الإسلام ما كانت تعبد من دون الله، أي صدها معبودها من دون الله، ومتعلق الصد محذوف لدلالة الكلام عليه في قوله {وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} . وما كانت تعبده هو الشمس. وإسناد الصد إلى المعبود مجاز عقلي لأنه بسبب صدها عن التوحيد كقوله تعالى {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} وقوله {غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ} .

وفي ذكر فعل الكون مرتين في {مَا كَانَتْ تَعْبُدُ} ، و {إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} دلالة على تمكنها من عبادة الشمس وكان ذلك التمكن بسبب الانحدار من سلالة المشركين، فالشرك منطبع في نفسها بالوراثة، فالكفر قد أحاط بها بتغلغله في نفسها وبنشأتها عليه وبكونها بين قوم كافرين فمن أين يخلص إليها الهدى والإيمان.
[44] {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} .
جملة {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ} استئناف ابتدائي لجزء من القصة. وطوي ذكر ترحلها إلى وصولها في ذكر ما يدل عليه من حلولها أمام صرح سليمان للدخول معه إليه أو الدخول عليه وهو فيه.
لما أراها سليمان عظمة حضارته انتقل بها حيث تشاهد أثرا بديعا من آثار الصناعة الحكيمة وهو الصرح. والصرح يطلق على صحن الدار وعرصتها. والظاهر أن صرح القصر الذي ذكر في سفر الملوك الأول في الإصحاح السابع وهو بيت وعر له بابان كا يجلس فيه سليمان للقضاء بين الناس.
والقائل لها {ادْخُلِي الصَّرْحَ} هم الذين كانوا في رفقتها.
والقائل {إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} . هو سليمان كان مصاحبا لها أو كان يترقبها وزجاج الصرح المبلط به الصرح بينهما.
وذكر الدخول يقتضي أن الصرح مكان له باب. وفي سفر الملوك الأول في الإصحاح العاشر: فلما رأت البيت الذي بناه.
وحكاية أنها حسبته لجة عندما رأته تقتضي أن ذلك بدا لها في حين دخولها فدل على ان الصرح هو أول ما بدا لها من المدخل فهو لا محالة ساحة معنية للنزهة فرشت بزجاج شفاف وأجري تحته الماء حتى يخاله الناظر لجة ماء. وهذا من بديع الصناعة التي

اختصت بها قصور سليمان في ذلك الزمان لم تكن معروفة في اليمن على ما بلغته من حضارة وعظمة بناء.
وقرأ قنبل عن ابن كثير {عن سأقيها} بهمزة ساكنة بعد السين عوضا عن الألف على لغة من يهمز حرف المد إذا وقع وسط الكلمة. ومنه قول جرير:
لحب المؤقدان إلي مؤسى
...
وجعدة إذ أضاءهما الوقود
فهمز المؤقدان ومؤسى.
وكشف ساقيها كان من أجل أنها شمرت ثيابها كراهية ابتلالها بما حسبته ماء. فالكشف عن ساقيها يجوز أن يكون بخلع خفيها أو نعليها، ويجوز أن يكون بتشمير ثوبها. وقد قيل: إنها كانت لا تلبس الخفين. والممرد: المملس.
والقوارير: جمع قارورة وهي اسم لإناء من الزجاج كانوا يجعلونه للخمر ليظهر للرائي ما قر في قعر الإناء من نفث الخمر فيظهر المقدار الصافي منها. فسمى ذلك الإناء قارورة لأنه يظهر منه ما يقر في قعره، وجمعت على قوارير، ثم أطلق هذا الجمع على الطين الذي تتخذ منه القارورة وهو الزجاج فالقوارير من أسماء الزجاج، قال بشار:
ارفق بعمرو إذا حركت نسبته
...
فإنه عربي من قوارير
يريد أن نسبته في العرب ضعيفة إذا حركت تكسرت. وقد تقدم ذكر الزجاج عند قوله تعالى {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} في [سورة النور: 35].
{رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
بهرها ما رأت من آيات علمت منها أن سليمان صادق فيما دعاها إليه وأنه مؤيد من الله تعالى، وعلمت أن دينها ودين قوها باطل فاعترفت بأنها ظلمت نفسها في اتباع الضلال بعبادة الشمس. وهذا درجة أولى في الاعتقاد وهو درجة التخلية، ثم صعدت إلى الدرجة التي فوقها وهي درجة التحلي بالإيمان الحق فقالت: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فاعترفت بأن الله هو رب جميع الموجودات، وهذا مقام التوحيد.
وفي قولها {مَعَ سُلَيْمَانَ} إيمان بالدين الذي تقلده سليمان وهو دين اليهودية، وقد أرادت جمع معاني الدين في هذه الكلمة ليكون تفصيلها فيما تتلقاه من سليمان من الشرائع والأحكام.

وجملة {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} جواب عن قول سليمان {إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} ولذلك لم تعطف.
والإسلام: الانقياد إلى الله تعالى. وتقلد بلقيس للتوحيد كان في خاصة نفسها لأنها دانت لله بذلك إذ لم يثبت أن أهل سبأ انخلعوا عن عبادة الأصنام كما يأتي في سورة سبأ. وأما دخول اليهودية بلاد اليمن فيأتي في سورة البروج. وسكت القرآن عن بقية خبرها ورجوعها إلى بلادها وللقصاصين أخبار لا تصح فهذا تمام القصة.
ومكان العبرة منها الاتعاظ بحال هذه الملكة، إذ لم يصدها علو شأنها وعظمة سلطانها مع ما أوتيته من سلامة الفطرة وذكاء العقل عن أن تنظر في دلائل صدق الداعي إلى التوحيد وتوقن بفساد الشرك وتعترف بالوحدانية لله، فما يكون إصرار المشركين على شركهم بعد أن جاءهم الهدي الاسلامي إلا لسخافة أحلامهم أو لعمايتهم عن الحق وتمسكهم بالباطل وتصلبهم فيه. ولا أصل لما يذكره القصاصون وبعض المفسرين من أن سليمان تزوج بلقيس ولا أن له ولدا منها. فان رحبعام ابنه الذي خلفه في الملك كان من زوجة عمونية.
[45] {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} .
هذا مثل ثالث ضربه الله لحال المشركين مع المؤمنين وجعله تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن له أسوة بالرسل والأنبياء من قبله.
والانتقال من ذكر ملك سليمان وقصة ملكة سبأ إلى ذكر ثمود ورسولهم دون ذكر عاد لمناسبة جوار البلاد لأن ديار ثمود كانت على تخوم مملكة سليمان وكانت في طريق السائر من سبأ إلى فلسطين.
ألا ترى أنه أعقب ذكر ثمود بذكر قوم لوط وهم أدنى إلى بلاد فلسطين فكان سياق هذه القصص مناسبا لسياق السائر من بلاد اليمن إلى فلسطين. ولما كان ما حل بالقوم أهم ذكرا في هذا المقام قدم المجرور على المفعول لأن المجرور هو محل العبرة، وأما المفعول فهو محل التسلية، والتسلية غرض تبعي.
ولام القسم لتأكيد الإرسال باعتبار ما اتصل به من بقية الخبر؛ فإما أن يكون التأكيد

لمجرد الاهتمام، وإما أن يبنى على تنزيل المخاطبين منزلة من يتردد فيما تضمنه الخبر من تكذيب قومه إياه واستخفافهم بوعيد ربهم على لسانه. وحلول العذاب بهم لأجل ذلك لأن حالهم في عدم العظة بما جرى للمماثلين في حالهم جعلهم كمن ينكر ذلك.
و {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} تفسير لما دل عليه {أَرْسَلْنَا} من معنى القول. وفرع على {أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} الخ {إِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} . فالمعنى: أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا لإنقاذهم من الشرك ففاجأ من حالهم أن أعرض فريق عن الإيمان وآمن فريق.
والإتيان بحرف المفاجأة كناية عن كون انقسامهم غير مرضي فكأنه غير مترقب، ولذلك لم يقع التعرض لإنكار كون أكثرهم كافرين إشارة إلى أن مجرد بقاء الكفر فيهم كاف في قبح فعلهم. وحالهم هذا مساو لحال قريش تجاه الرسالة المحمدية. وأعيد ضمير {يَخْتَصِمُونَ} على المثنى وهو {فَرِيقَانِ} باعتبار اشتمال الفريقين على عدد كثير. كقوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] ولم يقل: اقتتلنا.
والفريقان هما: فريق الذين استكبروا، وفريق الذين استضعفوا وفيهم صالح. والفاء للتعقيب وهو تعقيب بحسب ما يقتضيه العرف بعد سماع الدعوة. والاختصام واقع مع صالح ابتداء ومع أتباعه تبعا.
[46] {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .
لما كان الاختصام بين الفريقين في شأن صالح ابتداء جيء بجواب صالح عما تضمنه اختصامهم من محاولتهم إفحامه بطلب نزول العذاب. فمقول صالح هذا ليس هو ابتداء دعوته فإنه تقدم قوله {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} ولكنه جواب عما تضمنه اختصامهم معه، ولذلك جاءت جملة {قَالَ يَا قَوْمِ} مفصولة جريا على طريقة المحاورة لأنها حكاية جواب عما تضمنه اختصامهم.
واقتصر على مراجعة صالح قومه في شأن غرورهم بظنهم أن تأخر العذاب أمارة على كذب الذي توعدهم به فأنهم قالوا {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} كما حكي عنهم في سورة الأعراف لأن الغرض هنا موعظة قريش في قولهم {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] بحال ثمود المساوي لحالهم

ليعلموا أن عاقبة ذلك مماثلة لعاقبة ثمود لتماثل الحالين قال تعالى {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} .
والاستفهام في قوله {وَيَسْتَعْجِلُونَ} إنكار لأخذهم بجانب العذاب دون جانب الرحمة.
فـ {السَّيِّئَةِ} : صفة لمحذوف، أي بالحالة السيئة، وكذلك {الْحَسَنَةَ} .
فيجوز أن يكون المراد بـ {السَّيِّئَةِ} الحالة السيئة في معاملتهم إياه بتكذيبهم إياه. والمراد بالحسنة ضد ذلك، أي تصديقهم لما جاء به، فالاستعجال: المبادرة. والباء للملابسة. ومفعول {تَسْتَعْجِلُونَ} محذوف تقديره: تستعجلونني متلبسين بسيئة التكذيب. والمعنى: أنه أنكر عليهم أخذهم بطرف التكذيب إذ أعرضوا عن التدبر في دلائل صدقه، أي إن كنتم مترددين في أمري فافرضوا صدقي ثم انظروا. وهذا استنزال بهم إلى النظر بدلا عن الإعراض، ولذلك جمع في كلامه بين السيئة والحسنة.
ويجوز أن يكون المراد بـ {السَّيِّئَةِ} الحالة السيئة التي يترقبون حلولها، وهي ما سألوا من تعجيل العذاب المحكي عنهم في سورة الأعراف، وبـ {الْحَسَنَةَ} ضد ذلك أي حالة سلامتهم من حلول العذاب، فـ {السَّيِّئَةِ} مفعول {تَسْتَعْجِلُونَ} والباء مزيدة لتأكيد اللصوق مثل ما في قوله تعالى {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6].
والمعنى: إنكار جعلهم تأخير العذاب أمارة على كذب الوعيد به وأن الأولى بهم أن يجعلوا امتداد السلامة أمارة على إمهال الله إياهم فيتقوا حلول العذاب، أي لم تبقون على التكذيب منتظرين حلول العذاب، وكان الأجدر بكم أن تبادروا بالتصديق منتظرين عدم حلول العذاب بالمرة. وعلى كلا الوجهين فجواب صالح إياهم جار على الأسلوب الحكيم بجعل يقينهم بكذبه محمولا على ترددهم بين صدقه وكذبه.
وقوله {قَبْلَ الْحَسَنَةِ} حال من {السَّيِّئَةِ} . وهذا تنبيه لهم على خطئهم في ظنهم أنه لو كان صالح صادقا فيما توعدهم به لعجل لهم به، فما تأخيره إلا لأنه ليس بوعيد حق، لأن العذاب أمر عظيم لا يجوز الدخول تحت احتماله في مجاري العقول. فالقبلية في قوله {قَبْلَ الْحَسَنَةِ} مجاز في اختيار الأخذ بجانب احتمال السيئة وترجيحه على الأخذ بجانب الحسنة فكأنهم بادروا إليها فأخذوها قبل أن يأخذوا الحسنة.

وظاهر الاستفهام أنه استفهام عن علة استعجالهم، وإنما هو استفهام عن المعلول كناية عن انتفاء ما حقه أن يكون سببا لاستعجال العذاب، فالإنكار متوجه للاستعجال لا لعلته.
ثم أعقب الإنكار المقتضي طلب التخلية عن ذلك بتحريضهم على الإقلاع عن ذلك بالتوبة وطلب المغفرة لما مضى منهم ويرجون أن يرحمهم الله فلا يعذبهم وإن كان ما صدر منهم موجبا لاستمرار غضب الله عليهم إلا أن الله برحمته جعل التائب من الذنب كمن لم يذنب.
[47] {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} .
هذا من محاورتهم مع صالح فلذلك لم يعطف فعلا القول وجاء على سنن حكاية أقوال المحاورات كما بيناه غير مرة.
وأصل {اطَّيَّرْنَا} تطيرنا فقلبت التاء طاء لقرب مخرجيهما وسكنت لتخفيف الإدغام وأدخلت همزة الوصل لابتداء الكلمة بساكن، والباء للسببية.
ومعنى التطير: التشاؤم. أطلق عليه التطير لأن أكثره ينشأ من الاستدلال بحركات الطير من سانح وبارح. وكان التطير من أوهام العرب وثمود من العرب، فقولهم المحكي في هذه الآية حكي به مماثلة من كلامهم ولا يريدون التطير الحاصل من زجر الطير لأنه يمنع من ذلك قولهم {بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} في [سورة الأعراف: 131]. وتقدم معنى الشؤم هنالك.
وأجاب صالح كلامهم بأنه ومن معه ليسوا سبب شؤم ولكن سبب شؤوهم وحلول المضار بهم هو قدرة الله.
واستعير لما حل بهم اسم الطائر مشاكلة لقولهم {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} ، ومخاطبة لهم بما يفهمون لإصلاح اعتقادهم، بقرينة قولهم {اطَّيَّرْنَا بِكَ} .
و {عِنْدَ} للمكان المجازي مستعارا لتحقق شأن من شؤون الله به يقدر الخير والشر وهو تصرف الله وقدره. وقد تقدم نظيره في الأعراف.
وأضرب بـ {بَلْ} عن مضمون قولهم {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} بأن لا شؤم بسببه هو وبسبب من معه ولكن الذين زعموا ذلك قوم فتنهم الشيطان فتنة متجددة بإلقاء الاعتقاد

بصحة ذلك في قلوبهم.
وصيغ الإخبار عنهم بأنهم مفتونون بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوي الحكم بذلك. وصيغ المسند فعلا مضارعا لدلالته على تجدد الفتون واستمراره.
وغلب جانب الخطاب في قوله {تُفْتَنُونَ} على جانب الغيبة مع أن كليهما مقتضى الظاهر ترجيحا لجانب الخطاب لأنه أدل من الغيبة.
[48، 49] {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} .
عطف جزء القصة على جزء منها. و {الْمَدِينَةِ} : هي حجر ثمود بكسر الحاء وسكون الجيم المعروف مكانها اليوم بديار ثمود ومدائن صالح وهي بقايا تلك المدينة من أطلال وبيوت منحوتة في الجبال. وهي بين المدينة المنورة وتبوك في طريق الشام وقد مر بها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في مسيرهم في غزوة تبوك ورأوا فيها آبارا نهاهم النبي عن الشرب والوضوء منها إلا بئرا واحدة أمرهم بالشرب والوضوء بها وقال: "أنها البئر التي كانت تشرب منها ناقة صالح" .
والرهط: العدد من الناس حوالي العشرة وهو مثل النفر. وإضافة تسعة إليه من إضافة الجزء إلى اسم الكل على التوسع وهو إضافة كثيرة في الكلام العربي مثل: خمس ذود. واختلف أئمة النحو في القياس عليها ومذهب سيبويه والأخفش أنها سماعية.
وكان هؤلاء الرهط من عتاة القوم، واختلف في أسمائهم على روايات هي من أوضاع القصاصين ولم يثبت في ذلك ما يعتمد. وأشتهر أن الذي عقر الناقة اسمه "قدار" بضم الميم وتخفيف الدال، وقد تشاءم بعض الناس بعدد التسعة بسبب قصة ثمود وهو من التشاؤم المنهي عنه.
و {الأرض} : أرض ثمود فالتعريف للعهد.
وعطف {وَلا يُصْلِحُونَ} على {يُفْسِدُونَ} احتراس للدلالة على أنهم تمحضوا للإفساد ولم يكونوا ممن خلطوا إفساد بإصلاح.
وجملة {قَالُوا} صفة لـ {تِسْعَةُ} ، أو خبر ثان لـ {كَانَ} ، أو هو الخبر لـ {كَانَ} .

وفي {الْمَدِينَةِ} متعلق بـ {كَانَ} ظرفا لغوا ولا يحسن جعل الجملة استئنافا لأنها المقصود من القصة. والمعنى: قال بعضهم لبعض.
و {تَقَاسَمُوا} فعل أمر، أي قال بعضهم: تقاسموا، أي ابتدأ بعضهم فقال: تقاسموا. وهو يريد شمول نفسه إذ لا يأمرهم بذلك إلا وهو يريد المشاركة معهم في المقسم عليه كما دل عليه قوله {لَنُبَيِّتَنَّهُ} . فلما قال ذلك بعضهم توافقوا عليه وأعادوه فصار جميعهم قائلا ذلك فلذك أسند القول إلى التسعة.
والقسم بالله يدل على أنهم يعترفون بالله ولكنهم يشركون به الآلهة كما تقدم في قصصهم فيما مر من السور.
و {لَنُبَيِّتَنَّهُ} جواب القسم، والضمير عائد إلى صالح. والتبييت والبيات: مباغتة العدو ليلا. وعكسه التصبيح: الغارة في الصباح، وكان شأن الغارات عند العرب أن تكون في الصباح ولذلك يقول من ينذر قوما بحلول العدو "يا صباحاه"، فالتبييت لا يكون إلا لقصد غدر. والمعنى: أنهم يغيرون على بيته ليلا فيقتلونه وأهله غدرا من حيث لا يعرف قاتله ثم ينكرون أن يكونوا هم قتلوهم ولا شهدوا مقتلهم.
والمهلك: مصدر ميمي من أهلك الرباعي، أي شهدنا إهلاك من أهلكهم. وقولهم {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} هو من جملة ما هيأوا أن يقولوه فهو عطف على {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ} أي ونؤكد إنا لصادقون. ولم يذكروا أنهم يحلفون على أنهم صادقون.
وقرأ الجمهور {لَنُبَيِّتَنَّهُ} بنون الجماعة وفتح التاء التي قبل نون التوكيد. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب في أوله وبضم التاء الأصلية قبل نون التوكيد. وذلك على تقدير: أمر بعضهم لبعض. وهكذا قرأ الجمهور {لَنَقُولَنَّ} بنون الجماعة في أوله وفتح اللام. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب وبضم اللام.
وقرأ الجمهور: {مُهْلِكَ} بضم الميم وفتح اللام وهو مصدر الإهلاك أو مكانه أو زمانه. زقرأه حفص بفتح الميم وكسر اللام ويحتمل المصدر والمكان والزمان. وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح اللام فهو مصدر لا غير.
ووليُّ صالح هم أقرب القوم إذا راموا الأخذ بثأره.
وهذا الجزء من قصة ثمود لم يذكر في غير هذه السورة. وأحسب أن سبب ذكره أن نزول هذه السورة كان في وقت تآمر فيه المشركون على الإيقاع بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو التآمر

الذي حكاه الله في قوله {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]؛ فضرب الله لهم مثلا بتآمر الرهط من قوم صالح عليه ومكرهم وكيف كان عاقبة مكرهم، ولذلك ترى بين الآيتين تشابها وترى تكرير ذكر مكرهم ومكر الله بهم، وذكر أن في قصتهم آية لقوم يعلمون.
[50 - 53] {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} .
سمى الله تآمرهم مكرا لأنه كان تدبير ضر في خفاء. وأكد مكرهم بالمفعول المطلق للدلالة على قوته في جنس المكر، وتنوينه للتعظيم.
والمكر الذي أسند إلى اسم الجلالة مكر مجازي. استعير لفظ المكر لمبادرة الله إياهم باستئصالهم قبل أن يتمكنوا من تبييت صالح وأهله، وتأخيره استئصالهم أي الوقت الذي تآمروا فيه على قتل صالح لشبه فعل الله ذلك بفعل الماكر في تأجيل فعل إلى وقت الحاجة، مع عدم إشعار من يفعل به.
وأكد مكر الله وعظم كما أكد مكرهم وعظم، وذلك بما يناسب جنسه فإن عذاب الله لا يدانيه عذاب الناس فعظيمه أعظم من كل ما يقدره الناس.
والمراد بالمكر المسند إلى الجلالة هو ما دلت عليه جملة {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} الآية.
وفي قوله {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} تأكيد لاستعارة المكر لتقدير الاستئصال فليس في ذلك ترشيح للاستعارة ولا تجريد.
والخطاب في قوله {فَانْظُرْ} للنبي صلى الله عليه وسلم. واقترانه بفاء التفريع إيماء إلى أن الاعتبار بمكر الله بهم هو المقصود من سوق القصة تعريضا بأن عاقبة أمره مع قريش أن يكف عنهم كيدهم وينصره عليهم، وفي ذلك تسلية له على ما يلاقيه من قومه.
والنظر: نظر قلبي، وقد علق على المفعولين بالاستفهام.
وقرأ الجمهور {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ} بكسر الهمزة فتكون الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لما

يثيره الاستفهام في قوله {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ} من سؤال عن هذه الكيفية. والتأكيد للاهتمام بالخبر. وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بفتح الهمزة فيكون المصدر بدلا من {عَاقِبَةُ} . والتأكيد أيضا للاهتمام.
وضمير الغيبة في {دَمَّرْنَاهُمْ} للرهط. وعطف {قَوْمَهُمْ} عليهم لموافقة الجزاء للمجزي عليه لأنهم مكروا بصالح وأهله فدمرهم الله وقومهم.
والتدمير: الإهلاك الشديد، وتقدم غير مرة منها في سورة الشعراء.
والقصة تقدمت. وتقدم إنجاء صالح والذين آمنوا معه وذلك أن الله أوحى إليه أن يخرج ومن معه إلى أرض فلسطين حين أنذر قومه بتمتع ثلاثة أيام.
وتفريع قوله {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} على جملة {دَمَّرْنَاهُمْ} لتفريع الإخبار. والإشارة منصرفة إلى معلوم غير مشاهد لأن تحققه يقوم مقام حضوره فإن ديار ثمود معلومة لجميع قريش وهي في طريقهم في ممرهم إلى الشام.
وانتصب {خَاوِيَةً} على الحال. وعاملها ما في اسم الإشارة من معنى الفعل كقوله تعالى {وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً} . وقد تقدم في سورة هود.
والخاوية: الخالية، ومصدره الخواء، أي فالبيوت باق بعضها في الجبال لا ساكن بها.
والباء في {بِمَا ظَلَمُوا} للسببية، و {مَا} مصدرية، أي كان خواؤها بسبب ظلمهم. والظلم: الشرك وتكذيب رسولهم، فذلك ظلم في جانب الله لأنه اعتداء على حق وحدانيته، وظلم للرسول بتكذيبه وهو الصادق.
ولما خص الله عملهم بوصف الظلم من بين عدة أحوال يشتمل عليها كفرهم كالفساد كان ذلك إشارة إلى أن للظلم أثرا في خراب بلادهم. وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: أجد في كتاب الله أن الظلم يخرب البيوت وتلا: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} . وهذا من أسلوب أخذ كل ما يحتمل من معاني الكلام في القرآن كما ذكرناه في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير.
ونزيده هنا ما لم يسبق لنا في نظائره، وهو أن الحقائق العقلية لما كان قوام ماهياتها حاصلا في الوجود الذهني كان بين كثير منها انتساب وتقارب يرد بعضها إلى بعض

باختلاف الاعتبار. فالشرك مثلا حثيثة معروفة يكون بها جنسا عقليا وهو بالنظر إلى ما يبعث عليه وما ينشأ عنه ينتسب إلى حقائق أخرى مثل الظلم، أي الاعتداء على الناس بأخذ حقوقهم فإنه من أسبابه، ومثل الفسق فإنه من آثاره، وكذلك التكذيب فإنه من آثاره أيضا {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ} [المزمل: 11]، ومثل الكبر ومثل الإسراف فإنهما من آثاره أيضا. فمن أساليب القرآن أن يعبر عن الشرك بألفاظ هذه الحقائق للإشارة إلى أنه جامع عدة فظائع، وللتنبيه على انتسابه إلى هذه الأجناس، وليعلم المؤمنون فساد هذه الحقائق من حيث هي فيعبر عنه هنا بالظلم وهو كثير ليعلم السامع أن جنس الظلم قبيح مذموم، ناهيك أن الشرك من أنواعه. وكذلك قوله {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] أي هو متأصل في الشرك وإلا فإن الله هدى كثيرا من المسرفين والكاذبين بالتوبة، ومن قوله {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ} ونحو ذلك.
وجملة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} معترضة بين الجمل المتعاطفة. والإشارة إلى ما ذكر من عاقبة مكرهم. والآية: الدليل على انتصار الله لرسله.
واللام في قوله {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} لام التعليل يعني آية لأجلهم، أي لأجل إيمانهم. وفيه تعريض بأن المشركين الذين سبقت إليهم هذه الموعظة إن لم يتعظوا بها فهم قوم لا يعلمون.
وفي ذكر كلمة {قَوْمِ} إيماء إلى أن من يعتبر بهذه الآية متمكن في العقل حتى كان العقل من صفته القومية، كما تقدم في قوله تعالى {لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} في [سورة البقرة: 164].
وفي تأخير جملة {وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} عن جملة {إن في ذلك لآية لقوم يعلمون} طمأنه لقلوب المؤمنين بأن الله ينجيهم مما توعد به المشركين كما نجى الذين آمنوا وكانوا يتقون من ثمود وهم صالح ومن آمن معه. وقيل: كان الذين آمنوا مع صالح أربعة آلاف، فلما أراد الله إهلاك ثمود أوحى الله إلى صالح أن يخرج هو ومن معه فخرجوا ونزلوا في موضع الرس فكان أصحاب الرس من ذرياتهم. وقيل: نزلوا شاطئ اليمن وبنوا مدينة حضرموت. وفي بعض الروايات أن صالحا نزل بفلسطين. وكلها أخبار غير موثوق بها.
وزيادة فعل الكون في {وَكَانُوا يَتَّقُونَ} للدلالة على أنهم متمكنون من التقوى.

[54، 55] {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} .
عطف {لُوطاً} على {صَالِحاً} في قوله السابق {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} [النمل: 45]. ولا يمنع من العطف أن العامل في المعطوف تعلق به قوله {إِلَى ثَمُودَ} لأن المجرور ليس قيدا لمتعلقه، ولكنه كواحد من المفاعيل فلا ارتباط له بالمعطوف على مفعول آخر. فإن الإتباع في الإعراب يميز المعطوف عليه من غيره. وقد سبق نظير هذا في سورة الأعراف. ولم يذكر المرسل إليهم هنا كما ذكر في قصة ثمود لعدم تمام المشابهة بين قوم لوط وبين قريش فيما عدا التكذيب والشرك. ويجوز أن ينصب {وَلُوطاً} بفعل مقدر تقديره: واذكر لوطا، لأن وجود {إِذْ} بعده يقربه من نحو {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ} .
وتعقيب قصة ثمود بقصة قوم لوط جار على معتاد القرآن في ترتيب قصص هذه الأمم فإن قوم لوط كانوا متأخرين في الزمن عن ثمود.
وإنما الذي يستشير سؤالا هنا هو. الاقتصار على قصة قوم لوط دون قصة عاد وقصة مدين. وقد بينته آنفا أنه لمناسبة مجاورة ديار قوم لوط لمملكة سليمان ووقوعها بين ديار ثمود وبين فلسطين وكانت ديارهم ممر قريش إلى بلاد الشام قال تعالى {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ} [الحجر: 76] وقال {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137 - 138].
وظرف {إِذْ} يتعلق بـ {أَرْسَلْنَا} أو بـ"اذكر" المقدرين. والاستفهام في {أَتَأْتُونَ} إنكاري.
وجملة {وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} حال زيادة التشنيع، أي تفعلون ذلك علنا يبصر بعضكم بعضا، فإن التجاهر بالمعصية معصية لأنه يدل على استحسانها وذلك استخفاف بالنواهي.
وقوله {أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ} تقدم في [الأعراف: 81] {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ} ، فهنا جيء بالاستفهام الإنكاري وما في الأعراف جاء لخبر المستعمل في الإنكار، فيجوز أن يكون اختلاف الحكاية لاختلاف المحكي بأن يكون لوط قد قال لهم المقالتين في مقامين

مختلفين. ويجوز أن يكون اختلاف الحكاية تفننا مع اتحاد المعنى. وكلا الأسلوبين يقع في قصص القرآن، لأن في تغيير الأسلوب تجديدا لنشاط السامع.
على أن ابن كثير وأبا عمرو وابن عامر وحمزة وأبا بكر عن عاصم قرأوا ما في سورة الأعراف بهمزتين فاستوت الآيتان على قراءة هؤلاء. وقد تقدمت وجوه ذلك في سورة الأعراف.
ووقع في [الأعراف: 80] {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} ولم يذكر هنا لأن ما يجري في القصة لا يلزم ذكر جميعه. وكذلك القول في عدم ذكر {وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} في سورة الأعراف مع ذكره هنا.
ونظير بقية الآية تقدم في سورة الأعراف، إلا أن الواقع هنا {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} ، فوصفهم بالجهالة وهي اسم جامع لأحوال أفن الرأي وقساوة القلب.
وفي الأعراف وصفهم بأنهم قوم مسرفون وذلك يحمل على اختلاف المقالتين في مقامين.
وفي إقحام لفظ {قَوْمٌ} في الآيتين من الخصوصية ما تقدم آنفا في قوله في هذه السورة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .
ورجع في قوله {تَجْهَلُونَ} جانب الخطاب على جانب الغيبة فلم يقل: يجهلون، بياء الغيبة وكلاهما مقتضى الظاهر لأن الخطاب أقوى دلالة كما قرئ في قوله {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} .
[56 - 58] {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ}
تقدم نظير هاته الآية في سورة الأعراف، وخالفتها هذه بوقوع العطف بالفاء في قوله {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} دون الواو، وبقوله {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ} عوض {أَخْرِجُوهُمْ} وبقوله {قَدَّرْنَاهَا} عوض {كَانَتْ} ، وبقوله {فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} عوض {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} .
فأما موقع الفاء هنا فهو لتعقيب الجملة المعطوفة بالفاء على التي قبلها تعقيب جزء

القصة على أوله فلا تفيد إلا تعقيب الإخبار، وهي في ذلك مساوية للواو.ولكن أوثر حرف التعقيب في هذه الآية لكونها على نسج ما حكيت به قصة ثمود في قوله تعالى {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} ، فالاختلاف بين هذه الآية وآية الأعراف تفنن في الحكاية، ومراعاة للنظير في النسج. وهذا من أساليب قصص القرآن كما بينته في المقدمة السابعة من مقدمة هذا التفسير.
وكذلك قوله {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ} دون {أَخْرِجُوهُمْ} لأن المحكي من كلام القوم هو تآمرهم على إخراج آل لوط؛ فما هنا حكاية بمرادف كلامهم وما في الأعراف حكاية بالمعنى والغرض هو التفنن أيضا.
وكذلك الاختلاف بين {قَدَّرْنَاهَا} هنا وبين {كَانَتْ} في الأعراف. وأما الاختلاف بين {فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} وبين {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} فهما عبرتان بحالهم تفرعتا على وصف ما حل بهم فوزعت العبرتان على الآيتين لئلا يخلو تكرير القصة من فائدة.
والمراد بآل لوط لوط وأهل بيته لأن رب البيت ملاحظ في هذا الاستدلال كقوله تعالى {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} ، أراد فرعون وآله.
[59] {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}
{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَ}
لما استوفى غرض الاعتبار والإنذار حقه بذكر عواقب بعض الأمم التي كذبت الرسل وهي أشبه أحوالا بأحوال المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب الذي انزل عليه، وفي خلال ذلك وحفا فيه تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من قومه اقبل الله بالخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يلقنه ماذا يقوله عقب القصص والمواعظ السالفة استخلاصا واستنتاجا منها، وشكر الله على المقصود منها.
فالكلام استئناف والمناسبة ما علمت. أمر الرسول بالحمد على ما احتوت عليه القصص السابقة من نجاة الرسل من العذاب الحال بقومهم وعلى ما أعقبهم الله على صبرهم من النصر ورفعة الدرجات. وعلى أن اهلك الأعداء الظالمين كقوله {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ونظيره قوله في [سورة العنكبوت: 45] {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} وقوله في آخر هذه السورة [93] {وَقُلِ الْحَمْدُ

لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ} الآية. فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بحمد الله على ذلك باعتبار ما أفاده سوق تلك القصص من الإيماء إلى وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر على أعدائه. فقوله {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بإنشاء حمد الله. وقد تقدمت صيغة الحمد في أول الفاتحة.
وعطف على المأمور بأن يقوله من الحمد أمر بان يتبعه بالسلام على الرسل الذين سبقوه قدرا لقدر ما تجشموه في نشر الدين الحق.
وأصل {سَلامٌ} سلمت سلاما، مقصود منه الإنشاء فحذف الفعل وأقيم مفعوله المطلق بدلا عنه. وعدل عن نصب المفعول المطلق إلى تصييره مبتدأ مرفوعا للدلالة على الثبات الدوام كما تقدم عند قوله {الْحَمْدُ لِلَّهِ} في أول [سورة الفاتحة: 2].
والسلام في الأصل اسم يقوله القائل لمن يلاقيه بلفظ: سلام عليك، أو السلام عليك. ومعناه سلامة وأمن ثابت لك لا نكول فيه، لما تؤذن به "على" من الاستعلاء المجازي المراد به التمكن كما في {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ} .
وأصل المقصود منه هو التأمين عند اللقاء إذ قد تكون بين المتلاقين إحن أو يكون من أحدهما إغراء بالآخر، فكان لفظ "السلام عليك" كالعهد بالأمان. ثم لما كانت المفاتحة بذلك تدل على الابتداء بالإكرام والتلطف عند اللقاء ونية الإعانة والقرى، شاع إطلاق كلمة: السلام عليك، ونحوها عند قصد الإعراب عن التلطف والتكريم وتنوسي ما فيها من معنى بذل الأمن والسلامة، فصار الناس يتقاولونها في غير مظان الريبة والمخافة فشاعت في العرب في أحيائهم وبيوتهم وصارت بمنزلة الدعاء الذي هو إعراب عن إضمار الخير للمدعو له بالسلامة في حياته. فلذلك قال تعالى {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} كما تقدم في سورة النور. وصار قول: السلام، بمنزلة قول: حياك الله، ولكنهم خصوا كلمة "حياك الله" بملوكهم وعظمائهم فانتقلت كلمة "السلام عليكم" بهذا إلى طور آخر من أطوار استعمالها من عهد الجاهلية وقد قيل إنها كانت تحية للبشر من عهد آدم.
ثم ذكر القرآن السلام من عند الله تعالى على معنى كونه معاملة منه سبحانه بكرامة الثناء وحسن الذكر للذين رضي الله عنهم من عباده في الدنيا كقوله حكاية عن عيسى إذ أنطقه بقوله {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ} . وكذلك في الآخرة وما في معناها من أحوال الأرواح بعد الموت كقوله عن عيسى {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} ، وقوله في أهل الجنة {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 57، 58].

وجاء في القرآن السلام على خمسة من الأنبياء في سورة الصافات. وأيضا أمر الله الأمة بالسلام على رسولها فقال {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} أي قولوا: السلام عليك أيها النبي لأن مادة التفعيل قد يؤتى بها للدلالة على قول منحوت في صيغة التفعيل فقوله {وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} معناه: قولوا كلمة السلام. مثل بسمل، إذا قال: بسم الله، وكبر، إذا قال: الله أكبر. وفي الحديث "تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين" .
ومعنى {وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} إنشاء طلب من الله أن يسلم على أحد المصطفين، أي أن يجعل لهم ذكرا حسنا في الملأ الأعلى.
فإذا قال القائل: السلام على فلان، وفلان غائب أو في حكم الغائب كان ذلك قرينة على أن المقصود الدعاء له بسلام من الله عليه. فقد أزيل منه معنى التحية لا محالة وتعين للدعاء، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على أن يقولوا في التشهد: السلام على الله السلام على النبي السلام على فلان وفلان. قال لهم "إن الله هو السلام" أي لا معنى للسلام على الله في مقام الدعاء لأن الله هو المدعو بأن يسلم على من يطلب له ذلك.
فلما أمر تعالى في هذه السورة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول {وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} فقد عين له هذه الجملة ليقولها يسأل من الله أن يكرم عباده الذين اصطفى بالثناء عليهم في الملأ الأعلى وحسن الذكر إذ قصارى ما يستطيعه الحاضر من جزاء الغائب على حسن صنيعه أن يبتهل إلى الله أن ينفحه بالكرامة.
والعباد الذين اصطفاهم الله في مقدمتهم الرسل والأنبياء ويشمل ذلك الصالحين من عباده كما في صيغة التشهد: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين". وسيأتي الكلام على التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأحزاب.
{آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}
هذا مما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول فأمر أن يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} تمهيدا لقوله: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} لأن العباد الذين اصطفاهم الله جاؤوا كلهم بحاصل هذه الجملة. وأمر أن يشرع في الاستدلال على مسامع

المشركين فيقول لهم هذا الكلام، بقرينة قوله {أَمَّا يُشْرِكُونَ} بصيغة الخطاب في قراءة الجمهور، ولأن المناسب للاستفهام أن يكون موجها إلى الذين أشركوا بالله ما لا يخلق ولا يرزق ولا يفيض النعم ولا يستجيب الدعاء، فليس هذا لقصد إثبات التوحيد للمسلمين.
والاستفهام مستعمل في الإلجاء وإلزام المخاطب بالإقرار بالحق وتنبيهه على خطئه. وهذا دليل إجمالي يقصد به ابتداء النظر في التحقيق بالإلهية والعبادة. فهذا من قبيل ما قال الباقلاني وإمام الحرمين وابن فورك إن أول الواجبات أول النظر أو القصد إلى النظر ثم تأتي بعده الأدلة التفصيلية، وقد ناسب إجماله أنه دليل جامع لما يأتي من التفاصيل فلذلك جيء فيه بالاسم الجامع لمعاني الصفات كلها، وهو اسم الجلالة. فقيل: {آللَّهُ خَيْرٌ} . وجيء فيما بعد بالاسم الموصول لما في صلاته من الصفات.
وجاء {خَيْرٌ} بصيغة التفضيل لقصد مجاراة معتقدهم أن أصنامهم شركاء الله في الإلهية بحيث كان لهم حظ وافر من الخير في زعمهم، فعبر بـ {خَيْرٌ} لإيهام أن المقام لإظهار رجحان إلهية الله تعالى على أصنامهم استدراجا لهم في التنبيه على الخطأ مع التهكم بهم إذ آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله. والعاقل لا يؤثر شيئا على شيء إلا لداع يدعو إلى إيثاره، ففي هذا الاستفهام عن الأفضل في الخير تنبيه لهم على الخطأ المفرط والجهل المورط لتنفتح بصائرهم إلى الحق إن أرادوا اهتداء. والمعنى: الله الحقيق بالإلهية أم ما تشركون معه.
والاستفهام على حقيقته بقرينة وجود {أَمْ} المعادلة للهمزة فإن التهكم يبنى على الاستعمال الحقيقي.
وهذا الكلام كالمقدمة للأدلة الآتية جميعها على هذا الدليل الإجمالي كما ستعلمه.
وقرأ الجمهور {تُشْرِكُونَ} بتاء الخطاب. وقرأه أبو عمرو وعاصم ويعقوب بياء الغيبة فيكون القول الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم محكيا بالمعنى روعي فيه غيبة المشركين في مقام الخطاب بالأمر.
و {مَا} موصولة والعائد محذوف. والتقدير: ما يشركونها إياه، أي أصنامكم.
[60] {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ

ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون}
{أَمْ} منقطعة بمعنى {بَلْ} للإضراب الانتقالي من غرض إلى غرض مع مراعاة وجود معنى الاستفهام أو لفظه بعدها لأن {أَمْ} لا تفارق معنى الاستفهام. انتقل بهذا الإضراب من الاستفهام الحقيقي التهكمي إلى الاستفهام التقريري، ومن المقدمة الإجمالية وهي قوله {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} ، إلى الغرض المقصود وهو الاستدلال. عدد الله الخيرات والمنافع من آثار رحمته ومن آثار قدرته. فهو استدلال مشوب بامتنان لأنه ذكرهم بخلق السماوات والأرض فشمل ذلك كل الخلائق التي تحتوي عليها الأرض من الناس والعجماوات، فهو امتنان بنعمة إيجادهم وإيجاد ما به قوام شؤونهم في الحياة، وبسابق رحمته، كما عددها في موضع آخر عليهم بقوله {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
و {مِنْ} للاستفهام. وهي مبتدأ والخبر جملة {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ..} الخ وهو استفهام تقريري على أن الله إله واحد لا شريك له، ولا تقدير في الكلام. وذهب الزمخشري وجميع متابعيه إلى أن {مِنْ} موصولة وأن خبرها محذوف دل عليه قوله فيما تقدم {آللَّهُ خَيْرٌ} [النمل: 59] وأن بعد "أم" همزة استفهام محذوفة، والتقدير: بل أمن خلق السماوات الخ خير أم ما تشركون. وهو تفسير لا داعي إليه ولا يناسب معنى الإضراب لأنه يكون في جملة الغرض الأول على ما فسر به في "الكشاف" فلا يجدر به إضراب الانتقال.
فالاستفهام تقرير كما دل عليه قوله في نهايته في {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} فهو تقرير لإثبات أن الخالق والمنبت والرازق هو الله، وهو مشوب بتوبيخ، فلذلك ذيل بقوله {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} كما سيأتي، أي من غرض الدليل الإجمالي إلى التفصيل.
والخطاب بـ {لَكُمْ} موجه إلى المشركين للتعويض بأنهم ما شكروا نعمة الله.
وذكر إنزال الماء لأنه من جملة ما خلقه الله، ولقطع شبهة أن يقولوا: إن المنبت للشجر الذي فيه رزقنا هو الماء، اغترارا بالسبب فبودروا بالتذكير بأن الله خلق الأسباب وهو الأسباب وهو خالق المسببات بإزالة الموانع والعوارض العارضة لتأثير الأسباب وبتوفير القوى الحاصلة في الأسباب، وتقدير المقادير المناسبة للانتقاء بالأسباب، فقد ينزل الماء بإفراط فيجرف الزرع والشجر أو يقتلهما، ولذلك جمع بين قوله {وَأَنْزَلْنَا} وقوله {فَأَنْبَتْنَا} تنبيها

على إزالة الشبهة.
ونون الجمع في {أَنْبَتْنَا} التفات من الغيبة إلى الحضور. ومن لطائفه هنا التنصيص على أن المقصود إسناد الإنبات إليه لئلا ينصرف ضمير الغائب إلى الماء لأن التذكير بالمنبت الحقيقي الذي خلق الأسباب أليق بمقام التوبيخ على عدم رعايتهم نعمه.
والإنبات: تكوين النبات.
والحدائق: جمع حديقة وهي البستان والجنة التي فيها نخل وعنب. سميت حديقة لأنهم كانوا يحدقون بها حائطا يمنع الداخل إليها صونا للعنب لأنه ليس كالنخل الذي يعسر اجتناء ثمره لارتفاع شجره فهي بمعنى: محدق بها. ولا تطلق الحديقة إلا على ذلك.
والبهجة: حسن المنظر لأن الناظر يبتهج به.
ومعنى {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} ليس في ملككم أن تنبتوا شجر تلك الحدائق، فاللام في {لَكُمْ} للملك و {أَنْ تُنْبِتُوا} اسم {كَانَ} و {لَكُمْ} خبرها. وقدم الخبر على الاسم للاهتمام بنفي ملك ذلك.
وجملة {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} استئناف هو كالنتيجة للجملة قبلها لأن إثبات الخلق والرزق والإنعام لله تعالى بدليل لا يسعهم إلا الإقرار به ينتج أنه لا إله معه.
والاستفهام إنكاري. و {بَلْ} للإضراب عن الاستفهام الإنكاري تفيد معنى "لكن" باعتبار ما تضمنه الإنكار من انتقاء أن يكون مع الله إله فكان حق الناس أن لا يشركوا معه في الإلهية غيره فجيء بالاستدراك لأن المخاطبين بقوله {وَأَنْزَلَ لَكُمْ} وقوله {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} لم ينتفعوا بالدليل مع أنه دليل ظاهر مكشوف، فهم مكابرون في إعراضهم عن الاهتداء بهذا الدليل، فهم يعدلون بالله غيره، أي يجعلون غيره عديلا مثيلا له في الإلهية مع أن غيره عاجز عن ذلك فيكون {يَعْدِلُونَ} من عدل الذي يتعدى بالباء، أو يعدلون عن الحق من عدل الذي يعدى بـ {عَنْ} .
وسئل بعض عن العرب عن الحجاج فقال: "قاسط عادل". فظنوه أثنى عليه فبلغت كلمته للحجاج، فقال: أراد قوله تعالى {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} أي وذلك قرينة على أن المراد بـ"عادل" أنه عادل عن الحق.

وأيا ما كان فالمقصود توبيخهم على الإشراك مع وضوح دلالية خلق السماوات والأرض وما ينزل من السماء إلى الأرض من الماء.
ولما كانت تلك الدلالة أوضح الدلالات المحسوسة الدالة على انفراد الله بالخلق وصف الذين أشركوا مع الله غيره بأنهم في إشراكهم معرضون إعراض مكابرة عدولا عن الحق الواضح قال تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25].
والإخبار عنهم بالمضارع لإفادة أنهم مستمرون على شركهم لم يستنيروا بدليل العقل ولا أقلعوا بعد التذكير بالدلائل. وفي الإخبار عنهم بأنهم قوم إيماء إلى تمكن صفة العدول عن الحق منهم حتى كأنها من مقومات قوميتهم كما تقدم غير مرة.
[61] {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} {أَمْ} للإضراب الانتقالي مثل أختها السابقة. وهذا انتقال من الاستدلال المشوب بالامتنان إلى الاستدلال المجرد بدلائل قدرته وعلمه بأن خلق المخلوقات العظيمة وبتدبيره نظامها حتى لا يطغى بعضها على بعض فيختل نظام الجميع.
ولأجل كون الغرض من هذا الاستدلال إثبات عظم القدرة وحكمة الصنع لم يجيء خلاله بخطاب للمشركين كما جاء في قوله في الآية قبلها {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [النمل: 60] الآية، وإن كان هذا الصنع العجيب لا يخلو من لطف بالمخلوقات أراده خالقها، ولكن ذلك غير مقصود بالقصد الأول من سوق الدليل هنا.
والقرار: مصدر قر، إذا ثبت وسكن. ووصف الأرض به للمغالبة، أي ذات قرار. والمعنى جعل الأرض ثابتة قارة غير مضطربة. وهذا تدبير عجيب ولا يدرك تمام هذا الصنع العجيب إلا عند العلم بأن هذه الأرض سابحة في الهواء متحركة في كل لحظة وهي مع ذلك قارة فيما يبدو لسكانها فهذا تدبير أعجب، وفيه مع ذلك رحمة ونعمة، ولولا قرارها لكان الناس عليها متزلزلين مضطربين ولكانت أشغالهم معنتة لهم.
ومع جعلها قرارا شق فيها الأنهار فجعلها خلالها. وخلال الشيء: منفرج ما بين أجزائه. والأنهار تشق الأرض في أخاديد فتجري خلالها الأرض.

والرواسي: الجبال، جمع راس وهو الثابت.واللام في {لَهَا} لام العلة، أي الرواسي لأجلها أي لفائدتها،فإن في تكوين الجبال حكمة لدفع الملامسة عن الأرض ليكون سيرها في الكرة الهوائية معدلا غير شديد السرعة وبذلك دوام سيرها.
وجعل الحاجز بين البحرين من بديع الحكمة، وهو حاجز معنوي حاصل من دفع كلا الماءين: أحدهما الآخر عن الاختلاط به، بسبب تفاوت الثقل النسبي لاختلاف الأجزاء المركب منها الماء المالح والماء العذب. فالحاجز حاجز من طبعهما وليس جسما آخر فاصلا بينهما، وتقدم في سورة النحل.
وهذا الجعل كناية عن خلق البحرين أيضا لأن الحجز بينهما يقتضي خلقهما وخلق الملوحة والعذوبة فيهما.
ثم ذيل بالاستفهام الإنكاري وبالاستدراك بجملة مماثلة لما ذيل به الاستدلال الذي قبلها على طريقة التكرير تعديدا للإنكار وتمهيدا للتوبيخ بقوله {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} . وأوثر هنا نفي صفة العلم عن أكثر المشركين لقلة من ينظر في دقائق هذه المصنوعات وخصائصها منهم فإن اعتياد مشاهدتها من أول نشأة الناظر يذهله عما فيها من دلائل بديع الصنع. فأكثر المشركين يجهل ذلك ولا يهتدي بما فيه، أما المؤمنون فقد نبههم القرآن إلى ذلك فهم يقرأون آياته المتكرر فيها الاستدلال والنظر.
وهذه الدلائل لا تخلو عن نعمة من ورائها كما علمته آنفا ولكنها سيقت هنا لإرادة الاستدلال لا للامتنان.
[62] {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} ارتقى الاستدلال من التذكير بالتصرف الرباني في ذوات المخلوقات إلى التذكير بتصرفه في أحوال الناس التي لا يخلو عنها أحد في بعض شؤون الحياة وذلك حال الاضطرار إلى تحصيل الخير، وحال انتياب السوء، وحال التصرف في الأرض ومنافعها. فهذه ثلاثة الأنواع لأحوال البشر. وهي: حالة الاحتياج، وحالة البؤس، وحالة الانتفاع.
فالأولى هي المضمنة في قوله {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} فالمضطر هو ذو الضرورة أي الحالة المحوجة إلى الأشياء العسرة الحصول، وهذه مرتبة الحاجيات فالمرء

محتاج إلى أمور كثيرة بها قوام أوده ليست متصلة بذاته مثل الأقوات والنكاح والملابس اللازمة فالمرء يتطلبها بوجوده من المعاوضات، وقد يتعسر بعضها وهي تتعسر بقدر وفرة منافعها وعزة حصولها فيسأل الله أن يعطيها.
والاضطرار: افتعال من الضرورة لا من الضر. وتقديره: أنه نالته الضرورة فطاوعها. وليس له فعل مجرد وإنما يقال: اضطره كذا إلى كذا.
واللام في {الْمُضْطَرَّ} لتعريف الجنس المسمى بلام العهد الذهني، أي يجيب فردا معهودا في الذهن بحالة الاضطرار.
والإجابة: إعطاء الأمر المسؤول. والمعنى: أن المضطر إذا دعا لتحصيل ما اضطر إليه فإنه لا يجيبه إلا الله بقطع النظر عن كونه يجيب بعضا ويؤخر بعضا.
وحالة البؤس هي المشار إليها بقوله {وَيَكْشِفُ السُّوءَ} .
والكشف: أصله رفع الغشاء، فشبه السوء الذي يعتري المضرور بغشاء يحول دون المرء ودون الاهتداء إلى الخلاص تشبيه معقول بمحسوس.
ورمز إلى المشبه به بالكشف الذي هو من روادف الغشاء. وهو أيضا مستعار للإزالة بقرينة تعديته إلى السوء. والمعنى: من يزيل السوء. وهذه مرتبة الضروري فإن معظمها أو جميعها حفظ من تطرق السوء إلى مهم أحوال الناس مثل الكليات وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والعرض.
والمعنى: إن الله يكشف السوء عن المسوء إذا دعاه أيضا فحذف من الجملة المعطوفة لدلالة ما ذكر مع الجملة المعطوف عليها، أي يكشف السوء عن المستاء إذا دعاه.
وظاهر التقييد بالظرف يقتضي ضمان الإجابة. والواقع أن الإجابة منوطة بإرادة الله تعالى بحسب ما يقتضيه حال الداعي وما يقتضيه معارضه من أصول أخرى، والله أعلم بذلك.
وحالة الانتفاع هي المشار إليها بقوله {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} أي يجعلكم تعمرون الأرض وتجتنون منافعها، فضمن الخلفاء معنى المالكين فأضيف إلى الأرض على تقدير: مالكين لها، والملك يستلزم الانتفاع بما ينتفع به منها. وأفاد خلفاء بطريق الالتزام

معنى الوراثة لمن سبق، فكل حي هو خلف عن سلفه.والأمة خلف عن أمة كانت قبلها جيلا بعد جيل. وهذا كقوله تعالى حكاية لقول نوح {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} . وهذه مرتبة التحسيني.
وقد جمعت الآية الإشارة إلى مراتب المناسب وهو ما يجلب نفعا أو يدفع ضررا وهو من مسالك العلة في أصول الفقه.
ولما اقتضته الخلافة من تجدد الأبناء عقب الآباء والأجيال بعد الأجيال، وما اقتضته الاستجابة وكشف السوء من كثرة الداعين والمستائين عبر في أفعال الجعل التي تعلقت بها بصيغة المضارع الدال على التجدد بخلاف أفعال الجعل الأربعة التي في الآية قبلها.
ثم استؤنف عقب هذا الاستدلال باستفهام إنكاري تكريرا لما تقدم عقب الأدلة السابقة زيادة في تعداد خطئهم بقوله {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} .
وانتصب {قليلا} على الحال من ضمير الخطاب في قوله {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} أي فعل ذلك لكم وأنتم في حال قلة تذكركم، فتفيد الحال معنى التعجب من حالهم.
والتذكر: من الذكر بضم الذال وهو ضد النسيان فهو استحضار المعلوم، أي قليلا استحضاركم الافتقار إلى الله وما أنتم فيه من إنعامه فتهتدوا بأنه الحقيق بأن لا تشركوا معه غيره. فالمقصود من التذكر التذكر المفيد استدلالا. و {مَا} مصدرية والمصدر هو فاعل {قَلِيلاً} .
والقليل هنا مكنى به عن المعدوم لأن التذكر المقصود معدوم منهم، والكناية بالقليل عن المعدوم مستعملة في كلامهم. وهذه الكناية تمليح وتعريض، أي إن كنتم تذكرون فإن تذكركم قليل.
وأصل {تذكرون} تتذكرون فأدغمت تاء التفعيل في الذال لتقارب مخرجيهما تخفيفا وهو إدغام سماعي.
وقرأ الجمهور {تَذَكَّرُونَ} بتاء الخطاب. وقرأه روح عن أبي عمرو وهشام عن ابن عامر بياء الغيبة على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ففي قراءة الجمهور نكتة توجيه الخطاب إلى المشركين مكافحة لهم، وفي قراءة روح وهشام نكتة الإعراض عنهم لأنهم استأهلوا الإعراض بعد تذكرهم.

[63] {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}
{بَلْ} لإضراب الانتقال من نوع دلائل التصرف في أحوال عامة الناس إلى دلائل التصرف في أحوال المسافرين منهم في البر والبحر فإنهم أدرى بهذه الأحوال وأقدر لما في خلالها من النعمة والامتنان.
ذكر الهداية في ظلمات الليل في البر والبحر. وإضافة الظلمات إلى البر والبحر على معنى {فِي} . والهدى في هذه الظلمات بسير النجوم كما قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} . فالله الهادي للسير في تلك الظلمات بأن خلق النجوم على نظام صالح للهداية في ذلك، وبأن ركب في الناس مدارك للمعرفة بإرصاد سيرها وصعودها وهبوطها، وهداهم أيضا بمهاب الرياح، وخولهم معرفة اختلافها بإحساس جفافها ورطوبتها، وحرارتها وبردها.
وبهذه المناسبة أدمج الامتنان بفوائد الرياح في إثارة السحاب الذي به المطر وهو المعني برحمة الله. وإرساله الرياح هو خلق أسباب تكونها.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {نَشْراً} بضمتين وبالنون وقرأه ابن عامر بضم فسكون. وقرأ عاصم {بُشْراً} بالموحدة وبسكون الشين مع التنوين. وقرأه حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين. وقد تقدم في سورة الفرقان: 48] {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} ، وتقدم في [سورة الأعراف: 57] {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} ، وتوجيه هذه القراءات هنالك.
وذيل هذا الدليل بتنزيه الله تعالى عن إشراكهم معه آلهة لأن هذا خاتمة الاستدلال عليهم بما لا ينازعون في أنه من تصرف الله فجيء بعده بالتنزيه عن الشرك كله وذلك تصريح بما أشارت إليه التذييلات السابقة.
[64] {أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} هذا انتقال إلى الاستدلال بتصرف الله تعالى بالحياة الأولى والثانية وبإعطاء المدد لدوام الحياة الأولى مدة مقدرة. وفيه تذكير بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد. والاستفهام

تقريري لأنهم لا ينكرون أنه يبدأ الخلق وأنه يرزقهم.
وأدمج في خلال الاستفهام قوله {ثُمَّ يُعِيدُهُ} لأن تسليم بدئه الخلق يلجئهم الى فهم إمكان إعادة الخلق التي أحالوها. ولما كان إعادة الخلق محل جدل وكان إدماجها إيقاظا وتذكير أعيد الاستفهام في الجملة التي عطفت عليه بقوله {وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} ولأن الرزق مقارن لبدء الخلق فلو عطف على إعادة الخلق لتوهم أنه يرزق الخلق بعد الإعادة فيحسبوا أن رزقهم في الدنيا من نعم آلهتهم.
وإذا قد كانوا منكرين للبعث ذيلت الآية بأمر التعجيز بالإتيان ببرهان على عدم البعث.
والبرهان: الحجة. وتقدم عند قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ} في آخر [سورة النساء: 174].
وإضافة البرهان إلى ضمير المخاطبين وهم المشركون مشير إلى أن البرهان المعجزين عليه هو برهان عدم البعث، أي إن كنتم صادقين فهاتوه لأن الصادق هو الذي قوله مطابق للواقع. والشيء الواقع لا يعدم دليلا عليه.
وجماع ما تقدم في هذه الآيات من قوله {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] أنها أجملت الاستدلال على أحقية الله تعالى بالإلهية وحده ثم فصلت ذلك بآيات {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} إلى قوله {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فابتدأت بدليل قريب من برهان المشاهدة وهو خلق السماوات والأرض وما يأتي منهما من خير للناس. ودليل كيفية خلق الكرة الأرضية وما على وجهها منها، وهذا ملحق بالمشاهدات.
وانتقلت إلى استدلال من قبيل الأصول الموضوعة وهو ما تمالأ عليه الناس من اللجأ إلى الله تعالى عند الاضطرار.
وانتقلت إلى الاستدلال عليهم بما مكنهم من التصرف في الأرض إذ جعل البشر خلفاء في الأرض، وسخر لهم التصرف بوجوه التصاريف المعينة على هذه الخلافة، وهي تكوين هدايتهم في البر والبحر. وذلك جامع لأصول تصرفات الخلافة المذكورة في الارتحال والتجارة والغزو.
وختم ذلك بكلمة جامعة لنعمتي الإيجاد والإمداد وفي مطاويها جوامع التمكن في

الأرض.
[65 - 66] {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} .
لما أبطلت الآيات السابقة إلهية أصنام المشركين بالأدلة المتظاهرة فانقطع دابر عقيدة الإشراك ثني عنان الإبطال إلى أثر من آثار الشرك وهو ادعاء علم الغيب بالكهانة وإخبار الجن، كما كان يزعمه الكهان والعرافون وسدنة الأصنام. ويؤمن بذلك المشركون. وفي معالم التنزيل وغيره نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة فما كان سؤالهم عن ذلك إلا لظنهم أن ادعاء العلم بوقتها من شأن النبوة توصلا لحجد النبوة إن لم يعين لهم وقت الساعة فأبطلت الآية هذه المزاعم إبطالا عاما معياره الاستثناء بقوله {إِلَّا اللَّهُ} . وهو عام مراد به الخصوص أعني خصوص الكهان وسدنة بيوت الأصنام. وإنما سلك مسلك العموم لإبطال ما عسى أن يزعم من ذلك، ولأن العموم أكثر فائدة وأوجز، فإن ذلك حال أهل الشرك من بين من في السماوات والأرض. فالقصد هنا تزييف آثار الشرك وهو الكهانة ونحوها. وإذا قد كانت المخلوقات لا يعدون أن يكونوا من أهل السماوات أو من أهل الأرض لانحصار عوالم الموجودات في ذلك كان قوله {لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ} في قوة لا يعلم أحد الغيب، ولكن أطنب الكلام لقصد التنصيص على تعميم المخلوقات كلها فإن مقام علم العقيدة مقام بيان يناسبه الإطناب.
واستثناء {إِلَّا اللَّهُ} منه لتأويل {مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} بمعنى: أحد، فهو استثناء متصل على رأي المحققين وهو واقع من كلام منفي. فحق المستثنى أن يكون بدلا من المستثنى منه في اللغة الفصحى فلذلك جاء اسم الجلالة مرفوعا ولو كان الاستثناء منقطعا لكانت اللغة الفصحى تنصب المستثنى.
وبعد فإن دلائل تنزيه الله عن الحلول في المكان وعن مماثلة المخلوقات متوافرة فلذلك يجري استعمال القرآن والسنة على سنن الاستعمال الفصيح للعلم بأن المؤمن لا يتوهم ما لا يليق بجلال الله تعالى. ومن المفسرين من جعل الاستثناء منقطعا وقوفا عند ظاهر صلة {مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} لأن الله ينزه عن الحلول في السماء والأرض.
وأما من يتفضل الله عليه بأن يظهره على الغيب فلذلك داخل في علم الله قال تعالى

{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26 - 27]. فأضاف "غيب" إلى ضمير الجلالة.
وأردف هذا الخبر بإدماج انتفاء علم هؤلاء الزاعمين علم الغيب أنهم لا يشعرون بوقت بعثهم بل جحدوا وقوعه إثارة للتذكير بالبعث لشدة عناية القرآن بإثباته وتسفيه الذين أنكره. فلذلك موقع قوله {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} ، أي أن الذين يزعمون علم الغيب ما يشعرون بوقت بعثهم.
و {أَيَّانَ} اسم استفهام عن الزمان وهو معلق فعل {يَشْعُرُونَ} عن العمل في مفعوليه. وهذا تورك وتعيير للمشركين فإنهم لا يؤمنون بالبعث بلة شعورهم بوقته.
و {بَلْ} للإضراب الانتقالي من الإخبار عنهم بـ {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} وهو ارتقاء إلى ما هو أغرب وأشد ارتقاء من تعييرهم بعدم شعورهم بوقت بعثهم إلى وصف علمهم بالآخرة التي البعث من أول أحوالها وهو الواسطة بينها وبين الدنيا بأنه علم متدارك أو مدرك.
وقرأ الجمهور {أدارك} بهمز وصل في أوله وتشديد الدال على أن أصله "تدارك" فأدغمت تاء التفاعل في الدال لقرب مخرجيها بعد أن سكنت واجتلب همز الوصل للنطق بالساكن. قال الفراء وشمر: وهو تفاعل من الدرك بفتحتين وهو اللحاق. وقد امتلكت اللغويين والمفسرين حيرة في تصوير معنى الآية على هذه القراءة تثار منه حيرة للناظر في توجيه الإضرابين اللذين بعد هذا الإضراب وكيف يكونان ارتقاء على مضمون هذا الانتقال، وذكروا وجوها مثقلة بالتكلف.
والذي أراه في تفسيرها على هذا الاعتبار اللغوي أن معنى التدارك هو أن علم بعضهم لحق علم بعض آخر في أمر الآخرة لأن العلم، وهو جنس، لما أضيف إلى ضمير الجماعة حصل من معناه علوم عديدة بعدد أصنام الجماعات التي هي مدلول الضمير فصار المعنى: تداركت علومهم بعضها بعضا.
وذلك صالح لمعنيين: أولهما أن يكون التدارك وهو التلاحق الذي هو استعمال مجازي يساوي الحقيقة، أي تداركت علوم الحاضرين مع علوم أسلافهم، أي تلاحقت وتتابعت فتلقى الخلف عن السلف علمهم في الآخرة وتقلدوها عن غير بصيرة ولا نظر، وذلك أنهم أنكروا البعث ويشعر لذلك قوله تعالى عقبه {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً

وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} . وقريب من هذا قوله تعالى في [سورة المؤمنين: 81] {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ} .
الوجه الثاني أن يكون التدارك مستعملا مجازا مرسلا في الاختلاط والاضطراب لأن التدارك والتلاحق يلزمه التداخل كما إذا لحقت جماعة من الناس جماعة أخرى أي لم يرسوا على أمر واختلفت أقوالهم اختلافا يؤذن بتناقضها، فهم ينفون البعث ثم يزعمون أن الأصنام شفعاؤهم عند الله من العذاب، وهذا يقتضي إثبات البعث ولكنهم لا يعذبون ثم يتزودون تارة للآخرة ببعض أعمالهم التي منها: أنهم كانوا يحبسون الراحة على قبر صاحبها ويتركونها لا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيزعمون أن صاحبها يركبها ويسمونها البلية فلذلك من اضطراب أمرهم في الآخرة.
وفعل المضي على هذين الوجهين على أصله. وحرف {فِي} على هاذين الوجهين في تفسيرها على قراءة الجمهور مستعمل في السببية، أي بسبب الآخرة.
ويجوز وجه آخر وهو أن يكون {ادَّارَكَ} مبالغة في "أدرك" ومفعوله محذوفا تقديره: إدراكهم، أي حصل لهم علمهم بوقت بعثهم في اليوم الذي يبعثون فيه، أي يومئذ يوقنون بالبعث، فيكون فعل المضي مستعملا في معنى التحقق، ويكون حرف {فِي} على اصله من الظرفية.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر {بل أدرك} بهمز قطع وسكون الدال، ومعناه؛ انتهى علمهم في الآخرة. يقال أدرك، إذا فني. وفي ثبوت معنى فني لفعل أدرك خلاف بين أئمة اللغة فقد أثبته ابن المظفر في رواية شمر عنه قال شمر: ولم أسمعه لغيره، وأثبته الزمخشري في الكشاف في هذه الآية وصاحب القاموس. وقال أبو منصور: هذا غير صحيح في لغة العرب وما علمت أحدا قال: أدرك الشيء إذا فني. وأقول قد ثبت في اللغة: أدركت الثمار، وإذا انتهى نضجها. ونسبه في تاج العروس لليث ولأبن جني وحسبك بإثبات هؤلاء الإثبات. قال الكواشي في تبصرة المتذكر: المعنى فني علمهم في الآخرة من أدركت الفاكهة، إذا بلغت النضج وذلك مؤذن بفنائها وزوالها.
فحاصل المعنى على قراءة الجمهور {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} وقد تلقى بعضهم

عن بعض ما يعلمون في شأن الآخرة وهو ما اشتهر عنهم من إنكار الحياة الآخرة، أو قد اضطرب ما يعلمونه في شأن الآخرة وأنهم سيعلمون ذلك لا محالة في يوم الدار الآخرة.
وحاصل المعنى على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر: ما يشعرون أيان يبعثون فإنهم لا علم لهم بالحياة الآخرة، أي جهلوا الحياة الآخرة.
أما عدد القراءات الشاذة في هذه الجملة فبلغت عشرا.
وأما جملة {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا} فهو إضراب انتقال للارتقاء من كونهم اضطرب علمهم في الآخرة، أو تقلد خلفهم ما لقنه سلفهم، أو من أنهم انتفى علمهم في الآخرة إلى أن ذلك الاضطراب في العلم قد أثار فيهم شكا من وقوع الآخرة. و"من" للابتداء المجازي، أي في شك ناشئ عن أمر الآخرة. وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات الخبر ودوامه، والظرفية للدلالة على إحاطة الشك بهم.
وجملة {بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} ارتقاء ثالث وهو آخر درجات الارتقاء في إثبات ضلالهم وهو أنهم عميان عن شأن الآخرة.
و {عَمُونَ} : جمع عم بالتنوين وهو فعل من العمى، صاغوا له مثال المبالغة للدلالة على شدة العمى، وهو تشبيه عدم العلم بالعمى، وعادم العلم بالأعمى. وقال زهير:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
...
ولكنني عن علم ما في غد عم
فشبه ضلالهم عن البعث بالعمى في عدم الاهتداء إلى المطلوب تشبيه المعقول بالمحسوس.
و"من" في قوله {مِنْهَا عَمُونَ} للابتداء المجازي، جعل عماهم وضلالهم في إثبات الآخرة كأنه ناشئ لهم من الآخرة إذ هي سبب عماهم، أي إنكارها سبب ضلالهم. وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: من إنكار وجودها عمون، فالمجرور متعلق بـ {عَمُونَ} . وقدم على متعلقة للاهتمام بهذا المتعلق وللرعاية على الفاصلة. وصيغت الجملة الاسمية للدلالة على الثبات كما في قوله {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا} .
وترتيب هذه الإضرابات الثلاثة ترتيب لتنزيل أحوالهم؛ فوصفوا أولا بأنهم لا يشعرون بوقت البعث، ثم بأنهم تلقفوا في شأن الآخرة التي البعث من شؤونها علما مضطربا أو جهلا فخبطوا في شك ومرية، فأعقبهم عمى وضلالة بحيث إن هذه الانتقالات مندرجة متصاعدة حتى لو قيل: بل أدارك علمهم في الآخرة فهم في شك منها فهم منها

عمون لحصل المراد. ولكن جاءت طريقة التدرج بالإضراب الانتقالي أجزل وأبهج وأروع وأدل على أن كل من هذه الأحوال المرتبة جدير بأن يعتبر فيه المعتبر باستقلاله لا بكونه متفرعا على ما قبله، وهذا البيان هو ما أشرت إليه آنفا عند الكلام على قراءة الجمهور {أدارك} من خفاء توجيه الإضرابين اللذين بعد الإضراب الأول.
وضمائر جمع الغائبين في قوله {يَشْعُرُونَ، يُبْعَثُونَ، عِلْمُهُمْ، هُمْ فِي شَكٍّ، هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} عائدة إلى "من" الموصولة في قوله تعالى {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} . و"من" هذه وإن كانت من صيغ العموم فالضمائر المذكورة عائدة إليها بتخصيص عمومها ببعض من في الأرض وهم الذين يزعمون أنهم يعلمون الغيب من الكهان والعرافين وسدنة الأصنام الذين يستقسمون للناس بالأزلام ، وهو تخصيص لفظي من دلالة السياق وهو من قسم المخصص المنفصل اللفظي. والخلاف الواقع بين علماء الأصول في اعتبار عود الضمير إلى بعض أفراد العام مخصصا للعموم يقرب من أن يكون خلافا لفظيا. الضمير إلى أفراد العام مخصصا للعموم يقرب من أن يكون خلافا لفظيا. ومنه قوله تعالى {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] فإن ضمير {بُعُولَتُهُنَّ} عائد إلى المطلقات الرجعيات من قوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} [البقرة: 228] الذي هو عام للرجعيات وغيرهن.
وبهذا تعلم أن التعبير بـ {الَّذِينَ كَفَرُوا} هنا ليس من الإظهار في مقام الإضمار لأن الذين كفروا أعم من ما صدق "من" في قوله {لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ} .
[67 - 68] {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}
أعقب وصف عماية الزاعمين علم الغيب بذكر شبهتهم التي أرتهم البعث مستحيل الوقوع، ولذلك أسند القول هنا إلى جميع الذين كفروا دون خصوص الذين يزعمون علم الغيب، ولذلك عطف الجملة لأنها غايرت التي قبلها بأنها أعم.
والتعبير عنهم باسم الموصول لما في الموصول من الإيماء إلى علة قولهم هذه المقالة وهي ما أفادته الصلة من كونهم كافرين فكأنه قيل: وقالوا بكفرهم أإذا كنا ترابا..إلى آخره استفهاما بمعنى الإنكار.

أتوا بالإنكار في صورة الاستفهام لتجهيل معتقد ذلك وتعجيزه عن الجواب بزعمهم. والتأكيد بـ {إِنَّ} لمجاراة كلام المردود عليه بالإنكار. والتأكيد تهكم.
وقرأ نافع وأبو جعفر {إِذَا كُنَّا تُرَاباً} بهمزة واحدة هي همزة {إِذَا} على تقدير همزة استفهام محذوفة للتخفيف من اجتماع همزتين، أو بجعل {إذا} ظرفا مقدما على عامله والمستفهم عنه هو {إِنَّا لَمُخْرَجُونَ} .
وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بهمزتين في {أَإِذَا - وأَإِنَّا} على اعتبار تكرير همزة الاستفهام في الثانية لتأكيد الأولى، إلا أن أبا عمرو خفف الثانية من الهمزتين في الموضعين وعاصما وحمزة حققاهما. وهؤلاء كلهم حذفوا نون المتكلم بعد نون "إن". وقرأ ابن عامر والكسائي {أَإِذَا} بهمزتين و {إِنَّنَا} بهمزة واحدة وبنونين اكتفاء بالهمزة الأولى للاستفهام، وكلها استعمال فصيح.
وقد تقدم في سورة المؤمنين حكاية مثل هذه المقالة عن الذين كفروا إلا أن اسم الإشارة الأول وقع مؤخرا عن {نَحْنُ} في سورة المؤمنين ووقع مقدما عليه هنا، وتقديمه وتأخيره سواء في اصل المعنى لأنه مفعول ثان لـ {وُعِدْنَا} وقع بعد نائب الفاعل في الآيتين. وإنما يتجه أن يسأل عن تقديمه على توكيد الضمير الواقع نائبا على الفاعل. وقد ناطها في الكشاف بأن التقديم دليل على أن المقدم هو الغرض المعتمد بالذكر وبسوق الكلام لأجله. وبينه السكاكي في المفتاح بأن ما وقع في سورة المؤمنين كان بوضع المنصوب بعد المرفوع وذلك موضعه. وأما ما في سورة النمل فقدم المنصوب على المرفوع لكونه فيها أهم، يدلك على ذلك أن الذي قبله {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا} والذي قبل آية سورة المؤمنين {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً} فالجهة المنظور فيها هناك "في سورة المؤمنين" هي كون أنفسهم ترابا وعظاما، والجهة المنظور فيها هنا في سورة النمل هي كون أنفسهم وكون آبائهم ترابا لا جزء هناك من بناهم "جمع بنية" على _أي باقيا_ صورة نفسه "أي على صورته التي كان عليها وهو حي". ولا شبهة أنها أدخل عندهم في تبعيد البعث فاستلزم زيادة الاعتناء بالقصد إلى ذكره فصيره هذا العارض أهم اهـ .
وحاصل الكلام أن كل آية حكت أسلوبا من مقالهم {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ... قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا} [المؤمنين: 81 - 82] {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا} .

وبعد فقد حصل في الاختلاف بين أسلوب الآيتين تفنن كما تقدم في المقدمة السابعة.
والأساطير: جمع أسطورة، وهي القصة والحكاية. وتقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} في [سورة النحل: 24]. والمعنى: ما هذا إلا كلام معاد قاله الأولون وسطروه وتلقفه من جاء بعدهم ولم يقع شيء منه.
[69] {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}
أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم هذه الكلمة ولذلك فصل فعل {قُلْ} وتقدم نظيره في سورة الأنعام. والمناسبة في الموضعين هي الموعظة بحال المكذبين لأن إنكارهم البعث تكذيب للرسول وإجرام. والوعيد بأن يصيبهم ما أصابهم إلا أنها هنالك عطفت بـ {ثُمَّ انْظُرُوا} وهنا بالفاء {فَانْظُرُوا} وهما متئايلان. وذكر هنالك عاقبة المكذبين وذكر هنا عاقبة الجرمين: والمكذبون مجرمون. والاختلاف بين الحكايتين للتفنن كما قدمناه في المقدمة السابعة.
[70] {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ}
كانت الرحمة غالبة على النبي صلى الله عليه وسلم والشفقة على الأمة من خلاله، فلما أنذر المكذبون بهذا الوعيد تحركت الشفقة في نفس الرسول عليه الصلاة والسلام فربط الله على قلبه بهذا التشجيع أن لا يحزن عليهم إذا أصابهم ما أنذروا به. وكان من رحمته صلى الله عليه وسلم حرصه على إقلاعهم عما هم عليه من تكذيبه والمكر به، فألقى الله في روعه رباطة جاش بقوله {وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} .
والضيق: بفتح الضاد وكسرها، قرأه الجمهور بالفتح، وابن كثير بالكسر. وحقيقته: عدم كفاية المكان أو الوعاء لما يراد حلوله فيه، وهو هنا مجاز في الحالة الحرجة التي تعرض للنفس عند كراهية شيء فيحس المرء في مجاري نفسه بمثل ضيق عرض لها. وإنما هو انضغاط في أعصاب صدره. وقد تقدم عند قوله {وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} في آخر [سورة النحل: 127].
والظرفية مجازية، أي لا نكن ملتبسا ومحوطا بشيء من الضيق بسبب مكرهم.

والمكر تقدم عند قوله تعالى {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} في [سورة آل عمران: 54]. و"ما" مصدرية، أي من مكرهم.
[71 - 72] {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} عطف على {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً} . والتعبير هنا بالمضارع للدلالة على تجدد ذلك القول منهم، أي لم يزالوا يقولون.
والمراد بالوعد ما أنذروا به من العقاب. والاستفهام عن زمانه، وهو استفهام تهكم منهم بقرينة قوله {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
وأمر الله نبيه بالجواب عن قولهم لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ومن أطلعه على شيء منه من عباده المصطفين.
والجواب جار على الأسلوب الحكيم بحمل استفهام على حقيقة الاستفهام تنبيها على أن حقهم أن يسألوا عن وقت العيد ليقدموه بالإيمان.
و {عَسَى} للرجاء، وهو مستعمل في التقريب مع التحقيق.
و {رَدِفَ} تبع بقرب. وعدي باللام هنا مع أنه صالح للتعدية بنفسه لتضمينه معنى "اقترب" أو اللام للتوكيد مثل شكر له. والمعنى: رجاء أن يكون ذلك قريب الزمن. وهذا إشارة إلى ما سيحل بهم يوم بدر.
وحذف متعلق {تَسْتَعْجِلُونَ} أي تستعجلون به.
[73] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ}
موقع هذا موقع الاستدراك على قوله {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} [النمل: 72] أي أن تأخير العذاب عنهم هو من فضل الله عليهم. وهذا خبر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم تنبيها على أن تأخير الوعيد أثر من آثار رحمة الله لأن أزمنة التأخير أزمنة إمهال فهم فيها بنعمة، لأن الله ذو فضل على الناس كلهم. وقد كنا قدمنا مسألة أن نعمة الكافر نعمة حقيقية أو ليست نعمة والخلاف في ذلك بين الأشعري ولما تريدي.
والتعبير بـ {ذُو فَضْلٍ} يدل على أن الفضل من شؤونه. وتنكير {فَضْلٍ} للتعظيم.

والتأكيد بـ {إِنَّ} واللام منظور فيه إلى حال الناس لا إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم، فالتأكيد واقع موقع التعويض بهم بقرينة قوله {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ} .
و {لَكِنَّ} استدراك ناشئ عن عموم الفضل منه تعالى فإن عمومه وتكرره يستحق بأن يعلمه الناس فيشكروه ولكن أكثر الناس لا يشكرون كهؤلاء الذين قالوا {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} فإنهم يستعجلون العذاب تهكما وتعجيزا في زعمهم غير قادرين قدر نعمة الإهمال.
[74] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ}
موقع هذا موقع الاستئناف البياني لأن قوله {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [النمل: 73] يثير سؤالا في نفوس المؤمنين أن يقولوا: إن هؤلاء المكذبين قد أضمروا المكر وأعلنوا الاستهزاء فحالهم لا يقتضي إمهالهم? فيجاب بأن الذي أمهلهم مطلع على ما في صدورهم وما أعلنوه وأنه أمهلهم مطلع على ما في صدورهم وما أعلنوه وأنه أمهلهم مع علمه بهم لحكمة يعلمها.
وفيه إشارة إلى أنهم يكنون أشياء للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، منها: أنهم يتربصون بهم الدوائر، وأنهم تخامر نفوسهم خواطر إخراجه وإخراج المؤمنين. وهذا الاستئناف لما كان ذا جهة من معنى وصف الله بإحاطة العلم عطف جملته على جملة وصف الله بالفضل، فحصل بالعطف غرض ثان مهم، وحصل معنى الاستئناف البياني من مضمون الجملة.
وأما التوكيد بـ {إِنَّ} فهو على نحو توكيد الجملة التي قبله. ولك أن تجعله لتنزيل السائل منزلة المتردد وذلك تلويح بالعتاب.
و {تَكُنْ} تخفي وهو من "أكن" إذا جعل شيء كانا، أي حاصلا في كن. والكن: المسكن. وإسناد {تَكُنْ} إلى الصدور مجاز عقلي باعتبار أن الصدور مكانه.والإعلان: الإظهار.
[75] {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}
عطف على جملة {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} . وهو في معنى التذييل للجملة المذكورة لأنها منها علم الله بضمائرهم فذيل ذلك بأن الله يعلم كل غائبة في السماء والأرض.
وإنما جاء معطوفا لأنه جدير بالاستقلال بذاته من حيث إنه تعليم لصفة علم الله

تعالى وتنبيه لهم من غفلتهم عن إحاطة علم الله لما تكن صدورهم وما يعلنون. والغائبة: اسم للشيء الغائب والتاء فيه للنقل من الوصفية إلى الاسمية كالتاء في العافية، والعاقبة، والفاتحة. وهو اسم مشتق من الغيب وهو ضد الحضور، والمراد: الغائبة عن علم الناس. استعمل الغيب في الخفاء مجازا مرسلا.
والكتاب يعبر به عن علم الله، استعبر له الكتاب لما فيه من التحقق وعدم قبول التغيير. ويجوز أن يكون مخلوقا غيبيا يسجل فيه ما سيحدث.
والمبين: المفصل، لأن الشيء المفصل يكون بينا واضحا. والمعنى: أن الله لا يعزب عن علمه حقيقة شيء مما خفي على العالمين. وذلك يقتضي أن كل ما يتلقاه الرسل من جانب الله تعالى فهو حق لا يحتمل أن يكون الأمر بخلافه. ومن ذلك ما كان الحديث فيه من أمر البعث الذي أنكره وكذبوا بما جاء فيه.
[76] {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}
إبطال لقول الذين كفروا {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [النمل: 68]. ولهم مناسبة بقوله {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل: 75]، فإن القرآن وحي من عند الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فكل ما فيه فهو من آثار علم الله تعالى فإذا أراد الله تعليم المسلمين شيئا مما يشتمل عليه القرآن فهو العلم الحق إذا بلغت الأفهام إلى إدراك المراد منه على حسب مراتب الدلالة التي أصولها في علم العربية وفي علم أصول الفقه.
ومن ذلك ما اشتمل عليه القرآن من تحقيق أمور الشرائع الماضية والأمم الغابرة مما خبطت فيه كتب بني إسرائيل خبطا من جراء ما طرأ على كتبهم من التشتت والتلاشي وسوء النقل من لغة إلى لغة في عصور انحطاط الأمة الإسرائيلية، ولما في القرآن من الأصول الصريحة في الإلهيات مما يكشف سوء تأويل بني إسرائيل لكلمات كتابهم في متشابه التجسيم ونحوه فإنك لا تجد في التوراة ما يساوي قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} . فالمعنى: نفي أن يكون أساطير الأولين بإثبات أنه تعليم للمؤمنين، وتعليم لأهل الكتاب. وإنما قص عليهم أكثر ما اختلفوا وهو ما في بيان الحق نفع للمسلمين، وأعرض عما دون ذلك. فموقع هذه الآية استكمال نواحي هدي القرآن للأمم فإن السورة افتتحت بأنه هدى وبشرى للمؤمنين وأن المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة يعمهون في ضلالهم فلم ينتفعوا بهديه. فاستكملت هذه الآية ما جاء به من هدي بني إسرائيل لما يهم

مما اختلفوا فيه.
والتأكيد بـ {إِنَّ} مثل ما تقدم في نظائره. وأكثر الذي يختلفون فيه هو ما جاء في القرآن من إبطال قولهم فيما يقتضي إرشادهم إلى الحق أن يبين لهم، وغير الأكثر ما لا مصلحة في بيانه لهم.
ومن مناسبة التنبيه على أن القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ما هم فيه مختلفون، أن ما قصه مما جرى بين ملكة سبأ مع سليمان كان فيه مما يخالف ما في كتاب الملوك الأول وكتاب الأيام الثاني ففي ذينك الكتابين أن ملكة سبأ تحملت وجاءت إلى أورشليم من تلقاء نفسها محبة منها في الاطلاع على ما بلغ مسامعها من عظمة ملك سليمان وحكمته، وأنها بعد ضيافتها عند سليمان قفلت إلى مملكتها. وليس مما يصح في حكم العقل وشواهد التاريخ في تلك العصور أن ملكة عظيمة كملكة سبأ تعمد إلى الارتحال عن بلدها وتدخل بلد ملك آخر غير هائبة، لو لا أنها كانت مضطرة إلى ذلك بسياسة ارتكاب أخف الضرين إذ كان سليمان قد ألزمها بالدخول في دائرة نفوذ ملكه، فكان حضورها لديه استلاما واعترافا له بالسيادة بعد أن تنصلت من ذلك بتوجيه الهدية وبعد أن رأت العزل من سليمان على وجوه امتثال أمره.
ومن العجيب إهمال كتاب اليهود دعوة سليمان بلقيس إلى عقيدة التوحيد وهل يظن بنبي أن يقر الشرك على منتحليه.
[77] {وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}
هذا راجع إلى قوله في طالع السورة {هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 2] ذكر هنا لاستيعاب جهات هدي القرآن. أما كونه هدى للمؤمنين فظاهر، وأما كونه رحمة لهم فلأنهم لما اهتدوا به قد نالوا الفوز في الدنيا بصلاح نفوسهم واستقامة أعمالهم واجتماع كلمتهم، وفي الآخرة بالفوز بالجنة. والرسالة المحمدية وإن كانت رحمة للعالمين كلهم كما تقدم في قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} في سورة الأنبياء: [107] فرحمته للمؤمنين أخص.
والتأكيد بـ {إِنَّ} منظور فيه إلى المعرض كما تقدم في قوله {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [النمل: 73].

[78] {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ}
لما سبق ذكر المشركين بطعنهم في القرآن وتكذيبهم بوعيده، وذكر بني إسرائيل بما يقتضي طعنهم فيه بأنه لمخالفة ما في كتبهم، وذكر المؤمنين بأنهم اهتدوا به وكان لهم رحمة فهم موقنون بما فيه، تمخض الكلام عن خلاصة هي افتراق الناس في القرآن فريقين: فريق طاعن، وفريق موقن، فلا جرم اقتضى ذلك حدوث تدافع بين الفريقين. وهو مما يثير في نفوس المؤمنين سؤالا عن مدى هذا التدافع، والتخالف بين الفريقين ومتى ينكشف الحق، فجاء قوله {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ} استئنافا بيانيا فيعلم أن القضاء يقتضي مختلفين. وأن كلمة "بين" تقتضي متعددا، فأفاد أن الله يقضي بين المؤمنين والطاعنين فيه قضاء يبين المحق من المبطل. وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عن استبطائهم النصر فإن النبي أول المؤمنين، وإنما تقلد المؤمنون ما أنبأهم به فالقضاء للمؤمنين قضاء له بادئ ذي بدء.
وفيه توجيه الخطاب إلى جناب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإسناد القضاء إلى الله في شأنه بعنوان أنه رب له إيماء بأن القضاء سيكون مرضيا له وللمؤمنين. فجعل الرسول في هذا الكلام بمقام المبلغ وجعل القضاء بين أمته مؤمنهم وكافرهم، وتعجيل لمسرة الرسول بهذا الإيماء.
وإذ قد أسند القضاء إلى الله وعلق به حكم مضاف إلى ضميره فقد تعين أن يكون المراد من المتعلق غير المتعلق به وذلك يلجئ: إما إلى تأويل معنى إضافة الحكم بما يخالف معنى إسناد القضاء إذا اعتبر اللفظان مترادفين لفظا ومعنى، فيكون ما تدل عليه الإضافة من اختصاص المضاف بالمضاف إليه مقصودا به ما اشتهر به المضاف باعتبار المضاف إليه. وذلك أن الكل يعلمون أن حكم الله هو العدل ولأن المضاف إليه هو الحكم العدل. فالمعنى على هذا: أن ربك يقضي بينهم بحكمه المعروف المشتهر اللائق بعموم علمه واطراد عدله، وإما أن يؤول الحكم بمعنى الحكمة وهو إطلاق شائع قال تعالى {وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء: 79] وقال {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً} [مريم: 12] ولم يكن يحيى حاكما وإنما كان حكيما نبيا فيكون المعنى على هذا: إن ربك يقضي بينهم بحكمته، أي بما تقتضيه الحكمة، أي من نصر المحق على المبطل.
ومآل التأويلين إلى معنى واحد. وبه يظهر حسن موقع الاسمين الجليلين في تذييله

بقوله {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} ، فإن العزيز لا يصانع، والعليم لا يفوته الحق، ويظهر حسن موقع التفريع بقوله:
[79] {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ}
فرعت الفاء على الإخبار بأن رب الرسول عليه الصلاة والسلام يقضي بين المختلفين في شأن القرآن أمرا للرسول بأن يطمئن بالا ويتوكل على ربه فيما يقضي به فإنه يقضي له بحقه، وعلى معانده بما يستحقه، فالأمر بالتوكل مستعمل في كنايته وصريحه فإن من لازمه أنه أدى رسالة ربه، وأن إعراض المعرضين عن أمر الله ليس تقصيرا من الرسول صلى الله عليه وسلم. وهو معنى تكرر في القرآن كقوله {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} وقوله {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} .
والتوكل: تفعل من وكل إليه الأمر إذا أسند إليه تدبيره ومباشرته، فالتفعل للمبالغة. وقد تقدم عند قوله تعالى {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} في [آل عمران: 159]، وقوله {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} في المائدة وقوله {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} في [سورة إبراهيم: 11].
وقد وقعت جملة {إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} موقعا لم يخاطب الله تعالى أحدا من رسله بمثله فكان ذلك شهادة لرسوله بالعظمة الكاملة المنزهة عن كل نقص، لما دل عليه حرف {عَلَى} من التمكن، وما دل عليه اسم {الْحَقِّ} من معنى جامع لحقائق الأشياء. وما دل عليه وصف مبين من الوضوح والنهوض.
وجاءت جملة {إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} مجيء التعليل للأمر بالتوكل على الله إشعارا بأنه على الحق فلا يترقب من توكله على الحكم العدل إلا أن يكون حكمه في تأييده ونفعه. وشأن "إن" إذا جاءت في مقام التعليل أن تكون بمعنى الفاء فلا تفيد تأكيدا ولكنها للاهتمام.
وجيء في فعل التوكل بعنوان اسم الجلالة لأن ذلك الاسم يتضمن معاني الكمال كلها، ومن أعلاها العدل في القضاء ونصر المحق. وذلك بعد أن عجلت مسرة الإيماء إلى أن القضاء في جانب الرسول عليه الصلاة والسلام بإسناده القضاء إلى عنوان الرب مضافا إلى ضمير الرسول كما تقدم آنفا.
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي اقتضاه وجود مقتضي جلب حرف التوكيد لإفادة التعليل فلا يفيد التقديم تخصيصا ولا تقويا.

و {الْمُبِينِ} : الواضح الذي لا ينبغي الامتراء فيه ولا المصانعة للمحكوم له.
وفي الآية إشارة إلى أن الذي يعلم أن الحق في جانبه حقيق بأن يثق بأن الله مظهر حقه ولو بعد حين.
[80] {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}
استئناف بياني جوابا عما يخطر في بال السامع عقب قوله {إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} من التساؤل عن إعراض أهل الشرك لما عليه الرسول من الحق المبين. وهو أيضا تعليل آخر للأمر بالتوكل على الله بالنظر إلى مدلوله الكنائي، فموقع حرف التوكيد فيه كموقعه في التعليل بالجملة التي قبله. وهذا عذر للرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية له، ولكونه تعليلا لجانب من التركيب وهو الجانب الكنائي غير الذي علل بجملة {إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} لم تعطف هذه الجملة على التي قبلها تنبيها على استقلالها بالتعليل.
والإسماع: إبلاغ الكلام إلى المسامع.
و {الْمَوْتَى} و {الصُّمَّ} : مستعاران للقوم الذين لا يقبلون القول الحق ويكابرون من يقوله لهم. شبهوا بالموتى على طريقة الاستعارة في انتفاء فهمهم معاني القرآن، وشبهوا بالصم كذلك في انتفاء أثر بلاغة ألفاظه عن نفوسهم.
وللقرآن أثران:
أحدهما ما يشتمل عليه من المعاني المقبولة لدى أهل العقول السليمة وهي المعاني التي يدركها ويسلم لها من تبلغ إليه ولو بطريقة الترجمة بحيث يستوي في إدراكها العربي والعجمي وهذا أثر عقلي.
والأثر الثاني دلالة نظمه وبلاغته على انه خارج عن مقدرة البلغاء العرب. وهذا أثر لفظي وهو دليل الإعجاز وهو خاص بالعرب مباشرة، وحاصل لغيرهم من أهل النظر والتأمل إذا تدبروا في عجز البلغاء من أهل اللسان الذي جاء به القرآن، فهؤلاء يوقنون بأن عجز البلغاء أهل ذلك اللسان على معارضته دال على أنه فوق مقدرتهم؛ فالمشركون شبهوا بالموتى بالنظر إلى الأثر الأول، وشبهوا بالصم بالنظر إلى الأثر الثاني، فحصلت استعارتان. ونفي الإسماع فيهما ترشيحان للاستعارتين وهما مستعاران لانتفاء معالجة إبلاغهم.

ولأجل اعتبار كلا الأثرين المبني عليه ورود تشبيهين كرر ذكر الترشيحين فعطف {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ} على {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ} ، ولم يكتف بأن يقال: إنك لا تسمع الموتى ولا الصم.
وتقييد الصم بزمان توليهم مدبرين لأن تلك الحالة أوغل في انتفاء إسماعهم لأن الأصم إذا كان مواجها للمتكلم قد يسمع بعض الكلام بالصراخ ويستفيد بقيته بحركة الشفتين فذلك أبعد له عن السمع.
واستدلت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية على رد ظاهر حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر وفيه قتلى المشركين فناداهم بأسمائهم وقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا، قال ابن عمر: فقيل له: يا رسول الله أتنادي أمواتا فقال: إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم. فقالت عائشة: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم قرأت {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} حتى قرأت الآية.
وهذا من الاستدلال بظاهر الدلالة من القرآن ولو باحتمال مرجوح كما بيناه في المقدمة التاسعة. وإلا فإن الموتى هنا استعارة وليس بحقيقة.
وضمير {إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} عائدان إلى الصم وهو تتميم للتشبيه حيث شبهوا في عدم بلوغ الأقوال إلى عقولهم بصم ولوا مدبرين فإن المدبر يبعد عن مكان من يكلمه فكان أبعد عن الاستماع كما تقدم آنفا.
[81] {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ}
{وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ}
كرر تشبيه المشركين في إعراضهم عن الحق بأن شبهوا في ذلك بالعمي بعد أن شبهوا بالموتى وبالصم على طريقة الاستعارة إطنابا في تشنيع حالهم الموصوفة على ما هو المعروف عند البلغاء في تكرير التشبيه كما تقدم عند قوله تعالى {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} في [سورة البقرة: 19].
وحسن هذا التكرير هنا ما بين التشبيهين من الفروق مع اتحاد الغاية؛ فإنهم شبهوا

بالموتى في انتفاء إدراك المعاني الذي يتمتع به العقلاء، وبالصم في انتفاء إدراك بلاغة الكلام الذي يضطلع به بلغاء العرب. وشبهوا ثالثا بالعمي في انتفاء التمييز بين طريق الهدى وطريق الضلال من حيث إنهم لم يتبعوا هدي دين الإسلام. والغاية واحدة وهي انتفاء اتباعهم الإسلام ففي تشبيههم بالعمي استعارة مصرحة، ونفي إنقاذهم عن ضلالتهم ترشيح للاستعارة لأن الأعمى لا يبلغ إلى معرفة الطريق بوصف الواصف.
والهدى: الدلالة على طريق السائر بأن يصفه له فيقول مثلا: إذا بلغت الوادي فخذ الطريق الأيمن.
والذي يسلك بالقوافل مسالك الطريق يسمى هاديا.
والتوصل إلى معرفة الطريق يسمى اهتداء. وهذا الترشيح هو أيضا مستعار لبيان الحق والصواب للناس، والأعمى غير قابل للهداية بالحالتين حالة الوصف وهي ظاهرة، وحالة الاقتياد فإن العرب لم يكونوا يأخذوا العمي معهم في أسفارهم لأنهم يعرقلون على القافلة سيرها.
وقوله {عَنْ ضَلالَتِهِمْ} يتضمن استعارة مكنية قرينتها حالية. شبه الدين الحق بالطريق الواضحة، وإسناد الضلالة إلى سالكيه ترشيح لها وتخييل، والضلالة أيضا مستعارة لعدم إدراك ألحق تبعا للاستعارة المكنية، وأطلقت هنا على عدم الاهتداء للطريق، وضمير {ضَلالَتِهِمْ} عائد إلى العمي، ولتأتي هذه الاستعارة الرشيقة عدل عن تعليق ما حقه أن يعلق بالهدي فعلق به ما يقتضيه نفي الهدي من الصرف والمباعدة. فقيل {عَنْ ضَلالَتِهِمْ} بتضمين {هَادِيَ} معنى صارف. فصار: ما أنت بهاد، بمعنى: ما أنت بصارفهم عن ضلالتهم كما يقال: سقاه عن العيمة، أي سقاه صارفا له عن العيمة، وهي شهوة اللبن.
وعدل في الجملة عن صيغتي النفيين السابقين في قوله {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} الواقعين على مسندين فعليين، إلى تسليط النفي هنا على جملة اسمية للدلالة على ثبات النفي. وأكد ذلك الثبات بالباء المزيدة لتأكيد النفي.
ووجه إيثار هذه الجملة بهذين التحقيقين هو أنه لما أفضى الكلام إلى نفي اهتدائهم وكان اهتداؤهم غاية مطمح الرسول صلى الله عليه وسلم كان المقام مشعرا ببقية من طمعه في اهتدائهم حرصا عليهم فأكد له ما يقلع طمعه، وهذا كقوله تعالى {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}

[القصص: 56] وقوله {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} . وسيجيء في تفسير نظير هذه الآية من سورة الروم توجيه لتعداد التشابيه الثلاثة زائدا على ما هنا فأنظره.
وقرأ حمزة وحده {وَمَا أَنْتَ تَهْدِي} بمثناه فوقية في موضع الموحدة وبدون ألف بعد الهاء.
{إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ}
استئناف بياني لترقب السامع معرفة من يهتدون بالقرآن.
والإسماع مستعمل في معناه المجازي كما تقدم.
وأوثر التعبير بالمضارع في قوله {مَنْ يُؤْمِنُ} ليشمل من آمنوا من قبل فيفيد المضارع استمرار إيمانهم ومن سيؤمنون.
وقد ظهر من التقسيم الحاصل من قوله {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} إلى هنا، أن الناس قسمان منهم من طبع الله على قلبه وعلم أنه لا يؤمن حتى يعاجله الهلاك ومنهم من كتب الله له السعادة فيؤمن سريعا أو بطيئا قبل الوفاة.
وفرع عليه {فَهُمْ مُسْلِمُونَ} المفيد للدوام والثبات لأنهم إذا آمنوا فقد صار الإسلام راسخا فيهم ومتمكنا منهم، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
[82] {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ}
هذا انتقال إلى التذكير بالقيامة وما ادخر لهم من الوعيد. فهذه الجملة معطوفة على الجمل قبلها عطف قصة على قصة. ومناسبة ذكرها ما تقدم من قوله {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} إلى قوله {عَنْ ضَلالَتِهِمْ} . والضمير عائد إلى الموتى والصم والعمي وهم المشركون.
و {الْقَوْلِ} أريد به أخبار الوعيد التي كذبوها متهكمين باستبطاء وقوعها بقولهم {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فالتعريف فيه للعهد يفسره المقام.
والوقوع مستعار لحلول وقته وذلك من وقت تهيؤ العالم للفناء إلى أن يدخل الجنة الجنة وأهل النار النار.

والآية تشير إلى شيء من أشراط حلول الوعيد الذي أنذروا به وهو الوعيد الأكبر يعني وعيد البعث، فتشير إلى شيء من أشراط الساعة وهو من خوارق العادات. والتعبير عن وقوعه بصيغة الماضي لتقريب زمن الحال من المضي، أي أشرف وقوعه، على أن فعل المضي مع "إذا" ينقلب إلى الاستقبال.
والدابة: اسم للحي من الإنسان، مشتق من الدبيب، وهو المشي على الأرض وهو من خصائص الأحياء.وتقدم الكلام على لفظ {دَابَّةٍ} في [سورة الأنعام: 38]. وقد رويت في وصف هذه الدابة ووقت خروجها ومكانه أخبار مضطربة ضعيفة الأسانيد فأنظرها في تفسير القرطبي وغيره إذ لا طائل في جلبها ونقدها.
وإخراج الدابة من الأرض ليرهم كيف يحي الله الموتى إذ كانوا قد أنكروا البعث. ولا شك أن كلامها لهم خطاب لهم بحلول الحشر. وإنما خلق الله الكلام لهم على لسان دابة تحقيرا لهم وتنديما على إعراضهم عن قبول أبلغ كلام وأوقعه من أشرف إنسان وأفصحه، ليكون لهم خزيا في آخر الدهر يعيرون به في المحشر. فيقال: هؤلاء الذين أعرضوا عن كلام رسول كريم فخوطبوا على لسان حيوان بهيم. على نحو ما قيل: استفادة القابل من المبدإ تتوقف على المناسبة بينهما.
وجملة {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ} تعليل لإظهار هذا الخارق للعادة حيث لم يوقن المشركون بآيات القرآن فجعل ذلك إلجاء لهم حين لا ينفعهم.
وقرأ الجمهور {أَنَّ النَّاسَ} بكسر همزة "إن"، وموقع "إن" في مثل هذا التعليل. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي {أَنَّ النَّاسَ} بفتح الهمزة وهي أيضا للتعليل لأن فتح همزة "أن" يؤذن بتقدير حرف جر وهو باء السببية، أي تكلمهم بحاصل هذا وهو المصدر. والمعنى: أنها تسجل على الناس وهم المشركون عدم تصديقهم بآيات الله. وهو تسجيل توبيخ وتنديم لأنهم حينئذ قد وقع القول عليهم {لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} . وحمل هذه الجملة على أن تكون حكاية لما تكلمهم به الدابة بعيد.
[83 - 84] {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
انتصب {يَوْمَ} على تقدير {اذْكُرْ} فهو مفعول به، أو على أنه ظرف متعلق بقوله {قَالَ أَكَذَّبْتُمْ} مقدم عليه الاهتمام به. وهذا حشر خاص بعد حشر جميع الخلق المذكور

في قوله تعالى بعد هذا {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [النمل: 87] وهو في معنى قوله تعالى {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59] فيحشر من كل أمة مكذبو رسولها.
والفوج: الجماعة من الناس. و {مِنْ} الداخلة على {كُلِّ أُمَّةٍ} تبعيضية. وأما {مِنْ} الداخلة على {مَنْ يُكَذِّبُ} فيجوز جعلها بيانية فيكون فوج كل أمة. وهذا الفوج هو زعماء المكذبين وأئمتهم فيكونون في الرعيل الأول إلى العذاب.
وهذا قول أبن عباس إذ قال: مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يساق أمام كل طائفة زعماؤها. وتقدم تفسير {فَهُمْ يُوزَعُونَ} في قصة سليمان من هذه السورة.
والمعنى هنا: أنهم يزجرون إغلاظا عليهم كما يفعل بالأسرى.
والقول في {حَتَّى إِذَا جَاءُوا} كالقول في {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ} ولم يذكر الموضع الذي جاءوه لظهوره وهو مكان العذاب، أي جهنم كما قال في الآية {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا} في [سورة فصلت: 20].
و {حَتَّى} في {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا} ابتدائية. و {إِذَا} الواقعة بعد {حَتَّى} ظرفية والمعنى: حتى حين جاءوا.
وفعل {قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي} هو صدر الجملة في التقدير وما قبله مقدم من تأخير للاهتمام. والتقدير: وقال أكذبتم بآياتي يوم نحشر من كل أمة فوجا وحين جاءوا. وفي {قَالَ} التفات من التكلم إلى الغيبة.
وقوله {أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي} قول صادر من جانب الله تعالى يسمعونه أو يبلغهم إياه الملائكة.
والاستفهام يجوز أن يكون توبيخا مستعملا في لازمه وهو الإلجاء إلى الاعتراف بأن المستفهم عنه واقع منهم تبكيتا لهم، ولهذا عطف عليه قوله {أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . فحرف {أَمْ} فيه بمعنى "بل" للانتقال ومعادل همزة الاستفهام المقدرة محذوف دل عليه قوله {أَمَّ ماذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . والتقدير: أكذبتم بآياتي أم لم تكذبوا فماذا كنتم تعملون إن لم

تكذبوا فماذا كنتم تعملون إن لم تكذبوا فإنكم لم توقنوا فماذا كنتم تعملون في مدة تكرير دعوتكم إلى الإسلام. ومن هنا حصل الإلجاء إلى الاعتراف بأنهم كذبوا.
ومن لطائف البلاغة أنه جاء بالمعادل الأول مصرحا به لأنه المحقق منهم فقال {أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي} وحذف معادله الآخر تنبيها على انتفائه كأنه قيل: أهو ما عهد منكم من التكذيب أم حدث حادث آخر، فجعل هذا المعادل مترددا فيه، وانتقل الكلام إلى استفهام. وهذا تبكيت لهم. قال في الكشاف "ومثاله أن تقول لراعيك وقد علمت أنه راعي سوء: أتأكل نعمي أم ماذا تعمل بها، فتجعل ما ابتدأت به وجعلته أساس كلامك هو الذي صح عندك من أكله وفساده وترمي بقولك: أم ماذا تعمل بها، مع علمك أنه لا يعمل بها إلا الأكل لتبهته. ويجوز أن يكون الاستفهام تقريرا وتكون {أَمْ} متصلة وما بعدها هو معادل الاستفهام باعتبار المعنى كأنه قيل: أكذبتم أم لم تكذبوا فماذا كنتم تعملون إن لم تكذبوا فإنكم لم تتبعوا آياتي".
وجملة {وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً} في موضع الحال، أي كذبتم دون أن تحيطوا علما بدلالة الآيات. وانتصب {عِلْماً} على أنه تمييز نسبة {تُحِيطُوا} ، أي لم يحط علمكم بها، فعدل عن إسناد الإحاطة إلى العلم إلى إسنادها إلى ذوات المخاطبين ليقع تأكيد الكلام بالإجمال في الإسناد ثم التفصيل بالتمييز.
وإحاطة العلم بالآيات مستعملة في تمكن العلم حتى كأنه ظرف محيط بها وهذا تعبير لهم وتوبيخ بأنهم كذبوا بالآيات قبل التدبر فيها.
و {مَاذَا} استفهام واسم إشارة وهو بمعنى اسم الموصول إذا وقع بعد {مَا} . والمشار غليه هو مضمون الجملة بعده في قوله {كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . ولكون المشار إليه في مثل هذا هو الجملة صار اسم الإشارة بعد الاستفهام في قوة موصول فكأنه قيل: ما الذي كنتم تعملون? فذلك معنى قول النحويين: إن {ذَا} بعد {مَا} و {مِنْ} الاستفهاميتين يكون بمعنى {مَا} الموصولة فهو بيان معنى لا بيان وضع.
[85] {وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ}
يجوز أن يكون الواو للحال، والمعنى: يقال لهم أكذبتم بآياتي وقد وقع القول عليهم. وهذا القول هو القول السابق في آية {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} فإن ذلك القول مشتمل على حوادث كثيرة فكلما تحقق شيء منها فقد وقع القول.

والتعبير بالماضي في قوله {وَقَعَ} هنا على حقيقته، وأعيد ذكر تعظيما لهوله. ويجوز أن تكون الواو عاطفة والقول هو القول الأول وعطفت الجملة على الجملة المماثلة لها ليبنى عليها سبب وقوع القول وهو أنه بسبب ظلمهم وليفرع عليه قوله {فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ} .
والتعبير بفعل المضي على هذا الوجه لأنه محقق الحصول في المستقبل فجعل كأنه حصل ومضى.
و {بِمَا ظَلَمُوا} بمعنى المصدر، والباء السببية، أي بسبب ظلمهم، والظلم هنا الشرك وما يتبعه من الاعتداء على حقوق الله وحقوق المؤمنين فكان ظلمهم سبب حلول الوعيد بهم، وفي الحديث "الظلم ظلمات يوم القيامة" فكل من ظلم سيقع عليه القول الموعود به الظالمون لأن الظلم ينتسب إلى الشرك وينتسب هذا إليه كما تقدم عند قوله تعالى {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} في هذه [السورة 52].
وجملة {فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ} مفرعة على {وَقَعَ الْقَوْلُ} أي وقع عليهم وقوعا يمنعهم الكلام، أي كلام الاعتذار أو الإنكار، أي فوجموا لوقوع ما وعدوا به قال تعالى {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} .
[86] {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
هذا الكلام متصل بقوله {وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا} [النمل: 85] أي بما أشركوا، فذكرهم بدلائل الوحدانية بذكر أظهر الآيات وأكثرهم تكرارا على حواسهم وأجدرها بأن تكون مقنعة في ارعوائهم عن شركهم. وهي آية ملازمة لهم طول حياتهم تخطر ببالهم مرتين كل يوم على الأقل.وتلك هي آية اختلاف الليل والنهار الدالة على انفراده تعالى بالتصرف في هذا العالم؛ فأصنامهم تخضع لمفعولها فتظلم ذواتهم في الليل وتنير في النهار، وفيها تذكير بتمثيل الموت والحياة بعده بسكون الليل وانبثاق النهار عقبه.
والجملة معترضة بين جملة {وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} [النمل: 85] وجملة {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [النمل: 87] ليتخلل الوعيد بالاستدلال فتكون الدعوة إلى الحق بالإرهاب تارة واستدعاء النظر تارة أخرى.
والاستفهام مستعمل كناية عن التعجيب من حالهم لأنها لغرابتها تستلزم سؤال من

يسأل عن عدم رؤيتهم فهذه علاقة أو مسوغ استعمال الاستفهام في التعجيب، وهي علاقة خفية أشار سعد الدين في "المطول" إلى عدم ظهورها وتصدى السيد الشريف إلى بيانها غاية البيان وأرجعها إلى المجاز المرسل فتأمله.
والرؤية يجوز أن تكون قلبية وجملة {أَنَّا جَعَلْنَا} سادة مسد المفعولين، أي كيف لم يعلموا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا مع أن ذلك واضح الدلالة على هذا الجعل. واختير من أفعال العلم فعل الرؤية لشبه هذا العلم بالمعلومات المبصرة.
ويجوز أن تكون الرؤية بصرية والمصدر المنسبك من الجملة مفعول الرؤية.
والمعنى: كيف لم يبصروا جعل الليل للسكون والنهار للإبصار مع أن ذلك بمرأى من أبصارهم. والجعل مراد منه أثره وهو اضطرار الناس إلى السكون في الليل وإلى الانتشار في النهار. فجعلت رؤية أثر الجعل بمنزلة رؤية ذلك الجعل وهذا واسع في العربية أن يجعل الأثر محل المؤثر، والدال محل المدلول. قال النابغة:
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي
...
على وعل في ذي المطارة عاقل
أي على مخافة وعل.
والمبصر: اسم فاعل أبصر بمعنى رأى. ووصف النهار بأنه مبصر من قبيل المجاز العقلي لأن نور النهار سبب الإبصار. ويجوز أن تكون الهمزة للتعدية من أبصره، إذا جعله باصرا.
وجملة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ} تعليل للتعجب من حالهم إذ لم يستدلوا باختلاف الليل والنهار على الوحدانية ولا على البعث.
ووجه كون الآيات في ذلك كثيرة كما اقتضاه الجمع هو أن في نظام الليل آيات على الانفراد بخلق الشمس وخلق نورها الخارق للظلمات، وخلق الأرض، وخلق نظام دورانها اليومي تجاه أشعة الشمس وهي الدورة التي تكون الليل والنهار، وفي خلق طبع الإنسان بأن يتلقى الظلمة بطلب السكون لما يعتري الأعصاب من الفتور دون بعض الدواب التي تنشط في الليل كالهوام والخفافيش وفي ذلك أيضا دلالة على تعاقب الموت والحياة، فتلك آيات وفي كل آية منها دقائق ونظم عظيمة لو بسط القول فيها لأوعب مجلدات من العلوم.
وفي جعل النهار مبصرا آيات كثيرة على الوحدانية ودقة الصنع تقابل ما تقدم في آيات

جعل الليل سكنا. وفيه دلالية على أن لا إحالة ولا استبعاد في البعث بعد الموت، وأنه نظير بعث اليقظة بعد النوم، وفي جليل تلك الآيات ودقيقها عدة آيات فهذا وجه جعل ذلك آيات ولم يجعل آيتين.
ومعنى {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لناس شأنهم الإيمان والاعتراف بالحجة ولذلك جعل الإيمان صفة جارية على {قوم} لما قلناه غير مرة من أن إناطة الحكم بلفظ {قَوْمِ} يومئ إلى أن ذلك الحكم متمكن منهم حتى كأنه من مقومات قوميتهم ومنه قوله تعالى {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} ، أي الفرق من مقومات قوميتهم فكيف يكونون منكم وأنتم لا تفرقون، أي في ذلك آيات لمن من شعارهم التدبر والاتصاف، أي فهؤلاء ليسوا بتلك المثابة.
ولكون الإيمان مقصودا به أنه مرجو منهم جيء فيه بصيغة المضارع إذ ليس المقصود أن في ذلك آيات للذين آمنوا لأن ذلك حاصل بالفحوى والأولوية، فصار المعنى: أن في ذلك لآيات للمؤمنين ولمن يرجى منهم الإيمان عند النظر في الأدلة. وقريب من هذا المعنى قوله تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 27 - 28]. ولهذا خولف بين ما هنا وبين ما في [سورة يونس: 67] إذ قال {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} لأن آية يونس مسوقة مساق الاستدلال والامتنان فخاطب بها جميع الناس من مؤمن وكافر فجاءت بصيغة الخطاب، وجعلت دلالتها لكل من يسمع أدلة القرآن فمنهم مهتد وضال ولذلك جيء فيها بفعل {يَسْمَعُونَ} المؤذن بالامتثال والإقبال على طلب الهدى.
وأما هذه الآية فمسوقة مساق التعجيب والتوبيخ فجعل ما فيها آيات لمن الإيمان من شأنهم ليفيد بمفهومهم أنه لا تحصل منه دلالة لمن ليس من شأنهم الإنصاف والاعتراف ولذلك أوثر فيه فعل {يُؤْمِنُونَ} .
وجاء ما في الليل من الخصوصية بصيغة التعليل باللام بقوله {لِيَسْكُنُوا فِيهِ} ، وما في النهار بصيغة مفعول الجعل بقوله {مُبْصِراً} تفننا، ولما يفيده {مُبْصِراً} من المبالغة. والمعنى على التعليل والمفعول واحد في المآل. وبهذا قال في الكشاف "التقابل مراعي من حيث المعنى وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف" أي ففي الآية احتباك إذ المعنى: جعلنا الليل مظلما ليسكنوا فيه والنهار مبصرا لينتشروا فيه.
واعلم أن ما قرر هنا يأتي في آية سورة يونس عدا ما هو من وجوه الفروق البلاغية

فارجع إليها هنالك.
[87] {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ}
عطف على {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} [النمل: 83] عاد به السياق إلى الموعظة والوعيد فإنهم لما ذكروا بيوم الحشر إلى النار ذكروا أيضا بما قبل ذلك وهو يوم النفخ في الصور، تسجيلا عليهم بإثبات وقوع البعث وإنذار بما يعقبه مما دل عليه قوله {أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} وقوله {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} .
والنفخ في الصور تقدم في وله {وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} في [سورة الأنعام: 73] وهو تقريب لكيفية صدور الأمر التكويني لإحياء الأموات وهو النفخة الثانية المذكورة في قوله تعالى {نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} وذلك هو يوم الحساب. وأما النفخة الأولى فهي نفخة يعني بها الإحياء، أي نفخ الأرواح في أجسامها وهي ساعة انقضاء الحياة الدنيا فهم يصعقون، ولهذا فرع عليه قوله {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} ، أي عقبة حصول الفزع وهو الخوف من عاقبة الحساب ومشاهدة معدات العذاب،فكل أحد يخشى أن يكون معذبا، فالفزع حاصل مما بعد النفخة وليس هو فزعا من النفخة لأن الناس حين النفخة أموات.
والاستثناء مجمل يبينه قوله تعالى بعد {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} وقوله {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} إلى قوله {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} وذلك بأن يبادرهم الملائكة بالبشارة. قال تعالى {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} وقال {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} .
وجيء بصيغة الماضي في قوله {فَفَزِعَ} مع أن النفخ مستقبل، لإشعار بتحقق الفزع وأنه واقع لا محالة كقوله {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} لأن المضي يستلزم التحقق فصيغة الماضي كناية عن التحقق، وقرينة الاستقبال ظاهرة من المضارع في قوله {يُنْفَخُ} .
والداخرون: الصاغرون. أي الأذلاء، يقال: دخر بوزن منع وفرح والمصدر الدخر بالتحريك والدخور.

وضمير الغيبة الظاهر في {أَتَوْهُ} عائد إلى اسم الجلالة، والإتيان إلى الله الإحضار في مكان قضائه ويجوز أن يعود الضمير على {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} على تقدير: أتون فيه والمضاف إليه "كل" المعوض عنه التنوين، تقديره: من فزع ممن في السماوات والأرض آتوه داخرين. وأما من استثنى الله بأنه شاء أن لا يفزعوا فهم لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة.
وقرأ الجمهور {أَتَوْهُ} بصيغة اسم الفاعل من أتى. وقرأ حمزة وحفص {أَتَوْهُ} بصيغة فعل الماضي فهو كقوله {فَفَزِعَ} .
[88] {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}
الذي قاله جمهور المفسرين: إن الآية حكت حادثا يحصل يوم ينفخ في الصور فجعلوا قوله {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} عطفا على {يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [النمل: 87] أي ويوم ترى الجبال تحسبها جامدة الخ.. وجعلوا الرؤية بصرية، ومر السحاب تشبيها لتنقلها بمر السحاب في السرعة، وجعلوا اختيار التشبيه بمرور السحاب مقصودا منه إدماج تشبيه حال الجبال حين ذلك المرور بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها فيكون من معنى قوله {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة: 5]، وجعلوا الخطاب في قوله {تَرَى} لغير معين ليعم كل من يرى، وجعلوا معنى هذه الآية في معنى قوله تعالى {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} [الكهف: 47]. فلما أشكل أن هذه الأحوال تكون قبل يوم الحشر لأن الآيات التي ورد فبها ذكر دك الجبال ونسفها تشير إلى أن ذلك في انتهاء الدنيا عند القارعة وهي النفخة الأولى أو قبيلها، فأجابوا بأنها تندك حينئذ ثم تسير يوم الحشر لقوله {فقل ينسفها ربي نسفا} إلى أن قال {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ} [طه: 105 - 108] لأن الداعي هو إسرافيل "وفيه أن للاتباع أحوالا كثيرة، وللداعي معاني أيضا".
وقال بعض المفسرين: هذا مما يكون عند النفخة الأولى وكذلك جميع الآيات التي ذكر فيها نسف الجبال ودكها وبسها. وكأنهم لم يجعلوا عطف {وَتَرَى الْجِبَالَ} على {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [النمل: 87] حتى يتسلط عليه عمل لفظ {يَوْمَ} بل يجعلوه من عطف الجملة على الجملة، والواو لا تقتضي ترتيب المعطوف بها مع المعطوف عليه، فهو عطف عبرة على عبرة وإن كانت المذكورة أولى حاصلة ثانيا.

وجعل كلا الفريقين قوله {صُنْعَ اللَّهِ} الخ مرادا به تهويل قدرة الله تعالى وأن النفخ في الصور وتسيير الجبال من عجيب قدرته، فكأنهم تأولوا الصنع بمعنى مطلق الفعل من غير التزام ما في مادة الصنع من معنى التركيب والإيجاد، فإن الإتقان إجادة، والهدم لا يحتاج إلى إتقان.
وقال الماوردي: قيل هذا مثل ضربه الله، أي وليس بخبر. وفيما ضرب فيه المثل ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه مثل للدنيا يظن الناظر إليها أنها ثابتة كالجبال وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب، قاله سهل بن عبد الله التستري.
الثاني: أنه مثل للإيمان تحسبه ثابتا في القلب، وعمله صاعد إلى السماء.
الثالث: أنه مثل للنفس عند خروج الروح، والروح تسير إلى العرش. وكأنهم أرادوا بالتمثيل التشبيه والاستعارة.
ولا يخفى على الناقد البصير بعد هذه التأويلات الثلاثة لأنه إن كان {الْجِبَالَ} مشبها بها فهذه الحالة غير ثابتة لها حتى تكون هي وجه الشبه وإن كان لفظ {الْجِبَالَ} مستعارا لشيء وكان مر السحاب كذلك كان المستعار له غير مصرح به ولا ضمنيا.
وليس في كلام المفسرين شفاء لبيان اختصاص هذه الآية بأن الرائي يحسب الجبال جامدة، ولا بيان وجه تشبيه سيرها بسير السحاب، ولا توجيه التذييل بقوله تعالى {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} فلذلك كان لهذه الآية وضع دقيق، ومعنى بالتأمل خليق، فوضعها أنها وقعت موقع الجملة المعترضة المعترضة بين المجمل وبيانه من قوله {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل: 87 - 89] بأن يكون من تخلل دليل على دقيق صنع الله تعالى في أثناء الإنذار والوعيد إدماجا وجمعا بين استدعاء للنظر، وبين الزواجر والنذر، كما صنع في جملة {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا} [النمل: 86] الآية.
أو هي معطوفة على جملة {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا} [النمل: 86] الآية، وجملة {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [النمل: 87] معترضة بينهما لمناسبة ما في الجملة المعطوف عليها من الإيماء إلى تمثيل الحياة بعد الموت، ولكن هذا استدعاء لأهل العلم والحكمة لتتوجه أنظارهم إلى ما في الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة. وهذا من العلم

الذي أدع في القرآن ليكون معجزة من الجانب العلمي يدركها أهل العلم، كما كان معجزة للبلغاء من جانبه النظمي كما قدمناه في الجهة الثانية من المقدمة العاشرة.
فإن الناس كانوا يحسبون أن الشمس تدور حول الأرض فينشأ من دورانها نظام الليل والنهار، ويحسبون الأرض ساكنة. واهتدى بعض علماء اليونان أن الأرض هي التي تدور حول الشمس في كل يوم وليلة دورة تتكون منها ظلمة نصف الكرة الأرضية تقريبا وضياء النصف الآخر وذلك ما يعبر عنه بالليل والنهار، ولكنها كانت نظرية مرموقة بالنقد وإنما كان الدال عليها قاعدة أن الجرم الأصغر أولى بالتحرك حول الجرم الأكبر المرتبط بسيره وهي علة اقناعية لأن الحركة مختلفة المدارات فلا مانع من أن يكون المتحرك الأصغر حول الأكبر في رأي العين وضبط الحساب وما تحققت هذه النظرية إلا في القرآن السابع عشر بواسطة الرياضي "غاليلي" الإيطالي.
والقرآن يدمج في ضمن دلائله الجمة وعقب دليل تكوين النور والظلمة دليلا رمز إليه رمزا، فلم يتناوله المفسرون أو تسمع لهم ركزا.
وإنما ناط دلالة تحرك الأرض بتحرك الجبال منها لأن الجبال هي الأجزاء الناتئة من الكرة الأرضية فظهور تحرك ظلالها متناقصة قبل الزوال إلى منتهى نقصها، ثم آخذة في الزيادة بعد الزوال. ومشاهدة تحرك تلك الظلال تحركا يحاكي دبيب النمل أشد وضوحا للراصد، وكذلك ظهور تحرك قممها أمام قرص الشمس في الصباح والمساء أظهر مع كون الشمس ثابتة في مقرها بحسب أرصاد البروج والأنوار.
ولهذا الاعتبار غير أسلوب الاستدلال الذي في قوله تعالى {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ} [النمل: 86] فجعل هنا بطريق الخطاب {وَتَرَى الْجِبَالَ} . والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تعليما له لمعنى يدرك هو كنهه ولذلك خص الخطاب به ولم يعمم كما عمم قوله {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ} [النمل: 86] في هذا الخطاب، وادخار لعلماء أمته الذين يأتون في وقت ظهور هذه الحقيقة الدقيقة. فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على هذا السر العجيب في نظام الأرض كما أطلع إبراهيم عليه السلام على كيفية إحياء الموتى، اختص الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعلم ذلك في وقته وائتمنه على علمه بهذا السر العجيب في قرآنه ولم يأمره بتبليغه إذ لا يتعلق بعلمه للناس مصلحة حينئذ حتى إذا كشف العلم عنه من نقابه وجد أهل القرآن ذلك حقا في كتابه، فاستلوا سيف الحجة به وكان في قرابه.
وهذا التأويل للآية هو الذي يساعد قوله {وَتَرَى الْجِبَالَ} المقتضي أن الرائي يراها

في هيئة الساكنة، وقوله {تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} إذ هذا التأويل بمعنى الجامدة هو الذي يناسب حالة الجبال إذ لا تكون الجبال ذائبة.
وقوله {وهي تمر} الذي هو بمعنى السير {مَرَّ السَّحَابِ} أي مرا واضحا لكنه لا يبين من أول وهلة. وقوله بعد ذلك كله {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} المقتضي أنه اعتبار بحالة نظامها المألوف لا بحالة انخرام النظام لأن خرم النظام لا يناسب وصفه بالصنع المتقن ولكنه يوصف بالأمر العظيم أو نحو ذلك من أحوال الآخرة التي لا تدخل تحت التصور.
و {مَرَّ السَّحَابِ} مصدر مبين لنوع مرور الجبال، أي مرورا تنتقل به من جهة إلى جهة مع أن الرائي يخالها ثابتة في مكانها كما يخال ناظر السحاب الذي يعم الأفق أنه مستقر وهو ينتقل من صوب ويمطر من مكان إلى آخر فلا يشعر به الناظر إلا وقد غاب عنه. وبهذا تعلم أن المر غير السير الذي في قوله تعالى {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً} [الكهف: 47] فإن ذلك في وقت اختلال نظام العالم الأرضي.
وانتصب قوله {صُنْعَ اللَّهِ} على المصدرية مؤكدا لمضمون جملة {تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} بتقدير: صنع الله ذلك صنعا. وهذا تمجيد لهذا النظام العجيب إذ تتحرك الأجسام العظيمة مسافات شاسعة والناس يحسبونها قارة ثابتة وهي تتحرك بهم ولا يشعرون.
والجامدة: الساكنة، قاله أبن عباس. وفي الكشاف: الجامدة من جمد في مكانه إذا لم يبرح، يعني أنه جمود مجازي، كثر استعمال هذا المجاز حتى ساوى الحقيقة. والصنع، قال الراغب: إجادة الفعل فكل صنع فعل وليس كل فعل صنعا قال تعالى {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} [الأنبياء: 80] يقال للحاذق المجيد: صنع، وللحذاقة المجيدة: صناع اه. وقصر في تفسير الصنع الجوهري وصاحب "اللسان"وصاحب "القاموس" واستدراكه في "تاج العروس".
قلت: وأما قوله: بئس ما صنعت، فهو على معنى التخطئة لمن ظن أنه فعل فعلا حسنا ولم يتفطن لقبحه. فالصنع إذا أطلق انصراف للعمل الجيد النافع وإذا أريد غير ذلك وجب تقييده على أنه قليل أو تهكم أو مشاكلة.
واعلم أن الصنع يطلق على العلم المتقن في الخير أو الشر قال تعالى {تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} [طه: 69]، ووصف الله بـ {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} تعميم.

قصد به التذليل، أي ما هذا الصنع العجيب إلا مماثلا لأمثاله من الصنائع الإلهية الدقيقة الصنع. وهذا يقتضي أن تسيير الجبال نظام متقن، وأنه من نوع التكوين والخلق واستدامة النظام وليس من الخرم والتفكيك.
وجملة {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} تذييل أو اعتراض في آخر الكلام للتذكير والوعظ والتحذير، عقب قوله {الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} لأن إتقان الصنع أثر من آثار سعة العلم فالذي بعلمه أتقن كل شيء هو خبير بما يفعل الخلق فليحذروا أن يخالفوا عن أمره.
ثم جيء لتفصيل هذا بقوله {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} [النمل: 89] الآية فكان من التخلص والعود إلى ما يحصل يوم ينفخ في الصور، ومن جعلوا أمر الجبال من أحداث يوم الحشر جعلوا جملة {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} استئنافا بيانيا لجواب سائل: فماذا يكون بعد النفخ والفزع والحضور بين يدي الله وتسيير الجبال، فأجيب جوابا إجماليا بأن الله عليم بأفعال الناس ثم فصل بقوله {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا..} [النمل: 89] الآية.
وقرأ الجمهور {بِمَا تَفْعَلُونَ} بتاء الخطاب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {يَفْعَلُونَ} بياء الغائبين عائدا ضميره على {مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} .
[89 - 90] {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
{مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ}
هذه الجملة بيان ناشئ عن قوله {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [النمل: 87] لأن الفزع مقتض الحشر والحور للحساب. و"من" في كلتا الجملتين شرطية.
والمجيء مستعمل في حقيقته. والباء في {بِالْحَسَنَةِ} و {بِالسَّيِّئَةِ} للمصاحبة المجازية، ومعناها: أنه ذو الحسنة أو ذو السيئة. وليس هذا كقوله {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} في آخر [الأنعام: 160]. فالمعنى هنا: من يجيء يومئذ وهو من فاعلي الحسنة ومن جاء وهو من أهل السيئة، فالمجيء ناظر إلى قوله {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] والحسنة والسيئة هنا للجنس وهو يحمل على أكمل

أفراده في المقام الخطابي، أي من تمحضت حالته للحسنات أو كانت غالب أحواله كما يقتضيه قوله {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} ، وكذلك الذي كانت حالته متمحضة للسيئات أو غالبة عليه، كما اقتضاه قوله {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} .
و {خَيْرٌ مِنْهَا} اسم تفضيل اتصلت به {مِنْ} التفضيلية، أي فله جزاء خير من حسنة واحدة لقوله تعالى في الآية الأخرى {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} أو خير منها شرفا لأن الحسنة من فعل العبد والجزاء عليها من عطاء الله.
وقوله {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} تبيين قوله آنفا {إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} وهؤلاء هم الذين كانوا أهل الحسنات، أي تمحضوا لها أو غلبت على سيئاتهم غلبة عظيمة بحيث كانت سيئاتهم من النوع المغفور بالحسنات أو المدحوض بالتوبة ورد المظالم. وكذلك قوله {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} ، أي غلبت سيئاتهم وغطت على حسناتهم أو تمحضوا للسيئات بأن كانوا غير مؤمنين أو كانوا من المؤمنين أهل الجرائم والشقاء. وبين أهل هاتين الحالتين أصناف كثيرة في درجات الثواب ودرجات العقاب. وجماع أمرها أن الحسنة لها أثرها يومئذ عاجلا أو بالأخارة، وأن السيئة لها أثرها السيء بمقدارها ومقدار ما معها من أمثالها وما يكافئها من الحسنات أضدادها {فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} .
وقرأ الجمهور {مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ} بإضافة {فَزَعٍ} إلى {يَوْمِ} من {يَوْمَئِذٍ} وإضافة "يوم" إلى {إِذْ} ففتحة "يوم" فتحة بناء لأه اسم زمان أضيف إلى اسم غير متمكن فـ {فَزَعٍ} معرف بالإضافة إلى "يوم" و"يوم" معرف بالإضافة إلى "إذ" و"إذ" مضافة إلى جملتها المعوض عنها تنوين العوض. والتقدير: من فزع يوم إذ يأتون ربهم.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين {فَزَعٍ} ، و {يَوْمَئِذٍ} منصوبا على المفعول فيه متعلقا ب {آمنون} . والمعنى واحد على القراءتين إذ المراد الفزع المذكور في قوله {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [النمل: 87] فلما كان معينا استوى تعريفه وتنكيره. فاتحدت القراءتان معنى لأن إضافة المصدر وتنكيره سواء في عدم إفادة العموم فتعين أنه فزع واحد.
والكب: جعل ظاهر الشيء إلى الأرض. وعدي الكب في هذه الآية إلى الوجوه دون بقية الجسد وإن كان الكب لجميع الجسم لأن الوجوه أول ما يقلب إلى الأرض عند الكب كقوله امرئ القيس:

يكب على الأذقان دوح الكنهبل.
وهذا من قبيل قوله تعالى {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} [الأعراف: 116] وقوله {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} [الأعراف: 149] وقول الأعشى:
وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق.
{هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
تذييل للزواجر المتقدمة، فالخطاب للمشركين الذين يسمعون القرآن على طريقة الالتفات من الغيبة بذكر الأسماء الظاهرة وهي من قبيل الغائب. وذكر ضمائرها ابتداء من قوله {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] وما بعده من الآيات إلى هنا. ومقتضى الظاهر أن يقال: هل يجزون إلا ما كانوا يعملون فكانت هذه الجملة كالتلخيص لما تقدم وهو أن الجزاء على حسب عقائدهم وأعمالهم وما العقيدة إلا عمل القلب فلذلك وجه الخطاب إليهم بالمواجهة.
ويجوز أن تكون مقولا لقول محذوف يوجه إلى الناس يومئذ، أي لا يقال لكل فريق: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
والاستفهام في معنى النفي بقرينة الاستثناء. وورود {هَلْ} لمعنى النفي أثبته في "مغني اللبيب" استعمالا تاسعا قال "أن يراد بالاستفهام بها النفي ولذلك دخلت على الخبر بعدها "إلا" نحو {هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ} [الرحمن: 60]. والباء في قوله:
ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم.
وقال في آخر كلامه: إن من معاني الإنكار الذي يستعمل فيه الاستفهام إنكار وقوع الشيء وهو معنى النفي. وهذا تنفرد به {هَلْ} دون الهمزة. قال الدماميني في "الحواشي الهندية" قوله: يراد بالاستفهام بـ {هَلْ} النفي يشعر بأن ثمة استفهاما لكنه مجازي لا حقيقي اهـ.
وأقول: هذا استعمال كثير ومنه قول لبيد:
هل أنا إلا من ربيعة أو مضر.
وقول النابغة:
وهل علي بأن أخشاك من عار.

حيث جاء ب {من} التي تدخل على النكرة في سياق النفي لقصد التنصيص على العموم وشواهده كثيرة. ولعل أصل ذلك أنه استفهام عن النفي لقصد التقرير بالنفي. والتقدير: هل لا تجزون إلا ما كنتم تعملون، فلما اقترن به الاستثناء غالبا والحرف الزائد في النفي في بعض المواضع حذفوا النافي وأشربوا حرف الاستفهام معنى النفي اعتمادا على القرينة فصار مفاد الكلام نفيا وانسلخت "هل" عن الاستفهام فصارت مفيدة النفي. وقد أشرنا إلى هذه الآية عند قوله تعالى {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} في [الأعراف: 147].
[91 - 92] {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} .
أتت هذه السورة على كثير من مطاعن المشركين في القرآن وفيما جاء به من أصول الإسلام من التوحيد والبعث والوعيد بأفانين من التصريح والتضمن والتعريض بأحوال المكذبين السالفين مفصلا ذلك تفصيلا ابتداء من قوله تعالى {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 1 - 2] إلى هنا، فلما كان في خلال ذلك إلحافهم على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بما وعدهم أو أن يعين لهم أجل ذلك ويقولون {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 71].
وأتت على دحض مطاعنهم وتعللاتهم وتوركهم بمختلف الأدلة قياسا وتمثيلا، وثبت الله رسوله بضروب من التثبيت ابتداء من قوله {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً} [النمل: 7] وقوله {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: 79]، وما صاحب ذلك من ذكر ما لقيه الرسل السابقون. بعد ذلك كله استؤنف الكلام استئنافا يكون فذلكة الحساب، وختاما للسورة وفصل الخطاب، أفسد به على المشركين ازدهاءهم بما يحسبون أنهم أفحموا الرسول صلى الله عليه وسلم بما ألقوه عليه ويطير غراب غرورهم بما نظموه من سفسطة، وجاءوا به من خلبطة، ويزيد الرسول تثبيتا وتطمينا بأنه أرضى ربه بأداء أمانة التبليغ وذلك بأن أمر الرسول عليها الصلاة والسلام أن يقول لهم {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} فهذا تلقين للرسول صلى الله عليه وسلم. والجملة مقول قول محذوف دل عليه ما عطف عليه في هذه الآية مرتين وهو {فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل: 92 - 93] فإن الأول مفرع عليه فهو متصل به.

والثاني: معطوف على أول الكلام.
وافتتاح الكلام بأداة الحصر لإفادة حصر إضافي باعتبار ما تضمنته محاوراتهم السابقة من طلب تعجيب الوعيد، وما تطاولوا به من إنكار الحشر.
والمعنى: ما أمرت بشيء مما تبتغون من تعيين أجل الوعيد ولا من اقتلاع إحالة البعث من نفوسكم ولا بما سوى ذلك إلا بأن أثبت على عبادة رب واحد وأن أكون مسلما وأن أتلو القرآن عليكم، ففيه البراهين الساطعة والدلالات القاطعة فمن اهتدى فلا يمن علي اهتداءه وإنما نفع به نفسه؛ ومن صل فما أنا بقادر على اهتدائه، ولكني منذره كما أنذرت الرسل أقوامها فلم يملكوا لهم هديا حتى أهلك الله الضالين. وهذا في معنى قوله تعالى {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} [آل عمران: 20].
وقد أدمج من خلال هذا تنويها بشأن مكة وتعريضا بهم بكفرهم بالذي أسكنهم بها وحرمها فانتفعوا بتحريمها، وأشعرهم بأنهم لا يملكون تلك البلدة فكاشفهم الله بما تكنه صدورهم من خواطر إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من مكة وذلك من جملة ما اقتضاه قوله {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [النمل: 74].
فلهذه النكت أجرى على الله صلة حرم تلك البلدة، دون أن يكون الموصول للبلدة فلذا لم يقل: التي حرمها الله، لما تتضمنه الصلة من التذكير بالنعمة عليهم ومن التعريض بظلالهم إذ عبدوا أصناما لا تملك من البلدة شيئا ولا أكسبتها فضلا ومزية، وهذا كقوله {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} [قريش: 3].
والإشارة إلى البلدة التي هم بها لأنها حاضرة لديهم بحضور ما هو باد منها للأنظار. والإشارة إلى البقاع بهذا الاعتبار فاشية قال تعالى {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} [هود: 60] وقال {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} [العنكبوت: 31].
والعدول عن ذكر مكة باسمها العلم إلى طريقة الإشارة لما تقتضيه الإشارة من التعظيم.
وتبيين أسم الإشارة بالبلدة لأن بهاء التأنيث اسم لطائفة من الأرض معينة معروفة محوزة فيشمل مكة وما حولها إلى نهاية حدود الحرم. ومعنى {حَرَّمَهَا} جعلها حراما، والحرام الممنوع، والتحريم المنع. ويعلم متعلق المنع بسياق ما يناسب الشيء الممنوع. فالمراد من تحريم البلدة تحريم أن يدخل فيها ما يضاد صلاحها وصلاح ما بها.

من ساكن ودابة وشجر. فيدخل في ذلك منع غزو أهلها والاهتداء عليهم وظلمهم وإخافتهم ومنع صيدها وقطع شجرها على حدود معلومة. وهذا التحريم مما أوحى الله به إلى إبراهيم عليه السلام إذ أمره بأن يبني بيتا لتوحيده وباستجابته لدعوة إبراهيم إذ قال {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً} [البقرة: 126].
فالتحريم يكون كمالا للمحرم ويكون نقصا على اختلاف اعتبار سبب التحريم وصفته، فتحريم الزمان والمكان مزية وتفضيل، وتحريم الفواحش والميتة والدم والخمر تحقير لها، والمحرمات للنسل والرضاع والصهر زيادة في الحرمة.
فتحريم المكان: منع ما يضر بالحال فيه. وتحريم الزمان، كتحريم الأشهر الحرم: منع ما فيه ضر للموجودين فيه.
وتعقيب هذا بجملة {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} احتراس لئلا يتوهم من إضافة ربوبيته إلى البلدة اقتصار ملكه عليها ليعلم أن تلك الإضافة لتشريف المضاف إليه لا لتعريف المضاف بتعيين مظهر ملكه.
وتكرير "أمرت" في قوله {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} للإشارة إلى الاختلاف بين الأمرين فإن الأول أمر يعمله في خاصة نفسه وهو أمر إلهام إذ عصمه الله من عبادة الأصنام من قبل الرسالة. والأمر الثاني أمر يقتضي الرسالة وقد شمل دعوة الخلق إلى التوحيد. ولهذه النكتة لم يكرر أمرت في قوله {وأن أتلوا القرآن} لأن كلا من الإسلام والتلاوة من شؤون الرسالة.
وفي قوله {أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} تنويه بهذه الأمة إذ جعل الله رسوله آحادها، وذلك نكتة من العدول عن أن يقول: أن أكون مسلما.
والتلاوة: قراءة كلام معين على الناس، وقد تقدم في قوله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ} [البقرة: 121]، وقوله {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} في [سورة البقرة: 102].
وحذف متعلق التلاوة لظهوره، أي أن أتلوا القرآن على الناس. وفرع على التلاوة ما يقتضي انقسام الناس إلى مهتد وضال، أي منتفع بتلاوة القرآن عليه وغير منتفع مبينا أن من اهتدى فإنما كان اهتداؤه لفائدة نفسه. وهذا زيادة في تحريض السامعين على الاهتداء بهدي القرآن لأن فيه نفعه كما آذنت به اللام.

وإظهار فعل القول هنا لتأكيد أن حظ النبي صلى الله عليه وسلم من دعوة المعرضين الضالين أن يبلغهم الإنذار فلا يطمعوا أن يحمله إعراضهم على أن يلح عليهم قبول دعوته. والمراد بالمنذرين: الرسل، أي إنما أنا واحد من الرسل ما كنت بدعا من الرسل وسنتي سنة من أرسل قبلي وهي التبليغ {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 35].
[93] {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
كان ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول للمعاندين مشتملا على أن الله للدين الحق من التوحيد وشرائع الإسلام وأن الله هدى به الناس بما أنزل الله عليه من القرآن المتلو، وأنه جعله في عداد الرسل المنذرين، فكان ذلك من أعظم النعم عليه في الدنيا وأبشرها بأعظم درجة في الآخرة من أجل ذلك أمر بأن يحمد النعم عليه في الدنيا وأبشرها بأعظم درجة في الآخرة من أجل ذلك أمر بأن يحمد الله بالكلمة التي حمد الله بها نفسه وهي كلمة {الْحَمْدُ لِلَّهِ} الجامعة لمعان من المحامد تقدم بيانها في أول سورة الفاتحة. وقد تقدم الكلام على قوله {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} في هذه السورة [59].
ثم استأنف بالاحتراس مما يتوهمه المعاندون حين يسمعون آيات التبرؤ من معرفة الغيب، وقصر مقام الرسالة على الدعوة إلى الحق من أن يكون في ذلك نقض للوعيد بالعذاب فختم الكلام بتحقيق أن الوعيد قريب لا محالة وأن الله لا يخلف وعده فتظهر لهم دلائل صدق الله في وعده. ولذلك عبر عن الوعيد بالآيات إلى أنهم سيحل بهم ما فيه تصديق لما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم حين يوقنون أن ما كان يقول لهم هو الحق، فمعنى {فَتَعْرِفُونَهَا} تعرفون دلالتها كان متعلق المعرفة هو ما في عنوان الآيات من معنى الدلالة والعلامة.
والسين تؤذن بأنها إراءة قريبة، فالآيات حاصلة في الدنيا مثل الدخان، وانشقاق القمر، واستئصال صناديدهم يوم بدر، ومعرفتهم إياها تحصل عقب حصولها ولو في وقت النزع والغرغرة. وقد قال أبو سفيان ليلة الفتح: لقد علمت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا. وقال تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53]. فمن الآيات في أنفسهم إعمال سيوف المؤمنين الذين كانوا يستضعفونهم في أعناق سادتهم وكبرائهم يوم بدر. قال أبو جهل وروحه في الغلصمة يوم.

بدر "وهل أعمد من رجل قتله قومه" يعني نفسه وهو ما لم يكن يخطر له على بال.
وقوله {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون} قرأه نافع وابن عامر وحفص وأبو جعفر ويعقوب {تَعْمَلُون} بتاء الخطاب فيكون ذلك من تمام ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يقوله للمشركين. وفيه زيادة إنذار بأن أعمالهم تستوجب ما سيرونه من الآيات. والمراد: ما يعملونه في جانب تلقي دعوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقرآنه لأن نفي الغفلة عن الله مستعمل في التعريض بأنه منهم بالمرصاد لا يغادر لهم من عملهم شيئا.
وقرأ الباقون {يَعْمَلُونَ} بياء الغيبة فهو عطف على {قُلْ} والمقصود تسلية الرسول عليه السلام بعدما أمر به من القول بأن الله أحصى أعمالهم وأنه مجازيهم عنها فلا ييأس من نصر الله.
وقد جاءت خاتمة جامعة بالغة أقصى حد من بلاغة حسن الختام.

المجلد العشرون
سورة القصص...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة القصص
سميت سورة القصص ولا يعرف لها اسم آخر. ووجه التسمية بذلك وقوع لفظ {الْقَصَصُ} فيها عند قوله تعالى {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ} [القصص: 25]. فالقصص الذي أضيفت إليه السورة هو قصص موسى الذي قصه على شعيب عليهما السلام فيما لقيه في مصر قبل خروجه منها. فلما حكي في السورة ما قصه موسى كانت هاته السورة ذات قصص لحكاية قصص، فكان القصص متوغلا فيها. وجاء لفظ {الْقَصَصُ} في [سورة يوسف: 3] ولكن سورة يوسف نزلت بعد هذه السورة.
وهي مكية في قول جمهور التابعين. وفيها آية {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85]. قيل نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في الجحفة في طريقه إلى المدينة للهجرة تسلية له على مفارقة بلده. وهذا لا يناكد أنها مكية لأن المراد بالمكي ما نزل قبل حلول النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة كما أن المراد بالمدني ما نزل بعد ذلك ولو كان نزوله بمكة.
وعن مقاتل وأبن عباس أن قوله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله {سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 52-55] نزل بالمدينة.
وهي السورة التاسعة والأربعون في عداد نزول سور القرآن، نزلت بعد سورة النمل وقبل سورة الإسراء، فكانت هذه الطواسين الثلاث متتابعة في النزول كما هو ترتيبها في المصحف، وهي متماثلة في افتتاح ثلاثتها بذكر موسى عليه السلام. ولعل ذلك الذي حمل كتاب المصحف على جعلها متلاحقة.
وهي ثمان وثمانون آية باتفاق العادين.

أغراضها
اشتملت هذه السورة على التنويه بشأن القرآن والتعريض بأن بلغاء المشركين عاجزون عن الإتيان بسورة مثله. وعلى تفصيل ما أجمل في [سورة الشعراء: 18-19] من قول فرعون لموسى {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} إلى قوله {وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} ففصلت سورة القصص كيف كانت تربية موسى في آل فرعون.
وبين فيها سبب زوال ملك فرعون.
وفيها تفصيل ما أجمل في [سورة النمل: 7] من قوله {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً} ففصلت سورة القصص كيف سار موسى وأهله وأين آنس النار ووصف المكان الذي نودي فيه بالوحي إلى أن ذكرت دعوة موسى فرعون فكانت هذه السورة أوعب لأحوال نشأة موسى إلى وقت إبلاغه الدعوة ثم أجملت ما بعد ذلك لأن تفصيله في سورة الأعراف وفي سورة الشعراء. والمقصود من التفصيل ما يتضمنه من زيادة المواعظ والعبر.
وإذ قد كان سوق تلك القصة إنما هو للعبرة والموعظة ليعلم المشركون سنة الله في بعثة الرسل ومعاملته الأمم المكذبة لرسلها.
وتحدى المشركين بعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وهو أمي لم يقرأ ولم يكتب ولا خالط أهل الكتاب، ذيل الله ذلك بتنبيه المشركين إليه وتحذيرهم من سوء عاقبة الشرك وأنذرهم إنذارا بليغا.
وفند قولهم {لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} [القصص: 48] من الخوارق كقلب العصا حية ثم انتقاضهم في قولهم إذ كذبوا موسى أيضا.
وتحداهم بإعجاز القرآن وهديه مع هدي التوراة.
وأبطل معاذيرهم ثم أنذرهم بما حل بالأمم المكذبة رسل الله.
وساق لهم أدلة على وحدانية الله تعالى وفيها كلها نعم عليهم وذكرهم بما سيحل بهم يوم الجزاء.
وأنحى عليهم في اعتزازهم على المسلمين بقوتهم ونعمتهم ومالهم بأن ذلك متاع الدنيا وأن ما ادخر للمسلمين عند الله خير وأبقى.
وأعقبه بضرب المثل لهم بحال قارون في قوم موسى. وتخلص من ذلك إلى التذكير

بأن أمثال أولئك لا يحظون بنعيم الآخرة وأن العاقبة للمتقين.
وتخلل ذلك إيماء إلى اقتراب مهاجرة المسلمين إلى المدينة، وإيماء إلى أن الله مظهرهم على المشركين بقوله: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 5] الآية.
وختم الكلام بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيته ووعده بأنه يجعل بلده في قبضته ويمكنه من نواصي الضالين.
ويقرب عندي أن يكون المسلمون ودوا أن تفصل لهم قصة رسالة موسى عليه السلام فكان المقصود انتفاعهم بما في تفاصيله من معرفة نافعة لهم تنظيرا لحالهم وحال أعدائهم. فالمقصود ابتداء هم المسلمون ولذلك قال تعالى في أولها {نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص: 3] أي للمؤمنين.
[1] {طسم} تقدم القول في نظيره في فاتحة سورة الشعراء.
[2-3] {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
الإشارة في قوله: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} على نحو الإشارة في نظيره في سورة الشعراء. فالمشار إليه ما هو مقرؤ يوم نزول هذه الآية من القرآن تنويها بشأن القرآن وأنه شأن عظيم.
وجملة {نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى} مستأنفة استئنافا ابتدائيا.
ومهد لنبأ موسى وفرعون بقوله {نَتْلُو عَلَيْكَ} للتشويق لهذا النبأ لما فيه من شتى العبر بعظيم تصرف الله في خلقه.
والتلاوة: القراءة لكلام مكتوب أو محفوظ كما قال تعالى: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} [النمل: 92]، وهو يتعدى إلى من تبلغ إليه التلاوة بحرف (على) وتقدمت عند قوله {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ} في [البقرة: 102]، وقوله {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ} في [سورة الأنفال: 2].
وإسناد التلاوة إلى الله إسناد مجازي لأنه الذي يأمر بتلاوة ما يوحى إليه من الكلام

والذي يتلو حقيقة هو جبريل بأمر من الله، وهذا كقوله تعالى {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} في [سورة البقرة: 202].
وجعلت التلاوة على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه الذي يتلقى ذلك المتلو. وعبر عن هذا الخبر بالنبإ لإفادة أنه خبر ذو شأن وأهمية.
واللام في {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لام التعليل، أي نتلو عليك لأجل قوم يؤمنون فكانت الغاية من تلاوة النبأ على النبي صلى الله عليه وسلم هي أن ينتفع بذلك قوم يؤمنون فالنبي يبلغ ذلك للمؤمنين، فإن كان فريق من المؤمنين سألوا أو تشوفوا إلى تفصيل ما جاء من قصة موسى وفرعون في سورة الشعراء وسورة النمل وهو الظاهر، فتخصيصهم بالتعليل واضح وانتفاع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك معهم أجدر وأقوى، فلذلك لم يتعرض له بالذكر اجتزاء بدلالة الفحوى لأن المقام لإفادة من سأل وغيرهم غير ملتفت إليه في هذا المقام.
وإن لم يكن نزول هذه القصة عن تشوف من المسلمين فتخصيص المؤمنين بالتلاوة لأجلهم تنويه بأنهم الذين ينتفعون بالعبر والمواعظ لأنهم بإيمانهم أصبحوا متطلبين للعلم والحكمة متشوفين لأمثال هذه القصص النافعة ليزدادوا بذلك يقينا.
وحصول ازدياد العلم للنبي صلى الله عليه وسلم بذلك معلوم من كونه هو المتلقي والمبلغ ليتذكر من ذلك ما علمه من قبل ويزداد علما بما عسا أن لا يكون قد علمه، وفي ذلك تثبيت فؤاده كما قال تعالى {وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120].
فالمراد بقوم يؤمنون قوم الإيمان شأنهم وسجيتهم. وللإشارة إلى معنى تمكن الإيمان من نفوسهم أجري وصف الإيمان على كلمة {قَوْمِ} ليفيد أن كونهم مؤمنين هو من مقومات قوميتهم كما قدمناه غير مرة. فالمراد: المتلبسون بالإيمان.وجيء بصيغة المضارع للدلالة على أن إيمانهم موجود في الحال ومستمر متجدد.
وفي هذا إعراض عن العبء بالمشركين في سوق هذه القصة بما يقصد فيها من العبرة والموعظة فإنهم لم ينتفعوا بذلك وإنما انتفع بها من آمن ومن سيؤمن بعد سماعها.
والباء في قوله {بِالْحَقِّ} للملابسة، وهو حال من ضمير {نَتْلُو} ، أو صفة للتلاوة المستفادة من {نَتْلُو}.
والحق: الصدق لأن حق إذ الحق هو ما يحق له أن يثبت عند أهل العقول

السليمة والأديان القويمة.
ومفعول {نَتْلُو} محذوف دل عليه صفته وهي {مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ} . فالتقدير: نتلو عليك كلاما من نبأ موسى وفرعون.
و {مِنْ} تبعيضية فإن المتلو في هذه السورة بعض قصة موسى وفرعون في الواقع ألا ترى أنه قد ذكرت في القرآن أشياء من قصة موسى لم تذكر هنا مثل ذكر آية الطوفان والجراد.
وجعل الزمخشري {مِنْ} اسما بمعنى (بعض) فجعلها مفعول {نَتْلُو} . وجعل الأخفش {مِنْ} زائدة لأنه يرى أن {مِنْ} تزاد في الإثبات، فجعل {نَبَأِ مُوسَى} هو المفعول جر بحرف الجر الزائدة.
والنبأ: الخبر المهم العظيم.
[4] {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} .
وهذه الجملة وما عطف عليها بيان لجملة {نَتْلُو} [القصص: 3] أو بيان لـ {نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ} [القصص: 3] فقدم له الإجمال للدلالة على أنه نبأ له شأن عظيم وخطر بما فيه من شتى العبر. وافتتاحها بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر.
وابتدأت القصة بذكر أسبابها لتكون عبرة للمؤمنين يتخذون منها سننا يعلمون بها علل الأشياء ومعلولاتها، ويسيرون في شؤونهم على طرائقها، فلولا تجبر فرعون وهو من قبيح الخلال ما حل به وبقومه الاستئصال، ولما خرج بنو إسرائيل من ذل العبودية. وهذا مصداق المثل: مصائب قوم عند قوم فوائد، وقوله تعالى {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة: 216].
وصورت عظمة فرعون في الدنيا بقوله {عَلا فِي الْأَرْضِ} لتكون العبرة بهلاكه بعد ذلك العلو أكبر العبر.
ومعنى العلو هنا الكبر، وهو المذموم من العلو المعنوي كالذي في قوله تعالى {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ} [القصص: 83]. ومعناه أن يستشعر نفسه عليا على موضع غيره ليس يساويه أحد، فالعلو مستعار لمعنى التفوق على غيره، غير محقوق

لحق من دين أو شريعة أو رعي حقوق المخلوقات معه فإذا استشعر ذلك لم يعبأ في تصرفاته برعي صلاح وتجنب فساد وضر وإنما يتبع ما تحدوه إليه شهوته وإرضاء هواه، وحسبك أن فرعون كان يجعل نفسه إلها وأنه ابن الشمس.
فليس من العلو المذموم رجحان أحد في أمر من الأمور لأنه جدير بالرجحان فيه جريا على سبب رجحان عقلي كرجحان العالم على الجاهل والصالح على الطالح والذكي على الغبي، أو سبب رجحان عادي ويشمل القانوني وهو كل رجحان لا يستقيم نظام الجماعات إلا بمراعاته كرجحان أمير الجيش على جنوده ورجحان القاضي على المتخاصمين.
وأعدل الرجحان ما كان من قبل الدين والشريعة كرجحان المؤمن على الكافر، والتقي على الفاسق، قال تعالى {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10] ويترجح في كل عمل أهل الخبرة به والإجادة فيه وفيما وراء ذلك فالأصل المساواة.
وفرعون هذا هو (رعمسيس) الثاني وهو الملك الثالث من ملوك العائلة التاسعة عشرة في اصطلاح المؤرخين للفراعنة، وكان فاتحا كبيرا شديد السطوة وهو الذي ولد موسى عليه السلام في زمانه على التحقيق.
و {الْأَرْضِ} : هي أرض مصر، فالتعريف فيها للعهد لأن ذكر فرعون يجعلها معهودة عند السامع لأن فرعون اسم ملك مصر. ويجوز أن تجعل المراد بالأرض جميع الأرض يعني المشهور المعروف منها، فإطلاق الأرض كإطلاق الاستغراق العرفي فقد كان ملك فرعون (رعمسيس) الثاني ممتدا من بلاد الهند من حدود نهر (الكنك) في الهند إلى نهر الطونة في أوربا، فالمعنى أرض مملكته، وكان علوه أقوى من علو ملوك الأرض وسادة الأقوام.
والشيع: جمع شيعة. والشيعة: الجماعة التي تشيع غيرها على ما يريد، أي تتابعه وتطيعه وتنصره كما قال تعالى {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15]، وأطلق على الفرقة من الناس على سبيل التوسع بعلاقة الإطلاق عن التقييد قال تعالى {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32].
ومن البلاغة اختياره هنا ليدل على أنه جعل أهل بلاد القبط فرقا ذات نزعات تتشيع

كل فرقة إليه وتعادي الفرقة الأخرى ليتم لهم ضرب بعضهم ببعض، وقد أغرى بينهم العداوة ليأمن تألبهم عليه كما يقال (فرق تحكم) وهي سياسة لا تليق إلا بالمكر بالضد والعدو ولا تليق بسياسة ولي أمر الأمة الواحدة.
وكان (رعمسيس) الثاني قسم بلاد مصر إلى ست وثلاثين إيالة وأقام على كل إيالة أمراء نوابا عنه ليتسنى له ما حكي عنه في هذه الآية بقوله تعالى {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} الواقع موقع الحال من ضمير {جَعَلَ} وأبدلت منها بدل اشتمال جملة {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} لأنه ما فعل ذلك بهم إلا لأنه عدهم ضعفاء، أي أذلة فكان يسومهم العذاب ويسخرهم لضرب اللبن وللأعمال الشاقة. والطائفة المستضعفة هي طائفة بني إسرائيل، وضمير {مِنْهُمْ} عائد إلى أهلها لا إلى {شِيَعاً} . وتقدم الكلام على ذبح أبناء بني إسرائيل في سورة البقرة.
وجملة {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} تعليل لجملة {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ} . وقد علمت مما مضى عند قوله {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} في [البقرة: 67] أن الخبر بتلك الصيغة أدل على تمكن الوصف مما لو قيل: أن أكون جاهلا، فكذلك قوله {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} دال على شدة تمكن الإفساد من خلقه ولفعل الكون إفادة تمكن خبر الفعل من اسمه.
فحصل تأكيد لمعنى تمكن الإفساد من فرعون، ذلك أن فعله هذا اشتمل على مفاسد عظيمة.
المفسدة الأولى: التكبر والتجبر فإنه مفسدة نفسية عظيمة تتولد منها مفاسد جمة من احتقار الناس والاستخفاف بحقوقهم وسوء معاشرتهم وبث عداوته فيهم، وسوء ظنه بهم وأن لا يرقب فيهم موجبات فضل سوى ما يرضي شهوته وغضبه، فإذا انضم إلى ذلك أنه ولي أمرهم وراعيهم كانت صفة الكبر مقتضية سوء رعايته لهم والاجتراء على دحض حقوقهم، وأن يرمقهم بعين الاحتقار فلا يعبأ بجلب الصالح لهم ودفع الضر عنهم، وأن يبتز منافعهم لنفسه ويسخر من استطاع منهم لخدمة أغراضه وأن لا يلين لهم في سياسة فيعاملهم بالغلظة وفي ذلك بث الرعب في نفوسهم من بطشه وجبروته. فهذه الصفة هي أم المفاسد وجماعها ولذلك قدمت على ما يذكر بعدها ثم أعقبت بأنه { كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} .
المفسدة الثانية: أنه جعل أهل المملكة شيعا وفرقهم أقساما وجعل منهم شيعا مقربين منه ويفهم منه أنه جعل بعضهم بضد ذلك وذلك فساد في الأمة لأنه يثير بينهما التحاسد

والتباغض، ويجعل بعضها يتربص الدوائر ببعض، فتكون الفرق المحظوظة عنده متطاولة على الفرق الأخرى، وتكدح الفرق الأخرى لتزحزح المحظوظين عن حظوتهم بإلقاء النميمة والوشايات الكاذبة فيحلوا محل الآخرين. وهكذا يذهب الزمان في مكائد بعضهم لبعض فتنة، وشأن الملك الصالح أن يجعل الرعية منه كلها بمنزلة واحدة بمنزلة الأبناء من الأب يحب لهم الخير ويقومهم بالعدل واللين، لا ميزة لفرقة على فرقة، ويكون اقتراب أفراد الأمة منه بمقدار المزايا النفسية والعقلية.
المفسدة الثالثة: أنه يستضعف طائفة من أهل مملكته فيجعلها محقرة مهضومة الجانب لا مساواة بينها وبين فرق أخرى ولا عدل في معاملتها بما يعامل به الفرق الأخرى، في حين أن لها من الحق في الأرض ما لغيرها لأن الأرض لأهلها وسكانها الذين استوطنوها ونشأوا فيها.
والمراد بالطائفة: بنو إسرائيل وقد كانوا قطنوا في أرض مصر برضى ملكها في زمن يوسف وأعطوا أرض (جاسان) وعمروها وتكاثروا فيها ومضى عليهم فيها أربعمائة سنة، فكان لهم من الحق في أرض المملكة ما لسائر سكانها فلم يكن من العدل جعلهم بمنزلة دون منازل غيرهم، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى {طَائِفَةً مِنْهُمْ} إذ جعلها من أهل الأرض الذين جعلهم فرعون شيعا.
وأشار بقوله {طَائِفَةً} إلى أنه استضعف فريقا كاملا، فأفاد ذلك أن الاستضعاف ليس جاريا على أشخاص معينين لأسباب تقضي استضعافهم ككونهم ساعين بالفساد أو ليسوا أهلا للاعتداد بهم لانحطاط في أخلاقهم وأعمالهم بل جرى استضعافه على اعتبار العنصرية والقبلية وذلك فساد لأنه يقرن الفاضل بالمفضول.
من أجل ذلك الاستضعاف المنوط بالعنصرية أجرى شدته على أفراد تلك الطائفة دون تمييز بين مستحق وغيره ولم يراع النوعية من ذكورة وأنوثة وهي:
المفسدة الرابعة: أنه {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ} أي يأمر بذبحهم، فإسناد الذبح إليه مجاز عقلي. والمراد بالأبناء: الذكور من الأطفال. وقد تقدم ذكر ذلك في سورة البقرة. وقصده من ذلك أن لا تكون لبني إسرائيل قوة من رجال قبيلتهم حتى يكون النفوذ في الأرض لقومه خاصة.
المفسدة الخامسة: أنه يستحيي النساء، أي يستبقي حياة الإناث من الأطفال فأطلق

عليهم اسم النساء باعتبار المآل إيماء إلى أنه يستحييهن ليصرن نساء فتصلحن لما تصلح له النساء وهو أن يصرن بغايا إذ ليس لهن أزواج. وإذ كان احتقارهن بصد قومه عن التزوج بهن فلم يبق لهن حظ من رجال القوم إلا قضاء الشهوة، وباعتبار هذا المقصد انقلب الاستحياء مفسدة بمنزلة تذبيح الأبناء إذ كل ذلك اعتداء على الحق. وقد تقدم آنفا موقع جملة {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} .
[5-6] { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}
عطفت جملة {وَنُرِيدُ} على جملة {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 4] لمناسبة ما في تلك الجملة من نبإ تذبيح الأبناء واستحياء النساء، فلذلك من علو فرعون في الأرض وهو بيان لنبأ موسى وفرعون فإن إرادة الله الخير بالذين استضعفهم فرعون من تمام نبأ موسى وفرعون، وهو موقع عبرة عظيمة من عبر هذه القصة.
وجيء بصيغة المضارع في حكاية إرادة مضت لاستحضار ذلك الوقت كأنه في الحال لأن المعنى أن فرعون يطغى عليهم والله يريد في ذلك الوقت إبطال عمله وجعلهم أمة عظيمة، ولذلك جاز أن تكون جملة {وَنُرِيدُ} في موضع الحال من ضمير {يَسْتَضْعِفُ}[ القصص: 4] باعتبار أن تلك الإرادة مقارنة لوقت استضعاف فرعون إياهم. فالمعنى على الاحتمالين: ونحن حينئذ مريدون أن ننعم في زمن مستقبل على الذين استضعفوا.
والمن: الإنعام، وجاء مضارعه مضموم العين على خلاف القياس.
و {اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} هم الطائفة التي استضعفها فرعون. والأرض في{الْأَرْضِ} في قوله {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 4].
ونكتة إظهار الذين استضعفوا دون إيراد ضمير الطائفة للتنبيه على ما في الصلة من التعليل فإن الله رحيم لعباده، وينصر المستضعفين المظلومين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
وخص بالذكر من المن أربعة أشياء عطفت على فعل {نَمُنَّ} عطف الخاص على العام وهي: جعلهم أئمة، وجعلهم الوارثين، والتمكين لهم في الأرض، وأن يكون زوال

ملك فرعون على أيديهم في نعم أخرى جمة، ذكر كثير منها في سورة البقرة.
فأما جعلهم أئمة فلذلك بأن أخرجهم من ذل العبودية وجعلهم أمة حرة مالكة أمر نفسها لها شريعة عادلة وقانون معاملاتها وقوة تدفع بها أعداءها ومملكة خالصة لها وحضارة كاملة تفوق حضارة جيرتها بحيث تصير قدوة للأمم في شؤون الكمال وطلب الهناء، فهذا معنى جعلهم أئمة، أي يقتدي بهم غيرهم ويدعون الناس إلى الخير وناهيك بما بلغه ملك إسرائيل في عهد سليمان عليه السلام.
وأما جعلهم الوارثين فهو أن يغطيهم الله ديار قوم آخرين ويحكمهم فيهم، فالإرث مستعمل مجاز في خلافة أمم أخرى.
فالتعريف في {الْوَارِثِينَ} تعريف الجنس المفيد أنهم أهل الإرث الخاص وهو إرث السلطة في الأرض بعد من كان قبلهم من أهل السلطان، فإن الله أورثهم أرض الكنعانيين والحثيين والأموريين والأراميين، وأحلهم محلهم على ما كانوا عليه من العظمة حتى كانوا يعرفون بالجبابرة قال تعالى {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} [المائدة: 22].
والتمكين لهم في الأرض تثبيت سلطانهم فيما ملكوه منها وهي أرض الشام إن كانت اللام عوضا عن المضاف إليه. ويحتمل أن يكون المعنى تقويتهم بين أمم الأرض إن حمل التعريف على جنس الأرض المنحصر في فرد، أو على العهد، أي الأرض المعهودة للناس.
وأصل التمكين: الجعل في المكان، وقد تقدم في قوله تعالى {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} في [سورة الكهف: 84]، وتقدم الكلام على اشتقاق التمكين وتصاريفه عند قوله تعالى { مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} في [سورة الأنعام: 6].
و{مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} هو زوال ملكهم بسبب رجل من بني إسرائيل حسبما أنذره بذلك الكهان.
ومعنى إراءتهم ذلك إراءتهم مقدماته وأسبابه.
وفرعون الذي أري ذلك هو ملك مصر (منفتاح) الثالث وهو الذي حكم مصر بعد (رعمسيس) الثاني الذي كانت ولادة موسى في زمانه وهو الذي كان يحذر ظهور رجل من إسرائيل يكون له شان. و {هَامَانَ} قال المفسرون: هو وزير فرعون. وظاهر آيات هذه السورة يقتضي أنه وزير فرعون وأحسب أن هامان ليس باسم علم ولكنه لقب خطة مثل

فرعون وكسرى وقيصر ونجاشي. فالظاهر أن هامان لقب وزير الملك في مصر في ذلك العصر. وجاء في كتاب (أستير) من كتب اليهود الملحقة بالتوراة تسمية وزير (أحشويروش) ملك الفرس (هامان) فظنوه علما فزعموا أنه لم يكن لفرعون وزير اسمه هامان واتخذوا هذا الظن مطعنا في هذه الآية. وهذا اشتباه منهم فإن الأعلام لا تنحصر وكذلك ألقاب الولايات قد تشترك بين أمم المتجارة، فيجوز أن يكون هامان علما من الأمان فإن الأعلام تتكرر في الأمم والعصور، ويجوز أن يكون لقب خطة في مصر فنقل اليهود هذا اللقب إلى بلاد الفرس في مدة أسرهم.
ويشبه هذا الطعن طعن بعض المستشرقين من نصارى العصر في قوله تعالى في شأن مريم حين حكى قول أهلها لها {يَا أُخْتَ هَارُونَ} [مريم: 28] فقالوا: هذا وهم انجر من كون أبي مريم اسمه عمران فتوهم أن عمران هو أبو موسى الرسول عليه السلام، وتبع ذلك توهم أن مريم أخت موسى وهارون وهو مجازفة فإن النصارى لا يعرفون اسم أبي مريم وهل يمتنع أن يكون مسمى على اسم أبي موسى وهارون وهل يمتنع أن يكون لمريم أخ اسمه هارون. وقد تكلمنا على ذلك في سورة مريم.
والجنود جمع الجند. ويطلق الجند على الأمة قال تعالى {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} [البروج: 17-18].
وقرأ الجمهور {وَنُرِيَ} بنون العظمة ونصب الفعل ونصب {فِرْعَوْنَ} وما عطف عليه. وقرأه حمزة والكسائي وخلف {وَيَرَى} بياء الغائب مفتوحة وفتح الراء على أنه مضارع رأى ورفع {فِرْعَوْنَ} وما عطف عليه. ومآل معنى القراءتين واحد.
والجند اسم جمع لا واحد له من لفظه: هو الجماعة من الناس التي تجتمع على أمر تتبعه، فلذلك يطلق على العسكر لأن عملهم واحد وهو خدمة أمريهم وطاعته.
[7] { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} .
عطف على جملة {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} [القصص: 5]، إذ الكل من أجزاء النبأ. وتتضمن هذه الجملة تفصيلا لمجمل قوله {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} ، فإن الإرادة لما تعلقت بإنقاذ بني إسرائيل من الذل خلق الله المنقذ لهم.

والوحي هنا وحي إلهام يوجد عنده من انشراح الصدر ما يحقق عندها لأنه خاطر من الواردات الإلهية. فإن الإلهام الصادق يعرض للصالحين فيوقع في نفوسهم يقينا يبعثون به إلى عمل ما ألهموا إليه. وقد يكون هذا الوحي برؤيا صادقة رأتها. وأم موسى لم يعرف اسمها في كتب اليهود، وذكر المفسرين لها أسماء لا يوثق بصحتها.
وقوله {أَنْ أَرْضِعِيهِ} تفسير لـ {أَوْحَيْنَا} . والأمر بإرضاعه يؤذن بجمل طويت وهي أن الله لما أراد ذلك قدر أن يكون مظهر ما أراده هو الجنين الذي في بطن أم موسى ووضعته أمه، وخافت عليه اعتداء أنصار فرعون على وليدها وتحيرت في أمرها فألهمت أو أريت ما قصه الله هنا وفي مواضع أخرى.
الإرضاع الذي أمرت به يتضمن أن: أخفيه مدة ترضعه فيها فإذا خفت عليه أن يعرف خبره فألقيه في اليم.
وإنما أمرها الله بإرضاعه لتقوى بنيته بلبان أمه فإنه أسعد بالطفل في أول عمره من لبان غيرها، وليكون له من الرضاعة الأخيرة قبل إلقائه في اليم قوت يشد بنيته فيما بين قذفه في اليم وبين التقاط آل فرعون إياه وإيصاله إلى بيت فرعون وابتغاء المراضع ودلالية أخته إياهم على أمه إلى أن أحضرت لإرضاعه فأرجع إليها بعد أن فارقها بعض يوم. وحكي كتب اليهود أن أم موسى خبأته ثلاثة أشهر ثم خافت أن يفشو أمره فوضعته في سفط مقير وقذفته في النهر. وقد بشرها الله بما يزيل همها بأنه راده إليها وزاد على ذلك بما بشرها الله بما يزيل همها بأنه راده إليها على ذلك بما بشرها بما سيكون له من مقام كريم في الدنيا والآخرة بأنه {مِنَ الْمُرْسَلِينَ} .
والظاهر أن هذا الوحي إليها كان عند ولادته وأنها أمرت بأن تلقيه في اليم عند الضرورة دفعا للضر المحقق بالضر المشكوك فيه ثم ألقي في يقينها بأنه لا بأس عليه.
و {الْيَمِّ} : البحر وهو هنا نهر النيل الذي كان يشق مدينة فرعون حيث منازل بني إسرائيل. واليم في كلام العرب مرادف البحر، والبحر في كلامهم يطلق على الماء العظيم المستبحر، فالنهر العظيم يسمى بحرا قال تعالى {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} ، فإن اليم من الأنهار.
وقد كانت هذه الآية مثالا من أمثلة دقائق الإعجاز القرآني فذكر عياض في الشفاء والقرطبي في التفسير يزيد أحدهما على الآخرة عن الأصمعي: أنه سمع جارية أعرابية

تنشد:
أستغفر الله لأمري كله ... قتلت إنسانا بغير حله
مثل غزال ناعما في دله ... انتصف الليل ولم أصله
وهي تريد التورية بالقرآن. فقال لها: قاتلك الله ما أفصحك يريد ما أبلغك (وكانوا يسمون البلاغة فصاحة) فقالت له أو يعد هذا فصاحة مع قوله تعالى {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فجمع في آية واحدة خبرين، وأمرين، ونهيين، وبشارتين).
فالخبران هما {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} وقوله {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} لأنه يشعر بأنها ستخاف عليه.
والأمران هما: {أَرْضِعِيهِ} و (ألقيه).
والنهيان: {وَلا تَخَافِي} و {وَلا تَحْزَنِي}.
والبشارتان {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} .
والخوف: توقع أمر مكروه، والحزن: حالة نفسية تنشأ من حادث مكروه للنفس كفوات أمر محبوب، أو فقد حبيب، أو بعده، أو نحو ذلك.
والمعنى: لا تخافي عليه الهلاك من الإلقاء في اليم، ولا تحزني على فراقه.
والنهي عن الخوف وعن الحزن نهي عن سببيهما وهما توقع المكروه والتفكر في وحشة الفراق.
وجملة {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} في موقع العلة للنهيين لأن ضمان رده إليها يقتضي أنه لا يهلك وأنها لا تشتاق إليه بطول المغيب. وأما قوله { وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فإدخال للمسرة عليها.
[8 ] {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}
الالتقاط افتعال من اللقط، وهو تناول الشيء الملقى في الأرض ونحوها بقصد أو ذهول. أسند الالتقاط إلى آل فرعون لأن استخراج تابوت موسى من النهر كان من إحدى

النساء الحافات بابنة فرعون حين كانت مع أترابها وداياتها على ساحل النيل كما جاء في الإصحاح الثاني من سفر الخروج.
واللام في {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً} لام التعليل وهي المعروفة عند النحاة بلام كي وهي لام جارة مثل كي، زهي متعلقة بـ(التقطه) . وحق لام كي أن تكون جارة لمصدر منسبك من (أن) المقدرة بعد اللام ومن الفعل المنصوب بها فلذلك المصدر هو العلة الباعثة على صدور ذلك الفعل من فاعله. وقد استعملت في الآية استعمالا واردا على طريقة الاستعارة دون الحقيقة لظهور أنهم لم يكن داعيهم إلى التقاطه أن يكون لهم عدوا وحزنا ولكنهم التقطوه رأفة به وحبا له لما ألقي في نفوسهم من شفقة عليه ولكن لما كانت عاقبة التقاطهم إياه أن كان لهم عدوا في الله وموجب حزن لهم، شبهت العاقبة بالعلة في كونها نتيجة للفعل كشأن العلة تبعا لاستعارة معنى الحرف إلى معنى آخر استعارة تبعية، أي استعير الحرف تبعا لاستعارة معناه ثم تسري من المعنى إلى الحرف فلذلك سميت استعارة تبعية عند جمهور علماء المعاني خلافا للسكاكي.
وضمير {لَهُمْ} يعود إلى آل فرعون باعتبار الوصف العنواني لأن موسى كان عدوا لفرعون آخر بعد هذا، أي ليكون لدولتهم وأمتهم عدوا وحزنا فقد كانت بعثة موسى في مدة ابن فرعون هذا.
ووصفه بالحزن وهو مصدر على تقدير متعلق محذوف، أي حزنا لهم لدلالة قوله لهم السابق. وليس هذا من الوصف بالمصدر للمبالغة مثل قولك: فلان عدل، لأن ذلك إذا كان المصدر واقعا موقع اسم الفاعل فكان معنى الصدر قائما بالموصوف. والمعنى هنا: ليكون لهم حزنا.والإسناد مجاز عقلي لأنه سبب الحزن وليس هو حزنا.
وقرأ الجمهور {وَحَزَناً} بفتح الحاء والزاي. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بضم الحاء وسكون الزاي وهما لغتان كالعدم والعدم.
وجملة {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} إلى آخرها في موضع العلة لجملة {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} أي قدر الله نجاة موسى ليكون لهم عدوا وحزنا، لأنهم كانوا مجرمين فجعل الله ذلك عقابا لهم على ظلمهم بني إسرائيل وعلى عبادة الأصنام.

والخاطئ: اسم فاعل من خطئ كفرح إذا فعل الخطيئة وهي الإثم والذنب، قال تعالى {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} [العلق: 16]. ومصدره الخطء بكسر الخاء وسكون الطاء. وتقدم في قوله تعالى {إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} في [الإسراء: 31]. وأما الخطأ وهو ضد العمد ففعله أخطأ فهو مخطئ، قال تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5]، فعلى هذا يتعين أن الفصحاء فرقوا الاستعمال بين مرتكب الخطيئة ومرتكب الخطأ، وعلى التفرقة بين أخطأ وخطئ درج نفطويه وتبعه الجوهري والحريري.
وذهب أبو عبيد وابن قتيبة إلى أن اللفظين مترادفان وأنهما لغتان، وظاهر كلام الزمخشري هنا أنه جار على قول أبي عبيد وابن قتيبة فقد فسر هذه الآية بالمعنيين وقال في (الأساس) (أخطأ في الرأي وخطئ إذا تعمد الذنب. وقيل هما واحد) .
ويظهر أن أصلهما لغتان في معنى مخالفة الصواب عن غير عمد أو عن عمد، ثم غلب الاستعمال الفصيح على تخصيص أخطأ بفعل على غير عمد وخطئ بالإجرام والذنب وهذا الذي استقر عليه استعمال اللغة. وإن الفروق بين الألفاظ من أحسن تهذيب اللغة.
فأما محمل الآية هنا فلا يناسبه إلا أن يكون {خَاطِئِينَ} من الخطيئة ليكون الكلام تعليلا لتكوين حزنهم منه بالأخارة. وتقدم ذكر هامان آنفا.
[9] {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}
يدل الكلام على أن الذين انتشلوه جعلوه بين ايدي فرعون وامرأته فرقت له امرأة فرعون وصرفت فرعون عن قتله بعد أن هم به لأنه علم أن الطفل ليس من أبناء القبط بلون جلوته وملامح وجهه، وعلم أنه لم يكن حمله النيل من مكان بعيد لظهوره أنه لم يطل مكث تابوته في الماء ولا اضطرابه بكثرة التنقل، فعلم أن وقعه في التابوت لقصد إنجائه من الذبح. وكان ذلك وقت انتشاله من الماء وإخراجه من التابوت. وكانت امرأة فرعون امرأة ملهمة للخير وقدر الله نجاة موسى بسببها. وقد قال تعالى في شأنها {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [ التحريم: 11]، وهي لم تر عداوة موسى لآل فرعون ولا

حزنت منه لأنها انقرضت قبل بعثة موسى.
{امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ} سميت آسية كما في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون ويفيد قولها: ذلك أن فرعون حين رآه استحسنه ثم خالجه الخوف من عاقبة أمره فلذلك أنذرته امرأته بقولها {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ} .
وارتفع {قُرَّتُ عَيْنٍ} على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا الطفل. وحذفه لأنه دل عليه حضوره بين أيديهم وهو على حذف مضاف، أي هو سبب قرة عين لي ولك.
وقرة العين كناية عن السرور وهي كناية ناشئة عن ضدها وهو سخنة العين التي هي أثر البكاء اللازم للأسف والحزن، فلما كني عن الحزن بسخنة العين في قولهم في الدعاء بالسوء: أسخن الله عينه. وقول الراجز:
أوه أديم عرضه وأسخن
بعينه بعد هجوع الأعين
أتبعوا ذلك بأن كنوا عن السرور بضد هذه الكناية فقالوا: قرة عين، وأقر الله عينه، فحكى القرآن ما في لغة امرأة فرعون من دلالة على معنى المسرة الحاصلة للنفس ببليغ ما كنى به العرب عن ذلك وهو {قُرَّتُ عَيْنٍ} ، ومن لطائفه في الآية أن المسرة المعنية هي مسرة حاصلة من مرأى محاسن الطفل كما قال تعالى {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} [طه: 39].
ويجوز أن يكون قوله {قُرَّتُ عَيْنٍ} قسما كما يقال: أيمن الله. فإن العرب يقسمون بذلك، أي أقسم بما تقر به عيني. وفي الحديث الصحيح أن أبا بكر الصديق استضاف نفرا وتأخر عن وقت عشائهم ثم حضر، وفيه قصة إلى أن قال الراوي: فجعلوا لا يأكلون لقمة إلا ربت من أسفلها أكثر منها. فقال أبو بكر لامرأته: يا أخت بني فراس ما هذا? فقالت: وقرة عيني إنها الآن أكثر من قبل. فتكون امرأة فرعون أقسمت على فرعون بما فيه قرة عينها، وقرة عينه أن لا يقتل موسى، ويكون رفع {قُرَّتُ عَيْنٍ} على الابتداء وخبرة محذوفا، وهو حذف كثير في نص اليمين مثل: لعمرك. وابتدأت بنفسها في {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي} قبل ذكر فرعون إدلالا عليه لمكانتها عنده أرادت أن تبتدره بذلك حتى لا يصدر عنه الأمر بقتل الطفل.
وضمير الجمع في قولها {تَقْتُلُوهُ} يجوز أن يراد به فرعون نزله منزلة الجماعة

على وجه التعظيم كما في قوله {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} . ويجوز أن يراد به خطاب فرعون داخلا فيه أهل دولته هامان والكهنة الذين ألقوا في نفس فرعون أن فتى من إسرائيل يفسد عليه مملكته. وهذا أحسن لأن فيه تمهيدا لإجابة سؤلها حين أسندت معظم القتل لأهل الدولة وجعلت لفرعون منه حظ الواحد من الجماعة فكأنها تعرض بأن ذلك ينبغي أن لا يكون عن رأيه فتهون عليه عدوله في هذا الطفل عما تقرر من قتل الأطفال. وقيل {لا تَقْتُلُوهُ} التفات عن خطاب فرعون إلى خطاب الموكلين بقتل أطفال إسرائيل كقوله {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ} [يوسف: 29].
فموقع جملة {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} موقع التمهيد والمقدمة للعرض. وموقع جملة {لا تَقْتُلُوهُ} موقع التفريع عن المقدمة ولذلك فصلت عنها.
وأما جملة {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا} فهي في موقع العلة لمضمون جملة {لا تَقْتُلُوهُ} فاتصالها بها كاتصال جملة {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} بها، ولكن نظم الكلام قضى بهذا الترتيب البليغ بأن جعل الوازع الطبيعي عن القتل وهو وازع المحبة هو المقدمة لأنه أشد تعلقا بالنفس فهو يشبه المعلوم البديهي. وجعل الوازع العقلي بعد النهي علة لاحتياجه إلى الفكر، فتكون مهملة التفكير بعد سماع النهي الممهد بالوازع الطبيعي فلا يخشى جماح السامع من النهي ورفضه إياه.
ويتضمن قولها {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} إزالة ما خامر نفس فرعون من خشية فساد ملكه على يد فتى إسرائيلي بأن هذا الطفل لا يكون هو المخوف منه لأنه لما انضم في أهلهم وسيكون ربيهم فإنه يرجى منه نفعهم وأن يكون لهم كالولد. فأقنعت فرعون بقياس على الأحوال المجربة في علاقة التربية والمعاشرة والتبني والإحسان، وإن الخير لا يأتي بالشر. ولذلك وقع بعده الاعتراض بقوله تعالى {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أي وفرعون وقومه لا يعلمون خفي إرادة الله من الانتقام من أمة القبط بسبب موسى. ولعل الله حقق لامرأة فرعون رجاءها فكان موسى قرة عين لها ولزوجها، فلما هلكا وجاء فرعون آخر بعدهما كان ما قدره الله من نصر بني إسرائيل.
واختير {يَشْعُرُونَ} هنا لأنه من العلم الخفي، أي لا يعلمون هذا الأمر الخفي.
[10] {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}

{أَصْبَحَ} مستعمل في معنى (صار) فاقتضى تحولا من حالة إلى حالة أخرى أي كان فؤادها غير فارغ فأصبح فارغا.
والفؤاد مستعمل في معنى العقل واللب.
والفراغ مجازي. ومعنى فراغ العقل من أمر أنه مجاز عن عدم احتواء العقل على ذلك الأمر احتواء مجازيا، أي عدم جولان معنى ذلك الأمر في العقل، أي ترك التفكير فيه.
وإذ لم يذكر أن فؤاد أم موسى لماذا أصبح فارغا احتملت الآية معاني ترجع إلى محتملات متعلق الفراغ ما هو. فاختلف المفسرون في ذلك قديما، ومرجع أقوالهم إلى ناحيتين: ناحية تؤذن بثبات أم موسى ورباطة جاشها، وناحية تؤذن بتطرق الضعف والشك إلى نفسها.
فأما ما يرجع إلى الناحية الأولى فهو أنه فارغ من الخوف والحزن فأصبحت واثقة بحسن عاقبته تبعا لما ألهمها من أن لا تخاف ولا تحزن فيرجع إلى الثناء عليها. وهذا اسعد بقوله تعالى بعد {لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} لأن ذلك الربط من توابع ما ألهمها الله من أن لا تخاف ولا تحزن.
فالمعنى: أنها لما ألقته في اليم كما ألهمها الله زال عنها ما كانت تخافه عليه من الظهور عليه عندها وقتله لأنها لما تمكنت من إلقائه في اليم ولم يشعر بها أحد قد علمت أنه نجا. وهذا المحمل يساعده أيضا ما شاع من قولهم: فلان خلي البال: إذا كان لا هم بقلبه. وهو تفسير أبي عبيدة والأخفش والكسائي وهذا أحسن ما فسرت به وهو من معنى الثناء عليها بثباتها. وعن ابن عباس من طرق شتى انه قال: فارغا من كل شيء إلا ذكر موسى. وفي هذا شيء من رباطة جاشها إذ فرغ لبها من كل خاطر يخطر في شأن موسى.
وأما زيادة ما أداه الاستثناء بقوله: إلا ذكر موسى، فلعله انتزعه من قوله {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} وإلا فليس في الآية ما يؤذن بذلك الاستثناء. وهذا التفسير يقتضي الجمع بين الثناء عليها بحسن ثقتها بالله والإشارة إلى ضعف الأمومة بالتشوق إلى ولدها وإن كانت عالمة بأنه يتقلب في أحوال صالحة به وبها.
وأما الأقوال الراجعة إلى الناحية الثانية فقال ابن عطية والقرطبي عن ابن القاسم عن مالك: الفراغ هو ذهاب العقل. قال ابن عطية: هو كقوله تعالى {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ} أي لا عقول فيها. وفي الكشاف: أي لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها

لما دهمها من فرط الجزع. وقال ابن زيد والحسن وابن إسحاق: أصبح فارغا من تذكر الوعد الذي وعدها الله إذ خامرها خاطر شيطاني فقالت في نفسها: إني خفت عليه من القتل فألقيته بيدي في يد العدو الذي أمر بقتله. قال ابن عطية: وقالت فرقة: فارغا من الصبر. ولعله يعني من الصبر على فقده. وكل الأقوال الراجعة إلى هذه الناحية ترمى إلى أن أم موسى لم تكن جلدة على تنفيذ ما أمرها الله تعالى وأن الله تداركها بوضع اليقين في نفسها.
وجملة {كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} تكون بالنسبة للتفسير الأول استئنافا بيانيا لما اقتضاه فعل {أَصْبَحَ} من أنها كانت على حالة غير حالة فراغ فبنيت بأنها كانت تقارب أن تظهر أمر ابنها من شدة الاضطراب فإن الاضطراب ينم بها. فالمعنى: أصبح فؤادها فارغا وكادت، قبل ذلك أن تبدي خبر موسى في مدة إرضاعه من شدة الهلع والإشفاق عليه أن يقتل. وعلى تفسير ابن عباس تكون جملة {إِنْ كَادَتْ} بمنزلة عطف البيان على معنى {فَارِغاً} . وهي دليل على الاستثناء المحذوف. فالتقدير: فارغا إلا من ذكر موسى فكادت تظهر ذكر موسى وتنطق باسمه من كثرة تردد ذكره في نفسها.
وأما على الأقوال الراجعة إلى الناحية الثانية فجملة {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} بيان لجملة: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً} ، أي كادت لتبدي أمر موسى من قلة ثبات فؤادها.
وعن مجاهد: لما رأت الأمواج حملت التابوت كادت أن تصيح.
والباء في {بِهِ} إما لتأكيد لصوق المفعول بفعله والأصل: لتبديه، وإما لتضمين (تبدي) معنى (تبوح) وهو أحسن و {إِنَّ} مخففة من الثقيلة. واللام في {لَتُبْدِي} فارقة بين {إِنَّ} المخففة و(إن) النافية.
والربط على القلب: توثيقه عن أن يضعف كما يشد العضو الوهن، أي ربطنا على قلبها بخلق الصبر فيه. وجواب {لَوْلا} هو جملة {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} .
والمراد بالمؤمنين المصدقون بوعد الله، أي لولا أن ذكرناها ما وعدناها فاطمأن فؤادها. فالإيمان هنا مستعمل في معناه اللغوي دون الشرعي لأنها كانت من المؤمنين من قبل، أو أريد من كاملات المؤمنين.
واللام للتعليل، أي لتحرز رتبة المؤمنين بأمر الله الذين لا يتطرقهم الشك فيما يأتيهم

من الواردات الإلهية.
[11] {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}
ظاهر ترتيب الأخبار أنها على وفق ترتيب مضامينها في الحصول، وهذا يرجح أن يكون حصول مضمون {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً} [القصص: 10] سابقا على حصول مضمون {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} ، أي قالت لأخته ذلك بعد أن اطمأن قلبها لما ألهمته من إلقائه في اليم، أي لما ألقته في اليم قالت لأخته: انظري أين يلقيه اليم ومتى يستخرج منه، وقد علمت أن اليم لا يلقيه بعيدا عنها لأن ذلك مقتضى وعد الله برده إليها.
وأخت موسى اسمها مريم، وقد مضى ذكر القصة في سورة طه.
والقص: اتباع الأثر، استعمل في تتبع الذات بالنظر فلذلك عدي إلى ضمير موسى دون ذكر الأثر. وقد تقدم في [سورة الكهف: 64] عند قوله {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً} .
وبصر بالشيء صار ذا بصر به. أي باصراً له فهو يفيد قوة الإبصار، أي قوة استعمال حاسة البصر وهو التحديق إلى المبصر، فـ(بصر) أشد من (أبصر). فالباء الداخلة على مفعوله باء السببية للدلالة على شدة العناية برؤية المرئي حتى كأنه صار باصرا بسببه. ولك أن تجعل الباء زائدة لتأكيد الفعل فتفيد زيادة مبالغة في معنى الفعل. وتقدم في قوله تعالى {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} [سورة طه: 96].
والجنب: بضمتين البعيد. وهو صفة لموصوف يعرف من المقام، أي عن مكان جنب.
و{ عَنْ} للمجاوزة والمجرور في موضع حال من ضمير (بصرت) لأن المجاوزة هنا من أحوال أخته لا من صفات المكان.
و {هُمْ} أي آل فرعون حين التقطوه لا يشعرون بأن أخته تراقب أحواله وذلك من حذق أخته في كيفية مراقبته.
[12] {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}

الواو للحال من ضمير {لِأُخْتِهِ} [القصص: 11]. والتحريم: المنع، وهو تحريم تكويني، أي قدرنا في نفس الطفل الامتناع من التقام أثداء المراضع وكراهتها ليضطر آل فرعون إلى البحث عن مرضع يتقبل ثديها؛ لأن فرعون وامرأته حريصان على حياة الطفل، ومن مقدمات ذلك أن جعل الله إرضاعه من أمه مدة تعود فيها بثديها.
ومعنى {مِنْ قَبْلُ} من قبل التقاطه وهو إيذان بأن ذلك التحريم مما تعلق به علم الله وإرادته في الأزل.
والفاء في قوله {فقالت} فاء فصيحة تؤذن بجملة مقدرة، أي فأظهرت أخته نفسها كأنها مرت بهم عن غير قصد. وإنما قالت ذلك بعد أن فشا في الناس طلب المراضع له وتبديل مرضعة عقب أخرى حتى عرض على عدد كثير في حصة قصيرة، وذلك بسرعة مقدرة آل فرعون وكثرة تفتيشهم على المراضع حتى ألفوا عددا كثيرا في زمن يسير، وأيضا لعرض المراضع أنفسهن على آل فرعون لما شاع أنهم يتطلبون مرضعا.
وعرضت سعيها في ذلك بطريق الاستفهام المستعمل في العرض تلطفا مع آل فرعون وإبعادا للظنة عن نفسها.
ومعنى {يَكْفُلُونَهُ} يتعهدون بحفظه وإرضاعه. فيدل هذا على أن عادتهم في الإرضاع أن يسلم الطفل إلى المرأة التي ترضعه يكون عندها كما كانت عادة العرب لأن النساء الحرائر لم يكن يرضين بترك بيوتهن والانتقال إلى بيوت آل الأطفال الرضعاء. كما جاء في خبر إرضاع محمد صلى الله عليه وسلم عند حليمة بنت وهب في حي بني سعد بن بكر. قال صاحب (الكشاف): فدفعه فرعون إليها وأجرى لها وذهبت به إلى بيتها.
والعدول عن الجملة الفعلية إلى الاسمية في قوله {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} لقصد تأكيد أن النصح من سجاياهم ومما ثبت لهم فلذلك لم يقل: وينصحون له كما قيل {يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} لأن الكفالة أمر سهل بخلاف النصح والعناية.
وتعليق {لَهُ} بـ {نَاصِحُونَ} ليس على معنى التقييد بل لأنه حكاية الواقع. فالمعنى: أن النصح من صفاتهم فهو حاصل له كما يحصل لأمثاله حسب سجيتهم. والنصح: العمل الخالص الخلي من التقصير والفساد.
[13] {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}

تقدم نظير قوله {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا} في [سورة طه: 40]. وقوله {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} فإنما تأكيد حرف {كَيْ} بمرادفه وهو لام التعليل للتنصيص من أول وهلة على أنه معطوف على الفعل المثبت لا على الفعل المنفي.
وضمير {أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} عائد إلى الناس المفهوم من المقام أو إلى رعية فرعون، ومن الناس بنو إسرائيل.
والاستدراك ناشئ عن نصب الدليل لها على أن وعد الله حق، أي فعلمت ذلك وحدها وأكثر القوم لا يعلمون ذلك لأنهم بين مشركين وبين مؤمنين تقادم العهد على إيمانهم وخلت أقوامهم من علماء يلقنونهم معاني الدين فأصبح إيمانهم قريبا من الكفر.
وموضع العبرة من هذه القصة أنها تتضمن أمور ذات شأن ذكرى للمؤمنين وموعظة للمشركين.
فأول ذلك وأعظمه: إظهار أن ما علمه الله وقدره هو كائن لا محالة كما دل عليه قوله {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} إلى قوله {يَحْذَرُونَ} [القصص: 6] وإن الحذر لا ينجي من القدر.
وثانيه: إظهار أن العلو الحق لله تعالى وللمؤمنين وأن علو فرعون لم يغن عنه شيئا في دفع عواقب الجبروت والفساد ليكون ذلك عبرة لجبابرة المشركين من أهل مكة.
وثالثه: أن تمهيد القصة بعلو فرعون وفساد أعماله مشير إلى أن ذلك هو سبب الانتقام منه والأخذ بناصر المستضعفين ليحذر الجبابرة سوء عاقبة ظلمهم وليرجو الصابرون على الظلم أن تكون العاقبة لهم.
ورابعه: الإشارة إلى حكمة {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [216] في جانب بني إسرائيل {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة: 216] في جانب فرعون إذ كانوا فرحين باستخدام بني إسرائيل وتدبير قطع نسلهم.
وخامسه: أن إصابة قوم فرعون بغتة من قبل من أملوا منه النفع أشد عبرة للمعتبر وأوقع حسرة على المستبصر، وأدل على أن انتقام الله يكون أعظم من انتقام العدو كما قال {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: 8] مع قوله {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} [القصص: 9].

وسادسه: أنه لا يجوز بحكم التعقل أن تستأصل أمة كاملة لتوقع مفسد فيها لعدم التوازن بين المفسدتين، ولأن الإحاطة بأفراد أمة كاملة متعذرة فلا يكون المتوقع فساده إلا في الجانب المغفول عنه من الأفراد فتحصل مفسدتان هما أخذ البريء وانفلات المجرم.
وسابعه: تعليم أن الله بالغ أمره بتهيئة الأسباب المفضية إليه ولو شاء الله لأهلك فرعون ومن معه بحادث سماوي ولما قدر لإهلاكهم هذه الصورة المرتبة ولأنجى موسى مبني إسرائيل إنجاء أسرع ولكنه أراد أن يحصل ذلك بمشاهدة تنقلات الأحوال ابتداء من إلقاء موسى في اليم إلى أن رده إلى أمه فتكون في ذلك عبرة للمشركين الذين {قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] وليتسموا من بوارق ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم وانتقال أحوال دعوته في مدارج القوة أن ما وعدهم به واقع بأخرة.
وثامنه: العبرة بأن وجود الصالحين من بين المفسدين فإن وجود امرأة فرعون كان سببا في صد فرعون عن قتل الطفل مع أنه تحقق أنه إسرائيل فقالت امرأته {لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} [القصص: 9] كما قدمنا تفسيره.
وتاسعه: ما في قوله {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} من الإيماء إلى تذكير المؤمنين بأن نصرهم حاصل بعد حين، ووعيد المشركين بأن وعيدهم لا مفر لهم منه.
وعاشره: ما في قوله {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} من الإشارة إلى أن المرء يؤتي من جهله النظر في أدلة العقل.
ولما في هذه القصة من العبر اكتفى مصعب بن الزبير بطالعها عن الخطبة التي حقه أن يخطب بها في الناس حين حلوله بالعراق من قبل أخيه عبد الله بن الزبير مكتفيا بالإشارة مع التلاوة فقال {طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ} وأشار إلى جهة الشام يريد عبد الملك بن مروان {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} وأشار بيده نحو الحجاز، يعني أخاه عبد الله بن الزبير وأنصاره ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما (وأشار إلى العراق يعني الحجاج) {مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} .
[ القصص : 1- 6 ] .

[14] {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}
هذا اعتراض بين أجزاء القصة المرتبة على حسب ظهورها في الخارج. وهذا الاعتراض نشأ عن جملة {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [القصص: 13] فإن وعد الله لها قد حكي في قوله تعالى {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[ القصص: 7]. فلما انتهى إلى حكاية رده إلى أمه بقوله {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} [القصص: 13] إلى آخره كمل ما فيه وفاء وعد الله إياها بهذا الاستطراد في قوله {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} وإنما أوتي الحكم أعني النبوة بعد خروجه من أرض مدين كما سيجيء في قوله تعالى {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ} [القصص: 29]. وتقدم نظير هذه الآية في سورة يوسف، إلا قوله {وَاسْتَوَى} فقيل: إن {وَاسْتَوَى} بمعنى بلغ أشده، فيكون تأكيدا، والحق أن الأشد كمال القوة لأن أصله جمع شدة بكسر الشين بوزن نعمة وأنعم وهي هيئة بمعنى القوة ثم عومل معاملة المفرد. وأن الاستواء: كمال البنية كقوله تعالى في وصف الزرع {فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: 29]، ولهذا أريد لموسى الوصف بالاستواء ولم يوصف يوسف إلا ببلوغ الأشد خاصة لأن موسى كان رجلا طوالا كما في الحديث (كأنه من رجال شنؤة) فكان كامل الأعضاء ولذلك كان وكزه القبطي قاضيا على الموكوز. والحكم: الحكمة، والعلم: المعرفة بالله.
[15] {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}
طويت أخبار كثيرة تنبئ عنها القصة وذلك أن موسى يفع وشب في قصر فرعون فكان معدودا من أهل بيت فرعون، وقيل: كان يدعى موسى ابن فرعون.
وجملة {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ} عطف على جملة {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} عطف جزء القصة على جزء آخر منها، وقد علم موسى أنه من بني إسرائيل، لعله بأن أمه كانت تتصل به في قصر فرعون وكانت تقص عليه نبأه كله. والمدينة هي منفيس قاعدة مصر الشمالية.
ويتعلق {عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ} بـ {دَخَلَ} . و {عَلَى} للاستعلاء المجازي كما في قوله تعالى {عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 5]، أي متمكنا من حين غفلة.

وحين الغفلة: هو الوقت الذي يغفل فيه أهل المدينة عما يجري فيها وهو وقت استراحة الناس وتفرقهم وخلو الطريق منهم. قيل: كان ذلك في وقت القيلولة وكان موسى مجتازا بالمدينة وحده، قيل ليلحق بفرعون إذ كان فرعون قد مر بتلك المدينة. والمقصود من ذكر هذا الوقت الإشارة إلى أن قتله القبطي لم يشعر به أحد تمهيدا لقوله بعد { قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ} الآيات ومقدمة لذكر خروجه من أرض مصر.
والإشارتان في قوله {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} تفصيل لما أجمل في قوله {رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ} .
واسم الإشارة في مثل هذا لا يراعى فيه بعد ولا قرب، فلذلك قد تكون الإشارتان متماثلتين كما هنا وكما في قوله تعالى {لا إِلَى هَؤُلاءِ} ويجوز اختلافهما كقول المتلمس:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان غير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد
والشيعة: الجماعة المنتمية إلى أحد، وتقدم آنفا في قوله {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} . والعدو: الجماعة التي يعاديها موسى، أي يبغضها. فالمراد بالذي من شيعته أنه رجل من بني إسرائيل، وبالذي من عدوه رجل من القبط قوم فرعون. والعدو وصف يستوي فيه الواحد والجمع كما تقدم عند قوله تعالى {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} في [سورة الشعراء: 77].
ومعنى كون {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} يجوز أن يكون المراد بهذين الوصفين أن موسى كان يعلم أنه من بني إسرائيل بإخبار قصة التقاطه من اليم وأن تكون أمه قد أقضت إليه بخبرها وخبره كما تقدم، فنشأ موسى على عداوة القبط وعلى إضمار المحبة لبني إسرائيل.
وأما وكزه القبطي فلم يكن إلا انتصارا للحق على جميع التقادير، ولذلك لما تكررت الخصومة بين ذاك الإسرائيلي وبين قبطي آخر وأراد موسى أن يبطش بالقبطي لم يقل له القبطي: إن تريد إلا أن تنصر قومك وإنما قال {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ} [القصص: 19].

قيل: كان القبطي من عملة مخبز فرعون فأراد أن يحمل حطبا إلى الفرن فدعا إسرائيليا ليحمله فأبى فأراد أن يجبره على حمله وأن يضعه على ظهره فاختصما وتضاربا ضربا شديدا وهو المعبر عنه بالتقاتل على طريق الاستعارة.
والاستغاثة: طلب الغوث وهو التخليص من شدة أو العون على دفع مشقة. وإنما يكون الطلب بالنداء فذكر الاستغاثة يؤذن بأن الاسرائيلي كان مغلوبا وأن القطبي اشتد عليه وكان ظالما إذ لا يجبر أحد على عمل يعمله.
والوكز: الضرب باليد بجمع أصابعها كصورة عقد ثلاثة وسبعين، ويسمى الجمع بضم الجيم وسكون الميم.
و {فَقَضَى عَلَيْهِ} جملة تقال بمعنى مات لا تغير. ففاعل (قضى) محذوف أبدا على معنى قضى عليه قاض وهو الموت. ويجوز أن يكون عائدا إلى الله تعالى المفهوم من المقام إذ لا يقضي بالموت غيره كقوله {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} [سبأ: 14]. وقيل ضمير {فَقَضَى} عائد إلى موسى وليس هذا بالبين. فالمعنى: فوكزه موسى فمات القبطي. وكان هذا قتل خطأ صادف الوكز مقاتل القبطي ولم يرد موسى قتله. ووقع في سفر الخروج من التوراة في الإصحاح الثاني أن موسى لما رأى المصري يضرب العبراني التفت هنا وهناك ورأى أن ليس أحد فقتل المصري وطمره في الرمل.
وجملة {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} مستأنفة استئنافا بيانيا كأن سائلا سأل: ماذا كان من أمر موسى حين فوجئ بموت القبطي. وحكاية ذلك للتنبيه على أن موسى لم يخطر بباله حينئذ إلا النظر في العاقبة الدينية. وقوله هو كلامه في نفسه.
والإشارة بهذا إلى الضربة الشديدة التي عليها الموت أو إلى الموت المشاهد من ضربته، أو إلى الغضب الذي تسبب عليه موت القبطي. والمعنى: أن الشيطان أو قد غضبه حتى بالغ في شدة الوكز. وإنما قال موسى ذلك لأن قتل النفس مستقبح في الشرائع البشرية فإن حفظ النفس المعصومة من أصول الأديان كلها. وكان موسى يعلم دين آبائه لعله بما تلقاه من أمه المرأة الصالحة في مدة رضاعه وفي مدة زيارته إياها.
وجملة {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} تعليل لكون شدة غضبه من عمل الشيطان إذ لولا الخاطر الشيطاني لاقتصر على القبطي أو كفه عن الذي من شيعته، فلما كان الشيطان عدوا للإنسان وكانت له مسالك إلى النفوس استدل موسى بفعله المؤدي إلى قتل نفس أنه

فعل ناشئ عن وسوسة الشيطان ولولاها لكان عمله جاريا على الأحوال المأذونة.
وفي هذا دليل على أن الأصل في النفس الإنسانية هو الخير وأنه الفطرة وأن الانحراف عنها يحتاج إلى سبب غير فطري وهو تخلل نزع الشيطان في النفس.
ومتعلق {عَدُوٌّ} محذوف لدلالة المقام أي عدو لآدم وذرية آدم.
ورتب على الأخبار عنه بالعداوة وصفه بالإضلال لأن العدو يعمل لإلحاق الضر بعدوه. و {مُبِينٌ} وصف لـ {مُضِلٌّ} لا خبر ثان ولا ثالث.
[16] {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
بدل اشتمال من جملة {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [القصص: 15] لأن الجزم بكون ما صدر منه من عمل الشيطان وتغريره يشتمل على أن ذلك ظلم لنفسه، وأن يتوجه إلى الله بالاعتراف بخطئه ويفرع عليه طلب غفرانه. وسمى فعله ظلما لنفسه لأنه كان من أثر فرط الغضب لأجل رجل من شيعته، وكان يستطيع أن يملك من غضبه فكان تعجيله بوكز القبطي وكزة قاتلة ظلما جره لنفسه. وسماه في [سورة الشعراء: 20] ضلالا {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ}.
وأراد بظلمه نفسه أنه تسبب لنفسه في مضرة إضمار القبط قتله، وإنه تجاوز الحد في عقاب القبطي على مضاربته الإسرائيلي. ولعله لم يستقص الظالم منهما وذلك انتصار جاهلي كما قال وداك ابن ثميل المازني يمدح قومه:
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم بأي مكان
وقد اهتدى موسى إلى هذا كله بالإلهام إذ لم تكن يومئذ شريعة إلهية في القبط. ويجوز أن يكون علمه بذلك مما تلقاه من أمه وقومها من تدين ببقايا دين إسحاق ويعقوب.
ولا التفات في هذا إلى جواز صدور الذنب من النبي لأنه لم يكن يومئذ نبيا، ولا مسألة صدور الذنب من النبي قبل النبوة؛ لأن تلك مفروضة فيما تقرر حكمه من الذنوب بحسب شرع ذلك النبي أو شرع نبي هو متبعه مثل عيسى عليه السلام قبل نبوءته لوجود شريعة التوراة وهو من أتباعها.

والفاء في قوله {فَغَفَرَ لَهُ} للتعقيب، أي استجاب استغفاره فعجل له بالمغفرة.
وجملة {فَغَفَرَ لَهُ} معترضة بين جملة {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} وجملة {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [القصص: 17] كان اعتراضها إعلاما لأهل القرآن بكرامة موسى عليه السلام عند ربه.
وجملة {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} تعليل لجملة {فَغَفَرَ لَهُ} ؛ علل المغفرة له بأنه شديد الغفران ورحيم بعباده، مع تأكيد ذلك بصيغة القصر إيماء إلى أن ما جاء به هو من ظلم نفسه وما حفه من الأمور التي ذكرناها.
[17] {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ}
إعادة {قَالَ} أفاد تأكيدا لفعل {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي}. أعيد القول للتنبيه على اتصال كلام موسى حيث وقع الفصل بينه بجملتي {فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} . ونظم الكلام: قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، رب بما أنعمت فلن أكون ظهيرا للمجرمين، وليس قوله {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} مستأنفا عن قوله {فَغَفَرَ لَهُ} لأن موسى لم يعلم أن الله غفر له إذ لم يكن يوحى إليه يومئذ.
والباء للسببية في {بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} و(ما) موصولة. وحذف العائد من الصلة لأنه ضمير مجرور بمثل ما جر به الموصول، والحذف في مثله كثير، والتقدير: بالذي أنعمت به علي. ويجوز أن تكون (ما) مصدرية وما صدق الإنعام عليه، هو ما أوتيه من الحكمة والعلم فتميزت عنده الحقائق ولم يبق للعوائد والتقاليد تأثير على شعوره. فأصبح لا ينظر الأشياء إلا بعين الحقيقة، ومن ذلك أن لا يكون ظهيرا وعونا للمجرمين.
وأراد من يتوسم منهم الإجرام منهم الإجرام، وأراد بهم الذين يستذلون الناس ويظلمونهم لأن القبطي أذل الإسرائيلي بغضبه على تحميله الحطب دون رضاه.
ولعل هذا الكلام ساقه مساق الاعتبار عن قتله القبطي وثوقا بأنه قتله خطأ.
واقتران جملة {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} بالفاء لأن الموصول كثيرا ما يعامل معاملة اسم الشرط فيقترن الشرط فيقترن خبره ومتعلقه بالفاء تشبيها له بجزاء الشرط وخاصة إذا كان الموصول مجرورا مقدما فإن المجرور المقدم قد يقصد به معنى الشرطية فيعامل معاملة الشرط في الحديث (كما تكونوا يول عليكم( بجزم (تكونوا) وإعطائه جوابا مجزوما.

والظهير: النصير.
وقد دل هذا النظم على أن موسى أراد أن يجعل عدم مظاهرته للمجرمين جزاء على نعمة الحكمة والعلم بأن جعل شكر تلك النعمة الانتصار للحق وتغيير الباطل لأنه إذا لم يغير الباطل والمنكر وأقرهما فقد صانع فاعلهما، والمصانعة مظاهرة. ومما يؤيد هذا التفسير أن موسى لما أصبح من الغد فوجد الرجل الذي استصرخه في أمسه يستصرخه على قبطي آخر أراد أن يبطش بالقبطي وفاء بوعده ربه إذ قال { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} لأن القبطي مشرك بالله والإسرائيلي موحد.
وقد جعل جمهور من السلف هذه الآية حجة على منع إعانة أهل الجور في شيء من أمورهم. ولعل وجه الاحتجاج بها أن الله حكاها عن موسى في معرض التنويه به فاقتضى ذلك انه من القول الحق.
[18-19] {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ}
أي أصبح خائفا من أن يطالب بدم القطبي الذي قتله وهو يترقب، أي يراقب ما يقال في شأنه ليكون متحفزا للاختفاء أو الخروج من المدينة لأن خبر قتل القبطي لم يفش أمره لأنه كان في وقت تخلو فيه أزقة المدينة كما تقدم، فلذلك كان موسى يترقب ان يظهر أمر القبطي المقتول.
و(إذا) للمفاجأة، أي ففاجأه أن الذي استنصره بالأمس يستنصره اليوم.
والتعريف في (الأمس) عوض عن المضاف إليه، أي بأمسه إذ ليس هو أمسا لوقت نزول الآية.
والاستصراخ: المبالغة في الصراخ، أي النداء، وهو المعبر عنه في القصة الماضية بالاستغاثة فخولف بين العبارتين للتفنن. وقول موسى له {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} تذمر من الإسرائيلي إذ كان استصراخه السالف سببا في قتل نفس، وهذا لا يقتضي عدم إجابة استصراخه وإنما هو بمنزلة التشاؤم واللوم عليه في كثرة خصوماته.

والغوي: الشديد الغواية وهي الضلال وسوء النظر، أي أنك تشاد من لا تطيقه ثم تروم الغوث مني يوما بعد يوم، وليس المراد أنه ظالم أو مفسد لأنه لو كان كذلك لما أراد أن يبطش بعدوه.
والبطش: الأخذ بالعنف، والمراد به الضرب. وظاهر قوله {عَدُوٌّ لَهُمَا} أنه قبطي. وربما جعل عدوا لهما لأن عداوته للإسرائيلي معروفة فاشية بين القبط وأما عداوته لموسى فلأنه أراد أن يظلم رجلا والظلم عدو لنفس موسى لأنه نشأ على زكاء نفس هيأها الله للرسالة. والاستفهام مستعمل في الإنكار.
والجبار: الذي يفعل ما يريد مما يضر بالناس ويؤاخذ الناس بالشدة دون الرفق. وتقدم في [سورة الرعد: 15] قوله { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} ، وفي [سورة مريم: 32] قوله {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} .
والمعنى: إنك تحاول أن تكون متصرفا بالانتقام وبالشدة ولا تحاول أن تكون من المصلحين بين الخصمين بأن تسعى في التراضي بينهما. ويظهر أن كلام القبطي زجر لموسى عن البطش به وصار بينهما حوارا أعقبه مجيء رجل من أقصى المدينة.
[20-21] {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}
ظاهر النظم أن الرجل جاء على حين محاورة القبطي مع موسى فلذلك انطوى أمر محاورتهما إذ حدث في خلاله ما هو أهم منه وأجدى في القصة.
والظاهر أن أقصى المدينة هو ناحية قصور فرعون وقومه فإن عادة الملوك السكني في أطراف المدن توقيا من الثورات والغارات لتكون مساكنهم أسعد بخروجهم عند الخوف. وقد قيل: الأطراف منازل الأشراف. وأما قول أبي تمام:
كانت هي الوسط المحمي فاتصلت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا
فلذلك معنى آخر راجع إلى انتقاص العمران كقوله تعالى {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} [الأحزاب: 13].
وبهذا يظهر وجه ذكر المكان الذي جاء منه الرجل وأن الرجل كان يعرف موسى.

و {الْمَلأِ} : الجماعة أولو الشأن، وتقدم عند قوله تعالى {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ} أي نوح في الأعراف [60]، وأراد بهم أهل دولة فرعون: فالمعنى: أن أولى الأمر يأتمرون بك، أي يتشاورون في قتلك. وهذا يقتضي أن القضية رفعت إلى فرعون وفي سفر الخروج في الإصحاح الثاني: (فسمع فرعون هذا الأمر فطلب أن يقتل موسى). ولما علم هذا الرجل بذلك أسرع بالخبر لموسى لأنه كان معجبا بموسى واستقامته. وقد قيل كان هذا الرجل من بني إسرائيل. وقيل: كان من القبط ولكنه كان مؤمنا يكتم إيمانه، لعل الله ألهمه معرفة فساد الشرك بسلامة فطرته وهيأه لإنقاذ موسى من يد فرعون.
والسعي: السير السريع، وقد تقدم عند قوله {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} في [سورة طه: 20]. وتقدم بيان حقيقته ومجازه في قوله {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} في [سورة الإسراء: 19]. وجملة {يَسْعَى} في موضع الحال من {رَجُلٌ} الموصوف بأنه من {أَقْصَى الْمَدِينَةِ} . و{يَأْتَمِرُونَ بِكَ} يتشاورون. وضمن معنى (يهمون) فعدي بالباء فكأنه قيل: يأتمرون ويهمون بقتلك.
وأصل الائتمار: قبول أمر الآمر فهو مطاوع أمره، قال امرؤ القيس:
ويعدو على المرء ما يأتمر
أي يضره ما يطيع فيه أمر نفسه. ثم شاع إطلاق الائتمار على التشاور لأن المتشاورين يأخذ بعضهم أمر بعض فيأتمر به الجميع، قال تعالى {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 6].
وجملة {قَالَ يَا مُوسَى} بدل اشتمال من جملة { جَاءَ رَجُلٌ} لأن مجيئه يشتمل على قوله ذلك.
ومتعلق الخروج محذوف لدلالة المقام، أي فاخرج من المدينة.
وجملة {إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} تعليل لأمره بالخروج. واللام في قوله {لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} صلة، لأن أكثر ما يستعمل فعل النصح معدى باللام. يقال: نصحت لك قال تعالى {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} في [سورة التوبة: 91] ووهما قالوا: نصحت. وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة.
والترقب: حقيقته الانتظار، وهو مشتق من رقب إذا نظر أحوال شيء. ومنه سمي المكان المرتفع: مرقبة ومرتقبا، وهو هنا مستعار للحذر.

وجملة {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي} بدل اشتمال من جملة {يَتَرَقَّبُ} لأن ترقبه يشتمل على الدعاء إلى الله بأن ينجيه.
والقوم الظالمون هم قوم فرعون. ووصفهم بالظلم لأنهم مشركون ولأنهم راموا قتله قصاصا عن قتل خطأ وذلك ظلم لأن الخطأ في القتل لا يقتضي الجزاء بالقتل في نظر العقل والشرع.
ومحل العبرة من قصة موسى مع القبطي وخروجه من المدينة من قوله {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} [القصص: 14] إلى هنا هو أن الله يصطفي من يشاء من عباده، وأنه أعلم حيث يجعل رسالاته، وأنه إذا تعلقت إرادته بشيء هيأ له أسبابه بقدرته فأبرزه على أتقن تدبير، وأن الناظر البصير في آثار ذلك التدبير يقتبس منها دلالة على صدق الرسول في دعوته كما أشار إليه قوله تعالى {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16]. وإن أوضح تلك المظاهر استقامة السيرة ومحبة الحق، وأن دليل عناية الله بمن اصطفاه لذلك هو نصره على أعدائه ونجاته مما له من المكائد. وفي ذلك كله مثل للمشركين لو نظروا في حال محمد صلى الله عليه وسلم في ذاته وفي حالهم معه. ثم {إِنَّ} في قوله تعالى {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} الآية إيماء إلى أن رسوله صلى الله عليه وسلم سيخرج من مكة وأن الله منجيه من ظالميه.
[22] {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ}
هذه هجرة نبوية تشبه هجرة إبراهيم عليه السلام إذ قال {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} . وقد ألهم الله موسى عليه السلام أن يقصد بلاد مدين إذ يجد فيها نبيا يبصره بآداب النبوة ولم يكن موسى يعلم إلى أين يتوجه ولا من سيجد في وجهته كما دل عليه قوله {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} .
فقوله تعالى {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ} عطف على جمل محذوفة إذ التقدير: ولما خرج من المدينة هائما على وجهه فاتفق أن كان مسيره في طريق يؤدي إلى أرض مدين حينئذ قال {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} . قال ابن عباس: خرج موسى ولا علم له بالطريق إلا حسن ظن ربه.
و {تَوَجَّهَ}: ولى وجهه، أي استقبل بسيره تلقاء مدين.
و {تِلْقَاءَ} : أصله مصدر على وزن التفعال بكسر التاء، وليس له نظير في كسر التاء

إلا تمثال، وهو بمعنى اللقاء والمقاربة. وشاع إطلاق هذا المصدر على جهته فصار من ظروف المكان التي تنصب على الظرفية. والتقدير: لما توجه جهة تلاقي مدين، أي جهة تلاقي بلاد مدين، وقد تقدم قوله تعالى {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ} في [سورة الأعراف: 47].
و {مَدْيَنَ}: قوم من ذرية مدين بن إبراهيم. وقد مضى الكلام عليهم عند قوله تعالى {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} في [سورة الأعراف: 85].
وأرض مدين واقعة على الشاطئ الغربي من البحر الأحمر وكان موسى قد سلك إليها عند خروجه من بلد (رعمسيس) أو (منفيس) طريقا غربية جنوبية فسلك برية تمر به على أرض العمالقة وأرض الأدوميين ثم بلاد النبط إلى أرض مدين. تلك مسافة ثمانمائة وخمسين ميلا تقريبا. وإذ قد كان موسى في سيره ذلك راجلا فتلك المسافة تستدعي من المدة نحوا من خمسة وأربعين يوما. وكان يبيت في البرية لا محالة. وكان رجلا جلدا وقد ألهمه الله سواء السبيل فلم يضل في سيره.
والسواء: المستقيم النهج الذي لا التواء فيه. وقد ألهمه الله هذه الدعوة التي في طيها توفيقه إلى الدين الحق.
[23-24] {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}
يدل قوله {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} أنه بلغ أرض مدين، وذلك حين ورد ماءهم. والورود هنا معناه الوصول والبلوغ كقوله تعالى {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71] بالماء موضع الماء. وماء القوم هو الذي تعرف به ديارهم لأن القبائل كانت تقطن عند المياه وكانوا يكنون عن أرض القبيلة بماء بني فلان، فالمعنى: ولما ورد، أي عندما بلغ بلاد مدين. ويناسب الغريب إذا جاء ديار قوم أن يقصد الماء لأنه مجتمع الناس فهنالك يتعرف لمن يصاحبه ويضيفه.
و {لَمَّا} حرف توقيت وجود شيء بوجود غيره، أي عندما حل بأرض مدين وجد أمة.

والأمة: الجماعة الكثيرة العدد، وتقدم في قوله تعالى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} في [البقرة: 213]. وحذف مفعول {يَسْقُونَ} لتعميم ما شأنه أن يسقى وهو الماشية والناس، ولأن الغرض لا يتعلق بمعرفة المسقي ولكن بما بعده من انزواء المرأتين عن السقي كما في (الكشاف) تبعا (لدلائل الإعجاز)، فيكون من تنزيل الفعل المتعدي منزلة اللازم، أو الحذف هنا للاختصار كما اختاره السكاكي وأيده شارحاه السعد والسيد. وأما حذف مفاعيل {تَذُودَانِ -لا نَسْقِي - فَسَقَى لَهُمَا} فيتعين فيها ما ذهب إليه الشيخان. وأمل ما ذهب إليه صاحب المفتاح وشارحاه فشيء لا دليل عليه في القرآن حتى يقدر محذوف وإنما استفادة كونهما تذودان غنما مرجعها إلى كتب الإسرائيليين.
ومعنى {مِنْ دُونِهِمُ} في مكان غير المكان الذي حول الماء، أي في جانب مباعد وللأمة من الناس لأن حقيقة كلمة (دون) أنها وصف للشيء الأسفل من غيره. وتتفرع من ذلك معان مجازية مختلفة العلاقات، ومنها ما وقع في هذه الآية. فـ(دون) بمعنى جهة يصل إليها المرء بعد المكان الذي فيه الساقون. شبه المكان الذي يبلغ إليه الماشي بعد مكان آخر بالمكان الأسفل من الآخر كأنه ينزل إليه الماشي لأن المشي يشبه بالصعود وبالهبوط باختلاف الاعتبار.
ويحذف الموصوف بـ(دون) لكثرة الاستعمال فيصير (دون) بمنزلة ذلك الاسم المحذوف.
وحرف {مِنْ} مع (دون) يجوز أن يكون للظرفية مثل {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9]. ويجوز أن يكون بمعنى {عند} وهو معنى أثبته أبو عبيدة في قوله تعالى {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} [آل عمران: 10]. والمعنى: ووجد امرأتين في جهة مبتعدة عن جهة الساقين.
و {تذودان} تطردان. وحقيقة الذود فلا يقال: ذدت الناس، إلا مجازا مرسلا، ومنه قوله في الحديث ((فليذادن أقوام عن حوضي)) الحديث.
والمعنى في الآية: تمنعان إبلا عن الماء. وفي التوراة: أن شعيبا كان صاحب غنم وأن موسى رعى غنمه. فيكون إطلاق {تَذُودَانِ} هنا مجازا مرسلا، أو تكون حقيقة الذود طرد الأنعام كلها عن حوض الماء. وكلام أئمة اللغة غير صريح في تبيين حقيقة هذا. وفي سفر الخروج: أنها كانت لهما غنم، والذود لا يكون إلا للماشية. والمقصود من حضور

الماء بالأنعام سقيها. فلما رأى موسى المرأتين تمنعان أنعامهما من الشرب سألهما: ما خطبكما? وهو سؤال عن قصتهما وشأنهما إذ حضرا الماء ولم يقتحما عليه لسقي غنمهما.
وجملة {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا} بدل اشتمال من جملة {وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} .
والخطب: الشأن والحدث المهم، وتقدم عند قوله تعالى {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} [ يوسف : 51] فأجابتا بأنهما كرهتا أن تسقيا في حين اكتظاظ المكان بالرعاء وأنهما تستمران على عدم السقي كما اقتضاه التعبير بالمضارع إلى أن ينصرف الرعاء.
و {الرِّعَاءُ}: جمع راع.
والإصدار: الإرجاع عن السقي، أي حتى يسقي الرعاء ويصدروا مواشيهم، فالإصدار جعل الغير صادرا، أي حتى يذهب رعاء الإبل بأنعامهم فلا يبقى الزحام. وصدهما عن المزاحمة عادتهما كانتا ذواتي مروءة وتربية زكية.
وقرأ الجمهور {يُصْدِرَ} بضم الياء وكسر الدال. وقرأه ابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر {يُصْدِرَ} بفتح حرف المضارعة وضم الدال على إسناد الصدر إلى الرعاء، أي حتى يرجعوا عن الماء، أي بمواشيهم لأن وصف الرعاء يقتضي أن لهم مواشي، وهذا يقتضي أن تلك عادتهما كل يوم سقي، وليس في اللفظ دلالة على أنه عادة.
وكان قولهما {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} اعتذارا عن حضورهما للسقي مع الرجال لعدم وجدانهما رجلا يستقي لهما لأن الرجل الوحيد لهما هو أبوهما وهو شيخ كبير لا يستطيع ورود الماء لضعفه عن المزاحمة.
واسم المرأتين (ليَّا) و(صَفُّورة). وفي سفر الخروج: أن أباهما كاهن مدين. وسماه في ذلك السفر أول مرة رعويل ثم أعاد الكلام عليه فسماه يثرون ووصفه بحمي موسى، فالمسمى واحد. وقال ابن العبري في تاريخه: يثرون بن رعويل له سبع بنات خرج للسقي منهما اثنتان، فيكون شعيب هو المسمى عند اليهود يثرون. والتعبير عن النبي بالكاهن اصطلاح. لأن الكاهن يخبر عن الغيب ولأنه يطلق على القائم بأمور الدين عند اليهود. وللجزم بأنه شعيب الرسول جعل علماؤنا ما صدر منه هذه القصة شرعا سابقا ففرعوا عليه مسائل مبنية على أصل: أن شرع من قبلنا من الرسل الإلهيين شرع لنا ما لم

يرد ناسخ.
ومنها مباشرة المرأة الأعمال والسعي في طرق المعيشة، ووجوب استحيائها، وولاية الأب في النكاح، وجعل العمل البدني مهرا، وجمع النكاح والإجارة في عقد واحد، ومشروعية الإجارة. وقد استوفى الكلام عليها القرطبي. وفي أدلة الشريعة الإسلامية غنية عن الاستنباط مما في هذه الآية إلا أن بعض هذه الأحكام لا يوجد دليله في القرآن ففي هذه الآية دليل لها من الكتاب عند القائلين بأن شرع من قبلنا شرع لنا.
وفي إذنه لابنتيه بالسقي دليل على جواز معالجة المرأة أمور مالها وظهورها في مجامع الناس إذ كانت تستر ما يجب ستره فإن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه شرعنا ولم يأت من شرعنا ما ينسخه. وأما تحاشي الناس من نحو ذلك فهو من المروءة والعادات متباينة فيه وأحوال الأمم فيه مختلفة وخاصة ما بين أخلاق البدو والحضر من الاختلاف.
ودخول {لَمَّا} التوقيتية يؤذن باقتران وصوله بوجود الساقين. واقتران فعل {سقى} بالفاء يؤذن بأنه بادر فسقى لهن، وذلك بفور وروده.
ومعنى {فَسَقَى لَهُمَا} أنه سقى ما جئن ليسقينه لأجلهما، فاللام للأجل، أي لا يدفعه لذلك إلا هما، أي رأفة بهما وغوثا لهما. وذلك من قوة مروءته أن اقتحم ذلك العمل الشاق على ما هو عليه من الإعياء عند الوصول.
والتولي: الرجوع على طريقه، وذلك يفيد أنه كان جالسا من قبل في ظل فرجع إليه. ويظهر أن {تَوَلَّى} مرادف (ولى) ولكن زيادة المبنى من شأنها أن تقتضي زيادة المعنى فيكون {تَوَلَّى} أشد من (ولى)، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى {وَلَّى مُدْبِراً} في [سورة النمل: 10].
وقد أعقب إيواءه إلى الظل بمناجاته ربه إذ قال {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} . لما استراح من مشقة المتح والسقي لماشية المرأتين والاقتحام بها في عدد الرعاء العديد، ووجد برد الظل تذكر بهذه النعمة نعما سابقة أسداها الله إليه من نجاته من القتل وإيتائه الحكمة والعلم، وتخليصه من تبعة قتل القبطي، وإيصاله إلى أرض معمورة بأمة عظيمة بعد أن قطع فيافي ومفازات، تذكر جميع ذلك وهو في نعمة برد الظل والراحة من التعب فجاء بجملة جامعة للشكر والثناء والدعاء وهي { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ

فَقِيرٌ} . والفقير: المحتاج فقوله {إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ} شكر على نعم سلفت.
وقوله {إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ} ثناء على الله بأنه معطى الخير.
والخير: ما فيه نفع وملاءمة لمن يتعلق هو به فمنه خير الدنيا ومنه خير الآخرة الذي قد يرى في صورة مشقة فإن العبرة بالعواقب، قال تعالى {وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 85].
وقد أراد النوعين كما يرمز إلى ذلك التعبير عن إيتائه الخير بفعل {أُنْزِلَتْ} المشعر برفعة المعطى.
فأول ذلك إيتاء الحكمة والعلم.
ومن الخير إنجاؤه من القتل، وتربيته الكاملة في بذخة الملك وعزته، وحفظه من أن تتسرب إليه عقائد العائلة التي ربي فيها فكان منتفعا بمنافعها مجنبا رذائلها وأضرارها. ومن الخير أن جعل نصر قومه على يده، وأن أنجاه من القتل الثاني ظلما، وأن هداه إلى منجي من الأرض، ويسر له التعريف ببيت نبوءة، وأن آواه إلى ظل.
و(ما) من قوله {لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ} موصولة كما يقتضيه فعل المضي في قوله {أَنْزَلْتَ} لأن الشيء الذي أنزل فيما مضى صار معروفا غير نكرة، فقوله {مَا أَنْزَلْتَ} بمنزلة المعرف بلام الجنس لتلائم قوله {فَقِيرٌ} أي فقير لذلك النوع من الخير، أي لأمثاله.
وأحسن خير للغريب وجود مأوى له يطعم فيه ويبيت وزوجة يأنس إليها ويسكن.
فكان استجابة الله له بأن ألهم شعيبا أن يرسل وراءه لينزله عنده ويزوجه بنته، كما أشعرت بذلك فاء التعقيب في قوله {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا} [القصص: 25].
[25] {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}
{ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}
عرفت أن الفاء تؤذن بأن الله استجاب له فقيض شعيبا أن يرسل وراء موسى ليضيفه ويزوجه بنته، فلذلك يضمن له أنسا في دار غربة ومأوى وعشيرا صالحا. وتؤذن الفاء أيضا بأن شعيبا لم يتريث في الإرسال وراءه فأرسل إحدى البنتين اللتين سقى لهما وهي

(صفورة) فجاءته وهو لم يزل عن مكانه في الظل.
وذكر {تَمْشِي} ليبني عليه قوله {عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} وإلا فإن فعل (جاءته) مغن عن ذكر {تَمْشِي} .
و {عَلَى} للاستعلاء المجازي مستعارة للتمكن من الوصف. والمعنى: أنها مستحيية في مشيها، أي تمشي غير متبخترة ولا متثنية ولا مظهرة زينة. وعن عمر بن الخطاب أنها كانت ساترة وجهها بثوبها، أي لأن ستر الوجه غير واجب عليها ولكنه مبالغة في الحياء. والاستحياء مبالغة في الحياء مثل قال تعالى {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} إلى قوله {لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} .
وجملة {قَالَتْ} بدل من (جاءته). وإنما بينت له الغرض من دعوته مبادرة بالإكرام.
والجزاء: المكافأة على عمل حسن أو سيء بشيء مثله في الحسن أو الإساءة، قال تعالى {هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ} [الرحمن: 60] وقال تعالى {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا} .
وتأكيد الجملة في قوله {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ} حكاية لما في كلامها من تحقيق الخبر للاهتمام به وإدخال المسرة على المخبر به.
والأجر: التعويض على عمل نافع للمعوض، ومنه سمي ثواب الطاعات أجرا، قال تعالى {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} . وانتصب {أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} على المفعول المطلق لبيان نوع الجزاء أنه جزاء خير، وهو أن أراد ضيافته، وليس هو المفعول المطلق لبيان نوع الجزاء أنه جزاء خير، وهو أن أراد ضيافته، ليس هو من معنى إجارة الأجير لأنه لم يكن عن تقاول ولا شرط ولا عادة.
والجزاء إكرام، والإجارة تعاقد. ويدل لذلك قوله عقبه {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} فإنه دليل على أن أباها لم يسبق منه عزم على استئجار موسى. وكان فعل موسى معروفا محضا لا يطلب عليه جزاء لأنه لا يعرف المرأتين ولا بيتهما، وكان فعل شعيب كرما محضا ومحبة لقري كل غريب، وتضييف الغريب من سنة إبراهيم فلا غرو أن يعمل بها رجلان من ذرية إبراهيم عليه السلام.
و {مَا} في قوله {مَا سَقَيْتَ لَنَا} مصدرية، أي سقيك، ولام {لَنَا} لام العلة.

[25 ]{فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}
كانت العوائد أن يفاتح الضيف بالسؤال عن حاله ومقدمه فلذلك قص موسى قصة خروجه ومجيئه على شعيب. وذلك يقتضي أن شعيبا سأله عن سبب قدومه، والقصص: الخبر. {وَقَصَّ عَلَيْهِ} أخبره.
والتعريف في {الْقَصَصَ} عوض عن المضاف إليه، أي قصصه، أو للعهد، أي القصص المذكور آنفا. وتقدم نظيره في أول سورة يوسف.
فطمأنه شعيب بأنه يزيل عن نفسه الخوف لأنه أصبح في مأمن من أن يناله حكم فرعون لأن بلاد مدين تابعة لملك الكنعانيين وهم أهل بأس ونجدة. ومعنى نهيه عن الخوف نهيه عن ظن أن تناله يد فرعون.
وجملة {نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} تعليل للنهي عن الخوف. ووصف قوم فرعون بالظالمين تصديقا لما أخبره به موسى من رومهم قتله قصاصا عن قتل خطأ. وما سبق ذلك من خبر عداوتهم على بني إسرائيل.
[26-28] {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}
حذف ما لقيه موسى من شعيب من الجزاء بإضافته وإطعامه، وانتقل منه إلى عرض إحدى المرأتين على أبيها أن يستأجره للعمل في ماشيته إذ لم يكن لهم ببيتهم رجل يقوم بذلك وقد كبر أبوهما فلما رأت أمانته وورعه رأت أنه خير من يستأجر للعمل عندهم لقوته على العمل وأمانته.
والتاء في {أَبَتِ} عوض عن ياء المتكلم في النداء خاصة وهي يجوز كسرها وبه قرأ الجمهور. ويجوز فتحها وبه قرأ ابن عامر وأبو جعفر.
وجملة {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} علة للإشارة عليه باستئجاره، أي لأن مثله من يستأجر. وجاءت بكلمة جامعة مرسلة مثلا لما فيها من العموم ومطابقة الحقيقة بدون تخلف، فالتعريف باللام في {الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} للجنس مراد به العموم. والخطاب في

{مَنِ اسْتَأْجَرْتَ} موجه إلى شعيب، وصالح لأن يعم كل من يصلح للخطاب لتتم صلاحية هذا الكلام لأن يرسل مثلا. فالتقدير: من استأجر المستأجر. و {مَنِ} موصولة في معنى المعرف بلام الجنس إذ لا يراد بالصلة هنا وصف خاص بمعين.
وجعل {خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ} مسندا إليه بجعله اسما لأن جعل {الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} خبرا مع صحة جعل {القوي الأمين} هو المسند إليه فإنهما متساويان في المعرفة من حيث إن المراد بالتعريف في الموصول المضاف إليه {خَيْرَ} ، وفي المعرف باللام هنا العموم في كليهما، فأوثر بالتقديم في جزأي الجملة ما هو أهم وأولى بالعناية وهو خير أجير، لأن الجملة سيقت مساق التعليل لجملة {اسْتَأْجِرْهُ} فوصف الأجير أهم في مقام تعليلها ونفس السامع أشد ترقبا لحاله.
ومجيء هذا العموم عقب الحديث عن شخص معين يؤذن بأن المتحدث عنه يشمله ذلك العموم فكان ذلك مصادفا المحز من البلاغة إذ صار إثبات الأمانة والقوة لهذا المتحدث عنه إثباتا للحكم بدليل. فتقدير معنى الكلام: استأجره فهو قوي أمين وإن خير من استأجرت مستأجر القوي الأمين. فكانت الجملة مشتملة على خصوصية تقديم الأهم وعلى إيجاز الحذف وعلى المذهب الكلامي، وبذلك استوفت غاية مقتضى الحال فكانت بالغة حد الإعجاز.
وعن عمر بن الخطاب أنه قال أشكو إلى الله ضعف الأمين وخيانة القوي . يريد أسأله أن يؤيدني بقوي أمين أستعين به.
والإشارة في قوله {هَاتَيْنِ} إلى المرأتين اللتين سقى لهما إن كانتا حاضرتين معا دون غيرهما من بنات شعيب لتعلق القضية بشأنهما، أو تكون الإشارة إليهما لحضورهما في ذهن موسى باعتبار قرب عهده بالسقي لهما إن كانت الأخرى غائبة حينئذ.
وفيه جواز عرض الرجل مولاته على من يتزوجها رغبة في صلاحه. وجعل لموسى اختيار إحداهما لأنه قد عرفها وكانت التي اختارها موسى (صفورة) وهي الصغرى كما جاء في رواية أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما اختارها دون أختها لأنها التي عرف أخلاقها باستحيائها وكلامها فكان ذلك ترجيحا لها عنده.
وكان هذا التخيير قبل انعقاد النكاح، فليس فيه جهل المعقود عليها.
وقوله {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} حرف {عَلَى} من صيغ الشرط في العقود.

و {تَأْجُرَنِي} مضارع آجره مثل نصره إذا كان أجيرا له. والحجج اسم جمع حجة بكسر الحاء وهي السنة، مشتقة من أسم الحج لأن الحج يقع كل سنة وموسم الحج يقع في آخر شهر من السنة العربية.
والتزام جعل تزويجه مشروطا بعقد الإجارة بينهما عرض منه على موسى وليس بعقد نكاح ولا إجارة حتى يرضى موسى. وفي هذا العرض دليل لمسألة جمع عقد النكاح مع عقد الإجارة. والمسألة أصلها من السنة حديث المرأة التي عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتزوجها وزوجها من رجل كان حاضرا مجلسه ولم يكن عنده ما يصدقها فزوجه إياها بما معه من القرآن، أي على أن يعلمها إياه.
والمشهور من مذهب مالك أن الشرط المقارن لعقد النكاح إن كان مما ينافي عقد النكاح فهو باطل ويفسخ النكاح قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل. وأما غير المنافي لعقد النكاح فلا يفسخ النكاح لأجله ولكن يلغي الشرط. وعن مالك أيضا: تكره الشروط كلها ابتداء فإن وقع مضى. وقال أشهب وأصبغ: الشرط جائز واختاره أبو بكر بن العربي وهو الحق للآية، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم "أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم عليه الفروج" .
وظاهر الآية أيضا أن الإجارة المذكورة جعلت مهرا للبنت. ويحتمل أن المشروط التزام الإجارة لا غير، وأما المهر فتابع لما يعتبر في شرعهم ركنا في النكاح، والشرائع قد تختلف في معاني الماهيات الشرعية. وإذا أخذنا بظاهر الآية كانت دالة على أنهما جعلا المهر منافع إجارة الزوج لشعيب فيحتمل أن يكون ذلك برضاها لأنها سمعت وسكتت بناء على عوائد مرعية عندهم بأن ينتفع بتلك المنافع أبوها.
ويحتمل أن يكون لولي المرأة بالأصالة إن كان هو المستحق للمهر في تلك الشريعة، فإن عوائد الأمم مختلفة في تزويج ولاياهم. وإذ قد كان في الآية إجمال لم تكن كافية في الاحتجاج على جواز جعل مهر المرأة منافع من إجارة زوجها فيرجع النظر في صحة جعل المهر إجارة إلى التخريج على قواعد الشريعة والدخول تحت عموم معنى المهر، فإن منافع الإجارة ذات قيمة فلا مانع من أن تجعل مهرا.
والتحقيق من مذهب مالك أنه مكروه ويمضي. وأجاره الشافعي وعبد الملك بن حبيب من المالكية. وقال أبو حنيفة: لا يجوز جعل المهر منافع حر ويجوز كونه منافع عبد. ولم ير في الآية دليلا لأنها تحتمل عنده أن يكون النكاح مستوفيا شروطه فوقع الإجمال فيها. ووافقه أبن القاسم من أصحاب مالك.

وإذ قد كان حكم شرع من قبلنا مختلفا في جعله شرعا لنا كان حجة مختلفا فيها بين علماء أصول الفقه فزادها ضعفا في هذه الآية الإجمال الذي تطرقها فوجب الرجوع إلى أدلة أخرى من شريعة الإسلام. ودليل الجواز داخل تحت عموم معنى المهر. فإن كانت المنافع المجعولة مهرا حاصلة قبل البناء فالأمر ظاهر، وإن كان بعضها أو جميعها لا يتحقق إلا بعد البناء كما في هذه الآية رجعت المسألة إلى النكاح بمهر مؤجل وهو مكروه غير باطل. وإلى الإجارة بعوض غير قابل للتبعيض بتبعيض العمل فإذا لم يتم الأجير العمل في هذه رجعت إلى مسألة عجز العامل عن العمل بعد أن قبض الأجر.
وقد ورد في الصحيح وفي حديث المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فظهر عليه أنه لم يقبلها وأن رجلا من أصحابه قال له: إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها. قال: هل عندك ما تصدقها? إلى أن قال له صلى الله عليه وسلم "التمس ولو خاتما من حديد" قال: ما عندي ولا خاتم من حديد، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "ما معك من القرآن"? قال: معي سورة كذا وسورة كذا لسور سماها. قال له: "قد ملكتكها بما معك من القرآن" . وفي رواية أن النبي أمره أن يعلمها عشرين آية مما معه من القرآن وتكون امرأته. فإن صحت هذه الزيادة كان الحديث جاريا على وفق ما في هذه الآية وكان حجة الصحيح فالقصة خصوصية يقتصر على موردها.
ولم يقع التعرض في الآية للعمل المستأجر عليه. وورد في سفر الخروج أنه رعى غنم يثرون وهو شعيب، ولا غرض للقرآن في بيان ذلك. ولم يقع التعرض إلى الأجر وقد علمت أن الظاهر أنه إنكاحه البنت فإذا لم نأخذ بهذا الظاهر كانت الآية غير متعرضة للأجر إذ لا غرض فيه من سوق القصة فيكون جاريا على ما هو متعارف عندهم في أجور الأعمال وكانت للقبائل عوائد في ذلك.
وقد أدركت منذ أول هذا القرن الرابع عشر أن راعي الغنم له في كل عام قميص وحذاء يسمى بلغة ونحو ذلك لا أضبطه الآن.
وقوله { فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ} جعل ذلك إلى موسى تفضلا منه أن اختاره ووكله إلى ما تكون عليه حاله في منتهى الحجج الثمان من رغبة في الزيادة.
و(من) ابتدائية. و(عند) مستعملة في الذات والنفس مجازا، والمجرور خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: فإتمام العشر من نفسك، أي لا مني، يعني: أن الإتمام ليس داخلا في العقيدة التي هي من الجانبين فكان مفهوم الظرف معتبرا هنا.

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68