الكتاب : المغني
المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي

الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ : الْإِمْسَاكُ ، يُقَالُ : صَامَ النَّهَارُ .
إذَا وَقَفَ سَيْرُ الشَّمْسِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مَرْيَمَ : { إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا } .
أَيْ صَمْتًا ؛ لِأَنَّهُ إمْسَاكٌ عَنْ الْكَلَامِ ، وَقَالَ الشَّاعِرُ : خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا يَعْنِي بِالصَّائِمَةِ : الْمُمْسِكَةَ عَنْ الصَّهِيلِ .
وَالصَّوْمُ فِي الشَّرْعِ : عِبَارَةٌ عَنْ الْإِمْسَاكِ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ ، فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ ، يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَاجِبٌ ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } إلَى قَوْلِهِ : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } .
ذَكَرَ مِنْهَا صَوْمَ رَمَضَانَ ، وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَائِرَ الرَّأْسِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ ؟ قَالَ : شَهْرَ رَمَضَانَ .
قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا .
قَالَ : فَأَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ .
قَالَ : وَاَلَّذِي أَكْرَمَك لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا ، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ .
( 1998 ) فَصْلٌ : رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ .
} مُتَّفَقٌ

عَلَيْهِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَقُولُوا جَاءَ رَمَضَانُ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى } .
فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ ذَلِكَ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الشَّهْرِ ، لِئَلَّا يُخَالِفَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ .
وَالْمُسْتَحَبُّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ : شَهْرُ رَمَضَانَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } .
وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ سُمِّيَ رَمَضَانُ ، فَرَوَى أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّمَا سُمِّيَ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّهُ يُحَرِّقُ الذُّنُوبَ } .
فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ شُرِعَ صَوْمُهُ دُونَ غَيْرِهِ ، لِيُوَافِقَ اسْمُهُ مَعْنَاهُ .
وَقِيلَ : هُوَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى ، كَسَائِرِ الشُّهُورِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .
فَصْلٌ وَالصَّوْمُ الْمَشْرُوعُ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ ، مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ .
رُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَعَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ لَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ قَالَ : الْآنَ حِينَ تَبَيَّنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ .
وَقَالَ مَسْرُوقٌ : لَمْ يَكُونُوا يَعُدُّونَ الْفَجْرَ فَجْرَكُمْ ، إنَّمَا كَانُوا يَعُدُّونَ الْفَجْرَ الَّذِي يَمْلَأُ الْبُيُوتَ وَالطُّرُقَ .
وَهَذَا قَوْلُ الْأَعْمَشِ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } .
يَعْنِي بَيَاضَ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ .
وَهَذَا يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ .
} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ هُوَ

الصَّبَاحُ ، وَأَنَّ السَّحُورَ لَا يَكُونُ إلَّا قَبْلَ الْفَجْرِ .
وَهَذَا إجْمَاعٌ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا الْأَعْمَشُ وَحْدَهُ ، فَشَذَّ وَلَمْ يُعَرِّجْ أَحَدٌ عَلَى قَوْلِهِ .
وَالنَّهَارُ الَّذِي يَجِبُ صِيَامُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ .
قَالَ : هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ .
.

( 2000 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا ، طَلَبُوا الْهِلَالَ ، فَإِنْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَمْ يَصُومُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ تَرَائِي الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ، وَتَطْلُبُهُ لِيَحْتَاطُوا بِذَلِكَ لِصِيَامِهِمْ ، وَيَسْلَمُوا مِنْ الِاخْتِلَافِ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ } .
فَإِذَا رَأَوْهُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ إجْمَاعًا ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ وَكَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، إلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا كَانُوا يَصُومُونَهُ ، مِثْلُ مَنْ عَادَتُهُ صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ ، أَوْ صَوْمُ يَوْمِ الْخَمِيسِ ، أَوْ صَوْمُ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ ، وَشِبْهُ ذَلِكَ إذَا وَافَقَ صَوْمَهُ ، أَوْ مَنْ صَامَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ ، فَلَا بَأْسَ بِصَوْمِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَقَالَ عَمَّارٌ { : مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ ، وَاسْتِقْبَالَ رَمَضَانَ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ .
وَحُكِيَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ ، هَلْ يُكْرَهُ ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا أَنْ يُغْمَى الْهِلَالُ .
وَاتِّبَاعُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى .
فَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الشَّهْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ ، فَإِنَّ مَفْهُومَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ

أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ؛ لِتَخْصِيصِهِ النَّهْيَ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ .
وَقَدْ رَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ ، فَأَمْسِكُوا عَنْ الصِّيَامِ ، حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَيْسَ هُوَ بِمَحْفُوظٍ .
قَالَ : وَسَأَلْنَا عَنْهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ ، فَلَمْ يُصَحِّحْهُ ، وَلَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ ، وَكَانَ يَتَوَقَّاهُ .
قَالَ أَحْمَدُ : وَالْعَلَاءُ ثِقَةٌ لَا يُنْكَرُ مِنْ حَدِيثِهِ إلَّا هَذَا ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ .
وَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى نَفْيِ اسْتِحْبَابِ الصِّيَامِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ نِصْفِ الشَّهْرِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي صِلَةِ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ فِي حَقِّ مَنْ صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ إذًا ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِمَا عَلَى التَّعَارُضِ ، وَرَدِّ أَحَدِهِمَا بِصَاحِبِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي كَلَامِ الْخِرَقِيِّ اخْتِصَارٌ وَتَقْدِيرُهُ : طَلَبُوا الْهِلَالَ ، فَإِنْ رَأَوْهُ صَامُوا ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ وَكَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَمْ يَصُومُوا .
فَحَذَفَ بَعْضَ الْكَلَامِ لِلْعِلْمِ بِهِ اخْتِصَارًا .
( 2001 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى الْهِلَالَ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ .
} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .

( 2002 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ ، لَزِمَ جَمِيعَ الْبِلَادِ الصَّوْمُ .
وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنْ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةٌ قَرِيبَةٌ ، لَا تَخْتَلِفُ الْمَطَالِعُ لِأَجْلِهَا كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ ، لَزِمَ أَهْلَهُمَا الصَّوْمُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ ، كَالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ ، فَلِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ .
وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِمَا رَوَى كُرَيْبٌ ، قَالَ { : قَدِمْت الشَّامَ ، وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ ، وَأَنَا بِالشَّامِ ، فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ ، فَقَالَ : مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ ؟ قُلْت : رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ .
فَقَالَ : أَنْتَ رَأَيْته لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ؟ قُلْت : نَعَمْ ، وَرَآهُ النَّاسُ ، وَصَامُوا ، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ : لَكِنْ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ .
فَقُلْت : أَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ ؟ فَقَالَ : لَا ، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
{ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ لَمَّا قَالَ لَهُ : اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنْ السَّنَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ } .
وَقَوْلُهُ لِلْآخَرِ لَمَّا قَالَ لَهُ : مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّوْمِ ؟ قَالَ : { شَهْرَ رَمَضَانَ .
} وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، بِشَهَادَةِ الثِّقَاتِ ، فَوَجَبَ صَوْمُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ .
وَلِأَنَّ

شَهْرَ رَمَضَانَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ ، مِنْ حُلُولِ الدَّيْنِ ، وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ، وَوُجُوبِ النُّذُورِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ ، فَيَجِبُ صِيَامُهُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْعَادِلَةَ شَهِدَتْ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَيَجِبُ الصَّوْمُ ، كَمَا لَوْ تَقَارَبَتْ الْبُلْدَانُ .
فَأَمَّا حَدِيثُ كُرَيْبٌ فَإِنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ بُقُولِ كُرَيْبٌ وَحْدَهُ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ وُجُوبُ قَضَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَدِيثِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ النَّاسَ إذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ ، أَفْطَرُوا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .
قُلْنَا : الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنَّنَا إنَّمَا قُلْنَا يُفْطِرُونَ إذَا صَامُوا بِشَهَادَتِهِ ، فَيَكُونُ فِطْرُهُمْ مَبْنِيًّا عَلَى صَوْمِهِمْ بِشَهَادَتِهِ ، وَهَاهُنَا لَمْ يَصُومُوا بِقَوْلِهِ ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْفِطْرِ عَلَيْهِ .
الثَّانِي ، أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْوَجْهِ الْآخَرِ .

( 2003 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ غَيْمٌ ، أَوْ قَتَرٌ وَجَبَ صِيَامُهُ ، وَقَدْ أَجْزَأَ إذَا كَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ مَا نَقَلَ الْخِرَقِيِّ ، اخْتَارَهَا أَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ ، وَابْنِهِ ، وَعَمْرِو بْن الْعَاصِ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ ، وَبِهِ قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ ، وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، وَمُطَرِّفٌ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ .
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ ، فَإِنْ صَامَ صَامُوا ، وَإِنْ أَفْطَرَ أَفْطَرُوا .
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ } .
قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمُعْظَمِ النَّاسِ .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ : لَا يَجِبُ صَوْمُهُ ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ إنْ صَامَهُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَهَذَا يَوْمُ شَكٍّ .
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبَانَ ، فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ

بِالشَّكِّ .
وَلَنَا مَا رَوَى نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ .
وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ } .
قَالَ نَافِعٌ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا ، بَعَثَ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ الْهِلَالَ ، فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ ، وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَمَعْنَى اُقْدُرُوا لَهُ : أَيْ ضَيَّقُوا لَهُ الْعَدَدَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } .
أَيْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ .
وَقَوْلِهِ : { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } .
وَالتَّضْيِيقُ لَهُ أَنْ يُجْعَلَ شَعْبَانُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا .
وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ بِفِعْلِهِ ، وَهُوَ رَاوِيه ، وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِهِ ، كَمَا رُجِعَ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ التَّفَرُّقِ فِي خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِرَجُلٍ : هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا .
وَفِي لَفْظٍ : أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِذَا أَفْطَرْت فَصُمْ يَوْمَيْنِ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَسُرَرُ الشَّهْرِ : آخِرُهُ لَيَالٍ يَسْتَتِرُ الْهِلَالُ فَلَا يَظْهَرُ .
وَلِأَنَّهُ شَكَّ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الشَّهْرِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ ، فَوَجَبَ الصَّوْمُ كَالطَّرَفِ الْآخَرِ .
قَالَ عَلِيٌّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةُ : لَأَنْ أَصُمْ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنَّ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ .
وَلِأَنَّ الصَّوْمَ يُحْتَاطُ لَهُ ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الصَّوْمُ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يُفْطَرْ إلَّا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ .
فَأَمَّا خَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي

احْتَجُّوا بِهِ ، فَإِنَّهُ يَرْوِيه مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ، وَقَدْ خَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ " وَرِوَايَتُهُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ، لِإِمَامَتِهِ ، وَاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ ، وَثِقَتِهِ ، وَمُوَافَقَتِهِ لِرَأْيِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَذْهَبِهِ ، وَلِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .
وَرِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ : " فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ " مُخَالِفَةٌ لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا ، وَلِمَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ وَرَأْيِهِ .
وَالنَّهْيُ عَنْ صَوْمِ الشَّكِّ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الصَّحْوِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إلَّا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، أَوْ كَمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، أَوْ يَحُولُ دُونَ مَنْظَرِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ .

( 2004 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُجْزِئُهُ صِيَامُ فَرْضٍ حَتَّى يَنْوِيَهُ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ اللَّيْلِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمٌ إلَّا بِنِيَّةٍ .
إجْمَاعًا ، فَرْضًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا ، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ ، كَالصَّلَاةِ ، ثُمَّ إنْ كَانَ فَرْضًا كَصِيَامِ رَمَضَانَ فِي أَدَائِهِ أَوْ قَضَائِهِ ، وَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ ، اُشْتُرِطَ أَنْ يَنْوِيَهُ مِنْ اللَّيْلِ عِنْدَ إمَامِنَا وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِئُ صِيَامُ رَمَضَانَ وَكُلُّ صَوْمٍ مُتَعَيِّنٍ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إلَى قُرَى الْأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ { : مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَكَانَ صَوْمًا وَاجِبًا مُتَعَيِّنًا ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ ، فَهُوَ كَالتَّطَوُّعِ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَفْصَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ ، فَلَا صِيَامَ لَهُ } .
وَفِي لَفْظِ ابْنِ حَزْمٍ : { مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ ، فَلَا صِيَامَ لَهُ .
} أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَلَا صِيَامَ لَهُ } ، وَقَالَ : إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ .
وَقَالَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ : رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَهُوَ مِنْ الثِّقَاتِ الرُّفَعَاءِ .
وَلِأَنَّهُ صَوْمُ فَرْضٍ ، فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ ، كَالْقَضَاءِ .
فَأَمَّا صَوْمُ عَاشُورَاءَ

، فَلَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُهُ ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، وَأَنَا صَائِمٌ ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يُبَحْ فِطْرُهُ ، فَإِنَّمَا سُمِّيَ الْإِمْسَاكُ صِيَامًا تَجَوُّزًا ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : " وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ، فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ .
وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُفْطِرِ بِالْأَكْلِ وَغَيْرِهِ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا : أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ { أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ } .
وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ بَعْدَ الْأَكْلِ لَيْسَ بِصِيَامٍ شَرْعِيٍّ ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ صِيَامًا تَجُوزَا .
ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ صِيَامٌ فَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ رَمَضَانَ ، أَنَّ وُجُوبَ الصِّيَامِ تَجَدَّدَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ ، فَأَجْزَأَتْهُ النِّيَّةُ حِينَ تَجَدَّدَ الْوُجُوبُ ، كَمَنْ كَانَ صَائِمًا تَطَوُّعًا ، فَنَذَرَ إتْمَامَ صَوْمِ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ ، فَإِنَّهُ تُجْزِئُهُ نِيَّتُهُ عِنْدَ نَذْرِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ النَّذْرُ مُتَقَدِّمًا ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ التَّطَوُّعَ يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي بَعْضِ النَّهَارِ ، بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُفْطِرَاتِ فِي أَوَّلِهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ عَاشُورَاءَ : { فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ } فَإِذَا نَوَى صَوْمَ التَّطَوُّعِ مَنْ النَّهَارِ كَانَ صَائِمًا بَقِيَّةَ النَّهَارِ دُونَ أَوَّلِهِ ، وَالْفَرْضُ يَكُونُ وَاجِبًا فِي جَمِيعِ النَّهَارِ ، وَلَا يَكُونُ صَائِمًا بِغَيْرِ النِّيَّةِ .
وَالثَّانِي ، أَنَّ التَّطَوُّعَ سُومِحَ فِي نِيَّتِهِ مِنْ اللَّيْلِ تَكْثِيرًا لَهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَبْدُو لَهُ الصَّوْمُ فِي النَّهَارِ ، فَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي اللَّيْلِ يَمْنَعُ ذَلِكَ ، فَسَامَحَ الشَّرْعُ فِيهَا ، كَمُسَامَحَتِهِ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِي

صَلَاةِ التَّطَوُّعِ ، وَتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ فِيهِ فِي السَّفَرِ تَكْثِيرًا لَهُ ، بِخِلَافِ الْفَرْضِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَفِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ نَوَى أَجْزَأَهُ ، وَسَوَاءٌ فَعَلَ بَعْدَ النِّيَّةِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ ، أَمْ لَمْ يَفْعَلْ .
وَاشْتَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنْ لَا يَأْتِيَ بَعْدَ النِّيَّةِ بِمُنَافٍ لِلصَّوْمِ .
وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ وُجُودَ النِّيَّةِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ ، كَمَا اخْتَصَّ أَذَانُ الصُّبْحِ وَالدَّفْعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بِهِ .
وَلَنَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ } .
مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَلِأَنَّهُ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ ، فَصَحَّ صَوْمُهُ ، كَمَا لَوْ نَوَى فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ النِّيَّةِ بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ الصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يَنْتَبِهُ فِيهِ ، وَلَا يَذْكُرُ الصَّوْمَ ، وَالشَّارِعُ إنَّمَا رَخَّصَ فِي تَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى ابْتِدَائِهِ ، لِحَرَجِ اعْتِبَارِهَا عِنْدَهُ ، فَلَا يَخُصُّهَا بِمَحِلٍّ لَا تَنْدَفِعُ الْمَشَقَّةُ بِتَخْصِيصِهَا بِهِ ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَهَا بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الصَّوْمِ بِالْأَذَانِ وَالدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُوزَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ ، فَلَا يُفْضِي مَنْعُهُمَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ إلَى فَوَاتِهِمَا ، بِخِلَافِ نِيَّةِ الصَّوْمِ ، وَلِأَنَّ اخْتِصَاصَهُمَا بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ بِمَعْنَى تَجْوِيزِهِمَا فِيهِ ، وَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ وَالتَّحَتُّمِ ، وَفَوَاتِ الصَّوْمِ بِفَوَاتِهَا فِيهِ ، وَهَذَا فِيهِ مَشَقَّةٌ وَمَضَرَّةٌ ، بِخِلَافِ التَّجْوِيزِ ، وَلِأَنَّ مَنْعَهُمَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ لَا يُفْضِي إلَى اخْتِصَاصِهِمَا بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ ، لِجَوَازِهِمَا بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَالنِّيَّةُ بِخِلَافِهِ ، فَأَمَّا إنَّ فَسَخَ النِّيَّةَ ، مِثْلُ إنَّ نَوَى الْفِطْرَ بَعْدَ

نِيَّةِ الصِّيَامِ ، لَمْ تُجْزِئْهُ تِلْكَ النِّيَّةُ الْمَفْسُوخَةُ ، لِأَنَّهَا زَالَتْ حُكْمًا وَحَقِيقَةً .

( 2005 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَوَى مِنْ النَّهَارِ صَوْمَ الْغَدِ ، لَمْ تُجْزِئْهُ تِلْكَ النِّيَّةُ ، إلَّا أَنْ يَسْتَصْحِبَهَا إلَى جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، مِنْ نَوَى الصَّوْمَ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ بِالنَّهَارِ ، وَلَمْ يَنْوِ مِنْ اللَّيْلِ ، فَلَا بَأْسَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فَسَخَ النِّيَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ .
فَظَاهِرُ هَذَا حُصُولُ الْإِجْزَاءِ بِنِيَّتِهِ مِنْ النَّهَارِ ، إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَصْحَبَ النِّيَّةَ إلَى جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ .
وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ " .
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ ، وَلَا قَرِيبًا مِنْهَا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ صَوْمَ بَعْدَ غَدٍ .

( 2006 ) فَصْلٌ : وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ لِكُلِّ يَوْمٍ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ تُجْزِئُهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ ، إذَا نَوَى صَوْمَ جَمِيعِهِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ جِنْسُهُ لِنِيَّةِ الصَّوْمِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ نَوَى كُلَّ يَوْمٍ فِي لَيْلَتِهِ .
وَلَنَا .
أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْوِيَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ لَيْلَتِهِ ، كَالْقَضَاءِ .
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ عِبَادَاتٌ لَا يَفْسُدُ بَعْضُهَا بِفَسَادِ بَعْضٍ ، وَيَتَخَلَّلُهَا مَا يُنَافِيهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْقَضَاءَ ، وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ .
وَعَلَى قِيَاسِ رَمَضَانَ إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ ، فَيُخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي رَمَضَانَ .
.

فَصْلٌ : وَمَعْنَى النِّيَّةِ الْقَصْدُ ، وَهُوَ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ فِعْلَ شَيْءٍ ، وَعَزْمُهُ عَلَيْهِ ، مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ ، فَمَتَى خَطَرَ بِقَلْبِهِ فِي اللَّيْلِ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ ، وَأَنَّهُ صَائِمٌ فِيهِ ، فَقَدْ نَوَى .
وَإِنْ شَكَّ فِي أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ يَبْنِي عَلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ، وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَطْلَعِ الْهِلَالِ غَيْمٌ وَلَا قَتَرٌ ، فَعَزَمَ أَنْ يَصُومَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ ، لَمْ تَصِحّ النِّيَّةُ ، وَلَا يُجْزِئُهُ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، لِأَنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ تَتْبَعُ الْعِلْمَ ، وَمَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى وُجُودِهِ وَلَا هُوَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ اعْتِقَادِهِ لَا يَصِحُّ قَصْدُهُ .
وَبِهَذَا قَالَ حَمَّادٌ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يَصِحُّ إذَا نَوَاهُ مِنْ اللَّيْلِ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ ، فَصَحَّ كَالْيَوْمِ الثَّانِي ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .
وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ النِّيَّةَ بِصَوْمِهِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ بَنَى عَلَى قَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحِسَابِ ، فَوَافَقَ الصَّوَابَ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، وَإِنْ كَثُرَتْ إصَابَتُهُمْ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ ، وَلَا الْعَمَلُ بِهِ ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ } .
وَفِي رِوَايَةٍ { : لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ } .
فَأَمَّا لَيْلَةُ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَتَصِحُّ نِيَّتُهُ ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَوَّالٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ رَمَضَانَ ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَوْمِهِ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ } .
لَكِنْ إنْ قَالَ : إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ ،

فَأَنَا صَائِمٌ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ شَوَّالٍ فَأَنَا مُفْطِرٌ .
فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ : لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِنِيَّةِ الصِّيَامِ ، وَالنِّيَّةُ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ وَاقِعٌ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ رَمَضَانَ .
.

( 2008 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِي كُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَصُومُ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ ، أَوْ مِنْ قَضَائِهِ ، أَوْ مِنْ كَفَّارَتِهِ ، أَوْ نَذْرِهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أَسِيرٌ صَامَ فِي أَرْضِ الرُّومِ شَهْرَ رَمَضَانَ ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ رَمَضَانُ ، يَنْوِي التَّطَوُّعَ ؟ قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ إلَّا بِعَزِيمَةٍ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ .
وَلَا يُجْزِئُهُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ إذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ إلَّا بِعَزِيمَةٍ مِنْ اللَّيْلِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ .
فَإِنَّ الْمَرُّوذِيَّ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : يَكُونُ يَوْمُ الشَّكِّ يَوْمَ غَيْمٍ إذَا أَجْمَعِنَا عَلَى أَنَّنَا نُصْبِحُ صِيَامًا يُجْزِئُنَا مِنْ رَمَضَانَ ، وَإِنْ لَمْ نَعْتَقِدْ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قُلْت فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } .
أَلَيْسَ يُرِيدُ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : لَا ، إذَا نَوَى مِنْ اللَّيْلِ أَنَّهُ صَائِمٌ أَجْزَأْهُ .
وَحَكَى أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ : وَلَوْ نَوَى نَفْلًا وَقَعَ عَنْهُ رَمَضَانُ وَصَحَّ صَوْمُهُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : وَلَوْ نَوَى أَنْ يَصُومَ تَطَوُّعًا لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَوَافَقَ رَمَضَانَ ، أَجْزَأَهُ .
قَالَ الْقَاضِي : وَجَدْت هَذَا الْكَلَامَ اخْتِيَارًا لِأَبِي الْقَاسِمِ ، ذَكَرَهُ فِي " شَرْحِهِ " .
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ : لَا يُجْزِئُهُ ، إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ مِنْ اللَّيْلِ بِلَا شَكٍّ وَلَا تَلَوُّمٍ .
فَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي : لَوْ نَوَى فِي رَمَضَانَ الصَّوْمَ مُطْلَقًا ، أَوْ نَوَى نَفْلًا ، وَقَعَ عَنْ رَمَضَانَ ، وَصَحَّ صَوْمُهُ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ مُقْمِيًا ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ مُسْتَحَقٌّ فِي زَمَنٍ

بِعَيْنِهِ ، فَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لَهُ ، كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ .
وَلَنَا أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، فَوَجَبَ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لَهُ ، كَالْقَضَاءِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ ، كَمَسْأَلَتِنَا فِي افْتِقَارِهِ إلَى التَّعْيِينِ ، فَلَوْ طَافَ يَنْوِي بِهِ الْوَدَاعَ ، أَوْ طَافَ بِنِيَّةِ الطَّوَافِ مُطْلَقًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ .
ثُمَّ الْحَجُّ مُخَالِفٌ لِلصَّوْمِ ، وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا ، وَيَنْصَرِفُ إلَى الْفَرْضِ .
وَلَوْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ .
وَلَوْ نَوَى الْإِحْرَامَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ ، صَحَّ ، وَيَنْعَقِدُ فَاسِدًا ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ .

( 2009 ) فَصْلٌ : وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ ، إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ ، فَرْضًا ، وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ .
لَمْ يُجْزِئْهُ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ الصَّوْمَ مِنْ رَمَضَانَ جَزْمًا ، وَيُجْزِئُهُ عَلَى الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَى الصَّوْمَ .
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ ، فَنَوَى أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ سَنَةِ سِتٍّ ، أَوْ نَوَى الصَّوْمَ عَنْ يَوْمِ الْأَحَدِ ، وَكَانَ الِاثْنَيْنِ ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ غَدًا الْأَحَدُ ، فَنَوَاهُ ، وَكَانَ الِاثْنَيْنِ ، صَحَّ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّوْمِ لَمْ تَخْتَلَّ ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي الْوَقْتِ .

( 2010 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَيَّنَ النِّيَّةَ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ ، أَوْ قَضَائِهِ أَوْ كَفَّارَةٍ ، أَوْ نَذْرٍ ، لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهُ فَرْضًا .
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يَجِبُ ذَلِكَ .
وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ .

( 2011 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ نَوَى صِيَامَ التَّطَوُّعِ مِنْ النَّهَارِ ، وَلَمْ يَكُنْ طَعِمَ ، أَجْزَأَهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ التَّطَوُّعِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ ، عِنْدَ إمَامِنَا ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَأَبِي طَلْحَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَدَاوُد : لَا يَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ } .
وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ يَتَّفِقُ وَقْتُ النِّيَّةِ لِفَرْضِهَا وَنَفْلِهَا ، فَكَذَلِكَ الصَّوْمُ .
وَلَنَا ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، فَقَالَ : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ ؟ قُلْنَا : لَا .
قَالَ : فَإِنِّي إذًا صَائِمٌ } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ عَاشُورَاءَ .
وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ يُخَفَّفُ نَفْلُهَا عَنْ فَرْضِهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقِيَامُ لِنَفْلِهَا ، وَيَجُوزُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، فَكَذَا الصِّيَامُ .
وَحَدِيثُهُمْ نَخُصُّهُ بِحَدِيثِنَا ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَنَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، قَالَ الْمَيْمُونِيُّ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْهُ ، فَقَالَ : أُخْبِرُك مَا لَهُ عِنْدِي ذَلِكَ الْإِسْنَادُ ، إلَّا أَنَّهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ ، إسْنَادَانِ جَيِّدَانِ .
وَالصَّلَاةُ يَتَّفِقُ وَقْتُ النِّيَّةِ لِنَفْلِهَا وَفَرْضِهَا ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ لَا يُفْضِي إلَى تَقْلِيلهَا ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يُعَيِّنُ لَهُ الصَّوْمَ مِنْ النَّهَارِ ، فَعُفِيَ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ جَوَّزْنَا التَّنَفُّلَ قَاعِدًا وَعَلَى الرَّاحِلَةِ ، لِهَذِهِ الْعِلَّةِ .

( 2012 ) فَصْلٌ : وَأَيَّ وَقْتٍ مِنْ النَّهَارِ نَوَى أَجْزَأَهُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ .
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَالْخِرَقِيِّ .
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ قَالَ : أَحَدُكُمْ بِأَخِيرِ النَّظَرَيْنِ ، مَا لَمْ يَأْكُلْ أَوْ يَشْرَبْ .
وَقَالَ رَجُلٌ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : إنِّي لَمْ آكُلْ إلَى الظُّهْرِ ، أَوْ إلَى الْعَصْرِ ، أَفَأَصُومُ بَقِيَّةَ يَوْمِي ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَاخْتَارَ الْقَاضِي ، فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ النِّيَّةُ بَعْدَ الزَّوَالِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ النَّهَارِ مَضَى مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، بِخِلَافِ النَّاوِي قَبْلَ الزَّوَالِ ، فَإِنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ مُعْظَمَ الْعِبَادَةِ ، وَلِهَذَا تَأْثِيرٌ فِي الْأُصُولِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ قَبْلَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ ؛ لِإِدْرَاكِهِ مُعْظَمَهَا ، وَلَوْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ الرَّفْعِ ، لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهَا ، وَلَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً ، كَانَ مُدْرِكًا لَهَا ؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ بِالتَّشَهُّدِ ، وَلَوْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ ، لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهَا .
وَلَنَا أَنَّهُ نَوَى فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى فِي أَوَّلِهِ ، وَلِأَنَّ جَمِيعَ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ الْفَرْضِ ، فَكَذَا جَمِيعُ النَّهَارِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ النَّفْلِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُثَابِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ ، فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ نَوَى فِي التَّطَوُّعِ مِنْ النَّهَارِ ، كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ يَوْمِهِ ، وَإِذَا أَجْمَعَ مِنْ اللَّيْلِ كَانَ لَهُ يَوْمُهُ .
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِي " الْهِدَايَةِ " : يُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ .
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي الْيَوْمِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَكَلَ فِي بَعْضِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ

صِيَامُ بَاقِيه ، فَإِذَا وُجِدَ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَائِمٌ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِالصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ حَقِيقَةً ، كَمَا لَوْ نَسِيَ الصَّوْمَ بَعْدَ نِيَّتِهِ ، أَوْ غَفَلَ عَنْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ بَعْضَ الرَّكْعَةِ أَوْ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ كَانَ مُدْرِكًا لِجَمِيعِهَا .
وَلَنَا أَنَّ مَا قَبْلَ النِّيَّةِ لَمْ يَنْوِ صِيَامَهُ ، فَلَا يَكُونُ صَائِمًا فِيهِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .
وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، فَلَا تُوجَدُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ .
وَدَعْوَى أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ ، دَعْوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِصَوْمِ الْبَعْضِ أَنْ لَا تُوجَدَ الْمُفْطِرَاتُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْيَوْمِ ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَاشُورَاءَ { فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ } .
وَأَمَّا إذَا نَسِيَ النِّيَّةَ بَعْدَ وُجُودِهَا ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَصْحِبًا لِحُكْمِهَا ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا ، فَإِنَّهَا لَمْ تُوجَدْ حُكْمًا ، وَلَا حَقِيقَةً ، وَلِهَذَا لَوْ نَوَى الْفَرْضَ مِنْ اللَّيْلِ ، وَنَسِيَهُ فِي النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ مِنْ اللَّيْلِ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ .
وَأَمَّا إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَضَاءِ رَكْعَةٍ ، وَيَنْوِي أَنَّهُ مَأْمُومٌ ، وَلَيْسَ هَذَا مُسْتَحِيلًا ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ مَا صَلَّى الْإِمَامُ قَبْلَهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ مَحْسُوبًا لَهُ ، بِحَيْثُ يُجْزِئُهُ عَنْ فِعْلِهِ فَكَلَّا ، وَلِأَنَّ مُدْرِكَ الرُّكُوعِ مُدْرِكٌ لِجَمِيعِ أَرْكَانِ الرَّكْعَةِ ، لِأَنَّ الْقِيَامَ وُجِدَ حِينَ كَبَّرَ وَفَعَلَ سَائِرَ الْأَرْكَانِ مَعَ الْإِمَامِ .
وَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ فِيهِ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ بِدُونِ شَرْطِهِ وَرُكْنِهِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ طَعِمَ قَبْلَ النِّيَّةِ ، وَلَا فَعَلَ مَا يُفْطِرُهُ ، فَإِنْ فَعَلَ

شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .

( 2013 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ ، فَلَمْ يُفِقْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا وَالشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ قَدْ صَحَّتْ ، وَزَوَالُ الِاسْتِشْعَارِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ ، كَالنَّوْمِ .
وَلَنَا أَنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْإِمْسَاكُ مَعَ النِّيَّةِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ ، فَإِنَّهُ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فَأَضَافَ تَرْكَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ ، فَلَا يُضَافُ الْإِمْسَاكُ إلَيْهِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ .
وَلِأَنَّ النِّيَّةَ أَحَدُ رُكْنَيْ الصَّوْمِ ، فَلَا تُجْزِئُ وَحْدَهَا ، كَالْإِمْسَاكِ وَحْدَهُ ، أَمَّا النَّوْمُ فَإِنَّهُ عَادَةٌ ، وَلَا يُزِيلُ الْإِحْسَاسَ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَمَتَى نُبِّهَ انْتَبَهَ ، وَالْإِغْمَاءُ عَارِضٌ يُزِيلُ الْعَقْلَ ، فَأَشْبَهَ الْجُنُونَ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَزَوَالُ الْعَقْلِ يَحْصُلُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ أَحَدُهَا ، الْإِغْمَاءُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَمَتَى فَسَدَ الصَّوْمُ بِهِ فَعَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ لَا تَتَطَاوَلُ غَالِبًا ، وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى صَاحِبِهِ ، فَلَمْ يَزُلْ بِهِ التَّكْلِيفُ وَقَضَاءُ الْعِبَادَاتِ ، كَالنَّوْمِ ، وَمَتَى أَفَاقَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ ، صَحَّ صَوْمُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : تُعْتَبَرُ الْإِفَاقَةُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، لِيَحْصُلَ حُكْمُ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِهِ .
وَلَنَا أَنَّ الْإِفَاقَةَ حَصَلَتْ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ ، فَأَجْزَأَ ، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ فِي أَوَّلِهِ ،

وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ قَدْ حَصَلَتْ مِنْ اللَّيْلِ ، فَيَسْتَغْنِي عَنْ ذِكْرِهَا فِي النَّهَارِ ، كَمَا لَوْ نَامَ أَوْ غَفَلَ عَنْ الصَّوْمِ ، وَلَوْ كَانَتْ النِّيَّةُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالْإِفَاقَةِ فِي النَّهَارِ ، لِمَا صَحَّ مِنْهُ صَوْمُ الْفَرْضِ بِالْإِفَاقَةِ ، لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ .
الثَّانِي ، النَّوْمُ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّوْمِ ، سَوَاءٌ وُجِدَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ أَوْ بَعْضِهِ .
الثَّالِثُ ، الْجُنُونُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْإِغْمَاءِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا وُجِدَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ ، لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَتَى أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فِي جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ ، لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ عَاقِلٌ ، فَلَزِمَهُ صِيَامُهُ ، كَمَا لَوْ أَفَاقَ فِي جُزْءٍ مِنْ الْيَوْمِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا وُجِدَ الْجُنُونُ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ أَفْسَدَ الصَّوْمَ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّوْمِ ، فَأَفْسَدَهُ وُجُودُهُ فِي بَعْضِهِ ، كَالْحَيْضِ .
وَلَنَا أَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ الْوُجُوبَ إذَا وُجِدَ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ ، فَمَنَعَهُ إذَا وُجِدَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ ، كَالصِّبَا وَالْكُفْرِ ، وَأَمَّا إنَّ أَفَاقَ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ فَلَنَا مَنْعٌ فِي وُجُوبِهِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ بَعْضَ وَقْتِ الْعِبَادَةِ ، فَلَزِمَهُ ، كَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ ، وَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ ، وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَ بَعْضَ وَقْتِ الصَّلَاةِ .
وَلَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ زَوَالُ عَقْلٍ فِي بَعْضِ النَّهَارِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الصَّوْمِ ، كَالْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ ، وَيُفَارِقُ الْحَيْضَ ؛ فَإِنَّ الْحَيْضَ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ ، وَإِنَّمَا يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الصَّوْمِ ، وَيُحَرِّمُ فِعْلَهُ ، وَيُوجِبُ الْغُسْلَ ، وَيُحَرِّمُ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ وَالْوَطْءَ ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْجُنُونِ عَلَيْهِ .

( 2014 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا سَافَرَ مَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ ، فَلَا يُفْطِرُ حَتَّى يَتْرُكَ الْبُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ، بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ } .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ سِوَاهُ .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إبَاحَةِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ ، الَّذِي يُبِيحُ الْقَصْرَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَدْرَهُ فِي الصَّلَاةِ .
ثُمَّ لَا يَخْلُو الْمُسَافِرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، فَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ لَهُ .
الثَّانِي ، أَنْ يُسَافِرَ فِي أَثْنَاء الشَّهْرِ لَيْلًا ، فَلَهُ الْفِطْرُ فِي صَبِيحَةِ اللَّيْلَةِ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا ، وَمَا بَعْدَهَا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَقَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ : لَا يُفْطِرُ مَنْ سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ الشَّهْرِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
وَهَذَا قَدْ شَهِدَهُ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ { : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، ثُمَّ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ النَّاسُ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ فَأُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ ، كَمَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ الشَّهْرِ ، وَالْآيَةُ تَنَاوَلَتْ الْأَمْرَ بِالصَّوْمِ لِمَنْ شَهِدَ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، وَهَذَا لَمْ

يَشْهَدْهُ كُلَّهُ .
الثَّالِثُ ، أَنْ يُسَافِرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ، فَحُكْمُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَمَنْ سَافَرَ لَيْلًا ، وَفِي إبَاحَةِ فِطْرِ الْيَوْمِ الَّذِي سَافَرَ فِيهِ ، عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهُ أَنْ يُفْطِرَ .
وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَدَاوُد ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِمَا رَوَى عُبَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، قَالَ : رَكِبْت مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَدَفَعَ ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ، فَلَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ ، ثُمَّ قَالَ : اقْتَرِبْ ، قُلْت : أَلَسْت تَرَى الْبُيُوتَ ؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ { أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَأَكَلَ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَلِأَنَّ السَّفَرَ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ لَيْلًا وَاسْتَمَرَّ فِي النَّهَارِ لَأَبَاحَ الْفِطْرَ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي أَثْنَائِهِ أَبَاحَهُ كَالْمَرَضِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ بِهِمَا ، فَأَبَاحَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ كَالْآخَرِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فِيهَا غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ ، كَالصَّلَاةِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ يُفَارِقُ الصَّلَاةَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ يَلْزَمُ إتْمَامُهَا بِنِيَّتِهِ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ حَتَّى يُخَلِّفَ الْبُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، يَعْنِي أَنَّهُ يُجَاوِزُهَا وَيَخْرُجُ مِنْ بَيْن بُنْيَانِهَا .
وَقَالَ الْحَسَنُ : يُفْطِرُ فِي بَيْتِهِ ، إنْ شَاءَ ، يَوْمَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ .
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَوْلُ الْحَسَنِ قَوْلٌ شَاذٌّ ، وَلَيْسَ الْفِطْرُ لِأَحَدٍ فِي الْحَضَرِ

فِي نَظَرٍ وَلَا أَثَرٍ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ خِلَافُهُ .
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، قَالَ : { أَتَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ ، وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ ، وَقَدْ رُحِّلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ ، فَقُلْت لَهُ : سُنَّةٌ ؟ فَقَالَ : سُنَّةٌ .
ثُمَّ رَكِبَ .
} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
وَهَذَا شَاهِدٌ ، وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ ، وَمَهْمَا كَانَ فِي الْبَلَدِ فَلَهُ أَحْكَامُ الْحَاضِرِينَ ، وَلِذَلِكَ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ .
فَأَمَّا أَنَسٌ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَرَزَ مِنْ الْبَلَدِ خَارِجًا مِنْهُ ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي مَنْزِلِهِ ذَلِكَ .

( 2015 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، فَلَهُ ذَلِكَ .
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ ، فَقَالَ مَرَّةً : لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : إنَّ صَحَّ حَدِيثُ الْكَدِيدِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنَّ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا .
وَلَنَا ، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَرَوَى جَابِرٌ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ ، وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ ، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مَا فَعَلْت ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ ، فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ ، وَصَامَ بَعْضُهُمْ ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا ، فَقَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ .
} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ لَا يَعْرُجُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِمَا شَاءَ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَغَيْرِهِمَا ، إلَّا الْجِمَاعَ ، هَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِهِ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ فَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ ؛ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَالثَّانِيَةُ ، يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ فَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ ؛ كَالْحَاضِرِ .
وَلَنَا أَنَّهُ صَوْمٌ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ ، فَلَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ فِيهِ ، كَالتَّطَوُّعِ ، وَفَارَقَ الْحَاضِرَ الصَّحِيحَ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي الصَّوْمِ ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فَهُوَ كَالْمُسَافِرِ ، وَلِأَنَّهُ يُفْطِرُ بِنِيَّةِ الْفِطْرِ ، فَيَقَعُ الْجِمَاعُ بَعْدَ حُصُولِ الْفِطْرِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ ثُمَّ جَامَعَ .
وَمَتَى أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ فَلَهُ فِعْلُ جَمِيعِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ ، مِنْ

الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا بِالصَّوْمِ ، فَتَزُولُ بِزَوَالِهِ ، كَمَا لَوْ زَالَ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ .

( 2016 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ ، كَالنَّذْرِ وَالْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ أُبِيحَ رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا عَنْهُ ، فَإِذَا لَمْ يُرِدْ التَّخْفِيفَ عَنْ نَفْسِهِ ، لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَصْلِ .
فَإِنْ نَوَى صَوْمًا غَيْرَ رَمَضَانَ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، لَا عَنْ رَمَضَانَ ، وَلَا عَنْ مَا نَوَاهُ .
هَذَا الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقَعُ مَا نَوَاهُ إذَا كَانَ وَاجِبًا ؛ لِأَنَّهُ زَمَنٌ أُبِيحَ لَهُ فِطْرُهُ ، فَكَانَ لَهُ صَوْمُهُ عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ ، كَغَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ .
وَلَنَا أَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرَ لِلْعُذْرِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَصُومَهُ عَنْ غَيْرِ رَمَضَانَ ، كَالْمَرِيضِ ، وَبِهَذَا يُنْتَقَضُ مَا ذَكَرُوهُ ، وَيُنْقَضُ أَيْضًا بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ ، فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوهُ .
قَالَ صَالِحٌ : قِيلَ لِأَبِي : مَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ ، وَهُوَ يَنْوِي بِهِ تَطَوُّعًا ، يُجْزِئُهُ ؟ قَالَ : أَوَيَفْعَلُ هَذَا مُسْلِمٌ ، .

( 2017 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ ، أَوْ احْتَجَمَ ، أَوْ اسْتَعَطَ ، أَوْ أَدْخَلَ إلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ ، أَوْ قَبَّلَ فَأَمْنَى ، أَوْ أَمْذَى ، أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ عَامِدًا ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ ، إذَا كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا ) ( 2018 ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ : أَحَدُهَا ، أَنَّهُ يُفْطِرُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَبِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، أَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } مَدَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إلَى تَبَيُّنِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِالصِّيَامِ عَنْهُمَا .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ؛ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي } .
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْفِطْرِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِمَا يُتَغَذَّى بِهِ ، فَأَمَّا مَا لَا يَتَغَذَّى بِهِ ، فَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ يَحْصُلُ بِهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : لَا يُفْطِرُ بِمَا لَيْسَ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْبَرْدَ فِي الصَّوْمِ ، وَيَقُولُ : لَيْسَ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ .
وَلَعَلَّ مِنْ يَذْهَبُ إلَى ذَلِكَ يَحْتَجُّ بِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ إنَّمَا حَرَّمَا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ ، فَمَا عَدَاهُمَا يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ .
وَلَنَا دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى الْعُمُومِ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ، فَلَا يُعَدُّ خِلَافًا .

( 2019 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّ الْحِجَامَةَ يُفْطِرُ بِهَا الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ .
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ .
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ .
وَكَانَ الْحَسَنُ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، لَا يَرَوْنَ لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْتَجِمَ .
وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَحْتَجِمُونَ لَيْلًا فِي الصَّوْمِ ، مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَعُرْوَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْتَجِمَ ، وَلَا يُفْطِرُ ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ } .
وَلِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْبَدَنِ ، أَشْبَهَ الْفَصْدَ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ .
} رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا ، قَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ مِنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ ، وَإِسْنَادُ حَدِيثِ رَافِعٍ إسْنَادٌ جَيِّدٌ .
وَقَالَ : حَدِيثُ شَدَّادٍ وَثَوْبَانِ صَحِيحَانِ ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ شَدَّادٍ وَثَوْبَانِ .
وَحَدِيثُهُمْ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِنَا ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ { : احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَاحَّةِ بِقَرْنٍ وَنَابٍ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ ، فَوَجَدَ لِذَلِكَ ضَعْفًا شَدِيدًا ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْتَجِمَ الصَّائِمُ } .
رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ فِي الْمُتَرْجَمِ ، وَعَنْ الْحَكَمِ ، قَالَ { : احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِمٌ } فَضَعُفَ ، ثُمَّ

كُرِهَتْ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ .
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِهِمْ ، يُعِدُّ الْحَجَّامَ وَالْمَحَاجِمَ ، فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ احْتَجَمَ بِاللَّيْلِ .
كَذَلِكَ رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ نَسْخَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ فَأَفْطَرَ ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ { قَاءَ فَأَفْطَرَ } فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَأَى الْحَاجِمَ وَالْمُحْتَجِمَ يَغْتَابَانِ ، } فَقَالَ ذَلِكَ ، قُلْنَا : لَمْ تَثْبُتْ صِحَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ أَعَمُّ مِنْ السَّبَبِ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ بَيَانُ عِلَّةِ النَّهْيِ عَنْ الْحِجَامَةِ ، وَهِيَ الْخَوْفُ مِنْ الضَّعْفِ ، فَيَبْطُلُ التَّعْلِيلُ بِمَا سِوَاهُ ، أَوْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً .
عَلَى أَنَّ الْغِيبَةَ لَا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ إجْمَاعًا ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ .
قَالَ أَحْمَدُ : لَأَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ كَمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ } أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْغِيبَةِ ؛ لِأَنَّ مِنْ أَرَادَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْحِجَامَةِ امْتَنَعَ ، وَهَذَا أَشَدُّ عَلَى النَّاسِ ، مَنْ يَسْلَمُ مِنْ الْغِيبَةِ ، فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ ضَعْفَ الصَّائِمِ بِهَا فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الْفِطْرَ ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : { أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ } أَيْ قَرُبَا مِنْ الْفِطْرِ .
قُلْنَا : هَذَا تَأْوِيلٌ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْحَاجِمِ ، فَإِنَّهُ لَا ضَعْفَ فِيهِ .

( 2020 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ يُفْطِرُ بِكُلِّ مَا أَدْخَلَهُ إلَى جَوْفِهِ ، أَوْ مُجَوَّفٍ فِي جَسَدِهِ كَدِمَاغِهِ وَحَلْقِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْفُذُ إلَى مَعِدَتِهِ ، إذَا وَصَلَ بِاخْتِيَارِهِ ، وَكَانَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، سَوَاءٌ وَصَلَ مِنْ الْفَمِ عَلَى الْعَادَةِ ، أَوْ غَيْرِ الْعَادَةِ كَالْوَجُورِ وَاللَّدُودِ ، أَوْ مِنْ الْأَنْفِ كَالسَّعُوطِ ، أَوْ مَا يَدْخُلُ مِنْ الْأُذُنِ إلَى الدِّمَاغِ ، أَوْ مَا يَدْخُلُ مِنْ الْعَيْنِ إلَى الْحَلْقِ كَالْكُحْلِ ، أَوْ مَا يَدْخُلُ إلَى الْجَوْفِ مِنْ الدُّبُرِ بِالْحُقْنَةِ ، أَوْ مَا يَصِلُ مِنْ مُدَاوَاةِ الْجَائِفَةِ إلَى جَوْفِهِ ، أَوْ مِنْ دَوَاءِ الْمَأْمُومَةِ إلَى دِمَاغِهِ ، فَهَذَا كُلُّهُ يُفْطِرُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ إلَى جَوْفِهِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَأَشْبَهَ الْأَكْلَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ ، أَوْ جَرَحَهُ غَيْرُهُ بِاخْتِيَارِهِ ، فَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ ، سَوَاءٌ اسْتَقَرَّ فِي جَوْفِهِ ، أَوْ عَادَ فَخَرَجَ مِنْهُ ، وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُفْطِرُ بِالسَّعُوطِ ، إلَّا أَنْ يَنْزِلَ إلَى حَلْقِهِ ، وَلَا يُفْطِرُ إذَا دَاوَى الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ .
وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي الْحُقْنَةِ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى الْحَلْقِ مِنْهُ شَيْءٌ ، أَشْبَهَ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الدِّمَاغِ وَلَا الْجَوْفِ .
وَلَنَا أَنَّهُ وَاصِلٌ إلَى جَوْفِ الصَّائِمِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَيُفْطِرهُ ، كَالْوَاصِلِ إلَى الْحَلْقِ ، وَالدِّمَاغُ جَوْفٌ ، وَالْوَاصِلُ إلَيْهِ يُغَذِّيه ، فَيُفْطِرُهُ ، كَجَوْفِ الْبَدَن .

( 2021 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْكُحْلُ ، فَمَا وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ ، أَوْ عَلِمَ وُصُولَهُ إلَيْهِ ، فَطَّرَهُ ، وَإِلَّا لَمْ يُفَطِّرْهُ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : مَا يَجِدُ طَعْمَهُ كَالزُّرُورِ وَالصَّبْرِ وَالْقَطُورِ ، أَفْطَرَ .
وَإِنْ اكْتَحَلَ بِالْيَسِيرِ مِنْ الْإِثْمِدِ غَيْرِ الْمُطَيَّبِ ، كَالْمِيلِ وَنَحْوِهِ ، لَمْ يُفْطِرْ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : إنْ كَانَ الْكُحْلُ حَادًّا ، فَطَّرَهُ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَنَحْوَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ .
وَعَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، أَنَّ الْكُحْلَ يُفَطِّرُ الصَّائِمَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُفَطِّرُهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ } .
وَلِأَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ مَنْفَذًا ؛ فَلَمْ يُفْطِرْ بِالدَّاخِلِ مِنْهَا ، كَمَا لَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ .
وَلَنَا أَنَّهُ أَوْصَلَ إلَى حَلْقِهِ مَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِفِيهِ فَأَفْطَرَ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَوْصَلَهُ مِنْ أَنْفِهِ ، وَمَا رَوَوْهُ لَمْ يَصِحَّ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَابِ الْكُحْلِ لِلصَّائِمِ شَيْءٌ .
ثُمَّ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّهُ اكْتَحَلَ بِمَا لَا يَصِلُ .
وَقَوْلُهُمْ : لَيْسَتْ الْعَيْنُ مَنْفَذًا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ يُوجَدُ طَعْمُهُ فِي الْحَلْقِ ، وَيَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ فَيَتَنَخَّعَهُ قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنِي إنْسَانٌ أَنَّهُ اكْتَحَلَ بِاللَّيْلِ فَتَنَخَّعَهُ بِالنَّهَارِ .
ثُمَّ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْوَاصِلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَنْفَذٍ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ جَائِفَةً ، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ .

( 2022 ) فَصْلٌ : وَمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، كَابْتِلَاعِ الرِّيقِ لَا يُفَطِّرُهُ ، لِأَنَّ اتِّقَاءَ ذَلِكَ يَشُقُّ ، فَأَشْبَهَ غُبَارَ الطَّرِيقِ ، وَغَرْبَلَةَ الدَّقِيقِ .
فَإِنْ جَمَعَهُ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ قَصْدًا لَمْ يُفَطِّرْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ مِنْ مَعِدَتِهِ ، أَشْبَهَ مَا إذَا لَمْ يَجْمَعْهُ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُفَطِّرُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَصَدَ ابْتِلَاعَ غُبَارِ الطَّرِيقِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ الرِّيقَ لَا يُفَطِّرُ إذَا لَمْ يَجْمَعْهُ ، وَإِنْ قَصَدَ ابْتِلَاعَهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا جَمَعَهُ ، بِخِلَافِ غُبَارِ الطَّرِيقِ ، فَإِنْ خَرَجَ رِيقُهُ إلَى ثَوْبِهِ ، أَوْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، أَوْ بَيْنَ شَفَتَيْهِ ، ثُمَّ عَادَ فَابْتَلَعَهُ ، أَوْ بَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ ، أَفْطَرَ ؛ لِأَنَّهُ ابْتَلَعَهُ مِنْ غَيْرِ فَمِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَلَعَ غَيْرَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
قُلْنَا : قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ : هَذَا إسْنَادٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يُقَبِّلُ فِي الصَّوْمِ ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا فِي غَيْرِهِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يَمُصَّهُ ، ثُمَّ لَا يَبْتَلِعُهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ انْفِصَالُ مَا عَلَى لِسَانِهَا مِنْ الْبَلَلِ إلَى فَمِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ حَصَاةً مَبْلُولَةً فِي فِيهِ ، أَوْ لَوْ تَمَضْمَضَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَّهُ .
وَلَوْ تَرَكَ فِي فَمِهِ حَصَاةً أَوْ دِرْهَمًا ، فَأَخْرَجَهُ وَعَلَيْهِ بَلَّةٌ مِنْ الرِّيقِ ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي فِيهِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الرِّيقِ كَثِيرًا فَابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يُفْطِرْ بِابْتِلَاعِ رِيقِهِ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُفْطِرُ لِابْتِلَاعِهِ ذَلِكَ الْبَلَلَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْجِسْمِ .
وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ انْفِصَالُ ذَلِكَ الْبَلَلِ ، وَدُخُولُهُ إلَى حَلْقِهِ ، فَلَا يُفَطِّرُهُ ، كَالْمَضْمَضَةِ وَالتَّسَوُّكِ

بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ وَالْمَبْلُولِ .
وَيُقَوِّي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي مَصِّ لِسَانِهَا .
وَلَوْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ وَعَلَيْهِ بَلَّةٌ ، ثُمَّ عَادَ فَأَدْخَلَهُ وَابْتَلَعَ رِيقَهُ ، لَمْ يُفْطِرْ .

( 2023 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ابْتَلَعَ النُّخَامَةَ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا ، يُفْطِرُ .
قَالَ حَنْبَلٌ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : إذَا تَنَخَّمَ ، ثُمَّ ازْدَرَدَهُ ، فَقَدْ أَفْطَرَ .
لِأَنَّ النُّخَامَةَ مِنْ الرَّأْسِ تَنْزِلُ ، وَالرِّيقَ مِنْ الْفَمِ .
وَلَوْ تَنَخَّعَ مِنْ جَوْفِهِ ، ثُمَّ ازْدَرَدَهُ ، أَفْطَرَ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهَا ، أَشْبَهَ الدَّمَ ، وَلِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْفَمِ ، أَشْبَهَ الْقَيْءَ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يُفْطِرُ .
قَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : لَيْسَ عَلَيْك قَضَاءٌ إذَا ابْتَلَعْتَ النُّخَامَةَ وَأَنْتَ صَائِمٌ .
لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ فِي الْفَمِ ، غَيْرُ وَاصِلٍ مِنْ خَارِجٍ ، أَشْبَهَ الرِّيقَ .

( 2024 ) فَصْلٌ : فَإِنْ سَالَ فَمُهُ دَمًا ، أَوْ خَرَجَ إلَيْهِ قَلْسٌ أَوْ قَيْءٌ ، فَازْدَرَدَهُ أَفْطَرَ ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا ؛ لِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ ، وَالْأَصْلُ حُصُولُ الْفِطْرِ بِكُلِّ وَاصِلٍ مِنْهُ ، لَكِنَّ عُفِيَ عَنْ الرِّيقِ ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ ، فَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ، وَإِنْ أَلْقَاهُ مِنْ فِيهِ ، وَبَقِيَ فَمُهُ نَجِسًا ، أَوْ تَنَجَّسَ فَمُهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَارِجٍ ، فَابْتَلَعَ رِيقَهُ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ جُزْءٌ مِنْ الْمُنَجَّسِ أَفْطَرَ بِذَلِكَ الْجُزْءِ ، وَإِلَّا فَلَا .

( 2025 ) فَصْلٌ : وَلَا يُفْطِرُ بِالْمَضْمَضَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْت مِنْ إنَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ ؟ قُلْت : لَا بَأْسَ .
قَالَ : فَمَهْ } ؟ .
وَلِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ ، فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْوَاصِلِ إلَيْهِ ، كَالْأَنْفِ وَالْعَيْنِ .
وَإِنْ تَمَضْمَضَ ، أَوْ اسْتَنْشَقَ فِي الطَّهَارَةِ ، فَسَبَقَ الْمَاءُ إلَى حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا إسْرَافٍ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُفْطِرُ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ الْمَاءَ إلَى جَوْفِهِ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ ، فَأَفْطَرَ ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ شُرْبَهُ .
وَلَنَا أَنَّهُ وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا قَصْدٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَارَتْ ذُبَابَةٌ إلَى حَلْقِهِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمُتَعَمِّدَ .
فَأَمَّا إنَّ أَسْرَفَ فَزَادَ عَلَى الثَّلَاثِ ، أَوْ بَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ ، فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ { : وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا } .
حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَلِأَنَّهُ يَتَعَرَّضُ بِذَلِكَ لِإِيصَالِ الْمَاءِ إلَى حَلْقِهِ ، فَإِنْ وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ .
فَقَالَ أَحْمَدُ : يُعْجِبُنِي أَنْ يُعِيدَ الصَّوْمَ .
وَهَلْ يُفْطِرُ بِذَلِكَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، يُفْطِرُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُبَالَغَةِ حِفْظًا لِلصَّوْمِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ وَصَلَ بِفِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ التَّعَمُّدَ .
وَالثَّانِي ، لَا يُفْطِرُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، فَأَشْبَهَ غُبَارَ الدَّقِيقِ إذَا نَخَلَهُ .
فَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ لِغَيْرِ الطَّهَارَةِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ لِحَاجَةٍ ،

كَغَسْلِ فَمِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَنَحْوِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَضْمَضَةِ لِلطَّهَارَةِ ، وَإِنْ كَانَ عَبَثًا ، أَوْ تَمَضْمَضَ مِنْ أَجْلِ الْعَطَشِ ، كُرِهَ .
وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الصَّائِمِ يَعْطَشُ فَيَتَمَضْمَضُ ثُمَّ يَمُجُّهُ .
قَالَ : يَرُشُّ عَلَى صَدْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ .
فَإِنْ فَعَلَ ، فَوَصَلَ الْمَاءُ إلَى حَلْقِهِ ، أَوْ تَرَكَ الْمَاءَ فِي فِيهِ عَابِثًا ، أَوْ لِلتَّبَرُّدِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ .
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ الْحَرِّ وَالْعَطَشِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَرْجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ صَائِمٌ مِنْ الْعَطَشِ ، أَوْ مِنْ الْحَرِّ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .

( 2026 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الصَّائِمُ ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ، { قَالَتَا : نَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ ، ثُمَّ يَصُومُ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ الْحَمَّامَ ، وَهُوَ صَائِمٌ هُوَ وَأَصْحَابٌ لَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ .
فَأَمَّا الْغَوْصُ فِي الْمَاءِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ فِي الصَّائِمِ يَنْغَمِسُ فِي الْمَاءِ : إذَا لَمْ يَخَفْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مَسَامِعِهِ .
وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ أَنْ يَنْغَمِسَ فِي الْمَاءِ ، خَوْفًا أَنْ يَدْخُلَ فِي مَسَامِعِهِ ، فَإِنْ دَخَلَ فِي مَسَامِعِهِ ، فَوَصَلَ إلَى دِمَاغِهِ مِنْ الْغُسْلِ الْمَشْرُوعِ ، مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا قَصْدٍ ، فَلَا شَيْء عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ دَخَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ ، وَإِنْ غَاصَ فِي الْمَاءِ ، أَوْ أَسْرَفَ ، أَوْ كَانَ عَابِثًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الدَّاخِلِ إلَى الْحَلْقِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 2027 ) فَصْلٌ : قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : قُلْت لِأَحْمَدَ : الصَّائِمُ يَمْضُغُ الْعِلْكَ .
قَالَ : لَا .
قَالَ أَصْحَابُنَا : الْعِلْكُ ضَرْبَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ ، وَهُوَ الرَّدِيءُ الَّذِي إذَا مَضَغَهُ يَتَحَلَّلُ ، فَلَا يَجُوزُ مَضْغُهُ ، إلَّا أَنْ لَا يَبْلَعَ رِيقَهُ ، فَإِنْ فَعَلَ فَنَزَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، أَفْطَرَ بِهِ ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ أَكْلَهُ .
وَالثَّانِي ، الْعِلْكُ الْقَوِيُّ الَّذِي كُلَّمَا مَضَغَهُ صَلُبَ وَقَوِيَ ، فَهَذَا يُكْرَهُ مَضْغُهُ وَلَا يَحْرُمُ .
وَمِمَّنْ كَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَتَادَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْلُبُ الْفَمَ ، وَيَجْمَعُ الرِّيقَ ، وَيُورِثُ الْعَطَشَ .
وَرَخَّصَتْ عَائِشَةُ فِي مَضْغِهِ .
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ ، فَهُوَ كَالْحَصَاةِ يَضَعُهَا فِي فِيهِ ، وَمَتَى مَضَغَهُ وَلَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ ، لَمْ يُفْطِرْ .
وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ ، لَمْ يُفْطِرْ .
وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُفَطِّرُهُ ، كَالْكُحْلِ إذَا وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ .
وَالثَّانِي ، لَا يُفَطِّرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَمُجَرَّدُ الطَّعْمِ لَا يُفَطِّرُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ : مِنْ لَطَّخَ بَاطِنَ قَدَمِهِ بِالْحَنْظَلِ ، وَجَدَ طَعْمَهُ ، وَلَا يُفْطِرُ ، بِخِلَافِ الْكُحْلِ ، فَإِنَّ أَجْزَاءَهُ تَصِلُ إلَى الْحَلْقِ ، وَيُشَاهَدُ إذَا تَنَخَّعَ .
قَالَ أَحْمَدُ : مَنْ وَضَعَ فِي فِيهِ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا وَهُوَ صَائِمٌ ، مَا لَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَمَا يَجِدُ طَعْمَهُ فَلَا يُعْجِبُنِي .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : سَأَلْت أَبِي عَنْ الصَّائِمِ يَفْتِلُ الْخُيُوطَ ، قَالَ : يُعْجِبُنِي أَنْ يَبْزُقَ .

( 2028 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعَامِ ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَضُرَّهُ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يَذُوقَ الطَّعَامَ وَالْخَلَّ وَالشَّيْءَ يُرِيدُ شِرَاءَهُ .
وَالْحَسَنُ كَانَ يَمْضُغُ الْجَوْزَ لِابْنِ ابْنِهِ وَهُوَ صَائِمٌ .
وَرَخَّصَ فِيهِ إبْرَاهِيمُ .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ مَعَ الْحَاجَةِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ ، وَإِلَّا لَمْ يُفْطِرْ .

( 2029 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ .
قَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ { : رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا أُحْصِي ، يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَقَالَ زِيَادُ بْنُ حُدَيْرٍ : مَا رَأَيْت أَحَدًا كَانَ أَدْوَمَ لِسِوَاكٍ رَطْبٍ وَهُوَ صَائِمٌ ، مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ عُودًا ذَاوِيًا .
وَلَمْ يَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالسِّوَاكِ أَوَّلَ النَّهَارِ بَأْسًا ، إذَا كَانَ الْعُودُ يَابِسًا .
وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ تَرْكَ السِّوَاكِ بِالْعَشِيِّ .
قَالَ أَحْمَدُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ } لِتِلْكَ الرَّائِحَةِ لَا يُعْجِبُنِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَسْتَاكَ بِالْعَشِيِّ .
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي التَّسَوُّكِ بِالْعُودِ الرَّطْبِ ، فَرُوِيَتْ عَنْهُ الْكَرَاهَةُ .
وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَمَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ ؛ لِأَنَّهُ مُغَرِّرٌ بِصَوْمِهِ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ أَجْزَاءٌ إلَى حَلْقِهِ ، فَيُفَطِّرَهُ .
وَرُوِيَ عَنْهُ لَا يُكْرَهُ .
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعُرْوَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ؛ لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ .

( 2030 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَصْبَحَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ ؛ لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ : أَحَدُهُمَا ؛ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُمْكِنْهُ لَفْظُهُ ، فَازْدَرَدَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ الرِّيقَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ .
الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا يُمْكِنُ لَفْظُهُ ، فَإِنْ لَفَظَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ ازْدَرَدَهُ عَامِدًا ، فَسَدَ صَوْمُهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُفْطِرُ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِمَّا يَأْكُلُهُ ، فَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا يَجْرِي بِهِ الرِّيقُ .
وَلَنَا أَنَّهُ بَلَعَ طَعَامًا يُمْكِنُهُ لَفْظُهُ بِاخْتِيَارِهِ ، ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ ، فَأَفْطَرَ بِهِ ، كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ الْأَكْلَ ، وَيُخَالِفُ مَا يَجْرِي بِهِ الرِّيقُ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنْهُ لَفْظُهُ .
فَإِنْ قِيلَ : يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْصُقَ .
قُلْنَا : لَا يَخْرُجُ جَمِيعُ الرِّيقِ بِبُصَاقِهِ ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْ ابْتِلَاعِ رِيقِهِ كُلِّهِ لَمْ يُمْكِنْهُ .

( 2031 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا ، لَمْ يُفْطِرْ بِهِ ، سَوَاءٌ وَصَلَ إلَى الْمَثَانَةِ ، أَوْ لَمْ يَصِلْ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُفْطِرُ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ الدُّهْنَ إلَى جَوْفٍ فِي جَسَدِهِ ، فَأَفْطَرَ ، كَمَا لَوْ نَوَى الْجَائِفَةَ ، وَلِأَنَّ الْمَنِيَّ يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ فَيُفَطِّرُهُ ، وَمَا أَفْطَرَ بِالْخَارِجِ مِنْهُ جَازَ أَنْ يُفْطِرَ بِالدَّاخِلِ مِنْهُ ، كَالْفَمِ .
وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ بَاطِنِ الذَّكَرِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْبَوْلُ رَشْحًا ، فَاَلَّذِي يَتْرُكُهُ فِيهِ لَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ ، فَلَا يُفَطِّرُهُ ، كَاَلَّذِي يَتْرُكُهُ فِي فِيهِ وَلَمْ يَبْتَلِعْهُ .

( 2032 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : إذَا قَبَّلَ فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى ، وَلَا يَخْلُو الْمُقَبِّلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ لَا يُنْزِلَ ، فَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِذَلِكَ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ } ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .
وَيُرْوَى بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرُهَا ، وَقِيلَ بِالتَّسْكِينِ : الْعُضْوُ .
وَبِالْفَتْحِ : الْحَاجَةُ .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { هَشَشْتُ فَقَبَّلْت وَأَنَا صَائِمٌ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ : صَنَعْت الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا ، قَبَّلْت وَأَنَا صَائِمٌ .
فَقَالَ : أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت مِنْ إنَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ ؟ قُلْت : لَا بَأْسَ بِهِ ، قَالَ : فَمَهْ ؟ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
شَبَّهَ الْقُبْلَةَ بِالْمَضْمَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الشَّهْوَةِ ، وَأَنَّ الْمَضْمَضَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نُزُولُ الْمَاءِ لَمْ يُفْطِرْ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا نُزُولُهُ أَفْطَرَ .
إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : هَذَا رِيحٌ ، لَيْسَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ .
الْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يُمْنِيَ فَيُفْطِرَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إيمَاءِ الْخَبَرَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ إنْزَالٌ بِمُبَاشَرَةٍ ، فَأَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْجِمَاعِ دُونَ الْفَرْجِ .
الْحَالُ الثَّالِثُ ، أَنْ يُمْذِيَ فَيُفْطِرَ عِنْدَ إمَامِنَا وَمَالِكٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُفْطِرُ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ ، أَشْبَهَ الْبَوْلَ .
وَلَنَا أَنَّهُ خَارِجٌ تَخَلَّلَهُ الشَّهْوَةُ ، خَرَجَ بِالْمُبَاشَرَةِ ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ ، كَالْمَنِيِّ ، وَفَارَقَ الْبَوْلَ بِهَذَا ، وَاللَّمْسُ لِشَهْوَةٍ كَالْقُبْلَةِ فِي هَذَا .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْمُقَبِّلَ إذَا كَانَ ذَا شَهْوَةٍ

مُفْرِطَةٍ ، بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إذَا قَبَّلَ أَنْزَلَ ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْقُبْلَةُ ؛ لِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِصَوْمِهِ ، فَحَرُمَتْ ، كَالْأَكْلِ .
وَإِنْ كَانَ ذَا شَهْوَةٍ ، لَكِنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنَّهُ ذَلِكَ ، كُرِهَ لَهُ التَّقْبِيلُ ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ صَوْمَهُ لِلْفِطْرِ ، وَلَا يَأْمَنُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي ، فَقُلْت لَهُ : مَا لِي ؟ فَقَالَ : " إنَّك تُقَبِّلُ وَأَنْتَ صَائِمٌ " .
وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا مَنَعَتْ الْوَطْءَ مَنَعَتْ الْقُبْلَةَ ، كَالْإِحْرَامِ .
وَلَا تَحْرُمُ الْقُبْلَةُ فِي هَذِهِ الْحَالِ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ وَهُوَ صَائِمٌ ، فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِثْلَنَا ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مَنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ .
فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ .
وَلِأَنَّ إفْضَاءَهُ إلَى إفْسَادِ الصَّوْمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، وَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِالشَّكِّ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُحَرِّكُ الْقُبْلَةُ شَهْوَتَهُ ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ لَمَّا كَانَ مَالِكًا لِإِرْبِهِ ، وَغَيْرُ ذِي الشَّهْوَةِ فِي مَعْنَاهُ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ ، فَرَخَّصَ لَهُ ، فَأَتَاهُ آخَرُ ، فَسَأَلَهُ ، فَنَهَاهُ ، فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ ، وَإِذَا الَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ } .
أَخْرَجَهُ

أَبُو دَاوُد .
وَلِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، فَأَشْبَهَتْ لَمْسَ الْيَدِ لِحَاجَةٍ .
وَالثَّانِيَةُ ، يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ حُدُوثَ الشَّهْوَةِ ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَمْنَعُ الْوَطْءَ ، فَاسْتَوَى فِي الْقُبْلَةِ فِيهَا مَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ ، وَغَيْرُهُ ، كَالْإِحْرَامِ .
فَأَمَّا اللَّمْسُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، كَلَمْسِ يَدِهَا لِيَعْرِفَ مَرَضَهَا ، فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ فِي الْإِحْرَامِ ، فَلَا يُكْرَهُ فِي الصِّيَامِ ، كَلَمْسِ ثَوْبِهَا .

( 2033 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا ، وَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِهِ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ ، فَإِنْ أَنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقُبْلَةِ فِي إثَارَةِ الشَّهْوَةِ .
فَأَمَّا إنَّ أَنْزَلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، كَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ أَوْ الْمَذْيُ لِمَرَضٍ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، أَشْبَهَ الْبَوْلَ ، وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، وَلَا تَسَبُّبٍ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الِاحْتِلَامَ .
وَلَوْ احْتَلَمَ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ ، لِأَنَّهُ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ حَلْقَهُ شَيْءٌ وَهُوَ نَائِمٌ .
وَلَوْ جَامَعَ فِي اللَّيْلِ ، فَأَنْزَلَ بَعْدَ مَا أَصْبَحَ ، لَمْ يُفْطِرْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْهِ فِي النَّهَارِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ شَيْئًا فِي اللَّيْلِ ، فَذَرَعَهُ الْقَيْءُ فِي النَّهَارِ .

( 2034 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : إذَا كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ ، وَلِتَكْرَارِ النَّظَرِ أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِهِ إنْزَالٌ ، فَلَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ .
الثَّانِي ، أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ إنْزَالُ الْمَنِيِّ ، فَيَفْسُدُ الصَّوْمُ فِي قَوْلِ إمَامِنَا ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْحَسَنِ بْن صَالِحٍ .
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَفْسُدُ ؛ لِأَنَّهُ إنْزَالٌ عَنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ ، أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْفِكْرِ .
وَلَنَا أَنَّهُ إنْزَالٌ بِفِعْلٍ يَتَلَذَّذُ بِهِ ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ ، كَالْإِنْزَالِ بِاللَّمْسِ ، وَالْفِكْرُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، بِخِلَافِ تَكْرَارِ النَّظَرِ .
الثَّالِثُ : مَذْي بِتَكْرَارِ النَّظَرِ .
فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْفِطْرِ ، وَلَا يُمْكِنْ قِيَاسُهُ عَلَى إنْزَالِ الْمَنِيِّ ، لِمُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ فِي الْأَحْكَامِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .
فَأَمَّا إنْ نَظَرَ فَصَرَفَ بَصَرَهُ ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ ، سَوَاءٌ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أَنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَنْزَلَ بِالنَّظَرِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَرَّرَهُ .
وَلَنَا أَنَّ النَّظْرَةَ الْأُولَى لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهَا ، فَلَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ مَا أَفْضَتْ إلَيْهِ ، كَالْفِكْرَةِ ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ التَّكْرَارُ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ تَكْرَارَ النَّظَرِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ يُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ ، غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِمَنْ لَا يُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ ، كَالْقُبْلَةِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُكْرَهَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ إفْضَاءَهُ إلَى الْإِنْزَالِ الْمُفْطِرِ بَعِيدٌ جِدًّا ، بِخِلَافِ الْقُبْلَةِ ، فَإِنَّ حُصُولَ الْمَذْيِ بِهَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ .

( 2035 ) فَصْلٌ : فَإِنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ ، أَنَّهُ يَفْسُدُ .
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّ الْفِكْرَةَ تُسْتَحْضَرُ ، فَتَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ ، بِدَلِيلِ تَأْثِيمِ صَاحِبِهَا فِي مُسَاكَنَتِهَا ، فِي بِدْعَةٍ وَكُفْرٍ ، وَمَدَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّفَكُّرِ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، وَأَمَرَ بِالتَّفَكُّرِ فِي آلَائِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ ذَلِكَ بِهَا ، كَالِاحْتِلَامِ .
فَأَمَّا إنْ خَطَرَ بِقَلْبِهِ صُورَةُ الْفِعْلِ ، فَأَنْزَلَ ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّ الْخَاطِرَ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ .
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ } .
وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْفِطْرِ بِهِ وَلَا إجْمَاعَ ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ ، وَلَا تَكْرَارِ النَّظَرِ ، لِأَنَّهُ دُونَهُمَا فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ ، وَإِفْضَائِهِ إلَى الْإِنْزَالِ ، وَيُخَالِفُهُمَا فِي التَّحْرِيمِ إذَا تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِأَجْنَبِيَّةٍ ، أَوْ الْكَرَاهَةِ إنْ كَانَ فِي زَوْجَةٍ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .

( 2036 ) الْفَصْلُ السَّادِسُ : أَنَّ الْمُفْسِدَ لِلصَّوْمِ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَا كَانَ عَنْ عَمْدٍ وَقَصْدٍ ، فَأَمَّا مَا حَصَلَ مِنْهُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، كَالْغُبَارِ الَّذِي يَدْخُلُ حَلْقَهُ مِنْ الطَّرِيق ، وَنَخْلِ الدَّقِيقِ ، وَالذُّبَابَةِ الَّتِي تَدْخُلُ حَلْقَهُ ، أَوْ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَيَدْخُلُ مَسَامِعَهُ ، أَوْ أَنْفَهُ أَوْ حَلْقَهُ ، أَوْ يُلْقَى فِي مَاءٍ فَيَصِلُ إلَى جَوْفِهِ ، أَوْ يَسْبِقُ إلَى حَلْقِهِ مِنْ مَاءِ الْمَضْمَضَةِ ، أَوْ يُصَبُّ فِي حَلْقِهِ أَوْ أَنْفِهِ شَيْءٌ كَرْهًا ، أَوْ تُدَاوَى مَأْمُومَتُهُ أَوْ جَائِفَتُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، أَوْ يُحَجَّمُ كَرْهًا ، أَوْ تُقَبِّلُهُ امْرَأَةٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَيُنْزِلُ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا ، فَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ فَلَا يُفْطِرُ ، كَالِاحْتِلَامِ .
وَأَمَّا إنْ أُكْرِهَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ ، فَفَعَلَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : قَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يُفْطِرُ بِهِ أَيْضًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ .
} قَالَ : وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُفْطِرَ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْمُفْطِرَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ يُفْطِرُ لِدَفْعِ الْمَرَضِ ، وَمِنْ يَشْرَبُ لِدَفْعِ الْعَطَشِ ، وَيُفَارِقُ الْمَلْجَأَ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ حِيزَ الْفِعْلِ ، وَلِذَلِكَ لَا يُضَافُ إلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ افْتَرَقَا فِيمَا لَوْ أُكْرِهْ عَلَى قَتْلِ آدَمِيٍّ ، وَأُلْقِيَ عَلَيْهِ .

( 2037 ) الْفَصْلُ السَّابِعُ : أَنَّهُ مَتَى أَفْطَرَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ كَانَ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ ، فَلَا تَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِأَدَائِهِ ، وَلَمْ يُؤَدِّهِ ، فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ؛ وَلَا كَفَّارَةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَحَمَّادٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى مَنْ أَنْزَلَ بِلَمْسٍ أَوْ قُبْلَةٍ أَوْ تَكْرَارِ نَظَرٍ ؛ لِأَنَّهُ إنْزَالٌ عَنْ مُبَاشَرَةٍ ، أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْجِمَاعِ .
وَعَنْهُ فِي الْمُحْتَجِمِ ، إنْ كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .
وَقَالَ عَطَاءٌ فِي الْمُحْتَجِمِ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِكُلِّ مَا كَانَ هَتْكًا لِلصَّوْمِ ، إلَّا الرِّدَّةَ ؛ لِأَنَّهُ إفْطَارٌ فِي رَمَضَانَ أَشْبَهَ الْجِمَاعَ .
وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، أَنَّ الْفِطْرَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ يُوجِبُ مَا يُوجِبُهُ الْجِمَاعُ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، إلَّا أَنَّهُ اعْتَبَرَ مَا يُتَغَذَّى بِهِ أَوْ يُتَدَاوَى بِهِ ، فَلَوْ ابْتَلَعَ حَصَاةً أَوْ نَوَاةً أَوْ فُسْتُقَةً بِقِشْرِهَا ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِأَعْلَى مَا فِي الْبَابِ مِنْ جِنْسِهِ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَالْمُجَامِعِ .
وَلَنَا أَنَّهُ أَفْطَرَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ، فَلَمْ تُوجِبْ الْكَفَّارَةَ ، كَبَلْعِ الْحَصَاةِ أَوْ التُّرَابِ ، أَوْ كَالرِّدَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِهَذَا وَلَا إجْمَاعَ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْجِمَاعِ ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ أَمَسُّ ، وَالْحُكْمَ فِي التَّعَدِّي بِهِ آكَدُ ، وَلِهَذَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا ، وَيَخْتَصُّ بِإِفْسَادِ الْحَجِّ دُونَ سَائِرِ مَحْظُورَاتِهِ ، وَوُجُوبِ الْبَدَنَةِ ، وَلِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ يُفْسِدُ صَوْمَ

اثْنَيْنِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .

( 2038 ) فَصْلٌ : وَالْوَاجِبُ فِي الْقَضَاءِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَوْمٌ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : قَالَ إبْرَاهِيمُ ، وَوَكِيعٌ : يَصُومُ ثَلَاثَةَ آلَافِ يَوْمٍ .
وَعَجِبَ أَحْمَدُ مِنْ قَوْلِهِمَا .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : مِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مُتَعَمِّدًا يَصُومُ شَهْرًا .
وَحُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَجِبُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ يُجْزِئُ عَنْ جَمِيعِ السَّنَةِ ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ : { صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ الْأَدَاءِ ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَخْتَلِفُ بِالْعُذْرِ وَعَدَمِهِ ، بِدَلِيلِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ ، وَمَا ذَكَرُوهُ تَحَكُّمُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .
وَقَوْلُ رَبِيعَةَ يَبْطُلُ بِالْمَعْذُورِ .
وَذُكِرَ لِأَحْمَدَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : { مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَان مُتَعَمَّدًا ، لَمْ يَقْضِهِ ، وَلَوْ صَامَ الدَّهْرَ } ، فَقَالَ : لَيْسَ يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ .

( 2039 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِيًا ، فَهُوَ عَلَى صَوْمِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا شَيْءَ عَلَى مِنْ أَكَلَ نَاسِيًا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ : يُفْطِرُ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ الصَّوْمُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ عَمْدًا ، لَا يَجُوزُ مَعَ سَهْوِهِ ، كَالْجِمَاعِ ، وَتَرْكِ النِّيَّةِ ، وَلَنَا : مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ : ( مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا ، فَلَا يُفْطِرْ ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ ) .
وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ذَاتُ تَحْلِيلٍ وَتَحْرِيمٍ ، فَكَانَ فِي مَحْظُورَاتِهَا مَا يَخْتَلِفُ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجَّ .
وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَيْسَ تَرْكُهَا فِعْلًا ، وَلِأَنَّهَا شَرْطٌ ، وَالشُّرُوطُ لَا تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ ، بِخِلَافِ الْمُبْطِلَاتِ ، وَالْجِمَاعُ حُكْمُهُ أَغْلَظُ وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ .

( 2040 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ نَائِمٌ ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ ، وَلَا عِلْمَ بِالصَّوْمِ ، فَهُوَ أُعْذَرُ مِنْ النَّاسِي .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ .
أَنَّ مِنْ فَعَلَ مِنْ هَذَا شَيْئًا جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ ، لَمْ يُفْطِرْ ، وَلَمْ أَرَهُ عَنْ غَيْرِهِ .
وَقَوْلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ } .
فِي حَقَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ رَآهُمَا يُحَجِّمُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، مَعَ جَهْلِهِمَا بِتَحْرِيمِهِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَهْلَ لَا يُعْذَرُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ جَهْلٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْفِطْرَ ، كَالْجَهْلِ بِالْوَقْتِ فِي حَقَّ مَنْ يَأْكُلُ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، وَقَدْ كَانَ طَلَعَ .

( 2041 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ) مَعْنَى اسْتَقَاءَ : تَقَيَّأَ مُسْتَدْعِيًا لِلْقَيْءِ .
وَذَرْعُهُ : خُرُوجٌ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، فَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ يَفْسُدُ بِهِ .
وَمِنْ ذَرَعَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ صَوْمِ مَنْ اسْتَقَاءَ عَامِدًا وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ الْقَيْءَ لَا يُفْطِرُ .
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ : الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالِاحْتِلَامُ } .
وَلِأَنَّ الْفِطْرَ بِمَا يَدْخُلُ لَا بِمَا يَخْرُجُ .
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَامِدًا فَلْيَقْضِ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَحَدِيثُهُمْ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، يَرْوِيه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ ، قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَ لَهُمْ يَبْطُلُ بِالْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ .
( 2042 ) فَصْلٌ : وَقَلِيلُ الْقَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ؛ لَا يُفْطِرُ إلَّا بِمِلْءِ الْفَمِ .
لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { وَلَكِنْ دَسْعَةٌ تَمْلَأُ الْفَمَ } .
وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، فَلَا يُفْطِرُ كَالْبَلْغَمِ .
وَالثَّالِثَةُ ، نِصْفُ الْفَمِ ، لِأَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، فَأَفْطَرَ بِهِ كَالْكَثِيرِ .
وَالْأُولَى أَوْلَى لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، وَلِأَنَّ سَائِرَ الْمُفْطِرَاتِ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا وَحَدِيثُ

الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَا نَعْرِفُ لَهُ أَصْلًا .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَيْءِ طَعَامًا ، أَوْ مُرَارًا ، أَوْ بَلْغَمًا ، أَوْ دَمًا ، أَوْ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ دَاخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

( 2043 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَقَدْ أَفْطَرَ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مِنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ ، أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ .
سَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ رِدَّتُهُ بِاعْتِقَادِهِ مَا يَكْفُرُ بِهِ ، أَوْ شَكِّهِ فِيمَا يَكْفُرُ بِالشَّكِّ فِيهِ ، أَوْ بِالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ ، مُسْتَهْزِئًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَهْزِئٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ } .
وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ ، فَأَبْطَلَتْهَا الرِّدَّةُ ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجَّ ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، فَنَافَاهَا الْكُفْرُ ، كَالصَّلَاةِ .

( 2044 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ فَقَدْ أَفْطَرَ ) هَذَا الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا : إنْ عَادَ فَنَوَى قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِفَ النَّهَارُ أَجْزَأَهُ .
بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ الصَّوْمَ يُجْزِئُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ .
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا ، فَلَمْ تَفْسُدْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا ، كَالْحَجِّ .
وَلَنَا أَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ ، فَفَسَدَتْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا ، كَالصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْعِبَادَةِ ، وَلَكِنْ لَمَّا شَقَّ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهَا اُعْتُبِرَ بَقَاءُ حُكْمِهَا ، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا فَإِذَا نَوَاهُ زَالَتْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا ، فَفَسَدَ الصَّوْمُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ .
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ لَا يَطَّرِدُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْحَجَّ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُبْهَمَةِ ، وَبِالنِّيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، فَافْتَرَقَا .

فَصْلٌ : فَأَمَّا صَوْمُ النَّافِلَةِ ، فَإِنْ نَوَى الْفِطْرَ ، ثُمَّ لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ انْقَطَعَتْ ، وَلَمْ تُوجَدْ نِيَّةٌ غَيْرُهَا فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا .
وَإِنْ عَادَ فَنَوَى الصَّوْمَ ، صَحَّ صَوْمُهُ ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْفِطْرِ إنَّمَا أَبْطَلَتْ الْفَرْضَ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النِّيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ حُكْمًا وَخُلُوِّ بَعْضِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ عَنْهَا ، وَالنَّفَلُ مُخَالِفٌ لِلْفَرْضِ فِي ذَلِكَ ، فَلَمْ تَمْنَعْ صِحَّتَهُ نِيَّةُ الْفِطْرِ فِي زَمَنٍ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ نِيَّةِ الصَّوْمِ فِيهِ ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ الْفِطْرِ لَا تَزِيدُ عَلَى عَدَمِ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَعَدَمُهَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ إذَا نَوَى بَعْدَ ذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ إذَا نَوَى الْفِطْرَ ، ثُمَّ نَوَى الصَّوْمَ بَعْدَهُ ، بِخِلَافِ الْوَاجِبِ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الْفِطْرِ ، فَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى بَدَا لَهُ ، ثُمَّ قَالَ : لَا ، بَلْ أُتِمُّ صَوْمِي مِنْ الْوَاجِبِ .
لَمْ يُجْزِئْهُ حَتَّى يَكُونَ عَازِمًا عَلَى الصَّوْمِ يَوْمَهُ كُلَّهُ ، وَلَوْ كَانَ تَطَوُّعًا كَانَ أَسْهَلَ .
وَظَاهِرُ هَذَا مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .
وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَسْأَلُ أَهْلَهُ : هَلْ مِنْ غَدَاءٍ ؟ فَإِنْ قَالُوا : لَا .
قَالَ : إنِّي إذًا صَائِمٌ } .

( 2046 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَوَى أَنَّهُ سَيُفْطِرُ سَاعَةً أُخْرَى .
فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ هُوَ كَنِيَّةِ الْفِطْرِ فِي وَقْتِهِ ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فِي الْفِطْرِ .
فَعَلَى وَجْهَيْنِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّلَاةِ ، وَإِنْ نَوَى أَنَّنِي إنْ وَجَدْت طَعَامًا أَفْطَرْت ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ أَتْمَمْت صَوْمِي .
خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُفْطِرُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ جَازِمًا بِنِيَّةِ الصَّوْمِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءُ النِّيَّةِ بِمِثْلِ هَذَا .
وَالثَّانِي : لَا يُفْطِرُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفِطْرَ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ ، فَإِنَّ النِّيَّةَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ ، وَلِذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ الصَّوْمُ بِمِثْلِ هَذِهِ النِّيَّةِ .

( 2047 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ ، فَأَنْزَلَ ، أَوْ لَمْ يُنْزِلْ ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، إذَا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ، فِي أَنَّ مَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ ، أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ إذَا كَانَ عَامِدًا ، وَقَدْ دَلَّتْ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَلَى ذَلِكَ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا مَسَائِلُ أَرْبَعٍ ؛ ( 2048 ) إحْدَاهَا : أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا بِجِمَاعٍ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : مَنْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ الْأَعْرَابِيَّ بِالْقَضَاءِ .
وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُجَامِعِ : { وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْأَثْرَمُ .
وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ أَفْسَدَهُ بِالْأَكْلِ ، أَوْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ الْوَاجِبَ بِالْجِمَاعِ ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، كَغَيْرِ رَمَضَانَ .

( 2049 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُ مَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ قَضَائِهَا ، فَلَا تَجِبُ فِي أَدَائِهَا ، كَالصَّلَاةِ .
وَلَنَا : مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكْتُ .
قَالَ مَا لَك ؟ قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تَعْتِقُهَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ .
وَالْعَرَقُ : الْمِكْتَلُ ، فَقَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ ؟ فَقَالَ : أَنَا ، قَالَ : خُذْ هَذَا ، فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ : عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي .
فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَطْعِمْهُ أَهْلَك } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْأَدَاءِ فِي ذَلِكَ بِالْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ يَتَعَيَّنُ بِهِ ، وَالْقَضَاءُ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ ، وَالصَّلَاةُ لَا يَدْخُلُ فِي جُبْرَانِهَا الْمَالُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .

( 2050 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ، أَنَّ الْجِمَاعَ دُونَ الْفَرْجِ ، إذَا اقْتَرَنَ بِهِ الْإِنْزَالُ ، فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِجِمَاعٍ ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ ، وَالثَّانِيَةُ : لَا كَفَّارَةَ فِيهِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِغَيْرِ جِمَاعٍ تَامٍّ ، فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، وَلَا نَصَّ فِي وُجُوبِهَا وَلَا إجْمَاعَ وَلَا قِيَاسَ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُوجِبُهَا مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ ، وَيَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ اثْنَا عَشَرَ حُكْمًا .
وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ الْجِمَاعُ بِدُونِ الْإِنْزَالِ ، وَالْجِمَاعُ هَاهُنَا غَيْرُ مُوجِبٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارُهُ بِهِ .

( 2051 ) الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ، أَنَّهُ جَامَعَ نَاسِيًا ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كَالْعَامِدِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ ، وَقَالَ : أَجْبُنُ أَنْ أَقُولَ فِيهِ شَيْئًا ، وَأَنْ أَقُولَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .
قَالَ : سَمِعْته غَيْرَ مَرَّةٍ لَا يَنْفُذُ لَهُ فِيهِ قَوْلٌ .
وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ ، لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا غَيْرُهُ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ .
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى حَرَّمَهُ الصَّوْمُ ، فَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا ، لَمْ يُفْسِدْهُ ؛ كَالْأَكْلِ .
وَكَانَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، يُوجِبُونَ الْقَضَاءَ دُونَ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لِرَفْعِ الْإِثْمِ ، وَهُوَ مَحْطُوطٌ عَنْ النَّاسِي .
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الَّذِي قَالَ : وَقَعْت عَلَى امْرَأَتِي .
بِالْكَفَّارَةِ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ الْعَمْدِ ، وَلَوْ افْتَرَقَ الْحَالُ لَسَأَلَ وَاسْتَفْصَلَ ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ التَّعْلِيلُ بِمَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُ السَّائِلِ وَهُوَ الْوُقُوعُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي الصَّوْمِ ، وَلِأَنَّ السُّؤَالَ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً } .
فَإِنْ قِيلَ : فَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَمْدِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : هَلَكْت .
وَرُوِيَ : احْتَرَقْت .
قُلْنَا : يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ هَلَكَتِهِ لِمَا يَعْتَقِدُهُ فِي الْجِمَاعِ مَعَ النِّسْيَانِ مِنْ إفْسَادِ الصَّوْمِ ، وَخَوْفِهِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تُحَرِّمُ الْوَطْءَ ، فَاسْتَوَى فِيهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ ، كَالْحَجِّ ، وَلِأَنَّ إفْسَادَ الصَّوْمِ وَوُجُوبَ الْكَفَّارَةِ

حُكْمَانِ يَتَعَلَّقَانِ بِالْجِمَاعِ ، لَا تُسْقِطُهُمَا الشُّبْهَةُ ، فَاسْتَوَى فِيهِمَا الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ ، كَسَائِرِ أَحْكَامِهِ .
( 2052 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْفَرْجِ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا ، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : لَا كَفَّارَةَ فِي الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْلَالُ وَلَا الْإِحْصَانُ ، فَلَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ .
وَلَنَا أَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ فِي الْفَرْجِ ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ ، كَالْوَطْءِ ، وَأَمَّا الْوَطْءُ دُونَ الْفَرْجِ ، فَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَلِأَنَّ الْجِمَاعَ دُونَ الْفَرْجِ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ بِمُجَرَّدِهِ ؛ بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ .

( 2053 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْوَطْءُ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ .
فَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ ، مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الْآدَمِيَّةِ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ .
وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِوَطْءِ الْآدَمِيَّةِ فِي إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهِ .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَوْطُوءَةِ زَوْجَةً أَوْ أَجْنَبِيَّةً ، أَوْ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ بِوَطْءِ الزَّوْجَةِ ، فَبِوَطْءِ الْأَجْنَبِيَّةِ أَوْلَى .

( 2054 ) فَصْلٌ : وَيَفْسُدُ صَوْمُ الْمَرْأَةِ بِالْجِمَاعِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ، كَالْأَكْلِ وَهَلْ يَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَلْزَمُهَا .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَلِأَنَّهَا هَتَكَتْ صَوْمَ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ كَالرَّجُلِ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا .
قَالَ أَبُو دَاوُد : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ مَنْ أَتَى أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ ، أَعْلَيْهَا كَفَّارَةٌ ؟ قَالَ : مَا سَمِعْنَا أَنَّ عَلَى امْرَأَةٍ كَفَّارَةً .
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ .
وَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْوَاطِئَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً .
وَلَمْ يَأْمُرْ فِي الْمَرْأَةِ بِشَيْءٍ ، مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُودِ ذَلِكَ مِنْهَا ، وَلِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ مِنْ بَيْنِ جِنْسِهِ ، فَكَانَ عَلَى الرَّجُلِ كَالْمَهْرِ .

( 2055 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الْجِمَاعِ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ .
قَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ امْرَأَةٍ غَصَبَهَا رَجُلٌ نَفْسَهَا ، فَجَامَعَهَا ، أَعْلَيْهَا الْقَضَاءُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قُلْت : وَعَلَيْهَا كَفَّارَةٌ ؟ قَالَ : لَا .
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ .
وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ ، إذَا وَطِئَهَا نَائِمَةً .
وَقَالَ مَالِكٌ فِي النَّائِمَةِ : عَلَيْهَا الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ ، وَالْمُكْرَهَةُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : إنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِوَعِيدٍ حَتَّى فَعَلَتْ ، كَقَوْلِنَا وَإِنْ كَانَ إلْجَاءً لَمْ تُفْطِرْ .
وَكَذَلِكَ إنْ وَطِئَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ .
وَيُخَرَّجُ مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ ، لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا غَيْرُهُ .
أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ مُلْجَأَةً أَوْ نَائِمَةً ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا فِعْلٌ ، فَلَمْ تُفْطِرْ ، كَمَا لَوْ صَبَّ فِي حَلْقِهَا مَاءً بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ جِمَاعٌ فِي الْفَرْجِ ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَتْ بِالْوَعِيدِ ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْوَطْءُ ، فَفَسَدَتْ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ .
وَيُفَارِقُ الْأَكْلَ ، فَإِنَّهُ يُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ ، بِخِلَافِ الْجِمَاعِ .

فَصْلٌ : فَإِنْ تَسَاحَقَتْ امْرَأَتَانِ ، فَلَمْ يُنْزِلَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا .
وَإِنْ أَنْزَلَتَا ، فَسَدَ صَوْمُهُمَا .
وَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُمَا حُكْمَ الْمُجَامِعِ دُونَ الْفَرْجِ إذَا أَنْزَلَ ، أَوْ لَا يَلْزَمُهُمَا كَفَّارَةٌ بِحَالٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ الْمَرْأَةِ هَلْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ ، أَنَّهُمَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .
وَإِنْ سَاحَقَ الْمَجْبُوبُ فَأَنْزَلَ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ .

( 2057 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَامَعَتْ الْمَرْأَةُ نَاسِيَةً لِلصَّوْمِ .
فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : حُكْمُ النِّسْيَانِ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا فِيهِمَا ، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ يَحْصُلُ بِهِ الْفِطْرُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ مَعَ النِّسْيَانِ ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهَا الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، فَأَشْبَهَ الْأَكْلَ .

( 2058 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى الْجِمَاعِ ، فَسَدَ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُفْسِدَ صَوْمُ الْمَرْأَةِ فَصَوْمُ الرَّجُلِ أَوْلَى .
وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْوَطْءِ لَا يُمْكِنُ ، لِأَنَّهُ لَا يَطَأُ حَتَّى يَنْتَشِرَ ، وَلَا يَنْتَشِرُ إلَّا عَنْ شَهْوَةٍ ، فَكَانَ كَغَيْرِ الْمُكْرَهِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ .
رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةً ، أَوْ مَاحِيَةً لِلذَّنْبِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا مَعَ الْإِكْرَاهِ ، لِعَدَمِ الْإِثْمِ فِيهِ ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } وَلِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ ، لَاخْتِلَافِهِمَا فِي وُجُودِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ .
فَأَمَّا إنْ كَانَ نَائِمًا ، مِثْلُ أَنْ كَانَ عُضْوُهُ مُنْتَشِرًا فِي حَالِ نَوْمِهِ ، فَاسْتَدْخَلَتْهُ امْرَأَتُهُ .
فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ إلْجَاءً ، مِثْلُ أَنْ غَلَبَتْهُ فِي حَالِ يَقَظَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى حَرَّمَهُ الصَّوْمُ حَصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَلَمْ يُفْطِرْ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى حَلْقِهِ ذُبَابَةً .
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا غَصَبَهَا رَجُلٌ نَفْسَهَا فَجَامَعَهَا : عَلَيْهَا الْقَضَاءُ .
فَالرَّجُلُ أَوْلَى .
وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْجِمَاعُ ، فَاسْتَوَى فِي ذَلِكَ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ وَالْإِكْرَاهِ ، كَالْحَجِّ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْجِمَاعِ عَلَى غَيْرِهِ فِي عَدَمِ الْإِفْسَادِ لِتَأَكُّدِهِ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ ، وَإِفْسَادِهِ لِلْحَجِّ مِنْ بَيْنَ سَائِرِ مَحْظُورَاتِهِ ، وَإِيجَابِ الْحَدَّ بِهِ إذَا كَانَ زِنًا .

( 2059 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْفِطْرِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : تَجِبُ عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي أَدَائِهَا ، فَوَجَبَتْ فِي قَضَائِهَا ، كَالْحَجِّ .
وَلَنَا أَنَّهُ جَامَعَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ جَامَعَ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ ، وَيُفَارِقُ الْقَضَاءُ الْأَدَاءَ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ بِزَمَانٍ مُحْتَرَمٍ ، فَالْجِمَاعُ فِيهِ هَتْكٌ لَهُ ، بِخِلَافِ الْقَضَاءِ .

( 2060 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جَامَعَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ ، أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً فَحَاضَتْ أَوْ نُفِسَتْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ ، لَمْ تَسْقُطْ الْكَفَّارَةُ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَإِسْحَاقُ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمْ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَحَقًّا ، فَلَمْ يَجِبْ بِالْوَطْءِ فِيهِ كَفَّارَةٌ ، كَصَوْمِ الْمُسَافِرِ ، أَوْ كَمَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ مِنْ شَوَّالٍ .
وَلَنَا : أَنَّهُ مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يُسْقِطْهَا ، كَالسَّفَرِ ، وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ ، فَاسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ عُذْرٌ ، وَالْوَطْءُ فِي صَوْمِ الْمُسَافِرِ مَمْنُوعٌ ، وَإِنْ سَلِمَ فَالْوَطْءُ ثَمَّ لَمْ يُوجِبْ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُبَاحٌ ، فِي سَفَرٍ أُبِيحَ الْفِطْرُ فِيهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَكَذَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ شَوَّالٍ ، فَإِنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ مُوجِبٍ ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْوَطْءَ لَمْ يُصَادِفْ رَمَضَانَ ، وَالْمُوجِبُ إنَّمَا هُوَ الْوَطْءُ الْمُفْسِدُ لِصَوْمِ رَمَضَانَ .

( 2061 ) فَصْلٌ : إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ ، فَاسْتَدَامَ الْجِمَاعَ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجِبُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ لَمْ يُصَادِفْ صَوْمًا صَحِيحًا ، فَلَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ وَجَامَعَ .
وَلَنَا أَنَّهُ تَرَكَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ لِحُرْمَةِ الصَّوْمِ ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَعَكْسُهُ إذَا لَمْ يَنْوِ ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُهُ لِتَرْكِ النِّيَّةِ لَا الْجِمَاعِ ، وَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ أَيْضًا .
وَأَمَّا إنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ مَعَ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ .
وَالْقَاضِي : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ يَلْتَذُّ بِهِ ، فَتَعَلَّقَ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِدَامَةِ ، كَالْإِيلَاجِ .
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلْجِمَاعِ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا وَهُوَ فِيهَا ، فَخَرَجَ مِنْهَا ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَبْطُلُ صَوْمُهُ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلَهُ فِي تَرْكِ الْجِمَاعِ ، فَأَشْبَهَ الْمُكْرَهَ .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقْرُبُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ ، إذْ لَا يَكَادُ يَعْلَمُ أَوَّلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَقَّبُهُ النَّزْعُ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ شَيْءٌ مِنْ الْجِمَاعِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى فَرْضِهَا ، وَالْكَلَامِ فِيهَا .

( 2062 ) فَصْلٌ : وَمَنْ جَامَعَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَعَ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .
وَلَوْ عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ الْوَطْءِ فَاسْتَدَامَ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَأْثَمْ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ ، كَوَطْءِ النَّاسِي ، وَإِنْ عَلِمَ فَاسْتَدَامَ فَقَدْ حَصَلَ الْوَطْءُ الَّذِي يَأْثَمُ بِهِ فِي غَيْرِ صَوْمٍ .
وَلَنَا حَدِيثُ الْمُجَامِعِ ، إذْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّكْفِيرِ ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ وَلَا تَفْصِيلٍ .
وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ ، وَوَطْءُ النَّاسِي مَمْنُوعٌ .
ثُمَّ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْفِطْرُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .

( 2063 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ كَفَّارَةَ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي التَّرْتِيبِ ، يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ إنْ أَمْكَنَهُ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ انْتَقَلَ إلَى الصِّيَامِ ، فَإِنْ عَجَزَ انْتَقَلَ إلَى إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .
وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ ، وَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ .
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ ، أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، أَوْ إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَ ( أَوْ ) حَرْفُ تَخْيِيرٍ .
وَلِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْمُخَالَفَةِ ، فَكَانَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ .
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : الَّذِي نَأْخُذُ بِهِ فِي الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ، إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، أَوْ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَلَيْسَ التَّحْرِيرُ وَالصِّيَامُ مِنْ كَفَّارَةِ رَمَضَانَ فِي شَيْءٍ .
وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِمُخَالَفَتِهِ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ، وَلَا شَيْءَ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ .
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ، رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ

أُمَيَّةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِلْوَاقِعِ عَلَى أَهْلِهِ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : } لَا .
وَذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ ، وَهَذَا لَفْظُ التَّرْتِيبِ ، وَالْأَخْذُ بِهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ اتَّفَقُوا عَلَى رِوَايَتِهِ هَكَذَا ، سِوَى مَالِكٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ ، فِيمَا عَلِمْنَا ، وَاحْتِمَالُ الْغَلَطِ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِهِ فِي سَائِرِ أَصْحَابِهِ .
وَلِأَنَّ التَّرْتِيبَ زِيَادَةٌ ، وَالْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ مُتَعَيِّنٌ .
وَلِأَنَّ حَدِيثَنَا لَفْظُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثَهُمْ لَفْظُ الرَّاوِي ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَوَاهُ ب ( أَوْ ) لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ سَوَاءٌ ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ فِيهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، فَكَانَتْ عَلَى التَّرْتِيبِ ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ .

( 2064 ) فَصْلٌ : فَإِذَا عَدِمَ الرَّقَبَةَ ، انْتَقَلَ إلَى صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي دُخُولِ الصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ ، إلَّا شُذُوذًا لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ، لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ .
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ أَوْجَبَهُ أَنَّهُ شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ ، لِلْخَبَرِ أَيْضًا .
فَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الصِّيَامِ حَتَّى وَجَدَ الرَّقَبَةَ لَزِمَهُ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ الْمُوَاقِعَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، حِينَ أَخْبَرَهُ بِالْعِتْقِ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَمَّا كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ حَالَةَ الْمُوَاقَعَةِ ، وَهِيَ حَالَةُ الْوُجُوبِ ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْبَدَلِ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ وَاجِدًا لَهُ حَالَ الْوُجُوبِ .
وَإِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِعْتَاقِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْعِتْقَ فَيُجْزِئَهُ ، وَيَكُونُ قَدْ فَعَلَ الْأَوْلَى .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ أَدَاءِ فَرْضِهِ بِالْبَدَلِ ، فَبَطَلَ حُكْمُ الْمُبْدَلِ ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَرَى الْمَاءَ .
وَلَنَا أَنَّهُ شَرَعَ فِي الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ ، فَأَجْزَأَتْهُ ، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ الْعَجْزُ إلَى فَرَاغِهَا ، وَفَارَقَ الْعِتْقُ التَّيَمُّمَ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، وَإِنَّمَا يَسْتُرُهُ ، فَإِذَا وُجِدَ الْمَاءُ ظَهَرَ حُكْمُهُ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ حُكْمَ الْجِمَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ .
الثَّانِي ، أَنَّ الصِّيَامَ تَطُولُ مُدَّتُهُ ، فَيَشُقُّ إلْزَامُهُ الْجَمْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ .

( 2065 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مَدٌّ مِنْ بُرٍّ ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي دُخُولِ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ فِي الْجُمْلَةِ ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْخَبَرِ ، وَالْوَاجِبُ فِيهِ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ ، وَهُوَ فِي الْخَبَرِ أَيْضًا ، وَلِأَنَّهُ إطْعَامٌ فِي كَفَّارَةٍ فِيهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَكَانَ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ مَا يُطْعَمُ كُلُّ مِسْكِينٍ ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ ، وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ شَعِيرٍ ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ ثَلَاثِينَ صَاعًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ الْبُرِّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ ، وَمِنْ غَيْرِهِ صَاعٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ : { فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يُطْعِمُ مَدًّا مِنْ أَيِّ الْأَنْوَاعِ شَاءَ .
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، فِي حَدِيثِ الْمُجَامِعِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِمِكْتَلٍ مِنْ تَمْرٍ ، قَدْرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، فَقَالَ : { خُذْ هَذَا ، فَأُطْعِمْهُ عَنْك } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَلَنَا مَا رَوَى أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ قَالَ : { جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بِنِصْفِ وَسْقٍ شَعِيرٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُظَاهِرِ : أَطْعِمْ هَذَا ، فَإِنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ } .
وَلِأَنَّ فِدْيَةَ الْأَذَى نِصْفُ صَاعٍ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، بِلَا خِلَافٍ ، فَكَذَا هَذَا .
وَالْمُدُّ مِنْ الْبُرِّ يَقُومُ مَقَامَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِنَا ، وَلِأَنَّ الْإِجْزَاءَ بِمُدٍّ

مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، وَحَدِيثُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاصِرًا عَنْ الْوَاجِبِ ، فَاجْتُزِئَ بِهِ لِعَجْزِ الْمُكَفِّرِ عَمَّا سِوَاهُ .

( 2066 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الدَّقِيقِ أَوْ السَّوِيقِ أَجْزَأَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ .
وَإِنْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ أَوْ عَشَّاهُمْ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدَّرَ مَا يُجْزِئُ فِي الدَّفْعِ بِمُدٍّ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ ، وَإِذَا أَطْعَمَهُمْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اسْتَوْفَى الْوَاجِبَ لَهُ ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ قَدْرَ مَا يُطْعَمُهُ كُلُّ مِسْكِينٍ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَهِيَ مُقَيِّدَةٌ لِمُطْلَقِ الْإِطْعَامِ الْمَذْكُورِ ، وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مِسْكِينٍ اسْتَوْفَى مَا يَجِبُ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ تَمْلِيكُ الْمِسْكِينِ طَعَامَهُ ، وَالْإِطْعَامُ إبَاحَةٌ ، وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ .
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ؛ إنْ أَفْرَدَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قَدْرَ الْوَاجِبِ لَهُ ، فَأَطْعَمَهُ إيَّاهُ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ قَالَ : هَذَا لَك تَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شِئْتَ .
أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَّكَهُ إيَّاهُ .
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَطْعَمَهُ مَا يَجِبُ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَلَّكَهُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلَّكْهُ إيَّاهُ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يُجْزِئُهُ أَنْ يَجْمَعَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَيُطْعِمَهُمْ .
قَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ يُسْأَلُ عَنْ امْرَأَةٍ أَفْطَرَتْ رَمَضَانَ ، ثُمَّ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ آخَرُ ، ثُمَّ مَاتَتْ .
قَالَ : كَمْ أَفْطَرَتْ ؟ قَالَ : ثَلَاثِينَ يَوْمًا .
قَالَ : فَاجْمَعْ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا ، وَأُطْعِمْهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَأُشْبِعْهُمْ .
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُجَامِعِ : ( أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) .
وَهَذَا قَدْ أَطْعَمَهُمْ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
وَقَالَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } .
وَهَذَا قَدْ

أَطْعَمَهُمْ .
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ، فَجَمَعَ الْمَسَاكِينَ ، وَوَضَعَ جِفَانًا فَأَطْعَمَهُمْ .
وَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَأَجْزَأْهُ ، كَمَا لَوْ مَلَّكَهُ إيَّاهُ .
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إنْ أَطْعَمَهُمْ قَدْرَ الْوَاجِبِ لَهُمْ أَجْزَأْهُ ، وَإِنْ أَطْعَمَهُمْ دُونَ ذَلِكَ فَأَشْبَعَهُمْ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَطْعَمَهُمْ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطْعِمْهُمْ مَا وَجَبَ لَهُمْ .

( 2067 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ ، مِنْ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَدَقِيقِهِمَا ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَفِي الْأَقِطِ وَجْهَانِ ، وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي السَّوِيقِ فَإِنْ كَانَ قُوتُهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ ، كَالدُّخْنِ ، وَالذُّرَةِ ، وَالْأُرْزِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُجْزِئُ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ .
وَالثَّانِي ، يُجْزِئُ .
اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْإِطْعَامِ مُطْلَقًا ، وَلَمْ يَرِدْ تَقْيِيدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ ، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ الْمِسْكِينَ مِنْ طَعَامِهِ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ طَعَامُهُ بُرًّا فَأَطْعَمَهُ مِنْهُ ، وَهَذَا أَظْهَرُ .

( 2068 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ ، سَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا دَفَعَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّمْرَ ، وَأَخْبَرَهُ بِحَاجَتِهِ إلَيْهِ ، قَالَ : ( أَطْعِمْهُ أَهْلَك ) .
وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ أُخْرَى .
وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا بُدَّ مِنْ التَّكْفِيرِ ، وَهَذَا خَاصٌّ لِذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ ، لَا يَتَعَدَّاهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعْسَارِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعَرَقَ ، وَلَمْ يُسْقِطْهَا عَنْهُ ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاجِبَةٌ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْعَجْزِ عَنْهَا ، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ .
وَهَذَا رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .
وَلَنَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ، وَدَعْوَى التَّخْصِيصِ لَا تُسْمَعُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَجْزِهِ فَلَمْ يُسْقِطْهَا .
قُلْنَا : قَدْ أَسْقَطَهَا عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ ؛ لِأَنَّهُ اطِّرَاحٌ لِلنَّصِّ بِالْقِيَاسِ ، وَالنَّصُّ أَوْلَى ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْعَجْزِ فِي حَالَةِ الْوُجُوبِ ، وَهِيَ حَالَةُ الْوَطْءِ .

( 2069 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ جَامَعَ ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا جَامَعَ ثَانِيًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، أَوْ فِي يَوْمَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةُ تُجْزِئُهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَإِنْ كَانَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .
وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي ؛ لِأَنَّهَا جَزَاءٌ عَنْ جِنَايَةٍ تَكَرَّرَ سَبَبُهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا ، فَيَجِبُ أَنْ تَتَدَاخَلَ كَالْحَدِّ .
وَالثَّانِي : لَا تُجْزِئُ وَاحِدَةٌ ، وَيَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ .
اخْتَارَهُ الْقَاضِي ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَمَكْحُولٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ ، فَإِذَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهِ لَمْ تَتَدَاخَلْ ، كَرَمَضَانَيْنِ ، وَكَالْحَجَّتَيْنِ .

( 2070 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَفَّرَ ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً ، فَكَفَّارَةُ ثَانِيَةٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَفَّرَ ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، أَوْ فِي يَوْمَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ فِي يَوْمَيْنِ ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ .
فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي كُلِّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا ، مِثْلُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ ، أَوْ أَكَلَ عَامِدًا ، ثُمَّ جَامَعَ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا شَيْء عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْجِمَاعِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ الصَّوْمَ ، وَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ ، فَلَمْ يُوجِبْ شَيْئًا ، كَالْجِمَاعِ فِي اللَّيْلِ .
وَلَنَا أَنَّ الصَّوْمَ فِي رَمَضَانَ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ فِيهَا ، فَتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْوَطْءِ إذَا كَانَ بَعْدَ التَّكْفِيرِ ، كَالْحَجِّ ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لِحُرْمَةِ رَمَضَانَ ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْأَوَّلِ ، وَفَارَقَ الْوَطْءَ فِي اللَّيْلِ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ .
فَإِنْ قِيلَ : الْوَطْءُ الْأَوَّلُ تَضَمَّنَ هَتْكَ الصَّوْمِ ، وَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيجَابِ ، فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ .
قُلْنَا : هُوَ مُلْغًى بِمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَاسْتَدَامَ ، فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الصَّوْمَ .

( 2071 ) فَصْلٌ : إذَا أَصْبَحَ مُفْطِرًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ ، فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ ، لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ : يَأْكُلُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرَ عَطَاءٍ .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَهَا غَيْرَهُ ، وَأَظُنُّ هَذَا غَلَطًا ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ وَطِئَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ عَادَ فَوَطِئَ فِي يَوْمِهِ ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْيَوْمِ لَمْ تَذْهَبْ ، فَإِذَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى غَيْرِ الصَّائِمِ لِحُرْمَةِ الْيَوْمِ ، فَكَيْفَ يُبِيحُ الْأَكْلَ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ وَأَشْبَاهِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ كَانَ لَهُ الْفِطْرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفِطْرُ فِي الْبَاطِنِ مُبَاحًا ، فَأَشْبَهَ مَنْ أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنْ جَامَعَ فِيهِ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، كَاَلَّذِي أَصْبَحَ لَا يَنْوِي الصِّيَامَ ، أَوْ أَكَلَ ثُمَّ جَامَعَ .
وَإِنْ كَانَ جِمَاعُهُ قَبْلَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ جَامَعَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ ، عَلَى مَا مَضَى فِيهِ .

( 2072 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَنْ أَفْطَرَ وَالصَّوْمُ لَازِمٌ لَهُ ، كَالْمُفْطِرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَالْمُفْطِرِ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ وَلَمْ تَغِبْ ، أَوْ النَّاسِي لِنِيَّةِ الصَّوْمِ ، وَنَحْوِهِمْ ، يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ .
لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا .
إلَّا أَنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ عَطَاءٍ فِي الْمَعْذُورِ فِي الْفِطْرِ ، إبَاحَةُ فِطْرِ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ ، قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ .
وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ، لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ .

( 2073 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمُسَافِرِ ، وَالصَّبِيِّ ، وَالْمَجْنُونِ ، وَالْكَافِرِ ، وَالْمَرِيضِ ، إذَا زَالَتْ أَعْذَارُهُمْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ ، فَطَهُرَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ ، وَأَقَامَ الْمُسَافِرُ ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ ، وَصَحَّ الْمَرِيضُ الْمُفْطِرُ ، فَفِيهِمْ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْجَبَ الصِّيَامَ ، فَإِذَا طَرَأَ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْجَبَ الْإِمْسَاكَ ، كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِالرُّؤْيَةِ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ .
وَلِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ فِطْرُ أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَإِذَا أَفْطَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَهُ إلَى آخِرِ النَّهَارِ ، كَمَا لَوْ دَامَ الْعُذْرُ .
فَإِذَا جَامَعَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ ، بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ ، انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ .
فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ فِي حَقِّهِ إذَا جَامَعَ .
وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ .
فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ أَحَدِ هَؤُلَاءِ ، وَالْآخَرُ لَا عُذْرَ لَهُ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمُ نَفْسِهِ ، عَلَى مَا مَضَى .
وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا مَعْذُورَيْنِ فَحُكْمُهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ عُذْرُهُمَا ، مِثْلُ أَنْ يَقْدَمَا مِنْ سَفَرٍ ، أَوْ يَصِحَّا مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ اخْتَلَفَ ، مِثْلُ أَنْ يَقْدَمَ الزَّوْجُ مِنْ سَفَرٍ ، وَتَطْهُرَ الْمَرْأَةُ مِنْ الْحَيْضِ ، فَيُصِيبَهَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ

قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضٍ ، فَأَصَابَهَا .
فَأَمَّا إنَّ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ صِغَرِهِ ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إنْ وَطِئَ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، فِي الْمُسَافِرِ خَاصَّةً : وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ الْفِطْرُ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَكَانَتْ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ ، كَمَا لَوْ قَدِمَ مُفْطِرًا .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ زَالَ قَبْلَ التَّرَخُّصِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ قَدِمَتْ بِهِ السَّفِينَةُ قَبْلَ قَصْرِ الصَّلَاةِ ، وَكَالْمَرِيضِ يَبْرَأُ ، وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ .
وَهَذَا يَنْقُضُ مَا ذَكَرُوهُ .
وَلَوْ عَلِمَ الصَّبِيُّ أَنَّهُ يَبْلُغُ فِي أَثْنَاء النَّهَارِ بِالسِّنِّ ، أَوْ عَلِمَ الْمُسَافِرُ أَنَّهُ يَقْدَمُ ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا الصِّيَامُ قَبْلَ زَوَالِ عُذْرِهِمَا ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ مَوْجُودٌ ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمَا ذَلِكَ .

( 2074 ) فَصْلٌ : وَيَلْزَمُ الْمُسَافِرَ وَالْحَائِضَ وَالْمَرِيضَ الْقَضَاءُ ، إذَا أَفْطَرُوا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
وَالتَّقْدِيرُ : فَأَفْطَرَ .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ : كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ .
وَإِنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ ، أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ ، فِي أَثْنَاء النَّهَارِ ، وَالصَّبِيُّ مُفْطِرٌ ، فَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا وَقْتًا يُمْكِنُهُمْ التَّلَبُّسُ بِالْعِبَادَةِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَالَ عُذْرُهُمْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ .
وَالثَّانِيَةُ : يَلْزَمُهُمْ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا بَعْضَ وَقْتِ الْعِبَادَةِ ، فَلَزِمَهُمْ الْقَضَاءُ ، كَمَا لَوْ أَدْرَكُوا بَعْضَ وَقْتِ الصَّلَاةِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، وَقَدْ كَانَ طَلَعَ ، أَوْ أَفْطَرَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ ، وَلَمْ تَغِبْ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ .
وَحُكِيَ عَنْ عُرْوَةَ ، وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ ، وَإِسْحَاقَ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : كُنْت جَالِسًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ ، فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَأُتِينَا بِعِسَاسٍ فِيهَا شَرَابٌ مِنْ بَيْتِ حَفْصَةَ ، فَشَرِبْنَا ، وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهُ مِنْ اللَّيْلِ ، ثُمَّ انْكَشَفَ السَّحَابُ ، فَإِذَا الشَّمْسُ طَالِعَةٌ .
قَالَ : فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ : نَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ .
فَقَالَ عُمَرُ : وَاَللَّهِ لَا نَقْضِيه ، مَا تَجَانَفْنَا لَإِثْمٍ .
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْأَكْلَ فِي الصَّوْمِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ ، كَالنَّاسِي .
وَلَنَا أَنَّهُ أَكَلَ مُخْتَارًا ، ذَاكِرًا لِلصَّوْمِ ، فَأَفْطَرَ ، كَمَا لَوْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكَّ ، وَلِأَنَّهُ جَهْلٌ بِوَقْتِ الصِّيَامِ ، فَلَمْ يُعْذَرْ بِهِ ، كَالْجَهْلِ بِأَوَّلِ رَمَضَانَ ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ أَكْلَ الْعَامِدِ ، وَفَارَقَ النَّاسِيَ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ .
وَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ : مَنْ أَكَلَ فَلْيَقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ .
وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي ( الْمُوَطَّأِ ) ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ : الْخَطْبُ يَسِيرٌ .
يَعْنِي خِفَّةَ الْقَضَاءِ .
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ .
عَنْ فَاطِمَةَ امْرَأَتِهِ ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ : { أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمٍ غَيْمٍ ، ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ .
قِيلَ لِهِشَامٍ : أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ ؟ قَالَ : لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ ؟ } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .

( 2076 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الْأَمْرَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ ، وَلَهُ الْأَكْلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الْفَجْرِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي .
وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَابْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَقَالَ مَالِكٌ ؛ يَجِبُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّوْمِ فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ ، وَلِأَنَّهُ أَكَلَ شَاكًّا فِي النَّهَارِ وَاللَّيْلِ ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ ، كَمَا لَوْ أَكَلَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } .
مَدَّ الْأَكْلَ إلَى غَايَةِ التَّبَيُّنِ ، وَقَدْ يَكُونُ شَاكًّا قَبْلَ التَّبَيُّنِ ، فَلَوْ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ لَحَرُمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَكُلُوا ، وَاشْرَبُوا ، حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ } وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى ، لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ : أَصْبَحْت أَصْبَحْت .
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ ، فَيَكُونُ زَمَانُ الشَّكِّ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ يَقِينُ زَوَالِهِ ، بِخِلَافِ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ ، فَبَنَى عَلَيْهِ .

( 2077 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ .
وَإِنْ كَانَ حِينَ الْأَكْلِ ظَانًّا أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ ، أَوْ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ الْأَكْلِ ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ يَقِينٌ أَزَالَ ذَلِكَ الظَّنَّ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ، ثُمَّ شَكَّ فِي الْإِصَابَةِ بَعْدَ صَلَاتِهِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمُبَاحٌ لِمَنْ جَامَعَ بِاللَّيْلِ أَنْ لَا يَغْتَسِلَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، وَهُوَ عَلَى صَوْمِهِ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ الْجُنُبَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْغُسْلَ حَتَّى يُصْبِحَ ، ثُمَّ يَغْتَسِلَ ، وَيُتِمَّ صَوْمَهُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدٌ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَأَبُو ذَرٍّ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، فِي أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَاللَّيْثُ ، فِي أَهْلِ مِصْرَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ ، فِي أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَدَاوُد ، فِي أَهْلِ الظَّاهِرِ .
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ : لَا صَوْمَ لَهُ .
وَيَرْوِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ فُتْيَاهُ .
وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَا : يُتِمُّ صَوْمَهُ وَيَقْضِي .
وَعَنْ النَّخَعِيِّ فِي رِوَايَةٍ : يَقْضِي فِي الْفَرْضِ دُونَ التَّطَوُّعَ .
وَعَنْ عُرْوَةَ ، وَطَاوُسٍ : إنْ عَلِمَ بِجَنَابَتِهِ فِي رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى أَصْبَحَ ، فَهُوَ مُفْطِرٌ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَهُوَ صَائِمٌ .
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ .
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، قَالَ : { ذَهَبْت أَنَا وَأَبِي حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ، فَقَالَتْ : أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا ، مِنْ جِمَاعٍ ، مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ ، ثُمَّ يَصُومُهُ } .
ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَأَخْبَرْنَاهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : هُمَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ ، إنَّمَا حَدَّثَنِيهِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي خَبَرِ أَبِي

هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى الصَّائِمِ بَعْدَ النَّوْمِ ، فَلَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ الْجِمَاعَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، جَازَ لِلْجُنُبِ إذَا أَصْبَحَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَنْ يَصُومَ .
وَرَوَتْ عَائِشَةُ { أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا ، وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا ، وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّك لَسْتَ مِثْلَنَا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ .
فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي } .
رَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي ( مُوَطَّئِهِ ) وَمُسْلِمٌ فِي ( صَحِيحِهِ ) .

( 2079 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا مِنْ اللَّيْلِ ، فَهِيَ صَائِمَةٌ إذَا نَوَتْ الصَّوْمَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَتَغْتَسِلُ إذَا أَصْبَحَتْ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا مِنْ اللَّيْلِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْجُنُبِ سَوَاءٌ ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّ وُجِدَ جُزْءٌ مِنْهُ فِي النَّهَارِ أَفْسَدَ الصَّوْمَ ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَنْوِيَ الصَّوْمَ أَيْضًا مِنْ اللَّيْلِ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ .
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَالْعَنْبَرِيُّ : تَقْضِي ، فَرَّطَتْ فِي الِاغْتِسَالِ أَوْ لَمْ تُفَرِّطْ ؛ لِأَنَّ حَدَثَ الْحَيْضِ يَمْنَعُ الصَّوْمَ ، بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ .
وَلَنَا أَنَّهُ حَدَثٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ ، فَتَأْخِيرُ الْغُسْلِ مِنْهُ إلَى أَنْ يُصْبِحَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ ، كَالْجَنَابَةِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ مَنْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ لَيْسَتْ حَائِضًا ، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا حَدَثٌ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ ، فَهِيَ كَالْجُنُبِ ، فَإِنَّ الْجِمَاعَ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ لَوْ وُجِدَ فِي الصَّوْمِ أَفْسَدَهُ ، كَالْحَيْضِ ، وَبَقَاءُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ كَبَقَاءِ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ .
وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } .
فَلَمَّا أَبَاحَ الْمُبَاشَرَةَ إلَى تَبَيُّنِ الْفَجْرِ ، عُلِمَ أَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَهُ .

( 2080 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْحَامِلُ إذَا خَافَتْ عَلَى جَنِينِهَا ، وَالْمُرْضِعُ عَلَى وَلَدِهَا ، أَفْطَرَتَا ، وَقَضَتَا ، وَأَطْعَمَتَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ ، إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا ، فَلَهُمَا الْفِطْرُ ، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ فَحَسْبُ .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافًا ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ .
وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا ، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ .
وَهَذَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ .
وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ اللَّيْثُ : الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمُرْضِعِ دُونَ الْحَامِلِ .
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ ، لِأَنَّ الْمُرْضِعَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهَا ، بِخِلَافِ الْحَامِلِ ، وَلِأَنَّ الْحَمْلَ مُتَّصِلٌ بِالْحَامِلِ ، فَالْخَوْفُ عَلَيْهِ كَالْخَوْفِ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهَا .
وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ ، وَعَنْ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ - أَوْ - الصِّيَامَ } وَاَللَّهِ لَقَدْ قَالَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .
وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ ، وَلِأَنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لِعُذْرٍ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ كَفَّارَةٌ ، كَالْفِطْرِ لِلْمَرَضِ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } .
وَهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي عُمُومِ الْآيَةِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ ، وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ ، أَنْ يُفْطِرَا ، وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ،

وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا ، أَفْطَرَتَا ، وَأَطْعَمَتَا .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ .
وَلِأَنَّهُ فِطْرٌ بِسَبَبِ نَفْسٍ عَاجِزَةٍ عَنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ ، وَخَبَرُهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكَفَّارَةِ ، فَكَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى الدَّلِيلِ ، كَالْقَضَاءِ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ ، وَالْمَرِيضُ أَخَفُّ حَالًا مِنْ هَاتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُفْطِرُ بِسَبَبِ نَفْسِهِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي إطْعَامِ الْمِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ شَعِيرٍ .
وَالْخِلَافُ فِيهِ ، كَالْخِلَافِ فِي إطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ لَازِمٌ لَهُمَا .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ تَنَاوَلَتْهُمَا ، وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْإِطْعَامُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ } .
وَلَنَا أَنَّهُمَا يُطِيقَانِ الْقَضَاءَ ، فَلَزِمَهُمَا ، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ ، وَالْآيَةُ أَوْجَبَتْ الْإِطْعَامَ ، وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْقَضَاءِ ، فَأَخَذْنَاهُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ .
وَالْمُرَادُ بِوَضْعِ الصَّوْمِ وَضْعُهُ فِي مُدَّةِ عُذْرِهِمَا ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ } .
وَلَا يُشْبِهَانِ الشَّيْخَ الْهَرِمِ ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْقَضَاءِ ، وَهُمَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ .
قَالَ أَحْمَدُ : أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .
يَعْنِي وَلَا أَقُولُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ .

( 2081 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ أَفْطَرَ ، وَأَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ ، وَالْعَجُوزَ ، إذَا كَانَ يُجْهِدُهُمَا الصَّوْمُ ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً ، فَلَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا .
وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الصَّوْمَ لِعَجْزِهِ ، فَلَمْ تَجِبْ فِدْيَةٌ ، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ لِمَرَضٍ اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .
وَلَنَا الْآيَةُ ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهَا : نَزَلَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ .
وَلِأَنَّ الْأَدَاءَ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ إلَى الْكَفَّارَةِ كَالْقَضَاءِ .
وَأَمَّا الْمَرِيضُ إذَا مَاتَ ، فَلَا يَجِبُ الْإِطْعَامُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمَيِّتِ ابْتِدَاءً ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَمْكَنَهُ الصَّوْمُ ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِطْعَامِ يَسْتَنِدُ إلَى حَالِ الْحَيَاةِ ، وَالشَّيْخُ الْهَرِمُ لَهُ ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْإِطْعَامِ أَيْضًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَ { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } .

( 2082 ) فَصْلٌ : وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، يُفْطِرُ ، وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّيْخِ .
قَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَنْ بِهِ شَهْوَةُ الْجِمَاعِ غَالِبَةٌ ، لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ ، وَيَخَافُ أَنْ تَنْشَقَّ أُنْثَيَاهُ : أَطْعِمْ .
أَبَاحَ لَهُ الْفِطْرَ ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَهُوَ كَالْمَرِيضِ ، وَمِنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ لِعَطَشٍ أَوْ نَحْوِهِ ، وَأَوْجَبَ الْإِطْعَامَ بَدَلًا عَنْ الصِّيَامِ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَرْجُو إمْكَانَ الْقَضَاءِ ، فَإِنْ رَجَا ذَلِكَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ، وَالْوَاجِبُ انْتِظَارُ الْقَضَاءِ وَفِعْلُهُ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى الْفِدْيَةِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ الْقَضَاءِ ، فَإِنْ أَطْعَمَ مَعَ يَأْسِهِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الصِّيَامِ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ بَرِئَتْ بِأَدَاءِ الْفِدْيَةِ الَّتِي كَانَتْ هِيَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَعُدْ إلَى الشُّغْلِ بِمَا بَرِئَتْ مِنْهُ ، وَلِهَذَا قَالَ الْخِرَقِيِّ : فَمَنْ كَانَ مَرِيضًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، أَوْ شَيْخًا لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، أَقَامَ مِنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ ، وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ ، وَإِنْ عُوفِيَ .
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ بَدَلُ يَأْسٍ ، وَقَدْ تَبَيَّنَّا ذَهَابَ الْيَأْسِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ الْحَيْضِ ، ثُمَّ حَاضَتْ .

( 2083 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ ، أَوْ نَفِسَتْ ، أَفْطَرَتْ وَقَضَتْ ؛ فَإِنْ صَامَتْ ، لَمْ يُجْزِئْهَا ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا يَحِلُّ لَهُمَا الصَّوْمُ ، وَأَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ رَمَضَانَ ، وَيَقْضِيَانِ ، وَأَنَّهُمَا إذَا صَامَتَا لَمْ يُجْزِئْهُمَا الصَّوْمُ ، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ : { كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَالْأَمْرُ إنَّمَا هُوَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَيْسَ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ ، فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُهُ .
وَمَتَى وُجِدَ الْحَيْضُ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ فَسَدَ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، سَوَاءٌ وُجِدَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ ، وَمَتَى نَوَتْ الْحَائِضُ الصَّوْمَ ، وَأَمْسَكَتْ ، مَعَ عِلْمِهَا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ، أَتَمَّتْ ، وَلَمْ يُجْزِئْهَا .

( 2084 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ أَمْكَنَهَا الْقَضَاءُ فَلَمْ تَقْضِ حَتَّى مَاتَتْ ، أُطْعِمَ عَنْهَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ مِنْ رَمَضَانَ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ إمْكَانِ الصِّيَامِ ، إمَّا لِضِيقِ الْوَقْتِ ، أَوْ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ الصَّوْمِ ، فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالَا : يَجِبُ الْإِطْعَامُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ سَقَطَ بِالْعَجْزِ عَنْهُ ، فَوَجَبَ الْإِطْعَامُ عَنْ ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ إذَا تَرَكَ الصِّيَامَ ، لِعَجْزِهِ عَنْهُ .
وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَ بِالشَّرْعِ ، مَاتَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ إمْكَانِ فِعْلِهِ ، فَسَقَطَ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ ، كَالْحَجِّ .
وَيُفَارِقُ الشَّيْخَ الْهَرِمَ ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الْمَيِّتِ .
الْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ إمْكَانِ الْقَضَاءِ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ .
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، فِي الصَّحِيحِ عَنْهُمْ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُصَامُ عَنْهُ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ .
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ ، فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : الصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ .
وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا ، قَالَتْ : يُطْعَمُ عَنْهُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ ، وَلَا يُصَامُ عَنْهُ

.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ ؟ يَصُومُ شَهْرًا ، وَعَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ .
قَالَ : أَمَّا رَمَضَانُ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ ، وَأَمَّا النَّذْرُ ، فَيُصَامُ عَنْهُ .
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي ( السُّنَنِ ) .
وَلِأَنَّ الصَّوْمَ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ حَالَ الْحَيَاةِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْوَفَاةِ ، كَالصَّلَاةِ ، فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَهُوَ فِي النَّذْرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { قَالَتْ امْرَأَةٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ ، فَأَقْضِيهِ عَنْهَا ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .
قَالَ : فَصُومِي عَنْ أُمِّك } .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ كَقَوْلِنَا ، وَهُمَا رَاوِيَا حَدِيثِهِمْ ، فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .

( 2085 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا صَوْمُ النَّذْرِ فَيَفْعَلُهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .
وَقَالَ سَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْفُقَهَاءِ : يُطْعِمُ عَنْهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ .
وَلَنَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا قَبْلَ هَذَا ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ ، وَفِيهَا غُنْيَةً عَنْ كُلِّ قَوْلٍ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّذْرِ وَغَيْرِهِ أَنَّ النِّيَابَةَ تَدْخُلُ الْعِبَادَةَ بِحَسَبِ خِفَّتِهَا ، وَالنَّذْرُ أَخَفُّ حُكْمًا ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِبْ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ النَّاذِرُ عَلَى نَفْسِهِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ قَضَاءُ دَيْنِ الْمَيِّتِ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ تَرِكَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى وَارِثِهِ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْضَى عَنْهُ ، لِتَفْرِيغِ ذِمَّتِهِ ، وَفَكِّ رِهَانِهِ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَلِيِّ ، بَلْ كُلُّ مَنْ صَامَ عَنْهُ قَضَى ذَلِكَ عَنْهُ ، وَأَجْزَأَ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ ، فَأَشْبَهَ قَضَاءَ الدَّيْنِ عَنْهُ .

( 2086 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ تَمُتْ الْمُفَرِّطَةُ حَتَّى أَظَلَّهَا شَهْرُ رَمَضَانَ آخَرَ ، صَامَتْهُ ، ثُمَّ قَضَتْ مَا كَانَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ أَطْعَمَتْ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ ، إذَا فَرَّطَا فِي الْقَضَاءِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ صَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَهُ تَأْخِيرُهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ آخَرُ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ : كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَمَا أَقْضِيه حَتَّى يَجِيءَ شَعْبَانُ .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ تُؤَخِّرْهُ إلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ أَمْكَنَهَا لَأَخَّرَتْهُ ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ الْأُولَى عَنْ الثَّانِيَةِ ، كَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ .
فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ رَمَضَانَ آخَرَ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْقَضَاءُ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَعَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ إطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ .
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .
وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهِ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْأَدَاءَ وَالنَّذْرَ .
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : أَطْعِمْ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا .
وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُمْ .
وَرُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفٍ ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ صَوْمِ رَمَضَانَ عَنْ وَقْتِهِ إذَا لَمْ يُوجِبْ الْقَضَاءَ ، أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ .

( 2087 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانَانِ أَوْ أَكْثَرُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِدْيَةٍ مَعَ الْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لَا يَزْدَادُ بِهَا الْوَاجِبُ ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ سِنِينَ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ .

( 2088 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ الْمُفَرِّطُ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ وَاحِدٌ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُد ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ امْرَأَةٍ أَفْطَرَتْ رَمَضَانَ ، ثُمَّ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ آخَرُ ، ثُمَّ مَاتَتْ ؟ قَالَ : يُطْعَمُ عَنْهَا .
قَالَ لَهُ السَّائِلُ : كَمْ أُطْعِمُ ؟ قَالَ : كَمْ أَفْطَرَتْ ؟ قَالَ : ثَلَاثِينَ يَوْمًا .
قَالَ اجْمَعْ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا ، وَأُطْعِمْهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَأُشْبِعْهُمْ .
قَالَ : مَا أُطْعِمُهُمْ ؟ قَالَ خُبْزًا وَلَحْمًا إنَّ قَدَرْت مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِكُمْ .
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَزَالَ تَفْرِيطَهُ بِالتَّأْخِيرِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ فَقِيرَانِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ بَعْدَ التَّفْرِيطِ بِدُونِ التَّأْخِيرِ عَنْ رَمَضَانَ آخَرَ يُوجِبُ كَفَّارَةً ، وَالتَّأْخِيرُ بِدُونِ الْمَوْتِ يُوجِبُ كَفَّارَةً ، فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَتْ كَفَّارَتَانِ ، كَمَا لَوْ فَرَّطَ فِي يَوْمَيْنِ .

( 2089 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَوَازِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ ، مِمَّنْ عَلَيْهِ صَوْمُ فَرْضٍ ، فَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ ، وَعَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ الْفَرْضِ حَتَّى يَقْضِيَهُ ، يَبْدَأُ بِالْفَرْضِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ صَامَهُ يَعْنِي بَعْدَ الْفَرْضِ .
وَرَوَى حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا ، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ } .
وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَدْخُلُ فِي جُبْرَانِهَا الْمَالُ ، فَلَمْ يَصِحَّ التَّطَوُّعُ بِهَا قَبْلَ أَدَاءِ فَرْضِهَا ، كَالْحَجِّ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّطَوُّعُ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ مُوَسَّعٍ ، فَجَازَ التَّطَوُّعُ فِي وَقْتِهَا قَبْلَ فِعْلِهَا ، كَالصَّلَاةِ يَتَطَوَّعُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ الْحَجُّ .
وَلِأَنَّ التَّطَوُّعَ بِالْحَجِّ يَمْنَعُ فِعْلَ وَاجِبِهِ الْمُتَعَيِّنِ ، فَأَشْبَهَ صَوْمَ التَّطَوُّعِ فِي رَمَضَانَ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
وَالْحَدِيثُ يَرْوِيه ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَفِيهِ ضَعْفٌ ، وَفِي سِيَاقِهِ مَا هُوَ مَتْرُوكٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ : ( وَمَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ ، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ ) .
وَيُخَرَّجُ فِي التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّوْمِ .

( 2090 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي كَرَاهَةِ الْقَضَاءِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ .
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ قَضَاءَ رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ .
وَلِأَنَّهُ أَيَّامُ عِبَادَةٍ ، فَلَمْ يُكْرَهْ الْقَضَاءُ فِيهِ ، كَعَشْرِ الْمُحَرَّمِ .
وَالثَّانِيَةُ ، يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِيهِ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ .
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ } .
فَاسْتُحِبَّ إخْلَاؤُهَا لِلتَّطَوُّعِ ، لِيَنَالَ فَضِيلَتَهَا .
وَيَجْعَلُ الْقَضَاءَ فِي غَيْرِهَا .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ مَبْنِيَّتَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ صَوْمِ الْفَرْضِ وَتَحْرِيمِهِ ، فَمَنْ أَبَاحَهُ كَرِهَ الْقَضَاءَ فِيهَا ، لِيُوَفِّرهَا عَلَى التَّطَوُّعِ ، لِيَنَالَ فَضْلَهُ فِيهَا مَعَ فِعْلِ الْقَضَاءِ ، وَمِنْ حَرَّمَهُ لَمْ يَكْرَهْهُ فِيهَا ، بَلْ اسْتَحَبَّ فِعْلَهُ فِيهَا ، لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ الْعِبَادَةِ بِالْكُلِّيَّةِ .
وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فَرْعٌ عَلَى إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ الْفَرْضِ ، أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ ، فَيَكُونُ صَوْمُهَا تَطَوُّعًا قَبْلَ الْفَرْضِ مُحَرَّمًا ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ الْكَرَاهَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 2091 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلِلْمَرِيضِ أَنْ يُفْطِرَ إذَا كَانَ الصَّوْمُ يَزِيدُ فِي مَرَضِهِ ، فَإِنْ تَحَمَّلَ وَصَامَ ، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ ، وَأَجْزَأَهُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إبَاحَةِ الْفِطْرِ لِلْمَرِيضِ فِي الْجُمْلَةِ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } وَالْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِلْفِطْرِ هُوَ الشَّدِيدُ الَّذِي يَزِيدُ بِالصَّوْمِ أَوْ يُخْشَى تَبَاطُؤُ بُرْئِهِ .
قِيلَ لِأَحْمَدَ : مَتَى يُفْطِرُ الْمَرِيضُ ؟ قَالَ : إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ .
قِيلَ : مِثْلُ الْحُمَّى ؟ قَالَ : وَأَيُّ مَرَضٍ أَشَدُّ مِنْ الْحُمَّى ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ أَبَاحَ الْفِطْرَ بِكُلِّ مَرَضٍ ، حَتَّى مِنْ وَجَعِ الْإِصْبَعِ وَالضِّرْسِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْمُسَافِرَ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ .
وَلَنَا أَنَّهُ شَاهِدٌ لِلشَّهْرِ ، لَا يُؤْذِيهِ الصَّوْمُ ، فَلَزِمَهُ ، كَالصَّحِيحِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ فِي الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ جَمِيعًا ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ ، أَنَّ السَّفَرَ اُعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمَظِنَّةُ ، وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ ، حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُ الْحِكْمَةِ بِنَفْسِهَا ، فَإِنَّ قَلِيلَ الْمَشَقَّةِ لَا يُبِيحُ ، وَكَثِيرَهَا لَا ضَابِطَ لَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَاعْتُبِرَتْ بِمَظِنَّتِهَا ، وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ ، فَدَارَ الْحُكْمُ مَعَ الْمَظِنَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا ، وَالْمَرَضُ لَا ضَابِطَ لَهُ ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَاضَ تَخْتَلِفُ ، مِنْهَا مَا يَضُرُّ صَاحِبَهُ الصَّوْمُ وَمِنْهَا مَا لَا أَثَرَ لِلصَّوْمِ فِيهِ ، كَوَجَعِ الضِّرْسِ ، وَجُرْحٍ فِي الْإِصْبَعِ ، وَالدُّمَّلِ ، وَالْقَرْحَةِ الْيَسِيرَةِ ، وَالْجَرَبِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَصْلُحْ الْمَرَضُ ضَابِطًا ، وَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْحِكْمَةِ ، وَهُوَ مَا يُخَافُ مِنْهُ الضَّرَرُ ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ تَحَمَّلَ الْمَرِيضُ وَصَامَ مَعَ هَذَا ، فَقَدْ

فَعَلَ مَكْرُوهًا ؛ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِنَفْسِهِ ، وَتَرْكِهِ تَخْفِيفَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَبُولَ رُخْصَتِهِ ، وَيَصِحُّ صَوْمُهُ وَيُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ أُبِيحَ تَرْكُهَا رُخْصَةٌ ، فَإِذَا تَحَمَّلَهُ أَجْزَأْهُ ، كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ إذَا حَضَرَهَا ، وَاَلَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ إذَا قَامَ فِيهَا .
( 2092 ) فَصْلٌ : وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَخْشَى الْمَرَضَ بِالصِّيَامِ ، كَالْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ زِيَادَتَهُ فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ خَوْفًا مِمَّا يَتَجَدَّدُ بِصِيَامِهِ ، مِنْ زِيَادَةِ الْمَرَضِ وَتَطَاوُلِهِ ، فَالْخَوْفُ مِنْ تَجَدُّدِ الْمَرَضِ فِي مَعْنَاهُ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْ بِهِ شَهْوَةٌ غَالِبَةٌ لِلْجِمَاعِ ، يَخَافُ أَنْ تَنْشَقَّ أُنْثَيَاهُ ، فَلَهُ الْفِطْرُ .
وَقَالَ فِي الْجَارِيَةِ : تَصُومُ إذَا حَاضَتْ ، فَإِنْ جَهَدَهَا الصَّوْمُ فَلْتُفْطِرْ ، وَلْتَقْضِ .
يَعْنِي إذَا حَاضَتْ وَهِيَ صَغِيرَةٌ لَمْ تَبْلُغْ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا إذَا كَانَتْ تَخَافُ الْمَرَضَ بِالصِّيَامِ ، أُبِيحَ لَهَا الْفِطْرُ ، وَإِلَّا فَلَا .

( 2093 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِشِدَّةِ شَبَقِهِ ، إنَّ أَمْكَنَهُ اسْتِدْفَاعُ الشَّهْوَةِ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ، كَالِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهِ ، أَوْ بِيَدِ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْجِمَاعُ ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ لِلضَّرُورَةِ ، فَلَمْ تُبَحْ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ ، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ .
وَإِنْ جَامَعَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .
وَكَذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهُ دَفْعُهَا بِمَا لَا يُفْسِدُ صَوْمَ غَيْرِهِ ، كَوَطْءِ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ الصَّغِيرَةِ ، أَوْ الْكِتَابِيَّةِ ، أَوْ مُبَاشَرَةِ الْكَبِيرَةِ الْمُسْلِمَةِ دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ الِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهَا أَوْ بِيَدِهِ ، لَمْ يُبَحْ لَهُ .
إفْسَادُ صَوْمِ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إذَا انْدَفَعَتْ لَمْ يُبَحْ لَهُ مَا وَرَاءَهَا ، كَالشِّبَعِ مِنْ الْمَيْتَةِ إذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ بِسَدِّ الرَّمَقِ .
وَإِنْ لَمْ تَنْدَفِعْ الضَّرُورَةُ إلَّا بِإِفْسَادِ صَوْمِ غَيْرِهِ ، أُبِيحَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ ، فَأُبِيحَ كَفِطْرِهِ ، وَكَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ يُفْطِرَانِ خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا .
فَإِنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ ؛ حَائِضٌ ، وَطَاهِرٌ صَائِمَةٌ ، وَدَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلَى وَطْءِ إحْدَاهُمَا ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، وَطْءُ الصَّائِمَةِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ وَطْءِ الْحَائِضِ فِي كِتَابِهِ ، وَلِأَنَّ وَطْأَهَا فِيهِ أَذًى لَا يَزُولُ بِالْحَاجَةِ إلَى الْوَطْءِ .
وَالثَّانِي : يُتَخَيَّرُ ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الصَّائِمَةِ يُفْسِدُ صِيَامَهَا ، فَتَتَعَارَضُ الْمَفْسَدَتَانِ ، فَيَتَسَاوَيَانِ .

( 2094 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ ) يَعْنِي أَنَّ الْمُسَافِرَ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ ، فَإِنْ صَامَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ ، وَأَجْزَأْهُ .
وَجَوَازُ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ إنْ صَامَ أَجْزَأَهُ .
وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُ الْمُسَافِرِ قَالَ أَحْمَدُ : كَانَ عُمَرُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَأْمُرَانِهِ بِالْإِعَادَةِ .
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّهُ قَالَ : الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ وَقَالَ بِهَذَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ { وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا صَامُوا ، قَالَ : أُولَئِكَ هُمْ الْعُصَاةُ } .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الصَّائِمُ فِي رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ } .
وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، هَجَرَهُ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ ، وَالسُّنَّةُ تَرُدُّهُ ، وَحُجَّتُهُمْ مَا رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيّ ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ ، قَالَ : إنْ شِئْت فَصُمْ ، وَإِنْ شِئْت فَأَفْطِرْ } وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، { أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَجِدُ قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ ؟ قَالَ : هِيَ رُخْصَةُ اللَّهِ ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ } .
وَقَالَ أَنَسٌ : { كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى

الصَّائِمِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ وَأَحَادِيثُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى تَفْضِيلِ الْفِطْرِ عَلَى الصِّيَامِ .

( 2095 ) فَصْلٌ : وَالْأَفْضَلُ عِنْدَ إمَامِنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : الصَّوْمُ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ .
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَنَسٌ ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : { مَنْ كَانَتْ لَهُ حُمُولَةٌ يَأْوِي إلَى شِبَعٍ ، فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ ، كَانَ الصَّوْمُ أَفْضَلِ كَالتَّطَوُّعِ .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ : أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ أَيْسَرِهِمَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ } وَلَمَّا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرو ، قَالَ : { قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ ، أُعَالِجُهُ وَأُسَافِرُ عَلَيْهِ ، وَأَكْرِيهِ ، وَإِنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ - يَعْنِي رَمَضَان - وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ ، وَأَنَا شَابٌّ ، وَأَجِدُنِي أَنْ أَصُمْ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤَخِّرَ ، فَيَكُونُ دَيْنًا عَلَيَّ ، أَفَأَصُومُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْظَمُ لِأَجْرِي ، أَمْ أُفْطِرُ ؟ قَالَ : أَيَّ ذَلِكَ شِئْت يَا حَمْزَةُ } وَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { خَيْرُكُمْ الَّذِي يُفْطِرُ فِي السَّفَرِ وَيَقْصُرُ } وَلِأَنَّ فِي الْفِطْرِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ ، فَكَانَ أَفْضَلِ ، كَالْقَصْرِ .
وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْمَرِيضِ وَبِصَوْمِ الْأَيَّامِ الْمَكْرُوهِ صَوْمُهَا .

( 2096 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَقَضَاءُ شَهْرِ رَمَضَان مُتَفَرِّقًا يُجْزِئُ ، وَالْمُتَتَابِعُ أَحْسَنُ ) هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَحُكِيَ وُجُوبُ التَّتَابُعِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْن عُمَرَ وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ وَقَالَ دَاوُد : يَجِبُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَان ، فَلْيَسْرُدْهُ ، وَلَا يَقْطَعْهُ } وَلَنَا إطْلَاقُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالتَّتَابُعِ .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : نَزَلَتْ " فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَات " فَسَقَطَتْ " مُتَتَابِعَات " قُلْنَا : هَذَا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا صِحَّتُهُ ، وَلَوْ صَحَّ فَقَدْ سَقَطَتْ اللَّفْظَةُ الْمُحْتَجُّ بِهَا .
وَأَيْضًا قَوْلُ الصَّحَابَةِ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : إنَّ سَافَرَ ؛ فَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، فِي قَضَاءِ رَمَضَان : إنَّ اللَّهَ لَمْ يُرَخِّصْ لَكُمْ فِي فِطْرِهِ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَشُقّ عَلَيْكُمْ فِي قَضَائِهِ وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ تَقْطِيعِ قَضَاءِ رَمَضَان ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ ، فَقَضَاهُ مِنْ الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ ، حَتَّى يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ ، هَلْ كَانَ ذَلِكَ قَاضِيًا دَيْنَهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، يَا رَسُولَ

اللَّهِ .
قَالَ : فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ مِنْكُمْ } وَلِأَنَّهُ صَوْمٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانِ بِعَيْنِهِ .
فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ التَّتَابُعُ ، كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ ، وَخَبَرِهِمْ لَمْ يَثْبُتْ صِحَّتُهُ ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَنِ لَمْ يَذْكُرُوهُ ، وَلَوْ صَحَّ حَمَلْنَاهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَإِنَّ الْمُتَتَابِعَ أَحْسَنُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْخَبَرِ ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَشَبَهِهِ بِالْأَدَاءِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 2097 ) مَسْأَلَة ؛ قَالَ : ( وَمَنْ دَخَلَ فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ ، فَخَرَجَ مِنْهُ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَضَاهُ فَحَسَنٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ إتْمَامُهُ ، وَلَمْ يَجِبْ ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا أَصْبَحَا صَائِمَيْنِ ، ثُمَّ أَفْطَرَا ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ نَذْرًا أَوْ قَضَاءَ رَمَضَان وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إذَا صَامَ الرَّجُلُ تَطَوُّعًا ، ثُمَّ شَاءَ أَنْ يَقْطَعَهُ قَطَعَهُ ، وَإِذَا دَخَلَ فِي صَلَاةٍ تَطَوُّعًا ، ثُمَّ شَاءَ أَنْ يَقْطَعَهَا قَطَعَهَا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَتَى أَصْبَحْت تُرِيدُ الصَّوْمَ ، فَأَنْتَ عَلَى آخِرِ النَّظَرَيْنِ ، إنَّ شِئْت صُمْت ، وَإِنْ شِئْت أَفْطَرْت هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ وَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، إذَا أَجْمَعَ عَلَى الصِّيَامِ ، فَأَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَأَفْطَرَ مِنْ غَيْر عُذْرٍ ، أَعَادَ يَوْمًا مَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمِ .
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ ، أَوْ نَذَرَهُ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ .
وَقَالَ النَّخَعِيّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِعُذْرِ ، فَإِنْ خَرَجَ قَضَى .
وَعَنْ مَالِكٍ : لَا قَضَاء عَلَيْهِ .
وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : { أَصْبَحْت أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ ، فَأُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ ، فَأَفْطَرْنَا ، ثُمَّ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ } وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَلْزَمُ بِالنَّذْرِ فَلَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ فِيهَا ، كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ عَائِشَةَ ، { قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا ، فَقَالَ : هَلْ عِنْدكُمْ شَيْءٌ ؟ فَقُلْت : لَا .
قَالَ : فَإِنِّي صَائِمٌ .
ثُمَّ

مَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَقَدْ أُهْدِيَ إلَيَّ حَيْسٌ ، فَخَبَّأْتُ لَهُ مِنْهُ ، وَكَانَ يُحِبُّ الْحَيْسَ .
قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ ، فَخَبَّأْت لَكَ مِنْهُ ، قَالَ : أَدْنِيهِ ، أَمَّا إنِّي قَدْ أَصْبَحْت وَأَنَا صَائِمٌ .
فَأَكَلَ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ لَنَا : إنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ ؛ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا } هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ النَّسَائِيّ ، وَهُوَ أَتَمُّ مِنْ غَيْرِهِ وَرَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ ، { قَالَتْ : دَخَلْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُتِيَ بِشَرَابٍ ، فَنَاوَلَنِيهِ فَشَرِبْت مِنْهُ ، ثُمَّ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ أَفْطَرْت وَكُنْت صَائِمَةً .
فَقَالَ لَهَا : أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا ؟ قَالَتْ : لَا .
قَالَ : فَلَا يَضُرُّك إنْ كَانَ تَطَوُّعًا } رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ : { قُلْت ، إنِّي صَائِمَةٌ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ الْمُتَطَوِّعَ أَمِيرُ نَفْسِهِ ، فَإِنْ شِئْت فَصُومِي ، وَإِنْ شِئْت فَأَفْطِرِي } وَلِأَنَّ كُلَّ صَوْمٍ لَوْ أَتَمَّهُ كَانَ تَطَوُّعًا إذَا خَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَان فَبَانَ مِنْ شَعْبَان أَوْ مِنْ شَوَّالٍ .
فَأَمَّا خَبَرُهُمْ ، فَقَالَ أَبُو دَاوُد : لَا يَثْبُتُ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : فِيهِ مَقَالٌ .
وَضَعَّفَهُ الْجُوزَجَانِيُّ وَغَيْرُهُ ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ إتْمَامُهُ ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ اُسْتُحِبَّ قَضَاؤُهُ ؛ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ ، وَعَمَلًا بِالْخَبَرِ الَّذِي رَوَوْهُ .
( 2098 ) فَصْلٌ : وَسَائِرُ النَّوَافِلِ مِنْ الْأَعْمَالِ حُكْمُهَا حُكْمُ الصِّيَامِ ، فِي أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ، وَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا إذَا خَرَجَ مِنْهَا ، إلَّا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، فَإِنَّهُمَا يُخَالِفَانِ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ فِي هَذَا ، لِتَأَكُّدِ إحْرَامِهِمَا ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا بِإِفْسَادِهِمَا .
وَلَوْ

اعْتَقَدَ أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ ، وَلَمْ يَكُونَا وَاجِبَيْنِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّلَاةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ، فَإِنَّ الْأَثْرَمَ قَالَ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الرَّجُلُ يُصْبِح صَائِمًا مُتَطَوِّعًا ، أَيَكُونُ بِالْخِيَارِ ؟ وَالرَّجُلُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ أَلَهِ أَنْ يَقْطَعَهَا ؟ فَقَالَ : الصَّلَاةُ أَشَدُّ ، أَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا يَقْطَعُهَا .
قِيلَ لَهُ : فَإِنْ قَطَعَهَا قَضَاهَا ؟ قَالَ : إنْ قَضَاهَا فَلِيس فِيهِ اخْتِلَافٌ .
وَمَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيِّ إلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَقَالَ : الصَّلَاةُ ذَاتُ إحْرَامٍ وَإِحْلَالٍ ، فَلَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ فِيهَا ، كَالْحَجِّ .
وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ أَيْضًا .
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ تَرْكُ جَمِيعِهِ جَازَ تَرْكُ بَعْضِهِ ، كَالصَّدَقَةِ ، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ يُخَالِفَانِ غَيْرَهُمَا .
( 2099 ) فَصْلٌ : وَمِنْ دَخَلَ فِي وَاجِبٍ ، كَقَضَاءِ رَمَضَان ، أَوْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ ، أَوْ صِيَامِ كَفَّارَةٍ ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَيِّنَ وَجَبَ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ ، وَغَيْرَ الْمُتَعَيِّنِ تَعَيَّنَ بِدُخُولِهِ فِيهِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ الْمُتَعَيِّنِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ .

( 2100 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِذَا كَانَ لِلْغُلَامِ عَشْرُ سِنِينَ ، وَأَطَاقَ الصِّيَامَ أَخَذَ بِهِ ) يَعْنِي أَنَّهُ يُلْزَمُ الصِّيَامَ ، يُؤْمَرُ بِهِ وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهِ ، لِيَتَمَرَّن عَلَيْهِ ، وَيَتَعَوَّدَهُ ، كَمَا يُلْزَمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْمَرُ بِهَا ، وَمِمَّنْ ذَهَبِ إلَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالصِّيَامِ إذَا أَطَاقَهُ ، عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إذَا أَطَاقَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تُبَاعَا ، لَا يَخُورُ فِيهِنَّ وَلَا يَضْعُفُ ، حُمِّلَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَان وَقَالَ إِسْحَاقُ : إذَا بَلَغَ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ أُحِبُّ أَنْ يُكَلَّفَ الصَّوْمَ لِلْعَادَةِ .
وَاعْتِبَارُهُ بِالْعَشْرِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالضَّرْبِ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَهَا ، وَاعْتِبَارُ الصَّوْمِ بِالصَّلَاةِ أَحْسَن لِقُرْبِ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى ، وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي أَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ، إلَّا أَنَّ الصَّوْمَ أُشَقُّ فَاعْتُبِرَتْ لَهُ الطَّاقَةُ ، لِأَنَّهُ قَدْ يُطِيقُ الصَّلَاةَ مَنْ لَا يُطِيقُهُ .
( 2101 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ حَتَّى يَبْلُغَ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي غُلَامٍ احْتَلَمَ : صَامَ وَلَمْ يَتْرُكْ ، وَالْجَارِيَةُ إذَا حَاضَتْ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى إيجَابِهِ عَلَى الْغُلَامِ الْمُطِيقِ لَهُ إذَا بَلَغَ عَشْرًا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَطَاقَ الْغُلَامُ صِيَامَ ثَلَاثَة أَيَّامٍ ، وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَان } وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، أَشْبَهَ الصَّلَاةَ ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُضْرَبَ عَلَى الصَّلَاةِ مِنْ بَلَغَ عَشْرًا .
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .
قَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ عِنْدِي ، رِوَايَةً وَاحِدَةً : أَنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ لَا تَجِبُ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَمَا

قَالَهُ أَحْمَدُ فِي مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ يَقْضِيهَا .
نَحْمِلُهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ : عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ .
} وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ ، كَالْحَجِّ .
وَحَدِيثُهُمْ مُرْسَلٌ ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَسَمَّاهُ وَاجِبًا ، تَأْكِيدًا لِاسْتِحْبَابِهِ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ } ( 2102 ) فَصْلٌ : إذَا نَوَى الصَّبِيُّ الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ ، فَبَلَغَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ السِّنِّ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُتِمُّ صَوْمَهُ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ .
لِأَنَّ نِيَّةَ صَوْمِ رَمَضَان حَصَلَتْ لَيْلًا فَيُجْزِئُهُ كَالْبَالِغِ .
وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الصَّوْمِ نَفْلًا وَبَاقِيه فَرْضًا ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ يَوْمٍ تَطَوُّعًا ، ثُمَّ نَذَرَ إتْمَامَهُ .
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ أَرْكَانِهَا ، فَلَزِمَتْهُ إعَادَتُهَا ، كَالصَّلَاةِ ، وَالْحَجِّ إذَا بَلَغَ بَعْدَ الْوُقُوفِ ، وَهَذَا لِأَنَّهُ بِبُلُوغِهِ يَلْزَمُهُ صَوْمُ جَمِيعِهِ ، وَالْمَاضِي قَبْلَ بُلُوغِهِ نَفْلٌ ، فَلَمْ يَجْزِ عَنْ الْفَرْضِ ، وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ وَالنَّاذِرُ صَائِمٌ ؛ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ ، فَأَمَّا مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ بُلُوغِهِ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ صَامَهُ أَوْ أَفْطَرَهُ ، هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْم .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَقْضِيه إنْ كَانَ أَفْطَرَهُ وَهُوَ مُطِيقٌ لِصِيَامِهِ .
وَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ مَضَى فِي حَالِ صِبَاهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الصَّوْمِ فِيهِ ، كَمَا لَوْ بَلَغَ بَعْدَ انْسِلَاخِ رَمَضَان .
وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَهُوَ مُفْطِرٌ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إمْسَاكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَضَاؤُهُ ؟ عَلَى

رِوَايَتَيْنِ .

( 2103 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي شَهْرِ رَمَضَان ، صَامَ مَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ بَقِيَّةِ شَهْرِهِ ) أَمَّا صَوْمُ مَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ بَقِيَّةِ شَهْرِهِ ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَأَمَّا قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ إسْلَامِهِ ، فَلَا يَجِبُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ .
وَعَنْ الْحَسَنِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .
وَلَنَا ، أَنَّ مَا مَضَى عِبَادَةٌ خَرَجَتْ فِي حَالِ كُفْرِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ ، كَالرَّمَضَانِ الْمَاضِي .
( 2104 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إمْسَاكُهُ وَيَقْضِيه .
هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ الْمَاجِشُونِ ، وَإِسْحَاقُ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ فِي زَمَنِ الْعِبَادَة مَا يُمْكِنُهُ التَّلَبُّسُ بِهَا فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ خُرُوجِ الْيَوْمِ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ .
وَلَنَا أَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الْعِبَادَةِ فَلَزِمَتْهُ ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ .
( 2105 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَجْنُونُ إذَا أَفَاقَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ ، فَعَلَيْهِ صَوْمُ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَيَّامِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .
وَفِي قَضَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي أَفَاقَ فِيهِ وَإِمْسَاكِهِ رِوَايَتَانِ .
وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا مَضَى .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيد .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَقْضِي ، وَإِنْ مَضَى عَلَيْهِ سُنُونَ .
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى يُزِيلُ الْعَقْلَ ، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَ الصَّوْمِ ، كَالْإِغْمَاءِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَفَاقَ فِي أَثْنَائِهِ قَضَى ، مَا مَضَى ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ بِدَلِيلِ مَا لَوْ جُنَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ لَمْ يَفْسُدْ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي بَعْضِ

الشَّهْرِ ، وَجَبَ الْقَضَاءُ ، كَالْإِغْمَاءِ .
وَلَنَا أَنَّهُ مَعْنَى يُزِيلُ التَّكْلِيفَ ، فَلَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ فِي زَمَانِهِ ، كَالصِّغَرِ وَالْكُفْرِ .
وَيَخُصّ أَبَا حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ مَعْنَى ، لَوْ وُجِدَ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ أَسْقَطَ الْقَضَاءَ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي بَعْضِهِ أَسْقَطَهُ ، كَالصِّغَرِ وَالْكُفْرِ ، وَيُفَارِقُ الْإِغْمَاءَ فِي ذَلِكَ .

( 2106 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا رَأَى هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَان وَحْدَهُ ، صَامَ ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى رَأَى الْهِلَالَ وَاحِدٌ لَزِمَهُ الصِّيَامُ ، عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ ، شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ لَمْ يَشْهَدْ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ أَوْ رُدَّتْ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَإِسْحَاقُ : لَا يَصُومُ .
وَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ : لَا يَصُومُ إلَّا فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ .
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ مَحْكُومٌ بِهِ مِنْ شَعْبَان ، فَأَشْبَهَ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ .
وَلَنَا أَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَان فَلَزِمَهُ صَوْمُهُ ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ .
وَكَوْنُهُ مَحْكُومًا بِهِ مِنْ شَعْبَان ظَاهِرٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَان ، فَلَزِمَهُ صِيَامُهُ كَالْعَدْلِ .
( 2107 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِجِمَاعِ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَجِبُ ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ ، فَلَا تَجِبُ بِفِعْلِ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ، كَالْحَدِّ .
وَلَنَا أَنَّهُ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَان بِجِمَاعِ ، فَوَجَبَتْ بِهِ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ عُقُوبَة ، ثُمَّ قِيَاسهمْ يَنْتَقِضُ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ ، مَعَ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ .

( 2108 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ عَدْلًا ، صَوَّمَ النَّاسَ بِقَوْلِهِ ) الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَان قَوْلُ وَاحِدٍ عَدْلٍ ، وَيَلْزَمُ النَّاسَ الصِّيَامُ بِقَوْلِهِ .
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : اثْنَيْنِ أَعْجَبُ إلَيَّ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنْ رَآهُ وَحْدَهُ ، ثُمَّ قَدِمَ الْمِصْرَ ، صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ ، عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ رَآهُ دُونَهُمْ ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا قَوْلُ اثْنَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ مَا عَايَنَ .
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ .
فَقَالَ : إنِّي جَالَسْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلْتُهُمْ ، وَإِنَّهُمْ حَدَّثُونِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَانْسُكُوا ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ ، فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا .
} رَوَاهُ النَّسَائِيّ .
وَلِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْغَيْمِ كَقَوْلِنَا ، وَفِي الصَّحْوِ : لَا يُقْبَلُ إلَّا الِاسْتِفَاضَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَنْظُرَ الْجَمَاعَةُ إلَى مَطْلَعِ الْهِلَالِ وَأَبْصَارُهُمْ صَحِيحَةٌ ، وَالْمَوَانِعُ مُرْتَفِعَةٌ ، فَيَرَاهُ وَاحِدٌ دُونَ الْبَاقِينَ .
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : { جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : رَأَيْت الْهِلَالَ .
قَالَ ، أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ؟

قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ ، فَلْيَصُومُوا غَدًا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ { تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْته .
فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ ، فَقُبِلَ مِنْ وَاحِدٍ ، كَالْخَبَرِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ ، فَقُبِلَ مِنْ وَاحِدٍ عَدْلٍ ، كَالرِّوَايَةِ ، وَخَبَرُهُمْ إنَّمَا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ ، وَخَبَرُنَا أَشْهَرُ مِنْهُ ، وَهُوَ يَدُلُّ بِمَنْطُوقِهِ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ ، وَيُفَارِقُ الْخَبَرَ عَنْ هِلَالِ شَوَّالٍ ، فَإِنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْعِبَادَةِ ، وَهَذَا دُخُولٌ فِيهَا ، وَحَدِيثُهُمْ فِي هِلَالَ شَوَّالٍ يُخَالِفُ مَسْأَلَتَنَا ، وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ انْفِرَادُ الْوَاحِدِ بِهِ مَعَ لَطَافَةِ الْمَرْئِيِّ وَبُعْدِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِفَ مَعْرِفَتهمْ بِالْمَطْلِعِ وَمَوَاضِعُ قَصْدِهِمْ وَحِدَّةُ نَظَرِهِمْ ، وَلِهَذَا لَوْ حَكَمَ بِرُؤْيَتِهِ حَاكِمٌ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ؛ جَازَ ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ؛ وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا ، وَلَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا عَلَى مَا قَالُوهُ لَمْ يَصِحّ فِيهِ حُكْمُ حَاكِمٍ ، وَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ، وَمَنْ مَنَعَ ثُبُوتَهُ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ، رَدَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ ، وَقِيَاسُهُ عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ وَسَائِرِ الشُّهُورِ ، وَلَوْ أَنَّ جَمَاعَةً فِي مَحْفِلٍ ، فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ؛ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا دُونَ مَنْ أَنْكَرَ ، وَلَوْ أَنَّ اثْنَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ شَهِدَا عَلَى الْخَطِيبِ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْخُطْبَةِ شَيْئًا ، لَمْ يَشْهَدْ بِهِ غَيْرُهُمَا ؛ لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِفِعْلِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمَا يُشَارِكُهُمَا فِي

سَلَامَةِ السَّمْعِ وَصِحَّةِ الْبَصَرِ ، كَذَا هَاهُنَا .
( 2109 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ يَثِقُ بِقَوْلِهِ ؛ لَزِمَهُ الصَّوْمُ .
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِم ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ بِوَقْتِ الْعِبَادَةِ ، يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ ، أَشْبَهَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخَبَرَ عَنْ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ .
ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ .
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْخَبَرِ ، وَإِنْ رَدَّهُ الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْحَاكِمِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِ الْمُخْبِرِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي عَدَمِ الْعَدَالَةِ ، وَقَدْ يَجْهَلُ الْحَاكِمُ عَدَالَةَ مَنْ يَعْلَمُ غَيْرُهُ عَدَالَتَهُ .
( 2110 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ امْرَأَةً فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ قَبُولُ قَوْلِهَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيّ .
فَأَشْبَهَ الرِّوَايَةَ ، وَالْخَبَرَ عَنْ الْقِبْلَةِ ، وَدُخُولَ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُقْبَلَ ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ قَوْلُ امْرَأَةٍ ، كَهِلَالِ شَوَّالٍ .

( 2111 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَلَا يُفْطِرُ إلَّا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ شَوَّالٍ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ .
فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ جَمِيعِهِمْ ، إلَّا أَبَا ثَوْرٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفَيْ شَهْرِ رَمَضَان ، أَشْبَهَ الْأَوَّلَ ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ ، أَشْبَهَ الرِّوَايَةَ وَأَخْبَارَ الدِّيَانَاتِ .
وَلَنَا خَبَرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، وَكَانَ لَا يُجِيزُ عَلَى شَهَادَةِ الْإِفْطَارِ إلَّا شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ } .
وَلِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى هِلَالٍ لَا يُدْخَلُ بِهَا فِي الْعِبَادَةِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ كَسَائِرِ الشُّهُودِ ، وَهَذَا يُفَارِقُ الْخَبَرَ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُخْبِرِ مَعَ وُجُودِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ، وَفُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ ، وَهَذَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ ذَلِكَ ، فَافْتَرَقَا .
( 2112 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَلَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ وَإِنْ كَثُرْنَ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الشُّهُورِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، وَلَيْسَ بِمَالِ ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ ، وَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي مِثْلَ ذَلِكَ فِي رَمَضَان ، لَكِنْ تَرَكْنَاهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ .
( 2113 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَلَمْ يَرَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ ، ؛ أَفْطَرُوا وَجْهًا وَاحِدًا .
وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ ؛ فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يُفْطِرُونَ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا } .
وَلِأَنَّهُ فِطْرٌ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِلَالِ شَوَّالٍ .
وَالثَّانِي : يُفْطِرُونَ .
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ،

وَيُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إذَا وَجَبَ الْفِطْرُ لِاسْتِكْمَالِ الْعِدَّةِ ، لَا بِالشَّهَادَةِ ، وَقَدْ يَثْبُتُ تَبَعًا مَا لَا يَثْبُتُ أَصْلًا ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ ، وَتَثْبُتُ بِهَا الْوِلَادَةُ ، فَإِذَا ثَبَتَتْ الْوِلَادَةُ ثَبَتَ النَّسَبُ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِلْوِلَادَةِ ، كَذَا هَاهُنَا .
وَإِنْ صَامُوا لِأَجْلِ الْغَيْمِ ؛ لَمْ يُفْطِرُوا وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ ، فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 2114 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُفْطِرُ إذَا رَآهُ وَحْدَهُ ) وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُهُ مِنْ شَوَّالٍ ، فَجَازَ لَهُ الْأَكْلُ ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو رَجَاءٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، أَنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا الْمَدِينَةَ وَقَدْ رَأَيَا الْهِلَالَ ، وَقَدْ أَصْبَحَ النَّاسُ صِيَامًا .
فَأَتَيَا عُمَرَ .
فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا : أَصَائِمٌ أَنْتَ ؟ قَالَ : بَلْ مُفْطِرٌ .
قَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا ؟ قَالَ : لَمْ أَكُنْ لِأَصُومَ وَقَدْ رَأَيْت الْهِلَالَ .
وَقَالَ لِلْآخَرِ ، قَالَ : أَنَا صَائِمٌ .
قَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ : لَمْ أَكُنْ لَأُفْطِرُ وَالنَّاسُ صِيَامٌ .
فَقَالَ لِلَّذِي أَفْطَرَ : لَوْلَا مَكَانُ هَذَا لَأَوْجَعْت رَأْسَكَ .
ثُمَّ نُودِيَ فِي النَّاسِ : أَنْ اُخْرُجُوا .
أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ ، عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ .
وَإِنَّمَا أَرَادَ ضَرْبَهُ لِإِفْطَارِهِ بِرُؤْيَتِهِ ، وَدَفَعَ عَنْهُ الضَّرْبَ لِكَمَالِ الشَّهَادَةِ بِهِ وَبِصَاحِبِهِ .
وَلَوْ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ، وَلَا تَوَعَّدَهُ .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إنَّمَا يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ الْإِمَامُ وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ .
وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمَا ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ مَحْكُومٌ بِهِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَجُزْ الْفِطْرُ فِيهِ كَالْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَفَارَقَ مَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ ، فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ مِنْ شَوَّالٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ مِنْ شَوَّالٍ .
قُلْنَا : لَا يَثْبُتُ الْيَقِينُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّائِي خُيِّلَ إلَيْهِ ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَنِ عُمَرَ ، قَالَ : لَقَدْ رَأَيْت الْهِلَالَ .
فَقَالَ لَهُ : امْسَحْ عَيْنَك .
فَمَسَحَهَا ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : تَرَاهُ ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : لَعَلَّ شَعْرَةً مِنْ حَاجِبِك تَقَوَّسَتْ عَلَى عَيْنِك ، فَظَنَنْتهَا هِلَالًا أَوْ

مَا هَذَا مَعْنَاهُ فَصْلٌ : فَإِنْ رَآهُ اثْنَانِ ، وَلَمْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ جَازَ لِمَنْ سَمِعَ شَهَادَتَهُمَا الْفِطْرُ ، إذَا عَرَفَ عَدَالَتَهُمَا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفِطْرُ بِقَوْلِهِمَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا } وَإِنْ شَهِدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا ؛ لِجَهْلِهِ بِحَالِهِمَا ، فَلِمَنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُمَا الْفِطْرُ بِقَوْلِهِمَا ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْحَاكِمِ هَاهُنَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوَقُّفٌ لِعَدَمِ عِلْمِهِ .
فَهُوَ كَالْوُقُوفِ عَنْ الْحُكْمِ انْتِظَارًا لِلْبَيِّنَةِ ، وَلِهَذَا لَوْ تَثْبُتُ عَدَالَتُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ حُكِمَ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدُهُمَا عَدَالَةَ صَاحِبِهِ ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ ، إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ الْحَاكِمُ ، لِئَلَّا يُفْطِرَ بِرُؤْيَتِهِ وَحْدَهُ .

( 2116 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِذَا اشْتَبَهَتْ الْأَشْهُرُ عَلَى الْأَسِيرِ ، فَإِنْ صَامَ شَهْرًا يُرِيدُ بِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ ، فَوَافَقَهُ ، أَوْ مَا بَعْدَهُ ؛ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ وَافَقَ مَا قَبْلَهُ ، لَمْ يُجْزِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا أَوْ مَطْمُورًا ، أَوْ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي النَّائِيَةِ عَنْ الْأَمْصَارِ لَا يُمْكِنُهُ تَعَرُّفُ الْأَشْهُرِ بِالْخَبَرِ ، فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْأَشْهُرُ ، فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَيَجْتَهِدُ ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَنْ أَمَارَةٍ تَقُومُ فِي نَفْسِهِ دُخُولُ شَهْرِ رَمَضَانَ صَامَهُ ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ لَا يَنْكَشِفَ لَهُ الْحَالُ ، فَإِنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ ، وَيُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِاجْتِهَادِهِ .
فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي يَوْمِ الْغَيْمِ بِالِاجْتِهَادِ .
الثَّانِي : أَنْ يَنْكَشِفَ لَهُ أَنَّهُ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ مَا بَعْدَهُ ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .
وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ صَامَهُ عَلَى الشَّكِّ فَلَمْ يُجْزِئُهُ ، كَمَا لَوْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَبَانَ مِنْ رَمَضَان .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِالِاجْتِهَادِ فِي مَحَلِّهِ ، فَإِذَا أَصَابَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ ؛ أَجْزَأَهُ كَالْقِبْلَةِ إذَا اشْتَبَهَتْ ، أَوْ الصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ إذَا اشْتَبَهَ وَقْتُهَا ، وَفَارَقَ يَوْمَ الشَّكِّ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاجْتِهَادِ ، فَإِنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِالصَّوْمِ عِنْدَ أَمَارَةٍ عَيَّنَهَا ، فَمَا لَمْ تُوجَدْ لَمْ يَجُزْ الصَّوْمُ .
الْحَالُ الثَّالِثُ : وَافَقَ قَبْلَ الشَّهْرِ ، فَلَا يُجْزِئُهُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يُجْزِئُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَوَقَفُوا قَبْلَهُ .
وَلَنَا أَنَّهُ أَتَى بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ .
وَأَمَّا الْحَجُّ فَلَا نُسَلِّمُهُ إلَّا فِيمَا إذَا أَخْطَأَ النَّاسُ كُلُّهُمْ ،

لِعَظَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ لِنَفَرٍ مِنْهُمْ لَمْ يُجْزِئْهُمْ .
وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ .
الْحَالُ الرَّابِعُ : أَنْ يُوَافِقَ بَعْضُهُ رَمَضَانَ دُونَ بَعْضٍ ، فَمَا وَافَقَ رَمَضَانَ أَوْ بَعْدَهُ ؛ أَجْزَأَهُ وَمَا وَافَقَ قَبْلَهُ ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ .
( 2117 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَافَقَ صَوْمُهُ بَعْدَ الشَّهْرِ ، اُعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ مَا صَامَهُ بِعِدَّةِ أَيَّامِ شَهْرِهِ الَّذِي فَاتَهُ ، سَوَاءٌ وَافَقَ مَا بَيْنَ هِلَالَيْنِ أَوْ لَمْ يُوَافِقْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرَانِ تَامَّيْنِ أَوْ نَاقِصَيْنِ .
وَلَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ : أَنَّهُ إذَا وَافَقَ شَهْرًا بَيْنَ هِلَالَيْنِ أَجْزَأَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرَانِ تَامَّيْنِ أَوْ نَاقِصَيْنِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا تَامًّا وَالْآخَرُ نَاقِصًا .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
وَلِأَنَّهُ فَاتَهُ شَهْرُ رَمَضَانَ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صِيَامُهُ بِعِدَّةِ مَا فَاتَهُ ، كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ .
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْخِرَقِيِّ تَعَرُّضٌ لِهَذَا التَّفْصِيلِ ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالصَّوَابَ .
فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ يُجْزِئُهُ مَا بَيْنَ هِلَالَيْنِ ؟ قُلْنَا : الْإِطْلَاقُ يُحْمَلُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ ، وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ ، وَهَاهُنَا يَجِبُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ ، فَيَجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِيهِ عِدَّةُ الْمَتْرُوكِ ، كَمَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ صَلَاةً أَجْزَأَهُ رَكْعَتَانِ ، وَلَوْ تَرَكَ صَلَاةً وَجَبَ قَضَاؤُهَا بِعِدَّةِ رَكَعَاتِهَا ، كَذَلِكَ هَاهُنَا الْوَاجِبُ بِعِدَّةِ مَا فَاتَهُ مِنْ الْأَيَّامِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَا صَامَهُ بَيْن هِلَالَيْنِ أَوْ مِنْ شَهْرَيْنِ ، فَإِنْ دَخَلَ فِي صِيَامِهِ يَوْمُ عِيدٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ، وَإِنْ وَافَقَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، فَهَلْ يُعْتَدُّ بِهَا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ صَوْمِهَا عَلَى الْفَرْضِ .
( 2118 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ

يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّ الْأَسِيرِ دُخُولُ رَمَضَان فَصَامَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ ؛ لِأَنَّهُ صَامَهُ عَلَى الشَّكِّ ؛ فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ ، إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ ؛ فَهُوَ فَرْضِي .
وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهِ الصِّيَامُ ، وَيَقْضِي إذَا عَرَفَ الشَّهْرَ ، كَاَلَّذِي خَفِيَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْقِبْلَةِ وَيُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَيُعِيدُ .
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي مَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْقِبْلَةِ هَلْ يُعِيدُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ كَذَلِكَ يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِهِ هَاهُنَا .
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَتَحَرَّى ، فَمَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الشَّهْرِ صَحَّ صَوْمُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَبْنِ عَلَى دَلِيلٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ مَعْرِفَةُ الدَّلِيلِ ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا .
وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَ هَذَا فِي الْقِبْلَةِ .
( 2119 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَامَ تَطَوُّعًا ، فَوَافَقَ شَهْرَ رَمَضَان ، لَمْ يُجْزِئْهُ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُجْزِئُهُ .
وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ .

( 2120 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُصَامُ يَوْمَا الْعِيدَيْنِ ، وَلَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، لَا عَنْ فَرْضٍ ، وَلَا عَنْ تَطَوُّعٍ .
فَإِنْ قَصَدَ لِصِيَامِهَا كَانَ عَاصِيًا ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْفَرْضِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، مُحَرَّمٌ فِي التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ .
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ ، قَالَ : شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَجَاءَ فَصَلَّى ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَقَالَ : إنَّ هَذَيْنِ يَوْمَيْنِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ ، وَالْآخَرُ يَوْمَ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ ؛ يَوْمِ فِطْرٍ ، وَيَوْمِ أَضْحَى } .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .
وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَحْرِيمَهُ .
وَأَمَّا صَوْمُهُمَا عَنْ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فَفِيهِ خِلَافٌ .
نَذْكُرُهُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 2121 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَصُومُهَا عَنْ الْفَرْضِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ مَنْهِيٌّ عَنْ صِيَامِهَا أَيْضًا ؛ لِمَا رَوَى نُبَيْشَةُ الْهُذَلِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ قَالَ : { بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ مِنًى أُنَادِي : أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ } .
إلَّا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّهُ قَالَ : هَذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِإِفْطَارِهَا ، وَيَنْهَى عَنْ صِيَامِهَا .
قَالَ مَالِكٌ : وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَا يَحِلُّ صِيَامُهَا تَطَوُّعًا ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهَا .
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُفْطِرُ إلَّا يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغْهُمْ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهَا ، وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَمْ يَعْدُوهُ إلَى غَيْرِهِ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَقَرَّبَ إلَيْهِمَا طَعَامًا ، فَقَالَ : كُلْ ، فَقَالَ : إنِّي صَائِمٌ .
فَقَالَ عَمْرٌو : كُلْ ، فَهَذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِإِفْطَارِهَا ، وَيَنْهَى عَنْ صِيَامِهَا .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَفْطَرَ لَمَّا بَلَغَهُ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَأَمَّا صَوْمُهَا لِلْفَرْضِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : لَا

يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ صَوْمِهَا ، فَأَشْبَهَتْ يَوْمَيْ الْعِيدِ .
وَالثَّانِيَةُ : يَصِحُّ صَوْمُهَا لِلْفَرْضِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَمْرٍو ، وَعَائِشَةَ ، أَنَّهُمَا قَالَا : لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ أَيْ : الْمُتَمَتِّعُ إذَا عَدِمَ الْهَدْيَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَفْرُوضٍ .

( 2122 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ ، إلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ ، مِثْلُ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا فَيُوَافِقُ صَوْمُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَمَنْ عَادَتُهُ صَوْمُ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ ، أَوْ آخِرِهِ ، أَوْ يَوْمِ نِصْفِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .
قَالَ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : صِيَامُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ أَنْ يُفْرَدَ ، ثُمَّ قَالَ : إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صِيَامٍ كَانَ يَصُومُهُ ، وَأَمَّا أَنْ يُفْرَدَ فَلَا .
قَالَ : قُلْت : رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، فَوَقَعَ فِطْرُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَصَوْمُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَفِطْرُهُ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَصَامَ الْجُمُعَةَ مُفْرَدًا ؟ فَقَالَ : هَذَا الْآنَ لَمْ يَتَعَمَّدْ صَوْمَهُ خَاصَّةً ، إنَّمَا كُرِهَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْجُمُعَةَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : لَا يُكْرَهُ إفْرَادُ الْجُمُعَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَيَّامِ .
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، إلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ } .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ : سَأَلْت جَابِرًا ، { أَنْهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .
وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَهِيَ صَائِمَةٌ ، فَقَالَ : { أَصُمْتِ أَمْسِ ؟ قَالَتْ : لَا .
قَالَ : أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا ؟ قَالَتْ : لَا .
قَالَ : فَأَفْطِرِي } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَفِيهِ أَحَادِيثُ سِوَى هَذِهِ ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ .
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَكْرُوهَ إفْرَادُهُ ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهَا لَمْ تَصُمْ أُمْسِ وَلَا غَدًا ( 2123 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا

: يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ السَّبْتِ بِالصَّوْمِ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ ، إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ } .
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ ، إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ ، فَلْيَمْضُغْهُ } .
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .
وَقَالَ : اسْمُ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ هُجَيْمَةُ ، أَوْ جُهَيْمَةُ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : أَمَّا صِيَامُ يَوْمِ السَّبْتِ يُفْرَدُ بِهِ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ الصَّمَّاءِ ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَتَّقِيه ، أَيْ : أَنْ يُحَدِّثَنِي بِهِ ، وَسَمِعْته مِنْ أَبِي عَاصِمٍ وَالْمَكْرُوهُ إفْرَادُهُ ، فَإِنْ صَامَ مَعَهُ غَيْرَهُ ؛ لَمْ يُكْرَهْ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُوَيْرِيَةَ .
وَإِنْ وَافَقَ صَوْمًا لَإِنْسَانٍ ، لَمْ يُكْرَهْ ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ .
وَقَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ النَّيْرُوزِ وَيَوْمِ الْمِهْرَجَانِ بِالصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَوْمَانِ يُعَظِّمُهُمَا الْكُفَّارُ ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُهُمَا بِالصِّيَامِ دُونَ غَيْرِهِمَا مُوَافَقَةً لَهُمْ فِي تَعْظِيمِهِمَا ، فَكُرِهَ كَيَوْمِ السَّبْتِ .
وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا ، كُلُّ عِيدٍ لِلْكُفَّارِ ، أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ .

( 2124 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ إفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ .
قَالَ أَحْمَدُ : وَإِنْ صَامَهُ رَجُلٌ ، أَفْطَرَ فِيهِ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا ، بِقَدْرِ مَا لَا يَصُومُهُ كُلَّهُ .
وَوَجْهُ ذَلِكَ ، مَا رَوَى أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ ، قَالَ : رَأَيْت عُمَرَ يَضْرِبُ أَكُفَّ الْمُتَرَجِّبِينَ ، حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الطَّعَامِ .
وَيَقُولُ : كُلُوا ، فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ تُعَظِّمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ .
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا رَأَى النَّاسَ ، وَمَا يُعِدُّونَ لِرَجَبٍ ، كَرِهَهُ ، وَقَالَ : صُومُوا مِنْهُ ، وَأَفْطِرُوا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ ، وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ ، وَعِنْدَهُمْ سِلَالٌ جُدُدٌ وَكِيزَانُ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : رَجَبٌ نَصُومُهُ .
قَالَ : أَجَعَلْتُمْ رَجَبًا رَمَضَانَ ، فَأَكْفَأِ السِّلَالَ ، وَكَسَرَ الْكِيزَانَ قَالَ أَحْمَدُ : مَنْ كَانَ يَصُومُ السَّنَةَ صَامَهُ ، وَإِلَّا فَلَا يَصُومُهُ مُتَوَالِيًا ، يُفْطِرُ فِيهِ ، وَلَا يُشَبِّهُهُ بِرَمَضَانَ .

( 2125 ) فَصْلٌ : وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ ، قَالَ : { قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ بِمَنْ صَامَ الدَّهْرَ ؟ قَالَ : لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ ، أَوْ لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَعَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ } .
قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَسَّرَ مُسَدِّدٌ قَوْلَ أَبِي مُوسَى : ( مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ ) .
فَلَا يَدْخُلُهَا .
فَضَحِكَ وَقَالَ : مَنْ قَالَ هَذَا ؟ فَأَيْنَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ ذَلِكَ ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ ؟ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنَّمَا يُكْرَه إذَا أَدْخَلَ فِيهِ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إذَا أَفْطَرَ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِذَلِكَ بَأْسٌ .
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَسْرُدُونَ الصَّوْمَ ، مِنْهُمْ أَبُو طَلْحَةَ .
قِيلَ : إنَّهُ صَامَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ سَنَةً .
وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي ، أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ مَكْرُوهٌ ، وَإِنْ لَمْ يَصُمْ هَذِهِ الْأَيَّامَ ، فَإِنْ صَامَهَا قَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا ، وَإِنَّمَا كُرِهَ صَوْمُ الدَّهْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ ، وَالضَّعْفِ ، وَشِبْهِ التَّبَتُّلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : إنَّك لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ ؟ فَقُلْت : نَعَمْ .
قَالَ : إنَّك إذَا فَعَلْت ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ عَيْنُك ، وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ قُلْت : فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .
قَالَ : فَصُمْ صَوْمَ دَاوُد ، كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، وَلَا يَفِرُّ إذَا لَاقَى } .
وَفِي رِوَايَةٍ

: { وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ .
فَقُلْت : إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ .
قَالَ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .

( 2126 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا رُئِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا ، قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْهِلَالَ إذَا رُئِيَ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ رَمَضَان ، لَمْ يُفْطِرُوا بِرُؤْيَتِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ : إنْ رُئِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
رَوَاهُ سَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ } .
وَقَدْ رَأَوْهُ ، فَيَجِبُ الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ ، وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَقْرَبُ إلَى الْمَاضِيَةِ .
وَحُكِيَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ .
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو وَائِلٍ ، قَالَ : جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ ، وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ ، أَنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تُمْسُوا ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ عَشِيَّةً .
وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَخَبَرُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا رُئِيَ عَشِيَّةً ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ رُئِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ .
ثُمَّ إنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَقْتَضِي الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مِنْ الْغَدِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَآهُ عَشِيَّةً .
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ فِي أَوَّلِ رَمَضَان ، فَالصَّحِيحُ أَيْضًا ، أَنَّهُ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لِلْمَاضِيَةِ ، فَيَلْزَمُ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَإِمْسَاكُ بَقِيَّتِهِ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ

فِي آخِرِهِ ، فَهُوَ لَهَا فِي أَوَّلِهِ ، كَمَا لَوْ رُئِيَ بَعْدَ الْعَصْرِ .

( 2127 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالِاخْتِيَارُ تَأْخِيرُ السَّحُورِ ، وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 2128 ) أَحَدُهُمَا ، فِي السَّحُورِ ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاء ؛ أَحَدُهَا ، فِي اسْتِحْبَابِهِ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا .
وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَسَحَّرُوا ؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ } .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { السَّحُورُ بَرَكَةٌ ، فَلَا تَدَعُوهُ ، وَلَوْ أَنْ يُجَرَّعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ } .
الثَّانِي : فِي وَقْتِهِ .
قَالَ أَحْمَدُ يُعْجِبُنِي تَأْخِيرُ السَّحُورِ ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، قَالَ : تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قُمْنَا إلَى الصَّلَاةِ .
قُلْت : كَمْ كَانَ قَدْرُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : خَمْسِينَ آيَةً .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَرَوَى الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ ، قَالَ : { دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى السَّحُورِ ، فَقَالَ : هَلُمَّ إلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .
سَمَّاهُ غَدَاءً لِقُرْبِ وَقْتِهِ مِنْهُ .
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسَّحُورِ التَّقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ ، وَمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْفَجْرِ كَانَ أَعْوَنَ عَلَى الصَّوْمِ .
قَالَ أَبُو دَاوُد : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إذَا شَكَّ فِي الْفَجْرِ يَأْكُلُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ طُلُوعَهُ .
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ .
قَالَ أَحْمَدُ : يَقُولُ اللَّه تَعَالَى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ

لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ ، وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ ، وَلَكِنْ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَرَوَى أَبُو قِلَابَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَتَسَحَّرُ : يَا غُلَامُ ، اخْفِ الْبَابَ ، لَا يَفْجَأُنَا الصُّبْحُ وَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إنِّي أَتَسَحَّرُ ؛ فَإِذَا شَكَكْت أَمْسَكْت .
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُلْ مَا شَكَكْت ، حَتَّى لَا تَشُكَّ فَأَمَّا الْجِمَاعُ فَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ ، وَفِيهِ خَطَرُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، وَحُصُولُ الْفِطْرِ بِهِ .
الثَّالِثُ : فِيمَا يَتَسَحَّرُ بِهِ .
وَكُلُّ مَا حَصَلَ مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ حَصَلَ بِهِ فَضِيلَةُ السَّحُورِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ } .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .

( 2129 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، فِي تَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَفِيهِ أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ ؛ أَحَدُهَا ، فِي اسْتِحْبَابِهِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ ، قَالَ : { دَخَلْت أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ ، فَقَالَ مَسْرُوقٌ : رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ ؟ قَالَتْ : مَنْ الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ ؟ قَالَ : عَبْدُ اللَّهِ .
قَالَتْ : هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ .
رَوَاهُ } مُسْلِمٌ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَحَبُّ عِبَادِي إلَيَّ أَسْرَعُهُمْ فِطْرًا } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَقَالَ أَنَسٌ : { مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حَتَّى يُفْطِرَ ، وَلَوْ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ } .
رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .
الثَّانِي : فِيمَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى رُطَبَاتٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْمَاءِ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ } .
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ،

وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

الثَّالِثُ : فِي الْوِصَالِ ، وَهُوَ أَنْ لَا يُفْطِرَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ .
وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ ، فَوَاصَلَ النَّاسُ ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ ، فَقَالُوا : إنَّك تُوَاصِلُ .
قَالَ : إنِّي لَسْت مِثْلَكُمْ ، إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَهَذَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِذَلِكَ ، وَمَنْعَ إلْحَاقِ غَيْرِهِ بِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى ) .
يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ يُعَانُ عَلَى الصِّيَامِ ، وَيُغْنِيه اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ ، بِمَنْزِلَةِ مِنْ طَعِمَ وَشَرِبَ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ : إنِّي أُطْعَمُ حَقِيقَةً ، وَأُسْقَى حَقِيقَةً ، حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ .
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ لَوْ طَعِمَ وَشَرِبَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا ، وَقَدْ أَقَرَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ : إنَّك تُوَاصِلُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : ( إنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي ) .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي النَّهَارِ ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ فِي النَّهَارِ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْوِصَالَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ .
وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ ، تَقْرِيرًا لِظَاهِرِ النَّهْيِ فِي التَّحْرِيمِ .
وَلَنَا أَنَّهُ تَرَكَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ الْمُبَاحَ ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا ، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ فِي حَالِ الْفِطْرِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَصَوْمُ يَوْمِ الْعِيدِ مُحَرَّمٌ ، مَعَ كَوْنِهِ تَرْكًا لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ الْمُبَاحِ .
قُلْنَا : مَا حُرِّمَ تَرْكُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِنَفْسِهِ ؛ وَإِنَّمَا حُرِّمَ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ ، وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الصَّوْمِ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا .
وَأَمَّا النَّهْيُ فَإِنَّمَا أَتَى

بِهِ رَحْمَةً لَهُمْ ، وَرِفْقًا بِهِمْ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ .
كَمَا نَهَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ صِيَامِ النَّهَارِ ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ ، وَعَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ .
قَالَتْ عَائِشَةُ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ ، رَحْمَةً لَهُمْ } .
وَهَذَا لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَلِهَذَا لَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّحْرِيمَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ وَاصَلُوا بَعْدَهُ ، وَلَوْ فَهِمُوا مِنْهُ التَّحْرِيمَ لَمَا اسْتَجَازُوا فِعْلَهُ .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ ، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا وَيَوْمًا ، ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ .
فَقَالَ : لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ } .
كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فَإِنْ وَاصَلَ مِنْ سَحَرٍ إلَى سَحَرٍ جَازَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا تُوَاصِلُوا ، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ أَفْضَلُ ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ .

( 2130 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ تَفْطِيرُ الصَّائِمِ ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
( 2131 ) فَصْلٌ : رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَفْطَرَ ، قَالَ : اللَّهُمَّ لَك صُمْنَا ، وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْنَا ، فَتَقَبَّلْ مِنَّا ، إنَّك أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَفْطَرَ ، يَقُول : ذَهَبَ الظَّمَأُ ، وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ } .
وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، ذَكَرَهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ .

( 2132 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَمَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ ، وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ ، وَإِنْ فَرَّقَهَا ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ : مَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ يَصُومُهَا ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ ، وَأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ ، وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ ، وَأَنْ يُلْحَقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ .
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ، وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : هُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ، شَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ ، وَصَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ ، وَذَلِكَ تَمَامُ سَنَةٍ } .
يَعْنِي أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، فَالشَّهْرُ بِعَشَرَةٍ وَالسِّتَّةُ بِسِتِّينَ يَوْمًا .
فَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، وَهُوَ سَنَةٌ كَامِلَةٌ ، وَلَا يَجْرِي هَذَا مَجْرَى التَّقْدِيمِ لِرَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْفِطْرِ فَاصِلٌ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَا دَلِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى فَضِيلَتِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَ صِيَامَهَا بِصِيَامِ الدَّهْرِ ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ .
قُلْنَا : إنَّمَا كُرِهَ صَوْمُ الدَّهْرِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّعْفِ وَالتَّشْبِيهِ بِالتَّبَتُّلِ ، لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ فَضْلًا عَظِيمًا ، لِاسْتِغْرَاقِهِ الزَّمَانَ بِالْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ ، وَالْمُرَادُ بِالْخَبَرِ التَّشْبِيهُ بِهِ فِي حُصُولِ الْعِبَادَةِ بِهِ ، عَلَى وَجْه عَرِيَ عَنْ الْمَشَقَّةِ

، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ } .
ذَكَرَ ذَلِكَ حَثًّا عَلَى صِيَامِهَا ، وَبَيَانِ فَضْلِهَا ، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهَا .
وَنَهَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ .
وَقَالَ : مَنْ قَرَأَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ .
أَرَادَ التَّشْبِيهَ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ فِي الْفَضْلِ ، لَا فِي كَرَاهَة الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا مُتَتَابِعَةً أَوْ مُفَرَّقَةً ، فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ فِي آخِرِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ بِهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ ، وَلِأَنَّ فَضِيلَتَهَا لِكَوْنِهَا تَصِيرُ مَعَ الشَّهْرِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا ، وَهُوَ السَّنَةُ كُلُّهَا ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ صَارَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ كُلِّهِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ مَعَ التَّفْرِيقِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 2133 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَصِيَامُ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ صِيَامَ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ مُسْتَحَبٌّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { صِيَامُ عَرَفَةَ : إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ } وَقَالَ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ : { إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ } .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ الْمُحَرَّمِ .
وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ الْعَاشِرِ مِنْ الْمُحَرَّمِ } .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : التَّاسِعُ وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ التَّاسِعَ } .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ .
وَرَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ ، أَنَّهُ قَالَ : { صُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ ، } إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ لِذَلِكَ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ .
قَالَ أَحْمَدُ : فَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوَّلُ الشَّهْرِ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ .
وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَتَيَقَّنَ صَوْمَ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ .
( 2134 ) فَصْلٌ : وَاخْتُلِفَ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ ، هَلْ كَانَ وَاجِبًا ؟ فَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا .
وَقَالَ : هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ .
وَاسْتَدَلَّ بِشَيْئَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَأْكُلْ } بِالصَّوْمِ ، وَالنِّيَّةُ فِي اللَّيْلِ شَرْطٌ فِي الْوَاجِبِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَكَلَ بِالْقَضَاءِ ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ { يَقُولُ : إنَّ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، لَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ } .
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ كَانَ مَفْرُوضًا ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، فَلَمَّا اُفْتُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ ، وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ } .
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ : لَيْسَ هُوَ مَكْتُوبًا عَلَيْكُمْ الْآنَ .
وَأَمَّا تَصْحِيحُهُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ ، وَتَرْكُ الْأَمْرِ بِقَضَائِهِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ نَقُولَ : مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ .
كَمَا قُلْنَا فِي مَنْ أَسْلَمَ وَبَلَغَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ .
عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد { أَنَّ أَسْلَمَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا ؟ قَالُوا : لَا .
قَالَ : فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ ، وَاقْضُوهُ } .
( 2135 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا يَوْمُ عَرَفَةَ : فَهُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ ، لِأَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فِيهِ .
وَقِيلَ : سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُرِيَ فِي الْمَنَامِ لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ابْنِهِ ، فَأَصْبَحَ يَوْمَهُ يَتَرَوَّى ، هَلْ هَذَا مِنْ اللَّهِ أَوْ حُلْمٌ ؟ فَسُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ، فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ رَآهُ أَيْضًا فَأَصْبَحَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَعَرَفَ أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ ، فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ .
وَهُوَ يَوْمٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ ، وَعِيدٌ كَرِيمٌ ، وَفَضْلُهُ كَبِيرٌ .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ صِيَامَهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ .
} ( 2136 ) فَصْلٌ : وَأَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ كُلُّهَا شَرِيفَةٌ مُفَضَّلَةٌ يُضَاعَفُ الْعَمَلُ فِيهَا ، وَيُسْتَحَبُّ الِاجْتِهَادُ فِي الْعِبَادَةِ فِيهَا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ،

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71