الكتاب : المغني
المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي

( 8344 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ خَالَعَ امْرَأَتَهُ ، فَأَنْكَرَتْ ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، أَوْ يَمِينِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْمَالَ الَّذِي خَالَعَتْ بِهِ ، وَإِنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْصِدُ مِنْهُ إلَّا الْفَسْخَ وَخَلَاصَهَا مِنْ الزَّوْجِ ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ .

( 8345 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُقْبَلُ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، مِثْلُ الرَّضَاعِ ، وَالْوِلَادَةِ ، وَالْحَيْضِ ، وَالْعِدَّةِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا ، شَهَادَةُ امْرَأَةٍ عَدْلٍ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ فِي الْجُمْلَةِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَاَلَّذِي تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ ؛ الْوِلَادَةُ ، وَالِاسْتِهْلَالُ ، وَالرَّضَاعُ ، وَالْعُيُوبُ تَحْتَ الثِّيَابِ كَالرَّتَقِ وَالْقَرَنِ وَالْبَكَارَةِ وَالثِّيَابَةِ وَالْبَرَصِ ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ عَلَى الرَّضَاعِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مَحَارِمُ الْمَرْأَةِ مِنْ الرِّجَالِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِالنِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ ، كَالنِّكَاحِ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : { تَزَوَّجْت أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ ، فَأَتَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ ، فَقَالَتْ : قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا .
فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهَا كَاذِبَةٌ .
قَالَ : كَيْفَ ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ لِلنِّسَاءِ فِيهَا مَدْخَلٌ فَقُبِلَ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ ، كَالْوِلَادَةِ ، وَتُخَالِفُ الْعَقْدَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةِ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا ، أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ لَا تُقْبَلُ فِي الِاسْتِهْلَالِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ .
وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حَالَ الْوِلَادَةِ ، فَيَتَعَذَّرُ حُضُورُ الرِّجَالِ ، فَأَشْبَهَ الْوِلَادَةَ نَفْسَهَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا فِي الِاسْتِهْلَالِ .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ .
إلَّا أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ .
وَأَجَازَهُ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْحَارِثُ

الْعُكْلِيُّ ، وَحَمَّادٌ .
( 8346 ) فَصْلٌ : إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ .
فَإِنَّهُ تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ .
وَقَالَ طَاوُسٌ : تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ فِي الرَّضَاعِ ، وَإِنْ كَانَتْ سَوْدَاءَ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا تُقْبَلُ فِيهِ إلَّا امْرَأَتَانِ .
وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ .
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَثْبُتُ بِهِ الْحَقُّ كَفَى فِيهِ اثْنَانِ ، كَالرِّجَالِ ، وَلِأَنَّ الرِّجَالَ أَكْمَلُ مِنْهُنَّ عَقْلًا ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا اثْنَانِ .
وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : يَكْفِي ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ قُبِلَ فِيهِ النِّسَاءُ ، كَانَ الْعَدَدُ ثَلَاثَةً ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي وِلَادَةِ الزَّوْجَاتِ دُونَ وِلَادَةِ الْمُطَلَّقَةِ .
وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا أَرْبَعٌ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْحُرِّيَّةُ ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهَا الْوَاحِدَةُ ، كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ } .
وَلَنَا ، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، أَنَّهُ قَالَ : { تَزَوَّجْت أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ ، فَقَالَتْ : قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا ، فَجِئْت إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي ، ثُمَّ ذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : وَكَيْفَ ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ ، } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَرَوَى حُذَيْفَةُ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ .
} ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ .
وَرَوَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يُجْزِئُ فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ }

.
وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَثْبُتُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ ، كَالرِّوَايَةِ وَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ .
وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ ، غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ .
فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَشْهَدُ فِيهِ مَعَ الرَّجُلِ .
} ( 8347 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ الرَّجُلُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، فَإِذَا اُكْتُفِيَ بِهَا وَحْدَهَا ، فَلَأَنْ يُكْتَفَى بِهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ مَا قُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ ، قُبُلِ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ ، كَالرِّوَايَةِ .

( 8348 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ إقَامَتِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، فَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ ، بِأَنْ لَا يَتَحَمَّلَهَا مَنْ يَكْفِي فِيهَا سِوَاهُ ، لَزِمَهُ الْقِيَامُ بِهَا .
وَإِنْ قَامَ بِهَا اثْنَانِ غَيْرُهُ ، سَقَطَ عَنْهُ أَدَاؤُهَا .
إذَا قَبِلَهَا الْحَاكِمُ ، فَإِنْ كَانَ تَحَمَّلَهَا جَمَاعَةٌ ، فَأَدَاؤُهَا وَاجِبٌ عَلَى الْكُلِّ ، إذَا امْتَنَعُوا أَثِمُوا كُلُّهُمْ كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ .
وَدَلِيلُ وُجُوبِهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } .
وقَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيَّا أَوْ فَقِيرًا فَاَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا } .
وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لَا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } .
وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ ، فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهَا عِنْدَ طَلَبِهِ ، كَالْوَدِيعَةِ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا } .
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا ، أَوْ تَضَرَّرَ بِهَا ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } .

( 8349 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَهُ كِفَايَةٌ ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَى الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَدَاءُ فَرْضٍ ، فَإِنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ وَقَعَ مِنْهُمْ فَرْضًا .
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ كِفَايَةٌ ، وَلَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ حَلَّ لَهُ أَخْذُهُ ؛ وَالنَّفَقَةَ عَلَى عِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ ، فَلَا يَشْتَغِلُ عَنْهُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ ، فَإِذَا أَخَذَ الرِّزْقَ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ .
وَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ ، احْتَمَلَ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِئَلَّا يَأْخُذَ الْعِوَضَ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ عَيْنٍ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ لِمَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ ، وَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .

( 8350 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا أَدْرَكَهُ مِنْ الْفِعْلِ نَظَرًا ، أَوْ سَمِعَهُ تَيَقُّنًا ، وَإِنْ لَمْ يَرَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ ، شَهِدَ بِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِمَا عَلِمَهُ ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } .
وقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } .
وَتَخْصِيصُهُ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالسُّؤَالِ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْفُؤَادِ ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ إلَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ؛ وَلِأَنَّ مَدْرَكَ الشَّهَادَةِ الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ ، وَهُمَا بِالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الشَّهَادَةِ ، قَالَ : هَلْ تَرَى الشَّمْسَ ؟ .
قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ } .
رَوَاهُ الْخَلَّالُ ، فِي " الْجَامِعِ " بِإِسْنَادِهِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ مَدْرَكَ الْعِلْمِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الشَّهَادَةُ اثْنَانِ ، الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ ، وَمَا عَدَاهُمَا مِنْ مَدَارِكِ الْعِلْمِ كَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ ، لَا حَاجَةَ إلَيْهَا فِي الشَّهَادَةِ فِي الْأَغْلَبِ .
فَأَمَّا مَا يَقَعُ بِالرُّؤْيَةِ ، فَالْأَفْعَالُ ؛ كَالْغَصْبِ ، وَالْإِتْلَافِ ، وَالزِّنَى ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ ، وَكَذَلِكَ الصِّفَاتُ الْمَرْئِيَّةُ ؛ كَالْعُيُوبِ فِي الْمَبِيعِ ، وَنَحْوِهَا ، فَهَذَا لَا تُتَحَمَّلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ إلَّا بِالرُّؤْيَةِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ قَطْعًا ، فَلَا يُرْجَعُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا السَّمَاعُ فَنَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، مِثْلُ الْعُقُودِ ؛ كَالْبَيْعِ ، وَالْإِجَارَةِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَقْوَالِ ، فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، وَلَا تُعْتَبَرُ رُؤْيَةُ الْمُتَعَاقِدِينَ ، إذَا عَرَفَهُمَا وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ كَلَامُهُمَا .
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَاللَّيْثُ ، وَشُرَيْحٌ

، وَعَطَاءٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، إلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ حَتَّى يُشَاهِدَ الْقَائِلُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تَشْتَبِهُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ ، كَالْخَطِّ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا ، فَجَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ رَآهُ .
وَجَوَازُ اشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ كَجَوَازِ اشْتِبَاهِ الصُّوَرِ ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ لِمَنْ عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا ، وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالسَّمَاعِ يَقِينًا ، وَقَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ بِتَجْوِيزِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ ، وَلِهَذَا قُبِلَتْ رِوَايَةُ الْأَعْمَى ، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ مَحَارِمِهِنَّ .
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي ، فَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذَا .
( 8351 ) فَصْلٌ : إذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَعَيْنِهِ وَنَسَبِهِ ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ ، حَاضِرًا كَانَ أَوْ غَائِبًا ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ مَعَ غَيْبَتِهِ ، وَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ حَاضِرًا بِمَعْرِفَةِ عَيْنِهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
قَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ لَرَجُلٍ بِحَقِّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ اسْمَ هَذَا ، وَلَا اسْمَ هَذَا ، إلَّا أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ ، فَقَالَ : إذَا قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا .
وَهُمَا شَاهِدَانِ جَمِيعًا ، فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا ، فَلَا يَشْهَدُ حَتَّى يَعْرِفَ اسْمَهُ .
( 8352 ) فَصْلٌ : وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ ، فِي أَنَّهُ إذَا عَرَفَهَا وَعَرَفَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا مَعَ غَيْبَتِهَا .
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا ، لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهَا مَعَ غَيْبَتِهَا .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ : لَا تَشْهَدْ إلَّا لِمَنْ تَعْرِفُ ، وَعَلَى مَنْ تَعْرِفُ ، وَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى امْرَأَةٍ قَدْ عَرَفَهَا ،

وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ قَدْ عَرَفَ اسْمَهَا ، وَدُعِيَتْ ، وَذَهَبَتْ ، وَجَاءَتْ ، فَلْيَشْهَدْ ، وَإِلَّا فَلَا يَشْهَدْ ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْرِفْهَا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ غَيْبَتِهَا .
وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهَا إذَا عَرَفَ عَيْنَهَا ، وَنَظَرَ إلَى وَجْهِهَا .
قَالَ أَحْمَدُ وَلَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ ، حَتَّى يَنْظُرَ إلَى وَجْهِهَا .
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ مَعْرِفَتَهَا .
فَأَمَّا مَنْ تَيَقَّنَ مَعْرِفَتَهَا ، وَتَعَرَّفَ بِصَوْتِهَا يَقِينًا ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا إذَا تَيَقَّنَ صَوْتَهَا ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا .
فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ ، فَعَرَفَهُ عِنْدَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ إلَّا بِمَعْرِفَتِهِ لَهَا .
وَقَالَ : لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِلرَّجُلِ : أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ فُلَانَةُ .
وَيَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ .
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ بِتَعْرِيفِ غَيْرِهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، لِتَجْوِيزِهِ الشَّهَادَةَ بِالِاسْتِفَاضَةِ .
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ الْمَنْعُ مِنْهُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ إلَّا بِأُذْنِ زَوْجِهَا .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا بَيْتَهَا لِيَشْهَدَ عَلَيْهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسْتَأْذَنَ عَلَى النِّسَاءِ إلَّا بِإِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ } .
رَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي " مُسْنَدِهِ " .
فَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا فَجَائِزَةٌ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهَا صَحِيحٌ ، وَتَصَرُّفَهَا إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً صَحِيحٌ ، فَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِهِ .

( 8353 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَرَفَ الشَّاهِدُ خَطَّهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ شَهِدَ بِهِ ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا .
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ ، فِي مَنْ يَرَى خَطَّهُ وَخَاتَمَهُ وَلَا يَذْكُرُ الشَّهَادَةَ ، قَالَ : لَا يَشْهَدُ إلَّا بِمَا يَعْلَمُ .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ : يَشْهَدُ إذَا عَرَفَ خَطَّهُ ، وَكَيْفَ تَكُونُ الشَّهَادَةُ إلَّا هَكَذَا ؟ .
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : إذَا عَرَفَ خَطَّهُ ، وَلَمْ يَحْفَظْ ، فَلَا يَشْهَدْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا عِنْدَهُ ، مَوْضُوعًا تَحْتَ خَتْمِهِ وَحِرْزِهِ ، فَيَشْهَدُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ .
وَقَالَ أَيْضًا : إذَا كَانَ رَدِيءَ الْحِفْظِ ، فَيَشْهَدُ وَيَكْتُبُهَا عِنْدَهُ .
وَهَذِهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدُ إذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ بِخَطِّهِ فِي حِرْزِهِ ، وَلَا يَشْهَدُ إذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ ، بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، إذَا وَجَدَ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ أَمْضَاهُ ، وَلَا يُمْضِيه إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ .

( 8354 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ فِي قَلْبِهِ ، شَهِدَ بِهِ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ ) هَذَا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ السَّمَاعِ ، وَهُوَ مَا يَعْلَمُهُ بِالِاسْتِفَاضَةِ .
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِهَا فِي النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَمَّا النَّسَبُ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنَعَ مِنْهُ ، وَلَوْ مُنِعَ ذَلِكَ لَاسْتَحَالَتْ مَعْرِفَةُ الشَّهَادَةُ بِهِ ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ قَطْعًا بِغَيْرِهِ ، وَلَا تُمْكِنُ الْمُشَاهَدَةُ فِيهِ ، وَلَوْ اُعْتُبِرْت الْمُشَاهَدَةُ ، لَمَا عَرَفَ أَحَدٌ أَبَاهُ ، وَلَا أُمَّهُ ، وَلَا أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ .
وَقَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ ، غَيْرِ النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : هُوَ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ ؛ النِّكَاحُ ، وَالْمِلْكُ الْمُطْلَقُ ، وَالْوَقْفُ ، وَمَصْرِفُهُ ، وَالْمَوْتُ ، وَالْعِتْقُ ، وَالْوَلَاءُ ، وَالْوِلَايَةُ ، وَالْعَزْلُ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا تَجُوزُ فِي الْوَقْفِ وَالْوَلَاءِ وَالْعِتْقِ وَالزَّوْجِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُمْكِنَةٌ فِيهِ بِالْقَطْعِ ، فَإِنَّهَا شَهَادَةٌ بِعَقْدٍ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعُقُودِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُقْبَلُ إلَّا فِي النِّكَاحِ ، وَالْمَوْتِ ، وَلَا تُقْبَلُ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِمَالٍ ، أَشْبَهَ الدِّينَ .
وَقَالَ صَاحِبَاهُ : تُقْبَلُ فِي الْوَلَاءِ ، مِثْلُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَتَعَذَّرُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فِي الْغَالِبِ بِمُشَاهَدَتِهَا ، أَوْ مُشَاهَدَةِ أَسْبَابِهَا ، فَجَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ كَالنَّسَبِ .
قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عِنْدَنَا مَنْ يَشْهَدُ عَلَى أَحْبَاسِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ إلَّا بِالسَّمَاعِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : السَّمَاعُ فِي الْأَحْبَاسِ وَالْوَلَاءِ جَائِزٌ .
وَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : اشْهَدْ أَنَّ دَارَ بُخْتَانَ لِبُخْتَانَ ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْك .
وَقِيلَ لَهُ : تَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَةَ امْرَأَةُ فُلَانٍ ، وَلَمْ تَشْهَدْ النِّكَاحَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، إذَا كَانَ مُسْتَفِيضًا ، فَأَشْهَدُ أَقُولُ : إنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ زَوْجَاهُ ، وَكُلُّ أَحَدٍ يَشْهَدُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ .
فَإِنْ قِيلَ : يُمْكِنُهُ الْعِلْمُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِمُشَاهَدَةِ السَّبَبِ .
قُلْنَا : وُجُودُ السَّبَبِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِكَوْنِهِ سَبَبًا يَقِينًا ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا لَيْسَ بِمِلْكِ الْبَائِعِ ، وَيَصْطَادَ صَيْدًا صَادَهُ غَيْرُهُ ، ثُمَّ انْفَلَتَ مِنْهُ ، وَإِنْ تَصَوَّرَ ذَلِكَ ، فَهُوَ نَادِرٌ وَقَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : تُمْكِنُ الشَّهَادَةُ فِي الْوَقْفِ بِاللَّفْظِ .
لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ بِالْعُقُودِ هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا يُشْهَدُ بِالْوَقْفِ الْحَاصِلِ بِالْعَقْدِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمِلِكِ ، وَكَذَلِكَ يُشْهَدُ بِالزَّوْجِيَّةِ دُونَ الْعَقْدِ ، وَكَذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ وَالْوَلَاءُ ، وَهَذِهِ جَمِيعُهَا لَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِهَا ، كَمَا لَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِالْمِلْكِ ؛ لِأَنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْمِلْكِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَجُوزَ الشَّهَادَةُ فِيهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ ، كَالْمِلْكِ سَوَاءٌ .
قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عِنْدَنَا مَنْ شَهِدَ عَلَى أَحْبَاسِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا عَلَى السَّمَاعِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَكَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، يَقْتَضِي أَنْ لَا يَشْهَدَ بِالِاسْتِفَاضَةِ حَتَّى تَكْثُرَ بِهِ الْأَخْبَارُ ، وَيَسْمَعَهُ مِنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ ؛ لِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ : فِيمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ فِي الْقَلْبِ .
يَعْنِي حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي " الْمُجَرَّدِ " أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَسْمَعَ

مِنْ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ ، وَيَسْكُنَ قَلْبُهُ إلَى خَبَرِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ تَثْبُتُ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ .
وَهَذَا قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه لَفْظُ الِاسْتِفَاضَةِ ، فَإِنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ فَيْضِ الْمَاءِ ؛ لِكَثْرَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اُكْتُفِيَ فِيهِ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ ، لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ .

( 8355 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ أَوْ عَقَارٌ ، يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ بِالسُّكْنَى ، وَالْإِعَارَةِ ، وَالْإِجَارَةِ ، وَالْعِمَارَةِ ، وَالْهَدْمِ ، وَالْبِنَاءِ ، مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِمِلْكِهَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَشْهَدَ إلَّا بِمَا شَاهَدَهُ مِنْ الْمِلْكِ وَالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِي الْمِلْكِ ، قَدْ تَكُونُ بِإِجَارَةِ وَإِعَارَةٍ وَغَصْبٍ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيَّ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْيَدَ دَلِيلٌ الْمِلْكِ ، وَاسْتِمْرَارَهَا مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ يُقَوِّيهَا ، فَجَرَتْ مَجْرَى الِاسْتِفَاضَةِ ، فَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا ، كَمَا لَوْ شَاهَدَ سَبَبَ الْيَدِ ، مِنْ بَيْعٍ ، أَوْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهَا عَنْ غَصْبٍ أَوْ إجَارَةٍ ، يُعَارِضُهُ اسْتِمْرَارُ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ ، فَلَا يَبْقَى مَانِعًا ، كَمَا لَوْ شَاهَدَ سَبَبَ الْيَدِ ؛ فَإِنَّ احْتِمَالَ كَوْنِ الْبَائِعِ غَيْرَ مَالِكٍ ، وَالْوَارِثِ وَالْوَاهِبِ ، لَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ .
كَذَا هَاهُنَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا بَقِيَ الِاحْتِمَالُ لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ ، وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ إلَّا بِمَا يَعْلَمُ .
قُلْنَا : الظَّنُّ يُسَمَّى عِلْمًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ } .
وَلَا سَبِيلَ إلَى الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ هَاهُنَا ، فَجَازَتْ بِالظَّنِّ .

( 8356 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَصَبِيٍّ : هَذَا ابْنِي .
جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِنَسَبِهِ .
وَإِنْ سَمِعَ الصَّبِيَّ يَقُولُ : هَذَا أَبِي .
وَالرَّجُلُ يَسْمَعُهُ ، فَسَكَتَ ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْأَبِ إقْرَارٌ لَهُ وَالْإِقْرَارُ يُثْبِتُ النَّسَبَ ، فَجَازَتْ الشَّهَادَةُ بِهِ ، وَإِنَّمَا أُقِيمَ السُّكُوتُ هَاهُنَا مَقَامَ الْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عَلَى الِانْتِسَابِ الْبَاطِلِ جَائِزٌ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَلِأَنَّ النَّسَبَ يَغْلِبُ فِيهِ الْإِثْبَاتُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ فِي النِّكَاحِ .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَشْهَدَ مَعَ السُّكُوتِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ حَقِيقِيٍّ ، وَإِنَّمَا أُقِيمَ مَقَامَهُ ، فَاعْتُبِرَتْ تَقْوِيَتُهُ بِالتَّكْرَارِ ، كَمَا اُعْتُبِرَتْ تَقْوِيَةُ الْيَدِ فِي الْعَقَارِ بِالِاسْتِمْرَارِ .

( 8357 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّ فُلَانًا مَاتَ ، وَخَلَّفَ مِنْ الْوَرَثَةِ فُلَانًا وَفُلَانًا ، لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُمَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا .
وَبِهَذَا قَالَ : أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا تُقْبَلُ حَتَّى يُبَيِّنَا أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُمَا .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ ، فَيَكْفِي فِيهِ الظَّاهِرُ ، مَعَ شَهَادَةِ الْأَصْلِ بِعَدَمِ وَارِثٍ آخَرَ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ، أَوْ لَمْ يَكُونَا .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُقْبَلَ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِوَارِثٍ آخَرَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى عَدَمِهِ ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
فَأَمَّا إنْ قَالَا : لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ ، أَوْ بِأَرْضِ كَذَا وَكَذَا .
لَمْ تُقْبَلُ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْضَى بِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَا : لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا .
وَذُكِرَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِأَحْمَدْ أَيْضًا .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى عَدَمِ الْوَارِثِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَعْلَمَانِ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ ، وَيَعْلَمَانِ لَهُ وَارِثًا فِي غَيْرِهَا ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ، كَمَا لَوْ قَالَا : لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا فِي هَذَا الْبَيْتِ .

( 8358 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَاقِلًا ، مُسْلِمًا ، بَالِغًا ، عَدْلًا ، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ يُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدهَا ، أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَيْسَ بِعَاقِلٍ ، إجْمَاعًا .
قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَسَوَاءٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ طُفُولِيَّةٍ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَصِّلٍ ، وَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِكَذِبِهِ ، وَلَا يَتَحَرَّزُ مِنْهُ .
الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا ، وَنَذْكُرُ هَذَا فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ بَالِغًا ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صَبِيٍّ لَمْ يَبْلُغْ بِحَالٍ ، يُرْوَى هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَكْحُولٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ .
وَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ شَهَادَتَهُمْ تُقْبَلُ فِي الْجِرَاحِ ، إذَا شَهِدُوا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي تَجَارَحُوا عَلَيْهَا ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُمْ وَضَبْطُهُمْ ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُلَقَّنُوا .
ابْنُ الزُّبَيْرِ : إنْ أُخِذُوا عِنْدَ مُصَابِ ذَلِكَ ، فَبِالْأَحْرَى أَنْ يَعْقِلُوا وَيَحْفَظُوا .
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَنَّ شَهَادَتَهُمْ جَائِرَةٌ ، وَيُسْتَحْلَفُ أَوْلِيَاءُ الْمَشْجُوجِ .
وَذَكَرَهُ عَنْ مَرْوَانَ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ إذَا كَانَ ابْنَ عَشْرٍ .
قَالَ ابْنُ حَامِدٍ : فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، كَالْعَبِيدِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ تُقْبَلُ عَلَى بَعْضٍ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ .
قَالَ إبْرَاهِيمُ : كَانُوا يُجِيزُونَ

شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمْ .
قَالَ الْمُغِيرَةُ : وَكَانَ أَصْحَابُنَا لَا يُجِيزُونَ شَهَادَتَهُمْ عَلَى رَجُلٍ ، وَلَا عَلَى عَبْدٍ .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عَلِيٍّ ، فَجَاءَهُ خَمْسَةُ غِلْمَةٍ فَقَالُوا : إنَّا كُنَّا سِتَّةَ غِلْمَةٍ نَتَغَاطَّ ، فَغَرِقَ مِنَّا غُلَامٌ .
فَشَهِدَ الثَّلَاثَةُ عَلَى الِاثْنَيْنِ أَنَّهُمَا غَرَّقَاهُ ، وَشَهِدَ الِاثْنَانِ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَنَّهُمْ غَرَّقُوهُ ، فَجَعَلَ عَلَى الِاثْنَيْنِ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ ، وَجَعَلَ عَلَى الثَّلَاثَةِ خُمُسَيْهَا .
وَقَضَى بِنَحْوِ هَذَا مَسْرُوقٌ .
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تُقْبَلُ فِي شَيْءٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } .
وَقَالَ : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
وَقَالَ : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .
وَالصَّبِيُّ مِمَّنْ لَا يُرْضَى .
وَقَالَ : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } .
فَأَخْبَرَ أَنَّ الشَّاهِدَ الْكَاتِمَ لِشَهَادَتِهِ آثِمٌ ، وَالصَّبِيُّ لَا يَأْثَمُ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَاهِدِ ؛ وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَخَافُ مِنْ مَأْثَمِ الْكَذِبِ ، فَيَزَعُهُ عَنْهُ ، وَيَمْنَعُهُ مِنْهُ ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْإِقْرَارِ ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ ، كَالْمَجْنُونِ ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الْإِقْرَارَ أَوْسَعُ ؛ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالْمَرْأَةِ ، وَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ مِنْهُمْ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْمَالِ ، لَا تُقْبَلُ فِي الْجِرَاحِ ، كَالْفَاسِقِ ، وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمِثْلِهِ ، لَا تُقْبَلُ عَلَى مِثْلِهِ ، كَالْمَجْنُونِ .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ ، الْعَدَالَةُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَأَشْهَدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ لِذَلِكَ ، وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } .

فَأَمَرَ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ نَبَأِ الْفَاسِقِ ، وَالشَّهَادَةُ نَبَأٌ ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ عَنْهُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ } .
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ .
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ لَا يَرَاهُ خَصَّ الْخَائِنَ وَالْخَائِنَةَ أَمَانَاتِ النَّاسِ ، بَلْ جَمِيعُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ الْقِيَامُ بِهِ أَوْ اجْتِنَابُهُ ، مِنْ صَغِيرِ ذَلِكَ وَكَبِيرِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ } .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ بِغَيْرِ الْعُدُولِ .
وَلِأَنَّ دِينَ الْفَاسِقِ لَمْ يَزَعْهُ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِ الدِّينِ ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ لَا يَزَعَهُ عَنْ الْكَذِبِ ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِخَبَرِهِ .
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَالْفُسُوقُ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مِنْ حَيْثُ الْأَفْعَالُ ؛ فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ .
وَالثَّانِي ، مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ ، وَهُوَ اعْتِقَادُ الْبِدْعَةِ ، فَيُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ أَيْضًا .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَشَرِيكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَقَالَ شَرِيكٌ : أَرْبَعَةٌ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ ؛ رَافِضِيٌّ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ إمَامًا مُفْتَرَضَةً طَاعَتُهُ .
وَخَارِجِيٌّ يَزْعُمُ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ حَرْبٍ .
وَقَدَرِيٌّ يَزْعُمُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ إلَيْهِ .
وَمُرْجِئٌ .
وَرَدَّ شَهَادَةَ يَعْقُوبَ ، وَقَالَ : أَلَا أَرُدُّ شَهَادَةَ مِنْ يَزْعُمُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ ؟ وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : الْمُخْتَلِفُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ ضَرْبٌ اخْتَلَفُوا فِي الْفُرُوعِ ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَفْسُقُونَ بِذَلِكَ ، وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي الْفُرُوعِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ .
الثَّانِي ، مَنْ نُفَسِّقُهُ وَلَا نُكَفِّرُهُ ، وَهُوَ مَنْ سَبَّ الْقَرَابَةَ ،

كَالْخَوَارِجِ ، أَوْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ، كَالرَّوَافِضِ ، فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ شَهَادَةٌ لِذَلِكَ .
الثَّالِثُ ، مَنْ نُكَفِّرُهُ ، وَهُوَ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، وَنَفْيِ الرُّؤْيَةِ ، وَأَضَافَ الْمَشِيئَةَ إلَى نَفْسِهِ ، فَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يُعْلَى مِثْلَ هَذَا سَوَاءً .
قَالَ : وَقَالَ أَحْمَدُ : مَا تُعْجِبُنِي شَهَادَةُ الْجَهْمِيَّةِ ، وَالرَّافِضَةِ ، وَالْقَدَرِيَّةِ الْمُعْلِنَةِ .
وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، قَبُولُ شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ .
وَأَجَازَ سَوَّارٌ شَهَادَةَ نَاسٍ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ ، مِمَّنْ يَرَى الِاعْتِزَالَ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَرَى الشَّهَادَةَ بِالْكَذِبِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ، كَالْخَطَّابِيَّةِ ، وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي الْخَطَّابِ .
يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِتَصْدِيقِهِ .
وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ أَجَازَ شَهَادَتَهُمْ ، أَنَّهُ اخْتِلَافٌ لَمْ يُخْرِجْهُمْ عَنْ الْإِسْلَامِ ، أَشْبَهَ الِاخْتِلَافَ فِي الْفُرُوعِ ، وَلِأَنَّ فِسْقَهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِمْ ؛ لِكَوْنِهِمْ ذَهَبُوا إلَى ذَلِكَ تَدَيُّنًا وَاعْتِقَادًا أَنَّهُ الْحَقُّ ، وَلَمْ يَرْتَكِبُوهُ عَالِمِينَ بِتَحْرِيمِهِ ، بِخِلَافِ فِسْقِ الْأَفْعَالِ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، أَنَّ الْفِسْقَ الَّذِي يَتَدَيَّنُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ لَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْقَدَرِيِّ ، إذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً ، فَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْفِسْقِ ، فَتُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ ، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ ؛ وَلِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ فَاسِقٌ ، فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ ، لِلْآيَةِ وَالْمَعْنَى .
الشَّرْطُ الْخَامِسُ ، أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا حَافِظًا لَا يَشْهَدُ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُغَفَّلًا ، أَوْ مَعْرُوفًا بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ الشَّرْطُ السَّادِسُ ، أَنْ يَكُونَ ذَا مُرُوءَةٍ .
الشَّرْطُ السَّابِعُ ،

انْتِفَاءُ الْمَوَانِعِ .
وَسَنَشْرَحُ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي مَوَاضِعِهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 8359 ) فَصْلٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ شَهَادَةَ الْبَدَوِيِّ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ ، وَشَهَادَةَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ عَلَى الْبَدَوِيِّ ، صَحِيحَةٌ إذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ .
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .
وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى صَاحِبِ الْقَرْيَةِ .
فَيَحْتَمِلَ هَذَا أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ .
وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَمَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِ أَصْحَابِنَا ، فِيمَا عَدَا الْجِرَاحَ ، وَكَقَوْلِ الْبَاقِينَ فِي الْجِرَاحِ احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، فِي " سُنَنِهِ " ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ } .
وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ ، حَيْثُ عَدَلَ عَنْ أَنْ يُشْهِدَ قَرَوِيًّا وَيُشْهِدَ بَدَوِيًّا .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَلَا أَرَى شَهَادَتَهُمْ رُدَّتْ إلَّا لِمَا فِيهِمْ مِنْ الْجَفَاءِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْجَفَاءِ فِي الدِّينِ .
وَلَنَا ، أَنَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَدْوِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ ، كَأَهْلِ الْقُرَى ، وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ ، وَنَخُصُّهُ بِهَذَا ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ الْحَاكِمُ ، فَيَعْرِفُ عَدَالَتَهُ .

( 8360 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْعَدْلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ .
وَهَذَا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ الَّذِي تَعْتَدِلُ أَحْوَالُهُ فِي دِينِهِ وَأَفْعَالِهِ .
قَالَ الْقَاضِي : يَكُونُ ذَلِكَ فِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْأَحْكَامِ .
أَمَّا الدِّينُ فَلَا يَرْتَكِبُ كَبِيرَةً ، وَلَا يُدَاوِمُ عَلَى صَغِيرَةٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مُرْتَكِبِ كَبِيرَةٍ ، وَلَا يُجَرِّحُهُ عَنْ الْعَدَالَةِ فِعْلُ صَغِيرَةٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلَّا اللَّمَمَ } .
قِيلَ : اللَّمَمُ صِغَارُ الذُّنُوبِ .
وَلِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ ، جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَك لَا أَلَمَّا ؟ } أَيْ لَمْ يُلِمَّ .
فَإِنَّ " لَا " مَعَ الْمَاضِي بِمَنْزِلَةِ " لَمْ " مَعَ الْمُسْتَقْبَلِ .
وَقِيلَ : اللَّمَمُ أَنْ يُلِمَّ بِالذَّنْبِ ، ثُمَّ لَا يَعُودَ فِيهِ .
وَالْكَبَائِرُ كُلُّ مَعْصِيَةٍ فِيهَا حَدٌّ ، وَالْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ .
وَرَوَى أَبُو بَكْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرَ ؟ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ .
وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ، فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَقَوْلُ الزُّورِ .
فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
قَالَ أَحْمَدُ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ آكِلِ الرِّبَا ، وَالْعَاقِّ ، وَقَاطِعِ الرَّحِمِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ ، وَإِذَا أَخْرَجَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ الْأُسْطُوَانَةَ وَالْكَنِيفَ لَا يَكُونُ عَدْلًا ، وَلَا يَكُونُ ابْنُهُ عَدْلًا إذَا وَرِثَ أَبَاهُ حَتَّى يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ

، وَلَا يَكُونُ عَدْلًا إذَا كَذَبَ الْكَذِبَ الشَّدِيدَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ شَهَادَةَ رَجُلٍ فِي كَذِبِهِ .
وَقَالَ : عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ ، وَلَا خَائِنَةٍ ، وَلَا مَجْلُودٍ فِي حَدٍّ ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ فِي عَدَاوَةٍ ، وَلَا الْقَاطِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ ، وَلَا مُجَرَّبٍ عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ ، وَلَا ضَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ } .
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَفِيهِ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ } .
فَأَمَّا الصَّغَائِرُ ، فَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَيْهَا ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَمْرِهِ الطَّاعَاتِ ، لَمْ يُرَدَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ .
فَأَمَّا الْمُرُوءَةُ فَاجْتِنَابُ الْأُمُورِ الدَّنِيئَةِ الْمُزْرِيَةِ بِهِ ، وَذَلِكَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مِنْ الْأَفْعَالِ ، كَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ .
يَعْنِي بِهِ الَّذِي يَنْصِبُ مَائِدَةً فِي السُّوقِ ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ .
وَلَا يَعْنِي بِهِ أَكْلَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ ، كَالْكِسْرَةِ وَنَحْوِهَا .
وَإِنْ كَانَ يَكْشِفُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَغْطِيَتِهِ مِنْ بَدَنِهِ ، أَوْ يَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِي مَجْمَعِ النَّاسِ ، أَوْ يَتَمَسْخَرُ بِمَا يُضْحِكُ النَّاسَ بِهِ ، أَوْ يُخَاطِبُ امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ أَوْ غَيْرَهُمَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ بِالْخِطَابِ الْفَاحِشِ ، أَوْ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمُبَاضَعَتِهِ أَهْلَهُ ، وَنَحْوِ هَذَا مِنْ الْأَفْعَالِ الدَّنِيئَةِ ، فَفَاعِلُ هَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا سُخْفٌ وَدَنَاءَةٌ ، فَمَنْ رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ ، فَلَيْسَتْ لَهُ مُرُوءَةٌ ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ شَتَمَ بَهِيمَةً : قَالَ الصَّالِحُونَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ : { إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى ، إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت } .
يَعْنِي مَنْ لَمْ يَسْتَحِ صَنَعَ مَا شَاءَ .
وَلِأَنَّ الْمُرُوءَةَ تَمْنَعُ الْكَذِبَ ، وَتَزْجُرُ عَنْهُ ، وَلِهَذَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ ذُو الْمُرُوءَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا دِينٍ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، أَنَّهُ حِينَ سَأَلَهُ قَيْصَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتِهِ فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَوْلَا أَنِّي كَرِهْت أَنْ يُؤْثَرَ عَنِّي الْكَذِبُ ، لَكَذَبْته .
وَلَمْ يَكُنْ يَوْمئِذٍ ذَا دِينٍ .
وَلِأَنَّ الْكَذِبَ دَنَاءَةٌ ، وَالْمُرُوءَةُ تَمْنَعُ مِنْ الدَّنَاءَةِ .
وَإِذَا كَانَتْ الْمُرُوءَةُ مَانِعَةً مِنْ الْكَذِبِ ، اُعْتُبِرَتْ فِي الْعَدَالَةِ ، كَالدِّينِ ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذَا مُخْتَفِيًا بِهِ ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ ؛ لِأَنَّ مُرُوءَتَهُ لَا تَسْقُطُ بِهِ .
وَكَذَلِكَ إنْ فَعَلَهُ مَرَّةً ، أَوْ شَيْئًا قَلِيلًا ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّ صَغِيرَ الْمَعَاصِي لَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ إذَا قَلَّ ، فَهَذَا أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْمُرُوءَةَ لَا تَخْتَلُّ بِقَلِيلِ هَذَا ، مَا لَمْ يَكُنْ عَادَتَهُ .
النَّوْعُ الثَّانِي ، فِي الصِّنَاعَاتِ الدَّنِيئَةِ ؛ كَالْكُسَاحِ وَالْكَنَّاسِ ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ ، فِي " سُنَنِهِ " أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ لَهُ : إنِّي رَجُلٌ كَنَّاسٌ ، فَقَالَ : أَيَّ شَيْءٍ تَكْنُسُ ، الزِّبْلَ ؟ .
قَالَ : لَا .
قَالَ : الْعَذِرَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : مِنْهُ كَسَبْتَ الْمَالَ ، وَمِنْهُ تَزَوَّجْت ، وَمِنْهُ حَجَجْت ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : الْأَجْرُ خَبِيثٌ ، وَمَا تَزَوَّجْت خَبِيثٌ ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلْت فِيهِ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ فِي الْكُسَاحِ .
وَلِأَنَّ هَذَا دَنَاءَةٌ يَجْتَنِبُهُ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ ، فَأَشْبَهَ الَّذِي قَبْلَهُ .
فَأَمَّا الزَّبَّالُ وَالْقَرَّادُ وَالْحَجَّامُ وَنَحْوُهُمْ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ يَجْتَنِبُهُ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ ، فَهُوَ كَاَلَّذِي

قَبْلَهُ .
وَالثَّانِي ، تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ بِالنَّاسِ إلَيْهِ حَاجَةً .
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، إنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ يَتَنَظَّفُ لِلصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا وَيُصَلِّيهَا ، فَإِنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .
وَأَمَّا الْحَائِكُ وَالْحَارِسُ وَالدَّبَّاغُ ، فَهِيَ أَعْلَى مِنْ هَذِهِ الصَّنَائِعِ ، فَلَا تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ .
وَذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي جُمْلَةِ مَا فِيهِ وَجْهَانِ .
وَأَمَّا سَائِرُ الصِّنَاعَاتِ الَّتِي لَا دَنَاءَةَ ، فِيهَا فَلَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهَا ، إلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَحْلِفُ كَاذِبًا ، أَوْ يَعِدُ وَيُخْلِفُ ، وَغَلَبَ هَذَا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُرَدُّ .
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ أَوْقَاتِهَا ، أَوْ لَا يَتَنَزَّهُ عَنْ النَّجَاسَاتِ ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُ ، وَمَنْ كَانَتْ صِنَاعَتُهُ مُحَرَّمَةً ؛ كَصَانِعِ الْمَزَامِيرِ وَالطَّنَابِيرِ ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُ .
وَمَنْ كَانَتْ صِنَاعَتُهُ يَكْثُرُ فِيهَا الرِّبَا ، كَالصَّائِغِ وَالصَّيْرَفِيِّ ، وَلَمْ يَتَوَقَّ ذَلِكَ ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ .

( 8361 ) فَصْلٌ : فِي اللَّعِبِ : كُلُّ لَعِبٍ فِيهِ قِمَارٌ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ، أَيَّ لَعِبٍ كَانَ ، وَهُوَ مِنْ الْمَيْسِرِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاجْتِنَابِهِ ، وَمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ .
وَمَا خَلَا مِنْ الْقِمَارِ ، وَهُوَ اللَّعِبُ الَّذِي لَا عِوَضَ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَمِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ ؛ فَأَمَّا الْمُحَرَّمُ فَاللَّعِبُ بِالنَّرْدِ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَكْرُوهٌ ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو مُوسَى ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ } .
وَرَوَى بُرَيْدَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ ، فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ } .
رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .
وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إذَا مَرَّ عَلَى أَصْحَابِ النَّرْدَشِيرِ ، لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ اللَّعِبُ بِهِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، سَوَاءٌ لَعِبَ بِهِ قِمَارًا أَوْ غَيْرَ قِمَارٍ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
قَالَ مَالِكٌ : مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ ، فَلَا أَرَى شَهَادَتَهُ طَائِلَةً ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } .
وَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْحَقِّ ، فَيَكُونُ مِنْ الضَّلَالِ .
( 8362 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الشِّطْرَنْجُ فَهُوَ كَالنَّرْدِ فِي التَّحْرِيمِ ، إلَّا أَنَّ النَّرْدَ آكَدُ مِنْهُ فِي التَّحْرِيمِ ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ فِي تَحْرِيمِهِ ، لَكِنْ هَذَا فِي مَعْنَاهُ ، فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ ، قِيَاسًا عَلَيْهِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ مِمَّنْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِهِ ؛ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنَ عُمَرَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمَ وَسَالِمًا ، وَعُرْوَةَ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ

الْحُسَيْنِ ، وَمَطَرًا الْوَرَّاقَ ، وَمَالِكًا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى إبَاحَتِهِ .
وَحَكَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ ، وَلَمْ يَرِدْ بِتَحْرِيمِهَا نَصٌّ ، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَتَبْقَى عَلَى الْإِبَاحَةِ .
وَيُفَارِقُ الشِّطْرَنْجُ النَّرْدَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ فِي الشِّطْرَنْجِ تَدْبِيرَ الْحَرْبِ ، فَأَشْبَهَ اللَّعِبَ بِالْحِرَابِ ، وَالرَّمْيَ بِالنُّشَّابِ ، وَالْمُسَابَقَةَ بِالْخَيْلِ .
وَالثَّانِي ، أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي النَّرْدِ مَا يُخْرِجُهُ الْكَعْبَتَانِ ، فَأَشْبَهَ الْأَزْلَامَ ، وَالْمُعَوَّلَ فِي الشِّطْرَنْجِ عَلَى حِذْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُسَابَقَةَ بِالسِّهَامِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ } .
قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الشِّطْرَنْجُ مِنْ الْمَيْسِرِ .
وَمَرَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى قَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ ، فَقَالَ : ( مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ) .
قَالَ أَحْمَدُ : أَصَحُّ مَا فِي الشِّطْرَنْجِ ، قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَرَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْظُرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً ، لَيْسَ لِصَاحِبِ الشَّاهِ فِيهَا نَصِيبٌ } .
رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ .
وَلِأَنَّهُ لَعِبٌ يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ الصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ .
وَقَوْلُهُمْ : لَا نَصَّ فِيهَا .
قَدْ ذَكَرْنَا فِيهَا نَصًّا ، وَهِيَ أَيْضًا فِي مَعْنَى النَّرْدِ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ فِيهَا تَدْبِيرَ الْحَرْبَ .
قُلْنَا : لَا يُقْصَدُ هَذَا مِنْهَا ، وَأَكْثَرُ اللَّاعِبِينَ بِهَا إنَّمَا يَقْصِدُونَ مِنْهَا اللَّعِبَ أَوْ الْقِمَارَ .

وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمُعَوَّلَ فِيهَا عَلَى تَدْبِيرِهِ .
فَهُوَ أَبْلَغُ فِي اشْتِغَالِهِ بِهَا ، وَصَدِّهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَقَالَ أَحْمَدُ : النَّرْدُ أَشَدُّ مِنْ الشِّطْرَنْجِ .
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ فِي النَّرْدِ ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا ، بِخِلَافِ الشِّطْرَنْجِ .
وَإِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ كَالنَّرْدِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ مِثْلُهُ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنْ فَعَلَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ ، فَهُوَ كَالنَّرْدِ فِي حَقِّهِ ، وَإِنْ فَعَلَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ، إلَّا أَنْ يَشْغَلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا ، أَوْ يُخْرِجَهُ إلَى الْحَلِفِ الْكَاذِبِ ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ ، أَوْ يَلْعَبَ بِهَا عَلَى الطَّرِيقِ ، أَوْ يَفْعَلَ فِي لَعِبِهِ مَا يُسْتَخَفُّ بِهِ مِنْ أَجْلِهِ ، وَنَحْوَ هَذَا ، مِمَّا يُخْرِجُهُ عَنْ الْمُرُوءَةِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ .

( 8363 ) فَصْلٌ : وَاللَّاعِبُ بِالْحَمَامِ يُطِيرُهَا ، لَا شَهَادَةَ لَهُ .
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَكَانَ شُرَيْحٌ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ صَاحِبِ حَمَامٍ وَلَا حَمَّامٍ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ وَقِلَّةُ مُرُوءَةٍ ، وَيَتَضَمَّنُ أَذَى الْجِيرَانِ بِطَيْرِهِ ، وَإِشْرَافِهِ عَلَى دُورِهِمْ ، وَرَمْيِهِ إيَّاهَا بِالْحِجَارَةِ .
وَقَدْ { رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامًا ، فَقَالَ : شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً } .
وَإِنْ اتَّخَذَ الْحَمَامَ لِطَلَبِ فِرَاخِهَا ، أَوْ لِحَمْلِ الْكُتُبِ ، أَوْ لِلْأُنْسِ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَذًى يَتَعَدَّى إلَى النَّاسِ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ .
وَقَدْ رَوَى عُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ ، { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَا إلَيْهِ الْوَحْشَةَ ، فَقَالَ : اتَّخِذْ زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ .
}

( 8364 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ الْمَشْرُوعَةُ ، بِالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ ، أَوْ عَلَى الْأَقْدَامِ ، فَمُبَاحَةٌ لَا دَنَاءَةَ فِيهَا ، وَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَشْرُوعِيَّةَ ذَلِكَ فِي بَابِ الْمُسَابَقَةِ .
وَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الثِّقَافِ ، وَاللَّعِبِ بِالْحِرَابِ .
وَقَدْ لَعِبَ الْحَبَشَةُ بِالْحِرَابِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَتْ عَائِشَةُ خَلْفَهُ تَنْظُرُ إلَيْهِمْ ، وَتَسْتَتِرُ بِهِ ، حَتَّى مَلَّتْ .
وَلِأَنَّ فِي هَذَا تَعَلُّمًا لِلْحَرْبِ ، فَإِنَّهُ مِنْ آلَاتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُسَابَقَةَ بِالْخَيْلِ وَالْمُنَاضَلَةَ ، وَسَائِرَ اللَّعِبِ ، إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ضَرَرًا ، وَلَا شَغْلًا عَنْ فَرْضٍ ، فَالْأَصْلُ إبَاحَتُهُ ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِيهِ دَنَاءَةٌ يَتَرَفَّعُ عَنْهُ ذَوُو الْمُرُوءَاتِ ، مَنَعَ الشَّهَادَةَ إذَا فَعَلَهُ ظَاهِرًا ، وَتُكَرِّرَ مِنْهُ ، وَمَا كَانَ مِنْهُ لَا دَنَاءَةَ فِيهِ ، لَمْ تُرَدَّ بِهَا الشَّهَادَةُ بِحَالٍ .

( 8365 ) فَصْلٌ : فِي الْمَلَاهِي : وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ مُحَرَّمٌ ، وَهُوَ ضَرْبُ الْأَوْتَارِ وَالنَّايَاتُ ، وَالْمَزَامِيرُ كُلُّهَا ، وَالْعُودُ ، وَالطُّنْبُورُ ، وَالْمِعْزَفَةُ ، وَالرَّبَابُ ، وَنَحْوُهَا ، فَمَنْ أَدَامَ اسْتِمَاعَهَا ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا ظَهَرَتْ فِي أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً ، حَلَّ بِهِمْ الْبَلَاءُ } .
فَذَكَرَ مِنْهَا إظْهَارَ الْمَعَازِفِ وَالْمَلَاهِي .
وَقَالَ سَعِيدٌ : ثنا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وَأَمَرَنِي بِمَحْقِ الْمَعَازِفِ وَالْمَزَامِيرِ ، لَا يَحِلُّ بَيْعُهُنَّ وَلَا شِرَاؤُهُنَّ وَلَا تَعْلِيمُهُنَّ وَلَا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ } .
يَعْنِي الضَّارِبَاتِ .
وَرَوَى نَافِعٌ ، قَالَ : { سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ مِزْمَارًا ، قَالَ : فَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ، وَنَأَى عَنْ الطَّرِيقِ ، وَقَالَ لِي : يَا نَافِعُ ، هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا ؟ قَالَ : فَقُلْت : لَا .
قَالَ : فَرَفَعَ إصْبَعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ ، وَقَالَ : كُنْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ مِثْلَ هَذَا ، فَصَنَعَ مِثْلَ هَذَا } .
رَوَاهُ الْخَلَّالُ ، فِي " جَامِعِهِ " مِنْ طَرِيقَيْنِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ " ، وَقَالَ : حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .
وَقَدْ احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى إبَاحَةِ الْمِزْمَارِ ، وَقَالُوا : لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ مِنْ سَمَاعِهِ ، وَمَنَعَ ابْنُ عُمَرَ نَافِعًا مِنْ اسْتِمَاعِهِ ، وَلَأَنْكَرَ عَلَى الزَّامِرِ بِهَا .
قُلْنَا : أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ اسْتِمَاعُهَا دُونَ سَمَاعِهَا ، وَالِاسْتِمَاعُ غَيْرُ السَّمَاعِ ، وَلِهَذَا فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ بَيْنَ السَّامِعِ وَالْمُسْتَمِعِ ، وَلَمْ يُوجِبُوا عَلَى مَنْ

سَمِعَ شَيْئًا مُحَرَّمًا سَدَّ أُذُنَيْهِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ } .
وَلَمْ يَقُلْ : سَدُّوا آذَانَهُمْ .
وَالْمُسْتَمِعُ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ السَّمَاعَ ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا مِنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ السَّمَاعُ ؛ وَلِأَنَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَةً إلَى مَعْرِفَةِ انْقِطَاعِ الصَّوْتِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الطَّرِيقِ ، وَسَدَّ أُذُنَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَرْجِعَ إلَى الطَّرِيقِ ، وَلَا يَرْفَعَ إصْبَعَيْهِ عَنْ أُذُنَيْهِ ، حَتَّى يَنْقَطِعَ الصَّوْتُ عَنْهُ ، فَأُبِيحَ لِلْحَاجَةِ .
وَأَمَّا الْإِنْكَارُ ، فَلَعَلَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ ، حِينَ لَمْ يَكُنْ الْإِنْكَارُ وَاجِبًا ، أَوْ قَبْلَ إمْكَانِ الْإِنْكَارِ ؛ لِكَثْرَةِ الْكُفَّارِ ، وَقِلَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا الْخَبَرُ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّ أَبَا دَاوُد رَوَاهُ ، وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .
قُلْنَا : قَدْ رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ ، فَلَعَلَّ أَبَا دَاوُد ضَعَّفَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ إلَّا مِنْ إحْدَى الطَّرِيقَيْنِ .
وَضَرْبٌ مُبَاحٌ ؛ وَهُوَ الدُّفُّ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَعْلِنُوا النِّكَاحَ ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ } .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ صَوْتَ الدُّفِّ ، بَعَثَ فَنَظَرَ ، فَإِنْ كَانَ فِي وَلِيمَةٍ سَكَتَ ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا ، عَمَدَ بِالدُّرَّةِ .
وَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ ، فَقَالَتْ : إنِّي نَذَرْت إنْ رَجَعْت مِنْ سَفَرِك سَالِمًا ، أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِك بِالدُّفِّ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يَأْمُرْهَا بِهِ وَإِنْ كَانَ مَنْذُورًا .
وَرَوَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ ، قَالَتْ : { دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبِيحَةَ بُنِيَ بِي ، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَّاتٌ يَضْرِبْنَ بِدُفٍّ لَهُنَّ ، وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مَنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ ، إلَى أَنْ قَالَتْ إحْدَاهُنَّ : وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ .
فَقَالَ : دَعِي هَذَا ، وَقُولِي الَّذِي كُنْت تَقُولِينَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الضَّرْبُ بِهِ لِلرِّجَالِ فَمَكْرُوهٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَضْرِبُ بِهِ النِّسَاءُ ، وَالْمُخَنَّثُونَ الْمُتَشَبِّهُونَ بِهِنَّ ، فَفِي ضَرْبِ الرِّجَالِ بِهِ تَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ ، وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ .
فَأَمَّا الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ ، فَمَكْرُوهِ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ ، كَالتَّصْفِيقِ وَالْغِنَاءِ وَالرَّقْصِ ، وَإِنْ خَلَا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يُكْرَهْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِآلَةٍ وَلَا بِطَرِبٍ ، وَلَا يُسْمَعُ مُنْفَرِدًا ، بِخِلَافِ الْمَلَاهِي .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَا قُلْنَا .

( 8366 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْغِنَاءِ ؛ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ ، وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ ، إلَى إبَاحَتِهِ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : وَالْغِنَاءُ وَالنَّوْحُ مَعْنًى وَاحِدٌ ، مُبَاحٌ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُنْكَرٌ ، وَلَا فِيهِ طَعْنٌ .
وَكَانَ الْخَلَّالُ يَحْمِلُ الْكَرَاهَةَ مِنْ أَحْمَدَ عَلَى الْأَفْعَالِ الْمَذْمُومَةِ ، لَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَيْنِهِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سَمِعَ عِنْدَ ابْنِهِ صَالِحٍ قَوَّالًا ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ، وَقَالَ لَهُ صَالِحٌ : يَا أَبَتِ ، أَلَيْسَ كُنْت تَكْرَهُ هَذَا ؟ فَقَالَ : إنَّهُ قِيلَ لِي : إنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الْمُنْكَرَ .
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى إبَاحَتِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ ، سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَتْ عِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ : مَزْمُورُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُمَا ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْغِنَاءُ زَادُ الرَّاكِبِ .
وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : هُوَ مِنْ اللَّهْوِ الْمَكْرُوهِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ ، لَا يُعْجِبُنِي .
وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى تَحْرِيمِهِ .
قَالَ أَحْمَدُ : فِي مَنْ مَاتَ وَخَلَّفَ وَلَدًا يَتِيمًا ، وَجَارِيَةً مُغَنِّيَةً ، فَاحْتَاجَ الصَّبِيُّ إلَى بَيْعِهَا ، تُبَاعُ سَاذَجَةً .
قِيلَ لَهُ : إنَّهَا تُسَاوِي مُغَنِّيَةً ثَلَاثِينَ أَلْفًا ، وَتُسَاوَيْ سَاذَجَةً عِشْرِينَ دِينَارًا .
قَالَ : لَا تُبَاعُ إلَّا عَلَى أَنَّهَا سَاذَجَةٌ .
وَاحْتَجُّوا عَلَى تَحْرِيمِهِ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } .
قَالَ : الْغِنَاءُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ

مَسْعُودٍ ، فِي قَوْلِهِ : { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } ، قَالَ : هُوَ الْغِنَاءُ .
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْمُغَنِّيَاتِ ، وَبَيْعِهِنَّ ، وَالتِّجَارَةِ فِيهِنَّ ، وَأَكْلُ أَثْمَانِهِنَّ حَرَامٌ } .
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ .
وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ } .
وَالصَّحُّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ .
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، مَنْ اتَّخَذَ الْغِنَاءَ صِنَاعَةً ، يُؤْتِي لَهُ ، وَيَأْتِي لَهُ ، أَوْ اتَّخَذَ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً مُغَنِّينَ ، يَجْمَعُ عَلَيْهِمَا النَّاسَ ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا عِنْدَ مَنْ لَمْ يُحَرِّمْهُ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ وَسُقُوطُ مُرُوءَةٍ ، وَمَنْ حَرَّمَهُ فَهُوَ مَعَ سَفَهِهِ عَاصٍ .
مُصِرٌّ مُتَظَاهِرٌ بِفُسُوقِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَإِنْ كَانَ لَا يُنْسِبُ نَفْسَهُ إلَى الْغِنَاءِ ، وَإِنَّمَا يَتَرَنَّمُ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يُغَنِّي لِلنَّاسِ ، أَوْ كَانَ غُلَامُهُ وَجَارِيَتُهُ إنَّمَا يُغَنِّيَانِ لَهُ ، انْبَنَى هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ .
فَمَنْ أَبَاحَهُ أَوْ كَرِهَهُ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ، وَمَنْ حَرَّمَهُ ، قَالَ : إنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، كَسَائِرِ الصَّغَائِرِ ، وَإِنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ .
وَإِنْ فَعَلَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِمَا لَا يَشْتَهِرُ بِهِ مِنْهُ ، كَسَائِرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ .
وَمَنْ كَانَ يَغْشَى بُيُوتَ الْغِنَاءِ ، أَوْ يَغْشَاهُ الْمُغَنُّونَ لِلسَّمَاعِ مُتَظَاهِرًا بِذَلِكَ ، وَكَثُرَ مِنْهُ ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ .
وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا بِهِ ، فَهُوَ كَالْمُغَنِّي لِنَفْسِهِ ، عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ .

( 8367 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْحِدَاءُ ، وَهُوَ الْإِنْشَادُ الَّذِي تُسَاقُ بِهِ الْإِبِلُ ، فَمُبَاحٌ ، لَا بَأْسَ بِهِ فِي فِعْلِهِ وَاسْتِمَاعِهِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَيِّدَ الْحِدَاءِ ، وَكَانَ مَعَ الرِّجَالِ ، وَكَانَ أَنْجَشَةُ مَعَ النِّسَاءِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ رَوَاحَةَ : حَرِّكْ بِالْقَوْمِ .
فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ ، فَتَبِعَهُ أَنْجَشَةُ ، فَأَعْنَقَتْ الْإِبِلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنْجَشَةَ : رُوَيْدَكَ ، رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ } .
يَعْنِي النِّسَاءَ .
وَكَذَلِكَ نَشِيدُ الْأَعْرَابِ ، وَهُوَ النَّصْبُ ، لَا بَأْسَ بِهِ ، وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْإِنْشَادِ ، مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْغِنَاءِ .
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ إنْشَادَ الشِّعْرِ ، فَلَا يُنْكِرُهُ .
وَالْغِنَاءُ ، مِنْ الصَّوْتِ ، مَمْدُودٌ مَكْسُورٌ .
وَالْغِنَى ، مِنْ الْمَالِ ، مَقْصُورٌ .
وَالْحِدَاءُ ، مَضْمُومٌ مَمْدُودٌ ، كَالدُّعَاءِ وَالرِّعَاءِ ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ ، كَالنِّدَاءِ وَالْهِجَاءِ وَالْغِذَاءِ .

( 8368 ) فَصْلٌ : وَالشِّعْرُ كَالْكَلَامِ ؛ حَسَنُهُ كَحَسَنِهِ ، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكَمًا } ، { وَكَانَ يَضَعُ لَحَسَّانَ مِنْبَرًا يَقُومُ عَلَيْهِ ، فَيَهْجُو مَنْ هَجَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ } .
{ وَأَنْشَدَهُ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَصِيدَةَ : بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ فِي الْمَسْجِدِ .
وَقَالَ لَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْتَدِحَك .
فَقَالَ : قُلْ ، لَا يَفْضُضْ اللَّهُ فَاكَ } .
{ فَأَنْشُدَهُ : مِنْ قَبْلِهَا طِبْت فِي الظِّلَالِ وَفِي مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ } عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ : { أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَمَعَك مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ ؟ .
قُلْت : نَعَمْ .
فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا ، فَقَالَ : هِيهِ .
فَأَنْشَدْته بَيْتًا ، فَقَالَ : هِيهِ .
حَتَّى أَنْشَدْته مِائَةَ قَافِيَةٍ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ : { أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ } وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا ، فَقِيلَ : لَيْسَ بِشِعْرٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ مَوْزُونٌ .
وَقِيلَ : بَلْ هُوَ شِعْرٌ ، وَلَكِنَّهُ بَيْتٌ وَاحِدٌ قَصِيرٌ ، فَهُوَ كَالنَّثْرِ .
وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قِيلَ لَهُ : مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْأَنْصَارِ ، إلَّا وَقَدْ قَالَ الشِّعْرَ .
قَالَ : وَأَنَا قَدْ قُلْت : يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ وَيَأْبَى اللَّهُ إلَّا مَا أَرَادَا يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِيِّ وَتَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا وَلَيْسَ فِي إبَاحَةِ الشِّعْرِ خِلَافٌ ، وَقَدْ قَالَهُ الصَّحَابَةُ وَالْعُلَمَاءُ ، وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إلَيْهِ لِمَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ ، وَالِاسْتِشْهَادِ بِهِ فِي التَّفْسِيرِ ، وَتَعَرُّفِ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى النَّسَبِ ، وَالتَّارِيخِ ، وَأَيَّامِ الْعَرَبِ .

وَيُقَالُ : الشِّعْرُ دِيوَانُ الْعَرَبِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .
وَقَالَ : مَعْنَى يَرِيَهُ : يَأْكُلُ جَوْفَهُ ، يُقَالُ : وَرَاهُ يَرِيهِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَرَاهُنَّ رَبِّي مِثْلُ مَا قَدْ وَرَيْنَنِي وَأَحْمِي عَلَى أَكْبَادِهِنَّ الْمُكَاوِيَا قُلْنَا : أَمَّا الْآيَةُ ، فَالْمُرَادُ بِهَا مَنْ أَسْرَفَ وَكَذَبَ ؛ بِدَلِيلِ وَصْفِهِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ : { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ } .
ثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : { إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } .
وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الشُّعَرَاءِ قِلَّةُ الدِّينِ ، وَالْكَذِبُ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ ، وَهِجَاءُ الْأَبْرِيَاءِ ، سِيَّمَا مَنْ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، مِمَّنْ يَهْجُو الْمُسْلِمِينَ ، وَيَهْجُو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَعِيبُ الْإِسْلَامَ ، وَيَمْدَحُ الْكُفَّارَ ، فَوَقَعَ الذَّمُّ عَلَى الْأَغْلَبِ ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُمْ مَنْ لَا يَفْعَلُ الْخِصَالَ الْمَذْمُومَةَ ، فَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ ، وَمَدْحِ أَهْلِهِ الْمُتَّصِفِينَ بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ .
وَأَمَّا الْخَبَرُ ؛ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَعْنَاهُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الشِّعْرُ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَنْ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ هِجَاءً وَفُحْشًا ، فَمَا كَانَ مِنْ الشِّعْرِ يَتَضَمَّنُ هَجْوَ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْقَدْحَ فِي أَعْرَاضِهِمْ ، أَوْ التَّشَبُّبَ بِامْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا ، وَالْإِفْرَاطَ فِي وَصْفِهَا ، فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ .
وَهَذَا إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى قَائِلِهِ ، فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَأَمَّا عَلَى رَاوِيهِ فَلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْمَغَازِيَ تُرْوَى فِيهَا قَصَائِدُ الْكُفَّارِ الَّذِينَ هَجَوْا بِهَا أَصْحَابَ

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ أَحَدٌ .
وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِي الشِّعْرِ الَّذِي تَقَاوَلَتْ بِهِ الشُّعَرَاءُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَغَيْرِهِمَا ، إلَّا قَصِيدَةَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الْحَائِيَّةَ } .
وَكَذَلِكَ يُرْوَى شِعْرُ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ ، فِي التَّشْبِيبِ بِعَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ ، أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ، وَأُمِّ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ .
وَقَدْ سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصِيدَةَ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ ، وَفِيهَا التَّشْبِيبُ بِسُعَادَ .
وَلَمْ يَزُلْ النَّاسُ يَرْوُونَ أَمْثَالَ هَذَا ، وَلَا يُنْكَرُ .
وَرَوَيْنَا أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ دَخَلَ مَجْلِسًا فِيهِ رَجُلٌ يُغَنِّيهِمْ بِقَصِيدَةِ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ ، فَلَمَّا دَخَلَ النُّعْمَانُ سَكَّتُوهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ فِيهَا ذِكْرَ أُمِّهِ ، فَقَالَ النُّعْمَانُ : دَعُوهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا ، إنَّمَا قَالَ : وَعَمْرَةُ مِنْ سَرَوَاتِ النِّسَاءِ تَنْفَحُ بِالْمِسْكِ أَرْدَانَهَا وَكَانَ عِمْرَانُ بْنُ طَلْحَةَ فِي مَجْلِسٍ ، فَغَنَّاهُمْ رَجُلٌ بِشِعْرٍ فِيهِ ذِكْرُ أُمِّهِ ، فَسَكَّتُوهُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَقَالَ : دَعُوهُ ، فَإِنَّ قَائِلَ هَذَا الشِّعْرِ ، كَانَ زَوْجَهَا .
فَأَمَّا الشَّاعِرُ ، فَمَتَى كَانَ يَهْجُو الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَمْدَحُ بِالْكَذِبِ ، أَوْ يَقْذِفُ مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُرَدُّ ، وَسَوَاءٌ قَذَفَ الْمُسْلِمَةَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ .
وَقَدْ قِيلَ : أَعْظَمُ النَّاسِ ذَنْبًا ، رَجُلٌ يُهَاجِي رَجُلًا ، فَيَهْجُو الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا .
وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ أَبَا دُلَامَةَ شَهِدَ عِنْدَ قَاضٍ ، أَظُنُّهُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى ، فَخَافَ أَنْ يَرُدَّ شَهَادَتَهُ .
فَقَالَ : إنْ النَّاسُ غَطَّوْنِي تَغَطَّيْت عَنْهُمْ وَإِنْ بَحَثُوا عَنِّي فَفِيهِمْ مَبَاحِثُ فَقَالَ الْقَاضِي : وَمَنْ يَبْحَثُك يَا أَبَا دُلَامَةَ .
وَغَرِمَ الْمَالَ مِنْ عِنْدِهِ ، وَلَمْ يُظْهِرْ أَنَّهُ رَدَّ شَهَادَتَهُ .

( 8369 ) فَصْلٌ : فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ : أَمَّا قِرَاءَتُهُ مِنْ غَيْرِ تَلْحِينٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ حَسَّنَ صَوْتَهُ ، فَهُوَ أَفْضَلُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : { زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ } .
وَرُوِيَ : { زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ } .
وَقَالَ : { لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد } .
وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي مُوسَى : لَقَدْ مَرَرْت بِك الْبَارِحَةَ ، وَأَنْتَ تَقْرَأُ ، وَلَقَدْ أُوتِيتُ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد .
فَقَالَ أَبُو مُوسَى : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَسْمَعُ ، لَحَبَّرْته لَك تَحْبِيرًا .
} وَرُوِيَ { أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَبْطَأَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً ، فَقَالَ : أَيْنَ كُنْت يَا عَائِشَةُ ؟ .
فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنْت أَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ ، لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقْرَأُ أَحْسَنَ مِنْ قِرَاءَتِهِ .
فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَمَعَ قِرَاءَته ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا } .
وَقَالَ صَالِحٌ : قُلْت لِأَبِي : " زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ " .
مَا مَعْنَاهُ ؟ قَالَ : أَنْ يُحْسِنَهُ .
وَقِيلَ لَهُ : مَا مَعْنَى : " مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ " .
قَالَ : يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِ .
وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ اللَّيْثُ : يَتَحَزَّنُ بِهِ ، وَيَتَخَشَّعُ بِهِ ، وَيَتَبَاكَى بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، وَوَكِيعٌ : يَسْتَغْنِي بِهِ .
فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالتَّلْحِينِ ، فَيُنْظَرُ فِيهِ ؛ فَإِنْ لَمْ يُفْرِطْ فِي التَّمْطِيطِ وَالْمَدِّ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَرَأَ ، وَرَجَّعَ ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ .
قَالَ الرَّاوِي : لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيَّ ، لَحَكَيْت لَكُمْ قِرَاءَتَهُ .
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَيْسَ

مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ } .
وَقَالَ : { مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءِ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ، يَجْهَرُ بِهِ } .
وَمَعْنَى أَذِنَ : اسْتَمَعَ .
قَالَ الشَّاعِرُ : فِي سَمَاعٍ يَأْذَنُ الشَّيْخُ لَهُ وَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ مَكْرُوهٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ : { لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ } .
أَيْ : يَسْتَغْنِي بِهِ .
قَالَ الشَّاعِرُ : وَكُنْت امْرَأً زَمِنًا بِالْعِرَاقِ عَفِيفَ الْمُنَاخِ كَثِيرَ التَّغَنِّي قَالَ : وَلَوْ كَانَ مِنْ الْغِنَاءِ بِالصَّوْتِ ، لَكَانَ مَنْ لَمْ يُغَنِّ بِالْقُرْآنِ لَيْسَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا التَّفْسِيرِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ .
وَقَالَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ : هَذَا قَوْلُ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ، يَجْهَرُ بِهِ .
وَقِيلَ : يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِهِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ التَّلْحِينِ لَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا ، لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى التَّغَنِّيَ فِي حَدِيثِ : { مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ ، كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ } .
عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَذِنَ : اسْتَمَعَ ، وَإِنَّمَا تُسْتَمَعُ الْقِرَاءَةُ ، ثُمَّ قَالَ : يَجْهَرُ بِهِ .
وَالْجَهْرُ صِفَةُ الْقِرَاءَةِ ، لَا صِفَةُ الِاسْتِغْنَاءِ .
فَأَمَّا إنْ أَفْرَطَ فِي الْمَدِّ وَالتَّمْطِيطِ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ ، بِحَيْثُ يَجْعَلُ الضَّمَّةَ وَاوًا ، وَالْفَتْحَةَ أَلِفًا ، وَالْكَسْرَةَ يَاءً ، كُرِهَ ذَلِكَ .
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُحَرِّمُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ الْقُرْآنَ ، وَيُخْرِجُ الْكَلِمَاتِ عَنْ وَضْعِهَا ، وَيَجْعَلُ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا .
وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ : مَا اسْمُك ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ .
قَالَ : أَيَسُرُّك أَنْ يُقَالَ لَك : يَا مُوحَامَدُ ؟ قَالَ : لَا .

فَقَالَ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ الْأَلْحَانَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَرَمُهُ مِثْلَ حَرَمِ أَبِي مُوسَى .
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : فَيُكَلَّمُونَ ؟ فَقَالَ : لَا .
كُلُّ ذَا .
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ تُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّحْزِينِ وَالتَّرْتِيلِ وَالتَّحْسِينِ .
وَرَوَى بُرَيْدَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِالْحُزْنِ ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِالْحُزْنِ } .
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لِرَجُلٍ : لَوْ قَرَأْت .
وَجَعَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رُبَّمَا تَغَرْغَرَتْ عَيْنُهُ .
وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ : كُنَّا عِنْدَ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، فَجَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ التِّرْمِذِيُّ ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى : اقْرَأْ .
فَقَرَأَ ، فَغُشِيَ عَلَى يَحْيَى حَتَّى حُمِلَ فَأُدْخِلَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعَدَوِيُّ : قَرَأْت عِنْدَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ حَتَّى فَاتَهُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ .

( 8370 ) فَصْلٌ : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الطُّفَيْلِيِّ ؛ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي طَعَامَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَتَى إلَى طَعَامٍ لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ ، دَخَلَ سَارِقًا ، وَخَرَجَ مُعَيَّرًا } .
وَلِأَنَّهُ يَأْكُلُ مُحَرَّمًا ، وَيَفْعَلُ مَا فِيهِ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ وَذَهَابُ مُرُوءَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ هَذَا مِنْهُ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الصَّغَائِرِ .

( 8371 ) فَصْلٌ : وَمَنْ سَأَلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَحِلَّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، فَأَكْثَرَ ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا ، وَأَكَلَ سُحْتًا ، وَأَتَى دَنَاءَةً .
وَقَدْ رَوَى قَبِيصَةُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ ؛ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ ، حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ : لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ .
فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، وَرَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكَ ، فَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ سُحْتٌ ، يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
فَأَمَّا السَّائِلُ مِمَّنْ تُبَاحُ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ عُمْرِهِ سَائِلًا ، أَوْ يَكْثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَنَاءَةٌ وَسُقُوطُ مُرُوءَةٍ .
وَمَنْ أَخَذَ مِنْ الصَّدَقَةِ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ جَائِزٌ ، لَا دَنَاءَةَ فِيهِ .
وَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى الْحَرَامِ .

( 8372 ) فَصْلٌ : وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْفُرُوعِ مُخْتَلِفًا فِيهِ مُعْتَقِدًا إبَاحَتَهُ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ، كَالْمُتَزَوِّجِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، أَوْ بِغَيْرِ شُهُودٍ ، وَآكِلِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ ، وَشَارِبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي شَارِبِ النَّبِيذِ ، يُحَدُّ ، وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : تُرَدُّ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ الْحَاكِمُ تَحْرِيمَهُ ، فَأَشْبَهَ الْمُتَّفَقَ عَلَى تَحْرِيمِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي الْفُرُوعِ ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْضُهُمْ يَعِيبُ مَنْ خَالَفَهُ ، وَلَا يُفَسِّقُهُ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَلَمْ تُرَدَّ شَهَادَةُ فَاعِلِهِ ، كَاَلَّذِي يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ .
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ بِهِ إذَا تَكَرَّرَ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا تُرَدَّ شَهَادَتُهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ ، فَلَا تُرَدَّ بِهِ شَهَادَةُ الْبَعْضِ الْآخَرِ ، كَالْمُتَّفَقِ عَلَى حِلِّهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ فِعْلٌ يَحْرُمُ عَلَى فَاعِلِهِ ، وَيَأْثَمُ بِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَجْمَعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ مُعْتَقِدَ حِلِّهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَلَا يَحُجُّ : تُرَدُّ شَهَادَتُهُ .
وَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَهُ عَلَى الْفَوْرِ .
فَأَمَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي ، وَيَتْرُكُهُ بِنِيَّةِ فِعْلِهِ ، فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ ، كَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ مُطْلَقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ فَلَمْ يَحُجَّ ، فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا } .
وَقَالَ عُمَرُ : لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَنْظُرَ فِي النَّاسِ ، فَمَنْ وَجَدْته يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ وَلَا يَحُجُّ ، ضَرَبْت عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ ، ثُمَّ قَالَ : مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ .

( 8373 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّهُ إذَا شَهِدَ بِوَصِيَّةِ الْمُسَافِرِ الَّذِي مَاتَ فِي سَفَرِهِ شَاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمَا ، وَيُسْتَحْلَفَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا خَانَا وَلَا كَتَمَا ، وَلَا اشْتَرَيَا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا { وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إنَّا إذًا لَمِنْ الْآثِمِينَ } .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهَذَا قَالَ أَكَابِرُ الْمَاضِينَ .
يَعْنِي الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ .
وَمِمَّنْ قَالَهُ شُرَيْحٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ .
وَقَضَى بِذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِ الْوَصِيَّةِ ، لَا تُقْبَلُ فِي الْوَصِيَّةِ ؛ كَالْفَاسِقِ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى التَّحَمُّلِ دُونَ الْأَدَاءِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ { مِنْ غَيْرِكُمْ } .
أَيْ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الشَّهَادَةُ فِي الْآيَةِ الْيَمِينُ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ } .
وَهَذَا نَصُّ الْكِتَابِ ، وَقَدْ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، فَرَوَى { ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، وَعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامَ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ ، فَأَحْلَفَهُمَا

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَجَدُوا الْجَامَ بِمَكَّةَ ، فَقَالُوا : اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ ، فَحَلَفَا بِاَللَّهِ : لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ .
فَنَزَلَتْ فِيهِمْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } } وَعَنْ الشَّعْبِيِّ { أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِدَقُوقَاءَ ، وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدْهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ ، فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَقَدِمَا الْكُوفَةَ ، فَأَتَيَا الْأَشْعَرِيَّ ، فَأَخْبَرَاهُ ، وَقَدِمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ ، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ : هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ مَا خَانَا ، وَلَا كَذَبَا ، وَلَا بَدَّلَا ، وَلَا كَتَمَا ، وَلَا غَيَّرَا ، وَأَنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ ، وَتَرِكَتُهُ ، فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا } .
رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد ، فِي " سُنَنِهِ " .
وَرَوَى الْخَلَّالُ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى بِإِسْنَادِهِ .
وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ عَدِيٍّ ، وَتَمِيمٍ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ ، وَقَدْ فَسَّرَهَا بِمَا قُلْنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعُبَيْدَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا .
وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ ، لَمْ تَجِبْ الْأَيْمَانُ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا قَسَامَةَ عَلَيْهِمْ .
وَحَمْلُهَا عَلَى التَّحَمُّلِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْلَافِهِمْ ، وَلَا أَيْمَانَ فِي التَّحَمُّلِ .
وَحَمْلُهَا عَلَى الْيَمِينِ لَا يَصِحُّ ؛ لِقَوْلِهِ : { فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ إنْ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } .
وَلِأَنَّهُ

عَطَفَهَا عَلَى ذَوِي الْعَدْلِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمَا شَاهِدَانِ .
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي " النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَضَى بِذَلِكَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ .
قَالَ أَحْمَدُ : أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ، مِنْ أَيْنَ يَعْرِفُونَهُ ؟ فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَضَاءِ الصَّحَابَة بِهِ ، وَعَمَلِهِمْ بِمَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ ، فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ، وَالْعَمَلُ بِهِ ، سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَوْ خَالَفَهُ .

( 8374 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ) مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا تُقْبَلُ فِي شَيْءٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا .
رَوَاهُ عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ نَفْسًا .
وَمِمَّنْ قَالَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ؛ الْحَسَنُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لَمْ تُقْبَلُ .
وَخَطَّأَهُ الْخَلَّالُ فِي نَقْلِهِ هَذَا ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : هَذَا غَلَطٌ لَا شَكَّ فِيهِ .
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : بَلْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ : تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّبْيِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي النَّسَبِ ، إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمْ أَنَّ الْآخَرَ أَخُوهُ .
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، وَالظَّاهِرُ غَلَطُ مَنْ رَوَى خِلَافَ ذَلِكَ .
وَذَهَبَ طَائِفَة مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَى أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ تُقْبَلُ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ ، وَالنَّصْرَانِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ .
وَهَذَا قَوْلُ حَمَّادٍ ، وَسَوَّارٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْبَتِّيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ .
وَعَنْ قَتَادَةَ ، وَالْحَكَمِ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقَ : تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مِلَّةٍ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ يَهُودِيٍّ عَلَى نَصْرَانِيٍّ ، وَلَا نَصْرَانِيٍّ عَلَى يَهُودِيٍّ .
وَرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، كَقَوْلِنَا ، وَكَقَوْلِهِمْ .
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ .
} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
وَلِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَلِي عَلَى بَعْضٍ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، كَالْمُسْلِمِينَ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَشْهَدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
وَقَالَ تَعَالَى : {

وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .
وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِذِي عَدْلٍ ، وَلَا هُوَ مِنَّا ، وَلَا مِنْ رِجَالِنَا ، وَلَا مِمَّنْ نَرْضَاهُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ دِينِهِ ، فَلَا تُقْبَلُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ ، كَالْحَرْبِيِّ ، وَالْخَبَرُ يَرْوِيه مُجَالِدٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَإِنْ ثَبَتَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْيَمِينَ ، فَإِنَّهَا تُسَمَّى شَهَادَةً ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللِّعَانِ : { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ .
بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ } .
وَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَمُتَعَلِّقُهَا الْقَرَابَةُ وَالشَّفَقَةُ ، وَقَرَابَتُهُمْ ثَابِتَةٌ ، وَشَفَقَتُهُمْ كَشَفَقَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَجَازَتْ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ ، فَإِنَّ غَيْرَ أَهْلِ دِينِهِمْ لَا يَلِي عَلَيْهِمْ ، وَالْحَاكِمُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، لَكَثْرَتِهِمْ ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ ، فَإِنَّهَا مُمْكِنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ دِينٍ إلَّا الْمُسْلِمِينَ } ؛ فَإِنَّهُمْ عُدُولٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَعَلَى غَيْرِهِمْ .

( 8375 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ ، وَلَا جَارٍ إلَى نَفْسِهِ ، وَلَا دَافِعٍ عَنْهَا ) أَمَّا الْخَصْمُ ، فَهُوَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، كُلُّ مَنْ خَاصَمَ فِي حَقٍّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ كَالْوَكِيلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ ، وَلَا الْوَصِيِّ فِيمَا هُوَ وَصِيٌّ فِيهِ ، وَلَا الشَّرِيكِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ ، وَلَا الْمُضَارِبِ بِمَالٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُضَارَبَةِ .
وَلَوْ غَصَبَ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْمُودَعِ ، وَطَالَبَ بِهَا ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِهِ ، كَالْمَالِكِ .
وَالثَّانِي ، الْعَدُوُّ ، فَشَهَادَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عَلَى عَدُوِّهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَيُرِيدُ بِالْعَدَاوَةِ هَاهُنَا الْعَدَاوَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ الْمَقْذُوفُ عَلَى الْقَاذِفِ ، وَالْمَقْطُوعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ عَلَى الْقَاطِعِ ، وَالْمَقْتُولُ وَلِيُّهُ عَلَى الْقَاتِلِ ، وَالْمَجْرُوحُ عَلَى الْجَارِحِ ، وَالزَّوْجُ يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالزِّنَى ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَاوَتِهِ لَهَا ، لِإِفْسَادِهَا فِرَاشَهُ .
فَأَمَّا الْعَدَاوَةُ فِي الدِّينِ ، كَالْمُسْلِمِ يَشْهَدُ عَلَى الْكَافِرِ ، أَوْ الْمُحِقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَشْهَدُ عَلَى مُبْتَدَعٍ ، فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ بِالدِّينِ ، وَالدِّينُ يَمْنَعُهُ مِنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورِ دِينِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَمْنَعُ الْعَدَاوَةُ الشَّهَادَةَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ ، فَلَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ ، كَالصَّدَاقَةِ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
الْغِمْرُ : الْحِقْدُ .

وَلِأَنَّ الْعَدَاوَةَ تُورِثَ التُّهْمَةَ .
فَتَمْنَعُ الشَّهَادَةَ ، كَالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ ، وَتُخَالِفُ الصَّدَاقَةَ ؛ فَإِنَّ فِي شَهَادَةِ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ بِالزُّورِ نَفْعَ غَيْرِهِ بِمَضَرَّةِ نَفْسِهِ ، وَبَيْعَ آخِرَتِهِ بِدُنْيَا غَيْرِهِ ، وَشَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ يَقْصِدُ بِهَا نَفْعَ نَفْسِهِ ، بِالتَّشَفِّي مِنْ عَدُوِّهِ ، فَافْتَرَقَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ قَبِلْتُمْ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ مَعَ الْعَدَاوَةِ ؟ قُلْنَا : الْعَدَاوَةُ هَاهُنَا دِينِيَّةٌ ، وَالدِّينُ لَا يَقْتَضِي شَهَادَةَ الزُّورِ ، وَلَا أَنْ يَتْرُكَ دِينَهُ بِمُوجِبِ دِينِهِ .

( 8376 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ ، فَقَذَفَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّنَا لَوْ أَبْطَلْنَا شَهَادَتَهُ بِهَذَا لَتَمَكَّنَ كُلُّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ إبْطَالٍ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِأَنْ يَقْذِفَهُ ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ طَرَأَ الْفِسْقُ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، وَقَبْلَ الْحُكْمِ ، فَإِنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ فِيهِ لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ ، بَلْ إلَى عَكْسِهِ ، وَلِأَنَّ طَرَيَان الْفِسْقِ يُورِثُ تُهْمَةً فِي حَالِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ إسْرَارُهُ ، فَظُهُورُهُ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُسِرُّهُ حَالَةَ أَدَائِهَا ، وَهَا هُنَا حَصَلَتْ الْعَدَاوَةُ بِأَمْرِ لَا تُهْمَةَ عَلَى الشَّاهِدِ فِيهِ .
وَأَمَّا الْمُحَاكَمَةُ فِي الْأَمْوَالِ ، فَلَيْسَتْ بِعَدَاوَةِ تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ فِي غَيْرِ مَا حَاكِمَ فِيهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَا جَارٍ إلَى نَفْسِهِ .
فَإِنَّ الْجَارَ إلَى نَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِشَهَادَتِهِ ، وَيَجُرُّ إلَيْهِ بِهَا نَفْعًا ؛ كَشَهَادَةِ الْغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ ، وَشَهَادَتِهِمْ لِلْمَيِّتِ بِدَيْنٍ أَوْ مَالٍ ، فَإِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لِلْمُفْلِسِ أَوْ الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ مَالٌ ، تَعَلَّقَتْ حُقُوقُهُمْ بِهِ ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ شَهِدَ الْغُرَمَاءُ لَحَيٍّ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِمَالٍ ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا كَانَ مُعْسِرًا سَقَطَتْ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ ، فَإِذَا شَهِدَا لَهُ بِمَالٍ ، مَلَكَا مُطَالَبَتَهُ ، فَجَرُّوا إلَى أَنْفُسِهِمْ نَفْعًا .
قُلْنَا : لَمْ تَثْبُتْ الْمُطَالَبَةُ بِشَهَادَتِهِمْ ، إنَّمَا تَثْبُتُ بِيَسَارِهِ وَإِقْرَارِهِ ؛ لِدَعْوَاهُ الْحَقَّ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ .
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَارِثِ لِلْمَوْرُوثِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْرِي الْجَرْحُ إلَى نَفْسِهِ ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لَهُمْ بِشَهَادَتِهِمْ .
وَلَا شَهَادَةُ الشَّفِيعِ بِبَيْعِ شِقْصٍ لَهُ فِيهِ الشُّفْعَةُ .
وَلَا شَهَادَةُ السَّيِّدِ

لِعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، وَلَا لِمُكَاتَبِهِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ .
وَقَالَ : نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ قَبِلْتُمْ شَهَادَةَ الْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ ، مَعَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ وَرِثَهُ ، فَقَدْ جَرَّ إلَى نَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ نَفْعًا ؟ قُلْنَا : لَا حَقَّ لَهُ فِي مَالِهِ حِينَ الشَّهَادَةِ ، وَإِنَّمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ حَقٌّ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ لَامْرَأَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، أَوْ لِغَرِيمِ لَهُ بِمَالٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُوَفِّيَهُ مِنْهُ ، أَوْ يُفْلِسَ ، فَيَتَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مَا يَحْصُلُ لِلشَّاهِدِ بِهِ نَفْعٌ حَالَ الشَّهَادَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ مَنَعْتُمْ قَبُولَ شَهَادَتِهِ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ حَقٌّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقٌّ فِي الْحَالِ ، فَإِنْ قُلْتُمْ : قَدْ انْعَقَدَ سَبَبُ حَقِّهِ .
قُلْنَا : يَبْطُلُ بِالشَّاهِدِ لِمَوْرُوثِهِ الْمَرِيضِ بِحَقٍّ ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ مَعَ انْعِقَادِ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ عَطِيَّتَهُ لَهُ لَا تَنْفُذُ ، وَعَطِيَّتَهُ لِغَيْرِهِ تَقِفُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الثُّلُثِ .
قُلْنَا : إنَّمَا مَنَعْنَا الشَّهَادَةَ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجَرْحِ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى الْمَوْتِ ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لِلْوَارِثِ الشَّاهِدِ بِهِ ابْتِدَاءً ، فَيَكُونُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ ، مُوجِبًا لَهُ بِهَا حَقًّا ابْتِدَاءً ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ لِلْمَرِيضِ أَوْ الْمَجْرُوحِ بِمَالٍ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الشَّهَادَةَ لَهُ ، كَالشَّهَادَةِ لِغَرِيمِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَجَزْتُمْ شَهَادَةَ الْغَرِيمِ لِغَرِيمِهِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، كَمَا أَجَزْتُمْ شَهَادَتَهُ لَهُ بِمَالِهِ ؟ .
قُلْنَا : إنَّمَا أَجَزْنَاهَا لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ لِلشَّاهِدِ ابْتِدَاءً ، إنَّمَا تَجِبُ لِلْقَتِيلِ ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ ، ثُمَّ

يَسْتَوْفِي الْغَرِيمُ مِنْهَا ، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ لَهُ بِالْمَالِ .
وَأَمَّا الدَّافِعُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَمِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِجَرْحِ الشُّهُودِ ، أَوْ تَشْهَدَ عَاقِلَةُ الْقَاتِلِ خَطَأً بِجَرْحِ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ الدِّيَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ .
فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ بِالْجَرْحِ فَقِيرَيْنِ ، اُحْتُمِلَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَحْمِلَانِ شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تُقْبَلَ ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يُوسِرَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَيَحْمِلَا .
وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي الْبَعِيدِ الَّذِي لَا يَحْمِلُ لِبُعْدِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَمُوتَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ ، فَيَحْمِلَ .
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الضَّامِنِ لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ بِقَضَاءِ الْحَقِّ ، أَوْ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ .
وَلَا شَهَادَةُ أَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِإِسْقَاطِ شُفْعَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُوَفِّرُ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ .
وَلَا شَهَادَةُ بَعْضِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ عَلَى بَعْضِهِمْ بِإِسْقَاطِ دَيْنِهِ ، أَوْ اسْتِيفَائِهِ .
وَلَا بَعْضِ مَنْ أَوْصَى لَهُ بِمَالٍ عَلَى آخَرَ ، بِمَا يُبْطِلُ وَصِيَّتَهُ ، إذَا كَانَتْ وَصِيَّتُهُ تَحْصُلُ بِهَا مُزَاحَمَتُهُ ؛ إمَّا لِضِيقِ الثُّلُثِ عَنْهُمَا ، أَوْ لِكَوْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ بِمُعَيَّنٍ .
فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِهِ مُتَّهَمٌ ؛ لِمَا يَحْصُلُ بِشَهَادَتِهِ مِنْ نَفْعِ نَفْسِهِ ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا ، فَيَكُونُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ .
وَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ : مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْإِسْلَامِ ، أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ خَصْمٍ ، وَلَا ظَنِينٍ .
وَالظَّنِينُ : الْمُتَّهَمُ .
وَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا شَهَادَةَ لَخَصْمٍ ، وَلَا ظَنِينٍ } .
وَمِمَّنْ رَدَّ شَهَادَةَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ شُرَيْحٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .

( 8377 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ الشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ ، فِي غَيْرِ مَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ ، أَوْ الْوَكِيلُ لِمُوَكِّلِهِ ، فِي غَيْرِ مَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ ، أَوْ الْعَدُوُّ لِعَدُوِّهِ ، أَوْ الْوَارِثُ لِمَوْرُوثِهِ بِمَالٍ ، أَوْ بِالْجَرْحِ بَعْدَ الِانْدِمَالِ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ ، بَعْدَ أَنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ عَلَى الْآخَرِ ، بِإِسْقَاطِ شُفْعَتِهِ ، أَوْ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ بَعْدَ سُقُوطِ وَصِيَّتِهِ عَلَى الْآخَرِ ، بِمَا يُسْقِطُ وَصِيَّتَهُ ، أَوْ كَانَتْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ لَا تُزَاحِمُ الْأُخْرَى ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تُهْمَةَ فِيهِ ، قُبِلَتْ ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ مُتَحَقِّقٌ ، وَالْمَانِعُ مُنْتَفٍ فَوَجَبَ قَبُولُهَا ، عَمَلًا بِالْمُقْتَضِي .

( 8378 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يُعْرَفُ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالْغَفْلَةِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدِ أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِقَوْلِهِ ؛ لِتَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ ، وَلِذَلِكَ اعْتَبَرْنَا الْعَدَالَةَ ، وَمَنْ يَكْثُرُ غَلَطُهُ وَتَغَفُّلُهُ ، لَا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَلَطَاتِهِ ، فَرُبَّمَا شَهِدَ عَلَى غَيْرِ مَنْ اُسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ ، أَوْ لِغَيْرِ مَنْ شَهِدَ لَهُ ، أَوْ بِغَيْرِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ ، وَإِذَا كَانَ مُغَفَّلًا ، فَرُبَّمَا اسْتَزَلَّهُ الْخَصْمُ بِغَيْرِ شَهَادَته ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ .
وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الشَّهَادَةِ وُجُودُ غَلَطٍ نَادِرٍ ، أَوْ غَفْلَةٍ نَادِرَةٍ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَوْ مَنَعَ ذَلِكَ الشَّهَادَةَ ، لَانْسَدَّ بَابُهَا ، فَاعْتَبَرْنَا الْكَثْرَةَ فِي الْمَنْعِ ، كَمَا اعْتَبَرْنَا كَثْرَةَ الْمَعَاصِي فِي الْإِخْلَالِ بِالْعَدَالَةِ .

( 8379 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى ، إذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَأَبِي هَاشِمٍ ، وَاخْتُلِفَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَإِيَاسٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى .
وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ شَهَادَتَهُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَالتَّرْجَمَةِ ، وَإِذَا أَقَرَّ عِنْدَ أُذُنِهِ وَيَدُ الْأَعْمَى عَلَى رَأْسِهِ ، ثُمَّ ضَبَطَهُ حَتَّى حَضَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُجِزْهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ ، لَا تَجُوزُ عَلَى الْأَقْوَالِ ، كَالصَّبِيِّ ، وَلِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تَشْتَبِهُ ، فَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا ، كَالْخَطِّ .
وَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } .
وَسَائِرُ الْآيَاتِ فِي الشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ عَدْلٌ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، كَالْبَصِيرِ ، وَفَارَقَ الصَّبِيَّ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِرَجُلٍ وَلَا عَدْلٍ وَلَا مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ ، وَلِأَنَّ السَّمْعَ أَحَدُ الْحَوَاسِّ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْيَقِينُ ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَنْ أَلِفَهُ الْأَعْمَى ، وَكَثُرَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ ، وَعَرَفَ صَوْتَهُ يَقِينًا ، فَيَجِبُ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ فِيمَا تَيَقَّنَهُ ، كَالْبَصِيرِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِ حُصُولِ الْيَقِينِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ .
قَالَ قَتَادَةُ : لِلسَّمْعِ قِيَافَةٌ كَقِيَافَةِ الْبَصَرِ .
وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ ، وَلَا يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَسْمَعَهَا مِنْ عَدْلَيْنِ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَهُمَا حَتَّى يَعْرِفَ عَدَالَتَهُمَا ، فَإِذَا صَحَّ أَنْ يَعْرِفَ الشَّاهِدَيْنِ ، صَحَّ أَنْ يَعْرِفَ الْمُقِرَّ .
وَلَا خِلَافَ فِي قَبُولِ رِوَايَته ، وَجَوَازِ

اسْتِمَاعِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ إذَا عَرَفَ صَوْتَهَا ، وَصِحَّةِ قَبُولِهِ النِّكَاحَ ، وَجَوَازُ اشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ ، كَجَوَازِ اشْتِبَاهِ الصُّوَرِ ، وَفَارَقَ الْأَفْعَالَ ؛ فَإِنَّ مَدْرَكِهَا الرُّؤْيَةُ ، وَهِيَ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ مِنْ الْأَعْمَى ، وَالْأَقْوَالُ مَدْرَكُهَا السَّمْعُ ، وَهُوَ يُشَارِكُ الْبَصِيرَ فِيهِ ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ ، يُفَارِقُ الْخَطَّ ، فَإِنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ مَنْ كَتَبَ الْخَطَّ ، أَوْ رَآهُ وَهُوَ يَكْتُبُهُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا كَتَبَ فِيهِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ إلَّا إذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ ، وَعَلِمَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا .
فَإِنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ صَوْتَ غَيْرِهِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ عَلَى الْبَصِيرِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ .

( 8380 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ عَلَى فِعْلٍ ، ثُمَّ عَمِيَ ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ، إذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَصْلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا .
وَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ ؛ وَلِأَنَّ الْعَمَى فَقْدُ حَاسَّةٍ لَا تُخِلُّ بِالتَّكْلِيفِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَالصَّمَمِ ، وَيُفَارِقُ الْحُكْمَ ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ لَهُ مِنْ شُرُوطِ الْكَمَالِ مَا لَا يُعْتَبَرُ لِلشَّهَادَةِ ، وَلِذَلِكَ يُعْتَبَرُ لَهُ السَّمْعُ وَالِاجْتِهَادُ وَغَيْرُهُمَا ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ ، لَكِنْ تَيَقَّنَ صَوْتَهُ ؛ لِكَثْرَةِ إلْفِهِ لَهُ ، صَحَّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ .
وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، ثُمَّ عَمِيَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ ، جَازَ الْحُكْمُ بِهَا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ مَعَ صِحَّةِ النُّطْقِ ، فَمَنَعَ الْحُكْمَ بِهَا ، كَالْفِسْقِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، لَا يُورِثُ تُهْمَةً فِي حَالِ الشَّهَادَةِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ قَبُولَهَا كَالْمَوْتِ ، وَفَارَقَ الْفِسْقَ ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ تُهْمَةً حَالَ الشَّهَادَةِ .

( 8381 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ بِحَالٍ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ قِيلَ لَهُ : وَإِنْ كَتَبَهَا ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي .
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : تُقْبَلُ إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ فِي أَحْكَامِهِ ، مِنْ طَلَاقِهِ ، وَنِكَاحِهِ ، وَظِهَارِهِ ، وَإِيلَائِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِ .
وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الصَّلَاةِ إلَى النَّاسِ وَهُمْ قِيَامٌ ، أَنَّ اجْلِسُوا .
فَجَلَسُوا .
وَلَنَا ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ بِالْإِشَارَةِ ، فَلَمْ تَجُزْ ، كَإِشَارَةِ النَّاطِقِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَقِينُ ، وَلِذَلِكَ لَا يَكْتَفِي بِإِيمَاءِ النَّاطِقِ ، وَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِالْإِشَارَةِ ، وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِإِشَارَتِهِ فِي أَحْكَامِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ لِلضَّرُورَةِ ، وَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يُمْضِي حُكْمَهُ إذَا وَجَدَ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهُ ، وَالشَّاهِدُ لَا يَشْهَدُ بِرُؤْيَةِ خَطِّهِ ، فَلَأَنْ لَا حُكْمَ بِخَطِّ غَيْرِهِ أَوْلَى .
وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ ، وَعَمِلَ بِإِشَارَتِهِ فِي الصَّلَاةِ .
وَلَوْ شَهِدَ النَّاطِقُ بِالْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ ، لَمْ يَصِحَّ إجْمَاعًا ، فَعُلِمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ مُفَارِقَةٌ لِغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ .

( 8382 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوَا ، لِلْوَلَدِ وَإِنْ سَفُلَ ، وَلَا شَهَادَةُ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفُلَ ، لَهُمَا وَإِنْ عَلَوَا .
ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ لَا تُقْبَلُ ، وَلَا لِوَلَدِ وَلَدِهِ ، وَإِنْ سَفُلَ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْبَنِينَ وَوَلَدُ الْبَنَاتِ .
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لَوَالِدِهِ ، وَلَا لِوَالِدَتِهِ ، وَلَا جَدِّهِ ، وَلَا جَدَّتِهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَإِنْ عَلَوْا ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ ، وَآبَاؤُهُمَا وَأُمَّهَاتُهُمَا .
وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَبِ لَهُ ؛ لِأَنَّ مَالَ الِابْنِ فِي حُكْمِ مَالِ الْأَبِ ، لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ إذَا شَاءَ ، فَشَهَادَتُهُ لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ ، أَوْ يَجُرُّ بِهَا لِنَفْسِهِ نَفْعًا .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك } .
وَقَالَ : { إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ ، فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } .
وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي شَهَادَةِ الِابْنِ لِأَبِيهِ .
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ، فِي مَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ ، كَالنِّكَاحِ ، وَالطَّلَاقِ ، وَالْقِصَاصِ ، وَالْمَالِ إذَا كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَنْتَفِعُ بِمَا يَثْبُتُ لِلْآخَرِ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِ .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ مَقْبُولَةٌ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ .
وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمَزْنِيُّ ، وَدَاوُد ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَاتِ ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ تُقْبَلُ

شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ ، وَلَا ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ } .
وَالظَّنِينُ : الْمُتَّهَمُ ، وَالْأَبُ يُتَّهَمُ لِوَلَدِهِ ؛ لِأَنَّ مَالَهُ كَمَا لَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا بَعْضِيَّةً ، فَكَأَنَّهُ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي ، يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا } .
وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي الشَّهَادَةِ لِوَلَدِهِ ، كَتُهْمَةِ الْعَدُوِّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَالْخَبَرُ أَخُصُّ مِنْ الْآيَاتِ ، فَتُخَصُّ بِهِ .

( 8383 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، فَتُقْبَلُ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ فِي " الْجَامِعِ " فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } .
فَأَمَرَ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ ، وَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَمَا أَمَرَ بِهَا ، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ فِي إيصَالِ النَّفْعِ ، وَلَا تُهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ ، كَشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيِّ ، بَلْ أَوْلَى ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لِنَفْسِهِ لَمَّا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ فِي إيصَالِ النَّفْعِ إلَى نَفْسِهِ ، كَانَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ مَقْبُولًا .
وَحَكَى الْقَاضِي ، فِي الْمُجَرَّدِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّ شَهَادَةَ أَحَدِهِمَا لَا تُقْبَلُ عَلَى صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ ، فَلَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ ، كَالْفَاسِقِ .
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ فِي قِصَاصٍ ، وَلَا حَدِّ قَذْفٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ .
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ لَهُ وَلَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ ، فَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ أَبْلَغُ فِي الصِّدْقِ ، كَإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ .

( 8384 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا ، وَقَذْفِ زَوْجِهَا لَهَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ حَقَّ أُمِّهِمَا لَا يَزْدَادُ بِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَبَاهُمَا أَوْ أَجْنَبِيًّا ، وَتَوْفِيرُ الْمِيرَاثِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ؛ بِدَلِيلِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ .

( 8385 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ ، وَأَبِيهِ مِنْهَا ، وَسَائِرِ أَقَارِبه مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا يُوجِبُ الْإِنْفَاقَ ، وَالصِّلَةَ ، وَعِتْقُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، وَتَبَسُّطُهُ فِي مَالِهِ ، بِخِلَافِ قَرَابَة النَّسَبِ .

( 8386 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ .
أَمَّا شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ ، فَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ ؛ لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ، فَشَهَادَتُهُ لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَاعَ عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ } .
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ أَيْضًا بِنِكَاحٍ ، وَلَا لِأَمَتِهِ بِطَلَاقٍ ؛ لِأَنَّ فِي طَلَاقِ أَمَتِهِ تَخْلِيصَهَا لَهُ ، وَإِبَاحَةَ بِضْعِهَا لَهُ ، وَفِي نِكَاحِ الْعَبْدِ نَفْعًا لَهُ ، وَنَفْعُ مَالِ الْإِنْسَانِ نَفْعٌ لَهُ .
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَسَّطُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنْهُ ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ .

( 8387 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ ، وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .
وَأَجَازَ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ ، فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ، كَالْإِجَارَةِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، كَقَوْلِهِمْ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِ ، وَلَا تُقَبِّلُ شَهَادَتُهَا لَهُ ؛ لِأَنَّ يَسَارَهُ وَزِيَادَةَ حَقِّهَا مِنْ النَّفَقَةِ ، تَحْصُلُ بِشَهَادَتِهَا لَهُ بِالْمَالِ ، فَهِيَ مُتَّهَمَةٌ لِذَلِكَ .
وَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ ، وَيَنْبَسِطُ فِي مَالِهِ عَادَةً ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لَهُ ، كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ ؛ وَلِأَنَّ يَسَارَ الرَّجُلِ يَزِيدُ نَفَقَةَ امْرَأَتِهِ ، وَيَسَارَ الْمَرْأَةِ تَزِيدُ بِهِ قِيمَةُ بِضْعِهَا الْمَمْلُوكِ لِزَوْجِهَا ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَفِعُ بِشَهَادَتِهِ لِصَاحِبِهِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ ، كَشَهَادَتِهِ لِنَفْسِهِ .
وَيُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ مَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُضَافُ إلَى الْآخَرِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } .
وَقَالَ : { لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ } .
فَأَضَافَ الْبُيُوتَ إلَيْهِنَّ تَارَةً ، وَإِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْرَى ، وَقَالَ : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ } .
وَقَالَ عُمَرُ ، لِلَّذِي قَالَ لَهُ : إنَّ غُلَامِي سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأَتِي : لَا قَطَعَ عَلَيْهِ ، عَبْدُكُمْ سَرَقَ مَالَكُمْ .
وَيُفَارِقُ عَقْدَ الْإِجَارَةِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا .

( 8388 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَشَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ جَائِزَةٌ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَع أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْأَخِ لِأَخِيهِ جَائِزَةٌ .
رُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ .
وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ الثَّوْرِيِّ ، أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ .
وَعَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ مُنْقَطِعًا إلَيْهِ فِي صِلَتِهِ وَبِرِّهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ مَالِكٌ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ فِي النَّسَبِ ، وَتَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ .
وَلَنَا عُمُومُ الْآيَاتِ ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا بَعْضِيَّةً وَقَرَابَةً قَوِيَّةً بِخِلَافِ الْأَخِ .

( 8389 ) فَصْلٌ : وَشَهَادَةُ الْعَمِّ وَابْنِهِ ، وَالْخَالِ وَابْنِهِ ، وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ ، أَوْلَى بِالْجَوَازِ ؛ فَإِنَّ شَهَادَةَ الْأَخِ إذَا أُجِيزَتْ مَعَ قُرْبِهِ ، كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى شَهَادَةِ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ ، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .

( 8390 ) فَصْلٌ : وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الصَّدِيقَيْنِ لِصَاحِبِهِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، إلَّا مَالِكًا ، قَالَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بِهَا ، فَهُوَ مُتَّهَمٌ ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، كَشَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ .
وَلَنَا ، عُمُومُ أَدِلَّةِ الشَّهَادَةِ ، وَمَا قَالَهُ يَبْطُلُ بِشَهَادَةِ الْغَرِيمِ لِلْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ ، وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا قَضَاهُ دَيْنَهُ مِنْهُ ، فَجَرَّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا أَعْظَمَ مِمَّا يُرْجَى هَاهُنَا بَيْنَ الصَّدِيقَيْنِ .
فَأَمَّا الْعَدَاوَةُ ، فَسَبَبُهَا مَحْظُورٌ ، وَفِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ شِفَاءُ غَيْظِهِ مِنْهُ ، فَخَالَفَتْ الصَّدَاقَةَ .

( 8391 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، إلَّا فِي الْحُدُودِ ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَمَةِ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ ؛ ( 8392 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْعَبْدِ فِيمَا عَدَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
قَالَ أَنَسٌ : مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا رَدَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ .
وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ ، وَشُرَيْحٌ ، وَإِيَاسٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالْبَتِّيُّ ، أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ذِي مُرُوءَةٍ ، وَلِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَمَالِ لَا تَتَبَعَّضُ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا الْعَبْدُ ، كَالْمِيرَاثِ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ : تُقْبَلُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ .
وَلَنَا ، عُمُومُ آيَاتِ الشَّهَادَةِ ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِيهَا ، فَإِنَّهُ مِنْ رِجَالِنَا ، وَهُوَ عَدْلٌ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَفُتْيَاهُ وَأَخْبَارُهُ الدِّينِيَّةُ .
وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : { تَزَوَّجْت أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ ، فَقَالَتْ : قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا .
فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَيْفَ ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ ؟ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد ، { فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهَا لَكَاذِبَةٌ .
قَالَ : وَمَا يُدْرِيك ، وَقَدْ قَالَتْ مَا قَالَتْ ، دَعْهَا عَنْك } .
وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، كَالْحُرِّ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ ذِي مُرُوءَةٍ ، فَإِنَّهُ كَالْحُرِّ يَنْقَسِمُ إلَى مَنْ لَهُ مُرُوءَةٌ ، وَمَنْ لَا مُرُوءَةَ لَهُ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُمْ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالصَّالِحُونَ وَالْأَتْقِيَاءُ .
سُئِلَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ

، عَنْ شَهَادَةِ الْعَبِيدِ ، فَقَالَ : أَنَا أَرُدُّ شَهَادَةَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَكَانَ مِنْهُمْ زِيَادُ بْنِ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِنْ الْعُلَمَاءِ الزُّهَّادِ ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَرْفَعُ قَدْرَهُ ، وَيُكْرِمُهُ .
وَمِنْهُمْ عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَحَدُ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ .
وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَوَالِي كَانُوا عَبِيدًا ، أَوْ أَبْنَاءَ عَبِيدٍ ، لَمْ يَحْدُثْ فِيهِمْ بِالْإِعْتَاقِ إلَّا الْحُرِّيَّةُ ، وَالْحُرِّيَّةُ لَا تُغَيِّرُ طَبْعًا ، وَلَا تُحْدِثُ عِلْمًا ، وَلَا مُرُوءَةً ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ .
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمِيرَاثِ ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ خِلَافَةٌ لِلْمَوْرُوثِ فِي مَالِهِ وَحُقُوقِهِ ، وَالْعَبْدُ لَا يُمْكِنُهُ الْخِلَافَةُ ؛ لِأَنَّ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُفَ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ ، وَمَبْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَدَالَةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الصِّدْقِ ، وَحُصُولُ الثِّقَةِ مِنْ الْقَوْلِ ، وَالْعَبْدُ أَهْلٌ لِذَلِكَ ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ .
( 8393 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ فِي الْحَدِّ ، وَفِي الْقِصَاصِ احْتِمَالَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ ، فَأَشْبَهَ الْأَمْوَالَ .
وَالثَّانِي ، لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَأَشْبَهَ الْحَدَّ ، وَذَكَرِ الشَّرِيفُ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، فِي الْعُقُوبَاتِ كُلِّهَا مِنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تُقْبَلُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ عَدْلٌ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهَا ، كَالْحُرِّ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا تُقْبَلُ .
وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ فِي الْأَمْوَالِ نَقْصٌ وَشُبْهَةٌ ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيمَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ؛ وَلِأَنَّهُ نَاقِصُ الْحَالِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ

شَهَادَتُهُ فِي الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ ، كَالْمَرْأَةِ .

( 8394 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : شَهَادَةُ الْأَمَةِ جَائِزَةٌ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ فِي الْمَالِ أَوْ سَبَبِهِ ، وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِيمَا عَدَاهُمَا ، فَسَاوَتْهُنَّ فِي الشَّهَادَةِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ .

فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ ، حُكْمُ الْقِنِّ ، فِيمَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهِمْ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُكَاتَبِ .
، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ .
وَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَبْدِ ، وَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْقِنِّ ، فَفِي هَؤُلَاءِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُمْ أَكْمَلُ مِنْهُ ، لِوُجُودِ أَسْبَابِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِمْ .

( 8396 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ ، فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ : لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الزِّنَى وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ ، فَإِنَّ الْعَادَةَ فِي مَنْ فَعَلَ قَبِيحًا ، أَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نُظَرَاءُ .
وَحُكِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، أَنَّهُ قَالَ : وَدَّتْ الزَّانِيَةُ أَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ زَنَيْنَ .
وَلَنَا ، عُمُومُ الْآيَاتِ ، وَأَنَّهُ عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ الزِّنَى ، فَقُبِلَ فِي الزِّنَى كَغَيْرِهِ ، وَمَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْقَتْلِ ، قُبِلَتْ فِي الزِّنَى ، كَوَلَدِ الرِّشْدَةِ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَمَا احْتَجُّوا بِهِ غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ وَلَدَ الزِّنَى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا قَبِيحًا ، يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نُظَرَاءُ فِيهِ .
وَالثَّانِي ، أَنَّنِي لَا أَعْلَمُ مَا ذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ ثَابِتًا عَنْهُ ، وَأَشْبَهُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ ثَابِتًا عَنْهُ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُطْلِقَ عُثْمَانُ كَلَامًا بِالظَّنِّ عَنْ ضَمِيرِ امْرَأَةٍ لَمْ يَسْمَعْهَا تَذْكُرُهُ .
الثَّالِثُ ، أَنَّ الزَّانِيَ لَوْ تَابَ ، لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ ، فَإِذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مَعَ مَا ذَكَرُوهُ ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ وَلَدَهُ مِنْ وِزْرِهِ أَكْثَرُ مِمَّا لَزِمَهُ ، وَمَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ ، مَعَ أَنَّ وَلَدَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ وِزْرِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .
وَوَلَدُ الزِّنَى لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ حُكْمًا .
.

( 8397 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا تَابَ الْقَاذِفُ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقَاذِفَ إنْ كَانَ زَوْجًا ، فَحَقَّقَ قَذْفَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ لِعَانٍ ، أَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا ، فَحَقَّقَهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْذُوفِ ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَذْفِهِ فِسْقٌ ، وَلَا حَدٌّ ، وَلَا رَدُّ شَهَادَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يُحَقِّقْ قَذْفَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، تَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، وَالْحُكْمُ بِفِسْقِهِ ، وَرَدُّ شَهَادَتِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } .
فَإِنْ تَابَ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ ، وَزَالَ الْفِسْقُ ، بِلَا خِلَافٍ .
وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَنَا .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتَبَةَ ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْبَتِّيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَذَكَرَهُ ابْنُ عُبِدَ الْبَرِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ .
وَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا جُلِدَ ، وَإِنْ تَابَ .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْجَلْدِ ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ .
فَالْخِلَافُ مَعَهُ فِي فَصْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ عِنْدَنَا تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِالْقَذْفِ إذَا لَمْ يُحَقِّقْهُ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ، لَا تَسْقُطُ إلَّا بِالْجَلْدِ .
وَالثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا تَابَ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ جُلِدَ .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا تُقْبَلُ .
وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } .
.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ،

قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ } .
وَاحْتَجَّ فِي الْفَصْلِ الْآخَرِ بِأَنَّ الْقَذْفَ قَبْلَ حُصُولِ الْجَلْدَ يَجُوزُ أَنْ تَقُومَ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ التَّفْسِيقُ .
وَلَنَا ، فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرَةَ ، حِينَ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : تُبْ ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك .
وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ ؛ أَبُو بَكْرَةَ ، وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ ، وَنَكَلَ زِيَادٌ ، فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلَاثَةَ ، وَقَالَ لَهُمْ : تُوبُوا ، تُقْبَلْ شَهَادَتُكُمْ .
فَتَابَ رَجُلَانِ ، وَقَبِلَ عُمَرُ شَهَادَتَهُمَا ، وَأَبِي أَبُو بَكْرَةَ ، فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ .
وَكَانَ قَدْ عَادَ مِثْلَ النَّصْلِ مِنْ الْعِبَادَةِ .
وَلِأَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، كَالتَّائِبِ مِنْ الزِّنَى ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الزِّنَى أَعْظَمُ مِنْ الْقَذْفِ بِهِ ، وَكَذَلِكَ قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، وَسَائِرُ الذُّنُوبِ ، إذَا تَابَ فَاعِلُهَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، فَهَذَا أَوْلَى .
وَأَمَّا الْآيَةُ ، فَهِيَ حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } .
وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ ، وَلَيْسُوا بِفَاسِقِينَ .
فَإِنْ قَالُوا : إنَّمَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى الْجَلْدِ .
قُلْنَا : بَلْ يَعُودُ إلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجُمَلَ مَعْطُوفٌ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ ، وَهِيَ لِلْجَمْعِ تَجْعَلُ الْجُمَلَ كُلَّهَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَيَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى جَمِيعِهَا ، إلَّا مَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ ، وَلِهَذَا لَمَّا

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ } .
عَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ جَمِيعًا ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُغَايِرُ مَا قَبْلَهُ ، فَعَادَ إلَى الْجُمَلِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ ، كَالشَّرْطِ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : امْرَأَتُهُ طَالِقٌ ، وَعَبْدُهُ حُرٌّ ، إنْ لَمْ يَقُمْ .
عَادَ الشَّرْطُ إلَيْهِمَا ، كَذَا الِاسْتِثْنَاءُ ، بَلْ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى رَدِّ الشَّهَادَةِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَة هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ ، فَيَكُونُ هُوَ الْحُكْمَ ، وَالتَّفْسِيقُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ وَالتَّعْلِيلِ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ ، فَعَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْحُكْمِ الْمَقْصُودِ ، أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى التَّعْلِيلِ ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ ، يَرْوِيه الْحُجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَرْفَعْهُ مَنْ رِوَايَتِهِ حُجَّةٌ .
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ ، وَلَمْ تُذْكَرْ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ غَلَطِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى خَطَئِهِ قَبُولُ شَهَادَةِ كُلِّ مَحْدُودٍ فِي غَيْرِ الْقَذْفِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ ، ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ صِحَّتُهُ ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يَتُبْ ، بِدَلِيلِ : كُلُّ مَحْدُودٍ تَائِبٌ سِوَى هَذَا .
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فَدَلِيلُنَا فِيهِ الْآيَةُ ، فَإِنَّهُ رَتَّبَ عَلَى رَمْيِ الْمُحْصَنَاتِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ ؛ إيجَابُ الْجَلْدِ ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ ، وَالْفِسْقُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ رَدُّ الشَّهَادَةِ بِوُجُودِ الرَّمْيِ الَّذِي لَمْ يُمْكِنْهُ تَحْقِيقُهُ ، كَالْجَلْدِ ؛ وَلِأَنَّ الرَّمْيَ هُوَ الْمَعْصِيَةُ وَالذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ ، وَتَثْبُتُ بِهِ الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ ، وَالْحَدُّ كَفَّارَةٌ وَتَطْهِيرٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ ، وَإِنَّمَا الْجَلْدُ ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ حُكْمَانِ لِلْقَذْفِ ، فَيَثْبُتَانِ جَمِيعًا بِهِ ، وَتَخَلُّفُ اسْتِيفَاء أَحَدِهِمَا ، لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ

الْآخَرِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْجَلْدِ .
لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْجَلْدَ حُكْمُ الْقَذْفِ الَّذِي تَعَذَّرَ تَحْقِيقُهُ ، فَلَا يُسْتَوْفَى قَبْلَ تَحَقُّقِ الْقَذْفِ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَوْفَى حَدٌّ قَبْلَ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ ، وَيَصِيرُ مُتَحَقِّقًا بَعْدَهُ ؟ هَذَا بَاطِلٌ .

( 8398 ) فَصْلٌ : وَالْقَاذِفُ فِي الشَّتْمِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَرِوَايَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ ، وَالشَّاهِدُ بِالزِّنَى إذَا لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ ، تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ دُونَ شَهَادَتِهِ .
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُرَدُّ .
وَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ أَبِي بَكْرَةَ ، وَقَالَ لَهُ : تُبْ ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك .
وَرِوَايَتُهُ مَقْبُولَةٌ ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي قَبُولِ رِوَايَة أَبِي بَكْرَةَ ، مَعَ رَدِّ عُمَرَ شَهَادَتَهُ .

( 8399 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَتَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ .
ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، أَنَّ تَوْبَةَ الْقَاذِفِ إكْذَابُ نَفْسِهِ ، فَيَقُولُ : كَذَبْت فِيمَا قُلْت .
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِهِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
قَالَ : تَوْبَتُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ } .
وَلِأَنَّ عِرْضَ الْمَقْذُوفِ تَلَوَّثَ بِقَذْفِهِ ، فَإِكْذَابُهُ نَفْسَهُ يُزِيلُ ذَلِكَ التَّلْوِيثَ ، فَتَكُونُ التَّوْبَةُ بِهِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْقَذْفَ إنْ كَانَ سَبًّا ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ شَهَادَةً ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ : الْقَذْفُ حَرَامٌ بَاطِلٌ ، وَلَنْ أَعُودَ إلَى مَا قُلْت .
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
قَالَ : وَهُوَ الْمَذْهَبُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا ، فَلَا يُؤْمَرُ بِالْكَذِبِ ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْبُطْلَانِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ إكْذَابٍ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الصِّدْقَ فِيمَا قَذَفَ بِهِ ، فَتَوْبَتُهُ الِاسْتِغْفَارُ ، وَالْإِقْرَارُ بِبُطْلَانِ مَا قَالَهُ وَتَحْرِيمِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى مِثْلِهِ .
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صِدْقَ نَفْسِهِ ، فَتَوْبَتُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَذْفُ بِشَهَادَةٍ أَوْ سَبٍّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا فِي الشَّهَادَةِ ، صَادِقًا فِي السَّبِّ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْقَاذِفَ كَاذِبًا إذَا لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ

الْكَاذِبُونَ } .
فَتَكْذِيبُ الصَّادِقِ نَفْسَهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَادِقًا .

( 8400 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ ذَنْبٍ تَلْزَمُ فَاعِلَهُ التَّوْبَةُ مِنْهُ ، وَمَتَى تَابَ مِنْهُ ، قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ } الْآيَةَ .
وَقَالَ : { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } .
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ } .
وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بَقِيَّةُ عُمْرِ الْمُؤْمِنِ لَا قِيمَةَ لَهُ ، يُدْرِكُ فِيهِ مَا فَاتَ ، وَيُحْيِي فِيهِ مَا أَمَاتَ ، وَيُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ .
وَالتَّوْبَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ بَاطِنَةٌ ، وَحُكْمِيَّةٌ ، فَأَمَّا الْبَاطِنَةُ ، فَهِيَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ لَا تُوجِبُ حَقًّا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ ، كَقُبْلَةِ أَجْنَبِيَّةٍ ، أَوْ الْخَلْوَةِ بِهَا ، وَشُرْبِ مُسْكِرٍ ، أَوْ كَذِبٍ ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ النَّدَمُ ، وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { النَّدَمُ تَوْبَةٌ } .
وَقِيلَ : التَّوْبَةُ النَّصُوحُ تَجْمَعُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ ؛ النَّدَمَ بِالْقَلْبِ ، وَالِاسْتِغْفَارَ بِاللِّسَانِ ، وَإِضْمَارَ أَنْ لَا يَعُودَ ، وَمُجَانَبَةَ خُلَطَاءِ السُّوءِ .
وَإِنْ كَانَتْ تُوجِبُ عَلَيْهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، أَوْ لِآدَمِيٍّ ؛ كَمَنْعِ الزَّكَاةِ وَالْغَصْبِ ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَتَرْكِ الْمَظْلِمَةِ حَسْبَ إمْكَانِهِ ، بِأَنْ يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ ، وَيَرُدَّ الْمَغْصُوبَ ، أَوْ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا ، وَإِلَّا قِيمَتَهُ .
وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ ، نَوَى رَدَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ .
فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا حَقٌّ فِي الْبَدَنِ ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ ، كَالْقِصَاصِ ، وَحَدِّ الْقَذْفِ ،

اُشْتُرِطَ فِي التَّوْبَةِ التَّمَكُّنُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَبَذْلُهَا لِلْمُسْتَحِقِّ ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، كَحَدِّ الزِّنَى ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، فَتَوْبَتُهُ أَيْضًا بِالنَّدَمِ ، وَالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِقْرَارُ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَشْتَهِرْ عَنْهُ ، فَالْأَوْلَى لَهُ سَتْرُ نَفْسِهِ ، وَالتَّوْبَةُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ ، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ } .
فَإِنَّ الْغَامِدِيَّةَ حِينَ أَقَرَّتْ بِالزِّنَى ، لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ .
وَإِنْ كَانَتْ مَعْصِيَةً مَشْهُورَةً ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْأَوْلَى الْإِقْرَارُ بِهِ ، لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَشْهُورًا ، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَرْكِ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ تَرْكَ الْإِقْرَارِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَّضَ لِلْمُقِرِّ عِنْدَهُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ ؛ فَعَرَّضَ لَمَاعِزٍ ، وَلِلْمُقِرِّ عِنْدَهُ بِالسَّرِقَةِ بِالرُّجُوعِ ، مَعَ اشْتِهَارِهِ عَنْهُ بِإِقْرَارِهِ ، وَكَرِهَ الْإِقْرَارَ ، حَتَّى إنَّهُ قِيلَ : لَمَّا قَطَعَ السَّارِقَ : كَأَنَّمَا أُسِفَّ وَجْهُهُ رَمَادًا .
وَلَمْ يَرِدْ الْأَمْرُ بِالْإِقْرَارِ ، وَلَا الْحَثُّ عَلَيْهِ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ قِيَاسٌ ، إنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالسَّتْرِ ، وَالِاسْتِتَارِ ، وَالتَّعْرِيضِ لِلْمُقِرِّ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ .
وَقَالَ لِهَزَّالٍ ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ مَاعِزًا بِالْإِقْرَارِ : { يَا هَزَّالُ ، لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِك ، كَانَ خَيْرًا لَك } .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَوْبَةُ هَذَا إقْرَارُهُ لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ تُوجَدُ حَقِيقَتُهَا بِدُونِ الْإِقْرَارِ ، وَهِيَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا ، كَمَا وَرَدَ فِي

الْأَخْبَارِ ، مَعَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ فِي مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ بِالِاسْتِغْفَارِ ، وَتَرْكِ الْإِصْرَارِ .
وَأَمَّا الْبِدْعَةُ ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهَا بِالِاعْتِرَافِ بِهَا ، وَالرُّجُوعِ عَنْهَا ، وَاعْتِقَادِ ضِدِّ مَا كَانَ يَعْتَقِدُ مِنْهَا .

( 8401 ) فَصْلٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي ثُبُوتِ أَحْكَامِ التَّوْبَةِ ، مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ، وَصِحَّةِ وِلَايَتِهِ فِي النِّكَاحِ ، إصْلَاحُ الْعَمَلِ .
وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ ، يُعْتَبَرُ إصْلَاحُ الْعَمَلِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَنْبُهُ الشَّهَادَةَ بِالزِّنَى ، وَلَمْ يَكْمُلْ عَدَدُ الشُّهُودِ ، فَإِنَّهُ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ إصْلَاحٍ ، وَمَا عَدَاهُ فَلَا تَكْفِي التَّوْبَةُ حَتَّى تَمْضِيَ عَلَيْهِ سَنَةٌ ، تَظْهَرُ فِيهَا تَوْبَتُهُ ، وَيَتَبَيَّنُ فِيهَا صَلَاحُهُ .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ هَذَا رِوَايَةً لِأَحْمَدْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا } .
وَهَذَا نَصٌّ ، فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى التَّائِبَ الْمُصْلِحَ ؛ وَلِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا ضَرَبَ صَبِيغًا أَمَرَ بِهِجْرَانِهِ ، حَتَّى بَلَغَتْهُ تَوْبَتُهُ ، فَأَمَرَ أَنْ لَا يُكَلَّمَ إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ .
وَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا } .
وَقَوْلُهُ : { التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ } .
وَلِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ ، فَكَذَلِكَ الْأَحْكَامُ ، وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ الشِّرْكِ بِالْإِسْلَامِ لَا تَحْتَاجُ إلَى اعْتِبَارِ مَا بَعْدَهُ ، وَهُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ كُلِّهَا ، فَمَا دُونَهُ أَوْلَى .
فَأَمَّا الْآيَةُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِصْلَاحُ هُوَ التَّوْبَةُ ، وَعَطْفُهُ عَلَيْهَا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ ، قَوْلُ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرَةَ : تُبْ ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك .
وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَمْرًا آخَرَ ، وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ غَاصِبًا ، فَرَدَّ مَا فِي يَدَيْهِ ، أَوْ مَانِعًا لِلزَّكَاةِ ، فَأَدَّاهَا وَتَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَدْ حَصَلَ مِنْهُ الْإِصْلَاحُ ، وَعُلِمَ نُزُوعُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ التَّوْبَةَ ، مَا أَدَّى مَا فِي يَدَيْهِ ، وَلِأَنَّ تَقَيُّدَهُ بِالسَّنَةِ

تَحَكُّمٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ ، وَالتَّقْدِيرُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوْقِيفِ ، وَمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ فِي حَقِّ صَبِيغٍ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ تَائِبٌ مِنْ بِدْعَةٍ ، وَكَانَتْ تَوْبَتُهُ بِسَبَبِ الضَّرْبِ وَالْهِجْرَانِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ تَسَتُّرًا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
وَقَدْ ذَكَرِ الْقَاضِي ، أَنَّ التَّائِبَ مِنْ الْبِدْعَةِ يُعْتَبَرُ لَهُ مُضِيُّ سَنَةٍ ، لِحَدِيثِ صَبِيغٍ .
رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " الْوَرَعِ " ، قَالَ : وَمِنْ عَلَامَةِ تَوْبَتِهِ ، أَنْ يَجْتَنِبَ مَنْ كَانَ يُوَالِيه مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَيُوَالِي مَنْ كَانَ يُعَادِيه مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ الْبِدْعَةِ كَغَيْرِهَا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ بِفِعْلٍ يُشْبِهُ الْإِكْرَاهَ ، كَتَوْبَةِ صَبِيغٍ ، فَيُعْتَبَرُ لَهُ مُدَّةٌ تُظْهِرُ أَنَّ تَوْبَتَهُ عَنْ إخْلَاصٍ ، لَا عَنْ إكْرَاهٍ .
وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُتَظَاهِرِ بِالْمَعْصِيَةِ : تُبْ ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا أَعْرِفُ هَذَا .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَكَيْفَ لَا يَعْرِفُهُ ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْبَةِ ، وَقَالَهُ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرَةَ ، .

( 8402 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ قَدْ كَانَ شَهِدَ بِهَا وَهُوَ غَيْرُ عَدْلٍ ، وَرُدَّتْ عَلَيْهِ ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ فِي حَالِ عَدَالَتِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسِقٌ ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُ لِفِسْقِهِ ، ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ ، وَأَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَدَاوُد : تُقْبَلُ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَالنَّظَرُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةُ عَدْلٍ ، فَتُقْبَلُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ وَهُوَ كَافِرٌ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي أَدَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُعَيَّرُ بِرَدِّهَا ، وَلَحِقَتْهُ غَضَاضَةٌ لِكَوْنِهَا رُدَّتْ بِسَبَبِ نَقْصٍ يُتَعَيَّرُ بِهِ ، وَصَلَاحُ حَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ يَزُولُ بِهِ الْعَارُ ، فَتَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ فِي أَنَّهُ قَصَدَ إظْهَارَ الْعَدَالَةِ ، وَإِعَادَةَ الشَّهَادَةِ لِتُقْبَلَ ، فَيَزُولَ مَا حَصَلَ بِرَدِّهَا ؛ وَلِأَنَّ الْفِسْقَ يَخْفَى ، فَيُحْتَاجُ فِي مَعْرِفَتِهِ إلَى بَحْثٍ وَاجْتِهَادٍ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ : شَهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ بِالِاجْتِهَادِ ، فَلَا تُقْبَلُ بِالِاجْتِهَادِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ .
وَفَارَقَ مَا إذَا رُدَّتْ شَهَادَةُ كَافِرٍ لَكُفْرِهِ ، أَوْ صَبِيٍّ لِصِغَرِهِ ، أَوْ عَبْدٍ لِرِقِّهِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْكَافِرُ ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ ، وَأَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ ، فَإِنَّهَا لَا تُرَدُّ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُرَدَّ أَوَّلًا بِالِاجْتِهَادِ ، وَإِنَّمَا رُدَّتْ بِالْيَقِينِ ، وَلِأَنَّ الْبُلُوغَ وَالْحُرِّيَّةَ لَيْسَا مِنْ فِعْلِ الشَّاهِدِ ، فَيُتَّهَمُ فِي أَنَّهُ فَعَلَهُمَا لِتُقْبَلَ شَهَادَتُهُ ، وَالْكَافِرُ لَا يَرَى كُفْرَهُ عَارًا ، وَلَا يَتْرُكُ دِينَهُ مِنْ أَجْلِ شَهَادَةٍ رُدَّتْ عَلَيْهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَأَبِي الزِّنَادِ ، وَمَالِكٍ ، أَنَّهَا تُرَدُّ أَيْضًا فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ

وَبَلَغَ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ ، فَلَمْ تُقْبَلْ ، كَشَهَادَةِ مَنْ كَانَ فَاسِقًا .
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَقْتَضِي فَرْقًا بَيْنَهُمَا فَيُفَرَّقَانِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْعَبْدِ إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِرِقِّهِ ، ثُمَّ عَتَقَ ، وَادَّعَى تِلْكَ الشَّهَادَةَ ، رِوَايَتَانِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَوْلَى أَنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ ، وَهُوَ أَمْرٌ يَظْهَرُ ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ .

( 8403 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ وَارِثٌ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، ثُمَّ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ ، وَبَرَأَ الْجُرْحُ ، وَأَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ ، فَفِي قَبُولِهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمَانِعِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ ، فَأَشْبَهَ زَوَالَ .
الصَّبِيِّ بِالْبُلُوغِ ، وَلِأَنَّ رَدَّهَا بِسَبَبٍ لَا عَارَ فِيهِ ، فَلَا يُتَّهَمُ فِي قَصْدِ نَفْيِ الْعَارِ بِإِعَادَتِهَا ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ .
وَالثَّانِي ، لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهَا بِاجْتِهَادِهِ ، فَلَا يَنْقُضُهَا بِاجْتِهَادِهِ .
وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالصِّحَّةِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ قَبُولُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الشَّهَادَةِ الْمَرْدُودَةِ لِلْفِسْقِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ .
وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا كُلُّ شَهَادَةٍ مَرْدُودَةٍ ؛ إمَّا لِلتُّهْمَةِ ، أَوْ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ ، إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ زَوَالِ التُّهْمَةِ ، وَوُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ ، فَهَلْ تُقْبَلُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .

( 8404 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، حَتَّى صَارَ عَدْلًا ، قُبِلَتْ مِنْهُ ) وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ ، وَلَا الْبُلُوغُ ، وَلَا الْإِسْلَامُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْأَدَاءِ ، فَإِذَا رَأَى الْفَاسِقُ شَيْئًا ، أَوْ سَمِعَهُ ، ثُمَّ عُدِّلَ ، وَشَهِدَ بِهِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَهَكَذَا الصَّبِيُّ ، وَالْكَافِرُ إذَا شَهِدَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ ، قُبِلَتْ وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ الصِّبْيَانُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوُونَ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ كَبِرُوا ؛ كَالْحَسَنِ ، وَالْحُسَيْنِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ جَعْفَرٍ ، وَالشَّهَادَةُ فِي مَعْنَى الرِّوَايَةِ ، وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ لَهَا الْعَدَالَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلشَّهَادَةِ .

( 8405 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ شَهِدَ وَهُوَ عَدْلٌ ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِ حَتَّى حَدَثَ مِنْهُ مَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ مَعَهُ ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا ) .
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَهُمَا مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَتَّى فَسَقَا ، أَوْ كُفْرًا ، لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمَا .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيُّ : يَحْكُمُ بِهَا ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْحُكْمِ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَاتَا ؛ وَلِأَنَّ فِسْقَهُمَا تَجَدَّدَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَجَدَّدَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا .
وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ عَدَالَةَ الشَّاهِدِ شَرْطٌ لِلْحُكْمِ فَيُعْتَبَرُ دَوَامُهَا إلَى حِينِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا فِي الْمَشْرُوطِ ، وَإِذَا فَسَقَ انْتَفَى الشَّرْطُ ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ .
وَالثَّانِي ، أَنَّ ظُهُورَ فِسْقِهِ وَكُفْرِهِ ، يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُسِرُّ الْفِسْقَ ، وَيُظْهِرُ الْعَدَالَةَ ، وَالزِّنْدِيقُ يُسِرُّ كُفْرَهُ ، وَيُظْهِرُ إسْلَامَهُ ، فَلَا نَأْمَنُ كَوْنَهُ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا حِينَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمَ بِهَا مَعَ الشَّكِّ فِيهَا ، فَأَمَّا إنْ حَدَثَ هَذَا مِنْهُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ ، لَمْ يُنْقَضْ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ وَقَعَ صَحِيحًا ، لِاسْتِمْرَارِ شَرْطِهِ إلَى انْتِهَائِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَقْرُونًا بِشَرْطِهِ ظَاهِرًا ، فَلَا يُنْقَضُ بِالشَّكِّ ، كَمَا لَوْ رَجَعَ عَنْ الشَّهَادَةِ ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ ، لَكِنْ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، وَكَانَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، لَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهُ ؛ بِالشُّبُهَاتِ لِأَنَّهُ يُدْرَأُ ، وَهَذَا شُبْهَةٌ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ .
وَإِنْ كَانَ مَالًا اُسْتُوْفِيَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ ، وَثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ

بِأَمْرٍ ظَاهِرِ الصِّحَّةِ ، فَلَا يَبْطُلُ بِأَمْرٍ مُحْتَمِلٍ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ .
وَإِنْ كَانَ حَدَّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصًا ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُسْتَوْفَى .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ مُطَالَبٌ بِهِ ، أَشْبَهَ الْمَالَ .
وَالثَّانِي ، لَا يُسْتَوْفَى .
وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ عَلَى الْبَدَنِ ، تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، أَشْبَهَ الْحَدَّ .
وَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .
وَأَمَّا مَا حَدَثَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي حَدٍّ وَلَا حَقٍّ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ اُسْتُوْفِيَ بِمَا ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ ، وَسَوَّغَ الشَّرْعُ اسْتِيفَاءَهُ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مَا طَرَأَ بَعْدَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ .

( 8406 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ أَدَّيَا الشَّهَادَةَ ، وَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا ، ثُمَّ مَاتَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا ، حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ، سَوَاءٌ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ حَدًّا أَوْ غَيْرَهُ .
وَكَذَلِكَ إنْ جُنُّوا ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمْ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُؤَثِّرُ فِي شَهَادَتِهِ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ فِيهَا .
وَلَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ فِي مَعْنَاهُ ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ وَالْكُفْرِ .

( 8407 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَشَهَادَةُ الْعَدْلِ عَلَى شَهَادَةِ الْعَدْلِ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، إلَّا فِي الْحُدُودِ ، إذَا كَانَ الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا ) .
الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ ؛ ( 8408 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، فِي جَوَازِهَا .
وَالثَّانِي ، فِي مَوْضِعِهَا .
وَالثَّالِثُ ، فِي شَرْطِهَا .
أَمَّا الْأَوَّلُ : فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ ، بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ .
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَجْمَعَتْ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ، عَلَى إمْضَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ .
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا ، فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَبَطَلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَقْفِ ، وَمَا يَتَأَخَّرُ إثْبَاتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ يَمُوتُ شُهُودُهُ ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ ، وَمَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ ، كَشَهَادَةِ الْأَصْلِ .

( 8409 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهَا تُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، بِإِجْمَاعٍ ، كَمَا ذَكَرِ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَلَا تُقْبَلُ فِي حَدٍّ .
وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : تُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ ، وَكُلِّ حَقٍّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْأَصْلِ ، فَيَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ، كَالْمَالِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّتْرِ ، وَالدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ ، وَالْإِسْقَاطِ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا شُبْهَةٌ ؛ فَإِنَّهَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا احْتِمَالُ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَالْكَذِبِ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ ، مَعَ احْتِمَالِ ذَلِكَ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ ، وَهَذَا احْتِمَالٌ زَائِدٌ ، لَا يُوجَدُ فِي شَهَادَةِ الْأَصْلِ ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تُقْبَلَ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تُقْبَلُ لِلْحَاجَةِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا فِي الْحَدِّ ؛ لِأَنَّ سَتْرَ صَاحِبِهِ أَوْلَى مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْأَمْوَالِ ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ فِي الْحَاجَةِ وَالتَّسَاهُلِ فِيهَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ ، فَبَطَلَ إثْبَاتُهَا .
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ فِي الْقِصَاصِ أَيْضًا ، وَلَا حَدِّ الْقَذْفِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا تَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ ، أَمَّا الدِّمَاءُ وَالْحَدُّ فَلَا .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : تُقْبَلُ .
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ : فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْحُدُودِ .
لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ ، وَلَا يُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ ، فَأَشْبَهَ الْأَمْوَالَ .
وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ

ابْنَ مَنْصُورٍ نَقَلَ أَنَّ سُفْيَانَ قَالَ : شَهَادَةُ رَجُلٍ مَكَانَ رَجُلٍ فِي الطَّلَاقِ جَائِزَةٌ .
قَالَ أَحْمَدُ : مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ .
فَجَعَلَهُ أَصْحَابُنَا رِوَايَةً فِي الْقِصَاصِ .
وَلَيْسَ هَذَا بِرِوَايَةٍ ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يُشْبِهُ الْقِصَاصَ .
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَتُبْنَى عَلَى الْإِسْقَاطِ ، فَأَشْبَهَتْ الْحُدُودَ ، فَأَمَّا مَا عَدَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ وَالْأَمْوَالَ ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ ، وَسَائِرِ مَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى قَبُولِهَا فِي الطَّلَاقِ وَالْحُقُوقِ ، فَيَدُلُّ عَلَى قَبُولِهَا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْحُقُوقِ .
وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ .
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا تُقْبَلُ فِي النِّكَاحِ .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ .
فَعَلَى قَوْلِهِمَا ، لَا تُقْبَلُ إلَّا فِي الْمَالِ ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، فَأَشْبَهَ حَدَّ الْقَذْفِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ حَقٌّ لَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَيَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ، كَالْمَالِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْحُدُودَ .

( 8410 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِي شُرُوطِهَا ، وَلَهَا أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ تَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ الْأَصْلِ ؛ لَمَوْتٍ ، أَوْ غَيْبَةٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ حَبْسٍ ، أَوْ خَوْفٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، جَوَازُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ ، قِيَاسًا عَلَى الرِّوَايَةِ وَأَخْبَارِ الدَّيَّانَاتِ وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ شَاهِدُ الْأَصْلِ ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا حَيَّيْنِ ، رُجِيَ حُضُورُهُمَا ، فَكَانَا كَالْحَاضِرَيْنِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ هَذَا ، إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْمَوْتِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ وَنَحْوِهَا .
وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ عَلَى هَذَا ، فَيَزُولُ هَذَا الْخِلَافُ .
وَلَنَا ، عَلَى اشْتِرَاطِ تَعَذُّرِ شَهَادَةِ شَاهِدِ الْأَصْلِ ، أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ الْحَاكِمَ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، اُسْتُغْنِيَ عَنْ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ ، وَكَانَ أَحْوَطَ لِلشَّهَادَةِ ، فَإِنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُمَا مَعْلُومٌ ، وَصِدْقَ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ مَظْنُونٌ ، وَالْعَمَلُ بِالْيَقِينِ مَعَ إمْكَانِهِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ تُثْبِتُ نَفْسَ الْحَقِّ ، وَهَذِهِ إنَّمَا تَثْبُتُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ ضَعْفًا ؛ لِأَنَّهُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا احْتِمَالَانِ ؛ احْتِمَالُ غَلَطِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، وَاحْتِمَالُ غَلَطِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَهْنًا فِيهَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَنْتَهِضْ لِإِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَثْبُتَ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى أَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ ؛ لِأَنَّهُ خُفِّفَ فِيهَا ، وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَدُ ، وَلَا الذُّكُورِيَّةُ ، وَلَا الْحُرِّيَّةُ ، وَلَا اللَّفْظُ ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا فِي حَقِّ عُمُومِ النَّاسِ ، بِخِلَافِ

مَسْأَلَتِنَا .
وَلَنَا ، عَلَى قَبُولِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِهَا بِغَيْرِ الْمَوْتِ ، أَنَّهُ تَعَذَّرَتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ شَاهِدَا الْأَصْلِ ، وَيُخَالِفُ الْحَاضِرَيْنِ ؛ فَإِنَّ سَمَاعَ شَهَادَتِهِمَا مُمْكِنٌ ، فَلَمْ يَجُزْ غَيْرُ ذَلِكَ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْغَيْبَةَ الْمُشْتَرَطَةَ لِسَمَاعِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ ، أَنْ يَكُونَ شَاهِدُ الْأَصْلِ بِمَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْهَدَ ثُمَّ يَرْجِعَ مِنْ يَوْمِهِ .
وَهَذَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ ، وَأَبُو حَامِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ تَشُقُّ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِمِثْلِ هَذَا السَّفَرِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } .
وَإِذَا لَمْ يُكَلَّفْ الْحُضُورَ ، تَعَذَّرَ سَمَاعُ شَهَادَتِهِ ، فَاحْتِيجَ إلَى سَمَاعِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : تُعْتَبَرُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ ، مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ ، فِي التَّرَخُّصِ وَغَيْرِهِ ، بِخِلَافِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ .
وَيُعْتَبَرُ دَوَامُ هَذَا الشَّرْطِ إلَى الْحُكْمِ ، فَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَا الْفَرْعِ ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا حَتَّى حَضَرَ شَاهِدَا الْأَصْلِ ، وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ الْعَمَلِ بِالْبَدَلِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِهِ ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ حُضُورَهُمَا لَوْ وُجِدَ قَبْلَ أَدَاءِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ ، مَنَعَ ، فَإِذَا طَرَأَ قَبْلَ الْحُكْمِ ، مَنَعَ مِنْهُ ، كَالْفِسْقِ .
الشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ تَتَحَقَّقَ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ ، مِنْ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَنْبَنِي عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ جَمِيعًا ، فَاعْتُبِرَتْ الشُّرُوطُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا

نَعْلَمُهُ .
فَإِنْ عَدَّلَ شُهُودُ الْفَرْعِ شُهُودَ الْأَصْلِ ، فَشَهِدَا بِعَدَالَتِهِمَا وَعَلَى شَهَادَتِهِمَا ، جَازَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .
وَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا بِعَدَالَتِهِمَا ، جَازَ ، وَيَتَوَلَّى الْحَاكِمُ ذَلِكَ ، فَإِنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُمَا ، حَكَمَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا بَحَثَ عَنْهَا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ : إنْ لَمْ يُعَدِّلْ شَاهِدَا الْفَرْعِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، لَمْ يَسْمَعْ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُمَا ؛ لِأَنَّ تَرْكَ تَعْدِيلِهِ يَرْتَابُ بِهِ الْحَاكِمُ .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفَا ذَلِكَ ، فَيُرْجَعَ فِيهِ إلَى بَحْثِ الْحَاكِمِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْرِفَا عَدَالَتَهُمَا وَيَتْرُكَاهَا ، اكْتِفَاءً بِمَا يَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ عَدَالَتِهِمَا ، وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِمْرَارِ هَذَا الشَّرْطِ ، وَوُجُودِ الْعَدَالَةِ فِي الْجَمِيعِ إلَى انْقِضَاءِ الْحُكْمِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي شَاهِدِ الْأَصْلِ قَبْلَ هَذَا .
وَإِنْ مَاتَ شُهُودُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ ، لَمْ يَمْنَعْ الْحُكْمَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ شُهُودُ الْأَصْلِ قَبْلَ أَدَاءِ الْفُرُوعِ شَهَادَتَهُمْ ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَدَائِهَا ، وَالْحُكْمِ بِهَا ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُمْ مِنْ شَرْطِ سَمَاعِ شَهَادَةِ الْفُرُوعِ وَالْحُكْمِ ، فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ مَانِعًا ، وَكَذَلِكَ إنَّ جُنُّوا ؛ لِأَنَّ جُنُونَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِمْ .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ يُعَيِّنَا شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، وَيُسَمِّيَاهُمَا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : إذَا قَالَا : ذَكَرَيْنِ ، حُرَّيْنِ ، عَدْلَيْنِ جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ الصِّفَاتِ دُونَ الْعَيْنِ .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ عِنْدَهُمَا ، مَجْرُوحَيْنِ عِنْدَ غَيْرِهِمَا ؛ وَلِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ رُبَّمَا أَمْكَنَهُ جَرْحُ الشُّهُودِ ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ أَعْيَانَهُمَا ، تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ ، فَيَقُولَ : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا ، أَوْ

أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا .
أَوْ سَمِعَ شَاهِدًا يَسْتَرْعِي آخَرَ شَهَادَةً يُشْهِدُهُ عَلَيْهَا ، فَيَجُوزُ لِهَذَا السَّامِعِ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا لِحُصُولِ الِاسْتِرْعَاءِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ إلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ بِعَيْنِهِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
قَالَ أَحْمَدُ : لَا تَكُونُ شَهَادَةً إلَّا أَنْ يُشْهِدَك ، فَأَمَّا إذَا سَمِعْته يَتَحَدَّثُ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ حَدِيثٌ .
وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .
فَأَمَّا إنْ سَمِعَ شَاهِدًا يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ ، أَوْ سَمِعَهُ يَشْهَدُ بِحَقٍّ يَعْزِيه إلَى سَبَبٍ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ .
فَهَلْ يَشْهَدُ بِهِ ؟ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ رِوَايَتَانِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ لَهُ الشَّهَادَةَ بِهِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَنِسْبَتِهِ لِلْحَقِّ إلَى سَبَبه ، يَزُولُ الِاحْتِمَالُ ، وَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ ، فَتَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ عَلَى شَهَادَتِهِ ، كَمَا لَوْ اسْتَرْعَاهُ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا مَعْنَى النِّيَابَةِ ، فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَمَنْ نَصْرَ الْأَوَّلَ قَالَ : هَذَا يَنْقُلُ شَهَادَتَهُ ، وَلَا يَنُوبُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُ مِثْلَ شَهَادَتِهِ ، وَإِنَّمَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ فَأَمَّا إنْ قَالَ : أَشْهَدُ أَنِّي أَشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا .
فَالْأَشْبَهُ أَنْ يَجُوزَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَقُولَ : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ .
لِأَنَّهُ إذَا قَالَ : اشْهَدْ .
فَقَدْ أَمَرَهُ بِالشَّهَادَةِ ، وَلَمْ يَسْتَرْعِهِ .
وَمَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعَ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ فِيهَا عَلَى الشَّهَادَةِ ، فَإِذَا سَمِعَهُ يَقُولُ :

أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَرْعِهِ الشَّهَادَةَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَعَدَهُ بِهَا .
وَقَدْ يُوصَفُ الْوَعْدُ بِالْوُجُوبِ مَجَازًا ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْعِدَّةُ دَيْنٌ } .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالشَّهَادَةِ الْعِلْمَ ، فَلَمْ يَجُزْ لِسَامِعِهِ الشَّهَادَةُ بِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ .
جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ ، فَكَذَا هَذَا .
قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الشَّهَادَةَ تَحْتَمِلُ الْعِلْمَ ، وَلَا تَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ .
الثَّانِي ، أَنَّ الْإِقْرَارَ أَوْسَعُ فِي لُزُومِهِ مِنْ الشَّهَادَةِ ؛ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ فِي الْمَجْهُولِ ، وَأَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْعَدَدُ ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَيَكُونُ أَقْوَيْ مِنْهَا ، وَلِهَذَا لَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ ، وَلَا يُحْكَمُ بِهَا .
وَلَوْ قَالَ شَاهِدُ الْأَصْلِ : أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا ، فَاشْهَدْ بِهِ أَنْتَ عَلَيْهِ .
لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا شَهَادَتَهُ ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهَا ، وَلَا هُوَ شَاهِدًا بِالْحَقِّ ؛ لِأَنَّهُ مَا سَمِعَ الِاعْتِرَافَ بِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ ، وَلَا شَاهَدَ سَبَبَهُ .

( 8411 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْأَدَاءِ إذَا كَانَ قَدْ اسْتَرْعَاهُ الشَّهَادَةَ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ ، وَقَدْ عَرَفْته بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَعَدَالَتِهِ ، أَشْهَدَنِي أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، كَذَا وَكَذَا ، أَوْ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا .
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُ لَمْ يَذْكُرْهَا .
وَإِنْ سَمِعَهُ يُشْهِدُ غَيْرَهُ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ ، أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، كَذَا وَكَذَا .
وَإِنْ كَانَ سَمِعَهُ يَشْهَدُ عِنْدِ الْحَاكِمِ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ ، شَهِدَ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، عِنْدَ الْحَاكِمِ بِكَذَا .
وَإِنْ كَانَ نَسَبَ الْحَقَّ إلَى سَبَبِهِ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا ، مِنْ جِهَةِ كَذَا وَكَذَا .
وَإِذَا أَرَادَ الْحَاكِمُ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ ، كَتَبَهُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْأَدَاءِ .

( 8412 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي شَرْطٍ خَامِسٍ ، وَهُوَ الذُّكُورِيَّةُ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ ؛ فَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا شَرْطٌ ، فَلَا يُقْبَلُ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ نِسَاءٌ بِحَالٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ ، أَوْ لَا .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ بِشَهَادَتِهِمْ شَهَادَةَ شُهُودِ الْأَصْلِ دُونَ الْحَقِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ وَالْحَدَّ .
وَالثَّانِيَةُ ، لِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِيمَا لَوْ كَانَ الشُّهُودُ بِهِ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ فِي الْأَصْلِ .
قَالَ حَرْبٌ : قِيلَ لِأَحْمَدْ : فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ ، تَجُوزُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
يَعْنِي إذَا كَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ .
وَذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : سَمِعْت نُمَيْرَ بْنَ أَوْسٍ يُجِيزُ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ .
وَوَجْهُهُ ، أَنَّ الْمَقْصُودَ بِشَهَادَةِ الْفُرُوعِ ، إثْبَاتُ الْحَقِّ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ شُهُودُ الْأَصْلِ ، فَقُبِلَتْ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ ، كَالْبَيْعِ .
وَيُفَارِقُ الْحَدَّ وَالْقِصَاصَ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْقَصْدُ مِنْ الشَّهَادَةِ بِهِ إثْبَاتَ مَالٍ بِحَالٍ .
فَأَمَّا شُهُودُ الْأَصْلِ ، فَيَدْخُلُ النِّسَاءُ فِيهِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، فِي كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ رِوَايَةً أُخْرَى ؛ لِأَنَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ضَعْفًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ ، فَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا تَزْدَادُ بِشَهَادَتِهِنَّ ضَعْفًا .
وَلَنَا ، أَنَّ شُهُودَ الْفَرْعِ إنْ كَانُوا يُثْبِتُونَ شَهَادَةَ الْأَصْلِ ، فَهِيَ تَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا يُثْبِتُونَ نَفْسَ الْحَقِّ ، فَهِيَ تَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمْ ، وَلِأَنَّ النِّسَاءَ شَهِدْنَ بِالْمَالِ ، أَوْ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، فَيَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ ،

كَمَا لَوْ أَدَّيْنَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ .
وَمَا ذُكِرَ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، لَا أَصْلَ لَهُ .

فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ شَاهِدُ فَرْعٍ ، فَيَشْهَدَ شَاهِدَا فَرْعٍ عَلَى شَاهِدَيْ أَصْلٍ .
قَالَ الْقَاضِي : لَا يَخْتَلِفُ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي هَذَا .
وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالْبَتِّيِّ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَنُمَيْرِ بْنِ أَوْسٍ .
قَالَ إِسْحَاقُ : لَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا ، حَتَّى جَاءَ هَؤُلَاءِ وَقَالَ أَحْمَدُ : وَشَاهِدٌ عَلَى شَاهِدٍ يَجُوزُ ، لَمْ يَزَلْ النَّاسُ عَلَى ذَا ؛ شُرَيْحٌ فَمَنْ دُونَهُ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَنْكَرَهُ .
وَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ ، إلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أَصْلٍ إلَّا شَاهِدَا فَرْعٍ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ يُثْبِتَانِ شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، فَلَا تَثْبُتُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ ، كَمَا لَا يَثْبُتُ إقْرَارُ مُقِرَّيْنِ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ، يَشْهَدُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ ، وَقَدْ شَهِدَ اثْنَانِ بِمَا يُثْبِتُهُ ، فَيَثْبُتُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِنَفْسِ الْحَقِّ ، وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ بَدَلٌ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ ، فَيَكْفِي فِي عَدَدِهَا مَا يَكْفِي فِي شَهَادَةِ الْأَصْلِ ، وَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ لَا يَنْقُلَانِ عَنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ حَقًّا عَلَيْهِمَا ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدٍ ، كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ ، فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يَنْقُلُونَ الشَّهَادَةَ ، وَلَيْسَتْ حَقًّا عَلَيْهِمْ ، وَلِهَذَا لَوْ أَنْكَرَاهَا لَمْ يَعُدْ الْحَاكِمُ عَلَيْهِمَا ، وَلَمْ يَطْلُبْهَا مِنْهُمَا .
وَهَذَا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَنْ اعْتَبَرَ لِكُلِّ شَاهِدِ أَصْلٍ شَاهِدَيْ فَرْعٍ ، أَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ

الرَّأْيِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَرَأَيْت كَثِيرًا مِنْ الْحُكَّامِ وَالْمُفْتِينَ يُجِيزُهُ .
وَخَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، جَوَازُهُ .
وَالْآخَرُ ، لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ شُهُودُ الْفَرْعِ أَرْبَعَةً ، عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أَصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ .
وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ ؛ لِأَنَّ مَنْ يَثْبُتُ بِهِ أَحَدُ طَرَفَيْ الشَّهَادَةِ ، لَا يَثْبُتُ بِهِ الطَّرَفُ الْآخَرُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَصْلٌ مَعَ شَاهِدٍ ، ثُمَّ شَهِدَ مَعَ آخَرَ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدِ الْأَصْلِ الْآخَرِ وَلَنَا ، أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى قَوْلَيْنِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِإِقْرَارَيْنِ بِحَقَّيْنِ ، أَوْ بِإِقْرَارِ اثْنَيْنِ .
وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدُ الْأَصْلِ فَرْعًا ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلٌ أَصْلًا فِي شَهَادَةٍ بِحَقٍّ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَلِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ بِشَهَادَتِهِمْ شَهَادَةَ الْأَصْلِ ، وَلَيْسَتْ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ ظَرْفًا لِشَهَادَةِ الْآخَرِ ، فَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَثْبُتَ الْحَقُّ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ شُهُودُ الْفَرْعِ سِتَّةً ، وَإِنْ كَانَ حَقٌّ يَثْبُتُ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ شُهُودُ الْفَرْعِ ثَمَانِيَةً ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ زِنًا ، خُرِّجَ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، لَا مَدْخَلَ لِشَهَادَةِ الْفَرْعِ فِي إثْبَاتِهِ .
وَالثَّانِي ، يَجُوزُ ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ شُهُودُ الْفَرْعِ سِتَّةَ عَشْرَ ، فَيَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ أَرْبَعَةٌ .
الثَّالِثُ ، يَكْفِي ثَمَانِيَةٌ .
وَالرَّابِعُ ، يَكُونُونَ أَرْبَعَةً ، يَشْهَدُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ .
وَالْخَامِسُ ، يَكْفِي شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ .
وَهَذَا إثْبَاتٌ لَحَدِّ الزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ .

( 8414 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ شَاهِدَا أَصْلٍ ، وَشَاهِدَا فَرْعٍ ، يَشْهَدَانِ عَلَى شَهَادَةِ أَصْلٍ آخَرَ ، جَازَ .
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدُ أَصْلٍ ، وَشَاهِدُ فَرْعٍ ، خُرِّجَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدُ أَصْلٍ ، ثُمَّ شَهِدَ هُوَ وَآخَرُ فَرْعًا عَلَى شَاهِدِ أَصْلٍ آخَرَ ، لَمْ تُفِدْ شَهَادَتُهُ الْفَرْعِيَّةُ شَيْئًا ، وَكَانَ حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمَ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَتِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ .

( 8415 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَشْهَدُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ يُقِرُّ بِحَقِّ ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِلشَّاهِدِ : اشْهَدْ عَلَى ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، لَا يَشْهَدُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ الْمُقِرُّ : اشْهَدْ عَلَى .
كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ حَتَّى يَسْتَرْعِيَهُ إيَّاهَا ، وَيَقُولَ لَهُ : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي .
وَعَنْهُ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، إذَا سَمِعَهُ يُقِرُّ بِقَرْضٍ ، لَا يَشْهَدُ ، وَإِذَا سَمِعَهُ يُقِرُّ بِدَيْنٍ ، يَشْهَدُ ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ بِالدَّيْنِ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ عَلَيْهِ ، وَالْمُقِرَّ بِالْقَرْضِ لَا يَعْتَرِفُ بِذَلِكَ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اقْتَرَضَ مِنْهُ ، ثُمَّ وَفَّاهُ ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ ، إذَا سَمِعَ شَيْئًا ، فَدُعِيَ إلَى الشَّهَادَةِ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ شَهِدَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَشْهَدْ .
قَالَ : وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أُشْهِدَ إذَا دُعِيَ ، { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا } .
قَالَ : إذَا أُشْهِدُوا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : إذَا سَمِعَ رَجُلًا يُقِرُّ لَرَجُلٍ بِحَقٍّ ، وَلَمْ يَقُلْ : اشْهَدْ عَلَيَّ بِذَلِكَ .
وَسَمِعَ الشَّاهِدَ فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ ، فَيَقُولَ : أَشْهَدُ أَنِّي حَضَرْت إقْرَارَ فُلَانٍ بِكَذَا .
وَلَا يَقُولَ : أَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِهِ .
وَإِنْ سَمِعَهُ يَقُولُ : اقْتَرَضْت مِنْ فُلَانٍ ، أَوْ قَبَضْت مِنْ فُلَانٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يَشْهَدُ بِمَا عَلِمَهُ ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِسَمَاعِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا رَآهُ مِنْ الْأَفْعَالِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ فِي الْأَفْعَالِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَشْهَدُ بِهِ حَتَّى يَقُولَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ : اشْهَدْ .
وَهَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ ، فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى مَنْعِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا بِالْكُلِّيَّةِ ،

فَإِنَّ الْغَاصِبَ لَا يَقُولُ لَأَحَدٍ : اشْهَدْ عَلَى أَنِّي أَغْصِبُ .
وَلَا السَّارِقُ ، وَلَا الزَّانِي ، وَلَا الْقَاتِلُ ، وَأَشْبَاهُ هَؤُلَاءِ .
وَقَدْ شَهِدَ أَبُو بَكْرَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَى ، فَلَمْ يَقُلْ عُمَرُ : هَلْ أَشْهَدَكُمْ أَوْ لَا .
وَلَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَا قَالَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى قُدَامَةَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَلَا قَالَهُ عُمَرُ لِلَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ .
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْأَفْعَالُ الَّتِي تَكُونُ بِالتَّرَاضِي ، كَالْقَرْضِ ، وَالْقَبْضِ فِيهِ ، وَفِي الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ ، وَالِافْتِرَاقِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، جَازَ .

( 8416 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَضَرَ شَاهِدَانِ حِسَابًا بَيْنَ اثْنَيْنِ ، شَرَطَا عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يَحْفَظَا عَلَيْهِمَا شَيْئًا ، كَانَ لِلشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَشْهَدَا بِمَا سَمِعَاهُ مِنْهُمَا ، وَلَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ شَرْطَهُمَا ؛ لِأَنَّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا سَمِعَهُ أَوْ عَلِمَهُ ، وَذَلِكَ قَدْ حَصَلَ لَهُ ، سَوَاءٌ أَشَهِدَهُ أَوْ سَمِعَهُ ، وَكَذَلِكَ يَشْهَدَانِ عَلَى الْعُقُودِ بِحُضُورِهَا ، وَعَلَى الْجِنَايَاتِ بِمُشَاهَدَتِهَا ، وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى إشْهَادٍ .
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .

( 8417 ) فَصْلٌ : وَالْحُقُوقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، حَقٌّ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ ، كَالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ ، وَالنِّكَاحِ ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ وَالْعُقُوبَاتِ ، كَالْقِصَاصِ ، وَحَدِّ الْقَذْفِ ، وَالْوَقْفِ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ ، فَلَا تَسْمَعُ الشَّهَادَةُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، فَلَا تُسْتَوْفَى إلَّا بَعْدَ مُطَالَبَتِهِ وَإِذْنِهِ ، وَلِأَنَّهَا حُجَّةٌ عَلَى الدَّعْوَى ؛ وَدَلِيلٌ لَهَا ، فَلَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهَا عَلَيْهَا .
الضَّرْبُ الثَّانِي ، مَا كَانَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ ، وَالْمَسَاكِينِ أَوْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ ، أَوْ سِقَايَةٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ ، أَوْ الْوَصِيَّةِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَنَحْوِ هَذَا ، أَوْ مَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، كَالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى ، أَوْ الزَّكَاةِ ، أَوْ الْكَفَّارَةِ ، فَلَا تَفْتَقِرُ الشَّهَادَةُ بِهِ ، إلَى تَقَدُّمِ الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ مِنْ الْآدَمِيِّينَ يَدَّعِيه ، وَيُطَالِبُ بِهِ ، وَلِذَلِكَ شَهِدَ أَبُو بَكْرَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ ، وَشَهِدَ الْجَارُودُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَشَهِدَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَيْضًا ، مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى ، فَأُجِيزَتْ شَهَادَتُهُمْ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي ابْتِدَاءِ الْوَقْفِ قَبُولٌ ، مِنْ أَحَدٍ ، وَلَا رِضًى مِنْهُ .
وَكَذَلِكَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَحَدِ الْغَرِيمَيْنِ ، كَتَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِالطَّلَاقِ ، أَوْ الظِّهَارِ ، أَوْ إعْتَاقِ الرَّقِيقِ ، تَجُوزُ الْحِسْبَةُ بِهِ ، وَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ دَعْوَى .
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِعِتْقِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ابْتِدَاءً ، ثَبَتَ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُمَا الْمَشْهُودُ بِعِتْقِهِ ، أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَمَةِ .
وَقَالَ فِي الْعَبْدِ : لَا يَثْبُتُ ، مَا لَمْ يُصَدِّقْ الْعَبْدُ

بِهِ ، وَيَدَّعِيه ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَقُّهُ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ حُقُوقِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ بِعِتْقٍ ، فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى تَقَدُّمِ الدَّعْوَى ، كَعِتْقِ الْأَمَةِ ، وَيُخَالِفُ سَائِرَ الْحُقُوقِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلِهَذَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولِ الْعِتْقِ .
وَدَلِيلُ ذَلِكَ الْأَمَةُ .
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِعِتْقِ الْأَمَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : الْأَمَةُ يَتَعَلَّقُ بِإِعْتَاقِهَا تَحْرِيمُ الْوَطْءِ .
قُلْنَا : هَذَا لَا أَثَرَ لَهُ ، فَإِنَّ الْمَنْعَ يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ ، وَلَا تُسْمَعُ الشَّهَادَة بِهِ إلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى .

( 8418 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِآدَمِيٍّ ، لَمْ يَخْلُ ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهَا ، أَوْ غَيْرَ عَالَمٍ ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا ، لَمْ يَجُزْ لِلشَّاهِدِ أَدَاؤُهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَلِأَنَّ أَدَاءَهَا حَقٌّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ ، فَلَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِرِضَاهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ .
وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ غَيْرَ عَالَمٍ بِهَا ، جَازَ لِلشَّاهِدِ أَدَاؤُهَا قَبْلَ طَلَبِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَمَالِكٌ .
وَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ " الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ ، وَلَا يَعْلَمُ بِهَا الَّذِي هِيَ لَهُ " .
وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذِهِ الصُّوَرِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا ، فَتَرْكُهُ طَلَبَهَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إقَامَتَهَا ، بِخِلَافِ الْعَالِمِ بِهَا .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .

( 8419 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ فِي أَدَائِهَا ، فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِكَذَا .
وَنَحْوَهُ .
وَلَوْ قَالَ : أَعْلَمُ ، أَوْ أُحِقُّ ، أَوْ أَتَيَقَّنُ ، أَوْ أَعْرِفُ .
لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ شَهَادَةً ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِفِعْلِهَا الْمُشْتَقِّ مِنْهَا ، وَلِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى لَا يَحْصُلُ فِي غَيْرِهَا مِنْ اللَّفَظَاتِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْيَمِينِ فَيُقَالُ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ .
وَلِهَذَا تُسْتَعْمَلُ فِي اللِّعَانِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُسْتَخْفِي ، إذَا كَانَ عَدْلًا ) الْمُسْتَخْفِي : هُوَ الَّذِي يُخْفِي نَفْسَهُ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ؛ لِيَسْمَعَ إقْرَارَهُ ، وَلَا يَعْلَمَ بِهِ ، مِثْلُ مَنْ يَجْحَدُ الْحَقَّ عَلَانِيَةً ، وَيُقِرُّ بِهِ سِرًّا ، فَيَخْتَبِئُ شَاهِدَانِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِمَا ، لِيَسْمَعَا إقْرَارَهُ بِهِ ، ثُمَّ يَشْهَدَا بِهِ ، فَشَهَادَتُهُمَا مَقْبُولَةٌ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ .
وَبِهَذَا قَالَ عَمْرو بْنُ حُرَيْثٍ .
وَقَالَ : كَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْخَائِنِ وَالْفَاجِرِ .
وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا تُسْمَعُ شَهَادَتُهُ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا تَجَسَّسُوا } .
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ ثُمَّ الْتَفَتَ ، فَهِيَ أَمَانَةٌ } .
يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِسَامِعِهِ ذِكْرُهُ عَنْهُ ؛ لِالْتِفَاتِهِ وَحَذَرِهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ضَعِيفًا يَنْخَدِعُ ، لَمْ يُقْبَلَا عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، قُبِلَتْ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَا سَمِعَاهُ يَقِينًا ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، كَمَا لَوْ عَلِمَ بِهَا .

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِذَا هَلَكَ رَجُلٌ ، وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ دَيْنًا عَلَى أَبِيهِ لِأَجْنَبِيٍّ ، دَفَعَ إلَى الْمُقِرِّ لَهُ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ إرْثِهِ عَنْ أَبِيهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ عَدْلًا ، فَيَشَاءَ الْغَرِيمُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَهَادَةِ الِابْنِ ، وَيَأْخُذَ مِائَةً ، وَتَكُونَ الْمِائَةُ الْبَاقِيَةُ بَيْنَ الِابْنَيْنِ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْإِقْرَارِ مِنْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ الْإِقْرَارِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنْهُ ، وَمِيرَاثُهُ هَاهُنَا النِّصْفُ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ الدَّيْنِ ؛ وَهُوَ نِصْفُ الْمِائَةِ ، وَنِصْفُهَا الْبَاقِي يَشْهَدُ بِهِ عَلَى أَخِيهِ ، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا ، فَشَاءَ الْغَرِيمُ حَلَفَ مَعَ شَهَادَتِهِ ، وَاسْتَحَقَّ الْبَاقِيَ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّ الِابْنِ الْمُقِرِّ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ ، نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا ضُرًّا .
وَإِنْ شَهِدَ أَجْنَبِيٌّ مَعَ الْوَارِثِ الْمُقِرِّ ، كَمَلَتْ الشَّهَادَةُ ، وَحُكِمَ لِلْمُدَّعِي بِمَا شَهِدَا بِهِ لَهُ ، إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ ، وَأَدَّيَا الشَّهَادَةَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ ، وَلَا يُكْتَفَى بِلَفْظِ الْإِقْرَارِ فِي الشَّهَادَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .
وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ مِنْ اثْنَيْنِ مِنْ الْوَرَثَةِ عَدْلَيْنِ ؛ مِثْلُ أَنْ يُخَلِّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ، فَيُقِرَّ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِالدَّيْنِ ، وَيَشْهَدَا بِهِ ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا تُقْبَلُ ، وَيَثْبُتُ بَاقِي الدَّيْنِ فِي حَقِّ الْمُنْكَرِ .
وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ حَمَّادٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : الْمُقَرُّ بِهِ كُلُّهُ فِي نَصِيبُ الْمُقِرِّ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْمُقِرِّ بِالدَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ نَفْعًا إلَى نَفْسِهِ ، وَهُوَ إسْقَاطُ بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ عَنْ

نَفْسِهِ .
وَالْإِقْرَارُ بِوَصِيَّةِ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، كَالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ ، فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .

( 8422 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ثَبَتَ لَرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ بِبَيِّنَةِ ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ قَبُولَ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا ابْنَ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَرِيمِهِ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ .
فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يُوَاطِئَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ بِدَيْنٍ ، فَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ ثُمَّ يُقَاسِمُهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَغَيْرِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا ضُرًّا ، بَلْ يَضُرُّ نَفْسَهُ ، بِهَا لِكَوْنِ الْمَشْهُودِ لَهُ يُزَاحِمُهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ ، وَيَنْقُصُ مَا يَأْخُذُهُ ، فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الصِّدْقِ ، وَأَحْرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ لَهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ يُوجَدُ فِي الْأَجْنَبِيِّ ، وَلَمْ يَمْنَعْ قَبُولَ شَهَادَتِهِ .

( 8423 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ هَلَكَ رَجُلٌ عَنْ ، ابْنَيْنِ ، وَلَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ ، وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا يَسْتَغْرِقُ مِيرَاثَهُ ، فَأَبَى الْوَارِثَانِ أَنْ يَحْلِفَا مَعَ الشَّاهِدِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمَيِّتِ ، وَيَسْتَحِقُّ ، فَإِنْ حَلَفَ الْوَارِثَانِ مَعَ الشَّاهِدِ ، حُكِمَ بِالدَّيْنِ ، فَدُفِعَ إلَى الْغَرِيمِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَاتَ مُفْلِسًا ، وَادَّعَى وَرَثَتُهُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ ، فَأَنْكَرَ ، فَأَقَامُوا شَاهِدًا عَدْلًا ، وَحَلَفُوا مَعَهُ ، حُكِمَ بِالدَّيْنِ لِلْمَيِّتِ ، ثُمَّ تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ ، ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ الثُّلُثِ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ، فَإِنْ أَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يَحْلِفُوا ، لَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ ، مَعَ شَاهِدِ الْمَيِّتِ .
وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ ، وَيَسْتَحِقَّ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْمَالُ ، قُدِّمَ حَقُّهُ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَكَانَتْ لَهُ الْيَمِينُ كَالْوَارِثِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الدَّيْنَ لِلْوَرَثَةِ دُونَ الْغَرِيمِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ الدَّيْنُ مِيرَاثَهُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لِلْوَارِثِ ، أَنَّهُ يُكْتَفَى بِيَمِينِهِ ، وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِهِ لَمَا اُكْتُفِيَ بِهَا ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ ، وَالدَّيْنُ لِلْمَيِّتِ ، وَلِهَذَا يَشْهَدُ الشَّاهِدُ بِأَنَّ الدَّيْنَ لِلْمَيِّتِ ، وَاَلَّذِي يَحْلِفُ مَعَهُ إنَّمَا يَحْلِفَ عَلَى هَذَا ، وَلَا يَجُوزُ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ لِي فِي ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا ، بِالِاتِّفَاقِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى دَيْنِ غَيْرِهِ الَّذِي لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا جَعَلَ الْيَمِينَ لِلْمَالِكِ ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْوَكِيلُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْغَرِيمَ لَوْ حَلَفَ مَعَ

الشَّاهِدِ ، ثُمَّ أَبْرَأَ الْمَيِّتَ مِنْ الدَّيْنِ ، لَرَجَعَ الدَّيْنُ إلَى الْوَرَثَةِ ، وَلَوْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ لَهُ بِيَمِينِهِ ، لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ .
وَهَكَذَا لَوْ وَصَّى الْمَيِّتُ لَإِنْسَانٍ ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِفْ الْوَرَثَةُ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَحْلِفَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .

( 8424 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ مَعَ الشَّاهِدِ ، لَمْ يَثْبُتْ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا قَدْرُ حِصَّتِهِ .
وَهَكَذَا إذَا ادَّعَى الْوَرَثَةُ وَصِيَّةً لِأَبِيهِمْ أَوْ دَيْنًا ، وَأَقَامُوا شَاهِدًا ، لَمْ يَثْبُتْ جَمِيعُهُ إلَّا بِأَيْمَانِ جَمِيعِهِمْ .
وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ ، ثَبَتَ مِنْ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ بِقَدْرِ حَقِّهِ ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ بَاقِي الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقٌّ بِدُونِ أَيْمَانِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقُّوا بِيَمِينِ غَيْرِهِمْ ، وَيَقْضِي مِنْ دَيْنِ أَبِيهِ بِقَدْرِ مَا ثَبَتَ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ أَوْ مَعْتُوهٌ ، وُقِفَ حَقُّهُ ، حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ وَيَعْقِلَ الْمَعْتُوهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْلِف عَلَى حَالِهِ ، وَلَا يَحْلِفُ وَلِيُّهُ ؛ لِكَوْنِ الْيَمِينِ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ .
وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ أَخْرَسُ مَفْهُومُ الْإِشَارَةِ ، حَلَفَ وَأُعْطِيَ حِصَّتَهُ ، وَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ ، وُقِفَ حَقُّهُ أَيْضًا .
فَإِنْ مَاتَ ، أَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ ، قَامَ وَرَثَتُهُمْ مَقَامَهُمْ فِي الْيَمِينِ وَالِاسْتِحْقَاقِ .
فَإِنْ طَالِبَ أَوْلِيَاؤُهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا بِحَبْسِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ ، وَيُفِيقَ الْمَجْنُونُ ، وَيَعْقِلَ الْأَخْرَسُ الْإِشَارَةَ ، أَوْ بِإِقَامَةِ كَفِيلٍ ، لَمْ يُجَابُوا إلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ لَا يُسْتَحَقُّ عَلَى مَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حَقٌّ .

( 8425 ) فَصْلٌ : وَتَرِكَةُ الْمَيِّتِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا لِوَرَثَتِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ أَفْلَسَ ، ثُمَّ مَاتَ ، قَالَ : قَدْ انْتَقَلَ الْمَبِيعُ إلَى الْوَرَثَةِ ، وَحَصَلَ مِلْكًا لَهُمْ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الدَّيْنُ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ ، مُنِعَ نَقْلُهَا إلَى الْوَرَثَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَغْرِقُهَا ، لَمْ يُمْنَعْ انْتِقَالُ شَيْءٍ مِنْهَا .
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ : يُمْنَعُ بِقَدْرِهِ .
وَقَدْ أَوْمَأَ أَحْمَدُ إلَى مِثْلِ هَذَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي أَرْبَعَةِ بَنِينَ تَرَكَ أَبُوهُمْ دَارًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَقَالَ أَحَدُ الْبَنِينَ : أَنَا أُعْطِي ، وَدَعُوا لِي الرُّبْعَ .
فَقَالَ أَحْمَدُ : هَذِهِ الدَّارُ لِلْغُرَمَاءِ ، لَا يَرِثُونَ شَيْئًا حَتَّى يُؤَدُّوا الدَّيْنَ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَنْتَقِلْ إلَيْهِمْ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْوَارِثَ مِنْ إمْسَاكِ الرُّبْعِ بِدَفْعِ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَمِ الْوَرَثَةِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالتَّرِكَةِ .
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، وَلِهَذَا قُلْنَا : إنَّ الْغَرِيمَ لَا يَحْلِفُ عَلَى دَيْنِ الْمَيِّتِ .
وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّيْنَ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ ، فَيَتَخَيَّرُ الْوَرَثَةُ بَيْنَ قَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا كَالرَّهْنِ وَالْجَانِي ، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُ الْغُرَمَاءَ نَفَقَةُ الْعَبِيدِ ، وَلَا يَكُونُ نَمَاءُ التَّرِكَةِ لَهُمْ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَيَّ الْوَرَثَةِ ، أَوْ إلَى الْغُرَمَاءِ ، أَوْ تَبْقَى لِلْمَيِّتِ ، أَوْ لَا تَكُونَ لَأَحَدٍ ، لَا يَجُوزُ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ ، لَزِمَهُمْ نَفَقَةُ الْحَيَوَانِ ، وَكَانَ نَمَاؤُهَا لَهُمْ غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنْ دَيْنِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَبْقَى لِلْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ لَا تَكُونَ لَأَحَدٍ ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مَمْلُوكٌ ، فَلَا بُدَّ مِنْ

مَالِكٍ ؛ وَلِأَنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ بِغَيْرِ مَالِكٍ ، لَأُبِيحَتْ لِمَنْ يَتَمَلَّكُهَا ، كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ ، فَثَبَتَ أَنَّهَا انْتَقَلَتْ إلَى الْوَرَثَة .
فَعَلَى هَذَا ، إذَا نَمَتْ التَّرِكَةُ ، مِثْلُ أَنْ غَلَتْ الدَّارُ ، وَأَثْمَرَتْ النَّخِيلُ ، وَنَتَجَتْ الْمَاشِيَةُ ، فَهُوَ لِلْوَارِثِ ، يَنْفَرِدُ بِهِ ، لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ كَسْبَ الْجَانِي .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ ؛ كَنَمَاءِ الرَّهْنِ .
وَمَنْ اخْتَارَ الْأَوَّلَ ، قَالَ : تَعَلُّقُ الْحَقِّ بِالرَّهْنِ آكَدُ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاخْتِيَارِ الْمَالِكِ وَرِضَاهُ ، وَلِهَذَا مُنِعَ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، وَهَذَا يَثْبُتُ بِغَيْرِ رِضَى الْمَالِكِ ، وَلَمْ يُمْنَعْ التَّصَرُّفَ ، فَكَانَ أَشْبَهَ بِالْجَانِي .
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَكُونُ نَمَاءُ التَّرِكَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ التَّرِكَةِ ، وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمُؤْنَةِ مِنْهَا .
وَإِنْ تَصَرَّفَ الْوَرَثَةُ فِي التَّرِكَةِ ، بِبَيْعِ أَوْ هِبَةٍ أَوْ قِسْمَةٍ ، فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، تَصَرُّفُهُمْ صَحِيحٌ ، فَإِنْ قَضَوْا الدَّيْنَ وَإِلَّا نُقِضَتْ تَصَرُّفَاتُهُمْ ، كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ السَّيِّدُ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي وَلَمْ يَقْضِ دَيْنَ الْجِنَايَةِ .
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، تَصَرُّفَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِيمَا لَمْ يَمْلِكُوهُ .

( 8426 ) فَصْلٌ : إذَا خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَأَبَوَيْنِ ، فَادَّعَى الْبَنُونَ أَنْ أَبَاهُمْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَيْهِمْ فِي صِحَّتِهِ ، وَأَقَامُوا بِذَلِكَ شَاهِدًا وَاحِدًا ، حَلَفُوا مَعَهُ ، وَصَارَتْ وَقْفًا عَلَيْهِمْ ، وَسَقَطَ حَقُّ الْأَبَوَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا مَعَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَلَا لَهُ وَصِيَّةٌ ، حَلَفَ الْأَبَوَانِ ، وَكَانَ نَصِيبُهُمَا طَلْقًا لَهُمَا ، وَنَصِيبُ الْبَنِينَ وَقْفًا عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ يَنْفُذُ بِإِقْرَارِهِمْ .
وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ ، أَوْ وَصَّى بِشَيْءٍ ، قُضِيَ دَيْنُهُ ، وَنَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ ، فَمَا حَصَلَ لِلْبَنِينَ كَانَ وَقْفًا عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ .
وَإِنْ حَلَفَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَانَ ثُلُثُ الدَّارِ وَقْفًا عَلَيْهِ ، وَالْبَاقِي يَقْضِي مِنْهُ الدَّيْنَ وَمَا فَضَلَ يَكُونُ مِيرَاثًا ، فَمَا حَصَلَ لِلِابْنَيْنِ مِنْهُ كَانَ وَقْفًا عَلَيْهِمَا ، وَلَا يَرِثُ الْحَالِفُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْهَا شَيْئًا سِوَى مَا وُقِفَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ حَلَفُوا كُلُّهُمْ ، فَثَبَتَ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ مُرَتَّبًا عَلَى بَطْنٍ ، ثُمَّ عَلَى بَطْنٍ بَعْدَ بَطْنٍ أَبَدًا ، أَوْ مُشْتَرَكًا ، فَإِنْ كَانَ مُرَتَّبًا ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْأَوْلَادُ الثَّلَاثَةُ ، انْتَقَلَ الْوَقْفُ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي ، بِغَيْرِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُ وَقْفًا بِالشَّاهِدَيْنِ وَيَمِينِ الْأَوْلَادِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ مِنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ إلَى بَيِّنَةٍ ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ ، وَكَالْمَالِ الْمَوْرُوثِ .
وَكَذَلِكَ إذَا انْقَرَضَ الْأَوْلَادُ ، وَرَجَعَ إلَى الْمَسَاكِينِ ، لَمْ يَحْتَاجُوا فِي ثُبُوتِهِ لَهُمْ إلَى يَمِينٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .
وَإِنْ انْقَرَضَ أَحَدُ الْأَوْلَادِ ، انْتَقَلَ نَصِيبُهُ مِنْهُ إلَى إخْوَتِهِ ، أَوْ إلَى مَنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ انْتِقَالَهُ إلَيْهِ ، بِغَيْرِ يَمِينٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
فَإِنْ امْتَنَعَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مِنْ الْيَمِينِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ نَصِيبَهُمْ يَكُونُ وَقْفًا

عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ ، فَإِذَا انْقَرَضُوا ، كَانَ ذَلِكَ وَقْفًا عَلَى حَسْبِ مَا أَقَرُّوا بِهِ ، فَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُمْ أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ، فَقَالَ أَوْلَادُهُمْ : نَحْنُ نَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِنَا ، لِتَكُونَ جَمِيعُ الدَّارِ وَقْفًا لَنَا .
فَلَهُمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ الْوَقْفَ مِنْ الْوَاقِفِ ، فَلَهُمْ إثْبَاتُهُ كَالْبَطْنِ الْأَوَّلِ .
فَأَمَّا إنْ حَلَفَ أَحَدُ الْبَنِينَ ، وَنَكَلَ أَخَوَاهُ ، ثُمَّ مَاتَ الْحَالِفُ ؛ نَظَرْت ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ إخْوَتِهِ ، صُرِفَ نُصِيبُهُ إلَى أَوْلَادِهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا .
وَإِنْ مَاتَ فِي حَيَاةِ إخْوَتِهِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، يَنْصَرِفُ إلَى إخْوَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي شَيْءٌ مَعَ بَقَاءِ أَحَدٍ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ .
وَالثَّانِي ، يَنْتَقِلُ إلَى أَوْلَادِهِ ؛ لِأَنَّ أَخَوَيْهِ أَسْقَطَا حَقَّهُمَا بِنُكُولِهِمَا ، فَصَارَا كَالْمَعْدُومَيْنِ .
وَالثَّالِثُ ، يُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ عَصَبَةِ الْوَاقِفِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ صَرْفُهُ إلَى الْأَخَوَيْنِ ، وَلَا إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي ، لِمَا ذَكَرْنَا ، فَيُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ عَصَبَةِ الْوَاقِفِ ، إلَى أَنْ يَمُوتَ الْأَخَوَانِ ، ثُمَّ يَعُودَ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْأَخَوَيْنِ لَمْ يُسْقِطَا حُقُوقَهُمَا ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَا مِنْ إقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ اعْتَرَفَ لَهُمَا الْأَبَوَانِ ، ثَبَتَ الْوَقْفُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ، وَهَا هُنَا قَدْ حَصَلَ الِاعْتِرَافُ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَيْهِمَا ؛ لِحُصُولِ الِاتِّفَاقِ مِنْ الْجَمِيعِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمَا لَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ الْبَطْنُ الثَّانِي صِغَارًا ، فَمَا حَصَلَ الِاعْتِرَافُ مِنْهُمْ .
قُلْنَا : قَدْ حَصَلَ الِاعْتِرَافُ مِنْ الْحَالِفِ الَّذِي ثَبَتَتْ الْحُجَّةُ بِيَمِينِهِ ، وَبِالْبَيِّنَةِ الَّتِي ثَبَتَ بِهَا الْوَقْفُ ، وَبِهَا يَسْتَحِقُّ الْبَطْنُ الثَّانِي ، فَاكْتُفِيَ بِذَلِكَ فِي انْتِقَالِهِ إلَى الْأَخَوَيْنِ ، كَمَا يُكْتَفَى بِهِ فِي انْتِقَالِهِ إلَى

الْبَطْنِ الثَّانِي بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَخَوَيْنِ ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا ، أَنَّنَا اكْتَفَيْنَا بِالْبَيِّنَةِ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ ، وَفِي كَيْفِيَّتِهِ ، وَصِفَتِهِ ، وَتَرْتِيبِهِ ، فِيمَا عَدَا هَذَا الْمُخْتَلَفَ فِيهِ فَيَجِبُ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ فِيهِ .
فَأَمَّا إنْ كَانَ شَرْطُ الْوَاقِفِ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ ، انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ ، انْتَقَلَ إلَى أَوْلَادِهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُمْ فِيهِ .
وَإِنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ ، انْتَقَلَ إلَى أَخَوَيْهِ ، عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ ، وَيُخَرَّجُ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ .
الْحَالُ الثَّانِي ، إذَا كَانَ الْوَقْفُ مُشْتَرَكًا ؛ وَهُوَ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّ أَبَاهُمْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى وَلَدِهِ ، وَوَلَدِ وَلَدِهِ مَا تَنَاسَلُوا ، فَقَدْ شَرَّكَ بَيْنَ الْبُطُونِ ، فَفِي هَذِهِ الْحَالِ ، إذَا حَلَفَ أَوْلَادُهُ الثَّلَاثَةُ مَعَ شَاهِدِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِمْ مَعَهُمْ مَوْجُودًا ، ثَبَتَ الْوَقْفُ عَلَى الثَّلَاثَةِ .
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ أَحَدٌ مَوْجُودًا ، فَهُوَ شَرِيكُهُمْ ، فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ كَانَ نَصِيبُهُ مِيرَاثًا تُقْضَى مِنْهُ الدُّيُونُ ، وَتَنْفُذُ الْوَصَايَا ، وَبَاقِيه لِلْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْوَقْفَ ابْتِدَاءً مِنْ الْوَاقِفِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، فَهُوَ كَأَحَدِ الْبَنِينَ .
وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا ، أَوْ حَدَثَ لِأَحَدِ الْبَنِينَ وَلَدٌ يُشَارِكُهُمْ فِي الْوَقْفِ ، أَوْ كَانَ أَحَدُ الْبَنِينَ صَغِيرًا ، وَقَفَ نَصِيبَهُ مِنْ الْوَقْفِ عَلَيْهِ ، وَلَا يُسَلَّمُ إلَى وَلِيِّهِ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَيَحْلِفَ أَوْ يَمْتَنِعَ ؛ لِأَنَّهُ يَتَلَقَّى الْوَقْفَ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، لِكَوْنِ الْبَنِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ مُعْتَرِفِينَ لَهُ بِذَلِكَ ، فَيُكْتَفَى بِاعْتِرَافِهِمْ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهمْ دَارٌ فَاعْتَرَفُوا لَصَغِيرٍ مِنْهَا بِشِرْكٍ ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ إلَى وَلِيِّهِ ؟ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدَّارَ الَّتِي فِي أَيْدِيهمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ

فِيهَا مُنَازِعٌ ، وَلَا يُوجَبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيهَا يَمِينٌ ، وَهَذِهِ يُنَازِعُهُمْ فِيهَا الْأَبَوَانِ ، وَأَصْحَابُ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَهَا بِأَيْمَانِهِمْ ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِمُشَارِكٍ لَهُمْ ، فَقَدْ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ ، لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِيَمِينِهِ ، كَمَا لَا يَسْتَحِقُّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إلَّا بِالْيَمِينِ .
وَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ الْوَقْفُ مُرَتَّبًا عَلَى بَطْنٍ ، بَعْدَ بَطْنٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُشَارِكُهُمْ أَحَدٌ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي .
فَإِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ الْمَوْقُوفُ نَصِيبُهُ ، فَحَلَفَ ، كَانَ لَهُ ، وَإِنْ امْتَنَعَ نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الدَّعْوَى ، أَوْ قَبْلَ حَلِفِهِمْ ، كَانَ نَصِيبُهُ مِيرَاثًا ، كَمَا لَوْ كَانَ بَالِغًا ، فَامْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ ، فَإِنْ حَدَثَ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَثُبُوتِ الْوَقْفِ نَمَاءٌ ، كَانَ لَهُ نَصِيبُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الدَّارِ بِأَيْمَانِ الْبَنِينَ ، فَلَا يَبْطُلُ بِامْتِنَاعِ مَنْ حَدَثِ ، إلَّا أَنَّهُ إنْ أَقَرَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ وَقْفًا ، وَكَذَّبَ الْبَنِينَ فِي ذَلِكَ ، كَانَ نَصِيبُهُ مِنْ الْغَلَّةِ مِيرَاثًا ، حُكْمُهُ حُكْمُ نَمَاءِ الْمِيرَاثِ ، وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُمْ ، فَنَصِيبُهُ وَقْفٌ لَهُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ ، رُدَّ نَصِيبُهُ إلَى الْأَوْلَادِ الثَّلَاثَةِ ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الدَّعْوَى وَالْحَادِثِ بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا بِغَيْرِ يَمِينِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْطُلَ الْوَقْفُ الثَّابِتُ بِأَيْمَانِهِمْ ، فَتَعَيَّنَ رَدُّ نَصِيبِهِ إلَيْهِمْ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الدَّعْوَى وَحَلِفِهِمْ ، فَهُوَ شَرِيكُهُمْ حِينَ يَثْبُتُ الْوَقْفُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ الْوَقْفُ فِي نَصِيبِهِ بِغَيْرِ يَمِينِهِ ، كَالْبَالِغِ ، وَإِنْ كَانَ حَادِثًا بَعْدَ ثُبُوتِ الْوَقْفِ بِأَيْمَانِهِمْ ، فَهُمْ مُقِرُّونَ لَهُ بِنَصِيبِهِ وَهُوَ يُصَدِّقُهُمْ فِي إقْرَارِهِمْ فَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَخْذُ نَصِيبِهِ كَمَا لَوْ أَقَرُّوا لَهُ بِمَالٍ ،

وَلِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْوَقْفِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .
وَإِنْ مَاتَ الصَّغِيرُ قَبْلَ بُلُوغِهِ ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ ، فِيمَا ذَكَرْنَا .
وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْبَنِينَ الْبَالِغِينَ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ ، وُقِفَ أَيْضًا نَصِيبُهُ مِمَّا كَانَ لِعَمِّهِ الْمَيِّتِ ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ ، كَالْحُكْمِ فِي نَصِيبِهِ الْأَصْلِيِّ .
وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ بَلَغَ فَامْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ ، فَالرُّبْعُ مَوْقُوفٌ إلَى حِينِ مَوْتِ الثَّالِثِ ، وَيُقْسَمُ بَيْنَ الْبَالِغِينَ وَوَرَثَةِ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ ، وَنَصِيبُهُ مِنْ الْمَيِّتِ لِلْبَالِغَيْنِ الْحَيَّيْنِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُمَا مُسْتَحِقَّا الْوَقْفِ .

( 8427 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى ، وَذَكَرَ أَنَّ بَيِّنَتَهُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ ، فَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَتَهُ حُكِمَ بِهَا ، وَلَمْ تَكُنْ الْيَمِينُ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا ذَكَرَ أَنَّ بَيِّنَتَهُ بَعِيدَةٌ مِنْهُ ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُهَا ، أَوْ لَا يُرِيدُ إقَامَتَهَا ، فَطَلَبَ الْيَمِينَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أُحْلِفَ لَهُ ، فَإِذَا حَلَفَ ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بِبَيِّنَةِ ، حُكِمَ لَهُ .
وَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَإِسْحَاقُ .
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَدَاوُد ، أَنَّ بَيِّنَتَهُ لَا تُسْمَعُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَلَا تُسْمَعُ بَعْدَهَا حُجَّة الْمُدَّعِي ، كَمَا لَا تُسْمَعُ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي .
وَلَنَا ، قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْبَيِّنَةُ الصَّادِقَةُ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ .
وَظَاهِرُ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ الصِّدْقُ ، وَيَلْزَمُ مِنْ صِدْقِهَا فُجُورُ الْيَمِينِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، فَتَكُونُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ كُلَّ حَالَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَقُّ فِيهَا بِإِقْرَارِهِ ، يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ ، كَمَا قَبْلَ الْيَمِينِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْأَصْلُ ، وَالْيَمِينَ بَدَلٌ عَنْهَا .
وَلِهَذَا لَا تُشْرَعُ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِهَا ، وَالْبَدَلُ يَبْطُلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلِ ، كَبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ ، وَلَا يَبْطُلُ الْأَصْلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَلِ ، وَيَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَمَا ، أَنَّهُمَا حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا ، وَإِمْكَانِ سَمَاعِهِمَا ، تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ ، وَيُحْكَمُ بِهَا ، وَلَا تُسْمَعُ الْيَمِينُ ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْهَا .

( 8428 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَبَ الْمُدَّعِي حَبْسَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أَوْ إقَامَةَ كَفِيلٍ بِهِ إلَى أَنْ تَحْضُرَ بَيِّنَتُهُ الْبَعِيدَةُ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُلَازَمَةُ خَصْمِهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ يُحْبَسُ بِهِ ، وَلَا يُقِيمُ بِهِ كَفِيلًا ، وَلِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ ، فَلَا يَلْزَمُ مَعْصُومًا لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ حَقٌّ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ ، لَتَمَكَّنَ كُلُّ ظَالِمٍ مِنْ حَبْسٍ مَنْ شَاءَ مِنْ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ .
وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ قَرِيبَةً ، فَلَهُ مُلَازَمَتُهُ حَتَّى يُحْضِرَهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةِ إقَامَتِهَا ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مُلَازَمَتِهِ ، لَذَهَبَ مِنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، وَلَا تُمْكِنُ إقَامَتُهَا إلَّا بِحَضْرَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَمَكَّنَ مِنْ إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحَاكِمِ لِيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ ، تَمَكَّنَ مِنْ مُلَازَمَتِهِ فِيهِ حَتَّى تَحْضُرَ الْبَيِّنَةُ .
وَتُفَارِقُ الْبَيِّنَةَ الْبَعِيدَةَ ، أَوْ مَنْ لَا يُمْكِنُ حُضُورُهَا ، فَإِنَّ إلْزَامَهُ الْإِقَامَةَ إلَى حِينِ حُضُورِهَا يَحْتَاجُ إلَى حَبْسٍ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ .

( 8429 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا ، وَلَمْ يَحْلِفْ مَعَهُ ، وَطَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أُحْلِفَ لَهُ ، ثُمَّ إنْ أَحْضَرَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَمَّلَتْ بَيِّنَتُهُ ، وَقُضِيَ بِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي : لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ ، وَأُرِيدُ إحْلَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ، وَيَسْتَحْلِفُ خَصْمَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِحْلَافَهُ إذَا كَانَتْ بَيِّنَتُهُ بَعِيدَةً ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : لَا أُرِيدُ إقَامَةَ بَيِّنَتِي الْقَرِيبَةِ .
مَلَكَ اسْتِحْلَافَهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ إقَامَتَهَا .
الثَّانِي ، لَا يَمْلِكُ اسْتِحْلَافَهُ ؛ لِأَنَّ فِي الْبَيِّنَةِ غُنْيَةً عَنْ الْيَمِينِ ، فَلَمْ تُشْرَعْ مَعَهَا ؛ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَصْلٌ ، وَالْيَمِينَ بَدَلٌ ، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْأَصْلِ ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ .
وَفَارَقَ الْبَعِيدَةَ ، فَإِنَّهَا فِي الْحَالِ كَالْمَعْدُومَةِ لِلْعَجْزِ عَنْهَا ، وَكَذَلِكَ الَّتِي لَا يُرِيدُ إقَامَتَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ فِي إحْضَارِهَا ، أَوْ عَلَيْهِ فِي الْحُضُورِ مَشَقَّةٌ ، فَيَسْقُطُ ذَلِكَ لِلْمَشَقَّةِ ، بِخِلَافِ الَّتِي يُرِيدُ إقَامَتَهَا .

( 8430 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْيَمِينُ الَّتِي يَبْرَأُ بِهَا الْمَطْلُوبُ ، هِيَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ كَافِرًا ) .
وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ الْيَمِينَ الْمَشْرُوعَةَ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي يَبْرَأُ بِهَا الْمَطْلُوبُ ، هِيَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى .
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا أُحِبَّ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، وَإِنْ اسْتَحْلَفَ حَاكِمٌ بِاَللَّهِ ، أَجْزَأَ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا ، فَقَالَ لَهُ : قُلْ : وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، مَالَهُ عِنْدَك شَيْءٌ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ، حِينَ حَلَفَ لِأَبِي ، قَالَ : وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، إنَّ النَّخْلَ لَنَخْلِي ، وَمَا لِأَبِي فِيهَا شَيْءٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَ الْمُدَّعَى قِصَاصًا أَوْ عَتَاقًا ، أَوْ حَدًّا ، أَوْ مَالًا يَبْلُغُ نِصَابًا غَلُظَتْ الْيَمِينُ ، فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، عَالَمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ .
وَقَالَ فِي الْقَسَامَةِ : عَالِمِ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا فِي أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ خَاصَّةً ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ إنْ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا } .
وَقَالَ تَعَالَى : { فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا } .
وَقَالَ تَعَالَى فِي اللِّعَانِ : { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لِمَنْ الصَّادِقِينَ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } .
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ : مَنْ أَقْسَمَ بِاَللَّهِ ، فَقَدْ أَقْسَمَ جَهْدَ الْيَمِينِ { .
وَاسْتَحْلَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ فِي الطَّلَاقِ ، فَقَالَ : آللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً } .
حَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكَنَدِيُّ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ .
قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ ، وَاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي غَصَبَنِيهَا .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ : تَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْته وَمَا بِهِ دَاءٌ تَعْلَمَهُ .
وَلِأَنَّ فِي اللَّهِ كِفَايَةً ، فَوَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِاسْمِهِ فِي الْيَمِينِ ، كَالْمَوْضِعِ الَّذِي سَلَّمُوهُ .
فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِحْلَافِ كَذَلِكَ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِاسْمِ اللَّهِ وَحْدَهُ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْبَاقُونَ فَتَحَكُّمٌ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا قِيَاسَ يَقْتَضِيه .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْيَمِينَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ جَمِيعًا بِاَللَّهِ تَعَالَى ، لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ بِغَيْرِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ } .
وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا ، فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } .
.

( 8431 ) فَصْلٌ : وَتُشْرَعُ الْيَمِينُ فِي حَقِّ كُلِّ مُدَّعَى عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا ، امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
وَرَوَى شَقِيقٌ ، عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ { : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَرْضٌ ، فَجَحَدَنِي ، فَقَدَّمْته إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَك بَيِّنَةٌ ؟ .
قُلْت : لَا .
قَالَ لِلْيَهُودِيِّ : احْلِفْ .
قُلْت : إذًا يَحْلِفُ ، فَيَذْهَبُ بِمَالِي .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } .
} إلَى آخِرِ الْآيَةِ .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ .
وَفِي حَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ ، قُلْت : إنَّهُ رَجُلٌ فَاجِرٌ ، لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .
قَالَ : { لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ } .

( 8432 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ يَهُودِيًّا ، قِيلَ لَهُ : قُلْ : وَاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى .
وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا ، قِيلَ لَهُ : قُلْ : وَاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى .
وَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَوَاضِعُ يُعَظِّمُونَهَا ، وَيَتَوَقَّوْنَ أَنْ يَحْلِفُوا فِيهَا كَاذِبِينَ ، حُلِّفُوا فِيهَا ) .
ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُغَلَّظُ إلَّا فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَلَا تُغَلَّظُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ .
وَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ .
وَوَجْهُ تَغْلِيظِهَا فِي حَقِّهِمْ ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي لِلْيَهُودِ - : { نَشَدْتُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ، مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى ؟ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيِّ : تُغَلَّظُ بِالْمَكَانِ ، فَيُحَلَّفُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُعَظِّمُهَا ، وَيَتَوَقَّى الْكَذِبَ فِيهَا .
وَلَمْ يَذْكُرْ التَّغْلِيظَ بِالزَّمَانِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ إنْ رَأَى التَّغْلِيظَ فِي الْيَمِينِ فِي اللَّفْظِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَلَهُ ذَلِكَ .
قَالَ : وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي .
وَذَكَرَ التَّغْلِيظَ فِي حَقِّ الْمَجُوسِيِّ ، قَالَ : فَيُقَالُ لَهُ : قُلْ : وَاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي .
وَإِنْ كَانَ وَثَنِيًّا حَلَّفَهُ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَا يَعْبُدُ اللَّهَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَلَّفَ بِغَيْرِ اللَّهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا ، فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ ، أَوْ لِيَصْمُت } .
وَلِأَنَّ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ يَعْتَدُّ هَذِهِ يَمِينًا ، فَإِنَّهُ يَزْدَادُ بِهَا إثْمًا وَعُقُوبَةً ، وَرُبَّمَا عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ ، فَيَتَّعِظُ بِذَلِكَ ، وَيَعْتَبِرُ بِهِ غَيْرُهُ .
وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْيَمِينِ ، وَإِنَّمَا لِلْحَاكِمِ فِعْلُهُ إذَا رَأَى .
وَمِمَّنْ قَالَ : يَسْتَحْلِفُ أَهْلَ الْكِتَابِ

بِاَللَّهِ وَحْدَهُ .
مَسْرُوقٌ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَطَاءٌ ، وَشُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ كَعْبِ بْنِ سَوْرٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .
وَمِمَّنْ قَالَ : لَا يُشْرَعُ التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فِي حَقِّ مُسْلِمٍ .
أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : تُغَلَّظُ .
ثُمَّ اخْتَلَفَا ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : يُحَلَّفُ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُحَلَّفُ قَائِمًا ، وَلَا يُحَلَّفُ قَائِمًا إلَّا عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَحْلِفُونَ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ ، وَلَا يُحَلَّفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إلَّا عَلَى مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ فَصَاعِدًا ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسْتَحْلَفُ الْمُسْلِمُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ بِمَكَّةَ ، وَفِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ فِي الْجَوَامِعِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، وَعِنْدَ الصَّخْرَةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَتُغَلَّظُ فِي الزَّمَانِ فِي الِاسْتِحْلَافِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَلَا تُغَلَّظُ فِي الْمَالِ إلَّا فِي نِصَابٍ فَصَاعِدًا ، وَتُغَلَّظُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : تُغَلَّظُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ .
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ } .
قِيلَ : أَرَادَ بَعْدَ الْعَصْرِ .
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } .
فَثَبَتَ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ تَأْكِيدُ الْيَمِينِ .
وَرَوَى مَالِكٌ ، قَالَ : اخْتَصَمَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ مُطِيعٍ ، فِي دَارٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا ، إلَى مَرْوَانِ بْنِ الْحَكَمِ ، فَقَالَ زَيْدٌ : أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي فَقَالَ مَرْوَانُ : لَا وَاَللَّهِ ، إلَّا

عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ .
قَالَ : فَجَعَلَ زَيْدٌ يَحْلِفُ أَنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ وَيَأْبَى أَنْ يَحْلِفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، فَجَعَلَ مَرْوَانُ يَعْجَبُ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا } .
وَلَمْ يَذْكُرْ مَكَانًا وَلَا زَمَنًا ، وَلَا زِيَادَةً فِي اللَّفْظِ .
وَاسْتَحْلَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُكَانَةَ فِي الطَّلَاقِ ، فَقَالَ : { آللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً ؟ .
قَالَ : آللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً } .
وَلَمْ يُغَلِّظْ يَمِينَهُ بِزَمَنٍ ، وَلَا مَكَان ، وَلَا زِيَادَةِ لَفْظٍ ، وَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
وَحَلَفَ عُمَرُ لِأَبِي حِينَ تَحَاكَمَا إلَى زَيْدٍ فِي مَكَانِهِ ، وَكَانَا فِي بَيْتِ زَيْدٍ .
وَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ : تَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْته وَمَا بِهِ دَاءٌ تَعْلَمُهُ ؟ وَفِيمَا ذَكَرُوهُ تَقْيِيدٌ لِمُطْلَقِ هَذِهِ النُّصُوصِ ، وَمُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ .
فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَا عَنْ الْخَلِيفَتَيْنِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ، مَعَ مَنْ حَضَرِهِمَا ، لَمْ يُنْكَرْ ، وَهُوَ فِي مَحَلِّ الشُّهْرَةِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .
وقَوْله تَعَالَى : { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } .
إنَّمَا كَانَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ ، وَهِيَ قَضِيَّةٌ خُولِفَ فِيهَا الْقِيَاسُ فِي مَوَاضِعَ ؛ مِنْهَا قَبُولُ شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْهَا اسْتِحْلَافُ الشَّاهِدَيْنِ ، وَمِنْهَا اسْتِحْلَافُ خُصُومِهِمَا عِنْدَ الْعُثُورِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمَا الْإِثْمَ ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِهَا أَصْلًا ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِهَا ؟ وَلَمَّا ذَكَرَ أَيْمَانَ الْمُسْلِمِينَ أَطْلَقَ الْيَمِينَ ، وَلَمْ يُقَيِّدْهَا .
وَالِاحْتِجَاجُ بِهَذَا أَوْلَى مِنْ الْمَصِيرِ إلَى مَا خُولِفَ فِيهِ الْقِيَاسُ وَتُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ .
وَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، إنَّمَا فِيهِ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ عَلَى الْحَالِفِ

عِنْدَهُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الِاسْتِحْلَافُ عِنْدَهُ .
وَأَمَّا قِصَّةُ مَرْوَانَ ، فَمِنْ الْعَجَبِ احْتِجَاجُهُمْ بِهَا ، وَذَهَابُهُمْ إلَى قَوْلِ مَرْوَانَ فِي قَضِيَّةٍ خَالَفَهُ زَيْدٌ فِيهَا ، وَقَوْلُ زَيْدٍ ، فَقِيهِ الصَّحَابَةِ وَقَاضِيهمْ وَأَفْرَضِهِمْ ، أَحَقُّ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ مِنْ قَوْلِ مَرْوَانَ ؛ فَإِنَّ قَوْلَ مَرْوَانَ لَوْ انْفَرَدَ ، مَا جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ، وَقَوْلِ أَئِمَّتِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ ، وَمُخَالَفَتِهِ فَعَلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِطْلَاقَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ وَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ .
وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ التَّغْلِيظَ بِالْمَكَانِ وَاللَّفْظِ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ ، لِاسْتِحْلَافِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ ، بِقَوْلِهِ : { نَشَدْتُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى } .
وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكِتَابِيَّيْنِ { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } .
وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ سُورٍ ، فِي نَصْرَانِيٍّ قَالَ : اذْهَبُوا بِهِ إلَى الْمَذْبَحِ ، وَاجْعَلُوا الْإِنْجِيلَ فِي حِجْرِهِ ، وَالتَّوْرَاةَ عَلَى رَأْسِهِ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ فِي نَصْرَانِيٍّ : اذْهَبْ بِهِ إلَى الْبِيعَةِ ، فَاسْتَحْلِفْهُ بِمَا يُسْتَحْلَفُ بِهِ مِثْلُهُ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ حُجَّةً تُوجِبُ أَنْ يُسْتَحْلَفَ فِي مَكَان بِعَيْنِهِ ، وَلَا بِيَمِينٍ غَيْرِ الَّذِي يُسْتَحْلَفُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ .
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ التَّغْلِيظَ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْأَلْفَاظِ غَيْرُ وَاجِبٍ ، إلَّا أَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ ذَكَرَ أَنَّ فِي وُجُوبِ التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ .
وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاصِّ ، فَقَالَ : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ الْقَاضِيَ حَيْثُ اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ وَبَلَدِ قَضَائِهِ ، جَازَ ، وَإِنَّمَا التَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ فِيهِ اخْتِيَارٌ فَيَكُونُ التَّغْلِيظُ عِنْدَ مَنْ رَآهُ

اخْتِيَارًا وَاسْتِحْسَانًا .

( 8433 ) فَصْلٌ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَمْ نَجِدْ أَحَدًا يُوجِبُ الْيَمِينَ بِالْمُصْحَفِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : رَأَيْتُهُمْ يُؤَكِّدُونَ بِالْمُصْحَفِ ، وَرَأَيْت ابْنَ مَازِنٍ ، وَهُوَ قَاضٍ بِصَنْعَاءَ ، يُغَلِّظُ الْيَمِينَ بِالْمُصْحَفِ .
قَالَ أَصْحَابُهُ : فَيُغَلِّظُ عَلَيْهِ بِإِحْضَارِ الْمُصْحَفِ ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ .
وَهَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَمِينِ ، وَفَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَقُضَاتُهُمْ ، مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا حُجَّةٍ يُسْتَنَدُ إلَيْهَا ، وَلَا يُتْرَكُ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ لِفِعْلِ ابْنِ مَازِنٍ وَلَا غَيْرِهِ .

( 8434 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَحْلِفُ الرَّجُلُ فِيمَا عَلَيْهِ عَلَى الْبَتِّ .
وَيَحْلِفُ الْوَارِثُ عَلَى دَيْنِ الْمَيِّتِ عَلَى الْعِلْمِ ) .
مَعْنَى الْبَتِّ : الْقَطْعُ .
أَيْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَالَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ .
وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْأَيْمَانَ كُلَّهَا عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ ، إلَّا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، فَإِنَّهَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ : كُلُّهَا عَلَى الْعِلْمِ .
وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ .
وَذَكَرَ أَحْمَدُ حَدِيثَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَضْطَرُّوا النَّاسَ فِي أَيْمَانِهِمْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ } .
وَلِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ مَا لَا عِلْمِ لَهُ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : كُلُّهَا عَلَى الْبَتِّ ، كَمَا يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَلَنَا ، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ : قُلْ : وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، مَا لَهُ عَلَيْك حَقٌّ } .
وَرَوَى الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، { أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ ، وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ ، اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَرْضٍ مِنْ الْيَمَنِ ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُو هَذَا ، وَهِيَ فِي يَدِهِ .
فَقَالَ : هَلْ لَك بَيِّنَةٌ ؟ .
قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ ، أُحَلِّفُهُ وَاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوهُ .
فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِحَاطَةُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِي فِعْلِ غَيْرِهِ ، فَافْتَرَقَا فِي الْيَمِينِ ، كَمَا افْتَرَقَتْ الشَّهَادَةُ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ بِالْقَطْعِ فِيمَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ فِيهِ مِنْ الْعُقُودِ ، وَعَلَى

الظَّنِّ فِيمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْقَطْعُ مِنْ الْأَمْلَاكِ وَالْأَنْسَابِ ، وَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فِيمَا لَا تُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِانْتِفَائِهِ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ .
وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، مَحْمُولٌ عَلَى الْيَمِينِ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ فِيمَا عَلَيْهِ عَلَى الْبَتِّ ، نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَ إثْبَاتًا ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ أَقَرَّ أَوْ بَاعَ ، وَيُقِيمَ شَاهِدًا بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ .
وَإِنْ كَانَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ جِنَايَةٌ ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ، لَا غَيْرُ .
وَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَتِّ كَفَاهُ ، وَكَانَ التَّقْدِيرُ فِيهِ الْعِلْمَ ، كَمَا فِي الشَّاهِدِ إذَا شَهِدَ بِعَدَدِ الْوَرَثَةِ ، وَقَالَ : لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرَهُمْ .
سُمِعَ ذَلِكَ ، وَكَانَ التَّقْدِيرُ فِيهِ عِلْمَهُ .
وَلَوْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّ عَبْدَهُ جَنَى أَوْ اسْتَدَانَ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَيَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، فَأَشْبَهَتْ يَمِينَ الْوَارِثِ عَلَى نَفْيِ الْمَوْرُوثِ .

( 8435 ) فَصْلٌ : قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : اخْتَلَفَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ بَاعَ سِلْعَةً ، فَظَهْرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ بِهَا ، وَأَنْكَرَهُ الْبَائِعُ ، هَلْ الْيَمِينُ عَلَى الْبَتَاتِ أَوْ عَلَى عِلْمِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
وَلَوْ أَبَقَ عَبْدُ الْمُشْتَرِي ، فَادَّعَى عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَهُ ، فَأَنْكَرَ ، هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَأْبِقْ قَطُّ ، أَوْ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ ، فَيَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَأْبِقْ قَطُّ .
وَوَجْهُ كَوْنِ الْيَمِينِ عَلَى عِلْمِهِ ، أَنَّهَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ عَبْدَهُ جَنَى .
وَوَجْهُ الْأُخْرَى ، أَنَّهُ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَهُ مَعِيبًا ، يَسْتَحِقُّ بِهِ رَدَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ عَلَى الْبَتِّ ، كَمَا لَوْ كَانَ إثْبَاتًا .

( 8436 ) فَصْلٌ : وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ هُوَ فِيهَا صَادِقٌ ، أَوْ تَوَجَّهَتْ لَهُ ، أُبِيحَ لَهُ الْحَلِفُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ إثْمٍ وَلَا غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ الْيَمِينَ ، وَلَا يَشْرَعُ مُحَرَّمًا .
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْحَقِّ ، فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ .
وَحَلَفَ عُمَرُ لِأَبِي عَلَى نَخِيلٍ ، ثُمَّ وَهَبَهُ لَهُ ، وَقَالَ : خِفْت إنْ لَمْ أَحْلِفْ أَنْ يَمْتَنِعَ النَّاسُ مِنْ الْحَلِفِ عَلَى حُقُوقِهِمْ ، فَتَصِيرَ سُنَّةً .
قَالَ حَنْبَلٌ : بُلِيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِنَحْوِ هَذَا ، جَاءَ إلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ ، فَقَالَ : لِي قِبَلَك حَقٌّ مِنْ مِيرَاثِ أَبِي ، وَأُطَالِبُك بِالْقَاضِي ، وَأُحَلِّفُك .
فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : مَا تَرَى ؟ قَالَ : أَحْلِفُ لَهُ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِبَلِي حَقٌّ ، وَأَنَا غَيْرُ شَاكٍّ فِي ذَلِكَ حَلَفْت لَهُ ، وَكَيْفَ لَا أَحْلِفُ ، وَعُمَرُ قَدْ حَلَفَ ، وَأَنَا مَنْ أَنَا ؟ وَعَزَمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْيَمِينِ ، فَكَفَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَرَجَعَ الْغُلَامُ عَنْ تِلْكَ الْمُطَالَبَةِ .
وَاخْتُلِفَ فِي الْأَوْلَى ، فَقَالَ قَوْمٌ : الْحَلِفُ أَوْلَى مِنْ افْتِدَاءِ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ حَلَفَ ؛ وَلِأَنَّ فِي الْحَلِفِ فَائِدَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، حِفْظُ مَالِهِ عَنْ الضَّيَاعِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَتِهِ .
وَالثَّانِيَةُ ، تَخْلِيصُ أَخِيهِ الظَّالِمِ مِنْ ظُلْمِهِ ، وَأَكْلِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقِّهِ ، وَهَذَا مِنْ نَصِيحَتِهِ وَنُصْرَتِهِ بِكَفِّهِ عَنْ ظُلْمِهِ ، وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَحْلِفَ وَيَأْخُذَ حَقَّهُ .
وَقَالَ أَصْحَابُنَا : الْأَفْضَلُ افْتِدَاءُ يَمِينِهِ ؛ فَإِنَّ عُثْمَانَ افْتَدَى يَمِينَهُ ، وَقَالَ : خِفْت أَنْ تُصَادِفَ قَدْرًا ، فَيُقَالَ حَلَفَ فَعُوقِبَ ، أَوْ هَذَا شُؤْمُ يَمِينِهِ .
وَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ حُذَيْفَةَ عَرَفَ جَمَلًا سُرِقَ لَهُ ، فَخَاصَمَ فِيهِ إلَى قَاضِي الْمُسْلِمِينَ ، فَصَارَتْ الْيَمِينُ عَلَى

حُذَيْفَةَ فَقَالَ : لَك عَشْرَةُ دَرَاهِمَ .
فَأَبَى ، فَقَالَ لَك عِشْرُونَ ، فَأَبَى ، فَقَالَ : لَك ثَلَاثُونَ .
، فَأَبَى ، فَقَالَ : لَك أَرْبَعُونَ .
فَأَبَى ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : أَتُرَانِي أَتْرُكُ جَمَلِي ؟ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ .
وَلِأَنَّ فِي الْيَمِينِ عِنْدَ الْحَاكِمِ تَبَذُّلًا ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يُصَادِفَ قَدَرًا ، فَيُنْسَبَ إلَى الْكَذِبِ ، وَأَنَّهُ عُوقِبَ بِحَلِفِهِ كَاذِبًا ، وَفِي ذَهَابِ مَالِهِ لَهُ أَجْرٌ ، وَلَيْسَ هَذَا تَضْيِيعًا لِلْمَالِ ، فَإِنَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَيَغْرَمُهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ .
وَأَمَّا عُمَرُ ، فَإِنَّهُ خَافَ الِاسْتِنَانَ بِهِ ، وَتَرْكَ النَّاسِ الْحَلِفَ عَلَى حُقُوقِهِمْ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ ، لَمَا حَلَفَ ، وَهَذَا أَوْلَى ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

( 8437 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْحَلِفُ الْكَاذِبُ لِيَقْتَطِعَ بِهِ مَالِ أَخِيهِ ، فَفِيهِ إثْمٌ كَبِيرٌ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ عَلَيْهِ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
قَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، كَانَ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي ، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " بَيِّنَتُك ، أَوْ يَمِينُهُ " .
قُلْت : إذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ } .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْكِنْدِيِّ { لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا ، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ } .
وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ : أَنَّ يَمِينَ الْغَمُوسِ تَذَرُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ .
وَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُخَوِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ ، وَيَقْرَأَ عَلَيْهِ الْآيَةَ وَالْأَخْبَارَ .

( 8438 ) فَصْلٌ : وَمِنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ بِهِ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ .
وَبِهَذَا قَالَ الْمُزَنِيّ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } .
وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ بِهِ فِي الْحَالِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ إلَيْهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَهُوَ حَقٌّ لَهُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ ، لَمْ يَجِبْ إنْظَارُهُ بِهِ .

( 8439 ) فَصْلٌ : وَيَمِينُ الْحَالِفِ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ ، فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ غَصَبَهُ ، أَوْ اسْتَوْدَعَهُ وَدِيعَةً ، أَوْ اقْتَرَضَ مِنْهُ ، نَظَّرْنَا فِي جَوَابِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ فَإِنْ قَالَ : مَا غَصَبْتُك ، وَلَا اسْتَوْدَعْتنِي ، وَلَا أَقْرَضْتنِي .
كُلِّفَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ .
فَإِنْ قَالَ : مَالَكَ عَلَيَّ حَقٌّ ، أَوْ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا ، أَوْ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَيْته ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ .
كَانَ جَوَابًا صَحِيحًا .
وَلَا يُكَلَّفُ الْجَوَابَ عَنْ الْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ وَالْقَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَصَبَ مِنْهُ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَوْ كُلِّفَ فَجَحَدَ ذَلِكَ كَانَ كَاذِبًا ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ ، ثُمَّ ادَّعَى الرَّدَّ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، فَإِذَا طُلِبَ مِنْهُ الْيَمِينُ ، حَلَفَ عَلَى حَسَبِ مَا أَجَابَ .
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّنِي ابْتَعْت مِنْك الدَّارَ الَّتِي فِي يَدِك ، فَأَنْكَرَهُ ، وَطَلَبَ يَمِينَهُ ، نَظَرْنَا فِي جَوَابِهِ ؛ فَإِنْ أَجَابَ بِأَنَّك لَا تَسْتَحِقُّهَا .
حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا ابْتَاعَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبْتَاعُهَا مِنْهُ ثُمَّ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ .
وَإِنْ أَجَابَ بِأَنَّك لَمْ تَبْتَعْهَا مِنِّي .
حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ ، فَأَنْكَرَهُ ، هَلْ يَحْلِفُ : مَا أَوْدَعْتنِي ؟ قَالَ : إذَا حَلَفَ : مَالَكَ عِنْدِي شَيْءٌ ، وَلَا لَك فِي يَدِي شَيْءٌ .
فَهُوَ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَلِفُ عَلَى حَسَبِ الْجَوَابِ ، وَأَنَّهُ مَتَى حَلَفَ : مَالَكَ قِبَلِي حَقٌّ .
بَرِئَ بِذَلِكَ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .

( 8440 ) فَصْلٌ : وَلَا تَدْخُلُ الْيَمِينَ النِّيَابَةُ ، وَلَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عَنْ غَيْرِهِ ، فَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا ، لَمْ يُحْلَفْ عَنْهُ وَوُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ وَيَعْقِلَ الْمَجْنُونُ ، وَلَمْ يَحْلِفْ عَنْهُ وَلِيُّهُ .
وَلَوْ ادَّعَى الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ حَقًّا ، أَوْ ادَّعَاهُ الْوَصِيَّ أَوْ الْأَمِينُ لَهُ ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ .
وَمَنْ لَمْ يَرَ الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ ، وَرَأَى رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي ؛ لَمْ يَحْلِفْ الْوَلِيُّ عَنْهُمَا ، وَلَكِنْ تَقِفُ الْيَمِينُ ، وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ مَحْضَرًا بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .
وَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْعَبْدِ دَعْوَى ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَبْدِ فِيهَا عَلَى نَفْسِهِ ، كَالْقِصَاصِ ، وَالطَّلَاقِ ، وَالْقَذْفِ ، فَالْخُصُومَةُ مَعَهُ دُونَ سَيِّدِهِ .
فَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي هَذَا .
أَحْلِفْ الْعَبْدُ دُونَ سَيِّدِهِ ، وَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَحْلِفْ غَيْرُهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَبْدِ فِيهِ ، كَإِتْلَافِ مَالٍ ، أَوْ جِنَايَةٍ تُوجِبُ الْمَالَ ، فَالْخَصْمُ السَّيِّدُ ، وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَحْلِفُ الْعَبْدُ فِيهَا بِحَالٍ .

( 8441 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَكَلَ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَنْهَا ، وَقَالَ : لِي بَيِّنَةٌ أُقِيمُهَا ، أَوْ حِسَابٌ أَسْتَثْبِتُهُ ، لِأَحْلِفَ عَلَى مَا أَتَيَقَّنُ .
فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ لَا يُمْهَلُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ جُعِلَ نَاكِلًا .
وَقِيلَ : لَا يَكُونُ ذَلِكَ نُكُولًا ، وَيُمْهَلُ مُدَّةً قَرِيبَةً .
وَإِنْ قَالَ : مَا أُرِيدُ أَنْ أَحْلِفَ .
أَوْ سَكَتَ ، فَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا نَظَرْنَا فِي الْمُدَّعَى ؛ فَإِنْ كَانَ مَالًا أَوْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالَ ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ ، وَلَمْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ : أَنَا لَا أَرَى رَدَّ الْيَمِينِ ، إنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِلَّا دَفَعَ إلَيْهِ حَقَّهُ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّ لَهُ رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي ، إنْ رَدَّهَا حَلَفَ الْمُدَّعِي ، وَحُكِمَ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ .
قَالَ وَقَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : مَا هُوَ بِبَعِيدٍ ، يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ .
: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمَالِكٌ فِي الْمَالِ خَاصَّةً .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ } .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا نَكَلَ ظَهَرَ صِدْقُ الْمُدَّعِي ، وَقَوِيَ جَانِبُهُ ، فَتُشْرَعُ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ ، كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ نُكُولِهِ ، وَكَالْمُدَّعِي إذَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، وَلِأَنَّ النُّكُولَ قَدْ يَكُونُ لَجَهْلِهِ بِالْحَالِ ، وَتَوَرُّعِهِ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى مَا لَا يَتَحَقَّقُهُ ، أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ عَاقِبَةِ الْيَمِينِ ، أَوْ تَرَفُّعًا عَنْهَا ، مَعَ عِلْمِهِ بِصِدْقِهِ فِي إنْكَارِهِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ بِنُكُولِهِ صِدْقُ الْمُدَّعِي ، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ لَهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، فَإِذَا حَلَفَ كَانَتْ يَمِينُهُ دَلِيلًا عِنْدَ عَدَمِ مَا

هُوَ أَقْوَى مِنْهَا ، كَمَا فِي مَوْضِعِ الْوِفَاقِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا أَدْعُهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
فَحَصَرَهَا فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
فَجَعَلَ جِنْسَ الْيَمِينِ فِي جَنْبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، كَمَا جَعَلَ جِنْسَ الْبَيِّنَةِ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي .
وَقَالَ أَحْمَدُ : قَدِمَ ابْنُ عُمَرَ إلَى عُثْمَانَ فِي عَبْدٍ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ : احْلِفْ أَنَّك مَا بِعْته وَبِهِ عَيْبٌ عَلِمْته .
فَأَبَى ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ ، فَرَدَّ الْعَبْدَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي .
وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ فِي الْمَالِ ، فَحُكِمَ فِيهَا بِالنُّكُولِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، فَوَجَدَ الْإِمَامُ فِي دَفْتَرِهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إنْسَانٍ ، فَطَالَبَهُ بِهِ ، فَأَنْكَرَهُ ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْيَمِينَ ، فَأَنْكَرَهُ ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُرَدُّ .
وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا ، أَنَّهُ يُقْضَى بِالنُّكُولِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، يُحْبَسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، حَتَّى يُقِرَّ ، أَوْ يَحْلِفَ .
وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ وَصَّى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ ، وَنَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ ، قُضِيَ عَلَيْهِمْ .
وَالْخَبَرُ لَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ ، وَمُخَالَفَةُ ابْنِ عُمَرَ لَهُ فِي الْقِصَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَلَا رَدَّهَا عُثْمَانُ .
فَعَلَى هَذَا ، إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ ، قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ : إنْ حَلَفْت ، وَإِلَّا قَضَيْت عَلَيْك .
ثَلَاثًا ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا قَضَى عَلَيْهِ .
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، يَقُولُ لَهُ : لَك رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي .
فَإِنْ رَدَّهَا ، حَلَفَ ، وَقُضِيَ لَهُ ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ ، سُئِلَ عَنْ سَبَبِ نُكُولِهِ ، فَإِنْ

قَالَ : لِي بَيِّنَةٌ أُقِيمُهَا ، أَوْ حِسَابٌ أَسْتَثْبِتُهُ ، لِأَحْلِفَ عَلَى مَا أَتَيَقَّنُهُ .
أَخَّرَتْ الْحُكُومَةُ .
وَإِنْ قَالَ : مَا أُرِيدُ أَنْ أَحْلِفَ .
سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْيَمِينِ ، فَلَوْ بَذَلَهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بَعْدَ هَذَا ، لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ ، إلَى أَنْ يَعُودَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ ، ثُمَّ بَذَلَهَا ، سُمِعَتْ مِنْهُ ، فَلِمَ مَنَعْتُمْ سَمَاعَهَا هَاهُنَا ؟ قُلْنَا : الْيَمِينُ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هِيَ الْأَصْلُ ، فَمَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا ، أَوْ بَذَلَهَا ، وَجَبَ قَبُولُهَا ، وَالْمَصِيرُ إلَيْهَا ، كَالْمُبْدَلَاتِ مَعَ أَبْدَالِهَا ، وَأَمَّا يَمِينُ الْمُدَّعِي ، فَهِيَ بَدَلٌ ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا ، لَمْ يَنْتَقِلْ الْحَقُّ إلَى غَيْرِهِ ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا ، سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا ؛ لِضَعْفِهَا .
وَأَمَّا إذَا حَلَفَ ، وَقُضِيَ لَهُ ، فَعَادَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَبَذَلَ الْيَمِينَ ، لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ ، وَهَكَذَا لَوْ بَذَلَهَا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ ، لَمْ يُسْمَعْ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ ، فَلَا يُنْقَضُ ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ .
فَأَمَّا غَيْرُ الْمَالِ ، وَمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، فَلَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْقِصَاصِ .
وَنُقِلَ عَنْهُ ، فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَهُ ، فَقَالَ : اسْتَحْلِفُوهُ ، فَإِنْ قَالَ : لَا أَحْلِفُ .
أُقِيمَ عَلَيْهِ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا بِالنُّكُولِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ ، وَالْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقْضِي بِالنُّكُولِ فِي الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ .
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ ؛ لِأَنَّ هَذَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَأَشْبَهَ النَّوْعَ الْآخَرَ .
فَعَلَى هَذَا ، مَا يُصْنَعُ بِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُخْلَى سَبِيلُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ ،

وَتَكُونُ فَائِدَةُ شَرْعِيَّةِ الْيَمِينِ الرَّدْعَ وَالزَّجْرَ .
وَالثَّانِي ، يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ .
وَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ الْمَرْأَةُ إذَا نَكَلَتْ عَنْ اللِّعَانِ .

( 8442 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
أُعِيدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُزِيلُ حُكْمَ الْيَمِينِ .
وَكَذَلِكَ إنْ وَصَلَ يَمِينَهُ بِشَرْطٍ أَوْ كَلَامٍ غَيْرِ مَفْهُومٍ .
وَإِنْ حَلَفَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ الْحَاكِمُ ، أُعِيدَتْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِمَا حَلَفَ قَبْلَ الِاسْتِحْلَافِ .
وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ الْمُدَّعِي اسْتِحْلَافَهُ ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا .

( 8443 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا ، أَوْ حَقًّا ، فَقَالَ : قَدْ أَبْرَأْتنِي مِنْهُ ، أَوْ اسْتَوْفَيْته مِنِّي .
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الْإِبْرَاءَ وَالِاسْتِيفَاءَ مَعَ يَمِينِهِ ، وَيَكْفِيه أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ - وَيُسَمِّيه تَسْمِيَةً يَصِيرُ بِهَا مَعْلُومًا - مَا بَرِئَتْ ذِمَّتُك مِنْهُ ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، أَوْ مَا بَرِئَتْ ذِمَّتك مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ .
وَإِنْ ادَّعَى اسْتِيفَاءَهُ ، أَوْ الْبَرَاءَةَ بِجِهَةٍ مَعْلُومَةٍ ، حَلَفَ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ وَحْدَهَا ، وَكَفَاهُ .

( 8444 ) فَصْلٌ : وَالْحُقُوقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا هُوَ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ .
وَالثَّانِي ، مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى .
فَحَقُّ الْآدَمِيِّ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا هُوَ مَالٌ ، أَوْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ ، فَهَذَا تُشْرَعُ فِيهِ الْيَمِينُ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَبَرِئَ .
وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا فِي قِصَّةِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ اللَّذَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْأَرْضِ ، وَعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
الْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا لَيْسَ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ ، وَهُوَ كُلُّ مَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ؛ كَالْقِصَاصِ ، وَحَدِّ الْقَذْفِ ، وَالنِّكَاحِ ، وَالطَّلَاقِ ، وَالرَّجْعَةِ ، وَالْعِتْقِ ، وَالنَّسَبِ ، وَالِاسْتِيلَادِ ، وَالْوَلَاءِ ، وَالرِّقِّ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَلَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ .
قَالَ أَحْمَدُ : لَمْ أَسْمَعْ مَنْ مَضَى جَوَّزُوا الْأَيْمَانَ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَالْعُرُوضِ خَاصَّةً .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَسْتَحْلِفُ فِي النِّكَاحِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ دَعْوَى الرَّجْعَةِ وَالْفَيْئَةِ فِي الْإِيلَاءِ ، وَلَا فِي الرِّقِّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الِاسْتِيلَادِ وَالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يَدْخُلُهَا الْبَدَلُ ، وَإِنَّمَا تُعْرَضُ الْيَمِينُ فِيمَا يَدْخُلُهُ الْبَدَلُ ؛ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ أَوْ يُسَلِّمَ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ذَكَرَيْنِ ، فَلَا تُعْرَضُ فِيهَا الْيَمِينُ كَالْحُدُودِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَسْتَحْلِفُ فِي الطَّلَاقِ ، وَالْقِصَاصِ ، وَالْقَذْفِ .
وَقَالَ الْخِرَقِيِّ : إذَا قَالَ : ارْتَجَعْتُك .
فَقَالَتْ : انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِك .
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا .
وَإِذَا اُخْتُلِفَ فِي

مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .
فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا ، أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
وَهَذَا عَامٌ فِي كُلِّ مُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي دَعْوَى الدِّمَاءِ ؛ لِذِكْرِهَا فِي الدَّعْوَى مَعَ عُمُومِ الْأَحَادِيثِ ، وَلِأَنَّهَا دَعْوَى صَحِيحَةٌ فِي حَقٍّ لِآدَمِيٍّ ، فَجَازَ أَنْ يَحْلِفَ فِيهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، كَدَعْوَى الْمَالِ .
الضَّرْبُ الثَّانِي ، حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهِيَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْحُدُودُ ، فَلَا تُشْرَعُ فِيهَا يَمِينٌ .
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ ، قُبِلَ مِنْهُ ، وَخُلِّيَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ، فَلَأَنْ لَا يَسْتَحْلِفَ مَعَ عَدَمِ الْإِقْرَارِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ ، وَالتَّعْرِيضُ لِلْمُقِرِّ بِهِ ، بِالرُّجُوعِ عَنْ إقْرَارِهِ ، وَلِلشُّهُودِ بِتَرْكِ الشَّهَادَةِ وَالسَّتْرِ عَلَيْهِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَزَّالٍ ، فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ : { يَا هَزَّالُ ، لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِك ، لَكَانَ خَيْرًا لَك } .
فَلَا تُشْرَعُ فِيهِ يَمِينٌ بِحَالٍ .
النَّوْعُ الثَّانِي ، الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ ، كَدَعْوَى السَّاعِي الزَّكَاةَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، وَأَنَّ الْحَوْلَ قَدْ تَمَّ وَكَمُلَ النِّصَابُ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ ، مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ، وَلَا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَسْتَحْلِفُ ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى مَسْمُوعَةٌ ، أَشْبَهَ حَقَّ الْآدَمِيِّ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، أَشْبَهَ الْحَدَّ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ ، فَلَا يَسْتَحْلِفُ عَلَيْهَا كَالصَّلَاةِ .
وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ ، أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ ، أَوْ

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71