الكتاب : المغني
المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي

( 5335 ) فَصْلٌ : فِي مَنْ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ مِنْ الْأَجَانِبِ .
وَيُبَاحُ لِلطَّبِيبِ النَّظَرُ إلَى مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ بَدَنِهَا ، مِنْ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا ، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ ، وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَكَّمَ سَعْدًا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ كَانَ يَكْشِفُ عَنْ مُؤْتَزَرِهِمْ } وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ أُتِيَ بِغُلَامٍ قَدْ سَرَقَ ، فَقَالَ : اُنْظُرُوا إلَى مُؤْتَزَرِهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ أَنْبَتَ الشَّعْرَ ، فَلَمْ يَقْطَعْهُ وَلِلشَّاهِدِ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا ، لِتَكُونَ الشَّهَادَةُ وَاقِعَةً عَلَى عَيْنِهَا قَالَ أَحْمَدُ : لَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا وَإِنْ عَامَلَ امْرَأَةً فِي بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ .
فَلَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا ، لِيَعْلَمَهَا بِعَيْنِهَا ، فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا بِالدَّرَكِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الشَّابَّةِ دُونَ الْعَجُوزِ .
وَلَعَلَّهُ كَرِهَهُ لِمَنْ يَخَافُ الْفِتْنَةَ ، أَوْ يَسْتَغْنِي عَنْ الْمُعَامَلَةِ ، فَأَمَّا مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِ الشَّهْوَةِ ، فَلَا بَأْسَ .

( 5336 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا نَظَرُ الرَّجُلِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ، فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ إلَى جَمِيعِهَا ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ .
قَالَ أَحْمَدُ : لَا يَأْكُلُ مَعَ مُطَلَّقَتِهِ ، هُوَ أَجْنَبِيٌّ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا ، كَيْفَ يَأْكُلُ مَعَهَا يَنْظُرُ إلَى كَفِّهَا ؟ ، لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَى مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ ، وَيُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ إذَا أَمِنَ الْفِتْنَةَ ، وَنَظَرَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ وَرَوَتْ عَائِشَةُ { أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِيَابٍ رِقَاقٍ ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا ، وَقَالَ : يَا أَسْمَاءُ ، إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ } رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَغَيْرُهُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ، فَلَمْ يَحْرُمْ النَّظَرُ إلَيْهِ بِغَيْرِ رِيبَةٍ ، كَوَجْهِ الرَّجُلِ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ } { وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : كُنْت قَاعِدَةً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَحَفْصَةُ فَاسْتَأْذَنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجِبْنَ مِنْهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد { وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْهُ الْخَثْعَمِيَّةُ تَسْتَفْتِيهِ ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إلَيْهِ ، فَصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَهُ عَنْهَا } وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ

اللَّهِ ، قَالَ { سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفُجَاءَةِ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي } حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ ، فَإِنَّمَا لَك الْأُولَى ، وَلَيْسَتْ لَك الْآخِرَةُ } رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَفِي إبَاحَةِ النَّظَرِ إلَى الْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ ، إذْ لَوْ كَانَ مُبَاحًا عَلَى الْإِطْلَاقِ ، فَمَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ لِهَذِهِ ؟ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ إنْ صَحَّ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ ، فَنَحْمِلُهُ عَلَيْهِ .
( 5337 ) فَصْلٌ : وَالْعَجُوزُ الَّتِي لَا يُشْتَهَى مِثْلُهَا ، لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهَا غَالِبًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا } الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } الْآيَةَ قَالَ : فَنَسَخَ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ : { وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا } الْآيَةَ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الشَّوْهَاءُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى .

( 5338 ) فَصْلٌ : وَالْأَمَةُ يُبَاحُ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا ، كَالْوَجْهِ ، وَالرَّأْسِ ، وَالْيَدَيْنِ ، وَالسَّاقَيْنِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى أَمَةً مُتَلَثِّمَةً فَضَرَبَهَا بِالدِّرَّةِ وَقَالَ : يَا لَكَاعِ ، تَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ .
وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَدَعُ أَمَةً تَقَنَّعُ فِي خِلَافَتِهِ ، وَقَالَ : إنَّمَا الْقِنَاعُ لِلْحَرَائِرِ .
وَلَوْ كَانَ نَظَرُ ذَلِكَ مِنْهَا مُحَرَّمًا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ سَتْرِهِ ، بَلْ أَمَرَ بِهِ وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَخَذَ صَفِيَّةَ قَالَ النَّاسُ : لَا نَدْرِي ، أَجَعَلَهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَمْ أُمَّ وَلَدٍ ؟ فَقَالُوا : إنْ حَجَبَهَا فَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ .
فَلَمَّا رَكِبَ ، وَطَّأَ لَهَا خَلْفَهُ ، وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَدَمَ حَجْبِ الْإِمَاءِ كَانَ مُسْتَفِيضًا بَيْنَهُمْ مَشْهُورًا ، وَأَنَّ الْحَجْبَ لِغَيْرِهِنَّ كَانَ مَعْلُومًا .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يُبَاحُ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ، وَهُوَ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ وَسَوَّى بَعْضُ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } الْآيَةَ ؛ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ الْخَوْفُ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالْفِتْنَةُ الْمَخُوفَةُ تَسْتَوِي فِيهَا الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ ، فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ حُكْمٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَمْرِ الطَّبِيعِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ ، وَيُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا فِيمَا ذَكَرُوهُ افْتَرَقَا فِي الْحُرْمَةِ ، وَفِي مَشَقَّةِ السَّتْرِ ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْأَمَةُ جَمِيلَةً يُخَافُ الْفِتْنَةُ بِهَا ، حَرُمَ النَّظَرُ إلَيْهَا ، كَمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْغُلَامِ الَّذِي تُخْشَى الْفِتْنَةُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي الْأَمَةِ إذَا كَانَتْ جَمِيلَةً : تَنْتَقِبُ ، وَلَا

يُنْظَرُ إلَى الْمَمْلُوكَةِ ، كَمْ مِنْ نَظْرَةٍ أَلْقَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا الْبَلَابِلَ .

( 5339 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الطِّفْلَةُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلنِّكَاحِ ، فَلَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ فِي رَجُلٍ يَأْخُذُ الصَّغِيرَةَ فَيَضَعُهَا فِي حِجْرِهِ ، وَيُقَبِّلُهَا : فَإِنْ كَانَ يَجِدُ شَهْوَةً فَلَا ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، فَلَا بَأْسَ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْمَدِينِيِّ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ أَرْسَلَ بِابْنَةٍ لَهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ مَوْلَاةٍ لَهُ ، فَأَخَذَهَا عُمَرُ بِيَدِهِ ، وَقَالَ : ابْنَةُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ .
فَتَحَرَّكَتْ الْأَجْرَاسُ مِنْ رِجْلِهَا فَأَخَذَهَا عُمَرُ فَقَطَعَهَا ، وَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَعَ كُلِّ جَرَسٍ شَيْطَانٌ } فَأَمَّا إذَا بَلَغَتْ حَدًّا تَصْلُحُ لِلنِّكَاحِ .
كَابْنَةِ تِسْعٍ ، فَإِنَّ عَوْرَتَهَا مُخَالِفَةٌ لِعَوْرَةِ الْبَالِغَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ } فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ، كَقَوْلِنَا فِي الْغُلَامِ الْمُرَاهِقِ مَعَ النِّسَاءِ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : دَخَلَتْ عَلَيَّ ابْنَةُ أَخِي مُزَيَّنَةً ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْرَضَ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي وَجَارِيَةٌ فَقَالَ { : إذَا عَرَكَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تُظْهِرَ إلَّا وَجْهَهَا وَإِلَّا مَا دُونَ هَذَا وَقَبَضَ عَلَى ذِرَاعِ نَفْسِهِ ، فَتَرَكَ بَيْنَ قَبْضَتِهِ وَبَيْنَ الْكَفِّ مِثْلَ قَبْضَةٍ أُخْرَى أَوْ نَحْوِهَا } وَذَكَرَ حَدِيثَ أَسْمَاءَ { : إذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ } وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَتَخْصِيصُ الْحَائِضِ بِهَذَا التَّحْدِيدِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهَا .

( 5340 ) فَصْلٌ : وَمَنْ ذَهَبَتْ شَهْوَتُهُ مِنْ الرِّجَالِ ، لِكِبَرٍ ، أَوْ عُنَّةٍ ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، أَوْ الْخَصِيُّ ، أَوْ الشَّيْخُ ، أَوْ الْمُخَنَّثُ الَّذِي لَا شَهْوَةَ لَهُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ ذِي الْمَحْرَمِ فِي النَّظَرِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ } أَيْ : غَيْرِ أُولِي الْحَاجَةِ إلَى النِّسَاءِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ الَّذِي لَا تَسْتَحِي مِنْهُ النِّسَاءُ وَعَنْهُ : هُوَ الْمُخَنَّثُ الَّذِي لَا يَقُومُ زُبُّهُ وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ الَّذِي لَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ فَإِنْ كَانَ الْمُخَنَّثُ ذَا شَهْوَةٍ .
وَيَعْرِفُ أَمْرَ النِّسَاءِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : { دَخَلَ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَنَّثٌ ، فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً ، أَنَّهَا إذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا هَاهُنَا ؟ لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا فَحَجَبُوهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَ الْمُخَنَّثُ الَّذِي تُعْرَفُ فِيهِ الْفَاحِشَةُ خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا التَّخْنِيثُ شِدَّةُ التَّأْنِيثِ فِي الْخِلْقَةِ ، حَتَّى يُشْبِهَ الْمَرْأَةَ فِي اللِّينِ ، وَالْكَلَامِ ، وَالنَّظَرِ ، وَالنَّغْمَةِ ، وَالْعَقْلِ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي النِّسَاءِ إرْبٌ ، وَكَانَ لَا يَفْطِنُ لِأُمُورِ النِّسَاءِ ، وَهُوَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ الَّذِينَ أُبِيحَ لَهُمْ الدُّخُولُ عَلَى النِّسَاءِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْمُخَنَّثَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى نِسَائِهِ ، فَلَمَّا سَمِعَهُ يَصِفُ ابْنَةَ غَيْلَانَ ، وَفَهِمَ أَمْرَ النِّسَاءِ ، أَمَرَ بِحَجْبِهِ ؟ .

( 5341 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّظَرُ مِنْ صَاحِبِهِ إلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَفِي حَدِّهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا : مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ .
وَالْأُخْرَى : الْفَرْجَانِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَدِ وَذِي اللِّحْيَةِ ، إلَّا أَنَّ الْأَمْرَدَ إنْ كَانَ جَمِيلًا ، يُخَافُ الْفِتْنَةُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ تَعَمُّدُ النَّظَرِ إلَيْهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : { قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَمْرُدُ ، ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ ، فَأَجْلَسَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ } رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ .
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ الْأَعْيَنَ يَقُولُ : قَدِمَ عَلَيْنَا إنْسَانٌ مِنْ خُرَاسَانَ ، صَدِيقٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، وَمَعَهُ غُلَامٌ ابْنُ أُخْتٍ لَهُ ، وَكَانَ جَمِيلًا ، فَمَضَى إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَحَدَّثَهُ ، فَلَمَّا قُمْنَا خَلَا بِالرَّجُلِ ، وَقَالَ لَهُ : مَنْ هَذَا الْغُلَامُ مِنْك ؟ قَالَ : ابْنُ أُخْتِي .
قَالَ : إذَا جِئْتنِي لَا يَكُونُ مَعَك ، وَاَلَّذِي أَرَى لَك أَنْ لَا يَمْشِيَ مَعَك فِي طَرِيقٍ .
فَأَمَّا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ سَبْعًا فَلَا عَوْرَةَ لَهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَجَاءَ الْحَسَنُ فَجَعَلَ يَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ فَوَقَعَ مُقَدَّمُ قَمِيصِهِ ، أَرَاهُ قَالَ : فَقَبَّلَ زَبِيبَتَهُ .
} رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ .

( 5342 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ حُكْمُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ سَوَاءٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمَتَيْنِ ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ ، كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ ، فِي النَّظَرِ .
قَالَ أَحْمَدُ : ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّهَا لَا تَضَعُ خِمَارَهَا عِنْدَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ ، وَأَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إلَى أَنَّهَا لَا تَنْظُرُ إلَى الْفَرْجِ ، وَلَا تَقْبَلُهَا حِينَ تَلِدُ .
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا تَكْشِفُ قِنَاعَهَا عِنْدَ الذِّمِّيَّةِ ، وَلَا تَدْخُلُ مَعَهَا الْحَمَّامَ .
وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى { : أَوْ نِسَائِهِنَّ } وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ الْكَوَافِرَ مِنْ الْيَهُودِيَّاتِ وَغَيْرِهِنَّ ، قَدْ كُنَّ يَدْخُلْنَ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكُنَّ يَحْتَجِبْنَ ، وَلَا أُمِرْنَ بِحِجَابٍ وَقَدْ { قَالَتْ عَائِشَةُ : جَاءَتْ يَهُودِيَّةٌ تَسْأَلُهَا ، فَقَالَتْ : أَعَاذَك اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
} وَقَالَتْ أَسْمَاءُ : { قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي ، وَهِيَ رَاغِبَةٌ - يَعْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ - فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصِلُهَا ؟ قَالَ نَعَمْ } ؛ وَلِأَنَّ الْحَجْبَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِمَعْنًى لَا يُوجَدُ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْحَجْبُ بَيْنَهُمَا ، كَالْمُسْلِمِ مَعَ الذِّمِّيِّ ؛ وَلِأَنَّ الْحِجَابَ إنَّمَا يَجِبُ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَأَمَّا قَوْلُهُ { : أَوْ نِسَائِهِنَّ } فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ جُمْلَةَ النِّسَاءِ .

( 5343 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا : لَهَا النَّظَرُ إلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ .
وَالْأُخْرَى : لَا يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ مِنْ الرَّجُلِ إلَّا إلَى مِثْلِ مَا يَنْظُرُ إلَيْهِ مِنْهَا .
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ نَبْهَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : { كُنْت قَاعِدَةً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَحَفْصَةُ فَاسْتَأْذَنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْتَجِبْنَ مِنْهُ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ ضَرِيرٌ لَا يُبْصِرُ قَالَ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا لَا تُبْصِرَانِهِ ، } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ النِّسَاءَ بِغَضِّ أَبْصَارِهِنَّ ، كَمَا أَمَرَ الرِّجَالَ بِهِ ؛ وَلِأَنَّ النِّسَاءَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْآدَمِيِّينَ ، فَحَرُمَ ، عَلَيْهِنَّ النَّظَرُ إلَى النَّوْعِ الْآخَرِ قِيَاسًا عَلَى الرِّجَالِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُحَرِّمَ لِلنَّظَرِ خَوْفُ الْفِتْنَةِ ، وَهَذَا فِي الْمَرْأَةِ أَبْلَغُ ، فَإِنَّهَا أَشَدُّ شَهْوَةً ، وَأَقَلُّ عَقْلًا ، فَتُسَارِعُ الْفِتْنَةُ إلَيْهَا أَكْثَرَ .
وَلَنَا { ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى ، تَضَعِينَ ثِيَابَكَ فَلَا يَرَاكِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ { .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ ، وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ { .
وَيَوْمَ فَرَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُطْبَةِ الْعِيدِ ، مَضَى إلَى النِّسَاءِ فَذَكَّرَهُنَّ ، وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ } ؛ وَلِأَنَّهُنَّ لَوْ مُنِعْنَ النَّظَرَ ، لَوَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ الْحِجَابُ ، كَمَا وَجَبَ عَلَى النِّسَاءِ ، لِئَلَّا يَنْظُرْنَ إلَيْهِمْ .
فَأَمَّا حَدِيثُ نَبْهَانَ فَقَالَ أَحْمَدُ : نَبْهَانُ رَوَى حَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ .

يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ ، وَحَدِيثَ { : إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ } وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ .
إذْ لَمْ يَرْوِ إلَّا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الْمُخَالِفَيْنِ لِلْأُصُولِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : نَبْهَانُ مَجْهُولٌ ، لَا يُعْرَفُ إلَّا بِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ صَحِيحٌ فَالْحُجَّةُ بِهِ لَازِمَةٌ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ حَدِيثَ نَبْهَانَ خَاصٌّ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : كَانَ حَدِيثُ نَبْهَانَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ لِسَائِرِ النَّاسِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ فَتَقْدِيمُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِحَدِيثٍ مُفْرَدٍ ، فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ .

( 5344 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُمْ بِالنَّهَارِ ، وَيَبْعَثَ بِهَا إلَيْهِ بِاللَّيْلِ ، فَالْعَقْدُ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ ، وَعَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَهُ ) أَمَّا الشَّرْطُ : فَصَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ النِّكَاحِ ، فَإِنَّ الِاسْتِمْتَاعَ إنَّمَا يَكُونُ لَيْلًا ، وَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ صَحِيحًا لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ ، فَيَكُونَانِ صَحِيحَيْنِ .
وَعَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ فِي اللَّيْلِ ؛ لِأَنَّهَا سُلِّمَتْ إلَيْهِ فِيهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ النَّهَارِ ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ .
وَإِذَا لَمْ تَجِبْ نَفَقَةُ النَّهَارِ عَلَى الزَّوْجِ ، وَجَبَتْ عَلَى السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهَا فِي خِدْمَتِهِ حِينَئِذٍ ؛ وَلِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الْأَصْلِ فِي وُجُوبِهَا عَلَى السَّيِّدِ ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَكَذَلِكَ الْكُسْوَةُ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالتَّمْكِينِ التَّامِّ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، فَلَمْ يَجِبْ مِنْهَا شَيْءٌ كَالْحُرَّةِ إذَا بَذَلَتْ التَّسْلِيمَ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ دُونَ بَعْضٍ .
وَلَنَا أَنَّ النَّفَقَةَ عِوَضٌ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ ، فَوَجَبَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا يَسْتَوْفِيهِ ، كَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ ، وَفَارَقَتْ الْحُرَّةَ ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَيْهَا وَاجِبٌ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ ، فَإِذَا امْتَنَعَتْ مِنْهُ فِي الْبَعْضِ ، فَلَمْ تُسَلِّمْ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا تَسْلِيمُهُ ، وَهَاهُنَا قَدْ سَلَّمَ السَّيِّدُ جَمِيعَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ .
فَصْلٌ : فَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَقَالَ الْقَاضِي : الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ شَرَطَ ، وَلَهُ اسْتِخْدَامُهَا نَهَارًا ، وَعَلَيْهِ إرْسَالُهَا لَيْلًا لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ زَمَانُهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ مِنْ أَمَتِهِ مَنْفَعَتَيْنِ ، مَنْفَعَةَ الِاسْتِخْدَامِ وَالِاسْتِمْتَاعِ ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَى

إحْدَاهُمَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا إلَّا فِي زَمَنِ اسْتِيفَائِهَا ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا لِلْخِدْمَةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا إلَّا فِي زَمَنِهَا وَهُوَ النَّهَارُ ، وَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ إقَامَتِهَا عِنْدَهُمَا وَإِنْ تَبَرَّعَ السَّيِّدُ بِإِرْسَالِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَالنَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى الزَّوْجِ ، وَإِنْ تَبَرَّعَ الزَّوْجُ بِتَرْكِهَا عِنْدَ السَّيِّدِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا عَنْهُ .
وَلَوْ تَبَرُّعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِتَرْكِهَا عِنْدَ الْآخَرِ ، وَتَدَافَعَاهَا ، كَانَتْ نَفَقَتُهَا كُلُّهَا عَلَى الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ النَّفَقَةِ ، مَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ اسْتِمْتَاعِهَا ، عُدْوَانًا أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ نَحْوِهِ ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ نَفَقَتُهَا مَعَ تَعَذُّرِ اسْتِمْتَاعِهَا بِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّيِّدِ هَاهُنَا مَنْعٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ ؛ لِوُجُودِ الزَّوْجِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لَهَا ، وَعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْهَا .
( 5346 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ بِهَا ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ خِدْمَتَهَا الْمُسْتَحَقَّةَ لِسَيِّدِهَا ، وَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ السَّفَرَ بِهَا ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : مَا أَدْرِي .
فَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّ الزَّوْجِ مِنْهَا ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ مَعَ الْإِقَامَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِإِحْدَى مَنْفَعَتَيْهَا ، فَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَ الْآخَرِ مِنْ السَّفَرِ بِهَا ، كَالسَّيِّدِ ، وَكَمَا لَوْ أَجَّرَهَا ثُمَّ أَرَادَ السَّفَرَ بِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ السَّفَرَ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ رَقَبَتِهَا ، كَسَيِّدِ الْعَبْدِ إذَا زَوَّجَهُ ، وَإِنْ شَرَطَ الزَّوْجُ أَنْ تُسَلَّمَ إلَيْهِ الْأَمَةُ لَيْلًا وَنَهَارًا ، جَازَ وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا كُلُّهَا ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ السَّفَرُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي نَفْعِهَا .

( 5347 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ التَّزَوُّجَ أَنْ يَخْتَارَ ذَاتَ الدِّينِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا ، وَلِحَسَبِهَا ، وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيَخْتَارُ الْبِكْرَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَتَزَوَّجْت يَا جَابِرُ ؟ قَالَ : قُلْت : نَعَمْ قَالَ : بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا ؟ قَالَ : قُلْت : بَلْ ثَيِّبًا قَالَ : فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك ؟ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ ، فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا وَأَنْقَى أَرْحَامًا } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَفِي رِوَايَةٍ : { وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ } وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ مِنْ نِسَاءٍ يُعْرَفْنَ بِكَثْرَةِ الْوِلَادَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ ، وَيَنْهَى عَنْ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا ، وَيَقُولُ : تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرَوَى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ ، قَالَ { : جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنِّي أَصَبْت امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَمَنْصِبٍ ، إلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا ؟ فَنَهَاهُ ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ ، فَنَهَاهُ ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ ، فَقَالَ : تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يَا بَنِي هَاشِمٍ عَلَيْكُمْ بِنِسَاءِ الْأَعَاجِمِ ، فَالْتَمِسُوا أَوْلَادَهُنَّ فَإِنَّ فِي أَرْحَامِهِنَّ الْبَرَكَةَ } وَيَخْتَارُ الْجَمِيلَةَ ؛ لِأَنَّهَا أَسْكَنُ لِنَفْسِهِ ، وَأَغَضُّ لِبَصَرِهِ ، وَأَكْمَلُ لِمَوَدَّتِهِ ، وَلِذَلِكَ شُرِعَ النَّظَرُ قَبْلَ النِّكَاحِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ

مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إنَّمَا النِّسَاءُ لُعَبٌ ، فَإِذَا اتَّخَذَ أَحَدُكُمْ لُعْبَةً فَلِيَسْتَحْسِنَّهَا } .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ ؟ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ ، وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَ ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا فِي مَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : خَيْرُ فَائِدَةٍ أَفَادَهَا الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ إسْلَامِهِ ، امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ ، تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ إلَيْهَا ، وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهَا ، وَتَحْفَظُهُ فِي غَيْبَتِهِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهَا } رَوَاهُ سَعِيدٌ .
وَيَخْتَارُ ذَاتَ الْعَقْلِ ، وَيَجْتَنِبُ الْحَمْقَاءَ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِلْعِشْرَةِ ، وَلَا تَصْلُحُ الْعِشْرَةُ مَعَ الْحَمْقَاءِ وَلَا يَطِيبُ الْعَيْشُ مَعَهَا ، وَرُبَّمَا تَعَدَّى ذَلِكَ إلَى وَلَدِهَا .
وَقَدْ قِيلَ : اجْتَنِبُوا الْحَمْقَاءَ ، فَإِنَّ وَلَدَهَا ضَيَاعٌ ، وَصُحْبَتَهَا بَلَاءٌ .
وَيَخْتَارُ الْحَسِيبَةَ ، لِيَكُونَ وَلَدُهَا نَجِيبًا ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَشْبَهَ أَهْلَهَا ، وَنَزَعَ إلَيْهِمْ .
وَكَانَ يُقَالُ : إذَا أَرَدْت أَنْ تَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَانْظُرْ إلَى أَبِيهَا وَأَخِيهَا .
وَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ ، وَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ ، وَأَنْكِحُوا إلَيْهِمْ } وَيَخْتَارُ الْأَجْنَبِيَّةَ ، فَإِنَّ وَلَدَهَا أَنْجَبُ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : اغْتَرِبُوا لَا تَضْوُوا يَعْنِي : انْكِحُوا الْغَرَائِبَ كَيْ لَا تَضْعُفَ أَوْلَادُكُمْ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْغَرَائِبُ أَنْجَبُ ، وَبَنَاتُ الْعَمِّ أَصْبَرُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ الْعَدَاوَةُ فِي النِّكَاحِ ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى الطَّلَاقِ ، فَإِذَا كَانَ فِي قَرَابَتِهِ أَفْضَى إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابُ مَا يَحْرُمُ نِكَاحُهُ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ لِلنِّكَاحِ ضَرْبَانِ : تَحْرِيمُ عَيْنٍ ، وَتَحْرِيمُ جَمْعٍ .
وَيَتَنَوَّعُ أَيْضًا نَوْعَيْنِ : تَحْرِيمُ نَسَبٍ ، وَتَحْرِيمُ سَبَبٍ .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ، فَأَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } وَالْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا وَاَلَّتِي بَعْدَهَا ، وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ { : لَا يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَلَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَحْرِيمِهِ .

( 5348 ) قَالَ : ( وَالْمُحَرَّمَاتُ نِكَاحُهُنَّ بِالْأَنْسَابِ : الْأُمَّهَاتُ ، وَالْبَنَاتُ ، وَالْأَخَوَاتُ ، وَالْعَمَّاتُ ، وَالْخَالَاتُ ، وَبَنَاتُ الْأَخِ ، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ .
وَالْمُحَرَّمَاتُ بِالْأَسْبَابِ : الْأُمَّهَاتُ الْمُرْضِعَاتُ ، وَالْأَخَوَاتُ مِنْ الرَّضَاعَةِ ، وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ ، وَبَنَاتُ النِّسَاءِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ ، وَحَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ ، وَزَوْجَاتُ الْأَبِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَى تَحْرِيمِهِنَّ فِي الْكِتَابِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، سَبْعٌ بِالنَّسَبِ ، وَاثْنَتَانِ بِالرَّضَاعِ ، وَأَرْبَعٌ بِالْمُصَاهَرَةِ ، وَوَاحِدَةٌ بِالْجَمْعِ .
فَأَمَّا اللَّوَاتِي بِالنَّسَبِ فَأَوَّلُهُنَّ الْأُمَّهَاتُ ، وَهُنَّ كُلُّ مَنْ انْتَسَبْت إلَيْهَا بِوِلَادَةٍ ، سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ الْأُمِّ حَقِيقَةً ، وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْك .
أَوْ مَجَازًا ، وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَك وَإِنْ عَلَتْ ، مِنْ ذَلِكَ جَدَّتَاك : أُمُّ أُمِّك وَأُمُّ أَبِيك ، وَجَدَّتَا أُمِّك وَجَدَّتَا أَبِيك ، وَجَدَّاتُ جَدَّاتِك وَجَدَّاتُ أَجْدَادِك وَإِنْ عَلَوْنَ ، وَارِثَاتٍ كُنَّ أَوْ غَيْرَ وَارِثَاتٍ ، كُلُّهُنَّ أُمَّهَاتٌ مُحَرَّمَاتٌ ذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ هَاجَرَ أُمَّ إسْمَاعِيلَ فَقَالَ : تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ وَفِي الدُّعَاءِ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى أَبِينَا آدَمَ وَأُمِّنَا حَوَّاءَ .
وَالْبَنَاتُ ، وَهُنَّ كُلُّ أُنْثَى انْتَسَبَتْ إلَيْك بِوِلَادَتِك كَابْنَةِ الصُّلْبِ ، وَبَنَاتِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ .
وَارِثَاتٌ أَوْ غَيْرُ وَارِثَاتٍ ، كُلُّهُنَّ بَنَاتٌ مُحَرَّمَاتٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَبَنَاتُكُمْ } فَإِنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ بِنْتُ آدَمَ ، كَمَا أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ابْنُ آدَمَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يَا بَنِي آدَمَ } وَالْأَخَوَاتُ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ ، مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ الْأَبِ ، أَوْ مِنْ الْأُمِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَخَوَاتُكُمْ } وَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِنَّ ، وَالْعَمَّاتُ أَخَوَاتُ الْأَبِ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ ، وَأَخَوَاتُ الْأَجْدَادِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَمِنْ

قِبَلِ الْأُمِّ ، قَرِيبًا كَانَ الْجَدُّ أَوْ بَعِيدًا ، وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَعَمَّاتُكُمْ } وَالْخَالَاتُ أَخَوَاتُ الْأُمِّ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ ، وَأَخَوَاتُ الْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْنَ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ جَدَّةٍ أُمٌّ ، فَكَذَلِكَ كُلُّ أُخْتٍ لِجَدَّةٍ خَالَةٌ مُحَرَّمَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَخَالَاتُكُمْ } وَبَنَاتُ الْأَخِ ، كُلُّ امْرَأَةٍ انْتَسَبَتْ إلَى أَخٍ بِوِلَادَةٍ فَهِيَ بِنْتُ أَخٍ مُحَرَّمَةٌ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ الْأَخُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى تَعَالَى : { وَبَنَاتُ الْأَخِ } وَبَنَاتُ الْأُخْتِ كَذَلِكَ أَيْضًا مُحَرَّمَاتٌ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { وَبَنَاتُ الْأُخْتِ } فَهَؤُلَاءِ الْمُحَرَّمَاتُ بِالْأَنْسَابِ

النَّوْعُ الثَّانِي ، الْمُحَرَّمَاتُ تَحْرِيمَ السَّبَبِ وَهُوَ قِسْمَانِ : رَضَاعٌ وَمُصَاهَرَةٌ ، فَأَمَّا الرَّضَاعُ : فَالْمَنْصُوصُ عَلَى التَّحْرِيمِ فِيهِ اثْنَتَانِ ؛ الْأُمَّهَاتُ الْمُرْضِعَاتُ ، وَهُنَّ اللَّاتِي أَرْضَعْنَك وَأُمَّهَاتُهُنَّ وَجَدَّاتُهُنَّ وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ ، عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا فِي النَّسَبِ ، مُحَرَّمَاتٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ } كُلُّ امْرَأَةٍ أَرْضَعَتْك أُمُّهَا ، أَوْ أَرْضَعَتْهَا أُمُّك أَوْ أَرْضَعَتْك وَإِيَّاهَا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ، أَوْ ارْتَضَعْت أَنْتَ وَهِيَ مِنْ لَبَنِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، كَرَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ ، لَهُمَا لَبَنٌ أَرْضَعَتْك إحْدَاهُمَا ، وَأَرْضَعَتْهَا الْأُخْرَى ، فَهِيَ أُخْتُك .
مُحَرَّمَةٌ عَلَيْك لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ } الْقِسْمُ الثَّانِي : تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ أَرْبَعٌ ، أُمَّهَاتُ النِّسَاءِ ، فَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً حَرُمَ عَلَيْهِ كُلُّ أُمٍّ لَهَا ، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَكَثِيرٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إلَّا بِالدُّخُولِ بِابْنَتِهَا ، كَمَا لَا تَحْرُمُ ابْنَتُهَا إلَّا بِالدُّخُولِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهَا مِنْ نِسَائِهِ ، فَتَدْخُلُ أُمُّهَا فِي عُمُومِ الْآيَةِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ الْقُرْآنُ يَعْنِي عَمِّمُوا حُكْمَهَا فِي كُلِّ حَالٍ ، وَلَا تَفْصِلُوا بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا .
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ دَخَلَ بِهَا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ

رَبِيبَتَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا } رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ زَيْدٌ تَحْرُمُ بِالدُّخُولِ أَوْ بِالْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الدُّخُولِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ وُجِدَ الدُّخُولُ أَوْ الْمَوْتُ أَوْ لَا ؛ وَلِأَنَّهَا حَرُمَتْ بِالْمُصَاهَرَةِ بِقَوْلٍ مُبْهَمٍ ، فَحَرُمَتْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، كَحَلِيلَةِ الِابْنِ وَالْأَبِ .
الثَّانِيَةُ : بَنَاتُ النِّسَاءِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ ، وَهُنَّ الرَّبَائِبُ ، فَلَا يَحْرُمْنَ إلَّا بِالدُّخُولِ بِأُمَّهَاتِهِنَّ ، وَهُنَّ كُلُّ بِنْتٍ لِلزَّوْجَةِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ ، وَارِثَةٍ أَوْ غَيْرِ وَارِثَةٍ ، عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَنَاتِ ، إذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُمَا رَخَّصَا فِيهَا إذَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ } قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي هَذَا { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ : لَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ } وَلِأَنَّ التَّرْبِيَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي التَّحْرِيمِ كَسَائِرِ الْمُحَرِّمَاتِ ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَمْ تَخْرُجْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِذَلِكَ تَعْرِيفًا لَهَا بِغَالِبِ حَالِهَا ، وَمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِمَفْهُومِهِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِالْمَرْأَةِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بَنَاتُهَا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ إذَا بَانَتْ مِنْ نِكَاحِهِ ، إلَّا أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا : تَحْرُمُ ابْنَتُهَا .
وَبِهِ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ الْمَوْتَ أُقِيمَ مَقَامَ

الدُّخُولِ فِي تَكْمِيلِ الْعِدَّةِ وَالصَّدَاقِ ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ .
وَالثَّانِيَةُ : لَا تَحْرُمُ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَوَامُّ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } وَهَذَا نَصٌّ لَا يُتْرَكُ لِقِيَاسٍ ضَعِيفٍ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَمْ تُحَرِّمْ الرَّبِيبَةَ .
كَفُرْقَةِ الطَّلَاقِ ، وَالْمَوْتُ لَا يَجْرِي مَجْرَى الدُّخُولِ فِي الْإِحْصَانِ وَالْإِحْلَالِ وَعِدَّةِ الْأَقْرَاءِ ، وَقِيَامُهُ مَقَامَهُ مِنْ وَجْهٍ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ مُفَارَقَتِهِ إيَّاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَلَوْ قَامَ مَقَامَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فَلَا يُتْرَكُ صَرِيحُ نَصِّ اللَّهِ تَعَالَى وَنَصِّ رَسُولِهِ لِقِيَاسٍ وَلَا غَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الدُّخُولَ بِهَا هُوَ وَطْؤُهَا ، كُنِّيَ عَنْهُ بِالدُّخُولِ ، فَإِنْ خَلَا بِهَا وَلَمْ يَطَأْهَا ، لَمْ تَحْرُمْ ابْنَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا .
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ تَحْرِيمُهَا ؛ لِقَوْلِهِ : فَإِنْ خَلَا بِهَا وَقَالَ لَمْ أَطَأْهَا وَصَدَّقَتْهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمَا وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمَدْخُولِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهَا ، إلَّا فِي الرُّجُوعِ إلَى زَوْجٍ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَفِي الزِّنَا ، فَإِنَّهُمَا يُجْلَدَانِ وَلَا يُرْجَمَانِ وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الثَّالِثَةُ : حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ ، يَعْنِي أَزْوَاجَهُمْ ، سُمِّيَتْ امْرَأَةُ الرَّجُلِ حَلِيلَتَهُ لِأَنَّهَا مَحَلُّ إزَارِ زَوْجِهَا ، وَهِيَ مُحَلَّلَةٌ لَهُ ، فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَزْوَاجُ

أَبْنَائِهِ ، وَأَبْنَاءُ بَنَاتِهِ ، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
الرَّابِعَةُ : زَوْجَاتُ الْأَبِ ، فَتَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ امْرَأَةُ أَبِيهِ ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا ، وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ ، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ : { لَقِيت خَالِي ، وَمَعَهُ الرَّايَةُ ، فَقُلْت : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ : أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ أَوْ أَقْتُلَهُ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ .
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : لَقِيت عَمِّي الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو ، وَمَعَهُ الرَّايَةُ فَذَكَرَ الْخَبَرَ كَذَلِكَ .
رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا امْرَأَةُ أَبِيهِ ، أَوْ امْرَأَةُ جَدِّهِ لِأَبِيهِ ، وَجَدِّهِ لِأُمِّهِ ، قَرُبَ أَمْ بَعُدَ وَلَيْسَ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافٌ عَلِمْنَاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْ وَطِئَهَا أَبُوهُ ، أَوْ ابْنُهُ ، بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ شُبْهَةٍ ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْ وَطِئَهَا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الْمِلْكُ فِي هَذَا وَالرَّضَاعُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَكْحُولٌ وَقَتَادَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَلَا نَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُمْ .

الضَّرْبُ الثَّانِي : تَحْرِيمُ الْجَمْعِ .
وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، حُرَّتَيْنِ كَانَتَا أَوْ أَمَتَيْنِ أَوْ حُرَّةً وَأَمَةً ، مِنْ أَبَوَيْنِ كَانَتَا أَوْ مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ، لِعُمُومِ الْآيَةِ .
فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ حَالَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَإِنْ تَزَوَّجَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى فَنِكَاحُ الْأُولَى صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ جَمْعٌ ، وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا - بِحَمْدِ اللَّهِ - اخْتِلَافٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَفْرِيعٌ .

( 5349 ) مَسْأَلَةٌ : ( وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ ) كُلُّ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ مِنْ النَّسَبِ حَرُمَ مِثْلُهَا مِنْ الرَّضَاعِ ، وَهُنَّ الْأُمَّهَاتُ ، وَالْبَنَاتُ ، وَالْأَخَوَاتُ ، وَالْعَمَّاتُ ، وَالْخَالَاتُ ، وَبَنَاتُ الْأَخِ ، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شَرَحْنَاهُ فِي النَّسَبِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { : الرَّضَاعُ يُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ } { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ : إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي ، مَا حَلَّتْ لِي ، إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِنَّ ، وَالْبَاقِيَاتُ يَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ لَفْظِ سَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ .
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .

( 5350 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَبَنُ الْفَحْلِ مُحَرِّمٌ ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَرْضَعَتْ طِفْلًا بِلَبَنٍ ثَابَ مِنْ وَطْءِ رَجُلٍ حَرُمَ الطِّفْلُ عَلَى الرَّجُلِ وَأَقَارِبِهِ ، كَمَا يَحْرُمُ وَلَدُهُ مِنْ النَّسَبِ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْ الرَّجُلِ كَمَا هُوَ مِنْ الْمَرْأَةِ ، فَيَصِيرُ الطِّفْلُ وَلَدًا لِلرَّجُلِ ، وَالرَّجُلُ أَبَاهُ ، وَأَوْلَادُ الرَّجُلِ إخْوَتَهُ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ، وَإِخْوَةُ الرَّجُلِ وَأَخَوَاتُهُ أَعْمَامُ الطِّفْلِ وَعَمَّاتُهُ ، وَآبَاؤُهُ وَأُمَّهَاتُهُ أَجْدَادُهُ وَجَدَّاتُهُ .
قَالَ أَحْمَدُ لَبَنُ الْفَحْلِ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ امْرَأَتَانِ ، فَتُرْضِعَ هَذِهِ صَبِيَّةً وَهَذِهِ صَبِيًّا لَا يُزَوَّجُ هَذَا مِنْ هَذَا وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ جَارِيَتَانِ ، أَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا جَارِيَةٍ وَالْأُخْرَى غُلَامًا ، فَقَالَ : لَا ، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا تَفْسِيرُ لَبَنِ الْفَحْلِ .
وَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَرَخَّصَ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو قِلَابَةَ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرِ مُسَمِّينَ ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ مِنْ الْمَرْأَةِ لَا مِنْ الرَّجُلِ .
وَيُرْوَى عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ، امْرَأَةُ الزُّبَيْرِ قَالَتْ : وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا أَمْتَشِطُ ، فَيَأْخُذُ بِقَرْنٍ مِنْ قُرُونِ

رَأْسِي ، فَيَقُولُ : أَقْبِلِي عَلَيَّ فَحَدِّثِينِي .
أَرَاهُ وَالِدًا ، وَمَا وَلَدَ فَهُمْ إخْوَتِي ، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَرْسَلَ إلَيَّ يَخْطُبُ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَتِي ، عَلَى حَمْزَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ حَمْزَةُ لِلْكَلْبِيَّةِ ، فَقُلْت لِرَسُولِهِ : وَهَلْ تَحِلُّ لَهُ وَإِنَّمَا هِيَ ابْنَةُ أُخْتِهِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إنَّمَا أَرَدْت بِهَذَا الْمَنْعَ لِمَا قِبَلَك ، أَمَّا مَا وَلَدَتْ أَسْمَاءُ فَهُمْ إخْوَتُك ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ أَسْمَاءَ فَلَيْسُوا لَك بِإِخْوَةٍ ، فَأَرْسِلِي فَسَلِي عَنْ هَذَا ، فَأَرْسَلَتْ فَسَأَلَتْ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ ، فَقَالُوا لَهَا : إنَّ الرَّضَاعَةَ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا فَأَنْكَحَتْهَا إيَّاهُ ، فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى هَلَكَ عَنْهَا .
وَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ ، فَقُلْت : وَاَللَّهِ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي ، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي ، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ فَقَالَ ائْذَنِي لَهُ ، فَإِنَّهُ عَمُّك ، تَرِبَتْ يَمِينُك قَالَ عُرْوَةُ : فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْخُذُ بِقَوْلِ : حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعِ مَا يُحَرَّمُ مِنْ النَّسَبِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَهَذَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ .
فَأَمَّا حَدِيثُ زَيْنَبَ فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ يَعْتَقِدُهَا ابْنَتَهُ وَتَعْتَقِدُهُ أَبَاهَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ ، وَقَوْلُهُ مَعَ إقْرَارِ أَهْلِ عَصْرِهِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِهِ وَقَوْلِ قَوْمٍ لَا يُعْرَفُونَ .

( 5351 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ - بِحَمْدِ اللَّهِ - اخْتِلَافٌ ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّنْ لَا تُعَدُّ مُخَالَفَتُهُ خِلَافًا ، وَهُمْ الرَّافِضَةُ وَالْخَوَارِجُ ، لَمْ يُحَرِّمُوا ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا ، وَلَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا ، وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا ، وَلَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا ، لَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى ، وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى } وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ احْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } خَصَّصْنَاهُ بِمَا رَوَيْنَاهُ وَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ الْخَوَارِجِ أَتَيَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَكَانَ مِمَّا أَنْكَرَا عَلَيْهِ رَجْمَ الزَّانِيَيْنِ وَتَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا ، وَقَالَا : لَيْسَ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لَهُمَا : كَمْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ الصَّلَاةِ ؟ قَالَا : خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَسَأَلَهُمَا عَنْ عَدَدِ رَكَعَاتِهَا ، فَأَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ وَسَأَلَهُمَا عَنْ مِقْدَارِ الزَّكَاةِ وَنُصُبِهَا ، فَأَخْبَرَاهُ ، فَقَالَ : فَأَيْنَ تَجِدَانِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ قَالَا : لَا نَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ : فَمِنْ أَيْنَ صِرْتُمَا إلَى ذَلِكَ ؟ قَالَا : فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ : قَالَ فَكَذَلِكَ هَذَا .
ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ ، حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا ، كَعَمَّاتِ آبَائِهَا وَخَالَاتِهِمْ ، وَعَمَّاتِ أُمَّهَاتِهَا وَخَالَاتِهِنَّ ، وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ ، مِنْ نَسَبٍ كَانَ ذَلِكَ أَوْ مِنْ رَضَاعٍ فَكُلُّ شَخْصَيْنِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ الْآخَرَ ، لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ ، لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ ، لِمَا فِي الطِّبَاعِ مِنْ التَّنَافُسِ وَالْغَيْرَةِ بَيْنَ الضَّرَائِرِ وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُمِّهَا فِي الْعَقْدِ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ ؛ وَلِأَنَّ الْأُمَّ إلَى ابْنَتِهَا أَقْرَبُ مِنْ الْأُخْتَيْنِ ، فَإِذَا لَمْ يُجْمَعْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَالْمَرْأَةُ وَبِنْتُهَا أَوْلَى .

فَصْلٌ : وَلَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ ابْنَتَيْ الْعَمِّ ، وَابْنَتَيْ الْخَالِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِمَا بِالتَّحْرِيمِ ، وَدُخُولِهِمَا فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } وَلِأَنَّ إحْدَاهُمَا تَحِلُّ لَهَا الْأُخْرَى لَوْ كَانَتْ ذَكَرًا ، وَفِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : يُكْرَهُ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ .
وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُزَوَّجَ الْمَرْأَةُ عَلَى ذِي قَرَابَتِهَا ، كَرَاهِيَةَ الْقَطِيعَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ مُفْضٍ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ .
وَالْأُخْرَى : لَا يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالشَّعْبِيِّ وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ تُحَرِّمُ الْجَمْعَ ، فَلَا يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ ، كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ .

( 5353 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا عَقَدَ عَلَى الْمَرْأَةِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ وَأَبِيهِ ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا ، وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا فِيمَا قُلْت بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ ، وَابْنُ الِابْنِ فِيهِ وَإِنْ سَفَلَ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا عَقَدَ الرَّجُلُ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا ، حَرُمَتْ عَلَى أَبِيهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } وَهَذِهِ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ ، وَتَحْرُمُ عَلَى ابْنِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ } وَهَذِهِ قَدْ نَكَحَهَا أَبُوهُ ، وَتَحْرُمُ أُمُّهَا عَلَيْهِ لَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } وَهَذِهِ مِنْهُنَّ وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ - بِحَمْدِ اللَّهِ - ، إلَّا شَيْءٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَالْجَدُّ كَالْأَبِ فِي هَذَا ، وَابْنُ الِابْنِ كَالِابْنِ .
فِيهِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي اسْمِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ ، وَالْوَارِثُ وَغَيْرُهُ ، مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَمِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ أَوْ وَلَدِ الْبَنَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ .

( 5354 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ ، فَبَنَاتُهُنَّ فِي التَّحْرِيمِ كَهُنَّ ، إلَّا بَنَاتِ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَبَنَاتِ مَنْ نَكَحَهُنَّ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ ، فَإِنَّهُنَّ مُحَلَّلَاتٌ ، وَكَذَلِكَ بَنَاتُ الزَّوْجَةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُحَرَّمَةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا ، لِتَنَاوُلِ التَّحْرِيمِ لَهَا ، فَالْأُمَّهَاتُ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتٌ أَوْ عَمَّاتٌ أَوْ خَالَاتٌ ، وَالْبَنَاتُ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ بَنَاتٌ وَيَحْرُمُ بَنَاتُ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتُهُنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ بَنَاتُ الْأُخْتِ ، وَكَذَلِكَ بَنَاتُ بَنَاتِ الْأَخِ ، إلَّا بَنَاتِ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ فَلَا يَحْرُمْنَ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ } .
فَأَحَلَّهُنَّ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِأَنَّهُنَّ لَمْ يُذْكَرْنَ فِي التَّحْرِيمِ فَيَدْخُلْنَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } وَكَذَلِكَ لَا يَحْرُمُ بَنَاتُ زَوْجَاتِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ ؛ لِأَنَّهُنَّ حُرِّمْنَ لِكَوْنِهِنَّ حَلَائِلَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي بَنَاتِهِنَّ ، وَلَا وُجِدَتْ فِيهِنَّ عِلَّةٌ أُخْرَى تَقْتَضِي تَحْرِيمَهُنَّ فَدَخَلْنَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } .
وَكَذَلِكَ بَنَاتُ الزَّوْجَةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا مُحَلَّلَاتٌ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } وَهُنَّ الرَّبَائِبُ ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ حُرِّمَتْ أُمُّهُنَّ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا ؛ لِأَنَّهَا مُحَلَّلَةٌ ، فَيُشْتَبَهُ حُكْمُهَا فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ حُرِّمَتْ ابْنَةُ الرَّبِيبَةِ ، وَلَمْ تُحَرَّمْ ابْنَةُ حَلِيلَةِ الِابْنِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ ابْنَةَ الرَّبِيبَةِ رَبِيبَةٌ ، وَابْنَةَ الْحَلِيلَةِ لَيْسَتْ حَلِيلَةً ؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ أَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا

، وَالْخَلْوَةِ بِهَا ، بِكَوْنِهَا فِي حِجْرِهِ فِي بَيْتِهِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجَدُ فِي بِنْتِهَا وَإِنْ سَفَلَتْ ، وَالْحَلِيلَةُ حُرِّمَتْ بِنِكَاحِ الْأَبِ وَالِابْنِ لَهَا ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي ابْنَتِهَا .

( 5355 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَوَطْءُ الْحَرَامِ مُحَرِّمٌ كَمَا يُحَرِّمُ وَطْءُ الْحَلَالِ وَالشُّبْهَةِ ) يَعْنِي أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ، فَإِذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ حَرُمَتْ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ أَوْ حَلَالًا وَلَوْ وَطِئَ أُمَّ امْرَأَتِهِ أَوْ بِنْتَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْوَطْءَ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ .
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ ، وَعُرْوَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ } وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَوْطُوءَةُ فِرَاشًا ، فَلَا يُحَرِّمُ كَوَطْءِ الصَّغِيرَةِ .
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى تَعَالَى : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ } وَالْوَطْءُ يُسَمَّى نِكَاحًا قَالَ الشَّاعِرُ : إذَا زَنَيْت فَأَجِدْ نِكَاحًا فَحُمِلَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، وَفِي الْآيَةِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إلَى الْوَطْءِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا } وَهَذَا التَّغْلِيظُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَطْءِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا } وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : ( مَلْعُونٌ مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا ) فَذَكَرْته لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَأَعْجَبَهُ وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ مِنْ التَّحْرِيمِ بِالْوَطْءِ الْمُبَاحِ تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورِ كَوَطْءِ الْحَائِضِ ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ يُفْسِدُهُ

الْوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ ، فَأَفْسَدَهُ الْوَطْءُ الْحَرَامُ كَالْإِحْرَامِ ، وَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ أَشْوَعَ وَبَعْضِ قُضَاةِ الْعِرَاقِ كَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَقِيلَ : إنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَطْءُ الصَّغِيرَةِ مَمْنُوعٌ ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ .

( 5356 ) فَصْلٌ : وَالْوَطْءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ مُبَاحٌ ، وَهُوَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ ، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَيُعْتَبَرُ مَحْرَمًا لِمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، بِسَبَبٍ مُبَاحٍ ، أَشْبَهَ النَّسَبَ .
الثَّانِي : الْوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ ، وَهُوَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، أَوْ شِرَاءٍ فَاسِدٍ ، أَوْ وَطْءُ امْرَأَةٍ ظَنَّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ ، أَوْ وَطْءُ الْأَمَةِ .
الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ كَتَعَلُّقِهِ بِالْوَطْءِ الْمُبَاحِ إجْمَاعًا .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَطِئَ امْرَأَةً بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ ، أَوْ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ ، أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَجْدَادِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ ، فَأَثْبَتَ التَّحْرِيمَ ، كَالْوَطْءِ الْمُبَاحِ .
وَلَا يَصِيرُ بِهِ الرَّجُلُ مَحْرَمًا لِمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ، وَلَا يُبَاحُ لَهُ بِهِ النَّظَرُ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَيْسَ بِمُبَاحٍ ؛ وَلِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِكَمَالِ حُرْمَةِ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْطُوءَةَ لَمْ يَسْتَبِحْ النَّظَرُ إلَيْهَا فَلَأَنْ لَا يَسْتَبِيحَ النَّظَرُ إلَى غَيْرِهَا أَوْلَى .
الثَّالِثُ : الْحَرَامُ الْمَحْضُ ، وَهُوَ الزِّنَا ، فَيَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ ، عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ ، وَلَا تَثْبُتُ بِهِ الْمَحْرَمِيَّةُ ، وَلَا إبَاحَةُ النَّظَرِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ ، فَبِالْحَرَامِ الْمَحْضِ أَوْلَى ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ نَسَبٌ ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الْمَهْرُ إذَا طَاوَعَتْهُ فِيهِ .

( 5357 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْن الزِّنَى فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ فِيمَا إذَا وُجِدَ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ ، فَكَذَلِكَ فِي الزِّنَى .
فَإِنْ تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ أَيْضًا ، فَيَحْرُمُ عَلَى اللَّائِطِ أُمُّ الْغُلَامِ وَابْنَتُهُ ، وَعَلَى الْغُلَامِ أُمُّ اللَّائِطِ وَابْنَتُهُ .
قَالَ : وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي الْفَرْجِ ، فَنَشَرَ الْحُرْمَةَ ، كَوَطْءِ الْمَرْأَةِ ، وَلِأَنَّهَا بِنْتُ مَنْ وَطِئَهُ وَأُمُّهُ ، فَحَرُمَتَا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ أُنْثَى .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَكُونُ ذَلِكَ كَالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ ، يَكُونُ فِيهِ رِوَايَتَانِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِنَّ فِي التَّحْرِيمِ ، فَيَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } وَلِأَنَّهُنَّ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِنَّ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فِيهِنَّ ، فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِنَّ فِي هَذَا حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ ، وَمَنْ نَكَحَهُنَّ الْآبَاءُ وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ وَبَنَاتُهُنَّ ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِنْهُنَّ ، وَلَا فِي مَعْنَاهُنَّ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الْمَرْأَةِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْبَعْضِيَّةِ ، وَيُوجِبُ الْمَهْرَ ، وَيَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ ، وَتَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا ، وَيُثْبِتُ أَحْكَامًا لَا يُثْبِتُهَا اللِّوَاطُ ، فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهُ بِهِنَّ ؛ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ ، وَانْقِطَاعِ الشَّبَهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَرْضَعَ الرَّجُلُ طِفْلًا ، لَمْ يَثْبُتْ بِهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .
وَإِنْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا شَبَهٌ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ بِهِ ، وَاطِّرَاحُ النَّصِّ بِمِثْلِهِ .

( 5358 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ نِكَاحُ بِنْتِهِ مِنْ الزِّنَى ، وَأُخْتِهِ ، وَبِنْتِ ابْنِهِ ، وَبِنْتِ بِنْتِهِ ، وَبِنْتِ أَخِيهِ ، وَأُخْتِهِ مِنْ الزِّنَى .
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ : يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ وَلَا تُنْسَبُ إلَيْهِ شَرْعًا ، وَلَا يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهَا ، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا ، فَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ ، كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } .
وَهَذِهِ بِنْتُهُ ، فَإِنَّهَا أُنْثَى مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ ، وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ لَا تَخْتَلِفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ : { اُنْظُرُوهُ .
يَعْنِي وَلَدَهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ } .
يَعْنِي الزَّانِيَ .
وَلِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ لَا تَخْتَلِفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ ، فَأَشْبَهْت الْمَخْلُوقَةَ مَنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ ، وَلِأَنَّهَا بِضْعَةٌ مِنْهُ ، فَلَمْ تَحِلَّ لَهُ ، كَبِنْتِهِ مِنْ النِّكَاحِ ، وَتَخَلُّفُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَنْفِي كَوْنَهَا بِنْتًا ، كَمَا لَوْ تَخَلَّفَ لِرِقٍّ أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْن عِلْمِهِ بِكَوْنِهَا مِنْهُ ، مِثْلُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ غَيْرُهُ ، ثُمَّ يَحْفَظَهَا حَتَّى تَضَعَ ، أَوْ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ ، فَتَأْتِيَ بِوَلَدٍ لَا يُعْلَمُ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ؟ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهَا بِنْتُ مَوْطُوءَتِهِمْ .
وَالثَّانِي ، أَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا بِنْتُ بَعْضِهِمْ ، فَتَحْرُمْ عَلَى الْجَمِيعِ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ ، وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا ، وَتَحْرُمُ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ بَعْضِهِمْ غَيْرُ

مَعْلُومٍ ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهَا الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمْ ، حَلَّتْ لِأَوْلَادِ الْبَاقِينَ ، وَلَمْ تَحِلَّ لَأَحَدٍ مِمَّنْ وَطِئَ أُمَّهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى رَبِيبَتِهِ .

( 5359 ) فَصْلٌ : وَوَطْءُ الْمَيِّتَةِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ الْمُؤَبَّدَةَ ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِالْحَيَاةِ كَالرَّضَاعِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَنْشُرُهَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْبَعْضِيَّةِ ، وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ بِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْوَطْءِ ، وَالْمَوْتُ يُبْطِلُ الْمَنَافِعَ .
وَأَمَّا الرَّضَاعُ ، فَيُحَرِّمُ ؛ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ إنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ مِنْ لَبَنِ الْمَيِّتَةِ .
وَفِي وَطْءِ الصَّغِيرَةِ أَيْضًا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَنْشُرُهَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَآدَمِيَّةٍ حَيَّةٍ فِي الْقُبُلِ ، أَشْبَهَ وَطْءَ الْكَبِيرَةِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَنْشُرُهَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْبَعْضِيَّةِ أَشْبَهَ وَطْءَ الْمَيِّتَةِ .

( 5360 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، لَمْ تَنْشُرْ الْحُرْمَةَ .
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .
وَإِنْ كَانَتْ لَشَهْوَةٍ ، وَكَانَتْ فِي أَجْنَبِيَّةٍ ، لَمْ تَنْشُرْ الْحُرْمَةَ أَيْضًا .
قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ نَظَرَ إلَى أُمِّ امْرَأَتِهِ فِي شَهْوَةٍ ، أَوْ قَبَّلَهَا ، أَوْ بَاشَرَهَا .
فَقَالَ : أَنَا أَقُولُ لَا يُحَرِّمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْجِمَاعَ .
وَكَذَلِكَ نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ .
وَإِنْ كَانَتْ الْمُبَاشَرَةُ لِامْرَأَةٍ مُحَلَّلَةٍ لَهُ ، كَامْرَأَتِهِ ، أَوْ مَمْلُوكَتِهِ ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا يُحَرِّمُ الرَّبِيبَةَ إلَّا جِمَاعُ أُمِّهَا .
وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ { فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } .
وَهَذَا لَيْسَ بِدُخُولٍ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ النَّصِّ الصَّرِيحِ مِنْ أَجْلِهِ .
وَأَمَّا تَحْرِيمُ أُمِّهَا ، وَتَحْرِيمُهَا عَلَى أَبِي الْمُبَاشِرِ لَهَا وَابْنِهِ ؛ فَإِنَّهَا فِي النِّكَاحِ تُحَرَّمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ ، فَلَا يَظْهَرُ لِلْمُبَاشَرَةِ أَثَرٌ .
وَأَمَّا الْأَمَةُ ، فَمَتَى بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ لَشَهْوَةٍ ، فَهَلْ يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَنْشُرُهَا .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَمَسْرُوقٍ .
وَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ .
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ ، فَتَعَلَّقَ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ، كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ ، وَلِأَنَّهُ تَلَذُّذٌ بِمُبَاشَرَةٍ ، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ كَمَا لَوْ وَطِئَ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ ؛ لِأَنَّهَا مُلَامَسَةٌ لَا تُوجِبُ الْغُسْلَ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهَا التَّحْرِيمُ ، كَمَا لَوْ

لَمْ يَكُنْ لِشَهْوَةٍ ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ التَّحْرِيمِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِنَصٍّ ، أَوْ قِيَاسٍ عَلَى الْمَنْصُوصِ ، وَلَا نَصَّ فِي هَذَا ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، وَلَا الْمَجْمَعِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْوَطْءَ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ اسْتِقْرَارُ الْمَهْرِ ، وَالْإِحْصَانُ ، وَالِاغْتِسَالُ ، وَالْعِدَّةُ ، وَإِفْسَادُ الْإِحْرَامِ ، وَالصِّيَامُ ، بِخِلَافِ اللَّمْسِ .
وَذَكَر أَصْحَابُنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ .

( 5361 ) فَصْلٌ : وَمَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ ، فَهُوَ كَلَمْسِهَا لَشَهْوَةٍ ، فِيهِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْشُرُهَا اللَّمْسُ .
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَكَانَ بَدْرِيًّا وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي مَنْ يَشْتَرِي الْخَادِمَ ، ثُمَّ يُجَرِّدُهَا أَوْ يُقَبِّلُهَا ، لَا يَحِلُّ لِابْنِهِ وَطْؤُهَا .
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .
لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا .
وَفِي لَفْظٍ : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا } .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } .
وَلِأَنَّهُ نَظَرٌ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ التَّحْرِيمَ ، كَالنَّظَرِ إلَى الْوَجْهِ ، وَالْخَبَرُ ضَعِيفٌ .
قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ .
وَقِيلَ : هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ .
ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَنَّى بِذَلِكَ عَنْ الْوَطْءِ .
وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى سَائِرِ الْبَدَنِ فَلَا يَنْشُرُ حُرْمَةً .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا فَرْقَ بَيْن النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ وَسَائِرِ الْبَدَنِ لَشَهْوَةٍ .
وَالصَّحِيحُ ، خِلَافُ هَذَا ؛ فَإِنَّ غَيْرَ الْفَرْجِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ ، وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّ النَّظَرَ إلَى الْوَجْهِ لَا يُثْبِتُ الْحُرْمَةَ ، فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ ، وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّ النَّظَرَ إذَا وَقَعَ مِنْ غَيْر شَهْوَةٍ لَا يَنْشُرُ حُرْمَةً ؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ لَا يُؤَثِّرُ إذَا كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، فَالنَّظَرُ أَوْلَى .
وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ فِي مِنْ بَلَغَتْ سِنًّا يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا ، كَابْنَةِ تِسْعٍ فَمَا زَادَ ، فَأَمَّا

الطِّفْلَةُ فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي بِنْتِ سَبْعٍ : إذَا قَبَّلَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى السِّنِّ الَّذِي تُوجَدُ مَعَهُ الشَّهْوَةُ .
( 5362 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَظَرَتْ الْمَرْأَةُ إلَى فَرْجِ رَجُلٍ لَشَهْوَةٍ ، فَحُكْمُهُ فِي التَّحْرِيمِ حُكْمُ نَظَرِهِ إلَيْهَا .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ التَّحْرِيمَ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كَالْجِمَاعِ .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ لَمْسِهَا لَهُ ، وَقُبْلَتِهَا إيَّاهُ لَشَهْوَةٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .

( 5363 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِالْمَرْأَةِ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَنْشُرُ حُرْمَةً .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : إذَا خَلَا بِالْمَرْأَةِ ، وَجَبَ الصَّدَاقُ وَالْعِدَّةُ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا وَابْنَتَهَا .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ مَعَ الْخَلْوَةِ مُبَاشَرَةٌ ، فَيُخَرَّجُ كَلَامُهُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا ، فَأَمَّا مَعَ خَلْوَةٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالِفَةِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } .
وَقَوْلُهُ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } .
وَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ ، أَوْ أَمَتِهِ ، فَلَا تَنْشُرُ تَحْرِيمًا .
لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا .
وَكُلُّ مَنْ حُرِّمَ نِكَاحُهَا حُرِّمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا حُرِّمَ الْعَقْدُ الْمُرَادُ لِلْوَطْءِ ، فَالْوَطْءُ أَوْلَى .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، فَسَدَ .
وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ ، فَالْأُولَى زَوْجَتُهُ ، وَالْقَوْلُ فِيهِمَا الْقَوْلُ فِي الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْن الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا ، أَوْ عَمَّتِهَا ، أَوْ خَالَتِهَا ، مُحَرَّمٌ .
فَمَتَى جَمَعَ بَيْنَهُمَا ، فَعَقَدَ عَلَيْهِمَا مَعًا ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ فِيهِمَا ، وَلَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، فَيَبْطُلُ فِيهِمَا ، كَمَا لَوْ زُوِّجَتْ الْمَرْأَةُ لِرَجُلَيْنِ .
وَهَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ خَمْسًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ لِذَلِكَ .
وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ ، فَنِكَاحُ الْأُولَى صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا جَمْعَ فِيهِ ، وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ يَحْصُلُ بِهِ ، فَبِالْعَقْدِ عَلَى الْأُولَى تُحَرَّمُ الثَّانِيَةُ ، وَلَا يَصِحُّ عَقْدُهُ عَلَيْهَا حَتَّى تَبِينَ الْأُولَى مِنْهُ ، وَيَزُولَ نِكَاحُهَا وَعِدَّتُهَا .
( 5365 ) فَصْلٌ : : فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ ، وَلَمْ يَدْرِ أُولَاهُمَا ، فَعَلَيْهِ فُرْقَتُهُمَا مَعًا .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ ، لَا يَدْرِي أَيَّتَهمَا تَزَوَّجَ أَوَّلًا : نُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا .
وَذَلِكَ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ، وَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، وَلَا نَعْرِفُ الْمُحَلَّلَةَ لَهُ ، فَقَدْ اشْتَبَهَتَا عَلَيْهِ ، وَنِكَاحُ إحْدَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَلَا تُتَيَقَّنُ بَيْنُونَتُهَا مِنْهُ إلَّا بِطَلَاقِهِمَا جَمِيعًا ، أَوْ فَسْخِ نِكَاحِهِمَا ، فَوَجَبَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا .
وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُفَارِقَ إحْدَاهُمَا ، ثُمَّ يُجَدِّدَ عَقْدَ الْأُخْرَى وَيُمْسِكَهَا ، فَلَا بَأْسَ ، وَسَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِقُرْعَةٍ أَوْ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ، وَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ لَا يَكُونَ دَخَلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَلَهُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى إحْدَاهُمَا فِي الْحَالِ

بَعْدَ فِرَاقِ الْأُخْرَى .
الثَّانِي ، إذَا دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا ، فَإِنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا ، فَارَقَ الَّتِي لَمْ يُصِبْهَا بِطَلْقَةٍ ، ثُمَّ تَرَكَ الْمُصَابَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، ثُمَّ نَكَحَهَا ؛ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الثَّانِيَةَ ، فَيَكُونَ قَدْ أَصَابَهَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، فَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَاحِقٌ بِهِ ، وَلَا يُصَانُ ذَلِكَ عَنْ مَائِهِ .
وَإِنْ أَحَبَّ نِكَاحَ الْأُخْرَى ، فَارَقَ الْمُصَابَةَ بِطَلْقَةٍ ، ثُمَّ انْتَظَرَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، إذَا دَخَلَ بِهِمَا ، فَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُفَارِقَ الْأُخْرَى ، وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ حِينِ فُرْقَتِهَا ، وَتَنْقَضِي عِدَّةُ الْأُخْرَى مِنْ حِينِ أَصَابَهَا .
وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ إحْدَاهُمَا ، أَوْ هُمَا جَمِيعًا ، فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، وَكِلَاهُمَا يَلْحَقُ النَّسَبُ فِيهِ .
وَإِنْ لَمْ يُرِدْ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَارَقَهُمَا بِطَلْقَةٍ طَلْقَةٍ .
( 5366 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَهْرُ ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَلِإِحْدَاهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَلَا نَعْلَمُ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُمَا ، فَيَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، فَكَانَ لِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا مَعَ يَمِينِهَا .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : اخْتِيَارِيّ أَنْ يَسْقُطَ الْمَهْرُ إذَا كَانَ مُجْبَرًا عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ .
وَإِنْ دَخَلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ وَقَعَتْ لِغَيْرِ الْمُصَابَةِ ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَلِلْمُصَابَةِ مَهْرُ الْمِثْلِ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمُصَابَةِ ، فَلَا شَيْءَ لِلْأُخْرَى ، وَلِلْمُصَابَةِ الْمُسَمَّى جَمِيعُهُ .
وَإِنْ أَصَابَهُمَا مَعًا ، فَلِإِحْدَاهُمَا الْمُسَمَّى ، وَلِلْأُخْرَى مَهْرُ الْمِثْلِ ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِيهِ .
إنْ قُلْنَا : إنَّ

الْوَاجِبَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مَهْرُ الْمِثْلِ .
وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْمُسَمَّى فِيهِ ، وَجَبَ هَاهُنَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا .

( 5367 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا ، وَدَخَلَ بِهَا ، اعْتَزَلَ زَوْجَتَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الثَّانِيَةِ .
إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْعَقْدَ عَلَى أُخْتِهَا فِي الْحَالِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمَوْطُوءَةِ ، كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْوَطْءُ لِامْرَأَتِهِ ، حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِهَا الَّتِي أَصَابَهَا .

( 5368 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَأَجْنَبِيَّةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، ثَبَتَ نِكَاحُ الْأَجْنَبِيَّةِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى أُخْتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ مَعًا ، بِأَنْ يَكُونَ لَرَجُلٍ أُخْتٌ وَابْنَةُ عَمٍّ ، إحْدَاهُمَا رَضِيعَةُ الْمُتَزَوِّجِ ، فَيَقُولَ لَهُ : زَوَّجَتْكهَا مَعًا .
فَيَقْبَلَ ذَلِكَ .
فَالْمَنْصُوصُ هُنَا صِحَّةُ نِكَاحِ الْأَجْنَبِيَّةِ .
وَنَصَّ فِي مَنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً وَأَمَةً ، عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ ، وَيُفَارِقُ الْأَمَةَ .
وَقِيلَ : فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَفْسُدُ فِيهِمَا ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهَا لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ ، جَمَعَتْ حَلَالًا وَحَرَامًا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْن أُخْتَيْنِ .
وَالثَّانِيَةُ ، يَصِحُّ فِي الْحُرَّةِ .
وَهِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهَا مَحَلٌّ قَابِلٌ لِلنِّكَاحِ ، أُضِيفَ إلَيْهَا عَقْدٌ صَادِرٌ مِنْ أَهْلِهِ ، لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا فِيهِ مِثْلُهَا ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ بِهِ ، وَفَارَقَ الْعَقْدَ عَلَى الْأُخْتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، وَهَاهُنَا قَدْ تَعَيَّنَتْ الَّتِي بَطَلَ النِّكَاحُ فِيهَا ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ لَهَا مِنْ الْمُسَمَّى بِقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِهَا مِنْهُ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ لَهَا نِصْفَ الْمُسَمَّى .
وَأَصْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ ، يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهُمَا بِمَهْرٍ وَاحِدٍ ، هَلْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ صَدَاقِهِمَا ، أَوْ نِصْفَيْنِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، يَأْتِي ذِكْرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 5369 ) فَصْلٌ : وَلَوْ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً وَمَجُوسِيَّةً ، أَوْ مُحَلَّلَةً وَمُحَرَّمَةً ، فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، فَسَدَ فِي الْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُحَرَّمَةِ ، وَفِي الْأُخْرَى وَجْهَانِ .
وَإِنْ نَكَحَ أَرْبَعَ حَرَائِرَ وَأَمَةً ، فَسَدَ فِي الْأَمَةِ ، وَفِي الْحَرَائِرِ وَجْهَانِ .
وَإِنْ نَكَحَ الْعَبْدُ حُرَّتَيْنِ وَأَمَةً ، بَطَلَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ .
وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَابْنَتَهَا ، فَسَدَ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُحَرَّمٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِمَا ، كَالْأُخْتَيْنِ .

( 5370 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَى أُخْتَيْنِ ، فَأَصَابَ إحْدَاهُمَا ، لَمْ يُصِبْ الْأُخْرَى حَتَّى تُحَرَّمَ الْأُولَى بِبَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ هِبَةٍ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَيُعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ ، فَإِنْ عَادَتْ إلَى مِلْكِهِ ، لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، حَتَّى تُحَرَّمَ عَلَيْهِ الْأُولَى ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ سِتَّةٍ : ( 5371 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْمِلْكِ .
بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَكَذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا .
وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً ، فَوَطِئَهَا ، حَلَّ لَهُ شِرَاءُ أُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يُقْصَدُ بِهِ التَّمَوُّلُ دُونَ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَكَذَلِكَ حَلَّ لَهُ شِرَاءُ الْمَجُوسِيَّةِ ، وَالْوَثَنِيَّةِ ، وَالْمُعْتَدَّةِ ، وَالْمُزَوَّجَةِ ، وَالْمُحَرَّمَاتِ عَلَيْهِ بِالرَّضَاعِ وَبِالْمُصَاهَرَةِ .

( 5372 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ إمَائِهِ فِي الْوَطْءِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ .
وَكَرِهَهُ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعَمَّارٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ .
وَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ ؛ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَطَاوُسٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ ، وَلَمْ أَكُنْ لِأَفْعَلْهُ .
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا .
يُرِيدُ بِالْمُحَرِّمَةِ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ } .
وَبِالْمُحَلِّلَةِ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، وَسَأَلَهُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ ، أَحَرَامٌ هُوَ ؟ قَالَ : لَا أَقُولُ حَرَامٌ وَلَكِنْ نَنْهَى عَنْهُ .
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ .
وَقَالَ دَاوُد ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : لَا يُحَرَّمُ .
اسْتِدْلَالًا بِالْآيَةِ الْمُحَلِّلَةِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَرَائِرِ فِي الْوَطْءِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْإِمَاءِ ، وَلِهَذَا تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ فِي الْحَرَائِرِ ، وَتُبَاحُ فِي الْإِمَاءِ بِغَيْرِ حَصْرٍ ، وَالْمَذْهَبُ تَحْرِيمُهُ ؛ لِلْآيَةِ الْمُحَرِّمَةِ ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ بِهَا الْوَطْءَ وَالْعَقْدَ جَمِيعًا ، بِدَلِيلِ أَنَّ سَائِرَ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَةِ يُحَرَّمُ وَطْؤُهُنَّ وَالْعَقْدُ عَلَيْهِنَّ ، وَآيَةُ الْحِلِّ مَخْصُوصَةٌ بِالْمُحَرَّمَاتِ جَمِيعِهِنَّ ، وَهَذِهِ مِنْهُنَّ ، وَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ صَارَتْ فِرَاشًا ، فَحُرِّمَتْ أُخْتُهَا كَالزَّوْجَةِ .

( 5373 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ أُخْتَانِ ، فَلَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَقَالَ الْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ : لَا يَقْرَبُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ .
وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْفِرَاشِ ، فَلَمْ يُحَرَّمْ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ إحْدَاهُمَا فَقَطْ .

( 5374 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا ، فَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمَوْطُوءَةِ عَلَى نَفْسِهِ ، بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَزْوِيجٍ .
هَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
فَإِنْ رَهَنَهَا ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُخْتُهَا ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ وَطْئِهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ لَا لِتَحْرِيمِهَا ، وَلِهَذَا يَحِلُّ لَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ فِي وَطْئِهَا ، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى فَكِّهَا مَتَى شَاءَ وَاسْتِرْجَاعِهَا إلَيْهِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : إنْ اسْتَبْرَأَهَا ، حَلَّتْ لَهُ أُخْتُهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ فِرَاشُهُ ، وَلِهَذَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ ، فَنَفَاهُ بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ انْتَفَى ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَوَّجَهَا .
وَلَنَا ، قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهَا ، وَلَا حِلُّهَا لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَاسْتَبْرَأَهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ وَطْأَهَا ، فَلَا يَأْمَنُ عَوْدَهُ إلَيْهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا .
وَإِنْ حَرَّمَ إحْدَاهُمَا عَلَى نَفْسِهِ ، لَمْ تُبَحْ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُحَرِّمُهَا ، إنَّمَا هُوَ يَمِينٌ يُكَفَّرُ ، وَلَوْ كَانَ يُحَرِّمُهَا إلَّا أَنَّهُ لِعَارِضٍ ، مَتَى شَاءَ أَزَالَهُ بِالْكَفَّارَةِ ، فَهُوَ كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ .
وَإِنْ كَاتَبَ إحْدَاهُمَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ الْأُخْرَى .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَحِلُّ لَهُ الْأُخْرَى .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَحِلُّ لَهُ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهِ ، فَأَشْبَهَ التَّزْوِيجَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ اسْتِبَاحَتِهَا بِمَا لَا يَقِفُ عَلَى غَيْرِهِمَا ، فَلَمْ تُبَحْ لَهُ أُخْتُهَا ، كَالْمَرْهُونَةِ .

( 5375 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ مِلْكِهِ ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُخْتُهَا ، حَتَّى يَسْتَبْرِئَ الْمُخْرَجَةَ ، وَيَعْلَمَ بَرَاءَتَهَا مِنْ الْحَمْلِ .
وَمَتَى كَانَتْ حَامِلًا مِنْهُ ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُخْتُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ جَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ ، بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا .

( 5376 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَطِئَ أَمَتَيْهِ الْأُخْتَيْنِ مَعًا ، فَوَطْءُ الثَّانِيَةِ مُحَرَّمٌ ، وَلَا حَدَّ فِيهِ ، لِأَنَّ وَطْأَهُ فِي مِلْكِهِ وَلِأَنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِي حُكْمِهَا ، وَلَهُ سَبِيلٌ إلَى اسْتِبَاحَتِهَا ، بِخِلَافِ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ .
وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى وَيَسْتَبْرِئَهَا .
وَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : الْأُولَى بَاقِيَةٌ عَلَى الْحِلِّ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ .
إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ : لَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَ الثَّانِيَةَ .
وَلَنَا ، أَنَّ الثَّانِيَة قَدْ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا ، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا ابْتِدَاءً .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ .
لَيْسَ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ بِمَا لَوْ وَطِئَ الْأُولَى فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ إحْرَامٍ ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا ، وَتُحَرَّمُ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فِي هَذِهِ الْحَالِ .
وَلَوْ وَطِئَ امْرَأَةً حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا ، سَوَاءٌ وَطِئَهَا حَرَامًا أَوْ حَلَالًا .

( 5377 ) الْفَصْلُ السَّادِسُ : أَنَّهُ مَتَى زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْمَوْطُوءَةِ زَوَالًا أَحَلَّ لَهُ أُخْتَهَا ، فَوَطِئَهَا ، ثُمَّ عَادَتْ الْأُولَى إلَى مِلْكِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا حَتَّى تُحَرَّمَ الْأُخْرَى ، بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَزْوِيجٍ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَبْقَ فِرَاشًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ صَارَتْ فِرَاشًا ، وَقَدْ رَجَعَتْ إلَيْهِ الَّتِي كَانَتْ فِرَاشًا ، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَكُونُ أُخْتُهَا فِرَاشًا ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ بِهِ .
فَأَمَّا إنْ اسْتَفْرَشَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا ، فَإِنَّ الْمُشْتَرَاةَ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا لَهُ ، لَكِنْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِافْتِرَاشِ أُخْتِهَا .
وَلَوْ أَخْرَجَ الْمَوْطُوءَةَ عَنْ مِلْكِهِ ، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْءِ أُخْتِهَا ، فَهِيَ حَلَالٌ لَهُ ، وَأُخْتُهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ أُخْتَهَا فِرَاشُهُ .

( 5378 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ الْإِمَاءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، وَالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى تَحْرِيمِ الْأُخْتِ ، كَحُكْمِهِ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .
وَمُخَالَفَةُ ذَلِكَ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِقَوْلِهِ : { وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ } .
وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَمْعُ فِي الْعَقْدِ أَوْ الْوَطْءِ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا .

( 5379 ) فَصْلٌ : : وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ ، ثُمَّ أَرَادَ نِكَاحَ أُخْتِهَا ، فَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذَا ، فَقَالَ : لَا يَجْمَعُ بَيْن الْأُخْتَيْنِ الْأَمَتَيْنِ .
فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ .
وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ .
قَالَ الْقَاضِي : هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَرِدَ عَلَى فِرَاشِ الْأُخْتِ ، كَالْوَطْءِ ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ فِي الْأُخْتِ مَا يُنَافِي إبَاحَةَ أُخْتِهَا الْمُفْتَرَشَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالْوَطْءِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ النِّكَاحُ ، وَلَا تُبَاحُ الْمَنْكُوحَةُ حَتَّى تُحَرَّمَ أُخْتُهَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ ، فَجَازَ أَنْ يَرِدَ عَلَى وَطْءِ الْأُخْتِ ، وَلَا يُبِيحُ كَالشِّرَاءِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ النِّكَاحُ ، وَتَحِلُّ لَهُ الْمَنْكُوحَةُ ، وَتُحَرَّمُ أُخْتُهَا ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى مِنْ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَقْوَى .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ وَطْءَ مَمْلُوكَتِهِ مَعْنًى يُحَرِّمُ أُخْتَهَا لِعِلَّةِ الْجَمْعِ ، فَمَنَعَ صِحَّةَ نِكَاحِهَا كَالزَّوْجِيَّةِ ، وَيُفَارِقُ الشِّرَاءَ ، فَإِنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْوَطْءُ ، وَلِهَذَا صَحَّ شِرَاءُ الْأُخْتَيْنِ ، وَمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ .
وَقَوْلُهُمْ : النِّكَاحُ أَقْوَى مِنْ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ .
مَمْنُوعٌ .
وَإِنْ سُلِّمَ ، فَالْوَطْءُ أَسْبَقُ ، فَيُقَدَّمُ وَيَمْنَعُ صِحَّةَ مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِمَّا يُنَافِيه ، كَالْعِدَّةِ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ نِكَاحِ الْأُخْتِ ، وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْأَمَةِ يُحَرِّمُ نِكَاحَ ابْنَتِهَا وَأُمِّهَا ، وَلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْتَبْرِئْ الْمَوْطُوءَةَ .

( 5380 ) فَصْلٌ : فَإِنْ زَوَّجَ الْأَمَةَ الْمَوْطُوءَةَ ، أَوْ أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ ، فَلَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا .
وَإِنْ عَادَتْ الْأَمَةُ إلَى مِلْكِهِ ، فَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا ، وَحِلُّهَا بَاقٍ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ ، وَهُوَ أَقْوَى ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ .
وَعَنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُحَرَّمَ إحْدَاهُمَا ؛ لِأَنَّ أَمَتَهُ الَّتِي كَانَتْ فِرَاشًا قَدْ عَادَتْ إلَيْهِ ، وَالْمَنْكُوحَةُ مُسْتَفْرَشَةٌ ، فَأَشْبَهَ أَمَتَيْهِ الَّتِي وَطِئَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ تَزْوِيجِ الْأُخْرَى ، ثُمَّ طَلَّقَ الزَّوْجُ أُخْتَهَا .
وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا ، صَحَّ الشِّرَاءُ ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ كَالْوَطْءِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا .
فَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ حُرِّمَتَا عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَ الْأَمَةَ ، ثُمَّ تَحِلُّ لَهُ زَوْجَتُهُ دُونَ أَمَتِهِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى وَأَسْبَقُ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا لِمَائِهِ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَا عَلَيْهِ جَمِيعًا ، حَتَّى تُحَرَّمَ إحْدَاهُمَا ، كَالْأَمَتَيْنِ .

( 5381 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَعَمَّةُ الْأَمَةِ وَخَالَتُهَا فِي ذَلِكَ كَأُخْتِهَا ) يَعْنِي فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ ، وَالتَّفْصِيلُ فِيهِمَا كَالتَّفْصِيلِ فِي الْأُخْتَيْنِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .

( 5382 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَنْ كَانَتْ زَوْجَةَ رَجُلٍ وَابْنَتَهُ مِنْ غَيْرِهَا ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَرَبِيبَتِهَا جَائِزًا ، لَا بَأْسَ بِهِ ، فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَان بْنِ أُمَيَّةَ .
وَبِهِ قَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا الْحَسَنَ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى .
رُوِيَتْ عَنْهُمْ كَرَاهَتُهُ ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا لَوْ كَانَتْ ذَكَرًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى ، فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ وَعَمَّتَهَا .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } .
وَلِأَنَّهُمَا لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا ، فَأَشْبَهَتَا الْأَجْنَبِيَّتَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ حُرِّمَ خَوْفًا مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ بَيْنَ الْمُتَنَاسِبَتَيْنِ ، وَلَا قَرَابَةَ بَيْنَ هَاتَيْنِ ، وَبِهَذَا يُفَارِقُ مَا ذَكَرُوهُ .

( 5383 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ ابْنٌ مِنْ غَيْرِ زَوْجَتِهِ ، وَلَهَا بِنْتٌ مِنْ غَيْرِهِ ، أَوْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَلَهَا ابْنٌ ، جَازَ تَزْوِيجُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ .
فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .
وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ كَرَاهِيَتُهُ إذَا كَانَ مِمَّا وَلَدَتْهُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ وَطْءِ الزَّوْجِ لَهَا .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ وَلَا سَبَبٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَكَوْنُهُ أَخًا لِأُخْتِهَا ، لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّحْرِيمِ ، فَبَقِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ .
وَمَتَى وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَلَدًا ، صَارَ عَمًّا لِوَلَدِ وَلَدَيْهِمَا وَخَالًا .

( 5384 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ تُحَرَّمْ أُمُّهَا وَلَا ابْنَتُهَا عَلَى أَبِيهِ وَلَا ابْنِهِ ، فَمَتَى تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَزَوَّجَ ابْنَهُ أُمَّهَا جَازَ ؛ لِعَدَمِ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ .
فَإِذَا وُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ ، كَانَ وَلَدُ الِابْنِ خَالَ وَلَدِ الْأَبِ ، وَوَلَدُ الْأَبِ عَمَّ وَلَدِ الِابْنِ وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً ، وَزَوَّجْت ابْنِي بِأُمِّهَا ، فَأَخْبِرْنَا .
فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : إنْ أَخْبَرْتنِي بِقَرَابَةِ وَلَدِك مِنْ وَلَدِ ابْنِك أَخْبَرْتُك .
فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَذَا الْعُرْيَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ الَّذِي وَلَّيْتَهُ قَائِمَ سَيْفِكَ ، إنْ عَلِمَ ذَلِكَ فَلَا تُخْبِرْنِي .
فَقَالَ الْعُرْيَانُ : أَحَدُهُمَا عَمُّ الْآخَرِ ، وَالْآخَرُ خَالُهُ .

( 5385 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ، وَزَوَّجَ ابْنَهُ بِنْتَهَا أَوْ أُمَّهَا ، فَزُفَّتْ امْرَأَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ ، فَوَطِئَهَا ، فَإِنَّ وَطْءَ الْأَوَّلِ يُوجِبُ عَلَيْهِ مَهْرَ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ ، وَيُفْسَخُ بِهِ نِكَاحُهَا مِنْ زَوْجِهَا ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالْوَطْءِ حَلِيلَةَ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ ، وَيَسْقُطُ بِهِ مَهْرُ الْمَوْطُوءَةِ عَنْ زَوْجِهَا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا ، بِتَمْكِينِهَا مِنْ وَطْئِهَا ، وَمُطَاوَعَتِهَا عَلَيْهِ ، وَلَا شَيْءَ لِزَوْجِهَا عَلَى الْوَاطِئِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ يَرْجِعُ بِهِ ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُشَارِكَةٌ فِي إفْسَادِ نِكَاحِهَا بِالْمُطَاوَعَةِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَى زَوْجِهَا شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ بِهِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ لِزَوْجِهَا نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ نِكَاحَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ تُفْسِدُ نِكَاحَهُ بِالرَّضَاعِ .
وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْوَاطِئِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ امْرَأَتَهُ صَارَتْ أُمًّا لِمَوْطُوءَتِهِ أَوْ بِنْتًا لَهَا ، وَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى .
فَأَمَّا وَطْءُ الثَّانِي ، فَيُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ لِلْمَوْطُوءَةِ خَاصَّةً .
فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَوَّلُ ، انْفَسَخَ النِّكَاحَانِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرُ مِثْلِهَا عَلَى وَاطِئِهَا ، وَلَا يَثْبُتُ رُجُوعُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَيَجِبُ لِامْرَأَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ نِصْفُ الْمُسَمَّى ، وَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ .

( 5386 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَحَرَائِرُ نِسَاء أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحُهُمْ حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ ) لَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، بِحَمْدِ اللَّهِ ، اخْتِلَافٌ فِي حِلِّ حَرَائِرِ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَطَلْحَةُ ، وَحُذَيْفَةُ وَسَلْمَانُ ، وَجَابِرٌ ، وَغَيْرُهُمْ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَوَائِلِ أَنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ .
وَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ حُذَيْفَةَ ، وَطَلْحَةَ ، وَالْجَارُودَ بْنَ الْمُعَلَّى ، وَأُذَيْنَةَ الْعَبْدِيَّ ، تَزَوَّجُوا نِسَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَبِهِ قَالَ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَحَرَّمَتْهُ الْإِمَامِيَّةُ ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } ، { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } ، وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ إلَى قَوْلِهِ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } .
وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ } .
فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نُسِخَتْ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَقَدِّمَتَانِ ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْمَائِدَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُمَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ هَذَا نَسْخًا ، فَإِنَّ لَفْظَةَ الْمُشْرِكِينَ بِإِطْلَاقِهَا لَا تَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ } .
وَقَالَ { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ } .
وَقَالَ { : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا } .
وَقَالَ { : مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ } .
وَسَائِرُ آيِ الْقُرْآنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ الْمُشْرِكِينَ

بِإِطْلَاقِهَا غَيْرُ مُتَنَاوِلَةٍ لِأَهْلِ الْكِتَابِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَلِأَنَّ مَا احْتَجُّوا بِهِ عَامٌّ فِي كُلِّ كَافِرَةٍ ، وَآيَتُنَا خَاصَّةٌ فِي حِلِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَالْخَاصُّ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلَّذِينَ تَزَوَّجُوا مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ : طَلِّقُوهُنَّ .
فَطَلَّقُوهُنَّ إلَّا حُذَيْفَةَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : طَلِّقْهَا .
قَالَ : تَشْهَدُ أَنَّهَا حَرَامٌ ؟ قَالَ : هِيَ جَمْرَةٌ ، طَلِّقْهَا .
قَالَ : تَشْهَدُ أَنَّهَا حَرَامٌ ؟ قَالَ : هِيَ جَمْرَةٌ .
قَالَ : قَدْ عَلِمْت أَنَّهَا جَمْرَةٌ ، وَلَكِنَّهَا لِي حَلَالٌ .
فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ طَلَّقَهَا ، فَقِيلَ لَهُ : أَلَا طَلَّقْتهَا حِينَ أَمَرَك عُمَرُ ؟ قَالَ : كَرِهْت أَنْ يَرَى النَّاسُ أَنِّي رَكِبْت أَمْرًا لَا يَنْبَغِي لِي .
وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا مَالَ إلَيْهَا قَلْبُهُ فَفَتَنَتْهُ ، وَرُبَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَيَمِيلُ إلَيْهَا .
( 5387 ) فَصْلٌ : وَأَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ هَذَا حُكْمُهُمْ ، هُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا } .
فَأَهْلُ التَّوْرَاةِ الْيَهُودُ وَالسَّامِرَةُ ، وَأَهْلُ الْإِنْجِيلِ النَّصَارَى ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ مِنْ الْإِفْرِنْجِ وَالْأَرْمَنِ وَغَيْرِهِمْ .
وَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ السَّلَفُ كَثِيرًا ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ جِنْسٌ مِنْ النَّصَارَى .
وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَعَلَّقَ الْقَوْلَ فِيهِمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يَسْبِتُونَ .
فَهَؤُلَاءِ إذَا يُشْبِهُونَ الْيَهُودَ .
وَالصَّحِيحُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ النَّصَارَى أَوْ الْيَهُودَ فِي أَصِلْ دِينِهِمْ ، وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي فُرُوعِهِ ، فَهُمْ مِمَّنْ وَافَقُوهُ ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي أَصِلْ الدِّينِ ، فَلَيْسَ هُمْ مِنْهُمْ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا مَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْكُفَّارِ ،

مِثْلُ الْمُتَمَسِّكِ بِصُحُفِ إبْرَاهِيمَ ، وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد ، فَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ ، وَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِمْ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَتَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ ، وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ ، وَيُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِكِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَشْبَهُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا } .
وَلِأَنَّ تِلْكَ الْكُتُبَ كَانَتْ مَوَاعِظَ وَأَمْثَالًا ، لَا أَحْكَامَ فِيهَا ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ .

( 5388 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمَجُوسِ كِتَابٌ ، وَلَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ ، وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِمْ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، إلَّا أَبَا ثَوْرٍ ، فَإِنَّهُ أَبَاحَ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .
وَلِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً .
وَلِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ، فَأَشْبَهُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ } .
وَقَوْله { : وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } .
فَرَخَّصَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَمَنْ عَدَاهُمْ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ لِلْمَجُوسِ كِتَابًا .
وَسُئِلَ أَحْمَدُ ، أَيَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ لِلْمَجُوسِ كِتَابًا ؟ فَقَالَ : هَذَا بَاطِلٌ وَاسْتَعْظَمَهُ جِدًّا .
وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَثْبُتُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ .
وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَامُ { : سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا كِتَابَ لَهُمْ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ ، وَإِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ لَا غَيْرُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا كَانَتْ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ ، غُلِّبَ ذَلِكَ فِي تَحْرِيمِ دِمَائِهِمْ ، فَيَجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ لِنِسَائِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ ، فَإِنَّنَا إذَا غَلَّبْنَا الشُّبْهَةَ فِي التَّحْرِيمِ فَتَغْلِيبُ الدَّلِيلِ الَّذِي عَارَضَتْهُ الشُّبْهَةُ فِي التَّحْرِيمِ أَوْلَى ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً ، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً .
وَقَالَ : أَبُو وَائِلٍ يَقُول : تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً .
وَهُوَ أَوْثَقُ مِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً .
وَقَالَ : ابْنُ سِيرِينَ : كَانَتْ امْرَأَةُ حُذَيْفَةَ نَصْرَانِيَّةً .
وَمَعَ تَعَارُضِ الرِّوَايَاتِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ إحْدَاهُنَّ إلَّا بِتَرْجِيحٍ ، عَلَى

أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ ، فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مَعَ مُخَالِفَتِهِ الْكِتَابَ وَقَوْلَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ .
وَأَمَّا إقْرَارُهُمْ بِالْجِزْيَةِ ، فَلِأَنَّنَا غَلَّبْنَا حُكْمَ التَّحْرِيمِ لِدِمَائِهِمْ ، فَيَجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ .

( 5389 ) فَصْلٌ : وَسَائِر الْكُفَّارِ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَمَنْ عَبَدَ مَا اسْتَحْسَنَ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَحْجَارِ وَالشَّجَرِ وَالْحَيَوَانِ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَحْرِيمِ نِسَائِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ ؛ وَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيَتَيْنِ ، وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ لَهُمَا .
وَالْمُرْتَدَّةُ يَحْرُمُ نِكَاحُهَا عَلَى أَيِّ دِينٍ كَانَتْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَتْ إلَيْهِ فِي إقْرَارِهَا عَلَيْهِ ، فَفِي حِلِّهَا أَوْلَى .

( 5390 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْكَافِرَةِ كِتَابِيًّا ، وَالْآخَرُ وَثَنِيًّا ، لَمْ يَنْكِحْهَا مُسْلِمٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْكِتَابِيَّةِ غَيْرَ كِتَابِيٍّ ، لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا ، سَوَاءٌ كَانَ وَثَنِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِيمَا إذَا كَانَ الْأَبُ غَيْرَ كِتَابِيٍّ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إلَى أَبِيهِ ، وَيَشْرُفُ بِشَرَفِهِ وَيُنْسَبُ إلَى قَبِيلَتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ فَلَهُ فِيهِ قَوْلَانِ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا غَيْرُ مُتَمَحِّضَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ أَبُوهَا وَثَنِيًّا ، وَلِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَنْ يَحِلُّ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَحِلُّ ، فَلَمْ يَحِلَّ ، كَالسِّمْعِ وَالْبَغْلِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَحِلَّ بِكُلِّ حَالٍ ، لَدُخُولِهَا فِي عُمُومِ الْآيَةِ الْمُبِيحَةِ ، وَلِأَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ تُقَرُّ عَلَى دِينِهَا ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ أَبَوَاهَا كِتَابِيَّانِ .
وَالْحُكْمُ فِي مَنْ أَبَوَاهَا غَيْرُ كِتَابِيَّيْنِ ، كَالْحُكْمِ فِي مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهَا كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا إذَا حُرِّمَتْ لِكَوْنِ أَحَدِ أَبَوَيْهَا وَثَنِيًّا ، فَلَأَنْ تُحَرَّمَ إذَا كَانَا وَثَنِيَّيْنِ أَوْلَى .
وَالِاحْتِمَالُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ثَمَّ مُتَحَقِّقٌ هَاهُنَا ، اعْتِبَارًا بِحَالِ نَفْسِهَا دُونَ أَبَوَيْهَا .

( 5391 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً ، فَانْتَقَلَتْ إلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ الْكُفْرِ غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أُجْبِرَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ : ( 5392 ) الْأَوَّلُ : أَنَّ الْكِتَابِيَّ إذَا انْتَقَلَ إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، لَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ .
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، فَإِنَّهُ إذَا انْتَقَلَ إلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ بِالْجِزْيَةِ ، كَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَغَيْرِهَا ، مِمَّا يَسْتَحْسِنُهُ ، فَالْأَصْلِيُّ مِنْهُمْ لَا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ ، فَالْمُنْتَقِلُ إلَيْهِ أَوْلَى .
وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى الْمَجُوسِيَّةِ ، لَمْ يُقَرَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى أَنْقَصَ مِنْ دِينِهِ ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ ، كَالْمُسْلِمِ إذَا ارْتَدَّ .
فَأَمَّا إنْ انْتَقَلَ إلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَالْيَهُودِيِّ يَتَنَصَّرُ ، أَوْ النَّصْرَانِيِّ يَتَهَوَّدُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُقَرُّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى دِينٍ بَاطِلٍ ، قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهِ ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ ، كَالْمُرْتَدِّ .
وَالثَّانِيَةُ ، يُقَرُّ عَلَيْهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمُنْتَقِلِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ .
كَالرِّوَايَتَيْنِ .
فَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ إذَا انْتَقَلَ إلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ ، لَمْ يُقَرَّ ، كَأَهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ .
وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، خُرِّجَ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } .
وَلِعُمُومِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِمَا جَمِيعًا .
( 5393 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُنْتَقِلَ إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ .

نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ .
وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْإِسْلَامِ أَدْيَانٌ بَاطِلَةٌ .
قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهَا ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهَا كَالْمُرْتَدِّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ دِينَهُ الْأَوَّلَ قَدْ أَقْرَرْنَاهُ عَلَيْهِ مَرَّةً .
وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى خَيْرٍ مِنْهُ ، فَنُقِرُّهُ عَلَيْهِ إنْ رَجَعَ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ مُنْتَقِلٌ مِنْ دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ ، إلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ ، فَيُقْبَلُ مِنْهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ ، كَالْمُرْتَدِّ إذَا رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ الْإِسْلَامُ ، أَوْ الرُّجُوعُ إلَى دِينِهِ الْأَوَّلِ ، أَوْ دِينٌ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .
وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقُلْنَا : لَا يُقَرُّ .
فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ .
وَالْأُخْرَى ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ .
( 5394 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِي صِفَةِ إجْبَارِهِ عَلَى تَرْكِ مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ .
وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً ؛ لِعُمُومِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } .
وَلِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ نَقَضَ الْعَهْدَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَضَهُ بِتَرْكِ الْتِزَامِ الذِّمَّةِ .
وَهَلْ يُسْتَتَابُ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُسْتَتَابُ ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَرْجَعُ عَنْ دِينٍ بَاطِلٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ ، فَيُسْتَتَابُ ، كَالْمُرْتَدِّ .
وَالثَّانِي : لَا يُسْتَتَابُ ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ أُبِيحَ قَتْلُهُ ، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ .
فَعَلَى هَذَا إنْ بَادَرَ وَأَسْلَمَ ، أَوْ رَجَعَ إلَى مَا يُقَرُّ عَلَيْهِ ، عُصِمَ دَمُهُ وَإِلَّا قُتِلَ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، عَنْ أَحْمَدَ

قَالَ : إذَا دَخَلَ الْيَهُودِيُّ فِي النَّصْرَانِيَّةِ ، رَدَدْته إلَى الْيَهُودِيَّةِ ، وَلَمْ أَدَعْهُ فِيمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَقْتُلُهُ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ .
قَالَ : وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا ، فَدَخَلَ فِي الْمَجُوسِيَّةِ ، كَانَ أَغْلَظَ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ ، وَلَا تُنْكَحُ لَهُ امْرَأَةٌ ، وَلَا يُتْرَكُ حَتَّى يُرَدَّ إلَيْهَا .
فَقِيلَ لَهُ : تَقْتُلُهُ إذَا لَمْ يَرْجِعْ ؟ قَالَ : إنَّهُ لَأَهْلُ ذَلِكَ .
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْكِتَابِيَّ الْمُنْتَقِلَ إلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُقْتَلُ ، بَلْ يُكْرَهُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ .
( 5395 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّ امْرَأَةَ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّةَ ، إذَا انْتَقَلَتْ إلَى دِينٍ غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَهِيَ كَالْمُرْتَدَّةِ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ نِسَائِهِمْ ، فَمَتَى كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا فِي الْحَالِ ، وَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، وَقَفَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى يَنْفَسِخُ فِي الْحَالِ أَيْضًا .
( 5396 )

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَأَمَتُهُ الْكِتَابِيَّةُ حَلَالٌ لَهُ ، دُونَ أَمَتِهِ الْمَجُوسِيَّةِ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 5397 ) أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَمَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ حَلَالٌ لَهُ .
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا الْحَسَنَ ، فَإِنَّهُ كَرِهَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ يُحَرَّمُ نِكَاحُهَا فَحُرِّمَ التَّسَرِّي بِهَا كَالْمَجُوسِيَّةِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } .
وَلِأَنَّهَا مِمَّنْ يَحِلُّ نِكَاحُ حَرَائِرِهِمْ ، فَحَلَّ لَهُ التَّسَرِّي بِهَا ، كَالْمُسْلِمَةِ .
فَأَمَّا نِكَاحُهَا فَيُحَرَّمُ لِأَنَّ فِيهِ إرْقَاقَ وَلَدِهِ ، وَإِبْقَاءَهُ مَعَ كَافِرَةٍ ، بِخِلَافِ التَّسَرِّي .
( 5398 )

الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ مَنْ حُرِّمَ نِكَاحُ حَرَائِرِهِمْ مِنْ الْمَجُوسِيَّات ، وَسَائِرِ الْكَوَافِرِ سِوَى أَهْلِ الْكِتَابِ ، لَا يُبَاحُ وَطْءُ الْإِمَاءِ مِنْهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ .
فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَمَا خَالَفَهُ فَشُذُوذٌ لَا يُعَدُّ خِلَافًا .
وَلَمْ يَبْلُغْنَا إبَاحَةُ ذَلِكَ إلَّا عَنْ طَاوُسٍ ، وَوَجْهُ قَوْلِهِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى { : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .
وَالْآيَة الْأُخْرَى .
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعْثًا قِبَلَ أَوْطَاسٍ ، فَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا ، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَرَّجُوا مِنْ غَشَيَانِهِنَّ ، مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ { : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .
قَالَ : فَهُنَّ لَهُمْ حَلَالٌ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ .
} وَعَنْهُ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً } .
رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَهُمْ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ .
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إبَاحَتِهِنَّ ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَكْثَرُ سَبَايَاهُمْ مِنْ كُفَّارِ الْعَرَبِ ، وَهُمْ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ تَحْرِيمَهُنَّ لِذَلِكَ ، وَلَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمُهُنَّ ، وَلَا أَمَرَ الصَّحَابَةَ بِاجْتِنَابِهِنَّ ، وَقَدْ دَفَعَ أَبُو بَكْرٍ إلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ امْرَأَةً مِنْ بَعْضِ السَّبْيِ ،

نَفَلَهَا إيَّاهُ ، وَأَخَذَ عُمَرُ وَابْنُهُ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَالْحَنَفِيَّةُ أُمُّ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ ، وَقَدْ أَخَذَ الصَّحَابَةُ سَبَايَا فَارِسَ ، وَهُمْ مَجُوسٌ ، فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُمْ اجْتَنَبُوهُنَّ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إبَاحَتِهِنَّ ، لَوْلَا اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ .
وَقَدْ أَجَبْت عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِأَجْوِبَةٍ ، مِنْهَا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُنَّ أَسْلَمْنَ ، كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سَأَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : هَوَازِنُ أَلَيْسَ كَانُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي كَانُوا أَسْلَمُوا أَوْ لَا .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إبَاحَةُ وَطْئِهِنَّ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } .
( 5399 )

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً كِتَابِيَّةً ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ } .
هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَإِسْحَاقَ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمُجَاهِدٍ .
وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُهَا ؛ لِأَنَّهَا تَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، فَحَلَّتْ بِالنِّكَاحِ كَالْمُسْلِمَةِ .
وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِتَزْوِيجِهَا .
إلَّا أَنَّ الْخَلَّالَ رَدَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، وَقَالَ : إنَّمَا تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهَا ، وَلَمْ يَنْفُذْ لَهُ قَوْلٌ ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ } .
فَشَرَطَ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِهِنَّ الْإِيمَانَ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، وَتُفَارِقُ الْمُسْلِمَةَ ، لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى اسْتِرْقَاقِ الْكَافِرِ وَلَدَهَا ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُقَرُّ مِلْكُهُ عَلَى مُسْلِمَةٍ ، وَالْكَافِرَةُ تَكُونُ مِلْكًا لَكَافِرٍ ، وَيُقَرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا .
وَوَلَدُهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا ، وَلِأَنَّهُ قَدْ اعْتَوَرَهَا نُقْصَانٌ ، نَقْصُ الْكُفْرِ وَالْمِلْكِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا مَنَعَا ، كَالْمَجُوسِيَّةِ لَمَّا اجْتَمَعَ فِيهَا نَقْصُ الْكُفْرِ ، وَعَدَمُ الْكِتَابِ ، لَمْ يُبَحْ نِكَاحُهَا .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِهَا ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ ، وَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ عَلَى الْحُرِّ تَزْوِيجُهُ لِأَجْلِ دِينِهِ ، حُرِّمَ عَلَى الْعَبْدِ ، كَالْمَجُوسِيَّةِ .

( 5400 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا لِحُرٍّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً مُسْلِمَةً ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ طَوْلًا بِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ، وَيَخَافَ الْعَنَتَ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَيْئَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ إذَا وُجِدَ فِيهِ الشَّرْطَانِ ، عَدَمُ الطَّوْلِ ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ .
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافًا فِيهِ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ { : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا } .
الْآيَةُ .
وَالصَّبْرُ عَنْهَا مَعَ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ } .
وَالثَّانِي : إذَا عُدِمَ الشَّرْطَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا لِحُرٍّ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمَكْحُولٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مِمَّا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ ، نِكَاحُ الْأَمَةِ ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى النِّكَاحِ لَا تَمْنَعُ النِّكَاحَ ، كَمَا يَمْنَعُهُ وُجُودُ النِّكَاحِ ، كَنِكَاحِ الْأُخْتِ وَالْخَامِسَةِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ : إذَا خَافَ الْعَنَتَ حَلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ ، وَإِنْ وُجِدَ الطَّوْلُ ؛ لِأَنَّ إبَاحَتَهَا لِضَرُورَةِ خَوْفِ الْعَنَتِ ، وَقَدْ وُجِدَتْ ، فَلَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِنِكَاحِ الْأَمَةِ ، فَأَشْبَهَ عَادِمَ الطَّوْلِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ } إلَى قَوْلِهِ { : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } .
فَشَرَطَ فِي نِكَاحِهَا عَدَمَ اسْتِطَاعَةِ الطَّوْلِ ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَالصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مَعَ عَدَمِ اسْتِطَاعَةِ الْإِعْتَاقِ ، وَلِأَنَّ فِي تَزْوِيجِ الْأَمَةِ إرْقَاقَ وَلَدِهِ

مَعَ الْغِنَى عَنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ .
وَقِيَاسُهُمْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ نِكَاحَ الْخَامِسَةِ وَالْأُخْتِ ، إنَّمَا حُرِّمَ لِأَجْلِ الْجَمْعِ ، وَبِالْقُدْرَةِ عَلَى الْجَمْعِ لَا يَصِيرُ جَامِعًا ، وَالْعِلَّةُ هَاهُنَا ، هُوَ الْغِنَى عَنْ إرْقَاقِ وَلَدِهِ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ .
وَأَمَّا مَنْ يَجِدُ الطَّوْلَ وَيَخَافُ الْعَنَتَ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَا يَجِدُ إلَّا حُرَّةً صَغِيرَةً أَوْ غَائِبَةً أَوْ مَرِيضَةً لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ، أَوْ وَجَدَ مَالًا وَلَمْ يَتَزَوَّجْ لِقُصُورِ نَسَبِهِ ، فَلَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ حُرَّةٍ تُعِفُّهُ .
وَإِنْ كَانَتْ الْحُرَّةُ فِي حِبَالَةِ غَيْرِهِ ، فَلَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْغَائِبَةِ .
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجُوزُ ؛ لِوُجْدَانِ الطَّوْلِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِلطَّوْلِ إلَى حُرَّةٍ تُعِفُّهُ ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَا يَجِدُ شَيْئًا ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ ابْنَ السَّبِيلِ الَّذِي لَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ فَقِيرًا ؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حُرَّةٌ يَتَمَكَّنُ مِنْ وَطْئِهَا ، وَالْعِفَّةُ بِهَا ، فَلَيْسَ بِخَائِفٍ الْعَنَتَ .

( 5401 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَزْوِيجِ كِتَابِيَّةٍ تُعِفُّهُ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ .
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَذَكَرُوا وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } .
وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِذَلِكَ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } .
وَهَذَا غَيْرُ خَائِفٍ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى صِيَانَةِ وَلَدِهِ عَنْ الرِّقِّ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إرْقَاقُهُ ، كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى نِكَاحِ مُؤْمِنَةٍ .

( 5402 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ بِهَا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ .
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكِتَابِيَّةِ وَالْمُسْلِمَةِ فِي ذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .

( 5403 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا ، لَكِنْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلِصَاحِبِهِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ فِي الْحَالِ .
وَكَذَلِكَ إنْ رَضِيت الْحُرَّةُ بِتَأْخِيرِ صَدَاقِهَا ، أَوْ تَفْوِيضِ بُضْعِهَا ؛ لِأَنَّ لَهَا مُطَالَبَتُهُ بِعِوَضِهِ .
وَكَذَلِكَ إنْ بَذَلَ لَهُ بَاذِلٌ أَنْ يَزِنَهُ عَنْهُ ، أَوْ يَهَبَهُ إيَّاهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرِ الْمِنَّةِ ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ نِكَاحُ الْأَمَةِ .
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُزَوِّجُهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ ، وَلَا يُجْحِفُ بِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، فَلَهُ التَّيَمُّمُ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا } .
وَهَذَا مُسْتَطِيعٌ ، وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ بِمَا لَا يَضُرُّهُ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إرْقَاقُ وَلَدِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا ، وَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرُوهُ فِي التَّيَمُّمِ ، ثُمَّ هَذَا مُفَارِقٌ لِلتَّيَمُّمِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ عَامَّةٌ ، وَهَذَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ ، وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحُرَّةِ لَا ضَرُورَةَ .
وَالثَّانِي ، أَنَّ التَّيَمُّمَ يَتَكَرَّرُ ، فَإِيجَابُ شِرَائِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ يُفْضِي إلَى الْإِجْحَافِ بِهِ ، وَهَذَا لَا يَتَكَرَّرُ ، فَلَا ضَرَرَ فِيهِ .

( 5404 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ ، وَأَنَّ الْمَالَ لِغَيْرِهِ .
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى مَخَافَةَ الْعَنَتِ .
وَمَتَى تَزَوَّجَ الْأَمَةَ ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ مُوسِرًا حَالَ النِّكَاحِ ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِفَسَادِ نِكَاحِهِ .
وَهَكَذَا إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْشَى الْعَنَتَ .
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَصَدَّقَهُ السَّيِّدُ ، فَلَا مَهْرَ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ ، فَلَهُ نِصْفُ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي صِحَّةَ النِّكَاحِ وَالْأَصْلُ مَعَهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى جَمِيعُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، يَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِإِقْرَارِهِ بِهِ .
وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ ، وَجَبَ وَلِلسَّيِّدِ أَلَّا يُصَدِّقَهُ فِيمَا قَالَ ، فَيَكُونَ لَهُ مِنْ الْمَهْرِ مَا يَجِبُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ .
وَهَلْ ذَلِكَ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .

( 5405 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَتَى عَقَدَ عَلَيْهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ ؛ عَدَمُ الطَّوْلِ ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ ، ثُمَّ أَيْسَرَ ، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَفِي الْمَذْهَبِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَفْسُدُ النِّكَاحُ .
وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ ، فَإِذَا زَالَتْ الْحَاجَةُ لَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ ، كَمَنْ أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ ، فَإِذَا وُجِدَ الْحَلَالَ لَمْ يَسْتَدِمْهُ .
وَلَنَا ، أَنَّ فَقْدَ الطَّوْلِ أَحَدُ شَرْطَيْ إبَاحَةِ نِكَاحِ الْأَمَةِ ، فَلَمْ تُعْتَبَر اسْتَدَامَتْهُ ، كَخَوْفِ الْعَنَتِ ، وَيُفَارِقُ أَكْلَ الْمَيْتَةِ ، فَإِنَّ أَكْلَهَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ ابْتِدَاءٌ لِلْأَكْلِ ، وَهَذَا لَا يَبْتَدِئُ النِّكَاحَ .
إنَّمَا يَسْتَدِيمُهُ ، وَالِاسْتِدَامَةُ لِلنِّكَاحِ تُخَالِفُ ابْتِدَاءَهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِدَّةَ وَالرِّدَّةَ وَأَمْنَ الْعَنَتِ يَمْنَعْنَ ابْتِدَاءَهُ دُونَ اسْتِدَامَتِهُ .

( 5406 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ عَلَى الْأَمَةِ حُرَّةً ، صَحَّ .
وَفِي بُطْلَانِ نِكَاحِ الْأَمَةِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَبْطُلُ .
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأَمَةِ .
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالْمُزَنِيِّ .
وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ .
وَقَالَ النَّخَعِيُّ إنْ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَمَةِ وَلَدٌ ، لَمْ يُفَارِقْهَا ، وَإِلَّا فَارَقَهَا .
وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مُبْطِلًا لِلنِّكَاحِ فِي غَيْرِ ذَاتِ الْوَلَدِ أَبْطَلَهُ فِي ذَاتِ الْوَلَدِ ، كَسَائِرِ مُبْطِلَاتِهِ ، وَلِأَنَّ وَلَدَهُ مِنْهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ .
وَقَدْ اُسْتُدِلَّ عَلَى بَقَاءِ النِّكَاحِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : إذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ ، قَسَمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ ، وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةً .
فَإِنَّهُ لَوْ بَطَلَ بِنِكَاحِ الْحُرَّةِ ، لَبَطَلَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمُبْدَلِ كَاسْتِعْمَالِهِ ، بِدَلِيلِ الْمَاءِ مَعَ التُّرَابِ .

( 5407 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنْ الْإِمَاءِ أَرْبَعًا ، إذَا كَانَ الشَّرْطَانِ فِيهِ قَائِمَيْنِ ) اخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي إبَاحَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَمَةٍ إذَا لَمْ تُعِفَّهُ فَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إذَا خَشِيَ الْعَنَتَ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا ، إذَا لَمْ يَصْبِرْ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، قَالَ أَحْمَدُ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَّا أَمَةً وَاحِدَةً .
يَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ الْحُرَّ لَا يَتَزَوَّجُ مِنْ الْإِمَاءِ إلَّا وَاحِدَةً ، وَقَرَأَ { : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } .
وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا لَا يَخْشَى الْعَنَتَ .
وَوَجْهُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى { : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا } .
الْآيَةُ .
وَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِهَا ، وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلطَّوْلِ ، خَائِفٌ لِلْعَنَتِ ، فَجَازَ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ كَالْأُولَى ، وَقَوْلُهُمْ : لَا يَخْشَى الْعَنَتَ .
قُلْنَا : الْكَلَامُ فِي مَنْ يَخْشَاهُ ، وَلَا نُبِيحُهُ إلَّا لَهُ .
وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ .
وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً فَلَمْ تُعِفَّهُ ، فَذَكَرَ فِيهَا أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَتَيْنِ ، مِثْلُ نِكَاحِ الْأَمَةِ فِي حَقِّ مَنْ تَحْتَهُ أَمَةٌ لَمْ تُعِفَّهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَإِنْ كَانَتْ الْحُرَّةُ تُعِفُّهُ ، فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ .
وَإِنْ نَكَحَ أَمَةً تُعِفُّهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُخْرَى ، فَإِنْ نَكَحَهَا ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ .
لِأَنَّهُ يَبْطُلُ فِي إحْدَاهُمَا ، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى ، فَبَطَلَ ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ .

( 5408 ) فَصْلٌ : وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ الْأَمَةَ ، وَإِنْ فُقِدَ فِيهِ الشَّرْطَانِ ؛ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهَا ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ هَذَانِ الشَّرْطَانِ ، كَالْحُرِّ مَعَ الْحُرَّةِ .
وَلَهُ نِكَاحُ أَمَتَيْنِ مَعًا ، وَوَاحِدَةٍ بَعْدَ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ خَشْيَةَ الْعَنَتِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ فِيهِ .
وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً ، وَقُلْنَا : لَيْسَتْ الْحُرِّيَّةُ شَرْطًا فِي نِكَاحِ الْحُرَّةِ ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لَهُ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لِصِحَّةِ نِكَاحِهَا عَدَمُ الْحُرَّةِ ، كَالْحُرِّ مَعَ الْحُرَّةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ عَدَمُ الْحُرَّةِ ، لَاشْتُرِطَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، كَمَا فِي حَقِّ الْحُرِّ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ قَالَ : تُنْكَحُ الْحُرَّةُ عَلَى الْأَمَةِ ، وَلَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ .
وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِبُضْعِ حُرَّةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً ، كَالْحُرِّ .
وَإِنْ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، صَحَّ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ ، فَجَازَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، كَالْأَمَتَيْنِ .

( 5409 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زَنَتْ الْمَرْأَةُ ، لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ نِكَاحَهَا إلَّا بِشَرْطَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا ، فَإِنْ حَمَلَتْ مِنْ الزِّنَى فَقَضَاءُ عِدَّتِهَا بِوَضْعِهِ ، وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا قَبْلَ وَضْعِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ .
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَفِي الْأُخْرَى قَالَ : يَحِلُّ نِكَاحُهَا وَيَصِحُّ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ ، فَلَمْ يُحَرِّمْ النِّكَاحَ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَحْمِلْ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ } .
يَعْنِي وَطْءَ الْحَوَامِلِ .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ } .
صَحِيحٌ ، وَهُوَ عَامٌّ ، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، { أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، فَلَمَّا أَصَابَهَا وَجَدَهَا حُبْلَى ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَجَعَلَ لَهَا الصَّدَاقَ ، وَجَلَدَهَا مِائَةً .
} رَوَاهُ سَعِيدٌ { .
وَرَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مُجِحًّا عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ ، فَقَالَ : لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ .
قَالَ : لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ ؟ } .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
وَلِأَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ غَيْرِهِ ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا ، كَسَائِرِ الْحَوَامِلِ .
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ ، وَحُرِّمَ عَلَيْهَا النِّكَاحُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، وَلِأَنَّهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، فَيَكُونَ نِكَاحُهَا بَاطِلًا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا تَصِيرُ بِهِ

الْمَرْأَةُ فِرَاشًا ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الصَّغِيرِ .
وَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْحَامِلِ ، فَغَيْرُهَا أَوْلَى ، لِأَنَّ وَطْءَ الْحَامِلِ لَا يُفْضِي إلَى اشْتِبَاهِ النَّسَبِ ، وَغَيْرُهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهَا مِنْ الْأَوَّلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الثَّانِي ، فَيُفْضِي إلَى اشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ ، فَكَانَ بِالتَّحْرِيمِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي الْقُبُلِ ، فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ ، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ وَطْءَ الصَّغِيرِ الَّذِي يُمْكِنُ مِنْهُ الْوَطْءُ .
وَالشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ تَتُوبَ مِنْ الزِّنَا ، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ رَجُلًا وَامْرَأَةً فِي الزِّنَى ، وَحَرَصَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ، فَأَبَى الرَّجُلُ .
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ ، فَقَالَ : يَجُوزُ ، أَرَأَيْت لَوْ سَرَقَ مِنْ كَرْمٍ ، ثُمَّ ابْتَاعَهُ ، أَكَانَ يَجُوزُ ؟ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ إلَى قَوْلِهِ : وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } .
وَهِيَ قَبْلَ التَّوْبَةِ فِي حُكْمِ الزِّنَى ، فَإِذَا تَابَتْ زَالَ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ } .
وَقَوْلِهِ { التَّوْبَةُ تَمْحُو الْحَوْبَةَ } .
وَرُوِيَ { أَنَّ مَرْثَدًا دَخَلَ مَكَّةَ ، فَرَأَى امْرَأَةً فَاجِرَةً يُقَال لَهَا عَنَاقٌ ، فَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِهَا ، فَلَمْ يُجِبْهَا ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : أَنْكِحُ عَنَاقًا ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { : الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } .
فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَا عَلَيْهِ الْآيَةَ ، وَقَالَ : لَا تَنْكِحْهَا } .
وَلِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ

مُقِيمَةً عَلَى الزِّنَا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ تُلْحِقَ بِهِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ ، وَتُفْسِدَ فِرَاشَهُ .
فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَتَابَهَا .
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ ، وَلَا تَعَرُّضَ لَهُ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ عِدَّةَ الزَّانِيَةِ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لَحُرَّةٍ ، فَأَشْبَهَ عِدَّةَ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ .
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نِكَاحٍ وَلَا شُبْهَةِ نِكَاحٍ ، فَأَشْبَهَ اسْتِبْرَاءَ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا عَتَقَتْ .
وَأَمَّا التَّوْبَةُ ، فَهِيَ الِاسْتِغْفَارُ وَالنَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الذَّنْبِ ، كَالتَّوْبَةِ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : كَيْف تُعْرَفُ تَوْبَتُهَا ؟ قَالَ : يُرِيدُهَا عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَلَمْ تَتُبْ ، وَإِنْ أَبَتْ فَقَدْ تَابَتْ .
فَصَارَ أَحْمَدُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ اتِّبَاعًا لَهُ .
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَمُسْلِمٍ أَنْ يَدْعُوَ امْرَأَةً إلَى الزِّنَى ، وَيَطْلُبَهُ مِنْهَا .
وَلِأَنَّ طَلَبَهُ ذَلِكَ مِنْهَا إنَّمَا يَكُونُ فِي خَلْوَةٍ ، وَلَا تَحِلُّ الْخَلْوَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ ، وَلَوْ كَانَ فِي تَعْلِيمِهَا الْقُرْآنَ ، فَكَيْفَ يَحِلُّ فِي مُرَاوَدَتِهَا عَلَى الزِّنَى ، ثُمَّ لَا يَأْمَنُ إنْ أَجَابَتْهُ إلَى ذَلِكَ أَنْ تَعُودَ إلَى الْمَعْصِيَةِ ، فَلَا يَحِلُّ لِلتَّعَرُّضِ لِمِثْلِ هَذَا ، وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ ، وَفِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَحْكَامِ ، عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ هَذَا .

( 5410 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطَانِ حَلَّ نِكَاحُهَا لِلزَّانِي وَغَيْرِهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَابْنُهُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَطَاوُسٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَعَائِشَةَ ، أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلزَّانِي بِحَالٍ ، قَالُوا : لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ مَا اجْتَمَعَا ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِذَلِكَ مَا كَانَ قَبْلَ التَّوْبَةِ ، أَوْ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، فَيَكُونُ كَقَوْلِنَا .
فَأَمَّا تَحْرِيمُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَصِحُّ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } .
وَلِأَنَّهَا مُحَلَّلَةٌ لِغَيْرِ الزَّانِي ، فَحَلَّتْ لَهُ ، كَغَيْرِهَا .

( 5411 ) فَصْلٌ : : وَإِنْ زَنَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ ، أَوْ زَنَى زَوْجُهَا ، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَبِذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا زَنَتْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ .
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ .
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ زَنَى قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا .
وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ قَذَفَهَا وَلَاعَنَهَا بَانَتْ مِنْهُ ؛ لِتَحْقِيقِهِ الزِّنَى عَلَيْهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الزِّنَى يُبِينُهَا .
وَلَنَا ، أَنَّ دَعْوَاهُ الزِّنَى عَلَيْهَا لَا يُبِينُهَا ، وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ يَنْفَسِخُ بِهِ لَانْفَسَخَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ ، كَالرَّضَاعِ ، وَلِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ لَا تَخْرُجُ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَأَشْبَهَتْ السَّرِقَةَ ، فَأَمَّا اللِّعَانُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْفَسْخَ بِدُونِ الزِّنَى ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا إذَا لَاعَنَتْهُ فَقَدْ قَابَلَتْهُ ، فَلَمْ يَثْبُتْ زِنَاهَا ، وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَهَا ، وَالْفَسْخُ وَاقِعٌ .
وَلَكِنَّ أَحْمَدَ اسْتَحَبَّ لِلرَّجُلِ مُفَارَقَةَ امْرَأَتِهِ إذَا زَنَتْ ، وَقَالَ : لَا أَرَى أَنْ يُمْسِكَ مِثْلَ هَذِهِ .
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تُفْسِدَ فِرَاشَهُ ، وَتُلْحِقَ بِهِ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَعَلَّ مَنْ كَرِهَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إنَّمَا كَرِهَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّحْرِيمِ ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ أَحْمَدَ هَذَا .
قَالَ أَحْمَدُ : وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ .
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ حُنَيْنٍ : { لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ } .
يَعْنِي إتْيَانَ الْحَبَالَى .
وَلِأَنَّهَا

رُبَّمَا تَأْتِي بِوَلَدٍ مِنْ الزِّنَى فَيُنْسَبُ إلَيْهِ .
وَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَكْفِي اسْتِبْرَاؤُهَا بِالْحَيْضَةِ الْوَاحِدَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَكْفِي فِي اسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ ، وَفِي أُمِّ الْوَلَدِ إذَا عَتَقَتْ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا ، أَوْ بِإِعْتَاقِ سَيِّدِهَا ، فَيَكْفِي هَاهُنَا ، وَالْمَنْصُوصُ هَاهُنَا مُجَرَّدُ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَقَدْ حَصَلَ بِحَيْضَةٍ فَيُكْتَفَى بِهَا .

( 5412 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَلِمَ الرَّجُلُ مِنْ جَارِيَتِهِ الْفُجُورَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَطَؤُهَا ؛ لَعَلَّهَا تُلْحِقُ بِهِ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : أَكْرَهُ أَنْ أَطَأَ أَمَتِي وَقَدْ بَغَتْ .
وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ جَنِينٌ لِغَيْرِهِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ .
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُرَخِّصُ فِي وَطْءِ الْأَمَةِ الْفَاجِرَةِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .
وَلَعَلَّ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ كَرِهَهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ، أَوْ إذَا لَمْ يُحَصِّنْهَا وَيَمْنَعْهَا مِنْ الْفُجُورِ ، وَمَنْ أَبَاحَهُ بَعْدَهُمَا ، فَيَكُونُ الْقَوْلَانِ مُتَّفِقَيْنِ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

( 5413 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ خَطَبَ امْرَأَةً ، فَلَمْ تَسْكُنْ إلَيْهِ ، فَلِغَيْرِهِ خِطْبَتُهَا ) الْخِطْبَةُ ، بِالْكَسْرِ : خِطْبَةُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ لِيَنْكِحهَا .
وَالْخُطْبَةُ ، بِالضَّمِّ : هِيَ حَمْدُ اللَّهِ ، وَالتَّشَهُّدُ ؛ وَلَا يَخْلُو حَالُ الْمَخْطُوبَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَسْكُنَ إلَى الْخَاطِبِ لَهَا ، فَتُجِيبَهُ ، أَوْ تَأْذَنَ لِوَلِيِّهَا فِي إجَابَتِهِ أَوْ تَزْوِيجِهِ ، فَهَذِهِ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ خَاطِبِهَا خِطْبَتُهَا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ } .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .
وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إفْسَادًا عَلَى الْخَاطِبِ الْأَوَّلِ ، وَإِيقَاعَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ .
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّ قَوْمًا حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَوْلَى .
الْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ تَرُدَّهُ أَوْ لَا تَرْكَنَ إلَيْهِ .
فَهَذِهِ يَجُوزُ خِطْبَتُهَا ؛ لِمَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ ، { أَنَّهَا أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فَخَطَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ إخْبَارِهَا إيَّاهُ بِخِطْبَةِ مُعَاوِيَةَ وَأَبِي جَهْمٍ لَهَا ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ خِطْبَتِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إضْرَارٌ بِهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَرْأَةَ النِّكَاحَ إلَّا مَنَعَهَا بِخِطْبَتِهِ إيَّاهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَّضَ لَهَا

فِي عِدَّتِهَا بِالْخِطْبَةِ ، فَقَالَ : لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِك .
وَأَشْبَاهَ هَذَا ، لَمْ تَحْرُمْ خِطْبَتُهَا ؛ لِأَنَّ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا { لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِك .
وَلَمْ يُنْكِرْ خِطْبَةَ أَبِي جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةَ لَهَا } .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ امْرَأَةً عَلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَعَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَدَخَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ جَالِسَةٌ فِي بَيْتِهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : إنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَخْطُبُ ، وَهُوَ سَيِّدُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ ، وَمَرْوَانَ يَخْطُبُ ، وَهُوَ سَيِّدُ شَبَابِ قُرَيْشٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَخْطُبُ ، وَهُوَ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَكَشَفَتْ الْمَرْأَةُ السِّتْرَ ، فَقَالَتْ : أَجَادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .
فَقَالَتْ : فَقَدْ أَنْكَحْت أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَأَنْكَحُوهُ .
فَهَذَا عُمَرُ قَدْ خَطَبَ عَلَى وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ مَا تَقُولُ الْمَرْأَةُ فِي الْأَوَّلِ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يُوجَدَ مِنْ الْمَرْأَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى وَالسُّكُونِ ، تَعْرِيضًا لَا تَصْرِيحًا ، كَقَوْلِهَا : مَا أَنْتَ إلَّا رِضًى ، وَمَا عَنْك رَغْبَةٌ .
فَهَذِهِ فِي حُكْمِ الْقِسْمِ الْأَوَّل ، لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ خِطْبَتُهَا .
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا رَكَنَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ ، فَلَا يَحِلُّ لَأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَ .
وَالرُّكُونُ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالتَّعْرِيضِ تَارَةً ، وَبِالتَّصْرِيحِ أُخْرَى .
وَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إبَاحَةُ خِطْبَتِهَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ؛ لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ ، حَيْثُ خَطَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَزَعَمُوا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِهَا رُكُونُهَا إلَى أَحَدِهِمَا .
وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي

بِخِطْبَتِهِ لَهَا قَبْلَ سُؤَالِهَا هَلْ وُجِدَ مِنْهَا مَا دَلَّ عَلَى الرِّضَى أَوْ لَا ؟ وَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ } .
وَلِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهَا مَا دَلَّ عَلَى الرِّضَى بِهِ ، وَسُكُونِهَا إلَيْهِ ، فَحَرُمَتْ خِطْبَتُهَا ، كَمَا لَوْ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، فَإِنَّ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَرْكَنْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ قَالَ لَهَا : { لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِك .
وَفِي لَفْظٍ : لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِك .
وَفِي رِوَايَةٍ : إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي .
فَلَمْ تَكُنْ لِتَفْتَاتَ بِالْإِجَابَةِ قَبْلَ أَنْ تُؤْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَالثَّانِي ، أَنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْمُسْتَشِيرَةِ لَهُ فِيهِمَا ، أَوْ فِي الْعُدُولِ عَنْهُمَا إلَى غَيْرِهِمَا ، وَلَيْسَ فِي الِاسْتِشَارَةِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، وَلَا مَيْلٍ إلَى أَحَدِهِمَا ، عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَرْجِعَ إلَى قَوْلِهِ وَرَأْيِهِ ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهَا بِتَرْكِهِمَا ؛ لِمَا ذَكَرِ مِنْ عَيْبِهِمَا ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى رَدِّهَا لَهُمَا ، وَتَصْرِيحِهَا بِمَنْعِهِمَا .
وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَهُمَا بِخِطْبَتِهَا تَعْرِيضًا ، بِقَوْلِهِ لَهَا مَا ذَكَرْنَا ، فَكَانَتْ خِطْبَتُهُ بَعْدَهُمَا مَبْنِيَّةً عَلَى الْخِطْبَةِ السَّابِقَةِ لَهُمَا ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ .
( 5414 ) فَصْلٌ : وَالتَّعْوِيلُ فِي الرَّدِّ وَالْإِجَابَةِ عَلَى الْوَلِيِّ إنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً ، وَعَلَيْهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً ؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَلَوْ أَجَابَ هُوَ ، وَرَغِبَتْ عَنْ النِّكَاحِ ، كَانَ الْأَمْرُ أَمْرَهَا .
وَإِنْ أَجَابَ وَلِيُّهَا ، فَرَضِيَتْ ، فَهُوَ كَإِجَابَتِهَا ، وَإِنْ سَخِطَتْ فَلَا حُكْمَ

لِإِجَابَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا .
وَلَوْ أَجَابَ الْوَلِيُّ فِي حَقِّ الْمُجْبَرَةِ ، فَكَرِهَتْ الْمُجَابَ ، وَاخْتَارَتْ غَيْرَهُ ، سَقَطَ حُكْمُ إجَابَةِ وَلِيِّهَا ، لِكَوْنِ اخْتِيَارِهَا مُقَدَّمًا عَلَى اخْتِيَارِهِ .
وَإِنْ كَرِهَتْهُ وَلَمْ تُجِزْ سِوَاهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ حُكْمُ الْإِجَابَةِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِاسْتِئْمَارِهَا ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْرِهَهَا عَلَى مَنْ لَا تَرْضَاهُ .
وَإِنْ أَجَابَتْهُ ، ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْ الْإِجَابَةِ وَسَخِطَتْهُ ، زَالَ حُكْمُ الْإِجَابَةِ ؛ لِأَنَّ لَهَا الرُّجُوعَ .
وَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ عَنْ الْإِجَابَةِ ، زَالَ حُكْمُهَا ؛ لِأَنَّ لَهُ النَّظَرَ فِي أَمْرِ مُوَلِّيَتِهِ ، مَا لَمْ يَقَعْ الْعَقْدُ .
وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ هِيَ وَلَا وَلِيُّهَا ، وَلَكِنْ تَرَكَ الْخَاطِبُ الْخِطْبَةَ ، أَوْ أَذِنَ فِيهَا ، جَازَتْ خِطْبَتُهَا ؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ .
} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
( 5415 ) فَصْلٌ : وَخِطْبَةُ الرَّجُلِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ فِي مَوْضِعِ النَّهْيِ مُحَرَّمَةٌ .
قَالَ أَحْمَدُ : لَا يَحِلُّ لَأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَ فِي هَذِهِ الْحَالِ .
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ : هِيَ مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ ، وَهَذَا نَهْيُ تَأْدِيبٍ لَا تَحْرِيمٍ .
وَلَنَا ، ظَاهِرُ النَّهْيِ ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ التَّحْرِيمُ ، وَلِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الْإِضْرَارِ بِالْآدَمِيِّ الْمَعْصُومِ ، فَكَانَ عَلَى التَّحْرِيمِ ، كَالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ مَالِهِ وَسَفْكِ دَمِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ : لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَدَاوُد ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ .
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ : هُوَ بَاطِلٌ .
وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ نِكَاحٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَكَانَ بَاطِلًا كَنِكَاحِ الشِّغَارِ .
وَلَنَا ، أَنَّ

الْمُحَرَّمَ لَمْ يُقَارِنْ الْعَقْدَ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ .

( 5416 ) فَصْلٌ : وَلَا يُكْرَه لِلْوَلِيِّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِجَابَةِ ، إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ لَهَا فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا ، وَهُوَ نَائِبٌ عَنْهَا فِي النَّظَرِ لَهَا ، فَلَمْ يُكْرَهْ لَهُ الرُّجُوعُ الَّذِي رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ ، كَمَا لَوْ سَاوَمَ فِي بَيْعِ دَارِهَا ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْمَصْلَحَةُ فِي تَرْكِهَا .
وَلَا يُكْرَه لَهَا أَيْضًا الرُّجُوعُ إذَا كَرِهَتْ الْخَاطِبَ ؛ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ عُمَرَ يَدُومُ الضَّرَرُ فِيهِ ، فَكَانَ لَهَا الِاحْتِيَاطُ لِنَفْسِهَا ، وَالنَّظَرُ فِي حَظِّهَا .
وَإِنْ رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ غَرَضٍ ، كُرِهَ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إخْلَافِ الْوَعْدِ ، وَالرُّجُوعِ عَنْ الْقَوْلِ ، وَلَمْ يُحَرَّمْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ بَعْدُ لَمْ يَلْزَمْهُمَا ، كَمَنْ سَاوَمَ بِسِلْعَتِهِ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهَا .

( 5417 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ ذِمِّيًّا ، لَمْ تُحَرَّمْ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَتِهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : لَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، وَلَا يُسَاوِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، إنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ ، أَوْ اسْتَامَ عَلَى سَوْمِهِمْ ، لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِإِخْوَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَجُوزُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، لَا لِتَخْصِيصِ الْمُسْلِمِ بِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ لَفْظَ النَّهْيِ خَاصٌّ فِي الْمُسْلِمِينَ ، وَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ .
وَلَا حُرْمَتُهُ كَحُرْمَتِهِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُمْ فِي دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ وَنَحْوِهَا .
وَقَوْلَهُ : خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ .
قُلْنَا : مَتَى كَانَ فِي الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ مَعْنًى يَصْحُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْحُكْمِ ، لَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ وَلَا تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِدُونِهِ ، وَلِلْأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ تَأْثِيرٌ فِي وُجُوبِ الِاحْتِرَامِ ، وَزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ فِي رِعَايَةِ حُقُوقِهِ ، وَحِفْظِ قَلْبِهِ ، وَاسْتِبْقَاءِ مَوَدَّتِهِ ، فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 5418 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ عَرَّضَ لَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ ، بِأَنْ يَقُولَ : إنِّي فِي مِثْلِك لَرَاغِبٌ .
وَإِنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ .
وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْكَلَامِ ، مِمَّا يَدُلُّهَا عَلَى رَغْبَتِهِ فِيهَا ، فَلَا بَأْسَ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَدَّاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ مُعْتَدَّةٌ مِنْ وَفَاةٍ ، أَوْ طَلَاقِ ثَلَاثٍ ، أَوْ فَسْخٍ لِتَحْرِيمِهَا عَلَى زَوْجِهَا ، كَالْفَسْخِ بِرَضَاعٍ ، أَوْ لِعَانٍ ، أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَا تَحِلُّ بَعْدَهُ لِزَوْجِهَا ، فَهَذِهِ يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا فِي عِدَّتِهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ } .
وَلِمَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا لَمَّا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا : إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي .
وَفِي لَفْظٍ : لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِك .
وَفِي لَفْظٍ : لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِك } .
وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِخِطْبَتِهَا فِي عِدَّتِهَا .
وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَصَّ التَّعْرِيضَ بِالْإِبَاحَةِ ، دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ ، وَلِأَنَّ التَّصْرِيحَ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ النِّكَاحِ ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَحْمِلَهَا الْحِرْصُ عَلَيْهِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا ، وَالتَّعْرِيضُ بِخِلَافِهِ .
الْقِسْمُ الثَّانِي ، الرَّجْعِيَّةُ ، فَلَا يَحِلُّ لَأَحَدٍ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا ، وَلَا التَّصْرِيحُ ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ ، فَهِيَ كَالَّتِي فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، بَائِنٌ يَحِلُّ لِزَوْجِهَا نِكَاحُهَا ، كَالْمُخْتَلِعَةِ ، وَالْبَائِنِ بِفَسْخٍ لَعَيْبٍ أَوْ إعْسَارٍ وَنَحْوِهِ ، فَلِزَوْجِهَا التَّصْرِيحُ بِخِطْبَتِهَا وَالتَّعْرِيضُ ؛ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ نِكَاحَهَا فِي عِدَّتِهَا ، فَهِيَ كَغَيْرِ الْمُعْتَدَّةِ .
وَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ أَيْضًا قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهَا بَائِنٌ

فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا .
وَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَبِيحَهَا ، فَهِيَ كَالرَّجْعِيَّةِ .
وَالْمَرْأَةُ فِي الْجَوَابِ ، كَالرَّجُلِ فِي الْخِطْبَةِ ، فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ ؛ لِأَنَّ الْخِطْبَةَ لِلْعَقْدِ ، فَلَا يَخْتَلِفَانِ فِي حِلِّهِ وَحُرْمَتِهِ ؛ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالتَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ : إنِّي فِي مِثْلِك لَرَاغِبٌ .
وَرُبَّ رَاغِبٍ فِيك .
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ : إنَّك عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ .
وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ .
وَإِنَّ اللَّهَ لَسَائِقٌ إلَيْك خَيْرًا أَوْ رِزْقًا .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : أَنْتِ جَمِيلَةٌ .
وَأَنْتِ مَرْغُوبٌ فِيك .
وَإِنْ قَالَ : لَا تَسْبِقِينَا بِنَفْسِك .
أَوْ لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِك .
أَوْ إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي .
وَنَحْوَ ذَلِكَ ، جَازَ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : مَاتَ رَجُلٌ ، وَكَانَتْ امْرَأَتُهُ تَتْبَعُ الْجِنَازَةَ ، فَقَالَ لَهَا رَجُلٌ : لَا تَسْبِقِينَا بِنَفْسِك .
فَقَالَتْ : سَبَقَك غَيْرُك .
وَتُجِيبُهُ الْمَرْأَةُ : إنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ .
وَمَا نَرْغَبُ عَنْك .
وَمَا أَشْبَهَهُ .
وَالتَّصْرِيحُ : هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ النِّكَاحِ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : زَوِّجِينِي نَفْسَك .
أَوْ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُك تَزَوَّجْتُك .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى { : وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا } .
فَإِنَّ النِّكَاحَ يُسَمَّى سِرًّا ، قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَنْ تَطْلُبُوا سِرَّهَا لِلْغِنَى وَلَنْ تُسْلِمُوهَا لِإِزْهَادِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : السِّرُّ : الْجِمَاعُ .
وَأَنْشَدَ لِامْرِئِ الْقَيْسِ : أَلَّا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْقَوْمِ أَنَّنِي كَبِرْت وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي وَمُوَاعَدَةُ السِّرِّ أَنْ يَقُولَ : عِنْدِي جِمَاعٌ يُرْضِيك .
وَنَحْوَهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : رُبَّ جِمَاعٍ يُرْضِيك .
فَنُهِيَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْهَجْرِ وَالْفُحْشِ وَالدَّنَاءَةِ وَالسُّخْفِ .

( 5419 ) فَصْلٌ : فَإِنْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ ، أَوْ عَرَّضَ فِي مَوْضِعٍ يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ حِلِّهَا ، صَحَّ نِكَاحُهُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا .
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُحَرَّمَ لَمْ يُقَارِنْ الْعَقْدَ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ ، كَمَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي ، أَوْ كَمَا لَوْ رَآهَا مُتَجَرِّدَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا .

( 5420 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ عَلَى الْعَبْدِ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ عَبْدَهَا بَاطِلٌ .
وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، قَالَ : سَأَلْت جَابِرًا عَنْ الْعَبْدِ يَنْكِحُ سَيِّدَتَهُ ، فَقَالَ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَنَحْنُ بِالْجَابِيَةِ ، وَقَدْ نَكَحَتْ عَبْدَهَا ، فَانْتَهَرَهَا عُمَرُ وَهَمَّ أَنْ يَرْجُمَهَا ، وَقَالَ : لَا يَحِلُّ لَكِ .
وَلِأَنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ مَعَ أَحْكَامِ الْمِلْكِ يَتَنَافَيَانِ ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ بِحُكْمِهِ ، يُسَافِرُ بِسَفَرِهِ ، وَيُقِيمُ بِإِقَامَتِهِ ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ ، فَيَتَنَافَيَانِ .

( 5421 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يُفِيدُ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ ، وَإِبَاحَةَ الْبُضْعِ ، فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَقْدٌ أَضْعَفُ مِنْهُ .
وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ أَمَةٌ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا .
وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا .
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً لَهُ فِيهَا مِلْكٌ .
وَلَا يَتَزَوَّجُ مُكَاتَبَتَهُ ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ .

( 5422 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةَ مِلْكٍ .
وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ .
وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ ، وَلَا تَعْتِقُ بِإِعْتَاقِهِ لَهَا .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ } .
وَلِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْ أَمَةٍ ، لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ لَهَا ، فَمَا هِيَ مُضَافَةٌ إلَيْهِ بِجُمْلَتِهَا شَرْعًا أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ .
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ نِكَاحُ أُمِّ سَيِّدِهِ أَوْ سَيِّدَتِهِ ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ .
وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ يَقْطَعُ وِلَايَتَهُ عَنْ أَبِيهِ وَمَالِهِ ، وَلِهَذَا لَا يَلِي مَالَهُ وَلَا نِكَاحَهُ ، وَلَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ .

( 5423 ) فَصْلٌ : وَلِلِابْنِ نِكَاحُ أَمَةِ أَبِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْقَرَابَاتِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ لِمَمْلُوكِهِ ، إذَا قُلْنَا : لَيْسَتْ الْحُرِّيَّةُ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ .
وَمَتَى مَاتَ الْأَبُ ، فَوَرِثَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ ، انْفَسَخَ النِّكَاح .
وَكَذَلِكَ إنْ مَلَكَهُ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ بِغَيْرِ الْإِرْثِ .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ : إذَا اشْتَرَى امْرَأَتَهُ لِلْعِتْقِ ، فَأَعْتَقَهَا حِينَ مَلَكَهَا ، فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا .
وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَنَافِيَانِ ، فَلَا يَجْتَمِعَانِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ، فَبِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ لَهَا انْفَسَخَ نِكَاحُهُ سَابِقًا عَلَى عِتْقِهَا .
وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ سَيِّدِهِ أَوْ سَيِّدَتِهِ ، حُكْمُ الْعَبْدِ ، فِي أَنَّهُ إذَا مَاتَ سَيِّدُهُ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : النِّكَاحُ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكْهُ ، إنَّمَا لَهَا عَلَيْهِ دَيْنٌ .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } .
وَلِأَنَّهُ لَوْ زَالَ الْمِلْكُ عَنْهُ ، لَمَا عَادَ بِعَجْزِهِ ، كَمَا لَوْ أُعْتِقَ .

( 5424 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا أَوْ بَعْضَهُ ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ ، فَمَتَى أَعْتَقَتْهُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، لَمْ تُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِتَطْلِيقَةٍ .
وَبِهَذَا قَالَ الْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَإِسْحَاقُ .
وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : هِيَ تَطْلِيقَةٌ .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْفِظْ بِطَلَاقٍ صَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ ، وَإِنَّمَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ بِوُجُودِ مَا يُنَافِيه ، فَأَشْبَهَ انْفِسَاخَهُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا أَوْ رِدَّتِهِ .
وَلَوْ مَلَكَ الرَّجُلُ بَعْضَ زَوْجَتِهِ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَحَرُمَ وَطْؤُهَا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْمُفْتِينَ ، حَتَّى يَسْتَخْلِصَهَا ، فَتَحِلَّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ .
وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَزِدْهُ مِلْكُهُ فِيهَا إلَّا قُرْبًا .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْقَى فِي بَعْضِهَا ، وَمِلْكُهُ لَمْ يَتِمَّ عَلَيْهَا ، وَلَا يَثْبُتُ الْحِلُّ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ وَلَا نِكَاحَ فِيهِ .

( 5425 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَطْءُ جَارِيَةِ ابْنِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } .
وَلَيْسَتْ هَذِهِ زَوْجَةً لَهُ ، وَلَا مَمْلُوكَتَهُ ، وَلِأَنَّهُ يَحِلُّ لِابْنِهِ وَطْؤُهَا ، وَلَا تَحِلُّ الْمَرْأَةُ لِرَجُلَيْنِ .
فَإِنْ وَطِئَهَا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ دَاوُد : يُحَدُّ .
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : إنْ كَانَ ابْنُهُ وَطِئَهَا حُدَّ ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ .
وَلَنَا ، أَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةً ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ } .
وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلِأَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِ ابْنِهِ ، وَالْقِصَاصُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، فَإِذَا سَقَطَ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ، فَالْحَدُّ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ ، فَكَذَلِكَ لَا يُحَدُّ بِالزِّنَى بِجَارِيَتِهِ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ عَلَى التَّأْبِيدِ .
وَإِنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا عَلَى التَّأْبِيدِ .
وَإِذَا لَمْ تَعْلَقْ مِنْ الْأَبِ ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُ الِابْنِ عَنْهَا ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قِيمَتُهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ ، وَحَرَمَهُ وَطْأَهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ مِلْكِهِ ، وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَتُهُ ، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ ، وَلَا يَجِبُ لَهُ ضَمَانُهَا .
وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ ، يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ ، لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ، وَتَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَجْنَبِيٍّ

بِشُبْهَةٍ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ لِأَجْلِ الْمِلْكِ ، فَأَشْبَهْت الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ إذَا كَانَ مُوسِرًا .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يَلْزَمُ الْأَبَ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ ، وَلَا قِيمَةُ وَلَدِهَا وَلَا مَهْرُهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَلْزَمُهُ ذَلِكَ كُلُّهُ ، إذَا حُكِمَ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ .
وَهَذَا يُبْنَى عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلِابْنِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ ، وَلَا قِيمَةِ مُتْلَفٍ ، وَعِنْدَهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَهَذَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 5426 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ الِابْنُ جَارِيَةَ أَبِيهِ ، عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ ، وَلَا تَصِيرُ بِهِ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الْأَجْنَبِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَقَارِبِ .

( 5427 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ الْأَبُ وَابْنُهُ جَارِيَةَ الِابْنِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، فَأَتَتْ بِوَلَدِ أُرِيَ الْقَافَةَ ، فَأُلْحِقُ بِمِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ مِنْهُمَا ، وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِوَطْئِهَا .
وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا ، لَحِقَ بِهِمَا .
وَإِنْ أُولِدَهَا أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهَا بِوِلَادَتِهَا مِنْهُ صَارَتْ لَهُ أُمِّ وَلَدٍ ، لِانْفِرَادِهِ بِإِيلَادِهَا ، فَلَا تَنْتَقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا إلَى غَيْرِ مَالِكِهَا .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ ابْنِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ قَابِضًا لَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ الِابْنُ وَطِئَهَا ، فَأَحْبَلَهَا الْأَبُ ، فَالْوَلَدُ وَلَدُهُ ، وَالْجَارِيَةُ لَهُ ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ فِيهَا شَيْءٌ قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الِابْنَ إنْ كَانَ وَطِئَهَا ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ ، لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا وَأَخْذُهَا ، فَتَكُونُ قَدْ عَلِقَتْ بِمَمْلُوكٍ .
وَإِنْ كَانَ الْأَبُ قَبَضَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ الِابْنُ وَطِئَهَا ، مَلَكَهَا ؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِهِ ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ حَاجَتُهُ ، فَيَتَمَلَّكُهُ .

بَابُ نِكَاحِ أَهْلِ الشِّرْكِ أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ ، يُقَرُّونَ عَلَيْهَا إذَا أَسْلَمُوا أَوْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا ، إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا فِي الْحَالِ ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى صِفَةِ عَقْدِهِمْ وَكَيْفِيَّتِهِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُ أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، مِنْ الْوَلِيِّ ، وَالشُّهُودِ ، وَصِيغَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .
بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا ، فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ وَلَا رَضَاعٌ وَقَدْ أَسْلَمَ خَلْقٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَمَ نِسَاؤُهُمْ ، وَأُقِرُّوا عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ ، وَلَا كَيْفِيَّتِهِ ، وَهَذَا أَمْرٌ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ وَالضَّرُورَةِ ، فَكَانَ يَقِينًا ، وَلَكِنْ يُنْظَرُ فِي الْحَالِ ، فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى صِفَةٍ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا ، أُقِرَّ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا ، كَأَحَدِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالنَّسَبِ أَوْ السَّبَبِ ، أَوْ الْمُعْتَدَّةِ ، وَالْمُرْتَدَّةِ ، وَالْوَثَنِيَّةِ ، وَالْمَجُوسِيَّةِ ، وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا ، لَمْ يُقَرَّ .
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ ، وَأَسْلَمَا بَعْدَ انْقِضَائِهَا ، أُقِرَّا ؛ لِأَنَّهَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا .

( 5428 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : وَإِذَا أَسْلَمَ الْوَثَنِيُّ ، وَقَدْ تَزَوَّجَ بِأَرْبَعِ وَثَنِيَّاتٍ ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ ، بِنَّ مِنْهُ ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ مَا سَمَّى لَهَا إنْ كَانَ حَلَالًا ، أَوْ نِصْفُ صَدَاقِ مِثْلِهَا إنْ كَانَ مَا سَمَّى لَهَا حَرَامًا .
وَلَوْ أَسْلَمَ النِّسَاءُ قَبْلَهُ ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ ، بِنَّ مِنْهُ أَيْضًا ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ .
فَإِنْ كَانَ إسْلَامُهُ وَإِسْلَامُهُنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعًا ، فَهُنَّ زَوْجَاتٌ فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَنْ لَمْ تُسْلِمْ مِنْهُنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ : ( 5429 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْوَثَنِيَّيْنِ أَوْ الْمَجُوسِيَّيْنِ ، أَوْ كِتَابِيٌّ مُتَزَوِّجٌ بِوَثَنِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ حِينِ إسْلَامِهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لَا طَلَاقًا وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ ، بَلْ إنْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَام عُرِضَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْآخَرِ ، فَإِنْ أَبَى وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ كَانَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَقَفَ ذَلِكَ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ .
فَإِنْ كَانَ الْإِبَاءُ مِنْ الزَّوْجِ ، كَانَ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْ قِبَلِهِ ، فَكَانَ طَلَاقًا ، كَمَا لَوْ لَفَظَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَرْأَةِ ، كَانَ فَسْخًا ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ الطَّلَاقَ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ ، عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَ ، وَإِلَّا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } وَلَنَا ، أَنَّهُ اخْتِلَافُ دِينٍ يَمْنَعُ الْإِقْرَارَ عَلَى النِّكَاحِ ، فَإِذَا وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ ، كَالرِّدَّةِ .

وَعَلَى مَالِكٍ كَإِسْلَامِ الزَّوْجِ ، أَوْ كَمَا لَوْ أَبَى الْآخِرُ الْإِسْلَامَ ، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ ، فَلَيْسَ لَهُ إمْسَاكُ كَافِرَةٍ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ ، فَلَا يَجُوزُ إبْقَاؤُهَا فِي نِكَاحِ مُشْرِكٍ .
وَلَنَا ، عَلَى أَنَّهَا فُرْقَةُ فَسْخٍ ، أَنَّهَا فُرْقَةٌ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، فَكَانَ فَسْخًا ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَأَبَتِ الْمَرْأَةُ ، وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ بِغَيْرِ لَفْظٍ ، فَكَانَتْ فَسْخًا ، كَفُرْقَةِ الرَّضَاعِ .

( 5430 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْفُرْقَةَ إذَا حَصَلَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِإِسْلَامِ الزَّوْجِ ، فَلِلْمَرْأَةِ نِصْفُ الْمُسَمَّى إنْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ صَحِيحَةً ، أَوْ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً ، مِثْلُ أَنْ يُصْدِقَهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ بِإِسْلَامِ الْمَرْأَةِ ، فَلَا شَيْءَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا .
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ لَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ .
وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ .
وَيَقْتَضِيهِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْ قِبَلِهِ بِإِبَائِهِ الْإِسْلَامَ وَامْتِنَاعِهِ مِنْهُ ، وَهِيَ فَعَلَتْ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا ، فَكَانَ لَهَا نِصْفُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّتْ .
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَجُوسِيٍّ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِامْرَأَتِهِ : لَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ .
وَوَجْهُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ حَصَلَ بِإِسْلَامِهَا ، فَكَانَتْ الْفُرْقَةُ حَاصِلَةً بِفِعْلِهَا ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ ، وَيُفَارِقُ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ ، فَإِنَّهُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ ، وَلِهَذَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ فَدَخَلَتْ ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ .

( 5431 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا ، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ .
وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ .
ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ اخْتِلَافُ دِينٍ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَاءَتْ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً بَعْدَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا كَانَتْ أَسْلَمَتْ مَعِي .
فَرَدَّهَا عَلَيْهِ ، } وَيُعْتَبَرُ تَلَفُّظُهُمَا بِالْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، لِئَلَّا يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَيَفْسُدَ النِّكَاحُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمَجْلِسِ ، كَالْقَبْضِ وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ كُلِّهِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ ، وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ ، لَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ كُلِّ مُسْلِمَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، إلَّا فِي الشَّاذِّ النَّادِرِ ، فَيَبْطُلُ الْإِجْمَاعُ .

( 5432 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إذَا كَانَ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْآخَرُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا ، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ الْعِدَّةِ وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .
وَنَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ ، وَطَاوُسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْحَكَمِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَنَصَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ هَاهُنَا كَقَوْلِهِ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، وَحَصَلَتْ الْفُرْقَةُ ، لَزِمَهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أَسْلَمَ الرَّجُلُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ ، عَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ ، وَإِلَّا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَهُ وَقَفَتْ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ .
} وَلِأَنَّ مَا يُوجِبُ فَسْخَ النِّكَاحِ لَا يَخْتَلِفُ بِمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ ، كَالرَّضَاعِ وَلَنَا ، مَا رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : كَانَ بَيْنَ إسْلَامِ صَفْوَانِ بْنِ أُمَيَّةَ وَامْرَأَتِهِ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ ، أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَبَقِيَ صَفْوَانُ حَتَّى شَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، فَلَمْ يُفَرِّقْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ

امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَشُهْرَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ إسْنَادِهِ وَقَالَ ابْن شِهَابٍ : أَسْلَمَتْ أُمُّ حَكِيمٍ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ حَتَّى أَتَى الْيَمَنَ ، فَارْتَحَلَتْ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ الْيُمْنَ ، فَدَعَتْهُ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَأَسْلَمَ ، وَقَدِمَ فَبَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْلِمُ الرَّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ ، وَالْمَرْأَةُ قَبْلَ الرَّجُلِ ، فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمَرْأَةِ ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْعِدَّةِ ، فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا .
وَلِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ خَرَجَ فَأَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، وَلَمْ تُسْلِمْ هِنْدُ امْرَأَتُهُ حَتَّى فَتَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، فَثَبَتَا عَلَى النِّكَاحِ .
وَأَسْلَمَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ قَبْلَ امْرَأَتِهِ .
وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ فَلَقِيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ بِالْأَبْوَاءِ فَأَسْلَمَا قَبْلَ نِسَائِهِمَا وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَتَّفِقَ إسْلَامُهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَيُفَارِقُ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّهُ لَا عِدَّةَ لَهَا فَتَتَعَجَّلُ الْبَيْنُونَةُ ، كَالْمُطَلَّقَةِ وَاحِدَةً ، وَهَاهُنَا لَهَا عِدَّةٌ ، فَإِذَا انْقَضَتْ ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الْفُرْقَةِ مِنْ حِينَ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ ، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى عِدَّةٍ ثَانِيَةٍ ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينِ سَبَبُ الْفُرْقَةِ ، فَتُحْتَسَبُ الْفُرْقَةُ مِنْهُ كَالطَّلَاقِ .

( 5433 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ .
وَتَخَلَّفَ الْآخَرُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمَرْأَةِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ .
فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا ، إلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، شَذَّ فِيهِ عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ ، فَلَمْ يَتْبَعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، زَعَمَ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى زَوْجِهَا ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحِهَا الْأَوَّلِ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .
قِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ يُرْوَى أَنَّهُ رَدَّهَا بِنِكَاحٍ مُسْتَأْنَفٍ ؟ قَالَ : لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ .
وَقِيلَ : كَانَ بَيْنَ إسْلَامِهَا وَرَدِّهَا إلَيْهِ ثَمَانِ سِنِينَ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } .
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } وَالْإِجْمَاعُ الْمُنْعَقِدُ عَلَى تَحْرِيمِ تَزَوُّجِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ .
فَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي الْعَاصِ مَعَ امْرَأَتِهِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ ، فَتَكُونَ مَنْسُوخَةً بِمَا جَاءَ بَعْدَهَا ، أَوْ تَكُونَ حَامِلًا اسْتَمَرَّ حَمْلُهَا حَتَّى أَسْلَمَ زَوْجُهَا ، أَوْ مَرِيضَةً لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَ حَيْضَاتٍ حَتَّى أَسْلَمَ ، أَوْ تَكُونَ رُدَّتْ إلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، فِي ( سُنَنِهِ ) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ .
} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : سَمِعْت عَبْدَ بْنَ حُمَيْدٍ يَقُولُ : سَمِعْت يَزِيدَ بْنَ هَارُونُ يَقُولُ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَجْوَدُ إسْنَادًا ، وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ .

( 5434 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَقَعْت الْفُرْقَةُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ ، الدُّخُولِ ، فَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءِ ، فَإِنْ كَانَ مُسَمًّى صَحِيحًا ، فَهُوَ لَهَا ؛ لِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ ، يَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الصِّحَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا ، وَقَدْ قَبَضَتْهُ فِي حَالِ الْكُفْرِ ، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَتَعَرَّضُ لِمَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ ، وَهُوَ حَرَامٌ ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا لَمُسْلِمَةٍ ، وَلَا فِي نِكَاحِ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ صَارَتْ أَحْكَامُهُمْ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ قَبْلَهُ ، فَلَهَا نَفَقَةُ عِدَّتِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إبْقَاءِ نِكَاحِهَا ، وَاسْتِمْتَاعِهِ مِنْهَا ، بِإِسْلَامِهِ مَعَهَا ، فَكَانَتْ لَهَا النَّفَقَةُ كَالرَّجْعِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ قَبْلَهَا ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى اسْتِبْقَاءِ نِكَاحِهَا ، وَتَلَافِي حَالِهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ ، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا أَوْ لَمْ تُسْلِمْ .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا لَمْ تُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ ، فَكَيْفَ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْبَائِنِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الزَّوْجُ تَلَافِيَ نِكَاحِهَا إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ فِي مَعْنَى الرَّجْعِيَّةِ فَإِنْ قِيلَ : الرَّجْعِيَّةُ جَرَّتْ إلَى الْبَيْنُونَةِ بِسَبَبٍ مِنْهُ ، وَهَذِهِ السَّبَبُ مِنْهَا ؟ قُلْنَا : إلَّا أَنَّهُ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهَا مُضَيِّقًا ، وَيُمْكِنُهُ تَلَافِيهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مَهْرُهَا جَمِيعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَا أَمْكَنَهُ تَلَافِيهِ .

( 5435 ) فَصْلٌ : فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ ، لَا يَخْلُو اخْتِلَافُهُمَا مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ ( 5436 ) : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنَّ يَقُولَ الزَّوْجُ : أَسْلَمْنَا مَعًا ، فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ .
وَتَقُولُ هِيَ : بَلْ أَسْلَمَ أَحَدُنَا قَبْلَ صَاحِبِهِ ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ .
فَقَالَ الْقَاضِي : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ ؛ إذْ يَبْعُدُ اتِّفَاقُ الْإِسْلَامِ مِنْهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ الظَّاهِرُ مَعَهُ ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِ الْيَدِ .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، وَالْفَسْخُ طَارِئٌ عَلَيْهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يُوَافِقُ قَوْلُهُ الْأَصْلَ كَالْمُنْكِرِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ( 5437 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ يَقُولَ الزَّوْجُ : أَسْلَمْت قَبْلِي ، فَلَا صَدَاقَ لَكَ .
وَتَقُولُ هِيَ : أَسْلَمْت قَبْلِي ، فَلِي نِصْفُ الصَّدَاقِ .
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ ، وَالزَّوْجُ يَدَّعِي مَا يُسْقِطُهُ ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ ظَاهِرٌ فَبَقِيَ .
فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ صَاحِبِهِ ، وَلَا يَعْلَمَانِ عَيْنَهُ ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ .
كَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْ ، فَلَا شَيْءَ ؛ لَهَا لِأَنَّهَا تَشُكُّ فِي اسْتِحْقَاقِهَا ، فَلَا تَسْتَحِقُّ بِالشَّكِّ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ يَشُكُّ فِي اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ ، وَلَا يَرْجِعُ مَعَ الشَّكِّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ ، وَكَذَلِكَ إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ ، وَهَذِهِ قَدْ كَانَ صَدَاقُهَا وَاجِبًا لَهَا ، وَشَكَّا فِي سُقُوطِهِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْوُجُوبِ .

وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَفِيهِ أَيْضًا مَسْأَلَتَانِ ؛ ( 5438 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنْ يَقُولَ : أَسْلَمْنَا مَعًا .
أَوْ أَسْلَمَ الثَّانِي فِي الْعِدَّةِ ، فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ .
وَتَقُولَ هِيَ : بَلْ أَسْلَمَ الثَّانِي بَعْدَ الْعِدَّةِ ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ .
فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ .
وَالثَّانِي ، الْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إسْلَامِ الثَّانِي ( 5439 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ تَقُولَ : أَسْلَمْت قَبْلَكَ ، فَلِي نَفَقَةُ الْعِدَّةِ .
وَيَقُولَ هُوَ : أَسْلَمْت قَبْلَكَ فَلَا نَفَقَةَ لَك فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ .
وَهُوَ يَدَّعِي سُقُوطَهَا .
وَإِنْ قَالَ : أَسْلَمْت بَعْدَ شَهْرَيْنِ مِنْ إسْلَامِي ، فَلَا نَفَقَةَ لَك فِيهِمَا .
وَقَالَتْ : بَعْدَ شَهْرٍ .
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إسْلَامِهَا فِي الشَّهْرِ الثَّانِي .
فَأَمَّا إنْ ادَّعَى هُوَ مَا يَفْسَخُ النِّكَاحَ ، وَأَنْكَرَتْهُ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِزَوَالِ نِكَاحِهِ وَسُقُوطِ حَقِّهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ ، فَكَذَّبَتْهُ .

( 5440 ) فَصْلٌ : وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا اتَّفَقَتْ الدَّارَانِ أَوْ اخْتَلَفَتَا .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَدَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، وَلَوْ تَزَوَّجَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً ، ثُمَّ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ ، وَعَقَدَ الذِّمَّةَ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ ؛ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ وَيَقْتَضِي مَذْهَبُهُ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ ، نَاقِضًا لِلْعَهْدِ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ ؛ لِأَنَّ الدَّارَ اخْتَلَفَتْ بِهِمَا فِعْلًا وَحُكْمًا ، فَوَجَبَ أَنْ تَقَعَ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَنَا ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ، وَامْرَأَتُهُ بِمَكَّةَ لَمْ تُسْلِمْ ، وَهِيَ دَارُ حَرْبٍ ، وَأُمُّ حَكِيمٍ أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ إلَى الْيَمَنِ ، وَامْرَأَةُ صَفْوَانِ بْنِ أُمَيَّةَ أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا ، ثُمَّ أَسْلَمُوا ، وَأُقِرُّوا عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَالدَّارِ بِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ كَالْبَيْعِ ، وَيُفَارِقُ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّ الْقَاطِعَ لِلنِّكَاحِ اخْتِلَافُ الدِّينِ ، الْمَانِعُ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى النِّكَاحِ ، دُونَ مَا ذَكَرُوهُ فَعَلَى هَذَا ، لَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ حَرْبِيَّةً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، صَحَّ نِكَاحُهُ ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَصِحُّ .
وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } وَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ يُبَاحُ نِكَاحُهَا إذَا كَانَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَأُبِيحَ نِكَاحُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، كَالْمُسْلِمَةِ .

( 5441 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ نَكَحَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ، فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، أَوْ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، ثُمَّ أَصَابَهُنَّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي عِدَّتِهَا ، اخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ ، وَفَارَقَ مَا سِوَاهُنَّ ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَوَّلَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ أَوْ آخِرَهُنَّ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ ، وَمَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، فَأَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ ، أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إمْسَاكُهُنَّ كُلِّهِنَّ .
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ وَلَا يَمْلِكُ إمْسَاكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ .
فَإِذَا أَحَبَّ ذَلِكَ ، اخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ ، وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ ، سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ أَوْ فِي عُقُودٍ ، وَسَوَاءٌ اخْتَارَ الْأَوَائِلَ أَوْ الْأَوَاخِرَ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : إنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ ، انْفَسَخَ نِكَاحُ جَمِيعِهِنَّ ، وَإِنْ كَانَ فِي عُقُودٍ ، فَنِكَاحُ الْأَوَائِلِ صَحِيحٌ ، وَنِكَاحُ مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا تَنَاوَلَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ، فَتَحْرِيمُهُ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ مُخَيَّرًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَيْنِ فِي حَالِ الْكُفْرِ ، ثُمَّ أَسْلَمَا وَلَنَا ، مَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : { أَسْلَمْت وَتَحْتِي ثَمَانِ نِسْوَةٍ ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا .
} رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد .
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سُوَيْد الثَّقَفِيُّ ، { أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ

، عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، غَلِطَ فِيهِ مَعْمَرٌ ، وَخَالَفَ فِيهِ أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ .
كَذَلِكَ قَالَ الْحُفَّاظُ ؛ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا .
وَلِأَنَّ كُلَّ عَدَدٍ جَازَ لَهُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ ، جَازَ لَهُ إمْسَاكُهُ بِنِكَاحٍ مُطْلَقٍ فِي حَالِ الشِّرْكِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهُنَّ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجَيْنِ ، فَنِكَاحُ الثَّانِي بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهَا مَلَّكَتْهُ مِلْكَ غَيْرِهَا .
وَإِنْ جَمَعَتْ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُمَلِّكْهُ جَمِيعَ بُضْعِهَا ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَائِعِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا اخْتِيَارُ النِّكَاحِ وَفَسْخُهُ ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ .
( 5442 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا فَمَا دُونَ ، وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنَّ ، أَوْ يُفَارِقَ الْجَمِيعَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ غَيْلَانَ وَقَيْسًا بِالِاخْتِيَارِ ، وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى نِكَاحِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ، فَإِنْ أَبَى ، أُجْبِرَ ، بِالْحَبْسِ وَالتَّعْزِيرِ إلَى أَنْ يَخْتَارَ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ عَلَيْهِ يُمْكِنُهُ إيفَاؤُهُ ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ ، كَإِيفَاءِ الدَّيْنِ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَخْتَارَ عَنْهُ ، كَمَا يُطَلِّقُ عَلَى الْمُولِي إذَا امْتَنَعَ مِنْ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ هَاهُنَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ، وَإِنَّمَا تَتَعَيَّنُ الزَّوْجَاتُ بِاخْتِيَارِهِ وَشَهْوَتِهِ ، وَذَلِكَ لَا يَعْرِفُهُ الْحَاكِمُ فَيَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ ، بِخِلَافِ الْمُولِي ، فَإِنَّ الْحَقَّ الْمُعَيَّنَ يُمْكِنُ الْحَاكِمُ إيفَاءَهُ ، وَالنِّيَابَةُ عَنْ الْمُسْتَحِقِّ فِيهِ .
فَإِنْ جُنَّ خُلِّيَ حَتَّى يَعُودَ عَقْلُهُ ، ثُمَّ يُجْبَرُ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْجَمِيعِ إلَى أَنْ يَخْتَارَ ؛ لِأَنَّهُنَّ

مَحْبُوسَاتٌ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُنَّ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ أَيَّتَهُنَّ اخْتَارَ جَازَ .

( 5443 ) فَصْلٌ : وَلَوْ زَوَّجَ الْكَافِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ، ثُمَّ أَسْلَمُوا جَمِيعًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ قَبْلَ بُلُوغِهِ ، فَإِنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ ، وَلَيْسَ لِأَبِيهِ الِاخْتِيَارُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالشَّهْوَةِ ، فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِيهِ ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ حِينَئِذٍ ، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ إلَى أَنْ يَخْتَارَ .

( 5444 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ ، لَمْ يَقُمْ وَارِثُهُ مَقَامَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَاكِمِ ، وَعَلَى جَمِيعِهِنَّ الْعِدَّةُ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَاتِ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْهُنَّ ، فَمَنْ كَانَتْ مِنْهُنَّ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ؛ لِأَنَّهَا أَطْوَلُ الْعِدَّتَيْنِ فِي حَقِّهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ ، فَعِدَّتُهَا أَطْوَلُ الْأَجَلَيْنِ ، مِنْ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ بِيَقِينٍ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُخْتَارَةً أَوْ مُفَارِقَةً ، وَعِدَّةُ الْمُخْتَارَةِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ ، وَعِدَّةُ الْمُفَارِقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ ، فَأَوْجَبْنَا أَطْوَلَهُمَا ، لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ بِيَقِينِ ، كَمَا قُلْنَا فِي مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ ، لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا : عَلَيْهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَأَمَّا الْمِيرَاثُ ، فَإِنْ اصْطَلَحْنَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ جَائِزٌ كَيْفَمَا اصْطَلَحْنَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُنَّ ، وَإِنْ أَبَيْنَ الصُّلْحَ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُنَّ ، فَتَكُونَ الْأَرْبَعُ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ وَعِنْد الشَّافِعِيِّ ، يُوقَفُ الْمِيرَاثُ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ .
وَأَصِلُ هَذَا يُذْكَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 5445 ) فَصْلٌ : وَصِفَةُ الِاخْتِيَارِ أَنْ يَقُولَ : اخْتَرْت نِكَاحَ هَؤُلَاءِ ، أَوْ اخْتَرْت هَؤُلَاءِ ، أَوْ أَمْسَكْتهنَّ ، أَوْ اخْتَرْت حَبْسَهُنَّ ، أَوْ إمْسَاكَهُنَّ ، أَوْ نِكَاحَهُنَّ ، أَوْ أَمْسَكْت نِكَاحَهُنَّ ، أَوْ ثَبَّتُّ نِكَاحَهُنَّ ، أَوْ أَثْبَتُّهُنَّ .
وَإِنْ قَالَ لِمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ : فَسَخْت نِكَاحَهُنَّ .
كَانَ اخْتِيَارًا لِلْأَرْبَعِ .
وَإِنْ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ ، كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي زَوْجَةٍ .
وَإِنْ قَالَ : قَدْ فَارَقْت هَؤُلَاءِ ، أَوْ اخْتَرْت فِرَاقَ هَؤُلَاءِ .
فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ ، كَانَ اخْتِيَارًا لِغَيْرِهِنَّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغَيْلَانَ : { اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ } وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْفِرَاقِ صَرِيحًا فِيهِ ، كَمَا كَانَ لَفْظُ الطَّلَاقِ صَرِيحًا فِيهِ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ : فَعَمَدْت إلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً ، فَفَارَقْتهَا .
وَهَذَا الْمَوْضِعُ أَخَصُّ بِهَذَا اللَّفْظِ .
فَيَجِبُ أَنْ يُتَخَصَّصَ فِيهِ بِالْفَسْخِ .
وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، كَانَ اخْتِيَارًا لَهُنَّ دُونَ غَيْرِهِنَّ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ عِنْد الْإِطْلَاقِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلْمُفَارِقَاتِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْفِرَاقِ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُنَّ ، كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مِلْكٍ ، فَيَدُلُّ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، وَوَطْءِ الرَّجْعِيَّةِ أَيْضًا اخْتِيَارًا لَهَا .
وَإِنْ آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ، أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا ، لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارًا لَهَا ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ فِي غَيْرِ زَوْجَةٍ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِ زَوْجَةٍ .
وَإِنْ قَذَفَهَا ، لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارًا لَهَا ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي غَيْرِ زَوْجَةٍ .

( 5446 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، وَفَارَقَ الْبَوَاقِيَ ، فَعِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ اخْتَارَ ؛ لِأَنَّهُنَّ بِنَّ مِنْهُ بِالِاخْتِيَارِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ أَسْلَمَ ؛ لِأَنَّهُنَّ بِنَّ بِإِسْلَامِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ ، كَمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَلَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَفُرْقَتُهُنَّ فَسْخٌ ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ فِيهِنَّ ، وَعِدَّتُهُنَّ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ مِنْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا كَذَلِكَ وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَى الْمُخْتَارَاتِ ، أَوْ بَانَتْ مِنْهُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنْ الْمُفَارِقَاتِ ، وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى طَلَاقِ ثَلَاثٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا قَبْلَ ذَلِكَ .
وَإِنْ اخْتَارَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعٍ ، أَوْ اخْتَارَ تَرْكَ الْجَمِيعِ ، أُمِرَ بِطَلَاقِ أَرْبَعٍ ، أَوْ تَمَامِ أَرْبَعٍ ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ الزَّوْجَاتِ لَا يَبِنَّ مِنْهُ إلَّا بِطَلَاقٍ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَإِذَا طَلَّقَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ ، وَقَعَ طَلَاقُهُ بِهِنَّ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَاقِيَاتِ ، لِاخْتِيَارِهِ لَهُنَّ ، وَتَكُونُ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَاتِ مِنْ حِينَ طَلَّقَ ، وَعِدَّةُ الْبَاقِيَاتِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ ، كُنَّ الْمُخْتَارَاتِ وَوَقَعَ طَلَاقُهُ بِهِنَّ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي .
وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا ، فَمَتَى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنْ الْبَاقِيَاتِ ؛ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَطْلُقْنَ مِنْهُ ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ الْمُطَلَّقَاتُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ وَلَوْ أَسْلَمَ ، ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ ، أُمِرَ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ فَإِذَا اخْتَارَهُنَّ تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ وَقَعَ بِهِنَّ ، لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ ، وَيَعْتَدِدْنَ مِنْ حِينِ طَلَاقِهِ وَبَانَ الْبَوَاقِي مِنْهُ

بِاخْتِيَارِهِ لِغَيْرِهِنَّ ، وَلَا يَقَعُ بِهِنَّ طَلَاقُهُ ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَاتِ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُطَلَّقَاتٍ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا ، أَنَّ طَلَاقَهُنَّ قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ فِي زَمَنٍ لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِيهِ ، فَإِذَا أَسْلَمْنَ تَجَدَّدَ لَهُ الِاخْتِيَارُ حِينَئِذٍ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا طَلَّقَهُنَّ وَلَهُ الِاخْتِيَارُ ، وَالطَّلَاقُ يَصْلُحُ اخْتِيَارًا ، وَقَدْ أَوْقَعَهُ فِي الْجَمِيعِ ، وَلَيْسَ بَعْضُهُنَّ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ ، فَصِرْنَا إلَى الْقُرْعَةِ ، لِتَسَاوِي الْحُقُوقِ ( 5447 ) فَصْلٌ : إذَا أَسْلَمَ قَبْلَهُنَّ ، وَقُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، فَلَا كَلَامَ .
وَإِنْ قُلْنَا : يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .
وَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُنَّ بِنَّ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهُنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِنَّ ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذَا أَسْلَمْنَ ، وَإِنْ كَانَ وَطِئَهُنَّ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَطِئَ غَيْرَ نِسَائِهِ ، وَإِنْ آلَى مِنْهُنَّ ، أَوْ ظَاهَرَ ، أَوْ قَذَفَ تَبَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِ زَوْجِهِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ خَاطَبَ بِذَلِكَ أَجْنَبِيَّةً .
فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّهَا زَوْجَتُهُ ، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ بِهَا ، وَكَانَ وَطْؤُهُ لَهَا وَطْئًا لِمُطَلَّقَتِهِ .
وَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ غَيْرَهَا ، فَوَطْؤُهُ لَهَا وَطْءٌ لِامْرَأَتِهِ .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ وَطْؤُهُ لَهَا قَبْلَ طَلَاقِهَا وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ فَأَسْلَمَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مِنْهُنَّ ، أَوْ أَقَلُّ فِي عِدَّتِهِنَّ ، وَلَمْ تُسْلِمْ الْبَوَاقِي ، تَعَيَّنَتْ الزَّوْجِيَّةُ فِي الْمُسْلِمَاتِ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِنَّ ، فَإِذَا أَسْلَمَ الْبَوَاقِي ، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهِنَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ بِهِنَّ .

( 5448 ) فَصْلٌ : إذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ ، فَأَسْلَمَ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ ، فَلَهُ اخْتِيَارُهُنَّ ، وَلَهُ الْوُقُوفُ إلَى أَنْ يُسْلِمَ الْبَوَاقِي .
فَإِنْ مَاتَ اللَّاتِي أَسْلَمْنَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ ، فَلَهُ اخْتِيَارُ الْمَيِّتَاتِ ، وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِيَاتِ ، وَلَهُ اخْتِيَارُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ ؛ وَبَعْضِ هَؤُلَاءِ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَيْسَ بِعَقْدِ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْحِيحٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فِيهِنَّ ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الِاخْتِيَارِ بِحَالِ ثُبُوتِهِ ، وَحَالَ ثُبُوتِهِ كُنَّ أَحْيَاءَ وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةُ مِنْهُنَّ ، فَقَالَ : اخْتَرْتهَا .
جَازَ ، فَإِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي .
وَإِنْ قَالَ لِلْمُسْلِمَةِ : اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهَا .
لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ ، وَالِاخْتِيَارُ لِلْأَرْبَعِ ، وَهَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْبَعِ ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ ، فَيَقَعُ ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ ، وَيَكُونُ طَلَاقُهُ لَهَا اخْتِيَارًا لَهَا وَإِنْ قَالَ : اخْتَرْت فُلَانَةَ .
قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلِاخْتِيَارِ ، لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَيَّ بَيْنُونَةٍ ، فَلَا يَصِحُّ إمْسَاكُهَا .
وَإِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا ، لَمْ يَنْفَسِخْ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ الِاخْتِيَارُ ، لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ .
وَإِنْ نَوَى بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ ، أَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .
فَهُوَ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعٍ ، أَوْ أَسْلَمَ زِيَادَةٌ فَاخْتَارَهَا ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهَا ، وَإِلَّا فَلَا ( 5449 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ اخْتَرْتهَا .
لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا ؛ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهَا .
لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ ، وَلَا يَمْلِكُهُ فِي وَاحِدَةٍ حَتَّى يَزِيدَ عَدَدُ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْأَرْبَعِ

، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ : كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ فَهِيَ طَالِقُ .
وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ ، وَيَتَضَمَّنُ الِاخْتِيَارَ لَهَا ، فَكُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا ، وَتَطْلُقُ بِطَلَاقِهِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَتَضَمَّنُ الِاخْتِيَارَ ، وَالِاخْتِيَارُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ ( 5450 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَسْلَمَ ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ اسْتِدَامَةٌ لِلنِّكَاحِ ، وَتَعْيِينٌ لِلْمَنْكُوحَةِ ، وَلَيْسَ بِابْتِدَاءٍ لَهُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ .
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَلَنَا أَنَّهُ اسْتِدَامَةُ نِكَاحٍ ، لَا يُشْتَرَطُ لَهُ رِضَاءُ الْمَرْأَةِ ، وَلَا وَلِيُّ ، وَلَا شُهُودٌ ، وَلَا يَتَجَدَّدُ بِهِ مَهْرٌ ، فَجَازَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ ، كَالرَّجْعَةِ ( 5451 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَسْلَمْنَ مَعَهُ ، ثُمَّ مُتْنَ قَبْلَ اخْتِيَارِهِ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، فَيَكُونَ لَهُ مِيرَاثُهُنَّ ، وَلَا يَرِثُ الْبَاقِيَاتُ ؛ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ بِزَوْجَاتٍ لَهُ .
وَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُنَّ ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْأَحْيَاءِ ، وَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْمَيِّتَاتِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ فَمُتْنَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْجَمِيعِ ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمَيِّتَاتِ ، فَلَهُ مِيرَاثُهُنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ مُتْنَ وَهُنَّ نِسَاؤُهُ ، وَإِنْ اخْتَارَ غَيْرَهُنَّ ، فَلَا مِيرَاثَ لَهُ مِنْهُنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ أَجْنَبِيَّاتٌ .
وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الْبَوَاقِي ، لَزِمَ النِّكَاحُ فِي الْمَيِّتَاتِ ، وَلَهُ مِيرَاثُهُنَّ فَإِنْ وَطِئَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ ، فَاخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ ، فَلَيْسَ لَهُنَّ إلَّا الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ ، وَلَسَائِرُهُنَّ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ لِلْوَطْءِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُنَّ أَجْنَبِيَّاتٌ .
وَإِنْ وَطِئَهُنَّ

بَعْدَ إسْلَامِهِنَّ ، فَالْمَوْطُوآت أَوَّلَاهُنَّ الْمُخْتَارَاتُ ، وَالْبَوَاقِي أَجْنَبِيَّاتُ ، وَالْحُكْمُ فِي الْمَهْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .

( 5452 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ ، كَقَوْلِهِ فِي عَشْرِ نِسْوَةٍ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، { إنِّي أَسْلَمْت وَتَحْتِي أُخْتَانِ قَالَ : طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْت } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمَا .
وَلِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ الْجَمْعُ فِي الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ أَزَالَهُ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا قَبْلَ إسْلَامِهِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَالْأُخْرَى فِي حِبَالِهِ .
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ ( 5453 ) فَصْلٌ : وَلَوْ تَزَوَّجَ وَثَنِيَّةً ، فَأَسْلَمَتْ قَبْلَهُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَ فِي شِرْكِهِ أُخْتَهَا ، ثُمَّ أَسْلَمَا فِي عِدَّةِ الْأُولَى ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ مُسْلِمَتَانِ .
وَإِنْ أَسْلَمَ هُوَ قَبْلَهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا فِي عِدَّتِهَا ، وَلَا أَرْبَعًا سِوَاهَا .
فَإِنْ فَعَلَ ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ الثَّانِي .
وَإِذَا أَسْلَمْت الْأُولَى فِي عِدَّتِهَا ، فَنِكَاحُهَا لَازِمٌ ؛ لِأَنَّهَا انْفَرَدَتْ بِهِ ( 5454 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ ، وَدَخَلَ بِهِمَا ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعَهُ ، فَاخْتَارَ إحْدَاهُمَا ، لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِهَا لِئَلَّا يَكُونَ وَاطِئًا لِإِحْدَى الْأُخْتَيْنِ فِي عِدَّةِ الْأُخْرَى .
وَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ ، قَدْ دَخَلَ بِهِنَّ ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، وَكُنَّ ثَمَانِيَا ، فَاخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ ، وَفَارَقَ أَرْبَعًا ، لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْ الْمُخْتَارَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارِقَاتِ ، لِئَلَّا يَكُونَ وَاطِئًا لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ .
فَإِنْ كُنَّ خَمْسًا ، فَفَارَقَ إحْدَاهُنَّ ، فَلَهُ وَطْءُ ثَلَاثٍ مِنْ

الْمُخْتَارَاتِ ، وَلَا يَطَأُ الرَّابِعَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَةِ .
وَإِنْ كُنَّ سِتًّا ، فَفَارَقَ اثْنَتَيْنِ ، فَلَهُ وَطْءُ اثْنَتَيْنِ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ وَإِنْ كُنَّ سَبْعًا فَفَارَقَ ثَلَاثًا فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ ، وَلَا يَطَأُ الْبَاقِيَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ ، فَكُلَّمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُفَارِقَاتِ ، فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ .
هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ( 5455 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي حَالِ كُفْرِهِ ، فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعًا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَاخْتَارَ أَحَدَاهُمَا ، فَلَا مَهْرَ لِلْأُخْرَى ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِإِسْلَامِهِمْ جَمِيعًا ، فَلَا تَسْتَحِقُّ مَهْرًا ، كَمَا لَوْ فَسَخَ النِّكَاحَ لِعَيْبِ فِي إحْدَاهُمَا ، وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ مَهْرٌ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ أُخْتَهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ .
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ إذَا أَسْلَمُوا جَمِيعًا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَاخْتَارَ أَرْبَعًا ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي ، فَلَا مَهْرَ لَهُنَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 5456 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا ، فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعًا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَسَدَ نِكَاحُ الْأُمِّ ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصَلَّيْنَ : ( 5457 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : إذَا كَانَ إسْلَامُهُمْ جَمِيعًا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ نِكَاحُ الْأُمِّ ، وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الْبِنْتِ .
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارِ الْمُزَنِيّ .
وَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَخْتَارُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الشِّرْكِ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الصِّحَّةِ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الِاخْتِيَارُ ، فَإِذَا اخْتَارَ الْأُمَّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ عَلَى الْبِنْتِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } .
وَهَذِهِ أُمُّ زَوْجَتِهِ ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ ، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ ابْنَتَهَا فِي حَالِ شِرْكِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ وَحْدَهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا إذَا أَسْلَمَ ، فَإِذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا وَتَمَسَّك بِنِكَاحِهَا أَوْلَى .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِانْضِمَامِ الِاخْتِيَارِ إلَيْهِ .
غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ ، ثَبَتَ لَهَا أَحْكَامُ الصِّحَّةِ وَكَذَلِكَ لَوْ انْفَرَدَتْ كَانَ نِكَاحُهَا صَحِيحًا لَازِمًا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ ، وَلِهَذَا فُوِّضَ إلَيْهِ الِاخْتِيَارُ هَاهُنَا .
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ لَيْسَ نِكَاحُهَا صَحِيحًا ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْأُمُّ بِفَسَادِ نِكَاحِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَلَمْ يُمْكِنْ اخْتِيَارُهَا ، وَالْبِنْتُ لَا تَحْرُمُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِأُمِّهَا ، فَتَعَيَّنَ النِّكَاحُ فِيهَا بِخِلَافِ الْأُخْتَيْنِ ( 5458 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إذَا دَخَلَ بِهِمَا ، حَرُمَتَا عَلَى التَّأْبِيدِ ، الْأُمُّ لِأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ ، وَالْبِنْتُ لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ مِنْ زَوْجَتِهِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا قَالَ .
ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعْ عَلَى هَذَا كُلُّ

مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْحِجَازِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ .
وَإِنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ وَحْدَهَا ، فَكَذَلِكَ ؛ أَنَّ الْبِنْتَ تَكُونُ رَبِيبَتَهُ مَدْخُولًا بِأُمِّهَا ، وَالْأُمُّ حَرُمَتْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا وَإِنْ دَخَلَ بِالْبِنْتِ وَحْدَهَا ، ثَبَتَ نِكَاحُهَا ، وَفَسَدَ نِكَاحُ أُمِّهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا .
وَلَوْ لَمْ تُسْلِمْ مَعَهُ إلَّا إحْدَاهُمَا ، كَانَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتَا مَعَهُ مَعًا ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمُسْلِمَةُ هِيَ الْأُمَّ ، فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَإِنْ كَانَتْ الْبِنْتَ ، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِأُمِّهَا ، ثَبَتَ نِكَاحُهَا ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِأُمِّهَا ، فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ .
وَلَوْ أَسْلَمَ وَلَهُ جَارِيَتَانِ ، إحْدَاهُمَا أُمُّ الْأُخْرَى ، وَقَدْ وَطِئَهُمَا جَمِيعًا حَرُمَتَا عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا ، حَرُمْت الْأُخْرَى عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَلَمْ تَحْرُمْ الْمَوْطُوءَةُ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، فَلَهُ وَطْءُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ ، فَإِذَا وَطِئَهَا ، حَرُمَتْ الْأُخْرَى عَلَى التَّأْبِيد .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 5459 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ ، وَتَحْتَهُ زَوْجَتَانِ ، قَدْ دَخَلَ بِهِمَا ، فَأَسْلَمَتَا فِي الْعِدَّةِ ، فَهُمَا زَوْجَتَاهُ ، وَلَوْ كُنَّ أَكْثَرَ ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ اثْنَتَيْنِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْعَبْدِ فِيمَا زَادَ عَلَى الِاثْنَتَيْنِ حُكْمُ الْحُرِّ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ ، فَإِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ زَوْجَتَانِ ، فَأَسْلَمَتَا مَعَهُ ، أَوْ فِي عِدَّتِهِمَا ، لَزِمَ نِكَاحُهُمَا ، حُرَّتَيْنِ كَانَتَا أَوْ أَمَتَيْنِ ، أَوْ حُرَّةً وَأَمَةً ؛ لِأَنَّ لَهُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي ابْتِدَاءِ نِكَاحِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي اخْتِيَارِهِ وَإِنْ كُنَّ أَكْثَرَ ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ اثْنَتَيْنِ ، أَيَّتَهُنَّ شَاءَ ، عَلَى مَا مَضَى فِي الْحُرِّ ، فَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَتَانِ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْحُرَّتَيْنِ أَوْ الْأَمَتَيْنِ ، أَوْ حُرَّةً ، وَأَمَةً ، وَلَيْسَ لِلْحُرَّةِ إذَا أَسْلَمَتْ مَعَهُ الْخِيَارُ فِي فِرَاقِهِ ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِنِكَاحِهِ وَهُوَ عَبْدٌ ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ رِقُّهُ بِالْإِسْلَامِ ، وَلَا تَجَدَّدَتْ حُرِّيَّتُهَا بِذَلِكَ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارُ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ مَعِيبًا تَعْلَمُ عَيْبَهُ ثُمَّ أَسْلَمَا .
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا ، أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ عَيْبٌ تَجَدَّدَتْ أَحْكَامُهُ بِالْإِسْلَامِ ، فَكَأَنَّهُ عَيْبٌ حَادِثٌ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ الرِّقَّ لَمْ يَزُلْ عَيْبًا وَنَقْصًا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ نَقْصُهُ بِالْإِسْلَامِ ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ ( 5460 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَرْبَعُ حَرَائِرَ ، فَأُعْتِقَ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ ، أَوْ أَسْلَمْنَ قَبْلَهُ ، ثُمَّ أُعْتِقَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، لَزِمَهُ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْأَرْبَعُ فِي وَقْتِ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِمْ ، فَإِنَّهُ حُرُّ .
فَأَمَّا إنْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ ، ثُمَّ أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ إلَّا اثْنَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا حِينَ ثَبَتَ لَهُ الِاخْتِيَارُ ، وَهُوَ حَالُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ،

فَتَغَيُّرُ حَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ الْحُكْمَ ، كَمَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، ثُمَّ أَيْسَرَ .
وَلَوْ أَسْلَمَ مَعَهُ اثْنَتَانِ ، ثُمَّ أَعْتَقَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ لَمْ يَخْتَرْ إلَّا اثْنَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ بِإِسْلَامِ الْأُولَيَيْنِ ( 5461 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا ، فَأَسْلَمْنَ ، وَأَعْتَقْنَ قَبْلَ إسْلَامِهِ ، فَلَهُنَّ فَسْخُ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُنَّ عَتَقْنَ تَحْتَ عَبْدٍ ، وَإِنَّمَا مَلَكْنَ الْفَسْخَ وَإِنْ كُنَّ جَارِيَاتٍ إلَى بَيْنُونَةٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْلِمُ فَيَقْطَعُ جَرَيَانَهُنَّ إلَى الْبَيْنُونَةِ ، فَإِذَا فَسَخْنَ وَلَمْ يُسْلِمْ الزَّوْجُ ، بِنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ مِنْ حِينَ أَسْلَمْنَ ، وَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ ، بِنَّ لِفَسْخِ النِّكَاحِ ، وَعَلَيْهِنَّ عِدَّةُ الْحَرَائِرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُنَّ هَاهُنَا وَجَبَتْ عَلَيْهِنَّ الْعِدَّةُ وَهُنَّ حَرَائِرُ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا عَتَقْنَ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ الزَّوْجُ تَلَافِيَ النِّكَاحِ فِيهَا ، فَأَشْبَهْنَ الرَّجْعِيَّةَ فَإِنْ أَخَّرْنَ الْفَسْخَ حَتَّى أَسْلَمَ الزَّوْجُ ، لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ حَقُّهُنَّ فِي الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُنَّ لِلْفَسْخِ اعْتِمَادٌ عَلَى جَرَيَانِهِنَّ لِبَيْنُونَةٍ ، فَلَمْ يَتَضَمَّنْ الرِّضَى بِالنِّكَاحِ كَالرَّجْعِيَّةِ إذَا أُعْتِقَتْ وَأَخَّرَتْ الْفَسْخَ ، وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهُنَّ ، ثُمَّ أَعْتَقْنَ ، فَاخْتَرْنَ الْفَسْخَ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ إمَاءٌ عَتَقْنَ تَحْتَ عَبْدٍ .
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا خِيَارَ لَهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِنَّ إلَى الْفَسْخِ ، لِكَوْنِهِ يَحْصُلُ بِإِقَامَتِهِنَّ عَلَى الشِّرْكِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .
وَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ فَإِنَّ السَّبَبَ مُتَحَقِّقٌ ، وَقَدْ يَبْدُو لَهُنَّ الْإِسْلَامُ ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِنَّ فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا أَسْلَمْنَ اخْتَرْنَ الْفَسْخَ .
قُلْنَا : يَتَضَرَّرْنَ بِطُولِ الْعِدَّةِ ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ حِينِ الْفَسْخِ ، وَلِذَلِكَ مَلَكْنَ الْفَسْخَ فِيمَا إذَا أَسْلَمْنَ

وَعَتَقْنَ قَبْلَهُ .
فَأَمَّا إنْ اخْتَرْنَ الْمُقَامَ ، وَقُلْنَ : قَدْ رَضِينَا بِالزَّوْجِ .
فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَسْقُطُ خِيَارُهُنَّ ؛ لِأَنَّهَا حَالَةٌ يَصِحُّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْفَسْخِ ، فَصَحَّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْإِقَامَةِ ، كَحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُنَّ ؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَهُنَّ لِلْإِقَامَةِ ضِدٌّ لِلْحَالَةِ الَّتِي هُنَّ عَلَيْهَا ، وَهِيَ جَرَيَانُهُنَّ إلَى الْبَيْنُونَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ الرَّجْعِيَّةُ ، فَرَاجَعَهَا الزَّوْجُ حَالَ رِدَّتِهَا .
وَهَذَا يَبْطُلُ بِمَا إذَا قَالَ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقُ .
ثُمَّ عَتَقَتْ ، فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا .

( 5462 ) فَصْلٌ : إذَا أَسْلَمَ الْحُرُّ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ ، فَأُعْتِقَتْ إحْدَاهُنَّ ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِعِصْمَةِ حُرَّةٍ حِينَ اجْتِمَاعِهَا عَلَى الْإِسْلَامِ .
وَإِنْ أَسْلَمَتْ إحْدَاهُنَّ مَعَهُ ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِ الِاخْتِيَارِ ، وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْإِسْلَامِ كَانَتْ أَمَةً ( 5463 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَرْبَعُ إمَاءٍ ، وَهُوَ عَادِمٌ لِلطُّولِ خَائِفٌ لِلْعَنَتِ ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْفُهُ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ مَنْ تَعْفُهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى لَا يَخْتَارُ إلَّا وَاحِدَةً .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَتَوْجِيهُهُمَا قَدْ مَضَى فِي ابْتِدَاءِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ .
وَإِنْ عَدَمَ فِيهِ الشَّرْطَانِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ فِي الْكُلِّ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لِلْعَقْدِ ، لَا ابْتِدَاءٌ لَهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطُ الْعَقْدِ ، فَأَشْبَهَ الرَّجْعَةَ وَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ امْرَأَةٌ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا حَالَ الْإِسْلَامِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ اخْتِيَارَهَا ، كَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَكَذَوَاتِ مَحَارِمِهِ .
وَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَهِيَ قَطْعُ جَرَيَانِ النِّكَاحِ إلَى الْبَيْنُونَةِ ، وَهَذَا إثْبَاتُ النِّكَاحِ فِي امْرَأَةٍ .
وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَجُوزُ لَهُ هَاهُنَا اخْتِيَارٌ ، بَلْ يَبِنَّ بِمُجَرَّدِ إسْلَامِهِ ، لِئَلَّا يُفْضِي إلَى اسْتِدَامَةِ نِكَاحِ مُسْلِمٍ فِي أَمَةٍ كَافِرَةٍ .
وَلَنَا ، أَنَّ إسْلَامَهُنَّ فِي الْعِدَّةِ بِمَنْزِلَةِ إسْلَامِهِنَّ مَعَهُ ، وَلِهَذَا لَوْ كُنَّ حَرَائِرَ

مَجُوسِيَّاتٍ أَوْ وَثَنِيَّاتٍ ، فَأَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ ، كَانَ ذَلِكَ كَإِسْلَامِهِنَّ مَعَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ ، سَوَاءٌ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ أَوْ غَيْرَ كِتَابِيَّاتٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ فِي أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ ( 5464 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَسْلَمَ وَهُوَ وَاجِدٌ لِلطُّولِ ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَعْسَرَ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ ؛ لِأَنَّ شَرَائِطَ النِّكَاحِ تُعْتَبَرُ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ ، وَهُوَ وَقْتُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ عَادِمٌ لِلطُّولِ خَائِفُ لِلْعَنَتِ ، فَكَانَ لَهُ الِاخْتِيَارُ .
وَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْسِرٌ ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَيْسَرَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ ؛ لِذَلِكَ .
وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَهُوَ مُوسِرٌ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي بَعْدَ إعْسَارِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ دَخَلَ بِإِسْلَامِ الْأُولَى ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا ، كَانَ لَهُ اخْتِيَارُهَا ، فَإِذَا كَانَ مُوسِرًا ، بَطَلَ اخْتِيَارُهُ .
وَإِنْ أَسْلَمْت الْأُولَى وَهُوَ مُعْسِرٌ ، فَلَمْ تُسْلِمْ الْبَوَاقِي حَتَّى أَيْسَرِ ، لَزِمَ نِكَاحُ الْأُولَى ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْبَوَاقِي ؛ لِأَنَّ الْأُولَى اجْتَمَعَتْ مَعَهُ فِي حَالَةٍ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا ، بِخِلَافِ الْبَوَاقِي وَلَوْ أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ ، فَلَمْ يَخْتَرْ حَتَّى أَيْسَرَ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ ؛ لِأَنَّ حَالَ ثُبُوتِ الِاخْتِيَارِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، فَتَغَيُّرُ حَالِهِ لَا يُسْقِطُ مَا ثَبَتَ لَهُ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَوْ اخْتَارَ ثُمَّ أَيْسَرَ ، لَمْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ ( 5465 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتْ مَعَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ أَسْلَمَتْ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا لَوْ أَسْلَمْنَ كُلُّهُنَّ ، فَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَتْ وَحْدَهَا .
وَإِنْ أَحَبَّ

انْتِظَارَ الْبَوَاقِي جَازَ ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا صَحِيحًا ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُنَّ مَنْ هِيَ أَبَرُّ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ .
فَإِنْ انْتَظَرَهُنَّ ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ، تَبَيَّنَ أَنَّ نِكَاحَ هَذِهِ كَانَ لَازِمًا ، وَبَانَ الْبَوَاقِي مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ .
وَإِنْ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَاقِيَاتِ حِينَ الِاخْتِيَارِ ، وَعَدَدُهُنَّ مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ .
وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ دُونَ بَعْضٍ ، بَانَ اللَّائِي لَمْ يُسْلِمْنَ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ ، وَالْبَوَاقِي مِنْ حِينَ اخْتَارَهُ .
وَإِنْ اخْتَارَ الَّتِي أَسْلَمَتْ مَعَهُ حِينَ أَسْلَمَتْ ، انْقَطَعَتْ عِصْمَةُ الْبَوَاقِي ، وَثَبَتَ نِكَاحُهَا فَإِنْ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي فِي الْعِدَّةِ ، تَبَيَّنَ أَنَّهُنَّ بِنَّ مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَعِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينَئِذٍ .
وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ ، بِنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَعِدَّتُهُنَّ مِنْهُ .
وَإِنْ طَلَّقَ الَّتِي أَسْلَمَتْ مَعَهُ ، طَلُقَتْ ، وَكَانَ اخْتِيَارًا لَهَا .
وَحُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ مَا لَوْ اخْتَارَهَا صَرِيحًا ؛ لِأَنَّ إيقَاعَ طَلَاقِهِ عَلَيْهَا يَتَضَمَّنُ اخْتِيَارَهَا .
فَأَمَّا إنْ اخْتَارَ فَسْخَ نِكَاحِهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَاتِ لَمْ يُسْلِمْنَ مَعَهُ ، فَمَا زَادَ الْعَدَدُ عَلَى مَا لَهُ إمْسَاكُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ، ثُمَّ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الْبَوَاقِي ، لَزِمَهُ نِكَاحُهَا ، وَإِنْ أَسْلَمْنَ فَاخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي ، وَالْأُولَى مَعَهُنَّ .
وَإِنْ اخْتَارَ الْأُولَى الَّتِي فَسَخَ نِكَاحَهَا ، صَحَّ اخْتِيَارُهُ لَهَا ؛ لِأَنَّ فَسْخَهُ لِنِكَاحِهَا لَمْ يَصِحَّ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اخْتِيَارُهُ لَهَا ؛ لِأَنَّ فَسْخَهُ إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ مَعَ إقَامَةِ الْبَوَاقِي عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ ، لِأَنَّنَا نَتَبَيَّنُ أَنَّ نِكَاحَهَا كَانَ لَازِمًا ، فَإِذَا أَسْلَمْنَ لَحِقَ إسْلَامُهُنَّ بِتِلْكَ الْحَالِ ، وَصَارَ كَأَنَّهُنَّ أَسْلَمْنَ فِي

ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَإِذَا فَسَخَ نِكَاحَ إحْدَاهُنَّ ، صَحَّ الْفَسْخُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا .
وَهَذَا يَبْطُلُ بِمَا لَوْ فَسَخَ نِكَاحَ إحْدَاهُنَّ قَبْلَ إسْلَامِهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ ، وَلَا يُجْعَلُ إسْلَامُهُنَّ الْمَوْجُودُ فِي الثَّانِي كَالْمَوْجُودِ سَابِقًا ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .

( 5466 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ وَحُرَّةٌ ، فَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ ؛ إحْدَاهُنَّ ، أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ كُلُّهُنَّ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْحُرَّةِ ، فَلَا يَخْتَارُ أُمَّهُ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَهُ أَنْ يَخْتَارَ .
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ .
الثَّانِيَةُ ، أَسْلَمْت الْحُرَّةُ مَعَهُ دُونَ الْإِمَاءِ ، فَقَدْ ثَبَتَ نِكَاحُهَا ، وَانْقَطَعَتْ عِصْمَةُ الْإِمَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ، بِنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَابْتِدَاءُ عَدَدِهِنَّ مِنْ حِينَ أَسْلَمَ .
وَإِنْ أَسْلَمْنَ فِي عَدَدِهِنَّ ، بِنَّ مِنْ حِينِ إسْلَامِ الْحُرَّةِ ، وَعَدَدِهِنَّ مِنْ حِينِ إسْلَامِهَا .
فَإِنْ مَاتَتْ الْحُرَّةُ بَعْدَ إسْلَامِهَا ، لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ بِمَوْتِهَا ؛ لِأَنَّ مَوْتَهَا بَعْدَ ثُبُوتِ نِكَاحِهَا وَانْفِسَاخِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ ، لَا يُؤَثِّرُ فِي إبَاحَتِهِنَّ .
الثَّالِثَةُ ، أَسْلَمَ الْإِمَاءُ دُونَ الْحُرَّةِ وَهُوَ مُعْسِرٌ ، فَلَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا قَبْلَ إسْلَامِهَا ، فَتَبِينُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحُرَّةِ ، أَوْ تُسْلِمَ فِي عِدَّتِهَا فَيَثْبُتُ نِكَاحُهَا ، وَيَبْطُلُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمْنَ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ قَبْلَ إسْلَامِهَا وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ ، أَنَّهَا لَا تُسْلِمُ ، فَإِنْ طَلَّقَ الْحُرَّةَ ثَلَاثًا قَبْلَ إسْلَامِهَا ، ثُمَّ لَمْ تُسْلِمْ ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْإِمَاءِ ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا ، بَانَ أَنَّ نِكَاحَهَا كَانَ ثَابِتًا ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ فِيهِ ، وَالْإِمَاءُ بِنَّ بِثُبُوتِ نِكَاحِهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ ( 5467 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ وَحُرَّةٌ ، فَأَسْلَمْنَ ، ثُمَّ عَتَقْنَ قَبْلَ إسْلَامِهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ ؛

لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ لَا يَجُوزُ لَقَادِرٍ عَلَى حُرَّةٍ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالُهُنَّ حَالَ ثُبُوتِ الِاخْتِيَارِ ، وَهُوَ حَالَةُ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ ، ثُمَّ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ الْحُرَّةُ ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ ، وَلَا يَخْتَارُ إلَّا وَاحِدَةً ، اعْتِبَارًا بِحَالَةِ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا ، ثَبَتَ نِكَاحُهَا ، وَانْقَطَعَتْ عِصْمَتُهُنَّ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ اخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْ الْمُعْتَقَاتِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ ، ثُمَّ لَمْ تُسْلِمْ فَلَا عِبْرَةَ بِاخْتِيَارِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَهَا ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَكُونُ مَوْقُوفًا ، فَأَمَّا إنْ عَتَقْنَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمْنَ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ وَاجْتَمَعْنَ مَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُنَّ حَرَائِرُ ، فَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الزَّوْجَاتِ أَرْبَعًا فَمَا دُونَ ، ثَبَتَ نِكَاحُهُنَّ ، وَإِنْ كُنَّ زَائِدَاتٍ عَلَى أَرْبَعٍ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، وَتَبْطُلُ عِصْمَةُ الْخَامِسَةِ ؛ لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ حَرَائِرَ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ ، وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ ، فَصَارَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ الْحَرَائِرِ الْأَصْلِيَّاتِ ، وَكَمَا لَوْ أُعْتِقْنَ قَبْلَ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ ، وَلَوْ أَسْلَمْنَ قَبْلَهُ ، ثُمَّ أُعْتِقْنَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، فَكَذَلِكَ ، وَيَكُونَ الْحُكْمُ فِي هَذَا كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ خَمْسُ حَرَائِر أَوْ أَكْثَرُ ، عَلَى مَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ .

( 5468 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ خَمْسُ حَرَائِرَ ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ مِنْهُنَّ اثْنَتَانِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى اخْتِيَارِ إحْدَاهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَلْزَمَهُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَلَا مَعْنَى لِانْتِظَارِ الْبَوَاقِي .
فَإِذَا اخْتَارَ وَاحِدَةً ، وَلَمْ يُسْلِمْ الْبَوَاقِي ، لَزِمَهُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ .
وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ الْبَوَاقِي إلَّا اثْنَتَانِ ، لَزِمَهُ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ .
وَإِنْ أَسْلَمَ الْجَمِيعُ فِي الْعِدَّةِ ، كُلِّفَ أَنْ يَخْتَارَ ثَلَاثًا مَعَ الَّتِي اخْتَارَهَا أَوَّلًا ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبَاقِيَةِ .
وَعَلَى هَذَا لَوْ أَسْلَمَ مَعَهُ ثَلَاثٌ ، كُلِّفَ اخْتِيَارَ اثْنَتَيْنِ .
وَإِنْ أَسْلَمَ مَعَهُ أَرْبَعٌ ، كُلِّفَ اخْتِيَارَ ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ ، إذْ لَا مَعْنَى لِانْتِظَارِهِ الْخَامِسَةَ .
وَنِكَاحُ ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ لَازِمٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ عَلَى الِاخْتِيَارِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ عَلَى أَرْبَعٍ ، وَمَا وُجِدَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَتْ مَعَهُ وَاحِدَةٌ مِنْ الْإِمَاءِ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى اخْتِيَارِهَا ، كَذَا هَاهُنَا .
وَالصَّحِيحُ هَاهُنَا أَنْ يُجْبَرُ عَلَى اخْتِيَارِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى .
وَأَمَّا الْأَمَةُ ، فَقَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي اخْتِيَارِ غَيْرِهَا ؛ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .

( 5469 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا تَزَوَّجَهَا ، وَهُمَا كِتَابِيَّانِ ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، أَوْ بَعْدَهُ ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ قَبْلَهُ وَقَبْلَ الدُّخُولِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، وَلَا مَهْرَ لَهَا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ، أَوْ أَسْلَمَا مَعًا ، فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ ؛ لِأَنَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبْتَدِئَ نِكَاحَ كِتَابِيَّةٍ ، فَاسْتَدَامَتْهُ أَوْلَى وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِإِجَازَةِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ .
فَأَمَّا إنْ أَسْلَمْت الْكِتَابِيَّةُ قَبْلَهُ وَقَبْلَ الدُّخُولِ ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ ، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ ؛ إذْ لَا يَجُوزُ لَكَافِرٍ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ إسْلَامُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْوَثَنِيَّيْنِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَإِذَا كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْهَا .
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا أَيْضًا بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ .

( 5470 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ كِتَابِيَّةً ، ثُمَّ تَرَافَعَا إلَيْنَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً : يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا .
قِيلَ : مَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : الْإِمَامُ وَيَحْتَمِلُ هَذَا الْكَلَامُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعَا إلَيْنَا ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَى دِينًا مِنْهُ ، فَيُمْنَعُ نِكَاحَهَا كَمَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ نِكَاحَ الْمُسْلِمَةِ وَإِنْ تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ وَثَنِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً ، ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَعْلَى دِينًا مِنْهُ ، فَيُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهَا ، كَمَا يُقَرُّ الْمُسْلِمُ عَلَى نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ .
وَالثَّانِي ، لَا يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهَا ؛ لِأَنَّهَا مِمَّنْ لَا يُقَرُّ الْمُسْلِمُ عَلَى نِكَاحِهَا ، فَلَا يُقَرُّ الذِّمِّيُّ عَلَى نِكَاحِهَا ، كَالْمُرْتَدَّةِ .

( 5471 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَا سُمِّيَ لَهَا ، وَهُمَا كَافِرَانِ ، فَقَبَضَتْهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا .
وَلَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ ، وَهُوَ حَرَامٌ ، فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا ، أَوْ نِصْفُهُ ، حَيْثُ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكُفَّارَ إذَا أَسْلَمُوا ، وَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِمَا فَعَلُوهُ ، وَمَا قَبَضَتْ مِنْ الْمَهْرِ فَقَدْ نَفَذَ ، وَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ ، حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا } .
فَأَمَرَ بِتَرْكِ مَا بَقِيَ دُونَ مَا قُبِضَ وَقَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ } .
وَلِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْمَقْبُوضِ بِأَبْطَالِهِ يَشُقُّ ، لِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ ، وَكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي الْحَرَامِ ، فَفِيهِ تَنْفِيرُهُمْ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَعُفِيَ عَنْهُ ، كَمَا عُفِيَ عَمَّا تَرَكُوهُ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ ، وَلِأَنَّهُمَا تَقَابَضَا بِحُكْمِ الشِّرْكِ ، فَبَرِئَتْ ذِمَّةُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ تَبَايَعَا بَيْعًا فَاسِدًا وَتَقَابَضَا .
وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضَا ، فَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى حَلَالًا ، وَجَبَ مَا سَمَّيَاهُ ؛ لِأَنَّهُ مُسَمًّى صَحِيحٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَوَجَبَ ، كَتَسْمِيَةِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، بَطَلَ ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَا سَمَّيَاهُ لَا يَجُوزُ إيجَابُهُ فِي الْحُكْمِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا لَمُسْلِمَةٍ ، وَلَا فِي نِكَاحِ مُسْلِمٍ ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَنِصْفُهُ إنْ وَقَعْت الْفُرْقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ .
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : حَيْثُ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ أَصْدَقَهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا مُعَيَّنَيْنِ ، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُعَيَّنَيْنِ ، فَلَهَا فِي الْخَمْرِ الْقِيمَةُ ، وَفِي

الْخِنْزِيرِ مَهْرُ الْمِثْلِ ، اسْتِحْسَانًا .
وَلَنَا أَنَّ الْخَمْرَ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي الْإِسْلَامِ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا خِنْزِيرًا ، وَلِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا ( 5472 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَبَضَتْ بَعْضَ الْحَرَامِ دُونَ بَعْضٍ ، سَقَطَ مِنْ الْمَهْرِ بِقَدْرِ مَا قُبِضَ ، وَوَجَبَ بِحِصَّةِ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ عَشْرَةَ زُقَاقِ خَمْرٍ مُتَسَاوِيَةً ، فَقَبَضَتْ خَمْسًا مِنْهَا سَقَطَ نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَوَجَبَ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً ، اُعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْكَيْلِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ اعْتِبَارُهُ ، اُعْتُبِرَ بِالْكَيْلِ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ يَتَأَتَّى الْكَيْلُ فِيهِ .
وَالثَّانِي ، يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا ، فَاسْتَوَى صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَشَرَةَ خَنَازِيرَ ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَالثَّانِي ، يُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا كَأَنَّهَا مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، كَمَا تُقَوَّمُ شِجَاجُ الْحُرِّ كَأَنَّهُ عَبْدُ .
وَإِنْ أَصْدَقَهَا كَلْبًا وَخِنْزِيرَيْنِ وَثَلَاثَةَ زُقَاقِ خَمْرٍ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، يُقَسَّمُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهَا عِنْدَهُمْ .
وَالثَّانِي ، يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِ الْأَجْنَاسِ ، فَيُجْعَلُ لِكُلِّ جِنْسٍ ثُلُثُ الْمَهْرِ .
وَالثَّالِثُ ، يُقَسَّمُ عَلَى الْعَدَدِ كُلِّهِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ سُدُسُ الْمَهْرِ ، فَلِلْكَلْبِ سُدُسُهُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخِنْزِيرَيْنِ وَالزُّقَاقِ سُدُسُهُ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا .

( 5473 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا ، وَهُوَ مَا لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمُوا ، كَنِكَاحِ ذَوَاتِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ، فَأَسْلَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، أَوْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا مَهْرَ لَهَا .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي الْمَجُوسِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ أَخِيهَا أَوْ أَبِيهَا ، فَيُطَلِّقُهَا أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا ، فَتَرْتَفِعُ إلَى الْمُسْلِمِينَ بِطَلَبِ مَهْرَهَا : لَا مَهْرَ لَهَا .
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ ، لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَحَصَلَ فِيهِ الْفُرْقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ .
فَأَمَّا إنْ دَخَلَ بِهَا ، فَهَلْ يَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُسْلِمِ إذَا وَطِئَ امْرَأَةً مِنْ مَحَارِمِهِ بِشُبْهَةِ .

( 5474 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً ، عَلَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا ، أَوْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ ، إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَمَا فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا ، فَلَا شَيْءَ لَهَا ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا مَهْرَ لَهَا .
وَالْأُخْرَى : لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ .
وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّهَا ، وَقَدْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا ، وَالذِّمِّيُّ لَا يُطَالَبُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا نِكَاحٌ خَلَا عَنْ تَسْمِيَةٍ ، فَيَجِبُ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ كَالْمُسْلِمَةِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْمَهْرُ فِي حَقِّ الْمُفَوِّضَةِ لِئَلَّا تَصِيرَ كَالْمَوْهُوبَةِ وَالْمُبَاحَةِ ، وَهَذَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ .

( 5475 ) فَصْلٌ : إذَا ارْتَفَعُوا إلَى الْحَاكِمِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ، لَمْ يُزَوِّجْهُمْ إلَّا بِشُرُوطِ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } .
وَقَوْلُهُ : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } .
وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى عَقْدِهِ ، بِخِلَافِ ذَلِكَ وَإِنْ أَسْلَمُوا ، أَوْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا بَعْدَ الْعَقْدِ ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ عَقْدِهِمْ ، وَنَظَرْنَا فِي الْحَالِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً ، أَقَرَّهُمَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا ، كَذَوَاتِ مَحْرَمِهِ ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا .
فَإِنْ تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً وَأَسْلَمَا ، أَوْ تَرَافَعَا فِي عِدَّتِهَا ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا ، أُقِرَّ لِجَوَازِ ابْتِدَاءِ نِكَاحِهَا .
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِكَاحُ مُتْعَةٍ ، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ الْمُدَّةِ ، فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهَا نِكَاحٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُدَّةِ ، فَهُمَا لَا يَعْتَقِدَانِ تَأْبِيدَهُ ، وَالنِّكَاحُ عَقْدُ مُؤَبَّدٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونَا مِمَّنْ يَعْتَقِدُ إفْسَادَ الشَّرْطِ وَصِحَّةَ النِّكَاحِ مُؤَبَّدًا ، فَيُقَرَّانِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ مَتَى شَاءَا أَوْ شَاءَ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْتَقِدَانِ لُزُومَهُ ، إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَا فَسَادَ الشَّرْطِ وَحْدَهُ .
وَإِنْ كَانَ خِيَارَ مُدَّةٍ ، فَأَسْلَمَا فِيهَا ، لَمْ يُقَرَّا ؛ لِذَلِكَ .
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا أُقِرَّا ؛ لِأَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ لُزُومَهُ .
وَكُلُّ مَا اعْتَقَدُوهُ ، فَهُوَ نِكَاحٌ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ ، وَمَا لَا فَلَا ، فَلَوْ مَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً ، فَوَطِئَهَا ، أَوْ طَاوَعَتْهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي اعْتِقَادِهِمْ نِكَاحًا ، أُقِرَّا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَهُمْ فِي مَنْ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا ، فَأُقِرَّا عَلَيْهِ ، كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ ،

وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدَاهُ نِكَاحًا ، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ .

( 5476 ) فَصْلٌ : وَأَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ ، مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ ، وَالظِّهَارِ ، وَالْإِيلَاءِ ، وَوُجُوبِ الْمَهْرِ ، وَالْقَسَمِ ، وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالْإِحْصَانِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَمِمَّنْ أَجَازَ طَلَاقَ الْكُفَّارِ ، عَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَلَمْ يُجَوِّزْهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَوَقَعَ ، كَطَلَاقِ الْمُسْلِمِ فَإِنْ قِيلَ : لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ أَنْكِحَتِهِمْ .
قُلْنَا : دَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ النِّسَاءَ إلَيْهِمْ فَقَالَ : { وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } .
وَقَالَ : { امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ } .
وَحَقِيقَةُ الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صَحِيحَةً .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ ، لَا مِنْ سِفَاحٍ } .
وَإِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا ، ثَبَتَتْ أَحْكَامُهَا ، كَأَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ .
فَعَلَى هَذَا ، إذَا طَلَّقَ الْكَافِرُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ ، وَأَصَابَهَا ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ وَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا .
وَإِنْ نَكَحَهَا كِتَابِيٌّ وَأَصَابَهَا ، حَلَّتْ لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُطَلِّقُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا .
وَإِنْ ظَاهَرَ الذِّمِّيُّ مِنْ امْرَأَتِهِ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } وَإِنْ آلَى ، ثَبَتَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } .

( 5477 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ فِي النِّكَاحِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ قَبْلَهُ ، إلَّا أَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِشَرْطَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ لَا يَتَرَافَعُوا إلَيْنَا .
وَالثَّانِي أَنْ يَعْتَقِدُوا إبَاحَةَ ذَلِكَ فِي دِينِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ : { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا } فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُمْ يُخَلَّوْنَ وَأَحْكَامَهُمْ إذَا لَمْ يَجِيئُوا إلَيْنَا ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِمْ فِي أَحْكَامِهِمْ وَلَا فِي أَنْكِحَتِهِمْ ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ نِكَاحَ مَحَارِمِهِمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً ، قَالَ : يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا .
قِيلَ : مَنْ يَحُولُ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ الْإِمَامُ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ عَلَيْنَا ضَرَرًا فِي ذَلِكَ .
يَعْنِي بِتَحْرِيمِ أَوْلَادِ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَيْنَا .
وَهَكَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِ فِي تَزْوِيجِ النَّصْرَانِيِّ الْمَجُوسِيَّةَ ، وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نِكَاحِ مَحَارِمِهِمْ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ ، أَنْ فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَجُوسِيٍّ مَلَكَ أَمَةً نَصْرَانِيَّةً : يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى لَهُمْ دِينٌ .
فَإِنْ مَلَكَ نَصْرَانِيٌّ مَجُوسِيَّةً ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الضَّرَرِ .

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ تَزَوَّجَهَا ، وَهُمَا مُسْلِمَانِ ، فَارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، وَلَا مَهْرَ لَهَا .
وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ قَبْلَهَا وَقَبْلَ الدُّخُولِ ، فَكَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الْمَهْرِ ) .
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ دَاوُد ، أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِالرِّدَّةِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } وَلِأَنَّهُ اخْتِلَافُ دِينٍ يَمْنَعُ الْإِصَابَةَ ، فَأَوْجَبَ فَسْخَ النِّكَاحِ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ تَحْتَ كَافِرٍ .
ثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ هُوَ الْمُرْتَدَّ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ جِهَتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَ ، وَإِنْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ فَاسِدَةً ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ .

( 5479 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا .
وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَلَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَا إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، حَسْبَ اخْتِلَافِهَا فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ ، فَفِي إحْدَاهُمَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَزُفَرَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ فَسْخَ النِّكَاحِ اسْتَوَى فِيهِ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ ، كَالرَّضَاعِ .
وَالثَّانِيَةِ ، يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ قَبْلَ انْقِضَائِهَا ، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ ، بَانَتْ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ تَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ ، فَإِذَا وُجِدَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، جَازَ أَنْ يَقِفَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ ، أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ بَعْدَ الْإِصَابَةِ ، فَلَا يُوجِبُ فَسْخَهُ فِي الْحَالِ ، كَإِسْلَامِ الْحَرْبِيَّةِ تَحْتَ الْحَرْبِيِّ ، وَقِيَاسُهُ ، عَلَى إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الرَّضَاعِ .
فَأَمَّا النَّفَقَةُ ، فَإِنْ قُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْهُ وَإِنْ قُلْنَا : يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .
وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةَ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلزَّوْجِ إلَى رَجْعَتِهَا ، وَتَلَافِي نِكَاحِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةُ ، كَمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ .
وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ ، فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِلْعِدَّةِ ، لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا بِأَنْ يُسْلِمَ ، وَيُمْكِنُهُ تَلَافِي نِكَاحِهَا ،

فَكَانَتْ النَّفَقَةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ، كَزَوْجِ الرَّجْعِيَّةِ .

( 5480 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا ، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ مَا لَوْ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا ؛ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، فَهَلْ تَتَعَجَّلُ ، أَوْ يَقِفُ عَلَى انْقِضَاء الْعِدَّةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا ارْتَدَّا مَعًا ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، ثُمَّ تَابَا ، أَوْ تَابَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ اسْتِحْسَانًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ بِهِمَا الدِّينُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَا .
وَلَنَا ، أَنَّهَا رِدَّةٌ طَارِئَةٌ عَلَى النِّكَاحِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا فَسْخُهُ ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا زَالَ عَنْهُ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ إذَا ارْتَدَّ وَحْدَهُ ، زَالَ إذَا ارْتَدَّ غَيْرُهُ مَعَهُ ، كَمَالِهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا انْتَقَلَ الْمُسْلِمُ وَالْيَهُودِيَّةُ إلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ ، فَإِنَّ نِكَاحَهُمَا يَنْفَسِخُ ، وَقَدْ انْتَقَلَا إلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا إذَا أَسْلَمَا ، فَقَدْ انْتَقِلَا إلَى دِينِ الْحَقِّ ، وَيُقَرَّانِ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الرِّدَّةِ .

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71