الكتاب : المغني
المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي

عَلِيٍّ خِلَافُهُ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا .
وَبِذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ فَإِنْ فَعَلَ جَازَ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ ، وَلَمْ يَكْرَهْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ قَالَ مَالِكٌ لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ إجَازَةَ الْفِدَاءِ بِأَكْثَرَ مِنْ الصَّدَاقِ .
وَلَنَا ، حَدِيثُ جَمِيلَةَ .
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُخْتَلِعَةِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا .
} رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ .
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ ، فَنَجْمَعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ ، فَنَقُولُ : الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى الْجَوَازِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الزِّيَادَةِ لِلْكَرَاهِيَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 5750 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ خَالَعَتْهُ لِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا ، كَرِهَ لَهَا ذَلِكَ ، وَوَقَعَ الْخُلْعُ ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ " بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا " بِالْبَاءِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِأَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِهَا .
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا خَالَعَتْهُ لِغَيْرِ بُغْضٍ ، وَخَشْيَةً مِنْ أَنْ لَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْأَوَّلَ لَقَالَ : كَرِهَ لَهُ .
فَلَمَّا قَالَ : كَرِهَ لَهَا .
دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مُخَالَعَتَهَا لَهُ ، وَالْحَالُ عَامِرَةٌ ، وَالْأَخْلَاقُ مُلْتَئِمَةٌ ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَتْ صَحَّ الْخُلْعُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ أَحْمَدَ تَحْرِيمَهُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : الْخُلْعُ مِثْلُ حَدِيثِ سَهْلَةَ ، تَكْرَهُ الرَّجُلَ فَتُعْطِيهِ الْمَهْرَ ، فَهَذَا الْخُلْعُ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْخُلْعُ صَحِيحًا إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالِ .
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } وَهَذَا صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ إذَا لَمْ يَخَافَا إلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } فَدَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْجُنَاحَ لَاحِقٌ بِهِمَا إذَا افْتَدَتْ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، ثُمَّ غَلَّظَ بِالْوَعِيدِ فَقَالَ : { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } وَرَوِيَ ثَوْبَانِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ ، مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ

الْجَنَّةُ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُخْتَلِعَاتُ وَالْمُنْتَزِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ } رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي " الْمُسْنَدِ " ، وَذَكَرَهُ مُحْتَجًّا بِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُخَالَعَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، وَلِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهَا وَبِزَوْجِهَا ، وَإِزَالَةٌ لِمَصَالِحِ النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، فَحُرِّمَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ فِي غَيْرِ عَقْدٍ ، الْجَوَازُ فِي الْمُعَاوَضَةِ ؛ بِدَلِيلِ الرِّبَا ، حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي الْعَقْدِ وَأَبَاحَهُ فِي الْهِبَةِ .
وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ حَرَّمَهُ ، وَخُصُوصُ الْآيَةِ فِي التَّحْرِيمِ ، يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى عُمُومِ آيَةِ الْجَوَازِ ، مَعَ مَا عَضْدَهَا مِنْ الْأَخْبَارِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 5751 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ عَضَلَ زَوْجَتَهُ ، وَضَارَّهَا بِالضَّرْبِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا ، أَوْ مَنَعَهَا حُقُوقَهَا ؛ مِنْ النَّفَقَةِ ، وَالْقَسْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ ، فَفَعَلَتْ ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْعَقْدُ صَحِيحٌ ، وَالْعِوَضُ لَازِمٌ ، وَهُوَ آثِمٌ عَاصٍ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } .
وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ أُكْرِهْنَ عَلَى بَذْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَمْ يُسْتَحَقَّ ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ ، وَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ .
وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ الْعِوَضَ ، وَقُلْنَا : الْخُلْعُ طَلَاقٌ .
وَقَعَ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، فَلَهُ رَجْعُهَا ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ إنَّمَا سَقَطَتْ بِالْعِوَضِ ، فَإِذَا سَقَطَ الْعِوَضُ ، ثَبَتَتْ الرَّجْعَةُ .
وَإِنْ قُلْنَا : هُوَ فَسْخٌ .
وَلَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَقَعُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، إنَّمَا رَضِيَ بِالْفَسْخِ هَاهُنَا بِالْعِوَضِ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِوَضُ ، لَا يَحْصُلُ الْمُعَوَّضُ .
وَقَالَ مَالِكٌ إنَّ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، رَدَّهُ ، وَمَضَى الْخُلْعُ عَلَيْهِ .
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ إذَا قُلْنَا : يَصِحُّ الْخُلْعُ بِغَيْرِ عِوَضٍ .

( 5752 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ ضَرَبَهَا عَلَى نُشُوزِهَا ، وَمَنَعَهَا حَقَّهَا ، لَمْ يَحْرُمْ خُلْعُهَا لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُمَا أَنْ لَا يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّه وَفِي بَعْضِ حَدِيثِ حَبِيبَةَ ، أَنَّهَا { كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ، فَضَرَبَهَا فَكَسَرَ ضِلْعَهَا ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتًا ، فَقَالَ : خُذْ بَعْضَ مَالِهَا ، وَفَارِقْهَا فَفَعَلَ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَكَذَا لَوْ ضَرَبَهَا ظُلْمًا ؛ لِسُوءِ خُلُقِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ مُخَالَعَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْضُلْهَا لِيَذْهَبَ بِبَعْضِ مَا آتَاهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ إثْمُ الظُّلْمِ .

( 5753 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ ، فَعَضَلَهَا لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ ، فَفَعَلَتْ ، صَحَّ الْخُلْعُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّهْيِ إبَاحَةٌ ، وَلِأَنَّهَا مَتَى زَنَتْ ، لَمْ يَأْمَنْ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ ، وَتُفْسِدَ فِرَاشَهُ ، فَلَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ ، فَتَدْخُلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الْآخِرُ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ أُكْرِهَتْ عَلَيْهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَزْنِ .
وَالنَّصُّ أَوْلَى .

( 5754 ) فَصْلٌ : إذَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ ، أَوْ بَارَأَهَا بِعِوَضٍ ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْحُقُوقِ ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَإِنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ كُلَّهُ ، رَدَّتْ نِصْفَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً ، فَلَهَا الْمُتْعَةُ .
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ بَرَاءَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا لِصَاحِبِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ .
وَأَمَّا الدُّيُونُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَعَنْهُ فِيهَا رِوَايَتَانِ ، وَلَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ؛ لِأَنَّهَا مَا وَجَبَتْ بَعْدُ .
وَلَنَا أَنَّ الْمَهْرَ حَقٌّ لَا يَسْقُطُ بِالْخُلْعِ ، إذَا كَانَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِلَفْظِ الْخُلْعِ ، وَالْمُبَارَأَةُ ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَنَفَقَةِ الْعِدَّةِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا ، وَلِأَنَّ نِصْفَ الْمَهْرِ الَّذِي يَصِيرُ لَهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ قَبْلَ الْخُلْعِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمُبَارَأَةِ ، كَنَفَقَةِ الْعِدَّةِ ، وَالنِّصْفُ لَهَا لَا يَبْرَأُ مِنْهُ بِقَوْلِهَا : بَارَأْتُكَ .
لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي بَرَاءَتَهَا مِنْ حُقُوقِهِ ، لَا بَرَاءَتَهُ مِنْ حُقُوقِهَا .

( 5755 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْخُلْعُ فَسْخٌ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ ) .
اخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْخُلْعِ ؛ فَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ فَسْخٌ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَقَبِيصَةَ ، وَشُرَيْحٍ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ لَكِنْ ضَعَّفَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ عَنْهُمْ ، وَقَالَ : لَيْسَ لَنَا فِي الْبَابِ شَيْءٌ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسْخٌ .
وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } ثُمَّ قَالَ : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } ثُمَّ قَالَ : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } فَذَكَرَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَالْخُلْعَ وَتَطْلِيقَةً بَعْدَهَا ، فَلَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلَاقًا لَكَانَ أَرْبَعًا ، وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ خَلَتْ عَنْ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَنِيَّتِهِ ، فَكَانَتْ فَسْخًا كَسَائِرِ الْفُسُوخِ .
وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ لِلْفُرْقَةِ ، وَالْفُرْقَةُ الَّتِي يَمْلِكُ الزَّوْجُ إيقَاعَهَا هِيَ الطَّلَاقُ دُونَ الْفَسْخِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا ، وَلِأَنَّهُ أَتَى بِكِنَايَةِ الطَّلَاقِ ، قَاصِدًا فِرَاقَهَا ، فَكَانَ طَلَاقًا ، كَغَيْرِ الْخُلْعِ .
وَفَائِدَةُ الرِّوَايَتَيْنِ ، أَنَّا إذَا قُلْنَا : هُوَ طَلْقَةٌ .
فَخَالَعَهَا مَرَّةً ، حُسِبَتْ طَلْقَةً .
فَنَقَصَ ، بِهَا عَدَدُ طَلَاقِهَا .
وَإِنْ خَالَعَهَا ثَلَاثًا طَلُقَتْ ثَلَاثًا ، فَلَا تَحُلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ .
وَإِنْ قُلْنَا : هُوَ فَسْخٌ .
لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ خَالَعَهَا

مِائَةَ مَرَّةٍ .
وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا خَالَعَهَا بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ ، وَلَمْ يَنْوِهِ .
فَأَمَّا إنْ بَذَلَتْ لَهُ الْعِوَضَ عَلَى فِرَاقِهَا ، فَهُوَ طَلَاقٌ ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَإِنْ وَقَعَ بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ ، مِثْلُ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ ، أَوْ لَفْظِ الْخُلْعِ وَالْمُفَادَاةِ ، وَنَحْوِهِمَا ، وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، فَهُوَ طَلَاقٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ نَوَى الطَّلَاقَ ، فَكَانَتْ طَلَاقًا ، كَمَا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ ، فَهُوَ الَّذِي فِيهِ الرِّوَايَتَانِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 5756 ) فَصْلٌ : وَأَلْفَاظُ الْخُلْعِ تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ ؛ فَالصَّرِيحُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ ؛ خَالَعْتُكَ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ الْعُرْفُ .
وَالْمُفَادَاةُ ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } وَفَسَخْت نِكَاحَك ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ ، فَإِذَا أَتَى بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ، وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَمَا عَدَا هَذِهِ مِثْلُ : بَارَأْتُك ، وَأَبْرَأْتُك ، وَأَبَنْتُك .
فَهُوَ كِنَايَةٌ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْفُرْقَةِ ، فَكَانَ لَهُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ ، كَالطَّلَاقِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ لَهُ فِي لَفْظِ الْفَسْخِ وَجْهَيْنِ ، فَإِذَا طَلَبَتْ الْخُلْعَ ، وَبَذَلَتْ الْعِوَضَ فَأَجَابَهَا بِصَرِيحِ الْخُلْعِ أَوْ كِنَايَتِهِ ، صَحَّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ مِنْ سُؤَالِ الْخُلْعِ وَبَذْلِ الْعِوَضِ ، صَارِفَةٌ إلَيْهِ ، فَأَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَلَالَةَ حَالٍ ، فَأَتَى بِصَرِيحِ الْخُلْعِ ، وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : هُوَ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ .
وَلَا يَقَعُ بِالْكِنَايَةِ إلَّا بِنِيَّةِ مِمَّنْ تَلَفَّظَ بِهِ مِنْهُمَا ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ مَعَ صَرِيحِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 5757 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحْصُلُ الْخُلْعُ بِمُجَرَّدِ بَذْلِ الْمَالِ وَقَبُولِهِ ، مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الزَّوْجِ .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنَا الْبَغْدَادِيُّونَ .
وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَذَهَبَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ وَابْنُ شِهَابٍ ، إلَى وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِقَبُولِ الزَّوْجِ لِلْعِوَضِ .
وَأَفْتَى بِذَلِكَ ابْنُ شِهَابٍ بِعُكْبُرَا وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ هُرْمُزَ ، وَاسْتَفْتَى عَلَيْهِ مَنْ كَانَ بِبَغْدَادَ مِنْ أَصْحَابِنَا ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : الْمُخْلَعَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ ، مُسْتَبْرِئَةٌ ، وَمُفْتَدِيَةٌ ، فَالْمُفْتَدِيَةُ هِيَ الَّتِي تَقُولُ : لَا أَنَا وَلَا أَنْتَ ، وَلَا أَبَرُّ لَك قَسَمًا ، وَأَنَا أَفْتَدِي نَفْسِي مِنْك .
فَإِذَا قَبِلَ الْفِدْيَةَ ، وَأَخَذَ الْمَالَ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ رَوَى ، قَالَ : قُلْت لِأَحْمَدْ كَيْفَ الْخُلْعُ ؟ قَالَ : إذَا أَخَذَ الْمَالَ ، فَهِيَ فُرْقَةٌ .
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَخْذُ الْمَالِ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ .
وَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ قَبِلَ مَالًا عَلَى فِرَاقٍ ، فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ ، لَا رَجْعَةَ لَهُ فِيهَا .
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَجَمِيلَةَ : { أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا .
وَقَالَ : خُذْ مَا أَعْطَيْتَهَا ، وَلَا تَزْدَدْ } وَلَمْ يَسْتَدْعِ مِنْهُ لَفْظًا .
وَلِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ تُغْنِي عَنْ اللَّفْظِ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ مَعْرُوفَيْنِ بِذَلِكَ ، فَعَمِلَاهُ ، اسْتَحَقَّا الْأُجْرَةَ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا عِوَضًا .
وَلَنَا أَنَّ هَذَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْخُلْعِ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِدُونِ اللَّفْظِ ، كَمَا لَوْ سَأَلَتْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بِعِوَضٍ ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْبُضْعِ بِعِوَضٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِدُونِ اللَّفْظِ ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ أَخْذَ الْمَالِ قَبْضٌ لِعِوَضٍ ، فَلَمْ يَقُمْ بِمُجَرَّدِهِ مَقَامَ

الْإِيجَابِ ، كَقَبْضِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فِي الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ الْخُلْعَ إنْ كَانَ طَلَاقًا ، فَلَا يَقَعُ بِدُونِ صَرِيحَةٍ أَوْ كِنَايَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ فَسْخًا فَهُوَ أَحَدُ طَرَفَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ ، كَابْتِدَاءِ الْعَقْدِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ جَمِيلَةَ ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ : ( اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً ) .
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي اعْتِبَارِ اللَّفْظِ .
وَفِي رِوَايَةٍ : فَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا .
وَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ الْفُرْقَةَ ، فَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِصَّةِ ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى الْفُرْقَةَ وَالطَّلَاقَ ، فَإِنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : فَفَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ ( خُذْ مَا أَعْطَيْتَهَا ) .
فَجَعَلَ التَّفْرِيقَ قَبْلَ الْعِوَضِ ، وَنَسَبَ التَّفْرِيقَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُبَاشِرُ التَّفْرِيقَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ ، وَلَعَلَّ الرَّاوِيَ اسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْعِوَضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّفْظِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْهُ .
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرُوا مِنْ جَانِبِهَا لَفْظًا وَلَا دَلَالَةَ حَالٍ ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ اتِّفَاقًا .

( 5758 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ مِنْ الْخُلْعِ طَلَاقٌ ، وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ بِحَالٍ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعِكْرِمَةُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ الصَّرِيحُ الْمُعَيَّنُ ، دُونَ الْكِنَايَةِ وَالطَّلَاقِ الْمُرْسَلِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ .
وَرَوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ ، مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ } وَلَنَا ، أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمَا .
وَلِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ ، كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، أَوْ الْمُنْقَضِيَةِ عِدَّتُهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بُضْعَهَا ، فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ ، كَالْأَجْنَبِيَّةِ ، وَلِأَنَّهَا لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ الْمُرْسَلُ ، وَلَا تَطْلُقُ بِالْكِنَايَةِ ، فَلَا يَلْحَقُهَا الصَّرِيحُ الْمُعَيَّنُ ، كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوَاجِهَهَا بِهِ ، فَيَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ .
أَوْ لَا يُوَاجِهَهَا بِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : فُلَانَةُ طَالِقٌ .
وَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُ لَهُ أَصْلًا ، وَلَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ .

( 5759 ) فَصْلٌ : وَلَا يَثْبُتُ فِي الْخُلْعِ رَجْعَةٌ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : هُوَ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ .
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُمَا قَالَا : الزَّوْجُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إمْسَاكِ الْعِوَضِ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ وَبَيْنَ رَدِّهِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إنْ كَانَ الْخُلْعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَلَهُ الرَّجْعَةُ ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةُ ؛ مِنْ حُقُوقِ الطَّلَاقِ ، فَلَا تَسْقُطُ بِالْعِوَضِ ، كَالْوَلَاءِ مَعَ الْعِتْقِ .
وَلَنَا ، قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } .
وَإِنَّمَا يَكُونُ فِدَاءً إذَا خَرَجَتْ بِهِ عَنْ قَبْضَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَإِذَا كَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ ، فَهِيَ تَحْتَ حُكْمِهِ ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْ الْمَرْأَةِ ، فَلَوْ جَازَ ارْتِجَاعُهَا ، لَعَادَ الضَّرَرُ ، وَفَارَقَ الْوَلَاءَ ؛ فَإِنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ ، وَالطَّلَاقُ يَنْفَكُّ عَنْ الرَّجْعَةِ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَإِذَا أَكْمَلَ الْعَدَدَ .

( 5760 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ فِي الْخُلْعِ أَنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ يَبْطُلُ الشَّرْطُ ، وَيَصِحُّ الْخُلْعُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّ الْخُلْعَ لَا يَفْسُدُ بِكَوْنِ عِوَضِهِ فَاسِدًا ، فَلَا يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ ، كَالنِّكَاحِ ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ .
فَإِذَا شَرَطَ الرَّجْعَةَ مَعَهُ ، بَطَلَ الشَّرْطُ ، كَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الْخُلْعُ وَتَثْبُتَ الرَّجْعَةُ .
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِوَضِ وَالرَّجْعَةِ مُتَنَافِيَانِ ، فَإِذَا شَرَطَاهُمَا سَقَطَا ، وَبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ فَتَثْبُتُ الرَّجْعَةُ بِالْأَصْلِ لَا بِالشَّرْطِ ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهُ ، فَأَبْطَلَهُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ .
وَإِذَا حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَسْقُطُ الْمُسَمَّى فِي الْعِوَضِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ عِوَضًا حَتَّى ضَمَّ إلَيْهِ الشَّرْطَ ، فَإِذَا سَقَطَ الشَّرْطُ ، وَجَبَ ضَمُّ النُّقْصَانِ الَّذِي نَقَصَهُ مِنْ أَجَلِهِ إلَيْهِ ، فَيَصِيرُ مَجْهُولًا ، فَيَسْقُطُ ، وَيَجِبُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُمَا تَرَاضَيَا بِهِ عِوَضًا ، فَلَمْ يَجِبْ غَيْرُهُ ، كَمَا لَوْ خَلَا عَنْ شَرْطِ الرَّجْعَةِ .
( 5761 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرْطَ الْخِيَارَ لَهَا أَوْ لَهُ ، يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ ، وَقَبِلَتْ الْمَرْأَةُ ، صَحَّ الْخُلْعُ ، وَبَطَلَ الْخِيَارُ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلرَّجُلِ .
وَقَالَ : إذَا جَعَلَ الْخِيَارَ .
لِلْمَرْأَةِ ، ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ ، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ .
وَلَنَا ، أَنَّ سَبَبَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وُجِدَ ، وَهُوَ اللَّفْظُ بِهِ ، فَوَقَعَ ، كَمَا لَوْ أَطْلَقَ ، وَمَتَى وَقَعَ ، فَلَا سَبِيلَ إلَى رَفْعِهِ .

( 5762 ) فَصْلٌ : نَقَلَ مُهَنَّا ، فِي رَجُلٍ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي ، وَأُعْطِيك عَبْدِي هَذَا .
فَقَبَضَ الْعَبْدَ ، وَجَعَلَ أَمَرَهَا بِيَدِهَا ، وَبَاعَ الْعَبْدَ قَبْلَ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ شَيْئًا هُوَ لَهُ ، إنَّمَا قَالَتْ : اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي وَأُعْطِيك .
فَقِيلَ لَهُ : مَتَى شَاءَتْ تَخْتَارُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَا لَمْ يَطَأْهَا ، أَوْ يَنْقُضْ .
فَجَعَلَ لَهُ الرُّجُوعَ مَا لَمْ تَطْلُقْ .
وَإِذَا رَجَعَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَرْجَعَ مَا جَعَلَ لَهَا ، فَتَسْتَرْجِعُ مِنْهُ مَا أَعْطَتْهُ .
وَلَوْ قَالَ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَمْرُك بِيَدِك .
مَلَكَ إبْطَالَ هَذِهِ الصِّفَةِ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا ، فَمَعَ التَّعْلِيقِ أَوْلَى ، كَالْوَكَالَةِ .
قَالَ أَحْمَدُ وَلَوْ جَعَلَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُخَيِّرَهَا ، فَاخْتَارَتْ الزَّوْجَ ، لَا يَرُدُّ عَلَيْهَا شَيْئًا ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْأَلْفَ فِي مُقَابَلَةِ تَمْلِيكِهِ إيَّاهَا الْخِيَارَ ، وَقَدْ فَعَلَ ، فَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ، وَلَيْسَتْ الْأَلْفُ فِي مُقَابَلَةِ الْفُرْقَةِ .

( 5763 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَتْ امْرَأَتُهُ : طَلِّقْنِي بِدِينَارٍ .
فَطَلَّقَهَا ، ثُمَّ ارْتَدَّتْ ، لَزِمَهَا الدِّينَارُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، وَلَا تُؤَثِّرُ الرِّدَّةُ ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ .
وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ رِدَّتِهَا وَقَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ، بَانَتْ بِالرِّدَّةِ ، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَهَا بَائِنًا ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَقُلْنَا : إنَّ الرِّدَّةَ يَنْفَسِخُ بِهَا النِّكَاحُ فِي الْحَالِ .
فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .
كَانَ الطَّلَاقُ مُرَاعَى .
فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَى رِدَّتِهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، تَبَيَّنَّا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ حِينَ طَلَّقَهَا ، فَلَمْ يَقَعْ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى الْإِسْلَامِ ، بَانَ أَنَّ الطَّلَاقَ صَادَفَ زَوْجَتَهُ ، فَوَقَعَ ، وَاسْتَحَقَّ عَلَيْهَا الْعِوَضَ .

( 5764 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا قَالَتْ لَهُ اخْلَعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي مِنْ الدَّرَاهِمِ .
فَفَعَلَ فَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ ، لَزِمَهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُلْعَ بِالْمَجْهُولِ جَائِزٌ ، وَلَهُ مَا جُعِلَ لَهُ .
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْي .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةً ، فَلَا يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ ، كَالْبَيْعِ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَصِحُّ الْخُلْعُ ، وَلَهُ مَهْرُ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِالْبُضْعِ ، فَإِذَا كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَالنِّكَاحِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الطَّلَاقَ مَعْنَى يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ ، فَجَازَ أَنْ يُسْتَحَقَّ بِهِ الْعِوَضُ الْمَجْهُولُ كَالْوَصِيَّةِ ، وَلِأَنَّ الْخُلْعَ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ مِنْ الْبُضْعِ ، لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ شَيْءٍ ، وَالْإِسْقَاطُ تَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ ، وَلِذَلِكَ جَازَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ .
وَإِذَا صَحَّ الْخُلْعُ ، فَلَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْذُلْهُ ، وَلَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ مَا يُوجِبُهُ ، فَإِنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَخْرَجَتْهُ مِنْ مِلْكِهِ بِرِدَّتِهَا ، أَوْ رَضَاعِهَا لِمَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، وَلَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا أَوْ قَتَلَهَا أَجْنَبِيٌّ ، لَمْ يَجِبْ لِلزَّوْجِ عِوَضٌ عَنْ بُضْعِهَا ، وَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً ، لَوَجَبَ الْمَهْرُ لَهَا دُونَ الزَّوْجِ ، وَلَوْ طَاوَعَتْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ الْبُضْعُ عَلَى الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ خَاصَّةً ، وَأَبَاحَ لَهَا افْتِدَاءَ نَفْسِهَا لِحَاجَتِهَا إلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مَا رَضِيَتْ بِبَذْلِهِ ، فَأَمَّا إيجَابُ شَيْءٍ لَمْ تَرْضَ بِهِ فَلَا وَجْهَ لَهُ .
فَعَلَى هَذَا ، إنْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنْ الدَّرَاهِمَ ، صَحَّ ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهَا دَرَاهِمُ فَهِيَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ فَلَهُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةٌ .
نَصَّ

عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الدَّرَاهِمِ حَقِيقَةً ، لَفْظُهَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ، فَاسْتَحَقَّهُ كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِدَرَاهِمَ .
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ ، وَهُوَ فِي يَدِهَا .
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلَاثَةٌ كَامِلَةٌ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِيهَا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي يَدِهَا .

( 5765 ) فَصْلٌ : وَالْخُلْعُ عَلَى مَجْهُولٍ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ؛ : أَحَدُهَا ، أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى عَدَدٍ مَجْهُولٍ مِنْ شَيْءٍ غَيْرِ مُخْتَلِفٍ ، كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، كَاَلَّتِي يُخَالِعُهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ ، فَهِيَ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ حُكْمَهَا .
وَالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ مُخْتَلِفٍ لَا يَعْظُمُ اخْتِلَافُهُ ، مِثْلُ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ أَوْ عَبِيدٍ ، أَوْ يَقُولَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِأَيِّ عَبْدٍ أَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، وَيَمْلِكُهُ بِذَلِكَ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُهُ .
وَكَذَلِكَ إنْ خَالَعَتْهُ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَبْدِ .
وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَبِيدٍ فَلَهُ ثَلَاثَةٌ .
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَقِيَاسُ قَوْلِهِ وَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِيمَا إذَا قَالَ : إذَا أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَأَعْطَتْهُ عَبْدًا : فَهِيَ طَالِقٌ .
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ مَا قُلْنَاهُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ عَلَيْهَا عَبْدٌ وَسَطٌ .
وَتَأَوَّلَ كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهَا أَعْطَتْهُ عَبْدًا وَسَطًا ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا خَالَعَتْهُ عَلَى مُسَمًّى مَجْهُولٍ ، فَكَانَ لَهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا قَالَ : إنَّ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَأَعْطَتْهُ عَبْدًا ، فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ رَأَيْت عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .
وَلَا يَلْزَمُهَا أَكْثَرُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَلْتَزِمْ لَهُ شَيْئًا فَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ خُلْعٍ .
الثَّالِثُ ، أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى مُسَمًّى تَعْظُمُ الْجَهَالَةُ فِيهِ ، مِثْلُ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى دَابَّةٍ ، أَوْ بَعِيرٍ ، أَوْ بَقَرَةٍ ، أَوْ ثَوْبٍ ، أَوْ يَقُولَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي ذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَالْوَاجِبُ فِي الْخُلْعِ مَا يَقَعُ

عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَا إذَا أَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى عَطِيَّتِهِ إيَّاهُ ، وَلَا يَلْزَمُهَا غَيْرُ ذَلِكَ ، فِي قِيَاسِ مَا قَبْلَهَا .
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ : تَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَتْ مِنْ صَدَاقِهَا ؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ الْبُضْعَ ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِوَضُ ؛ لِجَهَالَتِهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا قِيمَةُ مَا فَوَّتَتْ ، وَهُوَ الْمَهْرُ .
وَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّهَا مَا الْتَزَمَتْ لَهُ الْمَهْرَ الْمُسَمَّى وَلَا مَهْرَ الْمِثْلِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَلِأَنَّ الْمُسَمَّى قَدْ اُسْتُوْفِيَ بَدَلُهُ بِالْوَطْءِ ، فَكَيْفَ يَجِبُ بِغَيْرِ رِضًى مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَحْمَدَ ، أَنْ يَكُونَ الْخُلْعُ بِالْمَجْهُولِ كَالْوَصِيَّةِ بِهِ .
وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ ، لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي بَيْتِهَا مِنْ الْمَتَاعِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَتَاعٌ ، فَهُوَ لَهُ ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ، مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَتَاعٌ ، فَلَهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَتَاعِ .
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، عَلَيْهَا الْمُسَمَّى فِي الصَّدَاقِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَالْوَجْهُ لِلْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ .
الرَّابِعُ ، أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى حَمْلِ أَمَتِهَا ، أَوْ غَنَمِهَا ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْحَيَوَانِ ، أَوْ قَالَ : عَلَى مَا فِي بُطُونِهَا أَوْ ضُرُوعِهَا ، فَيَصِحُّ الْخُلْعُ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ الْخُلْعُ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى حَمْلِهَا .
وَلَنَا أَنَّ حَمْلَهَا هُوَ مَا فِي بَطْنِهَا ، فَصَحَّ الْخُلْعُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنَّ خَرَجَ الْوَلَدُ سَلِيمًا ، أَوْ كَانَ فِي ضُرُوعِهَا شَيْءٌ مِنْ اللَّبَنِ فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا شَيْءَ لَهُ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَقَالَ أَبُو

الْخَطَّابِ : لَهُ الْمُسَمَّى .
وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى مَا يُثْمِرُ نَخْلُهَا ، أَوْ تَحْمِلُ أَمَتُهَا ، صَحَّ .
قَالَ أَحْمَدُ : إذَا خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى ثَمَرَةِ نَخْلِهَا سِنِينَ ، فَجَائِزٌ ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ نَخْلُهَا ، تُرْضِيهِ بِشَيْءِ ، قِيلَ لَهُ : فَإِنْ حَمَلَ نَخْلُهَا ؟ قَالَ : هَذَا أَجُودُ مِنْ ذَاكَ .
قِيلَ لَهُ : يَسْتَقِيمُ هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ جَائِزٌ .
فَيَحْتَمِلُ قَوْلُ أَحْمَدَ : تُرْضِيهِ بِشَيْءِ .
أَيْ : لَهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الثَّمَرَةِ أَوْ الْحَمْلُ ، فَتُعْطِيهِ عَنْ ذَلِكَ شَيْئًا ، أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مِثْلُ مَا أَلْزَمْنَاهُ فِي مَسْأَلَةٍ الْمَتَاعِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا شَيْءَ لَهُ ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ أَحْمَدَ تُرْضِيهِ بِشَيْءٍ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَانَ وَاجِبًا ، لَتَقَدَّرَ بِتَقْدِيرٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ .
وَفَرْقٌ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَمَسْأَلَةُ الدَّرَاهِم وَالْمَتَاعِ ، حَيْثُ يَرْجِعُ فِيهِمَا بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ إذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا ، وَهَا هُنَا لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ إذَا لَمْ يَجِدْ حَمْلًا وَلَا ثَمَرَةً ثُمَّ أَوْهَمَتْهُ أَنَّ مَعَهَا دَرَاهِمَ ، وَفِي بَيْتِهَا مَتَاعٌ ؛ لِأَنَّهَا خَاطَبَتْهُ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْوُجُودَ مَعَ إمْكَانِ عِلْمِهَا بِهِ ، فَكَانَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهَا ، كَمَا لَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَبْدٍ فَوُجِدَ حُرًّا ، وَفِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ دَخَلَ مَعَهَا فِي الْعَقْدِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْعِلْمِ فِي الْحَالِ ، وَرِضَاهُمَا بِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ غَيْرَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : خَالَعْتك عَلَى هَذَا الْحُرِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ الْعِوَضُ هَا هُنَا ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ .
وَلَنَا ، أَنَّ مَا جَازَ فِي الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ ، جَازَ فِيمَا كَانَ يَحْمِلُ ، كَالْوَصِيَّةِ .
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمُسَمَّى فِي الصَّدَاقِ .
وَأَوْجَبَ لَهُ الشَّافِعِيُّ مَهْرَ الْمِثْلِ .
وَلَمْ يُصَحِّحْ أَبُو بَكْرٍ الْخُلْعَ فِي هَذَا كُلِّهِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا نُصُوصَ أَحْمَدَ عَلَى

جَوَازِهِ ، وَالدَّلِيلَ عَلَيْهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 5766 ) فَصْلٌ : إذَا خَالَعَتْهُ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ سَنَتَيْنِ ، صَحَّ ، وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَا وَقْتًا مَعْلُومًا ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْخُلْعِ ، فَفِي الْخُلْعِ أَوْلَى فَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ مُطْلَقًا ، وَلَمْ يَذْكُرَا مُدَّتَهُ ، صَحَّ أَيْضًا ، وَيَنْصَرِفُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْحَوْلَيْنِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، قِيلَ لَهُ : وَيَسْتَقِيمُ هَذَا الشَّرْطُ رَضَاعُ وَلَدِهَا وَلَا يَقُولُ : تُرْضِعُهُ سَنَتَيْنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَا مُدَّةَ الرَّضَاعِ ، كَمَا لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ حَتَّى يَذْكُرَا الْمُدَّةَ .
وَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَيَّدَهُ بِالْحَوْلَيْنِ ، فَقَالَ تَعَالَى { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } .
وَقَالَ سُبْحَانَهُ : { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } وَقَالَ { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } وَلَمْ يُبَيِّنْ مُدَّةَ الْحَمْلِ هَاهُنَا وَالْفِصَالِ ، فَحُمِلَ عَلَى مَا فَسَّرَتْهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى وَجُعِلَ الْفِصَالُ عَامَيْنِ ، وَالْحَمْلُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ } يَعْنِي بَعْدَ الْعَامَيْنِ ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى وَصْفِ الرَّضَاعِ ، لِأَنَّ جِنْسَهُ كَافٍ ، كَمَا لَوْ ذَكَرَ جِنْسَ الْخِيَاطَةِ فِي الْإِجَارَةِ ، فَإِنْ مَاتَتْ الْمُرْضِعَةُ ، أَوْ جَفَّ لَبَنُهَا ، فَعَلَيْهَا أَجْرُ الْمِثْلِ لِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ .
وَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ فَكَذَلِكَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَنْفَسِخُ ، وَيَأْتِيهَا بِصَبِيٍّ تُرْضِعُهُ مَكَانَهُ ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مُسْتَوْفَى بِهِ ، لَا مَعْقُودٌ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَمَاتَ .
وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى فِعْلٍ فِي عَيْنٍ ، فَيَنْفَسِخُ بِتَلَفِهَا ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ الدَّابَّةُ الْمُسْتَأْجَرَةُ ، وَلِأَنَّ مَا يَسْتَوْفِيه مِنْ

اللَّبَنِ إنَّمَا يَتَقَدَّرُ بِحَاجَةِ الصَّبِيِّ ، وَحَاجَاتُ الصِّبْيَانِ تَخْتَلِفُ وَلَا تَنْضَبِطُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ إبْدَالَهُ فِي حَيَاتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ فِي حَيَاتِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَعْدَ مَوْتِهِ ، كَالْمُرْضِعَةِ ، بِخِلَافِ رَاكِبِ الدَّابَّةِ .
وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ قَبْلَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ ، فَعَلَيْهَا أَجْرُ رَضَاعِ مِثْلِهِ .
وَعَنْ مَالِكٍ كَقَوْلِنَا ، وَعَنْهُ : لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ .
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا ، وَعَنْهُ : يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ عِوَضٌ مُعَيَّنٌ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهَا ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى قَفِيزٍ ، فَهَلَكَ قَبْلَ قَبْضِهِ .

فَصْلٌ : وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى كَفَالَةِ وَلَدِهِ عَشْرَ سِنِينَ ، صَحَّ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُدَّةَ الرَّضَاعِ مِنْهَا ، وَلَا قَدْرَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ ، وَيُرْجَعُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى نَفَقَةِ مِثْلِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَ مُدَّةَ الرَّضَاعِ ، وَقَدْرَ الطَّعَامِ وَجِنْسَهُ ، وَقَدْرَ الْإِدَامِ وَجِنْسَهُ ، وَيَكُونَ الْمَبْلَغُ مَعْلُومًا مَضْبُوطًا بِالصِّفَةِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَمَا يَحِلُّ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ .
وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّعَامِ لِلْأَجِيرِ مُطْلَقًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِجَارَةِ وَدَلَلْنَا عَلَيْهِ بِقِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى ، آجَرَ نَفْسَهُ بِطَعَامِ بَطْنِهِ وَعِفَّةِ فَرْجِهِ } وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُسْتَحَقَّةٌ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ ، وَهِيَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ ، كَذَا هَاهُنَا .
وَلِلْوَالِدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الصَّبِيِّ ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهَا ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْفَقَهُ بِعَيْنِهِ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ ، وَأُنْفِقَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ .
وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي إنْفَاقِهِ عَلَى الصَّبِيِّ ، جَازَ فَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الرَّضَاعِ ، فَلِأَبِيهِ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُؤْنَةِ .
وَهَلْ يَسْتَحِقُّهُ دَفْعَةً أَوْ يَوْمًا بِيَوْمٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَسْتَحِقُّهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، فِي " الْجَامِعِ " ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ : إذَا خَالَعَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ ، فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلَيْنِ .
قَالَ : يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِبَقِيَّةِ ذَلِكَ .
وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْأَجَلُ .
وَلِأَنَّهُ إنَّمَا فُرِّقَ لِحَاجَةِ الْوَلَدِ إلَيْهِ مُتَفَرِّقًا ، فَإِذَا زَالَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّفْرِيقِ اُسْتُحِقَّ جُمْلَةً وَاحِدَةً .
وَالثَّانِي لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا يَوْمًا بِيَوْمٍ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، فِي " الْمُجَرَّدِ " ، وَهُوَ

الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ مُنَجَّمًا ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ مُعَجَّلًا ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي خُبْزٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً ، فَمَاتَ الْمُسْتَحِقُّ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَحِلُّ بِمَوْتِ الْمُسْتَوْفِي ، كَمَا لَوْ مَاتَ وَكِيلُ صَاحِبِ الْحَقِّ ، وَإِنْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ بِمَوْتِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .
وَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ خَرَجَ فِي اسْتِحْقَاقِهِ فِي الْحَالِ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ يَحِلُّ بِمَوْتِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟

( 5768 ) فَصْلٌ : وَالْعِوَضُ فِي الْخُلْعِ ، كَالْعِوَضِ فِي الصَّدَاقِ وَالْبَيْعِ ، إنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ ، وَلَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ إلَّا بِقَبْضِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا ، دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ الْخُلْعِ ، وَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي امْرَأَةٍ قَالَتْ لِزَوْجِهَا : اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي ، وَلَك هَذَا الْعَبْدُ .
فَفَعَلَ ، ثُمَّ خُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَمَا مَاتَ الْعَبْدُ : جَائِزٌ ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ .
قَالَ : وَلَوْ أَعْتَقَتْ الْعَبْدَ ، ثُمَّ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، لَمْ يَصِحَّ عِتْقُهَا لَهُ .
فَلَمْ يُصَحِّحْ عِتْقَهَا لَهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا زَالَ عَنْهُ بِجَعْلِهَا لَهُ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ ، وَلَمْ يُضَمِّنْهَا إيَّاهُ إذَا تَلِفَ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُعَيَّنٌ غَيْرُ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ فَدَخَلَ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ .
وَيُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ ، أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ ، حَتَّى يَقْبِضَهُ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي عِوَضِ الْبَيْعِ ، وَفِي الصَّدَاقِ .
وَأَمَّا الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ ، فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ .
فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَالْوَاجِبُ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الصَّدَاقِ ، أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ سَبَبُهُ بِتَلَفِهِ ، فَهَا هُنَا مِثْلُهُ .

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ ، كَانَ خُلْعًا ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : قُلْت لِأَبِي : رَجُلٌ عَلِقَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ تَقُولُ : اخْلَعْنِي .
قَالَ : قَدْ خَلَعْتُك .
قَالَ يَتَزَوَّجُ بِهَا ، وَيُجَدِّدُ نِكَاحًا جَدِيدًا ، وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى ثِنْتَيْنِ .
فَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ الْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ لِلنِّكَاحِ ، فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، كَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْخُلْعِ أَنْ تُوجَدَ مِنْ الْمَرْأَةِ رَغْبَةٌ عَنْ زَوْجِهَا ، وَحَاجَةٌ إلَى فِرَاقِهِ ، فَتَسْأَلَهُ فِرَاقَهَا ، فَإِذَا أَجَابَهَا ، حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْخُلْعِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ كَانَ بِعِوَضٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا خِلَافَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ الْخُلْعَ مَا كَانَ مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ ، فَإِذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ ، فَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ طَلَاقٌ تُمْلَكُ بِهِ الرَّجْعَةُ ، وَلَا يَكُونُ فَسْخًا .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَكُونُ خُلْعٌ إلَّا بِعِوَضٍ .
رَوَى عَنْهُ مُهَنَّا ، إذَا قَالَ لَهَا : اخْلَعِي نَفْسَك .
فَقَالَتْ : خَلَعْت نَفْسِي .
لَمْ يَكُنْ خُلْعًا إلَّا عَلَى شَيْءٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الطَّلَاقَ ، فَيَكُونُ مَا نَوَى .
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ إلَّا بِعِوَضٍ ، فَإِنْ تَلَفَّظَ بِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَنَوَى الطَّلَاقَ ، كَانَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ كِنَايَةً عَنْ الطَّلَاقِ .
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ ، لَمْ يَكُنْ شَيْئًا .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ إنْ كَانَ فَسْخًا ، فَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ فَسْخَ النِّكَاحِ إلَّا لِعَيْبِهَا .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : فَسَخْت النِّكَاحَ .
وَلَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ ، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ ، بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَهُ الْعِوَضُ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُعَاوَضَةً ، فَلَا يَجْتَمِعُ لَهُ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ .
وَإِنْ قُلْنَا : الْخُلْعُ طَلَاقٌ فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهِ

اتِّفَاقًا ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ ، وَالْكِنَايَةُ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إلَّا بِنِيَّةٍ ، أَوْ بَذْلِ الْعِوَضِ ، فَيَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ ، وَمَا وُجِدَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .
ثُمَّ إنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِعِوَضٍ ، لَمْ يَقْتَضِ الْبَيْنُونَةَ إلَّا أَنْ تَكْمُلَ الثَّلَاثُ .

( 5770 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَتْ : بِعْنِي عَبْدَك هَذَا وَطَلِّقْنِي بِأَلْفٍ .
فَفَعَلَ ، صَحَّ ، وَكَانَ بَيْعًا وَخُلْعًا بِعِوَضٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ ، يَصِحُّ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعِوَضٍ ، فَصَحَّ جَمْعُهُمَا ، كَبَيْعِ ثَوْبَيْنِ .
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ بَيْعٍ وَصَرْفٍ ، أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَهُوَ نَظِيرٌ لِهَذَا .
وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِيهِ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْعَقْدَيْنِ تَخْتَلِفُ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ أَيْضًا .
فَعَلَى قَوْلِنَا يَتَقَسَّطُ الْأَلْفُ عَلَى الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى وَقِيمَةِ الْعَبْدِ ، فَيَكُونُ عِوَضُ الْخُلْعِ مَا يَخُصُّ الْمُسَمَّى ، وَعِوَضُ الْعَبْدِ مَا يَخُصُّ قِيمَتَهُ ، حَتَّى لَوْ رَدَّتْهُ بِعَيْبٍ رَجَعَتْ بِذَلِكَ ، وَإِنْ وَجَدَتْهُ حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا ، رَجَعَتْ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُهُ .
فَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ شِقْصٌ مَشْفُوعٌ ، فَفِيهِ الشُّفْعَةُ ، وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِحِصَّةِ قِيمَتِهِ مِنْ الْأَلْفِ ؛ لِأَنَّهَا عِوَضُهُ .

( 5771 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى نِصْفِ دَارٍ ، صَحَّ ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ ، وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ فِيهِ شُفْعَةً ، لِأَنَّ لَهُ عِوَضًا .
وَهَلْ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِمِثْلِ الْمَهْرِ ، عَلَى وَجْهَيْنِ : فَأَمَّا إنْ خَالَعَهَا ، وَدَفَعَ إلَيْهَا أَلْفًا بِنِصْفِ دَارِهَا ، صَحَّ ، وَلَا شُفْعَةَ أَيْضًا .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيمَا قَابَلَ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ مَالٍ وَلَنَا ، أَنَّ إيجَابَ الشُّفْعَةِ تَقْوِيمٌ لِلْبُضْعِ فِي حَقِّ غَيْرِ الزَّوْجِ ، وَالْبُضْعُ لَا يَتَقَوَّمُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَكَ الشِّقْصَ صَفْقَةً وَاحِدَةً مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَلَا يَجُوزُ لِلشَّفِيعِ أَخْذُ بَعْضِهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ .

( 5772 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ ، فَخَرَجَ مَعِيبًا ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ الْعَيْبِ ، أَوْ قِيمَةَ الثَّوْبِ وَيَرُدَّهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُلْعَ يَسْتَحِقُّ فِيهِ رَدَّ عِوَضِهِ بِالْعَيْبِ ، أَوْ أَخْذَ الْأَرْشِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي مُعَاوَضَةٍ ، فَيُسْتَحَقُّ فِيهِ ذَلِكَ ، كَالْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ .
وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مُعَيَّنٍ ، مِثْلُ أَنْ تَقُولَ : اخْلَعْنِي عَلَى هَذَا الثَّوْبِ .
فَيَقُولَ : خَلَعْتُك .
ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِهِ وَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الثَّوْبَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، طَلُقَتْ ، وَمَلَكَهُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَيْهِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِالْأَرْشِ مَعَ إمْكَانِ رَدِّهِ .
وَهَذَا أَصْلٌ ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَيْعِ .
وَلَهُ أَيْضًا قَوْلٌ : إنَّهُ إذَا رَدَّهُ رَجَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ .
وَهَذَا الْأَصْلُ ذُكِرَ فِي الصَّدَاقِ .
وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ ، وَاسْتَقْصَى صِفَاتِ السَّلَمِ ، صَحَّ ، وَعَلَيْهَا أَنْ تُعْطِيَهُ إيَّاهُ سَلِيمًا ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ ذَلِكَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ .
فَإِنْ دَفَعَتْهُ إلَيْهِ مَعِيبًا ، أَوْ نَاقِصًا عَنْ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ ، أَوْ رَدِّهِ وَالْمُطَالَبَةِ بِثَوْبٍ سَلِيمٍ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ سَلِيمًا تَامَّ الصِّفَاتِ ، فَيَرْجِعُ بِمَا وَجَبَ لَهُ ، لِأَنَّهَا مَا أَعْطَتْهُ الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا .
فَأَعْطَتْهُ ثَوْبًا عَلَى تِلْكَ الصِّفَاتِ ، طَلُقَتْ ، وَمَلَكَهُ .
وَإِنْ أَعْطَتْهُ نَاقِصًا صِفَةً ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ ؛ لِأَنَّهُ مَا وُجِدَ الشَّرْطُ .
فَإِنْ كَانَ عَلَى الصِّفَةِ ، لَكِنْ بِهِ عَيْبٌ ، وَقَعَ

الطَّلَاقُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ ، وَرَدِّهِ وَالرُّجُوعِ بِقِيمَتِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ لَهُ قَوْلًا ، أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .
وَعَلَى مَا قُلْنَا نَحْنُ فِيمَا تَقَدَّمَ : أَنَّهُ إذَا قَالَ : إذَا أَعْطَيْتَنِي ثَوْبًا ، أَوْ عَبْدًا ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ ، أَوْ هَذَا الْعَبْدَ .
فَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ مَعِيبًا ، طَلُقَتْ ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ سِوَاهُ .
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الْأَلْفَ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، فَوَجَدَهُ مَعِيبًا ، فَلَيْسَ لَهُ الْبَدَلُ .
وَقَالَ أَيْضًا : إذَا قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَإِذَا أَعْطَتْهُ عَبْدًا ، فَهِيَ طَالِقٌ ، وَيَمْلِكُهُ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي كَذَا .
فَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَلْزَمُهُ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ إلَّا بِإِلْزَامٍ ، أَوْ الْتِزَامٍ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِإِلْزَامِهَا هَذَا ، وَلَا هِيَ الْتَزَمَتْهُ لَهُ ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى شَرْطٍ ، وَهُوَ عَطِيَّتُهَا لَهُ ذَلِكَ ، فَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ سِوَاهُ ، وَلِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ مَعَهُ فِي مُعَاوَضَةٍ ، وَإِنَّمَا حَقَّقَتْ شَرْطَ الطَّلَاقِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَدَخَلَتْ أَوْ مَا لَوْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْت أَبَاك عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ .

( 5773 ) فَصْلٌ إذَا قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَأَعْطَتْهُ أَلْفًا أَوْ أَكْثَرَ ، طَلُقَتْ ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ دُونَ ذَلِكَ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِعَدَمِهَا .
وَإِنْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا وَازِنَةً ، تَنْقُصُ فِي الْعَدَدِ ، طَلُقَتْ ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا عَدَدًا ، تَنْقُصُ فِي الْوَزْنِ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الدِّرْهَمِ يَنْصَرِفُ إلَى الْوَازِنِ مِنْ دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ ، وَهِيَ مَا كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْهَا وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ مَتَى كَانَتْ تَنْفُقُ بِرُءُوسِهَا مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ ، طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّهَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الدَّرَاهِمِ ، وَيَحْصُلُ مِنْهَا مَقْصُودُهَا ، وَلَا تَطْلُقُ إذَا أَعْطَتْهُ وَازِنَةً تَنْقُصُ فِي الْعَدَدِ ؛ لِذَلِكَ .
وَإِنْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا رَدِيئَةً ، كَنُحَاسٍ فِيهَا أَوْ رَصَاصٍ أَوْ نَحْوِهِ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْأَلِفِ يَتَنَاوَلُ أَلْفًا مِنْ الْفِضَّةِ ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ أَلْفٌ مِنْ الْفِضَّةِ .
وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الْأَلِفِ بِحَيْثُ يَكُونُ فِيهَا أَلْفٌ فِضَّةٌ .
طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا فِضَّةً .
وَإِنْ أَعْطَتْهُ سَبِيكَةً تَبْلُغُ أَلْفًا ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى دَرَاهِمَ ، فَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ ، بِخِلَافِ الْمَغْشُوشَةِ ، فَإِنَّهَا تُسَمَّى دَرَاهِمَ .
وَإِنْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا رَدِيءَ الْجِنْسِ لِخُشُونَةٍ ، أَوْ سَوَادٍ ، أَوْ كَانَتْ وَحْشَةَ السِّكَّةِ ، طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ .
قَالَ الْقَاضِي : وَلَهُ رَدُّهَا ، وَأَخْذُ بَدَلِهَا .
وَهَذَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .

( 5774 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنَّ أَعْطَيْتنِي ثَوْبًا مَرْوِيًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَأَعْطَتْهُ هَرَوِيًّا ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا لَمْ تُوجَدْ ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ مَرَوِيًّا طَلُقَتْ .
وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى مَرْوِيٍّ ، فَأَعْطَتْهُ هَرَوِيًّا ، فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ ، وَيُطَالِبُهَا بِمَا خَالَعَهَا عَلَيْهِ .
وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ ، عَلَى أَنَّهُ مَرْوِيٌّ ، فَبَانَ هَرَوِيًّا ، فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ جِنْسَهُمَا وَاحِدٌ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ اخْتِلَافُ صِفَةٍ ، فَجَرَى مَجْرَى الْعَيْبِ فِي الْعِوَضِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إمْسَاكِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ ، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ مَرَوِيًّا ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ الصِّفَةَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ فِي جَوَازِ الرَّدِّ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَعِنْدِي لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا سِوَاهُ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ عَلَى عَيْنِهِ ، وَقَدْ أَخَذَهُ .
وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ ، عَلَى أَنَّهُ قُطْنٌ ، فَبَانَ كَتَّانًا ، لَزِمَ رَدُّهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إمْسَاكُهُ ؛ لِأَنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ ، وَاخْتِلَافُ الْأَجْنَاسِ كَاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَرْوِيٍّ فَخَرَجَ هَرَوِيًّا ، فَإِنَّ الْجِنْسَ وَاحِدٌ .
( 5775 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى عَطِيَّتِهَا إيَّاهُ ، فَمَتَى أَعْطَتْهُ عَلَى صِفَةٍ يُمْكِنُهُ الْقَبْضُ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ، سَوَاءٌ قَبَضَهُ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ وُجِدَتْ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : أَعْطَتْهُ فَلَمْ يَأْخُذْ .
وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الْيَمِينَ عَلَى فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا ، وَاَلَّذِي مِنْ جِهَتِهَا فِي الْعَطِيَّةِ الْبَذْلُ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ قَبْضُهُ ، فَإِنْ هَرَبَ الزَّوْجُ أَوْ غَابَ قَبْلَ عَطِيَّتِهَا ، أَوْ قَالَتْ : يَضْمَنُهُ لَك زَيْدٌ ، أَوْ اجْعَلْهُ قِصَاصًا مِمَّا لِي عَلَيْك .
أَوْ أَعْطَتْهُ بِهِ رَهْنًا ، أَوْ أَحَالَتْهُ بِهِ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ مَا وُجِدَتْ ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِدُونِ شَرْطِهِ .
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ تَعَذَّرَتْ

الْعَطِيَّةُ فِيهِ ، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ ، سَوَاءٌ كَانَ التَّعَذُّرُ مِنْ جِهَتِهِ ، أَوْ مِنْ جِهَتِهَا ، أَوْ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِمَا ؛ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ .
وَلَوْ قَالَتْ : طَلَّقَنِي بِأَلْفٍ .
فَطَلَّقَهَا ، اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ .
وَبَانَتْ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
قَالَ أَحْمَدُ : وَلَوْ قَالَتْ : لَا أُعْطِيك شَيْئًا .
يَأْخُذُهَا بِالْأَلْفِ .
يَعْنِي وَيَقَعُ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ عَلَى شَرْطٍ ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ .

( 5776 ) فَصْلٌ : وَتَعْلِيقُ الطَّلَاقِ عَلَى شَرْطِ الْعَطِيَّةِ ، أَوْ الضَّمَانِ ، أَوْ التَّمْلِيكِ ، لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ لُزُومًا لَا سَبِيلَ إلَى دَفْعِهِ ؛ فَإِنَّ الْغَالِبَ فِيهَا حُكْمُ التَّعْلِيقِ الْمَحْضِ ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ تَعْلِيقِهِ عَلَى الشُّرُوطِ .
وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ قَالَ : مَتَى أَعْطَيْتِنِي ، أَوْ مَتَى مَا أَعْطَيْتِنِي ، أَوْ أَيَّ حِينٍ أَوْ أَيَّ زَمَانٍ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي .
وَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي ، أَوْ إذَا أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ .
فَإِنْ أَعْطَتْهُ جَوَابًا لِكَلَامِهِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْعَطَاءُ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْمُعَاوَضَاتِ عَلَى الْفَوْرِ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَصْرِيحٌ بِخِلَافِهِ ، وَجَبَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْمُعَاوَضَاتِ ، بِخِلَافِ مَتَى وَأَيٍّ ، فَإِنَّ فِيهِمَا تَصْرِيحًا بِالتَّرَاخِي ، وَنَصًّا فِيهِ .
وَإِنْ صَارَا مُعَاوَضَةً ، فَإِنَّ تَعْلِيقَهُ بِالصِّفَةِ جَائِزٌ ، أَمَّا إنْ وَإِذَا ، فَإِنَّهُمَا يَحْتَمِلَانِ الْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ ، فَإِذَا تَعَلَّقَ بِهِمَا الْعِوَضُ ، حُمِلَا عَلَى الْفَوْرِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطِ الْإِعْطَاءِ ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ .
أَوْ نَقُولُ : عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِحَرْفِ مُقْتَضَاهُ التَّرَاخِي ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِيَ ، كَمَا لَوْ خَلَا عَنْ الْعِوَضِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَاهُ التَّرَاخِي ، أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ إذَا خَلَا عَنْ الْعِوَضِ ، وَمُقْتَضَيَاتُ الْأَلْفَاظِ لَا تَخْتَلِفُ بِالْعِوَضِ وَعَدَمِهِ ، وَهَذِهِ الْمُعَاوَضَةُ مَعْدُولٌ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ ؛ بِدَلِيلِ جَوَازِ تَعْلِيقهَا عَلَى الشُّرُوطِ ، وَيَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي فِيمَا إذَا عَلَّقَهَا بِمَتَى أَوْ بِأَيِّ ، فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ

الْفَرْقِ ، ثُمَّ يَبْطُلُ قِيَاسُهُمْ بِقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ : إنْ أَعْطَيْتَنِي أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ .
فَإِنَّهُ كَمَسْأَلَتِنَا ، وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي ، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ حُكْمَ هَذَا اللَّفْظِ حُكْمُ الشَّرْطِ الْمُطْلَقِ .

( 5777 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ إنْ شِئْت لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَشَاءَ ، فَإِذَا شَاءَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ سَوَاءٌ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فَقَالَتْ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ .
فَأَجَابَهَا ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ لَهَا ابْتِدَاءً ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى شَرْطٍ ، فَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَ وُجُودِهِ .
وَتُعْتَبَرُ مَشِيئَتُهَا بِالْقَوْلِ ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَ مَحِلُّهَا الْقَلْبَ ، فَلَا يُعْرَفُ مَا فِي الْقَلْبِ إلَّا بِالنُّطْقِ ، فَيُعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي ، فَمَتَى شَاءَتْ طَلُقَتْ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَلِكَ ، إلَّا فِي أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَهُ .
وَلَوْ أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَمْرُك بِيَدِك إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا .
فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ أَمْرَك بِيَدِك ، عَلَى التَّرَاخِي ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت .
أَنَّ لَهَا الْمَشِيئَةَ بَعْدَ مَجْلِسِهَا .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي .
وَلَوْ قَالَ لَهُ : أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ إنْ شِئْت .
كَانَ عَلَى التَّرَاخِي .
وَالطَّلَاقُ نَظِيرُ الْعِتْقِ .
فَعَلَى هَذَا ، مَتَى ضَمِنَتْ لَهُ أَلْفًا ، كَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا ، وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا جَعَلَ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ أَمْرَك بِيَدِك تَوْكِيلٌ مِنْهُ لَهَا ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ ، كَمَا يَرْجِعُ فِي الْوَكَالَةِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : طَلِّقِي نَفْسَك إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا .
فَمَتَى ضَمِنَتْ لَهُ أَلْفًا ، وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ، وَقَعَ ، مَا لَمْ يَرْجِعْ .
وَإِنْ ضَمِنَتْ الْأَلْفَ وَلَمْ تَطْلُقْ ، أَوْ طَلُقَتْ وَلَمْ تَضْمَنْ ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ .

( 5778 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ ، فَخَرَجَ حُرًّا أَوْ اُسْتُحِقَّ ، فَلَهُ عَلَيْهَا قِيمَتُهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى عِوَضٍ يَظُنُّهُ مَالًا ، فَبَانَ غَيْرَ مَالٍ ، مِثْلُ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى عَبْدٍ تُعَيِّنُهُ فَيَبِينُ حُرًّا ، أَوْ مَغْصُوبًا ، أَوْ عَلَى خَلٍّ فَيَبِينُ خَمْرًا ، فَإِنَّ الْخُلْعَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مُعَاوَضَةٌ بِالْبُضْعِ ، فَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ ، كَالنِّكَاحِ ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ .
وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى هَذَا الدَّنِّ الْخَلِّ ، فَبَانَ خَمْرًا ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِمِثْلِهِ خَلًّا ؛ لِأَنَّ الْخَلَّ مِنْ ذَوَات الْأَمْثَالِ ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ خَلٌّ ، فَكَانَ لَهُ مِثْلُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ خَلًّا فَتَلِفَ قَبْل قَبْضِهِ ، وَقَدْ قِيلَ : يَرْجِعُ بِقِيمَةِ مِثْلِهِ خَلًّا ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ .
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا مِثْلُهُ لَوْ كَانَ خَلًّا ، كَمَا تُوجَبُ قِيمَةُ الْحُرِّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَبْدًا ، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا قِيمَةَ لَهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ كُلِّهَا : يَرْجِعُ بِالْمُسَمَّى .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَرْجِعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْبُضْعِ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ بِخَمْرٍ .
وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ لَا قِيمَةَ لَهُ ، فَإِذَا غُرَّ بِهِ ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَتْ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا عَيْنٌ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا مَعَ سَلَامَتِهَا ، وَبَقَاءِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَوَجَبَ بَدَلُهَا مُقَدَّرًا بِقِيمَتِهَا أَوْ مِثْلِهَا ، كَالْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَعَارِ .
وَإِذَا خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ ، فَخَرَجَ مَغْصُوبًا ، أَوْ أُمِّ وَلَدٍ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُسَلِّمُهُ ، يُوَافِقُنَا فِيهِ .

( 5779 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى مُحَرَّمٍ يَعْلَمَانِ تَحْرِيمَهُ ، كَالْحُرِّ ، وَالْخَمْرِ ، وَالْخِنْزِيرِ ، وَالْمَيْتَةِ ، فَهُوَ كَالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ سَوَاءٌ ، لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ عَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِالْبُضْعِ ، فَإِذَا كَانَ الْعِوَضُ مُحَرَّمًا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَالنِّكَاحِ .
وَلَنَا ، أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَا ، فَإِذَا رَضِيَ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا أَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ ، فَفَعَلَتْهُ ، وَفَارَقَ النِّكَاحَ ؛ فَإِنَّ دُخُولَ الْبُضْعِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ ، وَلَا يَلْزَمُ إذَا خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ فَبَانَ حُرًّا لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِغَيْرِ عِوَضٍ مُتَقَوِّمٍ ، فَيَرْجِعُ بِحُكْمِ الْغُرُورِ ، وَهَا هُنَا رَضِيَ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ .
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ الْخُلْعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَهُوَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ خَلَا عَنْ عِوَضٍ ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ وَكِنَايَاتِ الْخُلْعِ ، وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ مَعَ النِّيَّةِ كَالصَّرِيحِ ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ ، وَلَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ ، انْبَنَى عَلَى أَصْلٍ .
وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ الْخُلْعُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ؟ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : يَصِحُّ .
صَحَّ هَاهُنَا .
وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ .
لَمْ يَصِحَّ ، وَلَمْ يَقَعْ شَيْئًا .
وَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي خَمْرًا أَوْ مَيْتَةً ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَأَعْطَتْهُ ذَلِكَ ، طَلُقَتْ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، عَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَقَوْلِهِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .

( 5780 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْت طَالِقٌ .
فَأَعْطَتْهُ مُدَبَّرًا أَوْ مُعْتَقًا نِصْفُهُ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْقِنِّ فِي التَّمْلِيكِ ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ حُرًّا ، أَوْ مَغْصُوبًا ، أَوْ مَرْهُونًا ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ مَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ ، وَمَا لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ لَا تَكُونُ مُعْطِيَةً لَهُ .
وَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الْعَبْدَ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، فَإِذَا هُوَ حُرٌّ أَوْ مَغْصُوبٌ ، لَمْ تَطْلُقْ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ ؛ قَالَ : وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لِأَنَّهُ إذَا عَيَّنَهُ فَقَدْ قَطَعَ اجْتِهَادَهَا فِيهِ ، فَإِذَا أَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، وُجِدَتْ الصِّفَةُ ، فَوَقَعَ الطَّلَاقُ ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا وَجْهَانِ كَذَلِكَ .
وَعَلَى قَوْلِهِمْ : يَقَعُ الطَّلَاقُ ، هَلْ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْعَطِيَّةَ إنَّمَا مَعْنَاهَا الْمُتَبَادِرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْهَا عِنْدَ إطْلَاقِهَا التَّمْكِينُ مِنْ تَمَلُّكِهِ ، بِدَلِيلِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ ؛ وَلِأَنَّ الْعَطِيَّةَ هَا هُنَا التَّمْلِيكُ ، بِدَلِيلِ حُصُولِ الْمِلْكِ بِهَا فِيمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مَمْلُوكًا لَهَا ، وَانْتِفَاءِ الطَّلَاقِ فِيمَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ .

( 5781 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ ( وَإِذَا قَالَتْ لَهُ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، وَلَزِمَهَا التَّطْلِيقَةُ ) أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَأَمَّا الْأَلْفُ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْهُ شَيْئًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ ؛ لِأَنَّهَا اسْتَدْعَتْ مِنْهُ فِعْلًا بِعِوَضٍ ، فَإِذَا فَعَلَ بَعْضَهُ اسْتَحَقَّ بِقِسْطِهِ مِنْ الْعِوَضِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مَنْ رَدَّ عَبِيدِي فَلَهُ أَلْفٌ .
فَرَدَّ ثُلُثَهُمْ ، اسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْأَلْفِ ، وَكَذَلِكَ فِي بِنَاءِ الْحَائِطِ ، وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لَمْ يُجِبْهَا إلَيْهِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي الْمُسَابَقَةِ : مَنْ سَبَقَ إلَى خَمْسِ إصَابَاتٍ فَلَهُ أَلْفٌ .
فَسَبَقَ إلَى بَعْضِهَا .
أَوْ قَالَتْ : بِعْنِي عَبْدَيْك بِأَلْفٍ .
فَقَالَ : بِعْتُك أَحَدَهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ .
وَكَمَا لَوْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَافَقَنَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا .
فَإِنْ قِيلَ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَاءَ لِلْعِوَضِ دُونَ الشَّرْطِ ، وَعَلَى لِلشَّرْطِ ، فَكَأَنَّهَا شَرَطَتْ فِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأَلْفَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا .
قُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَلَى لِلشَّرْطِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَذْكُورَةً فِي حُرُوفِهِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا وَمَعْنَى الْبَاءِ وَاحِدٌ ، وَقَدْ سُوِّيَ بَيْنَهُمَا فِيمَا إذَا قَالَتْ : طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ .
وَمُقْتَضَى اللَّفْظِ لَا يَخْتَلِفُ بِكَوْنِ الْمُطَلَّقَةِ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ .
( 5782 ) فَصْلٌ : فَإِنْ : قَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا وَلَك أَلْفٌ .
فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، إنْ طَلَّقَهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِيهَا كَمَذْهَبِهِمْ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ :

لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا ، وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ الطَّلَاقَ بِالْعِوَضِ .
وَلَنَا أَنَّهَا اسْتَدْعَتْ مِنْهُ الطَّلَاقَ بِالْعِوَضِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ : رُدَّ عَبْدِي وَلَك أَلْفٌ .
فَرَدَّهُ .
وَقَوْلُهُ : لَمْ يُعَلِّقْ الطَّلَاقَ بِالْعِوَضِ .
غَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ فَإِنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ ، وَلَك أَلْفٌ عِوَضًا عَنْ طَلَاقِي .
فَإِنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ دَالَّةٌ عَلَيْهِ .
وَإِنْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ عَلَيْنَا .
فَطَلَّقَهَا وَحْدَهَا ، طَلُقَتْ ، وَعَلَيْهَا قِسْطُهَا مِنْ الْأَلْفِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدَيْنِ ، وَخُلْعَهُ لِلْمَرْأَتَيْنِ بِعِوَضٍ عَلَيْهِمَا خُلْعَانِ ، فَجَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ أَحَدُهُمَا صَحِيحًا مُوجِبًا لِلْعِوَضِ دُونَ الْآخِرِ .
وَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مِنْهَا وَحْدَهَا ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْعِوَضِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ ، كَانَ عَقْدًا وَاحِدًا ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعَاقِدُ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ اثْنَيْنِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَقْدَيْنِ .

( 5783 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .
وَلَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا ، بَانَتْ بِثَلَاثٍ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ ، عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ .
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ الْمُزَنِيّ : لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا ثُلُثَ الْأَلْفِ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَهَا ثُلُثَ مَا طَلَبَتْ مِنْهُ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا ثُلُثَ الْأَلْفِ ، كَمَا لَوْ كَانَ طَلَاقُهَا ثَلَاثًا .
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : إنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا طَلْقَةٌ ، اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ ، كَقَوْلِ الْمُزَنِيّ ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ عَالِمَةً ، كَانَ مَعْنَى كَلَامِهَا كَمِّلْ لِي الثَّلَاثَ ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ .
وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّ هَذِهِ الْوَاحِدَةَ كَمَّلَتْ الثَّلَاثَ ، وَحَصَّلَتْ مَا يَحْصُلُ بِالثَّلَاثِ مِنْ الْبَيْنُونَةِ ، وَتَحْرِيمِ الْعَقْدِ ، فَوَجَبَ بِهَا الْعِوَضُ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا .

( 5784 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ ، فَقَالَتْ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ وَاحِدَةً أَبِينُ بِهَا ، وَاثْنَتَيْنِ فِي نِكَاحٍ آخَرَ .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا ، رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ ؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثٍ ، فَإِذَا لَمْ يُوقِعْ الثَّلَاثَ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِوَضَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ ذَاتَ طَلْقَاتٍ ثَلَاثٍ ، فَقَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا .
فَلَمْ يُطَلِّقْهَا إلَّا وَاحِدَةً ، وَمُقْتَضَى هَذَا ، أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْكِحْهَا نِكَاحًا آخَرَ ، أَنَّهَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ ، وَإِنَّمَا يَفُوتُ نِكَاحُهُ إيَّاهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا .
وَإِنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا آخَرَ وَطَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ، لَمْ تَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا إلَّا وَاحِدَةً ، رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ كُلِّهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ فِي الطَّلْقَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي طَلَاقٍ ، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ ، وَالطَّلَاقُ قَبْلَ النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ ، فَالْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ أَوْلَى ، فَإِذَا بَطَلَ فِيهِمَا انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : تُفَرَّقُ .
فَلَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا تُفَرَّقُ .
فَسَدَ الْعِوَضُ فِي الْجَمِيعِ ، وَيَرْجِعُ بِالْمُسَمَّى فِي عَقْدِ النِّكَاحِ .

( 5785 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ .
فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا .
اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ مُخَالِفَةٌ لِلْوَاحِدَةِ ، لَأَنْ تَحْرِيمَهَا لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِزَوْجٍ وَإِصَابَةٍ ، وَقَدْ لَا تُرِيدُ ذَلِكَ ، وَلَا تَبْذُلُ الْعِوَضَ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيقَاعًا لِمَا اسْتَدْعَتْهُ ، بَلْ هُوَ إيقَاعٌ مُبْتَدَأٌ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ عِوَضًا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَوْقَعَ مَا اسْتَدْعَتْهُ وَزِيَادَةً ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ وَاثْنَتَانِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا .
فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً ، وَقَعَ ، فَيَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ بِالْوَاحِدَةِ ، وَمَا حَصَلَ مِنْ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَمْ تَبْذُلْ الْعِوَضَ فِيهَا لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا شَيْئًا .
فَإِنْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ ، وَطَالِقٌ ، وَطَالِقٌ .
وَقَعَتْ الْأُولَى بَائِنَةً ، وَلَمْ تَقَعْ الثَّانِيَةُ ، وَلَا الثَّالِثَةُ ؛ لِأَنَّهُمَا جَاءَا بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَإِنْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ .
وَقَعَ الثَّلَاثُ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ .
وَلَمْ يَقُلْ بِأَلْفٍ .
قِيلَ لَهُ أَيَّتُهُنَّ أَوْقَعَتْ بِالْأَلْفِ ؟ فَإِنْ قَالَ : الْأُولَى .
بَانَتْ بِهَا ، وَلَمْ يَقَعْ مَا بَعْدَهَا .
وَإِنْ قَالَ : الثَّانِيَةَ .
بَانَتْ بِهَا ، وَوَقَعَتْ بِهَا طَلْقَتَانِ ، وَلَمْ تَقَعْ الثَّالِثَةُ .
وَإِنْ قَالَ : الثَّالِثَةُ .
وَقَعَ الْكُلُّ .
وَإِنْ قَالَ : نَوَيْت أَنَّ الْأَلْفَ فِي مُقَابَلَةِ الْكُلِّ .
بَانَتْ بِالْأُولَى وَحْدَهَا .
وَلَمْ يَقَعْ بِهَا مَا بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّ الْأُولَى حَصَلَ فِي مُقَابَلَتِهَا عِوَضٌ ، وَهُوَ قِسْطُهَا مِنْ الْأَلْفِ ، فَبَانَتْ بِهَا ، وَلَهُ ثُلُثُ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَنْ يُوقِعَهَا بِذَلِكَ ، مِثْلُ أَنْ تَقُولَ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ .
فَيَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ بِخَمْسِمِائَةٍ .
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ

يَسْتَحِقَّ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا بَذَلْت الْعِوَضَ فِيهِ بِنِيَّةِ الْعِوَضِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بَعْضُهُ بِنِيَّتِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَتْ : رُدَّ عَبْدِي بِأَلْفٍ فَرَدَّهُ يَنْوِي خَمْسَمِائَةٍ .
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ بِالْأُولَى ، وَلَمْ يَقَعْ بِهَا مَا بَعْدَهَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ ، وَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا ، أَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا .

( 5786 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَتْ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ ، أَوْ عَلَى أَنَّ لَك أَلْفًا ، أَوْ إنَّ طَلَّقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ .
فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .
اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ جَوَابٌ لِمَا اسْتَدْعَتْهُ مِنْهُ ، وَالسُّؤَالُ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ : بِعْنِي عَبْدَك بِأَلْفٍ .
فَقَالَ : بِعْتُكَهُ .
وَإِنْ قَالَتْ : اخْلَعْنِي بِأَلْفٍ .
فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .
فَإِنْ قُلْنَا : الْخُلْعُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ .
وَقَعَ ، وَاسْتَحَقَّ الْعِوَضَ ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَهَا إلَى مَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ فِيهِ .
وَإِنْ قُلْنَا : هُوَ فَسْخٌ .
احْتَمَلَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْعِوَضَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَتَضَمَّنُ مَا طَلَبَتْهُ ، وَهُوَ بَيْنُونَتُهَا ، وَفِيهِ زِيَادَةُ نُقْصَانِ الْعَدَدِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ .
فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا .
احْتَمَلَ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهَا اسْتَدْعَتْ مِنْهُ فَسْخًا ، فَلَمْ يُجِبْهَا إلَيْهِ ، وَأَوْقَعَ طَلَاقًا مَا طَلَبَتْهُ ، وَلَا بَذَلَتْ فِيهِ عِوَضًا .
فَعَلَى هَذَا ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ مُبْتَدِئًا بِهِ ، غَيْرَ مَبْذُولٍ فِيهِ عِوَضٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا ابْتِدَاءً ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ بِعِوَضٍ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْعِوَضُ لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ كَالشَّرْطِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .
وَإِنْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ .
فَقَالَ : خَلَعْتُك .
فَإِنْ قُلْنَا : هُوَ طَلَاقٌ .
اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ ، وَقُلْنَا : لَيْسَ بِطَلَاقٍ .
لَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضًا لِأَنَّهُ مَا أَجَابَهَا إلَى مَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ فِيهِ ، وَلَا يَتَضَمَّنُهُ ؛ لِأَنَّهَا سَأَلَتْهُ طَلَاقًا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ طَلَاقِهِ ، فَلَمْ يُجِبْهَا إلَيْهِ ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْعِوَضُ لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَالَعَهَا مُعْتَقِدًا

لِحُصُولِ الْعِوَضِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَمْ يَصِحَّ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهِ .

( 5787 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَتْ لَهُ : طَلِّقْنِي عَشْرًا بِأَلْفٍ .
فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا إلَى مَا سَأَلَتْ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهَا مَا بَذَلَتْ .
وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِيمَا إذَا قَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .
وَلَمْ يَبْقَ .
مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ ، فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْمَقْصُودِ .

( 5788 ) فَصْلٌ : وَلَوْ : لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ ؛ فَقَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .
فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ ، الْأُولَى بِأَلْفٍ ، وَالثَّانِيَةُ بِغَيْرِ شَيْءٍ .
وَقَعْت الْأُولَى ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ، وَلَمْ تَقَعْ الثَّانِيَةُ .
وَإِنْ قَالَ : الْأُولَى بِغَيْرِ شَيْءٍ .
وَقَعَتْ وَحْدَهَا ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا عِوَضًا ، وَكَمَلَتْ الثَّلَاثُ .
وَإِنْ قَالَ : إحْدَاهُمَا بِأَلْفٍ .
لَزِمَهَا الْأَلْفُ ؛ لِأَنَّهَا طَلَبَتْ مِنْهُ طَلْقَةً بِأَلْفٍ ، فَأَجَابَهَا إلَيْهَا ، وَزَادَهَا أُخْرَى .

( 5789 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ .
أَوْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا إلَى شَهْرٍ ، فَقَالَ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .
صَحَّ ذَلِكَ ، وَاسْتَحَقَّ الْعِوَضَ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ بَائِنًا ؛ لِأَنَّهُ بِعِوَضٍ .
وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مَجِيءِ الشَّهْرِ ، طَلُقَتْ وَلَا شَيْءَ لَهُ .
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ .
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ رَأْسِ الشَّهْرِ ، فَقَدْ اخْتَارَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا أَخَذَ مِنْهَا أَلْفًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا إلَى شَهْرٍ ، فَطَلَّقَهَا بِأَلْفٍ ، بَانَتْ ، وَعَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ هَذَا سَلَفٌ فِي طَلَاقٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ تَعَلَّقَ بِعَيْنٍ ، فَلَا يَجُوزُ شَرْطُ تَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ فِيهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا جَعَلَتْ لَهُ عِوَضًا صَحِيحًا عَلَى طَلَاقِهَا ، فَإِذَا طَلَّقَهَا اسْتَحَقَّهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ : إلَى شَهْرٍ ، وَلِأَنَّهَا جَعَلَتْ لَهُ عِوَضًا صَحِيحًا عَلَى طَلَاقِهَا ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْهُ ، كَالْأَصْلِ .
وَإِنْ قَالَتْ : لَك أَلْفٌ عَلَى أَنْ تُطَلِّقَنِي أَيَّ وَقْتٍ شِئْت ، مِنْ الْآنَ إلَى شَهْرٍ .
صَحَّ فِي قِيَاسِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الطَّلَاقِ مَجْهُولٌ فَإِذَا طَلَّقَهَا فَلَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا عَلَى عِوَضٍ لَمْ يَصِحَّ ، لِفَسَادِهِ .
وَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَلَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ ، فَصَحَّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ مَجْهُولَ الْوَقْتِ كَالْجَعَالَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : مَتَى أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .
صَحَّ ، وَزَمَنُهُ مَجْهُولٌ أَكْثَرُ مِنْ الْجَهَالَةِ هَا هُنَا ، فَإِنَّ الْجَهَالَةَ هَا هُنَا فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ ، وَثَمَّ فِي الْعُمْرِ كُلِّهِ .
وَقَوْلُ

الْقَاضِي : لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ .
مُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الْمَذْهَبِ ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَفْسُدُ فِيهَا الْعِوَضُ ، أَنَّ لَهُ الْمُسَمَّى .
فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَا هُنَا إنْ حَكَمْنَا بِفَسَادِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 5790 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْك أَلْفٌ .
وَقَعَتْ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ ؛ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَتِهَا ، وَلَا شَرْطًا فِيهَا ، وَإِنَّمَا عَطَفَ ذَلِكَ عَلَى طَلَاقِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَعَلَيْك الْحَجُّ فَإِنْ أَعَطَتْهُ الْمَرْأَةُ عَنْ ذَلِكَ عِوَضًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِوَضٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَابِلْهُ شَيْءٌ ، وَكَانَ ذَلِكَ هِبَةً مُبْتَدَأَةً ، يُعْتَبَرُ فِيهِ شَرَائِطُ الْهِبَةِ .
وَإِنْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ : ضَمِنْت لَك أَلْفًا .
لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ غَيْرِ الضَّامِنِ لِحَقٍّ وَاجِبٍ ، أَوْ مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ ، وَلَيْسَ هَا هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ يَصِحُّ ، وَلَمْ أَعْرِفْ لِذَلِكَ وَجْهًا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهَا إذَا قَالَتْ قَبْلَ طَلَاقِهَا : ضَمِنْت لَك أَلْفًا ، عَلَى أَنْ تُطَلِّقَنِي .
فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَعَلَيْك أَلْفٌ .
فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ .
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَتْ : طَلِّقْنِي طَلْقَةً بِأَلْفٍ .
فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَعَلَيْك أَلْفٌ .
وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَعَلَيْهَا أَلْفٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَنْتِ طَالِقٌ .
يَكْفِي فِي صِحَّةِ الْخُلْعِ ، وَاسْتِحْقَاقِ الْعِوَضِ ، وَمَا وُصِلَ بِهِ تَأْكِيدٌ .
فَإِنْ اخْتَلَفَ فَقَالَ : أَنْتِ اسْتَدْعَيْت مِنِّي الطَّلَاقَ بِالْأَلْفِ .
فَأَنْكَرَتْهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، فَإِذَا حَلَفَتْ بَرِئَتْ مِنْ الْعِوَضِ وَبَانَتْ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ فِي بَيْنُونَتِهَا لِأَنَّهَا حَقُّهُ ، غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الْعِوَضِ لِأَنَّهُ عَلَيْهَا .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ .
وَإِنْ قَالَ : مَا اسْتَدْعَيْت مِنِّي الطَّلَاقَ ، وَإِنَّمَا أَنَا ابْتَدَأْت بِهِ ، فَلِي عَلَيْك الرَّجْعَةُ .
وَادَّعَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَوَابًا لِاسْتِدْعَائِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ ، وَلَا يَلْزَمُهَا الْأَلْفُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ .
وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى

الْأَلْفِ .
فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ رَجْعِيًّا كَقَوْلِهِ : أَنْت طَالِقٌ ، وَعَلَيْك أَلْفٌ .
فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةٍ مُهَنًّا ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتَ طَالِقٌ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمْ تَقُلْ هِيَ شَيْئًا : فَهِيَ طَالِقٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ ثَانِيًا .
وَقَالَ الْقَاضِي ، فِي " الْمُجَرَّدِ " : ذَلِكَ لِلشَّرْطِ ، تَقْدِيرُهُ إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنْ ضَمِنَتْ لَهُ أَلْفًا ، وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ .
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ عَلَيْك .
فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، الطَّلَاقُ يَقَعُ رَجْعِيًّا ، وَلَا شَيْءَ لَهُ .
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي إنْ قَبِلَتْ ذَلِكَ لَزِمَهَا الْأَلْفُ ، وَكَانَ خُلْعَا وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ عَلَى بِمَعْنَى الشَّرْطِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ ، مِنْهَا قَوْلُهُ : وَإِذَا أَنْكَحَهَا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ، فَلَهَا فِرَاقُهُ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا .
وَذَلِكَ أَنَّ عَلَى تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ : { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } .
وَقَالَ { فَهَلْ نَجْعَلُ لَك خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا } وَقَالَ مُوسَى { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْت رُشْدًا } وَلَوْ قَالَ فِي النِّكَاحِ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي عَلَى صَدَاقِ كَذَا .
صَحَّ ، وَإِذَا أَوْقَعَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يَقَعْ بِدُونِهِ ، وَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ، إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا ، أَوْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ ، وَجَعَلَ عَلَيْهَا عِوَضًا لَمْ تَبْذُلْهُ ، فَوَقَعَ رَجْعِيًّا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَعَلَيْك أَلْفٌ .
وَلِأَنَّ عَلَى لَيْسَتْ لِلشَّرْطِ ، وَلَا لِلْمُعَاوَضَةِ ، وَلِذَلِكَ لَا

يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك ثَوْبِي عَلَى دِينَارٍ .

( 5791 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .
فَقَالَتْ : قَبِلْت وَاحِدَةً مِنْهَا بِأَلْفٍ .
وَقَعَ الثَّلَاثُ ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ إلَيْهِ إنَّمَا عَلَّقَهُ بِعِوَضٍ يَجْرِي مَجْرَى الشَّرْطِ مِنْ جِهَتِهَا ، وَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ .
وَإِنْ قَالَتْ : قَبِلْت بِأَلْفَيْنِ وَقَعَ ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا الْأَلْفُ الزَّائِدَةُ ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ لِمَا أَوْجَبَهُ دُونَ مَا لَمْ يُوجِبْهُ .
وَإِنْ قَالَتْ : قَبِلْت بِخَمْسِمِائَةِ .
لَمْ يَقَعْ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ .
وَإِنْ قَالَتْ : قَبِلْت وَاحِدَةً مِنْ الثَّلَاثِ بِثُلُثِ الْأَلِفِ لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِانْقِطَاعِ رَجْعَتِهِ عَنْهَا إلَّا بِأَلْفٍ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ ، إحْدَاهُمَا بِأَلْفٍ .
وَقَعَتْ بِهَا وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَوَقَعْت الْأُخْرَى عَلَى قَبُولِهَا ؛ لِأَنَّهَا بِعِوَضٍ .

( 5792 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا خَالَعَتْهُ الْأَمَةُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ كَانَ الْخُلْعُ وَاقِعًا ، وَيَتْبَعُهَا إذَا عَتَقَتْ بِمِثْلِهِ ، إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ ، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ : ( 5793 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ الْخُلْعَ مَعَ الْأَمَةِ صَحِيحٌ ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ فَمَعَ الزَّوْجَةِ أَوْلَى ، يَكُونُ طَلَاقُهَا عَلَى عِوَضٍ بَائِنًا ، وَالْخُلْعُ مَعَهَا كَالْخُلْعِ مَعَ الْحُرَّةِ سَوَاءٌ .
( 5794 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْخُلْعَ إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا عَلَى شَيْءٍ فِي ذِمَّتِهَا ، فَإِنَّهُ يَتْبَعُهَا إذَا عَتَقَتْ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذِمَّتِهَا ، وَلَوْ كَانَ عَلَى عَيْنٍ ، فَاَلَّذِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهَا مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْعَيْنَ ، وَمَا فِي يَدِهَا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لِسَيِّدِهَا ، فَيَلْزَمُهَا بِذَلُهُ ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ فَخَرَجَ حُرًّا أَوْ مُسْتَحَقًّا .
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَالَعَهَا عَلَى عَيْنٍ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَمَةٌ ، فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْعَيْنَ ، فَيَكُونُ رَاضِيًا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : خَالَعْتُكِ عَلَى هَذَا الْمَغْصُوبِ ، أَوْ هَذَا الْحُرِّ .
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " قَالَ : هُوَ كَالْخُلْعِ عَلَى الْمَغْصُوبِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُهَا .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، كَقَوْلِهِ فِي الْخُلْعِ عَلَى الْحُرِّ وَالْمَغْصُوبِ .
وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهَا ذَكَرَتْ لِزَوْجِهَا أَنَّ سَيِّدَهَا أَذِنَ لَهَا فِي هَذَا الْخُلْعِ بِهَذِهِ ، الْعَيْنِ وَلَمْ تَكُنْ صَادِقَةً ، أَوْ جَهِلَ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْعَيْنَ ، أَوْ يَكُونُ اخْتَارَهُ فِيمَا إذَا خَالَعَهَا عَلَى مَغْصُوبٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ

، وَيَكُونُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا فِي حَالِ عِتْقِهَا ؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي تَمْلِكُ فِيهِ ، فَهِيَ كَالْمُعْسِرِ ، يُرْجَعُ عَلَيْهِ فِي حَالِ يَسَارِهِ ، وَيُرْجَعُ بِقِيمَتِهِ أَوْ مِثْلِهِ ، لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ ، كَالْمَغْصُوبِ .
( 5795 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : إذَا كَانَ الْخُلْعُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ ، تَعَلَّقَ الْعِوَضُ بِذِمَّتِهِ .
هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الِاسْتِدَانَةِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْأَمَةِ .
وَإِنْ خَالَعَتْ عَلَى مُعَيَّنٍ بِإِذْنِ السَّيِّدِ فِيهِ ، مَلَكَهُ .
وَإِنْ أَذِنَ فِي قَدْرِ الْمَالِ ، فَخَالَعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَالزِّيَادَةُ فِي ذِمَّتِهَا .
وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ ، اقْتَضَى الْخُلْعُ بِالْمُسَمَّى لَهَا ، فَإِنْ خَالَعَتْ بِهِ أَوْ بِمَا دُونَهُ ، لَزِمَ السَّيِّدَ ، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ تَعَلَّقْت الزِّيَادَةُ بِذِمَّتِهَا ، كَمَا لَوْ عَيَّنَ لَهَا قَدْرًا فَخَالَعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ .
وَإِنْ كَانَتْ مَأْذُونًا لَهَا فِي التِّجَارَةِ ، سَلَّمَتْ الْعِوَضَ مِمَّا فِي يَدِهَا .
( 5796 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الْمُكَاتَبَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْأَمَةِ الْقِنِّ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيمَا فِي يَدِهَا بِتَبَرُّعٍ ، وَمَا لَاحَظَ فِيهِ ، وَبَذْلُ الْمَالِ فِي الْخُلْعِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ تَحْصِيلُ الْمَالِ ، بَلْ فِيهِ ضَرَرٌ بِسُقُوطِ نَفَقَتِهَا ، وَبَعْضِ مَهْرِهَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا .
وَإِذَا كَانَ الْخُلْعُ بِغَيْرِ إذْنَ السَّيِّدِ ، فَالْعِوَضُ فِي ذِمَّتِهَا ، يَتْبَعُهَا بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ ، سَلَّمَهُ مِمَّا فِي يَدِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ ، فَهُوَ عَلَى سَيِّدِهَا .

( 5797 ) فَصْلٌ : يَصِحُّ خُلْعُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا لِفَلَسٍ ، وَبَذْلُهَا لِلْعِوَضِ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ لَهَا ذِمَّةً يَصِحُّ تَصَرُّفُهَا فِيهَا ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْعِوَضِ إذَا أَيْسَرَتْ وَفُكَّ الْحَجْرُ عَنْهَا ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهَا فِي حَالِ حَجْرِهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَدَانَتْ مِنْهُ ، أَوْ بَاعَهَا شَيْئًا فِي ذِمَّتِهَا .
( 5798 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا لَسَفَهٍ ، أَوْ صِغَرٍ ، أَوْ جُنُونٍ ، فَلَا يَصِحُّ بَذْلُ الْعِوَضِ مِنْهَا فِي الْخُلْعِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ ، وَلَيْسَ هِيَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَسَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ الْوَلِيُّ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِذْنُ فِي التَّبَرُّعَاتِ ، وَهَذَا كَالتَّبَرُّعِ .
وَفَارَقَ الْأَمَةَ ، فَإِنَّهَا أَهْلُ التَّصَرُّفِ .
وَلِهَذَا تَصِحُّ مِنْهَا الْهِبَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ بِإِذْنِهِ ، وَيُفَارِقُ الْمُفْلِسَةَ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ .
فَإِنْ خَالَعَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهَا بِلَفْظٍ يَكُونُ طَلَاقًا ، فَهُوَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ عِوَضًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مِمَّا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ ، كَانَ كَالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ الْخُلْعُ هَا هُنَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِهِ بِعِوَضٍ ، لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ، وَلَا أَمْكَنَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَيْسَ لِوَلِيِّ هَؤُلَاءِ الْمُخَالَعَةُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِنَّ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِمَا لَهَا فِيهِ الْحَظُّ ، وَهَذَا لَا حَظَّ فِيهِ ، بَلْ فِيهِ إسْقَاطُ نَفَقَتِهَا وَمَسْكَنِهَا وَبَذْلُ مَالِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ ، إذَا رَأَى الْحَظَّ فِيهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْحَظُّ لَهَا فِيهِ بِتَخْلِيصِهَا مِمَّنْ يُتْلِفُ مَالَهَا ، وَتَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا وَعَقْلِهَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ بَذْلُ الْمَالِ فِي الْخُلْعِ تَبْذِيرًا وَلَا سَفَهًا ، فَيَجُوزُ لَهُ بَذْلُ مَالِهَا لِتَحْصِيلِ حَظِّهَا ، وَحِفْظِ نَفْسِهَا وَمَالِهَا ، كَمَا يَجُوزُ بَذْلُهُ فِي مُدَاوَاتِهَا ، وَفَكِّهَا مِنْ الْأَسْرِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ .
وَالْأَبُ

وَغَيْرُهُ مِنْ أَوْلِيَائِهَا فِي هَذَا سَوَاءٌ .
وَإِنْ خَالَعَهَا بِشَيْءِ مِنْ مَالِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ، فَمِنْ الْوَلِيِّ أَوْلَى .

( 5799 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ الْأَبُ : طَلِّقْ ابْنَتِي ، وَأَنْت بَرِيءٌ مِنْ صَدَاقِهَا .
فَطَلَّقَهَا ، وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ، وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ شَيْءٍ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَبِ ، وَلَمْ يَضْمَنْ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأْهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ .
قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : إنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ .
قَالَ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ جَاهِلًا بِأَنَّ إبْرَاءَ الْأَبِ لَا يَصِحُّ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ غَرَّهُ فَزَوَّجَهُ مَعِيبَةً ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ إبْرَاءَ الْأَبِ لَا يَصِحُّ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّهُ خَلَا عَنْ الْعِوَضِ .
وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَرْجِعُ ، عَلَيْهِ ، يَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا ؛ لِأَنَّهُ بِعِوَضٍ .
فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ : هِيَ طَالِقٌ إنْ أَبْرَأَتْنِي مِنْ صَدَاقِهَا .
فَقَالَتْ : قَدْ أَبْرَأْتُك .
لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ .
فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَوْقَعَهُ إذَا قَصَدَ الزَّوْجُ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى مُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِالْإِبْرَاءِ ، دُونَ حَقِيقَةِ الْبَرَاءَةِ .
وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ : هِيَ طَالِقٌ إنْ بَرِئْت مِنْ صَدَاقِهَا .
لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ وَلَمْ يُوجَدْ .
وَإِنْ قَالَ الْأَبُ : طَلِّقْهَا عَلَى أَلْفٍ مِنْ مَالِهَا ، وَعَلَيَّ الدَّرْكُ .
فَطَلَّقَهَا ، طَلُقَتْ بَائِنًا ؛ لِأَنَّهُ بِعِوَضٍ ، وَهُوَ مَا لَزِمَ الْأَبَ مِنْ ضَمَانِ الدَّرْكِ ، وَلَا يَمْلِكُ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَذْلُهَا .

( 5800 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ : أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ إنْ شِئْتُمَا .
فَقَالَتَا : قَدْ شِئْنَا .
وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِمَا بَائِنًا ، وَلَزِمَهُمَا الْعِوَضُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَهْرَيْهِمَا .
وَإِنْ شَاءَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، لَمْ يُطَلِّقْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَا شِئْتُمَا صِفَةً فِي طَلَاقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا .
وَيُخَالِفُ هَذَا مَا لَوْ قَالَ : أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ .
فَقَبِلَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، لَزِمَهُ الطَّلَاقُ بِعِوَضِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فِي طَلَاقِهَا شَرْطًا ، وَهَاهُنَا عَلَّقَ طَلَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِمَشِيئَتِهِمَا جَمِيعًا ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِمَا : قَدْ شِئْنَا لَفْظًا ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ : مَا شِئْتُمَا وَإِنَّمَا قُلْتُمَا ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِكُمَا .
أَوْ قَالَتَا : مَا شِئْنَا بِقُلُوبِنَا .
لَمْ يُقْبَلْ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْعِوَضَ يَتَقَسَّطُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ مَهْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الذَّهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الرَّأْي .
وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا .
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ، يَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ .
وَأَصِلُ هَذَا فِي النِّكَاحِ إذَا تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ بِصَدَاقٍ وَاحِدٍ .
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا رَشِيدَةً ، وَالْأُخْرَى مَحْجُورًا عَلَيْهَا لِسَفَهٍ ، فَقَالَتَا : قَدْ شِئْنَا .
وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا ، وَوَجَبَ عَلَى الرَّشِيدَةِ قِسْطُهَا مِنْ الْعِوَضِ ، وَوَقَعَ طَلَاقُهَا بَائِنًا ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا ، وَيَكُونُ طَلَاقُهَا رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّ لَهَا مَشِيئَةً ، وَلَكِنَّ الْحَجْرَ مَعَ صِحَّةِ تَصَرُّفِهَا وَنُفُوذِهِ ، وَلِهَذَا يَرْجِعُ إلَى مَشِيئَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ ، وَفِيمَا تَأْكُلُهُ .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ غَيْرَ بَالِغَةٍ ، إلَّا أَنَّهَا

مُمَيِّزَةٌ ، فَإِنَّ لَهَا مَشِيئَةً صَحِيحَةً ، وَلِهَذَا يُخَيَّرُ الْغُلَامُ بَيْنَ أَبَوَيْهِ إذَا بَلَغَ سَبْعًا .
وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مَجْنُونَةً أَوْ صَغِيرَةً غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ ، لَمْ تَصِحَّ الْمَشِيئَةُ مِنْهُمَا وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ .
وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَإِنَّ الرَّشِيدَةَ يَلْزَمُهَا قِسْطُهَا مِنْ الْعِوَض ، وَهُوَ قِسْطُ مَهْرِهَا مِنْ الْعِوَضِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ نِصْفُهُ .
وَإِنَّ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتَاهُ : طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ .
فَطَلَّقَهُمَا ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .
وَإِنْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا وَحْدَهَا ، فَعَلَيْهَا نِصْفُ الْأَلْفِ .
وَإِنْ قَالَتَا : طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ .
فَطَلَّقَهُمَا ، فَالْأَلْفُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ صَدَاقَيْهِمَا ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ .
وَإِنْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا ، فَعَلَيْهَا حِصَّتُهَا مِنْهُ .
وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا غَيْرَ رَشِيدَةٍ ، فَطَلَّقَهُمَا ، فَعَلَى الرَّشِيدَةِ حِصَّتُهَا مِنْ الْأَلْفِ ، يَقَعُ طَلَاقُهَا بَائِنًا ، وَتَطْلُقُ الْأُخْرَى طَلَاقًا رَجْعِيًّا ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا .

( 5801 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْخُلْعُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ ، بِغَيْرِ إذْنِ الْمَرْأَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْأَجْنَبِيُّ لِلزَّوْجِ : طَلِّقْ امْرَأَتَك بِأَلْفٍ عَلَيَّ .
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ ، فَإِنَّهُ يَبْذُلُ عِوَضًا فِي مُقَابَلَةِ مَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ ، فَإِنَّ الْمِلْكَ لَا يَحْصُلُ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : بِعْ عَبْدَك لِزَيْدٍ بِأَلْفٍ عَلَيَّ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ بَذْلُ مَالٍ فِي مُقَابَلَةِ إسْقَاطِ حَقٍّ عَنْ غَيْرِهِ فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَك ، وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ .
وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ .
صَحَّ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ حَقًّا عَنْ أَحَدٍ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْمَرْأَةِ ، يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهَا بِعِوَضٍ ، فَجَازَ لِغَيْرِهَا ، كَالدَّيْنِ .
وَفَارَقَ الْبَيْعَ ، فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ ، فَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاءِ مَنْ يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ .
وَإِنْ قَالَ : طَلِّقْ امْرَأَتَك بِمَهْرِهَا ، وَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ .
صَحَّ .
يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَهْرِهَا .

( 5802 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ .
فَطَلَّقَهُمَا ، وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِمَا بَائِنًا ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ عَلَى بَاذِلَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ جَائِزٌ .
وَإِنْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : تَطْلُقُ طَلَاقًا بَائِنًا ، وَلَزِمَ الْبَاذِلَةَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الْأَلْفِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ : يَلْزَمُهَا مَهْرُ مِثْلِ الْمُطَلَّقَةِ .
وَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، فِيمَا إذَا قَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .
فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ ، وَوَقَعَتْ بِهَا التَّطْلِيقَةُ ، أَنْ لَا يَلْزَمَ الْبَاذِلَةَ هَا هُنَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا إلَى مَا سَأَلَتْ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا مَا بَذَلَتْ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَرَضُهَا فِي بَيْنُونَتِهَا جَمِيعًا مِنْهُ ، فَإِذَا طَلَّقَ إحْدَاهُمَا ، لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُهَا ، فَلَا يَلْزَمُهَا عِوَضُهَا .

( 5803 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُطَلِّقَ ضَرَّتِي ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا تُطَلِّقَ ضَرَّتِي .
فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ ، وَالشَّرْطُ وَالْبَذْلُ لَازِمٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الشَّرْطُ وَالْعِوَضُ بَاطِلَانِ ، وَيَرْجِعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ سَلَفٌ فِي الطَّلَاقِ ، وَالْعِوَضُ بَعْضُهُ فِي مُقَابَلَةِ الشَّرْطِ الْبَاطِلِ ، فَيَكُونُ الْبَاقِي مَجْهُولًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الشَّرْطُ بَاطِلٌ ، وَالْعِوَضُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ الْعِوَضِ .
وَلَنَا أَنَّهَا بَذَلَتْ عِوَضًا فِي طَلَاقِهَا وَطَلَاقِ ضَرَّتِهَا ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ .
فَإِنْ لَمْ يَفِ لَهَا بِشَرْطِهَا ، فَعَلَيْهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى ، أَوْ الْأَلْفُ الَّذِي شَرَطَتْهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْعِوَضِ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا بَذَلَتْهُ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ .

( 5804 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا خَالَعَ الْعَبْدُ بِهِ زَوْجَتَهُ مِنْ شَيْءٍ ، جَازَ .
وَهُوَ لِسَيِّدِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ زَوْجٍ صَحَّ طَلَاقُهُ ، صَحَّ خُلْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الطَّلَاقَ ، وَهُوَ مُجَرَّدُ إسْقَاطٍ مِنْ غَيْرِ تَحْصِيلِ شَيْءٍ ، فَلَأَنْ يَمْلِكَهُ مُحَصِّلًا لِلْعِوَضِ أَوْلَى ، وَالْعَبْدُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ ، فَمَلَك الْخُلْعَ ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ وَالسَّفِيهُ ، وَفِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ طَلَاقِهِ .
وَمِنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ ، كَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ ، لَا يَصِحُّ خُلْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، فَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ .
وَمَتَى خَالَعَ الْعَبْدُ ، كَانَ الْعِوَضُ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ اكْتِسَابِهِ ، وَاكْتِسَابُهُ لِسَيِّدِهِ ، وَسَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا الْعِوَضُ لَهُمْ .
وَيَجِبُ تَسْلِيمُ الْعِوَضِ إلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ ، وَوَلِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي خُلْعِ الْعَبْدِ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَوَلِيُّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَقْبِضُ حُقُوقَهُ وَأَمْوَالَهُ ، وَهَذَا مِنْ حُقُوقِهِ .
وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ ، فَيَدْفَعُ الْعِوَضَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ قَبْضُ الْعَبْدِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ الْعِوَضَ ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ خُلْعُهُ ، صَحَّ قَبْضُهُ لِلْعِوَضِ ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلْسٍ .
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ : مَا مَلَكَهُ الْعَبْدُ مِنْ خُلْعٍ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْوَاهِبِ وَالْمُخْتَلِعَةِ بِشَيْءٍ ، وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فِي مَعْنَى الْعَبْدِ .
وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي الْخُلْعِ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ ، فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهُ إلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ ، وَالْعِوَضُ فِي خُلْعِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِلْكٌ لَهُ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ أَفَادَ مَنْعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا أَتْلَفَهُ

الْعَبْدُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ ، وَعَلَى أَنَّ عَدَمَ الرُّجُوعِ عَلَيْهَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الدَّفْعِ إلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَلَيْهَا لَرَجَعَتْ عَلَى الْعَبْدِ ، وَتَعَلَّقَ حَقُّهَا بِرَقَبَتِهِ ، وَهِيَ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهَا بِمَا تَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَالِهِ .
وَإِنْ أَسْلَمَتْ الْعِوَضَ إلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ، لَمْ تَبْرَأَ ، فَإِنْ أَخَذَهُ الْوَلِيُّ مِنْهُ ، بَرِئَتْ ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ ، أَوْ تَلِفَ ، كَانَ لِوَلِيِّهِ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِهِ .

( 5805 ) فَصْلٌ : وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي طَلَاقِ الْأَبِ زَوْجَةَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ ، وَخُلْعِهِ إيَّاهَا ، وَسَأَلَهُ أَبُو الصَّقْرِ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ .
وَكَأَنَّهُ رَآهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمْ يَبْلُغْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا مَا رَوَاهُ أَبُو الصَّقْرِ ، فَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَمْلِكُ ذَلِكَ .
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَقَتَادَةَ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ عَلَى ابْنٍ لَهُ مَعْتُوهٍ .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ الْمَعْتُوهَ إذَا عَبَثَ بِأَهْلِهِ ، طَلَّقَ عَلَيْهِ وَلِيُّهُ .
قَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ : وَجَدْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو .
وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُزَوِّجَهُ ، فَصَحَّ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا ، كَالْحَاكِمِ يَفْسَخُ لِلْإِعْسَارِ ، وَيُزَوِّجُ الصَّغِيرَ .
وَالْقَوْلُ الْآخِرُ ، لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ .
} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا الطَّلَاقُ بِيَدِ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ الْفَرْجُ .
وَلِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ .
فَلَمْ يَمْلِكْهُ ، كَالْإِبْرَاءِ مِنْ الدَّيْنِ ، وَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ ، وَلِأَنَّ طَرِيقَهُ الشَّهْوَةُ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْوِلَايَةِ .
وَالْقَوْلُ فِي زَوْجَةِ عَبْدِهِ الصَّغِيرِ ، كَالْقَوْلِ فِي زَوْجَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ .

( 5806 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا خَالَعَتْ الْمَرْأَةُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْهَا ، فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ ، وَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُخَالَعَةَ فِي الْمَرَضِ صَحِيحَةٌ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَرِيضُ الزَّوْجَ أَوْ الزَّوْجَةَ ، أَوْ هُمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ ، فَصَحَّ فِي الْمَرَضِ ، كَالْبَيْعِ .
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
ثُمَّ إذَا خَالَعَتْهُ الْمَرِيضَةُ بِمِيرَاثِهِ مِنْهَا فَمَا دُونَهُ ، صَحَّ ، وَلَا رُجُوعَ ، إنْ خَالَعَتْهُ بِزِيَادَةٍ ، بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ .
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ الْعِوَضُ كُلُّهُ ، فَإِنْ حَابَتْهُ فَمِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِثٍ لَهَا ، فَصَحَّتْ مُحَابَاتُهَا لَهُ مِنْ الثُّلُثِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .
وَعَنْ مَالِكٍ كَالْمَذْهَبَيْنِ .
وَعَنْهُ : يُعْتَبَرُ بِخُلْعِ مِثْلِهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ خَالَعَتْ بِمَهْرِ مِثْلِهَا ، جَازَ ، وَإِنْ زَادَ ، فَالزِّيَادَةُ مِنْ الثُّلُثِ .
وَلَنَا ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَهْرُ الْمِثْلِ ، أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ بِمَا قَدَّمْنَا ، وَاعْتِبَارُ مَهْرِ الْمِثْلِ تَقْوِيمٌ لَهُ .
وَعَلَى إبْطَالِ الزِّيَادَةِ ، أَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ فِي أَنَّهَا قَصَدَتْ الْخُلْعَ لِتُوَصِّلَ إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، عَلَى وَجْهٍ لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَيْهِ وَهُوَ وَارِثٌ لَهَا ، فَبَطَلَ ، كَمَا لَوْ أَوْصَتْ لَهُ ، أَوْ أَقَرَّتْ لَهُ ، وَأَمَّا قَدْرُ الْمِيرَاثِ ، فَلَا تُهْمَةَ فِيهِ ، فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تُخَالِعْهُ لَوَرِثَ مِيرَاثَهُ .
وَإِنْ صَحَّتْ مِنْ مَرَضِهَا ذَلِكَ ، صَحَّ الْخُلْعُ ، وَلَهُ جَمِيعُ مَا خَالَعَهَا بِهِ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ الْمَوْتِ ، وَالْخُلْعُ فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ ، كَالْخُلْعِ فِي الصِّحَّةِ .

( 5807 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ خَالَعَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَأَوْصَى لَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ تَرِثُ ، فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ لَا يُعْطُوهَا أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا ) أَمَّا خُلْعَهُ لُزُوجَتِهِ ، فَلَا إشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا ، أَوْ أَكْثَرَ ، أَوْ أَقَلَّ ، وَلَا يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَصَحَّ ، فَلَأَنْ يَصِحَّ بِعِوَضٍ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْوَرَثَةَ لَا يَفُوتُهُمْ بِخُلْعِهِ شَيْءٌ ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَلَهُ امْرَأَةٌ ، لَبَانَتْ بِمَوْتِهِ ، وَلَمْ تَنْتَقِلْ إلَى وَرَثَتِهِ .
فَأَمَّا إنْ أَوْصَى لَهَا بِمِثْلِ مِيرَاثِهَا ، أَوْ أَقَلَّ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي أَنَّهُ أَبَانَهَا لِيُعْطِيَهَا ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُبِنْهَا لَأَخَذَتْهُ بِمِيرَاثِهَا .
وَإِنْ أَوْصَى لَهَا بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ ، فَلِلْوَرَثَةِ مَنْعُهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ اُتُّهِمَ فِي أَنَّهُ قَصَدَ إيصَالَ ذَلِكَ إلَيْهَا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إلَى إيصَالِهِ إلَيْهَا وَهِيَ فِي حِبَالِهِ ، فَطَلَّقَهَا لِيُوصِلَ ذَلِكَ إلَيْهَا ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لَوَارِثٍ .

( 5808 ) فَصْلٌ : وَإِذَا خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى نَفَقَةِ عِدَّتِهَا ، فَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ وَهَذَا إنَّمَا يُخَرَّجُ عَلَى أَصْلِ أَحْمَدَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا ، أَمَّا غَيْرُ الْحَامِلِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ ، فَلَا تَصِحُّ عِوَضًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَصِحُّ النَّفَقَةُ عِوَضًا ، فَإِنْ خَالَعَهَا بِهِ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَمْ تَجِبْ ، فَلَا يَصِحُّ الْخُلْعُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى عِوَضِ مَا يُتْلِفُهُ عَلَيْهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهَا إحْدَى النَّفَقَتَيْنِ ، فَصَحَّتْ الْمُخَالَعَةُ عَلَيْهَا ، كَنَفَقَةِ الصَّبِيِّ فِيمَا إذَا خَالَعَتْهُ عَلَى كَفَالَةِ وَلَدِهِ وَقْتًا مَعْلُومًا .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا لَمْ تَجِبْ .
مَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ : إنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِالْعَقْدِ ، ثُمَّ إنَّهَا إنْ لَمْ تَجِبْ ، فَقَدْ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا ، كَنَفَقَةِ الصَّبِيِّ ، بِخِلَافِ عِوَضِ مَا يُتْلِفُهُ .

( 5809 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ خَالَعَتْهُ بِمُحَرَّمٍ ، وَهُمَا كَافِرَانِ ، فَقَبَضَهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُلْعَ مِنْ الْكُفَّارِ جَائِزٌ ، سَوَاءٌ كَانُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ أَوْ أَهْلَ حَرْبٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ الطَّلَاقَ ، مَلَكَ الْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهِ ، كَالْمُسْلِمِ ، فَإِنْ تَخَالَعَا بِعِوَضٍ صَحِيحٍ ، ثُمَّ أَسْلَمَا وَتَرَافَعَا إلَى الْحَاكِمِ ، أَمْضَى ذَلِكَ عَلَيْهِمَا كَالْمُسْلِمَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ بِمُحَرَّمٍ كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ فَقَبَضَهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، وَتَرَافَعَا إلَيْنَا ، أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا أَمْضَى ذَلِكَ عَلَيْهِمَا ، وَلَمْ يُعَوَّضْ لَهُ ، وَلَمْ يَرُدَّهُ ، وَلَا يَبْقَى لَهُ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا ثُمَّ أَسْلَمَا ، أَوْ تَبَايَعَا خَمْرًا أَوْ تَقَابَضَا ثُمَّ أَسْلَمَا .
وَإِنْ كَانَ إسْلَامُهُمَا أَوْ تَرَافُعُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، لَمْ يُمْضِهِ الْحَاكِمُ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِقْبَاضِهِ ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لَمُسْلِمٍ أَوْ مِنْ مُسْلِمٍ ، فَلَا يَأْمُرُ الْحَاكِمُ بِإِقْبَاضِهِ .
قَالَ الْقَاضِي ، فِي " الْجَامِعِ " : وَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ مِنْهَا بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ ، كَالْمُسْلِمَيْنِ إذَا تَخَالَعَا بِخَمْرٍ وَقَالَ ، فِي " الْمُجَرَّدِ " : يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ فَاسِدٌ ، فَيَرْجِعُ إلَى قِيمَةِ الْمُتْلَفِ ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ .
وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ ؛ لَأَنْ تَخْصِيصَهُ حَالَةَ الْقَبْضِ بِنَفْيِ الرُّجُوعِ ، يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ مَعَ عَدَمِ الْقَبْضِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ ، أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَعْتَقِدُ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالًا ، فَإِذَا رَضِيَ بِهِ عِوَضًا ، فَقَدْ رَضِيَ بِالْخُلْعِ بِغَيْرِ مَالٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، وَالْمُشْرِكُ يَعْتَقِدُهُ مَالًا ، فَلَمْ يَرْضَ بِالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَيَكُونُ الْعِوَضُ وَاجِبًا لَهُ ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى حُرٍّ

يَظُنُّهُ عَبْدًا ، أَوْ خَمْرٍ يَظُنُّهُ خَلًّا .
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ الْعِوَضُ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَا .
وَعَلَى مَا عَلَّلْنَا بِهِ يَقْتَضِي وُجُوبَ قِيمَةِ مَا سَمَّى لَهَا ، عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَالًا ، فَإِنَّهُ رَضِيَ بِمَالِيَّةِ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ لَهُ قَدْرُهُ مِنْ الْمَالِ ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى خَمْرٍ يَظُنُّهُ خَلًّا .
وَإِنْ حَصَلَ الْقَبْضُ فِي بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ ، سَقَطَ مَا قَبَضَ ، وَفِيمَا لَمْ يَقْبِضْ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرَّبَّا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .

( 5810 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي الْخُلْعِ ، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ ، وَمِنْ أَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا .
وَكُلُّ مَنْ صَحَّ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِالْخُلْعِ لِنَفْسِهِ ، جَازَ تَوْكِيلُهُ وَوَكَالَتُهُ ؛ حُرًّا ؛ كَانَ أَوْ عَبْدًا ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ رَشِيدًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ الْخُلْعَ ، فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا وَمُوَكِّلًا فِيهِ ، كَالْحُرِّ الرَّشِيدِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .
يَكُونُ تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ اسْتِدْعَاءُ الْخُلْعِ أَوْ الطَّلَاقِ ، وَتَقْدِيرُ الْعِوَضِ ، وَتَسْلِيمُهُ .
وَتَوْكِيلُ الرَّجُلِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ شَرْطُ الْعِوَضِ ، وَقَبْضُهُ ، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ أَوْ الْخُلْعِ .
وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ مَعَ تَقْدِيرِ الْعِوَضِ ، وَمِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَصَحَّ كَذَلِكَ ، كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ .
وَالْمُسْتَحَبُّ التَّقْدِيرُ ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمُ مِنْ الْغَرَرِ ، وَأَسْهَلُ عَلَى الْوَكِيلِ ؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الِاجْتِهَادِ .
فَإِنْ وَكَّلَ الزَّوْجُ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ : الْحَالُ الْأَوَّلُ ، أَنْ يُقَدِّرَ لَهُ الْعِوَضَ ، فَخَالَعَ بِهِ أَوْ بِمَا زَادَ ، صَحَّ ، وَلَزِمَ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ ، وَإِنْ خَالَعَ بِأَقَلَّ مِنْهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ مُوَكِّلَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي خُلْعِ امْرَأَةٍ فَخَالَعَ أُخْرَى ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْخُلْعِ بِهَذَا الْعِوَضِ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .
وَالثَّانِي ، يَصِحُّ ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالنَّقْصِ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي قَدْرِ الْعِوَضِ لَا تُبْطِلُ الْخُلْعَ ، كَحَالَةِ الْإِطْلَاقِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .
وَأَمَّا إنْ خَالَفَ فِي الْجِنْسِ ، مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْخُلْعِ عَلَى

دَرَاهِمَ ، فَخَالَعَ عَلَى عَبْدٍ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، أَوْ يَأْمُرَهُ بِالْخُلْعِ حَالًّا ، فَخَالَعَ بِعِوَضٍ نَسِيئَةً ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمُوَكِّلِهِ فِي جِنْسِ الْعِوَضِ ، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ ، كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ مَا خَالَعَ بِهِ لَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ، وَلَا الْوَكِيلُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدُ السَّبَبُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ .
وَفَارَقَ الْمُخَالَفَةَ فِي الْقَدْرِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَبْرُهُ بِالرُّجُوعِ بِالنَّقْصِ عَلَى الْوَكِيلِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : الْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَ الْوَكِيلَ الْقَدْرُ الَّذِي أُذِنَ فِيهِ ، وَيَكُونَ لَهُ مَا خَالَعَ ، قِيَاسًا عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِي الْقَدْرِ ، وَهَذَا يَبْطُلُ بِالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ هَذَا خُلْعٌ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الزَّوْجُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوَكِّلْهُ فِي شَيْءٍ ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَمْلِكَ عِوَضًا مَا مَلَّكَتْهُ إيَّاهُ الْمَرْأَةُ ، وَلَا قَصَدَ هُوَ تَمَلُّكَهُ ، وَتَنْخَلِعُ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ لَزِمَهَا لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ .
وَأَمَّا الْمُخَالَفَةُ فِي الْقَدْرِ ، فَلَا يَلْزَمُ فِيهَا ذَلِكَ ، مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ فِيهَا أَيْضًا ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ .
وَالْحَالُ الثَّانِي ، إذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْخُلْعَ بِمَهْرِهَا الْمُسَمَّى حَالًّا مِنْ جِنْسِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ خَالَعَ بِذَلِكَ فَمَا زَادَ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا ، وَإِنْ خَالَعَ بِدُونِهِ ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِيمَا إذَا قَدَّرَ لَهُ الْعِوَضَ فَخَالَعَ بِدُونِهِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالَيْنِ آخَرَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَسْقُطَ الْمُسَمَّى ، وَيَجِبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ خَالَعَ بِمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ .
وَالثَّانِي ، أَنْ يَتَخَيَّرَ الزَّوْجُ بَيْنَ قَبُولِ الْعِوَضِ نَاقِصًا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ ، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ .
وَإِنْ خَالَعَ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ عَيَّنَ لَهُ عِوَضًا فَخَالَعَ بِغَيْرِ

جِنْسِهِ .
وَإِنْ خَالَعَ الْوَكِيلُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ ، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ إنَّمَا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُلْعِ ، وَهُوَ إبَانَةُ الْمَرْأَةِ بِعِوَضٍ ، وَمَا أَتَى بِهِ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِطَلَاقٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، فِي " الْمُجَرَّدِ " .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَسَوَاءٌ عَيَّنَ لَهُ الْعِوَضَ أَوْ أَطْلَقَ ، وَذَكَرَ ، فِي " الْجَامِعِ " أَنَّ الْخُلْعَ يَصِحُّ .
وَيَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْمُسَمَّى ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَرْأَةِ .
هَذَا إذَا قُلْنَا : الْخُلْعُ بِلَا عِوَضٍ يَصِحُّ .
وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ .
لَمْ يَصِحَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَيَقَعُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً .
وَاحْتَجَّ بِأَنَّ وَكِيلَ الزَّوْجَةِ لَوْ خَالَعَ بِذَلِكَ صَحَّ ، فَكَذَلِكَ وَكِيلُ الزَّوْجِ .
وَهَذَا الْقِيَاسُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ وَكِيلَ الزَّوْجِ يُوقِعُ الطَّلَاقَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوقِعَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ ، وَوَكِيلُ الزَّوْجَةِ لَا يُوقِعُ ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ ، وَلِأَنَّ وَكِيلَ الزَّوْجِ إذَا خَالَعَ عَلَى مُحَرَّمٍ ، فَوَّتَ عَلَى مُوَكَّلِهِ الْعِوَضَ ، وَوَكِيلُ الزَّوْجَةِ يُخَلِّصُهَا مِنْهُ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الصِّحَّةِ فِي مَوْضِعٍ يُخَلِّصُ مُوَكَّلَهُ مِنْ وُجُوبِ الْعِوَضِ عَلَيْهِ ، الصِّحَّةُ فِي مَوْضِعٍ يُفَوِّتُهُ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ وَكِيلَ الزَّوْجَةِ لَوْ صَالَحَ بِدُونِ الْعِوَضِ الَّذِي قَدَّرَتْهُ لَهُ ، صَحَّ وَلَزِمَهَا ، وَلَوْ خَالَعَ وَكِيلُ الزَّوْجِ بِدُونِ الْعِوَضِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَأَمَّا وَكِيلُ الزَّوْجَةِ فَلَهُ حَالَانِ ؛ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ تُقَدِّرَ لَهُ الْعِوَضَ ، فَمَتَى خَالَعَ بِهِ فَمَا دُونَ ، صَحَّ ، وَلَزِمَهَا ذَلِكَ : لِأَنَّهُ زَادَهَا خَيْرًا ، وَإِنْ خَالَعَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ، صَحَّ وَلَمْ تَلْزَمْهَا الزِّيَادَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْذَنْ فِيهَا ، وَلَزِمَ الْوَكِيلَ ، لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ لِلزَّوْجِ ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ ، كَالْمُضَارِبِ إذَا اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ

الْمَالِ .
وَقَالَ الْقَاضِي ، فِي " الْمُجَرَّدِ " : عَلَيْهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ، وَلَا شَيْءَ عَلَى وَكِيلِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ ، إنَّمَا يَقْبَلُهُ لِغَيْرِهِ .
وَلَعَلَّ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا أَكْثَرُ مِمَّا بَذَلَتْهُ ؛ لِأَنَّهَا مَا الْتَزَمَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَلَا وُجِدَ مِنْهَا تَغْرِيرٌ لِلزَّوْجِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لِلزَّوْجِ أَيْضًا أَكْثَرُ مِمَّا بَذَلَ لَهُ الْوَكِيلُ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ عِوَضًا ، وَهُوَ عِوَضٌ صَحِيحٌ مَعْلُومٌ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ بَذَلَتْهُ الْمَرْأَةُ .
الثَّانِي ، أَنْ يُطْلِقَ الْوَكَالَةَ ، فَيَقْتَضِي خُلْعَهَا بِمَهْرِهَا مِنْ جِنْسِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ خَالَعَهَا بِذَلِكَ فَمَا دُونَ ، صَحَّ ، وَلَزِمَهَا ، وَإِنْ خَالَعَهَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ خَالَعَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَتْ لَهُ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ .

( 5811 ) فَصْلٌ : إذَا اخْتَلَفَا فِي الْخُلْعِ ، فَادَّعَاهُ الزَّوْجُ ، وَأَنْكَرَتْهُ الْمَرْأَةُ بَانَتْ بِإِقْرَارِهِ ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهَا عِوَضًا ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ ، وَعَلَيْهَا الْيَمِينُ ، وَإِنْ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ ، وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِذَلِكَ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا عِوَضًا لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْخُلْعِ ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْعِوَضِ ، أَوْ جِنْسِهِ ، أَوْ حُلُولِهِ ، أَوْ تَأْجِيلِهِ ، أَوْ صِفَتِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ .
حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ يَخْرُجُ مِنْ مِلِكِهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي عِوَضِهِ ، كَالسَّيِّدِ مَعَ مُكَاتَبَتِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَحَالَفَانِ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي عِوَضِ الْعَقْدِ ، فَيَتَحَالَفَانِ فِيهِ ، كَالْمُتَبَايِعِينَ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْخُلْعِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَرْأَةِ ، كَالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُنْكِرَةٌ لِلزِّيَادَةِ فِي الْقَدْرِ أَوْ الصِّفَةِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
وَأَمَّا التَّحَالُفُ فِي الْبَيْعِ ، فَيُحْتَاجُ إلَيْهِ لِفَسْخِ الْعَقْدِ ، وَالْخُلْعُ فِي نَفْسِهِ فَسْخٌ ، فَلَا يُفْسَخُ .
وَإِنْ قَالَ : خَالَعْتُكِ بِأَلْفٍ .
فَقَالَتْ : إنَّمَا خَالَعَكَ غَيْرِي بِأَلْفٍ فِي ذِمَّتِهِ .
بَانَتْ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِ الْعِوَضِ عَنْهَا ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ لَهُ .
وَإِنْ قَالَتْ : نَعَمْ ، وَلَكِنْ ضَمِنَهَا لَك أَبِي أَوْ غَيْرُهُ .
لَزِمَهَا الْأَلْفُ ، لِإِقْرَارِهَا بِهِ ، وَالضَّمَانُ لَا يُبْرِئُ ذِمَّتَهَا وَكَذَلِكَ إنْ قَالَتْ : خَالَعْتُكَ عَلَى أَلْفٍ يَزِنُهُ لَك أَبِي .
لِأَنَّهَا اعْتَرَفَتْ بِالْأَلْفِ وَادَّعَتْ عَلَى أَبِيهَا دَعْوَى ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا عَلَى نَفْسِهَا دُونَ

غَيْرِهَا .
وَإِنْ قَالَ : سَأَلَتْنِي طَلْقَةً بِأَلْفٍ فَقَالَتْ : بَلْ سَأَلْتُك ثَلَاثًا بِأَلْفٍ ، فَطَلَّقْتَنِي وَاحِدَةً .
بَانَتْ بِإِقْرَارٍ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي سُقُوطِ الْعِوَضِ .
وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، يَلْزَمُهَا ثُلْثُ الْأَلْفِ .
بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِيمَا إذَا قَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .
فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، أَنَّهُ يَلْزَمُهَا ثُلُثُ الْأَلْفِ ، وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى أَلْفٍ ، فَادَّعَى أَنَّهَا دَنَانِيرُ ، وَقَالَتْ : بَلْ هِيَ دَرَاهِمُ .
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ .
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : كَانَتْ دَرَاهِمَ قِرَاضِيَّةً .
وَقَالَ الْآخِرُ : مُطْلَقَةً .
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي حَكَاهَا الْقَاضِي ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ .
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لَزِمَ الْأَلْفُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ .
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَا دَرَاهِمَ قِرَاضِيَّةً ، لَزِمَهَا مَا اتَّفَقَتْ إرَادَتُهُمَا عَلَيْهِ .
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِرَادَةِ ، كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُطْلَقَةِ ، يَرْجِعُ إلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : إذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِرَادَةِ ، وَجَبَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا يَجْعَلُ الْبَدَلَ مَجْهُولًا ، فَيَجِبُ الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ أَطْلَقَا ، لَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ ، وَوَجَبَ الْأَلْفُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، وَلَمْ يَكُنْ إطْلَاقُهُمَا جَهَالَةً تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعِوَضِ ، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا ، وَلِأَنَّهُ يُجِيزُ الْعِوَضَ الْمَجْهُولَ إذَا لَمْ تَكُنْ جَهَالَتُهُ تَزِيدُ عَلَى جَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ ، كَعَبْدٍ مُطْلَقٍ وَبَعِيرٍ وَفَرَسٍ ، وَالْجَهَالَةُ هَا هُنَا أَقَلُّ ، فَالصِّحَّةُ أَوْلَى .

( 5812 ) فَصْلٌ : إذَا عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِصِفَةٍ ، ثُمَّ أَبَانَهَا بِخُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا ، وَوُجِدَتْ .
الصِّفَةُ ، طَلُقَتْ .
وَمِثَالُهُ إذَا قَالَ : إنْ كَلَّمْت أَبَاك فَأَنْتِ طَالِقٌ .
ثُمَّ أَبَانَهَا بِخُلْعٍ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، فَكَلَّمَتْ أَبَاهَا ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
فَأَمَّا إنْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، ثُمَّ وُجِدَتْ مَرَّةً أُخْرَى ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تَطْلُقُ .
وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ .
نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعِتْقِ ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلْت الدَّارَ .
فَبَاعَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ ، يَعْنِي فَاشْتَرَاهُ ، فَإِنْ رَجَعَ وَقَدْ دَخَلَ الدَّارَ لَمْ يَعْتِقْ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فَلَا يَدْخُلُ إذَا رَجَعَ إلَيْهِ ، فَإِنْ دَخَلَ عَتَقَ .
فَإِذَا نَصَّ فِي الْعِتْقِ عَلَى أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَعُودُ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الطَّلَاقِ مِثْلُهُ ، بَلْ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَتَشَوَّفُ الشَّرْعُ إلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيِّ : وَإِذَا قَالَ إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ .
لَمْ تَطْلُقْ إنْ تَزَوَّجَهَا .
وَلَوْ قَالَ : إنْ مَلَكْت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ .
فَمَلَكَهُ صَارَ حُرًّا .
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ .
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَعُودُ إذَا أَبَانَهَا بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ .
هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لُزُوجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ .
فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ ، ثُمَّ نَكَحَهَا الْحَالِفُ ، ثُمَّ دَخَلْت الدَّارَ ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ .
وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، لِأَنَّ إطْلَاقَ الْمِلْكِ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنْ أَبَانَهَا دُونَ الثَّلَاثِ فَوُجِدَتْ

الصِّفَةُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ فِي قَوْلِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ فِي الْبَيْنُونَةِ ، ثُمَّ نَكَحَهَا ، لَمْ تَنْحَلَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَأَحَدِ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ .
وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ : لَا تَعُودُ الصِّفَةُ بِحَالٍ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ ، وَأَبِي إِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ وُجِدَ قَبْلَ النِّكَاحِ فَلَمْ يَقَعْ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِالصِّفَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَأَجْنَبِيَّةٍ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا دَخَلْت الدَّارَ .
ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، وَدَخَلَتْ الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ .
وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .
فَأَمَّا إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ ، انْحَلَّتْ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُ الطَّلَاق فِيهِ ، فَسَقَطَتْ الْيَمِينُ ، وَإِذَا انْحَلَّتْ مَرَّةً ، لَمْ يُمْكِنْ عَوْدُهَا إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ .
وَلَنَا أَنَّ عَقَدَ الصِّفَةِ وَوُقُوعَهَا وُجِدَا فِي النِّكَاحِ ، فَيَقَعُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْهُ بَيْنُونَةٌ ، أَوْ كَمَا لَوْ بَانَتْ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَمْ تَفْعَلْ الصِّفَةَ .
وَقَوْلُهُمْ : أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ قَبْلَ نِكَاحٍ .
قُلْنَا : يَبْطُلُ بِمَا إذَا لَمْ يُكْمِلْ الثَّلَاثَ .
وَقَوْلُهُمْ : تَنْحَلُ الصِّفَةُ بِفِعْلِهَا .
قُلْنَا : إنَّمَا تَنْحَلُ بِفِعْلِهَا عَلَى وَجْهٍ يَحْنَثُ بِهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَمِينَ حُلَّ وَعُقِدَ ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ عَقْدَهَا يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ ، فَكَذَلِكَ حَلُّهَا ، وَالْحِنْثُ لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الصِّفَةِ حَالَ بَيْنُونَتِهَا ، فَلَا تَنْحَلُ الْيَمِينُ .
وَأَمَّا الْعِتْقُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّ الْعِتْقَ كَالنِّكَاحِ فِي أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَنْحَلُّ بِوُجُودِهَا بَعْدَ بَيْعِهِ ، فَيَكُونُ كَمَسْأَلَتِنَا .
وَالثَّانِيَةُ ، تَنْحَلُّ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ الثَّانِي لَا يُبْنَى عَلَى الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ .
وَفَارَقَ النِّكَاحَ ، فَإِنَّهُ يُبْنَى عَلَى الْأَوَّلِ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ ، وَهُوَ عَدَدُ الطَّلَاقِ ،

فَجَازَ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ فِي عَوْدِ الصِّفَةِ ، وَلِأَنَّ هَذَا يَفْعَلُ حِيلَةً عَلَى إبْطَالِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ ، وَالْحِيَلُ خِدَاعٌ لَا تُحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، فَإِنَّ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنَ بَطَّةَ رَوَيَا بِإِسْنَادِهِمَا ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَلْعَبُونَ بِحُدُودِ اللَّهِ ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِآيَاتِهِ : قَدْ طَلَّقْتُك ، قَدْ رَاجَعْتُك ، قَدْ طَلَّقْتُك } .
وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ : " خَالَعْتُكَ ، وَرَاجَعْتُك طَلَّقْتُك ، رَاجَعْتُك " وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ } .
( 5813 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الصِّفَةُ لَا تَعُودُ بَعْدَ النِّكَاحِ الثَّانِي ، مِثْلُ إنْ قَالَ : إنْ أَكَلْت هَذَا الرَّغِيفَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .
ثُمَّ أَبَانَهَا ، فَأَكَلَتْهُ ، ثُمَّ نَكَحَهَا ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ حِنْثَهُ بِوُجُودِ الصِّفَةِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي ، وَمَا وُجِدَتْ ، وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِأَكْلِهَا لَهُ حَالَ الْبَيْنُونَةِ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

كِتَابُ الطَّلَاقِ الطَّلَاقُ : حِلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ .
وَهُوَ مَشْرُوعٌ ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } .
وَقَالَ تَعَالَى { : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى { ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرٍ .
وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ الطَّلَاقِ ، وَالْعِبْرَةُ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِهِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا فَسَدَتْ الْحَالُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، فَيَصِيرُ بَقَاءُ النِّكَاحِ مَفْسَدَةً مَحْضَةً ، وَضَرَرًا مُجَرَّدًا بِإِلْزَامِ الزَّوْجِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى ، وَحَبْسِ الْمَرْأَةِ ، مَعَ سُوءِ الْعِشْرَةِ ، وَالْخُصُومَةِ الدَّائِمَةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ شَرْعَ مَا يُزِيلُ النِّكَاحَ ، لِتَزُولَ الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْهُ .
( 5814 ) فَصْلٌ : وَالطَّلَاقُ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ ؛ وَاجِبٌ ، وَهُوَ طَلَاقُ الْمُولِي بَعْدَ التَّرَبُّصِ إذَا أَبَى الْفَيْئَةَ ، وَطَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ ، إذَا رَأَيَا ذَلِكَ .
وَمَكْرُوهٌ ، وَهُوَ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : أَنَّهُ مُحَرَّمٌ ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ ، وَإِعْدَامٌ لِلْمَصْلَحَةِ الْحَاصِلَةِ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ ، فَكَانَ حَرَامًا ، كَإِتْلَافِ الْمَالِ ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .

وَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ مُبَاحٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ .
} وَفِي لَفْظٍ { : مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ الطَّلَاقِ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِنَّمَا يَكُونُ مُبْغَضًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَالًا ، وَلِأَنَّهُ مُزِيلٌ لِلنِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا ، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا .
وَالثَّالِثُ ، مُبَاحٌ ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِسُوءِ خُلُقِ الْمَرْأَةِ ، وَسُوءِ عِشْرَتِهَا ، وَالتَّضَرُّرِ بِهَا مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا .
وَالرَّابِعُ ، مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، وَهُوَ عِنْد تَفْرِيطِ الْمَرْأَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا ، مِثْلُ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا ، وَلَا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهَا عَلَيْهَا ، أَوْ تَكُونُ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ عَفِيفَةٍ .
قَالَ أَحْمَدُ : لَا يَنْبَغِي لَهُ إمْسَاكُهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا لِدِينِهِ ، وَلَا يَأْمَنُ إفْسَادَهَا لِفِرَاشِهِ ، وَإِلْحَاقَهَا بِهِ وَلَدًا لَيْسَ هُوَ مِنْهُ ، وَلَا بَأْسَ بِعَضْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا ؛ لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَاجِبٌ .
وَمِنْ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي حَالِ الشِّقَاقِ ، وَفِي الْحَالِ الَّتِي تُحْوِجُ الْمَرْأَةَ إلَى الْمُخَالَعَةِ لِتُزِيلَ عَنْهَا الضَّرَرَ .
وَأَمَّا الْمَحْظُورُ ، فَالطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ ، أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَكُلِّ الْأَعْصَارِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَيُسَمَّى طَلَاقَ الْبِدْعَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ خَالَفَ السُّنَّةَ ، وَتَرَكَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ

الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ } وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ { ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَهِيَ حَائِضٌ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُتْبِعَهَا بِتَطْلِيقَتَيْنِ آخِرَتَيْنِ عِنْدَ الْقُرْأَيْنِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا ابْنَ عُمَرَ ، مَا هَكَذَا أَمَرَك اللَّهُ ؛ إنَّك أَخْطَأْت السُّنَّةَ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ ، فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ .
} وَلِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ طَوَّلَ الْعِدَّةَ عَلَيْهَا ؛ فَإِنَّ الْحَيْضَةَ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا لَا تُحْسَبُ مِنْ عِدَّتِهَا ، وَلَا الطُّهْرَ الَّذِي بَعْدَهَا عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضَ ، وَإِذَا طَلَّقَ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ ، لَمْ يَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، فَيَنْدَمَ ، وَتَكُونَ مُرْتَابَةً لَا تَدْرِي أَتَعْتَدُّ بِالْحَمْلِ أَوْ الْأَقْرَاءِ ؟

( 5815 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَطَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَاحِدَةً ، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ) مَعْنَى طَلَاقِ السُّنَّةِ الطَّلَاقُ الَّذِي وَافَقَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَهُوَ الطَّلَاقُ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، ثُمَّ يَتْرُكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، أَنَّهُ مُصِيبٌ لِلسُّنَّةِ ، مُطَلِّقٌ لِلْعِدَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا .
قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ .
وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى { : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } .
وَقَالَ : طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ .
وَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ { : لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ } .
فَأَمَّا قَوْلُهُ : ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا .
فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُتْبِعُهَا طَلَاقًا آخِرَ قَبْلَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ ، كَانَ حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمَ جَمْعِ الثَّلَاثِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ .
قَالَ أَحْمَدُ : طَلَاقُ السُّنَّةِ وَاحِدَةٌ ، ثُمَّ يَتْرُكُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ .
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : السُّنَّةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا ، فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ .
وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ ، الْكُوفِيِّينَ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَاجِعْهَا ، ثُمَّ أَمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ .
} قَالُوا : وَإِنَّمَا أَمَرَهُ

بِإِمْسَاكِهَا فِي هَذَا الطُّهْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ طُهْرٌ كَامِلٌ ، فَإِذَا مَضَى وَمَضَتْ الْحَيْضَةُ الَّتِي بَعْدَهُ ، أَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ : " وَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ ، فَيُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ " .
وَرَوَى النَّسَائِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا تَطْلِيقَةً ، وَهِيَ طَاهِرٌ ، فِي غَيْرِ جِمَاعٍ ، فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ ، طَلَّقَهَا أُخْرَى ، فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَيْضَةِ .
وَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُطَلِّقُ أَحَدٌ لِلسُّنَّةِ فَيَنْدَمُ .
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .
وَهَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُطَلِّقْ ثَلَاثًا .
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ : لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ مِنْ الطَّلَاقِ ، مَا يُتْبِعُ رَجُلٌ نَفْسَهُ امْرَأَةً أَبَدًا ، يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً ، ثُمَّ يَدَعُهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثَةً ، فَمَتَى شَاءَ رَاجَعَهَا .
رَوَاهُ النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ .
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ طَاهِرٌ ، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، أَوْ يُرَاجِعَهَا إنْ شَاءَ .
فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ جَمْعُ الثَّلَاثِ ، وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخِرُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْد ارْتِجَاعِهَا ، وَمَتَى ارْتَجَعَ بَعْدَ الطَّلْقَةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ، كَانَ لِلسُّنَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، حَتَّى قَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَوْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ لَشَهْوَةٍ ، ثُمَّ وَالَى بَيْنَ الثَّلَاثِ ، كَانَ مُصِيبًا لِلسُّنَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُرْتَجَعًا لَهَا .
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ إذَا ارْتَجَعَهَا ، سَقَطَ حُكْمُ الطَّلْقَةِ الْأُولَى ، فَصَارَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ ، وَلَا غِنَى بِهِ عَنْ الطَّلْقَةِ الْأُخْرَى إذَا احْتَاجَ

إلَى فِرَاقِ امْرَأَتِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا ؛ فَإِنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا ، لِإِفْضَائِهَا إلَى مَقْصُودِهِ مِنْ إبَانَتِهَا ، فَافْتَرَقَا ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إرْدَافُ طَلَاقٍ مِنْ غَيْرِ ارْتِجَاعٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسُّنَّةِ ، كَجَمْعِ الثَّلَاثِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، وَتَحْرِيمُ الْمَرْأَةِ لَا يَزُولُ إلَّا بِزَوْجٍ وَإِصَابَةٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسُّنَّةِ ، كَجَمْعِ الثَّلَاثِ .

( 5816 ) فَصْلٌ : فَإِنْ طَلَّقَ لِلْبِدْعَةِ ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا حَائِضًا ، أَوْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ ، أَثِمَ ، وَوَقَعَ طَلَاقُهُ .
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ .
وَحَكَاهُ أَبُو نَصْرٍ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ ، وَهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ ، وَالشِّيعَةُ قَالُوا : لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ فِي قُبُلِ الْعِدَّةِ ، فَإِذَا طَلَّقَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَقَعَ ، كَالْوَكِيلِ إذَا أَوْقَعَهُ فِي زَمَنٍ أَمَرَهُ مُوَكِّلُهُ بِإِيقَاعِهِ فِي غَيْرِهِ .
وَلَنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَاجِعَهَا .
وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ { : فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَرَأَيْت لَوْ أَنِّي طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا ، أَكَانَ يَحِلُّ لِي أَنْ أُرَاجِعَهَا ؟ قَالَ : لَا ، كَانَتْ تَبِينُ مِنْك ، وَتَكُونُ مَعْصِيَةً .
} وَقَالَ نَافِعٌ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ، فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهِ ، وَرَاجَعَهَا كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قُلْت لِابْنِ عُمَرَ : أَفَتُعْتَدُّ عَلَيْهِ ، أَوْ تُحْتَسَبُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ أَرَأَيْت إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ ، وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ .
لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ فِي مَحَلِّ الطَّلَاقِ ، فَوَقَعَ ، كَطَلَاقِ الْحَامِلِ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبِهِ ، فَيَعْتَبِرُ لِوُقُوعِهِ مُوَافَقَةَ السُّنَّةِ ، بَلْ هُوَ إزَالَةُ عِصْمَةٍ ، وَقَطْعُ مِلْكٍ ، فَإِيقَاعُهُ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ أَوْلَى ، تَغْلِيظًا عَلَيْهِ ، وَعُقُوبَةً لَهُ ، أَمَّا غَيْرُ الزَّوْجِ ، فَلَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ ، وَالزَّوْجُ يَمْلِكُهُ بِمِلْكِهِ مَحَلَّهُ .

( 5817 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، لَأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُرَاجَعَتِهَا ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ ، وَلِأَنَّهُ بِالرَّجْعَةِ يُزِيلُ الْمَعْنَى الَّذِي حَرَّمَ الطَّلَاقَ .
وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّ الرَّجْعَةَ تَجِبُ .
وَاخْتَارَهَا .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَدَاوُد ؛ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي الْوُجُوبِ ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَجْرِي مَجْرَى اسْتِبْقَاءِ النِّكَاحِ ، وَاسْتِبْقَاؤُهُ هَاهُنَا وَاجِبٌ ؛ بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْسَاكٌ لِلزَّوْجَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى { : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } فَوَجَبَ ذَلِكَ كَإِمْسَاكِهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَدَاوُد : يُجْبَرُ عَلَى رَجْعَتِهَا .
قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ : يُجْبَرُ عَلَى رَجْعَتِهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ .
إلَّا أَشْهَبَ ، قَالَ : مَا لَمْ تَطْهُرْ ، ثُمَّ تَحِيضُ ، ثُمَّ تَطْهُرُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَجْعَتُهَا فِيهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ طَلَاقٌ لَا يَرْتَفِعُ بِالرَّجْعَةِ ، فَلَمْ تَجِبُ عَلَيْهِ الرَّجْعَةُ فِيهِ ، كَالطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَجِبُ .
حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى يَنْتَقِضُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ .
وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالرَّجْعَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
( 5818 ) فَصْلٌ : فَإِنْ رَاجَعَهَا ، وَجَبَ إمْسَاكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، وَاسْتُحِبَّ إمْسَاكُهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى ثُمَّ تَطْهُرَ ، عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهَا ، أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَكَادُ

تُعْلَمُ صِحَّتُهَا ؛ إلَّا بِالْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهُ الْمَبْغِيُّ مِنْ النِّكَاحِ ، وَلَا يَحْصُلُ الْوَطْءُ إلَّا فِي الطُّهْرِ ، فَإِذَا وَطِئَهَا حَرُمَ طَلَاقُهَا فِيهِ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ، وَاعْتَبَرْنَا مَظِنَّةَ الْوَطْءِ وَمَحَلَّهُ لَا حَقِيقَتَهُ ، وَمِنْهَا أَنَّ الطَّلَاقَ كُرِهَ فِي الْحَيْضِ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ ، فَلَوْ طَلَّقَهَا عَقِيبَ الرَّجْعَةِ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ ، كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَكَانَتْ تَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطْعَ حُكْمِ الطَّلَاقِ بِالْوَطْءِ ، وَاعْتُبِرَ الطُّهْرُ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْوَطْءِ ، فَإِذَا وَطِئَ حَرُمَ طَلَاقُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا ، حَتَّى إذَا طَهُرَتْ أُخْرَى ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا } .
رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .
وَمِنْهَا ، أَنَّهُ عُوقِبَ عَلَى إيقَاعِهِ فِي الْوَقْتِ الْمُحَرَّمِ بِمَنْعِهِ مِنْهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ .
وَذَكَرَ غَيْرَ هَذَا .
فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ، فَهُوَ طَلَاقُ سُنَّةٍ .
وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ : لَا يُطَلِّقُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ .
وَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى { : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ .
} وَهَذَا مُطَلِّقٌ لِلْعِدَّةِ ، فَيَدْخُلُ فِي الْأَمْرِ .
وَقَدْ رَوَى يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ .
وَلَمْ يَذْكُرُوا تِلْكَ الزِّيَادَةَ } .
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَنَّهُ طُهْرٌ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الثَّانِيَ ، وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى

الِاسْتِحْبَابِ .

( 5819 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، كَانَ أَيْضًا لِلسُّنَّةِ ، وَكَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَمْعِ الثَّلَاثِ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ .
اخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالشَّعْبِيِّ { ؛ لِأَنَّ عُوَيْمِرَ الْعَجْلَانِيَّ لَمَّا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ ، قَالَ : كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتهَا .
فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي ، فَبِتَّ طَلَاقِي } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، أَنَّ زَوْجَهَا أَرْسَلَ إلَيْهَا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَات .
وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ جَازَ تَفْرِيقُهُ ، فَجَازَ جَمْعُهُ ، كَطَلَاقِ النِّسَاءِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ طَلَاقُ بِدْعَةٍ ، مُحَرَّمٌ .
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَأَبُو حَفْصٍ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، .
قَالَ عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يُطَلِّقُ أَحَدٌ لِلسُّنَّةِ فَيَنْدَمُ .
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : يُطَلِّقُهَا وَاحِدَةً ، ثُمَّ يَدَعُهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثَ حَيْض ، فَمَتَى شَاءَ رَاجَعَهَا ، .
وَعَنْ ، عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا أُتِيَ بِرَجُلٍ طَلَّقَ ثَلَاثًا ، أَوْجَعَهُ ضَرْبًا .
وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : إنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا .
فَقَالَ : إنَّ عَمَّك عَصَى اللَّهَ ، وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ ، فَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ

مَخْرَجًا ، وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } إلَى قَوْلِهِ { : لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } .
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ { : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } { .
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } .
وَمَنْ جَمَعَ الثَّلَاثَ لَمْ يَبْقَ لَهُ أَمْرٌ يَحْدُثُ ، وَلَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا وَلَا مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا .
وَرَوَى النَّسَائِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ { : أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا ، فَغَضِبَ ، ثُمَّ قَالَ : أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ .
حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَقْتُلُهُ } وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا ؟ قَالَ : إذَا عَصَيْت رَبَّك ، وَبَانَتْ مِنْك امْرَأَتُك } .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ { : سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ ، فَغَضِبَ ، وَقَالَ : تَتَّخِذُونَ آيَاتِ اللَّهِ هُزْوًا ، أَوْ لَعِبًا ؟ مَنْ طَلَّقَ أَلْبَتَّةَ أَلْزَمْنَاهُ ثَلَاثًا ، لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } .
وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْبُضْعِ بِقَوْلِ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، فَحُرِّمَ كَالظِّهَارِ ، بَلْ هَذَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُهُ بِالتَّكْفِيرِ ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ لِلزَّوْجِ إلَى رَفْعِهِ بِحَالٍ ، وَلِأَنَّهُ ضَرَرٌ وَإِضْرَارٌ بِنَفْسِهِ وَبِامْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ ، وَرُبَّمَا كَانَ وَسِيلَةً إلَى عَوْدِهِ إلَيْهَا حَرَامًا ، أَوْ بِحِيلَةٍ لَا تُزِيلُ التَّحْرِيمَ ، وَوُقُوعِ النَّدَمِ ، وَخَسَارَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ مِنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ، الَّذِي ضَرَرُهُ بَقَاؤُهَا فِي الْعِدَّةِ أَيَّامًا يَسِيرَةً ،

أَوْ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ ، الَّذِي ضَرَرُهُ احْتِمَالُ النَّدَمِ بِظُهُورِ الْحَمْلِ ؛ فَإِنَّ ضَرَرَ جَمْعِ الثَّلَاثِ يَتَضَاعَفُ عَلَى ذَلِكَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ، فَالتَّحَرِّي ثَمَّ تَنْبِيهٌ عَلَى التَّحْرِيمِ هَاهُنَا ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا فِي عَصْرِهِمْ خِلَافُ قَوْلِهِمْ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إجْمَاعًا .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَغَيْرُ لَازِمٍ ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِالطَّلَاقِ ، فَإِنَّهَا وَقَعَتْ بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِمَا .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ .
ثُمَّ إنَّ اللِّعَانَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا ، فَالطَّلَاقُ بَعْدَهُ كَالطَّلَاقِ بَعْدَ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِالرَّضَاعِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ إنَّمَا حَرُمَ لِمَا يَعْقُبُهُ مِنْ النَّدَمِ ، وَيَحْصُلُ بِهِ مِنْ الضَّرَرِ ، وَيَفُوتُ عَلَيْهِ مِنْ حِلِّ نِكَاحِهَا ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ اللِّعَانِ ، لِحُصُولِهِ بِاللِّعَانِ ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ لَمْ يَقَعْ فِيهَا جَمْعُ الثَّلَاثِ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونُ مُقِرًّا عَلَيْهِ ، وَلَا حَضَرَ الْمُطَلِّقُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِ .
عَلَى أَنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ ، قَدْ جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ لَهَا مِنْ طَلَاقِهَا ، وَحَدِيثُ امْرَأَةِ رُفَاعَةَ جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ جَمْعُ الثَّلَاثِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي أَنَّ الِاخْتِيَارَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً ، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، إلَّا مَا حَكَيْنَا مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يُطَلِّقُهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَمُوَافَقَةً لِقَوْلِ السَّلَفِ .
وَأَمْنًا مِنْ النَّدَمِ ، فَإِنَّهُ

مَتَى نَدِمَ رَاجَعَهَا ، فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فَلَهُ نِكَاحُهَا .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : إنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ : لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ مِنْ الطَّلَاقِ ، مَا يُتْبِعُ رَجُلٌ نَفْسَهُ امْرَأَةً أَبَدًا ، يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً ثُمَّ يَدَعُهَا ، مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثًا ، فَمَتَى شَاءَ رَاجَعَهَا .
رَوَاهُ النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ ، فَلْيُمْهِلْ ، حَتَّى إذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ ، طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً فِي غَيْرِ جِمَاعٍ ، ثُمَّ يَدَعُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَلَا يُطَلِّقْهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ ، فَيَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا وَأَجْرَ رَضَاعِهَا ، وَيَنْدَمُهُ اللَّهُ ، فَلَا يَسْتَطِيعُ إلَيْهَا سَبِيلًا .

( 5820 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَقَعَ الثَّلَاثُ ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَبْلِ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَسٍ .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ .
وَكَانَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، يَقُولُونَ : مَنْ طَلَّقَ الْبِكْرَ ثَلَاثَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ .
وَرَوَى طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ { : كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، خِلَافَ رِوَايَةِ طَاوُسٍ ، أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد .
وَأَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ عَنْهُ طَاوُسٌ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ : أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : { طَلَّقَ بَعْضُ آبَائِي امْرَأَتَهُ أَلْفًا ، فَانْطَلَقَ بَنُوهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أَبَانَا طَلَّقَ أُمَّنَا أَلْفًا ، فَهَلْ لَهُ مَخْرَجٌ ؟ فَقَالَ : إنَّ أَبَاكُمْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ مَخْرَجًا ، بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ ، وَتِسْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ إثْمًا فِي عُنُقِهِ } .
وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِلْكٌ يَصِحُّ إزَالَتُهُ مُتَفَرِّقًا ، فَصَحَّ مُجْتَمِعًا ، كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ .
فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَدْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ بِخِلَافِهِ ، وَأَفْتَى أَيْضًا بِخِلَافِهِ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِأَيِّ شَيْءٍ تَدْفَعُهُ ؟ فَقَالَ :

أَدْفَعُهُ بِرِوَايَةِ النَّاسِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ خِلَافَهُ .
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عِدَّةٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ ، أَنَّهَا ثَلَاثٌ .
وَقِيلَ : مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُطَلِّقُونَ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ عُمَرُ مَا كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَلَا يَسُوغُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يَرْوِيَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُفْتِيَ بِخِلَافِهِ .

فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ فِي طُهْرٍ ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَهُوَ لِلسُّنَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْهَا عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَسُدَّ عَلَى نَفْسِهِ الْمَخْرَجَ مِنْ النَّدَمِ ، وَلَكِنَّهُ تَرَكَ الِاخْتِيَارَ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ طَلْقَةً جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَحْصُلُ بِهَا ، فَكَانَ مَكْرُوهًا ، كَتَضْيِيعِ الْمَالِ .

( 5822 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .
وَكَانَتْ حَامِلًا أَوْ طَاهِرًا لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ ، فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا ، لَزِمَهَا الطَّلَاقُ إذَا طَهُرَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَة مُجَامَعَةً فِيهِ ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، لَزِمَهَا الطَّلَاقُ ) .
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .
فَمَعْنَاهُ فِي وَقْتِ السُّنَّةِ ، فَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا غَيْرَ مُجَامَعَةٍ فِيهِ ، فَهُوَ وَقْتُ السُّنَّةِ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ حَامِلًا .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحَمْلَ طَلَاقُهَا لِلسُّنَّةِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ : { ثُمَّ لِيُطَلِّقَهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا } .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .
فَأَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ أَوْ فِي الْحَمْلِ ، فَطَلَاقُ السُّنَّةِ مَا وَافَقَ الْأَمْرَ ، وَلِأَنَّ مُطَلِّقَ الْحَامِلِ الَّتِي اسْتَبَانَ حَمْلُهَا قَدْ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ ، فَلَا يَخَافُ ظُهُورَ أَمْرٍ يَتَجَدَّدُ بِهِ النَّدَمُ ، وَلَيْسَتْ مُرْتَابَةً ؛ لِعَدَمِ اشْتِبَاهِ الْأَمْرِ عَلَيْهَا ، فَإِذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .
فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ ، طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِصِفَتِهَا ، فَوَقَعَتْ فِي الْحَالِ .
وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لَحَائِضٍ ، لَمْ تَقَعْ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهَا طَلَاقُ بِدْعَةٍ .
لَكِنْ إذَا طَهُرَتْ طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ حِينَئِذٍ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي النَّهَارِ .
فَإِنْ كَانَتْ فِي النَّهَارِ طَلُقَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي اللَّيْلِ طَلُقَتْ إذَا جَاءَ النَّهَارُ .
وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ ، لَمْ يَقَعْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ وَالْحَيْضَ بَعْدَهُ زَمَانُ بِدْعَةٍ ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، طَلُقَتْ حِينَئِذٍ ، لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ .
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي

حَنِيفَةَ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .
فَإِنْ أَوْلَجَ فِي آخِرِ الْحَيْضَةِ ، وَاتَّصَلَ بِأَوَّلِ الطُّهْرِ ، أَوْ أَوْلَجَ مَعَ أَوَّلِ الطُّهْرِ ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ ، لَكِنْ مَتَى جَاءَ طُهْرٌ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ ، طَلُقَتْ فِي أَوَّلِهِ .
وَهَذَا كُلُّهُ .
مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .
( 5823 ) فَصْلٌ : إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضِ فَقَدْ دَخَلَ زَمَانُ السُّنَّةِ ، وَيَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقُ السُّنَّةِ وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ .
كَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ .
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ طَهُرَتْ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِدُونِ أَكْثَرِهِ ، لَمْ يَقَعْ حَتَّى تَغْتَسِلَ ، أَوْ تَتَيَمَّمَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَتُصَلِّيَ ، أَوْ يَخْرُجَ عَنْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يُوجَدْ ، فَمَا حَكَمْنَا بِانْقِطَاعِ حَيْضِهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهَا طَاهِرٌ .
فَوَقَعَ بِهَا طَلَاقُ السُّنَّةِ ، كَاَلَّتِي طَهُرَتْ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا طَاهِرٌ ، أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ ، وَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ ، وَيَصِحُّ مِنْهَا ، وَتُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهَا ، وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { فَإِذَا طَهُرَتْ ، طَلَّقَهَا إنْ شَاءَ } .
وَمَا قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّنَا لَوْ لَمْ نَحْكُمْ بِالطُّهْرِ ، لَمَا أَمَرْنَاهَا بِالْغُسْلِ ، وَلَا صَحَّ مِنْهَا .

( 5824 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ .
وَهِيَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُصِيبَهَا أَوْ تَحِيضَ ) .
هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَكْسُ تِلْكَ ؛ فَإِنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِأَنَّهَا لِلْبِدْعَةِ ، إنْ قَالَ ذَلِكَ لَحَائِضٍ أَوْ طَاهِرٍ مُجَامَعَةٍ فِيهِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِصِفَتِهَا .
وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، لَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ ، فَإِذَا حَاضَتْ طَلُقَتْ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْحَيْضِ ، وَإِنْ أَصَابَهَا طَلُقَتْ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ ، فَإِنْ نَزَعَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ أَوْلَجَ بَعْدَ النَّزْعِ ، فَقَدْ وَطِئَ مُطَلَّقَتَهُ ، وَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِ ذَلِكَ .
وَإِنْ أَصَابَهَا ، وَاسْتَدَامَ ذَلِكَ ، فَسَنَذْكُرُهَا أَيْضًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا بَعْدُ .

( 5825 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لَطَاهِرٍ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ فِي الْحَالِ .
فَقَدْ قِيلَ : إنَّ الصِّفَةَ تَلْغُو ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ ، فَلَغَتْ الصِّفَةُ دُونَ الطَّلَاقِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ فِي الْحَالِ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ ، فَانْصَرَفَ الْوَصْفُ بِالْبِدْعَةِ إلَيْهِ ، لِتَعَذُّرِ صِفَةِ الْبِدْعَةِ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى .
وَإِنْ قَالَ لِحَائِضٍ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فِي الْحَالِ ، لَغَتْ الصِّفَةُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ ، وَثَلَاثًا لِلْبِدْعَةِ .
طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي الْحَالِ ، بِنَاءً عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .

( 5826 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ .
فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا إنْ كَانَتْ طَاهِرًا طُهْرًا غَيْرَ مُجَامَعَةٍ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا إذَا طَهُرَتْ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : هَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا : إنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ يَكُونُ سُنَّةً ، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَإِذَا طَهُرَتْ طَلُقَتْ وَاحِدَةً ، وَتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فِي نِكَاحَيْنِ آخَرَيْنِ ، أَوْ بَعْدَ رَجْعَتَيْنِ .
وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ .
قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : يَقَعُ عَلَيْهَا السَّاعَةَ وَاحِدَةٌ ، فَلَوْ رَاجَعَهَا تَقَعُ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى ، وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى أُخْرَى .
وَمَا يُعْجِبُنِي قَوْلُهُمْ هَذَا .
فَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ سُنَّةٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَوْقَعَهَا لِوَصْفِهِ الثَّلَاثَ بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ فَأَلْغَى الصِّفَةَ ، وَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِحَائِضٍ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي الْحَالِ لِلسُّنَّةِ .
وَقَدْ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ، قَالَ : يَقَعُ عَلَيْهَا الثَّلَاثُ ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ : لِلسُّنَّةِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقَعُ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَات الْأَشْهُرِ وَقَعَ فِي كُلِّ شَهْرٍ طَلْقَةٌ .
وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ السُّنَّةَ تَفْرِيقُ الثَّلَاثِ عَلَى الْأَطْهَارِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ جَمْعِ الثَّلَاثِ .
إنْ قَالَ : أَرَدْت بِقَوْلِي : لِلسُّنَّةِ إيقَاعَ وَاحِدَةٍ فِي الْحَالِ ، وَاثْنَتَيْنِ فِي نِكَاحَيْنِ آخَرَيْنِ .
قُبِلَ مِنْهُ ، وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنْ يَقَعَ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ .
قُبِلَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرِيدَهُ .
وَقَالَ

أَصْحَابُنَا : يَدِينُ .
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ : أَحَدُهُمَا لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسُنَّةٍ .
وَالثَّانِي ، يُقْبَلُ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا .
فَإِنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ ، فَقَالَ : سَبَقَ لِسَانِي إلَى قَوْلِ : لِلسُّنَّةِ ، وَلَمْ أُرِدْهُ ، وَإِنَّمَا أَرَدْت الْإِيقَاعَ فِي الْحَالِ .
وَقَعَ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِإِيقَاعِهَا ، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِمَا يُوقِعُهَا ، قُبِلَ مِنْهُ .

( 5827 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ ، وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ .
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ طَلْقَتَيْنِ وَتَأَخَّرْت الثَّالِثَةُ إلَى الْحَالِ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْحَالَيْنِ ، فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً فَيَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ ثُمَّ يَكْمُلُ النِّصْفُ ؛ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ لَا يَتَبَعَّضُ ، فَيَقَعُ طَلْقَتَانِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَةٌ ، وَتَتَأَخَّرَ اثْنَتَانِ إلَى الْحَالِ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ يَقَعُ عَلَى مَا دُونَ الْكُلِّ ، وَيَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ مِنْ ذَلِكَ وَالْكَثِيرَ ، فَيَقَعُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَمَا زَادَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ ، فَيَتَأَخَّرُ إلَى الْحَالِ الْأُخْرَى .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا يَقَعُ مِنْ كُلِّ طَلْقَةٍ بَعْضُهَا ، ثُمَّ تَكْمُلُ ، فَيَقَعُ الثَّلَاثُ ؟ قُلْنَا : مَتَى أَمْكَنَتْ الْقِسْمَةُ مِنْ غَيْرِ تَكْسِيرٍ ، وَجَبَ الْقِسْمَةُ عَلَى الصِّحَّةِ .
وَإِنْ قَالَ : نِصْفُهُنَّ لِلسُّنَّةِ ، وَنِصْفُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ .
وَقَعَ فِي الْحَالِ طَلْقَتَانِ ، وَتَأَخَّرَتْ الثَّالِثَةُ .
وَإِنْ قَالَ : طَلْقَتَانِ لِلسُّنَّةِ ، وَوَاحِدَةٌ لِلْبِدْعَةِ ، أَوْ طَلْقَتَانِ لِلْبِدْعَةِ ، وَوَاحِدَةٌ لِلسُّنَّةِ .
فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ .
وَإِنْ أَطْلَقَ ، ثُمَّ قَالَ : نَوَيْت ذَلِكَ .
فَإِنْ فَسَّرَ نِيَّتَهُ بِمَا يُوقِعُ فِي الْحَالِ طَلْقَتَيْنِ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ .
وَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا يُوقِعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً ، وَيُؤَخِّرُ اثْنَتَيْنِ ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَظْهَرُهُمَا ، أَنَّهُ يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، فَمَا فَسَّرَ كَلَامَهُ بِهِ لَا يُخَالِفُ الْحَقِيقَةَ ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ .
وَالثَّانِي ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِأَخَفِّ مِمَّا يَلْزَمُهُ حَالَةَ الْإِطْلَاق .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوِ هَذَا .
فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ، بَعْضُهَا

لِلسُّنَّةِ .
وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ ، احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا لِلْبِدْعَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ إلَّا وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَ الْحَالَيْنِ ، وَالْبَعْضُ لَا يَقْتَضِي النِّصْفَ ، فَتَقَعُ الْوَاحِدَةُ ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ ، وَالزَّائِدُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ بَعْضُهَا لِلسُّنَّةِ وَبَاقِيهَا لِلْبِدْعَةِ ، أَوْ سَائِرُهَا لِلْبِدْعَةِ .

( 5828 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ .
فَقَدِمَ وَهِيَ حَائِضٌ ، طَلُقَتْ لِلْبِدْعَةِ ، وَلَمْ يَأْثَمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ لِلسُّنَّةِ .
فَقَدِمَ فِي زَمَانِ السُّنَّةِ ، طَلُقَتْ .
وَإِنْ قَدِمَ فِي زَمَانِ الْبِدْعَةِ ، لَمْ يَقَعْ ، حَتَّى إذَا صَارَتْ إلَى زَمَانِ السُّنَّةِ وَقَعَ ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ حِينَ قَدِمَ زَيْدٌ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِقُدُومِ زَيْدٍ عَلَى صِفَةٍ ، فَلَا يَقَعُ إلَّا عَلَيْهَا .
وَإِنْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ .
قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، طَلُقَتْ عِنْدَ قُدُومِهِ ، حَائِضًا كَانَتْ أَوْ طَاهِرًا ؛ لِأَنَّهَا لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ .
وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا ، وَهِيَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، طَلُقَتْ .
وَإِنْ قَدِمَ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَجِيءَ زَمَنُ السُّنَّةِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِمَّنْ لِطَلَاقِهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ .
وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ لِلسُّنَّةِ .
فَكَانَ رَأْسُ الشَّهْرِ فِي زَمَانِ السُّنَّةِ ، وَقَعَ ، وَإِلَّا وَقَعَ إذَا جَاءَ زَمَانُ السُّنَّةِ .

( 5829 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ لَهَا ، وَهِيَ حَائِضٌ ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .
طَلُقَتْ مِنْ وَقْتِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِيهِ وَلَا بِدْعَةَ ) قَالَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ إنَّمَا هُوَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا ، أَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا ، فَلَيْسَ لِطَلَاقِهَا سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ ، إلَّا فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَات الْأَقْرَاءِ إنَّمَا كَانَ لَهُ سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَطُولُ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ، وَتَرْتَابُ بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ ، وَيَنْتَفِي عَنْهَا الْأَمْرَانِ بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الَّذِي لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ ، أَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا تَنْفِي تَطْوِيلَهَا أَوْ الِارْتِيَابَ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ ذَوَاتُ الْأَشْهُرِ ؛ كَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ ، وَالْآيِسَاتِ مِنْ الْمَحِيضِ لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهِنَّ وَلَا بِدْعَةَ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَطُولُ بِطَلَاقِهَا فِي حَالٍ ، وَلَا تَحْمِلُ فَتَرْتَابُ .
وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ الَّتِي اسْتَبَانَ حَمْلُهَا ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُنَّ لَيْسَ لَطَلَاقِهِنَّ سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ مِنْ جِهَةِ الْوَقْتِ ، فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .
فَإِذَا قَالَ لِإِحْدَى هَؤُلَاءِ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ .
وَقَعَتْ الطَّلْقَةُ فِي الْحَالِ ، وَلَغَتْ الصِّفَةُ ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهَا لَا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .
وَلَمْ يَزِدْ .
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ .
أَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ .
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِصِفَتِهَا .
وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنْ يَكُونَ لِلْحَامِلِ طَلَاقُ سُنَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقُ أُمِرَ بِهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا

طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا " .
وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ .
يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ .
وَلِأَنَّهَا فِي حَالٍ انْتَقَلَتْ إلَيْهَا بَعْدَ زَمَنِ الْبِدْعَةِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْهَا إلَى زَمَانِ الْبِدْعَةِ ، فَكَانَ طَلَاقُهَا طَلَاقَ سُنَّةٍ ، كَالطَّاهِرِ مِنْ الْحَيْضِ مِنْ غَيْرِ مُجَامَعَةٍ .
وَيَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ .
لَمْ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ ، فَإِذَا وَضَعْت الْحَمْلَ طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّ النِّفَاسَ زَمَانُ بِدْعَةٍ ، كَالْحَيْضِ .

( 5830 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لَصَغِيرَةٍ أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ .
ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت إذَا حَاضَتْ الصَّغِيرَةُ ، أَوْ أُصِيبَتْ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا .
أَوْ قَالَ لَهُمَا : أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ لِلسُّنَّةِ .
وَقَالَ : أَرَدْت طَلَاقَهُمَا فِي زَمَنٍ يَصِيرُ طَلَاقُهُمَا فِيهِ لِلسُّنَّةِ .
دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُقْبَلُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .
ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت إذَا دَخَلْت الدَّارَ .
وَالثَّانِي : يُقْبَلُ .
وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ ، فَقُبِلَ : كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَنْتِ طَالِقٌ .
وَقَالَ : أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا .

( 5831 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ لَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .
فَيَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ طَلَاقَهَا بِأَنَّهُ لِلسُّنَّةِ فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ لَهُ ، فَإِذَا صَارَتْ آيِسَةً ، فَلَيْسَ لِطَلَاقِهَا سُنَّةٌ ، فَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ ، فَلَا يَقَعَ .
وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا ، لَمْ يَقَعْ أَيْضًا ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ طَلَاقَ الْحَامِلِ طَلَاقَ سُنَّةٍ ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ ، كَمَا لَوْ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ .

( 5832 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً .
وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرْءِ ، وَقَعَ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ .
فَإِنْ كَانَتْ فِي الْقُرْءِ ، وَقَعَتْ بِهَا وَاحِدَةٌ فِي الْحَالِ ، وَوَقَعَ بِهَا طَلْقَتَانِ فِي قُرْأَيْنِ آخَرَيْنِ فِي أَوَّلِهِمَا ، سَوَاءٌ قُلْنَا : الْقُرْءُ الْحَيْضُ أَوْ الْأَطْهَارُ .
وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، إلَّا أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا تَبِينُ بِالطَّلْقَةِ الْأُولَى ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا ، وَقَعَ بِهَا فِي الْقُرْءِ الثَّانِي طَلْقَةٌ أُخْرَى .
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الثَّالِثَةِ .
وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً ، وَقُلْنَا : الْقُرْءُ الْحَيْضُ .
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ ، فَتَطْلُقُ فِي كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةً .
وَإِنْ قُلْنَا : الْقُرْءُ الْأَطْهَارُ .
احْتَمَلَ أَنْ تَطْلُقَ فِي الْحَالِ وَاحِدَةً ، ثُمَّ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ فَتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ فِي الطُّهْرِ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ قَبْلَ الْحَيْضِ كُلَّهُ قُرْءٌ وَاحِدٌ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَطْلُقَ حَتَّى تَطْهُرَ بَعْدَ الْحَيْضِ ؛ لِأَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ حَاضَتْ الصَّغِيرَةُ فِي عِدَّتِهَا ، لَمْ تَحْتَسِبْ بِالطُّهْرِ الَّذِي قَبْلَ الْحَيْضِ مِنْ عِدَّتِهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .
وَالْحُكْمُ فِي الْحَامِلِ كَالْحُكْمِ فِي الصَّغِيرَةِ ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْحَمْلِ كُلَّهُ قُرْءٌ وَاحِدٌ ، فِي أَحَدٍ الْوَجْهَيْنِ ، إذَا قُلْنَا : الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ .
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، لَيْسَ بِقُرْءٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً ، فَقَالَ الْقَاضِي : تَطْلُقُ وَاحِدَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِصِفَةِ تَسْتَحِيلُ فِيهَا ، فَلَغَتْ وَوَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ .
وَإِذَا طَلُقَتْ الْحَامِلُ فِي حَالِ حَمْلِهَا ، بَانَتْ بِوَضْعِهِ ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي بِهِ ، فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقٌ آخَرُ .
فَإِنْ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَهَا ، أَوْ رَاجَعَهَا قَبْلَ وَضْعِ حَمْلِهَا ، ثُمَّ طَهُرَتْ مِنْ النِّفَاسِ ،

طَلُقَتْ أُخْرَى ، ثُمَّ إذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ ، وَقَعَتْ الثَّالِثَةُ .

( 5833 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ ، إنْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ عَلَيْك لِلسُّنَّةِ .
وَهِيَ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ ، طَلُقَتْ بِوُجُودِ الصِّفَةِ .
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ ، انْحَلَّتْ الصِّفَةُ ، وَلَمْ يَقَعْ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا وُجِدَ .
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ ، إنْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ عَلَيْك لِلْبِدْعَةِ .
إنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ ، وَقَعَ ، وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ بِحَالٍ .
فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهَا احْتِمَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَقَعُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ مَا وُجِدَتْ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، إنْ كُنْت هَاشِمِيَّةً .
وَلَمْ تَكُنْ هَاشِمِيَّةً .
وَالثَّانِي ، تَطْلُقُ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لِوُقُوعِ الطَّلْقَةِ شَرْطًا مُسْتَحِيلًا ، فَلَغَى ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .
وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ .
وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .

( 5834 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ ، أَوْ أَجْمَلَهُ ، أَوْ أَعْدَلَهُ ، أَوْ أَكْمَلَهُ ، أَوْ أَتَمَّهُ ، أَوْ أَفْضَلَهُ ، أَوْ قَالَ : طَلْقَةً حَسَنَةً ، أَوْ جَمِيلَةً ، أَوْ عِدْلَةً أَوْ سُنِّيَّةً .
كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِبَارَةً عَنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إذَا قَالَ : أَعْدَلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَحْسَنَهُ ، وَنَحْوَهُ ، كَقَوْلِنَا .
وَإِنْ قَالَ : طَلْقَةً سُنِّيَّةً أَوْ عِدْلَةً .
وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَّصِفُ بِالْوَقْتِ ، وَالسُّنَّةُ وَالْبِدْعَةُ وَقْتٌ ، فَإِذَا وَصَفَهَا بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ ، سَقَطْت الصِّفَةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً .
أَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوَالْبِدْعَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ ، وَيَصِحُّ وَصْفُ الطَّلَاقِ بِالسُّنَّةِ وَالْحُسْنِ ؛ لِكَوْنِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ ، مُطَابِقًا لِلشَّرْعِ ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ : أَحْسَنَ الطَّلَاقِ .
وَفَارَقَ قَوْلَهُ : طَلْقَةً رَجْعِيَّةً ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي عِدَّةٍ ، وَلَا عِدَّةَ لَهَا ، فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ .
فَإِنْ قَالَ : نَوَيْت بِقَوْلِي : أَعْدَلَ الطَّلَاقِ .
وُقُوعَهُ فِي حَالِ الْحَيْضِ ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِأَخْلَاقِهَا الْقَبِيحَةِ ، وَلَمْ أُرِدْ الْوَقْتَ .
وَكَانَتْ فِي الْحَيْضِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ .
وَإِنْ كَانَتْ فِي حَالِ السُّنَّةِ ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
( 5835 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَكَسَ ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ ، وَأَسْمَجَهُ ، أَوْ أَفْحَشَهُ ، أَوْ أَنْتَنَهُ ، أَوْ أَرْدَأَهُ .
حُمِلَ عَلَى طَلَاقِ الْبِدْعَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي وَقْتِ الْبِدْعَةِ ، وَإِلَّا وَقَفَ عَلَى مَجِيءِ زَمَانِ الْبِدْعَةِ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَقَعُ ثَلَاثًا ، إنَّ قُلْنَا : إنَّ جَمْعَ

الثَّلَاثِ بِدْعَةٌ .
وَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ فِي وَقْتِ الْبِدْعَةِ ؛ لِيَكُونَ جَامِعًا لِبِدْعَتَيْ الطَّلَاقِ ، فَيَكُونُ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ .
وَإِنْ نَوَى بِذَلِكَ غَيْرَ طَلَاقِ الْبِدْعَةِ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : إنَّمَا أَرَدْت أَنَّ طَلَاقَك أَقْبَحُ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّك لَا تَسْتَحِقِّينَهُ ؛ لِحُسْنِ عِشْرَتِك ، وَجَمِيلِ طَرِيقَتِك .
وَقَعَ فِي الْحَالِ .
وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت بِذَلِكَ طَلَاقَ السُّنَّةِ ، لِيَتَأَخَّرَ الطَّلَاقُ عَنْ نَفْسِهِ إلَى زَمَنِ السُّنَّةِ .
لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يَحْتَمِلُهُ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً ، فَاحِشَةً جَمِيلَةً ، تَامَّةً نَاقِصَةً .
وَقَعَ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِصِفَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ ، فَلَغِيَا ، وَبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ .
فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهَا حَسَنَةٌ لِكَوْنِهَا فِي زَمَانِ السُّنَّةِ ، وَقَبِيحَةٌ لِإِضْرَارِهَا بِك .
أَوْ قَالَ أَرَدْت أَنَّهَا حَسَنَةٌ لِتَخْلِيصِي مِنْ شَرِّك وَسُوءِ خُلُقِك ، وَقَبِيحَةٌ لِكَوْنِهَا فِي زَمَانِ الْبِدْعَةِ .
وَكَانَ ذَلِكَ يُؤَخِّرُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَنْهُ ، دُيِّنَ وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ .

( 5836 ) فَصْلِ : فَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْحَرَجِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ الضَّيِّقُ وَالْإِثْمُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : طَلَاقُ الْإِثْم ، وَطَلَاقُ الْبِدْعَةِ طَلَاقُ إثْمٍ .
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَقَعُ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ الضَّيِّقُ ، وَاَلَّذِي يُضَيِّقُ عَلَيْهِ ، وَيَمْنَعُهُ الرُّجُوعَ إلَيْهَا ، وَيَمْنَعُهَا الرُّجُوعَ إلَيْهِ ، هُوَ الثَّلَاثُ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ ، وَفِيهِ إثْمٌ ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأَمْرَانِ : الضَّيِّقُ وَالْإِثْمُ .
وَإِنْ قَالَ : طَلَاقَ الْحَرَجِ وَالسُّنَّةِ .
كَانَ كَقَوْلِهِ : طَلَاقَ الْبِدْعَةِ وَالسُّنَّةِ .

( 5837 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَطَلَاقُ الزَّائِلِ الْعَقْلُ بِلَا سُكْرٍ ، لَا يَقَعُ ) .
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْعِلْمِ أَنَّ الزَّائِلَ الْعَقْلُ بِغَيْرِ سُكْرٍ ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ .
كَذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَقَتَادَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ فِي حَالِ نَوْمِهِ ، لَا طَلَاقَ لَهُ .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنْ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ .
} وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ ، إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ .
} رَوَاهُ النَّجَّادُ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانَ ، وَهُوَ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ .
وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ .
وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْعَقْلُ ، كَالْبَيْعِ .
وَسَوَاءٌ زَالَ عَقْلُهُ لَجُنُونٍ ، أَوْ إغْمَاءٍ ، أَوْ نَوْمٍ ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ ، أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ ، أَوْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ شُرْبُهُ ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُزِيلٌ لِلْعَقْلِ ، فَكُلُّ هَذَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .
فَأَمَّا إنْ شَرِبَ الْبَنْجَ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُزِيلُ عَقْلَهُ ، عَالِمًا بِهِ ، مُتَلَاعِبًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ السَّكْرَانِ فِي طَلَاقِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يَقَع طَلَاقُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَذُّ بِشُرْبِهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ زَالَ عَقْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ ، فَأَشْبَهَ السَّكْرَانَ .

( 5838 ) فَصْلِ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا طَلَّقَ ، فَلَمَّا أَفَاقَ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِذَلِكَ ، فَقَالَ : إذَا كَانَ ذَاكِرًا لِذَلِكَ ، فَلَيْسَ هُوَ مُغْمَى عَلَيْهِ ، يَجُوزُ طَلَاقُهُ .
وَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، فِي الْمَجْنُونِ يُطَلِّقُ ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَمَا أَفَاقَ : إنَّك طَلَّقْت امْرَأَتَك .
فَقَالَ : أَنَا أَذْكُرُ أَنِّي طَلَّقْت ، وَلَمْ يَكُنْ عَقْلِي مَعِي .
فَقَالَ : إذَا كَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ طَلَّقَ ، فَقَدْ طَلُقَتْ .
فَلَمْ يَجْعَلْهُ مَجْنُونًا إذَا كَانَ يَذْكُرُ الطَّلَاقَ ، وَيَعْلَمُ بِهِ .
وَهَذَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، فِي مَنْ جُنُونُهُ بِذَهَابِ مَعْرِفَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَبُطْلَانِ حَوَاسِّهِ ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ جُنُونُهُ لِنُشَافٍ أَوْ كَانَ مبرسما ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حُكْمُ تَصَرُّفِهِ ، مَعَ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ غَيْرُ ذَاهِبَةٍ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَلَا يَضُرُّهُ ذِكْرُهُ لِلطَّلَاقِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 5839 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي السَّكْرَانِ رِوَايَاتٌ ؛ رِوَايَةٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ .
وَرِوَايَةٌ لَا يَقَعُ .
وَرِوَايَةٌ يَتَوَقَّفُ عَنْ الْجَوَابِ ، وَيَقُولُ : قَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا التَّوَقُّفُ عَنْ الْجَوَابِ ، فَلَيْسَ بِقَوْلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ ، إنَّمَا هُوَ تَرْكٌ لِلْقَوْلِ فِيهَا ، وَتَوَقُّفٌ عَنْهَا ، لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِيهَا ، وَإِشْكَالِ دَلِيلِهَا .
وَيَبْقَى فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَقَعُ طَلَاقُهُ .
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ ، وَالْقَاضِي .
وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، وَالْحَكَمِ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَيْهِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ ، إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ .
} وَمِثْلُ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : طَلَاقُ السَّكْرَانِ جَائِزٌ ، إنْ رَكِبَ مَعْصِيَةً مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ نَفَعَهُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَعَلُوهُ كَالصَّاحِي فِي الْحَدِّ بِالْقَذْفِ ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَبُو وَبَرَةَ الْكَلْبِيُّ ، قَالَ : أَرْسَلَنِي خَالِدٌ إلَى عُمَرَ ، فَأَتَيْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَمَعَهُ عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَطَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ ، فَقُلْت : إنَّ خَالِدًا يَقُولُ : إنَّ النَّاسَ انْهَمَكُوا فِي الْخَمْرِ ، وَتَحَاقَرُوا الْعُقُوبَةَ .
فَقَالَ عُمَرُ : هَؤُلَاءِ عِنْدَك فَسَلْهُمْ .
فَقَالَ عَلِيٌّ : نَرَاهُ إذَا سَكِرَ هَذَى ، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى ، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ .
فَقَالَ عُمَرُ : أَبْلِغْ صَاحِبَك مَا قَالَ .
فَجَعَلُوهُ كَالصَّاحِي ، وَلِأَنَّهُ إيقَاعٌ لِلطَّلَاقِ مِنْ مُكَلَّفٍ غَيْرِ مُكْرَهٍ صَادَفَ مِلْكَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ ، كَطَلَاقِ

الصَّاحِي ، وَيَدُلُّ عَلَى تَكْلِيفِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْقَتْلِ ، وَيُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَجْنُونَ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ .
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ .
وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَمَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْقَاسِمِ ، وَطَاوُسٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيِّ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا ثَابِتٌ عَنْ عُثْمَانَ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ خَالَفَهُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُ عُثْمَانَ أَرْفَعُ شَيْءٍ فِيهِ ، وَهُوَ أَصَحُّ .
يَعْنِي مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَحَدِيثُ الْأَعْمَشِ ، مَنْصُورٌ لَا يَرْفَعُهُ إلَى عَلِيٍّ .
وَلِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ ، وَالنَّائِمَ ، وَلِأَنَّهُ مَفْقُودُ الْإِرَادَةِ ، أَشْبَهُ الْمُكْرَهُ ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ ؛ إذْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْخِطَابِ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ ، وَلَا يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ إلَى مَنْ لَا يَفْهَمُهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ زَوَالِ الشَّرْطِ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كَسَرَ سَاقَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا ، وَلَوْ ضَرَبَتْ الْمَرْأَةُ بَطْنَهَا ، فَنَفِسَتْ ، سَقَطَتْ عَنْهَا الصَّلَاةُ ، وَلَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَجُنَّ ، سَقَطَ التَّكْلِيفُ .
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة لَا يَثْبُتُ ، وَأَمَّا قَتْلُهُ وَسَرِقَتُهُ ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا .
( 5840 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي عِتْقِهِ ، وَنَذْرِهِ ، وَبَيْعِهِ ، وَشِرَائِهِ ، وَرِدَّتِهِ ، وَإِقْرَارِهِ ، وَقَتْلِهِ ، وَقَذْفِهِ ، وَسَرِقَتِهِ ، كَالْحُكْمِ فِي طَلَاقِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ الرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ .
وَسَأَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ : إذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ ، أَوْ سَرَقَ ، أَوْ زَنَى ، أَوْ افْتَرَى ، أَوْ اشْتَرَى ، أَوْ بَاعَ فَقَالَ : أَجْبُنُ عَنْهُ ، لَا يَصِحُّ مِنْ أَمْرِ السَّكْرَانِ شَيْءٌ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : حُكْمُ السَّكْرَانِ حُكْمُ

الصَّاحِي فِيمَا لَهُ وَفِيمَا عَلَيْهِ ؛ فَأَمَّا فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ ، كَالْبَيْعِ ، وَالنِّكَاحِ ، وَالْمُعَاوَضَات ، فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ ، لَا يَصِحُّ لَهُ شَيْءٌ .
وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَالْأَوْلَى أَنَّ مَالَهُ أَيْضًا لَا يَصِحُّ مِنْهُ ؛ لَأَنْ تَصْحِيحَ تَصَرُّفَاتِهِ فِيمَا عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةٌ لَهُ ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ تَصْحِيحُ تَصَرُّفٍ لَهُ .

( 5841 ) فَصْلٌ : وَحَدُّ السُّكْرِ الَّذِي يَقَعُ الْخِلَافُ فِي صَاحِبِهِ ، هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ يَخْلِطُ فِي كَلَامِهِ ، وَلَا يَعْرِفُ رِدَاءَهُ مِنْ رِدَاءِ غَيْرِهِ ، وَنَعْلَهُ مِنْ نَعْلِ غَيْرِهِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ .
} فَجَعَلَ عَلَامَةَ زَوَالِ السُّكْرِ عِلْمَهُ مَا يَقُولُ .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : اسْتَقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ ، أَوْ أَلْقُوا رِدَاءَهُ فِي الْأَرْدِيَةِ ، فَإِنْ قَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ ، أَوْ عَرَفَ رِدَاءَهُ ، وَإِلَّا فَأَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ .
وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَعْرِفَ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ ، وَلَا الذَّكَرَ مِنْ الْأُنْثَى ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَى الْمَجْنُونِ ، فَعَلَيْهِ أَوْلَى .

( 5842 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ الطَّلَاقَ ، فَطَلَّقَ ، لَزِمَهُ ) وَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ ؛ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا طَلَاقَ لَهُ ، وَأَمَّا الَّذِي يَعْقِلُ الطَّلَاقَ ، وَيَعْلَمُ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَبِينُ بِهِ ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَات عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ طَلَاقَهُ يَقَعُ .
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَالْخِرَقِيُّ ، وَابْنُ حَامِدٍ .
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .
وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ : لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ حَتَّى يَحْتَلِمَ .
وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَحَمَّادٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ ، أَنَّهُ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ .
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ .
} وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، فَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ كَالْمَجْنُونِ .
وَوَجْهُ الْأَوْلَى قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ } .
وَقَوْلُهُ { : كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ } .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : اُكْتُمُوا الصِّبْيَانَ النِّكَاحَ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ فَائِدَتَهُ أَنْ لَا يُطَلِّقُوا .
وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ عَاقِلٍ صَادَفَ مَحَلَّ الطَّلَاقِ ، فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْبَالِغِ .

( 5843 ) فَصْلٌ : وَأَكْثَرُ الرِّوَايَات عَنْ أَحْمَدَ ، تَحْدِيدُ مَنْ يَقَعُ طَلَاقُهُ مِنْ الصِّبْيَانِ بِكَوْنِهِ يَعْقِلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي .
وَرَوَى عَنْ أَحْمَدَ أَبُو الْحَارِثِ : إذَا عَقَلَ الطَّلَاقَ ، جَازَ طَلَاقُهُ ، مَا بَيْنَ عَشْرٍ إلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ لِدُونِ الْعَشْرِ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ حَدٌّ لِلضَّرْبِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، وَصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ ، فَكَذَلِكَ هَذَا .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : إذَا أَحْصَى الصَّلَاةَ ، وَصَامَ رَمَضَانَ ، جَازَ طَلَاقُهُ .
وَقَالَ عَطَاءٌ إذَا بَلَغَ أَنْ يُصِيبَ النِّسَاءَ .
وَعَنْ الْحَسَنِ : إذَا عَقَلَ ، وَحَفِظَ الصَّلَاةَ ، وَصَامَ رَمَضَانَ .
وَقَالَ إِسْحَاقُ : إذَا جَاوَزَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ .

( 5844 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَجَازَ طَلَاقَ الصَّبِيِّ ، اقْتَضَى مَذْهَبُهُ أَنْ يَجُوزَ تَوْكِيلُهُ فِيهِ ، وَتَوَكُّلُهُ لِغَيْرِهِ .
وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ ، فِي رَجُلٍ قَالَ لَصَبِيٍّ : طَلِّقْ امْرَأَتِي .
فَقَالَ : قَدْ طَلَّقْتُك ثَلَاثًا .
لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا حَتَّى يَعْقِلَ الطَّلَاقَ فَقِيلَ لَهُ : فَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ صَبِيَّةٌ فَقَالَتْ : صَيِّرْ أَمْرِي إلَيَّ .
فَقَالَ لَهَا : أَمْرُك بِيَدِك .
فَقَالَتْ : قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي .
فَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ مِثْلُهَا يَعْقِلُ الطَّلَاقَ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ حَتَّى يَبْلُغَ .
وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ .
وَلَنَا ، أَنَّ مَنْ صَحَّ تَصَرُّفُهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَجُوزُ الْوِكَالَةُ فِيهِ بِنَفْسِهِ ، صَحَّ تَوْكِيلُهُ وَوَكَالَتُهُ فِيهِ ، كَالْبَالِغِ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ ، فَهُوَ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَا تُجِيزُ طَلَاقَهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 5845 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا السَّفِيهُ ، فَيَقَعُ طَلَاقُهُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ رَأْي أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .
وَمَنَعَ مِنْهُ عَطَاءٌ .
وَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ ، مَالِكٌ لِمَحَلِّ الطَّلَاقِ ، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ كَالرَّشِيدِ ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ ، كَالْمُفْلِسِ .

( 5846 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ) لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ لَا يَقَعُ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ .
وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَشُرَيْحٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنُ عَوْنٍ ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .
وَأَجَازَهُ أَبُو قِلَابَةَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ ، فِي مَحَلٍّ يَمْلِكُهُ ، فَيَنْفُذُ ، كَطَلَاقِ غَيْرِ الْمُكْرَهِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ ، وَالنِّسْيَانَ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ .
} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : لَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَالْقُتَيْبِيُّ : مَعْنَاهُ : فِي إكْرَاهٍ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : سَأَلْت ابْنَ دُرَيْدٍ وَأَبَا طَاهِرٍ النَّحْوِيَّيْنِ ، فَقَالَا : يُرِيدُ الْإِكْرَاهَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُكْرِهَ انْغَلَقَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ .
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى المبرسم وَالْمَجْنُونُ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ فَيَكُونُ إجْمَاعًا ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمٌ ، كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهَا .

( 5847 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ ، نَحْوُ إكْرَاهِ الْحَاكِمِ الْمُولِي عَلَى الطَّلَاقِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ إذَا لَمْ يَفِيئْ ، وَإِكْرَاهِهِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ زَوْجَهُمَا وَلِيَّانِ ، وَلَا يُعْلَمُ السَّابِقُ مِنْهُمَا عَلَى الطَّلَاقِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ ، فَصَحَّ ، كَإِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ إكْرَاهُهُ عَلَى الطَّلَاقِ لِيَقَعَ طَلَاقُهُ ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ .

( 5848 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَكُونُ مُكْرَهًا حَتَّى يُنَالَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَذَابِ ، مِثْلُ الضَّرْبِ أَوْ الْخَنْقِ أَوْ عَصْرِ السَّاقِ وَمَا أَشْبَهَ ، وَلَا يَكُونُ التَّوَاعُدُ إكْرَاهًا ) أَمَّا إذَا نِيلَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَذَابِ ، كَالضَّرْبِ ، وَالْخَنْقِ ، وَالْعَصْرِ ، وَالْحَبْسِ ، وَالَغَطِ فِي الْمَاءِ مَعَ الْوَعِيدِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ إكْرَاهًا بِلَا إشْكَالٍ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخَذُوا عَمَّارًا ، فَأَرَادُوهُ عَلَى الشِّرْكِ ، فَأَعْطَاهُمْ ، فَانْتَهَى إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْكِي ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدُّمُوعَ عَنْ عَيْنَيْهِ ، وَيَقُولُ { : أَخَذَك الْمُشْرِكُونَ فَغَطُّوك فِي الْمَاءِ ، وَأَمَرُوك أَنْ تُشْرِكَ بِاَللَّهِ ، فَفَعَلْت ، فَإِنْ أَخَذُوك مَرَّةً أُخْرَى ، فَافْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ } رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ الرَّجُلُ أَمِينًا عَلَى نَفْسِهِ إذَا أَجَعْته ، أَوْ ضَرَبْته ، أَوْ أَوْثَقْته .
وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُودِ فِعْلٍ يَكُونُ بِهِ إكْرَاهًا .
فَأَمَّا الْوَعِيدُ بِمُفْرَدِهِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَيْسَ بِإِكْرَاهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِالرُّخْصَةِ مَعَهُ ، هُوَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ : " أَخَذُوك فَغَطُّوك فِي الْمَاءِ " .
فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ إلَّا فِيمَا كَانَ مِثْلَهُ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ الْوَعِيدَ بِمُفْرَدِهِ إكْرَاهٌ .
قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : حَدُّ الْإِكْرَاهِ إذَا خَافَ الْقَتْلَ ، أَوْ ضَرْبًا شَدِيدًا .
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْوَعِيدِ ، فَإِنَّ الْمَاضِيَ مِنْ الْعُقُوبَةِ لَا يَنْدَفِعُ بِفِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَخْشَى مِنْ وُقُوعِهِ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ فِعْلُ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ دَفْعًا لِمَا يَتَوَعَّدُهُ بِهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ فِيمَا بَعْدُ ، وَهُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ ، وَلِأَنَّهُ مَتَى تَوَعَّدَهُ بِالْقَتْلِ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ،

فَلَمْ يُبَحْ لَهُ الْفِعْلُ ، أَفْضَى إلَى قَتْلِهِ ، وَإِلْقَائِهِ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ ، وَلَا يُفِيدُ ثُبُوتُ الرُّخْصَةِ بِالْإِكْرَاهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، وَقَعَ طَلَاقُهُ ، فَيَصِلُ الْمُكْرِهُ إلَى مُرَادِهِ ، وَيَقَعُ الضَّرَرُ بِالْمُكْرَهِ ، وَثُبُوتُ الْإِكْرَاهِ فِي حَقِّ مَنْ نِيلَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَذَابِ لَا يَنْفِي ثُبُوتَهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الَّذِي تَدَلَّى يَشْتَارُ عَسَلًا ، فَوَقَفْت امْرَأَتُهُ عَلَى الْحَبْلِ ، وَقَالَتْ : طَلَّقَنِي ثَلَاثًا ، وَإِلَّا قَطَعْته ، فَذَكَّرَهَا اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ ، فَقَالَتْ : لَتَفْعَلْنَ أَوْ لَأَفْعَلْنَ .
فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، فَرَدَّهُ إلَيْهَا .
رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ .
وَهَذَا كَانَ وَعِيدًا .

( 5849 ) فَصْلٌ : وَمِنْ شَرْطِ الْإِكْرَاهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ ؛ أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ مِنْ قَادِرٍ بِسُلْطَانِ أَوْ تَغَلُّبٍ ، كَاللِّصِّ وَنَحْوِهِ .
وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ : إنَّ أَكْرَهَهُ اللِّصُّ ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ وَقَعَ .
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : لِأَنَّ اللِّصَّ يَقْتُلُهُ .
وَعُمُومُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي دَلِيلِ الْإِكْرَاهِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ ، وَاَلَّذِينَ أَكْرَهُوا عَمَّارًا لَمْ يَكُونُوا لُصُوصًا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَمَّارٍ : { إنْ عَادُوا فَعُدْ } .
وَلِأَنَّهُ إكْرَاهٌ ، فَمَنَعَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ ، كَإِكْرَاهِ اللُّصُوصِ .
الثَّانِي ، أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ نُزُولُ الْوَعِيدِ بِهِ ، إنْ لَمْ يُجِبْهُ إلَى مَا طَلَبَهُ .
الثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَسْتَضِرُّ بِهِ ضَرَرًا كَثِيرًا ، كَالْقَتْلِ ، وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ ، وَالْقَيْدِ ، وَالْحَبْسِ الطَّوِيلِ ، فَأَمَّا الشَّتْمُ ، وَالسَّبُّ ، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ الْمَالِ الْيَسِيرِ .
فَأَمَّا الضَّرَرُ الْيَسِيرُ فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُبَالِي بِهِ ، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ ، عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ إخْرَاقًا بِصَاحِبِهِ ، وَغَضًّا لَهُ ، وَشُهْرَةً فِي حَقِّهِ ، فَهُوَ كَالضَّرْبِ الْكَثِيرِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ .
وَإِنْ تَوَعَّدَ بِتَعْذِيبِ وَلَدِهِ ، فَقَدْ قِيلَ : لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا حَقَّ بِغَيْرِهِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ إكْرَاهًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَعْظَمُ مِنْ أَخْذِ مَالِهِ ، وَالْوَعِيدُ بِذَلِكَ إكْرَاهٌ ، فَكَذَلِكَ هَذَا .

فَصْلٌ : وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَةٍ ، فَطَلَّقَ غَيْرَهَا ، وَقَعَ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ .
وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى طَلْقَةٍ ، فَطَلَّقَ ثَلَاثًا ، وَقَعَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهُ عَلَى الثَّلَاثِ وَإِنْ طَلَّقَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِهَا وَغَيْرَهَا ، وَقَعَ طَلَاقُ غَيْرِهَا دُونَهَا .
وَإِنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الطَّلَاقِ دُونَ دَفْعِ الْإِكْرَاهِ ، وَقَعَ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَهُ وَاخْتَارَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ ، فَلَا يَبْقَى إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ ، فَلَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ .
وَإِنْ طَلَّقَ ، وَنَوَى بِقَلْبِهِ غَيْرَ امْرَأَتِهِ ، أَوْ تَأَوَّلَ فِي يَمِينِهِ ، فَلَهُ تَأْوِيلُهُ ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ دَلِيلٌ لَهُ عَلَى تَأْوِيلِهِ .
وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ وَقَصْدَهَا بِالطَّلَاقِ ، لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ .
وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَجْهًا أَنَّهُ يَقَعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ عَلَى نِيَّتِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَقَعْ ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ لَا يَحْضُرُهُ التَّأْوِيلُ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، فَتَفُوتُ الرُّخْصَةُ .

بَابُ تَصْرِيحِ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا بِلَفْظٍ ، فَلَوْ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ ، لَمْ يَقَعْ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : إذَا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ طَلُقَتْ .
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، فِي مِنْ طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ : أَلَيْسَ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ ؟ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ } .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .
وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِالنِّيَّةِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ .
وَإِنْ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ ، لَمْ يَقَعْ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ ، فَاللَّفْظُ يَنْقَسِمُ فِيهِ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ ، فَالصَّرِيحُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَالْكِنَايَةُ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ حَتَّى يَنْوِيَهُ ، أَوْ يَأْتِيَ بِمَا يَقُومُ مَقَامَ نِيَّتِهِ .

( 5851 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ : قَدْ طَلَّقْتُك ، أَوْ قَدْ فَارَقْتُك ، أَوْ قَدْ سَرَّحْتُك .
لَزِمَهَا الطَّلَاقُ ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ ؛ الطَّلَاقُ ، وَالْفِرَاقُ ، وَالسَّرَاحُ ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُنَّ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ ، إلَى أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَحْدَهُ ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ لَا غَيْرُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا يُوقِعُ الطَّلَاقَ بِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةَ لَا تَفْتَقِرُ عِنْدَهُ إلَى النِّيَّةِ .
وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ لَفْظَ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ يُسْتَعْمَلَانِ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ كَثِيرًا ، فَلَمْ يَكُونَا صَرِيحَيْنِ فِيهِ كَسَائِرِ كِنَايَاتِهِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَرَدَ بِهَا الْكِتَابُ بِمَعْنَى الْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، فَكَانَا صَرِيحَيْنِ فِيهِ ، كَلَفْظِ الطَّلَاقِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .
} وَقَالَ { : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ .
} وَقَالَ سُبْحَانَهُ { : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ .
} وَقَالَ سُبْحَانَهُ { : فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا .
} وَقَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ الصَّرِيحَ فِي الشَّيْءِ مَا كَانَ نَصَّا فِيهِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ ، إلَّا احْتِمَالًا بَعِيدًا ، وَلَفْظَةُ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ إنْ وَرَدَا فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى الْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، فَقَدْ وَرَدَا لِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَفِي الْعُرْفِ كَثِيرًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا .
} وَقَالَ { : وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِفُرْقَةِ الطَّلَاقِ ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ { : أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ .
} لَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَرْكُ ارْتِجَاعِهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ { : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانِ .
} وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ

عَلَى لَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ ، سَابِقٌ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَلَا دَلَالَةٍ ، بِخِلَافِ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ .
فَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ ، إذَا قَالَ : طَلَّقْتُك ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ مُطَلَّقَةٌ .
وَقَعَ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ .
وَإِنْ قَالَ : فَارَقْتُك .
أَوْ : أَنْتِ مُفَارَقَةٌ ، أَوْ سَرَّحْتُك ، أَوْ أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ .
فَمَنْ يَرَاهُ صَرِيحًا أَوْقَعَ بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَمَنْ لَمْ يَرَهُ صَرِيحًا لَمْ يُوقِعْهُ بِهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ .
فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت بِقَوْلِي : فَارَقْتُك أَيْ بِجِسْمِي ، أَوْ بِقَلْبِي أَوْ بِمَذْهَبِي ، أَوْ سَرَّحْتُك مِنْ يَدِي ، أَوْ شُغْلِي ، أَوْ مِنْ حَبْسِي ، أَوْ أَيْ سَرَّحْت شَعْرَك .
قُبِلَ قَوْلُهُ .
وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت بِقَوْلِي : أَنْتِ طَالِقٌ أَيْ : مِنْ وَثَاقِي .
أَوْ قَالَ : أَرَدْت أَنْ أَقُولُ : طَلَبْتُك .
فَسَبَقَ لِسَانِي ، فَقُلْت : طَلَّقْتُك .
وَنَحْوُ ذَلِكَ ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَمَتَى عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ ، لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا خِلَافَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ : اسْقِينِي مَاءً .
فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ أَنْتِ حُرَّةٌ .
أَنَّهُ لَا طَلَاقَ فِيهِ .
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ ، فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ غَيْرُ مَا فِي قَلْبِهِ ، فَقَالَ : أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِ وَاسِعًا .
وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ ، أَوْ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ ، لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ ظَاهِرٌ فِي الطَّلَاقِ ، وَقَرِينَةُ حَالِهِ تَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَكَانَتْ دَعْوَاهُ مُخَالِفَةً لِلظَّاهِرِ مِنْ وَجْهَيْنِ ، فَلَا تُقْبَلُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، وَأَبِي الْحَارِثِ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ .
وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ،

وَالْحَكَمِ ، حَكَاهُ عَنْهُمْ أَبُو حَفْصٍ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا غَيْرَ بَعِيدٍ ، فَقِيلَ : كَمَا لَوْ قَالَ ؛ أَنْتِ طَالِقٌ ، أَنْتِ طَالِقٌ .
وَقَالَ : أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا .
وَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ ، هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، قَالَ : وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يُقْبَلُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ فِي الْعُرْف ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَشْرَةِ ، ثُمَّ قَالَ : زُيُوفًا ، أَوْ صِغَارًا ، أَوْ إلَى شَهْرٍ .
فَأَمَّا إِنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي اللَّفْظِ ، فَقَالَ : طَلَّقْتُك مِنْ وَثَاقِي ، أَوْ فَارَقْتُك بِجِسْمِي ، أَوْ سَرَّحْتُك مِنْ يَدِي .
فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِالْكَلَامِ يَصْرِفُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ ، كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ .
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ .
أَنَّهُ إنْ نَوَى أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ طَلَاقًا مَاضِيًا ، أَوْ مِنْ زَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا يَقَعُ .
وَالثَّانِي ، لَا يَقَعُ .
وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرَ صَرِيحَةٍ ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ صَرِيحٌ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُتَصَرِّفَةٌ مِنْ لَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَكَانَتْ صَرِيحَةً فِيهِ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ .
( 5852 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا لَفْظَةُ الْإِطْلَاقِ ، فَلَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا عُرْفُ الشَّرْعِ ، وَلَا الِاسْتِعْمَالُ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ كِنَايَاتِهِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهَا احْتِمَالًا ، أَنَّهَا صَرِيحَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ فَعَلْت وَأَفْعَلْت ، نَحْوُ عَظَّمْته وَأَعْظَمْته ، وَكَرَّمْته وَأَكْرَمْته .
وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بِمُطَّرِدٍ ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : حَيَّيْته مِنْ التَّحِيَّةِ ، وَأَحْيَيْته مِنْ الْحَيَاةِ ، وَأَصْدَقْت الْمَرْأَةَ صَدَاقًا

، وَصَدَّقْت حَدِيثَهَا تَصْدِيقًا ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَقْبَلَ وَقَبِلَ ، وَأَدْبَرَ وَدَبَرَ ، وَأَبْصَرَ وَبَصُرَ ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ بِحَرَكَةٍ أَوْ حَرْفٍ ، فَيَقُولُونَ : حَمْلٌ لِمَا فِي الْبَطْنِ ، وَبِالْكَسْرِ لِمَا عَلَى الظَّهْرِ ، وَالْوَقْرُ بِالْفَتْحِ الثِّقَلُ فِي الْأُذُنِ ، وَبِالْكَسْرِ لِثِقَلِ الْحِمْلِ .
وَهَا هُنَا فَرَّقَ بَيْنَ حَلِّ قَيْدِ النِّكَاحِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، بِالتَّضْعِيفِ فِي أَحَدِهِمَا ، وَالْهَمْزَةِ فِي الْآخَرِ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ وَاحِدًا لَقِيلَ طَلَّقْت الْأَسِيرَيْنِ ، وَالْفَرَسَ ، وَالطَّائِرَ ، فَهُوَ طَالِقٌ ، وَطَلَّقْت الدَّابَّةَ ، فَهِيَ طَالِقٌ ، وَمُطَلَّقَةٌ .
وَلَمْ يُسْمَعْ هَذَا فِي كَلَامِهِمْ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .

فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ الطَّلَاقُ .
فَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهِ ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ ، وَالْأَعْيَانُ لَا تُوصَفُ بِالْمَصَادِرِ إلَّا مَجَازًا .
وَالثَّانِي ، أَنَّ الطَّلَاقَ لَفْظٌ صَرِيحٌ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ ، كَالْمُتَصَرِّفِ مِنْهُ ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي عُرْفِهِمْ ، قَالَ الشَّاعِرُ : نَوَّهْت بِاسْمِي فِي الْعَالَمِينَ وَأَفْنَيْت عُمْرِي عَامًا فَعَامَا فَأَنْتِ الطَّلَاقُ وَأَنْتِ الطَّلَاقُ وَأَنْتِ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا تَمَامًا وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ مَجَازٌ .
قُلْنَا : نَعَمْ ، إلَّا أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَلَا مَحْمَلَ لَهُ يَظْهَرُ سِوَى هَذَا الْمَحْمَلِ ، فَتَعَيَّنَ فِيهِ .

( 5854 ) فَصْلٌ : وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ بهشتم ، فَإِذَا أَتَى بِهَا الْعَجَمِيُّ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ مِنْهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ .
وَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ كِنَايَةٌ ، لَا يُطَلِّقُ بِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ خَلَّيْتُك ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ كِنَايَةٌ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ بِلِسَانِهِمْ مَوْضُوعَةٌ لِلطَّلَاقِ ، يَسْتَعْمِلُونَهَا فِيهِ ، فَأَشْبَهَتْ لَفْظَ الطَّلَاقِ بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ صَرِيحَةً ، لَمْ يَكُنْ فِي الْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ لِلطَّلَاقِ ، وَهَذَا بَعِيدٌ ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهَا بِمَعْنَى خَلَّيْتُك ، فَإِنَّ مَعْنَى طَلَّقْتُك خَلَّيْتُك أَيْضًا ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَوْضُوعًا لَهُ ، يُسْتَعْمَلُ فِيهِ ، كَانَ صَرِيحًا ، كَذَا هَذِهِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ ، كَانَتْ طَلَاقًا ، كَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ ، وَالشَّافِعِيُّ .

( 5855 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لَهَا فِي الْغَضَبِ : أَنْتِ حُرَّةٌ ، أَوْ لَطَمَهَا ، فَقَالَ : هَذَا طَلَاقُك فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 5856 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ ، إذَا نَوَاهُ بِهِ وَقَعَ ، وَلَا يَقَعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَلَا دَلَالَةِ حَالٍ ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي : أَنْتَ حُرَّةٌ ، أَنَّهُ كِنَايَةٌ .
فَأَمَّا إذَا لَطَمَهَا ، وَقَالَ : هَذَا طَلَاقُك .
فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالُوا : لَيْسَ هَذَا كِنَايَةً ، وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ ، وَإِنْ نَوَى ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُؤَدِّي مَعْنَى الطَّلَاقِ ، وَلَا هُوَ سَبَبٌ لَهُ ، وَلَا حُكْمٌ فَلَمْ يَصِحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ ، كَقَوْلِهِ : غَفَرَ اللَّهُ لَك .
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ : أَوْقَعْت عَلَيْك طَلَاقًا ، هَذَا الضَّرْبُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ هَذَا صَرِيحًا .
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ مُحْتَمِلٌ لِهَذَا أَيْضًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا يُوقِعُهُ إذَا كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ ، فَيَكُونُ الْغَضَبُ قَائِمًا مَقَامَ النِّيَّةِ ، كَمَا قَامَ مَقَامَهَا فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ حُرَّةٌ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَطْمُهُ لَهَا قَرِينَةً تَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ عَنْ الْغَضَبِ ، فَجَرَى مَجْرَاهُ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِطَلَاقِك ، لِكَوْنِ الطَّلَاقِ مُعَلَّقًا عَلَيْهِ ، فَصَحَّ أَنْ يُعَبِّرَ بِهِ عَنْهُ ، وَلَيْسَ بِصَرِيحِ ؛ لِأَنَّهُ احْتَاجَ إلَى تَقْدِيرٍ ، وَلَوْ كَانَ صَرِيحًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لَهُ ، وَلَا مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ شَرْعًا ، وَلَا عُرْفًا ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْكِنَايَاتِ .
وَعَلَى قِيَاسِهِ مَا لَوْ أَطْعَمَهَا ، أَوْ سَقَاهَا ، أَوْ كَسَاهَا ، وَقَالَ : هَذَا طَلَاقُك .
أَوْ لَوْ فَعَلَتْ الْمَرْأَةُ فِعْلًا مِنْ قِيَامٍ ، أَوْ قُعُودٍ ، أَوْ فَعَلَ هُوَ

فِعْلًا ، وَقَالَ : هَذَا طَلَاقُك .
فَهُوَ مِثْلُ لَطْمِهَا ، إلَّا فِي أَنَّ اللَّطْمَ يَدُلُّ عَلَى الْغَضَبِ الْقَائِمِ مَقَامَ النِّيَّةِ ، فَيَكُونُ هُوَ أَيْضًا قَائِمًا مَقَامَهَا فِي وَجْهٍ ، وَمَا ذَكَرْنَا لَا يَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَهَا .

( 5857 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا أَتَى بِالْكِنَايَةِ فِي حَالِ الْغَضَبِ ، فَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ ؛ : إحْدَاهُمَا ، يَقَعُ الطَّلَاقُ .
قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي : إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ .
فِي الرِّضَى ، لَا فِي الْغَضَبِ ، فَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا .
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَيْسَ بِطَلَاقٍ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ فِي : اعْتَدِّي ، وَاخْتَارِي ، وَأَمْرُك بِيَدِك .
كَقَوْلِنَا فِي الْوُقُوعِ .
وَاحْتَجَّا بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ ، وَلَمْ يَنْوِهِ بِهِ ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ ، كَحَالِ الرِّضَى ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ لَا يَتَغَيَّرُ بِالرِّضَى وَالْغَضَبِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْكِنَايَاتِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْفُرْقَةِ إلَّا نَادِرًا ، نَحْوُ قَوْلِهِ : أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ .
وَاعْتَدِّي .
وَاسْتَبْرِئِي .
وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك .
وَأَنْتَ بَائِنٌ .
وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، أَنَّهُ يَقَعُ فِي حَالِ الْغَضَبِ .
وَجَوَابُ سُؤَالِ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، نَحْوُ : اذْهَبِي .
وَاخْرُجِي .
وَرُوحِي .
وَتَقَنَّعِي .
لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ .
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا .
وَكَلَامُ أَحْمَدَ ، وَالْخِرَقِيِّ فِي الْوُقُوعِ ، إنَّمَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ حُرَّةٌ .
وَهُوَ مِمَّا لَا يَسْتَعْمِلُهُ الْإِنْسَانُ فِي حَقِّ زَوْجَتِهِ غَالِبًا إلَّا كِنَايَةً عَنْ الطَّلَاقِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْغَضَبِ وُقُوعُ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ يُوجَدُ كَثِيرًا غَيْرَ مُرَادٍ بِهِ الطَّلَاقُ فِي حَالِ الرِّضَى ، فَكَذَلِكَ فِي حَالِ الْغَضَبِ ، إذْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ ، وَالتَّكَلُّمِ بِهِ ، بِخِلَافِ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِذِكْرِهِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَلَّ

اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ ، كَانَ مُجَرَّدُ ذِكْرِهِ يُظَنُّ مِنْهُ إرَادَةُ الطَّلَاقِ ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَجِيئُهُ عَقِيبَ سُؤَالِ الطَّلَاقِ ، أَوْ فِي حَالِ الْغَضَبِ ، قَوِيَ الظَّنُّ ، فَصَارَ ظَنًّا غَالِبًا .
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، أَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ تُغَيِّرُ حُكْمَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ؛ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لَرَجُلٍ : يَا عَفِيفُ ابْنَ الْعَفِيفِ .
حَالَ تَعْظِيمِهِ ، كَانَ مَدْحًا لَهُ ، وَإِنْ قَالَهُ فِي حَالِ شَتْمِهِ وَتَنْقُصهُ ، كَانَ قَذْفًا وَذَمًّا .
وَلَوْ قَالَ : إنَّهُ لَا يَغْدِرُ بِذَمِّهِ ، وَلَا يَظْلِمُ حَبَّةَ خَرْدَلٍ ، وَمَا أَحَدٌ أَوْفَى ذِمَّةً مِنْهُ .
فِي حَالِ الْمَدْحِ ، كَانَ مَدْحًا بَلِيغًا ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ : فَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدِ وَلَوْ قَالَهُ فِي حَالِ الذَّمِّ كَانَ هِجَاءً قَبِيحًا ، كَقَوْلِ النَّجَاشِيِّ : قَبِيلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلٍ وَقَالَ آخَرُ : كَأَنَّ رَبِّي لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ سِوَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إنْسَانَا وَهَذَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هِجَاءٌ قَبِيحٌ وَذَمٌّ ، حَتَّى حُكِيَ عَنْ حَسَّانَ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ سَلَّحَ عَلَيْهِمْ .
وَلَوْلَا الْقَرِينَةُ وَدَلَالَةُ الْحَالِ ، كَانَ مِنْ أَحْسَنِ الْمَدْحِ وَأَبْلَغِهِ .
وَفِي الْأَفْعَالِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَصْدَ رَجُلًا بِسَيْفٍ ، وَالْحَالُ يَدُلُّ عَلَى الْمَزْحِ وَاللَّعِبِ ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ ، وَلَوْ دَلَّتْ الْحَالُ عَلَى الْجِدِّ ، جَازَ دَفْعُهُ بِالْقَتْلِ .
وَالْغَضَبُ هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الطَّلَاقِ ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ .

( 5858 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَتَى بِالْكِنَايَةِ فِي حَالِ سُؤَالِ الطَّلَاقِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا أَتَى بِهَا فِي حَالِ الْغَضَبِ ، عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ .
وَالْوَجْهُ لِذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّوْجِيهِ ، إلَّا أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ هَاهُنَا ، أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي عَدَمِ النِّيَّةِ ، قَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ : إذَا قَالَ : لَمْ أَنْوِهِ .
صُدِّقَ فِي ذَلِكَ ، إذَا لَمْ تَكُنْ سَأَلْته الطَّلَاقَ ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا غَضَبٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِهِ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ ، وَكَوْنِهِ فِي حَالِ الْغَضَبِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَوَابَ يَنْصَرِفُ إلَى السُّؤَالِ ، فَلَوْ قَالَ : لِي عِنْدَك دِينَارٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَوْ : صَدَقْت .
كَانَ إقْرَارًا بِهِ ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ تَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ الْإِقْرَارِ .
وَلَوْ قَالَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي أَوْ بِعْتُك ثَوْبِي هَذَا .
فَقَالَ : قَبِلْت .
صَحَّ وَكَفَى ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى زِيَادَةٍ عَلَيْهِ .
وَلَوْ أَرَادَ بِالْكِنَايَةِ حَالَ الْغَضَبِ ، أَوْ سُؤَالِ الطَّلَاقِ غَيْرَ الطَّلَاقِ ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ بِالصَّرِيحِ لَمْ يَقَعْ ، فَبِالْكِنَايَةِ أَوْلَى .
وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ دُيِّنَ .
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، أَنَّهُ يُصَدَّقُ إنْ كَانَ فِي الْغَضَبِ ، وَلَا يُصَدَّقُ إنْ كَانَ جَوَابًا لِسُؤَالِ الطَّلَاقِ .
وَنُقِلَ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَنْتِ خَلِيَّةٌ ، أَوْ بَرِيئَةٌ ، أَوْ بَائِنٌ .
وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا ذِكْرُ طَلَاقٍ وَلَا غَضَبٌ ، صُدِّقَ .
فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ مَعَ وُجُودِهِمَا .
وَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، إلَّا فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ إلَى قَوْمٍ فَقَالُوا : لَا نُزَوِّجُك حَتَّى تُطَلِّقَ امْرَأَتَك .
فَقَالَ : قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا .
فَزَوَّجُوهُ ، ثُمَّ أَمْسَكَ امْرَأَته ، فَقَالُوا : أَلَمْ تَقُلْ إنَّك طَلَّقْت ثَلَاثًا ؟ قَالَ : أَلَمْ

تَعْلَمُوا أَنِّي تَزَوَّجْت فُلَانَةَ وَطَلَّقْتهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ وَطَلَّقْتهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ وَطَلَّقْتهَا ؟ فَسُئِلَ عُثْمَانُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَهُ نِيَّتُهُ .
وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ يُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِيهِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ ، كَمَا لَوْ كَرَّرَ لَفْظًا ، وَقَالَ : أَرَدْت التَّوْكِيدَ .

( 5859 ) مَسْأَلَةٌ ؛ ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَإِذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ خَلِيَّةٌ ، أَوْ أَنْتِ بَرِيَّةٌ ، أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ ، أَوْ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك ، أَوْ الْحَقِي بِأَهْلِك .
فَهُوَ عِنْدِي ثَلَاثٌ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُفْتِيَ بِهِ ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ) أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، كَرَاهِيَةُ الْفُتْيَا فِي هَذِهِ الْكِنَايَاتِ ، مَعَ مَيْلِهِ إلَى أَنَّهَا ثَلَاثٌ ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ، فِي " الْإِرْشَادِ " عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا ثَلَاثٌ .
وَالثَّانِيَةُ ، يَرْجِعُ إلَى مَا نَوَاهُ .
اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : يُرْجَعُ إلَى مَا نَوَى ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : يَقَعُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ ، وَلَا يَقْتَضِي عَدَدًا .
وَرَوَى حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : يَزِيدُهَا فِي مَهْرِهَا إنْ أَرَادَ رَجْعَتَهَا .
وَلَوْ وَقَعَ ثَلَاثًا لَمْ يُبَحْ لَهُ رَجْعَتُهَا ، وَلَوْ لَمْ تَبِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى زِيَادَةٍ فِي مَهْرِهَا .
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ ، { أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ أَلْبَتَّةَ ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً ؟ فَقَالَ رُكَانَةُ : آللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً .
فَرَدَّهَا إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ، وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ .
} قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ : مَا أَشْرَفَ هَذَا الْحَدِيثَ .
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنَةِ الْجَوْنِ : " الْحَقِي بِأَهْلِك " .
وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُطَلِّقَ ثَلَاثًا وَقَدْ نَهَى

عَنْ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْكِنَايَاتِ مَعَ النِّيَّةِ كَالصَّرِيحِ ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ ، وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ ، وَلَا يَقَعُ اثْنَتَانِ ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَقْضِي الْبَيْنُونَةَ دُونَ الْعَدَدِ ، وَالْبَيْنُونَةُ بَيْنُونَتَانِ صُغْرَى وَكُبْرَى ، فَالصُّغْرَى بِالْوَاحِدَةِ ، وَالْكُبْرَى بِالثَّلَاثِ ، وَلَوْ أَوْقَعْنَا اثْنَتَيْنِ كَانَ مُوجِبُهُ الْعَدَدَ ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِيهِ .
وَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ : يَقَعُ بِهَا الثَّلَاثُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إلَّا فِي خُلْعٍ أَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ ، وَالْبَيْنُونَةُ تَحْصُلُ فِي الْخُلْعِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ بِوَاحِدَةٍ ، فَلَمْ يُزَدْ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِي زِيَادَةً عَلَيْهَا ، وَفِي غَيْرِهِمَا يَقَعُ الثَّلَاثُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِهَا ، وَوَجْهُ أَنَّهَا ثَلَاثٌ أَنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّهَا ثَلَاثٌ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَالْبَتَّةِ : قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ قَوْلٌ صَحِيحٌ ثَلَاثًا .
وَقَالَ عَلِيٌّ ، وَالْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، فِي الْبَائِنِ : إنَّهَا ثَلَاثٌ .
وَرَوَى النَّجَّادُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عَاصِمٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ : إنَّ ظِئْرِي هَذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، فَهَلْ تَجِدَانِ لَهُ رُخْصَةً ؟ فَقَالَا : لَا ، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عِنْدَ عَائِشَةَ ، فَسَلْهُمْ ، ثُمَّ ارْجِعْ إلَيْنَا ، فَأَخْبِرْنَا .
فَسَأَلَهُمْ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هِيَ ثَلَاثٌ .
وَذَكَرَ عَنْ عَائِشَةَ مُتَابَعَتَهُمَا .
وَرَوَى النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ

عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ أَلْبَتَّةَ وَاحِدَةً ، ثُمَّ جَعَلَهَا بَعْدَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ .
وَهَذِهِ أَقْوَالُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِطَلَاقٍ تَحْصُلُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا ، أَوْ نَوَى الثَّلَاثَ ، وَاقْتِضَاؤُهُ لِلْبَيْنُونَةِ ظَاهِرٌ فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ بَائِنٌ .
وَكَذَا فِي قَوْلِهِ : أَلْبَتَّةَ ؛ لِأَنَّ الْبَتَّ الْقَطْعُ ، فَكَأَنَّهُ قَطَعَ النِّكَاحَ كُلَّهُ ، وَلِذَلِكَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ ، كَمَا قَالَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي .
وَبَتَلَهُ هُوَ الْقَطْعُ أَيْضًا ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي مَرْيَمَ الْبَتُولُ ؛ لِانْقِطَاعِهَا عَنْ النِّكَاحِ .
وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّبَتُّلِ ، وَهُوَ الِانْقِطَاعُ عَنْ النِّكَاحِ بِالْكُلِّيَّةِ .
وَكَذَلِكَ الْخَلِيَّةُ وَالْبَرِيَّةُ يَقْتَضِيَانِ الْخُلُوَّ مِنْ النِّكَاحِ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ ، وَإِذَا كَانَ لِلَّفْظِ مَعْنَى ، فَاعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ ، إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَقْتَضِيهِ وَيُؤَدِّي مَعْنَاهُ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْبَيْنُونَةِ بِدُونِ الثَّلَاثِ ، فَوَقَعَتْ ضَرُورَةُ الْوَفَاءِ بِمَا يَقْتَضِيهِ لَفْظُهُ ، وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُ وَاحِدَةٍ بَائِنٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ ، فَكَذَلِكَ بِكِنَايَاتِهِ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُفَرِّقُوا ، وَلِأَنَّ كُلَّ لَفْظَةٍ أَوْجَبَتْ الثَّلَاثَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ، أَوْجَبَتْهَا فِي غَيْرِهَا ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .
فَأَمَّا حَدِيثُ رُكَانَةَ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَ إسْنَادَهُ ، فَلِذَلِكَ تَرَكَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِابْنَةِ الْجَوْنِ : " الْحَقِي بِأَهْلِك " .
فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَا تَقْتَضِي الثَّلَاثَ ، وَلَيْسَتْ مِنْ اللَّفَظَاتِ الَّتِي قَالَ الصَّحَابَةُ فِيهَا بِالثَّلَاثِ ، وَلَا هِيَ

مِثْلُهَا ، فَيُقْصَرُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْكِنَايَةَ بِالنِّيَّةِ كَالصَّرِيحِ .
قُلْنَا : نَعَمْ ، إلَّا أَنَّ الصَّرِيحَ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثٍ تَحْصُلُ بِهَا الْبَيْنُونَةُ ، وَإِلَى مَا دُونَهَا مِمَّا لَا تَحْصُلُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ ، فَكَذَلِكَ الْكِنَايَةُ تَنْقَسِمُ كَذَلِكَ ، فَمِنْهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الصَّرِيحِ الْمُحَصِّلِ لِلْبَيْنُونَةِ ، وَهُوَ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ ، وَمِنْهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الْوَاحِدَةِ ، وَهُوَ مَا عَدَاهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( 5860 ) فَصْلٌ : وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَالْخِرَقِيِّ ؛ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهَذِهِ الْكِنَايَاتِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، كَقَوْلِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ ، فَلَمْ تَحْتَجْ إلَى نِيَّةٍ كَالصَّرِيحِ .
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا بِنِيَّةٍ ؛ لِقَوْلِهِ : وَإِذَا أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَقَعَ نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ .
فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الصَّرِيحِ لَا يَقَعُ إلَّا بِنِيَّةٍ ، وَلِأَنَّ هَذَا كِنَايَةٌ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ .

( 5861 ) فَصْلٌ : وَالْكِنَايَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ؛ ظَاهِرَةٌ ، وَهِيَ سِتَّةُ أَلْفَاظٍ ؛ خَلِيَّةٌ ، وَبَرِيَّةٌ ، وَبَائِنٌ ، وَبَتَّةٌ ، وَبَتْلَةٌ ، وَأَمْرُك بِيَدِك .
الْحُكْمُ فِيهَا مَا بَيَّنَّاهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ ، أَوْ أَلْبَتَّةَ .
فَكَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ بِهَا الطَّلَاقَ الصَّرِيحَ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْك .
وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا ، فَهِيَ ثَلَاثٌ .
قَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا ، وَلَا مَثْنَوِيَّةَ .
هَذِهِ مِثْلُ الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ ثَلَاثًا ، هَكَذَا هُوَ عِنْدِي .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِنْ قَالَ : وَلَا رَجْعَةَ لِي فِيهَا .
بِالْوَاوِ ، فَكَذَلِكَ .
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : تَكُونُ رَجْعِيَّةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْ الطَّلْقَةَ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا عَطَفَ عَلَيْهَا .
وَلَنَا ، أَنَّ الصِّفَةَ تَصِحُّ مَعَ الْعِطْفِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك بِعَشْرَةِ وَهِيَ مَغْرِبِيَّةٌ صَحَّ ، وَكَانَ صِفَةً لِلثَّمَنِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَائِنًا أَوْ وَاحِدَةً بَتَّةً .
فَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ؛ إحْدَاهُنَّ ، أَنَّهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ ، وَيَلْغُو مَا بَعْدَهَا .
قَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مُتَقَدِّمًا ، إنْ نَوَى وَاحِدَةً تَكُونُ بَائِنًا وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ ، فَلَغَتْ الصِّفَةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا تَقَعُ عَلَيْك .
وَالثَّانِيَةُ : هِيَ ثَلَاثٌ .
قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَقْتَضِي الثَّلَاثَ ، فَوَقَعَ ، وَلَغَا قَوْلُهُ : وَاحِدَةً .
كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ثَلَاثًا .
وَالثَّالِثَةُ ، رَوَاهَا حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ ، إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً أَلْبَتَّةَ ، فَإِنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا ، يَزِيدُهَا فِي مَهْرِهَا إنْ أَرَادَ رَجْعَتَهَا .
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ

أَوْقَعَ بِهَا وَاحِدَةً بَائِنًا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا ، وَلَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لَمَا كَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا ، وَلَا احْتَاجَتْ إلَى زِيَادَةٍ فِي مَهْرِهَا ، وَلَوْ وَقَعَ ثَلَاثٌ لَمَا حَلَّتْ لَهُ رَجْعَتُهَا .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَرَّجُ فِي جَمِيعِ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ .
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِصِفَةِ الْبَيْنُونَةِ ، فَوَقَعَ عَلَى مَا أَوْقَعَهُ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَمْ يَقْتَضِ عَدَدًا ، فَلَمْ يَقَعْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .
وَحَمَلَ الْقَاضِي رِوَايَةَ حَنْبَلٍ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .
الْقَسَمُ الثَّانِي ، مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَهِيَ ضَرْبَانِ ؛ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا ، وَهِيَ عَشْرَةٌ ؛ الْحَقِي بِأَهْلِك .
وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك .
وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك .
وَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَجٌ .
وَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .
وَاذْهَبِي فَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْت .
وَغَطِّي شَعْرَك .
وَأَنْتِ حُرَّةٌ .
وَقَدْ أَعْتَقْتُك .
فَهَذِهِ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا ثَلَاثٌ .
وَالثَّانِيَةُ ، تَرْجِعُ إلَى مَا نَوَاهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، فَوَاحِدَةٌ ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي ، مَقِيسٌ عَلَى هَذِهِ ، وَهِيَ اسْتَبْرِئِي رَحِمَك .
وَحَلَلْت لِلْأَزْوَاجِ .
وَتَقَنَّعِي .
وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك .
فَهَذِهِ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَهَا .
وَالصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ : الْحَقِي بِأَهْلِك .
أَنَّهَا وَاحِدَةٌ ، وَلَا تَكُونُ ثَلَاثًا إلَّا بِنِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنَةِ الْجَوْنِ : { الْحَقِي بِأَهْلِك } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُطَلِّقَ ثَلَاثًا وَقَدْ نَهَى أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنَةِ الْجَوْنِ : " الْحَقِي بِأَهْلِك " .
وَلَمْ يَكُنْ

طَلَاقًا غَيْرَ هَذَا ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُطَلِّقَ ثَلَاثًا ، فَيَكُونَ غَيْرَ طَلَاقِ السُّنَّةِ .
فَقَالَ : لَا أَدْرِي .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك .
لَا يَخْتَصُّ الثَّلَاثَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ الْوَاحِدَةِ ، كَمَا يَكُونُ مِنْ الثَّلَاثِ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ لِسَوْدَةِ ابْنَةِ زَمْعَةَ : اعْتَدِّي } ، فَجَعَلَهَا تَطْلِيقَةً .
وَرَوَى هُشَيْمٌ أَنْبَأْنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ نُعَيْمَ بْنَ دَجَاجَةَ الْأَسَدِيُّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : هِيَ عَلَيَّ حَرَجٌ .
وَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ : أَمَّا إنَّهَا لَيْسَتْ بِأَهْوَنِهِنَّ .
وَأَمَّا سَائِرُ اللَّفَظَاتِ ، فَإِنْ قُلْنَا : هِيَ ظَاهِرَةٌ ؛ فَلِأَنَّ مَعْنَاهَا مَعْنَى الظَّاهِرَةِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك ، وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك .
إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَبْتُوتَةِ ، أَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ وَسُلْطَانٌ .
وَقَوْلُهُ : أَنْتِ حُرَّةٌ ، أَوْ أَعْتَقْتُك .
يَقْتَضِي ذَهَابَ الرِّقِّ عَنْهَا ، وَخُلُوصَهَا مِنْهُ ، وَالرِّقُّ هَاهُنَا النِّكَاحُ .
وَقَوْلُهُ : أَنْتِ حَرَامٌ يَقْتَضِي بَيْنُونَتَهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ .
وَكَذَلِكَ : حَلَلْت لِلْأَزْوَاجِ ، لِأَنَّك بِنْتِ مِنِّي .
وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا .
وَإِنْ قُلْنَا : هِيَ وَاحِدَةٌ .
فَلِأَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : حَلَلْت لِلْأَزْوَاجِ .
أَيْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِك ، إذْ لَا يُمْكِنُ حِلُّهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَالْوَاحِدَةُ تُحِلُّهَا .
وَكَذَلِكَ : انْكِحِي مَنْ شِئْت .
وَسَائِرُ الْأَلْفَاظِ ، يَتَحَقَّقُ مَعْنَاهَا بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا .
الْقَسَمُ الثَّالِثُ ، الْخَفِيَّةُ نَحْوُ : اُخْرُجِي .
وَاذْهَبِي .
وَذُوقِي .
وَتَجَرَّعِي .
وَأَنْتِ مُخَلَّاةٌ .
وَاخْتَارِي .
وَوَهَبْتُك لِأَهْلِك .
وَسَائِرُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْفُرْقَةِ ، وَيُؤَدِّي مَعْنَى الطَّلَاقِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، فَهَذِهِ

ثَلَاثٌ إنْ نَوَى ثَلَاثًا ، وَاثْنَتَانِ إنْ نَوَاهُمَا ، وَوَاحِدَةٌ إنْ نَوَاهَا أَوْ أَطْلَقَ .
قَالَ أَحْمَدُ : مَا ظَهَرَ مِنْ الطَّلَاقِ فَهُوَ عَلَى مَا ظَهَرَ ، وَمَا عَنَى بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ عَلَى مَا عَنَى ، مِثْلُ : حَبْلُك عَلَى غَارِبِك .
إذَا نَوَى وَاحِدَةً ، أَوْ اثْنَتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى ، وَمِثْلُ : لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك .
وَإِذَا نَصَّ فِي هَاتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ ، فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْكِنَايَاتِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَقَعُ اثْنَتَانِ ، وَإِنْ نَوَاهُمَا وَقَعَ وَاحِدَةٌ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ وَاحِدَةٌ .
فَهِيَ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ ، لَكِنَّهَا لَا تَقَعُ بِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ .
وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الْوَاحِدَةِ .
وَإِنْ قَالَ : أَغْنَاك اللَّهُ .
فَهِيَ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ : أَغْنَاك اللَّهُ بِالطَّلَاقِ .
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ } .

( 5862 ) فَصْلٌ : وَالطَّلَاقُ الْوَاقِعُ بِالْكِنَايَاتِ رَجْعِيٌّ ، مَا لَمْ يَقَعْ الثَّلَاثُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّهَا بَوَائِنُ ، إلَّا : اعْتَدِّي .
وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك .
وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ ، فَتَقَعُ الْبَيْنُونَةُ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .
وَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَا اسْتِيفَاءِ عَدَدٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رَجْعِيًّا ، كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ ، وَمَا سَلَّمُوهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا تَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ قُلْنَا : فَيَنْبَغِي أَنْ تَبِينَ بِثَلَاثٍ ؛ لِأَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَا تَبِينُ إلَّا بِثَلَاثٍ أَوْ عِوَضٍ .

( 5863 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا لَا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْفِرَاقِ ، كَقَوْلِهِ : اُقْعُدِي .
وَقُومِي .
وَكُلِي .
وَاشْرَبِي .
وَاقْرَبِي .
وَأَطْعِمِينِي وَاسْقِينِي .
وَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْك .
وَغَفَرَ اللَّهُ لَك .
وَمَا أَحْسَنَك .
وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ بِكِنَايَةٍ ، وَلَا تَطْلُقُ بِهِ ، وَإِنْ نَوَى ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ ، فَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِ لَوَقَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ : كُلِي .
وَاشْرَبِي .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَقَوْلِنَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ كِنَايَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ : كُلِي أَلَمَ الطَّلَاقِ .
وَاشْرَبِي كَأْسَ الْفِرَاقِ .
فَوَقَعَ بِهِ ، كَقَوْلِنَا : ذُوقِي ، وَتَجَرَّعِي .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُسْتَعْمَلُ بِمُفْرَدِهِ إلَّا فِيمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ، كَنَحْوِ قَوْله تَعَالَى : { كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .
وَقَالَ : { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } .
فَلَمْ يَكُنْ كِنَايَةً ، كَقَوْلِهِ : أَطْعِمِينِي .
وَفَارَقَ ذُوقِي .
وَتَجَرَّعِي ؛ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَكَارِهِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { ذُقْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ .
} { وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } .
{ وَذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ } .
وَكَذَلِكَ التَّجَرُّعُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ } .
فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمَا مَا لَيْسَ مِثْلَهُمَا .

( 5864 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنَا مِنْك طَالِقٌ .
أَوْ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا ، فَقَالَتْ : أَنْتِ طَالِقٌ .
لَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ .
نَصَّ عَلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : تَطْلُقُ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْقَاسِمِ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إزَالَةُ النِّكَاحِ ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا ، فَإِذَا صَحَّ فِي أَحَدِهِمَا صَحَّ فِي الْآخَرِ .
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَحَلٌّ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، فَلَمْ يَقَعْ وَإِنْ نَوَى ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَنَا طَالِقٌ وَلَمْ يَقُلْ : مِنْك .
لَمْ يَقَعْ ، وَلَوْ كَانَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ لَوَقَعَ بِذَلِكَ ، كَالْمَرْأَةِ ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ ، وَالْمَرْأَةَ مَمْلُوكَةٌ ، فَلَمْ يَقَعْ إزَالَةُ الْمِلْكِ بِإِضَافَةِ الْإِزَالَةِ إلَى الْمَالِكِ ، كَالْعِتْقِ ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُطَلَّقٌ ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ .
وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : مَلَّكْت امْرَأَتِي أَمْرَهَا ، فَطَلَّقَتْنِي ثَلَاثًا .
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : خَطَّأَ اللَّهُ نَوَاهَا ، إنَّ الطَّلَاقَ لَك وَلَيْسَ لَهَا عَلَيْك .
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ( 5865 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنَا مِنْك بَائِنٌ .
أَوْ بَرِيءٌ .
فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهِ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ مَحَلٌّ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَةِ صَرِيحِهِ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَقَعْ بِإِضَافَةِ كِنَايَتِهِ إلَيْهِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .
وَالثَّانِي ، يَقَعُ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْنُونَةِ وَالْبَرَاءَةِ

يُوصَفُ بِهِمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ ، يُقَالُ : بَانَ مِنْهَا ، وَبَانَتْ مِنْهُ .
وَبَرِئَ مِنْهَا ، وَبَرِئَتْ مِنْهُ .
وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْفُرْقَةِ يُضَافُ إلَيْهِمَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } .
وَيُقَالُ : فَارَقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَفَارَقَهَا .
وَلَا يُقَالُ : طَلَّقَتْهُ .
وَلَا سَرَّحَتْهُ .
وَلَا تَطْلُقَا .
وَلَا تُسَرَّحَا .
وَإِنْ قَالَ : أَنَا بَائِنٌ .
وَلَمْ يَقُلْ : مِنْك .
فَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا قَالَ لَهَا : أَمْرُك بِيَدِك .
فَقَالَتْ : أَنْتِ بَائِنٌ .
وَلَمْ تَقُلْ : مِنِّي .
أَنَّهُ لَا يَقَعُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .
وَإِنْ قَالَتْ : أَنَا بَائِنٌ .
وَنَوَتْ ، وَقَعَ .
وَإِنْ قَالَتْ : أَنْتِ مِنِّي بَائِنٌ .
فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ ، فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُ ذَلِكَ .

( 5866 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ لَزِمَهُ ، نَوَاهُ ، أَوْ لَمْ يَنْوِهِ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ ، بَلْ يَقَعُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ .
وَلِأَنَّ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْقَوْلُ يَكْتَفِي فِيهِ بِهِ ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، إذَا كَانَ صَرِيحًا فِيهِ ، كَالْبَيْعِ .
وَسَوَاءٌ قَصَدَ الْمَزْحَ أَوْ الْجِدَّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ ، وَالطَّلَاقُ ، وَالرَّجْعَةُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ جِدَّ الطَّلَاقِ وَهَزْلَهُ سَوَاءٌ .
رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .
وَنَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ ، وَعُبَيْدَةَ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ .
فَأَمَّا لَفْظُ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ ، فَيُنْبِي عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ ؛ فَمَنْ جَعَلَهُ صَرِيحًا أَوْقَعَ بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ صَرِيحًا لَمْ يُوقِعْ بِهِ الطَّلَاقَ حَتَّى يَنْوِيَهُ ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ .

( 5867 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ الْأَعْجَمِيُّ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخْتَارٍ لِلطَّلَاقِ ، فَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ ، كَالْمُكْرَهِ .
فَإِنْ نَوَى مُوجِبَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، لَمْ يَقَعْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ اخْتِيَارُ مَا لَا يَعْلَمُهُ ، وَلِذَلِكَ لَوْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَنْ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا لَمْ يَكْفُرْ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ إذَا نَوَى مُوجِبَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَفَظَ بِالطَّلَاقِ نَاوِيًا مُوجِبَهُ ، فَأَشْبَهَ الْعَرَبِيَّ .
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ الْعَرَبِيُّ : بهشتم .
وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا .

( 5868 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لُزُوجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ : إحْدَاكُمَا طَالِقٌ .
أَوْ قَالَ لِحَمَاتِهِ : ابْنَتُك طَالِقٌ .
وَلَهَا بِنْتٌ سِوَى امْرَأَتِهِ .
أَوْ كَانَ اسْمُ زَوْجَتِهِ زَيْنَبَ ، فَقَالَ : زَيْنَبُ طَالِقٌ .
طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَاقَ غَيْرِهَا .
فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ .
لَمْ يُصَدَّقْ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، فَقَالَ لَحْمَاتِهِ : ابْنَتُك طَالِقٌ .
وَقَالَ : أَرَدْت ابْنَتَك الْأُخْرَى ، الَّتِي لَيْسَتْ بِزَوْجَتِي ، فَقَالَ : يَحْنَثُ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، فِي رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ ، اسْمَاهُمَا فَاطِمَةُ ، فَمَاتَتْ إحْدَاهُمَا ، فَقَالَ : فَاطِمَةُ طَالِقٌ .
يَنْوِي الْمَيِّتَةَ ، فَقَالَ : الْمَيِّتَةُ تَطْلُقُ ، قَالَ أَبُو دَاوُد : كَأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ فِي الْحُكْمِ .
وَقَالَ الْقَاضِي ، فِيمَا إذَا نَظَرَ إلَى امْرَأَتِهِ ، وَأَجْنَبِيَّةٍ ، فَقَالَ : إحْدَاكُمَا طَالِقٌ .
وَقَالَ : أَرَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ .
فَهَلْ يُقْبَلُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُقْبَلُ هَاهُنَا ، وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا إذَا قَالَ : زَيْنَبُ طَالِقٌ .
وَقَالَ : أَرَدْت أَجْنَبِيَّةً اسْمُهَا زَيْنَبُ .
لِأَنَّ زَيْنَبَ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَجْنَبِيَّةَ بِصَرِيحِهِ ، بَلْ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ ، وَقَدْ عَارِضَهُ دَلِيلٌ آخِرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُ غَيْرَ زَوْجَتِهِ أَظْهَرُ ، فَصَارَ اللَّفْظُ فِي زَوْجَتِهِ أَظْهَرَ ، فَلَمْ يُقْبَلْ خِلَافُهُ ، أَمَّا إذَا قَالَ : إحْدَاهُمَا .
فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَجْنَبِيَّةَ بِصَرِيحِهِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : يُقْبَلُ فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ امْرَأَتِهِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ ، فَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ بِهَا ، كَمَا لَوْ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ : زَيْنَبُ طَالِقٌ .
عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْفَرْقِ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ إحْدَاكُمَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71