الكتاب : المغني
المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي

( 7994 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى .
فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْيَمِينِ كَلَامٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَالِفَ إذَا قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .
مَعَ يَمِينِهِ ، فَهَذَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .
فَقَدْ اسْتَثْنَى } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْنَاءً ، وَأَنَّهُ مَتَى اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ لِمَ يَحْنَثْ فِيهَا ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَلَفَ فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .
لَمْ يَحْنَثْ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى أَبُو دَاوُد : { مَنْ حَلَفَ ، فَاسْتَثْنَى فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ } وَلِأَنَّهُ مَتَى قَالَ : لَأَفْعَلَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَتَى شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ ، وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ ، بِحَيْثُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ ، وَلَا يَسْكُتُ بَيْنَهُمَا سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ ، فَأَمَّا السُّكُوتُ لِانْقِطَاعِ نَفَسِهِ أَوْ صَوْتِهِ ، أَوْ عَيٍّ ، أَوْ عَارِضٍ ، مِنْ عَطْسَةٍ ، أَوْ شَيْءٍ غَيْرِهَا ، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَثُبُوتَ حُكْمِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ الرَّأْيِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ ، فَاسْتَثْنَى } وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَقِيبَهُ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ ، فَاعْتُبِرَ اتِّصَالُهُ بِهِ ، كَالشَّرْطِ وَجَوَابِهِ ، وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ ، وَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا ، وَلِأَنَّ الْحَالِفَ إذَا سَكَتَ ثَبَتَ حُكْمُ يَمِينِهِ ،

وَانْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِحُكْمِهَا ، وَبَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَلَا تَغْيِيرُهُ .
قَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ : { إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك } .
وَلَمْ يَقُلْ : فَاسْتَثْنِ .
وَلَوْ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ حَالٍ ، لَمْ يَحْنَثْ حَانِثٌ بِهِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا .
قَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا .
ثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ } إنَّمَا هُوَ اسْتِثْنَاءٌ بِالْقُرْبِ ، وَلَمْ يَخْلِطْ كَلَامَهُ بِغَيْرِهِ .
وَنَقَلَ عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ مِثْلَ هَذَا ، وَزَادَ قَالَ : وَلَا أَقُولُ فِيهِ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ .
يَعْنِي مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ إلَّا مُتَّصِلًا .
وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْيَمِينِ كَلَامٌ .
وَلَمْ يَشْتَرِطْ اتِّصَالَ الْكَلَامِ وَعَدَمَ السُّكُوتِ .
وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ فِي رَجُلٍ حَلَفَ : لَا أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا .
ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً لَا يَتَكَلَّمُ ، وَلَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ ، فَقَالَ لَهُ إنْسَانٌ : قُلْ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .
فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .
أَيُكَفِّرُ ، يَمِينَهُ ؟ قَالَ : أُرَاهُ قَدْ اسْتَثْنَى .
وَقَالَ قَتَادَةُ : لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِي قَبْلَ أَنْ يَقُومَ أَوْ يَتَكَلَّمَ .
وَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَثْنَى بَعْدَ سُكُوتِهِ ، إذْ قَالَ : { وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا .
ثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ } وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَزَادَ : قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ .
وَيُشْتَرَطُ ، عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة ، أَنْ لَا يُطِيلَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَتَكَلَّمَ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ

أَجْنَبِيٍّ وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّهُ قَالَ : يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ .
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ ، وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ : قَدْرُ حَلْبِ النَّاقَةِ الْغَرُوزَةِ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بَعْدَ حِينٍ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ .
وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَصِحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَتَقْدِيرُهُ بِمَجْلِسٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَاتِ بَابُهَا التَّوْقِيفُ ، فَلَا يُصَارُ إلَيْهَا بِالتَّحَكُّمِ .

( 7995 ) فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بِلِسَانِهِ ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْقَلْبِ .
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ } .
وَالْقَوْلُ هُوَ النُّطْقُ ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : إنْ كَانَ مَظْلُومًا فَاسْتَثْنَى فِي نَفْسِهِ ؛ رَجَوْت أَنْ يَجُوزَ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ .
فَهَذَا فِي حَقِّ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ أَوْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَأَوِّلِ ، وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَا .
( 7996 ) فَصْلٌ : وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أَنْ يَقْصِدَ الِاسْتِثْنَاءَ ، فَلَوْ أَرَادَ الْجَزْمَ ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ جَارِيَةً بِالِاسْتِثْنَاءِ ، فَجَرَى لِسَانُهُ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمَّا لَمْ يَنْعَقِدْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَقْصِدَهُ مَعَ ابْتِدَاءِ يَمِينِهِ ، فَلَوْ حَلَفَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلِاسْتِثْنَاءِ ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْيَمِينِ فَاسْتَثْنَى لَمْ يَنْفَعْهُ .
وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا يُخَالِفُ عُمُومَ الْخَبَرِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ } وَلِأَنَّ لَفْظَ الِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عَقِيبَ يَمِينِهِ ، فَكَذَلِكَ نِيَّتُهُ

( 7997 ) فَصْلٌ : يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَالظِّهَارِ ، وَالنَّذْرِ .
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : مَنْ اسْتَثْنَى فِي يَمِينٍ تَدْخُلُهَا كَفَّارَةٌ ، فَلَهُ ثُنْيَاهُ ، لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مُكَفَّرَةٌ ، فَدَخَلَهَا الِاسْتِثْنَاءُ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، فَلَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
أَوْ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .
أَوْ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .
أَوْ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .
لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : { مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .
لَمْ يَحْنَثْ } .

( 7998 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ .
أَوْ : لَا أَشْرَبُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ .
لَمْ يَحْنَثْ بِالشُّرْبِ وَلَا بِتَرْكِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِثْبَاتِ .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقْدِيمِ الِاسْتِثْنَاءِ وَتَأْخِيرِهِ فِي هَذَا كُلِّهِ ، فَإِذَا قَالَ : وَاَللَّهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَا أَشْرَبُ الْيَوْمَ .
أَوْ : لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ .
فَفَعَلَ أَوْ تَرَكَ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وَتَأْخِيرَهُ سَوَاءٌ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى : { إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } .

( 7999 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ ، إنْ شَاءَ زَيْدٌ .
فَشَاءَ زَيْدٌ ، لَزِمَهُ الشُّرْبُ ، فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ حَنِثَ ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ زَيْدٌ لَمْ يَلْزَمْهُ يَمِينٌ ، فَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ مَشِيئَتُهُ لِغَيْبَةٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ مَوْتٍ ، انْحَلَّتْ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ مَنَعَ نَفْسَهُ الشُّرْبَ إلَّا أَنْ تُوجَدَ مَشِيئَةُ زَيْدٍ فَإِنْ شَاءَ فَلَهُ الشُّرْبُ ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَشْرَبْ ، وَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ لِغِيبَةٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ ، لَمْ يَشْرَبْ ، وَإِنْ شَرِبَ حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ إلَّا أَنْ تُوجَدَ الْمَشِيئَةُ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ قَبْلَ وُجُودِهَا .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ .
فَقَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الشُّرْبَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ أَنْ لَا يَشْرَبَ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ ضِدُّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إيجَابٌ لِشُرْبِهِ بِيَمِينِهِ ، فَإِنْ شَرِبَ قَبْلَ مَشِيئَةِ زَيْدٍ بَرَّ .
وَإِنْ قَالَ زَيْدٌ : قَدْ شِئْت أَنْ لَا يَشْرَبَ .
انْحَلَّتْ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ لِتَرْكِ الشُّرْبِ ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ ، فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُهَا .
وَإِنْ قَالَ : قَدْ شِئْت أَنْ يَشْرَبَ .
أَوْ : مَا شِئْت أَنْ لَا يَشْرَبَ .
لَمْ تَنْحَلَّ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَشِيئَةَ غَيْرُ الْمُسْتَثْنَاةِ ، فَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ ، لَزِمَهُ الشُّرْبُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ وُجُوبَ الشُّرْبِ بِعَدَمِ الْمَشِيئَةِ ، وَهِيَ مَعْدُومَةٌ بِحُكْمِ الْأَصْلِ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْيَوْمَ ، إنْ شَاءَ زَيْدٌ .
فَقَالَ زَيْدٌ : قَدْ شِئْت أَنْ لَا تَشْرَبَ .
فَشَرِبَ حَنِثَ ، وَإِنْ شَرِبَ قَبْلَ مَشِيئَتِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الشُّرْبِ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَتِهِ ، وَلَمْ تَثْبُتْ مَشِيئَتُهُ ، فَلَمْ يَثْبُتْ الِامْتِنَاعُ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .
وَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ ، فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومَةِ .

وَالْمَشِيئَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ .

( 8000 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا اسْتَثْنَى فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ .
وَقَدْ قَطَعَ فِي مَوْضِعٍ ، أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ يَعْنِي إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .
أَوْ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .
فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي الْجَوَابِ ؛ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهَا ، وَتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ ، وَفِي مَوْضِعٍ قَطَعَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِمَا .
قَالَ ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ وَحَنْبَلٍ : مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .
لَمْ يَحْنَثْ ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِثْنَاءٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .
قَالَ حَنْبَلٌ : قَالَ : لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْأَيْمَانِ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ .
وَقَالَ طَاوُسٌ ، وَحَمَّادٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِمَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ } .
وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ بِشَرْطٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُهُ ، فَلَمْ يَقَعَا ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ زَيْدٍ ، وَلَمْ تَتَحَقَّقْ مَشِيئَتُهُ وَلَنَا ، أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ ، فَوَقَعَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ ، وَالْحَدِيثُ إنَّمَا تَنَاوَلَ الْأَيْمَانَ ، وَلِيس هَذَا بِيَمِينٍ ، إنَّمَا هُوَ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إنَّمَا وَرَدَّ التَّوْقِيفُ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى ، وَقَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ : الْأَيْمَانُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .
إنَّمَا جَاءَ عَلَى التَّقْرِيبِ ، وَالِاتِّسَاعِ وَلَا يَمِينَ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا بِاَللَّهِ - تَعَالَى ، وَهَذَا طَلَاقٌ وَعَتَاقٌ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الطَّلَاقِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا .

( 8001 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا قَالَ : إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ .
لَمْ تَطْلُقْ إنْ تَزَوَّجَ بِهَا .
وَإِنْ قَالَ : إذَا مَلَكْت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَهُ صَارَ حُرًّا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، فَعَنْهُ : لَا يَقَعُ طَلَاقٌ ، وَلَا عِتْقٌ .
رُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعُرْوَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَسَوَّارٌ وَالْقَاضِي ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ ، قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَا طَلَاقَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ، وَإِنْ عَيَّنَهَا } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي عَنْ الْخَلَّالِ ، عَنْ الرَّمَادِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنْ الضَّحَّاكِ ، عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ } .
قَالَ أَحْمَدُ : هَذَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ .
وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ ، لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُ صِفَةٌ ، كَالْمَجْنُونِ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدْ ، أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْعِتْقِ وَلَا يَصِحُّ فِي الطَّلَاقِ .
قَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : إذَا قَالَ : إنْ اشْتَرَيْت هَذَا الْغُلَامَ فَهُوَ حُرٌّ .
فَاشْتَرَاهُ عَتَقَ ، وَإِنْ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ .
فَهَذَا غَيْرُ الطَّلَاقِ ، هَذَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَالطَّلَاقُ يَمِينٌ ، لَيْسَ هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلَا فِيهِ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ الشَّافِي : لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ الطَّلَاقَ إذَا وَقَعَ قَبْلَ النِّكَاحِ لَا يَقَعُ ، وَأَنَّ الْعَتَاقَ يَقَعُ ، إلَّا مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونُ فِي الْعِتْقِ ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ ، وَمَا أُرَاهُ إلَّا غَلَطًا ، كَذَلِكَ سَمِعْت الْخَلَّالَ يَقُولُ ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَ فَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ نَاذِرَ الْعِتْقِ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَأَنَّ نَاذِرَ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، فَكَمَا افْتَرَقَا فِي النَّذْرِ ، جَازَ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي الْيَمِينِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ : أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرُّ .
فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَهُوَ تَعْلِيقٌ لِلْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمِلْكِ .
وَعَنْ أَحْمَدْ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ .
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْأَخْطَارِ ، فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى حُدُوثِ الْمِلْكِ ، كَالْوَصِيَّةِ وَالنَّذْرِ وَالْيَمِينِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ خَصَّ جِنْسًا مِنْ الْأَجْنَاسِ ، أَوْ عَبْدًا بِعَيْنِهِ ، عَتَقَ إذَا مَلَكَهُ ، وَإِنْ قَالَ : كُلُّ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ .
لَمْ يَصِحَّ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ قَبْلَ الْمِلْكِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .
أَوْ لِأَمَةِ غَيْرِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ الْأَجْنَبِيَّةَ ، وَمَلَكَ الْأَمَةَ ، وَدَخَلَتَا الدَّارَ ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ

لَا يَقَعُ ، وَلَا تَعْتِقُ الْأَمَةُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .

( 8002 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَنْكِحَ فُلَانَةَ ، أَوْ : لَا اشْتَرَيْت فُلَانَةَ .
فَنَكَحَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا ، أَوْ اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا ، لَمْ يَحْنَثْ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ زَوَّجْتُك ، أَوْ بِعْتُك ، فَأَنْتَ حُرٌّ .
فَزَوَّجَهُ تَزْوِيجًا فَاسِدًا ، لَمْ يَعْتِقْ ، وَإِنْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا يُمْلَكُ بِهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ عِنْدَهُ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ ، إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ .
وَلَنَا ، أَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ يَنْصَرِفُ إلَى الصَّحِيحِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ - تَعَالَى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } .
وَأَكْثَرُ أَلْفَاظِهِ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الصَّحِيحِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِمَا دُونَهُ ، كَمَا فِي النِّكَاحِ ، وَكَالصَّلَاةِ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهِ لَا نُسَلِّمُهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَحْنَثُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ .
وَهَلْ يَحْنَثُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا مُخْتَلَفًا فِيهِ ، مِثْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ ، أَوْ بَاعَ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إنْ تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا مُخْتَلَفًا فِيهِ ، أَوْ مَلَكَ مِلْكًا مُخْتَلَفًا فِيهِ ، حَنِثَ فِيهِمَا جَمِيعًا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ ، وَبَيْعٌ فَاسِدٌ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِمَا ، كَالْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِمَا .
( 8003 ) فَصْلٌ : وَالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ سَوَاءٌ فِي هَذَا .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إذَا حَلَفَ مَا صَلَّيْت وَلَا تَزَوَّجْت ، وَلَا بِعْت ، وَكَانَ قَدْ فَعَلَهُ فَاسِدًا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ الْمَاضِيَ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ إلَّا الِاسْمُ ، وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُهُ ، وَالْمُسْتَقْبَلُ بِخِلَافِهِ ، فَإِنَّهُ يُرَادُ بِالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ الْمِلْكُ ، وَبِالصَّلَاةِ الْقُرْبَةُ .
وَلَنَا ، أَنَّ مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، لَا يَتَنَاوَلُهُ فِي الْمَاضِي ، كَالْإِيجَابِ ، وَكَغَيْرِ

الْمُسَمَّى وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُهُ إلَّا الشَّرْعِيُّ ، وَلَا يَحْصُلُ .

( 8004 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ، فَبَاعَ بَيْعًا فِيهِ الْخِيَارُ ، حَنِثَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ شَرْعِيٌّ ، فَيَحْنَثُ بِهِ ، كَالْبَيْعِ اللَّازِمِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ فَإِنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَهُوَ سَبَبٌ لَهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ

فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ، أَوْ لَا يُزَوِّجُ ، فَأَوْجَبَ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ ، وَلَمْ يَقْبَلْ الْمُتَزَوِّجُ وَالْمُشْتَرِي ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ عَقْدَانِ لَا يَتِمَّانِ إلَّا بِالْقَبُولِ فَلَمْ يَقَعْ الِاسْمُ عَلَى الْإِيجَابِ بِدُونِهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ ، وَلَا يُعِيرُ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَحْنَثُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَابْنِ سُرَيْجٍ ، لِأَنَّ الْهِبَةَ وَالْعَارِيَّةَ لَا عِوَضَ فِيهِمَا ، فَكَانَ مُسَمَّاهُمَا الْإِيجَابَ ، وَالْقَبُولُ شَرْطٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ السَّبَبِ ، فَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ فِيهِمَا ، كَالْوَصِيَّةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبُولِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ ، كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ .
فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ وَالْهَدِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ .
وَلَا أَعْلَمُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِيهَا ، إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْهَدِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهِمَا بِدُونِ الْقَبُولِ ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } إنَّمَا أَرَادَ الْإِيجَابَ دُونَ الْقَبُولِ ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي ، وَلَا قَبُولَ لَهَا حِينَئِذٍ .
( 8006 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ ، حَنِثَ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ ، وَالْقَبُولُ الصَّحِيحُ .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِهِ الْمُسَمَّى الشَّرْعِيُّ ، فَتَنَاوَلَهُ يَمِينُهُ .
وَإِنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ ، بَرَّ بِذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَسَوَاءٌ تَزَوَّجَ نَظِيرَتَهَا أَوْ دُونَهَا أَوْ أَعْلَى مِنْهَا ، إلَّا أَنْ يَحْتَالَ عَلَى

حَلِّ يَمِينِهِ بِتَزْوِيجٍ لَا يُحَصِّلُ مَقْصُودَهَا ، مِثْلَ أَنْ يُوَاطِئَ امْرَأَتَهُ عَلَى نِكَاحٍ لَا يَغِيظُهَا بِهِ ، لِيَبَرَّ فِي يَمِينِهِ ، فَلَا يَبَرُّ بِهَذَا .
وَقَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ ، لَا يَبَرُّ حَتَّى يَتَزَوَّجَ نَظِيرَتَهَا ، وَيَدْخُلَ بِهَا .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ غَيْظَ زَوْجَتِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا صَحِيحًا ، فَبَرَّ بِهِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ نَظِيرَتَهَا ، وَدَخَلَ بِهَا ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْغَيْظَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَزْوِيجِ نَظِيرَتِهَا ، وَالدُّخُولِ بِهَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ فَإِنَّ الْغَيْظَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْخِطْبَةِ ، وَإِنْ حَصَلَ بِمَا ذَكَرُوهُ زِيَادَةٌ فِي الْغَيْظِ فَلَا تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْغَيْظِ الَّذِي يَحْصُلُ بِمَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نِكَاحُ اثْنَتَيْنِ وَلَا ثَلَاثٍ ، وَلَا أَعْلَى مِنْ نَظِيرَتِهَا ، وَاَلَّذِي تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ مُجَرَّدُ التَّزْوِيجِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَى امْرَأَتِهِ ، حَنِثَ بِهَذَا ، فَكَذَلِكَ يَحْصُلُ الْبَرُّ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى وَاحِدٌ ، فَمَا تَنَاوَلَهُ النَّفْيُ تَنَاوَلَهُ فِي الْإِثْبَاتِ ، وَإِنَّمَا لَا يَبَرُّ إذَا تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْغَيْظُ ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الصُّورَةِ وَنَظَائِرِهَا ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ ، وَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ ، وَلِأَنَّ التَّزْوِيجَ هَاهُنَا يَحْصُلُ حِيلَةً عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ يَمِينِهِ بِمَا لَا يُحَصِّلُ مَقْصُودَهَا ، فَلَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ حِيلَتُهُ .
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فَقَالَ : إذَا حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَتَزَوَّجَ بِعَجُوزٍ أَوْ زِنْجِيَّةٍ ، لَا يَبَرُّ ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُغَيِّرَهَا وَيَغُمَّهَا ، وَبِهَذَا لَا تَغَارُ وَلَا تَغْتَمُّ .
فَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِمَا لَا يَغِيظُ بِهِ الزَّوْجَةَ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَنْ تَكُونَ نَظِيرَتَهَا ؛ لِأَنَّ الْغَيْظَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ قَدَّرَ أَنْ

تَزَوُّجَ الْعَجُوزِ يَغِيظُهَا وَالزِّنْجِيَّةِ ، لَبَرَّ بِهِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَغِيظُهَا ، لِأَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً لِئَلَّا يَغِيظَهَا ، وَيَبَرَّ بِهِ .

( 8007 ) فَصْلٌ : إذَا حَلَفَ : لَا تَسَرَّيْت .
فَوَطِئَ جَارِيَتَهُ ، حَنِثَ ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَطَأَ فَيُنْزِلَ ، فَحْلًا كَانَ أَوْ خَصِيًّا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُحْصِنَهَا وَيَحْجُبَهَا عَنْ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ التَّسَرِّيَ مَأْخُوذٌ مِنْ السِّرِّ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ كَهَذِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ التَّسَرِّيَ مَأْخُوذٌ مِنْ السِّرِّ ، وَهُوَ الْوَطْءُ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي السِّرِّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا } وَقَالَ الشَّاعِرُ : فَلَنْ تَطْلُبُوا سِرَّهَا لِلْغِنَى وَلَنْ تُسْلِمُوهَا لِإِزْهَادِهَا وَقَالَ آخِرُ أَلَا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْقَوْمِ أَنَّنِي كَبِرْت وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي وَلِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْإِنْزَالُ وَلَا التَّحْصِينُ ، كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ .

( 8008 ) فَصْلٌ : إذَا حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ ، فَأَهْدَى إلَيْهِ ، أَوْ أَعْمَرَهُ حَنِثَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِبَةِ ، وَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ ، أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى عَلَيْهِ ، يَجِبُ إخْرَاجُهُ ، فَلَيْسَ هُوَ بِهِبَةٍ مِنْهُ ، وَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَحْنَثُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَحْنَثُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ اسْمًا وَحُكْمًا ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ } .
وَكَانَتْ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ ، وَالْهَدِيَّةُ حَلَالٌ لَهُ ، وَكَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ ، وَمَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا يَحْنَثُ فِي أَحَدِهِمَا بِفِعْلِ الْآخَرِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ تَبَرَّعَ بِعَيْنٍ فِي الْحَيَاةِ ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَالْهَدِيَّةِ ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُسَمَّى هِبَةً ، فَلَوْ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ ، قِيلَ : وَهَبَ دِرْهَمًا ، وَتَبَرَّعَ بِدِرْهَمٍ .
وَاخْتِلَافُ التَّسْمِيَة لِكَوْنِ الصَّدَقَةِ نَوْعًا مِنْ الْهِبَةِ ، فَيَخْتَصُّ بَاسِمٍ دُونَهَا ، كَاخْتِصَاصِ الْهَدِيَّةِ وَالْعُمْرَى بِاسْمَيْنِ ، وَلَمْ يُخْرِجْهُمَا ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِمَا هِبَةً ، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ لِلنَّوْعِ مَا لَا يَثْبُتُ لِلْجِنْسِ ، كَمَا يَثْبُتُ لِلْآدَمِيِّ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا لَا يَثْبُتُ لِمُطْلَقِ الْحَيَوَانِ .
وَإِنْ وَصَّى لَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ ، وَالْوَصِيَّةُ إنَّمَا تُمْلَكُ بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ .
وَإِنْ أَعَارَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ الْأَعْيَانِ ، وَلَيْسَ فِي الْعَارِيَّةِ تَمْلِيكُ عَيْنٍ ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ ، وَإِنَّمَا يَسْتَبِيحُهَا ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْمُعِيرُ الرُّجُوعَ فِيهَا ، وَلَا يَمْلِكُ الْمُسْتَعِيرُ إجَارَتَهَا ، وَلَا إعَارَتَهَا .
هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ،

وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
وَإِنْ أَضَافَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْلِكْهُ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِغَيْرِ الْأَكْلِ .
وَإِنْ بَاعَهُ وَحَابَاهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ يَمْلِكُ الشَّفِيعُ أَخْذَ جَمِيعِ الْمَبِيعِ ، وَلَوْ كَانَ هِبَةً أَوْ بَعْضُهُ هِبَةً ، لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَهُ كُلَّهُ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَتْرُكُ لَهُ بَعْضَ الْمَبِيعِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ ، أَوْ وَهَبَهُ بَعْضَ الثَّمَنِ .
وَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ لَهُ بِعَيْنٍ فِي الْحَيَاةِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُمْلَكُ ، فِي رِوَايَةٍ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ، فَوَهَبَ لَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ نَوْعٌ مِنْ الْهِبَةِ ، وَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ عَلَى نَوْعٍ بِفِعْلِ نَوْعٍ آخَرَ ، وَلَا يَثْبُتُ لِلْجِنْسِ حُكْمُ النَّوْعِ ، وَلِهَذَا حَرُمَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ تَحْرُمْ الْهِبَةُ وَلَا الْهَدِيَّةُ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ شَيْئًا ، فَأَسْقَطَ عَنْهُ دَيْنًا ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ .

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ فُلَانًا ، أَوْ لَا يَضْرِبَهُ ، فَوَكَّلَ فِي الشِّرَاءِ وَالضَّرْبِ ، حَنِثَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ .
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِيَمِينِهِ أَنْ لَا يَسْتَنِيبَ فِي فِعْلِهِ ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِمُبَاشَرَتِهِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ إضَافَةِ الْفِعْلِ يَقْتَضِي مُبَاشَرَتَهُ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَكُلَّهُ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ لِلْوَكِيلِ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَلَا يَضْرِبُ ، فَأَمَرَ مَنْ فِعْلِهِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّاهُ ، كَالسُّلْطَانِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ ، فَأَمَرَ مَنْ حَلَقَهُ ، فَقِيلَ : فِيهِ قَوْلَانِ وَقِيلَ : يَحْنَثُ ، قَوْلًا وَاحِدًا .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ، فَوَكَّلَ مَنْ بَاعَ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ ، وَلَا يَتَزَوَّجُ ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ ، حَنِثَ .
وَلَنَا أَنَّ الْفِعْلَ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ وَكَّلَ فِيهِ ، وَأَمَرَ بِهِ ، فَيَحْنَثُ بِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ ، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ ، فَأَمَرَ مَنْ حَلَقَهُ ، أَوْ لَا يَضْرِبُ ، فَوَكَّلَ مَنْ ضَرَبَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } وَقَالَ : { مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } .
وَكَانَ هَذَا مُتَنَاوِلًا لِلِاسْتِنَابَةِ فِيهِ .
وَلِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وُجِدَ مِنْ نَائِبِهِ ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا ، فَأَمَرَ مَنْ حَمَلَهُ إلَيْهَا .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَيْهِ تَقْتَضِي الْمُبَاشَرَةَ بِمَنْعِهِ .
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَ فِي فِعْلٍ يَمْتَنِعُ عَلَى الْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ فِيهِ ، وَلَئِنْ

سَلَّمْنَا ، فَلِأَنَّ التَّوْكِيلَ يُقْصَدُ بِهِ الْأَمَانَةُ وَالْحِذْقُ ، وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِيهِمَا ، فَإِذَا عَيَّنَ وَاحِدًا ، لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَةُ تَعْيِينِهِ ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ .
فَأَمَّا إنْ نَوَى بِيَمِينِهِ الْمُبَاشَرَةَ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِيهَا ، أَوْ قَرِينَةُ حَالِهِ ، تَخَصَّصَ بِهَا ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يُقَيَّدُ بِنِيَّتِهِ ، أَوْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ بِلَفْظِهِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَيَشْتَرِيَنَّ ، أَوْ لَيَبِيعَنَّ ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، بَرَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي طَرَفِ النَّفْيِ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ } .
تَنَاوَلَ مَنْ حُلِقَ رَأْسُهُ بِأَمْرِهِ .

( 8010 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ زَوْجَتَهُ ، أَوْ لَا يُطَلِّقُهَا ، فَوَكَّلَ مَنْ طَلَّقَهَا ، أَوْ قَالَ لَهَا : طَلِّقِي نَفْسَكِ فَطَلَّقَهَا أَوْ قَالَ لَهَا : اخْتَارِي ، أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِك .
فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ، بَرَّ ، وَحَنِثَ .
وَالْخِلَافُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت ، أَوْ إنْ قُمْت .
فَشَاءَتْ ، أَوْ قَامَتْ حَنِثَ .
بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا هِيَ حَقَّقَتْ شَرْطَهُ .

( 8011 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ ، فَلَطَمَهَا ، أَوْ لَكَمَهَا ، أَوْ ضَرَبَهَا بِعَصًا أَوْ غَيْرِهَا ، حَنِثَ .
بِغَيْرِ خِلَافٍ .
وَإِنْ عَضَّهَا ، أَوْ خَنَقَهَا ، أَوْ جَزَّ شَعْرَهَا جَزًّا يُؤْلِمُهَا ، قَاصِدًا لِلْإِضْرَارِ بِهَا ، حَنِثَ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى ضَرْبًا ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ ، كَمَا لَوْ شَتَمَهَا شَتْمًا آلَمَهَا .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ؛ فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْهُ ، فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ لَمْ أَضْرِبْك الْيَوْمَ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَعَضَّهَا ، أَوْ قَرَصَهَا ، أَوْ أَمْسَكَ شَعْرَهَا ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى مِنْ ذَلِكَ .
قَالَ الْقَاضِي : فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الضَّرْبِ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا فِي الْعُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لِكَفِّ الْأَذَى الْمُؤْلِمِ لِلْجِسْمِ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : تَضَارَبَا .
إذَا فَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَذَا بِصَاحِبِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا آلَةٌ ، وَفَارَقَ الشَّتْمَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤْلِمُ الْجِسْمَ ، وَإِنَّمَا يُؤْلِمُ الْقَلْبَ .

( 8012 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَنْ حَلَفَ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ ، أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا ، حَنِثَ وَبِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَحْنَثُ .
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ لَا يُكَلَّفُ حَالَ نِسْيَانِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْحِنْثُ ، كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ مَعَ النِّسْيَانِ ، كَالْإِتْلَافِ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ عَلَى شَرْطٍ ، فَيُوجَدُ بِوِجْدَانِ شَرْطِهِ ، كَالْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ .

( 8013 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا حَلَفَ ، فَتَأَوَّلَ فِي يَمِينِهِ ، فَلَهُ تَأْوِيلُهُ إذَا كَانَ مَظْلُومًا ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا ، لَمْ يَنْفَعْهُ تَأْوِيلُهُ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُك } مَعْنَى التَّأْوِيلِ ، أَنْ يَقْصِدَ بِكَلَامِهِ مُحْتَمَلًا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ ، نَحْوَ أَنْ يَحْلِفَ إنَّهُ أَخِي ، يَقْصِدُ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ ، أَوْ الْمُشَابَهَةَ ، أَوْ يَعْنِي بِالسَّقْفِ وَالْبِنَاءِ السَّمَاءَ ، وَبِالْبِسَاطِ وَالْفِرَاشِ الْأَرْضَ ، وَبِالْأَوْتَادِ الْجِبَالَ ، وَبِاللِّبَاسِ اللَّيْلَ ، أَوْ يَقُولَ : مَا رَأَيْت فُلَانًا .
يَعْنِي مَا ضَرَبْت رِئَتَهُ .
وَلَا ذَكَرْتُهُ .
يُرِيدُ مَا قَطَعْت ذَكَرَهُ .
أَوْ يَقُولَ : جَوَارِيَّ أَحْرَارٌ .
يَعْنِي سُفُنَهُ .
وَنِسَائِي طَوَالِقُ .
يَعْنِي نِسَاءَ الْأَقَارِبِ مِنْهُ .
أَوْ يَقُولَ : مَا كَاتَبْت فُلَانًا ، وَلَا عَرَفْته ، وَلَا أَعْلَمْته ، وَلَا سَأَلْته حَاجَةً ، وَلَا أَكَلْت لَهُ دَجَاجَةً ، وَلَا فَرُّوجَةً ، وَلَا شَرِبْت لَهُ مَاءً ، وَلَا فِي بَيْتِي فُرُشٌ وَلَا حَصِيرٌ ، وَلَا بَارِيَةٌ وَيَنْوِي بِالْمُكَاتَبَةِ مُكَاتَبَةَ الرَّقِيقِ ، وَبِالتَّعْرِيفِ جَعْلَهُ عَرِيفًا ، وَبِالْإِعْلَامِ جَعْلَهُ أَعْلَمَ الشَّفَةِ ، وَالْحَاجَةِ شَجَرَةً صَغِيرَةً ، وَالدَّجَاجَةِ الْكَنَّةَ مِنْ الْغَزْلِ ، وَالْفَرُّوجَةِ الدُّرَّاعَةَ ، وَالْفُرُشِ صِغَارَ الْإِبِلِ ، وَالْحَصِيرِ الْحَبْسَ ، وَالْبَارِيَةِ السِّكِّينَ الَّتِي يُبْرَى بِهَا .
أَوْ يَقُولَ : مَا لِفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ ، وَلَا شَيْءٌ .
يَعْنِي بِ " مَا " " الَّذِي " .
أَوْ يَقُولَ : مَا فُلَانٌ هَاهُنَا .
وَيَعْنِي مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ .
أَوْ يَقُولَ : وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت مِنْ هَذَا شَيْئًا ، وَلَا أَخَذْت مِنْهُ .
يَعْنِي الْبَاقِيَ بَعْدَ أَخْذِهِ وَأَكْلِهِ .
فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يَسْبِقُ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ خِلَافُهُ ، إذَا عَنَاهُ بِيَمِينِهِ ، فَهُوَ تَأْوِيلٌ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ .
وَلَا يَخْلُو حَالُ الْحَالِفِ الْمُتَأَوِّلِ ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ؛ أَنْ يَكُونَ

مَظْلُومًا ، مِثْلَ مَنْ يَسْتَحْلِفُهُ ظَالِمٌ عَلَى شَيْءٍ ، لَوْ صَدَقَهُ لَظَلَمَهُ ، أَوْ ظَلَمَ غَيْرَهُ ، أَوْ نَالَ مُسْلِمًا مِنْهُ ضَرَرٌ .
فَهَذَا لَهُ تَأْوِيلُهُ .
قَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ ، اسْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَاطِمَةُ ، فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ، فَحَلَفَ بِطَلَاقِ فَاطِمَةَ ، وَنَوَى الَّتِي مَاتَتْ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ لَهُ ظَالِمًا ، فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ صَاحِبِ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُطَلِّقُ هُوَ الظَّالِمَ ، فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الَّذِي اسْتَحْلَفَ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُوَيْد بْنِ حَنْظَلَةَ ، قَالَ : خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ ، فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا ، فَحَلَفْت أَنَّهُ أَخِي ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : { أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ } .
يَعْنِي سَعَةَ الْمَعَارِيضِ الَّتِي يُوهِمُ بِهَا السَّامِعَ غَيْرَ مَا عَنَاهُ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : الْكَلَامُ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ ظَرِيفٌ يَعْنِي لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَكْذِبَ ؛ لِكَثْرَةِ الْمَعَارِيضِ ، وَخَصَّ الظَّرِيفَ بِذَلِكَ ؛ يَعْنِي بِهِ الْكَيِّسَ الْفَطِنَ ، فَإِنَّهُ يَفْطِنُ لِلتَّأْوِيلِ ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْكَذِبِ .
الْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ ظَالِمًا ، كَاَلَّذِي يَسْتَحْلِفُهُ الْحَاكِمُ عَلَى حَقٍّ عِنْدَهُ ، فَهَذَا يَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ الَّذِي عَنَاهُ الْمُسْتَحْلِفُ ، وَلَا يَنْفَعُ الْحَالِفَ تَأْوِيلُهُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُك } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : الْيَمِينُ عَلَى مَا وَقَعَ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ سَاغَ التَّأْوِيلُ ، لَبَطَلَ الْمَعْنَى الْمُبْتَغَى بِالْيَمِينِ ، إذْ مَقْصُودُهَا تَخْوِيفُ الْحَالِفِ لِيَرْتَدِعَ عَنْ الْجُحُودِ ، خَوْفًا مِنْ عَاقِبَةِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ ، فَمَتَى سَاغَ التَّأْوِيلُ لَهُ ، انْتَفَى ذَلِكَ ، وَصَارَ التَّأْوِيلُ وَسِيلَةً إلَى جَحْدِ الْحُقُوقِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
قَالَ إبْرَاهِيمُ ، فِي رَجُلٍ اسْتَحْلَفَهُ السُّلْطَانُ بِالطَّلَاقِ عَلَى شَيْءٍ ، فَوَرَّى فِي يَمِينِهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ : أَجْزَأَ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ التَّوْرِيَةُ الْحَالُ الثَّالِثُ ، لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا وَلَا مَظْلُومًا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ لَهُ تَأْوِيلَهُ ، فَرُوِيَ أَنَّ مُهَنَّا كَانَ عِنْدَهُ ، هُوَ وَالْمَرُّوذِيُّ وَجَمَاعَةٌ ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ الْمَرُّوذِيَّ ، وَلَمْ يُرِدْ الْمَرُّوذِيُّ أَنْ يُكَلِّمَهُ ، فَوَضَعَ مُهَنَّا أُصْبُعَهُ فِي كَفِّهِ ، وَقَالَ : لَيْسَ الْمَرُّوذِيُّ هَاهُنَا ، وَمَا يَصْنَعُ الْمَرُّوذِيُّ هَاهُنَا ؟ يُرِيدُ : لَيْسَ هُوَ فِي كَفِّهِ .
وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَرُوِيَ أَنَّ مُهَنَّا قَالَ لَهُ : إنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ - يَعْنِي السَّفَرَ إلَى بَلَدِهِ - وَأُحِبُّ أَنْ تُسْمِعَنِي الْجُزْءَ الْفُلَانِيَّ .
فَأَسْمَعَهُ إيَّاهُ ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَلَمْ تَقُلْ إنَّك تُرِيدُ الْخُرُوجَ ؟ فَقَالَ لَهُ مُهَنَّا : قُلْت لَك : إنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ الْآنَ ؟ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
رَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ جَرِيرٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ : كَانَ إذَا طَلَبَ إنْسَانٌ إبْرَاهِيمَ ، وَلَمْ يُرِدْ إبْرَاهِيمُ أَنْ يَلْقَاهُ ، خَرَجَتْ إلَيْهِ الْخَادِمُ ، وَقَالَتْ : اُطْلُبُوهُ فِي الْمَسْجِدِ .
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : إنِّي ذَكَرْت رَجُلًا بِشَيْءٍ ، فَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْتَذِرَ إلَيْهِ ؟ قَالَ : قُلْ لَهُ : وَاَللَّهِ إنَّ

اللَّهَ يَعْلَمُ مَا قُلْت مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ .
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْزَحُ ، وَلَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا وَمُزَاحُهُ أَنْ يُوهِمَ السَّامِعَ بِكَلَامِهِ غَيْرَ مَا عَنَاهُ ، وَهُوَ التَّأْوِيلُ ، فَقَالِ لِعَجُوزٍ : { لَا تَدْخُلَ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ } .
يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ يُنْشِئُهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا .
وَقَالَ أَنَسٌ : إنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، احْمِلْنِي .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ { : إنَّا حَامِلُوك عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ .
قَالَ : وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ ؟ قَالَ : وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إلَّا النُّوقُ ؟ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَقَالَ لِامْرَأَةٍ وَقَدْ ذَكَرَتْ لَهُ زَوْجَهَا : أَهُوَ الَّذِي فِي عَيْنِهِ بَيَاضٌ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ لَصَحِيحُ الْعَيْنِ .
وَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيَاضَ الَّذِي حُولَ الْحَدَقِ .
وَقَالَ لِرَجُلٍ احْتَضَنَهُ مِنْ وَرَائِهِ : { مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَجِدُنِي إذًا كَاسِدًا .
قَالَ : لَكِنَّك عِنْدَ اللَّهِ لَسْت بِكَاسِدٍ } وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ التَّأْوِيلِ وَالْمَعَارِيضِ ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا ، فَقَالَ { لَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا } .
وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ زِيَادٍ ، وَقَدْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ ، فَقِيلَ لَهُ : كَيْفَ تَرَكْت الْأَمِيرَ ؟ قَالَ : تَرَكْتُهُ يَأْمُرُ وَيَنْهَى .
فَلَمَّا مَاتَ قِيلَ لَهُ : كَيْفَ قُلْت ذَلِكَ ؟ قَالَ : تَرَكْته يَأْمُرُ بِالصَّبْرِ ، وَيَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ وَالْجَزَعِ .
وَيُرْوَى عَنْ شَقِيقٍ ، أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ امْرَأَةً ، وَتَحْتَهُ أُخْرَى ، فَقَالُوا : لَا نُزَوِّجُك حَتَّى تُطَلِّقَ امْرَأَتَك .
فَقَالَ : اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا .
فَزَوَّجُوهُ ، فَأَقَامَ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَقَالُوا : قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا قَالَ : أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّهُ كَانَ لِي ثَلَاثُ نِسْوَةٍ فَطَلَّقْتهنَّ قَالُوا : بَلَى .
قَالَ قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا .
فَقَالُوا : مَا

هَذَا أَرَدْنَا .
فَذَكَرَ ذَلِكَ شَقِيقٌ لِعُثْمَانَ فَجَعَلَهَا نِيَّتَهُ .
وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ ، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَجُلٌ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ التَّعْرِيفَ بِهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إنَّ لَهُ بَيْتًا وَشَرَفًا .
فَقِيلَ لِلشَّعْبِيِّ بَعْدَ مَا ذَهَبَ الرَّجُلُ : تَعْرِفُهُ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّهُ نَظَرَ إلَيَّ .
قِيلَ : فَكَيْفَ أَثْنَيْت عَلَيْهِ ؟ قَالَ : شَرَفُهُ أُذُنَاهُ ، وَبَيْتُهُ الَّذِي يَسْكُنُهُ .
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أُخِذَ عَلَى شَرَابٍ ، فَقِيلَ لَهُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : أَنَا ابْنُ الَّذِي لَا يُنْزِلُ الدَّهْرُ قِدْرَهُ وَإِنْ نَزَلَتْ يَوْمًا فَسَوْفَ تَعُودُ تَرَى النَّاسَ أَفْوَاجًا عَلَى بَابِ دَارِهِ فَمِنْهُمْ قِيَامٌ حَوْلَهَا وَقُعُودُ فَظَنُّوهُ شَرِيفًا ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ ، فَسَأَلُوا عَنْهُ ، فَإِذَا هُوَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ .
وَأَخَذَ الْخَوَارِجُ رَافِضِيًّا ، فَقَالُوا لَهُ : تَبْرَأُ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ .
فَقَالَ : أَنَا مِنْ عَلِيٍّ ، وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ .
فَهَذَا وَشِبْهُهُ هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي لَا يُعْذَرُ بِهِ الظَّالِمُ ، وَيَسُوغُ لِغَيْرِهِ مَظْلُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَظْلُومٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمُزَاحِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بِهِ إلَيْهِ .

( 8014 ) فَصْلٌ : وَالْمُسْتَحِيلُ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مُسْتَحِيلٌ عَادَةً ، كَصُعُودِ السَّمَاءِ ، وَالطَّيَرَانِ ، وَقَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ الْبِرِّ فِيهَا ، فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ امْرَأَتَهُ فَمَاتَتْ .
وَالثَّانِي ، الْمُسْتَحِيلُ عَقْلًا ، كَرَدِّ أَمْسِ وَشُرْبِ الْمَاءِ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ .
فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ ، وَلَا تَجِبُ بِهَا كَفَّارَةٌ .
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ قَارَنَهَا مَا يَحُلُّهَا ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ ، كَيَمِينِ الْغَمُوسِ ، أَوْ يَمِينٌ عَلَى غَيْرِ مُتَصَوِّرٍ ، فَأَشْبَهَتْ يَمِينَ الْغَمُوسِ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ عَلَى مُتَصَوَّرٍ ، أَوْ مُتَوَهَّمِ التَّصَوُّرِ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا .
وَقَالَ الْقَاضِي : تَنْعَقِدُ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ فِي الْحَالِ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَلَمْ يَفْعَلْ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ امْرَأَتَهُ ، فَمَاتَتْ قَبْلَ طَلَاقِهَا ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ عَادَةً ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ اسْتِحَالَتَهُ أَوْ لَا يَعْلَمَ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ فِيمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَاءَ فِيهِ ، وَمَنْ لَا يَعْلَمُ .
وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا ، وَهُوَ مَيِّتٌ ، فَهُوَ كَالْمُسْتَحِيلِ عَادَةً ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُحْيِيَهُ اللَّهُ فَيَقْتُلَهُ ، وَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا .
وَإِنْ حَلَفَ لَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ .
يَعْنِي فِي حَالِ مَوْتِهِ ، فَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا ، فَيَكُونُ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ .

( 8015 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ فُلَانٌ كَذَا ، أَوْ لَا يَفْعَلُ .
أَوْ حَلَفَ عَلَى حَاضِرٍ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا .
فَأَحْنَثَهُ ، وَلَمْ يَفْعَلْ ، فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ .
كَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ هُوَ الْحَانِثُ ، فَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِمَا يُحْنِثُهُ ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ إمَّا الْيَمِينُ ، وَإِمَّا الْحِنْثُ ، أَوْ هُمَا ، وَأَيُّ ذَلِكَ قُدِّرَ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِفِ .
وَإِنْ قَالَ : أَسْأَلُك بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ .
وَأَرَادَ الْيَمِينَ ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .
وَإِنْ أَرَادَ الشَّفَاعَةَ إلَيْهِ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
وَإِنْ قَالَ : بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ .
فَهِيَ يَمِينٌ ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَ بِجَوَابِ الْقَسَمِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا يَصْرِفُهَا ، وَإِنْ قَالَ بِاَللَّهِ أَفْعَلُ .
فَلَيْسَتْ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا بِجَوَابِ الْقَسَمَ ، وَلِذَلِكَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَقُولَ : وَاَللَّهِ أَفْعَلُ .
وَلَا : بِاَللَّهِ أَفْعَلُ .
وَإِنَّمَا صَلَحَ ذَلِكَ فِي التَّاءِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْقَسَمِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ ، فَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ .
( 8016 ) فَصْلٌ : وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ : أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُخْبِرَنِّي بِمَا أَصَبْت مِمَّا أَخْطَأْت .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ } وَلَمْ يُخْبِرْهُ .
وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إبْرَارُهُ لَأَخْبَرَهُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ إبْرَارُهُ ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ ، وَيَكُونُ امْتِنَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ مِنْ إبْرَارِ أَبِي بَكْرٍ لِمَا عَلِمَ مِنْ الضَّرَرِ فِيهِ .
وَإِنْ أَجَابَهُ إلَى صُورَةِ مَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ دُونَ مَعْنَاهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَعْنَى ، فَحَسَنٌ ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْعَبَّاسَ جَاءَهُ بِرَجُلٍ لِيُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ } .
وَقَالَ الْعَبَّاسُ : أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُبَايِعَنَّهُ .
فَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فِي يَدِهِ ، وَقَالَ : { أَبْرَرْت قَسَمَ عَمِّي ، وَلَا هِجْرَةَ } .
وَأَجَابَهُ إلَى صُورَةِ الْمُبَايَعَةِ ، دُونَ مَا قَصَدَ بِيَمِينِهِ .

( 8017 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ إجَابَةُ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ ، وَمَنْ اسْتَجَارَ بِاَللَّهِ فَأَجِيرُوهُ ، وَمَنْ أَتَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ } وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ ، وَثَلَاثَةٌ يَبْغَضُهُمْ اللَّهُ ؛ أَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ ؛ فَرَجُلٌ سَأَلَ قَوْمًا ، فَسَأَلَهُمْ بِاَللَّهِ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا ، لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَاَلَّذِي أَعْطَاهُ ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِمَّا يَعْدِلُ بِهِ ، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ ، فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي ، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ ، فَلَقُوا الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا ، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يَبْغَضُهُمْ اللَّهُ ؛ الشَّيْخُ الزَّانِي ، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ ، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ } رَوَاهُمَا النَّسَائِيّ .

( 8018 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : حَلَفْت .
وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : هِيَ كِذْبَةٌ ، لَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ .
وَعَنْهُ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ .
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَإِذَا كَذَبَ فِي الْخَبَرِ بِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مَا صَلَّيْت .
وَقَدْ صَلَّى .
وَلَوْ قَالَ : عَلَيَّ يَمِينٌ .
وَنَوَى الْخَبَرَ ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَإِنْ نَوَى الْقَسَمَ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هِيَ يَمِينٌ .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ بِيَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُعَظَّمِ ، وَلَا صِفَتِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : حَلَفْت .
وَهَذَا أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صِيغَةَ الْيَمِينِ وَالْقَسَمِ ، وَإِنَّمَا هِيَ صِيغَةُ الْخَبَرِ ، فَلَا يَكُونُ بِهَا حَالِفًا ، وَإِنْ قُدِّرَ ثُبُوتُ حُكْمِهَا ، لَزِمَهُ أَقَلُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ ، وَهُوَ يَمِينٌ مَا ، وَلَيْسَتْ كُلُّ يَمِينٍ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْيَمِينِ وَقَدْ نَوَى بِهَا الْيَمِينَ ، فَتَكُونُ يَمِينًا ، كَالصَّرِيحِ .

( 8019 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ ، أَوْ حَرَّمَهُ ، لَمْ يَصِرْ مُحَرَّمًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِيرُ مُحَرَّمًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك } .
وَقَوْلِهِ : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } وَلِأَنَّ الْحِنْثَ يَتَضَمَّنُ هَتْكَ حُرْمَةِ الِاسْمِ الْمُعَظَّمِ ، فَيَكُونُ حَرَامًا ، وَلِأَنَّهُ إذَا حَرَّمَهُ ، فَقَدْ حَرَّمَ الْحَلَالَ فَيَحْرُمُ كَمَا لَوْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إذَا أَرَادَ التَّكْفِيرَ ، فَلَهُ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَحَلُّ فِعْلِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا تَنَاقُضٌ وَتَضَادٌّ ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُجَوِّزُ التَّكْفِيرَ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ ، وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى تَحِلَّةَ الْيَمِينِ ، فَعَلَى قَوْلِهِ ، يَلْزَمُ كَوْنُ الْمُحَرَّمِ مَفْرُوضًا ، أَوْ مِنْ ضَرُورَةِ الْمَفْرُوضِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى التَّحِلَّةِ إلَّا بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُحَرَّمٌ ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا ، لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ ، كَالظِّهَارِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك } .
فَأَمَرَ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا ، لَمْ يَأْمُرْ بِهِ .
وَسَمَّاهُ خَيْرًا ، وَالْمُحَرَّمُ لَيْسَ بِخَيْرٍ ، وَأَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا قَوْلَهُ : هُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ .
أَوْ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ ، وَذَلِكَ يُسَمَّى تَحْرِيمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا } .
وَقَالَ : { وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ } وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ التَّحْرِيمُ حَقِيقَةً وَلَا شَرْعًا .

كِتَابُ الْكَفَّارَاتِ الْأَصْلُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الْآيَةَ وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك } .
فِي أَخْبَارٍ سِوَى هَذَا .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى .

( 8020 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ مُسْلِمِينَ أَحْرَارًا ، كِبَارًا كَانُوا أَوْ صِغَارًا ، إذَا أَكَلُوا الطَّعَامَ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْحَانِثَ فِي يَمِينِهِ بِالْخِيَارِ ؛ إنْ شَاءَ أَطْعَمَ ، وَإِنْ شَاءَ كَسَا ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - عَطَفَ بَعْضَ هَذِهِ الْخِصَالِ عَلَى بَعْضٍ بِحَرْفِ " أَوْ " ، وَهُوَ لِلتَّخْيِيرِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ( أَوْ ) فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ ، وَمَا كَانَ ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) فَالْأَوَّلَ الْأَوَّلَ .
ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " التَّفْسِيرِ " .
وَالْوَاجِبُ فِي الْإِطْعَامِ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ؛ لِنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَدَدِهِمْ ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ فَيَأْتِي ذِكْرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَدْفُوعِ إلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ أَوْصَافٍ ؛ أَنْ يَكُونُوا مَسَاكِينَ ، وَهُمْ الصِّنْفَانِ اللَّذَانِ تُدْفَعُ إلَيْهِمْ الزَّكَاةُ ، الْمَذْكُورَانِ فِي أَوَّلِ أَصْنَافِهِمْ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } وَالْفُقَرَاءُ مَسَاكِينُ وَزِيَادَةٌ ؛ لِكَوْنِ الْفَقِيرِ أَشَدَّ حَاجَةً مِنْ الْمِسْكِينِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلِأَنَّ الْفَقْرَ وَالْمَسْكَنَةَ فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا اسْمٌ لِلْحَاجَةِ إلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْكِفَايَةِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَصَّى لِلْفُقَرَاءِ ، أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ ، أَوْ لِلْمَسَاكِينِ ، لَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ جَمِيعًا ، وَإِنَّمَا جُعِلَا صِنْفَيْنِ فِي الزَّكَاةِ ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذَكَرَ الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا بِاسْمَيْنِ ، فَاحْتِيجَ إلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ .
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِاسْمَيْنِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الصِّنْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ جِهَةَ اسْتِحْقَاقِهِمْ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ الْحَاجَةُ إلَى مَا تَتِمُّ

بِهِ الْكِفَايَةُ ، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى غَيْرِهِمْ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهَا لِلْمَسَاكِينِ ، وَخَصَّهُمْ بِهَا ، فَلَا تُدْفَعُ إلَى غَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّ الْقَدْرَ الْمَدْفُوعَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفَّارَةِ قَدْرٌ يَسِيرٌ ، يُرَادُ بِهِ دَفْعُ حَاجَةِ يَوْمِهِ فِي مُؤْنَتِهِ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَصْنَافِ لَا تَنْدَفِعُ حَاجَتُهُمْ بِهَذَا ؛ لِكَثْرَةِ حَاجَتِهِمْ ، وَإِذَا صَرَفُوا مَا يَأْخُذُونَهُ فِي حَاجَتِهِمْ ، صَرَفُوهُ إلَى غَيْرِ مَا شُرِعَ لَهُ .
الثَّانِي ، أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا ، فَلَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا إلَى عَبْدٍ ، وَلَا مُكَاتَبٍ ، وَلَا أُمِّ وَلَدٍ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ جَوَازَ دَفْعِهَا إلَى مُكَاتَبِ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَتَخَرَّجُ جَوَازُ دَفْعِهَا إلَيْهِ ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إعْتَاقِهِ فِي كَفَّارَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ ، لِحَاجَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمِسْكِينَ .
وَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - عَدَّهُ صِنْفًا فِي الزَّكَاةِ غَيْرَ صِنْفِ الْمَسَاكِينِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَسَاكِينِ ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَاجَتِهِمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمِسْكِينٍ ، وَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا هِيَ لِلْمَسَاكِينِ ؛ بِدَلِيلِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّ الْمِسْكِينَ يُدْفَعُ إلَيْهِ لِتَتِمَّ كِفَايَتُهُ ، وَالْمُكَاتَبُ إنَّمَا يَأْخُذُ لِفِكَاكِ رَقَبَتِهِ ، أَمَّا كِفَايَتُهُ فَإِنَّهَا حَاصِلَةٌ بِكَسْبِهِ وَمَالِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ وَلَا مَالٌ ، عَجَّزَهُ سَيِّدُهُ ، وَرَجَعَ إلَيْهِ ، وَاسْتَغْنَى بِإِنْفَاقِهِ ، وَخَالَفَ الزَّكَاةَ ؛ فَإِنَّهَا تُصْرَفُ إلَى الْغَنِيِّ ، وَالْكَفَّارَةُ بِخِلَافِهَا .
الثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ ، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى كَافِرٍ ، ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا .
وَبِذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَجُوزُ

دَفْعُهَا إلَى الذِّمِّيِّ ؛ لِدُخُولِهِ فِي اسْمِ الْمَسَاكِينِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ مِسْكِينٌ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَأَجْزَأَ الدَّفْعُ إلَيْهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ ، كَالْمُسْلِمِ .
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ الشَّعْبِيِّ .
وَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ ؛ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إعْتَاقِهِ فِي الْكَفَّارَةِ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يُعْطِيهِمْ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمْ .
وَلَنَا ، إنَّهُمْ كُفَّارٌ ، فَلَمْ يَجُزْ إعْطَاؤُهُمْ ، كَمُسْتَأْمَنِي أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِهَذَا ، فَنَقِيسُ .
الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَكَلُوا الطَّعَامَ ، فَإِنْ كَانَ طِفْلًا لَمْ يُطْعِمْ ، لَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَقَوْلِ الْقَاضِي .
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى الْفَطِيمِ .
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُطْعِمْ ، وَيَقْبِضُ لِلصَّغِيرِ وَلِيُّهُ .
وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمَذْهَبُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ مُحْتَاجٌ ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ ، وَلِأَنَّ أَكْلَهُ لِلْكَفَّارَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، وَهَذَا يَصْرِفُ الْكَفَّارَةَ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، مِمَّا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُ ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ .
وَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَكْلَهُمْ لَهُ ، فَإِذَا لَمْ تُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ أَكْلِهِ اُعْتُبِرَ إمْكَانُهُ وَمَظِنَّتُهُ ، وَلَا تَتَحَقَّقُ مَظِنَّتُهُ فِيمَنْ لَا يَأْكُلُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ دَفْعَ حَاجَتِهِ ، لَجَازَ دَفْعُ الْقِيمَةِ ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْإِطْعَامُ ، وَهَذَا يُقَيِّدُ مَا ذَكَرُوهُ .
فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ الْأَرْبَعَةُ فِي وَاحِدٍ ، جَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ، مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ ، إلَّا

أَنَّ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ يَقْبِضُ لِنَفْسِهِ ، أَوْ يَقْبِضُ لَهُ وَكِيلُهُ ، وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ ، يَقْبِضُ لَهُ وَلِيُّهُ .

( 8021 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ دَقِيقٍ ، أَوْ رِطْلَانِ خُبْزًا ، أَوْ مُدَّانِ تَمْرًا أَوْ شَعِيرًا ) أَمَّا مِقْدَارُ مَا يُعْطَى كُلُّ مِسْكِينٍ وَجِنْسُهُ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الظِّهَارِ .
وَنَصَّ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ الدَّقِيقُ وَالْخُبْزُ .
وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ أَيْضًا .
وَرُوِيَ عَنْهُ ، لَا يُجْزِئُ الْخُبْزُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ : لَا يُجْزِئُهُ دَقِيقٌ وَلَا سَوِيقٌ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَالَةِ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ وَلَا يُجْزِئُ فِي الزَّكَاةِ ، فَلَمْ يُجْزِئْ فِي الْكَفَّارَةِ ، كَالْقِيمَةِ .
وَلَنَا ؛ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } .
وَهَذَا قَدْ أَطْعَمَهُمْ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ .
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } .
قَالَ : الْخُبْزُ وَاللَّبَنُ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ ، قَالَ : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلَيْكُمْ } .
الْخُبْزُ وَالتَّمْرُ ، وَالْخُبْزُ وَالزَّيْتُ ، وَالْخُبْزُ وَالسَّمْنُ .
وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلَيْكُمْ } : خُبْزٌ وَزَيْتٌ وَخَلٌّ .
وَقَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ الْخُبْزُ وَالتَّمْرُ .
وَعَنْ عَلِيٍّ .
الْخُبْزُ : وَالتَّمْرُ ، الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ ، الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ .
وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ : أَفْضَلُهُ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ ، وَأَوْسَطُهُ الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ ، وَأَخَسُّهُ الْخُبْزُ وَالتَّمْرُ .
وَقَالَ عُبَيْدَةَ الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ .
وَسَأَلَ رَجُلٌ شُرَيْحًا مَا أَوْسَطُ طَعَامِ أَهْلِي ؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ إنَّ الْخُبْزَ وَالْخَلَّ وَالزَّيْتَ لَطَيِّبٌ .
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَفَرَأَيْت الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ ؟ قَالَ : أَرْفَعُ طَعَامِ أَهِلَك ، وَطَعَامِ النَّاسِ ؟ وَعَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ يُغَدِّيهِمْ أَوْ يُعَشِّيهِمْ .

وَهَذَا اتِّفَاقٌ عَلَى تَفْسِيرِ مَا فِي الْآيَةِ بِالْخُبْزِ ، وَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ الْمَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِ أَهْلِهِ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ حَبًّا ، وَيُفَارِقُ الزَّكَاةَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ عُشْرُ الْحَبِّ وَعُشْرُ الْحَبِّ حَبٌّ ، فَاعْتُبِرَ الْوَاجِبُ ، وَهَا هُنَا الْوَاجِبُ الْإِطْعَامُ ، وَالْخُبْزُ أَقْرَبُ إلَيْهِ .
وَالثَّانِي ، أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ يُرَادُ لِلِاقْتِيَاتِ فِي جَمِيعِ الْعَامِ ، فَيَحْتَاجُ إلَى ادِّخَارِهِ ، فَاعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَةٍ تُمَكِّنُ مِنْ ادِّخَارَهُ عَامًا ، وَالْكَفَّارَةُ تُرَادُ لِدَفْعِ حَاجَةِ يَوْمِهِ ، وَلِهَذَا تَقَدَّرَتْ بِمَا الْغَالِبُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ ، وَالْخُبْزُ أَقْرَبُ إلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَفَاهُ مُؤْنَةَ طَحْنِهِ وَخَبْزِهِ .
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ أَعْطَى الْمِسْكِينَ رِطْلَيْ خُبْزٍ بِالْعِرَاقِيِّ ، أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ ، وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ الَّذِي هُوَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ ، خَمْسُ أَوَاقٍ وَسُبْعُ أُوقِيَّةٍ ، وَإِنْ طَحَنَ مُدًّا ، وَخَبَزَهُ ، أَجْزَأَهُ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَكَذَلِكَ إذَا دَفَعَ دَقِيقَ الْمُدِّ إلَى الْمِسْكِينِ ، أَجْزَأَهُ .
وَإِنْ دَفَعَ الدَّقِيقَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حِنْطَتِهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يُجْزِئُهُ بِالْوَزْنِ رِطْلٌ وَثُلُثٌ ، وَلَا يُجْزِئُهُ إخْرَاجُ مُدِّ دَقِيقٍ بِالْكَيْلِ ؛ لِأَنَّهُ يَرُوعُ بِالطَّحْنِ ، فَحُصِّلَ فِي مُدِّ دَقِيقِ الْحَبِّ أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ الْحَبِّ .
وَإِنْ زَادَ فِي الدَّقِيقِ عَنْ مُدٍّ ، بِحَيْثُ يُعْلَمُ إنَّهُ قَدْرُ مُدِّ حِنْطَةٍ ، جَازَ .
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ فِي مُدِّ مِنْ دَقِيقٍ .
يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إخْرَاجَهُ بِالْوَزْنِ ، كَمَا ذَكَرَ أَحْمَدُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مُدًّا مِنْ الْحِنْطَةِ ، طَحَنَهُ ثُمَّ أَخْرَجَ دَقِيقَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إخْرَاجَ مَا يَعْلَمُ أَنَّ حَبَّهُ مُدٌّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي الدَّقِيقِ وَالْخُبْزِ عَلَى دَقِيقِ الْحِنْطَةِ وَخُبْزِهَا ، فَإِنْ

أَعْطَى مِنْ الشَّعِيرِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا ضِعْفُ ذَلِكَ ، كَمَا لَا يُجْزِئُ مِنْ حَبِّهَا إلَّا ضِعْفُ مَا يُجْزِئُ مِنْ حَبِّ الْبَرِّ .
( 8022 ) فَصْلٌ : وَالْأَفْضَلُ إخْرَاجُ الْحَبِّ ؛ لِأَنَّ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ .
قَالَ أَحْمَدُ التَّمْرُ أَعْجَبُ إلَيَّ ، وَالدَّقِيقُ ضَعِيفٌ ، وَالتَّمْرُ أَحَبُّ إلَيَّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُ الْخُبْزِ أَفْضَلَ ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمِسْكِينِ ، وَأَقَلُّ كُلْفَةً ، وَأَقْرَبُ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ بِغُنْيَتِهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمِسْكِينَ يَأْكُلُهُ ، وَيَسْتَغْنِي بِهِ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ ، وَالْحَبُّ يَعْجِزُ عَنْ طَحْنِهِ وَعَجْنِهِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِثَمَنِهِ خُبْزًا ، فَيَتَكَلَّفُ حَمْلَ كُلْفَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، وَغَبْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي لَهُ ، وَتَأَخُّرَ حُصُولِ النَّفْعِ بِهِ ، وَرُبَّمَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِثَمَنِهِ مِنْ الْخُبْزِ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ ، فَيَفُوتُ الْمَقْصُودُ مَعَ حُصُولِ الضَّرَرِ .

فَصْلٌ : وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ سَالِمًا مِنْ الْعَيْبِ ، فَلَا يَكُونُ الْحَبُّ مَسُوسًا ، وَلَا مُتَغَيِّرًا طَعْمُهُ ، وَلَا فِيهِ زُؤَانٌ أَوْ تُرَابٌ يَحْتَاجُ إلَى تَنْقِيَةٍ ، وَكَذَلِكَ دَقِيقُهُ وَخُبْزُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُخْرَجٌ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى ، عَمَّا وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَعِيبًا كَالشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ .

( 8024 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَلَوْ أَعْطَاهُمْ مَكَانَ الطَّعَامِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ وَرِقًا ، لَمْ يُجْزِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ إخْرَاجُ قِيمَةِ الطَّعَامِ ، وَلَا الْكِسْوَةِ ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَنْ سَمَّيْنَا قَوْلَهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ ، فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيِّ .
وَأَجَازَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ حَاجَةِ الْمِسْكِينِ ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِالْقِيمَةِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } .
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي عَيْنِ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ ، فَلَا يَحْصُلُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ إذَا لَمْ يُؤَدِّ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِأَدَائِهِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَلَوْ جَازَتْ الْقِيمَةُ لَمْ يَنْحَصِرْ التَّخْيِيرُ فِي الثَّلَاثَةِ ، وَلِأَنَّهُ ، لَوْ أُرِيدَتْ الْقِيمَةُ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ مَعْنًى ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الطَّعَامِ إنْ سَاوَتْ قِيمَةَ الْكِسْوَةِ ، فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ ، فَكَيْفَ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا ؟ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَكَيْفَ يُخَيَّرُ بَيْنَ شَيْءٍ وَبَعْضِهِ ؟ ثُمَّ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا أَعْطَاهُ فِي الْكِسْوَةِ مَا يُسَاوِي إطْعَامَهُ أَنْ يُجْزِئَهُ ، وَهُوَ خِلَافُ الْآيَةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَلَتْ قِيمَةُ الطَّعَامِ ، فَصَارَ نِصْفُ الْمُدِّ يُسَاوِي كِسْوَةَ الْمِسْكِينِ ، يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ نِصْفُ الْمُدِّ وَهُوَ خِلَافُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ فَتَعَيَّنَ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ كَالْعِتْقِ أَوْ فَلَا تُجْزِئُ فِيهِ الْقِيمَةُ كَالْعِتْقِ فَعَلَى هَذَا ، لَوْ أَعْطَاهُمْ أَضْعَافَ قِيمَةِ الطَّعَامِ ، لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ .

( 8025 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَيُعْطِي مِنْ أَقَارِبِهِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقُّ مَالٍ يَجِبُ لِلَّهِ - تَعَالَى ، فَجَرَى مَجْرَى الزَّكَاةِ ، فِيمَنْ يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ ، وَمَنْ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِ وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ فِي بَابِ الزَّكَاةِ ( 8026 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَنْ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ مِنْ الْغَنِيِّ وَالْكَافِرِ ، وَالرَّقِيقِ يُمْنَعُ أَخْذَ الْكَفَّارَةِ ، وَهَلْ يُمْنَعُ مِنْهَا بَنُو هَاشِمٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يُمْنَعُونَ مِنْهَا ، لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ فَمُنِعُوا مِنْهَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ } .
وَقِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ .
وَالثَّانِي ، لَا يُمْنَعُونَ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، فَأَشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ .

( 8027 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَمَنْ لَمْ يُصِبْ إلَّا مِسْكِينًا وَاحِدًا ، رَدَّدَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَتِمَّةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَفِّرَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَجِدَ الْمَسَاكِينَ بِكَمَالِ عَدَدِهِمْ ، أَوَّلًا يَجِدَهُمْ ، فَإِنْ وَجَدَهُمْ ، لَمْ يُجْزِئُهُ إطْعَامُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَأَجَازَ الْأَوْزَاعِيُّ دَفْعَهَا إلَى وَاحِدٍ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ إنْ خَصَّ بِهَا أَهْلَ بَيْتٍ شَدِيدِي الْحَاجَةِ ، جَازَ ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ ، حِينَ أَخْبَرَهُ بِشِدَّةِ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ أَهْلِهِ : ( أَطْعِمْهُ عِيَالَك ) وَلِأَنَّهُ دَفَعَ حَقَّ اللَّهِ - تَعَالَى - إلَى مَنْ هُوَ مَنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ زَكَاتَهُ إلَى وَاحِدٍ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَجُوزُ أَنْ يُرَدِّدَهَا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، إنْ كَانَتْ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، أَوْ فِي سِتِّينَ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ .
وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدْ ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ قَدْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا مَا يَجِبُ لِلْمِسْكِينِ ، فَأَجْزَأَ ، كَمَا لَوْ أَعْطَى غَيْرَهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَطْعَمَ هَذَا الْمِسْكِينَ مِنْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى ، أَجْزَأَهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا أَطْعَمَهُ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .
وَمَنْ أَطْعَمَ وَاحِدًا ، فَمَا أَطْعَمَ عَشَرَةً ، فَمَا امْتَثَلَ الْأَمْرَ ، فَلَا يُجْزِئُهُ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ كَفَّارَتَهُ إطْعَامَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ، فَإِذَا لَمْ يُطْعِمْ عَشَرَةً فَمَا أَتَى بِالْكَفَّارَةِ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَجُزْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، مَعَ اتِّفَاقِ

الْحَالِ ، كَالْوَلَدِ ، فَأَمَّا الْوَاقِعُ عَلَى أَهْلِهِ ، فَإِنَّمَا أَسْقَطَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْكَفَّارَةَ عَنْهُ ، لِعَجْزِهِ عَنْهَا ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَأْكُلُ كَفَّارَةَ نَفْسِهِ ، وَلَا يُطْعِمُهَا عَائِلَتَهُ ، وَقَدْ أُمِرَ بِذَلِكَ الْحَالُ الثَّانِي الْعَاجِزُ عَنْ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ كُلِّهِمْ ، فَإِنَّهُ يُرَدِّدُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ حَتَّى تَتِمَّ عَشَرَةً ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا وَاحِدًا ، رَدَّدَ عَلَيْهِ ، تَتِمَّةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، وَإِنْ وَجَدَ اثْنَيْنِ ، رَدَّدَ عَلَيْهِمَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ ، وَعَلَى هَذَا وَنَحْوُ هَذَا .
قَالَ الثَّوْرِيِّ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا كَمَالُ الْعَدَدِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي حَالِ الْقُدْرَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّ تَرْدِيدَ الْإِطْعَامِ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، فِي مَعْنَى إطْعَامِ عَشَرَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْحَاجَةَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَطْعَمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَاحِدًا ، وَالشَّيْءُ بِمَعْنَاهُ يَقُومُ مَقَامَهُ بِصُورَتِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِهَا ، وَلِهَذَا شُرِعَتْ الْأَبْدَالُ ؛ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْمُبْدَلَاتِ فِي الْمَعْنَى ، وَلَا يُجْتَزَأُ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلَاتِ ، كَذَا هَاهُنَا .

( 8028 ) فَصْل : وَإِنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ، حَتَّى أَكْمَلَ الْعَشَرَةَ ، أَجْزَأَهُ ، بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ، وَقَدْ أَطْعَمَهُمْ .
وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا ، فَبَانَ غَنِيًّا ، فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُجْزِئُهُ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطْعِمْ الْمَسَاكِينَ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ .
وَالثَّانِي ، يُجْزِئُهُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا ، وَظَاهِرُهُ الْمَسْكَنَةُ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْفَقْرَ يَخْفَى ، وَتَشُقُّ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ } فَوَجَبَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِظُهُورِهِ وَظَنِّهِ ، وَكَذَلِكَ لَمَّا سَأَلَ الرَّجُلَانِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّدَقَةِ ، قَالَ : { إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا ، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ } .
وَإِنْ بَانَ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، كَقَوْلِنَا فِي الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكَادُ يَخْفَى ، وَلَيْسَ هُوَ فِي مَظِنَّةِ الْخَفَاءِ فَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ الْإِمَامَ ، فَأَخْطَأَ فِي الْفَقْرِ ، لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ أَخْطَأَ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ، فَهَلْ يَضْمَنُ ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى خَطَئِهِ فِي الْحَدِّ .

( 8029 ) فَصْلٌ : إذَا أَطْعَمَ مِسْكِينًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ كَفَّارَةٍ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَهُ فِي يَوْمَيْنِ ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اثْنَيْنِ ، جَازَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ وَاحِدٍ ، كَالْقَدْرِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ الزَّكَاةِ .
وَالثَّانِي ، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى مِسْكِينًا فِي يَوْمٍ طَعَامَ اثْنَيْنِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَإِنْ أَطْعَمَ اثْنَيْنِ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، جَازَ .
وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِهِ خِلَافًا .
وَكَذَلِكَ إنْ أَطْعَمَ وَاحِدًا مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ ، ، جَازَ أَيْضًا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .
فَلَوْ كَانَ عَلَى وَاحِدٍ عَشْرُ كَفَّارَاتٍ ، وَعِنْدَهُ عَشَرَةُ مَسَاكِينَ ، يُطْعِمُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ كَفَّارَةً يُفَرِّقُهَا عَلَيْهِمْ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ ، فَخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ ، وَبَيَانُ أَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ ، أَنَّهُ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ كَفَّارَةٍ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ ، وَالْحُكْمُ فِي الْكِسْوَةِ كَالْحُكْمِ فِي الطَّعَامِ ، عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ .

( 8030 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَإِنْ شَاءَ كَسَا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ؛ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْكِسْوَةَ أَحَدُ أَصْنَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِنَصِّ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } .
وَلَا تَدْخُلُ فِي كَفَّارَةٍ غَيْرِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ كِسْوَةِ عَشَرَةٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلَيْكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } .
وَتَتَقَدَّرُ الْكِسْوَةُ بِمَا يُجْزِئُ الصَّلَاةُ فِيهِ ؛ فَإِنْ كَانَ رَجُلًا ، فَثَوْبٌ تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً ، فَدِرْعٌ وَخِمَارٌ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .
وَمِمَّنْ قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ السَّرَاوِيلُ .
الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ .
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ : ثَوْبٌ جَامِعٌ وَقَالَ الْحَسَنُ : كُلُّ مِسْكِينٍ حُلَّةٌ ؛ إزَارٌ وَرِدَاءٌ .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُجْزِئُهُ ثَوْبٌ ثَوْبٌ .
وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : يُجْزِئُ الْعِمَامَةُ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَبَاءَةٌ وَعِمَامَةٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، مِنْ سَرَاوِيلَ ، أَوْ إزَارٍ ، أَوْ رِدَاءٍ ، أَوْ مُقَنَّعَةٍ ، أَوْ عِمَامَةٍ ، وَفِي الْقَلَنْسُوَةِ وَجْهَانِ .
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكِسْوَةِ ، فَأَجْزَأَ ، كَاَلَّذِي تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْكِسْوَةَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، كَالْإِطْعَامِ وَالْإِعْتَاقِ ، وَلِأَنَّ التَّكْفِيرَ عِبَادَةٌ تُعْتَبَرُ فِيهَا الْكِسْوَةُ ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا أَقَلُّ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ، كَالصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ إلَى الْمَسَاكِينِ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَيَتَقَدَّرُ ، كَالْإِطْعَامِ ، وَلِأَنَّ اللَّابِسَ مَا لَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ إنَّمَا يُسَمَّى

عُرْيَانًا ، وَلَا مُكْتَسِيًا ، وَكَذَلِكَ لَابِسُ السَّرَاوِيلِ وَحْدَهُ ، أَوْ مِئْزَرٍ ، يُسَمَّى عُرْيَانًا ، فَلَا يُجْزِئُهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا كَسَا امْرَأَةً ، أَعْطَاهَا دِرْعًا وَخِمَارًا ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهَا ، وَتُجْزِئُهَا الصَّلَاةُ فِيهِ وَإِنْ ، أَعْطَاهَا ثَوْبًا وَاسِعًا ، يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْتُرَ بِهِ بَدَنَهَا وَرَأْسَهَا ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ .
وَإِنْ كَسَا الرَّجُلَ أَجْزَأَهُ قَمِيصٌ ، أَوْ ثَوْبٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتُرَ بِهِ عَوْرَتَهُ ، وَيَجْعَلَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْئًا ، أَوْ ثَوْبَيْنِ يَأْتَزِرُ بِأَحَدِهِمَا ، وَيَرْتَدِي بِالْآخَرِ .
وَلَا يُجْزِئُهُ مِئْزَرٌ وَحْدَهُ ؛ وَلَا سِرْوَالٌ وَحْدَهُ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ .
}

( 8031 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكْسُوَهُمْ مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْكِسْوَةِ ؛ مِنْ الْقُطْنِ ، وَالْكَتَّانِ ، وَالصُّوفِ ، وَالشَّعْرِ ، وَالْوَبَرِ ، وَالْخَزِّ ، وَالْحَرِيرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ بِكِسْوَتِهِمْ وَلَمْ يُعَيِّنْ جِنْسًا فَأَيَّ جِنْسٍ كَسَاهُمْ مِنْهُ ، خَرَجَ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ ؛ لِوُجُودِ الْكِسْوَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكْسُوَهُمْ لَبِيسًا أَوْ جَدِيدًا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا قَدْ بَلِيَ وَذَهَبَتْ ، مَنْفَعَتُهُ ، فَلَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ مَعِيبٌ ، كَالْحَبِّ الْمَعِيبِ ، وَالرَّقَبَةِ إذَا بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهَا .
وَسَوَاءٌ كَانَ مَا أَعْطَاهُمْ مَصْبُوغًا أَوْ غَيْرَ مَصْبُوغٍ ، أَوْ خَامًا أَوْ مَقْصُورًا ؛ لِأَنَّهُ تَحْصُلُ الْكِسْوَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا ، وَالْحِكْمَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا .

( 8032 ) فَصْلٌ : وَاَلَّذِينَ تُجْزِئُ كِسْوَتُهُمْ ، هُمْ الْمَسَاكِينُ الَّذِينَ يُجْزِئُ إطْعَامُهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } .
فَيَنْصَرِفُ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْمَسَاكِينِ وَأَصْنَافِهِمْ .

( 8033 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، وَتَكُونُ سَلِيمَةً ، لَيْسَ فِيهَا نَقْصٌ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ إعْتَاقَ الرَّقَبَةِ أَحَدُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ، بِقَوْلِهِ : { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .
وَيُعْتَبَرُ فِي الرَّقَبَةِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً .
فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الذِّمِّيَّةَ تُجْزِئُ .
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } وَهَذَا مُطْلَقٌ ، فَتَدْخُلُ فِيهِ الْكَافِرَةُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ تَحْرِيرٌ فِي كَفَّارَةٍ ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ الْكَافِرَةُ ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَضَمَّنُ تَفْرِيغَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ ، وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ وَعِبَادَتِهِ وَجِهَادِهِ ، وَمَعُونَةَ الْمُسْلِمِ ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ شَرْعُ إعْتَاقِهِ فِي الْكَفَّارَةِ ، تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ ، وَالْحُكْمُ مَقْرُونٌ بِهَا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَى الْإِيمَانِ فِيهَا ، فَيُعَلَّلُ بِهَا ، وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ الْحَكَمُ إلَى كُلِّ تَحْرِيرٍ فِي كَفَّارَةٍ ، فَيَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنَةِ ، لِاخْتِصَاصِهَا بِهَذِهِ الْحِكْمَةِ .
وَأَمَّا الْمُطْلَقُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ ، فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، كَمَا حُمِلَ مُطْلَقُ قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } .
عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
وَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ ، حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ .
الثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ .
قَالَ الْقَاضِي : لَا يُجْزِئُ مَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا

تَصِحُّ مِنْهُ الْعِبَادَاتُ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ .
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، الْمُعْتَبَرَ الْفِعْلُ دُونَ السِّنِّ ، فَمَنْ صَلَّى وَصَامَ مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ يَعْرِفُ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ ، وَيَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْإِتْيَانُ بِهِ بِنِيَّتِهِ وَأَرْكَانِهِ ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَلَمْ يُوجَدَا مِنْهُ ، لَمْ يُجْزِئْ فِي الْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا : يَجُوزُ إعْتَاقُ الطِّفْلِ فِي الْكَفَّارَةِ .
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ هَاهُنَا الْإِسْلَامُ ؛ بِدَلِيلِ إعْتَاقِ الْفَاسِقِ .
قَالَ الثَّوْرِيُّ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مُؤْمِنُونَ عِنْدَنَا فِي الْأَحْكَامِ ، وَلَا نَدْرِي مَا هُمْ عِنْدَ اللَّهِ .
وَلِهَذَا تَعَلَّقَ حُكْمُ الْقَتْلِ بِكُلِّ مُسْلِمٍ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً } .
وَالصَّبِيُّ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ ، يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَرِثُهُمْ ، وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَإِنْ سُبِيَ مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ أَجْزَأَهُ عِتْقُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ الطِّفْلِ مُسْلِمًا ، وَالْآخَرُ كَافِرًا ، أَجْزَأَ إعْتَاقُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي ، فِي مَوْضِعٍ : يُجْزِئُ إعْتَاقُ الصَّغِيرِ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ ، إلَّا كَفَّارَةَ الْقَتْلِ ؛ فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا مَا صَامَ وَصَلَّى ، وَمَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ رَقَبَةً لَيْسَتْ بِمُؤْمِنَةٍ ، فَالصَّبِيُّ يُجْزِئُ .
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ .
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الْوَاجِبَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ ، وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، فَمَا لَمْ تَحْصُلْ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ ، لَمْ يَحْصُلْ الْعَمَلُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، فِي قَوْلِهِ :

{ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } قَالَ : قَدْ صَلَّتْ .
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ .
وَقَالَ مَكْحُولٌ إذَا وُلِدَ الْمَوْلُودُ فَهُوَ نَسَمَةٌ ، فَإِذَا تَقَلَّبَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ فَهُوَ رَقَبَةٌ ، فَإِذَا صَلَّى فَهُوَ مُؤْمِنَةٌ .
وَلِأَنَّ الطِّفْلَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ عِبَادَةٌ ؛ لِفَقْدِ التَّكْلِيفِ ، فَلَمْ يُجْزِئْ فِي الْكَفَّارَةِ ، كَالْمَجْنُونِ ، وَلِأَنَّ الصِّبَا نَقْصٌ يَسْتَحِقّ بِهِ النَّفَقَةَ عَلَى الْقَرِيبِ ، أَشْبَهَ الزَّمَانَةَ .
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ الْإِسْلَامُ ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا { ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ السُّلَمِيَّ ، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ ، فَقَالَ لَهَا : أَيْنَ اللَّهُ ؟ قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ قَالَ : مَنْ أَنَا ؟ .
قَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ .
قَالَ : أَعْتِقْهَا ، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَفِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ أَعْجَمِيَّةٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً .
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إلَى السَّمَاءِ .
قَالَ : مَنْ أَنَا ؟ .
فَأَشَارَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ وَإِلَى السَّمَاءِ .
أَيْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ .
قَالَ : أَعْتِقْهَا ؛ } .
فَحَكَمَ لَهَا بِالْإِيمَانِ بِهَذَا الْقَوْلِ .

( 8034 ) فَصْلٌ : وَلَا يُجْزِئُ إعْتَاقُ الْجَنِينِ .
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَمْلُوكٌ ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ عَنْ الرَّقَبَةِ ، كَالْمَوْلُودِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا بَعْدُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُمَا كَوْنُهُ آدَمِيًّا ؛ لِكَوْنِهِ ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ نُطْفَةٌ أَوْ عَلَقَةٌ ، وَلَيْسَ بِآدَمِيٍّ فِي تِلْكَ الْحَالِ .
الثَّالِثُ ، أَنْ لَا يَكُونَ بِهَا نَقْصٌ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ .
وَقَدْ شَرَحْنَا ذَلِكَ فِي الظِّهَارِ .
وَيُجْزِئُ الصَّبِيُّ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَاضٍ إلَى زَوَالٍ ، وَصَاحِبُهُ سَائِرٌ إلَى الْكَمَالِ .
وَلَا يُجْزِئُ الْمَجْنُونُ ؛ لِأَنَّ نَقْصَهُ لَا غَايَةَ لِزَوَالِهِ مَعْلُومَةٌ ، فَأَشْبَهَ الزَّمِنَ .

( 8035 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَعْتَقَ غَائِبًا تُعْلَمُ حَيَاتُهُ ، وَتَجِيءُ أَخْبَارُهُ صَحَّ ، وَأَجْزَأَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، كَالْحَاضِرِ .
وَإِنْ شُكَّ فِي حَيَاتِهِ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ ، لَمْ يُحْكَمْ بِالْإِجْزَاءِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ شَغْلُ ذِمَّتِهِ ، وَلَا تَبْرَأُ بِالشَّكِّ ، وَهَذَا الْعَبْدُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فِي وُجُودِهِ ، فَشُكَّ فِي إعْتَاقِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : الْأَصْلُ حَيَاتُهُ .
قُلْنَا : إلَّا أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَقَدْ وُجِدَتْ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ انْقِطَاعُ أَخْبَارِهِ ، فَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ هَذَا كَوْنُهُ حَيًّا تَبَيَّنَّا صِحَّةَ عِتْقِهِ وَبَرَاءَةَ الذِّمَّةِ مِنْ الْكَفَّارَةِ ، وَإِلَّا فَلَا .

( 8036 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَ غَيْرُهُ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، لَمْ يَقَعْ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ ، إذَا كَانَ حَيًّا ، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، وَإِنْ نَوَى ذَلِكَ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ عَنْ وَاجِبٍ عَلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ قَضَى عَنْهُ وَاجِبًا فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ قَضَى عَنْهُ دَيْنًا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ ، فَلَمْ يَصِحَّ أَدَاؤُهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَمْرِ ، كَالْحَجِّ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ عَنْ الْمُكَفِّرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، كَالصِّيَامِ .
وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَفَّرَ عَنْهُ بِإِطْعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِي الصِّيَامِ بِإِذْنِهِ ، وَلَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، فَلَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ .
فَأَمَّا إنْ أَعْتَقَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ جَعَلَ لَهُ عِوَضًا ، صَحَّ الْعِتْقُ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ ، وَأَجْزَأَ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ .
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ الْعِتْقُ عَنْهُ بِمَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ وَوَكَّلَ الْبَائِعَ فِي إعْتَاقِهِ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عِوَضًا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ ، وَيُجْزِئُ فِي كَفَّارَتِهِ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ بِأَمْرِهِ ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَ عِوَضًا .
وَالْأُخْرَى ، لَا يُجْزِئُ ، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ ، وَبِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهِبَةِ ، وَمِنْ شَرْطِ الْهِبَةِ الْقَبْضُ ، وَلَمْ يَحْصُلْ ، فَلَمْ يَقَعْ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، وَفَارَقَ الْبَيْعَ ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ .
فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ عَنْهُ مَيِّتًا ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ

وَصَّى بِالْعِتْقِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَصِّ بِهِ ، فَأَعْتَقَ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُ ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُ وَارِثُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ ، لَمْ يَصِحَّ الْعِتْقُ عَنْهُ ، وَوَقَعَ عَنْ الْمُعْتِقِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عِتْقٌ وَاجِبٌ ، صَحَّ الْعِتْقُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ لَهُ فِي مَالِهِ وَأَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ .
فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَكَسَا عَنْهُ أَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ ، جَازَ ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ ، فَجَرَى مَجْرَى التَّطَوُّعِ .
وَالثَّانِي يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ وَاجِبًا ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَيَّنُ فِيهِ بِالْفِعْلِ ، فَأَشْبَهَ الْمُعَيَّنَ مِنْ الْعِتْقِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، فَجَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْهُ ، كَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ .
وَلَوْ قَالَ مَنْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ : أَطْعِمْ عَنْ كَفَّارَتِي .
أَوْ : اُكْسُ فَفَعَلَ ، صَحَّ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، سَوَاءٌ ضَمِنَ لَهُ عِوَضًا ، أَوْ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ عِوَضًا .

( 8037 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَأَعْتَقَهَا فِي الْكَفَّارَةِ ، عَتَقَتْ ، وَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ) وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَرُوِيَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَائِعَ نَقَصَهُ مِنْ الثَّمَنِ لِأَجْلِ هَذَا الشَّرْطِ ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ عَنْ الْعِتْقِ عِوَضًا ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ .
قَالَ أَحْمَدُ : إنْ كَانَتْ رَقَبَةً وَاجِبَةً ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَقَبَةً سَلِيمَةً ، وَلِأَنَّ عِتْقَهَا يَسْتَحِقُّ بِسَبَبٍ آخَرَ ، وَهُوَ الشَّرْطُ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ ، فَنَوَى بِشِرَائِهِ الْعِتْقَ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، أَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ .
ثُمَّ نَوَى عِنْدَ دُخُولِهِ أَنَّهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ .

( 8038 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَنْ كَفَّارَتِك ، وَلَك عَشَرَةُ دَنَانِيرَ .
فَفَعَلَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ لَمْ تَقَعْ خَالِصَةً عَنْ الْكَفَّارَةِ .
وَقَالَ الْقَاضِي الْعِتْقُ كُلُّهُ يَقَعُ عَنْ بَاذِلِ الْعِوَضِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ .
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ الْمُعْتِقَ لَمْ يُعْتِقْهُ عَنْ بَاذِلِ الْعِوَضِ ، وَلَا رَضِيَ بِإِعْتَاقِهِ عَنْهُ ، وَلَا بَاذِلُ الْعِوَضِ طَلَبَ ذَلِكَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ إعْتَاقَهُ مِنْ الْمُعْتِقِ ، وَالْوَلَاءُ لَهُ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَعْتِقْهُ ، وَالثَّمَنُ عَلَيَّ .
فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ .
فَإِنْ رَدَّ الْعَشَرَةَ عَلَى بَاذِلِهَا ، لِيَكُونَ الْعِتْقُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَحْدَهَا ، أَوْ عَزَمَ عَلَى رَدِّ الْعَشَرَةِ ، أَوْ رَدَّ الْعَشَرَةَ قَبْلَ الْعِتْقِ وَأَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، أَجْزَأَهُ .

( 8039 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا يَنْوِي إعْتَاقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِجْزَاءِ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَأَخَذَ أَرْشَهُ ثُمَّ أَعْتَقَ الْعَبْدَ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، أَجْزَأَهُ ، وَكَانَ الْأَرْشُ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْعَبْدِ الْمَعِيبِ دُونَ الْأَرْشِ .
وَإِنْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْعَيْبِ ، فَأَخَذَ أَرْشَهُ ، فَهُوَ لَهُ أَيْضًا ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ إعْتَاقِهِ .
وَعَنْهُ ، أَنَّهُ يَصْرِفُ ذَلِكَ الْأَرْشَ فِي الرِّقَابِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ سَلِيمٌ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعِوَضِ عَنْ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَكَفَّارَةُ الْأَرْشِ مَصْرُوفَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ كَانَ الْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي .
وَإِنْ عَلِمَ الْعَيْبَ ، وَلَمْ يَأْخُذْ أَرْشَهُ حَتَّى أَعْتَقَهُ ، كَانَ الْأَرْشُ لِلْمُعْتِقِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مَعِيبًا عَالِمًا بِعَيْبِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشٌ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ .

( 8040 ) مَسْأَلَة ؛ قَالَ ( وَكَذَلِكَ وَلَوْ اشْتَرَى بَعْضَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ ، يَنْوِي بِشِرَائِهِ الْكَفَّارَةَ ، عَتَقَ ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُجْزِئُهُ : اسْتِحْسَانًا ؛ لِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ كَفَّارَةِ الْبَائِعِ ، فَأَجْزَأَ عَنْ كَفَّارَةِ الْمُشْتَرِي ، كَغَيْرِهِ .
وَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .
وَالتَّحْرِيرُ فِعْلُ الْعِتْقِ ، وَلَمْ يَحْصُلْ الْعِتْقُ هَاهُنَا بِتَحْرِيرٍ مِنْهُ ، وَلَا إعْتَاقٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ ، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ وَرِثَهُ يَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، أَوْ كَأُمِّ الْوَلَدِ ، وَيُخَالِفُ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْبَائِعَ يُعْتِقُهُ ، وَالْمُشْتَرِي لَمْ يُعْتِقْهُ ، إنَّمَا يَعْتِقُ بِإِعْتَاقِ الشَّرْعِ ، وَهَذَا عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ .
وَالثَّانِي ، أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ إعْتَاقَهُ ، وَالْمُشْتَرِي بِخِلَافِهِ .

( 8041 ) فَصْلٌ : إذَا مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ ، فَأَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، عَتَقَ ، وَسَرَى إلَى بَاقِيهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَةِ بَاقِيهِ ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ ، وَصَاحِبِهِ ، وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ لَمْ يَحْصُلْ بِإِعْتَاقِهِ ، إنَّمَا حَصَلَ بِالسِّرَايَةِ ، وَهِيَ غَيْرُ فِعْلِهِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ آثَارِ فِعْلِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ يَنْوِي بِهِ الْكَفَّارَةَ ، يُحَقِّقُ هَذَا ، أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ بِالْإِعْتَاقِ إلَّا نَصِيبَهُ ، فَسَرَى إلَى غَيْرِهِ ، وَلَوْ خَصَّ نَصِيبَ غَيْرِهِ بِالْإِعْتَاقِ ، لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ إعْتَاقَ نَصِيبِهِ ، لَا نَصِيبِ غَيْرِهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : قَالَ غَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا : يُجْزِئُهُ إذَا نَوَى إعْتَاقَ جَمِيعِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا كَامِلَ الرِّقِّ ، سَلِيمَ الْخَلْقِ ، غَيْرَ مُسْتَحِقِّ الْعِتْقِ ، نَاوِيًا بِهِ الْكَفَّارَةَ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ مِلْكَهُ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَ كُلَّهُ ، وَإِنَّمَا أَعْتَقَ نِصْفَهُ ، وَعَتَقَ الْبَاقِي عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ شِرَاءَ قَرِيبِهِ ، وَلِأَنَّ إعْتَاقَ بَاقِيهِ مُسْتَحَقٌّ بِالسِّرَايَةِ ، فَهُوَ كَالْقَرِيبِ ، فَعَلَى هَذَا : هَلْ يُجْزِئُهُ عِتْقُ نِصْفِهِ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُ وَيُعْتِقُ نِصْفًا آخَرَ ، فَتَكْمُلُ الْكَفَّارَةُ ؟ يَنْبَنِي عَلَى مَا إذَا أَعْتَقَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى .
وَإِنْ نَوَى عِتْقَ نَصِيبِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، وَلَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ نَصِيبُ شَرِيكِهِ وَفِي نَصِيبِهِ نَفْسِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا ، فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، فَكَذَلِكَ ، فَإِنْ مَلَكَ بَاقِيَهُ ، فَأَعْتَقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ أَرَادَ صِيَامَ

شَهْرٍ ، وَإِطْعَامَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَأَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ أَوْ كَسَاهُمْ ، لَمْ يُجْزِئْهُ .

( 8042 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لَهُ ، فَأَعْتَقَ جُزْءًا مِنْهُ مُعَيَّنًا ، أَوْ مُشَاعًا عَتَقَ جَمِيعُهُ .
فَإِنْ كَانَ نَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ ، أَجْزَأَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ بَعْضِ الْعَبْدِ إعْتَاقٌ لِجَمِيعِهِ ، وَإِنْ نَوَى إعْتَاقَ الْجُزْءِ الَّذِي بَاشَرَهُ بِالْإِعْتَاقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ دُونَ غَيْرِهِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ .
وَهَلْ يُحْتَسَبُ بِمَا نَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .

( 8043 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنْ مَلَكْت فُلَانًا ، فَهُوَ حُرٌّ .
وَقُلْنَا : يَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيقُ .
فَاشْتَرَاهُ يَنْوِي الْعِتْقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، عَتَقَ ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، وَيُخَرَّجُ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا فِي شِرَاءِ قَرِيبِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 8044 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا تُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ أُمُّ وَلَدٍ ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا تُجْزِئُ .
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَطَاوُسٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .
وَمُعْتِقُهَا قَدْ حَرَّرَهَا .
وَلَنَا ، أَنَّ عِتْقَهَا يُسْتَحَقُّ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَلَمْ يُجْزِئْ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ ، أَوْ عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَأَعْتَقَهُ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ إنْ أُدْخِلْت الدَّارَ .
ثُمَّ نَوَى عِتْقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ عِنْدَ دُخُولِهِ .
وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ .
( 8045 ) فَصْلٌ : وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ الَّذِي وَلَدَتْهُ بَعْدَ كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ ، حُكْمُهُ حُكْمُهَا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُهَا فِي الْعِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا .

( 8046 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا مُكَاتَبٌ قَدْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا ) رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الْمُكَاتَبِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ؛ إحْدَاهُنَّ ، يُجْزِئُ مُطْلَقًا .
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، فَأَجْزَأَ عِتْقُهُ ، كَالْمُدَبَّرِ ، وَلِأَنَّهُ رَقَبَةٌ ، فَدَخَلَ فِي مُطْلَقِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يُجْزِئُ مُطْلَقًا .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ كِتَابَتِهِ ، فَأَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ .
وَالثَّالِثَةُ ، إنْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَإِلَّا أَجْزَأَهُ .
وَبِهَذَا قَالَ اللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
قَالَ الْقَاضِي : هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَدَّى شَيْئًا فَقَدْ حَصَلَ الْعِوَضُ عَنْ بَعْضِهِ ، فَلَمْ يُجْزِئْ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ بَعْضَ رَقَبَةٍ ، وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ ، فَقَدْ أَعْتَقَ رَقَبَةً كَامِلَةً مُؤْمِنَةً سَالِمَةَ الْخَلْقِ تَامَّةَ الْمِلْكِ ، لَمْ يَحْصُلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا عِوَضٌ ، فَأَجْزَأَ عِتْقُهُ ، كَالْمُدَبَّرِ .
وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَلَى مَالٍ ، فَأَخَذَهُ مِنْ الْعَبْدِ ، لَمْ يُجْزِئْ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .

( 8047 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُجْزِئُهُ الْمُدَبَّرُ ) وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَأَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ ، وَلِأَنَّ بَيْعَهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ جَائِزٍ ، فَأَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ .
وَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .
وَقَدْ حَرَّرَ رَقَبَةً ، وَلِأَنَّهُ عَبْدٌ كَامِلُ الْمَنْفَعَةِ ، يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَلَمْ يَحْصُلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ عِوَضٌ ، فَجَازَ عِتْقُهُ ، كَالْقِنِّ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ مُدَبَّرًا .
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَهُ فِي بَابِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَصِيَّةً أَوْ عِتْقًا بِصِفَةٍ ، وَأَيًّا مَا كَانَ ، فَلَا يُمْنَعُ التَّكْفِيرُ بِإِعْتَاقِهِ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ ، وَالصِّفَةُ هَاهُنَا الْمَوْتُ ، وَلَمْ يُوجَدْ .

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْخَصِيُّ ) لَا نَعْلَمُ فِي إجْزَاءِ الْخَصِيِّ خِلَافًا ، سَوَاءٌ كَانَ مَقْطُوعًا أَوْ مَشْلُولًا أَوْ مَوْجُوءًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ، بَلْ رُبَّمَا زَادَتْ بِذَلِكَ قِيمَتُهُ ، فَانْدَفَعَ فِيهِ ضَرَرُ شَهْوَتِهِ ، فَأَجْزَأَ ، كَالْفَحْلِ .

( 8049 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَوَلَدُ الزِّنَى ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، رُوِيَ ، ذَلِكَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَحَمَّادٍ ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : وَلَدَ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ } .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَأَنْ أُمَتِّعَ بِسَوْطٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ وَلَدَ زَنِيَّةٍ .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَلَنَا ، دُخُولُهُ فِي مُطْلَقِ قَوْله تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .
وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مُسْلِمٌ كَامِلُ الْعَمَلِ ، لَمْ يَعْتَضْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَلَا اسْتَحَقَّ عِتْقَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَأَجْزَأَ عِتْقُهُ ، كَوَلَدِ الرَّشِيدَةِ .
فَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَمِّهِ ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِهَا ؛ فَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَلَدُ الزِّنَى هُوَ الْمُلَازِمُ لِلزِّنَى ، كَمَا يُقَالُ : ابْنُ السَّبِيلِ الْمُلَازِمُ لَهَا ، وَوَلَدُ اللَّيْلِ الَّذِي لَا يَهَابُ السَّرِقَةِ .
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ : هُوَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ أَصْلًا وَعُنْصُرًا وَنَسَبًا ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَاءِ الزِّنَى ، وَهُوَ خَبِيثٌ .
وَأَنْكَرَ قَوْمٌ هَذَا التَّفْسِيرَ ، وَقَالُوا : لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ وَالِدَيْهِ شَيْءٌ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وَفِي الْجُمْلَةِ ، هَذَا يَرْجِعُ إلَى أَحْكَامِ الْآخِرَةِ ، أَمَّا أَحْكَامُ الدُّنْيَا ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ ، فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ ، وَبَيْعِهِ ، وَعِتْقِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي إجْزَاءِ عِتْقِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا .

( 8050 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدًا ، أَجْزَأَهُ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ ) يَعْنِي إنْ لَمْ يَجِدْ إطْعَامًا ، وَلَا كِسْوَةً ، وَلَا عِتْقًا ، انْتَقَلَ إلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } .
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، إلَّا فِي اشْتِرَاطِ التَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُهُ ، كَذَلِكَ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ .
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّوْمِ مُطْلَقٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَلِأَنَّهُ صَامَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ ، فَلَمْ يَجِبْ التَّتَابُعُ فِيهِ ، كَصِيَامِ الْمُتَمَتِّعِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ .
وَلَنَا ، أَنَّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ " .
كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي " التَّفْسِيرِ " عَنْ جَمَاعَةٍ ، وَهَذَا إنْ كَانَ قُرْآنًا ، فَهُوَ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا ، فَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا سَمِعَاهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفْسِيرًا فَظَنَّاهُ قُرْآنًا ، فَثَبَتَتْ لَهُ رُتْبَةُ الْخَبَرِ ، وَلَا يَنْقُصُ عَنْ دَرَجَةِ تَفْسِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْآيَةِ ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ ، فَهُوَ حُجَّةٌ يُصَارُ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ صِيَامٌ

فِي كَفَّارَةٍ فَوَجَبَ فِيهِ التَّتَابُعُ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ ، وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .
فَعَلَى هَذَا ، إنْ أَفْطَرَتْ الْمَرْأَةُ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ ، أَوْ الرَّجُلُ لِمَرَضٍ ، لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَنْقَطِعُ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ لَمْ يُوجَدْ ، وَفَوَاتُ الشَّرْطِ يَبْطُلُ بِهِ الْمَشْرُوطُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَنْقَطِعُ فِي الْمَرَضِ ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .
وَلَا يَنْقَطِعُ فِي الْحَيْضِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْفِطْرَ ، أَشْبَهَ الْحَيْضَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ .

( 8051 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ كَانَ الْحَانِثُ عَبْدًا ، لَمْ يُكَفِّرْ بِغَيْرِ الصَّوْمِ ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ فِي الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضُ الْمُعْسِرِ مِنْ الْأَحْرَارِ ، وَهُوَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ دَاخِلٌ فِي قَوْله تَعَالَى { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } .
وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ .
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الصِّيَامِ .
وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا ، فِيمَا إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ ، رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ بِهِ .
وَالْأُخْرَى ، لَا يَجُوزُ إلَّا بِالصِّيَامِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا عِلَلَ ذَلِكَ فِي الظِّهَارِ ، وَالِاخْتِلَافَ فِيهِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ أَصْلَ هَذَا عِنْدَهُ الرِّوَايَتَانِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ ، إنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ .
فَمَلَّكَهُ سَيِّدُهُ ، وَأَذِنَ لَهُ بِالتَّكْفِيرِ ، بِالْمَالِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا يُكَفِّرُ بِهِ وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ .
فَفَرْضُهُ الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا يُكَفِّرُ بِهِ .
وَكَذَلِكَ إنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ بِالتَّكْفِيرِ فِي الْمَالِ ، فَفَرْضُهُ الصِّيَامُ ، وَإِنْ مَلَكَ ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا فِي يَدَيْهِ .
قَالَ : وَأَصْحَابُنَا يَجْعَلُونَ فِي الْعَبْدِ رِوَايَتَيْنِ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ قُلْنَا : يَمْلِكُ .
أَوْ لَا يَمْلِكُ .
ثُمَّ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُجِيزُ لَهُ التَّكْفِيرَ بِالْمَالِ ، لَهُ أَنْ يُطْعِمَ ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْتِقَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقْتَضِي الْوَلَاءَ وَالْوِلَايَةَ وَالْإِرْثَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ ، وَلَكِنْ يُكَفِّرُ بِالْإِطْعَامِ .
وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ .
وَبِهِ قَالَ

الشَّافِعِيُّ ، عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يُجِيزُ لَهُ التَّكْفِيرَ بِالْمَالِ .
وَالثَّانِيَةُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالْعِتْقِ ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ تَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ ، صَحَّ بِالْعِتْقِ ، كَالْحُرِّ ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْعَبْدَ ، فَصَحَّ تَكْفِيرُهُ بِإِعْتَاقِهِ ، كَالْحُرِّ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْعِتْقَ يَقْتَضِي الْوَلَاءَ وَالْوِلَايَةَ .
لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِي الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَتَخَلُّفُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمُقْتَضِي ، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَخَلَّفُ لِتَخَلُّفِ سَبَبِهِ لَا لِتَخَلُّفِ أَحْكَامِهِ ، كَمَا أَنَّهُ يَثْبُتُ لِوُجُودِ سَبَبِهِ ، وَلِأَنَّ تَخَلُّفَ بَعْضِ الْأَحْكَامِ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي ، إنَّمَا يَكُونُ لِمَانِعٍ مَنَعَهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَنْعُ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا .
وَلِهَذَا السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتُهُ تَخَلُّفَهَا عَنْهُ فِي الرَّقِيقِ ، عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ يَثْبُتُ بِإِعْتَاقِ الْعَبْدِ ، لَكِنْ لَا يَرِثُ بِهِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ دِينَاهُمَا .
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ .
أَحَدُهُمَا ، يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ رَقَبَةٌ تُجْزِئُ عَنْ غَيْرِهِ فَأَجْزَأَتْ عَنْ نَفْسِهِ كَغَيْرِهِ .
وَالْآخَرُ لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَهُ فِي الْإِعْتَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى إعْتَاقِ غَيْرِهِ .
وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَيِّدَهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي إعْتَاقِ نَفْسِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ جَازَ ، فَأَمَّا إنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ فِي الْإِعْتَاقِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ إلَّا أَقَلَّ رَقَبَةٍ تُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ ، وَلَيْسَ لَهُ إعْتَاقُ نَفْسِهِ إذَا كَانَتْ أَفْضَلَ مِمَّا يُجْزِئُ .
وَهَذَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي التَّكْفِيرِ أَنْ يُمَلِّكَهُ سَيِّدُهُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ ، بَلْ مَتَى أَذِنَ لَهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ أَوْ الْإِطْعَامِ ، أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ التَّمْلِيكَ ، لَمَا صَحَّ لَهُ

أَنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، وَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مُعَيَّنٍ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ مُطْلَقًا .

( 8052 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَعْتَقَ الْعَبْدُ عَبْدًا عَنْ كَفَّارَتِهِ ، بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَقُلْنَا : إنَّ الْإِعْتَاقَ فِي الْكَفَّارَةِ يَثْبُتُ بِهِ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ .
ثَبَتَ وَلَاؤُهُ لِلْعَبْدِ الَّذِي أَعْتَقَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّمَا الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ " .
وَلَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ مَعَ انْتِفَاءِ الْإِرْثِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا ، أَوْ قَتَلَ الْمُعْتِقُ عَتِيقَهُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ مَعَ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لَهُ عَلَيْهِ .
فَإِنْ عَتَقَ الْمُعْتِقُ لَهُ وَرِثَ بِالْوَلَاءِ ، لِزَوَالِ الْمَانِعِ ، كَمَا إذَا كَانَا مُخْتَلِفَيْ الدِّينِ ، فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا .
ذَكَرَ هَذَا طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ .
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ لَا يَرِثُ عَتِيقَهُ فِي حَيَاةِ عَبْدِهِ ، كَمَا لَا يَرِثُ وَلَدَ عَبْدِهِ ، فَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ، ثُمَّ مَاتَ وَرِثَ السَّيِّدُ مَوْلَى عَبْدِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْلَى مَوْلَاهُ ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ ، وَلَهُ وَلَدٌ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمَوْلَى أُمِّهِ يَجُرُّ وَلَاءَهُ ، وَيَرِثُهُ سَيِّدُهُ إذَا مَاتَ أَبُوهُ .

( 8053 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُ عَبْدِهِ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالصِّيَامِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ أَوْ الْحِنْثُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَسَوَاءٌ أَضَرَّ بِهِ الصِّيَامُ أَوْ لَمْ يَضُرَّ بِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ حَنِثَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَالصَّوْمُ يَضُرُّ بِهِ ، فَلَهُ مَنْعُهُ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيمَا أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ ، مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَرَرٌ عَلَى السَّيِّدِ ، فَكَانَ لَهُ مَنْعُهُ وَتَحْلِيلُهُ ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَنَا ، أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ ، كَصِيَامِ رَمَضَانَ وَقَضَائِهِ ، وَيُفَارِقُ الْحَجَّ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ كَثِيرٌ ؛ لِطُولِ مُدَّتِهِ ، وَغَيْبَتِهِ عَنْ سَيِّدِهِ ، وَتَفْوِيتِ خِدْمَتِهِ ، وَلِهَذَا مَلَكَ تَحْلِيلَ زَوْجَتِهِ مِنْهُ ، وَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهَا صَوْمَ الْكَفَّارَةِ .
فَأَمَّا صَوْمُ التَّطَوُّعِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ، فَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِهِ ، لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَعْبُدُ رَبَّهُ بِمَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ ذِكْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ، وَصَلَاةَ النَّافِلَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِ خِدْمَتِهِ ، وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْهُ فِي كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَيَمْنَعُهُ مِنْهُ .

( 8054 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَنِثَ وَهُوَ عَبْدٌ فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالَةِ الْحِنْثِ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ عَبْدٌ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ ، فَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ كَفَّارَةَ عَبْدٍ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُكَفَّرُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ حَنِثَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ ، فَإِنْ كَفَّرَ بِهِ أَجْزَأَهُ .
وَهَذَا مَنْصُوصٌ ، عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَلَيْسَ عَلَى الْخِرَقِيِّ حُجَّةٌ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ لَهُ ؛ لِقَوْلِهِ : إنَّمَا يُكَفِّرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ .
" وَإِنَّمَا " لِلْحَصْرِ ، تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ وَتَنْفِي مَا عَدَاهُ ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا الصَّوْمُ ، فَلَا يُكَفِّرُ بِغَيْرِهِ .
وَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ فِي رِقِّهِ ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِحُرِّيَّتِهِ ، كَالْحَدِّ ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي لَمْ يَجُزْ فِيهِ لِلْعَبْدِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، فَلَهُ التَّكْفِيرُ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ فِي حَالِ رِقِّهِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ ، فَفِي حَالِ حُرِّيَّتِهِ أَوْلَى ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إلَى إذْنِ سَيِّدِهِ فِي حَالِ رِقِّهِ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لِسَيِّدِهِ ، أَوْ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِمَالِهِ ، وَبَعْدَ الْحُرِّيَّةِ قَدْ زَالَ ذَلِكَ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إذْنِهِ .
وَإِنْ قُلْنَا : التَّكْفِيرُ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ .
لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الْمَالِ إنْ كَانَ مُوسِرًا .
وَإِنْ حَلَفَ عَبْدٌ ، وَحَنِثَ وَهُوَ حُرٌّ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَحْرَارِ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ قَبْلَ الْحِنْثِ ، فَمَا وَجَبَتْ إلَّا وَهُوَ حُرٌّ .

( 8055 ) فَصْلٌ : مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ ، حُكْمُهُ فِي التَّكْفِيرِ حُكْمُ الْحُرِّ الْكَامِلِ ، فَإِذَا مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ مَا لَا يُكَفِّرُ بِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الصِّيَامُ ، وَلَهُ التَّكْفِيرُ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ .
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّ لَهُ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ دُونَ الْإِعْتَاقِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ إلَّا الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ ، أَشْبَهَ الْقِنَّ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } .
وَهَذَا وَاجِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مِلْكًا تَامًّا ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ الْكَامِلَ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ ، ثُمَّ إنَّ امْتِنَاعَ بَعْضِ أَحْكَامِهِ ، لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ ، كَعِتْقِ الْمُسْلِمِ رَقِيقَهُ الْكَافِرَ .

( 8056 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ مَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ ، يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ ، مِقْدَارُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وَتَرْتِيبًا ، فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا انْتَقَلَ إلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَجِدَ فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ ، يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ ، قَدْرًا يُكَفِّرُ بِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ .
وَنَحْوُهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ ، أَجْزَأَهُ الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ .
وَلِأَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ : إذَا كَانَ مَالِكًا لِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ، فَلَهُ الصِّيَامُ .
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ : لَا يَصُومُ مَنْ مَلَكَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَلِمَنْ يَمْلِكُ دُونَهَا الصِّيَامُ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : إذَا لَمْ يَمْلِكْ إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ، كَفَّرَ بِهَا .
وَقَالَ الْحَسَنُ : دِرْهَمَيْنِ .
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ نَحْوُ قَوْلِنَا .
وَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اشْتَرَطَ لِلصِّيَامِ أَنْ لَا يَجِدَ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } وَمَنْ وَجَدَ مَا يُكَفِّرُ بِهِ فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ ، فَهُوَ وَاجِدٌ ، فَيَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْمَالِ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْفَاضِلُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ ، يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ ، كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ .

( 8057 ) فَصْلٌ : فَلَوْ مَلَكَ مَا يُكَفِّرُ بِهِ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ ، وَهُوَ مُطَالَبٌ بِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، وَالْكَفَّارَةُ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى ، فَإِذَا كَانَ مُطَالَبًا بِالدَّيْنِ ، وَجَبَ تَقْدِيمُهُ ، كَزَكَاةِ الْفِطْرِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَالَبًا بِالدَّيْنِ ، فَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا قَدْرٌ مِنْ الْمَالِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالدَّيْنِ ، كَزَكَاةِ الْفِطْرِ .
وَالثَّانِيَةُ لَا تَجِبُ ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، يَجِبُ فِي الْمَالِ فَأَسْقَطَهَا الدَّيْنُ ، كَزَكَاةِ الْمَالِ .
وَهَذَا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ، لِشُحِّهِ ، وَحَاجَتِهِ إلَيْهِ ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْغَرِيمِ ، وَتَفْرِيغُ ذِمَّةِ الْمَدِينِ ، وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ ؛ لِكَرَمِهِ وَغِنَاهُ ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ بِالْمَالِ لَهَا بَدَلٌ ، وَدَيْنُ الْآدَمِيِّ لَا بَدَلَ لَهُ ، وَيُفَارِقُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ ؛ لِكَوْنِهَا أُجْرِيَتْ مُجْرَى النَّفَقَةِ وَلِهَذَا يَتَحَمَّلُهَا الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ ، كَالزَّوْجِ عَنْ امْرَأَتِهِ وَعَائِلَتِهِ وَرَقِيقِهِ ، وَلَا بَدَلَ لَهَا ، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ .

( 8058 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ ، أَوْ دَيْنٌ يَرْجُو وَفَاءَهُ ، لَمْ يُكَفِّرْ بِالصِّيَامِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ ، فَأَجْزَأَهُ الصِّيَامُ ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } .
وَقِيَاسًا عَلَى الْمُعْسِرِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَوْ عَدِمَ الْهَدْيَ فِي مَوْضِعِهِ ، انْتَقَلَ إلَى الصِّيَامِ ، وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي مَوْضِعِهِ ، انْتَقَلَ إلَى التَّيَمُّمِ ، وَلَوْ عَدِمَ الْمُظَاهِرُ الْمَالَ فِي مَوْضِعِهِ ، انْتَقَلَ إلَى الصِّيَامِ ، وَالِانْتِقَالُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ ، أَشْبَهَ هَذِهِ الْأُصُولَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ حَقُّ مَالٍ يَجِبُ عَلَى وَجْهِ الطُّهْرَةِ ، فَلَمْ تَمْنَعْ الْغَيْبَةُ وُجُوبَهُ ، كَالزَّكَاةِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ ، وَلَا ضَرَرَ فِي تَأْخِيرِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِغَيْبَتِهِ ، كَالزَّكَاةِ ، وَفَارَقَ الْهَدْيَ ؛ فَإِنَّ لَهُ وَقْتًا يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ ، وَالتَّيَمُّمُ يُفْضِي تَأْخِيرُهُ إلَى فَوَاتِ الصَّلَاةِ ، وَتَأْخِيرُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ يُفْضِي إلَى تَرْكِ الْوَطْءِ ، وَفِيهِ ضَرَرٌ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ التَّمَكُّنِ ؛ وَلِهَذَا صَحَّ بَيْعُ الْغَائِبِ ، مَعَ أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ التَّسْلِيمِ شَرْطٌ .

( 8059 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَمَنْ لَهُ دَارٌ لَا غِنَى لَهُ عَنْ سُكْنَاهَا ، أَوْ دَابَّةٌ يَحْتَاجُ إلَى رُكُوبِهَا ، أَوْ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ ، أَجْزَأَهُ الصِّيَامُ فِي الْكَفَّارَةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِيمَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَالسُّكْنَى مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى رُكُوبِهَا ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُطِيقُ الْمَشْيَ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، أَوْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِهِ ، وَكَذَلِكَ الْخَادِمُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ لَا يَخْدُمُ نَفْسَهُ ؛ لِمَرَضٍ ، أَوْ كِبَرٍ ، أَوْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِهِ ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ لَا تَمْنَعُ التَّكْفِيرَ بِالصِّيَامِ ، وَلَا الزَّكَاةِ مِنْ الْأَخْذِ وَالْكَفَّارَةِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : مَنْ مَلَكَ رَقَبَةً تُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ ، لَا يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا لِخِدْمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِرَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } .
فَاشْتَرَطَ لِلصِّيَامِ أَنْ لَا يَجِدَهَا وَلَنَا ، أَنَّهَا مُسْتَغْرِقَةٌ لِحَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ ، فَلَمْ تَمْنَعْ جَوَازَ الِانْتِقَالِ ، كَالْمَسْكَنِ وَالْمَرْكُوبِ وَالطَّعَامِ الَّذِي هُوَ مُحْتَاجٌ ، إلَيْهِ وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالطَّعَامِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ ، وَبِمَا إذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِانْتِقَالَ إلَى التَّيَمُّمِ ، وَلِأَنَّ وِجْدَانَ ثَمَنِ الرَّقَبَةِ كَوِجْدَانِهَا ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ لِمَنْ وَجَدَ ثَمَنَهَا الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ، وَمَعَ هَذَا ، لَوْ وَجَدَ ثَمَنَهَا الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، لَمْ يَمْنَعْهُ الِانْتِقَالَ ، كَذَا هَاهُنَا .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَضْلٌ عَنْ حَاجَتِهِ ، مِثْلُ مَنْ لَهُ دَارٌ كَبِيرَةٌ تُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ دَارِ مِثْلِهِ ، وَدَابَّةٌ فَوْقَ

دَابَّةِ مِثْلِهِ ، وَخَادِمٌ فَوْقَ خَادِمِ مِثْلِهِ ، يُمْكِنُ أَنْ يُحَصِّلَ بِهِ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَتَفْضُلَ فَضْلَةٌ يُكَفِّرُ بِهَا ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ مِنْهُ الْفَاضِلُ عَنْ كِفَايَتِهِ ، أَوْ يُبَاعُ الْجَمِيعُ ، وَيَبْتَاعُ لَهُ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَيُكَفِّرُ بِالْبَاقِي .
وَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ ، أَوْ أَمْكَنَ الْبَيْعُ وَلَمْ يُمْكِنْ شِرَاءُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، تُرِكَ ذَلِكَ ، وَكَانَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقِيَامِ بِحَاجَتِهِ وَالتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ ( 8060 ) .
فَصْلٌ : وَمَنْ لَهُ عَقَارٌ يَحْتَاجُ إلَى أُجْرَتِهِ لِمُؤْنَتِهِ أَوْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ ، أَوْ بِضَاعَةٌ يَخْتَلُّ رِبْحُهَا الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ بِالتَّكْفِيرِ مِنْهَا ، أَوْ سَائِمَةٌ يَحْتَاجُ إلَى نَمَائِهَا حَاجَةً أَصْلِيَّةً ، أَوْ أَثَاثٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا ، فَلَهُ التَّكْفِيرُ بِالصِّيَامِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَغْرِقٌ لِحَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ ، فَأَشْبَهَ الْمُعْدِمَ .

( 8061 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَيُجْزِئُهُ إنْ أَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ ، وَكَسَا خَمْسَةً ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَطْعَمَ بَعْضَ الْمَسَاكِينِ ، وَكَسَا الْبَاقِينَ ، بِحَيْثُ يَسْتَوْفِي الْعَدَدَ ، أَجْزَأَهُ ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ جَعَلَ الْكَفَّارَةَ أَحَدَ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ ، وَلَمْ يَأْتِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا .
الثَّانِي ، أَنَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ دَلِيلٌ عَلَى انْحِصَارِ التَّكْفِيرِ فِيهَا ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ خَصْلَةٌ رَابِعَةٌ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ التَّكْفِيرِ ، فَلَمْ يُجْزِئُهُ تَبْعِيضُهُ ، كَالْعِتْقِ ، وَلِأَنَّهُ لَفَّقَ الْكَفَّارَةَ مِنْ نَوْعَيْنِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ وَأَطْعَمَ خَمْسَةً أَوْ كَسَاهُمْ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِعَدِّهِ الْعَدَدَ الْوَاجِبَ ، فَأَجْزَأَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النَّوْعَيْنِ يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِي جَمِيعِ الْعَدَدِ ، فَقَامَ مَقَامَهُ فِي بَعْضِهِ ، كَالْكَفَّارَتَيْنِ ، وَكَالتَّيَمُّمِ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْمَاءِ فِي الْبَدَنِ كُلِّهِ فِي الْجَنَابَةِ ، جَازَ فِي بَعْضِهِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ ، فِيمَا إذَا كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ صَحِيحًا وَبَعْضُهُ جَرِيحًا ، وَفِيمَا إذَا وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ مُتَقَارِبٌ ؛ إذْ الْقَصْدُ مِنْهُمَا سَدُّ الْخَلَّةِ ، وَدَفْعُ الْحَاجَةِ ، وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْعَدَدِ ، وَاعْتِبَارُ الْمَسْكَنَةِ فِي الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ ، وَتَنَوُّعُهُمَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُمَا فِي الْإِطْعَامِ سَدًّا لِجَوْعِهِ .
وَفِي الْكِسْوَةِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ ، لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فِي الْكَفَّارَة الْمُلَفَّقَةِ مِنْهُمَا ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْفَقِيرَيْنِ مُحْتَاجًا إلَى

سَتْرِ عَوْرَتِهِ ، وَالْآخَرُ إلَى الِاسْتِدْفَاءِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الَّذِينَ أَطْعَمَهُمْ بِالْإِطْعَامِ ، وَيَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الَّذِينَ كَسَاهُمْ بِالْكِسْوَةِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْإِنْفَاقِ أَكْثَرُ مِنْ إطْعَامِ مَنْ بَقِيَ ، وَلَا كِسْوَةُ أَكْثَرَ مِمَّنْ بَقِيَ ، وَإِذَا خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ، وَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ النَّوْعُ .
وَأَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّهَا تَدُلُّ بِمَعْنَاهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي كُلِّ فَقِيرٍ بَيْنَ أَنْ يُطْعِمَهُ أَوْ يَكْسُوَهُ ، وَهَذَا يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَيَصِيرُ كَمَا يُخَيَّرُ فِي الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالنَّظِيرِ ، أَوْ يُقَوِّمَ النَّظِيرِ بِدَرَاهِمَ ، فَيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ ، أَوْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ، فَلَوْ صَامَ عَنْ بَعْضِ الْأَمْدَادِ ، وَأَطْعَمَ بَعْضًا ، أَجْزَأَ كَذَلِكَ هَاهُنَا .
وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ ، لِمَا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ إخْرَاجِ أَلْفِ دِينَارٍ ، أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، لَوْ أَعْطَى الْبَعْضَ ذَهَبًا ، وَالْبَعْضَ دَرَاهِمَ ، جَازَ .
وَفَارَقَ مَا إذَا أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ .
وَأَطْعَمَ خَمْسَةً أَوْ كَسَاهُمْ ؛ لِأَنَّ تَنْصِيفَ الْعِتْقِ يُخِلُّ بِالْآخَرِ ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا .

( 8062 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَطْعَمَ الْمِسْكِينَ بَعْضَ الطَّعَامِ ، وَكَسَاهُ بَعْضَ الْكِسْوَةِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّهُ مَا أَطْعَمَهُ الطَّعَامَ الْوَاجِبَ لَهُ ، وَلَا كَسَاهُ الْكِسْوَةَ الْوَاجِبَةَ ، فَصَارَ كَمَنْ لَمْ يُطْعِمْهُ شَيْئًا وَلَمْ يَكْسُهُ ، وَإِنْ أَطْعَمَ بَعْضَ الْمَسَاكِينِ بُرًّا ، وَبَعْضَهُمْ تَمْرًا ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ ، أَجْزَأَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِئُهُ .
وَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .
وَقَدْ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جِنْسِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَسَا بَعْضَ الْمَسَاكِينِ قُطْنًا ، وَبَعْضَهُمْ كَتَّانًا ، جَازَ ، مَعَ اخْتِلَافِ النَّوْعِ ، كَذَلِكَ الْإِطْعَامُ .

( 8063 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ ، أَوْ نِصْفَيْ أَمَتَيْنِ ، أَوْ نِصْفَيْ عَبْدٍ وَأَمَةٍ ، أَجْزَأَ عَنْهُ ) قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ : هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ .
يَعْنِي أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ : لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْ إعْتَاقِ نِصْفَيْنِ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ فَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنْ كَانَ نِصْفُ الرَّقِيقِ حُرًّا ، أَجْزَأَ ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْأَشْقَاصَ كَالْأَشْخَاصِ فِيمَا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْعَيْبُ الْيَسِيرُ ، دَلِيلُهُ الزَّكَاةُ ، وَنَعْنِي بِهِ إذَا كَانَ لَهُ نِصْفُ ثَمَانِينَ شَاةً مُشَاعًا ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ ، كَمَا لَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ مُنْفَرِدَةً ، وَكَالْهَدَايَا وَالضَّحَايَا إذَا اشْتَرَكُوا فِيهَا .
وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إعْتَاقُ نِصْفَيْنِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا حُرًّا ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الرَّقَبَةِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى إعْتَاقِ الْكَامِلَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْ الشِّقْصَيْنِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الرَّقَبَةِ الْكَامِلَةِ مِنْ تَكْمِيلِ الْأَحْكَامِ ، وَتَخْلِيصِ الْآدَمِيِّ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ وَنَقْصِهِ ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَثْبُتُ بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ كَامِلَةٍ ، وَيَمْتَنِعُ قِيَاسُ الشِّقْصَيْنِ عَلَى الرَّقَبَةِ الْكَامِلَةِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَمَرَ إنْسَانًا بِشِرَاءِ رَقَبَةٍ أَوْ بَيْعِهَا ، أَوْ بِإِهْدَاءِ حَيَوَانٍ أَوْ بِالصَّدَقَةِ بِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُشَقِّصَهُ ، كَذَا هَاهُنَا .

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ ، وَأَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ ، أَوْ كَسَاهُمْ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَهُمَا مُخْتَلِفٌ مُتَبَايِنٌ ؛ إذْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلَ الْأَحْكَامِ ، وَتَخْلِيصَ الْمُعْتَقِ مِنْ الرِّقِّ ، وَالْقَصْدُ مِنْ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ سَدَّ الْخَلَّةِ ، وَإِبْقَاءَ النَّفْسِ ، بِدَفْعِ الْمَجَاعَةِ فِي الْإِطْعَامِ ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَدَفْعِ ضَرَرِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ فِي الْكِسْوَةِ ، فَلِتَقَارُبِ مَعْنَاهُمَا ، وَاتِّحَادِ مَصْرِفِهِمَا ، جَرَيَا مَجْرَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، فَكُمِّلَتْ الْكَفَّارَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، وَلِذَلِكَ سُوِّيَ بَيْنَ عَدَدِهِمَا ، وَلِتَبَاعُدِ مَقْصِدِ الْعِتْقِ مِنْهُمَا ، وَاخْتِلَافِ مَصْرِفِهِمَا ، وَمُبَايَنَتِهِمَا لَهُ ، لَمْ يَجْرِيَا مَجْرَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، فَلَمْ يُكَمَّلْ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَلِذَلِكَ خَالَفَ عَدَدُهُ عَدَدَهُمَا .

( 8065 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَطْعَمَ بَعْضَ الْمَسَاكِينِ ، أَوْ كَسَاهُمْ ، أَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُتِمُّ بِهِ الْكَفَّارَةَ ، فَصَامَ عَنْ الْبَاقِي ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ تُكَمَّلْ بِهِ ، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ الطَّعَامِ ، وَالْكِسْوَةُ أَبْعَدُ مِنْ الْعِتْقِ ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ تَكْمِيلُ أَحَدِ نَوْعَيْ الْمُبْدَلِ مِنْ الْآخَرِ ، فَتَكْمِيلُهُ بِالْبَدَلِ أَوْلَى .
فَإِنْ قِيلَ : يَبْطُلُ هَذَا بِالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ مَعَ التَّيَمُّم .
قُلْنَا : التَّيَمُّمُ لَا يَأْتِي بِبَعْضِهِ بَدَلًا عَنْ بَعْضِ الطَّهَارَةِ ، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهِ بِكَمَالِهِ ، وَهَا هُنَا لَوْ أَتَى بِالصِّيَامِ جَمِيعِهِ ، أَجْزَأَهُ .

( 8066 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ ، ثُمَّ أَيْسَرَ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّوْمِ إلَى الْعِتْقِ ، أَوْ الْإِطْعَامِ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ ) ( 8067 ) مَسْأَلَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْلَانِ : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ أَوْ الْإِطْعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ ، إلَى أَحَدِهَا .
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ إتْمَامِ الْبَدَلِ ، فَلَزِمَهُ الرُّجُوعُ ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ بَدَلٌ لَا يَبْطُلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ إلَى الْمُبْدَلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ ، كَمَا لَوْ شَرَعَ الْمُتَمَتِّعُ الْعَاجِزُ عَنْ الْهَدْيِ فِي صَوْمِ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ ، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ ، بِلَا خِلَافٍ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْبَدَلَ لَا يَبْطُلُ ، أَنَّ الْبَدَلَ الصَّوْمُ ، وَهُوَ صَحِيحٌ مَعَ قُدْرَتِهِ اتِّفَاقًا ، وَفَارَقَ التَّيَمُّمَ ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ إلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ ؛ لِيُسْرِهِ ، وَالْكَفَّارَةُ يَشُقُّ الْجَمْعُ فِيهَا بَيْنَ خَصْلَتَيْنِ ، وَإِيجَابُ الرُّجُوعِ يُفْضِي إلَى ذَلِكَ فَإِنْ .
قِيلَ : يَنْتَقِضُ دَلِيلُكُمْ بِمَا إذَا شَرَعَ الْمُتَمَتِّعُ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ .
قُلْنَا : إذَا قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَادِمٍ لَهُ فِي وَقْتِهِ ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْهَدْيِ يَوْمُ النَّحْرِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
( 8068 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إنْ أَحَبَّ الِانْتِقَالَ إلَى الْأَعْلَى ، فَلَهُ ذَلِكَ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا .
إلَّا فِي الْعَبْدِ إذَا

حَنِثَ ثُمَّ عَتَقَ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ فِي مَسْأَلَتِنَا .
مُحْتَجًّا بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ : إذَا حَنِثَ ، وَهُوَ عَبْدٌ ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ .
قَالَ : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْعَبْدِ : إنَّمَا يُكَفِّرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْعِتْقَ وَالْإِطْعَامَ الْأَصْلُ ، فَأَجْزَأَهُ التَّكْفِيرُ بِهِ ، كَمَا لَوْ تَكَلَّفَ الْفَقِيرُ فَاسْتَدَانَ وَأَعْتَقَ .
فَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا عَتَقَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَجُوزَ لَهُ الِانْتِقَالُ كَمَسْأَلَتِنَا ، وَيُحْمَلُ كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُرِّ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُرَّ كَانَ يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ لَوْ تَكَلَّفَهُ ، وَالْعَبْدُ لَمْ يَكُنْ يُجْزِئُهُ إلَّا الصِّيَامُ ، عَلَى رِوَايَةٍ .

( 8069 ) فَصْلٌ : وَلَوْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى مُوسِرٍ فَأَعْسَرَ ، لَمْ يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْمُبْدَلِ فَجَازَ لَهُ الْعُدُولُ إلَى الْبَدَلِ ، كَمَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَمَعَهُ مَاءٌ فَانْدَفَقَ قَبْلَ الْوُضُوءِ بِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْإِطْعَامَ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ ، كَالْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَفَارَقَ الْوُضُوءَ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَدَائِهَا ، فَاحْتِيجَ إلَى الطَّهَارَةِ لَهَا فِي وَقْتِهَا ، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ .

( 8070 ) فَصْلٌ : وَالْكَفَّارَةُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ ، وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ، سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - ذَكَرَ الْكَفَّارَةَ بِلَفْظٍ عَامٍّ فِي جَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ ، فَدَخَلَ الْكُلُّ فِي عُمُومِهِ إلَّا أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّكْفِيرُ بِالصِّيَامِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلَا بِالْإِعْتَاقِ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْإِيمَانَ فِي الرَّقَبَةِ ، وَلَا يَجُوزُ لَكَافِرٍ شِرَاءُ مُسْلِمٍ ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ إسْلَامُهُ فِي يَدَيْهِ ، أَوْ يَرِثَ مُسْلِمًا فَيُعْتِقَهُ فَيَصِحَّ إعْتَاقُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ فَتَكْفِيرُهُ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ ، فَإِذَا كَفَّرَ بِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ التَّكْفِيرِ .
وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ، كَفَّرَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ ؛ مِنْ إعْتَاقٍ ، أَوْ إطْعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ صِيَامٍ وَيُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَلَّا يُجْزِئَهُ الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُكَفِّرُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَ الْحِنْثِ ، وَلَمْ يَكُنْ الصِّيَامُ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ

بَابٌ جَامِعُ الْأَيْمَانِ .
( 8071 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : ( وَيُرْجَعُ فِي الْأَيْمَانِ إلَى النِّيَّةِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَبْنَى الْيَمِينِ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ ، فَإِذَا نَوَى بِيَمِينِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، انْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَا نَوَاهُ مُوَافِقًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ ، أَوْ مُخَالِفًا لَهُ ، فَالْمُوَافِقُ لِلظَّاهِرِ أَنْ يَنْوِيَ بِاللَّفْظِ مَوْضُوعَهُ الْأَصْلِيَّ ، مِثْلَ أَنْ يَنْوِيَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ الْعُمُومَ ، وَبِالْمُطْلَقِ الْإِطْلَاقَ ، وَبِسَائِرِ الْأَلْفَاظِ مَا يَتَبَادَرُ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْهَا ، وَالْمُخَالِفُ يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَنْوِيَ بِالْعَامِّ الْخَاصَّ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا وَلَا فَاكِهَةً .
وَيُرِيدُ لَحْمًا بِعَيْنِهِ ، وَفَاكِهَةً بِعَيْنِهَا .
وَمِنْهَا ، أَنْ يَحْلِفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ مُطْلَقًا ، وَيَنْوِيَ فِعْلَهُ أَوْ تَرْكَهُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ : لَا أَتَغَدَّى .
يَعْنِي الْيَوْمَ ، أَوْ : لَآكُلَنَّ .
يَعْنِي السَّاعَةَ .
وَمِنْهَا ، أَنْ يَنْوِيَ بِيَمِينِهِ غَيْرَ مَا يَفْهَمُهُ السَّامِعُ مِنْهُ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَعَارِيضِ ، فِي مَسْأَلَةِ إذَا تَأَوَّلَ فِي يَمِينِهِ فَلَهُ تَأْوِيلُهُ .
وَمِنْهَا ، أَنْ يُرِيدَ بِالْخَاصِّ الْعَامَّ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفُ : لَا شَرِبْت لِفُلَانٍ الْمَاءَ مِنْ الْعَطَشِ .
يَنْوِي قَطْعَ كُلِّ مَا لَهُ فِيهِ مِنَّةٌ ، أَوْ : لَا يَأْوِي مَعَ امْرَأَتِهِ فِي دَارٍ .
يُرِيدُ جَفَاءَهَا بِتَرْكِ اجْتِمَاعِهَا مَعَهُ فِي جَمِيعِ الدُّورِ ، أَوْ حَلَفَ : لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا .
يُرِيدُ قَطْعَ مِنَّتَهَا بِهِ ، فَيَتَعَلَّقُ يَمِينُهُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ ، أَوْ بِثَمَنِهِ ، مِمَّا لَهَا فِيهِ مِنَّةٌ عَلَيْهِ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا عِبْرَةَ بِالنِّيَّةِ وَالسَّبَبِ فِيمَا يُخَالِفُ لَفْظَهُ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ مُخَالَفَةُ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ، وَالْيَمِينُ لَفْظُهُ ، فَلَوْ أَحْنَثْنَاهُ عَلَى مَا سِوَاهُ ، لَأَحْنَثْنَاهُ عَلَى

مَا نَوَى لَا ، عَلَى مَا حَلَفَ ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ ، فَكَذَلِكَ لَا يَحْنَثُ بِمُخَالَفَتِهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ نَوَى بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، وَيَسُوغُهُ فِي اللُّغَةِ التَّعْبِيرُ بِهِ ، عَنْهُ ، فَيَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَيْهِ كَالْمَعَارِيضِ ، وَبَيَانُ احْتِمَالِ اللَّفْظِ ، أَنَّهُ يَسُوغُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ التَّعْبِيرُ بِالْخَاصِّ عَنْ الْعَامِّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ } .
{ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا } .
{ فَإِذًا لَا يَأْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا } وَالْقِطْمِيرُ : لِفَافَةُ النَّوَاةِ .
وَالْفَتِيلُ مَا فِي شِقِّهَا .
وَالنَّقِيرُ : النُّقْرَةُ الَّتِي فِي ظَهْرِهَا .
وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ ، بَلْ نَفْيَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَقَالَ الْحُطَيْئَةُ يَهْجُو بَنِي الْعَجْلَانِ : وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلٍ وَلَمْ يُرِدْ الْحَبَّةَ بِعَيْنِهَا ، إنَّمَا أَرَادَ لَا يَظْلِمُونَهُمْ شَيْئًا .
وَقَدْ يُذْكَرُ الْعَامُّ ، وَيُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ } - يَعْنِي رَجُلًا وَاحِدًا - .
{ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ } .
يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ .
وَقَالَ تَعَالَى : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ } .
وَلَمْ يُرِدْ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَلَا مَسَاكِنَهُمْ .
وَإِذَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ ، وَجَبَ صَرْفُ الْيَمِينِ إلَيْهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى " .
وَلِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ يُحْمَلُ عَلَى مُرَادِهِ ، إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ ، فَكَذَلِكَ كَلَامُ غَيْرِهِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْحِنْثَ مُخَالَفَةُ مَا عُقِدَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ .
قُلْنَا : وَهَذَا كَذَلِكَ ، فَإِنَّمَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى مَا نَوَاهُ ، وَلَفْظُهُ مَصْرُوفٌ إلَيْهِ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ نِيَّةً مُجَرَّدَةً ، بَلْ لَفْظٌ مَنْوِيٌّ بِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ .
فَصْلٌ : وَمِنْ شَرْطِ انْصِرَافِ اللَّفْظِ إلَى مَا نَوَاهُ ، احْتِمَالُ اللَّفْظِ لَهُ ، فَإِنْ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا ، يَعْنِي بِهِ لَا

يَدْخُلُ بَيْتًا ، فَإِنَّ يَمِينَهُ لَا تَنْصَرِفُ إلَى الْمَنْوِيِّ ؛ لِأَنَّهَا نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ ، لَا يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ بِغَيْرِ يَمِينٍ .

( 8073 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، رُجِعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا عَدِمَتْ النِّيَّةُ ، نَظَرْنَا فِي سَبَبِ الْيَمِينِ ، وَمَا أَثَارَهَا ؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَى النِّيَّةِ ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَ امْرَأَتِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ غَيْظًا مِنْ جِهَةِ الدَّارِ ، لِضَرَرٍ لَحِقَهُ مِنْهَا ، أَوْ مِنَّةً عَلَيْهِ بِهَا ، اخْتَصَّتْ بِيَمِينِهِ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْظٍ لَحِقَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ يَقْتَضِي جَفَاءَهَا ، وَلَا أَثَرَ لِلدَّارِ فِيهِ ، تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِإِيوَائِهِ مَعَهَا فِي كُلِّ دَارٍ وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا ، إنْ كَانَ سَبَبُهُ الْمِنَّةَ عَلَيْهِ مِنْهَا ، فَكَيْفَمَا انْتَفَعَ بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ حَنِثَ وَإِنْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ خُشُونَةَ غَزْلِهَا وَرَدَاءَتَهُ لَمْ يَتَعَدَّ بِيَمِينِهِ لُبْسَهُ ، وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى تَعَلُّقِ الْيَمِينُ بِمَا نَوَاهُ ، وَالسَّبَبُ دَلِيلٌ عَلَى النِّيَّةِ ، فَيَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ إذَا كَانَ خَاصًّا فِي شَيْءٍ لِسَبَبٍ عَامٍّ ، تَعَدَّى إلَى مَا يُوجَدُ فِيهِ السَّبَبُ ، كَتَنْصِيصِهِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي أَعْيَانٍ سِتَّةٍ ، أَثْبَتَ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَاهَا ، كَذَلِكَ فِي كَلَامِ الْآدَمِيِّ مِثْلُهُ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا وَالسَّبَبُ خَاصًّا ، مِثْلَ مَنْ دُعِيَ إلَى غَدَاءٍ فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى ، أَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدَ ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ الْيَمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعُمُومِ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ بَلَدًا ، لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ ، فَزَالَ الظُّلْمُ ؟ فَقَالَ : النَّذْرُ يُوفِي بِهِ .
يَعْنِي لَا يَدْخُلُهُ .
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إذَا كَانَ عَامًّا ، لِسَبَبٍ خَاصٍّ ، وَجَبَ

الْأَخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ ، كَذَلِكَ يَمِينُ الْحَالِفِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ ، فَعَتَقَ الْعَبْدُ ، وَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ ، وَخَرَجَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَنْقُلُ حُكْمَ الْكَلَامِ إلَى نَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ مَنْعَ الزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ مَعَ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمَا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَا دُمْتُمَا فِي مِلْكِي .
وَلِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ فِي الْخُصُوصِ ، كَدَلَالَتِهِ عَلَيْهَا فِي الْعُمُومِ وَلَوْ نَوَى الْخُصُوصَ لَاخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا .
وَلَوْ حَلَفَ لِعَامِلٍ لَا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ فَعُزِلَ ، أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَرَى مُنْكَرًا إلَّا رَفَعَهُ إلَى فُلَانٍ الْقَاضِي فَعُزِلَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِعَزْلِهِ .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إذَا تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ ، تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ وَإِنْ تَغَيَّرَتْ الصِّفَةُ .
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِعَزْلِهِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ : رَفَعَهُ إلَيْهِ .
إلَّا فِي حَالِ وِلَايَتِهِ .
فَعَلَى هَذَا إنْ رَأَى الْمُنْكَرَ فِي وِلَايَتِهِ ، فَأَمْكَنَهُ رَفْعُهُ فَلَمْ يَرْفَعْهُ إلَيْهِ حَتَّى عُزِلَ ، لَمْ يَبَرَّ بِرَفْعِهِ إلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ مَعْزُولًا .
وَهَلْ يَحْنَثُ بِعَزْلِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ رَفَعَهُ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ .
وَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فَوَاتُهُ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَلِيَ فَيَرْفَعَهُ إلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ فَوَاتُهُ ، وَإِذَا مَاتَ قَبْلَ إمْكَانِ رَفْعِهِ إلَيْهِ ، حَنِثَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ فِي غَدٍ ، فَمَاتَ الْعَبْدُ

الْيَوْمَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُكْرَهَ .
وَإِنْ قُلْنَا : لَا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ بِعَزْلِهِ .
فَرَفَعَهُ إلَيْهِ بَعْدَ عَزْلِهِ ، بَرَّ بِذَلِكَ .

( 8074 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ وَالنِّيَّةُ ، مِثْلَ أَنْ امْتَنَّتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِغَزْلِهَا ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا ، يَنْوِي اجْتِنَابَ اللُّبْسِ خَاصَّةً ، دُونَ الِانْتِفَاعِ بِثَمَنِهِ وَغَيْرِهِ ، قُدِّمَتْ النِّيَّةُ عَلَى السَّبَبِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ وَافَقَتْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ .
وَإِنْ نَوَى بِيَمِينِهِ ثَوْبًا وَاحِدًا ، فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يُقَدَّمُ السَّبَبُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ ، وَالسَّبَبُ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ الظَّاهِرَ وَيُقَوِّيهِ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الِامْتِنَانُ ، وَظَاهِرُ حَالِهِ قَطْعُ النِّيَّةِ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى نِيَّتِهِ الْمُخَالِفَةِ لِلظَّاهِرَيْنِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْقَصْدِ ، فَإِذَا خَالَفَ حَقِيقَةَ الْقَصْدِ ، لَمْ يُعْتَبَرْ ، وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا لَفْظُهُ بِعُمُومِهِ ، وَالنِّيَّةُ تَخُصُّهُ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى .

( 8075 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَلَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنَ دَارًا هُوَ سَاكِنُهَا ، خَرَجَ مِنْ وَقْتِهِ ، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْخُرُوجِ مِنْ وَقْتِهِ ، حَنِثَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ إنَّ سَاكِنَ الدَّارِ إذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا ، فَمَتَى أَقَامَ فِيهَا بَعْدَ يَمِينِهِ زَمَنًا يُمْكِنُهُ فِيهِ الْخُرُوجُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ السُّكْنَى كَابْتِدَائِهَا ، فِي وُقُوعِ اسْمِ السُّكْنَى عَلَيْهَا ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : سَكَنْت هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا .
كَمَا يَقُولُ : لَبِسْت هَذَا الثَّوْبَ شَهْرًا ؟ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَإِنْ أَقَامَ لِنَقْلِ رَحْلِهِ وَقُمَاشِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَنْقُلَ ذَلِكَ مَعَهُ ، حَتَّى يَكُونَ مُنْتَقِلًا .
وَيُحْكَى عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ إنْ أَقَامَ دُونَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الِانْتِقَالِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ .
وَعَنْ زُفَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : يَحْنَثُ وَإِنْ انْتَقَلَ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا عَقِيبَ يَمِينِهِ وَلَوْ لَحْظَةً ، فَيَحْنَثُ بِهَا .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ لَا يُرَادُ بِالْيَمِينِ ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا إذَا أَقَامَ زَمَنًا يُمْكِنُهُ الِانْتِقَالُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السُّكْنَى ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَمَوْضِعِ الِاتِّفَاقِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ ، فَدَخَلَ إلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهَا ، حَنِثَ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ؟ ( 8076 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَامَ لِنَقْلِ مَتَاعِهِ وَأَهْلِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحْنَثُ .
وَلَنَا ، أَنَّ الِانْتِقَالَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْ هَذِهِ الْإِقَامَةِ ، فَلَا يَقَعُ الْيَمِينُ عَلَيْهَا .
وَعَلَى هَذَا ، إنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ، وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فِي الْمَسْكَنِ مَعَ إمْكَانِ نَقْلِهِمْ عَنْهُ ، حَنِثَ .
وَقَالَ

الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ إذَا خَرَجَ بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ ، فَلَيْسَ بِسَاكِنٍ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ السُّكْنَى وَحْدَهُ دُونَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ السُّكْنَى تَكُونُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : فُلَانٌ سَاكِنُ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ .
وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ بِنَفْسِهِ .
وَإِذَا نَزَلَ بَلَدًا بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ يُقَالُ : سَكَنَهُ .
وَلَوْ نَزَلَهُ بِنَفْسِهِ ، لَا يُقَالُ : سَكَنَهُ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ نَوَى السُّكْنَى بِنَفْسِهِ .
لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ مَنْ خَرَجَ إلَى مَكَان لِيَنْقُلَ أَهْلَهُ إلَيْهِ ، وَلَمْ يَنْوِ السُّكْنَى بِنَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ خَرَجَ يَشْتَرِي مَتَاعًا .
وَإِنْ خَرَجَ عَازِمًا عَلَى السُّكْنَى بِنَفْسِهِ ، مُنْفَرِدًا عَنْ أَهْلِهِ الَّذِي فِي الدَّارِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي .
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ اعْتَبَرَ نَقْلَ عِيَالِهِ دُونَ مَالِهِ .
وَالْأَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ بِأَهْلِهِ ، فَسَكَنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ ، وَإِنْ بَقِيَ مَتَاعُهُ فِي الدَّارِ ؛ لِأَنَّ مَسْكَنَهُ حَيْثُ حَلَّ أَهْلُهُ بِهِ ، وَنَوَى الْإِقَامَةَ بِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا لَهَا ، فَنَزَلَهَا بِأَهْلِهِ نَاوِيًا لِلسُّكْنَى بِهَا ، حَنِثَ وَقَالَ .
الْقَاضِي : إنْ نَقَلَ إلَيْهَا مَا يَتَأَثَّثُ بِهِ ، وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي مَنْزِلِهِ ، فَهُوَ سَاكِنٌ وَإِنْ سَكَنَهَا بِنَفْسِهِ .
( 8077 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْمُقَامِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فِي وَقْتٍ لَا يَجِدُ مَنْزِلًا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ ، أَوْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْزِلِ أَبْوَابٌ مُغْلَقَةٌ لَا يُمْكِنُهُ فَتْحُهَا ، أَوْ خَوْفٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ ، فَأَقَامَ فِي طَلَبِ النَّقْلَةِ ، أَوْ انْتِظَارًا

لِزَوَالِ الْمَانِعِ مِنْهَا ، أَوْ خَرَجَ طَالِبًا لِلنَّقْلَةِ فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ ؛ إمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ ، لِتَعَذُّرِ الْكِرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ لَمْ يَجِدْ بَهَائِمَ يَنْتَقِلُ عَلَيْهَا ، وَلَا يُمْكِنُهُ النَّقْلَةُ بِدُونِهَا ، فَأَقَامَ نَاوِيًا ، لِلنَّقْلَةِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ أَقَامَ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ النَّقْلَةِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُ أَهْلِهِ ، وَإِلْقَاءُ مَتَاعِهِ فِي الطَّرِيقِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ ، كَالْمُقِيمِ لِلْإِكْرَاهِ .
وَإِنْ أَقَامَ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، غَيْرَ نَاوٍ لِلنَّقْلَةِ ، حَنِثَ ، وَيَكُونُ نَقْلُهُ لِمَا يَحْتَاجُ إلَى نَقْلِهِ ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، فَلَوْ كَانَ ذَا مَتَاعٍ كَثِيرٍ ، فَنَقَلَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلَى الْعَادَةِ ، بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ النَّقْلَ الْمُعْتَادَ ، لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ أَقَامَ أَيَّامًا ، وَلَا يَلْزَمُهُ جَمْعُ دَوَابِّ الْبَلَدِ لِنَقْلِهِ ، وَلَا النَّقْلَةُ بِاللَّيْلِ ، وَلَا وَقْتَ الِاسْتِرَاحَةِ عَنَدَ التَّعَبِ ، وَلَا أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالنَّقْلِ فِيهَا ، وَلَوْ ذَهَبَ رَحْلُهُ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ أَعَارَهُ وَخَرَجَ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ زَالَتْ عَنْ الْمَتَاعِ .
وَإِنْ تَرَدَّدَ إلَى الدَّارِ لِنَقْلِ الْمَتَاعِ ، أَوْ عَائِدًا لِمَرِيضٍ ، أَوْ زَائِرًا لِصَدِيقٍ ، لَمْ يَحْنَثْ وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ دَخَلَهَا وَمِنْ رَأْيِهِ الْجُلُوسُ عِنْدَهُ ، حَنِثَ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِسُكْنَى ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَيَسْكُنَنَّ دَارًا ، لَمْ يَبَرَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَا يُسَمَّى سَاكِنًا بِهِ بِهَذَا الْعُذْرِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ الْجُلُوسَ .
وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الدَّارِ امْرَأَةٌ أَوْ عَائِلَةٌ ، فَأَرَادَهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ ، وَالِانْتِقَالِ عَنْهَا ، فَأَبَوْا ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ إخْرَاجُهُمْ ، فَخَرَجَ وَتَرَكَهُمْ ، لَمْ

يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَمْ يُمْكِنْهُ نَقْلُهُ مِنْ رَحْلِهِ .

( 8078 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا ، فَالْحُكْمُ فِي الِاسْتِدَامَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَلِفِ عَلَى السُّكْنَى .
وَإِنْ انْتَقَلَ أَحَدُهُمَا ، وَبَقِيَ الْآخَرُ ، لَمْ يَحْنَثَ ؛ لِزَوَالِ الْمُسَاكَنَةِ .
وَإِنْ سَكَنَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ فِي بَيْتٍ ذِي بَابٍ وَغَلْقٍ ، رُجِعَ إلَى بَيْتِهِ بِيَمِينِهِ أَوْ إلَى سَبَبِهَا ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرَائِنُ أَحْوَالِهِ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَى الْمُسَاكَنَةِ فِيهِ ، فَإِنْ عَدِمَ ذَلِكَ كُلُّهُ ، حَنِثَ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَتْ الدَّارُ صَغِيرَةً ، فَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ مَسْكَنٌ وَاحِدٌ ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا فِي الْبَيْتِ ، وَالْآخَرُ فِي الصُّفَّةِ ، أَوْ كَانَا فِي صُفَّتَيْنِ أَوْ بَيْتَيْنِ لَيْسَ عَلَى أَحَدِهِمَا غَلْقٌ ، دُونَ صَاحِبِهِ ، فَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ .
وَإِنْ كَانَا فِي بَيْتَيْنِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ غَلْقٌ ، أَوْ كَانَا فِي خَانٍ ، فَلَيْسَا مُتَسَاكَنِينَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِمَسْكَنِهِ دُونَ الْآخَرِ ، فَأَشْبَهَا الْمُتَجَاوِرَيْنِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِمَسْكَنِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ، فَكَانَا مُتَسَاكِنَيْنِ ، كَالصَّغِيرَةِ ، وَفَارَقَ الْمُتَجَاوِرَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ ، فَإِنَّهُمَا لَيْسَا مُتَسَاكِنَيْنِ ، وَيَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْمُسَاكَنَةِ ، لَا عَلَى الْمُجَاوَرَةِ .
وَلَوْ كَانَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ حَالَةَ الْيَمِينِ ، فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا ، وَقَسَمَاهَا حُجْرَتَيْنِ ، وَفَتَحَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَابًا ، وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ ، ثُمَّ سَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حُجْرَةٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَسَاكِنَيْنِ .
وَإِنْ تَشَاغَلَا بِبِنَاءِ الْحَاجِزِ بَيْنَهُمَا ، وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاكَنَا قَبْلَ انْفِرَادِ إحْدَى الدَّارَيْنِ مِنْ الْأُخْرَى وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ( 8079 ) .
فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ : لَا سَاكَنْت فُلَانًا فِي هَذِهِ الدَّارِ .
وَقَسَمَاهَا

حُجْرَتَيْنِ ، وَبَنَيَا بَيْنَهُمَا حَائِطًا ، وَفَتَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ بَابًا ، ثُمَّ سَكَنَا فِيهِمَا ، لَمْ يَحْنَثْ ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ .
وَيَحْتَمِلُهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِكَوْنِهِ عَيْنَ الدَّارِ ، فَلَا يَنْحَلُّ بِتَغَيُّرِهَا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا فَصَارَتْ نَصًّا .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَاكِنْهُ فِيهَا ، لِكَوْنِ الْمُسَاكَنَةِ فِي الدَّارِ لَا تَحْصُلُ مَعَ كَوْنِهِمَا دَارَيْنِ ، ، وَفَارَقَ الدُّخُولَ ، فَإِنَّهُ دَخَلَهَا مُتَغَيِّرَةً .

( 8080 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ ، اقْتَضَتْ يَمِينُهُ الْخُرُوجَ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنْهَا وَإِنَّ حَلَفَ لَيَخْرُجْنَ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ ، تَنَاوَلَتْ يَمِينُهُ الْخُرُوجَ بِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ الدَّارَ يَخْرُجُ مِنْهَا صَاحِبُهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّاتٍ عَادَةً ، فَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْخُرُوجَ الْمُعْتَادَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْخُرُوجَ الَّذِي هُوَ النَّقْلَةُ ، وَالْخُرُوجُ مِنْ الْبَلَدِ بِخِلَافِ ذَلِكَ .
وَإِذَا خَرَجَ الْحَالِفُ ، فَهَلْ لَهُ الْعَوْدُ فِيهِ ؟ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْعَوْدِ وَلَا يَحْنَثُ بِهِ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى الْخُرُوجِ وَقَدْ خَرَجَ ، فَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ ، لِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ فِيمَا بَعْدُ .
وَالثَّانِيَةُ ، يَحْنَثُ بِالْعَوْدِ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ قَصْدُ هِجْرَانِ مَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْهُ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْعَوْدِ .
وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ سَبَبًا هَيَّجَ يَمِينَهُ ، أَوْ دَلَّتْ قَرِينَةُ حَالِهِ عَلَى إرَادَتِهِ هِجْرَانَهُ ، أَوْ نَوَى ذَلِكَ بِيَمِينِهِ ، فَاقْتَضَتْ يَمِينُهُ دَوَامَ اجْتِنَابِهَا .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ بِالْعَوْدِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تُحْمَلُ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ ، وَمُقْتَضَاهُ هَاهُنَا الْخُرُوجُ ، وَقَدْ فَعَلَهُ ، فَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ .
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْهَا ، إلَّا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْ بَلَدٍ ، لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِالرَّحِيلِ بِأَهْلِهِ .

( 8081 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا ، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ ، لَمْ يَحْنَثْ ) نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ هَذَا ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مِنْهُ ، وَلَا مَنْسُوبٍ إلَيْهِ .
وَإِنْ حُمِلَ بِأَمْرِهِ ، فَأُدْخِلَهَا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مُخْتَارًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ رَاكِبًا .
وَإِنْ حُمِلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، وَلَكِنَّهُ أَمْكَنَهُ الِامْتِنَاعُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ ، حَنِثَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَهَا غَيْرَ مُكْرَهٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حُمِلَ بِأَمْرِهِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِي الْحِنْثِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الدُّخُولَ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ .
وَمَتَى دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ ، حَنِثَ ، سَوَاءٌ كَانَ مَاشِيًا ، أَوْ رَاكِبًا ، أَوْ مَحْمُولًا ، أَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي مَاءٍ فَجَرَّهُ إلَيْهَا ، أَوْ سَبَحَ فِيهِ فَدَخَلَهَا ، وَسَوَاءٌ دَخَلَهَا مِنْ بَابِهَا ، أَوْ تَسَوَّرَ حَائِطَهَا ، أَوْ دَخَلَ مِنْ طَاقَةٍ فِيهَا ، أَوْ نَقَبَ حَائِطًا ، وَدَخَلَ مِنْ ظَهْرِهَا ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .
( 8082 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُكْرِهْ بِالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ عَلَى دُخُولِهَا ، فَدَخَلَهَا ، لَمْ يَحْنَثْ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَهُوَ أَحَدُ ، قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَفِي الْآخَرِ يَحْنَثُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ .
لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَدَخَلَهَا .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .
وَلِأَنَّهُ دَخَلَهَا مُكْرَهًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حُمِلَ مُكْرَهًا .

( 8083 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رُقِّيَ فَوْقَ سَطْحِهَا ، حَنِثَ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ .
وَلِأَصْحَابِهِ فِيمَا إذَا كَانَ السَّطْحُ مُحَجَّرًا وَجْهَانِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ السَّطْحَ يَقِيهَا الْحَرَّ وَالْبَرْدَ ، وَيُحْرِزُهَا ، فَهُوَ كَحِيطَانِهَا .
وَلَنَا ، أَنَّ سَطْحَ الدَّارِ مِنْهَا ، وَحُكْمُهُ حُكْمُهَا سَوَاءً ، فَحَنِثَ بِدُخُولِهِ ، كَالْمُحَجَّرِ ، أَوْ كَمَا لَوْ دَخَلَ بَيْنَ حِيطَانِهَا ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ ، وَيُمْنَعُ الْجُنُبُ مِنْ اللُّبْثِ فِيهِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ الدَّارِ ، فَصَعِدَ سَطْحَهَا ، لَمْ يَبَرَّ ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا ، فَصَعِدَ سَطْحَهَا ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حُدُودِ الدَّارِ ، وَمَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهَا ، وَيُمْلَكُ بِشِرَائِهَا ، وَيَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهَا بِبَيْعِهَا ، وَالْبَائِتُ عَلَيْهِ ، يُقَالُ : بَاتَ فِي دَارِهِ .
وَبِهَذَا يُفَارِقُ مَا وَرَاءَ حَائِطِهَا .
وَإِنْ كَانَ فِي الْيَمِينِ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْإِرَادَةِ بِدَاخِلِ الدَّارِ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ سَطْحُ الدَّارِ طَرِيقًا ، وَسَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي تَرْكَ صِلَةِ أَهْلِ الدَّارِ ، لَمْ يَحْنَثْ بِالْمُرُورِ عَلَى سَطْحِهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ نَوَى بِيَمِينِهِ بَاطِنَ الدَّارِ ، تَقَيَّدَتْ يَمِينُهُ بِمَا نَوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْءِ إلَّا مَا نَوَاهُ .
( 8084 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ فِي الدَّارِ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَإِنْ صَعِدَ حَتَّى صَارَ فِي مُقَابَلَةِ سَطْحِهَا بَيْنَ حِيطَانِهَا ، حَنِثَ .
وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ بَيْنَ حِيطَانِهَا ، احْتَمَلَ أَنْ يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ فِي هَوَائِهَا ، وَهَوَاؤُهَا مِلْكٌ لِصَاحِبِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَامَ عَلَى سَطْحِهَا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دَاخِلًا ، وَلَا هُوَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ فِي غَيْرِ الدَّارِ ، فَتَعَلَّقَ بِفَرْعٍ مَادٍّ عَلَى الدَّارِ فِي مُقَابَلَةِ

سَطْحِهَا .
وَإِنْ قَامَ عَلَى حَائِطِ الدَّارِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا إنَّهُ يَحْنَثُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حَدِّهَا ، فَأَشْبَهَ الْقَائِمَ عَلَى سَطْحِهَا .
وَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دُخُولًا .
وَإِنْ قَامَ فِي طَبَقِ الْبَابِ فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ حَائِطِهَا .
وَقَالَ الْقَاضِي : إذَا قَامَ عَلَى الْعَتَبَةِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْبَابَ إذَا أُغْلِقَ حَصَلَ خَارِجًا مِنْهَا ، وَلَا يُسَمَّى دَاخِلًا فِيهَا .

( 8085 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَضَعَ قَدَمَهُ فِي الدَّارِ ، فَدَخَلَهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا ، مَنْقُولًا أَوْ حَافِيًا ، حَنِثَ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا .
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إنْ دَخَلَهَا رَاكِبًا ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ فِيهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ الدَّارَ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ دَخَلَهَا مَاشِيًا ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ فِيهَا ، فَإِنَّ قَدَمَهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الدَّابَّةِ فِيهَا .
فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَهَا مُنْتَعِلًا .
وَعَلَى أَنَّ هَذَا فِي الْعُرْفِ عِبَارَةٌ عَنْ اجْتِنَابِ الدُّخُولِ ، فَتُحْمَلُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مَجَازٌ لَا يُحْمَلُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ .
قُلْنَا : الْمَجَازُ إذَا اشْتَهَرَ ، صَارَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ ، فَيَنْصَرِفُ اللَّفْظُ بِإِطْلَاقِهِ إلَيْهِ ، كَلَفْظِ الرِّوَايَةِ وَالدَّابَّةِ ، وَغَيْرِهِمَا .

( 8086 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ بَابِهَا ، فَدَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ الْبَابِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمْ تَتَنَاوَلْ غَيْرَ الْبَابِ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ يَحْنَثَ إذَا أَرَادَ بِيَمِينِهِ اجْتِنَابَ الدَّارِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَابِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَ زَوْجَتِهِ فِي دَارٍ ، فَآوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا .
وَإِنْ حُوِّلَ بَابُهَا فِي مَكَان آخَرَ ، فَدَخَلَ فِيهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَهَا مِنْ بَابِهَا .
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَإِنْ حَلَفَ : لَا دَخَلْت مِنْ بَابِ هَذِهِ الدَّارِ .
فَكَذَلِكَ .
وَإِنْ جُعِلَ لَهَا بَابٌ آخَرُ ، مَعَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ ، فَدَخَلَ مِنْهُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مِنْ بَابِ الدَّارِ .
وَإِنْ قُلِعَ الْبَابُ ، وَنُصِبَ فِي دَارٍ أُخْرَى ، وَبَقِيَ الْمَمَرُّ ، حَنِثَ بِدُخُولِهِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِالدُّخُولِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي نُصِبَ فِيهِ الْبَابُ ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِي الْمَمَرِّ لَا مِنْ الْمِصْرَاعِ .

( 8087 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ ، فَدَخَلَ دَارًا مَمْلُوكَةً لَهُ ، أَوْ دَارًا يَسْكُنُهَا بِأُجْرَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ غَصْبٍ ، حَنِثَ .
وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِدُخُولِ دَارٍ يَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِي الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَالِكِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ .
كَانَ مُقِرًّا لَهُ بِمِلْكِهَا .
وَلَوْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهُ يَسْكُنُهَا .
لَمْ يُقْبَلْ .
وَلَنَا ، أَنَّ الدَّارَ تُضَافُ إلَيَّ سَاكِنِهَا ، كَإِضَافَتِهَا إلَى مَالِكِهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ } .
أَرَادَ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِنَّ الَّتِي يَسْكُنُهَا .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } .
وَلِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ ، وَكَذَلِكَ يُضَافُ الرَّجُلُ إلَى أَخِيهِ بِالْأُخُوَّةِ ، وَإِلَى أَبِيهِ بِالْبُنُوَّةِ ، وَإِلَى وَلَدِهِ بِالْأُبُوَّةِ ، وَإِلَى امْرَأَتِهِ بِالزَّوْجِيَّةِ ، وَسَاكِنُ الدَّارِ مُخْتَصٌّ بِهَا ، فَكَانَتْ إضَافَتُهَا إلَيْهِ صَحِيحَةً ، وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعُرْفِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ بِدُخُولِهَا ، كَالْمَمْلُوكَةِ لَهُ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةُ .
مَجَازٌ مَمْنُوعٌ ، بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَوْ كَانَتْ مَجَازًا ، لَكِنَّهُ مَشْهُورٌ ، فَيَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت مِنْ رِوَايَةِ فُلَانٍ .
فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالشُّرْبِ مِنْ مَزَادَتِهِ .
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : هَذِهِ دَارُ زَيْدٍ وَفَسَّرَ إقْرَارَهُ بِسُكْنَاهَا ، احْتَمَلَ أَنْ نَقُولَ : يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ .
وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَإِنَّ قَرِينَةَ الْإِقْرَارِ تَصْرِفُهُ إلَى الْمِلْكِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ : لَا دَخَلْت مَسْكَنَ زَيْدٍ .
حَنِثَ بِدُخُولِهِ الدَّارَ الَّتِي يَسْكُنُهَا .
وَلَوْ قَالَ : هَذَا الْمَسْكَنُ لِزَيْدٍ .
كَانَ مُقِرًّا لَهُ بِهَا ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهِيَ نَظِيرَةُ مَسْأَلَتِنَا .

( 8088 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ ، فَرَكِبَ دَابَّةً اسْتَأْجَرَهَا فُلَانٌ ، حَنِثَ وَإِنْ رَكِبَ دَابَّةً اسْتَعَارَهَا ، لَمْ يَحْنَثْ .
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ رَكِبَ دَابَّةً غَصَبَهَا فُلَانٌ .
وَفَارَقَ مَسْأَلَةَ الدَّارِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي الدَّارِ لِكَوْنِهِ اسْتَعَارَهَا ، وَلَا غَصَبَهَا ، وَإِنَّمَا حَنِثَ لِسُكْنَاهُ بِهَا ، فَأُضِيفَتْ الدَّارُ إلَيْهِ لِذَلِكَ ، وَلَوْ غَصَبَهَا أَوْ اسْتَعَارَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْكُنَهَا ، لَمْ تَصِحَّ إضَافَتُهَا إلَيْهِ ، وَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ ، فَيَكُونُ كَمُسْتَعِيرِ الدَّابَّةِ وَغَاصِبِهَا سَوَاءً .

( 8089 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ هَذَا الْعَبْدِ ، وَلَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ ، وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ ، فَدَخَلَ دَارًا جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ ، أَوْ رَكِبَ دَابَّةً جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ ، أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا جُعِلَ بِرَسْمِهِ ، حَنِثَ .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا ، وَالْإِضَافَةُ تَقْتَضِي الْمِلْكَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ مَعَهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا .
وَيُخَصُّ هَذَا الْفَصْلُ بِأَنَّ الْمِلْكِيَّةَ لَا تُمْكِنُ هَاهُنَا ، وَلَا تَصِحُّ الْإِضَافَةُ بِمَعْنَاهَا ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْإِضَافَةِ هَاهُنَا عَلَى إضَافَةِ الِاخْتِصَاصِ دُونَ الْمِلْكِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ ، فَدَخَلَ دَارَ عَبْدِهِ ، حَنِثَ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ دَارَ الْعَبْدِ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَ السَّيِّدِ ، وَلَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ ، فَلَبِسَ ثَوْبَ عَبْدِهِ ، وَرَكِبَ دَابَّتَهُ ، حَنِثَ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ بِهِمَا أَخَصُّ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا مَمْلُوكَانِ لِلسَّيِّدِ ، فَتَنَاوَلَهُمَا يَمِينُ الْحَالِفِ ، كَالدَّارِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالدَّارِ .

( 8090 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلَ دَارًا ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ ، حَنِثَ .
وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَدْخُلَ ، لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَدْخُلَ بِجَمِيعِهِ ، أَمَّا إذَا حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ أَوْ يَفْعَلَ شَيْئًا ، لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِهِ ، وَالدُّخُولِ إلَيْهَا بِجُمْلَتِهِ ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَنَاوَلَتْ فِعْلَ الْجَمِيعِ ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى بِفِعْلِ شَيْءٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ إلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ إخْبَارٌ بِفِعْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُؤَكَّدٌ بِالْقَسَمِ ، وَالْخَبَرُ بِفِعْلِ شَيْءٍ يَقْتَضِي فِعْلَهُ كُلَّهُ ، فَأَمَّا إنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلَ ، فَأَدْخَلَ بَعْضَهُ ، وَلَا يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَفَعَلَ بَعْضَهُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَحْنَثُ .
حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، فَاقْتَضَتْ الْمَنْعَ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْهُ ، كَالنَّهْيِ ، فَنَظِيرُ الْحَالِفِ عَلَى الدُّخُولِ قَوْله تَعَالَى : { وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا } .
{ اُدْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ } .
فَلَا يَكُونُ الْمَأْمُورُ مُمْتَثِلًا إلَّا بِدُخُولِ جُمْلَتِهِ ، وَنَظِيرُ الْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } .
وَقَوْلُهُ : { لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ } .
لَا يَكُونُ الْمَنْهِيُّ مُمْتَثِلًا إلَّا بِتَرْكِ الدُّخُولِ كُلِّهِ ، فَكَذَلِكَ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ ، لَا يَبْرَأُ إلَّا بِتَرْكِهِ كُلِّهِ ، فَمَتَى أَدْخَلَ بَعْضَهُ لَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، فَكَانَ مُخَالِفًا ، كَالْمَنْهِيِّ عَنْ الدُّخُولِ .
وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ الْآمِرَ وَالنَّاهِيَ يَقْصِدُ الْحَمْلَ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ أَوْ الْمَنْعَ مِنْهُ ، وَالْحَالِفُ يَقْصِدُ بِيَمِينِهِ ذَلِكَ ، فَكَانَا سَوَاءً ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْآمِرَ بِالْفِعْلِ أَوْ

الْحَالِفَ عَلَيْهِ ، يَقْصِدُ فِعْلَ الْجَمِيعِ ، فَلَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا وَلَا بَارًّا إلَّا بِفِعْلِهِ كُلِّهِ ، وَالنَّاهِيَ وَالْحَالِفَ عَلَى التَّرْكِ ، يَقْصِدُ تَرْكَ الْجَمِيعِ ، فَلَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا وَلَا بَارًّا إلَّا بِتَرْكِ الْجَمِيعِ ، وَفَاعِلُ الْبَعْضِ مَا فَعَلَ الْجَمِيعَ ، وَلَا تَرَكَ الْجَمِيعَ ، فَلَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ وَلَا النَّهْيِ ، وَلَا بَارًّا بِالْحَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ وَلَا التَّرْكِ .
وَالرِّوَايَةُ ، الثَّانِيَةُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَنْ يَدْخُلَ كُلُّهُ .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ ، وَحَنْبَلٍ ، فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا تَدْخُلُ بَيْتَ أَخِيهَا : لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ كُلُّهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ ، قَالَ : كُلِّي أَوْ بَعْضِي ؟ لِأَنَّ الْكُلَّ لَا يَكُونُ بَعْضًا ، وَالْبَعْضُ لَا يَكُونُ كُلًّا .
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ ، فَفَعَلَ بَعْضَهُ ، لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَفْعَلَهُ كُلَّهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إلَى عَائِشَةَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ ، فَتُرَجِّلُهُ وَهِيَ حَائِضٌ .
وَالْمُعْتَكِفُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ ، وَالْحَائِضُ مَمْنُوعَةٌ مِنْ اللُّبْثِ فِيهِ .
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : " إنِّي لَا أَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى أُعَلِّمَكَ سُورَةً " ، فَلَمَّا أَخْرَجَ رِجْلَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ عَلَّمَهُ إيَّاهَا .
وَلِأَنَّ يَمِينَهُ تَعَلَّقَتْ بِالْجَمِيعِ ، فَلَمْ تَنْحَلَّ بِالْبَعْضِ ، كَالْإِثْبَاتِ .
وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ ، فَأَمَّا إنْ نَوَى الْجَمِيعَ أَوْ الْبَعْضَ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى .
وَكَذَلِكَ إنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهِ ، فَلَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا شَرِبْت هَذَا النَّهْرَ ، أَوْ هَذِهِ الْبِرْكَةَ .
تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِبَعْضِهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْجَمِيعِ مُمْتَنِعٌ

، فَلَا يَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا آكُلُ الْخُبْزَ ، وَلَا أَشْرَبُ الْمَاءَ .
وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا عُلِّقَ عَلَى اسْمِ جِنْسٍ ، أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى اسْمِ جَمْعٍ ، كَالْمُسْلِمِينَ ، وَالْمُشْرِكِينَ ، وَالْفُقَرَاءِ ، وَالْمَسَاكِينِ ، فَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِالْبَعْضِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَسَلَّمَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي اسْمِ الْجِنْسِ دُونَ الْجَمْعِ .
وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى اسْمِ جِنْسٍ مُضَافٍ ، كَمَاءِ النَّهْرِ ، حَنِثَ أَيْضًا بِفِعْلِ الْبَعْضِ ، إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ شُرْبُهُ كُلُّهُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْآخَرُ ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي جَمِيعَهُ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِبَعْضِهِ ، كَمَاءِ الْإِدَاوَةِ .
وَلَنَا ؛ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ شُرْبُ جَمِيعِهِ ، فَتَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِبَعْضِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ ، فَكَلَّمَ بَعْضَهُمْ ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَاءَ الْإِدَاوَةِ ، وَإِنْ نَوَى بِيَمِينِهِ فِعْلَ الْجَمِيعِ ، أَوْ كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا صُمْت يَوْمًا .
لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُكْمِلَهُ .
وَإِنْ حَلَفَ : لَا صَلَّيْت صَلَاةً ، وَلَا أَكَلْت أَكْلَةً .
لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُكْمِلَ الصَّلَاةَ وَالْأَكْلَةَ .
وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ حِضْت حَيْضَةً ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ .
وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ : إنْ حِضْتُمَا ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .
لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَحِيضَا كِلْتَاهُمَا فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ فِعْلَ الْجَمِيعِ ، فَوَجَبَ تَعَلُّقُ الْيَمِينِ بِهِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إذَا صُمْت يَوْمًا ، فَأَنْتِ طَالِقٌ : إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ طَلُقَتْ .
وَقَالَ الْقَاضِي : إذَا حَلَفَ : لَا صَلَّيْت صَلَاةً .
لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يُسَمَّى صَلَاةً .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي ، وَلَا يَصُومُ ،

حَنِثَ فِي الصَّلَاةِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، وَفِي الصِّيَامِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ إذَا نَوَى الصِّيَامَ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الصِّيَامِ ، وَقَالَ فِي الصَّلَاةِ : لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَسْجُدَ سَجْدَةً .
وَلَنَا ، أَنَّهُ يُسَمَّى مُصَلِّيًا بِدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَمَا لَوْ سَجَدَ سَجْدَةً ، وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، أَشْبَهَ الصِّيَامَ يَشْرَعُ فِيهِ .
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا ، وَلَا يَحْنَثُ فِي الصِّيَامِ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا كَامِلًا ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ بِمُفْرَدِهِ صَوْمًا وَلَا صَلَاةً .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ صَلَاةٌ وَصِيَامٌ ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ إتْمَامُهُ ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِمَنْ أَفْسَدَ ذَلِكَ : بَطَلَ صَوْمُهُ وَصَلَاتُهُ .

( 8091 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَلْبَسَ ثَوْبًا وَهُوَ لَابِسُهُ ، نَزَعَهُ مِنْ وَقْتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، حَنِثَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا هُوَ لَابِسُهُ ، فَإِنْ نَزَعَهُ فِي الْحَالِ وَإِلَّا حَنِثَ ، وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً هُوَ رَاكِبُهَا ، فَإِنْ نَزَلَ فِي أَوَّلِ حَالَةِ الْإِمْكَانِ ، وَإِلَّا حَنِثَ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَحْنَثُ بِاسْتِدَامَةِ اللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ حَتَّى يَبْتَدِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَطَهَّرُ ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ .
كَذَا هَاهُنَا .
وَلَنَا ، أَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ تُسَمَّى لُبْسًا وَرُكُوبًا ، وَيُسَمَّى بِهِ لَابِسًا وَرَاكِبًا ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ : لَبِسْت هَذَا الثَّوْبَ شَهْرًا ، وَرَكِبْت دَابَّتِي يَوْمًا .
فَحَنِثَ ، بِاسْتِدَامَتِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ ، فَاسْتَدَامَ السُّكْنَى ، وَقَدْ اعْتَبَرَ الشَّرْعُ هَذَا فِي الْإِحْرَامِ ، حَيْثُ حَرَّمَ لُبْسَ الْمَخِيطِ ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي اسْتِدَامَتِهِ ، كَمَا أَوْجَبَهَا فِي ابْتِدَائِهِ ، وَفَارَقَ التَّزْوِيجَ ، فَإِنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى الِاسْتِدَامَةِ ، فَلَا يُقَالُ : تَزَوَّجْت شَهْرًا .
وَإِنَّمَا يُقَالُ : مُنْذُ شَهْرٍ .
وَلِهَذَا لَمْ تَحْرُمْ اسْتِدَامَتُهُ فِي الْإِحْرَامِ كَابْتِدَائِهِ .

( 8092 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ ، وَلَا يَتَطَيَّبُ ، وَلَا يَتَطَهَّرُ ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى مُسْتَدِيمِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ اسْمُ الْفِعْلِ ، فَلَا يُقَالُ : تَزَوَّجْت شَهْرًا .
وَلَا : تَطَهَّرْت شَهْرًا .
وَلَا : تَطَيَّبْت شَهْرًا .
وَإِنَّمَا يُقَالُ : مُنْذُ شَهْرٍ .
وَلَمْ يُنَزِّلْ الشَّارِعُ اسْتِدَامَةَ التَّزْوِيجِ وَالطِّيبِ مَنْزِلَةَ ابْتِدَائِهَا فِي تَحْرِيمِهِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ .

( 8093 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلَ دَارًا هُوَ فِيهَا ، فَأَقَامَ فِيهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمُقَامِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَابْتِدَائِهِ فِي التَّحْرِيمِ ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ : لَا دَخَلْت أَنَا وَأَنْتِ هَذِهِ الدَّارَ .
وَهُمَا جَمِيعًا فِيهَا ، قَالَ : أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَنِثَ .
وَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِدَامَةِ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : دَخَلْتهَا مُنْذُ شَهْرٍ .
وَلَا يُقَالُ : دَخَلْتهَا شَهْرًا .
فَجَرَى مَجْرَى التَّزْوِيجِ ، وَلِأَنَّ الدُّخُولَ الِانْفِصَالُ مِنْ خَارِجٍ إلَى دَاخِلٍ ، وَلَا يُوجَدُ فِي الْإِقَامَةِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْ أَحْنَثَهُ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْحَالِفِ أَنَّهُ يَقْصِدُ هِجْرَانَ الدَّارِ وَمُبَايَنَتَهَا ، وَالْإِقَامَةُ فِيهَا تُخَالِفُ ذَلِكَ ، فَجَرَى مَجْرَى الْحَالِفِ عَلَى تَرْكِ السُّكْنَى بِهَا .

( 8094 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يُضَاجِعُ امْرَأَتَهُ عَلَى فِرَاشٍ ، وَهُمَا مُتَضَاجِعَانِ ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ الْمُضَاجَعَةَ تَقَعُ عَلَى الِاسْتِدَامَةِ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : اضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ لَيْلَةً .
وَإِنْ كَانَ هُوَ مُضْطَجِعًا عَلَى الْفِرَاشِ وَحْدَهُ ، فَاضْطَجَعَتْ عِنْدَهُ عَلَيْهِ نَظَرْت ؛ فَإِنْ قَامَ لِوَقْتِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ اسْتَدَامَ ، حَنِثَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ ، وَهُوَ صَائِمٌ ، فَأَتَمَّ يَوْمَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَقَعُ عَلَى الِاسْتِدَامَةِ ، يُقَالُ : صَامَ يَوْمًا .
لَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ ، فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ، فَبَانَ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ اسْتِدَامَتُهُ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَافِرُ ، وَهُوَ مُسَافِرٌ ، فَأَخَذَ فِي الْعَوْدِ أَوْ أَقَامَ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ مَضَى فِي سَفَرِهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ سَفَرٌ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : سَافَرْت شَهْرًا .

( 8095 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ ، وَكَانَ رِدَاءً فِي حَالِ حَلِفِهِ ، فَارْتَدَى بِهِ ، أَوْ ائْتَزَرَ ، أَوْ اعْتَمَّ بِهِ ، أَوْ جَعَلَهُ قَمِيصًا ، أَوْ سَرَاوِيلَ ، أَوْ قَبَاءً ، وَلَبِسَهُ ، حَنِثَ ، وَكَذَلِكَ إنَّ كَانَ قَمِيصًا فَارْتَدَى بِهِ ، أَوْ سَرَاوِيلَ فَأْتَزَرَ بِهِ ، حَنِثَ .
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَبِسَهُ .
وَإِنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ : لَا أَلْبَسُهُ ، وَهُوَ رِدَاءٌ .
فَغَيَّرَهُ عَنْ كَوْنِهِ رِدَاءً ، وَلَبِسَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَقَعَتْ عَلَى تَرْكِ لُبْسِهِ رِدَاءً .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت شَيْئًا .
فَلَبِسَ قَمِيصًا ، أَوْ عِمَامَةً ، أَوْ قَلَنْسُوَةً ، أَوْ دِرْعًا ، أَوْ جَوْشَنًا أَوْ خُفًّا ، أَوْ نَعْلًا ، حَنِثَ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : فِي الْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَحْنَثُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَلْبُوسٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَالثِّيَابِ ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُفَّيْنِ ، فَلَبِسَهُمَا .
وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : إنَّك تَلْبَسُ هَذَا النِّعَالَ ؟ قَالَ : إنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهُمَا .
فَإِنْ تَرَكَ الْقَلَنْسُوَةَ فِي رِجْلِهِ ، أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْخُفِّ أَوْ النَّعْلِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلُبْسٍ لَهُمَا .

( 8096 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَيُلْبِسَنَّ امْرَأَتَهُ حُلِيًّا ، فَأَلْبَسَهَا خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ ، أَوْ مِخْنَقَةً مِنْ لُؤْلُؤٍ ، أَوْ جَوْهَرٍ وَحْدَهُ ، بَرَّ فِي يَمِينِهِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَبَرُّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُلِيٍّ وَحْدَهُ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } وَقَالَ تَعَالَى : { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا } .
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّهُ قَالَ : قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى لِلْبَحْرِ الشَّرْقِيِّ : إنِّي جَاعِلٌ فِيكَ الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ وَالطَّيِّبَ وَلِأَنَّ الْفِضَّةَ حُلِيٌّ إذَا كَانَتْ سِوَارًا أَوْ خَلْخَالًا ، فَكَانَتْ حُلِيًّا إذَا كَانَتْ خَاتَمًا ، كَالذَّهَبِ ، وَالْجَوْهَرُ وَاللُّؤْلُؤُ حُلِيٌّ مَعَ غَيْرِهِ ، فَكَانَ حُلِيًّا وَحْدَهُ ، كَالذَّهَبِ .
فَإِنْ أَلْبَسَهَا عَقِيقًا ، أَوْ سَبَجًا ، لَمْ يَبَرَّ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ بَرَّ ، وَفِي غَيْرِهِمْ وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّ هَذَا حُلِيٌّ فِي عُرْفِهِمْ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحُلِيٍّ ، فَلَا يَبَرُّ بِهِ ، كَالْوَدَعِ ، وَخَرَزِ الزُّجَاجِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْوَدَعِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا ، فَلَبِسَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فِي مُرْسَلَةٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا لَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُلِيٍّ إذَا لَمْ يَلْبَسْهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا لَبِسَهُ .
وَالثَّانِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ لَبِسَهُ ، فَكَانَ حُلِيًّا ، كَالسِّوَارِ وَالْخَاتَمِ .
وَإِنْ لَبِسَ سَيْفًا مُحَلًّى ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ السَّيْفَ لَيْسَ بِحُلِيٍّ .
وَإِنْ لَبِسَ مِنْطَقَةً مُحَلَّاةً ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْحِلْيَةَ لَهَا دُونَهُ ، فَأَشْبَهَ السَّيْفَ الْمُحَلَّى .
وَالثَّانِي ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُلِيِّ الرِّجَالِ ، وَلَا يُقْصَدُ بِلُبْسِهَا مُحَلَّاةً فِي الْغَالِبِ إلَّا التَّجَمُّلُ بِهَا .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ خَاتَمًا ، فَلَبِسَهُ فِي غَيْرِ الْخِنْصَرِ مِنْ أَصَابِعِهِ

، حَنِثَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَقْتَضِي لُبْسًا مُعَيَّنًا ، مُعْتَادًا ، وَلَيْسَ هَذَا مُعْتَادًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْخَلَ الْقَلَنْسُوَةَ فِي رِجْلِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَابِسٌ لِمَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ لُبْسِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ائْتَزَرَ بِالسَّرَاوِيلِ ، وَأَمَّا إدْخَالُ الْقَلَنْسُوَةِ فِي رِجْلِهِ ، فَهُوَ عَبَثٌ وَسَفَهٌ ، بِخِلَافِ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخِنْصَرِ وَغَيْرِهَا ، إلَّا مِنْ حَيْثُ الِاصْطِلَاحُ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِالْخِنْصَرِ .

( 8097 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ ، فَأَكَلَ طَعَامًا ، اشْتَرَاهُ زَيْدٌ وَبَكْرٌ ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالشِّرَاءِ ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ .
وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ احْتِمَالًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِشِرَائِهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ ، فَلَبِسَ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ هُوَ وَغَيْرُهُ .
وَلَنَا ، أَنَّ زَيْدًا مُشْتَرٍ لِنِصْفِهِ ، وَهُوَ طَعَامٌ ، وَقَدْ أَكَلَهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَحْنَثَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ ، ثُمَّ خَلَطَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ عَمْرٌو ، فَأَكَلَ الْجَمِيعَ ، وَأَمَّا الثَّوْبُ ، فَلَا نُسَلِّمُ ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ نِصْفَ الثَّوْبِ لَيْسَ بِثَوْبٍ ، وَنِصْفُ الطَّعَامِ طَعَامٌ ، وَقَدْ أَكَلَهُ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ .
وَإِنْ اشْتَرَى زَيْدٌ نِصْفَهُ مُشَاعًا ، أَوْ اشْتَرَى نِصْفَهُ ، ثُمَّ اشْتَرَى الْآخَرُ بَاقِيَهُ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، حَنِثَ .
وَالْخِلَافُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَلَوْ اشْتَرَى زَيْدٌ نِصْفَهُ مُعَيَّنًا ، ثُمَّ خَلَطَهُ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ ، فَأَكَلَ الْجَمِيعَ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ ، حَنِثَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ مِمَّا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ يَقِينًا .
وَإِنْ أَكَلَ نِصْفَهُ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ انْفِرَادُ مَا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ مِنْ غَيْرِهِ ، فَيَكُونُ الْحِنْثُ ظَاهِرًا ظُهُورًا كَثِيرًا .
وَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحِنْثِ ، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ أَكْلَهُ مِمَّا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَحْنَثُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً ، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَإِنْ أَكَلَ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ ، ثُمَّ بَاعَهُ ، أَوْ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ ، حَنِثَ .

وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ .

( 8098 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ ، فَلَبِسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا وَغَزْلِ غَيْرِهَا ، حَنِثَ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا ، وَغَزْلِ غَيْرِهَا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا يَحْنَثُ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَحْنَثُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسُ ثَوْبًا كَامِلًا مِنْ غَزْلِهَا .
وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا نَسَجَهُ زَيْدٌ ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ قِدْرٍ طَبَخَهَا ، وَلَا يَدْخُلُ دَارًا اشْتَرَاهَا ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا خَاطَهُ زَيْدٌ .
فَلَبِسَ ثَوْبًا نَسَجَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ أَوْ خَاطَاهُ ، أَوْ أَكَلَ مِنْ قِدْرٍ طَبَخَاهَا ، أَوْ دَخَلَ دَارًا اشْتَرَيَاهَا ، فَفِي هَذَا كُلِّهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالْقَوْلِ مِثْلَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى .
وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ مَا خَاطَهُ زَيْدٌ ، حَنِثَ بِلُبْسِ ثَوْبٍ خَاطَاهُ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَ مِمَّا خَاطَهُ زَيْدٌ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ : ثَوْبًا خَاطَهُ زَيْدٌ .
وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارًا لِزَيْدٍ ، فَدَخَلَ دَارًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ ، خَرَجَ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَالْخِلَافُ فِيهَا عَلَى مَا مَضَى .

( 8099 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ لَا يَزُورهُمَا ، أَوْ لَا يُكَلِّمهُمَا ، فَزَارَ أَوْ كَلَّمَ أَحَدَهُمَا ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَلَّا يَجْتَمِعَ فِعْلُهُ بِهِمَا ) يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَفَعَلَ بَعْضَهُ ، فَإِنَّ هَذَا حَالِفٌ عَلَى كَلَامِ شَخْصَيْنِ وَزِيَارَتِهِمَا ، فَتَكْلِيمُهُ أَحَدَهُمَا وَزِيَارَتُهُ فِعْلٌ لِبَعْضِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : تَقْدِيرُ يَمِينِهِ : لَا كَلَّمْت هَذَا ، وَلَا كَلَّمْت هَذَا .
لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ يُقَدَّرُ لَهُ بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ فِعْلٌ وَعَامِلٌ ، مِثْلَ الْعَامِلِ الَّذِي قَبْلَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } .
أَيْ : وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ بَنَاتُكُمْ .
فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحْلُوفًا عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا ، فَيَحْنَثُ بِهِ ، فَإِنْ قَصَدَ أَلَّا يَجْتَمِعَ فِعْلُهُ بِهِمَا ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِيَمِينِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ ، وَإِنْ قَصَدَ تَرْكَ كَلَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، حَنِثَ بِفِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت زَيْدًا وَلَا عَمْرًا .
حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، بِغَيْرِ إشْكَالٍ ؛ فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي تَرْكَ كَلَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا } .
أَيْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .

( 8100 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَعُمْرًا .
أَوْ : عَبْدِي حُرٌّ ، إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَعُمْرًا .
لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ وَلَا الْعِتْقُ إلَّا بِتَكْلِيمِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ تَكْلِيمَهُمَا مَعًا شَرْطًا لِوُقُوعِ ذَلِكَ ، وَلَا يَثْبُتُ الْمَشْرُوطُ إلَّا بِوُجُودِ الشَّرْطِ جَمِيعِهِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ : إنْ حِضْتُمَا ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .
لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَّا بِحَيْضِهِمَا جَمِيعًا ، وَتُفَارِقُ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا الْمَنْعُ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، فَتَحْصُلُ الْمُخَالَفَةُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ .
وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا فِي الْحِنْثِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ ؛ لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْحَلِفِ كُلِّهِ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ ، الْمَنْعَ مِنْ فِعْلِهِ ، فَيَسْتَوِيَانِ .
أَمَّا إذَا قَالَ : إذَا حِضْتُمَا ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .
فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهَذَا مَنْعٌ مِنْ شَيْءٍ ، وَلَا حَثٌّ عَلَيْهِ ، إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ مُجَرَّدٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ .

( 8101 ) فَصْلٌ : وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا آكُلُ خُبْزًا وَلَحْمًا ، وَلَا زُبْدًا وَتَمْرًا ، وَلَا أَدْخُلُ هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ ، وَلَا أَعْصِي اللَّهَ فِي هَذَيْنِ الْبَلَدَيْنِ ، وَلَا أُمْسِكُ هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ .
فَفَعَلَ بَعْضَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، مِثْلَ أَنْ أَكَلَ أَحَدَهُمَا ، أَوْ دَخَلَ إحْدَى الدَّارَيْنِ ، وَعَصَى اللَّهَ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ ، أَوْ أَمْسَكَ إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
وَإِنْ قَصَدَ بِيَمِينِهِ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ، أَوْ الْمَنْعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا آكُلُ سَمَكًا وَأَشْرَبَ لَبَنًا .
بِالْفَتْحِ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْوَاوُ هَاهُنَا بِمَعْنَى ( مَعَ ) ، وَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ الْفَتْحَ ، وَإِنْ عَطَفَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِتَكْرَارِ " لَا " ، اقْتَضَى الْمَنْعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، وَحَنِثَ بِفِعْلِهِ .

( 8102 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ ثَوْبًا ، فَاشْتَرَى بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ ثَوْبًا ، فَلَبِسَهُ ، حَنِثَ إذَا كَانَ مِمَّنْ اُمْتُنَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الثَّوْبِ ، وَكَذَلِكَ إنْ انْتَفَعَ بِثَمَنِهِ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ أَصْلٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، وَهُوَ أَنَّ الْأَسْبَابَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْأَيْمَانِ فَيَتَعَدَّى ، الْحُكْمُ بِتَعَدِّيهَا ، فَإِذَا اُمْتُنَّ عَلَيْهِ بِثَوْبٍ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَهُ ، لِتَنْقَطِعَ الْمِنَّةُ بِهِ حَنِثَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ فِي غَيْرِ اللُّبْسِ مِنْ أَخْذِ ثَمَنِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ انْتِفَاعٍ بِهِ يُلْحِقُ الْمِنَّةَ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ قَطْعَ الْمِنَّةِ ، وَلَا كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِمَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ ، وَهُوَ لُبْسُهُ خَاصَّةً ، فَلَوْ أَبْدَلَهُ بِثَوْبِ غَيْرِهِ ، ثُمَّ لَبِسَهُ ، أَوْ انْتَفَعَ بِهِ فِي غَيْرِ اللُّبْسِ ، أَوْ بَاعَهُ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْيَمِينِ لَهُ لَفْظًا وَنِيَّةً وَسَبَبًا .
( 8103 ) فَصْلٌ : فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا عَلَيْهِ فِيهِ لَهَا مِنَّةٌ سِوَى الِانْتِفَاعِ بِالثَّوْبِ ، وَبِعِوَضِهِ ، مِثْلَ أَنْ سَكَنَ ، دَارَهَا ، أَوْ أَكَلَ طَعَامَهَا ، أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا لَهَا غَيْرَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ الثَّوْبُ ، فَتَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهِ ، أَوْ بِمَا حَصَلَ بِهِ ، وَلَمْ يَتَعَدَّ إلَى غَيْرِهِ ؛ لِاخْتِصَاصِ الْيَمِينِ وَالسَّبَبِ بِهِ .

( 8104 ) فَصْلٌ : وَإِنْ امْتَنَّتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِثَوْبٍ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَهُ ، قَطْعًا لِمِنَّتِهَا ، فَاشْتَرَاهُ غَيْرُهَا ثُمَّ ، كَسَاهُ إيَّاهُ ، أَوْ اشْتَرَاهُ الْحَالِفُ ، وَلَبِسَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا مِنَّةَ لَهَا فِيهِ ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ لِمُخَالَفَتِهِ لِيَمِينِهِ ، وَلِأَنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إذَا كَانَ أَعَمَّ مِنْ السَّبَبِ ، وَجَبَ الْأَخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ كَذَا فِي الْيَمِينِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ خَاصَمَتْهُ امْرَأَةٌ لَهُ ، فَقَالَ : نِسَائِي طَوَالِقُ .
طُلِّقْنَ كُلُّهُنَّ ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الطَّلَاقِ وَاحِدَةً ، كَذَا هَاهُنَا .
وَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ اقْتَضَى تَقْيِيدَ لَفْظِهِ بِمَا وُجِدَ فِيهِ السَّبَبُ فَصَارَ كَالْمَنْوِيِّ ، أَوْ كَمَا لَوْ خَصَّصَهُ بِقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ .

( 8105 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْوِيَ مَعَ زَوْجَتِهِ فِي دَارٍ ، فَأَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا ، حَنِثَ ، إذَا كَانَ أَرَادَ ، بِيَمِينِهِ جَفَاءَ زَوْجَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ ) وَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ فُرُوعِ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى قَصَدَ جَفَاءَهَا بِتَرْكِ الْأَوْيِ مَعَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ أَثَرٌ فِي يَمِينِهِ ، كَانَ ذِكْرُ الدَّارِ كَعَدَمِهِ ، وَكَأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى أَلَّا يَأْوِيَ مَعَهَا ، فَإِذَا أَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا ، فَقَدْ أَوَى مَعَهَا ، فَحَنِثَ ؛ لِمُخَالَفَتِهِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ ، وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ سُؤَالِ الْأَعْرَابِيِّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاقَعْت أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ .
فَقَالَ : " أَعْتِقْ رَقَبَةً " .
لَمَّا كَانَ ذِكْرُ أَهْلِهِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ ، حَذَفْنَاهُ مِنْ السَّبَبِ ، وَصَارَ السَّبَبُ الْوِقَاعَ ، سَوَاءٌ كَانَ لِأَهْلٍ أَوْ لِغَيْرِهِمْ .
وَإِنْ كَانَ لِلدَّارِ أَثَرٌ فِي يَمِينِهِ ، مِثْلَ أَنْ كَانَ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا ، أَوْ خُوصِمَ مِنْ أَجْلِهَا ، أَوْ اُمْتُنَّ عَلَيْهِ بِهَا ، لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِيَمِينِهِ الْجَفَاءَ فِي الدَّارِ بِعَيْنِهَا ، فَلَمْ يُخَالِفْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ عَدِمَ السَّبَبَ وَالنِّيَّةَ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِفِعْلِ مَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ ، وَهُوَ الْأَوْيُ مَعَهَا فِي تِلْكَ الدَّارِ بِعَيْنِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُ لَفْظِهِ ، إذَا لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ وَلَا سَبَبٌ يَصْرِفُ اللَّفْظَ عَنْ مُقْتَضَاهُ ، أَوْ يَقْتَضِي زِيَادَةً عَلَيْهِ ، وَمَعْنَى الْأَوْيِ الدُّخُولُ ، فَمَتَى حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَهَا ، فَدَخَلَ مَعَهَا الدَّارَ حَنِثَ ، قَلِيلًا كَانَ لُبْثُهُمَا أَوْ كَثِيرًا ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - مُخْبِرًا عَنْ فَتَى مُوسَى : { إذْ أَوَيْنَا إلَى الصَّخْرَةِ } .
قَالَ أَحْمَدُ : مَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا سَاعَةً ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - يُقَالُ : وَأَوَيْت أَنَا ، وَآوَيْت غَيْرِي .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إذْ أَوَى الْفِتْيَةُ

إلَى الْكَهْفِ } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَآوَيْنَاهُمَا إلَى رَبْوَةٍ .
}

( 8106 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَرَّهَا بِهَدِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، أَوْ اجْتَمَعَ مَعَهَا فِيمَا لَيْسَ بِدَارٍ وَلَا بَيْتٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّارُ سَبَبًا فِي يَمِينِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ جَفَاءَهَا بِهَذَا النَّوْعِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَهَا فِي دَارٍ لِسَبَبٍ ، فَزَالَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِيَمِينِهِ ، مِثْلَ أَنْ كَانَ السَّبَبُ امْتِنَانَهَا بِهَا عَلَيْهِ ، فَمَلَكَ الدَّارَ ، أَوْ صَارَتْ لِغَيْرِهَا ، فَأَوَى مَعَهَا فِيهَا ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا وَتَعْلِيلُهُمَا .

( 8107 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا فِيمَا لَيْسَ بِبَيْتٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ إذَا قَصَدَ جَفَاءَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ الْبَيْتُ سَبَبًا هَيَّجَ يَمِينَهُ ، حَنِثَ ، وَإِلَّا فَلَا .
فَإِنْ دَخَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ هِيَ فِيهِمْ ، يَقْصِدُ الدُّخُولَ عَلَيْهَا مَعَهُمْ ، حَنِثَ ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا .
وَإِنْ اسْتَثْنَاهَا بِقَلْبِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يَحْنَثُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُسَلِّمَ عَلَيْهَا ، فَسَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هِيَ فِيهِمْ ، يَقْصِدُ بِقَلْبِهِ السَّلَامَ عَلَى غَيْرِهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ .
وَالثَّانِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِعْلٌ لَا يَتَمَيَّزُ ، فَلَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِالْقَصْدِ ، وَقَدْ وُجِدَ فِي حَقِّ الْكُلِّ عَلَى السَّوَاءِ ، وَهِيَ فِيهِمْ فَيَحْنَثُ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ اسْتِثْنَاءَهَا ، وَفَارَقَ السَّلَامَ ؛ فَإِنَّهُ قَوْلٌ يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِالْقَصْدِ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إلَّا فُلَانًا .
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ دَخَلْت عَلَيْكُمْ إلَّا فُلَانًا .
وَلِأَنَّ السَّلَامَ قَوْلٌ يَتَنَاوَلُ مَا يَتَنَاوَلُهُ الضَّمِيرُ فِي " عَلَيْكُمْ " ، وَالضَّمِيرُ عَامٌ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْخَاصُّ ، فَصَحَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَنْ سِوَاهَا ، وَالْفِعْلُ لَا يَتَأَتَّى هَذَا فِيهِ .
وَإِنْ دَخَلَ بَيْتًا لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا فِيهِ ، فَوَجَدَهَا فِيهِ ، فَهُوَ كَالدُّخُولِ عَلَيْهَا نَاسِيًا ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ .
فَخَرَجَ حِينَ عَلِمَ بِهَا ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا ، فَدَخَلَتْ هِيَ عَلَيْهِ ، فَخَرَجَ فِي الْحَالِ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَإِنْ أَقَامَ فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ فِيهَا ، فَاسْتَدَامَ الْمُقَامَ بِهَا ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .

( 8108 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ فِي غَدٍ ، فَمَاتَ الْحَالِفُ مِنْ يَوْمِهِ ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ ، حَنِثَ ) أَمَّا إذَا مَاتَ الْحَالِفُ مِنْ يَوْمِهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِفَوَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ ، وَهُوَ الْغَدُ ، وَالْحَالِفُ قَدْ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ الْغَدِ ، فَلَا يُمْكِنُ حِنْثُهُ .
وَكَذَلِكَ إنْ جُنَّ الْحَالِفُ فِي يَوْمِهِ .
فَلَمْ يُفِقْ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْغَدِ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ .
وَإِنْ هَرَبَ الْعَبْدُ ، أَوْ مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ الْحَالِفُ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَرْبِهِ فِي الْغَدِ ، حَنِثَ .
وَإِنْ لَمْ يَمُتْ الْحَالِفُ ، فَفِيهِ مَسَائِلُ أَحَدُهَا ، أَنْ يَضْرِبَ الْعَبْدَ فِي غَدٍ ، أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ ، بِلَا خِلَافٍ .
الثَّانِيَةُ ، أَمْكَنَهُ ضَرْبُهُ فِي غَدٍ ، فَلَمْ يَضْرِبْهُ حَتَّى مَضَى الْغَدُ ، وَهُمَا فِي الْحَيَاةِ ، حَنِثَ أَيْضًا ، بِلَا خِلَافٍ .
الثَّالِثَةُ ، مَاتَ الْعَبْدُ مِنْ يَوْمِهِ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ .
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَحْنَثَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ ضَرْبَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ ، كَالْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ ، مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ وَلَا نِسْيَانٍ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحِنْثِ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَحُجَّنَّ الْعَامَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ ؛ لِمَرَضٍ ، أَوْ عَدَمِ النَّفَقَةِ ، وَفَارَقَ الْإِكْرَاهَ وَالنِّسْيَانَ ، فَإِنَّ الِامْتِنَاعَ لِمَعْنًى فِي الْحَالِفِ ، وَهَا هُنَا الِامْتِنَاعُ لِمَعْنًى فِي الْمَحَلِّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ ضَرْبَهُ لِصُعُوبَتِهِ ، أَوْ تَرَكَ الْحَالِفُ الْحَجَّ لِصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ وَبُعْدِهَا عَلَيْهِ فَأَمَّا .
إنْ كَانَ تَلَفُ الْمَحْلُوفِ

عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ أَوْ اخْتِيَارِهِ ، حَنِثَ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْفِعْلَ عَلَى نَفْسِهِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْنَثُ الْحَالِفُ سَاعَةَ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْعَقَدَتْ مِنْ حِينِ حَلِفِهِ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْفِعْلُ ، فِي الْحَالِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُؤَقِّتْ ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَحْنَثَ قَبْلَ الْغَدِ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ مُخَالَفَةُ مَا عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَيْهِ ، فَلَا تَحْصُلُ الْمُخَالَفَةُ إلَّا بِتَرْكِ الْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ .
الرَّابِعَةُ ، مَاتَ الْعَبْدُ فِي غَدٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ مَاتَ فِي يَوْمِهِ .
الْخَامِسَةُ ، مَاتَ الْعَبْدُ فِي غَدٍ ، بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ ، قَبْلَ ضَرْبِهِ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَحْنَثُ قَوْلًا وَاحِدًا .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : فِيهِ قَوْلَانِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ يُمْكِنُهُ ضَرْبُهُ فِي وَقْتِهِ ، فَلَمْ يَضْرِبْهُ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ مَضَى الْغَدُ قَبْلَ ضَرْبِهِ .
السَّادِسَةُ ، مَاتَ الْحَالِفُ فِي غَدٍ ، بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ ، فَلَمْ يَضْرِبْهُ ، حَنِثَ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
السَّابِعَةُ ، ضَرَبَهُ فِي يَوْمِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَبَرُّ .
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : يَبَرُّ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لِلْحَثِّ عَلَى ضَرْبِهِ ، فَإِذَا ضَرَبَهُ الْيَوْمَ ، فَقَدْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَزِيَادَةً ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي غَدٍ ، فَقَضَاهُ الْيَوْمَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ ، فَلَمْ يَبَرَّ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَصَامَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَفَارَقَ قَضَاءَ الدَّيْنِ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ تَعْجِيلُهُ لَا غَيْرُ ، وَفِي قَضَاءِ الْيَوْمِ زِيَادَةٌ فِي التَّعْجِيلِ ، فَلَا يَحْنَثُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ قَصْدِهِ إرَادَةُ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ غَدًا بِالْقَضَاءِ ، فَصَارَ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ ، إذْ كَانَ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ مَا

لَيْسَ بِمِثْلِهِ عَلَيْهِ ، وَسَائِرُ الْمَحْلُوفَاتِ لَا تُعْلَمُ مِنْهَا إرَادَةُ التَّعْجِيلِ عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهَا ، فَامْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ ، وَتَعَيَّنَ التَّمَسُّكُ بِاللَّفْظِ .
الثَّامِنَةُ ، ضَرَبَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، لَمْ يَبَرَّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَنْصَرِفُ إلَى ضَرْبِهِ حَيًّا ، يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ ، وَقَدْ زَالَ هَذَا بِالْمَوْتِ .
التَّاسِعَةُ ، ضَرَبَهُ ضَرْبًا لَا يُؤْلِمُهُ ، لَمْ يَبَرّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .
الْعَاشِرَةُ ، خَنَقَهُ ، أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ ، أَوْ عَصَرَ سَاقَهُ ، بِحَيْثُ يُؤْلِمُهُ ، فَإِنَّهُ يَبَرُّ ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى ضَرْبًا ؛ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ .
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ، جُنَّ الْعَبْدُ ، فَضَرَبَهُ ، فَإِنَّهُ يَبَرُّ ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ ، وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ ، حَنِثَ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ فِي غَدٍ ، فَفِيهِ نَحْوٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ .
وَمَتَى فَاتَ ضَرْبُهُ بِمَوْتِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْرِبْهُ .

( 8109 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ غَدًا .
فَانْدَفَقَ الْيَوْمَ ، أَوْ : لَآكُلَنَّ هَذَا الْخُبْزَ غَدًا .
فَتَلِفَ ، فَهُوَ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ .
قَالَ صَالِحٌ : سَأَلْت أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَحْلِفُ أَنْ يَشْرَبَ هَذَا الْمَاءَ ، فَانْصَبَّ ؟ قَالَ : يَحْنَثُ .
وَكَذَلِكَ إنَّ حَلَفَ أَنْ يَأْكُلَ هَذَا الرَّغِيفَ ، فَأَكَلَهُ كَلْبٌ ؟ قَالَ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ .

( 8110 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ حِينًا ، فَكَلَّمَهُ قَبْلَ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ ، حَنِثَ ) .
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا ، فَإِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِلَفْظِهِ أَوْ بِنِيَّتِهِ بِزَمَنٍ ، تَقَيَّدَ بِهِ ، وَإِنْ أَطْلَقَهُ ، انْصَرَفَ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ : هُوَ سَنَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ اللَّهِ تَعَالَى : { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } .
أَيْ كُلَّ عَامٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا قَدْرَ لَهُ ، وَيَبَرُّ بِأَدْنَى زَمَنٍ ؛ لِأَنَّ الْحِينَ اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ } .
قِيلَ : أَرَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَقَالَ : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ } .
وَقَالَ : { فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ } .
وَقَالَ : { حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } .
وَيُقَالُ : جِئْت مُنْذُ حِينٍ .
وَإِنْ كَانَ أَتَاهُ مِنْ سَاعَةٍ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْحِينَ الْمُطْلَقَ فِي كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَقَلُّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ .
قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } : إنَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ .
فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِ الْآدَمِيِّ عَلَى مُطْلَقِ كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ ، وَمَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ مِنْ الْمُطْلَقِ فِي كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَمَا ذَكَرْنَاهُ أَقَلُّهُ ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ .

( 8111 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حُقْبًا .
فَذَلِكَ ثَمَانُونَ عَامًا ، وَقَالَ مَالِكٌ أَرْبَعُونَ عَامًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : هُوَ أَدْنَى زَمَانٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ تَقْدِيرٌ .
وَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى : { لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا } : الْحُقْبُ ثَمَانُونَ سَنَةً .
وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ حُجَّةٌ ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ يُفْضِي إلَى حَمْلِ كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى : { لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا } وَقَوْلِ مُوسَى : { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } إلَى اللُّكْنَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ التَّكْثِيرِ ، فَإِذَا صَارَ مَعْنَى ذَلِكَ ( لَابِثِينَ فِيهَا ) سَاعَاتٍ أَوْ لَحَظَاتٍ أَوْ ، أَمْضِيَ لَحَظَاتٍ وَسَاعَاتٍ ، صَارَ مُقْتَضَى ذَلِكَ التَّقْلِيلَ ، وَهُوَ ضِدُّ مَا أَرَادَ اللَّهُ - تَعَالَى بِكَلَامِهِ ، وَضِدُّ الْمَفْهُومِ مِنْهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا نَعْلَمُ ، فَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْحُقْبِ بِهِ .

( 8112 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمَهُ زَمَنًا ، أَوْ وَقْتًا ، أَوْ دَهْرًا ، أَوْ عُمْرًا ، أَوْ مَلِيًّا ، أَوْ طَوِيلًا ، أَوْ بَعِيدًا ، أَوْ قَرِيبًا بَرَّ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، فِي قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَا حَدَّ لَهَا فِي اللُّغَةِ ، وَتَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَقَلِّ مَا تَنَاوَلَهُ اسْمُهُ ، وَقَدْ يَكُونُ الْقَرِيبُ بَعِيدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ ، وَقَرِيبًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ ، وَلَا يَجُوزُ التَّحْدِيدُ بِالتَّحَكُّمِ ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ بِالتَّوْقِيفِ ، وَلَا تَوْقِيفَ هَاهُنَا ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْيَقِينِ ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : الزَّمَانُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ .
وَقَالَ طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ : الْحِينُ وَالزَّمَانُ وَالْعُمْرُ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ فِي الْعَادَةِ بَيْنَهُمَا ، وَالنَّاسُ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ التَّبْعِيدَ ، فَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْقَلِيلِ ، حُمِلَ عَلَى خِلَافِ قَصْدِ الْحَالِفِ .
وَالدَّهْرُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَالْحِينِ أَيْضًا لِهَذَا الْمَعْنَى .
وَقَالَ فِي " بَعِيدٍ " و " مَلِيءٍ " ، " وَطَوِيلٍ " : هُوَ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضِدُّ الْقَلِيلِ ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ضِدِّهِ .
وَلَوْ حَمَلَ الْعُمْرَ عَلَى أَرْبَعِينَ عَامًا ، كَانَ حَسَنًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَقَدْ لَبِثْت فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ } .
وَكَانَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، فَيَجِبُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْعُمْرَ فِي الْغَالِبِ لَا يَكُونُ إلَّا مُدَّة طَوِيلَةً ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ .
( 8113 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الدَّهْرَ ، أَوْ الْأَبَدَ ، أَوْ الزَّمَانَ .
فَذَلِكَ عَلَى الْأَبَدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ، وَهِيَ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَتَقْتَضِي الدَّهْرَ كُلَّهُ .

( 8114 ) فَصْلٌ : إنْ حَلَفَ عَلَى أَيَّامٍ ، فَهِيَ ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } .
وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ .
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَشْهُرٍ ، فَهِيَ ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ .
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى شُهُورٍ ، فَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ ؛ لِذَلِكَ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا } .
وَلِأَنَّ الشُّهُورَ جَمْعُ الْكَثْرَةِ ، وَأَقَلُّهُ عَشَرَةٌ ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ جَمْعُ الْقِلَّةِ .

( 8115 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَقْضِيَهُ حَقَّهُ فِي وَقْتٍ ، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ، إذَا كَانَ أَرَادَ بِيَمِينِهِ إنْ لَا يُجَاوِزَ ذَلِكَ الْوَقْتَ ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْنَثُ إذَا قَضَاهُ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مُخْتَارًا ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ قَضَاهُ بَعْدَهُ .
وَلَنَا ، أَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْيَمِينِ ، تَعْجِيلُ الْقَضَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ ، فَإِذَا قَضَاهُ قَبْلَهُ ، فَقَدْ قَضَى قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ ، وَزَادَ خَيْرًا ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ ، وَنِيَّةُ هَذَا بِيَمِينِهِ تَرْكُ تَعْجِيلِ الْقَضَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ ، فَتَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ رُجِعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ ، فَإِنْ كَانَتْ تَقْتَضِي التَّعْجِيلَ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ نَوَاهُ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ ، وَلَا كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَبَرُّ إلَّا بِقَضَائِهِ فِي الْغَدِ ، وَلَا يَبَرُّ بِقَضَائِهِ قَبْلَهُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَبَرُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْحَثِّ عَلَى الْفِعْلِ ، فَمَتَى عَجَّلَهُ ، فَقَدْ أَتَى بِالْمَقْصُودِ ، فِيهِ ، كَمَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ مَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ لَفْظًا ، وَلَمْ تَصْرِفْهَا عَنْهُ نِيَّةٌ وَلَا سَبَبٌ ، فَتُصْرَفُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ شَعْبَانَ ، فَصَامَ رَجَبًا .
وَيُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْقَضَاءِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ عُرْفَ هَذِهِ الْيَمِينِ فِي الْقَضَاءِ التَّعْجِيلُ ، فَتَنْصَرِفُ الْيَمِينُ الْمُطْلَقَةُ إلَيْهِ .
( 8116 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا غَيْرُ قَضَاءِ الْحَقِّ ، كَأَكْلِ شَيْءٍ ، أَوْ شُرْبِهِ ، أَوْ بَيْعِ شَيْءٍ ، أَوْ شِرَائِهِ ، أَوْ ضَرْبِ عَبْدٍ ، وَنَحْوِهِ ، فَمَتَى عَيَّنَ وَقْتَهُ ، وَلَمْ يَنْوِ مَا يَقْتَضِي تَعْجِيلَهُ ، وَلَا كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِيهِ ، لَمْ

يَبَرَّ إلَّا بِفِعْلِهِ فِي وَقْتِهِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ يَبَرُّ بِتَعْجِيلِهِ عَنْ وَقْتِهِ .
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ تَصْرِفُ يَمِينَهُ ، وَلَا سَبَبٍ ، فَيَحْنَثُ ، كَالصِّيَامِ .
وَلَوْ فَعَلَ بَعْضَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ قَبْلَ وَقْتِهِ ، وَبَعْضَهُ فِي وَقْتِهِ ، لَمْ يَبَرَّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الْإِثْبَاتِ لَا يَبَرُّ فِيهَا إلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، فَتَرْكُ بَعْضِهِ فِي وَقْتِهِ ، كَتَرْكِ جَمِيعِهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِي أَنْ لَا يُجَاوِزَ ذَلِكَ الْوَقْتَ ، أَوْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ سَبَبُهَا .

( 8117 ) فَصْلٌ : وَمَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ بِعَشَرَةٍ ، فَبَاعَهُ بِهَا أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهَا ، حَنِثَ .
وَإِنْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَحْنَثُ إذَا بَاعَهُ بِأَقَلَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ يَمِينُهُ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْعُرْفَ فِي هَذَا أَنْ لَا يَبِيعَهُ بِهَا ، وَلَا بِأَقَلَّ مِنْهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ فِي بَيْعِهِ إنْسَانًا ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهُ بِعَشَرَةٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا ، وَلِأَنَّ هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى امْتِنَاعِهِ مِنْ بَيْعِهِ بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ ، وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ ، كَثُبُوتِهِ بِاللَّفْظِ .
إنْ حَلَفَ : لَا اشْتَرَيْتُهُ بِعَشَرَةٍ .
فَاشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِهَا أَوْ بِأَكْثَرَ ، حَنِثَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، أَنْ لَا يَحْنَثَ إذَا اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ لَفْظًا .
وَلَنَا ، أَنَّهَا تَنَاوَلَتْهُ عُرْفًا وَتَنْبِيهًا ، فَكَانَ حَانِثًا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : مَا لَهُ عَلَيَّ حَبَّةٌ .
فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا ، وَيَبْرَأُ بِيَمِينِهِ مِمَّا زَادَ عَلَيْهَا ، كَبَرَاءَتِهِ مِنْهَا .
قِيلَ لِأَحْمَدَ رَجُلٌ إنْ حَلَفَ لَا يَنْقُصُ هَذَا الثَّوْبُ عَنْ كَذَا .
قَالَ : قَدْ أَخَذْته ، وَلَكِنْ هَبْ لِي كَذَا .
قَالَ : هَذَا حِيلَةٌ .
قِيلَ لَهُ : فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ : بِعْتُك بِكَذَا ، وَأَهَبُ لِفُلَانٍ شَيْئًا آخَرَ .
قَالَ هَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ .
فَكَرِهَهُ .

( 8118 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي غَدٍ ، فَمَاتَ الْحَالِفُ مِنْ يَوْمِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ فِي غَدٍ ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ .
وَإِنْ مَاتَ ، الْمُسْتَحِقُّ فَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ غَدًا ، فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْيَوْمَ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ قَضَى وَرَثَتَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ وَرَثَتِهِ يَقُومُ مَقَامَ قَضَائِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْبِرِّ فِي يَمِينِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْعَبْدُ ، فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ ضَرْبُ غَيْرِهِ مَقَامَ ضَرْبِهِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِمَوْتِ الْمُسْتَحِقِّ ، وَلَا يَحْنَثُ ، سَوَاءٌ قَضَى وَرَثَتَهُ أَوْ لَمْ يَقْضِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا ، فِي مَسْأَلَةِ مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ غَدًا ، فَمَاتَ الْعَبْدُ الْيَوْمَ .
وَإِنْ أَبْرَأَهُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ الْحَقِّ ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الْمُكْرَهِ هَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَإِنْ قَضَاهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى حَقَّهُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِهِ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ .

( 8119 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ ، أَوْ مَعَ رَأْسِهِ ، أَوْ إلَى رَأْسِ الْهِلَالِ ، أَوْ إلَى اسْتِهْلَالِهِ ، أَوْ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ ، أَوْ مَعَ رَأْسِهِ ، فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الشَّهْرِ ، بَرَّ فِي يَمِينِهِ .
وَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ مَعَ إمْكَانِهِ ، حَنِثَ .
وَإِنْ شَرَعَ فِي عَدِّهِ أَوْ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ ، فَتَأَخَّرَ الْقَضَاءُ لِكَثْرَتِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْقَضَاءَ .
وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ ، فِي هَذَا الْوَقْتِ ، فَشَرَعَ فِي أَكْلِهِ فِيهِ ، وَتَأَخَّرَ الْفَرَاغُ لِكَثْرَتِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ كُلَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْيَسِيرِ ، فَكَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى الشُّرُوعِ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، أَوْ عَلَى مُقَارَنَةِ فِعْلِهِ لِذَلِكَ الْوَقْتِ ، لِلْعِلْمِ بِالْعَجْزِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ كَمَا ذَكَرْنَا .

( 8120 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ مَاءَ هَذَا الْإِنَاءِ ، فَشَرِبَ بَعْضَهُ ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ لَا يَشْرَبَهُ كُلَّهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا ، لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِهِ ، وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ ، وَأَطْلَقَ ، فَفَعَلَ بَعْضَهُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا .
وَإِنْ نَوَى فِعْلَ جَمِيعِهِ ، أَوْ كَانَ فِي يَمِينِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِهِ .
وَإِنْ نَوَى فِعْلَ الْبَعْضِ .
أَوْ كَانَ فِي يَمِينِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، حَنِثَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .
فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ مَاءَ هَذَا الْإِنَاءِ ، فَشَرِبَ بَعْضَهُ ، فَهَلْ يَحْنَثُ بِذَلِكَ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ .
وَإِنْ حَلَفَ : لَا يَشْرَبُ مَاءَ دِجْلَةَ ، أَوْ مَاءَ هَذَا النَّهْرِ .
حَنِثَ بِشُرْبِ أَدْنَى شَيْءٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ شُرْبَ جَمِيعِهِ مُمْتَنَعٌ بِغَيْرِ يَمِينِهِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى تَوْكِيدِ الْمَنْعِ بِيَمِينِهِ ، فَتُصْرَفُ يَمِينُهُ إلَى مَنْعِ نَفْسِهِ مِمَّا يُمْكِنُ فِعْلُهُ ، وَهُوَ شُرْبُ الْبَعْضِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت الْمَاءَ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ حَلَفَ عَلَى الْجِنْسِ ، كَالنَّاسِ وَالْمَاءِ وَالْخُبْزِ وَالتَّمْرِ وَنَحْوِهِ ، حَنِثَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ ، وَإِنْ تَنَاوَلَتْ يَمِينُهُ الْجَمِيعَ ، كَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمَسَاكِينِ ، لَمْ يَحْنَثْ بِفِعْلِ الْبَعْضِ ، وَإِنْ تَنَاوَلَتْ اسْمَ جِنْسٍ يُضَافُ ، كَمَاءِ النَّهْرِ ، وَمَاءِ دِجْلَةَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى - مَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ جَمِيعِهِ ، فَتَنَاوَلَتْ يَمِينُهُ بَعْضَهُ مُنْفَرِدًا ، كَاسْمِ الْجِنْسِ فَإِنْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت مِنْ الْفُرَاتِ ، فَشَرِبَ مِنْ مَائِهِ ، حَنِثَ ، سَوَاءٌ كَرَعَ فِيهِ ، أَوْ اغْتَرَفَ مِنْهُ ثُمَّ شَرِبَ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَكْرَعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ ذَلِكَ الْكَرْعُ ، فَلَمْ

يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ .
فَصَبَّ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ وَشَرِبَ .
وَلَنَا ، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ يَكُونُ مِنْ مَائِهَا ، وَمِنْهَا فِي الْعُرْفِ ، فَحُمِلَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ ، وَلَا أَكَلْت مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، وَلَا شَرِبْت مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ .
وَيُفَارِقُ الْكُوزَ ؛ فَإِنَّ الشُّرْبَ فِي الْعُرْفِ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ آلَةٌ لِلشُّرْبِ ، بِخِلَافِ النَّهْرِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْبِئْرِ وَالشَّاةِ وَالشَّجَرَةِ ، وَقَدْ سَلَّمُوا أَنَّهُ لَوْ اسْتَقَى مِنْ الْبِئْرِ ، أَوْ احْتَلَبَ لَبَنَ الشَّاةِ ، أَوْ الْتَقَطَ مِنْ الشَّجَرَةِ ، وَشَرِبَ وَأَكَلَ ، حَنِثَ ، فَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا .

( 8121 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ ، فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاء الْفُرَاتِ ، فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الشُّرْبِ مِنْهُ الشُّرْبُ مِنْ مَائِهِ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت مِنْ مَائِهِ .
وَهَذَا أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، إلَّا أَبَا يُوسُفَ ، فَإِنَّ عَنْهُ رِوَايَةً ، أَنَّهُ يَحْنَثُ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : إنَّهُ لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ النَّهْرُ يُضَافُ إلَى ذَلِكَ النَّهْرِ ، لَا إلَى الْفُرَاتِ ، وَيَزُولُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الْفُرَاتِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ ، كَغَيْرِ الْفُرَاتِ .

( 8122 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا فَارَقْتُك حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك .
فَهَرَبَ مِنْهُ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَلَوْ قَالَ : لَا افْتَرَقْنَا .
فَهَرَبَ مِنْهُ ، حَنِثَ ) أَمَّا إذَا حَلَفَ : لَا فَارَقْتُك .
فَفِيهِ مَسَائِلُ عَشْرٌ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يُفَارِقَهُ الْحَالِفُ مُخْتَارًا ، فَيَحْنَثُ ، بِلَا خِلَافٍ ، سَوَاءٌ أَبْرَأَهُ مِنْ الْحَقِّ أَوْ فَارَقَهُ ، وَالْحَقُّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْهُ .
الثَّانِيَةُ ، فَارَقَهُ مُكْرَهًا ، فَيُنْظَرُ ؛ فَإِنْ حُمِلَ مُكْرَهًا حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَإِنْ أُكْرِهَ بِالضَّرْبِ وَالتَّهْدِيدِ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ : يَحْنَثُ .
وَفِي النَّاسِي تَفْصِيلٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .
الثَّالِثَةُ ، هَرَبَ مِنْهُ الْغَرِيمُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَلَا يَحْنَثُ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنْ لَا تَحْصُلَ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ ، وَقَدْ حَصَلَتْ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فِي الْفُرْقَةِ ، وَمَا فَعَلَ ، وَلَا فَعَلَ بِاخْتِيَارِهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا قُمْت .
فَقَامَ غَيْرُهُ .
الرَّابِعَةُ ، أَذِنَ لَهُ الْحَالِفُ فِي الْفُرْقَةِ ، فَفَارَقَهُ ، فَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ يَحْنَثُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْفُرْقَةَ الَّتِي حَلَفَ إنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا .
وَلَنَا ، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ لَأُلْزِمَنَّك .
وَإِذَا فَارَقَهُ بِإِذْنِهِ فَمَا لَزِمَهُ ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا هَرَبَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ فَرَّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ الْخِرَقِيِّ ؛ وَلِأَنَّ الْخِرَقِيِّ قَالَ : فَهَرَبَ مِنْهُ .
فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا فَارَقَهُ بِغَيْرِ هَرَبٍ ، أَنَّهُ يَحْنَثُ .
الْخَامِسَةُ ، فَارَقَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ ، وَلَا هَرَبَ ، عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ مُلَازَمَتُهُ ، وَالْمَشْيُ مَعَهُ ،

وَإِمْسَاكُهُ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .
السَّادِسَةُ ، قَضَاهُ قَدْرَ حَقِّهِ ، فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ وَفَّاهُ ، فَخَرَجَ رَدِيئًا أَوْ بَعْضُهُ ، فَيُخَرَّجُ فِي الْحِنْثِ رِوَايَتَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى النَّاسِي .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مُخْتَارًا .
وَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ إذَا وَجَدَهَا زُيُوفًا ، وَإِنْ وَجَدَ أَكْثَرَهَا نُحَاسًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ .
وَإِنْ وَجَدَهَا مُسْتَحَقَّةً ، فَأَخَذَهَا صَاحِبُهَا ، خُرِّجَ أَيْضًا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّاسِي ؛ لِأَنَّهُ ظَانٌّ أَنَّهُ مُسْتَوْفٍ حَقَّهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهَا رَدِيئَةً .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ .
وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَحْنَثُ ، وَإِنْ عِلْمَ بِالْحَالِ فَفَارَقَهُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ .
السَّابِعَةُ ، فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ ، فَفَارَقَهُ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ ، فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ ، وَإِنْ لَمْ يُلْزِمْهُ مُفَارَقَتَهُ ، لَكِنَّهُ فَارَقَهُ لِعِلْمِهِ بِوُجُوبِ مُفَارَقَتِهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَصَلَّاهَا .
الثَّامِنَةُ ، أَحَالَهُ الْغَرِيمُ بِحَقِّهِ ، فَفَارَقَهُ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا يَحْنَثُ .
لِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ إلَيْهِ مِنْهُ وَلَنَا ، أَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلِذَلِكَ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُحِلْهُ .
فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَرَّ بِذَلِكَ ، فَفَارَقَهُ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ هَذَا جَهْلٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِ ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحِنْثُ ، كَمَا لَوْ جَهِلَ كَوْنَ هَذِهِ الْيَمِينِ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ .
فَأَمَّا إنْ

كَانَتْ يَمِينُهُ : لَا فَارَقْتُك وَلِي قِبَلَك حَقٌّ .
فَأَحَالَهُ بِهِ ، فَفَارَقَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ .
وَإِنْ أَخَذَ بِهِ ضَمِينًا أَوْ كَفِيلًا أَوْ رَهْنًا ، فَفَارَقَهُ ، حَنِثَ ، بِلَا إشْكَالٍ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْغَرِيمِ .
التَّاسِعَةُ ، قَضَاهُ عَنْ حَقِّهِ عِوَضًا عَنْهُ ، ثُمَّ فَارَقَهُ .
فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا يَحْنَثُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ .
حَقَّهُ وَبَرِئَ إلَيْهِ مِنْهُ بِالْقَضَاءِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ ، وَهَذَا بَدَلُهُ .
وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ : لَا فَارَقْتُك حَتَّى تَبْرَأَ مِنْ حَقِّي ، أَوْ : لِي قِبَلَك حَقٌّ .
لَمْ يَحْنَثْ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ .
الْعَاشِرَةُ ، وَكَّلَ وَكِيلًا يَسْتَوْفِي لَهُ حَقَّهُ ، فَإِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْوَكِيلِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ .
وَإِنْ اسْتَوْفَى الْوَكِيلُ ، ثُمَّ فَارَقَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ وَكِيلِهِ اسْتِيفَاءٌ لَهُ ، يَبْرَأُ بِهِ غَرِيمُهُ ، وَيَصِيرُ فِي ضَمَانِ الْمُوَكِّلِ .

( 8123 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ قَالَ : لَا فَارَقْتنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك .
نَظَرْت ؛ فَإِنْ فَارَقَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُخْتَارًا ، حَنِثَ .
وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى فِرَاقِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَإِنْ فَارَقَهُ الْحَالِفُ مُخْتَارًا ، حَنِثَ ، إلَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي تَأْوِيلِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَسَائِرُ الْفُرُوعِ تَأْتِي هَاهُنَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ .

( 8124 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ : لَا افْتَرَقْنَا فَهَرَبَ مِنْهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَقْتَضِي أَلَّا تَحْصُلَ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ بِوَجْهٍ ، وَقَدْ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بِهَرَبِهِ .
وَإِنْ أُكْرِهَا عَلَى الْفُرْقَةِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَرَ الْإِكْرَاهَ عُذْرًا .

( 8125 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ : لَا فَارَقْتُك حَتَّى أُوَفِّيَك حَقَّك .
فَأَبْرَأَهُ الْغَرِيمُ مِنْهُ ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى الْمُكْرَهِ .
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا ، فَوَهَبَهَا لَهُ الْغَرِيمُ ، فَقَبِلَهَا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ إيفَاءَهَا لَهُ بِاخْتِيَارِهِ .
وَإِنْ قَبَضَهَا مِنْهُ ، ثُمَّ وَهَبَهَا إيَّاهُ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ : لَا فَارَقْتُك وَلَك قِبَلِي حَقٌّ .
لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَبْرَأهُ ، أَوْ وَهَبَ الْعَيْنَ لَهُ .
( 8126 ) فَصْلٌ : وَالْفُرْقَةُ فِي هَذَا كُلِّهِ ، مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا فِي الْعَادَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفُرْقَةَ فِي الْبَيْعِ ، وَمَا نَوَاهُ بِيَمِينِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَاهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 8127 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ ، فَذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَرَّةٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى مَرَّةً ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : إنْ خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
أَوْ قَالَ : إنْ خَرَجْت إلَّا أَنْ آذَنَ لَك ، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك ، أَوْ إلَى أَنْ آذَنَ لَك .
فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ ، أَنَّهَا مَتَى خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، طَلُقَتْ ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ ؛ لِأَنَّ حَرْفَ " أَنْ " لَا يَقْتَضِي تَكْرَارًا ، فَإِذَا حَنِثَ مَرَّةً ، انْحَلَّتْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت .
وَإِنْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا وُجِدَ .
وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ .
وَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ ، فَمَتَى خَرَجَتْ بَعْدَ هَذَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، طَلُقَتْ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَنْحَلُّ ، فَلَا يَحْنَثُ بِخُرُوجِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَعَلَّقَتْ بِخُرُوجِ وَاحِدٍ ، بِحَرْفٍ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، فَإِذَا وُجِدَ بِغَيْرِ إذْنٍ ، حَنِثَ ، وَإِنْ وُجِدَ بِإِذْنٍ ، بَرَّ ؛ لِأَنَّ الْبَرَّ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِنْثُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي قَوْلِهِ : إنْ خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِي .
كَقَوْلِنَا ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ بِإِذْنِهِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ مُسْتَثْنًى مِنْ يَمِينِهِ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ .
وَإِنْ قَالَ : إنْ خَرَجْت إلَّا أَنْ آذَنَ لَك ، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك ، أَوْ إلَى أَنْ آذَنَ لَك .
مَتَى أَذِنَ لَهَا ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ ، وَلَمْ يَحْنَثْ بَعْدَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْإِذْنَ فِيهَا غَايَةً لِيَمِينِهِ ، وَجَعَلَ الطَّلَاقَ مُعَلَّقًا عَلَى الْخُرُوجِ قَبْلَ إذْنِهِ ، فَمَتَى أَذِنَ انْتَهَتْ غَايَةُ يَمِينِهِ ، وَزَالَ حُكْمُهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ خَرَجْت إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، أَوْ إلَّا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، أَوْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَخَرَجَتْ بَعْدَ طُلُوعِهَا ،

وَلِأَنَّ حَرْفَ " إلَى " " وَحَتَّى " لِلْغَايَةِ ، لَا لِلِاسْتِثْنَاءِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى شَرْطٍ ، وَقَدْ وُجِدَ ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَخْرُجْ بِإِذْنِهِ .
وَقَوْلُهُمْ : قَدْ بَرَّ .
غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ مُسْتَثْنًى مِنْ يَمِينِهِ ، غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهَا ، فَكَيْفَ يَبَرُّ ؟ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا : إنْ كَلَّمْت رَجُلًا إلَّا أَخَاكِ ، أَوْ غَيْرَ أَخِيك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَكَلَّمَتْ أَخَاهَا ، ثُمَّ كَلَّمَتْ رَجُلًا آخَرَ ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ ، وَلَا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ بِتَكْلِيمِهَا أَخَاهَا ؟ وَالثَّانِي ، أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ خُرُوجٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ ، فَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِوُجُودِ مَا لَمْ تُوجَدْ فِيهِ الصِّفَةُ ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا عَدَاهُ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ خَرَجْت عُرْيَانَةً ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ إنْ خَرَجْت رَاكِبَةً ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَخَرَجَتْ مُسْتَتِرَةً مَاشِيَةً ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا : إنْ كَلَّمْت رَجُلًا فَاسِقًا ، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَحَارِمِك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَكْلِيمِهَا لِغَيْرِ مَنْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ .
وَقَوْلُهُمْ : تَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِخُرُوجِ وَاحِدٍ .
قُلْنَا : إلَّا أَنَّهُ خُرُوجٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ ، فَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِوُجُودِ غَيْرِهِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الِاسْتِثْنَاءِ .
قُلْنَا : قَوْلُهُ : إلَّا أَنْ آذَنَ لَك .
مِنْ أَلْفَاظِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَاللَّفْظَتَانِ الْأُخْرَيَانِ فِي مَعْنَاهُ ، فِي إخْرَاجِ الْمَأْذُونِ مِنْ يَمِينِهِ ، فَكَانَ حُكْمُهُمَا كَحُكْمِهِ .
هَذَا الْكَلَامُ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ ، فَإِنْ نَوَى تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى خُرُوجٍ وَاحِدٍ ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهِ ، وَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا غَيْرَ

بَعِيدٍ .
وَإِنْ أَذِنَ لَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَنَوَى الْإِذْنَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى .
وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، إذَا حَلَفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ : إذَا أَذِنَ لَهَا مَرَّةً ، فَهُوَ إذْنٌ لِكُلِّ مَرَّةٍ ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى .
وَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا خَرَجْت ، فَهُوَ بِإِذْنِي .
أَجْزَأَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً .
وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ : إلَى أَنْ آذَنَ لَك ، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك ، الْغَايَةَ ، وَأَنَّ الْخُرُوجَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَا قَبْلَ الْغَايَةِ ، دُونَ مَا بَعْدَهَا ، قُبِلَ قَوْلُهُ ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ بِالْإِذْنِ ؛ لِنِيَّتِهِ ، فَإِنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ .

( 8128 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَأَذِنَ لَهَا ، ثُمَّ نَهَاهَا ، فَخَرَجَتْ طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ .
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : إلَّا بِإِذْنِي .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ .
وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ قَدْ أَبْطَلَ إذْنَهُ ، فَصَارَتْ خَارِجَةً بِغَيْرِ إذْنِهِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَذِنَ لِوَكِيلِهِ فِي بَيْعٍ ، ثُمَّ نَهَاهُ عَنْهُ ، فَبَاعَهُ ، كَانَ بَاطِلًا .
وَإِنْ قَالَ : إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي ، لِغَيْرِ عِيَادَةِ مَرِيضٍ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَخَرَجَتْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ ، ثُمَّ تَشَاغَلَتْ بِغَيْرِهِ ، أَوْ قَالَ : إنْ خَرَجْت إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ ، بِغَيْرِ إذْنِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَخَرَجَتْ إلَى الْحَمَّامِ ، ثُمَّ عَدَلَتْ إلَى غَيْرِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهَا مَا خَرَجَتْ لِغَيْرِ عِيَادَةِ مَرِيضٍ ، وَلَا إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
الثَّانِي ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ فِي الْغَالِبِ أَنْ لَا تَذْهَبَ إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَقَدْ ذَهَبَتْ إلَى غَيْرِهِمَا ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِدَامَةِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا ، فَأَقَامَ فِيهَا ، حَنِثَ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .
وَإِنْ قَصَدَتْ بِخُرُوجِهَا الْحَمَّامَ وَغَيْرَهُ ، أَوْ الْعِيَادَةَ وَغَيْرَهَا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ لِغَيْرِهِمَا .
وَإِنْ قَالَ : إنْ خَرَجْت لَا لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
فَخَرَجَتْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَغَيْرِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَإِنْ قَصَدَتْ مَعَهُ غَيْرَهُ .
وَإِنْ قَالَ : إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
ثُمَّ أَذِنَ لَهَا وَلَمْ تَعْلَمْ ، فَخَرَجَتْ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَطْلُقُ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بَعْدَ وُجُودِ الْإِذْنِ

مِنْ جِهَتِهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ ، كَمَا لَوْ عَلِمَتْ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عَزَلَ وَكِيلَهُ انْعَزَلَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَزْلِ ، فَكَذَلِكَ تَصِيرُ مَأْذُونًا لَهَا وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْإِذْنَ إعْلَامٌ ، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي قَوْلِهِ : { أَذِنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ } .
أَيْ أَعْلَمْتُكُمْ فَاسْتَوَيَا فِي الْعِلْمِ .
{ وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } .
أَيْ إعْلَامٌ .
{ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } .
فَاعْلَمُوا بِهِ .
وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْإِذْنِ ، يَعْنِي أَوْقَعْته فِي إذْنِك ، وَأَعْلَمْتُك بِهِ .
وَمَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ لَا يَكُونُ إعْلَامًا ، فَلَا يَكُونُ إذْنًا ، وَلِأَنَّ إذْنَ الشَّارِعِ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ ، لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَا ، كَذَلِكَ إذْنُ الْآدَمِيِّ ، وَعَلَى هَذَا يُمْنَعُ وُجُودُ الْإِذْنِ مِنْ جِهَتِهِ .

( 8129 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِهِ ، فَصَعِدَتْ سَطْحَهَا ، أَوْ خَرَجَتْ إلَى صَحْنِهَا ، لَمْ يَحْنَثْ ، لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الدَّارِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ مِنْ الْبَيْتِ ، فَخَرَجَتْ إلَى الصَّحْنِ ، أَوْ إلَى سَطْحِهِ ، حَنِثَ .
وَهَذَا مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ لَا تَخْرُجُ ، ثُمَّ حَمَلَهَا فَأَخْرَجَهَا ، فَإِنْ أَمْكَنَهَا الِامْتِنَاعُ فَلَمْ تَمْتَنِعْ ، حَنِثَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ ، إنَّمَا أُخْرِجَتْ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا خَرَجَتْ مُخْتَارَةً ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ أَمَرَتْ مَنْ حَمَلَهَا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى خُرُوجِهَا ، أَنَّ الْخُرُوجَ الِانْفِصَالُ مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجٍ ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ .
وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا أَمَرَتْ مَنْ حَمَلَهَا ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الِامْتِنَاعُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَهَا غَيْرُ الْحَالِفِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ لِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِ زَيْدٍ ، فَمَاتَ زَيْدٌ وَلَمْ يَأْذَنْ ، فَخَرَجَتْ ، حَنِثَ الْحَالِفُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، وَلَا يَجُوزُ فِعْلُ الْمَشْرُوطِ .

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71