الكتاب : المغني
المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي

( 6570 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَرِضَ الْمَمْلُوكُ ، أَوْ زَمِنَ ، أَوْ عَمِيَ ، أَوْ انْقَطَعَ كَسْبُهُ ، فَعَلَى سَيِّدِهِ الْقِيَامُ بِهِ ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ بِالْمِلْكِ ، وَلِهَذَا تَجِبُ مَعَ الصِّغَرِ ، وَالْمِلْكُ بَاقٍ مَعَ الْعَمَى وَالزَّمَانَةِ ، فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ مَعَهُمَا ، مَعَ عُمُومِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ .

( 6571 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَأَنْ يُزَوِّجَ الْمَمْلُوكَ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إعْفَافُ مَمْلُوكِهِ ، إذَا طَلَبَ ذَلِكَ .
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، كَإِطْعَامِ الْحَلْوَاءِ .
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } .
وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَلَا يَجِبُ إلَّا عِنْد الطَّلَبِ .
وَرَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ ، فَلَمْ يُزَوِّجْهَا ، وَلَمْ يُصِبْهَا ، أَوْ عَبْدٌ فَلَمْ يُزَوِّجْهُ ، فَمَا صَنَعَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ .
وَلَوْلَا وُجُوبُ إعْفَافِهِمَا لَمَا لَحِقَ السَّيِّدَ الْإِثْمُ بِفِعْلِهِمَا ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ ، مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، دَعَا إلَى تَزْوِيجِهِ ، فَلَزِمَتْهُ إجَابَتُهُ ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِمَّا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ غَالِبًا ، وَيَتَضَرَّرُ بِفَوَاتِهِ ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ ، كَالنَّفَقَةِ ، بِخِلَافِ الْحَلْوَاءِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْن تَزْوِيجِهِ ، أَوْ تَمْلِيكِهِ أَمَةً يَتَسَرَّاهَا .
وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَتَهُ ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ مُبَاحٌ لِلْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ .
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَزْوِيجُهُ إلَّا عِنْدَ طَلَبِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ ، وَفِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَلَا تُعْلَمُ حَاجَتُهُ إلَّا بِطَلَبِهِ .
وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ ، فَإِنَّ إجْبَارَ الْعَبْدِ الْكَبِيرِ عَلَى النِّكَاحِ غَيْرُ جَائِزٍ .
فَأَمَّا الْأَمَةُ ، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْن تَزْوِيجِهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا ، فَيُغْنِيَهَا بِاسْتِمْتَاعِهِ عَنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ ، وَإِزَالَةُ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَحَدِهِمَا ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا .

( 6572 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ زَوْجَةٌ فَعَلَى سَيِّدِهِ تَمْكِينُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَيْلًا لِأَنَّ إذْنَهُ فِي النِّكَاحِ إذْنٌ فِي الِاسْتِمْتَاعِ الْمُعْتَادِ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ لَيْلًا وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا .

( 6573 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنَّ امْتَنَعَ ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ إذَا طَلَبَ الْمَمْلُوكُ ذَلِكَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا امْتَنَعَ مِمَّا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ ، مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ الْبَيْعَ ، أُجْبِرَ سَيِّدُهُ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ امْتِنَاعُ السَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ أَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ عَلَيْهِ مَعَ الْإِخْلَالِ بِسَدِّ خَلَّاتِهِ إضْرَارٌ بِهِ ، وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ وَاجِبَةٌ ، فَوَجَبَتْ إزَالَتُهُ ؛ وَلِذَلِكَ أَبَحْنَا لِلْمَرْأَةِ فَسْخَ النِّكَاحِ عِنْدَ عَجْزِ زَوْجِهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا .
وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { عَبْدُك يَقُولُ : أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَبِعْنِي .
وَامْرَأَتُك تَقُولُ : أَطْعِمْنِي أَوْ طَلِّقْنِي } .
وَهَذَا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ مَتَى وَفَّى بِحُقُوقِ عَبْدِهِ ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ بَيْعَهُ ، لَمْ يُجْبَرْ السَّيِّدُ عَلَيْهِ .
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، قَالَ أَبُو دَاوُد : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : اسْتَبَاعَتْ الْمَمْلُوكَةُ ، وَهُوَ يَكْسُوهَا مِمَّا يَلْبَسُ ، وَيُطْعِمُهَا مِمَّا يَأْكُلُ .
قَالَ لَا تُبَاعُ ، وَإِنْ أَكْثَرَتْ مِنْ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ تَحْتَاجَ إلَى زَوْجٍ ، فَتَقُولَ : زَوِّجْنِي .
وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَإِسْحَاقُ ، فِي الْعَبْدِ يُحْسِنُ إلَيْهِ سَيِّدُهُ ، وَهُوَ يَسْتَبِيعُ : لَا يَبِعْهُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ ، وَالْحَقَّ لَهُ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالْعَبْدِ ، كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ مَعَ الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لَهَا ، وَلَا عَلَى بَيْعِ بَهِيمَتِهِ مَعَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا .

( 6574 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ مُكَاتَبِهِ ، إلَّا أَنْ يَعْجِزَ ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ نَفَقَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ أَوْجَبَ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ إكْسَابَ نَفْسِهِ وَمَنَافِعَهُ ، وَمَنَعَ السَّيِّدَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِمَا ، فَلَا يَمْلِكُ اسْتِخْدَامَهُ ، وَلَا إجَارَتَهُ ، وَلَا إعَارَتَهُ ، وَلَا أَخْذَ كَسْبِهِ ، وَلَا أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، فَسَقَطَتْ نَفَقَتُهُ ، عَنْهُ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ ، فَإِذَا عَجَزَ ، عَادَ رَقِيقًا قِنًّا ، وَعَادَ إلَيْهِ مِلْكُ نَفْعِهِ ، وَأَكْسَابُهُ ، فَعَادَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ بَيْعِهِ .

( 6575 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الْأَمَةَ ) لِغَيْرِ وَلَدِهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رَيِّهِ أَمَّا إذَا أَرَادَ اسْتِرْضَاعَ أَمَتِهِ لِغَيْرِ وَلَدِهَا ، مَعَ كَوْنِهِ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِوَلَدِهَا ؛ لِنَقْصِهِ مِنْ كِفَايَتِهِ ، وَصَرْفِ اللَّبَنِ الْمَخْلُوقِ لِوَلَدِهَا إلَى غَيْرِهِ ، مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُنْقِصَ الْكَبِيرَ مِنْ كِفَايَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ .
فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رَيِّ وَلَدِهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ الْوَلَدُ ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ ، كَالْفَاضِلِ مِنْ كَسْبِهَا عَنْ مُؤْنَتِهَا ، أَوْ كَمَا لَوْ مَاتَ وَلَدُهَا ، وَبَقِيَ لَبَنُهَا .

( 6576 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا رُهِنَ الْمَمْلُوكُ ، أَنْفَقَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ ) وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ ، لَهُ غُنْمُهُ ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ .
وَنَفَقَتُهُ مِنْ غُرْمِهِ } .
وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ ، وَنَمَاؤُهُ لَهُ ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ، كَغَيْرِ الرَّهْنِ .
وَقَدْ ذَكَرْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الرَّهْنِ .

( 6577 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ ، فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَقَدْ قَامَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مَقَامَ سَيِّدِهِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِإِنْفَاقٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَدَائِهِ مِنْهُ ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَدَّى الْحَاكِمُ عَنْ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى امْرَأَتِهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَرْجِعَ بِشَيْءِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فِي مَنْ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ الَّذِي عِنْدَهُ ، أَوْ الْوَدِيعَةِ ، أَوْ الْجِمَالِ إذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ .

( 6578 ) فَصْلٌ : وَلَهُ تَأْدِيبُ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ إذَا أَذْنَبَا ، بِالتَّوْبِيخِ ، وَالضَّرْبِ الْخَفِيفِ ، كَمَا يُؤَدِّبُ وَلَدَهُ ، وَامْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ ، وَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهُ عَلَى غَيْرِ ذَنْبٍ ، وَلَا ضَرْبُهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا وَإِنْ أَذْنَبَ ، وَلَا لَطْمُهُ فِي وَجْهِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيّ ، قَالَ : { لَقَدْ رَأَيْتنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ ، لَيْسَ لَنَا إلَّا خَادِمٌ وَاحِدٌ ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعْتَاقِهَا ، فَأَعْتَقْنَاهَا } .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، قَالَ : { كُنْت أَضْرِبُ غُلَامًا لِي ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي يَقُولُ : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ فَالْتَفَتُّ ، فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْك مِنْك عَلَى هَذَا الْغُلَامِ .
}

( 6579 ) فَصْلٌ وَمَنْ مَلَكَ بَهِيمَةً ، لَزِمَهُ الْقِيَامُ بِهَا ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ ، مِنْ عَلْفِهَا ، أَوْ إقَامَةِ مَنْ يَرْعَاهَا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ أَبَى أَوْ عَجَزَ ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا ، أَوْ ذَبْحِهَا إنْ كَانَتْ مِمَّا يُذْبَحُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ ، بَلْ يَأْمُرُهُ ، كَمَا يَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ ؛ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا يَثْبُتُ لَهَا حَقٌّ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ مِنْهَا الْخُصُومَةُ ، وَلَا يُنْصَبُ عَنْهَا خَصْمٌ ، فَصَارَتْ كَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا نَفَقَةُ حَيَوَانٍ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ ، فَكَانَ لِلسُّلْطَانِ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا ، كَنَفَقَةِ الْعَبِيدِ ، وَيُفَارِقُ نَفَقَةَ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ ، فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ .
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِنْفَاقِ ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْبَيْعِ ، بِيعَتْ عَلَيْهِ ، كَمَا يُبَاعُ الْعَبْدُ إذَا طَلَبَ الْبَيْعَ عِنْدَ إعْسَارِ سَيِّدِهِ بِنَفَقَتِهِ ، وَكَمَا يَفْسَخُ نِكَاحَهُ إذَا أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ .
وَإِنْ عَطِبَتْ الْبَهِيمَةُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ ، خُيِّرَ بَيْنَ ذَبْحِهَا وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ ، أُجْبِرَ عَلَى الْإِنْقَاقِ عَلَيْهَا ، كَالْعَبْدِ الزَّمِنِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَمِّلَ الْبَهِيمَةَ مَا لَا تُطِيقُ ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْعَبْدِ ، وَقَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْلِيفَ الْعَبْدِ مَا لَا يُطِيقُ .
وَلِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ حُرْمَةٌ فِي نَفْسِهِ ، وَإِضْرَارًا بِهِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ .
وَلَا يَحْلِبُ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا مَا

يَفْضُلُ عَنْ كِفَايَةِ وَلَدِهَا ؛ لِأَنَّ كِفَايَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِهِ ، وَلَبَنُ أُمِّهِ مَخْلُوقٌ لَهُ ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْأَمَةِ .

كِتَابُ الْجِرَاحِ يَعْنِي كِتَابَ الْجِنَايَاتِ ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهَا بِالْجِرَاحِ لِغَلَبَةِ وُقُوعِهَا بِهِ ، وَالْجِنَايَةُ : كُلُّ فِعْلِ عُدْوَانٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ .
لَكِنَّهَا فِي الْعُرْفِ مَخْصُوصَةٌ بِمَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّعَدِّي عَلَى الْأَبْدَانِ ، وَسَمَّوْا الْجِنَايَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ غَصْبًا ، وَنَهْبًا ، وَسَرِقَةً ، وَخِيَانَةً ، وَإِتْلَافًا .
( 6580 ) فَصْلٌ : وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً } .
وَقَالَ : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } .
الْآيَةَ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِي ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى عُثْمَانُ ، وَعَائِشَةُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذِهِ كَثِيرَةٍ .
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي تَحْرِيمِهِ ، فَإِنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ مُتَعَمِّدًا ، فَسَقَ ، وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ، وَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ تَوْبَتَهُ لَا تُقْبَلُ .
لِلْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ .
وَلِأَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ لَفْظُ الْخَبَرِ ، وَالْأَخْبَارُ لَا يَدْخُلُهَا نَسْخٌ وَلَا تَغْيِيرٌ ؛ لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ إلَّا صِدْقًا .
وَلَنَا قَوْلُ

اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } .
فَجَعَلَهُ دَاخِلًا فِي الْمَشِيئَةِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } .
وَفِي الْحَدِيثِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ : إنَّ رَجُلًا قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ ظُلْمًا ، ثُمَّ سَأَلَ : هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَدُلَّ عَلَى عَالِمٍ ، فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَك وَبَيْنَ التَّوْبَةِ ، وَلَكِنْ اُخْرُجْ مِنْ قَرْيَةِ السَّوْءِ ، إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ ، فَاعْبُدْ اللَّهَ فِيهَا .
فَخَرَجَ تَائِبًا ، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي الطَّرِيقِ ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مَلَكًا ، فَقَالَ : قِيسُوا مَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ ، فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبَ ، فَاجْعَلُوهُ مِنْ أَهْلِهَا .
فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بِشِبْرٍ ، فَجَعَلُوهُ مِنْ أَهْلِهَا } .
وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ تَصِحُّ مِنْ الْكُفْرِ ، فَمِنْ الْقَتْلِ أَوْلَى .
وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَتُبْ ، أَوْ عَلَى أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ إنْ جَازَاهُ ، وَلَهُ الْعَفْوُ إذَا شَاءَ .
وَقَوْلُهُ : لَا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ .
قُلْنَا : لَكِنْ يَدْخُلُهَا التَّخْصِيصُ وَالتَّأْوِيلُ .

( 6581 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَالْقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ عَمْدٌ ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ ، وَخَطَأٌ ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْقَتْلَ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ .
وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَحَمَّادٌ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي .
وَأَنْكَرَ مَالِكٌ شِبْهَ الْعَمْدِ ، وَقَالَ : لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ ، فَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ ، فَلَا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَنَا .
وَجَعَلَهُ مِنْ قِسْمِ الْعَمْدِ .
وَحُكِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ .
وَهُوَ الصَّوَابُ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَلَا إنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهَ الْعَمْدِ ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا ، مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ : " قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ " .
وَهَذَا نَصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ .
وَقَسَّمَهُ أَبُو الْخَطَّابِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ ، فَزَادَ قِسْمًا رَابِعًا ، وَهُوَ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ ، نَحْوَ أَنْ يَنْقَلِبَ نَائِمٌ عَلَى شَخْصٍ فَيَقْتُلَهُ ، أَوْ يَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ عُلْوٍ ، وَالْقَتْلُ بِالسَّبَبِ ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَنَصْبِ السِّكِّينِ ، وَقَتْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ ، أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا .
وَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ قِسْمِ الْخَطَإِ ، فَإِنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَعْمِدْ الْفِعْلَ ، أَوْ عَمَدَهُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَصْدِ الصَّحِيحِ ، فَسَمَّوْهُ خَطَأً ، فَأَعْطَوْهُ حُكْمَهُ .
وَقَدْ صَرَّحَ الْخِرَقِيِّ بِذَلِكَ ، فَقَالَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ : عَمْدُهُمَا خَطَأٌ .

( 6582 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَالْعَمْدُ مَا ضَرَبَهُ بِحَدِيدَةٍ ، أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ ، أَوْ حَجَرٍ كَبِيرٍ الْغَالِبُ أَنْ يَقْتُلَ مِثْلُهُ ، أَوْ أَعَادَ الضَّرْبَ بِخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ ، أَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا الْغَالِبُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَنَّهُ يُتْلِفُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَمْدَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُحَدِّدِ ، وَهُوَ مَا يَقْطَعُ ، وَيَدْخُلُ فِي الْبَدَنِ ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَالسِّنَانِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يُحَدِّدُ فَيَجْرَحُ ، مِنْ الْحَدِيدِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالزُّجَاجِ ، وَالْحَجَرِ ، وَالْقَصَبِ ، وَالْخَشَبِ ، فَهَذَا كُلُّهُ إذَا جَرَحَ بِهِ جُرْحًا كَبِيرًا ، فَمَاتَ ، فَهُوَ قَتْلٌ عَمْدٌ ، لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، فِيمَا عَلِمْنَاهُ .
فَأَمَّا إنْ جَرَحَهُ جُرْحًا صَغِيرًا ، كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ ، أَوْ غَرَزَهُ بِإِبْرَةِ ، أَوْ شَوْكَةٍ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ فِي مَقْتَلِ ، كَالْعَيْنِ ، وَالْفُؤَادِ ، وَالْخَاصِرَةِ ، وَالصُّدْغِ ، وَأَصْلِ الْأُذُنِ ، فَمَاتَ ، فَهُوَ عَمْدٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ بِذَلِكَ فِي الْمَقْتَلِ ، كَالْجُرْحِ بِالسِّكِّينِ فِي غَيْرِ الْمَقْتَلِ ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ ؛ نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَالَغَ فِي إدْخَالِهَا فِي الْبَدَنِ ، فَهُوَ كَالْجُرْحِ الْكَبِيرِ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَشْتَدُّ أَلَمُهُ ، وَيُفْضِي إلَى الْقَتْلِ ، كَالْكَبِيرِ ، وَإِنْ كَانَ الْغَوْرُ يَسِيرًا ، أَوْ جَرَحَهُ بِالْكَبِيرِ جُرْحًا لَطِيفًا ، كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ فَمَا دُونَهَا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : إنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ ضَمَّنَّا حَتَّى مَاتَ ، فَفِيهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُ ، وَإِنْ مَاتَ فِي الْحَالِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا قِصَاصَ فِيهِ .
قَالَ ابْنُ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ الْعَصَا وَالسَّوْطَ ، وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ أَجْوَدُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ حُصُولَ الْمَوْتِ بِغَيْرِهِ ظَاهِرًا ، كَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ

الْقِصَاصِ ، وَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ كَوْنَهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا ، لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ مَوْتِهِ فِي الْحَالِ ، وَمَوْتِهِ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ ، كَسَائِرِ مَا لَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ وَالثَّانِي ، فِيهِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ الْمُحَدَّدَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي حُصُولِ الْقَتْلِ بِهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ شَحْمَةَ أُذُنِهِ ، أَوْ قَطَعَ أُنْمُلَتَهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ إدَارَةُ الْحُكْمِ ، وَضَبْطُهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ ، وَجَبَ رَبْطُهُ بِكَوْنِهِ مُحَدَّدًا ، وَلَا يُعْتَبَرُ ظُهُورُ الْحِكْمَةِ فِي آحَادِ صُوَرِ الْمَظِنَّةِ ، بَلْ يَكْفِي احْتِمَالُ الْحِكْمَةِ ، وَلِذَلِكَ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ فِيمَا إذَا بَقِيَ ضِمْنًا ، مَعَ أَنَّ الْعَمْدَ لَا يَخْتَلِفُ مَعَ اتِّحَادِ الْآلَةِ وَالْفِعْلِ ، بِسُرْعَةِ الْإِفْضَاءِ وَإِبْطَائِهِ ، وَلِأَنَّ فِي الْبَدَنِ مَقَاتِلَ خَفِيَّةً ، وَهَذَا لَهُ سِرَايَةٌ وَمَوْرٌ ، فَأَشْبَهَ الْجُرْحَ الْكَبِيرَ .
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةُ ، وَلِلشَّافِعِيِّ ، مِنْ التَّفْصِيلِ نَحْوٌ مَا ذَكَرْنَا .

النَّوْعُ الثَّانِي ، الْقَتْلُ بِغَيْرِ الْمُحَدَّدِ ، مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ الزَّهُوقِ بِهِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فَهَذَا عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ أَيْضًا .
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَحَمَّادٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : لَا قَوَدَ فِي ذَلِكَ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ : الْعَمْدُ مَا كَانَ بِالسِّلَاحِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَوَدَ فِي ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ بِالنَّارِ .
وَعَنْهُ فِي مُثْقَلِ الْحَدِيدِ رِوَايَتَانِ .
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ عَمْدِ الْخَطَإِ ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ ، مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ } .
فَسَمَّاهُ عَمْدَ الْخَطَإِ ، وَأَوْجَبَ فِيهِ الدِّيَةَ دُونَ الْقِصَاصِ ؛ وَلِأَنَّ الْعَمْدَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ ، فَيَجِبُ ضَبْطُهُ بِمَظِنَّتِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، لِحُصُولِ الْعَمْدِ بِدُونِهِ فِي الْجُرْحِ الصَّغِيرِ ، فَوَجَبَ ضَبْطُهُ بِالْجُرْحِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } .
وَهَذَا مَقْتُولٌ ظُلْمًا ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } .
وَرَوَى أَنَسٌ { ، أَنْ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا بِحَجَرٍ ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ؛ إمَّا يُودِي ، وَإِمَّا يُقَادُ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ الْمُحَدَّدَ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُثْقَلِ الصَّغِيرِ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعَصَا وَالسَّوْطَ ، وَقَرَنَ بِهِ الْحَجَرَ .
فَدَلَّ

عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يُشْبِهُهُمَا .
وَقَوْلُهُمْ : لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ .
مَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّنَا نُوجِبُ الْقِصَاصَ بِمَا نَتَيَقَّنُ حُصُولَ الْغَلَبَةِ بِهِ ، وَإِذَا شَكَكْنَا ، لَمْ نُوجِبْهُ مَعَ الشَّكِّ ، وَصَغِيرُ الْجُرْحِ قَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَبْطُهُ بِالْجُرْحِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِالنَّارِ ، أَوْ بِمُثْقَلِ الْحَدِيدِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ ، يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ ، كَاللَّتِّ ، وَالسِّنْدَانِ ، وَالْمِطْرَقَةِ ، أَوْ حَجَرٍ ثَقِيلٍ ، أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ ، وَحَدَّ الْخِرَقِيِّ الْخَشَبَةَ الْكَبِيرَةَ ، بِمَا فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ ، يَعْنِي الْعَمْدَ الَّتِي تَتَّخِذُهَا الْأَعْرَابُ لِبُيُوتِهَا ، وَفِيهَا دِقَّةٌ ، فَأَمَّا عَمَدُ الْخِيَامِ فَكَبِيرَةٌ ، تَقْتُلُ غَالِبًا ، فَلَمْ يُرِدْهَا الْخِرَقِيِّ وَإِنَّمَا حَدَّ الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ بِمَا فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ { ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ جَارِيَتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا ، قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ ، وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا } .
وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ لَيْسَ بِعَمْدٍ .
وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ ، فَهُوَ عَمْدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ حَائِطًا ، أَوْ صَخْرَةً ، أَوْ خَشَبَةً عَظِيمَةً ، أَوْ مَا أَشْبَهَ مِمَّا يُهْلِكُهُ غَالِبًا ، فَيُهْلِكَهُ ، فَفِيهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا

النَّوْعُ الثَّانِي ، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ صَغِيرٍ ، كَالْعَصَا ، وَالسَّوْطِ ، وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ ، أَوْ يَلْكُزَهُ بِيَدَيْهِ فِي مَقْتَلٍ ، أَوْ فِي حَالِ ضَعْفٍ مِنْ الْمَضْرُوبِ ؛ لَمَرَضٍ أَوْ صِغَرٍ ، أَوْ فِي زَمَنٍ مُفْرِطِ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ ، بِحَيْثُ تَقْتُلُهُ تِلْكَ الضَّرْبَةُ ، أَوْ كَرَّرَ الضَّرْبَ حَتَّى قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَفِيهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ الضَّرْبَ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ .
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ ، لَوْ عَصَرَ خُصْيَتَهُ عَصْرًا شَدِيدًا فَقَتَلَهُ بِعَصْرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ ، وَفِيهِ الدِّيَةُ ، إلَّا أَنْ يَصْغُرَ جِدًّا ، كَالضَّرْبَةِ بِالْقَلَمِ وَالْإِصْبَعِ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ ، وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا لَا يُتَوَهَّمُ الْقَتْلُ بِهِ ، فَلَا قَوَدَ فِيهِ ، وَلَا دِيَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِهِ .
وَكَذَلِكَ إنْ مَسَّهُ بِالْكَبِيرِ ، وَلَمْ يَضْرِبْهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْقَتْلِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِقَتْلٍ .

النَّوْعُ الثَّالِثُ : أَنْ يَمْنَعَ خُرُوجَ نَفَسِهِ ، وَهُوَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَجْعَلَ فِي عُنُقِهِ خِرَاطَةً ، ثُمَّ يُعَلِّقَهُ فِي خَشَبَةٍ أَوْ شَيْءٍ ، بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ عَنْ الْأَرْضِ ، فَيَخْتَنِقُ وَيَمُوتُ ، فَهَذَا عَمْدٌ سَوَاءٌ مَاتَ فِي الْحَالِ ، أَوْ بَقِيَ زَمَنًا ، لِأَنَّ هَذَا أَوْحَى أَنْوَاعِ الْحَنَقِ ، وَهُوَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِفِعْلِهِ مِنْ الْوُلَاةِ فِي اللُّصُوصِ وَأَشْبَاهِهِمْ مِنْ الْمُفْسِدِينَ .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَخْنُقَهُ وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ ، أَوْ مِنْدِيلٍ ، أَوْ حَبْلٍ ، أَوْ يُغَمِّهِ بِوِسَادَةٍ ، أَوْ شَيْءٍ يَضَعُهُ عَلَى فِيهِ وَأَنْفِهِ ، أَوْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمَا فَيَمُوتَ ، فَهَذَا إنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ مُدَّةً يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَمَاتَ ، فَهُوَ عَمْدٌ فِيهِ الْقِصَاصُ .
وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْد الْعَزِيزِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُدَّةٍ لَا يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَمَاتَ ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَسِيرًا فِي الْعَادَةِ ، بِحَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ الْمَوْتُ مِنْهُ ، فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ لَمْسِهِ .
وَإِنْ خَنَقَهُ ، وَتَرَكَهُ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ ، فَفِيهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ جِنَايَتِهِ ، فَهُوَ كَالْمَيِّتِ مِنْ سِرَايَةِ الْجُرْحِ ، وَإِنْ تَنَفَّسَ وَصَحَّ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَلَا قَوَدِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ ثُمَّ مَاتَ

النَّوْعُ الرَّابِعُ : أَنْ يُلْقِيه فِي مَهْلَكَةٍ ، وَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ ، أَحَدُهَا : أَنْ يُلْقِيَهُ مِنْ شَاهِقٍ كَرَأْسِ جَبَلٍ ، أَوْ حَائِطٍ عَالٍ ، يَهْلِكُ بِهِ غَالِبًا ، فَيَمُوتَ ، فَهُوَ عَمْدٌ .
الثَّانِي : أَنْ يُلْقِيَهُ فِي نَارٍ ، أَوْ مَاءٍ يُغْرِقُهُ ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ ، إمَّا لِكَثْرَةِ الْمَاءِ وَالنَّارِ ، وَإِمَّا لِعَجْزِهِ عَنْ التَّخَلُّصِ ، لَمَرَضٍ ، أَوْ ضَعْفٍ أَوْ صِغَرٍ ، أَوْ كَوْنِهِ مَرْبُوطًا ، أَوْ مَنَعَهُ الْخُرُوجَ ، أَوْ كَوْنِهِ فِي حُفْرَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصُّعُودِ مِنْهَا ، وَنَحْوُ هَذَا ، أَوْ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ ذَاتِ نَفَسٍ ، فَمَاتَ بِهِ ، عَالِمًا بِذَلِكَ ، فَهَذَا كُلُّهُ عَمْدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا .
وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ ، فَلَبِثَ فِيهِ اخْتِيَارًا حَتَّى مَاتَ ، فَلَا قَوَدَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَمْ يَقْتُلْهُ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ مَوْتُهُ بِلُبْثِهِ فِيهِ ، وَهُوَ فِعْلُ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ .
وَإِنْ تَرَكَهُ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا لِقِلَّتِهَا ، أَوْ كَوْنِهِ فِي طَرَفٍ مِنْهَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ بِأَدْنَى حَرَكَةٍ ؛ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ ، فَلَا قَوَدَ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَهَلْ يَضْمَنُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُهْلِكٌ لِنَفْسِهِ بِإِقَامَتِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَمَا لَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ ، لَكِنْ يَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ النَّارُ مِنْهُ .
وَالثَّانِي : يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بِالْإِلْقَاءِ الْمُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ ، وَتَرْكُ التَّخَلُّصِ لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ ، كَمَا لَوْ فَصَدَهُ فَتَرَك شَدَّ فَصَادِهِ مَعَ إمْكَانِهِ ، أَوْ جَرَحَهُ فَتَرَكَ مُدَاوَاةَ جُرْحِهِ ، وَفَارَقَ الْمَاءَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَهْلِكُ بِنَفْسِهِ ، وَلِهَذَا يَدْخُلُهُ النَّاسُ لِلْغُسْلِ وَالسِّبَاحَةِ وَالصَّيْدِ ، وَأَمَّا النَّارُ فَيَسِيرُهَا يُهْلِكُ .
وَإِنَّمَا تُعْلَمُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّخَلُّصِ بِقَوْلِهِ : أَنَا قَادِرٌ عَلَى التَّخَلُّصِ .
أَوْ نَحْوَ هَذَا ؛ لِأَنَّ

النَّارَ لَهَا حَرَارَةٌ شَدِيدَةٌ ، فَرُبَّمَا أَزْعَجَتْهُ حَرَارَتُهَا عَنْ مَعْرِفَةِ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ ، أَوْ أَذْهَبَتْ عَقْلَهُ بِأَلَمِهَا وَرَوْعَتِهَا .
وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي لُجَّةٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا ، فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، عَلَيْهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ أَلْقَاهُ فِي مَهْلَكَةٍ فَهَلَكَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَرِقَ فِيهَا .
وَالثَّانِي : لَا قَوَدَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْلِكْ بِهَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ آدَمِيُّ آخَرُ .
وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ ، فَأَكَلَهُ سَبُعٌ ، أَوْ الْتَقَمَهُ حُوتٌ أَوْ تِمْسَاحٌ ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ بِفِعْلِهِ .

الضَّرْبُ الثَّالِثُ : أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَسَدٍ أَوْ نَمِرٍ ، فِي مَكَان ضَيِّقٍ ، كَزُبْيَةِ وَنَحْوِهَا ، فَيَقْتُلَهُ ، فَهَذَا عَمْدٌ ، فِيهِ الْقِصَاصُ إذَا فَعَلَ السَّبُعُ بِهِ فِعْلًا يَقْتُلُ مِثْلُهُ ، وَإِنْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا لَوْ فَعَلَهُ الْآدَمِيُّ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ بِهِ ؛ لِأَنَّ السَّبُعَ صَارَ آلَةً لِلْآدَمِيِّ ، فَكَانَ فِعْلُهُ .
كَفِعْلِهِ .
وَإِنْ أَلْقَاهُ مَكْتُوفًا بَيْنَ يَدَيْ الْأَسَدِ ، أَوْ النَّمِرِ ، فِي فَضَاءٍ ، فَأَكَلَهُ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ .
وَكَذَلِكَ إنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَيَّةٍ فِي مَكَان ضَيِّقٍ ، فَنَهَشَتْهُ فَقَتَلَتْهُ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَسَدَ وَالْحَيَّةَ يَهْرُبَانِ مِنْ الْآدَمِيِّ ، وَلِأَنَّ هَذَا سَبَبٌ غَيْرُ مُلْجِئٍ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَكَانَ عَمْدًا مَحْضًا ، كَسَائِرِ الصُّوَرِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُمَا يَهْرُبَانِ .
غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ الْأَسَدَ يَأْخُذُ الْآدَمِيَّ الْمُطْلَقَ ، فَكَيْفَ يَهْرُبُ مِنْ مَكْتُوفٍ أُلْقِيَ إلَيْهِ لِيَأْكُلَهُ ، وَالْحَيَّةُ إنَّمَا تَهْرُبُ فِي مَكَان وَاسِعٍ ، أَمَّا إذَا ضَاقَ الْمَكَانُ ، فَالْغَالِبُ أَنَّهَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا بِالنَّهْشِ ، عَلَى مَا هُوَ الْعَادَةُ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَنْ أُلْقِيَ مَكْتُوفًا فِي أَرْضٍ مُسَبَّعَةٍ ، أَوْ ذَاتِ حَيَّاتٍ ، فَقَتَلَتْهُ ، أَنَّ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ رِوَايَتَيْنِ .
وَهَذَا تَنَاقُضٌ شَدِيدٌ ؛ فَإِنَّهُ نَفَى الضَّمَانَ بِالْكُلِّيَّةِ فِي صُورَةٍ كَانَ الْقَتْلُ فِيهَا أُغْلَبَ ، وَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي صُورَةٍ كَانَ فِيهَا أَنْدَرَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ هَاهُنَا ، وَيَجِبُ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا مُتَعَمِّدًا تَلِفَ بِهِ .
لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا .
وَإِنْ أَنْهَشَهُ حَيَّةً أَوْ سَبُعًا فَقَتَلَهُ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، كَثُعْبَانِ الْحِجَازِ ، أَوْ سَبُعٍ صَغِيرٍ ، فَفِيهِ

وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، فِيهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ حُصُولِ الْقَتْلِ بِهِ ، وَهَذَا جُرْحٌ ، وَلِأَنَّ الْحَيَّةَ مِنْ جِنْسِ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا .
وَالثَّانِي : هُوَ شِبْهُ عَمْدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، أَشْبَهَ الضَّرْبَ بِالْعَصَا وَالْحَجَرِ .
وَإِنْ كَتَّفَهُ وَأَلْقَاهُ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مُسَبَّعَةٍ فَأَكَلَهُ سَبُعٌ ، أَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ ، فَمَاتَ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : هُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا عَمْدًا ، فَأَفْضَى إلَى هَلَاكِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَهُ بِعَصًا فَمَاتَ .
وَكَذَلِكَ إنْ أَلْقَاهُ مَشْدُودًا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَعْهَدْ وُصُولَ زِيَادَةِ الْمَاءِ إلَيْهِ .
فَأَمَّا إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَعْلَمُ وُصُولِ زِيَادَةِ الْمَاءِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَمَاتَ بِهَا ، فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ .
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ ، إمَّا لِكَوْنِهَا تَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَعَدَمَهُ ، أَوْ لَا تُعْهَدُ أَصْلًا ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ .

الضَّرْبُ الرَّابِعُ : أَنْ يَحْبِسَهُ فِي مَكَان ، وَيَمْنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ مُدَّةً لَا يَبْقَى فِيهَا حَتَّى يَمُوتَ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالزَّمَانِ وَالْأَحْوَالِ ، فَإِذَا كَانَ عَطْشَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، مَاتَ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ ، وَإِنْ كَانَ رَيَّانَ وَالزَّمَنُ بَارِدٌ أَوْ مُعْتَدِلٌ ، لَمْ يَمُتْ إلَّا فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ فَيُعْتَبَرُ هَذَا فِيهِ .
وَإِنْ كَانَ فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَفِيهِ الْقَوَدُ .
وَإِنْ كَانَ لَا يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ .
وَإِنْ شَكَكْنَا فِيهَا ، لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّنَا شَكَكْنَا فِي السَّبَبِ ، وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهِ ، لَا سِيَّمَا الْقِصَاصُ الَّذِي يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ

النَّوْعُ الْخَامِسُ : أَنْ يَسْقِيَهُ سُمًّا ، أَوْ يُطْعِمَهُ شَيْئًا قَاتِلًا ، فَيَمُوتَ بِهِ ، فَهُوَ عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ ، إذَا كَانَ مِثْلُهُ يَقْتُلُ غَالِبًا .
وَإِنْ خَلَطَهُ بِطَعَامٍ ، وَقَدَّمَهُ إلَيْهِ ، فَأَكَلَهُ أَوْ أَهْدَاهُ إلَيْهِ ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ رَجُلٍ ، وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَأَكَلَهُ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا قَوَدَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَهُ مُخْتَارًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ سِكِّينًا ، فَطَعَنَ بِهَا نَفْسَهُ ، وَلِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَوَى { ، أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ ، فَأَكَلَ مِنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقْتُلْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } قَالَ : وَهَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَلَنَا ، خَبَرُ الْيَهُودِيَّةِ ، فَإِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ فِيهِ : فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ ، فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُتِلَتْ .
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَيُتَّخَذُ طَرِيقًا إلَى الْقَتْلِ كَثِيرًا ، فَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِهِ .
فَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ مِنْهُ .
وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ يُقْتَلَ بِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلْهَا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ فَلَمَّا مَاتَ ، أَرْسَلَ إلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهَا ، فَاعْتَرَفَتْ فَقَتَلَهَا ، فَنَقَلَ أَنَسٌ صَدْرَ الْقِصَّةِ دُونَ آخِرِهَا .
وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ ، جَمْعًا بَيْن الْخَبَرَيْنِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ قَتْلَهَا ؛ لِكَوْنِهَا مَا قَصَدَتْ بِشْرَ بْنَ الْبَرَاءِ ، إنَّمَا قَصَدَتْ قَتَلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَلَّ الْعَمْدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى بِشْرٍ ، وَفَارَقَ تَقْدِيمَ السِّكِّينِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقَدَّمُ إلَى الْإِنْسَانِ لِيَقْتُلَ بِهَا نَفْسَهُ ،

إنَّمَا تُقَدَّمُ إلَيْهِ لِيَنْتَفِعَ بِهَا ، وَهُوَ عَالِمٌ بِمَضَرَّتِهَا وَنَفْعِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قُدِّمَ إلَيْهِ السُّمُّ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ .
فَأَمَّا إنْ خَلَطَ السُّمَّ بِطَعَامِ نَفْسِهِ وَتَرَكَهُ فِي مَنْزِلِهِ ، فَدَخَلَ إنْسَانٌ فَأَكَلَهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ ، وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ قَتَلَ نَفْسَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ، فَوَقَعَ فِيهَا ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِذَلِكَ قَتْلَ الْآكِلِ ، مِثْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ظَالِمًا يُرِيدُ هُجُومَ دَارِهِ ، فَتَرَكَ السُّمَّ فِي الطَّعَامِ لِيَقْتُلهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِهِ لِيَقَعَ فِيهَا اللِّصُّ إذَا دَخَلَ لِيَسْرِقَ مِنْهَا ، وَلَوْ دَخَلَ رَجُلٌ بِإِذْنِهِ ، فَأَكَلَ الطَّعَامَ الْمَسْمُومَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ لِذَلِكَ .
وَإِنْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ رَجُلٍ ، أَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ طَعَامًا مَسْمُومًا ، وَأَخْبَرَهُ بِسُمِّهِ فَأَكَلَهُ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَهُ عَالِمًا بِحَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ سِكِّينًا ، فَوَجَأَ بِهَا نَفْسَهُ .
وَإِنْ سَقَى إنْسَانًا سُمًّا ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِهِ ، فَأَكَلَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ ، وَكَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ .
فَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا أَوْ لَا ؟ وَثَمَّ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ ، عُمِلَ بِهَا .
وَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ : هُوَ يَقْتُلُ النِّضْوَ الضَّعِيفَ دُونَ الْقَوِيِّ .
أَوْ غَيْرَ هَذَا ، عُمِلَ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّاقِي ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ ، فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ ، وَلِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِصِفَةِ مَا سَقَى .
وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَاتِلٌ ، فَقَالَ : لَمْ أَعْلَمُ أَنَّهُ قَاتِلٌ .
فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : عَلَيْهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّ السُّمَّ مِنْ جِنْسِ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَهُ ، وَقَالَ : لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْهُ .
وَالثَّانِي : لَا قَوَدَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ

يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَاتِلٌ .
وَهَذِهِ شُبْهَةٌ يَسْقُطُ بِهَا الْقَوَدُ .

النَّوْعُ السَّادِسُ : أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَيَلْزَمُهُ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِسِكِّينِ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، أَوْ كَانَ مِمَّا يَقْتُلُ وَلَا يَقْتُلُ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ دُونَ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ عَمْدُ الْخَطَإِ ، فَأَشْبَهَ ضَرْبَ الْعَصَا

النَّوْعُ السَّابِعُ : أَنْ يَتَسَبَّبَ إلَى قَتْلِهِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يُكْرِهَ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ آخَرَ ، فَيَقْتُلَهُ ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ وَالْمُكْرَهِ جَمِيعًا ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ دُونَ الْمُبَاشِرِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .
وَلِأَنَّ الْمُكْرَهَ آلَةٌ لِلْمُكْرِهِ ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُكْرِهِ ، وَنَقْلِ فِعْلِهِ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُكْرَهِ ، كَمَا لَوْ رَمَى بِهِ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ .
وَقَالَ زُفَرُ : يَجِبُ عَلَى الْمُبَاشِرِ دُونَ الْمُكْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّبَبِ ، كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ ، وَالْآمِرِ مَعَ الْقَاتِلِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجِبُ عَلَى الْمُكْرِهِ ، وَفِي الْمُكْرَهِ قَوْلَانِ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ ، فَهُوَ كَحَافِرِ الْبِئْرِ ، وَالْمُكْرَهَ مُلْجَأٌ ، فَأَشْبَهَ الْمَرْمِيَّ بِهِ عَلَى إنْسَانٍ .
وَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُكْرِهِ ، أَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى قَتْلِهِ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْسَعَهُ حَيَّةً ، أَوْ أَلْقَاهُ عَلَى أَسَدٍ فِي زُبْيَةٍ .
وَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُكْرَهِ ، أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا ظُلْمًا لِاسْتِبْقَاءِ نَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ فِي الْمَخْمَصَةِ لِيَأْكُلَهُ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمُكْرَهَ مُلْجَأٌ .
غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الِامْتِنَاعِ ، وَلِذَلِكَ أَثِمَ بِقَتْلِهِ ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا قَتَلَهُ عِنْد الْإِكْرَاهِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ فِي قَتْلِهِ نَجَاةَ نَفْسِهِ ، وَخَلَاصَهُ مِنْ شَرِّ الْمُكْرِهِ ، فَأَشْبَهَ الْقَاتِلَ فِي الْمَخْمَصَةِ لِيَأْكُلَهُ .
وَإِنْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا دِيَةَ

عَلَى الْمُكْرَهِ ؛ بِنَاءً مِنْهُمَا عَلَى أَنَّهُ آلَةٌ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ ، وَإِنَّمَا هُمَا شَرِيكَانِ ، يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمَا ، كَالشَّرِيكَيْنِ بِالْفِعْلِ ، وَكَمَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الدَّالِّ عَلَى الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ وَالْمُبَاشِرِ ، وَالرِّدْءِ وَالْمُبَاشِرِ فِي الْمُحَارَبَةِ .
فَعَلَى هَذَا ، إنْ أَحَبَّ الْوَلِيُّ قَتْلَ أَحَدِهِمَا ، وَأَخْذَ نِصْفَ الدِّيَةِ مِنْ الْآخَرِ ، أَوْ الْعَفْوَ عَنْهُ ، فَلَهُ ذَلِكَ .

الضَّرْب الثَّانِي : إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ ، فَقُتِلَ بِشَهَادَتِهِمَا ، ثُمَّ رَجَعَا ، وَاعْتَرَفَا بِتَعَمُّدِ الْقَتْلِ ظُلْمًا ، وَكَذِبِهِمَا فِي شَهَادَتِهِمَا ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُ تَسَبُّبٌ غَيْرُ مُلْجِئٍ ، فَلَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ ، فَقَطَعَهُ ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا ، فَقَالَ عَلِيٌّ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا ، لَقَطَعْت أَيْدِيَكُمَا .
وَغَرَّمَهُمَا دِيَةَ يَدِهِ .
وَلِأَنَّهُمَا تَوَصَّلَا إلَى قَتْلِهِ بِسَبَبٍ يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ ، كَالْمُكْرِهِ .

الضَّرْبُ الثَّالِثُ ، الْحَاكِمُ إذَا حَكَمَ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ ، عَالِمًا بِذَلِكَ مُتَعَمِّدًا فَقَتَلَهُ ، وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الشَّاهِدَيْنِ ، وَلَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ أَقَرَّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِ الشُّهُودِ ، وَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ .
لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، فَإِنْ أَقَرَّ الشَّاهِدَانِ وَالْحَاكِمُ وَالْوَلِيُّ جَمِيعًا بِذَلِكَ ، فَعَلَى الْوَلِيِّ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْقَتْلَ عَمْدًا وَعُدْوَانًا ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَسَبِّبُونَ ، وَالْمُبَاشَرَةُ تُبْطِلُ حُكْمَ السَّبَبِ ، كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ .
وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا لَمْ يُقِرَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِ ظُلْمًا ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَيَكُونُ الْقِصَاصُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَالْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُتَسَبِّبُونَ .
وَإِنْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ ، فَهِيَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْحَاكِمِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ تَسَبُّبَهُ أَخَصُّ مِنْ تَسَبُّبِهِمْ ؛ فَإِنَّ حُكْمَهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ شَهَادَتِهِمْ وَقَتْلِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاشِرَ مَعَ الْمُتَسَبِّبِ .
وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ الْمُقِرُّ بِالتَّعَمُّدِ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ ، وَإِنَّمَا وَكَّلَ فِيهِ ، نَظَرْت فِي الْوَكِيلِ ؛ فَإِنْ أَقَرَّ بِالْعِلْمِ ، وَتَعَمَّدَ الْقَتْلَ ظُلْمًا ، فَهُوَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِلْقَتْلِ عَمْدًا ظُلْمًا مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ ، فَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَلِيِّ ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 6583 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَفِيهِ الْقَوَدُ إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ ، وَكَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَوَدَ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْعَمْدِ ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنهمْ فِي وُجُوبِهِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ خِلَافًا ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ بِعُمُومِهَا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } .
يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ يَمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ الْقَتْلَ مِنْهُ ، شَفَقَةً عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْقَتْلِ ، فَتَبْقَى الْحَيَاةُ فِي مَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ .
وَقِيلَ : إنَّ الْقَاتِلَ تَنْعَقِدُ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبِيلَةِ الْمَقْتُولِ ، فَيُرِيدُ قَتْلَهُمْ خَوْفًا مِنْهُمْ .
وَيُرِيدُونَ قَتْلَهُ وَقَتْلَ قَبِيلَتِهِ اسْتِيفَاءً ، فَفِي الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ قَطْعٌ لِسَبَبِ الْهَلَاكِ بَيْنَ الْقَبِيلَتَيْنِ .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .
الْآيَةَ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ؛ إمَّا أَنْ يَقْتُلَ ، وَإِمَّا أَنْ يَفْدِيَ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَرَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ { : مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ ، أَوْ خَبَلٍ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ ؛ فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ ؛ أَنْ يَقْتُلَ ، أَوْ يَعْفُوَ ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَفِي لَفْظٍ : { فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي قَتِيلٌ ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ؛ أَنْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ ، أَوْ يَقْتُلُوا } .
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الْعَمْدُ قَوَدٌ ، إلَّا أَنْ يَعْفُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ } .
وَفِي لَفْظٍ : { مَنْ قَتَلَ عَامِدًا ، فَهُوَ قَوَدٌ } ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَفِي

لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ : { مَنْ قَتَلَ عَامِدًا ، فَهُوَ قَوَدٌ ، وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ } .
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ .
يَعْنِي إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلِيَاءُ يَسْتَحِقُّونَ الْقِصَاصَ ، فَمِنْ شَرْطِ وُجُوبِهِ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى طَلَبِهِ ، وَلَوْ عَفَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، سَقَطَ كُلُّهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا ، أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، لَمْ يَكُنْ لِشُرَكَائِهِ الْقِصَاصُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ ، وَيَخْتَارَ الْقِصَاصَ ، أَوْ يُوَكِّلَ ، وَيَبْلُغَ الصَّبِيُّ وَيُفِيقَ الْمَجْنُونُ وَيَخْتَارَاهُ .
وَقَوْلُهُ : إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا .
يَعْنِي مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ ، فَإِذَا كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا مُسْلِمًا .
اُشْتُرِطَ كَوْنُ الْمَقْتُولِ حُرًّا مُسْلِمًا لِتَتَحَقَّقَ الْمُكَافَأَةُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْكَافِرَ لَا يُكَافِئُ الْمُسْلِمَ ، وَالْعَبْدَ لَا يُكَافِئُ الْحُرَّ .

فَصْلٌ : وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ يُقَادُ بِهِ قَاتِلُهُ ، وَإِنْ كَانَ مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ ، مَعْدُومَ الْحَوَاسِّ ، وَالْقَاتِلُ صَحِيحٌ سَوِيُّ الْخَلْقِ ، أَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ .
وَكَذَلِكَ إنْ تَفَاوَتَا فِي الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ، وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ ، وَالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ ، وَالسُّلْطَانِ وَالسُّوقَةِ ، وَنَحْوِ هَذَا مِنْ الصِّفَاتِ ، لَمْ يَمْنَعْ الْقِصَاصَ ، بِالِاتِّفَاقِ ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعُمُومَاتُ الَّتِي تَلَوْنَاهَا ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ } .
وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّسَاوِي فِي الصِّفَات وَالْفَضَائِلِ ، يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ الْقِصَاصِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَفَوَاتِ حِكْمَةِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُهُ ، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ ، وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ .

فَصْلٌ : ( 6585 ) وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ كَوْنُ الْقَتْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، بَلْ مَتَى قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا عَامِدًا عَالِمًا بِإِسْلَامِهِ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ هَاجَرَ أَوْ لَمْ يُهَاجِرْ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالْقَتْلِ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْتُولُ هَاجَرَ ، لَمْ يَضْمَنْهُ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ ، عَمْدًا قَتَلَهُ أَوْ خَطَأً ، وَإِنْ كَانَ قَدْ هَاجَرَ ، ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، كَرَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، ضَمِنَهُ بِالدِّيَةِ ، وَلَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ .
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ كَقَوْلِهِ .
وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ أَسِيرًا مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ إلَّا بِالدِّيَةِ ، عَمْدًا قَتَلَهُ أَوْ خَطَأً .
وَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّهُ قَتَلَ مِنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا ظُلْمًا ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ دَارٍ يَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ إذَا كَانَ فِيهَا إمَامٌ ، يَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إمَامٌ ، كَدَارِ الْإِسْلَامِ .

( 6586 ) فَصْلٌ : وَقَتْلُ الْغِيلَةِ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ ، وَذَلِكَ لِلْوَلِيِّ دُونَ السُّلْطَانِ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ يُقْتَلَ بِهِ ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ ، وَذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ .
وَالْغِيلَةُ عِنْدَهُ ، أَنْ يُخْدَعَ الْإِنْسَانُ ، فَيُدْخَلَ بَيْتًا أَوْ نَحْوَهُ ، فَيُقْتَلَ أَوْ يُؤْخَذَ مَالُهُ .
وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ عُمَرَ ، فِي الَّذِي قُتِلَ غِيلَةً : لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَأَقَدْتُهُمْ .
بِهِ وَبِقِيَاسِهِ عَلَى الْمُحَارِبِ .
وَلَنَا ، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ } .
وَلِأَنَّهُ قَتِيلٌ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ ، فَكَانَ أَمْرُهُ إلَى وَلِيِّهِ ، كَسَائِرِ الْقَتْلَى ، وَقَوْلُ عُمَرَ : لَأَقَدْتُهُمْ بِهِ .
أَيْ أَمْكَنْت الْوَلِيَّ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ مِنْهُمْ .

( 6587 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَتَلَ رَجُلًا ، وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ ، أَوْ أَنَّهُ قَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ ، أَوْ أَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ يُكَابِرهُ عَلَى مَالِهِ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إلَّا بِقَتْلِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ .
رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ فِي دَارِ الْقَاتِلِ ، أَوْ فِي غَيْرِهَا ، أَوْ وُجِدَ مَعَهُ سِلَاحٌ ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ ، فَقَالَ : إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ .
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيه ، فَلَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى .
وَإِنْ اعْتَرَفَ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا يَتَغَدَّى ، إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ يَعْدُو ، وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ ، وَوَرَاءَهُ قَوْمٌ يَعْدُونَ خَلْفَهُ ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ مَعَ عُمَرَ ، فَجَاءَ الْآخَرُونَ ، فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ هَذَا قَتَلَ صَاحِبَنَا .
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا يَقُولُونَ ؟ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنِّي ضَرَبْت فَخِذِي امْرَأَتِي ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ فَقَدْ قَتَلْتُهُ .
فَقَالَ عُمَرُ : مَا يَقُولُ ؟ قَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّهُ ضَرَبَ بِالسَّيْفِ ، فَوَقَعَ فِي وَسَطِ الرَّجُلِ وَفَخِذِي الْمَرْأَةِ .
فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَهَزَّهُ ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ ، وَقَالَ : إنَّ عَادُوا فَعُدْ .
رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ " ، وَرُوِيَ عَنْ الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَيْشِ ، وَمَعَهُ جَارِيَةٌ لَهُ ، فَأَتَاهُ رَجُلَانِ فَقَالَا : أَعْطِنَا شَيْئًا .
فَأَلْقَى إلَيْهِمَا طَعَامًا كَانَ مَعَهُ ، فَقَالَا : خَلِّ عَنْ الْجَارِيَةِ .
فَضَرَبَهُمَا بِسَيْفِهِ ، فَقَطَعَهُمَا بِضَرْبَةٍ

وَاحِدَةٍ .
وَلِأَنَّ الْخَصْمَ اعْتَرَفَ بِمَا يُبِيحُ قَتْلَهُ ، فَسَقَطَ حَقُّهُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ قِصَاصًا ، أَوْ فِي حَدٍّ يُوجِبُ قَتْلَهُ .
وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ، فَكَذَلِكَ .

( 6588 ) فَصْلٌ قَالَ : ( وَشِبْهُ الْعَمْدِ مَا ضَرَبَهُ بِخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ ، أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ ، أَوْ لَكَزَهُ ، أَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا ، الْأَغْلَبُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ ، فَلَا قَوَدَ فِي هَذَا ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ) شِبْهُ الْعَمْدِ أَحَدُ أَقْسَامِ الْقَتْلِ ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ؛ إمَّا لِقَصْدِ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِ ، أَوْ لِقَصْدِ التَّأْدِيبِ لَهُ ، فَيُسْرِفُ فِيهِ ، كَالضَّرْبِ بِالسَّوْطِ ، وَالْعَصَا ، وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ ، وَالْوَكْزِ وَالْيَدِ ، وَسَائِرِ مَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا إذَا قَتَلَ ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الضَّرْبَ دُونَ الْقَتْلِ ، وَيُسَمَّى عَمْدَ الْخَطَإِ وَخَطَأَ الْعَمْدِ ؛ لِاجْتِمَاعِ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ عَمَدَ الْفِعْلَ ، وَأَخْطَأَ فِي الْقَتْلِ ، فَهَذَا لَا قَوَدَ فِيهِ .
وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَجَعَلَهُ مَالِكٌ عَمْدًا مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ ، فَمَنْ زَادَ قِسْمًا ثَالِثًا ، زَادَ عَلَى النَّصِّ ، وَلِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِفِعْلٍ عَمَدَهُ ، فَكَانَ عَمْدًا ، كَمَا لَوْ غَرَزَهُ بِإِبْرَةِ فَقَتَلَهُ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا : تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ .
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبُ فِعْلِ عَمْدٍ ، فَكَانَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ ، كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ .
وَلَنَا .
مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا ، فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فَأَوْجَبَ دِيَتَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ عَمْدًا ، وَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ ، مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ

} .
وَفِي لَفْظٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ { : عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ ، مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَهَذَا نَصٌّ ، وَقَوْلُهُ هَذَا قِسْمٌ ثَالِثٌ .
قُلْنَا : نَعَمْ ، هَذَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ ، وَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ ثَبَتَا بِالْكِتَابِ ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ ، فَكَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، كَقَتْلِ الْخَطَإِ .

( 6589 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْخَطَأُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَرْمِيَ الصَّيْدَ ، أَوْ يَفْعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ، فَيَئُولَ إلَى إتْلَافِ حُرٍّ ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ، فَتَكُونَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، وَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْخَطَأَ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا لَا يُرِيدُ بِهِ إصَابَةَ الْمَقْتُولِ ، فَيُصِيبَهُ وَيَقْتُلَهُ ، مِثْلَ أَنْ يَرْمِيَ صَيْدًا أَوْ هَدَفًا ، فَيُصِيبَ إنْسَانًا فَيَقْتُلَهُ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرَ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ ، أَنْ يَرْمِيَ الرَّامِي شَيْئًا ، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ ، لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ .
هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْن عَبْد الْعَزِيزِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الْخَطَإِ تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا } .
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا لَهُ عَهْدٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .
وَلَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَبَ بِهِ الدِّيَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَاصًا ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ ، وَالنِّسْيَانُ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .
وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي عَمْدِ الْخَطَأِ ، فَفِي الْخَطَأِ أَوْلَى .

( 6590 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَصَدَ فِعْلًا مُحَرَّمًا ، فَقَتَلَ آدَمِيًّا ، مِثْلَ أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَ بَهِيمَةٍ ، أَوْ آدَمِيًّا مَعْصُومًا ، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ ، فَيَقْتُلَهُ ، فَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ ، أَنْ يَرْمِيَ الرَّامِي شَيْئًا ، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ .
وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّ هَذَا عَمْدٌ ؛ لِقَوْلِهِ فِي مَنْ رَمَى نَصْرَانِيًّا ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى أَسْلَمَ ، أَنَّهُ عَمْدٌ يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ ؛ لِكَوْنِهِ قَصَدَ فِعْلًا مُحَرَّمًا ، قَتَلَ بِهِ إنْسَانًا .

( 6591 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَقْتُلَ فِي بِلَادِ الرُّومِ مَنْ عِنْدَهُ أَنَّهُ كَافِرٌ ، وَيَكُونُ قَدْ أَسْلَمَ ، وَكَتَمَ إسْلَامَهُ ، إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى التَّخَلُّصِ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، بِلَا دِيَةٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } ) هَذَا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْخَطَإِ ، وَهُوَ أَنْ يَقْتُلَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ مَنْ يَظُنُّهُ كَافِرًا ، وَيَكُونُ مُسْلِمًا .
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذَا خَطَأٌ ، لَا يُوجِبُ قِصَاصًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ مُسْلِمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّهُ صَيْدًا فَبَانَ آدَمِيًّا وَإِلَّا أَنَّ هَذَا لَا تَجِبُ بِهِ دِيَةٌ أَيْضًا ، وَلَا يَجِبُ إلَّا الْكَفَّارَةُ .
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ } .
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا ، مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ } .
وَلِأَنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً فَوَجَبَتْ دِيَتُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .
وَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً ، وَتَرْكُهُ ذِكْرَهَا فِي هَذَا الْقِسْمِ ، مَعَ ذِكْرِهَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ ، ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، وَذِكْرُهُ لِهَذَا قِسْمًا مُفْرَدًا ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي عُمُومِ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا ، وَيُخَصُّ بِهَا عُمُومُ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَوْهُ .

( 6592 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُوجِبُونَ عَلَى مُسْلِمٍ قِصَاصًا بِقَتْلِ كَافِرٍ ، أَيَّ كَافِرٍ كَانَ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي : يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ خَاصَّةً .
قَالَ أَحْمَدُ : الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ قَالَا : دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ وَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ قَتَلَهُ يُقْتَلُ بِهِ .
هَذَا عَجَبٌ ، يَصِيرُ الْمَجُوسِيُّ مِثْلَ الْمُسْلِمِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَا هَذَا الْقَوْلُ ، وَاسْتَبْشَعَهُ .
وَقَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ } .
وَهُوَ يَقُولُ : يُقْتَلُ بِكَافِرٍ .
فَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِنْ هَذَا ، وَاحْتَجُّوا بِالْعُمُومَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، وَبِمَا رَوَى ابْن الْبَيْلَمَانِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَقَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ ، وَقَالَ : أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ } .
وَلِأَنَّهُ مَعْصُومٌ عِصْمَةً مُؤَبَّدَةً ، فَيُقْتَلُ بِهِ قَاتِلُهُ ، كَالْمُسْلِمِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ } .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد .
وَفِي لَفْظٍ { : لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد .
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .
وَلِأَنَّهُ مَنْقُوصٌ بِالْكُفْرِ ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ ،

كَالْمُسْتَأْمَنِ ، وَالْعُمُومَاتُ مَخْصُوصَاتٌ بِحَدِيثِنَا ، وَحَدِيثُهُمْ لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ .
قَالَهُ أَحْمَدُ .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ .
يَرْوِيه ابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ إذَا أَسْنَدَ ، فَكَيْفَ إذَا أَرْسَلَ ؟ وَالْمَعْنَى فِي الْمُسْلِمِ أَنَّهُ مُكَافِئٌ لِلْمُسْلِمِ ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ ، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ ، فَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجَمَاعَةَ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقَادُ بِهِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ .
وَعَنْهُ : يُقْتَلُ بِهِ ؛ لِمَا سَبَقَ فِي الذِّمِّيِّ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .

( 6593 ) فَصْلٌ فَإِنْ قَتَلَ كَافِرٌ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ ، أَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ ، وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ .
فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُقْتَصُّ مِنْهُ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهَا بِحَالِ وُجُوبِهَا دُونَ حَالِ اسْتِيفَائِهَا ، كَالْحُدُودِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِسْلَامِهِ ، كَالدَّيْنِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْتَلَ بِهِ .
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ } .
وَلِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ ، فَلَا يُقْتَلُ بِكَافِرٍ ، كَمَا لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا حَالَ قَتْلِهِ ، وَلِأَنَّ إسْلَامَهُ لَوْ قَارَنَ السَّبَبَ ، مَنَعَ عَمَلَهُ ، فَإِذَا طَرَأَ أَسْقَطَ حُكْمَهُ .

( 6594 ) فَصْلٌ وَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمٌ كَافِرًا ، فَأَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ ، ثُمَّ مَاتَ مُسْلِمًا بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ قَاتِلُهُ ؛ لِأَنَّ التَّكَافُؤَ مَعْدُومٌ حَالَ الْجِنَايَةِ ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَرْشِ بِحَالَةِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ وَرِجْلَيْهِ ، فَسَرَى إلَى نَفْسِهِ ، دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ اُعْتُبِرَ حَالَ الْجُرْحِ ، وَجَبَ دِيَتَانِ ، وَلَوْ قَطَعَ حُرٌّ يَدَ عَبْدٍ ، ثُمَّ عَتَقَ وَمَاتَ ، لَمْ يَجِبْ قِصَاصٌ ؛ لِعَدَمِ التَّكَافُؤِ حَالَ الْجِنَايَةِ ، وَعَلَى الْجَانِي دِيَةُ حُرٍّ اعْتِبَارًا بِحَالِ الِاسْتِقْرَارِ .
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ ، مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ ، أَوْ نِصْفِ دِيَةِ حُرٍّ ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ ؛ لِأَنَّ نِصْفَ قِيمَتِهِ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ ، فَهِيَ الَّتِي وُجِدَتْ فِي مِلْكِهِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ حَصَلَ بَحْرِيَّته ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِيمَا حَصَلَ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ الدِّيَةَ ، لَمْ يَسْتَحِقّ أَكْثَرِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ نَقْصَ الْقِيمَةِ حَصَلَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ ، وَإِعْتَاقُهُ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فِي مَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ ، ثُمَّ أُعْتِقَ وَمَاتَ ، أَنَّ عَلَى الْجَانِي قِيمَتَهُ لِلسَّيِّدِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْجِنَايَةِ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ .
أَبِي بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : مَنْ قَطَعَ يَدَ ذِمِّيٍّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ ، ضَمِنَهُ بِدِيَةِ ذِمِّيٍّ ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ، فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ وَمَاتَ ، فَعَلَى الْجَانِي قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقِصَاصِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْجِنَايَةِ ، دُونَ حَالِ السِّرَايَةِ ، فَكَذَلِكَ الدِّيَةُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجُرْحِ مَضْمُونَةٌ ، فَإِذَا أَتْلَفَتْ حُرًّا مُسْلِمًا ، وَجَبَ ضَمَانُهُ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِجُرْحٍ

ثَانٍ .
وَقَوْلُ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ : عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ .
لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الزَّائِدِ عَلَى الْقِيمَةِ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ لِلْوَرَثَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحْمَدُ .
وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ مُقَدَّرٌ بِمَا تُفْضِي إلَيْهِ السِّرَايَةُ دُونَ مَا تُتْلِفُهُ الْجِنَايَةُ بِدَلِيلِ أَنَّ مِنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ ، فَسَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِهِ ، لَمْ يَلْزَمْ الْجَانِيَ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ ، وَلَوْ قَطَعَ إصْبَعًا ، فَسَرَى إلَى نَفْسِهِ ، لَوَجَبَتْ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ ، فَكَذَلِكَ إذَا سَرَتْ إلَى نَفْسِ حُرٍّ مُسْلِمٍ ، تَجِبُ دِيَتُهُ كَامِلَةً .
فَأَمَّا إنْ جَرَحَ مُرْتَدًّا ، أَوْ حَرْبِيًّا فَسَرَى الْجُرْحُ إلَى نَفْسِهِ ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ قَبْلَ السِّرَايَةِ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ غَيْرُ مَضْمُونٍ ، فَلَمْ يَضْمَنْ سِرَايَتَهُ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .

( 6595 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ ، ثُمَّ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ ، لَمْ يَجِبْ فِي النَّفْسِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهَا نَفْسُ مُرْتَدٍّ غَيْرِ مَعْصُومٍ وَلَا مَضْمُونٍ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ يَدَ ذِمِّيٍّ فَصَارَ حَرْبِيًّا ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ .
وَأَمَّا الْيَدُ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهَا .
وَذَكَرِ الْقَاضِي وَجْهًا فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ بِانْقِطَاعِ حُكْمِ سِرَايَتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ ، أَوْ جَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ ، وَلِلشَّافِعِي فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ قَوْلَانِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ قَطْعٌ هُوَ قَتْلٌ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْقَتْلُ ، فَلَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ ، وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْقَطْعَ لَمْ يَصِرْ قَتْلًا .
وَهَلْ تَجِبُ دِيَةُ الطَّرَفِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا ضَمَانَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَتْلٌ لِغَيْرِ مَعْصُومٍ .
وَالثَّانِي : تَجِبُ ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ سِرَايَةِ الْجُرْحِ لَا يُسْقِطَ ضَمَانَهُ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَ رَجُلٍ ، ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ .
فَعَلَى هَذَا ، هَلْ يَجِبُ ضَمَانُهُ بِدِيَةِ الْمَقْطُوعِ ، أَوْ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَتِهِ أَوْ دِيَةِ النَّفْسِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : تَجِبُ دِيَةُ الْمَقْطُوعِ ، فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ ، فَفِيهِ دِيَتَانِ ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ قَطَعَتْ حُكْمَ السِّرَايَةِ ، فَأَشْبَهَ انْقِطَاعَ حُكْمِهَا بِانْدِمَالِهَا ، أَوْ بِقَتْلِ آخَرَ لَهُ .
وَالثَّانِي : يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ ، فَمَعَ الرِّدَّةِ أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّهُ قَطْعٌ صَارَ قَتْلًا ، فَلَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ ، وَفَارَقَ أَصْلَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَصِرْ قَتْلًا ؛ وَلِأَنَّ الِانْدِمَالَ وَالْقَتْلَ مَنَعَ وُجُودَ السِّرَايَةِ ، وَالرِّدَّةَ مَنَعَتْ ضَمَانَهَا ، وَلَمْ تَمْنَعْ جَعَلَهَا قَتْلًا .

وَلِلشَّافِعِي مِنْ التَّفْصِيلِ نَحْوٌ مِمَّا قُلْنَا .

فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ مُسْلِمٌ يَدَ نَصْرَانِيٍّ فَتَمَجَّسَ ، وَقُلْنَا : لَا يُقَرُّ .
فَهُوَ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ .
وَإِنْ قُلْنَا : يُقَرُّ عَلَيْهِ .
وَجَبَتْ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ .
وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مَجُوسِيٍّ ، فَتَنَصَّرَ ، ثُمَّ مَاتَ ، وَقُلْنَا : يُقَرُّ .
وَجَبَتْ دِيَةُ نَصْرَانِيٍّ .
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي ، أَنْ تَجِبَ دِيَةُ نَصْرَانِيٍّ فِي الْأُولَى ، وَدِيَةُ مَجُوسِيٍّ فِي الثَّانِيَةِ ، كَقَوْلِهِمْ فِي مَنْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ ذِمِّيٍّ فَأَسْلَمَ وَعَتَقَ ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ ضَمِنَهُ بِقِيمَةِ عَبْدٍ ذِمِّيٍّ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ .

( 6597 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَتَوَجَّهُ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ زَمَنُ الرِّدَّةِ تَسْرِي فِي مِثْلِهِ الْجِنَايَةُ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ .
وَهَلْ يَجِبُ فِي الطَّرَفِ الَّذِي قُطِعَ فِي إسْلَامِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ بِالْجِنَايَةِ وَالسِّرَايَةِ كُلِّهَا ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ جَمِيعُهَا فِي الْإِسْلَامِ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : فِي الْإِسْلَامِ ، وَالْآخَرُ : فِي الرِّدَّةِ ، فَمَاتَ مِنْهُمَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مُسْلِمٌ حَالَ الْجِنَايَةِ وَالْمَوْتِ ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ ، وَاحْتِمَالُ السِّرَايَةِ حَالَ الرِّدَّةِ لَا يَمْنَعُ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ السَّبَبِ الْمَعْلُومِ بِاحْتِمَالِ الْمَانِعِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَمُوتَ بِمَرَضٍ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ ، أَوْ بِالْجُرْحِ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ يُؤَثِّرُ فِي الْمَوْتِ ، فَأَمَّا الدِّيَةُ ، فَتَجِبُ كَامِلَةً ، وَيُحْتَمَلُ وُجُوبُ نِصْفِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحٍ مَضْمُونٍ وَسِرَايَةٍ غَيْرِ مَضْمُونَةٍ ، فَوَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ إنْسَانٌ وَجَرَحَ نَفْسَهُ ، فَمَاتَ مِنْهُمَا .
فَأَمَّا إنْ كَانَ زَمَنُ الرِّدَّةِ لَا تَسْرِي فِي مِثْلِهِ الْجِنَايَةُ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا قِصَاصَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ انْتَهَى إلَى حَالٍ لَوْ مَاتَ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا مُتَكَافِئَانِ حَالَ الْجِنَايَةِ وَالسِّرَايَةِ وَالْمَوْتِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ .
وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ خَطَأً وَجَبْت الْكَفَّارَةُ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ نَفْسًا مَعْصُومَةً .

( 6598 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَرَحَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ ، ثُمَّ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ مِنْهُمَا ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحَيْنِ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ ، وَيَجِبُ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِذَلِكَ .
وَسَوَاءٌ تَسَاوَى الْجُرْحَانِ ، أَوْ زَادَ أَحَدُهُمَا ، مِثْلَ إنْ قَطَعَ يَدَيْهِ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ ، أَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ فِي الْحَالَيْنِ كَجُرْحِ رَجُلَيْنِ .
وَهَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ الَّذِي قَطَعَهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى مَنْ قَطَعَ طَرَفَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، فَارْتَدَّ ، وَمَاتَ فِي رِدَّتِهِ .
وَلَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فِي رِدَّتِهِ أَوَّلًا ، فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ قَطَعَ طَرَفَهُ الْآخَرَ ، وَمَاتَ مِنْهُمَا ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .

( 6599 ) فَصْلٌ : وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَتَلَ الْيَهُودِيَّ الَّذِي رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا ، } وَلِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ فَبِمَنْ فَوْقَهُ أَوْلَى .
وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ أَدْيَانُهُمْ أَوْ اخْتَلَفَتْ .
فَلَوْ قَتَلَ النَّصْرَانِيُّ مَجُوسِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا ، قُتِلَ بِهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي النَّصْرَانِيِّ يُقْتَلُ بِالْمَجُوسِيِّ إذَا قَتَلَهُ ، قِيلَ : فَكَيْفَ يُقْتَلُ بِهِ ، وَدِيَتُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ ؟ فَقَالَ : أَذْهَبُ إلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ رَجُلًا بِامْرَأَةٍ .
يَعْنِي أَنَّهُ قَتَلَهُ بِهَا مَعَ اخْتِلَافِ دِيَتِهِمَا ، وَلِأَنَّهُمَا تَكَافَآ فِي الْعِصْمَةِ بِالذِّمَّةِ وَنَقِيصَةِ الْكُفْرِ ، فَجَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ تَسَاوَى دِينُهُمَا .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .

( 6600 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْتَلُ ذِمِّيٌّ بِحَرْبِيٍّ .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، أَشْبَهَ الْخِنْزِيرَ ، وَلَا دِيَةَ فِيهِ لِذَلِكَ وَلَا كَفَّارَةَ ، وَلَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ لِذَلِكَ ، سَوَاءٌ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ .
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الذِّمِّيُّ بِقَتْلِهِ ، وَالِدَيْهِ إذَا عَفَا عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ فِي قَتْلِهِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجِبُ الْقِصَاصُ دُونِ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ أَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَضْمَنُهُ الْمُسْلِمُ لَا يَضْمَنُهُ الذِّمِّيُّ ، كَالْحَرْبِيِّ .

( 6601 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى قَاتِلِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ .
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَحَكَى بَعْضُهُمْ وَجْهًا ، أَنَّ عَلَى قَاتِلِهِ الْقَوَدَ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ إلَى الْإِمَامِ ، فَيَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ سِوَاهُ ، كَمَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذَا قَتَلَهُ غَيْرُ مُسْتَحِقِّهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ ، وَقَتْلُهُ مُتَحَتِّمٌ ، فَلَمْ يَضْمَنْ كَالْحَرْبِيِّ ، وَيَبْطُلُ مَا قَالَهُ بِالْمُرْتَدِّ ، وَفَارَقَ الْقَاتِلَ ، فَإِنَّ قَتْلَهُ غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ .
وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَاخْتَصَّ بِمُسْتَحِقِّهِ ، وَهَا هُنَا يَجِبُ قَتْلُهُ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَأَشْبَهَ الْمُرْتَدَّ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُحَارِبِ الَّذِي تَحَتَّمَ قَتْلُهُ .

( 6602 ) فَصْلٌ : وَيُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ ، وَيُقَدَّمُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ .
وَإِنْ عَفَا عَنْهُ وَلِيُّ الْقِصَاصِ ، فَلَهُ دِيَةُ الْمَقْتُولِ ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ أَوْ مَاتَ ، تَعَلَّقَتْ بِمَالِهِ .
وَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِيهِ أَيْضًا .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ ، وَلَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ بَاقِيَةٌ ؛ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ ، وَمُطَالَبَتِهِ بِالْإِسْلَامِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ كَافِرٌ ، فَيُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ ، كَالْأَصْلِيِّ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ بَاقِيَةٌ .
غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ قَدْ زَالَتْ عِصْمَتُهُ وَحُرْمَتُهُ ، وَحِلُّ نِكَاحِ الْمُسْلِمَاتِ ، وَشِرَاءُ الْعَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ ، وَصِحَّةُ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا ، وَأَمَّا مُطَالَبَتُهُ بِالْإِسْلَامِ ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَغْلِيظِ كُفْرِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ ؛ لِسُوءِ حَالِهِ ، فَإِذَا قُتِلَ بِالذِّمِّيِّ مِثْلُهُ فَمِنْ هُوَ دُونَهُ أَوْلَى .

( 6603 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ؛ لِأَنَّ التَّكَافُؤَ مُشْتَرَطٌ حَالَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ ، وَلَمْ يُوجَدْ .
وَإِنْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَعَتَقَ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا ، فَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ ، وَفَارَقَ مِنْ عَلِمَهُ حَرْبِيًّا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ إلَى قَتْلِ مَعْصُومٍ .

( 6604 ) فَصْلٌ : ( وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ ) وَرُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَيُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَات وَالْأَخْبَارِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ } .
وَلِأَنَّهُ آدَمِيُّ مَعْصُومٌ ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ } .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ } .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .
وَلِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ مَعَ التَّسَاوِي فِي السَّلَامَةِ ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ ، كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ ، فَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ الْحُرُّ ، كَالْمُكَاتَبِ إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، وَالْعُمُومَاتُ مَخْصُوصَاتٌ بِهَذَا ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ .

( 6605 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْتَلُ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَدَاوُد ، أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ؛ لِمَا رَوَى قَتَادَةُ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ } .
رَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
مَعَ الْعُمُومَاتِ وَالْمَعْنَى فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
وَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَعَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { لَوْ لَمْ أَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يُقَادُ الْمَمْلُوكُ مِنْ مَوْلَاهُ ، وَالْوَلَدُ مِنْ وَالِدِهِ لَأَقَدْته مِنْك } .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، { أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ ، فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةَ جَلْدَةٍ ، وَنَفَاهُ عَامًا ، وَمَحَا اسْمَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ } .
رَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَالْخَلَّالُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ قِبَلِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ .
وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، أَنَّهُمَا قَالَا : مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ ، جُلِدَ مِائَةً ، وَحُرِمَ سَهْمُهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ .
فَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ ، فَلَمْ يَثْبُتْ .
قَالَ أَحْمَدُ : الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ ، إنَّمَا هِيَ صَحِيفَةٌ .
وَقَالَ عَنْهُ أَحْمَدُ : إنَّمَا سَمِعَ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ ، لَيْسَ هَذَا مِنْهَا .
وَلِأَنَّ الْحَسَنَ أَفْتَى بِخِلَافِهِ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ .
وَقَالَ : إذَا قَتَلَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ يُضْرَبُ .
وَمُخَالَفَتُهُ لَهُ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ .

( 6606 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْطَعُ طَرَفُ الْحُرِّ بِطَرَفِ الْعَبْدِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ بَيْنهمْ ، وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ ، وَيُقْتَلُ بِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ ، فَبِمَنْ هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ أَوْلَى ، مَعَ عُمُومِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ .
وَمَتَى وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْعَبْدِ ، فَعَفَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ إلَى الْمَالِ فَلَهُ ذَلِكَ ، وَيَتَعَلَّقُ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ ، فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ ، كَالْقِصَاصِ .
ثُمَّ إنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهِ مَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ .
وَإِنْ قَالَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ : بِعْهُ ، وَادْفَعْ إلَيَّ ثَمَنَهُ .
لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّق بِذِمَّتِهِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالرَّقَبَةِ الَّتِي سَلَّمَهَا ، فَبَرِئَ مِنْهَا .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، كَمَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ الرَّهْنِ .
وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ ، وَاخْتَارَ فِدَاءَهُ ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ أَوْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ جَمِيعًا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، ذَكَرْنَاهُمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَإِنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ لِيَمْلِكَ رَقَبَةَ الْعَبْدِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إتْلَافَهُ ، فَكَانَ مِلْكًا لَهُ ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ تَعَلَّقَ بِهِ الْقِصَاصُ ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِالْعَفْوِ كَالْحُرِّ .
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَتَعَلَّقُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ ، كَمَا لَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ الَّذِي عَفَا لِأَجْلِهِ لَمْ يَصِحَّ لَهُ ، فَكَانَ لَهُ عِوَضُهُ ، كَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ .

فَصْلٌ : وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَ الْعَبِيدِ فِي النَّفْسِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسَالِمٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِصَاصِ تَسَاوِي قِيمَتِهِمْ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمْ لَمْ يَجْرِ بَيْنهمْ قِصَاصٌ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ هَذَا بِمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْقَاتِلِ أَكْثَرَ ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَلَا .
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ بَيْنَ الْعَبِيدِ قِصَاصٌ ، فِي نَفْسٍ وَلَا جُرْحٍ ؛ لِأَنَّهُمْ أَمْوَالٌ .
وَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ } .
وَهَذَا نَصٌّ مِنْ الْكِتَابِ ، فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ ، لِأَنَّ تَفَاوُتَ الْقِيمَةِ كَتَفَاوُتِ الدِّيَةِ وَالْفَضَائِلِ ، فَلَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ كَالْعِلْمِ وَالشَّرَفِ ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ .
( 6608 ) فَصْلٌ : وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنهمْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ .
وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسَالِمٌ وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنهمْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ مَالٌ ، فَلَا يَجْرِي الْقِصَاصُ فِيهَا ، كَالْبَهَائِمِ ، وَلِأَنَّ التَّسَاوِيَ فِي الْأَطْرَافِ مُعْتَبَرٌ فِي جَرَيَانِ الْقِصَاصِ ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الصَّحِيحَةَ بِالشَّلَّاءِ ، وَلَا كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ بِالنَّاقِصَةِ ، وَأَطْرَافُ الْعَبِيدِ لَا تَتَسَاوَى .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّه تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } ، الْآيَةَ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَجَرَى بَيْنَ الْعَبِيدِ ،

كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ ( 6609 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي طَرَفِ الْعَبْدِ ، وَجَبَ لِلْعَبْدِ ، وَلَهُ اسْتِيفَاؤُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ .

( 6610 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا ، ثُمَّ عَتَقَ الْقَاتِلُ ، قُتِلَ بِهِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا ، ثُمَّ عَتَقَ الْجَارِحُ ، وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ ، قُتِلَ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ وَجَبَ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعِتْقِ بَعْدَهُ ، وَلِأَنَّ التَّكَافُؤَ مَوْجُودٌ حَالَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ ، وَهِيَ السَّبَبُ ، فَاكْتُفِيَ بِهِ .
وَلَوْ جَرَحَ حُرٌّ ذِمِّيٌّ عَبْدًا ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَأُسِرَ وَاسْتُرِقَّ ، لَمْ يُقْتَلْ بِالْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ حُرٌّ .

( 6611 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا عَمْدًا ، فَسَيِّدُ الْمَقْتُولِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ ، فَإِنْ عَفَا إلَى مَالٍ ، تَعَلَّقَ الْمَالُ بِرَقَبَةِ الْقَاتِلِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ ، وَسَيِّدُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ ، فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ ، فَدَاهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَقَلُّ قِيمَتَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ قِيمَةَ الْمَقْتُولِ ، فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَكْثَرُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ .
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ سَيِّدَهُ إنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ ، لَزِمَهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ ، بَالِغًا مَا بَلَغَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَهُ لِلْبَيْعِ ، رُبَّمَا زَادَ فِيهِ مُزَايِدٌ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ .
فَإِنْ قَتَلَ عَشْرَةُ أَعْبُدٍ عَبْدًا لِرَجُلِ عَمْدًا ، فَعَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ ، فَإِنْ اخْتَارَ السَّيِّدُ قَتْلَهُمْ ، فَلَهُ قَتْلُهُمْ ، وَإِنْ عَفَا إلَى مَالٍ ، تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ عَبْدِهِ بِرِقَابِهِمْ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُهَا ، يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِهَا أَوْ يَفْدِيه سَيِّدُهُ ، فَإِنْ اخْتَارَ قَتْلَ بَعْضِهِمْ وَالْعَفْوَ عَنْ الْبَعْضِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ قَتْلَ جَمِيعِهِمْ وَالْعَفْوَ عَنْ جَمِيعِهِمْ .
وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدَيْنِ لَرَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَلَهُ قَتْلُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ ، فَإِنْ قَتَلَهُ ، سَقَطَ حَقُّهُ ، وَإِنْ عَفَا إلَى مَالٍ ، تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ بِرَقَبَتِهِ ، فَإِنْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ فَكَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ الْأَوَّلُ ، قُتِلَ بِالثَّانِي .
وَإِنْ قَتَلَهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، أَقْرَعَ بَيْنَ السَّيِّدَيْنِ ، فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، اقْتَصَّ ، وَسَقَطَ حَقُّ الْآخَرِ .
وَإِنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ ، أَوْ عَفَا سَيِّدُ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ عَنْ الْقِصَاصِ إلَى مَالٍ ، تَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ، وَلِلثَّانِي أَنْ يَقْتَصَّ ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْمَالِ

بِالرَّقَبَةِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْقِصَاصِ ، كَمَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ .
فَإِنْ قَتَلَهُ الْآخَرُ ، سَقَطَ حَقُّ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَحَلٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَإِنْ عَفَا الثَّانِي ، تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ الْقَتِيلِ الثَّانِي بِرَقَبَتِهِ أَيْضًا ، وَيُبَاعُ فِيهِمَا ، وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ ، وَلَمْ نُقَدِّمْ الْأَوَّلَ بِالْقِيمَةِ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ بِالْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَبَعَّضُ بَيْنَهُمَا ، وَالْقِيمَةُ يُمْكِنُ تَبَعُّضُهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَحَقُّ الْأَوَّلِ أَسْبَقُ .
قُلْنَا : لَا يُرَاعَى السَّبْقُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ أَمْوَالًا لَجَمَاعَةٍ ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ .
فَأَمَّا إنْ قَتَلَ الْعَبْدُ عَبْدًا بَيْنَ شَرِيكَيْنِ كَانَ لَهُمَا الْقِصَاصُ وَالْعَفْوُ ، فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا ، سَقَطَ الْقِصَاصُ ، وَيَنْتَقِلُ حَقُّهُمَا إلَى الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَبَعَّضُ .
وَإِنْ قَتَلَ عَبْدَيْنِ لَرَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ لَأَحَدِهِمَا ، أَيِّهِمَا كَانَ ، وَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْآخَرِ ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ إلَى مَالٍ ، وَتَتَعَلَّقُ قِيمَتُهُمَا جَمِيعًا بِرَقَبَتِهِ .

( 6612 ) فَصْلٌ : وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ الْقِنُّ بِالْمُكَاتَبِ ، وَالْمُكَاتَبُ بِهِ ، وَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَد ، وَيُقْتَلُ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ عَبِيدٌ ، فَيَدْخُلُونَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَالْعَبْدَ بِالْعَبْدِ } .
وَقَدْ دَلَّ عَلَى كَوْنِ الْمُكَاتَبِ عَبْدًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ ، مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } .
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُكَاتَبُ قَدْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا ، أَوْ لَمْ يُؤَدِّ ، وَسَوَاءٌ مَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، أَوْ لَمْ يَمْلِكْ ، إلَّا إذَا قُلْنَا : إنَّهُ إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي فَقَدْ صَارَ حُرًّا .
فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ ، فَلَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ .
وَإِنْ أَدَّى ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا ، وَمِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِحُرِّيَّتِهِ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ ، أَجَازَ قَتْلَهُ بِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا قَتَلَ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا ، لَهُ وَفَاءٌ وَوَارِثٌ سِوَى مَوْلَاهُ ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْجُرْحِ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ الْمَوْلَى ، وَحِينَ الْمَوْتِ الْوَارِثَ ، وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَّا لِمَنْ يَثْبُتُ حَقُّهُ فِي الطَّرَفَيْنِ .
وَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .
وقَوْله تَعَالَى : { الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ } .
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قِنًّا ، لَوَجَبَ بِقَتْلِهِ الْقِصَاصُ ، فَإِذَا كَانَ مُكَاتَبًا ، كَانَ أَوْلَى ، كَمَا لَوْ لَمْ يَخْلُفْ وَارِثًا .
وَمَا ذَكَرُوهُ شَيْءٌ بَنَوْهُ عَلَى أُصُولِهِمْ ، وَلَا نُسَلِّمُهُ .

( 6613 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا قَتَلَ الْكَافِرُ الْعَبْدَ عَمْدًا ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَيُقْتَلُ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ يَعْنِي الْكَافِرَ الْحُرَّ ، لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ ، لِفِقْدَانِ التَّكَافُؤِ بَيْنَهُمَا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحُدُّ بِقَذْفِهِ ، فَلَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ ، كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَيُقْتَلُ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ ؛ فَإِنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ يَنْتَقِضُ بِهِ الْعَهْدُ ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّ ذِمِّيًّا كَانَ يَسُوقُ حِمَارًا بِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ ، فَنَخَسَهُ بِهَا فَرَمَاهَا ، ثُمَّ أَرَادَ إكْرَاهَهَا عَلَى الزِّنَى ، فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ مَا عَلَى هَذَا صَالَحْنَاهُمْ .
فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ .
وَرُوِيَ فِي شُرُوطِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ : أَنْ أَلْحِقْ بِالشُّرُوطِ : مَنْ ضَرَبَ مُسْلِمًا عَمْدًا ، فَقَدْ خَلَعَ عَهْدَهُ .
وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُنَافِي الْأَمَانَ ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ ، كَالِاجْتِمَاعِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ .
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ؛ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ .
فَعَلَى هَذَا ، عَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَيُؤَدَّبُ بِمَا يَرَاهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ .

( 6614 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ حُرًّا كَافِرًا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ؛ لِأَنَّا لَا نَقْتُلُ الْمُسْلِمَ بِالْكَافِرِ .
وَإِنْ قَتَلَ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ عَبْدًا ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ؛ لِأَنَّا لَا نَقْتُلُ نِصْفَ الْحُرِّ بِعَبْدٍ .
وَإِنْ قَتَلَهُ حُرٌّ ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الرَّقِيقَ لَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ .
وَإِنْ قَتَلَ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ ، قُتِلَ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَقَعُ بَيْن الْجُمْلَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ .

( 6615 ) فَصْلٌ : وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْن الْوُلَاةِ وَالْعُمَّالِ وَبَيْنَ رَعِيَّتِهِمْ ؛ لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ ؛ وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
وَثَبَتَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ لَرَجُلٍ شَكَا إلَيْهِ عَامِلًا أَنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ ظُلْمًا : لَئِنْ كُنْت صَادِقًا ، لِأُقِيدَنَّكَ مِنْهُ .
وَثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُقِيدُ مِنْ نَفْسِهِ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، قَالَ : خَطَبَ عُمَرُ ، فَقَالَ : إنِّي لَمْ أَبْعَثْ عُمَّالِي لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ ، وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ ، فَلْيَرْفَعْهُ إلَيَّ ، أَقُصُّهُ مِنْهُ .
فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ ، أَتَقُصُّهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : أَيْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، أَقُصُّهُ مِنْهُ ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَصَّ مِنْ نَفْسِهِ .
وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَهَذَانِ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا إيلَادٌ ، فَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا ، كَسَائِرِ الرَّعِيَّةِ .

( 6616 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَتَلَ الْقَاتِلَ غَيْرُ وَلِيِّ الدَّمِ ، فَعَلَى قَاتِلِهِ الْقِصَاصُ ، وَلِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ الدِّيَةُ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي الْأَوَّلِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ : يُقْتَلُ قَاتِلُهُ ، وَيَبْطُلُ دَمُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ مَحَلُّهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ .
وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَأَبِي هَاشِمٍ : لَا قَوَدَ عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مُبَاحَ الدَّمِ ، فَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ قِصَاصٌ ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ .
وَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى قَاتِلِهِ ، أَنَّهُ مَحَلٌّ لَمْ يَتَحَتَّمْ قَتْلُهُ ، وَلَمْ يُبَحْ لِغَيْرِ وَلِيِّ الدَّمِ قَتْلُهُ ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ .
وَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْقِصَاصَ إذَا تَعَذَّرَ وَجَبَتْ الدِّيَةُ ، كَمَا لَوْ مَاتَ ، أَوْ عَفَا بَعْضُ الشُّرَكَاءِ ، أَوْ حَدَثَ مَانِعٌ .
وَفَارَقَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ ؛ فَإِنْ عَفَا أَوْلِيَاءُ الثَّانِي عَلَى الدِّيَةِ ، أَخَذُوهَا وَدَفَعُوهَا إلَى وَرَثَةِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ ، ضُمَّ مَا قَبَضُوا مِنْ الدِّيَةِ إلَى سَائِرِ تَرِكَتِهِ ، ثُمَّ ضَرَبَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ مَعَ سَائِرِ أَهْلِ الدُّيُونِ فِي تَرِكَتِهِ وَدِيَتِهِ ، وَإِنْ أَحَالَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ الثَّانِي وَرَثَةَ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ بِالدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ الثَّانِي ، صَحَّتْ الْحَوَالَةُ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ تَجِبَ دِيَةُ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ عَلَى قَاتِلِ قَاتِلِهِ ابْتِدَاءً ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّ وَرَثَتِهِ ، فَكَانَ غَرَامَتُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الْعَبْدَ الْجَانِي ، وَإِنْ مَاتَ الْقَاتِلُ عَمْدًا ، وَجَبْت الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ .
بِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : يَسْقُطُ حَقُّ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ .
وَتَوْجِيه الْمَذْهَبَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .

( 6617 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالطِّفْلُ ، وَالزَّائِلُ الْعَقْلِ ، لَا يُقْتَلَانِ بِأَحَدٍ ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ زَائِلِ الْعَقْلِ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ ، مِثْلَ النَّائِمِ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَنَحْوِهِمَا .
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ } .
وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مُغَلَّظَةٌ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ وَزَائِلِ الْعَقْلِ كَالْحُدُودِ ، وَلِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ صَحِيحٌ ، فَهُمْ كَالْقَاتِلِ خَطَأً .

( 6618 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ ، فَقَالَ الْجَانِي : كُنْت صَبِيًّا حَالَ الْجِنَايَةِ .
وَقَالَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ : كُنْت بَالِغًا .
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ ، إذَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرُ ، وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الْقِصَاصِ .
وَإِنْ قَالَ : قَتَلْته وَأَنَا مَجْنُونٌ .
وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ جُنُونَهُ ، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ حَالُ جُنُونٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا لِذَلِكَ ، إنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ حَالُ جُنُونٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ ، وَكَذَلِكَ إنْ عُرِفَ لَهُ جُنُونٌ ، ثُمَّ عُلِمَ زَوَالُهُ قَبْلَ الْقَتْلِ ، وَإِنْ ثَبَتَتْ لَأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ ، حُكِمَ لَهُ .
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا ، فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ ، فَقَالَ الْوَلِيُّ : كُنْتَ سَكْرَانَ .
وَقَالَ الْقَاتِلُ : كُنْت مَجْنُونًا .
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِنَفْسِهِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، وَاجْتِنَابُ الْمُسْلِمِ فِعْلَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ .

( 6619 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَتَلَهُ وَهُوَ عَاقِلٌ ، ثُمَّ جُنَّ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقِصَاصُ ، سَوَاءٌ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، وَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ .
وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِإِقْرَارِهِ ، ثُمَّ جُنَّ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَالَ جُنُونِهِ ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ يُقْبَلُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا رَجَعَ .

( 6620 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى السَّكْرَانِ إذَا قَتَلَ حَالَ سُكْرِهِ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، فَيَكُونُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، أَشْبَهَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ .
وَلَنَا ، أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَقَامُوا سُكْرَهُ مُقَامَ قَذْفِهِ ، فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْقَاذِفِ ، فَلَوْلَا أَنَّ قَذْفَهُ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ عَلَيْهِ ، لَمَا وَجَبَ الْحَدُّ بِمَظِنَّتِهِ ، وَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ ، فَالْقِصَاصُ الْمُتَمَحَّضُ حَقُّ آدَمِيٍّ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَالْحَدُّ ، لَأَفْضَى إلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى ، شَرِبَ مَا يُسْكِرُهُ ، ثُمَّ يَقْتُلُ وَيَزْنِي وَيَسْرِقُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ عُقُوبَةٌ وَلَا مَأْثَمٌ ، وَيَصِيرُ عِصْيَانُهُ سَبَبًا لِسُقُوطِ عُقُوبَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَنْهُ ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا .
وَفَارَقَ هَذَا الطَّلَاقَ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُمْكِنُ إلْغَاؤُهُ بِخِلَافِ الْقَتْلِ .
فَأَمَّا إنْ شَرِبَ أَوْ أَكَلَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ غَيْرَ الْخَمْرِ ، عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ ، فَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، بِحَيْثُ صَارَ مَجْنُونًا ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ يَزُولُ قَرِيبًا وَيَعُودُ مِنْ غَيْرِ تَدَاوٍ ، فَهُوَ كَالسُّكْرِ ، عَلَى مَا فُصِّلَ فِيهِ .

( 6621 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ ، وَإِنْ سَفَلَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ ، وَالْجَدُّ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِ وَلَدِهِ ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْبَنِينَ أَوْ وَلَدُ الْبَنَاتِ .
وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُقْتَلُ بِهِ ؛ لِظَاهِرِ آيِ الْكِتَابِ ، وَالْأَخْبَارِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ ، وَلِأَنَّهُمَا حُرَّانِ مُسْلِمَانِ مِنْ أَهْلِ الْقِصَاصِ فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ ، كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَدْ رَوَوْا فِي هَذَا الْبَابِ أَخْبَارًا .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنَّ قَتَلَهُ حَذْفًا بِالسَّيْفِ وَنَحْوِهِ ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ، وَإِنْ ذَبَحَهُ ، أَوْ قَتَلَهُ قَتْلًا لَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ عَمَدَ إلَى قَتْلِهِ دُونَ تَأْدِيبِهِ ، أُقِيدَ بِهِ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ } .
أَخْرَجَ النَّسَائِيّ حَدِيثَ عُمَرَ ، وَرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ ، وَذَكَرَهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ، مُسْتَفِيضٌ عِنْدَهُمْ ، يَسْتَغْنِي بِشُهْرَتِهِ وَقَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ عَنْ الْإِسْنَادِ فِيهِ ، حَتَّى يَكُونَ الْإِسْنَادُ فِي مِثْلِهِ مَعَ شُهْرَتِهِ تَكَلُّفًا .
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك } .
وَقَضِيَّةُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ تَمْلِيكُهُ إيَّاهُ ، فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَةُ الْمِلْكِيَّةِ ، بَقِيَتْ الْإِضَافَةُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلِأَنَّهُ سَبَبُ إيجَادِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَسَلَّطَ بِسَبَبِهِ عَلَى إعْدَامِهِ

.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ يَخُصُّ الْعُمُومَاتِ ، وَيُفَارِقُ الْأَبُ سَائِرَ النَّاسِ ، فَإِنَّهُمْ لَوْ قَتَلُوا بِالْحَذْفِ بِالسَّيْفِ ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ ، وَالْأَبُ بِخِلَافِهِ .
( 6622 ) فَصْلٌ : وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا كَالْأَبِ فِي هَذَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ مُسْقِطِي الْقِصَاصِ عَنْ الْأَبِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيِّ : يُقْتَلُ بِهِ .
وَلَنَا أَنَّهُ وَالِدٌ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ ، كَالْمَحْرَمِيَّةِ ، وَالْعِتْقِ إذَا مَلَكَهُ ، وَالْجَدُّ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ كَالْجَدِّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْبِنْتِ يُسَمَّى ابْنًا ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي الْحَسَنِ : إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ } .

( 6623 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْأُمُّ فِي ذَلِكَ كَالْأَبِ ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْد مُسْقِطِي الْقِصَاصِ عَنْ الْأَبِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْأُمِّ فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْهُ ، فِي أُمِّ وَلَدٍ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا : تُقْتَلُ .
قَالَ : مَنْ يَقْتُلُهَا ؟ قَالَ : وَلَدُهَا .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَى الْأُمِّ بِقَتْلِ وَلَدِهَا .
وَخَرَّجَهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا : أَنَّ الْأُمَّ تُقْتَلُ بِوَلَدِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَيْهِ ، فَتُقْتَلُ بِهِ ، كَالْأَخِ .
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ } .
وَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ ، فَأَشْبَهْت الْأَبَ ، وَلِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْبِرِّ ، فَكَانَتْ أَوْلَى بِنَفْيِ الْقِصَاصِ عَنْهَا ، وَالْوِلَايَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ ؛ بِدَلِيلِ انْتِفَاءِ الْقِصَاصِ عَنْ الْأَبِ بِقَتْلِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ ، وَعَنْ الْجَدِّ ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ ، وَعَنْ الْأَبِ الْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ ، أَوْ الرَّقِيقِ .
وَالْجَدَّةُ وَإِنْ عَلَتْ فِي ذَلِكَ كَالْأُمِّ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْجَدِّ .
( 6624 ) فَصْلٌ : وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَالِدُ مُسَاوِيًا لِلْوَلَدِ فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ ، أَوْ مُخَالِفًا لَهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْقِصَاصِ لِشَرَفِ الْأُبُوَّةِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ حَالٍ ، فَلَوْ قَتَلَ الْكَافِرُ وَلَدَهُ الْمُسْلِمَ ، أَوْ قَتَلَ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ ، أَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ وَلَدَهُ الْحُرَّ ، أَوْ قَتَلَ الْحُرُّ وَلَدَهُ الْعَبْدَ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ لِشَرَفِ الْأُبُوَّةِ فِيمَا إذَا قَتَلَ وَلَدَهُ ، وَانْتِفَاءُ الْمُكَافَأَةِ فِيمَا إذَا قَتَلَ وَالِدَهُ .

( 6625 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى نَفَرَانِ نَسَبَ صَغِيرٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ ، ثُمَّ قَتَلَاهُ قَبْلَ إلْحَاقِهِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ ابْنَهُمَا .
وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ ، قَتَلَاهُ ، لَمْ يُقْتَلْ أَبُوهُ ، وَقُتِلَ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْأَبِ فِي قَتْلِ ابْنِهِ .
وَإِنْ رَجَعَا جَمِيعًا عَنْ الدَّعْوَى ، لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُمَا ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ حَقٌّ لِلْوَلَدِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُمَا عَنْ إقْرَارِهِمَا بِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِحَقِّ سِوَاهُ ، أَوْ كَمَا لَوْ ادَّعَاهُ وَاحِدٌ ، فَأُلْحِقَ بِهِ ، ثُمَّ جَحَدَهُ .
وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا ، صَحَّ رُجُوعُهُ ، وَثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ لَمْ يُبْطِلْ نَسَبَهُ ، وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ الَّذِي لَمْ يَرْجِعْ ، وَيَجِبُ عَلَى الرَّاجِعِ ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ الْأَبَ ، وَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ .
وَلَوْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا ، فَقَتَلَاهُ قَبْلَ إلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، وَإِنْ نَفَيَا نَسَبَهُ ، لَمْ يَنْتَفِ بِقَوْلِهِمَا ، وَإِنْ نَفَاهُ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَنْتَفِ بِقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَحِقَهُ بِالْفِرَاشِ ، فَلَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللَّعَّانِ .
وَفَارَقَ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا رَجَعَ عَنْ دَعْوَاهُ ، لَحِقَ الْآخَرَ ، وَهَا هُنَا لَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ .
وَالثَّانِي ، أَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِهِ ثَمَّ بِالِاعْتِرَافِ ، فَيَسْقُطُ بِالْجَحْدِ ، وَهَا هُنَا يَثْبُتُ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْوَطْءِ ، فَلَا يَنْتَفِي بِالْجَحْدِ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَا قُلْنَا ، سَوَاءٌ .

( 6626 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ صَاحِبَهُ ، وَلَهُمَا وَلَدٌ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ ، لِوَلَدِهِ ، وَلَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ قِصَاصٌ عَلَى وَالِده ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، فَلَأَنْ لَا يَجِبَ لَهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، أَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَلَدٌ سِوَاهُ ، أَوْ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْقِصَاصُ ، لَوَجَبَ لَهُ جُزْءٌ مِنْهُ ، وَلَا يُمْكِنُ وُجُوبُهُ ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ بَعْضُهُ ، سَقَطَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ .
وَصَارَ كَمَا لَوْ عَفَا بَعْضُ مُسْتَحِقِّي الْقِصَاصِ عَنْ نَصِيبِهِ مِنْهُ .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ وَلَدٌ مِنْهُمَا ، وَجَبَ الْقِصَاصُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا يُقْتَلُ الزَّوْجُ بِامْرَأَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ الْأَمَةَ .
وَلَنَا ، عُمُومَاتُ النَّصِّ ، وَلِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ مُتَكَافِئَانِ ، يُحَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَذْفِ صَاحِبِهِ ، فَيُقْتَلُ بِهِ ، كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ .
وَقَوْلُهُ : إنَّهُ مَلَكَهَا .
غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهَا حُرَّةٌ ، وَإِنَّمَا مَلَكَ مَنْفَعَةَ الِاسْتِمْتَاعِ ، فَأَشْبَهَ الْمُسْتَأْجَرَةَ ؛ وَلِهَذَا تَجِبْ دِيَتُهَا عَلَيْهِ ، وَيَرِثُهَا وَرَثَتُهَا ، وَلَا يَرِثُ مِنْهَا إلَّا قَدْرَ مِيرَاثِهِ ، وَلَوْ قَتَلَهَا غَيْرُهُ ، كَانَ دِيَتُهَا أَوْ الْقِصَاصُ لِوَرَثَتِهَا ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ .

( 6627 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ أَخَاهُ ، فَوَرِثَهُ ابْنُهُ ، أَوْ أَحَدًا يَرِثُ ابْنُهُ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ مِيرَاثِهِ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَلَوْ قَتَلَ خَالَ ابْنِهِ ، فَوَرِثَتْ أُمُّ ابْنِهِ الْقِصَاصَ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ ، ثُمَّ مَاتَتْ بِقَتْلِ الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَوَرِثَهَا ابْنُهُ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ مَا مُنِعَ مُقَارِنًا أُسْقِطَ طَارِئًا ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ .
وَلَوْ قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ أَخَا زَوْجِهَا ، فَصَارَ الْقِصَاصُ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ لِابْنِهَا ، سَقَطَ الْقِصَاصُ ، سَوَاءٌ صَارَ إلَيْهِ ابْتِدَاءً ، أَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .

( 6628 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَتَلَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْمُكَاتَبِ الْمُكَاتَبَ ، أَوْ عَبْدًا لَهُ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ ، وَلَا يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ قِصَاصٌ .
وَإِنْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَحَدَ أَبَوَيْهِ ، ثُمَّ قَتَلَهُ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يُقْتَلُ بِعَبْدِهِ .

( 6629 ) فَصْلٌ : ابْنَانِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا أَبَاهُ ، وَالْآخَرُ أُمَّهُ ، فَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجِيَّةُ بَيْنَهُمَا مَوْجُودَةً حَالَ قَتْلِ الْأَوَّلِ ، فَالْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْقَتِيلَ الثَّانِي وَرِثَ جُزْءًا مِنْ دَمِ الْأَوَّلِ ، فَلَمَّا قُتِلَ وَرِثَهُ قَاتِلُ الْأَوَّلِ ، فَصَارَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ ، فَسَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ ، وَوَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى أَخِيهِ ، فَإِنْ قَتَلَهُ ، وَرِثَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ سِوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِحَقٍّ ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ ، وَجَبَتْ ، وَتَقَاصَّا بِمَا بَيْنَهُمَا ، وَمَا فَضَلَ لِأَحَدِهِمَا فَهُوَ لَهُ عَلَى أَخِيهِ .
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الزَّوْجِيَّةُ بَيْن الْأَبَوَيْنِ قَائِمَةً ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِصَاصُ لِأَخِيهِ ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ الَّذِي قَتَلَهُ أَخُوهُ وَحْدَهُ دُونَ قَاتِلِهِ ، فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا فَقَتَلَ صَاحِبَهُ ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ أَخَاهُ ؛ لِكَوْنِهِ قَتْلًا بِحَقٍّ ، فَلَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَقْتُولِ ابْنٌ ، أَوْ ابْنُ ابْنٍ يَحْجُبُ الْقَاتِلَ ، فَيَكُونَ لَهُ قَتْلُ عَمِّهِ ، وَيَرِثُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ .
وَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْمُبْتَدِئِ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُبْدَأَ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا .
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا تُسَاوَيَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، فَيَصِيرَا إلَى الْقُرْعَةِ ، وَأَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ أَوَّلًا ، إمَّا بِمُبَادَرَةٍ أَوْ قُرْعَةٍ ، وَرِثَهُ ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ ، وَسَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُوبًا عَنْ مِيرَاثِهِ كُلِّهِ ، فَلَوْ وَرِثَ الْقَتِيلُ قُتِلَ الْآخَرُ .
وَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ ، ثُمَّ قَتَلَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ الْعَافِيَ ، وَرِثَهُ أَيْضًا ، وَسَقَطَ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ .
وَإِنْ تَعَافَيَا جَمِيعًا عَلَى الدِّيَةِ ، تَقَاصَّا

بِمَا اسْتَوَيَا فِيهِ ، وَوَجَبَ لِقَاتِلِ الْأُمِّ الْفَضْلُ عَلَى قَاتِلِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّ عَقْلَ الْأُمِّ نِصْفُ عَقْلِ الْأَبِ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَسْقُطَ الْقِصَاصُ عَنْهُمَا ؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي اسْتِحْقَاقِهِ ، كَسُقُوطِ الدِّيَتَيْنِ إذَا تَسَاوَتَا ، وَلِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى اسْتِيفَائِهِمَا مَعًا ، وَاسْتِيفَاءُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ حَيْفٌ ، فَلَا يَجُوزُ ، فَتَعَيَّنَ السُّقُوطُ .
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنٌ يَحْجُبُ عَمَّهُ عَنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، وَرِثَهُ ابْنُهُ ، ثُمَّ لِابْنِهِ أَنْ يَقْتُلَ عَمَّهُ ، وَيَرِثُهُ ابْنُهُ ، وَيَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِابْنَيْنِ مَالَ أَبِيهِ وَمَالَ جَدِّهِ الَّذِي قَتَلَهُ عَمُّهُ دُونَ الَّذِي قَتَلَهُ أَبُوهُ .
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنْتٌ ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ نِصْفَ مَالِ أَخِيهِ وَنِصْفَ قِصَاصِ نَفْسِهِ ، فَسَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ ، وَوَرِثَ مَالَ أَبِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ أَخُوهُ وَنِصْفَ مَالِ أَخِيهِ وَنِصْفَ مَالِ أَبِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ ، وَوَرِثَتْ الْبِنْتُ الَّتِي قُتِلَ أَبُوهَا نِصْفَ مَالِ أَبِيهَا وَنِصْفَ مَالِ جَدِّهَا الَّذِي قَتَلَهُ عَمُّهَا ، وَلَهَا عَلَى عَمِّهَا نِصْفُ دِيَةِ قَتِيلِهِ .

( 6630 ) فَصْلٌ : أَرْبَعَةُ إخْوَةٍ ، قَتَلَ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ ، وَالثَّالِثُ الرَّابِعَ ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ الرَّابِعَ ، لَمْ يَرِثْهُ ، وَوَرِثَهُ الْأَوَّلُ وَحْدَهُ ، وَقَدْ كَانَ لِلرَّابِعِ نِصْفُ قِصَاصِ الْأَوَّلِ ، فَرَجَعَ نِصْفُ قِصَاصِهِ إلَيْهِ ، فَسَقَطَ ، وَوَجَبَ لِلثَّالِثِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَكَانَ لِلْأَوَّلِ قَتْلُ الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِثْ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ شَيْئًا ، فَإِنْ قَتَلَهُ ، وَرِثَهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، وَيَرِثُ مَا يَرِثُهُ عَنْ أَخِيهِ الثَّانِي ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِكَمَالِهَا يُقَاصُّهُ بِنِصْفِهَا .
وَإِنْ كَانَ لَهُمَا وَرَثَةٌ ، كَانَ فِيهَا مِنْ التَّفْصِيلِ مِثْلُ الَّذِي فِي الَّتِي قَبْلَهَا .

( 6631 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً ثَانِيَةً ، أَنَّ الِابْنَ لَا يُقْتَلُ بِأَبِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ بِحَقِّ النَّسَبِ ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ .
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ؛ لِلْآيَاتِ ، وَالْأَخْبَارِ ، وَمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ ، وَلِأَنَّ الْأَبَ أَعْظَمُ حُرْمَةً وَحَقًّا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ، فَإِذَا قُتِلَ بِالْأَجْنَبِيِّ ، فَبِالْأَبِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ يُحَدُّ بِقَذْفِهِ ، فَيُقْتَلُ بِهِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ آكَدُ ، وَالِابْنُ مُضَافٌ إلَى أَبِيهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ ، بِخِلَافِ الْوَالِدِ مَعَ الْوَلَدِ .
وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا حَدِيثَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ عَنْ سُرَاقَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَالَ : { لَا يُقَادُ الْأَبُ مِنْ ابْنِهِ ، وَلَا الِابْنُ مِنْ أَبِيهِ } .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ { كَانَ يُقِيدُ الْأَبَ مِنْ ابْنِهِ ، وَلَا يُقِيدُ الِابْنَ مِنْ أَبِيهِ .
} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ ؛ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ لَا نَعْرِفُهُ ، وَلَمْ نَجِدْهُ فِي كُتُبِ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ ، وَلَا أَظُنُّ لَهُ أَصْلًا ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ مُتَدَافِعَانِ ، يَجِبُ اطِّرَاحُهُمَا ، وَالْعَمَلُ بِالنُّصُوصِ الْوَاضِحَةِ الثَّابِتَةِ ، وَالْإِجْمَاعِ الَّذِي لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ .

( 6632 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا قَتَلُوا وَاحِدًا ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْقِصَاصُ ، إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ بِفِعْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يُقْتَلُونَ بِهِ ، وَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ .
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ ، وَرَبِيعَةَ ، وَدَاوُد وَابْنِ الْمُنْذِرِ .
وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، أَنَّهُ يُقْتَلُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْبَاقِينَ حِصَصُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَافِئٌ لَهُ ، فَلَا تُسْتَوْفَى أَبْدَالٌ بِمُبَدِّلٍ وَاحِدٍ ، كَمَا لَا تَجِبُ دِيَاتٌ لَمَقْتُولٍ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { الْحُرُّ بِالْحُرِّ } .
وَقَالَ : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .
فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِالنَّفْسِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْأَوْصَافِ يَمْنَعُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُؤْخَذُ بِالْعَبْدِ ، وَالتَّفَاوُتُ فِي الْعَدَدِ أَوْلَى .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا حُجَّةَ مَعَ مَنْ أَوْجَبَ قَتْلَ جَمَاعَةٍ بِوَاحِدٍ .
وَلَنَا ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، قَتَلَ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ قَتَلُوا رَجُلًا ، وَقَالَ لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا .
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَتَلَ ثَلَاثَةً

قَتَلُوا رَجُلًا .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَتَلَ جَمَاعَةً بِوَاحِدٍ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ تَجِبُ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ ، فَوَجَبَتْ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، كَحَدِّ الْقَذْفِ .
وَيُفَارِقُ الدِّيَةَ ، فَإِنَّهَا تَتَبَعَّضُ ، وَالْقِصَاصُ لَا يَتَبَعَّضُ ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ لَوْ سَقَطَ بِالِاشْتِرَاكِ ، أَدَّى إلَى التَّسَارُعِ إلَى الْقَتْلِ بِهِ ، فَيُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ حِكْمَةِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ .
( 6633 ) فَصْلٌ : وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ التَّسَاوِي فِي سَبَبِهِ ، فَلَوْ جَرَحَهُ رَجُلٌ جُرْحًا وَالْآخَرُ مِائَةً ، أَوْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا مُوضِحَةً وَالْآخَرُ آمَّةً ، أَوْ أَحَدُهُمَا جَائِفَةً وَالْآخَرُ غَيْرَ جَائِفَةٍ ، فَمَاتَ ، كَانَا سَوَاءً فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّسَاوِي يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ عَنْ الْمُشْتَرِكِينَ ، إذْ لَا يَكَادُ جُرْحَانِ يَتَسَاوَيَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَلَوْ احْتَمَلَ التَّسَاوِي لَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ ، وَلَا يَكْتَفِي بِاحْتِمَالِ الْوُجُودِ ، بَلْ الْجَهْلُ بِوُجُودِهِ كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فِي انْتِفَاءِ الْحُكْمِ ، وَلِأَنَّ الْجُرْحَ الْوَاحِدَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَمُوتَ مِنْهُ دُونَ الْمِائَةِ ، كَمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَمُوتَ مِنْ الْمُوضِحَةِ دُونَ الْآمَّةِ ، وَمِنْ غَيْرِ الْجَائِفَةِ دُونَ الْجَائِفَةِ ، وَلِأَنَّ الْجِرَاحَ إذَا صَارَتْ نَفْسًا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا ، فَكَانَ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ كَحُكْمِ الْوَاحِدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ كُلَّهَا فَمَاتَ ، وَجَبَتْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَمَاتَ .

( 6634 ) فَصْلٌ : إذَا اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ فِي قَتْلِ رَجُلٍ ، فَقَطَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ ، وَالْآخَرُ رِجْلَهُ ، وَأَوْضَحَهُ الثَّالِثُ ، فَمَاتَ ، فَلِلْوَلِيِّ قَتْلُ جَمِيعِهِمْ ، وَالْعَفْوُ عَنْهُمْ إلَى الدِّيَةِ ، فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهَا ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ وَاحِدٍ ، فَيَأْخُذَ مِنْهُ ثُلُثَ الدِّيَةِ ، وَيَقْتُلَ الْآخَرَيْنِ ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ اثْنَيْنِ ، فَيَأْخُذَ مِنْهُمَا ثُلُثِي الدِّيَةِ ، وَيَقْتُلَ الثَّالِثَ ، فَإِنْ بَرَأَتْ جِرَاحَةُ أَحَدِهِمْ ، وَمَاتَ مِنْ الْجُرْحَيْنِ الْآخَرَيْنِ ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ الَّذِي بَرَأَ جُرْحُهُ بِمِثْلِ جُرْحِهِ ، وَيَقْتُلَ الْآخَرَيْنِ ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا دِيَةً كَامِلَةً ، أَوْ يَقْتُلَ أَحَدَهُمَا وَيَأْخُذَ مِنْ الْآخَرِ نِصْفَ الدِّيَةِ ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الَّذِي بَرَأَ جُرْحُهُ ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ دِيَةَ جُرْحِهِ .
فَإِنْ ادَّعَى الْمُوضِحُ أَنَّ جُرْحَهُ بَرَأَ قَبْلَ مَوْتِهِ ، وَكَذَّبَهُ شَرِيكَاهُ ، نَظَرْت فِي الْوَلِيِّ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ ثَبَتَ حُكْمُ الْبُرْءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ، فَلَا يَمْلِكُ قَتْلَهُ ، وَلَا مُطَالَبَتَهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ مُوضِحَهُ ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَرْشَهَا ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُرْءِ فِيهَا ، لَكِنْ إنْ اخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ ، فَلَا فَائِدَةَ لَهُمَا فِي إنْكَارِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمَا ، سَوَاءٌ بَرَأَتْ أَوْ لَمْ تَبْرَأْ .
وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيْهَا .
وَإِنْ كَذَّبَهُ الْوَلِيُّ ، حَلَفَ ، وَلَهُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ ، أَوْ مُطَالَبَتُهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ شَرِيكِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثهَا .
فَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَرِيكَاهُ بِبُرْئِهَا ، لَزِمَهُمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً ؛ لِإِقْرَارِهِمَا بِوُجُوبِهَا ، وَلِلْوَلِيِّ أَخْذُهَا مِنْهُمَا إنْ صَدَّقَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا ، وَعَفَا وَلِيُّ الدِّيَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .
وَتُقْبَلُ

شَهَادَتُهُمَا لَهُ ، إنْ كَانَا قَدْ تَابَا وَعُدِّلَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا بِذَلِكَ نَفْعًا ، فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ مُوضِحَةٍ .

( 6635 ) فَصْلٌ : إذَا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ ، ثُمَّ قَطَعَهَا آخَرُ مِنْ الْمَرْفِقِ ، ثُمَّ مَاتَ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَتْ جِرَاحَةُ الْأَوَّلِ بَرَأَتْ قَبْلَ قَطْعِ الثَّانِي ، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ ، وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ، أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً ، إنْ عَفَا عَنْ قَتْلِهِ ، وَلَهُ قَطْعُ يَدِ الْأَوَّلِ ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَإِنْ لَمْ تَبْرَأْ ، فَهُمَا قَاتِلَانِ ، وَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ، وَإِنْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي وَحْدَهُ ، وَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ فِي النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الثَّانِي قَطْعُ سِرَايَةٍ ، قَطَعَهُ وَمَاتَ بَعْدَ زَوَالِ جِنَايَتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ جُرْحُهُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ قَطَعَهُ الثَّانِي عَقِيبَ قَطْعِ الْأَوَّلِ ، قُتِلَا جَمِيعًا ، وَإِنْ عَاشَ بَعْدَ قَطْعِ الْأَوَّلِ حَتَّى أَكَلَ وَشَرِبَ ، وَمَاتَ عَقِيبَ قَطْعِ الثَّانِي ، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ ، وَإِنْ عَاشَ بَعْدَهُمَا حَتَّى أَكَلَ وَشَرِبَ ، فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى أَيِّهِمَا شَاءُوا وَيَقْتُلُوهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا قَطْعَانِ لَوْ مَاتَ بَعْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، فَإِذَا مَاتَ بَعْدَهُمَا ، وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ الثَّانِيَ لَا يَمْنَعُ جِنَايَتَهُ بَعْدَهُ ، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدَيْنِ ، وَلَا نُسَلِّمُ زَوَالَ جِنَايَتِهِ ، وَلَا قَطْعَ سِرَايَته ، فَإِنَّ الْأَلَمَ الْحَاصِلَ بِالْقَطْعِ الْأَوَّلِ لَمْ يَزُلْ ، وَإِنَّمَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْأَلَمُ الثَّانِي ، فَضَعُفَتْ النَّفْسُ عَنْ احْتِمَالِهِمَا ، فَزَهَقَتْ بِهِمَا ، فَكَانَ الْقَتْلُ بِهِمَا .
وَيُخَالِفُ الِانْدِمَالَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَهُ الْأَلَمُ الَّذِي حَصَلَ فِي الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ ، فَاخْتَلَفَا .
فَإِنْ ادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّ جُرْحَهُ انْدَمَلَ ، فَصَدَّقَهُ الْوَلِيُّ ، سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ ، وَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ

فِي الْيَدِ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ شَرِيكُهُ ، وَاخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ ، فَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِي تَكْذِيبِهِ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ وَاجِبٌ ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ .
وَإِنْ كَذَّبَ الْوَلِيُّ الْأَوَّلَ ، حَلَفَ ، وَكَانَ لَهُ قَتْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ .
وَلَوْ ادَّعَى الثَّانِي انْدِمَالَ جُرْحِهِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْأَوَّلِ إذَا ادَّعَى ذَلِكَ .

( 6636 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَطَعُوا يَدًا ، قُطِعَتْ نَظِيرَتُهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا اشْتَرَكُوا فِي جُرْحٍ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى جَمِيعِهِمْ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا تُقْطَعُ يَدَانِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ .
وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ وَجْهًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ .
وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْأَطْرَافَ لَا تُؤْخَذُ بِطَرَفٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِيهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الصَّحِيحَةَ بِالشَّلَّاءِ ، وَلَا كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَتِهَا ، وَلَا أَصْلِيَّةً بِزَائِدَةٍ ، وَلَا زَائِدَةً بِأَصْلِيَّةٍ ، وَلَا يَمِينًا بِيَسَارٍ ، وَلَا يَسَارًا بِيَمِينٍ ، وَلَا نُسَاوِي بَيْنَ الطَّرَفِ وَالْأَطْرَافِ ، فَوَجَبَ امْتِنَاعُ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِي النَّفْسِ ، فَإِنَّنَا نَأْخُذُ الصَّحِيحَ بِالْمَرِيضِ ، وَصَحِيحَ الْأَطْرَافِ بِمَقْطُوعِهَا وَأَشَلَّهَا ، وَلِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ التَّسَاوِي فِي نَفْسِ الْقَطْعِ ، بِحَيْثُ لَوْ قَطَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبٍ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، بِخِلَافِ النَّفْسِ ، وَلِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ يَقَعُ كَثِيرًا ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ زَجْرًا عَنْهُ ، كَيْ لَا يُتَّخَذَ وَسِيلَةً إلَى كَثْرَةِ الْقَتْلِ ، وَالِاشْتِرَاكُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ لَا يَقَعُ إلَّا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ .
وَلِأَنَّ إيجَابَ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ فِي النَّفْسِ يَحْصُلُ بِهِ الزَّجْرُ عَنْ كُلِّ اشْتِرَاكٍ ، أَوْ عَنْ الِاشْتِرَاكِ الْمُعْتَادِ ، وَإِيجَابُهُ عَنْ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الطَّرَفِ ، لَا يَحْصُلُ بِهِ الزَّجْرُ عَنْ الِاشْتِرَاكِ الْمُعْتَادِ ، وَلَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ الِاشْتِرَاكِ ، إلَّا عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةِ الْوُقُوعِ بَعِيدَةِ الْوُجُودِ

، يُحْتَاجُ فِي وُجُودِهَا إلَى تَكَلُّفٍ ، فَإِيجَابُ الْقِصَاصِ لِلزَّجْرِ عَنْهَا يَكُونُ مَنْعًا لَشَيْءٍ مُمْتَنِعٍ بِنَفْسِهِ لِصُعُوبَتِهِ ، وَإِطْلَاقًا فِي الْقَطْعِ السَّهْلِ الْمُعْتَادِ بِنَفْيِ الْقِصَاصِ عَنْ فَاعِلِهِ ، وَهَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، بِخِلَافِ الِاشْتِرَاكِ فِي النَّفْسِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمَاعَةِ بِوَاحِدٍ فِي النَّفْسِ وَالطَّرَفِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، لِكَوْنِهِ يَأْخُذُ فِي الِاسْتِيفَاءِ زِيَادَةً عَلَى مَا فَوَّتَ عَلَيْهِ ، وَيُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ الْمَنْصُوصِ عَلَى النَّهْيِ عَمَّا عَدَاهُ ، وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا الْأَصْلُ فِي الْأَنْفُسِ ، زَجْرًا عَنْ الِاشْتِرَاكِ الَّذِي يَقَعُ الْقَتْلُ بِهِ غَالِبًا ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَجِبُ الْبَقَاءُ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ ، وَلِأَنَّ النَّفْسَ أَشْرَفُ مِنْ الطَّرَفِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا بِأَخْذِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ ، الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَا دُونَهَا بِذَلِكَ .
وَلَنَا ، مَا رُوِيَ أَنَّ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ ، فَقَطَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ جَاءَا بِآخَرَ ، فَقَالَا : هَذَا هُوَ السَّارِقُ وَأَخْطَأْنَا فِي الْأَوَّلِ .
فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا عَلَى الثَّانِي ، وَغَرَّمَهُمَا دِيَةَ الْأَوَّلِ ، وَقَالَ : لَوْ عَلِمْت أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا ، لَقَطَعْتُكُمَا .
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقِصَاصَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ تَعَمَّدَا قَطْعَ يَدٍ وَاحِدَةٍ .
وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَتُؤْخَذُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ كَالْأَنْفُسِ ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ التَّسَاوِي ، فَمِثْلُهُ فِي الْأَنْفُسِ ، فَإِنَّنَا نَعْتَبِرُ التَّسَاوِي فِيهَا ، فَلَا نَأْخُذُ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ ، وَلَا حُرًّا بِعَبْدٍ ، وَأَمَّا أَخْذُ صَحِيحِ الْأَطْرَافِ بِمَقْطُوعِهَا ، فَلِأَنَّ الطَّرَفَ لَيْسَ هُوَ مِنْ النَّفْسِ الْمُقْتَصِّ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا يَفُوتُ تَبَعًا ؛ وَلِذَلِكَ كَانَتْ دِيَتُهُمَا وَاحِدَةً ، بِخِلَافِ الْيَدِ النَّاقِصَةِ وَالشَّلَّاءِ مَعَ الصَّحِيحَةِ ، فَإِنَّ دِيَتَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ .
وَأَمَّا اعْتِبَارُ التَّسَاوِي فِي الْفِعْلِ ،

فَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي الْيَدِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهَا بِالْقَطْعِ ، فَإِذَا قَطَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ جَانِبٍ ، كَانَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا عَنْ فِعْلِ صَاحِبِهِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَى إنْسَانٍ قَطْعُ مَحَلٍّ لَمْ يَقْطَعْ مِثْلَهُ ، وَأَمَّا النَّفْسُ ، فَلَا يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهَا بِالْفِعْلِ ، وَإِنَّمَا أَفْعَالُهُمْ فِي الْبَدَنِ ، فَيُفْضِي أَلَمُهُ إلَيْهَا فَتَزْهَقُ ، وَلَا يَتَمَيَّزُ أَلَمُ فِعْلِ أَحَدِهِمَا مِنْ أَلَمِ فِعْلِ الْآخَرِ ، فَكَانَا كَالْقَاطِعَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْتَوْفِي مِنْ الطَّرَفِ إلَّا فِي الْمَفْصِلِ الَّذِي قَطَعَ الْجَانِي مِنْهُ ، وَلَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهُ ، وَفِي النَّفْسِ لَوْ قَتَلَهُ بِجُرْحٍ فِي بَطْنِهِ أَوْ جَنْبِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، كَانَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ الْعُنُقِ دُونَ الْمَحَلِّ الَّذِي وَقَعَتْ الْجِنَايَةُ فِيهِ .
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ فِي الطَّرَفِ ، إذَا اشْتَرَكُوا فِيهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ فِعْلُ أَحَدِهِمْ عَنْ فِعْلِ الْآخَرِ ؛ إمَّا بِأَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ قَطْعَهُ ، فَيُقْطَعُ ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَنْ الشَّهَادَةِ ، أَوْ يُكْرِهُوا إنْسَانًا عَلَى قَطْعِ طَرَفٍ ، فَيَجِبُ قَطْعُ الْمُكْرِهِينَ كُلِّهِمْ وَالْمُكْرَهُ ، أَوْ يُلْقُوا صَخْرَةً عَلَى طَرَفِ إنْسَانٍ ، فَيَقْطَعُهُ ، أَوْ يَقْطَعُوا يَدًا يَقْلَعُوا عَيْنًا ، بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ يَضَعُوا حَدِيدَةً عَلَى مَفْصِلٍ ، وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْهَا جَمِيعًا ، أَوْ يَمُدُّوهَا ، فَتَبِينُ ، فَإِنْ قَطَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ جَانِبٍ ، أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمْ بَعْضَ الْمَفْصِلِ ، وَأَتَمَّهُ غَيْرُهُ أَوْ ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ ضَرْبَةً ، أَوْ وَضَعُوا مِنْشَارًا عَلَى مَفْصِلِهِ ، ثُمَّ مَدَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَيْهِ مَرَّةً حَتَّى بَانَتْ الْيَدُ ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَقْطَعْ الْيَدَ ، وَلَمْ يُشَارِكْ فِي قَطْعِ جَمِيعِهَا ، وَإِنْ كَانَ فِعْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ بِمُفْرَدِهِ ، اُقْتُصَّ مِنْهُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .

( 6637 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَتَلَ الْأَبُ وَغَيْرُهُ عَمْدًا .
قُتِلَ مَنْ سِوَى الْأَبِ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ تَرَكَّبَ مِنْ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ ، كَقَتْلِ الْعَامِدِ وَالْخَاطِئِ ، وَالصَّبِيِّ وَالْبَالِغِ ، وَالْمَجْنُونِ وَالْعَاقِلِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِيمَنْ يُقْتَلُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، كَشَرِيكِ الْأَجْنَبِيِّ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِعْلَ الْأَبِ غَيْرُ مُوجِبٍ ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ لِكَوْنِهِ تَمَحَّضَ عَمْدًا عُدْوَانًا ، وَالْجِنَايَةُ بِهِ أَعْظَمُ إثْمًا ، وَأَكْثَرُ جُرْمًا ؛ وَلِذَلِكَ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّهْيِ عَنْهُ ، فَقَالَ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ } .
ثُمَّ قَالَ : { إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا } .
وَلَمَّا { سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَعْظَمِ الذَّنْبِ ، قَالَ : أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك ، ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يُطْعَمَ مَعَك } .
فَجَعَلَهُ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ بَعْدَ الشِّرْكِ ، وَلِأَنَّهُ قَطَعَ الرَّحِمَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِصِلَتِهَا ، وَوَضَعَ الْإِسَاءَةَ مَوْضِعَ الْإِحْسَانِ ، فَهُوَ أَوْلَى بِإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الْأَبِ لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِالْمَحَلِّ ، لَا لِقُصُورٍ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَمَلُهُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَا مَانِعَ فِيهِ ، وَأَمَّا شَرِيكُ الْخَاطِئِ ، فَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ ، وَمَعَ التَّسْلِيمِ فَامْتِنَاعُ الْوُجُوبِ فِيهِ لِقُصُورِ السَّبَبِ عَنْ الْإِيجَابِ ، فَإِنَّ فِعْلَ الْخَاطِئِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ ، وَلَا صَالِحٍ لَهُ وَالْقَتْلُ مِنْهُ وَمِنْ شَرِيكِهِ غَيْرُ مُتَمَحِّضٍ عَمْدًا ؛ لِوُقُوعِ الْخَطَأِ فِي الْفِعْلِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ زَهُوقُ النَّفْسِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .

( 6638 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ شَرِيكَيْنِ امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا ، لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ غَيْرِ قُصُورٍ فِي السَّبَبِ فَهُوَ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِهِ كَالْأَبِ وَشَرِيكِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِكَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فِي قَتْلِ عَبْدٍ ، عَمْدًا عُدْوَانًا ، فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْحُرِّ ، وَيَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْعَبْدِ ، إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهِ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْقِصَاصِ عَنْ الْمُسْلِمِ لِإِسْلَامِهِ ، وَعَنْ الْحُرِّ لِحُرِّيَّتِهِ ، وَانْتِقَاءِ مُكَافَأَةِ الْمَقْتُولِ لَهُ ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَعَدَّى إلَى فِعْلِهِ ، وَلَا إلَى شَرِيكِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ عَنْهُ .
وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : سَأَلْت أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ قَتَلَا عَبْدًا عَمْدًا ، قَالَ : أَمَّا الْحُرُّ فَلَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ ، وَعَلَى الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ فِي مَالِهِ ، وَالْعَبْدُ إنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَسْلَمَهُ ، وَإِلَّا فَدَاهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ .
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى الْعَبْدِ ، فَيُخَرَّجُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ قَتْلٍ شَارَكَ فِيهِ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ .

( 6639 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَبَالِغٌ ، لَمْ يُقْتَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، وَعَلَى الْعَاقِلِ ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَعِتْقُ رَقَبَتَيْنِ فِي أَمْوَالِهِمَا ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُمَا خَطَأٌ ) أَمَّا إذَا شَارَكُوا فِي الْقَتْلِ مَنْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ ؛ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ .
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْقَوَدَ يَجِبُ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ .
حَكَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ .
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ .
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَحَمَّادٍ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ تَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءً لِفِعْلِهِ ، فَمَتَى كَانَ فِعْلُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ ، وَلَا نَنْظُرُ إلَى فِعْلِ شَرِيكِهِ بِحَالٍ ، وَلِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، كَشَرِيكِ الْأَجْنَبِيِّ ، وَذَلِكَ ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُؤْخَذُ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ .
فَعَلَى هَذَا ، يُعْتَبَرُ فِعْلُ الشَّرِيكِ مُنْفَرِدًا ، فَمَتَى تَمَحَّضَ عَمْدًا عُدْوَانًا ، وَكَانَ الْمَقْتُولُ مُكَافِئًا لَهُ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ .
وَبَنَى الشَّافِعِيُّ قَوْلَهُ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إذَا تَعَمَّدَاهُ عَمْدٌ ؛ لِأَنَّهُمَا يَقْصِدَانِ الْقَتْلَ ، وَإِنَّمَا سُقُوطُ الْقِصَاصِ عَنْهُمَا لِمَعْنًى فِيهِمَا ، وَهُوَ عَدَمُ التَّكْلِيفِ ، فَلَمْ يَقْتَضِ سُقُوطَهُ عَنْ شَرِيكِهِمَا ، كَالْأُبُوَّةِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ شَارَكَ مَنْ لَا مَأْثَمَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قِصَاصٌ ، كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا قَصْدَ لَهُمَا صَحِيحٌ ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُمَا ، فَكَانَ حُكْمُ

فِعْلِهِمَا حُكْمَ الْخَطَأِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : عَمْدُهُمَا خَطَأٌ أَيْ فِي حُكْمِ الْخَطَأِ فِي انْتِفَاءِ الْقِصَاصِ عَنْهُ ، وَمَدَارِ دِيَتِهِ ، وَحَمْلِ عَاقِلَتِهِمَا إيَّاهَا ، وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهَا ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ الْمَحَلِّ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِهِ ، وَالْمَحَلُّ الْمُتْلَفُ وَاحِدٌ ، فَكَانَتْ دِيَتُهُ وَاحِدَةً ، وَلِأَنَّهَا تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ ، أَمَّا الْقِصَاصُ ، فَإِنَّمَا كَمُلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْفِعْلِ ، وَأَفْعَالُهُمْ مُتَعَدِّدَةٌ ، فَتَعَدَّدَ فِي حَقِّهِمْ ، وَكَمُلَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ ، كَمَا لَوْ قَذَفَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا ، إلَّا أَنَّ الثُّلُثَ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ يَلْزَمُ فِي مَالِهِ حَالًّا ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ عَمْدٌ ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ ، وَمَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِمَا ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُمَا خَطَأٌ ، وَالْعَاقِلَةُ تَحْمِلُ جِنَايَةَ الْخَطَأِ إذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ الدِّيَةِ ، وَتَكُونُ مُؤَجَّلَةً عَامًا ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ مَتَى كَانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ ، كَانَ أَجَلُهُ عَامًا ، وَيَلْزَمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْكَفَّارَةُ مِنْ مَالِهِ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا خَطَأٌ ، وَالْقَاتِلُ الْخَاطِئُ وَالْمُشَارِكُ فِي الْقَتْلِ خَطَأً ، يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ بَدَلًا عَنْ الْمَحَلِّ ، وَلِهَذَا لَمْ تَخْتَلِفْ ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ تَكْفِيرًا لِلْفِعْلِ ، وَمَحْوًا لِأَثَرِهِ ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُهَا ، كَالْقِصَاصِ .

( 6640 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى ، وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ، وَغَيْرُهُمْ .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ ، وَيُعْطِي أَوْلِيَاؤُهُ نِصْفَ الدِّيَةِ .
أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ .
وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ أَحْمَدَ .
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ .
وَحُكِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ .
وَلَعَلَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَحْتَجُّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّ عَقْلَهَا نِصْفُ عَقْلِهِ ، فَإِذَا قُتِلَ بِهَا بَقِيَ لَهُ بَقِيَّةٌ ، فَاسْتُوْفِيَتْ مِمَّنْ قَتَلَهُ .
وَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .
وَقَوْلُهُ : { الْحُرُّ بِالْحُرِّ } .
مَعَ عُمُومِ سَائِرِ النُّصُوصِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَتَلَ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ } .
وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالْأَسْنَانُ ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ .
} وَهُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ عِنْد أَهْلِ الْعِلْمِ ، مُتَلَقًّى بِالْقَبُولِ عِنْدَهُمْ ، وَلِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ يُحَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَذْفِ صَاحِبِهِ ، فَقُتِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ ، كَالرَّجُلَيْنِ ، وَلَا يَجِبُ مَعَ الْقِصَاصِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ قِصَاصٌ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَجِبْ مَعَهُ شَيْءٌ عَلَى الْمُقْتَصِّ ، كَسَائِرِ الْقِصَاصِ ، وَاخْتِلَافُ الْأَبْدَالِ لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي الْقِصَاصِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ ، وَالنَّصْرَانِيَّ يُؤْخَذُ بِالْمَجُوسِيِّ ، مَعَ اخْتِلَافِ دِينَيْهِمَا ، وَيُؤْخَذُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، مَعَ اخْتِلَافِ قِيمَتِهِمَا .

( 6641 ) فَصْلٌ : وَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِالْخُنْثَى ، وَيُقْتَلُ بِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى .

( 6642 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْسِ قِصَاصٌ ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا فِي الْجِرَاحِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كُلَّ شَخْصَيْنِ جَرَى بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ، جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَطْرَافِ ، فَيُقْطَعُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، وَالذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ ، وَالذَّكَرُ بِالْأُنْثَى ، وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ ، وَيُقْطَعُ النَّاقِصُ بِالْكَامِلِ ، كَالْعَبْدِ بِالْحُرِّ ، وَالْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ .
وَمَنْ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ ، لَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ ، فَلَا يُقْطَعُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ، وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ ، وَلَا وَالِدٌ بِوَلَدٍ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قِصَاصَ فِي الطَّرَفِ بَيْن مُخْتَلِفِي الْبَدَلِ ، فَلَا يُقْطَعُ الْكَامِلُ بِالنَّاقِصِ ، وَلَا النَّاقِصُ بِالْكَامِلِ ، وَلَا الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ ، وَلَا الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ ، وَلَا الْحُرُّ بِالْعَبْدِ ، وَلَا الْعَبْدُ بِالْحُرِّ ، وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ ، وَالْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ التَّكَافُؤَ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَطْرَافِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحِيحَةَ لَا تُؤْخَذُ بِالشَّلَّاءِ ، وَلَا الْكَامِلَةَ بِالنَّاقِصَةِ ، فَكَذَا لَا يُؤْخَذ طَرَفُ الرَّجُلِ بِطَرَفِ الْمَرْأَةِ ، وَلَا يُؤْخَذُ طَرَفُهَا بِطَرَفِهِ ، كَمَا لَا تُؤْخَذُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى .
وَلَنَا ، أَنَّ مَنْ جَرَى بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ، جَرَى ، فِي الطَّرَفِ ، كَالْحُرَّيْنِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ ، فَإِنَّ التَّكَافُؤَ مُعْتَبَرٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِمُسْتَأْمِنٍ ، ثُمَّ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْخُذَ النَّاقِصَةَ بِالْكَامِلَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ قَدْ وُجِدَتْ وَزِيَادَةٌ ، فَوَجَبَ أَخْذُهَا بِهَا إذَا رَضِيَ الْمُسْتَحِقُّ ، كَمَا تُؤْخَذُ نَاقِصَةُ الْأَصَابِعِ بِكَامِلَةِ الْأَصَابِعِ ، وَأَمَّا الْيَسَارُ وَالْيَمِينُ ، فَيَجْرِيَانِ مَجْرَى النَّفْسِ ، لِاخْتِلَافِ مَحَلَّيْهِمَا ؛ وَلِهَذَا

اسْتَوَى بَدَلُهُمَا ، فَعُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ نَاقِصَةً عَنْهَا شَرْعًا ، وَلَا الْعِلَّةُ فِيهِمَا ذَلِكَ .

( 6643 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَتَلَاهُ ، وَأَحَدُهُمَا مُخْطِئٌ ، وَالْآخَرُ مُتَعَمِّدٌ ، فَلَا قَوَدَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَعَلَى الْعَامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُخْطِئِ نِصْفُهَا ، وَعَلَيْهِ فِي مَالِهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) أَمَّا الْمُخْطِئُ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ؛ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } .
وَأَمَّا السُّنَّةِ ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ } .
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا شَرِيكُهُ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ عَلَيْهِ قِصَاصًا .
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ .
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، كَشَرِيكِ الْعَامِدِ ؛ وَلِأَنَّ مُؤَاخَذَتَهُ بِفِعْلِهِ ، وَفِعْلُهُ عَمْدٌ وَعُدْوَانٌ لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ وَلَنَا ، أَنَّهُ قَتْلٌ لَمْ يَتَمَحَّضُ عَمْدًا ، فَلَمْ يُوجِبْ الْقِصَاصَ ، كَشِبْهِ الْعَمْدِ ، وَكَمَا لَوْ قَتَلَهُ وَاحِدٌ بِجُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مُبَاشِرٌ وَمُتَسَبِّبٌ ، فَإِذَا كَانَا عَامِدَيْنِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مُتَسَبِّبٌ إلَى فِعْلٍ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ ، فَقَامَ فِعْلُ شَرِيكِهِ مَقَامَ فِعْلِهِ لِتَسَبُّبِهِ إلَيْهِ ، وَهَا هُنَا إذَا أَقَمْنَا الْمُخْطِئَ مُقَامَ الْعَامِدِ ، صَارَ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ بِعَمْدٍ وَخَطَأٍ ، وَهَذَا غَيْرُ مُوجِبٍ .

( 6644 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى شَرِيكِ نَفْسِهِ وَشَرِيكِ السَّبْع ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، ذَكَرَهُمَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ ، وَصُورَةُ ذَلِكَ ، أَنْ يَجْرَحَهُ سَبُعٌ أَوْ يَجْرَحَهُ إنْسَانٌ عَمْدًا ، إمَّا قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ ، فَيَمُوتَ مِنْهُمَا ، أَوْ يَجْرَحَ نَفْسَهُ عَمْدًا ، ثُمَّ يَجْرَحَهُ غَيْرُهُ عَمْدًا ، فَيَمُوتَ مِنْهُمَا ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُشَارِكِ لَهُ قِصَاصٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .
وَاخْتُلِفَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِيهِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْزَمَهُ قِصَاصٌ ، كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ تَرَكَّبَ مِنْ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ ، كَالْقَتْلِ الْحَاصِلِ مِنْ عَمْدٍ وَخَطَأٍ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجِبْ عَلَى شَرِيكِ الْخَاطِئِ وَفِعْلُهُ مَضْمُونٌ ، فَلَأَنْ لَا يَجِبَ عَلَى شَرِيكِ مَنْ لَا يُضْمَنُ فِعْلُهُ أَوْلَى .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي ، عَلَيْهِ الْقِصَاصُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا جَرَحَهُ رَجُلٌ ، ثُمَّ جَرَحَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ ، فَمَاتَ ، فَعَلَى شَرِيكِهِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ عَمْدٌ مُتَمَحِّضٌ ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الشَّرِيكِ فِيهِ ، كَشَرِيكِ الْأَبِ ، فَأَمَّا إنْ جَرَحَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ خَطَأً ، كَأَنَّهُ أَرَادَ ضَرْبَ جَارِحَةٍ ، فَأَصَابَ نَفْسَهُ ، أَوْ خَاطَ جُرْحَهُ ، فَصَادَفَ اللَّحْمَ الْحَيَّ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى شَرِيكِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي شَرِيكِ الْخَاطِئِ .

( 6645 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَرَحَهُ إنْسَانٌ ، فَتَدَاوَى بِسُمٍّ فَمَاتَ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ سُمَّ سَاعَةٍ يَقْتُلُ فِي الْحَالِ ، فَقَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ ، وَقَطَعَ سِرَايَةَ الْجُرْحِ ، وَجَرَى مَجْرَى مَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ جُرِحَ ، وَنَنْظُرُ فِي الْجُرْحِ ، فَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ ، فَلِوَلِيِّهِ اسْتِيفَاؤُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لَهُ ، فَلِوَلِيِّهِ الْأَرْشُ ، وَإِنْ كَانَ السُّمُّ لَا يَقْتُلُ فِي الْغَالِبِ ، وَقَدْ يَقْتُلُ ، بِفِعْلِ الرَّجُلِ فِي نَفْسِهِ عَمْدُ خَطَأٍ ، وَالْحُكْمُ فِي شَرِيكِهِ كَالْحُكْمِ فِي شَرِيكِ الْخَاطِئِ ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، فَعَلَى الْجَارِحِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَإِنْ كَانَ السُّمُّ يَقْتُلُ غَالِبًا بَعْدَ مُدَّةٍ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَمْدَ الْخَطَأِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ ، إنَّمَا قَصَدَ التَّدَاوِيَ ، فَيَكُونُ كَاَلَّذِي قَتَلَهُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْعَمْدِ ، فَيَكُونَ فِي شَرِيكِهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ .
وَإِنْ جُرِحَ رَجُلٌ ، فَخَاطَ جُرْحَهُ ، أَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ فَخَاطَهُ لَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ شَرِبَ سُمًّا يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَ ، عَلَى مَا مَضَى فِيهِ .
وَإِنْ خَاطَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كُرْهًا ، فَهُمَا قَاتِلَانِ عَلَيْهِمَا الْقَوَدُ .
وَإِنْ خَاطَهُ وَلِيُّهُ ، أَوْ الْإِمَامُ ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ ، فَهُمَا كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا عَلَيْهِ وِلَايَةٌ ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا جَائِزٌ لَهُمَا ، إذْ لَهُمَا مُدَاوَاتُهُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خَطَأً .
وَهَلْ عَلَى الْجَارِحِ الْقَوَدُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى شَرِيكِ الْخَاطِئِ .

( 6646 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَدِيَةُ الْعَبْدِ قِيمَتُهُ ، وَإِنْ بَلَغَتْ دِيَاتٌ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ فِي الْعَبْدِ ، الَّذِي لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ دِيَةَ الْحُرِّ ، قِيمَتَهُ .
وَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ دِيَةَ الْحُرِّ أَوْ زَادَتْ عَلَيْهَا ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، إلَى أَنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ ، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ ، وَإِنْ بَلَغَتْ دِيَاتٍ ، عَمْدًا كَانَ الْقَتْلُ أَوْ خَطَأً ، سَوَاءٌ ضَمِنَ بِالْيَدِ أَوْ بِالْجِنَايَةِ .
وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي يُوسُفَ .
وَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا تَبْلُغُ بِهِ دِيَةَ الْحُرِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُنْتَقَصُ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ دِينَارًا ، أَوْ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ ، الْقَدْرَ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ ، وَهَذَا إذَا ضَمِنَ بِالْجِنَايَةِ ، وَإِنْ ضَمِنَ بِالْيَدِ ، بِأَنْ يَغْصِبَ عَبْدًا فَيَمُوتَ فِي يَدِهِ ، فَإِنَّ قِيمَتَهُ تَجِبُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ .
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ ضَمَانُ آدَمِيٍّ ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ ، كَضَمَانِ الْحُرِّ ؛ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ فِي الْحُرِّ دِيَةً لَا تَزِيدُ ، وَهُوَ أَشْرَفُ لِخُلُوصِهِ مِنْ نَقِيصَةِ الرِّقِّ ، كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْعَبْدِ الْمَنْقُوصِ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا ، فَنَجْعَلُ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ مِعْيَارًا لِلْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهِ ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الدِّيَةِ ، فَإِذَا زَادَ ، عَلِمْنَا خَطَأَ ذَلِكَ ، فَنَرُدُّهُ إلَى دِيَةِ الْحُرِّ ، كَأَرْشِ مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ ، يَجِبُ فِيهِ مَا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْشِ الْمُوضِحَةِ ، فَنَرُدُّهُ إلَيْهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ ، فَيُضْمَنُ بِكَمَالِ قِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ ، كَالْفَرَسِ ، أَوْ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ ، فَكَانَتْ جَمِيعَ الْقِيمَةِ ، كَمَا لَوْ

ضَمِنَهُ بِالْيَدِ ، وَيُخَالِفُ الْحُرَّ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَضْمُونِ بِالْقِيمَةِ ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ بِمَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ ، وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْحُرِّ لَيْسَ بِضَمَانِ مَالٍ ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ ، وَهَذَا ضَمَانُ مَالٍ ، يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْمَالِيَّةِ ، وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهَا ، فَاخْتَلَفَا .
وَقَدْ حَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يُبْلَغُ بِالْعَبْدِ دِيَةُ الْحُرِّ .
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .

بَاب الْقَوَدِ الْقَوَدُ : الْقِصَاصُ .
وَلَعَلَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَصَّ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ يُقَادُ بِشَيْءٍ يُرْبَطُ فِيهِ أَوْ بِيَدِهِ إلَى الْقَتْلِ ، فَسُمِّيَ الْقَتْلُ قَوَدًا لِذَلِكَ ( 6647 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ شَقَّ بَطْنَهُ ، فَأَخْرَجَ حَشْوَتَهُ ، فَقَطَعَهَا ، فَأَبَانَهَا مِنْهُ ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ .
وَلَوْ شَقَّ بَطْنَهُ ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ ، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَعِيشُ مِثْلُهُ ، وَالثَّانِيَ قَدْ يَعِيشُ مِثْلُهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا جَنَى عَلَيْهِ اثْنَانِ جِنَايَتَيْنِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَخْرَجَتْهُ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ ، مِثْلُ قَطْعِ حَشْوَتِهِ ، أَيْ مَا فِي بَطْنِهِ ، وَإِبَانَتِهَا مِنْهُ ، أَوْ ذَبْحِهِ ، ثُمَّ ضَرْبِ عُنُقِهِ الثَّانِي فَالْأَوَّلُ هُوَ الْقَاتِلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَ جِنَايَتِهِ حَيَاةٌ ، وَالْقَوَدُ عَلَيْهِ خَاصَّةً ، وَعَلَى الثَّانِي التَّعْزِيرُ ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَيِّتٍ .
وَإِنْ عَفَا الْوَلِيُّ إلَى الدِّيَةِ ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ وَحْدَهُ .
وَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ يَجُوزُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ مَعَهُ ، مِثْلُ شَقِّ الْبَطْنِ مِنْ غَيْرِ إبَانَةِ الْحَشْوَةِ ، أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ ، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ الْأَوَّلُ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ ، فَيَكُونُ الثَّانِي هُوَ الْمُفَوِّتُ لَهَا ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ، وَالدِّيَةُ كَامِلَةً وَإِنْ عَفَا عَنْهُ .
ثُمَّ نَنْظُرُ فِي جُرْحِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ ، كَقَطْعِ الطَّرَفِ ، فَالْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَطْعِ طَرَفِهِ وَالْعَفْوِ عَنْ دِيَتِهِ مُطْلَقًا ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، كَالْجَائِفَةِ وَنَحْوِهَا ، فَعَلَيْهِ الْأَرْشُ .
وَإِنَّمَا جَعَلْنَا عَلَيْهِ الْقِصَاصَ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الثَّانِي قَطَعَ سِرَايَةِ جِرَاحِهِ ، فَصَارَ كَالْمُنْدَمِلِ الَّذِي لَا يَسْرِي .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .
وَلَوْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ يُفْضِي إلَى

الْمَوْتِ لَا مَحَالَةَ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ ، وَتَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ ، مِثْلَ خَرْقِ الْمِعَى ، أَوْ أُمِّ الدِّمَاغِ ، فَضَرَبَ الثَّانِي عُنُقَهُ ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً .
وَقِيلَ : هُوَ فِي حُكْمِ الْحَيَاةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ ، لَمَّا جُرِحَ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّبِيبُ فَسَقَاهُ لَبَنًا ، فَخَرَجَ يَصْلُدُ ، فَعَلِمَ الطَّبِيبُ أَنَّهُ مَيِّتٌ ، فَقَالَ : اعْهَدْ إلَى النَّاسِ .
فَعَهِدَ إلَيْهِمْ ، وَأَوْصَى ، وَجَعَلَ الْخِلَافَةَ إلَى أَهْلِ الشُّورَى ، فَقَبِلَ الصَّحَابَةُ عَهْدَهُ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ وَصَايَاهُ وَعَهْدِهِ .
فَلَمَّا كَانَ حُكْمُ الْحَيَاةِ بَاقِيًا ، كَانَ الثَّانِي مُفَوِّتًا لَهَا ، فَكَانَ هُوَ الْقَاتِلَ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ عَلِيلًا لَا يُرْجَى بُرْءُ عِلَّتِهِ .

( 6648 ) فَصْلٌ : إذَا أُلْقِي رَجُلٌ مِنْ شَاهِقٍ ، فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفِ فَقَتَلَهُ ، فَالْقِصَاصُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاتَهُ قَبْلَ الْمَصِيرِ إلَى حَالٍ يَئِسُوا فِيهَا مِنْ حَيَاتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ إنْسَانٌ بِسَهْمٍ قَاتِلٍ ، فَقَطَعَ آخَرُ عُنُقَهُ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ ، أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ صَخْرَةً ، فَأَطَارَ آخَرُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ وُقُوعِهَا عَلَيْهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ رَمَاهُ مِنْ مَكَان يَجُوزُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ ، وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ شَاهِقٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ الْوَاقِعُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، كَقَوْلِنَا .
وَالثَّانِي الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا بِالْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ عِنْدَ سُقُوطِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِلْإِتْلَافِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الرَّمْيَ سَبَبٌ وَالْقَتْلَ مُبَاشَرَةٌ ، فَانْقَطَعَ حُكْمُ السَّبَبِ ، كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ ، وَالْجَارِحِ مَعَ الذَّابِحِ ، وَكَالصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَا .
وَمَا ذَكَرُوهُ بَاطِلٌ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، ثُمَّ عَادَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْدَمِلَ جِرَاحُهُ ، قُتِلَ ، وَلَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ وَلَا رِجْلَاهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، قَالَ : إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ .
فَإِنْ عَفَا عَنْهُ الْوَلِيُّ ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا جَرَحَ رَجُلًا ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ ، فَالْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ ، فَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ ؛ لَا يَسْتَوْفِي إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ .
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ .
} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ أَحَدُ بَدَلَيْ النَّفْسِ ، فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ ، كَالدِّيَةِ ، فَإِنَّهُ لَوْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ ، لَمْ تَجِبْ إلَّا دِيَةُ النَّفْسِ ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ تَعْطِيلُ الْكُلِّ ، وَإِتْلَافُ الْجُمْلَةِ ، وَقَدْ أَمْكَنَ هَذَا بِضَرْبِ الْعُنُقِ ، فَلَا يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ بِإِتْلَافِ أَطْرَافِهِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ كَالٍّ ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ : إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ .
يَعْنِي أَنَّ لِلْمُسْتَوْفِي أَنْ يَقْطَعَ أَطْرَافَهُ ، ثُمَّ يَقْتُلَهُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } .
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَضَّ رَأْسَ يَهُودِيٍّ

لِرَضِّهِ رَأْسَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بَيْنَ حَجَرَيْنِ .
} وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } .
وَهَذَا قَدْ قَلَعَ عَيْنَهُ ، فَيَجِبُ أَنْ تُقْلَعَ عَيْنُهُ ، لِلْآيَةِ .
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ } .
وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ مَوْضُوعٌ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ ، وَلَفْظُهُ مُشْعِرٌ بِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ مِثْلُ مَا فَعَلَ ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ الْعُنُقَ آخَرُ غَيْرُهُ .
فَأَمَّا حَدِيثُ : { لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ } .
فَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ إسْنَادُهُ بِجَيِّدِ .
الْحَالُ الثَّانِي : أَنْ يَصِيرَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ ، إمَّا بِعَفْوِ الْوَلِيِّ ، أَوْ كَوْنِ الْفِعْلِ خَطَأً ، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَالْوَاجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ .
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَجِبُ دِيَةُ الْأَطْرَافِ الْمَقْطُوعَةِ وَدِيَةُ النَّفْسِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قُطِعَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ بِقَتْلِهِ صَارَ كَالْمُسْتَقِرِّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَسْقُط الْقِصَاصُ فِيهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ قَاتِلٌ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْجُرْحِ ، فَدَخَلَ أَرْشُ الْجِرَاحَةِ فِي أَرْشِ النَّفْسِ ، كَمَا لَوْ سَرَتْ إلَى نَفْسِهِ ، وَالْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَجِبُ ، وَإِنْ وَجَبَ فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يُشْبِهُ الدِّيَةَ ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجُرْحِ لَا تُسْقِطُ الْقِصَاصَ فِيهِ ، وَتُسْقِطُ دِيَتَهُ .
( 6650 ) فَصْلٌ : وَمَتَى قُلْنَا : لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ بِوَلِيِّهِ .
فَأَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى ضَرْبِ عُنُقِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَفْضَلُ .
وَإِنْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ الَّتِي قَطَعَهَا الْجَانِي ، أَوْ بَعْضَهَا ، ثُمَّ عَفَا عَنْ قَتْلِهِ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ بَعْضَ حَقِّهِ .
وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ أَطْرَافِهِ ، ثُمَّ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا فَعَلَ بِوَلِيِّهِ لَا يَجِبُ بِهِ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ

بَعْضَهُ وَيَسْتَحِقَّ كَمَالَ الدِّيَةِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَهُ مَا بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ .
وَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ إلَّا بِضَرْبِ الْعُنُقِ .
فَاسْتَوْفَى مِنْهُ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ ، فَقَدْ أَسَاءَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الْمَأْثَمِ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْجَانِي فِي الْأَطْرَافِ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا يَخْتَصُّ بِهَا ، فَكَذَلِكَ فِعْلُ الْمُسْتَوْفِي ، إنْ قَطَعَ الْجَانِي طَرَفًا وَاحِدًا ، ثُمَّ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا تَمَامُهَا ، وَإِنْ قَطَعَ مَا تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ ، ثُمَّ عَفَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ قَطَعَ مَا يَجِبُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ الدِّيَةِ ، ثُمَّ عَفَا ، احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا زَادَ عَلَى الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ ، وَقَدْ فَعَلَ مَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْهَا ، فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ .
وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، فَإِذَا تَرَكَ قَتْلَهُ ، وَعَفَا عَنْهُ ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ مَا فَعَلَ بِوَلِيِّهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ قُلْنَا : إنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِهِ .

( 6651 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ إذَا انْفَرَدَ ، فَسَرَى إلَى النَّفْسِ ، فَلَهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ .
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقَطْعَ قَبْلَ الْقَتْلِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي ، وَبَنَاهُمَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ ؛ وَإِحْدَاهُمَا ، لَيْسَ لَهُ قَطْعُ الطَّرَفِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مَا جَنَاهُ الْأَوَّلُ ، وَالْقِصَاصُ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ ، فَمَتَى خِيفَ فِيهِ الزِّيَادَةُ سَقَطَ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ .
وَالثَّانِيَةُ ، يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ ، فَإِنْ مَاتَ بِهِ ، وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الطَّرَفِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ ؛ لِإِفْضَاءِ هَذَا إلَى الزِّيَادَةِ ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ .
وَالصَّحِيحُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِزِيَادَةٍ ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ النَّفْسِ بِسِرَايَةِ فِعْلِهِ ، وَسِرَايَةُ فِعْلِهِ كَفِعْلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ ، وَلِأَنَّ زِيَادَةَ الْفِعْلِ فِي الصُّورَةِ مُحْتَمِلٌ فِي الِاسْتِيفَاءِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِضَرْبَةٍ ، فَلَمْ يُمْكِنْ قَتْلُهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ إلَّا بِضَرْبَتَيْنِ .

( 6652 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَرَحَهُ جُرْحًا لَا قِصَاصَ فِيهِ ، وَلَا يَلْزَمُ فَوَاتِ الْحَيَاةِ بِهِ ، مِثْلُ إنْ أَجَافَهُ ، أَوْ أَمَّهُ ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ نِصْفِ ذِرَاعِهِ ، أَوْ رِجْلَهُ مِنْ نِصْفِ سَاقِهِ ، فَمَاتَ مِنْهُ ، أَوْ قَطَعَ يَدًا نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ ، أَوْ شَلَّاءَ ، أَوْ زَائِدَةً ، وَيَدُ الْقَاطِعِ أَصْلِيَّةٌ صَحِيحَةٌ ، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِعْلُ مِثْلِ مَا فَعَلَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ إلَّا فِي الْعُنُقِ بِالسَّيْفِ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي .
وَقَالَ غَيْرُهُمَا : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ بِمِثْلِ مَا فَعَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَتْلًا ، فَكَانَ لَهُ الْقِصَاصُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ ، كَمَا لَوْ رَضَّ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ فَقَتَلَهُ بِهِ .
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِصَاصٌ ، فَلَمْ يَجُزْ الْقِصَاصُ فِيهِ مَعَ الْقَتْلِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَمِينَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاطِعِ يَمِينٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ يَسَاره .
وَفَارَقَ مَا إذَا رَضَّ رَأْسَهُ فَمَاتَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ قَتْلٌ مُفْرَدٌ ، وَهَا هُنَا قَتْلٌ وَقَطْعٌ ، وَالْقَطْعُ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا ، فَبَقِيَ مُجَرَّدُ الْقَتْلِ ، فَإِذَا جَمَعَ الْمُسْتَوْفِي بَيْنَهُمَا ، فَقَدْ زَادَ قَطْعًا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِاسْتِيفَائِهِ ، فَيَكُونُ حَرَامًا ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا إذَا قَطَعَ ثُمَّ قَتَلَ عَقِيبَهُ ، وَبَيْنَ مَا إذَا قَطَعَ فَسَرَى إلَى النَّفْسِ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا قَطْعُ الْيُمْنَى وَلَا يُمْنَى لِلْقَاطِعِ ، أَوْ الْيَدَ وَلَا يَدَ لَهُ ، أَوْ قَلَعَ الْعَيْنَ وَلَا عَيْنَ لَهُ ، فَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ ، وَلَا قِصَاصَ فِي طَرَفِهِ .
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ مِثْلِ الْعُضْوِ الْمُتْلَفِ ، وَهُوَ هَاهُنَا مَعْدُومٌ ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ فِعْلُ مِثْلِ مَا فَعَلَ الْجَانِي ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ ثُمَّ عَفَا عَنْ الْقَتْلِ ، لَصَارَ مُسْتَوْفِيًا رِجْلًا مِمَّنْ لَمْ يَقْطَعْ لَهُ مِثْلَهَا ، أَوْ أُذُنًا بَدَلًا عَنْ عَيْنٍ ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْوَجْهِ الثَّانِي فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ .

( 6654 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ السَّيْفِ ، مِثْلُ أَنْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ ، أَوْ هَدْمٍ أَوْ تَغْرِيقٍ ، أَوْ خَنْقٍ ، فَهَلْ يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ بِمِثْلِ فِعْلِهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَسْتَوْفِي إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِيمَا إذَا قَتَلَهُ بِمُثْقَلِ الْحَدِيدِ ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُ ، أَوْ جَرَحَهُ فَمَاتَ .
وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فَعَلَهُ الْجَانِي ، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِمِثْلِ آلَتِهِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الطَّرَفَ بِآلَةٍ كَالَّةٍ ، أَوْ مَسْمُومَةٍ ، أَوْ بِالسَّيْفِ ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى بِمِثْلِهِ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُرْتَدُّ ، فَلَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِتَجْرِيعِ الْخَمْرِ ، أَوْ بِالسِّحْرِ ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ .
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ فَلَمْ يَمُتْ ، قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ .
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ حَتَّى يَمُوتَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِذَلِكَ ، فَلَهُ قَتْلُهُ بِمِثْلِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا ، أَوْ قَطَعَ مِنْهُ طَرَفًا ، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْوَلِيُّ مِثْلَهُ فَلَمْ يَمُتْ بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْجُرْحَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَيَعْدِلُ إلَى ضَرْبِ عُنُقِهِ ، فَكَذَا هَاهُنَا .

( 6655 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَتَلَهُ بِمَا لَا يَحِلُّ لِعَيْنِهِ ، مِثْلَ إنْ لَاطَ بِهِ فَقَتَلَهُ ، أَوْ جَرَّعَهُ خَمْرًا أَوْ سَحَرَهُ ، لَمْ يُقْتَلْ بِمِثْلِهِ اتِّفَاقًا ، وَيَعْدِلُ إلَى الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ .
وَحَكَى أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي مَنْ قَتَلَهُ بِاللِّوَاطِ وَتَجْرِيعِ الْخَمْرِ ، وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ يُدْخِلُ فِي دُبُرِهِ خَشَبَةً يَقْتُلُهُ بِهَا ، وَيُجَرِّعُهُ الْمَاءَ حَتَّى يَمُوتَ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ ، فَوَجَبَ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِالسِّحْرِ .
وَإِنْ حَرَّقَهُ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يُحَرَّقُ ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيقَ مُحَرَّمٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ } .
وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الْقَاضِي : الصَّحِيحُ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ، كَالتَّغْرِيقِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُحَرَّقُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ { حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ } .
وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ عَلَى غَيْرِ الْقِصَاصِ فِي الْمُحْرَقِ .

( 6656 ) فَصْلٌ : إذَا زَادَ مُسْتَوْفِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ عَلَى حَقِّهِ ، مِثْلَ أَنْ يُقْتَلَ وَلِيُّهُ ، فَيَقْطَعَ الْمُقْتَصُّ أَطْرَافَهُ أَوْ بَعْضَهَا ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ عَفَا عَنْهُ بَعْدَ قَطْعِ طَرَفِهِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ بِدِيَتِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ قَدْ أَسَاءَ ، وَيُعَزَّرُ ، وَسَوَاءٌ عَفَا عَنْ الْقَاتِلِ أَوْ قَتَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ جُمْلَةٍ اسْتَحَقَّ إتْلَافَهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا مِنْ يَدٍ يَسْتَحِقُّ قَطْعَهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا لَهُ قِيمَةٌ حَالَ الْقَطْعِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ عَفَا عَنْهُ ثُمَّ قَطَعَهُ ، أَوْ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ أَجْنَبِيٌّ .
فَأَمَّا إنْ قَطَعَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ ، احْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ إذَا عَفَا عَنْهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ ، لِأَنَّ الْعَفْوَ إحْسَانٌ ، فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَضْمَنَهُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مُتَعَدِّيًا ثُمَّ قَتَلَ ، لَمْ يَضْمَنْ الطَّرَفَ ، فَلَأَنْ يَضْمَنَهُ إذَا كَانَ الْقَتْلُ مُسْتَحَقًّا أَوْلَى .
فَأَمَّا الْقِصَاصُ ، فَلَا يَجِبُ فِي الْعُرْفِ بِحَالٍ .
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَالشُّبْهَةُ هَاهُنَا مُتَحَقِّقَةٌ ، لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ لِإِتْلَافِ هَذَا الطَّرَفِ ضِمْنًا لِاسْتِحْقَاقِهِ إتْلَافَ الْجُمْلَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْقِصَاصِ أَنْ لَا تَجِبَ الدِّيَةُ ، بِدَلِيلِ امْتِنَاعِهِ لِعَدَمِ الْمُكَافَآتِ .
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْجَانِي قَطَعَ طَرَفَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ ، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .
وَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا غَيْرَ الَّذِي قَطَعَهُ الْجَانِي ، كَانَ الْجَانِي قَطَعَ يَدَهُ ؛ فَقَطَعَ الْمُسْتَوْفِي رِجْلَهُ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ ؛ لِأَنَّ

دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَلْزَمَهُ دِيَةُ الرِّجْلِ ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ لَمْ يَقْطَعْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ .

( 6657 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الطَّرَفِ ، مِثْلُ أَنْ اسْتَحَقَّ قَطْعَ إصْبَعٍ ، فَقَطَعَ اثْنَتَيْنِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَاطِعِ ابْتِدَاءً ، إنْ كَانَ عَمْدًا مِنْ مَفْصِلٍ ، أَوْ شَجَّةٍ يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقِصَاصُ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الزِّيَادَةِ ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً أَوْ جُرْحًا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، مِثْلُ مَنْ يَسْتَحِقُّ مُوضِحَةً فَاسْتَوْفَهَا هَاشِمَةً ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ الزِّيَادَةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ الْجَانِي ، كَاضْطِرَابِهِ حَالَ الِاسْتِيفَاءِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقْتَصِّ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِ الْجَانِي .
فَإِنْ اخْتَلَفَا هَلْ فَعَلَهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا ؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُمْكِنْ الْخَطَأُ فِيهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ ، وَإِنْ قَالَ الْمُقْتَصُّ : حَصَلَ هَذَا بِاضْطِرَابِك ، أَوْ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِك .
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ .
فَإِنْ سَرَى الِاسْتِيفَاءُ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ الزِّيَادَةُ إلَى نَفْسِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ ، فَمَاتَ ، أَوْ إلَى بَعْض أَعْضَائِهِ ، مِثْلُ أَنْ قَطَعَ إصْبَعَهُ ، فَسَرَى إلَى جَمِيعِ يَدِهِ ، أَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ أَوْ مَسْمُومَةٍ ، أَوْ فِي حَالِ حَرٍّ مُفْرِطٍ ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ ، فَسَرَى ، فَقَالَ الْقَاضِي : عَلَى الْمُقْتَصِّ نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلَيْنِ ؛ جَائِزٍ وَمُحَرَّمٍ ، وَمَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ ، فَانْقَسَمَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا فِي حَالِ رِدَّتِهِ وَجُرْحًا بَعْدَ إسْلَامِهِ ، فَمَاتَ مِنْهُمَا .
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ضَمَانُ السِّرَايَةِ كُلِّهَا ، فِيمَا إذَا اقْتَصَّ بِآلَةِ مَسْمُومَةٍ أَوْ كَالَّةٍ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ كُلَّهُ مُحَرَّمٌ ، بِخِلَافِ قَطْعِ الْإِصْبَعَيْنِ ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا مُبَاحٌ .

( 6658 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ إلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ .
وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ وَيَحْرُمُ الْحَيْفُ فِيهِ ، فَلَا يُؤْمَنُ الْحَيْفُ مَعَ قَصْدِ التَّشَفِّي .
فَإِنْ اسْتَوْفَاهُ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ ، وَقَعَ الْمَوْقِعَ ، وَيُعَزَّرُ ؛ لِافْتِيَاتِهِ بِفِعْلِ مَا مُنِعَ فِعْلُهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ الِاسْتِيفَاءُ بِغَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ ، إذَا كَانَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ { رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ يَقُودُهُ بِنِسْعَةٍ ، فَقَالَ : إنَّ هَذَا قَتَلَ أَخِي .
فَاعْتَرَفَ بِقَتْلِهِ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبْ ، فَاقْتُلْهُ } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ .
وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ حُضُورِ السُّلْطَانِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْضِرَ شَاهِدَيْنِ ، لِئَلَّا يَجْحَدَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءَ .
وَإِذَا أَرَادَ الْوَلِيُّ الِاسْتِيفَاءَ ، فَعَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْآلَةَ الَّتِي يَسْتَوْفِي بِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ كَالَّةً مَنَعَهُ الِاسْتِيفَاءَ بِهَا ، لِئَلَّا يُعَذِّبَ الْمَقْتُولَ .
وَقَدْ رَوَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلِيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ } .
وَإِنْ كَانَتْ مَسْمُومَةً ، مَنَعَهُ الِاسْتِيفَاءَ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا تُفْسِدُ الْبَدَنَ ، وَرُبَّمَا مَنَعَتْ غُسْلَهُ .
وَإِنْ عَجَّلَ فَاسْتَوْفَى بِآلَةِ كَالَّةٍ أَوْ مَسْمُومَةٍ ، عُزِّرَ .
وَإِنْ كَانَ السَّيْفُ صَارِمًا غَيْرَ مَسْمُومٍ ، نَظَرَ فِي الْوَلِيِّ ؛ فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ ، وَيُكْمِلُهُ بِالْقُوَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ ، مَكَّنَهُ مِنْهُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا

لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } .
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ، إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ } .
وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ مُتَمَيِّزٌ ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ إذَا أَمْكَنَهُ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الِاسْتِيفَاءَ ، أَمَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ ، فَإِنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْمَعْرِفَةَ بِالِاسْتِيفَاءِ ، فَأَمْكَنَهُ السُّلْطَانُ مِنْ ضَرْبِ عُنُقِهِ ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ فَأَبَانَهُ ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهُ ، وَأَقَرَّ بِتَعَمُّدِ ذَلِكَ ، عُزِّرَ .
وَإِنْ قَالَ : أَخْطَأْتَ .
وَكَانَتْ الضَّرْبَةُ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ الْعُنُقِ ، كَالرَّأْسِ وَالْمَنْكِبِ ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ الْخَطَأُ فِي مِثْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا ، كَالْوَسْطِ وَالرِّجْلَيْنِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَقَعُ الْخَطَأُ فِيهِ .
ثُمَّ إنْ أَرَادَ الْعَوْدَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ ، وَيَحْتَمِلُ الْعَوْدَ إلَى مِثْلِ فِعْلِهِ .
وَالثَّانِي : يُمَكَّنُ مِنْهُ .
قَالَهُ الْقَاضِي : لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَحَرُّزُهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ثَانِيًا .
وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ لَا يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ ، أَمَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ ، فَكَانَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَائِهِ ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ .
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَكِّلُهُ إلَّا بِعِوَضٍ ، أَخَذَ الْعِوَضَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ رَجُلٌ يَسْتَوْفِي الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ .
فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ ، فَالْأُجْرَةُ عَلَى الْجَانِي ؛ لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ لِإِيفَاءِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ ، كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ فِي بَيْعِ الْمَكِيلِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْمُقْتَصِّ ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ ، فَكَانَتْ الْأُجْرَةُ عَلَى

مُوَكِّلِهِ ، كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ ، وَاَلَّذِي عَلَى الْجَانِي التَّمْكِينُ دُونَ الْفِعْلِ ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهِ ، لَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ التَّوْكِيلِ ، لَلَزِمَتْهُ أُجْرَةُ الْوَلِيِّ إذَا اسْتَوْفَى بِنَفْسِهِ .
وَإِنْ قَالَ الْجَانِي : أَنَا أَقْتَصُّ لَك مِنْ نَفْسِي .
لَمْ يَلْزَمْ تَمْكِينُهُ ، وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } .
وَلِأَنَّ مَعْنَى الْقِصَاصِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَوْفِيَ لَهُ كَالْبَائِعِ لَا يَسْتَوْفِي مِنْ نَفْسِهِ .

( 6659 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ لَجَمَاعَةٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ، وَتَشَاحُّوا فِي الْمُتَوَلِّي مِنْهُمْ لِلِاسْتِيفَاءِ ، أُمِرُوا بِتَوْكِيلِ أَحَدِهِمْ ، أَوْ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرهمْ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّاهُ جَمِيعُهُمْ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْجَانِي ، وَتَعَدُّدِ أَفْعَالِهِمْ .
فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى وَاحِدٍ ، وَتَشَاحُّوا ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ إذَا تَسَاوَتْ وَعَدَمُ التَّرْجِيحِ ، صِرْنَا إلَى الْقُرْعَةِ ، كَمَا لَوْ تَشَاحُّوا فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِمْ ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، أُمِرَ الْبَاقُونَ بِتَوْكِيلِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ .
وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَوْكِيلِ وَاحِدٍ ، مُنِعُوا الِاسْتِيفَاءَ حَتَّى يُوَكَّلُوا .

( 6660 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحُ بَرَأَتْ قَبْلَ قَتْلِهِ ، فَعَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ ثَلَاثُ دِيَاتٍ ، إلَّا أَنْ يُرِيدُوا الْقَوَدَ ، فَيُقِيدُوا وَيَأْخُذُوا مِنْ مَالِهِ دِيَتَيْنِ ) أَمَّا إذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَبَرَأَتْ جِرَاحُهُ ، ثُمَّ قَتَلَهُ ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْقَطْعِ ، وَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْخِيَارُ ، إنْ شَاءَ عَفَا وَأَخَذَ ثَلَاثَ دِيَاتٍ ؛ دِيَةً لِنَفْسِهِ ، وَدِيَةً لِيَدَيْهِ ، وَدِيَةً لِرِجْلَيْهِ ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ قِصَاصًا بِالْقَتْلِ ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ لِأَطْرَافِهِ .
وَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ أَطْرَافَهُ الْأَرْبَعَةَ ، وَأَخَذَ دِيَةً لِنَفْسِهِ .
وَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ يَدَيْهِ ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ لِنَفْسِهِ وَرِجْلَيْهِ .
وَإِنْ أَحَبَّ قَطْعَ رِجْلَيْهِ ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ لِنَفْسِهِ وَيَدَيْهِ .
وَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ طَرَفًا وَاحِدًا ، وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي .
وَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ ثَلَاثَةَ أَطْرَافٍ ، وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي .
وَكَذَلِكَ سَائِرُ فُرُوعِهَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقَطْعِ اسْتَقَرَّ قَبْلَ الْقَتْلِ بِالِانْدِمَالِ ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُهُ بِالْقَتْلِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا .
( 6661 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْوَلِيُّ فِي انْدِمَالِ الْجُرْحِ قَبْلَ الْقَتْلِ ، وَكَانَتْ الْمُدَّةُ بَيْنَهُمَا يَسِيرَةً ، لَا يَحْتَمِلُ انْدِمَالَهُ فِي مِثْلِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي بِغَيْرِ يَمِينٍ .
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مُضِيِّ الْمُدَّةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مُضِيِّهَا ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْبُرْءَ فِيهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ دِيَةِ الْيَدَيْنِ بِقَطْعِهِمَا ، وَالْجَانِي يَدَّعِي سُقُوطَ دِيَتِهِمَا بِالْقَتْلِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ .
فَإِنْ كَانَتْ لِلْجَانِي بَيِّنَةٌ بِبَقَاءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ضِمْنًا حَتَّى قَتَلَهُ ، حُكِمَ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِلْوَلِيِّ بَيِّنَةٌ بِبُرْئِهِ ، حُكِمَ لَهُ أَيْضًا ،

وَإِنْ تَعَارَضَتَا ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلْبُرْءِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَانِي ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْجِرَاحَةِ ، وَعَدَمُ انْدِمَالِهَا .
وَإِنْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ فَمَاتَ ، وَاخْتَلَفَا ، هَلْ بَرَأَ قَبْلَ الْمَوْتِ ، أَوْ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ ؟ أَوْ قَالَ الْوَلِيُّ : إنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ ، كَأَنْ لُدِغَ ، أَوْ ذَبَحَ نَفْسَهُ ، أَوْ ذَبَحَهُ غَيْرُهُ .
فَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ آخَرَ ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا قَتَلَهُ ، سَوَاءً .
وَأَمَّا إذَا مَاتَ بِقَتْلٍ أَوْ سَبَبٍ آخَرَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَقْدِيمُ قَوْلِ الْجَانِي ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاءُ الْجِنَايَةِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ ، فَيَكُونُ الظَّاهِرُ مَعَهُ .
وَالثَّانِي : الْقَوْلُ قَوْلُ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الدِّيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وُجِدَ سَبَبُهُمَا ، حَتَّى يُوجَدَ مَا يُزِيلُهُمَا .
فَإِنْ كَانَتْ دَعْوَاهُمَا بِالْعَكْسِ ، فَقَالَ الْوَلِيُّ : مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ قَطْعِك ، فَعَلَيْك الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ .
فَقَالَ الْجَانِي : بَلْ انْدَمَلَتْ جِرَاحُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ .
أَوْ ادَّعَى مَوْتَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِانْدِمَالِ ، وَعَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يَحْصُلُ الزَّهُوقُ بِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْجُرْحُ فِيمَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ ، كَقَطْعِ الْيَدِ مِنْ مَفْصِلٍ وَلَا يُوجِبُهُ ، كَالْجَائِفَةِ وَالْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ .
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .

( 6662 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَلَوْ رَمَى ، وَهُوَ مُسْلِمٌ كَافِرًا عَبْدًا ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ ، فَلَا قَوَدَ ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ ، إذَا مَاتَ مِنْ سَهْمِهِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَجِبُ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مُكَافِئًا لَهُ ظُلْمًا عَمْدًا ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا حَالَ الرَّمْيِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْجِنَايَةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَمَى مُسْلِمًا حَيًّا ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ أَوْ مَاتَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، وَلَوْ رَمَى عَبْدًا كَافِرًا ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ فِي الْعَبْدِ دِيَةُ عَبْدٍ لِمَوْلَاهُ ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ نَاشِئَةٌ عَنْ إرْسَالِ السَّهْمِ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهَا ، كَحَالَةِ الْجُرْحِ .
فَأَمَّا الْكَافِرُ ، فَمَذْهَبُهُ أَنَّ دِيَتَهُ دِيَةُ الْمُسْلِمِ ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ ، وَكَذَلِكَ يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ .
وَلَنَا عَلَى دَرْءِ الْقِصَاصِ ، أَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ إلَى نَفْسٍ مُكَافِئَتِهِ لَهُ حَالَ الرَّمْيِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ ، كَمَا لَوْ رَمَى حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ .
وَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ أَتْلَفَ حُرًّا ، فَضَمِنَهُ ضَمَانَ الْأَحْرَارِ ، كَمَا لَوْ قَصَدَ صَيْدًا .
وَمَا قَالَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا رَمَى حَيًّا فَأَصَابَهُ مَيِّتًا ، أَوْ صَحِيحًا فَأَصَابَهُ مَعِيبًا .
وَلَنَا عَلَى أَنَّ دِيَتَهُ تَجِبُ لِوَرَثَتِهِ دُونَ سَيِّدِهِ ، وَأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ تَجِبُ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ دُونِ الْكُفَّارِ ، إنْ مَاتَ مُسْلِمًا حُرًّا ، فَكَانَتْ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ حَالَ رَمْيِهِ ، وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالْمَوْتِ ، فَتُعْتَبَرُ حَالُهُ حِينَئِذٍ ، لَا حِينَ سَبَبِ الْمَوْتِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَرِضَ وَهُوَ عَبْدٌ كَافِرٌ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ ، وَالْوَاجِبُ

بَدَلُ الْمَحَلِّ ، فَيُعْتَبَرُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي فَاتَ بِهَا ، فَيَجِبُ بِقَدْرِهِ ، وَقَدْ فَاتَ بِهَا نَفْسُ حُرٍّ مُسْلِمٍ ، وَالْقِصَاصُ جَزَاءُ الْفِعْلِ ، فَيُعْتَبَرُ الْفِعْلُ فِيهِ وَالْإِصَابَةُ مَعًا ؛ لِأَنَّهُمَا طَرَفَاهُ ، فَلِذَلِكَ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ .
( 6663 ) فَصْلٌ : وَلَمْ يُفَرِّقْ الْخِرَقِيِّ بَيْنَ كَوْنِ الْكَافِرِ ذِمِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ ، إلَّا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ التَّفْرِيقُ فِيهِ ، فَمَتَى رَمَى إلَى حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ الرَّمْيَةِ بِهِ ، فَلَا دِيَةَ لَهُ ، وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ رَمْيٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، مَأْمُورٌ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَكَتَمَ إسْلَامَهُ .
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ خَطَأٍ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا .
وَلَوْ رَمَى مُرْتَدًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَأَسْلَمَ ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِهِ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِإِرْسَالِ سَهْمِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ إلَى الْإِمَامِ ، لَا إلَى آحَادِ النَّاسِ ، وَقَتْلُهُ بِالسَّيْفِ لَا بِالسَّهْمِ .

( 6664 ) فَصْلٌ : وَلَوْ رَمَى حَرْبِيًّا ، فَتَتَرَّسَ بِمُسْلِمٍ ، فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ تَتَرَّسَ بِهِ بَعْدَ الرَّمْيِ ، فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ ، وَفِي الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّامِي رِوَايَتَانِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَإِنْ تَتَرَّسَ بِهِ قَبْلَ الرَّمْيِ ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ ، إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَيَرْمِيَ الْكَافِرَ ، وَلَا يَقْصِدُ الْمُسْلِمَ ، فَإِذَا قَتَلَهُ ، فَفِي دِيَتِهِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ ، وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ رَمْيُهُ .

( 6665 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ، ثُمَّ أُعْتِقَ وَمَاتَ ، أَوْ يَدَ ذِمِّيٍّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : الْوَاجِبُ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ ، لِوَرَثَتِهِ وَلِسَيِّدِهِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ .
وَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو بَكْرٍ : تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ ، مَصْرُوفَةً إلَى السَّيِّدِ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ ؛ لِأَنَّهَا الْمُوجِبَةُ لِلضَّمَانِ ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَ وُجُودِهَا .
وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمَا ضَمَانُ الذِّمِّيِّ الَّذِي أَسْلَمَ بِدِيَةِ ذِمِّيٍّ ، وَيَلْزَمُهُمَا عَلَى هَذَا أَنْ يَصْرِفَاهَا إلَى وَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ ، كَاَلَّذِي كَسَبَهُ بَعْد جُرْحِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ وَرَثَتِهِ ، فَوَرَثَتُهُ هُمْ الْمُسْلِمُونَ دُونَ الْكُفَّارِ .

( 6666 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَطَعَ أَنْفَ عَبْدٍ قِيمَتُهُ أَلْفُ دِينَارٍ ، فَانْدَمَلَ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ .
وَجَبَتْ قِيمَتُهُ بِكَمَالِهَا لِلسَّيِّدِ .
وَإِنْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ انْدَمَلَ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَقَرَّ بِالِانْدِمَالِ مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ ، وَالْجِنَايَةُ كَانَتْ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ .
وَإِنْ مَاتَ مِنْ سِرَايَة الْجُرْحِ ، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي .
وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ يُرَاعَى فِيهَا حَالُ وُجُودِهَا .
وَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فِي مَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ ، ثُمَّ أُعْتِقَ وَمَاتَ ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ لَا الدِّيَةُ .
وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ دِيَةُ حُرٍّ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ بِحَالَةِ الِاسْتِقْرَارِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .
وَتُصْرَفُ إلَى السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَتِهِ أَوْ أَرْشِ الْجُرْحِ ، وَالدِّيَةُ هَاهُنَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِمَا إذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، فَمَاتَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ ؛ فَإِنَّ الْوَاجِبَ دِيَةُ النَّفْسِ ، لَا دِيَةَ الْجُرْحِ .

( 6667 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ، فَأُعْتِقَ ، ثُمَّ عَادَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ، وَانْدَمَلَ الْقَطْعَانِ ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْيَدِ ؛ لِأَنَّهَا قُطِعَتْ فِي حَالِ رِقِّهِ ، وَيَجِبُ فِيهَا نِصْفُ قِيمَتِهِ ، أَوْ مَا نَقَصَهُ الْقَطْعُ لِسَيِّدِهِ ، وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ الَّتِي قَطَعَهَا حَالَ حُرِّيَّتِهِ ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ إنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ لِوَرَثَتِهِ .
وَإِنْ انْدَمَلَ قَطْعُ الْيَدِ ، وَسَرَى قَطْعُ الرِّجْلِ إلَى نَفْسِهِ ، فَفِي الْيَدِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِسَيِّدِهِ ، وَعَلَى الْقَاطِعِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ، أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِوَرَثَتِهِ .
وَإِنْ انْدَمَلَ قَطْعُ الرِّجْلِ ، وَسَرَى قَطْعُ الْيَدِ ، فَفِي الرِّجْلِ الْقِصَاصُ بِقَطْعِهَا ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ ، وَلَا قِصَاصَ فِي الْيَدِ ، وَلَا فِي سِرَايَتهَا ، وَعَلَى الْجَانِي دِيَةُ حُرٍّ ، لِسَيِّدِهِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْقَطْعِ أَوْ دِيَةُ الْحُرِّ ، عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ .
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي ، تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ جِنَايَتِهِ .
وَإِنْ سَرَى الْجُرْحَانِ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَلَا الْيَدِ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحَيْنِ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ ، فَلَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً ، وَلَكِنْ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَهَا مِنْ حُرٍّ ، فَإِنْ اقْتَصَّ مِنْهُ ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَتِهِ ، وَقَدْ اسْتَوْفَى مِنْهُ مَا يُقَابِلُ نِصْفَ الدِّيَةِ ، وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ نِصْفِ الدِّيَةِ ، فَإِنْ زَادَ نِصْفُ الدِّيَةِ .
عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ ، كَانَ الزَّائِدُ لِلْوَرَثَةِ ، وَإِنْ عَفَا وَرَثَتُهُ عَنْ الْقِصَاصِ ، فَلَهُمْ أَيْضًا نِصْفُ الدِّيَةِ .
وَإِنْ كَانَ قَاطِعُ الرِّجْلِ غَيْرَ قَاطِعِ الْيَدِ ، وَانْدَمَلَ الْجُرْحَانِ ، فَعَلَى قَاطِعِ الْيَدِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِسَيِّدِهِ ، وَعَلَى قَاطِعِ الرِّجْلِ الْقِصَاصُ فِيهَا أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ .
وَإِنْ سَرَى الْجُرْحَانِ إلَى نَفْسِهِ ،

فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ ؛ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ حُرٌّ فِي حَالِ قَرَارِ الْجِنَايَةِ ، وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إذَا كَانَا عَمَدَا الْقَطْعَ ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا ، فَهُوَ كَشَرِيكِ الْأَبِ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ الرُّوحَ خَرَجَتْ مِنْ سِرَايَةِ قَطْعَيْنِ ؛ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ ، بِنَاءً عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ .
وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ .
وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ ، خُرِّجَ فِي وُجُوبِهِ فِي الطَّرَفِ رِوَايَتَانِ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا تَجِبُ فِي النَّفْسِ .
وَجَبَ فِي الرِّجْلِ .

( 6668 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَلَعَ عَيْنَ عَبْدٍ ، ثُمَّ أُعْتِقَ ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ رِجْلَهُ ، فَلَا قَوَدَ عَلَى الْأَوَّلِ ، سَوَاءٌ انْدَمَلَ جُرْحُهُ أَوْ سَرَى ، وَأَمَّا الْآخَرَانِ ، فَعَلَيْهِمَا الْقَوَدُ فِي الطَّرَفَيْنِ إنْ وَقَفَ قَطْعُهُمَا ، أَوْ دِيَتُهُمَا إنْ عَفَا عَنْهُمَا .
وَإِنْ سَرَتْ الْجِرَاحَاتُ كُلُّهَا ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُمَا صَارَتْ نَفْسًا .
وَفِي ذَلِكَ وَفِي الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ اخْتِلَافٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُمَا ، فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ أَثْلَاثًا ، وَفِيمَا يَسْتَحِقُّهُ السَّيِّدُ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ .
هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَطْعِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْقِيمَةِ ، فَإِذَا صَارَتْ نَفْسًا ، وَجَبَ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ ، فَكَانَ لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ .
وَالثَّانِي : لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إذَا صَارَتْ نَفْسًا ، كَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَا آلَتْ إلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَنَى الْجَانِيَانِ الْآخَرَانِ قَبْلَ الْعِتْقِ أَيْضًا ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا ثُلُثُ الْقِيمَةِ ، فَلَا يَزِيدُ حَقُّهُ بِالْعِتْقِ ، كَمَا لَوْ قَلَعَ رَجُلٌ عَيْنَهُ ، ثُمَّ بَاعَهُ سَيِّدُهُ ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ ، وَآخَرُ رِجْلَهُ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْأَوَّلِ ثُلُثُ الْقِيمَةِ .
وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ نِصْفَ الْقِيمَةِ ، فَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، فَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ قَطَعَ إصْبَعَيْهِ ، أَوْ هَشَّمَهُ ، وَالْجَانِيَانِ فِي الْحُرِّيَّةِ قَطَعَا يَدَهُ ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا ، لِلسَّيِّدِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْإِصْبَعِ وَهُوَ عُشْرُ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ .
وَلَوْ كَانَ الْجَانِي فِي حَالِ الرِّقِّ قَطَعَ يَدَيْهِ ، وَالْجَانِيَانِ فِي الْحُرِّيَّةِ قَطَعَا رِجْلَيْهِ ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ أَثْلَاثًا ، وَكَانَ لِلسَّيِّدِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ جَمِيعِ قِيمَتِهِ

أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ .
وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، يَكُونُ لَهُ فِي الْفَرْعَيْنِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ .
( 6669 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْجَانِيَانِ فِي حَالِ الرِّقِّ ، وَالْوَاحِدُ فِي حَالِ الْحُرِّيَّةِ ، فَمَاتَ ، فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ ، وَلِلسَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَتَيْنِ أَوْ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ ، وَعَلَى الْآخَرِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ .
( 6670 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْجُنَاةُ أَرْبَعَةً ؛ وَاحِدٌ فِي الرِّقِّ ، وَثَلَاثَةٌ فِي الْحُرِّيَّةِ ، وَمَاتَ ، كَانَ لِلسَّيِّدِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ رُبْعِ الدِّيَةِ ، وَعَلَى الْآخَرِ الْأَقَلُّ مِنْ رُبْعِ الْقِيمَةِ أَوْ رُبْعِ الدِّيَةِ .
وَإِنْ كَانَ الثَّلَاثَةُ فِي الرِّقِّ ، وَالْوَاحِدُ فِي الْحُرِّيَّةِ ، كَانَ لِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَاتِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ الْأَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْقِيمَةِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ .
وَلَوْ كَانُوا عَشْرَةً ، وَاحِدٌ فِي الرِّقِّ ، وَتِسْعَةٌ فِي الْحُرِّيَّةِ ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ ، وَلِلسَّيِّدِ فِيهَا بِحِسَابِ مَا ذَكَرْنَا ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ .

( 6671 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ أُعْتِقَ ، فَقَطَعَ آخَرُ رِجْلَهُ ، ثُمَّ عَادَ الْأَوَّلُ فَقَتَلَهُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِلْوَرَثَةِ ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ ، وَعَلَى الْآخَرِ الْقِصَاصُ لِلْوَرَثَةِ فِي الرِّجْلِ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ .
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، فَعَلَى الْجَانِي الْأَوَّلِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ دُونَ الْيَدِ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَهَا فِي رِقِّهِ .
فَإِنْ اخْتَارَ الْوَرَثَةُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ ، سَقَطَ حَقُّ السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ النَّفْسُ وَأَرْشُ الطَّرَفِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، فَإِنَّ الطَّرَفَ دَاخِلٌ فِي النَّفْسِ فِي الْأَرْشِ .
وَإِنْ اخْتَارُوا الْعَفْوَ ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ دُونَ أَرْشِ الطَّرَفِ ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الطَّرَفِ يَدْخُلُ فِي النَّفْسِ ، وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ أَرْشِ الطَّرَفِ ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ ، وَأَمَّا الثَّانِي ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ قَطَعَ سِرَايَتهَا ، فَصَارَ كَمَا لَوْ انْدَمَلَتْ .
فَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ .
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي هُوَ الَّذِي قَتَلَ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ .
وَهَلْ يُقْطَعُ طَرَفُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
فَإِنْ عَفَا الْوَرَثَةُ ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ .
وَأَمَّا الْأَوَّلُ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ ، وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ ثَالِثًا ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْقَطْعَانِ ، وَيَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِسَيِّدِهِ ، وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ ، وَعَلَى الثَّالِثِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ أَوْ الدِّيَةُ .

( 6672 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ عَبْدِهِ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ ثُمَّ انْدَمَلَ جُرْحُهُ ، فَلَا قِصَاصِ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَطَعَ يَدَ عَبْدِهِ ، وَإِنَّمَا اسْتَقَرَّ بِالِانْدِمَالِ مَا وَجَبَ بِالْجِرَاحِ .
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْعِتْقِ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ عَلَى مَمْلُوكِهِ .
وَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يَجِبُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسِرَايَةِ جُرْحٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْقَطْعِ فِي الْحَدِّ وَسِرَايَة الْقَوَدِ ، وَلِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ قَتْلًا ، فَيَكُونُ قَاتِلًا لَعَبْدِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْتِقْهُ .
وَهَذَا بِمُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ .
وَالثَّانِي : يَضْمَنُهُ بِمَا زَادَ عَلَى أَرْشِ الْقَطْعِ مِنْ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ حُرٌّ بِسِرَايَةِ قَطْعِ عُدْوَانٍ ، فَيَضْمَنُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَاطِعُ أَجْنَبِيًّا ، لَكِنْ يَسْقُطُ أَرْشُ الْقَطْعِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ ، وَيَجِبُ الزَّائِدُ لِوَرَثَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ ، وَجَبَ لِبَيْتِ الْمَالِ ، وَلَا يَرِثُ السَّيِّدُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ .

( 6673 ) مَسْأَلَة ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ اثْنَيْنِ ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاءُ الْجَمِيعِ عَلَى الْقَوَدِ ، أُقِيدَ لَهُمَا .
وَإِنْ أَرَادَ وَلِيُّ الْأَوَّلِ الْقَوَدَ ، وَالثَّانِي الدِّيَةَ ، أُقِيدَ لِلْأَوَّلِ ، وَأُعْطِيَ أَوْلِيَاءُ الثَّانِي الدِّيَةَ مِنْ مَالِهِ .
وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ أَوْلِيَاءُ الْأَوَّلِ الدِّيَةَ ، وَالثَّانِي الْقَوَدَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَتَلَ اثْنَيْنِ ، فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاؤُهُمَا عَلَى قَتْلِهِ بِهِمَا ، قُتِلَ بِهِمَا .
وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْقَوَدَ ، وَالْآخَرُ الدِّيَةَ ، قُتِلَ لِمَنْ اخْتَارَ أَرَادَ الْقَوَدَ ، وَأُعْطِيَ أَوْلِيَاءُ الثَّانِي الدِّيَةَ مِنْ مَالِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْتَارُ لِلْقَوَدِ الثَّانِيَ أَوْ الْأَوَّلَ ، وَسَوَاءٌ قَتَلَهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، أَوْ دَفْعَتَيْنِ .
فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا فَقَتَلَهُ ، وَجَبَ لِلْآخَرِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ ، أَيِّهِمَا كَانَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يُقْتَلُ بِالْجَمَاعَةِ ، لَيْسَ لَهُمْ إلَّا ذَلِكَ ، وَإِنْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ الدِّيَةَ ، فَلَيْسَ لَهُ ، وَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمْ فَقَتَلَهُ ، سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَوْ قَتَلُوا وَاحِدًا قُتِلُوا بِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَهُمْ وَاحِدٌ قُتِلَ بِهِمْ ، كَالْوَاحِدِ بِالْوَاحِدِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُقْتَلُ إلَّا بِوَاحِدٍ ، سَوَاءٌ اتَّفَقُوا عَلَى طَلَبِ الْقِصَاصِ أَوْ لَمْ يَتَّفِقُوا ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ ، فَاشْتِرَاكُهُمْ فِي الْمُطَالَبَةِ لَا يُوجِبُ تَدَاخُلَ حُقُوقِهِمْ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ .
وَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ؛ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ } .
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ أَهْلَ كُلِّ قَتِيلٍ يَسْتَحِقُّونَ مَا اخْتَارُوهُ مِنْ الْقَتْلِ أَوْ الدِّيَةِ ، فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى الْقَتْلِ وَجَبَ لَهُمْ ، وَإِنْ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ الدِّيَةَ ، وَجَبَ لَهُ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُمَا

جِنَايَتَانِ لَا يَتَدَاخَلَانِ إذَا كَانَتَا خَطَأً أَوْ إحْدَاهُمَا ، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا فِي الْعَمْدِ ، كَالْجِنَايَاتِ عَلَى الْأَطْرَافِ ، وَقَدْ سَلَّمُوهَا .
وَلَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ مَحَلٌّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقَّانِ ، لَا يَتَّسِعُ لَهُمَا مَعًا ، رَضِيَ الْمُسْتَحِقَّانِ بِهِ عَنْهُمَا ، فَيَكْتَفِي بِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدَيْنِ خَطَأً فَرَضِيَ بِأَخْذِهِ عَنْهُمَا ، وَلِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِدُونِ حَقِّهِمَا فَجَازَ ، كَمَا لَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الصَّحِيحَةِ بِالشَّلَّاءِ ، أَوْ وَلِيُّ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ ، وَوَلِيُّ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ .
وَفَارَقَ مَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً ؛ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ ، وَالذِّمَّةُ تَتَّسِعُ لَحُقُوقٍ كَثِيرَةٍ .
وَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ قُتِلُوا بِالْوَاحِدِ ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ الِاشْتِرَاكُ إلَى إسْقَاطِ الْقِصَاصِ ، تَغْلِيظًا لِلْقِصَاصِ ، وَمُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يَنْعَكِسُ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْقِصَاصَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِقَتْلِ وَاحِدٍ ، وَأَنَّ قَتْلَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ لَا يَزْدَادُ بِهِ عَلَيْهِ حَقٌّ ، بَادَرَ إلَى قَتْلِ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ ، وَفَعَلَ مَا يَشْتَهِي فِعْلَهُ ، فَيَصِيرُ هَذَا كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ عَنْهُ ابْتِدَاءً مَعَ الدِّيَةِ .
( 6674 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَبَ كُلُّ وَلِيٍّ قَتْلَهُ بِوَلِيِّهِ ، مُسْتَقِلًّا مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةٍ ، قُدِّمَ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ ، وَلِأَنَّ الْمَحَلَّ صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِالْقَتْلِ الْأَوَّلِ .
فَإِنْ عَفَا وَلِيُّ الْأَوَّلِ ، فَلِوَلِيِّ الثَّانِي قَتْلُهُ .
وَإِنْ طَالَبَ وَلِيُّ الثَّانِي قَبْلَ طَلَبِ الْأَوَّلِ ، بَعَثَ الْحَاكِمُ إلَى وَلِيِّ الْأَوَّلِ فَأَعْلَمَهُ .
وَإِنْ بَادَرَ الثَّانِي فَقَتَلَهُ ، أَسَاءَ ، وَسَقَطَ حَقُّ الْأَوَّلِ إلَى الدِّيَةِ .
وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْأَوَّلِ غَائِبًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا ، اُنْتُظِرَ .
وَإِنْ عَفَا أَوْلِيَاءُ الْجَمِيعِ إلَى الدِّيَاتِ ، فَلَهُمْ ذَلِكَ .
وَإِنْ قَتَلَهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَتَشَاحُّوا فِي

الْمُسْتَوْفِي ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ، فَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ ؛ لِتَسَاوِي حُقُوقِهِمْ .
وَإِنْ بَادَرَ غَيْرُهُ فَقَتَلَهُ ، اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، وَسَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ إلَى الدِّيَةِ .
وَإِنْ قَتَلَهُمْ مُتَفَرِّقًا ، وَأَشْكَلَ الْأَوَّلُ ، أَوْ ادَّعَى كُلُّ وَلِيٍّ أَنَّهُ الْأَوَّلُ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ ، فَأَقَرَّ الْقَاتِلُ لَأَحَدِهِمْ ، قُدِّمَ بِإِقْرَارِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ ، أَقْرَعَنَا بَيْنَهُمْ ؛ لِاسْتِوَاءِ حُقُوقِهِمْ .

( 6675 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ يَمِينَيْ رَجُلَيْنِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْأَنْفُسِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَالِاخْتِلَافِ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا : يُقَادُ لَهُمَا جَمِيعًا ، وَيَغْرَمُ لَهُمَا دِيَةَ الْيَدِ فِي مَالِهِ نِصْفَيْنِ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إيجَابِ الْقَوَدِ فِي بَعْضِ الْعُضْوِ وَالدِّيَةِ فِي بَعْضِهِ ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ .

( 6676 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ، ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ ، ثُمَّ سَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِ الْمَقْطُوعِ فَمَاتَ ، فَهُوَ قَاتِلٌ لَهُمَا ، فَإِذَا تَشَاحَّا فِي الْمُسْتَوْفِي لِلْقَتْلِ ، قُتِلَ بِاَلَّذِي قَتَلَهُ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَتْلِ عَلَيْهِ أَسْبَقُ ، فَإِنَّ الْقَتْلَ بِاَلَّذِي قَطَعَهُ إنَّمَا وَجَبَ عِنْدَ السِّرَايَةِ ، وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ قَتْلِ الْآخَرِ ، وَأَمَّا الْقَطْعُ ، فَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ يَسْتَوْفِي مِنْهُ مِثْلُ مَا فَعَلَ .
فَإِنَّهُ يُقْطَعُ لَهُ أَوَّلًا ، ثُمَّ يُقْتَلُ لِلَّذِي قَتَلَهُ ، وَيَجِبُ لِلْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ .
وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَسْتَوْفِي الْقَطْعُ .
وَجَبَتْ لَهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً ، وَلَمْ يُقْطَعْ طَرَفُهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ لَهُ الْقَطْعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْقَتْلِ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْقَتْلِ .
فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقَتْلِ ، وَجَبَ اسْتِيفَاءُ الطَّرَفِ لِوُجُوبِ مُقْتَضِيه ، وَعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ اسْتِيفَائِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْرِ .
وَلَوْ كَانَ قَطْعُ الْيَدِ لَمْ يَسْرِ إلَى النَّفْسِ ، فَإِنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ أَوَّلًا ، ثُمَّ يُقْتَلُ ، وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْقَطْعُ أَوْ تَأَخَّرَ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يُقْتَلُ وَلَا يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ تَلِفَ الطَّرَفُ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْقَطْعِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا لَوَاحِدٍ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ ، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا ، كَقَطْعِ يَدَيْ رَجُلَيْنِ .
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِيَاسِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ : لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ، ثُمَّ قَتَلَهُ يَقْصِدُ الْمُثْلَةَ بِهِ ، قُطِعَ وَقُتِلَ .
وَنَحْنُ نُوَافِقُهُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةٍ ، فَقَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ مِنَّا وَمِنْهُمْ عَلَى انْتِفَاءِ التَّدَاخُلِ فِي الْأَصْلِ ، فَكَيْفَ يَقِيسُ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ يَنْقَلِبُ دَلِيلًا عَلَيْهِ ، فَنَقُولُ : قَطَعَ وَقَتَلَ ، فَيُسْتَوْفَى مِنْهُ مِثْلُ مَا فَعَلَ ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ يَقْصِدُ الْمُثْلَةَ بِهِ ، وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي

مَحَلِّ النِّزَاعِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَتَدَاخَلْ حَقُّ الْوَاحِد ، فَحَقُّ الِاثْنَيْنِ أَوْلَى ، وَيَبْطُلُ بِهَذَا مَا قَالَهُ مِنْ الْمَعْنَى .

( 6677 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ إصْبَعًا مِنْ يَمِينِ رَجُلٍ ، وَيَمِينًا لِآخَرَ ، وَكَانَ قَطْعُ الْإِصْبَعِ أَسْبَقِ ، قُطِعَتْ إصْبَعُهُ قِصَاصًا ، وَخُيِّرَ الْآخَرُ بَيْنَ الْعَفْوِ إلَى الدِّيَةِ ، وَبَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ دِيَةِ الْإِصْبَعِ .
ذَكَره الْقَاضِي ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ بَعْضَ حَقِّهِ ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَوْجُودِ ، وَأَخْذُ بَدَلِ الْمَفْقُودِ ، كَمَنْ أَتْلَفَ مِثْلِيًّا لِرَجُلٍ ، فَوَجَدَ بَعْضَ الْمِثْلِ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُخَيَّرُ بَيْن الْقِصَاصِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَهُ ، وَبَيْنَ الدِّيَةِ .
هَذَا قِيَاسُ قَوْلِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ بَيْنَ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ كَالنَّفْسِ .
وَإِنْ كَانَ قَطْعُ الْيَدِ سَابِقًا عَلَى قَطْعِ الْإِصْبَعِ ، قُطِعَتْ يَمِينُهُ قِصَاصًا ، وَلِصَاحِبِ الْإِصْبَعِ أَرْشُهَا .
وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا قَتَلَ رَجُلًا ، ثُمَّ قَطَعَ يَدَ آخَرَ ، حَيْثُ قَدَّمْنَا اسْتِيفَاءَ الْقَطْعِ مَعَ تَأَخُّرِهِ ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ لَا يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ فِي النَّفْسِ ، بِدَلِيلِ أَنَّا نَأْخُذُ كَامِلَ الْأَطْرَافِ بِنَاقِصِهَا ، وَأَنَّ دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ ، وَنَقْصَ الْإِصْبَعِ يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ فِي الْيَدِ ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الْكَامِلَةَ بِالنَّاقِصَةِ ، وَاخْتِلَافِ دِيَتِهِمَا .
وَإِنْ عَفَا صَاحِبُ الْيَدِ ، قُطِعَتْ الْإِصْبَعُ لِصَاحِبِهَا ، إنْ اخْتَارَ قَطَعَهَا .

( 6678 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا جَرَحَهُ جُرْحًا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِلَا حَيْفٍ ، اُقْتُصَّ مِنْهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْجُرُوحِ ، إذَا أَمْكَنَ ؛ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .
وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضِرِ بْنِ أَنَسٍ ، { كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِمْ الْأَرْشَ ، فَأَبَوْا إلَّا الْقِصَاصَ ، فَجَاءَ أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ ، وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَنَسُ ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ .
قَالَ : فَعَفَا الْقَوْمُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إذَا أَمْكَنَ ، وَلِأَنَّ مَا دُون النَّفْسِ كَالنَّفْسِ فِي الْحَاجَةِ إلَى حِفْظِهِ بِالْقِصَاصِ ، فَكَانَ كَالنَّفْسِ فِي وُجُوبِهِ .

( 6679 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ عَمْدًا مَحْضًا ، فَأَمَّا الْخَطَأُ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ إجْمَاعًا ، لِأَنَّ الْخَطَأ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ ، وَهِيَ الْأَصْلُ ، فَفِيمَا دُونَهَا أَوْلَى .
وَلَا يَجِبُ بِعَمْدِ الْخَطَأِ ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ غَالِبًا ، مِثْلُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِحَصَاةِ لَا يُوضِحُ مِثْلُهَا ، فَتُوضِحَهُ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ شِبْهُ الْعَمْدِ ، وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَّا بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ ، وَلَا يُرَاعَى فِيهِ ذَلِكَ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ .
الثَّانِي : التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْجَارِحِ وَالْمَجْرُوحِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي يُقَادُ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَهُ ، كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ ، فَأَمَّا مَنْ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ ، فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَهُ ، كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ ، وَالْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ ، وَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ نَفْسُهُ بِنَفْسِهِ ، فَلَا يُؤْخَذُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ ، وَلَا يُجْرَحُ بِجُرْحِهِ ، كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْمُسْتَأْمِنِ .
الثَّالِثُ : إمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } .
وَقَالَ : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } .
وَلِأَنَّ دَمَ الْجَانِي مَعْصُومٌ إلَّا فِي قَدْرِ جِنَايَتِهِ ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَبْقَى عَلَى الْعِصْمَةِ ، فَيَحْرُمُ اسْتِيفَاؤُهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ ، كَتَحْرِيمِهِ قَبْلَهَا ، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمَنْعُ مِنْ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ لَوَازِمِهِ ، فَلَا يُمْكِنُ الْمَنْعُ مِنْهَا إلَّا بِالْمَنْعِ مِنْهُ .
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ .
وَمِمَّنْ مَنَعَ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ الْحَسَنُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَمَنَعَهُ فِي

الْعِظَامِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْجُرْحَ الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، هُوَ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ ، كَالْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ الْقِصَاصِ فِي الْمُوضِحَةِ خِلَافًا ، وَهِيَ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى الْعَظْمِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ هَاهُنَا ، لَسَقَطَ حُكْمُ الْآيَةِ ، وَفِي مَعْنَى الْمُوضِحَةِ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ فِيمَا سِوَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ، كَالسَّاعِدِ ، وَالْعَضُدِ ، وَالسَّاقِ ، وَالْفَخِذِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : لَا قِصَاصَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ فِيهَا .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .
وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا بِغَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ ، لِانْتِهَائِهَا إلَى عَظْمٍ ، فَهِيَ كَالْمُوضِحَةِ ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْمُوضِحَةِ لَيْسَ هُوَ الْمُقْتَضِي لِلْقِصَاصِ ، وَلَا عَدَمُهُ مَانِعًا ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّقْدِيرُ فِي الْمُوضِحَةِ لِكَثْرَةِ شَيْنِهَا ، وَشَرَفِ مَحَلِّهَا ؛ وَلِهَذَا قُدِّرَ مَا فَوْقَهَا مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الْجَائِفَةُ أَرْشُهَا مُقَدَّرٌ ، لَا قِصَاصَ فِيهِ .

( 6680 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِالسَّيْفِ ، وَلَا بِآلَةٍ يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْجُرْحُ بِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا اُسْتُوْفِيَ بِالسَّيْفِ ؛ لِأَنَّهُ آلَتُهُ ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ شَيْءٌ يُخْشَى التَّعَدِّي إلَيْهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُسْتَوْفَى مَا دُونَ النَّفْسِ بِآلَتِهِ ، وَيُتَوَقَّى مَا يُخْشَى مِنْهُ الزِّيَادَةُ إلَى مَحَلٍّ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ ، وَلِأَنَّنَا مَنَعْنَا الْقِصَاصَ بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا تُخْشَى الزِّيَادَةُ فِي اسْتِيفَائِهِ .
فَلَأَنْ نَمْنَعَ الْآلَةَ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا ذَلِكَ أَوْلَى .
فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مُوضِحَةً أَوْ مَا أَشْبَهَهَا ، فَبِالْمُوسَى أَوْ حَدِيدَةٍ مَاضِيَةٍ مُعَدَّةٍ لِذَلِكَ ، وَلَا يَسْتَوْفِي ذَلِكَ إلَّا مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ ، كَالْجَرَائِحِيِّ وَمَنْ أَشْبَهَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ عِلْمٌ بِذَلِكَ ، أُمِرَ بِالِاسْتِبَانَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ ، فَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَيُمَكَّنُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ إذَا كَانَ يُحْسِنُ ، كَالْقَتْلِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ اسْتِيفَائِهِ بِنَفْسِهِ ، وَلَا يَلِيهِ إلَّا نَائِبُ الْإِمَامِ ، أَوْ مِنْ يَسْتَنِيبُهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ الْعَدَاوَةِ وَقَصْدِ التَّشَفِّي الْحَيْفُ فِي الِاسْتِيفَاءِ بِمَا لَا يُمْكِنُ تَلَافِيه ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى النِّزَاعِ وَالِاخْتِلَافِ ، بِأَنْ يَدَّعِيَ الْجَانِي الزِّيَادَةَ وَيُنْكِرَهَا الْمُسْتَوْفِي .

( 6681 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَرَادَ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ مُوضِحَةٍ وَشِبْهِهَا ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَوْضِعِهَا شَعْرٌ حَلَقَهُ ، وَيَعْمِدُ إلَى مَوْضِعِ الشَّجَّةِ مِنْ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ ، فَيَعْلَمُ مِنْهُ طُولَهَا بِخَشَبَةٍ أَوْ خَيْطٍ ، وَيَضَعُهَا عَلَى رَأْسِ الشَّاجِّ ، وَيُعَلِّمُ طَرَفَيْهِ بِخَطٍّ بِسَوَادٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَيَأْخُذُ حَدِيدَةً عَرْضُهَا كَعَرْضِ الشَّجَّةِ ، فَيَضَعُهَا فِي أَوَّلِ الشَّجَّةِ ، وَيَجُرُّهَا إلَى آخِرِهَا ، وَيَأْخُذُ مِثْلَ الشَّجَّةِ طُولًا وَعَرْضًا ، وَلَا يُرَاعِي الْعُمْقَ ؛ لِأَنَّ حَدَّهُ الْعَظْمُ ، وَلَوْ رُوعِيَ الْعُمْقُ لَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي قِلَّةِ اللَّحْمِ وَكَثْرَتِهِ ، وَهَذَا كَمَا يَسْتَوْفِي فِي الطَّرَفِ مِثْلِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ، وَالدِّقَّةِ وَالْغِلَظِ ، وَيُرَاعِي الطُّولَ وَالْعَرْضَ ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ ، فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ وَالْمَشْجُوجِ سَوَاءً ، اسْتَوْفَى قَدْرَ الشَّجَّةِ ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ ، لَكِنَّهُ يَتَّسِعُ لِلشَّجَّةِ ، اُسْتُوْفِيَتْ إنْ اسْتَوْعَبَ رَأْسَ الشَّاجِّ كُلَّهُ ، وَهِيَ بَعْضُ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَاهَا بِالْمِسَاحَةِ ، وَلَا يَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ زِيَادَتُهَا عَلَى مِثْلِ مَوْضِعِهَا مِنْ رَأْسِ الْجَانِي ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ رَأْسُهُ .
وَإِنْ كَانَ قَدْرُ الشَّجَّةِ يَزِيدُ عَلَى رَأْسِ الْجَانِي ، فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي الشَّجَّةَ مِنْ جَمِيعِ رَأْسِ الشَّاجِّ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ إلَى جَبْهَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ فِي عُضْوٍ آخَرَ غَيْرِ الْعُضْوِ الَّذِي جَنَى عَلَيْهِ .
وَكَذَلِكَ لَا يَنْزِلُ إلَى قَفَاهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .
وَلَا يَسْتَوْفِي بَقِيَّةَ الشَّجَّةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ رَأْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِمُوضِحَتَيْنِ ، وَوَاضِعًا لِلْحَدِيدَةِ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهَا فِيهِ الْجَانِي .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَاذَا يَصْنَعُ ؟ فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهُ لَا أَرْشَ لَهُ فِيمَا بَقِيَ ؛ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ قِصَاصٌ وَدِيَةٌ فِي جُرْحٍ وَاحِدٍ .

وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .
فَعَلَى هَذَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الِاسْتِيفَاءِ فِي جَمِيعِ رَأْسِ الشَّاجِّ وَلَا أَرْشَ لَهُ ، وَبَيْنَ الْعَفْوِ إلَى دِيَةِ مُوضِحَةٍ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَهُ أَرْشُ مَا بَقِيَ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ فِيمَا جَنَى عَلَيْهِ ، فَكَانَ لَهُ أَرْشُهُ ، كَمَا لَوْ تَعَذُّرَ فِي الْجَمِيعِ .
فَعَلَى هَذَا ، تُقَدَّرُ شَجَّةُ الْجَانِي مِنْ الشَّجَّةِ فِي رَأْسِ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ ، وَيَسْتَوْفِي أَرْشَ الْبَاقِي ، فَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ ثُلُثِهَا فَلَهُ ثُلُثُ أَرْشِ مُوضِحَةٍ ، وَإِنْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ عَنْ هَذَا فَبِالْحِسَابِ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ .
وَلَا يَجِبُ لَهُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ كَامِلَةٍ ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى إيجَابِ الْقِصَاصِ وَدِيَةِ مُوضِحَةٍ فِي مُوضِحَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَإِنْ أَوْضَحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ ، وَرَأْسُ الْجَانِي أَكْبَرُ ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يُوضِحَ مِنْهُ بِقَدْرِ مِسَاحَةِ مُوضِحَتِهِ مِنْ أَيِّ الطَّرَفَيْنِ شَاءَ ؛ لِأَنَّهُ جَنَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كُلِّهِ ، وَإِذَا اسْتَوْفَى قَدْرَ مُوضِحَتِهِ ، ثُمَّ تَجَاوَزَهَا ، وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ عَمَدَ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ ، فَإِذَا انْدَمَلَتْ مُوضِحَتُهُ ، اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ الْقِصَاصُ فِي مَوْضِعِ الِانْدِمَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْجِنَايَةِ ، وَإِنْ ادَّعَى الْخَطَأَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَةٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَذِهِ الْمُوضِحَةُ كُلُّهَا لَوْ كَانَتْ عُدْوَانًا لَمْ يَجِبْ فِيهَا إلَّا دِيَةُ مُوضِحَةٍ ، فَكَيْفَ يَجِبُ فِي بَعْضِهَا دِيَةُ مُوضِحَةٍ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْمُسْتَوْفِي ، لَمْ يَكُنْ جِنَايَةً ، إنَّمَا الْجِنَايَةُ الزَّائِدُ ، وَالزَّائِدُ لَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ مُوضِحَةً ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ مَا لَيْسَ بِجِنَايَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ كُلُّهَا عُدْوَانًا ؛ فَإِنَّ الْجَمِيعَ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ .

فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْضَحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ ، وَرَأْسُ الْجَانِي أَكْبَرُ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ بَعْضَهُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَبَعْضَهُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مُوضِحَتَيْنِ بِوَاحِدَةٍ ، وَدِيَتُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ ، وَاحْتَمَلَ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ مَوْضِعَ الْجِنَايَةِ وَلَا قَدْرَهَا ، إلَّا أَنْ يَقُولَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ : إنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةَ ضَرَرٍ أَوْ شَيْنٍ ، فَلَا يَفْعَلُ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَهَذَيْنِ .
فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَكْبَرَ ، فَأَوْضَحَهُ الْجَانِي فِي مُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ مُوضِحَتَيْنِ ، قَدْرُهُمَا جَمِيعُ رَأْسِ الْجَانِي ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُوضِحَهُ مُوضِحَةً وَاحِدَةً فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ ، أَوْ يُوضِحَهُ مُوضِحَتَيْنِ ، يَقْتَصِرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ مُوضِحَتِهِ ، وَلَا أَرْشَ لِذَلِكَ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِيفَاءَ مَعَ إمْكَانِهِ .
وَإِنْ عَفَا إلَى الْأَرْشِ ، فَلَهُ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَأَخَذَ دِيَةَ الْأُخْرَى .

( 6683 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ، فَكَانَتْ فِي سَاعِدٍ ، فَزَادَتْ عَلَى سَاعِدِ الْجَانِي ، لَمْ يَنْزِلْ إلَى الْكَفِّ ، وَلَمْ يَصْعَدْ إلَى الْعَضُدِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي السَّاقِ ، لَمْ يَنْزِلْ إلَى الْقَدَمِ ، وَلَمْ يَصْعَدْ إلَى الْفَخِذِ ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ آخَرُ ، فَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُ ، كَمَا لَمْ يَنْزِلْ مِنْ الرَّأْسِ إلَى الْوَجْهِ ، وَلَمْ يَصْعَدْ مِنْ الْوَجْهِ إلَى الرَّأْسِ .

( 6684 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شُجَّ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ عَرْضًا شَجَّةً لَا يَتَّسِعُ لَهَا مِثْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ وَسَطِ الرَّأْسِ ، فِيمَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ ، لِكَوْنِهِ يَتَّسِعُ لِمِثْلِ تِلْكَ الْمُوضِحَةِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَوْضِعِ الَّذِي شَجَّهُ فِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ مَحَلِّ شَجَّتِهِ .
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ عُضْوٌ وَاحِدٌ ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ مَحَلِّ شَجَّتِهِ ، جَازَ مِنْ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ شَجَّهُ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ شَجَّةً قَدْرُهَا جَمِيعُ رَأْسِ الشَّاجِّ ، جَازَ إتْمَامُ اسْتِيفَائِهَا فِي مُؤَخَّرِ رَأْسِ الْجَانِي .
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .
وَهَكَذَا يُخَرَّجُ فِيمَا إذَا كَانَ الْجُرْحُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَالذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ .
وَإِنْ أَمْكَنَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ ، لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .

( 6685 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ إذَا قَطَعَ مِنْهُ طَرَفًا مِنْ مَفْصِلٍ ، قَطَعَ مِنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَفْصِلِ ، إذَا كَانَ الْجَانِي يُقَادُ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَهُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .
وَبِخَبَرِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضِرِ بْنِ أَنَسٍ ، وَيُشْتَرَطُ لِجَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِيهَا شُرُوطٌ خَمْسَةٌ ؛ أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ عَمْدًا ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِي بِحَيْثُ يُقَادُ بِهِ لَوْ قَتَلَهُ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الطَّرَفُ مُسَاوِيًا لِلطَّرَفِ ، فَلَا يُؤْخَذُ صَحِيحٌ بِأَشَلَّ ، وَلَا كَامِلَةُ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَةِ ، وَلَا أَصْلِيَّةٌ بِزَائِدَةٍ ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِي الدِّقَّةِ وَالْغِلَظِ ، وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ بِالْكُلِّيَّةِ .
وَالرَّابِعُ : الِاشْتِرَاكُ فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ ، فَلَا تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ ، وَلَا يَسَارٌ بِيَمِينٍ ، وَلَا إصْبَعٌ بِمُخَالِفَةٍ لَهَا ، وَلَا جَفْنٌ أَوْ شَفَةٌ إلَّا بِمِثْلِهَا .
وَالْخَامِسُ : إمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .
وَقَدْ رَوَى نَمِرُ بْنُ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ { ، أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى سَاعِدِهِ بِالسَّيْفِ ، فَقَطَعَهَا مِنْ غَيْر مَفْصِلٍ ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ لَهُ بِالدِّيَةِ ، فَقَالَ : إنِّي أُرِيدُ الْقِصَاصَ .
قَالَ : خُذْ الدِّيَةَ ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا } .
وَلَمْ يَقْضِ لَهُ بِالْقِصَاصِ .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .

( 6686 ) فَصْلٌ : وَفِي قَطْعِ الْيَدِ ثَمَانِ مَسَائِلَ ؛ أَحَدُهَا : قَطْعُ الْأَصَابِعِ مِنْ مَفَاصِلِهَا ، فَالْقِصَاصُ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّ لَهَا مَفَاصِلَ ، وَيُمْكِنُ الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ ، وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ فَلَهُ نِصْفُهَا ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ إصْبَعٍ عُشْرَ الدِّيَةِ .
الثَّانِيَةُ : قَطْعِهَا مِنْ نِصْفِ الْكَفِّ ، فَلَيْسَ لَهُ الْقِصَاصُ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْصِلٍ ، فَلَا يُؤْمَنُ الْحَيْفُ فِيهِ .
وَإِنْ أَرَادَ قَطْعَ الْأَصَابِع فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الْجِنَايَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ الْكُوعِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ امْتِنَاعَ قَطْعِ الْأَصَابِعِ إذَا قَطَعَ مِنْ الْكُوعِ ، إنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي ، أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ مُتَحَقِّقٌ إذَا كَانَ الْقَطْعُ مِنْ نِصْفِ الْكَفِّ .
وَالثَّانِي : لَهُ قَطْعُ الْأَصَابِعِ .
ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ دُونَ حَقِّهِ لِعَجْزِهِ عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَجَّهُ هَاشِمَةً ، فَاسْتَوْفَى مُوضِحَةً .
وَيُفَارِقُ مَا إذَا قَطَعَ مِنْ الْكُوعِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ .
وَهَلْ لَهُ حُكُومَةٌ فِي نِصْفِ الْكَفِّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْأَرْشِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ مِنْ الْكُوعِ .
وَالثَّانِي : لَهُ أَرْشُ نِصْفِ الْكَفِّ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ ، فَوَجَبَ أَرْشُهُ ، كَسَائِرِ مَا هَذَا حَالُهُ .
وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ ، فَلَهُ نِصْفُهَا ، لِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ مِنْ الْكُوعِ لَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ ، فَمَا دُونَهُ أَوْلَى .
الثَّالِثَةُ : قَطَعَ مِنْ الْكُوعِ ، فَلَهُ قَطْعُ يَدِهِ مِنْ الْكُوعِ ، لِأَنَّهُ مَفْصِلٌ ، وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُ الْأَصَابِعِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ ، فَلَا يَسْتَوْفِي مِنْهُ مَعَ

إمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ مَحَلِّهَا .
الرَّابِعَةُ : قَطَعَ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْصِلٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ الْوَارِدَ فِيهِ ، وَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَحُكُومَةٌ فِي الْمَقْطُوعِ مِنْ الذِّرَاعِ .
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ الْكُوعِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي مَنْ قَطَعَ مِنْ نِصْفِ الْكَفِّ .
وَمَنْ جَوَّزَ لَهُ الْقَطْعَ مِنْ الْكُوعِ ، فَعِنْدَهُ فِي وُجُوبِ الْحُكُومَةِ لِمَا قُطِعَ مِنْ الذِّرَاعِ وَجْهَانِ .
وَيُخَرَّج أَيْضًا فِي جَوَازِ قَطْعِ الْأَصَابِعِ وَجْهَانِ .
فَإِنْ قَطَعَ مِنْهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكُومَةٌ فِي الْكَفِّ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَخْذُهُ قِصَاصًا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَلَبُ أَرْشِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ الْكُوعِ .
الْخَامِسَةُ : قَطَعَ مِنْ الْمَرْفِقِ ، فَلَهُ الْقِصَاصُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مَفْصِلٌ ، وَلَيْسَ لَهُ الْقَطْعُ مِنْ الْكُوعِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ بِكَمَالِهِ ، وَالِاقْتِصَاصُ مِنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ .
وَإِنْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، فَلَهُ دِيَةُ الْيَدِ ، وَحُكُومَةٌ لِلسَّاعِدِ .
السَّادِسَةُ : قَطَعَهَا مِنْ الْعَضُدِ ، فَلَا قِصَاصَ فِيهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَلَهُ دِيَةُ الْيَدِ ، وَحُكُومَةٌ لِلسَّاعِدِ وَبَعْضِ الْعَضُدِ .
وَالثَّانِي : لَهُ الْقِصَاصُ مِنْ الْمَرْفِقِ .
وَهَلْ لَهُ حُكُومَةٌ فِي الزَّائِد ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : وَهَلْ لَهُ الْقَطْعُ مِنْ الْكُوعِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .
السَّابِعَةُ : قَطَعَ مِنْ الْمَنْكِبِ ، فَالْوَاجِبُ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ مَفْصِلٌ ، وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ ، فَلَهُ دِيَةُ الْيَدِ ، وَحُكُومَةٌ لِمَا زَادَ .
الثَّامِنَةُ : خَلَعَ عَظْمَ الْمَنْكِبِ ، وَيُقَال لَهُ : مِشْطُ الْكَتِفِ ، فَيَرْجِعُ فِيهِ إلَى اثْنَيْنِ مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ قَالُوا : يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَصِيرَ جَائِفَةً .
اُسْتُوْفِيَ ، وَإِلَّا صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ .
وَفِي جَوَاز الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْمَرْفِقِ أَوْ مَا دُونَهُ مِثْلُ مَا

ذَكَرْنَا فِي نَظَائِرِهِ .
وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الرِّجْلِ ، وَالسَّاقُ كَالذِّرَاعِ ، وَالْفَخِذُ كَالْعَضُدِ ، وَالْوَرِكُ كَعَظْمِ الْكَتِفِ ، وَالْقَدَمُ كَالْكَفِّ .

( 6687 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ فِي الْمَأْمُومَةِ ، وَلَا فِي الْجَائِفَةِ قِصَاصٌ ) الْمَأْمُومَةُ : شِجَاجُ الرَّأْسِ ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ ، وَتُسَمَّى تِلْكَ الْجِلْدَةُ أُمَّ الدِّمَاغِ ؛ لِأَنَّهَا تَجْمَعُهُ ، فَالشَّجَّةُ الْوَاصِلَةُ إلَيْهَا تُسَمَّى مَأْمُومَةً وَآمَّةً ، لِوُصُولِهَا إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ .
وَالْجَائِفَةُ فِي الْبَدَنِ ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الْجَوْفِ .
وَلَيْسَ فِيهِمَا قِصَاصٌ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ نَعْلَمُهُ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَصَّ مِنْ الْمَأْمُومَةِ ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، وَقَالُوا : مَا سَمِعْنَا أَحَدًا قَصَّ مِنْهَا قَبْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ .
وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ فِي ذَلِكَ قِصَاصًا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا قِصَاصَ فِي الْمَأْمُومَةِ .
وَقَالَهُ مَكْحُولٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ .
وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ : لَا قِصَاصَ فِي الْجَائِفَةِ .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، فِي " سُنَنِهِ " ، عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا قَوَدَ فِي الْمَأْمُومَةِ ، وَلَا فِي الْجَائِفَةِ ، وَلَا فِي الْمُنَقِّلَةِ } .
وَلِأَنَّهُمَا جُرْحَانِ لَا تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِمَا قِصَاصٌ ، كَكَسْرِ الْعِظَامِ .

( 6688 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ قِصَاصٌ سِوَى الْمُوضِحَةِ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا دُون الْمُوضِحَةِ ، كَالْحَارِصَةِ ، وَالْبَازِلَةِ ، وَالْبَاضِعَةِ ، وَالْمُتَلَاحِمَةِ ، وَالسِّمْحَاقِ ، وَمَا فَوْقَهَا ، وَهِيَ الْهَاشِمَةُ وَالْمُنَقِّلَةُ وَالْآمَّةُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
فَأَمَّا مَا فَوْقَ الْمُوضِحَةِ ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ فِيهَا الْقِصَاصَ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ أَقَادَ مِنْ الْمُنَقَّلَةِ ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْهُ .
وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ ؛ عَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ ذَلِكَ .
وَلِأَنَّهُمَا جِرَاحَتَانِ لَا تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا ، أَشْبَهَا الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ .
وَأَمَّا مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، أَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ فِي الدَّامِيَةِ وَالْبَاضِعَةِ وَالسِّمْحَاقِ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا جِرَاحَةٌ لَا تَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا قِصَاصٌ ، كَالْمَأْمُومَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فِيهَا الزِّيَادَةُ ، فَأَشْبَهَ كَسْرَ الْعِظَامِ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ إنْ اقْتَصَّ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ ، أَفْضَى إلَى أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرِ مِنْ حَقِّهِ ، وَإِنْ اعْتَبَرَ مِقْدَارَ الْعُمْقِ ، أَفْضَى إلَى أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ الْبَاضِعَةِ وَالسِّمْحَاقِ مُوضِحَةً ، وَمِنْ الْبَاضِعَةِ سِمْحَاقًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَحْمُ الْمَشْجُوجِ كَثِيرًا ، بِحَيْثُ يَكُونُ عُمْقُ بَاضِعَتِهِ كَعُمْقِ مُوضِحَةِ الشَّاجِّ ، أَوْ سِمْحَاقِهِ ، وَلِأَنَّنَا لَمْ نَعْتَبِرْ فِي الْمُوضِحَةِ قَدْرَ عُمْقِهَا ، فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهَا .
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .

( 6689 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَّةُ فَوْقَ الْمُوضِحَةِ ، فَأُحِبُّ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً ، جَازَ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ ، وَيَقْتَصُّ مِنْ مَحَلِّ جِنَايَتِهِ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَضَعُ السِّكِّينَ فِي مَوْضِعٍ وَضَعَهَا الْجَانِي ؛ لِأَنَّ سِكِّينَ الْجَانِي وَصَلَتْ إلَى الْعَظْمِ ، ثُمَّ تَجَاوَزَتْهُ ، بِخِلَافِ قَاطِعِ السَّاعِدِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَضَعْ سِكِّينَهُ فِي الْكُوعِ .
وَهَلْ لَهُ أَرْشُ مَا زَادَ عَلَى الْمُوضِحَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : ؛ أَحَدُهُمَا : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ جُرْحٌ وَاحِدٌ ، فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْن قِصَاصٍ وَدِيَةٍ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الشَّلَّاءَ بِالصَّحِيحَةِ ، وَكَمَا فِي الْأَنْفُسِ إذَا قُتِلَ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ ، وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ .
وَالثَّانِي : لَهُ أَرْشُ مَا زَادَ عَلَى الْمُوضِحَةِ ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ فِيهِ ، فَانْتَقَلَ إلَى الْبَدَلِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ إصْبَعَيْهِ وَلَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِيفَاءُ إلَّا مِنْ وَاحِدَةٍ .
وَفَارَقَ الشَّلَّاءَ بِالصَّحِيحَةِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ ثَمَّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، وَلَيْسَتْ مُتَمَيِّزَةً ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .

( 6690 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتُقْطَعُ الْأُذُنُ بِالْأُذُنِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَ تُؤْخَذُ بِالْأُذُنِ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ } .
وَلِأَنَّهَا تَنْتَهِي إلَى حَدٍّ فَاصِلٍ ، فَأَشْبَهَتْ الْيَدَ .
وَتُؤْخَذُ الْكَبِيرَةُ بِالصَّغِيرَةِ ، وَتُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ السَّمِيعِ ، وَتُؤْخَذُ أُذُنُ الْأَصَمِّ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ؛ لِتَسَاوِيهِمَا ، فَإِنَّ ذَهَابَ السَّمْعِ نَقْصٌ فِي الرَّأْسِ ، لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ ، وَلَيْسَ بِنَقْصٍ فِيهِمَا .
وَتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِالْمَثْقُوبَةِ ؛ لِأَنَّ الثَّقْبَ لَيْسَ بِعَيْبٍ ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ فِي الْعَادَةِ لِلْقُرْطِ وَالتَّزَيُّنِ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ الثُّقْبُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ ، أَوْ كَانَتْ مَخْرُومَةً ، أُخِذَتْ بِالصَّحِيحَةِ ، وَلَمْ تُؤْخَذْ الصَّحِيحَةُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الثُّقْبَ إذَا انْخَرَمَ صَارَ نَقْصًا فِيهَا ، وَالثَّقْبُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ عَيْبٌ ، وَيُخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَيْنَ أَخْذِ الدِّيَةِ إلَّا قَدْرَ النَّقْصِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا سِوَى الْمَعِيبِ وَيَتْرُكَهُ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي .
وَفِي وُجُوبِ الْحُكُومَةِ لَهُ فِي قَدْرِ الثُّقْبِ وَجْهَانِ .
وَإِنْ قُطِعَتْ بَعْضُ أُذُنِهِ ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ ، فَيُؤْخَذُ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ ، وَالثُّلُثُ بِالثُّلُثِ ، وَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يُجْزِئُ الْقِصَاصُ فِي الْبَعْضِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَهِي إلَى حَدٍّ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْمَقْطُوعِ ، وَلَيْسَ فِيهَا كَسْرُ عَظْمٍ ، فَجَرَى الْقِصَاصُ فِي بَعْضِهَا ، كَالذَّكَرِ ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ .

( 6691 ) فَصْلٌ : وَتُؤْخَذُ الْأُذُنُ الْمُسْتَحْشِفَةُ بِالصَّحِيحَةِ .
وَهَلْ تُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا تُؤْخَذُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا نَاقِصَةٌ مَعِيبَةٌ ، فَلَمْ تُؤْخَذْ بِهَا الصَّحِيحَةُ ، كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ .
وَالثَّانِي : تُؤْخَذُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا جَمْعُ الصَّوْتِ ، وَحِفْظُ مَحَلِّ السَّمْعِ ، وَالْجَمَالُ ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِهَا كَحُصُولِهِ بِالصَّحِيحَةِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ .

( 6692 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَهُ فَأَبَانَهَا ، فَأَلْصَقَهَا صَاحِبُهَا فَالْتَصَقَتْ وَثَبَتَتْ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ الْقِصَاصُ .
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْإِبَانَةِ ، وَقَدْ وُجِدَتْ الْإِبَانَةُ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا قِصَاصَ فِيهَا .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبِنْ عَلَى الدَّوَامِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ إبَانَةَ أُذُنِ الْجَانِي دَوَامًا .
وَإِنْ سَقَطَتْ بَعْدَ ذَلِكَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا ، فَلَهُ الْقِصَاصُ ، وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ .
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، إذَا لَمْ تَسْقُطْ : لَهُ دِيَةُ الْأُذُنِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْأَوَّلِينَ إذَا اخْتَارَ الدِّيَةَ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا عَقْلَ لَهَا إذَا عَادَتْ مَكَانَهَا ، فَأَمَّا إنْ قَطَعَ بَعْضَ أُذُنِهِ فَالْتَصَقَ ، فَلَهُ أَرْشُ الْجُرْحِ ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ .
وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَ إنْسَانٍ ، فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ ، فَأَلْصَقَ الْجَانِي أُذُنَهُ فَالْتَصَقَتْ ، وَطَلَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إبَانَتَهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ قَدْ حَصَلَتْ ، وَالْقِصَاصُ قَدْ اُسْتُوْفِيَ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ .
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَمْ يَقْطَعْ جَمِيعَ الْأُذُنِ ، إنَّمَا قَطَعَ بَعْضَهَا فَالْتَصَقَ ، كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَطْعُ جَمِيعِهَا ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ إبَانَةَ جَمِيعِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ إبَانَةٌ .
وَالْحُكْمُ فِي السِّنِّ كَالْحُكْمِ فِي الْأُذُنِ .

( 6693 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَلْصَقَ أُذُنَهُ بَعْدَ إبَانَتِهَا ، أَوْ سِنَّهُ ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ إبَانَتُهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فِيمَا بَانَ مِنْ الْآدَمِيِّ ، هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَوْ طَاهِرٌ ؟ إنْ قُلْنَا : هُوَ نَجِسٌ .
لَزِمَتْهُ إزَالَتُهَا ، مَا لَمْ يَخَفْ الضَّرَرَ بِإِزَالَتِهَا ، كَمَا لَوْ جَبَرَ عَظْمَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ .
وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهَا .
لَمْ تَلْزَمْهُ إزَالَتُهَا .
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ آدَمِيٍّ طَاهِرٍ فِي حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ ، فَكَانَ طَاهِرًا كَحَالَةِ اتِّصَالِهِ ، فَأَمَّا إنْ قَطَعَ بَعْضَ أُذُنِهِ فَالْتَصَقَ ، لَمْ تَلْزَمْهُ إبَانَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا ، لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ مَيْتَةً ، لِعَدَمِ إبَانَتِهَا .
وَلَا قِصَاصَ فِيهَا .
قَالَهُ الْقَاضِي .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَقْطُوعِ مِنْهَا .

( 6694 ) مَسْأَلَةٌ : ؛ قَالَ : ( وَالْأَنْفُ بِالْأَنْفِ ) وَأَجْمَعُوا عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الْأَنْفِ أَيْضًا ؛ لِلْآيَةِ وَالْمَعْنَى .
وَيُؤْخَذُ الْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ ، وَالْأَقْنَى بِالْأَفْطَسِ ، وَأَنْفُ الْأَشَمِّ بِأَنْفِ الْأَخْشَمِ الَّذِي لَا يَشُمُّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ فِي الدِّمَاغِ وَالْأَنْفُ صَحِيحٌ .
كَمَا تُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ الْأَصَمِّ .
وَإِنْ كَانَ بِأَنْفِهِ جُذَامٌ ، أُخِذَ بِهِ الْأَنْفُ الصَّحِيحُ ، مَا لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ ، فَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ ، لَمْ يَقْطَعْ بِهِ الصَّحِيحَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ .
فَيَأْخُذَ مِنْ الصَّحِيحِ مِثْلَ مَا بَقِيَ مِنْهُ ، أَوْ يَأْخُذَ أَرْشَ ذَلِكَ .
وَاَلَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ هُوَ الْمَارِنُ ، وَهُوَ مَالَانِ مِنْهُ ، دُونَ قَصَبَةِ الْأَنْفِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ ، فَهُوَ كَالْيَدِ ، يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا انْتَهَى إلَى الْكُوعِ .
وَإِنْ قَطَعَ الْأَنْفَ كُلَّهُ مَعَ الْقَصَبَةِ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْمَارِنِ ، وَحُكُومَةٌ لِلْقَصَبَةِ .
هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَعَ الْقِصَاصِ حُكُومَةٌ ؛ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ قِصَاصٌ وَدِيَةٌ .
وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ يَضَعُ الْحَدِيدَةَ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهَا الْجَانِي فِيهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ فِي مَنْ قَطَعَ الْيَدَ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ أَوْ الْكَفِّ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي هَاهُنَا كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَفِي نَظَائِرِهِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ، وَلَا يَصِحُّ التَّفْرِيقُ مَعَ التَّسَاوِي .
وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ الْأَنْفِ ، قُدِّرَ بِالْأَجْزَاءِ ، وَأُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، كَقَوْلِنَا فِي الْأُذُنِ ، وَلَا يُؤْخَذُ بِالْمِسَاحَةِ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى قَطْعِ جَمِيعِ أَنْفِ الْجَانِي لِصِغَرِهِ بِبَعْضِ أَنْفِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِكِبَرِهِ ، وَيُؤْخَذُ الْمَنْخِرُ الْأَيْمَنُ بِالْأَيْمَنِ ، وَالْأَيْسَرُ بِالْأَيْسَرِ

، وَلَا يُؤْخَذُ أَيْمَنُ بِأَيْسَرَ ، وَلَا أَيْسَرُ بِأَيْمَنَ ، وَيُؤْخَذُ الْحَاجِزُ بِالْحَاجِزِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ ، لِانْتِهَائِهِ إلَى حَدٍّ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالذَّكَرُ بِالذَّكَرِ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي فِي الذَّكَرِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .
وَلِأَنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ ، وَيُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ ، فَوَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ ، كَالْأَنْفِ .
وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ ذَكَرُ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَالشَّيْخِ وَالشَّابِّ ، وَالذَّكَرُ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ ، وَالصَّحِيحُ وَالْمَرِيضُ ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ مِنْ الْأَطْرَافِ لَمْ يَخْتَلِفْ بِهَذِهِ الْمَعَانِي ، كَذَلِكَ الذَّكَرُ .
وَيُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَخْتُونِ وَالْأَغْلَفِ بِصَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ الْغُلْفَةَ زِيَادَةٌ تَسْتَحِقُّ إزَالَتَهَا ، فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ .
وَأَمَّا ذَكَرُ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ ، فَذَكَرَ الشَّرِيفُ أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يُؤْخَذُ بِهِمَا .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمَا ، لِأَنَّ الْعِنِّينَ لَا يَطَأُ وَلَا يُنْزِلُ ، وَالْخَصِيُّ لَا يُولَدُ لَهُ وَلَا يُنْزِلُ ، وَلَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ ، فَهُمَا كَالْأَشَلِّ ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصٌ ، فَلَا يُؤْخَذُ بِهِ الْكَامِلُ ، كَالْيَدِ النَّاقِصَةِ بِالْكَامِلَةِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُؤْخَذُ غَيْرُهُمَا بِهِمَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ صَحِيحَانِ ، يَنْقَبِضَانِ وَيَنْبَسِطَانِ ، وَيُؤْخَذُ بِهِمَا غَيْرُهُمَا ، كَذَكَرِ الْفَحْلِ غَيْرِ الْعِنِّينِ ، وَإِنَّمَا عَدَمُ الْإِنْزَالِ لِذَهَابِ الْخُصْيَةِ ، وَالْعُنَّةُ لَعِلَّةٍ فِي الظَّهْرِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ الْقِصَاصِ بِهِمَا ، كَأُذُنِ الْأَصَمِّ وَأَنْفِ الْأَخْشَمِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُؤْخَذُ ذَكَرُ الْفَحْلِ بِالْخَصِيِّ ؛ لِتَحَقُّقِ نَقْصِهِ ، وَالْإِيَاسِ مِنْ بُرْئِهِ .
وَفِي أَخْذِهِ بِذَكَرِ الْعِنِّينِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُؤْخَذُ بِهِ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَيْئُوسٍ مِنْ زَوَالِ عُنَّتِهِ ، وَلِذَلِكَ يُؤَجَّلُ سَنَةً ، بِخِلَافِ الْخَصِيِّ .
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ فَإِنَّهُ إذَا تَرَدَّدَتْ الْحَالُ بَيْن

كَوْنِهِ مُسَاوِيًا لِلْآخَرِ وَعَدَمِهِ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ ، سِيَّمَا وَقَدْ حَكَمْنَا بِانْتِفَاءِ التَّسَاوِي ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى عُنَّتِهِ ، وَثُبُوتِ عَيْبِهِ .
وَيُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ بِمِثْلِهِ ؛ لِتَسَاوِيهِمَا ، كَمَا يُؤْخَذُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، وَالذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ .
( 6696 ) فَصْلٌ : وَيُؤْخَذُ بَعْضُهُ بِبَعْضِهِ ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ دُونَ الْمِسَاحَةِ ، فَيُؤْخَذُ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ ، وَالرُّبْعُ بِالرُّبْعِ ، وَمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَبِحَسَبِ ذَلِكَ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ .

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71