الكتاب : المغني
المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي

( 3840 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ كَبِيرٌ .
لَزِمَهُ دِرْهَمٌ مِنْ دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّهُ كَبِيرٌ فِي الْعُرْفِ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دُرَيْهِمٌ .
فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ : دِرْهَمٌ ؛ لِأَنَّ التَّصْغِيرَ قَدْ يَكُونُ لِصِغَرِهِ فِي ذَاتِهِ ، أَوْ لِقِلَّةِ قَدْرِهِ عِنْدَهُ وَتَحْقِيرِهِ ، وَقَدْ يَكُون لِمَحَبَّتِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : بِذَيَّالِك الْوَادِي أَهِيمُ وَلَمْ أَقُلْ بِذَيَّالِك الْوَادِي وَذُيَّاكَ مِنْ زُهْدِ وَلَكِنْ إذَا مَا حُبَّ شَيْءٌ تَوَلَّعَتْ بِهِ أَحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجْدِ وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَدَدًا .
لَزِمَتْهُ عَشْرَةٌ مَعْدُودَةٌ وَازِنَةٌ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الدَّرَاهِمِ يَقْتَضِي وَازِنَةً ، وَذِكْرُ الْعَدَدِ لَا يُنَافِيهَا ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا .
فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا فِي بَلَدٍ أَوْزَانُهُمْ نَاقِصَةٌ ، أَوْ دَرَاهِمُهُمْ مَغْشُوشَةٌ ، عَلَى مَا فُصِّلَ فِيهِ .

( 3841 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَارُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي أَوْقَاتٍ ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَجَالِسَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَرَّرَ الْخَبَرَ عَنْ الْأَوَّلِ ، كَمَا كَرَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَبَرَ عَنْ إرْسَالِهِ نُوحًا وَهُودًا وَصَالِحًا وَلُوطًا وَشُعَيْبًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ، وَلَمْ يَكُنْ الْمَذْكُورُ فِي قِصَّةٍ غَيْرَ الْمَذْكُورِ فِي أُخْرَى ، كَذَا هَاهُنَا .
فَإِنْ وَصَفَ أَحَدَهُمَا وَأَطْلَقَ الْآخَرَ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُطْلَقُ هُوَ الْمَوْصُوفَ ، أَطْلَقَهُ فِي حَالٍ وَوَصَفَهُ فِي حَالٍ .
وَإِنْ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمَرَّتَيْنِ ، كَانَ تَأْكِيدًا لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنْ وَصَفَهُ فِي إحْدَى الْمَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ مَا وَصَفَهُ فِي الْأُخْرَى ، فَقَالَ : دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ .
ثُمَّ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ مِنْ قَرْضٍ ، أَوْ دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ ثَوْبٍ .
ثُمَّ قَالَ : دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ .
أَوْ قَالَ : دِرْهَمٌ أَبْيَضُ ، ثُمَّ قَالَ : دِرْهَمٌ أَسْوَدُ .
فَهُمَا دِرْهَمَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ .

( 3842 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ .
أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ .
لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا ، فِيمَا إذَا قَالَ : دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ .
وَقَالَ : أَرَدْت : دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ لَازِمٌ لِي .
أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّفَةَ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْفَاءَ أَحَدُ حُرُوفِ الْعَطْفِ الثَّلَاثَةِ ، فَأَشْبَهَتْ الْوَاوَ وَثُمَّ ، وَلِأَنَّهُ عَطَفَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ بِالْفَاءِ ، فَاقْتَضَى ثُبُوتَهُمَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ .
وَقَدْ سَلَّمَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ احْتِمَالِ الصِّفَةِ بَعِيدٌ ، لَا يُفْهَمُ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ ، فَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ فَسَّرَ الدَّرَاهِمَ الْمُطْلَقَةَ بِأَنَّهَا زُيُوفٌ أَوْ صِغَارٌ أَوْ مُؤَجَّلَةٌ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمَانِ .
لَزِمَتْهُ ثَلَاثَةٌ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِينَارٌ ، أَوْ فَدِينَارٌ ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ .
وَنَحْوُ ذَلِكَ .
لَزِمَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ .
لَزِمَتْهُ ثَلَاثَةٌ .
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَرَدْت بِالثَّالِثِ تَأْكِيدَ الثَّانِي وَبَيَانَهُ .
أَنَّهُ يُقْبَلُ .
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ فِي لَفْظِ الثَّانِي ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الثَّلَاثَةُ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ غَيْرَ الثَّانِي ، كَمَا كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ ، وَالْإِقْرَارُ لَا يَقْتَضِي تَأْكِيدًا ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْعَدَدِ .
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ ، أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ ، أَوْ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ ، أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ

فَدِرْهَمٌ .
لَزِمَتْهُ الثَّلَاثَةُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ مُغَايِرٌ لِلثَّانِي ، لِاخْتِلَافِ حَرْفَيْ الْعَطْفِ الدَّاخِلَيْنِ عَلَيْهِمَا ، فَلَمْ يَحْتَمِلْ التَّأْكِيدَ .

( 3843 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ ، أَوْ دِرْهَمٌ لَكِنْ دِرْهَمَانِ .
لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ زُفَرُ وَدَاوُد تَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّ " بَلْ " لِلْإِضْرَابِ ، فَلَمَّا أَقَرَّ بِدِرْهَمِ وَأَضْرَبَ عَنْهُ ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ ، وَلَزِمَهُ الدِّرْهَمَانِ اللَّذَانِ أَقَرَّ بِهِمَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إنَّمَا نَفَى الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدٍ ، وَأَثْبَتَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ ، بَلْ أَكْثَرُ .
فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ ، بَلْ دِرْهَمٌ ، أَوْ لَكِنْ دِرْهَمٌ .
فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ، لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ : إنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً .
وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ دِرْهَمٍ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ أَنْكَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ : بَلْ عَلَيَّ دِرْهَمٌ .
وَ " لَكِنْ " لِلِاسْتِدْرَاكِ ، فَهِيَ فِي مَعْنَى " بَلْ " إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بَعْدَ الْجَحْدِ ، إلَّا أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَهَا جُمْلَةٌ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي ، يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ .
ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ .
وَيَقْتَضِيهِ قَوْلُ زُفَرَ وَدَاوُد ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْإِضْرَابِ يُغَايِرُ مَا قَبْلَهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ الَّذِي أَضْرَبَ عَنْهُ غَيْرَ الدِّرْهَمِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ بَعْدَهُ ، فَيَجِبُ الِاثْنَانِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ ، بَلْ دِينَارٌ .
وَلِأَنَّ " بَلْ " مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ ، وَالْمَعْطُوفُ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَا جَمِيعًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ .
وَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ إلَّا دِرْهَمًا ، جَعَلْنَا كَلَامَهُ لَغْوًا ، وَإِضْرَابَهُ عَنْهُ غَيْرَ مُفِيدٍ ،

وَالْأَصْلُ فِي كَلَامِ الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا .
وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَضْرَبَ عَنْهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورَ بَعْدَهُ ، وَلَا بَعْضَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ ، بَلْ دِينَارٌ أَوْ دِينَارَانِ .
أَوْ : لَهُ عَلَيَّ قَفِيزُ حِنْطَةٍ ، بَلْ قَفِيزُ شَعِيرٍ .
أَوْ : هَذَا الدِّرْهَمُ ، بَلْ هَذَانِ .
لَزِمَهُ الْجَمِيعُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِيَ وَلَا بَعْضَهُ ، فَكَانَ مُقِرًّا ، بِهِمَا ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُمَا .
وَكَذَلِكَ كُلُّ جُمْلَتَيْنِ أَقَرَّ بِإِحْدَاهُمَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْأُخْرَى ، لَزِمَاهُ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ ، بَلْ دِرْهَمٌ .
أَوْ عَشْرَةٌ ، بَلْ تِسْعَةٌ .
لَزِمَهُ الْأَكْثَرُ ؛ لِأَنَّهُ أَضْرَبَ عَنْ وَاحِدٍ ، وَنَفَاهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ نَفْيُهُ لَهُ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي شَيْئًا أَقَرَّ بِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ ، فَإِذَا قَالَ : عَشْرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا .
كَانَ مَعْنَاهُ تِسْعَةً .

( 3844 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ ، أَوْ بَعْدَهُ دِرْهَمٌ .
لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ .
وَإِنْ قَالَ : قَبْلَهُ دِرْهَمٌ وَبَعْدَهُ دِرْهَمٌ .
لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّ " قَبْلُ " وَ " بَعْدُ " تُسْتَعْمَلُ لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْوُجُوبِ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَوْقَ دِرْهَمٍ ، أَوْ تَحْتَ دِرْهَمٍ ، أَوْ مَعَهُ دِرْهَمٌ ، أَوْ مَعَ دِرْهَمٍ .
فَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ .
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ فَوْقَ دِرْهَمٍ فِي الْجَوْدَةِ ، أَوْ فَوْقَ دِرْهَمٍ لِي ، وَكَذَلِكَ تَحْتَ دِرْهَمٍ .
وَقَوْلُهُ : مَعَهُ دِرْهَمٌ .
يَحْتَمِلُ مَعَهُ دِرْهَمٌ لِي وَكَذَلِكَ مَعَ دِرْهَمٍ ، فَلَمْ يَجِبْ الزَّائِدُ بِالِاحْتِمَالِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ .
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَجْرِي مَجْرَى الْعَطْفِ ، لِكَوْنِهِ يَقْتَضِي ضَمَّ دِرْهَمٍ آخَرَ إلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْإِقْرَارِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إقْرَارٌ ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ : " عَلَيَّ " يَقْتَضِي فِي ذِمَّتِي ، وَلَيْسَ لِلْمُقِرِّ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ دِرْهَمٌ مَعَ دِرْهَمِ الْمُقَرِّ لَهُ ، وَلَا فَوْقَهُ ، وَلَا تَحْتَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ شَيْءٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إنْ قَالَ : فَوْقَ دِرْهَمٍ .
لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ ؛ لِأَنَّ " فَوْقَ " تَقْتَضِي فِي الظَّاهِرِ الزِّيَادَةَ .
وَإِنْ قَالَ : تَحْتَ دِرْهَمٍ .
لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ " تَحْت " تَقْتَضِي النَّقْصَ .
وَلَنَا ، إنْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى مَعْنَى الْعَطْفِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا .
وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الصِّفَةِ لِلدِّرْهَمِ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ دِرْهَمًا وَاحِدًا ، سَوَاءٌ ذَكَرَهُ بِمَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْجَوْدَةِ أَوْ نَقْصَهَا .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِينَارٌ ، أَوْ بَعْدَهُ ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ ، أَوْ مَعَهُ ، أَوْ فَوْقَهُ ، أَوْ تَحْتَهُ ، أَوْ مَعَ ذَلِكَ .
فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كَالْقَوْلِ فِي الدِّرْهَمِ

سَوَاءٌ .

( 3845 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ مَا عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ .
لَزِمَتْهُ ثَمَانِيَةٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَا بَيْنَهُمَا .
وَإِنْ قَالَ : مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، تَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ .
وَهَذَا يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ " مِنْ " لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ ، وَأَوَّلُ الْغَايَةِ مِنْهَا ، وَ " إلَى " لِانْتِهَائِهَا ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } .
وَالثَّانِي ، تَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَالْعَاشِرَ حَدَّانِ ، فَلَا يَدْخُلَانِ فِي الْإِقْرَارِ ، وَلَزِمَهُ مَا بَيْنَهُمَا ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .
وَالثَّالِثُ ، تَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ ؛ لِأَنَّ الْعَاشِرَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ ، فَيَدْخُلُ فِيهَا كَالْأَوَّلِ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ : قَرَأْت الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ .
فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت بِقَوْلِيِّ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ .
مَجْمُوعَ الْأَعْدَادِ كُلِّهَا ، أَيْ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ إلَى الْعَشَرَةِ ، لَزِمَهُ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا .
وَاخْتِصَارُ حِسَابِهِ أَنْ تَزِيدَ أَوَّلَ الْعَدَدِ وَهُوَ الْوَاحِدُ عَلَى الْعَشَرَةِ ، فَيَصِيرَ أَحَدَ عَشَرَ ، ثُمَّ تَضْرِبَهَا فِي نِصْفِ الْعَشَرَةِ ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ الْجَوَابُ .

( 3846 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ .
لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ .
لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ ، أَوْ وَافِرَةٌ ، أَوْ عَظِيمَةٌ .
لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِدُونِ الْعَشَرَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ جَمْعِ الْكَثْرَةِ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ مِائَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ بِهَا يَحْصُلُ الْغِنَى ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْكَثْرَةَ وَالْعَظَمَةَ لَا حَدَّ لَهَا شَرْعًا وَلَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا ، وَتَخْتَلِفُ بِالْإِضَافَاتِ وَأَحْوَالِ النَّاسِ ، فَالثَّلَاثَةُ أَكْثَرُ مِمَّا دُونَهَا وَأَقَلُّ مِمَّا فَوْقَهَا ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْيَسِيرَ ، وَمِنْهُمْ مِنْ لَا يَسْتَعْظِمُ الْكَثِيرَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُقِرَّ أَرَادَ كَثِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهَا ، أَوْ كَثِيرَةً فِي نَفْسِهِ ، فَلَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ بِالِاحْتِمَالِ .

( 3847 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ فِي عَشَرَةٍ .
وَقَالَ : أَرَدْت الْحِسَابَ .
لَزِمَهُ عِشْرُونَ .
وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت دِرْهَمَيْنِ مَعَ عَشَرَةٍ .
وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْحِسَابَ ، قُبِلَ مِنْهُ ، وَلَزِمَهُ اثْنَا عَشَرَ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعَامَّةِ يُرِيدُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى .
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحِسَابِ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْحِسَابِ اسْتِعْمَالُ أَلْفَاظِهِ لِمَعَانِيهَا فِي اصْطِلَاحِهِمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ اصْطِلَاحَ الْعَامَّةِ .
وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت دِرْهَمَيْنِ فِي عَشَرَةٍ لِي .
لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا يَقُولُ .
وَإِنْ قَالَ : دِرْهَمَانِ فِي دِينَارٍ .
لَمْ يَحْتَمِلْ الْحِسَابَ ، وَسُئِلَ عَنْ مُرَادِهِ ، فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الْعَطْفَ أَوْ مَعْنَى مَعَ .
لَزِمَهُ الدِّرْهَمَانِ وَالدِّينَارُ .
وَإِنْ قَالَ : أَسْلَمْتُهُمَا فِي دِينَارٍ .
فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ؛ بَطَلَ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّ سَلْمَ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فِي الْآخَرِ لَا يَصِحُّ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ ، فَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَبَطَلَ قَوْلُهُ فِي دِينَارٍ .
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ فِي ثَوْبٍ .
وَفَسَّرَهُ بِالسَّلْمِ ، أَوْ قَالَ : فِي ثَوْبٍ اشْتَرَيْته مِنْهُ إلَى سَنَةٍ .
فَصَدَّقَهُ ، بَطَلَ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، بَطَلَ السَّلْمُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَالْمُقِرُّ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ .
وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَهُ الدِّرْهَمَانِ .

( 3848 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي دِرْهَمٌ فِي ثَوْبٍ ، أَوْ فِي كِيسٍ ، أَوْ زَيْتٌ فِي جَرَّةٍ ، أَوْ تِبْنٌ فِي غِرَارَةٍ ، أَوْ تَمْرٌ فِي جِرَابٍ ، أَوْ سِكِّينٌ فِي قِرَابٍ ، أَوْ فَصٌّ فِي خَاتَمٍ ، أَوْ كِيسٌ فِي صُنْدُوقٍ .
أَوْ قَالَ : غَصَبْت مِنْهُ ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ ، أَوْ زَيْتًا فِي زِقٍّ .
فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَكُونُ مُقِرًّا بِالْمَظْرُوفِ دُون الظَّرْفِ .
هَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الظَّرْفَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي ظَرْفٍ لِلْمُقِرِّ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ .
وَالثَّانِي ، يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْإِقْرَارِ ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِهِ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ : عِنْدِي عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْغَصْبِ : يَلْزَمُهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ ؛ لِأَنَّ الْمِنْدِيلَ يَكُونُ ظَرْفًا لِلثَّوْبِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ فِي حَالِ الْغَصْبِ ، وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : غَصَبْت ثَوْبًا وَمِنْدِيلًا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمِنْدِيلُ لِلْغَاصِبِ ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِلثَّوْبِ ، فَيَقُولُ : غَصَبْت ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ لِي .
وَلَوْ قَالَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِغَصْبِهِ ، فَإِذَا أَطْلَقَ ، كَانَ مُحْتَمِلًا لَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِغَصْبِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : غَصَبْت دَابَّةً فِي إصْطَبْلِهَا .
أَوْ : لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ فِي مِنْدِيلٍ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي جَرَّةٌ فِيهَا زَيْتٌ ، أَوْ جِرَابٌ فِيهِ تَمْرٌ ، أَوْ قِرَابٌ فِيهِ سِكِّينٌ .
فَعَلَى وَجْهَيْنِ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ خَاتَمٌ فِيهِ فَصُّ .
فَكَذَلِكَ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِهِ بِفَصِّهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الْفَصَّ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْخَاتَمِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ فِيهِ عَلَمٌ .
وَلَوْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي خَاتَمٌ .
وَأَطْلَقَ ، لَزِمَهُ الْخَاتَمُ بِفَصِّهِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَاتَمِ يَجْمَعُهُمَا .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ مُطَرَّزٌ .
لَزِمَهُ الثَّوْبُ

بِطِرَازِهِ .

( 3849 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي دَارٌ مَفْرُوشَةٌ ، أَوْ دَابَّةٌ مُسْرَجَةٌ ، أَوْ عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ .
فَفِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَلْزَمُهُ عِمَامَةُ الْعَبْدِ دُونَ الْفَرْشِ أَوْ السَّرْجِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَدُهُ عَلَى عِمَامَتِهِ ، وَيَدُهُ كَيَدِ سَيِّدِهِ ، وَلَا يَدَ لِلدَّابَّةِ وَالدَّارِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ سَرْجَ الدَّابَّةِ لِصَاحِبِهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ سَرْجًا عَلَى دَابَّةِ أَحَدِهِمَا ، كَانَ لِصَاحِبِهَا ، فَصَارَ كَعِمَامَةِ الْعَبْدِ .
فَأَمَّا إنْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي دَابَّةٌ بِسَرْجِهَا ، أَوْ دَارٌ بِفَرْشِهَا ، أَوْ سَفِينَةٌ بِطَعَامِهَا .
كَانَ مُقِرًّا بِهِمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تُعَلِّقُ الثَّانِيَ بِالْأَوَّلِ .

( 3850 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ ، أَوْ دِينَارٌ .
أَوْ : إمَّا دِرْهَمٌ وَإِمَّا دِينَارٌ .
كَانَ مُقِرًّا بِأَحَدِهِمَا ، يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ " أَوْ " وَ " إمَّا " فِي الْخَبَرِ لِلشَّكِّ ، وَتَقْتَضِي أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ لَا جَمِيعَهُمَا .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ إمَّا دِرْهَمٌ وَإِمَّا دِرْهَمَانِ .
كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ ، وَالثَّانِي مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِالشَّكِّ .

( 3851 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْكَثِيرَ ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ ، أُخِذَ بِالْكُلِّ ، وَكَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا ) .
لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ .
وَيُحْكَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ النَّحْوِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : يَصِحُّ مَا لَمْ يَسْتَثْنِ الْكُلَّ ، فَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ .
لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا وَاحِدٌ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ } .
وقَوْله تَعَالَى { : إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ } .
فَاسْتَثْنَى فِي مَوْضِعٍ الْغَاوِينَ مِنْ الْعِبَادِ ، وَفِي مَوْضِعٍ الْعِبَادَ مِنْ الْغَاوِينَ ، وَأَيُّهُمَا كَانَ الْأَكْثَرَ فَقَدْ دَلَّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ .
وَأَنْشَدُوا : أَدُّوا الَّتِي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّامًا فَاسْتُثْنِيَ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ .
وَمُشَبَّهٌ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْبَعْضَ ، فَجَازَ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ ، وَلِأَنَّهُ رَفَعَ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ ، فَجَازَ فِي الْأَكْثَرِ ، كَالتَّخْصِيصِ وَالْبَدَلِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا فِي الْأَقَلِّ ، وَقَدْ أَنْكَرُوا اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ : لَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : مِائَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ .
لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَكَانَ عِيًّا مِنْ الْكَلَامِ وَلُكْنَةً .
وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ : يُقَالُ : صُمْت الشَّهْرَ إلَّا يَوْمًا .
وَلَا يُقَالُ : صُمْت الشَّهْرَ إلَّا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا .
وَيُقَالُ : لَقِيت الْقَوْمَ جَمِيعَهُمْ إلَّا وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : لَقِيت الْقَوْمَ إلَّا أَكْثَرَهُمْ .

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فِي الْكَلَامِ ، لَمْ يَرْتَفِعْ بِهِ مَا أَقَرَّ بِهِ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ .
وَكَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ ، بَلْ خَمْسَةٌ .
فَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ التَّنْزِيلِ ، فَإِنَّهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى اسْتَثْنَى الْمُخْلَصِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ ، وَهُمْ الْأَقَلُّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى { : إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } .
وَفِي الْأُخْرَى اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ مِنْ الْعِبَادِ وَهُمْ الْأَقَلُّ ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنْ الْعِبَادِ ، وَهُمْ غَيْرُ غَاوِينَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } .
وَقِيلَ : الِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ { : إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } مُبْقًى عَلَى عُمُومِهِ ، لَمْ يُسْتَثْنَ مِنْهُ شَيْءٌ ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ { : إلَّا مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ } .
أَيْ لَكِنْ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ فَإِنَّهُمْ غَوَوْا بِاتِّبَاعِك .
وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى لِأَتْبَاعِهِ { : وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي } .
وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا حُجَّةٌ .
وَأَمَّا الْبَيْتُ فَقَالَ ابْنُ فَضَالٍ النَّحْوِيُّ : هُوَ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ ، لَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْعَرَبِ .
عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَهُ كَلِمَاتٌ مَخْصُوصَةٌ لَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْهَا ، وَالْقِيَاسُ لَا يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ : ثُمَّ نُعَارِضُهُ بِأَنَّهُ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ ، أَنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهُ فِي الْأَقَلِّ وَحَسَّنَتْهُ ، وَنَفَتْهُ فِي الْأَكْثَرِ وَقَبَّحَتْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ قِيَاسُ مَا قَبَّحُوهُ عَلَى مَا جَوَّزُوهُ وَحَسَّنُوهُ .

( 3852 ) فَصْلٌ : وَفِي اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ .
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِتَخْصِيصِهِ الْإِبْطَالَ بِمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْثَرَ ، فَجَازَ كَالْأَقَلِّ .
وَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِهِمْ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ الْكَثِيرِ ، وَالنِّصْفُ لَيْسَ بِقَلِيلٍ .
.

( 3853 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ ، إلَّا سَبْعَةً ، إلَّا خَمْسَةً ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ .
صَحَّ ، وَكَانَ مُقِرًّا بِسِتَّةٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى الْكُلَّ أَوْ الْأَكْثَرَ سَقَطَ إنْ وَقَفَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ وَصَلَهُ بِاسْتِثْنَاءِ آخَر اسْتَعْمَلْنَاهُ ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عِبَارَةٌ عَمَّا بَقِيَ ، فَإِنَّ خَمْسَةً إلَّا دِرْهَمَيْنِ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثَةٍ ، اسْتَثْنَاهَا مِنْ سَبْعَةٍ ، بَقِيَ أَرْبَعَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عَشَرَةٍ ، بَقِيَ مِنْهَا سِتَّةٌ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ ثَمَانِيَةٌ ، إلَّا أَرْبَعَةً ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ ، إلَّا دِرْهَمًا .
بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى النِّصْفَ .
وَصَحَّ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، فَلَزِمَهُ خَمْسَةٌ .
وَإِنْ قَالَ : عَلَيَّ عَشَرَةٌ ، إلَّا خَمْسَةً ، إلَّا ثَلَاثَةً ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ ، إلَّا دِرْهَمًا .
بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَصَحَّ فِي الْآخَرِ ، فَيَكُونُ مُقِرًّا بِسَبْعَةٍ .
وَلَوْ قَالَ : عَشَرَةٌ ، إلَّا سِتَّةً ، إلَّا أَرْبَعَةً ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ .
فَهُوَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ مُقِرٌّ بِسِتَّةٍ .
وَلَوْ قَالَ : ثَلَاثَةٌ ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ .
إلَّا دِرْهَمًا .
كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ .
فَأَمَّا إنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ ، إلَّا ثَلَاثَةً ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ .
بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ دِرْهَمَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ، فَبَطَلَ فَإِذَا بَطَلَ الثَّانِي بَطَلَ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا يَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَطَلَ ، لِكَوْنِهِ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ ، فَبَطَلَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ .
وَالثَّانِي ، يَصِحُّ ، وَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ لَمَّا بَطَلَ ، جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ مِنْ الْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّهُ وَلِيَهُ لِبُطْلَانِ مَا بَيْنَهُمَا .
وَالثَّالِثُ ،

يَصِحُّ ، وَيَكُونُ مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى دِرْهَمَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، فَيَبْقَى مِنْهَا دِرْهَمٌ مُسْتَثْنًى مِنْ الْإِقْرَارِ ، وَاسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ عِنْدَهُمْ صَحِيحٌ .
وَوَافَقَهُمْ الْقَاضِي فِي هَذَا الْوَجْهِ .
وَإِنْ قَالَ : ثَلَاثَةٌ ، إلَّا دِرْهَمًا .
بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ .
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ مِثْلُ مَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .

( 3854 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا خَمْسِينَ .
فَالْمُسْتَثْنَى دَرَاهِمُ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَسْتَثْنِي فِي الْإِثْبَاتِ إلَّا مِنْ الْجِنْسِ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ، إلَّا خَمْسِينَ دِرْهَمًا .
فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ كَذَلِكَ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : يَكُونُ الْأَلْفُ مُبْهَمًا ، يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَهُمَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، وَلِأَنَّ لَفْظَهُ فِي الْأَلْفِ مُبْهَمٌ وَالدِّرْهَمُ لَمْ يُذْكَرْ تَفْسِيرًا لَهُ ، فَيَبْقَى عَلَى إبْهَامِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ الْعَرَبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِثْبَاتِ إلَّا مِنْ الْجِنْسِ ، فَمَتَى عُلِمَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ عُلِمَ أَنَّ الْآخَرَ مِنْ جِنْسِهِ ، كَمَا لَوْ عُلِمَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، وَقَدْ سَلَّمُوهُ ، وَعِلَّتُهُ تَلَازُمُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْجِنْسِ ، فَمَا ثَبَتَ فِي أَحَدِهِمَا ثَبَتَ فِي الْآخَرِ ، فَعَلَى قَوْلِ التَّمِيمِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ يُسْأَلُ عَنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ الْجِنْسِ ، بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِمَا يُنْظَرُ فِي الْمُسْتَثْنَى ، إنْ كَانَ مِثْلَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ ، بَطَلَ ، وَإِلَّا صَحَّ .
وَعِنْدَ الْقَاضِي يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَيَصِحُّ تَفْسِيرُ الْأَلْفِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ ، إذَا كَانَ مِنْ قِيمَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ، بَعْدَ اسْتِثْنَاءِ الدَّرَاهِمِ مِنْهُ .

( 3855 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا .
فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ .
لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .
وَإِنْ قَالَ : مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا .
فَكَذَلِكَ .
وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ تَفْسِيرًا إلَّا لِمَا يَلِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، أَوْ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَأَلْفُ دِرْهَمٍ ، أَوْ أَلْفٌ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ ، أَوْ مِائَةٌ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ .
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا ؛ فَإِنَّ الدِّرْهَمَ الْمُفَسَّرَ يَكُونُ تَفْسِيرًا لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْجُمَلِ الْمُبْهَمَةِ وَجِنْسِ الْعَدَدِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ قَالَ { : إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } .
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَتُوُفِّيَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً .
وَقَالَ عَنْتَرَةُ : فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً سُودًا كَخَافِيَةِ الْغُرَابِ الْأَسْحَمِ وَلِأَنَّ الدِّرْهَمَ ذُكِرَ تَفْسِيرًا ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ ، فَكَانَ تَفْسِيرًا لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ ، لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرٍ ، وَهُوَ صَالِحٌ لِتَفْسِيرِهَا ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ .
وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي قَوْلِهِ : أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ .
وَسَائِر الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَجْعَلُ الْمُجْمَلَ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا ، أَوْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا .
لَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .

( 3856 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ ، أَوْ أَلْفٌ وَثَوْبٌ ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ .
فَالْمُجْمَلُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ أَيْضًا .
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةٌ ، أَوْ أَلْفُ ثَوْبٍ وَعِشْرُونَ .
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَابْنِ حَامِدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .
وَقَالَ التَّمِيمِيُّ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ إلَيْهِ ، لِأَنَّ الشَّيْءَ يُعْطَفُ عَلَى جِنْسِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .
وَلِأَنَّ الْأَلْفَ مُبْهَمٌ فَرُجِعَ فِي تَفْسِيرِهِ إلَى الْمُقِرِّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ عَطَفَ عَلَى الْمُبْهَمِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، كَانَ تَفْسِيرًا لَهُ ، وَإِنْ عَطَفَ مَذْرُوعًا أَوْ مَعْدُودًا ، لَمْ يَكُنْ تَفْسِيرًا ؛ لِأَنَّ عَلَيَّ لِلْإِيجَابِ فِي الذِّمَّةِ ، فَإِنْ عَطَفَ عَلَيْهِ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِنَفْسِهِ ، كَانَ تَفْسِيرًا لَهُ كَقَوْلِهِ : مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا .
وَلَنَا ، أَنَّ الْعَرَبَ تَكْتَفِي بِتَفْسِيرِ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ عَنْ الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } .
وَلِأَنَّهُ ذُكِرَ مُبْهَمًا مَعَ مُفَسَّرٍ لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَكَانَ الْمُبْهَمُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا ، أَوْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا .
يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمُبْهَمَ يَحْتَاجُ إلَى التَّفْسِيرِ ، وَذِكْرُ التَّفْسِيرِ فِي الْجُمْلَةِ الْمُقَارِنَةِ لَهُ يَصْلُحُ أَنْ يُفَسِّرَهُ ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى ذَلِكَ ، أَمَّا قَوْلُهُ : { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .
فَإِنَّهُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْعَشْرُ أَشْهُرًا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْعَشْرَ بِغَيْرِ هَاءٍ عَدَدٌ لِلْمُؤَنَّثِ ، وَالْأَشْهَرُ مُذَكَّرَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَدَّ بِغَيْرِهَا .
الثَّانِي ، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ

أَشْهُرًا لَقَالَ : أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا .
بِالتَّرْكِيبِ ، لَا بِالْعَطْفِ ، كَمَا قَالَ : { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْأَلْفَ مُبْهَمٌ .
قُلْنَا قَدْ قَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَفْسِيرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا ، أَوْ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ .
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا قَالَ : مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا .
فَالدِّرْهَمُ ذُكِرَ لِلتَّفْسِيرِ ، وَلِهَذَا لَا يَزْدَادُ بِهِ الْعَدَدُ ، فَصَلَحَ تَفْسِيرُ الْجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ : مِائَةُ دِرْهَمٍ .
فَإِنَّهُ ذَكَرَ الدِّرْهَمَ لِلْإِيجَابِ ، لَا لِلتَّفْسِيرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ زَادَ بِهِ الْعَدَدَ .
قُلْنَا : هُوَ صَالِحٌ لِلْإِيجَابِ وَالتَّفْسِيرِ مَعًا ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى التَّفْسِيرِ ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى ذَلِكَ ، صِيَانَةً لِكَلَامِ الْمُقِرِّ عَنْ الْإِلْبَاسِ وَالْإِبْهَامِ ، وَصَرْفًا لَهُ إلَى الْبَيَانِ وَالْإِفْهَامِ .
وَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ " عَلَيَّ " لِلْإِيجَابِ .
قُلْنَا : فَمَتَى عُطِفَ مَا يَجِبُ بِهَا عَلَى مَا يَجِبُ ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُبْهَمًا وَالْآخَرُ مُفَسَّرًا ، وَأَمْكَنَ تَفْسِيرُهُ بِهِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُبْهَمُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْ ، مِثْلُ أَنْ يُعْطَفَ عَدَدُ الْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا مِنْ جِنْسِ الْآخَرِ ، وَيَبْقَى الْمُبْهَمُ عَلَى إبْهَامِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ وَعَشْرٌ .

( 3857 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ : لَهُ عِنْدِي عَشَرَةُ دَرَاهِمَ .
ثُمَّ قَالَ : وَدِيعَةٌ .
كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَذَا اللَّفْظِ ، فَقَالَ : لَهُ عِنْدِي دَرَاهِمُ .
فُسِّرَ إقْرَارُهُ بِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، سَوَاءٌ فَسَّرَهُ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ بِمَا يَقْتَضِيه ، فَقُبِلَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ .
وَفَسَّرَهَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْوَدِيعَةِ ، بِحَيْثُ لَوْ ادَّعَى تَلَفَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ رَدَّهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ .
وَإِنْ فَسَّرَهَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ ، قُبِلَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ رَدَدْتهَا إلَيْهِ .
أَوْ تَلِفَتْ .
لَزِمَهُ ضَمَانُهَا ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَاقَضَةِ الْإِقْرَارِ ، وَالرُّجُوعِ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ ، فَإِنَّ الْأَلْفَ الْمَرْدُودَ وَالتَّالِفَ لَيْسَتْ عِنْدَهُ أَصْلًا ، وَلَا هِيَ وَدِيعَةٌ ، وَكُلُّ كَلَامٍ يُنَاقِضُ الْإِقْرَارَ وَيُحِيلُهُ ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرْدُودًا .
وَقَالَ الْقَاضِي : يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا قَالَ : لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ دَفَعْتهَا إلَيْك .
صُدِّقَ ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى تَلَفَ الْوَدِيعَةِ ، أَوْ رَدَّهَا ، فَقُبِلَ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ .
وَإِنْ قَالَ كَانَتْ عِنْدِي ، وَظَنَنْت أَنَّهَا بَاقِيَةٌ ، ثُمَّ عَرَفْت أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ هَلَكَتْ .
فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .

( 3858 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ .
ثُمَّ قَالَ : وَدِيعَةً .
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ بِقَوْلِهِ : عَلَيَّ كَذَا .
ثُمَّ فَسَّرَهُ الْوَدِيعَةِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، فَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ هَذَا تَلَفَهَا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقِيلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ : يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ ، وَإِذَا ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ تَلَفِهَا ، قُبِلَ مِنْهُ .
وَقَالَ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا وَرَدُّهَا ، فَإِذَا قَالَ : عَلَيَّ .
وَفَسَّرَهَا بِذَلِكَ ، احْتَمَلَ صِدْقَهُ ، فَقُبِلَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ وَصَلَهُ بِكَلَامِهِ ، فَقَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِيعَةً .
وَلِأَنَّ حُرُوفَ الصِّلَاتِ يَخْلُفُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ " عَلَيَّ " بِمَعْنَى " عِنْدِي " كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ قَالَ { : وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ } .
أَيْ عِنْدِي .
وَلَنَا ، أَنَّ " عَلَيَّ " لِلْإِيجَابِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهَا فِي ذِمَّتِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : مَا عَلَى فُلَانٍ عَلَيَّ .
كَانَ ضَامِنًا لَهُ ، الْوَدِيعَةُ لَيْسَتْ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلَا هِيَ عَلَيْهِ ، إنَّمَا هِيَ عِنْدَهُ .
وَمَا ذَكَرُوهُ مَجَازٌ ، طَرِيقُهُ حَذْفُ الْمُضَافِ وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ ، أَوْ إقَامَةُ حَرْفٍ مَقَامَ حَرْفٍ ، وَالْإِقْرَارُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ .
لَزِمَتْهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، وَإِنْ جَازَ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ عَنْ اثْنَيْنِ ، وَعَنْ وَاحِدٍ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } .
وَمَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ .
وَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ .
وَقَالَ : أَرَدْت نِصْفَ دِرْهَمٍ ، فَحَذَفْت الْمُضَافَ وَأَقَمْت الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ .
لَمْ يُقْبَلُ مِنْهُ .
وَلَوْ قَالَ : لَك مِنْ مَالِي أَلْفٌ .
قَالَ : صَدَقْت ، ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت أَنَّ عَلَيْك

مِنْ مَالِي أَلْفًا ، وَأَقَمْت اللَّامَ مَقَامَ " عَلَيَّ " كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } .
لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ .
وَلَوْ قُبِلَ فِي الْإِقْرَارِ مُطْلَقُ الِاحْتِمَالِ ، لَسَقَطَ ، وَلَقُبِلَ فِي تَفْسِيرِ الدَّرَاهِمِ بِالنَّاقِصَةِ وَالزَّائِفَةِ وَالْمُؤَجَّلَةِ .
وَأَمَّا إذَا قَالَ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ .
ثُمَّ قَالَ : كَانَ وَدِيعَةً فَتَلِفَ .
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ .
وَقَدْ سَبَقَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا .

( 3859 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَك عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ .
ثُمَّ أَحْضَرَهَا ، وَقَالَ : هَذِهِ الَّتِي أَقْرَرْت بِهَا ، وَهِيَ وَدِيعَةٌ كَانَتْ لَك عِنْدِي .
فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ : هَذِهِ وَدِيعَةٌ ، وَاَلَّتِي أَقْرَرْت بِهَا غَيْرُهَا ، وَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْك .
فَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الْقَاضِي : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ ، وَتَعْلِيلُهُمَا مَا تَقَدَّمَ .
وَإِنْ كَانَ قَالَ فِي إقْرَارِهِ : لَك عَلَيَّ مِائَةٌ فِي ذِمَّتِي .
فَإِنَّ الْقَاضِيَ وَافَقَ هَاهُنَا فِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عَيْنٌ لَا تَكُونُ فِي الذِّمَّةِ .
قَالَ : وَقَدْ يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ : فِي ذِمَّتِي أَدَاؤُهَا .
وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ تَعَدَّى فِيهَا ، فَكَانَ ضَمَانُهَا عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ وَجْهَانِ .
فَأَمَّا إنْ وَصَلَ ذَلِكَ بِكَلَامِهِ ، فَقَالَ : لَك عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِيعَةً .
قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ ، فَصَحَّ .
كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ نَاقِصَةٌ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِيعَةً دَيْنًا ، أَوْ مُضَارَبَةً دَيْنًا .
صَحَّ ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ يَتَعَدَّى فِيهَا ، فَتَكُونُ دَيْنًا .
وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيَّ ضَمَانَهَا .
لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ بِذَلِكَ دَيْنًا .
وَإِنْ قَالَ : عِنْدَهُ مِائَةٌ وَدِيعَةً ، شَرَطَ عَلَيَّ ضَمَانَهَا .
لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَصِيرُ بِالشَّرْطِ مَضْمُونَةً .
وَإِنْ قَالَ : عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ عَارِيَّةً .
لَزِمَتْهُ ، وَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْعَارِيَّةِ فِي الدَّرَاهِمِ أَوْ بِفَسَادِهَا ؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ ضُمِنَ فِي الْفَاسِدِ .
وَإِنْ قَالَ : أَوْدَعَنِي مِائَةً ، فَلَمْ أَقْبِضْهَا .
أَوْ أَقْرَضَنِي مِائَةً ، فَلَمْ آخُذْهَا .
قُبِلَ

قَوْلُهُ مُتَّصِلًا ، وَلَمْ يُقْبَلْ إذَا كَانَ مُنْفَصِلًا .
وَهَكَذَا إذَا قَالَ : نَقَدَنِي مِائَةً ، فَلَمْ أَقْبِضْهَا .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .

( 3860 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ .
أَوْ : لَهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ .
طُولِبَ بِالْبَيَانِ ، فَإِنْ قَالَ : نَقَدَ عَنِّي أَلْفًا فِي ثَمَنِهِ .
كَانَ قَرْضًا ، وَإِنْ قَالَ : نَقَدَ فِي ثَمَنِهِ أَلْفًا .
قُلْنَا : بَيِّنْ كَمْ ثَمَنُ الْعَبْدِ ، وَكَيْفَ كَانَ الشِّرَاءُ ؟ فَإِنْ قَالَ : إيجَابٌ وَاحِدٌ ، وَزَنَ أَلْفًا وَوَزَنْت أَلْفًا .
كَانَ مُقِرًّا بِنِصْفِ الْعَبْدِ ، وَإِنْ قَالَ : وَزَنْت أَنَا أَلْفَيْنِ .
كَانَ مُقِرًّا بِثُلُثِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْقِيمَةُ قَدْرَ مَا ذَكَرَهُ ، أَوْ أَقَلَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْبِنُ وَقَدْ يُغْبَنُ .
وَإِنْ قَالَ : اشْتَرَيْنَاهُ بِإِيجَابَيْنِ .
قِيلَ : فَكَمْ اشْتَرَى مِنْهُ ؟ فَإِنْ قَالَ : نِصْفًا ، أَوْ ثُلُثًا ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ .
قُبِلَ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَافَقَ الْقِيمَةَ أَوْ خَالَفَهَا .
وَإِنْ قَالَ : وَصَّى لَهُ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِهِ .
وَصُرِفَ إلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهِ أَلْفٌ .
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفًا مِنْ مَالِهِ ، مِنْ غَيْرِ ثَمَنِ الْعَبْدِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِي ثَمَنِهِ .
وَإِنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ مِنْ جِنَايَةٍ جَنَاهَا الْعَبْدُ فَتَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ ، قُبِلَ ذَلِكَ ، وَلَهُ بَيْعُ الْعَبْدِ ، وَدَفْعُ الْأَلْفِ مِنْ ثَمَنِهِ .
وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهُ رَهْنٌ عِنْدَهُ بِأَلْفٍ .
فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الذِّمَّةِ .
وَالثَّانِي ، يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّهْنِ ، فَصَحَّ تَفْسِيرُهُ بِهِ ، كَالْجِنَايَةِ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ جَمِيعِهِ .

( 3861 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ فِي مَالِي هَذَا أَلْفٌ ، أَوْ مِنْ مَالِي أَلْفٌ .
وَفَسَّرَهُ بِدَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ فِيهِ ، قُبِلَ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَيْسَ هُوَ لِغَيْرِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ ، فَقُبِلَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : فِي مَالِي .
وَيَجُوزُ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ مَالًا بَعْضُهُ لِغَيْرِهِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يُضِيفَ مَالَ غَيْرِهِ إلَيْهِ ، لِاخْتِصَاصٍ لَهُ بِهِ ، أَوْ يَدٍ لَهُ عَلَيْهِ ، أَوْ وِلَايَةٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي النِّسَاءِ : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ } .
وَقَالَ لِأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } فَلَا يَبْطُلُ إقْرَارُهُ مَعَ احْتِمَالِ صِحَّتِهِ .
وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت هِبَةً .
قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ .
وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَقْبِيضِهَا ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ فِيهَا لَا تَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ .
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَا إذَا قَالَ : لِفُلَانٍ فِي دَارِي هَذِهِ نِصْفُهَا ، أَوْ مِنْ دَارِي بَعْضُهَا ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِي مَنْ قَالَ : نِصْفُ عَبْدِي هَذَا لِفُلَانٍ .
لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَهَبْتُهُ .
وَإِنْ قَالَ : نِصْفُ مَالِي هَذَا لِفُلَانٍ .
لَا أَعْرِفُ هَذَا .
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ : إذَا قَالَ : فَرَسِي هَذِهِ لِفُلَانٍ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ .
فَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ الْإِقْرَارِ .
فَإِنْ قَالَ : لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نِصْفُهُ ، أَوْ لَهُ نِصْفُ هَذِهِ الدَّارِ .
فَهُوَ إقْرَارٌ صَحِيحٌ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ أَلْفٌ .
صَحَّ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفٌ .
فَهُوَ إقْرَارٌ بِدَيْنٍ عَلَى التَّرِكَةِ .
وَإِنْ قَالَ : فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي .
وَقَالَ : أَرَدْت هِبَةً .
قُبِلَ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَضَافَ

الْمِيرَاثَ إلَى أَبِيهِ ، فَمُقْتَضَاهُ مَا خَلَّفَهُ ، فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُقَرِّ بِهِ فِيهِ ، وَإِذَا أَضَافَ الْمِيرَاثَ إلَى نَفْسِهِ ، فَمَعْنَاهُ مَا وَرِثْته وَانْتَقَلَ إلَيَّ ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَإِذَا أَضَافَ إلَيْهِ مِنْهُ جُزْءًا ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ .

( 3862 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ شَرِكَةٌ .
صَحَّ إقْرَارُهُ ، وَلَهُ تَفْسِيرُهُ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ مِنْهُ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَكُونُ مُقِرًّا بِنِصْفِهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } .
فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ ، كَذَا هَاهُنَا .
وَلَنَا ، أَنَّ أَيَّ جُزْءٍ كَانَ لَهُ مِنْهُ ، فَلَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ ، فَكَانَ لَهُ تَفْسِيرُهُ بِمَا شَاءَ ، كَالنِّصْفِ ، وَلَيْسَ إطْلَاقُ لَفْظِ الشَّرِكَةِ عَلَى مَا دُونَ النِّصْفِ مَجَازًا ، وَلَا مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ ، وَالْآيَةُ تُثْبِتُ التَّسْوِيَةَ فِيهَا بِدَلِيلٍ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ : هَذَا الْعَبْدُ شَرِكَةٌ بَيْنَنَا .

( 3863 ) فَصْلٌ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ : وَإِذَا قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ .
أَوْ كَذَا .
صَحَّ إقْرَارُهُ ، وَلَزِمَهُ تَفْسِيرُهُ .
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَيُفَارِقُ الدَّعْوَى ، حَيْثُ لَا تَصِحُّ مَجْهُولَةً ؛ لِكَوْنِ الدَّعْوَى لَهُ وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ ، فَلَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ مَعَ الْجَهَالَةِ دُونَ مَالِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا لَمْ يُصَحِّحْ دَعْوَاهُ ، فَلَهُ دَاعٍ إلَى تَحْرِيرِهَا ، وَالْمُقِرُّ لَا دَاعِيَ لَهُ إلَّا التَّحْرِيرُ ، وَلَا يُؤْمَنُ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ ، فَيَضِيعُ حَقُّ الْمُقَرِّ لَهُ ، فَأَلْزَمْنَاهُ إيَّاهُ مَعَ الْجَهَالَةِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَفْسِيرِهِ ، حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يُجْعَلُ نَاكِلًا ، وَيُؤْمَرُ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْبَيَانِ ، فَإِنْ بَيَّنَ شَيْئًا ، فَصَدَّقَهُ الْمُقِرُّ ، ثَبَتَ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْبَيَانِ ، قِيلَ لَهُ : إنْ بَيَّنْت ، وَإِلَّا جَعَلْنَاك نَاكِلًا ، وَقَضَيْنَا عَلَيْك .
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إنْ بَيَّنْت وَإِلَّا حَلَّفْنَا الْمُقَرَّ لَهُ عَلَى مَا يَدَّعِيه ، وَأَوْجَبْنَاهُ عَلَيْك .
فَإِنْ فَعَلَ ، وَإِلَّا أَحَلَفْنَا الْمُقَرَّ لَهُ ، وَأَوْجَبْنَاهُ عَلَى الْمُقِرِّ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ ، فَيُحْبَسُ بِهِ ، كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ .
وَمَعَ ذَلِكَ مَتَى عَيَّنَهُ الْمُدَّعِي وَادَّعَاهُ ، فَنَكَلَ الْمُقِرُّ ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ .
وَإِنْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، أُخِذَ وَرَثَتُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ عَلَى مَوْرُوثِهِمْ ، فَيَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ وَقَدْ صَارَتْ إلَى الْوَرَثَةِ ، فَيَلْزَمُهُمْ مَا لَزِمَ مَوْرُوثَهُمْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْحَقُّ مُعَيَّنًا .
وَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ الْمَيِّتُ تَرِكَةً ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَرَثَةِ .
وَمَتَى فَسَّرَ إقْرَارَهُ بِمَا يَتَمَوَّلُ فِي الْعَادَةِ ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ وَثَبَتَ ، إلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، وَيَدَّعِيَ جِنْسًا آخَرَ ، أَوْ لَا يَدَّعِيَ شَيْئًا ، فَيَبْطُلَ إقْرَارُهُ .
وَإِنْ فَسَّرَهُ

بِمَا لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً ، كَقِشْرَةِ جَوْزَةٍ ، أَوْ قِشْرَةِ بَاذِنْجَانَةٍ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ اعْتِرَافٌ بِحَقٍّ عَلَيْهِ ثَابِتٍ فِي ذِمَّتِهِ ، وَهَذَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ .
وَكَذَلِكَ إنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ فِي الشَّرْعِ ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ ، لَمْ يُقْبَلْ .
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ لَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ ، فَكَذَلِكَ .
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَجِبُ رَدُّهُ عَلَيْهِ ، وَتَسْلِيمُهُ إلَيْهِ ، فَالْإِيجَابُ يَتَنَاوَلُهُ .
وَالثَّانِي ، لَا يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَمَّا يَجِبُ ضَمَانُهُ ، وَهَذَا لَا يَجِبُ ضَمَانُهُ .
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَبَّةِ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ وَنَحْوِهَا ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً عَلَى انْفِرَادِهِ .
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَدِّ قَذْفٍ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ عَلَيْهِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَئُولُ إلَى مَالٍ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ صَحَّ أَنْ يُقَالَ : هُوَ عَلَيَّ .
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَقِّ شُفْعَةٍ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ ، وَيَئُولُ إلَى الْمَالِ .
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِرَدِّ السَّلَامِ ، أَوْ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَنَحْوِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِفَوَاتِهِ ، فَلَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ .
وَهَذَا الْإِقْرَارُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي الذِّمَّةِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ تَفْسِيرُهُ بِهِ ، إذَا أَرَادَ أَنَّ حَقًّا عَلَيَّ رَدُّ سَلَامِهِ إذَا سَلَّمَ ، وَتَشْمِيتُهُ إذَا عَطَسَ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ : { لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ ثَلَاثُونَ حَقًّا : يَرُدُّ سَلَامَهُ ، وَيُشَمِّتُ عَطْسَتَهُ ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُ .
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ } .
وَإِنْ قَالَ : غَصَبْته شَيْئًا .
وَفَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْغَصْبِ يَقَعُ عَلَيْهِ .
وَإِنْ قَالَ : غَصَبْته نَفْسَهُ .
لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ .
وَهَذَا الْفَصْلُ

أَكْثَرُهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلْ تَفْسِيرُ إقْرَارِهِ بِغَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِنَفْسِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَمْلُوكٌ يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ ، فَجَازَ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ الشَّيْءُ فِي الْإِقْرَارِ ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فِي الْجُمْلَةِ ، فَصَحَّ التَّفْسِيرُ كَالْمَكِيلِ ، وَلَا عِبْرَةَ بِسَبَبِ ثُبُوتِهِ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ ، وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ .

( 3864 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِقَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ } .
وَقَوْلِهِ : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ } .
وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، كَقَوْلِنَا .
وَالثَّانِي ؛ لَا يُقْبَلُ إلَّا أَوَّلُ نِصَابٍ مِنْ نُصُبِ الزَّكَاةِ ، مِنْ نَوْعِ أَمْوَالِهِمْ .
وَالثَّالِثُ ، مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ ، وَيَصِحُّ مَهْرًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } .
وَلَنَا ، أَنَّ غَيْرَ مَا ذَكَرُوهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَالِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، وَيَتَمَوَّلُ عَادَةً ، فَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ ، كَاَلَّذِي وَافَقُوا عَلَيْهِ .
وَأَمَّا آيَةُ الزَّكَاةِ فَهِيَ عَامَّةٌ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ ، وقَوْله تَعَالَى : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ } .
لَمْ يُرِدْ بِهِ الزَّكَاةَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا ، ثُمَّ يَرُدُّ قَوْلَهُمْ قَوْله تَعَالَى : { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } .
وَالتَّزْوِيجُ جَائِزٌ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ الْمَالِ ، وَبِمَا دُونَ النِّصَابِ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ مَالٌ عَظِيمٌ ، أَوْ كَثِيرٌ ، أَوْ جَلِيلٌ ، أَوْ خَطِيرٌ .
جَازَ تَفْسِيرُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مَالٌ .
لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ ؛ لِأَنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ ، وَيَكُونُ صَدَاقًا عِنْدَهُ .
وَعَنْهُ : لَا يُقْبَلُ بِأَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ .
وَبِهِ قَالَ صَاحِبَاهُ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَقَوْلِهِمْ فِي الْمَالِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ أَقَلَّ زِيَادَةٍ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : قَدْرَ الدِّيَةِ .
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : اثْنَانِ وَسَبْعُونَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى

قَالَ : { لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ } .
وَكَانَتْ غَزَوَاتُهُ وَسَرَايَاهُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ .
قَالُوا : وَلِأَنَّ الْحَبَّةَ لَا تُسَمَّى مَالًا عَظِيمًا وَلَا كَثِيرًا .
وَلَنَا ، أَنَّ مَا فُسِّرَ بِهِ الْمَالُ فُسِّرَ بِهِ الْعَظِيمُ ، كَاَلَّذِي سَلَّمُوهُ ، وَلِأَنَّ الْعَظِيمَ وَالْكَثِيرَ لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ ، وَلَا فِي اللُّغَةِ ، وَلَا الْعُرْفِ ، وَيَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْقَلِيلَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْكَثِيرَ ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَحْتَقِرُ الْكَثِيرَ ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ حَدٌّ يُرْجَعُ إلَى تَفْسِيرِهِ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَا مِنْ مَالٍ إلَّا وَهُوَ عَظِيمٌ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ عَظِيمًا عِنْدَهُ ؛ لِفَقْرِ نَفْسِهِ وَدَنَاءَتِهَا ، وَمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدٌ لِلْكَثِيرِ ، وَكَوْنُ مَا ذَكَرُوهُ كَثِيرًا لَا يَمْنَعُ الْكَثْرَةَ فِيمَا دُونَهُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } .
فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ : { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً } .
فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى ذَلِكَ .
وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا قَالَ : عَظِيمٌ جِدًّا ، أَوْ عَظِيمٌ عَظِيمٌ .
كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْهُ ؛ لِمَا قَرَّرْنَاهُ .

( 3865 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ .
فَفَسَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ عَدَدًا أَوْ قَدْرًا ، لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ ، وَتُفَسَّرُ الزِّيَادَةُ بِأَيِّ شَيْءٍ أَرَادَ ، وَلَوْ حَبَّةً أَوْ أَقَلَّ .
وَإِنْ قَالَ مَا عَلِمْت لِفُلَانٍ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا .
وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَكْثَر مِنْهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَبْلَغَ الْمَالِ حَقِيقَةً لَا يُعْرَفُ فِي الْأَكْثَرِ ، وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَيَمْلِكُ مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمُقِرُّ ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ إلَى مَا اعْتَقَدَهُ الْمُقِرُّ مَعَ يَمِينِهِ ، إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ .
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِأَقَلَّ مِنْ مَالِهِ ، مَعَ عِلْمِهِ بِمَالِهِ ، لَمْ يَقْبَلْ .
وَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، سَوَاءٌ عَلِمَ مَالَ فُلَانٍ أَوْ جَهِلَهُ ، أَوْ ذَكَرَ قَدْرَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرُهُ ، أَوْ قَالَهُ عَقِيبَ الشَّهَادَةِ بِقَدْرِهِ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ بَقَاءً أَوْ مَنْفَعَةً أَوْ بَرَكَةً ، لِكَوْنِهِ مِنْ الْحَلَالِ ، أَوْ لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَلَوْ قَالَ : لِي عَلَيْك أَلْفُ دِينَارٍ .
فَقَالَ : لَك عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ .
لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ أَكْثَرُ مُبْهَمَةٌ ، لِاحْتِمَالِهَا مَا ذَكَرْنَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْهُ فُلُوسًا ، أَوْ حَبَّ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ دَخَنٍ ، فَرَجَعَ فِي تَفْسِيرِهَا إلَيْهِ .
وَهَذَا بَعِيدٌ ؛ فَإِنَّ لَفْظَةَ أَكْثَرُ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً فِي الْعَدَدِ ، أَوْ فِي الْقَدْرِ ، وَتَنْصَرِفُ إلَى جِنْسِ مَا أُضِيفَ أَكْثَرُ إلَيْهِ ، لَا يُفْهَمُ فِي الْإِطْلَاقِ غَيْرُ ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ } .
وَأَخْبَرَ عَنْ الَّذِي قَالَ : { أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا } { .
وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا } .
وَالْإِقْرَارُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِالظَّاهِرِ دُونَ مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ ، لَزِمَهُ

أَقَلُّ الْجَمْعِ جِيَادًا صِحَاحًا وَازِنَةً حَالَّةً .
وَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ .
لَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهَا الْوَدِيعَةِ .
وَلَوْ رَجَعَ إلَى مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ لَسَقَطَ الْإِقْرَارُ .
وَاحْتِمَالُ مَا ذَكَرُوهُ أَبْعَدُ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي لَمْ يَقْبَلُوا تَفْسِيرَهُ بِهَا ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى هَذَا .

( 3866 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ، إلَّا شَيْئًا .
قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ ، لِأَنَّ الشَّيْءَ يَحْتَمِلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ .
فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا دُونَ النِّصْفِ .
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : إلَّا قَلِيلًا ؛ لِأَنَّهُ مُبْهَمٌ ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ : إلَّا شَيْئًا .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ مُعْظَمُ أَلْفٍ ، أَوْ جُلُّ أَلْفٍ ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفٍ .
لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ ، وَيَحْلِفُ عَلَى الزِّيَادَةِ إنْ اُدُّعِيَتْ عَلَيْهِ .

( 3867 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ كَذَا .
فَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ : ( 3868 ) أَحَدُهَا ، أَنْ يَقُولَ : كَذَا .
بِغَيْرِ تَكْرِيرٍ وَلَا عَطْفٍ .
الثَّانِيَةُ ، أَنْ يُكَرِّرَ بِغَيْرِ عَطْفٍ .
الثَّالِثَةُ ، أَنْ يَعْطِفَ ، فَيَقُولَ : كَذَا وَكَذَا .
فَأَمَّا الْأُولَى ، فَإِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٌ .
لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَقُولَ : لَهُ عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٌ .
بِالرَّفْعِ ، فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ .
وَتَقْدِيرُهُ شَيْءٌ هُوَ دِرْهَمٌ ، فَجَعَلَ الدِّرْهَمَ بَدَلًا مِنْ كَذَا .
الثَّانِي ، أَنْ يَقُولَ : دِرْهَمٍ .
بِالْجَرِّ ، فَيَلْزَمُهُ جُزْءُ دِرْهَمٍ ، يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ ، وَالتَّقْدِيرُ جُزْءُ دِرْهَمٍ ، أَوْ بَعْضُ دِرْهَمٍ .
وَيَكُونُ كَذَا كِنَايَةً عَنْهُ .
الثَّالِثُ ، أَنْ يَقُولَ : دِرْهَمًا .
بِالنَّصْبِ ، فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ ، وَيَكُونُ مَنْصُوبًا عَلَى التَّفْسِيرِ ، وَهُوَ التَّمْيِيزُ .
وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْقَطْعِ ، كَأَنَّهُ قَطَعَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ ، وَأَقَرَّ بِدِرْهَمٍ .
وَهَذَا عَلَى قَوْلِ نُحَاةِ الْكُوفَةِ .
الرَّابِعُ ، أَنْ يَذْكُرَهُ بِالْوَقْفِ ، فَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِجُزْءِ دِرْهَمٍ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْقَطَ حَرَكَةَ الْجَرِّ لِلْوَقْفِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا .
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَلَنَا ، أَنَّ " كَذَا " اسْمٌ مُبْهَمٌ فَصَحَّ تَفْسِيرُهُ بِجُزْءِ دِرْهَمٍ فِي حَالِ الْجَرِّ وَالْوَقْفِ .
( 3869 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، إذَا قَالَ : كَذَا كَذَا .
بِغَيْرِ عَطْفٍ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِي " كَذَا " بِغَيْرِ تَكْرَارٍ سَوَاءٌ ، لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ .
وَلَا يَقْتَضِي تَكْرِيرُهُ الزِّيَادَةَ ، كَأَنَّهُ قَالَ : شَيْءٌ شَيْءٌ .
وَلِأَنَّهُ إذَا قَالَهُ بِالْجَرِّ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَضَافَ جُزْءًا إلَى جُزْءٍ ، ثُمَّ أَضَافَ الْجُزْءَ الْآخَرَ إلَى الدِّرْهَمِ ، فَقَالَ : نِصْفَ تُسْعِ دِرْهَمٍ .
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ : كَذَا كَذَا كَذَا .
لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ

أَنْ يُرِيدَ ثُلُثَ خُمْسِ سُبْعِ دِرْهَمٍ ، وَنَحْوَهُ .
( 3870 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ، إذَا عَطَفَ ، فَقَالَ : كَذَا وَكَذَا دِرْهَمٌ .
بِالرَّفْعِ ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ ، ثُمَّ أَبْدَلَ مِنْهُمَا دِرْهَمًا ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : هُمَا دِرْهَمٌ .
وَإِنْ قَالَ : دِرْهَمًا .
بِالنَّصْبِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، وَالْقَاضِي ؛ لِأَنَّ " كَذَا " يَحْتَمِلُ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ ، فَإِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ مِثْلَهُ ، ثُمَّ فَسَّرَهُمَا بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ ، جَازَ ، وَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا .
وَهَذَا يُحْكَى قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي ، يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَتَيْنِ ، فَإِذَا فَسَّرَ ذَلِكَ بِدِرْهَمٍ عَادَ التَّفْسِيرُ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، كَقَوْلِهِ : عِشْرُونَ دِرْهَمًا .
يَعُودُ التَّفْسِيرُ إلَى الْعِشْرِينَ ، وَكَذَا هَاهُنَا .
وَهَذَا يُحْكَى قَوْلًا ثَانِيًا لِلشَّافِعِيِّ .
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ، يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ دِرْهَمٍ .
وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الدِّرْهَمَ تَفْسِيرٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه ، فَيَلْزَمُهُ بِهَا دِرْهَمٌ ، وَالْأُولَى بَاقِيَةٌ عَلَى إبْهَامِهَا ، فَيُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهَا إلَيْهِ .
وَهَذَا يُشْبِهُ مَذْهَبَ التَّمِيمِيِّ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إذَا قَالَ : كَذَا دِرْهَمًا .
لَزِمَهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ يُفَسَّرُ بِالْوَاحِدِ الْمَنْصُوبِ .
وَإِنْ قَالَ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا .
لَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ مُرَكَّبٍ يُفَسَّرُ بِالْوَاحِدِ الْمَنْصُوبِ .
وَإِنْ قَالَ : كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا .
لَزِمَهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ عُطِفَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ يُفَسَّرُ بِذَلِكَ ، وَإِنْ قَالَ : كَذَا دِرْهَمٍ .
بِالْجَرِّ لَزِمَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ يُضَافُ إلَى الْوَاحِدِ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، أَنَّهُ إذَا قَالَ : كَذَا كَذَا ، أَوْ كَذَا

وَكَذَا .
يَلْزَمُهُ بِهِمَا أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قُلْنَا ، وَيَحْتَمِلُ مَا قَالُوهُ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا قُلْنَا ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : عَلَيَّ دَرَاهِمُ .
لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَقَلُّ الْجَمْعِ ، وَلَا يَلْزَمُ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ ، فَإِنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي الْأَمْرَيْنِ ، جَازَ التَّفْسِيرُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ يَكُونُ اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ مُوجِبًا لِأَكْثَرَ مِنْ الْمُكَرَّرِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالْمُفْرَدِ عِشْرُونَ ، وَبِالْمُكَرَّرِ أَحَدَ عَشَرَ ، وَلَا نَعْرِفُ لَفْظًا مُفْرَدًا مُتَنَاوِلًا لِعَدَدٍ صَحِيحٍ يَلْزَمُ بِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ بِمُكَرَّرِهِ .

( 3871 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : غَصَبْتُك ، أَوْ غَبَنْتُك .
لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُهُ نَفْسَهُ ، وَيَغِبْنَهُ فِي غَيْرِ الْمَالِ .
وَإِنْ قَالَ : غَصَبْتُك شَيْئًا .
وَفَسَّرَهُ بِغَصْبِ نَفْسِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ مَفْعُولَيْنِ ، فَجَعَلَهُ الْمَفْعُولَ الْأَوَّلَ وَشَيْئًا الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ .
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَالٍ ، قُبِلَ وَإِنْ قَلَّ ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ ، أَوْ سِرْجِينٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْهَرُهُ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ .
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ ، أَوْ بِمَا لَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ أَخْذَ ذَلِكَ لَيْسَ بِغَصْبٍ .

( 3872 ) فَصْلٌ : وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ صَحِيحٌ ، وَمَا كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ ، صَحَّتْ الشَّهَادَةُ بِهِ ، كَالْمَعْلُومِ .

( 3873 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي رَهْنٌ .
فَقَالَ الْمَالِكُ : وَدِيعَةٌ .
كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ ) .
إنَّمَا قَدَّمَ قَوْلَ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ ثَبَتَتْ لَهُ بِالْإِقْرَارِ ، وَادَّعَى الْمُقَرُّ دَيْنًا لَا يَعْتَرِفُ لَهُ بِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .
وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَالٍ لِغَيْرِهِ ، وَادَّعَى أَنَّ لَهُ بِهِ تَعَلُّقًا ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ ادَّعَاهُ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَارٍ ، وَقَالَ : اسْتَأْجَرْتهَا .
أَوْ بِثَوْبٍ وَادَّعَى أَنَّهُ قَصَّرَهُ ، أَوْ خَاطَهُ بِأَجْرٍ يَلْزَمُ الْمُقَرَّ لَهُ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ عَلَى غَيْرِهِ حَقًّا ، فَلَا يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : هَذِهِ الدَّارُ لَهُ ، وَلِي سُكْنَاهَا سَنَةً .

( 3874 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ .
فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ : بَلْ لِي عَلَيْك أَلْفٌ ، وَلَا شَيْءَ لَك عِنْدِي .
فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ لَهُ بِالْأَلْفِ ، وَادَّعَى عَلَيْهِ مَبِيعًا ، فَأَشْبَهَ مَا إذَا قَالَ : هَذَا رَهْنٌ .
فَقَالَ الْمَالِكُ : وَدِيعَةٌ .
أَوْ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَلِي عِنْدَهُ مَبِيعٌ لَمْ أَقْبِضْهُ .
وَالثَّانِي ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ .
قَالَ الْقَاضِي : هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ فِي مُقَابَلَةِ حَقٍّ لَهُ ، وَلَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَالَهُ ، لَمْ يُسَلِّمْ لِلْمُقَرِّ لَهُ مَا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ : بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ .
قَالَ : بَلْ مَلَّكْتنِيهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ .
وَفَارَقَ مَا لَوْ قَالَ لَهُ : عِنْدِي رَهْنٌ .
فَقَالَ الْمَالِكُ : بَلْ وَدِيعَةٌ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنُ يَنْفَكُّ عَنْ الرَّهْنِ .
وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ : بِعْتُك نَفْسَك بِأَلْفٍ .
فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ .
عَتَقَ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُقِرِّ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَنْفَكُّ عَنْ الثَّمَنِ .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : لَمْ أَقْبِضْهُ مُنْفَصِلًا أَوْ مُتَّصِلًا .
فَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ .
ثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : لَمْ أَقْبِضْهُ .
فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ تَعَلَّقَ بِالْمَبِيعِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْقَبْضِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ .
فَأَمَّا إنْ قَالَ : عَلَيَّ أَلْفٌ .
ثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ .
لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُ وُجُوبَ تَسْلِيمِهِ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَمْ يُقْبَلْ لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ .
ثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : مُؤَجَّلٌ .

( 3875 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : بِعْتُك جَارِيَتِي هَذِهِ .
قَالَ : بَلْ زَوَّجْتنِيهَا .
فَلَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَقَبْلَ الِاسْتِيلَادِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ اعْتِرَافِ الْبَائِعِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِهَا لِمُدَّعِي الزَّوْجِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَالزَّوْجُ يُنْكِرُ أَنَّهَا مِلْكُهُ ، وَيَدَّعِي حِلَّهَا لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ ، فَيَثْبُتُ الْحِلُّ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ ، وَلَا تُرَدُّ إلَى الْبَائِعِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَهَا .
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَبَعْدَ الِاسْتِيلَادِ ، فَالْبَائِعُ يُقِرُّ أَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ ، وَوَلَدُهَا حُرٌّ ، وَأَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهُ ، وَيَدَّعِي الثَّمَنَ ، وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، فَيُحْكَمُ بِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ ؛ لِإِقْرَارِ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ مِلْكُهُ بِحُرِّيَّتِهِ ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ ، وَلَا تُرَدُّ الْأَمَةُ إلَى الْبَائِعِ ؛ لِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا ، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهَا ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ ثَمَنُهَا إلَّا قَدْرَ الْمَهْرِ ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى وُجُوبِهِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي سَبَبِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَتَحَالَفَانِ ، وَلَا يَجِبُ مَهْرٌ وَلَا ثَمَنٌ .
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ عَلَى الْبَائِعِ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْيَمِينَ فِي إنْكَارِ النِّكَاحِ ، وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ ، وَنَفَقَةُ الْأَمَةِ عَلَى زَوْجِهَا ؛ لِأَنَّهُ إمَّا زَوْجٌ وَإِمَّا سَيِّدٌ ، وَكِلَاهُمَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : نَفَقَتُهَا فِي كَسْبِهَا ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ ؛ لِأَنَّنَا أَزَلْنَا عَنْهَا مِلْكَ السَّيِّدِ ، وَأَثْبَتْنَا لَهَا حُكْمَ الِاسْتِيلَادِ .
فَإِنْ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ مَالًا ، فَلِلْبَائِعِ قَدْرُ ثَمَنِهَا ؛

لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فَهُوَ يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمُشْتَرِي ثَمَنَهَا ، وَتَرِكَتُهَا لِلْمُشْتَرِي ، وَالْمُشْتَرِي مُقِرٌّ لِلْبَائِعِ بِهَا ، فَيَأْخُذُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَدَّعِيهِ .
وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا ، فَهِيَ مِلْكُهُ ، وَتَرِكَتُهَا كُلَّهَا لَهُ ، فَيَأْخُذُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَدَّعِيه ، وَبَقِيَّتُهُ مَوْقُوفَةٌ .
وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ ، فَقَدْ مَاتَتْ حُرَّةً ، فَمِيرَاثُهَا لِوَلَدِهَا وَوَرَثَتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ ، فَمِيرَاثُهَا مَوْقُوفٌ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَدْرَ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الثَّمَنَ عَلَى الْوَاطِئِ ، وَلَيْسَ مِيرَاثُهَا لَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَهَا .
وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ ، فَعِنْدِي أَنَّهَا تُقَرُّ فِي يَدِ الزَّوْجِ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى حِلِّهَا لَهُ ، وَاسْتِحْقَاقِهِ إمْسَاكَهَا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ .
وَلَا تُرَدُّ إلَى السَّيِّدِ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ .
وَلِلْبَائِعِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْمَهْرِ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِذَلِكَ .
وَالْأَمْرُ فِي الْبَاطِنِ عَلَى ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ السَّيِّدَ إنْ كَانَ صَادِقًا ، فَالْأُمَّةُ حَلَالٌ لِزَوْجِهَا بِالْبَيْعِ .
وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا ، فَهِيَ حَلَالٌ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ .
وَالْقَدْرُ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، إنْ كَانَ السَّيِّدُ صَادِقًا ، فَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ ثَمَنًا ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا ، فَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ مَهْرًا .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَحْلِفُ الزَّوْجُ أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهَا ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الثَّمَنُ ، وَلَا يَحْتَاجُ السَّيِّدُ إلَى الْيَمِينِ عَلَى نَفْيِ الزَّوْجِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ فِيهِ .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : يَتَحَالَفَانِ مَعًا ، وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ مَا ثَبَتَ ، وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَدَّعِيهِ ، وَتُرَدُّ الْجَارِيَةُ إلَى سَيِّدِهَا ، وَفِي كَيْفِيَّةِ رُجُوعِهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَرْجِعُ إلَيْهِ ،

فَيَمْلِكُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، كَمَا يَرْجِعُ الْبَائِعُ فِي السِّلْعَةِ عِنْدَ فَلْسِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ هَاهُنَا قَدْ تَعَذَّرَ ، فَيَحْتَاجُ السَّيِّدُ أَنْ يَقُولَ : فَسَخْت الْبَيْعَ .
وَتَعُودُ إلَيْهِ مِلْكًا .
وَالثَّانِي ، تَرْجِعُ إلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ مَعَ إمْكَانِهِ .
فَعَلَى هَذَا يَبِيعُهَا الْحَاكِمُ وَيُوَفِّيه ثَمَنَهَا ، فَإِنْ كَانَ وَفْقَ حَقِّهِ ، فَحَسَنٌ .
وَإِنْ كَانَ دُونَهُ ، أَخَذَهُ ، وَإِنْ زَادَ ، فَالزِّيَادَةُ لَا يَدَّعِيهَا أَحَدٌ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُقِرُّ بِهَا لِلْبَائِعِ ، وَالْبَائِعُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، فَهَلْ تُقَرُّ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، أَوْ تَرْجِعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .
فَإِنْ رَجَعَ الْبَائِعُ ، وَقَالَ : صَدَقَ خَصْمِي ، مَا بِعْته إيَّاهَا ، بَلْ زَوَّجْته .
لَمْ يُقْبَلْ فِي إسْقَاطِ حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ ، وَلَا فِي اسْتِرْجَاعِهَا إنْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ ، وَقُبِلَ فِي إسْقَاطِ الثَّمَنِ ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَهْرِ ، وَأَخْذِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ ، وَاسْتِحْقَاقِ مِيرَاثِهَا وَمِيرَاثِ وَلَدِهَا .
وَإِنْ رَجَعَ الزَّوْجُ ، ثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ .

( 3876 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ ، أَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ لِغَيْرِهِمَا فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا مِنْ سَيِّدِهِ ، عَتَقَ فِي الْحَالِ ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهُ حُرٌّ ، وَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ لَهُ بِرِقِّهِ ، وَفِي حَقِّ الْمُشْتَرِي اسْتِنْقَاذًا وَاسْتِخْلَاصًا ، فَإِذَا صَارَ فِي يَدِهِ ، حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ ؛ لِإِقْرَارِهِ السَّابِقِ ، وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، فَرَدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُمَا ، فَدَفَعَا إلَى الزَّوْجِ عِوَضًا لِيَخْلَعَهَا ، صَحَّ ، وَكَانَ فِي حَقِّهِ خُلْعًا صَحِيحًا ، وَفِي حَقِّهِمَا اسْتِخْلَاصًا ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ مَوْقُوفًا ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه ، فَإِنَّ الْبَائِعَ يَقُولُ : مَا أَعْتَقْته .
وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ : مَا أَعْتَقْته .
وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ : مَا أَعْتَقَهُ إلَّا الْبَائِعُ وَأَنَا اسْتَخْلَصْته .
فَإِنْ مَاتَ وَخَلَّفَ مَالًا ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ قَوْلِهِ ، فَالْمَالُ لَهُ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه سِوَاهُ ، لِأَنَّ الرَّاجِعَ إنْ كَانَ الْبَائِعَ ، فَقَالَ : صَدَقَ الْمُشْتَرِي ، كُنْت أَعْتَقْته .
فَالْوَلَاءُ لَهُ ، وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ إلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِإِقْرَارِهِ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِعُ الْمُشْتَرِيَ ، قُبِلَ فِي الْمَالِ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه سِوَاهُ ، وَلَا يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي نَفْيِ الْحُرِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ .
وَإِنْ رَجَعَا مَعًا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوقَفَ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَأَحَدِهِمَا ، وَلَا يَعْرِفُ عَيْنَهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ .
وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقَرُّ فِي يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيْتِ الْمَالِ عَلَى كُلِّ

حَالٍ ؛ لِذَلِكَ .

( 3877 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ ، وَقَالَ : هَذَا الَّذِي أَقْرَرْت لَك بِهِ .
قَالَ : بَلْ هُوَ غَيْرُهُ .
لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه ، وَيَحْلِفُ الْمُقِرُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ عَبْدٌ سِوَاهُ .
فَإِنْ رَجَعَ الْمُقَرُّ لَهُ ، فَادَّعَاهُ ، لَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ .
وَإِنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ : صَدَقْت ، هَذَا لِي الَّذِي أَقْرَرْت بِهِ آخَرُ لِي عِنْدَك .
لَزِمَهُ تَسْلِيمُ هَذَا ، وَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْآخَرِ .

( 3878 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ مَاتَ ، فَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ أَوْ أُخْتٍ ، لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْفَضْلَ الَّذِي فِي يَدِهِ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ ) .
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الْوَارِثَيْنِ إذَا أَقَرَّ بِوَارِثٍ ثَالِثٍ ، مُشَارِكٍ لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَتَبَعَّضُ ، فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ دُونَ الْمُنْكِرِ ، وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي حَقِّهِمَا ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُنْكِرٌ ، وَلَمْ تُوجَدْ شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ ، وَلَكِنَّهُ يُشَارِكُ الْمُقِرَّ فِي الْمِيرَاثِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُشَارِكُهُ .
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ .
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ : لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُقِرُّوا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، فَلَا يَرِثُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ مَعْرُوفِ النَّسَبِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ مَالٍ لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِهِ ، فَلَزِمَهُ الْمَالُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِبَيْعٍ أَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ، فَأَنْكَرَ الْآخَرُ .
وَفَارَقَ مَا إذَا أَقَرَّ بِنَسَبٍ مَعْرُوفِ النَّسَبِ ؛ فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِبُطْلَانِهِ .
وَلِأَنَّهُ يُقِرُّ لَهُ بِمَالٍ يَدَّعِيه الْمُقَرُّ لَهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ لَهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ ، أَوْ أَقَرَّ لَهُ وَصِيَّةً ، فَأَنْكَرَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ لَهُ فَضْلُ مَا فِي يَدِ الْمُقِرِّ عَنْ مِيرَاثِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَشَرِيكٌ ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا كَانَ اثْنَانِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ ، لَزِمَهُ دَفْعُ نِصْفِ مَا فِي يَدِهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ ، لَزِمَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ التَّرِكَةِ ، فَصَارَ كَالْغَاصِبِ ، فَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ غَصَبَ بَعْضَ

التَّرِكَةِ أَجْنَبِيٌّ .
وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ التَّرِكَةِ ، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِهَا ، فَإِذَا هَلَكَ بَعْضُهَا ، أَوْ غُصِبَ ، تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِبَاقِيهَا ، وَاَلَّذِي فِي يَدِ الْمُنْكِرِ كَالْمَغْصُوبِ ، فَيَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ بِالسَّوِيَّةِ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ أَجْنَبِيٌّ .
وَلَنَا ، أَنَّ التَّرِكَةَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مِمَّا فِي يَدِهِ إلَّا الثُّلُثَ ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِبَيِّنَةٍ .
وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِحَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِحِصَّتِهِ وَحِصَّةِ أَخِيهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يَخُصُّهُ ، كَالْإِقْرَارِ بِالْوَصِيَّةِ ، وَكَإِقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ بِدَيْنٍ .
وَلِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ مَعَهُ بِالنَّسَبِ أَجْنَبِيٌّ ثَبَتَ ، وَلَوْ لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْ حِصَّتِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ؛ لِكَوْنِهِ يَجُرُّ بِهَا نَفْعًا ، لِكَوْنِهِ يُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قَدْرُ حِصَّتِهِ ، فَإِذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، كَالْوَصِيَّةِ .
وَفَارَقَ مَا إذَا غَصَبَ بَعْضَ التَّرِكَةِ وَهُمَا اثْنَانِ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ ، وَهَا هُنَا يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ مِنْ كُلّ جُزْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ صَادِقًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ نَصِيبَهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ .
وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ أَوْ ثُلُثَهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .

( 3879 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِنَسَبِ مَنْ يُشَارِكُهُمْ فِي الْمِيرَاثِ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَرَثَةُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي مِيرَاثِهِ ، وَدُيُونِهِ ، وَالدُّيُونِ الَّتِي عَلَيْهِ ، وَبَيِّنَاتِهِ ، وَدَعَاوِيهِ ، وَالْأَيْمَانِ الَّتِي لَهُ وَعَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ فِي النَّسَبِ .
وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ، { أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ اخْتَصَمَ هُوَ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ، فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ ، فَقَالَ سَعْدٌ : أَوْصَانِي أَخِي عُتْبَةُ إذَا قَدِمْت مَكَّةَ أَنْ أَنْظُرَ إلَى ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ ، وَأَقْبِضَهُ ، فَإِنَّهُ ابْنُهُ .
فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : هُوَ أَخِي ، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ } .
فَقَضَى بِهِ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ .
وَقَالَ " احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ " .
وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ رَجُلَيْنِ ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ اثْنَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ النَّسَبَ عَلَى غَيْرِهِ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعَدَدُ ، كَالشَّهَادَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَدُ ، كَالدَّيْنِ .
وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ الْعَدَدُ فِيهِ ، كَإِقْرَارِ الْمَوْرُوثِ ، وَاعْتِبَارِهِ بِالشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ وَلَا الْعَدَالَةُ ، وَيَبْطُلُ بِالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ .

( 3880 ) فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ : لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ خَاصَّةً ، أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ ، فَإِنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ بِوَلَدٍ ، اُعْتُبِرَ فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ مَجْهُولَ النَّسَبِ ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ نَسَبَهُ الثَّابِتَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ انْتَسَبَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيه .
الثَّانِي ، أَنْ لَا يُنَازِعَهُ فِيهِ مُنَازِعٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَازَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ تَعَارَضَا ، فَلَمْ يَكُنْ إلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ .
الثَّالِثُ ، أَنْ يُمْكِنَ صِدْقُهُ ، بِأَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُولَدَ لِمِثْلِهِ .
الرَّابِعُ ، أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا قَوْلَ لَهُ ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ ، أَوْ يُصَدِّقَ الْمُقِرَّ إنْ كَانَ ذَا قَوْلٍ ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، لَمْ يُعْتَبَرْ تَصْدِيقُهُ .
فَإِنْ كَبِرَ وَعَقَلَ ، فَأَنْكَرَ ، لَمْ يُسْمَعْ إنْكَارُهُ ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَابِتٌ ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى مَنْ ادَّعَى مِلْكَ عَبْدٍ صَغِيرٍ فِي يَدِهِ ، وَثَبَتَ بِذَلِكَ مِلْكُهُ ، فَلَمَّا كَبِرَ جَحَدَ ذَلِكَ .
وَلَوْ طَلَبَ إحْلَافَهُ عَلَى ذَلِكَ ، لَمْ يُسْتَحْلَفْ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ عَادَ فَجَحَدَ النَّسَبَ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ .
وَإِنْ اعْتَرَفَ إنْسَانٌ بِأَنَّ هَذَا أَبُوهُ ، فَهُوَ كَاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ ابْنُهُ .
فَأَمَّا إنْ كَانَ إقْرَارًا عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ ، كَإِقْرَارٍ بِأَخٍ ، اُعْتُبِرَ فِيهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ ، وَشَرْطٌ خَامِسٌ ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُقِرِّ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً لَا وَارِثَ مَعَهُمَا ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ لَا يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ الْإِمَامُ مَعَهُ ، ثَبَتَ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُسْلِمِينَ ، فِي مُشَارَكَةِ الْوَارِثِ وَأَخْذِ الْبَاقِي .

وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ بِنْتًا أَوْ أُخْتًا أَوْ أُمًّا أَوْ ذَا فَرْضٍ يَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ ، ثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِهِ ، كَالِابْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الرَّدَّ ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ .
وَلَهُمْ فِيمَا إذَا وَافَقَهُ الْإِمَامُ فِي الْإِقْرَارِ وَجْهَانِ .
وَهَذَا مِنْ فُرُوعِ الرَّدِّ ، وَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ وَأُخْتٌ ، أَوْ أُخْتٌ وَزَوْجٌ ، ثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَأْخُذَانِ الْمَالَ كُلَّهُ .
وَإِذَا أَقَرَّ بِابْنِ ابْنِهِ ، وَابْنُهُ مَيِّتٌ ، اُعْتُبِرَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ بِالْأَخِ ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بِعَمٍّ وَهُوَ ابْنُ جَدِّهِ ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .
( 3881 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ غَيْرَ وَارِثٍ ، لِكَوْنِهِ رَقِيقًا ، أَوْ مُخَالِفًا لِدِينِ مَوْرُوثِهِ ، أَوْ قَاتِلًا ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ ، وَثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِ الْآخَرِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ .
ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ يَرِثُ ، شَارَكَ الْمُقِرَّ فِي الْمِيرَاثِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ ، لِوُجُودِ أَحَدِ الْمَوَانِعِ فِيهِ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَمْ يَرِثْ ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُقِرُّ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا .

( 3882 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، فَأَقَرَّ الْمُكَلَّفُ بِأَخٍ ثَالِثٍ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحُوزُ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ .
فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ ، فَأَقَرَّا بِهِ أَيْضًا ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ؛ لِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ عَلَيْهِ .
وَإِنْ أَنْكَرَ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ .
وَإِنْ مَاتَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَا مُكَلَّفَيْنِ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنَّ الْمُقَرَّ بِهِ صَارَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ .
وَلَوْ كَانَ الْوَارِثَانِ بَالِغَيْنِ عَاقِلَيْنِ ، فَأَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ، ثُمَّ مَاتَ الْمُنْكِرُ وَوَرِثَهُ الْمُقِرُّ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ صَارَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ شَرِيكُهُ فِي الْمِيرَاثِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ شَرِيكُهُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ وَارِثٌ .
وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ بَعْدَ الْمَيِّتِ ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ سِوَاهُ ، أَوْ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ ، لَمْ يَثْبُت النَّسَبُ بِقَوْلِ الْبَاقِي مِنْهُمَا ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلَّ الْوَرَثَةِ ، وَيَقُومُ وَارِثُ الْمَيِّتِ الثَّانِي مَقَامَهُ ، فَإِذَا وَافَقَ الْمُقِرَّ فِي إقْرَارِهِ ثَبَتَ النَّسَبُ ، وَإِنْ خَالَفَهُ لَمْ يَثْبُتْ كَالْمَوْرُوثِ .
وَإِنْ خَلَّفَ وَلَدَيْنِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ ، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ ، ثُمَّ مَاتَ الْمُنْكِرُ ، وَخَلَّفَ ابْنًا ، فَأَقَرَّ بِاَلَّذِي أَنْكَرَهُ أَبُوهُ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ؛ لِإِقْرَارِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ بِهِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ ؛ لِإِنْكَارِ الْمَيِّتِ لَهُ .

( 3883 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ بِمَنْ يَحْجُبُهُ ، كَأَخٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ، وَأَخٍ مِنْ أَبٍ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، وَابْنِ ابْنٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَوَرِثَ وَسَقَطَ الْمُقِرُّ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي ، وَقَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ .
وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَثْبُتُ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَلَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ تَوْرِيثِهِ .
فَسَقَطَ ، بَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَخَرَجَ الْمُقَرُّ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ وَارِثًا ، فَيَبْطُلُ إقْرَارُهُ ، وَيَسْقُطُ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ وَتَوْرِيثُهُ ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إسْقَاطِ نَسَبِهِ وَتَوْرِيثِهِ ، فَأَثْبَتْنَا النَّسَبَ دُونَ الْمِيرَاثِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ ابْنٌ ثَابِتُ النَّسَبِ ، لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ أَحَدُ مَوَانِعِ الْإِرْثِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .
أَيْ فَيَرِثُ ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِبَيِّنَةٍ ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ سَبَبٌ لِلْمِيرَاثِ ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعُ حُكْمِهِ عَنْهُ ، وَلَا يُوَرَّثُ مَحْجُوبٌ بِهِ مَعَ وُجُودِهِ وَسَلَامَتِهِ مِنْ الْمَوَانِعِ .
وَمَا احْتَجُّوا بِهِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا نَعْتَبِرُ كَوْنِ الْمُقِرِّ وَارِثًا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَخُرُوجُهُ بِالْإِقْرَارِ عَنْ الْإِرْثِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الِابْنَ إذَا أَقَرَّ بِأَخٍ فَإِنَّهُ يَرِثُ ، مَعَ كَوْنِهِ يَخْرُجُ بِإِقْرَارِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ إذَا صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ بِهِ ، فَصَارَ إقْرَارًا مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ طِفْلًا أَوْ مَجْنُونًا ، لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُ ، فَقَدْ أَقَرَّ كُلُّ مَنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ .
قُلْنَا : وَمِثْلُهُ هَاهُنَا ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ كَبِيرًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ ، فَقَدْ أَقَرَّ بِهِ كُلُّ مَنْ يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا

غَيْرَ مُعْتَبَرِ الْقَوْلِ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِقَوْلِ الْآخَرِ كَمَا لَوْ كَانَا اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا صَغِيرٌ فَأَقَرَّ الْبَالِغُ بِأَخٍ آخَر ، لَمْ يُقْبَلْ ، وَلَمْ يَقُولُوا : أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ مُوَافَقَتُهُ ، كَذَا هَاهُنَا .
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِ إنْسَانٍ عَبْدٌ مَحْكُومٌ لَهُ بِمِلْكِهِ ، فَأَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ ، ثَبَتَ لِلْمُقَرِّ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ يَخْرُجُ بِالْإِقْرَارِ عَنْ كَوْنِهِ مَالِكًا ، كَذَا هَاهُنَا .

( 3884 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا ، فَأَقَرَّ بِأَخٍ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ، ثُمَّ إنْ أَقَرَّ بِثَالِثٍ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ .
فَإِنْ قَالَ الثَّالِثُ : الثَّانِي لَيْسَ بِأَخٍ لَنَا .
فَقَالَ الْقَاضِي : يَسْقُطُ نَسَبُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ وَارِثٌ مُنْكِرٌ لِنَسَبِ الثَّانِي ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ نَسَبُهُ ثَابِتًا قَبْلَ الثَّانِي .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرِ : لَا يَسْقُطُ نَسَبُهُ وَلَا مِيرَاثُهُ ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَبَتَ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَثَبَتَ مِيرَاثُهُ ، فَلَا يَسْقُطُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ مَنْ هُوَ كُلُّ الْوَرَثَةِ حِينَ الْإِقْرَارِ ، وَثَبَتَ مِيرَاثُهُ فَلَا يَسْقُطُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَ لَوْ أَنْكَرَ الثَّالِثَ ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ بِإِقْرَارِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ إسْقَاطُ نَسَبِ مَنْ يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِقَوْلِهِ ، كَالْأَوَّلِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ الْأَصْلِ بِالْفَرْعِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ .

( 3885 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ الِابْنُ بِأَخَوَيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَصَدَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا .
وَإِنْ تَكَاذَبَا ، فَفِيهِمَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ .
وَالثَّانِي ، يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجِدَ الْإِقْرَارُ بِهِ مِنْ ثَابِتِ النَّسَبِ ، هُوَ كُلَّ الْوَرَثَةِ حِينَ الْإِقْرَارِ ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ مُوَافَقَةُ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَا صَغِيرَيْنِ .
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُصَدِّقُ صَاحِبَهُ دُونَ الْآخَرِ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا ، وَفِي الْآخَرِ وَجْهَانِ .
وَإِنْ كَانَا تَوْأَمَيْنِ ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا ، وَلَمْ يَلْتَفِت إلَى إنْكَارِ الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا ، سَوَاءٌ تَجَاحَدَا مَعًا ، أَوْ جَحَدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ كَذِبَهُمَا ، فَإِنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ .
وَلَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِنَسَبِ أَحَدِهِمَا ، ثَبَتَ نَسَبُ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ فِي النَّسَبِ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرَيْنِ ، دَفْعَةً وَاحِدَةً ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ نَسَبُ الْكَبِيرَيْنِ الْمُتَجَاحِدَيْنِ .
وَهَلْ يَثْبُتُ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ حِينَ الْإِقْرَارِ ، وَلَمْ يَجْحَدْهُ أَحَدٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَرَدَ .
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَثْبُتَ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَارِثٌ ، وَلَمْ يُقِرَّ بِصَاحِبِهِ ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ كُلُّ الْوَرَثَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ ، وَيَدْفَعُ الْمُقِرُّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الْمِيرَاثِ ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِثُبُوتِ النَّسَبِ أَوْ لَمْ نَقُلْ ؛ لِأَنَّهُ مُقَرٌّ بِهِ .

( 3886 ) فَصْلٌ : إذَا خَلَّفَ امْرَأَةً وَأَخًا ، فَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ .
وَأَنْكَرَ الْأَخُ ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، وَدَفَعَتْ إلَيْهِ ثُمْنَ الْمِيرَاثِ ، وَهُوَ الْفَضْلَةُ الَّتِي فِي يَدِ الزَّوْجَةِ عَنْ مِيرَاثِهَا .
وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ وَحْدَهُ ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَدَفَعَ إلَيْهِ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ الْمَالِ .
فَإِنْ خَلَّفَ اثْنَيْنِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِامْرَأَةٍ لِأَبِيهِ ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ، لَمْ تَثْبُتْ الزَّوْجِيَّةُ ، وَيَدْفَعُ إلَيْهَا نِصْفَ الْمِيرَاثِ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِنَا ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ زَالَتْ بِالْمَوْتِ ، وَإِنَّمَا الْمُقَرُّ بِهِ حَقُّهَا مِنْ الْمِيرَاثِ .
وَلَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ : لَا شَيْءَ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ امْرَأَةٌ أُخْرَى ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُقِرِّ .
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَ هَذَا ، مِثْلُ أَنْ يُخَلِّفَ أَخًا مِنْ أَبٍ وَأَخًا مِنْ أُمٍّ ، فَيُقِرَّ الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ بِأَخٍ لِلْمَيِّتِ ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ بِهِ ، سَوَاءٌ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، أَوْ مِنْ أَبٍ ، أَوْ مِنْ أُمٍّ ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهُ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُقِرِّ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِأَخَوَيْنِ مِنْ أُمٍّ ، دَفَعَ إلَيْهِمَا ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تُسْعٌ ، وَفِي يَدِهِ سُدْسٌ ، وَهُوَ تُسْعٌ وَنِصْفُ تُسْعٍ ، فَيَفْضُلُ فِي يَدِهِ نِصْفُ تُسْعٍ ، وَهُوَ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ .

( 3887 ) فَصْل : وَإِذَا شَهِدَ مِنْ الْوَرَثَةِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبٍ مُشَارِكٍ لَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ إذَا لَمْ يَكُونَا مُتَّهَمَيْنِ .
وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَا عَلَى إقْرَارِ الْمَيِّتِ بِهِ .
وَإِنْ كَانَا مُتَّهَمَيْنِ ، كَأَخَوَيْنِ مِنْ أُمٍّ يَشْهَدَانِ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا زَوْجٌ وَأُخْتَانِ مِنْ أَبَوَيْنِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِهِ يُسْقِطُ الْعَوْلَ ، فَيَتَوَفَّرُ عَلَيْهِمَا الثُّلُثُ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا بِأَخٍ مِنْ أَبٍ ، فِي مَسْأَلَةٍ مَعَهُمَا أُمٌّ وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ مِنْ أَبٍ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِهِ يُسْقِطُ أُخْتَهُ ، فَيَذْهَبُ الْعَوْلُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ .
فَإِنْ لَمْ يَكُونَا وَارِثَيْنِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَثَبَتَ النَّسَبُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ .

( 3888 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبٍ مُشَارِكٍ لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ ، وَثَمَّ وَارِثٌ غَيْرُهُمَا ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّهُمَا بَيِّنَةٌ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ النَّسَبُ ، كَالْوَاحِدِ .
وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ ؛ لِأَنَّهُ تُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَالَةُ وَالذُّكُورِيَّةُ ، وَالْإِقْرَارُ بِخِلَافِهِ .

( 3889 ) فَصْلٌ : إذَا أَقَرَّ بِنَسَبِ مَيِّتٍ ، صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ، وَوَرِثَهُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ دُونَ مِيرَاثِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي قَصْدِ أَخْذِ مِيرَاثِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَلَا إرْثُهُ ؛ لِذَلِكَ .
وَلَنَا ، أَنَّ عِلَّةَ ثُبُوتِ نَسَبِهِ فِي حَيَاتِهِ الْإِقْرَارُ بِهِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَيَثْبُتُ بِهِ ، كَحَالَةِ الْحَيَاةِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ حَيًّا مُوسِرًا ، أَوْ الْمُقِرُّ فَقِيرًا ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ ، وَيَمْلِكُ الْمُقِرُّ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ ، وَإِيقَافَهُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ .
وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ كَبِيرًا عَاقِلًا ، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ الْقَاضِي ، وَظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ ، أَشْبَهَ الصَّغِيرَ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْمُكَلَّفِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِتَصْدِيقِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ .
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، فَإِنْ ادَّعَى نَسَبَ الْمُكَلَّفِ فِي حَيَاتِهِ ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ حَتَّى مَاتَ الْمُقِرُّ ، ثُمَّ صَدَّقَهُ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ مِنْ الْمُقَرِّ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَدَّقَهُ فِي حَيَاتِهِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ ، أَوْ أَقَرَّتْ أَنَّ فُلَانًا زَوْجُهَا ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُقَرَّ بِهِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَرِثَهُ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ مَعًا .

( 3890 ) فَصْلٌ : وَإِذَا خَلَّفَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَابْنًا مِنْ غَيْرِهَا ، فَأَقَرَّ الِابْنُ بِأَخٍ لَهُ ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ .
وَهَلْ يَتَوَارَثَانِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَتَوَارَثَانِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِرُّ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَى صَاحِبِهِ ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُمَا .
وَالثَّانِي ، لَا يَتَوَارَثَانِ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَثْبُتْ فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَارِثٌ غَيْرَ صَاحِبِهِ ، لَمْ يَرِثْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنَازَعٌ فِي الْمِيرَاثِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ .

( 3891 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ بِالْإِقْرَارِ ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْمُقِرُّ ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ نَسَبٌ ثَبَتَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ ؛ فَلَمْ يَزُلْ بِإِنْكَارِهِ ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِالْفِرَاشِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، أَوْ مُكَلَّفًا ، فَصَدَّقَ الْمُقِرُّ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ نَسَبُ الْمُكَلَّفِ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الرُّجُوعِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِهِمَا ، فَزَالَ بِرُجُوعِهِمَا ، كَالْمَالِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ نَسَبٌ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ ، فَأَشْبَهَ نَسَبَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ .
وَفَارَقَ الْمَالَ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ .

( 3892 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِوَلَدٍ ، وَلَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا نَسَبٍ ، قُبِلَ إقْرَارُهَا .
وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ ، فَهَلْ يُقْبَلُ إقْرَارُهَا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلًا لِنَسَبِ الْوَلَدِ عَلَى زَوْجِهَا ، وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ ، أَوْ إلْحَاقًا لِلْعَارِ بِهِ بِوِلَادَةِ امْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ .
وَالثَّانِيَةُ : يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهَا شَخْصٌ أَقَرَّ بِوَلَدٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ، فَقُبِلَ كَالرَّجُلِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنُ مَنْصُورٍ ، فِي امْرَأَةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا : فَإِنْ كَانَ لَهَا إخْوَةٌ أَوْ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ ابْنُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا دَافِعٌ فَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ ، وَهَذَا لِأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ ذَاتَ أَهْلٍ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِمْ وِلَادَتُهَا ، فَمَتَى ادَّعَتْ وَلَدًا لَا يَعْرِفُونَهُ ، فَالظَّاهِرُ كَذِبُهَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقْبَلَ دَعْوَاهَا مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لَهُ ، فَأَشْبَهَتْ الرَّجُلَ .

( 3893 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَدِمَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ ، وَمَعَهَا طِفْلٌ ، فَأَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ ، لَحِقَهُ ؛ لِوُجُودِ الْإِمْكَانِ ، وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ أَرْضَهُمْ ، أَوْ دَخَلَتْ هِيَ دَارَ الْإِسْلَامِ وَوَطِئَهَا ، وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا ، بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ غَيْبَتِهِ ، لَحِقَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قُدُومٌ إلَيْهَا ، وَلَا عُرِفَ لَهَا خُرُوجٌ مِنْ بَلَدِهَا .

( 3894 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ ، لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِزَوْجِيَّةِ أُمِّهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا كَانَتْ مَشْهُورَةً بِالْحُرِّيَّةِ ، كَانَ مُقِرًّا بِزَوْجِيَّتِهَا ؛ لِأَنَّ أَنْسَابَ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْوَالَهُمْ يَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى الصِّحَّةِ ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْهُ مِنْهُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ .
وَلَنَا ، أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ لَيْسَتْ مُقْتَضَى لَفْظِهِ وَلَا مَضْمُونِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً بِالْحُرِّيَّةِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ النَّسَبَ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ ، وَقَدْ يُلْحَقُ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالشُّبْهَةِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِحُكْمِ إقْرَارِهِ ، مَا لَمْ يَتَضَمَّنْهُ لَفْظُهُ ، وَلَمْ يُوجِبْهُ .

( 3895 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لَهُ أَمَةٌ لَهَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ ، لَا زَوْجَ لَهَا ، وَلَا أَقَرَّ بِوَطْئِهَا ، فَقَالَ : أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي .
فَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ ، وَيُطَالَبُ بِالْبَيَانِ ، فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمْ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَحُرِّيَّتُهُ ، ثُمَّ يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيلَادِ ، فَإِنْ قَالَ : كَانَ بِنِكَاحٍ .
فَعَلَى الْوَالِدِ الْوَلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَسَّهُ رِقٌّ ، وَالْأُمُّ وَوَلَدَاهَا الْآخَرَانِ رَقِيقٌ قِنٌّ .
وَإِنْ قَالَ : اسْتَوْلَدْتهَا فِي مِلْكِي .
فَالْمُقَرُّ بِهِ حُرُّ الْأَصْلِ ، لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، وَالْأَمَةُ أُمُّ وَلَدٍ .
ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ الْأَكْبَرَ ، فَأَخَوَاهُ أَبْنَاءُ أُمِّ وَلَدٍ ، حُكْمُهُمَا حُكْمُهَا فِي الْعِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا .
وَإِنْ كَانَ الْأَوْسَطَ ، فَالْأَكْبَرُ قِنٌّ ، وَالْأَصْغَرُ لَهُ حُكْمُ أُمِّهِ ، وَإِنْ عَيَّنَ الْأَصْغَرَ ، فَأَخَوَاهُ رَقِيقٌ قِنٌّ ؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ ، وَإِنْ قَالَ : هُوَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ .
فَالْوَلَدُ حُرُّ الْأَصْلِ ، وَأَخَوَاهُ مَمْلُوكَانِ ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ ، أَخَذَ وَرَثَتُهُ بِالْبَيَانِ ، وَيَقُومُ بَيَانُهُمْ مَقَامَ بَيَانِهِ ، فَإِنْ بَيَّنُوا النَّسَبَ وَلَمْ يُبَيِّنُوا الِاسْتِيلَادَ ، ثَبَتَ النَّسَبُ وَحُرِّيَّةُ الْوَلَدِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِلْأُمِّ وَلَا لِوَلَدَيْهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنُوا النَّسَبُ ، وَقَالُوا : لَا نَعْرِفُ ذَلِكَ ، وَلَا الِاسْتِيلَادَ ، فَإِنَّا نُرِيه الْقَافَةَ ، فَإِنْ أَلْحَقُوا بِهِ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَلْحَقْنَاهُ ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ لِغَيْرِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَافَةٌ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ، فَمَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ عَتَقَ وَوَرِثَ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُوَرِّثُهُ بِالْقُرْعَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ حُرٌّ اسْتَنَدَتْ حُرِّيَّتُهُ إلَى إقْرَارِ أَبِيهِ بِهِ ، فَوَرِثَ ، كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ فِي إقْرَارِهِ .

( 3896 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لَهُ أَمَتَانِ ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ ، فَقَالَ : أَحَدُ هَذَيْنِ وَلَدِي مِنْ أَمَتِي .
نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ يُمْكِنُ إلْحَاقُ الْوَلَدِ بِهِ ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ ، وَأُلْحِقَ الْوَلَدَانِ بِالزَّوْجَيْنِ .
وَإِنْ كَانَ لِإِحْدَاهُمَا زَوْجٌ دُونَ الْأُخْرَى ، انْصَرَفَ الْإِقْرَارُ إلَى وَلَدِ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ ، وَلَكِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِوَطْئِهِمَا ، صَارَتَا فِرَاشًا ، وَلَحِقَ وَلَدَاهُمَا بِهِ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يُولَدَا بَعْدَ وَطْئِهِ ، وَإِنْ أَمْكَنَ فِي إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، انْصَرَفَ الْإِقْرَارُ إلَى مَنْ أَمْكَنَ ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ حُكْمًا .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، صَحَّ إقْرَارُهُ وَثَبَتَتْ حُرِّيَّةُ الْمُقَرِّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِنَسَبٍ صَغِيرٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ مَعَ الْإِمْكَانِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ ، فَلَحِقَهُ نَسَبُهُ ، ثُمَّ يُكَلَّفُ الْبَيَانَ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ ، فَإِذَا بَيَّنَ قُبِلَ بَيَانُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إلَيْهِ ، ثُمَّ يُطَالَبُ بِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوِلَادَةِ ، فَإِنْ قَالَ : اسْتَوْلَدْتهَا فِي مِلْكِي .
فَالْوَلَدُ حُرُّ الْأَصْلِ ، لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ .
وَإِنْ قَالَ : فِي نِكَاحٍ .
فَعَلَى الْوَلَدِ الْوَلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ مَسَّهُ رِقٌّ ، وَالْأَمَةُ قِنٌّ ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِمَمْلُوكٍ .
وَإِنْ قَالَ : بِوَطْءِ شُبْهَةٍ .
فَالْوَلَدُ حُرُّ الْأَصْلِ ، وَالْأَمَةُ قِنٌّ ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ فِي غَيْرِ مِلْكٍ .
وَإِنْ ادَّعَتْ الْأُخْرَى أَنَّهَا الَّتِي اسْتَوْلَدَهَا ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاسْتِيلَادِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَتْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إقْرَارِهِ بِشَيْءٍ ، فَإِذَا حَلَفَ رَقَّتْ وَرَقَّ وَلَدُهَا ، وَإِذَا مَاتَ وَرِثَهُ وَلَدُهُ الْمُقَرُّ بِهِ .
وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً قَدْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ عَتَقَتْ أَيْضًا ، وَإِنْ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ عَتَقَتْ عَلَى

وَلَدِهَا إنْ كَانَ هُوَ الْوَارِثَ وَحْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ عَتَقَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا مَلَكَ .
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْبَيَانِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي إلْحَاقِ النَّسَبِ وَغَيْرِهِ ، فَإِذَا بَيَّنَ كَانَ كَمَا لَوْ بَيَّنَ الْمَوْرُوثُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْوَارِثُ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِيلَادِ ، فَفِي الْأَمَةِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَكُونُ رَقِيقًا ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ الْأَصْلُ ، فَلَا يَزُولُ بِالِاحْتِمَالِ .
وَالثَّانِي يُعْتَقُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِوَلَدِهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ .
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ ، أَوْ كَانَ وَارِثٌ فَلَمْ يُعَيِّنْ ، عُرِضَ عَلَى الْقَافَةِ ، فَإِنْ أَلْحَقَتْ بِهِ أَحَدَهُمَا ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ، وَكَانَ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ عَيَّنَ الْوَارِثُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَافَةٌ ، أَوْ كَانَتْ فَلَمْ تَعْرِفْ ، أُقْرِعَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ ، فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ ؛ لِأَنَّ لِلْقُرْعَةِ مَدْخَلًا فِي إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ .
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ ثُبُوتُ نَسَبِهِ وَمِيرَاثِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَثْبُتُ نَسَبٌ وَلَا مِيرَاثٌ .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمِيرَاثِ ، فَقَالَ الْمُزَنِيّ : يُوقَفُ نَصِيبُ ابْنٍ ؛ لِأَنَّنَا تَيَقَّنَّا ابْنًا وَارِثًا .
وَلَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ : لَا يُوقَفُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى انْكِشَافُهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ ، وَيُسْتَسْعَى فِي بَاقِيهِ ، وَلَا يَرِثَانِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى مِثْلَ ذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَيَدْفَعَانِهِ فِي سِعَايَتِهِمَا .
وَالْكَلَامُ عَلَى قِسْمَةِ الْحُرِّيَّةِ وَالسِّعَايَةِ يَأْتِي فِي الْعِتْقِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 3897 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ ، لَزِمَهُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ ) .
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَارِثَ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى مَوْرُوثِهِ ، قُبِلَ إقْرَارُهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .
وَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمَيِّتُ قَبْلَ مَوْتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ تَرِكَةً ، لَمْ يُلْزَمْ الْوَارِثُ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ دَيْنِهِ إذَا كَانَ حَيًّا مُفْلِسًا ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَيِّتًا .
وَإِنْ خَلَفَ تَرِكَةً ، تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِهَا ، فَإِنْ أَحَبَّ الْوَارِثُ تَسْلِيمَهَا فِي الدَّيْنِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا ذَلِكَ ، وَإِنْ أَحَبَّ اسْتِخْلَاصَهَا وَإِيفَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْجَانِي .
وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا ، فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا .
وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، وَثَبَتَ الدَّيْنُ بِإِقْرَارِ الْمَيِّتِ ، أَوْ بَيِّنَةٍ ، أَوْ إقْرَارِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ، فَكَذَلِكَ .
وَإِذَا اخْتَارَ الْوَرَثَةُ أَخْذَ التَّرِكَةِ وَقَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ .
وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمْ ، لَزِمَهُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ ، وَالْخِيرَةُ إلَيْهِ فِي تَسْلِيمِ نَصِيبِهِ فِي الدَّيْنِ أَوْ اسْتِخْلَاصِهِ .
وَإِذَا قَدَّرَهُ مِنْ الدَّيْنِ ، فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ ، لَزِمَهُ النِّصْفُ ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً ، فَعَلَيْهِ الثُّلُثُ .
وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْحَكَمُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الدَّيْنِ ، أَوْ جَمِيعُ مِيرَاثِهِ .
وَهَذَا آخِرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ رَجَعَ إلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ كَقَوْلِنَا ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَارِثُ مِنْهَا إلَّا مَا فَضَلَ مِنْ الدَّيْنِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى

بِهَا أَوْ دَيْنٍ } .
وَلِأَنَّهُ يَقُولُ : مَا أَخَذَهُ الْمُنْكِرُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ .
فَكَانَ غَاصِبًا ، فَتَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِمَا بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ أَجْنَبِيٌّ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْمِيرَاثِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدَّيْنِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَخُوهُ ، وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ يَتَعَلَّقُ بِحِصَّتِهِ وَحِصَّةِ أَخِيهِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا مَا يَخُصُّهُ ، كَالْإِقْرَارِ بِالْوَصِيَّةِ ، وَإِقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ ، أَوْ قَوْلِ الْمَيِّتِ ، أَوْ إقْرَارِ الْوَارِثِينَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا نِصْفُهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِإِقْرَارِهِ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ ، كَالْوَصِيَّةِ ، وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُ بِالدَّيْنِ مَعَ غَيْرِهِ تُقْبَلُ ، وَلَوْ لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْ حِصَّتِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا .

( 3898 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى رَجُلَانِ دَارًا بَيْنَهُمَا ، مَلَكَاهَا بِسَبَبٍ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَا : وَرِثْنَاهَا أَوْ ابْتَعْنَاهَا مَعًا .
فَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنِصْفِهَا لَأَحَدِهِمَا ، فَذَلِكَ لَهُمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُمَا اعْتَرَفَا أَنَّ الدَّارَ لَهُمَا مُشَاعَةً ، فَإِذَا غَصَبَ غَاصِبٌ نِصْفَهَا ، كَانَ مِنْهُمَا ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا ادَّعَيَا شَيْئًا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ ، بَلْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا ، فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِمَا ادَّعَاهُ ، لَمْ يُشَارِكْهُ الْآخَرُ ، وَكَانَ عَلَى خُصُومَتِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْتَرِفَا بِالِاشْتِرَاكِ ، فَإِنْ أَقَرَّ لَأَحَدِهِمَا بِالْكُلِّ ، وَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ يَعْتَرِفُ لِلْآخَرِ بِالنِّصْفِ ، سَلَّمَهُ إلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ ، وَجَبَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ ، إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ قَدْ اعْتَرَفَ لَهُ بِهَا ، فَصَارَ بِمَنْزِلَتِهِ ، فَيَثْبُتُ لِمَنْ يُقِرُّ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اعْتَرَفَ لِلْآخَرِ ، وَادَّعَى جَمِيعَهَا أَوْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ ، فَهُوَ لَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَمْلِكُ جَمِيعَهَا وَلَمْ يَدَّعِ إلَّا نِصْفَهَا ؟ قُلْنَا : لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى ، بَلْ مَتَى أَقَرَّ الْإِنْسَانُ بِشَيْءٍ فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، ثَبَتَ ، وَقَدْ وُجِدَ التَّصْدِيقُ هَاهُنَا فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ دَعْوَاهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اقْتَصَرَ عَلَى دَعْوَى أَلْفٍ ؛ لِأَنَّ لَهُ حُجَّةً بِهِ ، أَوْ لِأَنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ قَدْ اعْتَرَفَ لَهُ بِهِ ، فَادَّعَى النِّصْفَ الَّذِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ .
فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي إقْرَارِهِ بِالنِّصْفِ الَّذِي لَمْ يَدَّعِهِ ، وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ لِلْآخَرِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا : يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ لِمَنْ لَا يَدَّعِيه .
الثَّانِي ، يَنْزِعُهُ الْحَاكِمُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَثْبُتَ لِمُدَّعِيهِ ، وَيُؤْجِرُهُ ، وَيَحْفَظُ أُجْرَتَهُ لِمَالِكِهِ .
وَالثَّالِثُ ، يُدْفَعُ إلَى

مُدَّعِيه لِعَدَمِ الْمُنَازِعِ فِيهِ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا .

( 3899 ) .
مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَكُلُّ مَنْ قُلْت : الْقَوْلُ قَوْلُهُ .
فَلِخَصْمِهِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ) يَعْنِي فِي هَذَا الْبَابِ وَفِيمَا أَشْبَهَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : عِنْدِي أَلْفٌ .
ثُمَّ قَالَ : وَدِيعَةً .
أَوْ قَالَ : عَلَيَّ .
ثُمَّ قَالَ : وَدِيعَةً .
أَوْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي رَهْنٌ .
فَقَالَ الْمَالِكُ : وَدِيعَةٌ .
وَمِثْلُ الشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ وَالْمُنْكِرِ لِلدَّعْوَى ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ أَوْ قَدْرِهِ ، أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي الرَّهْنُ بِهِ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا ، فَكُلُّ مَنْ قُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ .
فَعَلَيْهِ لِخَصْمِهِ الْيَمِينُ .
لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَلِأَنَّ الْيَمِينَ يُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ ظَهَرَ صِدْقُهُ ، وَقَوِيَ جَانِبُهُ ، تَقْوِيَةً لِقَوْلِهِ وَاسْتِظْهَارًا ، وَاَلَّذِي جُعِلَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ كَذَلِكَ ، فَيَجِبُ أَنْ تُشْرَعَ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ .
( 3900 ) فَصْلٌ : إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ وَأُقْبِضَ الْهِبَةَ ، أَوْ رَهَنَ وَأُقْبِضَ ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ ، أَوْ أَجْرَ الْمُسْتَأْجَرِ ، ثُمَّ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَسَأَلَ إحْلَافَ خَصْمِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُسْتَحْلَفُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ دَعْوَاهُ تَكْذِيبٌ لِإِقْرَارِهِ ، فَلَا تُسْمَعُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْمُضَارِبُ أَنَّهُ رَبِحَ أَلْفًا ، ثُمَّ قَالَ : غَلِطْت .
وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ ، وَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ فَقَالَ : أَحْلِفُوهُ لِي مَعَ بَيِّنَتِهِ .
لَمْ يُسْتَحْلَفْ ، كَذَا هَاهُنَا .
وَالثَّانِيَةُ ، يُسْتَحْلَفُ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِالْإِقْرَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ مَا قَالَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحْلَفَ خَصْمُهُ لِنَفْيِ الِاحْتِمَالِ .
وَيُفَارِقُ الْإِقْرَارُ الْبَيِّنَةَ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ

بِالْإِقْرَارِ بِالْقَبْضِ قَبْلَهُ ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْقَبْضِ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ شَهَادَةَ زُورٍ .
وَالثَّانِي ، أَنَّ إنْكَارَهُ مَعَ الشَّهَادَةِ طَعْنٌ فِي الْبَيِّنَةِ ، وَتَكْذِيبٌ لَهَا ، وَفِي الْإِقْرَارِ بِخِلَافِهِ .
وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " غَيْرَ هَذَا الْوَجْهِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ اقْتَرَضَ مِنْهُ أَلْفًا وَقَبَضَهَا ، أَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ .
ثُمَّ قَالَ : مَا كُنْت قَبَضْتهَا ، وَإِنَّمَا أَقْرَرْت لِأَقْبِضَهَا .
فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ .
وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَقَرَّ بِقَبْضِ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ وَكِيلِهِ وَظَنِّهِ ، وَالشَّهَادَةُ لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى الْيَقِينِ .
فَأَمَّا إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَهُ طَعَامًا ، ثُمَّ قَالَ : مَا أَقْبَضْتُكَهُ .
وَقَالَ الْمُتَّهِبُ : بَلْ أَقْبَضْتنِيهِ .
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ .
وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ ، فَقَالَ : أَقْبَضْتنِيهَا .
فَقَالَ : بَلْ أَخَذْتهَا مِنِّي بِغَيْرِ إذْنِي .
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ .
وَإِنْ كَانَتْ حِينَ الْهِبَةِ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ ، لَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ الْوَاهِبِ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِيهَا .
وَعَلَى مَنْ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُهُ .
مِنْهُمَا الْيَمِينُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .

( 3901 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْإِقْرَارُ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، كَالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ ، إذَا كَانَ لِغَيْرِ وَارِثٍ ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ لِغَيْرِ الْوَارِثِ جَائِزٌ .
وَحَكَى أَصْحَابُنَا رِوَايَةً أُخْرَى ؛ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، أَشْبَهَ الْإِقْرَارَ لِوَارِثِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ عَطِيَّةِ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ ، كَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ عَطِيَّةِ الْوَارِثِ ، فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا لَا يَمْلِكُ عَطِيَّتَهُ ، بِخِلَافِ الثُّلُثِ فَمَا دُونَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ ، فَقُبِلَ ، كَالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ ، وَإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ ، وَتَحَرِّي الصِّدْقِ ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ .
وَفَارَقَ الْإِقْرَارَ لِلْوَارِثِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .
.

( 3902 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فِي صِحَّتِهِ ، وَفِي الْمَالِ سَعَةٌ لَهُمَا ، فَهُمَا سَوَاءٌ ، وَإِنْ ضَاقَ عَنْ قَضَائِهِمَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ التَّمِيمِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبُ قَضَاؤُهُمَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، لَمْ يَخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ ، فَاسْتَوَيَا ، كَمَا لَوْ ثَبَتَا بِبَيِّنَةٍ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يُحَاصَّ غُرَمَاءُ الصِّحَّةِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِنَصِّ أَحْمَدَ فِي الْمُفْلِسِ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ ، يَبْدَأُ بِالدَّيْنِ الَّذِي بِالْبَيِّنَةِ .
وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْي ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِتَرِكَتِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُشَارِكَ الْمُقَرُّ لَهُ مَنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِبَيِّنَةٍ ، كَغَرِيمِ الْمُفْلِسِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِمَالِهِ ، مَنْعُهُ مِنْ التَّبَرُّعِ وَمِنْ الْإِقْرَارِ لَوَارِثٍ ؛ وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَا تَنْفُذُ هِبَاتُهُ وَتَبَرُّعَاتُهُ ، فَلَمْ يُشَارِكْ مَنْ أَقَرَّ لَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ ، وَمَنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِبَيِّنَةٍ ، كَاَلَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْمُفْلِسُ .
وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا فِي الْمَرَضِ ، تَسَاوَيَا ، وَلَمْ يُقَدَّمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْحَالِ ، فَأَشْبَهَا غَرِيمَيْ الصِّحَّةِ .
"

( 3903 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ ، لَمْ يَلْزَمْ بَاقِي الْوَرَثَةِ قَبُولُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ) وَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ ، وَأَبُو هَاشِمٍ ، وَابْنُ أُذَيْنَةَ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ : يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ فِي الصِّحَّةِ ، صَحَّ فِي الْمَرَضِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .
وَقَالَ مَالِكٌ يَصِحُّ إذَا لَمْ يُتَّهَمْ ، وَيَبْطُلُ إنْ اُتُّهِمَ ، كَمَنْ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ عَمٍّ ، فَأَقَرَّ لِابْنَتِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ ، وَإِنْ أَقَرَّ لِابْنِ عَمِّهِ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي أَنَّهُ يَزْوِي ابْنَتَهُ وَيُوصِلُ الْمَالَ إلَى ابْنِ عَمِّهِ ، وَعِلَّةُ مَنْعِ الْإِقْرَارِ التُّهْمَةُ ، فَاخْتَصَّ الْمَنْعُ بِمَوْضِعِهَا .
وَلَنَا أَنَّهُ إيصَالٌ لِمَالِهِ إلَى وَارِثِهِ بِقَوْلِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ رِضَى بَقِيَّةِ وَرَثَتِهِ ، كَهِبَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَهُ ، كَالصَّبِيِّ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ .
وَفَارَقَ الْأَجْنَبِيَّ ؛ فَإِنَّ هِبَتَهُ لَهُ تَصِحُّ .
وَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ التُّهْمَةَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا بِمَظِنَّتِهَا وَهُوَ الْإِرْثُ ، وَكَذَلِكَ اُعْتُبِرَ فِي الْوَصِيَّةِ وَالتَّبَرُّعِ وَغَيْرِهِمَا .

( 3904 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ دُونَهُ ، صَحَّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الشَّعْبِيَّ قَالَ : لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثٍ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ بِمَا تَحَقَّقَ سَبَبُهُ ، وَعُلِمَ وُجُودُهُ ، وَلَمْ تُعْلَمْ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ ، فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّهِ .
وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى مِنْ وَارِثِهِ شَيْئًا ، فَأَقَرَّ لَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ ، فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ .
وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِدَيْنٍ سِوَى الصَّدَاقِ ، لَمْ يُقْبَلْ .
وَإِنْ أَقَرَّ لَهَا ، ثُمَّ أَبَانَهَا ، ثُمَّ رَجَعَ تَزَوَّجَهَا ، وَمَاتَ فِي مَرَضِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ لَهَا .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ إلَى حَالٍ لَا يُتَّهَمُ فِيهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ ثُمَّ بَرَأَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُبِنْهَا ، وَفَارَقَ مَا إذَا صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَرَضَ الْمَوْتِ .

( 3905 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ ، فَصَارَ غَيْرَ وَارِثٍ كَرَجُلٍ أَقَرَّ لِأَخِيهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَهُ .
وَإِنْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا ، صَحَّ إقْرَارُهُ لَهُ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا أَقَرَّ لِامْرَأَةِ بِدَيْنٍ فِي الْمَرَضِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، جَازَ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ .
وَحُكِيَ لَهُ قَوْلُ سُفْيَانَ فِي رَجُلٍ لَهُ ابْنَانِ ، فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ ، ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ ، وَتَرَكَ ابْنًا ، وَالْأَبُ حَيٌّ ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ ، جَازَ إقْرَارُهُ .
فَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَجُوزُ .
وَبِهَذَا قَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى فِي الصُّورَتَيْنِ مُخَالِفَةً لِمَا قُلْنَا .
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ مَعْنَى يُعْتَبَرُ فِيهِ عَدَمُ الْمِيرَاثِ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهِ بِحَالَةِ الْمَوْتِ ، كَالْوَصِيَّةِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ قَوْلٌ تُعْتَبَرُ فِيهِ التُّهْمَةُ ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَ وُجُودِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، كَالشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ ، ثَبَتَ الْإِقْرَارُ ، وَصَحَّ ؛ لِوُجُودِهِ مِنْ أَهْلِهِ خَالِيًا عَنْ تُهْمَةٍ ، فَيَثْبُتُ الْحَقُّ بِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ مُسْقِطٌ لَهُ ، فَلَا يَسْقُطُ .
وَإِذَا أَقَرَّ لِوَارِثٍ ، وَقَعَ بَاطِلًا ؛ لِاقْتِرَانِ التُّهْمَةِ بِهِ ، فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ الْمِيرَاثُ .
وَإِنْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ ، صَحَّ ، وَاسْتَمَرَّ ، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ عَدَمُ الْإِرْثِ .
أَمَّا الْوَصِيَّةُ ، فَإِنَّهَا عَطِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهَا حَالَةُ الْمَوْتِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .

( 3906 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ ، بَطَلَ فِي حَقِّ الْوَارِثِ ، وَصَحَّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بَعْضَهَا ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْكُلِّ ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ لِابْنِهِ وَأَجْنَبِيٍّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ أَقَرَّ لَهُمَا بِدَيْنٍ مِنْ الشَّرِكَةِ ، فَاعْتَرَفَ الْأَجْنَبِيُّ بِالشَّرِكَةِ ، صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُمَا ، وَإِنْ جَحَدَهَا ، صَحَّ لَهُ دُونَ الْوَارِثِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثِ وَأَجْنَبِيٍّ ، فَيَصِحُّ لِلْأَجْنَبِيِّ دُونَ الْوَارِثِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِلَفْظَيْنِ ، أَوْ كَمَا لَوْ جَحَدَ الْأَجْنَبِيُّ الشَّرِكَةَ .
وَيُفَارِقُ الْإِقْرَارُ الشَّهَادَةَ ؛ لِقُوَّةِ الْإِقْرَارِ ، وَلِذَلِكَ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ .
وَلَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ لَهُ فِيهِ نَفْعٌ ، كَالْإِقْرَارِ بِنَسَبٍ مُوسِرٍ ، قُبِلَ .
وَلَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ يَتَضَمَّنُ دَعْوَى عَلَى غَيْرِهِ ، قُبِلَ فِيمَا عَلَيْهِ دُونَ مَا لَهُ .
كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : خَلَعْتُك عَلَى أَلْفٍ .
بَانَتْ بِإِقْرَارِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِ الْعِوَضِ .
وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ : اشْتَرَيْت نَفْسَك مِنِّي بِأَلْفٍ .
فَكَذَلِكَ .

( 3907 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِوَارِثٍ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .
وَالْأُخْرَى ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثٍ ، فَأَشْبَهَ الْإِقْرَارَ لَهُ بِمَالٍ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِقْرَارِ غَيْرُ وَارِثٍ ، فَصَحَّ .
كَمَا لَوْ لَمْ يَصِرْ وَارِثًا ، وَيُمْكِنُ بِنَاءُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا إذَا أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا ، فَمَنْ صَحَّحَ الْإِقْرَارَ ثَمَّ ، صَحَّحَهُ هَاهُنَا ، وَمَنْ أَبْطَلَهُ ، أَبْطَلَهُ .
وَإِنْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ ، فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ ، وَهُوَ أَقْرَبُ عُصْبَته ، عَتَقَ ، وَلَمْ يَرِثْهُ ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يُوجِبُ إبْطَالَ الْإِقْرَارِ بِحُرِّيَّتِهِ ، وَإِذَا بَطَلَتْ الْحُرِّيَّةُ سَقَطَ الْإِرْثُ ، فَصَارَ تَوْرِيثُهُ سَبَبًا إلَى إسْقَاطِ تَوْرِيثِهِ ، فَأَسْقَطْنَا التَّوْرِيثَ وَحْدَهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرِثَ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْإِقْرَارِ غَيْرُ وَارِثٍ ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ لَهُ ، كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا .

( 3908 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ مِنْ الْمَرِيضِ بِإِحْبَالِ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ .
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا مَلَكَهُ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ .
فَإِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فِي مِلْكِهِ ، فَوَلَدُهُ حُرُّ الْأَصْلِ ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ ، تَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ .
وَإِنْ قَالَ : مِنْ نِكَاحِهِ ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ .
لَمْ تَصِرْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ وَعَتَقَ الْوَلَدُ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ نِكَاحٍ فَعَلَيْهِ الْوَلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ مَسَّهُ رِقٌّ ، وَإِنْ قَالَ : مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ .
لَمْ تَصِرْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ .
وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ السَّبَبُ ، فَالْأَمَةُ مَمْلُوكَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ ، وَلَمْ يَثْبُتْ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِيلَادُهَا فِي مِلْكِهِ ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ ، وَالْوِلَادَةُ مَوْجُودَةٌ ، وَلَا وَلَاءَ عَلَى الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ .

( 3909 ) فَصْلٌ : فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْإِقْرَارُ ، إذَا قَالَ : لَهُ عَلَى أَلْفٌ .
أَوْ قَالَ لَهُ : لِي عَلَيْك أَلْفٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، أَوْ أَجَلْ ، أَوْ صَدَقْت ، أَوْ لَعَمْرِي ، أَوْ أَنَا مُقِرٌّ بِهِ ، أَوْ بِمَا ادَّعَيْت ، أَوْ بِدَعْوَاك .
كَانَ مُقِرًّا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وُضِعَتْ لِلتَّصْدِيقِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ } .
وَإِنْ قَالَ : أَلَيْسَ لِي عِنْدَك أَلْفٌ ؟ قَالَ : بَلَى .
كَانَ إقْرَارًا صَحِيحًا ؛ لِأَنَّ بَلَى جَوَابٌ لِلسُّؤَالِ بِحَرْفِ النَّفْيِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } .
وَإِنْ قَالَ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ فِي عِلْمِي ، أَوْ فِيمَا أَعْلَمُ .
كَانَ مُقِرًّا بِهِ ، لِأَنَّ مَا فِي عِلْمِهِ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الْوُجُوبَ .
وَإِنْ قَالَ : اقْضِنِي الْأَلْفَ الَّذِي لِي عَلَيْك .
قَالَ : نَعَمْ .
كَانَ مُقِرًّا بِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَصْدِيقٌ لِمَا ادَّعَاهُ .
وَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ عَبْدِي هَذَا .
أَوْ أَعْطِنِي عَبْدِي هَذَا .
فَقَالَ : نَعَمْ .
كَانَ إقْرَارًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَإِنْ قَالَ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
كَانَ مُقِرًّا بِهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ بِإِقْرَارٍ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ إقْرَارَهُ عَلَى شَرْطٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ زَيْدٍ ، وَلِأَنَّ مَا عَلَّقَ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يَرْفَعُهُ كُلَّهُ ، وَلَا يَصْرِفُهُ إلَى غَيْرِ الْإِقْرَارِ ، فَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَبَطَلَ مَا وَصَلَهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَلْفًا .
وَلِأَنَّهُ عَقَّبَ الْإِقْرَارَ بِمَا لَا يُفِيدُ حُكْمًا آخَرَ ، وَلَا يَقْتَضِي رَفْعَ الْحُكْمِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ .
صَحَّ الْإِقْرَارُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ ، ثُمَّ عَلَّقَ رَفْعَ الْإِقْرَارِ عَلَى أَمْرٍ لَا

يُعْلَمُ ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ .
وَإِنْ قَالَ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ ، إنْ شِئْت ، أَوْ إنْ شَاءَ زَيْدٌ .
لَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بِمَا يَرْفَعُهُ ، فَصَحَّ الْإِقْرَارُ دُونَ مَا يَرْفَعُهُ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ يُمْكِنُ عِلْمُهُ .
فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ، إنْ شَهِدَ بِهَا فُلَانٌ .
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ بِحَقٍّ سَابِقٍ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ .
وَيُفَارِقُ التَّعْلِيقَ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى تُذْكَرُ فِي الْكَلَامِ تَبَرُّكًا وَصِلَةً وَتَفْوِيضًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، لَا لِلِاشْتِرَاطِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ } .
وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ سَيَدْخُلُونَ بِغَيْرِ شَكٍّ .
وَيَقُولُ النَّاسُ : صَلَّيْنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
مَعَ تَيَقُّنِهِمْ صَلَاتَهُمْ ، بِخِلَافِ مَشِيئَةِ الْآدَمِيِّ .
الثَّانِي ، أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُعْلَمُ إلَّا بِوُقُوعِ الْأَمْرِ ، فَلَا يُمْكِنُ وَقْفُ الْأَمْرِ عَلَى وُجُودِهَا ، وَمَشِيئَةُ الْآدَمِيِّ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهَا ، فَيُمْكِنُ جَعْلُهَا شَرْطًا .
يَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ عَلَى وُجُودِهَا ، وَالْمَاضِي لَا يُمْكِنُ وَقْفُهُ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ هَاهُنَا عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ ، فَيَكُونُ وَعْدًا لَا إقْرَارًا .
وَإِنْ قَالَ : بِعْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، أَوْ زَوَّجْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا لَا أَعْلَمُ خِلَافًا عَنْهُ فِي أَنَّهُ إذَا قِيلَ لَهُ : قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
أَنَّ النِّكَاحَ وَقَعَ بِهِ .
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك بِأَلْفٍ إنْ شِئْت .
فَقَالَ : قَدْ شِئْت وَقَبِلْت .
صَحَّ ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مِنْ مُوجِبِ الْعَقْدِ وَمُقْتَضَاهُ ، فَإِنَّ الْإِيجَابَ إذَا وُجِدَ مِنْ الْبَائِعِ كَانَ الْقَبُولُ

إلَى مَشِيئَةِ الْمُشْتَرِي وَاخْتِيَارِهِ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفَانِ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ .
لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِهَا فِي الْحَالِ ، وَمَا لَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ ، لَا يَصِيرُ وَاجِبًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ .
وَإِنْ قَالَ : إنْ شَهِدَ فُلَانٌ عَلَيَّ لَك بِأَلْفٍ صَدَّقْته .
لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَدِّقَ الْكَاذِبَ .
وَإِنْ قَالَ : إنْ شَهِدَ بِهَا فُلَانٌ فَهُوَ صَادِقٌ .
احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ إقْرَارًا ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ ، فَأَشْبَهَتْ الَّتِي قَبْلَهَا .
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إقْرَارًا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ صِدْقُهُ إذَا شَهِدَ بِهَا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً فِي الْحَالِ ، وَقَدْ أَقَرَّ بِصِدْقِهِ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شَهِدَ بِهَا فُلَانٌ .
لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ .
( 3910 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لِي عَلَيْك أَلْفٌ .
فَقَالَ : أَنَا أُقِرُّ .
لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ بِالْإِقْرَارِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .
وَإِنْ قَالَ : لَا أُنْكِرُ .
لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِنْكَارِ الْإِقْرَارُ ، فَإِنَّ بَيْنَهُمَا قِسْمًا آخَرَ ، وَهُوَ السُّكُوتُ عَنْهُمَا .
وَإِنْ قَالَ : لَا أُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ مُحِقًّا .
لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ؛ لِذَلِكَ .
وَإِنْ قَالَ : أَنَا مُقِرٌّ .
وَلَمْ يَزِدْ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيبَ الدَّعْوَى ، فَيَنْصَرِفُ إلَيْهَا .
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَقْرَرْت .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا } وَلَمْ يَقُولُوا أَقْرَرْنَا بِذَلِكَ وَلَا زَادُوا عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْهُمْ إقْرَارًا .
وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ مُقِرًّا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُرِيدَ : أَنَا مُقِرٌّ بِالشَّهَادَةِ أَوْ بِبُطْلَانِ دَعْوَاك وَإِنْ قَالَ لَعَلَّ أَوْ عَسَى لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا لِأَنَّهُمَا لِلتَّرَجِّي ، وَإِنْ قَالَ : أَظُنُّ أَوْ أَحْسَبُ أَوْ أُقَدِّرُ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ

تُسْتَعْمَلُ لِلشَّكِّ ، وَإِنْ قَالَ : خُذْ ، أَوْ اتَّزِنْ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ : خُذْ الْجَوَابَ ، أَوْ اتَّزِنْ شَيْئًا آخَرَ ، وَإِنْ قَالَ : خُذْهَا ، أَوْ اتَّزِنْهَا ، أَوْ هِيَ صِحَاحٌ .
فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا لَيْسَ بِإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَرْجِعُ إلَى الْمُدَّعِي ، وَلَمْ يُقِرَّ بِوُجُوبِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا يَدَّعِيه مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، فَأَمْرُهُ بِأَخْذِهَا أَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْهُ الْوُجُوبُ .
وَالثَّانِي ، يَكُونُ إقْرَارًا ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ .
أَوْ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَلَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ .
فَقَالَ أَصْحَابُنَا : الْأَوَّلُ إقْرَارٌ ، وَالثَّانِي لَيْسَ بِإِقْرَارٍ .
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِمَا لَا يَقْتَضِي رَفْعَهُ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ .
يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَحَلَّ ، فَلَا يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ ، وَفِي الثَّانِي بَدَأَ بِالشَّرْطِ فَعَلَّقَ عَلَيْهِ لَفْظًا يَصْلُحُ لِلْإِقْرَارِ وَيَصْلُحُ لِلْوَعْدِ ، فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا مَعَ الِاحْتِمَالِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وَتَأْخِيرَهُ سَوَاءٌ ، فَيَكُونُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَجْهَانِ .
.

كِتَابُ الْعَارِيَّةِ ( 3911 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهَا الْمُسْتَعِيرُ ) الْعَارِيَّةُ : إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِ .
مُشْتَقَّةٌ مِنْ عَارَ الشَّيْءُ : إذَا ذَهَبَ وَجَاءَ .
وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَطَّالِ : عِيَارٌ ؛ لِتَرَدُّدِهِ فِي بَطَالَتِهِ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : أَعَارَهُ ، وَعَارَهُ .
مِثْلُ أَطَاعَهُ ، وَطَاعَهُ .
وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } .
رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا : الْعَوَارِيُّ .
وَفَسَّرَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ : الْقِدْرُ وَالْمِيزَانُ وَالدَّلْوُ .
وَأُمًّا السُّنَّةُ ، فَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَةِ عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ : { الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ ، وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ } .
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرُعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ ، فَقَالَ : أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ : بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْعَارِيَّةِ وَاسْتِحْبَابِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ هِبَةُ الْأَعْيَانِ ، جَازَتْ هِبَةُ الْمَنَافِعِ ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِالْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ جَمِيعًا .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْعَارِيَّةَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقِيلَ : هِيَ وَاجِبَةٌ ؛ لِلْآيَةِ ، وَلَمَّا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا .
الْحَدِيثَ .
قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَمَا حَقُّهَا ؟ قَالَ : إعَارَةُ دَلْوِهَا ، وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا ، وَمِنْحَةُ لَبَنِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا } .
فَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَانِعَ الْعَارِيَّةِ ، وَتَوَعَّدَهُ

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذَكَرَ فِي خَبَرِهِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ : { إذَا أَدَّيْت زَكَاةَ مَالِكَ ، فَقَدْ قَضَيْت مَا عَلَيْك } .
رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ } .
وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ { الَّذِي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ ؟ قَالَ : الزَّكَاةُ .
فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا .
أَوْ كَمَا قَالَ } .
وَالْآيَةُ فَسَّرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِالزَّكَاةِ ، وَكَذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : إذَا جَمَعَ ثَلَاثَتَهَا فَلَهُ الْوَيْلُ ، إذَا سَهَا عَنْ الصَّلَاةِ ، وَرَاءَى ، وَمَنَعَ الْمَاعُونَ .
وَيَجِبُ رَدُّ الْعَارِيَّةِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً .
بِغَيْرِ خِلَافٍ .
وَيَجِبُ ضَمَانُهَا إذَا كَانَتْ تَالِفَةً ، تَعَدَّى فِيهَا الْمُسْتَعِيرُ أَوْ لَمْ يَتَعَدَّ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ : هِيَ أَمَانَةٌ لَا يَجِبُ ضَمَانُهَا إلَّا بِالتَّعَدِّي ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ، ضَمَانٌ } .
وَلِأَنَّهُ قَبَضَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا ، فَكَانَتْ أَمَانَةً ، كَالْوَدِيعَةِ .
قَالُوا : وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ } .
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا } .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ : { بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ } .
وَرَوَى الْحَسَنُ ، عَنْ سَمُرَةَ ، عَنْ

النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .
وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَلِأَنَّهُ أَخَذَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ ، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ ، وَلَا إذْنٍ فِي الْإِتْلَافِ ، فَكَانَ مَضْمُونًا كَالْغَصْبِ ، وَالْمَأْخُوذِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ .
وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيه عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّانٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَعُمَرُ وَعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ .
قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ ضَمَانَ الْمَنَافِعِ وَالْأَجْزَاءِ ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ .

( 3912 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَ الضَّمَانِ ، لَمْ يَسْقُطْ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ : يَسْقُطُ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالْعَنْبَرِيِّ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ فِي إتْلَافِهَا لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا ، فَكَذَلِكَ إذَا أَسْقَطَ عَنْهُ ضَمَانَهَا .
وَقِيلَ : بَلْ مَذْهَبُ قَتَادَةَ وَالْعَنْبَرِيِّ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ضَمَانَهَا فَيَجِبُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَفْوَانَ : { بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ } .
وَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ ، لَمْ يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ ، كَالْمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ ، وَمَا اقْتَضَى الْأَمَانَةَ ، فَكَذَلِكَ ، كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ ، وَاَلَّذِي كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخْبَارٌ بِصِفَةِ الْعَارِيَّةِ وَحُكْمِهَا .
وَفَارَقَ مَا إذَا أَذِنَ فِي الْإِتْلَافِ ، فَإِنَّ الْإِتْلَافَ فِعْلٌ يَصِحُّ الْإِذْنُ فِيهِ ، وَيَسْقُطُ حُكْمُهُ ، إذْ لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ مَعَ الْإِذْنِ فِيهِ ، وَإِسْقَاطُ الضَّمَانِ هَاهُنَا نَفْيٌ لِلْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْمَالِكِ ، وَلَا يَمْلِكُ الْإِذْنَ فِيهِ .

( 3913 ) فَصْلٌ : وَإِذَا انْتَفَعَ بِهَا ، وَرَدَّهَا عَلَى صِفَتِهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَأْذُونٌ فِي إتْلَافِهَا ، فَلَا يَجِبُ عِوَضُهَا .
وَإِنْ تَلِفَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا الَّتِي لَا تَذْهَبُ بِالِاسْتِعْمَالِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّ مَا ضَمِنَ جُمْلَتُهُ ضَمِنَتْ أَجْزَاؤُهُ ، كَالْمَغْصُوبِ .
وَأَمَّا أَجْزَاؤُهَا الَّتِي تَذْهَبُ بِالِاسْتِعْمَالِ ، كَحَمْلِ الْمِنْشَفَةِ وَالْقَطِيفَةِ ، وَخُفِّ الثَّوْبِ يَلْبَسُهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجِبُ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهَا أَجْزَاءُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٌ ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً ، وَلِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ يَجِبُ ضَمَانُهَا لَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا ، فَتُضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ وَحْدَهَا ، كَسَائِرِ الْأَجْزَاءِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَضْمَنُهَا .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الِاسْتِعْمَالِ تَضَمَّنَهُ ، فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهُ ، كَالْمَنَافِعِ ، وَكَمَا لَوْ أَذِنَ فِي إتْلَافِهَا صَرِيحًا .
وَفَارَقَ مَا إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزهَا مِنْ الْعَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي إتْلَافِهَا عَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ ، فَإِذَا تَلِفَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَلِفَتْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَذِنَ فِيهِ ، فَضَمِنَهَا ، كَمَا لَوْ أَجَّرَ الْعَيْنَ الْمُسْتَعَارَةَ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَنَافِعَهَا .
فَإِذَا قُلْنَا : لَا يَضْمَنُ الْأَجْزَاءَ .
فَتَلِفَتْ الْعَيْنُ بَعْدَ ذَهَابِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ ، فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ حَالَ التَّلَفِ ؛ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ التَّالِفَةَ تَلِفَتْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ ، لِكَوْنِهَا مَأْذُونًا فِي إتْلَافِهَا ، فَلَا يَجُوزُ تَقْوِيمُهَا عَلَيْهِ .
وَإِنْ قُلْنَا : يَجِبُ ضَمَانُ الْأَجْزَاءِ .
قُوِّمَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ تَلَفِ أَجْزَائِهَا .
وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ ذَهَابِ أَجْزَائِهَا .
ضَمِنَهَا كُلَّهَا بِأَجْزَائِهَا .
وَكَذَلِكَ لَوْ تَلِفَتْ الْأَجْزَاءُ بِاسْتِعْمَالِ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ ، مِثْلُ أَنْ يُعِيرَهُ ثَوْبًا لِيَلْبَسهُ ، فَحَمَلَ فِيهِ تُرَابًا ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ

نَقْصَهُ وَمَنَافِعَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ .
وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلَا اسْتِعْمَالٍ ، كَتَلَفِهَا لِطُولِ الزَّمَانِ عَلَيْهَا وَوُقُوعِ نَارٍ عَلَيْهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ مَا تَلِفَ مِنْهَا بِالنَّارِ وَنَحْوِهَا ؛ لِأَنَّهُ تَلَفٌ لَمْ يَتَضَمَّنْهُ الِاسْتِعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ تَلَفَهَا بِفِعْلِ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ .
وَمَا تَلِفَ بِمُرُورِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ ، يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا تَلِفَ بِالِاسْتِعْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِالْإِمْسَاكِ الْمَأْذُونِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ تَلَفَهُ بِالْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ .

( 3914 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا وَلَدُ الْعَارِيَّةِ ، فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِعَارَةِ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الضَّمَانِ ، وَلَا فَائِدَةَ لِلْمُسْتَعِيرِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْوَدِيعَةَ ، وَيَضْمَنُهُ فِي الْآخَرَ ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ ، فَيَضْمَنُ ، كَوَلَدِ الْمَغْصُوبَةِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ وَلَدَ الْمَغْصُوبَةِ لَا يَضْمَنُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَغْصُوبًا .
وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْعَارِيَّةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَ أُمِّهِ .
وَإِنَّمَا يَضْمَنُ وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ إذَا كَانَ مَغْصُوبًا ، فَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ وَلَدًا لَهَا .
( 3915 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ ضَمَانُ الْعَيْنِ بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِثْلِيَّةً ، ضَمِنَهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا ، إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ ضَمَانُ الْأَجْزَاءِ التَّالِفَةِ بِالِانْتِفَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِقِيمَتِهَا قَبْلَ تَلَفِ أَجْزَائِهَا ، إنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا حِينَئِذٍ أَكْثَرَ ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ ، ضَمِنَهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا ، عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا .

( 3916 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً ، فَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ رَدُّهَا إلَى الْمُعِيرِ أَوْ وَكِيلِهِ فِي قَبْضِهَا ، وَيَبْرَأُ ذَلِكَ مِنْ ضَمَانِهَا .
وَإِنْ رَدَّهَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ ، أَوْ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ ضَمَانِهَا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْمَقْبُوضَةِ ، فَإِنَّ رَدَّ الْعَوَارِيِّ فِي الْعَادَةِ يَكُونُ إلَى أَمْلَاكِ أَرْبَابِهَا ، فَيَكُونُ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَادَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا إلَى مَالِكِهَا ، وَلَا نَائِبِهِ فِيهَا ، فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى أَجْنَبِيٍّ .
وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالسَّارِقِ إذَا رَدَّ الْمَسْرُوقَ إلَى الْحِرْزِ ، وَلَا تُعْرَفُ الْعَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا .
وَإِنْ رَدَّهَا إلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ ، كَزَوْجَتِهِ الْمُتَصَرِّفَةِ فِي مَالِهِ ، وَرَدِّ الدَّابَّةِ إلَى سَائِسِهَا ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَبْرَأُ .
قَالَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْوَدِيعَةِ : إذَا سَلَّمَهَا الْمُودِعُ إلَى امْرَأَتِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهَا .
وَلِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ عُرْفًا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أُذِنَ فِيهِ نُطْقًا .
وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ } .
وَقَوْلِهِ : { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ } .
وَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ ؛ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى رَدِّهَا إلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ رَدُّهُ ، لَزِمَ رَدُّهُ إلَى مَوْضِعِهِ ، كَالْمَغْصُوبِ .

فَصْلٌ : ( 3917 ) وَلَا تَصِحُّ الْعَارِيَّةِ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ ، فَأَشْبَهَ التَّصَرُّفَ بِالْبَيْعِ وَتُعْقَدُ بِكُلِّ فِعْلٍ أَوْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا ، مِثْلُ قَوْلِهِ : أَعَرْتُك هَذَا .
أَوْ يَدْفَعُ إلَيْهِ شَيْئًا ، وَيَقُولُ : أَبَحْتُك الِانْتِفَاعَ بِهِ .
أَوْ خُذْ هَذَا فَانْتَفِعْ بِهِ .
أَوْ يَقُولُ : أَعِرْنِي هَذَا .
أَوْ أَعْطِنِيهِ أَرْكَبْهُ أَوْ أَحْمِلْ عَلَيْهِ .
وَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ .
وَأَشْبَاهُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ لِلتَّصَرُّفِ ، فَصَحَّ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ بِقَوْلِهِ وَتَقْدِيمِهِ إلَى الضَّيْفِ .

فَصْلٌ : وَتَجُوزُ إعَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مَعَ بَقَائِهَا عَلَى الدَّوَامِ ، كَالدُّورِ ، وَالْعَقَارِ ، وَالْعَبِيدِ ، وَالْجَوَارِي ، وَالدَّوَابِّ ، وَالثِّيَابِ ، وَالْحُلِيِّ لِلُّبْسِ ، وَالْفَحْلِ لِلضِّرَابِ ، وَالْكَلْبِ لِلصَّيْدِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَارَ أَدْرُعًا ، وَذَكَرَ إعَارَةَ دَلْوِهَا وَفَحْلِهَا .
وَذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَارِيَّةَ الْقِدْرِ وَالْمِيزَانِ ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَمَا عَدَاهَا مَقِيسٌ عَلَيْهَا إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا ، وَلِأَنَّ مَا جَازَ لِلْمَالِكِ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْمَنَافِعِ ، مَلَكَ إبَاحَتَهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ كَالثِّيَابِ .
وَلِأَنَّهَا أَعْيَانٌ تَجُوزُ إجَارَتُهَا ، فَجَازَتْ إعَارَتُهَا ، كَالثِّيَابِ .
وَيَجُوزُ اسْتِعَارَةُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِيَزِنَ بِهَا ، فَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِيُنْفِقَهَا ، فَهَذَا قَرْضٌ .
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقِيلَ : لَيْسَ هَذَا جَائِزًا ، وَلَا تَكُونُ الْعَارِيَّةُ فِي الدَّنَانِيرِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا شَيْئًا .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مَعْنَى الْقَرْضِ ، فَانْعَقَدَ الْقَرْضُ بِهِ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ .

( 3919 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجُوزُ إعَارَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُ مِنْ اسْتِخْدَامِهِ ، فَلَمْ تَجُزْ إعَارَتُهُ لِذَلِكَ ، وَلَا إعَارَةُ الصَّيْدِ لِمُحْرِمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إمْسَاكُهُ ، وَلَا إعَارَةُ الْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ لِرَجُلٍ غَيْرِ مَحْرَمِهَا ، إنْ كَانَ يَخْلُو بِهَا ، أَوْ يَنْظُرُ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا .
وَتَجُوزُ إعَارَتُهَا لِامْرَأَةِ وَلِذِي مَحْرَمِهَا .
وَلَا تَجُوزُ إعَارَةُ الْعَيْنِ لِنَفْعِ مُحَرَّمٍ ، كَإِعَارَةِ الدَّارِ لِمَنْ يَشْرَبُ فِيهَا الْخَمْرَ ، أَوْ يَبِيعُهُ فِيهَا ، أَوْ يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا ، وَلَا إعَارَةُ عَبْدِهِ لِلزَّمْرِ ، أَوْ لِيَسْقِيَهُ الْخَمْرَ ، أَوْ يَحْمِلَهَا لَهُ ، أَوْ يَعْصِرَهَا ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ .
وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَعِيرَ وَالِدَيْهِ لِخِدْمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ اسْتِخْدَامُهُمَا .
فَكَرِهَ اسْتِعَارَتُهُمَا لِذَلِكَ .

( 3920 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ الْإِعَارَةُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا ؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ ، فَجَازَ فِيهَا ذَلِكَ ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ .
وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ ، فَإِذَا أَعَارَهُ شَيْئًا مُطْلَقًا ، أُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي كُلِّ مَا هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ .
فَإِذَا أَعَارَهُ أَرْضًا مُطْلَقًا ، فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا ، وَيَغْرِسَ ، وَيَبْنِيَ ، وَيَفْعَلَ فِيهَا كُلَّ مَا هِيَ مُعَدَّةٌ لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُطْلَقٌ .
وَإِنْ أَعَارَهُ لِلْغِرَاسِ أَوْ لِلْبِنَاءِ ، فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا شَاءَ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ دُونَ ضَرَرِهِمَا ، فَكَأَنَّهُ اسْتَوْفَى بَعْضَ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ .
وَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِلزَّرْعِ ، لَمْ يَغْرِسْ ، وَلَمْ يَبْنِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا أَكْثَرُ ، فَلَمْ يَكُنْ الْإِذْنُ فِي الْقَلِيلِ إذْنًا فِي الْكَثِيرِ .
وَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِلْغِرَاسِ ، أَوْ لِلْبِنَاءِ ، مَلَكَ الْمَأْذُونَ فِيهِ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا مُخْتَلِفٌ .
فَإِنَّ ضَرَرَ الْغِرَاسِ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ لِانْتِشَارِ الْعُرُوقِ فِيهَا ، وَضَرَرَ الْبِنَاءِ فِي ظَاهِرِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ الْإِذْنُ فِي أَحَدِهِمَا إذْنًا فِي الْآخَرِ .
وَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ ، فَلَهُ زَرْعُهَا وَزَرْعُ مَا هُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنْهَا ، كَالشَّعِيرِ وَالْبَاقِلَّا وَالْعَدَسِ ، وَلَهُ زَرْعُ مَا ضَرَرُهُ كَضَرَرِ الْحِنْطَةِ ؛ لِأَنَّ الرِّضَى بِزِرَاعَةِ شَيْءٍ رِضَى بِضَرَرِهِ ، وَمَا هُوَ دُونَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ زَرْعُ مَا هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُ ، كَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَالْقُطْنِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ .
وَحُكْمُ إبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ فِي الْعَارِيَّةِ ، كَحُكْمِ الِانْتِفَاعِ فِي الْإِجَارَةِ فِيمَا لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ ، وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ .
وَسَنَذْكُرُ فِي الْإِجَارَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي زَرْعِ مَرَّةٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ أَكْثَرَ مِنْهَا .
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي غَرْسِ شَجَرَةٍ فَانْقَلَعَتْ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرْسُ أُخْرَى ، وَكَذَلِكَ

إنْ أَذِنَ لَهُ فِي وَضْعِ خَشَبَةٍ عَلَى حَائِطٍ فَانْكَسَرَتْ ، لَمْ يَمْلِكْ وَضْعَ أُخْرَى ، لِأَنَّ الْإِذْنَ إذَا اخْتَصَّ بِشَيْءِ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ .

( 3921 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا ، فَلَهُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَتِهِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ ؛ لِأَنَّ وَكِيلَهُ نَائِبٌ عَنْهُ ، وَيَدُهُ كَيَدِهِ .
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤْجِرَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ الْمَنَافِعَ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُمَلِّكَهَا .
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الْعَيْنَ .
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ اسْتِعْمَالَ الْمُعَارِ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيرَهُ غَيْرَهُ .
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالُوا فِي الْآخَرِ : لَهُ ذَلِكَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يُمَلِّكُهُ عَلَى حَسَبِ مَا مَلَكَهُ ، فَجَازَ كَمَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤْجَرَ .
قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إذَا اسْتَعَارَ ثَوْبًا لِيَلْبَسهُ هُوَ ، فَأَعْطَاهُ غَيْرَهُ ، فَلَبِسَهُ ، فَهُوَ ضَامِنٌ .
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَنْ يَلْبَسُهُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهَا إلَّا الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ بِهَا الَّذِي أُعِيرَهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْعَارِيَّةَ إبَاحَةُ الْمَنْفَعَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبِيحَهَا غَيْرَهُ كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ .
وَفَارَقَ الْإِجَارَةَ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الِانْتِفَاعَ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ ، فَمَلَكَ أَنْ يُمَلِّكَهَا ، وَفِي الْعَارِيَّةِ لَمْ يَمْلِكْهَا ، إنَّمَا مَلَكَ اسْتِيفَاءَهَا عَلَى وَجْهِ مَا أُذِنَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مِنْ أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ الطَّعَامِ .
فَعَلَى هَذَا ، إنْ أَعَارَ فَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ سَلَّطَ غَيْرَهُ عَلَى أَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَالثَّانِي اسْتَوْفَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَإِنْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ حَصَلَ مِنْهُ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ ضَمِنَ الثَّانِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي لَمْ يَعْلَمْ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَقِرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الثَّانِيَ ،

وَدَفَعَ إلَيْهِ الْعَيْنَ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَوْفِي مَنَافِعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ .
وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الثَّانِي ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ ، رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي ، وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ .

( 3922 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعَارَهُ شَيْئًا ، وَأَذِنَ لَهُ فِي إجَارَتِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً ، أَوْ فِي إعَارَتِهِ مُطْلَقًا ، أَوْ مُدَّةً ، جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لِمَالِكِهِ ، فَجَازَ مَا أَذِنَ فِيهِ .
وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ حَتَّى يَنْقَضِيَ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَازِمٌ ، وَتَكُونُ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ، غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَا يُوجِبُ ضَمَانًا .
وَإِنْ أَجَرَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ ، لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ ، وَيَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الضَّمَانُ ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَارِيَّةِ .
.

( 3923 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ عَبْدًا لِيَرْهَنهُ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعَارَ مِنْ الرَّجُلِ شَيْئًا يَرْهَنُهُ عِنْدَ رَجُلٍ ، عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ ، إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ ، فَرَهَنَ ذَلِكَ عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَهُ لِيَقْضِيَ بِهِ حَاجَتَهُ ، فَصَحَّ ، كَسَائِرِ الْعَوَارِيِّ .
وَلَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِقَدْرِ الدِّينِ وَجِنْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعِلْمُ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُعْتَبَرُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا عَارِيَّةٌ لِجِنْسٍ مِنْ النَّفْعِ ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ ، كَعَارِيَّةِ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ .
وَلَا يَصِيرُ الْمُعِيرُ ضَامِنًا لِلدَّيْنِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَصِيرُ ضَامِنًا لَهُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَا يُسْتَحَقُّ بِهِ مَنْفَعَةُ الْعَيْنِ ، وَالْمَنْفَعَةُ هَاهُنَا لِلْمَالِكِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ ضَمَانٌ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَعَارَهُ لِيَقْضِيَ مِنْهُ حَاجَتَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ ضَامِنًا ، كَسَائِرِ الْعَوَارِيِّ ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَارِيَّةِ النَّفْعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ النَّفْعِ فَهُوَ لِمَالِكِ الْعَيْنِ .
وَإِنْ عَيَّنَ الْمُعِيرُ قَدْرَ الدَّيْنِ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ وَجِنْسَهُ ، أَوْ مَحَلًّا ، تَعَيَّنَ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ ، فَإِنْ خَالَفَهُ فِي الْجِنْسِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ فِي رَهْنِهِ .
وَكَذَلِكَ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي مَحَلٍّ ، فَخَالَفَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي رَهْنِهِ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ ، فَرَهَنَهُ بِحَالِ ، فَقَدْ لَا يَجِدُ مَا يَفُكُّهُ بِهِ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ أَذِنَ فِي رَهْنِهِ بِحَالٍ ، فَرَهَنَهُ بِمُؤَجَّلٍ ، فَلَمْ يَرْضَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ إلَى أَجَلٍ ، لَمْ يَصِحَّ .
وَإِنْ رَهَنَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ ، لَمْ

يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِقَدْرٍ مِنْ الدَّيْنِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَرْضَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ .
وَإِنْ رَهَنَهُ بِأَنْقَصَ مِنْهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِعَشْرَةٍ ، رَضِيَ بِمَا دُونَهَا عُرْفًا ، فَأَشْبَهَ مَنْ أُمِرَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِثَمَنِ ، فَاشْتَرَاهُ بِدُونِهِ .
وَلِلْمُعِيرِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ بِفِكَاكِ الرَّهْنِ فِي الْحَالِ ، سَوَاءٌ كَانَ بِدَيْنٍ حَالٍ أَوْ مُؤَجَّلٍ ؛ لِأَنَّ لِلْمُعِيرِ الرُّجُوعَ فِي الْعَارِيَّةِ مَتَى شَاءَ .
وَإِنْ حَلَّ الدَّيْنُ ، فَلَمْ يَفُكَّهُ الرَّاهِنُ ، جَازَ بَيْعُهُ فِي الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الرَّهْنِ ، فَإِذَا بِيعَ فِي الدَّيْنِ ، أَوْ تَلِفَ ، رَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الرَّاهِنِ بِقِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تُضْمَنُ بِقِيمَتِهَا .
وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُضْمَنُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ .
وَإِنْ اسْتَعَارَ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ ، فَرَهَنَهُ بِمِائَةٍ ، ثُمَّ قَضَى خَمْسِينَ ، عَلَى أَنْ تَخْرُجَ حِصَّةُ أَحَدِهِمَا ، لَمْ تَخْرُجْ ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فِي صَفْقَةٍ ، فَلَا يَنْفَكُّ بَعْضُهُ بِقَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لِوَاحِدٍ .

( 3924 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ الْعَارِيَّةِ مُطْلَقَةً وَمُؤَقَّتَةً ؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ إبَاحَةَ الطَّعَامِ .
وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُؤَقَّتَةً ، مَا لَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ بِشَيْءِ يَتَضَرَّرُ بِالرُّجُوعِ فِيهِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً ، فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْوَقْتِ ، وَإِنْ لَمْ تُؤَقَّتْ لَهُ مُدَّةٌ ، لَزِمَهُ تَرْكُهُ مُدَّةً يُنْتَفَعُ بِهَا فِي مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ قَدْ مَلَّكَهُ الْمَنْفَعَةَ فِي مُدَّةٍ ، وَصَارَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ بِعَقْدٍ مُبَاحٍ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ ، كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ وَالْمُسْتَأْجَرِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُلْ فِي يَدِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِالْإِعَارَةِ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَحْصُلْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ ، فَلِلْمُوصِي الرُّجُوعُ ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْوَرَثَةُ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ مِنْ غَيْرِهِمْ .
وَأَمَّا الْمُسْتَأْجَرُ ، فَإِنَّهُ مَمْلُوكٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَيَلْزَمُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَعِيرِ الرَّدُّ مَتَى شَاءَ .
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ ، فَكَانَ لِمَنْ أُبِيحَ لَهُ تَرْكُهُ ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ .
( 3925 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَطْلَقَ الْمُدَّةَ فِي الْعَارِيَّةِ ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا مَا لَمْ يَرْجِعْ .
وَإِنْ وَقَّتَهَا ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ مَا لَمْ يَرْجِعْ ، أَوْ يَنْقَضِيَ الْوَقْتُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَبَاحَ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ ، فَفِيمَا عَدَا مَحَلِّ الْإِذْنِ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ .
فَإِنْ كَانَ الْمُعَارُ أَرْضًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَغْرِسَ ، وَلَا يَبْنِيَ ، وَلَا يَزْرَعَ بَعْدَ الْوَقْتِ أَوْ الرُّجُوعِ ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، لَزِمَهُ قَلْعُ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ فِي ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ لِعِرْقِ

ظَالِمٍ حَقٌّ } .
وَعَلَيْهِ أَجْرُ مَا اسْتَوْفَاهُ مِنْ نَفْعِ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِ الْعُدْوَانِ ، وَيَلْزَمُهُ الْقَلْعُ ، وَتَسْوِيَةُ الْحَفْرِ ، وَنَقْضُ الْأَرْضِ ، وَسَائِرُ أَحْكَامِ الْغَصْبِ ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ .

( 3926 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَعَارَهُ شَيْئًا لِيَنْتَفِعَ بِهِ انْتِفَاعًا يَلْزَمُ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْعَارِيَّةِ فِي أَثْنَائِهِ ضَرَرٌ بِالْمُسْتَعِيرِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ يَضُرُّ بِالْمُسْتَعِيرِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِضْرَارُ بِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُعِيرَهُ لَوْحًا يَرْقَعُ بِهِ سَفِينَتَهُ ، فَرَقَعَهَا بِهِ ، وَلَجَّجَ بِهَا فِي الْبَحْرِ ، لَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ مَا دَامَتْ فِي الْبَحْرِ ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الْبَحْرِ ، وَبَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ ؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ .
وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِيَدْفِنَ فِيهَا ، فَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَدْفِنْ فِيهَا .
فَإِذَا دَفَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ ، مَا لَمْ يَبْلَ الْمَيِّتُ .
وَإِنْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ ، جَازَ ، كَمَا تَجُوزُ إعَارَةُ الْأَرْضِ لِلْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ ، وَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَضَعْهُ ، وَبَعْدَ وَضْعِهِ مَا لَمْ يَبْنِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ ، فَإِنْ بَنَى عَلَيْهِ ، لَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَدْمِ الْبِنَاءِ .
وَإِنْ قَالَ : أَنَا أَدْفَعُ إلَيْك أَرْشَ مَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ .
لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْتَعِيرَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَلَعَهُ انْقَلَعَ مَا فِي مِلْكِ الْمُسْتَعِيرِ مِنْهُ .
وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ قَلْعُ شَيْءٍ مِنْ مِلْكِهِ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ .
وَإِنْ انْهَدَمَ الْحَائِطُ وَزَالَ الْخَشَبُ عَنْهُ ، أَوْ أَزَالَهُ الْمُسْتَعِيرُ بِاخْتِيَارِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ إعَادَتَهُ ، سَوَاءٌ بَنَى الْحَائِطَ بِآلَتِهِ أَوْ بِغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ قَبْلَ انْهِدَامِهِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْمُسْتَعِيرِ ، بِإِزَالَةِ الْمَأْذُونِ فِي وَضْعِهِ ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَ الْخَشَبُ وَالْحَائِطُ بِحَالِهِ .
وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِزِرَاعَةِ شَيْءٍ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَزْرَعْ ، فَإِذَا زَرَعَ لَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الزَّرْعُ .
فَإِنْ بَذَلَ لَهُ قِيمَةَ الزَّرْعِ لِيَمْلِكَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ .
نَصَّ

عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يَنْتَهِي إلَيْهِ .
فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْصَدُ قَصِيلًا ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي وَقْتِ إمْكَانِ حَصَادِهِ ؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ حَتَّى يَنْتَهِيَ .
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ فِيهَا ، فَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَلْعِهِ .
فَإِذَا غَرَسَ وَبَنَى ، فَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ فِيمَا بَيْنَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مِلْكُ الْمُسْتَعِيرِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَبْنِ فِي الْأَرْضِ شَيْئًا ، وَلَمْ يَغْرِسْ فِيهَا .
ثُمَّ إنْ اخْتَارَ الْمُسْتَعِيرُ أَخْذَ بِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فَمَلَكَ نَقْلَهُ .
وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ رَضِيَ بِذَلِكَ حَيْثُ أَعَارَهُ ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ لَهُ قَلْعَ غَرْسِهِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَلَيْهِ تَسْوِيَةَ الْحَفْرِ ؛ لِأَنَّ الْقَلْعَ بِاخْتِيَارِهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، فَلَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ ، كَمَا لَوْ خَرَّبَ أَرْضَهُ الَّتِي لَمْ يَسْتَعِرْهَا .
وَإِنْ أَبَى الْقَلْعَ ، فَبَذَلَ لَهُ الْمُعِيرُ مَا يَنْقُصُ بِالْقَلْعِ ، أَوْ قِيمَةَ غِرَاسِهِ وَبِنَائِهِ قَائِمًا ، لِيَأْخُذَهُ الْمُعِيرُ ، أُجْبِرَ الْمُسْتَعِيرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ فِي الْعَارِيَّةِ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ .
وَإِنْ قَالَ الْمُسْتَعِيرُ : أَنَا أَدْفَعُ قِيمَةَ الْأَرْضِ لِتَصِيرَ لِي .
لَمْ يَكُنْ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْغِرَاسَ تَابِعٌ ، وَالْأَرْضَ أَصْلٌ ، وَلِذَلِكَ يَتْبَعُهَا الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ فِي الْبَيْعِ ، وَلَا تَتْبَعُهُمَا ، وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يُطَالِبُ الْمُسْتَعِيرَ بِالْقَلْعِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعَارَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً ، فَرَجَعَ فِيهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ لَمْ يَغُرَّهُ ، فَكَانَ عَلَيْهِ الْقَلْعُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ بَنَى وَغَرَسَ بِإِذْنِ الْمُعِيرِ ، مِنْ غَيْرِ شَرْطِ

الْقَلْعِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَلْعُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ ، كَمَا لَوْ طَالَبَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ .
وَقَوْلُهُمْ : لَمْ يَغُرَّهُ .
مَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ يُرَادُ لِلتَّبْقِيَةِ ، وَتَقْدِيرُ الْمُدَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى ابْتِدَائِهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : لَا تَغْرِسْ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ .
فَإِنْ امْتَنَعَ الْمُعِيرُ مِنْ دَفْعِ الْقِيمَةِ وَأَرْشِ النَّقْصِ ، وَامْتَنَعَ الْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْقَلْعِ وَدَفْعِ الْأَجْرِ ، لَمْ يُقْلَعْ ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ ، وَالْإِذْنُ فِيمَا يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ وَتَضُرُّ إزَالَتُهُ رِضًى بِالْإِبْقَاءِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ } .
يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْعِرْقَ الَّذِي لَيْسَ بِظَالِمٍ لَهُ حَقٌّ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ، إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ ، بِيعَتْ الْأَرْضُ بِغِرَاسِهَا ، وَدُفِعَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ حَقِّهِ ، فَيُقَالُ : كَمْ قِيمَةُ الْأَرْضِ غَيْرَ مَغْرُوسَةٍ وَلَا مَبْنِيَّةٍ ؟ فَإِذَا قِيلَ عَشَرَةٌ .
قُلْنَا : وَكَمْ تُسَاوِي مَغْرُوسَةً وَمَبْنِيَّةً ؟ فَإِنْ قَالُوا : خَمْسَةَ عَشَرَ .
قُلْنَا : فَلِلْمُعِيرِ ثُلُثَا الثَّمَنِ ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ ثُلُثُهُ .
وَإِنْ امْتَنَعَا مِنْ الْبَيْعِ ، بَقِيَا عَلَى حَالِهِمَا ، وَلِلْمُعِيرِ دُخُولُ أَرْضِهِ كَيْفَ شَاءَ ، وَالِانْتِفَاعُ بِهَا بِمَا لَا يَضُرُّ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِمَا ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ الدُّخُولُ إلَّا لِحَاجَةٍ ، مِثْلِ السَّقْيِ وَإِصْلَاحِ الثَّمَرَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْغِرَاسِ إذْنٌ فِيمَا يَعُودُ بِصَلَاحِهِ ، وَأَخْذِ ثِمَارِهِ ، وَسَقْيِهِ .
وَلَيْسَ لَهُ دُخُولُهَا لِلتَّفَرُّجِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَجَعَ فِي الْإِذْنِ لَهُ .
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْعُ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْمِلْكِ مُنْفَرِدًا ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مِثْلُ مَا كَانَ لِبَائِعِهِ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْعُ الشَّجَرِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، بِدَلِيلِ أَنَّ

لِلْمُعِيرِ أَخْذَهُ مَتَى شَاءَ بِقِيمَتِهِ .
قُلْنَا : عَدَمُ اسْتِقْرَارِهِ لَا يَمْنَعُ بَيْعَهُ ، بِدَلِيلِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ .
وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، مَتَى كَانَ الْمُعِيرُ شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الْقَلْعَ عِنْدَ رُجُوعِهِ ، وَرَدَّ الْعَارِيَّةِ غَيْرِ مَشْغُولَةٍ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى شُرُوطِهِمْ ، وَلِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ غَيْرُ مُطْلَقَةٍ ، فَلَمْ تَتَنَاوَلْ مَا عَدَا الْمُقَيَّدِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ دَخَلَ فِي الْعَارِيَّةِ رَاضِيًا بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ بِالْقَلْعِ ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ ضَمَانُ نَقْصِهِ .
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
وَأَمَّا تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ الْحَاصِلَةِ بِالْقَلْعِ فَإِذَا كَانَتْ مَشْرُوطَةً عَلَيْهِ ، لَزِمَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِضَرَرِ الْقَلْعِ مِنْ الْحَفْرِ وَنَحْوِهِ ، حَيْثُ اشْتَرَطَ الْقَلْعَ .
وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ أَجْرًا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، إلَّا فِيمَا إذَا اسْتَعَارَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ ، فَزَرَعَهَا ، ثُمَّ رَجَعَ الْمُعِيرُ فِيهَا قَبْلَ كَمَالِ الزَّرْعِ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَجْرَ مِثْلِهِ ، مِنْ حِينَ رَجَعَ الْمُعِيرُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الرُّجُوعِ ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْقَلْعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ ، فَفِي دَفْعِ الْأَجْرِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ ، فَيُخَرَّجُ فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ مِثْلُ هَذَا ، لِوُجُودِ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ الْأَجْرُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَارِيَّةِ بَاقٍ فِيهِ ، لِكَوْنِهَا صَارَتْ لَازِمَةً لِلضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِفَسْخِهَا ، وَالْإِعَارَةُ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ بِغَيْرِ عِوَضٍ .

( 3927 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ إجَارَتَهَا لِذَلِكَ جَائِزَةٌ ، وَالْإِعَارَةُ أَوْسَعُ ، لِجَوَازِهَا فِيمَا لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ ، مِثْلُ إعَارَةِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ .
فَإِنْ اسْتَعَارَهَا إلَى مَوْضِعٍ ، فَجَاوَزَهُ ، فَقَدْ تَعَدَّى ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ لِلزِّيَادَةِ خَاصَّةً .
فَإِذَا اسْتَعَارَهَا إلَى طَبَرِيَّةَ ، فَتَجَاوَزَ إلَى الْقُدْسِ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ مَا بَيْنَ طَبَرِيَّةَ وَالْقُدْسِ خَاصَّةً .
وَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ الْمَالِكُ : أَعَرْتُكَهَا إلَى طَبَرِيَّةَ .
وَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ : أَعَرْتنِيهَا إلَى الْقُدْسِ .
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْي .
وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ الْمُسْتَعِيرُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمَالِكَ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
.

( 3928 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا ، فَانْتَفَعَ بِهِ ، ثُمَّ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا فَلِمَالِكِهِ أَجْرُ مِثْلِهِ ، يُطَالِبُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ ، رَجَعَ عَلَى الْمُعِيرِ بِمَا غَرِمَ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِذَلِكَ وَغَرَّمَهُ ، لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنْ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمُعِيرِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ، فَإِنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي قَصَّارٍ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى غَيْرِ صَاحِبِهِ ، فَلَبِسَهُ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْقَصَّارِ دُونَ اللَّابِسِ .
وَإِنْ تَلِفَ فَالْقِيمَةُ تَسْتَقِرُّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْعَيْنِ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ .
فَإِنْ ضَمِنَ الْمُعِيرُ ، رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ .
وَإِنْ نَقَصَتْ الْعَيْنُ بِالِاسْتِعْمَالِ ، انْبَنَى عَلَى ضَمَانِ النَّقْصِ ، فَإِنْ قُلْنَا : هُوَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ .
فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقِيمَةِ .
وَإِنْ قُلْنَا : هُوَ عَلَى الْمُعِيرِ .
فَهُوَ كَالْأَجْرِ .
عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ .

فَصْلٌ : وَإِذَا حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرَ رَجُلِ مِنْ أَرْضِهِ إلَى أَرْضٍ غَيْرِهِ ، فَنَبَتَ فِيهَا ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ ، إذَا طَالَبَهُ رَبُّ الْأَرْضِ بِهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْتَشَرَتْ أَغْصَانُ شَجَرَتِهِ فِي هَوَاءِ مِلْكِ جَارِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ قَلْعَهُ إتْلَافٌ لِلْمَالِ عَلَى مَالِكِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ ، وَلَا يَدُومُ ضَرَرُهُ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ حَصَلَتْ دَابَّتُهُ فِي دَارِ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ خُرُوجُهَا إلَّا بِقَلْعِ الْبَابِ أَوْ قَتْلِهَا ، فَإِنَّنَا لَا نُجْبِرُهُ عَلَى قَتْلِهَا .
وَيُفَارِقُ أَغْصَانَ الشَّجَرَةِ ، فَإِنَّهُ يَدُومُ ضَرَرُهُ ، وَلَا يُعْرَفُ قَدْرُ مَا يَشْغَلُ مِنْ الْهَوَاءِ فَيُؤَدِّي أَجْرَهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُقَرُّ فِي الْأَرْضِ إلَى حِينِ حَصَادِهِ بِأَجْرِ مِثْلِهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ عَلَيْهِ أَجْرٌ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاتَتْ دَابَّتُهُ فِي أَرْضِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ .
وَهَذَا بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ إلْزَامَهُ تَبْقِيَةَ زَرْعٍ مَا أَذِنَ فِيهِ ، فِي أَرْضِهِ ، بِغَيْرِ أَجْرٍ وَلَا انْتِفَاعٍ ، إضْرَارٌ بِهِ ، وَشَغْلٌ لِمِلْكِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ إبْقَاءَ بَهِيمَتِهِ فِي دَارِ غَيْرِهِ عَامًا .
وَيُفَارِقُ مَبِيتَهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْبَرُ الْمَالِكُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهَا ، فَإِذَا تَرَكَهَا اخْتِيَارًا مِنْهُ ، كَانَ رَاضِيًا بِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
وَيَكُونُ الزَّرْعُ لِمَالِكِ الْبَذْرِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذَا الزَّرْعِ حُكْمَ زَرْعِ الْغَاصِبِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي أَرْضِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَرَعَهُ مَالِكُهُ .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذَا بِغَيْرِ عُدْوَانٍ ، وَقَدْ أَمْكَنَ جَبْرُ حَقِّ مَالِكِ الْأَرْضِ ،

بِدَفْعِ الْأَجْرِ إلَيْهِ .
وَإِنْ أَحَبَّ مَالِكُهُ قَلْعَهُ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ ، وَمَا نَقَصَتْ الْأَرْضُ ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْصَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ ، لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُسْتَعِيرَ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ السَّيْلُ حَمَلَ نَوًى ، فَنَبَتَ شَجَرًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ، كَالزَّيْتُونِ وَالنَّخِيلِ وَنَحْوِهِ ، فَهُوَ لِمَالِكِ النَّوَى ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَاءِ مِلْكِهِ ، فَهُوَ كَالزَّرْعِ ، وَيُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَدُومُ ، فَأُجْبِرَ عَلَى إزَالَتِهِ ، كَأَغْصَانِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي هَوَاءِ مِلْكِ غَيْرِ مَالِكِهَا .
وَإِنْ حَمَلَ السَّيْلُ أَرْضًا بِشَجَرِهَا ، فَنَبَتَتْ فِي أَرْضِ آخَرَ كَمَا كَانَتْ ، فَهِيَ لِمَالِكِهَا ، يُجْبَرُ عَلَى إزَالَتِهَا ، كَمَا ذَكَرْنَا .
وَفِي كُلِّ ذَلِكَ ، إذَا تَرَكَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْمُنْتَقِلَةِ أَوْ الشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الَّتِي انْتَقَلَ إلَيْهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ نَقْلُهُ وَلَا أَجْرٌ ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ وَلَا عُدْوَانِهِ ، وَكَانَتْ الْخِيرَةُ إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِهِ ، إنْ شَاءَ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ ، وَإِنْ شَاءَ قَلَعَهُ .

( 3930 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّابَّةِ وَرَاكِبُهَا ، فَقَالَ الرَّاكِبُ : هِيَ عَارِيَّةٌ .
وَقَالَ الْمَالِكُ : بَلْ اكْتَرَيْتهَا .
فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ بَاقِيَةً لَمْ تَنْقُصْ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ عَقِيبَ الْعَقْدِ ، أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، فَإِنْ كَانَ عَقِيبَ الْعَقْدِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عَقْدِ الْإِجَارَةِ ، وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الرَّاكِبِ مِنْهَا ، فَيَحْلِفُ ، وَيَرُدُّ الدَّابَّةَ إلَى مَالِكِهَا ؛ لِأَنَّهَا عَارِيَّةٌ .
وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ .
وَقَالَ الرَّاكِبُ : بَلْ اكْتَرَيْتهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، فَادَّعَى الْمَالِكُ الْإِجَارَةَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ .
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى تَلَفِ الْمَنَافِعِ عَلَى مِلْكِ الرَّاكِبِ ، وَادَّعَى الْمَالِكُ عِوَضًا لَهَا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِهِ .
وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الرَّاكِبِ مِنْهُ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّةِ انْتِقَالِ الْمَنَافِعِ إلَى مِلْكِ الرَّاكِبِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنٍ ، فَقَالَ الْمَالِكُ : بِعْتُكَهَا .
وَقَالَ الْآخَرُ : وَهَبْتنِيهَا .
وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ ، فِي الْمِلْكِ وَالْعَقْدِ عَلَيْهَا ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْأَعْيَانِ ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ ، كَذَا هَاهُنَا .
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
وَلِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَنْتَقِلُ إلَى الرَّاكِبِ إلَّا بِنَقْلِ الْمَالِكِ لَهَا ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي كَيْفِيَّةِ الِانْتِقَالِ ، كَالْأَعْيَانِ ، فَيَحْلِفُ الْمَالِكُ ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ .
وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَجْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى

وُجُوبِهِ ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ ، وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ ، فَمَعَ الِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهِ أَوْلَى .
وَالثَّانِي : الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِقَوْلِ الْمَالِكِ وَيَمِينِهِ ، فَوَجَبَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، كَالْأَصْلِ .
وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ فِيمَا مَضَى مِنْهَا ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ فِيمَا بَقِيَ ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اخْتَلَفَا عَقِيبَ الْعَقْدِ .
وَإِنْ ادَّعَى الْمَالِكُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ .
وَادَّعَى الرَّاكِبُ أَنَّهَا بِأَجْرِ ، فَالرَّاكِبُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الْمَنَافِعِ ، وَيَعْتَرِفُ بِالْأَجْرِ لِلْمَالِكِ ، وَالْمَالِكُ يُنْكِرُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، فَيَحْلِفُ ، وَيَأْخُذُ بَهِيمَتَهُ .
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ بَعْدَ تَلَفِ الْبَهِيمَةِ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ، سَوَاءٌ ادَّعَى الْإِجَارَةَ أَوْ الْإِعَارَةَ ؛ لِأَنَّهُ إنْ ادَّعَى الْإِجَارَةَ ، فَهُوَ مُعْتَرِفٌ لِلرَّاكِبِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ ضَمَانِهَا ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِنْ ادَّعَى الْإِعَارَةَ ، فَهُوَ يَدَّعِي قِيمَتَهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْقَبْضِ ، وَالْأَصْلُ فِيمَا يَقْبِضُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ الضَّمَانُ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ } .
فَإِذَا حَلَفَ الْمَالِكُ ، اسْتَحَقَّ الْقِيمَةَ ، وَالْقَوْلُ فِي قَدْرِهَا قَوْلُ الرَّاكِبِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا .
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، وَتَلَفِ الْبَهِيمَةِ ، وَكَانَ الْأَجْرُ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا ، أَوْ كَانَ مَا يَدَّعِيه الْمَالِكُ مِنْهُمَا أَقَلَّ مِمَّا يَعْتَرِفُ بِهِ الرَّاكِبُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، سَوَاءٌ ادَّعَى الْإِجَارَةَ أَوْ الْإِعَارَةَ ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْيَمِينِ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَرِفُ لَهُ

بِهِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَأْخُذَهُ إلَّا بِيَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي شَيْئًا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ ، وَيَعْتَرِفُ لَهُ الرَّاكِبُ بِمَا لَا يَدَّعِيه ، فَيَحْلِفُ عَلَى مَا يَدَّعِيه .
وَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيه الْمَالِكُ أَكْثَرَ ، مِثْلُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبَهِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِهَا ، فَادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ ، لِتَجِبَ لَهُ الْقِيمَةُ ، وَأَنْكَرَ اسْتِحْقَاقَ الْأُجْرَةِ ، وَادَّعَى الرَّاكِبُ أَنَّهَا مُكْتَرَاةٌ ، أَوْ كَانَ الْكِرَاءُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا فَادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهُ أَجَرَهَا ، لِيَجِبَ لَهُ الْكِرَاءُ ، وَادَّعَى الرَّاكِبُ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ فِي الصُّورَتَيْنِ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا ، فَإِذَا حَلَفَ ، اسْتَحَقَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ نَحْوُ مَا ذَكَرْنَا .

( 3931 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ : غَصَبْتهَا .
وَقَالَ الرَّاكِبُ : بَلْ أَعَرْتنِيهَا .
فَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ عَقِيبَ الْعَقْدِ ، وَالدَّابَّةُ قَائِمَةٌ لَمْ يَتْلَفْ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَلَا مَعْنَى لِلِاخْتِلَافِ ، وَيَأْخُذُ الْمَالِكُ بَهِيمَتَهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ تَالِفَةً ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ، كَوُجُوبِهَا عَلَى الْغَاصِبِ .
وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، فَالِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ .
وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ عَنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاكِبِ ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِوَضًا ، الْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْيَدِ أَنَّهَا بِحَقٍّ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِهَا .
وَلَنَا ، مَا قَدَّمْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، بَلْ هَذَا أَوْلَى ، لِأَنَّهُمَا ثَمَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكٌ لِلرَّاكِبِ ، وَهَا هُنَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمَالِكَ يُنْكِرُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ فِيهَا إلَى الرَّاكِبِ ، وَالرَّاكِبُ يَدَّعِيهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْتِقَالِ ، فَيَحْلِفُ ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ .
وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ : غَصَبْتهَا .
وَقَالَ الرَّاكِبُ : أَجَرْتنِيهَا .
فَالِاخْتِلَافُ هَاهُنَا فِي وُجُوبِ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يَجِبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ الْمُسَمَّى وَأَجْرُ الْمِثْلِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ تَالِفَةً عَقِيبَ أَخْذِهَا ، حَلَفَ وَأَخَذَ قِيمَتَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَقِيَتْ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، وَالْمُسَمَّى بِقَدْرِ أَجْرِ الْمِثْلِ ، أَخَذَهُ الْمَالِكُ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَجْرُ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى .
وَفِي الْيَمِينِ وَجْهَانِ .
وَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى الْمُسَمَّى ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ إلَّا بِيَمِينٍ ، وَجْهًا وَاحِدًا .

كِتَاب الْغَصْب الْغَصْبُ : هُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ .
وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ .
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } .
وقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .
وقَوْله تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا } .
وَالسَّرِقَةُ نَوْعٌ مِنْ الْغَصْبِ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَى جَابِرٌ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ : { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَرَوَى أَبُو حَرَّةَ الرَّقَاشِيُّ ، عَنْ عَمِّهِ وَعَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئِ مُسْلِمٍ ، إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ } .
رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْغَصْبِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فُرُوعٍ مِنْهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ ، مَا كَانَ بَاقِيًا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .
لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ } .
وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ مَالِهِ وَمَالِيَّتِهِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِرَدِّهِ .
فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ، لَزِمَهُ بَدَلُهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا

عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } .
وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ ، وَجَبَ رَدُّ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الْمَالِيَّةِ .
ثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُهُ ، وَتَتَفَاوَتُ صِفَاتُهُ ، كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ ، وَجَبَ مِثْلُهُ ، لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الْقِيمَةِ ، وَهُوَ مُمَاثِلٌ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْمَعْنَى ، وَالْقِيمَةُ مُمَاثِلَةٌ مِنْ طَرِيقِ الظَّنِّ وَالِاجْتِهَادِ ، فَكَانَ مَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ مُقَدَّمًا ، كَمَا يُقَدَّمُ النَّصُّ عَلَى الْقِيَاسِ ، لِكَوْنِ النَّصِّ طَرِيقُهُ الْإِدْرَاكُ بِالسَّمَاعِ ، وَالْقِيَاسُ طَرِيقُهُ الظَّنُّ وَالِاجْتِهَادُ .
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَقَارِبِ الصِّفَاتِ ، وَهُوَ مَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ ، فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ .
وَحُكِيَ عَنْ الْعَنْبَرِيِّ يَجِبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُهُ ؛ لِمَا رَوَتْ جَسْرَةُ بِنْتُ دَجَاجَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { ، أَنَّهَا قَالَتْ : مَا رَأَيْت صَانِعًا مِثْلَ حَفْصَةَ ، صَنَعَتْ طَعَامًا ، فَبَعَثَتْ بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَنِي الْأَكْلُ فَكَسَرْت الْإِنَاءَ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْت ؟ فَقَالَ : إنَاءٌ مِثْلُ الْإِنَاءِ ، وَطَعَامٌ مِثْلُ الطَّعَامِ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَعَنْ أَنَسٌ ، { أَنَّ إحْدَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَسَرَتْ قَصْعَةَ الْأُخْرَى ، فَدَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصْعَةَ الْكَاسِرَةِ إلَى رَسُولِ صَاحِبَةِ الْمَكْسُورَةِ ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِهِ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُطَوَّلًا ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ بَعِيرًا ، وَرَدَّ مِثْلَهُ .
وَلَنَا ؛ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

فَأَمَرَ بِالتَّقْوِيمِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ ؛ لِأَنَّهَا مُتْلَفَةٌ بِالْعِتْقِ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْمِثْلِ .
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهَا ، وَتَتَبَايَنُ صِفَاتُهَا ، فَالْقِيمَةُ فِيهَا أَعْدَلُ وَأَقْرَبُ إلَيْهَا ، فَكَانَتْ أَوْلَى .
وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ بِالتَّرَاضِي ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تَرْضَى بِذَلِكَ .
( 3932 ) فَصْلٌ : وَمَا تَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُهُ ، وَتَتَقَارَبُ صِفَاتُهُ ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ ، ضَمِنَ بِمِثْلِهِ .
بِغَيْرِ خِلَافٍ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ : كُلُّ مَطْعُومٍ ، مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ ، فَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ مِثْلُهُ لَا قِيمَتُهُ .
وَأَمَّا سَائِرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ أَيْضًا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ : مَا كَانَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، وَمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ دُونَ الْقِيمَةِ .
فَظَاهِرُ هَذَا وُجُوبُ الْمِثْلِ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا فِيهِ صِنَاعَةٌ ، كَمَعْمُولِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ مِنْ الْأَوَانِي وَالْآلَاتِ وَنَحْوِهَا .
وَالْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَشِبْهِهِ ، وَالْمَنْسُوجِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ ، وَالْمَغْزُولِ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ تُؤَثِّرُ فِي قِيمَتِهِ ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ ، فَالْقِيمَةُ فِيهِ أَحْصَرُ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ النُّقْرَةَ وَالسَّبِيكَةَ مِنْ الْأَثْمَانِ ، وَالْعِنَبَ وَالرُّطَبَ وَالْكُمَّثْرَى إنَّمَا يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ .
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا .
وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْهُ مَا فِيهِ الصِّنَاعَةُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَ النَّقْرَةَ بِقِيمَتِهَا ، لِتَعَذُّرِ وُجُودِ مِثْلِهَا إلَّا بِتَكْسِيرِ الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ وَسَبْكِهَا ، وَفِيهِ إتْلَافٌ .

فَعَلَى هَذَا ، إنْ كَانَ الْمَضْمُونُ بِقِيمَتِهِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَجَبَتْ بِكُلِّ حَالٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهِ ، فَكَانَتْ مَوْزُونَةً وَجَبَتْ .
وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ، قُوِّمَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الرِّبَا .
وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَتْ فِيهِ صِنَاعَةٌ مُبَاحَةٌ ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ مِنْ أَجْلِهَا ، جَازَ تَقْوِيمُهُ بِجِنْسِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قِيمَتُهُ ، وَالصِّنَاعَةُ لَهَا قِيمَةٌ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كُسِرَ الْحُلِيُّ ، وَجَبَ أَرْشُ كَسْرِهِ ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ ، لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَا يُقَابِلُهَا الْعِوَضُ فِي الْعُقُودِ ، وَيُقَابِلُهَا فِي الْإِتْلَافِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَنْفَرِدُ بِالْعَقْدِ ، وَتَنْفَرِدُ بِضَمَانِهَا بِالْإِتْلَافِ .
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَأْخُوذَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ ، فَالزِّيَادَةُ فِيهِ رِبًا ، كَالْبَيْعِ وَكَالنَّقْصِ .
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا كَسَرَ الْحُلِيَّ ، يُصْلِحُهُ أَحَبُّ إلَيَّ .
قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا تَرَاضَيَا بِذَلِكَ ، لَا أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ .
وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الصِّنَاعَةُ مُبَاحَةً ، فَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً كَالْأَوَانِي وَحُلِيِّ الرِّجَالِ ، لَمْ يَجُزْ ضَمَانُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا ، فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ .

( 3933 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا ، فَغَرَسَهَا ، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَأُجْرَتِهَا إلَى وَقْتِ تَسْلِيمِهَا ، وَمِقْدَارِ نُقْصَانِهَا ، إنْ كَانَ نَقَصَهَا الْغَرْسُ ) .
الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ : ( 3934 ) أَحَدُهَا ، أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ غَصْبُ الْعَقَارِ مِنْ الْأَرَاضِي وَالدُّورِ ، وَيَجِبُ ضَمَانُهَا عَلَى غَاصِبَهَا .
هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَصْحَابِهِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَرَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا ، ثُمَّ أَصَابَهَا غَرَقٌ مِنْ الْغَاصِبِ ، غَرِمَ قِيمَةَ الْأَرْضِ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِنْ السَّمَاءِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ .
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لَا يُتَصَوَّرُ غَصْبُهَا ، وَلَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ ، وَإِنْ أَتْلَفَهَا ، ضَمِنَهَا بِالْإِتْلَافِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِيهَا النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ ، فَتَلِفَ الْمَتَاعُ ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى الْمَالِ عُدْوَانًا عَلَى وَجْهٍ تَزُولُ بِهِ يَدُ الْمَالِكِ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَقَارِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ ، طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ .
وَفِي لَفْظٍ : { مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ } .
فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُغْصَبُ وَيُظْلَمُ فِيهِ .
وَلِأَنَّ مَا ضَمِنَ فِي الْبَيْعِ ، وَجَبَ ضَمَانُهُ فِي الْغَصْبِ ، كَالْمَنْقُولِ ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَسْكُنَ الدَّارَ وَيَمْنَعَ مَالِكَهَا مِنْ دُخُولِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَ الدَّابَّةَ وَالْمَتَاعَ .
وَأَمَّا إذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ ، فَمَا اسْتَوْلَى عَلَى مَالِهِ ، فَنَظِيرُهُ هَاهُنَا أَنْ يَحْبِسَ

الْمَالِكَ ، وَلَا يَسْتَوْلِيَ عَلَى دَارِهِ .
وَأَمَّا مَا تَلِفَ مِنْ الْأَرْضِ بِفِعْلِهِ ، أَوْ سَبَبِ فِعْلِهِ ، كَهَدْمِ حِيطَانِهَا ، وَتَغْرِيقِهَا ، وَكَشْطِ تُرَابِهَا ، وَإِلْقَاءِ الْحِجَارَةِ فِيهَا ، أَوْ نَقْصٍ يَحْصُلُ بِغَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ ، فَيَضْمَنُهُ بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ ، وَلَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ هَذَا إتْلَافٌ ، وَالْعَقَارُ يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ .
وَلَا يَحْصُلُ الْغَصْبُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيلَاءٍ ، فَلَوْ دَخَلَ أَرْضِ إنْسَانٍ أَوْ دَارِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهَا بِدُخُولِهِ ، سَوَاءٌ دَخَلَهَا بِإِذْنِهِ أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهَا فِيهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إنْ دَخَلَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا فِيهَا ، ضَمِنَهَا ، سَوَاءٌ قَصَدَ ذَلِكَ ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا دَارُهُ ، أَوْ دَارٌ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهَا ؛ لِأَنَّ يَدَ الدَّاخِلِ ثَبَتَتْ عَلَيْهَا بِذَلِكَ ، فَيَصِيرُ غَاصِبًا ، فَإِنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ ، وَهَذَا قَدْ ثَبَتَتْ يَدُهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي الدَّارِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، حُكِمَ بِهَا لِمَنْ هُوَ فِيهَا ، دُونَ الْخَارِجِ مِنْهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ دَخَلَهَا بِإِذْنِهِ ، أَوْ دَخَلَ صَحْرَاءَهُ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ مَا يَضْمَنُهُ فِي الْعَارِيَّة ، وَهَذَا لَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَارِيَّةُ ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ فِيهَا ، فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْغَصْبُ ، إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنٍ .

( 3935 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا غَرَسَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، أَوْ بَنَى فِيهَا ، فَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَلْعَ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ ، لَزِمَ الْغَاصِبَ ذَلِكَ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ : فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ ، { أَنَّ رَجُلًا غَرَسَ فِي أَرْضِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ ، فَاخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى لِلرَّجُلِ بِأَرْضِهِ ، وَقَضَى لِلْآخَرِ أَنْ يَنْزِعَ نَخْلَهُ .
قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتهَا تُضْرَبُ فِي أُصُولِهَا بِالْفُؤُوسِ ، وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عُمٌّ } .
.
وَلِأَنَّهُ شَغَلَ مِلْكَ غَيْرِهِ ، بِمِلْكِهِ الَّذِي لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ ، بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَزِمَهُ تَفْرِيغُهُ ، كَمَا لَوْ جَعَلَ فِيهِ قُمَاشًا .
وَإِذْ قَلَعَهَا لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ ، وَرَدُّ الْأَرْضِ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلَزِمَتْهُ إزَالَتُهُ .
وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَخْذَ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ الْغَاصِبِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَخْذَهُ ، كَمَا لَوْ وَضَعَ فِيهَا أَثَاثًا أَوْ حَيَوَانًا .
وَإِنْ طَلَبَ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ ، وَأَبِي مَالِكُهُ إلَّا الْقَلْعَ ، فَلَهُ الْقَلْعُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، فَمَلَكَ نَقْلَهُ .
وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا .
وَإِنْ اتَّفَقَ عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، فَجَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ .
وَإِنْ وَهَبَ الْغَاصِبُ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ ، لِيَتَخَلَّصَ مِنْ قَلْعِهِ ، وَقَبِلَهُ الْمَالِكُ ، جَازَ .
وَإِنْ

أَبَى قَبُولَهُ ، وَكَانَ فِي قَلْعِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ احْتَمَلَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى قَبُولِهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ رَفْعَ الْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ يَفُوتُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إجْبَارًا عَلَى عَقْدٍ يُعْتَبَرُ الرِّضَى فِيهِ .
وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا وَغِرَاسًا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَغَرَسَهُ فِيهَا فَالْكُلُّ لِمَالِكِ الْأَرْضِ .
فَإِنْ طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِقَلْعِهِ ، وَفِي قَلْعِهِ غَرَضٌ ، أُجْبِرَ عَلَى قَلْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ غَرَضًا مَقْصُودًا بِالْأَرْضِ ، فَأُخِذَ بِإِعَادَتِهَا إلَى مَا كَانَتْ ، وَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ ، وَنَقْصِهَا ، وَنَقْصِ الْغِرَاسِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْعِهِ غَرَضٌ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى السَّفَهِ .
وَقِيلَ : يُجْبَرُ ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ مُحَكَّمٌ فِي مِلْكِهِ ، وَالْغَاصِبُ غَيْرُ مُحَكَّمٍ ، فَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ قَلْعَهُ ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكُ لَمْ يَمْلِكْ قَلْعَهُ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَلَمْ يَمْلِكْ غَيْرُهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ .

( 3936 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا بَنَى فِي الْأَرْضِ ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا غَرَسَ فِيهَا فِي هَذَا التَّفْصِيلِ جَمِيعِهِ ، إلَّا أَنَّهُ يَتَخَرَّجُ أَنَّهُ إذَا بَذَلَ مَالِكُ الْأَرْضِ الْقِيمَةَ لِصَاحِبِ الْبِنَاءِ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهَا ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي النَّقْضِ غَرَضٌ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ سَفَهٌ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَنَى فِي رِبَاعِ قَوْمٍ بِإِذْنِهِمْ فَلَهُ الْقِيمَةُ ، وَمَنْ بَنَى بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَهُ النَّقْضُ } .
وَلِأَنَّ ذَلِكَ مُعَاوَضَةٌ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا .
وَإِذَا كَانَتْ الْآلَةُ مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ وَأَحْجَارِهَا ، فَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ النَّقْضُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْغَرْسِ .

( 3937 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ دَارًا ، فَجَصَّصَهَا وَزَوَّقَهَا وَطَالَبَهُ رَبُّهَا بِإِزَالَتِهِ ، وَفِي إزَالَتِهِ غَرَضٌ ، لَزِمَهُ إزَالَتُهُ ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا إنْ نَقَصَتْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ ، فَوَهَبَهُ الْغَاصِبُ لِمَالِكِهَا ، أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ فِي الدَّارِ ، فَأَشْبَهَ قَصَارَةَ الثَّوْبِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ ؛ لِأَنَّهَا أَعْيَانُ مُتَمَيِّزَةٌ ، فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْقُمَاشِ .
وَإِنْ طَلَبَ الْغَاصِبُ قَلْعَهُ ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكُ ، وَكَانَ لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ الْكَشْطِ ، فَلِلْغَاصِبِ قَلْعُهُ ، كَمَا يَمْلِكُ قَلْعَ غِرَاسِهِ ، سَوَاءٌ بَذَلَ لَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهُ ، أَوْ لَمْ يَبْذُلْ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَمْلِكُ قَلْعَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَمْلِكُ ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ .

( 3938 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا ، فَكَشَطَ تُرَابَهَا ، لَزِمَهُ رَدُّهُ وَفَرْشُهُ عَلَى مَا كَانَ ، إنْ طَلَبَهُ الْمَالِكُ ، وَكَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى فَرْشِهِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .
وَإِنْ مَنَعَهُ الْمَالِكُ فَرْشَهُ ، أَوْ رَدَّهُ وَطَلَبَ الْغَاصِبُ ذَلِكَ ، وَكَانَ فِي رَدِّهِ غَرَضٌ مِنْ إزَالَةِ ضَرَرٍ ، أَوْ ضَمَانٍ ، فَلَهُ فَرْشُهُ وَرَدُّهُ ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهَا مُدَّةَ شَغْلِهَا وَأَجْرُ نَقْصِهَا .
وَإِنْ أَخَذَ تُرَابَ أَرْضٍ ، فَضَرَبَهُ لِبِنَاءٍ ، رَدَّ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ فِيهِ تِبْنًا لَهُ ، فَيَكُونَ لَهُ أَنْ يَحُلَّهُ وَيَأْخُذَ تِبْنَهُ .
وَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى كَشْطِ التَّزْوِيقِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ .
وَإِنْ طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِحَلِّهِ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِ غَرَضٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ .
وَإِنْ جَعَلَهُ آجُرًّا أَوْ فَخَّارًا ، لَزِمَهُ رَدُّهُ ، وَلَا أَجْرَ لَهُ لِعَمَلِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ كَسْرُهُ ، وَلَا لِلْمَالِكِ إجْبَارُهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَفَهُ لَا يُفِيدُ ، وَإِتْلَافٌ لِلْمَالِ ، وَإِضَاعَةٌ لَهُ ، وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ .
}

( 3939 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا ، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا فَطَالَبَهُ الْمَالِكُ بِطَمِّهَا ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ ، وَلِأَنَّ التُّرَابَ مِلْكُهُ ، نَقَلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ ، فَلَزِمَهُ رَدُّهُ ، كَتُرَابِ الْأَرْضِ .
وَكَذَلِكَ إنْ حَفَرَ فِيهَا نَهْرًا ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ .
وَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ طَمَّهَا ، فَمَنَعَهُ الْمَالِكُ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي طَمِّهَا ، بِأَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ ضَمَانُ مَا يَقَعُ فِيهَا ، أَوْ يَكُونَ قَدْ نَقَلَ تُرَابَهَا إلَى مِلْكِ نَفْسِهِ ، أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ ، أَوْ طَرِيقٌ يَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيغِهِ ، فَلَهُ الرَّدُّ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَضِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي طَمِّ الْبِئْرِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَضَعَ التُّرَابَ فِي مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، وَأَبْرَأَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مِمَّا حَفَرَ ، وَأَذِنَ فِيهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ طَمُّهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لَا نَفْعَ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ نُقْرَةً ، فَطَبَعَهَا دَرَاهِمَ ، ثُمَّ أَرَادَ جَعْلَهَا نُقْرَةً .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَهُ طَمُّهَا .
وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لَنَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ ، لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ ، وَهُوَ أَيْضًا إبْرَاءٌ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ وَهُوَ الْوَاقِعُ فِيهَا .
وَلَنَا ، أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا لَزِمَهُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي ، فَإِذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ ، زَالَ التَّعَدِّي ، فَزَالَ الضَّمَانُ ، وَلَيْسَ هَذَا إبْرَاءً مِمَّا لَمْ يَجِبْ ، وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطُ التَّعَدِّي بِرِضَائِهِ بِهِ .
وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالْإِبْرَاءِ ، وَلَكِنْ مَنَعَهُ مِنْ طَمِّهَا ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ رِضَاهُ بِذَلِكَ .

( 3940 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرَ الْأَرْضِ مُنْذُ غَصْبِهَا إلَى وَقْتِ تَسْلِيمِهَا .
وَهَكَذَا كُلُّ مَا لَهُ أَجْرٌ ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ أَوْ تَرَكَهَا حَتَّى ذَهَبَتْ ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ فِي يَدِهِ الْعَادِيَةِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا ، كَالْأَعْيَانِ .
وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا ، فَبَنَاهَا دَارًا ، فَإِنْ كَانَتْ آلَاتُ بِنَائِهَا مِنْ مَالِ الْغَاصِبِ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْأَرْضِ دُونَ بِنَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا غَصَبَ الْأَرْضَ وَالْبِنَاءُ لَهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَجْرُ مَالِهِ .
وَإِنْ بَنَاهَا بِتُرَابٍ مِنْهَا ، وَآلَاتٍ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُهَا مَبْنِيَّةً ؛ لِأَنَّ الدَّارَ كُلَّهَا مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا لِلْغَاصِبِ فِيهَا أَثَرُ الْفِعْلِ ، فَلَا يَكُونُ فِي مُقَابَلَتِهِ أَجْرٌ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عُدْوَانًا .
وَإِنْ غَصَبَ دَارًا ، فَنَقَضَهَا ، وَلَمْ يَبْنِهَا ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ دَارٍ إلَى حِينِ نَقْضِهَا ، وَأَجْرُهَا مَهْدُومَةً مِنْ حِينِ نَقْضِهَا إلَى حِينِ رَدِّهَا ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ انْهَدَمَ وَتَلِفَ ، فَلَمْ يَجِبْ أَجْرُهُ مَعَ تَلَفِهَا .
وَإِنْ نَقَضَهَا ، ثُمَّ بَنَاهَا بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ .
وَإِنْ بَنَاهَا بِآلَتِهَا ، أَوْ آلَةٍ مِنْ تُرَابِهَا ، أَوْ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُهَا عَرْصَةً ، مُنْذُ نَقَضَهَا إلَى أَنْ بَنَاهَا ، وَأَجَّرَهَا دَارًا فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ لِلْمَالِكِ .
وَحُكْمُهَا فِي نَقْضِ بِنَائِهَا الَّذِي بَنَاهُ الْغَاصِبُ ، حُكْمُ مَا لَوْ غَصَبَهَا عَرْصَةً فَبَنَاهَا .
وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ بَاعَهَا ، فَبَنَاهَا الْمُشْتَرِي ، أَوْ نَقَضَهَا ثُمَّ بَنَاهَا ، فَالْحُكْمُ لَا يَخْتَلِفُ ، لَكِنَّ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَةَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، وَالرُّجُوعَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ ، رَجَعَ الْغَاصِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ مَا تَلِفَ مِنْ الْأَعْيَانِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ ، فَاسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ .
وَإِنْ رَجَعَ

الْمَالِكُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ بِنَقْصِ التَّالِفِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ مَا تَلِفَ .
وَهَلْ يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْأَجْرِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْأَجْرِ إلَّا بِأَجْرِ مُدَّةِ مُقَامِهَا فِي يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ إنَّمَا ثَبَتَتْ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ .

( 3941 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : إنَّ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانَ نَقْصِ الْأَرْضِ ، إنْ كَانَ نَقَصَهَا الْغَرْسُ ، أَوْ نَقَصَتْ بِغَيْرِهِ .
وَهَكَذَا كُلُّ عَيْنٍ مَغْصُوبَةٍ ، عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ نَقْصِهَا إذَا كَانَ نَقْصًا مُسْتَقِرًّا ، كَثَوْبٍ تَخَرَّقَ ، وَإِنَاءٍ تَكَسَّرَ ، وَطَعَامٍ سَوَّسَ ، وَبِنَاءٍ خَرِبَ ، وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا وَأَرْشَ النَّقْصِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ ، كَالْقَفِيزِ مِنْ الطَّعَامِ ، وَالذِّرَاعِ مِنْ الثَّوْبِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا شَقَّ رَجُلٌ لِرَجُلِ ثَوْبًا شَقًّا قَلِيلًا ، أَخَذَ أَرْشَهُ .
وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ، فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ ، وَبَيْنَ إمْسَاكِهِ وَأَخْذِ أَرْشِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ هَذَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ ، فِي الثَّوْبِ : إنْ شَاءَ شَقَّ الثَّوْبَ ، وَإِنْ شَاءَ مِثْلَهُ .
يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنْ شَاءَ أَخَذَ أَرْشَ الشَّقِّ .
وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ أَتْلَفَتْ مُعْظَمَ مَنْفَعَتِهِ ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ شَاةً لَهُ .
وَحَكَى أَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ ، أَنَّهُ إذَا جَنَى عَلَى عَيْنٍ ، فَأَتْلَفَ غَرَضَ صَاحِبِهَا فِيهَا ، كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ رَجَعَ بِمَا نَقَصَتْ ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهَا وَأَخَذَ قِيمَتَهَا .
وَلَعَلَّ مَا يُحْكَى عَنْهُ مِنْ قَطْعِ ذَنَبِ حِمَارِ الْقَاضِي ، يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ غَرَضَهُ بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَرْكَبُهُ فِي الْعَادَةِ .
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ أَتْلَفَ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ السِّلْعَةِ ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ جَمِيعَهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى مَالٍ أَرْشُهَا دُونَ قِيمَتِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الشَّقُّ يَسِيرًا ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةٌ تَنْقُصُ بِهَا الْقِيمَةُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتْلَفْ غَرَضُ صَاحِبِهَا ، وَفِي الشَّاةِ تَلِفَ جَمِيعُهَا ؛ لِأَنَّ

الِاعْتِبَارَ فِي الْإِتْلَافِ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، لَا بِغَرَضِ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا إنْ لَمْ يَصْلُحْ لِهَذَا صَلَحَ لِغَيْرِهِ .

( 3942 ) فَصْلٌ : وَقَدْرُ الْأَرْشِ قَدْرُ نَقْصِ الْقِيمَةِ فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ عَيْنَ الدَّابَّةِ تُضْمَنُ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا .
فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، فِي رَجُلٍ فَقَأَ عَيْنَ دَابَّةٍ لِرَجُلٍ : عَلَيْهِ رُبْعُ قِيمَتِهَا .
قِيلَ لَهُ : فَقَأَ الْعَيْنَيْنِ ؟ فَقَالَ : إذَا كَانَتْ وَاحِدَةً ، فَقَالَ عُمَرُ رُبْعُ الْقِيمَةِ ، وَأَمَّا الْعَيْنَانِ فَمَا سَمِعْت فِيهِمَا شَيْئًا .
قِيلَ لَهُ : فَإِنْ كَانَ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً ؟ فَقَالَ : هَذَا غَيْرُ الدَّابَّةِ ، هَذَا يُنْتَفَعُ بِلَحْمِهِ ، يُنْظَرُ مَا نَقَصَهَا .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَوْجَبَ مِقْدَارًا فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الدَّابَّةِ ، وَهِيَ الْفَرَسُ وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ خَاصَّةً لِلْأَثَرِ الْوَارِدِ فِيهِ ، وَمَا عَدَا هَذَا يُرْجَعُ إلَى الْقِيَاسِ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ ، بِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا } .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى شُرَيْحٍ لَمَّا كَتَبَ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ عَيْنِ الدَّابَّةِ : إنَّا كُنَّا نُنْزِلُهَا مَنْزِلَةَ الْآدَمِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ أَجْمَعَ رَأْيُنَا أَنَّ قِيمَتَهَا رُبْعُ الثَّمَنِ .
وَهَذَا إجْمَاعٌ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ .
ذَكَرَ هَذَيْنِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ " .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَلَعَ عَيْنَ بَهِيمَةٍ يُنْتَفَعُ بِهَا مِنْ وِجْهَتَيْنِ ، كَالدَّابَّةِ وَالْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ ، وَجَبَ نِصْفُ قِيمَتِهَا ، وَفِي إحْدَاهُمَا رُبْعُ قِيمَتِهَا ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجْمَعَ رَأْيُنَا عَلَى أَنَّ قِيمَتَهَا رُبْعُ الثَّمَنِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْعَبْدِ ، أَنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْغَصْبِ بِمَا يَضْمَنُ بِهِ فِي الْجِنَايَةِ ؛ فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانٌ لِأَبْعَاضِ

الْعَبْدِ ، فَكَانَ مُقَدَّرًا مِنْ قِيمَتِهِ ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ ، كَالثَّوْبِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالضَّمَانِ جَبْرُ حَقِّ الْمَالِكِ بِإِيجَابِ قَدْرِ الْمُفَوِّتِ عَلَيْهِ ، وَقَدْرُ النَّقْصِ هُوَ الْجَابِرُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَاتَ الْجَمِيعُ لَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ ، فَإِذَا فَاتَ مِنْهُ شَيْءُ وَجَبَ قَدْرُهُ مِنْ الْقِيمَةِ ، كَغَيْرِ الْحَيَوَانِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَلَا أَصْلَ لَهُ ، وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمَا احْتَجَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِحَدِيثِ عُمَرَ وَتَرَكُوهُ ، فَإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ يُحْتَجّ بِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَدْرَ نَقْصِهَا ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا ، وَلَوْ كَانَ تَقْدِيرًا ، لَوَجَبَ فِي الْعَيْنِ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، كَعَيْنِ الْآدَمِيِّ .
وَأَمَّا ضَمَانُ الْجِنَايَةِ عَلَى أَطْرَافِ الْعَبْدِ ، فَمَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ ، لِلْإِلْحَاقِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ ، وَالْوَاجِبُ هَاهُنَا ضَمَانُ الْيَدِ ، وَلَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَى الْحُرِّ ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ فِيهِ عَلَى مُوجِبِ الْأَصْلِ ، وَإِلْحَاقُهُ بِسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمَغْصُوبَةِ .
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ هَذَا فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالدَّابَّةِ .
لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَقَوْلُ عُمَرَ إنَّمَا هُوَ فِي الدَّابَّةُ ، وَالدَّابَّةُ فِي الْعُرْفِ مَا يُعَدُّ لِلرُّكُوبِ دُونَ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .

( 3943 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا ، فَجَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً مُقَدَّرَةَ الدِّيَةِ ، فَعَلَى قَوْلِنَا : ضَمَانُ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ .
الْوَاجِبُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ ، فَنَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ .
وَإِنْ قُلْنَا : ضَمَانُ الْغَصْبِ غَيْرُ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ ، مِنْ أَرْشِ النَّقْصِ أَوْ دِيَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ ، لِأَنَّ سَبَبَ ضَمَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجِدَ ، فَوَجَبَ أَكْثَرُهُمَا ، وَدَخَلَ الْآخَرُ فِيهِ ، فَإِنَّ الْجِنَايَةَ وَالْيَدَ وُجِدَا جَمِيعًا .
فَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا ؛ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ ، فَصَارَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ ، ثُمَّ قَطَعَ يَدَهُ ، فَنَقَصَ أَلْفًا ، لَزِمَهُ أَلْفٌ ، وَرَدَّ الْعَبْدَ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ زِيَادَةِ السُّوقِ مَعَ تَلَفِ الْعَيْنِ مَضْمُونَةٌ ، وَيَدُ الْعَبْدِ كَنِصْفِهِ ، فَكَأَنَّهُ بِقَطْعِ يَدِهِ فَوَّتَ نِصْفَهُ .
وَإِنْ نَقَصَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ ، وَقُلْنَا : الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ .
فَعَلَيْهِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ ، وَيَرُدُّ الْعَبْدَ .
وَإِنْ قُلْنَا : ضَمَانُ الْجِنَايَةِ .
فَعَلَيْهِ أَلْفٌ ، وَرَدُّ الْعَبْدِ فَحَسْبُ .
وَإِنْ نَقَصَ خَمْسَمِائَةٍ ، فَعَلَيْهِ رَدُّ الْعَبْدِ ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَلْفٌ أَوْ خَمْسُمِائَةٍ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .

( 3944 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا ، فَقَطَعَ آخَرُ يَدَهُ ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ قَطَعَ يَدَهُ ، وَالْغَاصِبُ حَصَلَ النَّقْصُ فِي يَدِهِ ، إنْ ضَمَّنَ الْجَانِيَ ، فَلَهُ تَضْمِينُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لَا غَيْرُ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضَمِّنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ .
وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ إنْ نَقَصَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ ، أَوْ لَمْ يَنْقُصْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ .
لَمْ يَضْمَنْ الْغَاصِبُ هَاهُنَا شَيْئًا .
وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ ، وَقُلْنَا : إنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ كَضَمَانِ الْجِنَايَةِ .
ضَمَّنَهُ نِصْفَ الْقِيمَةِ ، وَرَجَعَ بِهَا الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ بِمَا نَقَصَ .
فَلِرَبِّ الْعَبْدِ تَضْمِينُهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ ؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ فِي يَدِهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِنِصْفِ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَرْشُ جِنَايَتِهِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا .

فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَقَطَعَ أُذُنَيْهِ ، أَوْ يَدَيْهِ ، أَوْ ذَكَرَهُ ، أَوْ أَنْفَهُ ، أَوْ لِسَانَهُ أَوْ خُصْيَتَيْهِ ، لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كُلُّهَا ، وَرَدُّ الْعَبْدِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ وَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ وَيَمْلِكُهُ الْجَانِي ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ ، فَلَا يَبْقَى مِلْكُ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ مَعَ ضَمَانِهِ لَهُ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمُتْلَفَ الْبَعْضُ ، فَلَا يَقِفُ ضَمَانُهُ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ جُمْلَتِهِ ، كَقَطْعِ ذَكَرِ الْمُدَبَّرِ ، وَكَقَطْعِ إحْدَى يَدَيْهِ أَوْ أُذُنَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ الْمُفَوِّتُ ، فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْ غَيْرِهِ بِضَمَانِهِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ تِسْعَ أَصَابِعَ .
وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَمَّا ذَكَرُوهُ ، فَإِنَّ الضَّمَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُتْلَفِ ، لَا فِي مُقَابَلَةِ الْجُمْلَةِ .
فَأَمَّا إنْ ذَهَبَتْ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ ، فَهَلْ يَضْمَنُهَا ضَمَانَ الْإِتْلَافِ ، أَوْ بِمَا نَقَصَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، سَبَقَ ذِكْرُهُمَا .

( 3946 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ ، فَجِنَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي ، لِكَوْنِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ، فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ ، كَسَائِرِ نَقْصِهِ .
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الْمَالَ .
وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ النَّقْصِ الَّذِي لَحِقَ الْعَبْدَ .
وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ ، فَجِنَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ جِنَايَاتِهِ ، فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ .

( 3947 ) فَصْلٌ : إذَا نَقَصَتْ عَيْنُ الْمَغْصُوبِ دُونَ قِيمَتِهِ ، فَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الذَّاهِبُ جُزْءًا مُقَدَّرَ الْبَدَلِ ، كَعَبْدٍ خَصَاهُ ، وَزَيْتٍ أَغْلَاهُ ، وَنُقْرَةٍ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ فَنَقَصَتْ عَيْنُهَا دُونَ قِيمَتِهَا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُ النَّقْصِ ، فَيَضْمَنُ نَقْصَ الْعَبْدِ بِقِيمَتِهِ ، وَنَقْصَ الزَّيْتِ وَالنُّقْرَةِ بِمِثْلِهِمَا مَعَ رَدِّ الْبَاقِي مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ النَّاقِصَ مِنْ الْعَيْنِ لَهُ بَدَلٌ مُقَدَّرٌ ، فَلَزِمَهُ مَا تُقُدِّرَ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ الْجَمِيعَ .
الثَّانِي ، أَنْ لَا يَكُونَ مُقَدَّرًا ، مِثْلَ إنْ غَصَبَ عَبْدًا ذَا سِمَنٍ مُفْرِطٍ ، فَخَفَّ جِسْمُهُ ، وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ سِوَى رَدِّهِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا أَوْجَبَ فِي هَذَا مَا نَقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ ، وَلَمْ يُقَدِّرْ بَدَلَهُ ، وَلَمْ تَنْقُصْ الْقِيمَةُ ، فَلَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ، بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى ؛ فَإِنَّ الذَّاهِبَ مُقَدَّرُ الْبَدَلِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بَدَلُهُ .
الثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ فِي مُقَدَّرِ الْبَدَلِ ، لَكِنَّ الذَّاهِبَ مِنْهُ أَجْزَاءٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ ، كَعَصِيرٍ أَغْلَاهُ فَذَهَبَتْ مَائِيَّتُهُ ، وَانْعَقَدَتْ أَجْزَاؤُهُ ، فَنَقَصَتْ عَيْنُهُ دُونَ قِيمَتِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا شَيْءَ فِيهِ سِوَى رَدِّهِ ؛ لِأَنَّ النَّارَ إنَّمَا أَذْهَبَتْ مَائِيَّتَهُ الَّتِي يَقْصِدُ ذَهَابَهَا ، وَلِهَذَا تَزْدَادُ حَلَاوَتُهُ ، وَتَكْثُرُ قِيمَتُهُ ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا ، كَسِمَنِ الْعَبْدِ الَّذِي يَنْقُصُ قِيمَتَهُ .
وَالثَّانِي ، يَجِبُ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّرُ الْبَدَلِ ، فَأَشْبَهَ الزَّيْتَ إذَا أَغْلَاهُ .
وَإِنْ نَقَصَتْ الْعَيْنُ وَالْقِيمَةُ جَمِيعًا ، وَجَبَ فِي الزَّيْتِ وَشِبْهِهِ ضَمَانُ النَّقْصَيْنِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ مُنْفَرِدًا ، فَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رِطْلُ زَيْتٍ قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ ، فَأَغْلَاهُ ، فَنَقَصَ ثُلُثُهُ ، فَصَارَ قِيمَةُ الْبَاقِي نِصْفَ دِرْهَمٍ ، فَعَلَيْهِ ثُلُثُ رِطْلٍ وَسُدُسُ دِرْهَمٍ .
وَإِنْ

كَانَتْ قِيمَةُ الْبَاقِي ثُلُثَيْ دِرْهَمٍ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ رِطْلٍ ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْبَاقِي لَمْ تَنْقُصْ .
وَإِنْ خَصَى الْعَبْدَ ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ضَمَانِ خُصْيَتَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ فَقَأَ عَيْنَيْهِ .
وَهَلْ يَجِبُ فِي الْعَصِيرِ مَا نَقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ ، أَوْ يَكُونُ كَالزَّيْتِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .

( 3948 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَسَمِنَ سِمَنًا نَقَصَتْ بِهِ قِيمَتُهُ ، أَوْ كَانَ شَابًّا فَصَارَ شَيْخًا ، أَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ نَاهِدًا فَسَقَطَ ثَدْيَاهَا .
وَجَبَ أَرْشُ النَّقْصِ .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .
فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَمْرَدَ ، فَنَبَتَتْ لِحْيَتُهُ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ ، وَجَبَ ضَمَانُ نَقْصِهِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ لَا يُقْصَدُ قَصْدًا صَحِيحًا ، فَأَشْبَهَ الصِّنَاعَةَ الْمُحَرَّمَةَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ نَقَصَ فِي الْقِيمَةِ بِتَغَيُّرِ صِفَتِهِ ، فَيَضْمَنُهُ ، كَبَقِيَّةِ الصُّوَرِ .

( 3949 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نَقْصًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ ، كَطَعَامٍ ابْتَلَّ .
وَخِيفَ فَسَادُهُ ، أَوْ عَفِنَ وَخُشِيَ تَلَفُهُ .
فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهِ .
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .
وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ ؛ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ نَقْصَهُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ قَدْرُ نَقْصِهِ ، وَكُلَّمَا نَقَصَ شَيْئًا ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ إلَى السَّبَبِ الْمَوْجُودِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ، فَكَانَ كَالْمَوْجُودِ فِي يَدِهِ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَتَخَيَّرُ صَاحِبُهُ بَيْنَ أَخْذِ بَدَلِهِ ، وَبَيْنِ تَرْكِهِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهُ ، وَيَأْخُذَ أَرْشَ نَقْصِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ ، أَوْ تَسْلِيمِهِ إلَى الْغَاصِب وَيَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ النَّقْصَ لَحَصَلَ لَهُ مِثْلُ كَيْلِهِ وَزِيَادَةٌ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ ، كَمَا لَوْ بَاعَ قَفِيزًا جَيِّدًا بِقَفِيزٍ رَدِيءٍ وَدِرْهَمٍ .
وَلَنَا ، أَنَّ عَيْنَ مَالِهِ بَاقِيَةٌ ، وَإِنَّمَا حَدَثَ فِيهِ نَقْصٌ ، فَوَجَبَ فِيهِ مَا نَقَصَ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَبْدًا فَمَرِضَ .
وَقَدْ وَافَقَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا فِي الْعَفَنِ .
وَقَالَ : يَضْمَنُ مَا نَقَصَ ، قَوْلًا وَاحِدًا ، وَلَا يَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ .
وَهَذَا الْفَرْقُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْبَلَلَ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ أَيْضًا ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَفَنُ بِسَبَبٍ مِنْهُ .
ثُمَّ إنَّ مَا وُجِدَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ، لِوُجُودِهِ فِي يَدِهِ ، فَلَا فَرْقَ .
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا الطَّعَامَ عَيْنُ مَالِهِ ، وَلَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْهُ .
وَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ لَا بَأْسَ بِهِ .

( 3950 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ زَرَعَهَا ، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ ، كَانَ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ الزَّرْعَ ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ ) قَوْلُهُ : " فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا " يَعْنِي اسْتَرْجَعَهَا مِنْ الْغَاصِبِ ، أَوْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ .
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " اُسْتُحِقَّتْ " .
يَعْنِي أَخَذَهَا مُسْتَحِقُّهَا .
فَمَتَى كَانَ هَذَا بَعْدَ حَصَادِ الْغَاصِبِ الزَّرْعَ ، فَإِنَّهُ لِلْغَاصِبِ .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ وَضَمَانُ النَّقْصِ .
وَلَوْ لَمْ يَزْرَعْهَا ، فَنَقَصَتْ لِتَرْكِ الزِّرَاعَةِ ، كَأَرَاضِي الْبَصْرَةِ ، أَوْ نَقَصَتْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، ضَمِنَ نَقْصَهَا أَيْضًا ؛ لِمَا قَدَّمْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ .
فَأَمَّا إنْ أَخَذَهَا صَاحِبُهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ فِيهَا ، لَمْ يَمْلِكْ إجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ ، وَخُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ أَنْ يُقِرُّ الزَّرْع فِي الْأَرْضِ إلَى الْحَصَادِ ، وَيَأْخُذَ مِنْ الْغَاصِبِ أَجْرَ الْأَرْضِ وَأَرْشَ نَقْصِهَا ، وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نَفَقَتَهُ وَيَكُونَ الزَّرْعُ لَهُ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : يَمْلِكُ إجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْغَرْسِ سَوَاءٌ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ } .
وَلِأَنَّهُ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ظُلْمًا ، أَشْبَهَ الْغِرَاسَ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ .
وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ ،

فَأَعْجَبَهُ ، فَقَالَ : مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ .
فَقَالَ : إنَّهُ لَيْسَ لِظُهَيْرٍ ، وَلَكِنَّهُ لِفُلَانٍ .
قَالَ : فَخُذُوا زَرْعَكُمْ ، وَرُدُّوا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ .
قَالَ رَافِعٌ : فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا ، وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ } .
وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافِ مَالِ الْغَاصِبِ ، عَلَى قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ ، فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ سَفِينَةً ، فَحَمَلَ فِيهَا مَالَهُ .
وَأَدْخَلَهَا الْبَحْرَ ، أَوْ غَصَبَ لَوْحًا .
فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً ، فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّ الْمَغْصُوبِ فِي اللُّجَّةِ ، وَيُنْتَظَرُ حَتَّى تُرْسَى ، صِيَانَةً لِلْمَالِ عَنْ التَّلَفِ .
كَذَا هَاهُنَا .
وَلِأَنَّهُ زَرْعٌ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ .
كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُسْتَعَارَةً أَوْ مَشْفُوعَةً .
وَفَارَقَ الشَّجَرَ وَالنَّخْلَ ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ تَتَطَاوَلُ ، وَلَا يُعْلَمُ مَتَى يَنْقَطِعُ مِنْ الْأَرْضِ ، فَانْتِظَارُهُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ رَدِّ الْأَصْلِ بِالْكُلِّيَّةِ .
وَحَدِيثُهُمْ وَرَدَ فِي الْغَرْسِ ، وَحَدِيثُنَا فِي الزَّرْعِ ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَيُعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ .
وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَتَى رَضِيَ الْمَالِكُ بِتَرْكِ الزَّرْعِ لِلْغَاصِبِ .
وَيَأْخُذُ مِنْهُ أَجْرَ الْأَرْضِ .
فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ ، فَمَلَكَ صَاحِبُهُ أَخْذَ أَجْرِهِ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ فِي الدَّارِ طَعَامًا أَوْ أَحْجَارًا يَحْتَاجُ فِي نَقْلِهِ إلَى مُدَّةٍ .
وَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ الزَّرْعِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، كَمَا يَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ أَخْذَ شَجَرِ الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ .
وَفِيمَا يُرَدُّ عَلَى الْغَاصِبِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، قِيمَةُ الزَّرْعِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الزَّرْعِ .
فَيُقَدَّرُ بِقِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ .
وَلِأَنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ إلَى حِينِ انْتِزَاعِ الْمَالِكِ لَهُ مِنْهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ انْتِزَاعِ الْمَالِكِ لَهُ ، كَانَ مِلْكًا

لَهُ .
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ لَمَا مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ .
فَيَكُونُ أَخْذُ الْمَالِكِ لَهُ تَمَلُّكًا لَهُ ، إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ أَخَذَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ .
وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ الْأَرْضِ إلَى حِينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ ، وَقَدْ شَغَلَ بِهِ أَرْضَ غَيْرِهِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْغَاصِبِ مَا أَنْفَقَ مِنْ الْبَذْرِ ، وَمُؤْنَةِ الزَّرْعِ فِي الْحَرْثِ وَالسَّقْيِ ، وَغَيْرِهِ .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي .
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ " .
وَقِيمَةُ الشَّيْءِ لَا تُسَمَّى نَفَقَةً لَهُ .
وَالْحَدِيثُ ، مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى هَذَا الْحُكْمِ اسْتِحْسَانًا ، عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ عَيْنِ مَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَحَضَنَتْ بَيْضًا لَهُ .
أَوْ طَعَامًا فَعَلَفَهُ دَوَابَّ لَهُ ، كَانَ النَّمَاءُ لَهُ .
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَحْمَدُ فَقَالَ : هَذَا شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ ، أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نَفَقَتَهُ ؛ لِلْأَثَرِ .
وَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُ لِلْغَاصِبِ إذَا اسْتَحَقَّتْ الْأَرْضُ بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ لَهُ ، وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُتَّبَعَ مَدْلُولُهُ .
( 3951 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا يَبْقَى أُصُولُهُ فِي الْأَرْضِ ، وَيُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالرَّطْبَةِ وَالنَّعْنَاعِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الزَّرْعِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَرْعٌ قَوِيٌّ ، فَأَشْبَهَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ .
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَرْسِ ؛ لِبَقَاءِ أَصْلِهِ وَتَكَرُّرِ أَخْذِهِ ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ زَرْعٍ مِثْلُ حُكْمِ الْغَرْسِ ، وَإِنَّمَا تُرِكَ فِيمَا تَقِلُّ مُدَّتُهُ لِلْأَثَرِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى

قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ .

( 3952 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا فَأَثْمَرَتْ ، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ ثَمَرَتَهَا ، فَهِيَ لَهُ .
وَإِنْ أَدْرَكَهَا وَالثَّمَرَةُ فِيهَا ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ شَجَرِهِ ، فَكَانَتْ لَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَرْضِهِ ، وَلِأَنَّهَا نَمَاءُ أَصْلٍ مَحْكُومٍ بِهِ لِلْغَاصِبِ ، فَكَانَ لَهُ ، كَأَغْصَانِهَا وَوَرَقِهَا .
وَلَبَنِ الشَّاةِ وَوَلَدِهَا .
وَقَالَ الْقَاضِي : هِيَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إنْ أَدْرَكَهَا فِي الْغِرَاسِ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ : إذَا غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا ، فَالنَّمَاءُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَعَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ مَا أَنْفَقَهُ الْغَارِسُ مِنْ مُؤْنَةِ الثَّمَرَةِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ فِي مَعْنَى الزَّرْعِ فَكَانَتْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إذَا أَدْرَكَهُ قَائِمًا فِيهَا ، كَالزَّرْعِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أَخْذَ رَبِّ الْأَرْضِ الزَّرْعَ شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ ، وَإِنَّمَا صَارَ إلَيْهِ لِلْأَثَرِ ، فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهِ ، وَلَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ تُفَارِقُ الزَّرْعَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الزَّرْعَ نَمَاءُ الْأَرْضِ ، فَكَانَ لِصَاحِبِهَا ، وَالثَّمَرَةُ نَمَاءُ الشَّجَرِ .
فَكَانَ لِصَاحِبِهِ .
الثَّانِي ، أَنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَ الزَّرْعِ الَّذِي أَخَذَهُ ، مِثْلُ الْبَذْرِ الَّذِي نَبَتَ مِنْهُ الزَّرْعُ ، مَعَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الثَّمَرِ .

( 3953 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ شَجَرًا فَأَثْمَرَ ، فَالثَّمَرُ لِصَاحِبِ الشَّجَرِ .
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ ، وَلِأَنَّ الشَّجَرَ عَيْنُ مِلْكِهِ نَمَا وَزَادَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَالَتْ أَغْصَانُهُ .
وَعَلَيْهِ رَدُّ الثَّمَرِ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ .
وَإِنْ كَانَ رُطَبًا فَصَارَ تَمْرًا ، أَوْ عِنَبًا فَصَارَ زَبِيبًا ، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ إنْ نَقَصَ ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ بِعَمَلِهِ فِيهِ ، وَلَيْسَ لِلشَّجَرِ أُجْرَةٌ ؛ لِأَنَّ أُجْرَتَهَا لَا تَجُوزُ فِي الْعُقُودِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْغَصْبِ ، وَلِأَنَّ نَفْعَ الشَّجَرِ تَرْبِيَةُ الثَّمَرِ وَإِخْرَاجُهُ ، وَقَدْ عَادَتْ هَذِهِ الْمَنَافِعُ إلَى الْمَالِكِ .
وَلَوْ كَانَتْ مَاشِيَةً ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ وَلَدِهَا إنْ وَلَدَتْ عِنْدَهُ ، وَيَضْمَنُ لَبَنَهَا بِمِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، وَيَضْمَنُ أَوْبَارَهَا وَأَشْعَارَهَا بِمِثْلِهِ ، كَالْقُطْنِ .

( 3954 ) فَصْلٌ : وَإِذَا غَصَبَ أَرْضًا ، فَحُكْمُهَا فِي جَوَازِ دُخُولِ غَيْرِهِ إلَيْهَا حُكْمُهَا قَبْلَ الْغَصْبِ .
فَإِنْ كَانَتْ مُحَوَّطَةً ، كَالدَّارِ وَالْبُسْتَانِ الْمُحَوَّطِ ، لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ مَالِكِهَا دُخُولُهَا ؛ لِأَنَّ مِلْكَ مَالِكِهَا لَمْ يَزُلْ عَنْهَا ، فَلَمْ يَجُزْ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي الضَّيْعَةِ تَصِيرُ غَيْضَةً فِيهَا سَمَكٌ : لَا يَصِيدُ فِيهَا أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِمْ .
وَإِنْ كَانَتْ صَحْرَاءَ ، جَازَ الدُّخُولُ فِيهَا وَرَعْيُ حَشِيشِهَا .
قَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ بِرَعْيِ الْكَلَأِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَأَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ .
وَيَتَخَرَّجُ فِي كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ مِثْلُ حُكْمِ الْأُخْرَى .
قِيَاسًا لَهَا عَلَيْهَا .
وَنَقَلَ عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ ، فِي رَجُلٍ وَالِدَاهُ فِي دَارٍ طَوَابِيقُهَا غَصْبٌ .
لَا يَدْخُلُ عَلَى وَالِدَيْهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ دُخُولَهُ عَلَيْهِمَا تَصَرُّفٌ فِي الطَّوَابِيقِ الْمَغْصُوبَةِ .
وَنَقَلَ عَنْهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ، فِي رَجُلٍ لَهُ إخْوَةٌ فِي أَرْضِ غَصْبٍ : يَزُورُهُمْ وَيُرَاوِدُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ ، فَإِنْ أَجَابُوهُ ، وَإِلَّا لَمْ يُقِمْ مَعَهُمْ ، وَلَا يَدَعُ زِيَارَتَهُمْ .
يَعْنِي يَزُورُهُمْ بِحَيْثُ يَأْتِي بَابَ دَارِهِمْ ، وَيَتَعَرَّفُ أَخْبَارَهُمْ ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ، وَيُكَلِّمُهُمْ ، وَلَا يَدْخُلُ إلَيْهِمْ .
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْهُ : أَكْرَهُ الْمَشْيَ عَلَى الْعَبَّارَةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ .
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبَّارَةَ وُضِعَتْ لِعُبُورِ الْمَاءِ ، لَا لِلْمَشْيِ عَلَيْهَا ، وَرُبَّمَا كَانَ الْمَشْيُ عَلَيْهَا يَضُرُّ بِهَا .
وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَدْفِنُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي أَرْضِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ .
وَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا مِنْ مَوْضِعِ غَصْبٍ ، ثُمَّ عَلِمَ : رَجَعَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ ، فَرَدَّهُ .
وَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : يَطْرَحُهُ .
يَعْنِي عَلَى مَنْ ابْتَاعَهُ مِنْهُ ؛ وَذَلِكَ

لِأَنَّ قُعُودَهُ فِيهِ حَرَامٌ ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَكَانَ الْبَيْعُ فِيهِ مُحَرَّمًا ، وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ مِمَّنْ يَقْعُدُ فِي الْمَوْضِعِ الْمُحَرَّمِ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْقُعُودِ وَالْبَيْعِ فِيهِ ، وَتَرْكُ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْقُعُودِ .
وَقَالَ : لَا يَبْتَاعُ مِنْ الْخَانَاتِ الَّتِي فِي الطُّرُقِ ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ .
كَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُضْطَرِّ .
وَقَالَ فِي السُّلْطَانِ إذَا بَنَى دَارًا ، وَجَمَعَ النَّاسَ إلَيْهَا : أَكْرَهُ الشِّرَاءَ مِنْهَا .
وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ ، وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ، فِي رِوَايَةٍ ، وَهِيَ عِبَادَةٌ ، فَمَا لَيْسَ بِعِبَادَةِ أَوْلَى .
وَقَالَ فِي مَنْ غَصَبَ ضَيْعَةً ، وَغُصِبَتْ مِنْ الْغَاصِبِ ، فَأَرَادَ الثَّانِي رَدَّهَا : جَمَعَ بَيْنَهُمَا .
يَعْنِي بَيْنَ مَالِكِهَا وَالْغَاصِبِ الْأَوَّلِ .
وَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُمْ ، جَمَعَ وَرَثَتَهُ .
إنَّمَا قَالَ هَذَا احْتِيَاطًا ، خَوْفَ التَّبِعَةِ مِنْ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا طَالَبَ بِهَا ، وَادَّعَاهَا مِلْكًا بِالْيَدِ ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ رَدُّهَا عَلَى مَالِكِهَا .
وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، فِي رَجُلٍ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا أَلْفًا ، فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى الْمُسْتَوْدَعِ ، فَقَالَ : إنَّ فُلَانًا غَصَبَنِي الْأَلْفَ الَّذِي اسْتَوْدَعَكَهُ .
وَصَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُسْتَوْدَعِ ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ التَّبِعَةَ ، وَهُوَ أَنْ يَرْجِعُوا بِهِ عَلَيْهِ ، دَفَعَهُ إلَيْهِ .
"

( 3955 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا ، أَوْ أَمَةً ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ ، فَزَادَ فِي بَدَنِهِ ، أَوْ بِتَعَلُّمٍ ، حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ مِائَتَيْنِ ، ثُمَّ نَقَصَ بِنُقْصَانِ بَدَنِهِ ، أَوْ نِسْيَانِ مَا عُلِّمَ ، حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً ، أَخَذَهُ السَّيِّدُ ، وَأَخَذَ مِنْ الْغَاصِبِ مِائَةً ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عِوَضُ الزِّيَادَةِ ، إلَّا أَنْ يُطَالِبَ بِرَدِّهَا زَائِدَةً ، فَلَا يَرُدُّهَا ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْعَيْنَ كَمَا أَخَذَهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْ نَقْصَ قِيمَتِهَا ، كَنَقْصِ سِعْرِهَا ، وَلَنَا ، أَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي نَفْسِ الْمَغْصُوبِ ، فَلَزِمَ الْغَاصِبَ ضَمَانُهَا ، كَمَا لَوْ طَالَبَهُ بِرَدِّهَا فَلَمْ يَفْعَلْ .
وَفَارَقَ زِيَادَةَ السِّعْرِ ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَالَ الْغَصْبِ ، لَمْ يَضْمَنْهَا ، وَالصِّنَاعَةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ ، فَهِيَ صِفَةٌ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ يَضْمَنُهَا إذَا طُولِبَ بِرَدِّ الْعَيْنِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فَلَمْ يَرُدَّهَا ، وَأَجْرَيْنَاهَا هِيَ وَالتَّعَلُّمَ مَجْرَى السِّمَنِ الَّذِي هُوَ عَيْنٌ ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ تَتْبَعُ الْعَيْنَ ، وَأَجْرَيْنَا الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مَجْرَى الزِّيَادَةِ الْمَوْجُودَةِ حَالَ الْغَصْبِ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْعَيْنِ الْمَمْلُوكَةِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَتَكُونُ مَمْلُوكَةً لَهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْعَيْنِ .
فَأَمَّا إنْ غَصَبَ الْعَيْنَ سَمِينَةً ، أَوْ ذَاتَ صِنَاعَةٍ ، أَوْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَنَحْوَهُ ، فَهَزَلَتْ وَنَسِيَتْ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهَا .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ عَنْ حَالِ غَصْبِهَا نَقْصًا أَثَّرَ فِي قِيمَتِهَا ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا .
( 3956 ) فَصْلٌ : إذَا غَصَبَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ فَسَمِنَتْ ، فَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا ، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ صِنَاعَةً ، فَبَلَغَتْ أَلْفَيْنِ ، ثُمَّ هَزَلَتْ وَنَسِيَتْ ، فَعَادَتْ قِيمَتُهَا إلَى مِائَةٍ ، رَدَّهَا وَرَدَّ أَلْفًا

وَتِسْعَمِائَةٍ .
وَإِنْ بَلَغَتْ بِالسِّمَنِ أَلْفًا ، ثُمَّ هَزَلَتْ فَبَلَغَتْ مِائَةً ، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ فَبَلَغَتْ أَلْفًا ، ثُمَّ نَسِيَتْ فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ ، رَدَّهَا وَرَدَّ أَلْفًا وَثَمَانِمِائَةٍ ؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ بِالْهُزَالِ تِسْعَمِائَةٍ ، وَبِالنِّسْيَانِ تِسْعَمِائَةٍ .
وَإِنْ سَمِنَتْ فَبَلَغَتْ أَلْفًا ، ثُمَّ هَزَلَتْ فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ ، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ فَعَادَتْ إلَى أَلْفٍ ، رَدَّهَا وَتِسْعَمِائَةٍ ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى أَوْجَبَ الضَّمَانَ ، ثُمَّ حَدَثَتْ زِيَادَةٌ أُخْرَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَلَا يَنْجَبِرُ مِلْكُ الْإِنْسَانِ بِمُلْكِهِ ، وَأَمَّا إذَا بَلَغَتْ بِالسِّمَنِ أَلْفًا ، ثُمَّ هَزَلَتْ فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ ، ثُمَّ سَمِنَتْ فَعَادَتْ إلَى أَلْفٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَرُدُّهَا زَائِدَةً ، وَيَضْمَنُ نَقْصَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى ، كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ ، فَإِنَّ مِلْكَ الْإِنْسَانِ لَا يَنْجَبِرُ بِمِلْكِهِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الْأُولَى .
فَعَلَى هَذَا إنْ هَزَلَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً ، فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ ، ضَمِنَ النَّقْصَيْنِ بِأَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا رَدَّهَا سَمِينَةً ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ مَا ذَهَبَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَرِضَتْ فَنَقَصَتْ ، ثُمَّ عُوفِيَتْ ، أَوْ نَسِيَتْ صِنَاعَةً ثُمَّ تَعَلَّمَتْهَا ، أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ ثُمَّ عَادَ .
وَفَارَقَ مَا إذَا زَادَتْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَعُدْ مَا ذَهَبَ .
وَهَذَا الْوَجْهُ ، أَقْيَسُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ شَوَاهِدِهِ .
فَعَلَى هَذَا لَوْ سَمِنَتْ بَعْدَ الْهُزَالِ ، وَلَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا إلَى مَا بَلَغَتْ فِي السِّمَنِ الْأَوَّلِ ، أَوْ زَادَتْ عَلَيْهِ ، ضَمِنَ أَكْثَرَ الزِّيَادَتَيْنِ ، وَتَدْخُلُ الْأُخْرَى فِيهَا .
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَضْمَنُهُمَا جَمِيعًا .
فَأَمَّا إنْ زَادَتْ بِالتَّعْلِيمِ أَوْ الصِّنَاعَةِ ، ثُمَّ نَسِيَتْ ، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ مَا نَسِيَتْهُ ، فَعَادَتْ الْقِيمَةُ الْأُولَى ، لَمْ يَضْمَنْ النَّقْصَ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ

الثَّانِيَ هُوَ الْأَوَّلُ ، فَقَدْ عَادَ مَا ذَهَبَ .
وَإِنْ تَعَلَّمَتْ عِلْمًا آخَرَ ، أَوْ صِنَاعَةً أُخْرَى ، فَهُوَ كَعَوْدِ السِّمَنِ ، فِيهِ وَجْهَانِ .
ذَكَرَ هَذَا الْقَاضِي ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : مَتَى زَادَتْ ، ثُمَّ نَقَصَتْ ، ثُمَّ زَادَتْ مِثْلَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى ، فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ، سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِنْسٍ كَالسِّمَنِ مَرَّتَيْنِ ، أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ كَالسِّمَنِ وَالتَّعْلِيمِ .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .

( 3957 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَرِضَ الْمَغْصُوبُ ثُمَّ بَرَأَ ، أَوْ ابْيَضَّتْ عَيْنُهُ ثُمَّ ذَهَبَ بَيَاضُهَا ، أَوْ غَصَبَ جَارِيَةً حَسْنَاءَ فَسَمِنَتْ سِمَنًا نَقَصَهَا ، ثُمَّ خَفَّ سِمَنُهَا فَعَادَ حُسْنُهَا وَقِيمَتُهَا رَدَّهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مَا لَهُ قِيمَةٌ ، وَالْعَيْبُ الَّذِي أَوْجَبَ الضَّمَانَ زَالَ فِي يَدَيْهِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَتْ فَنَقَصَتْ ، ثُمَّ وَضَعَتْ فَزَالَ نَقْصُهَا ، لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا .
فَإِنْ رَدَّ الْمَغْصُوبَ نَاقِصًا بِمَرَضٍ ، أَوْ عَيْبٍ ، أَوْ سِمَنٍ مُفْرِطٍ ، أَوْ حَمْلٍ ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ ، فَإِنْ زَالَ عَيْبُهُ فِي يَدَيْ مَالِكِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْ أَرْشِهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ .
وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَ الْمَغْصُوبَ دُونَ أَرْشِهِ ، ثُمَّ زَالَ الْعَيْبُ قَبْلَ أَخْذِ أَرْشِهِ ، لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهُ ؛ لِذَلِكَ .

( 3958 ) فَصْلٌ : زَوَائِدُ الْغَصْبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مَضْمُونَةٌ ضَمَانَ الْغَصْبِ ، مِثْلُ السِّمَنِ ، وَتَعَلُّمِ الصِّنَاعَةِ ، وَغَيْرِهَا ، وَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ ، وَوَلَدِ الْحَيَوَانِ ، مَتَى تَلِفَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ضَمِنَهُ ، سَوَاءٌ تَلِفَ مُنْفَرِدًا ، أَوْ تَلِفَ مَعَ أَصْلِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : لَا يَجِبُ ضَمَانُ زَوَائِدِ الْغَصْبِ ، إلَّا أَنْ يُطَالَبَ بِهَا فَيَمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهَا ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَغْصُوبَةٍ ، فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهَا ، كَالْوَدِيعَةِ ، وَدَلِيلُ عَدَمِ الْغَصْبِ أَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ ، وَثُبُوتُ يَدِهِ عَلَى هَذِهِ الزَّوَائِدِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ انْبَنَى عَلَى وُجُودِ الزَّوَائِدِ فِي يَدِهِ ، وَوُجُودُهَا لَيْسَ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ مِنْهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَالُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، حَصَلَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِالْغَصْبِ ، فَيَضْمَنُهُ بِالتَّلَفِ ، كَالْأَصْلِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ إثْبَاتَ يَدِهِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ .
لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ بِإِمْسَاكِ الْأُمِّ تَسَبَّبَ إلَى إثْبَاتِ يَدِهِ عَلَى هَذِهِ الزَّوَائِدِ ، وَإِثْبَاتُ يَدِهِ عَلَى الْأُمِّ مَحْظُورٌ .

( 3959 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ نَقْصِ الْقِيمَةِ الْحَاصِلِ بِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ ، فَيَلْزَمُهُ إذَا رَدَّهَا ، كَالسِّمَنِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ رَدَّ الْعَيْنَ بِحَالِهَا ، لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا عَيْنٌ وَلَا صِفَةٌ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَنْقُصْ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا مَعَ تَلَفِ الْعَيْنِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلِأَنَّهُ وَجَبَتْ قِيمَةُ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قِيمَتُهَا ، فَدَخَلَتْ فِي التَّقْوِيمِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهَا ؛ فَإِنَّ الْقِيمَةَ لَا تَجِبُ ، وَيُخَالِفُ السِّمَنَ ، فَإِنَّهُ مِنْ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ ، وَالْعِلْمُ بِالصِّنَاعَةِ صِفَةٌ فِيهَا ، وَهَا هُنَا لَمْ تَذْهَبْ عَيْنٌ وَلَا صِفَةٌ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي الْقِيمَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي الْعَيْنِ ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ كُلُّهَا كَمَا كَانَتْ ، وَلِأَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ مَا غَصَبَ ، وَالْقِيمَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَصْبِ ، بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْعَيْنِ ، فَإِنَّهَا مَغْصُوبَةٌ وَقَدْ ذَهَبَتْ .

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71