الكتاب : المغني
المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي

بَيْعٌ لِلْحِنْطَةِ بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا ، فَحَرُمَ ، كَبَيْعِ مَكِيلَةٍ بِمَكِيلَتَيْنِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّحْنَ قَدْ فَرَّقَ أَجْزَاءَهَا ، فَيَحْصُلُ فِي مِكْيَالِهَا دُونَ مَا يَحْصُلُ فِي مِكْيَالِ الْحِنْطَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّفَاضُلُ ، فَقَدْ جُهِلَ التَّمَاثُلُ ، وَالْجَهْلُ بِالتَّمَاثُلِ كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ فِيمَا يُشْتَرَطُ التَّمَاثُلُ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جُزَافًا ، وَتَسَاوِيهِمَا فِي الْوَزْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّسَاوِي فِي الْكَيْلِ ، وَالْحِنْطَةُ وَالدَّقِيقُ مَكِيلَانِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْكَيْلُ ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَنْقُلُ عَنْهُ ، وَلِأَنَّ الدَّقِيقَ يُشْبِهُ الْمَكِيلَاتِ ، فَكَانَ مَكِيلًا ، كَالْحِنْطَةِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ مَوْزُونًا ، لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّسَاوِي بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ؛ لِأَنَّ الْمَكِيلَ لَا يُقَدَّرُ بِالْوَزْنِ ، كَمَا لَا يُقَدَّرُ الْمَوْزُونُ بِالْكَيْلِ .

( 2824 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا بَيْعُ بَعْضِ فُرُوعِهَا بِبَعْضٍ ، فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ بِنَوْعِهِ مُتَسَاوِيًا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَالْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ تَسَاوِيهِمَا حَالَةَ الْكَمَالِ ، وَهُوَ حَالُ كَوْنِهَا حِنْطَةً ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الدَّقِيقَيْنِ قَدْ يَكُونُ مِنْ حِنْطَةٍ رَزِينَةٍ ، وَالْآخَرَ مِنْ حِنْطَةٍ خَفِيفَةٍ ، فَيَسْتَوِيَانِ دَقِيقًا ، وَلَا يَسْتَوِيَانِ حِنْطَةً .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا حَالَ الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ ، فَجَازَ ، كَبَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّمَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَيْلًا ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ مَكِيلَةٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ مَا يَنْقُلُهُمَا عَنْ ذَلِكَ .
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي النُّعُومَةِ .
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا تَفَاوَتَا فِي النُّعُومَةِ تَفَاوَتَا فِي ثَانِي الْحَالِ ، فَيَصِيرُ كَبَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الدَّقِيقَ يُبَاعُ بِالدَّقِيقِ وَزْنًا .
وَلَا وَجْهَ لَهُ ، وَقَدْ سَلَّمَ فِي السَّوِيقِ أَنَّهُ يُبَاعُ بِالْكَيْلِ ، وَالدَّقِيقُ مِثْلُهُ .
فَأَمَّا بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْزَاءُ حِنْطَةٍ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ ، فَأَشْبَهَ الدَّقِيقَ بِالدَّقِيقِ ، وَالسَّوِيقَ بِالسَّوِيقِ .
وَلَنَا ، أَنَّ النَّارَ قَدْ أَخَذَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، كَالْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ .
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ مُتَفَاضِلًا ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا أَجْزَاءُ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا ، كَالدَّقِيقِ مَعَ الدَّقِيقِ ، وَالسَّوِيقِ

بِالسَّوِيقِ .

( 2825 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا فِيهِ غَيْرُهُ ، كَالْخُبْزِ ، وَغَيْرِهِ ، فَهُوَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ ، إنَّمَا جُعِلَ فِيهِ لِمَصْلَحَتِهِ ، كَالْخُبْزِ وَالنَّشَاءِ ، فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَوْعِهِ ، إذَا تَسَاوَيَا فِي النُّشَافَةِ وَالرُّطُوبَةِ .
وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِي الْوَزْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِ فِي الْعَادَةِ ، وَلَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إذَا تَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ .
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا بَأْسَ بِهِ قُرْصًا بِقُرْصَيْنِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ بِحَالٍ ، إلَّا أَنْ يَيْبَسَ ، وَيُدَقُّ دَقًّا نَاعِمًا ، وَيُبَاعَ بِالْكَيْلِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلٌ يَجِبُ التَّسَاوِي فِيهِ ، وَلَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ ، فَتَعَذَّرَتْ الْمُسَاوَاةُ فِيهِ ، وَلِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ ، كَالْمَغْشُوشِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَغَيْرِهِمَا .
وَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِ التَّسَاوِي ، أَنَّهُ مَطْعُومٌ مَوْزُونٌ ، فَحَرُمَ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا ، كَاللَّحْمِ ، وَاللَّبَنِ ، وَمَتَى وَجَبَ التَّسَاوِي ، وَجَبَتْ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ التَّسَاوِي فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ ، كَالْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ ، وَالدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ .
وَلَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ ، أَنَّ مُعْظَمَ نَفْعِهِ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ ، فَجَازَ بَيْعُهُ بِهِ ، كَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ .
وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا ، أَصْلُهُ غَيْرُ مَوْزُونٍ ، كَاللَّحْمِ ، وَالْأَدْهَانِ .
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ ؛ لِانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِالنَّقْصِ فِي ثَانِي الْحَالِ ، فَأَشْبَهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ .
وَلَا يَمْنَعُ زِيَادَةَ أَخْذِ النَّارِ مِنْ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ حَالَ رُطُوبَتِهِمَا إذَا لَمْ يَكْثُرْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، أَشْبَهَ بَيْعَ الْحَدِيثَةِ بِالْعَتِيقَةِ .

وَلَا يَلْزَمُ مَا فِيهِ مِنْ الْمِلْحِ وَالْمَاءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِيهِ ، وَيُرَادُ لِمَصْلَحَتِهِ ، فَهُوَ كَالْمِلْحِ فِي الشَّيْرَجِ .
وَإِنْ يَبِسَ الْخُبْزُ ، فَدُقَّ ، وَجُعِلَ فَتِيتًا ، بِيعَ بِمِثْلِهِ كَيْلًا ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ كَيْلُهُ ، فَرُدَّ إلَى أَصْلِهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُبَاعُ بِالْوَزْنِ ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِ .
النَّوْعُ الثَّانِي ، مَا فِيهِ غَيْرُهُ مِمَّا هُوَ مَقْصُودٌ ، كَالْهَرِيسَةِ ، وَالْخَزِيرَةِ ، وَالْفَالُوذَجِ ، وَخُبْزِ الْأَبَازِيرِ ، وَالْخُشْكِنَانْجِ ، والسنبوسك ، وَنَحْوِهِ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَلَا بَيْعُ نَوْعٍ بِنَوْعٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ ، وَهُوَ مَقْصُودٌ ، كَاللَّحْمِ فِي الْهَرِيسَةِ ، وَالْعَسَلِ فِي الْفَالُوذَجِ وَالْمَاءِ ، وَالدُّهْنِ فِي الْخَزِيرَةِ .
وَيَكْثُرُ التَّفَاوُتُ فِي ذَلِكَ ، فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّمَاثُلُ فِيهِ .
وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ التَّمَاثُلُ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ ، فَفِي النَّوْعَيْنِ أَوْلَى .

فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الشَّعِيرِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ كَالْحُكْمِ فِي الْحِنْطَةِ .
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ وَالْمَصْنُوعِ مِنْهَا بِغَيْرِهَا مِنْ الْحُبُوبِ وَالْمَصْنُوعِ مِنْهَا ؛ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 2827 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَسَائِرُ اللُّحْمَانِ جِنْسٌ وَاحِدٌ ) أَرَادَ جَمِيعَ اللَّحْمِ ، وَجَمَعَهُ - وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ - لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ .
ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَابْنُ عَقِيلٍ ، رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَأَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى كَوْنَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَالَ : الْأَنْعَامُ ، وَالْوُحُوشُ ، وَالطَّيْرُ ، وَدَوَابُّ الْمَاءِ ، أَجْنَاسٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَإِنَّمَا فِي اللَّحْمِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ ، كَمَا ذَكَرْنَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، إلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْأَنْعَامَ ، وَالْوَحْشَ جِنْسًا وَاحِدًا ، فَيَكُونُ عِنْدَهُ ثَلَاثَهُ أَصْنَافٍ .
وَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَهِيَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهَا فُرُوعُ أُصُولٍ هِيَ أَجْنَاسٌ ، فَكَانَتْ أَجْنَاسًا ، كَالْأَدِقَّةِ ، وَالْأَخْبَازِ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ .
وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي أَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ .
وَحَمَلَ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهَا ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ لَحْمَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ تَخْتَلِفُ الْمَنْفَعَةُ بِهَا ، وَالْقَصْدُ إلَى أَكْلِهَا ، فَكَانَتْ أَجْنَاسًا .
وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا أَجْنَاسًا لَا يُوجِبُ حَصْرَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَجْنَاسٍ ، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ .
وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهِ ؛ لِعَدَمِ احْتِمَالِ لَفْظِهِ لَهُ ، وَتَصْرِيحِهِ فِي الْأَيْمَانِ بِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْأَنْعَامِ ، أَوْ الطَّائِرِ ، أَوْ السَّمَكِ ، حَنِثَ .
فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى عُمُومِهِ فِي أَنَّ جَمِيعَ اللَّحْمِ جِنْسٌ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَكَ فِي الِاسْمِ الْوَاحِدِ حَالَ حُدُوثِ الرِّبَا فِيهِ ، فَكَانَ جِنْسًا وَاحِدًا ، كَالطَّلْعِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ .
وَهَذَا الدَّلِيلُ

يُنْتَقَضُ بِالتَّمْرِ الْهِنْدِيِّ وَالتَّمْرِ الْبَرْنِيِّ ، وَعَسَلِ الْقَصَبِ وَعَسَلِ النَّحْلِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
فَعَلَى هَذَا ، لَحْمُ الْإِبِلِ كُلُّهُ صِنْفٌ ، بَخَاتِيهَا وَعِرَابِهَا ، وَالْبَقَرُ عِرَابُهَا وَجَوَامِيسُهَا صِنْفٌ ، وَالْغَنَمُ ضَأْنُهَا وَمَعْزُهَا صِنْفٌ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا صِنْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا فِي الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ فَقَالَ : { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، كَمَا فَرَّقَ بَيْن الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ، فَقَالَ { : وَمِنْ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ } .
وَالْوَحْشُ أَصْنَافٌ ؛ بَقَرُهَا صِنْفٌ ، وَغَنَمُهَا صِنْفٌ ، وَظِبَاؤُهَا صِنْفٌ ، وَكُلُّ مَالَهُ اسْمٌ يَخُصُّهُ فَهُوَ صِنْفٌ .
وَالطُّيُورُ أَصْنَافٌ ، كُلُّ مَا انْفَرَدَ بِاسْمٍ وَصِفَةٍ فَهُوَ صِنْفٌ ، فَيُبَاعُ لَحْمُ صِنْفٍ بِلَحْمِ صِنْفٍ آخَرَ ، مُتَفَاضِلًا وَمُتَمَاثِلًا ، وَيُبَاعُ بِصِفَةٍ مُتَمَاثِلًا ، وَمَنْ جَعَلَهَا صِنْفًا وَاحِدًا لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ ، إلَّا مُتَمَاثِلًا .

( 2828 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ رَطْبًا .
وَيَجُوزُ إذَا تَنَاهَى جَفَافُهُ مِثْلًا بِمِثْلٍ ) اخْتَارَ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، إلَّا فِي حَالِ جَفَافِهِ وَذَهَابِ رُطُوبَتِهِ كُلِّهَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَذَهَبَ أَبُو حَفْصٍ فِي " شَرْحِهِ " إلَى هَذَا .
قَالَ الْقَاضِي : وَالْمَذْهَبُ : جَوَازُ بَيْعِهِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ ، فِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ يُنَبِّهُ عَلَى إبَاحَةِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ ، مِنْ حَيْثُ كَانَ اللَّحْمُ ، حَالَ كَمَالِهِ وَمُعْظَمَ نَفْعِهِ ، فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ دُونَ حَالِ يُبْسِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى اللَّبَنِ بِخِلَافِ الرُّطَبِ ؛ فَإِنَّ حَالَ كَمَالِهِ وَمُعْظَمَ نَفْعِهِ فِي حَالِ يُبْسِهِ ، فَإِذَا جَازَ فِيهِ الْبَيْعُ ، فَفِي اللَّحْمِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ التَّمَاثُلَ فِيهِمَا فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْصِ ، فَجَازَ كَبَيْعِ اللَّبَنِ بِاللَّبَنِ .
فَأَمَّا بَيْعُ رَطْبِهِ بِيَابِسِهِ ، أَوْ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ أَوْ مَشْوِيِّهِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ ؛ لِانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِالنَّقْصِ فِي الثَّانِي ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ .
( 2829 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلَّا مَنْزُوعَ الْعِظَامِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَسَلِ بِالْعَسَلِ إلَّا بَعْدَ التَّصْفِيَةِ .
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَكَلَامُ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ مِنْ غَيْرِ نَزْعِ عِظَامِهِ وَلَا جَفَافِهِ ، قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : إذَا صَارَ إلَى الْوَزْنِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، رِطْلًا بِرِطْلٍ .
فَأَطْلَقَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَظْمَ تَابِعٌ لِلَّحْمِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ نَزْعَهُ ، كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ .
وَفَارَقَ الْعَسَلَ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ اخْتِلَاطَ الشَّمْعِ بِالْعَسَلِ مِنْ فِعْلِ النَّحْلِ ، لَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ .

( 2830 ) فَصْلٌ : وَاللَّحْمُ وَالشَّحْمُ جِنْسَانِ .
وَالْكَبِدُ صِنْفٌ .
وَالطِّحَالُ صِنْفٌ .
وَالْقَلْبُ صِنْفٌ ، وَالْمُخُّ صِنْفٌ .
وَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ صِنْفٍ بِصِنْفٍ آخَرَ مُتَفَاضِلًا .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالشَّحْمِ .
وَكَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَتَمَاثَلَا .
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، إبَاحَةُ الْبَيْعِ فِيهِمَا مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، فَجَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .
وَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ لِكَوْنِ اللَّحْمِ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الشَّحْمَ لَا يَظْهَرُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، فَلَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ ، وَلَوْ مَنَعَ لِذَلِكَ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ ؛ لِاشْتِمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ .
ثُمَّ لَا يَصِحُّ هَذَا عِنْدَ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ السَّمِينَ الَّذِي يَكُونُ مَعَ اللَّحْمِ لَحْمٌ عِنْدَهُ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ اشْتِمَالُ اللَّحْمِ عَلَى الشَّحْمِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ اللَّحْمَ الْأَبْيَضَ الَّذِي عَلَى ظَاهِرِ اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ ، هُوَ وَالْأَحْمَرُ جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَأَنَّ الْأَلْيَةَ وَالشَّحْمَ جِنْسَانِ .
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ خِلَافُ هَذَا ؛ لِقَوْلِهِ : إنَّ اللَّحْمَ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا شَحْمًا لَمْ يَخْتَلِطْ لَحْمٌ بِشَحْمِ ، فَعَلَى قَوْلِهِ ، كُلُّ أَبْيَضَ فِي الْحَيَوَانِ يَذُوبُ بِالْإِذَابَةِ وَيَصِيرُ دُهْنًا ، فَهُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ .
وَهَذَا أَصَحُّ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } .
فَاسْتَثْنَى مَا حَمَلَتْ الظُّهُورُ مِنْ الشَّحْمِ ، وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الشَّحْمَ فِي ذَوْبِهِ وَلَوْنِهِ وَمَقْصِدِهِ ، فَكَانَ شَحْمًا ، كَاَلَّذِي فِي الْبَطْنِ .

( 2831 ) فَصْلٌ : وَفِي اللَّبَنِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي اللَّحْمِ .
وَالثَّانِيَةُ ، هُوَ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ كَاللَّحْمِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ؛ لِأَنَّ الْأَنْعَامَ كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَبَنُ الْبَقَرِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْوَحْشِيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ يَشْمَلُهُمَا .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُمَا جِنْسَانِ ، فَكَانَ لَبَنُهُمَا جِنْسَيْنِ ، كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ .
وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، مُتَفَاضِلًا ، وَكَيْفَ شَاءَ ، يَدًا بِيَدٍ ، وَبِجِنْسِهِ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا .
قَالَ الْقَاضِي : هُوَ مَكِيلٌ لَا يُبَاعُ إلَّا بِالْكَيْلِ ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ فِيهِ .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا حَلِيبَيْنِ أَوْ حَامِضَيْنِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَلِيبٌ ، وَالْآخَرُ حَامِضٌ ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ الصِّفَةِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ ، كَالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ .
وَإِنْ شَيْب أَحَدُهُمَا بِمَاءِ ، أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِخَالِصٍ وَلَا بِمَشُوبٍ مِنْ جِنْسِهِ ؛ لِأَنَّ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهِ .

فَصْلٌ : وَيَتَفَرَّعُ مِنْ اللَّبَنِ قِسْمَانِ ؛ مَا لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ كَالزُّبْدِ ، وَالسَّمْنِ ، وَالْمَخِيضِ ، وَاللِّبَأِ .
وَمَا فِيهِ غَيْرُهُ .
وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِاللَّبَنِ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ اللَّبَنِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ ، كَالْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ ، وَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بِالزُّبْدِ ، إذَا كَانَ الزُّبْدُ الْمُنْفَرِدُ أَكْثَرَ مِنْ الزُّبْدِ الَّذِي فِي اللَّبَنِ .
وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِهِ بِهِ مُتَفَاضِلًا ، وَمَنْعَ جَوَازِهِ مُتَمَاثِلًا .
قَالَ الْقَاضِي : وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تَخْرُجُ عَلَى الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الشَّيْئَيْنِ إذَا دَخَلَهُمَا الرِّبَا ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، وَمَعَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ ، وَكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِرِوَايَاتٍ أُخَرَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا رِوَايَةً ، كَسَائِرِ الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِغَيْرِهَا ، لَكِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .
وَالْحُكْمُ فِي السَّمْنِ كَالْحُكْمِ فِي الزُّبْدِ .
وَأَمَّا اللَّبَنُ بِالْمَخِيضِ الَّذِي فِيهِ زُبْدُهُ ، فَلَا يَجُوزُ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : اللَّبَنُ بِالْمَخِيضِ لَا خَيْرَ فِيهِ .
وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَأَمَّا اللَّبَنُ بِاللِّبَأِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ ، جَازَ مُتَمَاثِلًا ؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ بِلَبَنٍ .
وَإِنْ مَسَّتْهُ النَّارُ لَمْ يَجُزْ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا ، أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ النَّارَ عَقَدَتْ أَجْزَاءَ أَحَدِهِمَا ، وَذَهَبَتْ بِبَعْضٍ رُطُوبَتِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِمَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ ، كَالْخُبْزِ بِالْعَجِينِ ، وَالْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَأَمَّا بَيْعُ النَّوْعِ مِنْ فُرُوعِ اللَّبَنِ بِنَوْعِهِ ، فَمَا فِيهِ خَلْطٌ مِنْ غَيْرِ اللَّبَنِ ، كَالْكُشْكِ

وَالْكَامَخِ ، وَنَحْوِهِمَا ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنَوْعِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِغَيْرِهِ ، فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ ، أَوْ فِيهِ غَيْرُهُ ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ لِمَصْلَحَتِهِ ، فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إذَا تَسَاوَيَا فِي النَّشَافَةِ وَالرُّطُوبَةِ ، فَيَبِيعُ الْمَخِيضَ بِالْمَخِيضِ ، وَاللِّبَأَ بِاللِّبَأِ ، وَالْجُبْنَ بِالْجُبْنِ ، وَالْمَصْلَ بِالْمَصْلِ ، وَالْأَقِطَ بِالْأَقِطِ ، وَالزُّبْدَ بِالزُّبْدِ ، وَالسَّمْنَ بِالسَّمْنِ ، مُتَسَاوِيًا .
وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي بَيْنَ الْأَقِطِ بِالْأَقِطِ بِالْكَيْلِ ؛ لِأَنَّهُ قُدِّرَ بِالصَّاعِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْمَكِيلَاتِ ، وَكَذَلِكَ الْمَصْلُ وَالْمَخِيضُ .
وَيُبَاعُ الْخُبْزُ بِالْخُبْزِ بِالْوَزْنِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ وَلَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ ، فَأَشْبَهَ الْخُبْزَ .
وَكَذَلِكَ الزُّبْدُ وَالسَّمْنُ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُبَاعَ السَّمْنُ بِالْكَيْلِ .
وَلَا يُبَاعُ نَاشِفٌ مِنْ ذَلِكَ بِرَطْبٍ ، كَمَا لَا يُبَاعُ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنْ لَا يُبَاعَ رَطْبٌ مِنْ ذَلِكَ بِرَطْبِ كَاللَّحْمِ .
وَأَمَّا بَيْعُ مَا نُزِعَ مِنْ اللَّبَنِ بِنَوْعٍ آخَرَ ، كَالزُّبْدِ ، وَالسَّمْنِ ، وَالْمَخِيضِ ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ بِالْمَخِيضِ ، مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ ، أَشْبَهَا اللَّحْمَ بِالشَّحْمِ .
وَمِمَّنْ أَجَازَ بَيْعَ الزُّبْدِ بِالْمَخِيضِ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .
وَلِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي فِي الزُّبْدِ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، وَهُوَ يَسِيرٌ ، فَأَشْبَهَ الْمِلْحَ فِي الشَّيْرَجِ .
وَبَيْعُ السَّمْنِ بِالْمَخِيضِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ ؛ لِخُلُوِّ السَّمْنِ مِنْ الْمَخِيضِ .
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ بِالسَّمْنِ ؛ لِأَنَّ فِي الزُّبْدِ لَبَنًا يَسِيرًا ، وَلَا شَيْءَ فِي السَّمْنِ ، فَيَخْتَلُّ التَّمَاثُلُ ، وَلِأَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ الزُّبْدِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ ، كَالزَّيْتُونِ

بِالزَّيْتِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ الْقَاضِي : عِنْدِي يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ فِي الزُّبْدِ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُهُ بِالْمَخِيضِ وَبِزُبْدٍ مِثْلِهِ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ التَّمَاثُلَ وَاجِبٌ بَيْنَهُمَا ، وَانْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِوُجُودِ اللَّبَنِ فِيهِ ، يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ ، كَتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيهِ نَوَاهُ ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِرُطُوبَةٍ لَا تُوجَدُ فِي الْآخَرِ ، فَأَشْبَهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ ، وَالْعِنَبَ بِالزَّبِيبِ ، وَكُلَّ رَطْبٍ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ .
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ وَالْمَخِيضِ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ اللَّبَنِ ، كَالْجُبْنِ وَاللِّبَأِ وَنَحْوِهِمَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ لَمْ يُنْتَزَعْ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ اللَّبَنِ الَّذِي فِيهِ زُبْدُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ، كَبَيْعِ اللَّبَنِ بِهَا .
وَأَمَّا بَيْعُ الْجُبْنِ بِالْأَقِطِ ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ رُطُوبَتِهِمَا ، أَوْ رُطُوبَةِ أَحَدِهِمَا ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ .
وَإِنْ كَانَا يَابِسَيْنِ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْجُبْنَ مَوْزُونٌ وَالْأَقِطَ مَكِيلٌ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، كَالْخُبْزِ بِالدَّقِيقِ ، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ، إذَا تَمَاثَلَا ، كَبَيْعِ الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ .

( 2833 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ .
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانِ مُعَدِّ لِلَّحْمِ ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِمَا لَا رِبَا فِيهِ ، أَشْبَهَ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالدَّرَاهِمِ ، أَوْ بِلَحْمٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ .
وَلَنَا ، مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ } .
رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا أَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ .
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { نَهَى أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ } .
ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَنَاقٍ فَقَالَ : أَعْطُونِي جُزْءًا بِهَذَا الْعَنَاقِ .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَصْلُحُ هَذَا .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا لِأَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ : وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْت يَنْهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ .
وَلِأَنَّ اللَّحْمَ نَوْعٌ فِيهِ الرِّبَا بِيعَ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَبَيْعِ السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ .
وَبِهَذَا فَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ .
وَأَمَّا بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الشَّاةِ بِاللَّحْمِ ، فَقَالَ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ } .
وَاخْتَارَ الْقَاضِي جَوَازَهُ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ .
وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَهُ بِعُمُومِ الْأَخْبَارِ ، وَبِأَنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ

جِنْسٌ وَاحِدٌ .
وَمِنْ أَجَازَهُ قَالَ : مَالُ الرِّبَا بِيعَ بِغَيْرِ أَصْلِهِ وَلَا جِنْسِهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِالْأَثْمَانِ .
وَإِنْ بَاعَهُ بِحَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ ، جَازَ ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا .
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .

( 2834 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الرِّبَا بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ ، كَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ ، وَالزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ ، وَسَائِرِ الْأَدْهَانِ بِأُصُولِهَا ، وَالْعَصِيرِ بِأَصْلِهِ ، كَعَصِيرِ الْعِنَبِ ، وَالرُّمَّانِ ، وَالتُّفَّاحِ ، وَالسَّفَرْجَلِ ، وَقَصَبِ السُّكَّرِ ، لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بِأَصْلِهِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مُخْتَلِفٌ ، وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ إذَا عُلِمَ يَقِينًا أَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ الدُّهْنِ وَالْعَصِيرِ أَقَلُّ مِنْ الْمُنْفَرِدِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ، لَمْ يَجُزْ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَالُ رِبًا بِيعَ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَبَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ ، وَقَدْ أَثْبَتْنَا ذَلِكَ بِالنَّصِّ .
( 2835 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمُعْتَصَرَاتِ بِجِنْسِهِ ، فَيَجُوزُ مُتَمَاثِلًا .
وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا ، وَكَيْفَ شَاءَ ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِيهِمَا بِالْكَيْلِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِ وَيُبَاعُ بِهِ عَادَةً ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَسَوَاءٌ كَانَا مَطْبُوخَيْنِ أَوْ نِيئَيْنِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَطْبُوخِ بِجِنْسِهِ ؛ لِأَنَّ النَّارَ تَعْقِدُ أَجْزَاءَهُمَا ، فَيَخْتَلِفُ وَيُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْحَالِ ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْصِ .
فَأَشْبَهَ النِّيءَ بِالنِّيءِ .
فَأَمَّا بَيْعُ النِّيءِ بِالْمَطْبُوخِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَلَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِالنَّقْصِ فِي ثَانِي الْحَالِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ ، كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ .
وَإِنْ بَاعَ عَصِيرَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِثُفْلِهِ .
فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهُ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّيْرَجِ بِالْكُسْبِ ، وَلَا الزَّيْتِ بِثُفْلِهِ الَّذِي فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ الزَّيْتِ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ

الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا مَسْأَلَةُ مُدِّ عَجْوَةٍ .
فَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عَصِيرِهِ ، جَازَ بَيْعُهُ بِهِ مُتَفَاضِلًا ، وَمُتَمَاثِلًا ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ .

( 2836 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ شَيْئًا فِيهِ الرِّبَا ، بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، وَمَعَهُمَا ، أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ ، أَوْ بِمَدَّيْنِ ، أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ .
أَوْ بَاعَ شَيْئًا مُحَلًّى بِجِنْسِ حِلْيَتِهِ ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ مُدِّ عَجْوَةٍ .
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ .
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ ، فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ ، وَذَكَرَهُ قُدَمَاءُ الْأَصْحَابِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي السَّيْفِ الْمُحَلَّى وَالْمِنْطَقَةِ وَالْمَرَاكِبِ الْمُحَلَّاةِ بِجِنْسِ مَا عَلَيْهَا : لَا يَجُوزُ ، قَوْلًا وَاحِدًا .
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَشُرَيْحٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ ، أَوْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ فِي بَيْعِ الزُّبْدِ بِاللَّبَنِ ، يَجُوزُ ، إذَا كَانَ الزُّبْدُ الْمُنْفَرِدُ أَكْثَرَ مِنْ الزُّبْدِ الَّذِي فِي اللَّبَنِ .
وَرَوَى حَرْبٌ ، قَالَ : قُلْت لِأَحْمَدَ : دَفَعْت دِينَارًا كُوفِيًّا وَدِرْهَمًا ، وَأَخَذْت دِينَارًا شَامِيًّا ، وَزْنُهُمَا سَوَاءٌ ، لَكِنَّ الْكُوفِيَّ أَوْضَعُ ؟ قَالَ : لَا يَجُوزُ ، إلَّا أَنْ يَنْقُصَ الدِّينَارَ ، فَيُعْطِيهِ بِحِسَابِهِ فِضَّةً .
وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْبٍ الْجَرْجَرَائِيُّ .
وَرَوَى الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ سَأَلَهُ : لَا يَشْتَرِي السَّيْفَ وَالْمِنْطَقَةَ حَتَّى يَفْصِلَهَا ؟ فَقَالَ : لَا يَشْتَرِيهَا حَتَّى يَفْصِلَهَا .
إلَّا أَنَّ هَذَا أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي أَحَدَ النَّوْعَيْنِ بِالْآخَرِ يَفْصِلُهُ وَفِيهِ غَيْرُ النَّوْعِ الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ ، فَإِذَا كَانَ مِنْ فَضْلِ الثَّمَنِ ، إلَّا أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى ظَاهِرِ الْقِلَادَةِ لَا يَشْتَرِيهِ حَتَّى يَفْصِلَهُ .
قِيلَ لَهُ : فَمَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ قَالَ : هَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ .

وَقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ الدَّرَاهِمِ المسيبية ، بَعْضُهَا صُفْرٌ وَبَعْضُهَا فِضَّةٌ ، بِالدَّرَاهِمِ ؟ قَالَ : لَا أَقُولُ فِيهِ شَيْئًا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : رَوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا .
كُلُّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَفْصِلَ ، إلَّا الْمَيْمُونِيَّ .
وَنَقَلَ مُهَنَّا كَلَامًا آخَرَ .
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ .
هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ ، أَوْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ ، لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْفَسَادِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى لَحْمًا مِنْ قَصَّابٍ ، جَازَ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ مَيْتَةً .
وَلَكِنْ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مُذَكًّى ، تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ .
وَلَوْ اشْتَرَى مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا ، جَازَ ، مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ غَيْرَ مِلْكِهِ ، وَلَا إذْنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ ، تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ أَيْضًا .
وَقَدْ أَمْكَنَ التَّصْحِيحُ هَاهُنَا ، بِجَعْلِ الْجِنْسِ فِي مُقَابَلَةِ غَيْرِ الْجِنْسِ ، أَوْ جَعْلِ غَيْرِ الْجِنْسِ فِي مُقَابَلَةِ الزَّائِدِ عَلَى الْمِثْلِ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : { أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ ، ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةِ دَنَانِيرَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا } .
قَالَ : فَرَدَّهُ حَتَّى مَيَّزَ بَيْنَهُمَا .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
قَالَ : فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ } .

وَلِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا جَمَعَ عِوَضَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ ، وَجَبَ أَنْ يَنْقَسِمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْآخَرِ فِي نَفْسِهِ ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْقِيمَةُ اخْتَلَفَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْعِوَضِ .
بَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ ، قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِثْلُ نِصْفِ قِيمَةِ الْآخَرِ بِعَشَرَةٍ ، كَانَ ثَمَنُ أَحَدِهِمَا ثُلُثَيْ الْعَشَرَةِ ، وَالْآخَرِ ثُلُثَهَا ، فَلَوْ رَدَّ أَحَدَهُمَا بِعَيْبٍ ، رَدَّهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَلِذَلِكَ إذَا اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا بِثَمَنٍ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، فَإِذَا فَعَلْنَا هَذَا فِي مَنْ بَاعَ دِرْهَمًا وَمُدًّا قِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ ، بِمُدَّيْنِ قِيمَتُهُمَا ثَلَاثَةٌ ، حَصَلَ الدِّرْهَمُ فِي مُقَابِلَةِ ثُلُثَيْ مُدٍّ .
وَالْمُدُّ الَّذِي مَعَ الدِّرْهَمِ فِي مُقَابَلَةِ مُدٍّ وَثُلُثٍ ، فَهَذَا إذَا تَفَاوَتَتْ الْقِيَمُ ، وَمَعَ التَّسَاوِي يُجْهَلُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ ، وَالْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فِي بَابِ الرِّبَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ صُبْرَةٍ بِصُبْرَةٍ ، بِالظَّنِّ وَالْخَرْصِ .
وَقَوْلُهُمْ : يَجِبُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ .
لَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مِنْ صِحَّةٍ وَفَسَادٍ .
وَلِذَلِكَ لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ وَأَطْلَقَ ، وَفِي الْبِلَادِ نُقُودٌ بَطَلَ ، وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى نَقْدِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ ، أَمَّا إذَا اشْتَرَى مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِلْكُهُ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ .
وَإِذَا بَاعَ لَحْمًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُذَكًّى ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ ، فِي الظَّاهِرِ ، لَا يَبِيعُ الْمَيْتَةَ .

( 2837 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ بَاعَ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْقِيمَةٍ مِنْ جِنْسٍ ، وَبِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ ، كَدِينَارٍ مَغْرِبِيٍّ وَدِينَارٍ سَابُورِيٍّ ، بِدِينَارَيْنِ مَغْرِبِيَّيْنِ ، أَوْ دِينَارٍ صَحِيحٍ وَدِينَارٍ قُرَاضَةٍ ، بِدِينَارَيْنِ صَحِيحَيْنِ ، أَوْ قُرَاضَتَيْنِ ، أَوْ حِنْطَةٍ حَمْرَاءَ وَسَمْرَاءَ بِبَيْضَاءَ ، أَوْ تَمْرًا بَرْنِيًّا وَمَعْقِلِيًّا بِإِبْرَاهِيمِيٍّ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي انْقِسَامَ الثَّمَنِ عَلَى عِوَضِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِ فِي قِيمَتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَنْعُ ذَلِكَ فِي النَّقْدِ ، وَتَجْوِيزُهُ فِي الثَّمَنِ .
نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ ؛ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ يَكْثُرُ اخْتِلَاطُهَا ، وَيَشُقُّ تَمْيِيزُهَا ، فَعُفِيَ عَنْهَا بِخِلَافِ الْأَثْمَانِ .
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ } .
الْحَدِيثَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الْبَيْعِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُرَاعَاةِ ، وَهِيَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا وَفِي الْمَكِيلِ كَيْلًا ، وَلِأَنَّ الْجَوْدَةَ سَاقِطَةٌ فِي بَابِ الرِّبَوِيَّاتِ ، فِيمَا قُوبِلَ بِجِنْسِهِ ، فِيمَا لَوْ اتَّحَدَ النَّوْعُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا ، وَاخْتِلَافُ الْقِيمَةِ يَنْبَنِي عَلَى الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ ذَهَبًا بِذَهَبِ مُتَسَاوِيًا فِي الْوَزْنِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ النَّوْعُ ؛ وَإِنَّمَا يُقْسَمُ الْعِوَضُ عَلَى الْمُعَوَّضِ فِيمَا يَشْتَمِلُ عَلَى جِنْسَيْنِ ، أَوْ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ بَاعَ نَوْعًا بِنَوْعٍ يَشْتَمِلُ عَلَى جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ .

( 2838 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ مَا فِيهِ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، وَمَعَهُ مِنْ جِنْسِ مَا بِيعَ بِهِ ، إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، كَدَارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُهَا بِالذَّهَبِ ، جَازَ .
لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ دَارًا بِدَارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ الرِّبَا غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ .
فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا لَهُ مَالٌ ، فَاشْتَرَطَ مَالَهُ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ ، جَازَ إذَا كَانَ الْمَالُ غَيْرَ مَقْصُودٍ ، وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدٍ ، وَاشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالَ الْعَبْدِ الَّذِي اشْتَرَاهُ ، جَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالُهُ مَقْصُودًا ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ ، فَأَشْبَهَ التَّمْوِيهَ فِي السَّقْفِ ، وَلِذَلِكَ لَا تُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَلَا لُزُومِهِ ، وَإِنْ بَاعَ شَاةً ذَاتَ لَبَنٍ بِلَبَنٍ ، أَوْ عَلَيْهَا صُوفٌ بِصُوفِ ، أَوْ بَاعَ لَبُونًا بِلَبُونٍ ، وَذَاتَ صُوفٍ بِمِثْلِهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْجَوَازُ ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الشَّاةُ حَيَّةً أَوْ مُذَكَّاةً ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ الرِّبَا غَيْرُ مَقْصُودٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ، كَالدَّارِ الْمُمَوَّهِ سَقْفُهَا .
الثَّانِي ، الْمَنْعُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ ، أَشْبَهَ الْحَيَوَانَ بِاللَّحْمِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ اللَّحْمَ فِي الْحَيَوَانِ مَقْصُودٌ بِخِلَافِ اللَّبَنِ ، وَلَوْ كَانَتْ الشَّاةُ مَحْلُوبَةَ اللَّبَنِ ، جَازَ بَيْعُهَا بِمِثْلِهَا وَبِاللَّبَنِ وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا أَثَرَ لَهُ ، وَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، فَأَشْبَهَ الْمِلْحَ فِي الشَّيْرَجِ وَالْخُبْزِ وَالْجُبْنِ ، وَحَبَّاتِ الشَّعِيرِ فِي الْحِنْطَةِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ اللَّبَنُ الْمُنْفَرِدُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ لَبَنِ الشَّاةِ ، جَازَ بِكُلِّ حَالٍ .
وَلَوْ بَاعَ نَخْلَةً عَلَيْهَا تَمْرٌ بِتَمْرٍ ، أَوْ

بِنَخْلَةٍ عَلَيْهَا تَمْرٌ ، فَفِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْجَوَازُ .
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ .
وَوَجْهُ الْوَجْهَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا .
وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الشَّاةِ ذَاتِ اللَّبَنِ ، بِكَوْنِ الثَّمَرَةِ يَصِحُّ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ وَهِيَ مَعْلُومَةٌ ، بِخِلَافِ اللَّبَنِ فِي الشَّاةِ ، وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ ، فَإِنَّ مَا يَمْنَعُ إذَا جَازَ إفْرَادُهُ يَمْنَعُ ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ إفْرَادُهُ ، كَالسَّيْفِ الْمُحَلَّى يُبَاعُ بِجِنْسِ حِلْيَتِهِ ، وَمَا لَا يَمْنَعُ لَا يَمْنَعُ ، وَإِنْ جَازَ إفْرَادُهُ ، كَمَالِ الْعَبْدِ .

( 2839 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ جِنْسًا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، فَذَلِكَ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَقْصُودِ يَسِيرًا ، لَا يُؤَثِّرُ فِي كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ ، كَالْمِلْحِ فِيمَا يُعْمَلُ فِيهِ ، وَحَبَّاتِ الشَّعِيرِ فِي الْحِنْطَةِ ، فَلَا يَمْنَعُ ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ لَا يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، لَمْ يَمْنَعْ لِذَلِكَ ، وَلَوْ بَاعَ ذَلِكَ بِجِنْسِ غَيْرِ الْمَقْصُودِ الَّذِي مَعَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ الْخُبْزَ بِالْمِلْحِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ .
الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَقْصُودِ كَثِيرًا ، إلَّا أَنَّهُ لِمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودِ ، كَالْمَاءِ فِي خَلِّ التَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ ، وَدِبْسِ التَّمْرِ ، فَهَذَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّيْءِ مِنْهُ بِمِثْلِهِ ، وَيَنْزِلُ خَلْطُهُ مَنْزِلَةَ رُطُوبَتِهِ ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ بِمَا يُمَاثِلُهُ ، كَالرُّطَبِ بِالرُّطَبِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ خَلْطٌ ، كَبَيْعِ خَلِّ الْعِنَبِ بِخَلِّ الزَّبِيبِ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَاضُلِ ، فَجَرَى مَجْرَى بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ ، وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَّا بَيْعَ الشَّيْرَجِ بِالشَّيْرَجِ ؛ لِكَوْنِ الْمَاءِ لَا يَظْهَرُ فِي الشَّيْرَجِ .
الثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَقْصُودِ كَثِيرًا ، وَلَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، كَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ ، وَالْأَثْمَانِ الْمَغْشُوشَةِ بِغَيْرِهَا ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ؛ لِأَنَّ خَلْطَهُ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، وَهُوَ يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ الْمَقْصُودِ فِيهِ ، وَإِنْ بَاعِهِ بِجِنْسِ غَيْرِ الْمَقْصُودِ ، كَبَيْعِ الدِّينَارِ الْمَغْشُوشِ بِالْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ بِجِنْسٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ اللَّبَنِ بِشَاةٍ فِيهَا لَبَنٌ ، وَيَحْتَمِلُ الْمَنْعَ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ فِي الْأَصْلِ .
وَإِنْ بَاعَ دِينَارًا مَغْشُوشًا بِمِثْلِهِ وَالْغِشُّ فِيهِمَا مُتَفَاوِتٌ

، أَوْ غَيْرُ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ الْمَقْصُودِ .
وَإِنْ عُلِمَ التَّسَاوِي فِي الذَّهَبِ وَالْغِشِّ الَّذِي فِيهِمَا ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، أَوْلَاهُمَا الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّهُمَا تَمَاثَلَا فِي الْمَقْصُودِ وَفِي غَيْرِهِ ، وَلَا يُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ بِالتَّوْزِيعِ بِالْقِيمَةِ ؛ لِكَوْنِ الْغِشِّ غَيْرَ مَقْصُودٍ ، فَكَأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ .

( 2840 ) فَصْلٌ : وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمًا ، فَقَالَ : أَعْطِنِي بِنِصْفِ هَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفَ دِرْهَمٍ ، وَبِنِصْفِهِ فُلُوسًا ، أَوْ حَاجَةً أُخْرَى .
جَازَ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى نِصْفًا بِنِصْفِ ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمَيْنِ ، وَقَالَ : بِعْنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ فُلُوسًا ، وَأَعْطِنِي بِالْآخَرِ نِصْفَيْنِ .
وَإِنْ قَالَ : أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفًا وَفُلُوسًا .
جَازَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ بِالتَّوْزِيعِ بِالْقِيمَةِ ؛ فَإِنَّ قِيمَةَ النِّصْفِ الَّذِي فِي الدِّرْهَمِ ، كَقِيمَةِ النِّصْفِ الَّذِي مَعَ الْفُلُوسِ يَقِينًا ، وَقِيمَةُ الْفُلُوسِ ، كَقِيمَةِ النِّصْفِ الْآخَرِ ، سَوَاءً .

( 2841 ) فَصْلٌ وَمَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى جِنْسَيْنِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ ، كَالتَّمْرِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَى النَّوَى وَمَا عَلَيْهِ ، وَالْحَيَوَانِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى لَحْمٍ وَشَحْمٍ وَغَيْرِهِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَهَذَا إذَا قُوبِلَ بِمِثْلِهِ ، جَازَ بَيْعُهُ بِهِ ، وَلَا نَظَرَ إلَى مَا فِيهِ ، فَإِنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ بَيْعَ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ } .
وَقَدْ عَلِمَ اشْتِمَالَهُمَا عَلَى مَا فِيهِمَا ، وَلَوْ بَاعَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فِيهِ ، كَبَيْعِ التَّمْرِ الَّذِي فِيهِ النَّوَى بِالنَّوَى ، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ، قَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى ، فَأَمَّا الْعَسَلُ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ؛ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى عَسَلٍ وَشَمْعٍ ، وَذَلِكَ بِفِعْلِ النَّحْلِ فَأَشْبَهَ السَّيْفَ الْمُحَلَّى .

( 2842 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، كَتَحْرِيمِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ .
وَعَنْهُ فِي مُسْلِمَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، لَا رِبَا بَيْنَهُمَا .
لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ } .
وَلِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةُ ، وَإِنَّمَا حَظَرَهَا الْأَمَانُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَحَرَّمَ الرِّبَا } .
وَقَوْلُهُ : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا } .
وَعُمُومُ الْأَخْبَارِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ .
وَقَوْلُهُ { : مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى } .
عَامٌّ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ .
وَلِأَنَّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، كَالرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَخَبَرُهُمْ مُرْسَلٌ لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا وَرَدَ بِتَحْرِيمِهِ الْقُرْآنُ ، وَتَظَاهَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، بِخَبَرِ مَجْهُولٍ ، لَمْ يَرِدْ فِي صَحِيحٍ ، وَلَا مُسْنَدٍ ، وَلَا كِتَابٍ مَوْثُوقٍ بِهِ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُرْسَلٌ مُحْتَمِلٌ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : { لَا رِبَا } .
النَّهْيُ عَنْ الرِّبَا ، كَقَوْلِهِ : { فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ مُنْتَقِضٌ بِالْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ مَالَهُ مُبَاحٌ ، إلَّا فِيمَا حَظَرَهُ الْأَمَانُ ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى

هَيْئَةِ التَّفَاضُلِ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَكَذَا هَاهُنَا .

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَى ذَهَبًا بِوَرِقٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا فِيمَا اشْتَرَاهُ ، عَيْبًا ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَقْبَلَ ، إذَا كَانَ بِصَرْفِ يَوْمِهِ ، وَكَانَ الْعَيْبُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ) مَعْنَى قَوْلِهِ : " عَيْنًا بِعَيْنٍ " هُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذَا الدِّينَارَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ .
وَيُشِيرُ إلَيْهِمَا ، وَهُمَا حَاضِرَانِ ، وَبِغَيْرِ عَيْنِهِ ، أَنْ يُوقِعَ الْعَقْدَ عَلَى مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُشَارٍ إلَيْهِ ، فَيَقُولَ : بِعْتُك دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ نَاصِرِيَّةٍ .
وَإِنْ وَقَعَ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مُعَيَّنًا دُونَ الْآخَرِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ .
وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ ، أَنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعُقُودِ ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي أَعْيَانِهَا ، فَعَلَى هَذَا إذَا تَبَايَعَا ذَهَبًا بِفِضَّةٍ مَعَ التَّعْيِينِ فِيهِمَا ، ثُمَّ تَقَابَضَا ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ غِشًّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَبِيعِ ، مِثْلَ أَنْ يَجِدَ الدَّرَاهِمَ رَصَاصًا ، أَوْ نُحَاسًا ، أَوْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ الدِّينَارَ مَسْحًا ، فَالصَّرْفُ بَاطِلٌ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا ثَلَاثَ رِوَايَاتِ ؛ إحْدَاهُنَّ ، الْبَيْعُ بَاطِلٌ .
وَالثَّانِيَةُ ، الْبَيْعُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى عَيْنِهِ ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ ، أَوْ الرَّدِّ ، وَأَخْذِ الْبَدَلِ .
وَالثَّالِثَةُ ، يَلْزَمُهُ الْعَقْدُ ، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ ، وَلَا بَدَلُهُ .
وَلَنَا أَنَّهُ بَاعَهُ غَيْرَ مَا سَمَّى لَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الْبَغْلَةَ .
فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ الْقَزَّ فَوَجَدَهُ كَتَّانًا .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَبِيعُ ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ .
فَإِنْ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَرْشٍ ، كَسَائِرِ

الْمَبِيعَاتِ .
ثُمَّ إنَّ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ فِيمَنْ دَلَّسَ الْعَيْبَ : لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعَ وُجُودِ ذَاتِ الْمُسَمَّى فِي الْبَيْعِ .
فَهَاهُنَا مَعَ اخْتِلَافِ الذَّاتِ أَوْلَى .
الْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ ، مِثْلُ كَوْنِ الْفِضَّةِ سَوْدَاءَ ، أَوْ خَشِنَةً تَتَفَطَّرُ عِنْدَ الضَّرْبِ ، أَوْ سَكَّتَهَا مُخَالِفَةً لِسِكَّةِ السُّلْطَانِ ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ ، وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَالرَّدِّ ؛ وَلَيْسَ لَهُ الْبَدَلُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَاقِعٌ عَلَى عَيْنِهِ ، فَإِذَا أَخَذَ غَيْرَهُ ، أَخَذَ مَا لَمْ يَشْتَرِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ النَّقْدَ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ .
فَلَهُ أَخْذُ الْبَدَلِ ، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبَضَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ السَّلَمَ إذَا قَبَضَهُ ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا .
وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي بَعْضِهِ .
فَلَهُ رَدُّ الْكُلِّ أَوْ إمْسَاكُهُ .
وَهَلْ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ ، وَإِمْسَاكُ الصَّحِيحِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، كَالْحُكْمِ فِي الْجِنْسَيْنِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .
لَكِنَّ يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ مِنْ مَنَعَ بَيْعَ النَّوْعَيْنِ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ ، أَنَّهُ إذَا وَجَدَ بَعْضَ الْعِوَضِ مَعِيبًا ، أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُقَابِلُ الْمَعِيبَ أَقَلُّ مِنْ الَّذِي يُقَابِلُ الصَّحِيحَ ، فَيَصِيرُ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ ، سَوَاءٌ .
( 2844 )

فَصْلٌ : وَلَوْ أَرَادَ أَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ ، وَالْعِوَضَانِ فِي الصَّرْفِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِحُصُولِ الزِّيَادَةِ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ ، وَفَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا بِجَوَازِ أَخْذِ الْأَرْشِ فِي الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ طَرَأَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْوَجْهِ وَجْهٌ .
فَإِنَّ أَرْشَ الْعَيْبِ مِنْ الْعِوَضِ ، يُجْبَرُ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ ، وَيَأْخُذُ بِهِ الشَّفِيعُ ، وَيَرُدُّ بِهِ ، إذَا رَدَّ الْمَبِيعَ بِفَسْخٍ ، أَوْ إقَالَةٍ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعِوَضِ ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَحَقَّهُ الْمُشْتَرِي ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِهِبَةٍ ، عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ الْعِوَضِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَرْشًا ، فَالْأَرْشُ أَوْلَى .
وَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، فَلَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ فِي الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ ، وَتَخَلُّفُ قَبْضِ بَعْضِ الْعِوَضِ عَنْ بَعْضٍ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ لَا يَضُرُّ فَجَازَ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْبَيْعِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى حُصُولِ التَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَحَدِ الْعِوَضَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَا الْأَرْشَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ ، كَأَنَّهُ أَخَذَ أَرْشَ عَيْبِ الْفِضَّةِ قَفِيزَ حِنْطَةٍ فَيَجُوزُ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ أَمْوَالِ الرِّبَا فِيمَا بِيعَ بِجِنْسِهِ ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، مِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ ، فَإِذَا كَانَ الْأَرْشُ مِمَّا لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ ، كَمَنْ بَاعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ بِقَفِيزَيْ شَعِيرٍ ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا عَيْبًا فَأَخَذَ أَرْشَهُ دِرْهَمًا جَازَ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ التَّفَرُّقُ قَبْلَ قَبْضِ مَا شُرِطَ فِيهِ الْقَبْضُ .

( 2845 ) فَصْلٌ : قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : " إذَا كَانَ بِصَرْفِ يَوْمِهِ " .
يَعْنِي الرَّدُّ جَائِزٌ ، مَا لَمْ يَنْقُصْ قِيمَةُ مَا أَخَذَهُ مِنْ النَّقْدِ عَنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ اصْطَرَفَا ، فَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ ، كَأَنْ أَخَذَ عَشَرَةً بِدِينَارٍ ، فَصَارَتْ أَحَدَ عَشَرَ بِدِينَارٍ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ ؛ لِنَقْصِ قِيمَتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْ زَادَتْ ، مِثْلُ أَنْ صَارَتْ تِسْعَةً بِدِينَارِ ، لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ ، وَلَيْسَ بِعَيْبٍ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ السِّعْرِ لَيْسَ بِعَيْبٍ ، وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ فِي الْغَصْبِ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْقَرْضِ .
وَلَوْ كَانَ عَيْبًا ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ ، فَلَهُ رَدُّهُ ، وَرَدُّ أَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ ، وَأَخْذُ الثَّمَنِ .

( 2846 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَلِفَ الْعِوَضُ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ الْقَبْضِ ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ ، فَسَخَ الْعَقْدَ ، وَرَدَّ الْمَوْجُودَ ، وَتَبْقَى قِيمَةُ الْعَيْبِ فِي ذِمَّةِ مَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ، فَيَرُدُّ مِثْلَهَا ، أَوْ عِوَضَهَا إنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّرْفُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ .
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ أَخْذِ الْأَرْشِ ، وَالْأُوَلُ أَوْلَى ، إلَّا أَنْ يَكُونَا فِي الْمَجْلِسِ ، وَالْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ .

( 2847 ) فَصْلٌ : إذَا عَلِمَ الْمُصْطَرِفَانِ قَدْرَ الْعِوَضَيْنِ ، جَازَ أَنْ يَتَبَايَعَا بِغَيْرِ وَزْنٍ .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِوَزْنِ مَا مَعَهُ ، فَصَدَّقَهُ ، فَإِذَا بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارٍ كَذَلِكَ ، وَافْتَرَقَا ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ نَاقِصًا ، بَطَلَ الصَّرْفُ ؛ لِأَنَّهُمَا تَبَايَعَا ذَهَبًا بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا ، فَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا فِيمَا قَبَضَهُ زِيَادَةً عَلَى الدِّينَارِ نَظَرْت فِي الْعَقْدِ ، فَإِنْ كَانَ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الدِّينَارَ بِهَذَا .
فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا ، وَإِنْ قَالَ : بِعْتُك دِينَارًا بِدِينَارٍ .
ثُمَّ تَقَابَضَا ، كَانَ الزَّائِدُ فِي يَدِ الْقَابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لِمَالِكِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ ، وَلَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ دِينَارًا بِمِثْلِهِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْقَبْضُ لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَ عِوَضِ الزَّائِدِ ، جَازَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ مُبْتَدَأَةٌ ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ آخِذَ الزَّائِدِ وَجَدَ الْمَبِيعَ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ مَعِيبًا بِعَيْبِ الشَّرِكَةِ ، وَدَافِعُهُ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ عِوَضِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَجْلِسِ ، فَيُرَدَّ الزَّائِدَ ، وَيَدْفَعَ بَدَلَهُ .
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، فَوَفَّاهُ عَشَرَةً عَدَدًا ، فَوَجَدَهَا أَحَدَ عَشَرَ ، كَانَ هَذَا الدِّينَارُ الزَّائِدُ فِي يَدِ الْقَابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لِمَالِكِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ مَالِهِ ، فَكَانَ مَضْمُونًا بِهَذَا الْقَبْضِ ، وَلِمَالِكِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ .

( 2848 ) فَصْلٌ : وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي النَّقْدِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْعَقْدِ فِيمَا عَيَّنَاهُ ، وَيَتَعَيَّنُ عِوَضًا فِيهِ ، فَلَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ ، وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوبًا بَطَلَ الْعَقْدُ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ ، فَيَجُوزُ إبْدَالُهَا ، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِخُرُوجِهَا مَغْصُوبَةً .
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إطْلَاقُهَا فِي الْعَقْدِ ، فَلَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِيهِ ، كَالْمِكْيَالِ وَالصَّنْجَةِ وَلَنَا ، أَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدٍ ، فَيَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَسَائِرِ الْأَعْوَاضِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَالْآخَرِ ، وَيُفَارِقُ مَا ذَكَرُوهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ ، وَإِنَّمَا يُرَادُ لِتَقْدِيرِ الْعُقُودِ عَلَيْهِ ، وَتَعْرِيفِ قَدْرِهِ ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهَا الْمِلْكُ بِحَالٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .

( 2849 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا تَبَايَعَا ذَلِكَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا فِيمَا اشْتَرَاهُ عَيْبًا ، فَلَهُ الْبَدَلُ ، إذَا كَانَ الْعَيْبُ لَيْسَ بِدَخِيلٍ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَالْوُضُوحِ فِي الذَّهَبِ وَالسَّوَادِ فِي الْفِضَّةِ ) يَعْنِي اصْطَرَفَا فِي الذِّمَّةِ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ .
فَيَقُولُ الْآخَرُ : قَبِلْت .
فَيَصِحُّ الْبَيْعُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ عِنْدَهُمَا ، أَوْ لَمْ يَكُونَا ، إذَا تَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ ، بِأَنْ يَسْتَقْرِضَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَيْنَانِ حَاضِرَتَيْنِ .
وَعَنْهُ ، لَا يَجُوزُ حَتَّى تَظْهَرَ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَتُعَيَّنَ .
وَعَنْ زُفَرَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بِنَاجِزٍ } .
وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَيَّنْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ ، كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدِينٍ ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَنَا ، أَنَّهُمَا تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ .
وَالْحَدِيثُ يُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يُبَاعَ عَاجِلٌ بِآجِلٍ ، أَوْ مَقْبُوضٌ بِغَيْرِ مَقْبُوضٍ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ غَائِبًا ، وَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ يَجْرِي مَجْرَى الْقَبْضِ حَالَةَ الْعَقْدِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ : { عَيْنًا بِعَيْنٍ } .
{ يَدًا بِيَدٍ } .
وَالْقَبْضُ يَجْرِي فِي الْمَجْلِسِ ، كَذَا التَّعَيُّنُ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِمَا بِالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ ، وَمَتَى تَقَابَضَا ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْبَدَلِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى مُطْلَقٍ ، لَا عَيْبَ فِيهِ ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ .
وَإِنْ رَضِيَهُ بِعَيْبِهِ ، وَالْعَيْبُ

مِنْ جِنْسِهِ جَازَ ، كَمَا لَوْ رَضِيَ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ مَعِيبًا ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الْأَرْشِ ، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَاضُلِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّمَاثُلُ ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ جَازَ .
فَأَمَّا إنْ تَقَابَضَا وَافْتَرَقَا ، ثُمَّ وَجَدَ الْعَيْبَ مِنْ جِنْسِهِ ، فَلَهُ إبْدَالُهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .
اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ ، وَالْخِرَقِيُّ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ إبْدَالُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، جَازَ بَعْدَهُ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الصَّرْفِ ، وَمَنْ صَارَ إلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى قَالَ : قَبْضُ الْأَوَّلِ صَحَّ بِهِ الْعَقْدُ ، وَقَبْضُ الثَّانِي يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ .
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَدَلَ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ ، فَإِنْ تَفَرَّقَا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَإِنْ وَجَدَ الْبَعْضَ رَدِيئًا فَرَدَّهُ ، فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى لَهُ الْبَدَلُ ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَبْطُلُ فِي الْمَرْدُودِ .
وَهَلْ يَصِحُّ فِيمَا لَمْ يَرُدَّ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَبِيعِ مِنْ جِنْسٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ وَجَدَ دِرْهَمًا زَيْفًا فَرَضِيَ بِهِ ، جَازَ ، وَإِنْ رَدَّهُ ، انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي دِينَارٍ ، وَإِنْ رَدَّ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا ، انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي دِينَارَيْنِ ، وَكُلَّمَا زَادَ عَلَى دِينَارٍ ، انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي دِينَارٍ آخَرَ .
وَلَنَا أَنَّ مَا لَا عَيْبَ فِيهِ لَمْ يُرَدَّ ، فَلَمْ يَنْتَقِضْ الصَّرْفُ فِيمَا يُقَابِلُهُ ، كَسَائِرِ الْعِوَضِ .
وَإِنْ اخْتَارَ وَاجِدُ الْعَيْبِ الْفَسْخَ ، فَعَلَى قَوْلِنَا لَهُ الْبَدَلُ ، لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إذَا أَبْدَلَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ

أَخْذُ حَقِّهِ غَيْرَ مَعِيبٍ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، لَهُ الْفَسْخُ ، أَوْ الْإِمْسَاكُ فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى مَا عَقَدَ عَلَيْهِ مَعَ إبْقَاءِ الْعَقْدِ .
فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ يَقْبِضُهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ عَنْ الصَّرْفِ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى .

( 2850 ) فَصْلٌ : وَمَنْ شَرْطِ الْمُصَارَفَةِ فِي الذِّمَّةِ ، أَنْ يَكُونَ الْعِوَضَانِ مَعْلُومَيْنِ ، إمَّا بِصِفَةٍ يَتَمَيَّزَانِ بِهَا ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ أَوْ غَالِبٌ ، فَيَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ ، وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا مِنْ نَقْدِ عَشَرَةٍ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ ، إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْبَلَدِ نَقْدُ عَشَرَةٍ بِدِينَارٍ ، إلَّا نَوْعٌ وَاحِدٌ ، فَتَنْصَرِفُ تِلْكَ الصِّفَةُ إلَيْهِ .
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَيْعِ .

( 2851 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ ذَهَبٌ ، وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ ، فَاصْطَرَفَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِمَا ، لَمْ يَصِحَّ ، وَبِهَذَا قَالَ اللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ جَوَازَهُ ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ الْحَاضِرَةَ كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ ؛ وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ الدَّرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدِينٍ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَا يَجُوزُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا هُوَ إجْمَاعٌ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ } .
وَفَسَّرَهُ بِالدَّيْنِ بِالدَّيْنِ .
إلَّا أَنَّ الْأَثْرَمَ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سُئِلَ : أَيَصِحُّ فِي هَذَا حَدِيثٌ ؟ قَالَ : لَا .
وَإِنَّمَا صَحَّ الصَّرْفُ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ ، فَجَرَى الْقَبْضُ وَالتَّعْيِينُ فِي الْمَجْلِسِ مَجْرَى وُجُودِهِ حَالَةَ الْعَقْدِ .
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَنَانِيرُ ، فَقَضَاهُ دَرَاهِمَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ يُعْطِيهِ كُلَّ دِرْهَمٍ بِحِسَابِهِ مِنْ الدِّينَارِ ، صَحَّ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَحَاسَبَا بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَفَهُ بِهَا وَقْتَ الْمُحَاسَبَةِ ، لَمْ يَجُزْ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ دَيْنٌ ، وَالدَّرَاهِمَ صَارَتْ دَيْنًا ، فَيَصِيرُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ .
وَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ مَالَهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ صَارَفَهُ بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ ، صَحَّ .
وَإِذَا أَعْطَاهُ الدَّرَاهِمَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، وَلَمْ يَقْضِهِ ذَلِكَ وَقْتَ دَفْعِهَا إلَيْهِ ، ثُمَّ أَحْضَرَهَا ، وَقَوَّمَاهَا ، فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَضَاءِ ، لَا يَوْمَ دَفْعِهَا إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَصِرْ فِي مِلْكِهِ ، إنَّمَا هِيَ وَدِيعَةٌ فِي يَدِهِ ، فَإِنْ تَلِفَتْ ، أَوْ

نَقَصَتْ ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ ضَمَانِ الْقَابِضِ لَهَا إذَا قَبَضَهَا بِنِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ ؛ لِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ عَلَى أَنَّهَا عِوَضٌ وَوَفَاءٌ ، وَالْمَقْبُوضُ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ كَالْمَقْبُوضِ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ .
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عِنْدَ صَيْرَفِيٍّ دَنَانِيرُ ، فَأَخَذَ مِنْهُ دَرَاهِمَ إدْرَارًا ؛ لِتَكُونَ هَذِهِ بِهَذِهِ ، لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذِمَّةِ مَنْ قَبَضَهُ ، فَإِذَا أَرَادَ التَّصَارُفَ أَحْضَرَا أَحَدَهُمَا ، وَاصْطَرَفَا بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ .
( 2852 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ اقْتِضَاءُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنْ الْأُخَرِ ، وَيَكُونُ صَرْفًا بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ وَقَدْ تَخَلَّفَ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، فِي " سُنَنِهِمَا " ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ { : كُنْت أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رُوَيْدَك ، أَسْأَلُك ، إنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ ، وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا ، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ } .
قَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا يَقْضِيهِ إيَّاهَا بِالسِّعْرِ .
لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ يَقْضِيهِ إيَّاهَا بِالسِّعْرِ ، إلَّا مَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إنَّهُ يَقْضِيهِ مَكَانَهَا ذَهَبًا عَلَى التَّرَاضِي ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي الْحَالِ ، فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا

عَلَيْهِ إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْعِوَضُ عَرْضًا .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا " .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ ، وَمَسْرُوقًا الْعِجْلِيّ ، سَأَلَاهُ عَنْ كُرَيٍّ لَهُمَا ، لَهُ عَلَيْهِمَا دَرَاهِمُ ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا إلَّا دَنَانِيرُ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَعْطُوهُ بِسِعْرِ السُّوقِ .
وَلِأَنَّ هَذَا جَرَى مَجْرَى الْقَضَاءِ ، فَيُقَيَّدْ بِالْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ قَضَاهُ مِنْ الْجِنْسِ ، وَالتَّمَاثُلُ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ ؛ لِتَعَذُّرِ التَّمَاثُلِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ .
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَإِنَّ أَهْلَ السُّوقِ يَتَغَابَنُونَ بَيْنَهُمْ بِالدَّانَقِ فِي الدِّينَارِ وَمَا أَشْبَهَهُ ؟ فَقَالَ : إذَا كَانَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ فَسَهْلٌ فِيهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً ، وَيُزَادُ شَيْئًا كَثِيرًا .
( 2853 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَمَشْهُورُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ ، فَكَانَ الْقَبْضُ نَاجِزًا فِي أَحَدِهِمَا ، وَالنَّاجِزُ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ وَالْآخِرُ الْجَوَازُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ ، فَكَأَنَّهُ رَضِيَ بِتَعْجِيلِ الْمُؤَجَّلِ .
وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ ، إذَا قَضَاهُ بِسِعْرِ يَوْمِهَا ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْمَقْضِيِّ فَضْلًا لِأَجْلِ تَأْجِيلِ مَا فِي الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْقُصْهُ عَنْ سِعْرِهَا شَيْئًا ، فَقَدْ رَضِيَ بِتَعْجِيلِ مَا فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَاهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنَ ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ حِينَ سَأَلَهُ ، وَلَوْ افْتَرَقَ الْحَالُ لَسَأَلَ وَاسْتَفْصَلَ .
( 2854 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ

دَرَاهِمَ ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا ، فَقَالَ : اسْتَوْفِ حَقَّك مِنْهُ .
فَاسْتَوْفَاهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ ، جَازَ .
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ ، فَوَكَّلَ غَرِيمَهُ فِي بَيْعِ دَارِهِ ، وَاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهَا ، فَبَاعَهَا بِدَرَاهِمَ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا قَدْرَ حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي مُصَارَفَةِ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ .
وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً بِدَنَانِيرَ ، فَأَخَذَ بِهَا دَرَاهِمَ ، فَرَدَّتْ الْجَارِيَةُ بِعَيْبٍ أَوْ إقَالَةٍ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي إلَّا الدَّنَانِيرُ ؛ لِأَنَّهُ الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الدَّرَاهِمَ بِعَقْدِ صَرْفٍ مُسْتَأْنَفٍ .
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ .

( 2855 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ ، فَقَالَ لِغَرِيمِهِ : ضَعْ عَنِّي بَعْضَهُ ، وَأُعَجِّلُ لَك بَقِيَّتَهُ .
لَمْ يَجُزْ .
كَرِهَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَالْمِقْدَادُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسَالِمٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالْحَكَمُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَهُشَيْمٌ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الْمِقْدَادُ لِرَجُلَيْنِ فَعَلَا ذَلِكَ : كِلَاكُمَا قَدْ آذَنَ بِحَرْبِ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ آخِذٌ لِبَعْضِ حَقِّهِ ، تَارِكٌ لِبَعْضِهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا .
وَقَالَ الْخِرَقِيِّ : لَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ ، وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ .
وَلَنَا أَنَّهُ بَيْعُ الْحُلُولِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ زَادَهُ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ ، فَقَالَ لَهُ : أُعْطِيك عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَتُعَجِّلُ لِي الْمِائَةَ الَّتِي عَلَيْك .
فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَإِنَّ مُعَامَلَتَهُ مَعَ سَيِّدِهِ ، وَهُوَ يَبِيعُ بَعْضَ مَالِهِ بِبَعْضٍ ، فَدَخَلَتْ الْمُسَامَحَةُ فِيهِ .
وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ ، فَسُومِحَ فِيهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .

( 2856 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ دَخِيلًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَانَ الصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدًا ) يَعْنِي إذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ مَغْشُوشًا بِغِشٍّ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَيَنْظُرُ فِيهِ ؛ فَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ عَيْنًا بِعَيْنٍ ، فَهُوَ فَاسِدٌ ؛ لِمَا أَسْلَفْنَاهُ .
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنٍ ، وَعَلِمَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ ، فَرَدَّهُ ، وَأَخَذَ بَدَلَهُ ، فَالصَّرْفُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ رَدِّهِ ، فَالصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُمَا تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَقْبِضْ مَا يَصْلُحُ عِوَضًا عَنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ .
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .
وَقِيلَ عَنْ أَحْمَدَ : إنَّهُ إذَا أَخَذَ الْبَدَلَ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ ، لَمْ يَبْطُلْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ .
وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُشْتَرِي الْمَعِيبِ عَالِمًا بِعَيْبِهِ ، فَأَمَّا إنَّ عَلِمَ بِعَيْبِهِ ، فَاشْتَرَاهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ ، جَازَ ، وَلَا خِيَارَ لَهُ ، وَلَا بَدَلَ .
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَكَانَ الصَّرْفُ ذَهَبًا بِذَهَبٍ ، أَوْ فِضَّةً بِمِثْلِهَا ، فَالصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ ، إلَّا أَنْ يَبِيعَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً مَغْشُوشًا بِمِثْلِ غِشِّهِ ، كَبَيْعِهِ دِينَارًا صُورِيًّا بِمِثْلِهِ ، مَعَ عِلْمِهِ بِتَسَاوِي غِشِّهِمَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الظَّاهِرَ جَوَازُهُ .
وَإِنْ بَاعَ مَغْشُوشًا بِغَيْرِ مَغْشُوشٍ ، لَمْ يَجُزْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْغِشِّ قِيمَةٌ ، فَيُخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ .
وَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ فِي جِنْسَيْنِ ، كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ ، انْبَنَى عَلَى إنْفَاقِ الْمَغْشُوشَةِ .

( 2857 ) فَصْلٌ : وَفِي إنْفَاقِ الْمَغْشُوشِ مِنْ النُّقُودِ رِوَايَتَانِ ؛ أَظْهَرُهُمَا ، الْجَوَازُ ، نَقَلَ صَالِحٌ عَنْهُ فِي دَرَاهِمَ يُقَالُ لَهَا الْمُسَيَّبِيَّةُ ، عَامَّتُهَا نُحَاسٌ إلَّا شَيْئًا فِيهَا فِضَّةٌ ، فَقَالَ : إذَا كَانَ شَيْئًا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِثْلَ الْفُلُوسِ ، اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا ، فَأَرْجُو أَلَّا يَكُونَ بِهَا بَأْسٌ .
وَالثَّانِيَةُ التَّحْرِيمُ ، نَقَلَ حَنْبَلٌ فِي دَرَاهِمَ يُخْلَطُ فِيهَا مِشّ وَنُحَاسٌ يُشْتَرَى بِهَا وَيُبَاعُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا أَحَدٌ .
كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْغِشِّ فَالشِّرَاءُ بِهِ وَالْبَيْعُ حَرَامٌ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَ الْغِشُّ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ ، جَازَ الشِّرَاءُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ ، فَفِي جَوَازِ إنْفَاقِهَا وَجْهَانِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ إنْفَاقَ الْمَغْشُوشَةِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا } .
وَبِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ نُفَايَةِ بَيْتِ الْمَالِ .
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ مَجْهُولٌ ، أَشْبَهَ تُرَابَ الصَّاغَةِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي الْجَوَازِ عَلَى الْخُصُوصِ فِيمَا ظَهَرَ غِشُّهُ ، وَاصْطَلَحَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْمُعَامَلَةَ بِهِ جَائِزَةٌ ، إذْ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ اشْتِمَالِهِ عَلَى جِنْسَيْنِ لَا غَرَرَ فِيهِمَا ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِمَا ، كَمَا لَوْ كَانَا مُتَمَيِّزَيْنِ .
وَلِأَنَّ هَذَا مُسْتَفِيضٌ فِي الْأَعْصَارِ ، جَارٍ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، وَفِي تَحْرِيمِهِ مَشَقَّةٌ وَضَرَرٌ ، وَلَيْسَ شِرَاؤُهُ بِهَا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَا تَغْرِيرًا لَهُمْ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا ظَاهِرٌ مَرْئِيٌّ مَعْلُومٌ ، بِخِلَافِ تُرَابِ الصَّاغَةِ .
وَرِوَايَةُ الْمَنْعِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يَخْفَى غِشُّهُ ، وَيَقَعُ اللَّبْسُ بِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ أَشَارَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا فِي رَجُلٍ اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ دَرَاهِمُ زُيُوفٌ ، مَا يَصْنَعُ بِهَا ؟ قَالَ : يَسْبِكُهَا .
قِيلَ لَهُ : فَيَبِيعُهَا بِدَنَانِيرَ ؟

قَالَ : لَا .
قِيلَ : يَبِيعُهَا بِفُلُوسٍ ؟ قَالَ : لَا .
قِيلَ فَبِسِلْعَةٍ ؟ قَالَ : لَا ، إنِّي أَخَافُ أَنْ يَغُرَّ بِهَا مُسْلِمًا .
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أَيَتَصَدَّقُ بِهَا ؟ قَالَ : إنِّي أَخَافُ أَنْ يَغُرَّ بِهَا مُسْلِمًا .
وَقَالَ : مَا يَنْبَغِي لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَغُرُّ بِهَا الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا أَقُولُ إنَّهُ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَأْوِيلٍ ، وَذَلِكَ إنَّمَا كَرِهْتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَغُرُّ بِهَا مُسْلِمًا .
فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَنْعُ عُمَرَ نُفَايَةَ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ مُشْتَرِيَهَا رُبَّمَا خَلَطَهَا بِدَرَاهِمَ جَيِّدَةٍ ، وَاشْتَرَى بِهَا مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ حَالَهَا ، وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا اصْطَلَحَ عَلَى إنْفَاقِهِ ، لَمْ يَكُنْ نُفَايَةً .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ زَافَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُهُ فَلْيَخْرُجْ بِهَا إلَى الْبَقِيعِ ، فَلْيَشْتَرِ بِهَا سَحْقَ الثِّيَابِ .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إنْفَاقِ الْمَغْشُوشَةِ الَّتِي لَمْ يَصْطَلِحْ عَلَيْهَا .
قُلْنَا : قَدْ قَالَ أَحْمَدُ : مَعْنَى زَافَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُهُ .
أَيْ نُفِيَتْ ، لَيْسَ أَنَّهَا زُيُوفٌ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا ظَهَرَ غِشُّهُ ، وَبَانَ زَيْفُهُ ، بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا يَحْصُلُ بِهَا تَغْرِيرٌ .
وَإِنْ تَعَذَّرَ تَأْوِيلُهَا ، تَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ عَنْهُ ، وَيُرْجَعُ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ غِشُّهُ ذَا بَقَاءٍ وَثَبَاتٍ ، كَالرَّصَاصِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَمَا لَا ثَبَاتَ لَهُ ، كَالزَّرْنِيخِيَّةِ ، والأندرانية ، وَهُوَ زِرْنِيخٌ وَنُورَةٌ يُطْلَى عَلَيْهِ فِضَّةٌ ، فَإِذَا دَخَلَ النَّارَ اُسْتُهْلِكَ الْغِشُّ ، وَذَهَبَ .

( 2858 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَتَى انْصَرَفَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ ، فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا ) الصَّرْفُ : بَيْعُ الْأَثْمَانِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ .
وَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ إذَا افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا ، أَنَّ الصَّرْفَ فَاسِدٌ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ .
} وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ } .
{ وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا ، وَنَهَى أَنْ يُبَاعَ غَائِبٌ مِنْهَا بِنَاجِزٍ ، } كُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ .
وَيُجْزِئُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَإِنْ طَالَ ، وَلَوْ تَمَاشَيَا مُصْطَحِبَيْنِ إلَى مَنْزِلِ أَحَدِهِمَا ، أَوْ إلَى الصَّرَّافِ ، فَتَقَابَضَا عِنْدَهُ ، جَازَ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا فَارَقَا مَجْلِسَهُمَا .
وَلَنَا أَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ تَسِيرُ بِهِمَا ، أَوْ رَاكِبَيْنِ عَلَى دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ تَمْشِي بِهِمَا .
وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ فِي قَوْلِهِ لِلَّذَيْنِ مَشَيَا إلَيْهِ مِنْ جَانِبِ الْعَسْكَرِ : وَمَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا .
وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ الصَّرْفُ ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ .
وَإِنْ قَبَضَ الْبَعْضَ ، ثُمَّ افْتَرَقَا ، بَطَلَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ ، وَفِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْعِوَضِ .
وَهَلْ يَصِحُّ فِي الْمَقْبُوضِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .
وَلَوْ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ ، فَقَبَضَ الْوَكِيلُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا ، جَازَ ، وَقَامَ قَبْضُ وَكِيلِهِ مَقَامَ قَبْضِهِ ، سَوَاءٌ فَارَقَ الْوَكِيلُ الْمَجْلِسَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، أَوْ لَمْ يُفَارِقْهُ .
وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِ

الْوَكِيلِ ، بَطَلَ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ ، وَقَدْ فَاتَ .
وَإِنْ تَخَايَرَا قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ ، لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ الْقَبْضِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ إذَا قُلْنَا بِلُزُومِ الْعَقْدِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ خِيَارٌ قَبْلَ الْقَبْضِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ افْتَرَقَا .
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، فَإِنَّ الشَّرْطَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَقَدْ وُجِدَ ، وَاشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ قَبْلَ اللُّزُومِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .
ثُمَّ يَبْطُلُ بِمَا إذَا تَخَايَرَا قَبْلَ الصَّرْفِ ، ثُمَّ اصْطَرَفَا ، فَإِنَّ الصَّرْفَ يَقَعُ لَازِمًا صَحِيحًا قَبْلَ الْقَبْضِ ، ثُمَّ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ .

( 2859 ) فَصْلٌ : وَلَوْ صَارَفَ رَجُلًا دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ الْعَشَرَةِ كُلِّهَا ، فَإِنْ قَبَضَ الْخَمْسَةَ وَافْتَرَقَا ، بَطَلَ الصَّرْفُ فِي نِصْفِ الدِّينَارِ .
وَهَلْ يَبْطُلُ فِيمَا يُقَابِلُ الْخَمْسَةَ الْمَقْبُوضَةَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .
وَإِنْ أَرَادَ التَّخَلُّصَ ، فَسَخَا الصَّرْفَ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ عِوَضُهُ ، أَوْ يَفْسَخَانِ الْعَقْدَ كُلَّهُ ، ثُمَّ يُشْتَرَى مِنْهُ نِصْفُ الدِّينَارِ بِخَمْسَةٍ ، وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الدِّينَارَ كُلَّهُ ، فَيَكُونُ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ لَهُ ، وَمَا بَقِيَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ ، ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ ، ثُمَّ إذَا صَارَفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْبَاقِي لَهُ مِنْ الدِّينَارِ ، أَوْ اشْتَرَى بِهِ مِنْهُ شَيْئًا ، أَوْ جَعَلَهُ سَلَمًا فِي شَيْءٍ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ ، جَازَ ، وَكَذَلِكَ إنَّ وَكَّلَهُ فِيهِ .
وَلَوْ اشْتَرَى فِضَّةً بِدِينَارٍ وَنِصْفٍ ، وَدَفَعَ إلَى الْبَائِعِ دِينَارَيْنِ ، وَقَالَ : أَنْتَ وَكِيلِي فِي نِصْفِ الدِّينَارِ الزَّائِدِ ، صَحَّ .
وَلَوْ صَارَفَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ ، فَأَعْطَاهُ أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ لِيَزِنَ لَهُ حَقَّهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ ، جَازَ ، وَإِنْ طَالَ ، وَيَكُونُ الزَّائِدُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَلَفِهِ .
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَكْثَرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا إلَّا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، فَاشْتَرَى بِهَا نِصْفَ دِينَارٍ ، وَقَبَضَ دِينَارًا كَامِلًا ، وَدَفَعَ إلَيْهِ الدَّرَاهِمَ ، ثُمَّ اقْتَرَضَهَا مِنْهُ ، فَاشْتَرَى بِهَا النِّصْفَ الْبَاقِيَ ، أَوْ اشْتَرَى الدِّينَارَ مِنْهُ بِعَشَرَةٍ ابْتِدَاءً ، وَدَفَعَ إلَيْهِ الْخَمْسَةَ ، ثُمَّ اقْتَرَضَهَا مِنْهُ ، وَدَفَعَهَا إلَيْهِ عِوَضًا عَنْ النِّصْفِ الْآخَرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْحِيلَةِ ، فَلَا بَأْسَ .

( 2860 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ مُدَّيْ تَمْرٍ رَدِيءٍ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ اشْتَرَى بِالدِّرْهَمِ تَمْرًا جَنِيبًا ، أَوْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ دِينَارًا صَحِيحًا بِدَرَاهِمَ ، وَتَقَابَضَاهَا ، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِالدَّرَاهِمِ قُرَاضَةً مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ ، وَلَا حِيلَةٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَجُوزُ ، إلَّا أَنْ يَمْضِيَ إلَى غَيْرِهِ لِيَبْتَاعَ مِنْهُ ، فَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْبَائِعِ ، فَيَبْتَاعَ مِنْهُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : يَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ .
قُلْت لَهُ : قَالَ لَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ ؟ فَقَالَ : يَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَهُوَ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ وَأَحْرَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الذَّهَبَ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ إذَا رَدَّهَا إلَيْهِ لَعَلَّهُ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ الذَّهَبَ ، وَلَا يُحْكِمَ الْوَزْنَ ، وَلَا يَسْتَقْصِيَ ، يَقُولُ : هِيَ تَرْجِعُ إلَيْهِ .
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَذَهَبَ لِيَشْتَرِيَ الدَّرَاهِمَ بِالذَّهَبِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَجِدْهَا ، فَرَجَعَ إلَيْهِ ؟ فَقَالَ : إذَا كَانَ لَا يُبَالِي اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، فَنَعَمْ .
فَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ ، لَا الْإِيجَابِ .
وَلَعَلَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ اجْتِنَابَ الْمُوَاطَأَةِ عَلَى هَذَا ، وَلِهَذَا قَالَ : إذَا كَانَ لَا يُبَالِي اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، فَنَعَمْ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً ، جَازَ ، وَإِنْ فَعَلَهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُضَارِعُ الرِّبَا .
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : { جَاءَ بِلَالٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيِّ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَيْنَ هَذَا ؟ .
قَالَ بِلَالٌ : كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيءٌ ، فَبِعْت صَاعَيْنِ بِصَاعٍ ؛ لِيُطْعِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَّهْ ، عَيْنُ الرِّبَا ، لَا تَفْعَلْ ، وَلَكِنْ إذَا

أَرَدْت أَنْ تَشْتَرِيَ ، فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ .
} وَرَوَى أَيْضًا أَبُو سَعِيدٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ ، فَقَالَ : أَكُلُّ تَمْرٍ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ .
قَالَ : لَا وَاَللَّهِ .
إنَّا لَنَأْخُذَ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْعَلْ ، بِعْ التَّمْرَ بِالدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .
وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا لَبَيَّنَهُ لَهُ ، وَعَرَّفَهُ إيَّاهُ .
وَلِأَنَّهُ بَاعَ الْجِنْسَ بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، وَلَا مُوَاطَأَةٍ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ .
وَلِأَنَّ مَا جَازَ مِنْ الْبِيَاعَاتِ مَرَّةً ، جَازَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ .
فَأَمَّا إنْ تَوَاطَآ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ ، وَكَانَ حِيلَةً مُحَرَّمَةً ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ ، مَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ .
وَلَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَنْ مُوَاطَأَةٍ كَانَ حِيلَةً ، وَالْحِيَلُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .

( 2861 ) فَصْلٌ : وَالْحِيَلُ كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ ، غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ عَقْدًا مُبَاحًا يُرِيدُ بِهِ مُحَرَّمًا ، مُخَادَعَةً وَتَوَسُّلًا إلَى فِعْلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، وَاسْتِبَاحَةِ مَحْظُورَاتِهِ ، أَوْ إسْقَاطِ وَاجِبٍ ، أَوْ دَفْعِ حَقٍّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .
قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ : إنَّهُمْ لَيُخَادِعُونَ اللَّهَ ، كَأَنَّمَا يُخَادِعُونَ صَبِيًّا ، لَوْ كَانُوا يَأْتُونَ الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيَّ .
فَمِنْ ذَلِكَ ؛ مَا لَوْ كَانَ مَعَ رَجُلٍ عَشَرَةٌ صِحَاحٌ ، وَمَعَ الْآخَرِ خَمْسَةَ عَشَرَ مُكَسَّرَةٌ ، فَاقْتَرَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا مَعَ صَاحِبِهِ ، ثُمَّ تَبَارَيَا ، تَوَصُّلًا إلَى بَيْعِ الصِّحَاحِ بِالْمُكَسَّرَةِ مُتَفَاضِلًا ، أَوْ بَاعَهُ الصِّحَاحَ بِمِثْلِهَا مِنْ الْمُكَسَّرَةِ ، ثُمَّ وَهَبَهُ الْخَمْسَةَ الزَّائِدَةَ ، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ بِهَا أُوقِيَّةَ صَابُونٍ ، أَوْ نَحْوَهَا مَا يَأْخُذُهُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ بِعَشَرَةٍ إلَّا حَبَّةً مِنْ الصَّحِيحِ مِثْلَهَا مِنْ الْمُكَسَّرَةِ ، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِالْحَبَّةِ الْبَاقِيَةِ ثَوْبًا قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ .
وَهَكَذَا لَوْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا ، أَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا ، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا تَوَصُّلًا إلَى أَخْذِ عِوَضٍ عَنْ الْقَرْضِ ، فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا عَلَى وَجْهِ الْحِيلَةِ فَهُوَ خَبِيثٌ مُحَرَّمٌ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : ذَلِكَ كُلُّهُ وَأَشْبَاهُهُ جَائِزٌ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَا فِي الْبَيْعِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ شَرْطُهُ فِي الْعَقْدِ يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَا عَلَيْهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَذَّبَ أُمَّةً بِحِيلَةٍ احْتَالُوهَا ، فَمَسَخَهُمْ قِرَدَةً ، وَسَمَّاهُمْ مُعْتَدِينَ ، وَجَعَلَ ذَلِكَ نَكَالًا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ؛ لِيَتَّعِظُوا بِهِمْ ، وَيَمْتَنِعُوا مِنْ مِثْلِ أَفْعَالِهِمْ .
وَقَالَ بَعْضُ

الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى { : وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } .
أَيْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْصِبُونَ شِبَاكَهُمْ لِلْحِيتَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَيَتْرُكُونَهَا إلَى يَوْمِ الْأَحَدِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَحْفِرُ حَفَائِرَ ، وَيَجْعَلُ إلَيْهَا مَجَارِي ، فَيَفْتَحُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَإِذَا جَاءَ السَّمَكُ يَوْمَ السَّبْتِ ، جَرَى مَعَ الْمَاءِ فِي الْمَجَارِي ، فَيَقَعُ فِي الْحَفَائِرِ ، فَيَدَعُهَا إلَى يَوْمِ الْأَحَدِ ، ثُمَّ يَأْخُذُهَا ، وَيَقُولُ : مَا اصْطَدْت يَوْمَ السَّبْتِ ، وَلَا اعْتَدَيْت فِيهِ .
فَهَذِهِ حِيلَةٌ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ ، فَهُوَ قِمَارٌ ، وَمِنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ ، وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ ، فَلَيْسَ بِقِمَارِ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ .
فَجَعَلَهُ قِمَارًا مَعَ إدْخَالِهِ الْفَرَسَ الثَّالِثَ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَمْنَعُ مَعْنَى الْقِمَارِ ، وَهُوَ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهِ آخِذًا ، أَوْ مَأْخُوذًا مِنْهُ ، وَإِنَّمَا دَخَلَ صُورَةً ، تُحِيلَا عَلَى إبَاحَةِ الْمُحَرَّمِ ، وَسَائِرُ الْحِيَلِ مِثْلُ ذَلِكَ .
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا حَرَّمَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ لِمَفْسَدَتِهَا ، وَالضَّرَرِ الْحَاصِلِ مِنْهَا .
وَلَا تَزُولُ مَفْسَدَتُهَا مَعَ إبْقَاءِ مَعْنَاهَا ، بِإِظْهَارِهِمَا صُورَةً غَيْرَ صُورَتِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَزُولَ التَّحْرِيمُ ، كَمَا لَوْ سَمَّى الْخَمْرَ بِغَيْرِ اسْمِهَا ، لَمْ يُبِحْ ذَلِكَ شُرْبَهَا ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيَسْتَحِلَّنَّ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا } .
وَمِنْ الْحِيَلِ فِي غَيْرِ الرِّبَا ، أَنَّهُمْ يَتَوَصَّلُونَ إلَى بَيْعِ الشَّيْءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، أَنْ يَسْتَأْجِرَ بَيَاضَ أَرْضِ الْبُسْتَانِ بِأَمْثَالِ أُجْرَتِهِ ، ثُمَّ يُسَاقِيهِ عَلَى ثَمَرِ شَجَرِهِ بِجُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ لِلْمَالِكِ ،

وَتِسْعُمِائَةِ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِلْعَامِلِ ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَالِكُ شَيْئًا ، وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بَيْعَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِمَا سَمَّاهُ أُجْرَةً ، وَالْعَامِلُ لَا يَقْصِدُ أَيْضًا سِوَى ذَلِكَ ، وَرُبَّمَا لَا يَنْتَفِعُ بِالْأَرْضِ الَّتِي سَمَّى الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَتِهَا ، وَمَتَى لَمْ يَخْرُجْ الثَّمَرُ ، أَوْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، جَاءَ الْمُسْتَأْجِرُ يَطْلُبُ الْجَائِحَةَ ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ مَالَهُ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَرَةِ لَا غَيْرُ ، وَرَبُّ الْأَرْضِ يَعْلَمُ ذَلِكَ .

( 2862 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِمُكَسَّرَةٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَهُ صَحِيحًا أَقَلَّ مِنْهَا .
قَالَ أَحْمَدُ : هَذَا هُوَ الرِّبَا الْمَحْضُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عِوَضَ الْفِضَّةِ أَقَلَّ مِنْهَا ، فَيَحْصُلُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا .
وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِصَحِيحٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَهُ مُكَسَّرَةً أَكْثَرَ مِنْهَا كَذَلِكَ .
فَإِنْ تَفَاسَخَا الْبَيْعَ ، ثُمَّ عَقَدَا بِالصِّحَاحِ ، أَوْ بِالْمُكَسَّرَةِ جَازَ .
وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِنِصْفِ دِينَارٍ ، لَزِمَهُ نِصْفُ دِينَارٍ شِقٍّ ، فَإِنْ عَادَ فَاشْتَرَى شَيْئًا آخَرَ بِنِصْفٍ آخَرَ لَزِمَهُ نِصْفُ شِقٍّ أَيْضًا ، فَإِنْ وَفَّاهُ دِينَارًا صَحِيحًا ، بَطَلَ الْعَقْدُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ اشْتِرَاطَ زِيَادَةِ ثَمَنِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، بَطَلَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ مَا يُفْسِدُهُ قَبْلَ انْبِرَامِهِ .
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا فَلُزُومِهِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ الَّذِي عَقَدَ الْبَيْعَ بِهِ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا .

( 2863 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ دِينَارٌ وَدِيعَةً ، فَصَارَفَهُ بِهِ ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بَقَاؤُهُ ، أَوْ مَظْنُونٌ ، صَحَّ الصَّرْفُ .
وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ ، لَمْ يَصِحَّ الصَّرْفُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ .
وَإِنْ شَكَّ فِيهِ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَصِحُّ .
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومِ الْبَقَاءِ .
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ ، فَصَحَّ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّكِّ ، فَإِنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ الْيَقِينَ ؛ وَلِذَلِكَ صَحَّ بَيْعُ الْحَيَوَانِ الْغَائِبِ الْمَشْكُوكِ فِي حَيَاتِهِ ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ تَالِفًا حِينَ الْعَقْدِ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بَاطِلًا .

( 2864 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ الصَّاغَةِ وَالْمَعْدِنِ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالُ رِبًا بِيعَ بِجِنْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا تُعْلَمُ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ .
وَإِنْ بِيعَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، فَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ ، كَرَاهَةَ بَيْعِ تُرَابِ الْمَعَادِنِ .
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي ( الْإِرْشَادِ ) : يَجُوزُ ذَلِكَ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَاللَّيْثِ ، قَالُوا : فَإِنْ اخْتَلَطَ ، أَوْ أَشْكَلَ فَلْيَبِعْهُ بِعَرْضٍ ، وَلَا يَبِعْهُ بِعَيْنٍ وَلَا وَرِقٍ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ بِمَا لَا رِبَا فِيهِ فَجَازَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ .

( 2865 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَالْعَرَايَا الَّتِي أَرْخَصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ هُوَ أَنْ يُوهَبَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ النَّخْلِ مَا لَيْسَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ ، فَيَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ لِمَنْ يَأْكُلُهَا رُطَبًا ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ : ( 2866 ) فَصْلٌ أَوَّلُهَا ، فِي إبَاحَةِ بَيْعِ الْعَرَايَا فِي الْجُمْلَةِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَهْلُ الشَّامِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ ، بَيْعُ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَنَّهُ يَبِيعُ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ فِي أَحَدِهِمَا ، فَلَمْ يَحُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، أَوْ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ ، وَغَيْرُهُمَا .
وَخَرَّجَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي كُتُبِهِمْ .
وَحَدِيثُهُمْ فِي سِيَاقِهِ : { إلَّا الْعَرَايَا } كَذَلِكَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ .
وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا .
وَلَوْ قُدِّرَ تَعَارُضُ الْحَدِيثَيْنِ ، وَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنَا لِخُصُوصِهِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَعَمَلًا بِكِلَا النَّصَّيْنِ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الَّذِي نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ هُوَ الَّذِي أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا ، وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى .
وَالْقِيَاسُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ النَّصِّ مَعَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ ، أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا .
وَالرُّخْصَةُ اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ ، مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ الْحَاظِرِ ، فَلَوْ مَنَعَ وُجُودُ السَّبَبِ مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ ، لَمْ

يَبْقَ لَنَا رُخْصَةٌ بِحَالٍ .
( 2867 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَتَجُوزُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِهَا .
فَأَمَّا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ إمَامِنَا رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ : يَجُوزُ .
وَرَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ ، مُطْلَقًا ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَشَكَّ فِي الْخَمْسَةِ فَاسْتَثْنَى الْيَقِينَ ، وَبَقِيَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْإِبَاحَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ .
} وَالْمُزَابَنَةُ : بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، ثُمَّ أَرْخَصَ فِي الْعَرِيَّةِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، وَشَكَّ فِي الْخَمْسَةِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ فِي التَّحْرِيمِ .
وَلِأَنَّ الْعَرِيَّةَ رُخْصَةٌ بُنِيَتْ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ يَقِينًا فِيمَا دُونَ الْخَمْسَةِ ، وَالْخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا ، فَلَا تَثْبُتُ إبَاحَتُهَا مَعَ الشَّكِّ وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ فِي الْوَسْقِ وَالْوَسْقَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ .
} وَالتَّخْصِيصُ بِهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الْعَدَدِ عَلَيْهِ ، كَمَا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسَةِ ؛ لِتَخْصِيصِهِ إيَّاهَا بِالذِّكْرِ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَهْلٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ ؛ النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ .
} وَلِأَنَّ خَمْسَةَ الْأَوْسُقِ فِي حُكْمِ مَا زَادَ عَلَيْهَا ؛ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا دُونَ مَا نَقَصَ عَنْهَا ، وَلِأَنَّهَا قَدْرٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ

بَيْعُهُ عَرِيَّةً ، كَالزَّائِدِ عَلَيْهَا .
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ : أَرْخَصَ فِي الْعَرِيَّةِ مُطْلَقًا ، فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الرُّخْصَةَ الْمُطْلَقَةَ سَابِقَةٌ عَلَى الرُّخْصَةِ الْمُقَيَّدَةِ ، وَلَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا ، بَلْ الرُّخْصَةُ وَاحِدَةٌ ، رَوَاهَا بَعْضُهُمْ مُطْلَقَةً وَبَعْضُهُمْ مُقَيَّدَةً ، فَيَجِبُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَيَصِيرُ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ كَأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْآخَرِ ، وَلِذَلِكَ يُقَيَّدُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ ، اتِّفَاقًا .

( 2868 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، فِيمَا زَادَ عَلَى صَفْقَةٍ ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهَا مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جَمَاعَةٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ بَيْعُ جَمِيعِ ثَمَرِ حَائِطِهِ عَرَايَا ، مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَمِنْ رِجَالٍ ، فِي عُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ ، وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ مَرَّةً ، جَازَ أَنْ يَتَكَرَّرَ ، كَسَائِرِ الْبُيُوعِ .
وَلَنَا ، عُمُومُ النَّهْيِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، اسْتَثْنَى مِنْهُ الْعَرِيَّةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، فَمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ فِي التَّحْرِيمِ .
وَلِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مَرَّةً إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا ، لَا يَجُوزُ فِي عَقْدَيْنِ ، كَاَلَّذِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَكَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالنَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا ، فَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا ، ثُمَّ إنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ .
فَأَمَّا إنْ بَاعَ رَجُلٌ عَرِيَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ جَازَ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي : لَا يَجُوزُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُشْتَرِي .
وَلَنَا أَنَّ الْمُغَلِّبَ فِي التَّجْوِيزِ حَاجَةُ الْمُشْتَرِي ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ قَالَ : { قُلْت لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ ؟ فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ ، شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ ، وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ التَّمْرِ ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَهُ رُطَبًا .
} وَإِذَا كَانَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ حَاجَةَ الْمُشْتَرِي ، لَمْ تُعْتَبَرْ حَاجَةُ الْبَائِعِ إلَى الْبَيْعِ ، فَلَا يَتَقَيَّدُ فِي حَقِّهِ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ .
وَلِأَنَّنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا الْحَاجَةَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَحَاجَةَ الْبَائِعِ إلَى الْبَيْعِ ،

أَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَحْصُلَ الْإِرْفَاقُ ، إذْ لَا يَكَادُ يَتَّفِقُ وُجُودُ الْحَاجَتَيْنِ ، فَتَسْقُطُ الرُّخْصَةُ .
فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، بَطَلَ الْعَقْدُ الثَّانِي .
فَإِنْ اشْتَرَى عَرِيَّتَيْنِ أَوْ بَاعَهُمَا ، وَفِيهِمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، جَازَ ، وَجْهًا وَاحِدًا .
( 2869 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ أَنْ تَكُونَ مَوْهُوبَةً لِبَائِعِهَا .
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ شَرْطٌ .
وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، قَالَ : سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْعَرَايَا .
فَقَالَ : الْعَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الْجَارَ أَوْ الْقَرَابَةَ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَسْكَنَةِ ، فَلِلْمُعْرِي أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ شَاءَ .
وَقَالَ مَالِكٌ : بَيْعُ الْعَرَايَا الْجَائِزُ هُوَ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخَلَاتٍ مِنْ حَائِطِهِ ، ثُمَّ يَكْرَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ دُخُولَ الرَّجُلِ الْمُعْرِي ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مَعَ أَهْلِهِ فِي الْحَائِطِ ، فَيُؤْذِيهِ دُخُولُ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ .
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْعَرِيَّةَ فِي اللُّغَةِ هِبَةُ ثَمَرَةِ النَّخِيلِ عَامًا .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْإِعْرَاءُ ، أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ ثَمَرَةَ نَخْلِهِ عَامَهَا ذَلِكَ .
قَالَ الشَّاعِرُ الْأَنْصَارِيُّ يَصِفُ النَّخْلَ : لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رَجَبِيَّةٍ وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ يَقُولُ : إنَّا نُعْرِيهَا النَّاسَ .
فَتَعَيَّنَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلَى مَوْضُوعِهِ لُغَةً وَمُقْتَضَاهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ .
وَلَنَا ، حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ، فِي تَصْرِيحِهِ بِجَوَازِ بَيْعِهَا مِنْ غَيْرِ الْوَاهِبِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِحَاجَةِ الْوَاهِبِ لَمَا اُخْتُصَّ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ الْحَاجَةِ بِهَا .
وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا بِالتَّمْرِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ صَاحِبِ الْحَائِطِ الَّذِي لَهُ النَّخِيلُ الْكَثِيرُ يُعْرِيهِ النَّاسَ ،

أَنَّهُ لَا يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ ثَمَنِ الْعَرِيَّةِ ، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ اشْتَرَطَ كَوْنَهَا مَوْهُوبَةً لِبَائِعِهَا ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الرُّخْصَةِ حَاجَةُ الْمُشْتَرِي إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ ، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ سِوَى التَّمْرِ ، فَمَتَى وَجَدَ ذَلِكَ ، جَازَ الْبَيْعُ .
وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ كَوْنِهَا مَوْهُوبَةً مَعَ اشْتِرَاطِ حَاجَةِ الْمُشْتَرِي إلَى أَكْلِهَا رُطَبًا ، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ ، يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الرُّخْصَةِ ، إذْ لَا يَكَادُ يَتَّفِقُ ذَلِكَ .
وَلِأَنَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَوْهُوبًا ، جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْهُوبًا ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَمَا جَازَ بَيْعُهُ لِوَاهِبِهِ ، جَازَ لِغَيْرِهِ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَرِيَّةً لِتَعَرِّيهِ عَنْ غَيْرِهِ ، وَإِفْرَادِهِ بِالْبَيْعِ .
( 2870 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ ، لَا أَقَلَّ مِنْهُ وَلَا أَكْثَرَ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ مَعْلُومًا بِالْكَيْلِ ، وَلَا يَجُوزُ جُزَافًا .
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا عِنْدَ مَنْ أَبَاحَ بَيْعَ الْعَرَايَا اخْتِلَافًا ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمِ ، أَنْ تُؤْخَذَ بِمِثْلِ خَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا .
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْكَيْلِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، سَقَطَ فِي أَحَدِهِمَا لِلتَّعَذُّرِ ، فَيَجِبُ فِي الْآخَرِ بِقَضِيَّةِ الْأَصْلِ .
وَلِأَنَّ تَرْكَ الْكَيْلِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ يُكْثِرُ الْغَرَرَ ، وَفِي تَرْكِهِ مِنْ أَحَدِهِمَا يُقَلِّلُ الْغَرَرَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ مَعَ قِلَّةِ الْغَرَرِ ، صِحَّتُهُ مَعَ كَثْرَتِهِ .
وَمَعْنَى خَرْصِهَا بِمِثْلِهَا مِنْ التَّمْرِ ، أَنْ يُطِيفَ الْخَارِصُ بِالْعَرِيَّةِ ، فَيَنْظُرَ كَمْ يَجِيءُ مِنْهَا تَمْرًا ، فَيَشْتَرِيَهَا الْمُشْتَرِي بِمِثْلِهَا تَمْرًا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : يَخْرُصُهَا رُطَبًا ، وَيُعْطِي تَمْرًا رُخْصَةً .

وَهَذَا يَحْتَمِلُ الْأَوَّلَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَشْتَرِيهَا بِتَمْرٍ مِثْلِ الرُّطَبِ الَّذِي عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ اُشْتُرِطَتْ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَ الْبَيْعِ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ .
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْحَالِ ، وَأَنْ لَا يُبَاعَ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ .
خُولِفَ الْأَصْلُ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : الْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُبْنَى عَلَى خَرْصِ الثِّمَارِ فِي الْعُشْرِ وَالصَّحِيحِ ، ثُمَّ خَرْصِهِ تَمْرًا .
وَلِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ مُعْتَبَرَةٌ حَالَةَ الِادِّخَارِ ، وَبَيْعُ الرُّطَبِ بِمِثْلِهِ تَمْرًا يُفْضِي إلَى فَوَاتِ ذَلِكَ .
فَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهَا بِخَرْصِهَا رُطَبًا ، لَمْ يَجُزْ .
وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَالثَّانِي يَجُوزُ .
وَالثَّالِث ، لَا يَجُوزُ مَعَ اتِّفَاقِ النَّوْعِ ، وَيَجُوزُ مَعَ اخْتِلَافِهِ .
وَوَجْهُ جَوَازِهِ ، مَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ اللَّيْثِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَرْخَصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ ، أَوْ التَّمْرِ ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ .
} وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مَعَ اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِالنَّقْصِ فِي ثَانِي الْحَالِ ، فَلَأَنْ يَجُوزَ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ أَوْلَى .
وَلَنَا ، مَا رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُؤْخَذَ بِمِثْلِ خَرْصِهَا تَمْرًا .
} وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ ، وَقَالَ : ذَلِكَ الرِّبَا ، تِلْكَ الْمُزَابَنَةُ .
إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ ، النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا .
}

وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ يَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ تَمْرًا ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ رُطَبًا ، كَالتَّمْرِ الْجَافِّ .
وَلِأَنَّ مَنْ لَهُ رُطَبٌ فَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ شِرَاءِ الرُّطَبِ بِأَكْلِ مَا عِنْدَهُ ، وَبَيْعُ الْعَرَايَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حَاجَةُ الْمُشْتَرِي ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ شَكٌّ فِي الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ ، فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ مَعَ الشَّكِّ ، سِيَّمَا وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُهُ ، وَتُزِيلُ الشَّكَّ .

( 2871 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ تَمْرٍ بِتَمْرٍ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ شُرُوطُهُ ، إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا .
وَالْقَبْضُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَسْبِهِ ، فَفِي التَّمْرِ اكْتِيَالُهُ أَوْ نَقْلُهُ ، وَفِي الثَّمَرَةِ التَّخْلِيَةُ .
وَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِهِ حُضُورُ التَّمْرِ عِنْدَ النَّخِيلِ ، بَلْ لَوْ تَبَايَعَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ التَّمْرِ وَالثَّمَرَةِ ، ثُمَّ مَضَيَا جَمِيعًا إلَى النَّخْلَةِ ، فَسَلَّمَهَا إلَى مُشْتَرِيهَا ، ثُمَّ مَشَيَا إلَى التَّمْرِ فَتَسَلَّمَهُ مِنْ مُشْتَرِيهَا ، أَوْ تَسَلَّمَ التَّمْرَ ثُمَّ مَضَيَا إلَى النَّخْلَةِ جَمِيعًا فَسَلَّمَهَا إلَى مُشْتَرِيهَا ، أَوْ سَلَّمَ النَّخْلَةَ ، ثُمَّ مَضَيَا إلَى التَّمْرِ فَتَسَلَّمَهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ التَّفَرُّقَ لَا يَحْصُلُ قَبْلَ الْقَبْضِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ بَيْعَ الْعَرِيَّةِ يَقَعُ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك ثَمَرَةَ هَذِهِ النَّخْلَةِ بِكَذَا وَكَذَا مِنْ التَّمْرِ .
وَيَصِفُهُ .
وَالثَّانِي ، أَنْ يَكِيلَ مِنْ التَّمْرِ بِقَدْرِ خَرْصِهَا ، ثُمَّ يَقُولَ : بِعْتُك هَذَا بِهَذَا ، أَوْ يَقُولَ : بِعْتُك ثَمَرَةَ هَذِهِ النَّخْلَةِ بِهَذَا التَّمْرِ ، وَنَحْوَ هَذَا .
وَإِنْ بَاعَهُ بِمُعَيَّنٍ فَقَبْضُهُ بِنَقْلِهِ وَأَخْذِهِ ، وَإِنْ بَاعَ بِمَوْصُوفِ فَقَبْضُهُ بِاكْتِيَالِهِ .
( 2872 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إلَّا لِمُحْتَاجٍ إلَى أَكْلِهَا رُطَبًا ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِغَنِيٍّ .
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبَاحَهَا فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ مُطْلَقًا لِكُلِّ أَحَدٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ لِلْمُحْتَاجِ ، جَازَ لِلْغَنِيِّ ، كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ ، وَلِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَهْلٍ مُطْلَقَانِ .
وَلَنَا حَدِيثُ { زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، حِينَ سَأَلَهُ ، مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ ؟ فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ ، شَكَوْا إلَى رَسُولِ

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ ، وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ التَّمْرِ ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ يَأْكُلُونَهُ رُطَبًا .
} وَمَتَى خُولِفَ الْأَصْلُ بِشَرْطٍ ، لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ .
وَلِأَنَّ مَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ ، لَمْ يُبَحْ مَعَ عَدَمِهَا ، كَالزَّكَاةِ لِلْمَسَاكِينِ ، وَالتَّرَخُّصِ فِي السَّفَرِ .
فَعَلَى هَذَا ، مَتَى كَانَ صَاحِبُهَا غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ ، أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا ، وَمَعَهُ مِنْ الثَّمَنِ مَا يَشْتَرِي بِهِ الْعَرِيَّةَ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ شِرَاؤُهَا بِالتَّمْرِ ، وَسَوَاءٌ بَاعَهَا لِوَاهِبِهَا تَحَرُّزًا مِنْ دُخُولِ صَاحِبِ الْعَرِيَّةِ حَائِطَهُ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ ، أَوْ لِغَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُبَاحُ .
وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ وُجِدَتْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، فَجَازَ .
كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُحْتَاجًا إلَى أَكْلِهَا .
وَلَنَا ، حَدِيثُ زَيْدٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَالرُّخْصَةُ لِمَعْنًى خَاصٍّ لَا تَثْبُتُ مَعَ عَدَمِهِ ، وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ : { يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا } .
وَلَوْ جَازَ لِتَخْلِيصِ الْمُعْرِي لَمَا شُرِطَ ذَلِكَ .
فَيُشْتَرَطُ إذًا فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ شُرُوطٌ خَمْسَةٌ ، أَنْ يَكُونَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، وَبَيْعُهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ ، وَقَبْضُ ثَمَنِهَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، وَحَاجَةُ الْمُشْتَرِي إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ سِوَى التَّمْرِ .
وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْرٍ شَرْطًا سَادِسًا ، وَهُوَ حَاجَةُ الْبَائِعِ إلَى الْبَيْعِ .
وَاشْتَرَطَ الْخِرَقِيِّ ، كَوْنَهَا مَوْهُوبَةً لِبَائِعِهَا .
وَاشْتَرَطَ أَصْحَابُنَا لِبَقَاءِ الْعَقْدِ ، بِأَنْ يَأْكُلَهَا أَهْلُهَا رُطَبًا .
فَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى تَصِيرَ تَمْرًا بَطَلَ الْعَقْدُ .
وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 2873 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : فَإِنْ تَرَكَهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى يُتْمِرَ بَطَلَ الْعَقْدُ يَعْنِي إنْ لَمْ يَأْخُذْهَا الْمُشْتَرِي رُطَبًا بَطَلَ الْعَقْدُ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِي فِي قَوْلِهِ : لَا يَبْطُلُ .
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ جَازَ بَيْعُهَا رُطَبًا ، لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ إذَا صَارَتْ تَمْرًا ، كَغَيْرِ الْعَرِيَّةِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا } .
وَلِأَنَّ شِرَاءَهَا إنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ ، فَإِذَا أَتْمَرَتْ تَبَيَّنَّا عَدَمَ الْحَاجَةِ ، فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ .
ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِهِ لِغِنَاهُ عَنْهَا ، أَوْ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهَا ، أَوْ تَرْكِهَا لِعُذْرٍ ، أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ ؛ لِلْخَبَرِ .
وَلَوْ أَخَذَهَا رُطَبًا فَتَرَكَهَا عِنْدَهُ فَأَتْمَرَتْ ، أَوْ شَمَّسَهَا ، حَتَّى صَارَتْ تَمْرًا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَهَا .
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي مَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بَدْو صَلَاحِهَا ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا ، لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ .
فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ .
فَإِنْ أَخَذَ بَعْضَهَا رُطَبًا ، وَتَرَكَ بَاقِيَهَا حَتَّى أَتْمَرَ ، فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .

( 2874 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ فِي غَيْرِ النَّخِيلِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَقَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ .
إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا ثَمَرَتُهُ لَا يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا ، فَيَجُوزُ بَيْعُ رَطْبِهَا بِيَابِسِهَا ؛ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِيهَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ دُونَ غَيْرِهِمَا .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعِنَبَ كَالرُّطَبِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا ، وَجَوَازِ خَرْصِهِمَا ، وَتَوْسِيقِهِمَا ، وَكَثْرَةِ تَيْبِيسِهِمَا ، وَاقْتِيَاتِهِمَا فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ وَالْحَاجَةِ إلَى أَكْلِ رَطْبِهِمَا ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الشَّيْءِ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي مِثْلِهِ .
وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِمَا ؛ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْمَعَانِي ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ خَرْصُهَا ؛ لِتَفَرُّقِهَا فِي الْأَغْصَانِ ، وَاسْتِتَارِهَا بِالْأَوْرَاقِ ، وَلَا يُقْتَاتُ يَابِسَهَا ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الشِّرَاءِ بِهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ قِيَاسًا عَلَى ثَمَرَةِ النَّخِيلِ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ ، إلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا ، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ ، وَكُلِّ ثَمَرَةٍ بِخَرْصِهَا .
} وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَرِيَّةِ بِالتَّمْرِ .
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ } .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُزَابَنَةِ } ، وَالْمُزَابَنَةُ : بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا ، وَعَنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ بِخَرْصِهِ .
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ بَيْعِ الْعَرِيَّةِ ، وَإِنَّمَا جَازَتْ فِي ثَمَرَةِ النَّخِيلِ رُخْصَةً ،

وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهَا عَلَيْهَا لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنَّ غَيْرَهَا لَا يُسَاوِيهَا فِي كَثْرَةِ الِاقْتِيَاتِ بِهَا ، وَسُهُولَةِ خَرْصِهَا ، وَكَوْنِ الرُّخْصَةِ فِي الْأَصْلِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ إلَى الرُّطَبِ دُونَ غَيْرِهِ .
الثَّانِي ، أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُعْمَلُ بِهِ إذَا خَالَفَ نَصًّا ، وَقِيَاسُهُمْ يُخَالِفُ نُصُوصًا غَيْرَ مَخْصُوصَةٍ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَحِلِّ الْمَخْصُوصِ ، { وَنَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ } لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الثِّمَارِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابُ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ ( 2875 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا ، وَهُوَ مَا قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُهُ ، فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ مَتْرُوكَةً فِي النَّخْلِ إلَى الْجِزَازِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ ) .
أَصْلُ الْإِبَارِ عِنْد أَهْل الْعِلْمِ : التَّلْقِيحُ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَتَّى يَتَشَقَّقَ الطَّلْعُ ، وَتَظْهَرَ الثَّمَرَةُ ، فَعُبِّرَ بِهِ عَنْ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ ؛ لِلُزُومِهِ مِنْهُ .
وَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالظُّهُورِ ، دُونَ نَفْسِ التَّلْقِيحِ ، بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، يُقَالُ : أَبَّرْت النَّخْلَةَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ، فَهِيَ مُؤَبَّرَةٌ وَمَأْبُورَةٌ .
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَيْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ .
} وَالسِّكَّةُ : النَّخْلُ الْمَصْفُوفُ .
وَأَبَّرْت النَّخْلَةَ آبُرُهَا أَبْرًا ، وَإِبَارًا ، وَأَبَرَّتْهَا تَأْبِيرًا ، وَتَأَبَّرَتْ النَّخْلَةُ ، وَائْتَبَرَتْ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : تَأَبَّرِي يَا خِيرَةَ الْفَسِيلِ وَفَسَّرَ الْخِرَقِيِّ الْمُؤَبَّرَ بِمَا قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُهُ ؛ لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ ، دُونَ نَفْسِ التَّأْبِيرِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ يَتَشَقَّقُ الطَّلْعُ بِنَفْسِهِ فَيَظْهَرُ ، وَقَدْ يَشُقُّهُ الصِّعَادُ فَيَظْهَرُ .
وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ التَّأْبِيرُ الْمُرَادُ هَاهُنَا .
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ : ( 2876 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ الْبَيْعَ مَتَى وَقَعَ عَلَى نَخْلٍ مُثْمِرٍ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الثَّمَرَةَ ، وَكَانَتْ الثَّمَرَةُ مُؤَبَّرَةً ، فَهِيَ لِلْبَائِعِ .
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : هِيَ لِلْمُشْتَرِي فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالْأَصْلِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ ، فَكَانَتْ تَابِعَةً لَهُ ، كَالْأَغْصَانِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : هِيَ لِلْبَائِعِ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ هَذَا نَمَاءٌ لَهُ حَدٌّ ، فَلَمْ

يَتْبَعْ أَصْلَهُ فِي الْبَيْعِ ، كَالزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ .
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ ، فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَدِّ قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَحُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ بِمَفْهُومِهِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ التَّأْبِيرَ حَدًّا لِمِلْكِ الْبَائِعِ لِلثَّمَرَةِ ، فَيَكُونُ مَا قَبْلَهُ لِلْمُشْتَرِي ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ حَدًّا ، وَلَا كَانَ ذِكْرُ التَّأْبِيرِ مُفِيدًا .
وَلِأَنَّهُ نَمَاءٌ كَامِنٌ لِظُهُورِهِ غَايَةٌ ، فَكَانَ تَابِعًا لِأَصْلِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ ، وَغَيْرَ تَابِعٍ لَهُ بَعْدَ ظُهُورِهِ ، كَالْحَمْلِ فِي الْحَيَوَانِ .
فَأَمَّا الْأَغْصَانُ ، فَإِنَّهَا تَدْخُلُ فِي اسْمِ النَّخْلِ ، وَلَيْسَ لِانْفِصَالِهَا غَايَةٌ ، وَالزَّرْعُ لَيْسَ مِنْ نَمَاءِ الْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا .

( 2877 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ مَتَى اشْتَرَطَهَا أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، فَهِيَ لَهُ مُؤَبَّرَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ ، الْبَائِعُ فِيهِ وَالْمُشْتَرِي سَوَاءٌ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ اشْتَرَطَهَا الْمُشْتَرِي بَعْدَ التَّأْبِيرِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهَا مَعَ أَصْلِهَا ، وَإِنْ اشْتَرَطَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ التَّأْبِيرِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ لَهَا بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهِ لَهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِشَرْطِ تَرْكِهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ اسْتَثْنَى بَعْضَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَهُوَ مَعْلُومٌ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ بَاعَ حَائِطًا ، وَاسْتَثْنَى نَخْلَةً بِعَيْنِهَا ، { وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الثُّنْيَا ، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ } .
وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، فَصَحَّ اشْتِرَاطُهُ لِلثَّمَرَةِ ، كَالْمُشْتَرِي ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَصْلُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ ، وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ } .
وَلَوْ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومًا ، كَانَ ذَلِكَ كَاشْتِرَاطِ جَمِيعِهَا فِي الْجَوَازِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ، وَقَوْلِ أَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ بَعْضِهَا ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ بِاشْتِرَاطِ جَمِيعِهَا .
وَلَنَا ، أَنَّ مَا جَازَ اشْتِرَاطُ جَمِيعِهِ ، جَازَ اشْتِرَاطُ بَعْضِهِ ، كَمُدَّةِ الْخِيَارِ ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي مَالِ الْعَبْدِ إذَا اشْتَرَطَ بَعْضَهُ .

( 2878 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : إنَّ الثَّمَرَةَ إذَا بَقِيَتْ لِلْبَائِعٍ ، فَلَهُ تَرْكُهَا فِي الشَّجَرِ إلَى أَوَانِ الْجِزَازِ ، سَوَاءٌ اسْتَحَقَّهَا بِشَرْطِهِ أَوْ بِظُهُورِهَا .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ قَطْعُهَا ، وَتَفْرِيغُ النَّخْلِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَشْغُولٌ بِمُلْكِ الْبَائِعِ ، فَلَزِمَ نَقْلُهُ وَتَفْرِيغُهُ ، كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا طَعَامٌ ، أَوْ قُمَاشٌ لَهُ .
وَلَنَا ، أَنَّ النَّقْلَ وَالتَّفْرِيغَ لِلْمَبِيعِ عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا طَعَامٌ ، لَمْ يَجِبْ نَقْلُهُ إلَّا عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ يَنْقُلَهُ نَهَارًا ، شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ النَّقْلُ لَيْلًا ، وَلَا جَمْعُ دَوَابِّ الْبَلَدِ لِنَقْلِهِ .
كَذَلِكَ هَاهُنَا ، يُفَرِّغُ النَّخْلَ مِنْ الثَّمَرَةِ فِي أَوَانِ تَفْرِيغِهَا ، وَهُوَ أَوَانُ جِزَازِهَا ، وَقِيَاسُهُ حُجَّةٌ لَنَا ؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ .
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَالْمَرْجِعُ فِي جَزِّهِ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، فَإِذَا كَانَ الْمَبِيعُ نَخْلًا ، فَحِينَ تَتَنَاهَى حَلَاوَةُ ثَمَرِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا بُسْرُهُ خَيْرٌ مِنْ رُطَبِهِ ، أَوْ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَخْذِهِ بُسْرًا ، فَإِنَّهُ يَجُزُّهُ حِينَ تَسْتَحْكِمُ حَلَاوَةُ بُسْرِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْعَادَةُ ، فَإِذَا اسْتَحْكَمَتْ حَلَاوَتُهُ ، فَعَلَيْهِ نَقْلُهُ .
وَإِنْ قِيلَ : بَقَاؤُهُ فِي شَجَرِهِ خَيْرٌ لَهُ وَأَبْقَى ؛ فَعَلَيْهِ النَّقْلُ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي النَّقْلِ قَدْ حَصَلَتْ ، وَلَيْسَ لَهُ إبْقَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ .
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عِنَبًا ، أَوْ فَاكِهَةً سِوَاهُ ، فَأَخَذَهُ حِينَ يَتَنَاهَى إدْرَاكُهُ ، وَتَسْتَحْكِمُ حَلَاوَتُهُ ، وَيُجَزُّ مِثْلُهُ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
( 2879 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَبَّرَ بَعْضَهُ دُونَ بَعْضٍ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ مَا أُبِّرَ لِلْبَائِعِ ، وَمَا لَمْ يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِي .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لِلْخَبَرِ الَّذِي عَلَيْهِ مَبْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنَّ صَرِيحَهُ ،

أَنَّ مَا أُبِّرَ لِلْبَائِعِ ، وَمَفْهُومَهُ ، أَنَّ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِي .
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : الْكُلُّ لِلْبَائِعِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّا إذَا لَمْ نَجْعَلْ الْكُلَّ لِلْبَائِعِ ، أَدَّى إلَى الْإِضْرَارِ بِاشْتِرَاكِ الْأَيْدِي فِي الْبُسْتَانِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ تَبَعًا لِمَا أُبِّرَ ، كَثَمَرِ النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَأْبِيرَ بَعْضِ النَّخْلَةِ يَجْعَلُ جَمِيعَهَا لِلْبَائِعٍ ، وَقَدْ يَتْبَعُ الْبَاطِنُ الظَّاهِرَ مِنْهُ ، كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ تَتْبَعُ الظَّاهِرَ مِنْهُ .
وَلِأَنَّ الْبُسْتَانَ إذَا بَدَا صَلَاحُ ثَمَرَةٍ مِنْهُ جَازَ بَيْعُ جَمِيعِهَا بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ ، كَذَا هَاهُنَا ، وَهَذَا مِنْ النَّوْعِ الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّوْعَ الْوَاحِدَ يَتَقَارَبُ يَتَلَاحَقُ ، فَأَمَّا إنْ أُبِّرَ ، لَمْ يَتْبَعْهُ النَّوْعُ الْآخَرُ .
وَلَمْ يُفَرِّقْ أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْجِنْسِ كُلِّهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ ، وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي ، كَمَا فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ .
وَلَنَا ، أَنَّ النَّوْعَيْنِ يَتَبَاعَدَانِ ، وَيَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ ، وَلَا يُخْشَى اخْتِلَاطُهُمَا وَاشْتِبَاهُهُمَا .
فَأَشْبَهَا الْجِنْسَيْنِ .
وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْجِنْسَيْنِ .
وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى النَّوْعِ الْوَاحِدِ ؛ لِافْتِرَاقِهِمَا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .
وَلَوْ بَاعَ حَائِطَيْنِ قَدْ أُبِّرَ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَتْبَعْهُ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ ، وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي ؛ لِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ .
وَلَوْ أُبِّرَ بَعْضَ الْحَائِطِ ، فَأُفْرِدَ بِالْبَيْعِ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ ، فَلِلْمَبِيعِ حُكْمُ نَفْسِهِ ، وَلَا يَتْبَعُ غَيْرَهُ .
وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا فِي أَنَّهُ يَتْبَعُ غَيْرَ الْمَبِيعِ ، وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لِلْحَائِطِ كُلِّهِ حُكْمُ التَّأْبِيرِ .
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَلَا يَصِحُّ ؛ هَذَا لِأَنَّ الْمَبِيعَ

لَمْ يُؤَبَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي ، بِمَفْهُومِ الْخَبَرِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا فِي بُسْتَانٍ وَحْدَهُ .
وَلِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ ، وَلَا اخْتِلَافِ الْأَيْدِي ، وَلَا إلَى ضَرَرٍ ، فَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ .
فَإِنْ بِيعَتْ النَّخْلَةُ وَقَدْ أُبِّرَتْ كُلُّهَا ، أَوْ بَعْضُهَا ، فَأَطْلَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَالطَّلْعُ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ ، فَكَانَ لَهُ ، كَمَا لَوْ حَدَثَ بَعْدَ جِزَازِ الثَّمَرَةِ .
وَلِأَنَّ مَا أَطْلَعَ بَعْدَ تَأْبِيرِ غَيْرِهِ لَا يَكَادُ يَشْتَبِهُ بِهِ ؛ لِتَبَاعُدِ مَا بَيْنَهُمَا .
( 2880 ) فَصْلٌ : وَطَلْعُ الْفِحَالِ كَطَلْعِ الْإِنَاثِ .
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَلْعُ الْفِحَالِ لِلْبَائِعٍ قَبْلَ ظُهُورِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ لِلْأَكْلِ قَبْلَ ظُهُورِهِ ، فَهُوَ كَثَمَرَةٍ لَا تُخْلَقُ إلَّا ظَاهِرَةً ، كَالتِّينِ ، وَيَكُونُ ظُهُورُ طَلْعِهِ كَظُهُورِ ثَمَرَةِ غَيْرِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا ثَمَرَةُ نَخْلٍ إذَا تُرِكَتْ ظَهَرَتْ ، فَهِيَ كَالْإِنَاثِ ، أَوْ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ .
وَمَا ذُكِرَ لِلْوَجْهِ الْآخَرِ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ أَكْلَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا يُرَادُ لِلتَّلْقِيحِ بِهِ ، وَهُوَ يَكُونُ بَعْدَ ظُهُورِهِ ، فَأَشْبَهَ طَلْعَ الْإِنَاثِ .
فَإِنْ بَاعَ نَخْلًا فِيهِ فِحَالٍ وَإِنَاثٌ لَمْ يَتَشَقَّقْ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَالْكُلُّ لِلْمُشْتَرِي ، إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، فَإِنَّ طَلْعَ الْفِحَالِ يَكُونُ لِلْبَائِعِ .
وَإِنْ كَانَ قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ، فَمَا تَشَقَّقَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَمَا لَمْ يَتَشَقَّقْ لِلْمُشْتَرِي ، إلَّا عِنْدَ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا .
وَإِنْ تَشَقَّقَ طَلْعُ بَعْضِ الْإِنَاثِ أَوْ بَعْضِ الْفِحَالِ ، فَاَلَّذِي قَدْ ظَهَرَ لِلْبَائِعِ ، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيهِ .
( 2881 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ يَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ ، فِي أَنَّ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ تَكُونُ لِمَنْ انْتَقَلَ عَنْهُ الْأَصْلُ ،

وَغَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يُصْدِقَ الْمَرْأَةَ نَخْلًا ، أَوْ يَخْلَعَهَا بِهِ ، أَوْ يَجْعَلَهُ عِوَضًا فِي إجَارَةٍ ، أَوْ عَقْدِ صُلْحٍ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَجَرَى مَجْرَى الْبَيْعِ .
وَإِنْ انْتَقَلَ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَالْهِبَةِ ، وَالرَّهْنِ ، أَوْ فُسِخَ لِأَجْلِ الْعَيْبِ ، أَوْ فَلَسِ الْمُشْتَرِي ، أَوْ رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ ، أَوْ تَقَايَلَا الْمَبِيعَ ، أَوْ كَانَ صَدَاقًا فَرَجَعَ إلَى الزَّوْجِ لِفَسْخِ الْمَرْأَةِ النِّكَاحَ ، أَوْ نِصْفُهُ لِطَلَاقِ الزَّوْجِ ، فَإِنَّهُ فِي الْفَسْخِ يَتْبَعُ الْأَصْلَ ، سَوَاءٌ أُبِّرَ ، أَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ مُتَّصِلٌ ، فَأَشْبَهَ السِّمَنَ ، وَفِي الْهِبَةِ وَالرَّهْنِ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْبَيْعِ ، فِي أَنَّهُ يَتْبَعُ قَبْلَ التَّأْبِيرِ ، وَلَا يَتْبَعُ فِيمَا بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ زَالَ عَنْ الْأَصْلِ بِغَيْرِ فَسْخٍ ، فَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، كَالْبَيْعِ .
وَأَمَّا رُجُوعُ الْبَائِعِ لِفَلَسِ الْمُشْتَرِي ، أَوْ الزَّوْجِ لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ ، فَيُذْكَرَانِ فِي بَابَيْهِمَا .

( 2882 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَكَذَلِكَ بَيْعُ الشَّجَرِ إذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ بَادٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الشَّجَرَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، مَا يَكُونُ ثَمَرُهُ فِي أَكْمَامِهِ ، ثُمَّ تَتَفَتَّحُ الْأَكْمَامُ ، فَيَظْهَرُ ، كَالنَّخْلِ الَّذِي وَرَدَّتْ السُّنَّةُ فِيهِ ، وَبَيَّنَّا حُكْمَهُ ، وَهُوَ الْأَصْلُ ، وَمَا عَدَاهُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ ، وَمُلْحَقٌ بِهِ .
وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ ؛ الْقُطْنُ ، وَمَا يُقْصَدُ نُورُهُ ؛ كَالْوَرْدِ ، وَالْيَاسَمِينِ ، وَالنَّرْجِسِ ، وَالْبَنَفْسَجِ ، فَإِنَّهُ تَظْهَرُ أَكْمَامُهُ ثُمَّ تَتَفَتَّحُ ، فَيَظْهَرُ ، فَهُوَ كَالطَّلْعِ إنْ تَفَتَّحَ صجنبذه ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي .
الثَّانِي ، مَا تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ بَارِزَةً لَا قِشْرَ عَلَيْهَا وَلَا نُورَ ، كَالتِّينِ ، وَالتُّوتِ ، وَالْجُمَّيْزِ ، فَهُنَّ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ ظُهُورَهَا مِنْ شَجَرِهَا بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ الطَّلْعِ مِنْ قِشْرِهِ .
الثَّالِث ، مَا يَظْهَرُ فِي قِشْرِهِ ، ثُمَّ يَبْقَى فِيهِ إلَى حِينِ الْأَكْلِ ، كَالرُّمَّانِ ، وَالْمَوْزِ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ أَيْضًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ ؛ لِأَنَّ قِشْرَهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، وَيَبْقَى فِيهِ إلَى حِينَ الْأَكْلِ ، فَهُوَ كَالتِّينِ .
وَلِأَنَّ قِشْرَهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ أَجْزَائِهِ ؛ لِلُزُومِهِ إيَّاهُ ، وَكَوْنِهِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ .
الضَّرْبُ الرَّابِعُ ، مَا يَظْهَرُ فِي قِشْرَيْنِ ، كَالْجَوْزِ ، وَاللَّوْزِ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ أَيْضًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ ؛ لِأَنَّ قِشْرَهُ لَا يَزُولُ عَنْهُ غَالِبًا ، إلَّا بَعْدَ جِزَازِهِ ، فَأَشْبَهَ الضَّرْبَ الَّذِي قَبْلَهُ .
وَلِأَنَّ قِشْرَ اللَّوْزِ يُؤْكَلُ مَعَهُ ، فَأَشْبَهَ التِّينَ .
وَقَالَ الْقَاضِي : إنَّ تَشَقَّقَ الْقِشْرُ الْأَعْلَى فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَشَقَّقْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ، كَالطَّلْعِ .
وَلَوْ اُعْتُبِرَ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ إلَّا نَادِرًا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الطَّلْعِ ؛ لِأَنَّ الطَّلْعَ لَا بُدَّ مِنْ تَشَقُّقِهِ ، وَتَشَقُّقُهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَشَقَّقُ عَلَى شَجَرِهِ ، وَتَشَقُّقُهُ قَبْلَ كَمَالِهِ

يُفْسِدُهُ .
الْخَامِسُ ، مَا يَظْهَرُ نُورُهُ ، ثُمَّ يَتَنَاثَرُ ، فَتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ ، كَالتُّفَّاحِ ، وَالْمِشْمِشِ ، وَالْإِجَّاصِ ، وَالْخَوْخِ .
فَإِذَا تَفَتَّحَ نُورُهُ ، وَظَهَرْت الثَّمَرَةُ فِيهِ ، فَهِيَ لِلْبَائِعِ ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي .
وَقِيلَ : مَا تَنَاثَرَ نُورُهُ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَمَا لَا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ لَا تَظْهَرُ حَتَّى يَتَنَاثَرَ النُّورُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْبَائِعِ بِظُهُورِ نُورِهِ ؛ لِأَنَّ الطَّلْعَ إذَا تَشَقَّقَ كَانَ كَنُورِ الشَّجَرِ ، فَإِنَّ الْعُقَدَ الَّتِي فِي جَوْفِ الطَّلْعِ لَيْسَتْ عَيْنَ الثَّمَرَةِ ، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْعِيَةٌ لَهَا ، تَكْبُرُ الثَّمَرَةُ فِي جَوْفِهَا ، وَتَظْهَرُ ، فَتَصِيرُ الْعُقْدَةُ فِي طَرَفِهَا ، وَهِيَ قَمْعُ الرُّطَبَةِ .
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ اسْتِحْقَاقَ الْبَائِعِ لَهَا بِكَوْنِ الثَّمَرِ بَادِيًا لَا يَبْدُو نُورُهُ .
وَلَا يَبْدُو الثَّمَرُ حَتَّى يَتَفَتَّحَ نُورُهُ .
وَقَدْ يَبْدُو إذَا كَبُرَ قَبْلَ أَنْ يَنْثُرَ النُّورُ ، فَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِظُهُورِهِ .
وَالْعِنَبُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَهُ نُورٌ ؛ لِأَنَّهُ يَبْدُو فِي قُطُوفِهِ شَيْءٌ صِغَارٌ كَحَبِّ الدُّخْنِ ، ثُمَّ يَتَفَتَّحُ ، وَيَتَنَاثَرُ كَتَنَاثُرِ النُّورِ ، فَيَكُونُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَهَذَا يُفَارِقُ الطَّلْعَ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي الطَّلْعِ عَيْنُ الثَّمَرَةِ يَنْمُو وَيَتَغَيَّرُ ، وَالنُّورُ فِي هَذِهِ الثِّمَارِ يَتَسَاقَطُ ، وَيَذْهَبُ ، وَتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ جَمِيعِهِ كَمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ ، وَبَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ عَلَى حَسْبِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ .

( 2883 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْأَغْصَانُ ، وَالْوَرَقُ ، وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الشَّجَرِ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا خُلِقَ لِمَصْلَحَتِهَا ، فَهُوَ كَأَجْزَاءِ سَائِرِ الْمَبِيعِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَرَقُ التُّوتِ الَّذِي يُقْصَدُ أَخْذُهُ لِتَرْبِيَةِ دُودِ الْقَزِّ إنْ تَفَتَّحَ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الجنبذ الَّذِي يَتَفَتَّحُ ، فَيَظْهَرُ نُورُهُ مِنْ الْوَرْدِ وَغَيْرِهِ ، وَهَذَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي عَادَتُهُمْ أَخْذُ الْوَرَقِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُمْ ذَلِكَ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ، كَسَائِرِ وَرَقِ الشَّجَرِ .
وَاَللَّه أَعْلَمُ .

( 2884 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعٍ مُبَقَّاةً فِي شَجَرِ الْمُشْتَرِي ، فَاحْتَاجَتْ إلَى سَقْيٍ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى بِهِ ، فَلَزِمَهُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ ، كَتَرْكِهِ عَلَى الْأُصُولِ ، وَإِنْ أَرَادَ سَقْيَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، فَلِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ بِسَقْيِهِ يَتَضَمَّنُ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا أَبَاحَتْهُ الْحَاجَةُ ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْحَاجَةُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ ، فَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى السَّقْيِ ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الشَّجَرِ ، أَوْ احْتَاجَ الشَّجَرُ إلَى سَقْيٍ يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : أَيُّهُمَا طَلَبَ السَّقْيَ لِحَاجَتِهِ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ اقْتَضَى عَقْدُهُ تَبْقِيَةَ الثَّمَرَةِ ، وَالسَّقْيُ مِنْ تَبْقِيَتِهَا ، وَالْعَقْدُ اقْتَضَى تَمْكِينَ الْمُشْتَرِي مِنْ حِفْظِ الْأُصُولِ ، وَتَسْلِيمِهَا ، فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ لِلْآخَرِ ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ .
وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْحَاجَةِ ، رُجِعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ .
وَأَيُّهُمَا الْتَمَسَ السَّقْيَ فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لِحَاجَتِهِ .

( 2885 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْأُصُولِ الضَّرَرُ بِتَبْقِيَةِ الثَّمَرَةِ عَلَيْهَا لِعَطَشٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَالضَّرَرُ يَسِيرٌ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَطْعِهَا ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ لِلْبَقَاءِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى إزَالَتِهَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ عَنْ غَيْرِهِ .
وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ، فَخِيفَ عَلَى الْأُصُولِ الْجَفَافُ أَوْ نَقْصُ حَمْلِهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُجْبَرُ أَيْضًا لِذَلِكَ .
الثَّانِي ، يُجْبَرُ عَلَى الْقَطْعِ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُهَا وَإِنْ لَمْ تُقْطَعْ ، وَالْأُصُولُ تَسْلَمُ بِالْقَطْعِ ، فَكَانَ الْقَطْعُ أَوْلَى .
وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْوَجْهَيْنِ .

( 2886 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ لِلْبَائِعٍ ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى ، أَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً فِي شَجَرِهَا ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى ، فَإِنْ تَمَيَّزَتَا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَرَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى ، فَهُمَا شَرِيكَانِ فِيهِمَا ، كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ ثَمَرَتِهِ .
فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، اصْطَلَحَا عَلَيْهَا ، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَتَعَذَّرْ تَسْلِيمُهُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فِي مَكَان ، فَانْثَالَ عَلَيْهِ طَعَامٌ لِلْبَائِعٍ ، أَوْ انْثَالَ هُوَ عَلَى طَعَامٍ لِلْبَائِعٍ ، وَلَمْ يُعْرَفْ قَدْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
وَيُفَارِقُ هَذَا مَا لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا ، أَوْ اشْتَرَى عَرِيَّةً ، فَتَرَكَهَا حَتَّى أَثْمَرَتْ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِكَوْنِ اخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ حَصَلَ بِارْتِكَابِ النَّهْيِ ، وَكَوْنِهِ يُتَّخَذُ حِيلَةً عَلَى شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، أَوْ شِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى أَكْلِهِ رُطَبًا ، وَهَا هُنَا مَا ارْتَكَبَ نَهْيًا ، وَلَا يُجْعَلُ هَذَا طَرِيقًا إلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ .
وَجَمَعَ أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ : فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَبْطُلُ الْعَقْدُ .
وَالْأُخْرَى ، لَا يَبْطُلُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى ، قِيلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ : اسْمَحْ بِنَصِيبِك لِصَاحِبِك .
فَإِنْ فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا ، أَقْرَرْنَا الْعَقْدَ وَأَجْبَرْنَا الْآخَرَ عَلَى الْقَبُولِ ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ بِهِ النِّزَاعُ .
وَإِنْ امْتَنَعَا ، فَسَخْنَا الْعَقْدَ ؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى قَدْرِ حَقِّهِ .
وَإِنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى ، لَمْ نَقُلْ لِلْمُشْتَرِي : اسْمَحْ بِنَصِيبِك ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ كُلُّ الْمَبِيعِ ، فَلَا يُؤْمَرُ بِتَخْلِيَتِهِ

كُلِّهِ ، وَنَقُولُ لِلْبَائِعِ ذَلِكَ ، فَإِنْ سَمَحَ بِنَصِيبِهِ لِلْمُشْتَرِي أَجْبَرْنَاهُ عَلَى الْقَبُولِ ، وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَعَلَّ هَذَا قَوْلٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا ، فَإِنَّنِي لَمْ أَجِدْهُ مَعْزِيًّا إلَى أَحْمَدَ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي ، وَلَيْسَ بِمَذْهَبٍ لِأَحْمَدَ .
وَلَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً ، فَانْثَالَتْ عَلَيْهَا أُخْرَى ، لَمْ يَنْفَسِخْ الْبَيْعُ ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الثَّمَرَةِ تَحْدُثُ مَعَهَا أُخْرَى .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 2887 ) فَصْلٌ : إذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَفِيهَا زَرْعٌ لَا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً ، كَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالْقَطَانِيِّ ، وَمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُسْتَتِرٌ ، كَالْجَزَرِ ، وَالْفُجْلِ ، وَالْبَصَلِ ، وَالثُّومِ ، وَأَشْبَاهِهَا ، فَاشْتَرَطَهُ لِلْمُشْتَرِي ، فَهُوَ لَهُ ، قَصِيلًا كَانَ أَوْ ذَا حَبٍّ ، مُسْتَتِرًا أَوْ ظَاهِرًا ، مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا ؛ لِكَوْنِهِ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ ، فَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ وَعَدَمُ كَمَالِهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَجَرَةً ، فَاشْتَرَطَ ثَمَرَتَهَا بَعْدَ تَأْبِيرِهَا .
وَإِنْ أُطْلِقَ الْبَيْعُ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ ، فَهُوَ كَالْكَنْزِ ، وَالْقُمَاشِ .
وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلنَّقْلِ ، فَأَشْبَهَ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .
وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ مُبْقًى فِي الْأَرْضِ إلَى حِينِ الْحَصَادِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ حَصَلَتْ مُسْتَثْنَاةً لَهُ ، وَعَلَيْهِ حَصَادُهُ فِي أَوَّلِ وَقْتِ حَصَادِهِ .
وَإِنْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهُ ، كَقَوْلِنَا فِي الثَّمَرَةِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ نَقْلُهُ عَقِيبَ الْبَيْعِ .
كَقَوْلِهِ فِي الثَّمَرَةِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهَا .
وَهَكَذَا قَالَ الْحُكْمُ فِي الْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ ؛ لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يُقْطَعُ فِيهِ ، إلَّا أَنَّ الْعُرُوقَ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهَا تُتْرَكُ فِي الْأَرْضِ لِلْبَقَاءِ فِيهَا .
وَالْقَصَبُ نَفْسُهُ كَالثَّمَرَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي .
وَأَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَهُوَ كَالزَّرْعِ .
فَإِنْ حَصَدَهُ قَبْلَ أَوَانِ الْحَصَادِ لِيَنْتَفِعَ بِالْأَرْضِ فِي غَيْرِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ الِانْتِفَاعَ بِهَا ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا إنَّمَا حَصَلَتْ مُسْتَثْنَاةً عَنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، ضَرُورَةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ ، فَتُقَدَّرُ بِبَقَائِهِ ، كَالثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرَةِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ طَعَامًا لَا يُنْقَلُ مِثْلُهُ عَادَةً إلَّا فِي شَهْرٍ

، لَمْ يُكَلَّفْ إلَّا ذَلِكَ ، فَإِنْ تَكَلَّفَ نَقْلَهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، لِيَنْتَفِعَ بِالدَّارِ فِي غَيْرِهِ ، لَمْ يَجُزْ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .
وَمَتَى حُصِدَ الزَّرْعُ ، وَبَقِيَتْ لَهُ عُرُوقٌ تَسْتَضِرُّ بِهَا الْأَرْضُ ، كَعُرُوقِ الْقُطْنِ وَالذُّرَةِ ، فَعَلَى الْبَائِعِ إزَالَتُهَا .
وَإِنْ تَحَفَّرَتْ الْأَرْضُ ، فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ حُفَرِهَا ؛ لِأَنَّهُ اسْتِصْلَاحٌ لِمِلْكِهِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا خَابِيَةٌ كَبِيرَةٌ ، لَا تَخْرُجُ إلَّا بِهَدْمِ بَابِ الدَّارِ ، فَهَدَمَهَا ، كَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ نَقْصٍ دَخَلَ عَلَى مِلْكِ شَخْصٍ لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْأَوَّلِ ، وَلَا فِعْلٍ صَدَرَ عَنْهُ النَّقْصُ ، وَاسْتَنَدَ إلَيْهِ ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى مُدْخِلِ النَّقْصِ .

( 2888 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، فَالْأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي ، وَالْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَبْقَى سَنَةً ، كَالْهِنْدَبَا ، وَالْبُقُولِ ، أَوْ أَكْثَرَ ، كَالرَّطْبَةِ ، وَعَلَى الْبَائِعِ قَطْعُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُ فِي الْحَالِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ .
وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَطُولُ ، وَيَخْرُجُ غَيْرُ مَا كَانَ ظَاهِرًا ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا تُكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ ، كَالْقِثَّاءِ ، وَالْخِيَارِ ، وَالْبِطِّيخِ ، وَالْبَاذِنْجَانِ ، وَشِبْهِهِ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ، وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ عِنْد الْبَيْع لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَتَكَرَّرُ الثَّمَرَةُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الشَّجَرَ .
وَلَوْ كَانَ مِمَّا تُؤْخَذُ زَهْرَتُهُ ، وَتَبْقَى عُرُوقُهُ فِي الْأَرْضِ ، كَالْبَنَفْسَجِ ، وَالنَّرْجِسِ ، فَالْأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ فِي الْأَرْضِ لِلْبَقَاءِ فِيهَا ، فَهُوَ كَالرَّطْبَةِ ، وَكَذَلِكَ أَوْرَاقُهُ وَغُصُونُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ أَخْذُهُ ، فَهُوَ كَوَرَقِ الشَّجَرِ وَأَغْصَانِهِ ، وَأَمَّا زَهْرَتُهُ ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَفَتَّحَتْ ، فَهِيَ لِلْبَائِعِ ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .
وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْبَائِعَ إنْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا .
دَخَلَ فِيهَا ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ : بِحُقُوقِهَا .
فَهَلْ يَدْخُلُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، كَالشَّجَرِ .

( 2889 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا بَذْرٌ ، فَاسْتَحَقَّ الْمُشْتَرِي أَصْلَهُ ، كَالرَّطْبَةِ ، وَالنَّعْنَاعِ ، وَالْبُقُولِ الَّتِي تُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، فَهُوَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ تُرِكَ فِي الْأَرْضِ لِلتَّبْقِيَةِ ، فَهُوَ كَأُصُولِ الشَّجَرِ .
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ظَاهِرًا كَانَ لَهُ ، فَالْمُسْتَتِرُ أَوْلَى ، سَوَاءٌ عَلِقَتْ عُرُوقُهُ فِي الْأَرْضِ ، أَوْ لَا .
فَإِنْ كَانَ بَذْرًا لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الْبَائِعُ ، فَهُوَ لَهُ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ، فَيَكُونَ لَهُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْبَيْعُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ مَجْهُولٌ ، وَهُوَ مَقْصُودٌ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْبَذْرَ يَدْخُلُ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ ، فَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا ، فَاشْتَرَطَ مَالَهُ .
وَيَجُوزُ فِي التَّابِعِ مِنْ الْغَرَرِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَتْبُوعِ ، كَبَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ الشَّاةِ ، وَالْحَمْلِ مَعَ الْأُمِّ ، وَالسُّقُوفِ فِي الدَّارِ ، وَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ ، تَدْخُلُ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ ، وَلَا تَضُرُّ جَهَالَتُهَا ، وَلَا تَجُوزُ مُفْرَدَةً .
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ وَإِمْضَائِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ عَامًا .
فَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِهِ لِلْمُشْتَرِي ، أَوْ قَالَ : أَنَا أُحَوِّلُهُ .
وَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ لَا يَضُرُّ بِمَنَافِعِ الْأَرْضِ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْعَيْبَ بِالنَّقْلِ ، أَوْ زَادَهُ خَيْرًا بِالتَّرْكِ ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى نَخِيلًا فِيهِ طَلْعٌ ، فَبَانَ أَنَّهُ مُؤَبَّرٌ ، فَلَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْمُشْتَرِي ثَمَرَةَ عَامِهِ ، وَيَضُرُّ بَقَاؤُهَا بِنَخْلِهِ .
فَإِنْ تَرَكَهَا لَهُ الْبَائِعُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ .
فَإِنْ قَالَ : أَنَا أَقْطَعُهَا الْآنَ .
لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ ثَمَرَةَ الْعَامِ تَفُوتُ ، سَوَاءٌ قَطَعَهَا ، أَوْ تَرَكَهَا .
وَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ

لِلْبَائِعٍ ، أَوْ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ لِلْبَائِعٍ ، وَالْمُشْتَرِي جَاهِلٌ بِذَلِكَ ، يَظُنُّ أَنَّ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ لَهُ ، فَلَهُ الْخِيَارُ أَيْضًا ، كَمَا لَوْ جَهِلَ وُجُودَهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِبَذْلِ مَالِهِ عِوَضًا عَنْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ بِمَا فِيهِمَا ، فَإِذَا بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْخِيَارُ ، كَالْمُشْتَرِي لِلْمَعِيبِ يَظُنُّهُ صَحِيحًا .
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي جَهْلِهِ لِذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ ، لِكَوْنِهِ عَامِّيًّا ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَجْهَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَجْهَلُهُ .

( 2890 ) فَصْلٌ : إذَا بَاعَهُ أَرْضًا بِحُقُوقِهَا ، دَخَلَ مَا فِيهَا مِنْ غِرَاسٍ وَبِنَاءٍ فِي الْبَيْعِ .
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : رَهَنْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا .
دَخَلَ فِي الرَّهْنِ غِرَاسُهَا وَبِنَاؤُهَا .
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ : بِحُقُوقِهَا .
فَهَلْ يَدْخُلُ الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ فِيهِمَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : فِيهِمَا جَمِيعًا قَوْلَانِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِكَوْنِ الْبَيْعِ أَقْوَى ، فَيَسْتَتْبِعُ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُمَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ مَا تَبِعَ فِي الْبَيْعِ تَبِعَ فِي الرَّهْنِ ، كَالطُّرُقِ وَالْمَنَافِعِ ، وَفِيهِمَا جَمِيعًا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَدْخُلُ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ ، وَلِذَلِكَ يَدْخُلَانِ إذَا قَالَ : بِحُقُوقِهَا .
وَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِهَا يَدْخُلُ فِيهَا بِالْإِطْلَاقِ ، كَطُرُقِهَا وَمَنَافِعِهَا .
وَالثَّانِي ، لَا يَدْخُلَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ ، فَلَا يَدْخُلَانِ فِي بَيْعِهَا وَرَهْنِهَا ، كَالثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ .
وَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ؛ بِكَوْنِ الثَّمَرَةِ تُرَادُ لِلنَّقْلِ ، وَلَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِهَا ، بِخِلَافِ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ .
فَإِنْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الْبُسْتَانَ .
دَخَلَ فِيهِ الشَّجَرُ ؛ لِأَنَّ الْبُسْتَانَ اسْمٌ لِلْأَرْضِ ، وَالشَّجَرِ ، وَالْحَائِطِ ؛ وَلِذَلِكَ لَا تُسَمَّى الْأَرْضُ الْمَكْشُوفَةُ بُسْتَانًا .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبِنَاءُ ؛ لِأَنَّ مَا دَخَلَ فِيهِ الشَّجَرُ دَخَلَ فِيهِ الْبِنَاءُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَدْخُلَ .

( 2891 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَهُ شَجَرًا ، لَمْ تَدْخُلْ الْأَرْضُ فِي الْبَيْعِ .
ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُهَا ، وَلَا هِيَ تَبَعٌ لِلْمَبِيعِ .

( 2892 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الْقَرْيَةَ .
فَإِنْ كَانَتْ فِي اللَّفْظِ قَرِينَةٌ ، مِثْلُ الْمُسَاوَمَةِ عَلَى أَرْضِهَا ، أَوْ ذِكْرِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ فِيهَا ، وَذِكْرِ حُدُودِهَا ، أَوْ بَذْلِ ثَمَنٍ لَا يَصْلُحُ إلَّا فِيهَا وَفِي أَرْضِهَا ، دَخَلَ فِي الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهَا مَعَ أَرْضِهَا ، وَالْقَرِينَةُ صَارِفَةٌ إلَيْهِ وَدَالَّةٌ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إلَى ذَلِكَ ، فَالْبَيْعُ يَتَنَاوَلُ الْبُيُوتَ ، وَالْحِصْنَ الدَّائِرَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ الْقَرْيَةَ اسْمٌ لِذَلِكَ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَمْعِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ النَّاسَ ، وَسَوَاءٌ قَالَ : بِحُقُوقِهَا .
أَوْ لَمْ يَقُلْ .
وَأَمَّا الْغِرَاسُ بَيْنَ بُنْيَانِهَا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغِرَاسِ فِي الْأَرْضِ ، إنْ قَالَ : بِحُقُوقِهَا .
دَخَلَ ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ .

( 2893 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَهُ دَارًا بِحُقُوقِهَا ، تَنَاوَلَ الْبَيْعُ أَرْضَهَا ، وَبِنَاءَهَا ، وَمَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا ، مِمَّا هُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهَا ، كَالْأَبْوَابِ الْمَنْصُوبَةِ ، وَالْخَوَابِي الْمَدْفُونَةِ ، وَالرُّفُوفِ الْمُسَمَّرَةِ ، وَالْأَوْتَادِ الْمَغْرُوزَةِ ، وَالْحَجَرِ الْمَنْصُوبِ مِنْ الرَّحَا ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .
وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مَا لَيْسَ مِنْ مَصَالِحِهَا ، كَالْكَنْزِ ، وَالْأَحْجَارِ الْمَدْفُونَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُودَعٌ فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا ، فَأَشْبَهَ الْفَرْشَ ، وَالسُّتُورَ ، وَلَا مَا كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهَا يَخْتَصُّ بِمَصْلَحَتِهَا ، كَالْفَرْشِ ، وَالسُّتُورِ ، وَالطَّعَامِ ، وَالرُّفُوفِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْأَوْتَادِ بِغَيْرِ تَسْمِيرٍ ، وَلَا غَرْزٍ فِي الْحَائِطِ ، وَالْحَبْلِ ، وَالدَّلْوِ ، وَالْبَكَرَةِ ، وَالْقُفْلِ ، وَحَجَرِ الرَّحَى ، إذَا لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَنْصُوبًا ، وَالْخَوَابِي الْمَوْضُوعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَيِّنَ عَلَيْهَا ، وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا ، لَا يَخْتَصُّ بِمَصْلَحَتِهَا ، فَأَشْبَهَ الثِّيَابَ .
وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِهَا ، لَكِنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا ، كَالْمِفْتَاحِ ، وَالْحَجَرِ الْفَوْقَانِيِّ مِنْ الرَّحَا إذَا كَانَ السفلاني مَنْصُوبًا ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِهَا ، فَأَشْبَهَ الْمَنْصُوبَ فِيهَا .
وَالثَّانِي ، لَا يَدْخُلُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا ، فَأَشْبَهَ السفلاني إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوبًا ، وَالْقُفْلَ ، وَالدَّلْوَ ، وَنَحْوَهُمَا .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَمَذْهَبِنَا سَوَاءٌ .

( 2894 ) فَصْلٌ : وَمَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْحِجَارَةِ الْمَخْلُوقَةِ فِيهَا ، أَوْ مَبْنِيٍّ فِيهَا ، كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ الْمُتَهَدِّمَةِ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا ، فَهِيَ كَحِيطَانِهَا ، وَتُرَابِهَا ، وَالْمَعَادِنِ الْجَامِدَةِ فِيهَا ، وَالْآجِرُ كَالْحِجَارَةِ فِي هَذَا .
وَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِذَلِكَ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ ، وَيَنْقُصُهَا ، كَالصَّخْرِ الْمُضِرِّ بِعُرُوقِ الشَّجَرِ ، فَهُوَ عَيْبٌ ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ ، أَوْ الْإِمْسَاكِ وَأَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمَبِيعِ .
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْحِجَارَةُ أَوْ الْآجِرُ مُودَعًا فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا ، فَهِيَ لِلْبَائِعِ ، كَالْكَنْزِ ، وَعَلَيْهِ نَقْلُهَا ، وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ إذَا نَقَلَهَا ، وَإِصْلَاحُ الْحُفَرِ ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ لَحِقَ لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ .
وَإِنْ كَانَ قَلْعُهَا يَضُرُّ بِالْأَرْضِ ، أَوْ تَتَطَاوَلُ مُدَّتُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي عَالِمًا ، فَلَهُ الْخِيَارُ كَمَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهَا ضَرَرٌ ، وَيُمْكِنُ نَقْلُهَا فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ ، كَالثَّلَاثَةِ فَمَا دُونُ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِنَقْلِهَا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ فِي تَبْقِيَتِهَا ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ .
وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ، وَلَا أُجْرَةَ فِي الزَّمَانِ الَّذِي نُقِلَتْ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِذَلِكَ وَرَضِيَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ .
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَاخْتَارَ إمْسَاكَ الْمَبِيعِ ، فَهَلْ لَهُ أُجْرَةٌ لِزَمَانِ النَّقْلِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُتْلِفِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا ، كَالْأَجْزَاءِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِإِمْسَاكِ الْمَبِيعِ رَضِيَ بِتَلَفِ الْمَنْفَعَةِ فِي زَمَانِ النَّقْلِ ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ

الْإِمْسَاكَ ، فَقَالَ الْبَائِعُ : أَنَا أَدَعُ ذَلِكَ لَك .
وَكَانَ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِي بَقَائِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ زَالَ عَنْهُ .

( 2895 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَعَادِنُ جَامِدَةٌ ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالْحَدِيدِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَنَحْوِهَا ، دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ ، وَمُلِكَتْ بِمِلْكِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَائِهَا ، فَهِيَ كَتُرَابِهَا وَأَحْجَارِهَا ، وَلَكِنْ لَا يُبَاعُ مَعْدِنُ الذَّهَبِ بِذَهَبٍ ، وَلَا مَعْدِنُ الْفِضَّةِ بِفِضَّةٍ ، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا بِغَيْرِ جِنْسِهَا .
وَإِنْ ظَهَرَ فِي الْأَرْضِ مَعْدِنٌ لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِهِ ، فَلَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ عَشْرَةٌ ، فَبَانَ أَحَدَ عَشَرَ .
هَذَا إذَا كَانَ قَدْ مَلَكَ الْأَرْضَ بِإِحْيَاءٍ أَوْ إقْطَاعٍ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ وَلَدَ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ بَاعُوا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَرْضًا ، فَظَهَرَ فِيهَا مَعْدِنٌ ، فَقَالُوا : إنَّمَا بِعْنَا الْأَرْضَ ، وَلَمْ نَبْعِ الْمَعْدِنَ .
وَأَتَوْا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ قَطِيعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِيهِمْ ، فَأَخَذَهُ عُمَرُ فَقَبَّلَهُ ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ الْمَعْدِنَ .
وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مَلَكَ الْأَرْضَ بِالْبَيْعِ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِغَيْرِهِ ، وَهُوَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ .
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا ثُمَّ بَاعَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَهُ مِثْلَمَا اشْتَرَاهُ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ الْمَعْدِنُ فِي مِلْكِهِ مَلَكَهُ .
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلْبَائِعِ ، وَلَا جَعَلَ لَهُ خِيَارًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَهَرَ فِيهَا حِجَارَةٌ لَهَا قِيمَةٌ كَبِيرَةٌ .

فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ بِئْرٌ أَوْ عَيْنٌ مُسْتَنْبَطَةٌ ، فَنَفْسُ الْبِئْرِ وَأَرْضُ الْعَيْنِ مَمْلُوكَةٌ لِمَالِكِ الْأَرْضِ ، وَالْمَاءُ الَّذِي فِيهَا غَيْرُ مَمْلُوكٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ إلَى مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَاءَ الْجَارِيَ فِي النَّهْرِ إلَى مِلْكِهِ ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، يَدْخُلُ فِي الْمِلْكِ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ الْمِلْكِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُمْلَكُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ لَهُ أَرْضٌ وَلِآخَرَ مَاءٌ ، فَيَشْتَرِكُ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَصَاحِبُ الْمَاءِ فِي الزَّرْعِ ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ .
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهِ ، وَفِي مَعْنَى الْمَاءِ ، الْمَعَادِنُ الْجَارِيَةُ فِي الْأَمْلَاكِ ، كَالْقَارِ ، وَالنِّفْطِ ، وَالْمُومْيَاءِ ، وَالْمِلْحِ .
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي النَّابِتِ فِي أَرْضِهِ مِنْ الْكَلَأِ وَالشَّوْكِ ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَاءِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ .
قَالَ أَحْمَدُ : لَا يُعْجِبُنِي بَيْعُ الْمَاءِ أَلْبَتَّةَ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ قَوْمٍ بَيْنَهُمْ نَهْرٌ تَشْرَبُ مِنْهُ أَرْضُوهُمْ ، لِهَذَا يَوْمٌ ، وَلِهَذَا يَوْمَانِ ، يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ بِالْحِصَصِ ، فَجَاءَ يَوْمِي وَلَا أَحْتَاجُ إلَيْهِ ، أَكْرِيهِ بِدَرَاهِمَ ؟ قَالَ : مَا أَدْرِي ، أَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ .
} قِيلَ : إنَّهُ لَيْسَ يَبِيعُهُ ، إنَّمَا يُكْرِيهِ .
قَالَ : إنَّمَا احْتَالُوا بِهَذَا لِيُحَسِّنُوهُ ، فَأَيُّ شَيْءٍ هَذَا إلَّا الْبَيْعَ ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ ، وَإِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى أَنْ يُبَاعَ الْمَاءُ } .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ : فِي

الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْكَلَأِ } .
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي كِتَابِ " الْأَمْوَالِ " ، فَإِذَا قُلْنَا : لَا يُمْلَكُ .
فَصَاحِبُ الْأَرْضِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِكَوْنِهِ فِي مِلْكِهِ ، فَإِنْ دَخَلَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَأَخَذَهُ مَلَكَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فِي الْأَصْلِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَشَّشَ فِي أَرْضِهِ طَائِرٌ ، أَوْ دَخَلَ فِيهَا ظَبْيٌ ، أَوْ نَضَبَتْ عَنْ سَمَكٍ ، فَدَخَلَ إلَيْهِ دَاخِلٌ فَأَخَذَهُ ، وَأَمَّا مَا يَحُوزُهُ مِنْ الْمَاءِ فِي إنَائِهِ ، أَوْ يَأْخُذُهُ مِنْ الْكَلَأِ فِي حَبْلِهِ ، أَوْ يَحُوزُهُ فِي رَحْلِهِ ، أَوْ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَعَادِنِ ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ ، وَلَهُ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلًا ، فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ ، فَيَبِيعَ ، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ وَجْهَهُ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ ، أُعْطِيَ أَوْ مُنِعَ } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " ، عَنْ الْمَشْيَخَةِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ إلَّا مَا حُمِلَ مِنْهُ .
} وَعَلَى ذَلِكَ مَضَتْ الْعَادَةُ فِي الْأَمْصَارِ بِبَيْعِ الْمَاءِ فِي الرَّوَايَا ، وَالْحَطَبِ ، وَالْكَلَأِ ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، وَلَيْسَ لَأَحَدٍ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ ، وَلَا يَتَوَضَّأَ ، وَلَا يَأْخُذَ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ عَلَى بِئْرِهِ ، أَوْ بِئْرٍ مُبَاحٍ فَاسْتَقَى بِدَلْوِهِ ، أَوْ بِدُولَابٍ أَوْ نَحْوه ، فَمَا يُرَقِّيهِ مِنْ الْمَاءِ ، فَهُوَ مِلْكُهُ ، وَلَهُ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ فِي إنَائِهِ .
قَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا نُهِيَ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ مَاءِ الْبِئْرِ وَالْعُيُونِ فِي قَرَارِهِ .
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْبِئْرِ نَفْسِهَا ، وَالْعَيْنِ ، وَمُشْتَرِيهَا أَحَقُّ بِمَائِهَا .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يُوَسِّعُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ الْجَنَّةُ } ، أَوْ كَمَا قَالَ .
فَاشْتَرَاهَا

عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ يَهُودِيٍّ ، بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَبَّلَهَا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ الْيَهُودِيُّ يَبِيعُ مَاءَهَا .
وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ اشْتَرَى مِنْهُ نِصْفَهَا بِاثْنَيْ عَشْرَ أَلْفًا ، ثُمَّ قَالَ الْيَهُودِيُّ : اخْتَرْ ، إمَّا أَنْ تَأْخُذَهَا يَوْمًا وَآخُذَهَا أَنَا يَوْمًا ، وَإِمَّا أَنَّ نَنْصِبَ لَك عَلَيْهَا دَلْوًا ، وَأَنْصِبَ عَلَيْهَا دَلْوًا .
فَاخْتَارَ يَوْمًا وَيَوْمًا ، فَكَانَ النَّاسُ يَسْتَقُونَ مِنْهَا فِي يَوْمِ عُثْمَانَ لِلْيَوْمَيْنِ ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : أَفْسَدْت عَلَيَّ بِئْرِي ، فَاشْتَرِ بَاقِيَهَا .
فَاشْتَرَاهُ بِثَمَانِيَةِ آلَافٍ .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِهَا ، وَتَسْبِيلهَا ، وَصِحَّةِ بَيْعِ مَا يَسْتَقِيهِ مِنْهَا ، وَجَوَازِ قِسْمَةِ مَائِهَا بِالْمُهَايَأَةِ ، وَكَوْنِ مَالِكِهَا أَحَقَّ بِمَائِهَا ، وَجَوَازِ قِسْمَةِ مَا فِيهِ حَقٌّ وَلَيْسَ بِمَمْلُوكِ .
فَأَمَّا الْمِيَاهُ الْجَارِيَةُ ، فَمَا كَانَ نَابِعًا فِي غَيْرِ مِلْكٍ ، كَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ ، وَغَيْرِهَا ، لَمْ تُمْلَكْ بِحَالٍ ، وَلَوْ دَخَلَ إلَى أَرْضِ رَجُلٍ ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ ، كَالطَّيْرِ يَدْخُلُ إلَى أَرْضِهِ ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَخْذُهُ .
وَلَا يَمْلِكُهُ ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِي أَرْضِهِ مُسْتَقَرًّا ، كَالْبِرْكَةِ ، وَالْقَرَارِ ، أَوْ يَحْتَفِرَ سَاقِيَةً ، يَأْخُذُ فِيهَا مِنْ مَاءِ النَّهْرِ الْكَبِيرِ ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِذَلِكَ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِهِ ، كَنَقْعِ الْبِئْرِ ، وَإِنْ كَانَ مَا يَسْتَقِرُّ فِي الْبِرْكَةِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مِيَاهِ الْأَمْطَارِ .
وَمَا كَانَ نَابِعًا أَوْ مُسْتَنْبَطًا كَالْقِنَى ، فَهُوَ كَنَقْعِ الْبِئْرِ ، وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهِ ، فَأَمَّا الْمَصَانِعُ الْمُتَّخَذَةُ لِمِيَاهِ الْأَمْطَارِ تُجْمَعُ فِيهَا ، وَنَحْوُهَا مِنْ الْبِرَكِ وَغَيْرِهَا ، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ مَاءَهَا ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حَصَّلَهُ بِشَيْءٍ مُعَدٍّ لَهُ ، فَمَلَكَهُ ، كَالصَّيْدِ يَحْصُلُ

فِي شَبَكَتِهِ ، وَالسَّمَكِ فِي بِرْكَةٍ مُعَدَّةٍ لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ .

( 2897 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ دُونَ الْأَصْلِ ، وَلَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا عَلَى التَّرْكِ إلَى الْجِزَازِ ، لَمْ يَجُزْ .
وَإِنْ اشْتَرَاهَا عَلَى الْقَطْعِ ، جَازَ .
لَا يَخْلُو بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إجْمَاعًا ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا .
نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
النَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ .
الْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ ، فَيَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ خَوْفًا مِنْ تَلَفِ الثَّمَرَةِ ، وَحُدُوثِ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا قَبْلَ أَخْذِهَا ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَنَسٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَزْهُوَ .
قَالَ : أَرَأَيْت إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَهَذَا مَأْمُونٌ فِيمَا يُقْطَعُ ، فَصَحَّ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُهُ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَبِيعَهَا مُطْلَقًا ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعًا وَلَا تَبْقِيَةً ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَهُ ، قَالَ : وَمَعْنَى النَّهْيِ ، أَنْ يَبِيعَهَا مُدْرِكَةً قَبْلَ إدْرَاكِهَا ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : " أَرَأَيْت إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ " .
فَلَفْظَةُ الْمَنْعِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ يَتَنَاوَلُ مَعْنَى ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْحَالِ حَتَّى يُتَصَوَّرُ الْمَنْعُ .
وَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا .
} فَيَدْخُلُ فِيهِ مَحَلُّ

النِّزَاعِ ، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِسِيَاقِ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى هَدْمِ قَاعِدَتِهِمْ الَّتِي قَرَّرُوهَا ، فِي أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ ، وَيُقَرِّرُ مَا قُلْنَا ، مِنْ أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ ، فَيَصِيرُ الْعَقْدُ الْمُطْلَقُ كَاَلَّذِي شُرِطَتْ فِيهِ التَّبْقِيَةُ ، يَتَنَاوَلُهُمَا النَّهْيُ جَمِيعًا ، وَيَصِحُّ تَعْلِيلُهُمَا بِالْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَنْعِ الثَّمَرَةِ وَهَلَاكِهَا .

( 2898 ) فَصْلٌ : وَبَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَبِيعَهَا مُفْرَدَةً لِغَيْرِ مَالِكِ الْأَصْلِ ، فَهَذَا الضَّرْبُ الَّذِي ذَكَرْنَا حُكْمَهُ ، وَبَيَّنَّا بُطْلَانَهُ .
الثَّانِي ، أَنْ يَبِيعَهَا مَعَ الْأَصْلِ ، فَيَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ ، فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ } .
وَلِأَنَّهُ إذَا بَاعَهَا مَعَ الْأَصْلِ حَصَلَتْ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ ، فَلَمْ يَضُرَّ احْتِمَالُ الْغَرَرِ فِيهَا ، كَمَا احْتَمَلَتْ الْجَهَالَةُ فِي بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ بَيْعِ الشَّاةِ ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ مَعَ التَّمْرِ ، وَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ فِي بَيْعِ الدَّارِ .
الثَّالِثُ ، أَنْ يَبِيعَهَا مُفْرَدَةً لِمَالِكِ الْأَصْلِ ، نَحْوُ أَنْ تَكُونَ لِلْبَائِعِ وَلَا يَشْتَرِطُهَا الْمُبْتَاعُ ، فَيَبِيعَهَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، أَوْ يُوصِيَ لِرَجُلٍ بِثَمَرَةِ نَخْلَتِهِ ، فَيَبِيعَهَا لِوَرَثَةِ الْمُوصِي ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَصِحُّ الْبَيْعُ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ الْأَصْلُ وَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي ، فَيَصِحُّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُمَا مَعًا .
وَلِأَنَّهُ إذَا بَاعَهَا لِمَالِكِ الْأَصْلِ حَصَلَ التَّسْلِيمُ إلَى الْمُشْتَرِي عَلَى الْكَمَالِ ؛ لِكَوْنِهِ مَالِكًا لِأُصُولِهَا وَقَرَارِهَا ، فَصَحَّ ، كَبَيْعِهَا مَعَ أَصْلِهَا .
وَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ .
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَنَاوَلُ الثَّمَرَةَ خَاصَّةً ، وَالْغَرَرَ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ أَصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُصُولُ لِأَجْنَبِيٍّ ، وَلِأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُمَا مَعًا ، فَإِنَّهُ مُسْتَثْنَى بِالْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْغَرَرَ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ أَصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ ، وَفِيمَا إذَا بَاعَهُمَا

مَعًا تَدْخُلُ الثَّمَرَةُ تَبَعًا ، وَيَجُوزُ فِي التَّابِعِ مِنْ الْغَرَرِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَتْبُوعِ ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ ، وَالْحَمْلِ مَعَ الشَّاةِ ، وَغَيْرِهِمَا .
وَإِنْ بَاعَهُ الثَّمَرَ ، بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ ، صَحَّ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ .

( 2899 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ فِي الْأَرْضِ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّمَرَةِ عَلَى الْأُصُولِ ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُزْهِيَ ، وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ .
نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ .
} قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَعْدِلُ عَنْ الْقَوْلِ بِهِ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
فَإِنْ بَاعَهُ مَعَ الْأَرْضِ ، جَازَ ، كَبَيْعِ الثَّمَرَةِ مَعَ الْأَصْلِ ، وَإِنْ بَاعَهُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الثَّمَرَةِ تُبَاعُ مِنْ مَالِكِ الْأَصْلِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَجُوزُ .
وَإِنْ بَاعَهُ إيَّاهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، جَازَ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ ، فَهُوَ كَبَيْعِ الثَّمَرَةِ مِنْ مَالِكِ الْأَصْلِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ .
وَإِذَا اشْتَدَّ حَبُّ الزَّرْعِ ، جَازَ بَيْعُهُ مُطْلَقًا ، وَبِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ : { حَتَّى يَبْيَضَّ } .
فَجَعَلَ ذَلِكَ غَايَةَ الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَهُ .
وَفِي رِوَايَةٍ ، { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ } .
وَلِأَنَّهُ إذَا اشْتَدَّ حَبُّهُ بَدَا صَلَاحُهُ ، فَصَارَ كَالثَّمَرَةِ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا .
وَإِذَا اشْتَدَّ شَيْءٌ مِنْ حَبِّهِ ، جَازَ بَيْعُ جَمِيعِ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ نَوْعِهِ ، كَالشَّجَرَةِ إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا .

( 2900 ) فَصْلٌ : ذَكَره الْقَاضِي فِي الصُّلْحِ قَالَ : وَإِذَا اعْتَرَفَ لِرَجُلٍ بِزَرْعٍ ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْهُ بِعِوَضٍ ، صَحَّ فِيمَا يَصِحُّ فِي الْبَيْعِ ، وَبَطَلَ فِيمَا يَبْطُلُ فِيهِ .
وَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ زَرْعًا فِي يَدِ آخَرَ ، فَأَقَرَّ لَهُمَا بِهِ ، فَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ، فَإِنْ صَالَحَ أَحَدُهُمَا عَنْ حَقِّهِ مِنْهُ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ ، لَمْ يَجُزْ ، سَوَاءٌ شَرَطَ الْقَطْعَ ، أَوْ أَطْلَقَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّ أَطْلَقَ بَطَلَ ، لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمُخَاضَرَةِ ، وَإِنْ شَرَطَ الْقَطْعَ لَمْ يُمْكِنْهُ قَطْعُ نَصِيبِهِ إلَّا بِقَطْعِ الزَّرْعِ كُلِّهِ .
وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِلْمُقِرِّ ، احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى زَرْعًا أَخْضَرَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ ، وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِرَجُلٍ ، وَالزَّرْعُ لِآخَرَ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : صَالِحْنِي مِنْ نِصْفِ أَرْضِي عَلَى نِصْفِ زَرْعِك ، فَيَكُونُ الزَّرْعُ وَالْأَرْضُ بَيْننَا نِصْفَيْنِ .
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَهَلْ يَجُوزُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى بَيْعِ الزَّرْعِ مِنْ مَالِكِ الْأَرْضِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَبِيعُ نِصْفَ الزَّرْعِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ ، وَيَشْتَرِي مِنْهُ نِصْفَ الْأَرْضِ الَّتِي لَهُ فِيهَا الزَّرْعُ ، وَإِنْ شَرَطَا فِي الْبَيْعِ أَنْ يَقْطَعَا الزَّرْعَ جَمِيعَهُ ، وَيُسَلِّمَ الْأَرْضَ فَارِغَةً ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَيْضًا ؛ أَحَدُهُمَا ، يَصِحُّ ؛ لِاشْتِرَاطِهِمَا قَطْعَ كُلِّ الزَّرْعِ وَتَفْرِيغَ الْأَرْضِ مِنْهُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَبْطُلَ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ بَاعَهُ نِصْفَ الْأَرْضِ بِشَرْطِ قَطْعِ زَرْعِ غَيْرِهِ ؛ لِيُسَلِّمَ إلَيْهِ أَرْضَهُ .
وَإِنْ قُلْنَا : يَصِحُّ .
لَمْ يَلْزَمْ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَصَلَ زَرْعُهُ فِي أَرْضِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعُهُ .

( 2901 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، أَوْ نِصْفَ الزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ مُشَاعًا ، لَمْ يَجُزْ ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ مِنْ رَجُلٍ ، أَوْ مِنْ أَكْثَرِ مِنْهُ ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ الْقَطْعَ ، أَوْ لَمْ يَشْرُطْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قَطْعُهُ إلَّا بِقَطْعِ مَا لَا يَمْلِكُهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ .

( 2902 ) فَصْلٌ : وَالْقُطْنُ ضَرْبَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا لَهُ أَصْلٌ يَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَعْوَامًا ، كَالشَّجَرِ تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ ، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الشَّجَرِ ، فِي أَنَّهُ يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، وَإِذَا بِيعَتْ الْأَرْضُ بِحُقُوقِهَا دَخَلَ فِي الْبَيْعِ ، وَثَمَرُهُ كَالطَّلْعِ إنَّ تَفَتَّحَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي .
وَالثَّانِي ، مَا يَتَكَرَّرُ زَرْعُهُ كُلَّ عَامٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الزَّرْعِ ، وَمَتَى كَانَ جَوْزُهُ ضَعِيفًا رَطْبًا ، لَمْ يَقْوَ مَا فِيهِ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، كَالزَّرْعِ الْأَخْضَرِ ، وَإِنْ قَوِيَ جَوْزُهُ وَاشْتَدَّ ، جَازَ بَيْعُهُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، كَالزَّرْعِ الَّذِي اشْتَدَّ حَبُّهُ ، وَإِذَا بِيعَتْ الْأَرْضُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ .
وَالْبَاذِنْجَانُ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا لَهُ شَجَرٌ تَبْقَى أُصُولُهُ وَتَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ ، فَهُوَ كَالشَّجَرِ .
وَالثَّانِي ، مَا يَتَكَرَّرُ زَرْعُهُ كُلَّ عَامٍ ، فَهُوَ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ .

( 2903 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : فَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، بَطَلَ الْبَيْعُ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي مَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا ، فَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ ، وَأَبُو طَالِبٍ : أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ .
قَالَ الْقَاضِي : هِيَ أَصَحُّ .
فَعَلَى هَذَا يَرُدُّ الْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ إلَى الْبَائِعِ ، وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ .
وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَبْطُلُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ الْمَبِيعَ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى ، وَلَمْ تَتَمَيَّزْ ، أَوْ حِنْطَةً فَانْثَالَتْ عَلَيْهَا أُخْرَى ، أَوْ ثَوْبًا ، فَاخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ .
وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد ، فِي مَنْ اشْتَرَى قَصِيلًا ، فَمَرِضَ ، أَوْ تَوَانَى حَتَّى صَارَ شَعِيرًا .
قَالَ : إنْ أَرَادَ بِهِ حِيلَةً فَسَدَ الْبَيْعُ ، وَإِلَّا لَمْ يَفْسُدْ .
وَالظَّاهِرُ : أَنَّ هَذِهِ تَرْجِعُ إلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ سَعِيدٍ ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ مَا نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى مَنْ لَمْ يُرِدْ حِيلَةً ، فَإِنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ ، وَقَصَدَ بِشَرْطِهِ الْقَطْعَ الْحِيلَةَ عَلَى إبْقَائِهِ ، لَمْ يَصِحَّ بِحَالٍ ، إذْ قَدْ ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ الْحِيَلَ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ .
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا .
} فَاسْتَثْنَى مِنْهُ مَا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، فَقَطَعَهُ بِالْإِجْمَاعِ ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ ، وَلِأَنَّ التَّبْقِيَةَ مَعْنًى حَرَّمَ الشَّرْعُ اشْتِرَاطَهُ لِحَقِّ اللَّه تَعَالَى ، فَأَبْطَلَ الْعَقْدُ وُجُودَهُ .
كَالنَّسِيئَةِ فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ النَّسَاءُ ، وَتَرْكِ التَّقَابُضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ ، أَوْ الْفَضْلِ فِيمَا يَجِبُ التَّسَاوِي فِيهِ ، وَلِأَنَّ صِحَّةَ الْبَيْعِ تَجْعَلُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ

بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَتَرْكِهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، وَوَسَائِلُ الْحَرَامِ حَرَامٌ ، كَبَيْعِ الْعَيِّنَةِ .
وَمَتَى حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْبَيْعِ ، فَالثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِلْبَائِعِ .
وَعَنْهُ ، أَنَّهُمَا يَتَصَدَّقَانِ بِالزِّيَادَةِ .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مُسْتَحَبٌّ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي مُسْتَحِقِّ الثَّمَرَةِ ، فَاسْتُحِبَّتْ الصَّدَقَةُ بِهَا ، وَإِلَّا فَالْحَقُّ أَنَّهَا لِلْبَائِعِ تَبَعًا لِلْأَصْلِ ، كَسَائِرِ نَمَاءِ الْمَبِيعِ الْمُتَّصِلِ إذَا رُدَّ عَلَى الْبَائِعِ بِفَسْخٍ أَوْ بُطْلَانٍ .
وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي " الْإِرْشَادِ " ، أَنَّ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الزِّيَادَةِ .
وَأَمَّا إنْ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ ؛ لِحُصُولِهَا فِي مِلْكِهِمَا ، فَإِنْ مَلَكَ الْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ ، وَمَلَكَ الْبَائِعُ الْأَصْلَ ، وَهُوَ سَبَبُ الزِّيَادَةِ .
قَالَ الْقَاضِي : الزِّيَادَةُ لِلْمُشْتَرِي كَالْعَبْدِ إذَا سَمِنَ .
وَحَمَلَ قَوْلَ أَحْمَدَ : " يَشْتَرِكَانِ " عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ حَصَلَتْ مِنْ أَصْلِ الْبَائِعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ تَرْكِهَا ، فَكَانَ فِيهَا حَقٌّ لَهُ ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ إذَا سَمِنَ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَلَا يُشْبِهُهُ ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ قَوْلِ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِلْبَائِعٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُشْتَرِي مَا لَيْسَ بِحَقِّ لَهُ ، بَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُمَا يَتَصَدَّقَانِ بِالزِّيَادَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْمَبِيعِ زَادَ بِجِهَةٍ مَحْظُورَةٍ ، قَالَ الثَّوْرِيُّ : إذَا اشْتَرَى قَصِيلًا يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي .
وَلِأَنَّ الْأَمْرَ اشْتَبَهَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَفِي مُسْتَحِقِّهَا ، فَكَانَ الْأَوْلَى الصَّدَقَةَ بِهَا ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اسْتِحْبَابًا ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِالشُّبُهَاتِ مُسْتَحَبَّةٌ

.
وَإِنْ أَبَيَا الصَّدَقَةَ بِهَا ، اشْتَرَكَا فِيهَا ، وَالزِّيَادَةُ هِيَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا حِينَ الشِّرَاءِ ، وَقِيمَتِهَا يَوْمَ أَخْذِهَا .
قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَقِيمَتِهَا بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، كَانَتْ لِلْمُشْتَرِي بِتَمَامِهَا ، لَا حَقَّ لِلْبَائِعِ فِيهَا .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَأْخُذُ الْمُشْتَرِي رَأْسَ مَالِهِ ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي .
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الرَّطْبَةِ إذَا طَالَتْ ، وَالزَّرْعِ الْأَخْضَرِ إذَا أَدْجَنَ .
وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يُقْصَدْ وَقْتَ الشِّرَاءِ تَأْخِيرُهُ ، وَلَمْ يُجْعَلْ شِرَاؤُهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ حِيلَةً ، عَلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، لِيَتْرُكَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، فَأَمَّا إنْ قَصَدَ ذَلِكَ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ حِيلَةٌ مُحَرَّمَةٌ .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، لَا حُكْمَ لِقَصْدِهِ ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ، قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ، وَأَصْلُ هَذَا ، الْخِلَافُ فِي تَحْرِيمِ الْحِيَلِ ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي هَذَا .

( 2904 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : فَإِنْ اشْتَرَاهَا بَعْدَ أَنْ بَدَا صَلَاحُهَا عَلَى التَّرْكِ إلَى الْجِزَازِ ، جَازَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرَةِ ، جَازَ بَيْعُهَا مُطْلَقًا ، وَبِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إلَى حَالِ الْجِزَازِ ، وَبِشَرْطِ الْقَطْعِ .
وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ .
إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ : إذَا تَنَاهَى عَظْمُهَا ، جَازَ .
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذَا شَرْطُ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْبَائِعِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ تَبْقِيَةَ الطَّعَامِ فِي كندوجه .
وَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا .
} فَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ بَيْعِهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ عِنْدَهُمْ الْبَيْعُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَائِزًا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بُدُوُّ الصَّلَاحِ غَايَةً ، وَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ .
{ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، وَتَأْمَنَ الْعَاهَةَ .
} وَتَعْلِيلُهُ بِأَمْنِ الْعَاهَةِ يَدُلُّ عَلَى التَّبْقِيَةِ ؛ لِأَنَّ مَا يُقْطَعُ فِي الْحَالِ لَا يُخَافُ الْعَاهَةُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا بَدَا الصَّلَاحُ فَقَدْ أُمِنَتْ الْعَاهَةُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ مُبْقًى لِزَوَالِ عِلَّةِ الْمَنْعِ ، وَلِأَنَّ النَّقْلَ وَالتَّحْوِيلَ يَجِبُ فِي الْمَبِيعِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ ، فَإِذَا شَرَطَهُ جَازَ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ نَقْلَ الطَّعَامِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ حَسَبَ الْإِمْكَانِ .
وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ .

( 2905 ) فَصْلٌ : وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي بَعْضِ ثَمَرَةِ النَّخْلَةِ ، أَوْ الشَّجَرَةِ صَلَاحٌ لِجَمِيعِهَا ، أَعْنِي أَنَّهُ يُبَاحُ بَيْعُ جَمِيعِهَا بِذَلِكَ .
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا ، وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ سَائِرِ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ أَظْهَرُهُمَا جَوَازُهُ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .
وَعَنْهُ : لَا يَجُوزُ إلَّا بَيْعُ مَا بَدَا صَلَاحُهُ ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ ، كَالْجِنْسِ الْآخَرِ ، وَكَاَلَّذِي فِي الْبُسْتَانِ الْآخَرِ .
وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ بَدَا الصَّلَاحُ فِي نَوْعِهِ مِنْ الْبُسْتَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ، فَجَازَ بَيْعُ جَمِيعِهِ ، كَالشَّجَرَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي الْجَمِيعِ يَشُقُّ ، وَيُؤَدِّي إلَى الِاشْتِرَاكِ وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي ، فَوَجَبَ أَنْ يَتْبَعَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنْ نَوْعِهِ لِمَا بَدَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا أُبِّرَ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ .
فَأَمَّا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَتْبَعُهُ .
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : مَا كَانَ مُتَقَارِبَ الْإِدْرَاكِ ، فَبُدُوُّ صَلَاحِ بَعْضِهِ يَجُوزُ بِهِ بَيْعُ جَمِيعِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَتَأَخَّرُ إدْرَاكُ الْبَعْضِ تَأْخِيرًا كَثِيرًا ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِيمَا أَدْرَكَ ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْبَاقِي .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ .
وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِي إكْمَالِ النِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ ، فَيَتْبَعُهُ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ ، كَالنَّوْعِ الْوَاحِدِ .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ النَّوْعَيْنِ قَدْ يَتَبَاعَدُ إدْرَاكُهُمَا ، فَلَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، كَالْجِنْسَيْنِ .
وَيُخَالِفُ الزَّكَاةَ ؛

فَإِنَّ الْقَصْدَ هُوَ الْغِنَى مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْمَالِ ، لِتَقَارُبِ مَنْفَعَتِهِ ، وَقِيَامِ كُلِّ نَوْعٍ مَقَامَ النَّوْعِ الْآخَرِ فِي الْمَقْصُودِ .
وَالْمَعْنَى هَاهُنَا ؛ هُوَ تَقَارُبُ إدْرَاكِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالِاشْتِرَاكِ وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي النَّوْعَيْنِ ، فَصَارَ فِي هَذَا كَالْجِنْسَيْنِ .

( 2906 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا النَّوْعُ الْوَاحِدُ مِنْ بُسْتَانَيْنِ ، فَلَا يَتْبَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ حَتَّى يَبْدُوَ الصَّلَاحُ فِي أَحَدِهِمَا ، مُتَجَاوِرَيْنِ كَانَا أَوْ مُتَبَاعِدَيْنِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ؛ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي شَجَرَةٍ مِنْ الْقَرَاحِ صَلَاحٌ لَهُ ، وَلِمَا قَارَبَهُ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَقَارَبَانِ فِي الصَّلَاحِ ، فَأَشْبَهَا الْقَرَاحَ الْوَاحِدَ .
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَمْنُ مِنْ الْعَاهَةِ ، وَقَدْ وُجِدَ .
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا بَدَا ، وَتَابِعًا لَهُ ، دَفْعًا لِضَرَرِ الِاشْتِرَاكِ ، وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ كُلِّ شَيْءٍ بِنَفْسِهِ .
وَمَا فِي قَرَاحٍ آخَرَ لَا يُوجَدُ فِيهِ هَذَا الضَّرَرُ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتْبَعَ الْآخَرَ ، كَمَا لَوْ تَبَاعَدَا .
وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِمَا لَمْ يُجَاوِرْهُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ .
وَلَوْ بَدَا صَلَاحُ بَعْضِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ ، فَأَفْرَدَ بِالْبَيْعِ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنْ بَقِيَّةِ النَّوْعِ مِنْ ذَلِكَ الْبُسْتَانِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِدُخُولِهِ تَحْتَ عُمُومِ النَّهْيِ .
وَيُقَدَّرُ قِيَاسُهُ عَلَى الصُّورَةِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْ الْعُمُومِ ، وَهِيَ مَا إذَا بَاعَهُ مَعَ مَا بَدَا صَلَاحُهُ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ تَبَعًا ، دَفْعًا لِمَضَرَّةِ الِاشْتِرَاكِ ، وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي .
وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ هَاهُنَا ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا مَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ ، كَالثَّمَرَةِ تُبَاعُ مَعَ الْأَصْلِ ، وَالزَّرْعِ مَعَ الْأَرْضِ ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ الشَّاةِ .
وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ فِي حُكْمِ مَا بَدَا صَلَاحُهُ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ غَيْرِهِ ، فَجَازَ بَيْعُهُ مُفْرَدًا ، كَاَلَّذِي بَدَا صَلَاحُهُ .

( 2907 ) فَصْلٌ : وَإِذَا احْتَاجَتْ الثَّمَرَةُ إلَى سَقْيٍ لَزِمَ الْبَائِعَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ كَامِلَةً ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالسَّقْيِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ إذَا بَاعَ الْأَصْلَ ، وَعَلَيْهِ ثَمَرَةٌ لِلْبَائِعٍ ، لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ سَقْيُهَا ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا مِنْ جِهَتِهِ ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مِلْكُهُ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ السَّقْيِ ، لِضَرَرٍ يَلْحَقُ بِالْأَصْلِ ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ .

( 2908 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِمُشْتَرِي الثَّمَرَةِ بَيْعُهَا فِي شَجَرِهَا .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .
وَكَرِهَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، فَلَمْ يَقْبِضهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَجَازَ لَهُ بَيْعُهُ ، كَمَا لَوْ جَزَّهُ .
وَقَوْلُهُمْ : لَمْ يَقْبِضْهُ .
لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ قَبْضَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ ، وَهَذَا قَبْضُهُ التَّخْلِيَةُ ، وَقَدْ وُجِدَتْ .

( 2909 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : فَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَةَ نَخْلٍ ، فَبُدُوُّ صَلَاحِهَا أَنْ تَظْهَرَ فِيهَا الْحُمْرَةُ أَوْ الصُّفْرَةُ .
وَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَةَ كَرْمٍ فَصَلَاحُهَا أَنْ تُتِمُّوهُ ، وَصَلَاحُ مَا سِوَى النَّخْلِ وَالْكَرْمِ أَنْ يَبْدُوَ فِيهَا النُّضْجُ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الثَّمَرَةِ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ عِنْدَ صَلَاحِهِ ، كَثَمَرَةِ النَّخْلِ ، وَالْعِنَبِ الْأَسْوَدِ ، وَالْإِجَّاصِ ، فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ بِذَلِكَ .
وَإِنْ كَانَ الْعِنَبُ أَبْيَضَ ، فَصَلَاحُهُ بِتَمَوُّهِهِ ؛ وَهُوَ أَنْ يَبْدُوَ فِيهِ الْمَاءُ الْحُلْوُ ، وَيَلِينَ ، وَيَصْفَرَّ لَوْنُهُ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَلَوَّنُ ، كَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهِ ، فَبِأَنْ يَحْلُوَ ، أَوْ يَطِيبَ .
وَإِنْ كَانَ بِطِّيخًا ، أَوْ نَحْوَهُ ، فَبِأَنْ يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ ، وَيُؤْكَلُ طَيِّبًا ، صِغَارًا وَكِبَارًا ، كَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ ، فَصَلَاحُهُ بُلُوغُهُ أَنْ يُؤْكَلَ عَادَةً .
وَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : بُلُوغُهُ أَنْ يَتَنَاهَى عِظَمُهُ .
وَمَا قُلْنَاهُ أَشْبَهُ بِصَلَاحِهِ مِمَّا قَالُوهُ ؛ فَإِنَّ بُدُوَّ صَلَاحِ الشَّيْءِ ابْتِدَاؤُهُ ، وَتَنَاهِيَ عِظَمِهِ آخِرُ صَلَاحِهِ .
وَلِأَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرِ يَسْبِقُ حَالَ الْجِزَازِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِيمَا يُقَاسُ عَلَيْهِ بِسَبْقِهِ قَطْعَهُ عَادَةً ؛ إلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِتَنَاهِي عِظَمِهِ انْتِهَاءَهُ إلَى الْحَالِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَخْذِهِ فِيهَا ، فَيَكُونُ كَمَا ذَكَرْنَا .
وَمَا قُلْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَوْ مُقَارِبٌ لَهُ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا يُبَاعُ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْ التَّمْرِ قَلِيلٌ ، أَوْ كَثِيرٌ .
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَلِعَلَّهمْ أَرَادُوا صَلَاحَهُ لِلْأَكْلِ ، فَيَرْجِعُ مَعْنَاهُ إلَى مَا قُلْنَا ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ ، أَوْ يُؤْكَلَ

.
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَإِنْ أَرَادُوا حَقِيقَةَ الْأَكْلِ كَانَ مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مَا رَوَوْهُ يَحْتَمِلُ صَلَاحَهُ لِلْأَكْلِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ ، مُوَافَقَةً لِأَكْثَرِ الْأَخْبَارِ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَطِيبَ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَنَهَى أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تَزْهُوَ .
قِيلَ : وَمَا تَزْهُو ؟ قَالَ : ( تَحْمَارُّ أَوْ تَصْفَارُّ ) .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
{ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ .
} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ ، كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى .

( 2910 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْقِثَّاءِ ، وَالْخِيَارِ ، وَالْبَاذِنْجَانِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، إلَّا لَقْطَةً لَقْطَةً وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ؛ أَنَّهُ إذَا بَاعَ ثَمَرَةَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبُقُولِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بَيْعُ الْمَوْجُودِ مِنْهَا ، دُونَ الْمَعْدُومِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ بَيْعُ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ تَمْيِيزُهُ ، فَجُعِلَ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَبَعًا لِمَا ظَهَرَ ، كَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ تَبَعٌ لِمَا بَدَا .
وَلَنَا ، أَنَّهَا ثَمَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ، كَمَا لَوْ بَاعَهَا قَبْلَ ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَالْحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بِبَيْعِ أُصُولِهِ ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يُخْلَقْ .
وَلِأَنَّ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْ ثَمَرَةِ النَّخْلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ تَبَعًا لِمَا خُلِقَ ، وَإِنْ كَانَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ تَبَعًا لِمَا بَدَا .
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنْ بَاعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا جَازَ مُطْلَقًا ، وَبِشَرْطِ الْقَطْعِ ، وَالتَّبْقِيَةِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي ثَمَرَةِ الْأَشْجَارِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا بِمَاذَا يَكُونُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ .

( 2911 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَيَصِحُّ بَيْعُ أُصُولِ هَذِهِ الْبُقُولِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأُصُولِ صِغَارًا أَوْ كِبَارًا ، مُثْمِرَةً أَوْ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ ، لِأَنَّهُ أَصْلٌ تَكَرَّرَ فِيهِ الثَّمَرَةُ ، فَأَشْبَهَ الشَّجَرَ .
فَإِنْ بَاعَ الْمُثْمِرَ مِنْهُ ، فَثَمَرَتُهُ الظَّاهِرَةُ لِلْبَائِعِ ، مَتْرُوكَةٌ إلَى حِينِ بُلُوغِهَا ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ .
فَإِنْ حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي .
فَإِنْ اخْتَلَطَتْ بِثَمَرَةِ الْبَائِعِ ، وَلَمْ تَتَمَيَّزْ ، كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ إذَا اخْتَلَطَتْ بِثَمَرَةٍ أُخْرَى ، عَلَى مَا مَرَّ حُكْمُهُ .

( 2912 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَسْتُورٌ فِي الْأَرْضِ ، كَالْجَزَرِ ، وَالْفُجْلِ ، وَالْبَصَلِ ، وَالثُّومِ حَتَّى يُقْلَعَ ، وَيُشَاهَدَ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَأَبَاحَهُ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ تَبَعًا لِمَا بَدَا .
وَلَنَا أَنَّهُ مَبِيعٌ مَجْهُولٌ ، لَمْ يَرَهُ ، وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْحَمْلِ .
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ .
} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَهَذَا غَرَرٌ .
وَأَمَّا بَيْعُ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ ، فَإِنَّمَا جَازَ بَيْعُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَتَلَاحَقُ فِي الصَّلَاحِ ، وَيَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا تُقْصَدُ فُرُوعُهُ وَأُصُولُهُ ، كَالْبَصَلِ الْمَبِيعِ أَخْضَرَ ، وَالْكُرَّاثِ ، وَالْفُجْلِ ، أَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ فُرُوعَهُ ، فَالْأَوْلَى جَوَازُ بَيْعِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ ظَاهِرٌ ، فَأَشْبَهَ الشَّجَرَ ، وَالْحِيطَانَ الَّتِي لَهَا أَسَاسَاتٌ مَدْفُونَةٌ .
وَيَدْخُلُ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا ، فَلَا تَضُرُّ جَهَالَتُهُ ، كَالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ الْحَيَوَانِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ أُصُولَهُ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فِي الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ .
فَإِنْ تُسَاوَيَا لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ فِي الْجَمِيعِ ، وَإِنَّمَا سَقَطَ اعْتِبَارُهُ فِيمَا كَانَ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ ظَاهِرًا تَبَعًا ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .

( 2913 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ بَيْعُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبَاقِلَّا الْأَخْضَرِ فِي قِشْرَتِهِ مَقْطُوعًا ، وَفِي شَجَرِهِ ، وَبَيْعُ الْحَبِّ الْمُشْتَدِّ فِي سُنْبُلِهِ ، وَبَيْعُ الطَّلْعِ قَبْلَ تَشَقُّقِهِ ، مَقْطُوعًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَفِي شَجَرِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ، حَتَّى يُنْزَعَ عَنْهُ قِشْرُهُ الْأَعْلَى ، إلَّا فِي الطَّلْعِ وَالسُّنْبُلِ .
فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .
وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِمَا لَا يُدَّخَرُ عَلَيْهِ ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَتُرَابِ الصَّاغَةِ وَالْمَعَادِنِ ، وَبَيْعِ الْحَيَوَانِ الْمَذْبُوحِ فِي سَلْخِهِ .
وَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ ، وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ .
} فَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ بَيْعِهِ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ وَابْيَضَّ سُنْبُلُهُ ، وَلِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِحَائِلٍ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ ، فَجَازَ بَيْعُهُ كَالرُّمَّانِ ، وَالْبَيْضِ ، وَالْقِشْرِ الْأَسْفَلِ .
وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ : لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ .
فَإِنَّهُ لَا قِوَامَ لَهُ فِي شَجَرِهِ إلَّا بِهِ ، وَالْبَاقِلَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا ، وَقِشْرُهُ يَحْفَظُ رُطُوبَتَهُ .
وَلِأَنَّ الْبَاقِلَّا يُبَاعُ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا .
وَكَذَلِكَ الْجَوْزُ ، وَاللَّوْزُ فِي شَجَرِهِمَا .
وَالْحَيَوَانُ الْمَذْبُوحُ يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي سَلْخِهِ ، فَإِنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ ذَبْحِهِ ، وَهُوَ يُرَادُ لِلذَّبْحِ ، فَكَذَلِكَ إذَا ذُبِحَ .
كَمَا أَنَّ الرُّمَّانَةَ إذَا جَازَ بَيْعُهَا قَبْلَ كَسْرِهَا ، فَكَذَلِكَ إذَا كُسِرَتْ .
وَأَمَّا تُرَابُ الصَّاغَةِ وَالْمَعْدِنِ ، فَلَنَا فِيهِمَا مَنْعٌ ، وَإِنْ سُلِّمَ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَصِلْ الْخِلْقَةِ فِي تُرَابِ الصَّاغَةِ ، وَلَا بَقَاؤُهُ فِيهِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .

( 2914 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَكَذَلِكَ الرَّطْبَةُ كُلَّ جَزَّةٍ .
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّطْبَةَ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا تَثْبُتُ أُصُولُهُ فِي الْأَرْضِ ، وَيُؤْخَذُ مَا ظَهَرَ مِنْهُ بِالْقَطْعِ ، دَفْعَةً بَعْدَ دَفْعَةٍ ، كَالنَّعْنَاعِ ، وَالْهِنْدَبَا ، وَشِبْهِهِمَا ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَبِيعَ الظَّاهِرَ مِنْهُ ، بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ .
وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ .
وَرَخَّصَ مَالِكٌ فِي أَنْ يَشْتَرِيَ جَزَّتَيْنِ ، وَثَلَاثًا .
وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْهُ مَسْتُورٌ ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ مَعْدُومٌ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يَحْدُثُ مِنْ الثَّمَرَةِ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَتَى اشْتَرَاهَا قَبْلُ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ إبْقَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا أَعْيَانٌ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا الْبَيْعُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ إذَا ظَهَرَ ، فَيُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ ، وَالثَّمَرَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .
فَإِنْ أَخَّرَهَا حَتَّى طَالَتْ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالثَّمَرَةِ إذَا اشْتَرَاهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا .

( 2915 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى قَصِيلًا مِنْ شَعِيرٍ ، وَنَحْوِهِ ، فَقَطَعَهُ ، ثُمَّ عَادَ فَنَبَتَ ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَرَكَ الْأَصْلَ عَلَى سَبِيلِ الرَّفْضِ لَهَا ، فَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا ، كَمَا يَسْقُطُ حَقُّ صَاحِبِ الزَّرْعِ مِنْ السَّنَابِلِ الَّتِي يُخَلِّفُهَا ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَ لِكُلِّ أَحَدٍ الْتِقَاطُهَا .
وَلَوْ سَقَطَ مِنْ الزَّرْعِ حَبٌّ ، ثُمَّ نَبَتَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ .
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ .
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ مَا قُلْنَا ؛ أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَرَادَ التَّصَرُّفَ فِي أَرْضِهِ ، بَعْدَ فَصْلِ الزَّرْعِ ، بِمَا يُفْسِدُ الْأُصُولَ وَيَقْلَعُهَا ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْمُشْتَرِي مَنْعَهُ مِنْهُ .
وَلَوْ كَانَ الْبَاقِي مُسْتَحَقًّا لَهُ ، لَمَلَكَ مَنْعَهُ مِنْهُ .

( 2916 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالْحَصَادُ عَلَى الْمُشْتَرِي .
فَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ بَطَلَ الْبَيْعُ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 2917 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّ مَنْ اشْتَرَى زَرْعًا ، أَوْ جَزَّةٍ مِنْ الرَّطْبَةِ وَنَحْوِهَا ، أَوْ ثَمَرَةً فِي أُصُولِهَا ، فَإِنَّ حَصَادَ الزَّرْعِ ، وَجَذَّ الرَّطْبَةِ ، وَجِزَازَ الثَّمَرَةِ ، وَقَطْعَهَا ، عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ نَقْلَ الْمَبِيعِ ، وَتَفْرِيغَ مِلْكِ الْبَائِعِ مِنْهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، كَنَقْلِ الطَّعَامِ الْمَبِيعِ مِنْ دَارِ الْبَائِعِ .
وَيُفَارِقُ الْكَيْلَ ، وَالْوَزْنَ ، فَإِنَّهُمَا عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ مُؤْنَةِ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي ، وَالتَّسْلِيمُ عَلَى الْبَائِعِ ، وَهَا هُنَا حَصَلَ التَّسْلِيمُ بِالتَّخْلِيَةِ بِدُونِ الْقَطْعِ ، بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِهَا ، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا .
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .
( 2918 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، إذَا شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ؛ فَقَالَ الْخِرَقِيِّ : يَبْطُلُ الْبَيْعُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَجُوزُ .
وَقِيلَ : يَجُوزُ .
فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجُوزُ .
فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِبُطْلَانِ الشَّرْطِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ جَوَازُ الشَّرْطِ .
ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ .
وَلَمْ أَجِدْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ رِوَايَةً فِي الْمَذْهَبِ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إذَا شَرَطَ الْحَصَادَ عَلَى الْبَائِعِ فَسَدَ الْبَيْعُ ، قَوْلًا وَاحِدًا .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ .
فَمِنْ أَفْسَدَ قَالَ : لَا يَصِحُّ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهُ شَرَطَ الْعَمَلَ فِي الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ .
وَالثَّانِي ، أَنَّهُ شَرَطَ مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ .
وَالثَّالِثُ ، أَنَّهُ شَرَطَ تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ تَسْلِيمُهُ مَقْطُوعًا .
وَمَنْ أَجَازَهُ قَالَ : هَذَا بَيْعٌ ، وَإِجَارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ الزَّرْعَ ، وَآجَرَهُ نَفْسَهُ عَلَى

حَصَادِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ ، فَإِذَا جَمَعَهُمَا جَازَ ، كَالْعَيْنَيْنِ .
وَقَوْلُهُمْ : شَرَطَ الْعَمَلَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ .
يَبْطُلُ بِشَرْطِ رَهْنِ الْمَبِيعِ عَلَى الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ .
وَالثَّانِي ، يَبْطُلُ بِشَرْطِ الرَّهْنِ ، وَالْكَفِيلِ ، وَالْخِيَارِ .
وَالثَّالِثُ ، لَيْسَ بِتَأْخِيرٍ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ قَائِمًا ، وَلِأَنَّ الشَّرْطَ مِنْ الْمُتَسَلِّمِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ .
فَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي صَحَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَالْبَيْعُ يُخَالِفُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَنْتَقِلُ فِي الْبَيْعِ بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ؟ قُلْنَا : كَمَا يَصِحُّ بَيْعُ الشِّقْصِ ، وَالسَّيْفِ ، وَحُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ ؛ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ فِي الشِّقْصِ دُونَ السَّيْفِ ، وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا .
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : إنَّ الْعَقْدَ هَاهُنَا يَبْطُلُ .
يَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَشِبْهِهَا ، مِمَّا يُفْضِي الشَّرْطُ فِيهِ إلَى التَّنَازُعِ ، فَإِنَّ الْبَائِعَ رُبَّمَا أَرَادَ قَطْعَهَا مِنْ أَعْلَاهَا ، لِيَبْقَى لَهُ مِنْهَا بَقِيَّةٌ ، وَالْمُشْتَرِي يُرِيدُ الِاسْتِقْصَاءَ عَلَيْهَا ، لِيَزِيدَ لَهُ مَا يَأْخُذُهُ ، فَيُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ ، وَهُوَ مَفْسَدَةٌ ، فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ مِنْ أَجْلِهِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مَا أَشْبَهَهُ ، مِنْ اشْتِرَاطِ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ .
وَالثَّانِي ، أَنَّ الْمَذْهَبَ ، أَنَّهُ يَصِحُّ اشْتِرَاطُ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَوْبًا ، وَيَشْتَرِطَ عَلَى بَائِعِهِ خِيَاطَتَهُ قَمِيصًا ، أَوْ قَلْعَة ، وَيَشْتَرِطَ حَذْوَهَا نَعْلًا ، أَوْ جُرْزَةَ حَطَبٍ ، وَيَشْتَرِطَ حَمْلَهَا إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ

مُهَنَّا ، وَغَيْرِهِ .
حَتَّى قَالَ الْقَاضِي : لَمْ أَجِدْ بِمَا قَالَ الْخِرَقِيِّ رِوَايَةً فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ .
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ اشْتَرَى مِنْ نَبَطِيٍّ جُرْزَةَ حَطَبٍ ، وَشَارَطَهُ عَلَى حَمْلِهَا .
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ قَلْعَةً ، وَيَشْتَرِطَ عَلَى الْبَائِعِ تَشْرِيكَهَا .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ، وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُمَا أَبْطَلَا الْعَقْدَ بِهَذَا الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ، وَرُوِيَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعٍ ، وَشَرْطٍ } .
وَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ ، وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ ، وَشَرْطٍ .
إنَّمَا الصَّحِيحُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ .
} كَذَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَهَذَا دَالٌّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى جَوَازِ الشَّرْطِ الْوَاحِدِ .
قَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا النَّهْيُ عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ ، أَمَّا الشَّرْطُ الْوَاحِدُ فَلَا بَأْسَ بِهِ .

( 2919 ) فَصْلٌ : وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَنْفَعَةِ مَعْلُومَةً لَهُمَا ، لِيَصِحَّ اشْتِرَاطُهَا ، لِأَنَّنَا نَزَّلْنَا ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْإِجَارَةِ .
فَلَوْ اشْتَرَطَ حَمْلَ الْحَطَبِ إلَى مَنْزِلِهِ ، وَالْبَائِعُ لَا يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ ، لَمْ يَصِحَّ .
وَلَوْ اشْتَرَطَ حَذْوَهَا نَعْلًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ صِفَتِهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي النَّعْلَ ، عَلَى أَنْ يَحْذُوَهَا : جَائِزٌ إذَا أَرَادَ الشِّرَاكَ .
وَإِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَهُ ، أَوْ بِمَوْتِ الْبَائِعِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِعِوَضِ ذَلِكَ .
وَإِنْ تَعَذَّرَ بِمَرَضٍ أُقِيمَ مُقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ ، وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِنَا فِي الْإِجَارَةِ .

فَصْلٌ : وَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَفْعَ الْمَبِيعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ دَارًا ، وَيَسْتَثْنِيَ سُكْنَاهَا شَهْرًا ، أَوْ جَمَلًا ، وَيَشْتَرِطَ ظَهْرَهُ إلَى مَكَان مَعْلُومٍ ، أَوْ عَبْدًا ، وَيَسْتَثْنِيَ خِدْمَتَهُ سَنَةً .
نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ .
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي : لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ ؛ { لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ } ، وَلِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ تَأْخِيرَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْبَائِعُ مَنْفَعَتَهُ ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ مِلْكُ الْمَبِيعِ وَمَنَافِعِهِ ، وَهَذَا شَرْطٌ يُنَافِيهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِيهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، أَنَّهُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ ، نَقَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ جَارِيَةً ، وَيَشْتَرِطُ أَنْ تَخْدِمَهُ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ .
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ خِدْمَةِ الْجَارِيَةِ بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهَا مَجْهُولَةٌ ، وَإِطْلَاقُهَا يَقْتَضِي خِدْمَتَهَا أَبَدًا ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِهِ ، إنَّمَا الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ .
الثَّانِي ، أَنْ يَشْتَرِطَ خِدْمَتَهَا بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهَا ، فَيُفْضِي إلَى الْخَلْوَةِ بِهَا ، وَالْخَطَرِ بِرُؤْيَتِهَا ، وَصُحْبَتِهَا ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي غَيْرِهَا ، وَلِذَلِكَ مُنِعَ إعَارَةَ الْجَارِيَةِ الشَّابَّةِ لِغَيْرِ مَحْرَمِهَا .
وَقَالَ مَالِكٌ : إذَا اشْتَرَطَ رُكُوبًا إلَى مَكَان قَرِيبٍ ، جَازَ ، وَإِنْ كَانَ إلَى مَكَان بَعِيدٍ كُرِهَ ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ تَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ : { أَنَّهُ بَاعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَلًا ، وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ } .
وَفِي لَفْظٍ قَالَ : {

فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ ، وَاسْتَثْنَيْت حُمْلَانَهُ إلَى أَهْلِي .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَفِي لَفْظٍ { قَالَ : فَبِعْته مِنْهُ بِخَمْسِ أَوَاقٍ ، قَالَ : قُلْت : عَلَى أَنَّ لِي ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ .
قَالَ : وَلَك ظَهْرُهُ إلَى الْمَدِينَةِ } .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ .
{ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .
} وَهَذِهِ مَعْلُومَةٌ ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ قَدْ تَقَعُ مُسْتَثْنَاةً بِالشَّرْعِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيمَا إذَا اشْتَرَى نَخْلَةً مُؤَبَّرَةً ، أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً ، أَوْ دَارًا مُؤَجَّرَةً ، أَوْ أَمَةً مُزَوَّجَةً ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَثْنِيَهَا ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ التَّأْبِيرِ ، وَلَمْ يَصِحَّ { نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ .
وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ } ، فَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ الشَّرْطِ الْوَاحِدِ ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ وَالتَّأْجِيلِ فِي الثَّمَنِ .

( 2921 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَهُ أَمَةً ، وَاسْتَثْنَى وَطْأَهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُبَاحُ فِي غَيْرِ مِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ } ، وَفَارَقَ اشْتِرَاطَ وَطْءِ الْمُكَاتَبَةِ حَيْثُ نُبِيحُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ مَمْلُوكَةٌ ، فَيُسْتَبَاحُ وَطْؤُهَا بِالشَّرْطِ فِي الْمَحَلِّ الْمَمْلُوكِ .
وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ ، أَنَّهُ لَا يُبَاحُ وَطْؤُهَا أَيْضًا .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .

( 2922 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الْعَيْنَ الْمُسْتَثْنَاةَ مَنْفَعَتُهَا ، صَحَّ الْبَيْعُ ، وَتَكُونُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي مُسْتَثْنَاةً أَيْضًا ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَلَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً ، أَوْ دَارًا مُؤَجَّرَةً .
وَإِنْ أَتْلَفَ الْمُشْتَرِي الْعَيْنَ ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ؛ لِتَفْوِيتِ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِغَيْرِهِ ، وَثَمَنُ الْمَبِيعِ ، وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِتَفْرِيطِهِ ، فَهُوَ كَتَلَفِهَا بِفِعْلِهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ : يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ .
قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ عِنْدِي ، الْقَدْرُ الَّذِي نَقَصَهُ الْبَائِعُ لِأَجْلِ الشَّرْطَ .
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ خِلَافُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ مَا فَاتَ بِتَفْرِيطِهِ ، فَضَمِنَهُ بِعِوَضِهِ ، وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ، فَأَمَّا إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ، وَلَا بِتَفْرِيطِهِ ، لَمْ يَضْمَنْ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حَمْلَانِ ؟ قَالَ : لَا .
إنَّمَا شَرَطَ هَذَا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ .
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا الْبَائِعُ مِنْ جِهَتِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا ، كَمَا لَوْ تَلِفَتْ النَّخْلَةُ الْمُؤَبَّرَةُ ، بِثَمَرَتِهَا أَوْ غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ إذْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ ثَمَرَتَهَا ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ حَائِطًا ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ شَجَرَةً بِعَيْنِهَا فَتَلِفَتْ .
وَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهِ ضَمَانُهَا ، أَخْذًا مِنْ عُمُومِ كَلَامِ أَحْمَدَ .
وَإِذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ ، رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ التَّفْرِيطِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .

( 2923 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ مَنْفَعَةَ الْمَبِيعِ ، وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يُعْطِيَهُ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمَبِيعِ فِي الْمَنْفَعَةِ ، أَوْ يُعَوِّضُهُ عَنْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ، وَلَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ عَيْنًا ، فَبَذَلَ لَهُ الْآخَرُ مِثْلَهَا ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي اسْتِيفَاءِ مَنَافِعِ تِلْكَ الْعَيْنِ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ عِوَضِهَا .
فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، وَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ إعَارَةَ الْعَيْنِ ، أَوْ إجَارَتَهَا لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَلَهُ ذَلِكَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهَا مَنَافِعُ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ ، فَمَلَكَ ذَلِكَ فِيهَا ، كَمَنَافِعِ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْمُوصَى بِمَنَافِعِهَا ، وَلَا يَجُوزُ إجَارَتُهَا إلَّا لِمِثْلِهِ فِي الِانْتِفَاعِ ، فَإِنْ أَرَادَ إجَارَتَهَا أَوْ إعَارَتَهَا لِمَنْ يَضُرُّ بِالْعَيْنِ بِانْتِفَاعِهِ ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ .
كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِمَنْ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ .
ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ .

( 2924 ) فَصْلٌ : إذَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي مَنْفَعَةَ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ ، فَأَقَامَ الْبَائِعُ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ ، يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ ، وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ .
وَإِنْ أَرَادَ بَذْلَ الْعِوَضِ عَنْ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ قَبُولُهُ ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْهُ ، لَمْ يَلْزَمْ الْبَائِعَ بَدَلُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَقْدُ تَرَاضٍ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ .
وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا ، لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا ، فَإِذَا مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي ، جَازَ لَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا ، وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْجِرَ الْمَنَافِعَ الْمُوصَى بِهَا مِنْ وَرَثَةِ الْمُوصِي ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرَطٌ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، كَالْقَرْضِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ فِي الْخُبْزِ وَالْخَمِيرِ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ .
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ خُبْزِهِ وَكَسْرِهِ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ الْجَائِزَةِ ، لَمْ يَجُزْ .
وَلِأَنَّهُ أَخْذُ عِوَضٍ عَنْ مِرْفَقٍ مُعْتَادٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ دُونَ أَخْذِ الْعِوَضِ ، فَأَشْبَهَ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَثْنَاةَ شَرْعًا ، وَهُوَ مَا لَوْ بَاعَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ لِلْبَائِعٍ ، وَاسْتَحَقَّ تَبْقِيَتَهُ إلَى حِينِ الْحَصَادِ ، فَلَوْ أَخَذَهُ قَصِيلًا لِيَنْتَفِعَ بِالْأَرْضِ إلَى وَقْتِ الْحَصَادِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ .

( 2925 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَأَجَرْتُكَهَا شَهْرًا .
لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَهُ فَقَدْ مَلَكَ الْمُشْتَرِي الْمَنَافِعَ ، فَإِذَا أَجَرَهُ إيَّاهَا ، فَقَدْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَدَلٌ فِي مُقَابَلَةِ مَا مَلَكَهُ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَصِحَّ .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ .
} وَمَعْنَاهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَحَّانًا ، لِيَطْحَنَ لَهُ كِرَاءً بِقَفِيزٍ مِنْهُ ، فَيَصِيرَ كَأَنَّهُ شَرَطَ عَمَلَهُ فِي الْقَفِيزِ عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ فِي بَاقِي الْكِرَاءِ الْمَطْحُونِ .
وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ .

( 2926 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ فِي الْمَبِيعِ إنَّ هُوَ بَاعَهُ فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ .
فَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : فِي مَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ } .
يَعْنِي أَنَّهُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهُ ، وَأَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، فَهُمَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ نُهِيَ عَنْهُمَا ، وَلِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ لِغَيْرِهِ إذَا أَعْطَاهُ ثَمَنَهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ إلَّا مِنْ فُلَانٍ ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَهُ أَصْلًا ، وَرَوَى عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ : الْبَيْعُ جَائِزٌ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : ابْتَعْت مِنْ امْرَأَتِي زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ جَارِيَةً ، وَشَرَطْت لَهَا إنْ بِعْتهَا ، فَهِيَ لَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَعْتهَا بِهِ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعُمَرَ ، فَقَالَ : لَا تَقْرَبْهَا وَلِأَحَدٍ فِيهَا شَرْطٌ .
قَالَ إسْمَاعِيلُ : فَذَكَرْت لِأَحْمَدَ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : الْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَ " لَا تَقْرَبْهَا " ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهَا شَرْطٌ وَاحِدٌ لِلْمَرْأَةِ .
وَلَمْ يَقُلْ عُمَرُ فِي ذَلِكَ الْبَيْعِ : فَاسِدٌ .
فَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَخَذَ بِهِ .
وَقَدْ اتَّفَقَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي فَسَادَهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ عَلَى فَسَادِ الشَّرْطِ ؛ وَفِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلِ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ ، فَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا ، وَالشَّرْطُ فَاسِدًا ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهَا .
وَقَوْلُ أَحْمَدَ : " لَا تَقْرَبْهَا " .
قَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ فِي مَنْ اشْتَرَطَ فِي الْأَمَةِ أَنْ لَا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا ، أَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ وَلَاءَهَا ، وَلَا يَقْرَبُهَا .
وَالْبَيْعُ جَائِزٌ .
وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ : " لَا تَقْرَبْهَا وَلِأَحَدٍ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ " .
قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ :

عِنْدِي أَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْوَطْءِ ؛ لِمَكَانِ الْخِلَافِ فِي الْعَقْدِ ؛ لِكَوْنِهِ يَفْسُدُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 2927 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا بَاعَ حَائِطًا وَاسْتَثْنَى مِنْهُ صَاعًا ، لَمْ يَجُزْ .
وَإِنْ اسْتَثْنَى مِنْهُ نَخْلَةً أَوْ شَجَرَةً بِعَيْنِهَا ، جَازَ .
الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ ؛ ( 2928 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّهُ إذَا بَاعَ ثَمَرَةَ بُسْتَانٍ ، وَاسْتَثْنَى صَاعًا ، أَوْ آصُعًا ، أَوْ مُدًّا ، أَوْ أَمْدَادًا ، أَوْ بَاعَ صُبْرَةً وَاسْتَثْنَى مِنْهَا مِثْلَ ذَلِكَ ، لَمْ يَجُزْ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمَالِكٍ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .
} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهَذِهِ ثَنَيَا مَعْلُومَةٌ ، وَلِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مَعْلُومًا أَشْبَهَ مَا إذَا اسْتَثْنَى مِنْهَا جُزْءًا .
وَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَى عَنْ الثُّنْيَا .
} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ لَا بِالْقَدْرِ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمُشَاهَدَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ يَبْقَى فِي حُكْمِ الْمُشَاهَدَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، وَيُخَالِفُ الْجُزْءَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمُشَاهَدَةِ ، وَلَا يَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِهَا .

( 2929 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ شَجَرَةً ، أَوْ نَخْلَةً ، وَاسْتَثْنَى أَرْطَالًا مَعْلُومَةً ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ بَاعَ حَائِطًا وَاسْتَثْنَى آصُعًا .
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " شَرْحِهِ " : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجَازُوا اسْتِثْنَاءَ سَوَاقِطِ الشَّاةِ .
وَالصَّحِيحُ ، مَا ذَكَرْنَاهُ .
وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَسْأَلَةِ الصَّاعِ مِنْ الْحَائِطِ وَإِلَيْهَا أَقْرَبُ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهَا مُتَحَقِّقٌ هَاهُنَا ، فَلَا يَصِحُّ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 2930 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى نَخْلَةً ، أَوْ شَجَرَةً بِعَيْنِهَا ، جَازَ .
وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومٌ ، وَلَا يُؤَدِّي إلَى جَهَالَةِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ .
وَإِنْ اسْتَثْنَى شَجَرَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، فَصَارَ الْمَبِيعُ وَالْمُسْتَثْنَى مَجْهُولَيْنِ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ بَاعَ ثَمَرَتَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ ، وَاسْتَثْنَى طَعَامَ الْقِيَانِ .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ اسْتَثْنَى نَخْلًا مُعَيَّنًا بِقَدْرِ طَعَامِ الْقِيَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَانَ مُخَالِفًا { لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .
} وَلِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَتَى كَانَ مَجْهُولًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَهُ مَجْهُولًا ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الثَّمَرَةِ طَعَامَ الْقِيَانِ .

( 2931 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَثْنَى جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْ الصُّبْرَةِ أَوْ الْحَائِطِ مُشَاعًا ، كَثُلُثٍ ، أَوْ رُبْعٍ ، أَوْ أَجْزَاءٍ ، كَسَبْعِينَ ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَثْمَانٍ ، صَحَّ الْبَيْعُ وَالِاسْتِثْنَاءُ .
ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَجُوزُ .
وَلَنَا أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى جَهَالَةِ الْمُسْتَثْنَى وَلَا الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَجَرَةً بِعَيْنِهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى : بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ إلَّا ثُلُثَهَا .
أَيْ بِعْتُك ثُلُثَيْهَا .
وَقَوْلُهُ : إلَّا رُبْعَهَا مَعْنَاهُ : بِعْتُك ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا .
وَلَوْ بَاعَ حَيَوَانًا ، وَاسْتَثْنَى ثُلُثَهُ ، جَازَ ، وَكَانَ مَعْنَاهُ بِعْتُك ثُلُثَيْهِ .
وَمَنَعَ مِنْهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى قِيَاسًا عَلَى اسْتِثْنَاءِ الشَّحْمِ .
وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الشَّحْمَ مَجْهُولٌ لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ ؛ وَيَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، فَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ ، كَالشَّجَرَةِ الْمُعَيَّنَةِ ، وَقِيَاسُ الْمَعْلُومِ عَلَى الْمَجْهُولِ فِي الْفَسَادِ لَا يَصِحُّ ، فَعَلَى هَذَا يَصِيرَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهِ ، لِلْمُشْتَرِي ثُلُثَاهُ وَلِلْبَائِعِ ثُلُثُهُ .

( 2932 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : بِعْتُك قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ إلَّا مَكُّوكًا .
جَازَ ؛ لِأَنَّ الْقَفِيزَ مَعْلُومٌ ، وَالْمَكُّوك مَعْلُومٌ ، فَلَا يُفْضِي إلَى الْجَهَالَةِ ، وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الثَّمَرَةَ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ ، إلَّا بِقَدْرِ دِرْهَمٍ .
صَحَّ ؛ لِأَنَّ قَدْرَهُ مَعْلُومٌ مِنْ الْمَبِيعِ وَهُوَ الرُّبْعُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : بِعْتُك ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ .
وَلَوْ قَالَ : إلَّا مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا .
لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَا يُسَاوِي الدِّرْهَمَ قَدْ يَكُونُ الرُّبْعَ ، أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا ، فَيَبْطُلُ .

( 2933 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ قَطِيعًا ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ شَاةً بِعَيْنِهَا ، صَحَّ .
وَإِنْ اسْتَثْنَى شَاةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ ، لَمْ يَصِحَّ .
نَصَّ عَلَيْهِ .
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ مِائَةَ شَاةٍ إلَّا شَاةً يَخْتَارُهَا ، أَوْ يَبِيعَ ثَمَرَةَ حَائِطِهِ ، وَيَسْتَثْنِيَ ثَمَرَةَ نَخَلَاتِ يَعُدُّهَا .
وَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .
وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ .
} وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَجْهُولٌ ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَجْهُولٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إلَّا شَاةً مُطْلَقَةً .
وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَجْهُولٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك شَاةً تَخْتَارُهَا مِنْ الْقَطِيعِ .
وَضَابِطُ هَذَا الْبَابِ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مُفْرَدًا أَوْ بَيْعُ مَا عَدَاهُ مُنْفَرِدًا عَنْ الْمُسْتَثْنَى ، وَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا سَوَاقِطَ الشَّاةِ ، وَجِلْدَهَا ؛ لِلْأَثَرِ الْوَارِدِ فِيهِ .
وَالْحَمْلُ عَلَى رِوَايَةِ الْجَوَازِ ؛ لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَمَا عَدَا هَذَا فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .

( 2934 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ حَيَوَانًا مَأْكُولًا ، وَاسْتَثْنَى رَأْسَهُ وَجِلْدَهُ وَأَطْرَافَهُ وَسَوَاقِطَهُ ، صَحَّ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَصِحُّ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِالْجِلْدِ وَالسَّوَاقِطِ .
فَجَوَّزَ لَهُ شِرَاءَ اللَّحْمِ دُونَهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِثْنَاؤُهُ كَالْحَمْلِ .
وَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .
} وَهَذِهِ مَعْلُومَةٌ ، وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ، مَرُّوا بِرَاعِي غَنَمٍ ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعَامِرٌ فَاشْتَرَيَا مِنْهُ شَاةً ، وَشَرَطَا لَهُ سَلَبَهَا .
} وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، فِي " الشَّافِي " بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَضَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَقَرَةٍ بَاعَهَا رَجُلٌ وَاشْتَرَطَ رَأْسَهَا ، فَقَضَى بِالشَّرْوَى .
يَعْنِي أَنْ يُعْطِيَ رَأْسًا مِثْلَ رَأْسٍ .
وَلِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعْلُومَانِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ بَاعَ حَائِطًا ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ نَخْلَةً مُعَيَّنَةً .
وَكَوْنُهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ يَبْطُلُ بِالثَّمَرَةِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، وَيَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهَا ، وَالْحَمْلُ مَجْهُولٌ .
وَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ ذَبْحِهَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، وَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ ذَلِكَ عَلَى التَّقْرِيبِ .
نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي رَجُلٍ اشْتَرَى نَاقَةً وَشَرَطَ ثَنَيَاهَا .
فَقَالَ : اذْهَبُوا إلَى السُّوقِ ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَقْصَى ثَمَنِهَا ، فَأَعْطُوهُ حِسَابَ ثَنَيَاهَا مِنْ ثَمَنِهَا .

( 2935 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اسْتَثْنَى شَحْمَ الْحَيَوَانِ ، لَمْ يَصِحَّ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَخْتَلِفُونَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .
} وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ ، كَفَخِذِهَا ، وَإِنْ اسْتَثْنَى الْحَمْلَ ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ لِذَلِكَ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ صِحَّتُهُ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
لِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ بَاعَ جَارِيَةً ، وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا .
وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْعِتْقِ ، فَصَحَّ فِي الْبَيْعِ قِيَاسًا عَلَيْهِ .
وَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ .
وَالصَّحِيحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا .
لِأَنَّ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظَ حَدَّثُوا الْحَدِيثَ ، فَقَالُوا : أَعْتَقَ جَارِيَةً .
وَالْإِسْنَادُ وَاحِدٌ ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ .
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الصِّحَّةِ فِي الْعِتْقِ الصِّحَّةُ فِي الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا تَمْنَعُهُ الْجَهَالَةُ وَلَا الْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ .

( 2936 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ جَارِيَةً حَامِلًا بِحُرٍّ .
فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ ، فَكَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى .
وَالْأُولَى صِحَّتُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ ، وَجَهَالَةُ الْحَمْلِ لَا تَضُرُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِمَبِيعٍ وَلَا مُسْتَثْنًى بِاللَّفْظِ ، وَقَدْ يُسْتَثْنَى بِالشَّرْعِ مَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِاللَّفْظِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ أَمَةً مُزَوَّجَةً صَحَّ ، وَوَقَعَتْ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ مُسْتَثْنَاةً بِالشَّرْعِ .
وَلَوْ اسْتَثْنَاهَا بِاللَّفْظِ لَمْ يَجُزْ .
وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ لِلْبَائِعٍ ، أَوْ نَخْلَةً مُؤَبَّرَةً ، لَوَقَعَتْ مَنْفَعَتُهَا مُسْتَثْنَاةً بِالشَّرْعِ مُدَّةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ ، وَلَوْ اسْتَثْنَاهَا بِقَوْلِهِ ، لَمْ يَجُزْ .

( 2937 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَ دَارًا إلَّا ذِرَاعًا ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ ذُرْعَانُ الدَّارِ ، جَازَ ، وَكَانَ مُسْتَثْنِيًا جُزْءًا مُشَاعًا مِنْهَا ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مَعْلُومٌ يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، فَجَازَ اسْتِثْنَاؤُهُ ، كَثُلُثِهَا وَرُبْعِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ مِنْ مَبِيعٍ مَعْلُومٍ بِالْمُشَاهَدَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ كَاسْتِثْنَاءِ الصَّاعِ مِنْ ثَمَرَةِ الْحَائِطِ ، وَالْقَفِيزِ مِنْ الصُّبْرَةِ .
وَهَكَذَا الْحُكْمُ إذَا بَاعَهُ ضَيْعَةً إلَّا جَرِيبًا ، فَمَتَى عَلِمَ جُرْبَانَ الضَّيْعَةِ صَحَّ ، وَإِلَّا فَلَا .

( 2938 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ سِمْسِمًا وَاسْتَثْنَى الْكَسْبَ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَاعَهُ الشَّيْرَجَ فِي الْحَقِيقَةِ .
وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا مَوْصُوفٍ ، { وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .
} وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ قُطْنًا وَاسْتَثْنَى الْحَبَّ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِجَهَالَةِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَوْ بَاعَهُ السِّمْسِمَ وَاسْتَثْنَى الشَّيْرَجَ ، لَمْ يَجُزْ كَذَلِكَ .

( 2939 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَهُ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا ، أَوْ إلَّا قَفِيزًا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ رَفْعَ قَدْرِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ .
وَقَدْرُ ذَلِكَ مَجْهُولٌ ، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا .

( 2940 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ دُونَ الْأَصْلِ ، فَتَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ مِنْ السَّمَاءِ ، رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ : ( 2941 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّ مَا تُهْلِكُهُ الْجَائِحَةُ مِنْ الثِّمَارِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ؛ لِمَا رُوِيَ ، { أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إنَّ ابْنِي اشْتَرَى ثَمَرَةً مِنْ فُلَانٍ ، فَأَذْهَبَتْهَا الْجَائِحَةُ ، فَسَأَلْته أَنْ يَضَعَ عَنْهُ ، فَتَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَأَلَّى فُلَانٌ أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَجْبَرَهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا جَوَازُ التَّصَرُّفِ ، فَتَعَلَّقَ بِهَا الضَّمَانُ ، كَالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ إذَا أَتْلَفَهُ آدَمِي ، كَذَلِكَ لَا يَضْمَنُهُ بِإِتْلَافِ غَيْرِهِ .
وَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ ، فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ .
} وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنْ بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرًا ، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ، لِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ ؟ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد ، وَلَفْظُهُ : { مَنْ بَاعَ ثَمَرًا ، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْئًا ، عَلَى مَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ؟ } .
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ

، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ أَعْدُهُ ، وَلَوْ كُنْت قَائِلًا بِوَضْعِهَا لَوَضَعْتهَا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ .
قُلْنَا : الْحَدِيثُ ثَابِتٌ .
رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ ، مِنْهُمْ : الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرٍ .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " وَأَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ " ، وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ .
وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي حَدِيثِهِمْ ، فَإِنَّ فِعْلَ الْوَاجِبِ خَيْرٌ ، فَإِذَا تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ الْوَاجِبَ ، فَقَدْ تَأَلَّى أَلَّا يَفْعَلَ خَيْرًا .
فَأَمَّا الْإِجْبَارُ ، فَلَا يَفْعَلُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الْمُدَّعِي مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ مِنْ الْبَائِعِ ، وَلَا حُضُورٍ .
وَلِأَنَّ التَّخْلِيَةَ لَيْسَتْ بِقَبْضٍ تَامٍّ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَلِفَتْ بِعَطَشٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ .
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إبَاحَةِ التَّصَرُّفِ تَمَامُ الْقَبْضِ ، بِدَلِيلِ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ يُبَاحُ التَّصَرُّفُ فِيهَا ، وَلَوْ تَلِفَتْ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجَّرِ ، كَذَلِكَ الثَّمَرَةُ ، فَإِنَّهَا فِي شَجَرِهَا ، كَالْمَنَافِعِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا ، تُوجَدُ حَالًا فَحَالًا ، وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالتَّخْلِيَةِ فِي الْإِجَارَةِ .
( 2942 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْجَائِحَةَ كُلُّ آفَةٍ لَا صُنْعَ لِلْآدَمِيِّ فِيهَا ، كَالرِّيحِ ، وَالْبَرْدِ ، وَالْجَرَادِ ، وَالْعَطَشِ ؛ لِمَا رَوَى السَّاجِيُّ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي الْجَائِحَةِ .
} وَالْجَائِحَةُ تَكُونُ فِي الْبَرْدِ ، وَالْجَرَادِ ، وَفِي الْحَبَقِ ، وَالسَّيْلِ ، وَفِي الرِّيحِ .
وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ الرَّاوِي لِكَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ .
وَأَمَّا مَا كَانَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ ، فَقَالَ الْقَاضِي : الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ ، وَمُطَالَبَةِ الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ ، وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَيْهِ ، وَمُطَالَبَةِ الْجَانِي بِالْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ

أَمْكَنَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ ، بِخِلَافِ التَّالِفِ بِالْجَائِحَةِ .
( 2943 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْجَائِحَةِ وَكَثِيرِهَا ، إلَّا أَنَّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَلَفِ مِثْلِهِ ، كَالشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَنْضَبِطُ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ .
قَالَ أَحْمَدُ : إنِّي لَا أَقُولُ فِي عَشْرِ ثَمَرَاتٍ ، وَلَا عِشْرِينَ ثَمَرَةً ، وَلَا أَدْرِي مَا الثُّلُثُ ، وَلَكِنْ إذَا كَانَتْ جَائِحَةٌ تُعْرَفُ ؛ الثُّلُثُ ، أَوْ الرُّبْعُ ، أَوْ الْخُمْسُ ، تُوضَعُ .
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ مَا كَانَ يَعُدْ دُونَ الثُّلُثِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْكُلَ الطَّيْرُ مِنْهَا ، وَتَنْثُرَ الرِّيحُ ، وَيَسْقُطَ مِنْهَا ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ضَابِطٍ وَاحِدٍ فَاصِلٍ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْجَائِحَةِ ، وَالثُّلُثُ قَدْ رَأَيْنَا الشَّرْعَ اعْتَبَرَهُ فِي مَوَاضِعَ : مِنْهَا ؛ الْوَصِيَّةُ ، وَعَطَايَا الْمَرِيضِ ، وَتَسَاوِي جِرَاحِ الْمَرْأَةِ جِرَاحَ الرَّجُلِ إلَى الثُّلُثِ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : قَالَ أَحْمَدُ : إنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الثُّلُثَ فِي سَبْعَ عَشَرَةَ مَسْأَلَةً .
وَلِأَنَّ الثُّلُثَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ ، وَمَا دُونَهُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ : ( الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ) .
فَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ آخِرُ حَدِّ الْكَثْرَةِ ، فَلِهَذَا قُدِّرَ بِهِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، عُمُومُ الْأَحَادِيثِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ .
وَمَا دُونَ الثُّلُثِ دَاخِلٌ فِيهِ ، فَيَجِبُ وَضْعُهُ .
وَلِأَنَّ هَذِهِ الثَّمَرَةَ لَمْ يَتِمَّ قَبْضُهَا ، فَكَانَ مَا تَلِفَ مِنْهَا مِنْ مَالِ الْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ، كَاَلَّتِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَمَا أَكَلَهُ الطَّيْرُ أَوْ سَقَطَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَادَةِ ، وَلَا يُسَمَّى جَائِحَةً ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَهُوَ مَعْلُومُ الْوُجُودِ بِحُكْمِ

الْعَادَةِ ، فَكَأَنَّهُ مَشْرُوطٌ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا تَلِفَ شَيْءٌ لَهُ قَدْرٌ خَارِجٌ عَنْ الْعَادَةِ ، وَضَعَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ الذَّاهِبِ .
فَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ ، بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ .
وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ ثُلُثَ الْمَبْلَغِ ، وَقِيلَ : ثُلُثَ الْقِيمَةِ .
فَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ ، رَجَعَ بِقِيمَةِ التَّالِفِ كُلِّهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْجَائِحَةِ ، أَوْ قَدْرِ مَا أُتْلِفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ .
وَلِأَنَّهُ غَارِمٌ ، وَالْقَوْلُ فِي الْأُصُولِ قَوْلُ الْغَارِمِ .

( 2944 ) فَصْلٌ : فَإِنْ بَلَغَتْ الثَّمَرَةُ أَوَانَ الْجِزَازِ ، فَلَمْ يَجُزَّهَا حَتَّى اُجْتِيحَتْ ، فَقَالَ الْقَاضِي : عِنْدِي لَا يُوضَعُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ النَّقْلِ فِي وَقْتِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .
وَلَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، فَأَمْكَنَهُ قَطْعُهَا ، فَلَمْ يَقْطَعْهَا حَتَّى تَلِفَتْ ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِ ؛ لِأَنَّ تَلَفَهَا بِتَفْرِيطِهِ .
وَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَ إمْكَانِ قَطْعِهَا ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ بَائِعِهَا ، كَالْمَسْأَلَةِ فِيهَا .

( 2945 ) فَصْلٌ : إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا ، فَزَرَعَهَا ، فَتَلِفَ الزَّرْعُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنَافِعُ الْأَرْضِ ، وَلَمْ تَتْلَفْ ، وَإِنَّمَا تَلِفَ مَالُ الْمُسْتَأْجِرِ فِيهَا ، فَصَارَ كَدَارٍ اسْتَأْجَرَهَا لِيَقْصُرَ فِيهَا ثِيَابًا ، فَتَلِفَتْ الثِّيَابُ فِيهَا .

( 2946 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى مَكِيلٍ ، أَوْ عَلَى مَوْزُونٍ ، أَوْ مَعْدُودٍ ، فَتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ ) .
ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمَكِيلَ ، وَالْمَوْزُونَ ، وَالْمَعْدُودَ ، لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إلَّا بِقَبْضِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَعَيِّنًا ، كَالصُّبْرَةِ ، أَوْ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ ، كَقَفِيزِ مِنْهَا .
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ إِسْحَاقَ .
وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، أَنَّ كُلَّ مَا بِيعَ عَلَى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَمَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ : الْمُرَادُ بِالْمَكِيلِ ، وَالْمَوْزُونِ ، وَالْمَعْدُودِ ، مَا لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ مِنْهُ ، كَالْقَفِيزِ مِنْ صُبْرَةٍ ، وَالرِّطْلِ مِنْ زُبْرَةٍ ، وَمَكِيلَةِ زَيْتٍ مِنْ دَنٍّ ، فَأَمَّا الْمُتَعَيِّنُ ، فَيَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ، كَالصُّبْرَةِ يَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ كَيْلٍ .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِمْ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، فِي رَجُلٍ اشْتَرَى طَعَامًا ، فَطَلَبَ مَنْ يَحْمِلُهُ ، فَرَجَعَ وَقَدْ احْتَرَقَ الطَّعَامُ ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : مَا أَدْرَكَتْ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي .
وَذَكَرَ الْجُوزَجَانِيُّ عَنْهُ فِي مَنْ اشْتَرَى مَا فِي السَّفِينَةِ صُبْرَةً ، وَلَمْ يُسَمِّ كَيْلًا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا ، وَيَبِيعَ مَا شَاءَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا كَيْلٌ ، فَلَا يُوَلِّي حَتَّى يُكَالَ عَلَيْهِ .
وَنَحْوَ هَذَا قَالَ مَالِكٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ : مَا بِيعَ مِنْ الطَّعَامِ مُكَايَلَةً ، أَوْ مُوَازَنَةً ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَمَا بِيعَ مُجَازَفَةً ، أَوْ بِيعَ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ مُكَايَلَةً ، أَوْ مُوَازَنَةً ، جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ .
وَوَجْهُ ذَلِكَ ، مَا

رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : { مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ تَعْلِيقًا .
وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَضَتْ السُّنَّةُ .
يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ الْمُعَيَّنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ ، فَكَانَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ، كَغَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْمَطْعُومَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَكِيلًا ، أَوْ مَوْزُونًا ، أَوْ لَمْ يَكُنْ .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الطَّعَامَ خَاصَّةً لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي حَتَّى يَقْبِضَهُ ، فَإِنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ قَبْلَ قَبْضِهِ .
وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِهِ : نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ .
قَالَ : هَذَا فِي الطَّعَامِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ ، فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْأَصَحُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ الَّذِي يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ هُوَ الطَّعَامُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ .
فَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ بَيْعِ مَا سِوَاهُ قَبْلَ قَبْضِهِ .
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ { : رَأَيْت الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُوهُ إلَى رِحَالِهِمْ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي بَيْعِ الْمُعَيَّنِ .
وَعُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { : كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جُزَافًا ،

فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ } .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ، وَلَوْ دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ، جَازَ لَهُ بَيْعُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ ، كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَعْمِيمِ الْمَنْعِ فِي كُلِّ طَعَامٍ ، مَعَ تَنْصِيصِهِ عَلَى الْمَبِيعِ مُجَازَفَةً بِالْمَنْعِ ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ ، وَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا الطَّعَامَ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ .
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الطَّعَامَ الْمَنْهِيَّ عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ مَكِيلًا ، أَوْ مَوْزُونًا ، أَوْ مَعْدُودًا ، فَتَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِذَلِكَ كَتَعَلُّقِ رِبَا الْفَضْلِ بِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَكِيلَ ، وَالْمَوْزُونَ ، وَالْمَعْدُودَ مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ بِمَنْعِ بَيْعِهِ ، وَهَذَا أَظْهَرُ دَلِيلًا وَأَحْسَنُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنَّ تَلِفَ الْمَبِيعُ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ ، بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ .
وَإِنْ تَلِفَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي ، اسْتَقَرَّ الثَّمَنُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ كَالْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ .
وَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ ، لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الْجَائِحَةِ ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، فَهُوَ كَحُدُوثِ الْعَيْبِ فِي يَدِهِ ، وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْعَقْدِ ، وَمُطَالَبَةِ الْمُتْلِفِ بِالْمِثْلِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .
وَإِنْ أَتْلَفَهُ الْبَائِعُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ مَنْ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ ، وَيَرْجِعُ

الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ لَا غَيْرُ ؛ لِأَنَّهُ تَلَفٌ يَضْمَنُهُ بِهِ الْبَائِعُ ، فَكَانَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ كَالتَّلَفِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بَيْنَهُمَا بِكَوْنِهِ إذَا تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَمْ يُوجَدْ مُقْتَضٍ لِلضَّمَانِ سِوَى حُكْمِ الْعَقْدِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَتْلَفَهُ ، فَإِنَّ إتْلَافَهُ يَقْتَضِي الضَّمَانَ بِالْمِثْلِ ، وَحُكْمُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الضَّمَانَ بِالثَّمَنِ ، فَكَانَتْ الْخِيرَةُ إلَى الْمُشْتَرِي فِي التَّضْمِينِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ .

( 2947 ) فَصْلٌ : وَلَوْ تَعَيَّبَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، أَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ ، فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَبُولِهِ نَاقِصًا ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ رَضِيَهُ مَعِيبًا ، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى مَعِيبًا وَهُوَ عَالِمٌ بِعَيْبِهِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ أَجْلِ الْعَيْبِ .
وَإِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ كُلُّهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ ، فَإِذَا تَعَيَّبَ ، أَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ ، كَانَ أَوْلَى .
وَإِنْ تَعَيَّبَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي ، أَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخٌ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَهُ ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى غَيْرِهِ .
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ ، وَبَيْنَ أَخْذِهِ ، وَالرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ بِعِوَضِ مَا أَتْلَفَ أَوْ عِيبَ .
وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ ، وَالْمُطَالَبَةِ بِالثَّمَنِ ، وَبَيْنَ أَخْذِ الْمَبِيعِ ، وَمُطَالَبَةِ الْمُتْلِفِ بِعِوَضِ مَا أَتْلَفَ .

( 2948 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَ شَاةً بِشَعِيرٍ ، فَأَكَلَتْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِهِ لَهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ ، فَهُوَ كَإِتْلَافِهِ .
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِأَمْرٍ لَا يُنْسَبُ إلَى آدَمِيٍّ ، فَهُوَ كَتَلَفِهِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى .
( 2949 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى شَاةً أَوْ عَبْدًا أَوْ شِقْصًا بِطَعَامٍ ، فَقَبَضَ الشَّاةَ أَوْ الْعَبْدَ ، أَوْ بَاعَهُمَا ، أَوْ أَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ تَلِفَ الطَّعَامُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي ، وَلَا يَبْطُلُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَمَّلَ قَبْلَ فَسْخِ الْعَقْدِ ، وَيَرْجِعُ مُشْتَرِي الطَّعَامِ عَلَى مُشْتَرِي الشَّاةِ وَالْعَبْدِ وَالشِّقْصِ بِقِيمَةِ ذَلِكَ ؛ لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ ، وَعَلَى الشَّفِيعِ مِثْلُ الطَّعَامِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ الشِّقْصِ .

( 2950 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا عَدَاهُ فَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَبْضٍ ، وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ) يَعْنِي مَا عَدَا الْمَكِيلَ ، وَالْمَوْزُونَ ، وَالْمَعْدُودَ ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : كُلُّ مَبِيعٍ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ، إلَّا الْعَقَارَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَبِيعٍ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي .
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى كَقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : أَرَى كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ .
وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ بِتَلَفِهِ ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ ، كَالْمَكِيلِ ، وَالْمَوْزُونِ ، وَالْمَعْدُودِ .
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } .
وَهَذَا الْمَبِيعُ نَمَاؤُهُ لِلْمُشْتَرِي ، فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ .
وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ ، وَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ قَبْلَهُ ، كَالْمِيرَاثِ .
وَتَخْصِيصُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّعَامَ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ دَلِيلٌ عَلَى مُخَالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ .

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71