الكتاب : المغني
المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي

نَذْرَ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نَفْيِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ، وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى فِي هَذَا ، وَلَا فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي فِيهِ ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ ، فَلَا تُسْمَعُ مِنْهُ دَعْوَاهُ حَقًّا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ .
فَإِنْ تَضَمَّنَتْ دَعْوَاهُ حَقًّا لَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ سَرِقَةَ مَالِهِ ، لِيُضَمِّنَ السَّارِقَ ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا سَرَقَهُ ، أَوْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الزِّنَى بِجَارِيَتِهِ ؛ لِيَأْخُذَ مَهْرَهَا مِنْهُ ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ ، وَيَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ ، دُونَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى .

( 8445 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا شَهِدَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ اثْنَانِ ، أَنَّ هَذَا زَنَى بِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ ، وَشَهِدَ الْآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي الْبَيْتِ الْآخَرِ ، فَالْأَرْبَعَةُ قَذَفَةٌ ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ ) .
وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى ، اجْتِمَاعُ الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعُوا ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ، وَكَانَ الْجَمِيعُ قَذَفَةً ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ ، فَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ ، فَمَا اجْتَمَعُوا عَلَى الشَّهَادَةِ بِزِنًى وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ الزِّنَى فِي هَذَا الْبَيْتِ غَيْرُ الزِّنَى فِي الْآخَرِ ، فَلَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ ، وَيُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَكْمُلُ شَهَادَتُهُمْ ، وَيُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ .
وَاسْتَبْعَدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَقَالَ : هَذَا سَهْوٌ مِنْ النَّاقِلِ ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الْأُصُولَ وَالْإِجْمَاعَ ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَكَيْفَ يَجِبُ بِهَا ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ : لَا حَدَّ عَلَى الشُّهُودِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَّلُوا أَرْبَعَةً ، وَلَا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِزِنًى وَاحِدٍ يَجِبُ الْحَدُّ بِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِزِنًى وَاحِدٍ ، فَلَزِمَهُمْ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِغَيْرِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمْ بِزِنًى وَاحِدٍ أَوْ بِاثْنَيْنِ ، فَإِنْ كَانَتْ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ ، مِثْلُ أَنْ يُعَيِّنَ الْجَمِيعُ وَقْتًا وَاحِدًا ، لَا يُمْكِنُ زِنَاهُ فِيهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، فَاثْنَانِ مِنْهُمْ كَاذِبَانِ يَقِينًا ، وَاثْنَانِ مِنْهُمْ لَوْ خَلَوْا عَنْ الْمُعَارَضَةِ لِشَهَادَتِهِمْ ، لَكَانَا قَاذِفَيْنِ ، فَمَعَ التَّعَارُضِ أَوْلَى .
وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ بِفِعْلَيْنِ ، كَانُوا

قَذَفَةً ، كَمَا لَوْ عَيَّنُوا فِي شَهَادَتِهِمْ أَنَّهُ زَنَى مَرَّةً أُخْرَى .
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .

( 8446 ) فَصْلٌ : وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهَادَةٍ عَلَى فِعْلَيْنِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ ، وَآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِأُخْرَى ، أَوْ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي يَوْمٍ ، وَآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي آخَرَ ، أَوْ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا لَيْلًا ، وَآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا نَهَارًا ، أَوْ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا غَدْوَةً ، وَيَشْهَدُ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا عَشِيًّا ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَإِنَّهُمْ قَذَفَةٌ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .
فَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةِ بَيْتٍ ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةٍ مِنْهُ أُخْرَى ، وَكَانَتَا مُتَبَاعِدَتَيْنِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ، وَيُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا مَكَانَانِ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ فِيهِمَا ، وَلَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمَا ، فَأَشْبَهَا الْبَيْتَيْنِ .
وَأَمَّا إنْ كَانَتَا مُتَقَارِبَتَيْنِ ، تُمْكِنُ نِسْبَتُهُ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، لِقُرْبِهِ مِنْهَا ، كَمُلَتْ الشَّهَادَةُ ؛ لِإِمْكَانِ صِدْقِهِمْ فِي نِسْبَتِهِ إلَى الزَّاوِيَتَيْنِ جَمِيعًا .

( 8447 ) فَصْلٌ : وَمَتَى كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلٍ ، فَاخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي زَمَنِهِ أَوْ مَكَانِهِ ، أَوْ صِفَةٍ لَهُ تَدُلُّ عَلَى تَغَايُرِ الْفِعْلَيْنِ ، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمَا ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا يَوْمَ السَّبْتِ ، وَيَشْهَدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، أَوْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ بِدِمَشْقَ ، وَيَشْهَدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ بِمِصْرَ ، أَوْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا ، وَيَشْهَدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا ، فَلَا تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ شَاهِدَانِ .
وَهَكَذَا إنْ اخْتَلَفَا فِي زَمَنِ الْقَتْلِ ، أَوْ مَكَانِهِ ، أَوْ صِفَتِهِ ، أَوْ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ ، أَوْ الْقَذْفِ ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ غَيْرُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ ، فَلَمْ يَشْهَدْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، فَلَمْ يُقْبَلْ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، فَإِنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَمْ تَكْمُلُ .
وَيَثْبُتُ الْمَشْهُودُ بِهِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ، فَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْفِعْلِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَ مَعَ الزَّوَالِ كِيسًا أَبْيَضَ ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ مَعَ الزَّوَالِ كِيسًا أَسْوَدَ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَ هَذَا الْكِيسَ غَدْوَةً ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ سَرَقَهُ عَشِيًّا ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ .
ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَكْمُلْ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ .
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ اخْتِلَافًا يُوجِبُ تَغَايُرِهِمَا ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا بِثَوْبٍ وَالْآخَرُ بِدِينَارٍ ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَكْمُلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُهُمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إيجَابًا بِالْحَقِّ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ، وَلَا إيجَابَ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ ،

وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ .
فَأَمَّا إنْ شَهِدَ بِكُلِّ فِعْلٍ شَاهِدَانِ ، وَاخْتَلَفَا فِي الزَّمَانِ ، أَوْ الْمَكَانِ ، أَوْ الصِّفَةِ ، ثَبَتَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ ، لَوْ انْفَرَدَتْ أَثْبَتَتْ الْحَقَّ ، وَشَهَادَةُ الْأُخْرَى لَا تُعَارِضُهَا ؛ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَكَرُّرُهُ ، كَقَتْلِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، فَتَتَعَارَضُ الْبَيِّنَتَانِ ، لِعِلْمِنَا أَنَّ إحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ ، وَلَا نَعْلَمُ أَيَّتُهُمَا هِيَ ، بِخِلَافِ مَا يَتَكَرَّرُ وَيُمْكِنُ صِدْقُ الْبَيِّنَتَيْنِ فِيهِ ، فَإِنَّهُمَا جَمِيعًا يَثْبُتَانِ إنْ ادَّعَاهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ إلَّا إحْدَاهُمَا ، ثَبَتَ لَهُ مَا ادَّعَاهُ دُونَ مَا لَمْ يَدَّعِهِ .
وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ سَرَقَ مَعَ الزَّوَالِ كِيسًا أَسْوَدَ ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ سَرَقَ مَعَ الزَّوَالِ كِيسًا أَبْيَضَ ، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ سَرَقَ هَذَا الْكِيسَ غَدْوَةً ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ سَرَقَهُ عَشِيًّا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَتَعَارَضَانِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
كَمَا لَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ قَتْلًا .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا تَعَارُضَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ صِدْقُ الْبَيِّنَتَيْنِ ، بِأَنْ يَسْرِقَ عِنْدَ الزَّوَالِ كِيسَيْنِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ ، فَتَشْهَدَ كُلُّ بَيِّنَةٍ بِأَحَدِهِمَا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَسْرِقَ كِيسًا غَدْوَةً ثُمَّ يَعُودَ إلَى صَاحِبِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَيَسْرِقَهُ عَشِيًّا ، وَمَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ لَا تَعَارُضَ .
فَعَلَى هَذَا ، إنْ ادَّعَاهُمَا الْمَشْهُودُ لَهُ ، ثَبَتَا لَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْكِيسُ الْمَشْهُودُ بِهِ حَسْبُ ؛ فَإِنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ وَإِنْ كَانَ فِعْلَيْنِ ، لَكِنَّهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، فَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ ضَمَانِهِ .
وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْمَشْهُودُ لَهُ إلَّا أَحَدَ الْكِيسَيْنِ ، ثَبَتَ لَهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْآخَرُ ؛ لِعَدَمِ دَعْوَاهُ إيَّاهُ .
وَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ بِسَرِقَةِ كِيسٍ فِي

يَوْمٍ ، وَشَهِدَ آخَرُ بِسَرِقَةِ كِيسٍ فِي يَوْمٍ آخَرَ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا فِي مَكَان ، وَشَهِدَ آخَرُ بِسَرِقَةٍ فِي مَكَان آخَرَ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِغَصْبِ كِيسٍ أَبِيضَ ، وَشَهِدَ آخَرُ بِغَصْبِ كِيسٍ أَسْوَدَ ، فَادَّعَاهُمَا الْمَشْهُودُ لَهُ ، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَيُحْكَمَ لَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ قَدْ شَهِدَ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ إلَّا أَحَدَهُمَا ، ثَبَتَ لَهُ مَا ادَّعَاهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْآخَرُ ؛ لِعَدَمِ دَعْوَاهُ إيَّاهُ .

( 8448 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي يَوْمَ الْخَمِيسِ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَتَلَهُ ، أَوْ قَذَفَهُ ، أَوْ غَصَبَهُ كَذَا ، أَوْ أَنَّ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا ، وَيَشْهَدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي بِهَذَا يَوْمَ السَّبْتِ بِحِمْصَ ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمَا .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ زُفَرُ : لَا تَكْمُلُ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ إقْرَارٍ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ ، فَلَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْفِعْلِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمُقِرَّ بِهِ وَاحِدٌ ، وَقَدْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالْإِقْرَارِ بِهِ ، فَكَمُلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، كَمَا لَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِهِمَا وَاحِدًا ، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْفِعْلِ ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ فِيهَا عَلَى فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَنَظِيرُهُ مِنْ الْإِقْرَارِ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا لَا تُقْبَلُ هَاهُنَا .
وَيُحَقِّقُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَمْعُ الشُّهُودِ لِسَمَاعِ الشَّهَادَةِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِطَلَبِ الشُّهُودِ فِي أَمَاكِنِهِمْ لَا فِي جَمْعِهِمْ إلَى الْمَشْهُودِ لَهُ ، فَيَمْضِي إلَيْهِمْ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، وَأَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ ، فَيُشْهِدُهُمْ عَلَى إقْرَارِهِ .
وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ عَلَى فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ .
وَقَالَ الْآخَرُ أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَذَفَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ .
وَقَالَ الْآخَرُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَذَفَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ .
لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ صَاحِبُهُ ، فَلَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ، كَمَا لَوْ

شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ دَنَانِيرَ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ دَرَاهِمَ ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ .
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ فِي الْقَتْلِ ، وَالْقَذْفِ ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ الْعَجَمِيَّةِ ، وَالْقَتْلَ بِالْبَصْرَةِ أَوْ الْكُوفَةِ ، لَيْسَ مِنْ الْمُقْتَضِي ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .

( 8449 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَ أَمْسِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ بَاعَ الْيَوْمَ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَمْسِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا الْيَوْمَ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ .
لَا تَكْمُلُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ بِالْغَصْبِ فِي وَقْتَيْنِ .
وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَجُوزُ أَنْ يُعَادَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَيَكُونَ وَاحِدًا ، فَاخْتِلَافُهُمَا فِي الْوَقْتِ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ فِيهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْآخَرُ بِالْفَارِسِيَّةِ .

فَصْلٌ : وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ شَهَادَةٍ عَلَى قَوْلٍ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْبَيْعِ إلَّا النِّكَاحَ فَإِنَّهُ كَالْفِعْلِ الْوَاحِدِ .
فَإِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أَمْسِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَمْسِ غَيْرُ النِّكَاحِ الْيَوْمَ ، فَلَمْ يَشْهَدْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، فَلَمْ يَثْبُتْ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلٍ ، وَكَذَلِكَ الْقَذْفُ ، فَإِنَّهُ لَا تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَا عَلَى قَذْفٍ وَاحِدٍ .

( 8451 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَ هَذَا الْعَبْدَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِغَصْبِهِ مِنْهُ ، كَمَلَتْ الشَّهَادَةُ ، وَحُكِمَ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْغَصْبُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ هُوَ الَّذِي شَهِدَ الشَّاهِدُ بِهِ ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ الْفِعْلُ ، وَكَمُلَتْ الشَّهَادَةُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَا فِي وَقْتَيْنِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ ، يُحْكَمُ بِهَا .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا أَقَرَّ بِهِ غَيْرَ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ .
وَهَذَا يَبْطُلُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ غَيْرَ مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدِ الْآخَرِ ، إذَا كَانَا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ جَعْلُ الشَّهَادَةِ عَلَى وَاحِدٍ ، لَمْ تُحْمَلْ عَلَى اثْنَيْنِ ، كَالْإِقْرَارَيْنِ ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ بِالْغَصْبِ اثْنَانِ ، وَشَهِدَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ اثْنَانِ .
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ زَيْدٍ ، أَوْ أَنَّهُ أَقَرَّ بِغَصْبِهِ مِنْهُ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ مِلْكُ زَيْدٍ ، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ .
وَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ يَدَيْهِ ، أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ رَدَّهُ إلَى يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ ، فَتُرَدُّ إلَى يَدِهِ ، لِتَكُونَ دَلَالَتُهَا ثَابِتَةً لَهُ .
قَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ رَجُلٍ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ ، شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِفُلَانٍ ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ فُلَانٍ .
قَالَ : شَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ .

( 8452 ) فَصْلٌ : وَمَنْ شَهِدَ بِالنِّكَاحِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُرُوطِهِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي شُرُوطِهِ ، فَيَجِبُ ذِكْرُهَا ، لِئَلَّا يَكُونَ الشَّاهِدُ يَعْتَقِدُ أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ ، وَهُوَ فَاسِدٌ .
وَإِنْ شَهِدَ بِعَقْدٍ سِوَاهُ ؛ كَالْبَيْعِ ، وَالْإِجَارَةِ ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُشْتَرَطُ ذِكْرُهَا ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي شُرُوطِهِ ، فَاشْتِرَاطُ ذِكْرِهَا كَالنِّكَاحِ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهَا فِي الدَّعْوَى ، فَكَذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ بِهِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ .
وَإِنْ شَهِدَ بِالرَّضَاعِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ ثَدْيِهَا ، أَوْ مِنْ لَبَنٍ حُلِبَ مِنْهُ ، وَعَدَدِ الرَّضَعَاتِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي عَدَدِ الرَّضَعَاتِ ، وَفِي الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ .
وَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ ابْنُهَا مِنْ الرَّضَاعِ ، لَمْ يَكْفِ ؛ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيمَا يَصِيرُ بِهِ ابْنَهَا ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ .
وَإِنْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ وَصْفِ الْقَتْلِ ، فَيَقُولُ : جَرَحَهُ فَقَتَلَهُ ، أَوْ ضَرَبَهُ بِكَذَا فَقَتَلَهُ .
وَلَوْ قَالَ : ضَرَبَهُ فَمَاتَ .
لَمْ يُحْكَمْ بِذَلِكَ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَاتَ بِغَيْرِ هَذَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ ، فَمَاتَ ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : فَمَاتَ مِنْهُ ، أَوْ فَقَتَلَهُ ؟ فَأَعَادَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ، وَأَعَادَ عَلَيْهِ شُرَيْحٌ سُؤَالَهُ ، فَلَمْ يَقُلْ : فَقَتَلَهُ .
وَلَا : فَمَاتَ مِنْهُ .
فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : قُمْ ، فَلَا شَهَادَةَ لَك .
رَوَاهُ سَعِيدٌ .
وَمَنْ شَهِدَ بِالزِّنَى ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الزَّانِي ، وَالْمَزْنِيِّ بِهَا ، وَمَكَانِ الزِّنَى ، وَصِفَتِهِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الزِّنَى يُطْلَقُ عَلَى مَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، وَقَدْ يَعْتَقِدُ الشَّاهِدُ مَا لَيْسَ بِزِنًى زِنًى ، فَاعْتُبِرَ ذِكْرُ صِفَتِهِ ؛ لِيَزُولَ الِاحْتِمَالُ ، وَاعْتُبِرَ ذِكْرُ

الْمَرْأَةِ ؛ لِئَلَّا تَكُونَ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ ، أَوْ لَهُ فِي وَطْئِهَا شُبْهَةٌ ، وَذِكْرُ الْمَكَانِ ؛ لِئَلَّا تَكُونَ الشَّهَادَةُ مِنْهُمْ عَلَى فِعْلَيْنِ .
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْمَزْنِيِّ بِهَا ، وَلَا ذِكْرِ الْمَكَانِ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلْفِعْلِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ ذِكْرُهُ ، كَالزَّمَانِ .
وَإِنْ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَرِقَةِ نِصَابٍ مِنْ الْحِرْزِ ، وَذِكْرِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ، وَصِفَةِ السَّرِقَةِ .
وَإِنْ شَهِدَ بِالْقَذْفِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَقْذُوفِ ، وَصِفَةِ الْقَذْفِ .
وَإِنْ شَهِدَ بِمَالٍ ، احْتَاجَ إلَى تَحْرِيرِهِ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا فِي الدَّعْوَى .
وَإِنْ تَرَكَ الشَّاهِدُ ذِكْرَ شَيْءٍ يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ ، سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ ، كَمَا سَأَلَ شُرَيْحٌ الشَّاهِدَ الَّذِي شَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ .
وَإِنْ حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ ، أَوْ حَرَّرَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ شَهَادَتَهُ ، وَشَهِدَ بِهَا ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَشْهَدُ بِمِثْلِ ذَلِكَ .
أَوْ قَالَ حِينَ حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ : أَشْهَدُ بِذَلِكَ ، أَوْ بِهَذَا .
أَجْزَأَهُ .

( 8453 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ جَاءَ أَرْبَعَةٌ مُتَفَرِّقُونَ ، وَالْحَاكِمُ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ ، لَمْ يَقُمْ قَبْلَ شَهَادَتِهِمْ .
وَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ ، كَانُوا قَذَفَةً ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ؛ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الْحُدُودِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهَا هَاهُنَا .

( 8454 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمَا بِجَرْحٍ أَوْ قَتْلٍ ، ثُمَّ رَجَعَا ، فَقَالَا : عَمَدْنَا ، اُقْتُصَّ مِنْهُمَا .
وَإِنْ قَالَا : أَخْطَأْنَا .
غَرِمَا الدِّيَةَ ، أَوْ أَرْشَ الْجَرْحِ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الشُّهُودَ إذَا رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ بَعْدَ أَدَائِهَا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَرْجِعُوا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا ، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا .
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ، أَنَّهُ شَذَّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالَ : يُحْكَمُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ أُدِّيَتْ ، فَلَا تَبْطُلُ بِرُجُوعِ مَنْ شَهِدَ بِهَا ، كَمَا لَوْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ .
وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطُ الْحُكْمِ ، فَإِذَا زَالَتْ قَبْلَهُ ، لَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ فَسَقَا ؛ وَلِأَنَّ رُجُوعَهُمَا يَظْهَرُ بِهِ كَذِبُهُمَا ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهَا ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِقَتْلِ رَجُلٍ ، ثُمَّ عُلِمَ حَيَاتُهُ ، وَلِأَنَّهُ زَالَ ظَنُّهُ فِي أَنَّ مَا شُهِدَ بِهِ حَقٌّ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ ، وَفَارَقَ مَا بَعْدَ الْحُكْمِ ، فَإِنَّهُ تَمَّ بِشَرْطِهِ ؛ وَلِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ مَا حُكِمَ بِهِ ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ .
الْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَرْجِعَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، فَيُنْظَرَ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ عُقُوبَةً ، كَالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ ، لَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَرُجُوعُهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الشُّبُهَاتِ ، وَلِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ عُقُوبَةٌ ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ اسْتِحْقَاقُهَا ، وَلَا سَبِيلَ إلَى جَبْرِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهَا ، كَمَا لَوْ رَجَعَا قَبْلَ الْحُكْمِ .
وَفَارَقَ الْمَالَ ؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ جَبْرُهُ ، بِإِلْزَامِ الشَّاهِدَيْنِ عِوَضَهُ ، وَالْحَدُّ وَالْقِصَاصُ لَا يَنْجَبِرُ بِإِيجَابِ مِثْلِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَبْرٍ ، وَلَا يَحْصُلُ لِمَنْ وَجَبَ لَهُ مِنْهُ عِوَضٌ ، وَإِنَّمَا شُرِعَ لِلزَّجْرِ وَالتَّشَفِّي

وَالِانْتِقَامِ ، لَا لِلْجَبْرِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ : إنَّهُ إذَا حُكِمَ بِالْقِصَاصِ ، ثُمَّ فَسَقَ الشَّاهِدَانِ ، اُسْتُوْفِيَ .
فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .
قُلْنَا : الرُّجُوعُ أَعْظَمُ فِي الشُّبْهَةِ مِنْ طَرَيَان الْفِسْقِ لِأَنَّهُمَا يُقِرَّانِ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا زُورٌ ، وَأَنَّهُمَا كَانَا فَاسِقَيْنِ حِينَ شَهِدَا ، وَحِينَ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَهَذَا الَّذِي طَرَأَ فِسْقُهُ لَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُ شَهَادَتِهِ كَذِبًا ، وَلَا أَنَّهُ كَانَ فَاسِقًا حِينَ أَدَّى الشَّهَادَةَ ، وَلَا حِينَ الْحُكْمِ بِهَا ، وَلِهَذَا لَوْ فَسَقَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، وَالرَّاجِعَانِ تَلْزَمُهُمَا غَرَامَةُ مَا شَهِدَا بِهِ فَافْتَرَقَا .
وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَالًا ، اُسْتُوْفِيَ ، وَلَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ .
فِي قَوْلِ أَهْلِ الْفُتْيَا مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ .
وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، أَنَّهُمَا قَالَا : يُنْقَضُ الْحُكْمُ ، وَإِنْ اُسْتُوْفِيَ الْحَقُّ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهِمَا ، فَإِذَا رَجَعَا ، زَالَ مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ ، فَنُقِضَ الْحُكْمُ ، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ .
وَلَنَا ، أَنَّ حَقَّ الْمَشْهُودِ لَهُ وَجَبَ لَهُ ، فَلَا يَسْقُطُ بِقَوْلِهِمَا ، كَمَا لَوْ ادَّعَيَاهُ لَأَنْفُسِهِمَا ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ حَقَّ الْإِنْسَانِ لَا يَزُولُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ ، وَرُجُوعُهُمَا لَيْسَ بِشَهَادَةٍ ، وَلِهَذَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ ، وَلَا هُوَ إقْرَارٌ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ .
وَفَارَقَ مَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحُكْمِ ، وَهُوَ شَهَادَةُ الْعُدُولِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ ؛ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ صَادِقَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا ، وَإِنَّمَا كَذَبَا فِي رُجُوعِهِمَا ، وَيُفَارِقُ الْعُقُوبَاتِ ، حَيْثُ لَا تُسْتَوْفَى ؛ فَإِنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .
الْحَالُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَرْجِعَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ ، وَلَا يَلْزَمُ الْمَشْهُودَ لَهُ شَيْءٌ ،

سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَالًا أَوْ عُقُوبَةً ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ بِاسْتِيفَاءِ الْمَحْكُومِ بِهِ ، وَوُصُولِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ إتْلَافًا فِي مِثْلِهِ الْقِصَاصُ ، كَالْقَتْلِ وَالْجَرْحِ ، نَظَرْنَا فِي رُجُوعِهِمَا ، فَإِنْ قَالَا : عَمَدْنَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِالزُّورِ ؛ لِيُقْتَلَ أَوْ يُقْطَعَ .
فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ .
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا قَوَدَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُبَاشِرَا الْإِتْلَافَ ، فَأَشْبَهَا حَافِرَ الْبِئْرِ ، وَنَاصِبَ السِّكِّينِ ، إذَا تَلِفَ بِهِمَا شَيْءٌ .
وَلَنَا ، أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ ، فَقَطَعَهُ ، ثُمَّ عَادَا ، فَقَالَا : أَخْطَأْنَا ، لَيْسَ هَذَا هُوَ السَّارِقُ .
فَقَالَ عَلِيٌّ : لَوْ عَلِمْت أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا ، لَقَطَعْتُكُمَا .
وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُمَا تَسَبَّبَا إلَى قَتْلِهِ أَوْ قَطْعِهِ ، بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا ، فَلَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ ، كَالْمُكْرَهِ ، وَفَارَقَ الْحَفْرَ وَنَصْبَ السِّكِّينِ ، فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ غَالِبًا .
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْقِصَاصِ .
فَأَمَّا إنْ قَالَا : عَمَدْنَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ ، وَلَا نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهَذَا .
وَكَانَا مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَجْهَلَا ذَلِكَ ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمَا مُغَلَّظَةً ؛ لِأَنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ ، وَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِمَا ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ اعْتِرَافًا .
وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا عَمَدْت قَتْلَهُ .
وَقَالَ الْآخَرُ : أَخْطَأْت .
فَعَلَى الْعَامِدِ نِصْفُ دِيَةٍ مُغَلَّظَةٍ ، وَعَلَى الْآخَرِ نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ ، وَلَا قِصَاصَ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ قَتْلُ عَمْدٍ وَخَطَأٍ .
وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : عَمَدْت ، وَأَخْطَأَ

صَاحِبِي .
احْتَمَلَ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا ؛ لِاعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَمْدِ نَفْسِهِ .
وَاحْتَمَلَ وُجُوبَ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا اعْتَرَفَ بِعَمْدٍ شَارَكَ فِيهِ مُخْطِئًا ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، وَالْإِنْسَانُ إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ ، لَا بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ .
فَعَلَى هَذَا ، يَجِبُ عَلَيْهِمَا دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ .
وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : عَمَدْنَا جَمِيعًا .
وَقَالَ الْآخَرُ : عَمَدْت ، وَأَخْطَأَ صَاحِبِي .
فَعَلَى الْأَوَّلِ الْقِصَاصُ ، وَفِي الثَّانِي وَجْهَانِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .
وَإِنْ قَالَا جَمِيعًا : أَخْطَأْنَا .
فَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً فِي أَمْوَالِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ .
وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : عَمَدْنَا مَعًا .
وَقَالَ الْآخَرُ : أَخْطَأْنَا مَعًا .
فَعَلَى الْأَوَّلِ الْقِصَاصُ ، وَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُؤَاخَذُ بِحُكْمِ إقْرَارِهِ .
وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : عَمَدْت ، وَلَا أَدْرِي مَا فَعَلَ صَاحِبِي فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ ؛ لِإِقْرَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَمْدِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ ، وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ الْإِنْسَانُ بِإِقْرَارِهِ ، لَا بِإِقْرَارِ صَاحِبِهِ .
وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : عَمَدْت ، وَلَا أَدْرِي مَا قَصَدَ صَاحِبِي .
سُئِلَ صَاحِبُهُ ، فَإِذَا قَالَ : عَمَدْت ، وَلَا أَدْرِي مَا قَصَدَ صَاحِبِي فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .
وَإِنْ قَالَ : عَمَدْنَا .
فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، وَفِي الْأَوَّلِ وَجْهَانِ .
وَإِنْ قَالَ : أَخْطَأْت ، أَوْ أَخْطَأْنَا .
فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
وَإِنْ جُهِلَ حَالُ الْآخَرِ ، بِأَنْ يُجَنَّ ، أَوْ يَمُوتَ ، أَوْ لَا يُقْدَرَ عَلَيْهِ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمُقِرِّ ، وَعَلَيْهِ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ .

( 8455 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُ الشَّاهِدِينَ وَحْدَهُ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي رُجُوعِهِمَا ، فِي أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمَا ، إذَا كَانَ رُجُوعُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ ، وَفِي أَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي الْعُقُوبَةَ إذَا رَجَعَ قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَخْتَلُّ بِرُجُوعِهِ ، كَاخْتِلَالِهِ بِرُجُوعِهِمَا .
وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ ، لَزِمَهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ وَحْدَهُ ، فَإِنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ دِيَةً مُغَلَّظَةً ، وَجَبَ عَلَيْهِ قِسْطُهُ مِنْهَا ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْخَطَأِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ الْمُخَفَّفَةِ .
وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ ، أَوْ الْقِصَاصِ ، وَنَحْوِهِ ، فَمَا ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، فَرَجَعَ الزَّائِدُ مِنْهُمْ قَبْلَ الْحُكْمِ وَالِاسْتِيفَاءِ ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْحُكْمَ وَلَا الِاسْتِيفَاءَ ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْبَيِّنَةِ كَافٍ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَاسْتِيفَائِهِ .
وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ إنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُهُ ، أَوْ قِسْطُهُ مِنْ الدِّيَةِ ، أَوْ مِنْ الْمُفَوِّتِ بِشَهَادَتِهِمْ إنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ .
وَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 8456 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا بِمَالٍ ، غَرِمَاهُ ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أَوْ تَالِفًا ) أَمَّا كَوْنُهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ، سِوَى مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْكَلَامَ مَعَهُمَا فِيمَا مَضَى .
فَأَمَّا الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ، فَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِعِتْقِ عَبْدٍ فَيَضْمَنَا قِيمَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا إتْلَافٌ لِلْمَالِ ، وَلَا يَدٌ عَادِيَةٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَضْمَنَا ، كَمَا لَوْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا أَخْرَجَا مَالَهُ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَحَالَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ ، وَلِأَنَّهُمَا أَزَالَا يَدَ السَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ بِشَهَادَتِهِمَا الْمَرْجُوعِ عَنْهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَا بِحُرِّيَّتِهِ ؛ وَلِأَنَّهُمَا تَسَبَّبَا إلَى إتْلَافِ حَقِّهِ بِشَهَادَتِهِمَا بِالزُّورِ عَلَيْهِ ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ ، كَشَاهِدَيْ الْقِصَاصِ .
يُحَقِّقُ هَذَا ، أَنَّهُ إذَا أَلْزَمَهُمَا الْقِصَاصَ الَّذِي يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَوُجُوبُ الْمَالِ أَوْلَى .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُمَا مَا أَتْلَفَا الْمَالَ .
يَبْطُلُ بِمَا إذَا شَهِدَا بِعِتْقِهِ ، فَإِنَّ الرِّقَّ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَزُولُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ ، وَإِنَّمَا حَالَا بَيْنَ سَيِّدِهِ وَبَيْنَهُ ، وَفِي مَوْضِعِ إتْلَافِ الْمَالِ ، فَهُمَا تَسَبَّبَا إلَى تَلَفِهِ ، فَيَلْزَمُهُمَا ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِمَا ، كَشَاهِدَيْ الْقِصَاصِ ، وَشُهُودِ الزِّنَى ، وَحَافِرِ الْبِئْرِ ، وَنَاصِبِ السِّكِّينِ .

( 8457 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً ، غَرِمَا قِيمَتَهُ ) أَمَّا إذَا شَهِدَا بِالْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ ، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمَالِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ .
وَإِنْ شَهِدَا بِحُرِّيَّتِهِمَا ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ ، لَزِمَهُمَا غَرَامَةُ قِيمَتِهَا لَسَيِّدِهِمَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهِ ، فَإِنَّ الْمُخَالِفَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا هُوَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَدْ وَافَقَ هَاهُنَا ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ ، فَإِنَّ إخْرَاجَ الْعَبْدِ عَنْ يَدِ سَيِّدِهِ بِالشَّهَادَةِ بِحُرِّيَّتِهِ ، كَإِخْرَاجِهِ عَنْهَا بِالشَّهَادَةِ بِهِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ ، فَإِذَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ ثَمَّ ، لَزِمَهُ هَاهُنَا ، وَغَرِمَا الْقِيمَةَ ؛ لِأَنَّ الْعَبِيدَ مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ ، لَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ .

( 8458 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَا بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ تَبِينُ بِهِ ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْفُرْقَةِ ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ ، وَكَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الْمُسَمَّى .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ الْبُضْعَ ، فَلَزِمَهُمَا عِوَضُهُ ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ .
وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ ، لَزِمَهُمَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَكَ نِصْفَ الْبُضْعِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ .
وَلَنَا أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعَ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَخْرَجَتْهُ مِنْ مِلْكِهِ بِرِدَّتِهَا ، أَوْ إسْلَامِهَا ، أَوْ قَتْلِهَا نَفْسَهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَضْمَنُ شَيْئًا .
وَلَوْ فَسَخَتْ نِكَاحَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، بِرَضَاعِ مَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا ، لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ لِلزَّوْجِ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَقَرَارِهِ عَلَيْهِ ، فَرَجَعَ عَلَيْهِمَا ، كَمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مِنْ فَسَخَ نِكَاحَهُ بِرَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ .
وَقَوْلُهُ : إنَّهُ مَلَكَ نِصْفَ الْبُضْعِ .
غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْبُضْعَ لَا يَجُوزُ تَمْلِيكُ نِصْفِهِ ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى جَمِيعِهِ ، وَالصَّدَاقَ وَاجِبٌ جَمِيعُهُ ، وَلِهَذَا تَمْلِكُهُ الْمَرْأَةُ إذَا قَبَضَتْهُ ، وَنَمَاؤُهُ لَهَا ، وَتَمْلِكُ طَلَبَهُ إذَا لَمْ تَقْبِضْهُ ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْحُكْمُ بِالْفُرْقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، عَلَيْهِمَا ضَمَانُ الْمُسَمَّى فِي الصَّدَاقِ ؛ لِأَنَّهُمَا فَوَّتَا عَلَيْهِ نِكَاحًا وَجَبَ عَلَيْهِ بِهِ عِوَضٌ ، فَكَانَ عَلَيْهِمَا ضَمَانُ مَا وَجَبَ بِهِ كَمَا لَوْ شَهِدَا بِذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَلْزَمُهُمَا لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا الْبُضْعَ عَلَيْهِ .
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ

فِي هَذَا ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَا قَبْلَ الدُّخُولِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَرَّرَا عَلَيْهِ نِصْفَ الْمُسَمَّى ، وَكَانَ بِعَرَضِ السُّقُوطِ ، وَهَا هُنَا قَدْ تَقَرَّرَ الْمَهْرُ كُلُّهُ بِالدُّخُولِ ، فَلَمْ يُقَرِّرَا عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَمْ يُخْرِجَا مِنْ مِلْكِهِ مُتَقَوِّمًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَاهُ مِنْ مِلْكِهِ بِقَتْلِهَا ، أَوْ أَخْرَجَتْهُ هِيَ بِرِدَّتِهَا .

فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَا عَلَى امْرَأَةٍ بِنِكَاحٍ ، فَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ ، ثُمَّ رَجَعَا ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ، لَمْ يَغْرَمَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُفَوِّتَا عَلَيْهَا شَيْئًا .
وَإِنْ دَخَلَ بِهَا ، وَكَانَ الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَوَصَلَ إلَيْهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ عِوَضَ مَا فَوَّتَاهُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ ، فَعَلَيْهِمَا مَا بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمَا ، فَعَلَيْهِمَا ضَمَانُ مَهْرِ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ مَا فَوَّتَاهُ عَلَيْهَا .

( 8460 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَا بِكِتَابَةِ عَبْدِهِ ، ثُمَّ رَجَعَا ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ عَجَزَ ، وَرُدَّ فِي الرِّقِّ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا .
وَإِنْ أَدَّى ، وَعَتَقَ ، فَعَلَيْهِمَا ضَمَانُ جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا فَوَّتَاهُ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمَا مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ وَمَا قَبَضَهُ مِنْ كِتَابَتِهِ .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مَا قَبَضَهُ مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ ، فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَرَادَ تَغْرِيمَهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمَا قَبْلَ انْكِشَافِ الْحَالِ ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُغَرِّمَهُمَا مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَلِيمًا وَمُكَاتَبًا .
وَإِنْ شَهِدَا بِاسْتِيلَادِ أَمَتِهِ ، ثُمَّ رَجَعَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِمَا بِمَا نَقَصَتْهَا الشَّهَادَةُ مِنْ قِيمَتِهَا .
وَإِنْ عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ ، رَجَعَ الْوَرَثَةُ بِمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهَا .

( 8461 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ بِالرُّجُوعِ ، وَجَبَ أَنْ يُوَزَّعَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ ، قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ : إذَا شَهِدَ بِشَهَادَةِ ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ أَتْلَفَ مَالًا ، فَإِنَّهُ ضَامِنٌ بِقَدْرِ مَا كَانُوا فِي الشَّهَادَةِ ، فَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ ، فَعَلَيْهِ النِّصْفُ ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً ، فَعَلَيْهِ الثُّلُثُ .
وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانُوا عَشَرَةً ، فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ ، وَسَوَاءٌ رَجَعَ وَحْدَهُ ، أَوْ رَجَعُوا جَمِيعًا ، وَسَوَاءٌ رَجَعَ الزَّائِدُ عَنْ الْقَدْرِ الْكَافِي فِي الشَّهَادَةِ ، أَوْ مَنْ لَيْسَ بِزَائِدٍ ، فَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالْقِصَاصِ ، فَرَجَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، وَقَالَ : عَمَدْنَا قَتْلَهُ .
فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ .
وَإِنْ قَالَ : أَخْطَأْنَا فَعَلَيْهِ رُبْعُ الدِّيَةِ .
وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ .
وَإِنْ شَهِدَ سِتَّةٌ بِالزِّنَى عَلَى مُحْصَنٍ ، فَرُجِمَ بِشَهَادَتِهِمْ ، ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، أَوْ سُدُسُ الدِّيَةِ .
وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ أَوْ ثُلُثُ الدِّيَةِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ رَجَعَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَى قَائِمَةٌ ، فَدَمُهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ .
وَإِنْ رَجَعَ ثَلَاثَةٌ ، فَعَلَيْهِمْ رُبْعُ الدِّيَةِ .
وَإِنْ رَجَعَ أَرْبَعَةٌ ، فَعَلَيْهِمْ نِصْفُ الدِّيَةِ .
وَإِنْ رَجَعَ خَمْسَةٌ ، فَعَلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا .
وَإِنْ رَجَعَ السِّتَّةُ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُدُسُهَا .
وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا رَجَعَ اثْنَانِ ، كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيمَا إذَا شَهِدَ بِالْقِصَاصِ ثَلَاثَةٌ ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْقِصَاصِ قَائِمَةٌ ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ : عَلَيْهِ الْقِصَاصُ .
وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّاجِعِ مِنْ شُهُودِ

الزِّنَى إذَا كَانَ زَائِدًا ، فَإِنَّ دَمَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالزِّنَى غَيْرُ مَحْقُونٍ ، وَهَذَا دَمُهُ مَحْقُونٌ .
وَإِنَّمَا أُبِيحَ دَمُهُ لِوَلِيِّ الْقِصَاصِ وَحْدَهُ .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا شَهِدَ بِالْمَالِ ثَلَاثَةٌ ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ ، عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَضْمَنُ الثُّلُثَ .
وَالثَّانِي ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْإِتْلَافَ حَصَلَ بِشَهَادَتِهِمْ ، فَالرَّاجِعُ مُقِرٌّ بِالْمُشَارَكَةِ فِيهِ عَمْدًا عُدْوَانًا لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ ، فَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمُشَارَكَتِهِمْ فِي مُبَاشَرَةِ قَتْلِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ قَتَلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الثَّانِيَ مِنْ شُهُودِ الْقِصَاصِ ، وَالرَّابِعَ مِنْ شُهُودِ الزِّنَى ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ حَصَلَ الْإِتْلَافُ بِشَهَادَتِهِ ، فَلَزِمَهُ مِنْ الضَّمَانِ بِقِسْطِهِ ، كَمَا لَوْ رَجَعَ الْجَمِيعُ ، وَلِأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الرُّجُوعِ ، يَضْمَنُهُ إذَا انْفَرَدَ بِالرُّجُوعِ ، كَمَا لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ .
غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا قُتِلَ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ دَمٌ يُوصَفُ بِحَقْنٍ وَلَا عَدَمِهِ ، وَقِيَامُ الشَّهَادَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ لِرَجَلٍ بِاسْتِحْقَاقِ الْقِصَاصِ ، فَاسْتَوْفَاهُ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا ، وَأَنَّ الشُّهُودَ شُهِدُوا بِالزُّورِ ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ بِكَوْنِ دَمِ الْقَاتِلِ غَيْرَ مَحْقُونٍ ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ قَتَلَهُ ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارِهِ .
وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ شَرِيكِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِعَمْدِهِمَا ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَخْطَأْنَا .
وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُقِرِّ بِالْعَمْدِ .

( 8462 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فِي الْمَالِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ ، تَوَزَّعَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ عَلَى الرَّجُلِ نِصْفُهُ ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ رُبْعُهُ .
إنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ وَحْدَهُ ، فَعَلَيْهِ مِنْ الضَّمَانِ حِصَّتُهُ .
وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ رَجُلًا وَعَشْرَ نِسْوَةٍ ، فَرَجَعُوا ، فَعَلَى الرَّجُلِ السُّدُسُ ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ نِصْفُ السُّدُسِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ كَرَجُلٍ ، فَالْعَشْرُ كَخَمْسَةِ رِجَالٍ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِنَّ النِّصْفُ ، وَعَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ نِصْفُ الْبَيِّنَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ وَحْدَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ ، كَانَ كَرُجُوعِهِنَّ كُلِّهِنَّ ، فَيَكُونُ الرَّجُلُ حِزْبًا وَالنِّسَاءُ حِزْبًا .
فَإِنْ رَجَعَ بَعْضُ النِّسْوَةِ وَحْدَهُ ، أَوْ الرَّجُلُ ، فَعَلَى الرَّاجِعِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِ إذَا رَجَعَ الْجَمِيعُ .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، مَتَى رَجَعَ مِنْ النِّسْوَةِ مَا زَادَ عَلَى اثْنَيْنِ ، فَلَيْسَ عَلَى الرَّاجِعَاتِ شَيْءٌ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُمْ فِي هَذَا .

( 8463 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِأَرْبَعِمِائَةٍ ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَا ، ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ عَنْ مِائَةٍ ، وَآخَرُ عَنْ مِائَتَيْنِ ، وَالثَّالِثُ عَنْ ثَلَاثِمِائَةٍ ، وَالرَّابِعُ عَنْ أَرْبَعِمِائَةٍ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا رَجَعَ عَنْهُ بِقِسْطِهِ ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَعَلَى الثَّانِي خَمْسُونَ ، وَعَلَى الثَّالِثِ : خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ ، وَعَلَى الرَّابِعِ : مِائَةٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ رُبْعَ مَا رَجَعَ عَنْهُ .
وَيَقْتَضِي مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنْ لَا يَلْزَمَ الرَّاجِعَ عَنْ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالْأَرْبَعمِائَةِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ خَمْسِينَ ؛ لِأَنَّ الْمِائَتَيْنِ لَا تَلْزَمُ الرَّاجِعَ عَنْ الثَّلَاثِمِائَةِ لِأَنَّ الْمِائَتَيْنِ الَّتِي رَجَعَا عَنْهُمَا قَدْ بَقِيَ بِهَا شَاهِدَانِ .

( 8464 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى ، وَاثْنَانِ بِالْإِحْصَانِ ، فَرُجِمَ ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ ، فَالضَّمَانُ عَلَى جَمِيعِهِمْ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا ضَمَانَ عَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالشَّرْطِ دُونَ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْقَتْلِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ الزِّنَى .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .
وَلَنَا ، أَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ بِمَجْمُوعِ الشَّهَادَتَيْنِ ، فَتَجِبُ الْغَرَامَةُ عَلَى الْجَمِيعِ ، كَمَا لَوْ شَهِدُوا جَمِيعُهُمْ بِالزِّنَى .
وَفِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ ، كَشُهُودِ الزِّنَى ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ مِنْ جَمِيعِهِمْ .
وَالثَّانِي ، عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ ، وَعَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ النِّصْفُ ؛ لِأَنَّهُمْ حِزْبَانِ ، فَلِكُلِّ حِزْبٍ نِصْفٌ .
فَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى وَاثْنَانِ مِنْهُمْ بِالْإِحْصَانِ ، ثُمَّ رَجَعُوا ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، عَلَى شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ الثُّلُثَانِ ، وَعَلَى الْآخَرَيْنِ الثُّلُثُ ؛ لِأَنَّ عَلَى شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ الثُّلُثَ ، لَشَهَادَتِهِمَا بِهِ ، وَالثُّلُثَ لَشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَى ، وَعَلَى الْآخَرَيْنِ الثُّلُثَ ؛ لَشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَى وَحْدَهُ .
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، عَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمَا النِّصْفَ لَشَهَادَتِهِمَا بِالْإِحْصَانِ ، وَنِصْفَ الْبَاقِي لَشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَى .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ إلَّا النِّصْفُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَنَى جِنَايَتَيْنِ ، وَجَنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ جِنَايَةً وَاحِدَةً ، فَكَانَتْ الدِّيَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ ، لَا عَلَى عَدَدِ جِنَايَاتِهِمْ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ اثْنَانِ وَاحِدًا ، جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا جُرْحًا ، وَالْآخَرُ جُرْحَيْنِ .

( 8465 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ عَلَى ضَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَتَانِ ، فَحُكْمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ، ثُمَّ رَجَعَا ، رَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِمِائَةٍ ؛ لِأَنَّهَا تَمَامُ الْقِيمَةِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى مِائَةٍ ، وَنِصْفُ الْمُسَمَّى مِائَتَانِ ، غَرِمَا لِلزَّوْجِ مِائَةً ؛ لِأَنَّهُمَا فَوَّتَاهَا بِشَهَادَتِهِمَا الْمَرْجُوعِ عَنْهَا .

( 8466 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ ، بِصَدَاقٍ ذَكَرَاهُ ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِدُخُولِهِ بِهَا ، ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِصَدَاقِهَا ، فَعَلَى شُهُودِ النِّكَاحِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ الْمُسَمَّى .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ النِّصْفُ ، وَعَلَى الْآخَرَيْنِ النِّصْفُ ؛ لِأَنَّهُمَا قَرَّرَاهُ ، وَشَاهِدَا النِّكَاحِ أَوْجَبَاهُ ، فَقُسِمَ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ أَرْبَاعًا .
وَإِنْ شَهِدَ مَعَ هَذَا شَاهِدَانِ بِالطَّلَاقِ ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُفَوِّتَا عَلَيْهِ شَيْئًا يَدَّعِيه ، وَلَا أَوْجَبَا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبًا .

( 8467 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَا فَرْعٍ عَلَى شَاهِدَيْ .
أَصْلٍ ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَ شَاهِدَا الْفَرْعِ ، فَعَلَيْهِمَا الضَّمَانُ .
لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا .
وَإِنْ رَجَعَ شَاهِدَا الْأَصْلِ وَحْدَهُمَا ، لَزِمَهُمَا الضَّمَانُ أَيْضًا .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا جَعَلَا شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ شَهَادَةً ، لَمْ يَلْزَمْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ضَمَانٌ ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا .
وَلَنَا ، أَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ؛ بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِمَا ، فَإِذَا رَجَعَا ، ضَمِنَا ، كَشَاهِدَيْ الْفَرْعِ .

( 8468 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ ، غَرِمَ جَمِيعَ الْمَالِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يَلْزَمُهُ النِّصْفُ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيْ الدَّعْوَى ، فَكَانَ عَلَيْهِ النِّصْفُ كَمَا لَوْ كَانَا شَاهِدَيْنِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الشَّاهِدَ حُجَّةُ الدَّعْوَى ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَالشَّاهِدَيْنِ .
يُحَقِّقهُ أَنَّ الْيَمِينَ قَوْلُ الْخَصْمِ ، وَقَوْلُ الْخَصْمِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى خَصْمِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ ، فَجَرَى مَجْرَى مُطَالَبَتِهِ الْحَاكِمَ بِالْحُكْمِ ، وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَمَّا ذَكَرُوهُ .
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا حُجَّةٌ ، لَكِنْ إنَّمَا جَعَلَهَا حُجَّةً شَهَادَةُ الشَّاهِدِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَى شَهَادَتِهِ ، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إلَّا النِّصْفُ الْمَحْكُومُ بِهِ ، إذَا قُلْنَا : تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي .

( 8469 ) فَصْل : وَإِذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ ، وَقَالُوا : عَمَدْنَا .
وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ ، لَمْ يُعَزَّرُوا ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يُغْنِي عَنْ تَعْزِيرِهِمْ .
وَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ ، عُزِّرُوا ، وَغَرِمُوا ؛ لِأَنَّهُمْ جَنَوْا جِنَايَةً كَبِيرَةً ، وَارْتَكَبُوا جَرِيمَةً عَظِيمَةً ، وَهِيَ شَهَادَةُ الزُّورِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُعَزَّرُوا ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ تَوْبَةٌ مِنْهُمْ ، فَيَسْقُطُ عَنْهُمْ التَّعْزِيرُ ، وَلِأَنَّ شَرْعِيَّةَ تَعْزِيرِهِمْ تَمْنَعُهُمْ الرُّجُوعَ خَوْفًا مِنْهُ ، فَلَا يُشْرَعُ .
وَإِنْ قَالُوا : أَخْطَأْنَا .
لَمْ يُعَزَّرُوا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } .
هَذَا إنْ كَانَ قَوْلُهُمْ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ فِي الْخَطَإِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهُ ، عُزِّرُوا ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ .

( 8470 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَطَعَ الْحَاكِمُ يَدَ السَّارِقِ ، بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ ، أَوْ فَاسِقَانِ ، كَانَتْ دِيَةُ الْيَدِ فِي بَيْتِ الْمَالِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ، فِي قَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ ، وَأَنْفَذَ ذَلِكَ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ ، أَوْ فَاسِقَانِ ، أَوْ عَبْدَانِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُقِيمَانِ عَلَى أَنَّهُمَا صَادِقَانِ فِيمَا شَهِدَا بِهِ ، وَإِنَّمَا الشَّرْعُ مَنَعَ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا ، بِخِلَافِ الرَّاجِعَيْنِ عَنْ الشَّهَادَةِ ، فَإِنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِكَذِبِهِمَا ، وَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ ، أَوْ الْإِمَامِ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ ، وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ ، وَفِي مَحَلِّهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَوَكِيلُهُمْ ، وَخَطَأُ الْوَكِيلِ فِي حَقِّ مُوَكِّلِهِ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ خَطَأَ الْحَاكِمِ يَكْثُرُ ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِ وَحُكُومَاتِهِ ، فَإِيجَابُ ضَمَانِ مَا يُخْطِئُ فِيهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ إجْحَافٌ بِهِ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّخْفِيفَ عَنْهُ ، بِجَعْلِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى حَمَلَتْ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْخَطَأِ عَنْ الْقَاتِلِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، هِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُخَفَّفَةً مُؤَجَّلَةً ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً ذُكِرَتْ عِنْدَ عُمَرَ بِسُوءٍ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا ، فَأَجْهَضَتْ ذَا بَطْنِهَا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ ، فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا شَيْءَ عَلَيْك ، إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ .
وَقَالَ عَلِيٌّ : عَلَيْك الدِّيَةُ .
فَقَالَ عُمَرُ : عَزَمْت عَلَيْك لَا تَبْرَحْ حَتَّى تُقَسِّمَهَا عَلَى قَوْمِكَ .
يَعْنِي قُرَيْشًا ؛ لِأَنَّهُمْ عَاقِلَةُ عُمَرَ ، وَلَوْ كَانَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، لَمْ يُقَسِّمْهَا عَلَى قَوْمِهِ ، وَلِأَنَّهُ مِنْ خَطَئِهِ ، فَتَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ .
كَخَطَئِهِ فِي غَيْرِ الْحُكُومَةِ .

وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .
فَإِذَا قُلْنَا : إنَّ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ .
لَمْ تَحْمِلْ إلَّا الثُّلُثَ فَصَاعِدًا ، وَلَا تَحْمِلُ الْكَفَّارَةَ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْكَفَّارَةَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ ، كَذَا هَاهُنَا ، وَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ .
وَإِذَا قُلْنَا : إنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ ؛ لِأَنَّ جَعْلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِعِلَّةِ أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ ، وَخَطَأُ النَّائِبِ عَلَى مُسْتَنِيبِهِ ، وَهَذَا يَدْخُلُ فِيمَا يَكْثُرُ خَطَؤُهُ ، فَجَعْلُ الضَّمَانِ فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ وَإِنْ قَلَّ ، لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ ، وَسَوَاءٌ تَوَلَّى الْحَاكِمُ الِاسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ ، أَوْ أَمَرَ مَنْ تَوَلَّاهُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ اسْتَوْفَاهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ سَلَّطَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَمَكَّنَهُ مِنْهُ ، وَالْوَلِيَّ يَدَّعِي أَنَّهُ حَقُّهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ الْوَلِيُّ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ حَكَمَ لَهُ بِمَالٍ فَقَبَضَهُ ، ثُمَّ بَانَ فِسْقُ شُهُودِهِ ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْفِي دُونَ الْحَاكِمِ ، كَذَا هَاهُنَا .
قُلْنَا : ثَمَّ حَصَلَ فِي يَدِ الْمُسْتَوْفِي مَالُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ أَوْ ضَمَانُهُ إنَّ أَتْلَفَ ، وَهَا هُنَا لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا أَتْلَفَ شَيْئًا بِخَطَإِ الْإِمَامِ وَتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ ، فَافْتَرَقَا .

( 8471 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ بِالزِّنَى أَرْبَعَةٌ ، فَزَكَّاهُمْ اثْنَانِ ، فَرُجِمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ الشُّهُودَ فَسَقَةٌ ، أَوْ عَبِيدٌ أَوْ بَعْضُهُمْ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُحِقُّونَ ، وَلَمْ يُعْلَمْ كَذِبُهُمْ يَقِينًا ، وَالضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّيَيْنِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي : الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِقَتْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُزَكَّيَيْنِ ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا شَرْطٌ ، وَلَيْسَتْ الْمُوجِبَةَ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ " : الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالزِّنَى .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمُزَكَّيَيْنِ شَهِدُوا بِالزُّورِ شَهَادَةً أَفْضَتْ إلَى قَتْلِهِ ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ ، كَشُهُودِ الزِّنَى إذَا رَجَعُوا ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَى الشُّهُودِ ، فَأَشْبَهَ مَا إذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ .
وَقَوْلُهُ : إنَّ شَهَادَتَهُمْ شَرْطٌ .
لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ شُهُودَ الْإِحْصَانِ يَلْزَمُهُمْ الضَّمَانُ ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِالسَّبَبِ .
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ شُهُودَ الزِّنَى لَمْ يَرْجِعُوا ، وَلَا عُلِمَ كَذِبُهُمْ ، بِخِلَافِ الْمُزَكَّيَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ تَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ ، وَأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالزُّورِ .
وَأَمَّا إنْ تَبَيَّنَ فِسْقُ الْمُزَكِّيَيْنِ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ ، حَيْثُ قَبِلَ شَهَادَةَ فَاسِقٍ مِنْ غَيْرِ تَزْكِيَةٍ وَلَا بَحْثٍ ، فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ قَبِلَ شَهَادَةَ شُهُودِ الزِّنَى مِنْ غَيْرِ تَزْكِيَةٍ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ فِسْقُهُمْ .

( 8472 ) فَصْلٌ : وَلَوْ جَلَدَ الْإِمَامُ إنْسَانًا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمْ فَسَقَةٌ ، أَوْ كَفَرَةٌ ، أَوْ عَبِيدٌ ، فَعَلَى الْإِمَامِ ضَمَانُ مَا حَصَلَ مِنْ أَثَرِ الضَّرْبِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا جِنَايَةٌ صَدَرَتْ عَنْ خَطَأِ الْإِمَامِ ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ أَوْ قَتَلَهُ .

( 8473 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِمَالٍ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا فَاسِقَانِ ، أَوْ كَافِرَانِ ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْقُضُ حُكْمَهُ ، وَيَرُدُّ الْمَالَ إنْ كَانَ قَائِمًا ، وَعِوَضَهُ إنْ كَانَ تَالِفًا .
فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ لِإِعْسَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَعَلَى الْحَاكِمِ ضَمَانُهُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يَنْقُضُ حُكْمَهُ إذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ ، وَيَغْرَمُ الشُّهُودُ الْمَالَ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنَّ الْحَاكِمَ قَبِلَهُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، " وَلَا يَغْرَم الشُّهُودُ الْمَالَ ، وَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ إذَا شَهِدَ " وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ أَيْضًا .
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي أَنَّهُ يَنْقُضُ حُكْمَهُ إذَا كَانَا كَافِرَيْنِ ، وَيَنْقُضُ حُكْمَ غَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَةِ كَافِرَيْنِ ، فَنَقِيسُ عَلَى ذَلِكَ مَا إذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ ، فَإِنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِينَ مُجْمَعٌ عَلَى رَدِّهَا ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى التَّبَيُّنِ فِيهَا ، فَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } .
وَأَمَرَ بِإِشْهَادِ الْعُدُولِ .
وَقَالَ سُبْحَانَهُ : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
وَاعْتَبَرَ الرِّضَى بِالشُّهَدَاءِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .
فَيَجِبُ نَقْضُ الْحُكْمِ لِفَوَاتِ الْعَدَالَةِ ، كَمَا يَجِبُ نَقْضُهُ لِفَوَاتِ الْإِسْلَامِ ؛ وَلِأَنَّ الْفِسْقَ مَعْنَى لَوْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ قَبْلَ الْحُكْمِ مَنَعَهُ ، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَةَ الْحُكْمِ ، وَجَبَ نَقْضُ الْحُكْمِ ، كَالْكُفْرِ وَالرِّقِّ فِي الْعُقُوبَاتِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : لَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الشَّهَادَةَ بِفِسْقِ الشَّاهِدَيْنِ ، لَا قَبْلَ الْحُكْمِ وَلَا بَعْدَهُ .
وَمَتَى جَرَّحَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ ، لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ بِالْفِسْقِ ، وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْ

الشَّاهِدَيْنِ ، وَلَا تُسْمَعُ عَلَى الْفِسْقِ شَهَادَةٌ ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَحَدٍ ، فَلَا تُسْمَعُ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ ، فَسُمِعَتْ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ ، كَالتَّزْكِيَةِ .
وَقَوْلُهُ : لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَحَدٍ .
مَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِفِسْقِهِ فِي مَنْعِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَنَقْضِهِ بَعْدَهُ ، وَتَبْرِئَته مِنْ أَخْذِ مَالِهِ أَوْ عُقُوبَتِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَوَجَبَ أَنْ تُسْمَعَ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى رِقَّ الشَّاهِدَيْنِ وَلَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْفِسْقِ ، أَدَّى إلَى ظُلْمِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَعْرِفَ فِسْقَ الشَّاهِدَيْنِ إلَّا شُهُودُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ ، وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقَيْنِ ، كَانَ ظَالِمًا لَهُ .
فَأَمَّا إنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَةِ وَالِدَيْنِ ، أَوْ وَلَدَيْنِ ، أَوْ عَدُوَّيْنِ ، نَظَرَ فِي الْحَاكِمِ الَّذِي حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْحُكْمَ بِهِ ، لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، وَلَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا .
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمْ ، نَقَضَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ بِهِ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَالِ وَالْإِتْلَافِ ، أَنَّ الْمَالَ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، وَجَبَ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ .
وَإِنْ كَانَ تَالِفًا ، وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى آخِذِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ ، وَلَا اسْتِحْقَاقٍ لِأَخْذِهِ .
أَمَّا الْإِتْلَافُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ فِي يَدِ الْمُتْلِفِ شَيْءٌ يَرُدُّهُ ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَتْلَفَهُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، وَتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ لَا يُقِرُّ بِعُدْوَانِهِ ، بَلْ يَقُولُ : اسْتَوْفَيْت حَقِّي

.
وَلَمْ يَثْبُتْ خِلَافُ دَعْوَاهُ ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُ الشُّهُودِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : شَهِدْنَا بِمَا عَلِمْنَا ، وَأَخْبَرْنَا بِمَا رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا ، وَلَمْ نَكْتُمْ شَهَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَزِمَنَا أَدَاؤُهَا .
وَلَمْ يَثْبُتْ كَذِبُهُمْ ، فَوَجَبَتْ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ شَرْطِ الْحُكْمِ ، وَمَكَّنَ مِنْ إتْلَافِ الْمَعْصُومِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ ، فَكَانَ التَّفْرِيطُ مِنْهُ ، فَوَجَبَ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ .

( 8474 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، وَصَارَ حُرًّا ) رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي هَذَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ الْعِتْقَ ثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ فَيَثْبُت بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ .
كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَلِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِلْمَالِ فَيُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ، وَلِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِلْمَالِ ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ ، كَالْإِتْلَافِ بِالْفِعْلِ ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى تَكْمِيلِ الْأَحْكَامِ ، لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْوِلَادَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا النَّسَبُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا تُثْبِتُ الْحُرِّيَّةَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ذَكَرَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْمَالُ ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ ، فَأَشْبَهَتْ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 8475 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةِ زُورٍ ، أُدِّبَ ، وَأُقِيمَ لِلنَّاسِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَشْتَهِرُ أَنَّهُ شَاهِدُ زُورٍ ، إذَا تَحَقَّقَ تَعَمُّدُهُ لِذَلِكَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ شَهَادَةَ الزُّورَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ، قَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهَا فِي كِتَابِهِ ، مَعَ نَهْيِهِ عَنْ الْأَوْثَانِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } .
وَرُوِيَ عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ .
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
ثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، مِنْ قَوْلِهِ .
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ .
قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ .
وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ، فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ .
فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { شَاهِدُ الزُّورِ ، لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى تَجِبَ لَهُ النَّارُ } .
فَمَتَى ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ شَهِدَ بُزُورٍ عَمْدًا ، عَزَّرَهُ ، وَشَهَّرَهُ .
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَبِهِ يَقُولُ شُرَيْحٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى قَاضِي الْبَصْرَةِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُعَزَّرُ ، وَلَا يُشَهَّرُ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ مُنْكَرٍ وَزُورٍ ، فَلَا يُعَزَّرُ بِهِ ، كَالظِّهَارِ .
وَرَوَى عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يُشَهَّرُ .

وَأَنْكَرْهُ الْمُتَأَخِّرُونَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ قَوْلٌ مُحَرَّمٌ يَضُرُّ بِهِ النَّاسَ ، فَأَوْجَبَ الْعُقُوبَةَ عَلَى قَائِلِهِ ، كَالسَّبِّ وَالْقَذْفِ ، وَيُخَالِفُ الظِّهَارَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِضَرَرِهِ .
وَالثَّانِي ، أَنَّهُ أَوْجَبَ كَفَّارَةً شَاقَّةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ التَّعْزِيرِ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا .
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ تَأْدِيبَهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْحَاكِمِ ؛ إنْ رَأَى ذَلِكَ بِالْجَلْدِ جَلَدَهُ ، وَإِنْ رَآهُ بِحَبْسٍ أَوْ كَشْفِ رَأْسِهِ وَإِهَانَتِهِ وَتَوْبِيخِهِ ، فَعَلَ ذَلِكَ ، وَلَا يَزِيدُ فِي جَلْدِهِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَزِيدُ عَلَى تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ ، لِئَلَّا يَبْلُغَ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : يُجْلَدُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا .
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، فِي شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ : يُجْلَدَانِ مِائَةً مِائَةً ، وَيَغْرَمَانِ الصَّدَاقَ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ ، إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ : يُخْفَقُ سَبْعَ خَفَقَاتٍ .
وَقَالَ شُرَيْحٌ : يُجْلَدُ أَسْوَاطًا .
فَأَمَّا شُهْرَتُهُ بَيْنَ النَّاسِ ، فَإِنَّهُ يُوقَفُ فِي سُوقِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ ، أَوْ قَبِيلَتِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقَبَائِلِ ، أَوْ فِي مَسْجِدِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَسَاجِدِ ، وَيَقُولُ الْمُوَكَّلُ بِهِ : إنَّ الْحَاكِمَ يَقْرَأُ عَلَيْكُمْ السَّلَامَ ، وَيَقُولُ : هَذَا شَاهِدُ زُورٍ ، فَاعْرِفُوهُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأُتِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِشَاهِدِ الزُّورِ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ لِسَانِهِ ، وَعِنْدَهُ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ ، فَقَالَا : سُبْحَانَ اللَّهِ ، بِحَسْبِهِ أَنْ يُخْفَقَ سَبْعَ خَفَقَاتٍ ، وَيُقَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَيُقَالَ : هَذَا أَبُو قُبَيْسٍ ، وَجَدْنَاهُ شَاهِدَ زُورٍ .

فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ .
وَلَا يُسَخَّمُ وَجْهُهُ ، وَلَا يُرَكَّبُ ، وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يُنَادِيَ عَلَى نَفْسِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يُجْلَدُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً ، وَيُسَخَّمُ وَجْهُهُ ، وَيُطَالُ حَبْسُهُ .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .
وَقَالَ سَوَّارٌ : يُلَبَّبُ ، وَيُدَارُ بِهِ عَلَى حَلَقَ الْمَسْجِدِ ، فَيَقُولُ : مَنْ رَآنِي فَلَا يَشْهَدْ بُزُورٍ .
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمِلْكِ بْنِ يَعْلَى ، قَاضِي الْبَصْرَةِ ، أَنَّهُ أَمَرَ بِحَلْقِ نِصْفِ رُءُوسِهِمْ ، وَتَسْخِيمِ وُجُوهِهِمْ ، وَيُطَافُ بِهِمْ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَاَلَّذِي شَهِدُوا لَهُ مَعَهُمْ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مُثْلَةٌ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُثْلَةِ .
وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ ، وَأَنَّهُ حَبَسَهُ يَوْمًا وَخَلَّى سَبِيلَهُ .
وَفِي الْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي هَذَا تَقْدِيرًا شَرْعِيًّا ، فَمَا فَعَلَ الْحَاكِمُ مِمَّا يَرَاهُ ، مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى مُخَالَفَةِ نَصٍّ أَوْ مَعْنَى نَصٍّ فَلَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يُفْعَلُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يُتَحَقَّقَ أَنَّهُ شَاهِدُ زُورٍ ، وَتَعَمَّدَ ذَلِكَ ، إمَّا بِإِقْرَارِهِ ، أَوْ يَشْهَدُ عَلَى رَجُلٍ بِفِعْلٍ فِي الشَّامِ فِي وَقْتٍ ، وَيُعْلَمُ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْعِرَاقِ ، أَوْ يَشْهَدُ بِقَتْلِ رَجُلٍ ، وَهُوَ حَيٌّ ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ الْبَهِيمَةَ فِي يَدِ هَذَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ .
وَسِنُّهَا أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ يَشْهَدُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا فِي وَقْتٍ ، وَقَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، أَوْ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَهُ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا يُتَيَقَّنُ بِهِ كَذِبُهُ ، وَيُعْلَمُ تَعَمُّدُهُ لِذَلِكَ .
فَأَمَّا تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ ، أَوْ ظُهُورُ فِسْقِهِ ، أَوْ غَلَطِهِ فِي شَهَادَتِهِ ، فَلَا يُؤَدَّبُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَمْنَعُ الصِّدْقَ ، وَالتَّعَارُضَ لَا يُعْلَمُ بِهِ كِذْبُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِعَيْنِهَا ، وَالْغَلَطَ قَدْ يَعْرِضُ لِلصَّادِقِ الْعَدْلِ وَلَا يَتَعَمَّدُهُ ، فَيُعْفَى عَنْهُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ

تَعَالَى : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .

( 8476 ) فَصْلٌ : وَمَتَى عَلِمَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَا بِالزُّورِ ، تَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ بَاطِلًا ، وَلَزِمَ نَقْضُهُ ، لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا كَذِبَهُمَا فِيمَا شَهِدَا بِهِ ، وَبُطْلَانَ مَا حُكْمَ بِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مَالًا ، رُدَّ إلَى صَاحِبِهِ ، وَإِنْ كَانَ إتْلَافًا ، فَعَلَى الشَّاهِدَيْنِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبُ إتْلَافِهِ ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةِ الْمَحْكُومِ لَهُ ، فَيَكُونَ ذَلِكَ رُجُوعًا مِنْهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ ذَلِكَ .

( 8477 ) فَصْلٌ : فَإِذَا تَابَ شَاهِدُ الزُّورِ ، وَأَتَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ تَظْهَرُ فِيهَا تَوْبَتُهُ ، وَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ فِيهَا ، وَعَدَالَتُهُ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ تَائِبٌ مِنْ ذَنْبِهِ ، فَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ، كَسَائِرِ التَّائِبِينَ .
وَقَوْلُهُ : لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ ذَلِكَ .
قُلْنَا : مُجَرَّدُ الِاحْتِمَالِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ؛ بِدَلِيلِ سَائِرِ التَّائِبِينَ ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُمْ مُعَاوَدَةُ ذُنُوبِهِمْ وَلَا غَيْرِهَا ، وَشَهَادَتُهُمْ مَقْبُولَةٌ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا غَيَّرَ الْعَدْلُ شَهَادَتَهُ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ ، فَزَادَ فِيهَا أَوْ نَقَصَ ، قُبِلَتْ مِنْهُ ، مَا لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِ ) وَهَذَا مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ بِمِائَةٍ ، ثُمَّ يَقُولَ : هِيَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ .
أَوْ يَقُولَ : بَلْ هِيَ تِسْعُونَ .
فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ رُجُوعُهُ ، وَيُحْكَمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ أَخِيرًا .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ الْأُولَى وَلَا الْآخِرَةُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَرُدُّ الْأُخْرَى وَتُعَارِضُهَا ، وَلِأَنَّ الْأُولَى مَرْجُوعٌ عَنْهَا ، وَالثَّانِيَةَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهَا لِأَنَّهَا مِنْ مُقِرٍّ بِغَلَطِهِ وَخَطَئِهِ فِي شَهَادَتِهِ ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْغَلَطِ كَالْأُولَى .
وَقَالَ مَالِكٌ : يُؤْخَذُ بِأَقَلِّ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الشَّهَادَةَ وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهَا ، كَمَا لَوْ اتَّصَلَ بِهَا الْحُكْمُ .
وَلَنَا ، أَنَّ شَهَادَتَهُ الْآخِرَةَ شَهَادَةٌ مِنْ عَدْلٍ غَيْرِ مُتَّهَمٍ ، لَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَا يُخَالِفُهَا ، وَلَا تُعَارِضُهَا الْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَطَلَتْ بِرُجُوعِهِ عَنْهَا ، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا شَرْطُ الْحُكْمِ ، فَيُعْتَبَرُ اسْتِمْرَارُهَا إلَى انْقِضَائِهِ .
وَيُفَارِقُ رُجُوعَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ بِاسْتِمْرَارِ شَرْطِهِ ، فَلَا يُنْقَضُ بَعْدَ تَمَامِهِ .

( 8479 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ بِأَلْفٍ ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الْحُكْمِ : قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ .
فَسَدَتْ شَهَادَتُهُ .
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فَقَالَ : إذَا شَهِدَ أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا : قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ .
بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ شَهِدَ بِأَنَّ الْأَلْفَ جَمِيعَهُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا قَضَاهُ خَمْسَمِائَةٍ ، لَمْ تَكُنْ الْأَلْفُ كُلُّهُ عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ كَلَامُهُ مُتَنَاقِضًا ، فَتَفْسُدُ شَهَادَتُهُ .
وَفَارَقَ هَذَا مَا لَوْ شَهِدَ بِأَلْفٍ ، ثُمَّ قَالَ : بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ .
لِأَنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ عَنْ الشَّهَادَةِ بِخَمْسِمِائَةٍ ، وَإِقْرَارٌ بِغَلَطِ نَفْسِهِ ، وَهَذَا لَا يَقُولُ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الرُّجُوعِ .
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ شَهَادَتَهُ تَقْبَلُ بِخَمْسِمِائَةٍ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا شَهِدَ بِأَلْفٍ ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ : قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ .
أَفْسَدَ شَهَادَتَهُ ، وَالْمَشْهُودُ لَهُ مَا اُجْتُمِعَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ .
فَصَحَّحَ شَهَادَتَهُ فِي نِصْفِ الْأَلْفِ الْبَاقِي ، وَأَبْطَلَهَا فِي النِّصْفِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَضَاهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَشْهَدُ بِأَلْفٍ ، بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ .
قَالَ أَحْمَدُ : وَلَوْ جَاءَ بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ .
لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمْضَى الشَّهَادَةَ .
فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ إذَا جَاءَ بَعْدَ الْحُكْمِ ، فَشَهِدَ بِالْقَضَاءِ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ قَدْ وَجَبَ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَحُكْمِ الْحَاكِمِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ .
فَأَمَّا إنْ شَهِدَ أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفًا ، ثُمَّ قَالَ : قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ .
قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي بَاقِي الْأَلْفِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِي كَلَامِهِ ، وَلَا اخْتِلَافَ .

( 8480 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ ، وَآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ حُكِمَ لِمُدَّعِي الْأَلْفِ ، بِخَمْسِمِائَةٍ ، وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى ، إنْ أَحَبَّ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِشَيْءٍ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ بِبَعْضِهِ ، صَحَّتْ الشَّهَادَةُ ، وَثَبَتَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَحُكِمَ بِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ ؛ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَقَالَ : قَدْ اخْتَلَفْتُمَا ، قُومَا ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفَيْنِ ، لَمْ تَصِحَّ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْأَلْفِ غَيْرُ الْإِقْرَارِ بِالْأَلْفَيْنِ ، وَلَمْ يَشْهَدْ بِكُلِّ إقْرَارٍ إلَّا وَاحِدٌ .
وَلَنَا ، أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ كَمَلَتْ فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، فَحُكِمَ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَزِدْ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ .
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ كُلَّ إقْرَارٍ إنَّمَا يَشْهَدُ بِهِ وَاحِدٌ ، يُبْطَلُ بِمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ غَدْوَةً ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ عَشِيًّا ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَكْمُلُ ، مَعَ أَنَّ كُلَّ إقْرَارٍ إنَّمَا يَشْهَدُ بِهِ وَاحِدٌ .
فَأَمَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا ، فَإِنَّ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ ، وَيَسْتَحِقَّ .
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَرَى الْحُكْمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ .
وَهَذَا فِيمَا إذَا أَطْلَقَا الشَّهَادَةَ ، أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ .
فَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَتْ ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ ، وَشَاهِدٌ بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ ، وَيَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ بِيضٍ وَآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ سُودٍ ، أَوْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَلْفِ دِينَارٍ ، وَالْآخَرُ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ ،

وَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَسْتَحِقّهَا مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَسْتَحِقُّ مَا شَهِدَ بِهِ .
( 8481 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ وَشَاهِدَانِ بِخَمْسِمِائَةٍ ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ ، دَخَلَتْ الْخَمْسُمِائَةِ فِي الْأَلْفِ ، وَوَجَبَ لَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِائَةٌ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ ، وَجَبَ لَهُ الْأَلْفُ وَالْخَمْسُمِائَةِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ .

( 8482 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ ، أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ ، وَشَهِدَ ، آخَرُ ، أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ بِخَمْسِمِائَةٍ ، لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ ؛ لَاخْتِلَافِهِمَا فِي صِفَةِ الْبَيْعِ ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا ، وَيَثْبُتَ لَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِكُلِّ عَقْدٍ شَاهِدَانِ ، ثَبَتَ الْبَيْعَانِ ، وَإِنْ أَضَافَا الْبَيْعَ إلَى وَقْتٍ وَاحِدٍ ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ مَعَ الزَّوَالِ بِأَلْفٍ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ مَعَ الزَّوَالِ بِخَمْسِمِائَةٍ ، تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، وَسَقَطَتَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا ، وَكُلُّ بَيِّنَةٍ تُكَذِّبُ الْأُخْرَى .
وَإِنْ شَهِدَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا ، وَلَا يَتَعَارَضَانِ ؛ لِأَنَّ التَّعَارُضَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ الْكَامِلَتَيْنِ .

( 8483 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا قِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةٌ ، ثَبَتَ لَهُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ دِرْهَمَانِ ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الْآخَرِ عَلَى دِرْهَمٍ ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى دِرْهَمَيْنِ ، وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِدِرْهَمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ .
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ دِرْهَمَانِ ، وَشَاهِدَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةٌ ، ثَبَتَ لَهُ دِرْهَمَانِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَهِدَ بِهَا شَاهِدَانِ ، وَهُمَا حُجَّةٌ ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهِمَا ، كَمَا يُؤْخَذُ بِالزِّيَادَةِ فِي الْأَخْبَارِ ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ وَشَاهِدَانِ بِأَلْفَيْنِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ أَلْفَانِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَيَتَوَجَّهُ لَنَا مِثْلُ هَذَا ، بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ .
وَلَنَا ، أَنَّ مَنْ شَهِدَ أَنَّ قِيمَتَهُ دِرْهَمَانِ ، يَنْفِي أَنْ تَكُونَ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةً ، فَقَدْ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الدِّرْهَمِ ، وَيُخَالِفُ الزِّيَادَةَ فِي الْأَخْبَارِ ، فَإِنَّ مِنْ يَرْوِي النَّاقِصَ لَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ ، وَكَذَلِكَ مِنْ شَهِدَ بِأَلْفٍ ، لَا يَنْفِي أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا آخَرَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ قُلْتُمْ : إنَّهُ إذَا شَهِدَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيمَتَيْنِ شَاهِدَانِ تَعَارَضَتَا ، وَإِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ ، لَمْ تَتَعَارَضَا ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا .
قُلْنَا : لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ حُجَّةٌ وَبَيِّنَةٌ ، فَإِذَا كَمَلَتْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، تَعَارَضَتْ الْحُجَّتَانِ ؛ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، وَأَمَّا الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ ، فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وَحْدَهُ ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ حُجَّةً مَعَ الْيَمِينِ ، فَإِذَا حَلَفَ مَعَ أَحَدِهِمَا كَمَلَتْ الْحُجَّةُ بِيَمِينِهِ ، وَلَمْ يُعَارِضْهُمَا مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِأَحَدِهِمَا شَاهِدَانِ ، وَبِالْآخَرِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ .

( 8484 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ ادَّعَى شَهَادَةَ عَدْلٍ ، فَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ ، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ : كُنْت أُنْسِيتهَا .
قُبِلَتْ مِنْهُ ) .
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَدْلَ إذَا أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ ، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا ، وَقَالَ : كُنْت أُنْسِيتهَا .
قُبِلَتْ ، وَلَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ .
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسِيَهَا ، وَإِذَا كَانَ نَاسِيًا لَهَا ، فَلَا شَهَادَةَ عِنْدَهُ ، فَلَا نُكَذِّبُهُ مَعَ إمْكَانِ صِدْقِهِ .
وَلَا يُشْبِهُ هَذَا إذَا مَا قَالَ : لَا بَيِّنَةَ لِي .
ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ ، حَيْثُ لَا تُسْمَعُ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ ، وَالْإِنْسَانُ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ ، وَقَوْلُ الشَّاهِدِ : لَا شَهَادَةَ عِنْدِي .
لَيْسَ بِإِقْرَارٍ ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ لَهُ ؛ إنَّمَا هِيَ حَقٌّ عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ مُنْكِرًا لَهَا ، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِهَا ، كَانَ إقْرَارًا بَعْدَ الْإِنْكَارِ ، وَهُوَ مَسْمُوعٌ ، بِخِلَافِ الْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِنْكَارِ ، وَلِأَنَّ النَّاسِيَ لِلشَّهَادَةِ لَا شَهَادَةَ لَهُ عِنْدَهُ ، فَهُوَ صَادِقٌ فِي إنْكَارِهِ ، فَإِذَا ذَكَرَهَا ، صَارَتْ عِنْدَهُ ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ، وَصَارَ هَذَا كَمَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ ، ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَصَارَتْ عِنْدَهُ ، بِخِلَافِ مَنْ أَنْكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً ، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِنِسْيَانِهَا .

( 8485 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ ، يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بَعْضَهَا ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْكُلِّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ لَهُ بَعْضُهَا ؛ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ الشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ بِمَالٍ مِنْ الشَّرِكَةِ ، أَوْ يَشْهَدَ عَلَى زَيْدٍ بِدَارٍ لَهُ وَلَعَمْرَو ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تَبْطُلُ فِي الْكُلِّ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهَا قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، كَقَوْلِنَا .
وَالثَّانِي ، تَصِحُّ شَهَادَتُهُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ ، فَتَصِحُّ شَهَادَتُهُ لَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا شِرْكٌ .
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ هَذَا ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا فِي عَبْدٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ، اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِثَلَاثِمِائَةٍ دِرْهَمٍ ، فَادَّعَى أَنَّهُمْ قَبَضُوهَا مِنْهُ ، فَأَنْكَرَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ شَيْئًا ، فَأَقَرَّ لَهُ اثْنَانِ ، وَشَهِدَا عَلَى الْمُنْكِرِ بِالْقَبْضِ ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ وَيُشَارِكُهُمَا فِيمَا أَخْذًا مِنْ الْمَالِ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ رُدَّ بَعْضُهَا لِلتُّهْمَةِ ، فَتُرَدُّ جَمِيعُهَا ، كَمَا لَوْ شَهِدَ الْمُضَارِبُ لِرَبِّ الْمَالِ بِمَالٍ مِنْ الْمُضَارَبَةِ ، وَلَوْ شَهِدَ بِدَيْنٍ لِأَبِيهِ وَأَجْنَبِيٍّ ، أَوْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ تُرَدُّ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ ، بَطَلَتْ كُلُّهَا .

( 8486 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ ، وَخَلَّفَ ابْنًا ، وَأَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَصَدَّقَهُ الِابْنُ ، وَادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَصَدَّقَهُ الِابْنُ ، فَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، كَانَ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا .
وَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ ، كَانَ الْأَلْفُ لِلْأَوَّلِ ، وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا خَلَّفَ وَارِثًا ، وَتَرِكَةً ، فَأَقَرَّ الْوَارِثُ لِرَجَلٍ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ يَسْتَغْرِقُ مِيرَاثَهُ ، فَقَدْ أَقَرَّ بِتَعَلُّقِ دَيْنِهِ بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِجَمِيعِهَا ، فَإِذَا أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِآخَرَ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ ، صَحَّ الْإِقْرَارُ ، وَاشْتَرَكَا فِي التَّرِكَةِ ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كُلَّهَا كَحَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، بِدَلِيلِ الْقَبْضِ ، فِيمَا يَعْتَبِرُ الْقَبْضُ فِيهِ ، وَإِمْكَانُ الْفَسْخِ فِي الْبَيْعِ ، وَلُحُوقِ الزِّيَادَةِ فِي الْعَقْدِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ .
وَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ يُقِرُّ بِمَا يَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الْأَوَّلِ فِي التَّرِكَة ، وَمُزَاحَمَتَهُ فِيهَا وَتَنْقِيصَ حَقِّهِ مِنْهَا .
وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، يُقْبَلُ إقْرَارُهُ ، وَيَشْتَرِكَانِ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ ، وَلَوْ أَقَرَّ الْمَوْرُوثُ لَهُمَا لَقُبِلَ ، فَكَذَلِكَ الْوَارِثُ ؛ وَلِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الْإِقْرَارِ يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَتَّفِقُ حُضُورُهُمْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَيَبْطُلُ حَقُّهُ بِغَيْبَتِهِ ، وَلِأَنَّ مَنْ قُبُلِ إقْرَارُهُ أَوَّلًا ، قُبُلِ إقْرَارُهُ ثَانِيًا ، إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ ، كَالْمَوْرُوثِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِمَحَلٍّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ ، عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ ، تَعَلُّقًا يَمْنَعُ صِحَّةَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَإِقْرَارِ الرَّاهِنِ بِجِنَايَةِ عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ أَوْ

الْجَانِي .
وَأَمَّا الْمَوْرُوثُ ، فَإِنْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ .
وَإِنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ ، لَمْ يُحَاصَّ الْمُقَرُّ لَهُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ ؛ لِذَلِكَ .
وَإِنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ لَغَرِيمٍ يَسْتَغْرِقُ دَيْنُهُ تَرِكَتَهُ ، ثُمَّ أَقَرَّ لِآخَرَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ ، صَحَّ ، وَشَارَكَ الْأَوَّلَ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَارِثِ ، أَنَّ إقْرَارَهُ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْنَعْهُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ ، وَلَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ دَيْنٌ آخَرُ ، بِأَنْ يَسْتَدِينَ دَيْنًا آخَرَ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِتَرِكَتِهِ بِالْإِقْرَارِ ، بِخِلَافِ الْوَارِثِ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُعَلِّقَ بِالتَّرِكَةِ دَيْنًا آخَرَ بِفِعْلِهِ ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِقَوْلِهِ ، وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي التَّرِكَةِ ، مَا لَمْ يَلْتَزِمْ قَضَاءَ الدَّيْنِ .

( 8487 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ ، وَتَرَكَ أَلْفًا ، فَأَقَرَّ بِهِ ابْنُهُ لِرَجَلٍ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ ، وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي فِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجْلِسَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِرَافِهِ لِلْأَوَّلِ ، ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ فِيهِ ، فَصَارَ إقْرَارُهُ لِلثَّانِي إقْرَارًا لَهُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ .
وَتَلْزَمُ الْمُقِرَّ غَرَامَتُهُ لِلثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِهِ لِغَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ ، فَدَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ .

( 8488 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى عَلَى مَرِيضٍ ، فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ .
لَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَتَّى يَقُولَ بِلِسَانِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ إشَارَةَ الْمَرِيضِ لَا تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَلَامِ أَوْ قَادِرًا عَلَيْهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِإِشَارَتِهِ ، إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِالْإِشَارَةِ مِنْ عَاجِزٍ عَنْ الْكَلَامِ ، فَأَشْبَهَ إقْرَارَ الْأَخْرَسِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ ، فَلَمْ تَقُمْ إشَارَتُهُ مَقَامَ نُطْقِهِ ، كَالصَّحِيحِ .
وَبِهَذَا فَارَقَ الْأَخْرَسَ ، فَإِنَّهُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَرْتَجَّ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ ، بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ .
وَالْآيِسَةُ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا مَعَ إمْكَانِهِ فِي الْعِدَّةِ ؛ وَلِأَنَّ عَجْزَهُ عَنْ النُّطْقِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتْرُكَ الْكَلَامَ لِصُعُوبَتِهِ عَلَيْهِ وَمَشَقَّتِهِ ، لَا لِعَجْزِهِ .
وَإِنْ صَارَ إلَى حَالٍ يَتَحَقَّقُ الْإِيَاسُ مِنْ نُطْقِهِ ، لَمْ يُوثَقْ بِإِشَارَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ الَّذِي أَعْجَزَهُ عَنْ النُّطْقِ ، لَمْ يَخْتَصَّ بِلِسَانِهِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَثَّرَ فِي عَقْلِهِ أَوْ فِي سَمْعِهِ ، فَلَمْ يَدْرِ مَا قِيلَ لَهُ ، بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ ، وَلِأَنَّ الْأَخْرَسَ قَدْ تَكَرَّرَتْ إشَارَتُهُ حَتَّى صَارَتْ عِنْدَ مَنْ يُعَاشِرُهُ كَالْيَقِينِ ، وَمُمَاثِلَةَ النُّطْقِ ، وَهَذَا لَمْ تَتَكَرَّرْ إشَارَتُهُ ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يُرْدِ الْإِقْرَارَ .
إنَّمَا أَرَادَ الْإِنْكَارَ ، أَوْ إسْكَاتَ مَنْ يَسْأَلُهُ ، وَمَعَ هَذِهِ الْفُرُوقِ ، لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ .

( 8489 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى ، وَقَالَ : لَا بَيِّنَةَ لِي .
ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ، لَمْ تُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِبَيِّنَتِهِ ) وَبِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ : تُقْبَلُ .
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَى ، أَوْ يَكُونَ الشَّاهِدَانِ سَمِعَا مِنْهُ ، وَصَاحِبُ الْحَقِّ لَا يَعْلَمُ ، فَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَذَّبَ بَيِّنَتَهُ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : وَإِنْ كَانَ الْإِشْهَادُ أَمْرًا تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ ، لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَهَا ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلُهُ أَشْهَدَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أَوْ شَهِدَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْهِدَهُمْ ، سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي نَفْيِهِ إيَّاهَا .
وَهَذَا الْقَوْلُ حَسَنٌ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَكْذَبِ بَيِّنَتَهُ ، بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَحَدٌ ، فَإِذَا شَهِدَ لَهُ إنْسَانٌ ، كَانَ تَكْذِيبًا لَهُ ، وَيُفَارِقُ الشَّاهِدَ إذَا قَالَ : لَا شَهَادَةَ عِنْدِي .
ثُمَّ قَالَ : كُنْت نَسِيَتْهَا .
لِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ لِغَيْرِهِ بَعْدَ الْإِنْكَارِ ، وَهَا هُنَا هُوَ مُقِرٌّ لِخَصْمِهِ بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ .
وَالْحُكْمُ فِي مَا إذَا قَالَ : كُلُّ بَيِّنَةَ لِي زُورٌ .
كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا قَالَ : لَا بَيِّنَةَ لِي .
عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ .

( 8490 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً .
ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ ، سُمِعَتْ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا ، ثُمَّ عَلِمَهَا .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَلَوْ قَالَ : مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً .
فَقَالَ شَاهِدَانِ : نَحْنُ نَشْهَدُ لَك .
سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ .

( 8491 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا شَهِدَ الْوَصِيُّ عَلَى مَنْ هُوَ مُوصًى عَلَيْهِمْ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ .
وَإِنْ شَهِدَ ، لَهُمْ ، لَمْ يُقْبَلْ إذَا كَانُوا فِي حِجْرِهِ ) أَمَّا شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ ، فَمَقْبُولَةٌ .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، فَإِنَّهُ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ بِهَا ضَرَرًا .
وَأَمَّا شَهَادَتُهُ لَهُمْ إذَا كَانُوا فِي حِجْرِهِ ، فَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ .
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَجَازَ شُرَيْحٌ وَأَبُو ثَوْرٍ شَهَادَتَهُ لَهُمْ ، إذَا كَانَ الْخَصْمُ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُمْ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لَهُمْ ، كَمَا بَعْدَ زَوَالِ الْوَصِيَّةِ .
وَلَنَا أَنَّهُ شَهِدَ بِشَيْءٍ هُوَ خَصْمٌ فِيهِ ، فَإِنَّهُ الَّذِي يُطَالِبُ بِحُقُوقِهِمْ ، وَيُخَاصِمُ فِيهَا ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِمَالٍ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَأْخُذ مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ .
فَيَكُونُ مُتَّهَمًا فِي الشَّهَادَةِ بِهِ .
فَأَمَّا قَوْلُهُ : إذَا كَانُوا فِي حِجْرِهِ .
فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ لَهُمْ بَعْدَ زَوَالِ وِلَايَتِهِ عَنْهُمْ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ قَبُولَهَا .
وَالْحُكْمُ فِي أَمِينِ الْحَاكِمِ يَشْهَدُ لِلْأَيْتَامِ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْوَصِيِّ ، سَوَاءً .

( 8492 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا شَهِدَ مَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي إفَاقَتِهِ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا مَذْهَبَ أَهْلِ الْكُوفَة ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الشَّهَادَةِ بِحَالٍ أَدَائِهَا ، وَهُوَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّحْصِيلِ وَالْعَقْلِ الثَّابِتِ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، كَالصَّبِيِّ إذَا كَبَرَ ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، كَالصَّحِيحِ ، وَزَوَالُ عَقْلِهِ فِي غَيْرِ حَالِ الشَّهَادَةِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا ، كَالصَّحِيحِ الَّذِي يَنَامُ ، وَالْمَرِيضِ الَّذِي يُغْمَى عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ .

( 8493 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الطَّبِيبِ فِي الْمُوضِحَةِ ، إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى طَبِيبَيْنِ ، وَكَذَلِكَ الْبَيْطَارُ فِي دَاءِ الدَّابَّةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا اُخْتُلِفَ فِي الشَّجَّةِ ، هَلْ هِيَ مُوضِحَةٌ أَوْ لَا ؟ أَوْ فِيمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا ، كَالْهَاشِمَةِ ، وَالْمُنَقِّلَةِ ، وَالْآمَّةِ ، وَالدَّامِغَةِ ، أَوْ أَصْغَرَ مِنْهَا ، كَالْبَاضِعَةِ ، وَالْمُتَلَاحِمَةِ ، وَالسِّمْحَاقِ ، أَوْ فِي الْجَائِفَةِ ، وَغَيْرِهَا مِنْ الْجِرَاحِ ، الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا إلَّا الْأَطِبَّاءُ ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي دَاءٍ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْأَطِبَّاءُ ، أَوْ فِي دَاءِ الدَّابَّةِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ إذَا قُدِرَ عَلَى طَبِيبِينَ ، أَوْ بَيْطَارَيْنِ ، لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، فَلَمْ تُقْبَلْ فِيهِ شَهَادَةُ وَاحِدٍ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى اثْنَيْنِ ، أَجْزَأَ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَة ، فَاجْتُزِئَ فِيهِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ، بِمَنْزِلَةِ الْعُيُوبِ تَحْتَ الثِّيَابِ ، يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَقَبُولُ قَوْلِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ أَوْلَى .

( 8494 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، إذَا قَالَ : اشْهَدْ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ وَمِائَةِ دِرْهَمٍ .
فَشَهِدَ عَلَى مِائَةٍ دُونَ مِائَةٍ ، كَرِهَ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ : أَشْهَدُ وَلِي عَلَى مِائَةٍ وَمِائَةٍ .
يَحْكِيه كُلَّهُ لِلْحَاكِمِ كَمَا كَانَ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا شَهِدَ عَلَى أَلْفٍ ، وَكَانَ الْحَاكِم لَا يَحْكُمُ إلَّا عَلَى مِائَةٍ وَمِائَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ : أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَ لِي عَلَى مِائَةٍ ، لَمْ يَشْهَدْ إلَّا بِأَلْفٍ .
قَالَ الْقَاضِي : وَذَلِكَ أَنَّ عَلَى الشَّاهِدِ نَقْلَ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا شَهِدَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا } .
وَلِأَنَّهُ لَوْ سَاغَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَعْضِ مَا أُشْهِدَ عَلَيْهِ ، لَسَاغَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِبَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عِنْدِي يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَنْ شَهِدَ بِأَلْفٍ ، فَقَدْ شَهِدَ بِمِائَةٍ ، فَإِذَا شَهِدَ بِمِائَةٍ ، لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا فِي شَهَادَتِهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ كَانَ قَدْ أَقْرَضَهُ مِائَةً مَرَّةً ، وَتِسْعَمِائَةٍ مَرَّةً أُخْرَى .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُ بِمِائَةٍ رُبَّمَا أَوْهَمَتْ أَنَّ هَذِهِ الْمِائَةَ غَيْرُ الَّتِي شَهِدَتْ بِأَصْلِهِ ، فَيُؤَدِّي إلَى إيجَابِهَا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ .

( 8495 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : إذَا شَهِدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَمِائَةِ دِينَارٍ ، فَلَهُ مِنْ دَرَاهِمِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَدَنَانِيرِهِ .
قَالَ الْقَاضِي : لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُحْمَلَ مُطْلَقُ الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ ، جَازَ أَنْ تُحْمَلَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ الدَّعْوَى فِي اللُّغَةِ : إضَافَةُ الْإِنْسَانِ إلَى نَفْسِهِ شَيْئًا ، مِلْكًا ، أَوْ اسْتِحْقَاقًا ، أَوْ صَفْقَةً ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ .
وَهِيَ فِي الشَّرْعِ : إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ ، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ .
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، مَنْ يُضَافُ إلَيْهِ اسْتِحْقَاقُ شَيْءٍ عَلَيْهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : الدَّعْوَى الطَّلَبُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ } .
وَقِيلَ : الْمُدَّعِي مَنْ يَلْتَمِسُ بِقَوْلِهِ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ ، أَوْ إثْبَاتَ حَقٍّ فِي ذِمَّتِهِ .
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ .
وَقِيلَ : الْمُدَّعِي مَنْ إذَا تُرِكَ لَمْ يَسْكُت ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ إذَا تُرِكَ سَكَتَ .
وَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ ؛ بِأَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْعَقْدِ ، فَيَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الثَّمَنَ غَيْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُهُ .
وَالْأَصْلُ فِي الدَّعْوَى قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَفِي حَدِيثٍ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ .
( 8496 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِم ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَمَنْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ، فَأَنْكَرَتْهُ ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ يُحَلَّفْ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، فَيَسْتَحْلِفُ فِيهِ ، كَالْمَالِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ،

فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَسْتَحْلِفُ فِي النِّكَاحِ ، فَإِنْ نَكَلَ ، أُلْزِمَ النِّكَاحَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ نَكَلَ ، رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ فَحَلَفَ ، وَثَبَتَ النِّكَاحُ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ بَذْلُهُ ، فَلَمْ يَسْتَحْلِفْ فِيهِ ، كَالْحَدِّ .
يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الْأَبْضَاعَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِيهَا ، فَلَا تُبَاحُ بِالنُّكُولِ ، وَلَا بِهِ وَبِيَمِينِ الْمُدَّعِي ، كَالْحُدُودِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّكُولَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَوِيَّةٍ ، إنَّمَا هُوَ سُكُوتٌ مُجَرَّدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِخَوْفِهِ مِنْ الْيَمِينِ ، أَوْ لِلْجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ ، أَوْ لِلْحَيَاءِ مِنْ الْحَلِفِ وَالتَّبَذُّلِ فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِهِ فِيمَا يُحْتَاطُ لَهُ ، وَيَمِينُ الْمُدَّعِي إنَّمَا هِيَ قَوْلُ نَفْسِهِ ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى بِهَا أَمْرًا فِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ ، وَإِثْمٌ كَبِيرٌ ، وَيُمَكَّنُ مِنْ وَطْءِ امْرَأَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّمَا تَنَاوَلَ الْأَمْوَالَ وَالدِّمَاءَ ، فَلَا يَدْخُلُ النِّكَاحُ فِيهِ ، وَلَوْ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ دَعْوَى ، لَكَانَ مَخْصُوصًا بِالْحُدُودِ ، وَالنِّكَاحُ فِي مَعْنَاهُ ، بَلْ النِّكَاحُ أَوْلَى ، لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ شُهُودٍ ، لِكَوْنِ الشَّهَادَةِ شَرْطًا فِي انْعِقَادِهِ ، أَوْ مِنْ اشْتِهَارِهِ ، فَيَشْهَدُ فِيهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ ، وَالْحُدُودُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَيُخْلَى سَبِيلُهَا .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّهَا تَحْلِفُ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ .
فَنَكَلَتْ ، لَمْ يُقْضَ بِالنُّكُولِ ، وَتُحْبَسُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، حَتَّى تُقِرَّ أَوْ تَحْلِفَ ، وَفِي الْآخَرِ ، يُخْلَى سَبِيلُهَا ، وَتَكُونُ فَائِدَةُ شَرْعِ الْيَمِينِ التَّخْوِيفَ وَالرَّدْعَ ، لِتُقِرَّ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُحِقًّا ، أَوْ تَحْلِفَ ، فَتَبْرَأَ إنْ كَانَ مُبْطِلًا .

( 8497 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ نِكَاحَ امْرَأَةٍ ، احْتَاجَ إلَى ذِكْرِ شَرَائِطِ النِّكَاحِ ، فَيَقُولُ : تَزَوَّجْتهَا بَوْلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرِضَاهَا .
إنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ رِضَاهَا .
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ شَرَائِطِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ مِلْكٍ ، فَأَشْبَهَ مِلْكَ الْعَبْدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : وَلَيْسَتْ مُعْتَدَّةً وَلَا مُرْتَدَّةً وَلَنَا ، أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي شَرَائِطِ النِّكَاحِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ الْوَلِيَّ وَالشُّهُودَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ إذْنَ الْبِكْرِ الْبَالِغِ لِأَبِيهَا فِي تَزْوِيجِهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْتَرِطُهُ ، وَقَدْ يَدَّعِي نِكَاحًا يَعْتَقِدُهُ صَحِيحًا ، وَالْحَاكِمُ لَا يَرَى صِحَّتَهُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّتِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِهَا ، وَلَا يَعْلَمُ بِهَا مَا لَمْ تُذْكَرْ الشُّرُوطُ ، وَتَقُمْ الْبَيِّنَةُ بِهَا ، وَتُفَارِقُ الْمَالَ ، فَإِنَّ أَسْبَابَهُ تَنْحَصِرُ ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَى الْمُدَّعِي سَبَبُ ثُبُوتِ حَقِّهِ ، وَالْعُقُودُ تَكْثُرُ شُرُوطُهَا ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطْنَا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ شُرُوطًا سَبْعَةً ، وَرُبَّمَا لَا يُحْسِنُ الْمُدَّعِي عَدَّهَا وَلَا يَعْرِفُهَا ، وَالْأَمْوَالُ مِمَّا يُتَسَاهَلُ فِيهَا ؛ وَلِذَلِكَ افْتَرَقَا فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ فِي عُقُودِهِ ، فَافْتَرَقَا فِي الدَّعْوَى .
وَعَدَمِ الْعِدَّةِ وَالرِّدَّةِ ، لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِيهِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَلَا تَخْتَلِفُ بِهِ الْأَغْرَاضُ .
فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً وَالزَّوْجُ حُرًّا ، فَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ عَدَمِ الطَّوْلِ ، وَخَوْفِ الْعَنَتِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ نِكَاحِهَا ، وَأَمَّا إنْ ادَّعَى اسْتِدَامَةَ الزَّوْجِيَّةِ ، وَلَمْ يَدَّعِ الْعَقْدَ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ الشُّرُوطِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ .
وَلَوْ اُشْتُرِطَ ذِكْرُ الشُّرُوطِ ، لَاشْتُرِطَتْ الشَّهَادَةُ بِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ

ذَلِكَ فِي شَهَادَةِ الِاسْتِفَاضَةِ .
وَفِي الثَّانِي يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الشُّرُوطِ ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى نِكَاحٍ ، فَأَشْبَهَ دَعْوَى الْعَقْدِ .

( 8498 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ النِّكَاحَ عَلَى زَوْجِهَا ، وَذَكَرَتْ مَعَهُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ ، كَالصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا ، سُمِعَتْ دَعْوَاهَا .
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي حَقًّا لَهَا تُضِيفُهُ إلَى سَبَبِهِ ، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهَا ، كَمَا لَوْ ادَّعَتْ مِلْكًا أَضَافَتْهُ إلَى الشِّرَاءِ .
وَإِنْ أَفْرَدَتْ دَعْوَى النِّكَاحِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : تُسْمَعُ دَعْوَاهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِحُقُوقٍ لَهَا ، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهَا فِيهِ ، كَالْبَيْعِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا ؛ فِيهِ لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا حَقًّا لِغَيْرِهَا .
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ ، سُئِلَ الزَّوْجُ ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرٍ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تُسْتَحْلَفْ الْمَرْأَةُ وَالْحَقُّ عَلَيْهَا ، فَلَأَنْ لَا يُسْتَحْلَفَ مَنْ الْحَقُّ لَهُ ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ ، أَوْلَى .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهَا إنَّمَا سُمِعَتْ لِتَضَمُّنِهَا دَعْوَى حُقُوقٍ مَالِيَّةٍ تُشْرَعُ فِيهَا الْيَمِينُ .
وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالنِّكَاحِ ، ثَبَتَ لَهَا مَا تَضَمَّنَهُ النِّكَاحُ مِنْ حُقُوقِهَا .
وَأَمَّا إبَاحَتُهَا لَهُ ، فَتَنْبَنِي عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ حَلَّتْ لَهُ ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ النِّكَاحَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ ، وَلَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ ؛ إمَّا لِعَدَمِ الْعَقْدِ ، أَوْ لِبَيْنُونَتِهَا مِنْهُ ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ .
وَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْهَا فِي الظَّاهِرِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُمَكَّنُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ حَكَمَ بِالزَّوْجِيَّةِ .
وَالثَّانِي ، لَا يُمَكَّنُ مِنْهَا ، لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ دُونَ مَا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، ثُمَّ قَالَ : هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعَةِ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ دَعْوَاهَا النِّكَاحَ كَدَعْوَى الزَّوْجِ ،

فِيمَا ذَكَرْنَا ، مِنْ الْكَشْفِ عَنْ سَبَبِ النِّكَاحِ ، وَشَرَائِطِ الْعَقْدِ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ .

( 8499 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا سَائِرُ الْعُقُودِ غَيْرُ النِّكَاحِ ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهَا ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى الْكَشْفِ ، وَذِكْرِ الشُّرُوطِ ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا لَا يُحْتَاطُ لَهَا وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى الْكَشْفِ ، كَدَعْوَى الْعَيْنِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً أَوْ غَيْرَهَا ؛ لِأَنَّهَا مَبِيعٌ ، فَأَشْبَهَتْ الْجَارِيَةَ ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا أَوْ دَيْنًا ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ السَّبَبِ ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ ذَلِكَ تَكْثُرُ وَلَا تَنْحَصِرُ ، وَرُبَّمَا خَفِيَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ ، فَلَا يُكَلَّفُ بَيَانَهُ ، وَيَكْفِيه أَنْ يَقُولَ : أَسْتَحِقُّ هَذِهِ الْعَيْنَ الَّتِي فِي يَدِهِ ، أَوْ أَسْتَحِقُّ كَذَا وَكَذَا فِي ذِمَّتِهِ .
وَيَقُولَ فِي الْبَيْعِ : إنِّي اشْتَرَيْت مِنْهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، أَوْ بِعْتهَا مِنْهُ بِذَلِكَ .
وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : وَهِيَ مِلْكُهُ ، أَوْ وَهِيَ مِلْكِي - وَنَحْنُ جَائِزُ الْأَمْرِ - وَتَفَرَّقْنَا عَنْ تَرَاضٍ .
وَذَكَرِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْعُقُودِ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهَا ، قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ .
وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَوَجْهًا ثَالِثًا ، أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً ، اُشْتُرِطَ ذِكْرُ شُرُوطِ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ غَيْرَهَا ، لَمْ يُشْتَرَطْ ؛ لِعَدَمِ ذَلِكَ .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى فِيمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ ، أَشْبَهَ دَعْوَى الْعَيْنِ .
وَمَا لَزِمَ ذِكْرُهُ فِي الدَّعْوَى ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ ، سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ ، لِتَصِيرَ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً ، فَيُمْكِنُ الْحَاكِمَ الْحُكْمُ بِهَا .
وَقَدْ ذَكَرْنَا سَائِرَ الدَّعَاوَى فِيمَا سَبَقَ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا .

( 8500 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ ادَّعَى دَابَّةً فِي يَدِ رَجُلٍ ، فَأَنْكَرَ ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِسَمَاعِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ ، أَوْ قَالَتْ : وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا فِي يَدِ غَيْرِهِ ، فَأَنْكَرَهُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَإِنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي تُسَمَّى بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، وَبَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُسَمَّى بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَا إذَا تَعَارَضَتَا ، فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي ، وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَالٍ .
وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ .
وَعَنْهُ ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ ، وَقَالَتْ : نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ ، أَوْ اشْتَرَاهَا ، أَوْ نَسَجَهَا .
أَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ أَقْدَمَ تَارِيخًا ، قُدِّمَتْ ، وَإِلَّا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ ، فِي النِّتَاجِ وَالنَّسَّاجِ ، فِيمَا لَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ ، فَأَمَّا مَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ ، كَالصُّوفِ وَالْخَزِّ ، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا إذَا شَهِدَتْ بِالسَّبَبِ ، فَقَدْ أَفَادَتْ مَا لَا تُفِيدُهُ الْيَدُ ، وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ فِي دَابَّةٍ أَوْ بَعِيرٍ ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهَا لَهُ ، أَنْتَجَهَا ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ .
} وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، رِوَايَةً ثَالِثَةً ، أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقَدَّمُ بِكُلِّ حَالٍ .
وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ

وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .
وَقَالَ : هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلِ الشَّامِ .
وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَأَنْكَرَ الْقَاضِي كَوْنَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَالَ : لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ إذَا لَمْ تُفِدْ إلَّا مَا أَفَادَتْهُ يَدُهُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ جَنْبَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقْوَى ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ ، وَيَمِينُهُ تُقَدَّمَ عَلَى يَمِينِ الْمُدَّعِي ، فَإِذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، وَجَبَ إبْقَاءُ يَدِهِ عَلَى مَا فِيهَا ، وَتَقْدِيمُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا .
وَحَدِيثُ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى هَذَا ، فَإِنَّهُ إنَّمَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتَهُ لِيَدِهِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
فَجَعَلَ جِنْسَ الْبَيِّنَةِ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي ، فَلَا يَبْقَى فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، وَلِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي أَكْثَرُ فَائِدَةً ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا ، كَتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ .
وَدَلِيلُ كَثْرَةِ فَائِدَتِهَا ، أَنَّهَا تُثْبِتُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ ، وَبَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ إنَّمَا تُثْبِتُ ظَاهِرًا تَدُلُّ الْيَدُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ تَكُنْ مُفِيدَةً ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا رُؤْيَةَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَصَارَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَنْزِلَةِ الْيَدِ الْمُفْرَدَةِ ، فَتُقَدَّمُ عَلَيْهَا بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي ، كَمَا تُقَدَّمُ عَلَى الْيَدِ ، كَمَا أَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ لَمَّا كَانَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، لَمْ تَكُنْ لَهُمَا مَزِيَّةٌ عَلَيْهِمَا .
( 8501 ) فَصْلٌ : وَأَيُّ الْبَيِّنَتَيْنِ قَدَّمْنَاهَا ، لَمْ يَحْلِفْ صَاحِبُهَا مَعَهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يُسْتَحْلَفُ صَاحِبُ الْيَدِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ سَقَطَتَا بِتَعَارُضِهِمَا ، فَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، فَيَحْلِفُ الدَّاخِلُ

كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ .
وَلَنَا ، أَنَّ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ رَاجِحَةٌ ، فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا مُنْفَرِدَةً ، كَمَا لَوْ تَعَارَضَ خَبَرَانِ ، خَاصٌّ وَعَامٌ ، أَوْ أَحَدُهُمَا أَرْجَحُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الرَّاجِحَةَ تَسْقُطُ ، وَإِنَّمَا تُرَجَّحُ ، وَيُعْمَلُ بِهَا ، وَتَسْقُطُ الْمَرْجُوحَةُ .

( 8502 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي وَحْدَهُ ، حُكِمَ بِهَا ، وَلَمْ يَحْلِفْ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْفُتْيَا مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ ؛ مِنْهُمْ الزُّهْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ شُرَيْحٌ وَعَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : يُسْتَحْلَفُ الرَّجُلُ مَعَ بَيِّنَتِهِ .
قَالَ شُرَيْحٌ لِرَجَلٍ : لَوْ أَثْبَتِ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا شَاهِدًا ، مَا قَضَيْت لَك حَتَّى تَحْلِفَ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ : { بَيِّنَتُك ، أَوْ يَمِينُهُ ، لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ .
} وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إحْدَى حُجَّتَيْ الدَّعْوَى ، فَيَكْتَفِي بِهَا ، كَالْيَمِينِ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ ، وَالْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَالْمَجْنُونِ وَالْمُكَلَّفِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ ، أُحْلِفَ الْمَشْهُودُ لَهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي دَعْوَى الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ ، فَيَقُومَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ ، لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ .
وَهَذَا حَسَنٌ ؛ فَإِنَّ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ لِلْمُدَّعِي بِثُبُوتِ حَقِّهِ ، لَا يَنْفِي احْتِمَالَ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ ادَّعَاهُ ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ ، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا مُكَلَّفًا ، فَسُكُوتُهُ عَنْ دَعْوَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَائِهِ ، فَيَكْتَفِي بِالْبَيِّنَةِ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا ، أَوْ مِمَّنْ لَا قَوْلَ لَهُ ، نُفِيَ احْتِمَالُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ ، فَتُشْرَعُ الْيَمِينُ لَنَفْيِهِ .
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، وَكَانَتْ لِلْمُنْكِرِ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ ، وَلَمْ

يَحْتَجْ إلَى الْحَلِفِ مَعَهَا ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِهَا مَعَ التَّعَارُضِ ، وَأَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهَا ، فَمَعَ انْفِرَادِهَا أَوْلَى ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكْتَفِي بِهَا عَنْ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْيَمِينِ ، فَإِذَا اُكْتُفِيَ بِالْيَمِينِ ، فِيمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا أَوْلَى .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُشْرَعَ الْيَمِينُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ هَاهُنَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَنَدُهَا الْيَدَ وَالتَّصَرُّفَ ، فَلَا تُفِيدُ إلَّا مَا أَفَادَتْهُ الْيَدُ وَالتَّصَرُّفُ ، وَذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْ الْيَمِينِ ، فَكَذَلِكَ مَا قَامَ مَقَامَهُ .

( 8503 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى الْخَارِجُ أَنَّ الدَّابَّةَ مِلْكُهُ ، وَأَنَّهُ أَوْدَعَهَا لِلدَّاخِلِ ، أَوْ أَعَارَهُ إيَّاهَا ، أَوْ آجَرَهَا مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ؛ فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ مُقَدَّمَةٌ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي : بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَةٌ ، لِأَنَّهُ هُوَ الْخَارِجُ فِي الْمَعْنَى ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ صَاحِبُ الْيَدِ ، وَأَنْ يَدَ الدَّاخِلِ نَائِبَةٌ عَنْهُ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي } وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي ، كَمَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْإِيدَاعَ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ دَعْوَاهُ الْإِيدَاعَ زِيَادَةٌ فِي حُجَّتِهِ ، وَشَهَادَةَ الْبَيِّنَةُ بِهَا تُقَوِّيهِ لَهَا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُبْطِلَةً لِبَيِّنَتِهِ .
وَإِنْ ادَّعَى الْخَارِجُ أَنَّ الدَّاخِلَ غَصَبَهُ إيَّاهَا ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، فَهِيَ لِلْخَارِجِ ، وَيَقْتَضِي قَوْلُ الْقَاضِي أَنَّهَا لِلدَّاخِلِ ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .

( 8504 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ جِلْدُ شَاةٍ مَسْلُوخَةٍ ، وَرَأْسُهَا وَسَوَاقِطُهَا وَبَاقِيهَا فِي يَدِ آخَرَ ، فَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلَّهَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ .
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، وَقُلْنَا : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ .
فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ .
فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ .

( 8505 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٌ ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الشَّاةَ الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ لَهُ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ، وَكَانَتْ الشَّاةُ الَّتِي فِي يَدِهِ لَهُ .
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشَّاةُ الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا .
وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ : هَذِهِ الشَّاةُ الَّتِي فِي يَدِك لِي ، مِنْ نِتَاجِ شَاتِي هَذِهِ .
فَالتَّعَارُضُ فِي النِّتَاجِ ، لَا فِي الْمِلْكِ إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُثْبِتُ الْأُخْرَى وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الشَّاتَيْنِ لِي دُونَ صَاحِبِي ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، تَعَارَضَتَا ، وَانْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ فِي بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ ، فَمَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِ الْآخَرِ ، وَمَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ ، أَوْ قَدَّمَهَا إذَا شَهِدَتْ بِالنِّتَاجِ ، جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِهِ .

( 8506 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى زَيْدٌ شَاةً فِي يَدِ عَمْرٍو ، وَأَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً ، فَحَكَمَ لَهُ بِهَا حَاكِمٌ ، ثُمَّ ادَّعَاهَا عَمْرٌو عَلَى زَيْدٍ ، وَأَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً ؛ فَإِنْ قُلْنَا : بَيِّنَةُ الْخَارِجُ مُقَدَّمَةٌ .
لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَةُ عَمْرٍو ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ زَيْدٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهَا .
وَإِنْ قُلْنَا : بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَةٌ .
نَظَرْنَا فِي الْحُكْمِ كَيْفَ وَقَعَ ؛ فَإِنْ كَانَ حُكِمَ بِهَا لِزَيْدٍ لِأَنَّ عَمْرًا لَا بَيِّنَةَ لَهُ ، رُدَّتْ إلَى عَمْرٍو ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، وَالْيَدُ كَانَتْ لَهُ ، وَإِنْ حُكِمَ بِهَا لِزَيْدٍ لِأَنَّهُ يَرَى تَقْدِيمَ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ ، لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ .
وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ عَمْرٍو قَدْ شَهِدَتْ لَهُ أَيْضًا ، وَرَدَّهَا الْحَاكِمُ لِفِسْقِهَا ، ثُمَّ عُدِّلَتْ ، لَمْ يُنْقَضْ الْحُكْمُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ ، ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدُ ، لَمْ تُقْبَلْ .
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحُكْمَ كَيْفَ كَانَ ، لَمْ يُنْقَضْ ؛ لِأَنَّ حُكْمُ الْحَاكِمِ ، الْأَصْلُ جَرَيَانُهُ عَلَى الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالصِّحَّةِ ، فَلَا يُنْقَضُ بِالِاحْتِمَالِ .
فَإِنْ جَاءَ ثَالِثٌ ، فَادَّعَاهَا ، وَأَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً ، فَبَيِّنَتُهُ وَبَيِّنَةُ زَيْدٍ مُتَعَارِضَتَانِ ، وَلَا يَحْتَاجُ زَيْدٌ إلَى إقَامَةِ بَيِّنَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ شَهِدَتْ مَرَّةً ، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الشَّهَادَةِ حَالَ التَّنَازُعِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَتِهَا ، كَالْبَيِّنَةِ إذَا شَهِدَتْ ، وَوَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ حَالِهَا ، ثُمَّ بَانَتْ عَدَالَتُهَا ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ ، وَيُحْكَمُ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ شَهَادَتِهَا ، كَذَا هَاهُنَا .

( 8507 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ شَاةٌ ، فَادَّعَاهَا رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، وَادَّعَى الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ أَنَّهَا فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، فَهِيَ لِلْمُدَّعِي ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ ، وَبَيِّنَةُ الدَّاخِلِ تَشْهَدُ بِالْيَدِ خَاصَّةً ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، بِأَنْ تَكُونَ الْيَدُ عَلَى غَيْرِ مِلْكٍ ، فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ أَوْلَى .
فَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، فَقَدْ تَعَارَضَ تَرْجِيحَانِ ، تَقَدُّمُ التَّارِيخِ مِنْ جِهَةِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ ، وَكَوْنُ الْأُخْرَى بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَيَقْتَضِيه عُمُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي } ، وَلِأَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا الْيَدَ ، فَلَا تُفِيدُ أَكْثَرَ مِمَّا تُفِيدُهُ الْيَدُ ، فَأَشْبَهَتْ الصُّورَةَ الَّتِي قَبْلَهَا .
وَالثَّانِيَةُ ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ زِيَادَةً .
فَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مُنْذُ سَنَةٍ ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُقَدَّمُ فِيهَا بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ ، فَيُخَرَّجُ فِيهَا وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : فِيهَا قَوْلَانِ .
وَإِنْ ادَّعَى الْخَارِجُ أَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ سَنَةٍ ، وَادَّعَى الدَّاخِلُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ .
ذَكَرَهُ

الْقَاضِي .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فَإِنْ اتَّفَقَ تَارِيخُ السِّنِينَ ، إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ تَشْهَدُ بِنِتَاجٍ ، أَوْ بِشِرَاءٍ ، أَوْ غَنِيمَةٍ ، أَوْ إرْثٍ ، أَوْ هِبَةٍ مِنْ مَالِكٍ ، أَوْ قَطِيعَةٍ مِنْ الْإِمَامِ ، أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ ، فَفِي أَيِّهِمَا تُقَدَّمُ ؟ رِوَايَتَانِ ، ذَكَرْنَاهُمَا .
وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْآخَرِ ، قُضِيَ لَهُ بِهَا ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الِابْتِيَاعِ شَهِدَتْ بِأَمْرٍ حَادِثٍ ، خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى ، فَقُدِّمَتْ عَلَيْهَا ، كَتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى بَيِّنَةِ التَّعْدِيلِ .

( 8508 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي أَيْدِيهِمَا ، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ ، نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ ، سَقَطَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، وَكَانَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، وَكَانَتْ الْيَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي عَيْنٍ فِي أَيْدِيهِمَا ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِلْكُهُ دُونَ صَاحِبِهِ ؛ وَلَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ، وَجُعِلَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهَا ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ .
وَإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا عَنْ الْيَمِينِ ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدِ الْآخَرِ بِنُكُولِهِ .
وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا ، وَحَلَفَ الْآخَرُ ، قُضِيَ لَهُ بِجَمِيعِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدِهِ بِيَمِينِهِ ، وَمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ إمَّا بِنُكُولِهِ ، وَإِمَّا بِيَمِينِهِ الَّتِي رُدَّتْ عَلَيْهِ عِنْدَ نُكُولِ صَاحِبِهِ .
وَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ دُونَ الْآخَرِ حُكِمَ لَهُ بِهَا .
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ، وَتَسَاوَتَا ، تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، وَقُسِمَتْ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعِيرٍ ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَعِيرِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاخِلٌ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ ، خَارِجٌ عَنْ نِصْفِهَا ، فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا فِي يَدِهِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ

الدَّاخِلِ ، وَفِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، فَيَسْتَوِيَانِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ ، حَلَفَ أَنَّهَا لَا حَقَّ لِلْآخَرِ فِيهَا ، وَكَانَتْ الْعَيْنُ لَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى .
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةِ ، هَلْ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ ، أَوْ يَكُونُ لَهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ؟ فَرُوِيَ أَنَّهُ يَحْلِفُ ، وَهَذَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ لَمَّا تَعَارَضَتَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ ، وَجَبَ إسْقَاطُهُمَا ، كَالْخَبَرَيْنِ إذَا تَعَارَضَا وَتَسَاوَيَا ، وَإِذَا سَقَطَا صَارَ الْمُخْتَلِفَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ .
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ عَلَى الدَّاخِلِ مَعَ بَيِّنَتِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاخِلٌ فِي نِصْفِهَا ، فَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ بِبَيِّنَتِهِ ، وَيَحْلِفُ مَعَهَا ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، أَنَّ الْعَيْنَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَاتَيْنِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الْخَبَرَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ رَاجِحَةٌ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ الرَّاجِحَةَ يُحْكَمُ بِهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى يَمِينٍ .
فَأَمَّا إنْ شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِأَنَّ الْعَيْنَ لِهَذَا ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهَا لِهَذَا الْآخَرِ ، نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّرْجِيحِ بِهَذَا رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُرَجَّحُ بِهِ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى

الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَهُوَ مِلْكُ الْعَيْنِ الْآنَ ، فَوَجَبَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْحُكْمِ .
وَالثَّانِيَةُ ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ النِّتَاجِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ زِيَادَةَ عِلْمٍ ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ السَّبَبِ ، وَالْأُخْرَى خَفِيَ عَلَيْهَا ذَلِكَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمَا مُسْتَنِدَةً إلَى مُجَرَّدِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ ، فَتُقَدَّمُ الْأُولَى عَلَيْهَا ، كَتَقَدُّمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ .
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي فِيمَا إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا .

( 8509 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ تَقْدِيمُ أَقْدَمِهِمَا تَارِيخًا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَةَ التَّارِيخِ ، أَثْبَتَتْ الْمِلْكَ لَهُ فِي وَقْتٍ لَمْ تُعَارِضْهُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ ، وَلِهَذَا لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالنَّمَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ، وَتَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْمِلْكِ فِي الْحَالِ ، فَسَقَطَتَا ، وَبَقِيَ مِلْكُ السَّابِقِ تَجِبُ اسْتَدَامَتْهُ ، وَأَنْ لَا يَثْبُتَ لِغَيْرِهِ مِلْكٌ ، إلَّا مِنْ جِهَتِهِ .
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الشَّاهِدَ بِالْمِلْكِ الْحَادِثِ أَحَقُّ بِالتَّرْجِيحِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ دُونَ الْأَوَّلِ ، وَلِهَذَا لَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ الْآخَرِ ، أَوْ وَهَبَهُ لَهُ ، لَقُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ اتِّفَاقًا ، فَإِذَا لَمْ تُرَجَّحْ بِهَذَا ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ التَّسَاوِي .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةٍ .
قُلْنَا : إنَّمَا يَثْبُتُ تَبَعًا لِثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ ، وَلَوْ انْفَرَدَ بِأَنْ يَدَّعِيَ الْمِلْكَ فِي الْمَاضِي ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ ، فَإِنْ وُقِّتَتْ إحْدَاهُمَا وَأُطْلِقَتْ الْأُخْرَى ، فَهُمَا سَوَاءٌ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ لِمَنْ لَمْ يُوَقِّتْ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي إحْدَاهُمَا مَا يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ مِنْ تَقَدُّمِ الْمِلْكِ وَلَا غَيْرِهِ ، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا ، كَمَا لَوْ أُطْلِقَتَا ، أَوْ اسْتَوَى تَارِيخُهُمَا .

( 8510 ) فَصْلٌ : وَلَا تُرَجَّحُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ ، وَلَا اشْتِهَارِ الْعَدَالَةِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ تُرَجَّحَ بِذَلِكَ ، مَأْخُوذًا مِنْ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : وَيَتَّبِعُ الْأَعْمَى أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ يُرَجَّحُ بِذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ ، لِأَنَّهَا خَبَرٌ ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِالْمَشْهُودِ بِهِ ، وَإِذَا كَثُرَ الْعَدَدُ أَوْ قَوِيَتْ الْعَدَالَةُ ، كَانَ الظَّنُّ بِهِ أَقْوَى .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُقْسَمُ عَلَى عَدَدِ الشُّهُودِ ، فَإِذَا شَهِدَ لِأَحَدِهِمَا شَاهِدَانِ ، وَلِلْآخَرِ أَرْبَعَةٌ ، قَسَمَتْ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَيُوَزَّعُ الْحَقُّ عَلَيْهَا .
وَلَنَا ، أَنَّ الشَّهَادَةَ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْعِ ، فَلَا تَخْتَلِفُ بِالزِّيَادَةِ ، كَالدِّيَةِ ، وَتُخَالِفُ الْخَبَرَ ، فَإِنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ دُونَ الْعَدَدِ ، فَرَجَحَ بِالزِّيَادَةِ .
وَالشَّهَادَةُ يُتَّفَقُ فِيهَا عَلَى خَبَرِ الِاثْنَيْنِ ، فَصَارَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِهِمَا دُونَ اعْتِبَارِ الظَّنِّ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٍ ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ ، وَإِنْ كَثُرْنَ حَتَّى صَارَ الظَّنُّ بِشَهَادَتِهِنَّ أَغْلَبَ مِنْ شَهَادَةِ الذَّكَرَيْنِ .
وَعَلَى هَذَا لَا تُرَجَّحُ شَهَادَةُ الرَّجُلَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فِي الْمَالِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا تَعَارَضَتَا ، فَأَمَّا إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا شَاهِدَانِ وَلِلْآخَرِ شَاهِدٌ ، فَبَذَلَ يَمِينَهُ مَعَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَتَعَارَضَانِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ بِمُفْرَدِهِ ، فَأَشْبَهَا الرَّجُلَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ .
وَالثَّانِي ، يُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ ، لِأَنَّهُمَا حُجَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَالشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ

قَوْلُهُ لِنَفْسِهِ ، وَالْبَيِّنَةَ الْكَامِلَةَ شَهَادَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا ، كَتَقْدِيمِهَا عَلَى يَمِينِ الْمُنْكِرِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ .

( 8511 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا دَارٌ ، فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا كُلَّهَا وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَعَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ الْيَمِينُ لِصَاحِبِهِ ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الْمَحْكُومَ لَهُ بِهِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ .
وَلَا نَعْلَم فِي هَذَا خِلَافًا .
إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، أَنَّ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا ، لِأَنَّ النِّصْفَ لَهُ لَا مُنَازِعَ فِيهِ ، وَالنِّصْفَ الْآخَرَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ دَعْوَاهُمَا فِيهِ .
وَلَنَا أَنَّ يَدَ مُدَّعِي النِّصْفِ عَلَى مَا يَدَّعِيه ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ مَعَ يَمِينِهِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى .
فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ بِمَا يَدَّعِيه ، فَقَدْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَاهُمَا فَالنِّصْفُ ، لِمُدَّعِي الْكُلِّ ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَيِّ الْبَيِّنَتَيْنِ تُقَدَّمُ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي ، فَتَكُونُ الدَّارُ كُلُّهَا لِمُدَّعِي الْكُلِّ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَيْهِ .
فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ ثَالِثٍ لَا يَدَّعِيهَا ، فَالنِّصْفُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ ، لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، حَلَفَ ، وَكَانَ لَهُ .
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ ، تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا ، وَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا .
وَإِنْ قُلْنَا : تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ .
أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، وَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .
وَالثَّانِي ، يُقْسَمُ النِّصْفُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَهُمَا ، فَيَصِيرُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا .

( 8512 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ ثَلَاثَةٍ ، ادَّعَى أَحَدُهُمْ نِصْفَهَا ، وَادَّعَى الْآخَرُ ثُلُثَهَا ، وَادَّعَى الْآخَرُ سُدُسَهَا ، فَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى كَيْفِيَّةِ مِلْكِهِمْ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا اخْتِلَافٌ وَلَا تَجَاحُدٌ ، فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ بَاقِيَ الدَّارِ وَدِيعَةٌ ، أَوْ عَارِيَّةٌ مَعِي ، وَكَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْمِلْكِ بَيِّنَةٌ ، قُضِيَ لَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ ، وَلَا مُعَارِضَ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَأُقِرَّ فِي يَدِهِ ثُلُثُهَا .
( 8513 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا ، وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا ، وَالْآخَرُ ثُلُثَهَا ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةٌ ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْيَمِينُ عَلَى مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى ثُلُثِهَا .
وَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمْ بَيِّنَةٌ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَتْ لِمُدَّعِي الْجَمِيعِ ، فَهِيَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ لِمُدَّعِي النِّصْفِ ، أَخَذَهُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ ، لِمُدَّعِي الْكُلِّ السُّدُسُ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَيَحْلِفُ عَلَى نِصْفِ السُّدُسِ ، وَيَحْلِفُ الْآخَرُ عَلَى الرُّبْعِ الَّذِي يَأْخُذُهُ جَمِيعُهُ .
فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ ، أَخَذَهُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْآخَرَيْنِ ، لِمُدَّعِي الْكُلِّ السُّدُسُ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَيَحْلِفُ عَلَى السُّدُسِ الْآخَرِ ، وَيَحْلِفُ الْآخَرُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَأْخُذُهُ .
وَإِنْ كَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَدَّعِيه بَيِّنَةٌ ، فَإِنْ قُلْنَا : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ .
قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ؛ لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الثُّلُثِ ، وَإِنْ قُلْنَا : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ .
فَيَنْبَغِي أَنْ تَسْقُطَ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ السُّدُسُ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ خَارِجَةٌ فِيهِ ، وَلِمُدَّعِي الْكُلِّ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ ؛

لِأَنَّ لَهُ السُّدُسَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ؛ لِكَوْنِهِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ ، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه ، وَلَهُ الثُّلُثَانِ ؛ لِكَوْنِ بَيِّنَتِهِ خَارِجَةً عَنْهُمَا .
وَقِيلَ : بَلْ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ السُّدُسُ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ مُدَّعِي الْكُلِّ وَمُدَّعِي النِّصْفِ تَعَارَضَتَا فِيهِ ، فَتَسَاقَطَتَا ، وَبَقِيَ لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، وَلَا شَيْءَ لِمُدَّعِي النِّصْفِ لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ بَيِّنَةٌ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ .
وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ غَيْرِهِمْ وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ ، فَالنِّصْفُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِيه ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي ، فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ ، أَوْ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ، حَلَفَ وَأَخَذَهُ ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، حَلَفَ وَأَخَذَ الثُّلُثَ ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ فِي السُّدُسِ ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ ، حَلَفَ وَأَخَذَهُ وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ ، فَالنِّصْفُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَالسُّدُسُ الزَّائِدُ ، يَتَنَازَعَهُ مُدَّعِي الْكُلِّ وَمُدَّعِي النِّصْفِ ، وَالثُّلُثُ يَدَّعِيه الثَّلَاثَةُ ، وَقَدْ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَاتُ فِيهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : تَسْقُطُ الْبَيِّنَاتُ .
أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ ، حَلَفَ وَأَخَذَهُ ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ إذْ كَانَ بِالْعِرَاقِ .
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : إذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَاتُ ، قُسِمَتْ الْعَيْنُ بَيْنَ الْمُتَدَاعِينَ .
فَلِمُدَّعِي الْكُلِّ النِّصْفُ وَنِصْفُ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ وَثُلُثُ الثُّلُثِ ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ نِصْفُ السُّدُسِ وَثُلُثُ الثُّلُثِ ، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ ثُلُثُهُ وَهُوَ التُّسْعُ ، فَتُخَرَّجُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ؛ لِمُدَّعِي الْكُلِّ النِّصْفُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ،

وَنِصْفُ السُّدُسِ ثَلَاثَةٌ ، وَالتُّسْعُ أَرْبَعَةٌ ، فَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ سَبْعَةٌ ، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ وَهُوَ التُّسْعُ .
وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ قَتَادَةَ ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَحَمَّادٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَأْخُذُ مُدَّعِي الْكُلِّ النِّصْفَ ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ .
وَيُرْوَى هَذَا عَنْ مَالِكٍ .
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ : تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ عَوْلِ الْفَرَائِضِ ، لِصَاحِبِ الْكُلِّ سِتَّةٌ ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَانِ ، فَتَصِحُّ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا .
وَسُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ عَنْ ثَلَاثَةٍ ادَّعَوْا كِيسًا وَهُوَ بِأَيْدِيهِمْ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ ، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى مَا ادَّعَاهُ ؛ ادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهُ ، وَادَّعَى آخَرُ ثُلُثَيْهِ ، وَادَّعَى آخَرُ نِصْفَهُ ؟ فَأَجَابَ فِيهِمْ بِشِعْرٍ : يَقُولُ نَظَرْت أَبَا يَعْقُوبَ فِي الْحِسَبِ الَّتِي طَرَتْ فَأَقَامَتْ مِنْهُمْ كُلَّ قَاعِدِ فَلِلْمُدَّعِي الثُّلْثَيْنِ ثُلْثٌ وَلِلَّذِي اسْتَلَاطَ جَمِيعُ الْمَالِ عِنْدَ التَّحَاشُدِ مِنْ الْمَالِ نِصْفٌ غَيْرُ مَا سَيَنُوبُهُ وَحِصَّتُهُ مِنْ نِصْفِ ذَا الْمَالِ زَائِدِ وَلِلْمُدَّعِي نِصْفًا مِنْ الْمَالِ رُبْعُهُ وَيُؤْخَذُ نِصْفُ السُّدْسِ مِنْ كُلِّ وَاحِدِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَسَمَ الْمَالَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الْعَوْلِ ، فَكَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَالَتْ مِنْ سِتَّةٍ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخَذَ مَخْرَجَ الْكُسُورِ ، وَهِيَ سِتَّةٌ فَجَعَلَهَا لِمُدَّعِي الْكُلِّ ، وَثُلُثَاهَا أَرْبَعَةٌ لِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ ، وَنِصْفُهَا ثَلَاثَةٌ ، لِمُدَّعِي النِّصْفِ ، صَارَتْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ .

( 8514 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِي أَرْبَعَةٍ ، فَادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا ، وَالثَّانِي ثُلُثَيْهَا ، وَالثَّالِثُ نِصْفَهَا ، وَالرَّابِعُ ثُلْثَهَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ وَلَهُ رُبْعُهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ .
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ بَيِّنَةً ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا أَيْضًا ؛ لِأَنَّنَا إنْ قُلْنَا : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ .
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَاخِلٌ فِي رُبْعِهَا ، فَتُقَدَّم بَيِّنَتُهُ فِيهِ .
وَإِنْ قُلْنَا : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ .
فَإِنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، فَأَنْكَرَهُمَا ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، تَعَارَضَتَا ، وَأُقِرَّ الشَّيْءُ فِي يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ .
وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ خَامِسٍ لَا يَدَّعِيهَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ ، فَالثُّلُثُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِي الْبَاقِي ، فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ ، أَوْ لِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ ، أَخَذَهُ ، وَإِنْ وَقَعَتْ لِمُدَّعِي النِّصْفِ ، أَخَذَهُ ، وَأَقْرَعَ بَيْنَ الْبَاقِينَ فِي الْبَاقِي ، وَإِنْ وَقَعَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، أَخَذَهُ ، وَأَقْرَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي الثُّلُثِ الْبَاقِي .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَالشَّافِعِيِّ إذْ كَانَ بِالْعِرَاقِ ، إلَّا أَنَّهُمْ عَبَّرُوا عَنْهُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى ، فَقَالُوا : لِمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثُ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ فِي السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنْ النِّصْفِ ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مُدَّعِي النِّصْفِ فِي السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ فِي الثُّلُثِ الْبَاقِي ، وَيَكُونُ الْإِقْرَاعُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ .
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، الثُّلُثُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ، وَيُقْسَمُ السُّدُسُ الزَّائِدُ عَنْ النِّصْفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ ، ثُمَّ يُقْسَمُ السُّدُسُ

الزَّائِدُ عَنْ الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مُدَّعِي النِّصْفِ أَثْلَاثًا ، ثُمَّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ الْبَاقِي بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ أَرْبَاعًا ، وَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ، لِصَاحِبِ الْكُلِّ ثُلُثُهَا اثْنَا عَشَرَ ، وَنِصْفُ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ ، وَثُلُثُ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ سَهْمَانِ ، وَرُبْعُ الثُّلُثِ الْبَاقِي ثَلَاثَةٌ ، فَيَحْصُلُ لَهُ عِشْرُونَ سَهْمًا ، وَهِيَ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ الدَّارِ .
وَلِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ ، تُسْعَانِ وَهِيَ مِثْلُ مَا لِمُدَّعِي الْكُلِّ بَعْدَ الثُّلُثِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ ، تُسْعٌ وَرُبْعُ تُسْعٍ ، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ ثَلَاثَةٌ ، نِصْفُ السُّدُسِ .
وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَسَمَهَا عَلَى الْعَوْلِ ، هِيَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ ، لِصَاحِبِ الْكُلِّ سِتَّةٌ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ أَرْبَعَةٌ ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَانِ .
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ ، لِصَاحِبِ الْكُلِّ الثُّلُثُ ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ .

( 8515 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، وَأَنَّهَا لِأَحَدِهِمَا لَا يَعْرِفُهُ عَيْنًا ، قُرِعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ ، حَلَفَ ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، فَأَنْكَرَهُمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .
وَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، وَقَالَ : لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا .
أَوْ قَالَ : هِيَ لِأَحَدِكُمَا ، لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا .
أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ ، حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا عَيْنًا ، لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ ، أَحَبَّا أَمْ كَرِهَا } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَى ، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا يَدٌ ، وَالْقُرْعَةُ تُمَيِّزُ عَنَدَ التَّسَاوِي ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُمْ ، فِي مَرَضِ مَوْتِهِ .
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .
وَإِنْ كَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ ، وَيَقْتَرِعُ الْمُدَّعِيَانِ عَلَى الْيَمِينِ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي .
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْقُرْعَةَ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَعَهُمَا بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ .
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدِيمُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ .
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، { أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرٍ ، وَجَاءَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِشُهُودٍ عُدُولٍ ،

عَلَى عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ فَأَسْهَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا } .
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، فِي " مُسْنَدِهِ " .
وَلِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ حُجَّتَانِ تَعَارَضَتَا ، مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، فَسَقَطَتَا ، كَالْخَبَرَيْنِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ .
وَفِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِمَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا .
وَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَحَمَّادٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى ، { أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعِيرٍ ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ ؛ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ } .
وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي دَعْوَاهُ ، فَيَتَسَاوَيَانِ فِي قِسْمَتِهِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، تُقَدَّمُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَلَهُ قَوْلٌ رَابِعٌ ، يُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ ، كَالْحَاكِمِ إذَا لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْحُكْمُ فِي قَضِيَّتِهِ .
وَلَنَا ، الْخَبَرَانِ ، وَأَنَّ تَعَارُضَ الْحُجَّتَيْنِ لَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ ، كَالْخَبَرَيْنِ ، بَلْ إذَا تَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ ، أَسْقَطْنَاهُمَا ، وَرَجَعْنَا إلَى دَلِيلٍ غَيْرِهِمَا .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّنَا إذَا قُلْنَا : إنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ تَسْقُطَانِ .
أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَته ، حَلَفَ ، وَأَخَذَهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ .
وَإِنْ قُلْنَا : يُعْمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُغْنِي عَنْ الْيَمِينِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عَلَيْهِ الْيَمِينُ مَعَ الْبَيِّنَةِ ، تَرْجِيحًا لَهَا .
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ

كَالْأُولَى فِي هَذَا الْحُكْمِ ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ آخَرَ ، سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 8516 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَنْكَرَهَا مَنْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ ، وَكَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا .
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ، فَإِنْ قُلْنَا : تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ .
أُخِذَتْ الْعَيْنُ مِنْ يَدِهِ ، وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الْقِسْمَةَ ، أَوْ تُدْفَعُ إلَى مِنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ ، عَلَى قَوْلِ مِنْ يَرَى ذَلِكَ .
وَإِنْ قُلْنَا : تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ ، حَلَفَ صَاحِبُ الْيَدِ ، وَأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَهُمَا ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا ، قُبِلَ إقْرَارُهُ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا فِي الِابْتِدَاءِ لِأَحَدِهِمَا ، صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ صَاحِبَ الْيَدِ ؛ لِأَنَّ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ مُقِرٌّ بِأَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِهِ .
وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا ، فَالْيَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ، الْجُزْءِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ ؛ لِذَلِكَ .

( 8517 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، فَقَالَ : هِيَ لِأَحَدِكُمَا لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا .
أَوْ قَالَ : لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا ، أَهُوَ أَحَدُكُمَا أَوْ غَيْرُكُمَا .
أَوْ قَالَ : أَوْدَعَنِيهَا أَحَدُكُمَا .
أَوْ : رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّك تَعْلَمُ أَنِّي صَاحِبُهَا ، أَوْ أَنِّي الَّذِي أَوْدَعْتُكَهَا ، أَوْ طَلَبَتْ يَمِينَهُ ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ ، وَمَنْ لَزِمَهُ الْحَقُّ مَعَ الْإِقْرَارِ ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ ، وَيَحْلِفُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ نَفْيِ الْعِلْمِ .
وَإِنْ صَدَّقَاهُ ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا ، حَلَفَ لِلْآخَرِ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، أَوْ غَيْرِهِمَا ، صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ صَاحِبَ الْيَدِ .
فَإِنْ قَالَ غَيْرُ الْمُقَرِّ لَهُ : احْلِفْ لِي أَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ مِلْكِي ، أَوْ أَنِّي لَسْت الَّذِي أَوْدَعْتُكهَا .
لَزِمَهُ الْيَمِينُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَإِنْ نَكِلَ عَنْ الْيَمِينِ ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهَا .
وَإِنْ اعْتَرَفَ بِهَا لَهُمَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا ابْتِدَاءً ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ الْمَحْكُومِ بِهِ لِصَاحِبِهِ ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْيَمِينُ لِصَاحِبِهِ فِي النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ .

( 8518 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ ، فَادَّعَاهَا نَفْسَانِ ، قَالَ أَحَدُهُمَا : آجَرْتُكهَا .
وَقَالَ الْآخَرُ : هِيَ دَارِي أَعَرْتُكهَا .
أَوْ قَالَ : هِيَ دَارِي وَرِثْتهَا مِنْ أَبِي .
أَوْ قَالَ : هِيَ دَارِي .
وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ ، فَأَنْكَرْهُمَا صَاحِبُ الْيَدِ ، وَقَالَ : هِيَ دَارِي .
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .
وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا .
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا ادَّعَاهُ بَيِّنَةً ، تَعَارَضَتَا ، وَكَانَ الْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُقَدَّمُ فِيهَا الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِالسَّبَبِ ، فَإِنَّ بَيِّنَةَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَرِثَهَا مُقَدَّمَةٌ ؛ لِشَهَادَتِهَا بِالسَّبَبِ .
وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهَا ، فَهِيَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ ، بِأَنْ يَكُونَ غَصَبَهَا مِنْ هَذَا ، وَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ ، وَإِقْرَارُ الْغَاصِبِ بَاطِلٌ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
فَتُدْفَعُ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، وَلَا يَغْرَمُ لِلْمُقِرِّ لَهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ مَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، وَإِنَّمَا حَالَتْ الْبَيِّنَةُ بَيْنَهُمَا .
وَلَوْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْ غَيْرِهِ ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا إلَى مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا أَوَّلًا ، وَلَزِمَهُ غَرَامَتُهَا لِلْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِإِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ .

( 8519 ) فَصْلٌ : نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلَيْنِ ثَوْبَيْنِ ، أَحَدَهُمَا بِعَشَرَةٍ وَالْآخَرَ بِعِشْرِينَ ، ثُمَّ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا ثَوْبُ هَذَا مِنْ ثَوْبِ هَذَا ، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ثَوْبًا مِنْ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ ، يَعْنِي وَادَّعَاهُ الْآخَرُ ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَأَيُّهُمَا أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَكَانَ الثَّوْبُ الْجَيِّدُ لَهُ ، وَالْآخَرُ لِلْآخَرِ .
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا تَنَازَعَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا .

( 8520 ) فَصْلٌ : إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : هَذِهِ الْعَيْنُ لِي ، اشْتَرَيْتهَا مِنْ زَيْدٍ بِمِائَةٍ ، وَنَقَدْتُهُ إيَّاهَا .
وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِنْ أَنْكَرَهُمَا زَيْدٌ ، حَلَفَ ، وَكَانَتْ الْعَيْنُ لَهُ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا ، سَلَّمَهَا إلَيْهِ وَحَلَفَ لِلْآخَرِ .
وَإِنْ أَقَرَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِهَا ، سُلِّمَتْ إلَيْهِمَا ، وَحَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهَا .
وَإِنْ قَالَ : لَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ مِنْكُمَا .
أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا .
وَإِنْ حَلَفَ الْبَائِعُ أَنَّهَا لَهُ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا ، سُلِّمَتْ إلَيْهِ ، ثُمَّ إنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْآخَرِ ، لَزِمَتْهُ غَرَامَتُهَا لَهُ .
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا ادَّعَاهُ بَيِّنَةً ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي الْمُحَرَّمِ ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي صَفَرٍ ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ بِدَعْوَاهُ ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ بَاعَهَا لِلْأَوَّلِ ، فَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا ، فَيَكُونُ بَيْعُهُ فِي صَفَرٍ بَاطِلًا ، لِكَوْنِهِ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ ، وَيُطَالَبُ بِرَدِّ الثَّمَنِ .
وَإِنْ كَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخِ وَاحِدٍ ، أَوْ مُطْلِقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلِقَةً وَالْأُخْرَى مُؤَرِّخَةً ، تَعَارَضَتَا ؛ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ ، فَيُنْظَرُ فِي الْعَيْنِ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ ، فَمَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ جَعَلَهَا لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ ، وَمِنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، جَعَلَهَا لِلْخَارِجِ .
وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، وَقُلْنَا : تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ .
رُجِعَ إلَى الْبَائِعِ ، فَإِنْ أَنْكَرَهُمَا ، حَلَفَ لَهُمَا ، وَكَانَتْ لَهُ ، وَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا ، سُلِّمَتْ إلَيْهِ ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ ،

وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا ، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ .
وَإِنْ قُلْنَا : لَا تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ .
لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ وَلَا اعْتِرَافِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ زَوَالُ مِلْكِهِ ، وَأَنَّ يَدَهُ لَا حُكْمَ لَهَا ، فَلَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ ، فَمَنْ قَالَ : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا .
أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا سِوَى هَذَا .
وَمَنْ قَالَ : تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا .
قُسِمَتْ .
وَهَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْكَوْسَجِ ، فِي رَجُلٍ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى سِلْعَةً بِمِائَةٍ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِمِائَتَيْنِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ مِنْ السِّلْعَةِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ وَحَمَلَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ فِي أَيْدِيهِمَا ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ أَقَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا .
وَإِطْلَاقُ الرِّوَايَةِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ فَعَلَى هَذَا ، إنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إلَّا بِقَبْضِهِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ عَلَيْهِ .
فَإِنْ اخْتَارَا الْإِمْسَاكَ ، رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، وَإِنْ اخْتَارَا الْفَسْخَ رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، وَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ ، تَوَفَّرَتْ السِّلْعَةُ كُلُّهَا عَلَى الْآخَرِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ حَكَمَ لَهُ بِنِصْفِ السِّلْعَةِ وَنِصْفِ الثَّمَنِ ، فَلَا يَعُودُ النِّصْفُ الْآخَرُ إلَيْهِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي كُلِّ مَبِيعٍ .

( 8521 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ بِمِائَةٍ ، وَهِيَ مِلْكُهُ ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو ، وَهِيَ مِلْكُهُ ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَعْوَاهُ بَيِّنَةً ، فَهَذِهِ تُشْبِهُ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْمَعْنَى ، فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ .
وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدَيْهِمَا ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاخِلَةٌ فِي أَحَدِ النِّصْفَيْنِ ، خَارِجَةٌ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ .
وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ ، فَأَنْكَرَهُمَا ، وَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ .
فَإِنْ قُلْنَا : تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ .
حَلَفَ ، وَكَانَتْ لَهُ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا ، صَارَ الدَّاخِلَ ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهَا لَهُ .
وَإِنْ قُلْنَا : تُقَدَّمُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ .
فَهِيَ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ مَعَ يَمِينِهِ .
وَإِنْ قُلْنَا : تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا .
قُسِمَتْ ، وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ ثَمَنِهَا .
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُقِرًّا بِقَبْضِهِ ، فَلَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا رُجُوعَ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ الْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، وَلَمْ يُقْبَضْ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ ، فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ ، لَمْ يَتَوَفَّرْ الْمَبِيعُ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ اثْنَانِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .

( 8522 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ ، فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلَانِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّنِي اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ .
وَإِنْ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا ، أَوْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا ، تَعَارَضَتَا ، وَإِنْ قُدِّمَ تَارِيخُ إحْدَاهُمَا ، فَهَلْ تُرَجَّحُ بِذَلِكَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
فَأَمَّا إنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِغَصْبِهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَى الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهَا أَوَّلًا ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِلْآخَرِ .

( 8523 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّك اشْتَرَيْتهَا مِنِّي بِأَلْفٍ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، وَاتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : اشْتَرَاهَا مِنِّي مَعَ الزَّوَالِ ، يَوْمَ كَذَا لَيَوْمٍ وَاحِدٍ ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ .
فَإِنْ قُلْنَا : تَسْقُطَانِ .
رُجِعَ إلَى قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَنْكَرْهُمَا ، حَلَفَ لَهُمَا ، وَبَرِئَ .
وَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا ، فَعَلَيْهِ لَهُ الثَّمَنُ ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ .
وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا مَعًا ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الثَّمَنُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ أَحَدِهِمَا ، ثُمَّ يَهَبَهَا لِلْآخَرِ وَيَشْتَرِيَهَا مِنْهُ .
وَإِنْ قَالَ : اشْتَرَيْتهَا مِنْكُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً بِأَلْفٍ .
فَقَدْ أَقَرَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ عَلَى الْبَاقِي .
وَإِنْ قُلْنَا : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا .
فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، وَجَبَ لَهُ الثَّمَنُ ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ ، وَيَبْرَأُ .
وَإِنْ قُلْنَا : يُقْسَمُ .
قُسِمَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا ، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْبَاقِي .
وَإِنْ كَانَ التَّارِيخَانِ مُخْتَلِفَيْنِ ، أَوْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً ، وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةً ، ثَبَتَ الْعَقْدَانِ ، وَلَزِمَهُ الثَّمَنَانِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ يَمْلِكَهَا الْآخَرُ ، فَيَشْتَرِيَهَا مِنْهُ ، وَإِذَا أَمْكَنَ صِدْقُ الْبَيِّنَتَيْنِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَجَبَ تَصْدِيقُهُمَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ إذَا كَانَ الْبَائِعُ وَاحِدًا وَالْمُشْتَرِي اثْنَانِ ، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي الْمُحَرَّمِ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي صَفَرٍ ، يَكُونُ الشِّرَاءُ الثَّانِي بَاطِلًا ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْأَوَّلِ ، لَمْ يُبْطِلُهُ بِأَنْ يَبِيعَهُ الثَّانِي ثَانِيًا ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا ثُبُوتُ شِرَائِهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُبْطِلُ مِلْكَهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ

ثَانِيًا مِلْكَ نَفْسِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْبَائِعُ مَا لَيْسَ لَهُ ، فَافْتَرَقَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ تَارِيخُهُمَا وَاحِدًا ، فَيَتَعَارَضَانِ ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، فَلَا تُشْغَلُ بِالشَّكِّ .
قُلْنَا : إنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ صِدْقُ الْبَيِّنَتَيْنِ ، وَجَبَ تَصْدِيقُهُمَا ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ شَكٌّ ، وَإِنَّمَا يَبْقَى الْوَهْمُ ، وَالْوَهْمُ لَا تَبْطُلُ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، لِأَنَّهَا لَوْ بَطَلَتْ بِهِ ، لَمْ يَثْبُتْ بِهَا حَقٌّ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ بَيِّنَةٍ إلَّا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كَاذِبَةً ، أَوْ غَيْرَ عَادِلَةٍ ، أَوْ مُتَّهَمَةً ، أَوْ مُعَارَضَةً ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى هَذَا الْوَهْمِ ، كَذَا هَاهُنَا .

( 8524 ) فَصْلٌ : إذَا مَاتَ رَجُلٌ ، فَشَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ ابْنُ هَذَا الْمَيِّتِ ، لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ ، وَشَهِدَ آخَرَانِ لِآخَرَ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ ابْنُ هَذَا الْمَيِّتِ ، لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، وَثَبَتَ نَسَبُ الْغُلَامَيْنِ مِنْهُ ، وَيَكُونُ الْإِرْثُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَعْلَمَ كُلُّ بَيِّنَةٍ مَا لَمْ تَعْلَمْهُ الْأُخْرَى .

( 8525 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَبْدًا فِي يَدِ آخَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، فَأَنْكَرَهُمَا ، حَلَفَ لَهُمَا ، وَالْعَبْدُ لَهُ .
وَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا ، ثَبَتَ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ .
وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ ، ثَبَتَ .
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، وَكَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، قَدَّمْنَا الْأُولَى ، وَبَطَلَتْ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ إنْ سَبَقَ الْعِتْقُ ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْحُرِّ لَا يَصِحُّ ، وَإِنْ سَبَقَ الْبَيْعُ ، لَمْ يَصِحَّ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَادَ إلَى مِلْكِهِ فَأَعْتَقَهُ .
قُلْنَا : قَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي ، فَلَا يُبْطِلُهُ عِتْقُ الْبَائِعِ .
وَإِنْ كَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخِ وَاحِدٍ ، أَوْ مُطْلِقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلِقَةً ، تَعَارَضَتَا ؛ لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى .
فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ ، فَإِنْ قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ، وَإِنْ قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، قُدِّمَ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ .
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، وَقُلْنَا : إنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ تَسْقُطَانِ بِالتَّعَارُضِ ، صَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، وَيَرْجِعُ إلَى السَّيِّدِ ، فَإِنْ أَنْكَرَهُمَا ، حَلَفَ لَهُمَا ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْعِتْقِ ، ثَبَتَ ، وَلَمْ يَحْلِفْ الْعَبْدُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ مَا أَعْتَقَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي إحْلَافِهِ ، وَيَحْلِفُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي .
وَإِنْ أَقَرَّ لِلْمُشْتَرِي ثَبَتَ الْمِلْكُ ، وَلَمْ يَحْلِفْ الْعَبْدُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمٌ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي إحْلَافِهِ .
وَإِنْ قُلْنَا : يُسْتَعْمَلَانِ فَاعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يُرَجَّحْ

بِاعْتِرَافِهِ لِأَنَّ مِلْكُهُ قَدْ زَالَ فَإِنْ قُلْنَا تُرَجَّحُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِالْقُرْعَةِ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ ، قَدَّمْنَاهُ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ .
فَعَلَى هَذَا ، يَحْلِفُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .
وَإِنْ قُلْنَا : يُقْسَمُ .
قَسَمْنَا الْعَبْدَ ، فَجَعَلْنَا نِصْفَهُ مَبِيعًا وَنِصْفَهُ حُرًّا ، وَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى جَمِيعِهِ إنْ كَانَ الْبَائِعُ مُوسِرًا ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مُخْتَارًا ، وَقَدْ ثَبَتَ الْعِتْقُ فِي نِصْفِهِ بِشَهَادَتِهِمَا .

( 8526 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى رَجُلٌ زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ، فَأَقَرَّتْ بِذَلِكَ ، قُبُلِ إقْرَارُهَا ، لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا وَهِيَ غَيْرُ مُتَّهَمَةٍ ، فَإِنَّهَا لَوْ أَرَادَتْ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ ، لَمْ تُمْنَعْ مِنْهُ .
وَإِنْ ادَّعَاهَا اثْنَانِ ، فَأَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ يَدَّعِي مِلْكَ نِصْفِهَا ، وَهِيَ مُعْتَرِفَةٌ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ مَلَكَ عَلَيْهَا ، فَصَارَ إقْرَارُهَا بِحَقِّ غَيْرِهَا ؛ وَلِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ ، فَإِنَّهَا لَوْ أَرَادَتْ ابْتِدَاءَ تَزْوِيجِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ قَبْلَ الِانْفِصَالِ مِنْ دَعْوَى الْآخَرِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ ، فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا ، قُبِلَ .
قُلْنَا : لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِإِقْرَارِهِ فِي الْعَيْنِ ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُهُ كَصَاحِبِ الْيَدِ ، فَيَحْلِفُ ، وَالنِّكَاحُ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْيَمِينِ ، فَلَمْ يَنْفَعْ الْإِقْرَارُ بِهِ هَاهُنَا ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ .
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، تَعَارَضَتَا ، وَسَقَطَتَا ، وَحِيلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهَا ، وَلَا يُرَجَّحُ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بِإِقْرَارِ الْمَرْأَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلَا بِكَوْنِهَا فِي بَيْتِهِ وَيَدِهِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَثْبُتُ عَلَى حُرَّةٍ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْقِسْمَةِ هَاهُنَا ، وَلَا إلَى الْقُرْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ الْقُرْعَةِ مِنْ الْيَمِينِ ، وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي النِّكَاحِ .

( 8527 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ : إنْ قُتِلْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ .
ثُمَّ مَاتَ ، فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَتْلِ ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، عَتَقَ ، وَإِنْ أَقَامَ الْوَرَثَةُ بَيِّنَةً بِمَوْتِهِ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِزِيَادَةِ ، وَهِيَ الْقَتْلُ .
وَالثَّانِي ، تَتَعَارَضَانِ ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا تَشْهَدُ بِضِدِّ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى ، فَيَبْقَى عَلَى الرِّقِّ .
وَإِنْ قَالَ : إنْ مِتُّ فِي رَمَضَانَ ، فَعَبْدِي سَالِمٌ حُرٌّ ، وَإِنْ مِتُّ فِي شَوَّالَ فَعَبْدِي غَانِمٌ حُرٌّ .
ثُمَّ مَاتَ ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْتَهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ فِيهِ وَأَنْكَرَهُمَا الْوَرَثَةُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ .
وَإِنْ أَقَرُّوا لِأَحَدِهِمَا ، عَتَقَ بِإِقْرَارِهِمْ .
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سَالِمٍ ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ ، فَإِنَّهَا أَثْبَتَتْ مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى ، وَهُوَ مَوْتُهُ فِي رَمَضَانَ .
وَالثَّانِي ، يَتَعَارَضَانِ ، وَيَبْقَى الْعَبْدَانِ عَلَى الرِّقِّ ؛ لِأَنَّهُمَا سَقَطَا ، فَصَارَا ، كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا .
وَالثَّالِثُ ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَيَعْتِقُ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ ، وَإِنْ قَالَ : إنْ بَرِئْت مِنْ مَرَضِي هَذَا ، فَسَالِمٌ حُرٌّ ، وَإِنْ مِتّ مِنْهُ ، فَغَانِمٌ حُرٌّ ، فَمَاتَ ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبَ عِتْقِهِ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، عَتَقَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بَرَأَ أَوْ لَمْ يَبْرَأْ ، فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَلَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهُ فَيُخْرَجُ بِالْقُرْعَةِ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا ، فَأَشْكَلَ عَلَيْنَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ قَوْلُ غَانِمٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُرْءِ .
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ

وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَتَعَارَضَانِ ، وَيَبْقَى الْعَبْدَانِ عَلَى الرِّقِّ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُكَذِّبُ الْأُخْرَى ، وَتُثْبِتُ زِيَادَةً تَنْفِيَهَا الْأُخْرَى .
وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ ؛ لِأَنَّ لِلتَّعَارُضِ أَثَرَهُ فِي إسْقَاطِ الْبَيِّنَتَيْنِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُونَا أَصْلًا لَعَتَقَ أَحَدُهُمَا ، فَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَتَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَّقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِتْقَ أَحَدِهِمَا ، فَيَلْزَمُ وُجُودُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا ، فَسَالِمٌ حُرٌّ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَغَانِمٌ حُرٌّ .
وَلَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا قُدِّمَتْ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ ، فِي رِوَايَةٍ .
وَالثَّانِي ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سَالِمٍ ؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ بِزِيَادَةٍ ، وَهِيَ الْبُرْءُ .
وَإِنْ أَقَرَّ الْوَرَثَةُ لِأَحَدِهِمْ ، عَتَقَ بِإِقْرَارِهِمْ ، وَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْآخَرِ مِمَّا ذَكَرْنَا ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ عَدْلَانِ مِنْهُمْ بِذَلِكَ ، مَعَ انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ ، فَيَعْتِقَ وَحْدَهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلْآخَرِ بَيِّنَةٌ .

( 8528 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى سَالِمٌ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَادَّعَى عَبْدُهُ الْآخَرُ غَانِمٌ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ مَالِهِ ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَعْوَاهُ بَيِّنَةً فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ مَا شَهِدَتْ بِهِ كُلُّ بَيِّنَةٍ لَا يَنْفِي مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى ، وَلَا تُكَذِّبُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ، فَيَثْبُتُ إعْتَاقُهُ لَهُمَا ، ثُمَّ يُنْظَرُ ، فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، عَتَقَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا .
وَرَقَّ الثَّانِي ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ، لِأَنَّ الْمَرِيضَ إذَا تَبَرَّعَ بِتَبَرُّعَاتٍ ، يَعْجِزُ ثُلُثُهُ عَنْ جَمِيعِهَا ، قُدِّمَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ ، وَإِنْ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا ، أَوْ أُطْلِقَتَا ، أَوْ إحْدَاهُمَا ، فَهُمَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّهُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، فَيَسْتَوِيَانِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، عَتَقَ ، وَرَقَّ الْآخَرُ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْتَقَهُمَا مَعًا ، فَيُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَبِيدِ السِّتَّةِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ سَيِّدُهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ، أَوْ يَكُونَ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ ، وَأَشْكَلَ عَلَيْنَا ، فَيُخْرَجَ بِالْقُرْعَةِ ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ .
وَقِيلَ : يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ .
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْدِيلِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ فِي الْقُرْعَةِ ، قَدْ يَرِقُّ السَّابِقُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِتْقِ ، وَيَعْتِقُ الثَّانِي الْمُسْتَحِقُّ لِلرِّقِّ ، وَفِي الْقِسْمَةِ لَا يَخْلُو الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِتْقِ مِنْ حُرِّيَّةٍ ، وَلَا الْمُسْتَحِقُّ لِلرِّقِّ مِنْ رِقٍّ ، وَلِذَلِكَ قَسَمْنَا الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، إذَا تَعَارَضَتْ بِهِ بَيِّنَتَانِ .
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ شُبْهَةٍ بِإِحْدَى

الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا .
وَالْقُرْعَةُ ثَابِتَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ فِي الْقُرْعَةِ احْتِمَالَ إرْقَاقِ نِصْفِ الْحُرِّ .
قُلْنَا : وَفِي الْقِسْمَةِ إرْقَاقُ نِصْفِ الْحُرِّ يَقِينًا ، وَتَحْرِيرُ نِصْفِ الرَّقِيقِ يَقِينًا ، وَهُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا .
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا الثُّلُثَ ، وَقِيمَةُ الْآخَرِ دُونَ الثُّلُثِ ، فَكَانَ الْأَوَّلَ أَوْ الَّذِي خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ الثُّلُثَ ، عَتَقَ ، وَرَقَّ الْآخَرُ .
وَإِنْ كَانَ هُوَ النَّاقِصَ عَنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ ، وَعَتَقَ مِنْ الْآخَرِ تَمَامُ الثُّلُثِ .
وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، وَلَا بَيِّنَةَ لِلْآخَرِ ، أَوْ بَيِّنَةٌ فَاسِقَةٌ ، عَتَقَ صَاحِبُ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ، وَرَقَّ الْآخَرُ .
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ ، إلَّا أَنَّ إحْدَاهُمَا تَشْهَدُ أَنَّهُ أَعْتَقَ سَالِمًا فِي مَرَضِهِ ، وَالْأُخْرَى تَشْهَدُ بِأَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ ، وَكَانَ سَالِمٌ ثُلُثَ الْمَالِ ، عَتَقَ وَحْدَهُ وَوَقَفَ عِتْقُ غَانِمٍ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ .
وَإِنْ كَانَ سَالِمٌ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ مِنْ غَانِمٍ تَمَامُ الثُّلُثِ .
وَإِنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ سَالِمٍ ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ ، فَهُمَا سَوَاءٌ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ يَسْتَوِي فِيهَا الْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى : يَعْتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا وَالْآخَرُ حُرًّا ، وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا ، فَيَجِبُ أَنْ تُقْسَمَ الْوَصِيَّةُ بَيْنَهُمَا ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِاثْنَيْنِ بِمَالٍ .
وَالْأَوَّلُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْإِعْتَاقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْإِعْتَاقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ

أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِيَ لِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ فِي أَحَدُهُمَا فِي الْحَيَاةِ مَوْجُودٌ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، فَيَثْبُتُ .
فَأَمَّا إنْ صَرَّحَ ، فَقَالَ : إذَا مِتّ ، فَنِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ سَالِمٍ وَغَانِمٍ حُرٌّ .
أَوْ كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا يَقْتَضِيه ، أَوْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ ، ثَبَتَ مَا اقْتَضَاهُ .

فَصْلٌ : وَإِنْ خَلَّفَ الْمَرِيضُ ابْنَيْنِ ، لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُمَا ، فَشَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ سَالِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَشَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ ، وَلَمْ يَطْعَنْ الِابْنَانِ فِي شَهَادَتِهِمَا ، وَكَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ عَادِلَتَيْنِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ ، سَوَاءً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَيِّتَ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ .
فَإِنْ طَعَنَ الِاثْنَانِ فِي شَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، وَقَالَا : مَا أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ ، إنَّمَا أَعْتَقَ سَالِمًا .
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ مُثْبِتَةٌ ، وَالْأُخْرَى نَافِيَةٌ ، وَقَوْلُ الْمُثْبِتُ يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ النَّافِي ، وَيَكُونُ حُكْمُ مَا شَهِدَتْ بِهِ حُكْمَ مَا إذَا لَمْ يَطْعَنْ الْوَرَثَةُ فِي شَهَادَتِهِمَا ، فِي أَنَّهُ يَعْتِقُ إنْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ عِتْقِهِ ، أَوْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، وَيَرِقُّ إذَا تَأَخَّرَ تَارِيخُهُ ، أَوْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِهِ .
وَأَمَّا الَّذِي شَهِدَ بِهِ الِابْنَانِ ، فَيَعْتِقُ كُلُّهُ ؛ لَإِقْرَارِهِمَا بِإِعْتَاقِهِ وَحْدَهُ ، وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْحُرِّيَّةِ .
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي .
وَقِيلَ : يَعْتِقُ ثُلُثَاهُ إنْ حُكِمَ بِعِتْقِ سَالِمٍ ، وَهُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْأَجْنَبِيَّانِ كَالْمَغْصُوبِ مِنْ التَّرِكَةِ ، وَكَالذَّاهِبِ مِنْ التَّرِكَةِ بِمَوْتِ أَوْ تَلَفٍ ، فَيَعْتِقُ ثُلُثُ الْبَاقِي .
وَهُوَ ثُلُثًا غَانِمٍ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ ، وَحَالَ الْمَوْتِ فِي قَوْلِ الِابْنَيْنِ لَمْ يَعْتِقْ سَالِمٌ ، إنَّمَا عَتَقَ بِالشَّهَادَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ عِتْقِ مَنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ قَبْلَ مَوْتِهِ .
فَإِنْ كَانَ الِابْنَانِ فَاسِقَيْنِ وَلَمْ يَرُدَّا شَهَادَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ ، ثَبَتَ الْعِتْقُ

لَسَالِمٍ ، وَلَمْ يُزَاحِمْهُ مَنْ شَهِدَ لَهُ الِابْنَانِ ، لِفِسْقِهِمَا ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ كَعَدَمِهَا ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا فِي إسْقَاطِ حَقٍّ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ ، وَقَدْ أَقَرَّ الِابْنَانِ بِعِتْقِ غَانِمٍ ، فَيُنْظَرُ ؛ فَإِنْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ عِتْقِهِ ، أَوْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهُ ، عَتَقَ كُلُّهُ ، كَمَا قُلْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
وَإِنْ تَأَخَّرَ تَارِيخُ عِتْقِهِ ، أَوْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِهِ ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الِابْنَيْنِ لَوْ كَانَا عَدْلَيْنِ ، لَمْ يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَإِذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ أَوْلَى .
وَقَالَ الْقَاضِي ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَعْتِقُ نِصْفُهُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ ، مَعَ ثُبُوتِ الْعِتْقِ لِلْآخَرِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ، فَصَارَ بِالنِّسْبَةِ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ ، فَيَعْتِقُ مِنْهُ نِصْفُهُ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ ، لَأَعْتَقْنَا أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ ، لِأَنَّهُ فِي حَالِ تَقَدُّمِ تَارِيخِ عِتْقِ مَنْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ ، لَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ عَادِلَةً ، فَمَعَ فُسُوقِهَا أَوْلَى ، وَإِنْ كَذَّبَتْ الْوَرَثَةُ الْأَجْنَبِيَّةَ ، فَقَالَتْ : مَا أَعْتَقَ غَانِمًا ، إنَّمَا أَعْتَقَ سَالِمًا ، عَتَقَ الْعَبْدَانِ .
وَقِيلَ : يَعْتِقُ مِنْ سَالِمٍ ثُلُثَاهُ .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .

( 8530 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ عَدْلَانِ أَجْنَبِيَّانِ ، أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ سَالِمٍ ، وَشَهِدَ عَدْلَانِ وَارِثَانِ ، أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ سَالِمٍ ، وَوَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ ، وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ ، أَوْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ أَكْثَرَ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَبَطَلَتْ وَصِيَّةُ سَالِمٍ ، لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا وَلَا يَدْفَعَانِ عَنْهَا ضَرَرًا .
فَإِنْ قِيلَ : فَهُمَا يُثْبِتَانِ لَأَنْفُسِهِمَا وَلَاءَ غَانِمٍ .
قُلْنَا : وَهُمَا يُسْقِطَانِ وَلَاءَ سَالِمٍ ، وَعَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ إثْبَاتُ سَبَبِ الْمِيرَاثِ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ شَهِدَا بِعِتْقِ غَانِمٍ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ ، ثَبَتَ عِتْقُهُ ، وَلَهُمَا وَلَاؤُهُ ، وَلَوْ شَهِدَا بِثُبُوتِ نَسَبِ أَخٍ لَهُمَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، مَعَ ثُبُوتِ سَبَبِ الْإِرْثِ لَهُمَا ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ لِأَخِيهِ بِالْمَالِ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَرِثَهُ ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا فِي الرُّجُوعِ ، وَيَلْزَمُهُمَا إقْرَارُهُمَا لَغَانِمٍ ، فَيَعْتِقُ سَالِمٌ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ، وَيَعْتِقُ غَانِمٌ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ بِالْوَصِيَّةِ بِإِعْتَاقِهِ وَحْدَهُ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ إنَّمَا يَعْتِقُ .
ثُلُثَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَتَقَ سَالِمٌ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، صَارَ كَالْمَغْصُوبِ ، فَصَارَ غَانِمٌ نِصْفَ التَّرِكَةِ ، فَيَعْتِقُ ثُلُثَاهُ ، وَهُوَ ثُلُثُ التَّرِكَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْوَارِثَةَ تُقِرُّ بِأَنَّهُ حِينَ الْمَوْتِ ثُلُثُ التَّرِكَةِ ، وَأَنَّ عِتْقَ سَالِمٍ إنَّمَا كَانَ بِشَهَادَتِهِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَصَارَ كَالْمَغْصُوبِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَلَوْ غُصِبَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، لَمْ يَمْنَعْ ، عِتْقَ غَانِمٍ كُلَّهُ ، فَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِعِتْقِهِ .
وَقَدْ ذَكَرِ الْقَاضِي ، فِيمَا إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ بِإِعْتَاقِ سَالِمٍ فِي مَرَضِهِ ، وَوَارِثَةٌ فَاسِقَةٌ بِإِعْتَاقِ غَانِمٍ فِي مَرَضِهِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْ سَالِمًا ، أَنَّ غَانِمًا يَعْتِقُ

كُلُّهُ .
وَهَذَا مِثْلُهُ .
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةٍ سَالِمٍ ، فَالْوَارِثَةُ مُتَّهَمَةٌ ؛ لِكَوْنِهَا تَرُدُّ إلَى الرِّقِّ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتِهِ ، فَتُرَدُّ شَهَادَتُهَا فِي الرُّجُوعِ ، كَمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهَا بِالرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ ، وَيَعْتِقُ سَالِمٌ ، وَغَانِمٌ كُلُّهُ أَوْ ثُلُثَاهُ وَهُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَتْ فَاسِقَةً .
فَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ الْوَارِثَةُ بِالرُّجُوعِ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ ، لَكِنْ شَهِدَتْ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ غَانِمٍ وَهِيَ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ ، ثَبَتَتْ الْوَصِيَّتَانِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهَا سَوَاءً أَوْ مُخْتَلِفَةً فَيُعْتَقَانِ إنْ لَمْ يَخْرُجَا مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِنْ خَرَجَا مِنْ الثُّلُثِ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، وَيَعْتِقُ تَمَامُ الثُّلُثِ مِنْ الْآخَرِ ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى أَوْ اسْتَوَتَا ؛ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ وَالْمُتَأَخِّرَ مِنْ الْوَصَايَا سَوَاءٌ .

( 8531 ) فَصْلٌ : وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ ، أَنَّهُ وَصَّى لِزَيْدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ لِزَيْدٍ ، وَوَصَّى لِعَمْرٍو بِثُلُثِ مَالِهِ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ لِعَمْرٍو ، وَوَصَّى لِبَكْرٍ بِثُلُثِ مَالِهِ صَحَّتْ الشَّهَادَاتُ كُلُّهَا ، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِبَكْرٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِمْ .
وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ ، لَمْ تُفِدْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ وَصِيَّةِ زَيْدٍ ، وَهِيَ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ .
فَعَلَى هَذَا ، تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ لِعَمْرٍو .
وَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ شَهِدَتْ بِالْوَصِيَّةِ لِعَمْرٍو .
وَلَمْ تَشْهَدْ بِالرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّةِ زَيْدِ ، فَشَهِدَتْ الثَّالِثَةُ بِالرُّجُوعِ عَنْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُعَيِّنَا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ ، يَصِيرُ كَمَا لَوْ قَالَا : نَشْهَدُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ أَلْفًا .
أَوْ أَنَّ لِأَحَدِ هَذَيْنِ عَلَى هَذَا أَلْفًا ، يَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْجَمِيعِ أَثْلَاثًا .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّتِهِ ، بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى .
وَإِذَا صَحَّ الرُّجُوعُ عَنْ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ تَعْيِينٍ ، صَحَّتْ الشَّهَادَةُ بِهِ كَذَلِكَ .
وَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ أَوْ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ فِيهَا بِالْمَجْهُولِ فَجَازَتْ فِي الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْمَرْجُوعِ عَنْ وَصِيَّتِهِ .

( 8532 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ وَصَّى لِزَيْدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَشَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ وَصَّى لِعَمْرٍو بِثُلُثِ مَالِهِ ، انْبَنِي هَذَا عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ هَلْ يُعَارِضُ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ لَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُعَارِضُهُمَا فَيَحْلِفُ عَمْرٌو مَعَ شَاهِدِهِ ، وَيُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ ، فَأَشْبَهَ الشَّاهِدَيْنِ .
وَالثَّانِي ، لَا يُعَارِضُهُمَا ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ أَقْوَى ، فَيُرَجَّحَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ .
فَعَلَى هَذَا ، يَنْفَرِدُ زَيْدٌ بِالثُّلُثِ ، وَتَقِفُ وَصِيَّةُ عَمْرٍو عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ .
فَأَمَّا إنْ شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ وَصِيَّةِ زَيْدٍ ، وَوَصَّى لِعَمْرٍو بِثُلُثِهِ ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، وَيَحْلِفُ عَمْرٌو مَعَ شَاهِدِهِ ، وَتَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ لِعَمْرٍو ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، أَنَّ فِي الْأُولَى ، تَقَابَلَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، فَقَدَّمْنَا أَقْوَاهُمَا ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَمْ يَتَقَابَلَا ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الرُّجُوعُ ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْمَالُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

( 8533 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ دَارٌ ، فَادَّعَاهَا رَجُلٌ ، فَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا حَاضِرًا ، جُعِلَ الْخَصْمَ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا ، وَكَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ ، وَكَانَ الْغَائِبُ عَلَى خُصُومَتِهِ مَتَى حَضَرَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ غَيْرِهِ ، فَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ : لَيْسَتْ لِي ، إنَّمَا هِيَ لِفُلَانٍ .
وَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا حَاضِرًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ ، صَارَ الْخَصْمَ فِيهَا ، وَكَانَ صَاحِبَ الْيَدِ ؛ لِأَنَّ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ اعْتَرَفَ أَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِهِ ، وَإِقْرَارُ الْإِنْسَانِ بِمَا فِي يَدِهِ إقْرَارٌ صَحِيحٌ ، فَيَصِيرُ خَصْمًا لِلْمُدَّعِي ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ .
وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي : أَحْلِفُوا لِي الْمُقِرَّ الَّذِي كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ ، أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا لِي .
فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِ ، لَزِمَهُ الْغُرْمُ كَمَا لَوْ قَالَ : هَذِهِ الْعَيْنُ لِزَيْدٍ .
ثُمَّ قَالَ : هِيَ لِعَمْرٍو .
فَإِنَّهَا تُدْفَعُ إلَى زَيْدٍ ، وَيَدْفَعُ قِيمَتَهَا لِعَمْرٍو .
وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُرْمُ مَعَ الْإِقْرَارِ ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ ، فَإِنْ رَدَّ الْمُقَرُّ لَهُ الْإِقْرَارَ ، وَقَالَ : لَيْسَتْ لِي ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْمُدَّعِي .
حُكِمَ لَهُ بِهَا .
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ : هِيَ لِلْمُدَّعِي ، وَلَكِنْ قَالَ : لَيْسَتْ لِي .
فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُدْفَعُ إلَى الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِيهَا ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهَا ، وَلِأَنَّ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ لَوْ ادَّعَاهَا ، ثُمَّ نَكَلَ ، قَضَيْنَا بِهَا ، لِلْمُدَّعِي فَمَعَ عَدَمِ ادِّعَائِهِ لَهَا أَوْلَى وَالثَّانِي ، لَا تُدْفَعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا

مُسْتَحِقٌّ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَدَ لَهُ ، وَلَا بَيِّنَةَ ، وَصَاحِبُ الْيَدِ مُعْتَرِفٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ ، فَيَأْخُذُهَا الْإِمَامُ فَيَحْفَظُهَا لِصَاحِبِهَا .
وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلِيلِهِ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ ، أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَحْلِفُ أَنَّهَا لَهُ ، وَتُسَلَّمُ إلَيْهِ .
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُهُ ؛ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِرَدِّ الْيَمِينِ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .
وَإِنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ : هِيَ لِثَالِثٍ .
انْتَقَلَتْ الْخُصُومَةُ إلَيْهِ ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْيَدِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهَا مَنْ الْيَدُ لَهُ حُكْمًا .
وَأَمَّا إنْ أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمَجْهُولٍ ، قِيلَ لَهُ : لَيْسَ هَذَا بِجَوَابٍ .
فَإِنْ أَقْرَرْت بِهَا لِمَعْرُوفٍ ، وَإِلَّا جَعَلْنَاك نَاكِلًا وَقَضَيْنَا عَلَيْك .
فَإِنْ أَصَرَّ ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِغَائِبٍ ، أَوْ لِغَيْرِ مُكَلَّفٍ مُعَيَّنٍ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، صَارَتْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ .
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، لَمْ يُقْضَ لَهُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ يَعْتَرِفُ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ ، وَلَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، وَيَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ ، وَيَصِيرَ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ مُكَلَّفًا فَتَكُونُ الْخُصُومَةُ مَعَهُ .
فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي : أَحْلِفُوا لِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَلَفْنَاهُ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي ، لَمْ تُسَلَّمْ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ أَنَّهَا لِغَيْرِهِ ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ قِيمَتَهَا ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِهَا لِغَيْرِهِ .
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، سَمِعَهَا .
الْحَاكِمُ ، وَقَضَى بِهَا ، وَكَانَ الْغَائِبُ عَلَى خُصُومَتِهِ ، مَتَى حَضَرَ ، لَهُ أَنْ يَقْدَحَ فِي بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي ، وَأَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِ مِنْ الْمُدَّعِي .
وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ ،

فَهَلْ يَقْضِي بِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ أَوْ الْخَارِجِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ .
فَأَقَامَ الْغَائِبُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ وَالنِّتَاجِ ، أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ ، فَهَلْ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ، يَقْضِي بِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُقِرِّ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِهَا لِلْغَائِبِ ، سَمِعَهَا الْحَاكِمُ ، وَلَمْ يَقْضِ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لِلْغَائِبِ ، وَالْغَائِبُ لَمْ يَدَّعِهَا هُوَ وَلَا وَكِيلُهُ ، وَإِنَّمَا سَمِعَهَا الْحَاكِمُ ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْفَائِدَةِ وَهُوَ زَوَالُ التُّهْمَةِ عَنْ الْحَاضِرِ ، وَسُقُوطُ الْيَمِينِ عَنْهُ ، إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّك تَعْلَمُ أَنَّهَا لِي .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا ، إذَا قُلْنَا بِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ ، وَأَنَّ لِلْمُودِعِ الْمُخَاصَمَةَ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا غُصِبَتْ .
وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ مَسْمُوعَةٌ ، فَيُقْضَى بِهَا ، كَبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي إذَا لَمْ تُعَارِضْهَا بَيِّنَةٌ أُخْرَى .
فَإِنْ ادَّعَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ ، أَنَّهَا مَعَهُ بِإِجَارَةِ أَوْ عَارِيَّةٍ ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ لِلْغَائِبِ ، لَمْ يُقْضَ بِهَا ؛ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّ ثُبُوتَ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمِلْكِ لِلْمُؤَجَّرِ ، بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ ، فَلَا تَثْبُتُ الْإِجَارَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهَا .
وَالثَّانِي أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ ، وَيَخْرُجُ الْقَضَاءُ بِهَا عَلَى تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ ، وَكَوْنِ الْحَاضِرِ لَهُ فِيهَا حَقٌّ ؛ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهَا ، وَجْهًا وَاحِدًا .
وَمَتَى عَادَ الْمُقِرُّ بِهَا لِغَيْرِهِ ، فَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ الرُّجُوعُ عَنْ إقْرَارِهِ .
وَالْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْمُكَلَّفِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْغَائِبِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا

( 8534 ) فَصْلٌ : وَإِذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى ، لَزِمَتْهُ إجَابَتُهُ ، فَيَكْتُبُ لَهُ : مَحْضَرًا حَضَرَ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ قَاضِيَ عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ ، أَوْ خَلِيفَةُ الْقَاضِي فُلَانَ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ إنْ كَانَ نَائِبًا ، فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ فَادَّعَى دَارًا فِي يَدَيْهِ - وَيُعَيِّنُهَا ، وَيَذْكُرُ حُدُودَهَا وَصِفَتَهَا - فَاعْتَرَفَ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ غَائِبٌ عَنْ بَلَدِ الْقَاضِي ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً ، وَهِيَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ وَفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ ، فَشَهِدَا عِنْدَهُ لِلْمُدَّعِي بِمَا ادَّعَاهُ ، وَعَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمَا بِمَا يَسُوغُ مَعَهُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا ، أَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ بِعَدَالَتِهِمَا فُلَانٌ ، وَفُلَانٌ ، فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا فَقَضَى بِهَا عَلَى الْغَائِبِ ، جَعَلَ كُلَّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ ، قَدْ قَدِمَ ، وَلَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ زَادَ : وَقَدِمَ الْغَائِبُ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا فُلَانٌ وَلَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ تَدْفَعُ الْمُدَّعِيَ عَنْ دَعْوَاهُ .
وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ حُضُورِهِ بَيِّنَةً ، زَادَ : وَأَقَامَ بَيِّنَةً .
وَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي مُقَدَّمَةً عَلَى بَيِّنَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةُ خَارِجٍ .

( 8535 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أَنْ أَبَاهُ مَاتَ وَخَلَّفَهُ وَأَخًا لَهُ غَائِبًا ، وَلَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُمَا ، وَتَرَكَ دَارًا فِي يَدِ هَذَا الرَّجُلِ ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْيَدِ ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ ، ثَبَتَتْ الدَّارُ لِلْمَيِّتِ ، وَانْتُزِعَتْ الدَّارُ مِنْ يَدِ الْمُنْكِرِ ، وَدُفِعَ نِصْفُهَا إلَى الْمُدَّعِي ، وَجُعِلَ النِّصْفُ الْآخَرُ فِي يَدِ أَمِينٍ لِلْغَائِبِ ، يَكْرِيه لَهُ .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى مِمَّا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ ، أَوْ مِمَّا يَنْحَفِظُ وَلَا يُخَافُ هَلَاكُهُ ، لَمْ يُنْزَعْ نَصِيبُ الْغَائِبِ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ لَمْ يَدَّعِهِ هُوَ وَلَا وَكِيلُهُ ، فَلَمْ يُنْزَعْ مِنْ يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ دَارًا مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَجْنَبِيٍّ ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ إلَى الْمُدَّعِي نَصِيبُهُ ، وَلَا يُنْزَعُ نَصِيبُ الْغَائِبِ ، كَذَا هَاهُنَا .
وَلَنَا أَنَّهَا تَرِكَةُ مَيِّتٍ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يُنْزَعَ نَصِيبُ الْغَائِبِ ، كَالْمَنْقُولِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ أَخُوهُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا ، وَلِأَنَّ فِيمَا قَالَهُ ضَرَرًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْغَائِبِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ ، وَقَدْ يَمُوتُ الشَّاهِدَانِ أَوْ يَغِيبَا ، أَوْ تَزُولُ عَنْهُمَا عَدَالَتُهُمَا ، وَيُعْزَلُ الْحَاكِمُ ، فَيَضِيعُ حَقُّهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْفَظَ بِانْتِزَاعِهِ ، كَالْمَنْقُولِ .
وَيُفَارِقُ الشَّرِيكَ الْأَجْنَبِيَّ إجْمَالًا وَتَفْصِيلًا ؛ أَمَّا الْإِجْمَالُ ، فَإِنَّ الْمَنْقُولَ يُنْتَزَعُ نَصِيبُ شَرِيكِهِ فِي الْمِيرَاثِ ، وَلَا يُنْتَزَعُ نَصِيبُ شَرِيكِهِ الْأَجْنَبِيِّ ، وَأَمَّا التَّفْصِيلُ ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ ثَبَتَ بِهَا الْحَقُّ لِلْمَيِّتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَقْضِي مِنْهُ دُيُونَهُ ، وَتَنْفُذُ مِنْهُ وَصَايَاهُ ، وَلِأَنَّ الْأَخَ يُشَارِكُهُ فِيمَا أَخَذَهُ ، إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَخْذُ الْبَاقِي .
فَأَمَّا إنْ كَانَ دَيْنًا فِي ذِمَّة إنْسَانٍ ، فَهَلْ

يَقْبِضُ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْغَائِبِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَقْبِضُ ، كَمَا يَقْبِضُ الْعَيْنَ .
وَالثَّانِي ، لَا يَقْبِضُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي ذِمَّةِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، كَانَ أَحْوَطَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْأَمِينِ ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّلَفُ إذَا قَبَضَهُ .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ أَيْضًا يَعْرِضُ لِلتَّلَفِ بِالْفَلَسِ ، وَالْمَوْتِ ، وَعَزْلِ الْحَاكِمِ ، وَتَعَذُّرِ الْبَيِّنَةِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّنَا إنْ دَفَعْنَا إلَى الْحَاضِرِ نِصْفَ الدَّارِ أَوْ الدَّيْنِ ، لَمْ نُطَالِبهُ بِضَمِينِ ؛ لِأَنَّنَا دَفَعْنَاهُ بِقَوْلِ الشُّهُودِ ، وَالْمُطَالَبَةُ بِالضَّمِينِ طَعْنٌ عَلَيْهِمْ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ، أَوْ لَمْ يَكُونَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمَا فِي نَفْيِ وَارِثٍ آخَرَ ، حَتَّى يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ، وَالْمَعْرِفَةِ الْمُتَقَادِمَةِ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ لَيْسَ جَهْلُهُ بِالْوَارِثِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِهِ ، وَلَا يَكْتَفِي بِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدَّارُ مَوْقُوفَةً ، وَلَا يُسَلَّمُ إلَى الْحَاضِرِ نِصْفُهَا ، حَتَّى يَسْأَلَ الْحَاكِمُ وَيَكْشِفَ عَنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ ' يَطُوفُهَا ، وَيَأْمُرَ مُنَادِيًا يُنَادِي : إنَّ فُلَانًا مَاتَ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ ، فَلِيَأْتِ .
فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَارِثٌ لَظَهَرَ ، دَفَعَ إلَى الْحَاضِرِ نَصِيبَهُ .
وَهَلْ يَطْلُبُ مِنْهُ ضَمِينًا ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .
وَهَكَذَا الْحُكْمُ إذَا كَانَ الشَّاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَقُولَا : وَلَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ .
فَإِنْ كَانَ مَعَ الِابْنِ ذُو فَرْضٍ فَعَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ يُعْطِي فَرْضَهُ كَامِلًا .
وَعَلَى هَذَا التَّخْرِيجِ ، يُعْطَى الْيَقِينُ .
فَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ ، أُعْطِيت رُبْعَ الثُّمُنِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ جَدَّةٌ ، وَلَمْ يَثْبُتْ مَوْتُ

أُمِّهِ ، لَمْ تُعْطَ شَيْئًا ، وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهَا ، أُعْطِيت ثُلُثَ السُّدُسِ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلَاثُ جَدَّاتٍ ، وَلَا تُعْطَى الْعَصَبَةُ شَيْئًا ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ أَخًا لَمْ يُعْطَ شَيْئًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ يَحْجُبُهُ .
وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أُمٌّ ، أُعْطِيت السُّدُسَ عَائِلًا ، وَالْمَرْأَةُ رُبْعَ الثُّمُنِ عَائِلًا ، وَالزَّوْجُ الرُّبْعَ عَائِلًا ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ تَعُولُ مَعَ وُجُودِ الزَّوْجِ ، مِثْلُ أَنْ يُخَلِّفَ أَبَوَيْنِ وَابْنَيْنِ وَزَوْجًا فَإِذَا كَشَفَ الْحَاكِمُ أَعْطَى الزَّوْجَ نَصِيبَهُ ، وَكَمَّلَ لِذَوِي الْفُرُوضِ فُرُوضَهُمْ .

( 8536 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اُخْتُلِفَ فِي دَارٍ ، فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً ، أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ كَانَتْ أَمْسِ مِلْكَهُ ، أَوْ مُنْذُ شَهْرٍ فَهَلْ تُسْمَعُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ ، وَيُقْضَى بِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا تُسْمَعُ ، وَيُحْكَمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْمِلْكَ فِي الْمَاضِي ، وَإِذَا ثَبَتَ اُسْتُدِيمَ حَتَّى يُعْلَمَ زَوَالُهُ .
وَالثَّانِي لَا تُسْمَعُ قَالَ الْقَاضِي : هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ مَا لَمْ يَدَّعِ الْمُدَّعِي الْمِلْكَ فِي الْحَالِ ، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا لَمْ يَدَّعِهِ ، لَكِنْ إنَّ انْضَمَّ إلَى شَهَادَتِهِمَا بَيَانُ سَبَبِ يَدِ الثَّانِي ، وَتَعْرِيفُ تَعَدِّيهَا فَقَالَا : نَشْهَدُ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ أَمْسِ ، فَقَبَضَهَا هَذَا مِنْهُ ، أَوَسَرَقَهَا ، أَوْ ضَلَّتْ مِنْهُ فَالْتَقَطَهَا هَذَا .
وَنَحْوَ ذَلِكَ ، سُمِعَتْ ، وَقُضِيَ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تُبَيِّنْ السَّبَبَ فَالْيَدُ دَلِيلُ الْمِلْكِ ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، وَبَيْنَ دَلَالَةِ الْيَدِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مِلْكَهُ أَمْسِ ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى صَاحِبِ الْيَدِ .
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ سَبَبَ الْيَدِ عُدْوَانٌ ، خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا دَلِيلًا فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِاسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ السَّابِقِ .
وَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكًا لِلْمُدَّعِي أَمْسِ ، أَوْ فِيمَا مَضَى ، سُمِعَ إقْرَارُهُ ، وَحُكِمَ بِهِ ، فِي الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ سَبَبِ انْتِقَالِهَا إلَيْهِ ، فَيَصِيرُ هُوَ الْمُدَّعِيَ ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ .
يُفَارِقَ الْبَيِّنَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ ، لِكَوْنِهِ شَهَادَةً مِنْ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَيَزُولُ بِهِ النِّزَاعُ ، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ ، وَلِهَذَا يُسْمَعُ فِي الْمَجْهُولِ ، وَيُقْضَى بِهِ ، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةَ .
وَالثَّانِي ، أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ إلَّا عَلَى مَا ادَّعَاهُ ، وَالدَّعْوَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً بِالْحَالِ ، وَالْإِقْرَارُ يُسْمَعُ ابْتِدَاءً .
وَإِنْ

شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ أَمْسِ ، فَفِي سَمَاعِهَا وَجْهَانِ .
وَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُسْمَعُ ، وَيَقْضِي بِهِ ؛ بِمَا ذَكَرْنَا .

( 8537 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى أَمَةً أَنَّهَا لَهُ ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً ، فَشَهِدَتْ أَنَّهَا ابْنَةُ أَمَتِهِ ، أَوْ ادَّعَى ثَمَرَةً ، فَشَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا ثَمَرَةُ شَجَرَتِهِ ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهَا ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهَا ، وَأَثْمَرَتْ الشَّجَرَةُ هَذِهِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ مِلْكِهِ إيَّاهَا .
وَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ : وَلَدَتْهَا فِي مِلْكِهِ أَوْ أَثْمَرَتْهَا فِي مِلْكِهِ حُكِمَ لَهُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ أَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ ، وَنَمَاءُ مِلْكِهِ مِلْكُهُ ، مَا لَمْ يَرِدْ سَبَبٌ يَنْقُلُهُ عَنْهُ .
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قُلْتُمْ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْمِلْكِ السَّابِقِ ، الصَّحِيحِ وَهَذِهِ شَهَادَةٌ بِمِلْكٍ سَابِقٍ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ ، أَنَّ النَّمَاءَ تَابِعٌ لِلْمِلْكِ فِي الْأَصْلِ ، فَإِثْبَاتُ مِلْكِهِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ ، وَجَرَى مَجْرَى مَا لَوْ قَالَ : مَلَكْته مُنْذُ سَنَةٍ .
وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ ، فَإِنَّ مِلْكَهُ يَثْبُتُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي تَبَعًا لِلْحَالِ ، يَكُونُ لَهُ النَّمَاءُ فِيمَا مَضَى ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ هَاهُنَا شَهِدَتْ بِسَبَبِ الْمِلْكِ ، وَهُوَ وِلَادَتُهَا ، أَوْ وُجُودُهَا فِي مِلْكِهِ ، فَقَوِيَتْ بِذَلِكَ ، وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَتْ بِالسَّبَبِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي ، فَقَالَتْ : أَقْرَضَهُ أَلْفًا ، أَوْ بَاعَهُ .
ثَبَتَ الْمِلْكُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، فَمَعَ ذِكْرِهِ أَوْلَى .
وَإِنْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا الْغَزْلَ مِنْ قُطْنِهِ وَهَذَا الدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ ، وَأَنَّ هَذَا الطَّائِرَ مِنْ بَيْضَتِهِ ، حُكِمَ لَهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ إلَى مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّ الْغَزْلَ عَيْنُ الْقُطْنِ ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ ، وَالدَّقِيقَ أَجْزَاءُ الْحِنْطَةِ تَفَرَّقَتْ ، وَالطَّيْرَ هُوَ أَجْزَاءُ الْبَيْضَةِ اسْتَحَالَ ، فَكَأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَالَتْ : هَذَا غَزْلُهُ وَدَقِيقُهُ وَطَيْرُهُ .
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَلَدُ وَالثَّمَرَةُ ، فَإِنَّهُمَا غَيْرُ الْأُمِّ وَالشَّجَرَةِ .
وَلَوْ شَهِدَ أَنَّ هَذِهِ الْبَيْضَةَ مِنْ

طَيْرِهِ ، لَمْ يَحْكُم لَهُ بِهَا حَتَّى يَقُولَا : بَاضَهَا فِي مِلْكِهِ .
لِأَنَّ الْبَيْضَةَ غَيْرُ الطَّيْرِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ نَمَائِهِ ، فَهِيَ كَالْوَلَدِ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَا ذَكَرْنَا .

( 8538 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ فِي يَدِ زَيْدٍ دَارٌ ، فَادَّعَاهَا عَمْرٌو ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ خَالِدٍ بِثَمَنٍ مُسَمًّى نَقَدَهُ إيَّاهُ ، أَوْ أَنَّ خَالِدًا وَهَبَهُ تِلْكَ الدَّارَ ، لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ بِهَذَا حَتَّى يُشْهِدَ أَنَّ خَالِدًا بَاعَهُ إيَّاهَا ، أَوْ وَهَبَهَا لَهُ وَهُوَ يَمْلِكُهَا ، أَوْ يُشْهِدَ أَنَّهَا دَارُ عَمْرٍو اشْتَرَاهَا مِنْ خَالِدٍ ، أَوْ يُشْهِدَ أَنَّهُ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا لَهُ ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ .
وَإِنَّمَا لَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَبِيعُ مَا لَا يَمْلِكُهُ وَيَهَبُهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بِهِ ، فَإِنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ الشَّهَادَةُ لِلْبَائِعِ بِالْمِلْكِ ، أَوْ شَهِدُوا لِلْمُشْتَرِي بِالْمِلْكِ ، أَوْ شَهِدُوا بِالتَّسْلِيمِ ، فَقَدْ شَهِدُوا بِتَقَدُّمِ الْيَدِ ، أَوْ بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي ، أَوْ لِمَنْ بَاعَهُ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِلْكُهُ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِنَّمَا قَبِلْنَاهَا وَهِيَ شَهَادَةٌ بِمِلْكٍ مَاضٍ ؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ مَعَ السَّبَبِ ، وَالظَّاهِرُ اسْتِمْرَارُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُذْكَرْ السَّبَبُ .

( 8539 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ طِفْلٌ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَادَّعَى أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ ، قُبِلَتْ دَعْوَاهُ ، وَلَمْ يُحَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ ، وَالصَّبِيُّ مَا لَمْ يُعَبِّرْ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ كَالْبَهِيمَةِ وَالْمَتَاعِ ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ سَبَبَ يَدِهِ غَيْرُ الْمِلْكِ ، مِثْلُ أَنْ يَلْتَقِطَهُ ، فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لِرِقِّهِ ؛ لِأَنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَقَدْ وُجِدَ فِيهِ دَلِيلُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ فَيُحْكَمُ بِرِقِّهِ .
فَإِذَا بَلَغَ ، فَادَّعَى الْحُرِّيَّةَ ، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِرِقِّهِ قَبْلَ دَعْوَاهُ .
وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ مِلْكَهُ ، لَكِنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالِاسْتِخْدَامِ وَغَيْرِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ ادَّعَى رِقَّهُ ، وَيُحْكَمُ لَهُ بِرِقِّهِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ .
فَإِنْ ادَّعَى أَجْنَبِيٌّ نَسَبَهُ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى السَّيِّدِ ، لِأَنَّ النَّسَبَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَلَاءِ فِي الْمِيرَاثِ .
فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِنَسَبِهِ ، ثَبَتَ ، وَلَمْ يَزُلْ الْمِلْكُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ ، بِأَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَمَةٍ ، أَوْ يُسْبَى الصَّغِيرُ ثُمَّ يُسْلِمُ أَبُوهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ عَرَبِيًّا ، فَلَا يَسْتَرِقُّ وَلَدُهُ ، فِي رِوَايَةٍ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ .
وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُ حُرَّةٍ ، فَهُوَ حُرٌّ ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْحُرَّةِ لَا يَكُونُ إلَّا حُرًّا .
وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا ، يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَادَّعَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ رِقَّهُ ، وَلَمْ يُعْرَفْ تَقَدُّمُ الْيَدِ عَلَيْهِ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ ، إلَّا أَنَّنَا إنْ رَأَيْنَاهُ فِي يَدِهِ وَهُمَا يَتَنَازَعَانِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا لَا يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُعْرِبٌ عَنْ نَفْسِهِ ، وَيَدَّعِي الْحُرِّيَّةَ ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ .
وَالثَّانِي يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَغِيرٌ ادَّعَى رَقَّهُ وَهُوَ فِي يَدِهِ ، فَأَشْبَهَ

الطِّفْلَ .
فَأَمَّا الْبَالِغُ إذَا ادَّعَى رِقَّهُ فَأَنْكَرَ ، لَمْ يَثْبُتْ رِقُّهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ .
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْحُرِّيَّة ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ .
وَهَذَا الْفَصْلُ بِجَمِيعِهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا : مَتَى أَقَامَ إنْسَانٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ ثَبَتَ النَّسَبُ وَالْحُرِّيَّةُ لِأَنَّ ظُهُورَ الْحُرِّيَّةِ فِي وَلَدِ الْحُرِّ أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِ الرِّقِّ الْحَاصِلِ بِالْيَدِ لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْ الرَّجُلِ كُفْرٌ ، وَلَا تَزَوُّجٌ بِأَمَةٍ ، فَلَا يَبْقَى احْتِمَالُ الرِّقِّ .
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 8540 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى اثْنَانِ رِقَّ بَالِغٍ فِي أَيْدِيهِمَا فَأَنْكَرَهُمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .
وَإِنْ اعْتَرَفَ لَهُمَا بِالرِّقِّ ، ثَبَتَ رِقُّهُ .
فَإِنْ ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ ، فَاعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا ، فَهُوَ لِمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ يَدَهُمَا عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الطِّفْلَ وَالثَّوْبَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إنَّمَا حُكْمَ بِرِقِّهِ بِاعْتِرَافِهِ ، فَكَانَ مَمْلُوكًا لِمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهِ .
وَيُخَالِفُ الثَّوْبَ وَالطِّفْلَ ؛ فَإِنَّ الْمِلْكَ حَصَلَ فِيهِمَا بِالْيَدِ ، وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ ، وَهَاهُنَا حَصَلَ بِالِاعْتِرَافِ ، وَقَدْ اخْتَصَّ بِهِ أَحَدُهُمَا ، فَكَانَ مُخْتَصًّا بِهِ .
فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ ، تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، أَوْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ .
فَإِنْ قُلْنَا بِسُقُوطِهِمَا ، وَلَمْ يَعْتَرِفْ لَهُمَا بِالرِّقِّ ، فَهُوَ حُرٌّ ، وَإِنْ اعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا ، فَهُوَ لِمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا مَعًا ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ سَقَطَتَا وَصَارَتَا كَالْمَعْدُومَتَيْنِ .
فَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ أَوْ الْقِسْمَة ، فَأَنْكَرَهُمَا ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ ، وَإِنْ اعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى اعْتِرَافِهِ ؛ لِأَنَّ رِقَّهُ ثَابِتٌ بِالْبَيِّنَةِ فَلَمْ تَبْقَ لَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا ادَّعَى رَجُلَانِ دَارًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ ، وَاعْتَرَفَ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهَا لِأَحَدِهِمَا ، لَمْ يُرَجَّحْ بِإِقْرَارِهِ .

( 8541 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ صَغِيرَةٌ ، فَادَّعَى نِكَاحَهَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، وَلَا يُخْلَى بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ .
وَلَوْ ادَّعَى رِقَّهَا قُبِلَ مِنْهُ ، إذَا كَانَتْ طِفْلَةً لَا تُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ ، وَأَمَّا الْمُدَّعِي لِلنِّكَاحِ ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِحُرِّيَّتِهَا ، أَوْ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ ، وَالْيَدُ لَا تَثْبُتُ عَلَى الْحُرِّ ، فَإِذَا كَبِرَتْ فَاعْتَرَفَتْ لَهُ بِالنِّكَاحِ ، قُبِلَ إقْرَارُهَا

( 8542 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ادَّعَى مِلْكَ عَيْنٍ ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْهُ أَوْ وَهَبَهَا إيَّاهُ ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ ، أَوْ ادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا ، أَوْ أَعْتَقَهَا ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، قُضِيَ لَهُ بِهَا .
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ هَذَا شَهِدَتْ بِأَمْرٍ خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى ، وَالْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى شَهِدَتْ بِالْأَصْلِ ، فَيُمْكِنُ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ ، ثُمَّ صَنَعَ بِهِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى .
وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ ، وَتَرَكَ دَارًا فَادَّعَى ابْنُهُ أَنَّهُ خَلَّفَهَا مِيرَاثًا ، وَادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا ، وَأَقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ ، حُكِمَ بِهَا لِلْمَرْأَةِ ، لِأَنَّهَا تَدَّعِي أَمْرًا زَائِدًا خَفِيَ عَلَى بَيِّنَةِ الِابْنِ ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِالشِّرَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، بِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ أَوْ مَا فِي يَدِهِ ، أَوْ لَمْ تَشْهَدْ بِذَلِكَ ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ بِالْبَيْعِ وَالْقَبْضِ ، أَوْ لَمْ تَذْكُرْ الْقَبْضَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا تُزَالُ يَدُ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ أَوْ مَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُ مَا لَا يَمْلِكُ .
وَلَنَا أَنَّ بَيِّنَةَ الْبَائِعِ أَثْبَتَتْ الْمِلْكَ لَهُ ، فَإِذَا أَقَامَتْ بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ عَلَيْهِ ، كَانَتْ حُجَّةً عَلَيْهِ فِي إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهَا إلَى الْمُشْتَرِي ، فَوَجَبَ الْقَضَاءُ لَهُ بِهَا .
وَلَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ ، وَأَقَامَ بِهَذَا بَيِّنَةً ، فَجَاءَ ثَالِثٌ ، فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ مُدَّعِيهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، وَأَقَامَ بِهَذَا بَيِّنَةً ، ثَبَتَ لِمُدَّعِي الشِّرَاءِ ، وَلَيْسَ فِي شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى أَنَّهُ تَمَلَّكَهَا مُنْذُ سَنَةٍ ، مَا يُبْطِلُ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ مِلْكِهَا مُنْذُ

سَنَتَيْنِ ، وَمِلْكِهَا مُنْذُ سَنَةٍ ، فَإِنَّ الْمَالِكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، يَسْتَمِرُّ مِلْكُهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ .
فَإِنْ قَالَتْ بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ : هُوَ مَالِكُهَا .
ثَبَتَ الْمِلْكُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَإِنْ لَمْ تَقُلْ ذَلِكَ ، كَانَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ .

( 8543 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ مِلْكَ دَارٍ فِي يَدِ آخَرَ ، وَادَّعَى صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّهَا فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، فَهِيَ لِمُدَّعِي الْمِلْكِ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ وَلَا الْبَيِّنَتَيْنِ ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَهِيَ فِي يَدِ الْآخَرِ .
وَإِنْ ادَّعَى دَابَّةً أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ ، وَأَقَامَ بِهَذَا بَيِّنَةً ، فَوُجِدَتْ الدَّابَّةُ لَهَا أَقَلُّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ ، فَالْبَيِّنَةُ كَاذِبَةٌ ، وَالدَّابَّةُ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ .

( 8544 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ ، وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَضَاهُ ثَبَتَ الْإِقْرَارُ ، فَإِنْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى الْقَضَاءِ ، ثَبَتَ ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِهِ ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْأَلْفُ ، وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَضَاهُ أَلْفًا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْأَلْفُ ؛ لِأَنَّ شَاهِدَ الْقَضَاءِ لَمْ يَشْهَدْ بِأَلْفٍ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا تَضَمَّنَتْ شَهَادَتُهُ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ ، وَالشَّهَادَةُ لَا تُقْبَلُ إلَّا صَرِيحَةً ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ أَثْبَتَتْ الْأَلْفَ بِشَهَادَتِهَا الصَّرِيحَةِ بِهَا وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفًا فَقَالَ : لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا .
فَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالْقَرْضِ ، وَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَضَاهُ أَلْفًا ، وَلَمْ يُعْرَفْ التَّارِيخُ بَرِئَ بِالْقَضَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ ، إلَّا أَلْفٌ وَاحِدٌ ، وَلَا يَكُونُ الْقَضَاءُ إلَّا لِمَا عَلَيْهِ ، فَلِهَذَا جُعِلَ الْقَضَاءُ لِلْأَلْفِ الثَّابِتَةِ ، وَإِنْ قَالَ مَا أَقْرَضْتنِي .
ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالْقَضَاءِ ، لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ فِي أَنَّهُ قَضَاهُ الْقَرْضَ ؛ لِأَنَّهُ بِإِنْكَارِهِ الْقَرْضَ تَعَيَّنَ صَرْفُهَا إلَى قَضَاءِ غَيْرِهِ .
وَلَوْ لَمْ يُنْكِرْ الْقَرْضَ إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ الْقَضَاءِ وَكَانَتْ مُؤَرِّخَةً بِتَارِيخٍ سَابِقٍ عَلَى الْقَرْضِ ، لَمْ يَجُزْ صَرْفُهَا إلَى قَضَاءِ الْقَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي الْقَرْضُ قَبْلَ وُجُودِهِ .

( 8545 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ ، وَخَلَفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا ، فَادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنْ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا ، وَادَّعَى الْكَافِرُ أَنْ أَبَاهُ مَاتَ كَافِرًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَافِرِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ بِاعْتِرَافِهِ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ ، يَعْتَرِفُ بِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا ، مُدَّعِيًا لِإِسْلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ بِأُخُوَّتِهِ ، كَانَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِتَسَاوِي أَيْدِيهِمَا وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ رَجُلٌ لَا يُعْرَفُ دِينُهُ ، وَخَلَّفَ تَرِكَةً وَابْنَيْنِ ، يَعْتَرِفَانِ أَنَّهُ أَبُوهُمَا ، أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ ، وَالْآخَرُ كَافِرٌ ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ ، وَأَنَّ الْمِيرَاثَ لَهُ دُونَ أَخِيهِ ، فَالْمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمُسْلِمِ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ كَوْنَ الْمَيِّتِ مُسْلِمًا أَصْلِيًّا فَيَجِبَ كَوْنُ أَوْلَادِهِ مُسْلِمِينَ ، وَيَكُونَ أَخُوهُ الْكَافِرُ مُرْتَدًّا ، وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .
أَوْ يَقُولَ إنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ ، فَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ مَا قَالَهُ أَخُوهُ ، مُدَّعٍ زَوَالَهُ وَانْتِقَالَهُ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ ، حَتَّى يَثْبُتَ زَوَالُهُ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : إنَّ الْمُسْلِمَ بِاعْتِرَافِهِ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ مُعْتَرِفٌ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا ، مُدَّعِيًا لِإِسْلَامِهِ .
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُمَا فِي الدَّعْوَى سَوَاءٌ ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ عَيْنًا فِي أَيْدِيهِمَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ مِنْهُمَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ ، يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا ، وَيَثْبُتُ لِلْمَيِّتِ فِيهَا ، إذَا لَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ ، حُكْمُ الْإِسْلَامِ ؛ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ

، وَدَفْنِهِ ، وَتَكْفِينِهِ مِنْ الْوَقْفِ الْمَوْقُوفِ عَلَى أَكْفَانِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ ، وَلِأَنَّ هَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فِي تَغْسِيلِهِ ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَدَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي مِيرَاثِهِ ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخُوهُ الْكَافِرُ مُرْتَدًّا ، لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ رِدَّتُهُ وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى الْإِمَامِ خَبَرُهُ ، وَظُهُورُ الْإِسْلَامِ بِنَاءً عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مِنْ ظُهُورِ الْكُفْرِ بِنَاءً عَلَى كُفْرِ أَبِيهِ ، وَلِهَذَا جَعَلَ الشَّرْعُ أَحْكَامَهُ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ ، فِيمَا عَدَا الْمُتَنَازَعَ فِيهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّا نَنْظُرُ فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ فِي أَيْدِيهِمَا ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي أَيْدِيهِمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ ، حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ ، كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا .
وَيَقْتَضِي كَلَامُهُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ .
وَهَذَا لَا يَصْلُحُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَرِفُ أَنَّ هَذِهِ التَّرِكَةَ تَرِكَةُ هَذَا الْمَيِّتِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا بِالْمِيرَاثِ ، فَلَا حُكْمَ لِيَدِهِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يُعْرَفَ أَصْلُ دِينِهِ ، أَوْ يَصْطَلِحَا .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ظُهُورِ كُفْرِهِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ التَّرْجِيحُ لِقَوْلِهِ وَصَرْفُ الْمِيرَاثِ إلَيْهِ ، وَأَمَّا ظُهُورُ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ؛ فَلِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا ضَرَرَ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ ، وَكَذَلِكَ تَغْسِيلُهُ وَدَفْنُهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى .
فَإِنَّمَا يَعْلُو إذَا ثَبَتَ وَالنِّزَاعُ فِي ثُبُوتِهِ .
وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ ، فَأَمَّا إنْ ثَبَتَ أَصْلُ دِينِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيه عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ

وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
وَلَنَا ؛ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِيه ، كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ .
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ الْمُسْلِمُ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَبُوهُ دُونَ الْآخَرِ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الدَّعْوَى ؛ لِتَسَاوِي أَيْدِيهِمَا وَدَعَاوِيهمَا ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ فِي الدَّعْوَى سَوَاءٌ ، يُقْسَمُ مِيرَاثُهُ نِصْفَيْنِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي ايدِيهِمَا دَارٌ فَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ قَوْلُ الْمُسْلِمِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 8546 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِنْ أَقَامَ الْمُسْلِمُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا ، وَأَقَامَ الْكَافِرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا ، أُسْقِطَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، وَكَانَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ كَانَ كَافِرًا .
وَقَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ كَانَ مُسْلِمًا ، فَالْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَطْرَأُ عَلَى الْكُفْرِ إذَا لَمْ يُؤَرِّخْ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُمْ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا خَلَّفَ الْمَيِّتُ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا ، فَادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، وَأَقَامَ الْكَافِرُ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ وَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ نَظَرْنَا فِي لَفْظِ الشَّهَادَةِ ؛ فَإِنْ شَهِدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ التَّلَفُّظَ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ ، وَإِنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِ الْكُفْرِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَنْ يَدَّعِي انْتِقَالَهُ عَنْ دِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُبْقِيَةَ لَهُ عَلَى أَصْلِ دِينِهِ ، ثَبَتَتْ شَهَادَتُهَا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي تَعْرِفُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا عَرَفَا أَصْلَ دِينِهِ وَلَمْ يَعْرِفَا انْتِقَالَهُ عَنْهُ ، جَازَ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ الَّذِي عَرَفَاهُ ، وَالْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى مَعَهَا عِلْمٌ لَمْ تَعْلَمْهُ الْأُولَى ، فَقُدِّمَتْ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ كَانَ مِلْكًا لِفُلَانٍ إلَى أَنْ مَاتَ ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ .
فَأَمَّا إنْ قَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ قَدْ كَانَ مُسْلِمًا .
وَقَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ كَانَ كَافِرًا .
نَظَرْنَا فِي تَارِيخِهِمَا ؛ فَإِنْ كَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عُمِلَ بِالْآخِرَةِ مِنْهُمَا ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَمَّا شَهِدَتْ بِهِ

الْأُولَى ، إلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ الْآخِرَةُ وَإِنْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلَقَةٌ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقَرُّ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ يُسْلِمُ الْكَافِرُ ، فَيُقَرُّ .
وَإِنْ كَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ ، نَظَرْت فِي شَهَادَتِهِمَا ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى اللَّفْظِ ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ .
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى اللَّفْظِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ .
وَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ ، قُدِّمَتْ النَّاقِلَةُ لَهُ عَنْ أَصْلِ دِينِهِ .
وَكُلُّ مَوْضِعٍ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ ، وَيَكُونَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا .
وَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، حَلَفَ وَأَخَذَ .
الثَّانِيَةُ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا .
وَنَحْوَ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْإِسْلَامِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ .
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ ، فِيمَا إذَا قَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ كَانَ مُسْلِمًا وَقَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ كَانَ كَافِرًا .
مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ ، أَوْ عُلِمَ أَنَّ أَصْلَ ، دِينِهِ الْكُفْرُ ، أَمَّا مَنْ كَانَ مُسْلِمًا فِي الْأَصْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَدَّمَ بَيِّنَةُ الْكُفْرِ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْإِسْلَامِ يَجُوزُ أَنْ تَسْتَنِدَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ .

( 8547 ) فَصْلٌ وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا مُسْلِمًا وَأَخًا كَافِرًا ، فَاخْتَلَفَا فِي دِينِهِ حَالَ الْمَوْتِ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .
وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَقَارِبِ ، إلَّا أَنْ يُخَلِّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ الْأَقَارِبِ ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي دِينِهِ ، فَإِنَّ كَوْنَ الْأَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ بِمَنْزِلَةِ مَعْرِفَةِ أَصْلِ دِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَحْكُومٌ لَهُ بِدِينِ أَبَوَيْهِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا ، وَإِنَّ الِابْنَيْنِ يَدَّعِيَانِ إسْلَامَهُ ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْأَبَوَيْنِ .
وَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا فِي إسْلَامِهِ لِأَنَّ كُفْرَهُ يَنْبَنِي أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ ، أَوْ أَنَّ أَبَوَيْهِ كَانَا كَافِرَيْنِ ، فَأَسْلَمَا بَعْدَ بُلُوغِهِ ، وَالْأَصْلُ .
خِلَافُهُ .

( 8548 ) فَصْلٌ : وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ ، وَخَلَّفَ زَوْجَةً وَوَرَثَةً سِوَاهَا ، وَكَانَتْ الزَّوْجَةُ كَافِرَةً ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَادَّعَتْ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ ، فَأَنْكَرَهَا الْوَرَثَةُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ .
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهَا كَافِرَةٌ ، فَادَّعَى عَلَيْهَا الْوَرَثَةُ أَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً ، فَأَنْكَرَتْهُمْ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعُوهُ عَلَيْهِ وَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّهُ طَلَّقَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ ، فَأَنْكَرَتْهُمْ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا .
وَإِنْ اعْتَرَفَتْ بِالطَّلَاقِ ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، فَادَّعَتْ أَنَّهُ رَاجَعَهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ .
وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، فِي أَنَّهَا لَمْ تَنْقَضِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا .
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَلَوْ خَلَّفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، اتَّفَقَا عَلَى أَنْ أَحَدَهُمَا كَانَ مُسْلِمًا حِينَ مَوْتِ أَبِيهِ ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ ، وَجَحَدَهُ أَخُوهُ ، فَالْمِيرَاثُ لِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُفْرِ إلَى أَنْ يُعْلَمَ زَوَالُهُ ، وَعَلَى أَخِيهِ الْيَمِينُ ، وَتَكُونُ عَلَى نَفْيٍ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى نَفْيٍ فِعْلِ .
أَخِيهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، فَإِنَّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ ، قُسِمَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا ، وَالْآخَرُ رَقِيقًا ، ثُمَّ عَتَقَ ، وَاخْتَلَفَا فِي حُرِّيَّتِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهَا .
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ رَقِيقًا وَلَا كَافِرًا ، فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فَأَنْكَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ ، وَعَدَمُ مَا سِوَاهُمَا .

( 8549 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ ، وَأَسْلَمَ الْآخَرُ فِي غُرَّةِ رَمَضَانَ ، وَاخْتَلَفَا فِي مَوْتِ أَبِيهِمَا ، فَقَالَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا : مَاتَ فِي شَعْبَانَ فَوَرِثْته وَحْدِي .
وَقَالَ الْآخَرُ : مَاتَ فِي رَمَضَانَ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ حَتَّى يُعْلَمَ زَوَالُهَا ، فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَتَعَارَضَانِ ، وَالثَّانِي ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ مَوْتِهِ فِي شَعْبَانَ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ ، لِأَنَّهَا بَيَّنَتْ مَوْتَهُ فِي شَعْبَانَ ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يُخْفِيَ ذَلِكَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى .

( 8550 ) فَصْلٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي دَارٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ، أَنَّ هَذِهِ دَارِي وَرِثْتهَا مِنْ أَبِي ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهَا دَارُهُ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ .
وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَخًا لِلْآخَرِ ، وَكَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَهِيَ فِي أَيْدِيهِمَا تَعَارَضَتَا ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي مِثْلِهَا .

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَابْنُهَا فَقَالَ زَوْجُهَا : مَاتَتْ قَبْلَ ابْنِهَا ، فَوَرِثْنَاهَا ، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي ، فَوَرِثْته .
وَقَالَ أَخُوهَا مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثَتْهُ ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَكَانَ مِيرَاثُ الِابْنِ لِأَبِيهِ ، وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ لِأَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ جَمَاعَةٌ يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَاخْتَلَفَ الْأَحْيَاءُ مِنْ وَرَثَتِهِمْ فِي أَسْبَقِهِمْ بِالْمَوْتِ كَامْرَأَةٍ وَابْنِهَا مَاتَا ، فَقَالَ الزَّوْجُ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا ، فَصَارَ مِيرَاثُهَا كُلُّهُ لِي وَلِابْنِي ، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَصَارَ مِيرَاثُهُ لِي .
وَقَالَ أَخُوهَا : مَاتَ ابْنُهَا أَوَّلًا فَوَرِثَتْ ثُلُثَ مَالِهِ ، ثُمَّ مَاتَتْ فَكَانَ مِيرَاثُهَا بَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَيْنِ .
حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ ، وَجَعَلْنَا مِيرَاثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ دُونَ مَنْ مَاتَ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الْحَيِّ مِنْ مَوْرُوثِهِ مَوْجُودٌ ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ لِبَقَاءِ مَوْرُوثِ الْآخَرِ بَعْدَهُ وَهَذَا أَمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا نَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ ، فَيَكُونُ مِيرَاثُ الِابْنِ لِأَبِيهِ ، لَا مُشَارِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ بَيْنَ أَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَعْطَيْتُمْ الزَّوْجَ نِصْفَ مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ ، وَهُوَ لَا يَدَّعِي إلَّا الرُّبْعَ قُلْنَا بَلْ هُوَ مُدَّعٍ لَهُ كُلِّهِ ؛ رُبْعِهِ بِمِيرَاثِهِ مِنْهَا ، وَثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ بِإِرْثِهِ مِنْ ابْنِهِ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَدْ ثَبَتَتْ الْبُنُوَّةُ بِيَقِينٍ ، فَلَا يُقْطَعُ مِيرَاثُ الْأَبِ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ لِلْأَخِ .
وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
وَذَكَرَ قَوْلًا آخَرَ ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .
قَالَ : وَهَذَا اخْتِيَارِي أَنَّ كُلَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا مَالًا يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا فِيهِ فَهُوَ

بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .
وَهَذَا لَا يُدْرَى مَا أَرَادَ بِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّ مَالَ الْمَرْأَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .
فَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ ، وَلَيْسَ بِقَوْلِ آخَرَ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مَالَهَا وَمَالَ الِابْنِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إعْطَاءِ الْأَخِ مَا لَا يَدَّعِيه ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ يَقِينًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي مِنْ مَالِ الِابْنِ أَكْثَرَ مِنْ سُدُسِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَإِنْ أَرَادَ ثُلُثَ مَالِ الِابْنِ يُضَمُّ إلَى مَالِ الْمَرْأَةِ ، فَيَقْتَسِمَانِهِ نِصْفَيْنِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ نِصْفَ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ بِاتِّفَاقِ مِنْهُمَا لَا ، يُنَازِعُهُ الْأَخُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا فِي نِصْفِهِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَهُ كَمَا لَوْ تَنَازَعَ الْأَخُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا خَفِيٌّ ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ دَارًا فِي أَيْدِيهِمَا ، فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا كُلَّهَا ، وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا ، فَإِنَّهَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَتَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتِلْكَ ، أَنَّ الدَّارَ فِي أَيْدِيهِمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي يَدِهِ نِصْفُهَا ، فَمُدَّعِي النِّصْفِ يَدَّعِيه وَهُوَ فِي يَدِهِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يَعْتَرِفَانِ أَنَّ هَذَا مِيرَاثٌ عَنْ الْمَيِّتَيْنِ ، فَلَا يَدَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ ، لَاعْتِرَافِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ، وَإِنَّمَا هُوَ مِيرَاثٌ يَدَّعِيَانِهِ عَنْ غَيْرِهِمَا ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَمُّ سُدُسُ مَالِ الِابْنِ إلَى نِصْفِ مَالِ الْمَرْأَةِ ، فَيُقْسَمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَلَهُ وَجْهٌ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي دَعْوَاهُ ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً فِي أَيْدِيهِمَا ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْيَمِينُ فِيمَا حُكِمَ لَهُ بِهِ .
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي الْغَرْقَى وَالْهَدْمَى ، أَنْ يَكُونَ سُدُسُ مِيرَاثِ الِابْنِ لِلْأَخِ ، وَبَاقِي الْمِيرَاثَيْنِ لِلزَّوْجِ ؛

لِأَنَّنَا نُقَدِّرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَاتَتْ أَوَّلًا ، فَيَكُونُ مِيرَاثُهَا لِابْنِهَا وَزَوْجِهَا ، ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ فَوَرِثَ الزَّوْجُ كُلَّ مَا فِي يَدِهِ فَصَارَ مِيرَاثُهَا كُلُّهُ لِزَوْجِهَا ، ثُمَّ نُقَدِّرُ أَنَّ الِابْنَ مَاتَ أَوَّلًا ، فَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ لِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، ثُمَّ مَاتَتْ فَصَارَ الثُّلُثُ بَيْنَ أَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ، فَلَمْ يَرِثْ الْأَخُ إلَّا سُدُسَ مَالِ الِابْنِ ، كَمَا ذَكَرْنَا .
وَلَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ يَخْتَصُّ بِمَنْ جُهِلَ مَوْتُهُمَا ، وَاتَّفَقَ وُرَّاثُهُمَا عَلَى الْجَهْلِ بِهِ .
وَالْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ ؛ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، فِيمَا إذَا ادَّعَى وَرَثَةُ كُلِّ مَيِّتٍ أَنَّهُ مَاتَ أَخِيرًا وَأَنَّ الْآخَرَ مَاتَ قَبْلَهُ ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ ، حُكِمَ بِهَا ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا ، وَهَلْ تَسْقُطَانِ ، أَوْ تُسْتَعْمَلَانِ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَقْتَسِمَانِ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 8552 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ ، فَادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا ، أَوْ أَنَّهَا اشْتَرَتْهَا مِنْهُ فَأَنْكَرَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ .
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ، قُدِّمَتْ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِزِيَادَةِ خَفِيَتْ عَلَى بَيِّنَةِ الزَّوْجِ .
وَإِنْ مَاتَ الرَّجُلُ ، وَخَلَّفَ ابْنًا ، فَادَّعَى الِابْنُ أَنَّهُ خَلَّفَ الدَّارَ مِيرَاثًا ، وَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا ، أَوْ بَاعَهَا إيَّاهَا ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ ؛ لِذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ مَعَ يَمِينِهِ .
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .

( 8553 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ اكْتَرَى بَيْتًا مِنْ دَارٍ لِرَجُلٍ شَهْرًا بِعَشَرَةٍ ، فَادَّعَى الرَّجُلُ أَنَّهُ اكْتَرَى الدَّارَ كُلَّهَا بِعَشَرَةٍ ، ذَلِكَ الشَّهْرَ وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَقَدْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْعَقْدِ ، فِي قَدْرِ الْمُكْتَرَى ، فَيَتَحَالَفَانِ ، وَقَدْ مَضَى حُكْمُ التَّحَالُفِ فِي الْبَيْعِ .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِيمَا إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ بَاعَهُ عَبْدَهُ هَذَا بِعَشَرَةٍ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي : بَلْ هُوَ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ بِعَشَرَةٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ .
وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُمَا تَحَالُفًا ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي بَيْعًا فِي الْعَبْدِ الزَّائِدِ ، يُنْكِرُهُ الْبَائِعُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .
وَهَذَا مِثْلُهُ .
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي مَعَ يَمِينِهِ إذَا عُدِمَتْ الْبَيِّنَةُ .
فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بِدَعْوَاهُ بَيِّنَةً ، حُكِمَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ ، تَعَارَضَتَا ، سَوَاءٌ كَانَتَا مُطْلِقَتَيْنِ ، أَوْ مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُؤَرِّخَةً وَالْأُخْرَى مُطْلِقَةٌ ، لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبَيْتِ مُفْرَدًا ، وَعَلَى الدَّارِ كُلِّهَا ، فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ، مُحَالٌ ، فَإِنْ قُلْنَا تَسْقُطَانِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ ، وَإِنْ قُلْنَا : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا قَدَّمْنَا قَوْلَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ .
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُكْتَرِي ؛ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ .
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ الْأُخْرَيَيْنِ مَعًا عَلَى الْمُكْتَرِي كَمَا قُلْتُمْ فِيمَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ بِأَلْفٍ ، وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِمِائَةٍ : يَجِبُ الْمَهْرَانِ ؟ قُلْنَا ثَمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرَانِ مُسْتَقِرَّيْنِ ، بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ يَدْخُلُ

بِهَا ، ثُمَّ يُخَالِعُهَا ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
وَأَمَّا الْأُجْرَةُ فَلَا تَسْتَقِرُّ إلَّا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ ، فَإِذَا عَقَدَ عَقْدًا قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَجِبَ الْأُجْرَتَانِ .

( 8554 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ ، أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ صَبِيٍّ أَلْفًا ، وَشَهِدَ آخَرَانِ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الصَّبِيِّ أَلْفًا ، كَانَ عَلَى وَلِي الصَّبِيِّ أَنْ يُطَالِبَ أَحَدَهُمَا بِالْأَلْفِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّ بَيِّنَةٍ لَمْ تَشْهَدْ بِالْأَلْفِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهَا الْأُخْرَى فَيَأْخُذَ الْوَلِيُّ الْأَلْفَيْنِ ) أَمَّا إذَا كَانَتْ كُلُّ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِأَلْفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، فَإِنَّ الْوَلِيَّ يُطَالِبُ بِالْأَلْفَيْنِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ ثَبَتَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْأَلْفَيْنِ ، فَيَلْزَمُهُ أَدَاؤُهَا ، وَعَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُطَالِبَ بِهَا ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَلْفٍ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ أَلْفًا مُعَيَّنًا ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْآخِذُ لَهَا ، لَمْ يَجِبْ إلَّا أَلْفٌ وَاحِدٌ ، وَلِلْوَلِيِّ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَ الْأَلْفَ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَرُدَّهُ ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِنْ كَانَ رَدَّهُ إلَى الصَّبِيِّ ، لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ بِرَدِّهِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَبْضٌ صَحِيحٌ .
فَإِنْ غَرِمَهُ الَّذِي لَمْ يَرُدَّهُ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ غَرِمَهُ الرَّادُّ لَهُ ، رَجَعَ عَلَى الَّذِي لَمْ يَرُدَّهُ .
فَإِنْ غَرِمَهُ أَحَدُهُمَا ، فَادَّعَى أَنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عَلَى صَاحِبِهِ ، لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخَرِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ .

( 8555 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَرْبِيَّيْنِ جَاءَا مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ ، فَذَكَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَخُو صَاحِبِهِ ، جَعَلْنَاهُمَا أَخَوَيْنِ ، وَإِنْ كَانَا سَبْيًا ، فَادَّعَيَا ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُعْتِقَا ، فَمِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُعْتِقِهِ إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُمَا ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بِمَا ادَّعَيَاهُ بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَيَثْبُتَ النَّسَبُ ، وَيُوَرَّثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَخِيهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إذَا دَخَلُوا إلَيْنَا مُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ مُسْلِمِينَ فَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ بِنَسَبِ بَعْضٍ ، ثَبَتَ نَسَبُهُمْ كَمَا يَثْبُتُ نَسَبُ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ بِإِقْرَارِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ فِيهِ ، فَقُبِلَ ، كَإِقْرَارِهِمْ ، بِالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
وَإِنْ كَانُوا سَبْيًا ، فَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ بِنَسَبِ بَعْضٍ ، وَقَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، ثَبَتَ أَيْضًا ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدُ أَسِيرًا عِنْدَهُمْ أَوْ غَيْرَ أَسِيرٍ .
وَيُسَمَّى الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ حَمِيلًا ، أَيْ مَحْمُولًا ، كَمَا يُقَالُ لِلْمَقْتُولِ قَتِيلٌ ، وَلِلْمَجْرُوحِ جَرِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ حُمِلَ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ .
وَقِيلَ سُمِّيَ حَمِيلًا ؛ لِأَنَّهُ حُمِلَ نَسَبُهُ عَلَى غَيْرِهِ .
وَإِنْ شَهِدَ بِنَسَبِهِ الْكُفَّارُ ، لَمْ تُقْبَلْ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ شَهَادَتَهُمْ فِي ذَلِكَ تُقْبَلُ ؛ لِتَعَذُّرِ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ فِي الْغَالِبِ ، فَأَشْبَهَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ .
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّنَا إذَا لَمْ نَقْبَلْ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ ، فَشَهَادَةُ الْكَافِرِ أَوْلَى ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُمْ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى السَّيِّدِ ، بِتَفْوِيتِ إرْثِهِ بِالْوَلَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ الْعِتْقِ ، وَإِنْ صَدَّقَهُمَا مُعْتِقُهُمَا ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ .
وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ

بِذَلِكَ ، لَمْ يَرِثْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَمِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُعْتِقِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، فِيمَا إذَا أَقَرَّ بِنَسَبِ أَبٍ ، أَوْ أَخٍ أَوْ جَدٍّ أَوْ ابْنِ عَمٍّ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، لَا يُقْبَلُ .
وَالثَّانِي يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَوْلِدَ ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ .
وَالثَّالِثُ ، إنْ أَمْكَنَ أَنْ يَسْتَوْلِدَ بَعْدَ عِتْقِهِ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِيلَادَ بَعْدَ عِتْقِهِ ، وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قَبْلَ عِتْقِهِ ، أَوْ يَسْتَوْلِدَ قَبْلَ عِتْقِهِ .
وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمَسْرُوقٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّ إقْرَارَهُ يُقْبَلُ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ الْإِقْرَارُ مِنْ الْأَحْرَارِ الْأَصْلِيِّينَ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ أَقَرَّ بِنَسَبٍ وَإِرْثُ مَجْهُولِ النَّسَبِ ، يُمْكِنُ صِدْقُهُ فِيهِ ، وَوَافَقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِيهِ ، فَقُبِلَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ مَنْ لَهُ أَخٌ بِنَسَبِ ابْنٍ ، وَبِهَذَا الْأَصْلِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى الشَّعْبِيُّ ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى شُرَيْحٍ ، أَنْ لَا تُوَرِّثْ حَمِيلًا ، حَتَّى تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ .
رَوَاهُ سَعِيدٌ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَنْ لَا تُوَرِّثْ حَمِيلًا إلَّا بِبَيِّنَةٍ .
وَلِأَنَّ إقْرَارَهُ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّ مُعْتِقِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ مَوْلًى لِغَيْرِهِ ، فَإِنَّ غَيْرَهُ شَرِيكُهُ فِي وَلَائِهِ ، وَفَارَقَ الْإِقْرَارَ مِنْ الْحُرِّ الَّذِي لَهُ أَخٌ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ نَتِيجَةُ الْمِلْكِ ، فَجَرَى مَجْرَاهُ ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ ثَبَتَ عَنْ عِوَضٍ ، وَالْأُخُوَّةُ بِخِلَافِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ .
صَحَّ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ إلَّا الْوَلَاءُ ؟ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ بِعِوَضٍ ، كَانَ أَقْوَى مِنْ النَّسَبِ ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا

النَّسَبَ فِي الْمِيرَاثِ لِقُرْبِهِ ، لَا لِقُوَّتِهِ ، كَمَا نُقَدِّمُ ذَوِي الْفُرُوضِ عَلَى الْعَصَبَةِ مَعَ قُرْبِهِمْ .
( 8556 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَا مُخْتَلِفَيْ الدِّينِ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَارَثَا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا فَيَرِثَ ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّا بِالنَّسَبِ فِي حَالِ رِقِّهِمَا ، لَمْ يَثْبُتْ لِاحْتِمَالِ التَّوَارُثِ بِالْعِتْقِ .
وَإِنْ وُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنٌ مِنْ حُرَّةٍ ، فَأَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ ؛ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِقَبُولِهِ ، وَانْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ .
وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُ الْأُصُولِ ، فَالْفُرُوعُ أَوْلَى فَإِنْ قُلْنَا : يُقْبَلُ إقْرَارُهُمَا .
فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِأَبِي الْآخَرِ أَنَّهُ عَمُّهُ ، لَمْ يَثْبُتْ الْإِقْرَارُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَوَرِثَ عَمُّهُ دُونُ مَوْلَاهُ الْمُعْتِقِ لَهُ .
وَهَلْ يَثْبُتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَمِّ فَيَرِثُ ابْنَ أَخِيهِ ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ ؛ لِانْتِفَاءِ الْوَلَاءِ عَنْ ابْنِ الْأَخِ فَلَا تُفْضِي صِحَّةُ الْإِقْرَارِ إلَى إسْقَاطِ الْوَلَاءِ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْآخَرِ .

( 8557 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ فِي الْبَيْتِ ، فَافْتَرَقَا ، أَوْ مَاتَا ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي الْبَيْتِ أَنَّهُ لَهُ ، أَوْ وَرِثَهُ ، حُكِمَ بِمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ لِلرَّجُلِ ، وَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ لِلْمَرْأَةِ ، وَمَا كَانَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ ، أَوْ فِي بَعْضِهِ ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : جَمِيعُهُ لِي .
أَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : هَذِهِ الْعَيْنُ لِي ، وَكَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، ثَبَتَ لَهُ ، بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ ؛ مِنْ الْعَمَائِمِ ، وَقُمْصَانِهِمْ ، وَجِبَابِهِمْ ، وَالْأَقْبِيَةِ ، وَالطَّيَالِسَةِ ، وَالسِّلَاحِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ ؛ كَحُلِيِّهِنَّ ، وَقُمُصِهِنَّ ، وَمَقَانِعِهِنَّ ، وَمَغَازِلِهِنَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينِهَا .
وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا ؛ كَالْمَفَارِشِ ، وَالْأَوَانِي ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، أَوْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا ، أَوْ اخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا ، أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَرَثَةُ الْآخَرِ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ؛ مِنْهُمْ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ ، فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ ، أَوْ يَمُوتُ ، فَتَدَّعِي الْمَرْأَةُ الْمَتَاعَ : فَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ ، فَهُوَ لِلرَّجُلِ ، وَمَا كَانَ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ ، فَهُوَ لِلنِّسَاءِ ، وَمَا اسْتَقَامَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا .
وَإِنْ كَانَ الْمَتَاعُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِمَا ، فَمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ ، دُفِعَ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، حَلَفَ وَأُعْطِيَ الْمَتَاعَ

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71