الكتاب : المغني
المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي

( 8130 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذَا الرُّطَبَ ، فَأَكَلَهُ تَمْرًا ، حَنِثَ .
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَوَلَّدَ مِنْ ذَلِكَ الرُّطَبِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ عَيَّنَهُ بِالْإِشَارَةِ ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرُّطَبَ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَأْكُلَهُ رُطَبًا ، فَيَحْنَثَ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْجَمِيعِ ؛ لِكَوْنِهِ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ صَرِيحًا .
الثَّانِي : أَنْ تَتَغَيَّرَ صِفَتُهُ ، وَذَلِكَ يُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ تَسْتَحِيلَ أَجْزَاؤُهُ .
وَيَتَغَيَّرَ اسْمُهُ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ : لَا أَكَلْت هَذِهِ الْبَيْضَةَ .
فَصَارَتْ فَرْخًا .
أَوْ لَا أَكَلْت هَذِهِ الْحِنْطَةَ .
فَصَارَتْ زَرْعًا فَأَكَلَهُ ، فَهَذَا لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ وَاسْتَحَالَتْ أَجْزَاؤُهُ .
وَعَلَى قِيَاسِهِ ، إذَا حَلَفَ : لَا شَرِبْت هَذَا الْخَمْرَ .
فَصَارَتْ خَلًّا ، فَشَرِبَهُ .
الْقِسْمُ الثَّانِي ، تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ ، وَزَالَ اسْمُهُ ، مَعَ بَقَاءِ أَجْزَائِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ : لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ .
فَصَارَ تَمْرًا ، وَلَا أُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ .
فَصَارَ شَيْخًا ، وَلَا آكُلُ هَذَا الْحَمَلَ .
فَصَارَ كَبْشًا .
أَوْ لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ .
فَصَارَ دِبْسًا ، أَوْ خَلًّا ، أَوْ نَاطِفًا ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْحَلْوَاءِ .
وَلَا يَأْكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ ، فَصَارَتْ دَقِيقًا ، أَوْ سَوِيقًا ، أَوْ خُبْزًا ، أَوْ هَرِيسَةً .
أَوْ : لَا أَكَلْت هَذَا الْعَجِينَ ، أَوْ هَذَا الدَّقِيقَ .
فَصَارَ خُبْزًا .
أَوْ : لَا أَكَلْت هَذَا اللَّبَنَ .
فَصَارَ سَمْنًا ، أَوْ جُبْنًا ، أَوْ كُشْكًا .
أَوْ : لَا دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ .
فَصَارَتْ مَسْجِدًا ، أَوْ حَمَّامًا ، أَوْ فَضَاءً ، ثُمَّ دَخَلَهَا أَوْ أَكَلَهُ ، حَنِثَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِيمَا إذَا حَلَفَ : لَا كَلَّمْت هَذَا الصَّبِيَّ .
فَصَارَ شَيْخًا .
وَلَا أَكَلْت هَذَا الْحَمَلَ .
فَصَارَ كَبْشًا .
وَلَا : دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ .
فَدَخَلَهَا بَعْدَ تَغَيُّرِهَا .
وَقَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ ، فِي الْحِنْطَةِ إذَا صَارَتْ

دَقِيقًا .
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الرُّطَبِ إذَا صَارَ تَمْرًا ، وَالصَّبِيِّ إذَا صَارَ شَيْخًا ، وَالْحَمَلِ إذَا صَارَ كَبْشًا ، وَجْهَانِ .
وَقَالُوا فِي سَائِرِ الصُّوَرِ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَصُورَتَهُ زَالَتْ ، فَلَمْ يَحْنَثْ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ الْبَيْضَةَ ، فَصَارَتْ فَرْخًا .
وَلَنَا ، أَنَّ عَيْنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بَاقِيَةٌ ، فَحَنِثَ بِهَا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا أَكَلَتْ هَذَا الْحَمَلَ .
فَأَكَلَ لَحْمَهُ .
أَوْ : لَا لَبِسْت هَذَا الْغَزْلَ .
فَصَارَ ثَوْبًا ، فَلَبِسَهُ .
أَوْ : لَا لَبِسْت هَذَا الرِّدَاءَ .
فَلَبِسَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ قَمِيصًا أَوْ سَرَاوِيلَ .
وَفَارَقَ الْبَيْضَةَ إذَا صَارَتْ فَرْخًا ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا اسْتَحَالَتْ ، فَصَارَتْ عَيْنًا أُخْرَى ، وَلَمْ تَبْقَ عَيْنُهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالِاسْمِ مَعَ التَّعْيِينِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا كَلَّمْت زَيْدًا هَذَا .
فَغَيَّرَ اسْمَهُ .
أَوْ : لَا كَلَّمْت صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ .
فَكَلَّمَهُ بَعْدَ بَيْعِهِ .
وَلِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ التَّعْيِينُ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ ، كَانَ الْحُكْمُ لِلتَّعْيِينِ ، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ مَعَ الْإِضَافَةِ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، تَبَدَّلَتْ الْإِضَافَةُ ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ : لَا كَلَّمْت زَوْجَةَ زَيْدٍ هَذِهِ ، وَلَا عَبْدَهُ هَذَا ، وَلَا دَخَلْت دَارِهِ هَذِهِ .
فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ ، وَبَاعَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ ، فَكَلَّمَهُمَا ، وَدَخَلَ الدَّارَ ، حَنِثَ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَزُفَرُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : لَا يَحْنَثُ ، إلَّا فِي الزَّوْجَةِ ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَا تُوَالَى وَلَا تُعَادَى ، وَإِنَّمَا الِامْتِنَاعُ لِأَجْلِ مَالِكِهَا ، فَتَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِهَا ، مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ فِي الْغَالِبِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ فِي الْيَمِينِ التَّعْيِينُ وَالْإِضَافَةُ ، كَانَ الْحُكْمُ لِلتَّعْيِينِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت زَوْجَةَ فُلَانٍ ، وَلَا صَدِيقَهُ .
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ فِي الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ

يُوَالِي وَيُعَادِي ، وَيَلْزَمُهُ فِي الدَّارِ إذَا أَطْلَقَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكَهَا ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا بَعْدَ بَيْعِ مَالِكِهَا إيَّاهَا .
الْقِسْمُ الرَّابِعُ ، إذَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهُ ثُمَّ عَادَتْ ، كَمِقَصٍّ انْكَسَرَ ثُمَّ أُعِيدَ ، وَقَلَمٍ انْكَسَرَ ثُمَّ بُرِيَ ، وَسَفِينَةٍ تَفَصَّمَتْ ثُمَّ أُعِيدَتْ ، وَدَارٍ هُدِمَتْ ثُمَّ بُنِيَتْ ، وَأُسْطُوَانَةٍ نُقِضَتْ ثُمَّ أُعِيدَتْ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا وَاسْمَهَا مَوْجُودٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَتَغَيَّرْ .
الْقِسْمُ الْخَامِسُ ، إذَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ بِمَا لَمْ يُزِلْ اسْمَهُ ، كَلَحْمٍ شُوِيَ أَوْ طُبِخَ ، وَعَبْدٍ بِيعَ ، وَرَجُلٍ مَرِضَ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ ، بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ لَمْ يَزُلْ ، وَلَا زَالَ التَّغَيُّرُ ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ .

( 8131 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت سَعْدًا زَوْجَ هِنْدٍ أَوْ سَيِّدَ صُبَيْحٍ ، أَوْ صَدِيقَ عَمْرٍو ، أَوْ مَالِكَ هَذِهِ الدَّارِ ، أَوْ صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ .
أَوْ : لَا كَلَّمْت هِنْدَ امْرَأَةَ سَعْدٍ ، أَوْ صُبَيْحًا عَبْدَهُ ، أَوْ عَمْرًا صَدِيقَهُ .
فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ ، وَبَاعَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ وَالطَّيْلَسَانَ ، وَعَادَى عَمْرًا ، وَكَلَّمَهُمْ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ الِاسْمُ وَالْإِضَافَةُ ، غَلَبَ الِاسْمُ ؛ بِجَرَيَانِهِ مَجْرَى التَّعْيِينِ لِتَعْرِيفِ الْمَحَلِّ .
( 8132 ) فَصْلٌ : وَمَتَى نَوَى بِيَمِينِهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ أَوْ الْإِضَافَةِ ، أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " وَإِنَّمَا لِامْرِئِ مَا نَوَى " .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 8133 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ تَمْرًا ، فَأَكَلَ رُطَبًا ، لَمْ يَحْنَثْ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَنْوِ بِيَمِينِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ ، وَلَا صَرَفَهُ السَّبَبُ عَنْهُ ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِمَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ يَمِينَهُ ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ ، فَإِذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ تَمْرًا ، لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَكَلَ رُطَبًا وَلَا بُسْرًا وَلَا بَلَحًا .
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا ، لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَكَلَ تَمْرًا وَلَا بُسْرًا وَلَا بَلَحًا ، وَلَا سَائِرَ مَا لَا يُسَمَّى رُطَبًا .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .

( 8134 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ عِنَبًا ، فَأَكَلَ زَبِيبًا أَوْ دِبْسًا أَوْ خَلًّا أَوْ نَاطِفًا ، أَوْ لَا يُكَلِّمُ شَابًّا ، فَكَلَّمَ شَيْخًا ، أَوْ لَا يَشْتَرِيَ جَدْيًا ، فَاشْتَرَى تَيْسًا ، أَوْ لَا يَضْرِبَ عَبْدًا ، فَضَرَبَ عَتِيقًا ، لَمْ يَحْنَثْ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَعَلَّقَتْ بِالصِّفَةِ دُونَ الْعَيْنِ ، وَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ : لَا أَكَلْت هَذِهِ التَّمْرَةَ .
فَأَكَلَ غَيْرَهَا .

( 8135 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا ، فَأَكَلَ مُنَصَّفًا ، وَهُوَ الَّذِي بَعْضُهُ بُسْرٌ وَبَعْضُهُ تَمْرٌ ، أَوْ مُذَنَّبًا ، وَهُوَ الَّذِي بَدَأَ فِيهِ الْإِرْطَابُ مِنْ ذَنَبِهِ وَبَاقِيهِ بُسْرٌ ، أَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا ، فَأَكَلَ ذَلِكَ ، حَنِثَ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رُطَبًا وَلَا تَمْرًا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَكَلَ رُطَبًا وَبُسْرًا ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ أَكَلَ نِصْفَ رُطَبَةٍ وَنِصْفَ بُسْرَةٍ مُنْفَرِدَتَيْنِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي أَرْطُبْ رُطَبٌ ، وَالْبَاقِيَ بُسْرٌ ، وَلَوْ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّطَبَ ، فَأَكَلَ الْقَدْرَ الَّذِي أَرْطَبُ مِنْ النِّصْفِ ، حَنِثَ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْبُسْرَ ، فَأَكَلَ الْبُسْرَ الَّذِي فِي النِّصْفِ حَنِثَ .
وَإِنْ أَكَلَ الْبُسْرَ مَنْ يَمِينُهُ عَلَى الرُّطَبِ ، وَأَكَلَ الرُّطَبَ مَنْ يَمِينُهُ عَلَى الْبُسْرِ ، لَمْ يَحْنَثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .
وَإِنْ حَلَفَ وَاحِدٌ لَيَأْكُلَنَّ رُطَبًا ، وَآخَرُ لَيَأْكُلَنَّ بُسْرًا ، فَأَكَلَ الْحَالِفُ عَلَى أَكْلِ الرُّطَبِ مَا فِي الْمُنَصَّفِ مِنْ الرُّطَبَةِ ، وَأَكَلَ الْآخَرُ بَاقِيَهَا ، بَرَّا جَمِيعًا .
وَإِنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ رُطَبَةً أَوْ بُسْرَةً ، أَوْ لَا يَأْكُلُ ذَلِكَ ، فَأَكَلَ مُنَصَّفًا ، لَمْ يَبَرَّ وَلَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رُطَبَةٌ وَلَا بُسْرَةٌ .

( 8136 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا ، فَأَكَلَ مِنْ لَبَنِ الْأَنْعَامِ ، أَوْ الصَّيْدِ ، أَوْ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ حَلِيبًا أَوْ رَائِبًا ، أَوْ مَائِعًا أَوْ مُجَمَّدًا ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَبَنٌ ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْجُبْنِ وَالسَّمْنِ وَالْمَصْلِ وَالْأَقِطِ وَالْكُشْكِ وَنَحْوِهِ .
وَإِنْ أَكَلَ زُبْدًا ، لَمْ يَحْنَثْ .
نَصَّ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي الزُّبْدِ : إنْ ظَهَرَ فِيهِ لَبَنٌ ، حَنِثَ بِأَكْلِهِ ، وَإِلَّا فَلَا .
كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا ، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ زُبْدًا ، فَأَكَلَ سَمْنًا أَوْ لَبَنًا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ الزُّبْدُ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَإِنْ كَانَ الزُّبْدُ ظَاهِرًا فِيهِ ، حَنِثَ .
وَإِنْ أَكَلَ جُبْنًا ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُصْنَعُ مِنْ اللَّبَنِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا ، فَأَكَلَ زُبْدًا ، أَوْ لَبَنًا ، أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُصْنَعُ مِنْ اللَّبَنِ سِوَى السَّمْنِ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَإِنْ أَكَلَ السَّمْنَ مُنْفَرِدًا ، أَوْ فِي عَصِيدَةٍ ، أَوْ حَلْوَاءَ أَوْ طَبِيخٍ ، فَظَهَرَ فِيهِ طَعْمُهُ ، حَنِثَ .
وَلِذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا ، فَأَكَلَ طَبِيخًا فِيهِ لَبَنٌ ، أَوْ لَا يَأْكُلُ خَلًّا ، فَأَكَلَ طَبِيخًا فِيهِ خَلٌّ ، يَظْهَرُ طَعْمُهُ فِيهِ ، حَنِثَ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْرِدْهُ بِالْأَكْلِ .
وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ، وَأَضَافَ إلَيْهِ غَيْرَهُ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ أَكَلَهُ ثُمَّ أَكَلَ غَيْرَهُ .

( 8137 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا ، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ شَعِيرًا فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا ، فَأَكَلَ مُنَصَّفًا .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَهْلَكُ فِي الْحِنْطَةِ ، فَأَشْبَهَ السَّمْنَ فِي الْخَبِيصِ .
وَإِنْ نَوَى بِيَمِينِهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ الشَّعِيرَ مُنْفَرِدًا ، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، أَوْ يَقْتَضِي أَكْلَ شَعِيرٍ يُظْهِرُ أَثَرَ أَكْلِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِذَلِكَ ، لِمَا قَدَّمْنَا .

( 8138 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً ، حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ مَا يُسَمَّى فَاكِهَةً ، وَهِيَ كُلُّ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ مِنْ الشَّجَرَةِ يُتَفَكَّهُ بِهَا ، مِنْ الْعِنَبِ ، وَالرُّطَبِ ، وَالرُّمَّانِ ، وَالسَّفَرْجَلِ ، وَالتُّفَّاحِ ، وَالْكُمَّثْرَى ، وَالْخَوْخِ ، وَالْمِشْمِشِ ، وَالْأُتْرُجِّ ، وَالتُّوتِ ، وَالنَّبْقِ ، وَالْمَوْزِ ، وَالْجَوْزِ ، وَالْجُمَّيْزِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالرُّمَّانِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } .
وَالْمَعْطُوفُ يُغَايِرُ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بِهِمَا ، فَكَانَا مِنْ الْفَاكِهَةِ ، كَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُمَا فِي عُرْفِ النَّاسِ فَاكِهَةٌ ، وَيُسَمَّى بَائِعُهُمَا فَاكِهَانِيًّا .
وَمَوْضِعُ بَيْعِهِمَا دَارَ الْفَاكِهَةِ ، وَالْأَصْلُ فِي الْعُرْفِ الْحَقِيقَةُ ، وَالْعَطْفُ لِشَرَفِهِمَا وَتَخْصِيصِهِمَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } .
وَهُمَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، فَأَمَّا يَابِسُ هَذِهِ الْفَوَاكِهِ ، كَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالتِّينِ وَالْمِشْمِشِ الْيَابِسِ وَالْإِجَّاصِ وَنَحْوِهَا ، فَهُوَ مِنْ الْفَاكِهَةِ ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بِهَا .
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ ، وَمِنْهُ مَا يُقْتَاتُ ، فَأَشْبَهَ الْحُبُوبَ .
وَالزَّيْتُونُ لَيْسَ بِفَاكِهَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَفَكَّهُ بِأَكْلِهِ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ زَيْتُهُ ، وَمَا يُؤْكَلُ مِنْهُ يُقْصَدُ بِهِ التَّأَدُّمُ لَا التَّفَكُّهُ .
وَالْبُطْمُ فِي مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ زَيْتُهُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَاكِهَةٌ ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرُ شَجَرٍ يُؤْكَلُ غَضًّا وَيَابِسًا عَلَى جِهَتِهِ ، فَأَشْبَهَ التُّوتَ .
وَالْبَلُّوطُ لَيْسَ بِفَاكِهَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَفَكَّهُ بِهِ ، وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ عِنْدَ الْمَجَاعَةِ ، أَوْ التَّدَاوِي .
وَكَذَلِكَ سَائِرُ ثَمَرِ شَجَرِ

الْبَرِّ الَّذِي لَا يُسْتَطَابُ ، كَالزُّعْرُورِ الْأَحْمَرِ ، وَثَمَرِ الْقَيْقَبِ ، وَالْعَفْصِ ، وَحَبِّ الْآسِ ، وَنَحْوِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يُسْتَطَابُ ، كَحَبِّ الصَّنَوْبَرِ ، فَهُوَ فَاكِهَةٌ ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بِهِ .
( 8139 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْقِثَّاءُ ، وَالْخِيَارُ ، وَالْقَرْعُ ، وَالْبَاذِنْجَانُ ، فَهُوَ مِنْ الْخُضَرِ ، وَلَيْسَ بِفَاكِهَةٍ .
وَفِي الْبِطِّيخِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هُوَ مِنْ الْفَاكِهَةِ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ لِأَنَّهُ يَنْضَجُ وَيَحْلُو ، أَشْبَهَ ثَمَرَ الشَّجَرِ .
وَالثَّانِي ، لَيْسَ مِنْ الْفَاكِهَةِ ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرُ بَقْلَةٍ ، أَشْبَهَ الْخِيَارَ وَالْقِثَّاءَ .
وَأَمَّا مَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ ، كَالْجَزَرِ ، وَاللِّفْتِ ، وَالْفُجْلِ ، وَالْقُلْقَاسِ ، وَالسَّوْطَلِ ، وَنَحْوِهِ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاكِهَةً ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بِهَا ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا .

( 8140 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ أُدْمًا ، حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَى التَّأَدُّمِ ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا يُصْطَبَغُ ، كَالطَّبِيخِ وَالْمَرَقِ وَالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالشَّيْرَجِ وَاللَّبَنِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الزَّيْتِ : { وَصِبْغٍ لِلْآكِلَيْنِ } .
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ } .
وَقَالَ : { ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ ، وَادَّهِنُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ } .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
أَوْ مِنْ الْجَامِدَاتِ ، كَالشِّوَاءِ وَالْجُبْنِ وَالْبَاقِلَاءِ وَالزَّيْتُونِ وَالْبَيْضِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : مَا لَا يُصْطَبَغُ بِهِ فَلَيْسَ بِأُدْمٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُرْفَعُ إلَى الْفَمِ مُنْفَرِدًا .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سَيِّدُ الْإِدَامِ اللَّحْمُ } .
وَقَالَ : { سَيِّدُ إدَامِكُمْ الْمِلْحُ } .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ بِهِ الْخُبْزُ عَادَةً ، فَكَانَ أُدْمًا ، كَاَلَّذِي يُصْطَبَغُ بِهِ ، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا ذَكَرْنَا لَا يُؤْكَلُ فِي الْعَادَةِ وَحْدَهُ ، إنَّمَا يُعَدُّ لِلتَّأَدُّمِ بِهِ ، وَأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ ، فَكَانَ أُدْمًا ، كَالْخَلِّ وَاللَّبَنِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يُرْفَعُ إلَى الْفَمِ وَحْدَهُ مُفْرَدًا .
عَنْهُ جَوَابَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ مِنْهُ مَا يُرْفَعُ مَعَ الْخُبْزِ ، كَالْمِلْحِ وَنَحْوِهِ .
وَالثَّانِي ، أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْفَمِ وَالْمَضْغِ وَالْبَلْعِ ، الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْأَكْلِ ، فَلَا يَضُرُّ افْتِرَاقُهُمَا قَبْلَهُ ، فَأَمَّا التَّمْرُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هُوَ أُدْمٌ ؛ لِمَا رَوَى يُوسُفُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، قَالَ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ تَمْرَةً عَلَى كِسْرَةٍ ، وَقَالَ : هَذِهِ إدَامُ هَذِهِ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .
وَالثَّانِي ، لَيْسَ بِأُدْمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْتَدَمُ بِهِ عَادَةً ، إنَّمَا

يُؤْكَلُ قُوتًا أَوْ حَلَاوَةً .
وَإِنْ أَكَلَ الْمِلْحَ مَعَ الْخُبْزِ فَهُوَ إدَامٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ يُؤْكَلُ بِهِ الْخَبَرُ ، وَلَا يُؤْكَلُ مُنْفَرِدًا عَادَةً ، أَشْبَهَ الْجُبْنَ وَالزَّيْتُونَ .

( 8141 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا ، فَأَكَلَ مَا يُسَمَّى طَعَامًا ؛ مِنْ قُوتٍ ، وَأُدْمٍ ، وَحَلْوَاءَ ، وَتَمْرٍ ، وَجَامِدٍ ، وَمَائِعٍ حَنِثَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ } .
يَعْنِي عَلَى مَحَبَّةِ الطَّعَامِ ؛ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ ، وَقِيلَ : عَلَى حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ } .
{ وَسَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّبَنَ طَعَامًا ، فَقَالَ : إنَّمَا يَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهمْ أَطْعِمَتَهُمْ } .
وَفِي الْمَاءِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هُوَ طَعَامٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهْرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي } .
وَالطَّعَامُ مَا يُطْعَمُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى اللَّبَنَ طَعَامًا ، وَهُوَ مَشْرُوبٌ ، فَكَذَلِكَ الْمَاءُ .
وَالثَّانِي ، لَيْسَ بِطَعَامٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى طَعَامًا ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الطَّعَامِ ، وَلِهَذَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ ، فَيُقَالُ : طَعَامٌ وَشَرَابٌ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنِّي لَا أَعْلَمُ مَا يُجْزِئُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَّا اللَّبَنَ } .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
وَيُقَالُ : بَابُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ .
وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ طَعَامًا فِي الْحَقِيقَةِ ، فَلَيْسَ بِطَعَامٍ فِي الْعُرْفِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ ، لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ ، لِكَوْنِ الْحَالِفِ فِي الْغَالِبِ لَا يُرِيدُ بِلَفْظِهِ إلَّا مَا يَعْرِفُهُ ، وَإِنْ أَكَلَ دَوَاءً ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ يُطْعَمُ حَالَ الِاخْتِيَارِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الطَّعَامِ

، وَلَا يُؤْكَلُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ .
فَإِنْ أَكَلَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ ، حَنِثَ .
وَإِنْ أَكَلَ مَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ ، كَوَرَقِ الشَّجَرِ ، وَنُشَارَةِ الْخَشَبِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَكَلَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ ، وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ ، أَنَّهُ قَالَ : { لَقَدْ رَأَيْتنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابِعَ سَبْعَةٍ ، مَا لَنَا طَعَامٌ إلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا } .
وَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الطَّعَامِ فِي الْعُرْفِ .

( 8142 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ قُوتًا ، فَأَكَلَ خُبْزًا ، أَوْ تَمْرًا ، أَوْ زَبِيبًا ، أَوْ لَحْمًا ، أَوْ لَبَنًا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ يُقْتَاتُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ إلَّا بِأَكْلِ مَا يَقْتَاتُهُ أَهْلُ بَلَدِهِ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَنْصَرِفُ إلَى الْقُوتِ الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ فِي بَلَدِهِمْ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .
وَإِنْ أَكَلَ سَوِيقًا ، أَوْ اسْتَفَّ دَقِيقًا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَاتُ كَذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ اللُّصُوصِ : لَا تَخْبِزَا خُبْزًا وَبُسَّابَسَّا وَلَا تُطِيلَا بِمُقَامٍ حَبْسَا وَإِنْ أَكَلَ حَبًّا يُقْتَاتُ خُبْزُهُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى قُوتًا ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدَّخِرُ قُوتَ عِيَالِهِ لِسَنَةٍ .
وَإِنَّمَا يُدَّخَرُ الْحَبُّ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَاتُ كَذَلِكَ .
وَإِنْ أَكَلَ عِنَبًا ، أَوْ حِصْرِمًا ، أَوْ خَلًّا ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ قُوتًا .

( 8143 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُ مَالًا ، حَنِثَ بِمِلْكِ كُلِّ مَا يُسَمَّى مَالًا ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْأَثْمَانِ ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعَقَارِ وَالْأَثَاثِ وَالْحَيَوَانِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ نَذْرُهُ الصَّامِتَ مِنْ مَالِهِ .
ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْمَالِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ إلَّا إنْ مَلَكَ مَالًا زَكَوِيًّا ، اسْتِحْسَانًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } .
فَلَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الزَّكَوِيَّةَ .
وَلَنَا ، أَنَّ غَيْرَ الزَّكَوِيَّةِ أَمْوَالٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } .
وَهِيَ مِمَّا يَجُوزُ ابْتِغَاءُ النِّكَاحِ بِهَا .
وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ .
يَعْنِي حَدِيقَةً .
وَقَالَ عُمَرُ : أَصَبْت مَالًا بِأَرْضِ خَيْبَرَ ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ .
وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : اشْتَرَيْت مَخْرَفًا ، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ .
وَفِي الْحَدِيثِ : { خَيْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ ، أَوْ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ } .
وَيُقَال : خَيْرُ الْمَالِ عَيْنٌ خَرَّارَةٌ ، فِي أَرْضٍ خَوَّارَةٍ .
وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى مَالًا ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَالزَّكَوِيِّ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ } .
فَالْحَقُّ هَاهُنَا غَيْرُ الزَّكَاةِ ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ ، نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْحَقُّ الزَّكَاةَ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا ، فَإِنَّ الْحَقَّ إذَا كَانَ فِي بَعْضِ الْمَالِ ، فَهُوَ فِي الْمَالِ ، كَمَا أَنَّ مَنْ هُوَ فِي بَيْتٍ مِنْ دَارٍ ، أَوْ فِي بَلْدَةٍ ، فَهُوَ فِي الدَّارِ وَالْبَلْدَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } .
وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ أَقْطَارِهَا .
ثُمَّ لَوْ اقْتَضَى هَذَا الْعُمُومَ ،

لَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ ، فَإِنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ مَالٌ ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ .
فَإِنْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ ، وَلَهُ دَيْنٌ ، حَنِثَ .
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ ، وَيَصِحُّ إخْرَاجُهَا عَنْهُ ، وَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ ، وَالْحَوَالَةِ ، وَالْمُعَاوَضَةِ عَنْهُ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَالتَّوْكِيلِ فِي اسْتِيفَائِهِ ، فَيَحْنَثُ بِهِ ، كَالْمُودَعِ .
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مَغْصُوبٌ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ .
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ضَائِعٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ .
وَإِنْ ضَاعَ عَلَى وَجْهٍ قَدْ يَئِسَ مِنْ عَوْدِهِ ، كَاَلَّذِي يَسْقُطُ فِي بَحْرٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ ، كَالْمَجْحُودِ ، وَالْمَغْصُوبِ ، وَاَلَّذِي عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ ، فِي جَوَازِ الْأَخْذِ مِنْ الزَّكَاةِ ، وَانْتِفَاءِ وُجُوبِ أَدَائِهَا عَلَيْهِ عَنْهُ .
وَإِنْ تَزَوَّجَ لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ مَا يَمْلِكُهُ لَيْسَ بِمَالٍ .
وَإِنْ وَجَبَ لَهُ حَقُّ شُفْعَةٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْمِلْكُ بِهِ .
وَإِنْ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَالِكًا لِمَالٍ .

( 8144 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا ، فَأَكَلَ الشَّحْمَ ، أَوْ الْمُخَّ ، أَوْ الدِّمَاغَ ، لَمْ يَحْنَثْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اجْتِنَابَ الدَّسَمِ ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الشَّحْمِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَالِفَ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ اللَّحْمِ ، لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ مَا لَيْسَ بِلَحْمٍ ، مِنْ الشَّحْمِ وَالْمُخِّ ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْعِظَامِ ، وَالدِّمَاغِ ، وَهُوَ الَّذِي فِي الرَّأْسِ فِي قِحْفِهِ ، وَلَا الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ ، وَالرِّئَةِ ، وَالْقَلْبِ ، وَالْكَرِشِ ، وَالْمُصْرَانِ ، وَالْقَانِصَةِ ، وَنَحْوِهَا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يَحْنَثُ بِأَكْلِ هَذَا كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً ، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ مَا يُتَّخَذُ مِنْ اللَّحْمِ ، فَأَشْبَهَ لَحْمَ الْفَخِذِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا ، وَيَنْفَرِدُ عَنْهُ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ ، وَلَوْ أَمَرَ وَكِيلَهُ بِشِرَاءِ لَحْمٍ ، فَاشْتَرَى هَذَا ، لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِهِ ، وَلَا يَنْفُذُ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ ، كَالْبَقْلِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ لَيْسَتَا بِلَحْمٍ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ ؛ أَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ } .
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً ، بَلْ هُوَ مِنْ الْحَيَوَانِ مَعَ اللَّحْمِ ، كَالْعَظْمِ وَالدَّمِ .
فَأَمَّا إنْ قَصَدَ اجْتِنَابَ الدَّسَمِ ، حَنِثَ بِأَكْلِ الشَّحْمِ ؛ لِأَنَّ لَهُ دَسَمًا ، وَكَذَلِكَ الْمُخُّ ، وَكُلُّ مَا فِيهِ دَسَمٌ .
( 8145 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْأَلْيَةِ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهَا نَابِتَةٌ فِي اللَّحْمِ ، وَتُشْبِهُهُ فِي الصَّلَابَةِ .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى لَحْمًا ، وَلَا يُقْصَدُ بِهَا مَا يُقْصَدُ بِهِ ، وَتُخَالِفُهُ فِي اللَّوْنِ وَالذَّوْبِ وَالطَّعْمِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهَا ، كَشَحْمِ الْبَطْنِ .
فَأَمَّا الشَّحْمُ الَّذِي عَلَى الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ وَفِي تَضَاعِيفِ اللَّحْمِ ، فَلَا يَحْنَثُ

بِأَكْلِهِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .
فَإِنَّهُ قَالَ : اللَّحْمُ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ .
يُشِيرُ إلَى مَا يُخَالِطُ اللَّحْمَ مِمَّا تُذِيبُهُ النَّارُ ، وَهَذَا كَذَلِكَ .
وَهَذَا قَوْلُ طَلْحَةَ الْعَاقُولِيِّ .
وَمِمَّنْ قَالَ : هَذَا شَحْمٌ .
أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .
وَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ لَحْمٌ ، يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَحْمًا ، وَلَا بَائِعُهُ شَحَّامًا ، وَلَا يُفْرَدُ عَنْ اللَّحْمِ مَعَ الشَّحْمِ ، وَيُسَمَّى بَائِعُهُ لَحَّامًا ، وَيُسَمَّى لَحْمًا سَمِينًا ، وَلَوْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ لَحْمٍ ، فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ ، لَزِمَهُ ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ فِي شِرَاءِ الشَّحْمِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ .
وَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } .
وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الشَّحْمَ فِي صِفَتِهِ وَذَوْبِهِ ، وَيُسَمَّى دُهْنًا ، فَكَانَ شَحْمًا كَاَلَّذِي فِي الْبَطْنِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَحْمًا ، وَلَا أَنَّهُ يُسَمَّى بِمُفْرَدِهِ لَحْمًا ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى اللَّحْمُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ لَحْمًا سَمِينًا ، وَلَا يُسَمَّى بَائِعُهُ شَحَّامًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ بِمُفْرَدِهِ ، وَإِنَّمَا يُبَاعُ تَبَعًا لِلَّحْمِ ، وَهُوَ تَابِعٌ لَهُ فِي الْوُجُودِ وَالْبَيْعِ ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بَائِعُهُ لَحَّامًا ، وَلَمْ يُسَمَّ شَحَّامًا ، لِأَنَّهُ سُمِّيَ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ ، دُونَ التَّبَعِ .
( 8146 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَكَلَ الْمَرَقَ ، لَمْ يَحْنَثْ .
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .
قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي الْأَكْلُ مِنْ الْمَرَقِ .
وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ الْوَرَعِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَالْقَاضِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْمَرَقَ لَا يَخْلُو مِنْ أَجْزَاءِ اللَّحْمِ الذَّائِبَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : الْمَرَقُ أَحَدُ اللَّحْمَيْنِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ بِلَحْمٍ حَقِيقَةً ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُهُ ، فَلَمْ يَحْنَثْ

بِهِ ، كَالْكَبِدِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَجْزَاءَ اللَّحْمِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ مَاءُ اللَّحْمِ وَدُهْنُهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَحْمٍ .
وَأَمَّا الْمِثْلُ ، فَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمَجَازُ ، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : الدُّعَاءُ أَحَدُ الصَّدَقَتَيْنِ .
وَقِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِلَحْمٍ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا غَيْرَ اللَّحْمِ الْحَقِيقِيِّ .
( 8147 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَكَلَ رَأْسًا ، أَوْ كَارِعًا ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لَحْمًا ، فَاشْتَرَى رَأْسًا أَوْ كَارِعًا ، لَا يَحْنَثُ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ مِنْ الشَّاةِ شَيْئًا .
قَالَ الْقَاضِي : لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ اللَّحْمِ لَا يَتَنَاوَلُ الرُّءُوسَ وَالْكَوَارِعَ ، وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ لَحْمٍ ، فَاشْتَرَى رَأْسًا أَوْ كَارِعًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَيُسَمَّى بَائِعُ ذَلِكَ رَآَّسًا ، وَلَا يُسَمَّى لَحَّامًا .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخَدِّ ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى ، أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِالْيَمِينِ .
وَإِنْ أَكَلَ اللِّسَانَ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً .
وَالثَّانِي : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَرِدُ عَنْ اللَّحْمِ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْقَلْبَ .

( 8148 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ الشَّحْمَ ، فَأَكَلَ اللَّحْمَ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الشَّحْمَ كُلُّ مَا يَذُوبُ بِالنَّارِ مِمَّا فِي الْحَيَوَانِ ، فَظَاهِرُ الْآيَةِ وَالْعُرْفِ يَشْهَدُ لِقَوْلِهِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَطَلْحَةَ ، وَقَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
فَعَلَى هَذَا ، لَا يَكَادُ لَحْمٌ يَخْلُو مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَإِنْ قَلَّ ، فَيَحْنَثُ بِهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : الشَّحْمُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْجَوْفِ ، مِنْ شَحْمِ الْكُلَى أَوْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الشَّاةِ ، مِنْ لَحْمِهَا الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ ، وَالْأَلْيَةِ ، وَالْكَبِدِ ، وَالطِّحَالِ ، وَالْقَلْبِ ، فَقَالَ شَيْخُنَا : لَا يَحْنَثُ - يَعْنِي ابْنَ حَامِدٍ - لِأَنَّ اسْمَ الشَّحْمِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي أَنَّ شَحْمَ الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ شَحْمٌ ، فَيَحْنَثُ بِهِ .
وَأَمَّا إنْ أَكَلَ لَحْمًا أَحْمَرَ وَحْدَهُ ، لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الشَّحْمِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ وَإِنْ قَلَّ ، وَيَظْهَرُ فِي الطَّبْخِ ، فَإِنَّهُ يَبِينُ عَلَى وَجْهِ الْمَرَقِ ، وَإِنْ قَلَّ ، وَبِهَذَا يُفَارِقُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا ، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ وَلَا لَوْنُهُ ، فَإِنَّ هَذَا قَدْ يَظْهَرُ الدُّهْنُ فِيهِ .
وَقَالَ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا : لَا يَحْنَثُ .
وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَحْمًا ، وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ وَلَا لَوْنُهُ ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمَرَقِ قَدْ فَارَقَ اللَّحْمَ ، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الَّذِي كَانَ فِيهِ .
( 8149 ) فَصْلٌ : وَيَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْ الْأَلْيَةِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَمُوَافِقِيهِ ؛ لِأَنَّهَا دُهْنٌ يَذُوبُ بِالنَّارِ ، وَيُبَاعُ مَعَ الشَّحْمِ ، وَلَا يُبَاعُ مَعَ اللَّحْمِ .
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَمُوَافِقِيهِ :

لَيْسَتْ شَحْمًا وَلَا لَحْمًا ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِهَا .

( 8150 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ لَحْمًا ، وَلَمْ يُرِدْ لَحْمًا بِعَيْنِهِ ، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْأَنْعَامِ ، أَوْ الطُّيُورِ ، أَوْ السَّمَكِ ، حَنِثَ ) أَمَّا إذَا أَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْأَنْعَامِ أَوْ الصَّيْدِ أَوْ الطَّائِرِ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ .
وَأَمَّا السَّمَكُ ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو يُوسُفَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، فِي " الْإِرْشَادِ " : لَا يَحْنَثُ بِهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إطْلَاقُ اسْمِ اللَّحْمِ ، وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي شِرَاءِ اللَّحْمِ ، فَاشْتَرَى لَهُ سَمَكًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَيَصِحُّ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ الِاسْمَ ، فَيَقُولَ : مَا أَكَلْت لَحْمًا ، وَإِنَّمَا أَكَلْت سَمَكًا .
فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْحِنْثُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا قَعَدْت تَحْتَ سَقْفٍ .
فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْقُعُودِ تَحْتَ السَّمَاءِ ، وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى { سَقْفًا مَحْفُوظًا } لِأَنَّهُ مَجَازٌ ، كَذَا هَاهُنَا .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا } .
وَقَالَ : { وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا } .
وَلِأَنَّهُ مِنْ جِسْمِ حَيَوَانٍ ، وَيُسَمَّى لَحْمًا ، فَحَنِثَ بِأَكْلِهِ ، كَلَحْمِ الطَّائِرِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِلَحْمِ الطَّائِرِ .
وَأَمَّا السَّمَاءُ ، فَإِنَّ الْحَالِفَ أَلَّا يَقْعُدَ تَحْتَ سَقْفٍ ، لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْ الْقُعُودِ تَحْتَهَا ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِيَمِينِهِ ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجَازٌ ، وَهَا هُنَا هِيَ حَقِيقَةٌ ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ جِسْمِ حَيَوَانٍ يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ ، فَكَانَ الِاسْمُ فِيهِ حَقِيقَةً ، كَلَحْمِ الطَّائِرِ ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ } .
( 8151 ) فَصْلٌ : وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمُحَرَّمِ ، كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ

وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَغْصُوبِ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْمُحَرَّمِ بِأَصْلِهِ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَنْصَرِفُ إلَى مَا يَحِلُّ لَا إلَى مَا يَحْرُمُ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِمَا لَا يَحِلُّ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَحْمٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهِ ، كَالْمَغْصُوبِ ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لَحْمًا ، فَقَالَ : { وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ } .
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا ، فَلَبِسَ ثَوْبَ حَرِيرٍ .
وَأَمَّا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ فِي الْحَقِيقَةِ .

( 8152 ) فَصْلٌ : وَالْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَا لَهُ مُسَمًّى وَاحِدٌ ، كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ ، فَهَذَا تَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَى مُسَمَّاهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ .
الثَّانِي ، مَا لَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ ، وَمَوْضُوعٌ لُغَوِيٌّ ، كَالْوُضُوءِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْبَيْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَهَذَا تَنْصَرِفُ الْيَمِينُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى مَوْضُوعِهِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا ، غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ .
الثَّالِثُ ، مَا لَهُ مَوْضُوعٌ حَقِيقِيٌّ وَمَجَازٌ لَمْ يَشْتَهِرْ أَكْثَرَ مِنْ الْحَقِيقَةِ ، كَالْأَسَدِ وَالْبَحْرِ ، فَيَمِينُ الْحَالِفِ تَنْصَرِفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ إذَا وَرَدَ فِي مِثْلِ هَذَا ، حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ ، كَذَلِكَ الْيَمِينُ .
الرَّابِعُ ، الْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ ، وَهِيَ مَا يَشْتَهِرُ مَجَازُهُ حَتَّى تَصِيرَ الْحَقِيقَةُ مَغْمُورَةً فِيهِ ، فَهَذَا عَلَى ضُرُوبٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَا يَغْلِبُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ ، كَالرَّاوِيَةِ ، هِيَ فِي الْعُرْفِ اسْمُ الْمَزَادَةِ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِمَا يُسْتَقَى عَلَيْهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ ، وَالظَّعِينَةِ فِي الْعُرْفِ الْمَرْأَةُ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ النَّاقَةُ الَّتِي يُظْعَنُ عَلَيْهَا ، وَالْعَذِرَةِ وَالْغَائِطِ فِي الْعُرْفِ الْفَضْلَةُ الْمُسْتَقْذَرَةُ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الْعَذِرَةُ فِنَاءُ الدَّارِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لِقَوْمٍ : مَا لَكُمْ لَا تُنَظِّفُونَ عَذِرَاتِكُمْ ؟ يُرِيدُ أَفْنِيَتَكُمْ .
وَالْغَائِطُ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ .
فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ تَنْصَرِفُ يَمِينُ الْحَالِفِ إلَى الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُرِيدُهُ بِيَمِينِهِ ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ ، فَأَشْبَهَ الْحَقِيقَةَ فِي غَيْرِهِ .
الضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ يَخُصَّ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بَعْضَ الْحَقِيقَةِ بِالِاسْمِ ، وَهَذَا

يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا ؛ فَمِنْهُ مَا يَشْتَهِرُ التَّخْصِيصُ فِيهِ ، كَلَفْظِ الدَّابَّةِ ، هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يَدِبُّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } .
وَقَالَ : { إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا } .
وَفِي الْعُرْفِ اسْمٌ لِلْبِغَالِ وَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَصَّى إنْسَانٌ لِرَجُلٍ بِدَابَّةٍ مِنْ دَوَابِّهِ ، كَانَ لَهُ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلَاثِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ يَمِينَ الْحَالِفِ تَنْصَرِفُ إلَى الْعُرْفِ دُونَ الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، كَاَلَّذِي قَبْلَهُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَتَنَاوَلَ يَمِينُهُ الْحَقِيقَةَ ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ فِيمَا سَنَذْكُرُهُ ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي الْحَالِفِ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ اللَّحْمِ : إنَّ يَمِينَهُ تَتَنَاوَلُ السَّمَكَ .
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ إذَا حَلَفَ لَا يَشُمُّ الرَّيْحَانَ ، فَإِنَّهُ فِي الْعُرْفِ اسْمٌ مُخْتَصٌّ بِالرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِكُلِّ نَبْتٍ أَوْ زَهْرٍ طَيِّبِ الرِّيحِ ، مِثْلِ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالنِّرْجِسِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِشَمِّ الرِّيحَانِ الْفَارِسِيِّ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَا يُرِيدُ بِيَمِينِهِ فِي الظَّاهِرِ سِوَاهُ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ بِشَمِّ مَا يُسَمَّى فِي الْحَقِيقَةِ رَيْحَانًا ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً .
وَلَا يَحْنَثُ بِشَمِّ الْفَاكِهَةِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى رَيْحَانًا حَقِيقَةً وَلَا عُرْفًا .
وَمِنْ هَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشُمُّ وَرْدًا ، وَلَا بَنَفْسَجًا ، فَشَمَّ دُهْنَ الْبَنَفْسَجِ ، وَمَاءَ الْوَرْدِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشُمّ وَرْدًا وَلَا بَنَفْسَجًا .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الشَّمَّ إنَّمَا هُوَ لِلرَّائِحَةِ دُونَ الذَّاتِ ، وَرَائِحَةُ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ مَوْجُودَةٌ فِيهِمَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَحْنَثُ بِشَمِّ دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى بَنَفْسَجًا ،

وَلَا يَحْنَثُ بِشَمِّ مَاءِ الْوَرْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَرْدًا .
وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَإِنْ شَمَّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ الْيَابِسَ ، حَنِثَ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَحْنَثُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا ، فَأَكَلَ تَمْرًا .
وَلَنَا ، أَنَّ حَقِيقَتَهُ بَاقِيَةٌ ، فَحَنِثَ بِهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا ، فَأَكَلَ قَدِيدًا ، وَفَارَقَ مَا ذَكَرُوهُ ، فَإِنَّ التَّمْرَ لَيْسَ رُطَبًا .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شِوَاءً ، حَنِثَ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ ، دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْبَيْضِ الْمَشْوِيِّ وَمَا عَدَاهُ .
وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَحْنَثُ بِأَكْلِ كُلِّ مَا يُشْوَى ؛ لِأَنَّهُ شِوَاءٌ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى شِوَاءً ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ ، كَالْمَطْبُوخِ ، وَقَوْلُهُمْ : هُوَ شِوَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ .
قُلْنَا : لَكِنَّهُ لَا يُسَمَّى شِوَاءً فِي الْعُرْفِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ الْمُسَمَّى شِوَاءً فِي عُرْفِهِمْ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا ، فَدَخَلَ مَسْجِدًا ، أَوْ حَمَّامًا ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْتًا فِي الْعُرْفِ ، فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْوَاعِ .
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ ، لِأَنَّهُمَا بَيْتَانِ حَقِيقَةً ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْمَسَاجِدَ بُيُوتًا ، فَقَالَ : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ } .
وَقَالَ : { إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةِ مُبَارَكًا } .
وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ : { الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ } .
وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ : " بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ " .
وَإِذَا كَانَ بَيْتًا فِي الْحَقِيقَةِ ، وَيُسَمِّيهِ الشَّارِعُ بَيْتًا ، حَنِثَ بِدُخُولِهِ ، كَبَيْتِ الْإِنْسَانِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ الْأَنْوَاعِ ، فَإِنَّ هَذَا يُسَمَّى بَيْتًا فِي الْعُرْفِ ، بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ .
وَإِنْ دَخَلَ بَيْتًا مِنْ شَعْرٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، حَنِثَ ،

سَوَاءٌ كَانَ الْحَالِفُ حَضَرِيًّا أَوْ بَدَوِيًّا ، فَإِنَّ اسْمَ الْبَيْتِ يَقَعُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } .
فَأَمَّا مَا لَا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ بَيْتًا ، كَالْخَيْمَةِ ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَحْنَثَ بِدُخُولِهِ مَنْ لَا يُسَمِّيهِ بَيْتًا ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَا تَنْصَرِفُ إلَيْهِ .
وَإِنْ دَخَلَ دِهْلِيزَ دَارٍ أَوْ صِفَتَهَا ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الدَّارِ بَيْتٌ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْتًا ، وَلِهَذَا يُقَالُ : مَا دَخَلْت الْبَيْتَ ، إنَّمَا وَقَفْت فِي الصَّحْنِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ ، فَرَكِبَ سَفِينَةً ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ رُكُوبٌ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى : { ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا } .
وَقَالَ : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ } .
الضَّرْبُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَامًّا ، لَكِنْ أَضَافَ إلَيْهِ فِعْلًا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ ، إلَّا فِي بَعْضِهِ ، أَوْ اُشْتُهِرَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ رَأْسًا ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ رَأْسِ كُلِّ حَيَوَانٍ مِنْ النَّعَمِ وَالصَّيُودِ وَالطُّيُورِ وَالْحِيتَانِ وَالْجَرَادِ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهِ لِلْأَكْلِ مُنْفَرِدًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ رُءُوسِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ دُونَ غَيْرِهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ تَكْثُرُ فِيهِ الصَّيُودُ ، وَتُمَيَّزُ رُءُوسُهَا ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ رُءُوسِ الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِبَيْعِهَا مُفْرَدَةً .
وَقَالَ صَاحِبَاهُ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ رُءُوسِ الْغَنَمِ ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ دُونَ غَيْرِهَا ، فَيَمِينُهُ تَنْصَرِفُ

إلَيْهَا .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ هَذِهِ رُءُوسٌ - حَقِيقَةً وَعُرْفًا - مَأْكُولَةٌ ، فَحَنِثَ بِأَكْلِهَا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا ، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِ النَّعَامِ وَالزَّرَافَةِ ، وَمَا يَنْدُرُ وُجُودُهُ وَبَيْعُهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا ، حَنِثَ بِأَكْلِ بَيْضِ كُلِّ حَيَوَانٍ ، سَوَاءٌ كُثْرَ وُجُودُهُ ، كَبَيْضِ الدَّجَاجِ ، أَوْ قَلَّ وُجُودُهُ كَبَيْضِ النَّعَامِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَيْضِ النَّعَامِ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ بَيْضِ الدَّجَاجِ ، وَمَا يُبَاعُ فِي السُّوقِ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا كُلَّهُ بَيْضٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، وَهُوَ مَأْكُولٌ ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهِ ، كَبَيْضِ الدَّجَاجِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً ، فَشَرِبَ مَاءَ الْبَحْرِ ، أَوْ مَاءً نَجِسًا ، أَوْ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا ، فَأَكَلَ الْأُرْزَ أَوْ الذُّرَةَ ، فِي مَكَان لَا يُعْتَادُ أَكْلُهُ فِيهِ ، حَنِثَ .
فَأَمَّا إنْ أَكَلَ بَيْضَ السَّمَكِ أَوْ الْجَرَادِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ بَيْضُ حَيَوَانٍ ، أَشْبَهَ بَيْضَ النَّعَامِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ بَيْضٍ يُزَايَلُ بَائِضُهُ فِي الْحَيَاةِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ .
وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْبَيْضِ ، وَلَا يُذْكَرُ إلَّا مُضَافًا إلَى بَائِضِهِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ شَيْءٍ يُسَمَّى بَيْضًا غَيْرَ بَيْضِ الْحَيَوَانِ ، وَلَا بِأَكْلِ شَيْءٍ يُسَمَّى رَأْسًا غَيْرَ رُءُوسِ الْحَيَوَانِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِرَأْسٍ وَلَا بِيضٍ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 8153 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ سَوِيقًا ، فَشَرِبَهُ ، أَوْ لَا يَشْرَبَهُ ، فَأَكَلَهُ ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ تَكُونُ لَهُ نِيَّةٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا ، فَشَرِبَهُ ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ ، فَأَكَلَهُ ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ شَيْءٍ أَوْ شُرْبِهِ يُقْصَدُ بِهَا فِي الْعُرْفِ اجْتِنَابُ ذَلِكَ الشَّيْءِ ، فَحُمِلَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ } وَ : { إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } لَمْ يُرِدْ بِهِ الْأَكْلَ عَلَى الْخُصُوصِ ؟ وَلَوْ قَالَ طَبِيبٌ لِمَرِيضٍ : لَا تَأْكُلْ الْعَسَلَ .
لَكَانَ نَاهِيًا لَهُ عَنْ شُرْبِهِ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَحْنَثُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ أَنْوَاعٌ كَالْأَعْيَانِ ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْأَعْيَانِ ، لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا الرِّوَايَتَانِ ، فِيمَنْ عَيَّنَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ، مِثْلَ مَنْ حَلَفَ : لَا أَكَلْت هَذَا السَّوِيقَ .
فَشَرِبَهُ ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ ، فَأَكَلَهُ ، أَمَّا إذَا أَطْلَقَ ، فَقَالَ : لَا أَكَلْت سَوِيقًا ، فَشَرِبَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ .
وَهَذَا مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْخِرَقِيِّ ، وَلَيْسَ لِلتَّعْيِينِ أَثَرٌ فِي الْحِنْثِ وَعَدَمِهِ ، فَإِنَّ الْحِنْثَ فِي الْمُعَيَّنِ إنَّمَا هُوَ لِتَنَاوُلِهِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَإِجْرَاءِ مَعْنَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى التَّنَاوُلِ الْعَامِّ فِيهِمَا ، وَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّعْيِينِ وَعَدَمِهِ ، وَعَدَمُ الْحِنْثِ يُتَعَلَّلُ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْفِعْلَ الَّذِي حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ غَيْرَهُ ، وَهَذَا فِي الْمُعَيَّنِ كَهُوَ فِي الْمُطْلَقِ ، فَإِذَا كَانَ فِي الْمُعَيَّنِ رِوَايَتَانِ ، كَانَتَا فِي الْمُطْلَقِ ؛ لِعَدَمِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا ،

وَلِأَنَّ الرِّوَايَةَ فِي الْحِنْثِ أُخِذَتْ مِنْ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ ، وَرِوَايَةُ عَدَمِ الْحِنْثِ ، أُخِذَتْ مِنْ رِوَايَةِ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ هَذَا النَّبِيذَ ، فَأَكَلَهُ ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شُرْبًا ، وَهَذَا فِي الْمُعَيَّنِ ، فَإِنْ عَدَّيْت كُلَّ رِوَايَةٍ إلَى مَحَلِّ الْأُخْرَى ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ ، وَإِنْ قَصَرْت كُلَّ رِوَايَةٍ عَلَى مَحَلِّهَا ، كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ الْقَاضِي ، وَهُوَ أَنْ يَحْنَثَ فِي الْمُطْلَقِ ، وَلَا يَحْنَثَ فِي الْمُعَيَّنِ .
فَأَمَّا إنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ شَيْئًا فَشَرِبَهُ .
أَوْ لَيَشْرَبَنَّهُ فَأَكَلَهُ ، فَيُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْحِنْثِ إذَا حَلَفَ عَلَى التَّرْكِ ، وَمَتَى تَقَيَّدَتْ يَمِينُهُ بِنِيَّةٍ ، أَوْ سَبَبٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا ، كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ ، أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ السَّبَبُ ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ .

( 8154 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ شَيْئًا ، فَمَصَّهُ وَرَمَى بِهِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ ، فَمَصَّ قَصَبَ السُّكْرِ : لَا يَحْنَثُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ ، فَمَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ ، لَا يَحْنَثُ .
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ فَإِنَّهُمْ : قَالُوا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ ، فَمَصَّ حَبَّ رُمَّانٍ ، وَرَمَى بِالثُّفْلِ ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ .
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : إنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَنَاوَلَهُ ، وَوَصَلَ إلَى بَطْنِهِ وَحَلْقِهِ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ، عَلَى مَا قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا فَشَرِبَهُ ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سُكَّرًا ، فَتَرَكَهُ فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَ ، وَابْتَلَعَهُ ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَطْعَمُ شَيْئًا ، حَنِثَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمَصِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ طُعْمٌ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى فِي النَّهْرِ : { وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ } .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ ، فَذَاقَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُفْطِرْ بِهِ الصَّائِمُ .
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَذُوقُهُ ، فَأَكَلَهُ أَوْ شَرِبَهُ ، أَوْ مَصَّهُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ ذَوْقٌ وَزِيَادَةٌ ، وَإِنْ مَضَغَهُ وَرَمَى بِهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَاقَهُ .

( 8155 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ أَكْلَةً ، بِالْفَتْحِ ، لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَأْكُلَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ أَكْلَةً ، وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنْ الْأَكْلِ ، وَالْأُكْلَةُ ، بِالضَّمِّ ، اللُّقْمَةُ ، وَمِنْهُ : " فَلْيُنَاوِلْهُ فِي يَدِهِ أُكْلَةً ، أَوْ أُكْلَتَيْنِ " .

( 8156 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلَّا يَأْكُلَ تَمْرَةً ، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً ، مُنِعَ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ الَّتِي وَقَعَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهَا ، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ حَتَّى يَأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حَالِفَ هَذِهِ الْيَمِينِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَتَحَقَّقَ أَكْلَ التَّمْرَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا ، فَأَمَّا أَنْ يَعْرِفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِصِفَتِهَا ، أَوْ يَأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ ، أَوْ الْجَانِبَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ كُلَّهُ ، فَهَذَا يَحْنَثُ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ التَّمْرَةَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا .
الثَّانِي ، أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهَا ؛ إمَّا بِأَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ التَّمْرِ شَيْئًا ، أَوْ أَكَلَ شَيْئًا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُهَا ، فَلَا يَحْنَثُ أَيْضًا ، بِلَا خِلَافٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ اجْتِنَابُ زَوْجَتِهِ .
الثَّالِثُ ، أَكَلَ مِنْ التَّمْرِ شَيْئًا ؛ إمَّا وَاحِدَةً ، أَوْ أَكْثَرَ ، إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ إلَّا وَاحِدَةٌ ، وَلَمْ يَدْرِ هَلْ أَكَلَهَا أَمْ لَا ؟ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَةَ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا ، وَيَقِينُ النِّكَاحِ ثَابِتٌ ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
فَعَلَى هَذَا ، يَكُونُ حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ بَاقِيًا ، فِي لُزُومِ نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا وَمَسْكَنِهَا ، وَسَائِرِ أَحْكَامِهَا ، إلَّا الْوَطْءَ ؛ فَإِنَّ الْخِرَقِيِّ قَالَ : يُمْنَعُ وَطْأَهَا ؛ لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي حِلِّهَا ، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الْحِلِّ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ ، كَسَائِرِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ حُكْمًا ،

فَأَثْبَتَ الْحِلَّ ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا ؟ وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَيَأْكُلَنَّ هَذِهِ التَّمْرَةَ ، فَلَا يَتَحَقَّقُ بِرُّهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ أَكَلَهَا .

( 8157 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ ، فَجَمَعَهَا ، فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، لَمْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يَبَرُّ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ، فِي الْمَرِيضِ عَلَيْهِ الْحَدُّ : يُضْرَبُ بِعِثْكَالِ النَّخْلِ ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا مَسَّتْهُ كُلُّهَا ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَمَسَّهُ كُلُّهَا ، لَمْ يَبَرَّ .
وَإِنْ شَكَّ ، لَا يَحْنَثْ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي زَنَى : خُذُوا لَهُ عُثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً } .
وَلِأَنَّهُ ضَرَبَهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ، فَبَرَّ فِي يَمِينِهِ ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ الضَّرْبَ .
وَلَنَا ، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ ، وَلَمْ يَضْرِبْهُ إلَّا ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، فَلَمْ يَبَرَّ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ بِسَوْطٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ ، يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَلَوْ عَادَ الْعَدَدُ إلَى السَّوْطِ ، لَمْ يَبَرَّ بِالضَّرْبِ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ، وَلِأَنَّ السَّوْطَ هَاهُنَا آلَةٌ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَصْدَرِ ، وَانْتَصَبَ انْتِصَابَهُ ، فَمَعْنَى كَلَامِهِ ، لَأَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ بِسَوْطٍ .
وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ يَمِينِهِ ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ لُغَةً ، فَلَا يَبَرُّ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ .
وَأَمَّا أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَرْخَصَ لَهُ رِفْقًا بِامْرَأَتِهِ ، لِبِرِّهَا بِهِ ، وَإِحْسَانِهَا إلَيْهِ ، لِيَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ بِرِّهِ فِي يَمِينِهِ وَرِفْقِهِ بِامْرَأَتِهِ ، وَلِذَلِكَ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِهَذَا ، وَذَكَرَهُ فِي جُمْلَةِ مَا مَنَّ عَلَيْهِ بِهِ ، مِنْ مُعَافَاتِهِ إيَّاهُ مِنْ

بَلَائِهِ ، وَإِخْرَاجِ الْمَاءِ لَهُ ، فَيَخْتَصُّ هَذَا بِهِ ، كَاخْتِصَاصِهِ بِمَا ذُكِرَ مَعَهُ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ عَامًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ لَمَا اُخْتُصَّ أَيُّوبُ بِالْمِنَّةِ عَلَيْهِ .
وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي يُخَافُ تَلَفُهُ ، أُرْخِصَ لَهُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِّ دُونَ غَيْرِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَدَّهُ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْحَدِّ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ بِهِ فِيهِ ، فَلِئَلَّا يَتَعَدَّاهُ إلَى الْيَمِينِ أَوْلَى ، وَلَوْ خُصَّ بِالْبِرِّ مَنْ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْعُدُولَ فِي الْحَدِّ إلَى الضَّرْبِ بِالْعُثْكَالِ ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ .
وَأَمَّا تَعْدِيَتُهُ إلَى غَيْرِهِ فَبَعِيدَةٌ جِدًّا .
وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ، فَجَمَعَهَا ، فَضَرَبَهُ بِهَا ، بَرَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ ، لَمْ يَبَرَّ بِضَرْبِهِ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ، دَفْعَةً وَاحِدَة ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ .
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ ، فَكَذَلِكَ ، إلَّا وَجْهًا لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ يَبَرُّ .
وَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ بِأَسْوَاطٍ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : مَا ضَرَبْتُهُ إلَّا ضَرْبَةً وَاحِدَةً .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ أَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ .
فَفَعَلَ هَذَا ، لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ .
( 8158 ) فَصْلٌ : وَلَا يَبَرُّ حَتَّى يَضْرِبَهُ ضَرْبًا يُؤْلِمُهُ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَبَرُّ بِمَا لَا يُؤْلِمُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ ، فَوَقَعَ الْبِرُّ بِهِ .
كَالْمُؤْلِمِ ، وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يُقْصَدُ بِهِ فِي الْعُرْفِ التَّأْلِيمُ ، فَلَا يَبَرُّ بِغَيْرِهِ .
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الضَّرْبُ فِي الشَّرْعِ ، فِي حَدٍّ ، أَوْ تَعْزِيرٍ ، كَانَ مِنْ شَرْطِهِ التَّأْلِيمُ ، كَذَا هَاهُنَا .

( 8159 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ ، أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ لَا يُشَافِهَهُ ) أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ رَجُلًا ، فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا ، قَالَ : وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ سَبَبَ ذَلِكَ ؟ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى سَبَبِ يَمِينِهِ ، وَلِمَ حَلَفَ إنَّ الْكِتَابَ قَدْ يَجْرِي مَجْرَى الْكَلَامِ ، وَالْكِتَابُ قَدْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْكِتَابِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ أَوْ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ ، وَتَرْكَ صِلَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ بِكِتَابٍ وَلَا رَسُولٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكَلُّمٍ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَهَذَا يَصِحُّ نَفْيُهُ ، فَيُقَالُ : مَا كَلَّمْتُهُ ، وَإِنَّمَا كَاتَبْتُهُ أَوْ رَاسَلْتُهُ .
وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ } .
وَقَالَ : { يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي } .
وَقَالَ : { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } .
وَلَوْ كَانَتْ الرِّسَالَةُ تَكْلِيمًا ، لَشَارَكَ مُوسَى غَيْرُهُ مِنْ الرُّسُلِ ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِكَوْنِهِ كَلِيمَ اللَّهِ وَنَجِيَّهُ .
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، حِينَ مَاتَ بِشْرٌ الْحَافِي : لَقَدْ كَانَ فِيهِ أُنْسٌ ، وَمَا كَلَّمْته قَطُّ .
وَقَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُرَاسَلَةٌ ، وَمِمَّنْ قَالَ : لَا يَحْنَثُ بِهَذَا .
الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ } .
فَاسْتَثْنَى الرَّسُولَ مِنْ التَّكَلُّمِ ، وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِفْهَامِ

الْآدَمِيِّينَ ، أَشْبَهَ الْخِطَابَ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَكَلُّمٍ ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا } .
وَالرَّمْزُ لَيْسَ بِتَكَلُّمٍ ، لَكِنْ إنْ نَوَى تَرْكَ مُوَاصَلَتِهِ ، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ ، حَنِثَ ؛ لِذَلِكَ ، وَلِذَلِكَ ، قَالَ أَحْمَدُ : إنَّ الْكِتَابَ يَجْرِي مَجْرَى الْكَلَامِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ .
فَلَمْ يَجْعَلْهُ كَلَامًا ، إنَّمَا قَالَ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ إذَا كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِي ذَلِكَ .
وَإِذَا أَطْلَقَ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْهُ .
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَحْنَثَ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الْحَالِفِ هَذِهِ الْيَمِينَ قَصْدُ تَرْكِ الْمُوَاصَلَةِ ، فَتَعَلَّقَ يَمِينُهُ بِمَا يُرَادُ فِي الْغَالِبِ ، كَقَوْلِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( 8160 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَشَارَ إلَيْهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ قَالَ الْقَاضِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ فِي الْإِفْهَامِ ، وَالثَّانِي لَا يَحْنَثُ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ { : فَقُولِي إنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنْسِيًّا } .
إلَى قَوْلِهِ : { فَأَشَارَتْ إلَيْهِ } .
وَقَالَ فِي زَكَرِيَّا { : آيَتُك أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } .
إلَى قَوْلِهِ : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } .
وَلِأَنَّ الْكَلَامَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ ، وَلَا يُوجَدُ فِي الْإِشَارَةِ ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ شَيْءٌ مَسْمُوعٌ ، وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ } وَالْإِشَارَةُ بِخِلَافِ هَذَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا

رَمْزًا } .
قُلْنَا : هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا ، وَصِحَّةِ نَفْيِهِ عَنْهُ ، فَيُقَالُ : مَا كَلَّمَهُ ، وَإِنَّمَا أَشَارَ إلَيْهِ .

( 8161 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَلَّمَ غَيْرَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، بِقَصْدِ إسْمَاعِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ تَكْلِيمَهُ ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ ، أَنَّهُ كَانَ قَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَخَاهُ زِيَادًا ، فَلَمَّا أَرَادَ زِيَادٌ الْحَجَّ ، جَاءَ أَبُو بَكْرَةَ إلَى قَصْرِ زِيَادٍ فَدَخَلَ فَأَخَذَ بُنَيًّا لِزِيَادٍ صَغِيرًا فِي حِجْرِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ؛ إنَّ أَبَاكَ يُرِيدُ الْحَجَّ ، وَلَعَلَّهُ يَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ ، فَيَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا النَّسَبِ الَّذِي ادَّعَاهُ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَأَنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ .
ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ تَكْلِيمًا لَهُ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَسْمَعَهُ كَلَامَهُ قَاصِدًا لِإِسْمَاعِهِ وَإِفْهَامِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطَبَهُ .
وَقَالَ الشَّاعِرُ : إيَّاكِ أَعْنِي فَاسْمَعِي يَا جَارَة

( 8162 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَادَاهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ ، فَلَمْ يَسْمَعُ ، لِتَشَاغُلِهِ ، أَوْ غَفْلَتِهِ ، حَنِثَ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا ، فَنَادَاهُ ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَا يَسْمَعُ ؟ قَالَ : يَحْنَثُ .
لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ تَكْلِيمَهُ ، وَهَذَا لِكَوْنِ ذَلِكَ يُسَمَّى تَكْلِيمًا ، يُقَالُ : كَلَّمْتُهُ ، فَلَمْ يَسْمَعْ .
وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا ، أَوْ غَائِبًا ، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ ، أَوْ أَصَمَّ لَا يَعْلَمُ بِتَكْلِيمِهِ إيَّاهُ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِنِدَاءِ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَهُمْ وَنَادَاهُمْ ، وَقَالَ : { مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ } .
وَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } .
وَلِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَتْ حَوَاسُّهُ ، وَذَهَبَتْ نَفْسُهُ ، فَكَانَ أَبْعَدَ مِنْ السَّمَاعِ مِنْ الْغَائِبِ الْبَعِيدِ ، لِبَقَاءِ الْحَوَاسِّ فِي حَقِّهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرَامَةً لَهُ ، وَأَمْرًا اخْتَصَّ بِهِ ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ .

فَصْلٌ : وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، حَنِثَ لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ .
وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ ، أَوْ كَلَّمَهُمْ ، فَإِنْ قَصَدَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ ، وَإِنْ قَصَدَهُمْ دُونَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ .
قَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ ، فَإِذَا نَوَاهُ بِهِ ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَاهُ .
وَإِنْ أَطْلَقَ ، حَنِثَ .
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ مُكَلِّمٌ لِجَمِيعِهِمْ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ الْعُمُومُ ، فَيُحْمَلُ عَلَى مُقْتَضَاهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ يَصْلُحُ لِلْخُصُوصِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِالِاحْتِمَالِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَرْجُوحٌ ، فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ ، كَمَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الْمَجَازَ الَّذِي لَيْسَ بِمُشْتَهِرٍ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ .
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِيهِمْ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَثْنَاهُ .
وَالثَّانِيَةُ ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَهُمْ بِسَلَامِهِ ، وَهُوَ مِنْهُمْ ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّاسِي .
وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَا يَعْرِفُهُ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يَحْنَثُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ ؛ بِنَاءً عَلَى النَّاسِي وَالْجَاهِلِ .

( 8164 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ .
ثُمَّ وَصَلَ يَمِينَهُ بِكَلَامِهِ ، مِثْلَ أَنْ قَالَ : فَتَحَقَّقْ ذَلِكَ ، أَوْ فَاذْهَبْ .
فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَحْنَثُ .
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ بِالْقَلِيلِ ؛ لِأَنَّ هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ يَمِينُهُ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ هَذَا الْقَلِيلَ كَلَامٌ مِنْهُ لَهُ حَقِيقَةً ، وَقَدْ وُجِدَ بَعْدَ يَمِينِهِ ، فَيَحْنَثُ بِهِ ، كَمَا لَوْ فَصَلَهُ ، وَلِأَنَّ مَا يَحْنَثُ بِهِ إذَا فَصَلَهُ ، يَحْنَثُ بِهِ إذَا وَصَلَهُ ، كَالْكَثِيرِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْيَمِينَ يَقْتَضِي خِطَابًا مُسْتَأْنَفًا .
قُلْنَا : هَذَا الْخِطَابُ مُسْتَأْنَفٌ ، غَيْرُ الْأَوَّلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَهُ حَنِثَ بِهِ .
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ صِلَتِهِ هَذَا الْكَلَامَ بِيَمِينِهِ ، تَدُلُّ عَلَى إرَادَة كَلَامٍ يَسْتَأْنِفُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ هَذَا الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ ، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ حَقِيقَةً .
وَإِنْ نَوَى كَلَامًا غَيْرَ هَذَا ، لَمْ يَحْنَثْ بِهَذَا فِي الْمَذْهَبَيْنِ .

( 8165 ) فَصْلٌ : وَإِنْ صَلَّى بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إمَامًا ، ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ ، لَمْ يَحْنَثْ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَحْنَثُ لِأَنَّهُ شُرِعَ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ السَّلَامَ عَلَى الْحَاضِرِينَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ ، كَتَكْبِيرِهَا ، وَلَيْسَتْ نِيَّةُ الْحَاضِرِينَ بِسَلَامِهِ وَاجِبَةً فِي السَّلَامِ .
وَإِنْ اُرْتُجَّ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ ، فَفَتَحَ عَلَيْهِ الْحَالِفُ ، لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَيْسَ بِكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ .

( 8166 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ ، فَقَرَأَ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ قَرَأَ خَارِجًا مِنْهَا ، حَنِثَ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ اللَّهِ .
وَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ - تَعَالَى ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ } .
وَقَالَ { كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ ، حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ } .
وَلَنَا ، أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ } .
لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ : كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ ، حَتَّى نَزَلَتْ : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } .
فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ، وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ .
وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى : { آيَتُك أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّك كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } فَأَمَرَهُ بِالتَّسْبِيحِ مَعَ قَطْعِ الْكَلَامِ عَنْهُ .
وَلِأَنَّ مَا لَا يَحْنَثُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ ، لَا يَحْنَثُ بِهِ خَارِجًا مِنْهَا ، كَالْإِشَارَةِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ فِي الصَّلَاةِ ، وَذِكْرِ اللَّهِ الْمَشْرُوعِ فِيهَا .
وَإِنْ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ ، فَقَالَ : { اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ } .
يَقْصِدُ الْقُرْآنَ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِلَّا حَنِثَ .

( 8167 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي بَيْنَ اللَّيَالِي ، وَلَا فِي اللَّيَالِي الَّتِي بَيْنَ الْأَيَّامِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { آيَتُك أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا } .
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ : { ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } .
فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ عِبَارَةً عَنْ الزَّمَانَيْنِ جَمِيعًا ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } .
فَدَخَلَ فِيهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ .

( 8168 ) فَصْلٌ : وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ بِمَالٍ ، فَكَفَلَ بِبَدَنِ إنْسَانٍ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَلْزَمُهُ بِكَفَالَتِهِ إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمَكْفُولِ بِهِ .
وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُلْ بِمَالٍ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ بِتَعَذُّرِ إحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى كَفَالَةً بِالْمَالِ ، وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهَا عَنْهُ ، فَيُقَالُ : مَا تَكَفَّلَ بِمَالٍ ، وَإِنَّمَا تَكَفَّلَ بِالْبَدَنِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .

( 8169 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ عَبْدًا ، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ ، لَمْ يَأْمُرْهُ وَلَمْ يَنْهَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ عَبْدَهُ حَنِثَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدَ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ عَبْدَهُ يَخْدِمُهُ عِبَادَةً بِحُكْمِ اسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى يَمِينِهِ : لَا مَنَعَتْك خِدْمَتِي .
فَإِذَا لَمْ يَنْهَهُ ، لَمْ يَمْنَعْهُ ، فَيَحْنَثُ ، وَعَبْدُ غَيْرِهِ بِخِلَافِهِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَحْنَثُ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى الْخِدْمَةِ اسْتِخْدَامٌ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : فُلَانٌ يَسْتَخْدِمُ عَبْدَهُ إذَا خَدَمَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ ، وَلِأَنَّ مَا حَنِثَ بِهِ فِي عَبْدِهِ ، حَنِثَ بِهِ فِي غَيْرِهِ ، كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ .

( 8170 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَلَفَ رَجُلٌ بِاَللَّهِ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا ، فَقَالَ لَهُ آخَرُ يَمِينِي فِي يَمِينِك .
لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ يَمِينَ الْأَوَّلِ لَيْسَتْ ظَرْفًا لِيَمِينِ الثَّانِي .
وَإِنْ نَوَى أَنَّهُ يَلْزَمُنِي مِنْ الْيَمِينِ مَا يَلْزَمُك ، لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهَا .
قَالَهُ الْقَاضِي .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ لَا تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْكَفَّارَةِ بِهَا لِحُرْمَةِ اللَّفْظِ بِاسْمِ اللَّهِ الْمُحْتَرَمِ ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْكِنَايَةِ ، وَإِنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ ، فَقَالَ آخَرُ : يَمِينِي فِي يَمِينِك .
يَنْوِي بِهِ ، أَنَّهُ يَلْزَمُنِي مِنْ الْيَمِينَ مَا يَلْزَمُك ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُكَلِّمُ رَجُلًا ، فَقَالَ رَجُلٌ : وَأَنَا عَلَى مِثْلِ يَمِينِك ؟ فَقَالَ : عَلَيْهِ مِثْلُ مَا قَالَهُ الَّذِي حَلَفَ .
لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَدْخُلُ فِي الطَّلَاقِ ، وَكَذَلِكَ يَمِينُ الْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ .
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تَعْمَلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَلَيْسَ هَذَا بِصَرِيحٍ .
وَإِنْ كَانَ الْمَقُولُ لَهُ لَمْ يَحْلِفْ بَعْدُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْآخَرَ مِنْ يَمِينٍ يَحْلِفُ بِهَا ، فَحَلَفَ الْمَقُولُ لَهُ ، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُ الْقَائِلِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا يُكَنَّى عَنْهُ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا مَا يُكَنَّى عَنْهُ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فِيمَنْ قَالَ : أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي .
أَنَّهُ إنْ عَرَفَهَا ، وَنَوَى جَمِيعَ مَا فِيهَا ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا .
وَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَيَكُونُ فِيهَا وَجْهَانِ .

( 8171 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي .
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ : كُنْت عِنْدَ أَبِي الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ ، وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ أَيْمَانِ الْبَيْعَةِ ، فَقَالَ : لَسْت أُفْتِي فِيهَا بِشَيْءٍ ، وَلَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ شُيُوخِنَا يُفْتِي فِي هَذِهِ الْيَمِينِ .
قَالَ : وَكَانَ أَبِي ، رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْنِي أَبَا عَلِيِّ - يَهَابُ الْكَلَامَ فِيهَا .
ثُمَّ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ الْحَالِفُ بِهَا جَمِيعَ مَا فِيهَا مِنْ الْأَيْمَانِ .
فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ : عَرَفَهَا أَوْ لَمْ يَعْرِفْهَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .
وَأَيْمَانُ الْبَيْعَةِ هِيَ الَّتِي رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ يَسْتَحْلِفُ بِهَا عِنْدَ الْبَيْعَةِ وَالْأَمْرِ الْمُهِمِّ لِلسُّلْطَانِ .
{ وَكَانَتْ الْبَيْعَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ بِالْمُصَافَحَةِ } ، فَلَمَّا وُلِّيَ الْحَجَّاجُ رَتَّبَهَا أَيْمَانًا تَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَالطَّلَاقِ ، وَالْعَتَاقِ ، وَصَدَقَةِ الْمَالِ .
فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا ، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَسَمِ ، وَالْكِنَايَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا لَمْ يَصِحّ أَنْ يَنْوِيَهُ .
وَإِنْ عَرَفَهَا ، وَلَمْ يَنْوِ عَقْدَ الْيَمِينِ بِمَا فِيهَا لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .
وَمَنْ عَرَفَهَا ، وَنَوَى الْيَمِينَ بِمَا فِيهَا ، صَحَّ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِهَا تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى ، وَمَا عَدَا الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ ، فَقَالَ الْقَاضِي هَاهُنَا : تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ ، فَتَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ الْمَنْوِيَّةِ ، كَيَمِينِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ بِالْكِنَايَةِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ فِيهَا لِمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ اسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الْمُحْتَرَمِ ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ

فِي الْكِنَايَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

كِتَابُ النُّذُورِ الْأَصْلُ فِي النَّذْرِ الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ .
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ } .
وَقَالَ : { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ .
قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ } .
.
وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : خَيْرُكُمْ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ .
} رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ .
( 8172 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسْتَحَبُّ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ وَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَهَذَا نَهْيُ كَرَاهَةٍ ، لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا مَدَحَ الْمُوفِينَ بِهِ ؛ لِأَنَّ ذَنْبَهُمْ فِي ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ أَشَدُّ مِنْ طَاعَتِهِمْ فِي وَفَائِهِ ؛ وَلِأَنَّ النَّذْرَ لَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا ، لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَفَاضِلُ أَصْحَابِهِ .

( 8173 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ ، لَمْ يَعْصِهِ ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ) ، وَنَذْرُ الطَّاعَةِ ؛ الصَّلَاةُ ، وَالصِّيَامُ ، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ، وَالْعِتْقُ ، وَالصَّدَقَةُ ، وَالِاعْتِكَافُ ، وَالْجِهَادُ ، وَمَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي ، سَوَاءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا بِأَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا .
أَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ : إنْ شَفَانِي اللَّهُ مِنْ عِلَّتِي ، أَوْ شَفَى فُلَانًا ، أَوْ سَلِمَ مَالِي الْغَائِبُ .
أَوْ مَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، فَأَدْرَكَ مَا أَمَّلَ بُلُوغَهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ .
وَنَذْرُ الْمَعْصِيَةِ ، ، أَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أَشْرَبَ الْخَمْرَ ، أَوْ أَقْتُلَ النَّفْسَ الْمُحَرَّمَةَ .
وَمَا أَشْبَهَهُ ، فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ؛ وَإِذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَرْكَبَ دَابَّتِي ، أَوْ أَسْكُنَ دَارِي ، أَوْ أَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِي .
وَمَا أَشْبَهَهُ ، لَمْ يَكُنْ هَذَا نَذْرَ طَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ .
وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا ، وَيُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ .
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ النَّذْرَ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ ، وَهُوَ الَّذِي يُخْرِجُهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ ، لِلْحَثِّ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ الْمَنْعِ مِنْهُ ، غَيْرَ قَاصِدٍ بِهِ لِلنَّذْرِ ، وَلَا الْقُرْبَةِ ، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ .
وَالْقِسْمُ الثَّانِي ، نَذْرُ طَاعَةٍ وَتُبَرَّرُ ؛ مِثْلُ الَّذِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ .
فَهَذَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ؛ لِلْآيَتَيْنِ وَالْخَبَرَيْنِ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ؛ أَحَدُهَا ، الْتِزَامُ طَاعَةٍ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ اسْتَجْلَبَهَا ، أَوْ نِقْمَةٍ اسْتَدْفَعَهَا ، كَقَوْلِهِ : إنْ شَفَانِي اللَّهُ ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ .
فَتَكُونُ

الطَّاعَةُ الْمُلْتَزَمَةُ مِمَّا لَهُ أَصْلٌ فِي الْوُجُوبِ بِالشَّرْعِ ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ ، فَهَذَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
النَّوْعُ الثَّانِي ، الْتِزَامُ طَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، كَقَوْلِهِ ابْتِدَاءً : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ .
فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ .
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ؛ لِأَنَّ أَبَا عُمَرَ غُلَامَ ثَعْلَبٍ قَالَ : النَّذْرُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَعْدٌ .
بِشَرْطٍ .
وَلِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ الْآدَمِيُّ بِعِوَضٍ ، يَلْزَمُهُ بِالْعَقْدِ ، كَالْمَبِيعِ وَالْمُسْتَأْجَرِ ، وَمَا الْتَزَمَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالْهِبَةِ .
النَّوْعُ الثَّالِثُ ، نَذْرُ طَاعَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْوُجُوبِ ، كَالِاعْتِكَافِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ فَرْعٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ مَا لَا يَجِبُ لَهُ نَظِيرٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ .
وَلَنَا : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ } .
وَذَمُّهُ الَّذِينَ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمِنْهُمْ مِنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } .
وَقَدْ صَحَّ { أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك } .
وَلِأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ قُرْبَةً عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّرِ ، فَتَلْزَمُهُ ، كَمَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ ، وَكَمَا لَوْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ أُضْحِيَّةً ، أَوْ أَوْجَبَ هَدْيًا ، وَكَالِاعْتِكَافِ ،

وَكَالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَلَّمُوهَا ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً عِنْدَهُمْ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ ، وَمَا حَكَوْهُ عَنْ أَبِي عُمَرَ لَا يَصِحُّ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْمُلْتَزَمَ نَذْرًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ ، قَالَ جَمِيلٌ : فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكَ قَدْ نَذَرُوا دَمِي وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنَ لَقَوْنِي وَالْجَعَالَةُ وَعْدٌ بِشَرْطٍ ، وَلَيْسَتْ بِنَذْرٍ .

الْقِسْمُ الثَّالِثُ : النَّذْرُ الْمُبْهَمُ .
وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَى نَذْرٌ .
فَهَذَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ .
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الشَّافِعِيَّ ، قَالَ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مِنْ النَّذْرِ مَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمِّهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ .
} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .
وَلِأَنَّهُ نَصٌّ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .

الْقِسْمُ الرَّابِعُ ، نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ ، فَلَا يَحِلُّ الْوَفَاءُ بِهِ إجْمَاعًا ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ .
} وَلِأَنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَحِلُّ فِي حَالٍ ، وَيَجِبُ عَلَى النَّاذِرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .
رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ .
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ ، فِيمَنْ نَذَرَ لَيَهْدِمَنَّ دَارَ غَيْرِهِ لَبِنَةً لَبِنَةً : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .
وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَسْرُوقٍ ، وَالشَّعْبِيِّ .
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ .
} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَقَالَ { لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَقَالَ : { لَا نَذْرَ إلَّا مَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَقَالَ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ } .
وَلَمْ يَأْمُرْ بِكَفَّارَةٍ .
{ وَلَمَّا نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ مَعَ الْكُفَّارِ ، فَنَجَتْ عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَنْحَرَهَا ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْت إنْ أَنْجَانِي اللَّهُ عَلَيْهَا أَنْ أَنْحَرَهَا ؟ قَالَ : بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا ، لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِكَفَّارَةٍ { .
وَقَالَ لِأَبِي إسْرَائِيلَ حِينَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ ، وَلَا يَقْعُدَ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ ، وَلَا يَتَكَلَّمَ : مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ ، وَلْيَجْلِسْ ، وَلْيَسْتَظِلَّ ، وَلِيُتِمَّ صَوْمَهُ .
} .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ .
لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامُ الطَّاعَةِ ، وَهَذَا الْتِزَامُ مَعْصِيَةٍ

، وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ شَيْئًا ، كَالْيَمِينِ غَيْرِ الْمُنْعَقِدَةِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .
} رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي " مُسْنَدِهِ " ، وَأَبُو دَاوُد ، فِي " سُنَنِهِ " .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ .
رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : النَّذْرُ نَذْرَانِ ؛ فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، فَذَلِكَ لِلَّهِ ، وَفِيهِ الْوَفَاءُ ، وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَلَا وَفَاءَ فِيهِ ، وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ .
} وَهَذَا نَصٌّ .
وَلِأَنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ ، بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { النَّذْرُ حَلْفَةٌ } { .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُخْتِ عُقْبَةَ ، لَمَّا نَذَرَتْ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، فَلَمْ تُطِقْهُ : تُكَفِّرُ يَمِينَهَا .
} صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .
وَفِي رِوَايَةٍ : " وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ " .
قَالَ أَحْمَدُ : إلَيْهِ أَذْهَبُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الَّتِي نَذَرَتْ ذَبْحَ ابْنِهَا : كَفِّرِي يَمِينَك .
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، فَكَذَلِكَ إذَا نَذَرَهَا .
فَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ ، فَمَعْنَاهَا لَا وَفَاءَ بِالنَّذْرِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ .
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ .
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا أَنَّ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ { : وَلَا يَمِينَ فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ } .
يَعْنِي لَا يَبَرُّ فِيهَا .
وَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ الْكَفَّارَةَ فِي أَحَادِيثِهِمْ ، فَقَدْ بَيَّنَهَا فِي أَحَادِيثِنَا فَإِنْ فَعَلَ مَا نَذَرَهُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ ، فَلَا كَفَّارَةَ

عَلَيْهِ .
كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ مَعْصِيَةً ، فَفَعَلَهَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ حَتْمًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيَّنَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ ، وَنَهَى عَنْ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ .

الْقِسْمُ الْخَامِسُ ، الْمُبَاحُ ؛ كَلُبْسِ الثَّوْبِ ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ ، وَطَلَاقِ الْمَرْأَةِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ ، فَهَذَا يَتَخَيَّرُ النَّاذِرُ فِيهِ ، بَيْنَ فِعْلِهِ فَيَبَرُّ بِذَلِكَ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إنِّي نَذَرْت أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِك بِالدُّفِّ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مُبَاحٍ بَرَّ بِفِعْلِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا نَذَرَهُ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ .
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا ، قَالُوا فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ أَوْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ : كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَعْتَكِفَ فِي غَيْرِهِ ، وَلَا كَفَّارَةَ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ، أَجْزَأَتْهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ بِلَا كَفَّارَةٍ .
وَهَذَا مِثْلُهُ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ .
} وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ { : بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، إذْ هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ ، فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَقَالُوا : أَبُو إسْرَائِيلَ ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ ، وَلَا يَتَكَلَّمَ ، وَيَصُومَ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرُوهُ فَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَجْلِسْ ، وَلْيَتَكَلَّمْ ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ : { نَذَرَتْ امْرَأَةٌ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، فَسُئِلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِهَا ، مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَلَمْ يَأْمُرْ بِكَفَّارَةٍ .
وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ

اثْنَيْنِ ، فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَقَالُوا : نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا .
فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ ، مُرُوهُ فَلْيَرْكَبْ .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ ، وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ غَيْرُ مُوجِبٍ لِفِعْلِ مَا نَذَرَهُ ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً ، كَنَذْرِ الْمُسْتَحِيلِ .
وَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ .
فَأَمَّا حَدِيثُ الَّتِي نَذَرَتْ الْمَشْيَ ، فَقَدْ أَمَرَ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ، وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، أَنَّ { أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا .
} صَحِيحٌ ، أَخْرُجَهُ أَبُو دَاوُد .
وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ رَوَى الْبَعْضَ وَتَرَكَ الْبَعْضَ أَوْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ ذِكْرَ الْكَفَّارَةِ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ ، إحَالَةً عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ حَدِيثِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .
وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ إذَا نَذَرَ فِعْلَ مَكْرُوهٍ ، كَطَلَاقِ امْرَأَتِهِ ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ } .
فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَفِيَ ، وَيُكَفِّرَ ، فَإِنْ وَفَى بِنَذْرِهِ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَالْخِلَافُ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ .

الْقِسْمُ السَّادِسُ ، نَذْرُ الْوَاجِبِ ، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ .
لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْعَقِدَ نَذْرُهُ مُوجِبًا كَفَّارَةَ يَمِينِ إنْ تَرَكَهُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ ؛ فَإِنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينًا .
وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَيُكَفِّرُ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ .

الْقِسْمُ السَّابِعُ ، نَذْرُ الْمُسْتَحِيلِ ، كَصَوْمِ أُمْسِ ، فَهَذَا لَا يَنْعَقِدُ ، وَلَا يُوجِبُ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُهُ ، وَلَا الْوَفَاءُ بِهِ ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ، فَالنَّذْرُ أَوْلَى ، وَعَقْدُ الْبَابِ فِي صَحِيحِ الْمَذْهَبِ ، أَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ ، وَمُوجَبُهُ مُوجَبُهَا ، إلَّا فِي لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ ، إذَا كَانَ قُرْبَةً وَأَمْكَنَهُ فِعْلُهُ ؛ وَدَلِيلُ هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُخْتِ عُقْبَةَ ، { لَمَّا نَذَرْت الْمَشْيَ فَلَمْ تُطِقْهُ وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا } .
وَفِي رِوَايَةٍ : " فَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ " .
قَالَ أَحْمَدُ : إلَيْهِ أَذْهَبُ .
وَعَنْ عُقْبَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ } .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلَّتِي نَذَرَتْ ذَبْحَ وَلَدِهَا : كَفِّرِي يَمِينَك .
وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ فِي أَحَدِ أَقْسَامِهِ ، وَهُوَ نَذْرُ اللَّجَاجِ ، فَكَذَلِكَ سَائِرُهُ ، فِي سِوَى مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ .

( 8174 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ فِعْلَ طَاعَةٍ ، وَمَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ ، لَزِمَهُ فِعْلُ الطَّاعَةِ ، كَمَا فِي خَبَرِ أَبِي إسْرَائِيلَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ ، وَتَرْكِ مَا سِوَاهُ ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِطَاعَةٍ .
وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِمَا تَرَكَهُ الِاخْتِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .
وَقَدْ رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ .
قَالَ : { نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُقْبَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مُرْ أُخْتَك فَلْتَرْكَبْ ، وَلْتَخْتَمِرْ ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ .
} رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .
فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ خِصَالًا كَثِيرَةً ، أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ وَاحِدٌ ، فَتَكُونُ كَفَّارَتُهُ وَاحِدَةً ، كَالْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ عَلَى أَفْعَالٍ ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي تَرْكِ الْتَّحَفِّي وَالِاخْتِمَارِ ، بِأَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ .

( 8175 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ، أَجْزَأَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي لُبَابَةَ ، حِينَ قَالَ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ } ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ، أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ .
وَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ .
وَرَوَى الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْخِرَقِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ : سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ : جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ .
قَالَ : كَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ .
قَالَ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ مَا يَرِثُ عَنْ فُلَانٍ ، فَهُوَ لِلْمَسَاكِينِ .
فَذَكَرُوا أَنَّهُ قَالَ : يُطْعِمُ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ .
وَقَالَ رَبِيعَةُ : يَتَصَدَّقُ مِنْهُ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ ، وَلَا يَجِبُ فِي الشَّرْعِ إلَّا قَدْرُ الزَّكَاةِ .
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ : قَالَ : إنْ كَانَ كَثِيرًا ، وَهُوَ أَلْفَانِ ، تَصَدَّقَ بِعَشَرَةٍ ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا وَهُوَ أَلْفٌ ، تَصَدَّقَ بِسَبْعَةٍ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ ، تَصَدَّقَ بِخَمْسَةٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَتَصَدَّقُ بِالْمَالِ الزَّكَوِيِّ كُلِّهِ .
وَعَنْهُ فِي غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَتَصَدَّقُ بِهِ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ شَيْءٌ .
وَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالْبَتِّيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَتَصَدَّقُ بِمَالِهِ كُلِّهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ } .
وَلِأَنَّهُ نَذْرُ طَاعَةٍ ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، كَنَذْرِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ .
وَلَنَا ، { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي لُبَابَةَ ، حِينَ قَالَ : إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ .
فَقَالَ : يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ } .
وَعَنْ كَعْبِ بْنِ

مَالِكٍ ، قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْضَ مَالِكَ .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَبِي دَاوُد : { يُجْزِئُ عَنْك الثُّلُثُ } .
فَإِنْ قَالُوا : هَذَا لَيْسَ بِنَذْرٍ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِهِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى ثُلُثِهِ ، كَمَا أَمَرَ سَعْدًا حِينَ أَرَادَ الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا مَحَلَّ النِّزَاعِ ، إنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِهِ .
قُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ قَوْلَهُ : { يُجْزِئُ عَنْك الثُّلُثُ } .
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَتَى بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي الْوَاجِبَاتِ ، وَلَوْ كَانَ مُخَيَّرًا بِإِرَادَةِ الصَّدَقَةِ ، لَمَا لَزِمَهُ شَيْءٌ يُجْزِئُ عَنْهُ بَعْضُهُ .
الثَّانِي ، أَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمْنَعُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْقُرَبِ ، وَنَذْرُ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ .
وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ .
وَمَا قَالَهُ رَبِيعَةُ ، لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِزَكَاةٍ ، وَلَا فِي مَعْنَاهَا ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَجَبَتْ لِإِغْنَاءِ الْفُقَرَاءِ وَمُوَاسَاتِهِمْ ، وَهَذِهِ صَدَقَةٌ تَبَرَّعَ بِهَا صَاحِبُهَا تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ - تَعَالَى ، ثُمَّ إنَّ الْمَحْمُولَ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ الْمُطْلَقُ ، وَهَذِهِ صَدَقَةٌ مُعَيَّنَةٌ غَيْرُ مُطْلَقَةٍ ، ثُمَّ تَبْطُلُ بِمَا لَوْ نَذَرَ صِيَامًا ، فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ .
وَمَا ذَكَرَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .

( 8176 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ ، أَوْ بِمُقَدَّرٍ ، كَأَلْفٍ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ ثُلُثُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِهِ ، فَأَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ ، كَجَمِيعِ الْمَالِ .
وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ لُزُومُ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَنْذُورٌ ، وَهُوَ قُرْبَةٌ ، فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، كَسَائِرِ الْمَنْذُورَاتِ ، وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ } .
وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا فِي جَمِيعِ الْمَالِ ؛ لِلْأَثَرِ فِيهِ ، وَلِمَا فِي الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ مِنْ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِهِ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَنْذُورُ هَاهُنَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْمَالِ ، فَيَكُونَ كَنَذْرِ ذَلِكَ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَنْذُورُ ثُلُثَ الْمَالِ فَمَا دُونُ ، لَزِمَهُ وَفَاءُ نَذْرِهِ ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، لَزِمَهُ الصَّدَقَةُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ الثُّلُثُ ، فَأَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ بِهِ .

( 8177 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ ، فَأَبْرَأَ غَرِيمَهُ مِنْ قَدْرِهِ ، يَقْصِدُ بِهِ وَفَاءَ النَّذْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ .
قَالَ أَحْمَدُ : لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ .
وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ ، وَهَذَا إسْقَاطٌ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا فِي الزَّكَاةِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالٍ ، وَفِي نَفْسِهِ أَنَّهُ أَلْفٌ : أَجْزَأَهُ أَنْ يُخْرِجَ مَا شَاءَ .
وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْمَ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ ، وَمَا نَوَاهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ ، وَالنَّذْرُ لَا يَلْزَمُ بِالنِّيَّةِ .
وَالْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا نَوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ كَالْيَمِينِ .
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِيمَنْ نَوَى صَوْمًا أَوْ صَلَاةً ، وَفِي نَفْسِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُهُ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، وَهَذَا كَذَلِكَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 8178 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ ، كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، وَأَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ طَاعَةً لَا يُطِيقُهَا ، أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا ، فَعَجَزَ عَنْهَا ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؛ لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، قَالَ : { نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً ، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَيْته ، فَقَالَ : لِتَمْشِ ، وَلْتَرْكَبْ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَبِي دَاوُد : { وَتُكَفِّرْ يَمِينَهَا } .
وَلِلتِّرْمِذِيِّ : { وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } .
وَعَنْ عَائِشَة ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .
قَالَ : وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَقَالَ : وَقَفَهُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا يُطِيقُهُ ، فَلْيَفِ اللَّهَ بِمَا نَذَرَ .
فَإِذَا كَفَّرَ ، وَكَانَ الْمَنْذُورُ غَيْرَ الصِّيَامِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ .
وَإِنْ كَانَ صِيَامًا .
فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَلْزَمُهُ لِكُلِّ يَوْمٍ إطْعَامُ مِسْكِينٍ .
قَالَ الْقَاضِي : وَهَذِهِ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وُجِدَ سَبَبُ إيجَابِهِ عَيْنًا ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ ، لَزِمَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ، كَصِيَامِ رَمَضَانَ ، وَلِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ الْمَشْرُوعِ ، أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ، وَكَذَلِكَ إذَا عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ إطْعَامٍ وَلَا

غَيْرِهِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ } .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ جَمِيعَ كَفَّارَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ عَجَزَ عَنْ الْوَفَاءِ بِهِ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، كَسَائِرِ النُّذُورِ ، وَلِأَنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ مُوجَبُ الْيَمِينِ ، إلَّا مَعَ إمْكَانِ الْوَفَاءِ بِهِ إذَا كَانَ قُرْبَةً ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ ؛ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ رَمَضَانَ يُطْعَمُ عَنْهُ عِنْدَ الْعَجْزِ بِالْمَوْتِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّ صَوْمِ رَمَضَانَ آكَدُ ؛ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ فِيهِ ، وَعِظَمِ إثْمِ مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ .
وَالثَّانِي ، أَنَّ قِيَاسَ الْمَنْذُورِ عَلَى الْمَنْذُورِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْمَفْرُوضِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، وَلِأَنَّ هَذَا قَدْ وَجَبَتْ فِيهِ كَفَّارَةٌ ، فَأَجْزَأَتْ عَنْهُ ، بِخِلَافِ الْمَشْرُوعِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ .
قُلْنَا : لَيْسَ هَذَا بِمُطْلَقٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْذُورٌ مُعَيَّنٌ ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ فِي الْعَجْزِ عَنْهُ ، كَمَا فِي الْعَجْزِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ .
( 8179 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَجَزَ لِعَارِضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ ، مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ نَحْوِهِ انْتَظَرَ زَوَالَهُ ، وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا غَيْرُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ الْوَقْتُ ، فَيُشْبِهُ الْمَرِيضَ فِي شَهْرِ رَمَضَانِ ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَجْزُهُ إلَى أَنْ صَارَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ ، صَارَ إلَى الْكَفَّارَةِ وَالْفِدْيَةِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ .
فَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ الْمَرْجُوُّ الزَّوَالِ عَنْ صَوْمٍ مُعَيَّنٍ ، فَاتَ وَقْتُهُ ، انْتَظَرَ الْإِمْكَانَ لِيَقْضِيَهُ .
وَهَلْ تَلْزَمُهُ لِفَوَاتِ الْوَقْتِ كَفَّارَةٌ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَلَزِمَتْهُ

الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَعَجَزَ ، وَلِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ هَذَا الشَّهْرَ ، فَأَفْطَرَهُ لِعُذْرٍ .
لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ ، كَذَا هَاهُنَا .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا تَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِصِيَامٍ أَجْزَأَهُ عَنْ نَذْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، كَمَا لَوْ صَامَ مَا عَيَّنَهُ .
( 8180 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ غَيْرَ الصِّيَامِ ، فَعَجَزَ عَنْهُ ، كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَجْعَلْ لِذَلِكَ بَدَلًا يُصَارُ إلَيْهِ ، فَوَجَبْت الْكَفَّارَةُ ؛ لِمُخَالَفَتِهِ نَذْرَهُ فَقَطْ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لِعَارِضٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصِّيَامِ سَوَاءً ، فِيمَا فَصَّلْنَاهُ .

( 8181 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَذَرَ صِيَامًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا ، وَلَمْ يَنْوِهِ ، فَأَقَلُّ ذَلِكَ صِيَامُ يَوْمٍ ، وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ ) أَمَّا إذَا نَذَرَ صِيَامًا مُطْلَقًا ، فَأَقَلُّ ذَلِكَ يَقُومُ صِيَامُ يَوْمٍ ، لَا خِلَافَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ صَوْمٌ مُفْرَدٌ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ ، فَيَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُجْزِئُهُ رَكْعَةٌ .
نَقْلَهَا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ فَإِنَّ الْوِتْرَ صَلَاةٌ مَشْرُوعَةٌ ، وَهِيَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَطَوَّعَ بِرَكْعَةِ وَاحِدَةٍ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا رَكْعَتَانِ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ صَلَاةٍ وَجَبَتْ بِالشَّرْعِ رَكْعَتَانِ ، فَوَجَبَ حَمْلُ النَّذْرِ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْوِتْرُ ، فَهُوَ نَفْلٌ ، وَالنَّذْرُ فَرْضٌ ، فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَفْرُوضِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ فِي الْفَرْضِ ، فَلَا تُجْزِئُ فِي النَّفْلِ كَالسَّجْدَةِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .
فَأَمَّا إنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ عَدَدًا ، لَزِمَهُ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ ، وَكَذَلِكَ عَدَدُهُ ، فَإِنْ نَوَى عَدَدًا فَهُوَ كَمَا لَوْ سَمَّاهُ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ ، كَالْيَمِينِ .

( 8182 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا أَنْ يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ ، رَكِبَ ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي هَذَا ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى .
} وَلَا يُجْزِئُهُ الْمَشْيُ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ .
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ .
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَشْيَ الْمَعْهُودَ فِي الشَّرْعِ ، هُوَ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، فَإِذَا أَطْلَقَ النَّاذِرُ ، حُمِلَ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ ، وَيَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِيهِ ؛ لِنَذْرِهِ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ ، رَكِبَ ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ .
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ .
وَأَفْتَى بِهِ عَطَاءٌ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَرْكَبَ ، وَتُهْدِيَ هَدْيًا } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَفِيهِ ضَعْفٌ .
وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ فِي الْإِحْرَامِ ، فَلَزِمَهُ هَدْيٌ ، كَتَارِكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَا : يَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ ، وَيَرْكَبُ مَا مَشَى وَيَمْشِي مَا رَكِبَ .
وَنَحْوَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ فَقَالَ : وَيُهْدِي .
وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ ، وَعَنْ النَّخَعِيِّ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ .
وَالثَّانِيَةُ ، كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ هَدْيٌ سَوَاءٌ عَجَزَ عَنْ

الْمَشْيِ أَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَأَقَلُّ الْهَدْيِ شَاةٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَلْزَمُهُ مَعَ الْعَجْزِ كَفَّارَةٌ بِحَالٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّذْرُ مَشْيًا إلَى بَيْتِ اللَّهِ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْعَجْزِ شَيْءٌ .
وَلَنَا ، { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لِأُخْتِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، لَمَّا نَذَرَتْ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ : لِتَمْشِ ، وَلْتَرْكَبْ ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { فَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ } .
وَلِأَنَّ الْمَشْيَ مِمَّا لَا يُوجِبُهُ الْإِحْرَامُ ، فَلَمْ يَجِبْ الدَّمُ بِتَرْكِهِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ ، فَتَرَكَهُمَا ، وَحَدِيثُ الْهَدْيِ ضَعِيفٌ ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ، حَيْثُ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْعَجْزِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْعَجْزِ .
قُلْنَا : يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى حَالَةِ الْعَجْزِ ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ قُرْبَةٌ ، لِأَنَّهُ مَشْيٌ إلَى عِبَادَةٍ ، وَالْمَشْيُ إلَى الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ وَلِهَذَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْكَبْ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ .
} فَلَوْ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى الْمَشْيِ ، لَأَمَرَهَا بِهِ .
وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالرُّكُوبِ وَالتَّكْفِيرِ ، وَلِأَنَّ الْمَشْيَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مُبَاحًا ؛ فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا ، لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا ، لَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ بِتَرْكِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ هَاهُنَا .
وَتَرْكُ ذِكْرِهِ فِي الْحَدِيثِ ؛ إمَّا لِعِلْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَالِهَا وَعَجْزِهَا ، وَإِمَّا لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمَرْأَةِ الْعَجْزُ عَنْ الْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ .
أَوْ يَكُونُ قَدْ ذُكِرَ فِي

الْخَبَرِ فَتَرَكَ الرَّاوِي ذِكْرَهُ .
وَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ فِي الْحَجِّ .
قُلْنَا : الْمَشْيُ لَمْ يُوجِبْهُ الْإِحْرَامُ ، وَلَا هُوَ مِنْ مَنَاسِكِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ بِتَرْكِهِ هَدْيٌ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَجِّ ، فَلَمْ يُصَلِّهِمَا .
فَأَمَّا إنْ تَرَكَ الْمَشْيَ مَعَ إمْكَانِهِ ، فَقَدْ أَسَاءَ ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَيْضًا ؛ لِتَرْكِهِ صِفَةَ النَّذْرِ .
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَلْزَمَهُ اسْتِئْنَافُ الْحَجِّ مَاشِيًا ؛ لِتَرْكِهِ صِفَةَ الْمَنْذُورِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمًا مُتَتَابِعًا فَأَتَى بِهِ مُتَفَرِّقًا .
وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ بَعْدَ الْحَجِّ ، كَفَّرَ ، وَأَجْزَأَهُ .
وَإِنْ مَشَى بَعْضَ الطَّرِيقِ ، وَرَكِبَ بَعْضًا ، فَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ أَنْ يَحُجَّ فَيَمْشِيَ مَا رَكِبَ ، وَيَرْكَبَ مَا مَشَى .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إلَّا حَجٌّ يَمْشِي فِي جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ النَّذْرِ يَقْتَضِي هَذَا .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِ الْمَشْيِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي الْحَجِّ ، وَلَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ فِي مَوْضِعٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِتَرْكِهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الْتَّحَفِّي وَشِبْهَهُ ، وَفَارَقَ التَّتَابُعَ فِي الصِّيَامِ ؛ فَإِنَّهَا صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِيهِ ، اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَاتِ ، كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْجِمَاعِ وَالْيَمِينِ .

( 8183 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَذَرَ الْحَجَّ رَاكِبًا ، لَزِمَهُ الْحَجُّ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إنْفَاقًا فِي الْحَجِّ فَإِنْ تَرَكَ الرُّكُوبَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَرَفُّهِهِ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ وَقَدْ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْوَاجِبَ بِتَرْكِ النَّذْرِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْهَدْيِ ، إلَّا أَنَّ هَذَا إذَا مَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ مَعَ إمْكَانِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِطَاعَةٍ وَلَا قُرْبَةٍ .
وَكُلُّ مَوْضِعٍ نَذَرَ الْمَشْيَ فِيهِ أَوْ الرُّكُوبَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِذَلِكَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ ، فَيَلْزَمَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْفَرْضِ ، وَالْحَجُّ الْمَفْرُوضُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ يَجِبُ كَذَلِكَ .
وَيُحْرِمُ لِلْمَنْذُورِ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ لِلْوَاجِبِ .
قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يَجِبُ الْإِحْرَامُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ؛ لِأَنَّ إتْمَامَ الْحَجِّ كَذَلِكَ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ وَالْإِحْرَامُ الْوَاجِبُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَيَلْزَمُهُ الْمَنْذُورُ مِنْ الْمَشْيِ أَوْ الرُّكُوبِ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ إلَى أَنْ يَتَحَلَّلَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ انْقِضَاءُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ .
قَالَ أَحْمَدُ : يَرْكَبُ فِي الْحَجِّ إذَا رَمَى ، وَفِي الْعُمْرَةِ إذَا سَعَى ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يُفْسِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَجِّ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ .

( 8184 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ ، أَوْ الرُّكُوبَ إلَيْهِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ حَقِيقَةَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ ، إنَّمَا أَرَادَ إتْيَانَهُ لَزِمَهُ إتْيَانُهُ ، لَزِمَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ مَشْيٌ وَلَا رُكُوبٌ ؛ لِأَنَّهُ عَنَى ذَلِكَ بِنَذْرِهِ ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ .
وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ ، أَوْ يَذْهَبَ إلَيْهِ ، لَزِمَهُ إتْيَانُهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ .
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ إتْيَانِهِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ وَلَا طَاعَةٍ .
وَلَنَا ؛ أَنَّهُ عَلَّقَ نَذْرَهُ بِوُصُولِ الْبَيْتِ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْكَعْبَةِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ .
وَكَذَلِكَ إذَا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ أَوْ يَزُورَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَحْصُلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا ، وَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ آتِيَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ، غَيْرَ حَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ .
لَزِمَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ، وَسَقَطَ شَرْطُهُ .
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ آتِيَ الْبَيْتَ .
يَقْتَضِي حَجًّا أَوْ عُمْرَةً ، وَشَرْطُ سُقُوطِ ذَلِكَ يُنَاقِضُ نَذْرَهُ ، فَسَقَطَ حُكْمُهُ .

( 8185 ) فَصْلٌ : إذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْبَلَدِ الْحَرَامِ ، أَوْ بُقْعَةٍ مِنْهُ ، كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَبِي قُبَيْسٍ ، أَوْ مَوْضِعٍ فِي الْحَرَمِ ، لَزِمَهُ الْحَجُّ أَوْ عُمْرَةٌ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَنْذُرَ الْمَشْيَ إلَى الْكَعْبَةِ ، أَوْ إلَى مَكَّةَ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ إنَّ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْحَرَمِ ، أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَقَوْلِنَا ، وَفِي بَاقِي الصُّوَرِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَنَا ، أَنَّهُ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ أَشْبَهَ النَّذْرَ إلَى مَكَّةَ .
فَأَمَّا إنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى غَيْرِ الْحَرَمِ ، كَعَرَفَةَ ، وَمَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، وَيَكُونُ كَنَذْرِ الْمُبَاحِ .
وَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَ إتْيَانَ مَسْجِدٍ سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إتْيَانُهُ .
وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِ ، لَزِمَهُ الصَّلَاةُ دُونَ الْمَشْيِ ، فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَلَّى أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخُصُّ مَكَانًا دُونَ مَكَان ، فَلَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ دُونَ الْمَوْضِعِ .
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إلَّا عَنْ اللَّيْثِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَوْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ صِيَامًا بِمَوْضِعٍ ، لَزِمَهُ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدٍ ، مَشَى إلَيْهِ .
قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي هَذَا ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلَوْ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدٍ بَعِيدٍ لَشَدَّ الرَّحْلَ إلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان ، فَلَا يَكُونُ فِعْلُهَا فِيمَا نَذَرَ فِعْلَهَا فِيهِ قُرْبَةً ، فَلَا تَلْزَمُهُ بِنَذْرِهِ ، وَفَارَقَ مَا لَوْ نَذَرَ الْعِبَادَةَ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ ، لَزِمَهُ فِعْلُهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى -

عَيَّنَ لِعِبَادَتِهِ زَمَنًا وَوَقْتًا مُعَيَّنًا ، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهَا مَكَانًا وَمَوْضِعًا ، وَالنُّذُورُ مَرْدُودَةٌ إلَى أُصُولِهَا فِي الشَّرْعِ ، فَتَعَيَّنَتْ بِالزَّمَانِ دُونَ الْمَكَانِ .

( 8186 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى ، وَلَمْ يَنْوِ بِهِ شَيْئًا ، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ انْصَرَفَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ؛ لِأَنَّهُ الْمَخْصُوصُ بِالْقَصْدِ دُونَ غَيْرِهِ وَإِطْلَاقُ بَيْتِ اللَّهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فِي الْعُرْفِ ، فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ إطْلَاقُ النَّذْرِ .

( 8187 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، لَزِمَهُ ذَلِكَ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَبِينُ لِي وُجُوبُ الْمَشْي إلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ الْبِرَّ بِإِتْيَانِ بَيْتِ اللَّهِ فَرْضٌ ، وَالْبِرَّ بِإِتْيَانِ هَذَيْنِ نَفْلٌ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي هَذَا ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى .
} وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ، فَيَلْزَمُ الْمَشْيُ إلَيْهِ بِالنَّذْرِ ، كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ قُرْبَةٍ تَجِبُ بِالنَّذْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَصْلُ فِي الْوُجُوبِ ، كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَشُهُودِ الْجَنَائِزِ ، وَيَلْزَمُهُ بِهَذَا النَّذْرِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَتَاهُ رَكْعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالنَّذْرِ الْقُرْبَةُ وَالطَّاعَةُ ، وَإِنَّمَا تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ ، فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نَذْرُهُ ، كَمَا يَلْزَمُ نَاذِرَ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ ، وَنَذْرُ الصَّلَاةِ فِي أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ كَنَذْرِ الْمَشْيِ إلَيْهِ ، كَمَا أَنَّ نَذْرَ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَنَذْرِ الْمَشْيِ إلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعٍ بِالنَّذْرِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؛ أَوْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ ؛ بِدَلِيلِ نَذْرِ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ .
وَلَنَا ، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، { إنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ، إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ } .
وَإِذَا كَانَ فَضِيلَةً وَقُرْبَةً ، لَزِمَ بِالنَّذْرِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ طُولَ الْقِرَاءَةِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُ بِنَذْرِهَا ، وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَهُمْ .

( 8188 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، لَمْ تُجْزِئْهُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ وَخَيْرُهَا ، وَأَكْثَرُهَا ثَوَابًا لِلْمُصَلِّي فِيهَا .
وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، أَنَّ { رَجُلًا يَوْمَ الْفَتْحِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْك أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ .
قَالَ : صَلِّ هَاهُنَا .
ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : صَلِّ هَاهُنَا .
ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ ، قَالَ : صَلِّ هَاهُنَا .
ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : شَأْنُك } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَلَفْظُهُ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْ صَلَّيْت هَا هُنَا لَأَجْزَأَ عَنْك كُلَّ صَلَاةٍ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ } .
وَإِنْ نَذَرَ إتْيَانَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، وَالصَّلَاةَ فِيهِ ، أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ فِيهِ ، وَفِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ .
وَإِنْ نَذَرَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ؛ لِأَنَّهُ مَفْضُولٌ .
وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ .

( 8189 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَفْسَدَ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ مَاشِيًا ، وَجَبَ الْقَضَاءُ مَاشِيًا ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ .
وَكَذَلِكَ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، لَكِنْ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، سَقَطَ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ ، مِنْ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى ، وَالرَّمْيِ ، وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ، وَيَمْشِي بِالْحَجِّ الْفَاسِدِ مَاشِيًا ، حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْهُ .

( 8190 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ ، فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى رَقَبَةً بِعَيْنِهَا ) يَعْنِي : لَا تُجْزِئُهُ إلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ سَلِيمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ، وَهِيَ الَّتِي تُجْزِئ فِي الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ ، وَالْوَاجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَذَلِكَ .
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : يُجْزِئُهُ أَيُّ رَقَبَةٍ كَانَتْ صَحِيحَةً أَوْ مَعِيبَةً ، مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ ، وَهُوَ الْوَاجِبُ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِنَذْرِ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ .
فَأَمَّا إنْ نَوَى رَقَبَةً بِعَيْنِهَا ، أَجْزَأَهُ عِتْقُهَا ، أَيَّ رَقَبَةٍ كَانَتْ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ .
وَإِنْ نَوَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّقَبَةِ ، أَجْزَأَهُ مَا نَوَاهُ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بِالنِّيَّةِ ، كَمَا يَتَقَيَّدُ بِالْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِيمَنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ : تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقُ عَبْدٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ فَاتَهُ ، عَلَى حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَإِلَيْهِ أَذْهَبُ فِي الْفَائِتِ ، وَمَا عَجَزَ عَنْهُ .

( 8191 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ .
وَإِنْ عَيَّنَ الْهَدْيَ بِلَفْظِهِ ، أَوْ نِيَّتِهِ ، أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ، جَلِيلًا كَانَ أَوْ حَقِيرًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى هَدْيًا ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ ، فَكَأَنَّمَا أَهْدَى بَيْضَةً } .
وَإِنَّمَا صَرَفْنَا الْمُطْلَقَ إلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ ، لِأَنَّهُ غَلَبَ عَلَى الِاسْمِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ ، لَزِمَتْهُ صَلَاةٌ شَرْعِيَّةٌ دُونَ اللُّغَوِيَّةِ .
وَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً ، أَوْ بَقَرَةً ، أَوْ قَالَ : شَاةً لَزِمَهُ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ الَّذِي عَيَّنَهُ .
فَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً ، أَجْزَأَهُ ثَنِيَّةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ ثَنِيٌّ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ الْإِبِلِ ، فَبَقَرَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، فَسَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْهُودٍ الشَّرْعِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الْبَقَرَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْبَدَنَةِ ، وَكَذَلِكَ سَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ فَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَ الْبَقَرَةِ أَوْ الْغَنَمِ ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَنَةِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُجْزِئُهُ .
وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ .
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الْخِرَقِيِّ ، جَوَازُ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِهِ : وَمِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، فَذَبَحَ سَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ ، أَجْزَأَهُ .
فَإِنْ نَوَى بِنَذْرِهِ بَدَنَةً مِنْ الْإِبِلِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهَا مَعَ وُجُودِهَا ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِإِيجَابِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْلَقَ فَإِنَّهَا انْصَرَفَتْ إلَى الْإِبِلِ بِمَعْهُودِ الشَّرْعِ ، وَمَعْهُودُ الشَّرْعِ فِيهَا أَنْ تَقُومَ الْبَقَرَةُ مَقَامَهَا .
فَأَمَّا إنْ نَوَاهَا مِنْ الْإِبِلِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا ، كَسَائِرِ

الْمَنْذُورَاتِ وَكَذَلِكَ إنْ صَرَّحَ بِهَا فِي نَذْرِهِ .
مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ نَاقَةً .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَقُومَ الْبَقَرَةُ مَقَامَهَا عِنْدَ عَدَمِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ هَدْيًا شَرْعِيًّا ، وَالْهَدْيُ الشَّرْعِيُّ لَهُ بَدَلٌ .

( 8192 ) فَصْلٌ : وَمَنْ نَذَرَ هَدْيًا ، لَزِمَهُ إيصَالُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْهَدْيِ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } .
فَإِنْ عَيَّنَ شَيْئًا بِنَذْرِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : أُهْدِي شَاةً ، أَوْ ثَوْبًا ، أَوْ بُرًّا ، أَوْ ذَهَبًا .
وَكَانَ مِمَّا يُنْقَلُ ، حُمِلَ إلَى الْحَرَمِ ، فَفُرِّقَ فِي مَسَاكِينِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ دَارِي هَذِهِ ، أَوْ أَرْضِي ، أَوْ شَجَرَتِي هَذِهِ .
بِيعَتْ ، وَبُعِثَ بِثَمَنِهَا إلَى الْحَرَمِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إهْدَاؤُهُ بِعَيْنِهِ ، فَانْصَرَفَ بِذَلِكَ إلَى بَدَلِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ ، فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تُهْدِيَ دَارًا ، فَقَالَ : تَبِيعُهَا ، وَتَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَنْذُورُ مِمَّا يُنْقَلُ ، لَكِنْ يَشُقُّ نَقْله ، كَخَشَبَةٍ ثَقِيلَةٍ ، فَإِنَّهُ يَبِيعُهَا ؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ نَقْلِهَا .
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا كُلْفَةَ فِي نَقْلِهِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُ بِنَفْسِهِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيْعِ ، نُظِرَ إلَى الْحَظِّ لِلْمَسَاكِينِ فِي بَيْعِهِ فِي بَلَدِهِ ، أَوْ نَقْلِهِ لِيُبَاعَ ثَمَّ .
وَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ ، بِيعَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ .

( 8193 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ ، كَالْمَدِينَةِ ، أَوْ الثُّغُورِ ، أَوْ يَذْبَحَ بِهَا ، لَزِمَهُ الذَّبْحُ ، وَإِيصَالُ مَا أَهْدَاهُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ ، وَتَفْرِقَةُ الْهَدْيِ وَلَحْمِ الذَّبِيحَةِ عَلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ مَا لَا يَجُوزُ النَّذْرُ لَهُ ، كَكَنِيسَةٍ ، أَوْ صَنَمٍ ، أَوْ نَحْوِهِ ، مِمَّا يُعَظِّمُهُ الْكُفَّارُ أَوْ غَيْرُهُمْ ، مِمَّا لَا يَجُوزُ تَعْظِيمُهُ ، كَشَجَرَةٍ ، أَوْ قَبْرٍ ، أَوْ حَجَرٍ ، أَوْ عَيْنِ مَاءٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، قَالَ : { نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ كَانَ بِهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ ؟ قَالُوا : لَا .
قَالَ : هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ ؟ .
قَالُوا : لَا .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك } .
وَلِأَنَّهُ ضَمَّنَ نَذْرَهُ نَفْعَ فُقَرَاءِ ذَلِكَ الْبَلَدِ ، بِإِيصَالِ اللَّحْمِ إلَيْهِمْ ، وَهَذِهِ قُرْبَةٌ .
فَتَلْزَمُهُ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ .
فَإِنْ كَانَ بِهَا شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا ، لَمْ يَجُزْ النَّذْرُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هَلْ كَانَ بِهَا وَثَنٌ ، أَوْ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ ؟ } .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهَا ذَلِكَ ، لَمَنَعَهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ وَلِأَنَّ فِي هَذَا تَعْظِيمًا لِغَيْرِ مَا عَظَّمَ اللَّهُ ، يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الْكُفَّارِ لِلْأَصْنَامِ ، فَحَرُمَ ، كَتَعْظِيمِ الْأَصْنَامِ ، وَلِذَلِكَ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَّخِذَاتِ عَلَى الْقُبُورِ الْمَسَاجِدَ وَالسَّرْجِ ، وَقَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ } .
يُحَذِّرُ مِثْلَمَا صَنَعُوا .
وَعَلَى هَذَا نَذْرُ الشَّمْعِ وَالزَّيْتِ ، وَأَشْبَاهِهِ ، لِلْأَمَاكِنِ الَّتِي فِيهَا الْقُبُورُ ، لَا يَصِحُّ

.

( 8194 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ الذَّبْحَ بِمَكَّةَ ، فَهُوَ كَنَذْرِ الْهَدْيِ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ النَّذْرِ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ ، وَمَعْهُودُ الشَّرْعِ فِي الذَّبْحِ الْوَاجِبِ بِهَا أَنْ يُفَرَّقَ اللَّحْمُ بِهَا .

( 8195 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ مِنْ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ ، فَقَدِمَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، أَجْزَأَهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ نَذْرَ هَذَا مُنْعَقِدٌ ، لَكِنَّ صِيَامَهُ يُجْزِئُ عَنْ النَّذْرِ وَرَمَضَانَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ .
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ صَوْمًا فِي وَقْتٍ ، وَقَدْ صَامَ فِيهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ النَّذْرَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ ؛ لِأَنَّ نَذْرَهُ وَافَقَ زَمَنًا يُسْتَحَقُّ صَوْمُهُ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ ، كَنَذْرِ صَوْمِ رَمَضَانَ .
قَالَ : وَالصَّحِيحُ عِنْدِي صِحَّةُ النَّذْرِ ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ طَاعَةٍ يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ غَالِبًا ، فَانْعَقَدَ ، كَمَا لَوْ وَافَقَ شَعْبَانَ .
فَعَلَى هَذَا يَصُومُ رَمَضَانَ ، ثُمَّ يَقْضِي ، وَيُكَفِّرُ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .
وَنَقَلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ .
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : أَجْزَأَهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ .
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَذْرَهُ انْعَقَدَ عِنْدَهُ ، لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ صَوْمُهُ عَنْ نَذْرِهِ .
وَقَدْ نَقَلَ أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ وَعَلَيْهِ حِجَّةٌ مَفْرُوضَةٌ ، فَأَحْرَمَ عَنْ النَّذْرِ ، وَقَعَتْ عَنْ الْمَفْرُوضِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ .
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .
وَرَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ الْفَرِيضَةَ ، قَالَ : يُجْزِئُ لَهُمَا جَمِيعًا .
وَعَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ : يَقْضِي حِجَّتَهُ عَنْ نَذْرِهِ وَعَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، فَصَلَّى الْعَصْرَ ، أَلَيْسَ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ مِنْ الْعَصْرِ وَالنَّذْرِ ؟ قَالَ : فَذَكَرْت قَوْلِي لِابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : أَصَبْت وَأَحْسَنْت .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَنَسٌ ، وَعُرْوَةُ : يَبْدَأُ بِحِجَّةِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ يَحُجُّ

لِنَذْرِهِ .
وَفَائِدَةُ انْعِقَادِ نَذْرِهِ ، لُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِتَرْكِهِ ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْوِهِ لِنَذْرِهِ ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ .
وَعَلَى هَذَا لَوْ وَافَقَ نَذْرُهُ بَعْضَ رَمَضَانَ ، وَبَعْضَ شَهْرٍ آخَرَ ، إمَّا شَعْبَانَ ، وَإِمَّا شَوَّالَ ، لَزِمَهُ صَوْمُ مَا خَرَجَ عَنْ رَمَضَانَ ، وَيُتِمُّهُ مِنْ رَمَضَانَ .
وَلَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَمَضَانَ .
فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، يَصِحُّ نَذْرُهُ ، وَيُجْزِئُهُ صِيَامُهُ عَنْ الْأَمْرَيْنِ ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إنْ أَخَلَّ بِهِ .
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ النَّذْرِ ، فَأَشْبَهَ اللَّيْلَ .
وَلَنَا ، أَنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ ، فَيَنْعَقِدُ فِي الْوَاجِبِ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى .

( 8196 ) فَصْلٌ : وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ الْعَامَ ، وَعَلَيْهِ حِجَّةُ الْإِسْلَامِ ، رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تُجْزِئُهُ حِجَّةُ الْإِسْلَامِ عَنْهَا وَعَنْ نَذْرِهِ .
نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ .
وَالثَّانِيَةُ ، يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ مُوجِبًا لِحِجَّةٍ غَيْرِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ يَبْدَأُ بِحِجَّةِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ يَقْضِي نَذْرَهُ .
نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ تَجِبَانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، كَمَا لَوْ نَذَرَ حِجَّتَيْنِ ، وَوَجْهُ الْأُولَى ، أَنَّهُ نَذَرَ عِبَادَةً فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ ، وَقَدْ أَتَى بِهَا فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَمَضَانَ .

( 8197 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا .
فَنَوَى صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ ، لِنَذْرِهِ وَرَمَضَانَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ وَاجِبٌ بِفَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَنَذْرُهُ يَقْتَضِي إيجَابَ شَهْرٍ ، فَيَجِبُ شَهْرَانِ بِسَبَبَيْنِ ، وَلَا يُجْزِئُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمِ شَهْرَيْنِ ، وَكَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ، لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ عَنْ نَذْرِهِ ، وَعَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ .

( 8198 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ ، فَقَدِمَ يَوْمَ فِطْرٍ ، أَوْ أَضْحَى ، لَمْ يَصُمْهُ ، وَصَامَ يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ ، فَإِنَّ نَذْرَهُ صَحِيحٌ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَوْمُهُ بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي قَبْلَ الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ زَمَنٌ صَحَّ فِيهِ صَوْمُ التَّطَوُّعِ ، فَانْعَقَدَ نَذْرُهُ لِصَوْمِهِ ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا تَطَوُّعًا ، قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمِي .
وَقَوْلُهُمْ : لَا يُمْكِنُ صَوْمُهُ .
لَا يَصِحُّ فَإِنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ قَبْلَ قُدُومِهِ ، فَيَنْوِيَ صَوْمَهُ مِنْ اللَّيْلِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا لَا يُمْكِنُهُ ، كَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ، أَوْ الْحَائِضِ تَطْهُرُ فِيهِ ، وَلَا نُسَلِّمُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ، إذَا ثَبَتَتْ صِحَّتُهُ ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَقْسَامٍ خَمْسَةٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَعْلَمَ قُدُومَهُ مِنْ اللَّيْلِ ، فَيَنْوِيَ صَوْمَهُ ، وَيَكُونَ يَوْمًا يَجُوزُ فِيهِ صَوْمُ النَّذْرِ فَيَصِحَّ صَوْمُهُ وَيُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ وَفَى بِنَذْرِهِ .
الثَّانِي ، أَنْ يَقْدَمَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى ، فَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَعَنْهُ : لَا يَصُومُهُ ، وَيَقْضِي ، وَيُكَفِّرُ .
نَقْلَهُ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ، وَمَذْهَبُ الْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ .
الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَقْضِي ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ فَإِنَّهُ فَاتَهُ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ بِالنَّذْرِ ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ نِسْيَانًا ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ؛

لِأَنَّ الشَّرْعَ مَنَعَهُ مِنْ صَوْمِهِ ، فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، إنْ صَامَهُ صَحَّ صَوْمُهُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ وَفَى بِمَا نَذَرَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً فَفَعَلَهَا .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُكَفِّرَ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ وَافَقَ يَوْمًا صَوْمُهُ حَرَامٌ ، فَكَانَ مُوجَبُهُ الْكَفَّارَةَ ، كَمَا لَوْ نَذَرْت الْمَرْأَةُ صَوْمَ يَوْمِ حَيْضِهَا .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ مِنْ كَفَّارَةٍ وَلَا قَضَاءٍ ؛ بِنَاءً عَلَى مَنْ نَذَرَ الْمَعْصِيَةَ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ بِنَاءً عَلَى نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ .
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ النَّذْرَ يَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ نَذْرًا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ غَالِبًا ، فَكَانَ مُنْعَقِدًا كَمَا لَوْ وَافَقَ غَيْرَ يَوْمِ الْعِيدِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْعِيدِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ صَوْمَهُ ، فَأَشْبَهَ زَمَنَ الْحَيْضِ ، وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ مُنْعَقِدٌ ، وَقَدْ فَاتَهُ الصِّيَامُ بِالْعُذْرِ ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِفَوَاتِهِ ، كَمَا لَوْ فَاتَهُ بِمَرَضٍ .
وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَافَقَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَصُومُهُ .
بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ ، وَلَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .
الثَّالِثُ ، أَنْ يَقْدَمَ فِي يَوْمٍ يَصِحُّ صَوْمُهُ ، وَالنَّاذِرُ مُفْطِرٌ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ صَوْمًا نَذْرًا صَحِيحًا ، وَلَمْ يَفِ بِهِ ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، كَسَائِرِ الْمَنْذُورَاتِ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْمَنْذُورَ لِعُذْرٍ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، مِنْ قَضَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدِمَ فِي زَمَنٍ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ فِيهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ قَدِمَ لَيْلًا .
الرَّابِعُ ،

قَدِمَ وَالنَّاذِرُ صَائِمٌ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا أَوْ فَرْضًا ؛ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَصُومُ بَقِيَّتَهُ ، وَيَعْقِدُهُ عَنْ نَذْرِهِ ، وَيُجْزِئُهُ ، وَلَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ صَوْمُ يَوْمٍ بَعْضُهُ تَطَوُّعٌ وَبَعْضُهُ وَاجِبٌ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ فِي أَثْنَاءِ التَّطَوُّعِ إتْمَامَ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَإِنَّمَا وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي بَعْضِهِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا آخَرَ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ رِوَايَتَيْنِ .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ ، كَمَا لَوْ قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ .
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُهُ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الصَّوْمُ وَاجِبًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .
وَإِنْ قَدِمَ وَهُوَ مُمْسِكٌ ، لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ ، وَلَمْ يَفْعَلْ مَا يُفْطِرُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّائِمِ تَطَوُّعًا .
الْخَامِسُ ، أَنْ يَقْدَمَ لَيْلًا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدَمْ فِي الْيَوْمِ ، وَلَا فِي وَقْتٍ يَصِحُّ فِيهِ الصِّيَامُ .
( 8199 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ الْعِيدِ .
فَهَذَا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ ، عَلَى نَاذِرِهِ الْكَفَّارَةُ لَا غَيْرُ .
نَقَلَهَا حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ .
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ مَعَ الْكَفَّارَةِ ، كَالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَة .
وَالْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَةُ .
قَالَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ هَذَا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ قَضَاءً ، كَسَائِرِ الْمَعَاصِي .
وَفَارَقَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِنَذْرِهِ الْمَعْصِيَةَ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ اتِّفَاقًا ، وَهَا هُنَا تَعَمَّدَهَا بِالنَّذْرِ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ ، وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ } .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ ؛ بِنَاءً

عَلَى نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ .
وَإِنْ نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ صَوْمَ يَوْمِ حَيْضِهَا وَنِفَاسِهَا ، فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ لَا غَيْرُ .
وَلَمْ أَعْلَمْ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا خِلَافًا .
( 8200 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، صَامَهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَا يَصُومُهُ وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ) اخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَنْ الْفَرْضِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَصُومُهَا عَنْ الْفَرْضِ .
صَامَهَا هَاهُنَا ، وَأَجْزَأَتْهُ .
وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصُومُهَا .
فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ وَافَقَ يَوْمَ الْعِيدِ ، وَقَدْ مَضَى .

( 8201 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَبَدًا .
أَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ كُلِّ خَمِيسٍ أَبَدًا .
لَزِمَهُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، فَأَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ ، فَقَدْ مَضَى بَيَانُ حُكْمِهِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ ؛ لَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُهُ عَنْ دُخُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِيهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ صَوْمُهُ عَنْ غَيْرِ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ .
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنْ يَدْخُلَ فِي نَذْرِهِ ، وَيُجْزِئُهُ صَوْمُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ .
وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ ، أَوْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، أَوْ يَوْمَ حَيْضٍ ، فَفِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ مَا قَدْ مَضَى .
وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَوْ نَحْوِهِ ، صَامَهُمَا عَنْ الْكَفَّارَةِ دُونَ النَّذْرِ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى نَوَى النَّذْرَ فِي ابْتِدَائِهِمَا ، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّكْفِيرِ ، فَحِينَئِذٍ يَقْضِي نَذْرَهُ ، وَيُكَفِّرُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ صَوْمَ النَّذْرِ مَعَ إمْكَانِهِ لِعُذْرٍ ، وَيُفَارِقُ الْأَيَّامَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي رَمَضَانَ ، فَإِنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ ؛ لِعَدَمِ انْفِكَاكِهِ عَنْهَا ، وَهَا هُنَا تَنْفَكُّ الْأَيَّامُ عَنْ دُخُولِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ نَذْرِهِ قَبْلَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَوْ بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّ الْأَيَّامَ الَّتِي فِي رَمَضَانَ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ نَذْرِهِ ، وَأَيَّامُ الْكَفَّارَةِ يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ نَذْرِهِ ، وَإِذَا نَوَاهَا عَنْ نَذْرِهِ ، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ ، وَأَجْزَأَتْ عَنْ الْمَنْذُورِ .
وَإِنْ فَاتَتْهُ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ ، لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ الْجَمِيعِ ، فَإِذَا كَفَّرَ ثُمَّ فَاتَهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ ، فَمَرِضَ فَإِنْ كَانَ قَدْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ أَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَفَّرَ كَفَّارَةً أُخْرَى ، وَإِنْ

لَمْ يَكُنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَا يَكُونُ مِثْلَ الْيَمِينَ ، إذَا حَنِثَ وَكَفَّرَ ، سَقَطَتْ عَنْهُ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ مَتَى كَفَّرَ مَرَّةً ، لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ ، وَيُشْبِهُ الْيَمِينَ ، وَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ فِيهِ لِذَلِكَ ، وَالْيَمِينُ لَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ ، فَمَتَى كَفَّرَهَا ، لَمْ يَجِبْ بِهَا أُخْرَى ، كَذَلِكَ النَّذْرُ .
فَعَلَى هَذَا ، مَتَى فَاتَهُ شَيْءٌ فَكَفَّرَ عَنْهُ ، ثُمَّ فَاتَهُ شَيْءٌ آخَرُ ، قَضَاهُ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ الثَّانِيَةِ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا إجْمَاعَ وَلَا قِيَاسَ ، فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ .

( 8202 ) فَصْلٌ : إذَا نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا ، لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ غَيْرَ صَوْمِ رَمَضَانَ ، فَأَشْبَهَ اللَّيْلَ ، وَلَا يَوْمَا الْعِيدَيْنِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِهِمَا ، وَلَا يَصِحُّ صَوْمُهُمَا عَنْ النَّذْرِ ، فَأَشْبَهَا رَمَضَانَ .
وَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمِ شَوَّالٍ ، يَقْضِي يَوْمَ الْفِطْرِ ، وَيُكَفِّرُ .
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ الْعِيدَانِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ؛ لِأَنَّهَا أَيَّامٌ مِنْ جُمْلَةِ السَّنَةِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ .
وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُطْلَقَةٍ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ صَوْمُ سَنَةٍ مُتَتَابِعَةٍ أَوْ لَا ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَتَابِعَةِ .
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْمُعَيَّنَةِ ، فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الْعِيدَانِ وَلَا رَمَضَانُ ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ ، فَإِنْ ابْتَدَأَهَا مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ ، أَتَمَّ أَحَدَ عَشَرِ شَهْرًا بِالْهِلَالِ ، إلَّا شَهْرَ شَوَّالٍ ، فَإِنَّهُ يُتِمُّهُ بِالْعَدَدِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَإِنْ ابْتَدَأَهَا مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ ، أَتَمَّ ذَلِكَ الشَّهْرَ بِالْعَدَدِ ، وَالْبَاقِيَ بِالْهِلَالِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : لَا تَلْزَمُهُ مُتَابَعَةٌ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمُتَفَرِّقَةَ تُسَمَّى سَنَةً ، فَيَتَنَاوَلُهَا نَذْرُهُ ، فَيَلْزَمُهُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ ، إنْ شَاءَ ، وَإِنْ شَاءَ صَامَهَا بِالْعَدَدِ .
وَإِنْ ابْتَدَأَ الشَّهْرَ مِنْ أَثْنَائِهِ ، أَتَمَّهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .
وَإِنَّمَا لَزِمَهُ هَاهُنَا اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ النَّذْرِ عَلَى سَنَةٍ لَيْسَ فِيهَا رَمَضَانُ ، وَلَا الْأَيَّامُ الَّتِي لَا يَجُوزُ صِيَامُهَا ، فَجُعِلَ نَذْرُهُ عَلَى مَا يَنْعَقِدُ فِيهِ النَّذْرُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ السَّنَةَ ، وَهَذَا كَمَنْ عَيَّنَ سِلْعَةً بِالْعَقْدِ ،

فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إبْدَالُهَا ، وَلَوْ وَصَفَهَا ثُمَّ وَجَدَهَا مَعِيبَةً ، مَلَكَ إبْدَالَهَا ، وَيُتِمُّ شَوَّالًا بِالْعَدَدِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدَأْهُ مِنْ أَوَّلِهِ .
وَإِنْ صَامَ ذَا الْحِجَّةِ مِنْ أَوَّلِهِ ، قَضَى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ، تَامًّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِهِ .
وَقِيلَ : إنْ كَانَ نَاقِصًا قَضَى خَمْسَةً لِيُكْمِلَهُ ثَلَاثِينَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، فَأَشْبَهَ شَوَّالًا .
وَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ ، صَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُعَيَّنَةِ .

( 8203 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا ، وَلَمْ يُسَمِّهِ ، فَمَرِضَ فِي بَعْضِهِ ، فَإِذَا عُوفِيَ ، بَنَى ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَتَى بِشَهْرٍ مُتَتَابِعٍ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا نَذَرَتْ صِيَامَ شَهْرٍ مُتَتَابِعٍ ، وَحَاضَتْ فِيهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ، ثُمَّ أَفْطَرَ فِيهِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ .
أَحَدُهُمَا ، أَنْ يُفْطِرَ لِعُذْرٍ ؛ مِنْ حَيْضٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، وَنَحْوِهِمَا ، فَهَذَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صِيَامِهِ وَيُكَفِّرَ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُ لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِالْكَفَّارَةِ ، لِعَجْزِهَا عَنْ الْمَشْيِ ؛ وَلِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ مُتَتَابِعًا ، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ بِهِ مُتَتَابِعًا ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ لَهُ الْبِنَاءُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ حُكْمًا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ مِنْ عُذْرٍ ، كَانَ لَهُ الْبِنَاءُ ، فَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَالسَّفَرِ ، فَهَلْ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؟ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَقْطَعُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفْطِرُ بِاخْتِيَارِهِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَقْطَعُهُ ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ فِي فِطْرِ رَمَضَانَ ، فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ .
وَالثَّانِي ، أَنْ يُفْطِرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الصِّيَامِ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّتَابُعَ الْمَنْذُورَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، مَعَ إمْكَانِ الْإِتْيَانِ بِهِ .
فَلَزِمَهُ فِعْلُهُ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمًا مُعَيَّنًا فَصَامَ قَبْلَهُ .
وَبِهَذَا الْفَصْلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إلَّا فِي الْكَفَّارَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُهَا فِي الْمَنْذُورِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا

دَلِيلَ وُجُوبِهَا فَصْلٌ : إذَا صَامَ شَهْرًا مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ ، أَجْزَأَهُ ، نَاقِصًا كَانَ أَوْ تَامًّا ؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ شَهْرٌ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ } .
وَإِنْ بَدَأَ مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ ، لَزِمَهُ شَهْرٌ بِالْعَدَدِ ، ثَلَاثُونَ يَوْمًا ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ ، فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ } .
فَإِنْ صَامَ شَوَّالًا ، لَزِمَهُ إكْمَالُهُ ثَلَاثِينَ ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ مِنْ أَثْنَائِهِ ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا ، قَضَى يَوْمَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ تَامًّا أَتَمَّ يَوْمًا وَاحِدًا .
وَإِنْ صَامَ ذَا الْحِجَّةِ أَفْطَرَ يَوْمَ الْأَضْحَى وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ تَتَابُعُهُ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرْت الْمَرْأَةُ بِحَيْضٍ ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ، وَيَقْضِي أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ إنْ كَانَ تَامًّا ، وَخَمْسَةً إنْ كَانَ نَاقِصًا .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إلَّا الْأَرْبَعَةُ ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِهِ ، فَيَقْضِي الْمَتْرُوكَ مِنْهُ لَا غَيْرُ .
وَلَوْ صَامَ شَهْرًا مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ ، فَمَرِضَ فِيهِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً ، أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِ ثُمَّ طَهُرَتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ ، قَضَى مَا أَفْطَرَ مِنْهُ بِعِدَّتِهِ إنْ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِيَوْمٍ آخَرَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي فِطْرِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ .

( 8205 ) فَصْلٌ : وَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِالْهِلَالِ ، وَهُوَ أَنْ يَبْتَدِئَهُ مِنْ أَوَّلِهِ ، فَيُجْزِئَهُ ، وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَهُ بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .
وَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّهْرِ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ .
وَالثَّانِي ، لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ ، وَعَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .
فَأَمَّا إنْ نَذَرَ صِيَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ فِيهَا .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ : يَصُومُهَا مُتَتَابِعَةً .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْذُورَةِ .
وَحَمَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى مَنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ أَوْ نَوَاهُ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْعَشَرَةِ لَا يَقْتَضِي تَتَابُعًا ، وَالنَّذْرُ لَا يَقْتَضِيهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَيَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِي نَذْرِ الْعَشَرَةِ ، دُونَ الثَّلَاثِينَ ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثِينَ شَهْرٌ ، فَلَوْ أَرَادَ التَّتَابُعَ لَقَالَ : شَهْرًا .
فَعُدُولُهُ إلَى الْعَدَدِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ التَّفْرِيقِ ، بِخِلَافِ الْعَشَرَةِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ ، فَإِنَّ عَدَمَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى إرَادَةِ التَّتَابُعِ ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْرِيقَهَا وَلَا تَتَابُعَهَا ، وَلَمْ يَجِبْ التَّتَابُعُ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ ، لَزِمَهُ التَّتَابُعُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ ؛

لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ يَتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ ، وَالصَّوْمُ يَتَخَلَّلُهُ اللَّيْلُ ، فَيَفْصِلُ بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ ، وَلِذَلِكَ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، لَدَخَلَ فِيهِ اللَّيْلُ .
وَالصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مَا اقْتَضَاهُ لَفْظُهُ ، وَلَفْظُهُ لَا يَقْتَضِي التَّتَابُعَ ، بِدَلِيلِ نَذْرِ الصَّوْمِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْعُرْفِ لَا أَثَرَ لَهُ .
وَمَنْ قَالَ : يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ ، لَزِمَتْهُ اللَّيَالِي الَّتِي بَيْنَ أَيَّامِ الِاعْتِكَافِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مُتَتَابِعَةً .

( 8206 ) فَصْلٌ : إذَا نَذَرَ صِيَامَ أَشْهُرٍ مُتَتَابِعَةٍ ، فَابْتَدَأَهَا مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ ، أَجْزَأَهُ صَوْمُهَا بِالْأَهِلَّةِ ، بِلَا خِلَافٍ .
وَإِنْ ابْتَدَأَهَا مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ ، كَمَّلَهُ بِالْعَدَدِ ، وَبَاقِي الْأَشْهُرِ بِالْأَهِلَّةِ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى : يُكَمِّلُ الْجَمِيعَ بِالْعَدَدِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الرِّوَايَتَيْنِ .

( 8207 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ ، فَأَفْطَرَ يَوْمًا بِغَيْرِ عُذْرٍ ، ابْتَدَأَ شَهْرًا ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ ، فَأَفْطَرَ فِي أَثْنَائِهِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَقْطَعُ صَوْمَهُ ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ يَجِبُ مُتَتَابِعًا بِالنَّذْرِ ، فَأَبْطَلَهُ الْفِطْرُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ ، وَفَارَقَ رَمَضَانَ ؛ فَإِنَّ تَتَابُعَهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالنَّذْرِ ، وَهَا هُنَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ فَوَّتَهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَهُ مُتَتَابِعًا .
الثَّانِيَةُ ، لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ التَّتَابُعَ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّتَابُعِ ضَرُورَةُ التَّعْيِينِ لَا بِالشَّرْطِ ، فَلَمْ يُبْطِلْهُ الْفِطْرُ فِي أَثْنَائِهِ ، كَشَهْرِ رَمَضَانَ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِئْنَافَ يَجْعَلُ الصَّوْمَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَمْ يُعَيِّنْهُ ، وَالْوَفَاءَ بِنَذْرِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ ، وَتَفْوِيتُ يَوْمٍ وَاحِدٍ لَا يُوجِبُ تَفْوِيتَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ .
فَعَلَى هَذَا ، يُكَفِّرُ عَنْ فِطْرِهِ ، وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ بَعْدَ إتْمَامِ صَوْمِهِ .
وَهَذَا أَقْيَسُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى .
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ عَقِيبَ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ ؛ لِأَنَّ بَاقِيَ الشَّهْرِ مَنْذُورٌ ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّوْمِ فِيهِ ، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أَيْضًا ؛ لِإِخْلَالِهِ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَهُ .
الْحَالُ الثَّانِي ، أَفْطَرَ لِعُذْرٍ ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ ، وَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ .
هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ ، وَلَوْ

أَفْطَرَ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ فَاتَ مَا نَذَرَهُ ، فَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُخْتِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : { وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا } .
وَفَارَقَ رَمَضَانَ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ إلَّا فِي الْجِمَاعِ ( 8208 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ حَالَةَ نَذْرِهِ وَقَضَائِهِ ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ ، كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ .
وَإِنْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ جَمِيعَ الزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ ، فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ ؛ وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا ، وَفِي الْقَضَاءِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَلْزَمُهَا النَّذْرُ ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْحَيْضِ لَا يُمْكِنُ الصَّوْمُ فِيهِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي النَّذْرِ ، كَزَمَنِ رَمَضَانَ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمَنْذُورَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَشْرُوعِ ابْتِدَاءً ، وَلَوْ حَاضَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، لَزِمَهَا الْقَضَاءُ ، فَكَذَلِكَ الْمَنْذُورُ .

( 8209 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ فِي عَامِي هَذَا .
فَلَمْ يَحُجَّ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَعْذُورًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، لِعَدَمِ أَحَدِ الشَّرَائِطِ السَّبْعَةِ ، أَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ سُلْطَانٌ أَوْ عَدُوٌّ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ حَدَثَ بِهِ مَرَضٌ ، أَوْ أَخْطَأَ عَدَدًا ، أَوْ نَسِيَ ، أَوْ تَوَانَى ، قَضَاهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ فَاتَهُ الْحَجُّ الْمَنْذُورُ ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ مَرِضَ ، وَلِأَنَّ الْمَنْذُورَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ ابْتِدَاءً ، وَلَوْ فَاتَهُ الْمَشْرُوعُ ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، فَكَذَلِكَ الْمَنْذُورُ .

( 8210 ) فَصْلٌ : وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ الْحَجَّ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَهُ ، لَمْ يُجْزِئْهُ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُجْزِئُهُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي وَقْتٍ ، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمَنْذُورَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ ، وَلَوْ صَامَ قَبْلَ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِئْهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا صَامَ الْمَنْذُورَ قَبْلَهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْذُورِ فِي وَقْتِهِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ أَصْلًا .

( 8211 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ ، صَامَ عَنْهُ وَرَثَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مَنْ نَذَرَ طَاعَةً ) يَعْنِي مَنْ نَذَرَ حَجًّا ، أَوْ صِيَامًا ، أَوْ صَدَقَةً ، أَوْ عِتْقًا ، أَوْ اعْتِكَافًا ، أَوْ صَلَاةً ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ ، وَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ ، فَعَلَهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ .
وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّلَاةِ : لَا يُصَلَّى عَنْ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهَا لَا بَدَلَ لَهَا بِحَالٍ ، وَأَمَّا سَائِرُ الْأَعْمَالِ فَيَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ الْوَلِيُّ عَنْهُ فِيهَا ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الصِّلَةِ لَهُ وَالْمَعْرُوفِ .
وَأَفْتَى بِذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى قُبَاءً ، فَمَاتَتْ وَلَمْ تَقْضِهِ ، أَنْ تَمْشِيَ ابْنَتُهَا عَنْهَا .
وَرَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ مِنْ اعْتِكَافٍ .
قَالَ : صُمْ عَنْهَا ، وَاعْتَكِفْ عَنْهَا .
وَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شُعَيْبٍ ، أَنَّ عَائِشَةَ اعْتَكَفَتْ عَنْ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَا مَاتَ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَمْشِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَا يُصَلِّي ، وَلَا يَصُومُ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعْمَالِ الْبَدَنِ ، قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقْضِي عَنْهُ الْحَجَّ ، وَلَا يَقْضِي الصَّلَاةَ ، قَوْلًا وَاحِدًا ، وَلَا يَقْضِي الصَّوْمَ ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَيُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ } أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى وَلِيِّهِ ، بِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهِ .
وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْوَلِيِّ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَقًّا

فِي الْمَالِ ، وَيَكُونَ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ ، وَأَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ ، بِدَلِيلِ قَرَائِنَ فِي الْخَبَرِ ؛ مِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ مَا لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً يُقْضَى بِهَا ، وَمِنْهَا أَنَّ السَّائِلَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ .
وَجَوَابُهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مُقْتَضَى سُؤَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُقْتَضَاهُ السُّؤَالَ عَنْ الْإِبَاحَةِ ، فَالْأَمْرُ فِي جَوَابِهِ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ ، وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَنْ الْإِجْزَاءِ ، فَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ ، كَقَوْلِهِمْ { : أَنُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ؟ قَالَ : صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ } .
وَإِنْ كَانَ سُؤَالُهُمْ عَنْ الْوُجُوبِ فَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، كَقَوْلِهِمْ : { أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ؟ قَالَ : تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ } .
وَسُؤَالُ السَّائِلِ فِي مَسْأَلَتِنَا كَانَ عَنْ الْإِجْزَاءِ ، فَأَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفِعْلِ يَقْتَضِيهِ لَا غَيْرُ .
وَلَنَا ، عَلَى جَوَازِ الصِّيَامِ عَنْ الْمَيِّتِ ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ مَاتَ ، وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ } .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى } .
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : { جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ ، كَانَ يُؤَدَّى ذَلِكَ

عَنْهَا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .
قَالَ : فَصُومِي عَنْ أُمِّك } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ { سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ ، فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ ، فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ } .
وَعَنْهُ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ ؟ .
قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : فَاقْضِ اللَّهَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ } .
رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ .
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ ، وَمُطْلَقٌ فِي النَّذْرِ ، وَمَا عَدَا الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ يُقَاسُ ، عَلَيْهِ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَلَوْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ ، لَكَانَتْ أَحَادِيثُنَا أَصَحَّ ، وَأَكْثَرَ ، وَأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقْضِيَ النَّذْرَ عَنْهُ وَارِثُهُ ، فَإِنْ قَضَاهُ غَيْرُهُ ، أَجْزَأَهُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ قَضَى عَنْهُ دَيْنَهُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ ، وَقَاسَهُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ الْوَارِثُ إنَّمَا هُوَ تَبَرُّعٌ مِنْهُ ، وَغَيْرُهُ مِثْلُهُ فِي التَّبَرُّعِ .
وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ فِي مَالٍ ، تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ .

( 8212 ) فَصْلٌ : وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَطُوفَ عَلَى أَرْبَعٍ ، فَعَلَيْهِ طَوَافَانِ .
قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ؛ لِمَا رَوَى { مُعَاوِيَةُ بْنُ خَدِيجٍ الْكِنْدِيُّ ، أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أُمُّهُ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِيكَرِبَ عَمَّةُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي آلَيْتُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَبْوًا .
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : طُوفِي عَلَى رِجْلَيْك سَبْعَيْنِ ؛ سَبْعًا عَنْ يَدَيْك ، وَسَبْعًا عَنْ رِجْلَيْك } .
أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ عَلَى أَرْبَعٍ ، قَالَ : تَطُوفُ عَنْ يَدَيْهَا سَبْعًا ، وَعَنْ رِجْلَيْهَا سَبْعًا .
رَوَاهُ سَعِيدٌ .
وَالْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ عَلَى رِجْلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ ، فَيَسْقُطُ ، كَمَا أَنَّ { أُخْتَ عُقْبَةَ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَحُجَّ وَتَخْتَمِرَ } .
وَرَوَى عِكْرِمَةُ ، أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَرٍ ، فَحَانَتْ مِنْهُ نَظْرَةٌ ، فَإِذَا امْرَأَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا ، فَقَالَ : مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَمَرَّ بِرَجُلَيْنِ مُقْتَرِنَيْنِ ، فَقَالَ : أَطْلِقَا قِرَانَكُمَا } .
وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي إسْرَائِيلَ ، الَّذِي نَذَرَ أَنْ يَصُومَ ، وَيَفْعَلَ أَشْيَاءَ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّوْمِ وَحْدَهُ ، وَنَهَاهُ عَنْ سَائِرِ نُذُورِهِ .
وَهَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ ؟ يُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ ؛ لِإِخْلَالِهِ بِصِفَةِ نَذْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُ النَّذْرِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ .
وَأَمَّا وَجْهُ الْأَوَّلِ ، فَلِأَنَّ مَنْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعٍ ، فَقَدْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، فَأُقِيمَ الطَّوَافُ الثَّانِي مَقَامَ

طَوَافِهِ عَلَى يَدَيْهِ .

( 8213 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ ، لَزِمَهُ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ ، وَلَا أَيَّامُ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ .
فَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَقْضِهِ ؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ مُسْتَغْرَقٌ بِالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ ، وَلَكِنْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ لِتَرْكِهِ .
وَإِنْ لَزِمَهُ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ ، أَوْ كَفَّارَةٌ ، قَدَّمَهُ عَلَى النَّذْرِ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، فَقُدِّمَ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، كَتَقْدِيمِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَنْذُورَةِ .
فَإِذَا لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ لِتَرْكِهِ صَوْمَ يَوْمٍ ، أَوْ أَكْثَرَ ، وَكَانَتْ كَفَّارَتُهُ الصِّيَامَ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَجِبَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ إلَّا بِتَرْكِ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ ، وَتَرْكُهُ يُوجِبُ كَفَّارَةً ، فَيَقْضِي ذَلِكَ إلَى التَّسَلْسُلِ ، وَتَرْكِ الْمَنْذُورِ بِالْكُلِّيَّةِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ ، وَلَا تَجِبُ بِفِعْلِهَا كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّ تَرْكَ النَّذْرِ لِعُذْرٍ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً ، فَلَا يَقْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ .

( 8214 ) فَصْلٌ : وَصِيغَةُ النَّذْرِ أَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا .
وَإِنْ قَالَ : عَلَيَّ نَذْرُ كَذَا .
لَزِمَهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِلَفْظِ النَّذْرِ .
وَإِنْ قَالَ : إنْ شَفَانِي اللَّهُ ، فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ .
كَانَ نَذْرًا .
وَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ : عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْكَعْبَةِ لِلَّهِ .
قَالَ : هَذَا نَذْرٌ ، فَلْيَمْشِ .
وَنَحْوُهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَيَزِيدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ .
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِهِمْ ، وَرُوِيَ عَنْهُمَا فِيمَنْ قَالَ : عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ : فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ : عَلَيَّ نَذْرُ مَشْيٍ إلَى بَيْتِ اللَّهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ لَفْظَةَ : " عَلَيَّ " لِلْإِيجَابِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَإِذَا قَالَ : عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ .
فَقَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : هُوَ عَلَيَّ نَذْرٌ .
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .

كِتَابُ الْقَضَاءِ الْأَصْلُ فِي الْقَضَاءِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ .
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا دَاوُد إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } .
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } .
وَقَوْلُهُ : { وَإِذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } .
وقَوْله تَعَالَى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى ذَلِكَ كَثِيرَةٍ .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ نَصْبِ الْقَضَاءِ ، وَالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ .
( 8215 ) فَصْلٌ : وَالْقَضَاءُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّاسِ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِهِ ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ ، كَالْجِهَادِ وَالْإِمَامَةِ .
قَالَ أَحْمَدُ : لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ ، وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ ، وَأَدَاءِ الْحَقِّ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ أَجْرًا مَعَ الْخَطَأِ ، وَأَسْقَطَ عَنْهُ حُكْمَ الْخَطَأِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ ، وَنُصْرَةَ الْمَظْلُومِ ، وَأَدَاءَ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ ، وَرَدًّا لِلظَّالِمِ عَنْ ظُلْمِهِ ، وَإِصْلَاحًا بَيْنَ النَّاسِ ، وَتَخْلِيصًا لَبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْقُرَبِ ؛ وَلِذَلِكَ تَوَلَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ ، فَكَانُوا يَحْكُمُونَ لِأُمَمِهِمْ ، وَبَعَثَ عَلِيًّا إلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا ، وَبَعَثَ أَيْضًا مُعَاذًا قَاضِيًا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ :

لَأَنْ أَجْلِسَ قَاضِيًا بَيْنَ اثْنَيْنِ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً .
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : { جَاءَ خَصْمَانِ يَخْتَصِمَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : اقْضِ بَيْنَهُمَا .
قُلْت : أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ .
قَالَ : وَإِنْ كَانَ .
قُلْت : عَلَامَ أَقْضِي قَالَ : اقْضِ ، فَإِنْ أَصَبْت فَلَكَ عَشَرَةُ أُجُورٍ ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ أَجْرٌ وَاحِدٌ } .
رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ " .
( 8216 ) فَصْلٌ : وَفِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ وَوِزْرٌ كَبِيرٌ لِمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الْحَقَّ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ ، رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، يَمْتَنِعُونَ مِنْهُ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ ، وَيَخْشَوْنَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ خَطَرَهُ .
قَالَ خَاقَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أُرِيدَ أَبُو قِلَابَةَ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ ، فَهَرَبَ إلَى الْيَمَامَةِ ، فَأُرِيدَ عَلَى قَضَائِهَا ، فَهَرَبَ إلَى الشَّامِ ، فَأُرِيدَ عَلَى قَضَائِهَا ، وَقِيلَ : لَيْسَ هَاهُنَا غَيْرُك .
قَالَ : فَانْزِلُوا الْأَمْرَ عَلَى مَا قُلْتُمْ ، فَإِنَّمَا مَثَلِي مَثَلُ سَابِحٍ وَقَعَ فِي الْبَحْرِ ، فَسَبَحَ يَوْمَهُ ، فَانْطَلَقَ ، ثُمَّ سَبَحَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ ، فَمَضَى أَيْضًا ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ فَتُرَتْ يَدَاهُ .
وَكَانَ يُقَالُ : أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْقَضَاءِ أَشَدُّهُمْ لَهُ كَرَاهَةً .
وَلِعَظْمِ خَطَرِهِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا ، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الذَّمِّ لِلْقَضَاءِ ، وَإِنَّمَا وَصَفَهُ بِالْمَشَقَّةِ ؛ فَكَأَنَّ مَنْ وَلِيَهُ قَدْ حُمِلَ عَلَى مَشَقَّةٍ ، كَمَشَقَّةِ الذَّبْحِ .

( 8217 ) فَصْلٌ : وَالنَّاسُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ ، وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُهُ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ ذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا قَضَى بَيْنَ النَّاسَ بِجَهْلٍ ، فَهُوَ فِي النَّارِ } .
وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَدْلِ فِيهِ ، فَيَأْخُذُ الْحَقَّ مِنْ مُسْتَحَقِّهِ وَيَدْفَعُهُ إلَى غَيْرِهِ .
وَمِنْهُمْ ، مَنْ يَجُوزُ لَهُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالِاجْتِهَادِ ، وَيُوجَدُ غَيْرُهُ مِثْلُهُ ، فَلَهُ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ بِحُكْمِ حَالِهِ وَصَلَاحِيَتِهِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ .
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ وَالْغَرَرِ ، وَفِي تَرْكِهِ مِنْ السَّلَامَةِ ، وَلِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ التَّشْدِيدِ وَالذَّمِّ ، وَلِأَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ وَالتَّوَقِّي ، وَقَدْ أَرَادَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوْلِيَةَ ابْنِ عُمَرَ الْقَضَاءَ فَأَبَاهُ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : إنْ كَانَ رَجُلًا خَامِلًا ، لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَلَا يُعْرَفُ فَالْأَوْلَى لَهُ تَوَلِّيهِ ، لِيُرْجَعَ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَيَقُومَ بِهِ الْحَقُّ ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي النَّاسِ بِالْعِلْمِ ، يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى ، فَالْأَوْلَى الِاشْتِغَالُ بِذَلِكَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ الْغَرَرِ .
وَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالُوا أَيْضًا : إذَا كَانَ ذَا حَاجَةٍ ، وَلَهُ فِي الْقَضَاءِ رِزْقٌ ، فَالْأَوْلَى لَهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْمَكَاسِبِ ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ .
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ طَلَبُهُ ، وَالسَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ ؛ لِأَنَّ أَنَسًا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ ابْتَغَى الْقَضَاءَ ، وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ ، وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ ؛ فَإِنَّك إنْ أُعْطِيتهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا ، وَإِنْ أُعْطِيتهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
الثَّالِثُ : مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، وَلَا يُوجَدُ سِوَاهُ ، فَهَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ غَيْرُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ سُئِلَ : هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ ؟ قَالَ : لَا يَأْثَمُ .
فَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ بِنَفْسِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِضْرَارُ بِنَفْسِهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ ، وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ أَبُو قِلَابَةَ مِنْهُ ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ : لَيْسَ غَيْرُك .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ ، لِظُلْمِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ ، .

( 8218 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَخْذُ الرِّزْقِ ، وَرَخَّصَ فِيهِ شُرَيْحٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَلَى الْقَضَاءِ ، وَفَرَضَ لَهُ رِزْقًا .
وَرَزَقَ شُرَيْحًا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ .
وَبَعَثَ إلَى الْكُوفَةِ عَمَّارًا وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ ، وَرَزَقَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ شَاةً ؛ نِصْفُهَا لِعَمَّارٍ وَنِصْفُهَا لِابْنِ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَاضِيَهُمْ وَمُعَلِّمَهُمْ .
وَكَتَبَ إلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ ، حِينَ بَعَثَهُمَا إلَى الشَّامِ ، أَنَّ اُنْظُرَا رِجَالًا مِنْ صَالِحِي مَنْ قِبَلَكُمْ ، فَاسْتَعْمِلُوهُمْ عَلَى الْقَضَاءِ ، وَأَوْسِعُوا عَلَيْهِمْ ، وَارْزُقُوهُمْ ، وَاكْفُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ مَعَ الْحَاجَةِ ، فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا ، وَإِنْ كَانَ فَبِقَدْرِ شُغْلِهِ ، مِثْلَ وَالِي الْيَتِيمِ .
وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ يَكْرَهَانِ الْأَجْرَ عَلَى الْقَضَاءِ .
وَكَانَ مَسْرُوقٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، لَا يَأْخُذَانِ عَلَيْهِ أَجْرًا ، وَقَالَا : لَا نَأْخُذُ أَجْرًا عَلَى أَنْ نَعْدِلَ بَيْنَ اثْنَيْنِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا جَازَ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ تَعَيَّنَ لَمْ يَجُزْ إلَّا مَعَ الْحَاجَةِ .
وَالصَّحِيحُ جَوَازُ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا وَلِي الْخِلَافَةَ ، فَرَضُوا لَهُ الرِّزْقَ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ .
وَلِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ عُمَرَ رَزَقَ زَيْدًا وَشُرَيْحًا وَابْنَ مَسْعُودٍ ، وَأَمَرَ بِفَرْضِ الرِّزْقِ لِمَنْ تَوَلَّى مِنْ الْقُضَاةِ ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ فَرْضُ الرِّزْقِ لَتَعَطَّلَ ، وَضَاعَتْ الْحُقُوقُ .
فَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ ، فَلَا

يَجُوزُ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَنْبَغِي لِقَاضِي الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُهُ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ ، وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي رِزْقٌ ، فَقَالَ لِلْخَصْمَيْنِ : لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا حَتَّى تَجْعَلَا لِي رِزْقًا عَلَيْهِ .
جَازَ .
وَيَحْتَمِلَ أَنْ لَا يَجُوزَ .

( 8219 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي بَلَدٍ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ الْقُضَاةَ إلَى الْأَمْصَارِ غَيْرِ بَلَدِهِ ؛ { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلِيًّا قَاضِيًا إلَى الْيَمَنِ ، وَبَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إلَى الْيَمَنِ أَيْضًا .
وَقَالَ لَهُ : بِمَ تَحْكُمُ ؟ قَالَ : بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى .
قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ : فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ : أَجْتَهِدُ رَأْيِي .
قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
} وَبَعَثَ عُمَرُ شُرَيْحًا عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ وَكَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ .
وَكَتَبَ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٍ يَأْمُرُهُمَا بِتَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ فِي الشَّامِ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ يَحْتَاجُونَ إلَى الْقَاضِي ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ الْمَصِيرُ إلَى بَلَدِ الْإِمَامِ ، وَمَنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ إغْنَاؤُهُمْ عَنْهُ .

( 8220 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ تَوْلِيَةَ قَاضٍ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِالنَّاسِ وَيَعْرِفُ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، وَلَّاهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ ، سَأَلَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِالنَّاسِ ، وَاسْتَرْشَدَهُمْ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ .
وَإِنْ ذُكِرَ لَهُ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُهُ ، أَحْضَرَهُ وَسَأَلَهُ ، وَإِنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُ ، وَإِلَّا بَحَثَ عَنْ عَدَالَتِهِ ، فَإِذَا عَرَفَهَا وَلَّاهُ ، وَيَكْتُبُ لَهُ عَهْدًا يَأْمُرُهُ فِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَالتَّثَبُّتِ فِي الْقَضَاءِ ، وَمُشَاوَرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَتَصَفُّحِ أَحْوَالِ الشُّهُودِ ، وَتَأَمُّلِ الشَّهَادَاتِ ، وَتَعَاهُدِ الْيَتَامَى ، وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ الْوُقُوفِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى مُرَاعَاتِهِ .
ثُمَّ إنْ كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي وَلَّاهُ قَضَاءَهُ بَعِيدًا ، لَا يَسْتَفِيضُ إلَيْهِ الْخَبَرُ بِمَا يَكُونُ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ ، أَحْضَرَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمَا الْعَهْدَ ، وَأَقْرَآهُ غَيْرَهُ بِحَضْرَتِهِ ، وَأَشْهَدَهُمَا عَلَى تَوْلِيَتِهِ ؛ لِيَمْضِيَا مَعَهُ إلَى بَلَدِ وِلَايَتِهِ ، فَيُقِيمَا لَهُ الشَّهَادَةَ ، وَيَقُولَ لَهُمَا : اشْهَدَا عَلَى أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُهُ قَضَاءَ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ ، وَتَقَدَّمْت إلَيْهِ بِمَا اشْتَمَلَ هَذَا الْعَهْدُ عَلَيْهِ .
وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ قَرِيبًا مِنْ بَلَدِ الْإِمَامِ ، يَسْتَفِيضُ إلَيْهِ مَا يَجْرِي فِي بَلَدِ الْإِمَامِ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ أَوْ مَا دُونَهَا ، جَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالِاسْتِفَاضَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنَّ عِنْدَهُ فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ فِي الْبَلَدِ الْقَرِيبِ وَجْهَيْنِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ .
وَلَمْ يُفَصِّلُوا بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَّى عَلِيًّا وَمُعَاذًا قَضَاءَ الْيَمَنِ وَهُوَ بَعِيدٌ ، مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ ، وَوَلَّى الْوُلَاةَ فِي الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ وَفَوَّضَ إلَيْهِمْ

الْوِلَايَةَ وَالْقَضَاءَ ، وَلَمْ يُشْهِدْ ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ .
وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ الْإِشْهَادُ عَلَى تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ ، مَعَ بُعْدِ بُلْدَانِهِمْ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، وَقَدْ تَعَذَّرَتْ الِاسْتِفَاضَةُ فِي الْبَلَدِ الْبَعِيدِ ؛ لِعَدَمِ وُصُولِهَا إلَيْهِ ، فَتَعَيَّنَ الْإِشْهَادُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى تَوْلِيَتِهِ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ وَالِيًا إلَّا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشْهَدَهُمْ ، وَعَدَمُ نَقْلِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ فِعْلِهِ ، وَقَدْ قَامَ دَلِيلُهُ فَتَعَيَّنَ وُجُودُهُ .

( 8221 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا ، عَاقِلًا ، مُسْلِمًا ، حُرًّا ، عَدْلًا ، عَالِمًا ، فَقِيهًا ، وَرِعًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا ، الْكَمَالُ ، وَهُوَ نَوْعَانِ ؛ كَمَالُ الْأَحْكَامِ ، وَكَمَالُ الْخِلْقَةِ ، أَمَّا كَمَالُ الْأَحْكَامِ فَيُعْتَبَرُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ ؛ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا ذَكَرًا .
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورِيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُفْتِيَةً ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَاضِيَةً .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَاضِيَةً فِي غَيْرِ الْحُدُودِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَاهِدَةً فِيهِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً } .
وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ يَحْضُرُ مَحَافِلَ الْخُصُومِ وَالرِّجَالِ ، وَيُحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَمَالِ الرَّأْيِ وَتَمَامِ الْعَقْلِ وَالْفِطْنَةِ ، وَالْمَرْأَةُ نَاقِصَةُ الْعَقْلِ ، قَلِيلَةُ الرَّأْيِ ، لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْحُضُورِ فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا ، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا أَلْفُ امْرَأَةٍ مِثْلِهَا ، مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ضَلَالِهِنَّ وَنِسْيَانِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } وَلَا تَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ الْعُظْمَى ، وَلَا لِتَوْلِيَةِ الْبُلْدَانِ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُوَلِّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ ، امْرَأَةً قَضَاءً وَلَا وِلَايَةَ بَلَدٍ ، فِيمَا بَلَغَنَا ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ جَمِيعُ الزَّمَانِ غَالِبًا .
وَأَمَّا كَمَالُ الْخِلْقَةِ ، فَأَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا ؛ لِأَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ بِالْحُكْمِ ، وَلَا يَفْهَمُ جَمِيعُ النَّاسِ إشَارَتَهُ ، وَالْأَصَمُّ لَا يَسْمَعُ قَوْلَ الْخَصْمَيْنِ ، وَالْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ

الْمُدَّعِيَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَالْمُقِرَّ مِنْ الْمُقَرَّ لَهُ ، وَالشَّاهِدَ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَى ؛ لِأَنَّ شُعَيْبًا كَانَ أَعْمَى .
وَلَهُمْ فِي الْأَخْرَسِ الَّذِي تُفْهَمُ إشَارَتُهُ وَجْهَانِ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ الْحَوَاسَّ تُؤَثِّرُ فِي الشَّهَادَةِ ، فَيَمْنَعُ فَقْدُهَا وِلَايَةَ الْقَضَاءِ كَالسَّمْعِ ؛ وَهَذَا لِأَنَّ مَنْصِبَ الشَّهَادَةِ دُونَ مَنْصِبِ الْقَضَاءِ ، وَالشَّاهِدُ يَشْهَدُ فِي أَشْيَاءَ يَسِيرَةٍ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهَا ، وَرُبَّمَا أَحَاطَ بِحَقِيقَةِ عِلْمِهَا ، وَالْقَاضِي وِلَايَتُهُ عَامَّةٌ ، وَيَحْكُمُ فِي قَضَايَا النَّاسِ عَامَّةً ، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ الشَّهَادَةُ ، فَالْقَضَاءُ أَوْلَى ، وَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ شُعَيْبٍ فَلَا نُسَلِّمُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى ، وَلَوْ ثَبَتَ فِيهِ ذَلِكَ ، فَلَا يَلْزَمُ هَاهُنَا ، فَإِنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَانَ مَنْ آمَنَ مَعَهُ مِنْ النَّاسِ قَلِيلًا ، وَرُبَّمَا لَا يَحْتَاجُونَ إلَى حَكَمٍ بَيْنَهُمْ لِقِلَّتِهِمْ وَتَنَاصُفِهِمْ ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي مَسْأَلَتِنَا .
الشَّرْطُ الثَّانِي ، الْعَدَالَةُ ، فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ فَاسِقٍ ، وَلَا مَنْ فِيهِ نَقْصٌ يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى .
وَحُكِيَ عَنْ الْأَصَمِّ ، أَنَّهُ قَالَ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي فَاسِقًا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوْقَاتِهَا ، فَصَلُّوهَا لِوَقْتِهَا ، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً } .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } .
فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ عِنْدَ قَوْلِ الْفَاسِقِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَيَجِبُ التَّبَيُّنُ عِنْدَ حُكْمِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا ، فَلِئَلَّا يَكُونَ قَاضِيًا أَوْلَى .
فَأَمَّا الْخَبَرُ

فَأَخْبَرَ بِوُقُوعِ كَوْنِهِمْ أُمَرَاءَ ، لَا بِمَشْرُوعِيَّتِهِ ، وَالنِّزَاعُ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ ، لَا فِي وُجُودِهَا .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا فَيَحْكُمَ بِالتَّقْلِيدِ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ فَصْلُ الْخَصَائِمِ ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِالتَّقْلِيدِ جَازَ ، كَمَا يُحْكَمُ بِقَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } .
وَلَمْ يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ ، وَقَالَ : { لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاك اللَّهُ } .
وَقَالَ : { فَإِنَّ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } .
وَرَوَى بُرَيْدَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ ؛ اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ ، رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ، وَرَجُلٌ ، قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ ، فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الْحُكْمِ ، فَهُوَ فِي النَّارِ } .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
وَالْعَامِّيُّ يَقْضِي عَلَى الْجَهْلِ ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ آكَدُ مِنْ الْفُتْيَا ؛ لِأَنَّهُ فُتْيَا وَإِلْزَامٌ ، ثُمَّ الْمُفْتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا مُقَلِّدًا ، فَالْحَكَمُ أَوْلَى .
فَإِنْ قِيلَ : فَالْمُفْتِي يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا سَمِعَ .
قُلْنَا : نَعَمْ .
إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُفْتِيًا فِي تِلْكَ الْحَالِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخْبِرٌ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَيَكُونُ مَعْمُولًا بِخَبَرِهِ لَا بِفُتْيَاهُ ، وَيُخَالِفُ قَوْلَ الْمُقَوِّمِينَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْحَاكِمَ مَعْرِفَتُهُ بِنَفْسِهِ ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمِنْ شَرْطِ الِاجْتِهَادِ مَعْرِفَةُ سِتَّةِ أَشْيَاءَ ؛ الْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ، وَالْإِجْمَاعِ ، وَالِاخْتِلَافِ ، وَالْقِيَاسِ ، وَلِسَانِ الْعَرَبِ .
أَمَّا الْكِتَابُ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ

؛ الْخَاصَّ ، وَالْعَامَّ ، وَالْمُطْلَقَ ، وَالْمُقَيَّدَ ، وَالْمُحْكَمَ ، وَالْمُتَشَابِهَ ، وَالْمُجْمَلَ ، وَالْمُفَسَّرَ ، وَالنَّاسِخَ ، وَالْمَنْسُوخَ فِي الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ ، وَذَلِكَ نَحْوُ خَمْسِمِائَةٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ سَائِرِ الْقُرْآنِ .
فَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْأَحْكَامِ دُونَ سَائِرِ الْأَخْبَارِ ، مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالرَّقَائِقِ ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهَا مَا يَعْرِفُ مِنْ الْكِتَابِ ، وَيَزِيدُ مَعْرِفَةَ التَّوَاتُرِ ، وَالْآحَادِ ، وَالْمُرْسَلِ ، وَالْمُتَّصِلِ ، وَالْمُسْنَدِ ، وَالْمُنْقَطِعِ ، وَالصَّحِيحِ ، وَالضَّعِيفِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ ، وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ ، وَمَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ ، وَشُرُوطِهِ ، وَأَنْوَاعِهِ ، وَكَيْفِيَّةِ اسْتِنْبَاطِهِ الْأَحْكَامَ ، وَمَعْرِفَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا ذُكِرَ ؛ لِيَتَعَرَّفَ بِهِ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَصْنَافِ عُلُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ لِلْفُتْيَا ، وَالْحُكْمُ فِي مَعْنَاهُ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذِهِ شُرُوطٌ لَا تَجْتَمِعُ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا ؟ .
قُلْنَا : لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِهَذِهِ الْعُلُومِ إحَاطَةً تَجْمَعُ أَقْصَاهَا ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَعْرِفَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ ، وَلَا أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا ، فَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ ، خَلِيفَتَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَزِيرَاهُ ، وَخَيْرُ النَّاسِ بَعْدَهُ ، فِي حَالِ إمَامَتِهِمَا يُسْأَلَانِ عَنْ الْحُكْمِ فَلَا يَعْرِفَانِ مَا فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ ، حَتَّى يَسْأَلَا النَّاسَ فَيُخْبَرَا { ، فَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ ، فَقَالَ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَلَا أَعْلَمُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ، وَلَكِنْ ارْجِعِي

حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ .
ثُمَّ قَامَ فَقَالَ : أَنْشُدُ اللَّهَ مَنْ يَعْلَمُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَدَّةِ ؟ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَاهَا السُّدُسَ .
وَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ ، فَأَخْبَرَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ } .
وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْمَسَائِلِ الَّتِي فَرَّعَهَا الْمُجْتَهِدُونَ فِي كُتُبِهِمْ ، فَإِنَّ هَذِهِ فُرُوعٌ فَرَّعَهَا الْفُقَهَاءُ بَعْدَ حِيَازَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ ، فَلَا تَكُونُ شَرْطًا لَهُ وَهُوَ سَابِقٌ عَلَيْهَا .
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِاجْتِهَادِ فِي مَسْأَلَةٍ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي كُلِّ الْمَسَائِلِ ، بَلْ مَنْ عَرَفَ أَدِلَّةَ مَسْأَلَةٍ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ، فَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهَا ، وَإِنْ جَهِلَ غَيْرَهَا ، كَمَنْ يَعْرِفُ الْفَرَائِضَ وَأُصُولَهَا ، لَيْسَ مِنْ شَرْطِ اجْتِهَادِهِ فِيهَا مَعْرِفَتُهُ بِالْبَيْعِ ، وَلِذَلِكَ مَا مِنْ إمَامٍ إلَّا وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي مَسَائِلَ .
وَقِيلَ : مَنْ يُجِيبُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فَهُوَ مَجْنُونٌ ، وَإِذَا تَرَكَ الْعَالِمُ : لَا أَدْرِي .
أُصِيبَتْ مُقَاتِلُهُ .
وَحُكِيَ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً ، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا : لَا أَدْرِي .
وَلَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا .
وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ أُصُولُ هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَهُوَ مَجْمُوعٌ مُدَوَّنٌ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ ، فَمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ ، وَرُزِقَ فَهْمَهُ ، كَانَ مُجْتَهِدًا ، لَهُ الْفُتْيَا وَوِلَايَةُ الْحُكْمِ إذَا وُلِّيَهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 8222 ) فَصْلٌ : لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحَاكِمِ كَوْنُهُ كَاتِبًا .
وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ ذَلِكَ ؛ لِيَعْلَمَ مَا يَكْتُبُهُ كَاتِبُهُ ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إخْفَائِهِ عَنْهُ .
وَلَنَا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أُمِّيًّا ، وَهُوَ سَيِّدُ الْحُكَّامِ ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحَاكِمِ الْكِتَابَةُ ، فَلَا تُعْتَبَرُ شُرُوطُهَا ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ جَازَ تَوْلِيَتُهُ لِمَنْ يَعْرِفُهُ ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْقِسْمَةِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ مَعْرِفَةُ الْمِسَاحَةِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى التَّقْوِيمِ ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقَضَاءِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِقِيمَةِ الْأَشْيَاءِ ، وَلَا مَعْرِفَتُهُ بِعُيُوبِ كُلِّ شَيْءٍ .

فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ ، لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ ، لَا يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ ، وَلَا يَيْأَسُ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ ، وَيَكُونَ حَلِيمًا ، مُتَأَنِّيًا ، ذَا فِطْنَةٍ وَتَيَقُّظٍ ، لَا يُؤْتَى مِنْ غَفْلَةٍ ، وَلَا يُخْدَعُ لِغِرَّةٍ ، صَحِيحَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ، عَالِمًا بِلُغَاتِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ ، عَفِيفًا ، وَرَعًا ، نَزِهًا ، بَعِيدًا مِنْ الطَّمَعِ ، صَدُوقَ اللَّهْجَةِ ، ذَا رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ ، لِكَلَامِهِ لِينٌ إذَا قَرُبَ ، وَهَيْبَةٌ إذَا أَوْعَدَ ، وَوَفَاءٌ إذَا وَعَدَ ، وَلَا يَكُونُ جَبَّارًا ، وَلَا عَسُوفًا ، فَيَقْطَعُ ذَا الْحُجَّةِ عَنْ حُجَّتِهِ .
قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي قَاضِيًا حَتَّى تَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ ؛ عَفِيفٌ ، حَلِيمٌ ، عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ ، يَسْتَشِيرُ ذَوِي الْأَلْبَابِ ، لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ .
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ سَبْعُ خِلَالٍ ، إنْ فَاتَتْهُ وَاحِدَةٌ كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ : الْعَقْلُ ، وَالْفِقْهُ ، وَالْوَرَعُ ، وَالنَّزَاهَةُ ، وَالصَّرَامَةُ ، وَالْعِلْمُ بِالسُّنَنِ ، وَالْحِكَمِ .
وَرَوَاهُ سَعِيدٌ .
وَفِيهِ : يَكُونُ فَهِمَا ، حَلِيمًا ، عَفِيفًا ، صُلْبًا ، سَآَّلًا عَمَّا لَا يَعْلَمُ .
وَفِي رِوَايَةٍ : مُحْتَمِلًا لِلْأَئِمَّةِ ؛ وَلَا يَكُونُ ضَعِيفًا ، مَهِينًا ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَبْسُطُ الْمُتَخَاصِمِينَ إلَى التَّهَاتُرِ وَالتَّشَاتُمِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَأَعْزِلَنَّ فُلَانًا عَنْ الْقَضَاءِ ، وَلِأَسْتَعْمِلَن رَجُلًا إذَا رَآهُ الْفَاجِرُ فَرَّقَهُ .
( 8224 ) فَصْلٌ : وَلَهُ أَنْ يَنْتَهِرَ الْخَصْمَ إذَا الْتَوَى ، وَيَصِيحَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ عَزَّرَهُ بِمَا يَرَى مِنْ أَدَبٍ أَوْ حَبْسٍ .
وَإِنْ افْتَاتَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ : حَكَمْت عَلَيَّ بِغَيْرِ الْحَقِّ .
أَوْ : ارْتَشَيْت .
فَلَهُ تَأْدِيبُهُ .
وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ .
وَإِنْ بَدَأَ الْمُنْكِرُ بِالْيَمِينِ ، قَطَعَهَا عَلَيْهِ ، وَقَالَ :

الْبَيِّنَةُ عَلَى خَصْمِك .
فَإِنْ عَادَ نَهَرَهُ ، فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ إنْ رَأَى .
وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إسَاءَةُ الْأَدَبِ ، فَلَهُ مُقَابَلَةُ فَاعِلِهِ ، وَلَهُ الْعَفْوُ .

( 8225 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَلَّى الْإِمَامُ رَجُلًا الْقَضَاءَ ، فَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ ، فَأَرَادَ السَّيْرَ إلَى بِلَادِ وِلَايَتِهِ ، بَحَثَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ ، وَيَتَعَرَّفَ مِنْهُمْ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، سَأَلَ فِي طَرِيقِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، سَأَلَ إذَا دَخَلَ الْبَلَدَ عَنْ أَهْلِهِ ، وَمَنْ بِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَأَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالسَّتْرِ ، وَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، وَإِذَا قَرُبَ مِنْ الْبَلَدِ ، بَعَثَ مَنْ يُعْلِمُهُمْ بِقُدُومِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ ، وَيَجْعَلُ قُدُومَهُ يَوْمَ الْخَمِيسَ إنْ أَمْكَنَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ، قَدِمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، ثُمَّ يَقْصِدُ الْجَامِعَ ، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ إذَا دَخَلَ الْمَدِينَةَ ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ وَالْمَعُونَةَ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَهُ صَالِحًا ، وَيَجْعَلَهُ لِوَجْهِهِ خَالِصًا ، وَلَا يَجْعَلَ لِأَحَدٍ فِيهِ شَيْئًا ، وَيُفَوِّضُ أَمَرَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ ، وَيَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فَيُنَادِي فِي الْبَلَدِ ، أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ عَلَيْكُمْ قَاضِيًا ، فَاجْتَمِعُوا لِقِرَاءَةِ عَهْدِهِ ، وَقْتَ كَذَا وَكَذَا .
وَيَنْصَرِفُ إلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي قَدْ أُعِدَّ لَهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ ؛ لِيَتَسَاوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِيهِ ، وَلَا يَشُقُّ عَلَى بَعْضِهِمْ قَصْدُهُ ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا ، أَمَرَ بِعَهْدِهِ فَقُرِئَ عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا التَّوْلِيَةَ ، وَيَأْتُوا إلَيْهِ ، وَيَعِدُ النَّاسَ يَوْمًا يَجْلِسُ فِيهِ لِلْقَضَاءِ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلَى مَنْزِلِهِ .
وَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْحُكْمِ ، أَنْ يَبْعَثَ إلَى الْحَاكِمِ الْمَعْزُولِ فَيَأْخُذَ مِنْهُ دِيوَانَ الْحُكْمِ ؛ وَهُوَ مَا فِيهِ وَثَائِقُ النَّاسِ مِنْ الْمَحَاضِرِ ، وَهِيَ نُسَخُ مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَالسِّجِلَّاتُ نُسَخُ مَا حَكَمَ بِهِ ، وَمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ

حُجَجِ النَّاسِ وَوَثَائِقِهِمْ مُودَعَةً فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ ، فَإِذَا انْتَقَلْت الْوِلَايَةُ إلَى غَيْرِهِ ، كَانَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ ، فَتَكُونُ مُودَعَةً عِنْدَهُ فِي دِيوَانِهِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَعَدَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ إلَى مَجْلِسِهِ ، عَلَى أَكْمَلِ حَالَةٍ وَأَعْدَلِهَا ، خَلِيًّا مِنْ الْغَضَبِ ، وَالْجُوعِ الشَّدِيدِ وَالْعَطَشِ ، وَالْفَرَحِ الشَّدِيدِ وَالْحُزْنِ الْكَثِيرِ ، وَالْهَمِّ الْعَظِيمِ ، وَالْوَجَعِ الْمُؤْلِمِ ، وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا ، وَالنُّعَاسِ الَّذِي يَغْمُرُ الْقَلْبَ ؛ لِيَكُونَ أَجْمَعَ لِقَلْبِهِ ، وَأَحْضَرَ لِذِهْنِهِ ، وَأَبْلَغَ فِي تَيَقُّظِهِ لِلصَّوَابِ ، وَفِطْنَتِهِ لِمَوْضِعِ الرَّأْيِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ } .
فَنَصَّ عَلَى الْغَضَبِ ، وَنَبَّهَ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ سَائِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ .
وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي طَرِيقِهِ ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ حَتَّى يَأْتِيَ مَجْلِسَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ لِلنَّاسِ فَسِيحٍ ، كَالرَّحْبَةِ وَالْفَضَاءِ الْوَاسِعِ أَوْ الْجَامِعِ .
وَلَا يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِي الْمَسَاجِدِ ، فَعَلَ ذَلِكَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ خَلْدَةَ ، قَاضٍ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ فِي الْمَسْجِدِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُكْرَهُ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ خَصْمَانِ عِنْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنْ لَا تَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ تَأْتِيك الْحَائِضُ وَالْجَنْبُ .
وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ

يَأْتِيهِ الذِّمِّيُّ وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ ، وَتَكْثُرُ غَاشِيَتُهُ ، وَيَجْرِي بَيْنَهُمْ اللَّغَطُ وَالتَّكَاذُبُ وَالتَّجَاحُدُ ، وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى السَّبِّ وَمَا لَمْ تُبْنَ لَهُ الْمَسَاجِدُ .
وَلَنَا ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْهُمْ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : رَأَيْت عُمَرَ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلَى الْقِبْلَةِ ، يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ .
وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَإِنْصَافٌ بَيْنَ النَّاسِ ، فَلَمْ يُكْرَهْ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَا نَعْلَمُ صِحَّةَ مَا رَوَوْهُ عَنْ عُمَرَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ .
وَأَمَّا الْحَائِضُ ، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهَا حَاجَةٌ إلَى الْقَضَاءِ ، وَكَّلَتْ ، أَوْ أَتَتْهُ فِي مَنْزِلِهِ .
وَالْجُنُبُ يَغْتَسِلُ وَيَدْخُلُ ، وَالذِّمِّيُّ يَجُوزُ دُخُولُهُ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ .
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ فِي مَسْجِدِهِ ، مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ لِلْحُكُومَةِ وَالْفُتْيَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِمْ ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُطَالِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْحُقُوقِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَرُبَّمَا رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ .
فَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : { تَقَاضَيْت ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا فِي الْمَسْجِدِ ، حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارَ إلَيَّ ، أَنْ ضَعْ مِنْ دَيْنِك الشَّطْرَ .
فَقُلْت : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : فَقُمْ فَاقْضِهِ } .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ ، لِئَلَّا يَبْعُدَ عَلَى قَاصِدِيهِ ، وَلَا يَتَّخِذَ حَاجِبًا يَحْجُبُ النَّاسَ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا ، وَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ ، احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَفَاقَتِهِ وَفَقْرِهِ } .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَلِأَنَّ حَاجِبَهُ

رُبَّمَا قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ وَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَ لِغَرَضٍ لَهُ ، وَرُبَّمَا كَسَرَهُمْ بِحَجْبِهِمْ وَالِاسْتِئْذَانِ لَهُمْ .
وَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ حَاجِبٍ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ .
وَيُبْسَطُ لَهُ شَيْءٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وَلَا يَجْلِسُ عَلَى التُّرَابِ ، وَلَا عَلَى حَصِيرِ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ بِهَيْبَتِهِ مِنْ أَعْيُنِ الْخُصُومِ ، وَيَجْعَلُ جُلُوسَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ؛ لِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ .
وَهَذِهِ الْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْحُكْمِ ، إلَّا الْخُلُوَّ مِنْ الْغَضَبِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، فَإِنَّ فِي اشْتِرَاطِهِ رِوَايَتَيْنِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا جَلَسَ الْحَاكِمُ فِي مَجْلِسِهِ ، فَأَوَّلُ مَا يَنْظُرُ فِيهِ أَمْرُ الْمَحْبُوسِينَ ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْبَقَاءَ فِيهِ ، فَيَنْفُذُ إلَى حَبْسِ الْقَاضِي الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ثِقَةً ، يَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ مَحْبُوسٍ ، وَفِيمَ حُبِسَ ؟ وَلِمَنْ حُبِسَ ؟ فَيَحْمِلُهُ إلَيْهِ ، فَيَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي الْبَلَدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ : أَلَا إنَّ الْقَاضِيَ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ يَوْمَ كَذَا ، فَمَنْ كَانَ لَهُ مَحْبُوسٌ فَلْيَحْضُرْ .
فَإِذَا حَضَرَ ذَلِكَ الْيَوْمُ ، وَحَضَرَ النَّاسُ ، تَرَكَ الرِّقَاعَ الَّتِي فِيهَا اسْمُ الْمَحْبُوسِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَمَدَّ يَدَهُ إلَيْهَا ، فَمَا وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْهَا نَظَرَ إلَى اسْمِ الْمَحْبُوسِ ، وَقَالَ : مَنْ خَصْمُ فُلَانٍ الْمَحْبُوسِ .
فَإِذَا قَالَ خَصْمُهُ : أَنَا .
بَعَثَ مَعَهُ ثِقَةً إلَى الْحَبْسِ ، فَأَخْرَجَ خَصْمَهُ ، وَحَضَرَ مَعَهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي قَدْرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّسِعُ زَمَانُهُ لِلنَّظَرِ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ، وَلَا يُخْرِجُ غَيْرَهُمْ ، فَإِذَا حَضَرَ الْمَحْبُوسُ وَخَصْمُهُ ، لَمْ يَسْأَلْ خَصْمَهُ : لِمَ حَبَسْته ؟ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا حَبَسَهُ بِحَقٍّ ، لَكِنْ يَسْأَلُ الْمَحْبُوسَ : بِمَ حُبِسْت ؟ وَلَا يَخْلُو جَوَابُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَقُولَ : حَبَسَنِي بِحَقِّ لَهُ حَالٍّ ، أَنَا مَلِيءٌ بِهِ .
فَيَقُولَ لَهُ الْحَاكِمُ : اقْضِهِ ، وَإِلَّا رَدَدْتُك فِي الْحَبْسِ .
الثَّانِي ، أَنْ يَقُولَ : لَهُ عَلَيَّ دَيْنٌ ، أَنَا مُعَسِّرٌ بِهِ .
فَيَسْأَلُ خَصْمَهُ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ ، فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ وَأَطْلَقَهُ .
وَإِنْ كَذَّبَهُ ، نَظَرَ فِي سَبَبِ الدَّيْنِ ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا حَصَلَ لَهُ بِهِ مَالٌ ، كَقَرْضٍ أَوْ شِرَاءٍ ، لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ فِي الْإِعْسَارِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ بِأَنَّ مَالَهُ تَلِفَ أَوْ نَفِدَ ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ مُعَسِّرٌ ، فَيَزُولُ الْأَصْلُ الَّذِي ثَبَتَ ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ .

وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَصْلُ مَالٍ ، وَلَمْ تَكُنْ لِخَصْمِهِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَحْبُوسِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مُعَسِّرٌ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِعْسَارُ .
وَإِنْ شَهِدَتْ لِخَصْمِهِ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ لَهُ مَالًا ، لَمْ تُقْبَلْ حَتَّى تُعَيِّنَ ذَلِكَ الْمَالَ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ ، فَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِدَارٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَصَدَّقَهَا ، فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ كَذَّبَهَا ، وَقَالَ : لَيْسَ هَذَا لِي ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي يَدَيَّ لِغَيْرِي .
لَمْ يُقْبَلْ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهِ إلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ حَاضِرًا ، نَظَرْت ، فَإِنْ كَذَّبَهُ فِي إقْرَارِهِ ، سَقَطَ ، وَقُضِيَ مِنْ الْمَالِ دَيْنُهُ ، وَإِنْ صَدَّقَهُ نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ ، فَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً ، وَصَاحِبُ الْيَدِ يُقِرُّ لَهُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا ، وَيُقْضَى الدَّيْنُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ لِصَاحِبِ الْيَدِ بِالْمِلْكِ ، فَتَضَمَّنَتْ شَهَادَتُهَا وُجُوبَ الْقَضَاءِ مِنْهُ ، فَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، قُبِلَتْ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِغَيْرِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي إقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُخَلِّصَ مَالَهُ ، وَيَعُودَ إلَيْهِ ، فَتَلْحَقُهُ تُهْمَةٌ ، فَلَمْ تَبْطُلْ الْبَيِّنَةُ بِقَوْلِهِ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ ، وَتَسْقُطُ الْبَيِّنَةُ ؛ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِالْمِلْكِ لِمَنْ لَا يَدَّعِيهِ وَيُنْكِرُهُ .
الْجَوَابُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَقُولَ : حَبَسَنِي لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ عَلَيَّ لِخَصْمِي بِحَقٍّ لِيَبْحَثَ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ .
فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّ الْحَاكِمَ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ ، فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عَلَيْهِ .
فَعَلَى هَذَا لَا يَرُدُّهُ إلَى الْحَبْسِ إنْ صَدَّقَهُ خَصْمُهُ فِي هَذَا .
وَالثَّانِي

، يَجُوزُ حَبْسُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَقَامَ مَا عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مَا عَلَى الْحَاكِمِ مِنْ الْبَحْثِ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، يَرُدُّهُ إلَى الْحَبْسِ حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ حَالِ شُهُودِهِ .
وَإِنْ كَذَّبَهُ خَصْمُهُ ، وَقَالَ : بَلْ قَدْ عَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَةَ شُهُودِي ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ .
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ حَبْسَهُ بِحَقٍّ .
الْجَوَابُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَقُولَ : حَبَسَنِي الْحَاكِمُ بِثَمَنِ كَلْبٍ ، أَوْ قِيمَةِ خَمْرٍ أَرَقْته لِذِمِّيٍّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ .
فَإِنْ صَدَّقَهُ خَصْمُهُ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُطْلِقُهُ ؛ لِأَنَّ غُرْمَ هَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ الْحَاكِمَ يُنَفِّذُ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَقْضُ حُكْمِ غَيْرِهِ بِاجْتِهَادِهِ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ .
وَإِنْ كَذَّبَهُ خَصْمُهُ ، وَقَالَ : بَلْ حُبِسْت بِحَقِّ وَاجِبٍ غَيْرِ هَذَا .
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ حَبْسُهُ بِحَقٍّ .
الْجَوَابُ الْخَامِسُ ، أَنْ يَقُولَ : حُبِسْت ظُلْمًا ، وَلَا حَقَّ عَلَيَّ .
فَيُنَادِي مُنَادِي الْحَاكِمِ بِذِكْرِ مَا قَالَهُ ، فَإِنْ حَضَرَ رَجُلٌ فَقَالَ : أَنَا خَصْمُهُ .
فَأَنْكَرَهُ ، وَكَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ كُلِّفَ الْجَوَابَ عَلَى مَا مَضَى ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَصْمٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا خَصْمَ لَهُ ، أَوْ لَا حَقَّ عَلَيْهِ ، وَيُخْلَى سَبِيلُهُ .

( 8227 ) فَصْلٌ : ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْأَوْصِيَاءِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ نَاظِرِينَ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ وَتَفْرِقَةِ الْوَصِيَّةِ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ ، فَيَقْصِدُهُمْ الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْظُورَ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُهُ الْمُطَالَبَةُ بِحَقِّهِ ، فَإِنَّ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ لَا قَوْلَ لَهُمَا ، وَالْمَسَاكِينُ لَا يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ مِنْهُمْ ، فَإِذَا قَدِمَ إلَيْهِ الْوَصِيُّ ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَبْلَهُ نَفَّذَ وَصِيَّتَهُ ، لَمْ يَعْزِلْهُ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مَا نَفَّذَ وَصِيَّتَهُ إلَّا وَقَدْ عَرَفَ أَهْلِيَّتَهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَلَكِنْ يُرَاعِيهِ ، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بِفِسْقٍ أَوْ ضَعْفٍ ، أَضَافَ إلَيْهِ أَمِينًا قَوِيًّا يُعِينُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مَا نَفَّذَ وَصِيَّتَهُ ، نَظَرَ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ أَمِينًا قَوِيًّا ، أَقَرَّهُ ، وَإِنْ كَانَ أَمِينًا أَوْ ضَعِيفًا ، ضَمَّ إلَيْهِ مَنْ يُعِينُهُ ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا ، عَزَلَهُ وَأَقَامَ غَيْرَهُ .
وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، يُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ يَنْظُرُ عَلَيْهِ .
وَإِنْ كَانَ قَدْ تَصَرَّفَ ، أَوْ فَرَّقَ الْوَصِيَّةَ ، وَهُوَ أَهْلٌ لِلْوَصِيَّةِ ، نَفَّذَ تَصَرُّفَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِأَهْلٍ ، وَكَانَ أَهْلُ الْوَصِيَّةِ بَالِغِينَ عَاقِلِينَ مُعِينِينَ ، صَحَّ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ قَبَضُوا حُقُوقَهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُعِينِينَ ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، عَلَيْهِ الضَّمَانُ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ .
وَالثَّانِي ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَى أَهْلِهِ .
وَكَذَلِكَ إنْ فَرَّقَ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ الْمُوصَى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِهَا ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ .

( 8228 ) فَصْلٌ : ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أُمَنَاءِ الْحَاكِمِ ، وَهُمْ مَنْ رَدَّ إلَيْهِمْ الْحَاكِمُ النَّظَرَ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ ، وَتَفْرِقَةِ الْوَصَايَا الَّتِي لَمْ يُعَيَّنْ لَهَا وَصِيٌّ ، فَإِنْ كَانُوا بِحَالِهِمْ ، أَقَرَّهُمْ ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ وَلَّاهُمْ ، وَمَنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ مِنْهُمْ ، عَزَلَهُ إنْ فَسَقَ ، وَإِنْ ضَعُفَ ، ضَمَّ إلَيْهِ أَمِينًا .

( 8229 ) فَصْلٌ : ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الضَّوَالِّ وَاللُّقَطَةِ الَّتِي تَوَلَّى الْحَاكِمُ حِفْظَهَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُخَافُ تَلَفُهُ كَالْحَيَوَانِ ، أَوْ فِي حِفْظِهِ مُؤْنَةٌ كَالْأَمْوَالِ الْجَافِيَةِ ، بَاعَهَا ، وَحَفِظَ ثَمَنَهَا لِأَرْبَابِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ كَالْأَثْمَانِ ، حَفِظَهَا لِأَرْبَابِهَا ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا لِتُعْرَفَ .

( 8230 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ ، فِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ غَضْبَانُ .
كَرِهَ ذَلِكَ شُرَيْحٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
{ وَكَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ ، أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ ؛ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَبِي مُوسَى : إيَّاكَ وَالْغَضَبَ ، وَالْقَلَقَ ، وَالضَّجَرَ ، وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ ، وَالتَّنَكُّرَ لَهُمْ عِنْدَ الْخُصُومَةِ ، فَإِذَا رَأَيْت الْخَصْمَ يَتَعَمَّدُ الظُّلْمَ ، فَأَوْجِعْ رَأْسَهُ .
وَلِأَنَّهُ إذَا غَضِبَ تَغَيَّرَ عَقْلُهُ ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ رَأْيَهُ وَفِكْرَهُ .
وَفِي مَعْنَى الْغَضَبِ كُلُّ مَا شَغَلَ فِكْرَهُ مِنْ الْجُوعِ الْمُفْرِطِ ، وَالْعَطَشِ الشَّدِيدِ ، وَالْوَجَعِ الْمُزْعِجِ ، وَمُدَافَعَةِ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ ، وَشِدَّةِ النُّعَاسِ ، وَالْهَمِّ ، وَالْغَمِّ ، وَالْحُزْنِ ، وَالْفَرَحِ ، فَهَذِهِ كُلُّهَا تَمْنَعُ الْحَاكِمَ ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ حُضُورَ الْقَلْبِ ، وَاسْتِيفَاءَ الْفِكْرِ ، الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْغَالِبِ ، فَهِيَ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَتَجْرِي مَجْرَاهُ .
فَإِنْ حَكَمَ فِي الْغَضَبِ أَوْ مَا شَاكَلَهُ ، فَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .
وَقَالَ فِي " الْمُجَرَّدِ " : يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ ، أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ الزُّبَيْرُ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ : اسْقِ ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إلَى جَارِك .
فَقَالَ

الْأَنْصَارِيُّ : أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك .
فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لِلزُّبَيْرِ : اسْقِ ، ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجُدُرَ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فَحَكَمَ فِي حَالِ غَضَبِهِ .
وَقِيلَ : إنَّمَا يَمْنَعُ الْغَضَبُ الْحَاكِمَ إذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَّضِحَ لَهُ الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَأَمَّا إنَّ اتَّضَحَ الْحُكْمُ ، ثُمَّ عَرَضَ الْغَضَبُ ، لَمْ يَمْنَعْهُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ اسْتَبَانَ قَبْلَ الْغَضَبِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ الْغَضَبُ فِيهِ .

( 8231 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ الْمُشْكِلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ ، شَاوَرَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْأَمَانَةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَضَرَتْهُ قَضِيَّةٌ تَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ، أَوْ إجْمَاعٍ ، أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ ، حَكَمَ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى رَأْيِ غَيْرِهِ ؛ { لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ : بِمَ تَحْكُمُ ؟ قَالَ : بِكِتَابِ اللَّهِ .
قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ .
قَالَ : بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ .
قَالَ : أَجْتَهِدُ رَأْيِي ، وَلَا آلُو .
قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُشَاوِرَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } .
قَالَ الْحَسَنُ : إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَغَنِيًّا عَنْ مُشَاوَرَتِهِمْ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِذَلِكَ الْحُكَّامُ بَعْدَهُ .
وَقَدْ شَاوَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ ، وَفِي مُصَالَحَةِ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، وَفِي لِقَاءِ الْكُفَّارِ يَوْمَ بَدْرٍ .
وَرُوِيَ : مَا كَانَ أَحَدٌ أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَشَاوَرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ ، وَعُمَرُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ ، وَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ .
وَرُوِيَ : أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكُونُ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَطَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، إذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ شَاوَرَهُمْ فِيهِ .
وَلَا مُخَالِفَ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ ، قَالَ أَحْمَدُ : لَمَّا وَلِي سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ ، كَانَ

يَجْلِسُ بَيْنَ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ يُشَاوِرُهُمَا ، وَوَلِيَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَضَاءَ الْكُوفَةِ ، فَكَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ يُشَاوِرُهُمَا ، مَا أَحْسَنَ هَذَا لَوْ كَانَ الْحُكَّامُ يَفْعَلُونَهُ ، يُشَاوِرُونَ وَيَنْتَظِرُونَ .
وَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْتَبِهُ بِالْمُشَاوِرَةِ ، وَيَتَذَكَّرُ مَا نَسِيَهُ بِالْمُذَاكَرَةِ ، وَلِأَنَّ الْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِ الْعُلُومِ مُتَعَذِّرَةٌ .
وَقَدْ يَنْتَبِهُ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَمَعْرِفَةِ الْحَادِثَةِ مَنْ هُوَ دُونَ الْقَاضِي ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُسَاوِيهِ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، جَاءَتْهُ الْجَدَّتَانِ ، فَوَرَّثَ أُمَّ الْأُمِّ ، وَأَسْقَطَ أُمَّ الْأَبِ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، لَقَدْ أَسْقَطْت الَّتِي لَوْ مَاتَتْ وَرِثَهَا ، وَوَرَّثْت الَّتِي لَوْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا .
فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ ، فَأَشْرَكَ بَيْنَهُمَا .
وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ كَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ ، كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا رَأَيْت رَجُلًا قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجِي ، وَاَللَّهِ إنَّهُ لَيَبِيتُ لَيْلَهُ قَائِمًا ، وَيَظَلُّ نَهَارَهُ صَائِمًا فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ مَا يُفْطِرُ .
فَاسْتَغْفَرَ لَهَا ، وَأَثْنَى عَلَيْهَا ، وَقَالَ : مِثْلُك أَثْنَى الْخَيْرِ .
قَالَ : وَاسْتَحْيَتْ الْمَرْأَةُ فَقَامَتْ رَاجِعَةً ، فَقَالَ كَعْبٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَّا أَعْدَيْت الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا ؟ قَالَ : وَمَا شَكَتْ ؟ قَالَ : شَكَتْ زَوْجَهَا أَشَدَّ الشِّكَايَةِ .
قَالَ : أَوْ ذَاكَ أَرَادَتْ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : رُدُّوا عَلَيَّ الْمَرْأَةَ .
فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِالْحَقِّ أَنْ تَقُولِيهِ ، إنَّ هَذَا زَعَمَ أَنَّك جِئْت تَشْكِينَ زَوْجَك ، أَنَّهُ يَجْتَنِبُ فِرَاشَك .
قَالَتْ : أَجَلْ ، إنِّي امْرَأَةٌ شَابَّةٌ ، وَإِنِّي لَأَبْتَغِيَ مَا يَبْتَغِي النِّسَاءُ .
فَأَرْسَلَ إلَى زَوْجِهَا ، فَجَاءَ ، فَقَالَ لِكَعْبٍ : اقْضِ بَيْنَهُمَا .
قَالَ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَحَقُّ

أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا .
قَالَ : عَزَمْت عَلَيْك لَتَقْضِيَنَّ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّك فَهِمْت مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْ .
قَالَ : فَإِنِّي أَرَى كَأَنَّهَا عَلَيْهَا ثَلَاثُ نِسْوَةٍ ، هِيَ رَابِعَتُهُنَّ ، فَأَقْضِي لَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ ، وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ .
فَقَالَ عُمَرُ : وَاَللَّهِ مَا رَأْيُك الْأَوَّلُ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْ الْآخَرِ ، اذْهَبْ فَأَنْتَ قَاضٍ عَلَى الْبَصْرَةِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُشَاوِرُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْأَمَانَةِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا قَوْلَ لَهُ فِي الْحَادِثَةِ ، وَلَا يُسْكَنُ إلَى قَوْلِهِ .
قَالَ سُفْيَانُ : وَلْيَكُنْ أَهْلُ مَشُورَتِك أَهْلَ التَّقْوَى وَأَهْلَ الْأَمَانَةِ .
وَيُشَاوِرُ الْمُوَافِقِينَ وَالْمُخَالِفِينَ ، وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ حُجَّتِهِمْ ، لِيَبِينَ لَهُ الْحَقُّ .
( 8232 ) فَصْلٌ : وَالْمُشَاوَرَةُ هَاهُنَا لِاسْتِخْرَاجِ الْأَدِلَّةِ ، وَيَعْرِفُ الْحَقَّ بِالِاجْتِهَادِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ ، وَيَحْكُمَ بُقُولِ سِوَاهُ ، سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِيهِ ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ ، وَسَوَاءٌ ضَاقَ الْوَقْتُ ، أَوْ لَمْ يَضِقْ .
وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُفْتِي الْفُتْيَا بِالتَّقْلِيدِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا كَانَ الْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، جَازَ لَهُ تَرْكُ رَأْيِهِ لِرَأْيِ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ عِنْدَهُ إذَا صَارَ إلَيْهِ ، فَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ .
وَلِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَعْرَفُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مِثْلَهُ ، كَالْمُجْتَهِدِينَ فِي الْقِبْلَةِ ، وَمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ ، فَإِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ مَا قَالَهُ خَطَأٌ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبِنْ لَهُ الْحَقُّ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يَبِينَ لَهُ خَطَؤُهُ إذَا اجْتَهَدَ .

فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ ، حَتَّى إذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ ، يُفْتَقَرُ إلَى أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهَا سَأَلَهُمْ ، لِيَذْكُرُوا أَدِلَّتَهُمْ فِيهَا وَجَوَابَهُمْ عَنْهَا ، فَإِنَّهُ أَسْرَعُ لِاجْتِهَادِهِ ، وَأَقْرَبُ لِصَوَابِهِ ، فَإِنْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ خَالَفَ اجْتِهَادَهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُخَالِفُ .
نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا .

( 8234 ) فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْضِرَ شُهُودَهُ مَجْلِسَهُ ، لِيَسْتَوْفِيَ بِهِمْ الْحُقُوقَ ، وَتَثْبُتَ بِهِمْ الْحُجَجُ وَالْمَحَاضِرُ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ ، فَإِنْ شَاءَ أَدْنَاهُمْ إلَيْهِ ، وَإِنْ شَاءَ بَاعَدَهُمْ مِنْهُ ، بِحَيْثُ إذَا احْتَاجَ إلَى إشْهَادِهِمْ عَلَى حُكْمِهِ اسْتَدْعَاهُمْ لِيَشْهَدُوا بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ ، أَجْلَسَهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ ، لِئَلَّا يُقِرَّ مِنْهُمْ مُقِرٌّ ثُمَّ يُنْكِرَ وَيَجْحَدَ ، فَيَحْفَظُوا عَلَيْهِ إقْرَارَهُ ، وَيَشْهَدُوا بِهِ .

( 8235 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اتَّصَلَتْ بِهِ الْحَادِثَةُ ، وَاسْتَنَارَتْ الْحُجَّةُ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ ، حَكَمَ .
وَإِنْ كَانَ فِيهَا لَبْسٌ ، أَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ ، فَإِنْ أَبَيَا أَخَّرَهُمَا إلَى الْبَيَانِ ، فَإِنَّ عَجَّلَهَا قَبْلَ الْبَيَانِ ، لَمْ يَصْلُحْ حُكْمُهُ .
وَمِمَّنْ رَأَى الْإِصْلَاحَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ ، شُرَيْحٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا ، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُحْدِثُ بَيْنَ الْقَوْمِ الضَّغَائِنَ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : إنَّمَا يَسَعُهُ الصُّلْحُ فِي الْأُمُورِ الْمُشْكِلَةِ ، أَمَّا إذَا اسْتَنَارَتْ الْحُجَّةُ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ ، وَتَبَيَّنَ لَهُ مَوْضِعُ الظَّالِمِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَهُمَا عَلَى الصُّلْحِ .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ عَطَاءٍ .
وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ مَا أَصْلَحَ بَيْنَ مُتَحَاكِمَيْنِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً .

( 8236 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ وَجَدَهَا ، وَإِلَّا نَظَرَ فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا ، نَظَرَ فِي الْقِيَاسِ ، فَأَلْحَقَهَا بِأَشْبَهِ الْأُصُولِ بِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ابْنُ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ ، وَعَمْرٌو وَالرِّجَالُ مَجْهُولُونَ ، إلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَغَيْرُهُمَا ، تَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ ، وَجَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ مَا يُوَافِقُهُ ، فَرَوَى سَعِيدٌ ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِشُرَيْحٍ : اُنْظُرْ مَا يَتَبَيَّنُ لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ أَحَدًا ، وَمَا لَا يَتَبَيَّنُ لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَاتَّبِعْ فِيهِ السُّنَّةَ ، وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَك فِي السُّنَّةِ ، فَاجْتَهِدْ فِيهِ رَأْيَك .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُ ذَلِكَ .

( 8237 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي حَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ ، لَا فِيمَا عَلِمَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَلَا بَعْدَهَا .
هَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى : يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَتْ لَهُ هِنْدٌ : إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ، لَا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي .
قَالَ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } .
فَحَكَمَ لَهَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ ، لِعِلْمِهِ بِصِدْقِهَا .
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، فِي " كِتَابِهِ " أَنَّ عُرْوَةَ وَمُجَاهِدًا رَوَيَا ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ اسْتَعْدَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ، أَنَّهُ ظَلَمَهُ حَدًّا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا .
قَالَ عُمَرُ : إنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ ، وَرُبَّمَا لَعِبْت أَنَا وَأَنْتَ فِيهِ ، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ ، فَأْتِنِي بِأَبِي سُفْيَانَ .
فَأَتَاهُ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا أَبَا سُفْيَانَ ، انْهَضْ بِنَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا .
فَنَهَضُوا ، وَنَظَرَ عُمَرُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا سُفْيَانَ ، خُذْ هَذَا الْحَجَرَ مِنْ هَاهُنَا فَضَعْهُ هَاهُنَا .
فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ .
فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ .
فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ .
فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ ، وَقَالَ : خُذْهُ لَا أُمَّ لَك ، فَضَعْهُ هَاهُنَا ، فَإِنَّك مَا عَلِمْت قَدِيمَ الظُّلْمِ .
فَأَخَذَ أَبُو سُفْيَانَ الْحَجَرَ ، وَوَضَعَهُ حَيْثُ قَالَ عُمَرُ ، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ حَيْثُ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى غَلَبْت أَبَا سُفْيَانَ عَلَى رَأْيِهِ ، وَأَذْلَلْته لِي بِالْإِسْلَامِ .
قَالَ : فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَبُو

سُفْيَانَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ ، إذْ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى جَعَلْت فِي قَلْبِي مِنْ الْإِسْلَامِ مَا أَذِلُّ بِهِ لِعُمَرَ .
قَالُوا : فَحَكَمَ بِعِلْمِهِ .
وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِالشَّاهِدَيْنِ ، لِأَنَّهُمَا يَغْلِبَانِ عَلَى الظَّنِّ ، فَمَا تَحَقَّقَهُ وَقَطَعَ بِهِ ، كَانَ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي تَعْدِيلِ الشُّهُودِ وَجَرْحِهِمْ ، فَكَذَلِكَ فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ ، قِيَاسًا عَلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ ، لَا يَحْكُمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَمَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ ، وَمَا عَلِمَهُ فِي وِلَايَتِهِ ، حَكَمَ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا سَمِعَهُ مِنْ الشُّهُودِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ ، وَمَا عَلِمَهُ فِي وِلَايَتِهِ ، بِمَنْزِلَةِ مَا سَمِعَهُ مِنْ الشُّهُودِ فِي وِلَايَتِهِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ } .
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي بِمَا يَسْمَعُ ، لَا بِمَا يَعْلَمُ { .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَضِيَّةِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ : شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ ، لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَاكَ } .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَدَاعَى عِنْدَهُ رَجُلَانِ ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا : أَنْتَ شَاهِدِي .
فَقَالَ : إنَّ شِئْتُمَا شَهِدْت وَلَمْ أَحْكُمُ ، أَوْ أَحْكُمُ وَلَا أَشْهَدُ .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، فِي " كِتَابِهِ " ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَاحَاهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شِجَاجٌ ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ الْأَرْشَ ، ثُمَّ قَالَ : إنِّي خَاطِبٌ

النَّاسَ ، وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ ، أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ .
فَصَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، وَقَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : لَا .
فَهَمَّ بِهِمْ الْمُهَاجِرُونَ ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ صَعِدَ ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، ثُمَّ قَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ .
قَالُوا : نَعَمْ } .
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِعِلْمِهِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ رَأَيْت حَدًّا عَلَى رَجُلٍ ، لَمْ أَحُدَّهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ .
وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ يُفْضِي إلَى تُهْمَتِهِ ، وَالْحُكْمِ بِمَا اشْتَهَى ، وَيُحِيلُهُ عَلَى عِلْمِهِ .
فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ فُتْيَا لَا حُكْمٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْتَى فِي حَقِّ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ ، وَلَوْ كَانَ حُكْمًا عَلَيْهِ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ .
وَحَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي رَوَوْهُ ، كَانَ إنْكَارًا لِمُنْكَرٍ رَآهُ ، لَا حُكْمًا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَا وُجِدَتْ مِنْهُمَا دَعْوَى وَإِنْكَارٌ بِشُرُوطِهِمَا وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حُكْمًا ، كَانَ مُعَارَضًا بِمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ ، وَيُفَارِقُ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى تُهْمَةٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
وَأَمَّا الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْكُمْ فِيهِ بِعِلْمِهِ ، لَتَسَلْسَلَ ، فَإِنَّ الْمُزَكِّيَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ عَدَالَتِهِمَا وَجَرْحِهِمَا ، فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ ، احْتَاجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى مُزَكِّيَيْنِ ، ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْتَاجُ إلَى مُزَكِّيَيْنِ ، فَيَتَسَلْسَلُ ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ بِخِلَافِهِ .

( 8238 ) فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ ، إذَا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ ، أَوْ سَمِعَهُ شَاهِدٌ ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْكُمُ بِهِ حَتَّى يَسْمَعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِعِلْمِهِ .

( 8239 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَنْقُضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ ، إلَّا مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ ، أَوْ سُنَّةٍ ، أَوْ إجْمَاعًا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا رُفِعَتْ إلَيْهِ قَضِيَّةٌ قَدْ قَضَى بِهَا حَاكِمٌ سِوَاهُ ، فَبَانَ لَهُ خَطَؤُهُ ، أَوْ بَانَ لَهُ خَطَأُ نَفْسِهِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ لِمُخَالَفَةِ نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ ، نَقَضَ حُكْمَهُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَزَادَ : إذَا خَالَفَ نَصًّا جَلِيًّا نَقَضَهُ وَعَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُمَا قَالَا : لَا يَنْقُضُ الْحُكْمَ إلَّا إذَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ .
ثُمَّ نَاقَضَا ذَلِكَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إذَا حَكَمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ نَقَضَ حُكْمَهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا حَكَمَ بِبَيْعِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ ، أَوْ حَكَمَ بَيْنَ الْعَبِيدِ بِالْقُرْعَةِ ، نَقَضَ حُكْمَهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إذَا حَكَمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، نَقَضَ حُكْمَهُ .
وَهَذِهِ مَسَائِلُ خِلَافٍ مُوَافَقَةٌ لِلسُّنَّةِ .
وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يُخَالِفْ الْإِجْمَاعَ بِأَنَّهُ يَسُوغُ فِيهِ الْخِلَافُ ، فَلَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ فِيهِ ، كَمَا لَا نَصَّ فِيهِ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُد أَنَّهُ يَنْقُضُ جَمِيعَ مَا بَانَ لَهُ خَطَؤُهُ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى : لَا يَمْنَعَنَّك قَضَاءٌ قَضَيْته بِالْأَمْسِ ، ثُمَّ رَاجَعْت نَفْسَك فِيهِ الْيَوْمَ ، فَهُدِيت لِرُشْدِك أَنْ تُرَاجِعَ فِيهِ الْحَقَّ ؛ فَإِنَّ الرُّجُوعَ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ ، وَلِأَنَّهُ خَطَأٌ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ .
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ وَافَقَهُمَا فِي قَضَاءِ نَفْسِهِ .
وَلَنَا ، عَلَى نَقْضِهِ إذَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا ، أَنَّهُ قَضَاءٌ لَمْ يُصَادِفْ شَرْطَهُ ، فَوَجَبَ نَقْضُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُخَالِفْ الْإِجْمَاعَ ، وَبَيَانُ مُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْطِ ، أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ عَدَمُ النَّصِّ ، بِدَلِيلِ خَبَرِ مُعَاذٍ ، وَلِأَنَّهُ إذَا تَرَكَ

الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ، فَقَدْ فَرَّطَ ، فَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ ، كَمَا لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ ، أَوْ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ كَافِرَيْنِ .
وَمَا قَالُوهُ يَبْطُلُ بِمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ ، ثُمَّ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ لَمْ يُعِدْ ؟ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ يَسْقُطُ حَالَ الْعُذْرِ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ وَالْخَوْفِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ نَحْوِهِ ، مَعَ الْعِلْمِ ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْحَقِّ إلَى غَيْرِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالٍ .
الثَّانِي ، أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى ، تَدْخُلُهَا الْمُسَامَحَةُ الثَّالِثُ ، أَنَّ الْقِبْلَةَ يَتَكَرَّرُ فِيهَا اشْتِبَاهُ الْقِبْلَةِ ، فَيَشُقُّ الْقَضَاءُ .
وَهَا هُنَا إذَا بَانَ لَهُ الْخَطَأُ لَا يَعُودُ الِاشْتِبَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ .
وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَالِفَ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا ، أَوْ خَالَفَ اجْتِهَادُهُ اجْتِهَادَ مَنْ قَبْلَهُ ، لَمْ يَنْقُضْهُ لِمُخَالَفَتِهِ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ حَكَمَ فِي مَسَائِلَ بِاجْتِهَادِهِ ، وَخَالَفَهُ عُمَرُ ، وَلَمْ يَنْقُضْ أَحْكَامَهُ وَعَلِيٌّ خَالَفَ عُمَرَ فِي اجْتِهَادِهِ ، فَلَمْ يَنْقُضْ أَحْكَامَهُ ، وَخَالَفَهُمَا عَلِيٌّ ، فَلَمْ يَنْقُضْ أَحْكَامَهُمَا ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ سَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِي الْعَطَاءِ ، وَأَعْطَى الْعَبِيدَ ، وَخَالَفَهُ عُمَرُ ، فَفَاضَلَ بَيْنَ النَّاسِ ، وَخَالَفَهُمَا عَلِيٌّ فَسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ وَحَرَّمَ الْعَبِيدَ ، وَلَمْ يَنْقُضْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مَا فَعَلَهُ مَنْ قَبْلَهُ وَجَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، كِتَابُك بِيَدِك ، وَشَفَاعَتُك بِلِسَانِك .
فَقَالَ : وَيْحَكُمْ ، إنَّ عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الْأَمْرِ ، وَلَنْ أَرُدَّ قَضَاءً قَضَى بِهِ عُمَرُ .
رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ حَكَمَ فِي الْمُشْتَرَكَةِ بِإِسْقَاطِ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، ثُمَّ شَرَّكَ بَيْنَهُمْ بَعْدُ ،

وَقَالَ : تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا ، وَهَذِهِ عَلَى مَا قَضَيْنَا .
وَقَضَى فِي الْجَدِّ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ ، وَلَمْ يَرُدَّ الْأُولَى .
وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَثْبُتَ الْحُكْمُ أَصْلًا ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ الثَّانِيَ يُخَالِفُ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَالثَّالِثَ يُخَالِفُ الثَّانِيَ ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمٌ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ شُرَيْحًا حُكْمَ فِي ابْنَيْ عَمٍّ ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ ، أَنَّ الْمَالَ لِلْأَخِ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : عَلَيَّ بِالْعَبْدِ .
فَجِيءَ بِهِ .
فَقَالَ : فِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْت ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } .
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } .
وَنَقَضَ حُكْمَهُ .
قُلْنَا : لَمْ يَثْبُتْ عَنَدْنَا أَنَّ عَلِيًّا نَقَضَ حُكْمَهُ ، وَلَوْ ثَبَتَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ، فَنَقَضَ حُكْمَهُ لِذَلِكَ .

( 8240 ) فَصْلٌ : إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِمَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِاجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَكَمَ فَقَدْ حَكَمَ بِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ بَاطِلٌ ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الْقِبْلَةِ بَعْدَ مَا صَلَّى لَا يُعِيدُ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ، صَلَّى إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا .
وَلِذَلِكَ إذَا بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ ، لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ ، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ ، لَمْ يَنْقُضْهُ .

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71