الكتاب : المغني
المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي

( 6108 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى غَيْرِ مُسْتَحِيلٍ ، فَذَلِكَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، كَقِيَامِ السَّاعَةِ ، فَإِنَّ لَهَا عَلَامَاتٍ تَسْبِقُهَا ، فَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : حَتَّى تَأْتِي الْهِنْدَ .
أَوْ نَحْوَهُ .
فَهَذَا مُولٍ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .
الثَّانِي ، مَا الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، كَخُرُوجِ الدَّجَّالِ ، وَالدَّابَّةِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ، أَوْ يَقُولُ : حَتَّى أَمُوتَ .
أَوْ : تَمُوتِي .
أَوْ : يَمُوتَ وَلَدُك .
أَوْ : زَيْدٌ .
أَوْ : حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ مِنْ مَكَّةَ .
وَالْعَادَةُ أَنَّهُ لَا يَقْدَمُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَيَكُونُ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي نِكَاحِي هَذَا .
وَكَذَلِكَ لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مَرَضِهَا ، أَوْ مَرَضِ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ .
الثَّالِثُ - أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى أَمْرٍ يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُوجَدَ ، احْتِمَالًا مُتَسَاوِيًا ، كَقُدُومِ زَيْدٍ مِنْ سَفَرٍ قَرِيبٍ ، أَوْ مِنْ سَفَرٍ لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ ، فَهَذَا لَيْسَ بِإِيلَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَلِفُهُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَلَا يُظَنُّ ذَلِكَ .
الرَّابِعُ أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، أَوْ يُظَنُّ ذَلِكَ ، كَذُبُولِ بَقْلٍ ، وَجَفَافِ ثَوْبٍ ، وَمَجِيءِ الْمَطَرِ فِي أَوَانِهِ ، وَقُدُومِ الْحَاجِّ فِي زَمَانِهِ .
فَهَذَا لَا يَكُونُ مُولِيًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْإِضْرَارَ بِتَرْكِ وَطْئِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك شَهْرًا .
الْخَامِسُ - أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى فِعْلٍ مِنْهَا ، هِيَ قَادِرَةٌ عَلَيْهِ ، أَوْ فِعْلٍ مِنْ غَيْرِهَا .
وَذَلِكَ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلَاثَةً : أَحَدُهَا ، أَنْ

يُعَلِّقَهُ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تَدْخُلِي الدَّارَ .
أَوْ : تَلْبَسِي هَذَا الثَّوْبَ .
أَوْ : حَتَّى أَتَنَفَّلُ بِصَوْمِ يَوْمٍ .
أَوْ : حَتَّى أَكْسُوَك فَهَذَا لَيْسَ بِإِيلَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنُ الْوُجُودِ بِغَيْرِ ضَرَرٍ عَلَيْهَا فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الَّذِي قَبْلَهُ .
وَالثَّانِي ، أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى مُحَرَّمٍ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تَشْرَبِي الْخَمْرَ .
أَوْ : تَزْنِي .
أَوْ : تُسْقِطِي وَلَدَك .
أَوْ : تَتْرُكِي صَلَاةَ الْفَرْضِ .
أَوْ : حَتَّى أَقْتُلَ زَيْدًا .
أَوْ نَحْوَهُ .
فَهَذَا إيلَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِمُمْتَنِعٍ شَرْعًا ، فَأَشْبَهَ الْمُمْتَنِعَ حِسًّا .
الثَّالِثُ ، أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى مَا عَلَى فَاعِلِهِ فِيهِ مَضَرَّةٌ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تُسْقِطِي صَدَاقَك عَنِّي .
أَوْ : حَتَّى تَكْفُلِي وَلَدِي .
أَوْ : تَهَبِينِي دَارَك .
أَوْ : حَتَّى يَبِيعَنِي أَبُوك دَارِهِ .
أَوْ : نَحْوَ ذَلِكَ .
فَهَذَا إيلَاءٌ ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ لِمَالِهَا أَوْ مَالِ غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ مُحَرَّمٌ ، فَجَرَى مَجْرَى شُرْبِ الْخَمْرِ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى أُعْطِيَك مَالًا .
أَوْ : أَفْعَلَ فِي حَقِّك جَمِيلًا .
لَمْ يَكُنْ إيلَاءً ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لِذَلِكَ لَيْسَ بِمُحْرِمِ وَلَا مُمْتَنِعٍ ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ : حَتَّى أَصُومَ يَوْمًا .

( 6109 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا بِرِضَاك .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا بِغَيْرِ حِنْثٍ ، وَلِأَنَّهُ مُحْسِنٌ فِي كَوْنِهِ أَلْزَمَ نَفْسَهُ اجْتِنَابَ سَخَطِهَا .
وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ كُلُّ حَالٍ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ فِيهَا بِغَيْرِ حِنْثٍ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك مُكْرَهَةً ، أَوْ مَحْزُونَةً .
وَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُولِيًا .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك مَرِيضَةً .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، أَوْ لَا يَزُولُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .
فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لَهَا وَهِيَ صَحِيحَةٌ ، فَمَرِضَتْ مَرَضًا يُمْكِنُ بُرْؤُهُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ فِيهَا ، صَارَ مُولِيًا .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، صَارَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَائِضًا .
وَلَا نُفَسَاء ، وَلَا مُحْرِمَةً ، وَلَا صَائِمَةً .
وَنَحْوَ هَذَا ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ شَرْعًا ، فَقَدْ أَكَّدَ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ بِيَمِينِهِ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك طَاهِرًا .
أَوْ : لَا وَطِئْتُك وَطْئًا مُبَاحًا .
صَارَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ الَّذِي يُطَالِبُ بِهِ فِي الْفَيْئَةِ ، فَكَانَ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي قُبُلِك .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك لَيْلًا .
أَوْ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك نَهَارًا .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُمْكِنُ بِدُونِ الْحِنْثِ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ .
أَوْ : فِي هَذَا الْبَيْتِ .
أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْكِنَةِ الْمُعَيَّنَةِ ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا .
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالنُّعْمَانِ ، وَصَاحِبَيْهِ .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَإِسْحَاقُ : هُوَ مُولٍ ؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا .
وَلَنَا أَنَّهُ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا بِغَيْرِ حِنْثٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ .

( 6110 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا عَامًا ، ثُمَّ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ ، انْحَلَّ الْإِيلَاءُ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الْمُولِي يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ؟ قَالَ يَذْهَبُ عَنْهُ الْإِيلَاءُ ، وَلَا يُوقَفُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ ، وَذَهَبَ الْإِيلَاءُ حِينَ ذَهَبَتْ الْيَمِينُ .
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَمْنُوعًا مِنْ الْوَطْءِ بِيَمِينِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى .
فَإِنْ كَانَ تَكْفِيرُهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، انْحَلَّ الْإِيلَاءُ حِينَ التَّكْفِيرِ ، وَصَارَ كَالْحَالِفِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .
وَإِنْ كَفَّرَ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ وَقَبْلَ الْوُقُوفِ ، صَارَ كَالْحَالِفِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْهَا ، إذَا مَضَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ قَبْلَ وَقْفِهِ .

( 6111 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إنْ شَاءَ فُلَانٌ .
لَمْ يَصِرْ مُولِيًا حَتَّى يَشَاءَ ، فَإِذَا شَاءَ صَارَ مُولِيًا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْوَطْءِ حَتَّى يَشَاءَ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَشَاءَ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إنْ شِئْت .
فَكَذَلِكَ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ جَوَابًا لِكَلَامِهِ صَارَ مُولِيًا ، وَإِنْ أَخَّرَتْ الْمَشِيئَةَ ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لَهَا ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ ، كَقَوْلِهِ : اخْتَارِي فِي الطَّلَاقِ .
وَلَنَا أَنَّهُ عَلَّقَ الْيَمِينَ عَلَى الْمَشِيئَةِ بِحَرْفِ إنْ ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، كَمَشِيئَةِ غَيْرِهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا قُلْتُمْ : لَا يَكُونُ مُولِيًا ؛ فَإِنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ بِإِرَادَتِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : لَا وَطِئْتُك إلَّا بِرِضَاك .
قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّهَا إذَا شَاءَتْ ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ مَانِعَةً مِنْ وَطْئِهَا ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَطْءُ بِغَيْرِ حِنْثٍ .
وَإِذَا قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا بِرِضَاك .
فَمَا حَلَفَ إلَّا عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، وَهُوَ حَالُ سَخَطِهَا ، فَيُمْكِنُهُ الْوَطْءُ فِي الْحَالِ الْأُخْرَى بِغَيْرِ حِنْثٍ .
وَإِذَا طَالَبَتْهُ بِالْفَيْئَةِ ، فَهُوَ بِرِضَاهَا .
وَلَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَتَّى تَشَائِي .
فَهُوَ كَقَوْلِهِ : إلَّا بِرِضَاك .
وَلَا يَكُونُ مُولِيًا بِذَلِكَ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَبُوك .
أَوْ : فُلَانٌ .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِفِعْلٍ مِنْهُ يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ إمْكَانًا غَيْرَ بَعِيدٍ ، وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، وَلَا فِيهِ مَضَرَّةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا أَنْ تَدْخُلِي الدَّارَ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا أَنْ تَشَائِي .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : إلَّا بِرِضَاك .
أَوْ : حَتَّى

تَشَائِي .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ شَاءَتْ فِي الْمَجْلِسِ ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا ، وَإِلَّا صَارَ مُولِيًا .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ عَقِيبَ كَلَامِهِ ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا ، وَإِلَّا صَارَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْفَوْرِ ، وَقَدْ فَاتَتْ بِتَرَاخِيهَا .
وَقَالَ الْقَاضِي : تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ ، فَإِنْ شَاءَتْ انْحَلَّتْ ، وَإِلَّا فَهِيَ مُنْعَقِدَةٌ .
وَلَنَا أَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ بِيَمِينِهِ مِنْ وَطْئِهَا إلَّا عِنْدَ إرَادَتِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : إلَّا بِرِضَاك .
أَوْ : حَتَّى تَشَائِي .
وَلِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى وُجُودِ الْمَشِيئَةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ غَيْرِهَا .
فَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي : فَإِنْ أَرَادَ وُجُودَ الْمَشِيئَةِ عَلَى الْفَوْرِ .
فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ .
وَإِنْ أَرَادَ وُجُودَ الْمَشِيئَةِ عَلَى التَّرَاخِي ، تَنْحَلُ بِهِ الْيَمِينُ ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيلَاءً ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْيَمِينِ عَلَى فِعْلٍ يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، إمْكَانًا غَيْرَ بَعِيدٍ ، لَيْسَ بِإِيلَاءٍ .
وَاَللَّه أَعْلَمُ .

( 6112 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك .
فَهُوَ إيلَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك مُدَّةً .
أَوْ : لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لِجِمَاعِكِ .
وَنَوَى مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَهُوَ إيلَاءٌ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ بِنِيَّتِهِ .
وَإِنْ نَوَى مُدَّةً قَصِيرَةً ، لَمْ يَكُنْ إيلَاءً لِذَلِكَ .
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، لَمْ يَكُنْ إيلَاءً ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ لِلْكَثِيرِ .
فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِذَا مَضَتْ ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .
أَوْ : فَإِذَا مَضَتْ ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك شَهْرَيْنِ .
أَوْ : لَا وَطِئْتُك شَهْرَيْنِ ، فَإِذَا مَضَتْ ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .
فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : لَيْسَ بِمُولٍ ؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ بِكُلِّ يَمِينٍ عَلَى مُدَّةٍ نَاقِصَةٍ عَنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ إلَّا مُدَّتَهَا ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ يَمِينٍ عَقِيبَ مُدَّتِهَا مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ فِيهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا وَالثَّانِي ، يَصِيرُ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ الْوَطْءِ بِيَمِينِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُتَوَالِيَةٍ ، فَكَانَ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ مَنَعَهَا بِيَمِينِ وَاحِدَةٍ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بَعْدَ الْمُدَّةِ إلَّا بِحِنْثٍ فِي يَمِينِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا إيلَاءً ، أَفْضَى إلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الْوَطْءِ طُولَ دَهْرِهِ بِالْيَمِينِ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا .
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مُدَّتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ يَزِيدُ مَجْمُوعُهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ ، كَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةٍ ، أَوْ ثَلَاثَةٍ وَشَهْرَيْنِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّعْلِيلَيْنِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 6113 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ وَطِئْتُك ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْوَطْءِ حَقٌّ ، لَكِنْ إنْ وَطِئَهَا صَارَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى يَمِينًا تَمْنَعُ الْوَطْءَ عَلَى التَّأْبِيدِ .
وَهَذَا الصَّحِيحُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَحُكِيَ عَنْهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ ، أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ إلَّا بِأَنْ يَصِيرَ مُولِيًا ، فَيَلْحَقُهُ بِالْوَطْءِ ضَرَرٌ .
وَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، إنْ قَالَ : وَطِئْتُك فَوَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ وَطِئَهَا انْحَلَّ الْإِيلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَطْئِهَا بِيَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مُمْتَنِعًا بِالْيَمِينِ مِنْ دُخُولِ الدَّارِ .
وَلَنَا أَنَّ يَمِينَهُ مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطٍ ، فَفِيمَا قَبْلَهُ لَيْسَ بِحَالِفٍ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا .
وَكَوْنُهُ يَصِيرُ مُولِيًا ، لَا يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ بِالْحِنْثِ .
وَلَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً .
لَمْ يَصِرْ مُولِيًا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ مَتَى شَاءَ بِغَيْرِ حِنْثٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا مِنْ الْوَطْءِ بِحُكْمِ يَمِينِهِ ، فَإِذَا وَطِئَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، صَارَ مُولِيًا .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَفِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ ، يَكُونُ مُولِيًا فِي الِابْتِدَاءِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
وَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك سَنَةً إلَّا يَوْمًا .
فَكَذَلِكَ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ مُنَكَّرٌ ، فَلَمْ يَخْتَصَّ يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ : صُمْت رَمَضَانَ إلَّا يَوْمًا .
لَمْ يَخْتَصَّ الْيَوْمَ الْآخِرَ .
وَلَوْ قَالَ : لَا أُكَلِّمُك فِي السَّنَةِ إلَّا يَوْمًا .
لَمْ

يَخْتَصَّ يَوْمًا مِنْهَا .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَصِيرُ مُولِيًا فِي الْحَالِ .
وَهُوَ قَوْلُ زُفَرُ ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ الْمُسْتَثْنَى يَكُونُ مِنْ آخِرِ الْمُدَّةِ ، كَالتَّأْجِيلِ وَمُدَّةِ الْخِيَارِ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ : لَا وَطِئْتُك فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً ، فَإِنَّ الْمَرَّةَ لَا تَخْتَصُّ وَقْتًا بِعَيْنِهِ .
وَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ التَّأْجِيلِ وَمُدَّةِ الْخِيَارِ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّأْجِيلَ وَمُدَّةَ الْخِيَارِ ، تَجِبُ الْمُوَالَاةُ فِيهِمَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّلَهُمَا يَوْمٌ لَا أَجَلَ فِيهِ وَلَا خِيَارَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ فِي أَثْنَاءِ الْأَجْلِ ، لَزِمَ قَضَاءُ الدَّيْنِ ، فَيَسْقُطُ التَّأْجِيلُ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلَوْ لَزِمَ الْعَقْدُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ ، لَمْ يَعُدْ إلَى الْجَوَازِ ، فَتَعَيَّنَ جَعْلُ الْيَوْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ آخِرِ الْمُدَّةِ ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ ، فَإِنَّ جَوَازَ الْوَطْءِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ أَوْ أَوْسَطِهَا ، لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِ الْيَمِينِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ ، فَصَارَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ : لَا وَطِئْتُك فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 6114 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .
ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .
فَهُوَ إيلَاءٌ وَاحِدٌ ، حَلَفَ عَلَيْهِ بِيَمِينَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَامًا آخَرَ سِوَاهُ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .
ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك نِصْفَ عَامٍ .
أَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك نِصْفَ عَامٍ .
ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .
دَخَلَتْ الْمُدَّةُ الْقَصِيرَةُ فِي الطَّوِيلَةِ ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُهَا ، وَلَمْ يَجْعَلْ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ ، أَوْ أَقَرَّ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ ، فَيَكُونُ إيلَاءً وَاحِدًا ، لَهُمَا وَقْتُ وَاحِدٌ ، وَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .
وَإِنْ نَوَى بِإِحْدَى الْمُدَّتَيْنِ غَيْرَ الْأُخْرَى فِي هَذِهِ أَوْ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، أَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .
ثُمَّ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا آخَرَ .
أَوْ : نِصْفَ عَامٍ آخَرَ .
أَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا ، فَإِذَا مَضَى فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .
فَهُمَا إيلَاءَانِ فِي زَمَانَيْنِ ، لَا يَدْخُلُ حُكْمُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ ، أَحَدُهُمَا مُنَجَّزٌ ، وَالْآخَرُ مُتَأَخِّرٌ ، فَإِذَا مَضَى حُكْمُ أَحَدِهِمَا ، بَقِيَ حُكْمُ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِزَمَنٍ غَيْرِ زَمَنِ صَاحِبِهِ ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمٌ يَنْفَرِدُ بِهِ .
فَإِنْ قَالَ فِي الْمُحَرَّمِ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك هَذَا الْعَامَ .
ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا مِنْ رَجَبٍ إلَى تَمَامِ اثْنَيْ عَشْرَ شَهْرًا .
أَوْ قَالَ فِي الْمُحَرَّمِ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .
ثُمَّ قَالَ فِي رَجَبٍ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .
فَهُمَا إيلَاءَانِ فِي مُدَّتَيْنِ ، بَعْضُ إحْدَاهُمَا دَاخِلٌ فِي الْأُخْرَى .
فَإِنْ فَاءَ فِي رَجَبٍ ، أَوْ فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْعَامِ الْأَوَّلِ ، حَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ ، وَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَيَنْقَطِعُ حُكْمُ الْإِيلَاءَيْنِ .
وَإِنْ فَاءَ قَبْلَ رَجَبٍ ، أَوْ بَعْدَ الْعَامِ

الْأَوَّلِ ، حَنِثَ فِي إحْدَى الْيَمِينَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى .
وَإِنْ فَاءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ .

( 6115 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ : وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُنَّ .
انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ الْحِنْثُ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا ، فَإِنْ قُلْنَا : يَحْنَثُ .
فَهُوَ مُولٍ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ حِنْثٍ ، فَصَارَ مَانِعًا لِنَفْسِهِ مِنْ وَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي الْحَالِ ، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ ، حَنِثَ ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ ، وَزَالَ الْإِيلَاءُ مِنْ الْبَوَاقِي .
وَإِنْ طَلُقَ بَعْضُهُنَّ أَوْ مَاتَ ، لَمْ يَنْحَلَّ الْإِيلَاءُ فِي الْبَوَاقِي .
وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْهُنَّ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ وَطْءُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ نَفْسَهُ بِيَمِينِهِ مِنْ وَطْئِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْهَا .
فَإِنْ وَطِئَ ثَلَاثًا ، صَارَ مُولِيًا مِنْ الرَّابِعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ فِي يَمِينِهِ .
وَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُنَّ ، أَوْ طَلَّقَهَا ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ ، وَزَالَ الْإِيلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِوَطْئِهِنَّ ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِوَطْءِ الْأَرْبَعِ .
فَإِنْ رَاجَعَ الْمُطَلَّقَةَ ، أَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا ، عَادَ حُكْمُ يَمِينِهِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّا إذَا قُلْنَا : يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ .
فَوَطِئَ وَاحِدَةً ، حَنِثَ ، وَلَمْ يَنْحَلَّ الْإِيلَاءُ فِي الْبَوَاقِي ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ مِنْ امْرَأَةٍ لَا يَنْحَلُّ بِوَطْءِ غَيْرِهَا .
وَلَنَا أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ حَنِثَ فِيهَا ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْحَلَّ ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا وَطِئَ وَاحِدَةً حَنِثَ ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِوَطْءِ الْبَاقِيَاتِ شَيْءٌ ، فَلَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَطْئِهِنَّ بِحُكْمِ يَمِينِهِ ، فَانْحَلَّ الْإِيلَاءُ ، كَمَا لَوْ كَفَّرَهَا .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُنَّ حَتَّى يَطَأَ ثَلَاثًا ، فَيَصِيرَ مُولِيًا مِنْ الرَّابِعَةِ .
وَحَكَى الْمُزَنِيّ ، عَنْ

الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ، يُوقَفُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ، فَإِذَا أَصَابَ بَعْضَهُنَّ ، خَرَجَتْ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ ، وَيُوقَفُ لِمَنْ بَقِيَ حَتَّى يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ ، وَلَا يَحْنَثُ حَتَّى يَطَأَ الْأَرْبَعَ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ، فَإِنْ تَرَكَهُنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، بِنَّ مِنْهُ جَمِيعًا بِالْإِيلَاءِ ، وَإِنْ وَطِئَ بَعْضَهُنَّ ، سَقَطَ الْإِيلَاءُ فِي حَقِّهَا ، وَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِوَطْئِهِنَّ جَمِيعًا .
وَلَنَا ، أَنَّ مَنْ لَا يَحْنَثُ بِوَطْئِهَا ، لَا يَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا ، كَاَلَّتِي لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهَا .

( 6116 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْت وَاحِدَةً مِنْكُنَّ .
وَنَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهَا وَحْدَهَا ، وَصَارَ مُولِيًا مِنْهَا دُونَ غَيْرِهَا .
وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مُبْهَمَةً مِنْهُنَّ ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا مِنْهُنَّ فِي الْحَالِ ، فَإِذَا وَطِئَ ثَلَاثًا ، كَانَ مُولِيًا مِنْ الرَّابِعَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَخْرُجَ الْمُولَى مِنْهَا بِالْقُرْعَةِ ، كَالطَّلَاقِ إذَا أَوْقَعَهُ فِي مُبْهَمَةٍ مِنْ نِسَائِهِ .
وَإِنْ أَطْلَقَ ، صَارَ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إلَّا بِالْحِنْثِ ، فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ ، أَوْ مَاتَتْ ، كَانَ مُولِيًا مِنْ الْبَوَاقِي .
وَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ ، حَنِثَ وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ .
وَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي الْبَاقِيَاتِ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، فَإِذَا حَنِثَ فِيهَا مَرَّةً ، لَمْ يَحْنَثْ مَرَّةً ثَانِيَةً .
وَلَا يَبْقَى حُكْمُ الْيَمِينِ بَعْدَ حِنْثِهِ فِيهَا ، بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ مَاتَتْ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ ، فَبَقِيَ حُكْمُ يَمِينِهِ فِي مَنْ بَقِيَ مِنْهُنَّ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ ، كَانَ الْإِيلَاءُ فِي وَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ تَنَاوَلَ وَاحِدَةً مُنْكَرَةً ، فَلَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ .
وَلَنَا أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ ، كَقَوْلِهِ { : مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً } .
وَقَوْلِهِ { : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } .
وَقَوْلِهِ { : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } .
وَلَوْ قَالَ إنْسَانٌ : وَاَللَّهِ لَا شَرِبْت مَاءً مِنْ إدَاوَةٍ .
حَنِثَ بِالشُّرْبِ مِنْ أَيِّ إدَاوَةٍ كَانَتْ ، فَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى مُقْتَضَاهُ فِي الْعُمُومِ .
وَإِنْ قَالَ : نَوَيْتُ وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً ، أَوْ وَاحِدَةً مُبْهَمَةً .
قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا غَيْرَ بَعِيدٍ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا

أَبْهَمَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا ، فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَهَا بِقَوْلِهِ .
وَأَصْلُ هَذَا مَذْكُورٌ فِي الطَّلَاقِ .

( 6117 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ .
صَارَ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ فِي الْحَالِ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ : نَوَيْت وَاحِدَةً مِنْهُنَّ مُعَيَّنَةً ، وَلَا مُبْهَمَةً ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ كُلِّ أَزَالَتْ احْتِمَالَ الْخُصُوصِ ، وَمَتَى حَنِثَ فِي الْبَعْضِ ، انْحَلَّ الْإِيلَاءُ فِي الْجَمِيعِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .
وَقَالَ الْقَاضِي ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا تَنْحَلُّ فِي الْبَاقِيَاتِ .
وَلَنَا أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ حَنِثَ فِيهَا ، فَسَقَطَ حُكْمُهَا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى وَاحِدَةٍ ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ الْوَاحِدَةَ إذَا حَنِثَ فِيهَا مَرَّةً ، لَمْ يُمْكِنْ الْحِنْثُ فِيهَا مَرَّةً أُخْرَى ، فَلَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَطْءِ الْبَاقِيَاتِ بِحُكْمِ الْيَمِينِ ، فَلَمْ يَبْقَ الْإِيلَاءُ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ الَّتِي حَنِثَ فِيهَا ، وَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي قُلْنَا بِكَوْنِهِ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ إذَا طَالَبْنَ كُلُّهُنَّ بِالْفَيْئَةِ ، وُقِفَ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ ، وَإِنْ طَالَبْنَ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُوقَفُ لِلْجَمِيعِ وَقْتَ مُطَالَبَةِ أُولَاهُنَّ .
قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .
وَالثَّانِيَةُ ، يُوقَفُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عِنْدَ مُطَالَبَتِهَا .
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، فَإِذَا وُقِفَ لِلْأُولَى ، وَطَلَّقَهَا وَوُقِفَ لِلثَّانِيَةِ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا ، وُقِفَ لِلثَّالِثَةِ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا ، وُقِفَ لِلرَّابِعَةِ .
وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ مِنْهُنَّ ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ وَقْفِهِ لِلْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمْ تَنْحَلَّ ، وَإِيلَاؤُهُ بَاقٍ ؛ لِعَدَمِ حِنْثِهِ فِيهِنَّ .
وَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُنَّ حِينَ وُقِفَ لَهَا ، أَوْ قَبْلَهُ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ ، وَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي الْبَاقِيَاتِ ، عَلَى مَا قُلْنَاهُ .
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، وَمَنْ وَافَقَهُ يُوقَفُ لِلْبَاقِيَاتِ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ الَّتِي وُقِفَ لَهَا .

( 6118 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا وَطِئْت وَاحِدَةً مِنْكُنَّ فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ .
فَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ هَذَا بِإِيلَا .
فَلَا كَلَامَ .
وَإِنْ قُلْنَا : هُوَ إيلَاءٌ .
فَهُوَ مُولٍ مِنْهُنَّ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إلَّا بِطَلَاقِ ضَرَائِرِهَا ، فَيُوقَفُ لَهُنَّ ، فَإِنْ فَاءَ إلَى وَاحِدَةٍ ، طَلَّقَ ضَرَائِرَهَا ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، انْحَلَّ الْإِيلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَمْنُوعًا مِنْ وَطْئِهَا بِحُكْمِ يَمِينِهِ .
وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا ، فَرَاجَعَهُنَّ ، بَقِيَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي حَقّهنَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ إلَّا بِطَلَاقِ ضَرَائِرِهَا .
وَكَذَلِكَ إنْ رَاجَعَ بَعْضَهُنَّ لِذَلِكَ ، إلَّا أَنَّ الْمُدَّةَ تُسْتَأْنَفُ مِنْ حِينِ الرَّجْعَةِ .
وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، فَعَادَ فَتَزَوَّجَهُنَّ ، أَوْ تَزَوَّجَ بَعْضَهُنَّ ، عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ ، وَاسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ النِّكَاحِ .
وَسَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي الْعِدَّةِ ، أَوْ بَعْدَهَا ، أَوْ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَإِصَابَةٍ ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ .
وَإِنْ قَالَ : نَوَيْتُ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا .
قُبِلَ مِنْهُ ، وَتَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهَا ، فَإِذَا وَطِئَهَا طَلَّقَ ضَرَائِرَهَا ، وَإِنْ وَطِئَ غَيْرَهَا ، لَمْ يُطَلَّقْ مِنْهُنَّ شَيْءٌ ، وَيَكُونُ مُولِيًا مِنْ الْمُعَيَّنَةِ دُونَ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي يَلْزَمُهُ بِوَطْئِهَا الطَّلَاقُ دُونَ غَيْرِهَا .

( 6119 ) فَصْلٌ : الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ .
وَلَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي الدُّبُرِ .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْوَطْءَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ ، وَلَا تَتَضَرَّرُ الْمَرْأَةُ بِتَرْكِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ ، وَقَدْ أَكَّدَ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ بِيَمِينِهِ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك دُونَ الْفَرْجِ .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْوَطْءِ الَّذِي يُطَالَبُ بِهِ فِي الْفَيْئَةِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي تَرْكِهِ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك إلَّا جِمَاعَ سَوْءٍ .
سُئِلَ عَمَّا أَرَادَ فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ الْجِمَاعَ فِي الدُّبُرِ .
فَهُوَ مُولٍ ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ .
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ أَرَدْتُ أَنْ لَا أَطَأَهَا إلَّا دُونَ الْفَرْجِ .
وَإِنْ قَالَ : أَرَدْتُ جِمَاعًا ضَعِيفًا ، لَا يَزِيدُ عَلَى الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي الْفَيْئَةِ بِغَيْرِ حِنْثٍ .
وَإِنْ قَالَ : أَرَدْتُ وَطْئًا لَا يَبْلُغُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ .
فَهُوَ مُولٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي الْفَيْئَةِ بِغَيْرِ حِنْثٍ .
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ ، فَلَيْسَ بِمُولٍ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ مَا يَكُونُ بِهِ مُولِيًا .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك جِمَاعَ سَوْءٍ .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ ، إنَّمَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ صِفَتِهِ الْمَكْرُوهَةِ .

( 6120 ) فَصْلٌ : الشَّرْطُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَكُونَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا امْرَأَةً ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } .
وَلِأَنَّ غَيْرَ الزَّوْجَةِ لَا حَقَّ لَهَا فِي وَطْئِهِ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا ، كَالْأَجْنَبِيَّةِ .
فَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ أَمَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ ، ثُمَّ نَكَحَهَا ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِذَلِكَ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَصِيرُ مُولِيًا إذَا بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ يَمِينِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ بِحُكْمِ يَمِينِهِ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ ، فَكَانَ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ فِي الزَّوْجِيَّةِ .
وَحُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، أَنَّهُ إنْ مَرَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا .
وَإِنْ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ ، فَوَاَللَّهِ لَا قَرَبْتُهَا .
صَارَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْيَمِينَ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ بَعْدَ تَزْوِيجِهَا .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } .
وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ ، وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ كَالطَّلَاقِ وَالْقَسَمِ ، وَلِأَنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ لَهُ لِقَصْدِهِ الْإِضْرَارَ بِهَا بِيَمِينِهِ ، وَإِذَا كَانَتْ الْيَمِينُ قَبْلَ النِّكَاحِ ، لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لِلْإِضْرَارِ ، فَأَشْبَهَ الْمُمْتَنِعَ بِغَيْرِ يَمِينٍ .
قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : يَصِحُّ الظِّهَارُ قَبْلَ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ .
فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ يَصِحُّ الْإِيلَاءُ قَبْلَ النِّكَاحِ .
وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .

( 6121 ) فَصْلٌ : فَإِنْ آلَى مِنْ الرَّجْعِيَّةِ ، صَحَّ إيلَاؤُهُ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ ، أَنَّ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقْطَعُ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ إذَا طَرَأَ ، فَلَأَنْ يَمْنَعَ صِحَّتَهُ ابْتِدَاءً أَوْلَى .
وَلَنَا ، أَنَّهَا زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ ، فَصَحَّ إيلَاؤُهُ مِنْهَا ، كَغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ .
وَإِذَا آلَى مِنْهَا احْتَسَبَ بِالْمُدَّةِ مِنْ حِينِ آلَى ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ .
ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنْ لَا يُحْتَسَبَ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ إلَّا مِنْ حِينِ رَاجَعَهَا ، لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إذَا طَرَأَ قَطَعَ الْمُدَّةَ ، ثُمَّ لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ قَبْلَ رَجْعَتِهَا ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَأْنِفَ الْمُدَّةَ فِي الْعِدَّةِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ مَنْ صَحَّ إيلَاؤُهُ ، اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ مِنْ حِينِ إيلَائِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُطَلَّقَةً ، وَلِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ ، فَاحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ فِيهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا .
وَفَارَقَ الْبَائِنَ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً ، وَلَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْهَا بِحَالٍ ، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّات .

( 6122 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً ، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } .
وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ زَوْجَةٌ ، فَصَحَّ الْإِيلَاءُ مِنْهَا كَالْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ .
وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ .
وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ : إنَّمَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ بَعْدَ الدُّخُولِ .
وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ وَالْمَعْنَى ، لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِمَاعِ زَوْجَتِهِ بِيَمِينِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا بَعْدَ الدُّخُولِ .
وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ الْمَجْنُونَةِ وَالصَّغِيرَةِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالْفَيْئَةِ فِي الصِّغَرِ وَالْجُنُونِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْمُطَالَبَةِ .
فَأَمَّا الرَّتْقَاءُ وَالْقَرْنَاءُ ، فَلَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُتَعَذِّرٌ دَائِمًا ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ عَلَى تَرْكِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَصْعَدُ السَّمَاءَ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ، وَتُضْرَبَ لَهُ الْمُدَّةُ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ بِسَبَبِ مِنْ جِهَتِهَا ، فَهِيَ كَالْمَرِيضَةِ .
فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَفِيءَ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ ؛ لِأَنَّ الْفَيْئَةَ بِالْوَطْءِ فِي حَقِّهَا مُتَعَذِّرَةٌ ، فَلَا تُمْكِنُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَجْبُوبَ .

( 6123 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ عَلَى الْوَطْءِ .
وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ ، فَلَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُمَا ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُمَا ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَجِبُ بِمُخَالَفَتِهِ كَفَّارَةٌ أَوْ حَقٌّ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ مِنْهُمَا كَالنَّذْرِ .
وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الْوَطْءِ ، فَإِنْ كَانَ لِعَارِضٍ مَرْجُوٍّ زَوَالُهُ كَالْمَرَضِ وَالْحَبْسِ ، صَحَّ إيلَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ ، فَصَحَّ مِنْهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ كَالْجُبِّ وَالشَّلَلِ ، لَمْ يَصِحَّ إيلَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى تَرْكِ مُسْتَحِيلٍ ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْلِبَ الْحِجَارَةَ ذَهَبًا ، وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْيَمِينُ الْمَانِعَةُ مِنْ الْوَطْءِ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ يَمِينُهُ ، فَإِنَّهُ مُتَعَذَّرٌ مِنْهُ ، وَلَا تَضُرُّ الْمَرْأَةَ يَمِينُهُ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ الْإِيلَاءُ مِنْهُ قِيَاسًا عَلَى الْعَاجِزِ بِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
فَأَمَّا الْخَصِيُّ الَّذِي سُلَّتْ بَيْضَتَاهُ ، أَوْ رُضَّتْ ، فَيُمْكِنُ مِنْهُ الْوَطْءُ ، وَيُنْزِلُ مَاءً رَقِيقًا فَيَصِحُّ إيلَاؤُهُ .
وَكَذَلِكَ الْمَجْبُوبُ الَّذِي بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ مَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ .

( 6124 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ إيلَاءُ الذِّمِّيِّ وَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ إذَا تَقَاضَوْا إلَيْنَا .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَإِنْ أَسْلَمَ ، لَمْ يَنْقَطِعْ حُكْمُ إيلَائِهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أَسْلَمَ ، سَقَطَ حُكْمُ يَمِينِهِ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إذَا جَامَعَ ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ ، فَهُوَ مُولٍ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُهُ وَطَلَاقُهُ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } .
وَلِأَنَّهُ مَانِعٌ نَفْسَهُ بِالْيَمِينِ مِنْ جِمَاعِهَا ، فَكَانَ مُولِيًا كَالْمُسْلِمِ ، وَلِأَنَّ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ ، صَحَّ إيلَاؤُهُ ، كَالْمُسْلِمِ ، وَمَنْ صَحَّتْ يَمِينُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، صَحَّ إيلَاؤُهُ كَالْمُسْلِمِ .

( 6125 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِيلَاءِ الْغَضَبُ ، وَلَا قَصْدُ الْإِضْرَارِ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ .
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيَّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَيْسَ فِي إصْلَاحٍ إيلَاءٌ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إنَّمَا الْإِيلَاءُ فِي الْغَضَبِ .
وَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : مَنْ حَلَفَ لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهُ ، لَا يَكُونُ إيلَاءً ، إذَا أَرَادَ الْإِصْلَاحَ لِوَلَدِهِ .
وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ ، مَانِعٌ نَفْسَهُ عَنْ جِمَاعِهَا بِيَمِينِهِ فَكَانَ مُولِيًا ، كَحَالِ الْغَضَبِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ حُكْمَ الْإِيلَاءِ يَثْبُتُ لِحَقِّ الزَّوْجَةِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ سَوَاءٌ قَصَدَ الْإِضْرَارَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ، كَاسْتِيفَاءِ دُيُونِهَا ، وَإِتْلَافِ مَالِهَا ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ وَسَائِرَ الْأَيْمَانِ سَوَاءٌ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى ، فَكَذَلِكَ الْإِيلَاءُ ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الْيَمِينِ فِي الْكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِيلَاءِ .
وَأَمَّا إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهُ ، فَإِنْ أَرَادَ وَقْتَ الْفِطَامِ ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَهُوَ مُولٍ ، وَإِنْ أَرَادَ فِعْلَ الْفِطَامِ ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، وَلَا فِيهِ تَفْوِيتُ حَقٍّ لَهَا ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَطَأهَا حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ .

( 6126 ) فَصْلٌ : فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مُولِيًا ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا - مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ وَالْبَاطِنِ جَمِيعًا ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ قَوْلُهُ : وَاَللَّهِ لَا آتِيك ، وَلَا أُدْخِلُ ، وَلَا أُغَيِّبُ أَوْ أُولِجُ ذَكَرِي فِي فَرْجِكِ .
وَلَا افْتَضَضْتُك .
لِلْبِكْرِ خَاصَّةً ، فَهَذِهِ صَرِيحَةٌ ، وَلَا يُدَيَّنْ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الْإِيلَاءِ .
الْقِسْمُ الثَّانِي ، صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ ، وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهِيَ عَشَرَةُ أَلْفَاظٍ : لَا وَطِئْتُك ، وَلَا جَامَعْتُك ، وَلَا أَصَبْتُك ، وَلَا بَاشَرْتُك ، وَلَا مَسِسْتُك ، وَلَا قَرَبْتُك ، وَلَا أَتَيْتُك ، وَلَا بَاضَعْتُكِ ، وَلَا بَاعَلْتُكِ ، وَلَا اغْتَسَلْتُ مِنْك .
فَهَذِهِ صَرِيحَةٌ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْعُرْفِ فِي الْوَطْءِ .
وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِبَعْضِهَا فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ { : وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } .
وَقَالَ { : وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } .
وَقَالَ تَعَالَى { : مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } .
وَأَمَّا الْجِمَاعُ وَالْوَطْءُ ، فَهُمَا أَشْهَرُ الْأَلْفَاظِ فِي الِاسْتِعْمَالِ ، فَلَوْ قَالَ : أَرَدْتُ بِالْوَطْءِ الْوَطْءَ بِالْقَدَمِ ، وَبِالْجِمَاعِ اجْتِمَاعَ الْأَجْسَامِ ، وَبِالْإِصَابَةِ الْإِصَابَةَ بِالْيَدِ .
دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَالْعُرْفِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا عَدَا الْوَطْءَ وَالْجِمَاعَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ .
وَقَالَ فِي : لَا بَاضَعْتُكِ : لَيس بِصَرِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْتِقَاءِ الْبَضْعَتَيْنِ ، الْبَضْعَةُ مِنْ الْبَدَنِ بِالْبَضْعَةِ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي } .
وَلَنَا أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوَطْءِ عُرْفًا ، وَقَدْ

وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ ، فَكَانَ صَرِيحًا ، كَلَفْظِ الْوَطْءِ وَالْجِمَاعِ ، وَكَوْنُهُ حَقِيقَةً فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ يَبْطُلُ بِلَفْظَةِ الْوَطْءِ وَالْجِمَاعِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَارَقْتُك ، وَسَرَّحْتُك .
فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : هِيَ صَرِيحَةٌ فِي الطَّلَاقِ ، مَعَ كَوْنِهَا حَقِيقَةً فِي غَيْرِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : بَاضَعْتُكِ .
فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَضْعِ ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ فِي غَيْرِ الْوَطْءِ ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا مِنْ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، مَا لَا يَكُونُ إيلَاءً إلَّا بِالنِّيَّةِ ، وَهُوَ مَا عَدَا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ ، مِمَّا يَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا يَجْمَعُ رَأْسِي وَرَأْسَكِ شَيْءٌ .
لَا سَاقَفَ رَأْسِي رَأْسَك .
لَأَسُوأَنَّكِ .
لَأَغِيظَنَّكِ .
لَتَطُولَنَّ غَيْبَتِي عَنْكِ .
لَا مَسَّ جِلْدِي جِلْدَكِ .
لَا قَرَبْتُ فِرَاشَك .
لَا آوَيْتُ مَعَك .
لَا نِمْتُ عِنْدَك .
فَهَذِهِ إنْ أَرَادَ بِهَا الْجِمَاعَ ، وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ ، كَانَ مُولِيًا ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَيْسَتْ ظَاهِرَةً فِي الْجِمَاعِ ، كَظُهُورِ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَلَمْ يَرِدْ النَّصُّ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى مَا يُفْتَقَرُ فِيهِ إلَى نِيَّةِ الْجِمَاعِ وَالْمُدَّةِ مَعًا ، وَهِيَ قَوْلُهُ : لَأَسُوأَنَّكِ ، وَلَأَغِيظَنَّكِ ، وَلَتَطُولَنَّ غَيْبَتِي عَنْك .
فَلَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَنْوِيَ تَرْكَ الْجِمَاعِ فِي مُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّ غَيْظَهَا يَكُونُ بِتَرْكِ الْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ ، وَفِي سَائِرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يَكُونُ مُولِيًا بِنِيَّةِ الْجِمَاعِ فَقَطْ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لَجِمَاعِك ، أَوْ لِوَطْئَتِكِ ، أَوْ لِإِصَابَتِكِ .
فَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَرْكِ الْجِمَاعِ ، وَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمُدَّةِ دُونَ نِيَّةِ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك إلَّا جِمَاعًا ضَعِيفًا .

لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ جِمَاعًا لَا يَبْلُغُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَدْخَلْتُ جَمِيعَ ذَكَرِي فِي فَرْجِك .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْفَيْئَةُ ، يَحْصُلُ بِدُونِ إيلَاجِ جَمِيعِ الذَّكَرِ .
وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَوْلَجْتُ حَشَفَتِي فِي فَرْجِك .
كَانَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الْفَيْئَةَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ .

( 6127 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ لِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك .
ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى : أَشْرَكْتُك مَعَهَا .
لَمْ يَصِرْ مُولِيًا مِنْ الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِلَفْظِ صَرِيحٍ مِنْ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ ، وَالتَّشْرِيكُ بَيْنَهُمَا كِنَايَةٌ ، فَلَمْ تَصِحَّ بِهِ الْيَمِينُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُمَا .
وَإِنْ قَالَ : إنْ وَطِئْتُك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .
ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى : أَشْرَكْتُك مَعَهَا .
وَنَوَى ، فَقَدْ صَارَ طَلَاقُ الثَّانِيَةِ مُعَلَّقًا عَلَى وَطْئِهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَصِحُّ بِالْكِنَايَةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : إنَّ ذَلِكَ إيلَاءٌ فِي الْأُولَى .
صَارَ إيلَاءً فِي الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي مَعْنَاهَا ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا .
وَكَذَلِكَ لَوْ آلَى رَجُلٌ مِنْ زَوْجَتِهِ ، فَقَالَ آخَرُ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ مِثْلُ فُلَانَةَ .
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : هُوَ مُولٍ .
وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَسَمِ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُشْبِهَا بِهَا .

( 6128 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ بِكُلِّ لُغَةٍ مِنْ الْعَجَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، مِمَّنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ ، وَمِمَّنْ لَا يُحْسِنُهَا ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَتَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ .
وَالْمُولِي هُوَ الْحَالِفُ بِاَللَّهِ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ ، الْمُمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ .
فَإِنْ آلَى بِالْعَجَمِيَّةِ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا ، وَهُوَ لَا يَدْرِي مَعْنَاهَا ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، وَإِنْ نَوَى مُوجِبَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا .
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا آلَى بِالْعَرَبِيَّةِ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ قَصْدُ الْإِيلَاءِ بِلَفْظٍ لَا يَدْرِي مَعْنَاهُ .
فَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَعْرِفَتِهِ بِذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إذَا كَانَ مُتَكَلِّمًا بِغَيْرِ لِسَانِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِهَا .
فَأَمَّا إنْ آلَى الْعَرَبِيُّ بِالْعَرَبِيَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : جَرَى عَلَى لِسَانِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ .
أَوْ قَالَ ذَلِكَ الْعَجَمِيُّ فِي إيلَائِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ ، لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ .

( 6129 ) فَصْلٌ : وَمُدَّةُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ سَوَاءٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ ، وَالْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ ، وَالصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ مُدَّةَ إيلَاءِ الْعَبِيدِ شَهْرَانِ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .
وَقَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى النِّصْفِ فِي الطَّلَاقِ ، وَعَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ ، فَكَذَلِكَ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ : إيلَاؤُهُ مِنْ الْأَمَةِ شَهْرَانِ ، وَمِنْ الْحُرَّةِ أَرْبَعَةٌ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إيلَاءُ الْأَمَةِ نِصْفُ إيلَاءِ الْحُرَّةِ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ عِنْدَهُ ، فَاخْتُلِفَ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَثْبُتُ ابْتِدَاؤُهَا بِقَوْلِ الزَّوْجِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَلِفَ بِرِقِّ الْمَرْأَةِ وَحُرِّيَّتِهَا ، كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ .
وَلَنَا ، عُمُومُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِلْوَطْءِ ، فَاسْتَوَى فِيهَا الرِّقُّ وَالْحُرِّيَّةُ ، كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ تَتَعَلَّقُ بِهَا ، ثُمَّ يَبْطُلُ ذَلِكَ بِمُدَّةِ الْعُنَّةِ ، وَيُخَالِفُ مُدَّةَ الْعِدَّةِ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَمَالِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَحْصُلُ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ ، وَأَمَّا مُدَّةُ الْإِيلَاءِ فَإِنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِالْحُرَّةِ أَكْثَرُ ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَتَقَدَّمَ مُطَالَبَتُهَا مُطَالَبَةَ الْأَمَةِ ، وَالْحَقُّ عَلَى الْحُرِّ فِي الِاسْتِمْتَاعِ - أَكْثَرُ مِنْهُ عَلَى الْعَبْدِ ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي مُطَالَبَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ .

( 6130 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَرَافَعَتْهُ ، أُمِرَ بِالْفَيْئَةِ ، وَالْفَيْئَةُ الْجِمَاعُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَوْلَى يَتَرَبَّصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، كَمَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى ، وَلَا يُطَالَبُ فِيهِنَّ ، فَإِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَرَافَعَتْهُ امْرَأَتُهُ إلَى الْحَاكِمِ ، وَقَفَهُ ، وَأَمَرَهُ بِالْفَيْئَةِ ، فَإِنْ أَبَى أَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ ، وَلَا تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ بِنَفْسِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي الْإِيلَاءِ : يُوقَفُ ، عَنْ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ عَنْ عُمَرَ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَعَنْ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ وَجَعَلَ يُثْبِتُ حَدِيثَ عَلِيٍّ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ .
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : كَانَ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوقِفُونَ فِي الْإِيلَاءِ .
وَقَالَ سُهَيْلُ بْن أَبِي صَالِحٍ : سَأَلْت اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، حَتَّى يَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، فَيُوقَفُ ، فَإِنْ فَاءَ ، وَإِلَّا طَلَّقَ .
وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَقَبِيصَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيَّ ، تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ .
وَيُحْكَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ { : فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
وَلِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ ضُرِبَتْ

لِاسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ مِنْهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَيْئَةَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ؛ لِذِكْرِهِ الْفَيْئَةَ بَعْدَهَا بِالْفَاءِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّعْقِيبِ ، ثُمَّ قَالَ { : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
وَلَوْ وَقَعَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى عَزْمٍ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ { : سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يَقْتَضِي أَنَّ الطَّلَاقَ مَسْمُوعٌ ، وَلَا يَكُونُ الْمَسْمُوعُ إلَّا كَلَامًا ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لَهُ تَأْجِيلًا ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُطَالَبَةَ فِيهَا ، كَسَائِرِ الْآجَالِ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا إيقَاعٌ ، فَلَا يَتَقَدَّمُهَا وُقُوعٌ ، كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ .
وَمُدَّةُ الْعُنَّةِ حُجَّةٌ لَنَا ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا بِمُضِيِّهَا ، وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْعُنَّةِ ضُرِبَتْ لَهُ لِيُخْتَبَرَ فِيهَا ، وَيُعْرَفَ عَجْزُهُ عَنْ الْوَطْءِ بِتَرْكِهِ فِي مُدَّتِهَا ، وَهَذِهِ ضُرِبَتْ تَأْخِيرًا لَهُ وَتَأْجِيلًا ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ إلَّا بَعْدَ مُضِيَّ الْأَجَلِ ، كَالدَّيْنِ .

( 6131 ) فَصْلٌ : وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْيَمِينِ ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى ضَرْبٍ ، كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ .
وَلَا يُطَالَبُ بِالْوَطْءِ فِيهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، فَإِنْ وَطِئَهَا فِيهَا فَقَدْ عَجَّلَ حَقَّهَا قَبْلَ مَحِلَّهُ ، وَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ ، كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ دَفَعَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ .
وَهَكَذَا إنْ وَطِئَ بَعْدَ الْمُدَّةِ ، قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ أَوْ بَعْدَهَا ، خَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ .
وَسَوَاءٌ وَطِئَهَا وَهِيَ عَاقِلَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ ، أَوْ يَقْظَانَةُ أَوْ نَائِمَةٌ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ وَطِئَهَا وَهُوَ مَجْنُونٌ ، لَمْ يَحْنَثْ .
ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَحْنَثُ ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، وَالْقَلَمُ عَنْهُ مَرْفُوعٌ ، وَيَخْرُجُ بِوَطْئِهِ عَنْ الْإِيلَاءِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا ، وَحَصَلَ مِنْهُ فِي حَقِّهَا مَا يَحْصُلُ مِنْ الْعَاقِلِ ، وَإِنَّمَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ .
ذَكَرَ هَذَا ابْنُ حَامِدٍ .
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيَّ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى مُولِيًا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا وَطِئَ بَعْدَ إفَاقَتِهِ ، تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ الْأَوَّلَ مَا حَنِثَ بِهِ ، وَإِذَا بَقِيَتْ يَمِينُهُ ، بَقِيَ الْإِيلَاءُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطَأْ .
وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَأْنَفَ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ مِنْ حِينِ وَطِئَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُطَالَبَ بِالْفَيْئَةِ مَعَ وُجُودِهَا مِنْهُ ، وَلَا يُطَلَّقُ عَلَيْهِ ؛ لِانْتِفَائِهَا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ ، وَلَكِنْ تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةٌ لِبَقَاءِ حُكْمِ يَمِينِهِ .
وَقِيلَ : تُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ إذَا عَقَلَ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ بِحُكْمِ يَمِينِهِ .
وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ : قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا ، فَلَمْ يَبْقَ الْإِيلَاءُ ،

كَمَا لَوْ حَنِثَ ، وَلَا يَمْتَنِعُ انْتِفَاءُ الْإِيلَاءِ مَعَ الْيَمِينِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ أَجْنَبِيَّةً ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا .

( 6132 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ الْعَاقِلُ نَاسِيًا لِيَمِينِهِ ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
فَإِنْ قُلْنَا : يَحْنَثُ .
انْحَلَّ إيلَاؤُهُ ، وَذَهَبَتْ يَمِينُهُ .
وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَحْنَثُ .
فَهَلْ يَنْحَلُّ إيلَاؤُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، قِيَاسًا عَلَى الْمَجْنُونِ .
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَا إذَا آلَى مِنْ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ ، ثُمَّ وَجَدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ ، فَظَنَّهَا الْأُخْرَى ، فَوَطِئَهَا ؛ لِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِهَا ، وَالْجَاهِلُ كَالنَّاسِي فِي الْحِنْثِ .
وَكَذَلِكَ إنْ ظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً فَبَانَتْ زَوْجَتَهُ .
وَإِنْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ .
وَهَلْ يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، يَخْرُجُ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَصَلَتْ إلَى حَقِّهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ .
وَالثَّانِي ، لَا يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مَا وَفَّاهَا حَقَّهَا ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْوَطْءِ بِحُكْمِ الْيَمِينِ ، فَكَانَ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ لَمْ يُفْعَلْ بِهِ ذَلِكَ .
وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا وَطِئَ وَهُوَ نَائِمٌ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَث بِهِ .

( 6133 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَهَا وَطْئًا مُحَرَّمًا ، مِثْلُ أَنْ وَطِئَهَا حَائِضًا ، أَوْ نُفَسَاءَ ، أَوْ مُحْرِمَةً ، أَوْ صَائِمَةً صَوْمَ فَرْضٍ ، أَوْ كَانَ مُحْرِمًا ، أَوْ صَائِمًا ، أَوْ مُظَاهِرًا ، حَنِثَ ، وَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْإِيلَاءِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يُؤْمَرُ بِهِ فِي الْفَيْئَةِ ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الْإِيلَاءِ ، كَالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ .
وَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْحَلَّتْ ، وَلَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ الْوَطْءِ بِحُكْمِ الْيَمِينِ ، فَلَمْ يَبْقَ الْإِيلَاءُ ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ ، أَوْ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا مَرِيضَةً .
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ، فِي مِنْ حَلَفَ ، ثُمَّ كَفَّرَ يَمِينَهُ ؛ أَنَّهُ لَا يَبْقَى مُولِيًا ، لِعَدَمِ حُكْمِ الْيَمِينِ مَعَ أَنَّهُ مَا وَفَّاهَا حَقَّهَا ، فَلَأَنْ يَزُولَ بِزَوَالِ الْيَمِينِ بِحِنْثِهِ فِيهَا أَوْلَى .
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُحْرِمِ وَالْمُظَاهِرِ ، أَنَّهُمَا إذَا وَطِئَا فَقَدْ وَفَّيَاهَا حَقَّهَا .
وَفَارَقَ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهِ ، وَلَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوَطْءِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .

( 6134 ) فَصْلٌ : وَإِذَا آلَى مِنْهَا ، وَثَمَّ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ ، كَمَرَضِهِ ، أَوْ حَبْسِهِ ، أَوْ إحْرَامِهِ ، أَوْ صِيَامِهِ ، حُسِبَتْ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ إيلَائِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ ، وَقَدْ وُجِدَ التَّمْكِينُ الَّذِي عَلَيْهَا .
وَلِذَلِكَ لَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ، وَكَانَ مُمْتَنِعًا لِعُذْرٍ ، وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ .
وَإِنْ طَرَأَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ بَعْدَ الْإِيلَاءِ ، أَوْ جُنَّ ، لَمْ تَنْقَطِعْ الْمُدَّةُ ؛ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .
وَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ جِهَتِهَا ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ حَيْضًا ، لَمْ يَمْنَعْ ضَرْبُ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ لَمْ يُمْكِنْ ضَرْبُ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ فِي الْغَالِبِ لَا يَخْلُو مِنْهُ شَهْرٌ ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى إسْقَاطِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ ، وَإِنْ طَرَأَ الْحَيْضُ ، لَمْ يَقْطَعْ الْمُدَّةَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .
وَفِي النِّفَاسِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هُوَ كَالْحَيْضِ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَهُ أَحْكَامُ الْحَيْضِ .
وَالثَّانِي ، هُوَ كَسَائِرِ الْأَعْذَارِ الَّتِي مِنْ جِهَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَعْذَارِ .
وَأَمَّا سَائِرُ الْأَعْذَارِ الَّتِي مِنْ جِهَتِهَا ؛ كَصِغَرِهَا وَمَرَضِهَا ، وَحَبْسِهَا ، وَإِحْرَامِهَا ، وَصِيَامِهَا وَاعْتِكَافِهَا الْمَفْرُوضَيْنِ ، وَنُشُوزِهَا ، وَغَيْبَتِهَا ، فَمَتَى وُجِدَ مِنْهَا شَيْءٌ حَالَ الْإِيلَاءِ ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ الْمُدَّةُ حَتَّى يَزُولَ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ وَطْئِهَا ، وَالْمَنْعُ هَاهُنَا مِنْ قِبَلِهَا .
وَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ ، اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ ، وَلَمْ يَبْنِ عَلَى مَا مَضَى ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ { : تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } يَقْتَضِي مُتَوَالِيَةً .
فَإِذَا قَطَعَتْهَا ، وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا ، كَمُدَّةِ الشَّهْرَيْنِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ .
وَإِنْ حَنِثَ وَهَرَبَتْ مِنْ يَدِهِ ، انْقَطَعَتْ الْمُدَّةُ .
وَإِنْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ وَأَمْكَنَهُ وَطْؤُهَا ، اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَذِهِ

الْأَسْبَابُ مِنْهَا مَا لَا صُنْعَ لَهَا فِيهِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْطَعَ الْمُدَّةُ ، كَالْحَيْضِ .
قُلْنَا : إذَا كَانَ الْمَنْعُ لِمَعْنًى فِيهَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بِفِعْلِهَا ، أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهَا .
كَمَا أَنَّ الْبَائِعَ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، لَمْ يَتَوَجَّهْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ لَعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ .
وَإِنْ آلَى فِي الرِّدَّةِ ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ الْمُدَّةُ إلَّا مِنْ حِينِ رُجُوعِ الْمُرْتَدِّ مِنْهُمَا إلَى الْإِسْلَامِ .
وَإِنْ طَرَأَتْ الرِّدَّةُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ ، انْقَطَعْت ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ تَشَعَّثَ وَحَرُمَ الْوَطْءُ ، فَإِذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ ، اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الرِّدَّةُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا .
وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ ، أَوْ خَالَعَهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 6135 ) فَصْلٌ : وَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَيْئَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ .
فَإِنْ طَالَبَتْهُ ، فَطَلَبَ الْإِمْهَالَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ ، لَمْ يُمْهَلْ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ ، لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ ، فَلَمْ يُمْهَلْ بِهِ ، كَالدَّيْنِ الْحَالِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْمُدَّة أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَإِنَّمَا يُؤَخَّرُ قَدْرَ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْجِمَاعِ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَطْءُ فِي مَجْلِسِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِمْهَالٍ .
فَإِنْ قَالَ : أَمْهِلُونِي حَتَّى آكُلَ فَإِنِّي جَائِعٌ ، أَوْ حَتَّى يَنْهَضِمَ الطَّعَامُ فَإِنِّي كَظِيظٌ .
أَوْ أُصَلِّيَ الْفَرْضَ ، أَوْ أُفْطِرَ مِنْ صَوْمِي .
أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يُجَامِعُ فِي مِثْلِهَا فِي الْعَادَةِ .
وَكَذَلِكَ يُمْهَلُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى بَيْتِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِعْلُ ذَلِكَ فِي بَيْتِهِ .
وَإِنْ كَانَ لَهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَيْئَةِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِهَتِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا مُطَالَبَتُهُ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مَعَ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّ الْوَطْءَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ ، وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْفَيْئَةِ الْوَاجِبَةِ ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلَكِنْ تَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ إلَى حَالِ زَوَالِ الْعُذْرِ ، إنْ لَمْ يَكُنْ الْعُذْرُ قَاطِعًا لِلْمُدَّةِ كَالْحَيْضِ ، أَوْ كَانَ الْعُذْرُ حَدَثَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ .

( 6136 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَفَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَسْقُطُ حَقُّهَا ، وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَهُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ الْفَسْخِ لِعَدَمِ الْوَطْءِ ، فَسَقَطَ حَقُّهَا مِنْهُ ، كَامْرَأَةِ الْعِنِّينِ إذَا رَضِيَتْ بِعُنَّتِهِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَسْقُطَ حَقُّهَا ، وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ مَتَى شَاءَتْ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِرَفْعِ الضَّرَرِ بِتَرْكِ مَا يَتَجَدَّدُ مَعَ الْأَحْوَالِ ، فَكَانَ لَهَا الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ ، فَعَفَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بِالْفَسْخِ ، ثُمَّ طَالَبَتْ ، وَفَارَقَ الْفَسْخَ لِلْعُنَّةِ ؛ فَإِنَّهُ فَسْخٌ لِعَيْبِهِ ، فَمَتَى رَضِيَتْ بِالْعَيْبِ ، سَقَطَ حَقُّهَا ، كَمَا لَوْ عَفَا الْمُشْتَرِي عَنْ عَيْبِ الْمَبِيعِ ، وَإِنْ سَكَتَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ ، ثُمَّ طَالَبَتْ بَعْدُ ، فَلَهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا يَثْبُتُ عَلَى التَّرَاخِي ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ ، كَاسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ .

( 6137 ) فَصْلٌ : وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ ، سَوَاءٌ عَفَا السَّيِّدُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْفُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا ، حَيْثُ كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ يَحْصُلُ لَهَا .
فَإِنْ تَرَكَتْ الْمُطَالَبَةَ ، لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهَا الطَّلَبُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : حَقُّهُ فِي الْوَلَدِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْعَزْلُ عَنْهَا إلَّا بِإِذْنِهِ .
قُلْنَا : لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الزَّوْجِ اسْتِيلَادُ الْمَرْأَةِ ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لِيَعْزِلَنَّ عَنْهَا أَوْ لَا يَسْتَوْلِدُهَا ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، وَلَوْ أَنَّ الْمُولِيَ وَطِئَ بِحَيْثُ يُوجَدُ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ ، حَصَلَتْ الْفَيْئَةُ ، وَزَالَتْ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ، وَإِنَّمَا اُسْتُؤْذِنَ السَّيِّدُ فِي الْعَزْلِ ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَمَةِ ، فَرُبَّمَا نَقَصَ قِيمَتَهَا .

( 6138 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً ، أَوْ مَجْنُونَةً ، فَلَيْسَ لَهُمَا الْمُطَالَبَةُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِمَا الْمُطَالَبَةُ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ هَذَا طَرِيقَهُ الشَّهْوَةُ ، فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُمَا مَقَامَهُمَا فِيهِ .
فَإِنْ كَانَتَا مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُمَا ، لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ جِهَتِهِمَا .
وَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُمَا مُمْكِنًا .
فَإِنْ أَفَاقَتْ الْمَجْنُونَةُ ، أَوْ بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ ، قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، تَمَّمَتْ الْمُدَّةَ ، ثُمَّ لَهَا الْمُطَالَبَةُ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، فَلَهُمَا الْمُطَالَبَةُ يَوْمئِذٍ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ثَابِتٌ ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُطَالَبَةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تُضْرَبُ الْمُدَّةُ فِي الصَّغِيرَةِ حَتَّى تَبْلُغَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُضْرَبُ الْمُدَّةُ ، سَوَاءٌ أَمْكَنَ الْوَطْءُ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْوَطْءُ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَاءَ بِلِسَانِهِ ، وَإِلَّا بَانَتْ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ .
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ فِي النَّاشِزِ ، وَالرَّتْقَاءِ ، وَالْقَرْنَاءُ ، وَاَلَّتِي غَابَتْ فِي الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّ هَذَا إيلَاءٌ صَحِيحٌ ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَعَقَّبَهُ الْمُدَّةُ ، كَالَّتِي يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا .
وَلَنَا أَنَّ حَقَّهَا مِنْ الْوَطْءِ يَسْقُطُ بِتَعَذُّرِ جِمَاعِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ لَهُ ، كَمَا يَسْقُطُ أَجَلُ الدَّيْنِ بِسُقُوطِهِ .
وَأَمَّا الَّتِي أَمْكَنَهُ جِمَاعُهَا ، فَتُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ فِي حَقِّهَا ؛ لِأَنَّهُ إيلَاءٌ صَحِيحٌ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا ، فَتُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ كَالْبَالِغَةِ ، وَمَتَى قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِهَا بِتَرْكِ الْوَطْءِ أَثِمَ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ فَإِمَّا أَنْ تَفِيئَ ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .
وَقَالَ تَعَالَى { : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ } .
وَلَيْسَ الْإِضْرَارُ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ .

( 6139 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَالْفَيْئَةُ : الْجِمَاعُ ) لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْفَيْءَ الْجِمَاعُ .
كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .
وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ .
وَأَصْلُ الْفَيْءِ الرُّجُوعُ ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ فَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى الْمَشْرِقِ ، فَسُمِّيَ الْجِمَاعُ مِنْ الْمُولِي فَيْئَةً ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى فِعْلِ مَا تَرَكَهُ .
وَأَدْنَى الْوَطْءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الْفَيْئَةُ ، أَنْ تَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ ؛ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ .
وَلَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ فِي الدُّبُرِ ، لَمْ يَكُنْ فَيْئَةً ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْلُوفٍ عَلَى تَرْكِهِ ، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ بِفِعْلِهِ .

( 6140 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فَاءَ ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .
وَقَالَ النَّخَعِيُّ : كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
قَالَ قَتَادَةُ : هَذَا خَالَفَ النَّاسَ .
يَعْنِي قَوْلَ الْحَسَنِ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ .
} الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ } .
وَقَالَ سُبْحَانَهُ { : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَنَّهُ حَالِفٌ حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ فَرِيضَةٍ ثُمَّ فَعَلَهَا ، وَالْمَغْفِرَةُ لَا تُنَافِي الْكَفَّارَةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ { : إنِّي وَاَللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَتَحَلَّلْتُهَا } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

( 6141 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْإِيلَاءُ بِتَعْلِيقِ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ ، وَقَعَ بِنَفْسِ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ ، وَقَدْ وُجِدَتْ .
وَإِنْ كَانَ عَلَى نَذْرٍ ، أَوْ عِتْقٍ ، أَوْ صَوْمٍ ، أَوْ صَلَاةٍ ، أَوْ صَدَقَةٍ ، أَوْ حَجٍّ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ أَوْ الْمُبَاحَاتِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْن الْوَفَاءِ بِهِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ لَجَاجٍ وَغَضَبٍ ، فَهَذَا حُكْمُهُ .
وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا الثَّلَاثَ بِوَطْئِهَا ، لَمْ يُؤْمَرْ بِالْفَيْئَةِ ، وَأُمِرَ بِالطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ مُمْكِنٍ ؛ لِكَوْنِهَا تَبِينُ مِنْهُ بِإِيلَاجِ الْحَشَفَةِ ، فَيَصِيرُ مُسْتَمْتِعًا بِأَجْنَبِيَّةٍ .
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَأَكْثَرُهُمْ قَالُوا : تَجُوزُ الْفَيْئَةُ ؛ لِأَنَّ النَّزْعَ تَرْكٌ لِلْوَطْءِ ، وَتَرْكُ الْوَطْءِ لَيْسَ بِوَطْءٍ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .
وَاللَّائِقُ بِمَذْهَبِ أَحْمَدَ تَحْرِيمُهُ ؛ لَوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا أَنَّ آخِرَ الْوَطْءِ حَصَلَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ كَمَا ذَكَرْنَا ؛ فَإِنَّ النَّزْعَ يُلْتَذُّ بِهِ كَمَا يُلْتَذُّ بِالْإِيلَاجِ ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْوَطْءِ ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ ، فَنَزَعَ : أَنَّهُ يُفْطِرُ .
وَالتَّحْرِيمُ هَاهُنَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ بِالْوَطْءِ .
وَيُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِ النَّزْعِ وَطْئًا ، وَالْمُحَرَّمُ هَاهُنَا الِاسْتِمْتَاعُ ، وَالنَّزْعُ اسْتِمْتَاعٌ ، فَكَانَ مُحَرَّمًا ، وَلِأَنَّ لَمْسَهَا عَلَى وَجْهِ التَّلَذُّذِ بِهَا مُحَرَّمٌ ، فَلَمْسُ الْفَرْجِ بِالْفَرْجِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ ضَرُورَةَ تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ .
قُلْنَا : فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ الْوَطْءُ إلَّا بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ حَرُمَ ضَرُورَةَ تَرْكِ الْحَرَامِ .
كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ بِلَحْمٍ مُبَاحٍ ، لَا يُمْكِنُهُ أَكْلُهُ إلَّا بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، حَرُمَ ، وَلَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ ، أَوْ امْرَأَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةِ ،

حَرُمَ الْكُلُّ .
الْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّهُ بِالْوَطْءِ يَحْصُلُ الطَّلَاقُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ ، وَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ ، وَكَمَا يَحْرُمُ إيقَاعُهُ بِلِسَانِهِ ، يَحْرُمُ تَحْقِيقُ سَبَبِهِ .
الثَّالِثُ ، أَنْ يَقَعُ بِهِ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ جَمْعُ الثَّلَاثِ ، فَإِنْ وَطِئَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَ حِينَ يُولِجُ الْحَشَفَةَ ، وَلَا يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَلْبَثَ وَلَا يَتَحَرَّكَ عِنْدَ النَّزْعِ ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، فَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْوَطْءِ ، وَإِنْ لَبِثَ أَوْ تَمَّمَ الْإِيلَاجَ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ مِنْهُ ، لِكَوْنِهِ وَطْئًا بَعْضُهُ فِي زَوْجَتِهِ ، وَفِي الْمَهْرِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا - يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ فِي مَحِلٍّ غَيْرِ مَمْلُوكٍ ، فَأَوْجَبَ الْمَهْرَ ، كَمَا لَوْ أَوْلَجَ بَعْدَ النَّزْعِ .
وَالثَّانِي - لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ تَابَعَ الْإِيلَاجَ فِي مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ ، فَكَانَ تَابِعًا لَهُ فِي سُقُوطِ الْمَهْرِ .
وَإِنْ نَزَعَ ، ثُمَّ أَوْلَجَ ، وَكَانَا جَاهِلَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لَهَا ، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ .
وَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ ، فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ إيلَاجٌ فِي أَجْنَبِيَّةٍ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ وَطِئَهَا ، وَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا مُطَاوِعَةٌ عَلَى الزِّنَا ، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا ، أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاس ، وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَالِمَيْنِ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي مَظِنَّةِ الْخَفَاءِ ؛ فَإِنَّ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ مُحَرِّمٌ لِلْمَرْأَةِ .
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا ، وَالْآخَرُ جَاهِلًا ، نُظِرَتْ ؛ فَإِنْ كَانَ هُوَ الْعَالِمَ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَهَا الْمَهْرُ ، وَلَا

يَلْحَقُهُ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ زَانٍ مَحْدُودٌ .
وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْعَالِمَةَ دُونَهُ ، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ وَحْدَهَا ، وَلَا مَهْرَ لَهَا ، وَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِالزَّوْجِ ، لِأَنَّ وَطْأَهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ .

( 6142 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ وَطِئْتُك ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ .
وَهَذَا نَصٌّ فِي تَحْرِيمِهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا أَعْظَمُ تَحْرِيمًا مِنْ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا .
وَإِذَا وَطِئَ هَاهُنَا ، فَقَدْ صَارَ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ ، وَزَالَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ ، إذَا وَطِئَهَا مَرَّةً ، فَلَا يَطَأَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ؛ لِكَوْنِهِ صَارَ بِالْوَطْءِ مُظَاهِرًا ، إذْ لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهَا ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ .
وَلَوْ كَفَّرَ قَبْلَ الظِّهَارِ لَمْ يُجْزِئْهُ .
وَقَدْ رَوَى إِسْحَاقُ ، قَالَ : قُلْت لِأَحْمَدَ ، فِي مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنَّ قَرُبْتُك إلَى سَنَةٍ .
قَالَ : إنْ جَاءَتْ تَطْلُبُ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْضُلَهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، يُقَالُ لَهُ : إمَّا أَنْ تَفِيءَ ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ .
فَإِنْ وَطِئَهَا ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ، وَإِنْ أَبَى ، وَأَرَادَتْ مُفَارَقَتَهُ ، طَلَّقَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ .
فَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَ الْوَطْءِ الَّذِي صَارَ بِهِ مُظَاهِرًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَتَكُونُ الرِّوَايَتَانِ مُتَّفِقَتَيْنِ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

( 6143 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( أَوْ يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ إحْرَامٍ ، أَوْ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجِمَاعُ ، فَيَقُولُ : مَتَى قَدَرْت جَامَعْتهَا .
فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَيْئَةً لِلْعُذْرِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ ، وَبِالْمُولِي عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ حَبْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ، أَوْ غَيْرِهِ ، لَزِمَهُ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ ، فَيَقُولَ : مَتَى قَدَرْت جَامَعْتُهَا .
وَنَحْوَ هَذَا .
وَمِمَّنْ قَالَ : يَفِيءُ بِلِسَانِهِ إذَا كَانَ ذَا عُذْرٍ .
ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَا يَكُونُ الْفَيْءُ إلَّا بِالْجِمَاعِ ، فِي حَالِ الْعُذْر وَغَيْرِهِ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إذَا لَمْ يَقْدِرْ ، لَمْ يُوقَفْ حَتَّى يَصِحَّ ، أَوْ يَصِلَ إنْ كَانَ غَائِبًا ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْفَيْئَةُ بِلِسَانِهِ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ بِتَرْكِ الْوَطْءِ لَا يَزُولُ بِالْقَوْلِ .
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : قَدْ نَدِمْت عَلَى مَا فَعَلْت ، إنْ قَدَرْت وَطِئْت .
وَلَنَا أَنَّ الْقَصْدَ بِالْفَيْئَةِ تَرْكُ مَا قَصَدَهُ مِنْ الْإِضْرَارِ ، وَقَدْ تَرَكَ قَصْدَ الْإِضْرَارِ بِمَا أَتَى بِهِ مِنْ الِاعْتِذَارِ ، وَالْقَوْلُ مَعَ الْعُذْرِ يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ الْقَادِرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ إشْهَادَ الشَّفِيعِ عَلَى الطَّلَبِ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ طَلَبِهَا ، يَقُومُ مَقَامَ طَلَبِهَا فِي الْحُضُورِ فِي إثْبَاتِهَا .
وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : نَدِمْتُ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنْ يُظْهِرَ رُجُوعَهُ عَنْ الْمُقَامِ عَلَى الْيَمِينِ ، وَقَدْ حَصَلَ بِظُهُورِ عَزْمِهِ عَلَيْهِ .
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ أَنْ يَقُولَ : فِئْتُ إلَيْك .
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " مِثْلُ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّ وَعْدَهُ بِالْفِعْلِ عِنْدَ

الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ قَصْدِ الْإِضْرَارِ ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ الِاعْتِذَارِ ، وَإِخْبَارٌ بِإِزَالَتِهِ لِلضَّرَرِ عِنْدَ إمْكَانِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ : فِئْتُ إلَيْك شَيْءٌ مِنْ هَذَا .
فَأَمَّا الْعَاجِزُ لِجُبٍّ أَوْ شَلَلٍ ، فَفَيْئَتُهُ أَنْ يَقُولَ : لَوْ قَدَرْت لَجَامَعْتُهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ مَا حَصَلَ بِإِيلَائِهِ .

( 6144 ) فَصْلٌ : وَالْإِحْرَامُ كَالْمَرَضِ فِي ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .
وَكَذَلِكَ عَلَى قِيَاسِهِ الِاعْتِكَافُ الْمَنْذُورُ وَالظِّهَارُ .
وَذَكَر أَصْحَابُنَا أَنَّ الْمُظَاهِرَ لَا يُمْهَلُ ، وَيُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ .
فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ عُذْرٍ مِنْ فِعْلِهِ يَمْنَعُهُ الْوَطْءَ لَا يُمْهَلُ مِنْ أَجْلِهِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ بِسَبَبِ مِنْهُ ، فَلَا يُسْقِطُ حُكْمًا وَاجِبًا عَلَيْهِ .
فَعَلَى هَذَا لَا يُؤْمَرُ بِالْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ بِأَمْرٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ .
فَأَمَّا الْمُظَاهِرُ ، فَيُقَالُ لَهُ : إمَّا أَنْ تُكَفِّرَ وَتَفِيءَ ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ .
فَإِنْ قَالَ : أَمْهِلُونِي حَتَّى أَطْلُبَ رَقَبَةً ، أَوْ أُطْعِمَ .
فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّكْفِيرِ فِي الْحَالِ ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ الْمُدَافَعَةَ وَالتَّأْخِيرَ ، لَمْ يُمْهَلْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ حَالٌ عَلَيْهِ .
وَإِنَّمَا يُمْهَلُ لِلْحَاجَةِ ، وَلَا حَاجَةَ .
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ ، أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ .
وَإِنْ كَانَ فَرْضُهُ الصِّيَامَ ، فَطَلَبَ الْإِمْهَالَ لِيَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، لَمْ يُمْهَلْ ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ ، وَيُمْهَلَ حَتَّى يَصُومَ ، كَقَوْلِنَا فِي الْمُحْرِمِ .
فَإِنْ وَطِئَهَا فَقَدْ عَصَى ، وَانْحَلَّ إيلَاؤُهُ .
وَلَهَا مَنْعُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَطْءَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمَا .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهَا التَّمْكِينُ ، وَإِنْ امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُّهَا ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ ، وَقَدْ بَذَلَهُ لَهَا ، وَمَتَى وَطِئَهَا فَقَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا ، وَالتَّحْرِيمُ عَلَيْهِ دُونَهَا .
وَلَنَا أَنَّهُ وَطْءٌ حَرَامٌ ، فَلَا يَلْزَمُ التَّمْكِينُ مِنْهُ ، كَالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ .
وَهَذَا يَنْقُضُ دَلِيلَهُمْ .
وَلَا نُسَلِّمُ كَوْنَ التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ دُونَهَا ؛ فَإِنَّ

الْوَطْءَ مَتَى حَرُمَ عَلَى أَحَدِهِمَا حَرُمَ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِكَوْنِهِ فِعْلًا وَاحِدًا ، وَلَوْ جَازَ اخْتِصَاصُ أَحَدِهِمَا بِالتَّحْرِيمِ ، لَاخْتَصَّتْ الْمَرْأَةُ بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَإِحْرَامِهَا وَصِيَامِهَا ؛ لِاخْتِصَاصِهَا بِسَبَبِهِ .

( 6145 ) فَصْلٌ : وَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَهُوَ مَحْبُوسٌ بِحَقٍّ يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ ، طُولِبَ بِالْفَيْئَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ .
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ .
وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهِ ، أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا ، أُمِرَ بِفَيْئَةِ الْمَعْذُورِ .
وَإِنْ انْقَضَتْ وَهُوَ غَائِبٌ ، وَالطَّرِيقُ آمِنٌ ، فَلَهَا أَنْ تُوَكِّلَ مَنْ يُطَالِبُهُ بِالْمَسِيرِ إلَيْهَا ، أَوْ حَمْلِهَا إلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، أُخِذَ بِالطَّلَاقِ .
وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا ، أَوْ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ ، فَاءَ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ .

( 6146 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ لَمْ يُطَالَبْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْخِطَابِ ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْجَوَابُ ، وَتَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ إلَى حَالِ الْقُدْرَةِ ، وَزَوَالِ الْعُذْرِ ، ثُمَّ يُطَالَبُ حِينَئِذٍ .
وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا ، وَقُلْنَا : يَصِحُّ إيلَاؤُهُ .
فَاءَ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ ، فَيَقُولُ : لَوْ قَدَرْت جَامَعْتُهَا .

( 6147 ) فَصْلٌ : وَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ ، فَادَّعَى أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ ، فَإِذَا كَانَ قَدْ وَطِئَهَا مَرَّةً ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ الْعُنَّةَ ، كَمَا لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا عَلَيْهِ ، وَيُؤْخَذُ بِالْفَيْئَةِ ، أَوْ بِالطَّلَاقِ ، كَغَيْرِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا ، وَلَمْ تَكُنْ حَالُهُ مَعْرُوفَةً ، فَقَالَ الْقَاضِي : تُسْمَعُ دَعْوَاهُ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ التَّعْنِينَ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا يَقِفُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ .
وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ .
وَلَهَا أَنْ تَسْأَلَ الْحَاكِمَ ، فَيَضْرِبَ لَهُ مُدَّةَ الْعُنَّةِ بَعْدَ أَنْ يَفِيءَ فَيْئَةَ أَهْلِ الْأَعْذَارِ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي دَعْوَى مَا يُسْقِطُ عَنْهُ حَقًّا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ بِهِ ، وَالْأَصْلُ سَلَامَتُهُ مِنْهُ .
وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهَا مَرَّةً ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِضَرْبِ مُدَّةِ الْعُنَّةِ ، لِاعْتِرَافِهَا بِعَدَمِ عُنَّتِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْإِصَابَةِ .

( 6148 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَمَتَى قَدَرَ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا وُقِفَ ، وَطُولِبَ بِالْفَيْئَةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ .
وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ يَقُولُ : يُوقَفُ الْمُولِي ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } .
فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، فَقَدْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ ، فَيُؤْمَرُ بِالتَّسْرِيحِ بِالْإِحْسَانِ .
وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا ، فَفَاءَ بِلِسَانِهِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْوَطْءِ ، أُمِرَ بِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ ، وَإِلَّا أُمِرَ بِالطَّلَاقِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إذَا فَاءَ بِلِسَانِهِ ، لَمْ يُطَالَبْ بِالْفَيْئَةِ مَرَّةً أُخْرَى ، وَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ .
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ فَاءَ مَرَّةً ، فَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ فَيْئَةٌ ثَانِيَةٌ ، كَمَا لَوْ فَاءَ بِالْوَطْءِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُسْتَأْنَفُ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ ؛ لِأَنَّهُ وَفَّاهَا حَقَّهَا بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْفَيْئَةِ ، فَلَا يُطَالَبُ إلَّا بَعْدَ اسْتِئْنَافِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا .
وَلَنَا أَنَّهُ أَخَّرَ حَقَّهَا لِعَجْزِهِ عَنْهُ ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ ، لَزِمَهُ أَنْ يُوَفِّيَهَا إيَّاهُ ، كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ بِحَقِّهَا ، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ عَنْهَا بِهِ ، وَإِنَّمَا وَعَدَهَا بِالْوَفَاءِ ، وَلَزِمَهَا الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَإِنْظَارُهُ .
كَالْغَرِيمِ الْمُعْسِرِ .
( 6149 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى مَنْ فَاءَ بِلِسَانِهِ كَفَّارَةٌ ، وَلَا حِنْثٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا وَعَدَ بِفِعْلِهِ ، فَهُوَ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَلَفَ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ ، ثُمَّ أَعْسَرِ بِهِ ، فَقَالَ : مَتَى قَدَرْتُ وَفَّيْتُهُ .

( 6150 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ ، طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَةِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ ، أَوْ امْتَنَعَ الْمَعْذُورُ مِنْ الْفَيْئَةِ بِلِسَانِهِ ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ .
فَإِنْ طَلَّقَ ، وَقَعَ طَلَاقُهُ الَّذِي أَوْقَعَهُ ، وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ .
وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ إجْبَارُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْوَفَاءُ بِحَقِّهَا بِهَا ؛ فَإِنَّهَا تُفْضِي إلَى الْبَيْنُونَةِ ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ ضَرَرِهِ .
وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّلَاقِ ، طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَيْسَ لِلْحَاكِمِ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَا خُيِّرَ الزَّوْجُ فِيهِ بَيْن أَمْرَيْنِ ، لَمْ يَقُمْ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهِ كَالِاخْتِيَارِ لِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، أَوْ أُخْتَانِ .
فَعَلَى هَذَا يَحْبِسُهُ ، وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ ، حَتَّى يَفِيءَ ، أَوْ يُطَلِّقَ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .
وَلَنَا ، أَنَّ مَا دَخَلَتْهُ النِّيَابَةُ ، وَتَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ ، وَامْتَنَعَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهِ ، كَقَضَاءِ الدَّيْنِ ، وَفَارَقَ الِاخْتِيَارَ ، فَإِنَّهُ مَا تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ .
وَهَذَا أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ .
وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْمُرَ بِالطَّلَاقِ وَلَا يُطَلِّقَ إلَّا أَنْ تَطْلُبَ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا ، وَإِنَّمَا الْحَاكِمُ يَسْتَوْفِي لَهَا الْحَقَّ ، فَلَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ طَلَبِهَا .

( 6151 ) فَصْلٌ : وَالطَّلَاقُ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُولِي رَجْعِيٌّ ، سَوَاءٌ أَوْقَعَهُ بِنَفْسِهِ ، أَوْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُولِي : فَإِنْ طَلَّقَهَا .
قَالَ : تَكُونُ وَاحِدَةً ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ فُرْقَةَ الْحَاكِمِ تَكُونُ بَائِنًا .
ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا .
وَقَالَ الْقَاضِي : الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي فُرْقَةِ الْحَاكِمِ ، أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنًا ؛ فَإِنَّ فِي رِوَايَة الْأَثْرَمِ : وَقَدْ سُئِلَ إذَا طَلَّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ ، أَتَكُونُ وَاحِدَةً ؟ فَقَالَ : إذَا طَلَّقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، فَأَمَّا تَفْرِيقُ السُّلْطَانِ ، فَلَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : طَلَاقُ الْمُولِي بَائِنٌ ، سَوَاءٌ طَلَّقَ هُوَ ، أَوْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ لِرَفْعِ الضَّرَرِ ، فَكَانَ بَائِنًا ، كَفُرْقَةِ الْعُنَّةِ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً ، لَمْ يَنْدَفِعْ الضَّرَرُ ؛ لِأَنَّهُ يَرْتَجِعُهَا ، فَيَبْقَى الضَّرَرُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقَعُ الطَّلَاقُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَائِنًا .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ؛ أَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَا اسْتِيفَاءِ عَدَدٍ ، فَكَانَ رَجْعِيًّا ، كَالطَّلَاقِ فِي غَيْرِ الْإِيلَاءِ .
وَيُفَارِقُ فُرْقَةَ الْعُنَّةِ ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ لِعَيْبٍ ، وَهَذِهِ طَلْقَةٌ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أُبِيحَ لَهُ ارْتِجَاعُهَا ، لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهَا الضَّرَرُ ، وَهَذِهِ يَنْدَفِعُ عَنْهَا الضَّرَرُ ؛ فَإِنَّهُ إذَا ارْتَجَعَهَا ، ضُرِبَتْ لَهُ مُدَّةٌ أُخْرَى ، وَلِأَنَّ الْعِنِّينَ قَدْ يُئِسَ مِنْ وَطْئِهِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي رَجْعَتِهِ ، وَهَذَا غَيْرُ عَاجِزٍ ، وَرَجْعَتُهُ دَلِيلٌ عَلَى رَغْبَتِهِ وَإِقْلَاعِهِ عَنْ الْإِضْرَارِ بِهَا ، فَافْتَرَقَا .
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

( 6152 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ طَلَّقَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، فَهِيَ ثَلَاثٌ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَةِ وَالطَّلَاقِ مَعًا ، وَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ الطَّلَاقِ مَا يَمْلِكُهُ الْمُولِي ، وَإِلَيْهِ الْخِيرَةُ فِيهِ ، إنْ شَاءَ طَلَّقَ وَاحِدَةً ، وَإِنْ شَاءَ اثْنَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ إلَّا وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ إيفَاءَ الْحَقِّ يَحْصُلُ بِهَا ، فَلَمْ يَمْلِكْ زِيَادَةً عَلَيْهَا ، كَمَا لَمْ يَمْلِكْ الزِّيَادَةَ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ فِي حَقِّ الْمُمْتَنِعِ .
وَلَنَا أَنَّ الْحَاكِمَ قَائِمٌ مَقَامَهُ ، فَمَلَكَ مِنْ الطَّلَاقِ مَا يَمْلِكُهُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي ذَلِكَ .
وَلَيْسَ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى حَقِّهَا ؛ فَإِنَّ حَقَّهَا الْفُرْقَةُ ، غَيْرَ أَنَّهَا تَتَنَوَّعُ ، وَقَدْ يَرَى الْحَاكِمُ الْمَصْلَحَةَ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ ، وَمَنْعِهِ رَجْعَتَهَا ؛ لِعِلْمِهِ بِسُوءِ قَصْدِهِ ، وَحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ بِبُعْدِهِ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إذَا قَالَ : فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا .
فَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ .
وَإِذَا قَالَ : طَلَّقْتُ وَاحِدَةً .
فَهِيَ وَاحِدَةٌ .
وَإِذَا قَالَ : ثَلَاثًا .
فَهِيَ ثَلَاثٌ .

( 6153 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً ، وَرَاجَعَ ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، كَانَ الْحُكْمُ كَمَا حَكَمْنَا فِي الْأَوَّلِ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ الْمُولِي ، أَوْ ؛ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا .
وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ تَفْرِيقَ الْحَاكِمِ لَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَأَمَّا تَفْرِيقُ السُّلْطَانِ ، فَلَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ فِي الْعِدَّةِ ، وَلَا بَعْدَهَا .
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَكُونُ طَلَاقُ الْحَاكِمِ بَائِنًا ، لَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِي كُلَّ فُرْقَةٍ فَرَّقَهَا الْحَاكِمُ رِوَايَتَانِ ، لِعَانًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَحْرُمُ عَلَى التَّأْبِيدِ .
وَاخْتَارَهَا .
وَالثَّانِيَةُ ، لَهُ الْمُرَاجَعَةُ فِيهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ .
وَهَذَا الصَّحِيحُ .
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : لَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ فِي الْعِدَّةِ وَلَا بَعْدَهَا .
يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا بِغَيْرِ نِكَاحٍ جَدِيدٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ ، وَتَفْرِيقُ الْحَاكِمِ لَا يَقْتَضِي سِوَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا النِّكَاحِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِأَجْلِ الْعُنَّةِ ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا فُرْقَةُ اللِّعَانِ ، فَإِنَّهَا تَحْصُلُ بِدُونِ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ .
وَلَوْ حَصَلَتْ بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ غَيْرَ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلتَّفْرِيقِ وَالتَّحْرِيمِ اللِّعَانُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمَا عَلَى النِّكَاحِ وَإِنْ تَرَاضَوْا بِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ إذَا كَانَ دُونَ الثَّلَاثِ ، فَهُوَ رَجْعِيٌّ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْمُولِي ، أَوْ الْحَاكِمِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ نَائِبُهُ ، فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ مُفِيدًا ، كَمَا لَمْ يُفِدْهُ

طَلَاقُ الْمُولِي كَالْوَكِيلِ .
فَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، بَانَتْ ، وَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقٌ ثَانٍ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ : إذَا سَبَقَ حَدُّ الْإِيلَاءِ حَدَّ الطَّلَاقِ ، فَهُمَا تَطْلِيقَتَانِ ، وَإِنْ سَبَقَ حَدُّ الطَّلَاقِ حَدَّ الْإِيلَاءِ ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ .
وَيَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ .
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، مِنْ غَيْرِ إيقَاعٍ .
وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ .
فَأَمَّا إنَّ فَسَخَ الْحَاكِمُ النِّكَاحَ ، فَلَيْسَ لِلْمُولِي الرُّجُوعُ عَلَيْهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا .
وَلَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ طَلَاقِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ ، فَأَشْبَهَ فَسْخَ النِّكَاحِ لِعَيْبِهِ أَوْ عُنَّتِهِ .
وَإِنْ طَلَّقَ الْمُولِي أَوْ الْحَاكِمُ ثَلَاثًا ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ ثَانٍ وَإِصَابَةٍ وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا طَلَّقَ دُونَ الثَّلَاثِ ، فَرَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا ، فَإِنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ تَنْقَطِعُ بِالطَّلَاقِ ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِمَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ مِنْ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْنُوعَةً مِنْهُ بِغَيْرِ الْيَمِينِ ، فَانْقَطَعْت الْمُدَّةُ كَمَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، فَإِنْ رَاجَعَ اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ رَجْعَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، سَقَطَ الْإِيلَاءُ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا تَرَبَّصْنَا بِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ وَقَفْنَاهُ لِيَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ ، ثُمَّ يَكُونُ الْحُكْمُ هَاهُنَا كَالْحُكْمِ فِي وَقْفِهِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ طَلَّقَ أَوْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَاحِدَةً ، ثُمَّ رَاجَعَ ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، انْتَظَرْنَاهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ طُولِبَ بِالْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ ، فَإِنْ طَلَّقَ ، فَقَدْ كَمُلَتْ الثَّلَاثُ ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَيَقْتَضِي مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، أَنَّهُ إذَا

طَلَّقَ اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ الْأُخْرَى مِنْ حِينَ طَلَّقَ ، فَلَوْ تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ ، وُقِفَ ثَانِيًا ، فَإِنْ فَاءَ ، وَإِلَّا أُمِرَ بِالطَّلَاقِ .
وَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .
وَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، بَانَتْ ، وَانْقَطَعَ الْإِيلَاءُ ، فَإِنْ رَاجَعَ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، تَرَبَّصَ بِهِ تَمَامَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ طَلَّقَ .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، أَنَّ الطَّلَاقَ يَهْدِمُ الْإِيلَاءَ .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْطَعُ مُدَّتَهُ ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِمُدَّتِهِ قَبْلَ الرَّجْعَةِ ؛ فَيَكُونُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ مِثْلَهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُزِيلُ حُكْمَهُ بِالْكُلِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا بِالطَّلَاقِ ، فَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا .
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا ، أَنَّ حُكْمَ الْيَمِينِ بَاقٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ فَيَبْقَى الْإِيلَاءُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ ، بِخِلَافِ الْفَيْئَةِ ، فَإِنَّهَا تَرْفَعُ الْيَمِينَ ، لِحُصُولِ الْحِنْثِ فِيهَا .

( 6154 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ وَقَفْنَاهُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَقَالَ : قَدْ أَصَبْتهَا .
فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ ) وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، وَالْمَرْأَةُ تَدَّعِي مَا يَلْزَمُهُ بِهِ رَفْعُهُ ، وَهُوَ يَدَّعِي مَا يُوَافِقُ الْأَصْلَ ، وَيُبْقِيهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ .
كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَطْءَ فِي الْعُنَّةِ ، وَلِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ خَفِيٌّ وَلَا يُعْلَمْ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ ، كَقَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا .
وَتَلْزَمُهُ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ مَا تَدَّعِيهِ الْمَرْأَةُ مُحْتَمِلٌ ، فَوَجَبَ نَفْيُهُ بِالْيَمِينِ .
وَنَصَّ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِكْرًا ، وَاخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ ، أُرِيَتْ النِّسَاءُ الثِّقَاتُ ، فَإِنْ شَهِدْنَ بِثُيُوبَتِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَإِنْ شَهِدْنَ بِبَكَارَتِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا زَالَتْ بَكَارَتُهَا .
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَمِينَ هَاهُنَا ؛ لِقَوْلِهِ فِي بَابِ الْعِنِّينِ : فَإِنْ شَهِدْنَ بِمَا قَالَتْ ، أُجِّلَ سَنَةً .
وَلَمْ يَذْكُرْ يَمِينَهُ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَشْهَدُ لَهَا ، فَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ مَعَهَا .
( 6155 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، فَادَّعَى أَنَّهُ أَصَابَهَا ، وَكَذَّبَتْهُ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، وَأَرَادَ رَجْعَتَهَا ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا ، فَنَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي الْإِصَابَةِ فِي الْإِيلَاءِ ، وَلَا نَقْبَلُهُ فِي إثْبَاتِ الرَّجْعَةِ لَهُ ، وَقَدْ سَبَقَ تَعْلِيلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرَّجْعَةِ .

( 6156 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ آلَى مِنْهَا ، فَلَمْ يُصِبْهَا حَتَّى طَلَّقَهَا ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ ؛ ثُمَّ نَكَحَهَا ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وُقِفَ لَهَا ، كَمَا وَصَفْتُ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا أَبَانَ زَوْجَتَهُ ، انْقَطَعَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ سَوَاءٌ بَانَتْ بِفَسْخٍ ، أَوْ طَلَاقٍ ثَلَاثٍ ، أَوْ بِخُلْعٍ ، أَوْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ ، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ نِكَاحِهَا .
فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا ، عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ مِنْ حِينَ تَزَوَّجَهَا ، وَاسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ حِينَئِذٍ ، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ مُدَّةِ يَمِينِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَ ، لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْإِيلَاءِ ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، تَرَبَّصَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ وُقِفَ لَهَا ، فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ ، أَوْ يُطَلِّقَ ، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ ، طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الطَّلَاقُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، ثُمَّ نَكَحَهَا ، عَادَ الْإِيلَاءُ ، وَإِنْ اسْتَوْفَى عَدَدَ الطَّلَاقِ ، لَمْ يَعُدْ الْإِيلَاءُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ زَالَ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلِهَذَا تَرْجِعُ إلَيْهِ عَلَى طَلَاقٍ ثَلَاثٍ ، فَصَارَ إيلَاؤُهُ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ كَإِيلَائِهِ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَتَحَصَّلُ مِنْ أَقْوَالِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ ، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ : لَا يَعُودُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ بِحَالِ .
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِحَالٍ لَوْ آلَى مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ إيلَاؤُهُ ، فَبَطَلَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ مِنْهَا ، كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا .
وَلَنَا أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ بِيَمِينٍ فِي حَالِ نِكَاحِهَا ، فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ ،

وَفَارَقَ الْإِيلَاءَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِالْيَمِينِ عَلَيْهَا الْإِضْرَارَ بِهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .

( 6157 ) فَصْلٌ : وَلَوْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا ، وَتَزَوَّجَهَا ، عَادَ الْإِيلَاءُ .
وَلَوْ كَانَ الْمُولِي عَبْدًا ، فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَتُهُ ، ثُمَّ أَعْتَقَتْهُ ، وَتَزَوَّجَتْهُ ، عَادَ الْإِيلَاءُ .
وَلَوْ بَانَتْ الزَّوْجَةُ بِرِدَّةٍ ، أَوْ إسْلَامٍ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا جَدِيدًا ، عَادَ الْإِيلَاءُ ، وَتُسْتَأْنَفُ الْمُدَّةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ .
وَسَوَاءٌ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ ثَانٍ أَوْ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ كَانَتْ مِنْهُ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَيَبْقَى حُكْمُهَا مَا وَجَدَتْ الزَّوْجِيَّةُ .
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك .
ثُمَّ طَلَّقَهَا ، ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ ، عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمَعْقُودَةَ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ لَا تَنْحَلُّ بِزَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَإِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا ، لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ فِي حَالِ كَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِيلَاءُ بِالْحَلِفِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَتْ وَهِيَ امْرَأَتُهُ .

( 6158 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ آلَى مِنْهَا ، وَاخْتَلَفَا فِي مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَنَّهَا لَمْ تَمْضِ مَعَ يَمِينِهِ ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي وَقْتِ يَمِينِهِ ؛ فَإِنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الْيَمِينِ ، حُسِبَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَعُلِمَ هَلْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ أَوْ لَا .
وَزَالَ الْخِلَافُ .
أَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الْيَمِينِ ، فَقَالَ : حَلَفْتُ فِي غُرَّةِ رَمَضَانَ .
وَقَالَتْ : بَلْ حَلَفْتَ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ .
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ جِهَتِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ .
فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْإِيلَاءِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَلِفِ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ ، فَكَانَ قَوْلُهُ فِي نَفْيِهِ مُوَافِقًا لِلْأَصْلِ .
قَالَ الْخِرَقِيِّ : وَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ .
وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ ، إلَى أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي أَحْكَامِ النِّكَاحِ ، فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ يَمِينٌ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَنْكَرَتْهُ .
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ يَجُوزُ بَذْلُهُ ، فَيُسْتَحْلَفُ فِيهِ ، كَالدُّيُونِ .

( 6159 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَرَكَ الْوَطْءَ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْحَلِفُ .
وَلَكِنْ إنْ تَرَكَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ غَيْبَةٍ ، وَنَحْوِهِ ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ ، وَإِنْ تَرَكَهُ مُضِرًّا بِهَا ، فَهَلْ تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةٌ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ وَطِئَهَا ، وَإِلَّا دُعِيَ بَعْدَهَا إلَى الْوَطْءِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ ، كَمَا يُفْعَلُ فِي الْإِيلَاءِ ، سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ أَضَرَّ بِهَا بِتَرْكِ الْوَطْءِ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، فَيَلْزَمُ حُكْمُهُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ ، وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ ، وَجَبَ أَدَاؤُهُ إذَا لَمْ يَحْلِفْ ، كَالنَّفَقَةِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجْعَلُ غَيْرَ الْوَاجِبِ وَاجِبًا إذَا أَقْسَمَ عَلَى تَرْكِهِ ، فَوُجُوبُهُ مَعَهَا يَدُلُّ عَلَى ، وُجُوبِهِ قَبْلَهَا ، وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ فِي الْإِيلَاءِ إنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْمَرْأَةِ ، وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهَا ، وَضَرَرُهَا لَا يَخْتَلِفُ بِالْإِيلَاءِ وَعَدَمِهِ ، فَلَا يَخْتَلِفُ الْوُجُوبُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَا يَبْقَى لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ ، فَلِمَ أَفْرَدْتُمْ لَهُ بَابًا ؟ قُلْنَا : بَلْ لَهُ أَثَرٌ ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الْإِضْرَارِ ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدُ الْإِضْرَارِ ، اُكْتُفِيَ بِدَلَالَتِهِ ، وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ الْيَمِينُ ، احْتَجْنَا إلَى دَلِيلٍ سِوَاهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُضَارَّةِ ، فَيُعْتَبَرُ الْإِيلَاءُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْمُقْتَضَى لَا لِعَيْنِهِ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةٌ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُولٍ ، فَلَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِضْرَارَ ، وَلِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْإِيلَاءِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ ، إذْ لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ بِدُونِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

كِتَابُ الظِّهَارِ الظِّهَارُ : مُشْتَقُّ مِنْ الظَّهْرِ ، وَإِنَّمَا خَصُّوا الظَّهْرَ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَرْكُوبٍ يُسَمَّى ظَهْرًا ، لِحُصُولِ الرُّكُوبِ عَلَى ظَهْرِهِ فِي الْأَغْلَبِ ، فَشَبَّهُوا الزَّوْجَةَ بِذَلِكَ .
وَهُوَ مُحَرَّمٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا } .
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَتْ كَالْأُمِّ فِي التَّحْرِيمِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ } .
وَالْأَصْلُ فِي الظِّهَارِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } .
وَالْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ { خُوَيْلَةَ بِنْتِ مَالِكٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، قَالَتْ : ظَاهَرَ مِنِّي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ ، فَجِئْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْكُو ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَادِلُنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ : اتَّقِي اللَّهَ ؛ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ .
فَمَا بَرِحْت حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا } .
فَقَالَ : يُعْتِقُ رَقَبَةً .
فَقُلْت : لَا يَجِدُ .
قَالَ : فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .
فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ .
قَالَ : فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
قُلْت : مَا عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ .
قَالَ : فَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ .
فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ .
قَالَ : قَدْ أَحْسَنْتِ ، اذْهَبِي فَأَطْعِمِي عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ .
} قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْعَرَقُ ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ : هُوَ مَا سُفَّ مِنْ خُوصٍ ، كَالزِّنْبِيلِ الْكَبِيرِ .
وَرَوَى أَيْضًا ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ { سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ

الْبَيَاضِيِّ ، قَالَ : كُنْت أُصِيبُ مِنْ النِّسَاءِ مَا لَا يُصِيبُ غَيْرِي ، فَلَمَّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ ، خِفْت أَنْ أُصِيبَ مِنْ امْرَأَتِي شَيْئًا يَتَتَابَعُ حَتَّى أُصْبِحَ ، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ ، فَبَيْنَا هِيَ تَخْدِمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ ، إذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ نَزَوْت عَلَيْهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحْت خَرَجْت إلَى قَوْمِي ، فَأَخْبَرْتُهُمْ الْخَبَرَ ، وَقُلْت : امْشُوا مَعِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالُوا : لَا وَاَللَّهِ .
فَانْطَلَقْت إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ : أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ ؟ .
فَقُلْت : أَنَا بِذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَنَا صَابِرٌ لِحُكْمِ اللَّهِ ، فَاحْكُمْ فِي مَا أَرَاك اللَّهُ .
قَالَ : حَرِّرْ رَقَبَةً .
قُلْت : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَهَا .
وَضَرَبْت صَفْحَةَ رَقَبَتِي .
قَالَ : فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .
قُلْت : وَهَلْ أَصَبْت الَّذِي أَصَبْت إلَّا مِنْ الصِّيَامِ ؟ .
قَالَ : فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
قُلْت : وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، لَقَدْ بِتْنَا وَحْشَيْنِ ، مَا لَنَا طَعَامٌ .
قَالَ : فَانْطَلِقْ إلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ ، فَلْيَدْفَعْهَا إلَيْك .
قَالَ : فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ ، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَهَا .
فَرَجَعْت إلَى قَوْمِي ، فَقُلْت : وَجَدْت عِنْدَكُمْ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْيِ ، وَوَجَدْت عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّعَةَ وَحُسْنَ الرَّأْيِ ، وَقَدْ أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ .
}

( 6160 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ زَوْجٍ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ ، وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، حُرًّا أَوْ عَبْدًا .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَظِهَارُ السَّكْرَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى طَلَاقِهِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَكَذَلِكَ ظِهَارُ الصَّبِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى طَلَاقِهِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ ظِهَارَ الصَّبِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ مِنْهُ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ ، وَذَلِكَ مَرْفُوعٌ عَنْ الصَّبِيِّ ؛ لِكَوْنِ الْقَلَمِ مَرْفُوعًا عَنْهُ .
وَقَدْ قِيلَ : لَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .
وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ الرِّقَابَ ، وَلَنَا ، عُمُومُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ ، فَصَحَّ ظِهَارُهُ ، كَالْحُرِّ .
فَأَمَّا إيجَابُ الرَّقَبَةِ ، فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ يَجِدُهَا ، وَلَا يَبْقَى الظِّهَارُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَجِدُهَا ، كَالْمُعْسِرِ ، فَرْضُهُ الصِّيَامُ .
وَيَصِحُّ ظِهَارُ الذِّمِّيِّ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ ، وَهِيَ الرَّافِعَةُ لِلتَّحْرِيمِ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّحْرِيمُ ، وَدَلِيلُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ ، أَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ ، فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ .
وَلَنَا أَنَّ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ ، كَالْمُسْلِمِ .
فَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ فَيَبْطُلُ بِكَفَّارَةِ الصَّيْدِ إذَا قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ ، وَكَذَلِكَ الْحَدُّ يُقَامُ عَلَيْهِ .
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ الْعِتْقُ وَالْإِطْعَامُ ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ الصَّوْمُ ، فَلَا تَمْتَنِعُ صِحَّةُ الظِّهَارِ بِامْتِنَاعِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ ، كَمَا فِي حَقِّ الْعَبْدِ .
وَالنِّيَّةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ لِتَعْيِينِ الْفِعْلِ لِلْكَفَّارَةِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ ، كَالنِّيَّةِ فِي

كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ .
وَمَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ ، يَصِحُّ ظِهَارُهُ فِي إفَاقَتِهِ ، كَمَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ فِيهِ .

( 6161 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ ، كَالطِّفْلِ ، وَالزَّائِلِ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ ، أَوْ إغْمَاءٍ ، أَوْ نَوْمٍ ، أَوْ غَيْرِهِ .
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْمُكْرَهِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَصِحُّ ظِهَارُهُ .
وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ طَلَاقِهِ .
وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ .

( 6162 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الظِّهَار مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً ، مُمْكِنًا وَطْؤُهَا أَوْ غَيْرَ مُمْكِنٍ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ الَّتِي لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ، وَالظِّهَارُ لِتَحْرِيمِ وَطْئِهَا .
وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلَاقُهَا ، فَصَحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا ، كَغَيْرِهَا .

( 6163 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، أَوْ كَظَهْرِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ ، أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .
أَوْ حَرَّمَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا ، فَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِالْكَفَّارَةِ ) ( 6164 ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ : أَحَدُهَا أَنَّهُ مَتَى شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَتَى شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَقَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، أَوْ أُخْتِي ، أَوْ غَيْرِهِمَا .
فَهُوَ مُظَاهِرٌ .
وَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
فَهَذَا ظِهَارٌ إجْمَاعًا ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ تَصْرِيحَ الظِّهَارِ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيِّ .
وَفِي حَدِيثِ خُوَيْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّهُ قَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ .
الضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ يُشَبِّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ ، كَجَدَّتِهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ وَأُخْتِهِ .
فَهَذَا ظِهَارٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَهُوَ جَدِيدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : لَا يَكُونُ الظِّهَارُ إلَّا بِأُمٍّ أَوْ جَدَّةٍ ؛ لِأَنَّهَا أُمٌّ أَيْضًا ، لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ مُخْتَصٌّ بِالْأُمِّ ، فَإِذَا عَدَلَ عَنْهُ ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ .
وَلَنَا أَنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ بِالْقَرَابَةِ ، فَأَشْبَهْنَ الْأُمَّ فَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ قَالَ فِيهَا : { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا } .
وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا ،

فَجَرَى مَجْرَاهُ .
وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْأُمِّ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهَا إذَا كَانَتْ مِثْلَهَا .
الضَّرْبُ الثَّالِثُ ، أَنْ يُشَبِّهَهَا بِظَهْرِ مِنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ سِوَى الْأَقَارِبِ ، كَالْأُمَّهَاتِ الْمُرْضِعَاتِ ، وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ ، وَحَلَائِلِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ ، وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ ، وَالرَّبَائِبِ اللَّائِي دَخَلَ بِأُمِّهِنَّ ، فَهُوَ ظِهَارٌ أَيْضًا .
وَالْخِلَافُ فِيهَا كَالَّتِي قَبْلَهَا .
وَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ ، وَيَزِيدُ فِي الْأُمَّهَاتِ الْمُرْضِعَاتِ دُخُولُهَا فِي عُمُومِ الْأُمَّهَاتِ ، فَتَكُونُ دَاخِلَةً فِي النَّصِّ ، وَسَائِرُهُنَّ فِي مَعْنَاهَا ، فَيَثْبُتُ فِيهِنَّ حُكْمُهَا .

( 6165 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إذَا شَبَّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا ؛ كَأُخْتِ امْرَأَتِهِ ، وَعَمَّتِهَا ، أَوْ الْأَجْنَبِيَّةِ .
فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ ظِهَارٌ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَقَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ بِظِهَارٍ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَلَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِهَا ظِهَارًا ، كَالْحَائِضِ ، وَالْمُحْرِمَةِ مِنْ نِسَائِهِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمُحَرَّمَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَبَّهَهَا بِالْأُمِّ ، وَلِأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .
ظِهَارٌ إذَا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ ، وَالتَّشْبِيهُ بِالْمُحَرَّمَةِ تَحْرِيمٌ ، فَكَانَ ظِهَارًا ، فَأَمَّا الْحَائِضُ فَيُبَاحُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِي غَيْرِ الْفَرْجِ ، وَالْمُحَرَّمَةُ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا ، وَلَمْسُهَا مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ ، ، وَلَيْسَ فِي وَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَدٌّ بِخِلَافِ مَسْأَلَتنَا .
وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الظِّهَارَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنْ النِّسَاءِ ، قَالَ : فَبِهَذَا أَقُولُ .

( 6166 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ أَبِيهِ ، أَوْ بِظَهْرِ غَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ ، أَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْبَهِيمَةِ .
أَوْ : أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ .
فَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ ظِهَارٌ .
قَالَ الْمَيْمُونِي : قُلْت لِأَحْمَدَ : إنْ ظَاهَرَ مِنْ ظَهْرِ الرَّجُلِ ؟ .
قَالَ : فَظَهْرُ الرَّجُلِ حَرَامٌ ، يَكُونُ ظِهَارًا .
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ ، فِيمَا إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَيْسَ بِظِهَارٍ .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِمَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتَاعِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَمَالِ زَيْدٍ .
وَهَلْ فِيهِ كَفَّارَةٌ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا - فِيهِ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَحْرِيمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَرَّمَ مَالَهُ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ .
نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ الرَّجُلِ : لَا يَكُونُ ظِهَارًا .
وَلَمْ أَرَهُ يَلْزَمُهُ فِيهِ شَيْءٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِامْرَأَتِهِ بِمَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتَاعِ ، أَشْبَهَ التَّشْبِيهَ بِمَالِ غَيْرِهِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيِّتَةِ وَالدَّمِ : إنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا ، وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا ، وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هُوَ ظِهَارٌ .
وَالْأُخْرَى ، هُوَ يَمِينٌ .
وَلَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدِي مَعْنَى إرَادَتِهِ الظِّهَارَ وَالْيَمِينَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 6167 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عِنْدِي ، أَوْ مِنِّي ، أَوْ مَعِي ، كَظَهْرِ أُمِّي .
كَانَ ظِهَارًا بِمَنْزِلَةِ عَلَيَّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي مَعْنَاهُ .
وَإِنْ قَالَ : جُمْلَتُكِ ، أَوْ بَدَنُك ، أَوْ جِسْمُكِ ، أَوْ ذَاتُك ، أَوْ كُلُّك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
كَانَ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهَا .
فَهُوَ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي .
كَانَ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ فَانْصَرَفَ الْحُكْمُ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : لَيْسَ بِظِهَارٍ ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ .
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ كَظَهْرِ أُمِّهِ ، فَظَهْرُ أُمِّهِ ، مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ .

( 6168 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي .
أَوْ : مِثْلُ أُمِّي .
وَنَوَى بِهِ الظِّهَارَ ، فَهُوَ ظِهَارٌ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .
وَإِنْ نَوَى بِهِ الْكَرَامَةَ وَالتَّوْقِيرَ ، أَوْ أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي الْكِبَرِ ، أَوْ الصِّفَةِ ، فَلَيْسَ بِظِهَارٍ .
وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ .
وَإِنْ أَطْلَقَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : فِيهِ رِوَايَتَانِ ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ حَتَّى يَنْوِيَهُ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْكَرَامَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْرِيمِ ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِجُمْلَةِ أُمِّهِ ، فَكَانَ مُشَبِّهًا لَهَا بِظَهْرِهَا ، فَيَثْبُتُ الظِّهَارُ كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِهِ مُنْفَرِدًا .
وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ، أَنَّهُ إنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الظِّهَارِ ، مِثْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الْحَلِفِ ، فَيَقُولُ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي .
أَوْ قَالَ ذَلِكَ حَالَ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ ، فَهُوَ ظِهَارٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْحَلِفِ ، فَالْحَلِفُ يُرَادُ لِلِامْتِنَاعِ مِنْ شَيْءٍ ، أَوْ الْحَثِّ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ كَوْنَهَا مِثْلُ أُمِّهِ فِي صِفَتِهَا أَوْ كَرَامَتِهَا .
لَا يَتَعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الظِّهَارَ ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَذَاهَا ، وَيُوجِبُ اجْتِنَابَهَا ، وَهُوَ الظِّهَارُ .
وَإِنْ عَدِمَ هَذَا فَلَيْسَ بِظِهَارٍ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِغَيْرِ الظِّهَارِ احْتِمَالًا كَثِيرًا ، فَلَا يَتَعَيَّنُ الظِّهَارُ فِيهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .

وَهَكَذَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي أَوْ : مِثْلُ أُمِّي .
أَوْ قَالَ : أَنْتِ أُمِّي ، أَوْ : امْرَأَتِي أُمِّي .
مَعَ الدَّلِيلِ الصَّارِفِ لَهُ إلَى الظِّهَارِ ، كَانَ ظِهَارًا ؛ إمَّا بِنِيَّةٍ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا .
وَإِنْ قَالَ : أُمِّي امْرَأَتِي .
أَوْ : مِثْلُ امْرَأَتِي .
لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِأُمِّهِ ، وَوَصْفٌ لَهَا ، وَلَيْسَ بِوَصْفٍ لِامْرَأَتِهِ .

الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .
فَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ ، فَهُوَ ظِهَارٌ ، فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ .
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هُوَ ظِهَارٌ .
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ .
وَذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَنْ عُثْمَانَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ ، وَالْبَتِّيِّ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : الْحَرَامُ ظِهَارٌ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : إنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } ثُمَّ قَالَ : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ الظِّهَارَ ، لَيْسَ بِظِهَارٍ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ وَوَجْهُ ذَلِكَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَنَوَّعُ ، مِنْهُ مَا هُوَ بِظِهَارٍ وَبِطَلَاقٍ وَبِحَيْضٍ وَإِحْرَامٍ وَصِيَامٍ ، فَلَا يَكُونُ التَّحْرِيمُ صَرِيحًا فِي وَاحِدٍ مِنْهَا ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، كَمَا لَا يَنْصَرِفُ إلَى تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ تَحْرِيمٌ أَوْقَعَهُ فِي امْرَأَتِهِ ، فَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ ظِهَارًا ، كَتَشْبِيهِهَا بِظَهْرِ أُمِّهِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ التَّحْرِيمَ يَتَنَوَّعُ .
قُلْنَا : إلَّا أَنَّ تِلْكَ الْأَنْوَاعَ مُنْتَفِيَةٌ ، وَلَا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ مِنْهَا إلَّا الطَّلَاقُ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَبِينُ بِهِ الْمَرْأَةُ ، وَهَذَا يُحَرِّمُهَا مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَكَانَ أَدْنَى التَّحْرِيمَيْنِ ، فَكَانَ أَوْلَى .
فَأَمَّا إنْ قَالَ ذَلِكَ لَمُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ بِحَيْضِ أَوْ

نَحْوِهِ ، وَقَصَدَ الظِّهَارَ ، فَهُوَ ظِهَارٌ ، وَإِنْ قَصَدَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ .
وَإِنْ أَطْلَقَ ، فَلَيْسَ بِظِهَارٍ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخَبَرَ عَنْ حَالهَا ، وَيَحْتَمِلُ إنْشَاءَ التَّحْرِيمِ فِيهَا بِالظِّهَارِ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ تَعْيِينٍ .

( 6170 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ .
أَوْ : مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ .
أَوْ : مَا أَنْقَلِبُ إلَيْهِ حَرَامٌ .
وَلَهُ امْرَأَةٌ ، فَهُوَ مُظَاهِرٌ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ ، فَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ بِعُمُومِهِ .
وَإِنْ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ ، أَوْ نَوَاهَا ، فَهُوَ آكُدُ .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ قَالَ : مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ : عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ، هُوَ يَمِينٌ .
وَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ هَذَا .
وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ لِلظِّهَارِ وَلِتَحْرِيمِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ تَنَاوَلَهُمَا ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ أَوْجَبَ كَفَّارَةً ، فَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا .
وَلَنَا أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تُوجِبُ كَفَارَتَيْنِ ، كَمَا لَوْ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتَيْنِ ، أَوْ حَرَّمَ مِنْ مَالِهِ شَيْئَيْنِ .
وَمَا ذَكَرَهُ يَنْتَقِضُ بِهَذَا .
وَفِي قَوْلِ أَحْمَدَ : هُوَ يَمِينٌ .
إشَارَةً إلَى التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْوَاحِدَةَ لَا تُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ .
وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ : مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ .
وَغَيْرِهِ مِنْ لَفْظَاتِ الْعُمُومِ الْمَالَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْخَاصِّ .
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي تَقُولُ : إنَّ الْحَرَامَ بِإِطْلَاقِهِ لَيْسَ بِظِهَارٍ .
لَا يَكُونُ هَاهُنَا مُظَاهِرًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الظِّهَارَ .

( 6171 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ` قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَرَامٌ .
فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ ، لَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ ، سَوَاءٌ نَوَى الطَّلَاقَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ .
وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالظِّهَارِ ، وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ : حَرَامٌ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي .
أَوْ : كَأُمِّي .
فَكَذَلِكَ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي ، إذَا نَوَى الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ : لَا أَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي نَفْيِ الظِّهَارِ .
وَوَجْهُ قَوْلِهِمْ ، أَنَّ قَوْلَهُ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .
إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ ، وَزِيَادَةُ قَوْلِهِ : كَظَهْرِ أُمِّي .
بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْفِي الطَّلَاقَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الظِّهَارِ ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ التَّحْرِيمَ مَعَ نِيَّةِ الطَّلَاقِ طَلَاقٌ .
لَا نُسَلِّمُهُ .
وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ هَاهُنَا بِصَرِيحِ الظِّهَارِ بِقَوْلِهِ ، فَكَانَ الْعَمَلُ بِصَرِيحِ الْقَوْلِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالنِّيَّةِ .

( 6172 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي .
طَلُقَتْ ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ : كَظَهْرِ أُمِّي .
لِأَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ أَوَّلًا ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ : كَظَهْرِ أُمِّي صِفَةً لَهُ .
فَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ : كَظَهْرِ أُمِّي .
تَأْكِيدَ الطَّلَاقِ ، لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ، كَمَا لَوْ أَطْلَقَ ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ ، وَكَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، فَهُوَ كَالظِّهَارِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا بِالطَّلَاقِ .
وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا ، كَانَ ظِهَارًا صَحِيحًا .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِ الظِّهَارِ فِي مَنْ هِيَ زَوْجَةٌ .
وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ .
الظِّهَارَ ، لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الظِّهَارَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ .
وَقَعَ الظِّهَارُ وَالطَّلَاقُ مَعًا ، سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، أَوْ رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ سَبَقَ الطَّلَاقَ .

( 6173 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .
وَنَوَى الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ مَعًا ، كَانَ ظِهَارًا ، وَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ ظِهَارًا وَطَلَاقًا ، وَالظِّهَارُ أَوْلَى بِهَذَا اللَّفْظِ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يُقَالُ لَهُ : اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْت .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنْ قَالَ : أَرَدْت الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ .
كَانَ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِهِ .
وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الظِّهَارَ وَالطَّلَاقَ ، كَانَ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اخْتِيَارًا لَهُ ، وَيَلْزَمُهُ مَا بَدَأَ بِهِ .
وَلَنَا أَنَّهُ أَتَى بِلَفْظَةِ الْحَرَامِ يَنْوِي بِهَا الظِّهَارَ ، فَكَانَتْ ظِهَارًا ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ الظِّهَارُ بِنِيَّتِهِ ، وَلَا يَكُونُ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّهُ زَاحَمَتْ نِيَّتُهُ نِيَّةَ الظِّهَارِ ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ ، وَالظِّهَارُ أَوْلَى بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ ، فَيَجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ مَا هُوَ الْأَوْلَى ، أَمَّا الطَّلَاقُ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْإِطْلَاقُ ، وَهُوَ حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ ، وَإِنَّمَا التَّحْرِيمُ حُكْمٌ لَهُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ ، وَقَدْ يَنْفَكُّ عَنْهُ ؛ فَإِنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُطَلَّقَةٌ مُبَاحَةٌ .
وَأَمَّا التَّخْيِيرُ فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدْ ثَبَتَ حُكْمُهَا حِينَ لَفَظَ بِهَا ؛ لِكَوْنِهِ أَهْلًا وَالْمَحَلِّ قَابِلًا ، وَلِهَذَا لَوْ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ طَلَاقٌ ، لَكَانَتْ عِدَّتُهَا مِنْ حِينِ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ ، وَلَيْسَ إلَيْهِ رَفْعُ حُكْمٍ ثَبَتَ فِي الْمَحَلِّ بِاخْتِيَارِهِ ، وَإِبْدَالُهُ بِإِرَادَتِهِ ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَهُ الِاخْتِيَارَ .
وَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .
ثُمَّ إنَّ الِاعْتِبَارَ بِجَمِيعِ لَفْظِهِ ، لَا بِمَا بَدَأَ بِهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ : طَلَّقْتُ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ .
لَمْ يَلْزَمْ طَلَاقُ الْأُولَى .

( 6174 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إذَا شَبَّهَ عُضْوًا مِنْ امْرَأَتِهِ بِظَهْرِ أُمِّهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا ، فَهُوَ مُظَاهِرٌ ، فَلَوْ قَالَ : فَرْجُك ، أَوْ ظَهْرُك ، أَوْ رَأْسُك ، أَوْ جِلْدُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، أَوْ بَدَنِهَا ، أَوْ رَأْسِهَا ، أَوْ يَدِهَا .
فَهُوَ مُظَاهِرٌ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .
وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَيْسَ بِمُظَاهِرٍ حَتَّى يُشَبِّهَ جُمْلَةَ امْرَأَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَا يَمَسُّ عُضْوًا مِنْهَا ، لَمْ يَسْرِ إلَى غَيْرِهِ ، فَكَذَلِكَ الْمُظَاهَرَةُ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ؛ لِأَنَّ تَشْبِيهَ جُمْلَتِهَا تَشْبِيهٌ لِمَحَلِّ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا يَتَأَكَّدُ تَحْرِيمُهُ ، وَفِيهِ تَحْرِيمٌ لِجُمْلَتِهَا ، فَيَكُونُ آكَدُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ شَبَّهَهَا بِمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الْأُمِّ ، كَالْفَرْجِ ، وَالْفَخِذِ ، وَنَحْوِهِمَا ، فَهُوَ مُظَاهِرٌ ، وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ النَّظَرُ إلَيْهِ ، كَالرَّأْسِ ، وَالْوَجْهِ ، لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِعُضْوِ لَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ، كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِعُضْوِ زَوْجَةٍ لَهُ أُخْرَى .
وَلَنَا أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ مِنْ أُمِّهِ ، فَكَانَ مُظَاهِرًا ، كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِهَا ، وَفَارَقَ الزَّوْجَةَ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ، وَالنَّظَرُ إنْ لَمْ يَحْرُمْ ، فَإِنَّ التَّلَذُّذَ يَحْرُمُ ، وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ .

( 6175 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : كَشَعْرِ أُمِّي ، أَوْ سِنِّهَا ، أَوْ ظُفْرِهَا .
أَوْ شَبَّهَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ امْرَأَتِهِ بِأُمِّهِ ، أَوْ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا ، لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَعْضَاءِ الْأُمِّ الثَّابِتَةِ ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهَا ، فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : كَزَوْجِ أُمِّي .
فَإِنَّ الزَّوْجَ لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ ، وَلَا هُوَ مَحَلٌّ لِلِاسْتِمْتَاعِ .
وَكَذَلِكَ الرِّيقُ ، وَالْعَرَقُ ، وَالدَّمْعُ .
وَإِنْ قَالَ : وَجْهِي مِنْ وَجْهِك حَرَامٌ .
فَلَيْسَ بِظِهَارٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : هَذَا شَيْءٌ يَقُولُهُ النَّاسُ ، لَيْسَ بِشَيْءٍ .
وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي غَيْرِ الظِّهَارِ ، وَلَا يُؤَدِّي مَعْنَى الظِّهَارِ ، فَلَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَا أُكَلِّمُك .

( 6176 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنَا مُظَاهِرٌ ، أَوْ عَلَيَّ الظِّهَارُ ، أَوْ عَلَيَّ الْحَرَامُ ، أَوْ الْحَرَامُ لِي لَازِمٌ .
وَلَا نِيَّةَ لَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الظِّهَارِ ، وَلَا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ .
وَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ ، أَوْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ الظِّهَارَ ، مِثْلَ أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى شَرْطٍ ، فَيَقُولَ : عَلَيَّ الْحَرَامُ إنْ كَلَّمْتُك .
احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ ، فَصَحَّ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ ، كَالطَّلَاقِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ بِهِ الظِّهَارُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِهِ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِغَيْرِ الصَّرِيحِ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى .

( 6177 ) فَصْلٌ : يُكْرَهُ أَنْ يُسَمِّي الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ ، كَأُمِّهِ ، أَوْ أُخْتِهِ ، أَوْ بِنْتِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ ، { أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : يَا أُخَيَّةُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُخْتُك هِيَ ، .
فَكَرِهَ ذَلِكَ ، وَنَهَى عَنْهُ .
} وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يُشْبِهُ لَفْظَ الظِّهَارِ .
وَلَا تَحْرُمُ بِهَذَا ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الظِّهَارِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ لَهُ : حَرُمَتْ عَلَيْك .
وَلِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الظِّهَارِ وَلَا نَوَاهُ بِهِ ، فَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ .
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرْسَلَ إلَيْهِ جَبَّارٌ ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا يَعْنِي عَنْ سَارَةَ فَقَالَ : إنَّهَا أُخْتِي .
وَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ ظِهَارًا .

( 6178 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّ الْمُظَاهِرَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ .
وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ إذَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عِتْقًا أَوْ صَوْمًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .
وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ إلَى إبَاحَةِ الْجِمَاعِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بِالْإِطْعَامِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعْ الْمَسِيسَ قَبْلَهُ ، كَمَا فِي الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ .
وَلَنَا مَا رَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي تَظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي ، فَوَقَعْت عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ .
فَقَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ ؟ قَالَ : رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ .
قَالَ : فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَلِأَنَّهُ مُظَاهِرٌ لَمْ يُكَفِّرْ ، فَحَرُمَ عَلَيْهِ جِمَاعُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ كَفَّارَتُهُ الْعِتْقَ أَوْ الصِّيَامَ ، وَتَرْكُ النَّصِّ عَلَيْهَا لَا يَمْنَعُ قِيَاسَهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ الَّذِي فِي مَعْنَاهَا .
( 6179 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا التَّلَذُّذَ بِمَا دُونَ الْجِمَاعِ ، مِنْ الْقُبْلَةِ ، وَاللَّمْسِ ، وَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا يَحْرُمُ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مَا حَرَّمَ الْوَطْءَ مِنْ الْقَوْلِ حَرَّمَ دَوَاعِيَهُ ،

كَالطَّلَاقِ وَالْإِحْرَامِ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَحْرُمُ .
قَالَ أَحْمَدُ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ .
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيمِهِ مَالٌ ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ التَّحْرِيمُ ، كَوَطْءِ الْحَائِضِ .

( 6180 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ أَمَتِهِ ، وَلَا أُمِّ وَلَدِهِ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ .
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْحَكَمِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، فِي الظِّهَارِ مِنْ الْأَمَةِ كَفَّارَةٌ تَامَّةٌ ؛ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ ، فَصَحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا كَالزَّوْجَةِ .
وَعَنْ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، إنْ كَانَ يَطَؤُهَا فَهُوَ ظِهَارٌ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَطَأْهَا فَهُوَ كَتَحْرِيمِ مَالِهِ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : عَلَيْهِ نِصْفُ كَفَّارَةِ حُرَّةٍ ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهَا ، وَهَذَا مِنْ أَحْكَامِهَا ، فَتَكُونُ عَلَى النِّصْفِ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } فَخَصَّهُنَّ بِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ ، فَلَا تَحْرُمُ بِهِ الْأَمَةُ ، كَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَنُقِلَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ مَحَلُّهُ .
قَالَ أَحْمَدُ : قَالَ أَبُو قِلَابَةَ ، وَقَتَادَةُ : إنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلَى الْمُظَاهِرِ مِنْ أَمَتِهِ كَفَّارَةَ ظِهَارٍ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَتَوَجَّهُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ كَانَ ظِهَارًا ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَمُبَاحٍ مِنْ مَالِهِ ، فَكَانَتْ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، كَتَحْرِيمِ سَائِرِ مَالِهِ .
قَالَ نَافِعٌ : { حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَارِيَتَهُ ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ .
} وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَرْأَةِ إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا : أَنْتَ عَلَيَّ

كَظَهْرِ أَبِي .
لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ .
وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .
فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } .
إلَى قَوْله تَعَالَى : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } نَزَلَتْ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَارِيَتِهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ .
وَيُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنْ تَلْزَمهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ ظِهَارٌ .
وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 6181 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُؤَقَّتًا ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرًا ، أَوْ حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ .
فَإِذَا مَضَى الْوَقْتُ زَالَ الظِّهَارُ ، وَحَلَّتْ الْمَرْأَةُ بِلَا كَفَّارَةٍ ، وَلَا يَكُونُ عَائِدًا إلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ .
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَقَوْلُهُ الْآخَرُ : لَا يَكُونُ ظِهَارًا .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَاللَّيْثُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِلَفْظِ الظِّهَارِ مُطْلَقًا ، وَهَذَا لَمْ يُطْلِقْ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَبَّهَهَا بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ .
وَقَالَ طَاوُسٌ : إذَا ظَاهَرَ فِي وَقْتٍ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَإِنْ بَرَّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَسْقُطُ التَّأْقِيتُ ، وَيَكُونُ ظِهَارًا مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ هَذَا لَفْظٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ ، فَإِذَا وَقَّتَهُ لَمْ يَتَوَقَّتْ كَالطَّلَاقِ .
وَلَنَا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ، وَقَوْلُهُ : ظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ .
وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَصَابَهَا فِي الشَّهْرِ ، فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ .
وَلَمْ يَعْتَبِرْ عَلَيْهِ تَقْيِيدَهُ ، وَلِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهَا بِيَمِينٍ لَهَا كَفَّارَةٌ ، فَصَحَّ مُؤَقَّتًا كَالْإِيلَاءِ ، وَفَارَقَ الطَّلَاقَ ؛ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ ، وَهُوَ يُوقِعُ تَحْرِيمًا يَرْفَعُهُ التَّكْفِيرُ ، فَجَازَ تَأْقِيتُهُ .
وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ وَإِنْ بَرَّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الَّذِينَ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ، وَمَنْ بَرَّ وَتَرَك الْعَوْدَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي ظَاهَرَ فَلَمْ يَعُدْ لِمَا قَالَ ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .
وَفَارَقَ التَّشْبِيهَ بِمَنْ لَا تَحْرُمُ عَلَى التَّأْبِيدِ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا غَيْرُ كَامِلٍ ، وَهَذِهِ حَرَّمَهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ تَحْرِيمًا مُشَبَّهًا بِتَحْرِيمِ ظَهْرِ أُمِّهِ .
عَلَى أَنَّنَا نَمْنَعُ الْحُكْمَ فِيهَا .
إذَا ثَبَتَ

هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَائِدًا إلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ .
وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : إنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا عَقِيبَ الظِّهَارِ ، فَهُوَ عَائِدٌ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : إذَا أَجْمَعَ عَلَى غَشَيَانهَا فِي الْوَقْتِ ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ .
وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ .
وَلَنَا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ إلَّا بِالْوَطْءِ ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ لَمْ يَحْنَثْ فِيهَا ، فَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَتُهَا ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَلِأَنَّ الْمُظَاهِرَ فِي وَقْتٍ ، عَازِمٌ عَلَى إمْسَاكِ زَوْجَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ بِذَلِكَ ، كَانَ قَوْلُهُ كَقَوْلِ طَاوُسٍ ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ : يَصِحُّ الظِّهَارُ مُؤَقَّتًا لِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْوَقْتِ .

( 6182 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الظِّهَارِ بِالشُّرُوطِ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، وَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
فَمَتَى شَاءَ زَيْدٌ أَوْ دَخَلَتْ الدَّارَ ، صَارَ مُظَاهِرًا ، وَإِلَّا فَلَا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ ، فَجَازَ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالْإِيلَاءِ ، وَلِأَنَّ أَصْلَ الظِّهَارِ أَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا ، وَالطَّلَاقُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ ، فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَحْرُمُ بِهِ الزَّوْجَةُ ، فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالطَّلَاقِ .
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ تَظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي الْأُخْرَى ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
ثُمَّ تَظَاهَرَ مِنْ الْأُخْرَى ، صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهُمَا جَمِيعًا .
وَإِنْ قَالَ : إنْ تَظَاهَرْت مِنْ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
ثُمَّ قَالَ لِلْأَجْنَبِيَّةِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
صَارَ مُظَاهِرًا مِنْ امْرَأَتِهِ ، عِنْدَ مَنْ يَرَى الظِّهَارَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ ، وَمَنْ لَا فَلَا .
وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 6183 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ شَاءَ اللَّهُ .
لَمْ يَنْعَقِدْ ظِهَارُهُ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : هِيَ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، هِيَ يَمِينٌ .
وَإِذَا قَالَ : مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَلَهُ أَهْلٌ ، هِيَ يَمِينٌ ، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ ، فَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ كَتَحْرِيمِ مَالِهِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .
فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ } .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَفِي لَفْظٍ { : مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى ، فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ غَيْرَ حِنْثٍ } .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .
وَإِنْ قَالَ : " أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ " ، " وَوَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُك إنْ شَاءَ اللَّهُ " .
عَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهِمَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا ، عَادَ إلَى جَمِيعِهَا ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي بَعْضِهَا ، فَيَعُودَ إلَيْهِ وَحْدَهُ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إذَا شَاءَ اللَّهُ ، أَوْ إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ، أَوْ إلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ .
فَكُلُّهُ اسْتِثْنَاءٌ يَرْفَعُ حُكْمَ الظِّهَارِ .
وَإِنْ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَنْتِ حَرَامٌ .
فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ يَرْفَعُ حُكْمَ الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا تَقَدَّمَ يُجَابُ بِالْفَاءِ .
وَإِنْ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ حَرَامٌ .
فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ مُقَدَّرَةٌ .
وَإِنْ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَنْتِ حَرَامٌ .
صَحَّ أَيْضًا ، وَالْفَاءُ زَائِدَةٌ .
وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ حَرَامٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَشَاءَ زَيْدٌ .
فَشَاءَ زَيْدٌ ، لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا ؛

لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَتَيْنِ ، فَلَا يَحْصُلُ بِإِحْدَاهُمَا .

( 6184 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : فَإِنْ مَاتَ ، أَوْ مَاتَتْ ، أَوْ طَلَّقَهَا ، لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ .
فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا ، لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ بِالْعَوْدِ ، وَهُوَ الْوَطْءُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْمُظَاهِرِ قَبْلَ الْحِنْثِ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ : ( 6185 ) أَحَدُهَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ أَحَدُهَا : أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ ، فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ فَارَقَهَا قَبْلَ الْعَوْدِ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ طَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ وَقَدْ وُجِدَ ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ لِقَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَتَى أَمْسَكَهَا بَعْدَ ظِهَارِهِ زَمَنًا يُمْكِنُهُ طَلَاقُهَا فِيهِ ، فَلَمْ يُطَلِّقْهَا ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .
لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْعَوْدُ عِنْدَهُ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .
فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِأَمْرَيْنِ ، ظِهَارٍ وَعَوْدٍ ، فَلَا تَثْبُتُ بِأَحَدِهِمَا ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الظِّهَارِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِغَيْرِ الْحِنْثِ ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَالْحِنْثُ فِيهَا هُوَ الْعَوْدُ ، وَذَلِكَ فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَهُوَ الْجِمَاعُ ، وَتَرْكُ طَلَاقِهَا لَيْسَ بِحِنْثٍ فِيهَا ، وَلَا فِعْلٍ لَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ ، فَلَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِمْسَاكُ عَوْدًا ، لَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمُظَاهِرِ الْمُوَقِّتِ وَإِنْ بَرَّ .
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ

عَلَيْهِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وَطْئِهَا .
وَكَذَلِكَ إنْ فَارَقَهَا ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مُتَرَاخِيًا عَنْ يَمِينِهِ ، أَوْ عَقِيبَهُ وَأَيُّهُمَا مَاتَ وَرِثَهُ صَاحِبُهُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : إنْ مَاتَتْ ، لَمْ يَرِثْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ .
وَلَنَا أَنَّ مَنْ وَرِثَهَا إذَا كَفَّرَ وَرِثَهَا وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ ، كَالْمُولِي مِنْهَا .

( 6186 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ مَنْ ظَاهَرَ مِنْهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ .
سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ .
وَسَوَاءٌ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ ، أَوْ قَبْلَهُ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : إذَا بَانَتْ سَقَطَ الظِّهَارُ ، فَإِذَا عَادَ فَنَكَحَهَا ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ ، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ ، إنْ كَانَتْ الْبَيْنُونَةُ بِالثَّلَاثِ ، لَمْ يَعُدْ الظِّهَارُ ، وَإِلَّا عَادَ .
وَبَنَاهُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ فِي عَوْدِ صِفَةِ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي .
وَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .
وَهَذَا قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ، فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَتَمَاسَّا حَتَّى يُكَفِّرَ ، وَلِأَنَّهُ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ مَسُّهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ، كَاَلَّتِي لَمْ يُطَلِّقْهَا ، وَيَمِينُ الظِّهَارَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ ، فَلَمْ يَبْطُلْ حُكْمُهَا بِالطَّلَاقِ ، كَالْإِيلَاءِ .

( 6187 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْعَوْدَ هُوَ الْوَطْءُ ، فَمَتَى وَطِئَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، وَلَا تَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهَا شَرْطٌ لِحِلِّ الْوَطْءِ ، فَيُؤْمَرُ بِهَا مَنْ أَرَادَهُ لِيَسْتَحِلَّهُ بِهَا ، كَمَا يُؤْمَرُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ مَنْ أَرَادَ حِلَّ الْمَرْأَةِ .
وَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
إلَّا أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ وَطِئَ ، وَهِيَ عِنْدَهُ فِي حَقِّ مَنْ وَطِئَ كَمَنْ لَمْ يَطَأْ .
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ : الْعَوْدُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ .
إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْعَازِمِ عَلَى الْوَطْءِ ، إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الْوَطْءِ ، إلَّا أَبَا الْخَطَّابِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا مَاتَ بَعْدَ الْعَزْمِ ، أَوْ طَلَّقَ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .
وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا ، فَقَالَ : مَالِكٌ يَقُولُ : إذَا أَجْمَعَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ .
فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا ، إذَا طَلَّقَهَا بَعْدَمَا يُجْمِعُ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ طَاوُسٍ : إذَا تَكَلَّمَ بِالظِّهَارِ لَزِمَهُ مِثْلُ الطَّلَاقِ .
وَلَمْ يُعْجِبْ أَحْمَدَ قَوْلُ طَاوُسٍ .
وَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } .
قَالَ : الْعَوْدُ الْغَشَيَانُ ، إذَا أَرَادَ أَنْ يَغْشَى كَفَّرَ .
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .
فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ الْعَوْدِ قَبْلَ التَّمَاسِّ ، وَمَا حَرُمَ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ ، لَا يَجُوزُ كَوْنُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِالظِّهَارِ تَحْرِيمَهَا ، فَالْعَزْمُ عَلَى وَطْئِهَا عَوْدٌ فِيمَا قَصَدَهُ ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ ، فَإِذَا أَرَادَ اسْتِبَاحَتَهَا ، فَقَدْ رَجَعَ فِي ذَلِكَ التَّحْرِيمِ ، فَكَانَ عَائِدًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْعَوْدُ إمْسَاكُهَا بَعْدَ ظِهَارِهِ زَمَنًا يُمْكِنُهُ طَلَاقُهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ ظِهَارَهُ

مِنْهَا يَقْتَضِي إبَانَتَهَا ، فَإِمْسَاكُهَا عَوْدٌ فِيمَا قَالَ .
وَقَالَ دَاوُد : الْعَوْدُ ، تَكْرَارُ الظِّهَارِ مَرَّةً ثَانِيَةً ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الشَّيْءِ إعَادَتُهُ .
وَلَنَا أَنَّ الْعَوْدَ فِعْلُ ضِدِّ قَوْلِهِ ، وَمِنْهُ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ ، هُوَ الرَّاجِعُ فِي الْمَوْهُوبِ ، وَالْعَائِدُ فِي عِدَتِهِ ، التَّارِكُ لِلْوَفَاءِ بِمَا وَعَدَ ، وَالْعَائِدُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ فَاعِلُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ } .
فَالْمُظَاهِرُ مُحَرِّمٌ لِلْوَطْءِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَمَانِعٌ لَهَا مِنْهُ ، فَالْعَوْدُ فِعْلُهُ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْعَوْدَ يَتَقَدَّمُ التَّكْفِيرَ ، وَالْوَطْءَ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ .
قُلْنَا : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ثُمَّ يَعُودُونَ .
أَيْ يُرِيدُونَ الْعَوْدَ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } .
أَيْ أَرَدْتُمْ ذَلِكَ .
وقَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا تَأْوِيلٌ ، ثُمَّ هُوَ رُجُوعٌ إلَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِالْعَزْمِ الْمُجَرَّدِ .
قُلْنَا : دَلِيلُ التَّأْوِيلِ ، مَا ذَكَرْنَا .
وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْعَزْمِ فَإِنَّمَا أَمَرَ بِهَا شَرْطًا لِلْحِلِّ ، كَالْأَمْرِ بِالطَّهَارَةِ لِمَنْ أَرَادَ صَلَاةَ النَّافِلَةِ ، وَالْأَمْرِ بِالنِّيَّةِ لِمَنْ أَرَادَ الصِّيَامَ .
فَأَمَّا الْإِمْسَاكُ فَلَيْسَ بِعَوْدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْدٍ فِي الظِّهَارِ الْمُؤَقَّتِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُطْلَقِ ، وَلِأَنَّ الْعَوْدَ فِعْلُ ضِدِّ مَا قَالَهُ ، وَالْإِمْسَاكُ لَيْسَ بِضِدٍّ لَهُ ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الظِّهَارَ يَقْتَضِي إبَانَتَهَا .
لَا يَصِحُّ ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا وَاجْتِنَابَهَا ، وَلِذَلِكَ صَحَّ تَوْقِيتُهُ ، وَلِأَنَّهُ قَالَ : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } .
وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي ، وَالْإِمْسَاكُ غَيْرُ مُتَرَاخٍ .
وَأَمَّا قَوْلُ دَاوُد فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَوْسًا وَسَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ بِالْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ اللَّفْظِ ، وَلِأَنَّ الْعَوْدَ إنَّمَا هُوَ فِي

مَقُولِهِ دُونَ قَوْلِهِ ، كَالْعَوْدِ فِي الْهِبَةِ وَالْعِدَةِ ، وَالْعَوْدِ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى إبْطَالِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا أَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ ، فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إلَّا بِالْحِنْثِ فِيهَا ، وَهُوَ فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِذَلِكَ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ تَقْتَضِي تَرْكَ الْوَطْءِ ، فَلَا تَجِبُ كَفَّارَتُهَا إلَّا بِهِ ، كَالْإِيلَاءِ .

( 6188 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَةِ أَجْنَبِيَّةٍ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَمِّي .
لَمْ يَطَأْهَا إنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِالْكَفَّارَةِ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ الظِّهَارَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ يَصِحُّ ، سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ لَامْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا ، أَوْ قَالَ : كُلُّ النِّسَاءِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
وَسَوَاءٌ أَوْقَعَهُ مُطْلَقًا ، أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى التَّزْوِيجِ ، فَقَالَ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا ، فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
وَمَتَى تَزَوَّجَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا ، لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ .
يُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُ الظِّهَارِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ .
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } .
وَالْأَجْنَبِيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِحُكْمِهَا مُقَيَّدًا بِنِسَائِهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهَا فِي الْأَجْنَبِيَّةِ ، كَالْإِيلَاءِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } .
كَمَا قَالَ : { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا ، كَأَمَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ حَرَّمَ مُحَرَّمَةً ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ حَرَامٌ .
وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَحْرِيمٍ ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ النِّكَاحَ ، كَالطَّلَاقِ .
وَلَنَا مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ ، فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
فَتَزَوَّجَهَا .
قَالَ : عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ .
وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ ، فَصَحَّ انْعِقَادُهَا قَبْلَ النِّكَاحِ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى .
أَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّ التَّخْصِيصَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ؛

فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُظَاهِرُ مِنْ نِسَائِهِ ، فَلَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِهِنَّ ، كَمَا أَنْ تَخْصِيصَ الرَّبِيبَةِ الَّتِي فِي حِجْرِهِ بِالذِّكْرِ ، لَمْ يُوجِبْ اخْتِصَاصَهَا بِالتَّحْرِيمِ ، وَأَمَّا الْإِيلَاءُ ، فَإِنَّمَا اخْتَصَّ حُكْمُهُ بِنِسَائِهِ ؛ لِكَوْنِهِ يَقْصِدُ الْإِضْرَارَ بِهِنَّ دُونَ غَيْرِهِنَّ وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَتْ هَاهُنَا لِقَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنِسَائِهِ ، وَيُفَارِقُ الظِّهَارُ الطَّلَاقَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الطَّلَاقَ حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ ، وَلَا يُمْكِنُ حَلُّهُ قَبْلَ عَقْدِهِ وَالظِّهَارُ تَحْرِيمٌ لِلْوَطْءِ ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْعَقْدِ كَالْحَيْضِ .
الثَّانِي ، أَنَّ الطَّلَاقَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْبِقَهُ ، وَهَذَا لَا يَرْفَعُهُ ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ الْإِبَاحَةُ عَلَى شَرْطٍ ، فَجَازَ تَقَدُّمُهُ .
وَأَمَّا الظِّهَارُ مِنْ الْأَمَةِ ، فَقَدْ انْعَقَدَ يَمِينًا وَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، وَلَمْ تَجِبْ بِهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَةً لَهُ حَالَ التَّكْفِيرِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .

( 6189 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : كُلّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا ، فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
ثُمَّ تَزَوَّجَ نِسَاءً وَأَرَادَ الْعَوْدَ ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، فَكَفَّارَتُهَا وَاحِدَةٌ .
كَمَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسَاءٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَعَنْهُ أَنَّ لِكُلِّ عَقْدٍ كَفَّارَةً ؛ فَلَوْ تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ فِي عَقْدٍ ، وَأَرَادَ الْعَوْدَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، ثُمَّ إذَا تَزَوَّجَ أُخْرَى ، وَأَرَادَ الْعَوْدَ ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الثَّالِثَةَ وُجِدَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الظِّهَارُ ، وَأَرَادَ الْعَوْدَ إلَيْهَا بَعْدَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْأُولَيَيْنِ ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ لَهَا كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا ابْتِدَاءً .
وَلَوْ قَالَ لَأَجْنَبِيَّةٍ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
وَقَالَ : أَرَدْتُ أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي التَّحْرِيمِ فِي الْحَالِ .
دُيِّنَ فِي ذَلِكَ .
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ لِلظِّهَارِ ، فَلَا يُقْبَلُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ .
وَالثَّانِي : يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ ، كَمَا أَنَّ أُمَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ .

( 6190 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .
وَأَرَادَ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَإِنْ تَزَوَّجَهَا ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ .
وَإِنْ أَرَادَ فِي كُلِّ حَالٍ ، لَمْ يَطَأْهَا إنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَمَّا إذَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .
الْإِخْبَارَ عَنْ حُرْمَتِهَا فِي الْحَالِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ ؛ لِكَوْنِهِ وَصَفَهَا بِصِفَتِهَا ، وَلَمْ يَقُلْ مُنْكَرًا وَلَا زُورًا .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَطْلَقَ هَذَا الْقَوْلَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ .
وَإِنْ أَرَادَ تَحْرِيمَهَا فِي كُلِّ حَالٍ ، فَهُوَ ظِهَارٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ الْحَرَامِ ، إذَا أُرِيدَ بِهَا الظِّهَارُ ، ظِهَارٌ فِي الزَّوْجَةِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .

مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ ، وَهِيَ أَمَةٌ ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى مَلَكَهَا ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، وَلَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الظِّهَارَ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ ، أَمَةً كَانَتْ أَوْ حُرَّةً .
فَإِذَا ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ ، ثُمَّ مَلَكَهَا .
انْفَسَخَ النِّكَاحُ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بَقَاءِ حُكْمِ الظِّهَارِ ؛ فَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّهُ بَاقٍ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ حَتَّى يُكَفِّرَ .
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .
وَهَذَا قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ، فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ مَسُّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ قَدْ صَحَّ فِيهَا ، وَحُكْمُهُ لَا يَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ الْمُزِيلِ لِلْمِلْكِ وَالْحِلِّ ، فَبِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لَكَفَّارَةٍ ، فَوَجَبَتْ دُونَ غَيْرِهَا ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : يَسْقُطُ الظِّهَارُ بِمِلْكِهِ لَهَا ، وَإِنْ وَطِئَهَا حَنِثَ ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، كَمَا لَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا ، وَهِيَ أَمَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ الزَّوْجَاتِ ، وَصَارَ وَطْؤُهُ لَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، فَلَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، كَمَا لَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا وَهِيَ أَمَتُهُ .
وَيَقْتَضِي قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ هَذَا أَنْ تُبَاحَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الظِّهَارَ ، وَجَعَلَهُ يَمِينًا ، كَتَحْرِيمِ أَمَتِهِ .
فَإِنْ أَعْتَقَهَا عَنْ كَفَّارَتِهِ ، صَحَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ .
فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، حَلَّتْ لَهُ بِغَيْرِ كَفَّارَةٍ ؛ لِأَنَّهُ كَفَّرَ عَنْ ظِهَارِهِ بِإِعْتَاقِهَا ، وَلَا يَمْتَنِعُ إجْزَاؤُهَا عَنْ الْكَفَّارَةِ الَّتِي وَجَبَتْ بِسَبَبِهَا ، كَمَا لَوْ

قَالَ : إنْ مَلَكْتُ أَمَةً ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَمَلَكَ أَمَةً ، فَأَعْتَقَهَا .
وَإِنْ أَعْتَقَهَا عَنْ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، عَادَ حُكْمُ الظِّهَارِ ، وَلَمْ تَحِلّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ .

( 6192 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَلَوْ تَظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ : أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ .
بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَعُمَرَ وَعُرْوَةَ ، وَطَاوُسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي الْجَدِيدِ : عَلَيْهِ لِكُلِّ امْرَأَةٍ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الظِّهَارُ وَالْعَوْدُ فِي حَقِّ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهَا بِهِ .
وَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَوَاهُ عَنْهُمَا الْأَثْرَمُ ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ كَلِمَةٌ تَجِبُ بِمُخَالَفَتِهَا الْكَفَّارَةُ ، فَإِذَا وُجِدَتْ فِي جَمَاعَةٍ أَوْجَبَتْ كَفَّارَةً وَاحِدَةً ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى .
وَفَارَقَ مَا إذَا ظَاهَرَ بِكَلِمَاتٍ ؛ فَإِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَقْتَضِي كَفَّارَةً تَرْفَعُهَا ، وَتُكَفِّرُ إثْمَهَا .
وَهَاهُنَا الْكَلِمَةُ وَاحِدَةٌ ، فَالْكَفَّارَةُ الْوَاحِدَةُ تَرْفَعُ حُكْمَهَا ، وَتَمْحُوا إثْمَهَا ، فَلَا يَبْقَى لَهَا حُكْمٌ .

( 6193 ) فَصْلٌ : وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ إذَا ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَاتٍ ، فَقَالَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
فَإِنَّ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةً .
وَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ ، وَعَطَاءٍ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : الْمَذْهَبُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ فِي هَذَا .
قَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ عِنْدِي مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .
وَاخْتَارَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ اتِّبَاعًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَرَبِيعَةَ ، وَقَبِيصَةَ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ حَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ تَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهَا ، كَالْحَدِّ ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ الطَّلَاقُ .
وَلَنَا أَنَّهَا أَيْمَانٌ مُتَكَرِّرَةٌ عَلَى أَعْيَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ ثُمَّ ظَاهَرَ ، وَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ لَا يَحْنَثُ فِي إحْدَاهَا بِالْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى ، فَلَا تُكَفِّرُهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَالْأَصْلِ ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ مَعْنًى يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، فَتَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِهِ فِي الْمَحَالِّ الْمُخْتَلِفَةِ ، كَالْقَتْلِ ، وَيُفَارِقُ الْحَدَّ ، فَإِنَّهُ عُقُوبَةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .
فَأَمَّا إنْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ مِرَارًا وَلَمْ يُكَفِّرْ ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ وَاحِدٌ ، فَوَجَبَتْ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ وَاحِدَةً .

( 6194 ) فَصْلٌ : إذَا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَةٍ ، ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى : أَشْرَكْتُك مَعَهَا ، أَوْ أَنْتِ شَرِيكَتُهَا ، أَوْ كَهِيَ .
وَنَوَى الْمُظَاهَرَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ ، صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهَا .
بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ .
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَإِنْ أَطْلَقَ صَارَ مُظَاهِرًا أَيْضًا ، إذَا كَانَ عَقِيبَ مُظَاهَرَتِهِ مِنْ الْأُولَى ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الظِّهَارِ ، وَلَا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ فَلَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ، كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُظَاهِرَ مِنْ الْأُولَى ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا شَرِيكَتُهَا فِي دِينِهَا ، أَوْ فِي الْخُصُومَةِ ، أَوْ فِي النِّكَاحِ ، أَوْ سُوءِ الْخُلُقِ ، فَلَمْ تُخَصَّصْ بِالظِّهَارِ إلَّا بِالنِّيَّةِ ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الشَّرِكَةَ وَالتَّشْبِيهَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ ، فَوَجَبَ تَعْلِيقُهُ بِالْمَذْكُورِ مَعَهُ ، كَجَوَابِ السُّؤَالِ فِيمَا إذَا قِيلَ لَهُ : أَلَكَ امْرَأَةٌ ؟ فَقَالَ : قَدْ طَلَّقْتُهَا .
وَكَالْعَطْفِ مَعَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، وَالصِّفَةِ مَعَ الْمَوْصُوفِ وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ كِنَايَةٌ لَمْ يَنْوِ بِهَا الظِّهَارَ .
قُلْنَا : قَدْ وُجِدَ دَلِيلُ النِّيَّةِ ، فَيُكْتَفَى بِهَا .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَحْتَمِلُ .
قُلْنَا : مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقَرِينَةِ يُزِيلُ الِاحْتِمَالَ .
وَإِنْ بَقِيَ احْتِمَالٌ مَا ، كَانَ مَرْجُوحًا ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ، كَالِاحْتِمَالِ فِي اللَّفْظِ الصَّرِيحِ .

( 6195 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَالِمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ ( 6196 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنَّ كَفَّارَةَ الْمُظَاهِرِ الْقَادِرِ عَلَى الْإِعْتَاقِ ، عِتْقُ رَقَبَةٍ ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ .
بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } إلَى قَوْلُهُ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .
{ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ، حِينَ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ : يَعْتِقُ رَقَبَةً .
قُلْتُ : لَا يَجِدُ .
قَالَ : فَيَصُومُ } .
وَقَوْلُهُ لِسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ مِثْلَ ذَلِكَ .
فَمَنْ وَجَدَ رَقَبَةً يَسْتَغْنِي عَنْهَا ، أَوْ وَجَدَ ثَمَنَهَا فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ ، وَوَجَدَهَا بِهِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا الْإِعْتَاقُ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمُبْدَلِ إذَا مُنِعَ الِانْتِقَالُ إلَى الْبَدَلِ ، كَانَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى ثَمَنِهِ تَمْنَعُ الِانْتِقَالَ ، كَالْمَاءِ وَثَمَنِهِ ، يَمْنَعُ الِانْتِقَالَ إلَى التَّيَمُّمِ .
( 6197 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ .
هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيمَا عَدَا كَفَّارَةَ الْقَتْلِ مِنْ الظِّهَارِ وَغَيْرِهِ ، عِتْقُ رَقَبَةٍ ذِمِّيَّةٍ .
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الرَّقَبَةَ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ مَا تَنَاوَلَهُ الْإِطْلَاقُ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى { مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ ، قَالَ : كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : عَلَيَّ رَقَبَةٌ أَفَأَعْتِقُهَا ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ .
قَالَ : مَنْ أَنَا ؟ .
قَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْهَا ؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ } .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ .
فَعَلَّلَ جَوَازَ إعْتَاقِهَا عَنْ الرَّقَبَةِ الَّتِي عَلَيْهِ بِأَنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الرَّقَبَةِ الَّتِي عَلَيْهِ إلَّا مُؤْمِنَةٌ ، وَلِأَنَّهُ تَكْفِيرٌ بِعِتْقٍ ، فَلَمْ يَجُزْ إلَّا مُؤْمِنَةً ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ .
وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ إذَا وُجِدَ الْمَعْنَى فِيهِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ ، فَإِنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا ، فَالتَّقْيِيدُ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْكُفْرِ أَوْلَى .

( 6198 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا رَقَبَةٌ سَالِمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَمْلِيكُ الْعَبْدِ مَنَافِعَهُ ، وَيُمْكِنُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا مَعَ مَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا ، فَلَا يُجْزِئُ الْأَعْمَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ فِي أَكْثَرِ الصَّنَائِعِ ، وَلَا الْمُقْعَدُ ، وَلَا الْمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ آلَةُ الْبَطْشِ ، فَلَا يُمْكِنْهُ الْعَمَلُ مَعَ فَقْدِهِمَا ، وَالرِّجْلَانِ آلَةُ الْمَشْيِ ، فَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعَمَلِ مَعَ تَلَفِهِمَا .
وَالشَّلَلُ كَالْقَطْعِ فِي هَذَا .
وَلَا يُجْزِئُ الْمَجْنُونَ جُنُونًا مُطْبِقًا ، لِأَنَّهُ وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَيَانِ ، ذَهَابُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ، وَحُصُولُ الضَّرَرِ بِالْعَمَلِ .
وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي .
وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد ، أَنَّهُ جَوَّزَ عِتْقَ كُلِّ رَقَبَةٍ يَقَعُ عَلَيْهَا الِاسْمُ ، أَخْذًا بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ .
وَلَنَا أَنَّ هَذَا نَوْعُ كَفَّارَةٍ ، فَلَمْ يُجْزِئْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَالْإِطْعَامِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ أَنْ يُطْعِمَ مُسَوَّسًا وَلَا عَفِنًا ، وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى طَعَامًا .
وَالْآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ .
( 6199 ) فَصْلٌ : وَلَا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ الْيَدِ ، أَوْ الرِّجْلِ ، وَلَا أَشَلُّهَا ، وَلَا مَقْطُوعُ إبْهَامِ الْيَدِ ، أَوْ سَبَّابَتِهَا ، أَوْ الْوُسْطَى ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْيَدِ يَذْهَبُ بِذَهَابِ هَؤُلَاءِ ، وَلَا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْيَدَيْنِ يَزُولُ أَكْثَرُهُ بِذَلِكَ .
وَإِنْ قُطِعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ يَدٍ جَازَ ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْكَفَّيْنِ بَاقٍ ، وَقَطْعُ أُنْمُلَةِ الْإِبْهَامِ كَقَطْعِ جَمِيعِهَا ؛ فَإِنَّ نَفْعَهَا يَذْهَبُ بِذَلِكَ ؛ لِكَوْنِهَا أُنْمُلَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْإِبْهَامِ لَمْ يَمْنَعْ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا لَا تَذْهَبُ ؛ فَإِنَّهَا تَصِيرُ كَالْأَصَابِعِ الْقِصَارِ ،

حَتَّى لَوْ كَانَتْ أَصَابِعُهُ كُلُّهَا غَيْرَ الْإِبْهَامِ قَدْ قُطِعَتْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا أُنْمُلَةٌ ، لَمْ يَمْنَعْ .
وَإِنْ قُطِعَ مِنْ الْإِصْبَعِ أُنْمُلَتَانِ ، فَهُوَ كَقَطْعِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِمَنْفَعَتِهَا .
وَهَذَا جَمِيعُهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِئُ مَقْطُوعُ إحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ ، وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ جَمِيعًا مِنْ خِلَافٍ أَجْزَأَتْ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ بَاقِيَةٌ ، فَأَجْزَأَتْ فِي الْكَفَّارَةِ ، كَالْأَعْوَرِ ، فَأَمَّا إنْ قُطِعَتَا مِنْ وِفَاقٍ ، أَيْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ ، لَمْ يُجْزِئْ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّيْءِ تَذْهَبُ .
وَلَنَا أَنَّ هَذَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَمَلِ ، وَيَضُرُّ ضَرَرًا بَيِّنًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ إجْزَاءَهَا ، كَمَا لَوْ قُطِعَتَا مِنْ وِفَاقٍ وَيُخَالِفُ الْعَوَرَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ ضَرَرًا بَيِّنًا .
وَالِاعْتِبَارُ بِالضَّرَرِ أَوْلَى مِنْ الِاعْتِبَارِ بِمَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ ذَهَبَ شَمُّهُ ، أَوْ قُطِعَتْ أُذُنَاهُ مَعًا ، أَجْزَأَ مَعَ ذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ، وَلَا يُجْزِئُ الْأَعْرَجُ إذَا كَانَ عَرَجًا كَثِيرًا فَاحِشًا ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ، فَهُوَ كَقَطْعِ الرِّجْلِ .
وَإِنْ كَانَ عَرَجًا يَسِيرًا ، لَمْ يَمْنَعْ الْإِجْزَاءَ ؛ لِأَنَّهُ قَلِيلُ الضَّرَرِ .
( 6200 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُ الْأَعْوَرُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ ، لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ وَالْإِجْزَاءَ فِي الْهَدْيِ ، فَأَشْبَهَ الْعَمَى .
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ ، وَتَمْلِيكُ الْعَبْدِ الْمَنَافِعَ ، وَالْعَوَرُ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ، فَأَشْبَهَ قَطْعَ إحْدَى الْأُذُنَيْنِ .
وَيُفَارِقُ الْعَمَى ؛ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا ، وَيَمْنَعُ كَثِيرًا مِنْ الصَّنَائِعِ ، وَيَذْهَبُ بِمَنْفَعَةِ الْجِنْسِ .
وَيُفَارِقُ قَطْعَ إحْدَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِإِحْدَاهُمَا مَا يَعْمَلُ بِهِمَا ، وَالْأَعْوَرُ

يُدْرِكُ بِإِحْدَى الْعَيْنَيْنِ مَا يُدْرِكُ بِهِمَا .
وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ وَالْهَدْيُ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْهُمَا مُجَرَّدُ الْعَوَرِ ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ انْخِسَافُ الْعَيْنِ ، وَذَهَابُ الْعُضْوِ الْمُسْتَطَابِ ، وَلِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ يُمْنَعُ فِيهَا قَطْعُ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ ، وَالْعِتْقُ لَا يُمْنَعُ فِيهِ إلَّا مَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ .
وَيُجْزِئُ الْمَقْطُوعُ الْأُذُنَيْنِ .
وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَزُفَرُ : لَا يُجْزِئُ .
لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، أَشْبَهَا الْيَدَيْنِ .
وَلَنَا ، أَنَّ قَطْعَهُمَا لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ الضَّرَرَ الْبَيِّنَ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ، كَنَقْصِ السَّمْعِ ، بِخِلَافِ قَطْعِ الْيَدَيْنِ .
وَيُجْزِئُ مَقْطُوعُ الْأَنْفِ كَذَلِكَ .
وَيُجْزِئُ الْأَصَمُّ إذَا فَهِمَ بِالْإِشَارَةِ .
وَيُجْزِئُ الْأَخْرَسُ إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ وَفَهِمَ بِالْإِشَارَةِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ ذَاهِبَةٌ ، فَأَشْبَهَ زَائِلَ الْعَقْلِ .
وَهَذَا الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ الْخَرَسَ نَقْصٌ كَثِيرٌ ، يَمْنَعُ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْكَامِ ، مِثْلُ الْقَضَاءِ ، وَالشَّهَادَةِ ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَفْهَمُ إشَارَتَهُ ، فَيَتَضَرَّرُ فِي تَرْكِ اسْتِعْمَالِهِ .
وَإِنْ اجْتَمَعَ الْخَرَسُ وَالصَّمَمُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُجْزِئُ .
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ؛ لِاجْتِمَاعِ النَّقْصَيْنِ فِيهِ ، وَذَهَابِ مَنْفَعَتَيْ الْجِنْسِ .
وَوَجْهُ الْإِجْزَاءِ ، أَنَّ الْإِشَارَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْكَلَامِ فِي الْإِفْهَامِ ، وَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ فَيُجْزِئُ فِي الْعِتْقِ ، كَاَلَّذِي ذَهَبَ شَمُّهُ .
فَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ شَمُّهُ فَيُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ وَلَا بِغَيْرِهِ فَأَمَّا الْمَرِيضُ ، فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْبُرْءِ كَالْحُمَّى وَمَا أَشْبَهَهَا ، أَجْزَأَ فِي الْكَفَّارَةِ .
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ ، كَالسِّلِّ ، وَنَحْوِهِ ، لَمْ يُجْزِئْ ؛ لِأَنَّ زَوَالَهُ يَنْدُرُ ، وَلَا

يَتَمَكَّنُ مِنْ الْعَمَلِ مَعَ بَقَائِهِ .
وَأَمَّا نِضْوُ الْخَلْقِ ، فَإِنْ كَانَ يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ الْعَمَلِ أَجْزَأَ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَيُجْزِئُ الْأَحْمَقُ ، وَهُوَ الَّذِي يُخْطِئُ عَلَى بَصِيرَةٍ ، وَيَصْنَعُ الْأَشْيَاءَ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ ، وَيَرَى الْخَطَأَ صَوَابًا ، وَمَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ ، وَالْخَصِيُّ ، وَالْمَجْبُوبُ ، وَالرَّتْقَاءُ ، وَالْكَبِيرُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ، لَا يَمْنَعُ تَمْلِيكَ الْعَبْدِ مَنَافِعَهُ ، وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ ، فَيَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِهِ كَالسَّالِمِ مِنْ الْعُيُوبِ .

( 6201 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُ عِتْقُ الْجَانِي وَالْمَرْهُونِ ، وَعِتْقُ الْمُفْلِسِ عَبْدَهُ ، إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ عِتْقِهِمْ ، وَعِتْقُ الْمُدَبَّرِ ، وَالْخَصِيِّ ، وَوَلَدِ الزِّنَا ؛ لِكَمَالِ الْعِتْقِ فِيهِمْ .

( 6202 ) فَصْلٌ : وَلَا يُجْزِئُ عِتْقُ الْمَغْصُوبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمْكِينِهِ مِنْ مَنَافِعِهِ ، وَلَا غَائِبٍ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَيَاتُهُ ، فَلَا يُعْلَمُ صِحَّةُ عِتْقِهِ .
وَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ خَبَرُهُ ، أَجْزَأَ عِتْقُهُ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ صَحِيحٌ .
وَلَا يُجْزِئُ عِتْقُ الْحَمْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ فِطْرَتُهُ ، وَلَا يُتَيَقَّنُ أَيْضًا وُجُودُهُ ، وَحَيَاتُهُ ، وَلَا عِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ ، وَالْمِلْكُ فِيهَا غَيْرُ كَامِلٍ ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا .
وَقَالَ طَاوُسٌ ، وَالْبَتِّيُّ : يُجْزِئُ عِتْقُهَا ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ صَحِيحٌ .
وَلَا يُجْزِئُ عِتْقُ مُكَاتَبٍ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا .
وَسَنَذْكُرُ هَذَا فِي الْكَفَّارَاتِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 6203 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ إذَا لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً ، أَنَّ فَرْضَهُ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .
وَحَدِيثُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ، وَسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ .
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ رَقَبَةً فَاضِلَةً عَنْ حَاجَتِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ رَقَبَةٌ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهَا لِزَمَنٍ ، أَوْ كِبَرٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ عِظَمِ خَلْقٍ ، وَنَحْوِهِ مِمَّا يُعْجِزُهُ عَنْ خِدْمَةِ نَفْسِهِ ، أَوْ يَكُونُ مِمَّنْ لَا يَخْدُمُ نَفْسَهُ فِي الْعَادَةِ ، وَلَا يَجِدُ رَقَبَةً فَاضِلَةً عَنْ خِدْمَتِهِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : مَتَى وَجَدَ رَقَبَةً ، لَزِمَهُ إعْتَاقُهَا ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ فِي الِانْتِقَالِ إلَى الصِّيَامِ أَنْ لَا يَجِدَ رَقَبَةً ، بِقَوْلِهِ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } .
وَهَذَا وَاجِدٌ .
وَإِنْ وَجَدَ ثَمَنَهَا ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهَا .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ وِجْدَانَ ثَمَنِهَا كَوِجْدَانِهَا .
وَلَنَا أَنَّ مَا اسْتَغْرَقَتْهُ حَاجَةُ الْإِنْسَانِ ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ ، فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ إلَى الْبَدَلِ ، كَمَنْ وَجَدَ مَاءً يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ ، يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى التَّيَمُّمِ .
وَإِنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ ، وَهُوَ مِمَّنْ يَخْدِمُ نَفْسَهُ عَادَةً ، لَزِمَهُ إعْتَاقُهَا ؛ لِأَنَّهُ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ .
بِخِلَافِ مَنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِخِدْمَةِ نَفْسِهِ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً فِي إعْتَاقِ خَادِمِهِ ، وَتَضْيِيعًا لِكَثِيرٍ مِنْ حَوَائِجِهِ .
وَإِنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ يَخْدِمُ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ مِمَّنْ عَلَيْهِ

إخْدَامُهَا ، أَوْ كَانَ لَهُ رَقِيقٌ يَتَقَوَّتُ بِخَرَاجِهِمْ ، أَوْ دَارٌ يَسْكُنُهَا ، أَوْ عَقَارٌ يَحْتَاجُ إلَى غَلَّتِهِ لِمُؤْنَتِهِ ، أَوْ عَرْضٍ لِلتِّجَارَةِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ رِبْحِهِ فِي مُؤْنَتِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ .
وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ رَقَبَةً ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدُ لِلرَّقَبَةِ .
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ رَقَبَةٌ تَخْدِمُهُ ، يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ رَقَبَتَيْنِ بِثَمَنِهَا ، يَسْتَغْنِي بِخِدْمَةِ إحْدَاهُمَا ، وَيَعْتِقُ الْأُخْرَى ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ .
وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ لَهُ ثِيَابٌ فَاخِرَةٌ ، تَزِيدُ عَلَى مَلَابِسِ مِثْلِهِ ، يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا ، وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ فِي لِبَاسِهِ وَرَقَبَةٍ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ .
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ ، يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا ، وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ لِسُكْنَى مِثْلِهِ وَرَقَبَةٍ ، أَوْ ضَيْعَةٍ يَفْضُلُ مِنْهَا عَنْ كِفَايَتِهِ مَا يُمْكِنُهُ شِرَاءُ رَقَبَةٍ ، لَزِمَهُ .
وَيُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْكِفَايَةُ الَّتِي يَحْرُمُ مَعَهَا أَخْذُ الزَّكَاةِ ، فَإِذَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، وَجَبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ جَمِيعِهِ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا قُلْنَا .
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ سُرِّيَّةٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إعْتَاقُهَا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا .
وَإِنْ أَمْكَنَهُ بَيْعُهَا ، وَشِرَاءُ سُرِّيَّةٍ أُخْرَى ، وَرَقَبَةٍ يَعْتِقُهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهَا ، فَلَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا ، سِيَّمَا إذَا كَانَ بِدُونِ ثَمَنِهَا .

فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا حِين وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، إلَّا أَنَّ مَالَهُ غَائِبٌ ، فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْحُضُورِ قَرِيبًا ، لَمْ يَجُزْ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِانْتِظَارِ لِشِرَاءِ الرَّقَبَةِ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا ، لَمْ يَجُزْ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي الِانْتِظَارِ وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي كَفَّارَة الظِّهَارِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَجُوزُ ؛ لِوُجُودِ الْأَصْلِ فِي مَالِهِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْكَفَّارَاتِ .
وَالثَّانِي ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَسِيسُ ، فَجَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ وَثَمَنَهُ ، جَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى التَّيَمُّمِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِمَا فِي بَلَدِهِ .
قُلْنَا : الطَّهَارَةُ تَجِبُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الِانْتِقَالِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَلِأَنَّنَا لَوْ مَنَعْنَاهُ مِنْ التَّيَمُّمِ لِوُجُودِ الْقُدْرَةِ فِي بَلَدِهِ ، بَطَلَتْ رُخْصَةُ التَّيَمُّمِ ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ .

( 6205 ) فَصْلٌ : إنْ وَجَدَ ثَمَنَ الرَّقَبَةِ ، وَلَمْ يَجِدْ رَقَبَةً يَشْتَرِيهَا ، فَلَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ ثَمَنَ الْمَاءِ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِيهِ .
وَإِنْ وَجَدَ رَقَبَةً تُبَاعُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ تُجْحِفُ بِمَالِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الرَّقَبَةِ بِثَمَنٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، لَا يُجْحِفُ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بِيعَتْ بِثَمَنِ مِثْلِهَا .
وَالثَّانِي ، لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً بِثَمَنِ مِثْلِهَا ، أَشْبَهَ الْعَادِمَ .
وَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ ، الْعَادِمُ لِلْمَاءِ إذَا وَجَدَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ ، فَإِنْ وَجَدَ رَقَبَتَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهَا ، إلَّا أَنَّهَا رَقَبَةٌ رَفِيعَةٌ ، يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا رِقَابًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهَا ؛ لِأَنَّهَا بِثَمَنِ مِثْلِهَا ، وَلَا يُعَدُّ شِرَاؤُهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ ضَرَرًا ، وَإِنَّمَا الضَّرَرُ فِي إعْتَاقِهَا ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَالِكًا لَهَا .

( 6206 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ أَفْطَرَ فِيهَا مِنْ عُذْرٍ بَنَى ، وَإِنْ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ابْتَدَأَ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي الصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ صَامَ بَعْضَ الشَّهْرِ ، ثُمَّ قَطَعَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَأَفْطَرَ ، أَنَّ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافَ الشَّهْرَيْنِ ؛ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِوُرُودِ لَفْظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِهِ ، وَمَعْنَى التَّتَابُعِ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ صِيَامِ أَيَّامِهَا ، فَلَا يُفْطِرُ فِيهِمَا ، وَلَا يَصُومُ عَنْ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ .
وَلَا يَفْتَقِرُ التَّتَابُعُ إلَى نِيَّةٍ ، وَيَكْفِي فِعْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ ، وَشَرَائِطُ الْعِبَادَاتِ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ النِّيَّةُ لِأَفْعَالِهَا .
وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِكُلِّ لَيْلَةٍ ؛ لِأَنَّ ضَمَّ الْعِبَادَةِ إلَى الْعِبَادَةِ إذَا كَانَ شَرْطًا ، وَجَبَتْ النِّيَّةُ فِيهِ ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ .
وَالثَّالِثُ ، يَكْفِي نِيَّةُ التَّتَابُعِ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى .
وَلَنَا ، أَنَّهُ تَتَابُعٌ وَاجِبُ فِي الْعِبَادَةِ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ ، كَالْمُتَابَعَةِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ .
وَيُفَارِقُ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ ، فَافْتَقَرَ إلَى نِيَّةِ التَّرَخُّصِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْمُتَابَعَةِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ .
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَةَ مُتَتَابِعًا ، إذَا حَاضَتْ قَبْلَ إتْمَامِهِ ، تَقْضِي إذَا طَهُرَتْ ، وَتَبْنِي .
وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فِي الشَّهْرَيْنِ إلَّا بِتَأْخِيرِهِ إلَى الْإِيَاسِ ، وَفِيهِ تَغْرِيرٌ بِالصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا مَاتَتْ قَبْلَهُ .
وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ ، فِي أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ فِي أَحْكَامِهِ ، وَلِأَنَّ الْفِطْرَ لَا يَحْصُلُ فِيهِمَا بِفِعْلِهِمَا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ الزَّمَانُ كَزَمَانِ اللَّيْلِ فِي حَقِّهِمَا .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّ

النِّفَاسَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؛ لِأَنَّهُ فِطْرُ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ .
فَقَطَعَ التَّتَابُعَ ، كَالْفِطْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ .
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْحَيْضِ ؛ لِأَنَّهُ أَنْدَرُ مِنْهُ ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ .
وَإِنْ أَفْطَرَ لِمَرَضٍ مَخُوفٍ ، لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ أَيْضًا .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ .
وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ .
وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِفِعْلِهِ ، فَلَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ لِسَفَرٍ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَفْطَرَ لِسَبَبٍ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ ، فَلَمْ يَقْطَعْ التَّتَابُعَ ، كَإِفْطَارِ الْمَرْأَةِ لِلْحَيْضِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ .
وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ غَيْرَ مَخُوفٍ ، لَكِنَّهُ يُبِيحُ الْفِطْرَ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ أَبَاحَ الْفِطْرَ ، أَشْبَهَ الْمَخُوفَ .
وَالثَّانِي ، يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ اخْتِيَارًا ، فَانْقَطَعَ التَّتَابُعُ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ .
فَأَمَّا الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ ، فَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا ، فَهُمَا كَالْمَرِيضِ ، وَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا .
فَفِيهِمَا وَجْهَانِ أَحَدهمَا ، لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ .
اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لَهُمَا بِسَبَبٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِمَا ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا .
وَالثَّانِي ، يَنْقَطِعُ ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَى غَيْرِهِمَا ، وَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُمَا الْفِدْيَةُ مَعَ الْقَضَاءِ .
وَإِنْ أَفْطَرَ لِجُنُونٍ ، أَوْ إغْمَاءٍ ، لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ؛ لِأَنَّهُ

عُذْرٌ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ ، فَهُوَ كَالْحَيْضِ .

( 6207 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَفْطَرَ لِسَفَرٍ مُبِيحٍ لِلْفِطْرِ ، فَكَلَامُ أَحْمَدَ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ؛ وَأَظْهَرُهُمَا ، أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : كَانَ السَّفَرُ غَيْرَ الْمَرَضِ ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَوْكَدَ مِنْ رَمَضَانَ .
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ .
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِ التَّتَابُعُ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : فِيهِ قَوْلَانِ كَالْمَرَضِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ يَحْصُلُ بِاخْتِيَارِهِ ، فَقَطَعَ التَّتَابُعَ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ فِطْرٌ لَعُذْرٍ مُبِيحٍ لِلْفِطْرِ ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ بِهِ التَّتَابُعُ ، كَإِفْطَارِ الْمَرْأَةِ بِالْحَيْضِ ، وَفَارَقَ الْفِطْرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ .
وَإِنْ أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، وَقَدْ كَانَ طَلَعَ ، أَوْ أَفْطَرَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ ، وَلَمْ تَغِبْ ، أَفْطَرَ .
وَيَتَخَرَّجُ فِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَنْقَطِعْ ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ لَعُذْرٍ .
وَالثَّانِي - يَقْطَع التَّتَابُعَ ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلٍ أَخْطَأَ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ الشَّهْرَيْنِ فَبَانَ خِلَافُهُ .
وَإِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا لِوُجُوبِ التَّتَابُعِ ، أَوْ جَاهِلًا بِهِ أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ الشَّهْرَيْنِ ، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ لِجَهْلِهِ ، فَقَطَعَ التَّتَابُعَ ، كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّ الْوَاجِبَ شَهْرٌ وَاحِدٌ .
وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ ، بِأَنْ أَوْجَرَ الطَّعَامَ أَوْ الشَّرَابَ ، لَمْ يُفْطِرْ .
وَإِنْ أَكَلَ خَوْفًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُفْطِرُ .
وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُفْطِرُ .
فَعَلَى ذَلِكَ هَلْ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، لَا يَقْطَعُهُ ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ ،

فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ .
وَالثَّانِي : يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِفِعْلِهِ لَعُذْرٍ نَادِرٍ .

( 6208 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَفْطَرَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرَيْنِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، أَوْ قَطَعَ التَّتَابُعَ بِصَوْمِ نَذْرٍ ، أَوْ قَضَاءٍ ، أَوْ تَطَوُّعٍ ، أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الشَّهْرَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِالتَّتَابُعِ الْمَشْرُوطِ ، وَيَقَعُ صَوْمُهُ عَمَّا نَوَاهُ ، لِأَنَّ هَذَا الزَّمَانَ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ مُتَعَيَّنٍ لِلْكَفَّارَةِ ، وَلِهَذَا يَجُوزُ صَوْمُهَا فِي غَيْرِهِ ، بِخِلَافِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَإِنَّهُ مُتَعَيَّنٌ لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ .
وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ نَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، أَخَّرَهُ إلَى فَرَاغِهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ .
وَإِنْ كَانَ مُتَعَيَّنًا فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ ، أَخَّرَ الْكَفَّارَةَ عَنْهُ ، أَوْ قَدَّمَهَا عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَ .
وَإِنْ كَانَ أَيَّامًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، كَيَوْمِ الْخَمِيسِ ، أَوْ أَيَّامِ الْبِيضِ ، قَدَّمَ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَقَضَاهُ بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَفَّى بِنَذْرِهِ لَانْقَطَعَ التَّتَابُعُ ، وَلَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ ، فَيُفْضِي إلَى أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ التَّكْفِيرِ ، وَالنَّذْرُ يُمْكِنُ قَضَاؤُهُ ، فَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا فِي تَأْخِيرِهِ كَالْمَرَضِ .

( 6209 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ أَصَابَهَا فِي لَيَالِي الصَّوْمِ ، أَفْسَدَ مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ ، وَابْتَدَأَ الشَّهْرَيْنِ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .
فَأَمَرَ بِهِمَا خَالِيَيْنِ عَنْ وَطْءٍ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِمَا عَلَى مَا أُمِرَ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ نَهَارًا ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْوَطْءِ لَا يَخْتَصُّ النَّهَارَ ، فَاسْتَوَى فِيهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ كَالِاعْتِكَافِ .
وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهَذَا ، وَيَبْنِي .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ ، فَلَا يُوجِبُ الِاسْتِئْنَافَ ، كَوَطْءِ غَيْرِهَا ، وَلِأَنَّ التَّتَابُعَ فِي الصِّيَامِ عِبَارَةٌ عَنْ إتْبَاعِ صَوْمِ يَوْمٍ لِلَّذِي قَبْلَهُ ، مِنْ غَيْرِ فَارِقٍ ، وَهَذَا مُتَحَقِّقٌ ، وَإِنْ وَطِئَ لَيْلًا ، وَارْتِكَابُ النَّهْيِ فِي الْوَطْءِ قَبْلَ إتْمَامِهِ إذَا لَمْ يُخِلَّ بِالتَّتَابُعِ الْمُشْتَرَطِ ، لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ وَإِجْزَاءَهُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ قَبْلَ الشَّهْرَيْنِ ، أَوْ وَطِئَ لَيْلَةَ أَوَّلِ الشَّهْرَيْنِ وَأَصْبَحَ صَائِمًا ، وَالْإِتْيَانُ بِالصِّيَامِ قَبْلَ التَّمَاسِّ فِي حَقِّ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، سَوَاءٌ بَنَى أَوْ اسْتَأْنَفَ .
وَإِنْ وَطِئَهَا ، أَوْ وَطِئَ ، غَيْرَهَا ، فِي نَهَارِ الشَّهْرَيْنِ عَامِدًا ، أَفْطَرَ ، وَانْقَطَعَ التَّتَابُعُ إجْمَاعًا ، إذَا كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ وَإِنْ وَطِئَهَا ، أَوْ وَطِئَ غَيْرَهَا ، نَهَارًا نَاسِيًا أَفْطَرَ ، وَانْقَطَعَ التَّتَابُعُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ ، وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْمُفْطِرَ نَاسِيًا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا .
وَإِنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِعُذْرٍ ، فَوَطِئَ

غَيْرَهَا نَهَارًا لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي قَطْعِ التَّتَابُعِ .
وَإِنْ وَطِئَهَا ، كَانَ كَوَطْئِهَا لَيْلًا ، هَلْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
وَإِنْ وَطِئَ غَيْرَهَا لَيْلًا ، لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهِ ، وَلَا هُوَ مُخِلٌّ بِإِتْبَاعِ الصَّوْمِ الصَّوْمَ ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعَ ، كَالْأَكْلِ لَيْلًا .
وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ نَعْلَمُهُ .
وَإِنْ لَمَسَ الْمُظَاهِرُ مِنْهَا ، أَوْ بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ عَلَى وَجْهٍ يُفْطِرُ بِهِ ، قَطَعَ التَّتَابُعَ ؛ لِإِخْلَالِهِ بِمُوَالَاةِ الصِّيَامِ ، وَإِلَّا فَلَا يَنْقَطِعُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 6210 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ، فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } ، أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ إذَا لَمْ يَجِدْ الرَّقَبَةَ ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ الصِّيَامَ ، أَنَّ فَرْضَهُ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ، وَجَاءَ فِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَاءٌ عَجَزَ عَنْ الصِّيَامِ لِكِبَرٍ ، أَوْ مَرَضٍ يَخَافُ بِالصَّوْمِ تَبَاطُؤَهُ أَوْ الزِّيَادَةَ فِيهِ ، أَوْ الشَّبَقِ فَلَا يَصْبِرُ فِيهِ عَنْ الْجِمَاعِ { ، فَإِنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ ، لَمَّا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصِّيَامِ ، قَالَتْ امْرَأَتُهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ .
قَالَ : فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
{ وَلَمَّا أَمَرَ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ بِالصِّيَامِ قَالَ : وَهَلْ أَصَبْت الَّذِي أَصَبْت إلَّا مِنْ الصِّيَامِ ، قَالَ : فَأَطْعِمْ } .
فَنَقَلَهُ إلَى الْإِطْعَامِ لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّ بِهِ مِنْ الشَّبَقِ وَالشَّهْوَةِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ الصِّيَامِ .
وَقِسْنَا عَلَى هَذَيْنِ مَا يُشْبِهُهُمَا فِي مَعْنَاهُمَا .
وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الْإِطْعَامِ إذَا عَجَزَ عَنْ الصِّيَامِ لِلْمَرَضِ ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الزَّوَالِ ؛ لِدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
وَلِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ نِهَايَةً ، فَأَشْبَهَ الشَّبَقَ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ لِأَجْلِ السَّفَرِ ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُعْجِزُهُ عَنْ الصِّيَامِ ، وَلَهُ نِهَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا ، وَهُوَ مِنْ أَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ .
وَالْوَاجِبُ فِي الْإِطْعَامِ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، لَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَوْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا فِي سِتِّينَ يَوْمًا ، أَجْزَأَهُ .
وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمِسْكِينَ لَمْ يَسْتَوْفِ قُوتَ يَوْمِهِ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ ، فَجَازَ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا ،

كَالْيَوْمِ الْأَوَّلِ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
وَهَذَا لَمْ يُطْعِمْ إلَّا وَاحِدًا ، فَلَمْ يَمْتَثِلْ الْأَمْرَ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ فِي أَيَّامٍ ، لَجَازَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، كَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِعَدَدِ الْمَسَاكِينِ ، لَا بِعَدَدِ الْأَيَّامِ ، وَقَائِلُ هَذَا يَعْتَبِرُ عَدَدَ الْأَيَّامِ دُونَ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ ، وَالْمَعْنَى فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْهَا ، وَأَخَذَ مِنْهَا قُوتَ يَوْمٍ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، كَمَا لَوْ أَوْصَى إنْسَانٌ بِشَيْءٍ لِسِتِّينَ مِسْكِينًا .

( 6211 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ ، أَنَّ قَدْرَ الطَّعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا مُدٌّ مِنْ بُرٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ .
وَمِمَّنْ قَالَ : مُدُّ بُرٍّ .
زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ .
حَكَاهُ عَنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ عَنْهُمْ الْأَثْرَمُ ، وَعَنْ عَطَاءٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى .
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : أَدْرَكْت النَّاسَ إذَا أَعْطَوْا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِالْمُدِّ الْأَصْغَرِ ، مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يُطْعِمُ مُدًّا مِنْ أَيِّ الْأَنْوَاعِ كَانَ .
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ { أَوْسٍ ابْنِ أَخِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ يَعْنِي الْمُظَاهِرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
} وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، فَقَالَ : خُذْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ } .
وَإِذَا ثَبَتَ فِي الْمُجَامِعِ بِالْخَبَرِ ، ثَبَتَ فِي الْمُظَاهِرِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ إطْعَامٌ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْمُخْرَجِ ، كَالْفِطْرَةِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى .
وَقَالَ مَالِكٌ : لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ .
وَمِمَّنْ قَالَ : مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ ؛ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى صِيَامٍ وَإِطْعَامٍ ، فَكَانَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ ، كَفِدْيَةِ الْأَذَى .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : مِنْ الْقَمْحِ مُدَّانِ ، وَمِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ صَاعٌ ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ ؛ { لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ : فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ } .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي الْمُسْنَدِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُمَا .
وَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، عَنْ { خُوَيْلَةَ : فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ } .
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : وَالْعَرَقُ سِتُّونَ صَاعًا .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ ، قَالَ : { كَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، وَأَمَرَ النَّاسَ : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ } .
وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَطْعِمْ عَنِّي صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ .
وَلِأَنَّهُ إطْعَامٌ لِلْمَسَاكِينِ ، فَكَانَ صَاعًا مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ ، كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ .
وَلَنَا مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، ثنا إسْمَاعِيلُ ، ثنا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ قَالَ : { جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بِنِصْفِ وَسْقٍ شَعِيرٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُظَاهِرِ : أَطْعِمْ هَذَا ؛ فَإِنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ } .
وَهَذَا نَصٌّ .
وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مُدُّ بُرٍّ ، أَنَّهُ قَوْلُ زَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَعَلَى أَنَّهُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ التَّمْرِ أَوْ الشَّعِيرِ ، مَا رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخُوَيْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ اذْهَبِي إلَى فُلَانٍ الْأَنْصَارِيِّ ، فَإِنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ ، أَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ ، فَلْتَأْخُذِيهِ ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
وَفِي حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنِّي

سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ .
قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ .
قَالَ : قَدْ أَحْسَنْتِ ، اذْهَبِي فَأَطْعِمِي بِهَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّهُ قَالَ : الْعَرَقُ زِنْبِيلٌ يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا .
فَعَرَقَانِ يَكُونَانِ ثَلَاثِينَ صَاعًا ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى صِيَامٍ وَإِطْعَامٍ ، فَكَانَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، كَفِدْيَةِ الْأَذَى .
فَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد أَنَّ " الْعَرَقَ سِتُّونَ صَاعًا " .
فَقَدْ ضَعَّفَهَا وَقَالَ : غَيْرُهَا أَصَحُّ مِنْهَا .
وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الضَّعْفِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ : ( إنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ ) .
فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ : إنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ .
قَالَ : ( فَأَطْعِمِي بِهَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) .
فَلَوْ كَانَ الْعَرَقُ سِتِّينَ صَاعًا ، لَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ مِائَةً وَعِشْرِينَ صَاعًا ، وَلَا قَائِلَ بِهِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُجَامِعِ الَّذِي أَعْطَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، فَقَالَ : ( تَصَدَّقْ بِهِ ) .
فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِحَاجَتِهِ إلَيْهِ أَمَرَهُ بِأَكْلِهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : ( قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ صَاعًا ) .
وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَعْضِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ .
وَحَدِيثُ أَوْسٍ بْن أَخِي عُبَادَةَ مُرْسَلٌ ، يَرْوِيهِ عَنْهُ عَطَاءٌ وَلَمْ يُدْرِكْهُ ، عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ عَرَقًا ، وَأَعَانَتْهُ امْرَأَتُهُ بِآخَرَ ، فَصَارَا جَمِيعًا ثَلَاثِينَ صَاعًا .
وَسَائِرُ الْأَخْبَارِ نَجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَخْبَارِنَا بِحَمْلِهَا عَلَى الْجَوَازِ ، وَأَخْبَارِنَا عَلَى الْإِجْزَاءِ ، وَقَدْ عَضَّدَ هَذَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَاوِي بَعْضِهَا ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ

الْمُدَّ مِنْ الْبُرِّ يُجْزِئُ ، وَكَذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَسَائِرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ ، مَعَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي نَقَلَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 6212 ) فَصْلٌ : وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْإِطْعَامِ فِي أُمُورٍ ثَلَاثَة : كَيْفِيَّتُهُ ، وَجِنْسُ الطَّعَامِ ، وَمُسْتَحِقُّهُ .
فَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَاجِبَ تَمْلِيكُ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ الْمَسَاكِينِ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ لَهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ ، وَلَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ أَوْ عَشَّاهُمْ لَمْ يُجْزِئُهُ ، سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْقَدْرِ الْوَاجِبِ ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ، وَلَوْ غَدَّى كُلَّ وَاحِدٍ بِمُدٍّ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، إلَّا أَنْ يُمَلِّكَهُ إيَّاهُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ إذَا أَطْعَمَهُمْ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ لَهُمْ .
وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .
وَأَطْعَمَ أَنَسٌ فِي فِدْيَةِ الصِّيَامِ .
قَالَ أَحْمَدُ : أَطْعَمَ شَيْئًا كَثِيرًا ، وَصَنَعَ الْجِفَانَ .
وَذَكَرَ حَدِيثَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
وَهَذَا قَدْ أَطْعَمَهُمْ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئُهُ ، وَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ الْمَسَاكِينَ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ مَلَّكَهُمْ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الصَّحَابَةِ إعْطَاؤُهُمْ ؛ فَفِي قَوْلِ زَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، مُدٌّ لِكُلِّ فَقِيرٍ .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَعْبٍ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى : أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ ، بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ } .
وَلِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ لِلْفُقَرَاءِ شَرْعًا ، فَوَجَبَ تَمْلِيكُهُمْ إيَّاهُ كَالزَّكَاةِ .
فَإِنْ قُلْنَا : يُجْزِئُ .
اُشْتُرِطَ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ بِسِتِّينَ مُدًّا فَصَاعِدًا ؛ لِيَكُونَ قَدْ أَطْعَمَهُمْ قَدْرَ الْوَاجِبِ .
وَإِنْ قُلْنَا : لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ ، فَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سِتِّينَ مُدًّا ، وَقَالَ : هَذَا بَيْنَكُمْ بِالسَّوِيَّةِ .
فَقَبِلُوهُ ، أَجْزَأَ ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُمْ التَّصَرُّفَ فِيهِ وَالِانْتِفَاعَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ .
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ : يُجْزِئُهُ ، وَإِنْ لَمْ

يَقُلْ : بِالسَّوِيَّةِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : خُذُوهَا عَنْ كَفَّارَتِي .
يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُهَا .
وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ عَلِمَ أَنَّهُ وَصَلَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ حَقِّهِ أَجْزَأَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ شَغْلُ ذِمَّتِهِ ، مَا لَمْ يَعْلَمْ وُصُولَ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ مُشَاعًا ، فَقَبِلُوهُ ، فَبَرِئَ مِنْهُ ، كَدُيُونِ غُرَمَائِهِ .

( 6213 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي الْإِطْعَامِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، وَقِيلَ لَهُ : تَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، فَيُطْعِمُ الْيَوْمَ وَاحِدًا ، وَآخَرَ بَعْدَ أَيَّامٍ ، وَآخَرَ بَعْدُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ عَشْرَةً ؟ فَلَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ فِيهِ .
وَلَوْ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ الْإِطْعَامِ ، لَمْ تَلْزَمْهُ إعَادَةُ مَا مَضَى مِنْهُ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَسْتَأْنِفُ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، فَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ ، كَالصِّيَامِ .
وَلَنَا أَنَّهُ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ مَا لَا يُشْتَرَطُ التَّتَابُعُ فِيهِ ، فَلَمْ يُوجِبْ الِاسْتِئْنَافَ ، كَوَطْءِ غَيْرِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا ، أَوْ كَالْوَطْءِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الصِّيَامَ .

مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ أَعْطَى مِسْكِينًا مُدَّيْنِ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، أَجْزَأَ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ) وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، لِأَنَّهُ دَفَعَ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ إلَى الْعَدَدِ الْوَاجِبِ ، فَأَجْزَأَ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْمُدَّيْنِ فِي يَوْمَيْنِ .
وَالْأُخْرَى ، لَا يُجْزِئُهُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى قُوتَ يَوْمٍ مِنْ كَفَّارَةٍ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ثَانِيًا فِي يَوْمِهِ ، كَمَا لَوْ دَفَعَهُمَا إلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ .
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يُجْزِئُهُ عَنْ إحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ .
وَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْأُخْرَى ؟ يُنْظَرُ ؛ فَإِذَا كَانَ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا عَنْ كَفَّارَةٍ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَرْجِعَ بِشَيْءٍ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ .
وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَقْيَسُ وَأَصَحُّ ، فَإِنَّ اعْتِبَارَ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ ، أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ عَدَدِ الْأَيَّامِ ، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ فِي يَوْمَيْنِ أَجْزَأَ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّافِعُ اثْنَيْنِ ، أَجْزَأَ عَنْهُمَا ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الدَّافِعُ وَاحِدًا .
وَلَوْ دَفَعَ سِتِّينَ مُدًّا إلَى ثَلَاثِينَ فَقِيرًا مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَجْزَأَهُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُونَ ، وَيُطْعِمُ ثَلَاثِينَ آخَرِينَ ، وَإِنْ دَفَعَ السِّتِّينَ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ .
أَجْزَأَهُ ذَلِكَ .
عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي الْأُخْرَى إلَّا عَنْ ثَلَاثِينَ .
وَالْأَمْرُ الثَّانِي ، أَنَّ الْمُجْزِئَ فِي الْإِطْعَامِ مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ ، وَهُوَ الْبُرُّ ، وَالشَّعِيرُ ، وَالتَّمْرُ ، وَالزَّبِيبُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ قُوتَهُ أَوْ لَمْ تَكُنْ ، وَمَا عَدَاهَا .
فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ قُوتَ بَلَدِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ بِإِخْرَاجِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا ، وَلِأَنَّهُ الْجِنْسُ الْمُخْرَجُ فِي الْفِطْرَةِ ، فَلَمْ يُجْزِئْ غَيْرُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قُوتَ بَلَدِهِ .
وَقَالَ أَبُو

الْخَطَّابِ : عِنْدِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْإِخْرَاجُ مِنْ جَمِيعِ الْحُبُوبِ الَّتِي هِيَ قُوتُ بَلَدِهِ ، كَالذُّرَةِ ، وَالدُّخْنِ ، وَالْأَرُزِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } .
وَهَذَا مِمَّا يُطْعِمُهُ أَهْلَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ بِظَاهِرِ النَّصِّ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
فَإِنْ أَخْرَجَ غَيْرَ قُوتِ بَلَدِهِ ، أَجْوَدَ مِنْهُ ، فَقَدْ زَادَ خَيْرًا ، وَإِنْ كَانَ أَنْقَصَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَهَذَا أَجْوَدُ .
( 6215 ) فَصْلٌ : وَالْأَفْضَلُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، إخْرَاجُ الْحَبِّ ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ ، وَهِيَ حَالَةُ كَمَالِهِ ، لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ فِيهَا ، وَيَتَهَيَّأُ لِمَنَافِعِهِ كُلِّهَا ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .
فَإِنْ أَخْرَجَ دَقِيقًا جَازَ ، لَكِنْ يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الْمُدِّ قَدْرًا يَبْلُغُ الْمُدَّ حَبًّا ، أَوْ يُخْرِجُهُ بِالْوَزْنِ ؛ لِأَنَّ لِلْحَبِّ رَيْعًا ، فَيَكُونُ فِي مِكْيَالِ الْحَبِّ أَكْثَرُ مِمَّا فِي مِكْيَالِ الدَّقِيقِ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَيُعْطِي الْبُرَّ وَالدَّقِيقَ ؟ فَقَالَ : أَمَّا الَّذِي جَاءَ فَالْبُرُّ ، وَلَكِنْ إنْ أَعْطَاهُمْ الدَّقِيقَ بِالْوَزْنِ ، جَازَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَالِ الْكَمَالِ ، لِأَجْلِ مَا يَفُوتُ بِهِ مِنْ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالْهَرِيسَةِ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } .
وَالدَّقِيقُ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُهُ أَهْلَهُ ، وَلِأَنَّ الدَّقِيقَ أَجْزَاءُ الْحِنْطَةِ ، وَقَدْ كَفَاهُمْ مُؤْنَتَهُ وَطَحْنَهُ ، وَهَيَّأَهُ وَقَرَّبَهُ مِنْ الْأَكْلِ ، وَفَارَقَ الْهَرِيسَةَ ، فَإِنَّهَا تَتْلَفُ عَلَى قُرْبٍ ، وَلَا يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي غَيْرِ الْأَكْلِ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
وَعَنْ أَحْمَدَ فِي إخْرَاجِ الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُجْزِئُ .
اخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ .
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ

: رَجُلٌ أَخَذَ ثَلَاثَةَ عَشْرَ رِطْلًا وَثُلُثًا دَقِيقًا ، وَهُوَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ، فَخَبَزَهُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَقَسَمَ الْخُبْزَ عَلَى عَشْرَةِ مَسَاكِينَ ، أَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ ؟ قَالَ ذَلِكَ أَعْجَبُ إلَيَّ ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ أَنْ يُطْعِمَهُمْ مُدَّ بُرٍّ ، وَهَذَا إنْ فَعَلَ فَأَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ .
قُلْت : إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .
فَهَذَا قَدْ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ، وَأَوْفَاهُمْ الْمُدَّ .
قَالَ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ .
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ ، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، أَنَّ أَحْمَدَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، قَالَ : أَطْعِمْهُمْ خُبْزًا وَتَمْرًا ؟ قَالَ : لَيْسَ فِيهِ تَمْرٌ .
قَالَ : فَخُبْزٌ ؟ .
قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ بُرًّا أَوْ دَقِيقًا بِالْوَزْنِ ، رِطْلٌ وَثُلُثٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ .
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَالَةِ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ فَأَشْبَهَ الْهَرِيسَةَ .
وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } .
وَهَذَا مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ ، وَلَيْسَ الِادِّخَارُ مَقْصُودًا فِي الْكَفَّارَةِ ، فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِمَا يَقُوتُ الْمِسْكِينَ فِي يَوْمِهِ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ كِفَايَتُهُ فِي يَوْمِهِ ، وَهَذَا قَدْ هَيَّأَهُ لِلْأَكْلِ الْمُعْتَادِ لِلِاقْتِيَاتِ ، وَكَفَاهُمْ مُؤْنَتَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَّى الْحِنْطَةَ وَغَسَلَهَا .
وَأَمَّا الْهَرِيسَةُ وَالْكُبُولُ وَنَحْوُهُمَا ، فَلَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُمَا خَرَجَا عَنْ الِاقْتِيَاتِ الْمُعْتَادِ إلَى حَيِّزِ الْإِدَامِ .
وَأَمَّا السَّوِيقُ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ ؛ لِذَلِكَ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَ ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَاتُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْخُبْزِ وَالسَّوِيقِ أَقَلُّ مِنْ شَيْءٍ يُعْمَلُ مِنْ مُدٍّ ، فَإِنْ أَخَذَ مُدَّ حِنْطَةٍ ، أَوْ رِطْلًا وَثُلُثًا مِنْ الدَّقِيقِ ، وَصَنَعَهُ خُبْزًا ، أَجْزَأَهُ .

وَقَالَ الْخِرَقِيِّ : يُجْزِئُهُ رِطْلَانِ .
قَالَ الْقَاضِي : الْمُدُّ يَجِيءُ مِنْهُ رِطْلَانِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ رِطْلَيْنِ مِنْ الْخُبْزِ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ مُدٍّ ، وَذَلِكَ بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ خَمْسُ أَوَاقٍ وَأَقَلُّ مِنْ خُمْسِ أُوقِيَّةٍ ، وَهَذَا فِي الْبُرِّ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُخْرَجُ مِنْ الشَّعِيرِ ، فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا ضِعْفُ ذَلِكَ ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ .

( 6216 ) فَصْلٌ : وَلَا تُجْزِئُ الْقِيمَةُ فِي الْكَفَّارَةِ .
نَقَلَهَا الْمَيْمُونِي ، وَالْأَثْرَمُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ .
وَهُوَ مَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَحْمَدَ ، قَالَ أَعْطَيْت فِي كَفَّارَةٍ خَمْسَةَ دَوَانِيقَ ؟ فَقَالَ : لَوْ اسْتَشَرْتَنِي قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَ لَمْ أُشِرْ عَلَيْك ، وَلَكِنْ أَعْطِ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَثْمَانِ عَلَى مَا قُلْت لَك .
وَسَكَتَ عَنْ الَّذِي أَعْطَى .
وَهَذَا لَيْسَ بِرِوَايَةٍ ، وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْ الَّذِي أَعْطَى ؛ [ لِأَنَّهُ ] مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَلَمْ يَرَ التَّضْيِيقَ عَلَيْهِ فِيهِ .
الْأَمْرُ الثَّالِثُ ، أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْكَفَّارَةِ هُمْ الْمَسَاكِينَ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
وَالْفُقَرَاءُ يَدْخُلُونَ فِيهِمْ ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ الْمَسْكَنَةَ وَزِيَادَةً ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا .
فَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْكَفَّارَةِ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ ، كَالْغُزَاةِ وَالْمُؤَلَّفَةِ ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ بِهَا الْمَسَاكِينَ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُكَاتَبِ ؛ فَقَالَ الْقَاضِي فِي ( الْمُجَرَّدِ ) ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، فِي ( الْهِدَايَةِ ) : لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، فِي ( مَسَائِلِهِمَا ) : يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمِسْكِينَ .
وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ بِهَا الْمَسَاكِينَ ، وَالْمُكَاتِبُونَ صِنْفٌ آخَرُ ، فَلَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ ، كَالْغُزَاةِ وَالْمُؤَلَّفَةِ ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ قُدِّرَتْ بِقُوتِ يَوْمٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، وَصُرِفَتْ إلَى مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِلِاقْتِيَاتِ ، وَالْمُكَاتَبُ لَا يَأْخُذُ لِذَلِكَ ، فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْمِسْكِينِ .
وَيُفَارِقُ الزَّكَاةَ ،

فَإِنَّ الْأَغْنِيَاءَ يَأْخُذُونَ مِنْهَا ، وَهُمْ الْغُزَاةُ ، وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا ، وَالْمُؤَلَّفَةُ ، وَالْغَارِمُونَ ، وَلِأَنَّهُ غَنِيٌّ بِكَسْبِهِ أَوْ بِسَيِّدِهِ ، فَأَشْبَهَ الْعَامِلَ .
وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى عَبْدٍ ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ ، وَلَا إلَى أُمِّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ نَفَقَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا ، وَكَسْبُهَا لَهُ ، وَلَا إلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ ، وَفِي دَفْعِهَا إلَى الزَّوْجِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِ .
وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى كَافِرٍ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي إعْطَائِهِمْ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ فِي إعْتَاقِهِمْ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .
وَأَطْلَقَ فَيَدْخُلُونَ فِي الْإِطْلَاقِ .
وَلَنَا أَنَّهُ كَافِرٌ ، فَلَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، كَمَسَاكِينِ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَقَدْ سَلَّمَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأَهْلِ الْحَرْبِ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِمْ سَائِرَ الْكُفَّارِ ، وَيَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى الْكَبِيرِ ، وَالصَّغِيرِ ، إنْ كَانَ مِمَّنْ يَأْكُلُ الطَّعَامَ .
وَإِذَا أَرَادَ صَرْفَهُ إلَى الصَّغِيرِ ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُهُ إلَى وَلِيِّهِ ، يَقْبِضُ لَهُ ؛ فَإِنَّ الصَّغِيرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَبْضُ .
فَأَمَّا مَنْ لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْكُلُهُ ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ دَفْعِ الْقِيمَةِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ مِسْكِينٌ يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ .
وَإِذَا قُلْنَا : يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى الْمُكَاتَبِ ، جَازَ لِلسَّيِّدِ الدَّفْعُ مِنْ كَفَّارَتِهِ إلَى مُكَاتِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِنْ زَكَاتِهِ ( 6217 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ دَفْعُ الْكَفَّارَةِ إلَى مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ ، فَإِنْ بَانَ غَنِيًّا

، فَهَلْ تُجْزِئُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الزَّكَاةِ .
وَإِنْ بَانَ كَافِرًا ، أَوْ عَبْدًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .

( 6218 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَمِنْ ابْتَدَأَ صَوْمَ الظِّهَارِ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ ، أَفْطَرَ يَوْمَ الْفِطْرِ ، وَبَنَى ، وَكَذَلِكَ إنَّ ابْتَدَأَ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ ، أَفْطَرَ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ .
وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ إذَا تَخَلَّلَ صَوْمَ الظِّهَارِ زَمَانٌ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ ، فَيَتَخَلَّلَهُ رَمَضَانُ وَيَوْمُ الْفِطْرِ ، أَوْ يَبْتَدِئَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، فَيَتَخَلَّلَهُ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، فَإِنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهَذَا ، وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ ، وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرَيْنِ بِمَا كَانَ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ إذَا أَفْطَرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، أَوْ صَامَ عَنْ نَذْرٍ ، أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى .
وَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ مَنَعَهُ الشَّرْعُ عَنْ صَوْمِهِ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يَقْطَعْ التَّتَابُعَ ، كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ .
فَإِنْ قَالَ : الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ غَيْرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ مِنْهُ .
قُلْنَا : قَدْ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْ النِّفَاسِ بِأَنْ لَا تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ فِي حَالِ الْحَمْلِ ، وَمِنْ الْحَيْضِ إذَا كَانَ طُهْرُهَا يَزِيدُ عَلَى الشَّهْرَيْنِ ، بِأَنْ تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ عَقِيبَ طُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضَةِ ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ مُفَارَقَةُ إمَامِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ الْمَسْبُوقُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، مَعَ عِلْمِهِ بِلُزُومِ مُفَارَقَتِهِ قَبْلَ إتْمَامِهَا .
وَيَتَخَرَّجُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَصُومُهَا عَنْ الْكَفَّارَةِ ، وَلَا يُفْطِرُ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ وَحْدَهُ .
فَعَلَى هَذَا ، إنْ أَفْطَرَهَا اسْتَأْنَفَ ؛ لِأَنَّهَا أَيَّامٌ أَمْكَنَهُ صِيَامُهَا فِي الْكَفَّارَةِ ، فَفِطْرُهَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَغَيْرِهَا .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ ابْتَدَأَ

الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ ، أَجْزَأَهُ صَوْمُ شَعْبَانَ عَنْ شَهْرٍ ، نَاقِصًا كَانَ أَوْ تَامًّا .
وَأَمَّا شَوَّالٌ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ مِنْ أَوَّلِهِ ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ يَوْمُ الْفِطْرِ ، وَصَوْمُهُ حَرَامٌ ، فَيَشْرَعُ فِي صَوْمِهِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي ، وَيُتَمِّمُ شَهْرًا بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .
وَإِنْ بَدَأَ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ إلَى آخِرِ الْمُحَرَّمِ ، قَضَى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ، وَأَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالشَّهْرَيْنِ مِنْ أَوَّلِهِمَا .
وَلَوْ ابْتَدَأَ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُ يَوْمٍ الْفِطْرِ ، وَصَحَّ صَوْمُ بَقِيَّةِ الشَّهْرِ ، وَصَوْمُ ذِي الْقَعْدَةِ ، وَيُحْتَسَبُ لَهُ بِذِي الْقَعْدَةِ ، نَاقِصًا كَانَ أَوْ تَامًّا ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِهِ .
وَأَمَّا شَوَّالٌ ، فَإِنْ كَانَ تَامًّا صَامَ يَوْمًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، مَكَانَ يَوْمِ الْفِطْر ، وَأَجْزَأَهُ ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا ، صَامَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ يَوْمَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدَأْهُ مِنْ أَوَّلِهِ .
وَإِنْ بَدَأَ بِالصِّيَامِ مِنْ أَوَّلِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَقُلْنَا : يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ الْفَرْضِ .
فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ لَهُ بِالْمُحَرَّمِ ، وَيُكْمِلُ صَوْمِ ذِي الْحِجَّةِ بِتَمَامِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ صَفَرٍ .
وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ الْفَرْضِ .
صَامَ مَكَانَهَا مِنْ صَفَرٍ .
( 6219 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ ، وَمِنْ أَثْنَائِهِ ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ وَلِثَلَاثِينَ يَوْمًا ، فَأَيُّهُمَا صَامَ فَقَدْ أَدَّى الْوَاجِبَ ، فَإِنْ بَدَأَ مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ ، فَصَامَ شَهْرَيْنِ بِالْأَهِلَّةِ ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ ، تَامَّيْنِ كَانَا أَوْ نَاقِصَيْنِ ، إجْمَاعًا .
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَمَالِكٌ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } .
وَهَذَانِ شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ .
وَإِنْ

بَدَأَ مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ ، فَصَامَ سِتِّينَ يَوْمًا .
أَجْزَأَهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ أَيْضًا .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .
فَأَمَّا إنْ صَامَ شَهْرًا بِالْهِلَالِ ، وَشَهْرًا بِالْعَدَدِ ، فَصَامَ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا مِنْ الْمُحَرَّمِ ، وَصَفَرَ جَمِيعَهُ ، وَخَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا مِنْ رَبِيعٍ ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ صَفَرٌ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الشُّهُورِ بِالْأَهِلَّةِ ، لَكِنْ تَرَكْنَاهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي بَدَأَ مِنْ وَسَطِهِ لِتَعَذُّرِهِ ، فَفِي الشَّهْرِ الَّذِي أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالُ : لَا يُجْزِئُهُ إلَّا شَهْرَانِ بِالْعَدَدِ ؛ لِأَنَّنَا لَمَّا ضَمَمْنَا إلَى الْخَمْسَةَ عَشْرَ مِنْ الْمُحَرَّمِ خَمْسَةَ عَشْرَ مِنْ صَفَرٍ ، فَصَارَ ذَلِكَ شَهْرًا صَارَ ابْتِدَاءُ صَوْمِ الشَّهْرِ الثَّانِي مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ أَيْضًا .
وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ .

فَصْلٌ : فَإِنْ نَوَى صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ رَمَضَانَ ، وَلَا عَنْ الْكَفَّارَةِ ، وَانْقَطَعَ التَّتَابُعُ ، حَاضِرًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا ؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ صَوْمَ الْكَفَّارَةِ فِطْرٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَطَاوُسٌ : يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ حَاضِرًا ، أَجْزَأَهُ عَنْ رَمَضَانَ دُونَ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ لِرَمَضَانَ ، وَإِنْ كَانَ فِي سَفَرٍ ، أَجْزَأَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ دُونَ رَمَضَانَ .
وَقَالَ صَاحِبَاهُ : يُجْزِئُ عَنْ رَمَضَانَ دُونَ الْكَفَّارَةِ ، سَفَرًا وَحَضَرًا .
وَلَنَا ، أَنَّ رَمَضَانَ مُتَعَيِّنٌ لِصَوْمِهِ ، مُحَرَّمٌ صَوْمُهُ عَنْ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ غَيْرِهِ ، كَيَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى } .
وَهَذَا مَا نَوَى رَمَضَانَ ، فَلَا يُجْزِئُهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ مُتَعَيَّنٌ ، وَإِنَّمَا جَازَ فِطْرُهُ فِي السَّفَرِ رُخْصَةً ، فَإِذَا تَكَلَّفَ وَصَامَ ، رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ .
فَإِنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ الْمُتَخَلِّلِ لِصَوْمِ الْكَفَّارَةِ وَأُفْطِرَ ، لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ؛ لِأَنَّهُ زَمَنٌ لَا يَسْتَحِقُّ صَوْمَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ بِفِطْرِهِ كَاللَّيْلِ .

( 6221 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا كَانَ الْمُظَاهِرُ عَبْدًا ، لَمْ يُكَفِّرْ إلَّا بِالصِّيَامِ ، وَإِذَا صَامَ ، فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ظِهَارَ الْعَبْدِ صَحِيحٌ وَكَفَّارَتَهُ بِالصِّيَامِ ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } .
وَالْعَبْدُ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِعْتَاقَ ، فَهُوَ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ ، وَأَسْوَأُ مِنْهُ حَالًا ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ الصِّيَامِ ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ ، أَوْ لَمْ يَأْذَنْ .
وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ جَازَ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ يَصِيرُ قَادِرًا عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ ، فَجَازَ لَهُ ذَلِكَ ، كَالْحُرِّ .
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَجُوزُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الصِّيَامِ .
وَهَلْ لَهُ الْعِتْقُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ .
وَحُكِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ الْإِطْعَامُ .
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ ، وَقَالَ : لَا يُجْزِئُهُ إلَّا الصِّيَامُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقْتَضِي الْوَلَاءَ ، وَالْوِلَايَةَ ، وَالْإِرْثَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَهُ الْعِتْقُ .
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .
وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ تَكْفِيرُهُ بِالْإِطْعَامِ ، صَحَّ بِالْعِتْقِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ صِحَّةُ الْعِتْقِ مَعَ انْتِفَاءِ الْإِرْثِ .
كَمَا لَوْ أَعْتَقَ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي دِينِهِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعِتْقِ إسْقَاطُ الْمِلْكِيَّةِ عَنْ الْعَبْدِ ، وَتَمْلِيكُهُ نَفْعَ نَفْسِهِ ، وَخُلُوصُهُ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ ، وَمَا يَحْصُلُ مِنْ تَوَابِعِ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ ، لِامْتِنَاعِ بَعْضِ تَوَابِعِهِ .
وَوَجْهُ

الْأُولَى ، أَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ ، لَا يَمْلِكُ الْمَالَ ، فَيَقَعُ تَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ بِمَالِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ .
وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ ، لَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الصِّيَامُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ مُوسِرٌ لِحُرٍّ مُعْسِرٍ فِي التَّكْفِيرِ مِنْ مَالِهِ .
وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الصِّيَامِ ، فَأَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِمَا شَاءَ مِنْ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ ، فَإِنَّ لَهُ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعْتَاقُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الصِّيَامِ ، لَا يَلْزَمُهُ مَعَ عَجْزِهِ عَنْهُ ، كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الْتِزَامِ الْمِنَّةِ الْكَبِيرَةِ فِي قَبُولِ الرَّقَبَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ ؛ لِقِلَّةِ الْمِنَّةِ فِيهِ .
وَهَذَا فِيمَا إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ قَبْلَ الْعَوْدِ ، فَإِنْ عَادَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ ، انْبَنِي مَعَ ذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ التَّكْفِيرَ هَلْ هُوَ مُعْتَبَرٌ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ ، أَوْ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ ؟ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - .
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَإِذَا صَامَ ، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } .
وَلِأَنَّهُ صَوْمٌ فِي كَفَّارَةٍ فَاسْتَوَى فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ .
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .
وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّهُ : لَوْ صَامَ شَهْرًا ، أَجْزَأَهُ .
وَقَالَهُ النَّخَعِيُّ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ .

( 6222 ) فَصْلٌ : وَالِاعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَةِ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ ، فِي أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إذَا حَنِثَ وَهُوَ عَبْدٌ ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ ، فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ .
وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ عَبْدٍ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، فَحَنِثَ فِيهَا وَهُوَ عَبْدٌ ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ ، أَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ حُرٍّ أَوْ كَفَّارَةَ عَبْدٍ ؟ قَالَ : يُكَفِّرُ كَفَّارَةَ عَبْدٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُكَفِّرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ حَنِثَ ، لَا يَوْمَ حَلَفَ .
قُلْت لَهُ : حَلَفَ وَهُوَ عَبْدٌ ، وَحَنِثَ وَهُوَ حُرٌّ ؟ قَالَ : يَوْمَ حَنِثَ .
وَاحْتَجَّ فَقَالَ : افْتَرَى وَهُوَ عَبْدٌ أَيْ ثُمَّ أُعْتِقْ فَإِنَّمَا يُجْلَدُ جَلْدَ الْعَبْدِ .
وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ .
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُعْتَبَرُ يَسَارُهُ وَإِعْسَارُهُ حَالَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا حَالَ الْوُجُوبِ ، اسْتَقَرَّ وُجُوبُ الرَّقَبَةِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِعْسَارِهِ بَعْدَ ذَلِكَ .
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا ، فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ ، فَإِذَا أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إلَى الرَّقَبَةِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، الِاعْتِبَارُ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ إلَى حِينِ التَّكْفِيرِ ، فَمَتَى وَجَدَ رَقَبَةً فِيمَا بَيْنَ الْوُجُوبِ إلَى حِينِ التَّكْفِيرِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا الْإِعْتَاقُ .
وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ بِوُجُودِ مَالٍ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ أَغْلَظُ الْحَالَيْنِ كَالْحَجِّ .
وَلَهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ ، أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالَةِ الْأَدَاءِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهِ بِحَالَةِ الْأَدَاءِ ، كَالْوُضُوءِ .
وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الطَّهَارَةِ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهَا بِحَالَةِ الْوُجُوبِ كَالْحَدِّ ، أَوْ نَقُولُ : مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ فِي الْكَفَّارَةِ ، لَمْ

يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ ، كَالْعَبْدِ إذَا أُعْتِقَ ، وَيُفَارِقُ الْوُضُوءَ ، فَإِنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ ، بَطَلِ تَيَمُّمُهُ ، وَهَاهُنَا لَوْ صَامَ ، ثُمَّ قَدَرِ عَلَى الرَّقَبَةِ ، لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ ، وَلَيْسَ الِاعْتِبَارُ فِي الْوُضُوءِ بِحَالَةِ الْأَدَاءِ ، فَإِنَّ أَدَاءَهُ فِعْلُهُ ، وَلَيْسَ الِاعْتِبَارُ بِهِ ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ ، وَهِيَ غَيْرُ الْوُضُوءِ .
وَأَمَّا الْحَجُّ فَهُوَ عِبَادَةُ الْعُمْرِ ، وَجَمِيعُهُ وَقْتٌ لَهَا ، فَمَتَى قَدَرِ عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهِ وَجَبَ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
ثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْعَبْدِ إذَا أَعْتَقَ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْعِتْقِ مَعَ مَا ذَكَرُوهُ .
فَإِنْ قِيلَ : الْعَبْدُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الرَّقَبَةُ ، وَلَا تُجْزِئُهُ ، فَلَمَّا لَمْ تُجْزِئْهُ الزِّيَادَةُ ، لَمْ تَلْزَمْهُ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
قُلْنَا : هَذَا لَا أَثَرَ لَهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا أَيْسَرِ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الْإِعْتَاقِ ، جَازَ لَهُ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَمَنْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا شَاءَ فَلَهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ ، وَيُجْزِئُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَانِثُ عَبْدًا ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الصَّوْمُ وَإِنْ عَتَقَ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي تَوَافَقْنَا فِيهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ هُوَ الْأَصْلُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ كَسَائِرِ الْأُصُولِ .
فَأَمَّا إنْ اسْتَمَرَّ بِهِ الْعَجْزُ حَتَّى شَرَعَ فِي الصِّيَامِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْعِتْقِ .
بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الْحَسَن .
وَذَهَبَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو

عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ أَدَاءِ فَرْضِهِ بِالْبَدَلِ ، فَلَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَيْهِ ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، أَوْ فِي أَثْنَائِهَا .
وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعِتْق قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِالصِّيَامِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ الْعَجْزُ إلَى بَعْدِ الْفَرَاغِ ، وَلَا يُشْبِهُ الْوُضُوءَ ، فَإِنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ بَطَلَ ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي صَوْمِ الْبَدَلِ .
فَلَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ ، كَالْمُتَمَتِّعِ يَجِدُ الْهَدْيَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي صِيَامِ السَّبْعَةِ .
( 6223 ) فَصْلٌ : إذَا قُلْنَا : الِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ ، فَوَقْتُهُ فِي الظِّهَارِ زَمَنَ الْعَوْدِ ، لَا وَقْتَ الْمُظَاهَرَةِ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ حَتَّى يَعُودَ ، وَقْتُهُ فِي الْيَمِينِ زَمَنَ الْحِنْثِ ، لَا وَقْتَ الْيَمِينِ ، وَفِي الْقَتْلِ زَمَنَ الزُّهُوقِ ، لَا زَمَنَ الْجُرْحِ ، وَتَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْوُجُوبِ تَعْجِيلٌ لَهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا ، لِوُجُودِ سَبَبِهَا ، كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَبَعْدَ وُجُوبِ النِّصَابِ .

( 6224 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْمُظَاهِرُ ذِمِّيًّا ، فَتَكْفِيرُهُ بِالْعِتْقِ ، أَوْ الْإِطْعَامِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ فِي غَيْرِ الْكَفَّارَةِ ، فَصَحَّ مِنْهُ فِيهَا ، وَلَا يَجُوزُ بِالصِّيَامِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فِي غَيْرِ الْكَفَّارَةِ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ فِيهَا ، وَلَا يُجْزِئُهُ فِي الْعِتْقِ إلَّا عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ ، أَوْ وَرِثَهَا ، أَجْزَأَتْ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى شِرَاءِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ شِرَاءُ الْمُسْلِمِ ، وَيَتَعَيَّنُ تَكْفِيرُهُ بِالْإِطْعَامِ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمِ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَنْ كَفَّارَتِي ، وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ .
فَيَصِحُّ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .
وَإِنْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بِالْإِطْعَامِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَبْدِ ، يَعْتِقُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بِالصِّيَامِ ، عَلَى مَا مَضَى ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ .
وَإِنْ ظَاهَرَ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، ثُمَّ ارْتَدَّ ، فَصَامَ فِي رِدَّتِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، لَمْ يَصِحَّ .
وَإِنْ كَفَّرَ بِعِتْقٍ أَوْ إطْعَامٍ ، فَقَدْ أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ أَنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ .
فَإِنْ أَسْلَمَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ ، كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ .

( 6225 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْكَفَّارَةِ ، كَانَ عَاصِيًا ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُظَاهِرَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ : { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .
فَإِنْ وَطِئَ عَصَى رَبَّهُ لِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ ، وَتَسْتَقِرُّ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَا تَسْقُطُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَوْتٍ ، وَلَا طَلَاقٍ ، وَلَا غَيْرِهِ ، وَتَحْرِيمُ زَوْجَتِهِ عَلَيْهِ بَاقٍ بِحَالِهِ ، حَتَّى يُكَفِّرَ .
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمُوَرِّقٍ الْعِجْلِيّ ، وَأَبِي مِجْلَزٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُذَيْنَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .
وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ الصَّلْتِ بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَشَرَةً مِنْ الْفُقَهَاءِ عَنْ الْمُظَاهِرِ يُجَامِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ ؟ قَالُوا : لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .
الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَبَكْرُ الْمُزَنِيّ ، وَمُوَرِّقُ الْعِجْلِيّ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَقَالَ وَكِيعٌ : وَأَظُنُّ الْعَاشِرَ نَافِعًا .
وَحُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَتَيْنِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَبِيصَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُوجِبُ كَفَّارَةً ، وَالظِّهَارُ مُوجِبٌ لِلْأُخْرَى .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَثْبُتُ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ لِلْإِبَاحَةِ بَعْدَ الْوَطْءِ .
كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ .
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ وَقْتهَا ؛ لِكَوْنِهَا وَجَبَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ .
وَلَنَا حَدِيثُ { سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ حِينَ ظَاهَرَ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ } .
وَلِأَنَّهُ وُجِدَ

الظِّهَارُ وَالْعَوْدُ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ : فَاتَ وَقْتُهَا .
فَيَبْطُلُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَبِالصَّلَاةِ ، وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ يَجِبُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهَا .

( 6226 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي .
لَمْ تَكُنْ مُظَاهِرَةً ، وَلَزِمَتْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَتَتْ بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْقَوْلِ وَالزُّورِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا : أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي .
أَوْ قَالَتْ : إنْ تَزَوَّجْت فُلَانًا ، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي .
فَلَيْسَ ذَلِكَ بِظِهَارٍ .
قَالَ الْقَاضِي : لَا تَكُونُ مُظَاهِرَةً ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : هُوَ ظِهَارٌ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، إلَّا أَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ : إذَا قَالَتْ ذَلِكَ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ ، فَلَيْسَ بِشَيْءِ .
وَلَعَلَّهمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ظَاهَرَ مِنْ الْآخَرِ ، فَكَانَ مُظَاهِرًا كَالرَّجُلِ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } .
فَخَصَّهُمْ بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمًا فِي الزَّوْجَةِ ، يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَفْعَهُ ، فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُلُ ، كَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ الْحِلَّ فِي الْمَرْأَةِ حَقٌّ لِلرَّجُلِ ، فَلَمْ تَمْلِكْ الْمَرْأَةُ إزَالَتَهُ ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَنَقَلَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ : عَلَيْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ .
لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ ، أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ قَالَتْ : إنْ تَزَوَّجْت مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي .
فَسَأَلَتْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، فَرَأَوْا أَنَّ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ .
وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ ، أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيّ ، فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إلَيْنَا ، فَسَأَلْتُهُ مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : أَنَا مَوْلًى لِعَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، الَّتِي أَعْتَقَتْنِي عَنْ ظِهَارِهَا ، خَطَبَهَا

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71