الكتاب : المغني
المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي

( 8241 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى الْحَاكِمِ تَتَبُّعُ قَضَايَا مَنْ كَانَ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهَا وَصَوَابُهَا ، وَأَنَّهُ لَا يُوَلِّي الْقَضَاءَ إلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ ، فَإِنْ تَتَبَّعَهَا نَظَرَ فِي الْحَاكِمِ قَبْلَهُ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، فَمَا وَافَقَ مِنْ أَحْكَامِهِ الصَّوَابَ ، أَوْ لَمْ يُخَالِفْ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إجْمَاعًا ، لَمْ يَسُغْ نَقْضُهُ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِأَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، وَكَانَ فِي حَقٍّ لِلَّهِ - تَعَالَى ، كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ ، نَقَضَهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ النَّظَرَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ ، لَمْ يَنْقُضْهُ إلَّا بِمُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَسْتَوْفِي حَقًّا لِمَنْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ مُطَالَبَتِهِ ، فَإِنْ طَلَبَ صَاحِبُهُ ؛ ذَلِكَ نَقَضَهُ .
وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي قَبْلَهُ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، نُقِضَتْ قَضَايَاهُ الْمُخَالِفَةُ لِلصَّوَابِ كُلُّهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ أَوْ لَا يَسُوغُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَقَضَاؤُهُ كَلَا قَضَاءٍ ، لِعَدَمِ شَرْطِ الْقَضَاءِ فِيهِ ، وَلَيْسَ فِي نَقْضِ قَضَايَاهُ نَقْضُ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِاجْتِهَادٍ ، وَلَا يَنْقُضُ مَا وَافَقَ الصَّوَابَ ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي نَقْضِهِ ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَنْقُضُ قَضَايَاهُ كُلَّهَا ؛ مَا أَخْطَأَ فِيهِ وَمَا أَصَابَ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ قَضَائِهِ كَعَدَمِهِ .
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ فَائِدَةً ، فَإِنَّ الْحَقَّ لَوْ وَصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ ، لَمْ يُغَيَّرْ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بِقَضَاءٍ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 8242 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِعَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ ، نَفَذَ حُكْمُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَعَمَّدَا الشَّهَادَةَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، فَقَبِلَهُمَا الْقَاضِي بِظَاهِرِ عَدَالَتِهِمَا ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، لَجَازَ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ نِكَاحُهَا بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَهُوَ عَالِمٌ بِتَعَمُّدِهِ الْكَذِبَ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ ، حَلَّتْ لَهُ بِذَلِكَ ، وَصَارَتْ زَوْجَتَهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَتَفَرَّدَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَالَ : لَوْ اسْتَأْجَرَتْ امْرَأَةٌ شَاهِدَيْنِ ، شَهِدَا لَهَا بِطَلَاقِ زَوْجِهَا ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ كَذِبَهُمَا وَتَزْوِيرَهُمَا ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِطَلَاقِهَا ، لَحَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ ، وَحَلَّ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ نِكَاحُهَا .
وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحَهَا .
فَرَفَعَهَا إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِذَلِكَ ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا بِالزَّوْجِيَّةِ ، فَقَالَتْ : وَاَللَّهِ مَا تَزَوَّجَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اعْقِدْ بَيْنَنَا عَقْدًا حَتَّى أَحِلَّ لَهُ .
فَقَالَ : شَاهِدَاك زَوَّجَاك .
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ .
وَلِأَنَّ اللِّعَانِ يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا ، فَالْحُكْمُ أَوْلَى .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ

شَيْئًا ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا ، فَحَكَمَ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ بِشَهَادَةِ زُورٍ ، فَلَا يُحِلُّ لَهُ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ ، كَالْمَالِ الْمُطْلَقِ .
وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنْ عَلِيٍّ إنْ صَحَّ ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ التَّزْوِيجَ إلَى الشَّاهِدَيْنِ ، لَا إلَى حُكْمِهِ ، وَلَمْ يُجِبْهَا إلَى التَّزْوِيجِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ طَعْنًا عَلَى الشُّهُودِ .
فَأَمَّا اللِّعَانُ ، فَإِنَّمَا حَصَلْت الْفُرْقَةُ بِهِ ، لَا بِصِدْقِ الزَّوْجِ ، وَلِهَذَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ ، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِذَا شَهِدَ عَلَى امْرَأَةٍ بِنِكَاحٍ ، وَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ ، وَلَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ ، وَيَلْزَمُهَا فِي الظَّاهِرِ ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مَا أَمْكَنَهَا ، فَإِنْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ ، فَالْإِثْمُ عَلَيْهِ دُونَهَا ، وَإِنْ وَطِئَهَا الرَّجُلُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ .
وَقِيلَ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُخْتَلَفٌ فِي حِلِّهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَحِلُّ لِزَوْجٍ ثَانٍ ، غَيْرَ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ النِّكَاحُ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يَقْضِي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَطْءِ لِلْمَرْأَةِ مِنْ اثْنَيْنِ ، أَحَدُهُمَا يَطَؤُهَا بِحُكْمِ الظَّاهِرِ ، وَالْآخَرُ ، بِحُكْمِ الْبَاطِنِ .
وَهَذَا فَسَادٌ ، فَلَا يُشْرَعُ ، وَلِأَنَّهَا مَنْكُوحَةٌ لِهَذَا الَّذِي قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ ، فِي قَوْلِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهَا لِغَيْرِهِ ، كَالْمُتَزَوِّجَةِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ .
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، مِثْلَ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، فِي أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُزِيلُ الْفُسُوخَ وَالْعُقُودَ .
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ .

( 8243 ) فَصْل : وَإِذَا اسْتَعْدَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ إلَى الْحَاكِمِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْدِيَهُ ، وَيَسْتَدْعِيَ خَصْمَهُ ، سَوَاءٌ عَلِمَ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَعْدِي مِمَّنْ يُعَامِلُ الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ أَوْ لَا يُعَامِلُهُ ، كَالْفَقِيرِ يَدَّعِي عَلَى ذِي ثَرْوَةٍ وَهَيْئَةٍ .
نَصَّ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فِي الرَّجُلِ يَسْتَعْدِي ، عَلَى الْحَاكِمِ ، أَنَّهُ يُحْضِرُهُ وَيَسْتَحْلِفُهُ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ تَضْيِيعًا لِلْحُقُوقِ ، وَإِقْرَارًا لِلظُّلْمِ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ عَلَى مَنْ هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ بِغَصْبٍ ، أَوْ يَشْتَرِي مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يُوَفِّيهِ ، أَوْ يُودِعُهُ شَيْئًا ، أَوْ يُعِيرُهُ إيَّاهُ فَلَا يَرُدُّهُ ، وَلَا تُعْلَمُ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ ، فَإِذَا لَمْ يَعْدُ عَلَيْهِ ، سَقَطَ حَقُّهُ ، وَهَذَا أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، فَإِنَّهُ لَا نَقِيصَةَ فِيهِ ، وَقَدْ حَضَرَ عُمَرُ وَأُبَيُّ عِنْدَ زَيْدٍ ، وَحَضَرَ هُوَ وَآخَرُ عِنْدَ شُرَيْحٍ ، وَحَضَرَ عَلِيٌّ عِنْدَ شُرَيْحٍ وَحَضَرَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ رَجُلٍ وَلَدِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَسْتَدْعِيهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً ، وَيَتَبَيَّنَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ فِي ادِّعَائِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ تَبْذِيلَ أَهْلِ الْمُرُوءَاتِ ، وَإِهَانَةً لِذَوِي الْهَيْئَاتِ ، فَإِنَّهُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَبْذُلَهُمْ عِنْدَ الْحَاكِمِ إلَّا فَعَلَ ، وَرُبَّمَا فَعَلَ هَذَا مَنْ لَا حَقَّ لَهُ لِيَفْتَدِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ حُضُورِهِ وَشَرِّ خَصْمِهِ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِهِ ، وَالْأُولَى أَوْلَى ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ تَضْيِيعِ الْحَقِّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا .
وَلِلْمُسْتَدْعَى عَلَيْهِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ أَنْ كَرِهَ الْحُضُورَ .
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَدْعَى عَلَيْهِ امْرَأَةً

نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَتْ بَرْزَةً ، وَهِيَ الَّتِي تَبْرُزُ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ .
وَإِنْ كَانَتْ مُخَدَّرَةً ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَبْرُزُ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا ، أُمِرَتْ بِالتَّوْكِيلِ .
فَإِنْ تَوَجَّهْت الْيَمِينُ عَلَيْهَا ، بَعَثَ الْحَاكِمُ أَمِينًا مَعَهُ شَاهِدَانِ ، فَيَسْتَحْلِفُهَا بِحَضْرَتِهِمَا ، فَإِنْ أَقَرَّتْ ، شَهِدَا عَلَيْهَا .
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْحَاكِمَ يَبْعَثُ مَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَصْمِهَا فِي دَارِهَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا } فَبَعَثَ إلَيْهَا وَلَمْ يَسْتَدْعِهَا .
وَإِذَا حَضَرُوا عِنْدَهَا ، كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ سِتْرٌ تَتَكَلَّمُ مِنْ وَرَائِهِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ لِلْمُدَّعِي أَنَّهَا خَصْمُهُ ، حَكَمَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ ، جِيءَ بِشَاهِدَيْنِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهَا ، يَشْهَدَانِ أَنَّهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهَا ، ثُمَّ يُحْكَمُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، الْتَحَفَتْ بِجِلْبَابِهَا ، وَأُخْرِجَتْ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ .
وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا ، وَإِذَا كَانَتْ خَفِرَةً ، مَنَعَهَا الْحَيَاءُ مِنْ النُّطْقِ بِحُجَّتِهَا ، وَالتَّعْبِيرِ عَنْ نَفْسِهَا ، سِيَّمَا مَعَ جَهْلِهَا بِالْحُجَّةِ ، وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهَا بِالشَّرْعِ وَحُجَجِهِ .
( 8244 ) فَصْلٌ : وَلَا يَخْلُو الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا ؛ فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ ، فَإِنْ شَاءَ الْحَاكِمُ بَعَثَ مَعَ الْمُسْتَعِدِّي عَوْنًا يُحْضِرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِنْ شَاءَ بَعَثَ مَعَهُ قِطْعَةً مِنْ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ ، فَإِذَا بَعَثَ مَعَهُ خَتْمًا ، فَعَادَ فَذَكَرَ أَنَّهُ امْتَنَعَ ، أَوْ كَسَرَ الْخَتْمَ ، بَعَثَ إلَيْهِ عُيُونًا ، فَإِنْ امْتَنَعَ ، أَنْفَذَ صَاحِبَ الْمَعُونَةِ فَأَحْضَرَهُ ، فَإِذَا حَضَرَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِالِامْتِنَاعِ ،

عَزَّرَهُ إنْ رَأَى ذَلِكَ ، بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ ، تَأْدِيبًا لَهُ إمَّا بِالْكَلَامِ وَكَشْفِ رَأْسِهِ ، أَوْ بِالضَّرْبِ أَوْ بِالْحَبْسِ ، فَإِنْ اخْتَبَأَ بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ ثَلَاثًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ سَمَّرَ بَابَهُ ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ ، وَيَجْمَعُ أَمَاثِلَ جِيرَانِهِ وَيُشْهِدُهُمْ عَلَى إعْذَارِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ ، وَسَأَلَ الْمُدَّعِي أَنْ يُسَمَّرَ عَلَيْهِ مَنْزِلُهُ ، وَيَخْتِمَ عَلَيْهِ .
وَتَقَرَّرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّ الْمَنْزِلَ مَنْزِلُهُ ، سَمَّرَهُ أَوْ خَتَمَهُ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ ، بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ ، أَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَ فُلَانٍ ، أَقَامَ عَنْهُ وَكِيلًا ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ ، أَقَامَ عَنْهُ وَكِيلًا ، وَسَمِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ كَمَا يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ ، وَقَضَى حَقَّهُ مِنْ مَالِهِ إنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ .
حَكَاهُ عَنْهُمْ أَحْمَدُ .
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا ، وَلَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، فَكَانَ أَحْمَدُ يُنْكِرُ التَّهَجُّمَ عَلَيْهِ ، وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ حَتَّى يُظْهِرَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ عَلِمَ لَهُ مَكَانًا ، أَمَرَ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِ ، فَيَبْعَثُ خُصْيَانًا أَوْ غِلْمَانًا لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ ، وَثِقَاتٍ مِنْ النِّسَاءِ مَعَهُمْ ذَوُو عَدْلٍ مِنْ الرِّجَالِ ، فَيُدْخِلُ النِّسَاءَ وَالصَّبِيَّانِ ، فَإِذَا حَصَلُوا فِي صَحْنِ الدَّارِ دَخَلَ الرِّجَالُ ، وَيُؤْمَرُ الْخُصْيَانُ بِالتَّفْتِيشِ ، وَيَتَفَقَّدُ النِّسَاءُ النِّسَاءَ ، فَإِنْ ظَفِرُوا بِهِ ، أَخَذُوهُ فَأَحْضَرُوهُ .
وَإِنْ اسْتَعْدَى عَلَى غَائِبٍ نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ فِي غَيْرِ وِلَايَةِ الْقَاضِي ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَدِّي عَلَيْهِ ، وَلَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَإِنْ كَانَ فِي وِلَايَتِهِ ، وَلَهُ فِي بَلَدِهِ خَلِيفَةٌ ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، ثَبَتَ الْحَقُّ عِنْدَهُ ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى خَلِيفَتِهِ ، وَلَمْ

يُحْضِرْهُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، حَاضِرَةٌ ، نَفَّذَهُ إلَى خَصْمِهِ لِيُخَاصِمَهُ عِنْدَ خَلِيفَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ خَلِيفَةٌ ، وَكَانَ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، أَذِنَ لَهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، قِيلَ لَهُ : حَرِّرْ دَعْوَاك ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَدَّعِيهِ لَيْسَ بِحَقٍّ عَنَدَهُ ، كَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ ، وَقِيمَةِ الْكَلْبِ ، أَوْ خَمْرِ الذِّمِّيِّ ، فَلَا يُكَلِّفُهُ الْحُضُورَ لِمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ ، مَعَ الْمَشَقَّةِ فِيهِ ، بِخِلَافِ الْحَاضِرِ ، فَإِنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي حُضُورِهِ ، فَإِذَا تَحَرَّرَتْ ، بَعَثَ فَأَحْضَرَ خَصْمَهُ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ قَرُبَتْ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْضُرَ وَيَعُودَ فَيَأْوِيَ إلَى مَوْضِعِهِ ، أَحْضَرَهُ ، وَإِلَّا لَمْ يُحْضِرْهُ ، وَيُوجَدُ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا .
وَقِيلَ : إنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، أَحْضَرَهُ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَصْلِ الْخُصُومَةِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِمَشَقَّةٍ ، فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَيُعَزَّرُ ، وَلِأَنَّ إلْحَاقَ الْمَشَقَّةِ بِهِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهَا بِمَنْ يَنْفُذُهُ الْحَاكِمُ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا .
وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً بَرْزَةً ، لَمْ يُشْتَرَطْ فِي سَفَرِهَا هَذَا مَحْرَمٌ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ .

( 8245 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَعْدَى عَلَى الْحَاكِمِ الْمَعْزُولِ ، لَمْ يُعْدِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا يَدَّعِيهِ ، فَيَسْأَلَهُ عَنْهُ ، صِيَانَةً لِلْقَاضِي عَنْ الِامْتِهَانِ .
فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ ، أَعْدَاهُ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا كَغَيْرِ الْقَاضِي .
وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ رِشْوَةً عَلَى الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الرِّشْوَةِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ ، فَهِيَ كَالْغَصْبِ .
وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْجَوْزَ فِي الْحُكْمِ ، وَكَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، أَحْضَرَهُ ، وَحَكَمَ بِالْبَيِّنَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَيِّنَةٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُحْضِرُهُ ؛ لِأَنَّ فِي إحْضَارِهِ وَسُؤَالِهِ امْتِهَانًا لَهُ ؛ وَأَعْدَاءُ الْقَاضِي كَثِيرٌ ، وَإِذَا فَعَلَ هَذَا مَعَهُ ، لَمْ يُؤْمَنْ أَلَّا يَدْخُلَ فِي الْقَضَاءِ أَحَدٌ ، خَوْفًا مِنْ عَاقِبَتِهِ .
وَالثَّانِي ، يُحْضِرُهُ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَرِفَ ، فَإِنْ حَضَرَ وَاعْتَرَفَ ، حَكَمَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَنْكَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي مَقْبُولٌ بَعْدَ الْعَزْلِ ، كَمَا يُقْبَلُ فِي وِلَايَتِهِ .
وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ ابْنَهُ ظُلْمًا ، فَهَلْ يَسْتَحْضِرُهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ ، فَاعْتَرَفَ ، حَكَمَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ .
وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَخْرَجَ عَيْنًا مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ بِهَا ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( 8246 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى عَلَى شَاهِدَيْنِ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَيْهِ زُورًا ، أَحْضَرَهُمَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَا ، أَغْرَمَهُمَا ، وَإِنْ أَنْكَرَا ، وَلِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ عَلَى إقْرَارِهِمَا بِذَلِكَ ، فَأَقَامَهَا ، لَزِمَهُمَا ذَلِكَ ، وَإِنْ أَنْكَرَا لَمْ يَسْتَحْلِفَا ؛ لِأَنَّ إحْلَافَهُمَا يَطْرُقُ عَلَيْهِمَا الدَّعَاوَى فِي الشَّهَادَةِ وَالِامْتِهَانَ ، وَرُبَّمَا مَنَعَ ذَلِكَ إقَامَةَ الشَّهَادَةِ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .

( 8247 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ ( وَإِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ ، سَأَلَ عَنْهُ ، فَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ ، قَبِلَ شَهَادَتَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ شَاهِدَانِ ، فَإِنْ عَرَفَهُمَا عَدْلَيْنِ ، حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَإِنْ عَرَفَهُمَا فَاسِقَيْنِ ، لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمَا ، سَأَلَ عَنْهُمَا ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْعَدَالَةِ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ بِجَمِيعِ الْحُقُوقِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى : يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمَا إذَا عَرَفَ إسْلَامَهُمَا ، بِظَاهِرِ الْحَالِ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ الْخَصْمُ : هُمَا فَاسِقَانِ .
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالْمَالُ وَالْحَدُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرُوِيَ { ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ .
فَقَالَ : نَعَمْ .
فَقَالَ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ .
قَالَ : نَعَمْ .
فَصَامَ ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ } .
وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَمْرٌ خَفِيٌّ ، سَبَبُهَا الْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ الْإِسْلَامُ ، فَإِذَا وُجِدَ ، فَلْيَكْتَفِ بِهِ ، مَا لِمَ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَالرِّوَايَةِ الْأُولَى ، وَفِي سَائِرِ الْحُقُوقِ كَالثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ مِمَّا يُحْتَاطُ لَهَا وَتَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَلَنَا ، أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ ، فَوَجَبَ الْعِلْمُ بِهَا كَالْإِسْلَامِ ، أَوْ كَمَا لَوْ طَعَنَ الْخَصْمُ فِيهِمَا .
فَأَمَّا الْأَعْرَابِيُّ الْمُسْلِمُ ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ بِثَنَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ

مَنْ تَرَكَ دِينَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيثَارًا لِدِينِ الْإِسْلَامِ ، وَصُحْبَةِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ .
وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الظَّاهِرَ الْعَدَالَةُ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْبَحْثِ ، وَمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْعَدَالَةِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ أُتِيَ بِشَاهِدَيْنِ ، فَقَالَ لَهُمَا عُمَرُ : لَسْت أَعْرِفُكُمَا ، وَلَا يَضُرُّكُمَا إنْ لَمْ أَعْرِفْكُمَا ، جِيئَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا .
فَأَتَيَا بِرَجُلٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : تَعْرِفُهُمَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .
فَقَالَ عُمَرُ : صَحِبْتهمَا فِي السَّفَرِ الَّذِي تَبِينُ فِيهِ جَوَاهِرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : عَامَلْتهمَا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الَّتِي تُقْطَعُ فِيهَا الرَّحِمُ ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : كُنْت جَارًا لَهُمَا تَعْرِفُ صَبَاحَهُمَا وَمَسَاءَهُمَا ؟ قَالَ لَا .
قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، لَسْت تَعْرِفُهُمَا ، جِيئَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا وَهَذَا بَحْثٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِدُونِهِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الشَّاهِدَ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ ؛ الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ ، وَالْعَقْلُ ، وَالْعَدَالَةُ ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَخْفَى وَيَحْتَاجُ إلَى الْبَحْثِ إلَّا الْعَدَالَةُ ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَحْثِ عَنْهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .
وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَرْضِيٌّ حَتَّى نَعْرِفَهُ ، أَوْ نُخْبَرَ عَنْهُ ، فَيَأْمُرُ الْحَاكِمُ بِكَتْبِ أَسْمَائِهِمْ ، وَكُنَاهُمْ ، وَنَسَبِهِمْ ، وَيُرْفَعُونَ فِيهَا بِمَا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ ، وَيَكْتُبُ صَنَائِعَهُمْ ، وَمَعَايِشَهُمْ ، وَمَوْضِعَ مَسَاكِنِهِمْ ، وَصَلَاتِهِمْ ؛ لِيَسْأَلَ عَنْ جِيرَانِهِمْ ، وَأَهْلِ سُوقِهِمْ وَمَسْجِدِهِمْ ، وَمَحَلَّتِهِمْ ، وَنِحْلَتِهِمْ ، فَيَكْتُبُ : أَسْوَدُ أَوْ أَبْيَضُ ، أَوْ أَنْزَعُ أَوْ أَغَمُّ ، أَوَأَشْهَلُ أَوْ أَكْحَلُ ، أَقْنَى الْأَنْفِ أَوْ أَفْطَسُ ، أَوْ رَقِيقُ الشَّفَتَيْنِ أَوْ غَلِيظُهُمَا ، طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ أَوْ رَبْعَةٌ ، وَنَحْوَ هَذَا ، لِيَتَمَيَّزَ

، وَلَا يَقَعُ اسْمٌ عَلَى اسْمٍ ، وَيَكْتُبُ اسْمَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَقَدْرَ الْحَقِّ ، وَيَكْتُبُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِأَصْحَابِ مَسَائِلِهِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ رُقْعَةً .
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا الْمَشْهُودَ لَهُ ، لِئَلَّا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ قَرَابَةٌ تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ ، أَوْ شَرِكَةٌ ، وَذَكَرْنَا اسْمَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ؛ لِئَلَّا تَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ عَدَاوَةٌ ، وَذَكَرْنَا قَدْرَ الْحَقِّ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مِمَّنْ يَرَوْنَ قَبُولَهُ فِي الْيَسِيرِ دُونِ الْكَثِيرِ ، فَتَطِيبُ نَفْسُ الْمُزَكَّى بِهِ إذَا كَانَ يَسِيرًا ، وَلَا تَطِيبُ إذَا كَانَ كَثِيرًا .
وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُخْفِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَسَائِلِهِ مَا يُعْطِي الْآخَرَ مِنْ الرِّقَاعِ ؛ لِئَلَّا يَتَوَاطَئُوا .
وَإِنْ شَاءَ الْحَاكِمُ عَيَّنَ لِصَاحِبِ مَسَائِلِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ ، مِنْ جِوَارِ الشَّاهِدِ ، وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ ، وَإِنْ شَاءَ أَطْلَقَ ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَسْئُولَ ، وَيَكُونُ السُّؤَالُ سِرًّا ؛ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ هَتْكُ الْمَسْئُولِ عَنْهُ ، وَرُبَّمَا يَخَافُ الْمَسْئُولُ مِنْ الشَّاهِدَ أَوْ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا عِنْدَهُ ، أَوْ يَسْتَحْيِيَ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ غَيْرَ مَعْرُوفِينَ لَهُ ؛ لِئَلَّا يُقْصَدُوا بِهَدِيَّةِ أَوْ رِشْوَةٍ ، وَأَنْ يَكُونُوا أَصْحَابَ عَفَافٍ فِي الطُّعْمَةِ وَالْأَنْفُسِ ، ذَوِي عُقُولٍ وَافِرَةٍ ، أَبْرِيَاءَ مِنْ الشَّحْنَاءِ وَالْبُغْضِ ؛ لِئَلَّا يَطْعَنُوا فِي الشُّهُودِ ، أَوْ يَسْأَلُوا عَنْ الشَّاهِدِ عَدُوَّهُ فَيَطْعَنَ فِيهِ ، فَيَضِيعَ حَقُّ الْمَشْهُودِ لَهُ ، وَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْعَصَبِيَّةِ ، يَمِيلُونَ إلَى مَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ ، وَيَكُونُونَ أُمَنَاءَ ثِقَاتٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ أَمَانَةٍ .
فَإِذَا رَجَعَ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ ، فَأَخْبَرَ اثْنَانِ بِالْعَدَالَةِ ، قَبِلَ شَهَادَتَهُ ، وَإِنْ أَخْبَرَا بِالْجَرْحِ ، رَدَّ شَهَادَتَهُ ، وَإِنْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا بِالْعَدَالَةِ ،

وَالْآخِرُ بِالْجَرْحِ ، بَعَثَ آخَرَيْنِ ، فَإِنْ عَادَا فَأَخْبَرَا بِالتَّعْدِيلِ ، تَمَّتْ بَيِّنَةُ التَّعْدِيلِ ، وَسَقَطَ الْجَرْحُ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ لَمْ تَتِمَّ ، وَإِنْ أَخْبَرَا بِالْجَرْحِ ، ثَبَتَ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ ، وَإِنْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا بِالْجَرْحِ وَالْآخَرُ بِالتَّعْدِيلِ ، تَمَّتْ الْبَيِّنَتَانِ ، وَيُقَدِّمُ الْجَرْحَ ، وَلَا يَقْبَلُ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ ، وَيَقْبَلُ قَوْلَ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ .
وَقِيلَ : لَا يَقْبَلُ إلَّا شَهَادَةَ الْمَسْئُولِينَ ، وَيُكَلِّفُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِالتَّزْكِيَةِ وَالْجَرْحِ عِنْدَهُ ، عَلَى شُرُوطِ الشَّهَادَةِ فِي اللَّفْظِ وَغَيْرِهِ ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْ صَاحِبِ الْمَسْأَلَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ ، مَعَ حُضُورِ شُهُودِ الْأَصْلِ .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَنَّ شَهَادَةَ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ شَهَادَةُ اسْتِفَاضَةٍ ، لَا شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ ، فَيَكْتَفِي بِمَنْ يَشْهَدُ بِهَا ، كَسَائِرِ شَهَادَاتِ الِاسْتِفَاضَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ فَلَا يَلْزَمُ الْمُزَكِّيَ الْحُضُورُ لِلتَّزْكِيَةِ ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا ، فَصَارَ كَالْمَرَضِ وَالْغَيْبَةِ فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ ، وَلِأَنَّنَا لَوْ لَمْ نَكْتَفِ بِشَهَادَةِ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ ، لَتَعَذَّرَتْ التَّزْكِيَةُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي جِيرَانِ الشَّاهِدِ مَنْ يَعْرِفُهُ الْحَاكِمُ ، فَلَا يَقْبَلُ قَوْلَهُ ، فَيَفُوتُ التَّعْدِيلُ وَالْجَرْحُ .

( 8248 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ إسْلَامِ الشَّاهِدِ ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ ؛ أَحَدُهَا ، إخْبَارُهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ، أَوْ إتْيَانُهُ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ ، وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا صَارَ مُسْلِمًا بِذَلِكَ .
الثَّانِي ، اعْتِرَافُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهِ .
الثَّالِثُ ، خِبْرَةُ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّنَا اكْتَفَيْنَا بِذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي إسْلَامِهِ .
الرَّابِعُ ، بَيِّنَةٌ تَقُومُ بِهِ .
وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحُرِّيَّةِ فِي مَوْضِعٍ تُعْتَبَرُ فِيهِ ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ أَحَدُ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ ؛ بَيِّنَةٌ ، أَوْ اعْتِرَافُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، أَوْ خِبْرَةُ الْحَاكِمِ .
وَلَا يَكْفِي اعْتِرَافُ الشَّاهِدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَصِيرَ حُرًّا ، فَلَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ ، بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ .

( 8249 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَجْهُولُ الْحَالِ ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ : هُوَ عَدْلٌ .
فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ عَدَالَتِهِ لِحَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ اعْتَرَفَ بِهَا ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِعَدَالَتِهِ ، فَقَدْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْحُكْمَ لِخَصْمِهِ عَلَيْهِ ، فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ ، كَسَائِرِ أَقَارِيرِهِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ ؛ لِأَنَّ فِي الْحُكْمِ بِهَا تَعْدِيلًا لَهُ ، فَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلِهَذَا لَوْ رَضِيَ الْخَصْمُ بِأَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ فَاسِقٍ ، لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ مَعَ تَعْدِيلِهِ ، أَوْ مَعَ انْتِفَائِهِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَعَ تَعْدِيلِهِ ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ انْتِفَاءِ تَعْدِيلِهِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعَدْلِ غَيْرُ جَائِزٍ ، بِدَلِيلِ شَهَادَةِ مَنْ ظَهَرَ فِسْقُهُ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَا ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ ، فَلَا يَثْبُتُ تَعْدِيلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ بَيِّنَةُ التَّعْدِيلِ ، وَإِنَّمَا حُكِمَ عَلَيْهِ لِإِقْرَارِهِ بِوُجُودِ شُرُوطِ الْحُكْمِ ، وَإِقْرَارُهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ دُونَ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ ، ثَبَتَ فِي حَقِّهِ دُونَ غَيْرِهِ .

( 8250 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : ( وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ ، وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ ، فَالْجِرَاحَةُ أَوْلَى ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يُنْظَرُ أَيُّهُمَا أَعْدَلُ ؟ اللَّذَانِ جَرَّحَاهُ ، أَوْ اللَّذَانِ عَدَّلَاهُ ؟ فَيُؤْخَذُ بِقَوْلِ أَعْدَلِهِمَا .
وَلَنَا ، أَنَّ الْجَارِحَ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ خَفِيَتْ عَلَى الْمُعَدِّلِ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الرَّيْبِ وَالْمَحَارِمِ ، وَالْجَارِحُ مُثْبِتٌ لِوُجُودِ ذَلِكَ ، وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ ، وَلِأَنَّ الْجَارِحَ يَقُولُ : رَأَيْته يَفْعَلُ كَذَا .
وَالْمُعَدِّلُ مُسْتَنَدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ يَفْعَلُ ، وَيُمْكِنُ صِدْقُهُمَا ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْهِمَا بِأَنْ يَرَاهُ الْجَارِحُ يَفْعَلُ الْمَعْصِيَةَ ، وَلَا يَرَاهُ الْمُعَدِّلُ ، فَيَكُونُ مَجْرُوحًا .

( 8251 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ وَاحِدٍ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ، فَقُبِلَ مِنْ وَاحِدٍ ، كَالرِّوَايَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إثْبَاتُ صِفَةِ مَنْ يَبْنِي الْحَاكِمُ حُكْمَهُ عَلَى صِفَتِهِ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعَدَدُ ، كَالْحَضَانَةِ ، وَفَارَقَ الرِّوَايَةَ ؛ فَإِنَّهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ ، وَيُعْتَبَرُ فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ، فَيَقُولُ فِي التَّعْدِيلِ : أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ .
وَيَكْفِي هَذَا .
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ : عَلَيَّ وَلِي .
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ يَقُولُ شُرَيْحٌ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَمَالِكٌ ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ .
وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ : لَا يَكْفِيهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ : عَدْلٌ عَلَيَّ وَلِي .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لِئَلَّا تَكُونَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ أَوْ قَرَابَةٌ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لِئَلَّا يَكُونَ عَدْلًا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } فَإِذَا شَهِدَا أَنَّهُ عَدْلٌ ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا ، فَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي عُمُومِ الْأَمْرِ ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَدْلًا ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَعَلَيْهِ ، وَفِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ .
وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرُوهُ ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ عَدْلًا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ ، وَلَا فِي حَقِّ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ ، فَإِنَّهَا لَا تُوصَفُ بِهَذَا ، وَلَا تَنْتَفِي أَيْضًا بِقَوْلِهِ : عَدْلٌ وَلِي فَإِنَّ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ ، لَمْ تَزُلْ بِقَرَابَةٍ وَلَا عَدَاوَةٍ ، وَإِنَّمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِلتُّهْمَةِ مَعَ كَوْنِهِ عَدْلًا ، ثُمَّ إنَّ هَذَا إذَا كَانَ مَعْلُومًا انْتِقَاؤُهُ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى

ذِكْرِهِ وَلَا نَفْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِالْحَقِّ مَنْ عَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْعَدَاوَةَ لَا تَمْنَعُ مِنْ شَهَادَتِهِ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ ، وَإِنَّمَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا شَاهِدٌ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ وَالْعَدَالَةِ ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى نَفْيِ الْعَدَاوَةِ .

( 8252 ) فَصْلٌ : وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ : لَا أَعْلَمُ مِنْهُ إلَّا الْخَيْرَ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَكْفِي ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ ، وَلَا يَعْلَمُ إلَّا الْخَيْرَ ، فَهُوَ عَدْلٌ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّعْدِيلِ ، فَلَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَعْلَمُ مِنْهُ خَيْرًا .
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ بِحَالِ أَهْلِ الْفِسْقِ ، لَا يَعْلَمُ مِنْهُمْ إلَّا الْخَيْرَ ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ إسْلَامَهُمْ ، وَهُوَ خَيْرٌ ، وَلَا يَعْلَمُ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ وَهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ .

( 8253 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ، وَالْمَعْرِفَةِ الْمُتَقَادِمَةِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِخَبَرِ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ ، وَلِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ إظْهَارُ الصَّالِحَاتِ وَإِسْرَارُ الْمَعَاصِي ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَا خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ ، فَرُبَّمَا اغْتَرَّ بِحُسْنِ ظَاهِرِهِ ، وَهُوَ فَاسِقٌ فِي الْبَاطِنِ .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُوا بِهِ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا عِلْمَ أَنَّ الْمُعَدِّلَ لَا خِبْرَةَ لَهُ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِالتَّعْدِيلِ ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ لِلْمُعَدِّلِ الشَّهَادَةُ بِالْعَدَالَةِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ خِبْرَةٌ بَاطِنَةٌ .
فَأَمَّا الْحَاكِمُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ الْعَدْلُ بِالتَّعْدِيلِ ، وَلَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْحَالِ ، فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الشَّهَادَةَ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ ، وَإِنْ اسْتَكْشَفَ الْحَالَ ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَا بَأْسَ .

( 8254 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّنِي رَأَيْته يَشْرَبُ الْخَمْرَ ، أَوْ يُعَامِلُ بِالرِّبَا ، أَوْ يَظْلِمُ النَّاسَ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ أَوْ ضَرْبِهِمْ ، أَوْ سَمِعْته يَقْذِفُ .
أَوْ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِاسْتِفَاضَتِهِ فِي النَّاسِ .
وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ السَّبَبِ وَتَعْيِينِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَسَوَّارٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْبَلُ الْجَرْحُ الْمُطْلَقُ ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ فَاسِقٌ ، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ .
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ يُسْمَعُ مُطْلَقًا ؛ فَكَذَلِكَ الْجَرْحُ ، وَلِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالسَّبَبِ يَجْعَلُ الْجَارِحَ فَاسِقًا ، وَيُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَى ، فَيُفْضِي الْجَرْحُ إلَى جَرْحِ الْجَارِحِ ، وَتَبْطِيلِ شَهَادَتِهِ ، وَلَا يَتَجَرَّحُ بِهَا الْمَجْرُوحُ .
وَلَنَا ، أَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي أَسْبَابِ الْجَرْحِ ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي شَارِبِ النَّبِيذِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مُجَرَّدُ الْجَرْحِ ، لِئَلَّا يَجْرَحَهُ بِمَا لَا يَرَاهُ الْقَاضِي جَرْحًا ؛ وَلِأَنَّ الْجَرْحَ يَنْقُلُ عَنْ الْأَصْلِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ ، وَالْجُرْحُ يَنْقُلُ عَنْهَا ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ النَّاقِلُ ، لِئَلَّا يُعْتَقَدَ نَقْلُهُ بِمَا لَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ نَاقِلًا .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يُفْضِي إلَى جَرْحِ الْجَارِحِ ، وَإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ .
قُلْنَا : لَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّعْرِيضُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَفِي بَيَانِ السَّبَبِ هَتْكُ الْمَجْرُوح .
قُلْنَا : لَا بُدَّ مِنْ هَتْكِهِ ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ هَتْكٌ لَهُ .
وَلَكِنْ جَازَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ ، كَمَا جَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِهِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، بَلْ هَاهُنَا أَوْلَى ؛ فَإِنَّ فِيهِ دَفْعَ الظُّلْمِ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ حَقُّ آدَمِيٍّ ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ ، وَلِأَنَّ هَتْكَ عِرْضِهِ بِسَبَبِهِ ،

لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِلشَّهَادَةِ مَعَ ارْتِكَابِهِ مَا يُوجِبُ جَرْحَهُ ، فَكَانَ هُوَ الْهَاتِكَ لِنَفْسِهِ ، إذْ كَانَ فِعْلُهُ هُوَ الْمُحْوِجَ لِلنَّاسِ إلَى جَرْحِهِ .
فَإِنْ صَرَّحَ الْجَارِحُ بِقَذْفِهِ بِالزِّنَى ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ لَمْ يَأْتِ بِتَمَامِ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إدْخَالَ الْمَعَرَّةِ عَلَيْهِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } .
الْآيَةَ .
وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَرَفِيقَيْهِ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَى ، وَلَمْ يُكْمِلْ زِيَادٌ شَهَادَتَهُ فَجَلَدَهُمْ عُمَرُ حَدَّ الْقَذْفِ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .
وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِمَا إذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ .

( 8255 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً ، أَنَّ هَذَيْنِ الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَا بِهَذَا الْحَقِّ عِنْدَ حَاكِمٍ ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا لِفِسْقِهِمَا ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا رُدَّتْ لِفِسْقٍ ، لَمْ تُقْبَلْ مَرَّةً ثَانِيَةً .

( 8256 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ مِنْ النِّسَاءِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ، فَأَشْبَهَ الرِّوَايَةَ ، وَأَخْبَارَ الدِّيَاتِ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ فِي الْقِصَاصِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ .

( 8257 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ مِنْ الْخَصْمِ .
بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ .
فَلَوْ قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ : هَذَانِ فَاسِقَانِ ، أَوْ عَدُوَّانِ لِي ، أَوْ آبَاءُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ .
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي قَوْلِهِ ، وَيَشْهَدُ بِمَا يَجُرُّ إلَيْهِ نَفْعًا ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ لِنَفْسِهِ ، وَلَوْ قَبِلْنَا قَوْلَهُ ، لَمْ يَشَأْ أَحَدٌ أَنْ يُبْطِلَ شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ إلَّا أَبْطَلَهَا ، فَتَضِيعَ الْحُقُوقُ ، وَتَذْهَبَ حِكْمَةُ شَرْعِ الْبَيِّنَةِ .

( 8258 ) فَصْلٌ : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُتَوَسِّمِينَ ، وَذَلِكَ إذَا حَضَرَ مُسَافِرَانِ ، فَشَهِدَا عِنْدَ حَاكِمٍ لَا يَعْرِفُهُمَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَقْبَلُهُمَا إذَا رَأَى فِيهِمَا سِيمَا الْخَيْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ عَدَالَتِهِمَا ، فَفِي التَّوَقُّفِ عَنْ قَبُولِهِمَا تَضْيِيعُ الْحُقُوقِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِمَا إلَى السِّيمَاءِ الْجَمِيلَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّ عَدَالَتَهُمَا مَجْهُولَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمَا ، كَشَاهِدَيْ الْحَضَرِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا يُفْضِي إلَى أَنْ يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا بِدَفْعِ الْحَقِّ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ .

( 8259 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شُهُودِهِ كُلَّ قَلِيلٍ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ .
وَهَلْ هَذَا مُسْتَحَبُّ أَوْ وَاجِبٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مُسْتَحَبٌّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ ، فَلَا يَزُولُ حَتَّى يَثْبُت الْجَرْحُ .
وَالثَّانِي ، يَجِبُ الْبَحْثُ كُلَّمَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَتَغَيَّرُ الْحَالُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ يَحْدُثُ ، وَذَلِكَ عَلَى مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، مِثْلُ هَذَيْنِ .

( 8260 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } وَلِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالنَّاسِ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْوَقَائِعِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ فِيهَا تَقَعُ عِنْدَ غَيْرِ الْمُرَتَّبِينَ ، فَمَتَى ادَّعَى إنْسَانٌ شَهَادَةَ غَيْرِ الْمُرَتَّبِينَ ، وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ سَمَاعُ بَيِّنَتِهِ ، وَالنَّظَرُ فِي عَدَالَةِ شَاهِدَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُمْ بِكَوْنِهِمْ مِنْ غَيْرِ الْمُرَتَّبِينَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ ، لَكِنْ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا يُشْهِدُهُمْ النَّاسُ ، فَيَسْتَغْنُونَ بِإِشْهَادِهِمْ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ ، وَيَسْتَغْنِي الْحَاكِمُ عَنْ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ ، فَيَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ مِنْ وَجْهٍ ، وَيَكُونُونَ أَيْضًا يُزَكُّونَ مَنْ عَرَفُوا عَدَالَتَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ إذَا شَهِدَ .

( 8261 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعِظَ الشَّاهِدَيْنِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ إذَا حَضَرَا : يَا هَذَانِ ، أَلَا تَرَيَانِ ؟ إنِّي لَمْ أَدْعُكُمَا ، وَلَسْت أَمْنَعُكُمَا أَنْ تَرْجِعَا ، وَإِنَّمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا أَنْتُمَا ، وَأَنَا مُتَّقٍ بِكُمَا ، فَاتَّقِيَا .
وَفِي لَفْظٍ : وَإِنِّي بِكُمَا أَقْضِي الْيَوْمَ ، وَبِكُمَا أَتَّقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ كُنْت عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ ، فَادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا ، فَأَنْكَرَهُ ، فَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ ، فَشَهِدَا لَهُ ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ : وَاَلَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَقَدْ كَذَبَا عَلَيَّ فِي الشَّهَادَةِ .
وَكَانَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا ، وَقَالَ : سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ الطَّيْرَ لَتَخْفِقُ بِأَجْنِحَتِهَا ، وَتَرْمِي مَا فِي حَوَاصِلِهَا ، مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } .
فَإِنْ صَدَقْتُمَا فَاثْبُتَا ، وَإِنْ كَذَبْتُمَا فَغَطِّيَا رُءُوسَكُمَا وَانْصَرِفَا .
فَغَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَانْصَرَفَا .

( 8262 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : ( وَيَكُونُ كَاتِبُهُ عَدْلًا ، وَكَذَلِكَ قَاسِمُهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْتَبَ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَغَيْرَهُ ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ تَكْثُرُ أَشْغَالُهُ وَنَظَرُهُ ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْكِتَابَةَ بِنَفْسِهِ ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ تَوَلِّي الْكِتَابَةِ بِنَفْسِهِ ، جَازَ ، وَالِاسْتِنَابَةُ فِيهِ أَوْلَى .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي ذَلِكَ إلَّا عَدْلًا ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَوْضِعُ أَمَانَةٍ .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا ؛ لِيَعْرِفَ مَوَاقِعَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَحْكَامُ ، وَيُفَرِّقَ بَيْنَ الْجَائِزِ وَالْوَاجِبِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَافِرَ الْعَقْلِ ، وَرِعًا ، نَزِهًا ؛ لِئَلَّا يُسْتَمَالَ بِالطَّمَعِ ، وَيَكُونَ مُسْلِمًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا مُوسَى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَعَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ ، فَأَحْضَرَ أَبُو مُوسَى شَيْئًا مِنْ مَكْتُوبَاتِهِ عِنْدَ عُمَرَ ، فَاسْتَحْسَنَهُ ، وَقَالَ : قُلْ لِكَاتِبِك يَجِيءُ ، فَيَقْرَأُ كِتَابَهُ .
قَالَ : إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ .
قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : إنَّهُ نَصْرَانِيٌّ .
فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ ، وَقَالَ : لَا تَأْتَمِنُوهُمْ ، وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَا تُقَرِّبُوهُمْ ، وَقَدْ أَبْعَدَهُمْ اللَّهُ - تَعَالَى ، وَلَا تُعِزُّوهُمْ ، وَقَدْ أَذَلَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى .
وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ مِنْ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ ، وَالْعَدَالَةُ شَرْطٌ .
، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : فِي اشْتِرَاطِ عَدَالَتِهِ وَإِسْلَامِهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُشْتَرَطُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَالثَّانِي ، لَا تُشْتَرَطُ ؛ لِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوفِ الْقَاضِي عَلَيْهِ ، فَتُؤْمَنُ الْخِيَانَةُ فِيهِ .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ جَيِّدَ الْخَطِّ ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ .
وَأَنْ يَكُونَ حُرًّا ؛ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ .

وَإِنْ كَانَ عَبْدًا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ .
وَيَكُونَ الْقَاسِمُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي الْكَاتِبِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ حَاسِبًا ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُهُ ، وَبِهِ يَقْسِمُ ، فَهُوَ كَالْحَظِّ لِلْكَاتِبِ وَالْفِقْهِ لِلْحَاكِمِ .
وَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُجْلِسَ كَاتِبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ؛ لِيُشَاهِدَ مَا يَكْتُبُهُ ، وَيُشَافِهَهُ بِمَا يُمْلِي عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَعَدَ نَاحِيَةً ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ ، فَإِنَّ مَا يَكْتُبُهُ يُعْرَضُ عَلَى الْحَاكِمِ ، فَيَسْتَبْرِئُهُ .

( 8263 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَرَافَعَ إلَى الْحَاكِمِ خَصْمَانِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ لِلْحَاكِمِ : أَشْهِدْ لِي عَلَى إقْرَارِهِ شَاهِدَيْنِ .
لَزِمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ ، فَرُبَّمَا جَحَدَ الْمُقِرُّ ، فَلَا يُمْكِنُهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ ، وَلَوْ كَانَ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ اُحْتُمِلَ أَنْ يَنْسَى ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ عُرْضَةُ النِّسْيَانِ ، فَلَا يُمْكِنُهُ الْحُكْمُ بِإِقْرَارِهِ .
وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ حَقٌّ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أَوْ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي بَعْدَ النُّكُولِ ، فَسَأَلَهُ الْمُدَّعِي أَنْ يُشْهِدَ عَلَى نَفْسِهِ ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِلْمُدَّعِي سِوَى الْإِشْهَادِ ، وَإِنْ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ فَسَأَلَهُ الْإِشْهَادَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ بِالْحَقِّ بَيِّنَةً ، فَلَا يَجِبُ جَعْلُ بَيِّنَةٍ أُخْرَى .
وَالثَّانِي ، يَجِبُ ؛ لِأَنَّ فِي الْإِشْهَادِ فَائِدَةً جَدِيدَةً ، وَهِيَ إثْبَاتُ تَعْدِيلِ بَيِّنَتِهِ ، وَإِلْزَامُ خَصْمِهِ وَإِنْ حَلَفَ الْمُنْكِرُ وَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْإِشْهَادَ عَلَى بَرَاءَتِهِ لَزِمَهُ لِيَكُونَ حُجَّةً لَهُ .
فِي سُقُوطِ الْمُطَالَبَةِ مَرَّةً أُخْرَى ، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ ، إذَا سَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لَهُ ، فَهُوَ كَالْإِشْهَادِ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ رُبَّمَا نَسِيَا الشَّهَادَةَ ، أَوْ نَسِيَا الْخَصْمَيْنِ ، فَلَا يُذَكِّرُهُمَا إلَّا رُؤْيَةُ خَطَّيْهِمَا .
وَالثَّانِي ، لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ يَكْفِيهِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ تَكْثُرُ عَلَيْهِمْ الشَّهَادَاتُ ، وَيَطُولُ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَا يَتَحَقَّقَانِ الشَّهَادَةَ تَحَقُّقًا يَحْصُلُ بِهِ أَدَاؤُهَا ، فَلَا يَتَقَيَّدُ إلَّا بِالْكِتَابِ .
فَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا ، فَصِفَتُهُ : حَضَرَ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ ، قَاضِي عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ فُلَانٍ ، عَلَى كَذَا وَكَذَا .
وَإِنْ كَانَ

خَلِيفَةَ الْقَاضِي قَالَ : خَلِيفَةُ الْقَاضِي فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ عَبْدُ اللَّهِ قَاضِي الْإِمَامِ بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ .
فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْمُدَّعِيَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَسْمَائِهِمَا وَأَنْسَابِهِمَا ، قَالَ : فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ .
وَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهِمَا حَتَّى يَتَمَيَّزَ وَيُسْتَحَبُّ ذِكْرُ حِلْيَتِهِمَا ، وَإِنْ أَخَلَّ بِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ نَسَبِهِمَا إذَا رَفَعَ فِيهِ أَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْحِلْيَةِ .
وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يَعْرِفُ الْخَصْمَيْنِ ، قَالَ : مُدَّعٍ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ .
وَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهِمَا ، وَيَذْكُرُ حِلْيَتَهُمَا ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا ، فَرُبَّمَا اسْتَعَارَ النَّسَبَ .
وَيَقُولُ : أَغَمُّ ، أَوْ أَنْزَعُ .
وَيَذْكُرُ صِفَةَ الْعَيْنَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْفَمِ وَالْحَاجِبَيْنِ ، وَاللَّوْنَ وَالطُّولَ وَالْقِصَرَ .
مَا ادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا ، فَأَقَرَّ لَهُ .
وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ .
لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَصِحُّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ .
وَإِنْ كَتَبَ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ شَاهِدَانِ ، كَانَ أَوْكَدَ .
وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ عَلَى رَأْسِ الْمَحْضَرِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
أَوَ مَا أَحَبَّ مِنْ ذَلِكَ .
فَأَمَّا إنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، قَالَ : فَادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا ، فَأَنْكَرَ ، فَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعِيَ : أَلِك بَيِّنَةٌ ؟ فَأَحْضَرَهَا ، وَسَأَلَ الْحَاكِمُ سَمَاعَهَا فَفَعَلَ ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى ، فَأَجَابَهُ إلَيْهِ ، وَذَلِكَ فِي وَقْتِ كَذَا .
وَيَحْتَاجُ هَاهُنَا أَنْ يَذْكُرَ : بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ .
بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ إلَّا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ ، وَالْإِقْرَارُ بِخِلَافِهِ .
وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ فِي آخِرِ الْمَحْضَرِ : شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ .
فَإِنْ

كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي كِتَابٌ فِيهِ خَطُّ الشَّاهِدِ كَتَبَ تَحْتَ خُطُوطِهِمَا أَوْ تَحْت خَطِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : شَهِدَ عِنْدِي بِذَلِكَ .
وَيَكْتُبُ عَلَامَتَهُ فِي رَأْسِ الْمَحْضَرِ ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ دُونَ الْمَحْضَرِ ، جَازَ .
فَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، فَاسْتَحْلَفَ الْمُنْكِرَ ، ثُمَّ سَأَلَ الْمُنْكِرُ الْحَاكِمَ مَحْضَرًا لِئَلَّا يَحْلِفَ فِي ذَلِكَ ثَانِيًا ، كَتَبَ لَهُ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ ، إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ : فَأَنْكَرَ ، فَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعِيَ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَقَالَ : لَك يَمِينُهُ .
فَسَأَلَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ ، فَاسْتَحْلَفَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ ، فِي وَقْتِ كَذَا وَكَذَا .
وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ تَحْلِيفِهِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ ، وَيُعْلَمُ فِي أَوَّلِهِ خَاصَّةً .
وَإِنْ نَكِلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ ، قَالَ : فَعُرِضَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَنَكِلَ عَنْهَا ، فَسَأَلَ خَصْمُهُ الْحَاكِمَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ ، فَقَضَى عَلَيْهِ فِي وَقْتِ كَذَا .
وَيُعْلِمُ فِي آخِرِهِ ، وَيَذْكُرُ أَنَّ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ .
فَهَذِهِ صِفَةُ الْمَحْضَرِ .
فَأَمَّا إنْ سَأَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْحَاكِمَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْمَحْضَرِ ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِهِ ، وَيَنْفُذَهُ ، فَيَقُولَ : حَكَمْت لَهُ بِهِ ، أَلْزَمْته الْحَقَّ ، أَنْفَذَتْ الْحُكْمَ بِهِ .
فَإِنْ طَلَبَهُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ عَلَى حُكْمِهِ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ، لِتَحْصُلَ لَهُ الْوَثِيقَةُ بِهِ .
فَإِنْ طَالَبَهُ أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ بِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِي الْمَحْضَرِ وَيَشْهَدَ عَلَى إنْقَاذِهِ ، سَجَّلَ لَهُ .
وَفِي وُجُوبِ ذَلِكَ ، الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْمَحْضَرِ .
وَهَذِهِ صُورَةُ السِّجِلِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ ، قَاضِي عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ ، عَلَى كَذَا وَكَذَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ ، فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا ، فِي

وَقْتِ كَذَا وَكَذَا ، أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَنَسَبِهِمَا ، وَقَدْ عَرَفَهُمَا بِمَا سَاغَ لَهُ بِهِ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا عِنْدَهُ بِمَا فِي كِتَابٍ نَسَخَهُ وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ إنْ كَانَ مَعَهُ ، أَوْ الْمَحْضَرَ فِي أَيِّ حُكْمٍ كَانَ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : فَحَكَمَ بِهِ ، فَأَنْفَذَهُ وَأَمْضَاهُ ، بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ، أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِهِ .
وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ بِمَحْضَرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزٌ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَهُ احْتِيَاطًا ، قَالَ : بَعْدَ أَنْ حَضَرَهُ مَنْ سَاغَ لَهُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ .
وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ بِالسِّجِلِّ وَالْمَحْضَرِ نُسْخَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَكُونُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْحَقِّ .
وَالْأُخْرَى ، تَكُونُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ ، فَإِنْ هَلَكَتْ إحْدَاهُمَا نَابَتْ الْأُخْرَى عَنْهَا ، وَيُخْتَمُ الَّذِي فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ ، وَيَكْتُبُ عَلَى طَيِّهِ : سِجِلُّ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، أَوْ مَحْضَرُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، أَوْ وَثِيقَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ .
فَإِنْ كَثُرَ مَا عِنْدَهُ جَمَعَ مَا يَجْتَمِعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ ، عَلَى قَدْرِ كَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهَا وَشَدَّهَا إضْبَارَةً ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا : أُسْبُوعُ كَذَا ، مِنْ شَهْرِ كَذَا ، مِنْ سَنَةِ كَذَا .
ثُمَّ يَضُمُّ مَا يَجْتَمِعُ فِي السَّنَةِ ، وَيَدَعُهَا نَاحِيَةً ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا : كُتِبَ سَنَةَ كَذَا .
حَتَّى إذَا حَضَرَ مَنْ يَطْلُبُ شَيْئًا مِنْهَا ، سَأَلَهُ عَنْ السَّنَةِ ، فَيُخْرِجُ كُتُبَ تِلْكَ السَّنَةِ ، وَيَسْهُلُ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى جَمْعَهَا وَشَدَّهَا بِنَفْسِهِ ؛ لِئَلَّا يُزَوَّرَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ تَوَلَّى ذَلِكَ ثِقَةٌ مِنْ ثِقَاتِهِ ، جَازَ .

( 8264 ) فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ بِرَسْمِ الْكَاغَدِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْمَحَاضِرُ وَالسِّجِلَّاتُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ ، فَإِنَّهُ ، يُحْفَظُ بِهِ الْوَثَائِقُ ، وَيُذَكِّرُ الْحَاكِمَ حُكْمَهُ ، وَالشَّاهِدَ شَهَادَتَهُ ، وَيُرْجَعُ بِالدَّرْكِ عَلَى مَنْ رَجَعَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَعْوَزَ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْ الْحَاكِمَ ذَلِكَ ، وَيَقُولُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ : إنْ شِئْت جِئْت بِكَاغَدٍ ، أَكْتُبُ لَك فِيهِ ، فَإِنَّهُ حُجَّةٌ لَك ، وَلَسْت أُكْرِهُك عَلَيْهِ .

( 8265 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ارْتَفَعَ إلَيْهِ خَصْمَانِ ، فَذَكَرَ أَحَدُهُمَا أَنَّ حُجَّتَهُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ ، فَأَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ مِنْ دِيوَانِهِ ، فَوَجَدَهَا مَكْتُوبَةً بِخَطِّهِ تَحْت خَتْمِهِ ، وَفِيهَا حُكْمُهُ ، فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ ، حَكَمَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، لَمْ يَحْكُمْ بِهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي الشَّهَادَةِ ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَعَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى .
وَهَذَا الَّذِي رَأَيْته عَنْ أَحْمَدَ فِي الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي قِمْطَرِهِ تَحْتَ خَتْمِهِ ، لَمْ يَحْتَمِلْ أَنْ يَكُونَ إلَّا صَحِيحًا .
وَوَجْهُ الْأُولَى ، أَنَّهُ حُكْمُ حَاكِمٍ لَمْ يَعْلَمْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ إنْفَاذُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، كَحُكْمِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُزَوَّرَ عَلَيْهِ وَعَلَى خَتْمِهِ ، وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ وَجَدَ فِي دَفْتَرِ أَبِيهِ حَقًّا عَلَى إنْسَانٍ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ ، وَيَحْلِفَ عَلَيْهِ .
قُلْنَا : هَذَا يُخَالِفُ الْحُكْمَ وَالشَّهَادَةَ ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ بِخَطِّ أَبِيهِ شَهَادَةً ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا ، وَلَا يَشْهَدَ بِهَا ، وَلَوْ وَجَدَ حُكْمَ أَبِيهِ مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ إنْقَاذُهُ ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ إلَى نَفْسِهِ ، لِأَنَّهُ فِعْلُ نَفْسِهِ ، فَرُوعِيَ ذَلِكَ .
وَأَمَّا مَا كَتَبَهُ أَبُوهُ ، فَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ إلَى نَفْسِهِ ، فَيَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ .

( 8266 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْحَاكِمِ ، أَنَّك حَكَمْت لِي بِهَذَا الْحَقِّ عَلَى خَصْمِي .
فَذَكَرَ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ ، أَمْضَاهُ ، وَأَلْزَمَ خَصْمَهُ مَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ .
وَلَيْسَ هَذَا حُكْمًا بِالْعِلْمِ ، إنَّمَا هُوَ إمْضَاءٌ لِحُكْمِهِ السَّابِقِ .
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الْقَاضِي ، فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ عَلَى حُكْمِهِ ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا ، وَإِمْضَاءُ الْقَضَاءِ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : يَرْجِعُ الْإِمَامُ إلَى قَوْلِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ الْمَأْمُومِينَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْإِحَاطَةِ وَالْعِلْمِ ، فَلَا يَرْجِعُ إلَى الظَّنِّ ، كَالشَّاهِدِ إذَا نَسِيَ شَهَادَتَهُ ، فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَنَّهُ شَهِدَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ غَيْرِهِ قَبِلَ ، فَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ .
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ مَا نَسِيَهُ لَيْسَ إلَيْهِ ، وَيُخَالِفُ الشَّاهِدَ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يُمْضِي مَا حَكَمَ بِهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ، وَالشَّاهِدُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْضَاءِ شَهَادَتِهِ ، وَإِنَّمَا يُمْضِيهَا الْحَاكِمُ .

( 8267 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةَ مَنْ لَمْ يَكُنْ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ يُقْصَدُ بِهَا فِي الْغَالِبِ اسْتِمَالَةُ قَلْبِهِ ، لِيَعْتَنِيَ بِهِ فِي الْحُكْمِ ، فَتُشْبِهُ الرِّشْوَةَ .
قَالَ مَسْرُوقٌ : إذَا قَبِلَ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ ، أَكَلَ السُّحْتَ ، وَإِذَا قَبِلَ الرِّشْوَةَ ، بَلَغَتْ بِهِ الْكُفْرَ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ، قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَقَالَ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ .
فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : { مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ ، فَيَجِيءُ فَيَقُولُ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ ، أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا ؟ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ ، فَيَأْخُذُ شَيْئًا ، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ ، إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ .
فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْت عُفْرَةَ إبْطَيْهِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت ثَلَاثًا ؟ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَنَّ حُدُوثَ الْهَدِيَّةِ عَنَدَ حُدُوثِ الْوِلَايَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَجْلِهَا ، لِيَتَوَسَّلَ بِهَا إلَى مَيْلِ الْحَاكِمِ مَعَهُ عَلَى خَصْمِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ قَبُولُهَا مِنْهُ كَالرِّشْوَةِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ ، جَازَ قَبُولُهَا مِنْهُ بَعْدَ الْوِلَايَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أَجْلِ الْوِلَايَةِ ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ ، بِدَلِيلِ وُجُودِهَا قَبْلَهَا .
قَالَ الْقَاضِي : وَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْهَا .
وَإِنْ أَحَسَّ أَنَّهُ يُقَدِّمُهَا بَيْنَ يَدَيْ خُصُومِهِ ، أَوْ فَعَلَهَا حَالَ الْحُكُومَةِ ، حَرُمَ أَخْذُهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ ؛ لِأَنَّهَا كَالرِّشْوَةِ .
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي

حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، أَنَّ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ .
وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ دَلَالَةٌ عَلَى التَّحْرِيمِ .

( 8268 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ، وَرِشْوَةُ الْعَامِلِ ، فَحَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } قَالَ الْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، فِي تَفْسِيرِهِ : هُوَ الرِّشْوَةُ .
وَقَالَ : إذَا قَبِلَ الْقَاضِي الرِّشْوَةَ ، بَلَغَتْ بِهِ إلَى الْكُفْرِ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ .
} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَزَادَ : " فِي الْحُكْمِ " .
وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، فِي " زَادِ الْمُسَافِرِ " ، وَزَادَ : " وَالرَّائِشَ " وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا .
وَلِأَنَّ الْمُرْتَشِيَ إنَّمَا يَرْتَشِي لِيَحْكُمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، أَوْ لِيُوقِفَ الْحُكْمَ عَنْهُ ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ .
قَالَ مَسْرُوقٌ : سَأَلْت ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ السُّحْتِ ، أَهْوَ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ؟ قَالَ : لَا ، { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } وَ { الظَّالِمُونَ } وَ { الْفَاسِقُونَ } وَلَكِنَّ السُّحْتَ أَنْ يَسْتَعِينَك الرَّجُلُ عَلَى مَظْلَمَةٌ ، فَيُهْدِيَ لَك ، فَلَا تَقْبَلْ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : قَالَ كَعْبٌ : الرِّشْوَةُ تُسَفِّهُ الْحَلِيمَ ، وَتُعْمِي عَيْنَ الْحَكِيمِ .
فَأَمَّا الرَّاشِي فَإِنْ رَشَاهُ لِيَحْكُمَ لَهُ بِبَاطِلٍ ، أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ حَقًّا ، فَهُوَ مَلْعُونٌ ، وَإِنْ رَشَاهُ لِيَدْفَعَ ظُلْمَهُ ، وَيَجْزِيَهُ عَلَى وَاجِبِهِ ، فَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ : لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ .
قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : مَا رَأَيْنَا فِي زَمَنِ زِيَادٍ أَنْفَعَ لَنَا مِنْ الرِّشَا .
وَلِأَنَّهُ يَسْتَنْقِذُ مَالَهُ كَمَا يَسْتَنْقِذُ الرَّجُلُ أَسِيرَهُ .
فَإِنْ ارْتَشَى الْحَاكِمُ ، أَوْ قَبِلَ هَدِيَّةً لَيْسَ لَهُ قَبُولُهَا ، فَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَى أَرْبَابِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَأَشْبَهَ الْمَأْخُوذَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ

يَأْمُرْ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ بِرَدِّهَا عَلَى أَرْبَابِهَا .
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : إذَا أَهْدَى الْبِطْرِيقُ لِصَاحِبِ الْجَيْشِ عَيْنًا أَوْ فِضَّةً ، لَمْ تَكُنْ لَهُ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَكُونُونَ فِيهِ سَوَاءً .

( 8269 ) فَصْلٌ : وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو الْأَسْوَدِ الْمَالِكِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَا عَدَلَ وَالٍ اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ أَبَدًا } وَلِأَنَّهُ يُعْرَفُ فَيُحَابَى ، فَيَكُونُ كَالْهَدِيَّةِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ النَّظَرِ فِي أُمُورِ النَّاسِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا بُويِعَ ، أَخَذَ الذِّرَاعَ وَقَصْدَ السُّوقَ ، فَقَالُوا : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسَعُك أَنْ تَشْتَغِلَ عَنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ .
قَالَ : فَإِنِّي لَا أَدَعُ عِيَالِي يَضِيعُونَ .
قَالُوا : فَنَحْنُ نَفْرِضُ لَك مَا يَكْفِيك .
فَفَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ .
فَإِنْ بَاعَ وَاشْتَرَى ، صَحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ بِشُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ .
وَإِنْ احْتَاجَ إلَى مُبَاشَرَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَكْفِيهِ ، جَازَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُكْرَهْ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَصْدَ السُّوقَ لِيَتَّجِرَ فِيهِ ، حَتَّى فَرَضُوا لَهُ مَا يَكْفِيهِ ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِعِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ ، فَلَا يَتْرُكُهُ لِوَهْمِ مَضَرَّةٍ ، وَأَمَّا إذَا اسْتَغْنَى عَنْ مُبَاشَرَتِهِ ، وَوَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ ؛ لِئَلَّا يُحَابَى .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يُكْرَهُ لَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَتَوْكِيلُ مَنْ يُعْرَفُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ .
وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ قَالَ : شَرَطَ عَلَيَّ عُمَرُ حِينَ وَلَّانِي الْقَضَاءَ أَنْ لَا أَبِيعَ ، وَلَا أَبْتَاعَ ، وَلَا أَرْتَشِيَ ، وَلَا أَقْضِيَ وَأَنَا غَضْبَانُ .
وَقَضِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ حُجَّةٌ لَنَا ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ ، فَاعْتَذَرَ بِحِفْظِ عِيَالِهِ عَنْ

الضَّيَاعِ ، فَلَمَّا أَغْنَوْهُ عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِمَا فَرَضُوا لَهُمْ ، قَبِلَ قَوْلَهُمْ ، وَتَرَكَ التِّجَارَةَ ، فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ مِنْهُمْ عَلَى تَرْكِهَا عِنْدَ الْغِنَى عَنْهَا .

( 8270 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلْحَاكِمِ حُضُورُ الْوَلَائِمِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْضُرُهَا ، وَيَأْمُرُ بِحُضُورِهَا ، وَقَالَ : { مَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فَإِنْ كَثُرَتْ وَازْدَحَمَتْ ، تَرَكَهَا كُلَّهَا ، وَلَمْ يُجِبْ أَحَدًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ الْحُكْمِ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، لَكِنَّهُ يَعْتَذِرُ إلَيْهِمْ ، وَيَسْأَلُهُمْ التَّحْلِيلَ ، وَلَا يُجِيبُ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ كَسْرًا لِقَلْبِ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ ، إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بَعْضُهَا بِعُذْرٍ يَمْنَعُهُ دُونَ بَعْضٍ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي إحْدَاهُمَا مُنْكَرٌ ، أَوْ تَكُونَ فِي مَكَان بَعِيدٍ ، أَوْ يَشْتَغِلَ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا ، وَالْأُخْرَى بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَهُ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا دُونَ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ ظَاهِرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْأُولَى .

( 8271 ) فَصْلٌ : وَلَهُ عِيَادَةُ الْمَرْضَى ، وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ ، وَإِتْيَانُ مَقْدَمِ الْغَائِبِ ، وَزِيَارَةُ إخْوَانِهِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ ، وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنْ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ هَذَا تَبَرُّعٌ ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ الْفَرْضِ ، وَلَهُ حُضُورُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَفْعَلُهُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ لِتَحْصِيلِ الْأَجْرِ ، وَالْقُرْبَةِ لَهُ ، وَالْوَلَائِمُ يُرَاعَى فِيهَا حَقُّ الدَّاعِي ، فَيَنْكَسِرُ قَلْبُ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ إذَا أَجَابَ غَيْرَهُ .

( 8272 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ ، وَالْمَجْلِسِ ، وَالْخِطَابِ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، مِنْ الْمَجْلِسِ ، وَالْخِطَابِ وَاللَّحْظِ وَاللَّفْظِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ ، وَالْإِنْصَاتِ إلَيْهِمَا ، وَالِاسْتِمَاعِ مِنْهُمَا .
وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .
وَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، فِي كِتَابِ " قُضَاةِ الْبَصْرَةِ " بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ بُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ ، وَإِشَارَتِهِ ، وَمَقْعَدِهِ ، وَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مَا لَا يَرْفَعُهُ عَلَى الْآخَرِ .
وَفِي رِوَايَةٍ : فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ ؛ فِي النَّظَرِ ، وَالْمَجْلِسِ ، وَالْإِشَارَةِ } وَكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أُبَيٍّ : سَوِّ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِك وَعَدْلِك ، حَتَّى لَا يَيْأَسَ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِك ، وَلَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِك .
وَقَالَ سَعِيدٌ ، ثنا هُشَيْمٌ ، ثنا سَيَّارٌ ثنا الشَّعْبِيُّ ، قَالَ : كَانَ بَيْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ بِدَارٍ فِي شَيْءٍ ، فَجَعَلَا بَيْنَهُمَا زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ ، فَأَتَيَاهُ فِي مَنْزِلِهِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَتَيْنَاك لِتَحْكُمَ بَيْنَنَا ، فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ فَوَسَّعَ لَهُ زَيْدٌ عَنْ صَدْرِ فِرَاشِهِ ، فَقَالَ : هَاهُنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : جُرْت فِي أَوَّلِ الْقَضَاءِ ، وَلَكِنْ أَجْلِسُ مَعَ خَصْمِي .
فَجَلَسَا بَيْن يَدَيْهِ ، فَادَّعَى أُبَيٍّ وَأَنْكَرَ عُمَرُ ، فَقَالَ زَيْدٌ لِأُبَيٍّ ، أَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْيَمِينِ ، وَمَا كُنْت لِأَسْأَلَهَا لِأَحَدٍ غَيْرِهِ .
فَحَلَفَ عُمَرُ ، ثُمَّ أَقْسَمَ : لَا يُدْرِكُ زَيْدٌ بَابَ الْقَضَاءِ ، حَتَّى يَكُونَ عُمَرُ وَرَجُلٌ مِنْ عَرَضِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ سَوَاءً وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، وَفِيهِ : فَلَمَّا أَتَيَا

بَابَ زَيْدٍ ، خَرَجَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَوْ أَرْسَلْت إلَيَّ لَأَتَيْتُك .
قَالَ : فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ .
فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ ، قَالَ : هَاهُنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .
قَالَ : بَلْ أَجْلِسُ مَعَ خَصْمِي .
فَادَّعَى أُبَيٌّ وَأَنْكَرَ عُمَرُ ، وَلَمْ تَكُنْ لِأُبَيٍّ ، بَيِّنَةٌ ، فَقَالَ زَيْدٌ : أَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْيَمِينِ .
فَقَالَ عُمَرُ : تَاللَّهِ إنْ زِلْت ظَالِمًا ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .
هَاهُنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .
أَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .
إنْ كَانَ لِي حَقٌّ اسْتَحْقَقْته بِيَمِينِي ، وَإِلَّا تَرَكْته ، وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، إنَّ النَّخْلَ لَنَخْلِي ، وَمَا لِأُبَيٍّ فِيهَا حَقٌّ .
ثُمَّ أَقْسَمَ عُمَرُ : لَا يُصِيبُ زَيْدٌ وَجْهَ الْقَضَاءِ حَتَّى يَكُونَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ عِنْدَهُ سَوَاءً .
فَلَمَّا خَرَجَا وَهَبَ النَّخْلَ لِأُبَيٍّ ، فَقِيلَ لَهُ : يَا أَمِيرَ ، الْمُؤْمِنِينَ ، فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَحْلِفَ ؟ قَالَ : خِفْت أَنْ أَتْرُكَ الْيَمِينَ ، فَتَصِيرَ سُنَّةً ، فَلَا يَحْلِفُ النَّاسُ عَلَى حُقُوقِهِمْ .
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى شُرَيْحٍ ، وَعِنْدَهُ السَّرِيُّ بْنُ وَقَّاصٍ ، فَقَالَ الرَّجُلُ لِشُرَيْحٍ : أَعِنِّي عَلَى هَذَا الْجَالِسِ عِنْدَك .
فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلسَّرِيِّ : قُمْ فَاجْلِسْ مَعَ خَصْمِك .
قَالَ : إنِّي أُسْمِعُك مِنْ مَكَانِي .
قَالَ : لَا قُمْ فَاجْلِسْ مَعَ خَصْمِك .
فَأَبَى أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ حَتَّى أَجْلَسَهُ مَعَ خَصْمِهِ .
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ إنَّ مَجْلِسَك يُرِيبُهُ ، وَإِنِّي لَا أَدَعُ النُّصْرَةَ وَأَنَا عَلَيْهَا قَادِرٌ .
وَلَمَّا تَحَاكَمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْيَهُودِيُّ إلَى شُرَيْحٍ ، قَالَ عَلِيٌّ إنَّ خَصْمِي لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَجَلَسْت مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْك وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا مَيَّزَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ حُصِرَ ، وَانْكَسَرَ قَلْبُهُ وَرُبَّمَا لَمْ تَقُمْ حُجَّتُهُ ، فَأَدَّى ذَلِكَ إلَى ظُلْمَةٍ .
وَإِنْ أَذِنَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ لِلْحَاكِمِ فِي رَفْعِ الْخَصْمِ الْآخَرِ

عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ ، وَلَا يَنْكَسِرُ قَلْبُهُ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي رَفَعَهُ .
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَوْ أَنَّ خَصْمِي مُسْلِمٌ لَجَلَسْت مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْك .
وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ لِلْحَاكِمِ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمَا ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمَا ، وَالنَّظَرِ فِي خُصُومَتِهِمَا .
وَإِنْ كَانَ الْخَصْمَانِ ذِمِّيَّيْنِ ، سَوَّى بَيْنَهُمَا أَيْضًا ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي دِينِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ ذِمِّيًّا ، جَازَ رَفْعُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَى إبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ، قَالَ : وَجَدَ عَلِيٌّ ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ، دِرْعَهُ مَعَ يَهُودِيٍّ ، فَقَالَ : دِرْعِي ، سَقَطَتْ وَقْتَ كَذَا وَكَذَا .
فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : دِرْعِي ، وَفِي يَدِي ، بَيْنِي وَبَيْنَك قَاضِي الْمُسْلِمِينَ ، فَارْتَفَعَا إلَى شُرَيْحٍ ، فَلَمَّا رَآهُ شُرَيْحٌ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ، وَأَجْلِسَهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَجَلَسَ مَعَ الْيَهُودِيِّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ عَلِيٌّ : إنَّ خَصْمِي لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَجَلَسْت مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْك ، وَلَكِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجَالِسِ } ذَكَرَهُ : أَبُو نُعَيْمٍ ، فِي الْحِلْيَةِ .
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَيِّفَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ ، إمَّا أَنْ يُضَيِّفَهُمَا مَعًا أَوْ يَدَعَهُمَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ، أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ لَهُ : إنَّك خَصْمٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : تَحُلُّ عَنَّا ، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : لَا تُضَيِّفُوا أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ } .
وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُوهِمُ الْخَصْمَ مَيْلَ الْحَاكِمِ إلَى مَنْ أَضَافَهُ .
وَلَا يُلَقِّنُ أَحَدَهُمَا حُجَّتَهُ ، وَلَا مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى خَصْمِهِ ،

مِثْلَ أَنْ يُرِيدَ أَحَدُهُمَا الْإِقْرَارَ ، فَيُلَقِّنَهُ الْإِنْكَارَ ، أَوْ الْيَمِينَ فَيُلَقِّنَهُ النُّكُولَ ، أَوْ النُّكُولَ ، فَيُجْزِئَهُ عَلَى الْيَمِينِ ، أَوْ يُحِسَّ مِنْ الشَّاهِدِ بِالتَّوَقُّفِ ، فَيُجَسِّرَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ ، أَوْ يَكُونَ مُقْدِمًا عَلَى الشَّهَادَةِ ، فَيُوقِفَهُ عَنْهَا ، أَوْ يَقُولَ لِأَحَدِهِمَا وَحْدَهُ : تَكَلَّمْ .
وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا فِيهِ إضْرَارٌ بِخَصْمِهِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْعَدْلَ بَيْنَهُمَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ لَقَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّارِقَ ، فَقَالَ : " مَا أَخَالُكَ سَرَقْت " .
وَقَالَ عُمَرُ لِزِيَادٍ : أَرْجُو أَنْ لَا يَفْضَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْك رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قُلْنَا : لَا يَرِدُ هَذَا الْإِلْزَامُ هَاهُنَا ؛ فَإِنَّ هَذَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَحُدُودِهِ ، وَلَا خَصْمَ لِلْمُقِرِّ ، وَلَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ فِي تَلْقِينِهِ حَيْفٌ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ ، وَلَا تَرْكٌ لِلْعَدْلِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ ، وَاَلَّذِي قُلْنَا فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَنِّتَ الشَّاهِدَ ، وَلَا يُدَاخِلَهُ فِي كَلَامِهِ ، وَيُعَنِّفَهُ فِي أَلْفَاظِهِ .

( 8273 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَضَرَ الْقَاضِيَ خُصُومٌ كَثِيرَةٌ ، قُدِّمَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَكْتُبُ مَنْ جَاءَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، فَيَقْدَمُهُ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الْأَحْسَنُ أَنْ يَتَّخِذَ خَيْطًا مَمْدُودًا ، طَرَفُهُ يَلِي مَجْلِسَ الْحَاكِمِ ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ مَجْلِسَ الْخُصُومِ ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ كَتَبَ اسْمَهُ فِي رُقْعَةٍ ، وَثَقَبَهَا ، وَأَدْخَلَهَا فِي الْخَيْطِ مِمَّا يَلِي مَجْلِسَ الْخُصُومِ ، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهِمْ ، فَإِذَا جَلَسَ الْقَاضِي مَدَّ يَدَهُ إلَى الطَّرَفِ الَّذِي يَلِيهِ ، فَأَخَذَ الرُّقْعَةَ الَّتِي تَلِيهِ ، ثُمَّ الَّتِي بَعْدَهَا كَذَلِكَ ، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهَا فَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَزَالَ الْوَقْتُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ ، عَرَفَ الطَّرَفَ الَّذِي يَلِيهِ حِينَ يَجْلِسُ ، فَيَتَنَاوَلُ فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي الرِّقَاعَ ، كَفِعْلِهِ بِالْأَمْسِ .
وَالِاعْتِبَارُ بِسَبْقِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ ، وَمَتَى قَدَّمَ رَجُلًا لِسَبْقِهِ فَحَكَمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ ، فَقَالَ : لِي دَعْوَى أُخْرَى .
لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَدَّمَهُ بِسَبْقِهِ فِي خُصُومَةٍ ، فَلَا يُقَدِّمُهُ بِأُخْرَى ، وَيَقُولُ لَهُ : اجْلِسْ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ الْحَاضِرِينَ ، نَظَرْت فِي دَعْوَاك الْأُخْرَى إنْ أَمْكَنَ .
فَإِذَا فَرَغَ الْكُلُّ ، فَقَالَ الْأَخِيرُ بَعْدَ فَصْلِ خُصُومَتِهِ : لِي دَعْوَى أُخْرَى .
لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، حَتَّى يَسْمَعَ دَعْوَى الْأَوَّلِ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ يَسْمَعُ دَعْوَاهُ .
وَإِنْ ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، عَلَى الْمُدَّعِي ، حَكَمَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا نَعْتَبِرُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فِي الدَّعْوَى ، لَا فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .
وَإِذَا تَقَدَّمَ الثَّانِي ، فَادَّعَى عَلَى الْمُدَّعِي الْأَوَّلِ ، أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْأَوَّلِ ، حَكَمَ بَيْنَهُمَا .
وَإِنْ حَضَرَ اثْنَانِ ، أَوْ جَمَاعَةٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، فَقَدَّمَ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ؛ لِتَسَاوِي حُقُوقِهِمْ ، وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ ، كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِقَاعٍ ،

وَتَرَكَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَمَدَّ يَدَهُ فَأَخَذَ رُقْعَةً رُقْعَةً ، وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَيُقَدِّمُ صَاحِبَهَا حَسَبَ مَا يَتَّفِقُ .
( 8274 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَضَرَ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ ، وَكَانَ الْمُسَافِرُونَ قَلِيلًا ، بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ تَقْدِيمُهُمْ عَلَى الْمُقِيمِينَ ، قَدَّمَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى جَنَاحِ السَّفَرِ ، يَشْتَغِلُونَ بِمَا يَصْلُحُ لِلرَّحِيلِ ، وَقَدْ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ الصَّوْمَ وَشَطَرَ الصَّلَاةَ تَحْقِيقًا عَنْهُمْ ، وَفِي تَأْخِيرِهِمْ ضَرَرٌ بِهِمْ ، فَإِنْ شَاءَ أَفْرَدَ لَهُمْ يَوْمًا يَفْرُغُ مِنْ حَوَائِجِهِمْ فِيهِ ، وَإِنْ شَاءَ قَدَّمَهُمْ مِنْ غَيْرِ إفْرَادِ يَوْمٍ لَهُمْ .
فَإِنْ كَانُوا كَثِيرًا ، بِحَيْثُ يَضُرُّ تَقْدِيمُهُمْ ، فَهُمْ وَالْمُقِيمُونَ سَوَاءٌ ، لِأَنَّ تَقْدِيمَهُمْ مَعَ الْقِلَّةِ ، إنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُخْتَصِّ بِهِمْ فَإِذَا آلَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُمْ إلَى الضَّرَرِ بِغَيْرِهِمْ ، تَسَاوَوْا .
وَلَا خِلَافَ فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْآدَابِ ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْقَضَاءِ ، فَلَوْ قَدَّمَ الْمَسْبُوقَ ، أَوْ قَدَّمَ الْحَاضِرِينَ ، أَوْ نَحْوَهُ ، كَانَ قَضَاؤُهُ صَحِيحًا .

( 8275 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ خَصْمَانِ ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ : مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا ؟ لِأَنَّهُمَا حَضَرَا لِذَلِكَ ، وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ ، وَيَقُولُ الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِهِ : مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا ؟ إنْ سَكَتَا جَمِيعًا .
وَلَا يَقُولُ الْحَاكِمُ وَلَا صَاحِبُهُ لِأَحَدِهِمَا : تَكَلَّمْ .
لِأَنَّ فِي إفْرَادِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلًا لَهُ ، وَتَرْكًا لِلْإِنْصَافِ .
قَالَ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ : شَهِدْت شُرَيْحًا إذَا جَلَسَ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ يَقُولُ : أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي فَلْيَتَكَلَّمْ ؟ وَإِنْ ذَهَبَ الْآخَرُ يَشْغَبُ ، غَمَزَهُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُدَّعِي ، ثُمَّ يَقُولُ : تَكَلَّمْ .
فَإِنْ بَدَأَ أَحَدُهُمَا ، فَادَّعَى ، فَقَالَ خَصْمُهُ : أَنَا الْمُدَّعِي .
لَمْ يَلْتَفِتْ الْحَاكِمُ إلَيْهِ ، وَقَالَ : أَجِبْ عَنْ دَعْوَاهُ ، ثُمَّ ادَّعِ بَعْدُ مَا شِئْت .
فَإِنْ ادَّعَيَا مَعًا ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا .
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، كَالْمَرْأَتَيْنِ إذَا زُفَّتَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا .
وَقِيلَ : يُرْجَأُ أَمْرُهُمَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا .
وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحُكْمِ فِي الْقَضِيَّتَيْنِ مَعًا ، وَإِرْجَاءُ أَمْرِهِمَا إضْرَارٌ بِهِمَا ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَفْعٌ الضَّرَرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ، وَلَهُ نَظِيرٌ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الشَّرْعِ ، فَكَانَ أَوْلَى .

( 8276 ) فَصْلٌ : وَلَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً ، إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمَّا ادَّعَاهُ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ لَزِمَهُ ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ تَلْزَمَهُ مَجْهُولَةً وَيُفَارِقُ الْإِقْرَارَ ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِتَرْكِهِ إثْبَاتَهُ ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ الدَّعْوَى فِي الْوَصِيَّةِ مَجْهُولَةً ؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ مَجْهُولَةً ؛ فَإِنَّهُ لَوْ وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ أَوْ سَهْمٍ صَحَّ ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَدَّعِيَهَا إلَّا مَجْهُولَةً كَمَا ثَبَتَ ، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ ، لَمَّا صَحَّ أَنْ يُقِرَّ بِمَجْهُولٍ ، صَحَّ لِخَصْمِهِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَجْهُولٍ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى أَثْمَانًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ الْجِنْسُ ، وَالنَّوْعُ ، وَالْقَدْرُ ، فَيَقُولَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ بَصْرِيَّةً .
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ بِالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ ، قَالَ : صِحَاحٌ .
أَوْ قَالَ : مُكَسَّرَةٌ .
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ ، وَكَانَتْ عَيْنًا تَنْضَبِطُ بِالصِّفَاتِ ، كَالْحُبُوبِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ ، احْتَاجَ أَنْ يَذْكُرَ الصِّفَاتِ الَّتِي تُشْتَرَطُ فِي السِّلْمِ ، وَإِنْ ذَكَرَ الْقِيمَةَ كَانَ آكَدَ ، إلَّا أَنَّ الصِّفَةَ تُغْنِي فِيهِ كَمَا تُغْنِي فِي الْعَقْدِ .
وَإِنْ كَانَتْ جَوَاهِرَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ إلَّا بِهَا .
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى تَالِفًا ، وَهُوَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، ادَّعَى مِثْلَهُ ، وَضَبَطَهُ بِصِفَتِهِ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ ، كَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ ، ادَّعَى قِيمَتَهُ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِتَلَفِهِ .
وَإِنْ كَانَ التَّالِفُ شَيْئًا مُحَلًّى بِفِضَّةٍ أَوْ بِذَهَبٍ ، قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ حِلْيَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ، قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ .
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَقَارًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ

مَوْضِعِهِ وَحُدُودِهِ ، فَيَدَّعِي أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ بِحُدُودِهَا وَحُقُوقِهَا لِي ، وَأَنَّهَا فِي يَدِهِ ظُلْمًا ، وَأَنَا أُطَالِبُهُ بِرَدِّهَا عَلَيَّ .
وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِي ، وَأَنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْهَا ، صَحَّتْ الدَّعْوَى وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إنَّهَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنَازِعَهُ وَيَمْنَعَهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِهِ .
وَإِنْ ادَّعَى جِرَاحَةً لَهَا أَرْشٌ مَعْلُومٌ ، كَالْمُوضِحَةِ مِنْ الْحُرِّ ، جَازَ أَنْ يَدَّعِيَ الْجِرَاحَةَ وَلَا يَذْكُرَ أَرْشَهَا ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ .
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ عَبْدٍ ، أَوْ كَانَتْ مِنْ حُرٍّ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَرْشِهَا .
وَإِنْ ادَّعَى عَلَى أَبِيهِ دَيْنًا ، لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى حَتَّى يَدَّعِيَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ ، وَتَرَكَ فِي يَدِهِ مَالًا ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ دِينِ وَالِدِهِ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ .
وَيَحْتَاجُ أَنْ يَذْكُرَ تَرِكَةَ أَبِيهِ ، وَيُحَرِّرَهَا ، وَيَذْكُرَ قَدْرَهَا ، كَمَا يَصْنَعُ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ .
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ تَحْرِيرُ دَيْنِهِ ، وَمَوْتُ أَبِيهِ ، وَأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِدَيْنِهِ .
وَإِنْ قَالَ : مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِبَعْضِ دَيْنِهِ .
احْتَاجَ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الْقَدْرَ .
وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فِي نَفْيِ تَرِكَةِ الْأَبِ مَعَ يَمِينِهِ .
وَإِنْ أَنْكَرَ مَوْتَ أَبِيهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَيَكْفِيهِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى نَفْي الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، وَقَدْ يَمُوتُ وَلَا يَعْلَمُ بِهِ ابْنُهُ ، وَيَكْفِيهِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ مَا فِيهِ وَفَاءُ حَقِّهِ ، وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يُخَلِّفْ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُخَلِّفُ تَرِكَةً فَلَا تَصِلُ إلَيْهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِيفَاءُ مِنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْمُدَّعِي تَحْرِيرَ الدَّعْوَى ، فَهَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُلَقِّنَهُ تَحْرِيرَهَا ؟

يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِي ذَلِكَ .
وَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فِي حُكُومَتِهِ .

( 8277 ) فَصْلٌ : إذَا حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ ، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ خَصْمَهُ الْجَوَابَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ إحْضَارَهُ الدَّعْوَى إنَّمَا يُرَادُ لِيَسْأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَقَدْ أَغْنَى ذَلِكَ عَنْ سُؤَالِهِ ، فَيَقُولُ لِخَصْمِهِ : مَا تَقُولُ فِيمَا يَدَّعِيهِ ؟ فَإِنْ أَقَرَّ لَزِمَهُ ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ إلَّا بِمَسْأَلَةِ الْمُقَرِّ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَهُ ، فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إلَّا بِمَسْأَلَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ ، هَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّ الْحَالَ تَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ ذَلِكَ ، فَاكْتُفِيَ بِهَا ، كَمَا اُكْتُفِيَ بِهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابَ ، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ مُطَالَبَةَ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ ، فَيَتْرُكُ مُطَالَبَتَهُ بِهِ لِجَهْلِهِ ، فَيَضِيعُ حَقُّهُ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ قَبْلَ مَسْأَلَتِهِ .
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، إنْ سَأَلَهُ الْخَصْمُ فَقَالَ : اُحْكُمْ لِي .
حَكَمَ عَلَيْهِ ، وَالْحُكْمُ أَنْ يَقُولَ : قَدْ أَلْزَمْتُك ذَلِكَ ، أَوْ قَضَيْت عَلَيْك لَهُ .
أَوْ يَقُولَ : اُخْرُجْ لَهُ مِنْهُ .
فَمَتَى قَالَ لَهُ أَحَدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، كَانَ حُكْمًا بِالْحَقِّ ، وَإِنْ أَنْكَرَ فَقَالَ : لَا حَقَّ لَك قِبَلِي .
فَهَذَا مَوْضِعُ الْبَيِّنَةِ ، قَالَ الْحَاكِمُ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ حَضْرَمِيٌّ وَكِنْدِيٌّ ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي .
فَقَالَ الْكِنْدِيُّ : هِيَ أَرْضِي ، وَفِي يَدِي ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ : أَلَك بَيِّنَةٌ ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : فَلَكَ يَمِينُهُ } .
وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي عَارِفًا بِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْبَيِّنَةِ ، فَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ

بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : أَلَك بَيِّنَةٌ ؟ وَبَيْنَ أَنْ يَسْكُتَ ، فَإِذَا قَالَ لَهُ : أَلَك بَيِّنَةٌ ؟ فَذَكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً ، لَمْ يَقُلْ لَهُ الْحَاكِمُ : أَحْضِرْهَا .
لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ ، فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَى .
وَإِذَا أَحْضَرَهَا لَمْ يَسْأَلْهَا الْحَاكِمُ عَمَّا عِنْدَهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَلَا يَسْأَلُهُ ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ، فَإِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي سُؤَالَهَا ، قَالَ : مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَلْيَذْكُرْهَا ، إنْ شَاءَ ؟ وَلَا يَقُولُ لَهُمَا : اشْهَدَا .
لِأَنَّهُ أَمْرٌ .
وَكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ : مَا أَنَا دَعَوْتُكُمَا ، وَلَا أَنْهَاكُمَا أَنْ تَرْجِعَا ، وَمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ غَيْرُكُمَا ، وَإِنِّي بِكُمَا أَقْضِي الْيَوْمَ ، وَبِكُمَا أَتَّقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ عَلَيْهِمَا مَا يُوجِبُ رَدَّ شَهَادَتِهِمَا ، رَدَّهَا .
كَمَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدٌ ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مَخْرُوطُ الْكُمَّيْنِ ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : أَتُحْسِنُ أَنْ تَتَوَضَّأَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : فَاحْسُرْ عَنْ ذِرَاعَيْك .
فَذَهَبَ يَحْسُرُ عَنْهُمَا ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : قُمْ ، فَلَا شَهَادَةَ لَك .
وَإِنْ أَدَّيَا الشَّهَادَةَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَا : بَلَغَنَا أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا ، أَوْ سَمِعْنَا ذَلِكَ .
رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا .
وَشَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ شُرَيْحٍ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ .
فَقَالَ شُرَيْحٌ : أَتَشْهَدُ أَنَّهُ قَتَلَهُ ؟ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ .
قَالَ أَتَشْهَدُ أَنَّهُ قَتَلَهُ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ .
قَالَ : قُمْ ، لَا شَهَادَةَ لَك .
وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةً صَحِيحَةً ، وَعَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمْ ، قَالَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ : قَدْ شَهِدَا عَلَيْك ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكِ مَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمَا ، فَبَيِّنِهِ عِنْدِي .
فَإِنْ سَأَلَ الْإِنْظَارَ

، أَنْظِرْهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ .
فَإِنْ لَمْ يَجْرَحْ حَكَمَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ وَضَحَ عَلَى وَجْهٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ .
وَإِنْ ارْتَابَ بِشَهَادَتِهِمْ ، فَرَّقَهُمْ ، فَسَأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ عَنْ شَهَادَتِهِ وَصِفَتِهَا ، فَيَقُولُ : كُنْت أَوَّلَ مَنْ شَهِدَ ، أَوْ كَتَبْت ، أَوْ لَمْ تَكْتُبْ ، وَفِي أَيِّ مَكَان شَهِدْت ، وَفِي أَيِّ شَهْرٍ ، وَأَيِّ يَوْمٍ ؟ وَهَلْ كُنْت وَحْدَك ، أَوْ مَعَك غَيْرُك ؟ فَإِنْ اخْتَلَفُوا ، سَقَطَتْ شَهَادَتُهُمْ ، وَإِنْ اتَّفَقُوا بَحَثَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ .
وَيُقَالُ : أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ هَذَا دَنْيَالُ .
وَيُقَالُ : فَعَلَهُ سُلَيْمَانُ ، وَهُوَ صَغِيرٌ .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ سَبْعَةَ نَفَرٍ خَرَجُوا ، فَفُقِدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، فَأَتَتْ زَوْجَتُهُ عَلِيًّا ، فَدَعَا السِّتَّةَ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ ، فَأَنْكَرُوا ، فَفَرَّقَهُمْ ، وَأَقَامَ كُلَّ وَاحِدٍ عِنْدَ سَارِيَةٍ ، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ ، وَدَعَا وَاحِدًا مِنْهُمْ ، فَسَأَلَهُ فَأَنْكَرَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ .
فَظَنَّ الْبَاقُونَ أَنَّهُ قَدْ اعْتَرَفَ ، فَدَعَاهُمْ فَاعْتَرَفُوا ، فَقَالَ لِلْأَوَّلِ : قَدْ شَهِدُوا عَلَيْك ، وَأَنَا قَاتِلُك .
فَاعْتَرَفَ ، فَقَتَلَهُمْ .
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُمَا ، بَحَثَ عَنْهَا ، فَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمَا ، قَالَ لِلْمُدَّعِي : زِدْنِي شُهُودًا .
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، عَرَّفَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ لَك يَمِينَهُ .
وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ لَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةِ مُسْتَحَقِّهَا ، كَنَفْسِ الْحَقِّ .
فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ ، أَوْ بَادَرَ الْمُنْكِرُ فَحَلَفَ ، لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ .
لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا .
وَإِذَا سَأَلَهَا الْمُدَّعِي ، أَعَادَهَا لَهُ ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَكُنْ يَمِينَهُ .
وَإِنْ أَمْسَكَ الْمُدَّعِي عَنْ إحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَرَادَ إحْلَافَهُ بِالدَّعْوَى الْمُتَقَدِّمَةِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ حَقَّهُ مِنْهَا ،

وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا .
وَإِنْ قَالَ : أَبْرَأْتُك مِنْ هَذِهِ الْيَمِينِ .
سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا فِي هَذِهِ الدَّعْوَى ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ الْيَمِينِ .
فَإِنْ اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى غَيْرُ الدَّعْوَى الَّتِي أَبْرَأَهُ فِيهَا مِنْ الْيَمِينِ ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ الدَّعْوَى ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَهُ يَمِينًا أُخْرَى ، لَا فِي هَذَا الْمَجْلِسِ ، وَلَا فِي غَيْرِهِ .
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِجَمَاعَةٍ فَرَضُوا بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ ، جَازَ ، وَسَقَطَتْ دَعْوَاهُمْ بِالْيَمِينِ ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُمْ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بِبَيِّنَةٍ وَاحِدَةٍ لِجَمَاعَةٍ ، جَازَ سُقُوطُهُ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ .
قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ حَتَّى يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا .
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ ، فَإِذَا رَضِيَ بِهَا اثْنَانِ ، صَارَتْ الْحُجَّةُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصَةً ، وَالْحُجَّةُ النَّاقِصَةُ لَا تَكْمُلُ بِرِضَى الْخَصْمِ ، كَمَا لَوْ رَضِيَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ .
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، فَإِذَا رَضِيَا بِهِ ، جَازَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رِضَاهُمَا بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ ، أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْضُ الْيَمِينِ ، كَمَا أَنَّ الْحُقُوقَ إذَا قَامَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ وَاحِدَةٌ ، لَا يَكُونُ لِكُلِّ حَقٍّ بَعْضُ الْبَيِّنَةِ ، فَأَمَّا إنْ حَلَّفَهُ لِجَمِيعِهِمْ يَمِينًا وَاحِدَةً بِغَيْرِ رِضَاهُمْ ، لَمْ تَصِحَّ يَمِينُهُ .
بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .
وَقَدْ حَكَى الْإِصْطَخْرِيُّ ، أَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِيَ ، حَلَّفَ رَجُلًا بِحَقِّ لِرَجُلَيْنِ يَمِينًا وَاحِدَةً ، فَخَطَّأَهُ أَهْلُ عَصْرِهِ .
وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي : لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ .
قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ : لَك يَمِينُهُ ، فَإِنْ شِئْت فَاسْتَحْلِفْهُ ، وَإِنْ شِئْت أَخَّرْته إلَى أَنْ تُحْضِرَ بَيِّنَتَك ، وَلَيْسَ

لَك مُطَالَبَتُهُ بِكَفِيلٍ ، وَلَا مُلَازَمَتُهُ حَتَّى تُحْضِرَ الْبَيِّنَةَ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ ، لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ } .
فَإِنْ أَحْلَفَهُ ، ثُمَّ حَضَرَتْ بَيِّنَتُهُ ، حَكَمَ بِهَا ، وَلَمْ تَكُنْ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ ، فَإِذَا وُجِدَتْ الْبَيِّنَةُ بَطَلَتْ الْيَمِينُ ، وَتَبَيَّنَ كَذِبُهَا .
وَإِنْ قَالَ : لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ ، وَأُرِيدُ يَمِينَهُ ثُمَّ أُقِيمُ بَيِّنَتِي .
لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَسْتَحْلِفُهُ ، وَإِنْ نَكِلَ قَضَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ فِي الِاسْتِحْلَافِ فَائِدَةً ، وَهُوَ أَنَّهُ رُبَّمَا نَكِلَ ، فَقَضَى عَلَيْهِ ، فَأَغْنَى عَنْ الْبَيِّنَةِ .
وَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ ، لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ } .
وَ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ فَصْلُ الْخُصُومَةِ بِالْبَيِّنَةِ ، فَلَمْ يُشْرَعْ غَيْرُهَا مَعَ إرَادَةِ الْمُدَّعِي إقَامَتَهَا وَحُضُورَهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْلُبْ يَمِينَهُ ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ ، فَلَمْ يَجِبْ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُبْدَلِهَا ، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا ، وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي : لَا أُرِيدُ إقَامَتَهَا ، وَإِنَّمَا أُرِيدُ يَمِينَهُ أَكْتَفِي بِهَا .
اسْتَحْلَفَ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حَقُّهُ ، فَإِذَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِهَا ، وَتَرْكِ إقَامَتِهَا ، فَلَهُ ذَلِكَ ، كَنَفْسِ الْحَقِّ .
فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَرَادَ الْمُدَّعِي إقَامَةَ بَيِّنَتِهِ ، فَهَلْ يَمْلِكُ ذَلِكَ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَبْطُلُ بِالِاسْتِحْلَافِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً .
وَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ إقَامَتِهَا ، وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ إقَامَتِهَا ، يَفْتَحُ بَابَ الْحِيلَةِ ، لِأَنَّهُ يَقُولُ : لَا أُرِيدُ إقَامَتَهَا .
لِيَحْلِفَ

خَصْمُهُ ، ثُمَّ يُقِيمُهَا .
فَإِنْ كَانَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي الْأَمْوَالِ ، عَرَّفَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، وَيَسْتَحِقُّ ، فَإِنْ قَالَ : لَا أَحْلِفُ أَنَا ، وَأَرْضَى بِيَمِينِهِ .
اسْتَحْلَفَ لَهُ ، فَإِذَا حَلَفَ ، سَقَطَ الْحَقُّ عَنْهُ ، فَإِنْ عَادَ الْمُدَّعِي بَعْدَهَا ، فَقَالَ : أَنَا أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِي .
لَمْ يَسْتَحْلِفْ ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِعْلُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا ، فَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسْقِطَهَا ، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ .
وَإِنْ عَادَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَبَذَلَ الْيَمِينَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ .
وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .
فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَقُولُ لَهُ : إنْ حَلَفْت ، وَإِلَّا جَعَلْتُك نَاكِلًا ، وَقَضَيْت عَلَيْك .
ثَلَاثًا ، فَإِنْ حَلَفَ ، وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ .
فَإِنْ سَكَتَ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى ، فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ ، حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُجِيبَ ، وَلَا يَجْعَلُهُ بِذَلِكَ نَاكِلًا .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، فِي الْمُجَرَّدِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَقُولُ لَهُ الْحَاكِمُ : إنْ أَجَبْت ، وَإِلَّا جَعَلْتُك نَاكِلًا ، وَحَكَمْت عَلَيْك .
وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَجَابَ وَإِلَّا جَعَلَهُ نَاكِلًا ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ نَاكِلٌ عَمَّا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ فِيهِ ، فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ عَنْهُ ، كَالْيَمِينِ .

( 8278 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : وَإِذَا حَكَمَ عَلَى رَجُلٍ فِي عَمَلِ غَيْرِهِ فَكَتَبَ بِإِنْفَاذِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ ، قَبِلَ كِتَابَهُ ، وَأَخَذَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْحَقِّ ثُمَّ الْأَصْلُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالْأَمِيرِ إلَى الْأَمِيرِ ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُو عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى كِسْرَى ، وَقَيْصَرَ ، وَالنَّجَاشِيِّ ، وَمُلُوكِ الْأَطْرَافِ ، وَكَانَ يَكْتُبُ إلَى وُلَاتِهِ ، وَيَكْتُبُ لِعُمَّالِهِ وَسُعَاتِهِ ، وَكَانَ فِي كِتَابِهِ إلَى قَيْصَرَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ، إلَى قَيْصَرَ عَظِيمِ الرُّومِ ، أَمَّا بَعْدُ ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِك اللَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا ، فَإِنْ تَوَلَّيْت ، فَإِنَّ عَلَيْك إثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ ، { وَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } } .
وَرَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ { كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْ وَرِّثْ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا } .
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي .
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى قَبُولِهِ دَاعِيَةٌ ، فَإِنَّ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ إتْيَانُهُ ، وَالْمُطَالَبَةُ بِهِ ، إلَّا بِكِتَابِ الْقَاضِي ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ كِتَابَ الْقَاضِي يُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ ، كَحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى .
وَهَلْ يُقْبَلُ فِيمَا عَدَا هَذَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يُقْبَلُ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ ، مِنْ الْجِرَاحِ وَغَيْرِهَا ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي

الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ تَعَالَى ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .
وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْفَصْلِ يُذْكَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالْكِتَابُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكْتُبَ بِمَا حَكَمَ بِهِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ ، فَيَغِيبَ قَبْلَ إيفَائِهِ ، أَوْ يَدَّعِيَ حَقًّا عَلَى غَائِبٍ ، وَيُقِيمَ بِهِ بَيِّنَةً ، وَيَسْأَلَ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ ، فَيَحْكُمَ عَلَيْهِ ، وَيَسْأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا يَحْمِلُهُ إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْغَائِبُ ، فَيَكْتُبَ لَهُ إلَيْهِ ، أَوْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى حَاضِرٍ ، فَيَهْرُبَ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ ، فَيَسْأَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ ، وَأَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِحُكْمِهِ .
فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ ، يَلْزَمُ الْحَاكِمَ إجَابَتُهُ إلَى الْكِتَابَةِ ، وَيَلْزَمُ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ قَبُولُهُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ أَوْ قَرِيبَةٌ ، حَتَّى لَوْ كَانَا فِي جَانِبَيْ بَلَدٍ أَوْ مَجْلِسٍ ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَإِمْضَاؤُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ حُكْمًا عَلَى حَاضِرٍ أَوْ غَائِبٍ .
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَجِبُ إمْضَاؤُهُ عَلَى كُلِّ حَاكِمٍ .
الضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ يَكْتُبَ يُعْلِمُهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عِنْدَهُ بِحَقٍّ لِفُلَانٍ ، مِثْلَ أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ ، فَيَسْأَلُهُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِمَا حَصَلَ عِنْدَهُ ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ أَيْضًا .
قَالَ الْقَاضِي : وَيَكُونُ فِي كِتَابِهِ : شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا .
لِيَكُونَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَقْضِي بِهِ ، وَلَا يَكْتُبُ : ثَبَتَ عِنْدِي ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : ثَبَتَ عِنْدِي .
حُكْمٌ بِشَهَادَتِهِمَا ، فَهَذَا لَا يَقْبَلُهُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ ، إلَّا فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ ، الَّتِي هِيَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ ، وَلَا يَقْبَلُهُ فِيمَا دُونَهَا ؛ لِأَنَّهُ نَقْلُ شَهَادَةٍ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي

الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ .
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُ فِي بَلَدِهِ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ هَذَا .
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ : الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ .
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِأَنَّهُ كِتَابُ الْحَاكِمِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ، فَجَازَ قَبُولُهُ مَعَ الْقُرْبِ ، كَكِتَابِهِ بِحُكْمِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ ذَلِكَ نَقْلُ الشَّهَادَةِ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ الْقُرْبِ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ، وَيُفَارِقُ كِتَابَهُ بِالْحُكْمِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْلٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْكِتَابِ ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ ، فَيَبْعَثُ إلَيْهِ ، فَيَسْتَدْعِيهِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ ، أَمَرَهُ بِأَدَائِهِ ، وَأَلْزَمَهُ إيَّاهُ .
وَإِنْ قَالَ : لَسْت الْمُسَمَّى فِي هَذَا الْكِتَابِ .
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّهُ الْمُسَمَّى فِي الْكِتَابِ .
وَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ اسْمُهُ ، وَالنَّسَبَ نَسَبُهُ ، وَالصِّفَةَ صِفَتُهُ ، إلَّا أَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ هُوَ عَلَيْهِ ، إنَّمَا هُوَ عَلَى آخَرَ يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَالصِّفَةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي فِي نَفْيِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْمُشَارَكَةِ فِي هَذَا كُلِّهِ ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُودِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي هَذَا كُلِّهِ ، أَحْضَرَهُ الْحَاكِمُ ، وَسَأَلَهُ عَنْ الْحَقِّ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ ، أَلْزَمَهُ بِهِ ، وَتَخَلَّصَ الْأَوَّلُ ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ ، وَقَفَ الْحُكْمَ ، وَيَكْتُبُ إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبُ يُعْلِمُهُ الْحَالَ ، وَمَا وَقَعَ مِنْ الْإِشْكَالِ ، حَتَّى يُحْضِرَ الشَّاهِدَيْنِ ، فَيَشْهَدَا عِنْدَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا .
وَإِنْ ادَّعَى الْمُسَمَّى أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ

يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ ، وَقَدْ مَاتَ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْمُعَامَلَةِ الَّتِي وَقَعَ الْحُكْمُ بِهَا ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يُعَاصِرْهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ ، أَوْ الْمَحْكُومُ لَهُ ، لَمْ يَقَعْ إشْكَالٌ ، وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .
وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ ، أَوْ بَعْدَ الْمُعَامَلَةِ ، وَكَانَ مِمَّنْ أَمْكَنَ أَنْ تَجْرِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْكُومِ لَهُ مُعَامَلَةٌ ، فَقَدْ وَقَعَ الْإِشْكَالُ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ عَلَى الَّذِي مَاتَ .

( 8279 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَتَبَ الْحَاكِمُ بِثُبُوتِ بَيِّنَةٍ ، أَوْ إقْرَارٍ بِدَيْنٍ ، جَازَ ، وَحَكَمَ بِهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ ، وَأَخَذَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْنًا ؛ كَعَقَارٍ مَحْدُودٍ ، أَوْ عَيْنٍ مَشْهُودَةٍ ، لَا تَشْتَبِهُ بِغَيْرِهَا ، كَعَبْدٍ مَعْرُوفٍ مَشْهُورٍ ، أَوْ دَابَّةٍ كَذَلِكَ ، حَكَمَ بِهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَيْضًا ، وَأُلْزِمَ تَسْلِيمَهُ إلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِالصِّفَةِ ، كَعَبْدٍ غَيْرِ مَشْهُودٍ ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِالْوَصْفِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَقْبَلُ كِتَابَهُ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَكْفِي ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ لِرَجُلٍ بِالْوَصْفِ وَالتَّحْلِيَةِ ، كَذَلِكَ الْمَشْهُودُ بِهِ .
وَالثَّانِي ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِالْعَقْدِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، فَأَشْبَهَ الدَّيْنَ ، وَيُخَالِفُ الْمَشْهُودَ لَهُ ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ فِيهِ ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَهُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ ، وَلِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَثْبُتُ بِالصِّفَةِ وَالتَّحْلِيَةِ ، فَكَذَلِكَ الْمَشْهُودُ بِهِ .
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، يَنْفُذُ الْعَيْنَ مَخْتُومَةً ، وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ خَتَمَ فِي عُنُقِهِ ، وَبَعَثَهُ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ ، لِيَشْهَدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى عَيْنِهِ ، فَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ ، دُفِعَ إلَى الْمَشْهُودِ لَهُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا عَلَى عَيْنِهِ ، أَوْ قَالَ : الْمَشْهُودُ بِهِ غَيْرُ هَذَا .
وَجَبَ عَلَى آخِذِهِ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَغْصُوبِ فِي ضَمَانِهِ ، وَضَمَانِ نَقْصِهِ وَمَنْفَعَتِهِ ، فَيَلْزَمُهُ أَجْرُهُ إنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ ، إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ صَاحِبِهِ قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ .

( 8280 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اسْتَوْفَى الْحَقَّ مِنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِ : اُكْتُبْ لِي مَحْضَرًا بِمَا جَرَى ؛ لِئَلَّا يَلْقَانِي خَصْمِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَيُطَالِبَنِي بِهِ مَرَّةً أُخْرَى .
فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَلْزَمُهُ إجَابَتُهُ ؛ لِيَخْلُصَ مِنْ الْمَحْذُورِ الَّذِي يَخَافُهُ .
وَالثَّانِي ، لَا تَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا يَكْتُبُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ، أَوْ حَكَمَ بِهِ ، فَأَمَّا اسْتِئْنَافُ ابْتِدَاءٍ ، فَيَكْفِيهِ فِيهِ الْإِشْهَادُ ، فَيُطَالِبُهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِقَبْضِ الْحَقِّ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَقِّ ، وَيَخَافُ الضَّرَرَ بِدُونِ الْمَحْضَرِ ، فَأَشْبَهَ مَا حَكَمَ بِهِ ابْتِدَاءً .
وَإِنْ طَالِبَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِدَفْعِ الْكِتَابِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْحَقُّ ، لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ إلَى غَيْرِهِ .
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَهُ كِتَابٌ بِدَيْنٍ ، فَاسْتَوْفَاهُ ، أَوْ عَقَارٌ فَبَاعَهُ ، لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ الْكِتَابِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ؛ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مَا قَبَضَهُ مُسْتَحَقًّا ، فَيَعُودَ إلَى مَالِهِ .

( 8281 ) فَصْلٌ : وَيُقْبَلُ الْكِتَابُ مِنْ قَاضِي مِصْرٍ إلَى قَاضِي مِصْرٍ ، وَإِلَى قَاضِي قَرْيَةٍ ، وَمِنْ قَاضِي قَرْيَةٍ إلَى قَاضِي قَرْيَةٍ ، وَقَاضِي مِصْرٍ .
وَمِنْ الْقَاضِي إلَى خَلِيفَتِهِ ، وَمِنْ خَلِيفَتِهِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ كِتَابٌ مِنْ قَاضٍ إلَى قَاضٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَوَيَا .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ ، وَإِلَى مَنْ وَصَلَهُ كِتَابِيّ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ، وَيَلْزَمُ مَنْ وَصَلَهُ قَبُولُهُ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ .
وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ كِتَابُ حَاكِمٍ مِنْ وِلَايَتِهِ ، وَصَلَ إلَى حَاكِمٍ ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْكِتَابُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ .

فَصْلٌ : وَصِفَةُ الْكِتَابِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَبَبُ هَذَا الْكِتَابِ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ ، أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدِي فِي مَجْلِسِ حُكْمِي وَقَضَائِي ، الَّذِي أَتَوَلَّاهُ بِمَكَانِ كَذَا .
وَإِنْ كَانَ نَائِبًا ، قَالَ : الَّذِي أَنُوبُ فِيهِ عَنْ الْقَاضِي فُلَانٍ ، بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ ؛ مُدَّعٍ ، وَمُدَّعًى عَلَيْهِ ، جَازَ اسْتِمَاعُ الدَّعْوَى مِنْهُمَا ، وَقَبُولُ الْبَيِّنَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ ، وَهُمَا مِنْ الشُّهُودِ الْمُعَدَّلِينَ عِنْدِي ، عَرَفْتُهُمَا ، وَقَبِلْت شَهَادَتَهُمَا ، بِمَا رَأَيْت مَعَهُ قَبُولَهَا مَعْرِفَةَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ ، بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ .
فَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ أَسْرِ أَسِيرٍ قَالَ : وَإِنَّ الْفِرِنْجَ ، خَذَلَهُمْ اللَّهُ ، أَسَرُوهُ بِمَكَانِ كَذَا ، فِي وَقْتِ كَذَا ، وَأَخَذُوهُ إلَى مَكَانِ كَذَا ، وَهُوَ مُقِيمٌ تَحْتَ حَوْطَتِهِمْ ، أَبَادَهُمْ اللَّهُ ، وَإِنَّهُ رَجُلٌ فَقِيرٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى فِكَاكِ نَفْسِهِ ، وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ ، وَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلصَّدَقَةِ ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كِتَابُ الْمَحْضَرِ الْمُشَارُ إلَيْهِ ، الْمُتَّصِلُ أَوَّلُهُ بِآخِرِ كِتَابِي هَذَا ، الْمُؤَرَّخِ بِكَذَا .
وَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ دَيْنٍ كَتَبَ : وَإِنَّهُ اسْتَحَقَّ فِي ذِمَّةِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ - وَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهِ ، وَيَصِفُهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ الدِّينِ - كَذَا وَكَذَا ، دَيْنًا عَلَيْهِ حَالًّا ، وَحَقًّا وَاجِبًا لَازِمًا ، وَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ وَاسْتِيفَاءَهُ مِنْهُ .
وَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ عَيْنٍ ، كَتَبَ : وَإِنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدَيْ فُلَانٍ مِنْ الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ - وَيَصِفُهُ صِفَةً يَتَمَيَّزُ بِهَا - مُسْتَحِقٌّ لِأَخْذِهِ وَتَسْلِيمِهِ ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كِتَابُ الْمَحْضَرِ الْمُتَّصِلُ بِآخِرِ كِتَابِي هَذَا ، الْمُؤَرَّخُ بِتَارِيخِ كَذَا ، وَقَالَ الشَّاهِدَانِ الْمَذْكُورَانِ : إنَّهُمَا

بِمَا شَهِدَا بِهِ مِنْهُ عَالِمَانِ ، وَلَهُ مُحَقِّقَانِ ، وَإِنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ خِلَافَ مَا شَهِدَا بِهِ إلَى حِينَ أَقَامَا الشَّهَادَةَ عِنْدِي ، فَأَمْضَيْت مَا ثَبَتَ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ ، وَحَكَمْت بِمُوجِبِهِ بِسُؤَالِ مَنْ جَازَتْ مَسْأَلَتُهُ ، وَسَأَلَنِي مَنْ جَازَ سُؤَالُهُ ، وَسَوَّغَتْ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ إجَابَتَهُ الْمُكَاتَبَةَ بِذَلِكَ إلَى الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ ، فَأَجَبْتُهُ إلَى مُلْتَمَسِهِ ؛ لِجَوَازِهِ لَهُ شَرْعًا ، وَتَقَدَّمْت بِهَذَا الْكِتَابِ فَكُتِبَ ، وَبِإِلْصَاقِ الْمَحْضَرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فَأُلْصِقَ ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ ، وَتَأَمَّلَ مَا ذَكَرْته ، وَتَصَفَّحَ مَا سَطَّرْته ، وَاعْتَمَدَ فِي إنْفَاذِهِ وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِ مَا يُوجِبُهُ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ ، أَحْرَزَ مِنْ الْأَجْرِ أَجْزَلَهُ .
وَكَتَبَ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ الْمَحْرُوسِ ، مِنْ مَكَانِ كَذَا ، فِي وَقْتِ كَذَا .
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَذْكُرَ الْقَاضِي اسْمَهُ فِي الْعِنْوَانِ ، وَلَا ذِكْرُ اسْمِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي بَاطِنِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ ، فَلَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ لَيْسَ إلَيْهِ ، وَلَا يَكْفِي ذِكْرُ اسْمِهِ فِي الْعِنْوَانِ دُونَ بَاطِنِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِيهِ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِالْحُكْمِ ، وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِيهَا ، وَلَوْ ضَاعَ الْكِتَابُ أَوْ امْتَحَا ، سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَحُكِمَ بِهَا .

( 8283 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ يَقُولَانِ : قَرَأَهُ عَلَيْنَا ، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ بِحَضْرَتِنَا ، فَقَالَ : اشْهَدَا عَلَى أَنَّهُ كِتَابِي إلَى فُلَانٍ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِقَبُولِ كِتَابِ الْقَاضِي شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ ، وَلَا يَكْفِي مَعْرِفَةُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ خَطَّ الْكَاتِبِ ، وَخَتْمَهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُهُ بِذَلِكَ ، فِي قَوْلِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى .
وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَسَوَّارٍ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : إذَا كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَخَتْمَهُ ، قَبِلَهُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَالْإِصْطَخْرِيِّ .
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْوَصِيَّةِ إذَا وُجِدَتْ بِخَطِّهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصُلُ بِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ ، فَأَشْبَهَ شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ .
وَلَنَا ، أَنَّ مَا أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ بِالشَّهَادَةِ ، لَمْ يَجُزْ الِاقْتِصَارُ فِيهِ عَلَى الظَّاهِرِ ، كَإِثْبَاتِ الْعُقُودِ ؛ وَلِأَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ ، وَالْخَتْمَ يُمْكِنُ التَّزْوِيرُ عَلَيْهِ ، وَيُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلَى الشَّهَادَةِ ، فَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَى الْخَطِّ ، كَالشَّاهِدِ لَا يُعَوَّلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا كَتَبَ الْكِتَابَ ، دَعَا رَجُلَيْنِ يَخْرُجَانِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ ، فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمَا الْكِتَابَ ، أَوْ يَقْرَؤُهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِمَا ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْظُرَا مَعَهُ فِيمَا يَقْرَآهُ ، فَإِنْ لَمْ يَنْظُرَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقْرِئُ إلَّا ثِقَةً ، فَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمَا قَالَ : اشْهَدَا عَلَيَّ أَنَّ هَذَا كِتَابِي إلَى فُلَانٍ .
وَإِنْ قَالَ : اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ .
كَانَ أَوْلَى ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : هَذَا كِتَابِي إلَى فُلَانٍ .
فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ يُحَمِّلُهُمَا الشَّهَادَةَ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ أَنْ يَقُولَ : اشْهَدَا عَلَيَّ .
كَالشَّهَادَةِ عَلَى

الشَّهَادَةِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يُجْزِئُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
ثُمَّ إنْ كَانَ مَا فِي الْكِتَابِ قَلِيلًا ، اعْتَمَدَ عَلَى حِفْظِهِ ، وَإِنْ كَثُرَ فَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى حِفْظِهِ ، كَتَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونَهُ ، وَقَابَلَ بِهَا لِتَكُونَ مَعَهُ ، يَذْكُرُ بِهَا مَا يَشْهَدُ بِهِ ، وَيَقْبِضَانِ الْكِتَابَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَا ؛ لِئَلَّا يَدْفَعَ إلَيْهِمَا غَيْرَهُ ، فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ مَعَهُمَا إلَيْهِ ، قَرَأَهُ الْحَاكِمُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَيْهِمَا ، فَإِذَا سَمِعَاهُ قَالَا : نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي إلَيْك ، أَشْهَدَنَا عَلَى نَفْسِهِ بِمَا فِيهِ .
لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كِتَابُهُ غَيْرَ الَّذِي أَشْهَدَهُمَا عَلَيْهِ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَلَا يُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَقُولَا : نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ .
لِأَنَّهَا أَدَاءُ شَهَادَةٍ ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ لَفْظِ الشَّهَادَةِ .
وَيَجِبُ أَنْ يَقُولَا : مِنْ عَمَلِهِ .
لِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا وَصَلَ مِنْ مَجْلِسِ عَمَلِهِ .
وَسَوَاءٌ وَصَلَ الْكِتَابُ مَخْتُومًا أَوْ غَيْرَ مَخْتُومٍ ، مَقْبُولًا أَوْ غَيْرَ مَقْبُولٍ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا ، لَا عَلَى الْخَطِّ وَالْخَتْمِ .
فَإِنْ امْتَحَا الْكِتَابُ ، وَكَانَا يَحْفَظَانِ مَا فِيهِ ، جَازَ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظَا مَا فِيهِ ، لَمْ تُمْكِنْهُمَا الشَّهَادَةُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى خَتْمِ الْقَاضِي .
وَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ كِتَابًا إلَى قَيْصَرَ ، وَلَمْ يَخْتِمْهُ ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّهُ لَا يَقْرَأُ كِتَابًا غَيْرَ مَخْتُومٍ ، فَاتَّخَذَ الْخَاتَمَ .
} وَاقْتِصَارُهُ عَلَى الْكِتَابِ دُونَ الْخَتْمِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَتْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْقَبُولِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْرَءُوا كِتَابَهُ ، وَلِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَا فِي الْكِتَابِ وَعَرَفَا مَا فِيهِ ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ ، كَمَا لَوْ وَصَلَ مَخْتُومًا وَشَهِدَا بِالْخَتْمِ

.
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ ضَبْطُهُمَا لِمَعْنَى الْكِتَابِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهُ يُسْأَلُ عَنْ قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى صَحِيفَةٍ ، وَبَعْضُهُمْ يَنْظُرُ فِيهَا ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَنْظُرُ ؟ قَالَ : إذَا حَفِظَ فَلْيَشْهَدْ .
قِيلَ : كَيْفَ يَحْفَظُ ، وَهُوَ كَلَامٌ كَثِيرٌ ، قَالَ : يَحْفَظُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ وَالْوَضْعُ .
قُلْت : يَحْفَظُ الْمَعْنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قِيلَ لَهُ : وَالْحُدُودَ وَالثَّمَنَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَلَوْ أَدْرَجَ الْكِتَابَ وَخَتَمَهُ ، وَقَالَ : هَذَا كِتَابِي ، اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ .
أَوْ قَدْ : أَشْهَدْتُكُمَا عَلَى نَفْسِي بِمَا فِيهِ .
لَمْ يَصِحَّ هَذَا التَّحَمُّلُ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إذَا خَتَمَهُ بِخَتْمِهِ وَعِنْوَانِهِ ، جَازَ أَنْ يَتَحَمَّلَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ مُدْرَجًا ، فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ شَهِدَا عِنْدَهُ أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ .
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَا فِي الْكِتَابِ ، فَجَازَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا تَفْصِيلَهُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَا لِرَجُلٍ بِمَا فِي هَذَا الْكِيسِ مِنْ الدَّرَاهِمِ ، جَازَتْ الشَّهَادَةُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفَا قَدْرَهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَجْهُولٍ لَا يَعْلَمَانِهِ ، فَلَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمَا ، كَمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ مَالًا .
وَفَارَقَ مَا ذَكَرَهُ ، فَإِنَّ تَعْيِينَهُ الدَّرَاهِمَ الَّتِي فِي الْكِيسِ أَغْنَى عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهَا ، وَهَا هُنَا الشَّهَادَةُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ دُونَ الْكِتَابِ ، وَهُمَا لَا يَعْرِفَانِهِ .
الشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ يَكْتُبَهُ الْقَاضِي مِنْ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ وَحُكْمِهِ فَإِنْ كَتَبَهُ مِنْ غَيْرِ وِلَايَتِهِ ، لَمْ يَسُغْ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسُوغُ لَهُ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ حُكْمٌ ، فَهُوَ فِيهِ كَالْعَامِّيِّ .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ ، فَإِنْ وَصَلَهُ فِي غَيْرِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولُهُ حَتَّى

يَصِيرَ إلَى مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ .
وَلَوْ تَرَافَعَ إلَيْهِ خَصْمَانِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ وِلَايَتِهِ ، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِهِ ، فَيَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ غَيْرِ الْقَاضِي إذَا تَرَاضَيَا بِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَصْمَانِ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ أَوْ لَمْ يَكُونَا .
وَلَوْ تَرَافَعَ إلَيْهِ خَصْمَانِ ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ ، مِنْ غَيْرِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ ، كَانَ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَوْضِعِهِمَا ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْإِمَامُ لِقَاضٍ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ وِلَايَتِهِ حَيْثُ كَانُوا ، وَيَمْنَعَهُ مِنْ الْحُكْمِ بَيْنَ غَيْرِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ حَيْثُمَا كَانَ ، فَيَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَذِنَ فِيهِ وَمَنَعَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ بِتَوْلِيَتِهِ ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهَا .

( 8284 ) فَصْلٌ : فِي تَغْيِيرِ حَالِ الْقَاضِي : وَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُ الْكَاتِبِ أَوْ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ ، أَوْ حَالُهُمَا مَعًا ، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْكَاتِبِ ، بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ ، بَعْدَ أَنْ كَتَبَ الْكِتَابَ ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ ، لَمْ يَقْدَحْ فِي كِتَابِهِ ، وَكَانَ عَلَى مَنْ وَصَلَهُ الْكِتَابُ قَبُولُهُ ، وَالْعَمَلُ بِهِ ، سَوَاءٌ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْكِتَابِ مِنْ يَدِهِ ، أَوْ بَعْدَهُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ يَدِهِ ، لَمْ يُعْمَلْ بِهِ ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ يَدِهِ ، عُمِلَ بِهِ ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْحَاكِمِ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ، لِأَنَّهُ يَنْقُلُ شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ ، صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ قَبْلَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِمَا .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي الْكِتَابِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْحَاكِمِ وَهُمَا حَيَّانِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ كِتَابُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ ، وَلِأَنَّ كِتَابَهُ إنْ كَانَ فِيمَا حَكَمَ بِهِ ، فَحُكْمُهُ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ وَعَزْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةٍ ، فَهُوَ أَصْلٌ ، وَاَللَّذَانِ شَهِدَا عَلَيْهِ فَرْعٌ ، وَلَا تَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ بِمَوْتِ شَاهِدِ الْأَصْلِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا يَشْهَدُ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ شَاهِدَانِ عَلَيْهِ ، وَهُمَا حَيَّانِ ، وَهُمَا شَاهِدَا الْفَرْعِ ، وَلَيْسَ مَوْتُهُ مَانِعًا مِنْ شَهَادَتِهِمَا ، فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا ، كَمَوْتِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ .
وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بِفِسْقٍ قَبْلَ الْحُكْمِ بِكِتَابَتِهِ ، لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بَعْدَ فِسْقِهِ لَا يَصِحُّ ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِكِتَابِهِ ، وَلِأَنَّ بَقَاءَ عَدَالَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ بِشَاهِدَيْ

الْفَرْعِ ، فَكَذَلِكَ بَقَاءُ عَدَالَةِ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ .
وَإِنْ فَسَقَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِكِتَابِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ بَانَ فِسْقُهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ ، كَهَذَا هَاهُنَا .
وَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِأَيِّ حَالٍ كَانَ ؛ مِنْ مَوْتٍ ، أَوْ عَزْلٍ ، أَوْ فِسْقٍ ، فَلِمَنْ وَصَلَ إلَيْهِ الْكِتَابُ مِمَّنْ قَامَ مَقَامَهُ ، قَبُولُ الْكِتَابِ ، وَالْعَمَلُ بِهِ .
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ .
حُكِيَ عَنْهُ أَنَّ قَاضِيَ الْكُوفَةِ كَتَبَ إلَى إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَاضِي الْبَصْرَةِ كِتَابًا ، فَوَصَلَ وَقَدْ عُزِلَ ، وَوُلِّيَ الْحَسَنُ ، فَعَمِلَ بِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَعْمَلُ بِهِ ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ ، وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ قَاضٍ ، لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمَا غَيْرُهُ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ ، بِحُكْمِ الْأَوَّلِ ، أَوْ ثُبُوتِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ ، وَقَدْ شَهِدَا عِنْدَ الثَّانِي ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ كَالْأَوَّلِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ شَهَادَةٌ عِنْدَ الَّذِي مَاتَ .
لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْحَاكِمَ الْكَاتِبَ لَيْسَ بِفَرْعٍ ، وَلَوْ كَانَ فَرْعًا لَمْ يُقْبَلْ وَحْدَهُ ، وَإِنَّمَا الْفَرْعُ الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ شَهِدَا عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَدَّيَا الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْمُتَجَدِّدِ ، وَلَوْ ضَاعَ الْكِتَابُ ، فَشَهِدَا بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ ، قُبِلَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِشَهَادَتِهِمَا دُونَ الْكِتَابِ ، وَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَوْ حَمَلَا الْكِتَابَ إلَى غَيْرِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ ، وَشَهِدَا عِنْدَهُ ، عُمِلَ بِهِ ؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ .
وَإِنْ كَانَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ خَلِيفَةً لِلْكَاتِبِ ، فَمَاتَ الْكَاتِبُ ، أَوْ عُزِلَ ، انْعَزَلَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ ، فَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَمَوْتِهِ ، كَوُكَلَائِهِ .

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَنْعَزِلُ خَلِيفَتُهُ ، كَمَا لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي الْأَصْلِيُّ بِمَوْتِ الْإِمَامِ ، وَلَا عَزْلِهِ .
وَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَيُفَارِقُ الْإِمَامَ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَعْقِدُ الْقَضَاءَ وَالْإِمَارَةَ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَلَمْ يَبْطُلْ مَا عَقَدَهُ لِغَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْوَلِيُّ فِي النِّكَاحِ ، لَمْ يَبْطُلْ النِّكَاحُ ، وَلِهَذَا لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْزِلَ الْقَاضِيَ مِنْ غَيْرِ تُغَيِّرْ حَالِهِ ، وَلَا يَنْعَزِلُ إذَا عَزَلَهُ ، بِخِلَافِ نَائِبِ الْحَاكِمِ ، فَإِنَّهُ تَنْعَقِدُ وِلَايَتُهُ لِنَفْسِهِ نَائِبًا عَنْهُ ، فَمَلَكَ عَزْلَهُ ، وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ انْعَزَلَ بِمَوْتِ الْإِمَامِ ، لَدَخَلَ الضَّرَرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى عَزْلِ الْقُضَاةِ فِي جَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، وَتَتَعَطَّلُ الْأَحْكَامُ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ ، فَلَيْسَ لَهُ قَبُولُ الْكِتَابِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِقَاضٍ .

( 8285 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا تُقْبَلُ التَّرْجَمَةُ عَنْ أَعْجَمِيٍّ تَحَاكَمَ إلَيْهِ ، إذَا لَمْ يَعْرِفْ لِسَانَهُ ، إلَّا مِنْ عَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ لِسَانَهُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا تَحَاكَمَ إلَى الْقَاضِي الْعَرَبِيِّ أَعْجَمِيَّانِ ، لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُمَا ، أَوْ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُتَرْجِمٍ عَنْهُمَا .
وَلَا تُقْبَلُ التَّرْجَمَةُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ وَاحِدٍ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ .
قَالَ : فَكُنْت أَكْتُبُ لَهُ إذَا كَتَبَ إلَيْهِمْ ، وَأَقْرَأُ لَهُ إذَا كَتَبُوا .
وَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ ، فَأَجْزَأَ فِيهِ الْوَاحِدُ ، كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ نَقَلَ مَا خَفِيَ عَلَى الْحَاكِمِ إلَيْهِ ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَخَاصَمِينَ ، فَوَجَبَ فِيهِ الْعَدَدُ ، كَالشَّهَادَةِ ، وَيُفَارِقُ أَخْبَارَ الدِّيَانَاتِ ؛ فَإِنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَخَاصَمِينَ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّ مَا لَا يَفْهَمُهُ الْحَاكِمُ وُجُودُهُ عِنْدَهُ كَعَدَمِهِ ، فَإِذَا تُرْجِمَ لَهُ ، كَانَ كَنَقْلِ الْإِقْرَارِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَجْلِسِهِ ، وَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ شَاهِدَيْنِ ، كَذَا هَاهُنَا .
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، تَكُونُ التَّرْجَمَةُ شَهَادَةً تَفْتَقِرُ إلَى الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ ، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ الْحَقِّ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، اُعْتُبِرَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ ، وَلَمْ يَكْفِ إلَّا شَاهِدَانِ ذَكَرَانِ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَفَى فِيهِ تَرْجَمَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَلَمْ تُعْتَبَرْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ .
وَإِنْ كَانَ

فِي حَدِّ زِنًى ، خُرِّجَ فِي التَّرْجَمَةِ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَكْفِي فِيهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ .
وَالثَّانِي ، يَكْفِي فِيهِ اثْنَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ .
وَإِنْ قُلْنَا : يَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ .
فَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ ، وَلَا وَلَا تُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ وَلَا فَاسِقٍ .
وَتُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ خَبَرٌ يَكْفِي فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ ، فَيُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْعَبْدِ ، كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ ، وَلَا أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ، كَالرِّوَايَةِ .
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ تَرْجَمَةُ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ ؛ لِأَنَّ رِوَايَتهَا مَقْبُولَةٌ .

( 8286 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي التَّعْرِيفِ ، وَالرِّسَالَةِ ، وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، كَالْحُكْمِ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَفِيهَا مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهَا .
ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ فِيمَا مَضَى .

( 8287 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : وَإِذَا عُزِلَ ، فَقَالَ : كُنْت حَكَمْت فِي وِلَايَتِي لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ .
قُبِلَ قَوْلُهُ ، وَأُمْضِيَ ذَلِكَ الْحَقُّ وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ .
وَقَوْلُ الْقَاضِي فِي فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ هَاهُنَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْحُكْمَ ، لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ ، كَمَنْ أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ بَعْدَ بَيْعِهِ .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ ، إذَا كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ آخَرُ ، قُبِلَ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُقْبَلُ إلَّا شَاهِدَانِ سِوَاهُ ، يَشْهَدَانِ بِذَلِكَ .
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ لَا تُقْبَلُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ إلَى غَيْرِهِ ، ثُمَّ عُزِلَ ، وَوَصَلَ الْكِتَابُ بَعْدَ عَزْلِهِ ، لَزِمَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ قَبُولُ كِتَابِهِ بَعْدَ عَزْلِ كَاتِبِهِ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا .
وَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا حَكَمَ بِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَيَجِبُ قَبُولُهُ ، كَحَالِ وِلَايَتِهِ .

( 8288 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ قَالَ فِي وِلَايَتِهِ : كُنْت حَكَمْت لِفُلَانٍ بِكَذَا .
قُبِلَ قَوْلُهُ ، سَوَاءٌ قَالَ : قَضَيْت عَلَيْهِ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ .
أَوْ قَالَ : سَمِعْت بَيِّنَتَهُ وَعَرَفْت عَدَالَتَهُمْ .
أَوْ قَالَ : قَضَيْت عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ .
أَوْ قَالَ : أَقَرَّ عِنْدِي فُلَانٌ لِفُلَانٍ بِحَقٍّ ، فَحَكَمْت بِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ .
وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ : أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُ رَجُلٌ عَدْلٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إخْبَارًا بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ وَاحِدٍ ، كَالشَّهَادَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ يَمْلِكُ الْحُكْمَ ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ ، كَالزَّوْجِ إذَا أَخْبَرَ بِالطَّلَاقِ ، وَالسَّيِّدِ إذَا أَخْبَرَ بِالْعِتْقِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ أَنَّهُ رَأَى كَذَا وَكَذَا ، فَحَكَمَ بِهِ ، قُبِلَ ، كَذَا هَاهُنَا ، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ لَا يَمْلِكُ إثْبَاتَ مَا أَخْبَرَ بِهِ .
فَأَمَّا إنْ قَالَ : حَكَمْت بِعِلْمِي ، أَوْ بِالنُّكُولِ ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْأَمْوَالِ .
فَإِنَّهُ يُقْبَلُ أَيْضًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ .
وَيَنْبَنِي قَوْلُهُ : حَكَمْت عَلَيْهِ بِعِلْمِي .
عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي جَوَازِ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْحُكْمَ بِذَلِكَ ، فَلَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَخْبَرَ بِحُكْمِهِ فِيمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ لَنَفَذَ حُكْمُهُ ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ ، كَالصُّوَرِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ ، وَلِأَنَّهُ حَاكِمٌ ، أَخْبَرَ بِحُكْمِهِ فِي وِلَايَتِهِ ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ ، كَاَلَّذِي سَلَّمَهُ ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ فِي مَسْأَلَةٍ ، يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ لَمْ يَسُغْ نَقْضُ حُكْمِهِ ، وَلَزِمَ غَيْرَهُ إمْضَاؤُهُ ، وَالْعَمَلُ بِهِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرَهُ .
وَإِنْ قَالَ : حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا .
وَلَمْ يُضِفْ حُكْمَهُ إلَى بَيِّنَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، وَجَبَ قَبُولُهُ .
وَهُوَ ظَاهِرُ مَسْأَلَةِ

الْخِرَقِيِّ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مَتَى مَا حَكَمَ بِحُكْمٍ يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، وَجَبَ قَبُولُهُ ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ .

( 8289 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَخْبَرَ الْقَاضِي بِحُكْمِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ ، وَخَبَرَهُ نَافِذٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُبِلَ قَوْلُهُ بِحُكْمِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ وَزَوَالِ وِلَايَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَلَأَنْ يُقْبَلَ مَعَ بَقَائِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ أَوْلَى .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ .
وَقَالَ : لَوْ اجْتَمَعَ قَاضِيَانِ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِمَا ، كَقَاضِي دِمَشْقَ وَقَاضِي مِصْرَ ، اجْتَمَعَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَأَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِحُكْمٍ حَكَمَ بِهِ ، أَوْ شَهَادَةٍ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ ، لَمْ يَقْبَلْ أَحَدُهُمَا قَوْلَ صَاحِبِهِ ، وَيَكُونَانِ كَشَاهِدَيْنِ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِمَا عِنْدَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ إذَا رَجَعَ إلَى عَمَلِهِ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ مَنْ لَيْسَ بِقَاضٍ فِي مَوْضِعِهِ .
وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا فِي عَمَلِ أَحَدِهِمَا ، كَأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا جَمِيعًا فِي دِمَشْقَ ، فَإِنَّ قَاضِيَ دِمَشْقَ لَا يَعْمَلُ بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ قَاضِي مِصْرَ ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُهُ بِهِ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ .
وَهَلْ يَعْمَلُ قَاضِي مِصْرَ بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ قَاضِي دِمَشْقَ إذَا رَجَعَ إلَى مِصْرَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الْقَاضِي ، هَلْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ قَاضِيَ دِمَشْقَ أَخْبَرَهُ بِهِ فِي عَمَلِهِ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَقَوْلِ الْقَاضِي هَاهُنَا .

( 8290 ) فَصْلٌ : إذَا وَلَّى الْإِمَامُ قَاضِيًا ، ثُمَّ مَاتَ ، لَمْ يَنْعَزِلْ ؛ لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَّوْا حُكَّامًا فِي زَمَنِهِمْ ، فَلَمْ يَنْعَزِلُوا بِمَوْتِهِمْ ، وَلِأَنَّ فِي عَزْلِهِ بِمَوْتِ الْإِمَامِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ الْبُلْدَانَ تَتَعَطَّلُ مِنْ الْحُكَّامِ ، وَتَقِفُ أَحْكَامُ النَّاسِ إلَى أَنْ يُوَلِّيَ الْإِمَامُ الثَّانِي حَاكِمًا ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ .
وَكَذَلِكَ لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي إذَا عُزِلَ الْإِمَامُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
فَأَمَّا إنْ عَزَلَهُ الْإِمَامُ الَّذِي وَلَّاهُ أَوْ غَيْرُهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : لَا يَنْعَزِلُ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَهُ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمْ يَمْلِكْ عَزْلَهُ مَعَ سَدَادِ حَالِهِ ، كَمَا لَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُهُ .
وَالثَّانِي ، لَهُ عَزْلُهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَأَعْزِلَنَّ أَبَا مَرْيَمَ ، وَأُوَلِّيَنَّ رَجُلًا إذَا رَآهُ الْفَاجِرُ فَرَّقَهُ .
فَعَزَلَهُ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ ، وَوَلَّى كَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ مَكَانَهُ .
وَوَلَّى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبَا الْأَسْوَدِ ، ثُمَّ عَزَلَهُ ، فَقَالَ : لِمَ عَزَلْتنِي ، وَمَا خُنْت ، وَلَا جَنَيْت ؟ فَقَالَ : إنِّي رَأَيْتُك يَعْلُو كَلَامُك عَلَى الْخَصْمَيْنِ .
وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَزْلَ أُمَرَائِهِ وَوُلَاتِهِ عَلَى الْبُلْدَانِ ، فَكَذَلِكَ قُضَاتُهُ .
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُوَلِّي وَيَعْزِلُ ، فَعَزَلَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ عَنْ وِلَايَتِهِ فِي الشَّامِ ، وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ : أَمِنْ جُبْنٍ عَزَلْتنِي ، أَوْ خِيَانَةٍ ؟ قَالَ : مِنْ كُلٍّ لَا ، وَلَكِنْ أَرَدْت رَجُلًا أَقْوَى مِنْ رَجُلٍ .
وَعَزَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، وَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ .
وَقَدْ كَانَ يُوَلِّي بَعْضَ الْوُلَاةِ الْحُكْمَ مَعَ الْإِمَارَةِ ، فَوَلَّى أَبَا مُوسَى الْبَصْرَةَ قَضَاءَهَا وَإِمْرَتَهَا .
ثُمَّ كَانَ يَعْزِلُهُمْ هُوَ ، وَمَنْ لَمْ يَعْزِلْهُ ، عَزَلَهُ عُثْمَانُ بَعْدَهُ إلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ .

فَعَزْلُ الْقَاضِي أَوْلَى ، وَيُفَارِقُ عَزْلَهُ بِمَوْتِ مَنْ وَلَّاهُ أَوْ عَزَلَهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا ، وَهَا هُنَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْزِلُ قَاضِيًا حَتَّى يُوَلِّيَ آخَرَ مَكَانَهُ ، وَلِهَذَا لَا يَنْعَزِلُ الْوَالِي بِمَوْتِ الْإِمَامِ ، وَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ .
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي عَزْلِهِ بِالْمَوْتِ أَيْضًا وَجْهَيْنِ ، وَالْأَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، مَا ذَكَرْنَاهُ .
فَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي ؛ بِفِسْقٍ ، أَوْ زَوَالِ عَقْلٍ ، أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الْقَضَاءِ ، أَوْ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ شُرُوطِهِ ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِذَلِكَ ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ عَزْلُهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .

( 8291 ) فَصْلٌ : وَلِلْإِمَامِ تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَّى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْقَضَاءَ ، وَوَلَّى عَلِيًّا وَمُعَاذًا .
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لِابْنِ عُمَرَ : إنَّ أَبَاك قَدْ كَانَ يَقْضِي وَهُوَ خَيْرٌ مِنْك .
قَالَ : إنَّ أَبِي قَدْ كَانَ يَقْضِي ، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، سَأَلَ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، فِي كِتَابِ " قُضَاةِ الْبَصْرَةِ " .
وَرَوَى سَعِيدٌ ، فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ .
قَالَ { : جَاءَ خَصْمَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : يَا عَمْرُو ، اقْضِ بَيْنَهُمَا .
قُلْت : أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : إنْ أَصَبْت الْقَضَاءَ بَيْنَهُمَا ، فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، وَإِنْ أَخْطَأْت ، فَلَكَ حَسَنَةٌ } وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مِثْلُهُ .
وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَشْتَغِلُ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ .
فَإِذَا وَلَّى قَاضِيًا ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ ، جَازَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ بِإِذْنِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا نَهَاهُ عَنْهُ ، كَالْوَكِيلِ ، وَإِنْ أَطْلَقَ ، فَلَهُ الِاسْتِخْلَافُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِالْإِذْنِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ، كَالْوَكِيلِ .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْقَضَاءِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ ، جَازَ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ ، وَيُفَارِقُ التَّوْكِيلَ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُوَلِّي الْقَضَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ ، لَا لِنَفْسِهِ ، بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ ، فَإِنْ اسْتَخْلَفَ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ

الِاسْتِخْلَافُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يُوَلِّ .

( 8292 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيًا عُمُومَ النَّظَرِ فِي خُصُوصِ الْعَمَلِ ، فَيُقَلِّدَهُ النَّظَرَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ ، فَيَنْفُذَ حُكْمَهُ فِيمَنْ سَكَنَهُ ، وَمَنْ أَتَى إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سُكَّانِهِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَهُ خُصُوصَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ ، فَيَقُولَ : جَعَلْت إلَيْك الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةً ، فِي جَمِيعِ وِلَايَتِي .
وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ حُكْمَهُ فِي قَدْرٍ مِنْ الْمَالِ ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ : اُحْكُمْ فِي الْمِائَةِ فَمَا دُونَهَا .
فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا .
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ ، وَخُصُوصَ النَّظَرِ فِي خُصُوصِ الْعَمَلِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيَيْنِ وَثَلَاثَةً فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ ، يَجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَمَلًا ، فَيُوَلِّيَ أَحَدَهُمْ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ ، وَالْآخَرَ الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ ، وَآخَرَ النَّظَرَ فِي الْعَقَارِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُمُومَ النَّظَرِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ ، فَإِنْ قَلَّدَ قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَمَلًا وَاحِدًا ، فِي مَكَان وَاحِدٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَجُوزُ .
اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إيقَافِ الْحُكْمِ وَالْخُصُومَاتِ ، لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الِاجْتِهَادِ ، وَيَرَى أَحَدُهُمَا مَا لَا يَرَى الْآخَرُ .
وَالْآخَرُ ، يَجُوزُ ذَلِكَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَهُوَ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا ، فَيَكُونَ فِيهَا قَاضِيَانِ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَاضِيَانِ أَصْلِيَّانِ ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ ، وَإِيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ ، فَأَشْبَهَ الْقَاضِيَ .
وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، فَالْإِمَامُ أَوْلَى ، لِأَنَّ تَوْلِيَتَهُ أَقْوَى .
وَقَوْلُهُمْ : يُفْضِي إلَى إيقَافِ الْحُكُومَاتِ .

غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ كُلَّ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ إلَيْهِ ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ ، وَلَا نَقْضُ حُكْمِهِ فِيمَا خَالَفَ اجْتِهَادَهُ .

( 8293 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ : مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ ، فَقَدْ وَلَّيْته .
لَمْ تَنْعَقِدْ الْوِلَايَةُ لِمَنْ نَظَرَ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهَا عَلَى شَرْطٍ ، وَلَمْ يُعَيِّنْ بِالْوِلَايَةِ أَحَدًا مِنْهُمْ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَنْعَقِدَ الْوِلَايَةُ لِمَنْ نَظَرَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ } .
فَعَلَّقَ وِلَايَةَ الْإِمَارَةِ عَلَى شَرْطٍ ، فَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الْحُكْمِ .
وَإِنْ قَالَ : وَلَّيْت فُلَانًا وَفُلَانًا ، فَأَيُّهُمَا نَظَرَ فَهُوَ خَلِيفَتِي .
انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ لِمَنْ نَظَرَ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْوِلَايَةَ لَهُمَا جَمِيعًا .

( 8294 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ } .
وَالْحَقُّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي مَذْهَبٍ ، وَقَدْ يَظْهَرُ لَهُ الْحَقُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ .
فَإِنْ قَلَّدَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ ، بَطَلَ الشَّرْطُ ، وَفِي فَسَادِ التَّوْلِيَةِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ .

( 8295 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَوَّضَ الْإِمَامُ إلَى إنْسَانٍ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ ، فَجَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ ، كَالْبَيْعِ .
وَإِنْ فَوَّضَ إلَيْهِ اخْتِيَارَ قَاضٍ ، جَازَ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ اخْتِيَارُ نَفْسِهِ ، وَلَا وَالِدِهِ ، وَلَا وَلَدِهِ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَالٍ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ ، وَلَا دَفْعُهُ إلَى هَذَيْنِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَجُوزَ لَهُ اخْتِيَارُهُمَا ، إذَا كَانَا صَالِحَيْنِ لِلْوِلَايَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ فِي عُمُومِ مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي الِاخْتِيَارِ مِنْهُ ، مَعَ أَهْلِيَّتِهِمَا ، فَأَشْبَهَا الْأَجَانِبَ .

( 8296 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِنَفْسِهِ ، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حُكُومَةٌ مَعَ بَعْضِ النَّاسِ ، جَازَ أَنْ يُحَاكِمَهُ إلَى بَعْضِ خُلَفَائِهِ ، أَوْ بَعْضِ رَعِيَّتِهِ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ حَاكَمَ أُبَيًّا إلَى زَيْدٍ ، وَحَاكَمَ رَجُلًا عِرَاقِيًّا إلَى شُرَيْحٍ ، وَحَاكَمَ عَلِيٌّ الْيَهُودِيَّ إلَى شُرَيْحٍ ، وَحَاكَمَ عُثْمَانُ طَلْحَةَ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، فَإِنْ عَرَضَتْ حُكُومَةٌ لِوَالِدَيْهِ ، أَوْ وَلَدِهِ ، أَوْ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ فِيهَا بِنَفْسِهِ ، وَإِنْ حَكَمَ ، لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ ، فَلَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ لَهُ كَنَفْسِهِ .
وَالثَّانِي ، يَنْفُذُ حُكْمُهُ .
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ لِغَيْرِهِ ، أَشْبَهَ الْأَجَانِبَ .
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، مَتَى عَرَضَتْ لِهَؤُلَاءِ حُكُومَةٌ ، حَكَمَ بَيْنَهُمْ الْإِمَامُ ، أَوْ حَاكِمٌ آخَرُ ، أَوْ بَعْضُ خُلَفَائِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ وَالِدَيْهِ ، أَوْ وَلَدَيْهِ ، أَوْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا ، عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ كَانَ خَصْمُهُ أَجْنَبِيًّا .
وَفِي الْآخَرِ ، يَجُوزُ .
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَهُ ، فَارْتَفَعَتْ تُهْمَةُ الْمَيْلِ ، فَأَشْبَهَا الْأَجْنَبِيَّيْنِ .

( 8297 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إلَى رَجُلٍ حَكَّمَاهُ بَيْنَهُمَا وَرَضِيَاهُ ، وَكَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا ، جَازَ ذَلِكَ ، وَنَفَذَ حُكْمُهُ عَلَيْهِمَا .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُمَا حُكْمُهُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالرِّضَا بِهِ ، وَلَا يَكُونُ الرِّضَا إلَّا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِحُكْمِهِ .
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : { إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ ؟ قَالَ : إنَّ قَوْمِي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي ، فَحَكَمْت بَيْنَهُمْ ، وَرَضِيَ عَلَيَّ الْفَرِيقَانِ .
قَالَ : مَا أَحْسَنَ هَذَا ، فَمَنْ أَكْبَرُ وَلَدِك } ؟ قَالَ : شُرَيْحٌ .
قَالَ : " فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ " .
أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ .
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَرَاضَيَا بِهِ ، فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا ، فَهُوَ مَلْعُونٌ } .
وَلَوْلَا أَنَّ حُكْمَهُ يَلْزَمُهُمَا ، لَمَا لَحِقَهُ هَذَا الذَّمُّ ، وَلِأَنَّ عُمَرَ وَأُبَيًّا تَحَاكَمَا إلَى زَيْدٍ ، وَحَاكَمَ عُمَرُ أَعْرَابِيًّا إلَى شُرَيْحٍ قَبْلَ أَنْ يُوَلِّيَهُ ، وَتَحَاكَمَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَلَمْ يَكُونُوا قُضَاةً .
فَإِنْ قِيلَ : فَعُمَرُ وَعُثْمَانُ كَانَا إمَامَيْنِ ، فَإِذَا رَدَّا الْحُكْمَ إلَى رَجُلٍ صَارَ قَاضِيًا .
قُلْنَا : لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمَا إلَّا الرِّضَا بِتَحْكِيمِهِ خَاصَّةً ، وَبِهَذَا لَا يَصِيرُ قَاضِيًا ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا رَضِيَ بِتَصَرُّفِ وَكِيلِهِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبْلَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ فِيمَا لَا يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلْحَاكِمِ نَقْضُهُ إذَا خَالَفَ رَأْيَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ فِي حَقِّ الْحَاكِمِ ، فَمَلَكَ فَسْخَهُ ، كَالْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ فِي حَقِّهِ .
وَلَنَا ،

أَنَّ هَذَا حُكْمٌ صَحِيحٌ لَازِمٌ ، فَلَمْ يَجُزْ فَسْخُهُ لِمُخَالَفَتِهِ رَأْيَهُ ، كَحُكْمِ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ حُكْمَهُ لَازِمٌ لِلْخَصْمَيْنِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْقُوفًا ؟ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ ، لَمَلَكَ فَسْخَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ رَأْيَهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ الْوُقُوفَ فِي الْعُقُودِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ الرُّجُوعَ عَنْ تَحْكِيمِهِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِرِضَاهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَ عَنْ التَّوْكِيلِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ .
وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ شُرُوعِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتِمَّ ، أَشْبَهَ قَبْلَ الشُّرُوعِ .
وَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا رَأَى مِنْ الْحُكْمِ مَا لَا يُوَافِقُهُ ، رَجَعَ ، فَيَبْطُلُ الْمَقْصُودُ بِهِ .
( 8298 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَيَنْفُذُ حُكْمُ مَنْ حَكَّمَاهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ ؛ النِّكَاحُ ، وَاللِّعَانُ ، وَالْقَذْفُ ، وَالْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهَا ، فَاخْتَصَّ الْإِمَامُ بِالنَّظَرِ فِيهَا ، وَنَائِبُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيهَا .
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .
وَإِذَا كَتَبَ هَذَا الْقَاضِي بِمَا حَكَمَ بِهِ كِتَابًا إلَى قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ ، وَتَنْفِيذُ كِتَابِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَاكِمٌ نَافِذُ الْأَحْكَامِ ، فَلَزِمَ قَبُولُ كِتَابِهِ ، كَحَاكِمِ الْإِمَامِ .

مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَيَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ ، إذَا صَحَّ الْحَقُّ عَلَيْهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ ادَّعَى حَقًّا عَلَى غَائِبٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، وَطَلَبَ مِنْ الْحَاكِمِ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ ، وَالْحُكْمَ بِهَا عَلَيْهِ ، فَعَلَى الْحَاكِمِ إجَابَتُهُ ، إذَا كَمُلَتْ الشَّرَائِطُ .
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةُ وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَسَوَّارٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَكَانَ شُرَيْحٌ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْقَاسِمِ ، وَالشَّعْبِيِّ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : إذَا كَانَ لَهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ ، مِنْ وَكِيلٍ أَوْ شَفِيعٍ ، جَازَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ .
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ : { إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ ، فَإِنَّك تَدْرِي بِمَا تَقْضِي } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَلِأَنَّهُ قَضَاءٌ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَحْدَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْآخَرُ فِي الْبَلَدِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْغَائِبِ مَا يُبْطِلُ الْبَيِّنَةَ ، وَيَقْدَحُ فِيهَا ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ عَلَيْهِ .
وَلَنَا ، { أَنَّ هِنْدًا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي ؟ قَالَ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَقَضَى لَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا ، وَلِأَنَّ هَذَا لَهُ بَيِّنَةٌ مَسْمُوعَةٌ عَادِلَةٌ ، فَجَازَ الْحُكْمُ بِهَا .
كَمَا لَوْ كَانَ الْخَصْمُ حَاضِرًا ، وَقَدْ وَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ ، وَلِأَنَّ مَا تَأَخَّرَ عَنْ سُؤَالِ الْمُدَّعِي إذَا كَانَ حَاضِرًا ، يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ غَائِبًا ، كَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ .
وَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَنَقُولُ بِهِ إذَا تَقَاضَى إلَيْهِ رَجُلَانِ ، لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ قَبْلَ سَمَاعِ

كَلَامِهِمَا ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَا حَاضِرَيْنِ ، وَيُفَارِقُ الْحَاضِرُ الْغَائِبَ ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ عَلَى حَاضِرٍ إلَّا بِحَضْرَتِهِ ، وَالْغَائِبُ بِخِلَافِهِ .
وَقَدْ نَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلَهُ ، فَقَالَ : إذَا جَاءَتْ امْرَأَةٌ فَادَّعَتْ أَنَّ لَهَا زَوْجًا غَائِبًا ، وَلَهُ مَالٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ، وَتَحْتَاجُ إلَى النَّفَقَةِ ، فَاعْتَرَفَ لَهَا بِذَلِكَ ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ ، وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى حَاضِرٍ ، أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ غَائِبٍ مَا فِيهِ شُفْعَةٌ ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ ، حَكَمَ لَهُ بِالْبَيْعِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ ، وَلَوْ مَاتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَحَضَرَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ ، أَوْ حَضَرَ وَكِيلُ الْغَائِبِ ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِذَلِكَ ، حَكَمَ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ قَدِمَ الْغَائِبُ قَبْلَ الْحُكْمِ ، وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى حُضُورِهِ ، فَإِنْ جَرَّحَ الشُّهُودَ ، لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ اسْتَنْظَرَ الْحَاكِمَ ، أَجَّلَهُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ جَرَّحَهُمْ ، وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ ادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ ، فَكَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بَرِئَ ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُدَّعِي ، وَحَكَمَ لَهُ ، وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ الْحُكْمِ ، فَجَرَّحَ الشُّهُودَ بِأَمْرٍ كَانَ قَبْلَ الشَّهَادَةِ ، بَطَلَ الْحُكْمُ ، وَإِنْ جَرَّحَهُمْ بِأَمْرٍ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ مُطْلَقًا ، لَمْ يَبْطُلْ الْحُكْمُ ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْحُكْمِ ، فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ .
وَإِنْ طَلَبَ التَّأْجِيلَ ، أُجِّلَ ثَلَاثًا ، فَإِنْ جَرَّحَهُمْ ، وَإِلَّا نَفَذَ الْحُكْمُ .
وَإِنْ ادَّعَى الْقَضَاءَ ، أَوْ الْإِبْرَاءَ ، فَكَانَتْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ وَإِلَّا حَلَفَ الْآخَرُ ، وَنَفَذَ الْحُكْمُ .

( 8300 ) فَصْلٌ : وَلَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ إلَّا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَأَمَّا فِي الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَقْضِي بِهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْإِسْقَاطِ ، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى غَائِبٍ بِسَرِقَةِ مَالٍ ، حُكِمَ بِالْمَالِ دُونَ الْقَطْعِ .

( 8301 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى غَائِبٍ ، أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، لَمْ يَسْتَحْلِفْ الْمُدَّعِي مَعَ بَيِّنَتِهِ ، فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ ، فَلَمْ تَجِبْ الْيَمِينُ مَعَهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى حَاضِرٍ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَسْتَحْلِفْ مَعَهَا .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتَوْفَى مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، أَوْ مَلَّكَهُ الْعَيْنَ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا فَادَّعَى ذَلِكَ ، لَوَجَبَتْ الْيَمِينُ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ لِغَيْبَتِهِ ، أَوْ عَدَمِ تَكْلِيفِهِ ، يَجِبُ أَنْ يَقُومَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيمَا يُمْكِنُ دَعْوَاهُ ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ مَأْمُورٌ بِالِاحْتِيَاطِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْغَائِبِ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَهَذَا مِنْ الِاحْتِيَاطِ .

( 8302 ) فَصْلٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ إذَا قُضِيَ عَلَى الْغَائِبِ بِعَيْنٍ ، سُلِّمَتْ إلَى الْمُدَّعِي ، وَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ ، وَوُجِدَ لَهُ مَالٌ ، وُفِّيَ مِنْهُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ ، فِي رَجُلٍ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ لَهُ سَهْمًا مِنْ ضَيْعَةٍ فِي أَيْدِي قَوْمٍ ، فَتَوَارَوْا عَنْهُ : يُقْسَمُ عَلَيْهِمْ ، شَهِدُوا أَوْ غَابُوا ، وَيُدْفَعُ إلَى هَذَا حَقُّهُ .
لِأَنَّهُ يَثْبُت حَقُّهُ بِالْبَيِّنَةِ ، فَيُسَلَّمُ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ خَصْمُهُ حَاضِرًا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُدْفَعَ إلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يُقِيمَ كَفِيلًا أَنَّهُ مَتَى حَضَرَ خَصْمُهُ ، وَأَبْطَلَ دَعْوَاهُ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَخَذَهُ ، لِئَلَّا يَأْخُذَ الْمُدَّعِي مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ ، ثُمَّ يَأْتِيَ خَصْمُهُ ، فَيُبْطِلَ حُجَّتَهُ ، أَوْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِالْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ ، أَوْ تُمْلَكَ الْعَيْنُ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ بَعْدَ ذَهَابِ الْمُدَّعِي وَغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ ، فَيَضِيعَ مَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ الْأَوَّلَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ عِنْدَهُ دَابَّةٌ مَسْرُوقَةٌ ، فَقَالَ : هِيَ عِنْدِي وَدِيعَةٌ : إذَا أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا لَهُ ، تُدْفَعُ إلَى الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ ، حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ فَيُثْبِتَ .

( 8303 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْحَاضِرُ فِي الْبَلَدِ ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ ، إذَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْحُضُورِ ، فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ قَبْلَ حُضُورِهِ .
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي وَجْهٍ لَهُمْ : إنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَائِبٌ ، أَشْبَهَ الْغَائِبَ عَنْ الْبَلَدِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَمْكَنَ سُؤَالُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ عَلَيْهِ قَبْلَ سُؤَالِهِ ، كَحَاضِرِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، وَيُفَارِقُ الْغَائِبَ الْبَعِيدَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ سُؤَالُهُ ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ ، أَوْ تَوَارَى ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، جَوَازُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ .
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ ، فِي رَجُلٍ وَجَدَ غُلَامَهُ عِنْدَ رَجُلٍ ، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ غُلَامُهُ ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَهُ الْغُلَامُ : أَوْدَعَنِي هَذَا رَجُلٌ .
فَقَالَ أَحْمَدُ : أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقْضُونَ عَلَى الْغَائِبِ ، يَقُولُونَ : إنَّهُ لِهَذَا الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ .
وَهُوَ مَذْهَبٌ حَسَنٌ ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ يَقْضُونَ عَلَى غَائِبٍ ، يُسَمُّونَهُ الْإِعْذَارَ .
وَهُوَ إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ ، فَاخْتَفَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، يُرْسَلُ إلَى بَابِهِ ، فَيُنَادِي الرَّسُولُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ جَاءَ ، وَإِلَّا قَدْ أَعْذَرُوا إلَيْهِ .
فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ مَعْنَى حَسَنٌ .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ الْمُمْتَنِعِ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ حُضُورُهُ وَسُؤَالُهُ ، فَجَازَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ ، كَالْغَائِبِ الْبَعِيدِ ، بَلْ هَذَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْبَعِيدَ مَعْذُورٌ ، وَهَذَا لَا عُذْرَ لَهُ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ شَيْئًا مِنْ هَذَا .

كِتَابُ الْقِسْمَة الْأَصْلُ فِي الْقِسْمَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ } وقَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى } الْآيَةَ .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ ، وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ ، فَلَا شُفْعَةَ } .
وَقَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَكَانَ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ .
وَأَجْمَعْت الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ الْقِسْمَةِ ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى الْقِسْمَةِ ؛ لِيَتَمَكَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى إيثَارِهِ ، وَيَتَخَلَّصَ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَكَثْرَةِ الْأَيْدِي .

( 8304 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا أَتَاهُ شَرِيكَانِ فِي رَبْعٍ أَوْ نَحْوِهِ ، فَسَأَلَاهُ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَهُمَا ، قَسَمَهُ ، وَأَثْبَتَ فِي الْقَضِيَّةِ بِذَلِكَ ، أَنَّ قَسْمَهُ إيَّاهُ بَيْنَهُمَا كَانَ عَنْ إقْرَارِهِمَا ، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمَا بِمِلْكِهِمَا إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ ، رَبْعًا أَوْ غَيْرَهُ - وَالرَّبْعُ : هُوَ الْعَقَارُ مِنْ الدُّورِ وَنَحْوِهَا إذَا طَلَبَا مِنْ الْحَاكِمِ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَهُمَا ، أَجَابَهُمَا إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مِلْكُهُمَا .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ عَقَارًا نَسَبُوهُ إلَى مِيرَاثٍ ، لَمْ يَقْسِمْهُ حَتَّى يَثْبُتَ الْمَوْتُ وَالْوَرَثَةُ ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ ، فَلَا يَقْسِمُهُ احْتِيَاطًا لِلْمَيِّتِ ، وَأَمَّا مَا عَدَا الْعَقَارَ يَقْسِمُهُ ، وَإِنْ كَانَ مِيرَاثًا ؛ لِأَنَّهُ يَبُورُ وَيَهْلَكُ ، وَقِسْمَتُهُ تَحْفَظُهُ ، وَكَذَلِكَ الْعَقَارُ الَّذِي لَا يُنْسَبُ إلَى الْمِيرَاثِ .
وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ ، عَقَارًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، مَا لَمْ يَثْبُتْ مِلْكُهُمَا ؛ لِأَنَّ قَسْمَهُ بِقَوْلِهِمْ لَوْ رُفِعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ يَسْتَسْهِلُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ حَكَمًا لَهُمْ ، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ لِغَيْرِهِمْ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُمْ ، فَيَثْبُتُ لَهُمْ مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ ، وَلِهَذَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ ، وَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ مِنْهُمْ ، وَاتِّهَابُهُ ، وَاسْتِئْجَارُهُ .
وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ يَنْدَفِعُ إذَا ثَبَتَ فِي الْقَضِيَّةِ أَنِّي قَسَمْته بَيْنَهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ ، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمْ بِمِلْكِهِمْ ، وَكُلُّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ .
وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِلْكُهُمْ ، وَلَا حَقَّ لِلْمَيِّتِ فِيهِ ، إلَّا أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَمَا ظَهَرَ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، وَلِهَذَا اكْتَفَيْنَا بِهِ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ ، وَفِيمَا لَمْ يَنْسُبُوهُ إلَى

الْمِيرَاثِ .

( 8305 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ ، مِنْ الْمَطْعُومَاتِ وَغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ جَوَازَ قِسْمَةِ الْأَرْضِ مَعَ اخْتِلَافِهَا ، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قِسْمَةِ مَا لَا يَخْتَلِفُ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ .
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحُبُوبُ ، وَالثِّمَارُ ، وَالنُّورَةُ ، وَالْأُشْنَانُ ، وَالْحَدِيدُ ، وَالرَّصَاصُ ، وَنَحْوُهَا مِنْ الْجَامِدَاتِ ، وَالْعَصِيرُ ، وَالْخَلُّ ، وَاللَّبَنُ ، وَالْعَسَلُ ، وَالسَّمْنُ ، وَالدِّبْسُ ، وَالزَّيْتُ ، وَالرُّبُّ وَنَحْوُهَا مِنْ الْمَائِعَاتِ ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا : إنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ أَوْ إفْرَازُ حَقٍّ ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ ، وَإِفْرَازُهُ جَائِزٌ .
فَإِنْ كَانَ فِيهَا أَنْوَاعٌ ، كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ ، وَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا كُلَّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ ، وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعُ نَوْعٍ بِنَوْعٍ آخَرَ ، وَلَيْسَ بِقِسْمَةٍ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، كَغَيْرِ الشَّرِيكِ .
فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، جَازَ .
وَكَانَ بَيْعًا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، فِيمَا يُعْتَبَرُ التَّقَابُضُ فِيهِ ، وَسَائِرُ شُرُوطِ الْبَيْعِ .

( 8306 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا ثِيَابٌ ، أَوْ حَيَوَانٌ ، أَوْ أَوَانٍ ، أَوْ خَشَبٌ ، أَوْ عَمَدٌ ، أَوْ أَحْجَارٌ ، فَاتَّفَقَا عَلَى قِسْمَتِهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ الْغَنَائِمَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَيَوْمَ خَيْبَرَ ، وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى أَجْنَاسٍ مِنْ الْمَالِ ، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَةِ كُلِّ جِنْسٍ بَيْنَهُمَا ، أَوْ عَلَى قِسْمَتِهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ .
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ ، وَطَلَبَ الْآخَرُ قِسْمَتَهُ أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ ، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ قِسْمَةَ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ ، إذَا أَمْكَنَ .
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةِ ، وَأَبَى الْآخَرُ ، وَكَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ إلَّا بِأَخْذِ عِوَضٍ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، أَوْ قَطْعِ ثَوْبٍ فِي قَطْعِهِ نَقْصٌ ، أَوْ كَسْرِ إنَاءٍ ، أَوْ رَدِّ عِوَضٍ ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ .
وَإِنْ أَمْكَنَ قِسْمَةُ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ ، مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، وَلَا رَدِّ عِوَضٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ .
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ : لَا أَعْرِفُ فِي هَذَا عَنْ إمَامِنَا رِوَايَةً ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ الْمُمْتَنِعُ .
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ خَيْرَانَ ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُقْسَمُ أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَةِ الدُّورِ ، بِأَنْ يَأْخُذَ هَذَا دَارًا وَهَذَا دَارًا وَهَذَا دَارًا ، وَكَالْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ كَالدَّارِ الْوَاحِدَةِ ، وَلَيْسَ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِي الْقِيمَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ اخْتِلَافِ قِيمَةِ الدَّارِ الْكَبِيرَةِ وَالْقَرْيَةِ الْعَظِيمَةِ ، فَإِنَّ أَرْضَ الْقَرْيَةِ تَخْتَلِفُ ، سِيَّمَا إذَا كَانَتْ ذَاتَ أَشْجَارٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَأَرَاضٍ مُتَنَوِّعَةٍ ، وَالدَّارُ ذَاتُ بُيُوتٍ وَاسِعَةٍ وَضَيِّقَةٍ ، وَحَدِيثَةٍ وَقَدِيمَةٍ ، ثُمَّ هَذَا الِاخْتِلَافُ لَمْ يَمْنَعْ الْإِجْبَارَ عَلَى

الْقِسْمَةِ ، كَذَلِكَ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ ، وَفَارَقَ الدُّورَ ؛ فَإِنَّهُ أَمْكَنَ قِسْمَةُ كُلِّ دَارٍ عَلَى حِدَتِهَا ، وَهَا هُنَا لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا أَوْ إنَاءٍ عَلَى حِدَتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ الثِّيَابُ أَنْوَاعًا ؛ كَالْحَرِيرِ ، وَالْقُطْنِ ، وَالْكَتَّانِ ، فَهِيَ كَالْأَجْنَاسِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَمْوَالِ .
وَالْحَيَوَانُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ ، وَيُقْسَمُ النَّوْعُ الْوَاحِدُ مِنْهُ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْسَمُ الرَّقِيقُ قِسْمَةَ إجْبَارٍ ؛ لِأَنَّهُ تَخْتَلِفُ مَنَافِعُهُ ، وَيُقْصَدُ مِنْهُ الْعَقْلُ وَالدِّينُ وَالْفِطْنَةُ ، وَذَلِكَ لَا يَقَعُ فِيهِ التَّعْدِيلُ .
وَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَزَّأَ الْعَبِيدَ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ الْأَنْصَارِيُّ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ .
وَلِأَنَّهُ نَوْعُ حَيَوَانٍ يَدْخُلُهُ التَّقْوِيمُ ، فَجَازَتْ قِسْمَتُهُ ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَجْمَعُ ذَلِكَ ، وَتُعَدُّ لَهُ كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ .

( 8307 ) فَصْلٌ : وَالْقِسْمَةُ إفْرَازُ حَقٍّ ، وَتَمْيِيزُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ مِنْ الْآخَرِ ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا .
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ فِي الْآخَرِ : هِيَ بَيْعٌ .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ ؛ لِأَنَّهُ يُبْدِلُ نَصِيبَهُ مِنْ أَحَدِ السَّهْمَيْنِ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ مِنْ السَّهْمِ الْآخَرِ ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْبَيْعِ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ التَّمْلِيكِ ، وَلَا تَجِبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ ، وَيَدْخُلُهَا الْإِجْبَارُ ، وَتَلْزَمُ بِإِخْرَاجِ الْقُرْعَةِ ، وَيَتَقَدَّرُ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ بِقَدْرِ الْآخَرِ ، وَالْبَيْعُ لَا يَجُوزُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهَا تَنْفَرِدُ عَنْ الْبَيْعِ بِاسْمِهَا وَأَحْكَامِهَا ، فَلَمْ تَكُنْ بَيْعًا ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ ، أَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ بَيْعًا ، جَازَتْ قِسْمَةُ الثِّمَارِ خَرْصًا ، وَالْمَكِيلِ وَزْنًا ، وَالْمَوْزُونِ كَيْلًا ، وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْبَيْعِ ، وَلَا يَحْنَثُ إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ بِهَا ، وَإِذَا كَانَ الْعَقَارُ أَوْ نِصْفُهُ وَقْفًا ، جَازَتْ الْقِسْمَةُ ، وَإِنْ قُلْنَا : هِيَ بَيْعٌ .
انْعَكَسَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ ، هَذَا إذَا خَلَتْ مِنْ الرَّدِّ ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدُّ عِوَضٍ ، فَهِيَ بَيْعٌ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الرَّدِّ يَبْذُلُ الْمَالَ عِوَضًا عَمَّا حَصَلَ لَهُ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ ، وَهَذَا هُوَ الْبَيْعُ .
فَإِنْ فَعَلَا ذَلِكَ فِي وَقْفٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ وَقْفًا ، وَبَعْضُهُ طَلْقَا ، وَالرَّدُّ مِنْ صَاحِبِ الطَّلْقِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِي بَعْضَ الْوَقْفِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ بَعْضَ الطَّلْقِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ .

( 8308 ) فَصْلٌ : وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاسِمِ بِالْقِسْمَةِ إذَا كَانَ مُتَبَرِّعًا ، وَلَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ بِأُجْرَةٍ .
وَبِهَذَا قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُقْبَلُ ، وَإِنْ كَانَ بِأُجْرَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ تُهْمَةٌ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ ، كَالْمُرْضِعَةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ الَّذِي يُوجِبُ تَعْدِيلَهُ ، فَلَمْ تُقْبَلْ ، كَشَهَادَةِ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ عَلَى حُكْمِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ شَهِدَ بِمَا لَا نَفْعَ لَهُ فِيهِ ، فَقُبِلَ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .
وَإِذَا كَانَ بِأُجْرَةٍ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ ، لِكَوْنِهِ يُوجِبُ الْأُجْرَةَ لِنَفْسِهِ ، وَهَذَا نَفْعٌ ، فَتَكُونُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ .
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : إنَّهُ يُوجِبُ تَعْدِيلَهُ .
مَمْنُوعٌ ، وَلَا نُسَلِّمُ لَهُمْ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْحُكْمِ .

( 8309 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ سَأَلَ أَحَدُهُمَا شَرِيكَهُ مُقَاسَمَتَهُ ، فَامْتَنَعَ ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ ، إذَا أَثْبُتْ عِنْدَهُ مِلْكَهَا ، وَكَانَ مِثْلُهُ يَنْقَسِمُ وَيَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا أَمَّا إذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ ، فَامْتَنَعَ الْآخَرُ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقِسْمَةِ ، وَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِلْكُهُمَا بِبَيِّنَةِ ؛ لِأَنَّ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْقِسْمَةِ حُكْمًا عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمَا ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِمَا يَثْبُت بِهِ الْمِلْكُ لِخَصْمِهِ ، بِخِلَافِ حَالَةِ الرِّضَا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، إنَّمَا يَقْسِمُ بِقَوْلِهِمَا وَرِضَاهُمَا .
الشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا ضَرَرٌ ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَرَرٌ ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ ، وَلَا ضِرَارَ } .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي " مُوَطَّئِهِ " مُرْسَلًا ، وَفِي لَفْظٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى ، أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } الشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ يُمْكِنَ تَعْدِيلُ السِّهَامِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يُجْعَلُ مَعَهَا ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ بَيْعًا ، وَالْبَيْعُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، وَمِثَالُ ذَلِكَ ، أَرْضٌ قِيمَتُهَا مِائَةٌ ، فِيهَا شَجَرَةٌ أَوْ بِئْرٌ تُسَاوِي مِائَتَيْنِ ، فَإِذَا جُعِلَتْ الْأَرْضُ سَهْمًا ، كَانَتْ الثُّلُثَ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَهَا خَمْسِينَ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ لَهُ الْبِئْرُ أَوْ الشَّجَرَةُ ، لِيَكُونَا نِصْفَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ ، فَهَذِهِ فِيهَا بَيْعٌ ، أَلَا تَرَى أَنَّ آخِذَ الْأَرْضِ قَدْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الشَّجَرَةِ أَوْ الْبِئْرِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ ، وَالْبَيْعُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } .
فَإِذَا اجْتَمَعَتْ

الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا عَلَى الْقِسْمَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ إزَالَةَ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ عَنْهُمَا ، وَحُصُولَ النَّفْعِ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا تَمِزْ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِ ، وَيَتَمَكَّنَ مِنْ إحْدَاثِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَالزَّرْعِ وَالسِّقَايَةِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ مَعَ الِاشْتِرَاكِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْبَرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الضَّرَرِ الْمَانِعِ مِنْ الْقِسْمَةِ ، فَفِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ انْتِقَاعُ أَحَدِهِمَا بِنَصِيبِهِ مُفْرَدًا ، فِيمَا كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ مَعَ الشَّرِكَةِ ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا دَارٌ صَغِيرَةٌ ، إذَا قُسِمَتْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضِعًا ضَيِّقًا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ .
وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فِي شَيْءٍ غَيْرِ الدَّارِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ دَارًا ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْقِسْمَةِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ يَجْرِي مَجْرَى الْإِتْلَافِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْمَانِعَ هُوَ أَنْ تَنْقُصَ قِيمَةُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِالْقِسْمَةِ عَنْ حَالِ الشَّرِكَةِ ، سَوَاءٌ انْتَفَعُوا بِهِ مَقْسُومًا أَوْ لَمْ يَنْتَفِعُوا .
وَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا ظَاهِرٌ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ : إذَا قَالَ بَعْضُهُمْ يَقْسِمُ وَبَعْضُهُمْ لَا يَقْسِمُ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ مِنْ ثَمَنِهِ ، بِيعَ ، وَأُعْطُوا الثَّمَنَ .
فَاعْتُبِرَ نُقْصَانُ الثَّمَنِ .
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ نَقْصَ قِيمَتِهِ ضَرَرٌ ، وَالضَّرَرُ مَنْفِيٌّ شَرْعًا .
وَقَالَ مَالِكٌ : يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ وَإِنْ اسْتَضَرَّ ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ .
وَلَا يَصِحُّ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
وَلِأَنَّ فِي قِسْمَتِهِ ضَرَرًا ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، كَقِسْمَةِ الْجَوْهَرَةِ بِكَسْرِهَا ، وَلِأَنَّ فِي

قِسْمَتِهِ إضَاعَةً لِلْمَالِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَتِهِ .
وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ يَسْتَضِرُّ بِالْقِسْمَةِ دُونَ الْآخِرِ ؛ كَرَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا دَارٌ ، لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُهَا ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثَاهَا ، فَإِذَا قَسَمَاهَا اسْتَضَرَّ صَاحِبُ الثُّلُثِ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَا يَكُونُ دَارًا ، وَلَا يَسْتَضِرُّ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى لَهُ مَا يَصِيرُ دَارًا مُفْرَدَةً ، فَطَلَبَ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ الْقِسْمَةَ ، لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَيْهَا .
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : كُلُّ قِسْمَةٍ فِيهَا ضَرَرٌ ، لَا أَرَى قِسْمَتَهَا .
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي ثَوْرٍ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يُجْبَرُ الْآخَرُ عَلَيْهَا .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ إفْرَادَ نَصِيبِهِ الَّذِي لَا يَسْتَضِرُّ بِتَمْيِيزِهِ ، فَوَجَبَتْ إجَابَتُهُ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَا لَا يَسْتَضِرَّانِ بِالْقِسْمَةِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
وَلِأَنَّهَا قِسْمَةٌ يَسْتَضِرُّ بِهَا صَاحِبُهُ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَضَرَّا مَعًا ، وَلِأَنَّ فِيهِ إضَاعَةَ الْمَالِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَتِهِ ، وَإِذَا حَرُمَ عَلَيْهِ إضَاعَتُهُ مَالَهُ فَإِضَاعَتُهُ مَالَ غَيْرِهِ أَوْلَى .
وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ جُمَيْعٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَعْصِبَةَ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ ، إلَّا مَا حَصَلَ الْقَسْمُ } .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هُوَ أَنْ يُخْلِفَ شَيْئًا ، إذَا قُسِمَ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى بَعْضِهِمْ ، أَوْ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا .
وَلِأَنَّنَا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الضَّرَرَ مَانِعٌ مِنْ الْقِسْمَةِ ، وَأَنَّ الضَّرَرَ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا مَانِعٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَانِعُ هُوَ ضَرَرَ الطَّالِبِ ؛ لِأَنَّهُ

مَرْضِيٌّ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ ، فَلَا يَجُوزُ كَوْنُهُ مَانِعًا ، كَمَا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَيْهَا مَعَ ضَرَرِهِمَا أَوْ ضَرَرِ أَحَدِهِمَا ، فَتَعَيَّنَ الضَّرَرُ الْمَانِعُ فِي جِهَةِ الْمَطْلُوبِ ، وَلِأَنَّهُ ضَرَرٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ بِهِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ ، فَمَنَعَ الْقِسْمَةَ ، كَمَا لَوْ اسْتَضَرَّا مَعًا .
وَإِنْ طَلَبَ الْقِسْمَةَ الْمُسْتَضِرُّ بِهَا ، كَصَاحِبِ الثُّلُثِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَفْرُوضَةِ ، أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهَا .
هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ دَفْعَ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ عَنْهُ ، بِأَمْرٍ لَا ضَرَرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِيهِ ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ .
يُحَقِّقُهُ أَنَّ ضَرَرَ الطَّالِبِ مَرْضِيٌّ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ ، فَسَقَطَ حُكْمُهُ ، وَالْآخَرُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ ، فَصَارَ كَمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ .
وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقَسْمِ ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَلِأَنَّ طَلَبَ الْقِسْمَةِ مِنْ الْمُسْتَضِرِّ سَفَهٌ ، فَلَا يَجِبُ إجَابَتُهُ إلَى السَّفَهِ .
قَالَ الشَّرِيفُ : مَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا يَسْتَضِرُّ ، لَمْ تَجِبْ الْقِسْمَةُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا يَنْتَفِعُ بِهَا ، وَجَبَتْ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ انْتَفَعَ بِهَا الطَّالِبُ ، وَجَبَتْ ، وَإِنْ اسْتَضَرَّ بِهَا الطَّالِبُ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : تَجِبُ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ، لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا ، وَلِلْآخَرَيْنِ نِصْفُهَا ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبُعُهَا ، فَإِذَا قُسِمَتْ اسْتَضَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَا يَسْتَضِرَّ صَاحِبُ النِّصْفِ ، فَطَلَبَ صَاحِبُ النِّصْفِ الْقِسْمَةَ ، وَجَبَتْ إجَابَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا نِصْفَيْنِ ، فَيَصِيرُ حَقُّهُمَا لَهُمَا دَارًا ، وَلَهُ النِّصْفُ ، فَلَا يَسْتَضِرُّ أَحَدٌ مِنْهُمَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ عَلَيْهِمَا الْإِجَابَةُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَضِرُّ بِإِفْرَازِ نَصِيبِهِ .
وَإِنْ طَلَبَا الْمُقَاسَمَةَ ، فَامْتَنَعَ صَاحِبُ

النِّصْفِ أُجْبِرَ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ .
وَإِنْ طَلَبَا إفْرَازَ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، أَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا إفْرَازَ نَصِيبِهِ ، لَمْ تَجِبْ الْقِسْمَةُ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِالطَّالِبِ وَسَفَهٌ .
وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَجِبُ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ .
الْحَالُ الثَّانِي ، الَّذِي لَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْقِسْمَةِ ، وَهِيَ مَا إذَا عُدِمَ أَحَدُ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ ، فَلَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ إلَّا بِرِضَاهُمَا ، وَتُسَمَّى قِسْمَةَ التَّرَاضِي ، وَهِيَ جَائِزَةٌ مَعَ اخْتِلَالِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ وَالْمُنَاقَلَةِ ، وَبَيْعُ ذَلِكَ جَائِزٌ .

( 8310 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، سُفْلُهَا وَعُلْوُهَا ، فَإِذَا طَلَبَا قَسَمَهَا ؛ نَظَرْتُ ، فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ السُّفْلِ وَالْعُلْوِ بَيْنَهُمَا ، وَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ ، أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ .
لِأَنَّ الْبِنَاءَ فِي الْأَرْضِ يَجْرِي مَجْرَى الْغَرْسِ ، فَيَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ وَالشُّفْعَةِ ، ثُمَّ لَوْ طَلَبَ قِسْمَةَ أَرْضٍ فِيهَا غِرَاسٌ ، أُجْبِرَ شَرِيكُهُ عَلَيْهِ ، كَذَلِكَ الْبِنَاءُ .
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا جَعْلَ السُّفْلِ لِأَحَدِهِمَا وَالْعُلْوِ لِلْآخَرِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ الْآخَرُ ؛ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ الْعُلْوَ يَتْبَعُ لِلسُّفْلِ ، وَلِهَذَا إذَا بِيعَا ، تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا ، وَإِذَا أُفْرِدَ الْعُلْوُ بِالْبَيْعِ ، لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، وَإِذَا كَانَ تَبَعًا لَهُ ، لَمْ يُجْعَلْ الْمَتْبُوعُ سَهْمًا وَالتَّبَعُ سَهْمًا ، فَيَصِيرُ التَّبَعُ أَصْلًا .
الثَّانِي ، أَنَّ السُّفْلَ وَالْعُلْوَ يَجْرِيَانِ مَجْرَى الدَّارَيْنِ الْمُتَلَاصِقَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْكُنُ مُنْفَرِدًا ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارَانِ ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا الْمُطَالَبَةُ بِجَعْلِ كُلِّ دَارٍ نَصِيبًا كَذَا هَاهُنَا .
الثَّالِثُ ، أَنَّ صَاحِبَ الْقَرَارِ يَمْلِكُ قَرَارَهَا وَهَوَاءَهَا ، فَإِذَا جُعِلَ السُّفْلُ نَصِيبًا انْفَرَدَ صَاحِبُهُ بِالْهَوَاءِ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ قِسْمَةً عَادِلَةً .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقْسِمُهُ الْحَاكِمُ ، يَجْعَلُ ذِرَاعًا مِنْ السُّفْلِ بِذِرَاعَيْنِ مِنْ الْعُلْوِ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : ذِرَاعٌ بِذِرَاعٍ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَقْسِمُهَا بِالْقِيمَةِ .
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا دَارٌ وَاحِدَةٌ ، فَإِذَا قَسَمَهَا عَلَى مَا يَرَاهُ جَازَ ، كَاَلَّتِي لَا عُلْوَ لَهَا .
وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ ، وَفِيهَا رَدُّ مَا ذَكَرُوهُ ، وَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ تَحَكُّمٌ ، وَبَعْضُهُ يَرُدُّ بَعْضًا .
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الْعُلْوِ وَحْدَهُ ، أَوْ السُّفْلِ وَحْدَهُ ، لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ

؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تُرَادُ لِلتَّمْيِيزِ ، وَمَعَ بَقَاءِ الْإِشَاعَةِ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ .
وَإِنْ طَلَبَ قِسْمَةَ السُّفْلِ مُنْفَرِدًا ، أَوْ الْعُلْوِ مُنْفَرِدًا ، لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُلْوُ سُفْلِ الْآخَرِ ، فَيَسْتَضِرُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَا يَتَمَيَّزُ الْحَقَّانِ .

( 8311 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ ، أَوْ خَانٌ كَبِيرٌ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ ذَلِكَ وَلَا ضَرَرَ فِي قِسْمَتِهِ ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقِسْمَةِ ، وَتُفْرَدُ بَعْضُ الْمَسَاكِنِ عَنْ بَعْضٍ وَإِنْ كَثُرَتْ الْمَسَاكِنُ .
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارَانِ ، أَوْ خَانَانِ ، أَوْ أَكْثَرُ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَجْمَعَ نَصِيبَهُ فِي إحْدَى الدَّارَيْنِ ، أَوْ أَحَدِ الْخَانَيْنِ ، وَيَجْعَلَ الْبَاقِيَ نَصِيبًا ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إذَا رَأَى الْحَاكِمُ ذَلِكَ ، فَلَهُ فِعْلُهُ ، سَوَاءٌ تَقَارَبَتَا أَوْ تَفَرَّقَتَا ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ وَأَعْدَلُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَتَا مُتَجَاوِرَتَيْنِ ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمُتَجَاوِرَتَيْنِ تَتَقَارَبُ مَنْفَعَتُهُمَا ، بِخِلَافِ الْمُتَبَاعِدَتَيْنِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا حَجَزَتْ الْأُخْرَى ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مَجْرَى الدَّارِ الْوَاحِدَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ نَقْلُ حَقِّهِ مِنْ عَيْنٍ إلَى عَيْنٍ أُخْرَى ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، كَالْمُتَفَرِّقِينَ عَلَى مِلْكٍ ، وَكَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ حُجَّةً بِهَا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَمَا لَوْ كَانَتَا دَارًا وَدُكَّانًا مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، وَالْحُكْمُ فِي الدَّكَاكِينِ كَالْحُكْمِ فِي الدُّورِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ لَهَا عَضَائِدُ صِغَارٌ ، لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا عَلَيْهَا .

( 8312 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ وَاحِدٌ يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا ، وَتَتَحَقَّقُ فِيهَا الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى قَسْمِهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ فَارِغَةً أَوْ ذَاتَ شَجَرٍ وَبِنَاءٍ .
فَإِنْ كَانَ فِيهَا نَخْلٌ ، وَكَرْمٌ ، وَشَجَرٌ مُخْتَلِفٌ ، وَبِنَاءٌ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى حِدَتِهَا ، وَطَلَبَ الْآخَرُ قِسْمَةَ الْجَمِيعِ بِالتَّعْدِيلِ بِالْقِيمَةِ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : تُقْسَمُ كُلُّ عَيْنٍ عَلَى حِدَتِهَا ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَقْسُومٍ ، إذَا أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْن الشَّرِيكَيْنِ فِي جَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ ، كَانَ أَوْلَى .
وَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إذَا أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فِي جَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ ، بِأَنْ يَكُونَ الْجَيِّدُ فِي مُقَدَّمِهَا وَالرَّدِيءُ فِي مُؤَخَّرِهَا ، فَإِذَا قَسَمْنَاهَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيء مِثْلُ مَا لِلْآخَرِ ، وَجَبَتْ الْقِسْمَةُ ، وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ الْقِسْمَةُ هَكَذَا ، بِأَنْ تَكُونَ الْعِمَارَةُ أَوْ الشَّجَرُ وَالْجَيِّدُ لَا تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ وَحْدَهُ ، وَأَمْكَنَ التَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ عُدِّلَتْ بِالْقِيمَةِ ، وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ عَلَيْهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ : لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ عَلَيْهَا .
وَقَالُوا : إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ ثَلَاثِينَ جَرِيبًا ، قِيمَةُ عَشْرَةِ أَجْرِبَةٍ مِنْهَا كَقِيمَةِ عِشْرِينَ ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ عَلَيْهَا ؛ لِتَعَذُّرِ التَّسَاوِي فِي الذَّرْعِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقْلَانِ مُتَجَاوِرَانِ لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ ، إذَا لَمْ تُمْكِنْ إلَّا بِأَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمًا ، كَذَا هَاهُنَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَكَانٌ وَاحِدٌ ، أَمْكَنَتْ قِسْمَتُهُ ، وَتَعْدِيلُهُ ، مِنْ غَيْرِ رَدِّ عِوَضٍ وَلَا ضَرَرٍ ، فَوَجَبَتْ قِسْمَتُهُ ، كَالدُّورِ .
وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ يُفْضِي إلَى مَنْعِ وُجُوبِ الْقِسْمَةِ فِي

الْبَسَاتِينِ كُلِّهَا وَالدُّورِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسَاوِي الشَّجَرِ وَبِنَاءِ الدُّورِ وَمَسَاكِنِهَا إلَّا بِالْقِيمَةِ ، وَلِأَنَّهُ مَكَانٌ لَوْ بِيعَ بَعْضُهُ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِشَرِيكِ الْبَائِعِ ، فَوَجَبَتْ قِسْمَتُهُ ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بِالزَّرْعِ .
وَأَمَّا إذَا كَانَ بُسْتَانَانِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَرِيقٌ ، أَوْ حَقْلَانِ ، أَوْ دَارَانِ ، أَوْ دُكَّانَانِ مُتَجَاوِرَانِ أَوْ مُتَبَاعِدَانِ ، فَطَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ قِسْمَتَهُ ، بِجَعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَى هَذَا ، سَوَاءٌ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ .
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُتَمَيِّزَانِ ، لَوْ بِيعَ أَحَدُهُمَا ، لَمْ تَجِبْ الشُّفْعَةُ فِيهِ لِمَالِكِ الْآخَرِ ، بِخِلَافِ الْبُسْتَانِ الْوَاحِدِ ، وَالْأَرْضِ الْوَاحِدَةِ وَإِنْ عَظُمَتْ ، فَإِنَّهُ إذَا بِيعَ بَعْضُهَا ، وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ لِمَالِكِ الْبَعْضِ الْبَاقِي ، وَالشُّفْعَةُ كَالْقِسْمَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُرَادُ لِإِزَالَةِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ ، وَنُقْصَانِ التَّصَرُّفِ ، فَمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ ، لَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيهِ ، فَكَذَلِكَ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ ، لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ ، وَعَكْسُ هَذَا مَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ ، تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، وَمَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيهِ ، تَجِبُ قِسْمَتُهُ .
وَلِأَنَّهُ لَوْ بَدَا الصَّلَاحُ فِي بَعْضِ الْبُسْتَانِ ، كَانَ صَلَاحًا لِبَاقِيهِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا .
وَلَمْ يَكُنْ صَلَاحًا لِمَا جَاوَزَهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا .

( 8313 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا دُونَ الزَّرْعِ ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ فِي الْأَرْضِ كَالْقُمَاشِ فِي الدَّارِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْقِسْمَةَ ، كَالْقُمَاشِ ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ الزَّرْعُ ، أَوْ كَانَ بَذْرًا لَمْ يَخْرُجْ ، فَإِذَا قَسَمَاهَا ، بَقِيَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا مُشْتَرَكًا ، كَمَا لَوْ بَاعَا الْأَرْضَ لَغَيْرِهِمَا .
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الزَّرْعِ مُنْفَرِدًا ، لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَعْدِيلِ الْمَقْسُومِ ، وَتَعْدِيلُ الزَّرْعِ بِالسِّهَامِ لَا يُمْكِنُ ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ بَقَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ .
وَإِنْ طَلَبَ قِسْمَتَهَا مَعَ الزَّرْعِ ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ ، جَازَ ، وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ قَصِيلًا ، أَوْ اشْتَدَّ الْحَبُّ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ كَالشَّجَرِ فِي الْأَرْضِ ، وَالْقِسْمَةُ إفْرَازُ حَقٍّ ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا .
وَإِنْ قُلْنَا : هِيَ بَيْعٌ .
لَمْ يُجْبَرْ إذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ بَيْعَ السُّنْبُلِ بَعْضِهِ بِبَعْضِ .
وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّ السَّنَابِلَ هَاهُنَا دَخَلَتْ تَبَعًا لِلْأَرْضِ ، فَلَيْسَتْ الْمَقْصُودَ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ النَّخْلَةِ الْمُثْمِرَةِ بِمِثْلِهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قِسْمَتِهَا مَعَ الزَّرْعِ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ لِلنَّقْلِ عَنْهَا ، فَلَمْ تَجِبْ قِسْمَتُهُ مَعَهَا كَالْقُمَاشِ فِيهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ ثَابِتٌ فِيهَا لِلنَّمَاءِ وَالنَّفْعِ ، فَأَشْبَهَ الْغِرَاسَ ، وَفَارَقَ الْقُمَاشَ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالدَّارِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي نَقْلِهِ .
وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ بَذْرًا فِي الْأَرْضِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ ؛ لِجَهَالَتِهِ ، وَكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ إفْرَازُهُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ ، فَلَا تَضُرُّ جَهَالَتُهُ ، كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ فَاشْتَرَطُوا ،

مِلِكَهُ بِالشَّرْطِ ، وَإِنْ كَانَ بَذْرًا مَجْهُولًا .

( 8314 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ قِيمَتُهَا مِائَةٌ ، فِي أَحَدِ جَانِبَيْهَا بِئْرٌ قِيمَتُهَا مِائَةٌ ، وَفِي الْآخَرِ شَجَرَةٌ قِيمَتُهَا مِائَةٌ عَدَلْت بِالْقِيمَةِ ، وَجَعَلْت الْبِئْرَ مَعَ نِصْفِ الْأَرْضِ نَصِيبًا ، وَالشَّجَرَةَ مَعَ النِّصْفِ الْآخَرِ نَصِيبًا .
فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ ؛ نَظَرْت فِي الْأَرْضِ ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً أَوْ أَقَلَّ ، لَمْ تَجِبْ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ أَقَلَّ ، لَمْ يُمْكِنْ التَّعْدِيلُ إلَّا بِقِسْمَةِ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً ، فَجَعَلْنَاهَا سَهْمًا ، وَالْبِئْرَ سَهْمًا ، وَالشَّجَرَةَ سَهْمًا ، لَمْ يَحْصُلْ مَعَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْضِ ، فَيَصِيرُ هَذَا كَقِسْمَةِ الشَّجَرِ وَحْدَهُ ، وَقِسْمَةُ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَيْسَتْ قِسْمَةَ إجْبَارٍ .
وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ كَبِيرَةَ الْقِيمَةِ ، بِحَيْثُ يَأْخُذُ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ سِهَامَهُمْ مِنْهَا ، وَيَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ مَعَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ ، وَجَبَتْ الْقِسْمَةُ ، وَمِثَالُهُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْأَرْضِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ ، فَيَجْعَلُهَا مِائَةً وَخَمْسِينَ سَهْمًا ، وَيُضَمُّ إلَى الْبِئْرِ مَا قِيمَتُهُ خَمْسُونَ ، وَإِلَى الشَّجَرَةِ مِثْلُ ذَلِكَ ، فَتَصِيرُ ثَلَاثَةَ سِهَامٍ مُتَسَاوِيَةً ، وَفِي كُلِّ سَهْمٍ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، فَتَجِبُ الْقِسْمَةُ حِينَئِذٍ .
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً ، وَقِيمَةُ الْأَرْضِ أَرْبَعَمِائَةٍ ، وَجَبْت الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّنَا نَجْعَلُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْهَا سَهْمَيْنِ ، وَمِائَةً مَعَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ سَهْمَيْنِ ، فَتَعَدَّلَتْ السِّهَامُ .
وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِاثْنَيْنِ ، فَأَرَادَا قِسْمَةَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ دُونَ الْأَرْضِ ، لَمْ تَكُنْ قِسْمَةَ إجْبَارٍ ، وَهَكَذَا الْأَرْضُ ذَاتُ الشَّجَرِ ، إذَا اُقْتُسِمَ الشَّجَرُ دُونَ الْأَرْضِ ، لَمْ تَكُنْ قِسْمَةَ إجْبَارٍ .
وَلَوْ اقْتَسَمَاهَا بِشَجَرِهَا ، كَانَتْ قِسْمَةَ إجْبَارٍ ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ يَدْخُلُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ كَالشَّيْءِ

الْوَاحِدِ ، وَلِهَذَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ إذَا بِيعَ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْضِ بِشَجَرِهِ .
وَإِذَا قُسِمَ ذَلِكَ دُونَ الْأَرْضِ ، صَارَ أَصْلًا فِي الْقِسْمَةِ ، لَيْسَ بِتَابِعٍ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ ، فَيَصِيرُ كَأَعْيَانِ مُفْرَدَةٍ مِنْ الدُّورِ وَالدَّكَاكِينِ الْمُتَفَرِّقَةِ ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ إذَا بِيعَ مُفْرَدًا .
وَكُلُّ قِسْمَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ ، إذَا تَرَاضَيَا بِهَا ، فَهِيَ بَيْعٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْبَيْعِ .

( 8315 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قُسِمَ ، طُرِحَتْ السِّهَامُ ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا ، فَيَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا رَضِيَ بِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقِسْمَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ قِسْمَةُ إجْبَارٍ ، وَقِسْمَةُ تَرَاضٍ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ مَا أَمْكَنَ التَّعْدِيلُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ رَدٍّ .
وَلَا تَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُتَسَاوِيَةً ، وَقِيمَةُ أَجْزَاءِ الْمَقْسُومِ مُتَسَاوِيَةً .
الثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُتَسَاوِيَةً ، وَقِيمَةُ الْأَجْزَاءِ مُخْتَلِفَةً .
الثَّالِثُ ، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً وَقِيمَةُ الْأَجْزَاءِ مُتَسَاوِيَةً .
الرَّابِعُ ، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً ، وَالْقِيمَةُ مُخْتَلِفَةً .
فَأَمَّا الْأَوَّلُ ، فَمِثْلُ أَرْضٍ بَيْنَ سِتَّةٍ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُدُسُهَا ، وَقِيمَةُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ مُتَسَاوِيَةٌ ، فَهَذِهِ تَعْدِلُهَا بِالْمِسَاحَةِ سِتَّةُ أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَعْدِيلِهَا بِالْمِسَاحَةِ تَعْدِيلُهَا بِالْقِيمَةِ ، لِتَسَاوِي أَجْزَائِهَا فِي الْقِيمَةِ ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، وَكَيْفَمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ جَازَ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد إنْ شَاءَ رِقَاعًا ، وَإِنْ شَاءَ خَوَاتِيمَ ، يُطْرَحُ ذَلِكَ فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ، وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ خَاتَمٌ مُعَيَّنٌ ، ثُمَّ يُقَالُ : أَخْرِجْ خَاتَمًا عَلَى هَذَا السَّهْمِ .
فَمَنْ خَرَجَ خَاتَمَهُ فَهُوَ لَهُ ، وَعَلَى هَذَا ، لَوْ أَقْرَعَ بِالْحَصَى أَوْ غَيْرِهِ جَازَ .
وَاخْتَارَ أَصْحَابُنَا فِي الْقُرْعَةِ أَنْ يَكْتُبَ رِقَاعًا مُتَسَاوِيَةً بِعَدَدِ السِّهَامِ ، وَهُوَ هَاهُنَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ الْأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ ، وَبَيْنَ إخْرَاجِ السِّهَامِ عَلَى الْأَسْمَاءِ ، فَإِنْ أَخْرَجَ الْأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ ، كَتَبَ فِي كُلِّ رُقْعَةٍ اسْمَ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ ، وَتُتْرَكُ فِي بَنَادِقَ طِينٍ أَوْ شَمْعٍ مُتَسَاوِيَةِ الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ ، وَيُتْرَكُ فِي حِجْرِ

مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْقِسْمَةَ ، وَيُقَالُ لَهُ : أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا السَّهْمِ .
فَإِذَا أَخْرَجَهَا كَانَ ذَلِكَ السَّهْمُ لِمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي الْبُنْدُقَةِ ، ثُمَّ يُخْرِجُ أُخْرَى عَلَى سَهْمٍ آخَرَ ، كَذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى الْأَخِيرُ ، فَيَتَعَيَّنَ لِمَنْ بَقِيَ .
وَإِنْ اخْتَارَ إخْرَاجَ السِّهَامِ عَلَى الْأَسْمَاءِ ، كَتَبَ فِي الرِّقَاعِ أَسْمَاءَ السِّهَامِ ، فَيَكْتُبُ فِي رُقْعَةِ الْأَوَّلِ مِمَّا يَلِي جِهَةَ كَذَا ، وَفِي أُخْرَى الثَّانِيَ ، حَتَّى يَكْتُبَ السِّتَّةَ ، ثُمَّ يُخْرِجُ الرُّقْعَةَ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، فَيَكُونُ لَهُ السَّهْمُ الَّذِي فِي الرُّقْعَةِ .
وَيَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى الْأَخِيرُ ، فَيَتَعَيَّنُ لِمَنْ بَقِيَ .
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، أَنَّ الْبَنَادِقَ تُجْعَلُ طِينًا ، وَتُطْرَحُ فِي مَاءٍ ، وَيُعَيَّنُ وَاحِدٌ ، فَأَيُّ الْبَنَادِقِ انْحَلَّ الطِّينُ عَنْهَا ، وَخَرَجَتْ رُقْعَتُهَا عَلَى الْمَاءِ ، فَهِيَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَمَا بَعْدَهُ ، فَإِنْ خَرَجَ اثْنَانِ أُعِيدَ الْإِقْرَاعُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَسْهَلُ .
الْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُتَّفِقَةً وَالْقِيمَةُ مُخْتَلِفَةً ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تُعْدَلُ بِالْقِيمَةِ ، وَتُجْعَلُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةَ الْقِيمَةِ .
وَيُفْعَلُ فِي إخْرَاجِ السِّهَامِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءً ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ التَّعْدِيلَ تَمَّ بِالسِّهَامِ ، وَهَا هُنَا بِالْقِيمَةِ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ مُتَسَاوِيَةً وَالسِّهَامُ مُخْتَلِفَةً ؛ مِثْلُ أَرْضٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ، لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا ، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهَا ، وَأَجْزَاؤُهَا مُتَسَاوِيَةُ الْقِيمَةِ ، فَإِنَّهَا تُجْعَلُ سِهَامًا بِقَدْرِ أَقَلِّهَا ، وَهُوَ السُّدُسُ ، فَتُجْعَلُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ ، وَتُعَدَّلُ بِالْأَجْزَاءِ ، وَيَكْتُبُ ثَلَاثَ رِقَاعٍ بِأَسْمَائِهِمْ ، وَيُخْرِجُ رُقْعَةً عَلَى السَّهْمِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ السُّدُسِ ، أَخَذَهُ ، ثُمَّ يُخْرِجُ أُخْرَى عَلَى الثَّانِي ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، أَخَذَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ ،

وَكَانَتْ الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ، وَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ الثَّانِيَةُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ، أَخَذَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَالرَّابِعَ ، وَكَانَ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، وَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ الْأُولَى لِصَاحِبِ النِّصْفِ ، أَخَذَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ ، وَتَخْرُجُ الثَّانِيَةُ عَلَى الرَّابِعِ ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، أَخَذَهُ وَاَلَّذِي يَلِيهِ ، وَكَانَ السَّادِسُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ ، فَإِنْ خَرَجَتْ الثَّانِيَةُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ ، أَخَذَهُ ، وَأَخَذَ الْآخَرُ الْخَامِسَ وَالسَّادِسَ ، وَإِنْ خَرَجَتْ الْأُولَى لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، أَخَذَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ ، ثُمَّ يُخْرِجُ الثَّانِيَةَ عَلَى الثَّالِثِ ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ، أَخَذَ الثَّالِثَ وَالرَّابِعَ وَالْخَامِسَ ، وَأَخَذَ الْآخَرُ السَّادِسَ ، وَإِنْ خَرَجَتْ الثَّانِيَةُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ ، أَخَذَهُ ، وَأَخَذَ صَاحِبُ النِّصْفِ مَا بَقِيَ .
وَقِيلَ : تُكْتَبُ سِتَّةُ رِقَاعٍ ، بِاسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثٌ ، وَبِاسْمِ صَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ ، وَبِاسْمِ صَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدَةٌ .
وَهَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ خُرُوجُ اسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ ، وَإِذَا كَتَبَ ثَلَاثَ رِقَاعٍ حَصَلَ الْمَقْصُودُ فَأَغْنَى .
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكْتُبَ رِقَاعًا بِأَسْمَاءِ السِّهَامِ ، وَيُخْرِجَهَا عَلَى أَسْمَاءِ الْمُلَّاكِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ وَاحِدَةً فِيهَا السَّهْمُ الثَّانِي لِصَاحِبِ السُّدُسِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ أُخْرَى لِصَاحِبِ النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ فِيهِمَا السَّهْمُ الْأَوَّلُ ، احْتَاجَ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مُتَفَرِّقًا ، فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ .
الْقِسْمُ الرَّابِعُ ، إذَا اخْتَلَفَتْ السِّهَامُ وَالْقِيمَةُ ، فَإِنَّ الْقَاسِمَ يَعْدِلُ السِّهَامَ بِالْقِيمَةِ ، وَيَجْعَلُهَا سِتَّةَ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةَ الْقِيَمِ ، ثُمَّ يُخْرِجُ الرِّقَاعَ فِيهَا الْأَسْمَاءُ عَلَى السِّهَامِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ سَوَاءً ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا ، إلَّا أَنَّ التَّعْدِيلَ هَاهُنَا بِالْقِيَمِ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بِالْمِسَاحَةِ .

وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي ، وَهِيَ قِسْمَةُ التَّرَاضِي الَّتِي فِيهَا رَدٌّ ، وَلَا يُمْكِنُ تَعْدِيلُ السِّهَامِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ مَعَ بَعْضِهَا عِوَضٌ ، فَهَذِهِ لَا إجْبَارَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ ، كَالدَّارَيْنِ تُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَهْمًا ، وَمَا يَدْخُلُ الضَّرَرُ عَلَيْهِمَا بِقِسْمَتِهِ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُ صُوَرًا فِيمَا تَقَدَّمَ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ تَلْزَمُ بِإِخْرَاجِ الْقُرْعَةِ ؛ لِأَنَّ قُرْعَةَ قَاسِمِ الْحَاكِمِ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِهِ فَيَلْزَمُ بِإِخْرَاجِهَا كَلُزُومِ حُكْمِ الْحَاكِمِ .
وَأَمَّا قِسْمَةُ التَّرَاضِي ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَلْزَمُهُ أَيْضًا ، كَقِسْمَةِ الْإِجْبَارِ ؛ لِأَنَّ الْقَاسِمَ كَالْحَاكِمِ ، وَقُرْعَتَهُ كَحُكْمِهِ .
وَالثَّانِي ، لَا تَلْزَمُ ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ ، وَالْبَيْعُ يَلْزَمُ بِالتَّرَاضِي ، لَا بِالْقُرْعَةِ ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ هَاهُنَا لِتَعْرِيفِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُشْتَرِي ، فَأَمَّا إنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدًا مِنْ السَّهْمَيْنِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَاخْتَارَ ، وَيَلْزَمُ هَاهُنَا بِالتَّرَاضِي وَتَفَرُّقِهِمَا ، كَمَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ .

( 8316 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَقْتَسِمَا بِأَنْفُسِهِمَا ، وَأَنْ يَأْتِيَا الْحَاكِمَ لِيُنَصِّبَ بَيْنَهُمَا قَاسِمًا يَقْسِمُ لَهُمَا ، وَأَنْ يُنَصِّبَا قَاسِمًا يَقْسِمُ لَهُمَا ، فَإِنْ نَصَّبَ الْحَاكِمُ قَاسِمًا لَهُمَا ، فَمِنْ شَرْطِهِ الْعَدَالَةُ ، وَمَعْرِفَةُ الْحِسَابِ وَالْقِيمَةِ وَالْقِسْمَةِ ، لِيُوصِلَ إلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ كَوْنَهُ حُرًّا .
وَإِنْ نَصَّبَا قَاسِمًا بَيْنَهُمَا ، فَكَانَ عَلَى صِفَةِ قَاسِمِ الْحَاكِمِ فِي الْعَدَالَةِ وَالْمَعْرِفَةِ ، فَهُوَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ ، فِي لُزُومِ قِسْمَتِهِ بِالْقُرْعَةِ ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا ، أَوْ فَاسِقًا ، أَوْ غَيْرَ عَارِفٍ بِالْقِسْمَةِ ، لَمْ تَلْزَمْ قِسْمَتُهُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا بِهَا ، وَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى لُزُومِ الْقِسْمَةِ .
وَيُجْزِئُ قَاسِمٌ وَاحِدٌ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيمٍ ، فَإِنْ احْتَاجَ الْقَسْمُ إلَى التَّقْوِيمِ ، احْتَاجَ إلَى قَاسِمَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْمُقَوِّمُ اثْنَيْنِ ، وَلَا يَكْفِي فِي التَّقْوِيمِ وَاحِدٌ .
فَمَتَى نَصَّبَا قَاسِمًا أَوْ نَصَّبَهُ الْحَاكِمُ ، وَكَانَتْ الشُّرُوطُ فِيهِ مُتَحَقِّقَةً ، لَزِمَتْ الْقِسْمَةُ بِقُرْعَتِهِ .
وَإِنْ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ الشُّرُوطِ ، لَمْ تَلْزَمْ الْقِسْمَةُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ وَاحِدٌ .
وَإِنْ قَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا ، وَأَقْرَعَا ، لَمْ تَلْزَمْ الْقِسْمَةُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاكِمَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ .

( 8317 ) فَصْلٌ : وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَ الْقَاسِمَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اتَّخَذَ قَاسِمًا ، وَجَعَلَ لَهُ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .
فَإِنْ لَمْ يَرْزُقْهُ الْإِمَامُ ، قَالَ الْحَاكِمُ لِلْمُتَقَاسَمَيْنِ : ادْفَعَا إلَى الْقَاسِمِ أُجْرَةً لِيَقْسِمَ بَيْنَكُمَا .
فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ لِيَقْسِمَ نَصِيبَهُ ، جَازَ ، وَإِنْ اسْتَأْجَرُوهُ جَمِيعًا إجَارَةً وَاحِدَةً لِيَقْسِمَ بَيْنَهُمْ الدَّارَ بِأَجْرِ وَاحِدٍ مَعْلُومٍ ، لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْ الْمَقْسُومِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكُونُ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا كَعَمَلِهِ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ ، سَوَاءٌ تَسَاوَتْ سِهَامُهُمْ أَوْ اخْتَلَفَتْ ، فَإِنَّ الْأَجْرَ بَيْنَهُمْ سَوَاءٌ .
وَلَنَا أَنَّ أَجْرَ الْقِسْمَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْمِلِكِ ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ ، كَنَفَقِهِ الْعَبْدِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي أَكْبَرِ النَّصِيبَيْنِ أَكْثَرُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَقْسُومَ لَوْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، كَانَ كَيْلُ الْكَثِيرِ أَكْثَرَ عَمَلًا مِنْ كَيْلِ الْقَلِيلِ ، وَكَذَلِكَ الْوَزْنُ وَالزَّرْعُ ، وَعَلَى أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْحَافِظِ ، فَإِنَّ حِفْظَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءٌ ، وَيَخْتَلِفُ أَجْرُهُ بِاخْتِلَافِ الْمَالِ .
( 8318 ) فَصْلٌ : وَأُجْرَةُ الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا الطَّالِبَ لَهَا .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ عَلَى الطَّالِبِ لِلْقِسْمَةِ ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لَهُ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْأُجْرَةَ تَجِبُ بِإِفْرَازِ الْأَنْصِبَاءِ ، وَهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ ، فَكَانَتْ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِمَا ، كَمَا لَوْ تَرَاضَوْا عَلَيْهَا .

( 8319 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ غَلَطًا فِي الْقِسْمَةِ ، وَأَنَّهُ أُعْطِيَ دُونَ حَقِّهِ ؛ نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَتْ قِسْمَتُهُ تَلْزَمُ بِالْقُرْعَةِ ، وَلَا تَقِفُ عَلَى تَرَاضِيهِمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْمُدَّعِي إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ ، فَإِنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ، نُقِضَتْ الْقِسْمَةُ وَأُعِيدَتْ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، وَطَلَبَ يَمِينَ شَرِيكِهِ أَنَّهُ لَا فَضْلَ مَعَهُ ، أُحْلِفَ لَهُ .
وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ الْقِسْمَةِ ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ فِيهَا .
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالتَّرَاضِي ، كَاَلَّذِي قَسَمَاهُ بِأَنْفُسِهِمَا وَنَحْوِهِ ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَى مِنْ ادَّعَى الْغَلَطَ .
هَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ ، وَرِضَاهُ بِالزِّيَادَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ تَلْزَمُهُ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَأَنَّهُ مَتَى أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِالْغَلَطِ ، نَقَضَتْ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمِلٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةِ عَادِلَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا فِي كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ حَقَّهُ مِنْ الزِّيَادَةِ سَقَطَ بِرِضَاهُ .
لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ مَعَ عِلْمِهِ ، أَمَّا إذَا ظَنَّ أَنَّهُ أُعْطِيَ حَقَّهُ فَرَضِيَ بِنَاءً عَلَى هَذَا ، ثُمَّ بَانَ لَهُ الْغَلَطُ ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّهُ كَالثَّمَنِ وَالْمُسْلَمِ فِيهِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَشْرَةُ مَكَايِيلَ ، رَاضِيًا بِذَلِكَ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ ثَمَانِيَةٌ ، أَوْ ادَّعَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَنَّهُ غَلِطَ فَأَعْطَاهُ اثْنَيْ عَشْرَ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالرِّضَا ، وَلَا يَمْنَعُ سَمَاعُ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَتِنَا لَوْ أَقَرَّ بِالْغَلَطِ ، لَنَقَضَتْ

الْقِسْمَةُ ، وَلَوْ سَقَطَ حَقُّ الْمُدَّعِي بِالرِّضَى ، لَمَا نَقَضَتْ الْقِسْمَةُ بِإِقْرَارِهِ ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ الزَّائِدَ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي مَنْ بَاعَ دَارًا عَلَى أَنَّهَا عَشْرَةُ أَذْرُعٍ ، فَبَانَتْ تِسْعَةً أَوْ أَحَدَ عَشْرَ ، أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، تَكُونُ الزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ ، وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ .
وَالْبَيْعُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالتَّرَاضِي ، فَلَوْ كَانَ التَّرَاضِي يُسْقِطُ حَقَّهُ مِنْ الزِّيَادَةِ ، لَسَقَطَ حَقُّ الْبَائِعِ مِنْ الزِّيَادَةِ ، وَحَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْ النَّقْصِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِشَيْءِ بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ ، لَمْ يَسْقُطْ بِهِ حَقُّهُ ، كَمَا لَوْ اقْتَسَمَا شَيْئًا ، وَتَرَاضَيَا بِهِ ، ثُمَّ بَانَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مُسْتَحَقًّا .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا تُعْطِي الْمَظْلُومَ حَقَّهُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، وَلَا تَنْقُصُ الْقِسْمَةَ ، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ الْغَلَطُ فِي الثَّمَنِ ، أَوْ الْمُسْلَمِ فِيهِ .
قُلْنَا : لِأَنَّ الْغَلَطَ هَاهُنَا فِي نَفْسِ الْقِسْمَةِ ، بِتَفْوِيتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا ، وَهُوَ تَعْدِيلُ السِّهَامِ ، فَتَبْطُلُ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا ، وَفِي الْمُسْلَمِ وَالثَّمَنِ الْغَلَطُ فِي الْقَبْضِ دُونَ الْعَقْدِ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ قَدْ تَمَّ بِشُرُوطِهِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ الْغَلَطُ فِي قَبْضِ عِوَضِهِ فِي صِحَّتِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .

( 8320 ) فَصْلٌ : إذَا اقْتَسَمَ الشَّرِيكَانِ شَيْئًا ، فَبَانَ بَعْضُهُ مُسْتَحَقًّا ؛ نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا ، بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَبْطُلُ ، بَلْ يُخَيَّرُ مَنْ ظَهَرَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِهِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِمَا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ عَيْبًا فِيمَا أَخَذَهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا قِسْمَةٌ لَمْ تُعَدَّلْ فِيهَا السِّهَامُ ، فَكَانَتْ بَاطِلَةً ، كَمَا لَوْ فَعَلَا ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمَا بِالْحَالِ .
وَأَمَّا إذَا بَانَ نُصِيبُ أَحَدِهِمَا مَعِيبًا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تُمْنَعَ الْمَسْأَلَةُ ، فَنَقُولَ بِبُطْلَانِ الْقِسْمَةِ ؛ لِعَدَمِ التَّعْدِيلِ بِالْقِيمَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْعَيْبَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْبُطْلَانِ ، كَالْبَيْعِ .
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ ، لَمْ تَبْطُلْ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ مَا يَبْقَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الْمُسْتَحَقِّ قَدْرَ حَقِّهِ ، وَلِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ حَقِّ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ ، وَقَدْ أَفْرَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقَّهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَرَرُ الْمُسْتَحَقِّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ ، مِثْلُ أَنْ يَسُدَّ طَرِيقَهُ ، أَوْ مَجْرَى مَائِهِ ، أَوْ وَضُوئِهِ ، أَوْ نَحْوِ هَذَا ، فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَمْنَعُ التَّعْدِيلَ .
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ ، بَطَلَتْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ مُشَاعًا فِي نَصِيبِهِمَا ، بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ شَرِيكُهُمَا وَقَدْ اقْتَسَمَا مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ وَلَا إذْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَهُمَا شَرِيكٌ يَعْلَمَانِهِ ، فَاقْتَسَمَا دُونَهُ .
وَإِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ الْمُسْتَحَقَّ حَالَ الْقِسْمَةِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمَاهُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( 8321 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ظَهَرَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عَيْبٌ

لَمْ يَعْلَمْهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، فَلَهُ فَسْخُ الْقِسْمَةِ أَوْ الرُّجُوعُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي نَصِيبِهِ ، فَمَلَكَ ذَلِكَ ، كَالْمُشْتَرِي .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ فِيهَا شَرْطٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ .

( 8322 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارَيْنِ ، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَارًا ، وَبَنَى فِيهَا ، أَوْ اقْتَسَمَا أَرْضَيْنِ ، فَبَنَى أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ أَوْ غَرَسَ ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُهُ ، وَنُقِضَ بِنَاؤُهُ ، وَقُلِعَ غَرْسُهُ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ .
ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ الْقَاضِي .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ بَنَى وَغَرَسَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِنَقْصِ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ بَنَى فِي مِلْكِ نَفْسِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ ؛ فَإِنَّ الدَّارَيْنِ لَا يُقْسَمَانِ قِسْمَةَ إجْبَارٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نَصِيبًا ، وَإِنَّمَا يُقْسَمَانِ كَذَلِكَ بِالتَّرَاضِي ، فَتَكُونُ جَارِيَةً مَجْرَى الْبَيْعِ ، وَلَوْ بَاعَهُ الدَّارَ جَمِيعَهَا ، ثُمَّ بَانَتْ مُسْتَحَقَّةً ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ كُلِّهِ ، فَإِذَا بَاعَهُ نِصْفَهَا ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِهِ ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي كُلِّ قِسْمَةٍ جَارِيَةٍ مَجْرَى الْبَيْعِ ، وَهِيَ قِسْمَةُ التَّرَاضِي ، الَّذِي فِيهِ رَدُّ عِوَضٍ ، وَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَتِهِ لَضَرَرٍ فِيهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .
فَأَمَّا قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ ، إذَا ظَهَرَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مُسْتَحَقًّا بَعْدَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فِيهِ ، فَنُقِضَ الْبِنَاءُ ، وَقُلِعَ الْغَرْسُ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْقِسْمَةُ بَيْعٌ .
فَالْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَتْ بَيْعًا .
لَمْ يَرْجِعْ ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ لَمْ يُغْرِهِ ، وَلَمْ يَنْقُلْ إلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ بَيْعٌ ، وَإِنَّمَا أُفْرِزَ حَقُّهُ مِنْ حَقِّهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ لَهُ مَا غَرِمَ فِيهِ .
هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ أَصْحَابِنَا .

( 8323 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ ، ثُمَّ بَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ إلَّا مِمَّا اقْتَسَمُوهُ ، لَمْ تَبْطُلْ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ فِيهَا ، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا بِغَيْرِ رِضَاهُمْ ، فَأَشْبَهَ تَعَلُّقَ دَيْنِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْجَانِي ، وَيُفَارِقُ الرَّهْنَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَعَلَّقُ بِهِ بِرِضَا مَالِكِهِ وَاخْتِيَارِهِ .
فَعَلَى هَذَا يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ : إنْ شِئْتُمْ وَفَّيْتُمْ الدَّيْنَ وَالْقِسْمَةُ بِحَالِهَا ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ نُقِضَتْ الْقِسْمَةُ وَبِيعَتْ التَّرِكَةُ فِي الدَّيْنِ .
فَإِنْ أَجَابَ أَحَدُهُمْ ، وَامْتَنَعَ الْآخَرُ ، بِيعَ نَصِيبُ الْمُمْتَنِعِ وَحْدَهُ ، وَبَقِيَ نَصِيبُ الْمُجِيبِ بِحَالِهِ .
وَإِنْ كَانَ ثَمَّ وَصِيَّةٌ بِجُزْءٍ مِنْ الْمَقْسُومِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا ، عَلَى مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَقُّ أَخْذُهُ .
وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِمَالٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الدَّيْنِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّا .

( 8324 ) فَصْلٌ : وَإِذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الْآخَرِ الْمُهَايَأَةَ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ ، إمَّا فِي الْأَجْزَاءِ بِأَنْ يَجْعَلَ لِأَحَدِهِمَا بَعْضَ الدَّارِ يَسْكُنُهَا ، أَوْ بَعْضَ الْحَقْلِ يَزْرَعُهُ ، وَيَسْكُنُ الْآخَرَ ، وَيَزْرَعُ فِي الْبَاقِي ، أَوْ يَسْكُنُ أَحَدُهُمَا ، وَيَزْرَعُ سَنَةً ، وَيَسْكُنُ الْآخَرُ ، وَيَزْرَعُ سَنَةً أُخْرَى ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يُجْبَرُ ؛ لِأَنَّ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْهُ ضَرَرًا ، فَيَنْتَفِي بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْعَبِيدِ خَاصَّةً ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْمُهَايَأَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمُهَايَأَةَ مُعَاوَضَةٌ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ فِي الْمَنْفَعَةِ عَاجِلٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، كَالدَّيْنِ ، وَكَمَا فِي الْعَبِيدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَيُخَالِفُ قِسْمَةَ الْأَصْلِ ، فَإِنَّهُ إفْرَازُ النَّصِيبَيْنِ ، وَتَمْيِيزُ أَحَدِ الْحَقَّيْنِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْمُهَايَأَةِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا فَجَازَ فِيهِ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، كَقِسْمَةِ التَّرَاضِي ، وَلَا يَلْزَمُ ، بَلْ مَتَى رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْهَا ، انْتَقَضَتْ الْمُهَايَأَةُ .
وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، وَانْتَقَضَتْ الْمُهَايَأَةُ .
وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي انْتِقَاضِهَا بِطَلَبِ الْقِسْمَةِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : تَلْزَمُ الْمُهَايَأَةُ ؛ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهَا عِنْدَهُ ، فَلَزِمَتْ ، كَقِسْمَةِ الْأَصْلِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ بَذَلَ مَنَافِعَ لِيَأْخُذَ مَنَافِعَ مِنْ غَيْرِ إجَارَةٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْ ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا لِيُعِيرَهُ شَيْئًا آخَرَ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ ، وَفَارَقَ الْقِسْمَةَ ، فَإِنَّهَا إفْرَازُ حَقٍّ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .

( 8325 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي قَوْمٍ اقْتَسَمُوا دَارًا ، وَحَصَلَ لِبَعْضِهِمْ فِيهَا زِيَادَةُ أَذْرُعٍ ، وَلِبَعْضِهِمْ نُقْصَانٌ ، ثُمَّ بَاعُوا الدَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً : قُسِمَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْأَذْرُعِ .
يَعْنِي أَنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ فِيهَا ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ أَحَدِهِمَا فِي الْأَذْرُعِ كَزِيَادَةِ مِلْكِهِ فِيهَا .
مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا الْخُمُسَانِ ، فَيَحْصُلَ لَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا ، وَلِلْآخَرِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ ، فَيَحْصُلَ لَهُ سِتُّونَ ، فَإِنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا فِي الدَّارِ ، فَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةُ الْأَذْرُعِ لِرَدَاءَةِ مَا أَخَذَهُ صَاحِبُهَا ، مِثْلُ دَارٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا بِنَصِيبِهِ مِنْ جَيِّدِهَا أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا ، وَأَخَذَ الْآخَرُ مِنْ رَدِيئِهَا سِتِّينَ ذِرَاعًا ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْسَمَ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْأَذْرُعِ ، بَلْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ السِّتِّينَ هَاهُنَا مَعْدُولَةٌ بِالْأَرْبَعِينَ ، فَكَذَلِكَ يَعْدِلُ بِهَا فِي الثَّمَنِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي قَوْمٍ اقْتَسَمُوا دَارًا كَانَتْ أَرْبَعَةَ سُطُوحٍ ، يَجْرِي عَلَيْهَا الْمَاءُ ، فَلَمَّا اقْتَسَمُوا أَرَادَ أَحَدُهُمْ مَنْعَ جَرَيَانِ مَاءِ الْآخَرِ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : هَذَا شَيْءٌ قَدْ صَارَ لِي .
قَالَ : إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ أَنَّهُ يَرُدُّ الْمَاءَ ، فَلَهُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ وَوَجْهُهُ أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا الدَّارَ وَأَطْلَقُوا ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَمْلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ بِحُقُوقِهَا ، وَكَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِحُقُوقِهَا ، وَمِنْ حَقِّهَا جَرَيَانُ مَائِهَا فِي مَاءٍ كَانَ يَجْرِي إلَيْهِ مُعْتَادٍ لَهُ ، وَهُوَ عَلَى سَطْحِ الْمَانِعِ ، فَلِهَذَا اسْتَحَقَّهُ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ ، فَإِنْ تَشَارَطَا عَلَى رَدِّهِ ، فَالشَّرْطُ أَمْلَكُ ، وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إذَا اقْتَسَمَا دَارًا ، فَحَصَلَ الطَّرِيقُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا ، وَكَانَ لِنَصِيبِ الْآخَرِ مَنْفَذٌ يَتَطَرَّقُ مِنْهُ ، وَإِلَّا بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَقْتَضِي التَّعْدِيلَ ، وَالنَّصِيبُ الَّذِي لَا طَرِيقَ لَهُ لَا قِيمَةَ لَهُ إلَّا قِيمَةً قَلِيلَةً ، فَلَا يَحْصُلُ التَّعْدِيلُ ، وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْقِسْمَةِ ، أَنْ يَكُونَ مَا يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، وَهَذَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ آخِذُهُ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ رَاضِيًا بِهِ ، عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ التَّرَاضِي بَيْعٌ ، وَشِرَاؤُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَائِزٌ ، وَقِيَاسُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ، أَنَّ الطَّرِيقَ تَبْقَى بِحَالِهَا فِي نَصِيبِ الْآخَرِ ، مَا لَمْ يَشْتَرِطْ صَرْفَهَا عَنْهُ ، كَمَجْرَى الْمَاءِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 8326 ) فَصْلٌ : قَالَ : وَلِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ قِسْمَةُ مَالِ الصَّغِيرِ مَعَ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إمَّا إفْرَازُ حَقٍّ ، أَوْ بَيْعٌ ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ لَهُمَا ، وَلِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ مَصْلَحَةً لِلصَّبِيِّ ، فَجَازَتْ ، كَالشِّرَاءِ لَهُ ، وَيَحُوزُ لَهُمَا قِسْمَةُ التَّرَاضِي مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي الْعِوَضِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ لِضَرَرِ الْحَاجَةِ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ ، أَوْ الْحَاجَةِ إلَى النَّفَقَةِ .

( 8327 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إلَّا بِتَوْلِيَةِ الْإِمَامِ ، أَوْ مَنْ فَوَّضَ الْإِمَامُ إلَيْهِ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ مَنْ وَلَّاهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ ، فَهَلْ تَصِحُّ وِلَايَتُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
وَيَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَخْتَارَ لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُمْ .
وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَةُ تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ ، فَالصَّرِيحَةُ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ ؛ وَهِيَ : قَدْ وَلَّيْتُك الْحُكْمَ ، وَقَلَّدْتُك ، وَاسْتَنَبْتُكَ ، وَاسْتَخْلَفْتُك ، وَرَدَدْت إلَيْك الْحُكْمَ ، وَفَوَّضْت إلَيْك ، وَجَعَلْت إلَيْك .
فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مِنْ الْمُوَلِّي ، وَجَوَابُهَا مِنْ الْمُوَلِّي بِالْقَبُولِ ، انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ .
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ ، فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ : قَدْ اعْتَمَدْت عَلَيْك ، وَعَوَّلْت عَلَيْك ، وَوَكَلْت إلَيْك ، وَأَسْنَدْت إلَيْك .
فَلَا تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ بِهَا حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ ، نَحْوُ قَوْلِهِ : فَاحْكُمْ فِيمَا وَكَلْت إلَيْك ، وَانْظُرْ فِيمَا أَسْنَدْت إلَيْك ، وَتَوَلَّ مَا عَوَّلْت فِيهِ عَلَيْك .
وَإِذَا صَحَّتْ الْوِلَايَةُ ، وَكَانَتْ عَامَّةً ، اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ فِي عَشْرَةِ أَشْيَاءَ : فَصْلُ الْخُصُومَات بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ ، وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ، وَدَفْعُهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، وَالنَّظَرُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ ، وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ ، وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ ، فِي عَمَلِهِ فِي حِفْظِ أُصُولِهَا ، وَإِجْرَاءِ فُرُوعِهَا عَلَى مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ ، وَتَزْوِيجُ الْأَيَامَى اللَّاتِي لَا أَوْلِيَاءَ لَهُنَّ ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، فِي عَمَلِهِ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْ طُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَفْنِيَتِهِمْ ، وَتَصَفُّحُ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ ، وَالِاسْتِبْدَالُ بِمَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ ، وَالْإِمَامَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ .
وَفِي جِبَايَةِ الْخَرَاجِ ، وَأَخْذِ الصَّدَقَةِ وَجْهَانِ .
( 8328 )

فَصْلٌ : قَالَ وَيُوصِي الْوُكَلَاءَ وَالْأَعْيَانَ عَلَى بَابِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالرِّفْقِ بِالْخُصُومِ ، وَقِلَّةِ الطَّمَعِ ، وَيَجْتَهِدُ أَنْ لَا يَكُونُوا شُيُوخًا أَوْ كُهُولًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالصِّيَانَةِ وَالْعِفَّةِ .

( 8329 ) فَصْلٌ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي الْأَحْكَامِ .
كَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ : أَنَا أَقْضِي وَلَا أُفْتِي .
وَأَمَّا الْفُتْيَا فِي الطَّهَارَةِ وَسَائِرِ مَا لَا يُحْكَمُ فِي مِثْلِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِالْفُتْيَا فِيهِ .

كِتَابُ الشَّهَادَاتِ وَالْأَصْلُ فِي الشَّهَادَاتِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْعِبْرَةُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
{ وَأُشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حَجَرٍ ، قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْت ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي .
فَقَالَ الْكِنْدِيُّ : هِيَ أَرْضِي ، وَفِي يَدِي ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ .
قَالَ : لَا .
قَالَ : فَلَكَ يَمِينُهُ .
قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الرَّجُلُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ .
قَالَ : لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ .
قَالَ : فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ لِيَحْلِفَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَدْبَرَ : لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا ، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَزْرَمِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ ، وَالْعَزْرَمِيُّ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ ، ضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ ، إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ .
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الشَّهَادَةِ لِحُصُولِ

التَّجَاحُدِ بَيْنَ النَّاسِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهَا .
قَالَ شُرَيْحٌ : الْقَضَاءُ جَمْرٌ ، فَنَحِّهِ عَنْك بِعُودَيْنِ .
يَعْنِي الشَّاهِدَيْنِ .
وَإِنَّمَا الْخَصْمُ دَاءٌ ، وَالشُّهُودُ شِفَاءٌ ، فَأُفْرِغْ الشِّفَاءَ عَلَى الدَّاءِ .

( 8330 ) فَصْلٌ : وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } .
وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَلْبَ بِالْإِثْمِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْعِلْمِ بِهَا ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ ، فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا ، كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ دُعِيَ إلَى تَحَمُّلِ شَهَادَةٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَدُعِيَ إلَى أَدَائِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ ، فَإِنْ قَامَ بِالْفَرْضِ فِي التَّحَمُّلِ أَوْ الْأَدَاءِ اثْنَانِ ، سَقَطَ عَنْ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ امْتَنَعَ الْكُلُّ أَثِمُوا ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ الْمُمْتَنِعُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ تَنْفَعُ ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي التَّحَمُّلِ أَوْ الْأَدَاءِ ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى التَّبَذُّلِ فِي التَّزْكِيَةِ وَنَحْوِهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } .
وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَضُرَّ بِنَفْسِهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ .
وَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّهَادَةِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ .
وَهَلْ يَأْثَمُ بِالِامْتِنَاعِ إذَا وُجِدَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَأْثَمُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ بِدُعَائِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الِامْتِنَاعِ بِقَوْلِهِ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا } .
وَالثَّانِي ، لَا يَأْثَمُ ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِي حَقِّهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَدْعُ إلَيْهَا .
فَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } .
فَقَدْ قُرِئَ بِالْفَتْحِ وَالرَّفْعِ ، فَمَنْ رَفَعَ فَهُوَ خَبَرٌ ، مَعْنَاهُ النَّهْيُ ، وَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ ؛

أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ الْكَاتِبُ فَاعِلًا ؛ أَيْ لَا يَضُرَّ الْكَاتِبُ وَالشَّهِيدُ مَنْ يَدْعُوهُ ، بِأَنْ لَا يُجِيبَ ، أَوْ يَكْتُبَ مَا لَمْ يُسْتَكْتَبْ ، أَوْ يَشْهَدَ مَا لَمْ يُسْتَشْهَدْ بِهِ .
وَالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ " يُضَارَّ " فِعْلَ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، فَيَكُونَ مَعْنَاهُ وَمَعْنَى الْفَتْحِ وَاحِدًا ؛ أَيْ لَا يُضَرُّ الْكَاتِبُ وَالشَّهِيدُ بِأَنْ يَقْطَعَهُمَا عَنْ شُغْلِهِمَا بِالْكِتَابَةِ وَالشَّهَادَةِ ، وَيُمْنَعَا حَاجَتَهُمَا .
وَاشْتِقَاقُ الشَّهَادَةِ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يُخْبِرُ عَمَّا يُشَاهِدُهُ .
وَقِيلَ : لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِخَبَرِهِ جَعَلَ الْحَاكِمَ كَالْمُشَاهِدِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَتُسَمَّى بَيِّنَةً ؛ لِأَنَّهَا تُبَيِّنُ مَا الْتَبَسَ ، وَتَكْشِفُ الْحَقَّ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ .

( 8331 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا يُقْبَلُ فِي الزِّنَى إلَّا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ عُدُولٍ أَحْرَارٍ مُسْلِمِينَ ) .
أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الزِّنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ .
وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ } .
فِي آيٍ سِوَاهَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَرْبَعَةٌ ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك } فِي أَخْبَارٍ سِوَى هَذَا .
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمْ مُسْلِمِينَ ، عُدُولًا ، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا .
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا رِجَالًا أَحْرَارًا ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا الْعَبِيدِ .
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَشَذَّ أَبُو ثَوْرٍ ، فَقَالَ : تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ .
وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَحَمَّادٍ ، أَنَّهُمَا قَالَا : تَجُوزُ شَهَادَةُ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ وَامْرَأَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ وَاحِدٌ مِنْ عَدَدِ الرِّجَالِ ، فَقَامَ مَقَامَهُ امْرَأَتَانِ ، كَالْأَمْوَالِ .
وَلَنَا ، ظَاهِرُ الْآيَةِ ، وَأَنَّ الْعَبْدَ مُخْتَلَفٌ فِي شَهَادَتِهِ فِي الْمَالِ ، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي الْحَدِّ ؛ لِأَنَّهُ بِالشُّبُهَاتِ يَنْدَرِئُ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْأَمْوَالِ ؛ لِخِفَّةِ حُكْمِهَا ، وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِهَا ، لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا ، وَالِاحْتِيَاطِ فِي حِفْظِهَا ، وَلِهَذَا زِيدَ فِي عَدَدِ شُهُودِ الزِّنَى عَلَى شُهُودِ الْمَالِ .
( 8332 ) فَصْلٌ : وَفِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى رِوَايَتَانِ ، ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ .
وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ ؛ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْأَقَارِيرِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةِ ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لَحَدِّ الزِّنَى ، أَشْبَهَ فِعْلَهُ .

( 8333 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا سِوَى الْأَمْوَالِ ، مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ ) وَهَذَا الْقِسْمُ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْعُقُوبَاتُ ، وَهِيَ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَحَمَّادٍ ، أَنَّهُمَا قَالَا : يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ؛ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مِمَّا يُحْتَاطُ لِدَرْئِهِ وَإِسْقَاطِهِ ، وَلِهَذَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِهِ ، وَفِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ شُبْهَةٌ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } .
وَأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ وَإِنْ كَثُرْنَ ، مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ .
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْمَالِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ .
وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ، مَا خَلَا الزِّنَى ، إلَّا الْحَسَنَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : الشَّهَادَةُ عَلَى الْقَتْلِ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إتْلَافُ النَّفْسِ ، فَأَشْبَهَ الزِّنَى .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَصْفِ لَا أَثَرَ لَهُ ، فَإِنَّ الزِّنَى الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةِ ، وَلِأَنَّ حَدَّ الزِّنَى حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى يَقْبَلُ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ .
وَيُعْتَبَرُ فِي شُهَدَاءِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ ، مَا يُعْتَبَرُ فِي شُهَدَاءِ الزِّنَى ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الثَّانِي ، مَا لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ كَالنِّكَاحِ ،

وَالرَّجْعَةِ ، وَالطَّلَاقِ ، وَالْعَتَاقِ ، وَالْإِيلَاءِ ، وَالظِّهَارِ ، وَالنَّسَبِ ، وَالتَّوْكِيلِ ، وَالْوَصِيَّةِ إلَيْهِ ، وَالْوَلَاءِ ، وَالْكِتَابَةِ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا .
فَقَالَ الْقَاضِي : الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ ، أَنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ذَكَرَيْنِ ، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِحَالٍ .
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْوَكَالَةِ : إنْ كَانَتْ بِمُطَالَبَةِ دَيْنٍ - يَعْنِي تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ - فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا .
وَوَجْهُ ذَلِكَ ؛ أَنَّ الْوَكَالَةَ فِي اقْتِضَاء الدَّيْنِ يُقْصَدُ مِنْهَا الْمَالُ ، فَيُقْبَلُ فِيمَا شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، كَالْحَوَالَةِ .
قَالَ الْقَاضِي : فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا ، أَنَّ النِّكَاحَ وَحُقُوقَهُ ، مِنْ الرَّجْعَةِ وَشِبْهِهَا ، لَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَمَا عَدَاهُ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُخَرَّجُ فِي النِّكَاحِ وَالْعَتَاقِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا تُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ .
وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَرَبِيعَةَ ، فِي الطَّلَاقِ .
وَالثَّانِيَةُ ، تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ وَامْرَأَتَيْنِ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ عَنْ عَطَاءٍ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ ، فَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، كَالْمَالِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلنِّسَاءِ فِي شَهَادَتِهِ مَدْخَلٌ ، كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الشُّبْهَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي النِّكَاحِ ،

وَإِنْ تُصُوِّرَ بِأَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُرْتَابَةً بِالْحَمْلِ ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ .
( 8334 ) فَصْلٌ : وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْإِعْسَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِثَلَاثَةِ ؛ لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ : { حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ ، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ } .
قَالَ أَحْمَدُ : هَكَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ .
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَخَذَ بِهِ .
وَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنَّهُ وَصَّى ، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ رَجُلَانِ ، أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ .
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي الْوَصِيَّةِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ .
وَقَالَ فِي الرَّجُلِ : يُوَصِّي وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا النِّسَاءُ .
قَالَ : أُجِيزُ شَهَادَةَ النِّسَاءِ .
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَثْبَتَ الْوَصِيَّةَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ ، إذَا لَمْ يَحْضُرْهُ الرِّجَالُ .
قَالَ الْقَاضِي : وَالْمَذْهَبُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، وَحَدِيثُ قَبِيصَةَ فِي حِلِّ الْمَسْأَلَةِ ، لَا فِي الْإِعْسَارِ .
( 8335 ) فَصْلٌ : وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، فَلِئَلَّا يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَيَمِينٍ أَوْلَى .
قَالَ أَحْمَدُ ، وَمَالِكٌ ، فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ : إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً ، لَا يَقَعُ فِي حَدٍّ ، وَلَا نِكَاحٍ ، وَلَا طَلَاقٍ ، وَلَا عَتَاقَةٍ ، وَلَا سَرِقَةٍ ، وَلَا قَتْلٍ .
وَقَدْ قَالَ الْخِرَقِيِّ : إذَا ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ ، وَأَتَى بِشَاهِدٍ ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، وَصَارَ حُرًّا .
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ فِي شَرِيكَيْنِ فِي عَبْدٍ ، ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ حَقَّهُ مِنْهُ ، وَكَانَا مُعْسِرَيْنِ عَدْلَيْنِ : فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَصِيرَ حُرًّا ، أَوْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَصِيرَ نِصْفُهُ حُرًّا .
فَيَخْرُجَ مِثْلُ هَذَا فِي الْكِتَابَةِ ، وَالْوَلَاءِ ،

وَالْوَصِيَّةِ ، الْوَدِيعَةِ ، وَالْوَكَالَةِ ، فَيَكُونَ فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ ، مَا خَلَا الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةَ ، وَالنِّكَاحَ ، وَحُقُوقَهُ ، فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، قَوْلًا وَاحِدًا .
قَالَ الْقَاضِي : الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اسْتَشَرْت جِبْرِيلَ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، فَأَشَارَ عَلَيَّ فِي الْأَمْوَالِ ، لَا تُعِدَّ ذَلِكَ } .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ؟ } قَالَ : نَعَمْ فِي الْأَمْوَالِ .
وَتَفْسِيرُ الرَّاوِي أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِ غَيْرِهِ .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَغَيْرُهُ ، بِإِسْنَادِهِمْ .

( 8336 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَرَجُلٍ عَدْلٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْمَالَ كَالْقَرْضِ ، وَالْغَصْبِ ، وَالدُّيُونِ كُلِّهَا ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ كَالْبَيْعِ ، وَالْوَقْفِ ، وَالْإِجَارَةِ ، وَالْهِبَةِ ، وَالصُّلْحِ ، وَالْمُسَاقَاةِ ، وَالْمُضَارَبَةِ ، وَالشَّرِكَةِ ، وَالْوَصِيَّةِ لَهُ ، وَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ؛ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ ، وَعَمْدِ الْخَطَأِ ، وَالْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْمَالِ دُونَ الْقِصَاصِ ، كَالْجَائِفَةِ ، وَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنْ الشِّجَاجِ ، يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا تَثْبُتُ الْجِنَايَةُ فِي الْبَدَنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهَا الْمَالُ ، فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ ، وَفَارَقَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ .
وَالْمَالُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ .
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ .
وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ } .
إلَى قَوْلِهِ : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ .

( 8337 ) فَصْلٌ : وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ ثُبُوتَ الْمَالِ لِمُدَّعِيهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَإِيَاسَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي الزِّنَادِ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُقْضَى بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : مَنْ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، نَقَضْت حُكْمَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } .
فَمَنْ زَادَ فِي ذَلِكَ ، فَقَدْ زَادَ فِي النَّصِّ ، وَالزِّيَادَةُ فِي النَّصِّ نَسْخٌ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ } .
فَحَصَرَ الْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، كَمَا حَصَرَ الْبَيِّنَةَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي .
وَلَنَا ، مَا رَوَى سُهَيْلٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ .
} رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي " سُنَنِهِ " ، وَالْأَئِمَّةُ مِنْ أَهْلِ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَمَسْرُوقٍ .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : إسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ إسْنَادٌ جَيِّدٌ .
وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ ظَهَرَ صِدْقُهُ ، وَقَوِيَ جَانِبُهُ ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتْ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْيَدِ لِقُوَّةِ جَنْبِهِ بِهَا ، وَفِي حَقِّ الْمُنْكِرِ لِقُوَّةِ جَنْبِهِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، وَالْمُدَّعِي هَاهُنَا قَدْ ظَهَرَ صِدْقُهُ ،

فَوَجَبَ أَنْ تُشْرَعَ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ .
وَلَا حَجَّةَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الشَّاهِدَيْنِ ، وَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ ، وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الزِّيَادَةَ فِي النَّصِّ نَسْخٌ .
غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ الرَّفْعُ وَالْإِزَالَةُ ، وَالزِّيَادَةُ فِي الشَّيْء تَقْرِيرٌ لَهُ ، لَا رَفْعٌ ، وَالْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدَيْنِ ، وَلَا يَرْفَعُهُ ؛ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَوْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْمَزِيدِ عَلَيْهِ لَمْ تَرْفَعْهُ ، وَلَمْ تَكُنْ نَسْخًا ، فَكَذَلِكَ إذَا انْفَصَلَتْ عَنْهُ ، وَلِأَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِي التَّحَمُّلِ دُونَ الْأَدَاءِ ، وَلِهَذَا قَالَ : { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } .
وَالنِّزَاعُ فِي الْأَدَاءِ ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ ، وَلَيْسَ هُوَ لِلْحَصْرِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعَ فِي حَقِّ الْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ وَتَلَفَهَا ، وَفِي حَقِّ الْأُمَنَاءِ لِظُهُورِ جِنَايَتِهِمْ ، وَفِي حَقِّ الْمُلَاعِنِ ، وَفِي الْقَسَامَةِ ، وَتُشْرَعُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ .
وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي نَقْضِ قَضَاءِ مَنْ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، يَتَضَمَّنُ الْقَوْلَ بِنَقْضِ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءِ الَّذِينَ قَضَوْا بِهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } .
وَالْقَضَاءُ بِمَا قَضَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُخَالِفِ لَهُ .
:

( 8338 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ أَنَّ يَحْلِفَ عَلَى مَا لَا تَسُوغُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ ؛ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ بِخَطِّهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إنْسَانٍ ، وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ، أَوْ يَجِدَ فِي رزمانج أَبِيهِ بِخَطِّهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إنْسَانٍ ، وَيَعْرِفَ مِنْ أَبِيهِ الْأَمَانَةَ ، وَأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا ، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ، وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِحَقِّ أَبِيهِ ثِقَةٌ ، فَسَكَنَ إلَيْهِ ، جَازَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالشَّهَادَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الشَّهَادَةَ لِغَيْرِهِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ لَهُ الشَّهَادَةُ قَدْ زَوَّرَ عَلَى خَطِّهِ ، وَلَا يَحْتَمِلُ هَذَا فِيمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ إنَّمَا هُوَ لِلْحَالِفِ ، فَلَا يُزَوِّرُ أَحَدٌ عَلَيْهِ .
الثَّانِي ، أَنَّ مَا يَكْتُبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ حُقُوقِهِ يَكْثُرُ فَيَنْسَى بَعْضَهُ ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ .

( 8339 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُبِلَ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُدَّعِي مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا ، رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ مَنْ شُرِعَتْ فِي حَقِّهِ الْيَمِينُ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ ، كَالْمُنْكِرِ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ .

( 8340 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ، اسْتَحْلَفَ الْمَطْلُوبَ .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ : فَإِنْ أَبَى الْمَطْلُوبُ أَنْ يَحْلِفَ ، ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَيْهِ .

( 8341 ) فَصْلٌ : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يُقْبَلُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْأَمْوَالِ أُقِيمَتَا مُقَامَ الرَّجُلِ ، فَحَلَفَ مَعَهُمَا ، كَمَا يَحْلِفُ مَعَ الرَّجُلِ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ إذَا خَلَتْ مِنْ رَجُلٍ لَمْ تُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ .
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ ، فَإِنَّهُمَا لَوْ أُقِيمَتَا مُقَامَ رَجُلٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، لَكَفَى أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مَقَامَ رَجُلَيْنِ ، وَلَقُبِلَ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ ضَعِيفَةٌ ، تَقَوَّتْ بِالرَّجُلِ ، وَالْيَمِينَ ضَعِيفَةٌ ، فَيُضَمُّ ضَعِيفٌ إلَى ضَعِيفٍ ، فَلَا يُقْبَلُ .

( 8342 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ ، أَوْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ، وَجَبَ لَهُ الْمَالُ الْمَشْهُودُ بِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا ، وَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ دُونَ الْقَطْعِ .
وَإِنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا ، فَأَقَامَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ ، أَوْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، لَمْ يَثْبُتْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ السَّرِقَةَ تُوجِبُ الْقَطْعَ وَالْغُرْمَ مَعًا ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ ، وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ مُوجَبُهُ الْقِصَاصُ عَيْنًا ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالدِّيَةُ بَدَلٌ عَنْهُ ، وَلَا يَجِبُ الْبَدَلُ مَا لَمْ يُوجَدْ الْمُبْدَلُ .
وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا إلَّا بِالِاخْتِيَارِ ، أَوْ التَّعَذُّرِ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَجِبُ الْمَالُ فِي السَّرِقَةِ أَيْضًا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلٍ يُوجِبُ الْحَدَّ وَالْمَالَ ، فَإِذَا بَطَلَتْ فِي إحْدَاهُمَا بَطَلَتْ فِي الْأُخْرَى .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .
وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ ضَرَبَ أَخَاهُ بِسَهْمٍ عَمْدًا فَقَتَلَهُ ، وَنَفَذَ إلَى أَخِيهِ الْآخَرِ فَقَتَلَهُ خَطَأً ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ ، أَوْ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ ، ثَبَتَ قَتْلُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ مُوجَبُهُ الْمَالُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ قَتْلُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ مُوجَبُهُ الْقِصَاصُ ، فَهُمَا كَالْجِنَايَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْنِ .
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عِنْدَهُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُوجَبُهَا الْمَالَ أَوْ غَيْرَهُ .
وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ وَغَصَبَهُ مَالًا ، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مَا سَرَقَ

مِنْهُ وَلَا غَصَبَهُ ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ شَهِدَا بِالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ ، أَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ ، اسْتَحَقَّ الْمَسْرُوقَ وَالْمَغْصُوبَ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِبَيِّنَةِ يَثْبُتُ ذَلِكَ بِمِثْلِهَا ، وَلَمْ يَثْبُتْ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ دُونَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَذْهَبِنَا ، إلَّا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ عَنْ أَصْحَابِنَا .

( 8343 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ادَّعَى جَارِيَةً فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ ، وَأَنَّ ابْنَهَا ابْنُهُ مِنْهَا ، وُلِدَ فِي مِلْكِهِ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ ، أَوْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ حُكِمَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ وَطْأَهَا وَإِجَارَتَهَا وَتَزْوِيجَهَا ، وَيَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ بِإِقْرَارِهِ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ يَنْفُذُ فِي مِلْكِهِ ، وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ ، وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْوَلَدِ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي نَسَبَهُ ، وَالنَّسَبُ لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ وَيَدَّعِي حُرِّيَّتَهُ أَيْضًا ، فَعَلَى هَذَا يُقَرُّ الْوَلَدُ فِي يَدِ الْمُنْكِرِ مَمْلُوكًا لَهُ .
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَأْخُذُهَا وَوَلَدَهَا ، وَيَكُونُ ابْنَهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ الْعَيْنُ ثَبَتَ لَهُ نَمَاؤُهَا ، وَالْوَلَدُ نَمَاؤُهَا .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ ، كَقَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الْوَلَدَ مِلْكًا ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي حُرِّيَّتَهُ وَنَسَبَهُ ، وَهَذَانِ لَا يَثْبُتَانِ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ ، فَيَبْقَيَانِ عَلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ .

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71