كتاب : فتح القدير
المؤلف : كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي

يَقُومُ لِلْقَضَاءِ ثُمَّ يَسْجُدُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْخَتْمِ .
وَأَمَّا مَنْ أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَهُوَ اللَّاحِقُ لَا غَيْرُ ، وَلَهُ حُكْمُ الْمُقْتَدِي فَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَإِذَا سَهَا فِيمَا يَقْضِي وَلَا يَقْرَأُ فِيهِ ، وَلَوْ تَبَدَّلَ اجْتِهَادُهُ فِيهِ فِي الْقِبْلَةِ إلَى غَيْرِ مُجْتَهِدِ الْإِمَامِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ تَفْسُدُ ، وَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِيهِ أَوْ دَخَلَ مِصْرَهُ لِلْوُضُوءِ فِيهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ لَا يَنْقَلِبُ أَرْبَعًا ، بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ فِي كُلِّ ذَلِكَ ، وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ تَعْرِيفَ اللَّاحِقِ بِمَنْ أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ تَسَاهُلٌ ، بَلْ هُوَ مَنْ فَاتَهُ بَعْدَمَا دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضَ صَلَاةِ الْإِمَامِ .

( وَمَنْ أَحْدَثَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى ، وَلَا يَعْتَدُّ بِاَلَّتِي أَحْدَثَ فِيهَا ) ، لِأَنَّ إتْمَامَ الرُّكْنِ بِالِانْتِقَالِ وَمَعَ الْحَدَثِ لَا يَتَحَقَّقُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعَادَةِ ، وَلَوْ كَانَ إمَامًا فَقَدَّمَ غَيْرَهُ دَامَ الْمُقَدَّمُ عَلَى الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِتْمَامُ بِالِاسْتِدَامَةِ .
( قَوْلُهُ لِأَنَّ إتْمَامَ الرُّكْنِ بِالِانْتِقَالِ ) هَذَا خَرَجَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَلَا عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، لَكِنْ عَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ لَوْ لَمْ يُعِدْ ذَلِكَ الرُّكْنَ فَسَدَتْ الصَّلَاةُ ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَلِمَا ذَكَرَ ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَلِافْتِرَاضِ الْقَوْمَةِ وَالْجِلْسَةِ عِنْدَهُ ، وَلَا يَتَحَقَّقَانِ مَعَ الطَّهَارَةِ إلَّا بِالْإِعَادَةِ ، وَحَاوَلَ تَخْرِيجَهُ فِي الْكَافِي عَلَى الرَّأْيَيْنِ بِأَنَّ التَّمَامَ عَلَى نَوْعَيْنِ تَمَامِ مَاهِيَّةٍ وَتَمَامُ مَخْرَجٍ عَنْ الْعُهْدَةِ ، فَالسَّجْدَةُ وَإِنْ تَمَّتْ بِالْوَضْعِ مَاهِيَّةً لَكِنْ لَمْ تَتِمَّ تَمَامًا مُخْرِجًا عَنْ الْعُهْدَةِ ا هـ .
يَعْنِي وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ فِي الْهِدَايَةِ

( وَلَوْ تَذَكَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ أَنَّ عَلَيْهِ سَجْدَةً فَانْحَطَّ مِنْ رُكُوعِهِ أَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ فَسَجَدَهَا يُعِيدُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ) وَهَذَا بَيَانُ الْأَوْلَى لِتَقَعَ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ مُرَتَّبَةً بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مَعَ الطَّهَارَةِ شَرْطٌ وَقَدْ وُجِدَ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ إعَادَةُ الرُّكُوعِ لِأَنَّ الْقَوْمَةَ فَرْضٌ عِنْدَهُ .

( قَوْلُهُ أَنَّ عَلَيْهِ سَجْدَةً ) أَيْ صُلْبِيَّةً أَوْ لِلتِّلَاوَةِ ( قَوْلُهُ وَهَذَا بَيَانُ الْأُولَى ) لِأَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِفَرْضٍ فِيمَا شُرِعَ مُكَرَّرًا فِي كُلِّ الصَّلَاةِ أَوْ كُلِّ رَكْعَةٍ ، بِخِلَافِ الْمُتَّحِدِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا تَفْصِيلَهُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ فَارْجِعْ إلَيْهِ وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا .
بَقِيَ أَنَّ انْتِفَاءَ الِافْتِرَاضِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْأَوْلَوِيَّةِ لِجَوَازِ الْوُجُوبِ ، ثُمَّ الْوُجُوبُ هُوَ الثَّابِتُ عَلَى مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ عَدِّ الْوَاجِبَاتِ حَيْثُ قَالَ : وَمُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِيمَا شُرِعَ مُكَرَّرًا مِنْ الْأَفْعَالِ ، فَأَشَارَ فِي الْكَافِي إلَى الْجَوَابِ حَيْثُ قَالَ : وَلَئِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا فَقَدْ سَقَطَ بِالنِّسْيَانِ ، لَكِنَّهُ لَا يَدْفَعُ الْوَارِدَ عَلَى الْعِبَارَةِ : أَعْنِي تَعْلِيلَ الْأَوْلَوِيَّةِ بِانْتِفَاءِ الِافْتِرَاضِ فِي الْمُتَكَرِّرِ ، بَلْ تَعْلِيلُهُ إنَّمَا هُوَ بِسُقُوطِ الْوُجُوبِ بِالنِّسْيَانِ .
ثُمَّ وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ فِي الْخِلَافِيَّةِ أَنَّ الصَّلَاةَ مُجْمَلٌ وَلَمْ يَقَعْ الْبَيَانُ إلَّا كَذَلِكَ .
قُلْنَا : مَمْنُوعٌ ، فَإِنَّ الْمَسْبُوقَ مُصَلٍّ أَوَّلَ صَلَاتِهِ أَوَّلًا ثُمَّ يَقْضِي مَا فَاتَهُ ، فَعُلِمَ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ لَمْ يُعْتَبَرْ فَرْضًا لِأَنَّ الرُّكْنَ لَا يَسْقُطُ بِعُذْرِ الْمَسْبُوقِيَّةِ ، بِخِلَافِ الْوَاجِبِ قَدْ يَقُومُ الْعُذْرُ فِي إسْقَاطِهِ شَرْعًا ، وَعَلَى هَذَا لَوْ عَكَسَ الْمَسْبُوقُ اللَّاحِقُ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي حَقِّهِ آنِفًا كَانَ آثِمًا عِنْدَنَا وَإِنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، ثُمَّ عَلَى قَوْلِهِ إذَا قَضَى السَّجْدَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ جَمِيعِ مَا أَدَّى بَعْدَهَا لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهِ حَيْثُ كَانَ قَبْلَهُ مَا يُفْتَرَضُ تَقْدِيمُهُ .
وَعِنْدَنَا قَضَاءُ الرُّكْنِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ الذِّكْرُ اسْتِحْبَابًا لَا غَيْرُ إنْ قَضَاهَا عَقِيبَهُ .
وَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ فَيَقْضِيَهَا هُنَاكَ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْهِدَايَةِ .
وَفِي

فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي آخِرِ فَصْلِ مَا يُوجِبُ السَّهْوَ مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِهِ ، قَالَ فِي إمَامٍ صَلَّى رَكْعَةً وَتَرَكَ مِنْهَا سَجْدَةً وَصَلَّى أُخْرَى وَسَجَدَ لَهَا فَتَذَكَّرَ الْمَتْرُوكَةَ فِي السُّجُودِ أَنَّهُ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ وَيَسْجُدُ الْمَتْرُوكَةَ ثُمَّ يُعِيدُ مَا كَانَ فِيهَا لِأَنَّهَا ارْتُفِضَتْ فَيُعِيدُهَا اسْتِحْسَانًا ا هـ .
قَالَ : فَأَمَّا مَا قَبْلَ ذَلِكَ إلَى الْمَتْرُوكَةِ هَلْ يُرْتَفَضُ ؟ إنَّ مَا تَخَلَّلَ بَيْنَ الْمَتْرُوكَةِ وَبَيْنَ الَّذِي تَذَكَّرَ فِيهَا رَكْعَةً تَامَّةً لَا تُرْتَفَضُ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ فَلَا تَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَكْعَةً تَامَّةً فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ .
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُرْتَفَضُ وَقَالَ قَبْلَهُ فِيهِ : وَإِنْ تَذَكَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي الثَّالِثَةِ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سَجْدَةً سَجَدَ الْمَتْرُوكَةَ وَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ بِرُكُوعِهِمَا وَسُجُودِهِمَا لِأَنَّهُ لَمَّا تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ وَالرُّكُوعُ قَبْلَ رَفْعِ الرَّأْسِ يُقْبَلُ الِارْتِفَاضُ ، فَبِسُجُودِهِ الْمَتْرُوكَةَ رَفَضَ الرُّكُوعَ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ التَّمَامِ ا هـ .
وَالْأَصَحُّ مَا فِي الْكِتَابِ لَا لِلْقَاعِدَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ مَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ مِنْ الْأَرْكَانِ وَهُوَ الْقَعْدَةُ وَبَيْنَ غَيْرِهَا مُطْلَقًا شَرْطٌ لَا بَيْنَ الْمُتَّحِدِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَهُوَ الْمُتَعَدِّدُ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ الْمُتَعَدِّدِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ التَّمَامَ بِالْقَعْدَةِ ، فَلَوْ جَازَ تَأَخُّرُ شَيْءٍ عَنْهَا لَكَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُتَعَلِّقَهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا ، بِخِلَافِ تَقْدِيمِ سُجُودِ الرَّكْعَةِ عَلَى رُكُوعِهَا وَالرُّكُوعِ عَلَى الْقِيَامِ لِأَنَّ الرُّكُوعَ شُرِعَ وَسِيلَةً إلَى السُّجُودِ بَعْدَهُ وَالْقِيَامُ إلَى الرُّكُوعِ فَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّقَدُّمِ الْمَعْهُودِ ، وَكَذَا بِتَقَدُّمِ الْقِرَاءَةِ عَلَى

الرُّكُوعِ لِأَنَّهَا زِينَتُهُ فَلَا تَتَحَقَّقُ إلَّا فِيهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهَا ، وَبِتَذَكُّرِ السَّجْدَةِ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا مِنْ الْأُولَى لَمْ يَتَحَقَّقْ تَقْدِيمٌ لَهُ عَلَى رُكُوعِ الْأُولَى بَلْ هُوَ فِي مَحَلِّهِ مِنْ التَّعْدِيَةِ ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ صَارَ بَعْدَ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا إذَا لَمْ يُعِدْ عَلَى مَا هُوَ الْأَمْرُ الْجَائِزُ خِلَافًا لِزُفَرَ وَهُوَ فِي التَّقْدِيرِ قَبْلَهُ لِالْتِحَاقِهِ بِمَحَلِّهِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَوُجُوبُ كَوْنِهِ قَبْلَهُ يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ بِدَلِيلِ حَالِ الْمَسْبُوقِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعُذْرِ ، بِخِلَافِ السَّجْدَةِ فِي الْقَعْدَةِ لِأَنَّهُ قَصَدَ فِي الْخَتْمِ كَوْنَهُ فِي الْقَعْدَةِ مَعْنًى وَصُورَةً فَلَا يَكْفِي اعْتِبَارُهَا مُتَأَخِّرَةً عَنْ السَّجْدَةِ الْمُتَذَكَّرَةِ فِيهَا .

قَالَ ( وَمَنْ أَمَّ رَجُلًا وَاحِدًا فَأَحْدَثَ وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْمَأْمُومُ إمَامٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ ) لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الصَّلَاةِ ، وَتَعْيِينُ الْأَوَّلِ لِقَطْعِ الْمُزَاحَمَةِ وَلَا مُزَاحَمَةَ هَاهُنَا ، وَيُتِمُّ الْأَوَّلُ صَلَاتَهُ مُقْتَدِيًا بِالثَّانِي كَمَا إذَا اسْتَخْلَفَهُ حَقِيقَةً ( وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ إلَّا صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ قِيلَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ) لِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ ، وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الِاسْتِخْلَافُ قَصْدًا وَهُوَ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( قَوْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الصَّلَاةِ ) لَا شَكَّ أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ مُرَادَةٌ بِهَذَا ، أَمَّا صَلَاةُ الْإِمَامِ الْمُحْدِثِ فَظَاهِرُ النِّهَايَةِ أَنَّهَا هِيَ الْمُرَادَةُ بِنَاءً عَلَى فَسَادِ صَلَاتِهِ إذَا لَمْ يَسْتَخْلِفْ حَتَّى خَرَجَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ، وَالشَّيْخُ أَبْهَمَ الصَّلَاةَ فَيُرَادُ صَلَاةُ مَنْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ الْمَأْمُومَ أَوْ الْإِمَامَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .
وَعِنْدِي أَنَّهُ يُشْكِلُ فَسَادُ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لَيْسَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ بَلْ غَايَتُهُ الْوُجُوبُ تَحْصِينًا لِصَلَاةِ غَيْرِهِ عَنْ الْفَسَادِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَالْإِمَامُ مُنْفَرِدٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، فَغَايَةُ مَا فِي خُرُوجِهِ بِلَا اسْتِخْلَافٍ تَأْثِيمُهُ لِسَعْيِهِ فِي فَسَادِ صَلَاةِ غَيْرِهِ فَصَارَ كَإِمَامٍ تَعَمَّدَ التَّأَخُّرَ عَمَّنْ خَلْفَهُ حَتَّى فَسَدَتْ بِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ إلَّا صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ ) أَوْ أُمِّيٌّ : أَيْ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ ( قَوْلُهُ لَمْ يُوجَدْ الِاسْتِخْلَافُ مِنْهُ قَصْدٌ ) وَمَا حُكِمَ بِكَوْنِ الْأَوَّلِ خَلِيفَةً إلَّا لِتَصْحِيحِ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ ، وَهُنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا هَذَا الِاعْتِبَارَ لِإِصْلَاحِ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي كَانَ فِيهِ إفْسَادُ صَلَاةِ الْإِمَامِ ، فَدَارَ الْأَمْرُ بَيْنَهُ فَتَفْسُدُ عَلَى الْإِمَامِ وَتَصِحُّ عَلَى الْمُقْتَدِي وَبَيْنَ عَدَمِهِ فَيَنْعَكِسُ فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ ، وَوَجْهُ تَرْجِيحِ عَدَمِهِ غَنِيٌّ عَنْ الْبَيَانِ .

( بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا ) ( وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ ، وَمَفْزَعُهُ الْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ .
وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ، وَإِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ } وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ .
بِخِلَافِ السَّلَامِ سَاهِيًا لِأَنَّهُ مِنْ الْأَذْكَارِ فَيُعْتَبَرُ ذِكْرًا فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ وَكَلَامًا فِي حَالَةِ التَّعَمُّدِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَافِ الْخِطَابِ

( بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا ) ( قَوْلُهُ وَمَفْزَعُهُ الْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ ) { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ } إلَخْ .
الْفُقَهَاءُ يَذْكُرُونَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَلَا يُوجَدُ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ ، بَلْ { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ النِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا ( قَوْلُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ صَلَاتَنَا إلَخْ ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ { بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقُلْتُ لَهُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ ، فَقُلْتُ : وَاثُكْلَ أُمَّاهُ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونِي لَكِنِّي سَكَتُّ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَانِي فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ ، فَوَاَللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي ثُمَّ قَالَ : إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ، إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ } ا هـ .
وَقَدْ أَجَابُوا بِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْبُطْلَانِ ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ مَحْظُورٌ وَالْحَظْرُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْبُطْلَانَ ، وَلِذَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ وَإِنَّمَا عَلَّمَهُ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ .
قُلْنَا إنْ صَحَّ فَإِنَّمَا بَيَّنَ الْحَظْرَ حَالَةَ الْعَمْدِ ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ حَظْرٌ يَرْتَفِعُ إلَى الْإِفْسَادِ ، وَمَا كَانَ مُفْسِدًا حَالَةَ الْعَمْدِ كَانَ كَذَلِكَ حَالَةَ السَّهْوِ لِعَدَمِ الْمُزِيلِ شَرْعًا كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ .
وَقَوْلُهُ { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي } أَوْ { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْهُمْ } مِنْ بَاب الْمُقْتَضَى وَلَا عُمُومَ لَهُ ، لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ

فَوَجَبَ تَقْدِيرُهُ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الْإِثْمِ مُرَادٌ فَلَا يُرَادُ غَيْرُهُ وَإِلَّا لَزِمَ تَعْمِيمُهُ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الضَّرُورَةِ ، وَمَنْ اعْتَبَرَهُ فِي الْحُكْمِ الْأَعَمِّ مِنْ حُكْمِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَدْ عَمَّمَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي ، إذْ قَدْ أَثْبَتَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الضَّرُورَةِ مِنْ تَصْحِيحِ الْكَلَامِ وَصَارَ كَمَا إذَا أَطَالَ الْكَلَامَ سَاهِيًا فَإِنَّهُ يَقُولُ بِالْفَسَادِ ، فَإِنَّ الشَّرْعَ إذَا رَفَعَ إفْسَادَهُ وَجَبَ شُمُولُ الصِّحَّةِ .
وَإِلَّا فَشُمُولُ عَدَمِهَا وَكَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَإِنَّمَا عُفِيَ الْقَلِيلُ مِنْ الْعَمَلِ لِعَدَمِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ لِأَنَّ فِي الْحَيِّ حَرَكَاتٍ مِنْ الطَّبْعِ وَلَيْسَتْ الصَّلَاةُ ، فَلَوْ اُعْتُبِرَ إفْسَادُهُ مُطْلَقًا لَزِمَ الْحَرَجُ فِي إقَامَةِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَعُفِيَ مَا لَمْ يَكْثُرْ وَلَيْسَ الْكَلَامُ مِنْ طَبْعِ الْحَيِّ ( قَوْلُهُ بِخِلَافِ السَّلَامِ سَاهِيًا ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسٍ مُقَدَّرٍ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى السَّلَامِ سَاهِيًا وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ .

( فَإِنْ أَنَّ فِيهَا أَوْ تَأَوَّهَ أَوْ بَكَى فَارْتَفَعَ بُكَاؤُهُ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ لَمْ يَقْطَعْهَا ) لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْخُشُوعِ ( وَإِنْ كَانَ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ قَطَعَهَا ) لِأَنَّ فِيهِ إظْهَارُ الْجَزَعِ وَالتَّأَسُّفِ فَكَانَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ قَوْلَهُ آهٍ لَا يُفْسِدُ فِي الْحَالَيْنِ وَأُوهِ يُفْسِدُ .
وَقِيلَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ الْكَلِمَةَ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى حَرْفَيْنِ وَهُمَا زَائِدَتَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا لَا تَفْسُدُ ، وَإِنْ كَانَتَا أَصْلِيَّتَيْنِ تَفْسُدُ .
وَحُرُوفُ الزَّوَائِدِ جَمَعُوهَا فِي قَوْلِهِمْ الْيَوْمَ تَنْسَاهُ وَهَذَا لَا يَقْوَى لِأَنَّ كَلَامَ النَّاسِ فِي مُتَفَاهَمِ الْعُرْفِ يَتْبَعُ وُجُودَ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَإِفْهَامَ الْمَعْنَى ، وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي حُرُوفٍ كُلُّهَا زَوَائِدُ

قَوْلُهُ فَإِنْ أَنَّ فِيهَا ) أَيْ قَالَ آهْ أَوْ تَأَوَّهَ : أَيْ قَالَ أُوهِ وَنَحْوِهِ ( قَوْلُهُ فَارْتَفَعَ بُكَاؤُهُ ) أَيْ حَصَلَ بِهِ الْحُرُوفُ ( قَوْلُهُ فَكَانَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ) صَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّ كَوْنَهُ إظْهَارًا لِلْوَجَعِ بِلَفْظٍ هُوَ الْمَصِيرُ لَهُ كَلَامًا فَلَا يَحْتَاجُ فِي تَقْرِيرِهِ إلَى قَوْلِهِمْ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ إظْهَارًا لِلْوَجَعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَدْرِكُونِي أَوْ أَعِينُونِي ، بِخِلَافِ إظْهَارِ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ لِأَنَّهُ كَقَوْلِ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ وَأَعِذْنِي مِنْ النَّارِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُفْسِدٍ إذْ يُعْطِي ظَاهِرُهُ أَنَّ كَوْنَهُ دَالًا عَلَى ذَلِكَ الْكَلَامِ صَيَّرَهُ كَلَامًا ، لَكِنْ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ إظْهَارًا لِذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُصَيِّرُهُ كَلَامًا وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ .
وَرَشَّحَهُ فِي الْكَلَامِ مَعَ أَبِي يُوسُفَ حَيْثُ اشْتَرَطَ فِي كَوْنِ اللَّفْظِ مُفْسِدًا كَوْنُهُ حَرْفَيْنِ زَائِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِقَوْلِهِ وَهَذَا لَا يَقْوَى ، لِأَنَّ كَلَامَ النَّاسِ فِي مُتَفَاهَمِ الْعُرْفِ يَتْبَعُ وُجُودَ الْحُرُوفِ وَإِفْهَامَ الْمَعْنَى ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إظْهَارَ الْوَجَعِ بِاللَّفْظِ إفَادَةُ مَعْنًى بِهِ فَيَكُونُ نَفْسُهُ كَلَامًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَضْعٌ ، وَاشْتِرَاطُ الْوَضْعِ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ فِي الْكَلَامِ .
وَلَوْ سَلِمَ ثُبُوتُهُ لُغَةً لَمْ يَلْزَمْ اشْتِرَاطُهُ فِي الْإِفْسَادِ لِأَنَّ الْمَعْقُولَ فِي الْإِفْسَادِ كَوْنُهُ إفَادَةَ الْمَعْنَى بِاللَّفْظِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ بِطَرِيقِ الْوَضْعِ ، إذْ لَيْسَ كَوْنُهُ خَارِجًا عَنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ مُتَوَقِّفًا عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ فِي الْحَالَيْنِ : أَيْ الْخُشُوعِ وَالْجَزَعِ ، وَقَوْلُهُ لَا تَفْسُدُ : أَيْ فِي الْحَالَيْنِ أَيْضًا عِنْدَهُ ، وَكَذَا أُفٍّ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا لَا تَفْسُدُ ، وَتَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَخَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَقَالَ : أُفٍّ أَلَمْ تَعِدنِي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ } قُلْنَا وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا ، فَيَجُوزُ كَوْنُهَا قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُعَارِضُ مَا

رَوَيْنَا .
وَقَوْلُهُ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ ( قَوْلُهُ فِي قَوْلِهِمْ الْيَوْمَ تَنْسَاهُ ) سَمْطٌ تَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ أَيْنَ هُوَ مِنْ أَمَانٍ وَتَسْهِيلٍ ، وَقَدْ جَمَعَهَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ مَالِكٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي هَذَا الْبَيْتِ : هَنَاءٌ وَتَسْلِيمٌ تَلَا يَوْمَ أُنْسِهِ نِهَايَةُ مَسْئُولٍ أَمَانٌ وَتَسْهِيلُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْأَنِينُ وَالْبُكَاءُ وَالتَّأَوُّهُ يَقْطَعُ مُطْلَقًا إذَا حَصَلَ مِنْهُ حَرْفَانِ .
وَلَنَا مَا رُوِيَ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ } وَبِأَزِيزِ الْمِرْجَلِ يَحْصُلُ الْحُرُوفُ لِمَنْ يَصْغَى ( قَوْلُهُ وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي حُرُوفٍ كُلُّهَا زَوَائِدُ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : قُلْت هَذَا لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْحَرْفَيْنِ لِأَنَّ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهِمَا يَكُونُ قَوْلُهُ كَقَوْلِهِمَا ا هـ .
وَأَثَرُ هَذَا الْبَحْثِ فِي الْعِبَارَةِ فَقَطْ فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِالْجَمْعِ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ، أَوْ صَرَّحَ فَقَالَ : وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي حَرْفَيْنِ زَائِدَيْنِ ، أَوْ أَنَّ الْجَمْعَ هُنَا بِاعْتِبَارِ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ مِثْلُ لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ مَعَ أَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ بِشَاهِدَيْنِ طَاحَ مَا ذَكَرَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ هَذَا أَوْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَنِينُ يُمْكِنُ الِامْتِنَاعُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجَعِ عَنْهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَإِلَّا فَلَا .
وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : إنْ كَانَ أَلَمُهُ خَفِيفًا يَقْطَعُ وَإِلَّا لَا ،

( وَإِنْ تَنَحْنَحَ بِغَيْرِ عُذْرٍ ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُوعًا إلَيْهِ ( وَحَصَلَ بِهِ الْحُرُوفُ يَنْبَغِي أَنْ يُفْسِدَ عِنْدَهُمَا ، وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ فَهُوَ عَفْوٌ كَالْعُطَاسِ ) وَالْجُشَاءِ إذَا حَصَلَ بِهِ حُرُوفٌ .
( قَوْلُهُ يَنْبَغِي إلَخْ ) إنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِالْجَوَابِ لِثُبُوتِ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَدْفُوعًا لَهُ بَلْ فَعَلَهُ لِتَحْسِينِ الصَّوْتِ ، فَعِنْدَ الْفَقِيهِ إسْمَاعِيلَ الزَّاهِدِ تَفْسُدُ ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ لَا .
وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ مَا لِلْقِرَاءَةِ مُلْحَقٌ بِهَا وَكَذَا لَوْ تَنَحْنَحَ بِالْإِعْلَامِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَوْ نَفَخَ مَسْمُوعًا فَسَدَتْ .
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْمَسْمُوعِ فَالْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ مَا يَكُونُ لَهُ حُرُوفٌ كَأُفٍّ تُفٍّ تَفْسُدُ ، وَإِلَّا فَلَا تَفْسُدُ ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَشْتَرِطُ الْحُرُوفَ إلَّا فِي الْإِفْسَادِ بَعْدَ كَوْنِهِ مَسْمُوعًا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ نَفَّرَ طَائِرًا أَوْ دَعَاهُ بِمَا هُوَ مَسْمُوعٌ ( قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ ) أَوْ مَدْفُوعًا إلَيْهِ : أَيْ مَبْعُوثُ الطَّبْعِ ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَلَا تَفْسُدُ ، وَمِثْلُهُ الْمَرِيضُ إذَا كَانَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ عَنْهُ لَا تَفْسُدُ كَالْجُشَاءِ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَنِينِ إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ

( وَمَنْ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ آخَرُ يَرْحَمُك اللَّهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ) لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي مُخَاطَبَاتِ النَّاسِ فَكَانَ مِنْ كَلَامِهِمْ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ الْعَاطِسُ أَوْ السَّامِعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا قَالُوا لِأَنَّهُ لَمْ يُتَعَارَفْ جَوَابًا
( قَوْلُهُ فَقَالَ لَهُ آخَرُ ) احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا قَالَ لِنَفْسِهِ يَرْحَمُك اللَّهُ لَا تَفْسُدُ كَقَوْلِهِ يَرْحَمُنِي اللَّهُ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا تَفْسُدُ فِي قَوْلِهِ لِغَيْرِهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ، وَهُمَا يَتَمَسَّكَانِ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السَّابِقِ أَوَّلَ الْبَابِ فَإِنَّهُ فِي عَيْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لِأَنَّ مَوْرِدَهُ كَانَ تَشْمِيتَ عَاطِسٍ .
وَبِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ( قَوْلُهُ عَلَى مَا قَالُوا ) إشَارَةٌ إلَى ثُبُوتِ الْخِلَافِ ، رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ذَلِكَ إذَا عَطَسَ فَحَمِدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَرِّكَ شَفَتَيْهِ فَإِنَّ حَرَّكَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ( قَوْلُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ) يَعْنِي إذَا قَصَدَ التَّعْلِيمَ ، أَمَّا إذَا أَرَادَ التِّلَاوَةَ فَلَا .
وَكَذَا لَوْ قِيلَ مَا مَالُك ؟ فَقَالَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ أَوْ كَانَ أَمَامَهُ كِتَابٌ وَخَلْفَهُ رَجُلٌ اسْمُهُ يَحْيَى فَقَالَ يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ ، إنْ أَرَادَ إفَادَتَهُ الْمَعْنَى فَسَدَتْ لَا إنْ أَرَادَ الْقِرَاءَةَ

( وَإِنْ اسْتَفْتَحَ فَفَتْحَ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ تَفْسُدُ ) وَمَعْنَاهُ أَنْ يَفْتَحَ الْمُصَلِّي عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ وَتَعَلُّمٌ فَكَانَ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ النَّاسِ ، ثُمَّ شَرَطَ التَّكْرَارَ فِي الْأَصْلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ فَيُعْفَى الْقَلِيلُ مِنْهُ ، وَلَمْ يُشْرَطْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِنَفْسِهِ قَاطِعٌ وَإِنْ قَلَّ ( وَإِنْ فَتَحَ عَلَى إمَامِهِ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا مُفْسِدًا ) اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى إصْلَاحِ صَلَاتِهِ فَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ مَعْنًى ( وَيَنْوِي الْفَتْحَ عَلَى إمَامِهِ دُونَ الْقِرَاءَةِ ) هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ مُرَخَّصٌ فِيهِ ، وَقِرَاءَتُهُ مَمْنُوعٌ عَنْهَا ( وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ انْتَقَلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى تَفْسُدُ صَلَاةُ الْفَاتِحِ وَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ ) لَوْ أَخَذَ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِ التَّلْقِينِ وَالتَّلَقُّنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَيَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي أَنْ لَا يُعَجِّلَ بِالْفَتْحِ ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُلْجِئَهُمْ إلَيْهِ بَلْ يَرْكَعَ إذَا جَاءَ أَوَانُهُ أَوْ يَنْتَقِلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى .

قَوْلُهُ شَرَطَ التَّكْرَارَ ) بِأَنْ فَتَحَ غَيْرَ مَرَّةٍ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَيُعْفَى قَلِيلُهُ وَلَمْ يَشْرُطْهُ فِي الْجَامِعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ كَلَامٌ فَلَا يُعْفَى قَلِيلُهُ ( قَوْلُهُ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا اسْتِحْسَانًا ) هَذَا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِ الْفَتْحِ بَعْدَ قِرَاءَةِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ أَوْ قَبْلَهُ ، وَقِيلَ إنْ قَرَأَ الْإِمَامُ مَا تَجُوزُ بِهِ تَفْسُدُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ ( قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ يَنْوِي الْقِرَاءَةَ وَهُوَ سَهْوٌ لِأَنَّهُ عُدُولٌ إلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَنْ الْمُرَخَّصِ فِيهِ بِمَا رُوِيَ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ كَلِمَةً فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : أَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ أُبَيٌّ ؟ قَالَ بَلَى ، قَالَ : هَلَّا فَتَحْتَ عَلِيَّ ؟ فَقَالَ : ظَنَنْتُ أَنَّهَا نُسِخَتْ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ نُسِخَتْ لَأَعْلَمْتُكُمْ } .
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إذَا اسْتَطْعَمَك الْإِمَامُ فَأَطْعِمْهُ ( قَوْلُهُ وَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ ) هَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ ، وَعَامَّتُهُمْ عَلَى مَا يُفِيدُهُ لَفْظُ الْمُحِيطِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ وَإِنْ انْتَقَلَ وَهُوَ الْأَوْفَقُ لِإِطْلَاقِ الْمُرَخِّصِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ( قَوْلُهُ إذَا جَاءَ أَوَانُهُ ) أَجْمَلَهُ لِلْخِلَافِ فِيهِ فَإِنَّ قَاضِي خَانْ وَصَاحِبَ الْمُحِيطِ وَبَكْرًا اعْتَبَرُوا أَوَانَ الرُّكُوعِ بَعْدَ قِرَاءَةِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَنْبَغِي أَنْ لَا يُلْجِئَهُمْ إلَيْهِ بَلْ يَنْتَقِلُ إلَى آيَةٍ أُخْرَى أَوْ يَرْكَعُ إذَا قَرَأَ الْمُسْتَحَبَّ صَوْنًا لِلصَّلَاةِ عَنْ الزَّوَائِدِ ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ ، أَلَا يَرَى إلَى { مَا ذَكَرُوا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأُبَيٍّ هَلَّا فَتَحْتَ عَلَيَّ } مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ

( وَلَوْ أَجَابَ رَجُلًا فِي الصَّلَاةِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَهَذَا كَلَامٌ مُفْسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يَكُونُ مُفْسِدًا ) وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا أَرَادَ بِهِ جَوَابَهُ .
لَهُ أَنَّهُ ثَنَاءٌ بِصِيغَتِهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ ، وَلَهُمَا أَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ فَيُجْعَلُ جَوَابًا كَالتَّشْمِيتِ وَالِاسْتِرْجَاعِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّحِيحِ ( وَإِنْ أَرَادَ إعْلَامَهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَفْسُدْ بِالْإِجْمَاعِ ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نَابَتْ أَحَدَكُمْ نَائِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحْ }

( قَوْلُهُ وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا أَرَادَ جَوَابَهُ ) بِأَنْ قِيلَ مَثَلًا أَمَعَ اللَّهِ إلَهٌ آخَرُ فَقَالَ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ ، أَمَّا إنْ أَرَادَ إعْلَامَهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْجَوَابِ فَلَا تَفْسُدُ فِي قَوْلِ الْكُلِّ ، وَكَذَا إذَا أُخْبِرَ بِخَبَرٍ يَسُرُّهُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ تَفْسُدُ فِي قَصْدِ الْجَوَابِ لَا الْإِعْلَامِ ( قَوْلُهُ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ ) كَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عِنْدَ قَصْدِ إعْلَامِهِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ أَيْضًا قَصَدَ هُنَاكَ إفَادَةَ مَعْنًى بِهِ لَيْسَ هُوَ مَوْضُوعًا لَهُ .
قُلْنَا خَرَجَ قَصْدُ إعْلَامِ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نَابَتْ أَحَدَكُمْ نَائِبَةٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحْ } الْحَدِيثَ ، أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِعَزِيمَتِهِ كَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عِنْدَ قَصْدِ إعْلَامِهِ ، فَإِنَّ مَنَاطَ كَوْنِهِ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ كَوْنُهُ لَفْظًا أُفِيدَ بِهِ مَعْنًى لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ لَا كَوْنُهُ وُضِعَ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ فَيَبْقَى مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْمَنْعِ الثَّابِتِ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَكَوْنُهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِعَزِيمَتِهِ مَمْنُوعٌ .
قَالَ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ : لِي ثَلَاثُونَ سَنَةً أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ قَوْلِي الْحَمْدُ لِلَّهِ احْتَرَقَ السُّوقُ ، فَخَرَجْت فَقِيلَ لِي سَلِمَتْ دُكَّانُك ، فَقُلْت الْحَمْدُ لِلَّهِ ، فَقُلْت تَسُرُّ وَلَمْ تَغْتَمَّ لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ ؟ وَأَقْرَبُ مَا يَنْقُضُ كَلَامَهُ مَا وَافَقَ عَلَيْهِ الْفَسَادَ بِالْفَتْحِ عَلَى قَارِئٍ غَيْرِ الْإِمَامِ فَهُوَ قُرْآنٌ وَقَدْ تَغَيَّرَ إلَى وُقُوعِ الْإِفْسَادِ بِهِ بِالْعَزِيمَةِ ، وَلَوْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ فَقَالَ مِثْلَهُ مَرِيدًا جَوَابَ الْأَذَانِ أَوْ أَذَّنَ ابْتِدَاءً وَأَرَادَ بِهِ الْأَذَانَ فَسَدَتْ لِقَصْدِ الْجَوَابِ وَالْإِعْلَامِ لِوُجُودِ زَمَانٍ مَخْصُوصٍ : أَعْنِي وَقْتَ الصَّلَاةِ .
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَفْسُدُ حَتَّى يُحَيْعِلَ .
وَلَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا لِسَمَاعِ ذِكْرِهِ

تَفْسُدُ لَا ابْتِدَاءً ، وَلَوْ قَرَأَ ذِكْرَ الشَّيْطَانِ فَلَعَنَهُ لَا تَفْسُدُ وَلَوْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ تَفْسُدُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ

( وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ افْتَتَحَ الْعَصْرَ أَوْ التَّطَوُّعَ فَقَدْ نَقَضَ الظُّهْرَ ) لِأَنَّهُ صَحَّ شُرُوعُهُ فِي غَيْرِهِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ ( وَلَوْ افْتَتَحَ الظُّهْرَ بَعْدَمَا صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً فَهِيَ هِيَ وَيَتَجَزَّأُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ ) لِأَنَّهُ نَوَى الشُّرُوعَ فِي عَيْنِ مَا هُوَ فِيهِ فَلَغَتْ نِيَّتُهُ وَبَقِيَ الْمَنْوِيُّ عَلَى حَالِهِ
( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ صَحَّ شُرُوعُهُ فِي غَيْرِهِ ) فَمَنَاطُ الْخُرُوجِ عَنْ الْأَوَّلِ صِحَّةُ الشُّرُوعِ فِي الْمُغَايِرِ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ ، فَلِذَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا فِي فَرْضٍ فَكَبَّرَ يَنْوِي الِاقْتِدَاءَ أَوْ النَّفَلَ أَوْ الْوَاجِبَ أَوْ شَرَعَ فِي جِنَازَةٍ فَجِيءَ بِأُخْرَى فَكَبَّرَ يَنْوِيهِمَا أَوْ الثَّانِيَةَ يَصِيرُ مُسْتَأْنِفًا عَلَى الثَّانِيَةِ فَقَطْ ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، وَلَوْ كَانَ مُقْتَدِيًا فَكَبَّرَ لِلِانْفِرَادِ يَفْسُدُ مَا أَدَّى قَبْلَهُ وَيَصِيرُ مُفْتَتِحًا مَا نَوَاهُ ثَانِيًا ( قَوْلُهُ فَهِيَ ) أَيْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّاهَا قَبْلَ الِافْتِتَاحِ الثَّانِي هِيَ : أَيْ الَّتِي يَحْتَسِبُ بِهَا أَوْ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الِافْتِتَاحُ الثَّانِي هِيَ الَّتِي هُوَ فِيهَا بَعْدَهُ فَيَحْتَسِبُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْعُدْ فِيمَا بَقِيَ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ بِاعْتِبَارِهَا فَسَدَتْ الصَّلَاةُ فَلَغَتْ نِيَّةُ الثَّانِيَةِ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَلْفِظْ بِلِسَانِهِ فَإِنْ قَالَ نَوَيْت أَنْ أُصَلِّيَ إلَخْ فَسَدَتْ الْأُولَى وَصَارَ مُسْتَأْنِفًا الْمَنْوِيَّ ثَانِيًا مُطْلَقًا

( وَإِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ مِنْ الْمُصْحَفِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَا هِيَ تَامَّةٌ ) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ انْضَافَتْ إلَى عِبَادَةٍ أُخْرَى ( إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ) لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِصَنِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ حَمْلَ الْمُصْحَفِ وَالنَّظَرَ فِيهِ وَتَقْلِيبَ الْأَوْرَاقِ عَمَلٌ كَثِيرٌ ، وَلِأَنَّهُ تَلَقُّنٌ مِنْ الْمُصْحَفِ فَصَارَ كَمَا إذَا تَلَقَّنَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَفْتَرِقَانِ ، وَلَوْ نَظَرَ إلَى مَكْتُوبٍ وَفَهِمَهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَقْرَأُ كِتَابَ فُلَانٍ حَيْثُ يَحْنَثُ بِالْفَهْمِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَالِكَ الْفَهْمُ ، أَمَّا فَسَادُ الصَّلَاةِ فَبِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ .

( قَوْلُهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَفْتَرِقَانِ ) فَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُؤَمُّ بِهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَانَ يَقْرَأُ مِنْ الْمُصْحَفِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَوْضُوعًا ، وَعَلَى الثَّانِي كَوْنُ تِلْكَ مُرَاجَعَةً كَانَتْ قُبَيْلَ الصَّلَاةِ لِيَكُونَ بِذِكْرِهِ أَقْرَبَ ، وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي دَفْعِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ { لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى حَامِلًا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا .
وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا } فَإِنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ لَيْسَ فِيهَا تَلَقُّنٌ ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ قِيَاسُ قِرَاءَةِ مَا تَعَلَّمَهُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ مُعَلِّمٍ حَيَّ عَلَيْهَا مِنْ مُعَلِّمٍ حَيَّ بِجَامِعِ أَنَّهُ تَلَقَّنَ مِنْ خَارِجٍ وَهُوَ الْمَنَاطُ فِي الْأَصْلِ فَقَطْ ، فَإِنَّ فِعْلَ الْخَارِجِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْفَسَادِ بَلْ الْمُؤَثِّرُ فِعْلُ مَنْ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مِنْهُ إلَّا التَّلَقُّنُ ، وَلَمْ يَفْصِلْ فِي الْجَامِعِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي الْإِفْسَادِ ، وَقِيلَ إنْ قَرَأَ آيَةً تَفْسُدُ ، وَقِيلَ بَلْ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ وَلَوْ كَانَ يَحْفَظُ إلَّا أَنَّهُ نَظَرَ فَقَرَأَ لَا تَفْسُدُ ( قَوْلُهُ فَالصَّحِيحُ ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنْ كَانَ مُسْتَفْهِمًا فَسَدَتْ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ وَجَوَابُهَا مِنْ الْكِتَابِ ظَاهِرٌ .
وَقَوْلُهُمْ لِأَنَّهُ تَلَقَّنَ غَلَطٌ ، إذْ الْمُفْسِدُ التَّلَقُّنُ الْمُقْتَرِنُ بِقَوْلِ مَا تَلَقَّنَهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي مَكْتُوبِ غَيْرِ قُرْآنٍ ، أَمَّا فِي الْقُرْآنِ لَا تَفْسُدُ اتِّفَاقًا ( قَوْلُهُ أَمَّا فَسَادُ الصَّلَاةِ فَبِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ ) وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ ، فَقِيلَ مَا يَحْصُلُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ قَلِيلٌ وَبِيَدَيْنِ كَثِيرٌ ، وَقِيلَ لَوْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ رَآهُ إنْسَانٌ مِنْ بَعِيدٍ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ كَثِيرٌ ، وَإِنْ كَانَ يَشُكُّ أَنَّهُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَشُكَّ أَنَّهُ

فِيهَا فَقَلِيلٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْعَامَّةِ .
وَقِيلَ يُفَوَّضُ إلَى رَأْي الْمُصَلِّي إنْ اسْتَكْثَرَهُ فَكَثِيرُهُ مُفْسِدٌ وَإِلَّا لَا .
قَالَ الْحَلْوَانِيُّ : هَذَا أَقْرَبُ إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ

وَمِنْ الْفُرُوعِ الْمُؤَسَّسَةِ : لَوْ أَرْضَعَتْ ابْنَهَا أَوْ رَضَعَهَا هُوَ فَنَزَلَ لَبَنُهَا فَسَدَتْ ، وَلَوْ مَصَّ مَصَّةً أَوْ مَصَّتَيْنِ وَلَمْ تُنْزِلْ لَمْ تَفْسُدْ ، وَبِثَلَاثٍ تَفْسُدُ وَإِنْ لَمْ تُنْزِلْ ، وَلَوْ مَسَّ الْمُصَلِّيَةَ بِشَهْوَةٍ أَوْ قَبَّلَهَا وَلَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ تَفْسُدُ ، وَلَوْ قَبَّلَتْ الْمُصَلِّي وَلَمْ يَشْتَهِهَا لَمْ تَفْسُدْ .
كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِوَجْهِ الْفَرْقِ .
وَلَوْ رَأَى فَرْجَ الْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا بِشَهْوَةٍ يَصِيرُ مُرَاجِعًا ، وَلَا تَفْسُدُ فِي رِوَايَةٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ .
وَلَوْ كَتَبَ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ أَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ أَوْ اكْتَحَلَ أَوْ جَعَلَ مَاءَ الْوَرْدِ عَلَى رَأْسِهِ بِأَنْ تَنَاوَلَ الْقَارُورَةَ فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ أَوْ سَرَّحَ أَحَدَهُمَا أَوْ نَتَفَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ بِمَرَّاتٍ أَوْ حَكَّ ثَلَاثًا فِي رُكْنٍ يَرْفَعُ يَدُهُ كُلَّ مَرَّةٍ أَوْ قَتَلَ الْقَمْلَةَ بِمِرَارٍ مُتَدَارِكًا أَوْ رَمَى عَنْ قَوْسٍ أَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا .
كَذَلِكَ أَوْ دَفَعَ الْمَارَّ بِيَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ أَوْ تَعَمَّمَ أَكْثَرَ مِنْ كَوْرَيْنِ أَوْ تَخَمَّرَتْ أَوْ شَدَّ السَّرَاوِيلَ أَوْ زَرَّ الْقَمِيصَ أَوْ لَبِسَهُ أَوْ الْخُفَّيْنِ أَوْ مَشَى قَدْرَ صَفَّيْنِ دَفْعَةً أَوْ تَقَدَّمَ أَمَامَ الْوَجْهِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ صَفٍّ أَوْ سَاقَ الدَّابَّةَ بِمَدِّ رِجْلَيْهِ تَفْسُدُ ، لَا إنْ كَسَبَ أَوْ شَرِبَ أَوْ تَعَمَّمَ أَوْ حَكَّ أَوْ مَشَى أَوْ نَتَفَ أَقَلَّ مِمَّا عَيَّنَّاهُ أَوْ غَيْرَ مُتَدَارِكٍ أَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْقَارُورَةَ بَلْ كَانَ فِي يَدِهِ فَمَسَحَ بِهَا أَوْ نَزَعَ اللِّجَامَ أَوْ الْقَمِيصَ أَوْ سَاقَ بِرَجْلٍ وَاحِدَةٍ لَا تَفْسُدُ .
وَقَوْلُهُمْ إذَا دَفَعَ الْمَارَّ بِيَدِهِ تَفْسُدُ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّكَرُّرِ دُونَ فَتْرَةٍ لِيَكُونَ عَمَلًا كَثِيرًا ، وَإِلَّا فَالدَّفْعَةُ الْوَاحِدَةُ عَمَلٌ قَلِيلٌ

.
وَقَدْ قَالُوا فِي قَتْلِ الْحَيَّةِ إنَّهُ إذَا كَانَ بِعَمَلٍ قَلِيلٍ لَا تَفْسُدُ .
وَبِالْكَثِيرِ تَفْسُدُ .
بَلْ اخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ بِالْكَثِيرِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مُرَخَّصٌ فِيهِ بِالنَّصِّ فَكَانَ كَالْمَشْيِ الْكَثِيرِ فِي سَبْقِ الْحَدَثِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا كَذَلِكَ بِالنَّصِّ .
وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ } وَسَنَتَكَلَّمُ فِيهِ عِنْدَ مَسْأَلَةِ قَتْلِ الْحَيَّةِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْفَسَادِ بِكَوْنِهِ كَثِيرًا

( وَإِنْ مَرَّتْ امْرَأَةٌ بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي لَمْ تَقْطَعْ صَلَاتَهُ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُ شَيْءٍ إلَّا أَنَّ الْمَارَّ آثِمٌ } لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَوْ عَلِمَ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْوِزْرِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ } وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إذَا مَرَّ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ عَلَى مَا قِيلَ وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ وَتُحَاذِي أَعْضَاءُ الْمَارِّ أَعْضَاءَهُ لَوْ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الدُّكَّانِ

( قَوْلُهُ وَإِنْ مَرَّتْ امْرَأَةٌ ) خَصَّهَا لِلتَّنْصِيصِ عَلَى رَدِّ قَوْلِ الظَّاهِرِيَّةِ أَنَّ مُرُورَهَا يُفْسِدُ ، وَكَذَا الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ عِنْدَهُمْ .
وَوَجْهُ الْجَوَازِ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِي ، فَإِنْ قَامَ بَسَطْتُهَا } .
وَالْبُيُوتُ يَوْمئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُ شَيْءٍ وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ } وَفِي سَنَدِهِ مُجَالِدٌ فِيهِ مَقَالٌ ، وَإِنَّمَا رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا بِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّعْبِيِّ ، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ قَالُوا : لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُ شَيْءٍ ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ } ، ضَعَّفَ رَفْعَهُ وَوَقَفَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : حَدِيثُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُ شَيْءٍ ضَعِيفٌ ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ عَنْ الْحَسَنِ لِأَنَّهُ يُرْوَى مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَنَسٍ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَالرِّوَايَاتُ فِي أَبِي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يُقَاوِمُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَآخِرَةِ الرَّحْلِ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ .
قُلْنَا : مَا بَالُ الْأَسْوَدِ مِنْ الْأَحْمَرِ ؟ قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ } قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : لَا أَشُكُّ أَنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ يَقْطَعُ ، وَفِي نَفْسِي مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ شَيْءٌ .
قَالَ ابْنُ

الْجَوْزِيِّ : وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ صَحَّ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : وَذَكَرَتْ مَا رَوَيْنَاهُ آنِفًا ، وَصَحَّ عَنْ { ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَنَزَلْتُ عَنْ الْحِمَارِ وَتَرَكْتُهُ أَمَامَ الصَّفِّ فَمَا بَالَاهُ } وَلَمْ نَجِدْ فِي الْكَلْبِ شَيْئًا انْتَهَى .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَامَ الْمُعَارِضُ فِيهِمَا وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْكَلْبِ ، وَتَأَوَّلَ الْجُمْهُورُ ذَلِكَ عَلَى قَطْعِ الْخُشُوعِ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُهُ ، بِخِلَافِ مُعَارِضِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِنَّهُمَا مُحَكَّمَانِ فِي عَدَمِ الْإِفْسَادِ .
وَيَجِبُ فِي مِثْلِهِ حَمْلُ الْمُحْتَمَلِ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ مِمَّا لَمْ يُعَارَضْ بِهِ الْمُحَكَّمُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَلْبَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْمُولِ يَقْطَعُ ، فَإِذَا لَزِمَ فِي عَامِلِهِ هَذَا كَوْنُ الْمُرَادِ قَطْعَ الْخُشُوعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ لَزِمَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَلْبِ أَيْضًا ذَلِكَ وَإِلَّا أُرِيدَ بِهِ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا .
ثُمَّ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ كُلُّهَا فِي الْكِتَابِ إلَّا وَاحِدًا وَهُوَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَرْكِ السُّتْرَةِ إذَا أُمِنَ الْمُرُورُ ( قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي النَّضِرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ } قَالَ أَبُو النَّضِرُ : لَا أَدْرِي قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً .
وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي النَّضِرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ :

أَرْسَلَنِي أَبُو جُهَيْمٍ إلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فَسَاقَهُ ، وَفِيهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا ، وَسَكَتَ عَنْهُ الْبَزَّارُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَسْئُولَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ خِلَافَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ .
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : وَقَدْ خَطَّأَ النَّاسُ ابْنَ عُيَيْنَةَ فِي ذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ مَالِكًا ، وَلَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ أَبِي جُهَيْمٍ بَعَثَ بُسْرًا إلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ بَعَثَهُ إلَى أَبِي جُهَيْمٍ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهُ بِمَا عِنْدَهُ لِيَسْتَثْبِتَهُ فِيمَا عِنْدَهُ وَهَلْ عِنْدَهُ مَا يُخَالِفُهُ ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ بِمَحْفُوظِهِ ، وَشَكَّ أَحَدُهُمَا وَجَزَمَ الْآخَرُ ، وَاجْتَمَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَنْ أَبِي النَّضِرِ فَحَدَّثَ بِهِمَا .
غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا حَفِظَ حَدِيثَ أَبِي جُهَيْمٍ وَابْنَ عُيَيْنَةَ حَفِظَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ( قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إذَا مَرَّ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ عَلَى مَا قِيلَ وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ ) قِيلَ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ مَنْ قَدَّمَهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ هُوَ مَوْضِعُ صَلَاتِهِ ، وَمِنْهُمْ مِنْ قَدَّرَهُ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ، وَمِنْهُمْ بِخَمْسَةٍ ، وَمِنْهُمْ بِأَرْبَعِينَ ، وَمِنْهُمْ بِمِقْدَارِ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، وَفِي النِّهَايَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَاشِعِينَ نَحْوَ أَنْ يَكُونَ بَصَرُهُ فِي قِيَامِهِ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَفِي مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ فِي رُكُوعِهِ وَإِلَى أَرْنَبَةِ أَنْفِهِ فِي سُجُودِهِ وَفِي حِجْرِهِ فِي قُعُودِهِ وَإِلَى مَنْكِبِهِ فِي سَلَامِهِ لَا يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى الْمَارِّ لَا يُكْرَهُ .
وَمُخْتَارُ السَّرَخْسِيِّ مَا فِي الْهِدَايَةِ ، وَمَا صُحِّحَ فِي النِّهَايَةِ مُخْتَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ ، وَرَجَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا صَلَّى عَلَى الدُّكَّانِ وَحَاذَى أَعْضَاءُ الْمَارِّ أَعْضَاءَهُ يُكْرَهُ الْمُرُورُ ، وَإِنْ كَانَ الْمَارُّ أَسْفَلَ وَهُوَ لَيْسَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ : يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ سُجُودُهُ فِيهِ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ يَسْجُدُ عَلَى الدُّكَّانِ

فَكَانَ مَوْضِعُ سُجُودِهِ أَلْبَتَّةَ دُون مَحَلِّ الْمُرُورِ لَوْ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ .
وَمَعَ ذَلِكَ ثَبَتَتْ الْكَرَاهَةُ اتِّفَاقًا فَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِمَا اخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ، بِخِلَافِ مُخْتَارِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ مَمْشًى فِي كُلِّ الصُّوَرِ غَيْرُ مَنْقُوضٍ قَالَ : ثُمَّ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا الْحَدَّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إذَا كَانَ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ .
فَأَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَالْحَدُّ هُوَ الْمَسْجِدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَارِّ أُسْطُوَانَةٌ أَوْ غَيْرُهَا : يَعْنِي أَنَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ فَالْكَرَاهَةُ ثَابِتَةٌ ، إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ حَدِّ الْمَسْجِدِ فَيَمُرَّ فِيمَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ .
وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ فِي الْمَسْجِدِ يُكْرَهُ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا .
وَفِي الْخُلَاصَةِ : وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَائِطِ الْقِبْلَةِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَمُرُّ مَا وَرَاءَ خَمْسِينَ ذِرَاعًا .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْرَ مَا بَيْنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَحَائِطِ الْقِبْلَةِ .
وَمُنْشَأُ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ مَا يُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي ، فَمَنْ فَهِمَ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ يَخُصُّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّ سُجُودِهِ قَالَ بِهِ ، وَمَنْ فَهِمَ أَنَّهُ يَصْدُقُ مَعَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ نَفَاهُ وَعَيَّنَ مَا وَقَعَ عِنْدَهُ .
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرَجُّحُ مَا اخْتَارَهُ فِي النِّهَايَةِ مِنْ مُخْتَارِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ ، فَإِنَّ الْمُؤَثِّمَ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَكَوْنُ ذَلِكَ الْبَيْتِ بِرُمَّتِهِ اُعْتُبِرَ بُقْعَةً وَاحِدَةً فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَغْيِيرَ الْأَمْرِ الْحِسِّيِّ مِنْ الْمُرُورِ مِنْ بَعِيدٍ فَيُجْعَلُ الْبَعِيدُ قَرِيبًا ( قَوْلُهُ وَيُحَاذَى إلَخْ ) فَلَوْ كَانَتْ الدُّكَّانُ قَدْرَ الْقَامَةِ فَهُوَ سُتْرَةٌ فَلَا يَأْثَمُ الْمَارُّ ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ حَدَّهُ بِطُولِ السُّتْرَةِ وَهُوَ ذِرَاعٌ ، وَغَلَّظَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كُرِهَ مُرُورُ

الرَّاكِبِ وَإِنْ اسْتَتَرَ بِظَهْرِ جَالِسٍ كَانَ سُتْرَةً وَكَذَا الدَّابَّةُ .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَائِمِ وَقَالُوا : حِيلَةُ الرَّاكِبِ أَنْ يَنْزِلَ فَيَجْعَلَ الدَّابَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصَلِّي فَتَصِيرَ هِيَ سُتْرَةٌ فَيَمُرَّ ، وَلَوْ مَرَّ رَجُلَانِ فَالْإِثْمُ عَلَى مَنْ يَلِي الْمُصَلِّيَ

( وَيَنْبَغِي لِمَنْ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ أَنْ يَتَّخِذَ أَمَامَهُ سُتْرَةً ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي الصَّحْرَاءِ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةً } ( وَمِقْدَارُهَا ذِرَاعٌ فَصَاعِدًا ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إذَا صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهُ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ } ( وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي غِلَظِ الْأُصْبُعِ ) لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ بَعِيدٍ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ ( وَيَقْرُبُ مِنْ السُّتْرَةِ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا } ( وَيَجْعَلُ السُّتْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ عَلَى الْأَيْسَرِ ) بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ السُّتْرَةِ إذَا أَمِنَ الْمُرُورَ وَلَمْ يُوَاجِهْ الطَّرِيقَ

( قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ } ) غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلِيُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ وَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ } وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ { فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ } ( قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَعْجِزُ إلَخْ ) غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنْ جَعَلْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلَا يَضُرُّكَ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْكَ } وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { سُئِلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ : مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ } ( قَوْلُهُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْخَاءِ آخِرُهُ .
وَتَشْدِيدُ الْخَاءِ خَطَأٌ وَهِيَ الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي آخِرِهِ عَرِيضَةٌ تُحَاذِي رَأْسَ الرَّاكِبِ ( قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى ) إلَخْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا } وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِيهِ { لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ } ( قَوْلُهُ بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ ) قُلْت : يُشِيرُ إلَى حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ ابْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهَا قَالَ : { مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إلَى عُودٍ وَلَا عَمُودٍ وَلَا شَجَرَةٍ إلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا } .
وَقَدْ أُعِلَّ بِالْوَلِيدِ بْنِ كَامِلٍ وَبِجَهَالَةِ ضُبَاعَةَ ، وَبِأَنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنَ السَّكَنِ رَوَاهُ فِي سُنَنِهِ عَنْ ضُبَيْعَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ عَنْ أَبِيهَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

{ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى عَامُودٍ أَوْ سَارِيَةٍ أَوْ شَيْءٍ فَلَا يَجْعَلُهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ وَلْيَجْعَلْهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْسَرِ } وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الِاضْطِرَابِ وَلَا يَضُرُّ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ يُعْمَلُ بِمِثْلِهِ فِيهِ

( وَسُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِلْقَوْمِ ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى بِبَطْحَاءَ مَكَّةَ إلَى عَنَزَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سُتْرَةٌ ( وَيُعْتَبَرُ الْغَرْزُ دُونَ الْإِلْقَاءِ وَالْخَطِّ ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ ( وَيَدْرَأُ الْمَارَّ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ أَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ } ( وَيَدْرَأُ بِالْإِشَارَةِ ) كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَلَدَيْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( أَوْ يَدْفَعُ بِالتَّسْبِيحِ ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ ( وَيُكْرَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ) لِأَنَّ بِأَحَدِهِمَا كِفَايَةً .

( قَوْلُهُ { لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِبَطْحَاءِ مَكَّةَ إلَى عَنَزَةٍ } ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ هَكَذَا { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا } .
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سُتْرَةٌ مِنْ كَلَامِهِ لَا مِنْ الْحَدِيثِ ( قَوْلُهُ الْغَرْزُ دُونَ الْإِلْقَاءِ ) هَذَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ بِحَيْثُ يُغْرَزُ فِيهَا ، فَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً اخْتَلَفُوا ، فَقِيلَ تُوضَعُ .
وَقِيلَ لَا تُوضَعُ ، وَأَمَّا الْخَطُّ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ حَسَبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْوَضْعِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَغْرِزَهُ أَوْ يَضَعَهُ .
فَالْمَانِعُ يَقُولُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِهِ إذْ لَا يَظْهَرُ مِنْ بَعِيدٍ ، وَالْمُجِيزُ يَقُولُ وَرَدَ الْأَثَرُ بِهِ ، وَهُوَ مَا فِي أَبِي دَاوُد { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا وَلَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ } وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْأُولَى .
وَالسُّنَّةُ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مَعَ أَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْجُمْلَةِ إذْ الْمَقْصُودُ جَمْعُ الْخَاطِرِ بِرَبْطِ الْخَيَالِ بِهِ كَيْ لَا يَنْتَشِرَ .
قَالَ أَبُو دَاوُد : قَالُوا الْخَطُّ بِالطُّولِ وَقَالُوا بِعَرْضٍ مِثْلِ الْهِلَالِ ( قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ } ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَمَعْنَاهُ فِي السُّنَّةِ كَثِيرٌ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ ( قَوْلُهُ كَمَا فَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَلَدَيْ أُمِّ سَلَمَةَ ) رَوَى ابْن مَاجَهْ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عُمَرُ بْن أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَرَجَعَ فَمَرَّتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَمَضَتْ ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : هُنَّ أَغْلَبُ } وَأَعَلَّهُ ابْنُ

الْقَطَّانِ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ فِي طَبَقَتِهِ جَمَاعَةٌ بِاسْمِهِ .
وَلَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ وَأَنَّ أُمَّهُ لَا تُعْرَفُ أَلْبَتَّةَ .
قِيلَ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا هَذَا قَالَ عَنْ أُمِّهِ ، لَكِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي كِتَابِ ابْنِ مَاجَهْ وَمُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ إلَّا عَنْ أَبِيهِ ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يُعْرَفُ فَقَدْ عَرَفَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِقَوْلِهِ قَاضِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَفِي الْكَمَالِ وَالتَّهْذِيبِ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ( قَوْلُهُ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ ) يَعْنِي { إذَا نَابَتْ أَحَدَكُمْ نَائِبَةٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحْ } .

( فَصْلٌ ) ( وَيُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَعْبَثَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِجَسَدِهِ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا ، وَذَكَرَ مِنْهَا الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ } وَلِأَنَّ الْعَبَثَ خَارِجَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ فَمَا ظَنُّك فِي الصَّلَاةِ ( وَلَا يُقَلِّبُ الْحَصَى ) لِأَنَّهُ نَوْعُ عَبَثٍ ( إلَّا أَنْ لَا يُمَكِّنَهُ مِنْ السُّجُودِ فَيُسَوِّيَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَرَّةً يَا أَبَا ذَرٍّ وَإِلَّا فَذَرْ } وَلِأَنَّ فِيهِ إصْلَاحَ صَلَاتِهِ
( فَصْلٌ ) ( قَوْلُهُ أَنْ يَعْبَثَ ) الْعَبَثُ الْفِعْلُ لِغَرَضٍ غَيْرِ صَحِيحٍ ، فَلَوْ كَانَ لِنَفْعٍ كَسَلْتِ الْعَرَقِ عَنْ وَجْهِهِ أَوْ التُّرَابِ فَلَيْسَ بِهِ ( قَوْلُهُ وَعَدَّ مِنْهَا الْعَبَثَ ) وَهُوَ أَوَّلُهَا ، ثُمَّ قَالَ : { وَالرَّفَثُ فِي الصِّيَامِ وَالضَّحِكُ عَلَى الْمَقَابِرِ } ، رَوَاهُ الْقُضَاعِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مُرْسَلًا ( قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ) غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ .
وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ { سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى سَأَلْتُهُ عَنْ مَسْحِ الْحَصَى فَقَالَ : وَاحِدَةً أَوْ دَعْ } وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهُوَ أَصَحُّ ، وَقَدْ أَخْرَجَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ مُعَيْقِيبٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تَمْسَحْ الْحَصَى وَأَنْتَ تُصَلِّي فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً } .

( وَلَا يُفَرْقِعُ أَصَابِعَهُ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تُفَرْقِعْ أَصَابِعُكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي } .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْفَرْقَعَةِ فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُفَرْقِعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ } .
وَهُوَ مَعْلُولٌ بِالْحَارِثِ ،

( وَلَا يَتَخَصَّرُ ) وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْوَضْعِ الْمَسْنُونِ .
وَحَدِيثُ التَّخَصُّرِ أَخْرَجُوهُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا } وَفِي لَفْظٍ { نَهَى عَنْ الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ } وَفِي الِاخْتِصَارِ تَأْوِيلَاتٌ أَشْهُرُهَا مَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَهُوَ مَا فِي الْكِتَابِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ فِي أَبِي دَاوُد وَمُفَسَّرٌ فِيهِ .
وَفِي النِّهَايَةِ عَنْ الْمُغْرِبِ وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَصْرِ وَهُوَ الْمُسْتَدَقُّ فَوْقَ الْوَرِكِ ، أَوْ عَلَى الْخَاصِرَةِ وَهُوَ مَا فَوْقَ الطَّفْطَفَةِ وَالشَّرَاسِيفِ .
وَالطَّفْطَفَةُ أَطْرَافُ الْخَاصِرَةِ ، وَالشَّرَاسِيفُ أَطْرَافُ الضِّلْعِ الَّذِي يُشْرِفُ عَلَى الْبَطْنِ انْتَهَى .
وَقِيلَ هُوَ أَنْ يُصَلِّيَ مُتَّكِئًا عَلَى عَصًا ، وَقِيلَ أَنْ لَا يُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، وَقِيلَ أَنْ يَخْتَصِرَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ ،

( وَلَا يَلْتَفِتُ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَوْ عَلِمَ الْمُصَلِّي مَنْ يُنَاجِي مَا الْتَفَتَ ( وَلَوْ نَظَرَ بِمُؤْخِرِ عَيْنِهِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ لَا يُكْرَهُ ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُلَاحِظُ أَصْحَابَهُ فِي صَلَاتِهِ بِمُوقِ عَيْنَيْهِ
وَحَدِيثُ الِالْتِفَاتِ غَرِيبٌ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ وَفِيهِ أَلْفَاظٌ أَقْرَبُهَا إلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ كَعْبٍ { مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَقُومُ مُصَلِّيًا إلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا يُنَادِي : يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ تَعْلَمُ مَا فِي صَلَاتِكَ مَنْ تُنَاجِي مَا الْتَفَتَّ } .
وَرَوَى الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَزَالُ اللَّهُ تَعَالَى مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ } وَالْحَقُّ أَنَّهُ حَسَنٌ .
{ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاكَ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الْفَرِيضَةِ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، وَحَدُّ الِالْتِفَاتِ الْمَكْرُوهِ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ مُوَاجِهَةِ الْقِبْلَة .
وَلَوْ انْحَرَفَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ فَسَدَتْ فَبَعْضُهُ يُكْرَهُ كَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ يُفْسِدُ فَالْقَلِيلُ يُكْرَهُ ، وَحَدِيثُ مُلَاحَظَتِهِ أَصْحَابَهُ إلَخْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْحَظُ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ : يَعْنِي طَرِيقَ التِّرْمِذِيِّ انْتَهَى .
لَكِنْ قَدْ ظَهَرَ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ .

( وَلَا يُقْعِي وَلَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ ) { لِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : نَهَانِي خَلِيلِي عَنْ ثَلَاثٍ : أَنْ أَنْقُرَ نَقْرَ الدِّيكِ ، وَأَنْ أُقْعِيَ إقْعَاءَ الْكَلْبِ ، وَأَنْ أَفْتَرِشَ افْتِرَاشَ الثَّعْلَبِ } .
وَالْإِقْعَاءُ : أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَيَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ نَصْبًا هُوَ الصَّحِيحُ .
وَحَدِيثُ الْإِقْعَاءِ وَالِافْتِرَاشِ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرِ الدِّيكِ ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ } وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ تَعْنِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ وَأَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ وَعُقْبَةُ الشَّيْطَانِ الْإِقْعَاءُ .
وَأَمَّا مَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ طَاوُسٍ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ : هِيَ السُّنَّةُ فَقُلْنَا لَهُ إنَّا نَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ ، فَقَالَ بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقْعُونَ ، فَالْجَوَابُ الْمُحَقَّقُ عَنْهُمْ أَنَّ الْإِقْعَاءَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا مُسْتَحَبٌّ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ وَرَكِبَتَاهُ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ الْعَبَادِلَةِ ، وَالْمَنْهِيُّ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ وَيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ ( قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ أَنْ يَنْصِبَ قَدَمَيْهِ كَمَا فِي السُّجُودِ وَيَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ هُوَ صِفَةُ إقْعَاءِ الْكَلْبِ ، وَقَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ : أَيْ كَوْنُ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ لَا أَنَّ مَا قَالَ الْكَرْخِيُّ غَيْرُ مَكْرُوهٍ بَلْ يُكْرَهُ ذَلِكَ أَيْضًا

( وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ بِلِسَانِهِ ) لِأَنَّهُ كَلَامٌ ( وَلَا بِيَدِهِ ) لِأَنَّهُ سَلَامٌ مَعْنًى حَتَّى لَوْ صَافَحَ بِنِيَّةِ التَّسْلِيمِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ

( قَوْلُهُ وَلَا بِيَدِهِ ) قَالَ شَارِحُ الْكَنْزِ إنَّهُ بِالْإِشَارَةِ مَكْرُوهٌ وَبِالْمُصَافَحَةِ مُفْسِدٌ .
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ : الْآخَرُ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْكِتَابِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمَذْكُورَ هُنَا : قُلْت أَجَازَ الْبَاقُونَ رَدَّ السَّلَامِ بِالْإِشَارَةِ .
وَلَنَا حَدِيثٌ جَيِّدٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ أَشَارَ فِي الصَّلَاةِ إشَارَةً تُفْهَمُ أَوْ تُفْقَهُ فَقَدْ قَطَعَ الصَّلَاةَ } وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِابْنِ إِسْحَاقَ ، وَأَبُو غَطَفَانَ مَجْهُولٌ .
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَبَا غَطَفَانَ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ ، وَيُقَالُ ابْنُ مَالِكٍ الْمُرِّيُّ وَثَّقَهُ ابْن مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ .
وَمَا عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ قَالَ لَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد : أَبُو غَطَفَانَ مَجْهُولٌ لَا يُقْبَلُ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ ثِقَةٌ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ وَقَدَّمْنَاهُ فِي أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ .
ثُمَّ أَخْرَجَ لِلْخَصْمِ حَدِيثَ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي عُمَرَ عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ { مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ عَلِيَّ إشَارَةً } ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ إشَارَةً بِأُصْبُعِهِ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَعِدَّةُ أَحَادِيثَ تُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى وَالْجَوَابُ أَنَّهُ بِنَاءً عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ مِنْ كَرَاهَةِ الْإِشَارَةِ .
وَلَنَا أَنْ لَا نَقُولَ بِهِ ، فَإِنَّ مَا فِي الْغَايَةِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ وَصَاحِبِ الْمُحِيطِ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَ الْمُصَلِّي وَيُجِيبَ هُوَ بِرَأْسِهِ يُفِيدُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ رَفْعًا لِلْخِلَافِ فَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهَا لِمَا يُوجِبُهُ مِنْ التَّشْتِيتِ وَالشُّغْلِ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَيِّدٌ عَنْ أَنْ يَتَأَثَّرَ عَنْ ذَلِكَ فَلِذَا مُنِعَ ، وَفِعْلُهُ هُوَ لَوْ تَعَارَضَا قُدِّمَ الْمَانِعُ .
وَفِي الْخُلَاصَةِ : سَلَّمَ عَلَى الْمُصَلِّي فَأَشَارَ بِرَدِّ

السَّلَامِ بِرَأْسِهِ أَوْ يَدِهِ أَوْ أَخْبَرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ بِلَا أَوْ بِنَعَمْ أَوْ سُئِلَ كَمْ صَلَّيْت فَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ ثَلَاثًا أَوْ نَحْوَهُ لَا تَفْسُدُ

( وَلَا يَتَرَبَّعُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ ) لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ سُنَّةِ الْقُعُودِ ( وَلَا يَعْقِصُ شَعْرَهُ ) وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ شَعْرَهُ عَلَى هَامَتِهِ وَيَشُدَّهُ بِخَيْطٍ أَوْ بِصَمْغٍ لِيَتَلَبَّدَ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ مَعْقُوصٌ
( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ سُنَّةَ الْقُعُودِ ) أَيْ سُنِّيَّتَهُ فِي الصَّلَاةِ فَيُكْرَهُ لَا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْجَبَابِرَةِ كَمَا عُلِّلَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جُلُّ قُعُودِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مَعَ أَصْحَابِهِ التَّرَبُّعَ وَكَذَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( قَوْلُهُ وَيَشُدّهُ ) أَيْ مِنْ وَرَائِهِ بِخَيْطٍ أَوْ يَشُدّ طَرَفَيْهِ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ يُلَبِّدَهُ كَمَا ذَكَرَ ( قَوْلُهُ فَإِنَّهُ رُوِيَ إلَخْ ) رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ } وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِهِ .
وَوَضَعَ مَكَانَ رَجُلٍ سَعِيدَ الْمَقْبُرِيَّ ، وَقَالَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيثَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ قَالَ أَخْبَرَنَا الْمُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ سُفْيَانَ بِهِ سَنَدًا وَمُتْنَا ، زَادَ : قَالَ إِسْحَاقُ قُلْت لِلْمُؤَمَّلِ أَفِيه أُمُّ سَلَمَةَ ، قَالَ بِلَا شَكٍّ .
وَحَكَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِوَهْمِ الْمُؤَمَّلِ فِي ذِكْرِهَا .
وَرُوِيَ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ بِقِصَّةٍ مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
وَقَدْ أَخْرَجَ السِّتَّةُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ وَأَنْ لَا أَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا } وَفِي الْعَقْصِ كَفُّهُ ، وَيَتَضَمَّنُ كَرَاهَةَ كَوْنِ الْمُصَلِّي مُشَمِّرًا كُمَّيْهِ

( وَلَا يَكُفُّ ثَوْبَهُ ) لِأَنَّهُ نَوْعُ تَجَبُّرٍ ( وَلَا يُسْدِلُ ثَوْبَهُ ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ السَّدْلِ ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَكَتِفَيْهِ ثُمَّ يُرْسِلَ أَطْرَافَهُ مِنْ جَوَانِبِهِ
( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ السَّدْلِ ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ( قَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَضَعَ إلَخْ ) يَصْدُقُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمِنْدِيلُ مُرْسَلًا مِنْ كَتِفَيْهِ كَمَا يَعْتَادُهُ كَثِيرٌ فَيَنْبَغِي لِمَنْ عَلَى عُنُقِهِ مِنْدِيلٌ أَنْ يَضَعَهُ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَيَصْدُقُ أَيْضًا عَلَى لُبْسِ الْقَبَاءِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ الْيَدَيْنِ كُمَّيْهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ فِيهِ .
وَيُكْرَهُ اشْتِمَالُهُ الصَّمَّاءَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ أَنْ يَلُفَّ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ رَأْسَهُ وَسَائِرَ بَدَنِهِ وَلَا يَدَعَ مَنْفَذًا لِيَدِهِ ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الْإِزَارِ مَعَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ يُشْتَرَطُ وَغَيْرُهُ لَا يَشْتَرِطُهُ .
وَيُكْرَهُ الِاعْتِجَارُ أَنْ يَلُفَّ الْعِمَامَةَ حَوْلَ رَأْسِهِ وَيَدَعَ وَسَطَهَا كَمَا تَفْعَلُهُ الدَّعَرَةُ وَمُتَوَشِّحًا لَا يُكْرَهُ .
وَفِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ بَعْضُهُ يُكْرَهُ إلَّا لِضَرُورَةِ الْعَدَمِ

( وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ ( فَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَحَالَةُ الصَّلَاةِ مُذَكِّرَةٌ
( قَوْلُهُ وَحَالَةُ الصَّلَاةِ مُذَّكِرَةٌ ) فَلَا يَكُونُ الْأَكْلُ فِيهَا نَاسِيًا كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ نَاسِيًا لِيَلْحَقَ بِهِ دَلَالَةً .
ثُمَّ الْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفَسَادُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمُ عُزِيَ إلَى غَرِيبِ الرِّوَايَةِ لِأَبِي جَعْفَرٍ وَهُوَ قَدْرُ الْحِمَّصَةِ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ ، أَمَّا مِنْ خَارِجٍ فَلَوْ أَدْخَلَ سِمْسِمَةً فَابْتَلَعَهَا تَفْسُدُ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَا تَفْسُدُ ، وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَابْتَلَعَهَا لَا تَفْسُدُ ، وَلَوْ كَانَ عَيْنُ سَكَرَةٍ فِي فِيهِ فَذَابَتْ فَدَخَلَ حَلْقَهُ فَسَدَتْ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَيْنُهَا بَلْ صَلَّى عَلَى أَثَرِ ابْتِلَاعِهَا فَوَجَدَ الْحَلَاوَةَ لَا تَفْسُدُ ، وَلَوْ لَاكَ هِلِيلِجَةً فَسَدَتْ كَمَضْغِ الْعِلْكِ ، وَلَوْ لَمْ يَلُكْهَا لَكِنْ دَخَلَ فِي جَوْفِهِ مِنْهُ شَيْء يَسِيرٌ لَا تَفْسُدُ .
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَكَلَ بَعْضَ اللُّقْمَةِ وَبَقِيَ فِي فِيهِ بَعْضُهَا فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَابْتَلَعَهُ لَا تَفْسُدُ مَا لَمْ تَكُنْ مِلْءَ الْفَمِ

( وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ مَقَامُ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ وَسُجُودُهُ فِي الطَّاقِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُومَ فِي الطَّاقِ ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ صَنِيعَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ تَخْصِيصِ الْإِمَامِ بِالْمَكَانِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سُجُودُهُ فِي الطَّاقِ ( وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ عَلَى الدُّكَّانِ ) لِمَا قُلْنَا ( وَكَذَا عَلَى الْقَلْبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ) لِأَنَّهُ ازْدِرَاءٌ بِالْإِمَامِ ( وَلَا بَاسَ بِأَنْ يُصَلِّيَ إلَى ظَهْرِ رَجُلٍ قَاعِدٍ يَتَحَدَّثُ ) لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رُبَّمَا كَانَ يَسْتَتِرُ بِنَافِعٍ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ( وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفٌ مُعَلَّقٌ أَوْ سَيْفٌ مُعَلَّقٌ ) لِأَنَّهُمَا لَا يُعْبَدَانِ ، وَبِاعْتِبَارِهِ تَثْبُتُ الْكَرَاهَةُ

( قَوْلُهُ فِي الطَّاقِ ) أَيْ الْمِحْرَابِ ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ : كَوْنُهُ يَصِيرُ مُمْتَازًا عَنْهُمْ ، وَكَيْ لَا يَشْتَبِهَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ حَالُهُ حَتَّى إذَا كَانَ بِجَنَبَتَيْ الطَّاقِ عَمُودَانِ وَرَاءَهُمَا فُرْجَتَانِ يَطَّلِعُ مِنْهَا أَهْلُ الْجِهَتَيْنِ عَلَى حَالِهِ لَا يُكْرَه ، وَإِنَّمَا هَذَا بِالْعِرَاقِ لِأَنَّ مَحَارِيبَهُمْ مُجَوَّفَةٌ مُطَوَّقَةٌ ، فَمَنْ اخْتَارَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَا يُكْرَهُ عِنْدَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، وَمَنْ اخْتَارَ الْأُولَى يُكْرَهُ عِنْدَهُ مُطْلَقًا .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ امْتِيَازَ الْإِمَامِ مُقَرَّرٌ مَطْلُوبٌ فِي الشَّرْعِ فِي حَقِّ الْمَكَانِ حَتَّى كَانَ التَّقَدُّمُ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَغَايَةُ مَا هُنَا كَوْنُهُ فِي خُصُوصِ مَكَان ، وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ بُنِيَ فِي الْمَسَاجِدِ الْمَحَارِيبُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ لَمْ تُبْنَ كَانَتْ السُّنَّةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي مُحَاذَاةِ ذَلِكَ الْمَكَانِ لِأَنَّهُ يُحَاذِي وَسَطَ الصَّفِّ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ ، إذْ قِيَامُهُ فِي غَيْرِ مُحَاذَاتِهِ مَكْرُوهٌ ، وَغَايَتُهُ اتِّفَاقُ الْمِلَّتَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ .
وَلَا بِدَعَ فِيهِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ إنَّمَا يَخُصُّونَ الْإِمَامَ بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ عَلَى مَا قِيلَ فَلَا تَشَبُّهَ .
( قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سُجُودَهُ فِي الطَّاقِ ) أَيْ وَرِجْلَاهُ خَارِجَهَا فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْقَدَمِ فِي مَكَانِ الصَّلَاةِ حَتَّى يُشْتَرَطَ طَهَارَتُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، بِخِلَافِ مَكَانِ السُّجُودِ إذْ فِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَلِذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ يَحْنَثُ بِوَضْعِ الْقَدَمِ وَإِنْ كَانَ بَاقِي بَدَنِهِ خَارِجَهَا ، وَالصَّيْدُ إذَا كَانَ رِجْلَاهُ فِي الْحَرَمِ وَرَأْسُهُ خَارِجَهُ صَيْدُ الْحَرَمِ فَفِيهِ الْجَزَاءُ .
( قَوْلُهُ وَحْدَهُ ) احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا كَانَ مَعَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ ( قَوْلُهُ لِمَا قُلْنَا ) مِنْ أَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ يَخُصُّونَ إمَامَهُمْ بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ فَقَوْلُهُ

فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِعَدَمِ مَنَاطِهَا وَهُوَ التَّشَبُّهُ فَإِنَّهُمْ لَا يَخُصُّونَهُ بِالْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ هُنَا لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ .
وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ الِارْتِفَاعِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الْكَرَاهَةُ فَقِيلَ قَدْرُ الْقَامَةِ ، وَقِيلَ مَا يَقَعُ بِهِ الِامْتِيَازُ ، وَقِيلَ ذِرَاعٌ كَالسُّتْرَةِ .
وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَالْوَجْهُ أَوَجْهِيَّةُ الثَّانِي لِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ شَبَهُ الِازْدِرَاءِ يَتَحَقَّقُ فِيهِ غَيْرُ مُقْتَصَرٍ عَلَى قَدْرِ الذِّرَاعِ ( قَوْلُهُ يَتَحَدَّثُ ) لِإِفَادَةِ نَفْيِ الْكَرَاهَةَ بِحَضْرَةِ الْمُتَحَدِّثِينَ خِلَافًا لِلْقَائِلَيْنِ وَكَذَا بِحَضْرَةِ النَّائِمِينَ .
وَمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُصَلُّوا خَلْفَ النَّائِمِ وَلَا الْمُتَحَدِّثِ } فَضَعِيفٌ ، وَقَدْ صَحَّ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَائِمَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ } .
قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ .
وَقَدْ يُقَالُ : لَمْ تَكُنْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَائِمَةً بَلْ مُضْطَجِعَةً ، وَلِذَا قَالَتْ : فَكَانَ إذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضَتْ رَجْلِي .
فَإِذَا قَامَ بَسَطْتهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ : كَانَ ذَلِكَ الْغَمْزُ الْمُتَكَرِّرُ مِرَارًا إيقَاظًا ، لَكِنْ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ كُلِّهَا وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ } يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ نَائِمَةً لَا مُضْطَجِعَةً يَقْظَى .
وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِمَا فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { نُهِيتُ أَنْ أُصَلِّيَ إلَى النِّيَامِ وَالْمُتَحَدِّثِينَ } وَإِنْ قَالَ الْبَزَّارُ لَا نَعْلَمُهُ إلَّا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَيُجَابُ بِأَنَّ مَحْمَلُهُ إذَا كَانَتْ لَهُمْ أَصْوَاتٌ

يُخَافُ مِنْهَا التَّغْلِيظُ أَوْ الشَّغْلُ ، وَفِي النَّائِمِينَ إذَا خَافَ ظُهُورَ صَوْتٍ يُضْحِكُهُ وَقَدَّمْنَا أَنَّ فِي كَوْنِ ظَهْرِ النَّائِمِ سُتْرَةً اخْتِلَافًا ( قَوْلُهُ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رُبَّمَا كَانَ يَسْتَتِرُ بِنَافِعٍ ) رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى سَارِيَةٍ قَالَ لِي : وَلِّ ظَهْرَك .
وَمَا رَوَى الْبَزَّارُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي إلَى رَجُلٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ } وَاقِعَةُ حَالٍ لَا تَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ كَانَ إلَى ظَهْرِهِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ كَانَ مُسْتَقْبِلَهُ فَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ لِرَفْعِ الْكَرَاهَةِ .
وَهُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، وَلَوْ صَلَّى إلَى وَجْهِ إنْسَانٍ وَبَيْنَهُمَا ثَالِثٌ ظَهْرُهُ إلَى وَجْهِ الْمُصَلِّي لَمْ يُكْرَهْ ( قَوْلُهُ وَبِاعْتِبَارِهِ تَثْبُتُ الْكَرَاهَةُ ) قُدِّمَ الْمَعْمُولُ لِقَصْدِ إفَادَةِ الْحَصْرِ فَيُفِيدُ الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ النَّاسِ بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّ السَّيْفَ آلَةُ الْحَرْبِ وَالْبَأْسِ فَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهُ فِي مَقَامِ الِابْتِهَالِ ، وَفِي اسْتِقْبَالِ الْمُصْحَفِ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ .
وَالْجَوَابُ أَنَّ اسْتِقْبَالَهُمْ إيَّاهُ لِلْقِرَاءَةِ مِنْهُ لَا لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ ، وَقَدْ قُلْنَا بِكَرَاهَةِ اسْتِقْبَالِهِ لِذَلِكَ .
وَالْحَالُ ابْتِهَالٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ مُحَارَبَةٌ لِلشَّيْطَانِ وَالنَّفْسِ الْمُخَالِفَةِ .
وَعَنْ هَذَا سُمِّيَ الْمِحْرَابُ

( وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ ) لِأَنَّ فِيهِ اسْتِهَانَةً بِالصُّوَرِ ( وَلَا يَسْجُدُ عَلَى التَّصَاوِيرِ ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ عِبَادَةَ الصُّورَةِ ، وَأَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ فِي الْأَصْلِ لِأَنَّ الْمُصَلَّى مُعَظَّمٌ ( وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ رَأْسِهِ فِي السَّقْفِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ بِحِذَائِهِ تَصَاوِيرُ أَوْ صُورَةٌ مُعَلَّقَةٌ ) { لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ : إنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ } ، وَلَوْ كَانَتْ الصُّورَةُ صَغِيرَةً بِحَيْثُ لَا تَبْدُو لِلنَّاظِرِ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّ الصِّغَارَ جِدًّا لَا تُعْبَدُ ( وَإِذَا كَانَ التِّمْثَالُ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ ) أَيْ مَمْحُوَّ الرَّأْسِ ( فَلَيْسَ بِتِمْثَالٍ ) لِأَنَّهُ لَا يُعْبَدُ بِدُونِ الرَّأْسِ وَصَارَ كَمَا إذَا صَلَّى إلَى شَمْعٍ أَوْ سِرَاجٍ عَلَى مَا قَالُوا ( وَلَوْ كَانَتْ الصُّورَةُ عَلَى وِسَادَةٍ مُلْقَاةٍ أَوْ عَلَى بِسَاطٍ مَفْرُوشٍ لَا يُكْرَهُ ) لِأَنَّهَا تُدَاسُ وَتُوطَأُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْوِسَادَةُ مَنْصُوبَةً أَوْ كَانَتْ عَلَى السُّتْرَةِ لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لَهَا ، وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً أَنْ تَكُونَ أَمَامَ الْمُصَلِّي ثُمَّ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ ثُمَّ عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ عَلَى شِمَالِهِ ثُمَّ خَلْفَهُ ( وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ تَصَاوِيرُ يُكْرَهُ ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ حَامِلَ الصَّنَمِ ، وَالصَّلَاةُ جَائِزَةٌ فِي جَمِيع ذَلِكَ لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهَا ، وَتُعَادُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ ، وَهَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ ( وَلَا يُكْرَهُ تِمْثَالٌ غَيْرُ ذِي الرُّوحِ ) لِأَنَّهُ لَا يُعْبَدُ

( قَوْلُهُ فِيهِ تَصَاوِيرُ ) فِي الْمُغْرِبِ الصُّورَةُ عَامٌّ فِي ذِي الرُّوحِ وَغَيْرِهِ ، وَالتِّمْثَالُ خَاصٌّ بِمِثَالِ ذِي الرُّوحِ لَكِنْ الْمُرَادُ هُنَا ذُو الرُّوحِ ، فَإِنَّ غَيْرَ ذِي الرُّوحِ لَا يُكْرَهُ كَالشَّجَرِ ، وَفِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَثَرُ قَالَ لِلْمُصَوِّرِ : إنْ كُنْت لَا بُدَّ فَاعِلًا فَعَلَيْك بِتِمْثَالٍ غَيْرِ ذِي الرُّوحِ ( قَوْلُهُ وَأَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ فِي الْأَصْلِ ) أَيْ يُكْرَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الصُّورَةِ أَوَّلًا ، وَقَيَّدَهَا فِي الْجَامِعِ بِأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ .
فَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ لَا يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِهَانَةِ .
وَجْهُ مَا فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْمُصَلَّيْ : أَيْ السَّجَّادَةَ الَّتِي يُصَلَّى عَلَيْهَا مُعَظَّمٌ فَوَضْعُ الصُّورَةِ فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهَا حَيْثُمَا كَانَتْ مِنْهُ ، بِخِلَافِ وَضْعِهَا عَلَى الْبِسَاطِ الَّذِي لَمْ يُعَدَّ لِلصَّلَاةِ ( قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ أَنْ تَكُونَ فَوْقَ رَأْسِهِ ) أَيْ تَكْرَهُ الصَّلَاةُ وَفَوْقَ رَأْسِهِ إلَخْ ، فَلَوْ كَانَتْ الصُّورَةُ خَلْفَهُ أَوْ تَحْتَ رِجْلَيْهِ فَفِي شَرْحِ عَتَّابٍ لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ .
وَلَكِنْ تُكْرَهُ كَرَاهَةَ جَعْلِ الصُّورَةِ فِي الْبَيْتِ لِلْحَدِيثِ { إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ } وَإِلَّا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي كَرَاهَةَ كَوْنِهَا فِي بِسَاطٍ مَفْرُوشٍ ، وَعَدَمُ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَتْ خَلْفَهُ وَصَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِي الْأَوَّلِ خِلَافُهُ .
وَقَوْلُهُ وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً أَنْ تَكُونَ أَمَامَ الْمُصَلِّي إلَى أَنْ قَالَ : ثُمَّ خَلْفَهُ يَقْتَضِي خِلَافَ الثَّانِي أَيْضًا ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ تَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ التَّشَبُّهِ بِعِبَادَةِ الْوَثَنِ وَلَيْسُوا يَسْتَدْبِرُونَهُ وَلَا يَطَؤُنَهُ فِيهَا فَفِيمَا يُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ الْهِدَايَةِ نَظَرٌ .
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ثُبُوتِهَا فِي الصَّلَاةِ بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ كَمَا كُرِهَتْ الصَّلَاةُ فِي الْحَمَّامِ عَلَى أَحَدِ التَّعْلِيلَيْنِ ، وَهُوَ كَوْنُهَا مَأْوَى الشَّيَاطِينِ ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ هُنَا لِأَنَّ امْتِنَاعَ

الْمَلَائِكَةِ مِنْ الدُّخُولِ لِلصُّورَةِ مَعَ تَسَلُّطِ الشَّيَاطِينِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَانِعٍ يُوجِبُ ذَلِكَ ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَالْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهُ ثَبَتَتْ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ فِي خُصُوصِ مَكَان بِاعْتِبَارِ مَعْنًى فِيهِ نَفْسِهِ لَا فِيهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَمْ يَقُلْ بِالْكَرَاهَةِ وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ الْقَدَمِ وَمَا ذَكَرْت يُفِيدُهُ لِأَنَّهَا فِي الْبَيْتِ .
وَكَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { وَاعَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ فِي سَاعَةٍ يَأْتِيهِ فِيهَا ، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأْتِهِ وَفِي يَدِهِ عَصًا فَأَلْقَاهَا ، وَقَالَ : مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَا رَسُولُهُ ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟ مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْبُ هَاهُنَا ؟ فَقَالَتْ : وَاَللَّهِ مَا دَرَيْتُ ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاعَدْتَنِي فَجَلَسْتُ لَكَ فَلَمْ تَأْتِ فَقَالَ : مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ ، إنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ } انْتَهَى .
وَبِهِ يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَيْضًا حَيْثُ كَانَ دَلِيلُهُ عَامًّا لِجَمِيعِ الصُّوَرِ ، وَهُوَ يَقُولُ لَا يُكْرَه كَوْنُهَا فِي وِسَادَةٍ مُلْقَاةٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ .
فَالْجَوَابُ لَا يُكْرَهُ جَعْلُهَا فِي الْمَكَانِ كَذَلِكَ لَتَعَدَّى إلَى الصَّلَاةِ .
وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ ، وَعِنْدَ النَّسَائِيّ { اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اُدْخُلْ ، فَقَالَ : كَيْفَ أَدْخُلُ وَفِي بَيْتِكَ سِتْرٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ ، فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاقْطَعْ رُءُوسَهَا أَوْ اقْطَعْهَا وَسَائِدَ أَوْ اجْعَلْهَا بُسُطًا } وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسَائِيّ اقْطَعْهَا وَسَائِدَ .
وَفِي الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ

الْمَظَالِمِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهَا اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ فَاِتَّخَذْتُ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ فَكَانَتْ فِي الْبَيْتِ تَجْلِسُ عَلَيْهِمَا } زَادَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ { وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ مُتَّكِئًا عَلَى إحْدَاهُمَا وَفِيهَا صُورَةٌ } ( قَوْلُهُ بِحَيْثُ لَا تَبْدُو لِلنَّاظِرِ ) أَيْ عَلَى بُعْدٍ مَا ، وَالْكَبِيرَةُ مَا تَبْدُو عَلَى الْبُعْدِ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تُعْبَدُ ) فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْوَثَنِ فَلَا يُكْرَهُ فِي الْبَيْتِ .
وَنُقِلَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى خَاتَمِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذُبَابَتَانِ .
وَلَمَّا وُجِدَ خَاتَمُ دَانْيَالَ وُجِدَ عَلَيْهِ أَسَدٌ وَلَبْوَةُ بَيْنَهُمَا صَبِيٌّ يَلْحَسَانِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ بُخْتَ نَصَّرَ قِيلَ لَهُ يُولَدُ مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلَاكُك عَلَى يَدَيْهِ ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ مِنْ يُولَدُ ، فَلَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ دَانْيَالَ إيَّاهُ أَلْقَتْهُ فِي غَيْضَةٍ رَجَاءَ أَنْ يَسْلَمَ .
فَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أَسَدًا يَحْفَظُهُ وَلَبْوَة تُرْضِعُهُ فَنَقَشَهُ بِمَرْأًى مِنْهُ لِيَتَذَكَّرَ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى ( قَوْلُهُ أَيْ مَمْحُوَّ الرَّأْسِ ) فَسَّرَ بِهِ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ تُقْطَعَ بِخَيْطٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي الْكَرَاهَةَ ، لِأَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانَاتِ مُطَوَّقٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ قَطْعُهُ إلَّا بِمَحْوِهِ ، وَهُوَ بِأَنْ يَجْعَلَ الْخَيْطَ عَلَى كُلِّ رَأْسِهِ بِحَيْثُ يَخْفَى أَوْ يَطْلِيَهُ بِطِلَاءٍ يُخْفِيهِ أَوْ يَغْسِلَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، أَمَّا لَوْ قَطَعَ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا لَا تَرْتَفِعُ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ تُقْطَعُ أَطْرَافُهُ وَهُوَ حَيٌّ ( قَوْلُهُ عَلَى مَا قَالُوا ) يُشْعِرُ بِالْخِلَافِ ، وَقِيلَ يُكْرَهُ .
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَهُ بَلْ الضِّرَامَ جَمْرًا أَوْ نَارًا ( قَوْلُهُ وَتُعَادُ ) صَرَّحَ بِلَفْظِ الْوُجُوبِ الشَّيْخُ قِوَامُ الدِّينِ الْكَاكِيُّ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ ، وَلَفْظُ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ : أَعْنِي قَوْلَهُ وَتُعَادُ ، يُفِيدُهُ أَيْضًا عَلَى مَا عُرِفَ ، وَالْحَقُّ

التَّفْصِيلُ بَيْنَ كَوْنِ تِلْكَ الْكَرَاهَةِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ أَوْ تَنْزِيهٍ فَتُسْتَحَبُّ ، فَإِنَّ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ ، فَإِنَّ الظَّنِّيَّ إنْ أَفَادَ الْمَنْعَ بِدَلَالَةٍ قَطْعِيَّةٍ : أَعْنِي بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ مُجَرَّدٌ عَنْ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنْهُ ، فَالثَّابِتُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ ، وَإِنْ أَفَادَ إلْزَامَ الْفِعْلِ كَذَلِكَ فَالْوُجُوبُ ، وَإِنْ أَفَادَ نَدْبَ الْمَنْعِ فَتَنْزِيهِيَّةٌ أَوْ الْفِعْلِ فَالْمَنْدُوبُ وَلِذَا كَانَ لَازِمُهُمَا مَعْنًى وَاحِدًا وَهُوَ تَرَتُّبُ الْإِثْمِ بِتَرْكِ مُقْتَضَاهُمَا

( وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اُقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ } وَلِأَنَّ فِيهِ إزَالَةُ الشَّغْلِ فَأَشْبَهَ دَرْءَ الْمَارِّ وَيَسْتَوِي جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْحَيَّاتِ هُوَ الصَّحِيحُ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا

( قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اُقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ مَا إذَا احْتَاجَ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي ذَلِكَ أَوْ قَلِيلٍ ، وَقِيلَ بَلْ إذَا كَانَ قَلِيلًا .
وَفِي الْمَبْسُوطِ : الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَفْصِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ كَالْمَشْيِ فِي سَبْقِ الْحَدَثِ وَالِاسْتِقَاءِ مِنْ الْبِئْرِ وَالتَّوَضُّؤِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِقَاءَ غَيْرُ مُفْسِدٍ فِي سَبْقِ الْحَدَثِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ خِلَافُهُ ، وَبَحْثُهُ بِأَنَّهُ لَا تَفْصِيلَ فِي الرُّخْصَةِ بِالنَّصِّ يَسْتَلْزِمُ مِثْلَهُ فِي عِلَاجِ الْمَارِّ إذَا كَثُرَ فَإِنَّهُ أَيْضًا مَأْمُورٌ بِهِ بِالنَّصِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ مُفْسِدٌ عِنْدَهُمْ .
فَمَا هُوَ جَوَابُهُ عَنْ عِلَاجِ الْمَارِّ هُوَ جَوَابُنَا فِي قَتْلِ الْحَيَّةِ ، ثُمَّ أُلْحِقَ فِيمَا يُظْهِرُ الْفَسَادَ ، وَقَوْلُهُمْ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ لَا يَسْتَلْزِمُ بَقَاءَ الصِّحَّةِ عَلَى نَهْجِ مَا قَالُوهُ ، وَمِنْ الْفَسَادِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا قَاتَلُوا فِي الصَّلَاةِ بَلْ أَثَرُهُ فِي رَفْعِ الْإِثْمِ بِمُبَاشَرَةِ الْمُفْسِدِ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ حَرَامًا صَحِيحٌ ( قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ لَا تُقْتَلُ الْحَيَّةُ الْبَيْضَاءُ الَّتِي تَمْشِي مُسْتَوِيَةً لِأَنَّهَا مِنْ الْجَانِّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اُقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْحَيَّةَ الْبَيْضَاءَ فَإِنَّهَا مِنْ الْجِنِّ } .
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَا بَأْس بِقَتْلِ الْكُلِّ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاهَدَ الْجِنَّ أَنْ لَا يَدْخُلُوا بُيُوتَ أُمَّتِهِ وَلَا يُظْهِرُوا أَنْفُسَهُمْ ، فَإِذَا خَالَفُوا فَقَدْ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ فَلَا حُرْمَةَ لَهُمْ ، وَقَدْ حَصَلَ فِي عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيمَنْ بَعْدَهُ الضَّرَرُ بِقَتْلِ بَعْضِ الْحَيَّاتِ مِنْ

الْجِنِّ ، فَالْحَقُّ أَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَوْلَى الْإِمْسَاكُ عَمَّا فِيهِ عَلَامَةُ الْجَانِّ لَا لِلْحُرْمَةِ بَلْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُتَوَهَّمِ مِنْ جِهَتِهِمْ .
وَقِيلَ يُنْذِرُهَا فَيَقُولُ خَلِّي طَرِيقَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ ارْجِعِي بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَإِنْ أَبَتْ قَتَلَهَا وَهَذَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ

( وَيُكْرَهُ عَدُّ الْآيِ وَالتَّسْبِيحَاتِ بِالْيَدِ فِي الصَّلَاةِ ) وَكَذَلِكَ عَدُّ السُّوَرِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ جَمِيعًا مُرَاعَاةً لِسُنَّةِ الْقِرَاءَةِ وَالْعَمَلِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ .
قُلْنَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعُدَّ ذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْعَدِّ بَعْدَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ) فِي التَّجْرِيدِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا عَدَّ بِالْأَصَابِعِ أَوْ بِخَيْطٍ يَمْسِكُهُ ، أَمَّا إذَا أَحْصَى بِقَلْبِهِ أَوْ غَمَزَ بِأَنَامِلِهِ فَلَا كَرَاهَةَ .

.
[ فُرُوعٌ أُخْرَى ] يُكْرَهُ الْعَمَلُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يُفْسِدُ كَالضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ وَتَغْمِيضِ الْعَيْنَيْنِ وَرَفْعِهِمَا إلَى جِهَةِ السَّمَاءِ وَتَغْطِيَةِ الْفَمِ أَوْ الْأَنْفِ وَالتَّثَاؤُبِ إذَا أَمْكَنَهُ الْكَظْمُ ، فَإِنْ عَجَزَ فَفَتَحَ غَطَّى فَاهُ بِكُمِّهِ أَوْ يَدِهِ وَإِلَّا يُكْرَهُ .
وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ أَيْضًا مَعَ تَشْمِيرِ الْكُمِّ عَنْ السَّاعِدِ وَمَكْشُوفِ الرَّأْسِ إلَّا لِقَصْدِ التَّضَرُّعِ ، وَلَا بَأْسَ مَعَ شَدِّ الْوَسَطِ ، وَيُكْرَهُ سَتْرُ الْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ ، وَتُكْرَهُ مَعَ نَجَاسَةٍ لَا تَمْنَعُ إلَّا إنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ أَوْ الْجَمَاعَةَ وَلَا جَمَاعَةَ أُخْرَى ، وَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ إنْ لَمْ يَخَفْ ذَلِكَ إذَا تَذَكَّرَ هَذِهِ النَّجَاسَةَ ، وَكَذَا يَقْطَعُ لِإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ أَوْ خَوْفٍ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ سَطْحٍ أَوْ يَغْرَقَ أَوْ يُحْرَقَ وَنَحْوِهِ .
وَلَهُ أَنْ يَقْطَعَ إذَا سُرِقَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ قَدْرُ دِرْهَمٍ لَا لِنِدَاءِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ إلَّا أَنْ يَسْتَغِيثَ وَتُكْرَهُ مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ أَوْ قَبْلَهُ ، وَفِي فِيهِ دِرْهَمٌ أَوْ لُؤْلُؤَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ ، وَفِي أَرْضِ غَيْرِهِ .
فَإِذَا اُبْتُلِيَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَزْرُوعَةً أَوْ لِكَافِرٍ فَفِي الطَّرِيقِ وَإِلَّا فَفِي الْأَرْضِ .
وَلَوْ كَانَ فِي بَيْتِ إنْسَانٍ إنْ اسْتَأْذَنَهُ فَأَحْسَنُ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ ، وَيُكْرَهُ وَقُدَّامُهُ عَذِرَةٌ كَمَا يُكْرَهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَةُ الْمَسْجِدِ إلَى حَمَّامٍ أَوْ مَخْرَجٍ أَوْ قَبْرٍ ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذِهِ حَائِلُ حَائِطٍ لَا يُكْرَهُ ،

.
وَيُكْرَهُ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ إذَا كَانَ لَهُ الْتِفَاتٌ إلَيْهِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ { لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ .
وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ } وَمَا فِي أَبِي دَاوُد { لَا تُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ لِطَعَامٍ وَلَا غَيْرِهِ } يُحْمَلُ عَلَى تَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا جَمْعًا بَيْنَهُمَا .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَا يَأْمَنُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ } وَعَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ } وَعَنْ جَابِرٍ بْنِ سُمْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ }

فَصْلٌ وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْفَرْجِ فِي الْخَلَاءِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ .
وَالِاسْتِدْبَارُ يُكْرَهُ فِي رِوَايَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ ، وَلَا يُكْرَهُ فِي رِوَايَةٍ لِأَنَّ الْمُسْتَدْبَرَ فَرْجُهُ غَيْرُ مُوَازٍ لِلْقِبْلَةِ .
وَمَا يَنْحَطُّ مِنْهُ يَنْحَطُّ إلَى الْأَرْضِ ، بِخِلَافِ الْمُسْتَقْبِلِ لِأَنَّ فَرْجَهُ مُوَازٍ لَهَا وَمَا يَنْحَطُّ مِنْهُ يَنْحَطُّ إلَيْهَا

( فَصْلٌ ) ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ ) قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا } أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ ( قَوْلُهُ وَلَا يُكْرَهُ فِي رِوَايَةٍ ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { رَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ } وَلِأَنَّ فَرْجَهُ غَيْرُ مُوَازٍ لَهَا ، إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ .
وَجْهُ الظَّاهِرِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ لِتَقَدُّمِ الْمَانِعِ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ، وَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَصِيرُ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ : ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَخْذًا بِعُمُومِ الْأَوَّلِ مَعَ تَقْوِيَتِهِ بِقَوْلِ أَبِي أَيُّوبَ قَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَطَائِفَةٌ كَرِهُوهُ فِي الْفَضَاءِ دُونَ الْبُنْيَانِ مُطْلَقًا مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ أَخْذًا بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ : رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ وَجَلَسَ يَبُولُ إلَيْهَا ، فَقُلْت : أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا ؟ .
قَالَ بَلَى إنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُك فَلَا بَأْسَ .
وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مِنْ رُؤْيَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَطَائِفَةٌ رَخَّصُوهُ مُطْلَقًا ، فَمِنْهُمْ مَنْ طَرَحَ الْأَحَادِيثَ لِتَعَارُضِهَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ وَالْمُعَارَضَةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ

الْمُتَقَدِّمِ ، وَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمْ الْقِبْلَةَ فَقَالَ : أُرَاهُمْ قَدْ فَعَلُوهَا اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي الْقِبْلَةَ } .
وَقَوْلُ أَحْمَدَ أَحْسَنُ مَا فِي الرُّخْصَةِ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَإِنَّ مَخْرَجَهُ حَسَنٌ بِنَاءً عَلَى إنْكَارِهِ أَنَّ عِرَاكًا سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ مِمَّنْ يُمْكِنُ كَوْنُهُ لَقِيَهَا فَقَدْ قَالُوا إنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ تُوُفِّيَ هُوَ وَعَائِشَةُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةِ فَلَا يَبْعُدُ سَمَاعَهُ مِنْهَا مَعَ كَوْنِهِمَا فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ عِرَاكٍ عَنْ عَائِشَةَ { جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا } الْحَدِيثَ .
ثُمَّ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ قَالَ عِرَاكٌ فِيهَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ النَّاسِ أَمَرَ بِمَقْعَدَتِهِ فَاسْتَقْبَلَ بِهَا الْقِبْلَةَ } .
وَمِنْهُمْ مَنْ ادَّعَى النَّسْخَ تَمَسُّكًا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا } وَلَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ وَمَنْ بَعْدَهُ .
حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ فَزَالَتْ تُهْمَةُ التَّدْلِيسِ ، وَلَفْظُهُمْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ أَوْ نَسْتَدْبِرَهَا بِفُرُوجِنَا إذَا هَرَقْنَا الْمَاءَ ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يَبُولُ إلَى الْقِبْلَةِ } وَأَبَانُ بْنُ صَالِحٍ وَثَّقَهُ الْمُزَكُّونَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي

الْعِلَلِ الْكَبِيرِ : سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَالْأَحْوَطُ الْمَنْعُ لِأَنَّ النَّاسِخَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي قُوَّةِ الْمَنْسُوخِ وَهَذَا وَإِنْ صَحَّ لَا يُقَاوِمُ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السِّتَّةُ وَغَيْرَهُ مِمَّا أَخْرَجَ كَثِيرًا .
مَعَ أَنَّ الَّذِي فِيهِ حِكَايَةُ فِعْلِهِ وَهُوَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي نَسْخِ التَّشْرِيعِ الْقَوْلِيِّ لِجَوَازِ الْخُصُوصِيَّةِ : وَلَوْ نَسِيَ فَجَلَسَ مُسْتَقْبِلًا فَذَكَرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الِانْحِرَافُ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُهُ : أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْآثَارِ عَنْ عَمْرِو بْنِ جُمَيْعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ جَلَسَ يَبُولُ قُبَالَةَ الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ فَتَحَرَّفَ عَنْهَا إجْلَالًا لَهَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ } وَكَمَا يُكْرَهُ لِلْبَالِغِ ذَلِكَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ الصَّغِيرَ نَحْوَهَا لِيَبُولَ وَقَالُوا : يُكْرَهُ أَنْ يَمُدَّ رِجْلَيْهِ فِي النَّوْمِ وَغَيْرِهِ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ الْمُصْحَفِ أَوْ كُتُبِ الْفِقْهِ إلَّا أَنْ تَكُون عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ عَنْ الْمُحَاذَاةِ

( وَتَكْرَهُ الْمُجَامَعَةُ فَوْقَ الْمَسْجِدِ وَالْبَوْلُ وَالتَّخَلِّي ) لِأَنَّ سَطْحَ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ مِنْهُ بِمَنْ تَحْتَهُ ، وَلَا يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ بِالصُّعُودِ إلَيْهِ ، وَلَا يَحِلُّ لِلْجُنُبِ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ ( وَلَا بَأْسَ بِالْبَوْلِ فَوْقَ بَيْتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ ) وَالْمُرَادُ مَا أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ الْمَسْجِدِ وَإِنْ نَدَبْنَا إلَيْهِ

( قَوْلُهُ وَتُكْرَهُ الْمُجَامَعَةُ ) وَصَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } لَكِنَّ الْحَقَّ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ .
لِأَنَّ دَلَالَةَ الْآيَةِ إنَّمَا هِيَ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمُعْتَكِفِ فَتُفِيدُ أَنَّ الْوَطْءَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الِاعْتِكَافِ ، فَعِنْدَ عَدَمِ الِاعْتِكَافِ لَا يَكُونُ لَفْظُ الْآيَةِ دَالًا عَلَى مَنْعٍ فَالْمَنْعُ لِلْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ بَلْ لَوْ كَانَ مُعْتَكِفًا اعْتِكَافًا نَفْلًا أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ : لَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ عَلَيْهِ لِلِاعْتِكَافِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ قَطْعَ نَفْلِ الِاعْتِكَافِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ إنْهَاءٌ لِلْعِبَادَةِ لَا إبْطَالٌ ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ لِلْمَسْجِدِ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَلَيْسَتْ الْآيَةُ عَلَى إطْلَاقِهَا فِي كُلِّ اعْتِكَافٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ : يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ الَّذِي هُوَ إنْهَاءٌ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ كَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ ، وَمَبْدَؤُهُ يَقَعُ فِي الْعِبَادَةِ فَصَارَ كَالْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْحَدَثِ يَكُونُ إنْهَاءً مَحْظُورًا .
وَلَوْ سُلِّمَ عَدَمُ دَلَالَتِهَا عَلَى مَا قُلْنَاهُ عَيْنًا كَانَتْ مُحْتَمِلَةً كَوْنَ التَّحْرِيمِ لِلِاعْتِكَافِ أَوْ لِلْمَسْجِدِ فَتَكُونُ ظَنِّيَّةَ الدَّلَالَةِ ، وَبِمِثْلِهَا تَثْبُتُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ لَا التَّحْرِيمُ .
وَالْمُرَادُ بِالتَّخَلِّي التَّغَوُّطُ لِأَنَّ سَطْحَ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُهُ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ ، وَقَدْ أُمِرَ بِتَطْهِيرِهِ وَالْبَوْلُ يُنَافِيهِ ، وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ يَنْزَوِي مِنْ النُّخَامَةِ كَمَا تَنْزَوِي الْجَلْدَةُ مِنْ النَّارِ عَلَى مَا رُوِيَ فَكَيْفَ بِالْبَوْلِ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ الْمَسْجِدِ ) حَتَّى لَا يَصِحَّ فِيهِ الِاعْتِكَافُ إلَّا لِلنِّسَاءِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي مُصَلَّى الْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنَّمَا لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ لِكَوْنِهِ مَكَانًا وَاحِدًا وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ

( وَيُكْرَهُ أَنْ يُغْلَقَ بَابُ الْمَسْجِدِ ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ ، وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا خِيفَ عَلَى مَتَاعِ الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ أَوَانِ الصَّلَاةِ ( وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْقَشَ الْمَسْجِدُ بِالْجِصِّ وَالسَّاجِ وَمَاءِ الذَّهَبِ ) وَقَوْلُهُ لَا بَأْسَ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِهِ ، وَقِيلَ هُوَ قُرْبَةٌ وَهَذَا إذَا فَعَلَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، أَمَّا الْمُتَوَلِّي فَيَفْعَلُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ مَا يَرْجِعُ إلَى إحْكَامِ الْبِنَاءِ دُونَ مَا يَرْجِعُ إلَى النَّقْشِ حَتَّى لَوْ فَعَلَ يَضْمَنُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ ) وَهُوَ حَرَامٌ ، قَالَ تَعَالَى { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } ( قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا بَأْسَ إذَا خِيفَ عَلَى مَتَاعِ الْمَسْجِدِ ) أَحْسَنُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِزَمَانِنَا كَمَا فِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ فَالْمَدَارُ خَشْيَةُ الضَّرَرِ عَلَى الْمَسْجِدِ ، فَإِنْ ثَبَتَ فِي زَمَانِنَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ ثَبَتَ كَذَلِكَ إلَّا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ أَوْ لَا فَلَا ، أَوْ فِي بَعْضِهَا فَفِي بَعْضِهَا ( قَوْلُهُ وَقِيلَ هُوَ قُرْبَةٌ ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُزَيَّنَ الْمَسَاجِدُ } الْحَدِيثَ ، وَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ وَعِنْدَنَا لَا بَأْسَ بِهِ .
وَمَحْمَلُ الْكَرَاهَةِ التَّكَلُّفُ بِدَقَائِقِ النُّقُوشِ وَنَحْوِهِ خُصُوصًا فِي الْمِحْرَابِ أَوْ التَّزْيِينُ مَعَ تَرْكِ الصَّلَوَاتِ أَوْ عَدَمُ إعْطَائِهِ حَقَّهُ مِنْ اللَّغَطِ فِيهِ وَالْجُلُوسِ لِحَدِيثِ الدُّنْيَا وَرَفْعِ الْأَصْوَاتِ بِدَلِيلِ آخِرِ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ { وَقُلُوبُهُمْ خَاوِيَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ } هَذَا إذَا فَعَلَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ أَمَّا الْمُتَوَلِّي فَيَفْعَلُ مَا يَرْجِعُ إلَى إحْكَامِ الْبِنَاءِ حَتَّى لَوْ جَعَلَ الْبَيَاضَ فَوْقَ السَّوَادِ لِلنَّقَاءِ ضَمِنَ كَذَا فِي الْغَايَةِ ، وَعَلَى هَذَا تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ بِالذَّهَبِ لَا بَأْسَ بِهِ .
وَكَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ يَكْرَهُونَ شَدَّ الْمَصَاحِفِ وَاِتِّخَاذِ الْمَشَدَّةِ لَهَا لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمَنْعَ كَالْغَلْقِ .

وَهَذِهِ فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْمَسْجِدِ لَا شَكَّ أَنَّ الدَّفْعَ لِلْفُقَرَاءِ أَوْلَى مِنْ تَزْيِينِهِ ، وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّهُ قُرْبَةٌ ، وَلَا يُحْفَرُ فِي الْمَسْجِدِ بِئْرٌ وَلَوْ كَانَتْ بِئْرًا قَدِيمَةً كَبِئْرِ زَمْزَمَ تُرِكَتْ ، وَلَوْ حَفَرَ فَتَلِفَ فِيهِ شَيْءٌ إنْ حَفَرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِإِذْنِهِمْ لَا يَضْمَنُ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ضَمِنَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِأَهْلِهِ أَوْ لَا .

وَلَا يَجُوزُ غَرْسُ الْأَشْجَارِ فِيهِ إلَّا إنْ كَانَ ذَا نَزٍّ وَالْأُسْطُوَانَاتُ لَا تَسْتَقِرُّ بِهِ فَيَجُوزُ لِتَشْرَبَ ذَلِكَ الْمَاءَ فَيَحْصُلَ بِهَا النَّفْعُ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَّخِذَ فِيهِ بَيْتًا لِمَتَاعِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَهُ طَرِيقًا بِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ لَا بَأْسَ ، وَلَا يَبْزُقُ فِيهِ فَيَأْخُذَ النُّخَامَةَ بِثَوْبِهِ ، .

وَلَوْ بَزَقَ كَانَ فَوْقَ الْحَصِيرِ أَسْهَلَ مِنْهُ تَحْتَهَا لِأَنَّ مَا تَحْتَهَا مَسْجِدٌ حَقِيقَةً وَالْحُصْرُ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِهِ حَقِيقَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَوَارٌ يَدْفِنُهَا فِي التُّرَابِ وَلَا يَدْعُهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ يَمْسَحَ رِجْلَهُ مِنْ الطِّينِ بِأُسْطُوَانَتِه أَوْ حَائِطِهِ ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْسَحَ بِبُرْدَتِهِ أَوْ قِطْعَةِ خَشَبٍ أَوْ حَصِيرٍ مُلْقَاةٍ فِيهِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ ، وَبِتُرَابِ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ مَجْمُوعًا لَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَبْسُوطًا يُكْرَهُ ، .

وَإِذَا نَزَحَ الْمَاءَ النَّجِسَ مِنْ الْبِئْرِ كُرِهَ أَنْ يَبُلَّ بِهِ الطِّينَ فَيُطَيِّنَ بِهِ الْمَسْجِدَ عَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ نَجَاسَةَ الطِّينِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ وَيُكْرَهُ التَّوَضِّي فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَضْمَضَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعٌ اُتُّخِذَ لِذَلِكَ لَا يُصَلَّى فِيهِ

، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعْمَلَ فِيهِ الصَّنَائِعُ لِأَنَّهُ مُخَلَّصٌ لِلَّهِ فَلَا يَكُونُ مَحَلًّا لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْخَيَّاطِ إذَا جَلَسَ فِيهِ لِمَصْلَحَتِهِ مِنْ دَفْعِ الصِّبْيَانِ وَصِيَانَةِ الْمَسْجِدِ لَا بَأْسَ بِهِ لِلضَّرُورَةِ .
وَلَا يَدُقُّ الثَّوْبَ عِنْدَ طَيِّهِ دَقَّا عَنِيفًا .
وَاَلَّذِي يَكْتُبُ إذَا كَانَ بِأَجْرٍ يُكْرَهُ وَبِغَيْرِ أَجْرٍ لَا يُكْرَهُ ، هَذَا إذَا كَتَبَ الْعِلْمَ وَالْقُرْآنَ لِأَنَّهُ فِي عِبَادَةٍ ، أَمَّا هَؤُلَاءِ الْمُكْتِبُونَ الَّذِينَ تَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ الصِّبْيَانُ وَاللَّغَطُ فَلَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَغَطٌ لِأَنَّهُمْ فِي صِنَاعَةٍ لَا عِبَادَةٍ ، إذْ هُمْ يَقْصِدُونَ الْإِجَادَةَ لَيْسَ هُوَ لِلَّهِ بَلْ لِلِارْتِزَاقِ ، وَمُعَلِّمُ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ كَالْكَاتِبِ إنْ كَانَ لِأَجْرٍ لَا وَحِسْبَةً لَا بَأْسَ بِهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ هَذَا إنْ كَانَ لِضَرُورَةِ الْحَرِّ وَغَيْرِهِ لَا يُكْرَهُ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ ، وَسَكَتَ عَنْ كَوْنِهِ بِأَجْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ حِسْبَةً ، فَأَمَّا إنْ كَانَ بِأَجْرٍ فَلَا شَكَّ فِي الْكَرَاهَةِ ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ حِسْبَةً وَلَا ضَرُورَةَ يُكْرَهُ لِأَنَّ نَفْسَ التَّعْلِيمِ وَمُرَاجَعَةَ الْأَطْفَالِ لَا تَخْلُو عَمَّا يُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ صَلَاةٍ جَائِزٌ لَا لِلْمُصِيبَةِ ، .

وَالْكَلَامُ الْمُبَاحُ فِيهِ مَكْرُوهٌ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ وَالنَّوْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ ، وَقِيلَ لَا بَأْسَ لِلْغَرِيبِ أَنْ يَنَامَ فِيهِ .
وَفِي النِّهَايَةِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الصَّوْمِ عَنْ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ فِي الْمَسْجِدِ مَكَانًا مُعِينًا يُصَلِّي فِيهِ ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَصِيرُ لَهُ طَبْعًا فِيهِ وَتَثْقُلُ فِي غَيْرِهِ ، وَالْعِبَادَةُ إذَا صَارَتْ طَبْعًا فَسَبِيلُهَا التَّرْكُ وَلِذَا كُرِهَ صَوْمُ الْأَبَدِ انْتَهَى .
فَكَيْفَ بِمَنْ اتَّخَذَهُ لِغَرَضٍ آخَرَ فَاسِدٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابُ صَلَاةِ الْوِتْرِ ( الْوِتْرُ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَا سُنَّةٌ ) لِظُهُورِ آثَارِ السُّنَنِ فِيهِ حَيْثُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُؤَذَّنُ لَهُ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً أَلَا وَهِيَ الْوِتْرُ ، فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ } أَمْرٌ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ وَلِهَذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِأَنَّ وُجُوبَهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَهُوَ يُؤَدَّى فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَاكْتَفَى بِأَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ .

بَابُ صَلَاةِ الْوِتْرِ ) ( قَوْلُهُ حَيْثُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ ) لَا يُفِيدُ إذْ إثْبَاتُ اللَّازِمِ لَا يَسْتَلْزِمُ إثْبَات الْمَلْزُومِ الْمُعَيَّنِ إلَّا إذَا سَاوَاهُ وَهُوَ هَاهُنَا أَعَمُّ ، فَإِنَّ عَدَمَ الْإِكْفَارِ بِالْجَحْدِ لَازِمُ الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ لَازِمُ السُّنَّةِ ، وَالْمُدَّعَى الْوُجُوبُ لَا الْفَرْضُ وَإِنْ قَصَدَ الِاسْتِدْلَالَ بِالْمَجْمُوعِ مِنْهُ مَعَ عَدَمِ التَّأْذِينِ فَأَقْرَبُ عَلَى مَا فِيهِ ، فَالثَّانِي يَسْتَقِلُّ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمَا دَلِيلُ الْوُجُوبِ فَنَفَيَاهُ ، وَثَبَتَ عِنْدَهُ وَهُوَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَخَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ وَأَبِي نَضْرَةَ الْغِفَارِيِّ ، فَعَنْ عُقْبَةَ وَعَمْرٍو رَوَاهُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ ، حَدَّثَنَا سُوَيْد بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً هِيَ لَكُمْ خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ .
الْوِتْرُ وَهِيَ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ } وَضَعَّفَ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ قُرَّةُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ النَّضْرِ أَبِي عُمَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالنَّضْرِ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ ، وَضَعَّفَهُ بِحُمَيْدِ بْنِ أَبِي الْجَوْنِ وَهُوَ { إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ } وَعَنْ الْخُدْرِيِّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَفِيهِ أَيْضًا مِثْلُ مَا فِي حَدِيثِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ .
وَفِيهِ { أَنَّهُ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا فَاجْتَمَعْنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً فَأَمَرَنَا بِالْوِتْرِ } وَضَعَّفَهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَزْرَمِيِّ .
وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهَيْعَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : سَمِعْت أَبَا نَضْرَةَ الْغِفَارِيَّ يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ ، فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ } وَسَكَتَ عَنْهُ وَأُعِلَّ بِابْنِ لَهِيعَةَ .
وَعَنْ خَارِجَةَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ { خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ خَيْرٍ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَهِيَ الْوِتْرُ ، فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ } قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ لِتَفَرُّدِ التَّابِعِيِّ عَنْ الصَّحَابِيِّ وَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ غَرِيبٌ لَا يُنَافِي الصِّحَّةَ لِمَا عُرِفَ ، وَلِذَا يَقُولُ مِرَارًا فِي كِتَابِهِ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .
وَمَا نُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّهُ أَعَلَّهُ بِقَوْلِهِ لَا يُعْرَفُ سَمَاعُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ مِنْ بَعْضٍ فَبِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِهِ الْعِلْمَ بِاللُّقِيِّ ، وَالصَّحِيحُ الِاكْتِفَاءُ بِإِمْكَانِ اللُّقِيِّ .
وَإِعْلَالُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ لَهُ بِابْنِ إِسْحَاقَ وَبِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَاشِدٍ نُقِلَ تَضْعِيفُ ابْنِ رَاشِدٍ عَنْ الدَّارَقُطْنِيُّ ، أَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَثِقَةٌ ثِقَةٌ لَا شُبْهَةَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ وَلَا عِنْدَ مُحَقِّقِي الْمُحَدِّثِينَ ، وَلَوْ سُلِّمَ فَقَدْ تَابَعَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ .
وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ تَضْعِيفِ ابْنِ رَاشِدٍ فَغَلَّطَهُ فِيهِ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ لِأَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ إنَّمَا ضَعَّفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَاشِدٍ الْبَصْرِيَّ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ،

وَأَمَّا هَذَا رَاوِي حَدِيثِ خَارِجَةَ فَهُوَ الرَّوْقِيُّ أَبُو الضَّحَّاكِ الْمِصْرِيُّ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ انْتَهَى .
وَمُتَابَعَةُ اللَّيْثِ وَالتَّصْرِيحُ بِكَوْنِ الرَّوْقِيُّ كِلَاهُمَا فِي إسْنَادِ النَّسَائِيّ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ الْكُنَي فَتَمَّ أَمْرُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَتَمِّ وَجْهٍ فِي الصِّحَّةِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا كَانَ فِي كَثْرَةِ طُرُقِهِ الْمُضَعَّفَةِ ارْتِفَاعٌ لَهُ إلَى الْحُسْنِ ، بَلْ بَعْضُهَا حَسَنٌ حُجَّةٌ وَهُوَ طَرِيقُ ابْنِ رَاهْوَيْهِ .
وَقُرَّةُ إنْ قَالَ أَحْمَدُ فِيهِ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا جِدًّا ، وَأَرْجُو أَنْ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ : بَقِيَ الشَّأْنُ فِي وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ ، فَقِيلَ مِنْ لَفْظِ زَادَكُمْ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا عِنْدَ حَصْرِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَالْمَحْصُورُ الْفَرَائِضُ لَا النَّوَافِلُ ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا ثَبَتَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً إلَى صَلَاتِكُمْ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ أَلَا وَهِيَ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ } فَإِنْ اقْتَضَى لَفْظُ زَادَكُمْ الْحَصْرَ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي هَذَا كَوْنُ الْمَحْصُورَةِ الْمَزِيدَةِ عَلَيْهَا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ ، وَحِينَئِذٍ فَالْمَحْصُورَةُ أَعَمُّ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ لَفْظُ زَادَكُمْ كَوْنَ الْمَزِيدِ فَرْضًا لِجَوَازِ كَوْنِهِ زِيَادَةً عَلَى الْمَحْصُورَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِفَرْضٍ : أَعْنِي السُّنَنَ .
وَقَدْ يَكُونُ هَذَا هُوَ الصَّارِفُ لِلْمُصَنِّفِ عَنْ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مَعَ شُهْرَتِهَا بَيْنَهُمْ إلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّمَسُّكِ بِلَفْظِ الْأَمْرِ ، لَكِنْ لَفْظُ الْأَمْرِ إنَّمَا هُوَ فِي حَدِيثِ ابْنِ لَهَيْعَةَ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَقَدْ ضُعِّفَ ، فَالْأَوْلَى التَّمَسُّكُ فِيهِ بِمَا فِي أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي الْمُنِيبِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَتَكِيِّ عَنْ

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْوِتْرُ حَقٌّ ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ لَيْسَ مِنِّي ، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنِّي ، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنِّي } وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ، وَقَالَ أَبُو الْمُنِيبِ ثِقَةٌ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ أَيْضًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَمِعْت أَبِي يَقُولُ صَالِحُ الْحَدِيثِ ، وَأَنْكَرَ عَلَى الْبُخَارِيِّ إدْخَالَهُ فِي الضُّعَفَاءِ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ النَّسَائِيّ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَا بَأْسَ بِهِ فَالْحَدِيثُ حَسَنٌ .
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ حَكَّامٍ عَنْ عَنْبَسَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْوِتْرُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ } وَقَالَ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
فَإِنْ قِيلَ الْأَمْرُ قَدْ يَكُونُ لِلنَّدَبِ وَالْحَقُّ هُوَ الثَّابِتُ ، وَكَذَا الْوَاجِبُ لُغَةً ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلْمُعَارَضَةِ وَلِقِيَامِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ .
أَمَّا الْمُعَارَضَةُ فَمَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ } وَمَا أَخْرَجَاهُ أَيْضًا { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ وَقَالَ لَهُ فِيمَا قَالَ : فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ } قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : وَكَانَ بَعَثَهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَيَّامٍ يَسِيرَةٍ .
وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ مُعَاذٌ مِنْ الْيَمَنِ وَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ بِهِمْ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ وَأَوْتَرَ ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنْ الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ

فَسَأَلُوهُ فَقَالَ خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ الْوِتْرُ هَذِهِ } أَحْسَنُ مَا يُعَارَضُ لَهُمْ بِهِ ، وَلَهُمْ غَيْرُهَا مِمَّا لَمْ يَسْلَمْ مِنْ ضَعْفٍ أَوْ عَدَمِ تَمَامِ دَلَالَةٍ .
وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ لِلْوُجُوبِ إلَى اللُّغَوِيِّ فَمَا فِي السُّنَنِ إلَّا التِّرْمِذِيَّ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْوِتْرُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيُوتِرْ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةِ فَلْيُوتِرْ } وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا وَجْهُ الْقَرِينَةِ أَنَّهُ حُكْمٌ بِالْوُجُوبِ ثُمَّ خُيِّرَ فِيهِ بَيْنَ خِصَالٍ إحْدَاهَا أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَكَانَ كُلُّ خَصْلَةٍ تَخَيَّرَ فِيهَا تَقَعُ وَاجِبَةً عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْخَمْسِ فَلَزِمَ صَرْفُهُ إلَى مَا قُلْنَا وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا فَيَجُوزُ كَوْنُ ذَلِكَ كَانَ لِعُذْرٍ ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ يُصَلَّى عَلَى الدَّابَّةِ لِعُذْرِ الطِّينِ وَالْمَطَرِ وَنَحْوِهِ ، أَوْ كَانَ قَبْلَ وُجُوبِهِ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَمْ يُقَارِنْ وُجُوبَ الْخَمْسِ بَلْ مُتَأَخِّرٌ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ لِلْوِتْرِ .
رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيُوتِرُ بِالْأَرْضِ وَيَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَدَلَّ أَنَّ وِتْرَهُ ذَلِكَ كَانَ إمَّا حَالَةَ عَدَمِ وُجُوبِهِ أَوْ لِلْعُذْرِ .
وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ جَوَازَ هَذَا الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، ثُمَّ يَقُولُونَ لِخَصْمِهِمْ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَمَا أُدِّيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ انْتَهَى .
وَهُوَ

غَيْرُ لَازِمٍ ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُرَجَّحَ عِنْدَهُمْ نَسْخُ وُجُوبِهِ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَصِحُّ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ ، فَإِنَّا لَا نَقُولُ بِجَوَازِهِ عَلَى الدَّابَّةِ لِوُجُوبِهِ ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ كَانَ بَعْدَ سَفَرِهِ ، وَعَنْ الثَّالِثِ كَالْأَوَّلِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ أَوْ الْمُرَادُ الْمَجْمُوعُ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ الْمُخْتَتَمَةِ بِوِتْرٍ وَنَحْنُ نَقُولُ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُطْلِقُونَ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ كَذَلِكَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ حِينَئِذٍ فَرْدٌ وَذَلِكَ وِتْرٌ لَا شَفْعٌ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ النَّوَافِلِ مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ لِلْمُتَأَمِّلِ ، بَلْ هَذِهِ الْإِرَادَةُ ظَاهِرَةٌ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ الْمُورَدِ فَإِنَّهُ صَلَّى بِهِمْ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ وَأَوْتَرَ ثُمَّ تَأَخَّرَ فِي الْقَابِلَةِ : يَعْنِي عَمَّا فَعَلَهُ فِي السَّابِقَةِ أَلْبَتَّةَ ، وَعَلَّلَ تَأَخُّرَهُ عَنْ ذَلِكَ بِخَشْيَةِ أَنْ يُكْتَبَ الْوِتْرُ فَكَانَ الْمُرَادُ بِالْوِتْرِ ظَاهِرَ الصَّلَاةِ الَّتِي فُعِلَتْ مُخْتَتَمَةً بِالْوِتْرِ .
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْبَجَلِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ خَشْيَةَ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ .
وَعَنْ الْقَرِينَةِ الْمُدَّعَاةِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ أَمْرُ الْوِتْرِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ كَانَ أَوَّلًا كَذَلِكَ .
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا فِي آخِرِهَا } فَدَلَّ أَنَّ الْوِتْرَ كَانَ أَوَّلًا خَمْسَةً ، وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ يُفِيدُ خِلَافَهُ .
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا فِي الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تُوتِرْ بِثَلَاثٍ ، أَوْتِرْ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ }

وَالْإِيتَارُ بِثَلَاثٍ جَائِزٌ إجْمَاعًا ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ أَمْرُ الْوِتْرِ ، وَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ مَحْفُوفٌ بِمَا يُؤَكِّدُ مُقْتَضَاهُ مِنْ الْوُجُوبِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنِّي } مُؤَكَّدٌ بِالتَّكْرَارِ ثَلَاثًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ( قَوْلُهُ وَلِهَذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالْإِجْمَاعِ ) أَيْ ثَبَتَ ، وَإِلَّا فَوُجُوبُ الْقَضَاءِ مَحَلُّ النِّزَاعِ أَيْضًا ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صَلَاةٌ مَقْضِيَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَتَجِبُ كَالْمَغْرِبِ ، أَمَا إنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ فَلِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي وَقْتِهَا السَّحَرُ ، وَذَلِكَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ كَرَاهَةً فِي الْعِشَاءِ ، فَلَوْ كَانَ سُنَّةٌ تَبَعًا لِلْعِشَاءِ لَمْ يَتَخَالَفْ وَقْتُهُمَا فِي الصِّفَةِ بَلْ كَانَ الْمُسْتَحَبُّ فِيهِ الْمُسْتَحَبَّ فِيهِ ( قَوْلُهُ وَهُوَ الْمَعْنِيّ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ سُنَّةٌ ) وَعَنْهُ أَنَّهُ فَرْضٌ : أَيْ عَمَلِيٌّ وَهُوَ الْوَاجِبُ فَعَنْهُ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ وَالْمُرَادُ بِهَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْوُجُوبُ .
وَفِي الْفَتَاوَى : لَوْ اجْتَمَعَتْ أَهْلُ قَرْيَةٍ عَلَى تَرْكِ الْوِتْرِ أَدَّبَهُمْ أَوْ حَبَسَهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعُوا قَاتَلَهُمْ فَإِنْ امْتَنَعُوا عَنْ أَدَاءِ السُّنَنِ قَالَ مَشَايِخُ بُخَارَى يُقَاتِلُهُمْ كَالْفَرَائِضِ

قَالَ ( الْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لَا يُفْصَلُ بَيْنهنَّ بِسَلَامٍ ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ } وَحَكَى الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الثَّلَاثِ ، هَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَفِي قَوْلٍ يُوتِرُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا مَا رَوَيْنَاهُ

( قَوْلُهُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ) رَوَى الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ } ، وَكَذَا رَوَى النَّسَائِيّ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُسَلِّمُ فِي رَكْعَتَيْ الْوِتْرِ } وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ قِيلَ لِلْحَسَنِ إنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْوِتْرِ فَقَالَ كَانَ عُمَرُ أَفْقَهَ مِنْهُ وَكَانَ يَنْهَضُ فِي الثَّانِيَةِ بِالتَّكْبِيرِ انْتَهَى وَسَكَتَ عَنْهُ .
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْفَرَجِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ مُخَوَّلٍ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } إلَى آخَرِ مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَرْوِيِّ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ، وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَالْمُسْتَدْرَكِ { كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْوِتْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ } وَظَاهِرُ هَذَا وَصْلُ الثَّالِثَةِ لِجَعْلِهِ الْأُولَى بَعْضَ الْوِتْرِ فِي قَوْلِهِ مِنْ الْوِتْرِ وَإِلَّا لَقَالَتْ فِيهِ وَفِي الرَّكْعَةِ الْوِتْرُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى } فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ وَاحِدَةٌ بِتَحْرِيمَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ لِنَحْتَاجَ إلَى الِاشْتِغَالِ بِجَوَابِهِ ، إذْ يُحْتَمَلُ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ ، وَمِنْ كَوْنِهِ إذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً مُتَّصِلَةً فَأَنَّى يُقَاوِمُ الصَّرَائِحَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ تَرَكْنَاهُ لِحَالِ الطُّولِ ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ .
قَالَ الطَّحَاوِيُّ

: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ قَالَ : سَأَلْت أَبَا الْعَالِيَةِ عَنْ الْوِتْرِ فَقَالَ : عَلَّمَنَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْوِتْرَ مِثْلُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ .
هَذَا وِتْرُ اللَّيْلِ وَهَذَا وِتْرُ النَّهَارِ .
وَقَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ قَالَ : صَلَّى بِنَا أَنَسٌ الْوِتْرَ أَنَا عَنْ يَمِينِهِ وَأُمُّ وَلَدِهِ خَلْفَنَا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ .
عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوهُ يُفِيدُ تَقَيُّدَ جَعْلِهَا وَاحِدَةً بِالضَّرُورَةِ وَهِيَ خَشْيَةُ طُلُوعِ الْفَجْرِ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِهِمْ مِنْ حُجِّيَّةِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ ، وَعَلَى قَوْلِنَا الْمُتَقَرِّرُ نَفْيُ شَرْعِيَّتِهَا ، فَإِذَا أُبِيحَتْ بِشَرْطٍ تَبْقَى فِيمَا وَرَاءَهُ عَلَى الْعَدَمِ ، لَكِنَّا لَا نُجِيزُهَا أَيْضًا لِذَلِكَ عِنْدَ خَشْيَةِ الصُّبْحِ لِأَنَّهُ أَحَدُ مُحْتَمَلَيْهِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ كَمَا قُلْنَا ، فَلَا يَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ لِمَا ثَبَتَ بِهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ رِوَايَاتِ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُ تَحَكَّمَ عِنْدَ تَسَاوِي الِاحْتِمَالَيْنِ فَتَمَّ الْمَطْلُوبُ غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلَى ثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ الْبُتَيْرَاءِ ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ شَرْعِيَّتُهَا لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُ الْوِتْرِ إيَّاهَا إلَّا بِدَلِيلٍ يَخُصُّ ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّ الشَّفْعَ مَشْرُوعٌ وَلَا يُمْكِنُ ادِّعَاءُ كَوْنِ بَعْضِ الْفَرَائِضِ بِخُصُوصِهِ إيَّاهُ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الثَّابِتَ كَوْنُهُ ثَلَاثًا كَالْمَغْرِبِ ، وَكَذَا صَحَّ عَنْ ابْن مَسْعُودٍ { وِتْرُ اللَّيْلِ ثَلَاثٌ كَوِتْرِ النَّهَارِ } ، وَإِنَّمَا ضَعَّفُوا رَفْعَهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا يَحْيَى بْنُ أَبِي الْحَوَاجِبِ وَقَدْ ضُعِّفَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ فِيمَا رَوَيْنَا قِرَاءَتَهُ صَلَّى اللَّهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثَّالِثَةِ بِسُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا سِوَى قِرَاءَةِ الْإِخْلَاصِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ رَوَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وَفِي الثَّانِيَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، وَفِي الثَّالِثَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } ( قَوْلُهُ وَحَكَى الْحَسَنُ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ ) فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا حَفْصٌ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ ثَلَاثٌ لَا يُسَلَّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ ، وَعَمْرٌو هَذَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ ابْنُ عُبَيْدٍ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي إسْنَادٍ آخَرَ مِثْلِ هَذَا .
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَوَّام مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نِزَارِ الْأَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فِي مَشْيَخَةٍ سِوَاهُمْ أَهْلُ فِقْهٍ وَصَلَاحٍ ، فَكَانَ مِمَّا وَعَيْت عَنْهُمْ أَنَّ الْوِتْرَ ثَلَاثٌ لَا يُسَلَّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ .

( وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ لِمَا رُوِيَ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَنَتَ فِي آخَرِ الْوِتْرِ } وَهُوَ بَعْدَ الرُّكُوعِ .
وَلَنَا مَا رُوِيَ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ } وَمَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الشَّيْءِ آخِرُهُ

( قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ ) أَيْ بَعْدَ الرُّكُوعِ مِنْ الْوِتْرِ ، هَاهُنَا ثَلَاثُ خِلَافِيَّاتٍ : إحْدَاهَا أَنَّهُ إذَا قَنَتَ فِي الْوِتْرِ يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ .
وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ أَوْ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ .
وَالثَّالِثَةُ هَلْ يَقْنُتُ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ أَوْ لَا ، لَهُ فِي الْأُولَى مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ { سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ .
قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ يَقُولُونَ : قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخَرِ الْوِتْرِ وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ } .
وَقَوْلُهُ وَهُوَ بَعْدَ الرُّكُوعِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى لِسَانِ الْخَصْمِ ، وَلَهُمْ مَا هُوَ أَنَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَصَحَّحَهُ قَالَ { عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي وِتْرِي إذَا رَفَعْتُ رَأْسِي وَلَمْ يَبْقَ إلَّا السُّجُودَ : اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ } إلَى آخِرِهِ ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي الْقُنُوتِ ( قَوْلُهُ وَلَنَا مَا رُوِيَ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ } ) لَوْ قَالَ : كَانَ يَقْنُتُ كَانَ أَوْلَى .
قَالَ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيِّ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ فَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ } انْتَهَى لِابْنِ مَاجَهْ .
وَلَفْظُ النَّسَائِيّ { كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وَفِي الثَّانِيَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، وَفِي الثَّالِثَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ } انْتَهَى .
وَزَادَ فِي سُنَنِهِ { فَإِذَا فَرَغَ قَالَ : سُبْحَانَ الْمَلِكِ

الْقُدُّوسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ فِي آخِرِهِنَّ } ثُمَّ قَالَ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ وَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ ، يُرِيدُ بِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الرُّوَاةِ عَنْ زُبَيْدٍ الَّذِينَ لَمْ يَذْكُرُوا الْقُنُوتَ الْأَعْمَشَ وَشُعْبَةَ وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَجَرِيرَ بْنِ حَازِمٍ .
لَكِنْ غَايَتُهُ أَنَّهُ تَفَرَّدَ الْعَدْلُ بِالزِّيَادَةِ وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ .
وَقَدْ أَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ الْقُنُوتِ لَهُ حَدِيثَ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَهْوَازِيِّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي نُوَيْرَةَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ } وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ وَسَكَتَ عَنْهُ .
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { أَوْتَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ فَقَنَتَ فِيهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ } وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ التِّرْمِذِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَيَجْعَلُ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ } وَقَوْلُ أَبِي نُعَيْمٍ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ حَبِيبٍ ، وَالْعَلَاءُ تَفَرَّدَ بِهِ عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَقَوْلُ الطَّبَرَانِيُّ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ إلَّا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ لَا يُوجِبُ الْبُعْدَ لِمَا قُلْنَا فِي كَلَامِ النَّسَائِيّ ، بَلْ قَدْ حَصَلَ مِنْ انْفِرَادِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ زُبَيْدٍ ، وَمِنْ

تَفَرُّدِ عَطَاءِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الْعَلَاءِ ، وَمِنْ تَفَرُّدِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي سَكَتَ عَلَيْهِ فِي التَّحْقِيقِ تَظَافَرَ كَثِيرٌ مَعَ أَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ مِنْهَا إمَّا حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ .
وَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ } فَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ شَهْرًا فَقَطْ بِدَلِيلِ مَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ { عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ الْقُنُوتِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ نَعَمْ ، فَقُلْتُ : أَكَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ ؟ قَالَ قَبْلَهُ ، قُلْتُ : فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَهُ ، قَالَ كَذَبَ ، إنَّمَا قَنَتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا } انْتَهَى وَعَاصِمٌ كَانَ ثِقَةً جِدًّا وَلَا مُعَارَضَةَ مُحَتَّمَةٌ فِي ذَلِكَ مَعَ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ أَنَسٍ ، بَلْ هَذِهِ تَصْلُحُ مُفَسِّرَةً لِلْمُرَادِ بِمَرْوِيِّهِمْ أَنَّهُ قَنَتَ بَعْدَهُ ، وَمِمَّا يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ عَمَلَ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرِهِمْ كَانَ عَلَى وَفْقِ مَا قُلْنَا : قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ .
وَلَمَّا تَرَجَّحَ ذَلِكَ خَرَجَ مَا بَعْدَ الرُّكُوعِ مَعَ كَوْنِهِ مَحَلًّا لِلْقُنُوتِ ، فَلِذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَوْ سَهَا عَنْ الْقُنُوتِ فَتَذَّكَّرَهُ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ لَا يَقْنُتُ ، وَلَوْ تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا لَا يَقْنُتُ ، وَالْأُخْرَى يَعُودُ إلَى الْقِيَامِ فَيَقْنُتُ .
وَاَلَّذِي فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ فِي الرُّكُوعِ وَلَا يَعُودُ إلَى الْقِيَامِ ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْقِيَامِ وَقَنَتَ وَلَمْ يُعِدْ الرُّكُوعَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ رُكُوعَهُ قَائِمٌ لَمْ يَرْتَفِضْ .
وَفِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَمَا ذَكَرَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي رِوَايَةٍ

: يَعُودُ وَيَقْنُتُ وَلَا يُعِيدُ الرُّكُوعَ وَعَلَيْهِ السَّهْوُ قَنَتَ أَوْ لَمْ يَقْنُتْ ، وَهَذَا يُحَقِّقُ خُرُوجَ الْقَوْمَةِ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ إلَّا إذَا اقْتَدَى بِمَنْ يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يُتَابِعُهُ اتِّفَاقًا ، أَمَّا لَوْ نَسِيَ السُّورَةَ وَالْقُنُوتَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَعُودُ إذَا تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ فَيَقْرَؤُهُمَا وَيَرْتَفِضُ الرُّكُوعَ ، فَلَوْ لَمْ يَرْكَعْ بَطَلَتْ .
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ بِرَكْعَتَيْنِ إذَا قَنَتَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الثَّالِثَةِ لَا يَقْنُتُ مَرَّةً أُخْرَى .
وَعَنْ أَبِي الْفَضْلِ تَسْوِيَتُهُ بِالشَّاكِّ وَسَيَأْتِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ ، وَلَوْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ فَرَكَعَ وَهُوَ لَمْ يَفْرُغْ يُتَابِعُهُ ، وَلَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَتَرَكَ الْقُنُوتَ وَلَمْ يَقْرَأْ الْمَأْمُومُ مِنْهُ شَيْئًا إنْ خَافَ فَوْتَ الرُّكُوعِ يَرْكَعُ وَإِلَّا قَنَتَ ثُمَّ رَكَعَ .
الْخِلَافِيَّةُ الثَّانِيَةُ لَهُ فِيهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ عِشْرِينَ لَيْلَةً مِنْ الشَّهْرِ : يَعْنِي رَمَضَانَ وَلَا يَقْنُتُ بِهِمْ إلَّا فِي النِّصْفِ الثَّانِي ، فَإِذَا كَانَ الْعَشَرُ الْأَوَاخِرُ تَخَلَّفَ فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ .
وَلِلْمَتْنِ طَرِيقٌ آخَرُ ضَعَّفَهَا النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ ، وَمَا أَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسٍ { كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ } إلَخْ ضَعِيفٌ بِأَبِي عَاتِكَةَ ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ مَعَ أَنَّ الْقُنُوتَ فِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ يَحْتَمِلُ كَوْنُهُ طُولَ الْقِيَامِ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ عَلَيْهِ تَخْصِيصًا لِلنِّصْفِ الْأَخِيرِ بِزِيَادَةِ الِاجْتِهَادِ ، فَهَذَا الْمَعْنَى يَمْنَعُ تَبَادُرَ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بِخُصُوصِهِ ، وَلَنَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ مِنْ { قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ اجْعَلْهُ فِي وِتْرِكَ } وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ غَرِيبٌ .
وَالْمَعْرُوفُ مَا أَخْرَجُوهُ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي

الْجَوْزَاءِ عَنْ { الْحَسَنِ بْن عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ ، وَفِي لَفْظٍ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ : اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ ، وَعَافَنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتُوَلِّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ ، إنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ } حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَرَوَاهُ ابْن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَزَادَ فِيهِ بَعْدَ وَالَيْت { وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ } وَزَادَ النَّسَائِيّ { بَعْدَ وَتَعَالَيْتَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ } قَالَ النَّوَوِيُّ : إسْنَادُهُ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ فِيهِ : إذَا رَفَعْت رَأْسِي وَلَمْ يَبْقَ إلَّا السُّجُودُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ .
وَأَخْرَجَ الْأَرْبَعَةُ أَيْضًا وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي آخَرِ وِتْرِهِ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ } وَلَا شَكَّ أَنَّ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْخِلَافِيَّةِ قَبْلَ هَذِهِ مَا هُوَ أَنَصُّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى قُنُوتِ الْوِتْرِ مِنْ هَذَا فَارْجِعْ إلَيْهِ تَسْتَغْنِ عَنْ هَذَا فِي هَذَا الْمَطْلُوبِ .
وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي إثْبَاتِ وُجُوبِ الْقُنُوتِ وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ صِيغَةِ الْأَمْرِ فِيهِ : أَعْنِي قَوْلَهُ " اجْعَلْ هَذَا فِي وِتْرِك " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ .
فَلَمْ يَثْبُتْ لِي ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَاوَلَ الِاسْتِدْلَالَ بِالْمُوَاظَبَةِ الْمُفَادَةِ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى كَوْنِهَا غَيْرَ مَقْرُونَةٍ بِالتَّرْكِ مَرَّةً ، لَكِنْ مُطْلَقُ الْمُوَاظَبَةِ أَعَمُّ مِنْ الْمَقْرُونَةِ بِهِ أَحْيَانًا وَغَيْرِ الْمَقْرُونَةِ ، وَلَا دَلَالَةَ لِلْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ وَإِلَّا لَوَجَبَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ عَيْنًا

أَوْ كَانَتْ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا ، لَكِنَّ الْمُتَقَرِّرَ عِنْدَهُمْ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ { بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى مُضَرَ إذْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ، فَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ فَسَكَتَ ، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْكَ سَبَّابًا وَلَا لَعَّانًا ، وَإِنَّمَا بَعَثَكَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ثُمَّ عَلَّمَهُ الْقُنُوتَ : اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَخْضَعُ لَكَ وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُكَ اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ ، وَنَخَافُ عَذَابَكَ إنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ } وَعَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ لَا يُؤَقَّتُ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ صِدْقِ رَغْبَةٍ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ .
قَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ فِي غَيْرِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ، وَلَوْ قَرَأَ غَيْرَهُ جَازَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَهُ قُنُوتَ الْحَسَنِ : اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ إذَا لَمْ يُؤَقِّتْ فَتَفْسُدُ الصَّلَاةُ .
ثُمَّ إذَا شَرَعَ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ قَالَ : اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت ، لَمْ يَذْكُرْ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِيهِ ، وَاَلَّذِي فِي تَرْجَمَةِ أَبِي يُوسُفَ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ الْفَقِيهُ : حَدَّثَنِي فَرَجٌ مَوْلَى أَبِي يُوسُفَ قَالَ : رَأَيْت مَوْلَايَ أَبَا يُوسُفَ إذَا دَخَلَ فِي الْقُنُوتِ لِلْوِتْرِ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ : كَانَ فَرَجٌ ثِقَةً انْتَهَى .
وَوَجْهُهُ عُمُومُ دَلِيلِ الرَّفْعِ لِلدُّعَاءِ .
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا رَفْعَ فِي دُعَاءِ التَّشَهُّدِ ، وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقُنُوتَ يَقُولُ : { رَبّنَا آتِنَا

فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَيُكَرِّرُ ثَلَاثًا انْتَهَى .
وَحَدِيثُ { لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ } تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ .

وَيَقْنُتُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ { لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ عَلَّمَهُ دُعَاءَ الْقُنُوتِ اجْعَلْ هَذَا فِي وِتْرِك } مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ ( وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ) مِنْ الْوِتْرِ ( فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } ( وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْنُتَ كَبَّرَ ) لِأَنَّ الْحَالَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ ( وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَنَتَ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ } وَذَكَرَ مِنْهَا الْقُنُوتَ ( وَلَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْفَجْرِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ شَهْرًا } ثُمَّ تَرَكَهُ ( فَإِنْ قَنَتَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَسْكُتُ مَنْ خَلْفَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُتَابِعُهُ ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ ، وَالْقُنُوتُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ .
وَلَهُمَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَا مُتَابَعَةَ فِيهِ ، ثُمَّ قِيلَ يَقِفُ قَائِمًا لِيُتَابِعَهُ فِيمَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ ، وَقِيلَ يَقْعُدُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ لِأَنَّ السَّاكِتَ شَرِيكُ الدَّاعِي وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ

الْخِلَافِيَّةُ الثَّالِثَةُ لَهُ فِيهَا حَدِيثُ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيّ عَنْ أَنَسٍ { مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَأَنَا أَقْرَبُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَمَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ .
وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فَيَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ : اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ ، إنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ ، إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ .
تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ } وَفِي هَذَا مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ مَا يُصَرِّحُ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ : اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْت وَعَافِنَا بِالْجَمْعِ خِلَافُ الْمَنْقُولِ ، لَكِنَّهُمْ لَفَقُّوهُ مِنْ حَدِيثٍ فِي حَقِّ الْإِمَامِ عَامٍّ لَا يَخُصُّ الْقُنُوتَ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ وَهُوَ إمَامٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الصُّبْحَ مُنْفَرِدًا لِيَحْفَظَهُ الرَّاوِي مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ يُفِيدُ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى ذَلِكَ .
وَقَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ : إنَّهُ رُوِيَ : يَعْنِي الْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ عَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِثْلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَأَنَسٍ

وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَقَالَ : ذَهَبَ إلَيْهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةً مِنْ التَّابِعِينَ .
وَالْجَوَابُ أَوَّلًا أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ الَّذِي هُوَ النَّصُّ فِي مَطْلُوبِهِمْ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِعَبْدِ اللَّهِ هَذَا ، ثُمَّ نَقُولُ فِي دَفْعِ مَا قَبْلَهُ : إنَّهُ مَنْسُوخٌ كَمَا صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِهِ قَرِيبًا تَمَسُّكًا بِمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ الْقَاضِي عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الْقَصَّابِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : { لَمْ يَقْنُتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصُّبْحِ إلَّا شَهْرًا ثُمَّ تَرَكَهُ لَمْ يَقْنُتْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ } .
وَأَعَلُّوهُ بِالْقَصَّابِ ، تَرَكَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ مَعِينٍ وَضَعَّفَهُ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ وَأَبُو حَاتِمٍ .
وَحَاصِلُ تَضْعِيفُهُمَا إيَّاهُ أَنَّهُ كَانَ كُثَيِّرٌ الْوَهْمِ ، فَلَا يَكُونُ حَدِيثُهُ رَافِعًا لِحُكْمٍ ثَابِتٍ بِالْقَوِيِّ ، قُلْنَا بِمِثْلِ هَذَا ضَعَّفَ جَمَاعَةٌ أَبَا جَعْفَرٍ ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ فِيهِ : كَانَ يَخْلِطُ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : كَانَ يُخْطِئُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : كَانَ يَهِمُ كَثِيرًا ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ يَنْفَرِدُ بِالْمَنَاكِيرِ عَنْ الْمَشَاهِيرِ فَكَافَأَهُ الْقَصَّابُ ، ثُمَّ يُقَوِّي ظَنَّ ثُبُوتِ مَا رَوَاهُ الْقَصَّابُ بِأَنَّ شَبَابَةَ رَوَى عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ { عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ : قُلْنَا لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ بِالْفَجْرِ ، فَقَالَ : كَذَبُوا إنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا وَاحِدًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْمُشْرِكِينَ } .
فَهَذَا عَنْ أَنَسٍ صَرِيحٌ فِي مُنَاقَضَةِ رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ

عَنْهُ ، وَفِي أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، وَقَيْسٌ هَذَا وَإِنْ كَانَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ضَعَّفَهُ فَقَدْ وَثَّقَهُ غَيْرُهُ ، وَلَيْسَ بِدُونِ أَبِي جَعْفَرٍ بَلْ مِثْلِهِ أَوْ أَرْفَعَ مِنْهُ ، فَإِنَّ الَّذِينَ ضَعَّفُوا أَبَا جَعْفَرٍ أَكْثَرُ مِمَّنْ ضَعَّفَ قَيْسًا ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ تَضْعِيفُ قَيْسٍ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ ، وَذَكَرَ سَبَبَ تَضْعِيفِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ : سَأَلْت يَحْيَى عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ ضَعِيفٌ لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ فَإِنَّهُ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ عَنْ عُبَيْدَةَ وَهُوَ عِنْدَهُ عَنْ مَنْصُورٍ .
وَهَذَا لَا يُوجِبُ رَدَّ حَدِيثِهِ إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ غَلَطٌ فِي ذِكْرِ عُبَيْدَةَ بَدَلَ مَنْصُورٍ ، وَمَنْ سَلِمَ مِنْ مِثْلِ هَذَا مِنْ الْمُحَدِّثِينَ ؟ كَذَا قِيلَ .
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ يَحْيَى ، قَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوكٌ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ ضَعِيفٌ ، وَعَنْ أَحْمَدَ كَانَ كَثِيرَ الْخَطَأِ وَلَهُ أَحَادِيثُ مُنْكَرَةٌ ، وَكَانَ وَكِيعٌ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ يُضَعِّفَانِهِ .
وَتَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، لَكِنْ كَانَ شُعْبَةُ يُثْنِي عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ : مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ يَحْيَى لَا يُرْضِي قَيْسَ بْنَ الرَّبِيعِ ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ : قَالَ لِي شُعْبَةُ : أَلَا تَرَى إلَى قَيْسِ بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ يَتَكَلَّمُ فِي قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ وَاَللَّهِ مَا لَهُ إلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ ، وَقَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ : قَالَ لِي شُعْبَةُ عَلَيْك بِقَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : سَيَّرْت أَخْبَارَ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ مِنْ رِوَايَاتِ الْقُدَمَاءِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَتَتَبَّعْتهَا فَرَأَيْته صَدُوقًا فِي نَفْسِهِ مَأْمُونًا حَيْثُ كَانَ شَابًّا ، فَلَمَّا كَبُرَ سَاءَ حِفْظُهُ وَامْتُحِنَ بِوَلَدِ سُوءٍ يُدْخِلُ عَلَيْهِ ، وَسَرَدَ بْنُ عَدِيٍّ لَهُ جُمْلَةً ثُمَّ قَالَ : وَلِقَيْسٍ غَيْرُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَدِيثِ وَعَامَّةُ رِوَايَاتِهِ مُسْتَقِيمَةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : مَحَلُّهُ الصِّدْقُ وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ .
قَالَ الذَّهَبِيُّ : الْقَوْلُ مَا قَالَهُ شُعْبَةُ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فَلَا

يَنْزِلُ بِذَلِكَ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ الرَّازِيّ وَيَزْدَادُ اعْتِضَادُهُ ، بَلْ يَسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ مَا نَسَبْنَاهُ لِأَنَسٍ مَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ الْقُنُوتِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَقْنُتُ إلَّا إذَا دَعَا لِلْقَوْمِ أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ } وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ قَالَهُ صَاحِبُ تَنْقِيحِ التَّحْقِيقِ .
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ عَنْ أَنَسٍ فِي كِتَابِهِ هَذَا مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ نَحْوَ مَا أَخْرَجَهُ عَنْ دِينَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَادِمِ أَنَسٍ مَا زَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ حَتَّى مَاتَ وَغَيْرُهُ فَقَدْ شَنَّعَ عَلَيْهِ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَبَلَغَ فِيهِ الْغَايَةَ وَنَسَبَهُ إلَى مَا يَنْبَغِي صَوْنُ كِتَابِنَا عَنْهُ بِسَبَبِ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ ، وَقَدْ اشْتَهَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِيهَا بِالْوَضْعِ عَلَى أَنَسٍ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ } أَسْلَفْنَاهُ فِي الْخِلَافِيَّةِ السَّابِقَةِ مِنْ قَوْلِ أَنَسٍ لِعَاصِمٍ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ الْقُنُوتِ نَعَمْ ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ فُلَانًا قَالَ بَعْدَهُ فَقَالَ كَذَبَ إنَّمَا { قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا } .
إنَّمَا يَقْتَضِي بَقَاءَ الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْفَجْرِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ إذْ نَقُولُ بِبَقَائِهِ فِي الْوِتْرِ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ الْقُنُوتِ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَوْ كَانَ عَارَضَهُ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ ، وَأَنَصُّ مِنْ ذَلِكَ فِي النَّفْيِ الْعَامِّ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْنُتْ فِي الْفَجْرِ قَطُّ إلَّا شَهْرًا وَاحِدًا } ، لَمْ يُرَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ ، وَإِنَّمَا

قَنَتَ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ يَدْعُو عَلَى نَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَهَذَا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَنَسٌ نَفْسُهُ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا غَالِبُ بْنُ فَرَقَدَ الطَّحَّانُ .
قَالَ : كُنْت عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَهْرَيْنِ فَلَمْ يَقْنُتْ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ .
وَإِذَا ثَبَتَ النَّسْخُ وَجَبَ حَمْلُ الَّذِي عَنْ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ وَنَحْوِهِ إمَّا عَلَى الْغَلَطِ أَوْ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ { عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ } : أَيْ الْقِيَامِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ أَطْوَلُ الصَّلَوَاتِ قِيَامًا ، وَالْإِشْكَالُ نَشَأْ مِنْ اشْتَرَاكِ لَفْظِ الْقُنُوتِ بَيْنَ مَا ذُكِرَ وَبَيْنَ الْخُضُوعِ وَالسُّكُوتِ وَالدُّعَاءِ وَغَيْرِهَا ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى قُنُوتِ النَّوَازِلِ كَمَا اخْتَارَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَقْنُت فِي النَّوَازِلِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ أَنَسٍ { كَانَ لَا يَقْنُتُ إلَّا إذَا دَعَا } إلَخْ ، وَسَنَنْظُرُ فِيهِ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ ثُمَّ تَرَكَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : يَعْنِي الدُّعَاءَ عَلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ لَا مُطْلَقًا .
وَأَمَّا قُنُوتُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْوِيُّ فَإِنَّمَا أَرَادَ بَيَانَ أَنَّ الْقُنُوتَ وَالدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَعَلَى الْكَافِرِينَ ، وَقَدْ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ لِاعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّ الْقُنُوتَ الْمُسْتَمِرَّ لَيْسَ يُسَنُّ فِيهِ الدُّعَاءُ لِهَؤُلَاءِ وَعَلَى هَؤُلَاءِ فِي كُلِّ صُبْحٍ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا أَرَادُوا إنْ كَانَ غَيْرَ ظَاهِرِ لَفْظِ الرَّاوِي مَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ

{ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، إلَّا أَنْ يَدْعُوَ لِقَوْمٍ أَوْ عَلَى قَوْمٍ } .
وَهُوَ سَنَدٌ صَحِيحٌ ، فَلَزِمَ أَنَّ مُرَادَهُ مَا قُلْنَا ، أَوْ بَقَاءُ قُنُوتِ النَّوَازِلِ لِأَنَّ قُنُوتَهُ الَّذِي رَوَاهُ كَانَ كَقُنُوتِ النَّوَازِلِ ، وَكَيْفَ يَكُونُ الْقُنُوتُ سُنَّةً رَاتِبَةً جَهْرِيَّةً وَقَدْ صَحَّ حَدِيثُ { أَبِي مَالِكٍ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقْنُتْ ، وَصَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَقْنُتْ ، وَصَلَّيْتُ خَلْفَ عُمَرَ فَلَمْ يَقْنُتْ ، وَصَلَّيْتُ خَلْفَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَقْنُتْ وَصَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيٍّ فَلَمْ يَقْنُتْ ، ثُمَّ قَالَ يَا بُنَيَّ إنَّهَا بِدْعَةٌ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَلَفْظُهُ وَلَفْظُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ { أَبِي مَالِكٍ قَالَ : قُلْت لِأَبِي يَا أَبَتِ إنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ أَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ ؟ قَالَ : أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ } وَهُوَ أَيْضًا يَنْفِي قَوْلَ الْحَازِمِيِّ فِي أَنَّ الْقُنُوتَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، وَقَوْلُهُ إنَّ عَلَيْهِ الْجُمْهُورَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ حَافِظٍ آخَرَ إنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى عَدَمِهِ .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ وَأَخْرَجَ " عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمَّا قَنَتَ فِي الصُّبْحِ أَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ " فَقَالَ اسْتَنْصَرْنَا عَلَى عَدُوِّنَا ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ أَنَّهُ كَانَ مُنْكَرًا عِنْدَ النَّاسِ وَلَيْسَ النَّاسُ إذْ ذَاكَ إلَّا الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ .
وَأَخْرَجَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْنُتُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ .
وَأَخْرَجَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي قُنُوتِ الْفَجْرِ مَا شَهِدْت وَمَا عَلِمْت ، وَمَا

أَسْنَدَ الْحَازِمِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْقُنُوتِ فَقَالَ : أَمَا إنَّهُ قَنَتَ مَعَ أَبِيهِ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كَبِرْنَا وَنَسِينَا ائْتُوا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَاسْأَلُوهُ ، مَدْفُوعٌ بِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْنُتْ بِمَا صَحَّ عَنْهُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ صَحِبَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَنَتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فَلَمْ يَرَهُ قَانِتًا فِي الْفَجْرِ .
وَهَذَا سَنَدٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ ، وَنِسْبَةُ ابْنَ عُمَرَ إلَى النِّسْيَانِ فِي مِثْلِ هَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ ، وَإِنَّمَا يَقْرُبُ ادِّعَاؤُهُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تُسْمَعُ وَتُحْفَظُ أَوْ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُفْعَلُ أَحْيَانًا فِي الْعُمْرِ ، أَمَّا فِعْلٌ يَقْصِدُ الْإِنْسَانُ إلَى فِعْلِهِ كُلَّ غَدَاةٍ مَعَ خَلْقٍ كُلُّهُمْ يَفْعَلُهُ ثُمَّ مِنْ صُبْحٍ إلَى صُبْحٍ يَنْسَاهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَقُولُ مَا شَهِدْت وَلَا عَلِمْت وَيَتْرُكُهُ مَعَ أَنَّهُ يُصْبِحُ فَيَرَى غَيْرَهُ يَفْعَلُهُ فَلَا يَتَذَكَّرُ فَلَا يَكُونُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ الْعَقْلِ .
وَبِمَا قَدَّمْنَاهُ إلَى هُنَا انْقَطَعَ بِأَنَّ الْقُنُوتَ لَمْ يَكُنْ سُنَّةً رَاتِبَةً ، إذْ لَوْ كَانَ رَاتِبَةً يَفْعَلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ صُبْحٍ يَجْهَرُ بِهِ وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ أَوْ يُسِرُّ بِهِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ إلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَتَحَقَّقْ بِهَذَا الِاخْتِلَافِ ، بَلْ كَانَ سَبِيلُهُ أَنْ يُنْقَلَ كَنَقْلِ جَهْرِ الْقِرَاءَةِ وَمُخَافَتَتِهَا وَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ ، فَإِنَّ مُوَاظَبَتَهُ عَلَى وُقُوفِهِ بَعْدَ فَرَاغِ جَهْرِ الْقِرَاءَةِ زَمَانًا سَاكِتًا فِيمَا يَظْهَرُ كَقَوْلِ مَالِكٍ مِمَّا يُدْرِكُهُ مَنْ خَلْفَهُ وَتَتَوَفَّرُ دَوَاعِيهِمْ عَلَى سُؤَالِهِ أَنَّ ذَلِكَ لِمَاذَا ، وَأَقْرَبُ الْأُمُورِ فِي تَوْجِيهِ نِسْبَةِ سَعِيدٍ النِّسْيَانَ لِابْنِ عُمَرَ إنْ صَحَّ عَنْهُ أَنْ يُرَادُ

قُنُوتُ النَّازِلَةِ ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَفَى الْقُنُوتَ مُطْلَقًا ، فَقَالَ سَعِيدٌ : قَنَتَ مَعَ أَبِيهِ : يَعْنِي فِي النَّازِلَةِ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ ، فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ لَا يُوَاظَبُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ لُزُومِ سَبَبِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَنَتَ عِنْدَ مُحَارَبَةِ الصَّحَابَةِ مُسَيْلِمَةَ وَعِنْدَ مُحَارَبَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَكَذَلِكَ قَنَتَ عُمَرُ وَكَذَا عَلِيٌّ فِي مُحَارَبَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَمُعَاوِيَةُ فِي مُحَارَبَتِهِ ، إلَّا أَنَّ هَذَا يُنْشِئُ لَنَا أَنَّ الْقُنُوتَ لِلنَّازِلَةِ مُسْتَمِرٌّ لَمْ يُنْسَخْ .
وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِ حَدِيثَ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَنَسٍ { مَا زَالَ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا } أَيْ عِنْدَ النَّوَازِلِ ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَخْبَارِ الْخُلَفَاءِ يُفِيدُ تَقَرُّرَهُ لِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَبَاقِي أَخْبَارِ الصَّحَابَةِ لَا يُعَارِضُهُ ، بَلْ إنَّمَا تُفِيدُ نَفْيَ سُنِّيَّتِهِ رَاتِبًا فِي الْفَجْرِ سِوَى حَدِيثِ أَبِي حَمْزَةَ حَيْثُ قَالَ : لَمْ يَقْنُتْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ ، وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَجِبُ كَوْنُ بَقَاءِ الْقُنُوتِ فِي النَّوَازِلِ مُجْتَهَدًا ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ لَا قُنُوتَ فِي نَازِلَةٍ بَعْدَ هَذِهِ ، بَلْ مُجَرَّدُ الْعَدَمِ بَعْدَهَا فَيَتَّجِهُ الِاجْتِهَادُ بِأَنْ يُظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ وُقُوعِ نَازِلَةٍ بَعْدَهَا يَسْتَدْعِي الْقُنُوتَ فَتَكُونُ شَرْعِيَّتُهُ مُسْتَمِرَّةً ، وَهُوَ مَحْمَلُ قُنُوتِ مَنْ قَنَتَ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِأَنْ يُظَنَّ رَفْعُ الشَّرْعِيَّةِ نَظَرًا إلَى سَبَبِ تَرْكِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى { لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ } تَرَكَ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ ( قَوْلُهُ

يُتَابِعُهُ ) كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ وَسُجُودِ السَّهْوِ إذَا اقْتَدَى بِمَنْ يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ يُتَابِعُهُ كَذَا هَذَا قُلْنَا الْمُتَابَعَةُ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْفَصْلِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ .
وَمَا نَحْنُ فِيهِ إمَّا مَقْطُوعٌ بِنَسْخِهِ أَوْ بِعَدَمِ كَوْنِهِ سُنَّةً مِنْ الْأَصْلِ ، وَإِنَّ الَّذِي كَانَ فِي الْفَجْرِ إنَّمَا كَانَ قُنُوتَ نَازِلَةٍ وَانْقَطَعَ بِزَوَالِهَا لِمَا قُلْنَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ سُنَّةً رَاتِبَةً ظَاهِرَةً الظُّهُورَ الْمَذْكُورَ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْجَهْرِ أَوْ السُّكُوتِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ إلَى أَنْ تَوَفَّى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ ، وَلَنُقِلَ نَقْلَ أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَظَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَكَذَلِكَ لِاتِّحَادِ اللَّازِمِ لَهُ وَلِلنَّسْخِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي النَّسْخِ لِلْعِلْمِ بِرَفْعِ حُكْمِهِ ، وَقَدْ عَلِمْنَا عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي ارْتِفَاعَ حُكْمِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ ( قَوْلُهُ لِأَنَّ السَّاكِتَ شَرِيكُ الدَّاعِي ) مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ بِأَنَّ الْجَالِسَ أَيْضًا سَاكِتٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ مُشَارَكَتِهِ الدَّاعِيَ بِحَالِ مُوَافَقَتِهِ فِي خُصُوصِ هَيْئَةِ الدَّاعِي ، لَكِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مُشَارِكًا لَهُ إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ مِثْلَهُ لِأَنَّهَا مِنْ هَيْئَةِ الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يُلْغَى ذَلِكَ وَيُقَالُ مُجَرَّدُ الْوُقُوفِ خَلْفَ الدَّاعِي الْوَاقِفِ سَاكِتًا يُعَدُّ شَرِكَةً لَهُ فِي ذَلِكَ عُرْفًا رَفَعَ يَدَيْهِ مِثْلَهُ أَوْ لَا وَهُوَ حَقٌّ ( قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ) الْوُجُوبُ الْمُتَابَعَةُ فِي غَيْرِ الْقُنُوتِ وَشَرِكَتُهُ عُرْفًا لَا تُوجِبُ شَرِكَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَانِتًا فِي الْفَجْرِ فَرْعٌ ] الْمَسْبُوقُ الَّذِي أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الثَّالِثَةِ لَا يَقْنُتُ فِيمَا يَقْضِي .

وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّفْعَوِيَّةِ وَعَلَى الْمُتَابَعَةِ فِي قِرَاءَةِ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ وَإِذَا عَلِمَ الْمُقْتَدِي مِنْهُ مَا يَزْعُمُ بِهِ فَسَادَ صَلَاتِهِ كَالْفَصْدِ وَغَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَالْمُخْتَارُ فِي الْقُنُوتِ الْإِخْفَاءُ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( قَوْلُهُ وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّفْعَوِيَّةِ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِمَا عُرِفَ مِنْ وُجُوبِ حَذْفِ يَاءِ النَّسَبِ إذَا نُسِبَ إلَى مَا هِيَ فِيهِ ، وَوَضْعِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ مَكَانَهَا حَتَّى تَتَّحِدَ الصُّورَةُ قَبْلَ النِّسْبَةِ الثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا وَالتَّمْيِيزُ حِينَئِذٍ مِنْ خَارِجٍ .
ثُمَّ وَجْهُ الدَّلَالَةِ فِي الْأَوَّلِ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي أَنَّهُ يُتَابِعُهُ أَوْ لَا فَيَقِفُ سَاكِتًا أَوْ يَقْعُدُ يَنْتَظِرُهُ حَتَّى يُسَلِّمَ مَعَهُ أَوْ يُسَلِّمَ قَبْلَهُ وَلَا يَنْتَظِرُ فِي السَّلَامِ اتِّفَاقٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُقْتَدِيًا إذْ ذَاكَ وَهُوَ فَرْعُ صِحَّةِ اقْتِدَائِهِ ، ثُمَّ إطْلَاقُ الْقَانِتِ يَشْمَلُ الشَّافِعِيَّ وَغَيْرَهُ .
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْمُتَابَعَةِ فِي قُنُوتٍ هُوَ بِدْعَةٌ اتِّفَاقٌ عَلَى الْمُتَابَعَةِ فِي قُنُوتٍ مَسْنُونٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ مَنْعِ الْمُتَابَعَةِ فِي قُنُوتٍ بِدْعِيٍّ وَتَجْوِيزِهَا فِي مَسْنُونٍ لِجَوَازِ أَنْ تَمْتَنِعَ فِيهِمَا ، بَلْ الْوَجْهُ أَنَّ الْمَانِعَ إنَّمَا عُلِّلَ بِنَسْخِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ مَنْسُوخٍ لَجَازَتْ ، وَإِلَّا لَقَالَ مَثَلًا لَا يُتَابِعُهُ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَا يُتَابِعُ فِيهِ الْمَأْمُومُ إمَامَهُ كَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْمِيعِ ، فَلَمَّا لَمْ يُعَلَّلْ قَطُّ إلَّا بِذَلِكَ كَانَ ظَاهِرًا فِي أَنَّهُ عِلَّةٌ مُسَاوِيَةٌ عِنْدَهُ ثُمَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْحُكْمَيْنِ خِلَافٌ : أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ أَبُو الْيُسْرِ اقْتِدَاءُ الْحَنَفِيِّ بِشَافِعِيٍّ غَيْرُ جَائِزٍ ، لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ النَّسَفِيُّ فِي كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ الشُّعَاعَ أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ مُفْسِدٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ حَيْثُ أُقِيمَ بِالْيَدَيْنِ ، وَالْمُصَنِّفُ أَخَذَ الْجَوَازَ قَبْلَهُمْ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ وَبَقَاءَهُ إلَى وَقْتِ الْقُنُوتِ فَتُعَارِضُ تِلْكَ وَتُقَدَّمُ هَذِهِ لِشُذُوذِ

تِلْكَ صَرَّحَ بِشُذُوذِهَا فِي النِّهَايَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَأَيْضًا فَالْفَسَادُ عِنْدَ الرُّكُوعِ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ مِنْ الِابْتِدَاءِ ، مَعَ أَنَّ عُرُوضَ الْبُطْلَانِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ لِأَنَّ الرَّفْعَ جَائِزُ التَّرْكِ عِنْدَهُمْ .
وَلَوْ تَحَقَّقَ فَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ الْمُخْتَارُ فِيهِ مَا لَوْ رَآهُ شَخْصٌ مِنْ بَعِيدٍ ظَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ جَوَازَ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ كَقَاضِي خَانْ بِأَنْ لَا يَكُونَ مُتَعَصِّبًا وَلَا شَاكًّا فِي إيمَانِهِ ، وَيُحْتَاطُ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ كَأَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ الْخَارِجِ النَّجِسِ وَيَغْسِلَ ثَوْبَهُ مِنْ الْمَنِيِّ وَيَمْسَحَ رُبْعَ رَأْسِهِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ وَلَا يَقْطَعُ الْوِتْرَ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَعَصُّبَهُ إنَّمَا يُوجِبُ فِسْقَهُ ، وَلَا مُسْلِمَ يَشُكُّ فِي إيمَانِهِ ، وَقَوْلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَقُولُونَهَا لِلتَّبَرُّكِ لَا لِلشَّرْطِ أَوْ لَهُ بِاعْتِبَارِ إيمَانِ الْمُوَافَاةِ .
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : إذَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِيَقِينٍ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ، وَالْمَنْعُ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ ، وَلَوْ غَابَ عَنْهُ ثُمَّ رَآهُ يُصَلِّي : يَعْنِي بَعْدَمَا شَاهَدَ تِلْكَ الْأُمُورَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ، وَاَلَّذِي قَبْلَ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ إذَا عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يَحْتَطْ فِي مَوَاضِعِ الْخِلَافِ سَوَاءٌ عَلِمَ فِي خُصُوصِ مَا يَقْتَدِي بِهِ فِيهِ أَوْ لَا .
هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَسَادَ بِالنَّظَرِ إلَى الْإِمَامِ بِأَنْ شَاهَدَهُ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ امْرَأَةً وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَصَلَّى وَهُوَ مِمَّنْ يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَمُخْتَارُ الْهِنْدُوَانِيُّ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا بِنَاءَ عَلَى الْمَعْدُومِ .
قُلْنَا الْمُقْتَدِي يَرَى جَوَازَهَا وَالْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ رَأْيُ نَفْسِهِ لَا غَيْرِهِ ، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ إنَّ اقْتِدَاءَ

الْحَنَفِيِّ بِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْوِتْرِ يَجُوزُ وَيُصَلِّي مَعَهُ بَقِيَّتَهُ لِأَنَّ إمَامَهُ لَمْ يُخْرِجْهُ بِسَلَامِهِ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ ، كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ قَدْ رَعَفَ يَقْتَضِي صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ وَإِنْ عَلِمَ مِنْهُ مَا يَزْعُمُ بِهِ فَسَادَ صَلَاتِهِ بَعْدَ كَوْنِ الْفَصْلِ مُجْتَهِدًا فِيهِ .
وَقِيلَ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ قَامَ الْمُقْتَدِي فَأَتَمَّ مُنْفَرِدًا ، وَكَانَ شَيْخُنَا سِرَاجُ الدِّينِ يَعْتَقِدُ قَوْلَ الرَّازِيّ ، وَأَنْكَرَ مَرَّةً أَنْ يَكُونَ فَسَادُ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ مَرْوِيًّا عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ حَتَّى ذَكَّرْته بِمَسْأَلَةِ الْجَامِعِ فِي الَّذِينَ تَحَرَّوْا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ وَصَلَّى كُلٌّ إلَى جِهَةٍ مُقْتَدِينَ بِأَحَدِهِمْ ، فَإِنَّ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ بِحَالِ إمَامِهِ فَسَدَتْ لِاعْتِقَادِ إمَامِهِ عَلَى الْخَطَإِ وَمَا ذُكِرَ فِي الْإِرْشَادِ لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ فِي الْوِتْرِ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ .
يُخَالِفُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ الْمَشَايِخِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِشَافِعِيٍّ فِي الْوِتْرِ أَنْ لَا يَفْصِلَهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ عِنْدَ عَدَمِ فَصْلِهِ .
وَفِي الْفَتَاوَى : اقْتِدَاءُ حَنَفِيٍّ فِي الْوِتْرِ بِمَنْ يَرَى أَنَّهُ سُنَّةٌ ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ : يَصِحُّ لِأَنَّ كُلًّا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْوِتْرِ فَلَمْ تَخْتَلِفْ نِيَّتُهُمَا ، فَأُهْدِرَ اخْتِلَافُ الِاعْتِقَادِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَاعْتُبِرَ مُجَرَّدُ اتِّحَادِ النِّيَّةِ ، لَكِنْ قَدْ يَسْتَشْكِلُ إطْلَاقُهُ بِمَا ذَكَرَهُ فِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَأَدَّى بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَيَجُوزُ عَكْسُهُ ، وَبَنَى عَلَيْهِ عَدَمَ جَوَازِ صَلَاتِهِ مَنْ صَلَّى الْخَمْسَ سِنِينَ وَلَمْ يَعْرِفْ النَّافِلَةَ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ مِنْهَا فَرْضًا وَمِنْهَا نَفْلًا فَأَفَادَ أَنَّ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةِ اسْمِ الصَّلَاةِ وَنِيَّتِهَا لَا يُجَوِّزُهَا

فَإِنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ صَلَّى الْخَمْسَ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ مِنْ الْخَمْسِ فَرْضًا وَنَفْلًا .
وَهَذَا فَرْعُ تَعَيُّنِهَا عِنْدَهُ بِأَسْمَائِهَا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى آخِرِهِ ، وَلِأَنَّ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ مُطْلَقًا إنَّمَا هُوَ بِنَاءٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْفَرْضِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُسَمِّيَهَا أَوَّلًا ، فَإِنَّهُ إذَا سَمَّاهَا بِالظُّهْرِ وَاعْتِقَادُهُ أَنَّ الظُّهْرَ نَفْلٌ فَهُوَ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ نَاوٍ نَفْلًا مَخْصُوصًا فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ وِتْرُ الْحَنَفِيِّ اقْتِدَاءً بِوِتْرٍ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ فِي الْوِتْرِ لِأَنَّهُ بِنِيَّتِهِ إيَّاهُ إنَّمَا نَوَى النَّفَلَ الَّذِي هُوَ الْوِتْرُ فَلَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ ، وَحِينَئِذٍ فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الْمَعْدُومِ فِي زَعْمِ الْمُقْتَدِي .
نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَوْ لَمْ يَخْطِرْ بِخَاطِرِهِ عِنْدَ النِّيَّةِ صِفَتُهُ مِنْ السُّنِّيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا بَلْ مُجَرَّدُ الْوِتْرِ يَنْتَفِي الْمَانِعُ فَيَجُوزُ لَكِنْ إطْلَاقُ مَسْأَلَةِ التَّجْنِيسِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَخْطِرْ بِخَاطِرِهِ نَفْلِيَّتُهُ وَفَرْضِيَّتُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْمُتَقَرِّرُ فِي اعْتِقَادِ نَفْلِيَّتِهِ وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ لِلْمُتَأَمِّلِ وَأَمَّا الثَّانِي فَعَنْ مُحَمَّدٍ يَقْنُتُ الْإِمَامُ وَيَسْكُتُ الْمُقْتَدِي ، وَهَذَا كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ فِي الْقُنُوتِ يَتَحَمَّلُهُ الْإِمَامُ عَنْ الْمُقْتَدِي كَالْقِرَاءَةِ وَيَجْهَرُ بِهِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقْنُتُ كَالْإِمَامِ ، ثُمَّ هَلْ يَجْهَرُ بِهِ الْإِمَامُ ؟ اخْتَارَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ وَيُتَابِعُونَهُ إلَى بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ ، وَإِذَا دَعَا الْإِمَامُ : يَعْنِي اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت أَوْ غَيْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يُتَابِعُونَهُ ؟ ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى خِلَافًا بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا وَلَكِنْ يُؤَمِّنُونَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنْ شَاءُوا سَكَتُوا ، وَقَالَ

الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ : عِنْدِي يُخْفِي الْإِمَامُ ، وَكَذَا الْمُقْتَدِي لِأَنَّهُ ذِكْرٌ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ وَثَنَاءِ الِافْتِتَاحِ .
وَلَمْ يُذْكَرْ هَذَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، وَهَلْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، قِيلَ لَا وَقِيلَ نَعَمْ لِأَنَّهُ سُنَّةُ الدُّعَاءِ ، وَنَحْنُ قَدْ أَوْعَدْنَاك مِنْ رِوَايَةِ النَّسَائِيّ ثُبُوتَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْنِي قَوْلَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْدَلَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ .
وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَفِي الْبَدَائِعِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ لِلْقَاضِي أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ كَالْقِرَاءَةِ ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ اخْتِيَارُ مَنْ اخْتَارَ الْإِخْفَاءَ ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِابْنِ الْفَضْلِ رَحِمَهُ اللَّهُ الْإِخْفَاءَ وَهُوَ الْأَوْلَى ، وَفِي الْحَدِيثِ { خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ } وَلِأَنَّهُ الْمُتَوَارَثُ فِي مَسْجِدِ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ عَلِمَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ فِي الْقُنُوتِ .

[ فَرْعٌ ] أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ ثُمَّ قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى لَا يُوتِرُ ثَانِيًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ } وَلَزِمَهُ تَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ الْمُفَادِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا } لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ شَفْعُ الْأَوَّلِ لِامْتِنَاعِ التَّنَفُّلِ بِرَكْعَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ .

( بَابُ النَّوَافِلِ ) ( السُّنَّةُ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ )

( بَابُ النَّوَافِلِ ) ابْتَدَأَ بِسُنَّةِ الْفَجْرِ لِأَنَّهَا أَقْوَى السُّنَنِ حَتَّى رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ صَلَّاهَا قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا يَجُوزُ ، وَقَالُوا : الْعَالِمُ إذَا صَارَ مَرْجِعًا لِلْفَتْوَى جَازَ لَهُ تَرْكُ سَائِرِ السُّنَنِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَّا سُنَّةَ الْفَجْرِ .
وَفِي الْمَبْسُوطِ ابْتَدَأَ بِسُنَّةِ الظُّهْرِ لِأَنَّهَا أَوَّلُ فِي الْوُجُودِ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ ، وَأَوَّلُ صَلَاةٍ فُرِضَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ : يَعْنِي أَوَّلَ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ بَعْدَ الِافْتِرَاضِ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، قَالَ الْحَلْوَانِيُّ : رَكْعَتَا الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدْعُهُمَا سَفَرًا وَلَا حَضَرًا ، ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّهُ قِيلَ هِيَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ، ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الْعِشَاءِ ، ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ ، ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعِشَاءِ ، وَقِيلَ الَّتِي قَبْلَ الْعِشَاءِ ، وَاَلَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهُ ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ كُلُّهَا سَوَاءٌ .
وَقِيلَ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ آكَدُ ، وَصَحَّحَهُ الْمُحْسِنُ وَقَدْ أَحْسَنَ لِأَنَّ نَقْلَ الْمُوَاظَبَةِ الصَّرِيحَةِ عَلَيْهَا أَقْوَى مِنْ نَقْلِ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ تَرَكَ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا أَوْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قِيلَ لَا تَلْحَقُهُ الْإِسَاءَةُ لِأَنَّ مُحَمَّدًا سَمَّاهُ تَطَوُّعًا ، إلَّا أَنْ يَسْتَخِفَّ فَيَقُولَ هَذَا فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا لَا أَفْعَلُهُ فَحِينَئِذٍ يَكْفُرُ .
وَفِي النَّوَازِلِ تَرْكُ سُنَنِ الصَّلَاةِ الْخَمْسِ إنْ لَمْ يَرَهَا حَقًّا كَفَرَ ، وَإِنْ رَآهَا وَتَرَكَ قِيلَ لَا يَأْثَمُ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَأْثَمُ لِأَنَّهُ جَاءَ الْوَعِيدُ بِالتَّرْكِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِثْمَ مَنُوطٌ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَقَدْ { قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ لِلَّذِي قَالَ : وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا : أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ } نَعَمْ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الْإِسَاءَةَ وَفَوَاتَ الدَّرَجَاتِ وَالْمَصَالِحِ الْأُخْرَوِيَّةِ الْمَنُوطَةِ بِفِعْلِ سُنَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هَذَا إذَا تَجَرَّدَ التَّرْكُ عَنْ اسْتِخْفَافٍ بَلْ يَكُونُ مَعَ رُسُوخِ الْأَدَبِ وَالتَّعْظِيمِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ دَارَ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِثْمِ بِحَسَبِ الْحَالِ الْبَاعِثَةِ لَهُ عَلَى التَّرْكِ ، ثُمَّ هَلْ الْأَوْلَى وَصْلُ السُّنَّةِ التَّالِيَةِ لِلْفَرْضِ لَهُ أَوْ لَا ؟ فِي شَرْحِ الشَّهِيدِ الْقِيَامُ إلَى السُّنَّةِ مُتَّصِلٌ بِالْفَرْضِ مَسْنُونٌ ، وَفِي الشَّافِي كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ قَدْرَ مَا يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ، وَكَذَا عَنْ الْبَقَائِيِّ .
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْرَأَ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالسُّنَّةِ الْأَوْرَادَ .
وَيَشْكُلُ عَلَى الْأَوَّلِ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ { أَبِي رِمْثَةَ قَالَ : صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَقُومَانِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ عَنْ يَمِينِهِ وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ شَهِدَ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى مِنْ الصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى رَأَيْنَا بَيَاضَ خَدَّيْهِ ، ثُمَّ انْتَقَلَ كَانْتِقَالِ أَبِي رِمْثَةَ : يَعْنِي نَفْسَهُ ، فَقَامَ الرَّجُلُ الَّذِي أَدْرَكَ مَعَهُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى لِيَشْفَعَ ، فَوَثَبَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِمَنْكِبَيْهِ فَهَزَّهُ ثُمَّ قَالَ : اجْلِسْ فَإِنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَيْنَ صَلَاتِهِمْ فَصْلٌ ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَصَرَهُ فَقَالَ : أَصَابَ اللَّهُ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ } .
وَلَا يَرُدُّ هَذَا عَلَى الثَّانِي إذْ قَدْ يُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ

وَمِنْك السَّلَامُ إلَخْ فَصْلٌ ، فَمَنْ ادَّعَى فَصْلًا أَكْثَرَ مِنْهُ فَلْيَنْقُلْهُ ، وَقَوْلُهُمْ الْأَفْضَلُ فِي السُّنَنِ حَتَّى الَّتِي بَعْدَ الْمَغْرِبِ الْمَنْزِلُ لَا يَسْتَلْزِمُ مَسْنُونِيَّةَ الْفَصْلِ بِأَكْثَرَ إذْ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا صَلَّى السُّنَّةَ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ مَاذَا يَكُونُ الْأَوْلَى ، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ { لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ } وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ { تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ } وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَيْضًا { لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ ، لَا إلَه إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } لَا يَقْتَضِي وَصْلَ هَذِهِ الْأَذْكَارِ .
بَلْ كَوْنُهَا عَقِيبَ السُّنَّةِ مِنْ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالِ بِمَا لَيْسَ هُوَ مِنْ تَوَابِعِ الصَّلَاةِ يُصَحِّحُ كَوْنَهُ دُبُرَهَا وَكَوْنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ يُصَلِّي السُّنَنَ فِي الْمَنْزِلِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ ، فَبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ لَهَا قَبْلَهَا غَيْرُ لَازِمٍ ، بَلْ يَجُوزُ كَوْنُهَا بَعْدَهَا فِي الْمَنْزِلِ ، وَلَا يُمْتَنَعُ نَقْلُهُ فَكَثِيرًا مَا نَقَلُوا مِمَّا كَانَ مِنْ عَمَلِهِ فِي الْبَيْتِ إمَّا بِوَاسِطَةِ نِسَائِهِ أَوْ بِسَمَاعِهِمْ صَوْتَهُ ، وَكَانَتْ حُجْرَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَغِيرَةً قَرِيبَةً جِدًّا ، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَهَا حَالَ قِيَامِهِ مُنْصَرِفًا إلَى مَنْزِلِهِ أَوْ جَالِسًا بَعْدَ

صَلَاةٍ لَا سُنَّةَ بَعْدَهَا كَالْفَجْرِ وَالْعَصْرِ .
وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ وَفِي لَفْظٍ : مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بِالتَّكْبِيرِ } ، مَعَ مَا عُلِمَ مِمَّا سَنُثْبِتُهُ بِالصِّحَاحِ مِنْ الْأَخْبَارِ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ يُصَلِّي السُّنَنَ فِي الْمَنْزِلِ ، بَلْ وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَا فِي أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى مَسْجِدَ عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ ، فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ : أَيْ يَتَنَفَّلُونَ ، فَقَالَ : هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ } لَا يَسْتَلْزِمُ الْفَصْلَ بِأَكْثَرَ ، وَمَا الْمَانِعُ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ الذِّكْرِ هُوَ ذَلِكَ الْقَدْرُ يَرْفَعُونَ بِهِ أَصْوَاتَهُمْ إذَا فَرَغُوا .
وَأَمَّا التَّكْبِيرُ الْمَرْوِيُّ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ ، قِيلَ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَهُ إلَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْبُعُوثِ وَالْعَسَاكِرِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ ثَلَاثُ تَكْبِيرَاتٍ عَالِيَةٍ ؛ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَصْلُ بِالْأَذْكَارِ الَّتِي يُوَاظَبُ عَلَيْهَا فِي الْمَسَاجِدِ فِي عَصْرِنَا مِنْ قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالتَّسْبِيحَاتِ وَأَخَوَاتِهَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَغَيْرِهَا بَلْ نَدَبَ هُوَ إلَيْهَا ، وَالْقَدْرُ الْمُتَحَقِّقُ أَنَّ كُلًّا مِنْ السُّنَنِ وَالْأَوْرَادِ لَهُ نِسْبَةٌ إلَى الْفَرَائِضِ بِالتَّبَعِيَّةِ ، وَاَلَّذِي ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُ السُّنَّةَ عَنْهُ مِنْ الْأَذْكَارِ ، وَهُوَ مَا رَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكَتْ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْمُرَادِ ، وَمَا يَتَخَايَلُ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ لَمْ يَقْوَ قُوَّتَهُ ، أَوْ لَمْ تَلْزَمْ دَلَالَتُهُ عَلَى مَا يُخَالِفُهُ فَوَجَبَ اتِّبَاعُ هَذَا النَّصِّ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْهَا هَذَا هُوَ قَوْلُهَا لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ سُنِّيَّةَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إذْ لَمْ تَقُلْ إلَّا حَتَّى يَقُولَ أَوْ إلَى أَنْ يَقُولَ ، فَيَجُوزُ كَوْنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَرَّةً يَقُولُهُ وَمَرَّةً يَقُولُ غَيْرَهُ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إلَخْ ، وَمَا ضُمَّ إلَيْهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْله لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ إلَخْ ، وَمُقْتَضَى الْعِبَارَةِ حِينَئِذٍ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَفْصِلَ بِذَكَرٍ قَدْرِ ذَلِكَ وَذَلِكَ يَكُونُ تَقْرِيبًا ، فَقَدْ يَزِيدُ قَلِيلًا وَقَدْ يَنْقُصُ قَلِيلًا ، وَقَدْ يُدْرِجُ وَقَدْ يُرَتِّلُ فَأَمَّا مَا يَكُونُ زِيَادَةً غَيْرَ مُقَارِبَةٍ مِثْلَ الْعَدَدِ السَّابِقِ مِنْ التَّسْبِيحَاتِ وَالتَّحْمِيدَاتِ وَالتَّكْبِيرَاتِ فَيَنْبَغِي اسْتِنَانُ تَأْخِيرِهِ عَنْ السُّنَّةِ أَلْبَتَّةَ ، وَكَذَا آيَةُ الْكُرْسِيِّ ، عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَاظَبَةً لَا أَعْلَمُهُ ، بَلْ الثَّابِتُ نَدْبُهُ إلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ نَدْبِهِ إلَى شَيْءٍ مُوَاظَبَتُهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ يُفَرَّقْ حِينَئِذٍ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْمَنْدُوبِ ، وَكَانَ يُسْتَدَلُّ بِدَلِيلِ النَّدْبِ عَلَى السُّنِّيَّةِ وَلَيْسَ هَذَا عَلَى أُصُولِنَا .
وَقَوْلُ الْحَلْوَانِيِّ عِنْدِي أَنَّهُ حُكْمٌ آخَرُ لَا يُعَارِضُ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ لَا بَأْسَ إلَخْ ، وَالْمَشْهُورُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ كَوْنُهُ لِمَا خِلَافُهُ أَوْلَى

فَكَانَ مَعْنَاهَا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَقْرَأَ الْأَوْرَادَ قَبْلَ السُّنَّةِ ، وَلَوْ فَعَلَ لَا بَأْسَ بِهِ فَأَفَادَ عَدَمَ سُقُوطِ السُّنَّةِ بِذَلِكَ حَتَّى إذَا صَلَّى بَعْدَ الْأَوْرَادِ يَقَعُ سُنَّةً مُؤَدَّاةً لَا عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ ، وَإِذَا قَالُوا لَوْ تَكَلَّمَ بَعْدَ الْفَرْضِ لَا تَسْقُطُ السُّنَّةُ لَكِنَّ ثَوَابَهَا أَقَلُّ فَلَا أَقَلَّ مِنْ كَوْنِ قِرَاءَةِ الْأَوْرَادِ لَا تُسْقِطُهَا ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْكَلَامِ أَنَّهُ يُسْقِطُهَا ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، فَفِي الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤَذَّنَ بِالصَّلَاةِ } وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي عَنْ الْحَلْوَانِيِّ يُوَافِقُهُ مَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُقْتَدِي وَالْمُنْفَرِدِ ، وَذَكَرَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ خِلَافَهُ ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْخُلَاصَةِ هَكَذَا : إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ مِنْ الظُّهْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ كَرِهْت لَهُ الْمُكْثَ قَاعِدًا لَكِنَّهُ يَقُومُ إلَى التَّطَوُّعِ ، وَلَا يَتَطَوَّعُ فِي مَكَانِ الْفَرِيضَةِ وَلَكِنْ يَنْحَرِفُ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً أَوْ يَتَأَخَّرُ ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ يَتَطَوَّعُ وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا ، أَوْ يُصَلِّي وَحْدَهُ إنْ لَبِثَ فِي مُصَلَّاهُ يَدْعُو جَازَ .
وَكَذَا إنْ قَامَ إلَى التَّطَوُّعِ فِي مَكَانِهِ أَوْ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ أَوْ انْحَرَفَ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً جَازَ وَالْكُلُّ سَوَاءٌ ، وَفِي الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يَتَطَوَّعُ بَعْدَهَا يُكْرَهُ الْمُكْثُ فِي مَكَانِهِ قَاعِدًا مُسْتَقْبِلًا ، ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ذَهَبَ وَإِنْ شَاءَ جَلَسَ فِي مِحْرَابِهِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَهُوَ أَفْضَلُ ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ بِوَجْهِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِحِذَائِهِ مَسْبُوقٌ ، فَإِنْ كَانَ يَنْحَرِفُ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً وَالصَّيْفُ وَالشِّتَاءُ سَوَاءٌ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، هَذَا حَالُ الْإِمَامِ .
وَقَوْلُهُ الْكُلُّ سَوَاءٌ : يَعْنِي فِي إقَامَةِ السُّنَّةِ

أَمَّا الْأَفْضَلُ فَقَدْ صَرَّحَ فِيمَا يَأْتِي بِأَنَّ الْمَنْزِلَ أَفْضَلُ ( قَوْلُهُ السُّنَّةُ ) يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا دَعَا إلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ السُّنَّةِ وَالْمَنْدُوبِ ، وَهَذَا لِأَنَّهُ عَدَّ مِنْهَا مَا قَبْلَ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ ، وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لَا سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ

( وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَانِ ، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعِشَاءِ ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } وَفَسَّرَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعَصْرِ فَلِهَذَا سَمَّاهُ فِي الْأَصْلِ حَسَنًا وَخَيَّرَ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْأَرْبَعُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعِشَاءِ فَلِهَذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا لِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ ، وَذَكَرَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَفِي غَيْرِهِ ذَكَرَ الْأَرْبَعَ فَلِهَذَا خُيِّرَ ، إلَّا أَنَّ الْأَرْبَعَ أَفْضَلُ خُصُوصًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ ، وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَنَا ، كَذَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ

( قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ ) أَيْ فِي اسْتِنَانِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَخْ .
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَطَاءِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ السُّنَّةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ، أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ } فَاتَّضَحَ أَنَّ ضَمِيرَ فَسَّرَ الْمَرْفُوعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِي شُذُوذٍ مِنْ النُّسَخِ وَفَسَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ انْتَهَى .
لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ أَصْلُ الْحَدِيثِ ، رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ إلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } زَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ { أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ } وَلِلنَّسَائِيِّ فِي رِوَايَةِ { وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ } بَدَلَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ( قَوْلُهُ وَخَيَّرَ ) أَيْ خَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَكَذَا الْقُدُورِيُّ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ أَوْ رَكْعَتَيْنِ ( قَوْلُهُ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ ) فَإِنَّهُ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ } وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ فَقَالَا أَرْبَعًا بَدَلَ رَكْعَتَيْنِ ( قَوْلُهُ وَفِي غَيْرِهِ ) أَيْ فِي غَيْرِ حَدِيثِ الْمُثَابَرَةِ ذِكْرُ الْأَرْبَعِ ، هُوَ مَا عُزِيَ إلَى سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا كَانَ كَأَنَّمَا تَهَجَّدَ مِنْ لَيْلَتِهِ ، وَمَنْ صَلَّاهُنَّ بَعْدَ الْعِشَاءِ كَانَ كَمِثْلِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ } وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ قَوْلِ كَعْبٍ ، وَالْمَوْقُوفُ فِي هَذَا كَالْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ تَقْدِيرِ الْأَثْوِبَةِ وَهُوَ لَا يُدْرَكُ إلَّا سَمَاعًا .
هَذَا وَمَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَدِيثِ الْمُثَابَرَةِ إنَّمَا يَصْلُحُ دَلِيلُ النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ لَا السُّنَّةِ لِمَا عَرَفْت أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِنَقْلِ مُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا ، فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِمَجْمُوعِ حَدِيثَيْنِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ : رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ } وَحَدِيثِ عَائِشَةَ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ } بِنَاءً عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، إمَّا بِأَنَّ الْأَرْبَعَ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهِ فَاتَّفَقَ عَدَمُ عِلْمِ ابْنِ عُمَرَ بِهِنَّ ، وَإِنْ عَلِمَ غَيْرَهَا مِمَّا صَلَّى فِي بَيْتِهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْكُلَّ فِي الْبَيْتِ ، ثُمَّ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمَا .
وَإِمَّا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ إنَّمَا يَذْكُرُ سُنَّةَ الظُّهْرِ وَهُوَ كَانَ يَرَى تِلْكَ وِرْدًا آخَرَ سَبَبُهُ الزَّوَالُ وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْحَلْوَانِيُّ فِيمَا قَدَّمْنَا أَخْذًا مِنْ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ وَقَالَ إنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ } وَعِنْدَنَا هَذَا اللَّفْظُ لَا يَنْفِي كَوْنَهَا هِيَ السُّنَّةُ ، وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِالِاسْتِدْلَالِ بِعَيْنِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ كَالظُّهْرِ لِعَدَمِ الْفَصْلِ فِيهِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ أَوْ بِكُلٍّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَدِيثِ عَلِيٍّ وَهُوَ { كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ } وَأَصْرَحُ مِنْ الْكُلِّ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ { كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ } .
فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْمُوَاظَبَةَ ، ثُمَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ كَوْنُ الْأَرْبَعِ بَعْدَ الْعِشَاءِ سُنَّةً لِنَقْلِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا فِي أَبِي دَاوُد عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ : { سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ مَا صَلَّى الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ بَيْتِي إلَّا صَلَّى فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ ، وَلَقَدْ مُطِرْنَا مَرَّةً مِنْ اللَّيْلِ فَطَرَحْنَا لَهُ نِطْعًا فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى ثُقْبٍ فِيهِ يَنْبُعُ مِنْهُ الْمَاءُ وَمَا رَأَيْتُهُ مُتَّقِيًا الْأَرْضَ بِشَيْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ } وَهَذَا نَصٌّ فِي

مُوَاظَبَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَرْبَعِ دُونَ السِّتِّ لِلْمُتَأَمِّلِ ( قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ الْأَرْبَعَ أَفْضَلُ ) نَشْرَحُهُ فِي ضِمْنِ كَلَامِنَا عَلَى الْأَرْبَعِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَنَقُولُ : صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَرْبَعٌ بَعْدَ الظُّهْرِ لِحَدِيثٍ رَوَوْهُ ، وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ هَذَا الْعَصْرِ فِي أَنَّهَا تُعْتَبَرُ غَيْرَ رَكْعَتَيْ الرَّاتِبَةِ أَوْ بِهِمَا وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي هَلْ تُؤَدَّى مَعَهُمَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ لَا ؟ فَقَالَ جَمَاعَةٌ لَا لِأَنَّهُ إنْ نَوَى عِنْدَ التَّحْرِيمَةِ السُّنَّةَ لَمْ يَصْدُقْ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي ، أَوْ الْمُسْتَحَبَّ لَمْ يَصْدُقْ فِي السُّنَّةِ ، وَإِذَا قَالُوا : إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ فِي التَّهَجُّدِ نَابَتْ تِلْكَ الرَّكْعَتَانِ عَنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ نِيَّةُ الْأَعَمِّ ، وَالْأَعَمُّ يَصْدُقُ عَلَى الْأَخَصِّ ، بِخِلَافِ الْمُبَايِنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُبَايِنِهِ ، وَوَقَعَ عِنْدِي أَنَّهُ إذَا صَلَّى أَرْبَعًا بَعْدَ الظُّهْرِ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ ثِنْتَيْنِ وَقَعَ عَنْ السُّنَّةِ وَالْمَنْدُوبِ سَوَاءٌ احْتَسَبَ هُوَ الرَّاتِبَةَ مِنْهَا أَوْ لَا ، لِأَنَّ الْمُفَادَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ إذَا أَوْقَعَ بَعْدَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا مُطْلَقًا حَصَلَ الْوَعْدُ الْمَذْكُورُ ، وَذَلِكَ صَادِقٌ مَعَ كَوْنِ الرَّاتِبَةِ مِنْهَا ، وَكَوْنِهَا بِتَسْلِيمَةٍ أَوَّلًا فِيهِمَا وَكَوْنِ الرَّكْعَتَيْنِ لَيْسَتَا بِتَسْلِيمَةٍ عَلَى حِدَةٍ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِهَا سُنَّةً ، وَإِنْ كَانَ عَدَمُ كَوْنِهَا بِتَحْرِيمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ يُمْنَعُ مِنْهُ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ كَمَا عُرِفَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ مِنْ الْهِدَايَةِ فِيمَنْ قَامَ عَنْ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ يَظُنُّهَا الْأُولَى ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ حَتَّى سَجَدَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ سِتًّا ، وَلَا تَنُوبُ الرَّكْعَتَانِ عَنْ سُنَّةِ

الظُّهْرِ عَلَى خِلَافٍ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهِمَا بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ لِثُبُوتِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُحَلِّلِ وَالتَّحْرِيمَةِ ، فَإِنَّ الْمُحَلِّلَ غَيْرُ مَقْصُودٍ إلَّا لِلْخُرُوجِ عَنْ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهٍ حَسَنٍ .
وَقَدْ مُنِعَ فِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ الْقِرَانِ تَرْجِيحُ الشَّافِعِيِّ الْإِفْرَادَ بِزِيَادَةِ الْحَلْقِ بِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ الْعِبَادَةِ فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَلَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ .
وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَا مَانِعَ مِنْ جِهَتِهَا سَوَاءٌ نَوَى أَرْبَعًا لِلَّهِ تَعَالَى فَقَطْ أَوْ نَوَى الْمَنْدُوبَ بِالْأَرْبَعِ أَوْ السُّنَّةَ بِهَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا تَقَدَّمَ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْمُحَقِّقِينَ وُقُوعُ السُّنَّةِ بِنِيَّةِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ لِمَا حَقَّقْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ سُنَّةً كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ ، وَهَذَا الِاسْمُ : أَعْنِي اسْمَ السُّنَّةِ حَادِثٌ مِنَّا ، أَمَّا هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّمَا كَانَ يَنْوِي الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَطْ لَا السُّنَّةَ ، فَلَمَّا وَاظَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفِعْلِ لِذَلِكَ سَمَّيْنَاهُ سُنَّةً ، فَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ فَقَدْ فَعَلَ مَا سُمِّيَ بِلَفْظِ السُّنَّةِ ، وَحِينَئِذٍ تَقَعُ الْأُولَيَانِ سُنَّةً لِوُجُودِ تَمَامِ عِلَّتِهَا وَالْأُخْرَيَانِ نَفْلًا مَنْدُوبًا ، فَلِهَذَا الْقِسْمُ مِنْ النِّيَّةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ كِلَا الْأَمْرَيْنِ ، وَالْعَجَبُ مِنْهُ كَيْفَ تَرَكَهُ مِنْ تَقْسِيمِهِ .
وَإِذَا اعْتَرَفَ بِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ الْأَعَمُّ تَتَأَدَّى بِهَا السُّنَّةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الشَّاهِدِ الَّذِي أَوْرَدَهُ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَنْوِيَ هُنَا أَيْضًا الصَّلَاةَ وَبِهَا يَتَأَدَّى السُّنَّةُ وَالْمَنْدُوبُ .
وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَكَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ نِيَّةُ الصَّلَاةِ وَزِيَادَةٌ فَعِنْدَ عَدَمِ مُطَابِقَةِ الْوَصْفِ

لِلْوَاقِعِ يَلْغُو فَتَبْقَى نِيَّةُ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ عَلَى نَحْوِ مَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ بُطْلَانَ الْوَصْفِ لَا يُبْطِلُ الْأَصْلَ ، وَبِنِيَّةِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ يَتَأَدَّى كُلٌّ مِنْ السُّنَّةِ وَالْمَنْدُوبِ إذَا وَقَعَ فِي وَقْتِهِ فَظَهَرَ أَنَّ صِحَّتَهُ لَيْسَتْ بِنَاءً عَلَى أَدَاءِ الْبَائِنِ بِنِيَّةٍ مُبَايِنَةٍ بَلْ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ لِلَّغْوِ الزَّائِدِ الْمُخَالِفِ ، وَمَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ مِنْ حَدِيثِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِنِيَّةِ التَّهَجُّدِ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ مَقْصُودِهِ لِأَنَّ التَّهَجُّدَ مَنْدُوبٌ كَمَا يَشْهَدُ كَثِيرٌ مِنْ السُّنَّةِ بِنَدْبِ الْأُمَّةِ إلَيْهِ .
وَقَدْ تُؤَدَّى بِهِ سُنَّةُ الْفَجْرِ عَلَى إطْلَاقِ الْجَوَابِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ نَوَى مُجَرَّدَ الصَّلَاةِ أَوْ الْمَنْدُوبَةَ ، وَإِنَّمَا لَمْ نَقُلْ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِأَنَّهَا مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ ، وَالتَّهَجُّدُ عِنْدَ مَشَايِخِنَا كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ فَهُوَ مُوَاظَبَةٌ عَلَى فَرْضٍ .
ثُمَّ رَأَيْنَا فِي لَفْظِ الْهِدَايَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا وَهُوَ : قَوْلَةُ فَلِهَذَا خَيَّرَ ، إلَّا أَنَّ الْأَرْبَعَ أَفْضَلُ خُصُوصًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْبَعَ بَعْدَ الْعِشَاءِ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، خُصُوصًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي النَّوَافِلِ مُطْلَقًا أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ بِتَسْلِيمَةٍ ، فَإِذَا جَعَلَ الْمُصَلِّي مَا بَعْدَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا أَدَّاهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَتَثْبُتُ الْأَفْضَلِيَّةُ عِنْدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ .
مِنْ جِهَةِ زِيَادَةِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ ، وَمِنْ جِهَةِ وُقُوعِ السَّلَامِ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعٍ لَا ثِنْتَيْنِ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ خُصُوصًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَعْنًى لِأَنَّ الْأَرْبَعَ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ ، بَلْ كَلَامُ الْكُلِّ فِي هَذَا الْمَقَامِ يُفِيدُ مَا قُلْنَا إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الرَّاتِبَةَ بَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَانِ وَالْأَرْبَعُ أَفْضَلُ .
وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهَا تُؤَدَّى بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَهُ

مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا الرَّاتِبَةَ فَيُصَلِّيَ سِتًّا ، فَالنِّيَّةُ حِينَئِذٍ عِنْدَ التَّحْرِيمَةِ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِنِيَّةِ السُّنَّةِ أَوْ الْمَنْدُوبِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ ، وَقَدْ أَهْدَرَ ذَلِكَ وَأَجْزَأَتْ عَنْ السُّنَّةِ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ نُدِبَ إلَى سِتٍّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ كُتِبَ مِنْ الْأَوَّابِينَ ، وَتَلَا قَوْله تَعَالَى { إنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا } } وَالْحَالُ فِيهَا كَالْحَالِ لِهَذِهِ الْأَرْبَعِ ، فَلَوْ احْتَسَبَ الرَّاتِبَةَ مِنْهَا انْتَهَضَ سَبَبًا لِلْمَوْعُودِ ( قَوْلُهُ كَذَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) .
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ } وَضُعِّفَ ، بِعُبَيْدَةَ بْنِ مَعْتَبٍ الضَّبِّيِّ .
وَفِي لَفْظِ لِلتِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ { قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِيهِنَّ تَسْلِيمٌ فَاصِلٌ ؟ قَالَ لَا } وَلَهُ وَطَرِيقٌ آخَرُ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي مُوَطَّئِهِ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَامِرٍ الْبَجَلِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ، فَسَأَلَهُ أَبُو أَيُّوبَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِي تِلْكَ السَّاعَةِ خَيْرٌ ، قُلْتُ : أَفِي كُلِّهِنَّ قِرَاءَةٌ ؟ قَالَ نَعَمْ ، قُلْتُ : أَيُفْصَلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ ؟ قَالَ لَا } .
[ تَتِمَّةٌ ] هَلْ يُنْدَبُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَانِ ؟ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَيْهِ ، وَأَنْكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ وَأَصْحَابِنَا وَمَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَمَسَّكَ الْأَوَّلُونَ بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {

صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ ، ثُمَّ قَالَ صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً } وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُد { صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ } زَادَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ { وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ } وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { كَانَ الْمُؤَذِّنُ إذَا أَذَّنَ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ فَيَرْكَعُونَ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا } الْجَوَابُ الْمُعَارَضَةُ بِمَا فِي أَبِي دَاوُد عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : { سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا .
وَرَخَّصَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ } ، سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ بَعْدَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ وَهَذَا تَصْحِيحٌ ، وَكَوْنُ مُعَارَضِهِ فِي الْبُخَارِيِّ لَا يَسْتَلْزِمُ تَقْدِيمَهُ بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الصِّحَّةِ بَلْ يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ مِنْ خَارِجٍ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثُمَّ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ثُمَّ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ ثُمَّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى شَرْطِهِمَا مِنْ غَيْرِهِمَا ثُمَّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى شَرْطِ أَحَدِهِمَا تَحَكُّمٌ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ ، إذْ الْأُضْحِيَّةَ لَيْسَ إلَّا لِاشْتِمَالِ رُوَاتِهِمَا عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي اعْتَبَرَاهَا ، فَإِذَا فُرِضَ وُجُودُ تِلْكَ الشُّرُوطِ فِي رُوَاةِ حَدِيثٍ فِي غَيْرِ الْكِتَابَيْنِ أَفَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِأَصَحِّيَّةِ مَا فِي الْكِتَابَيْنِ عَيْنَ التَّحَكُّمِ ثُمَّ حُكْمُهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا بِأَنَّ الرَّاوِيَ الْمُعَيَّنَ مُجْتَمَعُ تِلْكَ الشُّرُوطِ لَيْسَ مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ بِمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ فَيَجُوزُ كَوْنُ الْوَاقِعِ خِلَافَهُ .

وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ كَثِيرٍ فِي كِتَابِهِ مِمَّنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ غَوَائِلِ الْجَرْحِ وَكَذَا فِي الْبُخَارِيِّ جَمَاعَةٌ تُكُلِّمَ فِيهِمْ فَدَارَ الْأَمْرُ فِي الرُّوَاةِ عَلَى اجْتِهَادِ الْعُلَمَاءِ فِيهِمْ ، وَكَذَا فِي الشُّرُوطِ حَتَّى أَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ شَرْطًا أَوْ أَلْغَاهُ آخَرُ يَكُونُ مَا رَوَاهُ الْآخَرُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ الشَّرْطُ عِنْدَهُ مُكَافِئًا لِمُعَارَضَةِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ ، وَكَذَا فِيمَنْ ضَعَّفَ رَاوِيًا وَوَثَّقَهُ الْآخَرُ .
نَعَمْ تَسْكُنُ نَفْسُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ وَمَنْ لَمْ يَخْبُرْ أَمْرَ الرَّاوِي بِنَفْسِهِ إلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ ، أَمَّا الْمُجْتَهِدُ فِي اعْتِبَارِ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ وَاَلَّذِي خَبِرَ الرَّاوِيَ فَلَا يَرْجِعُ إلَّا إلَى رَأْيِ نَفْسِهِ ، وَإِذْ قَدْ صَحَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَنَا عَارَضَ مَا صَحَّ فِي الْبُخَارِيِّ ، ثُمَّ يَتَرَجَّحُ هُوَ بِأَنَّ عَمَلَ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ كَانَ عَلَى وَفْقِهِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ حَتَّى نَهَى إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَنْهُمَا فِيمَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُمَا وَقَالَ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَهُمَا } ، بَلْ لَوْ كَانَ حَسَنًا كَمَا ادَّعَاهُ بَعْضُهُمْ تَرَجَّحَ عَلَى ذَلِكَ الصَّحِيحُ بِهَذَا ، فَإِنَّ وَصْفَ الْحَسَنِ وَالصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ السَّنَدِ ظَنًّا ، أَمَّا فِي الْوَاقِعِ فَيَجُوزُ غَلَطُ الصَّحِيحِ وَصِحَّةُ الضَّعِيفِ .
وَعَنْ هَذَا جَازَ فِي الْحَسَنِ أَنْ يَرْتَفِعَ إلَى الصِّحَّةِ إذَا كَثُرَتْ طُرُقُهُ ، وَالضَّعِيفُ يَصِيرُ حُجَّةً بِذَلِكَ لِأَنَّ تَعَدُّدَهُ قَرِينَةٌ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ فِي الصَّحِيحِ السَّنَدِ أَنْ يَضْعُفَ بِالْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ضَعْفِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَالْحَسَنِ أَنْ يَرْتَفِعَ إلَى الصِّحَّةِ بِقَرِينَةٍ أُخْرَى كَمَا قُلْنَا مِنْ عَمَلِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ عَلَى وَفْقِ مَا قُلْنَاهُ وَتَرْكِهِمْ

لِمُقْتَضَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، وَكَذَا أَكْثَرُ السَّلَفِ ، وَمِنْهُمْ مَالِكٌ نَجْمُ الْحَدِيثِ .
وَمَا زَادَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهُمَا لَا يُعَارِضُ مَا أَرْسَلَهُ النَّخَعِيُّ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّهِمَا لِجَوَازِ كَوْنِ مَا صَلَّاهُ قَضَاءً عَنْ شَيْءٍ فَاتَهُ وَهُوَ الثَّابِتُ .
رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { سَأَلْنَا نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ رَأَيْتُنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ؟ فَقُلْنَ لَا ، غَيْرَ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : صَلَّاهَا عِنْدِي مَرَّةً فَسَأَلْتُهُ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَسِيتُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ فَصَلَّيْتُهُمَا الْآنَ } فَفِي سُؤَالِهَا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُؤَالِ الصَّحَابَةِ نِسَاءَهُ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ جَابِرٍ سَأَلْنَا لَا سَأَلْت لَا يُفِيدُ أَنَّهُمَا غَيْرُ مَعْهُودَتَيْنِ مِنْ سُنَنِهِ ، وَكَذَا سُؤَالُهُمْ لِابْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَدِئْ التَّحْدِيثَ بِهِ بَلْ لَمَّا سُئِلَ ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُثِيرَ سُؤَالِهِمْ ظُهُورُ الرِّوَايَةِ بِهِمَا مَعَ عَدَمِ مَعْهُودِيَّتِهِمْ فِي ذَلِكَ الصَّدْرِ ، فَأَجَابَ نِسَاؤُهُ اللَّاتِي يَعْلَمْنَ مِنْ عِلْمِهِ مَا لَا يَعْلَمْهُ غَيْرُهُنَّ بِالنَّفْيِ عَنْهُ .
وَأَجَابَ ابْنُ عُمَرَ بِنَفْيِهِ عَنْ الصَّحَابَةِ أَيْضًا ، وَمَا قِيلَ الْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنْ النَّافِي فَيَتَرَجَّحُ حَدِيثُ أَنَسٍ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، فَإِنَّ الْحَقَّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ النَّفْيَ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ كَانَ كَالْإِثْبَاتِ فَيُعَارِضُهُ وَلَا يُقَدَّمُ هُوَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَقْدِيمَ رِوَايَةِ الْإِثْبَاتِ عَلَى رِوَايَةِ النَّفْيِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّ مَعَ رَاوِيهِ زِيَادَةَ عِلْمٍ ، بِخِلَافِ النَّفْيِ إذْ قَدْ يُبْنَى رِوَايَةِ الْأَمْرِ عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ مِنْ

الْعَدَمِ لِمَا يُعْلَمُ بَاطِنًا ، فَإِذَا كَانَ النَّفْيُ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ تَعَارُضًا لِابْتِنَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا حِينَئِذٍ عَلَى الدَّلِيلِ وَإِلَّا فَنَفْسُ كَوْنِ مَفْهُومِ الْمَرْوِيِّ مُثْبَتًا لَا يَقْتَضِي التَّقْدِيمَ ، إذْ قَدْ يَكُونُ الْمَطْلُوبُ فِي الشَّرْعِ الْعَدَمَ كَمَا قَدْ يَكُونُ الْمَطْلُوبُ فِي الشَّرْعِ الْإِثْبَاتَ ، وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي أُصُولِ أَصْحَابِنَا ، وَحِينَئِذٍ لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا النَّفْيَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَالُ عَلَى مَا فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ لَمْ يَخْفَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ بَلْ وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ يُوَاظِبُ الْفَرَائِضَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ يُوَاظِبْ بَلْ يَحْضُرُهَا خَلْفَهُ أَحْيَانًا ، ثُمَّ الثَّابِتُ بَعْدَ هَذَا هُوَ نَفْيُ الْمَنْدُوبِيَّةِ ، أَمَّا ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ فَلَا إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ آخَرُ ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِلْزَامِ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ فَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ الْقَنِيَّةِ اسْتِثْنَاءَ الْقَلِيلِ وَالرَّكْعَتَانِ لَا تَزِيدُ عَلَى الْقَلِيلِ إذَا تَجَوَّزَ فِيهِمَا

قَالَ ( وَنَوَافِلُ النَّهَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى بِتَسْلِيمَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا ) وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ .
وَأَمَّا نَافِلَةُ اللَّيْلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ صَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةِ جَازَ ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ ، وَقَالَا : لَا يَزِيدُ فِي اللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ .
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَمْ يَذْكُرْ الثَّمَانِيَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَوْلَا الْكَرَاهَةُ لَزَادَ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ ، وَالْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَثْنَى مَثْنَى ، وَفِي النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِمَا مَثْنَى مَثْنَى ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمَا أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ .
لِلشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى } وَلَهُمَا الِاعْتِبَارُ بِالتَّرَاوِيحِ ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا } رَوَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُوَاظِبُ عَلَى الْأَرْبَعِ فِي الضُّحَى ، وَلِأَنَّهُ أَدْوَمُ تَحْرِيمَةً فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَشَقَّةً وَأَزْيَدَ فَضِيلَةً لِهَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ ، وَعَلَى الْقَلْبِ يَخْرُجُ وَالتَّرَاوِيحُ تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ فَيُرَاعَى فِيهَا جِهَةُ التَّيْسِيرِ ، وَمَعْنَى مَا رَوَاهُ شَفْعًا لَا وِتْرًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( قَوْلُهُ وَأَمَّا نَافِلَةُ اللَّيْلِ إلَخْ ) لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي إبَاحَةِ الثَّمَانِ بِتَسْلِيمَةٍ لَيْلًا وَكَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ .
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ : الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّمَانِ أَيْضًا ، وَهُوَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِقَوْلِ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ بَلْ تَصْحِيحٌ لِلْوَاقِعِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ .
وَقَوْلُهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ صَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ ، وَقَالَا لَا يَزِيدُ بِاللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ يُعْطِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ نَصَبَ خِلَافٌ مِنْهُمْ فِي كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ وَقَالَا لَا يَزِيدُ بِاللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْأَفْضَلِيَّةِ لَكِنَّ الْعِبَارَةَ تَنْبُو عَنْهُ ( قَوْلُهُ وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ إلَخْ ) يَعْنِي وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ التَّوْقِيفُ ، قِيلَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَا يُخَالِفُهُ وَهُوَ مَا عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَتْ { كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهِنَّ إلَّا فِي الثَّامِنَةِ ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَاهُ } فَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ مَا صَحَّحَهُ السَّرَخْسِيُّ ، لَكِنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْقُعُودِ فِيهَا أَصْلًا إلَّا بَعْدَ الثَّامِنَةِ ، وَكَلِمَتُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْقَعْدَةِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ النَّفْلِ مُطْلَقًا حَتَّى لَوْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ سَاهِيًا عَنْ الْقَعْدَةِ يَعُودُ وَلَوْ بَعْدَ تَمَامِ الْقِيَامِ مَا لَمْ يَسْجُدْ لِدَلِيلٍ آخَرَ اسْتَمَرَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ مُنْتَهَى تَهَجُّدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ

وَأَقَلَّهُ رَكْعَتَانِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ خَمْسَ رَكَعَاتٍ سَبْعَ رَكَعَاتٍ تِسْعَ رَكَعَاتٍ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، فَاَلَّذِي قَالَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَثَلَاثٌ وَتْرٌ ، وَاَلَّذِي قَالَ سَبْعَ رَكَعَاتٍ أَرْبَعٌ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَثَلَاثٌ وَتْرٌ ، وَاَلَّذِي قَالَ تِسْعٌ سِتٌّ وَثَلَاثٌ .
وَاَلَّذِي قَالَ إحْدَى عَشْرَةَ ثَمَانٌ وَثَلَاثٌ ، وَاَلَّذِي قَالَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ثَمَانٌ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَثَلَاثٌ وَتْرٌ وَرَكْعَتَانِ سُنَّةُ الْفَجْرِ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ ، ثُمَّ فَصَّلَهُ ، هَكَذَا قَالَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ انْتَهَى .
أَمَّا مَا عَيَّنَهُ مِنْ مُنْتَهَاهُ فَمُوَافِقٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ قَالَتْ { كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ .
وَأَمَّا مَا فِي السُّنَّةِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ قَالَ : وَقُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ إلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَطَرَحْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِسَادَةً فَاضَّجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طُولِهَا ، فَنَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ آيَاتٍ الْخَوَاتِيمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَامَ إلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقُمْتُ فَصَنَعْت مِثْلَ مَا صَنَعَ ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إلَى جَنْبِهِ ، فَوَضَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي

وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ وَفِي رِوَايَةٍ فَتَأَمَّلْتُ صَلَاتَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا نَامَ نَفَخَ فَأَتَاهُ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ فَصَلَّى فَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا وَفِي رِوَايَةٍ وَأَعْظِمْ لِي نُورًا بَدَلَ وَاجْعَلْ لِي } ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي كَوْنِ الثَّلَاثَ عَشْرَةَ غَيْرَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ كَوْنَ الْإِيتَارِ بِوَاحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ إلَى الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ .
وَمَا فِي أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ { سَأَلْتُ عَائِشَةَ بِكَمْ كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ وَعَشْرٍ وَثَلَاثٍ وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ } فَرِوَايَةُ عَائِشَةَ الْأُولَى تَتَرَجَّحُ عَلَيْهِمَا تَرْجِيحًا لِلرِّوَايَةِ الثَّابِتَةِ عَنْهَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَلَى الثَّابِتَةِ عَنْهَا فِي أَبِي دَاوُد بِمُفْرَدِهِ وَعَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لِأَنَّهَا أَعْلَمُ بِتَهَجُّدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ وَمِنْ جَمِيعِ النَّاسِ ، وَغَايَةُ مَا حَكَاهُ هُوَ مَا شَاهَدَهُ فِي لَيْلَةٍ فَاذَّةٍ ، وَهِيَ أَعْلَمُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ فِي عُمُومِ لَيَالِيِهِ إلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ الشَّعْبِيُّ : { سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ اللَّهِ

بْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا ثَمَانٌ وَيُوتِرُ بِثَلَاثٍ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ } ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَكَأَنَّهُ حَكَى فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ مَا شَاهَدَهُ ، ثُمَّ عَلِمَ بِوَاسِطَةِ أَزْوَاجِهِ مَا اسْتَقَرَّ حَالُهُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا سَأَلَهُ الشَّعْبِيُّ عَنْ صَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَ بِمَا عَلِمَهُ مُتَقَرِّرًا .
وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ { كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، ثُمَّ يُصَلِّي إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ } قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ : فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَبَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ الْجُمْلَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ انْتَهَى .
فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ غَلَطٌ .
وَأَمَّا مَا عَيَّنَهُ فِي أَقَلِّهِ فَحَدِيثُ أَبِي دَاوُد الْمَذْكُورُ آنِفًا يُعَارِضُهُ حَيْثُ قَالَتْ { وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَقَلَّ مِنْ سَبْعٍ } وَمَا ذَكَرَهُ نَقَلَهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، فَإِنَّ مَا عِنْدَهُ أَرْجَحُ ، وَإِلَّا فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ .
ثُمَّ ظَاهِرُ مَا فِي أَبِي دَاوُد أَنَّ كُلًّا مِنْ السَّبْعِ وَمَا بَعْدَهُ إذَا أَتَى بِهِ يَقَعُ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ أَوْ الْمَنْدُوبِ الْمُوَافِقِ لِطَرِيقَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَكِنْ تَبَيَّنَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ تَوَقُّفُ كَوْنِ الْمُتَهَجِّدِ آتِيًا بِالسُّنَّةِ عَلَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، فَلَمَّا كَبِرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ } فَهَذَا يَقْتَضِي تَوَقُّفَهَا عَلَى عَشْرٍ .
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُرَجَّحُ يَقْتَضِي تَوَقُّفَهَا عَلَى ثَمَانٍ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ ، إلَّا أَنَّ اقْتِضَاءَهُ تَوَقُّفَ فِعْلِ السُّنَّةِ عَلَى الثَّمَانِ لِمَنْ

لَمْ يُسِنَّ ، أَمَّا مَنْ كَبِرَ وَأَسَنَّ فَمُقْتَضَى الْآخَرِ حُصُولُ سُنَّةِ الْقِيَامِ لَهُ بِأَرْبَعٍ .
بَقِيَ بِأَنَّ صِفَةَ صَلَاةِ اللَّيْلِ فِي حَقِّنَا السُّنِّيَّةُ أَوْ الِاسْتِحْبَابُ يَتَوَقَّفُ عَلَى صِفَتِهَا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا فِي حَقِّهِ فَهِيَ مَنْدُوبَةٌ فِي حَقِّنَا ، لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْقَوْلِيَّةَ فِيهَا إنَّمَا تُفِيدُ النَّدْبَ ، وَالْمُوَاظَبَةُ الْفِعْلِيَّةُ لَيْسَتْ عَلَى تَطَوُّعٍ لِتَكُونَ سُنَّةً فِي حَقِّنَا وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا فَسُنَّةٌ لَنَا .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ مَشَايِخِنَا تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا } الْآيَةَ وَقَالَ طَائِفَةٌ : تَطَوُّعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ } وَالْأَوَّلُونَ قَالُوا : لَا مُنَافَاةَ : لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّافِلَةِ الزَّائِدَةُ : أَيْ زَائِدَةٌ عَلَى مَا فُرِضَ عَلَى غَيْرِك : أَيْ تَهَجَّدْ فَرْضًا زَائِدًا لَك عَلَى مَا فُرِضَ عَلَى غَيْرِك ، وَرَبُّنَا يُعْطِي التَّقْيِيدَ بِالْمَجْرُورِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ النَّفَلُ الْمُتَعَارَفُ يَكُونُ كَذَلِكَ وَلِغَيْرِهِ ، وَأُسْنِدَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنَ وَأَبِي أُمَامَةَ أَنَّ تَسْمِيَتَهَا نَافِلَةً بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِلَةً فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهَا عَامِلَةٌ فِي تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ ، لَكِنْ فِي مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ { قُلْتُ لِعَائِشَةَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قُلْتُ بَلَى قَالَتْ : خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنُ ، قَالَ : فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ وَلَا أَسْأَلَ أَحَدًا عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَمُوتَ ، ثُمَّ بَدَا لِي فَقُلْتُ : أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ أَلَسْتَ تَقْرَأُ { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا } قُلْت بَلَى ، قَالَتْ : فَإِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْلًا ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشْرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ وَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ } الْحَدِيثَ وَبَاقِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ ، وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزِدْ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي قَدَّمْنَا أَنَّهُ حَدِيثٌ طَوِيلٌ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ نَسَخَ وُجُوبَهُ عَنْهُ ( قَوْلُهُ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى } ) أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ .
وَفِيهِ شُعْبَةُ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ فِيهِ ، فَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ ، وَرَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ صَلَاةَ النَّهَارِ ، وَكَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي خَطَأٌ ، وَقَوْلُهُ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى إسْنَادُهُ جَيِّدٌ لَا يُعَارِضُ كَلَامَهُ هَذَا لِأَنَّ جَوْدَةَ السَّنَدِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْخَطَأِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى دَخَلَتْ عَلَى الثِّقَاتِ ، وَلِهَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي كِتَابِهِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ بِسَنَدِهِ ، ثُمَّ قَالَ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّ فِيهِ عِلَّةً يَطُولُ بِذَكَرِهَا الْكَلَامُ انْتَهَى ، وَلَوْ سَلِمَ فَسَنَذْكُرُ الْجَوَابَ ( قَوْلُهُ وَلَهُمَا الِاعْتِبَارُ بِالتَّرَاوِيحِ ) فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْفَصْلِ فِيهَا ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ لَهُمَا لَا كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ لَهُمَا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى } لِأَنَّهُمَا يَحْتَاجَانِ إلَى الْجَوَابِ عَنْ مَرْوِيِّ الشَّافِعِيِّ

{ صَلَاةُ النَّهَارِ مَثْنَى } وَهُوَ بِعَيْنِهِ جَوَابٌ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ مَثْنَى ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَمَعْنَى مَا رَوَاهُ شَفْعًا لَا وِتْرًا فَهُوَ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ دَعَا إلَى حَمْلِهِ عَلَيْهِ مُعَارَضَةُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي إثْبَاتِ كَوْنِ الْأَرْبَعِ سُنَّةً رَاتِبَةً مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { مَا صَلَّى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ عَلَيَّ إلَّا صَلَّى أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا } وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ فَيَرْكَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، ثُمَّ يَأْوِي إلَى فِرَاشِهِ } الْحَدِيثُ بِطُولِهِ .
وَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذَةَ أَنَّهَا { سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ } وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا طَيِّبُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : قَالَتْ عَمْرَةُ : { سَمِعْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ } لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ الْأَوَّلَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعَ بِتَسْلِيمَةٍ إذْ لَوْ قَصَدَتْ إفَادَةَ كَمِّيَّتِهِ فَقَطْ كَانَ صَحِيحًا مَعَ الْفَصْلِ ، وَفِي التَّارِيخِ كَانَ أَبُو يُوسُفَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ مِائَتَيْ رَكْعَةٍ لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ أَنَّهُ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ ، فَالْأَوْلَى فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ { أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ ؟ قَالَتْ : مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُصَلِّي أَرْبَعًا

فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ } الْحَدِيثَ ، فَهَذَا الْفَصْلُ يُفِيدُ الْمُرَادَ ، وَإِلَّا لَقَالَتْ ثَمَانِيًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ .
وَقَدَّمْنَا فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا كَمَا كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، فَرِوَايَةُ بَعْضِ فِعْلِهِ : أَعْنِي فِعْلَ الْأَرْبَعِ لَا تُوجِبُ الْمُعَارَضَةَ ، وَالْأَوْلَى فِي التَّقْرِيرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا مُقْتَضَى لَفْظِ الْحَدِيثِ حَصْرُ الْمُبْتَدَإِ فِي الْخَبَرِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْعَامِّ : أَعْنِي صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ وَإِلَّا لَكَانَتْ كُلُّ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ لَا تَكُونُ إلَّا ثِنْتَيْنِ شَرْعًا ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى جَوَازِ الْأَرْبَعِ أَيْضًا وَعَلَى كَرَاهَةِ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ ، وَإِذَا انْتَفَى كَوْنُ الْمُرَادِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُبَاحُ الِاثْنَتَيْنِ أَوْ لَا تَصِحُّ الِاثْنَتَيْنِ لَزِمَ كَوْنُ الْحُكْمِ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ : أَعْنِي مَثْنَى ، أَمَّا فِي حَقِّ الْفَضِيلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَرْبَعٍ أَوْ فِي حَقِّ الْإِبَاحَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْدِ وَتَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا بِمُرَجِّحٍ وَفِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُدَّ عَلَى كِلَا النَّحْوَيْنِ ، لَكِنَّا عَقَلْنَا زِيَادَةَ فَضِيلَةِ الْأَرْبَعِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَشَقَّةً عَلَى النَّفْسِ بِسَبَبِ طُولِ تَقْيِيدِهَا فِي مَقَامِ الْخِدْمَةِ ، وَرَأَيْنَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّمَا أَجْرُكَ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكَ } فَحَكَمْنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ الثَّانِي : أَيْ مَثْنَى لَا وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا .
ثَانِيهِمَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ كُلَّ مَثْنًى مِنْ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَتِهَا ، وَمَثْنَى مَعْدُولٍ عَنْ الْعَدَدِ الْمُكَرَّرِ وَهُوَ اثْنَانِ اثْنَانِ ، فَمُؤَدَّاهُ حِينَئِذٍ اثْنَانِ اثْنَانِ صَلَاةً عَلَى حِدَةٍ ، ثُمَّ اثْنَانِ اثْنَانِ صَلَاةً

عَلَى حِدَةٍ وَهَلُمَّ جَرًّا ، وَهَذَا مَعْنَى أَرْبَعُ صَلَاةٍ عَلَى حِدَةٍ أَرْبَعُ صَلَاةٍ أُخْرَى عَلَى حِدَةٍ وَهَلُمَّ جَرًّا ، بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ لَفْظُ مَثْنَى وَقَالَ الصَّلَاةُ مَثْنَى مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ الصَّلَاةُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَهَلُمَّ جَرًّا ، فَيُفِيدُ أَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ ، وَسَبَبُ الْعُدُولِ عَنْ أَرْبَعٍ أَرْبَعٍ وَهُوَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا وَأَشْهَرُ مَعْنًى إلَى إفَادَتِهِ بِذَلِكَ قَصَدَ إفَادَةَ كَوْنِ الْأَرْبَعِ مَفْصُولَةً بِغَيْرِ السَّلَامِ ، وَذَلِكَ حِينَئِذٍ لَيْسَ إلَّا التَّشَهُّدُ لَا مَخْلُوطَةً ، وَذَلِكَ لِأَنَّ بَعْدَ جَعْلِ كُلِّ أَرْبَعٍ صَلَاةً عَلَى حِدَتِهَا ، ثُمَّ قَالَ إنَّ تِلْكَ الْأَرْبَعَ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْفَصْلُ بِغَيْرِ السَّلَامِ وَإِلَّا كَانَ كُلُّ صَلَاةٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ كَانَ كُلُّ صَلَاةٍ أَرْبَعًا ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ مَوْصُولًا بِمَا يَحْسُنُ فِي الِاسْتِعْمَالِ مَوْقِعُهُ تَفْسِيرًا عَلَى مَا قُلْنَا ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى ، تَشَهُّدٌ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ } وَأَمَّا الْكَلَامُ مَعَهُمَا فَظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ .

( فَصْلٌ ) فِي الْقِرَاءَةِ ( الْقِرَاءَةُ فِي الْفَرْضِ وَاجِبَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ ، وَكُلُّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ تَيْسِيرًا .
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا فِي الثَّانِيَةِ اسْتِدْلَالًا بِالْأُولَى لِأَنَّهُمَا يَتَشَاكَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ فَيُفَارِقَانِهِمَا فِي حَقِّ السُّقُوطِ بِالسَّفَرِ ، وَصِفَةِ الْقِرَاءَةِ وَقَدْرِهَا فَلَا يَلْحَقَانِ بِهِمَا ، وَالصَّلَاةُ فِيمَا رُوِيَ مَذْكُورَةٌ تَصْرِيحًا فَتَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلَةِ وَهِيَ الرَّكْعَتَانِ عُرْفًا كَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي ( وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ ) مَعْنَاهُ إنْ شَاءَ سَكَتَ وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ ، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ .

فَصْلٌ ) الْقِرَاءَةُ فِي الْفَرْضِ فِي رَكْعَتَيْنِ ، وَجَعْلُهَا فِي الْأُولَيَيْنِ وَاجِبًا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْأَصْلِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : رَكْعَتَانِ غَيْرُ عَيْنٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقُدُورِيُّ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ ، فَلَوْ تَرَكَهَا أَوْ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ فَسَدَتْ ، وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ صَحَّتْ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْكُلِّ .
وَعَنْ مَالِكٍ فِي ثَلَاثٍ .
وَقَالَ زُفَرُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ .
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ لَيْسَتْ إلَّا سُنَّةً لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى الْأَفْعَالِ لَا الْأَقْوَالِ ، وَلِذَا تَسْقُطُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَفْعَالِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَعَلَى الْقَلْبِ لَا تَسْقُطُ وَلِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَمَا أَعْلَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَنَّاهُ وَمَا أَخْفَى أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ : لِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ .
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } وَهُوَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَكَانَ مُؤَدَّاهُ افْتِرَاضَهَا فِي رَكْعَةٍ ، إلَّا أَنَّ الثَّانِيَةَ اُعْتُبِرَتْ شَرْعًا كَالْأُولَى ، وَإِيجَابُ الْقِرَاءَةِ فِيهَا إيجَابٌ فِيهِمَا فَإِنْ قِيلَ : هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ لَا تُشْتَرَطُ فِيهَا أَوْلَوِيَّةُ الْمَسْكُوتِ بِالْحُكْمِ كَمَا فِي لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَأَيْضًا الثَّابِتُ بِالدَّلَالَةِ مَا يَفْهَمُهُ مِنْ النَّصِّ كُلُّ مَنْ يَفْهَمُ اللُّغَةَ وَلَيْسَ هُنَا ذَلِكَ .
قُلْنَا لَا شَكَّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي كَوْنِهِ دَلَالَةً لَا قِيَاسًا كَوْنُهُ يُفْهَمُ عِنْدَ فَهْمِ مَوْضُوعِ اللَّفْظِ سَوَاءٌ كَانَ أَوْلَى أَوْ لَا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ النَّظَرِ لِمَنْ خَالَفَ ، ثُمَّ نَقُولُ : مَنْ فَهِمَ اللُّغَةَ ثُمَّ عَلِمَ تَسْوِيَةَ الشَّارِعِ تَعَالَى

بَيْنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَبَيْنَ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مِنْهَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ ثُمَّ سَمِعَهُ يَقُولُ اقْرَأْ فِي الصَّلَاةِ تَبَادَرَ إلَيْهِ طَلَبُ الْقِرَاءَةِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي بِمُلَاحَظَةِ تِلْكَ الْمُقَدَّمَةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي نَفْسِهِ ، فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ } ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ { ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا } فَمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضُ لِأَنَّ الْقَطْعِيَّ لَا يَثْبُتُ بِظَنِّيٍّ ، وَقَوْلُهُمْ الصَّلَاةُ مُجْمَلٌ ، وَوَقَعَ الْبَيَانُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكُلِّ جَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْإِجْمَالَ فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ لَا يَنْفِي عَدَمَ الْإِجْمَالِ فِيمَا يُضَافُ إلَيْهَا مِنْ الْأَرْكَانِ شَرْعًا بَيَانًا إذَا كَانَ دَلِيلُهُ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ .
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ : فَلِمَ لَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ كَمَا هُوَ مُحَصَّلُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْرَأْ يُكْرَهُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ إنْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمُصَرَّحَ بِهَا إذَا أُطْلِقَتْ تَنْصَرِفُ إلَى الرَّكْعَتَيْنِ لِعَدَمِ شَرْعِيَّةِ الْوَاحِدَةِ وَقِلَّةِ شَرْعِيَّةِ الثَّلَاثِ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ بَقِيَ الْآخَرُ فَإِنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا ذَكَرَ لَهُ وَمِنْهُ الْقِرَاءَةُ ، بِخِلَافِ مَا يُفْهَمُ مِنْ الْمُوَاظَبَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ كَحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ { كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ } الْحَدِيثَ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا تُفْهَمُ الْمُوَاظَبَةُ فِي الْجُمْلَةِ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْمَقْرُونَةِ بِالتَّرْكِ أَحْيَانًا وَغَيْرِهِ ، وَلَا دَلَالَةَ

لِلْأَعَمِّ عَلَى خُصُوصِيَّةِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا .
وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِهِ صَارِفٌ لَهُ عَنْ الْوُجُوبِ ، وَذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالَا : اقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَسَبِّحْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ .
وَهُوَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا غَرِيبٌ ، بِخِلَافِهِ عَنْ غَيْرِهَا فِي مُوَطَّأِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ الْقُرَشِيُّ عَنْ حَمَّادِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ وَمَا يُخَافِتُ فِيهِ مِنْ الْأُولَيَيْنِ وَلَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ ، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ فَاتِحَةً وَسُورَةً وَلَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِشَيْءٍ .
وَهَذَا بَعْدَ مَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ الِانْقِطَاعِ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ غَيْرِهِمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ ، وَإِلَّا فَاخْتِلَافُهُمْ حِينَئِذٍ فِي الْوُجُوبِ لَا يَصْرِفُ دَلِيلَهُ عَنْهُ ، فَالْأَحْوَطُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ .
وَأَمَّا مَا قِيلَ أَنْ لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ يُفِيدُ نَفْيَ الْكَمَالِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ فَارْجِعْ إلَيْهِ ، وَالْعَجَبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ ذَلِكَ هُنَا وَيَقُولُونَ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا اسْتَخْلَفَ الْقَارِئُ أُمِّيًّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ بَعْدَ مَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ مَعَ زُفَرَ حَيْثُ قَالَ بِالْجَوَازِ خِلَافًا لِلثَّلَاثَةِ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ صَارَ مُؤَدًّى فَيَجُوزُ فَدَفَعَهُ هَؤُلَاءِ بِعَيْنِهِمْ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ وَإِنْ كَانَتْ تُؤَدَّى فِي مَوْضِعٍ خَاصٍّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ } حَتَّى زَادَ فِي الْكَافِي أَنَّ هَذَا كَقَوْلِهِ { لَا صَلَاةَ إلَّا

بِطَهَارَةٍ } إلَى آخِرِ مَا ذَكَرُوا ، فَالصَّوَابُ فِي التَّقْرِيرِ مَا أَعْلَمْتُكَ ( قَوْلُهُ وَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ ) لَحْنٌ لِأَنَّ أَلِفَ أُخْرَى رَابِعَةٌ فَيَجِبُ قَلْبُهَا يَاءً مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَصْلِهَا ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : الْأُخْرَيَانِ عَلَى الصَّوَابِ ( قَوْلُهُ إنْ شَاءَ سَكَتَ ) أَيْ قَدْرَ تَسْبِيحَةٍ ، وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ نَقَلَهُ فِي النِّهَايَةِ .
وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ : إنْ شَاءَ سَبَّحَ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ قَدْرَهَا ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِالْأُصُولِ ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ الْمَأْثُورُ لِلتَّسْبِيحِ .

( وَالْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَفِي جَمِيعِ الْوِتْرِ ) أَمَّا النَّفَلُ فَلِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ ، وَالْقِيَامُ إلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ الْأُولَى إلَّا رَكْعَتَانِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، وَلِهَذَا قَالُوا يُسْتَفْتَحُ فِي الثَّالِثَةِ ، وَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِلِاحْتِيَاطِ .

( قَوْلُهُ فَلِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ ) يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا صَحَّتْ مِنْ تَرْكِ الْقَعْدَةِ سَاهِيًا لَكِنَّهَا تَصِحُّ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ، وَيَجِبُ الْعَوْدُ إلَيْهَا إذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ الْقِيَامِ مَا لَمْ يَسْجُدْ .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِيَاسَ فَسَادُهَا ، وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَرِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا لِأَنَّ التَّطَوُّعَ شُرِعَ أَرْبَعًا أَيْضًا كَمَا شُرِعَ رَكْعَتَيْنِ ، فَإِذَا تَرَكَهَا أَمْكَنَنَا تَصْحِيحُهَا بِجَعْلِهَا صَلَاةً وَاحِدَةً فَلَا يُفْتَرَضُ حِينَئِذٍ الْقَعْدَةُ الْأُولَى لِأَنَّ افْتِرَاضَ الْقَعْدَةِ لِلْخَتْمِ ، فَإِذَا لَمْ يُخْتَمْ إلَّا بَعْدَ الرَّابِعَةِ صَارَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ ، وَالْفَرْضُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَمْ تُفْتَرَضْ الْأُولَى بَلْ كَانَتْ وَاجِبَةً بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ وَهُوَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ تَشَهُّدٌ فَتَنْجَبِرُ بِالسُّجُودِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْعَوْدُ بَعْدَ تَمَامِ الْقِيَامِ وَلَزِمَتْ الْقِرَاءَةُ فِي الشَّفْعَيْنِ لِشَبَهِهَا بِالظُّهْرِ مِنْ وَجْهٍ وَمُفَارَقَتِهَا لَهُ مِنْ وَجْهٍ ، فَلِلشُّبْهَةِ لَا يُؤْمَرُ بِالْعُودِ إذَا قَيَّدَهَا بِسَجْدَةٍ وَلِلْمُفَارَقَةِ يَعُودُ قَبْلَ السَّجْدَةِ كَمَا إذَا قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ مِنْ الْفَرْضِ وَهِيَ صَلَاةٌ أُخْرَى حُكْمًا فَيَقْرَأُ فِي الْكُلِّ كَمَا فِي صَلَاتَيْنِ احْتِيَاطًا ، وَكَذَلِكَ فِي الْوِتْرِ لِأَنَّ فِيهِ رَوَائِحَ النَّفْلِيَّةِ فَلَزِمَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْقِرَاءَةِ لِأَنَّهَا رُكْنٌ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ لَا كَالْقَعْدَةِ ( قَوْلُهُ فِي الْمَشْهُورِ ) مِنْ الرِّوَايَةِ هَذَا إذَا نَوَى أَرْبَعًا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى التَّقْيِيدِ بِالْمَشْهُورِ ، أَمَّا إذَا شَرَعَ بِمُطْلَقِ نِيَّةِ النَّفْلِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ ( قَوْلُهُ قَالُوا يَسْتَفْتِحُ فِي الثَّالِثَةِ ) وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ قَعْدَةٍ ، وَقِيَاسُهُ أَنْ يَتَعَوَّذَ فِي كُلِّ شَفْعٍ ، هَذَا وَمَا تَقَدَّمَ كُلُّهُ أَثَرُ كَوْنِ كُلِّ شَفْعٍ مُعْتَبَرًا شَرْعًا صَلَاةً عَلَى

حِدَةٍ وَهُوَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ ، وَيُمْكِنُ كَوْنُهُ يُمْكِنُهُ شَرْعًا مِنْ الْخُرُوجِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ ، فَإِذْ قَامَ إلَى شَفْعٍ آخَرَ كَانَ بَانِيًا صَلَاةً ، عَلَى تَحْرِيمَةِ صَلَاةٍ إذْ تِلْكَ التَّحْرِيمَةُ إنَّمَا لَزِمَ بِهَا رَكْعَتَانِ

قَالَ ( وَمَنْ شَرَعَ فِي نَافِلَةٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا قَضَاهَا ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِيهِ وَلَا لُزُومَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ .
وَلَنَا أَنَّ الْمُؤَدَّى وَقَعَ قُرْبَةً فَيَلْزَمُ الْإِتْمَامُ ضَرُورَةَ صِيَانَتِهِ عَنْ الْبُطْلَانِ
( قَوْلُهُ ضَرُورَةَ صِيَانَتِهِ ) أَيْ الْمُؤَدَّى يُفِيدُ أَنَّ الْمُلَاحَظَ لُزُومُهُ أَوَّلًا صِيَانَةَ الْمُؤَدَّى الْوَاقِعِ قُرْبَةً عَنْ إبْطَالِهِ لِأَنَّهُ مَوْرِدُ النَّصِّ ، قَالَ تَعَالَى { وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ إبْطَالِهَا قَبْلَ إتْمَامِهَا بِالْإِفْسَادِ أَوْ بَعْدَهُ بِفِعْلِ مَا يُحْبِطُهُ وَنَحْوِهِ فَلِذَلِكَ لَزِمَ الْإِتْمَامُ .
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ : إنْ لَزِمَ الْإِتْمَامُ هَلْ يَسْتَلْزِمُ شَرْعًا الْقَضَاءُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ لَوْ قَالَ قَائِلٌ الْمُتَحَقَّقُ إنَّمَا هُوَ اسْتِلْزَامُهُ الْإِثْمَ بِتَفْوِيتِ مُقْتَضَى النَّهْيِ ، أَمَّا أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ فَيَحْتَاجُ إلَى خُصُوصِ دَلِيلٍ ؟ فَجَوَابُهُ يُفِيدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى حَجِّ النَّفْلِ وَالْعُمْرَةِ لَمَّا لَزِمَا بِالشُّرُوعِ شَرْعًا لَزِمَ قَضَاؤُهُمَا بِتَفْوِيتِهِ ، وَتَمَامُ نَصْبِ الدَّلِيلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الصَّوْمِ .

( وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَقَعَدَ ثُمَّ أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ قَضَى رَكْعَتَيْنِ ) لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ ، وَالْقِيَامُ إلَى الثَّالِثَةِ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ فَيَكُونُ مُلْزِمًا ، هَذَا إذَا أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا ، وَلَوْ أَفْسَدَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لَا يَقْضِي الْأُخْرَيَيْنِ : وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقْضِي اعْتِبَارًا لِلشُّرُوعِ بِالنَّذْرِ .
وَلَهُمَا أَنَّ الشُّرُوعَ يَلْزَمُ مَا شُرِعَ فِيهِ وَمَا لَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بِهِ ، وَصِحَّةُ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي ، بِخِلَافِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ، وَعَلَى هَذَا سُنَّةُ الظُّهْرِ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ وَقِيلَ يَقْضِي أَرْبَعًا احْتِيَاطًا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ .

( قَوْلُهُ وَقَعَدَ ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْعُدْ وَأَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ أَرْبَعٍ بِالْإِجْمَاعِ ( قَوْلُهُ لَا يَقْضِي الْأُخْرَيَيْنِ ) يَعْنِي الْأُولَيَيْنِ بَلْ الْأُولَيَيْنِ فَقَطْ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقْضِي الْأُخْرَيَيْنِ أَيْضًا فَيَقْضِي أَرْبَعًا ، وَقَدْ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ ( قَوْلُهُ اعْتِبَارٌ لِلشُّرُوعِ بِالنَّذْرِ ) بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَبَبُ اللُّزُومِ ، فَكَمَا أَنَّ نِيَّةَ الْكَمْيَّةِ إذَا اقْتَرَنَتْ بِنَذْرِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَجَبَتْ الصَّلَاةُ بِتِلْكَ الْكَمِّيَّةِ ، كَذَلِكَ إذَا اقْتَرَنَتْ بِالشُّرُوعِ لَزِمَ مَا شَرَعَ فِيهِ بِالْكَمِّيَّةِ الْمَنْوِيَّةِ ( قَوْلُهُ أَنَّ الشُّرُوعَ ) تَسْلِيمٌ لِصِحَّةِ اعْتِبَارِ الشُّرُوعِ بِالنَّذْرِ فِي الْإِلْزَامِ ، لَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ فَإِنَّ الشُّرُوعَ إنَّمَا يَلْزَمُ مَا شُرِعَ فِيهِ ، وَمَا لَا صِحَّةَ لِمَا شُرِعَ فِيهِ إلَّا بِهِ كَالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ ، وَالشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الْأَخِيرِ لَمْ يَتَحَقَّقْ ، وَلَا صِحَّةُ الْأَوَّلِ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ .
هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي فَلَا يُفِيدُ الشُّرُوعُ لُزُومَهُ ، وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ حَقِيقَةَ وَجْهِ قَوْلِهِمَا إلْحَاقُ الشُّرُوعِ بِالنَّذْرِ الْمُقْتَرِنِ بِهَا فِي لُزُومِ الْأَرْبَعِ بَعْدَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَوْ تَجَرَّدَ عَنْهَا لَزِمَ بِهِ رَكْعَتَانِ فَقَطْ ، وَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ الشُّرُوعُ يُوجِبُ مَا شُرِعَ فِيهِ يَتَضَمَّنُ مَنْعَ أَنَّهُ يُوجِبُ غَيْرَ أَصْلِ صَلَاةٍ صَحِيحَةٍ بَلْ ذَلِكَ فَقَطْ لِمَا سَنَذْكُرُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ ( قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا سُنَّةُ الظُّهْرِ ) أَيْ إذَا أَفْسَدَهَا بَعْدَ مَا قَعَدَ أَوْ قَبْلَهُ قَضَى رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ سُنَّتْ بِالْمُوَاظَبَةِ .
وَقِيلَ يَقْضِي أَرْبَعًا لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ كَالظُّهْرِ ، وَلِذَا يَنْهَضُ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى عِنْدَ " عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " فَلَا يَسْتَفْتِحُ فِي الثَّالِثَةِ ، وَلَا تَبْطُلُ شُفْعَةُ الشَّفِيعِ إذَا عَلِمَ فِي الشَّفْعِ

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78