كتاب : فتح القدير
المؤلف : كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي

( قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ السَّارِقُ أَشَلَّ الْيَدِ الْيُسْرَى أَوْ مَقْطُوعَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى ) أَوْ كَانَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى شَلَّاءَ ( لَا يُقْطَعُ لِأَنَّ فِي الْقَطْعِ ) وَالْحَالَةُ هَذِهِ ( تَفْوِيتَ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ بَطْشًا ) فِيمَا إذَا كَانَتْ الْيَدُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً أَوْ مَشْلُولَةً ( أَوْ مَشْيًا ) إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَتَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ إهْلَاكٌ حَتَّى وَجَبَ تَمَامُ الدِّيَةِ بِقَطْعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَشْيَ لَا يَتَأَتَّى مَعَ قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ( وَكَذَا ) لَا يُقْطَعُ يَمِينَ السَّارِقِ ( إذَا كَانَتْ إبْهَامُ يَدِهِ الْيُسْرَى ) أَوْ رِجْلِهِ الْيُسْرَى ( مَقْطُوعَةً أَوْ شَلَّاءَ أَوْ الْأُصْبُعَانِ ) مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ( سِوَى الْإِبْهَامِ ) لِأَنَّ فَوْتَهُمَا يَقُومُ مَقَامَ فَوْتِ الْإِبْهَامِ فِي نُقْصَانِ الْبَطْشِ ، بِخِلَافِ فَوْتِ أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ غَيْرِ الْإِبْهَامِ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَيُقْطَعُ ، وَلَا يُشْكَلُ أَنَّ الشَّلَلَ وَقَطْعَ الْإِبْهَامِ وَالْأَصَابِعِ لَوْ كَانَ فِي الْيَدِ الْيُمْنَى أَنَّهُ يُقْطَعُ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً قُطِعَتْ فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ نَاقِصَةً ، وَإِنَّمَا خُولِفَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ حَيْثُ جُعِلَ الْقَائِمُ مَقَامَ الْإِبْهَامِ الْمُخِلِّ بِالْبَطْشِ فَوَاتُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ ، وَهُنَا جَعَلَهُ أُصْبُعَيْنِ لِأَنَّ الْحَدَّ يُحْتَاطُ فِي دَرْئِهِ .

قَالَ ( وَإِذَا قَالَ الْحَاكِمُ لِلْحَدَّادِ اقْطَعْ يَمِينَ هَذَا فِي سَرِقَةٍ سَرَقَهَا فَقَطَعَ يَسَارَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَالَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ وَيَضْمَنُ فِي الْعَمْدِ ) وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَضْمَنُ فِي الْخَطَأِ أَيْضًا وَهُوَ الْقِيَاسُ ، وَالْمُرَادُ بِالْخَطَأِ هُوَ الْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ ، وَأَمَّا الْخَطَأُ فِي مَعْرِفَةِ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ لَا يُجْعَلُ عَفْوًا .
وَقِيلَ يُجْعَلُ عُذْرًا أَيْضًا .
لَهُ أَنَّهُ قَطَعَ يَدًا مَعْصُومَةً وَالْخَطَأُ فِي حَقِّ الْعِبَادِ غَيْرُ مَوْضُوعٍ فَيَضْمَنُ .
قُلْنَا إنَّهُ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ ، إذْ لَيْسَ فِي النَّصِّ تَعْيِينُ الْيَمِينِ ، وَالْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ مَوْضُوعٌ .
وَلَهُمَا أَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مَعْصُومًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا تَأْوِيلٍ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الظُّلْمَ فَلَا يُعْفَى وَإِنْ كَانَ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ إلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ لِلشُّبْهَةِ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ أَتْلَفَ وَأَخْلَفَ مِنْ جِنْسِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فَلَا يُعَدُّ إتْلَافًا كَمَنْ شَهِدَ عَلَى غَيْرِهِ بِبَيْعِ مَالِهِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَطَعَهُ غَيْرُ الْحَدَّادِ لَا يَضْمَنُ أَيْضًا هُوَ الصَّحِيحُ .
وَلَوْ أَخْرَجَ السَّارِقُ يَسَارَهُ وَقَالَ هَذِهِ يَمِينِي لَا يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ قَطْعَهُ بِأَمْرِهِ .
ثُمَّ فِي الْعَمْدِ عِنْدَهُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْمَالِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ حَدًّا .
وَفِي الْخَطَأِ كَذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ، وَعَلَى طَرِيقَةِ الِاجْتِهَادِ لَا يَضْمَنُ

( قَوْلُهُ وَإِذَا قَالَ الْحَاكِمُ لِلْحَدَّادِ ) أَيْ لِلَّذِي يُقِيمُ الْحَدَّ فَعَّالٌ مِنْهُ كَالْجَلَّادِ مِنْ الْجَلْدِ ( اقْطَعْ يَمِينَ هَذَا فِي سَرِقَةٍ سَرَقَهَا فَقَطَعَ يَسَارَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَلَكِنْ يُؤَدَّبُ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ( وَقَالَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْخَطَإِ وَيَضْمَنُ فِي الْعَمْدِ ) أَرْشَ الْيَسَارِ ( وَعِنْدَ زُفَرَ يَضْمَنُ فِي الْخَطَإِ أَيْضًا ) بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهُ اقْطَعْ يَدَ هَذَا فَقَطَعَ الْيَسَارَ لَا يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ .
وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ يُقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ كَقَوْلِنَا فِيمَا إذَا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْقَطْعِ فِي انْتِظَارِ التَّعْدِيلِ ثُمَّ عُدِّلَتْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ ، وَتُقْطَعُ يَدُ الْقَاطِعِ قِصَاصًا وَيَضْمَنُ الْمَسْرُوقُ لَوْ كَانَ أَتْلَفَهُ ، لِأَنَّ سُقُوطَ الضَّمَانِ بِاسْتِيفَاءِ الْقَطْعِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُوجَدْ .
وَكَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى يُقْتَصُّ لَهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ قَطْعُ الْيُمْنَى لِمَا عُرِفَ ( قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ ) أَيْ الْمُرَادُ ( بِالْخَطَأِ ) الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ زُفَرَ ( الْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ ) وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقْطَعَ الْيُسْرَى بَعْدَ قَوْلِ الْحَاكِمِ اقْطَعْ يَمِينَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ فِي أَنَّ قَطْعَهَا يُجْزِئُ عَنْ قَطْعِ السَّرِقَةِ نَظَرًا إلَى إطْلَاقِ النَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } ( أَمَّا الْخَطَأُ فِي مَعْرِفَةِ الْيَمِينِ مِنْ الشِّمَالِ لَا يُجْعَلُ عَفْوًا ) لِأَنَّهُ بَعِيدٌ يُتَّهَمُ فِيهِ مُدَّعِيهِ ، وَعَلَى هَذَا فَالْقَطْعُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَمْدٌ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَعْنَى الْعَمْدِ حِينَئِذٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْقَطْعَ لِلْيَسَارِ لَا عَنْ اجْتِهَادٍ فِي إجْزَائِهَا ( وَقِيلَ ) الْخَطَأُ فِي الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ ( يُجْعَلُ عَفْوًا أَيْضًا .
لِزُفَرَ أَنَّهُ قَطَعَ يَدًا مَعْصُومَةً .
وَالْخَطَأُ فِي حَقِّ الْعِبَادِ غَيْرُ مَوْضُوعٍ فَيَضْمَنُهَا .
وَلَنَا أَنَّهُ ) إنَّمَا ( أَخْطَأَ فِي

اجْتِهَادِهِ وَخَطَأُ الْمُجْتَهِدِ مَوْضُوعٌ ) بِالْإِجْمَاعِ ، وَهَذَا مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ لِأَنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ يُسَوِّي بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ ( وَلَهُمَا ) فِي الْعَمْدِ ( أَنَّهُ ) جَانٍ حَيْثُ ( قَطَعَ يَدًا مَعْصُومَةً بِلَا تَأْوِيلٍ تَعَمُّدًا لِلظُّلْمِ فَلَا يُعْفَى وَإِنْ كَانَ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ ) لِأَنَّهُ هُوَ لَمْ يَفْعَلْهُ عَنْ اجْتِهَادٍ ( وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقَوَدُ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ ) النَّاشِئَةِ مِنْ إطْلَاقِ النَّصِّ ( وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ ) وَإِنْ ( أَتْلَفَ ) بِلَا حَقٍّ ظُلْمًا لَكِنَّهُ ( أَخْلَفَ مِنْ جِنْسِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ ) وَهِيَ الْيَمِينُ فَإِنَّهَا لَا تُقْطَعُ بَعْدَ قَطْعِ الْيُسْرَى وَهِيَ خَيْرٌ لِأَنَّ قُوَّةَ الْبَطْشِ بِهَا أَتَمُّ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ أَخْلَفَ لِأَنَّ الْيَمِينَ كَانَتْ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ فَكَانَتْ كَالْفَائِتَةِ فَأَخْلَفَهَا إلَى خَلْفِ اسْتِمْرَارِهَا وَبَقَائِهَا ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَعَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ، لِأَنَّهُ وَإِنْ امْتَنَعَ بِهِ قَطْعُ يَدِهِ لَكِنْ لَمْ يُعَوِّضْهُ مِنْ جِنْسِ مَا أُتْلِفَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ ، لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبَطْشِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْمَشْيِ ، وَأَمَّا إنْ قَطَعَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَلَمْ يُعَوِّضْ عَلَيْهِ شَيْئًا أَصْلًا وَصَارَ كَمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى رَجُلٍ بِبَيْعِ عَبْدٍ بِأَلْفَيْنِ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ أَوْ شَهِدَا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا يَضْمَنَانِ شَيْئًا ( قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا ) أَيْ عَلَى تَعْلِيلِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْإِخْلَافِ بِقَطْعِ يَسَارِهِ ( غَيْرِ الْحَدَّادِ أَيْضًا ) لِلْإِخْلَافِ ( وَهُوَ الصَّحِيحُ ) احْتِرَازٌ عَمَّا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ حَيْثُ قَالَ : هَذَا كُلُّهُ إذَا قَطَعَ الْحَدَّادُ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ ، وَلَوْ قَطَعَ يَسَارَهُ غَيْرُهُ فَفِي الْعَمْدِ الْقِصَاصُ وَفِي الْخَطَإِ الدِّيَةُ ( قَوْلُهُ وَلَوْ أَنَّ السَّارِقَ أَخْرَجَ يَسَارَهُ وَقَالَ هَذِهِ يَمِينِي ) فَقَطَعَهَا ( لَا يَضْمَنُ ) وَإِنْ

كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهَا يَسَارُهُ ( بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ قَطَعَهَا بِأَمْرِهِ ثُمَّ فِي الْعَمْدِ عِنْدَهُ عَلَى السَّارِقِ ضَمَانُ الْمَالِ ) إذَا كَانَ اسْتَهْلَكَهُ ( لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ حَدًّا فَفِي الْخَطَإِ كَذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ) أَعْنِي طَرِيقَةَ عَدَمِ وُقُوعِهِ حَدًّا .
وَقِيلَ طَرِيقَةُ الْإِخْلَافِ وَلَازِمُهَا عَدَمُ وُقُوعِهِ حَدًّا فَكِلَاهُمَا وَاحِدٌ ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ إلَى اللَّفْظِ ( وَعَلَى طَرِيقَةِ الِاجْتِهَادِ لَا يَضْمَنُ ) لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِعَ الْحَدِّ وَالْقَطْعُ مَعَ الضَّمَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ .
وَإِنَّمَا خَصَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِلُزُومِ الضَّمَانِ عَلَى السَّارِقِ فِي عَمْدِ الْقَطْعِ مَعَ أَنَّهُمَا أَيْضًا يَضْمَنَانِهِ لِأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْحَدَّادِ ضَمَانًا قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ السَّارِقُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَطْعَ الْحَدَّادِ وَقَعَ حَدًّا وَلِذَا لَمْ يَضْمَنْهُ ، فَأَزَالَ الْوَهْمَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَضْمَنْهُ لِإِخْلَافِهِ لَا لِوُقُوعِهِ حَدًّا

( وَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ إلَّا أَنْ يَحْضُرَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ فَيُطَالِبُ بِالسَّرِقَةِ ) لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَرْطٌ لِظُهُورِهَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْإِقْرَارِ ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ لَا تَظْهَرُ إلَّا بِخُصُومَتِهِ ، وَكَذَا إذَا غَابَ عِنْدَ الْقَطْعِ عِنْدَنَا ، لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي بَابِ الْحُدُودِ

( قَوْلُهُ وَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ إلَّا أَنْ يَحْضُرَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ فَيُطَالِبُ بِالسَّرِقَةِ ، لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَرْطٌ لِظُهُورِ السَّرِقَةِ ) وَالْخَصْمُ هُوَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا تُشْتَرَطُ الْمُطَالَبَةُ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَكَمَا فِي حَدِّ الزِّنَا .
وَقَوْلُهُ ( وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْإِقْرَارِ ) هُوَ خِلَافُ الْأَصَحِّ عِنْدَهُ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ كَالْبَيِّنَةِ .
يَعْنِي إذَا أَقَرَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ إنِّي سَرَقْت مَالَ فُلَانٍ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ حَتَّى يَحْضُرَ فُلَانٌ وَيَدَّعِي .
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ رِوَايَةً عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ خُصُومَةَ الْعَبْدِ لَيْسَ إلَّا لِيَظْهَرَ سَبَبُ الْقَطْعِ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى .
وَبِالْإِقْرَارِ يَظْهَرُ السَّبَبُ فَلَا حَاجَةَ إلَى ظُهُورِهِ .
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَصْدِيقُ الْمُقَرِّ لَهُ فِي الْمُقَرِّ بِهِ فَهُوَ لِلْمُقِرِّ ظَاهِرًا .
وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ لِغَائِبٍ ثُمَّ لِحَاضِرٍ جَازَ ، وَلِأَنَّ شُبْهَةَ الْإِبَاحَةِ بِإِبَاحَةِ الْمَالِكِ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ بِطَائِفَةِ السَّارِقِ مِنْهُمْ ثَابِتَةٌ .
وَكَذَا شُبْهَةُ وُجُودِ إذْنِهِ لَهُ فِي دُخُولِهِ فِي بَيْتِهِ فَاعْتُبِرَتْ الْمُطَالَبَةُ دَفْعًا لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ .
بِخِلَافِ الزِّنَا فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ بِإِبَاحَةٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَلَمْ تَتَمَكَّنْ فِيهِ هَذِهِ الشُّبْهَةُ .
وَالْحَقُّ احْتِمَالُ إبَاحَةِ الْمَالِكِ وَنَحْوِهِ هِيَ الشُّبْهَةُ الْمَوْهُومَةُ الَّتِي سَيَنْفِيهَا الْمُصَنِّفُ وَسَيَتَّضِحُ لَك ، فَالْمُعَوِّلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ مِلْكَ الْمُقَرَّرِ قَائِمٌ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُقَرُّ لَهُ ( قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا غَابَ ) الْمَسْرُوقُ مِنْهُ ( عِنْدَ الْقَطْعِ ) لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَحْضُرَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ خِلَافًا لِمَالِكٍ ( لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي الْحُدُودِ )

عَلَى مَا مَرَّ ، وَعَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَكُونُ التَّشْبِيهُ فِي ثُبُوتِ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ ، لَكِنْ عَلِمْت أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ كَقَوْلِنَا ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ شَرْطُ شَرْعٍ مِنْ بَيَانِ مَنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ فَقَالَ

( وَلِلْمُسْتَوْدَعِ وَالْغَاصِبِ وَصَاحِبِ الرِّبَا أَنْ يَقْطَعُوا السَّارِقَ مِنْهُمْ ) وَلِرَبِّ الْوَدِيعَةِ أَنْ يَقْطَعَهُ أَيْضًا ، وَكَذَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ .
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُقْطَعُ بِخُصُومَةِ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَوْدَعِ ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُضَارِبُ وَالْمُسْتَبْضِعُ وَالْقَابِضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَالْمُرْتَهِنُ وَكُلُّ مَنْ لَهُ يَدٌ حَافِظَةٌ سِوَى الْمَالِكِ ، وَيُقْطَعُ بِخُصُومَةِ الْمَالِكِ فِي السَّرِقَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ إلَّا أَنَّ الرَّاهِنَ إنَّمَا يُقْطَعُ بِخُصُومَتِهِ حَالَ قِيَامِ الرَّهْنِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالْعَيْنِ بِدُونِهِ .
وَالشَّافِعِيُّ بَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ أَنْ لَا خُصُومَةَ لِهَؤُلَاءِ فِي الِاسْتِرْدَادِ عِنْدَهُ .
وَزُفَرُ يَقُولُ : وِلَايَةُ الْخُصُومَةِ فِي حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ ضَرُورَةُ الْحِفْظِ فَلَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الْقَطْعِ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ الصِّيَانَةِ .
وَلَنَا أَنَّ السَّرِقَةَ مُوجِبَةٌ لِلْقَطْعِ فِي نَفْسِهَا ، وَقَدْ ظَهَرَتْ عِنْدَ الْقَاضِي بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَهِيَ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَقِيبَ خُصُومَةٍ مُعْتَبَرَةٍ مُطْلَقًا إذْ الِاعْتِبَارُ لِحَاجَتِهِمْ إلَى الِاسْتِرْدَادِ فَيَسْتَوْفِي الْقَطْعَ .
وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْخُصُومَةِ إحْيَاءُ حَقِّهِ وَسُقُوطُ الْعِصْمَةِ ضَرُورَةُ الِاسْتِيفَاءِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِشُبْهَةٍ مَوْهُومَةِ الِاعْتِرَاضِ كَمَا إذَا حَضَرَ الْمَالِكُ وَغَابَ الْمُؤْتَمَنُ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِخُصُومَتِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ كَانَتْ شُبْهَةُ الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الْحِرْزِ ثَابِتَةً

( وَلِلْمُسْتَوْدَعِ ) بِفَتْحِ الدَّالِ ( وَالْغَاصِبِ وَصَاحِبِ الرِّبَا أَنْ يَقْطَعُوا السَّارِقَ مِنْهُمْ ) أَيْ إذَا سَرَقَ الْوَدِيعَةَ أَوْ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ ، وَأَمَّا صَاحِبُ الرِّبَا فَكَالْمُشْتَرِي عَشَرَةً بِخَمْسَةٍ إذَا قَبَضَ الْعَشَرَةَ فَسَرَقَهَا سَارِقٌ قَطَعَ بِخُصُومَتِهِ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبِ .
إذْ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي كَالْمَغْصُوبِ ( وَلِرَبِّ الْوَدِيعَةِ أَنْ ) يُخَاصِمَهُ وَ ( يَقْطَعَهُ أَيْضًا ) كَمَا لِلْمُودَعِ ( وَكَذَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ .
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُقْطَعُ بِخُصُومَةِ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَوْدَعِ ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُضَارِبُ وَالْمُسْتَبْضِعُ وَالْقَابِضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَالْمُرْتَهِنُ وَكُلُّ مَنْ لَهُ يَدٌ حَافِظَةٌ ) كَمُتَوَلِّي الْوَقْفِ وَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ يَقْطَعُ السَّارِقَ لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَالْيَتِيمِ بِخُصُومَتِهِمْ ( وَيُقْطَعُ أَيْضًا السَّارِقُ مِنْ هَؤُلَاءِ بِخُصُومَةِ الْمَالِكِ ) بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ ( إلَّا أَنَّ الرَّاهِنَ إنَّمَا يُقْطَعُ بِخُصُومَتِهِ حَالَ قِيَامِ الرَّهْنِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ بَعْدَهُ ) وَالصَّحِيحُ مِنْ نُسَخِ الْهِدَايَةِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ ( لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالْعَيْنِ بِدُونِهِ ) أَيْ بِدُونِ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ فِي رَدِّهَا ، وَكَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ الْقَضَاءِ .
وَقِيلَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا جَوَابَ الْقِيَاسِ : يَعْنِي أَنَّ لِلْمَالِكِ أَنْ يَسْتَرِدَّ الرَّهْنَ كَالْمُودَعِ يَسْتَرِدُّهُ لِلْحِفْظِ فَلَا يَكُونُ أَدْنَى حَالًا مِنْهُ ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ حَالَ قِيَامِ الرَّهْنِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُسْتَهْلِكًا لَا يُقْطَعُ إلَّا بِخُصُومَةِ الْمُرْتَهِنِ لِأَنَّ الدَّيْنَ سَقَطَ عَنْ الرَّاهِنِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ فِي مُطَالَبَتِهِ بِالْعَيْنِ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِلْحِفْظِ .
وَفِي غَايَةِ

الْبَيَانِ : وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلرَّاهِنِ وِلَايَةُ الْقَطْعِ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَزْيَدَ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ عَشَرَةٍ ، لِأَنَّ الزَّائِدَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَكَانَ الْمُرْتَهِنُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ كَالْمُودَعِ وَالرَّاهِنُ كَالْمُودَعِ فَيُقْطَعُ بِخُصُومَتِهِ ( قَوْلُهُ فَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَنَاهُ ) أَيْ بَنَى عَدَمَ الْقَطْعِ بِخُصُومَةِ هَؤُلَاءِ ( عَلَى أَصْلِهِ وَهُوَ أَنْ لَا خُصُومَةَ لَهُمْ فِي الِاسْتِرْدَادِ ) عِنْدَ جُحُودِ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ الْمُودَعُ كَأَبْنَاءِ غَيْرِ الْمُودَعِ ، إلَّا أَنْ يَحْضُرَ الْمَالِكُ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الْخُصُومَةَ فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِمْ لِإِبْقَاءِ الْيَدِ ، فَلَأَنْ لَا يَمْلِكُوهَا لِإِعَادَةِ الْيَدِ أَوْلَى .
قِيلَ لَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي كُتُبِهِمْ يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ يَدِ الْمُودَعِ وَالْوَكِيلِ وَالْمُرْتَهِنِ ، وَكَذَا يَقُولُ مَالِكٌ وَيَزِيدُ الْمُسْتَعِيرَ أَيْضًا ( وَزُفَرُ يَقُولُ : وِلَايَةُ الْخُصُومَةِ فِي حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ ضَرُورَةُ الْحِفْظِ فَلَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الْقَطْعِ لِأَنَّ فِيهِ ) أَيْ فِي الْقَطْعِ ( تَفْوِيتَ الصِّيَانَةِ ) لِسُقُوطِ الضَّمَانِ بِهِ فَيَفُوتُ الْحِفْظُ فَيَعُودُ الْأَمْرُ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ إذْ تَصِيرُ خُصُومَتُهُ لِإِثْبَاتِ الْحِفْظِ سَبَبًا لِنَفْيِهِ ( وَلَنَا أَنَّ السَّرِقَةَ مُوجِبَةٌ لِلْقَطْعِ فِي نَفْسِهَا ، وَقَدْ ظَهَرَتْ عِنْدَ الْقَاضِي بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَهِيَ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَقِيبَ خُصُومَةٍ مُعْتَبَرَةٍ مُطْلَقًا ) وَهَذِهِ النُّكْتَةُ هِيَ مَبْنَى الْخِلَافِ : أَعْنِي كَوْنَ خُصُومَتِهِمْ مُعْتَبَرَةً فَأَثْبَتَهَا بِقَوْلِهِ ( إذْ الِاعْتِبَارُ لِحَاجَتِهِمْ إلَى الِاسْتِرْدَادِ ) وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَهُوَ بِالْيَدِ فَكَانَ اسْتِعَادَتُهَا حَقًّا لَهُمْ ، كَمَا أَنَّ ذَلِكَ لِلْمَالِكِ بَلْ الْمِلْكُ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُرَدَّ إلَّا لِلْيَدِ ، وَهَذَا لِأَنَّ ذَا الْيَدِ إنْ كَانَ أَمِينًا لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الْأَمَانَةِ إلَّا بِهَا ، وَإِنْ كَانَ غَاصِبًا لَا يَقْدِرُ عَلَى إسْقَاطِ

الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا بِذَلِكَ فَكَانَ خُصُومَةً فِي حَقٍّ لَهُمْ ثُمَّ تَظْهَرُ بِهِ السَّرِقَةُ فَيَجِبُ بِهَا الْقَطْعُ ، وَلِذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى إضَافَةِ الْمَالِ إلَى الْمَالِكِ بَلْ يَقُولُ سَرَقَ مِنِّي وَقَصْدُهُ إحْيَاءُ حَقِّ الْمَالِكِ وَحَقِّ نَفْسِهِ ، بِخِلَافِ خُصُومَتِهِ فِي الْقِصَاصِ لَا تُعْتَبَرُ فَلَا يُقْتَصُّ بِخُصُومَتِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقُّهُ فِي إعَادَةِ يَدِهِ .
وَأَوْرَدَ أَنَّ فِي صُورَةِ الْإِقْرَارِ لَا يُقْطَعُ إلَّا بِحُضُورِ الْمَالِكِ وَهُوَ إحْدَى الْحُجَّتَيْنِ ، وَكَذَا لَوْ أَقَامَ وَكِيلُ الْمَالِكِ بَيِّنَةً عَلَى السَّرِقَةِ لَا يُقْطَعُ بِخُصُومَتِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ مَعَ ظُهُورِ السَّرِقَةِ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ فِيهِمَا ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِتَوَهُّمِ الشُّبْهَةِ حَالَ غَيْبَةِ الْمَالِكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ وَالتَّوَهُّمُ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أَنَّهُ يُقْطَعُ .
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ أَصْحَابُ يَدٍ صَحِيحَةٍ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ لَهُمْ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ فَخُصُومَةُ كُلٍّ مِنْهُمْ بِاعْتِبَارِ حَقِّهِ ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَةِ الْخُصُومَةِ إلَى غَيْرِهِ .
وَفِي فَصْلِ الْإِقْرَارِ شُبْهَةٌ زَائِدَةٌ هِيَ جَوَازُ أَنْ يَرُدَّ الْمَالِكُ إقْرَارَهُ فَيَبْقَى الْمَالُ مَمْلُوكًا لِلسَّارِقِ فَاسْتِيفَاءُ الْحَدِّ مَعَ ذَلِكَ اسْتِيفَاءٌ مَعَ الشُّبْهَةِ .
ثُمَّ أَجَابَ عَنْ قَوْلِ زُفَرَ بِقَوْلِهِ ( وَسُقُوطُ الْعِصْمَةِ ضَرُورَةُ الِاسْتِيفَاءِ ) حَقًّا لِلَّهِ وَإِنْ لَزِمَ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَلَا دَائِمِيٍّ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا كَانَ الْمَالُ مُسْتَهْلَكًا فَلَيْسَ لَازِمًا لِلْقَطْعِ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّهُ مُهْدَرٌ فِي اعْتِبَارِ الشَّرْعِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنْ يُقْطَعَ بِخُصُومَةِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ بِسَرِقَةِ مَالِ الْيَتِيمِ وَإِنْ لَزِمَهُ سُقُوطُ الضَّمَانِ فَكَانَ تَعْلِيلُهُ لِذَلِكَ مَرْدُودًا بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ .
وَقَوْلُهُ ( وَلَا مُعْتَبَرَ بِشُبْهَةٍ مَوْهُومَةٍ ) جَوَابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ هُوَ أَنْ يُقَالَ احْتِمَالُ إقْرَارِ الْمَالِكِ

لَهُ : أَيْ اعْتِرَافُهُ بِأَنَّهَا لَهُ وَإِذْنُهُ إذَا حَضَرَ ثَابِتٌ فَلَا يُقْطَعُ مَعَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَقَالَ هَذِهِ شُبْهَةٌ يُتَوَهَّمُ اعْتِرَاضُهَا عِنْدَ حُضُورِهِ ، وَلَا عِبْرَةَ بِمِثْلِهَا بَلْ الْمُعْتَبَرُ شُبْهَةٌ ثَابِتٌ تَوَهُّمُهَا فِي الْحَالِ لَا عَلَى تَقْدِيرٍ مُنْتَفٍ فِي الْحَالِ ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الْقَطْعَ يُسْتَوْفَى بِالْإِقْرَارِ وَإِنْ تُوُهِّمَ اعْتِرَاضُ رُجُوعِهِ ، وَكَذَا لَوْ حَضَرَ الْمَالِكُ وَغَابَ الْمُسْتَوْدَعُ يُقْطَعُ ، وَإِنْ كَانَ لَوْ حَضَرَ الْمُسْتَوْدَعُ قَالَ كَانَ ضَيْفِي أَوْ أَذِنْت لَهُ فِي الدُّخُولِ فِي بَيْتِي ، وَلَا يَخْفَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وَالشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ فِي اشْتِرَاطِ حُضُورِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ لِلْخُصُومَةِ مِنْ احْتِمَالِ إبَاحَةِ الْمَالِكِ الْمَسْرُوقَ لِلْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّهُ جَازَ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ قَالَ كُنْت أَبَحْته لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لِطَائِفَةٍ السَّارِقُ مِنْهُمْ كَمَا جَازَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِهِ سِرًّا ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ شُبْهَةً مَوْهُومَةً لَا تُعْتَبَرُ فَكَذَلِكَ تِلْكَ ، وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ تِلْكَ بِسَبَبِ قِيَامِ احْتِمَالِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا عَلَى تَقْدِيرِ حُضُورِهِ الْمُنْتَفِي فِي الْحَالِ فَهَذِهِ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ احْتِمَالَ كَوْنِ الْمَالِكِ كَانَ أَذِنَ لَهُ أَوْ أَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ بِهِ قَائِمٌ فِي الْحَالِ .
وَقَوْلُهُ ( فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ) احْتِرَازٌ عَمَّا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَقْطَعَهُ حَالَ غَيْبَةِ الْمُسْتَوْدَعِ

( وَإِنْ قُطِعَ سَارِقٌ بِسَرِقَةٍ فَسُرِقَتْ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا لِرَبِّ السَّرِقَةِ أَنْ يَقْطَعَ السَّارِقَ الثَّانِي ) لِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ السَّارِقِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِالْهَلَاكِ فَلَمْ تَنْعَقِدْ مُوجِبَةً فِي نَفْسِهَا ، وَلِلْأَوَّلِ وِلَايَةُ الْخُصُومَةِ فِي الِاسْتِرْدَادِ فِي رِوَايَةٍ لِحَاجَتِهِ إذْ الرَّدُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ .
( وَلَوْ سَرَقَ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يُقْطَعَ الْأَوَّلُ أَوْ بَعْدَ مَا دُرِئَ الْحَدُّ بِشُبْهَةٍ يُقْطَعُ بِخُصُومَةِ الْأَوَّلِ ) لِأَنَّ سُقُوطَ التَّقَوُّمِ ضَرُورَةُ الْقَطْعِ وَلَمْ يُوجَدْ فَصَارَ كَالْغَاصِبِ

( قَوْلُهُ وَإِنْ قُطِعَ سَارِقٌ بِسَرِقَةٍ فَسُرِقَتْ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَقْطَعَ السَّارِقَ الثَّانِي ) وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ : يُقْطَعُ بِخُصُومَةِ الْمَالِكِ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ فَيُقْطَعُ بِخُصُومَةِ مَالِكِهِ سَوَاءٌ قُطِعَ السَّارِقُ الْأَوَّلُ أَوْ لَا .
وَلَنَا أَنَّ الْمَالَ لَمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَى السَّارِقِ ضَمَانُهُ كَانَ سَاقِطَ التَّقَوُّمِ فِي حَقِّهِ ، وَكَذَا فِي حَقِّ الْمَالِكِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الضَّمَانِ لَهُ فَيَدُ السَّارِقِ الْأَوَّلِ لَيْسَتْ يَدَ ضَمَانٍ وَلَا يَدَ أَمَانَةٍ وَلَا يَدَ مِلْكٍ فَكَانَ الْمَسْرُوقُ مَالًا غَيْرَ مَعْصُومٍ فَلَا قَطْعَ فِيهِ .
وَرُوِيَ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ : إنْ قَطَعْت الْأَوَّلَ لَمْ أَقْطَعْ الثَّانِي وَإِنْ دَرَأْت الْقَطْعَ عَنْ الْأَوَّلِ لِشُبْهَةٍ قَطَعْت الثَّانِي .
وَمِثْلُهُ فِي الْإِمْلَاءِ لِأَبِي يُوسُفَ .
وَأَطْلَقَ الْكَرْخِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ عَدَمَ قَطْعِ السَّارِقِ مِنْ السَّارِقِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ لِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ يَدَ أَمَانَةٍ وَلَا يَدَ مِلْكٍ فَكَانَ ضَائِعًا وَلَا قَطْعَ فِي أَخْذِ مَالٍ ضَائِعٍ .
قُلْنَا : بَقِيَ أَنْ يَكُونَ يَدَ غَصْبٍ وَالسَّارِقُ مِنْهُ يُقْطَعُ فَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ ( وَلِلْأَوَّلِ وِلَايَةُ الْخُصُومَةِ فِي الِاسْتِرْدَادِ فِي رِوَايَةٍ لِحَاجَتِهِ إذْ الرَّدُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ يَدَ ضَمَانٍ وَلَا أَمَانَةٍ وَلَا مِلْكٍ وَالرَّدُّ مِنْهُ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْهُ إلَى الْمَالِكِ .
وَالْوَجْهُ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ هَذَا الْحَالُ عِنْدَ الْقَاضِي لَا يَرُدُّهُ إلَى الْأَوَّلِ وَلَا إلَى الثَّانِي إذَا رَدَّهُ لِظُهُورِ خِيَانَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا ، بَلْ يَرُدُّهُ مِنْ يَدِ الثَّانِي إلَى الْمَالِكِ إنْ كَانَ حَاضِرًا ، وَإِلَّا حَفِظَهُ كَمَا يَحْفَظُ أَمْوَالَ الْغُيَّبِ ( وَلَوْ سَرَقَ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يُقْطَعَ الْأَوَّلُ أَوْ بَعْدَ مَا دُرِئَ عَنْهُ الْقَطْعُ بِشُبْهَةٍ يُقْطَعُ بِخُصُومَةِ الْأَوَّلِ

لِأَنَّ سُقُوطَ التَّقَوُّمِ ضَرُورَةُ الْقَطْعِ وَلَمْ يُوجَدْ فَصَارَ ) بَدْءًا ( كَ ) يَدِ ( الْغَاصِبِ )

( وَمَنْ ) ( سَرَقَ سَرِقَةً فَرَدَّهَا عَلَى الْمَالِكِ قَبْلَ الِارْتِفَاعِ ) إلَى الْحَاكِمِ ( لَمْ يُقْطَعْ ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُقْطَعُ اعْتِبَارًا بِمَا إذَا رَدَّهُ بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ .
وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْخُصُومَةَ شَرْطٌ لِظُهُورِ السَّرِقَةِ ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا جُعِلَتْ حُجَّةَ ضَرُورَةِ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ لِانْتِهَاءِ الْخُصُومَةِ لِحُصُولِ مَقْصُودِهَا فَتَبْقَى تَقْدِيرًا

( قَوْلُهُ وَمَنْ سَرَقَ سَرِقَةً فَرَدَّهَا إلَى الْمَالِكِ قَبْلَ الِارْتِفَاعِ إلَى الْحَاكِمِ لَمْ يُقْطَعْ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُقْطَعُ اعْتِبَارًا بِمَا إذَا رَدَّهَا بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ .
وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْخُصُومَةَ شَرْطٌ لِظُهُورِ السَّرِقَةِ ) الَّتِي هِيَ الْمُوجِبُ لِلْقَطْعِ فَكَانَتْ شَرْطًا فِي الْقَطْعِ ، وَالْخُصُومَةُ لَا تَتَحَقَّقُ بَعْدَ الرَّدِّ لِأَنَّهَا أَعْنِي الْخُصُومَةَ الْمُوجِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ .
وَهِيَ ( إنَّمَا جُعِلَتْ حُجَّةً لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَقَدْ انْقَطَعَتْ ) الْمُنَازَعَةُ بِالرَّدِّ ( بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ ) أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَدَّهَا بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ وَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَالْقَضَاءِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ ، وَكَذَا بَعْدَ سَمَاعِهَا قَبْلَ الْقَضَاءِ اسْتِحْسَانًا لِظُهُورِ السَّرِقَةِ عِنْدَ الْقَاضِي بِالشَّهَادَةِ بَعْدَ خُصُومَةٍ مُعْتَبَرَةٍ ، وَإِذَا رُدَّ الْمَالُ لِلْخُصُومَةِ حَصَلَ مَقْصُودُهَا وَبِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الشَّيْءِ يَنْتَهِي وَبِالِانْتِهَاءِ يَتَقَرَّرُ فِي نَفْسِهِ فَكَانَتْ الْخُصُومَةُ قَائِمَةً لِقِيَامِ يَدِهِ عَلَى الْمَالِ قُطِعَ بَعْدَ رَدِّهِ .
وَلَا فَرْقَ فِي عَدَمِ الْقَطْعِ بَيْنَ أَنْ يُرَدَّ قَبْلَ الْخُصُومَةِ إلَى يَدِ الْمَالِكِ أَوْ يَدِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ جَدَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي عِيَالِهِ ، وَلِذَا يَبْرَأُ الْمُسْتَعِيرُ وَالْمُودَعُ بِالرَّدِّ إلَيْهِمْ لِأَنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ مِلْكٍ فِي مَالِهِ ، فَالرَّدُّ إلَيْهِمْ رَدٌّ إلَيْهِ حُكْمًا وَذَلِكَ كَافٍ فِي الرَّدِّ إلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رُدَّ إلَى ابْنِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ الْمُحَرَّمَةِ كَأَخِيهِ وَعَمِّهِ وَخَالِهِ إنْ كَانُوا فِي عِيَالِهِ يَبْرَأُ فَلَا يُقْطَعُ كَمَا لَوْ رَدَّهُ إلَى زَوْجَتِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ أَوْ أَجِيرِهِ مُشَاهَرَةً وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى غُلَامَهُ أَوْ مُسَانَهَةً يَبْرَأُ فِي هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فَلَا يُقْطَعُ .
وَلَوْ سَرَقَ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَرَدَّهُ إلَى سَيِّدِهِ أَوْ مِنْ الْعِيَالِ وَرَدَّهُ إلَى مَنْ يَعُولُهُمْ : أَيْ سَرَقَ مِنْ شَخْصٍ وَرَدَّهُ

إلَى مَنْ يَعُولُ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ يَبْرَأُ وَلَا يُقْطَعُ .
وَيَبْرَأُ الْمُسْتَعِيرُ وَالْمُودَعُ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ إلَى مَنْ يَعُولُ الْمُودِعَ .
وَأَمَّا الْغَاصِبُ فَلَا يَبْرَأُ بِالرَّدِّ إلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ وَلَا إلَى وَلَدِهِ وَأَقَارِبِهِ الْمُحَرَّمَةِ الَّذِينَ فِي عِيَالِهِ وَلَا إلَى الزَّوْجَةِ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهَا

( وَإِذَا قُضِيَ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ فَوُهِبَتْ لَهُ لَمْ يُقْطَعْ ) مَعْنَاهُ إذَا سُلِّمَتْ إلَيْهِ ( وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَهَا الْمَالِكُ إيَّاهُ ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ : يُقْطَعُ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، لِأَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ تَمَّتْ انْعِقَادًا وَظُهُورًا ، وَبِهَذَا الْعَارِضِ لَمْ يَتَبَيَّنْ قِيَامُ الْمِلْكِ وَقْتَ السَّرِقَةِ فَلَا شُبْهَةَ .
وَلَنَا أَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالِاسْتِيفَاءِ ، إذْ الْقَضَاءُ لِلْإِظْهَارِ وَالْقَطْعُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَهُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُشْتَرَطُ قِيَامُ الْخُصُومَةِ عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ وَصَارَ كَمَا إذَا مَلَكَهَا مِنْهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ .

( قَوْلُهُ وَإِذَا قُضِيَ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ فَوَهَبَهَا لَهُ الْمَالِكُ ) وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ أَوْ بَاعَهَا مِنْهُ ( لَا يُقْطَعُ .
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ ) وَأَحْمَدُ وَمَالِكٌ ( يُقْطَعُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ تَمَّتْ انْعِقَادًا ) بِفِعْلِهَا بِلَا شُبْهَةٍ ( وَظُهُورًا ) عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ ، وَلَا شُبْهَةَ فِي السَّرِقَةِ إلَّا لَوْ صَحَّ اعْتِبَارُ عَارِضِ الْمِلْكِ الْمُتَأَخِّرِ مُتَقَدِّمًا لِيَثْبُتَ اعْتِبَارُهُ ( وَقْتَ السَّرِقَةِ ) وَلَا مُوجِبَ لِذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ ( فَلَا شُبْهَةَ ) فَيُقْطَعُ .
وَمِمَّا يَنْفِي صِحَّةَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارِ مَا فِي { حَدِيثِ صَفْوَانَ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُرِدْ هَذَا ، رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ ، زَادَ النَّسَائِيّ فِي رِوَايَتِهِ { فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِالسَّرِقَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ لِأَنَّ بِالْإِقْرَارِ يَظْهَرُ الْمِلْكُ السَّابِقُ فَيَنْتَفِي الْقَطْعُ ( قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ الْإِمْضَاءَ ) يَعْنِي اسْتِيفَاءَ الْحَدِّ بِالْفِعْلِ ( مِنْ الْقَضَاءِ فِي بَابِ الْحُدُودِ ) فَمَا قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ كَمَا قَبْلَ الْقَضَاءِ ، وَلَوْ مَلَكَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَا يُقْطَعُ فَكَذَا قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، وَالشَّأْنُ فِي بَيَانِ أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ هُوَ الْقَضَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي حَدِّ الزِّنَا ، إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا كَانَ هَذَا هُنَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ هُوَ مِنْ قَبْلُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ( لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ ) أَيْ عَنْ الْقَضَاءِ ( بِالِاسْتِيفَاءِ ) حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْضِ بَعْدَ تَعْدِيلِ الْبَيِّنَةِ بِاللَّفْظِ بَلْ أَمَرَ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْ اسْتَوْفَى هُوَ الْحَدَّ بِنَفْسِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْقَضَاءُ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقَضَاءِ بِاللَّفْظِ

لَيْسَ إلَّا إظْهَارُ الْحَقِّ لِلْمُسْتَحِقِّ وَالْمُسْتَحِقُّ هُنَا هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالْحَقُّ ظَاهِرٌ عِنْدَهُ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَى الْإِظْهَارِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَضَاءِ لَفْظًا ، بَلْ وَلَا يُفِيدُهُ سُقُوطُ الْوَاجِبِ عَنْهُ إلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ ( وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ) وَالْخُصُومَةُ شَرْطٌ ( يُشْتَرَطُ قِيَامُهَا عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ ) كَمَا عِنْدَ الْقَضَاءِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ بِالْهِبَةِ ، بِخِلَافِ رَدِّهِ الْمَالَ الْمَسْرُوقَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْقَطْعِ لِأَنَّ بِهِ تَنْتَهِي الْخُصُومَةُ وَالشَّيْءُ بِانْتِهَائِهِ يَتَقَرَّرُ فَتَكُونُ الْخُصُومَةُ بَعْدَهُ مُتَقَرِّرَةً فَيُقْطَعُ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَفِي رِوَايَةٍ كَمَا ذُكِرَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ قَالَ : أَنَا أَبِيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهُ ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ .
وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ لَمْ يَذْكُرْ ذَاكَ بَلْ قَوْلُهُ مَا كُنْت أُرِيدُ هَذَا ، وَقَوْلُهُ أَيُقْطَعُ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ فِي ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ؟ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ فِي الْهِبَةِ ، ثُمَّ الْوَاقِعَةُ وَاحِدَةٌ فَكَانَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ اضْطِرَابٌ ، وَالِاضْطِرَابُ مُوجِبٌ لِلضَّعْفِ .
وَيُحْتَمَلُ كَوْنُ قَوْلِهِ هُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ كَانَ بَعْدَ الدَّفْعِ إلَيْهِ وَفِي ذَلِكَ لَا يَكُونُ مِلْكًا لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ

قَالَ ( وَكَذَا إذَا نَقَصَتْ قِيمَتُهَا مِنْ النِّصَابِ ) يَعْنِي قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ الْقَضَاءِ .
وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُقْطَعُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ اعْتِبَارًا بِالنُّقْصَانِ فِي الْعَيْنِ .
وَلَنَا أَنَّ كَمَالَ النِّصَابِ لَمَّا كَانَ شَرْطًا يُشْتَرَطُ قِيَامُهُ عِنْدَ الْإِمْضَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا ، بِخِلَافِ النُّقْصَانِ فِي الْعَيْنِ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَكَمُلَ النِّصَابُ عَيْنًا وَدَيْنًا ، كَمَا إذَا اُسْتُهْلِكَ كُلُّهُ ، أَمَّا نُقْصَانُ السِّعْرِ فَغَيْرُ مَضْمُونٍ فَافْتَرَقَا .
( قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ إذَا نَقَصَتْ قِيمَتُهَا ) أَيْ قِيمَةُ السَّرِقَةِ أَيْ الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ عَنْ الْعَشَرَةِ لَا يُقْطَعُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ( وَعَنْ مُحَمَّدٍ : يُقْطَعُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ) وَبَاقِي الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ( اعْتِبَارًا بِالنُّقْصَانِ فِي الْعَيْنِ ) فَإِنَّهُ إذَا كَانَتْ ذَاتُ الْعَيْنِ نَاقِصَةً وَقْتَ الِاسْتِيفَاءِ وَالْبَاقِي مِنْهَا لَا يُسَاوِي عَشَرَةً يُقْطَعُ بِالِاتِّفَاقِ ، فَكَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا وَقْتَ الِاسْتِيفَاءِ كَذَلِكَ ( وَلَنَا أَنَّ كَمَالَ النِّصَابِ لَمَّا كَانَ شَرْطًا يُشْتَرَطُ كَمَالُهُ عِنْدَ الْإِمْضَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا ) أَنَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي نُقْصَانِ الْقِيمَةِ ( بِخِلَافِ نُقْصَانِ الْعَيْنِ لِأَنَّ مَا اسْتَهْلَكَهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ) فَكَانَ الثَّابِتُ عَنْهُ الْقَطْعَ نِصَابًا كَامِلًا بَعْضُهُ دَيْنٌ وَبَعْضُهُ عَيْنٌ ، بِخِلَافِ نُقْصَانِ السِّعْرِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ لِفُتُورِ الرَّغَبَاتِ وَذَا لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى أَحَدٍ فَلَمْ تَكُنْ الْعَيْنُ قَائِمَةً حَقِيقَةً وَمَعْنَى فَلَمْ يُقْطَعْ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ .
وَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ السَّارِقُ اسْتَهْلَكَهُ كُلَّهُ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ لِقِيَامِهِ إذْ ذَاكَ ثُمَّ يَسْقُطُ ضَمَانُهُ

( وَإِذَا ادَّعَى السَّارِقُ أَنَّ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ مِلْكُهُ سَقَطَ الْقَطْعُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً ) مَعْنَاهُ بَعْدَمَا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ بِالسَّرِقَةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لِأَنَّهُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ سَارِقٌ فَيُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِ الْحَدِّ .
وَلَنَا أَنَّ الشُّبْهَةَ دَارِئَةٌ وَتَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لِلِاحْتِمَالِ ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِمَا قَالَ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ
( قَوْلُهُ وَإِذَا ادَّعَى السَّارِقُ أَنَّ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ مِلْكُهُ سَقَطَ الْقَطْعُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بَيِّنَةٌ ) قَالَ الْمُصَنِّفُ ( مَعْنَاهُ بَعْدَمَا شَهِدَ عَلَيْهِ الشَّاهِدَانِ بِالسَّرِقَةِ ) وَإِنَّمَا فَسَّرَ بِهِ لِيَخْرُجَ مَا إذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَمْ أَسْرِقْ بَلْ هُوَ مِلْكِي فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ الْمَالُ ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ ) وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَطْعِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ يُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِ الْحَدِّ ، إذْ لَا يَعْجِزُ سَارِقٌ عَنْ هَذَا .
وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ قِيلَ هُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ قُطِعَ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ كَذِبُهُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ .
قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : وَأَوْلَى الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَهِيَ احْتِمَالُ صِدْقِهِ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَلَا مُعْتَبَرَ بِمَا قَالَ ) مِنْ أَنَّهُ يُفْضِي إلَى سَدِّ بَابِ الْحَدِّ ( بِدَلِيلِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ ) إجْمَاعًا .
وَالسَّارِقُ لَا يَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ رُجُوعُهُ شُبْهَةً دَارِئَةً إذَا رَجَعَ ، عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ ، فَإِنَّ مَنْ يَعْلَمُ هَذَا مِنْ السُّرَّاقِ أَقَلُّ مِنْ الْقَلِيلِ كَالْفُقَهَاءِ وَهُمْ لَا يَسْرِقُونَ غَالِبًا .

( وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلَانِ بِسَرِقَةٍ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا هُوَ مَالِي لَمْ يُقْطَعَا ) لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَامِلٌ فِي حَقِّ الرَّاجِعِ وَمُورِثٌ لِلشُّبْهَةِ فِي حَقِّ الْآخَرِ ، لِأَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِمَا عَلَى الشَّرِكَةِ
( قَوْلُهُ وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلَانِ بِسَرِقَةٍ ثُمَّ قَالَ : أَحَدُهُمَا هُوَ مَالِي لَمْ يُقْطَعَا ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَامِلٌ فِي حَقِّ الرَّاجِعِ مِنْهُمَا وَيُورِثُ الشُّبْهَةَ فِي حَقِّ الْآخَرِ .
لِأَنَّ السَّرِقَةَ ثَبَتَتْ بِإِقْرَارِهِمَا عَلَى الشَّرِكَةِ ) فَتَتَّحِدُ فَتَعْمَلُ الشُّبْهَةُ فِيهِمَا

( فَإِنْ سَرَقَا ثُمَّ غَابَ أَحَدُهُمَا وَشَهِدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى سَرِقَتِهِمَا قُطِعَ الْآخَرُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا ) وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا : لَا يُقْطَعُ ، لِأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ رُبَّمَا يَدَّعِي الشُّبْهَةَ .
وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّ الْغَيْبَةَ تَمْنَعُ ثُبُوتَ السَّرِقَةِ عَلَى الْغَائِبِ فَيَبْقَى مَعْدُومًا وَالْمَعْدُومُ لَا يُورِثُ الشُّبْهَةَ وَلَا مُعْتَبَرَ بِتَوَهُّمِ حُدُوثِ الشُّبْهَةِ عَلَى مَا مَرَّ
( قَوْلُهُ فَإِنْ سَرَقَا ثُمَّ غَابَ أَحَدُهُمَا وَشَهِدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى سَرِقَتِهِمَا قُطِعَ الْآخَرُ ) الْحَاضِرُ مِنْهُمَا ( فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا ) وَقَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ( وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا لَا يُقْطَعُ لِأَنَّهُ إنْ حَضَرَ ) الْغَائِبُ ( رُبَّمَا يَدَّعِي شُبْهَةً ) وَالسَّرِقَةُ وَاحِدَةٌ فَتَعْمَلُ فِي حَقِّهِمَا ( وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّ الْغَيْبَةَ تَمْنَعُ ثُبُوتَ السَّرِقَةِ عَلَى الْغَائِبِ فَيَبْقَى مَعْدُومًا ) فَإِنَّمَا عَمِلَتْ الشَّهَادَةُ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ فَقَطْ ( وَلَا مُعْتَبَرَ بِتَوَهُّمِ حُدُوثِ شُبْهَةٍ عَلَى مَا مَرَّ ) فِي خِلَافِيَّةِ زُفَرَ فِي الْقَطْعِ بِخُصُومَةِ الْغَاصِبِ وَالْمُودَعِ ، ثُمَّ لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ لَا يُقْطَعُ إلَّا أَنْ تُعَادَ تِلْكَ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ أَوْ تَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ أُخْرَى ، وَكَذَا إذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مَعَ فُلَانٍ الْغَائِبِ لَا يُقْطَعُ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَيُقْطَعُ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ بَاقِي الْأَئِمَّةِ

( وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَرِقَةِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ بِعَيْنِهَا فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَتُرَدُّ السَّرِقَةُ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُقْطَعُ وَالْعَشَرَةُ لِلْمَوْلَى .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يُقْطَعُ وَالْعَشَرَةُ لِلْمَوْلَى وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ .
وَمَعْنَاهُ إذَا كَذَّبَهُ الْمَوْلَى ( وَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَالٍ مُسْتَهْلَكٍ قُطِعَتْ يَدُهُ وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ يُقْطَعُ فِي الْوَجْهَيْنِ ) وَقَالَ زُفَرُ : لَا يُقْطَعُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ إقْرَارَ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَى نَفْسِهِ وَطَرَفِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَالُ الْمَوْلَى ، وَالْإِقْرَارُ عَلَى الْغَيْرِ غَيْرُ مَقْبُولٍ إلَّا أَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ يُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ وَالْمَالِ لِصِحَّةِ إقْرَارِهِ بِهِ لِكَوْنِهِ مُسَلَّطًا عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ .
وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْمَالِ أَيْضًا ، وَنَحْنُ نَقُولُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى الْمَالِيَّةِ فَيَصِحُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ ، وَلِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَضْرَارِ ، وَمِثْلُهُ مَقْبُولٌ عَلَى الْغَيْرِ .
لِمُحَمَّدٍ فِي الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أَنَّ إقْرَارَهُ بِالْمَالِ بَاطِلٌ ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِالْغَصْبِ فَيَبْقَى مَالُ الْمَوْلَى ، وَلَا قَطْعَ عَلَى الْعَبْدِ فِي سَرِقَةِ مَالِ الْمَوْلَى .
يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمَالَ أَصْلٌ فِيهَا وَالْقَطْعُ تَابِعٌ حَتَّى تُسْمَعَ الْخُصُومَةُ فِيهِ بِدُونِ الْقَطْعِ وَيَثْبُتُ الْمَالُ دُونَهُ ، وَفِي عَكْسِهِ لَا تُسْمَعُ وَلَا يَثْبُتُ ، وَإِذَا بَطَلَ فِيمَا هُوَ الْأَصْلُ بَطَلَ فِي التَّبَعِ ، بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ صَحِيحٌ فَيَصِحُّ فِي حَقِّ الْقَطْعِ تَبَعًا .
وَلِأَبِي يُوسُف أَنَّهُ أَقَرَّ بِشَيْئَيْنِ : بِالْقَطْعِ وَهُوَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَصِحُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .

وَبِالْمَالِ وَهُوَ عَلَى الْمَوْلَى فَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّهِ فِيهِ ، وَالْقَطْعُ يُسْتَحَقُّ بِدُونِهِ ؛ كَمَا إذَا قَالَ الْحُرُّ الثَّوْبُ الَّذِي فِي يَدِ زَيْدٍ سَرَقْته مِنْ عَمْرٍو وَزَيْدٌ يَقُولُ هُوَ ثَوْبِي يُقْطَعُ يَدُ الْمُقِرِّ وَإِنْ كَانَ لَا يُصَدَّقُ فِي تَعْيِينِ الثَّوْبِ حَتَّى لَا يُؤْخَذَ مِنْ زَيْدٍ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْقَطْعِ قَدْ صَحَّ مِنْهُ لِمَا بَيَّنَّا فَيَصِحُّ بِالْمَالِ بِنَاءً عَلَيْهِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يُلَاقِي حَالَةَ الْبَقَاءِ ، وَالْمَالُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ تَابِعٌ لِلْقَطْعِ حَتَّى تَسْقُطَ عِصْمَةُ الْمَالِ بِاعْتِبَارِهِ وَيُسْتَوْفَى الْقَطْعُ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ .
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْحُرِّ لِأَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَجِبُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ الْمُودَعِ .
أَمَّا لَا يَجِبُ بِسَرِقَةِ الْعَبْدِ مَالَ الْمَوْلَى فَافْتَرَقَا وَلَوْ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى يُقْطَعُ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا لِزَوَالِ الْمَانِعِ

( قَوْلُهُ وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَرِقَةِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ بِعَيْنِهَا ) حَاصِلُ وُجُوهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةٌ ، لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُقِرَّ بِالسَّرِقَةِ إمَّا مَأْذُونٌ لَهُ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يُقِرَّ بِسَرِقَةٍ مُسْتَهْلَكَةٍ أَوْ قَائِمَةٍ فَالْمَأْذُونُ لَهُ إذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ هَالِكَةٍ يُقْطَعُ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ وَلَا ضَمَانَ مَعَ الْقَطْعِ .
وَقَالَ زُفَرُ : لَا يُقْطَعُ وَلَكِنْ يَضْمَنُ الْمَالَ ، وَإِنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ قَائِمَةٍ قُطِعَ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ( وَلَوْ كَانَ مَأْذُونًا قُطِعَ فِي الْوَجْهَيْنِ ) وَيُرَدُّ الْمَالُ لِلْمُقَرِّ لَهُ سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى أَوْ كَذَّبَهُ .
وَقَالَ زُفَرُ : لَا يُقْطَعُ وَلَكِنْ يُرَدُّ الْمَالُ .
وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مَحْجُورًا ، فَإِنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ هَالِكَةٍ قُطِعَتْ يَدُهُ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ ، وَقَالَ زُفَرُ : لَا يُقْطَعُ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ قَائِمَةٍ فَقَالَ زُفَرُ لَا يُقْطَعُ ، فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ زُفَرَ لَا يُقْطَعُ فِي شَيْءٍ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ ( وَقَالَ زُفَرُ لَا يُقْطَعُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مَحْجُورًا وَالْإِقْرَارُ بِهَالِكَةٍ أَوْ قَائِمَةٍ ، أَوْ مَأْذُونًا وَالْإِقْرَارُ بِهَالِكَةٍ أَوْ قَائِمَةٍ .
وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا الثَّلَاثَةُ فِي هَذَا .
أَعْنِي إقْرَارَ الْمَحْجُورِ بِقَائِمَةٍ فِي يَدِهِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْطَعُ وَتُرَدُّ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِسَرِقَتِهَا مِنْهُ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُقْطَعُ وَالسَّرِقَةُ لِمَوْلَاهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يُقْطَعُ وَالسَّرِقَةُ لِمَوْلَاهُ وَيَضْمَنُ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ بَعْدَ الْعَتَاقِ الْمُقَرُّ لَهُ .
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : سَمِعْت أُسْتَاذِي ابْنَ أَبِي عِمْرَانَ يَقُولُ : الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ كُلُّهَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَخَذَ بِهِ مُحَمَّدٌ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ .
ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ، فَهُوَ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ

الْحُمْلَانِ فِي الزَّكَاةِ .
وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ إذَا كَذَّبَهُ الْمَوْلَى فِي إقْرَارِهِ وَقَالَ الْمَالُ مَالِي ، أَمَّا إذَا صَدَّقَهُ فَلَا إشْكَالَ فِي الْقَطْعِ وَرَدُّ الْمَالِ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِهِ اتِّفَاقًا ، هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْعَبْدُ كَبِيرًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ أَصْلًا وَهُوَ ظَاهِرٌ .
غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَأْذُونًا يُرَدُّ الْمَالُ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ إنْ كَانَ قَائِمًا ، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا يَضْمَنُ ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى يُرَدُّ الْمَالُ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ إنْ كَانَ قَائِمًا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ هَالِكًا وَلَا بَعْدَ الْعِتْقِ .
وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ الْكَلَامَ مَعَ زُفَرَ فَقَالَ ( إنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ إقْرَارَ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ إقْرَارَهُ ) بِهَا ( يُرَدُّ ) أَثَرُهُ ( عَلَى نَفْسِهِ أَوْ طَرَفِهِ ) بِالْإِتْلَافِ ( وَكُلُّ ذَلِكَ مَالُ الْمَوْلَى ) فَالْإِقْرَارُ بِهِ إقْرَارٌ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ ( وَالْإِقْرَارُ عَلَى الْغَيْرِ غَيْرُ مَقْبُولٍ إلَّا أَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ ) لَمَّا تَضَمَّنَ إقْرَارُهُ الْإِقْرَارَ بِالْمَالِ وَالطَّرَفِ وَبَطَلَ فِي الطَّرَفِ ( يُؤَاخَذُ ) بِالْمَالِ ( بِضَمَانِهِ ) إنْ كَانَ هَالِكًا وَيَرُدُّهُ إنْ كَانَ قَائِمًا ( لِصِحَّةِ إقْرَارِهِ بِالْمَالِ لِكَوْنِهِ مُسَلَّطًا عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى ) حَيْثُ أَذِنَ لَهُ فِي الْمُعَامَلَاتِ ( وَنَحْنُ نَقُولُ الْإِقْرَارُ بِهَا مِنْهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ أَثَرَ الْإِقْرَارِ بِهَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ آدَمِيٌّ ) لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ مَالٌ ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ مِلْكِهِ ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُهُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَمْلِكُهُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ كَانَ مُبْقًى فِيهِ عَلَى أَصْلِ الْآدَمِيَّةِ فَيَمْلِكُهُ هُوَ كَالطَّلَاقِ ( وَلِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ ) لِيَبْطُلَ فِي حَقِّ السَّيِّدِ لِأَنَّ ضَرَرَهُ الرَّاجِعَ إلَيْهِ بِهِ فَوْقَ ضَرَرِ الرَّاجِعِ بِهِ إلَى الْمَوْلَى لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ

عَلَيْهِ نَفْسَهُ أَوْ طَرَفَهُ ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ يَنْفُذُ عَلَى الْغَيْرِ ، كَمَا إذَا شَهِدَ الْعَبْدُ الْعَدْلُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ وَبِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ حَتَّى يَلْزَمَ جَمِيعَ النَّاسِ صَوْمُهُ ، لِأَنَّ مَا لَزِمَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَرْعٌ لَزِمَهُ مِثْلُهُ فَنَفَذَ فِي حَقِّهِمْ تَبَعًا لِنَفَاذِهِ عَلَيْهِ ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ الْمُفْلِسُ بِعَمْدِ الْقَتْلِ يُقْتَلُ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ دُيُونِ النَّاسِ .
وَ ( لِمُحَمَّدٍ فِي الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أَنَّ إقْرَارَهُ بِالْمَالِ بَاطِلٌ ، وَلِذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْغَصْبِ فَيَبْقَى مَا فِي يَدِهِ مَالُ الْمَوْلَى ) إذْ الْفَرْضُ تَكْذِيبُ الْمَوْلَى لَهُ فِي إقْرَارِهِ فَقَدْ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَالِ الْمَوْلَى وَبِسَرِقَةِ مَالِ الْمَوْلَى لَا يُقْطَعُ ، وَبِهَذَا الْقَدْرِ يَتِمُّ الْوَجْهُ .
وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ يُؤَيِّدُهُ إلَخْ زِيَادَةُ تَوْكِيدٍ : أَيْ يُؤَكِّدُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ الْقَطْعِ ( أَنَّ الْمَالَ ) فِي لُزُومِ الْقَطْعِ ( أَصْلٌ وَالْقَطْعُ تَابِعٌ ) وَالتَّابِعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا يَتَحَقَّقُ دُونَ مَتْبُوعِهِ ، فَحَيْثُ لَمْ يَجِبْ الْمَالُ لِلْغَيْرِ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ .
وَبَيَانُ أَنَّ الْمَالَ أَصْلٌ أَنَّ الْخُصُومَةَ تُسْمَعُ فِي السَّرِقَةِ فِي حَقِّ الْمَالِ حَتَّى لَوْ قَالَ أُرِيدُ الْمَالَ فَقَطْ سُمِعَتْ وَلَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ ( وَ ) لِذَا ( يَثْبُتُ الْمَالُ ) فِي دَعْوَى السَّرِقَةِ بِلَا قَطْعٍ فِيمَا لَوْ ادَّعَاهَا وَأَقَامَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ شَهِدُوا بِهَا فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالْمَالِ ( دُونَ الْقَطْعِ ) وَكَذَا إذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ رَجَعَ يَلْزَمُهُ الْمَالُ وَلَا قَطْعَ ( وَفِي عَكْسِهِ لَا تُسْمَعُ ) حَتَّى لَوْ قَالَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ أُرِيدُ الْقَطْعَ دُونَ الْمَالِ لَا تُسْمَعُ خُصُومَتُهُ فَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْقَطْعِ تَبَعًا لِلْمَالِ ، وَقَدْ انْتَفَى الْمَالُ بِمَا قُلْنَا فَانْتَفَى الْقَطْعُ ( وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِشَيْئَيْنِ ) أَيْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ شَيْئَيْنِ ( الْقَطْعَ وَهُوَ ) إقْرَارٌ ( عَلَى نَفْسِهِ ) فَيُقْطَعُ ( عَلَى مَا ذَكَرْنَا )

مَعَ زُفَرَ مِنْ وَجْهِ صِحَّةِ إقْرَارِهِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ( وَالْمَالَ وَهُوَ ) إقْرَارٌ ( عَلَى الْمَوْلَى ) وَهُوَ يُكَذِّبُهُ ( فَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْمَوْلَى وَالْقَطْعُ يُسْتَحَقُّ بِدُونِ الْمَالِ ) كَمَا إذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مُسْتَهْلَكَةٍ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ ( وَكَمَا لَوْ قَالَ حُرٌّ : هَذَا الثَّوْبُ الَّذِي فِي يَدِ زَيْدٍ سَرَقْته مِنْ عَمْرٍو ، وَزَيْدٌ يَقُولُ هُوَ ثَوْبِي يُقْطَعُ ) وَلَا يُنْزَعُ الثَّوْبُ مِنْ زَيْدٍ إلَى عَمْرٍو فَيُقْطَعُ وَالْمَالُ لِلْمَوْلَى ( وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِقْرَارَ فِي حَقِّ الْقَطْعِ قَدْ صَحَّ مِنْهُ لِمَا بَيَّنَّا ) فِي الْكَلَامِ مَعَ زُفَرَ مِنْ أَنَّهُ آدَمِيٌّ إلَى آخِرِهِ ، وَيَلْزَمُهُ صِحَّتُهُ بِالْمَالِ أَنَّهُ لِغَيْرِ الْمَوْلَى لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَجِبَ الْقَطْعُ شَرْعًا بِمَالٍ مَسْرُوقٍ لِلْمَوْلَى .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا صَحَّ الْإِقْرَارُ بِالْحَدِّ ثَبَتَ حُكْمُهُ وَهُوَ الْقَطْعُ ، وَهُوَ مَلْزُومٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ بِكَوْنِ الْمَالِ لِلْمُقَرِّ لَهُ إذْ لَا قَطْعَ بِمَالِ السَّيِّدِ وَإِلَى هُنَا يَتِمُّ الْوَجْهُ .
وَقَوْلُهُ ( لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يُلَاقِي حَالَةَ الْبَقَاءِ وَالْمَالُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ تَابِعٌ لِلْقَطْعِ حَتَّى تَسْقُطَ عِصْمَةُ الْمَالِ بِاعْتِبَارِهِ وَيَسْتَوْفِي الْقَطْعَ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ ) زِيَادَةً لَا تَظْهَرُ الْحَاجَةُ إلَيْهَا .
وَقَوْلُهُ ( بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْحُرِّ ) يُرِيدُ إلْزَامَ أَبِي يُوسُفَ بِمَا إذَا قَالَ الْحُرُّ الثَّوْبُ الَّذِي فِي يَدِ زَيْدٍ سَرَقْته مِنْ عَمْرٍو وَيُقْطَعُ بِهِ وَلَا يُدْفَعُ لِعَمْرٍو ، فَكَذَا جَازَ أَنْ يُقْطَعَ بِمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَا يُدْفَعُ إلَيْهِ فَقَالَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْقَطْعَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ مَحْمُولٌ عَلَى صِحَّةِ إقْرَارِهِ بِهِ لِعَمْرٍو وَأَنَّهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَ زَيْدٍ أَوْ غَصْبٌ وَادِّعَاءُ زَيْدٍ أَنَّ الثَّوْبَ لَهُ جَازَ كَوْنُهُ إنْكَارًا لِلْوَدِيعَةِ غَيْرَ أَنَّ الْمُقِرَّ لَيْسَ خَصْمًا لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَالْقَطْعُ بِسَرِقَةِ ثَوْبِ مُودَعٍ أَوْ مَغْصُوبٍ ثَابِتٌ ، بِخِلَافِ

مَا نَحْنُ فِيهِ ، فَإِنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا الثَّوْبَ وَدِيعَةً لِلْمَوْلَى أَوْ مَغْصُوبًا عِنْدَ الْمُقَرِّ لَهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ سَرِقَةَ مَالِ الْمَوْلَى وَبِهِ لَا يُقْطَعُ .

قَالَ ( وَإِذَا قُطِعَ السَّارِقُ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ رُدَّتْ عَلَى صَاحِبِهَا ) لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ ( وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً لَمْ يَضْمَنْ ) وَهَذَا الْإِطْلَاقُ يَشْمَلُ الْهَلَاكَ وَالِاسْتِهْلَاكَ ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ .
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَضْمَنُ فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ قَدْ اخْتَلَفَ سَبَبَاهُمَا فَلَا يَمْتَنِعَانِ فَالْقَطْعُ حَقُّ الشَّرْعِ وَسَبَبُهُ تَرْكُ الِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ .
وَالضَّمَانُ حَقُّ الْعَبْدِ وَسَبَبُهُ أَخْذُ الْمَالِ فَصَارَ كَاسْتِهْلَاكِ صَيْدٍ مَمْلُوكٍ فِي الْحَرَمِ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ مَمْلُوكَةٍ لِذِمِّيٍّ .
وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا غُرْمَ عَلَى السَّارِقِ بَعْدَمَا قُطِعَتْ يَمِينُهُ } وَلِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ يُنَافِي الْقَطْعَ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْأَخْذِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مِلْكِهِ فَيَنْتَفِي الْقَطْعُ لِلشُّبْهَةِ وَمَا يُؤَدِّي إلَى انْتِفَائِهِ فَهُوَ الْمُنْتَفِي ، وَلِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَبْقَى مَعْصُومًا حَقًّا لِلْعَبْدِ ، إذْ لَوْ بَقِيَ لَكَانَ مُبَاحًا فِي نَفْسِهِ فَيَنْتَفِي الْقَطْعُ لِلشُّبْهَةِ فَيَصِيرُ مُحَرَّمًا حَقًّا لِلشَّرْعِ كَالْمَيْتَةِ وَلَا ضَمَانَ فِيهِ إلَّا أَنَّ الْعِصْمَةَ لَا يَظْهَرُ سُقُوطُهَا فِي حَقِّ الِاسْتِهْلَاكِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ آخَرُ غَيْرِ السَّرِقَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّهِ ، وَكَذَا الشُّبْهَةُ تُعْتَبَرُ فِيمَا هُوَ السَّبَبُ دُونَ غَيْرِهِ .
وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ إتْمَامُ الْمَقْصُودِ فَتُعْتَبَرُ الشُّبْهَةُ فِيهِ ، وَكَذَا يَظْهَرُ سُقُوطُ الْعِصْمَةِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ سُقُوطِهَا فِي حَقِّ الْهَلَاكِ لِانْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ .

( قَوْلُهُ وَإِذَا قُطِعَ السَّارِقُ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ رُدَّتْ عَلَى صَاحِبِهَا لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً لَمْ يَضْمَنْ ، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ يَشْمَلُ الْهَلَاكَ وَالِاسْتِهْلَاكَ ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَضْمَنْ بِالِاسْتِهْلَاكِ وَلَهُ فِيهِ جِنَايَةٌ ثَانِيَةٌ فَلَأَنْ لَا يَضْمَنَ بِالْهَلَاكِ وَلَا جِنَايَةٍ أُخْرَى لَهُ فِيهِ أَوْلَى ( وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ) وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَمَكْحُولٌ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ سِيرِينَ ( وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ فِي الِاسْتِهْلَاكِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَضْمَنُ فِيهِمَا ) أَيْ فِي الْهَلَاكِ وَالِاسْتِهْلَاكِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْبَتِّيِّ وَإِسْحَاقَ وَحَمَّادٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ السَّارِقُ مُوسِرًا ضَمِنَ .
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ ، وَلَا خِلَافَ إنْ كَانَ بَاقِيًا أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى الْمَالِكِ وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْقَطْعِ .
وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ قَبْلَهُ أَنَا أَضْمَنُهُ لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَنَا ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ رُجُوعَهُ عَنْ دَعْوَى السَّرِقَةِ إلَى دَعْوَى الْمَالِ .
وَجْهُ قَوْلِهِمْ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى { فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } وَ { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ } وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مَمْلُوكًا عُدْوَانًا فَيَضْمَنُهُ قِيَاسًا عَلَى الْغَصْبِ ، وَالْمَانِعُ إنَّمَا هُوَ مُنَافَاةٌ بَيْنَ حَقَّيْ الْقَطْعِ وَالضَّمَانِ ، وَلَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ : أَحَدُهُمَا حَقُّ اللَّهِ وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ هَذِهِ الْجِنَايَةِ الْخَاصَّةِ ، وَالْآخَرُ حَقُّ الضَّرَرِ فَيُقْطَعُ حَقًّا لِلَّهِ وَيَضْمَنُ حَقًّا لِلْعَبْدِ ( وَصَارَ كَاسْتِهْلَاكِ صَيْدٍ مَمْلُوكٍ فِي الْحَرَمِ ) يَجِبُ الْجَزَاءُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَيَضْمَنُهُ حَقًّا لِلْعَبْدِ ( وَكَشُرْبِ خَمْرِ

الذِّمِّيِّ ) عَلَى قَوْلِكُمْ فَإِنَّكُمْ تَحُدُّونَهُ حَقًّا لِلَّهِ وَتُغَرِّمُونَهُ قِيمَتَهَا حَقًّا لِلذِّمِّيِّ فَهَذَا إلْزَامِيٌّ فَإِنَّهُمْ لَا يُضَمِّنُونَهُ الْخَمْرَ بِاسْتِهْلَاكِهَا ( وَلَنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِيمَا رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : سَمِعْت سَعْدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ أَخِيهِ الْمِسْوَرِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { لَا يَغْرَمُ صَاحِبُ سَرِقَةٍ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ } وَلَفْظُ الدَّارَقُطْنِيِّ { لَا غُرْمَ عَلَى السَّارِقِ بَعْدَ قَطْعِ يَمِينِهِ } وَضُعِّفَ بِأَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ إبْرَاهِيمَ لَمْ يَلْقَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ جَدُّهُ ، فَإِنَّهُ مِسْوَرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَسَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ مَجْهُولٌ ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ آخَرُ ، فَإِنَّ إِسْحَاقَ بْنَ الْفُرَاتِ رَوَاهُ عَنْ الْمُفَضَّلِ فَأَدْخَلَ بَيْنَ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَسَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هَذَا مَجْهُولٌ ، وَقِيلَ إنَّهُ الزُّهْرِيُّ قَاضِي الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ .
وَعِنْدَنَا الْإِرْسَالُ غَيْرُ قَادِحٍ بَعْدَ ثِقَةِ الرَّاوِي وَأَمَانَتِهِ ، وَذَلِكَ السَّاقِطُ إنْ كَانَ قَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ الزُّهْرِيُّ فَقَدْ عُرِفَ وَبَطَلَ الْقَدْحُ بِهِ .
وَمَا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى غُرْمِ السَّارِقِ أُجْرَةُ الْقَاطِعِ مَدْفُوعٌ بِرِوَايَةِ الْبَزَّارِ : { لَا يَضْمَنُ السَّارِقُ سَرِقَتَهُ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ } وَلَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِ الْمِسْوَرِ بْنِ إبْرَاهِيمَ لَمْ يَلْقَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ( وَلِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ يُنَافِي الْقَطْعَ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ بَعْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْأَخْذِ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ أَخَذَ مِلْكَهُ ) وَلَا قَطْعَ فِي مِلْكِهِ لَكِنَّ الْقَطْعَ ثَابِتٌ قَطْعًا ( فَمَا يُؤَدِّي إلَى انْتِفَائِهِ فَهُوَ

الْمُنْتَفِي ) وَالْمُؤَدِّي إلَيْهِ الضَّمَانُ فَيَنْتَفِي الضَّمَانُ ( وَلِأَنَّ الْمَسْرُوقَ لَا يَبْقَى مَعَ الْقَطْعِ مَعْصُومًا حَقًّا لِلْعَبْدِ ، إذْ لَوْ بَقِيَ كَانَ مُبَاحًا فِي نَفْسِهِ ) وَإِنَّمَا حَرُمَ لِمَصْلَحَةِ الْعَبْدِ فَكَانَ حَرَامًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَكَانَ شُبْهَةً فِي السَّرِقَةِ ، إذْ الشُّبْهَةُ لَيْسَتْ إلَّا كَوْنُ الْحُرْمَةِ ثَابِتَةً مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيَنْدَرِئُ الْحَدُّ ، لَكِنَّ الْحَدَّ وَهُوَ الْقَطْعُ ثَابِتٌ إجْمَاعًا ( فَكَانَ مُحَرَّمًا حَقًّا لِلشَّرْعِ ) فَقَطْ ( كَالْمَيْتَةِ وَلَا ضَمَانَ فِيمَا هُوَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ ) وَلَا يُقَالُ جَازَ كَوْنُ الشَّيْءِ مُحَرَّمًا لِغَيْرِهِ وَنَفْسِهِ كَالزِّنَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فِي نَفْسِهِ .
لِأَنَّا نَقُولُ : مَا فُرِضَ فِيهِ الْكَلَامُ وَهُوَ الْمَالُ الْمَسْرُوقُ لَا يَكُونُ قَطُّ مُحَرَّمًا إلَّا لِغَيْرِهِ .
وَوَقْتُ اسْتِخْلَاصِهِ الْحُرْمَةُ لِنَفْسِهِ تَعَالَى قُبَيْلَ فِعْلِ السَّرِقَةِ الْقَبْلِيَّةِ الَّتِي عَلِمَ تَعَالَى أَنَّهَا تَتَّصِلُ بِهَا السَّرِقَةُ ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ لَنَا ذَلِكَ بِتَحَقُّقِ الْقَطْعِ ، فَإِذَا قُطِعَ عَلِمْنَا أَنَّهُ اسْتَخْلَصَ الْحُرْمَةَ حَقًّا لَهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْمَالِ ، كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ الْأَبَ مَلَّكَهُ اللَّهُ تَعَالَى جَارِيَةَ ابْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ مِنْ الِابْنِ لَهُ بِظُهُورِ دَعْوَاهُ وَلَدَهَا لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّهُ شُرِعَ ثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْهُ بِدَعْوَاهُ فَعَلِمْنَا حُكْمَهُ تَعَالَى بِنَقْلِ الْمِلْكِ فِيهَا إلَيْهِ قَبْلَ الْوَطْءِ الْقَبْلِيَّةِ الَّتِي عَلِمَ تَعَالَى اتِّصَالَ الْوَطْءِ بِهَا ، وَكَذَا فِي أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ فَهُوَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِمُعَايَنَةِ الْمَشْرُوطِ عَلَى سَبْقِ الشَّرْطِ .
فَإِنْ قُلْت : فَمَا وَجْهُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ فِي الضَّمَانِ بِالِاسْتِهْلَاكِ مَعَ فَرْضِ أَنَّ الْعِصْمَةَ انْتَقَلَتْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَصَارَ الْمَسْرُوقُ كَحُرْمَةِ الْمَيْتَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْتَرِقَ الْحَالُ ؟ فَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ( إلَّا أَنَّ الْعِصْمَةَ لَا يَظْهَرُ

سُقُوطُهَا فِي حَقِّ الِاسْتِهْلَاكِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ آخَرُ غَيْرُ السَّرِقَةِ ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ فِعْلٍ آخَرَ ) إنَّمَا الضَّرُورَةُ فِي نَفْيِ شُبْهَةِ الْإِبَاحَةِ عَنْ فِعْلِ السَّرِقَةِ ضَرُورَةَ وُجُوبِ الْقَطْعِ ( وَكَذَا الشُّبْهَةُ ) أَيْ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ إنَّمَا ( تُعْتَبَرُ فِيمَا هُوَ السَّبَبُ ) وَهُوَ السَّرِقَةُ ( دُونَ غَيْرِهِ ) وَهُوَ الِاسْتِهْلَاكُ ( وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ ) وَإِنْ كَانَ فِعْلًا آخَرَ إلَّا أَنَّهُ ( إتْمَامُ الْمَقْصُودِ ) بِالسَّرِقَةِ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِالْمَسْرُوقِ فَكَانَ مَعْدُودًا مِنْهَا ( فَتُعْتَبَرُ الشُّبْهَةُ فِيهِ ) كَمَا اُعْتُبِرَتْ فِي السَّرِقَةِ ( وَكَذَا يَظْهَرُ سُقُوطُ الْعِصْمَةِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ ) فِي فَصْلِ الِاسْتِهْلَاكِ ( لِانْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ ) بَيْنَ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ وَالضَّمَانِ ، لِأَنَّ الْمَسْرُوقَ مَعْصُومٌ حَقًّا لِلْعَبْدِ فِي حَالَةِ الِاسْتِهْلَاكِ فَقَطْ ، وَالضَّمَانُ مَالٌ مَعْصُومٌ حَقًّا لَهُ فِي حَالَتَيْ الْهَلَاكِ وَالِاسْتِهْلَاكِ ، فَإِذَا انْتَفَتْ الْمُمَاثَلَةُ انْتَفَى الضَّمَانُ ، لِأَنَّ ضَمَانَ الْعُدْوَانِ مَشْرُوطٌ بِالْمُمَاثَلَةِ بِالنَّصِّ ، بِخِلَافِ شُرْبِ خَمْرِ الذِّمِّيِّ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مُتَقَوِّمًا لِغَيْرِهِ فَيَضْمَنُهُ ، وَفِيهِ جِنَايَةٌ عَلَى عَقْلِهِ ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ الْحَدَّ فَيُحَدُّ بِذَلِكَ فَكَانَا حُرْمَتَيْنِ ، وَمِثْلُهُ صَيْدُ الْحَرَمِ الْمَمْلُوكِ .
وَفِي الْمَبْسُوطِ : رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْ السَّارِقِ قَضَاءً لِتَعَذُّرِ الْحُكْمِ بِالْمُمَاثَلَةِ ، فَأَمَّا دِيَانَةً فَيُفْتَى بِالضَّمَانِ لِلُحُوقِ الْخُسْرَانِ وَالنُّقْصَانِ لِلْمَالِكِ مِنْ جِهَةِ السَّارِقِ .
وَفِي الْإِيضَاحِ .
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحِلُّ لِلسَّارِقِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ، لِأَنَّ الثَّوْبَ عَلَى مِلْكِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ، وَكَذَا لَوْ خَاطَهُ قَمِيصًا لَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِوَجْهٍ مَحْظُورٍ وَقَدْ تَعَذَّرَ إيجَابُ الْقَضَاءِ بِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ ، كَمَنْ

دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَأَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَمْ يَلْزَمْهُ الرَّدُّ قَضَاءً وَيَلْزَمُهُ دِيَانَةً ، وَكَالْبَاغِي إذَا أَتْلَفَ مَالَ الْعَادِلِ ثُمَّ تَابَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ ، وَتَعَذُّرُ إيجَابِ الضَّمَانِ بِعَارِضٍ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ ، وَأَمَّا دِيَانَةً فَيُعْتَبَرُ قَضِيَّةُ السَّبَبِ

قَالَ ( وَمَنْ سَرَقَ سَرِقَاتٍ فَقُطِعَ فِي إحْدَاهَا فَهُوَ لِجَمِيعِهَا ، وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَالَا : يَضْمَنُ كُلَّهَا إلَّا الَّتِي قُطِعَ لَهَا ) وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ إذَا حَضَرَ أَحَدُهُمْ ، فَإِنْ حَضَرُوا جَمِيعًا وَقُطِعَتْ يَدُهُ لِخُصُومَتِهِمْ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا بِالِاتِّفَاقِ فِي السَّرِقَاتِ كُلِّهَا .
لَهُمَا أَنَّ الْحَاضِرَ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْ الْغَائِبِ .
وَلَا بُدَّ مِنْ الْخُصُومَةِ لِتَظْهَرَ السَّرِقَةُ فَلَمْ تَظْهَرْ السَّرِقَةُ مِنْ الْغَائِبَيْنِ فَلَمْ يَقَعْ الْقَطْعُ لَهَا فَبَقِيَتْ أَمْوَالُهُمْ مَعْصُومَةً .
وَلَهُ أَنَّ الْوَاجِبَ بِالْكُلِّ قَطْعٌ وَاحِدٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَبْنَى الْحُدُودِ عَلَى التَّدَاخُلِ وَالْخُصُومَةُ شَرْطٌ لِلظُّهُورِ عِنْدَ الْقَاضِي ، فَإِذَا اسْتَوْفَى فَالْمُسْتَوْفَى كُلُّ الْوَاجِبِ ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلَى الْكُلِّ فَيَقَعُ عَنْ الْكُلِّ ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ النُّصُبُ كُلُّهَا لِوَاحِدٍ فَخَاصَمَ فِي الْبَعْضِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

( قَوْلُهُ وَمَنْ سَرَقَ سَرِقَاتٍ فَقُطِعَ فِي إحْدَاهَا ) بِخُصُومَةِ صَاحِبِهَا وَحْدَهُ ( فَهُوَ ) أَيْ ذَلِكَ الْقَطْعُ ( لِجَمِيعِهَا وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا ) لِأَرْبَابِ تِلْكَ السَّرِقَاتِ ( عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا : يَضْمَنُ كُلَّهَا إلَّا ) السَّرِقَةَ ( الَّتِي قُطِعَ فِيهَا ، فَإِنْ حَضَرُوا جَمِيعًا وَقُطِعَتْ يَدُهُ بِخُصُومَتِهِمْ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا ) مِنْ السَّرِقَاتِ ( بِالِاتِّفَاقِ لَهُمَا أَنَّ الْحَاضِرَ لَيْسَ نَائِبًا عَنْ الْغَائِبِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْخُصُومَةِ لِتَظْهَرَ السَّرِقَةُ ) .
وَلَا خُصُومَةَ مِنْ الْغَائِبِ فَلَمْ تَظْهَرْ الْخُصُومَةُ مِنْهُمْ فَلَمْ يَظْهَرْ الْقَطْعُ بِسَرِقَاتِهِمْ ( فَبَقِيَتْ أَمْوَالُهُمْ مَعْصُومَةً .
وَلَهُ أَنَّ الْوَاجِبَ بِالْكُلِّ قَطْعٌ وَاحِدٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَبْنَى الْحُدُودِ عَلَى التَّدَاخُلِ .
وَالْخُصُومَةُ شَرْطٌ لِلظُّهُورِ عِنْدَ الْحَاكِمِ ) فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الثَّابِتُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هُوَ التَّدَاخُلُ وَمَعْنَاهُ وُقُوعُ الْحَدِّ الْوَاحِدِ عَنْ كُلِّ الْأَسْبَابِ السَّابِقَةِ وَقَدْ وُجِدَ لَزِمَ وُقُوعُهُ عَنْهَا وَهُوَ مَلْزُومٌ لِسُقُوطِ ضَمَانِهَا كُلِّهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلِمَ الْقَاضِي بِهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَلَا أَثَرَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهَا فِي نَفْيِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ شَرْعًا عِنْدَ الْقَطْعِ وَهُوَ وُقُوعُهُ عَنْ كُلِّ الْأَسْبَابِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ سُقُوطَ ضَمَانِهَا فَكَانَ سُقُوطُ الضَّمَانِ ثَابِتًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ .

( بَابُ مَا يُحْدِثُ السَّارِقُ فِي السَّرِقَةِ ) ( وَمَنْ سَرَقَ ثَوْبًا فَشَقَّهُ فِي الدَّارِ بِنِصْفَيْنِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ وَهُوَ يُسَاوِي عَشَرَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ سَبَبَ الْمِلْكِ وَهُوَ الْخَرْقُ الْفَاحِشُ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْقِيمَةَ وَتَمَلُّكَ الْمَضْمُونِ وَصَارَ كَالْمُشْتَرِي إذَا سَرَقَ مَبِيعًا فِيهِ خِيَارٌ لِلْبَائِعِ ( وَلَهُمَا أَنَّ الْأَخْذَ وُضِعَ سَبَبًا لِلضَّمَانِ لَا لِلْمِلْكِ ، وَإِنَّمَا الْمِلْكُ يُثْبِتُ ضَرُورَةَ أَدَاءِ الضَّمَانِ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ ، وَمِثْلُهُ لَا يُوَرِّثُ ) الشُّبْهَةَ كَنَفْسِ الْأَخْذِ ، وَكَمَا إذَا سَرَقَ الْبَائِعُ مَعِيبًا بَاعَهُ ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَوْضُوعٌ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا اخْتَارَ تَضْمِينَ النُّقْصَانِ وَأَخْذَ الثَّوْبِ ، فَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْقِيمَةِ وَتَرْكَ الثَّوْبِ عَلَيْهِ لَا يُقْطَعُ بِالِاتِّفَاقِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْأَخْذِ فَصَارَ كَمَا إذَا مَلَكَهُ بِالْهِبَةِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ النُّقْصَانُ فَاحِشًا ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا يُقْطَعُ بِالِاتِّفَاقِ لِانْعِدَامِ سَبَبِ الْمِلْكِ إذْ لَيْسَ لَهُ اخْتِيَارُ تَضْمِينِ كُلِّ الْقِيمَةِ

( بَابُ مَا يُحْدِثُ السَّارِقُ فِي السَّرِقَةِ ) ( قَوْلُهُ وَمَنْ سَرَقَ ثَوْبًا فَشَقَّهُ فِي الدَّارِ ) قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْحِرْزِ ( نِصْفَيْنِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ ، وَهُوَ يُسَاوِي عَشَرَةً ) بَعْدَ الشَّقِّ ( قُطِعَ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ ) وَإِنْ كَانَ لَا يُسَاوِي عَشَرَةً بَعْدَهُ لَمْ يُقْطَعْ بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِنْ شَقَّهُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ قُطِعَ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ ظَاهِرٌ .
وَاخْتَلَفَتْ الْعِبَارَاتُ فِي إفَادَةِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي بَعْضِهَا مَا يُفِيدُ أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْهُ وَأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ كَقَوْلِهِمَا وَهِيَ كَلَامُ الْهِدَايَةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ وَالصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَالْعَتَّابِيِّ حَيْثُ قَالُوا : وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَكَذَا قَوْلُ الْإِسْبِيجَابِيِّ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ وَقَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الظَّاهِرِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْبَيْهَقِيُّ زَادَ فَقَالَ فِي كِفَايَتِهِ : وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَفِي بَعْضِهَا مَا يُفِيدُ أَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ كَقَوْلِ صَاحِبِ الْأَسْرَارِ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا يُقْطَعُ ، وَكَذَا قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : كُلُّ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ إنْ شَاءَ ذَلِكَ رَبُّ الْمَتَاعِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ .
وَجْهُ قَوْلِهِ : إنَّ السَّرِقَةَ مَا تَمَّتْ إلَّا وَقَدْ انْعَقَدَ لِلسَّارِقِ فِيهَا سَبَبُ الْمِلْكِ ؛ إذْ بِالْخَرْقِ الْفَاحِشِ يَثْبُتُ لِلْمَالِكِ وِلَايَةُ تَضْمِينِ السَّارِقِ قِيمَةَ الثَّوْبِ وَتَرْكَهُ لَهُ وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ ، وَمَا انْعَقَدَ لِلسَّارِقِ فِيهِ سَبَبُ الْمِلْكِ لَا يُقْطَعُ بِهِ .
كَمَا لَوْ سَرَقَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ الَّذِي فِيهِ خِيَارُ الْبَائِعِ ثُمَّ أَسْقَطَ الْبَائِعُ الْخِيَارَ فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ لِذَلِكَ ، وَهُوَ أَنَّ السَّرِقَةَ تَمَّتْ عَلَى عَيْنٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ ، وَلَكِنْ فِيهِ سَبَبُ الْمِلْكِ لِلسَّارِقِ ( وَلَهُمَا أَنَّ الْأَخْذَ وَقَعَ سَبَبًا لِلضَّمَانِ ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَقُولَ : إنَّ

الشَّقَّ وَقَعَ سَبَبًا لِلضَّمَانِ ( لَا لِلْمِلْكِ ) وَثُبُوتَ وِلَايَةِ الْغَيْرِ أَنْ يَمْلِكَ لَيْسَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ ، بَلْ السَّبَبُ إنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَ اخْتِيَارِ التَّضْمِينِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ تِلْكَ الْوِلَايَةُ مُوجِبَةً لِلسَّبَبِيَّةِ إذَا كَانَ التَّصَرُّفُ مَوْضُوعًا لِلتَّمْلِيكِ كَالْبَيْعِ فِيمَا قِسْت عَلَيْهِ لَا فِيمَا وُضِعَ سَبَبًا لِلضَّمَانِ .
فَالْفَرْقُ بَيْنَ صُورَةِ الشَّقِّ وَصُورَةِ الْبَيْعِ كَوْنُ نَفْسِ التَّصَرُّفِ وُضِعَ لِلتَّمْلِيكِ ، بِخِلَافِ الشَّقِّ .
وَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ لَيْسَ فِي الْأَخْذِ بَلْ فِي الشَّقِّ تَكَلَّفَ فِي تَقْرِيرِهِ بِأَنْ قِيلَ الْأَخْذُ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ مَحْضٌ لَا لِلْمِلْكِ فَكَانَ كَالشَّقِّ عُدْوَانًا فَكَمَا لَا تُعْتَبَرُ فِي الْأَخْذِ شُبْهَةُ الْمِلْكِ دَارِئَةً لِلْقَطْعِ بَلْ يُقْطَعُ إجْمَاعًا كَذَلِكَ الشَّقُّ ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الشَّقُّ سَبَبًا لِلضَّمَانِ إذَا اخْتَارَ الْمَالِكُ التَّضْمِينَ ( فَيَثْبُتُ ضَرُورَةُ أَدَاءِ الضَّمَانِ ) أَوْ الْقَضَاءِ بِهِ ( وَمِثْلُهُ لَا يُورَثُ شُبْهَةً ) وَإِلَّا لَثَبَتَ مِثْلُهَا ( فِي نَفْسِ الْأَخْذِ ) ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ كَالشَّقِّ فَصَارَ ( نَظِيرَ مَا إذَا سَرَقَ الْبَائِعُ مَعِيبًا بَاعَهُ ) وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَإِنْ انْعَقَدَ سَبَبُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ الَّذِي بِهِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ ( قَوْلُهُ : وَهَذَا الْخِلَافُ إلَخْ ) الْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ الْكَائِنَ فِي الْقَطْعِ هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ النُّقْصَانُ فَاحِشًا وَاخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَ النُّقْصَانِ وَأَخْذَ الثَّوْبِ يُقْطَعُ مَعَ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا .
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُقْطَعُ ( وَلَوْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْقِيمَةِ وَتَرَكَ الثَّوْبِ عَلَيْهِ لَا يُقْطَعُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْأَخْذِ فَصَارَ كَمَا لَوْ مَلَّكَهُ ) إيَّاهُ ( بِالْهِبَةِ ) بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا يُقْطَعُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ( وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا يُقْطَعُ بِالِاتِّفَاقِ لِانْعِدَامِ سَبَبِ الْمِلْكِ وَلَيْسَ

لِلْمَالِكِ تَضْمِينُ كُلِّ الْقِيمَةِ ) فَانْتَفَى وَجْهُ أَبِي يُوسُفَ فِي عَدَمِ الْقَطْعِ فِي الْيَسِيرِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَرْقَ يَكُونُ يَسِيرًا وَيَكُونُ فَاحِشًا ، وَتَارَةً يَكُونُ إتْلَافًا وَاسْتِهْلَاكًا ، وَفِيهِ يَجِبُ ضَمَانُ كُلِّ الْقِيمَةِ بِلَا خِيَارٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ ، وَعَلَى هَذَا لَا يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّهُ مَا تَمَّتْ السَّرِقَةُ إلَّا بِمَا مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ ، وَقَدْ حَدَّهُ التُّمُرْتَاشِيُّ بِأَنْ يَنْقُصَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ .
وَأَمَّا الْخَرْقُ الْفَاحِشُ فَقِيلَ مَا يُوجِبُ نُقْصَانَ رُبْعِ الْقِيمَةِ فَصَاعِدًا فَاحِشٌ ، وَإِلَّا فَيَسِيرٌ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَصَاعِدًا مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى مَا بِهِ يَصِيرُ إتْلَافًا .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْفَاحِشَ مَا يَفُوتُ بِهِ بَعْضُ الْعَيْنِ وَبَعْضُ الْمَنْفَعَةِ ، وَالْيَسِيرُ مَا يَفُوتُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَنْفَعَةِ ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ .
وَأَوْرَدَ فِي الْكَافِي عَلَى الْقَطْعِ مَعَ إيجَابِ ضَمَانِ النُّقْصَانِ فِي الْخَرْقِ الْيَسِيرِ أَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْقَطْعِ وَالضَّمَانِ .
وَأَجَابَ فَقَالَ : إنَّمَا لَا يَجْتَمِعَانِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ جَزَاءِ الْفِعْلِ وَبَدَلِ الْمَحَلِّ فِي جِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُنَا لَا يُؤَدِّي إلَيْهِ ؛ إذْ الْقَطْعُ يَجِبُ بِالسَّرِقَةِ وَضَمَانُ النُّقْصَانِ بِالْخَرْقِ وَالْخَرْقُ لَيْسَ مِنْ السَّرِقَةِ فِي شَيْءٍ .
وَاسْتُشْكِلَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ الِاسْتِهْلَاكُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، فَإِنَّهُ فَعَلَ غَيْرَ السَّرِقَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّ عِصْمَةَ الْمَسْرُوقِ تَسْقُطُ بِالْقَطْعِ ، فَكَذَا هُنَا عِصْمَةُ الْمَسْرُوقِ تَسْقُطُ بِالْقَطْعِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ ضَمَانُ النُّقْصَانِ ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْفَوَائِدِ الْخَبَّازِيَّةِ : وَفِي الصَّحِيحِ لَا يَضْمَنُ النُّقْصَانَ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ الْقَطْعُ مَعَ الضَّمَانِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ النُّقْصَانَ يَمْلِكُ مَا ضَمِنَهُ فَيَكُونُ هَذَا كَثَوْبٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ لَكِنَّهُ يَجِبُ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَضْمَنُ النُّقْصَانَ ، وَالْحَقُّ

مَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ الْأُمَّهَاتِ أَنَّهُ يُقْطَعُ وَيَضْمَنُ النُّقْصَانَ ، وَالنَّقْصُ بِالِاسْتِهْلَاكِ غَيْرُ وَارِدٍ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ هُنَاكَ بَعْدَ السَّرِقَةِ بِأَنْ سَرَقَ وَاسْتَهْلَكَ الْمَسْرُوقَ ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مَا إذَا نَقَصَ قَبْلَ تَمَامِ السَّرِقَةِ فَإِنَّ وُجُوبَ قِيمَةِ مَا نَقَصَ ثَابِتٌ قَبْلَ السَّرِقَةِ ، ثُمَّ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ كَانَ الْمَسْرُوقُ هُوَ النَّاقِصَ فَالْقَطْعُ حِينَئِذٍ بِذَلِكَ الْمَسْرُوقِ النَّاقِصِ وَلَمْ نُضَمِّنْهُ إيَّاهُ ، أَلَا يُرَى إلَى قَوْلِ الْإِمَامِ قَاضِي خَانْ : فَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ يَسِيرًا يُقْطَعُ وَيَضْمَنُ النُّقْصَانَ ، أَمَّا الْقَطْعُ فَلِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا كَامِلًا مِنْ الْحِرْزِ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ ، وَأَمَّا ضَمَانُ النُّقْصَانِ فَلِوُجُودِ سَبَبِهِ وَهُوَ التَّعْيِيبُ الَّذِي وَقَعَ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ الَّذِي بِهِ تَتِمُّ السَّرِقَةُ ، وَوُجُوبُ ضَمَانِ النُّقْصَانِ لَا يَمْنَعُ الْقَطْعَ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ النُّقْصَانِ وَجَبَ بِإِتْلَافِ مَا فَاتَ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ وَالْقَطْعِ بِإِخْرَاجِ الْبَاقِي فَلَا يَمْنَعُ ، كَمَا لَوْ أَخَذَ ثَوْبَيْنِ وَأَحْرَقَ أَحَدَهُمَا فِي الْبَيْتِ وَأَخْرَجَ الْآخَرَ ، وَقِيمَتُهُ نِصَابٌ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْبَاحِثِ يَمْلِكُ مَا ضَمِنَهُ فَيَكُونُ كَثَوْبٍ مُشْتَرَكٍ إلَى آخِرِهِ فَغَلَطٌ ؛ لِأَنَّ عِنْدَ السَّرِقَةِ وَهُوَ الْإِخْرَاجُ مَا كَانَ لَهُ مِلْكٌ فِي الْمُخْرَجِ ، فَإِنَّ الْجُزْءَ الَّذِي مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ هُوَ مَا كَانَ قَبْلَ السَّرِقَةِ وَقَدْ هَلَكَ قَبْلَهَا ، وَحِينَ وَرَدَتْ السَّرِقَةُ وَرَدَتْ عَلَى مَا لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ الْجُزْءُ الْمَمْلُوكُ لَهُ

( وَإِنْ سَرَقَ شَاةً فَذَبَحَهَا ثُمَّ أَخْرَجَهَا لَمْ يُقْطَعْ ) لِأَنَّ السَّرِقَةَ تَمَّتْ عَلَى اللَّحْمِ وَلَا قَطْعَ فِيهِ
( قَوْلُهُ : وَإِنْ سَرَقَ شَاةً فَذَبَحَهَا ثُمَّ أَخْرَجَهَا لَمْ يُقْطَعْ ) وَلَوْ سَاوَتْ نِصَابًا بَعْدَ الذَّبْحِ ( لِأَنَّ السَّرِقَةَ تَمَّتْ عَلَى اللَّحْمِ وَلَا قَطْعَ فِيهِ ) عَلَى مَا مَرَّ لَكِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ

( وَمَنْ سَرَقَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَصَنَعَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ قُطِعَ فِيهِ وَتَرَكَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا : لَا سَبِيلَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ عَلَيْهِمَا ) وَأَصْلُهُ فِي الْغَصْبِ فَهَذِهِ صَنْعَةٌ مُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ ، ثُمَّ وُجُوبُ الْحَدِّ لَا يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ ، وَقِيلَ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ قَبْلَ الْقَطْعِ ، وَقِيلَ يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالصَّنْعَةِ شَيْئًا آخَرَ فَلَمْ يَمْلِكْ عَيْنَهُ

( قَوْلُهُ : وَمَنْ سَرَقَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ) بِأَنْ كَانَتْ نِصَابًا ( فَصَنَعَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ قُطِعَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ( وَيَرُدُّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ عَلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ، وَقَالَا : يُقْطَعُ وَلَا سَبِيلَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ عَلَيْهِمَا ) وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافٍ آخَرَ فِي الْغَصْبِ وَهُوَ مَا إذَا غَصَبَ نَقْرَةَ فِضَّةٍ فَضَرَبَهَا دَرَاهِمَ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ دَرَاهِمَ فَضَرَبَهَا حُلِيًّا فَكَذَا هُنَا لَا يَنْقَطِعُ بِالصَّكِّ حَقُّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فِي السَّرِقَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَتَبَدَّلْ فَيُقْطَعُ فَالْقَطْعُ عِنْدَهُ لَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَقَدْ قِيلَ لَا يُقْطَعُ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَسْرُوقَ بِمَا حَدَثَ مِنْ الصَّنْعَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْقَطْعِ ، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا أَخَذَ وَزْنًا مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَقِيلَ يُقْطَعُ وَلَا شَيْءَ عَلَى السَّارِقِ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ عَيْنَ الْمَسْرُوقِ لِأَنَّهُ بِالصَّنْعَةِ صَارَ شَيْئًا آخَرَ فَقَدْ اسْتَهْلَكَ الْمَسْرُوقَ ثُمَّ قَطَعَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ هَذِهِ الصَّنْعَةَ مُبَدِّلَةٌ لِلْعَيْنِ كَالصَّنْعَةِ فِي الْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ بِأَنْ غَصَبَ حَدِيدًا أَوْ صُفْرًا فَجَعَلَهُ سَيْفًا أَوْ آنِيَةً ، وَكَذَا الِاسْمُ كَانَ تِبْرًا ذَهَبًا فِضَّةً فَصَارَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ .
وَلَهُ أَنَّ هَذِهِ الصَّنْعَةَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَوْ تَقَوَّمَتْ وَبَدَّلَتْ الِاسْمَ لَمْ تُعْتَبَرْ مَوْجُودَةً شَرْعًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا حُكْمُ الرِّبَا حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُ آنِيَةِ وَزْنُهَا عَشَرَةٌ فِضَّةً بِأَحَدَ عَشَرَ فِضَّةً وَقَلْبُهُ فَكَانَتْ الْعَيْنُ كَمَا كَانَتْ حُكْمًا فَيُقْطَعُ وَتُؤْخَذُ لِلْمَالِكِ ، عَلَى أَنَّ الِاسْمَ بَاقٍ ، وَهُوَ اسْمُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَإِنَّمَا حَدَثَ اسْمٌ آخَرُ مَعَ ذَلِكَ الِاسْمِ

( فَإِنْ سَرَقَ ثَوْبًا فَصَبْغَهُ أَحْمَرَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الثَّوْبُ وَلَمْ يَضْمَنْ قِيمَةَ الثَّوْبِ ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يُؤْخَذُ مِنْهُ الثَّوْبُ وَيُعْطَى مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ ) اعْتِبَارًا بِالْغَصْبِ ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا كَوْنُ الثَّوْبِ أَصْلًا قَائِمًا وَكَوْنُ الصَّبْغِ تَابِعًا .
وَلَهُمَا أَنَّ الصَّبْغَ قَائِمٌ صُورَةً وَمَعْنًى ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَخْذَهُ مَصْبُوغًا يَضْمَنُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ ، وَحَقُّ الْمَالِكِ فِي الثَّوْبِ قَائِمٌ صُورَةً لَا مَعْنًى ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى السَّارِقِ بِالْهَلَاكِ فَرَجَّحْنَا جَانِبَ السَّارِقِ ، بِخِلَافِ الْغَصْبِ ، لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمٌ صُورَةً وَمَعْنًى فَاسْتَوَيَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَرَجَّحْنَا جَانِبَ الْمَالِكِ بِمَا ذَكَرْنَا ( وَإِنْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ أُخِذَ مِنْهُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ ) يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ لِأَنَّ السَّوَادَ زِيَادَةٌ عِنْدَهُ كَالْحُمْرَةِ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ زِيَادَةٌ أَيْضًا كَالْحُمْرَةِ وَلَكِنَّهُ لَا يَقْطَعُ حَقَّ الْمَالِكِ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ السَّوَادُ نُقْصَانٌ فَلَا يُوجِبُ انْقِطَاعَ حَقِّ الْمَالِكِ .

( قَوْلُهُ وَمَنْ سَرَقَ ثَوْبًا فَصَبْغَهُ أَحْمَرَ ) يُقْطَعُ بِهِ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الثَّوْبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَلَا يَضْمَنُهُ ( وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يُؤْخَذُ مِنْهُ الثَّوْبُ ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ( وَيُعْطَى قَدْرَ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِي الثَّوْبِ اعْتِبَارًا بِالْغَصْبِ ) فَإِنَّ غَاصِبَ الثَّوْبِ إذَا صَبَغَهُ أَحْمَرَ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ فِي الِاسْتِرْدَادِ اتِّفَاقًا ، فَكَذَا فِي السَّرِقَةِ ( وَالْجَامِعُ كَوْنُ الثَّوْبِ أَصْلًا وَالصَّبْغُ تَابِعًا .
وَلَهُمَا أَنَّ الصَّبْغَ قَائِمٌ صُورَةً ) وَهُوَ ظَاهِرٌ .
وَقَوْلُهُ ( وَمَعْنًى ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ ( حَتَّى لَوْ أَرَادَ ) الْمَسْرُوقُ مِنْهُ ( أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ يَضْمَنُ لَهُ ) قِيمَةَ ( الصَّبْغِ وَحَقُّ الْمَالِكِ قَائِمٌ صُورَةً لَا مَعْنًى ) فَإِنَّهُ لَوْ هَلَكَ أَوْ اُسْتُهْلِكَ عِنْدَ السَّارِقِ لَا يَضْمَنُ فَكَانَ حَقُّ السَّارِقِ أَحَقَّ بِالتَّرْجِيحِ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ إذَا فَعَلَهُ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ بِذَلِكَ ( بِخِلَافِ الْغَصْبِ ، لِأَنَّ حَقَّ كُلٍّ ) مِنْ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَالْغَاصِبِ الَّذِي صَبَغَهُ ( قَائِمٌ صُورَةً وَمَعْنًى ) لِانْتِفَاءِ مَا يَخِلُّ بِالْمَعْنَى فِي حَقِّ الْغَاصِبِ وَهُوَ الْقَطْعُ ( فَاسْتَوَيَا فَرَجَّحْنَا الْمَالِكَ بِمَا ذَكَرْنَا ) مِنْ أَنَّ الصَّبْغَ تَابِعٌ ( قَوْلُهُ وَإِنْ صَبَغَهُ ) أَيْ السَّارِقُ ( أَسْوَدَ ) ثُمَّ قَطَعَ أَوْ قَطَعَ فَصَبَغَهُ أَسْوَدَ ( يُؤْخَذُ مِنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ ) فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ( لِأَنَّ السَّوَادَ زِيَادَةٌ كَالْحُمْرَةِ ) وَهِيَ مَانِعَةٌ مِنْ الِاسْتِرْدَادِ مِنْ السَّارِقِ ( وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ زِيَادَةٌ ) لَكِنَّ الزِّيَادَةَ غَيْرُ مَانِعَةٍ كَمَا قَالَ فِي الْحُمْرَةِ ( وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ السَّوَادُ نُقْصَانٌ فَلَا يُوجِبُ انْقِطَاعَ حَقِّ الْمَالِكِ ) فِي الِاسْتِرْدَادِ .
قَالُوا : وَهَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا حُجَّةٌ وَبُرْهَانٌ ، فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا لَا يَلْبَسُونَ

السَّوَادَ فِي زَمَنِهِ وَيَلْبَسُونَهُ فِي زَمَنِهِمَا .
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ : لَوْ سَرَقَ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ فَهُوَ مِثْلُ الِاخْتِلَافِ فِي الصَّبْغِ : أَيْ الْأَحْمَرِ لَيْسَ لِلْمَالِكِ عَلَى السَّارِقِ سَبِيلٌ فِي السَّوِيقِ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَأْخُذُهُ وَيُعْطَى مَا زَادَ السَّمْنُ وَالْعَسَلُ .

( بَابُ قَطْعِ الطَّرِيقِ ) قَالَ ( وَإِذَا خَرَجَ جَمَاعَةٌ مُمْتَنِعِينَ أَوْ وَاحِدٌ يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ فَقَصَدُوا قَطْعَ الطَّرِيقِ فَأُخِذُوا قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوا مَالًا وَيَقْتُلُوا نَفْسًا حَبَسَهُمْ الْإِمَامُ حَتَّى يُحْدِثُوا تَوْبَةً ، وَإِنْ أَخَذُوا مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ ، وَالْمَأْخُوذُ إذَا قُسِّمَ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا أَوْ مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ذَلِكَ قَطَعَ الْإِمَامُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ ، وَإِنْ قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا قَتَلَهُمْ الْإِمَامُ حَدًّا ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } الْآيَةَ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ التَّوْزِيعُ عَلَى الْأَحْوَالِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ : هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ ، وَالرَّابِعَةُ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّ الْجِنَايَاتِ تَتَفَاوَتُ عَلَى الْأَحْوَالِ فَاللَّائِقُ تَغَلُّظُ الْحُكْمِ بِتَغَلُّظِهَا .
أَمَّا الْحَبْسُ فِي الْأُولَى فَلِأَنَّهُ الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ نَفْيٌ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ بِدَفْعِ شَرِّهِمْ عَنْ أَهْلِهَا ، وَيُعَزَّرُونَ أَيْضًا لِمُبَاشَرَتِهِمْ مُنْكَرَ الْإِخَافَةِ .
وَشَرْطُ الْقُدْرَةِ عَلَى الِامْتِنَاعِ ؛ لِأَنَّ الْمُحَارَبَةَ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْمَنَعَةِ .
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ كَمَا بَيَّنَّاهَا لِمَا تَلَوْنَاهُ .
وَشَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لِتَكُونَ الْعِصْمَةُ مُؤَبَّدَةً ، وَلِهَذَا لَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ .
وَشَرْطُ كَمَالِ النِّصَابِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ كَيْ لَا يُسْتَبَاحَ طَرَفُهُ إلَّا بِتَنَاوُلِهِ مَالَهُ خَطَرٌ ، وَالْمُرَادُ قَطْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُسْرَى كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْوِيتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ .
وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ كَمَا بَيَّنَّاهَا لِمَا تَلَوْنَاهُ ( وَيُقْتَلُونَ حَدًّا ، حَتَّى لَوْ عَفَا الْأَوْلِيَاءُ عَنْهُمْ لَا يُلْتَفَت إلَى عَفْوِهِمْ ) لِأَنَّهُ حَقُّ الشَّرْعِ .
( وَ ) الرَّابِعَةُ (

إذَا قَتَلُوا وَأَخْذُو الْمَالَ فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَقَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ ، وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُمْ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ وَلَا يُقْطَعُ ) لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تُوجِبُ حَدَّيْنِ ، وَلِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ يَدْخُلُ فِي النَّفْسِ فِي بَابِ الْحَدِّ كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَالرَّجْمِ .
وَلَهُمَا أَنَّ هَذِهِ عُقُوبَةٌ وَاحِدَةٌ تَغَلَّظَتْ لِتَغَلُّظِ سَبَبِهَا ، وَهُوَ تَفْوِيتُ الْأَمْنِ عَلَى التَّنَاهِي بِالْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ ، وَلِهَذَا كَانَ قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مَعًا فِي الْكُبْرَى حَدًّا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَا فِي الصُّغْرَى حَدَّيْنِ ، وَالتَّدَاخُلُ فِي الْحُدُودِ لَا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ .
ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ التَّخْيِيرَ بَيْن الصَّلْبِ وَتَرْكِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ ، وَالْمَقْصُودُ التَّشْهِيرُ لِيَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ .
وَنَحْنُ نَقُولُ أَصْلُ التَّشْهِيرِ بِالْقَتْلِ وَالْمُبَالَغَةِ بِالصَّلْبِ فَيُخَيَّرُ فِيهِ .
ثُمَّ قَالَ ( وَيُصْلَبُ حَيًّا وَيُبْعَجُ بَطْنُهُ بِرُمْحٍ إلَى أَنْ يَمُوتَ ) وَمِثْلَهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ .
وَعَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يُقْتَلُ ثُمَّ يُصْلَبُ تَوَقِّيًا عَنْ الْمُثْلَةِ .
وَجْهُ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ الصَّلْبَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَبْلَغُ فِي الرَّدْعِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِهِ .
قَالَ ( وَلَا يُصْلَبُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ) لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا فَيَتَأَذَّى النَّاسُ بِهِ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُتْرَكُ عَلَى خَشَبَةٍ حَتَّى يَتَقَطَّعَ فَيَسْقُطَ لِيَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ .
قُلْنَا : حَصَلَ الِاعْتِبَارُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالنِّهَايَةُ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ .

( بَابُ قَطْعِ الطَّرِيقِ ) أَخَّرَهُ عَنْ السَّرِقَةِ وَأَحْكَامِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَرِقَةٍ مُطْلَقَةٍ وَلِذَا لَا يَتَبَادَرُ هُوَ أَوْ مَا يَدْخُلُ هُوَ فِيهِ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِ السَّرِقَةِ بَلْ إنَّمَا يَتَبَادَرُ الْأَخْذُ خُفْيَةً عَنْ النَّاسِ ، وَلَكِنْ أُطْلِقَ عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ اسْمُ السَّرِقَةِ مَجَازًا لِلضَّرْبِ مِنْ الْإِخْفَاءِ وَهُوَ الْإِخْفَاءُ عَنْ الْإِمَامِ وَمَنْ نَصَّبَهُ الْإِمَامُ لِحِفْظِ الطَّرِيقِ مِنْ الْكَشَّافِ ، وَأَرْبَابِ الْإِدْرَاكِ فَكَانَ السَّرِقَةُ فِيهِ مَجَازًا وَلِذَا لَا تُطْلَقُ السَّرِقَةُ عَلَيْهِ إلَّا مُقَيَّدَةً فَيُقَالُ السَّرِقَةُ الْكُبْرَى ، وَلَوْ قِيلَ السَّرِقَةُ فَقَطْ لَمْ يُفْهَمْ أَصْلًا وَلُزُومُ التَّقْيِيدِ مِنْ عَلَامَاتِ الْمَجَازِ ( قَوْلُهُ وَإِذَا خَرَجَ جَمَاعَةٌ مُمْتَنِعِينَ ) بِقُوَّتِهِمْ عَمَّنْ يَقْصِدُ مُقَاتَلَتَهُمْ ( أَوْ وَاحِدٌ لَهُ مَنَعَةٌ ) بِقُوَّتِهِ وَنَجْدَتِهِ : يَعْنِي شَوْكَتَهُ ( يَقْصِدُونَ قَطْعَ الطَّرِيقِ ) أَيْ أَخْذُ الْمَارَّةِ فَأَحْوَالُهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَزَاءِ الشَّرْعِيِّ أَرْبَعَةٌ ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ خَمْسَةٌ .
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَزَاءِ فَإِمَّا أَنْ يُؤْخَذُوا قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوا مَالًا وَيَقْتُلُوا نَفْسًا بَلْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ سِوَى مُجَرَّدِ إخَافَةِ الطَّرِيقِ إلَى أَنْ أُخِذُوا فَحُكْمُهُمْ أَنْ يُعَزَّرُوا وَيُحْبَسُوا إلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ فِي الْحَبْسِ أَوْ يَمُوتُوا .
وَأَمَّا إنْ أَخَذُوا مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَالْمَأْخُوذُ إذَا قُسِّمَ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ ذَلِكَ فَيَقْطَعُ الْإِمَامُ يَدَ كُلٍّ مِنْهُمْ الْيُمْنَى وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى .
وَأَمَّا إنْ قَتَلُوا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا وَلَوْ يَأْخُذُوا مَالًا فَيَقْتُلُهُمْ الْإِمَامُ حَدًّا ، وَمَعْنَى حَدًّا أَنَّهُ لَوْ عَفَا أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِينَ لَا يَقْبَلُ عَفْوَهُمْ لِأَنَّ الْحَدَّ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُسْمَعُ فِيهِ عَفْوُ غَيْرِهِ ، فَمَتَى عَفَا عَنْهُمْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى .
وَالرَّابِعَةُ أَنْ

يَأْخُذُوا الْمَالَ وَيَقْتُلُوا ، وَسَتَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ : وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ يُقْتَلُ قِصَاصًا ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إذَا أَمْكَنَهُ أَخْذُ الْمَالِ فَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا وَمَالَ إلَى الْقَتْلِ ، فَإِنَّا سَنَذْكُرُ فِي نَظِيرِهَا أَنَّهُ يُقْتَلُ قِصَاصًا خِلَافًا لِعِيسَى بْنِ أَبَانَ .
وَفِيهَا أَيْضًا إنْ خَرَجَ عَلَى الْقَافِلَةِ فِي الطَّرِيقِ وَأَخَافَ النَّاسَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ يُعَزَّرُ وَيُخْلَى سَبِيلُهُ ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَنَّهُ يُحْبَسُ امْتِثَالًا لِلنَّفْيِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ .
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ أَعَمُّ فَالْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ .
وَالْخَامِسَةُ أَنْ يُؤْخَذُوا بَعْدَ مَا أَحْدَثُوا تَوْبَةً وَتَأْتِي أَيْضًا فِي الْكِتَابِ ، وَالتَّقْيِيدُ بِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ لِيَخْرُجَ الْمُسْتَأْمَنُ ، فَلَوْ قَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى مُسْتَأْمَنٍ لَمْ يَلْزَمْهُمْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا إلَّا التَّعْزِيرُ وَالْحَبْسُ بِاعْتِبَارِ إخَافَةِ الطَّرِيقِ وَإِخْفَاءِ ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ مَالَهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَبَاقِي الشُّرُوطِ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ فِي بَرِّيَّةٍ لَا فِي مِصْرٍ وَلَا قَرْيَةٍ وَلَا بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَدِّمُهُ الشَّارِحُونَ يَأْتِي ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْكِتَابِ مُفَصَّلًا ( وَالْأَصْلُ فِيهِ ) أَيْ فِي تَوْزِيعِ الْأَجْزِيَةِ كَمَا ذَكَرْنَا عَلَى الْجِنَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا } الْآيَةَ ؛ سَمَّى قَاطِعَ الطَّرِيقِ مُحَارِبًا لِلَّهِ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ مُعْتَمِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَاَلَّذِي يُزِيلُ أَمْنَهُ مُحَارِبٌ لِمَنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي تَحْصِيلِ الْأَمْنِ ، وَأَمَّا مُحَارَبَتُهُ لِرَسُولِهِ فَإِمَّا بِاعْتِبَارِ عِصْيَانِ أَمْرِهِ ، وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الْحَافِظُ لِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ،

وَالْخُلَفَاءُ وَالْمُلُوكُ بَعْدَهُ نُوَّابُهُ ، فَإِذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَوَلَّى حِفْظَهَا بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ فَقَدْ حَارَبَهُ أَوْ هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ يُحَارِبُونَ عِبَادَ اللَّهِ ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ تَقْدِيرِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِالْقَطْعِ عَلَى الْكَافِرِ الذِّمِّيِّ ( وَالْمُرَادُ مِنْ الْآيَةِ التَّوْزِيعُ ) أَيْ تَوْزِيعُ الْأَجْزِيَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنْوَاعِ قَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ وَقَتَادَةُ وَأَصْحَابُ أَحْمَدَ وَقَالَ عَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد : الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ مُطْلَقًا .
وَقَالَ مَالِكٌ : إذَا رَأَى الْإِمَامُ الْقَاطِعَ جَلْدًا ذَا رَأْيٍ قَتَلَهُ ، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا لَا رَأْيَ لَهُ قَطَعَهُ .
وَلَنَا مَا رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ { عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ : وَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بُرْدَةَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيَّ ، فَجَاءَ أُنَاسٌ يُرِيدُنَّ الْإِسْلَامَ فَقَطَعَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ أَبِي بُرْدَةَ الطَّرِيقَ .
فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَدِّ أَنَّ مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ صُلِبَ ، وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ قُتِلَ ، وَمَنْ أَخَذَ مَالًا وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ .
وَمَنْ جَاءَ مُسْلِمًا هَدَمَ الْإِسْلَامُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الشِّرْكِ } .
وَفِي رِوَايَةِ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : { وَمَنْ أَخَافَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ نُفِيَ } .
وَبِالنَّظَرِ إلَى الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ مِنْ الْمَقْطُوعِ بِهِ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَالْقَطْعِ وَالنَّفْيِ كُلُّهَا أَجِزْيَةٌ عَلَى جِنَايَةِ الْقَطْعِ ، وَمِنْ الْمَقْطُوعِ بِهِ أَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ تَتَفَاوَتُ خِفَّةً وَغِلْظًا ، وَالْعَمَلُ بِالْإِطْلَاقِ

الْمَحْضِ لِلْآيَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَجُوزَ أَنْ يُرَتَّبَ عَلَى أَغْلَظِهَا أَخَفُّ الْأَجْزِيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَى أَخَفِّهَا أَغْلَظُ الْأَجْزِيَةِ .
وَهَذَا مِمَّا يَدْفَعُهُ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِتَوْزِيعِ الْأَغْلَظِ لِلْأَغْلَظِ وَالْأَخَفِّ لِلْأَخَفِّ ، وَلِأَنَّ فِي هَذَا التَّوْزِيعِ مُوَافَقَةً لِأَصْلِ الشَّرْعِ حَيْثُ يَجِبُ الْقَتْلُ بِالْقَتْلِ ، وَالْقَطْعُ بِالْأَخْذِ إلَّا أَنَّ هَذَا الْأَخْذَ لَمَّا كَانَ أَغْلَظَ مِنْ أَخْذِ السَّرِقَةِ حَيْثُ كَانَ مُجَاهَرَةً وَمُكَابَرَةً مَعَ إشْهَارِ السِّلَاحِ جُعِلَ الْمَرَّةُ مِنْهُ كَالْمَرَّتَيْنِ ، فَقُطِعَ فِي الْأَخْذِ مَرَّةً الْيَدُ وَالرِّجْلُ مَعًا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ كَوْنِ النِّصَابِ فِيهِ عِشْرِينَ ، لِأَنَّ الْغِلَظَ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ لَا مُتَعَلَّقِهِ ، وَلِمُوَافَقَةِ قَاعِدَةِ الشَّرْعِ شَرَطَ فِي قَطْعِهِمْ كَوْنَ مَا يُصِيبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا كَامِلًا كَيْ لَا يُسْتَبَاحَ طَرَفُهُ بِأَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ فَيُخَالِفَ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ .
وَلَمْ يَشْرِطْ مَالِكٌ سِوَى أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ نِصَابًا فَصَاعِدًا أَصَابَ كُلًّا نِصَابٌ أَوْ لَا ، وَكَوْنُ الْمَقْطُوعِ الْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُسْرَى بِالْإِجْمَاعِ كَيْ لَا يَثْوَى نِصْفُهُ ، وَكَذَا الْأَحْكَامُ السَّابِقَةُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ يُسْرَاهُ شَلَّاءَ لَا تُقْطَعُ يَمِينُهُ ، وَكَذَا رِجْلُهُ الْيُمْنَى لَوْ كَانَتْ شَلَّاءَ لَا تُقْطَعُ الْيُسْرَى ، وَلَوْ كَانَ مَقْطُوعَ الْيَدِ الْيُمْنَى لَا تُقْطَعُ لَهُ يَدٌ ، وَكَذَا الرِّجْلُ الْيُسْرَى .
فَإِنْ قُلْت : لَيْسَ فِي الْأَجْزِيَةِ الْمُوَزَّعَةِ الْحَبْسُ .
قُلْنَا : هُوَ الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَهُوَ النَّفْيُ مِنْ الْأَرْضِ : أَيْ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ مَا دَامَ حَيًّا ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى بَعْضِهَا وَهِيَ بَلْدَتُهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ ، وَهُوَ دَفْعُ أَذَاهُ عَنْ النَّاسِ ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ ذَا مَنَعَةٍ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فِيمَا يَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ الْبَلْدَةِ الْأُخْرَى

فَعَمِلْنَا بِمَجَازِهِ ، وَهُوَ الْحَبْسُ ، فَإِنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الدُّنْيَا .
قَالَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ فِي الْغُرَرِ : خَرَجْنَا مِنْ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنْ أَهْلِهَا فَلَسْنَا مِنْ الْأَحْيَاءِ فِيهَا وَلَا الْمَوْتَى إذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنْ الدُّنْيَا وَلِمَا رَأَى مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ مُجَرَّدَ النَّفْيِ لَا يُفِيدُ فِي الْمَقْصُودِ قَالَ : يُحْبَسُ فِي بَلْدَةِ النَّفْيِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَتَفَاوَتُ بِالْحَبْسِ فِي بَلْدَةِ النَّفْيِ وَغَيْرِهَا فَيَقَعُ تَعْيِينُ بَلْدَةِ النَّفْيِ فِي غَيْرِ الْفَائِدَةِ الْمَطْلُوبَةِ ( قَوْلُهُ وَالرَّابِعَةُ ) أَيْ مِنْ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ ( مَا إذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَقَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ ) بِلَا صَلْبٍ وَقَطْعٍ ( وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُمْ ) أَحْيَاءً ثُمَّ قَتَلَهُمْ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا بُدَّ مِنْ الصَّلْبِ لِلنَّصِّ فِي الْحَدِّ ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْحَدِّ كَالْقَتْلِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ .
أَجَابَ بِأَنَّ أَصْلَ التَّشْهِيرِ يَحْصُلُ بِالْقَتْلِ وَالْمُبَالَغَةِ بِالصَّلْبِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَبَ الْعُرَنِيِّينَ وَلَا غَيْرُهُ صَلَبَ أَحَدًا ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ لَا يُحَتِّمُ الصَّلْبَ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ { أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا } إنَّمَا يُفِيدُ أَنْ يُقَتَّلُوا بِلَا صَلْبٍ أَوْ يُصَلَّبُوا بِلَا قَتْلٍ ، لَكِنْ يُقْتَلُ بَعْدَ الصَّلْبِ مَصْلُوبًا بِالْإِجْمَاعِ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يُقْطَعُ وَلَكِنْ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ .
وَفِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ مِنْ الْمَباسِيطِ وَشُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ذِكْرُ أَبِي يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ الْقَاطِعُ ذَا رَأْيٍ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ

مِنْ الصَّلْبِ وَمَعَ مُحَمَّدٍ فِي أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ ( وَجْهُ قَوْلِهِمْ : إنَّهُ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ ) هِيَ جِنَايَةُ قَطْعِ الطَّرِيقِ ( فَلَا تُوجِبُ حَدَّيْنِ ، وَلِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ فِي بَابِ الْحَدِّ يَدْخُلُ فِي النَّفْسِ كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَالرَّجْمِ ) إذَا اجْتَمَعَا بِأَنْ سَرَقَ الْمُحْصَنُ ثُمَّ زَنَى فَإِنَّهُ يُرْجَمُ وَلَا يُقْطَعُ اتِّفَاقًا ( وَلَهُمَا ) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَهَذَا عَلَى اعْتِبَارِ أَبِي يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا مَعَ مُحَمَّدٍ ( أَنَّ هَذِهِ ) الْجِنَايَةَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَطَعَ الطَّرِيقَ فَهَذَا الْمَجْمُوعُ مِنْ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ أَيْضًا ( عُقُوبَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنَّمَا تَغَلَّظَتْ لِتَغَلُّظِ سَبَبِهَا ) حَيْثُ بَلَغَ النِّهَايَةَ فِي تَفْوِيتِ الْأَمْنِ ( حَيْثُ فَوَّتَ الْأَمْنَ عَلَى الْمَالِ وَالنَّفْسِ بِالْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ ) وَكَوْنُهَا أُمُورًا مُتَعَدِّدَةً لَا يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الْحُدُودِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ ؛ أَلَّا يُرَى أَنَّ قَطْعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فِيهَا حَدٌّ وَاحِدٌ وَهُوَ فِي الصُّغْرَى حَدَّانِ ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى التَّوْزِيعِ الَّذِي لَزِمَ اعْتِبَارُهُ أَنْ يَتَعَيَّنَ الْقَطْعُ ثُمَّ الْقَتْلُ ؛ لِأَنَّ التَّوْزِيعَ أَدَّى إلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ قُطِعَ .
وَهَذَا قَدْ أَخَذَهُ فَيُقْطَعُ ، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ ، وَهَذَا قَتَلَ فَيَجِبُ أَنْ يُجْمَعَ لَهُ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِيمَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى الِانْفِرَادِ ، فَأَمَّا عَلَى الِاجْتِمَاعِ فَجَازَ أَنْ يُؤْخَذَ حُكْمُهُ مِنْ الِانْفِرَادِ فَجَازَ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ دُخُولِ مَا دُونَ النَّفْسِ فِي النَّفْسِ هُوَ مَا إذَا كَانَا حَدَّيْنِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ النَّفْسِ وَالْآخَرُ النَّفْسُ ، أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ حَدًّا وَاحِدًا فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَتِهِ فَهِيَ أَجْزَاءُ حَدٍّ وَاحِدٍ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ بَدَأَ بِالْجُزْءِ الَّذِي لَا تَتْلَفُ بِهِ النَّفْسُ فَعَلَى الْآخَرِ ، وَإِنْ بَدَأَ بِمَا تَتْلَفُ بِهِ لَا يَفْعَلُ الْآخَرَ لِانْتِفَاءِ الْفَائِدَةِ ، وَهُوَ

الضَّرْبُ بَعْدَ الْمَوْتِ ( قَوْلُهُ ثُمَّ قَالَ ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِيمَا إذَا اخْتَارَ الْإِمَامُ صَلْبَهُ ، أَوْ مَا إذَا قُلْنَا بِلُزُومِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ ( يُصْلَبُ حَيًّا وَيُبْعَجُ بَطْنُهُ إلَى أَنْ يَمُوتَ ، وَمِثْلُهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَجْهُ قَوْلِهِ : وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ الصَّلْبَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَبْلُغُ فِي الرَّدْعِ ) وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ وَهُوَ بِمَا يَحْصُلُ فِي الْحَيَاةِ لَا بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، إلَّا أَنْ يُقَالَ : النَّصُّ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : { أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا } فَلَزِمَ كَوْنُ الصَّلْبِ بِلَا قَتْلٍ لِأَنَّهُ مُعَانِدٌ لَهُ بِحَرْفِ الْعِنَادِ فَلَا يَتَصَادَقُ مَعَهُ ، وَالْقَتْلُ الَّذِي يَعْرِضُ بَعْدَ الصَّلْبِ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ .
وَعَنْ الطَّحَاوِيِّ يُقْتَلُ ثُمَّ يُصْلَبُ تَوَقِّيًا عَنْ الْمُثْلَةِ ، فَإِنَّهَا نُسِخَتْ مِنْ لَدُنْ الْعُرَنِيِّينَ عَلَى مَا عُرِفَ .
لَا يُقَالُ : وَجْهُ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُكَافِئُ وَجْهَ الطَّحَاوِيِّ .
لِأَنَّا نَقُولُ : الْحَاصِلُ لَيْسَ غَيْرُ صَلْبٍ وَقَتْلٍ بِطَعْنِ الرُّمْحِ ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَادُ بَيْنَهُمْ ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ الْقَتْلُ بِهِ فَلَيْسَ مُثْلَةً عِنْدَهُمْ كَمَا هُوَ فِي جَدْعِ الْأُذُنَيْنِ وَقَطْعِ الْأَنْفِ وَسَمْلِ الْعَيْنَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُثْلَةٌ فَالصَّلْبُ لَيْسَ غَيْرُ وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِشَرْعِيَّتِهِ ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْمُثْلَةُ الْخَاصَّةُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ الْمَنْسُوخِ قَطْعًا لَا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ يَدْفِنُونَهُ ، وَعَلِمْت فِي كِتَابِ الشَّهِيدِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَاطِعِ الطَّرِيقِ ( وَلَا يُصْلَبُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا فَيَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُتْرَكُ عَلَى خَشَبَةٍ حَتَّى يَتَقَطَّعَ فَيَسْقُطَ لِيَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ .
قُلْنَا : حَصَلَ الِاعْتِبَارُ بِمَا ذَكَرْنَا وَالنِّهَايَةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ ) مِنْ النَّصِّ ، وَكَوْنُهُ أَمَرَ بِالصَّلْبِ لَا يَقْتَضِي الدَّوَامَ بَلْ بِمِقْدَارٍ

مُتَعَارَفٍ لِإِيلَاءِ الْأَعْذَارِ كَمَا فِي مُهْلَةِ الْمُرْتَدِّ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ

قَالَ ( وَإِذَا قَتَلَ الْقَاطِعُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي مَالٍ أَخَذَهُ ) اعْتِبَارًا بِالسَّرِقَةِ الصُّغْرَى وَقَدْ بَيَّنَّاهُ
( قَوْلُهُ : وَإِذَا قَتَلَ الْقَاطِعُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي مَالٍ أَخَذَهُ ) لِمَا بَيَّنَّا فِي السَّرِقَةِ الصُّغْرَى مِنْ سُقُوطِ عِصْمَتِهِ بِالْقَطْعِ

( فَإِنْ بَاشَرَ الْقَتْلَ أَحَدُهُمْ أَجْرَى الْحَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَجْمَعِهِمْ ) لِأَنَّهُ جَزَاءَ الْمُحَارَبَةِ ، وَهِيَ تَتَحَقَّقُ بِأَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ رِدْءًا لِلْبَعْضِ حَتَّى إذَا زَلَّتْ أَقْدَامُهُمْ انْحَازُوا إلَيْهِمْ ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ الْقَتْلُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَقَدْ تَحَقَّقَ .
قَالَ ( وَالْقَتْلُ وَإِنْ كَانَ بَعْضًا أَوْ بِحَجَرٍ أَوْ بِسَيْفٍ فَهُوَ سَوَاءٌ ) لِأَنَّهُ يَقَعُ قَطْعًا لِلطَّرِيقِ بِقَطْعِ الْمَارَّةِ
( قَوْلُهُ وَإِنْ بَاشَرَ الْقَتْلَ أَحَدُهُمْ ) أَيْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَالْبَاقُونَ وُقُوفٌ لَمْ يَقْتُلُوا مَعَهُ وَلَمْ يُعِينُوهُ ( أُجْرِيَ الْحَدُّ عَلَى جَمِيعِهِمْ ) فَيُقْتَلُوا ، وَلَوْ كَانُوا مِائَةً بِقَتْلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَاحِدًا ( لِأَنَّ الْقَتْلَ جَزَاءُ الْمُحَارَبَةِ ) الَّتِي فِيهَا قَتْلٌ بِالنَّصِّ مَعَ التَّوْزِيعِ ( وَالْمُحَارَبَةُ تَتَحَقَّقُ بِأَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ رِدْءًا لِلْبَعْضِ حَتَّى إذَا انْهَزَمُوا انْحَازُوا إلَيْهِمْ ) وَقَدْ تَحَقَّقَتْ الْمُحَارَبَةُ مَعَ الْقَتْلِ فَيَشْمَلُ الْجَزَاءُ الْكُلَّ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ .
قُلْنَا إنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْمُحَارَبَةِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُبَاشِرُ وَالرِّدْءُ كَالْغَنِيمَةِ .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَتْلِ بِسَيْفٍ أَوْ عَصًا أَوْ حَجَرٍ فِي قَتْلِ الْكُلِّ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ أَبُو حَنِيفَةَ الْقِصَاصَ بِالْمُثَقَّلِ ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْقِصَاصِ فَلَا يَسْتَدْعِي الْمُمَاثَلَةَ ، وَلِهَذَا يُقْتَلُ غَيْرُ الْمُبَاشِرِ

( وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ الْقَاطِعُ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا وَقَدْ جَرَحَ اُقْتُصَّ مِنْهُ فِيمَا فِيهِ الْقِصَاصُ ، وَأُخِذَ الْأَرْشُ مِنْهُ فِيمَا فِيهِ الْأَرْشُ وَذَلِكَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ ) لِأَنَّهُ لَا حَدَّ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ فَظَهَرَ حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَيَسْتَوْفِيهِ الْوَلِيُّ ( وَإِنْ أَخَذَ مَالًا ثُمَّ جَرَحَ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرَجْلُهُ وَبَطَلَتْ الْجِرَاحَاتُ ) لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الْحَدُّ حَقًّا لِلَّهِ سَقَطَتْ عِصْمَةُ النَّفْسِ حَقًّا لِلْعَبْدِ كَمَا تَسْقُطُ عِصْمَةُ الْمَالِ ( وَإِنْ أُخِذَ بَعْدَ مَا تَابَ وَقَدْ قَتَلَ عَمْدًا فَإِنْ شَاءَ الْأَوْلِيَاءُ قَتَلُوهُ وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا عَنْهُ ) لِأَنَّ الْحَدَّ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ لَا يُقَامُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ ، وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى رَدِّ الْمَالِ وَلَا قَطْعَ فِي مِثْلِهِ ، فَظَهَرَ حَقُّ الْعَبْدِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ أَوْ يَعْفُوَ ، وَيَجِبُ الضَّمَانُ إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ

( وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ الْقَاطِعُ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا وَقَدْ جَرَحَ ) فَمَا كَانَ مِنْ جِرَاحَةٍ يَجْرِي فِيهَا الْقِصَاصُ ( اُقْتُصَّ وَمَا كَانَ لَا يَجْرِي فِيهِ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْأَرْشُ ) وَيُعْرَفُ مَا يُقْتَصُّ بِهِ وَمَا لَا يُقْتَصُّ فِي الْجِنَايَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَهَذَا ( لِأَنَّهُ لَا حَدَّ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ ) مِنْ قَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ ( فَظَهَرَ حَقُّ الْعَبْدِ فَيَسْتَوْفِيهِ الْوَلِيُّ وَإِنْ أَخَذَ مَالًا ثُمَّ جَرَحَ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ ) مِنْ خِلَافٍ ( وَبَطَلَتْ الْجِرَاحَاتُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الْحَدُّ حَقًّا لِلَّهِ سَقَطَتْ عِصْمَةُ النَّفْسِ ) أَيْ مَا حَلَّ بِهَا مِنْ تَفْرِيقِ اتِّصَالِ الْجِسْمِ بِالْجِرَاحَاتِ ( حَقًّا لِلْعَبْدِ كَمَا تَسْقُطُ عِصْمَةُ الْمَالِ ) وَلِذَا تَبْطُلُ الْجِرَاحَاتُ إذَا قَتَلَ فَقُتِلَ حَدًّا ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ وَالضَّمَانَ لَا يَجْتَمِعَانِ ( قَوْلُهُ : وَإِنْ أُخِذَ بَعْدَمَا تَابَ ) سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ بِلَا خِلَافٍ بِالنَّصِّ .
قَالَ تَعَالَى { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } فَإِنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ ( فَإِنْ شَاءَ الْأَوْلِيَاءُ قَتَلُوهُ وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا عَنْهُ ) لِأَنَّ هَذَا الْقَتْلَ قِصَاصٌ فَصَحَّ الْعَفْوُ عَنْهُ وَالصُّلْحُ بِهِ ، وَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَتْلٌ بِحَدِيدٍ وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجِبُ إلَّا بِهِ ، وَنَحْوِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَذَا إذَا كَانَ أَخَذَ مَالًا ثُمَّ تَابَ فَإِنَّ صَاحِبَهُ إنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ إنْ كَانَ هَالِكًا وَيَأْخُذُهُ إنْ كَانَ قَائِمًا لِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِسُقُوطِ الْحَدِّ ( فَظَهَرَ حَقُّ الْعَبْدِ فِي مَالِهِ كَمَا فِي النَّفْسِ ) وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ : رَدُّ الْمَالِ مِنْ تَمَامِ تَوْبَتِهِمْ لِتَنْقَطِعَ بِهِ خُصُومَةُ صَاحِبِهِ .
وَلَوْ تَابَ وَلَمْ يَرُدَّ الْمَالَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ .
وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ كَسَائِرِ الْحُدُودِ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ ، وَقِيلَ يَسْقُطُ أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ لِأَنَّ التَّوْبَةَ

تُسْقِطُ الْحَدَّ فِي السَّرِقَةِ الْكُبْرَى بِخُصُوصِهَا لِلِاسْتِثْنَاءِ فِي النَّصِّ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى بَاقِي الْحُدُودِ مَعَ مُعَارَضَةِ النَّصِّ ، وَسَائِرُ الْحُدُودِ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَنَا ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ ، وَعَنْهُمَا تَسْقُطُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّ رَجْمَ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ كَانَ بَعْدَ تَوْبَتِهِمَا ، وَالْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ ، إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ .
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفُ وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى رَدِّ الْمَالِ وَلَا قَطْعَ فِي مِثْلِهِ شَبَهُ التَّنَاقُضِ ، لِأَنَّهَا إذَا تَوَقَّفَتْ عَلَى رَدِّ الْمَالِ فَأَخَذَ الْقَاطِعُ قَبْلَ الرَّدِّ أُخِذَ قَبْلَ التَّوْبَةِ ، وَالْأَخْذُ قَبْلَ التَّوْبَةِ بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ فِيهِ الْحَدُّ بِقَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ .
أُجِيبَ بِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا رَدَّ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ عَلَامَةُ تَوْبَتِهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْحَدِّ فَيَجِبُ الضَّمَانُ لَوْ هَلَكَ الْبَاقِي أَوْ اسْتَهْلَكَهُ ؛ وَمِثْلُ مَا لَوْ أُخِذُوا بَعْدَ التَّوْبَةِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ وَالرُّجُوعِ إلَى الْقِصَاصِ وَتَصَرُّفِ الْأَوْلِيَاءِ فِيهِ وَفِي الْمَالِ مَا لَوْ أُخِذُوا قَبْلَ التَّوْبَةِ وَقَدْ قَتَلُوا ، وَلَكِنْ أَخَذُوا مِنْ الْمَالِ قَلِيلًا لَا يُصِيبُ كُلًّا نِصَابٌ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِي الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ إلَى الْأَوْلِيَاءِ إنْ شَاءُوا قَتَلُوا قِصَاصًا وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا .
وَقَالَ عِيسَى : يَقْتُلُهُمْ الْإِمَامُ حَدًّا لِأَنَّهُمْ لَوْ قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ الْمَالِ قَتَلَهُمْ حَدًّا لَا قِصَاصًا ، وَهَذَا لِأَنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ كَالْعَدَمِ ، وَلِأَنَّهُ تَتَغَلَّظُ جِنَايَتُهُمْ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ .
وَالْأَصَحُّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُمْ يَقْصِدُونَ بِالْقَطْعِ أَخْذَ الْمَالِ ،

وَقَتْلُهُمْ لَيْسَ إلَّا لِيَصِلُوا إلَيْهِ ، فَإِذَا تَرَكُوا أَخْذَ الْمَالِ عَرَفْنَا أَنَّ قَصْدَهُمْ الْقَتْلُ لَا الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَيْسَ إلَّا لِلْمَالِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُمْ إنْ شَاءَ الْوَلِيُّ وَتَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُ الْقِصَاصِ

( وَإِنْ كَانَ مِنْ الْقُطَّاعِ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْبَاقِينَ ) فَالْمَذْكُورُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَوْ بَاشَرَ الْعُقَلَاءُ يُحَدُّ الْبَاقُونَ وَعَلَى هَذَا السَّرِقَةُ الصُّغْرَى .
لَهُ أَنَّ الْمُبَاشِرَ أَصْلٌ ، وَالرَّدُّ تَابِعٌ وَلَا خَلَلَ فِي مُبَاشَرَةِ الْعَاقِلِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْخَلَلِ فِي التَّبَعِ ، وَفِي عَكْسِهِ يَنْعَكِسُ الْمَعْنَى وَالْحُكْمُ .
وَلَهُمَا أَنَّهُ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ قَامَتْ بِالْكُلِّ ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ فِعْلُ بَعْضِهِمْ مُوجِبًا كَانَ فِعْلُ الْبَاقِينَ بَعْضَ الْعِلَّةِ وَبِهِ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فَصَارَ كَالْخَاطِئِ مَعَ الْعَامِدِ .
وَأَمَّا ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَقَدْ قِيلَ تَأْوِيلُهُ إذَا كَانَ الْمَالُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُطْلَقٌ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَاحِدَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَالِامْتِنَاعُ فِي حَقِّ الْبَعْضِ يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِيهِمْ مُسْتَأْمَنٌ ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّهِ لِخَلَلٍ فِي الْعِصْمَةِ وَهُوَ يَخُصُّهُ ، أَمَّا هُنَا الِامْتِنَاعُ لِخَلَلٍ فِي الْحِرْزِ ، وَالْقَافِلَةُ حِرْزٌ وَاحِدٌ ( وَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ صَارَ الْقَتْلُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ ) لِظُهُورِ حَقِّ الْعَبْدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ( فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا ) .

( قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ مِنْ الْقُطَّاعِ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْبَاقِينَ ) فَتَظْهَرُ أَحْكَامُ الْقِصَاصِ وَتَضْمِينُ الْمَالِ وَالْجِرَاحَاتِ .
وَفِي الْمَبْسُوطِ : تَابُوا وَفِيهِمْ عَبْدٌ قَطَعَ يَدَ حُرٍّ دَفَعَهُ مَوْلَاهُ أَوْ فَدَاهُ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ فِي غَيْرِ قَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَهَذَا ؛ لِأَنَّهُ قِصَاصٌ بَيْنَ الْعَبِيدِ وَالْأَحْرَارِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَيَبْقَى حُكْمُ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِمْ امْرَأَةٌ فَعَلَتْ ذَلِكَ فَعَلَيْهَا دِيَةُ الْيَدِ فِي مَالِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْأَطْرَافِ ، وَالْوَاقِعُ مِنْهَا عَمْدٌ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ( فَالْمَذْكُورُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَوْ بَاشَرَ الْعُقَلَاءُ ) الْأَخْذَ وَالْقَتْلَ ( يُحَدُّ الْبَاقُونَ ) وَإِنْ بَاشَرَ ذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا حَدَّ عَلَى الْبَاقِينَ .
وَقِيلَ كَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ : وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بَعْدَ أَنْ قَالَ الْمَذْكُورُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ ، أَوْ يَقُولُ الْمَذْكُورُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ كَمَا قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ : الْعُقَلَاءُ عَنْ الْبَالِغِينَ فَإِنَّ الْعُقَلَاءَ مِمَّا يُقَالُ فِي مُقَابِلَةِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ ( وَعَلَى هَذَا السَّرِقَةُ الصُّغْرَى ) إنْ وَلِي الْمَجْنُونُ أَوْ الصَّبِيُّ إخْرَاجَ الْمَتَاعِ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْكُلِّ ، وَإِنْ وَلِيَ غَيْرُهُمَا قُطِعُوا إلَّا الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ .
وَقَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ غَيْرِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَذِي الرَّحِمِ ؛ لِأَنَّهَا شُبْهَةٌ اخْتَصَّ بِهَا وَاحِدٌ فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ الْبَاقِينَ ( لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُبَاشِرَ أَصْلٌ وَالرِّدْءَ

تَابِعٌ ، فَفِي مُبَاشَرَةِ الْعَاقِلِ الْخَلَلُ فِي التَّبَعِ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ بَعْدَ أَنْ لَا خَلَلَ فِي الْأَصْلِ ) فَيُحَدُّ الْبَاقُونَ ( وَفِي عَكْسِهِ ) وَهُوَ أَنْ يُبَاشِرَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ ( يَنْعَكِسُ الْمَعْنَى ) وَهُوَ السُّقُوطُ عَنْ الْأَصْلِ ، فَإِنَّ السُّقُوطَ حِينَئِذٍ فِي التَّبَعِ فَيَنْعَكِسُ الْحُكْمُ وَهُوَ حَدُّ الْبَاقِينَ فَلَا يُحَدُّونَ ( وَلَهُمَا ) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ( أَنَّ قَطْعَ الطَّرِيقِ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ ) لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْ الْكُلِّ يُسَمَّى جِنَايَةَ قَطْعِ الطَّرِيقِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَتَحَقَّقُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ فَكَانَ الصَّادِرُ مِنْ الْكَثِيرِ جِنَايَةً وَاحِدَةً ( قَامَتْ بِالْكُلِّ ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ فِعْلُ بَعْضِهِمْ مُوجِبًا ) لِلْحَدِّ لِشُبْهَةٍ أَوْ عَدَمِ تَكْلِيفٍ لَا يُوجِبُ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ ؛ لِأَنَّ ( فِعْلَ الْبَاقِينَ ) حِينَئِذٍ ( بَعْضُ الْعِلَّةِ وَ ) بِبَعْضِ الْعِلَّةِ ( لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ وَصَارَ كَالْخَاطِئِ مَعَ الْعَامِدِ ) إذَا اجْتَمَعَا فِي قَتْلِ مَعْصُومِ الدَّمِ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ الْعَامِدِ ( وَأَمَّا ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَقِيلَ تَأْوِيلُهُ ) أَيْ تَأْوِيلُ سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْ الْكُلِّ ( أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ ) وَفِي الْقُطَّاعِ ذُو رَحِمِ مَحْرَمٍ مِنْ أَحَدِهِمْ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْبَاقِينَ بِاعْتِبَارِ نَصِيبِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَتَصِيرُ شُبْهَةً فِي نَصِيبِ الْبَاقِينَ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، فَإِذَا امْتَنَعَ فِي حَقِّ أَحَدِهِمْ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ يَمْتَنِعُ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنِ الْمَالُ مُشْتَرَكًا ؛ فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ إلَّا مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ أَخَذُوا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ يُحَدُّونَ بِاعْتِبَارِ الْمَأْخُوذِ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ ( وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُجْرَى عَلَى الْإِطْلَاقِ ) وَأَنَّهُمْ لَا يُحَدُّونَ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ مَالَ جَمِيعِ الْقَافِلَةِ فِي حَقِّ قُطَّاعِ الطُّرُقِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ

؛ لِأَنَّهُ مُحْرَزٌ بِحِرْزٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ الْقَافِلَةُ ( وَالْجِنَايَةُ وَاحِدَةٌ ) وَهِيَ قَطْعُ الطَّرِيقِ ( فَالِامْتِنَاعُ فِي حَقِّ الْبَعْضِ لَا يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ ) بِخِلَافِ السَّرِقَةِ مِنْ حِرْزَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ هُنَاكَ مُنْفَصِلٌ عَنْ الْآخَرِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا ، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ شَرِيكٌ مُفَاوِضٌ لِبَعْضِ الْقُطَّاعِ لَا يُحَدُّونَ كَذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ( قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِيهِمْ ) أَيْ فِي الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الْقَافِلَةُ ( مُسْتَأْمَنٌ ) جَوَابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ هُوَ أَنَّ الْقَطْعَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ وَحْدَهُ لَا يُوجِبُ حَدَّ الْقَطْعِ كَمَا عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ، ثُمَّ عِنْدَ اخْتِلَاطِ ذِي الرَّحِمِ ، الْقَاطِعُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْقَافِلَةِ صَارَ شُبْهَةً فِي الْحَدِّ ، فَكَذَا يَجِبُ عِنْدَ اخْتِلَاطِ الْمُسْتَأْمَنِ كَذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ .
أَجَابَ بِأَنَّ ( الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ إنَّمَا كَانَ لِخَلَلٍ فِي عِصْمَةِ نَفْسِهِ وَمَالِهِ ، وَهُوَ أَمْرٌ يَخُصُّهُ ، أَمَّا هُنَا الِامْتِنَاعُ لِخَلَلٍ فِي الْحِرْزِ وَالْقَافِلَةُ حِرْزٌ وَاحِدٌ ) فَيَصِيرُ كَأَنَّ الْقَرِيبَ سَرَقَ مَالَ الْقَرِيبِ وَغَيْرِ الْقَرِيبِ مِنْ بَيْتِ الْقَرِيبِ ( وَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ صَارَ الْقَتْلُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ إنْ شَاءُوا عَفَوْا وَإِنْ شَاءُوا اقْتَصُّوا ) وَيَجْرِي الْحَالُ فِي الْمَالِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ قَرِيبٍ ، وَلَوْ لَمْ يَقَعْ الْقَتْلُ وَالْأَخْذُ إلَّا فِي الْمُسْتَأْمَنِينَ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ ، وَلَكِنْ يَضْمَنُونَ أَمْوَالَ الْمُسْتَأْمَنِينَ لِثُبُوتِ عِصْمَةِ أَمْوَالِهِمْ لِلْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

( وَإِذَا قَطَعَ بَعْضُ الْقَافِلَةِ الطَّرِيقَ عَلَى الْبَعْضِ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ ) لِأَنَّ الْحِرْزَ وَاحِدٌ فَصَارَتْ الْقَافِلَةُ كَدَارٍ وَاحِدَةٍ
( قَوْلُهُ وَإِذَا قَطَعَ بَعْضُ الْقَافِلَةِ الطَّرِيقَ عَلَى الْبَعْضِ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ لِأَنَّ الْحِرْزَ وَاحِدٌ ) وَهُوَ الْقَافِلَةُ فَصَارَ كَسَارِقٍ سَرَقَ مَتَاعَ غَيْرِهِ ، وَهُوَ مَعَهُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إنْ قَتَلَ عَمْدًا بِحَدِيدَةٍ أَوْ بِمُثَقَّلٍ عِنْدَهُمَا وَرَدُّ الْمَالِ إنْ أَخَذَهُ ، وَهُوَ قَائِمٌ وَضَمَانُهُ إنْ هَلَكَ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ

( وَمَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فِي الْمِصْرِ أَوْ بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْحِيرَةِ فَلَيْسَ بِقَاطِعِ الطَّرِيقِ ) اسْتِحْسَانًا .
وَفِي الْقِيَاسِ يَكُونُ قَاطِعَ الطَّرِيقِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِوُجُودِهِ حَقِيقَةً .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ إذَا كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ إنْ كَانَ بِقُرْبِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ .
وَعَنْهُ إنْ قَاتَلُوا نَهَارًا بِالسِّلَاحِ أَوْ لَيْلًا بِهِ أَوْ بِالْخَشَبِ فَهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ لِأَنَّ السِّلَاحَ لَا يَلْبَثُ وَالْغَوْثُ يُبْطِئُ بِاللَّيَالِيِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : إنَّ قَطْعَ الطَّرِيقِ بِقَطْعِ الْمَارَّةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ وَيَقْرُبُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لُحُوقُ الْغَوْثِ ، إلَّا أَنَّهُمْ يُؤْخَذُونَ بِرَدِّ الْمَالِ أَيْضًا لَا لِلْحَقِّ إلَى الْمُسْتَحِقِّ ، وَيُؤَدَّبُونَ وَيُحْبَسُونَ لِارْتِكَابِهِمْ الْجِنَايَةَ ، وَلَوْ قَتَلُوا فَالْأَمْرُ فِيهِ إلَى الْأَوْلِيَاءِ لِمَا بَيَّنَّا

( قَوْلُهُ : وَمَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فِي الْمِصْرِ أَوْ بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْحِيرَةِ ) وَهِيَ مَنْزِلُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ قَرِيبٌ مِنْ الْكُوفَةِ بِحَيْثُ يَتَّصِلُ عُمْرَانُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ( فَلَيْسَ بِقَاطِعِ الطَّرِيقِ اسْتِحْسَانًا ) وَكَذَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ ، وَحَدَّ بَعْضُهُمْ مَكَانَ الْقَطْعِ أَنْ يَكُونَ فِي قَرْيَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمِصْرِ مَسِيرَةُ سَفَرٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ( وَفِي الْقِيَاسِ ) أَنْ ( يَكُونَ قَاطِعًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ) فَإِنَّ فِي وَجِيزِهِمْ : مَنْ أَخَذَ فِي الْبَلَدِ مَالًا مُغَالَبَةً فَهُوَ قَاطِعُ طَرِيقٍ ( وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ ) إذَا كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَلَوْ بِقُرْبٍ مِنْهُ يَجِبُ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ ؛ لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ بَلْ مُجَاهَرَتُهُ هُنَا أَغْلَظُ مِنْ مُجَاهَرَتِهِ فِي الْمَفَازَةِ .
وَلَا تَفْصِيلَ فِي النَّصِّ فِي مَكَانِ الْقَطْعِ .
وَعَنْ مَالِكٍ كُلُّ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ لِصَاحِبِهِ الِاسْتِغَاثَةُ فَهُوَ مُحَارِبٌ .
وَعَنْهُ لَا مُحَارَبَةُ إلَّا عَلَى قَدْرِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْعُمْرَانِ .
وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ مَرَّةً وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ ( وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ) فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إنْ قَصْدَهُ بِالسِّلَاحِ نَهَارًا فِي الْمِصْرِ فَهُوَ قَاطِعٌ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْخَشَبِ وَنَحْوِهِ فَلَيْسَ بِقَاطِعٍ ، وَفِي اللَّيْلِ يَكُونُ قَاطِعًا بِالْخَشَبِ وَالْحَجَرِ ( لِأَنَّ السِّلَاحَ لَا يَلْبَثُ ) فَيَتَحَقَّقُ الْقَطْعُ قَبْلَ الْغَوْثِ ( وَالْغَوْثُ يُبْطِئُ بِاللَّيَالِيِ ) فَيَتَحَقَّقُ بِلَا سِلَاحٍ .
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ : الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَنَحْنُ نَقُولُ : إنَّ قَطْعَ الطَّرِيقِ بِقَطْعِ الْمَارَّةِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لُحُوقُ الْغَوْثِ ) وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ لَمْ يُنَطْ بِمُسَمَّى قَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمٌ بَيْنَ النَّاسِ ،

وَإِنَّمَا أُنِيطَ بِمُحَارَبَةِ عِبَادِ اللَّهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الْمِصْرِ وَخَارِجِهِ ، ثُمَّ هَذَا الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ لَا يُفِيدُ تَعْيِينَ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَيْنَ الْمِصْرِ وَالْقَاطِعِ .
وَلَا شَكَّ فِي أَنْ لَيْسَ لُحُوقُ الْغَوْثِ فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ ظَاهِرًا وَهُوَ مَا عَلَّلَ بِهِ لِلظَّاهِرِ ، وَإِذَا قُلْنَا : إنَّهُمْ لَيْسُوا قُطَّاعًا فَسَبِيلُهُمْ أَنْ يُضْرَبُوا وَيُحْبَسُوا ، وَإِنْ قَتَلُوا لَزِمَ الْقِصَاصُ وَأَحْكَامُهُ ، وَإِنْ أَخَذُوا مَالًا ضَمِنُوهُ إذَا أَتْلَفُوهُ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُمْ قُطَّاعٌ إنْ قَتَلُوا قُتِلُوا حَدًّا فَلَا يُقْبَلُ عَفْوَ الْأَوْلِيَاءِ فِيهِمْ ثُمَّ لَا يَضْمَنُونَ عَلَى مَا سَمِعْت .
وَقَوْلُهُ ( لِمَا بَيَّنَّا ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِظُهُورِ حَقِّ الْعَبْدِ عِنْدَ انْدِفَاعِ الْحَدِّ

( وَمَنْ خَنَقَ رَجُلًا حَتَّى قَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ) وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ ، وَسَنُبَيِّنُ فِي بَابِ الدِّيَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَإِنْ خَنَقَ فِي الْمِصْرِ غَيْرَ مَرَّةٍ قُتِلَ بِهِ ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ سَاعِيًا فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ فَيُدْفَعُ شَرُّهُ بِالْقَتْلِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( قَوْلُهُ : وَمَنْ خَنَقَ رَجُلًا حَتَّى قَتَلَهُ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ ، وَسَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدِّيَاتِ ) وَظَاهِرٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَسْأَلَةَ الْمُثْقَلِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي ثُبُوتِ الشُّبْهَةِ عِنْدَهُ فِي الْعَمْدِ حَيْثُ كَانَتْ الْآلَةُ فِيهَا قُصُورٌ يُوجِبُ التَّرَدُّدَ فِي أَنَّهُ قَصَدَ قَتْلَهُ بِهَذَا الْفِعْلِ أَوْ قَصَدَ الْمُبَالَغَةَ فِي إيلَامِهِ وَإِدْخَالَ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهِ فَاتَّفَقَ مَوْتُهُ وَعَدَمُ احْتِمَالِهِ لِذَلِكَ ( فَإِنْ خَنَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ قُتِلَ ) الْآنَ ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ قَصْدُهُ إلَى الْقَتْلِ بِالتَّخْنِيقِ حَيْثُ عُرِفَ إفْضَاؤُهُ إلَى الْقَتْلِ ثُمَّ صَارَ يَعْتَمِدُهُ ( وَلِأَنَّهُ صَارَ سَاعِيًا فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ) وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ ( يُدْفَعُ شَرُّهُ بِالْقَتْلِ ) .

[ فُرُوعٌ ] نَصَّ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةَ فِي حُكْمِ قَطْعِ الطَّرِيقِ كَغَيْرِهِمَا ، أَمَّا الْعَبْدُ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَكَغَيْرِهَا فِي السَّرِقَةِ الْكُبْرَى فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ لِأَنَّ الْوَاجِبَ قَطْعٌ وَقَتْلٌ وَهِيَ كَالرَّجُلِ فِي جَرَيَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَيْهَا عِنْدَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ مِنْهَا .
وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ ، لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْمُحَارَبَةُ ، وَالْمَرْأَةُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ لَيْسَتْ مُحَارِبَةً كَالصَّبِيِّ ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهَا فِي اسْتِحْقَاقِ مَا يُسْتَحَقُّ بِالْمُحَارَبَةِ وَهُوَ السَّهْمُ مِنْ الْغَنِيمَةِ لَا يُسَوَّى بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَكَذَا فِي الْعُقُوبَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْمُحَارَبَةِ ، وَلَكِنْ يَرِدُ عَلَى هَذَا الْعَبْدُ فَإِنَّهُ لَا يُسَاوِي الْحُرَّ فِي اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ وَيُسَاوِيهِ فِي هَذَا الْحَدِّ .
وَفِي الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْعُقُوبَةِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي النِّسَاءِ .
وَذَكَرَ هِشَامٌ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ : إذَا قَطَعَ قَوْمٌ الطَّرِيقَ وَمَعَهُمْ امْرَأَةٌ فَبَاشَرَتْ الْمَرْأَةُ الْقَتْلَ وَأَخَذَتْ الْمَالَ دُونَ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْهَا .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يُقَامُ عَلَيْهَا وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِمْ .
وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّهُ يُدْرَأُ عَنْهُمْ جَمِيعًا لِكَوْنِ الْمَرْأَةِ فِيهِمْ وَجَعَلَ الْمَرْأَةَ كَالصَّبِيِّ .
وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَذْكُرُ هَذِهِ ، أَعْنِي كَوْنَ الْمَرْأَةِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْقَطْعِ ثُمَّ يَقْتَصِرُ عَلَى ذِكْرِ الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِيهَا وَيَذْكُرُ حَاصِلَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا وَيَتْرُكُ نَقَلَ مَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّهَا كَالرِّجَالِ مَنْسُوبًا إلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَعَ مُسَاعَدَةِ الْوَجْهِ وَوُرُودِ النَّقْضِ الصَّحِيحِ عَلَى مُخْتَارِ الْكَرْخِيِّ بِالْعَبْدِ كَمَا ذَكَرْنَا .
وَمِمَّنْ نَقَلَ ذَلِكَ صَاحِبُ الدِّرَايَةِ

وَصَاحِبُ الْفَتَاوَى الْكُبْرَى وَالْمُصَنَّفُ فِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرُهُمْ مَعَ ضَعْفِ الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّفْرِقَةِ مِثْلَ الْفَرْقِ بِضَعْفِ الْبَيِّنَةِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ الضَّعِيفِ مَعَ مُصَادَمَتِهِ إطْلَاقَ الْكِتَابِ الْمُحَارِبِينَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ .
وَمَا فِي النَّوَازِلِ مِنْ قَوْلِهِ عَشْرُ نِسْوَةٍ قَطَعْنَ الطَّرِيقَ فَقَتَلْنَ وَأَخَذْنَ الْمَالَ قُتِلْنَ وَضَمِنَّ الْمَالَ بِنَاءً عَلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ مِنْ أَنَّهُنَّ لَسْنَ مُحَارِبَاتٍ .
وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَاتَلَتْ الْعَدُوَّ وَأُسِرَتْ لَمْ تُقْتَلْ ، وَإِنَّمَا قُتِلْنَ بِقَتْلِهِنَّ وَالضَّمَانُ لِأَخْذِهِنَّ الْمَالَ ،

وَيَثْبُتُ قَطْعُ الطَّرِيقِ بِالْإِقْرَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَأَبُو يُوسُفَ شَرَطَ مَرَّتَيْنِ كَقَوْلِهِ فِي السَّرِقَةِ الصُّغْرَى وَيُقْبَلُ رُجُوعُ الْقَاطِعِ كَمَا فِي السَّرِقَةِ الصُّغْرَى فَيَسْقُطُ الْحَدُّ وَيُؤْخَذُ بِالْمَالِ إنْ كَانَ أَقَرَّ بِهِ مَعَهُ وَبِالْبَيِّنَةِ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَطْعِ أَوْ الْإِقْرَارِ ، فَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْمُعَايَنَةِ ، وَالْآخَرُ عَلَى إقْرَارِهِمْ بِهِ لَا يُقْبَلُ ، وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالْقَطْعِ عَلَى أَبِي الشَّاهِدِ وَإِنْ عَلَا وَابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ ، وَلَوْ قَالَا قَطَعُوا عَلَيْنَا وَعَلَى أَصْحَابِنَا وَأَخَذُوا مَالَنَا لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا لِأَنْفُسِهِمَا ، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ قَطَعُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْ عَرَضِ النَّاسِ وَلَهُ وَلِيٌّ يُعْرَفُ أَوْ لَا يُعْرَفُ لَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِمْ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ ، وَلَوْ قَطَعُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى تُجَّارٍ مُسْتَأْمَنِينَ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي مَوْضِعٍ غَلَبَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْبَغْيِ ثُمَّ أَتَى بِهِمْ إلَى الْإِمَامِ لَا يَمْضِي عَلَيْهِمْ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُمْ بَاشَرُوا السَّبَبَ حِينَ لَمْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِهِ ، وَفِي مَوْضِعٍ لَا يَجْرِي بِهِ حُكْمُهُ فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِعْلُهُمْ مُوجِبًا عَلَيْهِ الْإِقَامَةَ عَلَيْهِمْ فَلَا يَفْعَلُهُ ، وَمِثْلُهُ تَقَدَّمَ فِي الزِّنَا فِي دَارِ الْحَرْبِ .
وَلَوْ رُفِعُوا إلَى قَاضٍ يَرَى تَضْمِينَهُمْ الْمَالَ فَضَمَّنَهُمْ وَسَلَّمَهُمْ إلَى أَوْلِيَاءِ الْقَوَدِ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى الدِّيَاتِ ثُمَّ رُفِعُوا بَعْدَ زَمَانٍ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ ، إمَّا لِتَقَادُمِ الْعَهْدِ وَفِيهِ نَظَرٌ ، أَوْ لِعَدَمِ الْخَصْمِ وَقَدْ سَقَطَ خُصُومَتُهُمْ بِمَا وَصَلَ إلَيْهِمْ أَوْ لِقَضَاءِ الْأَوَّلِ فَيَتِمُّ بِذَلِكَ لِنَفَاذِهِ ؛ إذْ هُوَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهِدٍ فِيهِ مِنْ تَقَرُّرِ الضَّمَانِ .
وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ وَحَبَسَهُمْ لِذَلِكَ فَذَهَبَ أَجْنَبِيٌّ فَقَتَلَهُمْ .
لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَتْ حُرْمَةُ نَفْسِهِ

سَقَطَتْ حُرْمَةُ أَطْرَافِهِ ، وَلَوْ قَتَلَهُ قَبْلَ الثُّبُوتِ عَلَيْهِ ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِقَطْعِهِ لِلطَّرِيقِ اُقْتُصَّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً ، ثُمَّ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِحِلِّ دَمِهِ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ مَا قَتَلَ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ ، فَوُجُودُ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ كَعَدَمِهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ وَلِيَّ الَّذِي قَتَلَهُ الْقَاطِعُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِظُهُورِ أَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّ نَفْسِهِ .

وَلَوْ أَنَّ لُصُوصًا أَخَذُوا مَتَاعَ قَوْمٍ فَاسْتَعَانُوا بِقَوْمٍ وَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِمْ إنْ كَانَ أَرْبَابُ الْمَتَاعِ مَعَهُمْ حَلَّ قِتَالُهُمْ ، وَكَذَا إذَا غَابُوا وَالْخَارِجُونَ يَعْرِفُونَ مَكَانَهُمْ وَيَقْدِرُونَ عَلَى رَدِّ الْمَتَاعِ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ مَكَانَهُمْ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ لِلِاسْتِرْدَادِ لِلرَّدِّ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَلَا قُدْرَةَ عَلَى الرَّدِّ ، وَلَوْ اقْتَتَلُوا مَعَ قَاطِعٍ فَقَتَلُوهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ قَتَلُوهُ لِأَجْلِ مَالِهِمْ ، فَإِنْ فَرَّ مِنْهُمْ إلَى مَوْضِعٍ أَوْ تَرَكُوهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُ كَانَ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّهُمْ قَتَلُوهُ لَا لِأَجْلِ مَالِهِمْ ، وَكَذَا لَوْ فَرَّ رَجُلٌ مِنْ الْقُطَّاعِ فَلَحِقُوهُ وَقَدْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي مَكَانٍ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ فَقَتَلُوهُ كَانَ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُمْ إيَّاهُ لَا لِأَجْلِ الْخَوْفِ عَلَى الْأَمْوَالِ ،

وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا وَيَقْتُلَ مَنْ يُقَاتِلُهُ عَلَيْهِ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ } .

( كِتَابُ السِّيَرِ ) السِّيَرُ جَمْعُ سِيرَةٍ ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ فِي الْأُمُورِ ، وَفِي الشَّرْعِ تَخْتَصُّ بِسِيَرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَغَازِيهِ .

( كِتَابُ السِّيَرِ ) أَوْرَدَ الْجِهَادَ عَقِيبِ الْحُدُودِ ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ نَاسَبَهَا بِوَجْهَيْنِ بِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ مِنْ كُلٍّ مِنْهَا وَمِنْ مَضْمُونِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَهُوَ إخْلَاءُ الْعَالَمِ مِنْ الْفَسَادِ ، وَبِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسُنَ لِحُسْنِ غَيْرِهِ ، وَذَلِكَ الْغَيْرُ ، وَهُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَأَدَّى بِفِعْلِ نَفْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَهُوَ الْقِتَالُ وَجَبَ تَأْخِيرُهُ عَنْهَا لِوَجْهَيْنِ : كَوْنُ الْفَسَادِ الْمَطْلُوبِ الْإِخْلَاءُ عَنْهُ بِالْجِهَادِ أَعْظَمَ كُلِّ فَسَادٍ وَأَقْبَحَهُ ، وَالْعَادَةُ فِي التَّعَالِيمِ الشُّرُوعُ فِيهَا عَلَى وَجْهِ التَّرَقِّي مِنْ الْأَدْنَى إلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ ، وَكَوْنُهُ مُعَامَلَةً مَعَ الْكُفَّارِ ، وَالْحُدُودُ مُعَامَلَةٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، وَتَقْدِيمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْلِمِينَ أَوْلَى .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ لَهُ مُنَاسَبَةً خَاصَّةً بِالْعِبَادَاتِ ، فَلِذَا أَوْرَدَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَقِيبَهَا قَبْلَ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ بِخِلَافِ النِّكَاحِ ( وَالسِّيَرُ جَمْعُ سِيرَةٍ ) وَهِيَ فِعْلَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ مِنْ السَّيْرِ فَيَكُونُ لِبَيَانِ هَيْئَةِ السَّيْرِ وَحَالَتُهُ ؛ لِأَنَّ فِعْلَةً لِلْهَيْئَةِ كَجِلْسَةٍ وَخِمْرَةٍ ، وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ كَذَلِكَ فِي السَّيْرِ الْمَعْنَوِيِّ حَيْثُ قَالُوا فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : سَارَ فِينَا بِسِيرَةِ الْعُمْرَيْنِ ، لَكِنْ غَلَبَ فِي لِسَانِ أَهْلِ الشَّرْعِ عَلَى الطَّرَائِقِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي غَزْوِ الْكُفَّارِ ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ كَوْنَهَا تَسْتَلْزِمُ السَّيْرَ وَقَطْعَ الْمَسَافَةِ .
وَقَدْ يُقَالُ كِتَابُ الْجِهَادِ ، وَهُوَ أَيْضًا أَعَمُّ غَلَبَ فِي عُرْفِهِمْ عَلَى جِهَادِ الْكُفَّارِ ، وَهُوَ دَعَوْتُهُمْ إلَى الدِّينِ الْحَقِّ ، وَقِتَالُهُمْ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا ، وَفِي غَيْرِ كُتُبِ الْفِقْهِ يُقَالُ : كِتَابُ الْمَغَازِي ، وَهُوَ أَيْضًا أَعَمُّ ، جَمْعُ مَغْزَاةٍ مَصْدَرًا سَمَاعِيًّا لِغَزَا دَالًّا عَلَى الْوَحْدَةِ ، وَالْقِيَاسِيُّ غَزْوٌ وَغَزْوَةٌ لِلْوَحْدَةِ كَضَرْبَةٍ وَضَرْبٍ وَهُوَ قَصْدُ الْعَدُوِّ لِلْقِتَالِ خُصَّ فِي

عُرْفِهِمْ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ .
هَذَا وَفَضْلُ الْجِهَادِ عَظِيمٌ ، وَكَيْفَ لَا وَحَاصِلُهُ بَذْلُ أَعَزِّ الْمَحْبُوبَاتِ وَإِدْخَالِ أَعْظَمِ الْمَشَقَّاتِ عَلَيْهِ وَهُوَ نَفْسُ الْإِنْسَانِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَرُّبًا بِذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَأَشَقُّ مِنْهُ قَصْرُ النَّفْسِ عَلَى الطَّاعَاتِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ عَلَى الدَّوَامِ وَمُجَانَبَةِ أَهَوِيَتِهَا ، وَلِذَا { قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَدْ رَجَعَ مِنْ مَغْزَاةٍ رَجَعْنَا مِنْ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ } وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَّرَهُ فِي الْفَضِيلَةِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا فِي حَدِيثِ { ابْنِ مَسْعُودٍ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُ أَفْضَلَ بَعْدَ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ ، قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : حَجٌّ مَبْرُورٌ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَةً مُعَارِضَةً لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ كُلٍّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِ السَّائِلِ ، فَإِذَا كَانَ السَّائِلُ يَلِيقُ بِهِ الْجِهَادُ لِمَا عَلِمَهُ مِنْ تَهْيِئَتِهِ لَهُ وَاسْتِعْدَادِهِ زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهِ كَانَ الْجِهَادُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُ فِي الْجَلَادَةِ وَالْغَنَاءِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا وَتِلْكَ هِيَ الْفَرَائِضُ ، وَفِي هَذَا لَا يُتَرَدَّدُ فِي أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَأَخْذَ النَّفْسِ بِهَا فِي أَوْقَاتِهَا عَلَى مَا هُوَ

الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ .
وَلِأَنَّ هَذِهِ فَرْضُ عَيْنٍ وَتَتَكَرَّرُ وَالْجِهَادُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَلِأَنَّ افْتِرَاضَ الْجِهَادِ لَيْسَ إلَّا لِلْإِيمَانِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فَكَانَ مَقْصُودًا وَحَسَنًا لِغَيْرِهِ ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ حَسَنَةٌ لِعَيْنِهَا وَهِيَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ ، وَفِيهِ طُولٌ إلَى أَنْ قَالَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا شَحَبَ وَجْهٌ وَلَا اغْبَرَّتْ قَدَمٌ فِي عَمَلٍ يُبْتَغَى بِهِ دَرَجَاتُ الْآخِرَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ كَجِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا عِنْدَنَا وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ كُلٌّ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مُرَادَةً بِلَفْظِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيَكُونُ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ أَوْ يُرَجَّحُ بِزِيَادَةِ فِقْهِ الرَّاوِي وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِمَا عَضَّدَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ .
وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الصَّلَاةَ فِيهِ أَصْلًا ، فَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ جَهْلُ الْجِهَادِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَهُوَ يَصْدُقُ إذَا كَانَ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَهِيَ قَبْلَهُ بَعْدَ الْإِيمَانِ فَلَا مُعَارَضَةَ إلَّا إذَا نَظَرْنَا إلَى الْمَقْصُودِ .
وَمِنْ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ مَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مُقَامُ الرَّجُلِ فِي الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ الرَّجُلِ سِتِّينَ سَنَةً } رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ : عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَعْدِلُ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا تَسْتَطِيعُونَهُ ، فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا تَسْتَطِيعُونَهُ ، ثُمَّ قَالَ : مَثَلُ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمِثْلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ عَنْ صَلَاتِهِ

وَلَا صِيَامِهِ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيمَانًا بِاَللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرَيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَمِنْ تَوَابِعِ الْجِهَادِ الرِّبَاطُ ، وَهُوَ الْإِقَامَةُ فِي مَكَان يُتَوَقَّعُ هُجُومُ الْعَدُوِّ فِيهِ لِقَصْدِ دَفْعٍ لِلَّهِ تَعَالَى .
وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ كَثِيرَةٌ : مِنْهَا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ، وَإِنْ مَاتَ فِيهِ أَجْرَى عَلَيْهِ عَمَلَهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، زَادَ الطَّبَرَانِيُّ { وَبُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَهِيدًا } وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ثِقَاتٍ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ { مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أَمِنَ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ } وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { وَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا مِنْ الْفَزَعِ } وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { إنَّ صَلَاةَ الْمُرَابِطِ تَعْدِلُ خَمْسَمِائَةِ صَلَاةٍ ، وَنَفَقَتُهُ الدِّينَارَ ، وَالدِّرْهَمُ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِمِائَةِ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِهِ } هَذَا ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الرِّبَاطُ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ مَكَان فَفِي النَّوَازِلِ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ وَرَاءَهُ إسْلَامٌ لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَوْ كَانَ رِبَاطًا فَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِمْ مُرَابِطُونَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إذَا أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى مَوْضِعٍ مَرَّةً يَكُونُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ رِبَاطًا إلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَإِذَا أَغَارُوا مَرَّتَيْنِ يَكُونُ رِبَاطًا إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَإِذَا

أَغَارُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَكُونُ رِبَاطًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى : وَالْمُخْتَارُ هُوَ الْأَوَّلُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِ مَحَلِّ الرِّبَاطِ مَا وَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ ذُكِرَ فِي حَدِيثٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ حَرَسَ مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُتَطَوِّعًا لَا يَأْخُذُهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنِهِ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ { وَإِنْ مِنْكُمْ إلَّا وَارِدُهَا } } رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى .
وَفِيهِ لِينٌ مُحْتَمَلٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ ، وَلَيْسَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ ، فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ فِيهَا سِوَى الْحِرَاسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَلْنَخْتِمْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ } زَادَ فِي رِوَايَةٍ { وَعَبْدُ الْقَطِيفَةِ ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغَبَّرَةٍ قَدَمَاهُ ، إنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ ، إنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ }

قَالَ ( الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ فَرِيقٌ مِنْ النَّاسِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ) أَمَّا الْفَرْضِيَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وَأَرَادَ بِهِ فَرْضًا بَاقِيًا ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَا فُرِضَ لِعَيْنِهِ إذْ هُوَ إفْسَادٌ فِي نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا فُرِضَ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْ الْعِبَادِ ، فَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَدِّ السَّلَامِ ( فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ أَثِمَ جَمِيعُ النَّاسِ بِتَرْكِهِ ) لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْكُلِّ ، وَلِأَنَّ فِي اشْتِغَالِ الْكُلِّ بِهِ قَطْعَ مَادَّةِ الْجِهَادِ مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فَيَجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ ( إلَّا أَنْ ) ( يَكُونُ النَّفِيرُ عَامًّا ) فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } الْآيَةَ .
وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : الْجِهَادُ وَاجِبٌ إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي سَعَةٍ حَتَّى يُحْتَاجَ إلَيْهِمْ ، فَأَوَّلُ هَذَا الْكَلَامِ إشَارَةٌ إلَى الْوُجُوبِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَآخِرُهُ إلَى النَّفِيرِ الْعَامِّ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عِنْدَ ذَلِكَ لَا يَتَحَصَّلُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْكُلِّ فَيُفْتَرَضُ عَلَى الْكُلِّ ( وَقِتَالُ الْكُفَّارِ وَاجِبٌ ) وَإِنْ لَمْ يَبْدَءُوا لِلْعُمُومَاتِ

( قَوْلُهُ الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ فَرِيقٌ مِنْ النَّاسِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ) وَهَذَا وَاقِعٌ مَوْقِعَ تَفْسِيرِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ ( أَمَّا الْفَرْضِيَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } ) حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وقَوْله تَعَالَى { فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ } وقَوْله تَعَالَى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } وقَوْله تَعَالَى { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ } { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً } وقَوْله تَعَالَى انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } وَالتَّخْصِيصُ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ لَفْظِيٍّ مُقَارِنٍ لِلْمَعْنَى ، وَبِهَذِهِ يَنْتَفِي مَا نُقِلَ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ لِلنَّدْبِ ، وَكَذَا { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } كَقَوْلِهِ { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ } وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .
وَيَجِبُ حَمْلُهُ إنْ صَحَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ .
فَإِنْ قُلْت : كَيْفَ يَثْبُتُ الْفَرْضُ وَهِيَ عُمُومَاتٌ مَخْصُوصَةٌ ، وَالْعَامُّ الْمَخْصُوصُ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ ، وَبِهِ لَا يَثْبُتُ الْفَرْضُ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُخْرِجَ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ مَخْصُوصٌ بِالْعَقْلِ عَلَى مَا عُرِفَ وَبِالتَّخْصِيصِ بِهِ لَا يَصِيرُ الْعَامُّ ظَنِّيًّا ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَنَفْسُ النَّصِّ ابْتِدَاءُ تَعَلُّقٍ بِغَيْرِهِمَا فَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ الْمَخْصُوصِ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَّ مَقْرُونٌ بِمَا يُقَيِّدُهُ بِغَيْرِهِمْ وَهُوَ مِنْ حَيْثُ يُحَارَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً } فَأَفَادَ أَنَّ قِتَالنَا الْمَأْمُورَ بِهِ جَزَاءٌ لِقِتَالِهِمْ وَمُسَبَّبٌ

عَنْهُ ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } أَيْ لَا تَكُونَ مِنْهُمْ فِتْنَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالْإِكْرَاهِ بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَفْتِنُونَ مَنْ أَسْلَمَ بِالتَّعْذِيبِ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي السِّيَرِ ، فَأَمَرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْقِتَالِ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى تَفْتِينِ الْمُسْلِمِ عَنْ دِينِهِ ، فَكَانَ الْأَمْرُ ابْتِدَاءً بِقِتَالِ مَنْ بِحَيْثُ يُحَارِبُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَقَدْ أَكَّدَ هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ لِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ حِينَ رَأَى الْمَقْتُولَةَ { مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ } وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } فَدَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يُنْسَخُ ، وَهَذَا لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الِافْتِرَاضَ .
وَقَوْلُ صَاحِبِ الْإِيضَاحِ إذَا تَأَيَّدَ خَبَرُ الْوَاحِدِ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ مَمْنُوعٌ ، بَلْ الْمُفِيدُ حِينَئِذٍ الْكِتَابُ وَالْإِجْمَاعُ ، وَجَاءَ الْخَبَرُ عَلَى وَفْقِهِمَا ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثٍ { وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ ، وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ } فِيهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، وَعَنْ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هُوَ فِي مَعْنَى الْمَجْهُولِ .
وَلَا شَكَّ أَنَّ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ أَنَّ الْجِهَادَ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ يُنْسَخْ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ لَا قَائِلَ أَنَّ بِقِتَالِ آخِرِ الْأُمَّةِ الدَّجَّالَ يَنْتَهِي وُجُوبُ الْجِهَادِ .
وَأَمَّا

كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ لَيْسَ مُجَرَّدًا ابْتِلَاءَ الْمُكَلَّفِينَ بَلْ إعْزَازُ الدِّينِ ، وَدَفْعُ شَرِّ الْكُفَّارِ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } ( فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ بِالْبَعْضِ سَقَطَ ) هُوَ لِحُصُولِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ ( كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ ) الْمَقْصُودُ مِنْهَا قَضَاءُ حَقِّ الْمَيِّتِ وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِ .
وَذَهَبَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ إلَى أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ تَمَسُّكًا بِعَيْنِ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ ؛ إذْ بِمِثْلِهَا يَثْبُتُ فُرُوضُ الْأَعْيَانِ .
قُلْنَا : نَعَمْ لَوْلَا قَوْله تَعَالَى { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ } الْآيَةَ إلَى قَوْله تَعَالَى { وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَيْنًا لَاشْتَغَلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِهِ فَيَتَعَطَّلُ الْمَعَاشُ عَلَى مَا لَا يَخْفَى بِالزِّرَاعَةِ وَالْجَلْبِ بِالتِّجَارَةِ وَيَسْتَلْزِمُ ( قَطْعُ مَادَّةِ الْجِهَادِ مِنْ الْكُرَاعِ ) يَعْنِي الْخَيْلَ ( وَالسِّلَاحِ ) وَالْأَقْوَاتِ فَيُؤَدِّي إيجَابُهُ عَلَى الْكُلِّ إلَى تَرْكِهِ لِلْعَجْزِ ( فَلَزِمَ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ لُزُومَ مَا ذُكِرَ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا لَزِمَ فِي كَوْنِهِ فَرْضَ عَيْنٍ أَنْ يَخْرُجَ الْكُلُّ مِنْ الْأَمْصَارِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَازِمًا بَلْ يَكُونُ كَالْحَجِّ عَلَى الْكُلِّ ، وَلَا يَخْرُجُ الْكُلُّ بَلْ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ يَخْرُجَ فَفِي مَرَّةٍ طَائِفَةٌ وَفِي مَرَّةٍ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَهَكَذَا ، وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ تَعْطِيلَ الْمَعَاشِ ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ نَصُّ { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ } ثُمَّ هَذَا ( إذَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا ، فَإِنْ كَانَ ) بِأَنْ هَجَمُوا عَلَى بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ( فَيَصِيرُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَنْفِرُ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا فَيَجِبُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ

تِلْكَ الْبَلْدَةِ النَّفْرُ ، وَكَذَا مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ بِأَهْلِهَا كِفَايَةٌ وَكَذَا مَنْ يَقْرُبُ مِمَّنْ يَقْرُبُ إنْ لَمْ يَكُنْ بِمَنْ يَقْرُبُ كِفَايَةٌ أَوْ تَكَاسَلُوا أَوْ عَصَوْا ، وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَجِبَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ شَرْقًا وَغَرْبًا ، كَجِهَازِ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَجِبُ أَوَّلًا عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا عَجْزًا وَجَبَ عَلَى مَنْ بِبَلَدِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا هَكَذَا ذَكَرُوا ، وَكَأَنَّ مَعْنَاهُ إذَا دَامَ الْحَرْبُ بِقَدْرِ مَا يَصِلُ الْأَبْعَدُونَ وَبَلَغَهُمْ الْخَبَرُ وَإِلَّا فَهُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ .
بِخِلَافِ إنْفَاذِ الْأَسِيرِ وُجُوبُهُ عَلَى الْكُلِّ مُتَّجَهٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِمَّنْ عَلِمَ ، وَيَجِبُ أَنْ لَا يَأْثَمَ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ ، وَقُعُودُهُ لِعَدَمِ خُرُوجِ النَّاسِ وَتَكَاسُلِهِمْ أَوْ قُعُودِ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْعِهِ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { .
انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ رُكْبَانًا وَمُشَاةً ، وَقِيلَ شَبَابًا وَشُيُوخًا ، وَقِيلَ عُزَّابًا وَمُتَزَوِّجِينَ ، وَقِيلَ أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالُ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ : أَيْ انْفِرُوا مَعَ كُلِّ حَالٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ .
وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ لَمْ يَعْذُرْ أَحَدًا فَأَفَادَ الْعَيْنِيَّةَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ عَلَى كُلِّ مَنْ ذَكَرَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلَا يُفِيدُ تَعْيِينُهَا الْعَيْنِيَّةَ ، بَلْ الْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآيَاتِ كُلُّهَا لِإِفَادَةِ الْوُجُوبِ ، ثُمَّ تُعْرَفُ الْكِفَايَةُ بِالْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَأَمَّا الْعَيْنِيَّةُ فِي النَّفِيرِ الْعَامِّ فَبِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ مِنْ إغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالْمَظْلُومِ ، وَهَذَا مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ .
ثُمَّ ذَكَرَ الرِّوَايَةَ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ( الْجِهَادُ وَاجِبٌ إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي سَعَةٍ مِنْ تَرْكِهِ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَيْهِمْ ) قَالَ ( فَأَوَّلُ هَذَا الْكَلَامِ ) يَعْنِي قَوْلَهُ :

وَاجِبٌ وَأَنَّهُمْ فِي سِعَةٍ مِنْ تَرْكِهِ ( إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْكِفَايَةِ ) لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادُ تَرْكُ الْكُلِّ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَهُوَ تَرْكُ الْبَعْضِ ( وَآخِرُهُ ) وَهُوَ قَوْلُهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَيْهِمْ ( يُفِيدُ الْعَيْنِيَّةَ ) إذْ صَارَ الْحَاصِلُ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ يَسَعُ الْبَعْضُ تُرْكَهُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ فَلَا يَسَعُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِطَاعَةِ فَيَخْرُجُ الْمَرِيضُ الْمُدَنَّفُ .
وَأَمَّا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ دُونَ الدَّفْعِ يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ فَإِنَّ فِيهِ إرْهَابًا .
وَنَفَرَ الْقَوْمُ نَفْرًا وَنَفِيرًا إذَا خَرَجُوا ( قَوْلُهُ وَقِتَالُ الْكُفَّارِ ) الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا وَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَوْ لَمْ يُسْلِمُوا وَلَمْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ مِنْ غَيْرِهِمْ ( وَاجِبٌ وَإِنْ لَمْ يَبْدَءُونَا ) لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لَهُ لَمْ تُقَيِّدْ الْوُجُوبَ بِبَدَاءَتِهِمْ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ( لِلْعُمُومَاتِ ) لَا عُمُومُ الْمُكَلَّفِينَ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فَقَطْ فَالْمُرَادُ إطْلَاقُ الْعُمُومَاتِ فِي بَدَاءَتِهِمْ وَعَدَمِهَا خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ الثَّوْرِيِّ .
وَالزَّمَانُ الْخَاصُّ كَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَغَيْرِهَا خِلَافًا لِعَطَاءٍ ، وَلَقَدْ اُسْتُبْعِدَ مَا عَنْ الثَّوْرِيِّ وَتَمَسُّكُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ نَسْخُهُ .
وَصَرِيحُ قَوْلِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } الْحَدِيثَ يُوجِبُ أَنْ نَبْدَأَهُمْ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ ، وَحَاصَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّائِفَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ إلَى آخِرِ الْمُحَرَّمِ أَوْ إلَى شَهْرٍ .
وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى نَسْخِ الْحُرْمَةِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } وَهُوَ بِنَاءً عَلَى التَّجَوُّزِ بِلَفْظِ حَيْثُ فِي الزَّمَانِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَثُرَ فِي الِاسْتِعْمَالِ

( وَلَا يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى صَبِيٍّ ) ؛ لِأَنَّ الصِّبَا مَظِنَّةُ الْمَرْحَمَةِ ( وَلَا عَبْدٍ وَلَا امْرَأَةٍ ) التَّقَدُّمُ حَقُّ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ ( وَلَا أَعْمَى وَلَا مُقْعَدٍ وَلَا أَقْطَعَ لِعَجْزِهِمْ ، فَإِنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ عَلَى بَلَدٍ وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ الدَّفْعُ تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَالْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى ) لِأَنَّهُ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ ، وَمِلْكُ الْيَمِينِ وَرِقُ النِّكَاحِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ النَّفِيرِ ؛ لِأَنَّ بِغَيْرِهِمَا مَقْنَعًا فَلَا ضَرُورَةَ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ

( قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى صَبِيٍّ إلَخْ ) الْوَجْهُ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعِ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ } الْحَدِيثَ ( وَلَا عَبْدٍ وَلَا امْرَأَةٍ لِتَقَدُّمِ حَقِّ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ ) بِإِذْنِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى حَقِّهِ .
وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ حَقٌّ مُتَعَيَّنٌ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ الْعَبْدِ وَتِلْكَ الْمَرْأَةِ ، فَلَوْ تَعَلَّقَ بِهِمَا الْجِهَادُ لَزِمَ إطْلَاقُ فِعْلِهِ لَهُمَا ، وَإِطْلَاقُهُ يَسْتَلْزِمُ إطْلَاقَ تَرْكِ حَقِّ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ ، فَلَوْ تَعَلَّقَ بِهِمْ لَزِمَهُ إبْطَالُ حَقٍّ جَعَلَهُ اللَّهُ مُتَعَيِّنًا لِحَقٍّ لَمْ يَجْعَلْهُ مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِ ، وَهَذَا اللَّازِمُ بَاطِلٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ .
وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَكُونُونَ مَخْصُوصِينَ مِنْ الْعُمُومَاتِ لِدَلِيلٍ مُقَارِنٍ وَهُوَ الْعَقْلُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا صَارَ فَرْضُ عَيْنٍ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ لَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ .
نَعَمْ لَوْ أَمَرَ السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةَ بِالْقِتَالِ يَجِبُ أَنْ يَصِيرَ فَرْضَ كِفَايَةٍ ، وَلَا نَقُولُ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ لِوُجُوبِ طَاعَةِ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ حَتَّى إذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي غَيْرِ النَّفِيرِ الْعَامِّ يَأْثَمُ ؛ لِأَنَّ طَاعَتَهُمَا الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْهِمَا فِي غَيْرِ مَا فِيهِ الْمُخَاطَرَةُ بِالرُّوحِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ بِخِطَابِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ بِذَلِكَ ، وَالْفَرْضُ انْتِفَاؤُهُ عَنْهُمْ قَبْلَ النَّفِيرِ الْعَامِّ ، وَعَنْ هَذَا حَرُمَ الْخُرُوجُ إلَى الْجِهَادِ وَأَحَدُ الْأَبَوَيْنِ كَارِهٌ لِأَنَّ طَاعَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِهَادُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا مَعَ أَنَّ فِي خُصُوصِهِ أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو { جَاءَ رَجُلٌ إلَى

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ ، فَقَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاك ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ } وَقَدَّمْنَا مِنْ صَحِيحِهِ آنِفًا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَدَّمَ فِيهِ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْجِهَادِ .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ { جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : جِئْت أُبَايِعُك عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْت أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ ، فَقَالَ : ارْجِعْ إلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا } وَفِيهِ عَنْ الْخُدْرِيِّ { أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْيَمَنِ ، فَقَالَ : هَلْ لَك أَحَدٌ بِالْيَمَنِ ؟ قَالَ : أَبَوَايَ ، قَالَ : أَذِنَا لَك ، قَالَ : لَا ، قَالَ : فَارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا ، فَإِنْ أَذِنَا لَك فَجَاهِدْ ، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا } وَأَمَّا الْأَعْمَى وَالْأَقْطَعُ فَقَالَ تَعَالَى { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ، وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } وَقَالَ تَعَالَى { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } وَالْمُقْعَدُ الْأَعْرَجُ ، قَالَهُ فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ .

( وَيُكْرَهُ الْجُعَلُ مَا دَامَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيْءٌ ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْأَجْرَ ، وَلَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ .
قَالَ ( فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَوِّيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ) لِأَنَّ فِيهِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْأَعْلَى بِإِلْحَاقِ الْأَدْنَى ، يُؤَيِّدُهُ { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَذَ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ } وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُغْزِي الْأَعْزَبَ عَنْ ذِي الْحَلِيلَةِ ، وَيُعْطِي الشَّاخِصَ فَرَسَ الْقَاعِدِ .

( قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ الْجَعْلُ ) يُرِيدُ بِالْجَعْلِ هُنَا أَنْ يُكَلِّفَ الْإِمَامُ النَّاسَ بِأَنْ يُقَوِّيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّفَقَةِ وَالزَّادِ ( مَا دَامَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيْءٌ ) وَهُوَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ كَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ ، وَأَمَّا الْمَأْخُوذُ بِقِتَالٍ فَيُسَمَّى غَنِيمَةً ( لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ ) وَهَذَا وَجْهٌ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْإِمَامِ بِخُصُوصِهِ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْجَعْلَ يُشْبِهُ الْأُجْرَةَ ، وَحَقِيقَةُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ حَرَامٌ فَمَا يُشْبِهُهَا مَكْرُوهٌ يُوجِبُهَا عَلَى الْغَازِيِّ وَعَلَى الْإِمَامِ كَرَاهَةٌ تَسَبُّبِهِ فِي الْمَكْرُوهِ ، وَحَقِيقَةُ الْجَعْلِ مَا يُجْعَلُ لِلْإِنْسَانِ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى النَّظَرِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مَالِ الْغَازِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِعِبَادَةٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْ الْمَالِ وَالْبَدَنِ فَتَكُونُ كَالْحَجِّ ، وَأَنَّ وُجُوبَ تَجْهِيزِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْإِمَامِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْجِهَازِ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِمْ وَعِيَالِهِمْ وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ يُعْطِيهِمْ اسْتِحْقَاقَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَيْرَ كَافٍ لِلْجِهَازِ مَعَ حَاجَةِ الْمُقَامِ ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيْءٌ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُكَلِّفَ الْإِمَامُ النَّاسَ ذَلِكَ عَلَى نِسْبَةِ عَدْلٍ ( لِأَنَّ بِهِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْأَعْلَى ) وَهُوَ تَعَدِّي شَرِّ الْكُفَّارِ إلَى الْمُسْلِمِينَ ( بِإِلْحَاقِ ) الضَّرَرِ ( الْأَدْنَى ) وَاسْتَأْنَسَ الْمُصَنِّفُ لِهَذَا { بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ } ( وَبِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يُغْزِي الْأَعْزَبَ عَنْ ذِي الْحَلِيلَةِ ، وَيُعْطِي الشَّاخِصَ فَرَسَ الْقَاعِدِ ) أَمَّا { قِصَّةُ صَفْوَانَ فَلَا شَكَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ يَطْلُبُ مِنْهُ

أَدْرَاعًا عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى حُنَيْنٍ .
فَفِي سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْعٍ ، وَكَانَ صَفْوَانُ إذْ ذَاكَ عَلَى شِرْكِهِ ، فَإِنَّهُ كَانَ طَلَبَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَيِّرَهُ شَهْرَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَيَّرْتُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ عَرَضَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى حُنَيْنٍ فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَغَصْبًا ؟ قَالَ : لَا بَلْ عَارِيَّةً مَضْمُونَةً ، فَبَعَثَهَا ثُمَّ اسْتَحْمَلَهُ إيَّاهَا فَحَمَلَهَا عَلَى مِائَتَيْ بَعِيرٍ } .
وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ قَالَ : { فَضَاعَ بَعْضُهَا ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَضْمَنَهَا ، فَقَالَ : لَا أَنَا الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ أَرْغَبُ } .
وَهَذَا لَا يُطَابِقُ نَفْسَ الْمُدَّعِي وَهُوَ تَكْلِيفُ الْإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يُعِينُوا الْخَارِجِينَ ، وَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ إلَّا بِالِالْتِزَامِ ، فَإِنَّ مَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ فِي الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ لَا يَأْخُذُهُ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ لَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .
نَعَمْ فِيهِ أَنَّهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ يَتَوَسَّلُ إلَى الْجِهَادِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ بِالِاسْتِعَارَةِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ لَهُمْ .
وَأَمَّا مَا عَنْ عُمَرَ فَظَاهِرٌ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى يُغْزِيهِ عَنْهُ لَيْسَ إلَّا أَنَّهُ يَأْخُذُ الْجِهَازَ مِنْهُ ، وَإِلَّا فَهُوَ غَازٍ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ يُعْطِي الشَّاخِصَ فَرَسَ الْقَاعِدِ فَصَرِيحٌ فِيهِ .
وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْزِي عَنْ ذِي الْحَلِيلَةِ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَمْرُ الْفَرَسِ .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ : كَانَ عُمَرُ يَغْزِي الْعَزَبَ وَيَأْخُذُ فَرَسَ الْمُقِيمِ فَيُعْطِيهِ الْمُسَافِرَ .

( بَابُ كَيْفِيَّةِ الْقِتَالِ ) ( وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ دَارَ الْحَرْبِ فَحَاصَرُوا مَدِينَةً أَوْ حِصْنًا دَعَوْهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا قَاتَلَ قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ } قَالَ ( فَإِنْ أَجَابُوا كَفُّوا عَنْ قِتَالِهِمْ ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } الْحَدِيثَ .
( وَإِنْ امْتَنَعُوا دَعَوْهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ ) بِهِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أُمَرَاءَ الْجُيُوشِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَالُ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ ، وَمَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ لَا فَائِدَةَ فِي دُعَائِهِمْ إلَى قَبُولِ الْجِزْيَةِ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } ( فَإِنْ بَذَلُوهَا فَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِيَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا ، وَالْمُرَادُ بِالْبَذْلِ الْقَبُولُ وَكَذَا الْمُرَادُ بِالْإِعْطَاءِ الْمَذْكُورِ فِيهِ فِي الْقُرْآنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

( بَابُ كَيْفِيَّةِ الْقِتَالِ ) لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْقِتَالَ لَازِمٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَفَعَلَهُ عَلَى حَدٍّ مَحْدُودٍ شَرْعًا فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ فَشَرَعَ فِيهِ فَقَالَ : ( وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ دَارَ الْحَرْبِ ) يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ عَطْفَ جُمْلَةٍ ، وَأَنْ يَكُونَ وَاوَ اسْتِئْنَافٍ ( فَحَاصَرُوا مَدِينَةً ) وَهِيَ الْبَلْدَةُ الْكَبِيرَةُ فَعَيْلَةٌ مِنْ مَدَنَ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ ( أَوْ حِصْنًا ) وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُحْصَنُ الَّذِي لَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَا فِي جَوْفِهِ ( دَعَوْهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ ) فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِذَلِكَ أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ .
وَأَلْفَاظُ بَعْضِهِمْ تَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ وَتَخْتَلِفُ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ، ثُمَّ قَالَ : اُغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ ، اُغْزُوا وَلَا تَغْلُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلَيَدًا ، وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ أَوْ خِلَالٍ ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ .
ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَعْلِمْهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ

وَالْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمْ الْجِزْيَةَ ، فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ ، وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوك أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ ، وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَك وَذِمَّةَ أَصْحَابِك فَإِنَّكُمْ إنْ تَخْفِرُوا ذِمَّتَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ ، وَإِذَا أَهْلُ حِصْنٍ فَأَرَادُوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَصَبْتَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا ، ثُمَّ اقْضُوا فِيهِمْ بَعْدُ مَا شِئْتُمْ } وَفِي الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ كَثْرَةٌ .
وَفِي نَفْسِ هَذَا الْحُكْمِ شُهْرَةٌ وَإِجْمَاعٌ ، وَلِأَنَّ بِالدَّعْوَةِ يَعْلَمُونَ أَنَّا مَا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ وَسَبْيِ عِيَالِهِمْ فَرُبَّمَا يُجِيبُونَ إلَى الْمَقْصُودِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِعْلَامِ وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ فَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُمْ } رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ، وَلَوْ قَاتَلُوهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ أَثِمُوا ، وَلَكِنْ لَا غَرَامَةَ بِمَا أَتْلَفُوا مِنْ نَفْسٍ وَلَا مَالٍ مِنْ دِيَةٍ وَلَا ضَمَانَ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حُرْمَةِ الْقَتْلِ لَا تُوجِبُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ قَتَلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ .
وَذَلِكَ لِانْتِفَاءِ الْعَاصِمِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، وَالْإِحْرَازُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ .
وَفِي الْمُحِيطِ : بُلُوغُ الدَّعْوَةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ اسْتَفَاضَ شَرْقًا وَغَرْبًا أَنَّهُمْ إلَى مَاذَا يَدْعُونَ وَعَلَى مَاذَا يُقَاتِلُونَ فَأُقِيمَ ظُهُورُهَا مَقَامَهَا انْتَهَى .
وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي بِلَادِ اللَّهِ تَعَالَى مَنْ لَا شُعُورَ لَهُ بِهَذَا الْأَمْرِ

فَيَجِبُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَيْهِ ظَنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ فَإِذَا كَانَتْ بَلَغَتْهُمْ لَا تَجِبُ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ .
أَمَّا عَدَمُ الْوُجُوبِ فَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَوْفٍ : كَتَبْت إلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنْ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ فَكَتَبَ إلَيَّ : إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ { قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَهِدَ إلَيْهِ فَقَالَ : أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ } وَالْغَارَّةُ لَا يَكُونُ مَعَ دَعْوَةٍ .
وَأُبْنَى بِوَزْنِ حُبْلَى مَوْضِعٌ مِنْ فَلَسْطِينَ بَيْنَ عَسْقَلَانَ وَالرَّمْلَةِ ، وَيُقَالُ يُبْنَى بِيَاءٍ مَضْمُومَةٍ آخِرَ الْحُرُوفِ ، وَقِيلَ اسْمُ قَبِيلَةٍ .
وَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ فَلِأَنَّ التَّكْرَارَ قَدْ يُجْدِي الْمَقْصُودَ فَيَنْعَدِمُ الضَّرَرُ الْأَعْلَى ، وَقُيِّدَ هَذَا الِاسْتِحْبَابُ بِأَنْ لَا يَتَضَمَّنَ ضَرَرًا بِأَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّهُمْ بِالدَّعْوَةِ يَسْتَعِدُّونَ أَوْ يَحْتَالُونَ أَوْ يَتَحَصَّنُونَ ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ فِي ذَلِكَ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ كَالْعِلْمِ بَلْ هُوَ الْمُرَادُ ، وَإِذًا فَحَقِيقَتُهُ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا ، فَإِنْ أَجَابَ الْمَدْعُوُّ أَوْ غَيْرُهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَا إشْكَالَ ، وَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ جَعَلَهُ غَايَةَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ حَيْثُ قَالَ { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَإِنْ امْتَنَعُوا دَعَوْهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ بِهَذَا أَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ } وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ( وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَالُ كَمَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ ) قَوْله

تَعَالَى { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ } إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُونُوا مُرْتَدِّينَ وَلَا مُشْرِكِي الْعَرَبِ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ عَلَى مَا سَيَتَّضِحُ ( فَإِنْ بَذَلُوهَا ) أَيْ قَبِلُوهَا ( وَكَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْإِعْطَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ ) بِالْإِجْمَاعِ ، وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ : إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا .
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ ، بَلْ هُوَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ ، وَمَعْنَى حَدِيثِ عَلِيٍّ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ ، أَنْبَأَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَسَدِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي الْجَنُوبِ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ مَنْ كَانَتْ لَهُ ذِمَّتُنَا فَدَمُهُ كَدَمِنَا وَدِينُهُ كَدِينِنَا وَضَعَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَبَا الْجَنُوبِ

( وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إلَى الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَدْعُوهُ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي وَصِيَّةِ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ { فَادْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } وَلِأَنَّهُمْ بِالدَّعْوَةِ يَعْلَمُونَ أَنَّا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى الدِّينِ لَا عَلَى سَلْبِ الْأَمْوَالِ وَسَبْيِ الذَّرَارِيِّ فَلَعَلَّهُمْ يُجِيبُونَ فَنُكْفَى مُؤْنَةُ الْقِتَالِ ، وَلَوْ قَاتَلَهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ أَثِمَ لِلنَّهْيِ ، وَلَا غَرَامَةَ لِعَدَمِ الْعَاصِمِ وَهُوَ الدِّينُ أَوْ الْإِحْرَازُ بِالدَّارِ فَصَارَ كَقَتْلِ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ ( وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ ) مُبَالَغَةً فِي الْإِنْذَارِ ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ صَحَّ { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ } .
{ وَعَهِدَ إلَى أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا ثُمَّ يُحَرِّقَ } وَالْغَارَةُ لَا تَكُونُ بِدَعْوَةٍ .
قَالَ ( فَإِنْ أَبَوْا ذَلِكَ اسْتَعَانُوا بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَحَارَبُوهُمْ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ { فَإِنَّ أَبَوْا ذَلِكَ فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، إلَى أَنْ قَالَ : فَإِنْ أَبَوْهَا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ } وَلِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ النَّاصِرُ لِأَوْلِيَائِهِ وَالْمُدَمِّرُ عَلَى أَعْدَائِهِ فَيُسْتَعَانُ بِهِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ .
قَالَ ( وَنَصَبُوا عَلَيْهِمْ الْمَجَانِيقَ ) كَمَا نَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الطَّائِفِ ( وَحَرَّقُوهُمْ ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَحْرَقَ الْبُوَيْرَةَ .
قَالَ ( وَأَرْسَلُوا عَلَيْهِمْ الْمَاءَ وَقَطَّعُوا أَشْجَارَهُمْ وَأَفْسَدُوا زُرُوعَهُمْ ) لِأَنَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلْحَاقَ الْكَبْتِ وَالْغَيْظِ بِهِمْ وَكَسْرَةَ شَوْكَتِهِمْ وَتَفْرِيقَ جَمْعِهِمْ فَيَكُونُ مَشْرُوعًا ، ( وَلَا بَأْسَ بِرَمْيِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرٌ ) لِأَنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعَ

الضَّرَرِ الْعَامِّ بِالذَّبِّ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ ، وَقَتْلُ الْأَسِيرِ وَالتَّاجِرِ ضَرَرٌ خَاصٌّ ، وَلِأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُو حِصْنٌ عَنْ مُسْلِمٍ ، فَلَوْ امْتَنَعَ بِاعْتِبَارِهِ لَانْسَدَّ بَابُهُ ( وَإِنَّ تَتَرَّسُوا بِصِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بِالْأُسَارَى لَمْ يَكُفُّوا عَنْ رَمْيِهِمْ ) لِمَا بَيَّنَّاهُ ( وَيَقْصِدُونَ بِالرَّمْيِ الْكُفَّارَ ) لِأَنَّهُ إنْ تَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فِعْلًا فَلَقَدْ أُمْكِنَ قَصْدًا ، وَالطَّاعَةُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ ، وَمَا أَصَابُوهُ مِنْهُمْ لَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا كَفَّارَةَ لِأَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ وَالْغَرَامَاتُ لَا تُقْرَنُ بِالْفُرُوضِ .
بِخِلَافِ حَالَةِ الْمَخْمَصَةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ مَخَافَةَ الضَّمَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَاءِ نَفْسِهِ .
أَمَّا الْجِهَادُ فَمَبْنِيٌّ عَلَى إتْلَافِ النَّفْسِ فَيُمْتَنَعُ حِذَارَ الضَّمَانِ

( قَوْلُهُ فَإِنْ أَبَوْا ذَلِكَ اسْتَعَانُوا عَلَيْهِمْ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَحَارَبُوهُمْ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ { فَإِنْ أَبَوْا ذَلِكَ فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ } ) وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ .
وَالْمُدَمِّرُ الْمُهْلِكُ ( فَيُسْتَعَانُ بِاَللَّهِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ ، وَنَصَبُوا عَلَيْهِمْ الْمَجَانِيقَ كَمَا نَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ ) عَلَى مَا فِي التِّرْمِذِيِّ مُفَصَّلًا فَإِنَّهُ قَالَ : قَالَ قُتَيْبَةُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ رَجُلٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى الطَّائِفِ ، قُلْت : لِوَكِيعٍ : مَنْ هَذَا الرَّجُلُ ؟ فَقَالَ : صَاحِبُكُمْ عُمَرُ بْنُ هَارُونَ } .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ ، وَزَادَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا .
وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي ، وَذَكَرَ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَحَرَّقَهُمْ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَحْرَقَ الْبُوَيْرَةَ } عَلَى مَا رَوَى السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَهُ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ } : يَعْنِي أَنَّ الْبُوَيْرَةَ اسْمٌ لِنَخْلِ بَنِي النَّضِيرِ ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَبْتُ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَكَسْرُ شَوْكَتِهِمْ وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ ذَلِكَ فَيَفْعَلُونَ مَا يُمْكِنُهُمْ مِنْ التَّحْرِيقِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ وَإِفْسَادِ الزَّرْعِ ، هَذَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ مَأْخُوذُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ وَأَنَّ الْفَتْحَ بَادٍ كُرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ وَمَا أُبِيحَ إلَّا لَهَا ( قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِرَمْيِهِمْ

وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرٌ ) بَلْ وَلَوْ تَتَرَّسُوا بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهُمْ إنْ كَفُّوا عَنْ رَمْيِهِمْ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِرَمْيِهِمْ إلَّا الْكُفَّارُ .
فَإِنْ أُصِيبَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ رَمْيُهُمْ فِي صُورَةِ التَّتَرُّسِ إلَّا إذَا كَانَ فِي الْكَفِّ عَنْ رَمْيِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ انْهِزَامُ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ ، فَإِنْ رَمَوْا وَأُصِيبَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَعِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِيهِ الْكَفَّارَةُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِي الدِّيَةِ قَوْلَانِ .
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : إنْ قَصْدَهُ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ الدِّيَةُ عَلِمَهُ مُسْلِمًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ دَمٌ مُفْرَجٌ } وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ بِعَيْنِهِ بَلْ رَمَى إلَى الصَّفِّ فَأُصِيبَ فَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ ، وَتَرْكُ قَتْلِ الْكَافِرِ جَائِزٌ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لَلْإِمَامَ أَنْ لَا يَقْتُلَ الْأُسَارَى لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ تَرْكُهُ لِعَدَمِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ مَفْسَدَةَ قَتْلِ الْمُسْلِمِ فَوْقَ مَصْلَحَةِ قَتْلِ الْكَافِرِ .
وَجْهُ الْإِطْلَاقِ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ أَنَّا أُمِرْنَا بِقِتَالِهِمْ مُطْلَقًا ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ هَذَا الْمَعْنَى انْسَدَّ بَابُهُ ، لِأَنَّ حِصْنًا مَا أَوْ مَدِينَةً قَلَّمَا تَخْلُو عَنْ أَسْرِ مُسْلِمٍ فَلَزِمَ مِنْ افْتِرَاضِ الْقِتَالِ مَعَ الْوَاقِعِ مِنْ عَدَمِ خُلُوِّ مَدِينَةٍ أَوْ حِصْنٍ عَادَةً إهْدَارُ اعْتِبَارِ وُجُودِهِ فِيهِ ، وَصَارَ كَرَمْيِهِمْ مَعَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ أَوْلَادِهِمْ وَنِسَائِهِمْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إجْمَاعًا مَعَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فِيهِمْ وَاحْتِمَالُ قَتْلِهِ وَهُوَ الْجَامِعُ ، غَيْرَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ لَا

يَقْصِدَ بِالرَّمْيِ إلَّا الْكَافِرَ لِأَنَّ قَصْدَ الْمُسْلِمِ بِالْقَتْلِ حَرَامٌ ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَفْتَرِضْ وَهُوَ مَا إذَا فُتِحَتْ الْبَلْدَةُ .
قَالَ مُحَمَّدٌ : إذَا فَتْحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِيهَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا لَا يَحِلُّ قَتْلُ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ ذَلِكَ الْمُسْلِمَ أَوْ الذِّمِّيَّ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَلَوْ أَخْرَجَ وَاحِدًا مِنْ عَرَضِ النَّاسِ حَلَّ إذَنْ قَتْلُ الْبَاقِي لِجَوَازِ كَوْنِ الْمُخْرَجِ هُوَ ذَاكَ فَصَارَ فِي كَوْنِ الْمُسْلِمِ فِي الْبَاقِينَ شَكٌّ ، بِخِلَافِ الْحَالَةِ الْأُولَى فَإِنَّ كَوْنَ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ فِيهِمْ مَعْلُومٌ بِالْفَرْضِ فَوَقَعَ الْفَرْقُ الثَّانِي أَنَّ فِيهِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِالذَّبِّ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ بِإِثْبَاتِ الضَّرَرِ الْخَاصِّ وَهُوَ وَاجِبٌ ، ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ أَحَالَ وَجْهَ مَسْأَلَةِ التَّتَرُّسِ عَلَى وَجْهَيْ مَسْأَلَةِ مَا إذَا كَانَ فِيهِمْ أَسِيرٌ مُسْلِمٌ حِينَئِذٍ أَوْ تَاجِرٌ .
وَقَدْ يُقَالُ إنْ سَلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَهْلُ حِصْنٍ عَنْ تَاجِرٍ أَوْ أَسِيرٍ ، فَإِطْلَاقُ افْتِرَاضِ الْقِتَالِ إهْدَارٌ لِاعْتِبَارِهِ مَانِعًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَهْلُ حِصْنٍ أَنْ يَتَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ لِيَكُونَ إطْلَاقُ الِافْتِرَاضِ إهْدَارًا لِحُرْمَةِ الرَّمْيِ ، فَإِنَّ الْمُشَاهَدَةَ نَفَتْهُ فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقًا إلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ غَالِبًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّهُ دَفْعُ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِإِلْحَاقِ الضَّرَرِ الْخَاصِّ فَقَدْ يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْعِلْمِ بِانْهِزَامِ الْمُسْلِمِينَ لَوْ لَمْ يَرْمِ وَحَلَّ الرَّمْيُ عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ كُلَّ قِتَالٍ مَعَ الْكُفَّارِ هُوَ دَفْعُ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِالذَّبِّ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ : أَيْ مُجْتَمَعِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الظَّفَرُ تَضَرَّرَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ وَهُوَ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ ، وَبِتَقْدِيرِهِ هُوَ ضَرَرٌ خَفِيفٌ أَشَدُّ مِنْهُ قَتْلُ الْمُسْلِمِ فِي غَالِبِ الظَّنِّ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ

الضَّرَرُ الْعَامُّ مُقَدَّمًا عَلَى هَذَا إذَا كَانَ فِيهِ هَزِيمَتُهُمْ وَنَحْوُهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَمْ يَغْرَمْ الدِّيَةَ إذَا أُصِيبَ مُسْلِمٌ مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ دَمٌ مُفْرَجٌ } أَيْ مُهْدَرٌ .
أُجِيبَ بِأَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِالْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِمْ فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْمَعْنَى ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْفُرُوضَ لَا تُقْرَنُ بِالْغَرَامَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا لَوْ مَاتَ مَنْ عَزَّرَهُ الْقَاضِي أَوْ حَدَّهُ أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْهِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَإِلَّا امْتَنَعَ عَنْ الْإِقَامَةِ ( بِخِلَافِ ) الْمُضْطَرِّ ( حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ ) عَنْ الْأَكْلِ ( مَخَافَةَ الضَّمَانِ ) لِأَنَّ فِي الِامْتِنَاعِ هَلَاكُ نَفْسِهِ وَالضَّمَانُ أَخَفُّ عَلَيْهِ مِنْ هَلَاكِهَا فَلَا تُمْتَنَعُ ( أَمَّا الْجِهَادُ فَمَبْنِيٌّ عَلَى إتْلَافِ نَفْسِهِ فَيَمْتَنِعُ حِذَارُهُ ) وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا فِي الْمُضْطَرِّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ الضَّمَانِ فَلَمْ يَكُنْ فَرْضًا ، فَهُوَ كَالْمُبَاحِ يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ افْتِرَاضِ الْجِهَادِ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ

قَالَ ( وَلَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ النِّسَاءِ وَالْمَصَاحِفِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانُوا عَسْكَرًا عَظِيمًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ ) لِأَنَّ الْغَالِبَ هُوَ السَّلَامَةُ وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ ( وَيُكْرَهُ إخْرَاجُ ذَلِكَ فِي سَرِيَّةً لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا ) لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضَهُنَّ عَلَى الضَّيَاعِ وَالْفَضِيحَةِ وَتَعْرِيضَ الْمَصَاحِفِ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَخِفُّونَ بِهَا مُغَايَظَةً لِلْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ } وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ الْمُصْحَفَ إذَا كَانُوا قَوْمًا يَفُونَ بِالْعَهْدِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّعَرُّضِ ، وَالْعَجَائِزُ يَخْرُجْنَ فِي الْعَسْكَرِ الْعَظِيمِ لِإِقَامَةِ عَمَلٍ يَلِيقُ بِهِنَّ كَالطَّبْخِ وَالسَّقْيِ وَالْمُدَاوَاةِ ، فَأَمَّا الشَّوَابُّ فَمَقَامُهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أَدْفَعُ لِلْفِتْنَةِ وَلَا يُبَاشِرْنَ الْقِتَالَ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا عِنْدَ ضَرُورَةٍ ، وَلَا يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهُنَّ لِلْمُبَاضَعَةِ وَالْخِدْمَةِ ، فَإِنْ كَانُوا لَا بُدَّ مُخْرَجِينَ فَبِالْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ

( قَوْلُهُ : وَلَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ النِّسَاءِ وَالْمَصَاحِفِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانُوا عَسْكَرًا عَظِيمًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُوَ السَّلَامَةُ وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ ، وَيُكْرَهُ إخْرَاجُ ذَلِكَ فِي سَرِيَّةٍ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضَهُنَّ عَلَى الضَّيَاعِ وَالْفَضِيحَةِ ، وَتَعْرِيضَ الْمَصَاحِفِ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ ) مِنْهُمْ لَهَا .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَهُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ } ) وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ السِّتَّةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .
وَقَوْلُهُ وَهُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَمَّا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْقُمِّيِّ ، وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ عِنْدَ قِلَّةِ الْمَصَاحِفِ كَيْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا يُكْرَهُ .
أَمَّا التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ رَاوِي الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ أَبَا دَاوُد وَابْنَ مَاجَهْ زَادَا بَعْدَ قَوْلِهِ { إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ } ، قَالَ مَالِكٌ : أَرَى ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ .
وَالْحَقُّ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَيَخَافُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَإِنِّي أَخَافُ } فَلِذَا حَكَمَ الْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ بِأَنَّهَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَلَّطَا مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ

مَالِكٍ ، وَقَدْ يَكُونُ مَالِكٌ لَمْ يَسْمَعْهَا فَوَافَقَ تَأْوِيلُهُ أَوْ شَكَّ فِي سَمَاعِهِ إيَّاهَا .
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَقَلُّ السَّرِيَّةِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَأَقَلُّ الْعَسْكَرِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ .
وَفِي الْمَبْسُوطِ : السَّرِيَّةُ عَدَدٌ قَلِيلٌ يَسِيرُونَ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ انْتَهَى .
وَكَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ شَأْنِهِمْ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَقَدْ لَا يَكْمُنُونَ ، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ السُّرَى ، وَهُوَ السَّيْرُ لَيْلًا فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ : يُؤْمَنُ عَلَيْهِ ، وَيُكْرَهُ إخْرَاجُهُ فِيمَا لَيْسَ كَذَلِكَ .
فَإِنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ الْعَسْكَرِ الْعَظِيمِ إلَى السَّرِيَّةِ طَفْرَةٌ كَبِيرَةٌ لَيْسَتْ مُنَاسِبَةً ؛ وَاَلَّذِي يُؤْمَنُ عَلَيْهِ فِي تَوَغُّلِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَيْسَ إلَّا الْعَسْكَرُ الْعَظِيمُ .
وَيَنْبَغِي كَوْنُهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ } وَهُوَ أَكْثَرُ مَا رَوَى فِيهِ هَذَا بِاعْتِبَارِهِ أَحْوَطُ ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِنَا ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ إطْلَاقُ الْمَنْعِ أَخْذًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَيْشِ وَالسَّرَايَا عَمَلًا بِإِطْلَاقِ النَّصِّ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ نَيْلُ الْعَدُوِّ لَهُ فِي الْجَيْشِ الْعَظِيمِ نَادِرًا فَنِسْيَانُهُ وَسُقُوطُهُ لَيْسَ بِنَادِرٍ ، وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَنْصُوصَةَ لَمَّا كَانَتْ مَخَافَةَ نَيْلِهِ فَيُنَاطُ بِمَا هُوَ مَظِنَّتُهُ فَيَخْرُجُ الْجَيْشُ الْعَظِيمُ ، وَالنِّسْيَانُ وَالسُّقُوطُ نَادِرٌ مَعَ الِاهْتِمَامِ وَالتَّشَمُّرِ لِلْحِفْظِ الْبَاعِثِ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ حَمَلَهُ لَا يَكُونُ إلَّا مِمَّنْ يَخَافُ نِسْيَانَ الْقُرْآنِ فَيَأْخُذُهُ لِتَعَاهُدِهِ فَيُبْعَدُ ذَلِكَ مِنْهُ وَكُتُبُ الْفِقْهِ أَيْضًا كَذَلِكَ ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ مَعْزُوًّا إلَى السِّيَرِ الْكَبِيرِ فَكُتُبُ الْحَدِيثِ أَوْلَى ، ثُمَّ الْأَوْلَى فِي إخْرَاجِ النِّسَاءِ الْعَجَائِزِ لِلطِّبِّ وَالْمُدَاوَاةِ وَالسَّقْيِ

دُونَ الشَّوَابِّ ، وَلَوْ اُحْتِيجَ إلَى الْمُبَاضَعَةِ فَالْأَوْلَى إخْرَاجُ الْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ ( وَلَا يُبَاشِرْنَ الْقِتَالَ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ ) وَقَدْ { قَاتَلَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ وَأَقَرَّهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ قَالَ لَمَقَامُهَا خَيْرٌ مِنْ مَقَامِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ } يَعْنِي بَعْضَ الْمُنْهَزِمِينَ

( وَلَا تُقَاتِلُ الْمَرْأَةُ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا وَلَا الْعَبْدُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ) لِمَا بَيَّنَّا ( إلَّا أَنْ يَهْجُمَ الْعَدُوُّ عَلَى بَلَدٍ لِلضَّرُورَةِ )
( قَوْلُهُ وَلَا تُقَاتِلُ الْمَرْأَةُ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا وَلَا الْعَبْدُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِمَا بَيَّنَّا ) مِنْ تَقَدُّمِ حَقِّ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى ( إلَّا أَنْ يَهْجُمَ الْعَدُوُّ ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ

وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَغْدِرُوا وَلَا يَغُلُّوا وَلَا يُمَثِّلُوا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تَغْلُو وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا } وَالْغُلُولُ : السَّرِقَةُ مِنْ الْمَغْنَمِ ، وَالْغَدْرُ : الْخِيَانَةُ وَنَقْضُ الْعَهْدِ ، وَالْمُثْلَةُ الْمَرْوِيَّةُ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ مَنْسُوخَةٌ بِالنَّهْيِ الْمُتَأَخِّرِ هُوَ الْمَنْقُولُ

( قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَغْدِرُوا أَوْ يَغُلُّوا أَوْ يُمَثِّلُوا ، وَالْغُلُولُ السَّرِقَةُ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، وَالْغَدْرُ الْخِيَانَةُ وَنَقْضُ الْعَهْدِ ( قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تَغْلُوا } إلَخْ ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَلَا تُمَثِّلُوا } أَيْ الْمُثْلَةُ يُقَالُ مَثَلْت بِالرَّجُلِ بِوَزْنِ ضَرَبْت أَمْثُلُ بِهِ بِوَزْنِ أَنْصُرُ مَثْلًا وَمُثْلَةً إذَا سَوَّدْت وَجْهَهُ أَوْ قَطَعْت أَنْفَهُ وَنَحْوَهُ .
ذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ .
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ ( وَالْمُثْلَةُ الْمَرْوِيَّةُ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ مَنْسُوخَةٌ بِالنَّهْيِ الْمُتَأَخِّرِ هُوَ الْمَنْقُولُ ) وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَعِنْدَنَا وَالشَّافِعِيُّ مَنْسُوخَةٌ كَمَا ذَكَرَ قَتَادَةُ فِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ قَالَ : فَحَدَّثَنِي ابْنُ سِيرِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ .
وَفِي لَفْظٍ لِلْبَيْهَقِيِّ قَالَ أَنَسٌ : { مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ خُطْبَةً إلَّا نَهَى فِيهَا عَنْ الْمُثْلَةِ } .
وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ فِي سِيرَتِهِ : مِنْ النَّاسِ مَنْ أَبَى ذَلِكَ ، إلَى أَنْ قَالَ : وَلَيْسَ فِيهَا يَعْنِي آيَةَ الْحِرَابَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَشْعُرُ بِهِ لَفْظَةٌ إنَّمَا مِنْ الِاقْتِصَارِ فِي حَدِّ الْحِرَابَةِ عَلَى مَا فِي الْآيَةِ .
وَأَمَّا مَنْ زَادَ عَلَى الْحِرَابَةِ جِنَايَاتٍ أُخَرَ كَمَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ كَمَا رَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي خَبَرِهِمْ " أَنَّهُمْ قَطَعُوا يَدَ الرَّاعِي وَرِجْلَهُ وَغَرَزُوا الشَّوْكَ فِي لِسَانِهِ وَعَيْنَيْهِ حَتَّى مَاتَ " فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَمْنَعُ مِنْ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ وَالزِّيَادَةِ فِي عُقُوبَتِهِمْ فَهَذَا لَيْسَ بِمُثْلَةٍ ، وَالْمُثْلَةُ مَا كَانَ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ جَزَاءٍ ، وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { إنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَهُمْ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ }

وَلَوْ أَنَّ شَخْصًا جَنَى عَلَى قَوْمٍ جِنَايَاتٍ فِي أَعْضَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَاقْتُصَّ مِنْهُ لَمَّا كَانَ التَّشْوِيهُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ مِنْ الْمُثْلَةِ .
وَقَالَ : ذَكَرَ الْبَغَوِيّ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : يَعْنِي آيَةَ الْجَزَاءِ سَبَبًا آخَرَ ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْأَقْوَالُ وَتَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ فَلَا نَسْخَ .
وَحَاصِلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْمُثْلَةَ بِمَنْ مَثَّلَ جَزَاءٌ ثَابِتٌ لَمْ يُنْسَخْ ، وَالْمُثْلَةُ بِمَنْ اسْتَحَقَّ الْقَتْلَ لَا عَنْ مُثْلَةٍ لَا تَحِلُّ لَا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ أَوَّلًا لِأَنَّ مَا وَقَعَ لِلْعُرَنِيِّينَ كَانَ جَزَاءَ تَمْثِيلِهِمْ بِالرَّاعِي ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ { لَا تُمَثِّلُوا } عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ وَنَحْوِهَا إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنْ مُثْلَةِ الْعُرَنِيِّينَ فَظَاهِرُ نَسْخِهَا أَوْ لَا يُدْرَى فَيَتَعَارَضُ مُحَرَّمٌ وَمُبِيحٌ خُصُوصًا وَالْمَحْرَمُ قَوْلٌ فَيَتَقَدَّمُ الْمُحَرَّمُ ، وَكُلَّمَا تَعَارَضَ نَصَّانِ وَتَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا تَضَمَّنَ الْحُكْمَ بِنَسْخِ الْآخَرِ ، وَرِوَايَةُ أَنَسٍ صَرِيحٌ فِيهِ .
وَأَمَّا مَنْ جَنَى عَلَى جَمَاعَةٍ جِنَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةً لَيْسَ فِيهَا قَتْلٌ بِأَنْ قَطَعَ أَنْفَ رَجُلٍ وَأُذُنَيْ رَجُلٍ وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ وَقَطَعَ يَدَ آخَرَ وَرِجْلَ آخَرَ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَدَاءً لِحَقِّهِ ، لَكِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُسْتَأْتَى بِكُلِّ قِصَاصٍ بَعْدَ الَّذِي قَبْلَهُ إلَى أَنْ يَبْرَأَ مِنْهُ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذَا الرَّجُلُ مُمَثَّلًا بِهِ : أَيْ مُثْلَةً ضِمْنًا لَا قَصْدًا ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُ النَّهْيِ وَالنَّسْخِ فِيمَنْ مَثَّلَ بِشَخْصٍ حَتَّى قَتَلَهُ ، فَمُقْتَضَى النَّسْخِ أَنْ يُقْتَلَ بِهِ ابْتِدَاءً وَلَا يُمَثَّلُ بِهِ ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا بَعْدَ الظَّفَرِ وَالنَّصْرِ ، أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا وَقَعَ قِتَالًا كَمُبَارِزٍ ضَرَبَ فَقَطَعَ أُذُنَهُ ثُمَّ ضَرَبَ فَفَقَأَ عَيْنَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَضَرَبَ فَقَطَعَ أَنْفَهُ وَيَدَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ

( وَلَا يَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا وَلَا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا مُقْعَدًا وَلَا أَعْمَى ) لِأَنَّ الْمُبِيحَ لِلْقَتْلِ عِنْدَنَا هُوَ الْحِرَابُ وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُمْ ، وَلِهَذَا لَا يَقْتُلُ يَابِسُ الشَّقِّ وَالْمَقْطُوعُ الْيُمْنَى وَالْمَقْطُوعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ .
وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ يُخَالِفُنَا فِي الشَّيْخِ الْفَانِي وَالْمُقْعَدِ وَالْأَعْمَى لِأَنَّ الْمُبِيحَ عِنْدَهُ الْكُفْرُ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا بَيَّنَّا ، وَقَدَّ صَحَّ { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ قَتْلِ الصِّبْيَانِ وَالذَّرَارِيِّ } { وَحِينَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مَقْتُولَةٌ قَالَ : هَاهْ ، مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ فَلِمَ قُتِلَتْ ؟ } قَالَ ( إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ لَهُ رَأْيٌ فِي الْحَرْبِ أَوْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مَلِكَةً ) لِتَعَدِّي ضَرَرِهَا إلَى الْعِبَادِ ، وَكَذَا يُقْتَلُ مَنْ قَاتَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ دَفْعَا لِشَرِّهِ ، وَلِأَنَّ الْقِتَالَ مُبِيحٌ حَقِيقَةً

( قَوْلُهُ وَلَا يَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا ) أَخْرَجَ السِّتَّةُ إلَّا النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْتُولَةً فَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ } .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ، لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا طِفْلًا وَلَا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً ، وَلَا تَغْلُوا وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } وَفِيهِ خَالِدُ بْنُ الْفَزَرِ ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِذَاكَ ، وَأَمَّا مُعَارَضَتُهُ بِمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اُقْتُلُوا الشُّيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبَقُوا شَرْخَهُمْ } ، فَأَضْعَفُ مِنْهُ ثُمَّ عَلَى أُصُولِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ لَا مُعَارَضَةَ بَلْ يَجِبُ أَنْ تُخَصَّ الشُّيُوخَ بِغَيْرِ الْفَانِي ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ الشَّيْخُ الْفَانِي لِيَخُصَّ الْعَامَّ مُطْلَقًا بِالْخَاصِّ .
نَعَمْ يُعَارَضُ ظَاهِرًا بِمَا أَخْرَجَ السِّتَّةُ { عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : هُمْ مِنْهُمْ } وَفِي لَفْظٍ " هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ " فَيَجِبُ دَفْعًا لِلْمُعَارَضَةِ حَمْلَهُ عَلَى مَوْرِدِ السُّؤَالِ وَهُمْ الْمُبَيِّتُونَ ، وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ ضَرُورَةَ عَدَمِ الْعِلْمِ وَالْقَصْدِ إلَى الصِّغَارِ بِأَنْفُسِهِمْ ، لِأَنَّ التَّبْيِيتَ يَكُونُ مَعَهُ ذَلِكَ ، وَالتَّبْيِيتُ هُوَ الْمُسَمَّى فِي عُرْفِنَا بِالْكَبْسَةِ ، وَمَا الظَّنُّ إلَّا أَنَّ حُرْمَةَ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ إجْمَاعٌ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً } فَهُوَ

مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْمُرَقَّعِ بْنِ صَيْفِيٍّ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّهِ { رَبَاحِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَيْفِيٍّ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ ، فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمَعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ : اُنْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ ؟ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : امْرَأَةٌ قَتِيلٌ ، فَقَالَ : مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ : قُلْ لِخَالِدٍ لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا } وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ الْمُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْمُرَقَّعِ ، وَكَذَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَفِي لَفْظِهِ فَقَالَ { هَاهْ مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ } ثُمَّ قَالَ : وَهَكَذَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فَصَارَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ .
وَهَاهْ كَلِمَةُ زَجْرٍ ، وَالْهَاءُ الثَّانِيَةُ لِلسَّكْتِ .
وَإِذَا ثَبَتَ فَقَدْ عَلَّلَ الْقَتْلَ بِالْمُقَاتِلَةِ فِي قَوْلِهِ { مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ } فَثَبَتَ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ مَعْلُولٌ بِالْحِرَابَةِ فَلَزِمَ قَتْلُ مَا كَانَ مَظِنَّةً لَهُ ، بِخِلَافِ مَا لَيْسَ إيَّاهُ ، وَبِمَنْعِ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ أَوْ يَابِسِ الشِّقِّ وَنَحْوِهِ يَبْطُلُ كَوْنُ الْكُفْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُفْرٌ عِلَّةً أُخْرَى ، وَإِلَّا لَقُتِلَ هَؤُلَاءِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ ( وَالْحَجَّةُ عَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى الشَّافِعِيِّ ( مَا بَيَّنَّاهُ ) يَعْنِي مِنْ عَدَمِ قَتْلِ يَابِسِ الشِّقِّ ، لَكِنْ هَذَا الْإِلْزَامُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَهُ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ وَفِي الشُّيُوخِ وَالْعُمْيَانِ وَالضُّعَفَاءِ وَالزَّمْنَى وَمَقْطُوعِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ قَوْلَانِ : فِي قَوْلٍ يَجُوزُ قَتْلَهُمْ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ لِعُمُومِ { اُقْتُلُوا

الْمُشْرِكِينَ } وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اُقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ } وَلِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ وَالْكُفْرُ مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ .
وَفِي قَوْلٍ لَا يَجُوزُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَذَكَرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَانِعِ مِنْ قَتْلِ الشَّيْخِ الْفَانِي .
قَالَ : وَالْمُقْعَدُ وَالزَّمِنِ وَمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ وَالرَّجُلَيْنِ فِي مَعْنَاهُ .
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ أَوْصَى يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الشَّامِ فَقَالَ : " لَا تَقْتُلُوا الْوِلْدَانَ وَلَا النِّسَاءَ وَلَا الشُّيُوخَ " الْخَبَرَ انْتَهَى .
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى { اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِالذِّمِّيِّ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، فَجَازَ تَخْصِيصُ الشَّيْخِ الْفَانِي ، وَمَنْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بِالْقِيَاسِ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خَبَرٌ فَكَيْفَ وَفِيهِمْ مَا سَمِعْت ، بَلْ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ مُقَيَّدَةٌ ابْتِدَاءً بِالْمُحَارِبِينَ عَلَى مَا تَرْجِعُ إلَيْهِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ الشُّيُوخِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِالِانْقِطَاعِ عِنْدَهُمْ وَبِالْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجِبُ تَخْصِيصُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَلَى أُصُولِهِمْ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ صَحَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { نَهَى عَنْ قَتْلِ الصِّبْيَانِ وَالذَّرَارِيِّ } فَالْمُرَادُ بِالذَّرَارِيِّ النِّسَاءُ مِنْ اسْمِ السَّبَبِ فِي الْمُسَبَّبِ .
قَالَ فِي الْعُرَنِيِّينَ : وَفِي الْحَدِيثِ { لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا } أَيْ امْرَأَةً وَلَا أَجِيرًا ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالشَّيْخِ الْفَانِي الَّذِي لَا يَقْتُلُ هُوَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ وَلَا الصِّيَاحِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ وَلَا عَلَى الْإِحْبَالِ لِأَنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ الْوَلَدُ فَيَكْثُرُ مُحَارِبُ الْمُسْلِمِينَ ، ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ .
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي كِتَابِ الْمُرْتَدِّ مِنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ كَامِلَ الْعَقْلِ نَقْتُلُهُ وَمِثْلُهُ نَقْتُلُهُ إذَا ارْتَدَّ ، وَاَلَّذِي لَا

نَقْتُلُهُ الشَّيْخُ الْفَانِي الَّذِي خَرِفَ وَزَالَ عَنْ حُدُودِ الْعُقَلَاءِ وَالْمُمَيَّزِينَ فَهَذَا حِينَئِذٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ فَلَا نَقْتُلُهُ وَلَا إذَا ارْتَدَّ .
قَالَ : وَأَمَّا الزَّمْنَى فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّيُوخِ فَيَجُوزُ قَتَلَهُمْ إذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ كَمَا يَقْتُلُ سَائِرَ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا عُقَلَاءَ وَنَقْتُلُهُمْ أَيْضًا إذَا ارْتَدُّوا ا هـ .
وَلَا نَقْتُلُ مَقْطُوعَ الْيَدِ الْيُمْنَى وَالْمَقْطُوعَ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ ، وَنَقْتُلُ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُسْرَى أَوْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ ( قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ حُكْمِ عَدَمِ الْقَتْلِ ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا لِأَحَدٍ ، وَصَحَّ { أَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَتْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ وَكَانَ عُمْرُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ } عَامًا أَوْ أَكْثَرَ وَقَدْ عَمِيَ لَمَّا جِيءَ بِهِ فِي جَيْشِ هَوَازِنَ لِلرَّأْيِ ، وَكَذَلِكَ يُقْتَلُ مَنْ قَاتَلَ مِنْ كُلِّ مَنْ قُلْنَا إنَّهُ لَا يُقْتَلُ كَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ

( وَلَا يَقْتُلُ مَجْنُونًا ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ فَيُقْتَلَ دَفْعًا لِشَرِّهِ ، غَيْرَ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ يُقْتَلَانِ مَا دَامَا يُقَاتِلَانِ ، وَغَيْرُهُمَا لَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ بَعْدَ الْأَسْرِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ نَحْوَهُ ، وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَهُوَ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ كَالصَّحِيحِ
( إلَّا أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ يُقْتَلَانِ فِي حَالِ قِتَالِهِمَا ) أَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ النِّسَاءِ وَالرُّهْبَانِ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ إذَا قَاتَلُوا بَعْدَ الْأَسْرِ ، وَالْمَرْأَةُ الْمَلِكَةُ تُقْتَلُ ، وَإِنْ لَمْ تُقَاتِلْ ، وَكَذَا الصَّبِيُّ الْمَلِكُ وَالْمَعْتُوهُ الْمَلِكُ ، لِأَنَّ فِي قَتْلِ الْمَلِكِ كَسْرَ شَوْكَتِهِمْ .
وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ : لَا يُقْتَلُ الرَّاهِبُ فِي صَوْمَعَتِهِ وَلَا أَهْلُ الْكَنَائِسِ الَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ ، فَإِنْ خَالَطُوا قُتِلُوا كَالْقِسِّيسِينَ ، وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ يُقْتَلُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ

( وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الرَّجُلُ أَبَاهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيَقْتُلَهُ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إحْيَاؤُهُ بِالْإِنْفَاقِ فَيُنَاقِضُهُ الْإِطْلَاقُ فِي إفْنَائِهِ ( فَإِنْ أَدْرَكَهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اقْتِحَامِهِ الْمَأْثَمَ ، وَإِنْ قَصَدَ الْأَبُ قَتْلَهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ لَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الدَّفْعُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهَرَ الْأَبُ الْمُسْلِمُ سَيْفَهُ عَلَى ابْنِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ يَقْتُلهُ لِمَا بَيَّنَّا فَهَذَا أَوْلَى ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

( قَوْلُهُ : وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الرَّجُلُ أَبَاهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) أَوْ جَدَّهُ أَوْ أُمَّهُ إذَا قَاتَلَتْ أَوْ جَدَّتَهُ ( بِالْقَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } ) نَزَلَتْ فِي الْأَبَوَيْنِ وَلَوْ مُشْرِكَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِنْ جَاهَدَاك عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ } الْآيَةَ ( وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ لِإِحْيَائِهِ فَيُنَاقِضُهُ الْإِطْلَاقُ فِي إفْنَائِهِ ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ ) أَيْ أَدْرَكَ الْأَبُ الِابْنَ لِيَقْتُلَهُ وَالِابْنُ قَادِرٌ عَلَى قَتْلِهِ ( امْتَنَعَ ) الِابْنُ ( عَلَى الْأَبِ ) بِغَيْرِ الْقَتْلِ بَلْ يَشْغَلُهُ بِالْمُحَاوَلَةِ بِأَنْ يُعَرْقِبَ فَرَسَهُ أَوْ يَطْرَحَهُ عَنْ فَرَسِهِ وَيُلْجِئَهُ إلَى مَكَان ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهُ وَيَتْرُكَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حَرْبًا عَلَيْنَا بَلْ يُلْجِئُهُ إلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا ذَكَرْنَا وَلَا يَدَعُهُ أَنْ يَهْرَبَ إلَى أَنْ يَجِيءَ مَنْ يَقْتُلُهُ ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الِابْنُ مِنْ دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا بِالْقَتْلِ فَلِيَقْتُلْهُ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا أَرَادَ قَتْلَ ابْنَهُ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّخَلُّصِ مِنْهُ إلَّا بِقَتْلِهِ كَانَ لَهُ قَتْلُهُ لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِدَفْعِ شَرِّهِ فَهُنَا أَوْلَى ، وَلَوْ كَانَ فِي سَفَرٍ وَعَطِشَا وَمَعَ الِابْنِ مَاءٌ يَكْفِي لِنَجَاةِ أَحَدِهِمَا كَانَ لِلِابْنِ شِرْبُهُ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ يَمُوتُ ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ أَبَاهُ الْمُشْرِكَ يَذْكُرُ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ بِسُوءٍ يَكُونُ لَهُ قَتْلُهُ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَتَلَ أَبَاهُ حِينَ سَمِعَهُ يَسُبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرُفَ وَكَرُمَ ، فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ } .
وَلَا يُكْرَهُ لِلْأَبِ قَتْلُ ابْنِهِ الْمُشْرِكِ ، وَكَذَا سَائِرُ الْقَرَابَاتِ عِنْدَنَا كَالْعَمِّ وَالْخَالِ يُبَاحُ قَتْلُهُمْ ، وَلَا مُنَاقَضَةَ لِأَنَّ نَفَقَةَ ذَوِي الْأَرْحَامِ عِنْدَنَا لَا تَجِبُ إلَّا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ ، بِخِلَافِ الْقَرَابَاتِ

الْبُغَاةِ يُكْرَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُمْ كَالْأَبِ ، وَأَمَّا فِي الرَّجْمِ إذَا كَانَ الِابْنُ أَحَدَ الشُّهُودِ فَيَبْتَدِئُ بِالرَّجْمِ وَلَا يَقْصِدُ قَتْلَهُ بِأَنْ يَرْمِيَهُ مَثَلًا بِحَصَاةٍ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .

( بَابُ الْمُوَادَعَةِ وَمَنْ يَجُوزُ أَمَانَهُ ) ( وَإِذَا رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُصَالِحَ أَهْلَ الْحَرْبِ أَوْ فَرِيقًا مِنْهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } { وَوَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَضَعَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ } ، وَلِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ جِهَادٌ مَعْنًى إذَا كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ دَفْعُ الشَّرِّ حَاصِلٌ بِهِ ، وَلَا يُقْتَصَرُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَرْوِيَّةِ لِتَعَدِّي الْمَعْنَى إلَى مَا زَادَ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ خَيْرًا ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْجِهَادَ صُورَةً وَمَعْنًى ( وَإِنْ صَالَحَهُمْ مُدَّةً ثُمَّ رَأَى نَقْضَ الصُّلْحِ أَنْفَعَ نَبَذَ إلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ ) { لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَبَذَ الْمُوَادَعَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ } ، وَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ لَمَّا تَبَدَّلَتْ كَانَ النَّبْذُ جِهَادًا وَإِيفَاءُ الْعَهْدِ تَرْكُ الْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى ، وَلَا بُدَّ مِنْ النَّبْذِ تَحَرُّزًا عَنْ الْغَدْرِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { فِي الْعُهُودِ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ } وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مُدَّةٍ يَبْلُغُ فِيهَا خَبَرُ النَّبْذِ إلَى جَمِيعِهِمْ ، وَيَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَمَكَّنُ مَلِكُهُمْ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالنَّبْذِ مِنْ إنْفَاذِ الْخَبَرِ إلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَتِهِ ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَنْتَفِي الْغَدْرُ .
قَالَ ( وَإِنَّ بَدَءُوا بِخِيَانَةٍ قَاتَلَهُمْ وَلَمْ يُنْبِذْ إلَيْهِمْ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِهِمْ ) لِأَنَّهُمْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى نَقْضِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فَقَطَعُوا الطَّرِيقَ وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ حَيْثُ لَا يَكُونُ هَذَا نَقْضًا لِلْعَهْدِ ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَانِيَةً يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ فِي حَقِّهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ ؛

لِأَنَّهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَلِكِهِمْ فَفِعْلُهُمْ لَا يُلْزِمُ غَيْرَهُمْ حَتَّى لَوْ كَانَ بِإِذْنِ مَلِكِهِمْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ لِأَنَّهُ بِاتِّفَاقِهِمْ مَعْنًى .

( بَابُ الْمُوَادَعَةِ وَمَنْ يَجُوزُ أَمَانُهُ ) الْمُوَادَعَةُ الْمُسَالَمَةُ ، وَهُوَ جِهَادٌ مَعْنًى لَا صُورَةً ، فَأَخَّرَهُ عَنْ الْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى ، وَمَا قِيلَ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْجِهَادَ ، وَتَرْكُ الشَّيْءِ يَقْتَضِي سَبْقَ وُجُودِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ يَتَحَقَّقُ تَرْكُ الزِّنَا وَسَائِرُ الْمَعَاصِي مِمَّنْ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ أَصْلًا ، وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ ، وَكَيْفَ وَهُوَ مُكَلَّفٌ بِتَرْكِهَا فِي جَمِيعِ عُمُرِهِ ، وَإِلَّا كَانَ تَكْلِيفًا بِالْمُحَالِ ( قَوْلُهُ وَإِذَا رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُصَالِحَ أَهْلَ الْحَرْبِ أَوْ فَرِيقًا مِنْهُمْ ) بِمَالٍ وَبِلَا مَالٍ ( وَكَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } ) وَالْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً لَكِنَّ إجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَقْيِيدِهَا بِرُؤْيَةِ مَصْلَحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ بِآيَةٍ أُخْرَى هِيَ قَوْله تَعَالَى { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمُوَادَعَةِ مَصْلَحَةٌ فَلَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ .
وَفِي السَّلْمِ كَسْرُ السِّينِ وَفَتْحُهَا مَعَ سُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَأَلْقَوْا إلَيْكُمْ السَّلَمَ } وَمُقْتَضَى الْأُصُولِ أَنَّهَا إمَّا مَنْسُوخَةٌ إنْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ بَعْدَهَا : أَيْ نَسْخَ الْإِطْلَاقِ وَتَقْيِيدَهُ بِحَالَةِ الْمَصْلَحَةِ ، أَوْ الْمُعَارَضَةِ فِي حَالَةِ عَدَمِ وُجُودِ الْمَصْلَحَةِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ ثُمَّ تَرَجَّحَ مُقْتَضَى الْمَنْعِ .
أَعْنِي آيَةَ { وَلَا تَهِنُوا } كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي تَقْدِيمِ الْمُحَرَّمِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ مُوَادَعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرَ سِنِينَ } فَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُ الشَّارِحِينَ بِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَغَازِي أَنَّهَا سَنَتَانِ ، كَذَا ذَكَرَهُ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ أَنَّ أَهْلَ النَّقْلِ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، فَوَقَعَ فِي سِيرَةِ مُوسَى بْنِ

عُقْبَةَ أَنَّهَا كَانَتْ سَنَتَيْنِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مُرْسَلًا ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَوْلُهُمَا سَنَتَيْنِ يُرِيدَانِ بَقَاءَهُ سَنَتَيْنِ إلَى أَنْ نَقَضَ الْمُشْرِكُونَ عَهْدَهُمْ وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ لِفَتْحِ مَكَّةَ ، وَأَمَّا الْمُدَّةُ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا عَقْدُ الصُّلْحِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ ا هـ .
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي سِيرَتِهِ وَسِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُمْ اصْطَلَحُوا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ ، وَعَلَى أَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً وَأَنَّهُ لَا إسْلَالَ وَلَا إغْلَالَ .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُسْنَدِهِ مُطَوَّلًا بِقِصَّةِ الْفَتْحِ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ فَسَاقَهُ إلَى أَنْ قَالَ : عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ ، يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ .
وَكَذَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرٍو ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْحُدَيْبِيَةِ إلَى أَنْ قَالَ : عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ إلَخْ .
وَالْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَجْهٌ حَسَنٌ بِهِ تَنْتَفِي الْمُعَارَضَةُ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ فَإِنَّ الْكُلَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْفَتْحِ كَانَ نَقْضَ قُرَيْشٍ الْعَهْدَ حَيْثُ أَعَانُوا عَلَى خُزَاعَةَ وَكَانُوا دَخَلُوا فِي حِلْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الصُّلْحِ فَوَقَعَ الْخِلَافُ ظَاهِرًا بِأَنَّ مُرَادَ مَنْ قَالَ سَنَتَيْنِ أَنَّ بَقَاءَهُ سَنَتَانِ ، وَمَنْ قَالَ عَشْرًا قَالَ إنَّهُ عَقَدَهُ عَشَرًا كَمَا

رَوَاهُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ ( قَوْلُهُ وَلَا يَقْتَصِرُ الْحُكْمُ ) وَهُوَ جَوَازُ الْمُوَادَعَةِ ( عَلَى الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ ) وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ ( لِتَعَدِّي الْمَعْنَى ) الَّذِي بِهِ عَلَّلَ جَوَازَهَا ، وَهُوَ حَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ ثُبُوتُ مَصْلَحَتِهِمْ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِأَكْثَرَ ( بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ ) الْمُوَادَعَةُ أَوْ الْمُدَّةُ الْمُسَمَّاةُ ( خَيْرًا ) لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ( لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى ) وَمَا أُبِيحَ إلَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جِهَادٌ ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَإِلَّا فَهُوَ تَرْكٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ مَنْعِهِ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ .
وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ مُسْتَظْهَرٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَقَدْ كَانَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ مَصَالِحَ عَظِيمَةً ، فَإِنَّ النَّاسَ لَمَّا تَقَارَبُوا انْكَشَفَ مَحَاسِنُ الْإِسْلَامِ لِلَّذِينَ كَانُوا مُتَبَاعِدِينَ لَا يَعْقِلُونَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا قَارَبُوهُمْ وَتَخَالَطُوا بِهِمْ قَوْلُهُ وَإِنْ صَالَحَهُمْ مُدَّةً ثُمَّ رَأَى أَنَّ نَقْضَ الصُّلْحِ أَنْفَعُ نَبَذَ إلَيْهِمْ ) أَيْ أَلْقَى إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ وَذَلِكَ بِأَنْ يُعْلِمَهُمْ أَنَّهُ رَجَعَ عَمَّا كَانَ وَقَعَ ، قَالَ تَعَالَى { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ } أَيْ عَلَى سَوَاءٍ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ فِي الْعِلْمِ بِذَلِكَ ، لَكِنْ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِخَوْفِ الْخِيَانَةِ ، وَهُوَ مِثْلُ { إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } فِي الْكِتَابَةِ ، وَلَعَلَّ خَوْفَ الْخِيَانَةِ لَازِمٌ لِلْعِلْمِ بِكُفْرِهِمْ وَكَوْنِهِمْ حَرْبًا عَلَيْنَا .
وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِخُطُورِ الْخَوْفِ ؛ لِأَنَّ الْمُهَادَنَةَ فِي الْأَوَّلِ مَا صَحَّتْ إلَّا لِأَنَّهَا أَنْفَعُ فَلَمَّا تَبَدَّلَ الْحَالُ عَادَ إلَى الْمَنْعِ ( وَلَا بُدَّ مِنْ النَّبْذِ تَحَرُّزًا عَنْ الْغَدْرِ ) وَهُوَ مُحَرَّمٌ

بِالْعُمُومَاتِ نَحْوَ مَا صَحَّ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ { أَرْبَعُ خِصَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا : مَنْ إذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ } وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ { : كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ وَكَانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلَادِهِمْ حَتَّى إذَا انْقَضَى الْعَهْدُ غَزَاهُمْ فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ ، فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلْيَشُدَّ عَقْدَهُ وَلَا يَحِلَّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُّهَا أَوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ } ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ .
وَأَمَّا مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ } فَلَمْ يُعْرَفْ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ إلَّا مِنْ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ هَذَا .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ { بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَذَ الْمُوَادَعَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ } فَالْأَلْيَقُ أَنْ يُجْعَلَ دَلِيلًا فِيمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ ( وَإِنْ بَدَءُوا بِخِيَانَةٍ قَاتَلَهُمْ وَلَمْ يَنْبِذْ إلَيْهِمْ إذَا كَانَ بِاتِّفَاقِهِمْ لِأَنَّهُمْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى نَقْضِهِ ) وَكَذَا إذَا دَخَلَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَانِيَةً يَكُونُ نَقْضًا فِي حَقِّهِمْ خَاصَّةً فَيُقْتَلُونَ وَيَسْتَرِقُّونَهُمْ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ الذَّرَارِيّ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ مَلِكِهِمْ فَيَكُونَ نَقْضًا فِي حَقِّ الْكُلِّ ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ مَنَعَةٌ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لَا فِي حَقِّهِمْ ، وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ .
وَإِنَّمَا

قُلْنَا هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدَأْ أَهْلُ مَكَّةَ بَلْ هُمْ بَدَءُوا بِالْغَدْرِ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَقَاتَلَهُمْ وَلَمْ يَنْبِذْ إلَيْهِمْ بَلْ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعْمِيَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَبْغَتَهُمْ ، هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ لِجَمِيعِ أَصْحَابِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي .
وَمَنْ تَلَقَّى الْقِصَّةَ وَرَوَاهَا كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَا : { كَانَ فِي صُلْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَنْ شَاءَ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَهْدِهِ دَخَلَ ، فَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ ، فَمَكَثُوا فِي الْهُدْنَةِ نَحْوَ السَّبْعَةِ أَوْ الثَّمَانِيَةِ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ إنَّ بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَثَبُوا عَلَى خُزَاعَةَ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا بِمَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ الْوَتِيرُ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ ، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ هَذَا لَيْلٌ وَلَا يَعْلَمُ بِنَا مُحَمَّدٌ وَلَا يَرَانَا أَحَدٌ ، فَأَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَقَاتَلُوا خُزَاعَةَ مَعَهُمْ ، وَرَكِبَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ يُخْبِرُهُ الْخَبَرَ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَنْشَدَهُ : لَاهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا حِلْفُ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا إنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوك الْمَوْعِدَا وَنَقَضُوا مِيثَاقَك الْمُؤَكَّدَا هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا فَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا فَانْصُرْ رَسُولَ اللَّهِ نَصْرًا عُتَّدَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نُصِرْت يَا عَمْرَو بْنَ سَالِمٍ ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ فَتَجَهَّزُوا وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُعْمَى عَلَى قُرَيْشٍ خَبَرُهُمْ حَتَّى يَبْغَتَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ } .
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ نَحْوَ هَذَا { وَأَنَّ أَبَا

بَكْرٍ قَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ يَكُنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُمْ مُدَّةٌ ، قَالَ : أَلَمْ يَبْلُغْك مَا صَنَعُوا بِبَنِي كَعْبٍ ؟ } وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مُرْسَلًا عَنْ عُرْوَةَ ، وَرَوَاهُ مُرْسَلًا عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرِينَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي ، وَفِيهِ { فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مُدَّةٌ ؟ فَقَالَ : إنَّهُمْ غَدَرُوا وَنَقَضُوا الْعَهْدَ فَأَنَا غَارٍ بِهِمْ } فِي النَّبْذِ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ إعْلَامِهِمْ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَمَكَّنُ مَلِكُهُمْ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالنَّبْذِ مِنْ إنْفَاذِ الْخَبَرِ إلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَتِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغِيرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بِلَادِهِمْ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ

( وَإِذَا رَأَى الْإِمَامُ مُوَادَعَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَنْ يَأْخُذَ عَلَى ذَلِكَ مَالًا فَلَا بَأْسَ بِهِ ) لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ الْمُوَادَعَةُ بِغَيْرِ الْمَالِ فَكَذَا بِالْمَالِ ، لَكِنْ هَذَا إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ ، أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ لَا يَجُوزُ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْ الْمَالِ يُصْرَفُ مَصَارِفَ الْجِزْيَةِ ، هَذَا إذَا لَمْ يَنْزِلُوا بِسَاحَتِهِمْ بَلْ أَرْسَلُوا رَسُولًا ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجِزْيَةِ ، أَمَّا إذَا أَحَاطَ الْجَيْشُ بِهِمْ ثُمَّ أَخَذُوا الْمَالَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ يُخَمِّسُهَا وَيُقَسِّمُ الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالْقَهْرِ مَعْنًى ( وَأَمَّا الْمُرْتَدُّونَ فَيُوَادِعُهُمْ الْإِمَامُ حَتَّى يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمْ ) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَرْجُوٌّ مِنْهُمْ فَجَازَ تَأْخِيرُ قِتَالِهِمْ طَمَعًا فِي إسْلَامِهِمْ ( وَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ مَالًا ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ لِمَا نُبَيِّنُ ( وَلَوْ أَخَذَهُ لَمْ يَرُدَّهُ ) لِأَنَّهُ مَالٌ غَيْرُ مَعْصُومٍ .

( قَوْلُهُ وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ مُوَادَعَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَنْ يَأْخُذَ ) الْمُسْلِمُونَ ( عَلَى ذَلِكَ مَالًا جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بِلَا مَالٍ فَبِالْمَالِ وَهُوَ أَكْثَرُ نَفْعًا أَوْلَى ، إلَّا أَنَّ هَذَا إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ ، أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ فَلَا يُوَادِعُهُمْ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ ) يَعْنِي قَوْلَهُ : لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى .
قَالَ شَارِحٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْأَجْرَ : يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ الْجُعْلِ قَبْلَ بَابِ كَيْفِيَّةِ الْقِتَالِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُوَادَعَةَ تَجُوزُ وَأَخْذُ مَالِهِمْ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ مَالُ الْمُسْلِمِينَ كَثِيرًا غَيْرَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُتَأَهِّبِينَ لِلْحَرْبِ لِقِلَّةِ الْعَدَدِ الْحَاضِرِ لِتَفَرُّقِ الْمُقَاتِلَةِ فِي الْبِلَادِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جِهَادٌ ، وَفِي أَخْذِ مَالِهِمْ كَسْرٌ لِشَوْكَتِهِمْ وَتَقْلِيلٌ لِمَادَّتِهِمْ فَأَخْذُهُ لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ الْجِهَادِ لَا الْأُجْرَةِ عَلَى التَّرْكِ وَبِاعْتِبَارِهِ ، ثُمَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْمَالِ يُصْرَفُ مَصَارِفَ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ إنْ كَانَ قَبْلَ النُّزُولِ بِسَاحَتِهِمْ بَلْ بِرَسُولٍ ، أَمَّا إذَا نَزَلْنَا بِهِمْ فَهُوَ غَنِيمَةٌ يُخَمِّسُهَا وَيُقَسِّمُ الْبَاقِيَ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْهُمْ قَهْرًا مَعْنًى .
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّونَ فَلَا بَأْسَ بِمُوَادَعَتِهِمْ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ إذَا غَلَبُوا عَلَى بَلْدَةٍ وَصَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ الْحَرْبِ وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَقْرِيرَ الْمُرْتَدِّ عَلَى الرِّدَّةِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَلِهَذَا قَيَّدَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِمَا ذَكَرْنَا ، قَالَ : يَدُلُّ عَلَيْهِ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِي مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيُّ بِقَوْلِهِ غَلَبَ الْمُرْتَدُّونَ عَلَى دَارٍ مِنْ دُورِ الْإِسْلَامِ فَلَا بَأْسَ بِمُوَادَعَتِهِمْ عِنْدَ الْخَوْفِ ، فَلَوْ وَادَعَهُمْ عَلَى الْمَالِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجِزْيَةِ وَلَا تُقْبَلُ مِنْ الْمُرْتَدِّ جِزْيَةٌ .
وَقَوْلُهُ ( لِمَا

نُبَيِّنُ ) يَعْنِي فِي بَابِ الْجِزْيَةِ ( وَ ) مَعَ هَذَا ( لَوْ أَخَذَهُ لَا يَرُدَّهُ ) عَلَيْهِمْ لِأَنَّ مَالَهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ إذَا ظَهَرُوا ، بِخِلَافِ مَا إذَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ حَيْثُ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ بَعْدَمَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فَيْئًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ حَالَ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُمْ

وَلَوْ حَاصَرَ الْعَدُوُّ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ عَلَى مَالٍ يَدْفَعُهُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ لَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ وَإِلْحَاقِ الْمَذَلَّةِ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ إلَّا إذَا خَافَ الْهَلَاكَ ، لِأَنَّ دَفْعَ الْهَلَاكِ وَاجِبٌ بِأَيِّ طَرِيقٍ يُمْكِنُ

( قَوْلُهُ وَلَوْ حَاصَرَ الْعَدُوُّ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ عَلَى مَالٍ يَدْفَعُهُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ لَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ ) أَيْ النَّقِيصَةِ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ مُتَجَانِفًا عَنْ الصُّلْحِ : أَلَيْسَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : بَلَى ، قَالَ : أَوْ لَسْنَا بِالْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : أَوْ لَيْسُوا بِالْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : الْزَمْ غَرْزَهُ ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيَرِ .
وَفِي الْحَدِيثِ { لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ فَالْعِزَّةُ خَاصِّيَّةُ الْإِيمَانِ } قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } ( إلَّا إذَا خَافَ ) الْإِمَامُ ( الْهَلَاكَ ) عَلَى نَفْسِهِ وَالْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ الْبَلَاءُ فِي وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ أَرْسَلَ إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيِّ وَالْحَرْثِ بْنِ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيِّ وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ وَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا الصُّلْحُ حَتَّى كَتَبُوا الْكِتَابَ وَلَمْ تَقَعْ الشَّهَادَةُ وَلَا عَزِيمَةُ الصُّلْحِ ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْعَلَ بَعَثَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَذَكَرَ لَهُمَا ذَلِكَ وَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ ، فَقَالَا لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرًا تُحِبُّهُ فَتَصْنَعَهُ أَمْ شَيْئًا أَمَرَك اللَّهُ بِهِ لَا بُدَّ لَنَا مِنْ الْعَمَلِ بِهِ أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا ؟ قَالَ : بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ ، وَاَللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إلَّا لِأَنِّي رَأَيْت

الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَأَرَدْت أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ إلَى أَمْرٍ مَا ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشِّرْكِ بِاَللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ لَا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا نَعْرِفُهُ وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنَّا تَمْرَةً إلَّا قِرًى أَوْ بَيْعًا ، أَفَحَيْنَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزَّنَا بِك وَبِهِ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا ؟ مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ ، وَاَللَّهِ مَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَنْتَ وَذَاكَ ، فَتَنَاوَلَ سَعْدٌ الصَّحِيفَةَ فَمَحَا مَا فِيهَا مِنْ الْكِتَابَةِ ، ثُمَّ قَالَ : لِيُجْهِدُوا عَلَيْنَا } .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي بِهِ عَاصِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ وَمَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ .
وَعَلَّلَ الْمُصَنِّفُ هَذَا بِقَوْلِهِ ( لِأَنَّ دَفَعَ الْهَلَاكِ وَاجِبٌ بِأَيِّ طَرِيقٍ يُمْكِنُ ) وَهُوَ تَسَاهُلٌ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ دَفْعُ الْهَلَاكِ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَلَا بِقَتْلِ غَيْرِهِ لَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ نَفْسِهِ بَلْ يَصْبِرُ لِلْقَتْلِ وَلَا يَقْتُلُ غَيْرَهُ ؛ وَلَوْ شَرَطُوا فِي الصُّلْحِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا مِنْهُمْ بَطَلَ الشَّرْطُ فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ فَلَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ مُسْلِمًا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ { لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ عَمْرِو بْنِ سُهَيْلٍ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ فَرَدَّهُ ، فَصَارَ يُنَادِي يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَأُرَدُّ إلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونِي عَنْ دِينِي ؟ فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : اصْبِرْ أَبَا جَنْدَلٍ وَاحْتَسِبْ فَإِنَّ اللَّهَ

جَاعِلٌ لَك وَلِمَنْ مَعَك مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا ، وَكَذَا رَدَّ أَبَا بَصِيرٍ } وَأَمَّا لَوْ شُرِطَ مِثْلُهُ فِي النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ رَدُّهُنَّ وَلَا شَكَّ فِي انْفِسَاخِ نِكَاحِهَا ، فَلَوْ طَلَبَ زَوْجُهَا الْحَرْبِيُّ الْمَهْرَ هَلْ يُعْطَاهُ ؟ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ : فِي قَوْلٍ لَا يُعْطَاهُ وَهُوَ قَوْلُنَا ، وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ ، وَفِي قَوْلٍ يُعْطَاهُ ، قَالَ تَعَالَى { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ } وَهَذَا هُوَ دَلِيلُ النَّسْخِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ أَيْضًا ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فِي ذَلِكَ ، بَلْ مَفْسَدَةُ رَدِّ الْمُسْلِمِ إلَيْهِمْ أَكْثَرُ ، وَحِينَ شُرِعَ ذَلِكَ كَانَ فِي قَوْمٍ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ لَا يُبَالِغُونَ فِي تَعْذِيبِهِ ، فَإِنَّ كُلَّ قَبِيلَةٍ لَا تَتَعَرَّضُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى إنَّمَا يَتَوَلَّى رَدْعَهُ عَشِيرَتَهُ ، وَهُمْ لَا يَبْلُغُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ الْقَيْدِ وَالسَّبِّ وَالْإِهَانَةِ ، وَلَقَدْ كَانَ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِثْلِ أَبِي بَصِيرٍ وَأَبِي جَنْدَلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سُهَيْلٍ إلَى نَحْوِ سَبْعِينَ لَمْ يَبْلُغُوا فِيهِمْ النِّكَايَةَ لِعَشَائِرِهِمْ وَالْأَمْرُ الْآنَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ

( وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ السِّلَاحُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا يُجَهَّزُ إلَيْهِمْ ) لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَحَمْلِهِ إلَيْهِمْ ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَقْوِيَتَهُمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَا الْكُرَاعُ لِمَا بَيَّنَّا ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيدُ لِأَنَّهُ أَصْلُ السِّلَاحِ ، وَكَذَا بَعْدَ الْمُوَادَعَةِ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى شَرَفِ النَّقْضِ أَوْ الِانْقِضَاءِ فَكَانُوا حَرْبًا عَلَيْنَا ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي الطَّعَامِ وَالثَّوْبِ ، إلَّا أَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ { فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمْرَ ثُمَامَةَ أَنْ يَمِيرَ أَهْلَ مَكَّةَ وَهُمْ حَرْبٌ عَلَيْهِ } .

( قَوْلُهُ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ السِّلَاحُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ) إذَا حَضَرُوا مُسْتَأْمَنِينَ ( وَلَا يُجَهَّزُ إلَيْهِمْ ) مَعَ التُّجَّارِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ { لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَحَمَلَهُ إلَيْهِمْ } وَالْمَعْرُوفُ مَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ وَمُسْنَدِ الْبَزَّارِ وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ بَحْرِ بْنِ كُنَيْزٍ السَّقَّاءِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ اللَّقِيطِيِّ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ } .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ .
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ الْقَرْقَسَانِيِّ ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : وَهُوَ عِنْدِي لَا بَأْسَ بِهِ ، وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ ذَلِكَ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَلِأَنَّ فِيهِ ) أَيْ فِي نَقْلِ السِّلَاحِ وَتَجْهِيزِهِ إلَيْهِمْ ( تَقْوِيَتَهُمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَا الْكُرَاعِ ) أَيْ الْخَيْلِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْمُوَادَعَةِ وَبَيْنَ مَا بَعْدَهَا ( لِأَنَّهَا عَلَى شَرَفِ الِانْقِضَاءِ أَوْ النَّقْضِ ) قَالَ ( وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الطَّعَامِ ) أَيْ الْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ حَمْلِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ بِهِ يَحْصُلُ التَّقْوَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالْمَقْصُودُ إضْعَافُهُمْ ( إلَّا أَنَّا عَرَفْنَاهُ ) أَيْ نَقْلَ الطَّعَامِ إلَيْهِمْ ( بِالنَّصِّ ) يَعْنِي حَدِيثَ ثُمَامَةَ ، وَحَدِيثَ إسْلَامِهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَذَكَرَ قِصَّةَ إسْلَامِ ثُمَامَةَ ، وَفِي آخِرِهِ قَوْلُهُ لِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ قَالُوا لَهُ أَصَبَوْت ؟ { فَقَالَ : إنِّي وَاَللَّهِ مَا صَبَوْت وَلَكِنِّي أَسْلَمْت وَصَدَّقْت مُحَمَّدًا وَآمَنْت بِهِ ، وَاَيْمُ الَّذِي نَفْسُ ثُمَامَةَ بِيَدِهِ لَا تَأْتِيكُمْ حَبَّةٌ مِنْ الْيَمَامَةِ وَكَانَتْ رِيفُ مَكَّةَ مَا بَقِيَتْ

حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْصَرَفَ إلَى بَلَدِهِ وَمَنَعَ الْحَمْلَ إلَى مَكَّةَ حَتَّى جَهَدَتْ قُرَيْشٌ ، فَكَتَبُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ بِأَرْحَامِهِمْ أَنْ يَكْتُبَ إلَى ثُمَامَةَ يَحْمِلَ إلَيْهِمْ الطَّعَامَ ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي آخَرِ السِّيرَةِ ، { وَذَكَرَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ صَبَأْت ؟ فَقَالَ لَا ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْت خَيْرَ الدِّينِ دِينِ مُحَمَّدٍ ، وَاَللَّهِ لَا تَصِلُ إلَيْكُمْ حَبَّةٌ مِنْ الْيَمَامَةِ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إلَى أَنْ قَالَ : فَكَتَبُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّك تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّك قَدْ قَطَعْت أَرْحَامَنَا ، فَكَتَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَيْهِ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَمْلِ } .
وَأَمَّا بَيْعُ الْحَدِيدِ فَمَنَعَهُ الْمُصَنِّفُ ( لِأَنَّهُ أَصْلُ السِّلَاحِ ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ نَصَّ عَلَى تَسْوِيَةِ الْحَدِيدِ وَالسِّلَاحِ .
وَذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ حَيْثُ قَالَ : وَهَذَا فِي السِّلَاحِ ، وَأَمَّا فِيمَا لَا يُقَاتَلُ بِهِ إلَّا بِصَنْعَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا كَرِهْنَا بَيْعَ الْمَزَامِيرَ وَأَبْطَلْنَا بَيْعَ الْخَمْرَ وَلَمْ نَرَ بِبَيْعِ الْعِنَبِ بَأْسًا وَلَا بِبَيْعِ الْخَشَبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِهِ : وَلَيْسَ هَذَا كَمَا قَالُوا فِي بَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَجْعَلُهُ خَمْرًا ؛ لِأَنَّ الْعَصِيرَ لَيْسَ بِآلَةِ الْمَعْصِيَةِ بَلْ يَصِيرُ آلَةً لَهَا بَعْدَ مَا يَصِيرُ خَمْرًا ، وَأَمَّا هُنَا فَالسِّلَاحُ آلَةُ الْفِتْنَةِ فِي الْحَالِ ، وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ مِمَّنْ يُعْرَفُ بِالْفِتْنَةِ ، قِيلَ بِإِشَارَةِ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ بَيْعَ الْحَدِيدِ مِنْهُمْ لَا يُكْرَهُ .

[ فُرُوعٌ مِنْ الْمَبْسُوطِ ] طَلَبَ مَلِكٌ مِنْهُمْ الذِّمَّةَ عَلَى أَنْ يُتْرَكَ أَنْ يَحْكُمَ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ مَا شَاءَ مِنْ قَتْلٍ وَظُلْمٍ لَا يَصْلُحُ فِي الْإِسْلَامِ لَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ التَّقْرِيرَ عَلَى الظُّلْمِ مَعَ قُدْرَةِ الْمَنْعِ مِنْهُ حَرَامٌ ، وَلِأَنَّ الذِّمِّيَّ مَنْ يَلْتَزِمُ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ فَشَرْطُ خِلَافِهِ بَاطِلٌ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ فِيهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ هُمْ عَبِيدُهُ يَبِيعُ مِنْهُمْ مَا شَاءَ فَصَالَحَ وَصَارَ ذِمَّةً فَهُمْ عَبِيدٌ لَهُ كَمَا كَانُوا يَبِيعُونَهُ إنْ شَاءَ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي الْأَحْرَارِ ، وَلَوْ أَسْلَمَ كَانُوا عَبِيدَهُ ، فَكَذَا إذَا صَارَ ذِمِّيًّا ، وَهَذَا لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهُمْ بِيَدِهِ الْقَاهِرَةِ وَقَدْ ازْدَادَتْ وَكَادَةً بِعَقْدِ الذِّمَّةِ فَإِنْ ظَفَرَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ فَاسْتَنْقَذَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَهُمْ عَلَى هَذَا الْمَلِكِ بِغَيْرِ شَيْءٍ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَسَائِرِ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَهَذَا لِأَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامَ بِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَمَا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ الْمَلِكُ وَأَهْلُ أَرْضِهِ أَوْ أَسْلَمُوا هُمْ دُونَهُ هُمْ عَبِيدُهُ وَلَوْ وَادَعُوا عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا كُلَّ سَنَةٍ شَيْئًا مَعْلُومًا وَعَلَى أَنْ لَا يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ فِي بِلَادِهِمْ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ بِهَذِهِ الْمُوَادَعَةُ لَا يَلْتَزِمُونَ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ حَرْبٍ ، وَتَرَكَ الْقِتَالِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ إنْ كَانَ بَعْدَ مَا أَحَاطَ بِهِمْ الْجَيْشُ أَوْ قَبْلَهُ بِرَسُولٍ تَقَدَّمَ حُكْمُ هَذَا الْمَالِ ، وَلَوْ صَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ

وَأَوْلَادِهِمْ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ هَذَا الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ فَكَانُوا كُلُّهُمْ مُسْتَأْمَنِينَ وَاسْتِرْقَاقُ الْمُسْتَأْمَنِ لَا يَجُوزُ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَوْ بَاعَ ابْنَهُ بَعْدَ هَذَا الصُّلْحِ لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَمْلِيكُ شَيْءٍ مِنْ نُفُوسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ بِحُكْمِ تِلْكَ الْمُوَادَعَةِ ؛ لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ تَأَكَّدَتْ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ صَالَحُوهُمْ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ بِأَعْيَانِهِمْ أَوَّلَ السُّنَّةِ وَقَالُوا أَمِّنُونَا عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ لَكُمْ وَنُصَالِحُكُمْ ثَلَاثَ سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِنَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الْمُعَيَّنِينَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى لَا تَتَنَاوَلُهُمْ الْمُوَادَعَةُ وَمِنْهَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ ، فَإِذَا جَعَلُوهُمْ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمُوَادَعَةِ بِجَعْلِهِمْ إيَّاهُمْ عِوَضًا لِلْمُسْلِمِينَ صَارُوا مَمَالِيكَ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُوَادَعَةِ ، وَالْمَشْرُوطُ فِي السِّنِينَ الْكَائِنَةِ بَعْدَ الْمُوَادَعَةِ أَرِقَّاءُ فَجَازَ .

وَلَوْ سَرَقَ مُسْلِمٌ مَالَهُمْ بَعْدَ الْمُوَادَعَةِ لَا يَحِلُّ شِرَاؤُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِ لَا يُمْلَكُ بِالسَّرِقَةِ لِأَنَّهُ غَدْرٌ فَلَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ مِنْهُ .

وَلَوْ أَغَارَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَهْلِ الصُّلْحِ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُمْ مَا أَخَذُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ كَمَالِ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلَا بِالثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُمْ بِالْمُوَادَعَةِ مَا خَرَجُوا عَنْ كَوْنِهِمْ أَهْلَ حَرْبٍ ؛ إذْ لَمْ يَنْقَادُوا إلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِمْ ، وَلَوْ دَخَلَ بَعْضُهُمْ دَارَ حَرْبٍ أُخْرَى فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ لِأَنَّهُ فِي أَمَانِ الْمُسْلِمِينَ .

( فَصْلٌ ) ( إذَا أَمَّنَ رَجُلٌ حُرٌّ أَوْ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ كَافِرًا أَوْ جَمَاعَةً أَوْ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ صَحَّ أَمَانُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ } أَيْ أَقَلُّهُمْ وَهُوَ الْوَاحِدُ وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ فَيَخَافُونَهُ إذْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَنَعَةِ فَيَتَحَقَّقُ الْأَمَانُ مِنْهُ لِمُلَاقَاتِهِ مَحَلَّهُ ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ سَبَبَهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ الْإِيمَانُ ، وَكَذَا الْأَمَانُ لَا يَتَجَزَّأُ فَيَتَكَامَلُ كَوِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ .
قَالَ ( إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ .
فَيَنْبِذُ إلَيْهِمْ ) كَمَا إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي النَّبْذِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَلَوْ حَاصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا وَأَمِنَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَيْشِ وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ يَنْبِذُ الْإِمَامُ لِمَا بَيَّنَّا ، وَيُؤَدِّبُهُ الْإِمَامُ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى رَأْيِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَفُوتُ الْمَصْلَحَةُ بِالتَّأْخِيرِ فَكَانَ مَعْذُورًا ( وَلَا يَجُوزُ أَمَانُ ذِمِّيٍّ ) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِهِمْ ، وَكَذَا لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .
قَالَ ( وَلَا أَسِيرٍ وَلَا تَاجِرٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ ) لِأَنَّهُمَا مَقْهُورَانِ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ فَلَا يَخَافُونَهُمَا وَالْأَمَانُ يَخْتَصُّ بِمَحَلِّ الْخَوْفِ وَلِأَنَّهُمَا يُجْبَرَانِ عَلَيْهِ فِيهِ فَيَعْرَى الْأَمَانُ عَنْ الْمَصْلَحَةِ ، وَلِأَنَّهُمْ كُلَّمَا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ يَجِدُونَ أَسِيرًا أَوْ تَاجِرًا فَيَتَخَلَّصُونَ بِأَمَانِهِ فَلَا يَنْفَتِحُ لَنَا بَابُ الْفَتْحِ .

( فَصْلٌ فِي الْأَمَانِ ) وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْمُوَادَعَةِ فِي التَّحْقِيقِ ( قَوْلُهُ إذَا أَمِنَ رَجُلٌ حُرٌّ أَوْ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ كَافِرًا أَوْ جَمَاعَةً أَوْ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ صَحَّ أَمَانُهُمْ ) عَلَى إسْنَادِ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ ( وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ } ) أَيْ لَا تَزِيدُ دِيَةُ الشَّرِيفِ عَلَى دِيَةِ الْوَضِيعِ { وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ } أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ } وَمَعْنَى يُرَدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ : أَيْ يُرَدُّ الْأَبْعَدُ مِنْهُمْ التَّبَعَةَ عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَسْكَرَ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَاقْتَطَعَ الْإِمَامُ مِنْهُمْ سَرَايَا وَوَجَّهَهَا لِلْإِغَارَةِ فَمَا غَنِمَتْهُ جُعِلَ لَهَا مَا سَمَّى وَيَرُدُّ مَا بَقِيَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ ؛ لِأَنَّ بِهِمْ قَدَرَتْ السَّرَايَا عَلَى التَّوَغُّلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَخْذِ الْمَالِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَهُمْ يَدٌ إلَخْ : أَيْ كَأَنَّهُمْ آلَةٌ وَاحِدَةٌ مَعَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْمِلَلِ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ بِاعْتِبَارِ تَعَاوُنِهِمْ عَلَيْهِمْ ، لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ } الْحَدِيثَ .
فَفَسَّرَ الرَّدَّ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ بِالْإِجَارَةِ ، فَالْمَعْنَى يُرَدُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَكُونَ كُلُّهُمْ مُجِيرًا .
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَحَلُّ الدِّيَةِ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا كَتَبْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا الْقُرْآنَ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ

، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْمَدِينَةُ حَرَمٌ ، فَمَنْ أَحَدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا } وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ نَحْوَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَنْ قَالَ إنَّ الشَّيْخَ عَلَاءَ الدِّينِ وَهَمَ إذْ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مِنْ جِهَةِ أَبِي دَاوُد .
وَالْوَاقِعُ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ أَخْرَجَاهُ غَلَطٌ ، فَإِنَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ لَيْسَ فِيهِ { تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ } وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُخَرِّجَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ لَا مَا هُوَ مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْ الْحَدِيثِ فَقَطْ ، وَفَسَّرَ الْمُصَنِّفُ أَدْنَاهُمْ بِأَقَلِّهِمْ فِي الْعَدَدِ ( وَهُوَ الْوَاحِدُ ) احْتِرَازًا عَنْ تَفْسِيرِ مُحَمَّدٍ مِنْ الدَّنَاءَةِ لِيَدْخُلَ الْعَبْدُ كَمَا سَيَأْتِي وَلَيْسَ بِلَازِمٍ ، إذْ هُوَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَيْضًا فِيهِ دَلِيلٌ لِمُحَمَّدٍ وَهُوَ إطْلَاقُ الْأَدْنَى بِمَعْنَى الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي أَمَانِ الْمَرْأَةِ أَحَادِيثُ : مِنْهَا حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانُ ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت وَأَمِنَّا مَنْ أَمِنْت } وَرَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { ذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي

مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَرَادَ هَذَا أَنْ يَقْتُلَهُمَا ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : مَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ } الْحَدِيثَ .
وَكَانَ الَّذِي أَجَارَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ كِلَاهُمَا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ .
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَيَجُوزُ .
وَتَرْجَمَ التِّرْمِذِيُّ بَابَ أَمَانِ الْمَرْأَةِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ الْمَرْأَةَ لَتَأْخُذُ لِلْقَوْمِ } يَعْنِي تُجِيرُ الْقَوْمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .
وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَقَالَ فِي عِلَلِهِ الْكُبْرَى : سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَكَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ فِي السَّنَدِ سَمِعَ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ رَبَاحٍ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
وَمِنْهَا حَدِيثُ إجَارَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا الْعَاصِ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { أَلَا وَإِنَّهُ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ } رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِطُولِهِ .
قَالَ الْمُصَنَّفُ ( وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ) أَيْ الْوَاحِدِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَإِنَّهَا مِنْ أَهْلِهِ بِالتَّسَبُّبِ بِمَالِهَا وَعَبِيدِهَا فَيَخَافُ مِنْهُ ( فَيَتَحَقَّقُ الْأَمَانُ مِنْهُ لِمُلَاقَاتِهِ مَحَلَّهُ ) أَيْ مَحَلَّ الْأَمَانِ وَهُوَ الْكَافِرُ الْخَائِفُ ، وَإِذَا صَدَرَ التَّصَرُّفُ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ نَفَذَ ( ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ ) أَيْ غَيْرِ الْمُجِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلِأَنَّ سَبَبَهُ لَا يَتَجَزَّأُ إلَخْ فَيَصْلُحُ تَعْلِيلًا بِلَا وَاوٍ لِلتَّعَدِّي ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى لَا يَزِيدُ عَلَى

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78